← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

قد جعل مَكَان أَدَاء الْإِنْسَان أَدَاء الله عَنهُ، وَمَكَان إِتْلَافه إِتْلَاف الله لَهُ. وَفِيه: الحض على ترك إستئكال أَمْوَال النَّاس، وَالتَّرْغِيب فِي حسن التأدية إِلَيْهِم عِنْد المداينة، لِأَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ. وَفِيه: التَّرْغِيب فِي تَحْسِين النِّيَّة، لِأَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ. وَفِيه: أَن من اشْترى شَيْئا بدين وَتصرف فِيهِ وَأظْهر أَنه قَادر على الْوَفَاء، ثمَّ تبين الْأَمر بِخِلَافِهِ، أَن البيع لَا يرد بل ينْتَظر بِهِ حُلُول الْأَجَل لاقتصاره ﷺ على الدُّعَاء، وَلم يلْزمه برد البيع. قيل: وَفِيه التَّرْغِيب فِي الدّين لمن يَنْوِي الْوَفَاء، وروى ابْن مَاجَه وَالْحَاكِم من رِوَايَة مُحَمَّد بن عَليّ عَن عبد الله بن جَعْفَر أَنه كَانَ يستدين، فَسئلَ، فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: إِن الله مَعَ الدَّائِن حَتَّى يقْضِي دينه، وَإِسْنَاده حسن. وَقَالَ الدَّاودِيّ: وَفِيه: أَن من عَلَيْهِ دين لَا يعْتق وَلَا يتَصَدَّق، وَإِن فعل رد. قلت: الحَدِيث لَا يدل عَلَيْهِ بِوَجْه من وُجُوه الدلالات. ٣ - (بابُ أدَاءِ الدُّيُونِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب أَدَاء الدُّيُون. قَوْله: (الدُّيُون) ، بِلَفْظ الْجمع هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: بَاب أَدَاء الدّين، بِالْإِفْرَادِ. وَقَالَ الله تعَالى: ﴿إنَّ الله يأْمُرُكُمْ أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلاى أهْلِها وإذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بالْعَدْلِ إنَّ الله نَعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إنَّ الله كانَ سَمِيعَاً بَصِيراً﴾ (النِّسَاء: ٨٥) . سَاق الْأصيلِيّ وَغَيره الْآيَة كلهَا، وَأَبُو ذَر اقْتصر على قَوْله: ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا﴾ (النِّسَاء: ٨٥) . وَاخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة، وَأَكْثَرهم على أَنَّهَا نزلت فِي شَأْن عُثْمَان بن طَلْحَة الحَجبي الْعَبدَرِي، سَادِن الْكَعْبَة حِين أَخذ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مِفْتَاح الْكَعْبَة يَوْم الْفَتْح، ذكره إِبْنِ سعد وَغَيره، وَقَالَ مُحَمَّد بن كَعْب وَزيد ابْن أسلم وَشهر بن حَوْشَب: إِنَّهَا نزلت فِي الإمراء، يَعْنِي الْحُكَّام بَين النَّاس. وَفِي الحَدِيث: إِن الله تَعَالَى مَعَ الْحَاكِم مَا لم يَجُرْ، فَإِذا جَاءَ وَكله الله إِلَى نَفسه. وَقيل: نزلت فِي السُّلْطَان يعظ النِّسَاء. وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا﴾ (النِّسَاء ٨٥) . قَالَ: يدْخل فِيهِ وعظ السُّلْطَان النِّسَاء يَوْم الْعِيد، وَقَالَ شُرَيْح، ﵀ لأحد الْخَصْمَيْنِ: أعْط حَقه، فَإِن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا﴾ (النِّسَاء: ٨٥) . قَالَ شُرَيْح: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عسرة فنظرة إِلَى ميسرَة﴾ (الْبَقَرَة: ٠٨٢) . إِنَّمَا هَذَا فِي الرِّبَا خَاصَّة، وربط الْمديَان إِلَى سَارِيَة. وَمذهب الْفُقَهَاء: إِن الْآيَة عَامَّة فِي الرِّبَا وَغَيره، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: الْآيَة عَامَّة، قَالُوا هَذَا يعم جَمِيع الْأَمَانَات الْوَاجِبَة على الْإِنْسَان من حُقُوق الله، ، على عباده من الصَّلَوَات والزكوات وَالْكَفَّارَات وَالنُّذُور وَالصِّيَام وَغير ذَلِك، فَهُوَ مؤتمن عَلَيْهِ، وَلَا يطلع عَلَيْهِ الْعباد، وَمن حُقُوق الْعباد بَعضهم على بعض: كالودائع وَغَيرهَا، مِمَّا يأتمنون فِيهِ بَعضهم على بعض، فَأمر الله تَعَالَى بأدائها، فَمن لم يفعل ذَلِك فِي الدُّنْيَا أَخذ مِنْهُ ذَلِك يَوْم الْقِيَامَة، كَمَا ثَبت فِي الحَدِيث الصَّحِيح: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: لتؤدن الْحُقُوق إِلَى أَهلهَا حَتَّى يقتض للشاة الْجَمَّاء من القرناء، ثمَّ إِن البُخَارِيّ أَدخل الدّين فِي الْأَمَانَة لثُبُوت الْأَمر بِأَدَائِهِ، لِأَن الْأَمَانَة فسرت فِي الْآيَة بالأوامر والنواهي، فَيدْخل فِيهَا جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِالذِّمةِ وَمَا لَا يتَعَلَّق. قَوْله: ﴿أَن تحكموا بِالْعَدْلِ﴾ (النِّسَاء: ٨٥) . أَي: بِأَن تحكموا بِالْعَدْلِ. قَوْله: ﴿إِن الله نعمَّا يعظكم بِهِ﴾ (النِّسَاء: ٨٥) . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: نعما يعظكم بِهِ، إِمَّا أَن تكون مَنْصُوبَة مَوْصُوفَة: بيعظكم بِهِ، وَإِمَّا أَن تكون مَرْفُوعَة مَوْصُولَة، كَأَنَّهُ قيل: نعم شَيْئا يعظكم بِهِ، أَو: نعم الشَّيْء الَّذِي يعظكم بِهِ، والمخصوص بالمدح مَحْذُوف أَي: نعم مَا يعظكم بِهِ ذَاك، وَهُوَ الْمَأْمُور بِهِ من أَدَاء الْأَمَانَات وَالْعدْل فِي الحكم، وقرىء: نعما، بِفَتْح النُّون. قَوْله: ﴿إِن الله كَانَ سميعاً بَصيرًا﴾ (النِّسَاء: ٨٥) . هما من أَوْصَاف الذَّات، والسمع إِدْرَاك المسموعات حَال وحدوثها، وَقيل: إنَّهُمَا فِي حَقه تَعَالَى صفتان تكشف بهما المسموعات والمبصرات انكشافاً تَاما، وَلَا يحْتَاج فيهمَا إِلَى آلَة لِأَن صِفَاته مُخَالفَة لصفات المخلوقين بِالذَّاتِ. فَافْهَم.

стр. 3642

٨٨٣٢ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ حدَّثنا أبُو شِهَابٍ عنِ الأعْمَشِ عنْ زَيْدِ بنِ وَهْبٍ عنْ أبِي ذَرٍّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كُنْتُ مَعَ النبيِّ ﷺ فلَمَّا أبْصَرَ يَعْنِي أُحُداً قَالَ مَا أُحِبُ أنَّهُ تَحَوَّلَ لِي ذَهَباً يَمْكُثُ عِنْدِي مِنْهُ دِينارٌ فَوقَ ثَلاثً إلَاّ دِيناراً أرْصِدُهُ لِدَيْنٍ ثُمَّ قل إنَّ الأكْثَرِينَ هُمُ الأقَلُّونَ إلَاّ مَنْ قالَ بالْمَالِ هاكذَا وهاكَذَا وأشارَ أبُو شِهَابً بيْنَ يَدَيْهِ وعنْ يَمِينِهِ وعنْ شِمَالِهِ وقَلِيلٌ مَّا هُمْ وقالَ مَكَانَكَ وتَقَدَّمَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَسَمِعْتُ صَوْتاً فأرَدْتُ أنْ آتِيَهُ ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَهُ مَكانَكَ حَتَّى آتِيكَ فَلَمَّا جاءَ قُلْتُ يَا رسولَ الله الذِي سَمِعْتُ أَو قالَ الصَّوْتُ الَّذِي سَمِعْتُ قَالَ وهَلْ سَمِعْتَ قلْتُ نَعَمْ قَالَ أتَانِي جبريلُ ﵇ فَقَالَ مَنْ ماتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّه شَيْئاً دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وإنْ فَعَلَ كَذا وكَذا قَالَ نَعَمْ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ مَا يدل على الاهتمام بأَدَاء الدّين، وَهُوَ قَوْله: إلَاّ دِينَارا أرصده لدين، وَفِيه مَا يدل على شدَّة أَمر الدّين، والمديون إِذا نوى أداءه يرزقه الله تَعَالَى مَا يُؤَدِّيه مِنْهُ. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَحْمد بن يوسن، هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس بن عبد الله أَبُو عبد الله التَّمِيمِي الْيَرْبُوعي. الثَّانِي: أَبُو شهَاب، واسْمه: عبد ربه الحناط، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالنُّون الْمَشْهُور: بِالْأَصْغَرِ. الثَّالِث: سُلَيْمَان الْأَعْمَش. الرَّابِع: زيد بن وهب أَبُو سُلَيْمَان الْهَمدَانِي الْجُهَنِيّ. الْخَامِس: أَبُو ذَر، واسْمه: جُنْدُب بن جُنَادَة فِي الْأَشْهر. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور باسم جده، وَأَنه وَالْأَعْمَش وَزيد بن وهب كوفيون، وَأَن أَبَا شهَاب مدائني. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: راو مَذْكُور بكنيته وَآخر بلقبه. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الاسْتِئْذَان عَن عمر بن حَفْص، وَفِي الرفاق عَن حسن بن الرّبيع، وَفِيه عَن قُتَيْبَة، وَفِي بَدْء الْخلق عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن يحيى بن يحيى وَمُحَمّد بن عبد الله وَأبي بكر وَأبي كريب. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْإِيمَان عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن عَبدة بن عبد الرَّحِيم، وَعَن بشر بن خَالِد وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَعَن الْحُسَيْن بن مَنْصُور، وَعَن عمرَان بن بطال، وَعَن أبي قدامَة عَن معَاذ بن هِشَام. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِنَّه) أَي: أَن أُحُداً. قَوْله: (تحوَّل) بِفَتْح التَّاء المثناء من فَوق على وزن: تفعل، فِي رِوَايَة أبي ذَر، هَكَذَا وَفِي رِوَايَة غَيره، بِضَم التَّاء آخر الْحُرُوف على صِيغَة الْمَجْهُول، من بَاب التفعيل. وَمعنى تحول: صَار، فيستدعي إسماً مَرْفُوعا وخبراً مَنْصُوبًا، فالإسم هُوَ الضَّمِير فِي تحول الَّذِي يرجع إِلَى أحدا. وَالْخَبَر هُوَ قَوْله: (ذَهَبا) . قَوْله: (يمْكث) ، فعل وفاعله هُوَ قَوْله: (دِينَار) أَي: دِينَار وَاحِد، وَهُوَ جملَة فِي مَحل النصب، لِأَنَّهَا صفة لقَوْله: (ذَهَبا) . قَوْله: (مِنْهُ) أَي: من الذَّهَب. قَوْله: (فَوق ثَلَاث) ، أَي: فَوق ثَلَاث لَيَال، وَهِي ظرف، وَالْعَامِل فِيهِ يمْكث. قَوْله: (إلَاّ دِينَارا) ، مُسْتَثْنى مِمَّا قبله. قَوْله: (أرصده) ، جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا صفة لقَوْله دِينَارا، وأرصده، بِضَم الْهمزَة، من الإرصاد يُقَال: أرصدته أَي: هيأته وأعددته، وَحكى ابْن التِّين أَنه روى أرصده، بِفَتْح الْهمزَة من قَوْلك: رصدته، أَي: رقبته. وَقَالَ ابْن قرقول: قَوْله: (إلَاّ دِينَارا أرصده) أَي: أعده، بِضَم الْهمزَة وَفتحهَا ثلاثي ورباعي، يُقَال: أرصدته ورصدته أرصده بِالْخَيرِ وَالشَّر: أعددته لَهُ. وَقيل: رصدته ترقبته، وأرصدته أعددته. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وأرصاداً لمن حَارب الله﴾ (التَّوْبَة: ٧٠١) . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿شهاباً رصداً﴾ (الْجِنّ: ٩) . وَمِنْه: من يرصد لي عير قُرَيْش، والرصد الطّلب. قَوْله: (إِن الْأَكْثَرين هم الأقلون) أَي: أَن الْأَكْثَرين مَالا هُوَ الأقلون ثَوابًا. قَوْله: (إِلَّا من قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا) ، مَعْنَاهُ: إلَاّ من صرف المَال على النَّاس يَمِينا وَشمَالًا، وأماماً. وَقَالَ هُنَا: لَيْسَ من القَوْل، بِمَعْنى الْكَلَام، بل مَعْنَاهُ: صرف أَو فرق أَو أعْطى، وَنَحْو

стр. 3643

ذَلِك، لِأَن الْعَرَب تجْعَل القَوْل عبارَة عَن جَمِيع الْأَفْعَال وتطلقه على غير الْكَلَام، وَاللِّسَان، فَتَقول: قَالَ بِيَدِهِ، أَي: أَخذه، وَقَالَ بِرجلِهِ أَي: مَشى، وَقَالَ الشَّاعِر: (وَقَالَت لَهُ العينان سمعا وَطَاعَة) أَي: أَوْمَأت. وَقَالَ بِالْمَاءِ على يَده، أَي: قلب، وَقَالَ بِثَوْبِهِ أَي: رَفعه، وكل ذَلِك على الْمجَاز والاتساع، كَمَا روى فِي حَدِيث السَّهْو قَالَ: مَا يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالُوا: صدق. رُوِيَ أَنهم أومأوا برؤوسهم. أَي: نعم، وَلم يتكلموا. وَيُقَال: قَالَ، بِمَعْنى: أقبل، وَبِمَعْنى: مَال واستراح وَضرب وَغلب، وَغير ذَلِك. قَوْله: (وَأَشَارَ أَبُو شهَاب) ، هُوَ عبد ربه الرَّاوِي الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث. قَوْله: (وَقَلِيل ماهم) ، جملَة إسمية لِأَن قَوْله: هم، مُبْتَدأ وَقَوله: قَلِيل، مقدما خَبره، وَكلمَة: مَا، زَائِدَة أَو صفة. قَوْله: (مَكَانك) ، بِالنّصب أَي: إلزم مَكَانك. قَوْله: (الَّذِي سَمِعت) ، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره مَا هُوَ الَّذِي سَمِعت؟ قَوْله: (أَو قَالَ) ، شكّ من الرَّاوِي أَي: مَا هُوَ الصَّوْت الَّذِي سَمِعت؟ قَوْله: (هَل سَمِعت) ، اسْتِفْهَام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (وَإِن فعل كَذَا وَكَذَا) ، أَي: وَإِن زنى وسرق وَنَحْوهمَا، وَالرِّوَايَة الَّتِي فِي الرقَاق تفسر هَذَا، وَهِي قَوْله: وَإِن زنى وسرق، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: وَمن فعل كَذَا وَكَذَا، عوض؛ وَإِن، الشّرطِيَّة. وَمِمَّا يُسْتَفَاد من الحَدِيث: الاهتمام بِأَمْر الدّين وتهيئته لأدائه، وَصرف المَال إِلَى وُجُوه القربان عِنْد الْقُدْرَة عَلَيْهِ، وَالْخَوْف من استغراق الدّين لِأَن الْمَدْيُون إِذا حدث كذب وَإِذا وعد أخلف، والاحتراز من المطل عِنْد الْقُدْرَة لِأَنَّهُ فِي معنى الْخِيَانَة فِي الْأَمَانَة، وَقد جَاءَ فِي: خِيَانَة الْأَمَانَة من الْوَعيد، مَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق من حَدِيث ذاذان عَن عبد الله بن مَسْعُود، قَالَ: إِن الْقَتْل فِي سَبِيل الله يكفر كل ذَنْب إلَاّ الدّين وَالْأَمَانَة. قَالَ: وَأعظم ذَلِك الْأَمَانَة تكون عِنْد الرجل فيخونها، فَيُقَال لَهُ يَوْم الْقِيَامَة: أدِّ أمانتك، فَيَقُول: من أَيْن وَقد ذهبت الدُّنْيَا؟ فَيُقَال: نَحن نريكها، فيمثل لَهُ فِي قَعْر جَهَنَّم، فَيُقَال لَهُ: إنزل فأخرجها، فَينزل فيحملها على عُنُقه حَتَّى إِذا كَاد، زلت فهوت وَهوى فِي إثْرهَا أبدا. وَفِيه: مَا يدل على فضل أمة مُحَمَّد ﷺ . ٩٨٣٢ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ شَبِيبِ بنِ سَعِيدٍ حدَّثنا أبي عنْ يُونُسَ قَالَ ابنُ شِهابٍ حدَّثني عُبَيدُ الله بنُ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ قَالَ قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ رسولُ الله ﷺ لَوْ كانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبَاً مَا يَسُرُّنِي أنْ لَا يَمُرَّ عَليَّ ثَلَاثٌ وعِنْدِي منْهُ شَيْءٌ إلَاّ شيْءٌ أرْصِدُهُ لِدَيْنٍ. وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة مثل الْوَجْه الْمَذْكُور فِي الحَدِيث السَّابِق. وَأحمد بن شبيب، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى: الحبطي الْبَصْرِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَبوهُ سعيد بن الحبطي، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالطاء الْمُهْملَة، نِسْبَة إِلَى الحبطات، من بني تَمِيم، وَهُوَ الْحَارِث بن عَمْرو، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الرقَاق. قَوْله: (ذَهَبا) ، نصب على التَّمْيِيز، وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى: وَلَو جِئْنَا بِمثلِهِ مدَدا﴾ (الْكَهْف: ٩٠١) . وَقَالَ ابْن مَالك: وُقُوع التَّمْيِيز بعد: مثل، قَلِيل. قَوْله: (مَا يسرني) ، جَوَاب: لَو، وَقَالَ ابْن مَالك: الأَصْل فِي وُقُوع جَوَاب: لَو، أَن يكون مَاضِيا مثبتاً، وَهنا وَقع مضارعاً منفياً، بِمَا، فَكَأَنَّهُ أوقع الْمُضَارع مَوضِع الْمَاشِي، أَو كَأَن الأَصْل: مَا كَانَ يسرني، فَحذف: كَانَ، وَهُوَ جَوَاب: لَو، وَفِيه ضمير، وَهُوَ اسْمه. وَقَوله: ويسرني خَبره. قَوْله: (أَن لَا يمر) ، فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ فَاعل: مَا يسرني. قَوْله: (عَليّ) ، بتَشْديد الْيَاء. لِأَن كلمة: عَليّ، دخلت على يَاء الْمُتَكَلّم. قَوْله: (ثَلَاث) أَي: ثَلَاث لَيَال، وارتفاعه على أَنه فَاعل: يمر. قَوْله: (وَعِنْدِي) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (مِنْهُ) أَي: من الذَّهَب. قَوْله: (شَيْء) ، مَرْفُوع على أَنه مُبْتَدأ مقدما خَبره، هُوَ قَوْله: مِنْهُ. قَوْله: (إلَاّ شَيْء) ، ارْتِفَاع: شَيْء، على أَنه بدل من: شَيْء، الأول. قَوْله: (أرصده) ، فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا صفة لشَيْء، وَوَقع للأصيلي وكريمة: مَا يسرني أَن لَا يمْكث وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْء، وَكلمَة: لَا، زَائِدَة، قَالَه بَعضهم. قلت: إِذا كَانَت كلمة: مَا، فِي: مَا يسرني، نَافِيَة فَنعم، وَأما إِذا كَانَت مَوْصُولَة فَلَا. رَوَاهُ صالِحٌ وعُقَيلٌ عنِ الزُّهْرِيِّ أَي: روى صَالح بن كيسَان وَعقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد، كِلَاهُمَا عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله عَن أبي هُرَيْرَة فِي معنى حَدِيث أبي ذَر.

стр. 3644

٤ - (بابُ اسْتِقْرَاضِ الإبِلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز استقراض الْإِبِل، وَهَذِه التَّرْجَمَة على مَا ذهب إِلَيْهِ من جَوَاز استقراض الْحَيَوَان، وَهُوَ مَذْهَب الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث بن سعد أَيْضا. وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ الثَّوْريّ وَالْحسن ابْن صَالح وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: لَا يجوز استقراض الْحَيَوَان، وَاحْتج المجوزون بِحَدِيث الْبَاب، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي الْوكَالَة. ٠٩٣٢ - حدَّثنا أَبُو الوَلِيدِ حدَّثنا شُعْبَةُ أخبرنَا سَلَمَةُ بنُ كُهَيْلٍ قَالَ سَمِعْتُ أبَا سلَمَةَ بِبَيْتِنَا يُحَدِّثُ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رجُلاً تَقَاضَى رسولَ الله ﷺ فأغْلَظَ لَهُ فَهَمَّ أصْحَابُهُ فَقَالَ دَعُوهُ فإنَّ لِصاحِبِ الْحَقِّ مقَالاً واشْتَرُوا لَهُ بَعِيراً فأعْطُوهُ إيَّاهُ وَقَالُوا لَا نَجِدُ إلَاّ أفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ قَالَ اشْتَرُوهُ فأعْطُوهُ إيَّاهُ فإنَّ خَيْرَكُمْ أحْسَنُكُمْ قَضَاءً. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ دفع الْحَيَوَان عوض الْحَيَوَان. فَإِن قلت: ظَاهر الحَدِيث لَا يدل على أَن النَّبِي، ﷺ ، افْترض من الرجل سنا، وَلم يبين فِي هَذَا بِصُورَة الْقَرْض صَرِيحًا حَتَّى يُقَال: إِنَّه يدل على جَوَاز استقراض الْحَيَوَان، وَلِهَذَا جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم فِي هَذَا الحَدِيث، قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: كَانَ لرجل على رَسُول الله، ﷺ ، حق فَأَغْلَظ لَهُ الحَدِيث، وَالْحق أَعم من الْقَرْض؛ وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ فِي هَذَا الحَدِيث: كَانَ لرجل على النَّبِي ﷺ دين فتقاضاه ... الحَدِيث، وَالدّين يَشْمَل الْقَرْض وَغَيره. قلت: صرح فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ فِيهِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: اسْتقْرض رَسُول الله ﷺ سنا فَأعْطَاهُ سنا خيرا من سنه، وَجَاء فِي رِوَايَة لمُسلم من حَدِيث أبي رَافع: أَن رَسُول الله ﷺ استسلف من رجل بكرا ... الحَدِيث، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: كَانَ لرجل على النَّبِي، ﷺ ، سنّ من الْإِبِل ... الحَدِيث، وَالْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا، فَدلَّ أَن رَسُول الله، ﷺ ، اقْترض بَعِيرًا ثمَّ أعْطى عوضه بَعِيرًا أحسن مِنْهُ، فَدلَّ على جَوَاز الاستقراض فِي الْحَيَوَان، وَقد أجَاب المانعون من استقراض الْحَيَوَان بِمَا ذَكرْنَاهُ فِيمَا مضى فِي: وكَالَة الشَّاهِد وَالْغَائِب جَائِزَة، ذكره فِي الْوكَالَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أبي نعيم عَن سُفْيَان عَن سَلمَة عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: كَانَ رجل ... الحَدِيث، وَهنا أخرجه: عَن أبي الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ عَن شُعْبَة بن الْحجَّاج ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى هُنَاكَ. قَوْله: (بَينا يحدث) ، قد ذكرنَا غير مرّة أَن: بَينا، وبينما، ظرفا زمَان بِمَعْنى المفاجأة يضافان إِلَى جملَة، وَرَأَيْت فِي نُسْخَة صَحِيحَة مقروءة: سَمِعت أَبَا سَلمَة بمنى يحدث، وعَلى هامشها: سَمِعت أَبَا سَلمَة ببيتنا يحدث، وَلم ألتزم صِحَة هذَيْن، وَالله أعلم. قَوْله: (تقاضى) ، أَي: طلب قَضَاء الدّين من رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (فَأَغْلَظ لَهُ) ، يحْتَمل إغلاظه فِي طلب حَقه وتشدده فِيهِ، لَا فِي كَلَام مؤذ يسمعهُ إِيَّاه، فَإِن ذَلِك كفر مِمَّن فعله مَعَ النَّبِي ﷺ ، وَقد يكون الْقَائِل بِهَذَا غير مُسلم من الْيَهُود، كَمَا جَاءَ مُفَسرًا مِنْهُم فِي غير هَذَا الحَدِيث، لَكِن جَاءَ فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق: أَنه كَانَ أَعْرَابِيًا فَكَأَنَّهُ جرى على عَادَته من جفائه وغلظه فِي الطّلب. قَوْله: (فهم بِهِ أَصْحَابه) ، أَي: عزموا أَن يوقعوا بِهِ فعلا. قَوْله: (دَعوه) أَي: اتركوه، وَهُوَ أَمر من: يدع. قَوْله: (اشْتَروا لَهُ بَعِيرًا) ، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق: التمسوا لَهُ مثل سنّ بعيره. قَوْله: (من سنه) ، السن هِيَ الْمَعْرُوفَة، ثمَّ سمى بهَا صَاحبهَا. فَإِن قلت: فِي حَدِيث مُسلم عَن أبي رَافع أَن رَسُول الله، ﷺ ، استسلف من رجل بكرا فَقدمت عَلَيْهِ إبل من إبل الصَّدَقَة، فَأمر أَبَا رَافع أَن يقْضِي الرجل بكره، فَرجع إِلَيْهِ أَبُو رَافع فَقَالَ: لم أجد فِيهَا إلَاّ جملا خيارا رباعياً. فَقَالَ: أعْطه إِيَّاه، إِن خِيَار النَّاس أحْسنهم قَضَاء. انْتهى. فَكيف الْجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ؟ قلت: أَمر بِالشِّرَاءِ أَولا، ثمَّ قدمت إبل الصَّدَقَة فَأعْطَاهُ مِنْهَا، أَو أمره بِالشِّرَاءِ من إبل الصَّدَقَة مِمَّن اسْتحق مِنْهَا شَيْئا، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة: استسلف من رجل بكرا، فَقَالَ: إِذا جَاءَت إبل الصَّدَقَة قضيناك. قَوْله: (فَإِن خَيركُمْ) أَي: أخيركم، فالخير وَالشَّر يستعملان للتفضيل على لَفْظهمَا، بِمَعْنى الأخْيَر والأشرّ، وَالله أعلم.

стр. 3645

٥ - (بابُ حُسْنِ التَّقَاضِي) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِحْبَاب حسن التقاضي، أَي: حسن الْمُطَالبَة. ١٩٣٢ - حدَّثنا مُسْلِمٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عنْ رِبْعِيٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ ماتَ رَجُلٌ فَقيلَ لَهُ قَالَ كُنْتُ أبايِعُ النَّاسَ فأتَجَوَّزُ عَنِ الْمُوسِرِ وأُخَفِّفُ عنِ الْمُعْسِرِ فَغُفِرَ لَهُ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كنت أبايع النَّاس) إِلَى آخِره، فَإِنَّهُ يتَضَمَّن حسن التقاضي، وَمُسلم هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ القصاب، وَعبد الْملك هُوَ ابْن عُمَيْر الْقرشِي الْكُوفِي، ورِبْعِي، بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن جراش، مر فِي: بَاب إِثْم من كذب على النَّبِي، ﷺ . والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب من أنظر مُعسرا، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أَحْمد بن يُونُس عَن زُهَيْر عَن مَنْصُور أَن ربعي بن حِرَاش حَدثهُ ... إِلَى آخِره. قَوْله: (فَقيل لَهُ) : قَالَ: فِيهِ حذف تَقْدِيره: فَقيل لَهُ مَا كنت تصنع؟ قَالَ: كنت ... وَوَقع هُنَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: فَقيل لَهُ: مَا كنت تَقول؟ قَالَ أبُو مَسْعُودٍ سَمِعْتُهُ مِنَ النبيِّ ﷺ أَبُو مَسْعُود البدري اسْمه عقبَة بن عَمْرو. قَوْله: (سمعته) ، أَي: سَمِعت هَذَا الحَدِيث من النَّبِي ﷺ ، قيل: هَذَا مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَلَكِن صورته صُورَة التَّعْلِيق. وَأخرجه مُسلم، قَالَ: حَدثنَا عَليّ بن حجر وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَاللَّفْظ لِابْنِ حجر، قَالَ: حَدثنَا جرير عَن الْمُغيرَة عَن نعيم بن أبي هِنْد عَن ربعي بن حِرَاش، قَالَ: اجْتمع حُذَيْفَة وَأَبُو مَسْعُود، قَالَ حُذَيْفَة: لَقِي رجل ربه، فَقَالَ: مَا عملت؟ قَالَ: مَا عملت من الْخَيْر إلَاّ أَنِّي كنت رجلا ذَا مَال، قَالَ: فَكنت أطالب بِهِ النَّاس، فَكنت أقبل الميسور وأتجاوز عَن المعسور، قَالَ: تجاوزوا عَن عَبدِي. قَالَ أَبُو مَسْعُود: هَكَذَا سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، يَقُول. ٦ - (بابٌ هَلْ يُعْطى أكْبَرَ مِنْ سِنِّهِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يُعْطي الْمُسْتَقْرض للمقرض أكبر من السن الَّذِي اقترضه؟ وَجَوَاب هَل، مَحْذُوف تَقْدِيره: نعم يُعْطي. ٢٩٣٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ عنْ يَحْيَى اعنْ سُفْيَانَ قَالَ حدَّثني سلَمَةُ بنُ كُهَيْلٍ عنْ أبي سلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رَجُلاً أتَى النبيَّ ﷺ يتَقَاضَاهُ بَعيراً فَقَالَ رسولُ الله ﷺ أعْطُوهُ فَقَالُوا مَا نَجِدُ إلَاّ سِنَّاً مِنْ سِنِّهِ فَقَالَ الرَّجُلُ أوْفَيْتَنِي أوْفَاكَ الله فَقَالَ رسولُ الله ﷺ أعْطُوهُ فإنَّ مِنْ خِيارِ النَّاسِ أحْسَنُهُمْ قَضَاءً. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَقد مضى الحَدِيث فِي الْبَاب الَّذِي قبل هَذَا بِبَاب. قَوْله: (أوفيتني) ، أَي: أَعْطَيْت حَقي وافياً كَامِلا، وَالْفرق بَين أوفاك الله، وأوفى بك الله، أَن الأول: الْإِكْمَال، وَالثَّانِي: بِمَعْنى: ضد الْغدر، يُقَال: وفى بعهده وأوفى. ٧ - (بابُ حُسْنِ الْقَضَاءِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِحْبَاب حسن الْقَضَاء، أَي: قَضَاء الدّين، أَي: أَدَائِهِ.

стр. 3646

٣٩٣٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا سُفيانُ عنْ سَلَمَة عنْ أبِي سلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كانِ لِرَجُلٍ علَى النبيِّ ﷺ سِنٌّ مِنَ الإبِلِ فَجاءَهُ يَتَقاضاهُ فَقَالَ النبيُّ ﷺ أعْطُوهُ فَطَلبوا سِنَّهُ فلَمْ يَجِدُوا لَهُ إلَاّ سِنّاً فوْقَهَا فَقَالَ أعْطُوهُ فَقَالَ أوْفَيْتَنِي وفَى الله بِكَ قَالَ النبيُّ ﷺ إنَّ خِيَارَكُمْ أحْسَنُكُمْ قَضاءً. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة. قَوْله: (فَوْقهَا) أَي: أغْلى مِنْهَا ثمنا من حَيْثُ الْحسن وَالسّن. قَوْله: (إِن خياركم) وَفِي رِوَايَة أبي الْوَلِيد الَّتِي مَضَت: فَإِن خَيركُمْ أحسنكم قَضَاء، وَفِي رِوَايَة تَأتي فِي الْهِبَة: فَإِن من خَيركُمْ وَفِي رِوَايَة ابْن الْمُبَارك: أفضلكم أحسنكم قَضَاء. ٤٩٣٢ - حدَّثنا خَلَاّدٌ قَالَ حدَّثنا مِسْعَرٌ قَالَ حدَّثنا مُحارِبُ بنُ دِثار عنْ جابِرِ بنِ عبدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ أتيْتُ النبيَّ ﷺ وهْوَ فِي المسْجِدِ قَالَ مِسْعَرٌ أُرَاهُ قَالَ ضُحىً فَقَالَ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وكانَ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَانِي وزَادني. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فقضاني وَزَادَنِي) لِأَن الْقَضَاء مَعَ زِيَادَة هُوَ حسن الْقَضَاء، وخلاد، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام: ابْن يحيى بن صَفْوَان أَبُو مُحَمَّد السّلمِيّ الْكُوفِي وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَفِي بعض النّسخ مَذْكُور بِأَبِيهِ، ومسعر، بِكَسْر الْمِيم: ابْن كدام، ومحارب، بِضَم الْمِيم وَكسر الرَّاء: ابْن دثار، بِكَسْر الدَّال وبالثاء الْمُثَلَّثَة، مر فِي: الصَّلَاة إِذا قدم من سفر، والْحَدِيث بِعَيْنِه وبعين الْإِسْنَاد الْمَذْكُور قد مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الصَّلَاة إِذا قدم من سفر، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً. ٨ - (بابٌ إذَا قَضَى دُونَ حَقِّهِ أوْ حَلَّلَهُ فَهْوَ جائِزٌ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا قضى الْمَدْيُون دون حق صَاحب الدّين أَو حلله فَهُوَ جَائِز، وَقَالَ ابْن بطال: وَقع فِي التَّرْجَمَة فِي النّسخ كلهَا بِكَلِمَة: أَو، وَالصَّوَاب الْوَاو، لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يقْضِي دون حَقه، وَتسقط مُطَالبَته بِالْبَاقِي إلَاّ أَن يحلل مِنْهُ، وَلَا خلاف فِيهِ أَنه لَو حلله من جَمِيع الدّين وأبرأه مِنْهُ جَازَ ذَلِك، فَكَذَلِك إِذا حلله من بعضه. ٥٩٣٢ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخبرنَا عبْدُ الله قَالَ أخبرنَا يونسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني ابنُ كَعْبِ بنِ مالِكٍ أنَّ جابِرَ بنَ عبدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أخبَرَهُ أنَّ أباهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهيداً وعلَيْهِ دَيْنٌ فاشْتَدَّ الغُرَماءُ فِي حُقُوقِهِمْ فأتَيْتُ النبيَّ ﷺ فسَألَهُمْ أنْ يَقْبَلُوا تَمْرَ حائِطِي ويُحَلِّلُوا أبي فأبَوْا فلَمْ يُعْطِهِم النبيُّ ﷺ حائِطي وَقَالَ سَنَغْدُو علَيْكَ فَغدَا عَلَيْنا حينَ أصْبَحَ فَطافَ فِي النَّخْلِ ودعا فِي ثَمَرِها بالْبَرَكَةِ فَجَدَدْتُها فَقَضَيْتُهُمْ وبَقِيَ لَنا مِنْ ثَمَرِهَا. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَسَأَلَهُمْ أَن يقبلُوا تمر حائطي ويحللوا أبي) بَيَان ذَلِك أَن تمر حَائِط جَابر كَانَ أقل من دين أَبِيه، فَسَأَلَهُمْ أَن يقْضِي دون حَقهم ويحللوا أَبَاهُ، فَلَمَّا أَبَوا أَتَى النَّبِي ﷺ فِي صَبِيحَة غَد ذَلِك الْيَوْم، وَشَاهد النّخل ودعا فِي ثَمَرهَا بِالْبركَةِ، فجده جَابر وَقضى دينهم، وَبَقِي من ذَلِك الثَّمر شَيْء ببركة النَّبِي ﷺ . ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عَبْدَانِ، وَهُوَ عبد الله بن عُثْمَان، وعبدان لقبه. الثَّانِي: عبد الله بن الْمُبَارك. الثَّالِث: يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: ابْن كَعْب بن مَالك، وَاخْتلف فِيهِ. فَذكر أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي وَخلف الوَاسِطِيّ فِي (الْأَطْرَاف) ، والطرقي: أَنه عبد الرَّحْمَن، وتبعهم

стр. 3647

الْحميدِي فِي ذَلِك، وَذكر الْحَافِظ الْمزي: أَنه عبد الله، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَلم يسْتَدلّ على ذَلِك، وَتَبعهُ صَاحب (التَّوْضِيح) فِي ذَلِك. قلت: بل اسْتدلَّ بِأَن وهباً روى الحَدِيث عَن يُونُس بِسَنَد الْبَاب، فَسَماهُ عبد الله، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ. السَّادِس: جَابر بن عبد الله. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وَفِي مَوضِع بِصِيغَة الْإِفْرَاد. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه مروزيان وَأَن يُونُس أيلي وَابْن كَعْب مدنِي. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. قَوْله: (فَاشْتَدَّ الْغُرَمَاء) ، يَعْنِي: فِي الطّلب. قَوْله: (ويحللوا أبي) ، يَعْنِي: يجعلونه فِي حل ويبرؤنه عَن الدّين. قَوْله: (فَأَبَوا) ، أَي: امْتَنعُوا عَن أَخذ ثَمَر الْحَائِط، لِأَنَّهُ كَانَ أقل من الدّين. قَوْله: (فجددتها) ، من الجداد، بالمهملتين، وَهُوَ صرام النّخل، وَهُوَ قطع تمرتها، يُقَال: جد التمرة يجدهَا جدا. قَوْله: (من ثَمَرهَا) أَي: من ثَمَر النّخل. وَفِيه من الْفَوَائِد: تَأْخِير الْغَرِيم إِلَى الْغَد وَنَحْوه بالعذر، كَمَا أخر جَابر غرماءه رَجَاء بركَة النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ كَانَ وعده أَن يمشي مَعَه، فحقق الله رَجَاءَهُ وَظَهَرت بركته، ﷺ ، وَثَبت مَا هُوَ من أَعْلَام نبوته. وَفِيه: مشي الإِمَام فِي حوائج النَّاس لأجل استشفاعه فِي الدُّيُون. ٩ - (بابٌ إِذا قاصَّ أوْ جازَفَهُ فِي الدَّيْنِ تَمْراً بِتَمْرٍ أوْ غَيْرِهِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: إِذا قاصَّ، بتَشْديد الصَّاد، من: المقاصصة. وَهِي أَن يقاص كل وَاحِد من الْإِثْنَيْنِ أَو أَكثر صَاحبه فِيمَا هم فِيهِ من الْأَمر الَّذِي بَينهم، وَهَهُنَا المقاصصة فِي الدّين. قَوْله: (أَو جازفه) من المجازفة، وَهِي الحدس بِلَا كيل وَلَا وزن. قَوْله: (فِي الدّين) ، يرجع إِلَى كل وَاحِد من قَوْله: قاص، وَقَوله: أَو جازفه، وَالضَّمِير فِي: قاص، يرجع إِلَى الْمَدْيُون بِدلَالَة الْقَرِينَة عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي: جازفه، يرجع إِلَيْهِ. وَأما الضَّمِير الْمَنْصُوب فَيرجع إِلَى صَاحب الدّين. قَوْله: (تَمرا بِتَمْر أَو غَيره) ، أَي: سَوَاء كَانَت المقاصصة أَو المجازفة تَمرا بِتَمْر أَو غير التَّمْر، نَحْو: قَمح بقمح أَو شعير بشعير، وَنَحْو ذَلِك، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: فَهُوَ جَائِز. . ٦٩٣٢ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا أنَسٌ عنْ هِشَامٍ عنْ وَهْبِ بنِ كَيْسانَ عنْ جابِر بنِ عبدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّهُ أخبرهُ أنَّ أبَاهُ تُوُفِّيَ وتَرَكَ عَلَيْهِ ثَلاثِينَ وسْقاً لِرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ فاستْتَنْظَرَهُ جابرٌ فَأبى أَن يُنْظِرَهُ فَكَلَّمَ جابِرٌ رسولَ الله ﷺ لِيَشْفَعَ لَهُ إلَيْهِ فَجاءَ رسولُ الله ﷺ وكلَّمَ الْيَهُودِيَّ لِياخُذَ ثَمَرَ نَخْلِهِ بِالَّذِي لَهُ فَأبى فدَخلَ رسولُ الله ﷺ النَّخْلَ فَمَشَى فِيها ثُمَّ قَالَ لِجابِرٍ جُدَّ لَهُ فأوْفِ لَهُ الَّذِي لَهُ فَجَدَّهُ بَعْدَما رَجعَ رسولُ الله ﷺ فأوفاهُ ثَلاثِينَ وسْقاً وفَضَلتْ لَهُ سَبْعةَ عَشرَ وسْقاً فجاءَ جابِرٌ رسولَ الله ﷺ لِيُخْبِرَهُ بالَّذِي كانَ فَوَجَدَهُ يُصَلِّي العَصْرَ فلَمَّا انْصَرَفَ أخْبَرَهُ بالْفَضْلِ فَقَالَ أخْبِرْ ذلِكَ ابنَ الخَطَّابِ فذَهَبَ جابِرٌ إِلَى عُمَرَ فأخبرَهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ لَقدْ عَلِمْتُ حينَ مَشَى فِيهَا رَسُول الله ﷺ لَيُبَارَكَنَّ فِيهَا. . قَالَ الْمُهلب: لَا يجوز عِنْد أحد من الْعلمَاء أَن يَأْخُذ من لَهُ دين تمر من غَرِيمه تَمرا مجازفة بدين، لما فِيهِ من الْجَهْل وَالْغرر، وَإِنَّمَا يجوز أَن يَأْخُذ مجازف فِي حَقه أقل من دينه إِذا علم الْآخِذ ذَلِك وَرَضي. انْتهى. قلت: غَرَضه من ذَلِك إِظْهَار عدم صِحَة هَذِه التَّرْجَمَة. وَأجِيب: عَن هَذَا بِأَن مَقْصُود البُخَارِيّ أَن الْوَفَاء يجوز فِيهِ مَا لَا يجوز فِي الْمُعَاوَضَات، فَإِن: مُعَاوضَة الرطب بِالتَّمْرِ لَا يجوز إلَاّ فِي الْعَرَايَا، وَقد جوزه ﷺ فِي الْوَفَاء الْمَحْض. وَأنس هُوَ ابْن عِيَاض، يكنى أَبَا ضَمرَة من أهل الْمَدِينَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير، ووهب بن كيسَان أَبُو نعيم مولى عبد الله بن الزبير بن الْعَوام الْمدنِي. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصُّلْح عَن بنْدَار،

стр. 3648

وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْوَصَايَا عَن أبي كريب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي (الْأَحْكَام) عَن عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وسْقا) ، الوسق، بِفَتْح الْوَاو: سِتُّونَ صَاعا. قَوْله: (فَأبى أَن ينظره) ، أَي: امْتنع عَن إنظاهر، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة. قَوْله: (ثَمَر نخله) ، يرْوى بالمثلثثة وبالمثناة، قَالَه الْكرْمَانِي. قَوْله: (جد لَهُ) ، بِضَم الْجِيم أَمر من: جد يجد، وَقد مر عَن قريب. قَوْله: (سَبْعَة عشر) ويروى: تِسْعَة عشر. قَوْله: (بِالَّذِي كَانَ) أَي: من الْبركَة وَالْفضل على الدّين. قَوْله: (ابْن الْخطاب) أَي: عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفَائِدَة الْإِخْبَار لَهُ زِيَادَة الْإِيمَان، لِأَنَّهُ كَانَ معْجزَة، إِذْ لم يكن يَفِي أَولا، وَزَاد آخرا، وتخصيصه عمر بذلك لِأَنَّهُ كَانَ معتنياً بقضية جَابر مهتماً بهَا، أَو كَانَ حَاضرا فِي أول الْقَضِيَّة دَاخِلا فِيهَا. قَوْله: (ليباركن) بِصِيغَة الْمَجْهُول مؤكداً بالنُّون الثَّقِيلَة. قَوْله: (فِيهَا) أَي: فِي الثَّمر، وَهُوَ جمع: ثَمَرَة. ٠١ - (بابُ منِ اسْتَعاذَ مِنَ الدَّيْنِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من استعاذ بِاللَّه من ارْتِكَاب الدَّين، وَفِي بعض النّسخ: بَاب الِاسْتِعَاذَة من الدّين. . ٧٩٣٢ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبُ عنِ الزُّهْرِيِّ ح وحدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني أخي عنْ سُلَيْمانَ عنْ مُحَمَّدِ بنِ أبِي عَتيقٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أخْبَرَتْهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يَدْعُو فِي الصَّلاةِ ويقولُ اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ مِنَ الْمَاثَمُ والْمَغْرَمِ فَقَالَ لَهُ قائلٌ مَا أكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ يَا رسولَ الله مِنَ الْمَغْرَمِ قَالَ إنَّ الرَّجُلَ إذَا غرِمَ حدَّثَ فَكَذَبَ ووَعَدَ فأخْلَفَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن المغرم هُوَ الدّين. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَأَخُوهُ عبد الحميد أَبُو بكر وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال، وَابْن شهَاب هُوَ الزُّهْرِيّ. وَالرِّجَال كلهم مدنيون. والْحَدِيث مضى بأتم مِنْهُ فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الدُّعَاء قبل السَّلَام. فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة. . إِلَى آخِره. قَوْله: (من المأثم) ، مصدر ميمي بِمَعْنى: الْإِثْم، وَكَذَلِكَ (المغرم) بِمَعْنى الغرامة، وَهِي: لُزُوم الْأَدَاء. وَأما الْغَرِيم فَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الدّين. قَوْله: (ووعد) يَعْنِي بالوافاء غَدا أَو بعد غَد، مثلا والوعد، وَإِن كَانَ نوعا من التحديث، وَلَكِن التحديث يخْتَص بالماضي، والوعد بالمستقبل. قَالَ ابْن بطال: فِيهِ: وجوب قطع الذرائع، لِأَنَّهُ، ﷺ ، إِنَّمَا استعاذ من الدّين لِأَن ذَرِيعَة إِلَى الْكَذِب وَالْخلف فِي الْوَعْد مَعَ مَا فِيهِ من الذلة، وَمَا لصَاحب الدّين عَلَيْهِ من الْمقَال. ١١ - (بابُ الصَّلاةِ عَلى منْ ترَكَ دَيْناً) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّلَاة على الْمَيِّت الَّذِي ترك دينا، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة: إِلَى أَن الدّين لَا يخل بِالدّينِ، وَأَن الِاسْتِعَاذَة مِنْهُ لَيست لذاته، بل لما أرتب عَلَيْهِ من غوائله، وَأَنه ﷺ صَار يُصَلِّي على من مَاتَ وَعَلِيهِ دين، بعد أَن كَانَ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ، وعقدة هَذِه التَّرْجَمَة لبَيَان ذَلِك، على مَا نبينه الْآن. ٨٩٣٢ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَدِيِّ بنِ ثابِتٍ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ من ترَكَ مَالا فَلِوَرَثَتِهِ ومَنْ ترَكَ كَلاًّ فإلَيْنا. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن هَذَا الحَدِيث رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة من وُجُوه فِي آخر كتاب الْوكَالَة فِي: بَاب الدّين، رَوَاهُ أَبُو سَلمَة عَنهُ، وَفِي الْفَرَائِض رَوَاهُ أَبُو سَلمَة أَيْضا عَنهُ، وَفِي سُورَة الْأَحْزَاب رَوَاهُ عبد الرَّحْمَن بن أبي عمْرَة عَنهُ، وَفِي هَذَا الْبَاب، رَوَاهُ أَيْضا عبد الرَّحْمَن عَنهُ على مَا يَجِيء عَن قريب، وَهنا أَيْضا رَوَاهُ أَبُو حَازِم عَنهُ، وَهنا أخرجه عَن أبي الْوَلِيد هِشَام

стр. 3649

ابْن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ عَن شُعْبَة عَن عدي عَن أبي حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: واسْمه سلمَان الْأَشْجَعِيّ. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْفَرَائِض عَن عبيد الله بن معَاذ وَعَن أبي بكر بن نَافِع وَعَن زُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن حَفْص بن عمر، كلهم عَن شُعْبَة، وَفِيه من جملَة الْأَلْفَاظ: من ترك دينَاً فعلي، قَالَ ابْن بطال: هَذَا نَاسخ لتَركه الصَّلَاة على من مَاتَ وَعَلِيهِ دين. قلت: وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ قبل فتح الفتوحات، فَلَمَّا فتح الله مِنْهَا مَا فتح صَار ﷺ يُصَلِّي عَلَيْهِ، فَصَارَ فعله هَذَا نَاسِخا لفعله الأول، كَمَا قَالَه ابْن بطال. وَأَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى ذَلِك، فحصلت الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة وَحَدِيث الْبَاب من هَذِه الْحَيْثِيَّة. قَوْله: (كَلاًّ) بِفَتْح الْكَاف وَتَشْديد اللَّام، قَالَ ابْن الْأَثِير: الْكل الثّقل من كل مَا يتَكَلَّف. وَالْكل الْعِيَال. قلت: الَّذين من كل مَا يتَكَلَّف. قَوْله: (إِلَيْنَا) ، مَعْنَاهُ يرجع أَمر الْكل إِلَيْنَا، فَإِن كَانَ على الْمَيِّت دين فَعَلَيهِ وفاؤه كَمَا نَص عَلَيْهِ. بقوله: (من ترك دينا فعلي) وَإِن لم يكن عَلَيْهِ دين وَترك شَيْئا فلورثته، إِن كَانُوا، وإلَاّ فَالْأَمْر إِلَيْهِ ﷺ ، وَكَذَلِكَ إِذا ترك عيالاً وَلم يتْرك شَيْئا، لِأَن أُمُور الْمُسلمين كلهَا يرجع إِلَيْهِ فِي كل حَال. ٩٩٣٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا أَبُو عامِرٍ قَالَ حَدثنَا فُلَيْحٌ عَن هِلَالِ بنِ عَلِيٍّ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبِي عَمْرَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إلَاّ وأنَا أوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ اقْرَؤوا إنْ شِئْتُمْ ﴿النَّبِيّ أوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ﴾ (لأحزاب: ٦) فأيُّما مُؤْمِنٍ ماتَ وتَرَكَ مَالا فلْيَرِثُهُ عُصْبَتُهُ مَنْ كانُوا ومنْ تَرَكَ دَيْناً أوْ ضَياعاً فلْيَأْتِني فأنَا مَوْلَاهُ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من الْحَيْثِيَّة الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث السَّابِق، وَرِجَاله ق ذكرُوا على نسق وَاحِد فِي: بَاب كِرَاء الأَرْض بِالذَّهَب وَالْفِضَّة: حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد حَدثنَا أَبُو عَامر حَدثنَا فليح عَن هِلَال بن عَليّ، لَكِن فِيهِ عَن هِلَال بن عَطاء بن يسَار، وَهنا عَن هِلَال عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي عمْرَة، وَعبد الله بن مُحَمَّد هُوَ الْمَعْرُوف بالمسندي وَأَبُو عَامر عبد الْملك بن عَمْرو، وفليح ابْن سُلَيْمَان، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر ... إِلَى آخِره. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مَا من مُؤمن إِلَّا وَأَنا أولى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة) يَعْنِي: أَحَق وَأولى بِالْمُؤْمِنِينَ فِي كل شَيْء من أُمُور الدُّنْيَا وَالْآخِرَة من أنفسهم، وَلِهَذَا أطلق وَلم يعين، فَيجب عَلَيْهِم امْتِثَال أوامره والاجتناب عَن نواهيه. قَوْله: (اقرؤوا إِن شِئْتُم: ﴿النَّبِي أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم﴾ (الْأَحْزَاب: ٦)) فِي معرض الِاحْتِجَاج لما قَالَه تَنْبِيها لَهُم على أَن هَذَا الَّذِي قَالَه وَحي غير متلو، طابقة وَحي متلو، وَتكلم الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿النَّبِي أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم﴾ (الْأَحْزَاب: ٦) . وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَعَطَاء يَعْنِي: إِذا دعاهم النَّبِي إِلَى شَيْء ودعتهم أنفسهم إِلَى شَيْء كَانَت طَاعَة النَّبِي، ﷺ ، أولى بهم من طَاعَة أنفسهم، وَعَن مقَاتل: يَعْنِي طَاعَة النَّبِي ﷺ أولى من طَاعَة بَعْضكُم لبَعض، وَقيل: إِنَّه أولى بهم فِي إِمْضَاء الْأَحْكَام وَإِقَامَة الْحُدُود عَلَيْهِم لما فِيهِ من مصلحَة الْخلق والبعد عَن الْفساد، وَقيل: لِأَن النَّبِي ﷺ يَدعُوهُم إِلَى مَا فِيهِ نجاتهم، وأنفسهم تدعوهم إِلَى مَا فِيهِ هلاكهم. وَقيل: لِأَن أنفسهم تحرسهم من نَار الدُّنْيَا وَالنَّبِيّ ﷺ يحرسهم من نَار العقبى. وَقَالَ ابْن التِّين: عَن الدَّاودِيّ قَوْله: (اقرؤا إِن شِئْتُم) : أَحْسبهُ من كَلَام إبي هُرَيْرَة، وَلَيْسَ كَمَا ظن، فقد روى جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: أَنا أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم. قَوْله: (فليرثه عصبته) ، الْعصبَة عِنْد أهل الْفَرَائِض اسْم لمن يَرث جَمِيع المَال إِذا انْفَرد، والفاضل بعد فرض ذَوي السِّهَام. وَقيل: الْعصبَة قرَابَة الرجل لِأَبِيهِ، سموا بذلك من قَوْلهم: عصب الْقَوْم بفلان أَي: أحاطوا بِهِ، وهم كل من يلتقي مَعَ الْمَيِّت فِي أَب أَو جد، وَيَكُونُونَ معلومين. وَأما الْمَرْأَة فَلَا تسمى عصبَة على الْإِطْلَاق، قَالَ أَبُو الْمعَانِي: الْوَاحِد عاصب، قِيَاس غير مسموع، وَكَذَا قَالَه الْأَزْهَرِي. قَوْله: (من كَانُوا) كلمة: من، مَوْصُولَة، وَإِنَّمَا ذكرهَا ليتناول أَنْوَاع الْعصبَة، فَإِن الْعصبَة لَهُ أَنْوَاع ثَلَاثَة، لِأَنَّهُ: إِن لم يتَوَقَّف على وجود غَيره فَهُوَ عصبَة بِنَفسِهِ، وَإِن توقف فَإِن كَانَ توقفه على وجود ذكر أَو أُنْثَى، فَالْأول عصبَة بِغَيْرِهِ. وَالثَّانِي: عصبَة مَعَ غَيره، على مَا عرف فِي مَوْضِعه. فَإِن قلت: من أَيْن الْعُمُوم؟ قلت: الْعُمُوم من كلمة: من، لِأَن أَلْفَاظ الموصولات عامات. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن تكون: من، شَرْطِيَّة، وَلم يبين وَجه ذَلِك. قَوْله: (أَو ضيَاعًا) ، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة

стр. 3650

مصدر ضَاعَ يضيع، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: مَعْنَاهُ من ترك شَيْئا ضائعاً كالأطفال وَنَحْوهم فَليَأْتِنِي ذَلِك الضائع فَأَنا مَوْلَاهُ، أَي وليه، وَرَوَاهُ بَعضهم: ضيَاعًا، بِكَسْر الضَّاد، وَهُوَ جمع ضائع، كَمَا يُقَال: جَائِع وجياع، قَالَ: وَالْأول أصح. وَقَالَ الْخطابِيّ: الضّيَاع فِي الأَصْل مصدر ثمَّ جعل إسماً لكل مَا هُوَ بصدد أَن يضيع من ولد أَو عِيَال. ٢١ - (بابٌ مَطْلُ الغَنِيِّ ظلْمٌ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ مطل الْغَنِيّ ظلم، فَلفظ: بَاب، منوه غير مُضَاف، ومطل الْغَنِيّ كَلَام إضافي، وظلم خَبره، وأصل المطل من مطلت الحديدة أمطلها مطلاً إِذا ضربتها ومددتها لتطول، وكل مَمْدُود ممطول، وَمِنْه اشتقاق المطل بِالدّينِ وَهُوَ الليان بِهِ، يُقَال: مطله وماطله بِحقِّهِ. ٠٠٤٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا عبدُ الأعْلَى عنْ مَعْمَرٍ عنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ أخِي وَهْبِ بنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يقولُ قَالَ رسولُ الله ﷺ مَطْلُ الغنيِّ ظُلْمٌ. . نفس التَّرْجَمَة هُوَ لفظ الحَدِيث بِعَيْنِه، وَهُوَ جُزْء من حَدِيث أخرجه فِي الْحِوَالَة فِي: بَاب إِذا حَال على مَلِيء حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف حَدثنَا سُفْيَان عَن ابْن ذكْوَان عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: مطل الْغَنِيّ ظلم وَمن اتبع على مَلِيء فَليتبعْ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَعبد الْأَعْلَى هُوَ ابْن عبد الْأَعْلَى الْبَصْرِيّ، وَمعمر هُوَ ابْن رَاشد. ٣١ - (بابٌ لِصاحِبِ الْحَقِّ مَقالٌ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ لصَاحب الْحق مقَال، يَعْنِي إِذا طلب وَكرر قَوْله فِيهِ لَا يلام. ويُذْكَرُ عنِ النبيِّ ﷺ لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وعِرْضُهُ قَالَ سُفْيَانُ عِرْضُهُ يَقُولُ مَطَلْتَنِي وَعُقُوبَتُهُ الْحَبْسُ ذكر الحَدِيث الْمُعَلق، ثمَّ ذكر عَن سُفْيَان تَفْسِيره، ومطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: عرضه، لِأَن سُفْيَان فسر الْعرض بقوله: مطلني حَقي، وَهُوَ مقَال على مَا لَا يخفى. أما الْمُعَلق فوصله أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه من رِوَايَة مُحَمَّد بن مَيْمُون بن مُسَيْكَة عَن عَمْرو بن الشريد عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : لي الْوَاجِد يحل عرضه وعقوبته. والشريد، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة: هُوَ ابْن سُوَيْد الثَّقَفِيّ، قيل: إِنَّه من حَضرمَوْت فحالف ثقيفاً، شهد الْحُدَيْبِيَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (لي الْوَاجِد) ، اللي، بِفَتْح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء: المطل، يُقَال: لواه غَرِيمه بِدِينِهِ يلويه لياً، وَأَصله لوياً أدغمت الْوَاو فِي الْيَاء. والواجد: هُوَ الْقَادِر على قَضَاء دينه. قَوْله: (يحل) ، بِضَم الْيَاء من الْإِحْلَال، وَأما تَفْسِير سُفْيَان فوصله الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الْفرْيَابِيّ، وَهُوَ من شُيُوخ البُخَارِيّ، عَن سُفْيَان بِلَفْظ؛ عرضه أَن يَقُول مطلني حَقي، وعقوبته أَن يسجن. وَقَالَ إِسْحَاق: فسر سُفْيَان عرضه: أَذَاهُ بِلِسَانِهِ، وَعَن وَكِيع: عرضه شكايته، وَاسْتدلَّ بِهِ على مَشْرُوعِيَّة حبس الْمَدْيُون، إِذا كَانَ قَادِرًا على الْوَفَاء تأديباً لَهُ، لِأَنَّهُ ظَالِم حِينَئِذٍ، وَالظُّلم محرم وَإِن قل، وَإِن ثَبت إِعْسَاره وَجب إنظاره وَحرم حَبسه، وَاخْتلف فِي ثَابت الْعسرَة، وَأطلق من السجْن، هَل يلازمه غَرِيمه؟ فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا، حَتَّى يثبت لَهُ مَال آخر. وَقَالَ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَا يمْنَع الْحَاكِم الْغُرَمَاء من لُزُومه. ١٠٤٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ شُعْبَةَ عنْ سَلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أتَى النبيَّ ﷺ رَجُلٌ يَتَقَاضَاهُ فأغْلَظُ لَهُ فَهَمَّ بِهِ أصْحَابُهُ فَقَالَ دَعُوهُ فإنَّ لِصاحِبِ الْحَقِّ مقَالاً. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَإِن لصَاحب الْحق مقَالا) وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان: والْحَدِيث مر فِي: بَاب استقراض الْإِبِل بأتم مِنْهُ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة ... إِلَى آخِره، وَعَن مُسَدّد عَن يحيى عَن سُفْيَان عَن سَلمَة. . إِلَى آخِره، فِي: بَاب حسن

стр. 3651

التقاضي، وَعَن أبي نعيم عَن سُفْيَان عَن سَلمَة ... إِلَى آخِره فِي: بَاب حسن الْقَضَاء. ٤١ - (بابٌ إذَا وجَدَ مالَهُ عِنْدَ مُفْلِسٍ فِي البَيْعِ والقَرْضِ والوَدِيعَةِ فَهْوَ أحَقُّ بِهِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: إِذا وجد شخص مَالا عِنْد مُفلس، وَهُوَ الَّذِي حكم الْحَاكِم بإفلاسه. قَوْله: (فِي البيع) ، يتَعَلَّق بقوله: وجد صورته: أَن يَبِيع رجل مَتَاعا لرجل ثمَّ أفلس الرجل الَّذِي اشْتَرَاهُ، وَوجد البَائِع مَتَاعه الَّذِي بَاعه عِنْده، فَهُوَ أَحَق بِهِ من غَيره من الْغُرَمَاء، وَفِيه خلاف نذكرهُ عَن قريب. قَوْله: (وَالْقَرْض) ، صورته أَن يقْرض لرجل مِمَّا يَصح فِيهِ الْقَرْض، ثمَّ أفلس الْمُسْتَقْرض، فَوجدَ الْمقْرض مَا أقْرضهُ عِنْده فَهُوَ أَحَق بِهِ من غَيره، وَفِيه الْخلاف أَيْضا. قَوْله: (والوديعة) ، صورته أَن يودع رجل عِنْد رجل وَدِيعَة ثمَّ أفلس المودَع فالمودِع بِكَسْر الدَّال أَحَق بِهِ من غَيره بِلَا خلاف. وَقيل: إِدْخَال البُخَارِيّ الْقَرْض والوديعة مَعَ الدّين إِمَّا لِأَن الحَدِيث مُطلق، وَإِمَّا أَنه وَارِد فِي البيع، وَالْحكم فِي الْقَرْض والوديعة أولى. أما الْوَدِيعَة فَملك رَبهَا لم ينْتَقل، وَأما الْقَرْض فانتقال ملكه عَنهُ مَعْرُوف، وَهُوَ أَضْعَف من تمْلِيك الْمُعَاوضَة، فَإِذا أبطل التَّفْلِيس ملك الْمُعَاوضَة الْقوي بِشَرْطِهِ فالضعيف أولى. قلت: قَوْله: وَالْحكم فِي الْقَرْض والوديعة أولى، غير مسلَّم فِي الْقَرْض، لِأَنَّهُ انْتقل من ملك المقرِض وَدخل فِي ملك الْمُسْتَقْرض، فَكيف يكون الْمقْرض أولى من غَيره، وَلَيْسَ لَهُ فِيهِ ملك؟ واعترف هَذَا الْقَائِل أَيْضا أَن الْقَرْض انْتقل من ملك الْمقْرض. قَوْله: (فَهُوَ أَحَق بِهِ) ، جَوَاب: إِذا، الَّتِي تَضَمَّنت معنى الشَّرْط، فَلذَلِك دخلت الْفَاء فِي جوابها، وَالضَّمِير فِي: بِهِ، يرجع إِلَى قَوْله: مَاله، يَعْنِي: أَحَق بِهِ من غَيره، من غُرَمَاء الْمُفلس. وَقَالَ الحسَنُ إذَا أفْلعسَ وتبَيَّنَ لَمْ يَجُزّ عِتْقُهُ ولَا بَيْعُهُ ولَا شِرَاؤهُ الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ. قَوْله: (إِذا أفلس) ، أَي: رجل أَو شخص، فالقرينة تدل عَلَيْهِ. قَوْله: (وَتبين) ، أَي: ظهر إفلاسه عِنْد الْحَاكِم، فَلَا يجوز عتقه إِلَى آخِره، وَقيد بِهِ لِأَنَّهُ مَا لم يتَبَيَّن إفلاسه عِنْد الْحَاكِم يجوز تصرفه فِي الْأَشْيَاء كلهَا، وَأما عِنْد التبين فَفِيهِ خلاف، فَعِنْدَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: بيع الْمَحْجُور وابتياعه جَائِز، وَعند أَكثر الْعلمَاء: لَا يجوز إلَاّ إِذا وَقع مِنْهُ البيع لوفاء الدّين، وَعند الْبَعْض يُوقف، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي فِي قَول: وَاخْتلفُوا فِي إِقْرَاره، فالجمهور على قبُوله. وَقَالَ سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ قَضاى عُثْمَانُ مَنِ اقْتَضَى مِنْ حَقِّهِ قَبْلَ أنْ يُفْلِسَ فَهْوَ لَهُ ومَنْ عَرَفَ مَتاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهْوَ أحَقُّ بِهِ عُثْمَان هُوَ ابْن عَفَّان. قَوْله: (من اقْتضى من حَقه) ، مَعْنَاهُ: أَن من كَانَ لَهُ حق عِنْد أحد فَأَخذه قبل أَن يفلسه الْحَاكِم فَهُوَ لَهُ لَا يتَعَرَّض إِلَيْهِ أحد من غُرَمَائه خَاصَّة، بل كل من أثبت عَلَيْهِ حَقًا يُطَالِبهُ بِخِلَاف مَا إِذا عرف أحد مَتَاعه بِعَيْنِه أَنه عِنْده فَإِنَّهُ أَحَق بِهِ من غَيره من سَائِر الْغُرَمَاء، وَبِه أَخذ الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد على مَا يَجِيء بَيَانه، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو عبيد فِي كتاب الْأَمْوَال عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن أبي حَرْمَلَة عَن سعيد بن الْمسيب، قَالَ: أفلس مولى لأم حَبِيبَة فاختصم فِيهِ إِلَى عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقضى أَن من كَانَ اقْتضى من حَقه شَيْئا قبل أَن يتَبَيَّن إفلاسه فَهُوَ لَهُ، وَمن عرف مَتَاعه بِعَيْنِه فَهُوَ لَهُ. ٢٠٤٢ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يونُسَ قَالَ حدَّثنا زُهَيْرٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى ابنُ سَعِيدٍ قَالَ أخبرَني أَبُو بَكْرِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ حزْمٍ أنَّ عُمر بنَ عَبْدِ العَزِيزِ أخْبَرَهُ أنَّ أبَا بَكْرِ بنَ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ الحَرث بنِ هِشامٍ قَالَ أخبرهُ أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يقولُ قَالَ رسولُ الله ﷺ أوْ قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقولُ مَنْ أدْرَكَ مالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ أوْ إنْسَانٍ قَدْ أفْلَسَ فَهْوَ أحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة لَا تطابق إلَاّ بقوله فِي البيع، لِأَن أَحَادِيث هَذَا الْبَاب تدل على أَن حَدِيث الْبَاب وَارِد فِي البيع. مِنْهُم:

стр. 3652

مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي، ﷺ ، فِي الرجل الَّذِي يعْدم إِذا وجد عِنْده الْمَتَاع لم يعرفهُ أَنه لصَاحبه الَّذِي بَاعه. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان من رِوَايَة يحيى بن سعيد بِإِسْنَاد حَدِيث الْبَاب بِلَفْظ: (إِذا ابْتَاعَ الرجل سلْعَة ثمَّ أفلس وَهِي عِنْده بِعَينهَا فَهُوَ أَحَق بهَا من الْغُرَمَاء) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن حبَان من طَرِيق هِشَام بن يحيى المَخْزُومِي عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (إِذا أفلس الرجل فَوجدَ البَائِع سلْعَته) وَالْبَاقِي مثله. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ مَالك عَن ابْن شهَاب عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث مُرْسلا: (أَيّمَا رجل بَاعَ سلْعَة فأفلس الَّذِي ابتاعه وَلم يقبض البَائِع من ثمنه شَيْئا، فَوَجَدَهُ بِعَيْنِه فَهُوَ أَحَق بِهِ) . قيل: يلْتَحق بِهِ الْقَرْض والوديعة. قلت: قد ردينا هَذَا عَن قريب بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة. ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: أَحْمد بن يُونُس، هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس التَّمِيمِي الْيَرْبُوعي. الثَّانِي: زُهَيْر مصغر الزهر بن مُعَاوِيَة الْجعْفِيّ، مر فِي الْوضُوء. الثَّالِث: يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ. الرَّابِع: أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الزَّاي، مر فِي الْوَحْي. الْخَامِس: عمر بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان الْخَلِيفَة الْعَادِل الْقرشِي الْأمَوِي. السَّادِس: أَبُو بكر ابْن عبد الرَّحْمَن الَّذِي يُقَال لَهُ: رَاهِب قُرَيْش لِكَثْرَة صلَاته. السَّابِع: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور بنسبته إِلَى جده وَأَنه وزهيراً كوفيان والبقية مدنيون. وَفِيه: أَرْبَعَة من التَّابِعين يحيى وَثَلَاثَة بعده. وَفِيه: أَن يحيى وَمن بعده كلهم ولوا الْقَضَاء على الْمَدِينَة. وَفِيه: أَن يحيى وَأَبا بكر بن مُحَمَّد وَعمر بن عبد الْعَزِيز من طبقَة وَاحِدَة. وَفِيه: شكّ أحد الروَاة بَين قَوْله: قَالَ رَسُول الله، وَقَوله: سَمِعت رَسُول الله، قَالَ بَعضهم: أَظُنهُ من زُهَيْر. قلت: الظَّن لَا يجدي شَيْئا، لِأَن الِاحْتِمَال فِي غَيره قَائِم. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن أَحْمد بن يُونُس بِهِ وَعَن يحيى بن يحيى وَعَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح وَعَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي وَيحيى بن حبيب وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن ابْن أبي عمر وَعَن ابْن أبي حُسَيْن. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن النُّفَيْلِي وَعَن مُحَمَّد بن عَوْف وَعَن القعْنبِي عَن مَالك وَعَن سُلَيْمَان بن دَاوُد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن عبد الرَّحْمَن بن خَالِد وَإِبْرَاهِيم بن الْحسن، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن رمح بِهِ وَعَن هِشَام بن عمار. ذكر حكم هَذَا الحَدِيث فِي الِاحْتِجَاج بِهِ: احْتج بِهِ عَطاء بن أبي رَبَاح وَعُرْوَة بن الزبير وطاووس وَالشعْبِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَعبيد الله بن الْحسن وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَدَاوُد، فَإِنَّهُم ذَهَبُوا إِلَى ظَاهر هَذَا الحَدِيث وَقَالُوا: إِذا أفلس الرجل وَعِنْده مَتَاع قد اشْتَرَاهُ وَهُوَ قَائِم بِعَيْنِه فَإِن صَاحبه أَحَق بِهِ من غَيره من الْغُرَمَاء. وَقَالَ أَبُو عمر: أجمع فُقَهَاء الْحجاز وَأهل الْأَثر على القَوْل بجملته، أَي بجملة الحَدِيث الْمَذْكُور، وَإِن اخْتلفُوا فِي أَشْيَاء من فروعه. ثمَّ قَالَ: وَاخْتلف مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي الْمُفلس يَأْبَى غرماؤه دفع السّلْعَة إِلَى صَاحبهَا، وَقد وجدهَا بِعَينهَا، ويريدون دفع الثّمن إِلَيْهِ من قبل أنفسهم كَمَا لَهُم فِي قبض السّلْعَة من الْفضل، فَقَالَ مَالك: لَهُم ذَلِك وَلَيْسَ لصَاحِبهَا أَخذهَا إِذا دفع إِلَيْهِ الْغُرَمَاء الثّمن. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَيْسَ للْغُرَمَاء فِي هَذَا مقَال. قَالَ: وَإِذا لم يكن للْمُفلس وَلَا لوَرثَته أَخذ السّلْعَة فالغرماء أبعد من ذَلِك، وَإِنَّمَا الْخِيَار لصَاحب السّلْعَة إِن شَاءَ أَخذهَا وَإِن شَاءَ تَركهَا، وَضرب مَعَ الْغُرَمَاء لِأَنَّهُ ﷺ جعل صَاحبهَا أَحَق بهَا مِنْهَا، وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر وَأحمد وَجَمَاعَة، وَاخْتلف مَالك وَالشَّافِعِيّ أَيْضا إِذا اقْتضى صَاحب السّلْعَة من ثمنهَا شَيْئا. فَقَالَ ابْن وهب وَغَيره عَن مَالك: إِن أحب صَاحب السّلْعَة أَن يرد مَا قبض من لثمن وَيقبض سلْعَته كَانَ ذَلِك لَهُ. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَو كَانَت السّلْعَة عبدا فَأخذ نصف ثمنه ثمَّ أفلس الْغَرِيم كَانَ لَهُ نصف العَبْد لِأَنَّهُ بِعَيْنِه، وَيبِيع النّصْف الثَّانِي الَّذِي بَقِي للْغُرَمَاء وَلَا يرد شَيْئا مِمَّا أَخذ، لِأَنَّهُ مستوفٍ لما أَخذ، وَبِه قَالَ أَحْمد. وَاخْتلف مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي الْمُفلس يَمُوت قبل الحكم عَلَيْهِ وَقبل توقيفه، فَقَالَ مَالك: لَيْسَ حكم الْمُفلس كَحكم الْمَيِّت، وبائع السّلْعَة إِذا وجدهَا

стр. 3653

بِعَينهَا أُسْوَة للْغُرَمَاء فِي الْمَوْت بِخِلَاف التَّفْلِيس، وَبِه قَالَ أَحْمد. وَفِي (التَّوْضِيح) مُقْتَضى الحَدِيث رُجُوعه أَي: رُجُوع صَاحب السّلْعَة وَلَو قبض بعض الثّمن لإِطْلَاق الحَدِيث، وَهُوَ الْجَدِيد من قَول الشَّافِعِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَخَالف فِي الْقَدِيم، فَقَالَ: يضارب بباقي الثّمن فَقَط، واستدلت الشَّافِعِيَّة بقوله: من أدْرك مَاله بِعَيْنِه على أَن شَرط اسْتِحْقَاق صَاحب المَال دون غَيره أَن يجد مَاله بِعَيْنِه لم يتَغَيَّر وَلم يتبدل، وإلَاّ فَإِن تَغَيَّرت الْعين فِي ذَاتهَا بِالنَّقْصِ مثلا أَو فِي صفة من صفاتها فَهُوَ أُسْوَة الْغُرَمَاء. وَبسط بعض الشَّافِعِيَّة الْكَلَام هُنَا، وَجعله على وُجُوه: الأول: لَا بُد فِي الحَدِيث من اضمار وَلم يكن البَائِع قبض ثمنهَا لِأَنَّهُ إِذا قَبضه فَلَا رُجُوع لَهُ فِيهِ إِجْمَاعًا. الثَّانِي: خصص مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي قَول قديم لَهُ رُجُوعه فِي الْعين بِمَا إِذا لم يكن قبض من ثمنهَا شَيْئا، فَإِن قبض بعضه صَار فِي بَقِيَّته أُسْوَة الْغُرَمَاء، وَقد قُلْنَا آنِفا: إِن الشَّافِعِي لم يفرق فِي الْجَدِيد بَين قبض بعض الثّمن وَبَين عدم قَبضه لعُمُوم الحَدِيث. الثَّالِث: اسْتدلَّ الشَّافِعِي وَأحمد بِرِوَايَة عمر بن خلدَة عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: من أفلس أَو مكات فَوجدَ رجل مَتَاعه ... . الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره على التَّسْوِيَة بَين حالتي الإفلاس حَيا وَمَيتًا أَن لصَاحب السّلْعَة الرُّجُوع، وَفرق مَالك بَينهمَا، وَقَالَ: هُوَ فِي حَالَة الْمَوْت أُسْوَة الْغُرَمَاء. الرَّابِع: اسْتدلَّ بقوله: أدْرك مَاله بِعَيْنِه، على أَنَّهَا إِذا هَلَكت أَو أخرجهَا عَن ملكه بِبيع أَو هبة أَو عتق أَو نَحوه أَنه لَا يرجع فِيهَا، لِأَنَّهَا لَيست على يَد المُشْتَرِي. الْخَامِس: اسْتدلَّ بِهِ على أَن التَّصَرُّف الَّذِي لَا يزِيل الْملك لَا يبطل حق الرُّجُوع للْبَائِع كالتدبير، واستيلاد أم الْوَلَد، وَهُوَ كَذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُدبر عِنْد من يجوز بَيْعه، وَهُوَ الصَّحِيح، وَأما بِالنِّسْبَةِ إِلَى أم الْوَلَد فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوع فِيهَا على الصَّوَاب. قَالَ شَيخنَا: وَأما مَا وَقع فِي فَتَاوَى النَّوَوِيّ من أَنه يرجع فَهُوَ غلط، وَقد عبَّر هُوَ فِي (تَصْحِيح التَّنْبِيه) بِأَن الصَّوَاب أَنه لَا يرجع. السَّادِس: مَا المُرَاد بالمفلس الْمَذْكُور فِي الحَدِيث وَفِي قَول الْفُقَهَاء؟ قَالَ الرَّافِعِيّ نقلا عَن الْأَئِمَّة: إِن الْمُفلس من عَلَيْهِ دُيُون لَا تفي بِمَالِه، وَاعْترض عَلَيْهِ بأمرين: أَحدهمَا: أَنه لَا بُد من تَقْيِيد ذَلِك بِضَرْب الْحَاكِم الْحجر عَلَيْهِ، فَإِن من هَذِه حَاله وَلم يضْرب عَلَيْهِ الْحجر يَصح بَيْعه وشراؤه بِلَا خلاف. وَالثَّانِي: أَنه تتقيد الدُّيُون بديون الْعباد، أما دُيُون الله تَعَالَى كَالزَّكَاةِ وَنَحْوهَا، فَإِنَّهُ لَا يضْرب عَلَيْهِ الْحجر بعجز مَاله عَنْهَا إِذا كَانَ مَاله يَفِي بديون الْعباد، كَمَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ فِي كتاب (الْإِيمَان) . السَّابِع: قَوْله: مَاله بِعَيْنِه، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ وَغَيره: فَوجدَ الرجل سلْعَته عِنْده بِعَينهَا، دَلِيل على أَنه لَا يخْتَص ذَلِك بِالْبيعِ، بل لَو أقْرضهُ دَرَاهِم ثمَّ أفلس فَوجدَ الرجل الدَّرَاهِم بِعَينهَا فَهُوَ أَحَق بهَا من بَقِيَّة الْغُرَمَاء، لِأَن السّلْعَة لُغَة الْمَتَاع. قَالَه الْجَوْهَرِي، وَفِي بعض طرقه فِي (الصَّحِيح) أَيْضا: فَوجدَ الرجل مَتَاعه أَو مَاله. الثَّامِن: لَو أجره شَيْئا بمنجل وتفلس الْمُسْتَأْجر قبل فيض الْأُجْرَة أَنه يفْسخ الْإِجَارَة وَيرجع بِالْعينِ الْمُسْتَأْجرَة، وَقد صرح بِهِ الرَّافِعِيّ، قَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: وإدراجه تَحت لفظ الحَدِيث مُتَوَقف على الْمَنَافِع، هَل يُطلق عَلَيْهَا إسم الْمَتَاع وَالْمَال؟ قَالَ: وَإِطْلَاق المَال عَلَيْهَا أقوى. قلت: يُطلق عَلَيْهَا اسْم الْمَتَاع لُغَة، قَالَ الْجَوْهَرِي: الْمَتَاع السّلْعَة، وَالْمَتَاع الْمَنْفَعَة. التَّاسِع: يدْخل تَحت ظَاهر الحَدِيث مَا الْتزم فِي ذمَّته نقل مَتَاع من مَكَان إِلَى مَكَان، ثمَّ أفلس، وَالْأُجْرَة بِيَدِهِ قَائِمَة، فَإِنَّهُ يثبت حق الْفَسْخ وَالرُّجُوع إِلَى الْأُجْرَة، قَالَه ابْن دَقِيق الْعِيد. الْعَاشِر: فِيهِ حجَّة لأحد الْوَجْهَيْنِ أَن الْمُفلس الْمَضْرُوب عَلَيْهِ الْحجر يحل الدُّيُون المؤجلة عَلَيْهِ، وَالصَّحِيح أَنه لَا يحل. الْحَادِي عشر: قد يسْتَدلّ بِهِ لأصح الْوَجْهَيْنِ: أَن الْغُرَمَاء إِذا قدمُوا صَاحب الْعين الْقَائِمَة بِثمنِهَا لم يسْقط حَقه من الرُّجُوع فِي الْعين. الثَّانِي عشر: قد يسْتَدلّ بِهِ على أَن لصَاحب الْعين الاستبداد فِي الرُّجُوع فِي عينه، وَهُوَ أحد الْوَجْهَيْنِ، وَقيل: لَيْسَ ذَلِك إلَاّ بالحاكم. الثَّالِث عشر: قد يسْتَدلّ بِهِ لأصح الْوَجْهَيْنِ أَنه: لَو امْتنع المُشْتَرِي من تَسْلِيم الثّمن أَو هرب، أَو امْتنع الْوَارِث من تَسْلِيم الثّمن وَحجر الْحَاكِم عَلَيْهِ أَنه لصَاحب الْعين الرُّجُوع إِلَى حَقه لقَوْله: أَيّمَا امرىء أفلس، فَهَذَا مَفْهُوم شَرط وَصفَة، فَيَقْتَضِي أَنه لَا رُجُوع فِي حق غير الْمُفلس. الرَّابِع عشر: اسْتدلَّ بِهِ لأصح الْوَجْهَيْنِ أَنه إِذا بَاعه عَبْدَيْنِ فَتلف أَحدهمَا رَجَعَ فِي الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ، وَقيل: يرجع فِيهِ بِكُل الثّمن. الْخَامِس عشر: اسْتدلَّ بِهِ لأحد الْوَجْهَيْنِ أَنه إِذا وجد رب السّلْعَة سلْعَته عِنْد الْمُفلس بعد أَن خرجت: ثمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ بِغَيْر عوض أَنه يرجع كالميراث وَالْهِبَة، وَهُوَ الَّذِي صَححهُ الرَّافِعِيّ فِي (الشَّرْح الصَّغِير) ، وَصحح النَّوَوِيّ من زياداته فِي (الرَّوْضَة) عدم الرُّجُوع لِأَنَّهُ تَلقاهُ من مَالك آخر غير

стр. 3654

صَاحب الْعين. السَّادِس عشر: اسْتدلَّ بِهِ على رُجُوع البَائِع، وَإِن كَانَ للْمُفلس ضَامِن بِالثّمن، وَقد فرق صَاحب (التَّتِمَّة) بَين أَن يضمن بِإِذن المُشْتَرِي أَو لَا، فَإِن ضمن بِإِذْنِهِ فَلَيْسَ لَهُ الْفَسْخ، وَإِن ضمن بِغَيْر إِذْنه فَوَجْهَانِ. السَّابِع عشر: اسْتدلَّ بِهِ من ذهب إِلَى أَن البَائِع يرجع فِيهِ، وَإِن كَانَ الْمَبِيع شخصا مشفوعاً وَلم يعلم الشَّفِيع حَتَّى حجر على المُشْتَرِي، وَهُوَ وَجه، وَالصَّحِيح أَنه يَأْخُذهُ الشَّفِيع وَيكون الثّمن بَين الْغُرَمَاء، وَقيل: يَأْخُذهُ الشَّفِيع ويخص البَائِع بِالثّمن جمعا بَين الْحَقَّيْنِ. الثَّامِن عشر: فِيهِ أَنه يرجع، وَإِن وجده معيبا. التَّاسِع عشر: فِيهِ أَنه لَا يرجع بالزوائد الْمُنْفَصِلَة لِأَنَّهَا لَيست مَتَاعه. الْعشْرُونَ: اسْتدلَّ بِهِ على أَن البَائِع لَهُ الرُّجُوع، وَإِن كَانَ المُشْتَرِي قد بنى وغرس فِيهَا، وَفِيه خلاف وتفصيل مَعْرُوف فِي كتب الْفِقْه. انْتهى. قلت: ذهب إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالشعْبِيّ فِي رِوَايَة، ووكيع بن الْجراح وَعبد الله بن شبْرمَة قَاضِي الْكُوفَة. وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَزفر: إِلَى أَن بَائِع السّلْعَة أُسْوَة للْغُرَمَاء، وَصَحَّ عَن عمر بن عبد الْعَزِيز أَن من اقْتضى من ثمن سلْعَته شَيْئا ثمَّ أفلس فَهُوَ والغرماء فِيهِ سَوَاء، وَهُوَ قَول الزُّهْرِيّ، وَرُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، نَحْو مَا ذهب إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ، وروى قَتَادَة عَن خلاس بن عَمْرو عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ: هُوَ فِيهَا أُسْوَة الْغُرَمَاء إِذا وجدهَا بِعَيْنِه، وَبِهَذَا يرد على ابْن الْمُنْذر فِي قَوْله: وَلَا نعلم لعُثْمَان فِي هَذَا مُخَالفا من الصَّحَابَة. وَقَول عُثْمَان مر عَن قريب فِي أَوَائِل الْبَاب. وروى الثَّوْريّ عَن مُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم، قَالَ: هُوَ والغرماء فِيهِ شرعا سَوَاء، وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا ابْن فُضَيْل عَن عَطاء بن السَّائِب عَن الشّعبِيّ، وَسَأَلَهُ رجل أَنه وجد مَاله بِعَيْنِه، فَقَالَ: لَيست لَك دون الْغُرَمَاء. وَأجَاب الطَّحَاوِيّ عَن حَدِيث الْبَاب أَن الْمَذْكُور فِيهِ: من أدْرك مَاله بِعَيْنِه، وَالْمَبِيع لَيْسَ هُوَ عين مَاله، وَإِنَّمَا هُوَ عين مَال قد كَانَ لَهُ، وَإِنَّمَا مَاله بِعَيْنِه يَقع على الْمَغْصُوب والعواري والودائع وَمَا أشبه ذَلِك، فَذَلِك مَاله بِعَيْنِه فَهُوَ أَحَق بِهِ من سَائِر الْغُرَمَاء، وَفِي ذَلِك جَاءَ هَذَا الحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ ، وَالَّذِي يدل عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ فِي حَدِيث سَمُرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِنَّهُ حَدثنَا مُحَمَّد بن عَمْرو، قَالَ: حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن حجاج عَن سعيد بن زيد بن عقبَة عَن أَبِيه عَن سَمُرَة بن جُنْدُب: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: من سرق لَهُ مَتَاع، أَو ضَاعَ لَهُ مَتَاع فَوَجَدَهُ عِنْد رجل بِعَيْنِه فَهُوَ أَحَق بِعَيْنِه، وَيرجع المُشْتَرِي على البَائِع بِالثّمن. وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا، فَهَذَا يبين أَن المُرَاد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَنه على الودائع والعواري وَالْمَغْصُوب وَنَحْوهَا، وَأَن صَاحب الْمَتَاع أَحَق بِهِ إِذا وجده فِي يَد رجل بِعَيْنِه، وَلَيْسَ للْغُرَمَاء فِيهِ نصيب لِأَنَّهُ بَاقٍ على ملكه، لِأَن يَد الْغَاصِب يَد التَّعَدِّي وَالظُّلم، وَكَذَلِكَ السَّارِق، فخلاف مَا إِذا بَاعه وَسلمهُ إِلَى المُشْتَرِي فَإِنَّهُ يخرج عَن ملكه وَإِن لم يقبض الثّمن. قلت: حَدِيث سَمُرَة هَذَا فِيهِ الْحجَّاج بن أَرْطَأَة وَالنَّخَعِيّ فِيهِ مقَال. قلت: مَا للحجاج وَقد روى عَنهُ مثل الإِمَام أبي حنيفَة وَالثَّوْري وَشعْبَة وَابْن الْمُبَارك؟ وَقَالَ الْعجلِيّ: كَانَ فَقِيها. وَقَالَ أحد مفتي الْكُوفَة: وَكَانَ جَائِز الحَدِيث، وَقَالَ أَبُو زرْعَة: صَدُوق مُدَلّس، وَقَالَ ابْن حبَان: صَدُوق يكْتب حَدِيثه، وَقَالَ الْخَطِيب: أحد الْعلمَاء بِالْحَدِيثِ والحفاظ ل. وَفِي (الْمِيزَان) : أحد الْأَعْلَام. وَأَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم الضَّرِير، وَسَعِيد بن زيد وَثَّقَهُ ابْن حبَان، وَأَبوهُ زيد بن عقبَة وَثَّقَهُ الْعجلِيّ وَالنَّسَائِيّ. فَإِن وَقد تكلم جمَاعَة مِمَّن يلوح مِنْهُم لوائح التعصب بِمَا فِيهِ ترك مُرَاعَاة حسن الْأَدَب، فَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي (الْمُفْهم) ؛ تعسف بعض الْحَنَفِيَّة فِي تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث بتأويلات لَا تقوم على أساس، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وتأولوه بتأويلات ضَعِيفَة مَرْدُودَة وَقَالَ ابْن بطال: قَالَ الْحَنَفِيَّة: البَائِع أُسْوَة للْغُرَمَاء، ودفعوا حَدِيث التَّفْلِيس بِالْقِيَاسِ، وَقَالُوا: السّلْعَة مَال المُشْتَرِي وَثمنهَا فِي ذمَّته، وَالْجَوَاب: أَنه لَا مدْخل للْقِيَاس إلَاّ إِذا عدمت السّنة، أما مَعَ وجودهَا فَهِيَ حجَّة على من خالفها، فَإِن قَالَ الْكُوفِيُّونَ: نؤوله بِأَنَّهُ مَحْمُول على الْمُودع والمقرض دون البَائِع. قُلْنَا: هَذَا فَاسد، لِأَنَّهُ، ﷺ ، جعل لصَاحب الْمَتَاع الرُّجُوع إِذا وجده بِعَيْنِه، وَالْمُودع أَحَق بِعَيْنِه سَوَاء كَانَ على صفته أَو قد تغير عَنْهَا، فَلم يجز حمل الْخَبَر عَلَيْهِ، وَوَجَب حمله على البَائِع لِأَنَّهُ إِنَّمَا يرجع بِعَيْنِه إِذا وجده بِصفتِهِ لم يتَغَيَّر، فَإِذا تغير فَإِنَّهُ لَا يرجع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقَالَ بَعضهم: هَذَا التَّأْوِيل غير صَحِيح إِذْ لَا خلاف أَن صَاحب الْوَدِيعَة أَحَق بهَا، سَوَاء وجدهَا عِنْد مُفلس أَو غَيره، وَقد شَرط الإفلاس فِي الحَدِيث، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) ؛ وَحمل أَبُو حنيفَة الحَدِيث على الْغَصْب والوديعة لِأَنَّهُ لم يذكر البيع فِيهِ، وأوَّلَ الحَدِيث بتأويلات ضَعِيفَة مَرْدُودَة، وَتعلق بِشَيْء يرْوى عَن عَليّ وَابْن

стр. 3655

مَسْعُود، وَلَيْسَ بِثَابِت عَنْهُمَا، وَتركُوا الحَدِيث بِالْقِيَاسِ بِأَن يَده قد زَالَت كيد الرَّاهِن. وَقَالَ بعض الشَّافِعِيَّة: فِي الحَدِيث الْمَذْكُور حجَّة على أبي حنيفَة حَيْثُ قَالَ: هُوَ أُسْوَة الْغُرَمَاء، وَأَجَابُوا عَن الحَدِيث بأجوبة. أَحدهَا: أَنهم قَالُوا: هَذَا الحَدِيث مُخَالف لِلْأُصُولِ الثَّابِتَة، فَإِن الْمُبْتَاع قد ملك السّلْعَة وَصَارَت فِي ضمانة فَلَا يجوز أَن ينْقض عَلَيْهِ ملكه، قَالُوا: والْحَدِيث إِذا خَالف الْقيَاس يشْتَرط فِيهِ فقه الرَّاوِي، وَأَبُو هُرَيْرَة لَيْسَ كَذَلِك. وَالثَّانِي: أَن المُرَاد الغصوب والعواري والودائع والبيوع الْفَاسِدَة وَنَحْوهَا. وَالثَّالِث: أَنه مَحْمُول على البيع قبل الْقَبْض. وَهَذِه الْأَجْوِبَة فَاسِدَة. أما الأول: فَإِن كل حَدِيث أصل بِرَأْسِهِ، فَلَا يجوز أَن يعْتَرض عَلَيْهِ بِسَائِر الْأُصُول الْمُخَالفَة لَهُ، وَقد ينْقض ملك الْمَالِك فِي غير مَوضِع: كالشفعة وَالطَّلَاق قبل الدُّخُول بعد أَن ملكت الصَدَاق، وَتَقْدِيم صَاحب الرَّهْن على الْغُرَمَاء، وَاخْتِلَاف المتبايعني وتعجيز الْمكَاتب وَغير ذَلِك، وَقد أخذت الْحَنَفِيَّة بِحَدِيث القهقهة فِي الصَّلَاة مَعَ كَونه مُخَالفا لِلْأُصُولِ وَضَعفه أَيْضا. وَأما الثَّانِي: فيبطله قَوْله: أَيّمَا امرىء أفلس فَإِن الْمَغْصُوب مِنْهُ وَمن ذكر مَعَه أَحَق بمتاعه من الْمُفلس وَغَيره. وَأما الثَّالِث: فيبطله، وَوجد الرجل سلْعَته عِنْده وَهِي قبل الْقَبْض لَيست عِنْد الْمُفلس، وَلَا يُقَال: وجدهَا صَاحبهَا وأدركها، وَهِي عِنْده. قلت: هَؤُلَاءِ كلهم صدرُوا عَن مكرع وَاحِد، أما الْقُرْطُبِيّ وَالنَّوَوِيّ فَإِنَّهُمَا ادّعَيَا: بِأَن تَأْوِيل الْحَنَفِيَّة ضَعِيف مَرْدُود، وَلم يبينا وَجه ذَلِك، وَأما ابْن بطال فَإِنَّهُ قَالَ: الْحَنَفِيَّة دفغوا حَدِيث الْمُفلس بِالْقِيَاسِ، وَلَا مدْخل للْقِيَاس إِلَّا إِذا عدمت السّنة، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، لأَنهم مَا دفعُوا الحَدِيث بِالْقِيَاسِ، بل عمِلُوا بهما. أما عَمَلهم بِالْحَدِيثِ فَظَاهر قطعا، لِأَنَّهُ قَالَ: من أدْرك مَاله بِعَيْنِه، وَإِدْرَاك المَال بِعَيْنِه لَا يتَصَوَّر إلَاّ فِيمَا قَالُوا نَحْو الغصوب والعواري والودائع، وَنَحْو ذَلِك، لِأَن مَاله فِي هَذِه الْأَشْيَاء مُحَقّق وَلم يخرج عَن ملكه بِوَجْه من الْوُجُوه، فَلَا يُشَارِكهُ فِيهِ أحد. وَأما عَمَلهم بِالْقِيَاسِ فَظَاهر قطعا أَيْضا، لِأَن الْمَبِيع خرج عَن ملك البَائِع وَدخل فِي ملك المُشْتَرِي، فَإِن لم يكن الثّمن مَقْبُوضا فَكيف يجوز تَخْصِيص البَائِع بِهِ وَمنع تشريك غَيره من أَصْحَاب الْحُقُوق الَّتِي هِيَ مُتَعَلقَة بِذِمَّة المُشْتَرِي؟ فَهَذَا لَا يقبله النَّقْل والقاس، على أَنه نقل عَن إِمَامه مَالك بن أنس: أَن الْقيَاس مقدم على خبر الْوَاحِد. حَيْثُ يَقُول: إِن الْقيَاس حجَّة بِإِجْمَاع الصَّحَابَة. وَفِي اتِّصَال خبر الْوَاحِد بِالنَّبِيِّ ﷺ احْتِمَال وَكَانَ الْقيَاس الثَّابِت بِالْإِجْمَاع اقوى وَنحن نقُول اجماع الصَّحَابَة على التَّقْدِيم خبر الْوَاحِد على الْقيَاس، وَخبر الْوَاحِد حجَّة بِالْإِجْمَاع، والشبهة بِالْقِيَاسِ فِي الأَصْل وَفِي الْخَبَر، فِي الِاتِّصَال، فَيرجع الْخَبَر عَلَيْهِ، ودعواه بِأَن تَأْوِيل الْكُوفِيّين فَاسد لِأَنَّهُ جعل لصَاحب الْمَتَاع إِذا وجده بِعَيْنِه فَاسِدَة لأَنا لَا نكرر جعله لصَاحب الْمَتَاع إِذا وجده بِعَيْنِه، فَكل من كَانَ صَاحب الْمَتَاع فَلهُ الرُّجُوع، وَالْبَائِع هُنَا خرج عَن كَونه صَاحب الْمَتَاع، لِأَن الْمَتَاع خرج من ملكه، وتبدل الصّفة هُنَا كتبدل الذَّات، فَصَارَ الْمَبِيع غير مَاله، وَقد كَانَ عين مَاله أَولا. فَإِن قلت: أَنْت ذكرت عقيب ذكر الحَدِيث: أَن أَحَادِيث الْبَاب تدل على أَن حَدِيث الْبَاب وَارِد فِي البيع، ثمَّ ذكرت عَن مُسلم وَغَيره مَا يدل على ذَلِك؟ قلت: إِنَّمَا ذكرت ذَلِك لأجل بَيَان تَرْجَمَة البُخَارِيّ حَيْثُ قَالَ: بَاب إِذا وجد مَاله عِنْد مُفلس فِي البيع ... إِلَى آخِره، وَذَلِكَ أَن مذْهبه مثل مَذْهَب من يَجْعَل البَائِع أُسْوَة الْغُرَمَاء، فَذكرت مَا ذكرت لأجل بَيَان ذَلِك، وَلأَجل الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث. وَأما حَدِيث أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث فَإِنَّهُ مُضْطَرب، لِأَن مَالِكًا رَوَاهُ فِي (موطئِهِ) عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن النَّبِي ﷺ مُرْسلا، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: هُوَ أصح مِمَّن رَوَاهُ عَن مَالك مُسْندًا، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَلَا يثبت هَذَا عَن الزُّهْرِيّ مُسْندًا، وَإِنَّمَا هُوَ مُرْسل. وَقَالَ أَبُو عمر: كَذَا هُوَ مُرْسل فِي جَمِيع (الموطآت) الَّتِي رَأينَا، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ جمَاعَة الروَاة عَن مَالك فِيمَا علمنَا مُرْسلا إلَاّ عبد الرَّزَّاق، فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَن مَالك: عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي بكر عَن أبي هُرَيْرَة فأسنده، وَقد اخْتلف فِي ذَلِك عَن عبد الرَّزَّاق. قلت: الْمُرْسل حجَّة عنْدكُمْ؟ قلت: نعم، وَلَكِن الْمسند أقوى لِأَن عَدَالَة الرَّاوِي شَرط قبُول الحَدِيث، وَهِي مَعْلُومَة فِي الْمسند بالتصريح، وَفِي الْمُرْسل مشكوكة أَو مَعْلُومَة بِالدّلَالَةِ، والصريح أقوى من الدّلَالَة، وَالْعجب من هَؤُلَاءِ أَنهم لَا يرَوْنَ الْمُرْسل حجَّة ثمَّ يعْملُونَ بِهِ فِي مَوَاضِع. وَأما قَول صَاحب (التَّوْضِيح) ؛ تعلق أَبُو حنيفَة بِشَيْء يرْوى عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود وَلَيْسَ بِثَابِت عَنْهُمَا، لَيْسَ كَذَلِك، لأَنا قد ذكرنَا فِيمَا مضى: أَن قَتَادَة روى عَن خلاس بن عَمْرو عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه أُسْوَة الْغُرَمَاء إِذا وجدهَا بِعَيْنِه، وَصَححهُ ابْن حزم، وَأما نقلهم عَن الْحَنَفِيَّة بِأَنَّهُم قَالُوا:

стр. 3656

والْحَدِيث إِذا خَالف الْقيَاس يشْتَرط فقه الرَّاوِي، وَأَبُو هُرَيْرَة لَيْسَ كَذَلِك، فَهَذَا تشنيع مِنْهُم عَلَيْهِم، لِأَن الشَّيْخ أَبَا الْحسن الْكَرْخِي قَالَ: لَيْسَ فقه الرَّاوِي شرطا لتقديم خَبره على الْقيَاس، بل يقبل خبر كل عدل فَقِيها كَانَ أَو غَيره، إِذا لم يكن مُعَارضا بِدَلِيل أقوى مِنْهُ، وَتَبعهُ على ذَلِك جمَاعَة من الْمَشَايِخ، وَقَالَ صدر الْإِسْلَام: وَإِلَيْهِ مَال أَكثر الْعلمَاء، وَالَّذِي ذَكرُوهُ هُوَ مَذْهَب عِيسَى بن أبان وَبَعض الْمُتَأَخِّرين، مَعَ أَن أحدا مِنْهُم لم يذكر أَبَا هُرَيْرَة بِمَا نسبه إِلَيْهِ من قلَّة الْفِقْه، وَكَيف لم يكن فَقِيها وَكَانَ يُفْتِي فِي زمن الصَّحَابَة وَلم تكن الْفَتْوَى فِي زمانهم إلَاّ للفقهاء؟ وَقد دَعَا لَهُ النَّبِي ﷺ بِالْحِفْظِ فَاسْتَجَاب الله دعاءه فِيهِ، حَتَّى انْتَشَر فِي الْعَالم ذكره. وَأما قَوْلهم: كل حَدِيث أصل بِرَأْسِهِ، فسلمنا ذَلِك إِذا كَانَ كل وَاحِد مُتَعَلقا بِأَصْل غير الأَصْل الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ الآخر، وَأما إِذا كَانَ حديثان أَو أَكثر ومخرجهما وَاحِد فَلَا يفرق حِينَئِذٍ بَينهمَا. وَأما قَوْلهم: وَقد ينْقض ملك الْمَالِك كالشفعة. . إِلَى آخِره، غير صَحِيح، لِأَن مُشْتَرِي الدَّار لَا يثبت لَهُ الْملك مَعَ وجود الشَّفِيع، وَلَو قبضهَا فملكه على شرف السُّقُوط، وَلَا يتم لَهُ الْملك إلَاّ بترك الشَّفِيع شفعته، وَالْمَرْأَة لَا تملك الصَدَاق قبل الدُّخُول ملكا تَاما، وَهُوَ أَيْضا على شرف السُّقُوط، وَلِهَذَا لَو قبضت صَدَاقهَا وَطَلقهَا زَوجهَا يرجع عَلَيْهَا بِنصْف الصدْق، وَالْملك فِي الصُّورَتَيْنِ غير تَامّ، فَكيف يُقَال: وَقد ينْقض ملك الْمَالِك. وَأما الرَّهْن فَإِن يَد الْمُرْتَهن يَد اسْتِيفَاء لَا يَد ملك، وَلِهَذَا لَيْسَ لَهُ أَن يتَصَرَّف فِيهِ تصرف الْملاك. وَأما عِنْد اخْتِلَاف الْمُتَبَايعين فَلَا يثبت الْملك لأَحَدهمَا إلَاّ بعد الِاتِّفَاق على الْإِتْمَام أَو على الْفَسْخ، وَأما الْمكَاتب فَإِنَّهُ عبد وَلَو بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم، فَمَتَى يملك نَفسه حَتَّى يُقَال ينْقض ملكه عِنْد الْعَجز؟ وَأما قَوْلهم: وَقد أخذت الْحَنَفِيَّة بِحَدِيث القهقهة فِي الصَّلَاة مَعَ كَونه مُخَالفا لِلْأُصُولِ، وَضَعفه أَيْضا، فَإِنَّمَا أخذُوا بِهِ لكَون رَاوِيه مَعْرُوفا بِالْعَدَالَةِ، وَالْمَعْرُوف بِالْعَدَالَةِ يقبل قَوْله، وَإِن لم يكن مَعْرُوفا بالفقه، سَوَاء وَافق خَبره الْقيَاس أَو خَالفه. وَأما تضعيفهم خبر القهقهة فَغير صَحِيح، لِأَنَّهُ رَوَاهُ جمَاعَة من الصَّحَابَة الْفُقَهَاء كَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَجَابِر وَعمْرَان وَسَلَمَة بن زيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقد اتقنا الْكَلَام فِيهِ فِي (شرحنا للهداية) . ٥١ - (بابُ مَنْ أخَّرَ الْغَرِيَ إلاى الغَدِ أوْ نَحْوِهِ ولَمْ يَرَ ذالِكَ مَطْلاً) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من أخر من الْحُكَّام غَرِيم شخص أَي: أخر طلب حَقه من غَرِيمه إِلَى الْغَد. قَوْله: (أَو نَحوه) مثلا إِلَى يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة، وَنَحْو ذَلِك. قَوْله: (وَلم ير ذَلِك) أَي: تَأْخِيره إِلَى الْغَد وَنَحْوه (مطلاً) أَي: تسويفاً بِالْحَقِّ، وَهَذِه التَّرْجَمَة سَاقِطَة فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وحديثها كَذَلِك وَلذَلِك لم يشرحها أَكثر الشُّرَّاح. وقالَ جابِرٌ اشْتَدَّ الغُرَمَاءُ فِي حُقوقِهِمْ فِي دَيْنِ أبي فسَأَلَهُمْ النبيُّ ﷺ أنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حائِطِي فأبَوْا فَلَمْ يُعْطِهِمْ الحَائِطَ ولَمْ يكْسرْهُ لَهُمْ وَقَالَ سأغْدُو عَلَيْكَ غدَاً فغَدَا علَيْنَا حِينَ أصْبَحَ فدَعَا فِي ثَمَرِهَا بِالْبَرَكَةِ فَقَضَيْتُهُمْ مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (سأغدو عَلَيْك غَدا) وَهَذَا التَّعْلِيق قد أخرجه مَوْصُولا فِيمَا مضى عَن قريب فِي: بَاب إِذا قضى دون حَقه أَو حلله، وَفِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ أَيْضا. وَفِيه زِيَادَة، وَهِي قَوْله: وَلم يكسرهُ لَهُم، وَذكرهَا فِي كتاب الْهِبَة وَمَعْنَاهُ.... ٦١ - (بابُ مَنْ باعَ مالَ الْمُفْلِسِ أوْ الْمُعْدِمِ فقَسَمَهُ بيْنَ الغُرَماءِ أوْ أعْطَاهُ حتَّى يُنْفِقَ عَلى نفْسِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من بَاعَ من الْحُكَّام مَال الْمُفلس أَو المعدم، بِكَسْر الدَّال، وَهُوَ الْفَقِير قَوْله (فَقَسمهُ) أَي قسم مَال الْمُفلس بَين غُرَمَائه. قَوْله: (أَو أعطَاهُ) أَي: أَو أعْطى مَال المعدم لَهُ بعد أَن بَاعه لينفق على نَفسه، وَفِيه اللف والنشر، قَالَه الْكرْمَانِي: وَوَجهه مَا ذكرته. ٣٠٤٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَزيدُ بنُ زُرَيْعٍ حدَّثنا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ حدَّثنا عَطَاءُ بنُ أبي رَبَاح

стр. 3657

ٍ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ أعْتَقَ رَجُلٌ غُلاماً لَهُ عنْ دُبُرٍ فَقَالَ النبيُّ ﷺ مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي فاشْتَراهُ نُعَيْمُ بنُ عَبْدِ الله فأخَذَ ثَمَنَهُ فدَفَعَهُ إلَيْهِ. . التَّرْجَمَة جزآن: أَحدهمَا: بيع مَال الْمُفلس وقسمته بَين الْغُرَمَاء. وَالثَّانِي: بيع مَال المعدم وَدفعه إِلَيْهِ لينفقه على نَفسه، فَلَا مُطَابقَة بَينهمَا وَبَين حَدِيث الْبَاب بِحَسب الظَّاهِر، كَمَا قَالَه ابْن بطال بِكَلَام حَاصله نفي الْمُطَابقَة. وَأجِيب: بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون بَاعه عَلَيْهِ لكَونه مدياناً، وَمَال الْمديَان إِمَّا أَن يقسمهُ الإِمَام بِنَفسِهِ أَو يُسلمهُ إِلَى الْمديَان ليقسمه، فَلهَذَا ترْجم على التَّقْدِيرَيْنِ، مَعَ أَن أحد الْأَمريْنِ يخرج من الآخر، لِأَنَّهُ إِذا بَاعه عَلَيْهِ لحق نَفسه، فَلِأَن يَبِيعهُ عَلَيْهِ لحق الْغُرَمَاء أولى، وَقَالَ بَعضهم: وَالَّذِي يظْهر لي أَن فِي التَّرْجَمَة لفاً ونشراً، و: أَو، فِي الْمَوْضِعَيْنِ للتنويع، وَيخرج أَحدهمَا من الآخر، قلت: أما قَول الْمُجيب الأول بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون بَاعه عَلَيْهِ، لكَونه مدياناً، فَلَيْسَ بطائل أَن يُقَال بِالِاحْتِمَالِ، بل هُوَ فِي نفس الْأَمر إِنَّمَا بَاعه لكَونه مدياناً، كَمَا ثَبت ذَلِك فِي بعض طرق حَدِيث جَابر أَنه كَانَ عَلَيْهِ دين، أخرجه النَّسَائِيّ، وَقَالَ: أخبرنَا أَبُو دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا محَاضِر، قَالَ: حَدثنَا الْأَعْمَش عَن سَلمَة بن كهيل عَن عَطاء عَن جَابر، قَالَ: أعتق رجل من الْأَنْصَار غُلَاما لَهُ عَن دبر، وَكَانَ مُحْتَاجا وَكَانَ عَلَيْهِ دين، فَبَاعَهُ رَسُول الله ﷺ بثمانمائة دِرْهَم، فَأعْطَاهُ فَقَالَ: (إقض دينك) . وَأما قَول بَعضهم: وَالَّذِي يظْهر لي أَن فِي التَّرْجَمَة لفاً ونشراً، فَلَيْسَ لَهُ وَجه أَن ينْسب ذَلِك إِلَى نَفسه، لِأَنَّهُ مَسْبُوق بِهِ، فَإِن الْكرْمَانِي قَالَ: وَالْكَلَام يحْتَمل اللف والنشر، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَقَوله أَيْضا: وَيخرج أَحدهمَا من الآخر مَسْبُوق بِهِ أَيْضا، وَمَعَ هَذَا فِيهِ نظر. والتوجيه الْحسن فِي ذكر الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث أَن يُقَال: إِن حَدِيث جَابر الْمَذْكُور لَهُ طرق: مِنْهَا: هَذَا الَّذِي أخرجه النَّسَائِيّ، (فَفِيهِ: أَن الرجل كَانَ مديوناً وَبَاعَ النَّبِي ﷺ الْغُلَام الَّذِي دبره، فَدفعهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: إقض دينك) كَمَا فِي حَدِيثه، وَهَذَا يُطَابق الْجُزْء الأول للتَّرْجَمَة، غَايَة مَا فِي الْبَاب اقْتصر فِي حَدِيث الْبَاب على قَوْله: (فَدفعهُ إِلَيْهِ) ، وَفِي حَدِيث النَّسَائِيّ: (فَأعْطَاهُ، فَقَالَ: إقض دينك) . فَإِن قلت: لَيْسَ فِي التَّرْجَمَة أَن الْمَدْيُون هُوَ الَّذِي قسمه، فَلَا مُطَابقَة. قلت: لما أمره بِقَضَاء دينه من ثمن العَبْد فَكَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي تولى قسمته بَين غُرَمَائه، لِأَن التَّدْبِير حق من الْحُقُوق، فَلَمَّا أبْطلهُ الشَّارِع هُنَا احْتَاجَ إِلَى الحكم بِهِ، وَكَانَ من ضَرُورَة الحكم بِهِ أمره بقسمته بَين الْغُرَمَاء، لِأَن البيع لم يكن إلَاّ لأجلهم، وَمن طرق حَدِيث جَابر مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا، وَقَالَ: حَدثنَا هِلَال بن الْعَلَاء، قَالَ: حَدثنَا أبي، قَالَ: حَدثنِي عبد الله بن عبد الْكَرِيم عَن عَطاء عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن رجلا أعتق غُلَاما لَهُ من دبر، فَاحْتَاجَ مَوْلَاهُ فَأمره بِبيعِهِ فَبَاعَهُ بثمانمائة دِرْهَم، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله، ﷺ : (أنفقهُ على عِيَالك فَإِنَّمَا الصَّدَقَة عَن ظهر غنى، وابدأ بِمن تعول) . وَفِي رِوَايَة للنسائي: (ابدأ بِنَفْسِك فَتصدق عَلَيْهَا فَإِن فضل شَيْء فلأهلك) ، الحَدِيث، وَهَذَا يُطَابق الْجُزْء الثَّانِي للتَّرْجَمَة على الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ. وَحَدِيث الْبَاب مضى مُخْتَصرا فِي الْبيُوع فِي: بَاب بيع الْمُدبر، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن ابْن نمير عَن وَكِيع عَن إِسْمَاعِيل عَن سَلمَة بن كهيل عَن عَطاء عَن جَابر، قَالَ: (بَاعَ النَّبِي، ﷺ ، الْمُدبر) . قَوْله: (عَن دبر) ، مَعْنَاهُ قَالَ لعَبْدِهِ: أَنْت حر بعد موتى، أَو: دبرتك، وَاسم الْمُدبر، بِفَتْح الْبَاء: يَعْقُوب، وَاسم مَوْلَاهُ: أَبُو مَذْكُور، وَالثمن ثَمَانمِائَة دِرْهَم، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ونعيم، بِضَم النُّون وَفتح الْعين الْمُهْملَة: ابْن عبد الله النحام، بِفَتْح النُّون وَتَشْديد الْحَاء الْمُهْملَة: الْقرشِي الْعَدوي، سمي النحام لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ: دخلت الْجنَّة فَسمِعت نحمة من نعيم، والنحمة السعلة، أسلم قَدِيما بِمَكَّة، ثمَّ هَاجر عَام الْحُدَيْبِيَة وَشهد مَا بعْدهَا من الْمشَاهد، قتل يَوْم اليرموك سنة خمس عشرَة من الْهِجْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ٧١ - (بابٌ إذَا أقْرَضَهُ إِلَى أجَلٍ مُسَمَّى أوْ أجَّلَهُ فِي البَيْعِ) أَي: هَذَا بَاب ذكر فِيهِ إِذا أقْرض الرجل رجلا دَرَاهِم أَو دَنَانِير أَو شَيْئا مِمَّا يَصح فِيهِ الْقَرْض إِلَى أجل مُسَمّى، أَي: إِلَى مُدَّة مُعينَة. قَوْله: (أَو أَجله) ، أَي: أَو أجل الثّمن فِي عقد البيع، أَو أجل العقد فِيهِ، يَعْنِي: بَاعه إِلَى أجل مُسَمّى، وَلَا يُقَال: فِيهِ إِضْمَار قبل الذّكر لِأَن الْقَرِينَة تدل عَلَيْهِ، وَهِي قَوْله: فِي البيع، وَهَاتَانِ مَسْأَلَتَانِ، وجوابهما مَحْذُوف تَقْدِيره: فَهُوَ جَائِز أَو يجوز أَو نَحْو ذَلِك. أما الْمَسْأَلَة

стр. 3658

الأولى: فَفِيهَا خلاف، فَقَالَ ابْن بطال: اخْتلف الْعلمَاء فِي تَأْخِير الدّين فِي الْقَرْض إِلَى أجل، فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: سَوَاء كَانَ الْقَرْض إِلَى أجل أَو غير أجل، لَهُ أَن يَأْخُذهُ مَتى أحب، وَكَذَلِكَ الْعَارِية وَغَيرهَا، لِأَنَّهُ عِنْدهم من بَاب الْعدة وَالْهِبَة غير مَقْبُوضَة، وَهُوَ قَول الْحَارِث العكلي وَأَصْحَابه وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: وَبِه نَأْخُذ، وَقَالَ مَالك وَأَصْحَابه: إِذا أقْرضهُ إِلَى أجل ثمَّ أَرَادَ أَخذه قبل الْأَجَل لم يكن لَهُ ذَلِك. أما الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة: فَلَيْسَ فِيهَا خلاف بَين الْعلمَاء لجَوَاز الْآجَال فِي البيع، لِأَنَّهُ من بَاب الْمُعَاوَضَات، فَلَا يَأْخُذهُ قبل مَحَله، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَقَالَ الشَّافِعِي: إِذا أخر الدّين الْحَال فَلهُ أَن يرجع فِيهِ مَتى شَاءَ، وَسَوَاء كَانَ ذَلِك من قرض أَو غَيره. قَالَ ابنُ عُمَرَ فِي القَرْضِ إِلَى أجلٍ لَا بأسَ بِه وإنْ أُعْطِيَ أفْضَلَ مِنْ دَرَاهِمِهِ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ هَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع، حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة، قَالَ: سَمِعت شَيخا يُقَال لَهُ الْمُغيرَة: قلت لِابْنِ عمر: إِنِّي أسلف جيراني إِلَى الْعَطاء، فيقضوني أَجود من دراهمي، قَالَ: لَا بَأْس مَا لم تشْتَرط، قَالَ وَكِيع: وَحدثنَا هِشَام الدستوَائي عَن الْقَاسِم ابْن أبي بزْرَة عَن عَطاء بن يَعْقُوب، قَالَ: استسلف مني ابْن عمر ألف دِرْهَم فقضاني دَرَاهِم أَجود من دراهمي، وَقَالَ: مَا كَانَ فِيهَا من فضل فَهُوَ نائل مني إِلَيْك أتقبله؟ قلت: نعم. وَقَالَ عطاءٌ وعَمْرُو بنُ دِينار هُوَ إلاى أجَلِهِ فِي القَرْضِ عَطاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَنْهُمَا، وَقَالَ ابْن التِّين: قَول عَطاء وَعمر، وَبِه يَقُول أَبُو حنيفَة وَمَالك. قلت: لَيْسَ هَذَا مَذْهَب أبي حنيفَة، ومذهبه: كل دين يَصح تَأْجِيله إلَاّ الْقَرْض فَإِن تَأْجِيله لَا يَصح. ٤٠٤٢ - وَقَالَ اللَّيْثُ حدَّثني جَعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ هرْمُزَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنْ رسولِ الله ﷺ أنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ سألَ بَعْضَ بَنِي إسْرَائِيلَ أنْ يُسْلِفَهُ فَدَفَعَهَا إلَيْهِ إلاى أجَلٍ مُسَمَّى الْحَدِيثَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهُوَ قِطْعَة من حَدِيث مطول الَّذِي يذكر فِيهِ قَضِيَّة الرجل الَّذِي أسلف ألف دِينَار فِي أَيَّام بني إِسْرَائِيل، وَقد مر فِي الْكفَالَة، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَذكره فِي هَذَا الْبَاب فِي معرض الِاحْتِجَاج على جَوَاز التَّأْجِيل فِي الْقَرْض، وَهَذَا مَبْنِيّ على أَن شَرِيعَة من قبلنَا تلزمنا أم لَا؟ ٨١ - (بابُ الشَّفاعَةِ فِي وَضْعِ الدَّيْنِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الشَّفَاعَة فِي وضع الدّين، أَي: حط شَيْء من أصل الدّين، وَكَذَا فسره ابْن الْأَثِير فِي قَوْله ﷺ : من أنظر مُعسرا أَو وضع لَهُ، وَلَيْسَ المُرَاد من الْوَضع إِسْقَاطه بِالْكُلِّيَّةِ. ٥٠٤٢ - حدَّثنا مُوساى حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ مُغِيرَةَ عنْ عامِرٍ عنْ جابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أُصِيبَ عبْدُ الله وتَرَكَ عِيالاً ودَيْناً فَطَلَبْتُ إلاى أصْحابِ الدَّيْنِ أنْ يَضَعُوا بَعْضاً مِنْ دَيْنِهِ فأبَوْا فأتَيْتُ النبيَّ ﷺ فاسْتَشْفَعْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ فأبَوْا فَقَالَ صَنِّفْ تَمْرَكَ كلَّ شَيْءٍ مِنْهُ علَى حِدَتِهِ عِذْقَ ابنِ زَيْدٍ عَلَى حدَةٍ واللِّينَ عَلَى حِدَةً والعَجْوَةَ علَى حِدَةٍ ثُمَّ أحْضِرْهُمْ حَتَّى آتِيكَ فَفَعَلْتُ ثُمَّ جاءَ ﷺ فقَعَدَ علَيْهِ وقالَ لِكُلِّ رَجلٍ حتَّى اسْتَوْفاى وبَقِيَ التَّمْرُ كَما هُوَ كأنَّهُ لَمْ يُمَسَّ. وغَزَوْتُ مَعَ النبيِّ ﷺ علَى ناضِحٍ لَنا فأزْحَفَ الْجَمَلُ فتَخَلَّفَ علَيَّ فَوَكَزَهُ النبيُّ ﷺ مِنْ خَلْفِهِ قَالَ بِعْنِيهِ ولكَ ظَهْرُهُ إلاى الْمَدِينَةِ فلَمَّا دَنَوْنا اسْتأذَنْتُ فقُلْتُ يَا رَسُولَ الله إنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بعُرْسٍ قَالَ ﷺ فَما

стр. 3659

تَزَوَّجْتَ بِكْراً أمْ ثَيِّباً أُصِيبَ عَبْدُ الله وتَرَكَ جَوَارِيَ صِغَاراً فتَزَوَّجْتُ ثَيِّباً تُعَلِّمُهُنَّ وتُؤَدِّبُهُنَّ ثُمَّ قالَ ائْتِ أهْلَكَ فَقَدِمْتُ فأخْبَرْتُ خالِي بِبَيْعِ الْجَمَلِ فَلَامَنِي فأخْبَرْتهُ بإعْيَاءِ الْجَمَلِ وبِالَّذِي كانَ مِنَ النبيِّ ﷺ وَوَكْزِهِ إيَّاهُ فلَمَّا قَدِمَ النبيُّ ﷺ غَدَوْتُ إلَيْهِ بِالْجَمَلِ فأعْطَانِي ثَمَنَ الجمَلِ والْجَمَلَ وسَهْمِي مَعَ الْقَوْمِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فاستشفعت بِهِ عَلَيْهِم) والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب الْكَيْل على البَائِع والمعطي، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَبْدَانِ عَن جرير عَن مُغيرَة عَن الشّعبِيّ عَن جَابر، وَهنا أخرجه عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري التَّبُوذَكِي عَن أبي عوَانَة، بِفَتْح الْعين الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي عَن مُغيرَة بن مقسم عَن عَامر الشّعبِيّ عَن جَابر بن عبد الله، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ولنتكلم فِيمَا لم يذكر هُنَاكَ. قَوْله: (عبد الله) ، هُوَ أَبُو جَابر، اسْتشْهد يَوْم أحد، وَهُوَ معنى قَوْله: أُصِيب. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: عبد الله بن عَمْرو بن حرَام بن ثَعْلَبَة الخزرجي السّلمِيّ أَبُو جَابر، نقيب بَدْرِي قتل فِي أحد. قَوْله: (وَترك عيالاً) ، بِكَسْر الْعين: جمع عيل، بتَشْديد الْيَاء كجياد جمع جيد، من عَال عِيَاله: مانهم وَأنْفق عَلَيْهِم، وَقد مضى أَنه ترك سبع بَنَات أَو تسعا. قَوْله: (فطلبت إِلَى أَصْحَاب الدّين) ، أَي: أنهيت طلبي إِلَيْهِم، وَفِي الأَصْل: الطّلب يسْتَعْمل بِدُونِ صلَة، فَمَا قصد الْمُبَالغَة اسْتَعْملهُ بِحرف الْغَايَة. قَوْله: (صنِّف) ، أَمر: من التصنيف، وَهُوَ أَن يَجْعَل الشَّيْء أصنافاً ويميز بَعْضهَا عَن بعض. قَوْله: (على حِدة) أَي: كل وَاحِد على حياله، وَالْهَاء عوض من الْوَاو. قَوْله: (عذق ابْن زيد) ، هُوَ نوع من التَّمْر جيد، و: العذق، بِفَتْح الْعين وَكسرهَا وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة، وَقيل: بِالْفَتْح، النَّخْلَة. قلت: وَفِي (التَّوْضِيح) بِخَط الدمياطي: عذق زيد، قَوْله: (واللين) ، بِكَسْر اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: نوع من التَّمْر، وَقيل: التَّمْر الرَّدِيء، وَهُوَ جمع لينَة، وَهِي النَّخْلَة، قَالَه ابْن عَبَّاس، أَو النّخل كُله مَا خلا البرني، وَقَالَ الْكرْمَانِي: اللين اللوان التَّمْر مَا خلا الْعَجْوَة، وَأما الْعَجْوَة فَهِيَ من أَجود تمور الْمَدِينَة، وَيُقَال: أهل الْمَدِينَة يسمون الْعَجْوَة ألواناً، وَقيل: اللين الدقل، وَأَصله: لون، قلبت الواء يَاء لانكسار مَا قبلهَا. قَوْله: (وَقَالَ لكل رجل) أَي: أعْطى لكل رجل من أَصْحَاب الدُّيُون حَتَّى استوفى حَقه، وَقد مر أَن: قَالَ، يسْتَعْمل لمعان كَثِيرَة، فَكل معنى بِحَسب مَا يَلِيق بِهِ. قَوْله: (كَمَا هُوَ) ، كلمة: مَا، مَوْصُولَة مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف أَو زَائِدَة، أَي: كمثله، وَفِي رِوَايَة: بَقِي مِنْهُ بَقِيَّة، وَفِي أُخْرَى: بَقِي مِنْهُ أوسق، وَفِي رِوَايَة: بَقِي مِنْهُ سَبْعَة عشر وسْقا. قَوْله: (لم يمس) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (على نَاضِح) ، بالضاد الْمُعْجَمَة والحاء الْمُهْملَة: وَهُوَ الْجمل الَّذِي يسقى عَلَيْهِ النّخل. قَوْله: (فأزحف الْجمل) ، أَي: كل وأعيى، ومادته: زَاي وحاء مُهْملَة وَفَاء، يُقَال: أزحفه الْمسير إِذا أعياه، وَأَصله أَن الْبَعِير إِذا تَعب يجر رسنه، وَكَأَنَّهُ كنى بقوله: أزحف، على بِنَاء الْفَاعِل عَن جَرّه الرسن عَن الإعياء. وَقَالَ ابْن التِّين: صَوَابه: فزحف، ثلاثي إلَاّ أَنه ضبط بِضَم الْهمزَة وَكسر الْحَاء فِي أَكثر النّسخ، وَفِي بَعْضهَا بِفَتْحِهَا، وَالْأول أبين. قَوْله: (فوكزه) بالزاي، أَي: ضربه بالعصا، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والحموي: وركزه، بالراء مَوضِع الْوَاو، أَي: ركز فِيهِ العصي، وَالْمرَاد بِهِ الْمُبَالغَة فِي ضربه بهَا. قَوْله: (وَلَك ظَهره إِلَى الْمَدِينَة) ، أَرَادَ بِهِ ركُوبه عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَة، قَوْله: فلامني، من اللوم، وَكَانَ لومه إِمَّا لكَونه مُحْتَاجا إِلَيْهِ، وَإِمَّا لكَونه بَاعه النَّبِي ﷺ وَلم يَهبهُ مِنْهُ. قَوْله: (وسهمي) ، بِالنّصب أَي: وَأَعْطَانِي أَيْضا سهمي من الْغَنِيمَة، ويروى: فسهمني، بِلَفْظ فعل الْمَاضِي، وَفِيه فَوَائِد كَثِيرَة ذَكرنَاهَا هُنَاكَ. ٩١ - (بابُ مَا يُنْهَى عنْ إضاعَةِ الْمَالِ وقَوْلِ الله تَعَالَى وَالله لَا يُحِبُّ الْفسَادَ وإنَّ الله لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿أصَلَوَاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ مَا يَعبُد آبَاؤُنَا أوْ أنْ نَفْعَلَ فِي أمْوَالِنا مَا نَشاءُ﴾ (هود: ٧٨) . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ولَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أمْوَالَكُمْ﴾ (النِّسَاء: ٥) . والحَجْرِ فِي ذَلِكَ وَمَا يُنْهَى عنِ الخِدَاعِ)

стр. 3660

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان النَّهْي عَن إِضَاعَة المَال. وَكلمَة: مَا، مَصْدَرِيَّة، وإضاعة المَال صرفه فِي غير وَجهه، وَقيل: إِنْفَاقه فِي غير طَاعَة الله تَعَالَى، والإسراف والتبذير. قَوْله: (وَقَول الله) بِالْجَرِّ عطف على مَا قبله. قَوْله: (وَالله لَا يحب الْفساد) ، كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: إِن الله لَا يحب الْفساد، وَالْأول هُوَ الَّذِي وَقع فِي التِّلَاوَة، وَالثَّانِي سَهْو من النَّاسِخ، وَالْفساد خلاف الصّلاح. قَوْله: (وَلَا يصلح عمل المفسدين) كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن شبويه والنسفي: لَا يحب، بدل: لَا يصلح، وأصل التِّلَاوَة أَن الله لَا يصلح عمل المفسدين، وَغير هَذَا سَهْو من الْكَاتِب، وَقيل: يحْتَمل أَنه لم يقْصد التِّلَاوَة. قلت: فِيهِ بعد لَا يخفى. قَوْله: ﴿أصلواتك﴾ (هود: ٧٨) . فِي سُورَة هود وأولها: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْب أصلواتك تأمرك. .﴾ (هود: ٧٨) . إِلَى قَوْله: ﴿إِنَّك لأَنْت الْحَلِيم الرشيد﴾ (هود: ٧٨) . كَانَ شُعَيْب، ﵊، كثير الصَّلَوَات، وَكَانَ قومه إِذا رَأَوْهُ يُصَلِّي تغامزوا وتضاحكوا، فقصدوا بقَوْلهمْ: أصلواتك تأمرك؟ السخرية والهزء، وَإسْنَاد الْأَمر إِلَى الصَّلَاة على طَرِيق الْمجَاز. قَوْله: ﴿أَن نَتْرُك﴾ (هود: ٧٨) . أَي: بِأَن نَتْرُك، أَي: بترك مَا يعبد آبَاؤُنَا. قَوْله: ﴿أَو أَن نَفْعل﴾ (هود: ٧٨) . أَي: أَتَأْمُرُنَا صلواتك بِأَن نَفْعل فِي أَمْوَالنَا مَا تشَاء أَنْت، وَهُوَ مَا كَانَ يَأْمُرهُم من ترك التطفيف والبخس. وَقَالَ زيد بن أسلم: كَانَ مِمَّا ينهاهم شُعَيْب، ﵊، عَنهُ وعذبوا لأَجله، قطع الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم، وَكَانُوا يقرضون من أَطْرَاف الصِّحَاح لتفضل لَهُم القراضة، وَكَانُوا يتعاملون بالصحاح عددا وبالمكسور وزنا ويبخسون. قَوْله: ﴿إِنَّك لأَنْت الْحَلِيم الرشيد﴾ (هود: ٧٨) . قَول: مِنْهُم، على سَبِيل الِاسْتِهْزَاء، ونسبتهم إِيَّاه إِلَى غَايَة السَّفه، وَوجه ذكر هَذِه الْآيَة فِي هَذِه التَّرْجَمَة فِي قَوْله: أَو أَن نَفْعل فِي أَمْوَالنَا مَا نشَاء، لِأَن تصرفهم فِي الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير على الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ إِضَاعَة لِلْمَالِ، وَكَانَ شُعَيْب، ﵊، ينهاهم عَن ذَلِك، فَلَمَّا لم يتْركُوا هَذِه الفعلة عذبهم الله تَعَالَى. قَوْله: (وَقَالَ) أَي: وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُم﴾ (النِّسَاء: ٥) . هَذِه الْآيَة فِي النِّسَاء، وتمامها: ﴿الَّتِي جعل الله لكم قيَاما وارزقوهم فِيهَا وَاكْسُوهُمْ، وَقُولُوا لَهُم قولا مَعْرُوفا﴾ (النِّسَاء: ٥) . وَوجه ذكر هَذِه الْآيَة هُنَا أَيْضا هُوَ أَن إيتَاء الْأَمْوَال للسفهاء إضاعتها. وَقَالَ الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس: المُرَاد بالسفهاء: النِّسَاء وَالصبيان، وَقَالَ سعيد بن جُبَير: هم الْيَتَامَى، وَقَالَ قَتَادَة وَعِكْرِمَة وَمُجاهد: هم النِّسَاء، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أبي حَدثنَا هِشَام بن عمار حَدثنَا صَدَقَة بن خَالِد حَدثنَا عُثْمَان بن أبي العاتكة عَن عَليّ بن يزِيد عَن الْقَاسِم عَن أبي أُمَامَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِن النِّسَاء السُّفَهَاء إلَاّ الَّتِي أطاعت قيمها) . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: ذكر عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم: حَدثنَا حَرْب بن شُرَيْح عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة عَن أبي هُرَيْرَة: ﴿وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُم﴾ (النِّسَاء: ٥) . قَالَ: الخدم وهم شياطين الْأنس. قَوْله: (قيَاما) ، أَي: تقوم بهَا معايشكم من التِّجَارَات وَغَيرهَا. قَوْله: ﴿وارزقوهم فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ (النِّسَاء: ٥) . وَعَن ابْن عَبَّاس: لَا تعمد إِلَى مَالك وَمَا خولك الله وَجعله لَك معيشة فتعطيه امْرَأَتك أَو بنيك، ثمَّ تنظر إِلَى مَا فِي أَيْديهم، وَلَكِن أمسك مَالك وَأَصْلحهُ وَأَنت الَّذِي تنْفق عَلَيْهِم من كسوتهم ومؤونتهم ورزقهم. وَقَالَ ابْن جرير: حَدثنَا ابْن الْمثنى حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر حَدثنَا شُعْبَة عَن فراس عَن الشّعبِيّ عَن أبي بردة عَن أبي مُوسَى، قَالَ: ثَلَاثَة يدعونَ الله فَلَا يستجيب لَهُم: رجل كَانَت لَهُ امْرَأَة سَيِّئَة الْخلق فَلم يطلقهَا، وَرجل أعْطى مَاله سَفِيها، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُم﴾ (النِّسَاء: ٥) . وَرجل كَانَ لَهُ دين على رجل فَلم يشْهد عَلَيْهِ، وَقَالَ مُجَاهِد: ﴿وَقُولُوا لَهُم قولا مَعْرُوفا﴾ (النِّسَاء: ٥) . يَعْنِي: فِي الْبر والصلة. قَوْله: (وَالْحجر فِي ذَلِك) ، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: (إِضَاعَة المَال) ، أَي: الْحجر فِي ذَلِك أَي: فِي السَّفه، وَقَالَ ابْن كثير فِي (تَفْسِيره) : وَيُؤْخَذ الْحجر على السُّفَهَاء من هَذِه الْآيَة أَعنِي، قَوْله: ﴿وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء﴾ (النِّسَاء: ٥) . وهم أَقسَام، فَتَارَة يكون الْحجر على الصَّغِير، فَإِنَّهُ مسلوب الْعبارَة، وَتارَة يكون الْحجر للجنون، وَتارَة يكون لسوء التَّصَرُّف لنَقص الْعقل أَو الدّين، وَتارَة يكون الْحجر للفلس، وَهُوَ مَا إِذا أحاطت الدُّيُون بِرَجُل وضاق مَاله عَن وفائها، فَإِذا سَأَلَ الْغُرَمَاء الْحَاكِم الْحجر عَلَيْهِ حجر عَلَيْهِ. انْتهى. وَالسَّفِيه: هُوَ الَّذِي يضيع مَاله ويفسده بِسوء تَدْبيره، وَالْحجر فِي اللُّغَة: الْمَنْع، وَفِي الشَّرْع: الْمَنْع من التَّصَرُّف فِي المَال، وَقَالَ أَصْحَابنَا: السَّفه هُوَ الْعَمَل بِخِلَاف مُوجب الشَّرْع وَاتِّبَاع الْهوى، وَمن عَادَة السَّفِيه التبذير والإسراف فِي النَّفَقَة وَالتَّصَرُّف لَا لغَرَض أَو لغَرَض لَا يعده الْعُقَلَاء من أهل الدّيانَة غَرضا، مثل دفع المَال إِلَى الْمُغنِي واللعاب وَشِرَاء الْحمام الطيارة بِثمن غال والغبن فِي التِّجَارَات من غير محمدة، وَأَبُو حنيفَة لَا يرى الْحجر بِسَبَب السَّفه، وَبِه قَالَ زفر، وَهُوَ مَذْهَب إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين، وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَمَالك

стр. 3661

وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَق وَأَبُو ثَوْر: يحْجر على السَّفِيه، رُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَاحْتج أَبُو حنيفَة بِحَدِيث ابْن عمر الَّذِي يَأْتِي الْآن: إِذا بَايَعت فَقل: لَا خلابة، فَإِنَّهُ ﷺ وقف على أَنه كَانَ يغبن فِي الْبيُوع فَلم يمنعهُ من التَّصَرُّف وَلَا حجر عَلَيْهِ، وَحجَّة الآخرين الْآيَة الْمَذْكُورَة. وَهِي قَوْله: ﴿وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُم. .﴾ (النِّسَاء: ٥) . الْآيَة. قَوْله: (وَمَا ينْهَى عَن الخداع) ، عطف على مَا قبله، وَتَقْدِيره أَي: بَاب فِي بَيَان كَذَا وَكَذَا، وَفِي بَيَان مَا ينْهَى عَن الخداع، أَي: فِي الْبيُوع. ٧٠٤٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عبْدِ الله بنِ دِينارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ رجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ إنِّي أُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ فَقَالَ إذَا بايَعْتَ فقُلْ لَا خِلَابَةَ فكانَ الرَّجُلُ يَقُولُهُ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الرجل كَانَ يغبن فِي الْبيُوع، وَهُوَ من إِضَاعَة المَال والْحَدِيث قد مر فِي الْبيُوع فِي: بَاب مَا يكره من الخداع فِي البيع، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبيد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن عبد الله بن دِينَار إِلَى آخِره، وَأخرجه هُنَا عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عبد الله بن دِينَار ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، والخلابة، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة: الخداع. ٨٠٤٢ - حدَّثنا عُثْمانُ قَالَ حَدثنَا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنِ الشَّعْبِيِّ عنْ ورَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ عنِ الْمُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ إنَّ الله حَرَّمَ عليْكُمْ عُقوقَ الأمَّهَاتِ ووَأْدِ الْبَنَاتِ ومَنْعَ وهاتِ وكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وقالَ وكثْرَةَ السُّؤالِ وإضَاعَةَ الْمَالِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: وإضاعة المَال. وَرِجَاله ذكرُوا غير مرّة، وَعُثْمَان هُوَ ابْن أبي شيبَة، وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل. وَهَؤُلَاء كلهم كوفيون، لَكِن سكن جرير الرّيّ. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين على نسق وَاحِد، وهم: مَنْصُور وَالشعْبِيّ ووراد. والْحَدِيث مر فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿لَا يسْأَلُون النَّاس إلحافاً﴾ (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . بأخصر مِنْهُ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن خَالِد الْحذاء عَن الشّعبِيّ. . إِلَى آخِره. قَوْله: (عقوق الْأُمَّهَات) أصل العقوق الْقطع كَأَن الْعَاق لأمه يقطع مَا بَينهمَا من الْحُقُوق، وَإِنَّمَا خص الْأُمَّهَات بِالذكر، وَإِن كَانَ عقوق الْآبَاء أَيْضا حَرَامًا، لِأَن العقوق إلَيْهِنَّ أسْرع من الْآبَاء لضعف النِّسَاء، وللتنبيه على أَن بر الْأُم مقدم على بر الْأَب فِي التلطف والحنو وَنَحْو ذَلِك، وَلِأَن ذكر أَحدهمَا يدل على أَن الآخر مثله بِالضَّرُورَةِ، وَلَكِن تعْيين الْأُم لما ذكرنَا. قَوْله: (ووأد الْبَنَات) ، الوأد مصدر وَأَدت الوائدة ابْنَتهَا تئدها: إِذا دفنتها حَيَّة، وَقَالَ ابْن التِّين بِإِسْكَان الْهمزَة، وَضبط ابْن فَارس بِفَتْحِهَا، وَقَالَ أَبُو عبيد: كَانَ أحدهم فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا جَاءَتْهُ الْبِنْت يدفنها حَيَّة حِين تولد، وَيَقُولُونَ: الْقَبْر صهر، وَنعم الصهر. وَكَانُوا يَفْعَلُونَهُ غيرَة وأنفة، وَبَعْضهمْ يَفْعَله تَخْفِيفًا للمؤونة. قَوْله: (وَمنع) ، أَي: وَحرم عَلَيْكُم منع مَا عَلَيْكُم إِعْطَاؤُهُ. قَوْله: (وهات) أَي: وَحرم عَلَيْكُم طلب مَا لَيْسَ لكم أَخذه، وَقيل: نهى عَن منع الْوَاجِب من مَاله وأقواله وأفعاله وأخلاقه من الْحُقُوق اللَّازِمَة فِيهَا، وَنهى عَن استدعاء مَا لَا يجب عَلَيْهِم من الْحُقُوق، وتكليفه إيَّاهُم بِالْقيامِ بِمَا لَا يجب عَلَيْهِم، فَكَأَنَّهُ ينتصف وَلَا ينصف، وَهَذَا من أسمج الْخلال، وَقَالَ إِسْحَاق بن مَنْصُور: قلت لِأَحْمَد بن حَنْبَل: مَا معنى منع وهات؟ قَالَ: أَن تمنع مَا عنْدك فَلَا تَتَصَدَّق وَلَا تُعْطِي فتمد يدك فتأخذ من النَّاس. وَقَالَ ابْن التِّين: وَضبط منع، بِغَيْر ألف، وَصَوَابه: منعا، بِالْألف لِأَنَّهُ مفعول حرم. قلت: صرح الْكرْمَانِي بقوله: منعا بِالْألف حَيْثُ قَالَ: فَإِن قلت: كَيفَ صَحَّ عطفه أَي: عطف هَات على منعا ثمَّ أجَاب بقوله: تَقْدِيره هَات وهات، إِذْ هُوَ بِاعْتِبَار لَازم مَعْنَاهُ، وَهُوَ الْأَخْذ. انْتهى. قلت: لِأَن معنى هَات أَعْطِنِي، وَمن لَازم الْعَطاء الْأَخْذ، تَقول: هَات يَا رجل، بِكَسْر التَّاء، وللإثنين: هاتيا، مثل إيتيا، وللجمع: هاتوا، وللمرأة: هَاتِي، بِالْيَاءِ، وللمرأتين: هاتيا

стр. 3662

وللنساء: هَاتين، مثل: عاطين. قَوْله: قيل: وَقَالَ: إِمَّا فعلان، وَإِمَّا مصدران، فَإِذا كَانَا فعلين يكون: قيل، مَجْهُول. قَالَ الَّذِي هُوَ ماضٍ، وَالْمعْنَى على هَذَا نهي عَن فضول مَا يتحدث بِهِ المجالسون من قَوْلهم، قيل: كَذَا وَقَالَ: كَذَا، وبناؤهما على كَونهمَا فعلين محكيين متضمنين للضمير، وَالْإِعْرَاب على إجرائهما مجْرى الْأَسْمَاء خلوين من الضَّمِير. وَمِنْه قَوْلهم: الدُّنْيَا قَالَ وَقيل، وَإِدْخَال حرف التَّعْرِيف عَلَيْهِمَا لذَلِك فِي قَوْلهم: لَا تعرف القال من القيل، وَإِذا كَانَا مصدرين يكون مَعْنَاهُ: نهى عَن قيل وَقَول، يُقَال: قلت قولا وَقَالا وقيلاً. وأصل: قَالَا: قولا قلبت الْوَاو ألفا لتحركها، وانفتاح مَا قبلهَا وأصل: قيلاً قولا قلبت الْوَاو يَاء لكسرة مَا قبلهَا، وَقيل: هَذَا النَّهْي إِنَّمَا يَصح فِي قَول لَا يَصح وَلَا يعلم حَقِيقَته، فَأَما من حكى مَا صَحَّ وَيعرف حَقِيقَته وأسنده إِلَى ثِقَة صَادِق فَلَا وَجه للنَّهْي عَنهُ، وَلَا ذمّ، وَقيل: هَذَا الْكَلَام يتَضَمَّن بِعُمُومِهِ النميمة والغيبة فَإِن تَبْلِيغ الْكَلَام من أقبح الْخِصَال والإصغاء إِلَيْهِ أقبح وأفحش. قَوْله: (وَكَثْرَة السُّؤَال) فِيهِ وُجُوه: أَحدهَا: السُّؤَال عَن أُمُور النَّاس وَكَثْرَة الْبَحْث عَنْهَا. وَالثَّانِي: مَسْأَلَة النَّاس من أَمْوَالهم. وَقَالَ التوربشتي: وَلَا أَدْرِي حمله على هَذَا، فَإِن ذَلِك مَكْرُوه وَإِن لم يبلغ حد الْكَثْرَة. وَالثَّالِث: كَثْرَة السُّؤَال فِي الْعلم للإمتحان وَإِظْهَار المراء. وَالرَّابِع: كَثْرَة سُؤال النَّبِي ﷺ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تسألوا عَن أَشْيَاء إِن تبد لكم تَسُؤْكُمْ﴾ (الْمَائِدَة: ١٠١) . وَقَالَ ابْن بطال: (وَكَثْرَة السُّؤَال) إِمَّا فِي العلميات وَإِمَّا فِي الْأَمْوَال. قَوْله: (وإضاعة المَال) ، قد مر تَفْسِيره فِي أول الْبَاب، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: التَّقْسِيم الحاصر فِيهِ الْحَاوِي لجَمِيع الْأَقْسَام أَن تَقول: إِن الَّذِي يصرف إِلَيْهِ المَال إِمَّا أَن يكون وَاجِبا كَالنَّفَقَةِ وَالزَّكَاة وَنَحْوهَا، وَهَذَا لَا ضيَاع فِيهِ، وَهَكَذَا إِن كَانَ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ، وَإِمَّا أَن يكون حَرَامًا أَو مَكْرُوها، وَهَذَا قَلِيله وَكَثِيره إِضَاعَة وسرف، وَإِمَّا أَن يكون مُبَاحا، وَلَا إِشْكَال إلَاّ فِي هَذَا الْقسم، إِذْ كثير من الْأَمْوَال يعده بعض النَّاس من الْمُبَاحَات، وَعند التَّحْقِيق لَيْسَ كَذَلِك، كتشييد الْأَبْنِيَة وتزيينها والإسراف فِي النَّفَقَة والتوسع فِي لبس الثِّيَاب والأطعمة الشهية اللذيذة، وَأَنت تعلم أَن الْقَسْوَة وغلظة الطَّبْع تتولد من لبس الرقَاق وَأكل الشهيات، وَيدخل فِيهِ تمويه الْأَوَانِي والسقوف بِالذَّهَب وَالْفِضَّة، وَسُوء الْقيام على مَا يملكهُ من الرَّقِيق وَالدَّوَاب حَتَّى يضيع فَيهْلك، وَقِسْمَة مَا لَا ينْتَفع الشَّرِيك بِهِ: كَاللُّؤْلُؤِ وَالسيف يكسران، وَكَذَا احْتِمَال الْغبن الْفَاحِش فِي الْبياعَات، وإيتاء المَال صَاحبه وَهُوَ سَفِيه حقيق بِالْحجرِ. ٠٢ - (بابٌ العَبْدُ راعٍ فِي مَال سَيِّده ولَا يَعْمَلُ إلَاّ بإذْنِهِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ العَبْد ... إِلَى آخِره، وأصل: راعٍ: راعي، فَاعل إعلال قاضٍ، قَوْله: وَلَا يعْمل، أَي: العَبْد فِي مَال سَيّده إلَاّ بِإِذْنِهِ، إلَاّ فِيمَا كَانَ من الْمَعْرُوف الْمُعْتَاد أَن يُعْفَى عَنهُ، مثل: الصَّدَقَة بالكسرة فَلَا يحْتَاج فِيهِ إِلَيّ إِذْنه. ٩٠٤٢ - حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي سالِمُ بنُ عبدِ الله عنْ عبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يَقولُ كُلُّكُمْ راعٍ ومَسْئُولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ فالإمَامُ راعٍ وهْوَ مَسْئُولٌ عنْ رعِيَّتِهِ والرَّجُلُ فِي أهْلِهِ راعٍ وهْوَ مسْئُولٌ عنْ رَعِيَّتهِ والْمَرْأةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا راعِيَةٌ وهْيَ مَسْئُولَةٌ عنْ رَعِيَّتِها والخادِمُ فِي مالِ سَيِّدِهِ راعٍ وهْوَ مَسْئُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ قَالَ فَسَمِعْتُ هاؤُلاءِ مِنْ رسولِ الله ﷺ وأحْسِبُ النبيَّ ﷺ قَالَ والرَّجُلُ فِي مالِ أبِيهِ راعٍ وهْوَ مَسْئُولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ فكُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عنْ رعِيَّتِهِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَالْخَادِم فِي مَال سَيّده رَاع) ، لِأَن المُرَاد من الْخَادِم هُنَا هُوَ العَبْد، وَإِن كَانَ أَعم مِنْهُ، وَجَاء فِي النِّكَاح: وَالْعَبْد رَاع على مَال سَيّده، وَرِجَاله بِهَذَا النسق مرت مرَارًا، وَأَبُو الْيَمَان هُوَ الحكم بن نَافِع الْحِمصِي، وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ الْمدنِي. والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الْجُمُعَة فِي: بَاب الْجُمُعَة فِي الْقرى والمدن، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن بشر بن مُحَمَّد عَن عبد الله عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عمر ... إِلَى آخِره، قَوْله: (وَالْخَادِم فِي مَال سَيّده رَاع) كَذَا هُوَ للأكثرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وَالْخَادِم فِي مَال سَيّده، وَهُوَ مسؤول عَن رَعيته. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3663

٤٤ - (كِتابُ الْخُصوماتِ) ١ - (بَاب مَا يذكر فِي الْأَشْخَاص، وَالْخُصُومَة بَين الْمُسلم واليهودي) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان الْخُصُومَات، وَهُوَ جمع خُصُومَة، وَهِي إسم، قَالَ الْجَوْهَرِي: خاصمه مخاصمة وخصاماً، والإسم الْخُصُومَة، والخصم مَعْرُوف يَسْتَوِي فِيهِ الْجمع والمؤنث لِأَنَّهُ فِي الأَصْل مصدر، وَمن الْعَرَب من يثنيه ويجمعه، فَيَقُول: خصمان وخصوم، والخصيم أَيْضا الْخصم، وَالْجمع: خصما والخصم، بِكَسْر الصَّاد: شَدِيد الْخُصُومَة، وَوَقع للأكثرين مَا يذكر فِي الْأَشْخَاص وَالْخُصُومَة بَين الْمُسلم وَالْيَهُود، وَوَقع لبَعْضهِم: واليهودي بِالْإِفْرَادِ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: مَا يذكر فِي الْخُصُومَات والملازمة والأشخاص، وَفِي بعض النّسخ، بَاب مَا يذكر فِي الْأَشْخَاص وَالْخُصُومَة بَين الْمُسلم واليهودي، قَالَ ابْن التِّين: يُقَال: شخص، بِفَتْح الْخَاء من بلد إِلَى بلد، أَي: ذهب، والمصدر شخوصاً، وأشخصه غَيره، وشخص التَّاجِر خرج من منزله، وشخص بِكَسْر الْخَاء رَجَعَ ذكره ابْن سَيّده. ٠١٤٢ - حدَّثنا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ عبدُ المَلِكِ بنُ مَيْسَرَةَ أَخْبرنِي قَالَ سَمِعْتُ النَّزَّالَ قَالَ سَمِعْتُ عبدَ الله يقولُ سَمِعتُ رَجُلاً قرَأَ آيَةً قَالَ سَمِعْتُ مِنَ النبيِّ ﷺ خِلافَها فأخذْتُ بِيَدِهِ فأتَيْتُ بِهِ رسولَ الله ﷺ فَقَالَ كِلَاكُما مُحْسِنٌ قَالَ شُعْبَةُ أظُنُّهُ قَالَ لَا تَخْتَلِفُوا فإنَّ منْ كانَ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَا تختلفوا) إِلَى آخِره، لِأَن الِاخْتِلَاف الَّذِي يُورث الْهَلَاك هُوَ أَشد الْخُصُومَة، وَأَشَارَ بَعضهم إِلَى أَن التَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأخذت بِيَدِهِ فَأتيت بِهِ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ) ، إِنَّه الْمُنَاسب للتَّرْجَمَة. قلت: الَّذِي قلته هُوَ الْأَنْسَب، لِأَن فِيمَا ذكره احْتِمَال الْخُصُومَة، وَالَّذِي ذكرته فِيهِ الْخُصُومَة المحققة على مَا لَا يخفى. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: عبد الْملك بن ميسرَة الْهِلَالِي، يُقَال لَهُ: الزراد، بالزاي وَتَشْديد الرَّاء. الرَّابِع: النزال، بِفَتْح النُّون وَتَشْديد الزَّاي: ابْن سُبْرَة، بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: الْهِلَالِي. الْخَامِس: عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَفِيه: تَقْدِيم الرَّاوِي على الصِّيغَة وَهُوَ جَائِز عِنْد الْمُحدثين. وَفِيه: السماع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَشعْبَة واسطي وَعبد الْملك كُوفِي، والنزال صَحَابِيّ، فِيمَا ذكره أَبُو عمر، فَإِنَّهُ ذكره فِي جملَة الصَّحَابَة، وَغَيره ذكره فِي التَّابِعين الْكِبَار، فعلى قَول أبي عمر: فِيهِ: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ، وعَلى قَول غَيره: فِيهِ: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ، لِأَن عبد الْملك من التَّابِعين. وَفِيه: أَن النزال لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث عَن عبد الله بن مَسْعُود وَآخر فِي الْأَشْرِبَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي ذكر بني إِسْرَائِيل، وَفِي فضال الْقُرْآن عَن سُفْيَان بن حَرْب، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَرَأَ آيَة) وَفِي (صَحِيح ابْن حبَان) : عَن عبد الله: أَقْرَأَنِي رَسُول الله، ﷺ ، سُورَة الرَّحْمَن، فَخرجت إِلَى الْمَسْجِد عَشِيَّة فَجَلَست إِلَى رَهْط، فَقلت لرجل: اقْرَأ عَليّ فَإِذا هُوَ يقْرَأ أحرفاً لَا أقرؤها فَقلت: من أَقْرَأَك؟ قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُول الله ﷺ ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى وقفنا على رَسُول الله ﷺ ، فَقلت: اخْتَلَفْنَا فِي قراءتنا فَإِذا وَجه رَسُول الله ﷺ فِيهِ تَغْيِير، وَوجد فِي نَفسه حِين ذكرت الِاخْتِلَاف، وَقَالَ: إِنَّمَا هلك من كَانَ قبلكُمْ بالاختلاف، فَأمر عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: إِن رَسُول الله ﷺ يَأْمُركُمْ أَن يقْرَأ كل رجل مِنْكُم كَمَا علم، فَإِنَّمَا أهلك من كَانَ قبلكُمْ الِاخْتِلَاف، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا وكل رجل منا يقْرَأ حرفا لَا يقْرَأ صَاحبه. انْتهى. فَهَذَا يدل على أَن كلاًّ مِنْهُمَا مَا خرج عَن قِرَاءَة السَّبْعَة، فَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ : (كلاكما محسن) أَي: فِي الْقِرَاءَة، وإفراد الْخَبَر بِاعْتِبَار لفظ كلا، وَأما أصل السَّبْعَة فَمَا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) من

стр. 3664

حَدِيث أبي بن كَعْب، قَالَ: قَرَأَ رجل آيَة، وقرأتها على غير قِرَاءَته، فَقلت: من أَقْرَأَك هَذِه؟ قَالَ: رَسُول الله ﷺ ، فَانْطَلَقت، فَقلت: يَا رَسُول الله أقرأتني آيَة كَذَا وَكَذَا، قَالَ: نعم، فَقَالَ الرجل لَهُ: أقرأتني آيَة كَذَا وَكَذَا، قَالَ: نعم، إِن جِبْرِيل وَمِيكَائِيل، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، أتياني فَجَلَسَ جِبْرِيل عَن يَمِيني وَمِيكَائِيل، ﵊، عَن يساري فَقَالَ جِبْرِيل: يَا مُحَمَّد إقرأ الْقُرْآن على حرف، فَقَالَ مِيكَائِيل: استزده، فَقلت: زِدْنِي. فَقَالَ: إقرأ على حرفين، فَقَالَ مِيكَائِيل: استزده، حَتَّى بلغ سَبْعَة أحرف، وَقَالَ: كل كافٍ شافٍ، وَفِي لفظ: أنزل عَليّ الْقُرْآن على سَبْعَة أحرف، وَعند التِّرْمِذِيّ: قَالَ النَّبِي ﷺ : يَا جِبْرِيل ﴿إِنِّي بعثت إِلَى أمة أُميَّة مِنْهُم الْعَجُوز وَالشَّيْخ الْكَبِير والغلام وَالْجَارِيَة وَالرجل الَّذِي لم يقْرَأ كتابا قطّ، قَالَ: يَا مُحَمَّد﴾ إِن الْقُرْآن أنزل على سَبْعَة أحرف. قَوْله: (قَالَ شُعْبَة) هُوَ بالأسناد الْمَذْكُور. قَوْله: (أَظُنهُ قَالَ) أَي: قَالَ النَّبِي ﷺ : لَا تختلفوا أَي: لَا تختلفوا فِي الْقُرْآن، وَالِاخْتِلَاف فِيهِ كفر إِذا نفى إنزاله إِذا كَانَ يقْرَأ خلاف ذَلِك، وَلَا يُخَيّر بَين الْقِرَاءَتَيْن، لِأَنَّهُمَا كِلَاهُمَا كَلَامه قديم غير مَخْلُوق، وَإِنَّمَا التَّفْضِيل فِي الثَّوَاب. وَفِي (مُعْجم) أبي الْقَاسِم الْبَغَوِيّ: حَدثنَا عبد الله بن مُطِيع حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن يزِيد بن خصيفَة عَن مُسلم بن معبد عَن أبي جهيم بن الْحَارِث بن الصمَّة: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: إِن هَذَا الْقُرْآن أنزل على سَبْعَة أحرف، فَلَا تماروا فِي الْقُرْآن فَإِن المراء فِيهِ كفر، وَرَوَاهُ أَيْضا أَبُو عبيد بن سَلام فِي كتاب (القراآت) تأليفه عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر. ٢ - (حَدثنَا يحيى بن قزعة قَالَ حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعد عَن ابْن شهَاب عَن أبي سَلمَة وَعبد الرَّحْمَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ استب رجلَانِ رجل من الْمُسلمين وَرجل من الْيَهُود قَالَ الْمُسلم وَالَّذِي اصْطفى مُحَمَّدًا على الْعَالمين فَقَالَ الْيَهُودِيّ وَالَّذِي اصْطفى مُوسَى على الْعَالمين فَرفع الْمُسلم يَده عِنْد ذَلِك فلطم وَجه الْيَهُودِيّ فَذهب الْيَهُودِيّ إِلَى النَّبِي ﷺ َ - فَأخْبرهُ بِمَا كَانَ من أمره وَأمر الْمُسلم فَدَعَا النَّبِي ﷺ َ - الْمُسلم فَسَأَلَهُ عَن ذَلِك فَأخْبرهُ فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - لَا تخيروني على مُوسَى فَإِن النَّاس يصعقون يَوْم الْقِيَامَة فأصعق مَعَهم فَأَكُون أول من يفِيق فَإِذا مُوسَى باطش جَانب الْعَرْش فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَن صعق فأفاق قبلي أَو كَانَ مِمَّن اسْتثْنى الله) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله استب رجلَانِ فَإِن الاستباب عَن اثْنَيْنِ لَا يكون إِلَّا بِالْخُصُومَةِ وَرِجَاله قد ذكرُوا غيرَة مرّة والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد وَفِي الرقَاق عَن يحيى بن قزعة وَعبد الْعَزِيز بن عبد الله وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن زُهَيْر بن حَرْب وَأبي بكر بن أبي النَّضر وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن حجاج بن أبي يَعْقُوب وَمُحَمّد بن يحيى بن فَارس وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النعوت وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " عَن أبي سَلمَة وَعَن عبد الرَّحْمَن الْأَعْرَج " يَعْنِي الزُّهْرِيّ يروي عَنْهُمَا جَمِيعًا وهما يرويان جَمِيعًا عَن أبي هُرَيْرَة ويروي عَن ابْن شهَاب والأعرج قَوْله " استب رجلَانِ " من السب وَهُوَ الشتم من سبه يسبه سبا وسبابا قَوْله " رجل " أَي أَحدهمَا رجل من الْمُسلمين قيل هُوَ أَبُو بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَوَقع فِي جَامع سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار أَن الرجل الَّذِي لطم الْيَهُودِيّ هُوَ أَبُو بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَوْله " وَرجل من الْيَهُود " أَي وَالْآخر رجل من الْيَهُود ذكر فِي تَفْسِير ابْن إِسْحَاق أَن الْيَهُودِيّ اسْمه فنحَاص وَفِيه نزل قَوْله تَعَالَى ﴿لقد سمع الله قَول الَّذين قَالُوا إِن الله فَقير وَنحن أَغْنِيَاء﴾ قَوْله " وَالَّذِي اصْطفى مُحَمَّدًا " أَي وَالله الَّذِي اخْتَار مُحَمَّدًا على الْعَالمين وأصل اصْطفى اصتفى لِأَنَّهُ من الصفوة فَلَمَّا نقل صفا إِلَى بَاب الافتعال فَقيل اصتفى قلبت تاؤه طاء لِأَن الصَّاد من المجهورة وَالتَّاء من المهموسة فَلَا يعتدلان قَوْله " لَا تخيروني " أَي لَا تفضلُونِي على مُوسَى. (فَإِن قلت) نَبينَا مُحَمَّد ﷺ َ - أفضل الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وَقَالَ " أَنا سيد ولد آدم وَلَا فَخر " فَمَا وَجه قَوْله " لَا تخيروني " أَي تفضلُونِي قلت الْجَواب عَنهُ من أوجه. الأول أَنه قبل أَن يعلم أَنه أفضلهم فَلَمَّا علم قَالَ " أَنا سيد ولد آدم وَلَا فَخر ". الثَّانِي أَنه نهى عَن تَفْضِيل يُؤَدِّي إِلَى تنقيص بَعضهم فَإِنَّهُ كفر. الثَّالِث أَنه نهى عَن تَفْضِيل يُؤَدِّي إِلَى الْخُصُومَة كَمَا فِي الحَدِيث من لطم الْمُسلم الْيَهُودِيّ

стр. 3665

الرَّابِع أَنه قَالَ تواضعا ونفيا للكبر وَالْعجب. الْخَامِس أَنه نهى عَن التَّفْضِيل فِي نفس النُّبُوَّة لَا فِي ذَوَات الْأَنْبِيَاء ﵈ وَعُمُوم رسالتهم وَزِيَادَة خصائصهم وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿تِلْكَ الرُّسُل فضلنَا بَعضهم على بعض﴾ وَقَالَ ابْن التِّين معنى لَا تخَيرُوا بَين الْأَنْبِيَاء يَعْنِي من غير علم وَإِلَّا فقد قَالَ تَعَالَى ﴿تِلْكَ الرُّسُل فضلنَا بَعضهم على بعض﴾ وَأغْرب ابْن قُتَيْبَة فَأجَاب بِأَنَّهُ سيد ولد آدم يَوْم الْقِيَامَة لِأَنَّهُ الشافع يَوْمئِذٍ وَله لِوَاء الْحَمد والحوض قَوْله " يصعقون " يَعْنِي يخرون صراعا بِصَوْت يسمعونه يُوجب فيهم ذَلِك من صعق يصعق من بَاب علم يعلم وَقَالَ ابْن الْأَثِير الصَّعق أَن يغشى على الْإِنْسَان من صَوت شَدِيد يسمعهُ وَرُبمَا مَاتَ مِنْهُ ثمَّ اسْتعْمل فِي الْمَوْت كثيرا والصعقة الْمرة الْوَاحِدَة مِنْهُ وَقَالَ النَّوَوِيّ الصَّعق والصعقة الْهَلَاك وَالْمَوْت يُقَال مِنْهُ صعق الْإِنْسَان بِفَتْح الصَّاد وَضمّهَا وَأنكر بَعضهم الضَّم مِنْهُم الْقَزاز فَإِنَّهُ قَالَ لَا يُقَال صعق وَلَا هُوَ مصعوق وَقَالَ الطَّبَرِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس ﴿فَلَمَّا تجلى ربه للجبل جعله دكا﴾ تُرَابا ﴿وخر مُوسَى صعقا﴾ قَالَ مغشيا عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَة " فَلم يزل صعقا مَا شَاءَ الله " وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وَهُوَ بِالْمَوْتِ أشبه وَفِي تَفْسِير الطَّبَرِيّ عَن قَتَادَة وَابْن جريج ﴿وخر مُوسَى صعقا﴾ قَالَا مَيتا وَفِي التَّهْذِيب للأزهري قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا أَفَاق﴾ دَلِيل الغشي لِأَنَّهُ يُقَال للمغشي عَلَيْهِ وللذي ذهب عقله قد أَفَاق وَفِي الْمَيِّت بعث وَنشر قَوْله " فَأَكُون أول من يفِيق " وَفِي لفظ " أول من تَنْشَق عَنهُ الأَرْض " قيل هُوَ مُشكل لِأَن الْأَحَادِيث دَالَّة على أَن مُوسَى قد توفّي وَأَنه ﷺ َ - زَارَهُ فِي قَبره وَجه الْإِشْكَال أَن نفخة الصَّعق إِنَّمَا يَمُوت بهَا من كَانَ حَيا فِي هَذِه الدَّار فَأَما من مَاتَ فيستحيل أَن يَمُوت ثَانِيًا وَإِنَّمَا ينْفخ فِي الْمَوْتَى نفخة الْبَعْث ومُوسَى قد مَاتَ فَلَا يَصح أَن يَمُوت مرّة أُخْرَى وَلَا يَصح أَن يكون مُسْتَثْنى من نفخة الصَّعق لِأَن المستثنين أَحيَاء لم يموتوا وَلَا يموتون وَلَا يَصح استثناؤهم من الْمَوْتَى وَقَالَ بَعضهم يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهَذِهِ الصعقة صعقة فزع بعد الْمَوْت حِين تَنْشَق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَقَالَ النَّوَوِيّ يحْتَمل أَن يكون مُوسَى مِمَّن لم يمت من الْأَنْبِيَاء وَهُوَ بَاطِل وَقَالَ القَاضِي يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهَذِهِ الصعقة صعقة فزع بعد الْمَوْت حِين تَنْشَق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَقَالَ النَّوَوِيّ يحْتَمل أَنه ﷺ َ - قَالَ هَذَا قبل أَن يعلم أَنه أول من تَنْشَق عَنهُ الأَرْض إِن كَانَ هَذَا اللَّفْظ على ظَاهره وَأَن نَبينَا ﷺ َ - أول من تَنْشَق عَنهُ الأَرْض فَيكون مُوسَى ﵊ من تِلْكَ الزمرة وَهِي وَالله أعلم زمرة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام (فَإِن قلت) إِذا جعلت لَهُ تِلْكَ عوضا من الصعقة فَيكون حَيا حَالَة الصَّعق وَحِينَئِذٍ لم يصعق (قلت) الْمَوْت لَيْسَ بِعَدَمِ إِنَّمَا هُوَ انْتِقَال من دَار إِلَى دَار فَإِذا كَانَ هَذَا للشهداء كَانَ الْأَنْبِيَاء بذلك أَحَق وَأولى مَعَ أَنه صَحَّ عَنهُ ﷺ َ - أَن الأَرْض لَا تَأْكُل أجساد الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَأَن النَّبِي ﷺ َ - قد اجْتمع بهم لَيْلَة الْإِسْرَاء بِبَيْت الْمُقَدّس وَالسَّمَاء خُصُوصا بمُوسَى ﵊ فَتحصل من جملَة هَذَا الْقطع بِأَنَّهُم غَيَّبُوا عَنَّا بِحَيْثُ لَا ندركهم وَإِن كَانُوا موجودين أَحيَاء وَذَلِكَ كالحال فِي الْمَلَائِكَة عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام فَإِنَّهُم موجودون أَحيَاء لَا يراهم أحد من نوعنا إِلَّا من خصّه الله تَعَالَى بكرامته وَإِذا تقرر أَنهم أَحيَاء فهم فِيمَا بَين السَّمَوَات وَالْأَرْض فَإِذا نفخ فِي الصُّور نفخة الصَّعق صعق كل من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَّا من شَاءَ الله فَأَما صعق غير الْأَنْبِيَاء فموت وَأما صعق الْأَنْبِيَاء فَالْأَظْهر أَنه غشي فَإِذا نفخ فِي الصُّور نفخة الْبَعْث فَمن مَاتَ حَيّ وَمن غشي عَلَيْهِ أَفَاق فَإِذا تحقق هَذَا علم أَن نَبينَا ﷺ َ - أول من يفِيق وَأول من يخرج من قَبره قبل النَّاس كلهم الْأَنْبِيَاء وَغَيرهم إِلَّا مُوسَى ﵊ فَإِنَّهُ حصل لَهُ فِيهِ تردد هَل بعث قبله أَو بَقِي على الْحَالة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا وعَلى أَي الْحَالَتَيْنِ كَانَ فَهِيَ فَضِيلَة عَظِيمَة لمُوسَى ﵊ لَيست لغيره (قلت) لقَائِل أَن يَقُول أَن سيدنَا مُحَمَّدًا ﷺ َ - لما يرفع بَصَره حِين الْإِفَاقَة يكون إِلَى جِهَة من جِهَات الْعَرْش ثمَّ ينظر ثَانِيًا إِلَى جِهَة أُخْرَى مِنْهُ فيجد مُوسَى وَبِه يلتئم قَوْله " أَنا أول من تَنْشَق عَنهُ الأَرْض " قَوْله " فَإِذا مُوسَى باطش " كلمة إِذا للمفاجأة وَمعنى باطش مُتَعَلق بِهِ بِقُوَّة والبطش الْأَخْذ الْقوي الشَّديد قَوْله " فَلَا أَدْرِي " إِلَى آخِره (فَإِن قلت) يَأْتِي فِي حَدِيث أبي سعيد عقيب هَذَا " فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَن صعق أم حُوسِبَ بصعقته الأولى " فَمَا الْجمع بَين هَذِه الثَّلَاثَة (قلت) الْمَعْنى لَا أَدْرِي أَي هَذِه الثَّلَاثَة كَانَت من الْإِفَاقَة أَو الِاسْتِثْنَاء أَو المحاسبة والمستثنى قد يكون نفس من لَهُ الصعقة فِي الدُّنْيَا قَوْله " مِمَّن اسْتثْنى الله " يَعْنِي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَصعِقَ من فِي السَّمَاوَات وَمن فِي الأَرْض إِلَّا من شَاءَ الله﴾ أَن لَا يصعق وهم جِبْرِيل وإسرافيل وَمِيكَائِيل وعزرائيل وَزَاد كَعْب حَملَة الْعَرْش وروى

стр. 3666

أنس مَرْفُوعا " ثمَّ تَمُوت الثَّلَاثَة الأول ثمَّ ملك الْمَوْت بعدهمْ وَملك الْمَوْت يقبضهم ثمَّ يميته الله " وروى أنس مَرْفُوعا " آخِرهم موتا جِبْرِيل ﵊ وَقَالَ سعيد بن الْمسيب (إِلَّا من شَاءَ الله) الشُّهَدَاء متقلدون بِالسُّيُوفِ حول الْعَرْش - ٢١٤٢ - حدَّثنا موسَى بنُ إسْمَاعيلَ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ قَالَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ يَحْيَى عنْ أبِيهِ عنْ أبي سعيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ بَيْنَما رسولُ الله ﷺ جالِسٌ جاءَ يَهُودِيٌّ فَقَالَ يَا أبَا القَاسِمِ ضَرَبَ وجْهِي رجُلٌ مِنْ أصْحَابِكَ فقالَ مَنْ قَالَ رجلٌ مِنَ الأنْصَارِ قَالَ ادْعوهُ فَقَالَ أضرَبْتَهُ قَالَ سَمِعْتُهُ بالسُّوقِ يَحْلِفُ والَّذِي اصْطَفى موسَى علَى البَشَرِ قُلْتُ أيْ خَبِيثُ علَى مُحَمَّدٍ ﷺ فأخَذَتْنِي غَضْبَةٌ ضرَبْتُ وجْهَهُ فَقَالَ النبيُّ ﷺ لَا تُخَيِّرُوا بَينَ الأنبِياءِ فإنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ فأكونُ أوَّلَ منْ تَنشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ فإذَا أنَا بِمُوساى آخِذٌ بِقائِمَةٍ مِنْ قَوائِمِ الْعَرْشِ فَلَا أدْرِي أكانَ فِيمَنْ صَعِقَ أمْ حُوسِبَ بِصَعْقَةِ الْأُولى. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَدْعُوهُ) ، فَإِن المُرَاد بِهِ إشخاصه بَين يَدي النَّبِي، ﵇. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة الْمنْقري التَّبُوذَكِي. الثَّانِي: وهيب مصغر وهب بن خَالِد أَبُو بكر. الثَّالِث: عَمْرو بن يحيى الْأنْصَارِيّ. الرَّابِع: أَبوهُ يحيى بن عمَارَة بن أبي حسن. الْخَامِس: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، اسْمه سعد بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه بصريان، وعمراً وأباه مدنيان. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير وَفِي الدِّيات، وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَفِي التَّوْحِيد عَن مُحَمَّد بن يُوسُف، وَفِي الدِّيات عَن أبي نعيم عَن سُفْيَان بِهِ مُخْتَصرا. وَأخرجه مُسلم فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن عَمْرو النَّاقِد: وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن مُوسَى بِهِ مُخْتَصرا: لَا تخَيرُوا بَين الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بَيْنَمَا) مر الْكَلَام فِيهِ غير مرّة. قَوْله: (رَسُول الله) مُبْتَدأ وَخَبره. قَوْله: (جَالس) . وَقَوله: (جَاءَ يَهُودِيّ) جَوَاب: بَيْنَمَا. قَوْله: (فَقَالَ من؟) يَعْنِي: من ضربك. قَوْله: (قَالَ: رجل) أَي: قَالَ الْيَهُودِيّ: ضَرَبَنِي رجل من الْأَنْصَار. قَوْله: (قَالَ: ادعوهُ) أَي: قَالَ النَّبِي ﷺ : أدعوا أَي: اطْلُبُوا هَذَا الرجل. قَوْله: (فَقَالَ: أضربته؟) فِيهِ حذف تَقْدِيره، أَي: فَحَضَرَ الرجل فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : هَل ضربت الرجل؟ قَوْله: (على الْبشر) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: على النَّبِيين. قَوْله: (أَي خَبِيث) ، أَي: قلت: يَا خَبِيث! على مُحَمَّد؟ أَي: اصْطفى مُوسَى على مُحَمَّد؟ والاستفهام فِيهِ على سَبِيل الْإِنْكَار. قَوْله: (فَإِذا أَنا بمُوسَى) ، كلمة: إِذا، للمفاجأة، وَالْبَاء، فِي: بمُوسَى، للإلصاق الْمجَازِي، مَعْنَاهُ: فَإِذا أَنا بمَكَان يقرب من مُوسَى، أَي: من رُؤْيَته. قَوْله: (آخذ) ، على وزن فَاعل مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هُوَ آخذ، وَمن جِهَة الْعَرَبيَّة يجوز أَن يكون مَنْصُوبًا على الْحَال. قَوْله: (بقائمه) ، الْقَائِمَة فِي اللُّغَة وَاحِدَة قَوَائِم الدَّابَّة، وَالْمرَاد هَهُنَا مَا هُوَ كالعمود للعرش. وَقَالَ ابْن بطال فِيهِ: أَن لَا قصاص بَين الْمُسلم وَالذِّمِّيّ، لِأَنَّهُ، ﷺ ، لم يَأْمر بقصاص اللَّطْمَة. ٣١٤٢ - حدَّثنا مُوسَى قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ عَن قَتَادةَ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ يَهُودياً رضَّ رأسَ جارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ قِيلَ من فَعَلَ هذَا بِكِ أفُلانٌ أفُلانٌ حتَّى سُمِّيَ الْيَهُودِيُّ فأوْمَتْ بِرَأسِها فأُخِذَ الْيَهُوديُّ فاعْتَرَفَ فأمَرَ بِهِ النبيُّ ﷺ فرُضَّ رَأسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يشْتَمل على خُصُومَة بَين يَهُودِيّ وَجَارِيَة من الْأَنْصَار، ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل الْمَذْكُور

стр. 3667

وَهَمَّام على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ ابْن يحيى بن دِينَار الْبَصْرِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْوَصَايَا عَن حسان بن أبي عباد وَفِي الدِّيات عَن حجاج بن منهال وَعَن إِسْحَاق عَن ابْن حبَان. وَأخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن هدبة بن خَالِد، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الدِّيات عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن مُحَمَّد بن كثير. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ وَالنَّسَائِيّ فِي الْقود جَمِيعًا عَن عَليّ بن حجر. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الدِّيات عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن وَكِيع. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (رض) ، بتَشْديد الضَّاد الْمُعْجَمَة أَي: دق يُقَال: رضضت الشَّيْء رضَا فَهُوَ رضيض ومرضوض، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الرض الدق الجريش. قَوْله: (رَأس جَارِيَة) ، كَانَت هَذِه الْجَارِيَة من الْأَنْصَار كَمَا صرح بِهِ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد، وَاخْتلفت أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث فههنا رض رَأس جَارِيَة بَين حجرين، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ، على مَا سَيَأْتِي: أَن يَهُودِيّا قتل جَارِيَة على أوضاح لَهَا، فَقَتلهَا بَين حجرين، وَفِي رِوَايَة للطحاوي: (عدا يَهُودِيّ فِي عهد رَسُول الله ﷺ على جَارِيَة، فَأخذ أَوْضَاحًا كَانَت عَلَيْهَا ورضخ رَأسهَا) . وَفِي رِوَايَة لمُسلم: فرضخ رَأسهَا بَين حجرين، وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد: أَن يَهُودِيّا قتل جَارِيَة من الْأَنْصَار على حلى لَهَا، ثمَّ أَلْقَاهَا فِي قليب رضخ رَأسهَا بِالْحِجَارَةِ، فأُخِذَ فأُتي بِهِ النَّبِي ﷺ ، فَأمر بِهِ أَن يُرجم حَتَّى يَمُوت، فرجم حَتَّى مَاتَ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: خرجت جَارِيَة عَلَيْهَا أوضاح، فَأَخذهَا يَهُودِيّ فرضخ رَأسهَا وَأخذ مَا عَلَيْهَا من حلي، قَالَ: فأدركت وَبهَا رَمق، فَأتي بهَا النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: من قَتلك؟ الحَدِيث. قلت: الِاخْتِلَاف فِي الْأَلْفَاظ لَا فِي الْمعَانِي، فَإِن الرضخ والرض وَالرَّجم كُله عبارَة هَهُنَا عَن الضَّرْب بِالْحِجَارَةِ، والأوضاح جمع وضح، بالضاد الْمُعْجَمَة والحاء الْمُهْملَة، وَهُوَ نوع من الْحلِيّ يعْمل من الْفضة، سميت بهَا لبياضها، والرضخ، بالضاد وَالْخَاء المعجمتين: وَهُوَ الدق وَالْكَسْر هُنَا، وَيَجِيء بِمَعْنى الشدخ أَيْضا وَبِمَعْنى الْعَطِيَّة. قَوْله: (أفلان؟ أفلان؟) الْهمزَة فيهمَا للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (فأومت) ، كَذَا ذكره ابْن التِّين، ثمَّ قَالَ: صَوَابه فأومأت، وثلاثيه: ومأ، وَفِي (الْمطَالع) : يُقَال مِنْهُ: ومأ وَأَوْمَأَ، وَفِي (الصِّحَاح) : أَوْمَأت إِلَيْهِ: أَشرت، وَلَا تقل أوميت وومأت إِلَيْهِ إِمَاء ووماء، لُغَة وَهَذَا معتل الْفَاء مَهْمُوز اللَّام. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهِ عمر بن عبد الْعَزِيز وَقَتَادَة وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبُو ثَوْر وَإِسْحَاق وَابْن الْمُنْذر وَجَمَاعَة من الظَّاهِرِيَّة: على أَن الْقَاتِل يقتل بِمَا قتل بِهِ، وَقَالَ ابْن حزم: قَالَ مَالك: إِن قتلَه بِحجر أَو بعصا أَو بالنَّار أَو بِالتَّفْرِيقِ قتل بِمثل ذَلِك، يُكَرر عَلَيْهِ أبدا حَتَّى يَمُوت. وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن ضربه بِحجر أَو بعصا حَتَّى مَاتَ ضرب بِحجر أَو بعصا أبدا حَتَّى يَمُوت، فَإِن حَبسه بِلَا طَعَام وَلَا شراب حَتَّى مَاتَ حبس مثل الْمدَّة حَتَّى يَمُوت، فَإِن لم يمت قتل بِالسَّيْفِ، وَهَكَذَا إِن غرقه، وَهَكَذَا إِن أَلْقَاهُ من مهواة عالية، فَإِن قطع يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ فَمَاتَ قطعت يدا الْقَاتِل وَرجلَاهُ، فَإِن مَاتَ وإلَاّ قتل بِالسَّيْفِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد: إِن لم يمت ترك كَمَا هُوَ حَتَّى يَمُوت لَا يطعم وَلَا يسقى، وَكَذَلِكَ إِن قَتله جوعا أَو عطشاً عطّش أَو جوّع حَتَّى يَمُوت، وَلَا تراعى الْمدَّة أصلا. وَقَالَ ابْن شبْرمَة: إِن غمسه فِي المَاء حَتَّى مَاتَ غمس حَتَّى يَمُوت، وَقَالَ عَامر الشّعبِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد، ﵏: لَا يقتل الْقَاتِل فِي جَمِيع الصُّور إلَاّ بِالسَّيْفِ، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن قيس عَن جَابر الْجعْفِيّ عَن أبي عَازِب عَن النُّعْمَان ابْن بشير عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: لَا قَود إلَاّ بحديدة. وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا ابْن مَرْزُوق، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَاصِم، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان الثَّوْريّ عَن جَابر عَن أبي عَازِب عَن النُّعْمَان. قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : لَا قَود إلَاّ بِالسَّيْفِ، وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان النعماني حَدثنَا الْحسن بن عبد الرَّحْمَن الجرجرائي. حَدثنَا مُوسَى بن دَاوُد عَن مبارك عَن الْحسن، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : لَا قَود إلَاّ بِالسَّيْفِ. قيل لِلْحسنِ: عَمَّن؟ قَالَ: سَمِعت النُّعْمَان بن بشير يذكر ذَلِك. وَقيل: عَن مبارك بن فضَالة عَن الْحسن عَن أبي بكرَة مَرْفُوعا، رَوَاهُ الْوَلِيد بن صَالح عَنهُ. وَأخرجه ابْن أبي شيبَة مُرْسلا: حَدثنَا عِيسَى بن يُونُس عَن أَشْعَث وَعَمْرو بن عبيد عَن الْحسن، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : لَا قَود إلَاّ بِالسَّيْفِ، وَجه الِاسْتِدْلَال بِهِ أَن مَعْنَاهُ: لَا قصاص حَاصِل إلَاّ بِالسَّيْفِ، وَقد علم أَن النكرَة فِي مَوضِع النَّفْي تعم، وَيكون الْمَعْنى: لَا فَرد من أَفْرَاد الْقود إلَاّ وَهُوَ مُسْتَوفى بِالسَّيْفِ. وَقيل: النَّفْي وَالِاسْتِثْنَاء، وَهُوَ طَرِيق من طرق الْقصر، وَتَحْقِيق الْقصر فِيهِ أَنه لما قيل: لَا قَود توجه النَّفْي إِلَى ذَات الْقود، فَانْتفى الْقود الْمُنكر الشَّامِل لكل وَاحِد من أَفْرَاد الْقود، وَلما قيل: إلَاّ بِالسَّيْفِ، جَاءَ الْقصر، وَفِيه

стр. 3668

إِثْبَات ذَلِك الْقود الْمَنْفِيّ بِالسَّيْفِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: توجه النَّفْي إِلَى ذَات الْقود، لِأَن الْقود معنى من الْمعَانِي وَلَيْسَ لَهُ قيام إلَاّ بِالذَّاتِ، والذات لَا يتَوَجَّه إِلَيْهِ النَّفْي، وَلِهَذَا نقُول: الْمَنْفِيّ فِي قَوْلنَا إِنَّمَا زيد قَائِم، هُوَ اتصاف زيد بِالْقيامِ لَا ذَات زيد، لِأَن أنفس الذوات أَي: الْأَجْسَام، يمْتَنع نَفيهَا، كَا بَين ذَلِك فِي الطبيعيات. فَإِن قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا حَدِيث لم يثبت لَهُ إِسْنَاد، وَجَابِر الْجعْفِيّ مطعون فِيهِ. قلت: الْجعْفِيّ، وَإِن طعن فِيهِ، فقد قَالَ وَكِيع: مهما تشككتم فِيهِ فَلَا تَشكوا فِي أَن جَابِرا ثِقَة، وَقَالَ شُعْبَة: صَدُوق فِي الحَدِيث، وَقَالَ الثَّوْريّ لشعبة: لَئِن تَكَلَّمت فِي جَابر لتكلمت فِيك، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي (الكاشف) : إِن ابْن حبَان أخرج لَهُ فِي (صَحِيحه) وَقد تَابع الثَّوْريّ أَيْضا قيس بن الرّبيع، كَمَا ذكرنَا فِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيّ، وَقَالَ عَفَّان: كَانَ قيس ثِقَة وَثَّقَهُ الثَّوْريّ وَشعْبَة، وَقَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ: هُوَ ثِقَة حسن الحَدِيث، ثمَّ إِنَّا، وَلَئِن سلمنَا مَا قَالَه الْبَيْهَقِيّ، فقد وجدنَا شَاهدا لحَدِيث النُّعْمَان الْمَذْكُور، وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن المستمر حَدثنَا الْحر بن مَالك الْعَنْبَري حَدثنَا مبارك بن فضَالة عَن الْحسن عَن أبي بكرَة قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : لَا قَود إلَاّ بِالسَّيْفِ، وَسَنَده جيد، وَابْن المستمر صَدُوق، كَذَا قَالَ النَّسَائِيّ، وَالْحر، قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي كِتَابه: سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ: صَدُوق، وَالْمبَارك، وَإِن تكلم فِيهِ، فقد أخرج لَهُ البُخَارِيّ فِي المبايعات فِي: بَاب قَول النَّبِي ﷺ يخوف الله عباده بالكسوف، وَأخرج لَهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَوَثَّقَهُ، وَقَالَ عَفَّان: كَانَ ثِقَة، وَوَثَّقَهُ ابْن معِين مرّة وَضَعفه أُخْرَى، وَكَانَ يحيى الْقطَّان يحسن الثَّنَاء عَلَيْهِ، وَرُوِيَ أَيْضا نَحوه عَن أبي هُرَيْرَة، أخرجه الْبَيْهَقِيّ من (سنَنه) من حَدِيث ابْن مصفى: حَدثنَا بَقِيَّة حَدثنَا سُلَيْمَان عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا قَود إلَاّ بِالسَّيْفِ) ، ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرَوَاهُ بَقِيَّة بن الْوَلِيد عَن أبي معَاذ هُوَ سُلَيْمَان بن أَرقم عَن الزُّهْرِيّ هَكَذَا، وَعَن أبي معَاذ عَن عبد الْكَرِيم بن أبي الْمخَارِق عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله: أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: (لَا فود إلَاّ بسلاح) . وَرَوَاهُ مُعلى بن هِلَال عَن أبي أبي إِسْحَاق عَن عَاصِم بن ضَمرَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا قَود إلَاّ بحديدة) . وروى أَيْضا عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ عَن عبد الصَّمد بن عَليّ عَن الْفضل بن عَبَّاس عَن يحيى بن غيلَان عَن عبد الله بن بزيع عَن أبي شيبَة إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان عَن جَابر عَن أبي عَازِب عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (الْقود بِالسَّيْفِ وَالْخَطَأ على الْعَاقِلَة) ، وَهَذَا الحَدِيث كَمَا رَأَيْت قد رُوِيَ عَن النُّعْمَان بن بشير وَأبي بكرَة وَأبي هُرَيْرَة وَعبد الله بن مَسْعُود وَعلي بن أبي طَالب وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَلَا شكّ أَن بَعْضهَا يشْهد لبَعض، وَأَقل أَحْوَاله أَن يكون حسنا، فَإِذا كَانَ حسن صَحَّ الِاحْتِجَاج بِهِ. . وَأَجَابُوا عَن حَدِيث الْبَاب بِأَنَّهُ ﷺ رأى أَن ذَلِك الْقَاتِل يجب قَتله ﷺ لله تَعَالَى إِذا كَانَ إِنَّمَا قتل على مَال، قد بَين ذَلِك فِي الحَدِيث الَّذِي فِيهِ الأوضاح، كَمَا يجب دم قَاطع الطَّرِيق ﷺ لله تَعَالَى، فَكَأَن لَهُ أَن يقْتله كَيفَ شَاءَ، بِسيف أَو بِغَيْرِهِ، وَأَيْضًا رُوِيَ فِي هَذَا الحَدِيث، فِيمَا رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد، أَنه ﷺ أَمر بِهِ أَن يرْجم حَتَّى يَمُوت، فرجم حَتَّى مَاتَ، وَقد مر عَن قريب، فَدلَّ ذَلِك أَن قتل الْقَاتِل لَا يتَعَيَّن أَن يكون بِمَا قتل بِهِ. وَجَوَاب آخر: أَن ذَلِك كَانَ حِين كَانَت الْمثلَة مُبَاحَة، كَمَا فعل ﷺ بالعرنيين، ثمَّ نسخت بعد ذَلِك، وَنهى عَنْهَا ﷺ . وَفِيه: إِيمَاء تِلْكَ الْجَارِيَة، وَاخْتلف الْعلمَاء فِي إِشَارَة الْمَرِيض، فَذهب اللَّيْث وَمَالك وَالشَّافِعِيّ إِلَى أَنه إِذا ثبتَتْ إِشَارَته على مَا يعرف من حَضَره جَازَت وَصيته، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري: إِذا سُئِلَ الْمَرِيض عَن الشَّيْء فَأَوْمأ بِرَأْسِهِ أَو بِيَدِهِ فَلَيْسَ بِشَيْء حَتَّى يتَكَلَّم. قَالَ أَبُو حنيفَة: وَإِنَّمَا تجوز إِشَارَة الْأَخْرَس أَو من لحقته سكتة لَا يتَكَلَّم، وَأما من اعتقل لِسَانه وَلم يَوْم بِهِ ذَلِك فَلَا تجوز إِشَارَته. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : قلت: الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ. قلت: لَو أدْرك مَا ذَكرْنَاهُ آنِفا لما اجترأ بإبراز هَذَا الْكَلَام، فَلَا يكثر مثل هَذَا على قَاصِر الْفَهم وفائت الْإِدْرَاك، وَالنَّبِيّ ﷺ لم يكتف بِإِشَارَة الْجَارِيَة فِي قتل الْيَهُودِيّ، وَإِنَّمَا قَتله باعترافه. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: من أطَاق الْإِبَانَة عَن نَفسه لم تكن إِشَارَته فِيمَا لَهُ أَو عَلَيْهِ وَاقعَة موقع الْكَلَام، لَكِن تقع موقع الدّلَالَة على مَا يُرَاد، لَا فِيمَا يُؤَدِّي إِلَى الحكم على إِنْسَان بِإِشَارَة غَيره، وَلَو كَانَ كَذَلِك لقبلت شَهَادَة الشَّاهِدين بِالْإِشَارَةِ والإيماء. وَقَالَ بعض الشَّافِعِيَّة: فِي هَذَا الحَدِيث حجَّة على أبي حنيفَة حَيْثُ لم يُوجب الْقصاص فِيمَن قتل بمثقل عمدا، وَإِنَّمَا يجب عِنْده دِيَة مُغَلّظَة، والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ، وَخَالفهُ غَيره من الْأَئِمَّة: مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وجماهير الْعلمَاء، وَالْجَوَاب عَن هَذَا: أَن عَادَة ذَلِك الْيَهُودِيّ كَانَت قتل الصغار بذلك الطَّرِيق، فَكَانَ ساعياً فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ، فَقتل سياسة. واعترضوا بِأَنَّهُ لَو قتل

стр. 3669

لسعيه فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ لما قتل مماثله برض رَأسه بَين الحجرين، ورد بِأَن قَتله مماثلة كَانَ قبل تَحْرِيم الْمثلَة، فَلَمَّا حرمت نسخت، فَكَانَ الْقَتْل بعد ذَلِك بِالسَّيْفِ. وَفِيه: بَيَان أَن الرجل يقتل بِالْمَرْأَةِ، وَهُوَ مجمع عَلَيْهِ عِنْد من يعْتد بإجماعه. وَفِيه: خلاف شَاذ. وَفِيه: قتل الْكَافِر بِالْمُسلمِ، وَالله أعلم. ٢ - (بابُ منْ رَدَّ أمْرَ السَّفِيهِ والضَّعِيفِ العَقْلِ وإنْ لَمْ يَكُنْ حَجَرَ عَلَيْهِ الإمَامُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من رد أَمر السَّفِيه، وَهُوَ ضد: الرشيد وَهُوَ الَّذِي يصلح دينه ودنياه، وَالسَّفِيه هُوَ الَّذِي يعْمل بِخِلَاف مُوجب الشَّرْع، وَيتبع هَوَاهُ ويتصرف لَا لغَرَض، أَو لغَرَض لَا يعده الْعُقَلَاء من أهل الدّيانَة غَرضا، مثل دفع المَال إِلَى الْمُغنِي واللعاب وَشِرَاء الْحمام الطيارة بِثمن غال وَغير ذَلِك. قَوْله: (والضعيف الْعقل) أَعم من السَّفِيه. قَوْله: (وَإِن لم يكن) وأصل بِمَا قبله: يَعْنِي: حجر الإِمَام عَلَيْهِ أَو لم يحْجر، فَإِن بَعضهم يرد تصرف السَّفِيه مُطلقًا، وَهُوَ قَول ابْن الْقَاسِم أَيْضا، وَعند أصبغ: لَا يرد عَلَيْهِ إلَاّ إِذا ظهر سفهه، وَقَالَ غَيرهمَا من الْمَالِكِيَّة: لَا يرد مُطلقًا إلَاّ مَا تصرف فِيهِ بعد الْحجر، وَبِه قَالَت الشَّافِعِيَّة، وَعند أبي حنيفَة: لَا يحْجر بِسَبَب سفه وَلَا يرد تصرفه مُطلقًا، وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد: يحْجر عَلَيْهِ فِي تَصَرُّفَات لَا تصح مَعَ الْهزْل: كَالْبيع وَالْهِبَة وَالْإِجَارَة وَالصَّدَََقَة، وَلَا يحْجر عَلَيْهِ فِي غَيرهَا، كَالطَّلَاقِ وَنَحْوه، وَقَالَ الشَّافِعِي: يحْجر عَلَيْهِ فِي الْكل وَلَا يحْجر عَلَيْهِ أَيْضا عِنْد أبي حنيفَة بِسَبَب غَفلَة وَهُوَ عَاقل غير مُفسد، وَلَا يَقْصِدهُ وَلكنه لَا يَهْتَدِي إِلَى التَّصَرُّفَات الرابحة، وَعِنْدَهُمَا يحْجر عَلَيْهِ كالسفيه. ويُذْكَرُ عنْ جابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ ردَّ علَى الْمُتَصَدِّقِ قَبْلَ النَّهْيِ ثُمَّ نَهَاهُ هَذَا التَّعْلِيق ذكره البُخَارِيّ فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب بيع المزايدة مَوْصُولا عَن جاب بن عبد الله: أَن رجلا أعتق غُلَاما لَهُ عَن دبر فَاحْتَاجَ الحَدِيث، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ مَوْصُولا، أَيْضا، وَلَفظه: أعتق رجل من بني عذرة عبدا لَهُ عَن دبر، فَبلغ ذَلِك النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَهُ: أَلَك مَال غَيره؟ قَالَ: لَا. قَالَ رَسُول الله ﷺ : من يَشْتَرِيهِ مني؟ فَاشْتَرَاهُ نعيم بن عبد الله الْعَدوي بثمانمائة دِرْهَم، فجَاء بهَا رَسُول الله ﷺ فَدَفعهَا إِلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: إبدأ بِنَفْسِك فَتصدق عَلَيْهَا، فَإِن فضل شَيْء فلأهلك، فَإِن فضل عَن أهلك شَيْء فلذي قرابتك فَإِن فضل عَن ذِي قرابتك شَيْء، فَهَكَذَا وَهَكَذَا، يَقُول: بَين يَديك وَعَن يَمِينك وشمالك. فَإِن قلت: الَّذِي ذكره البُخَارِيّ فِي الْبَاب الْمَذْكُور صَحِيح، فَكيف ذكر هُنَا بِصِيغَة التمريض؟ قلت: هَذَا الْمِقْدَار الَّذِي ذكره هُنَا لَيْسَ على شَرطه، فَلذَلِك ذكره بِصِيغَة التمريض، وَمن عَادَته غَالِبا أَنه لَا يجْزم إلَاّ مَا كَانَ على شَرطه، فَإِن قلت: مَا الْمُطَابقَة بَين هَذَا الْمُعَلق والترجمة؟ قلت: هِيَ أَنه ﷺ إِنَّمَا رد على الْمُتَصَدّق الْمَذْكُور صدقته مَعَ احْتِيَاجه إِلَيْهَا لأجل ضعف عقله، لِأَنَّهُ لَيْسَ من مُقْتَضى الْعقل أَن يكون الشَّخْص مُحْتَاجا فَيتَصَدَّق على غَيره، فَلذَلِك أَمر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أَن يتَصَدَّق على نَفسه أَولا، ثمَّ: إِن فضل من ذَلِك شَيْء فَيتَصَدَّق بِهِ على أَهله، فَإِن فضل شَيْء فَيتَصَدَّق بِهِ على قرَابَته، فَإِن فضل شَيْء يتَصَدَّق بِهِ على من شَاءَ من غير هَؤُلَاءِ. قَوْله: (رد على الْمُتَصَدّق) أَي: رد على الْمُتَصَدّق الْمَذْكُور فِي حَدِيث جَابر: صدقته مَعَ احْتِيَاجه إِلَيْهَا. قَوْله: (ثمَّ نَهَاهُ) أَي: عَن مثل هَذِه الصَّدَقَة بعد ذَلِك. وَقَالَ مالِكٌ إذَا كانَ لِرَجُلٍ علَى رجُلٍ مالٌ ولَهُ عَبْدٌ لَا شيْءَ لَهُ غَيْرُهُ فأعْتَقَهُ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ هَكَذَا ذكره مَالك فِي (موطئِهِ) أخرجه عَنهُ عبد الله بن وهب، واستنبط مَالك ذَلِك عَن قَضِيَّة الْمُدبر الَّذِي بَاعه النَّبِي ﷺ على صَاحبه، وَاخْتلف الْعلمَاء فِي السَّفِيه قبل الحكم: هَل ترد عقوده؟ فَاخْتَارَ البُخَارِيّ ردهَا، واستدلَّ بِحَدِيث الْمُدبر، وَذكر قَول مَالك فِي رد عتق الْمديَان قبل الْحجر إِذا أحَاط الدّين بِمَالِه، وَيلْزم مَالِكًا رد أَفعَال سَفِيه الْحَال لِأَن الْحجر فِي السَّفِيه والمديان مطرد. ومنْ باعَ عَلى الضَّعِيفِ ونَحْوِهِ فَدَفَعَ ثَمنَهُ إلَيْهِ وأمَرَهُ بالإصْلاحِ والقِيامِ بِشَأنِهِ فإنْ أفْسَدَ

стр. 3670

بَعْدُ مَنَعَهُ لأنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عنْ إضَاعَةِ المالِ وَقَالَ لِلَّذِي يُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ إذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلابَةَ ولَمْ يَأْخُذِ النبيُّ ﷺ مالَهُ هَكَذَا وَقع قَوْله: (وَمن بَاعَ) إِلَى آخِره بالْعَطْف على مَا قبله فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: بَاب من بَاعَ على الضَّعِيف ... إِلَى آخِره، وَذكر لفظ: بَاب، لَيْسَ لَهُ فَائِدَة أصلا قَوْله: (على الضَّعِيف) أَي: ضَعِيف الْعقل، وَالْألف وَاللَّام فِيهِ للْعهد، وَهُوَ الْمَذْكُور فِي التَّرْجَمَة. قَوْله: (وَنَحْوه) هُوَ السَّفِيه. قَوْله: (فَدفع) ، ويروى: وَدفع، بِالْوَاو، وَهَذَا حَاصِل مَا فعله النَّبِي، ﷺ ، فِي بيع الْمُدبر الْمَذْكُور، لِأَنَّهُ لما بَاعه دفع ثمنه إِلَيْهِ ونبهه على طَرِيق الرشد، وَأمره بالإصلاح وَالْقِيَام بِشَأْنِهِ، وَمَا كَانَ سفهه حِينَئِذٍ فِي ذَلِك إلَاّ ناشئاً عَن الْغَفْلَة وَعدم البصيرة بمواقع الْمصَالح، وَلِهَذَا سلم إِلَيْهِ الثّمن، وَلَو كَانَ مَنعه لأجل سفهه حَقِيقَة لم يكن يسلم إِلَيْهِ الثّمن. قَوْله: (فَإِن أفسد بعد) ، بِضَم الدَّال لِأَنَّهُ مَبْنِيّ على الضَّم وإضافته منوية أَي: وَإِن أفسد هَذَا الضَّعِيف الْحَال بعد ذَلِك مَنعه، أَي: حجر عَلَيْهِ من التَّصَرُّف. قَوْله: (لِأَن النَّبِي ﷺ إِلَى آخِره، تَعْلِيل لما ذكره من مَنعه بعد ذَلِك، وَالنَّهْي عَن إِضَاعَة المَال قد مر عَن قريب فِي: بَاب إِضَاعَة المَال. قَوْله: (وَقَالَ للَّذي) أَي: وَقَالَ النَّبِي ﷺ للرجل الَّذِي كَانَ يخدع فِي البيع ... إِلَى آخِره، قد مر فِي: بَاب مَا يكره من الخداع فِي البيع. قَوْله: (وَلم يَأْخُذ النَّبِي ﷺ مَاله) ، أَي: مَال الرجل الَّذِي بَاعَ النَّبِي ﷺ غُلَامه، إِنَّمَا لم يَأْخُذ لِأَنَّهُ لم يظْهر عِنْده سفهه حَقِيقَة، إِذْ لَو ظهر لمَنعه من أَخذ الثّمن، وَقد مر. ٥١٤٢ - حدَّثنا عاصِمُ بنُ علِيٍّ قَالَ حَدثنَا ابنُ أبي ذِئْبٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ الْمُنْكَدِرِ عنْ جابِر رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رجُلاً أعْتَقَ عَبْداً لَهُ لَيْسَ لَهُ مالٌ غَيْرُهُ فرَدَّهُ النبيُّ ﷺ فابْتَاعَهُ مِنْهُ نُعَيْمُ بنُ النَّحَّامِ. . قد مر هَذَا فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب بيع المزايدة، أخرجه هُنَاكَ: عَن بشر بن مُحَمَّد عَن عبد الله عَن حُسَيْن الْمكتب عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن جَابر ... إِلَى آخِره، وَأخرجه هُنَا: عَن عَاصِم بن عَليّ بن عَاصِم بن صُهَيْب الوَاسِطِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب، وَقد مر غير مرّة. ٤ - (بابُ كَلَامِ الْخُصُومِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَلَام الْخُصُوم بَعضهم مَعَ بعض فِيمَا لَا يُوجب شَيْئا من الْحَد وَالتَّعْزِير، وَأَرَادَ بِهَذَا أَن كَلَام بعض الْخُصُوم مَعَ بعض من غير إفحاش لَا يُوجب شَيْئا، لِأَن الْكَلَام لَا بُد مِنْهُ، وَلَكِن لَا يتَكَلَّم بَعضهم لبَعض بِكَلَام يجب فِيهِ الْحَد أَو التَّعْزِير.

стр. 3671

٧١٤٢ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ أخبرَنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عنِ الأعْمَشِ عنْ شَقِيقٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ مَنْ حَلَفَ علَى يَمِينٍ وهْوَ فِيها فاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ مالَ امْرِىءٍ مُسلم لَقِيَ الله وهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ قَالَ فَقَالَ الأشْعَثُ فِيَّ وَالله كانَ ذالِكَ كانَ بَيْنِي وبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أرْضٌ فجَحَدَنِي فَقَدَّمْتُهُ إلاى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لي رسولُ الله ﷺ ألَكَ بَيِّنَةٌ قلْتُ لَا قَالَ فَقَالَ لِلْيَهُوديِّ احْلِفْ قَالَ قلْتُ يَا رسولَ الله إِذا يحْلِفَ ويَذْهَبَ بِمَالِي فأنْزَلَ الله تَعَالَى إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيْمَانِهِمْ ثَمناً قلِيلاً إلاى آخر الْآيَة. . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إِذا يحلف وَيذْهب بِمَالي) ، فَإِنَّهُ نسب الْيَهُودِيّ إِلَى الْحلف الْكَاذِب، وَلم يجب عَلَيْهِ شَيْء لِأَنَّهُ أخبر بِمَا كَانَ يُعلمهُ مِنْهُ، وَمثل هَذَا الْكَلَام مُبَاح فِيمَن عرف فسقه، كَمَا عرف فسق الْيَهُودِيّ الَّذِي خَاصم الْأَشْعَث وَقلة مراقبته لله تَعَالَى. وأماالقول بذلك فِي رجل صَالح، أَو من لَا يعرف لَهُ فسق، فَيجب أَن يُنكر عَلَيْهِ وَيُؤْخَذ لَهُ بِالْحَقِّ، وَلَا يُبِيح لَهُ النّيل من عرضه، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْمُسَاقَاة فِي: بَاب الْخُصُومَة فِي الْبِئْر وَالْقَضَاء فِيهَا، فِيهَا، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عَبْدَانِ عَن أبي حَمْزَة عَن الْأَعْمَش عَن شَقِيق عَن عبد الله ... إِلَى آخِره، وَهَهُنَا أخرجه: عَن مُحَمَّد هُوَ ابْن سَلام كَذَا ذكره أَبُو نعيم وَخلف عَن أبي مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم، بالمعجمتين: الضريرعن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن شَقِيق بن سَلمَة الْأَسدي الْكُوفِي عَن عبد الله ابْن مَسْعُود، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (وَهُوَ فِيهَا فَاجر) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا، وَفَاجِر أَي: كَاذِب، وَإِطْلَاق الْغَضَب على الله تَعَالَى على الْمَعْنى الغائي مِنْهُ، وَهِي إِرَادَة إِيصَال الشَّرّ، لِأَن مَعْنَاهُ: غليان دم الْقلب لإِرَادَة الانتقام، وَهُوَ على الله تَعَالَى محَال. ٨١٤٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا عُثْمانُ بنُ عُمَرَ أخبرنَا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عبْدِ الله بنِ كعبِ بنِ مالكٍ عنْ كعْبٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ تقَاضاى ابنَ أبِي حَدْرَدٍ دَيْناً كانَ لَهُ علَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ فارْتَفَعَتْ أصْوَاتُهُمَا حتَّى سَمِعَها رسولُ الله ﷺ وهْوَ فِي بَيْتِهِ فخَرَجَ إلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنادَى يَا كَعْبُ قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسولَ الله قَالَ ضَعْ عنْ دَيْنِكَ هاذَا فأومَأ إلَيْهِ أَي الشِّطْرَ قَالَ لَقَدْ فعَلْتُ يَا رسولَ الله قَالَ قُم فاقْضِهِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فارتفعت أصواتهما) لِأَن رفع الْأَصْوَات يدل على كَلَام كثير وَقع بَينهمَا، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب التقاضي والملازمة فِي الْمَسْجِد، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن مُحَمَّد ... إِلَى آخِره، بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد وَعين هَذَا الْمَتْن، وَفَائِدَة التّكْرَار على هَذَا الْوَجْه لأجل هَذِه التَّرْجَمَة. ٩ - (حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف قَالَ أخبرنَا مَالك عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الْقَارِي أَنه قَالَ سَمِعت عمر بن الْخطاب ﵁ يَقُول سَمِعت هِشَام بن حَكِيم بن حزَام يقْرَأ سُورَة الْفرْقَان على غير مَا أقرؤها وَكَانَ رَسُول الله ﷺ َ - أَقْرَأَنيهَا وكدت أَن أعجل عَلَيْهِ ثمَّ أمهلته حَتَّى انْصَرف ثمَّ لببته بردائه فَجئْت بِهِ رَسُول الله ﷺ َ - فَقلت أَنِّي سَمِعت هَذَا يقْرَأ على غير مَا أقرأتنيها فَقَالَ لي أرْسلهُ ثمَّ قَالَ لَهُ اقْرَأ فَقَرَأَ قَالَ هَكَذَا نزلت

стр. 3672

ثمَّ قَالَ لي اقْرَأ فَقَرَأت فَقَالَ هَكَذَا نزلت إِن الْقُرْآن أنزل على سَبْعَة أحرف فاقرؤا مِنْهُ مَا تيَسّر) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله ثمَّ لببته بردائه فَإِن تلبيبه يدل على كَلَام كثير وَقع بَينهمَا يُقَال لببت الرجل بِالتَّشْدِيدِ تلبيبا إِذا جمعت ثِيَابه عِنْد صَدره فِي الْخُصُومَة ثمَّ جررته وَهَذَا أقوى من مُجَرّد القَوْل لِأَن فِيهِ امتدادا بِالْيَدِ زِيَادَة على القَوْل وَكَانَ جَوَاز هَذَا الْفِعْل بِحَسب مَا أدّى عَلَيْهِ اجْتِهَاده. (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة عبد الله بن يُوسُف التنيسِي وَهُوَ من أَفْرَاده وَمَالك بن أنس وَمُحَمّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ وَعُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام وَعبد الرَّحْمَن بن عبد الْقَارِي بِالْقَافِ وَالرَّاء الْخَفِيفَة وَتَشْديد الْيَاء نِسْبَة إِلَى بني قارة بن الديش بن محلم بن غَالب بن ربيع بن الْهون بن خُزَيْمَة بن مدركة وَالْمَشْهُور أَنه تَابِعِيّ وَقد يُقَال أَنه صَحَابِيّ توفّي بِالْمَدِينَةِ سنة ثَمَانِينَ وَله ثَمَان وَسَبْعُونَ سنة وَهِشَام بن حَكِيم بِفَتْح الْحَاء ابْن حزَام بِكَسْر الْحَاء وَتَخْفِيف الزَّاي الْقرشِي الصَّحَابِيّ ابْن الصَّحَابِيّ أسلم يَوْم الْفَتْح وَكَانَ من فضلاء الصَّحَابَة يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر وروى البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي فَضَائِل الْقُرْآن من حَدِيث عقيل عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن الْمسور وَعبد الرَّحْمَن بن عبد الْقَارِي عَن عمر بِهِ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ رَوَاهُ عبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى عَن معمر عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة بن الْمسور عَن عمر وَرَوَاهُ مَالك بِإِسْقَاط الْمسور وَكلهَا صِحَاح عَن الزُّهْرِيّ وَرَوَاهُ يحيى بن بكير عَن مَالك فَقَالَ عَن هِشَام وَوهم وَالصَّحِيح ابْن شهَاب (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن سعيد بن عفير وَفِي التَّوْحِيد عَن يحيى بن بكير عَن لَيْث عَن عقيل وَفِي اسْتِتَابَة الْمُرْتَدين وَقَالَ اللَّيْث حَدثنِي يُونُس وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن أَيْضا عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ وَعَن حَرْمَلَة عَن ابْن وهب وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعبد بن حميد وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْقِرَاءَة عَن الْحسن بن عَليّ الْخلال وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى وَعَن مُحَمَّد بن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن أَيْضا عَنْهُمَا (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " وكدت أَن أعجل عَلَيْهِ " يَعْنِي فِي الْإِنْكَار عَلَيْهِ والتعرض لَهُ قَوْله " حَتَّى انْصَرف " أَي من الْقِرَاءَة قَوْله " ثمَّ لبيته " بِالتَّشْدِيدِ من التلبيب وَقد مر تَفْسِيره الْآن قَوْله " فَقَالَ لي أرْسلهُ " أَي فَقَالَ لي رَسُول الله ﷺ َ - أرْسلهُ أَي هِشَام بن حَكِيم وَكَانَ ممسوكا مَعَه قَوْله " هَكَذَا أنزلت " قَالَ ذَلِك عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي قِرَاءَة الِاثْنَيْنِ كليهمَا وَلم يبين أحد كَيْفيَّة الْخلاف الَّذِي وَقع بَينهمَا قَوْله " على سَبْعَة أحرف " اخْتلفُوا فِي معنى هَذَا على عشرَة أَقْوَال الأول قَالَ الْخَلِيل هِيَ القراآت السَّبْعَة وَهِي الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال الْمُؤَلّفَة من الْحُرُوف الَّتِي تنتظم مِنْهَا الْكَلِمَة فَيقْرَأ على سَبْعَة أوجه كَقَوْلِه نرتع وَنَلْعَب قرىء على سَبْعَة أوجه (فَإِن قلت) كَيفَ يجوز إِطْلَاق الْعدَد على نزُول الْآيَة وَهِي إِذا نزلت مرّة حصلت كَمَا هِيَ إِلَّا أَن ترفع ثمَّ تنزل بِحرف آخر (قلت) أجابوا عَنهُ بِأَن جِبْرِيل ﵊ كَانَ يدارس رَسُول الله ﷺ َ - الْقُرْآن فِي كل رَمَضَان ويعارضه إِيَّاه فَنزل فِي كل عرض بِحرف وَلِهَذَا قَالَ أَقْرَأَنِي جِبْرِيل ﵊ على حرف فراجعته فَلم أزل أستزيده حَتَّى انْتهى إِلَى سَبْعَة أحرف وَاخْتلف الأصوليون هَل يقْرَأ الْيَوْم على سَبْعَة أحرف فَمَنعه الطَّبَرِيّ وَغَيره وَقَالَ إِنَّمَا يجوز بِحرف وَاحِد الْيَوْم وَهُوَ حرف زيذ ونحى إِلَيْهِ القَاضِي أَبُو بكر وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ أجمع الْمُسلمُونَ على أَنه لَا يجوز حظر مَا وَسعه الله تَعَالَى من القراآت بالأحرف الَّتِي أنزلهَا الله تَعَالَى وَلَا يسوغ للْأمة أَن تمنع مَا يُطلقهُ الله تَعَالَى بل هِيَ مَوْجُودَة فِي قراءتنا وَهِي مفرقة فِي الْقُرْآن غير مَعْلُومَة بِأَعْيَانِهَا فَيجوز على هَذَا وَبِه قَالَ القَاضِي أَن يقْرَأ بِكُل مَا نَقله أهل التَّوَاتُر من غير تَمْيِيز حرف من حرف فيحفظ حرف ناقع بِحرف الْكسَائي وَحَمْزَة وَلَا حرج فِي ذَلِك لِأَن الله تَعَالَى أنزلهَا تيسيرا على عَبده ورفقا وَقَالَ الْخطابِيّ الْأَشْبَه فِيهِ مَا قيل أَن الْقُرْآن أنزل مرخصا للقارىء بِأَن يقْرَأ

стр. 3673

بسبعة أحرف على مَا تيَسّر وَذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا اتّفق فِيهِ الْمَعْنى أَو تقَارب وَهَذَا قبل إِجْمَاع الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم فَأَما الْآن فَلَا يسعهم أَن يقرأه على خلاف أَجمعُوا عَلَيْهِ القَوْل الثَّانِي قَالَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى سَبْعَة أحرف هِيَ سبع لُغَات فصيحة من لُغَات الْعَرَب قُرَيْش ونزار وَغير ذَلِك الثَّالِث السَّبْعَة كلهَا لمضر لَا لغَيْرهَا وَهِي مفرقة فِي الْقُرْآن غير مجتمعة فِي الْكَلِمَة الْوَاحِدَة الرَّابِع أَنه يَصح فِي الْكَلِمَة الْوَاحِدَة الْخَامِس السَّبْعَة فِي صُورَة التِّلَاوَة كالإدغام وَغَيره السَّادِس السَّبْعَة هِيَ سَبْعَة أنحاء زجر وَأمر وحلال وَحرَام ومحكم ومتشابه وأمثال السَّابِع سَبْعَة أحرف هِيَ الْإِعْرَاب لِأَنَّهُ يَقع فِي آخر الْكَلِمَة وَذكر عَن مَالك أَن المُرَاد بِهِ إِبْدَال خَوَاتِيم الْآي فَيجْعَل مَكَان غَفُور رَحِيم سميع بَصِير مَا لم يُبدل آيَة رَحْمَة بِعَذَاب أَو عَكسه الثَّامِن المُرَاد من سَبْعَة أحرف الْحُرُوف والأسماء وَالْأَفْعَال الْمُؤَلّفَة من الْحُرُوف الَّتِي يَنْتَظِم مِنْهَا كلمة فَيقْرَأ على سَبْعَة أحرف نَحْو عبد الطاغوت ونرتع وَنَلْعَب قرىء على سَبْعَة أوجه التَّاسِع هِيَ سَبْعَة أوجه من الْمعَانِي المتفقة المتقاربة نَحْو أقبل وتعال وهلم وَعَن مَالك إجَازَة الْقُرْآن بِمَا ذكر عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فامضوا إِلَى ذكر الله قيل أَرَادَ بِهِ أَنه لَا بَأْس بقرَاءَته على الْمِنْبَر كَمَا فعل عمر ليبين أَن المُرَاد بِهِ الجري الْعَاشِر أَن المُرَاد بالسبعة الإمالة وَالْفَتْح والترقيق والتفخيم والهمز والتسهيل والإدغام والإظهار وَقَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين تدبرت وُجُوه الِاخْتِلَاف فِي القراآت فَوَجَدتهَا سَبْعَة مِنْهَا مَا تَتَغَيَّر حركته وَيبقى مَعْنَاهُ وَصورته مثل هن أطهر لكم وَأظْهر وَمِنْهَا مَا يتَغَيَّر مَعْنَاهُ وَيَزُول بالإعراب وَلَا تَتَغَيَّر صورته مثل رَبنَا باعد وَبعد وَمِنْهَا مَا يتَغَيَّر مَعْنَاهُ بالحروف وَلَا يخْتَلف بالإعراب وَلَا تَتَغَيَّر صورته نَحْو ننشرها وننشزها وَمِنْهَا مَا تَتَغَيَّر صورته دون مَعْنَاهُ كالعهن المنفوش قَرَأَ سعيد بن جُبَير كالصوف وَمِنْهَا مَا تَتَغَيَّر صورته وَمَعْنَاهُ مثل طلح منضود قَرَأَ عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وطلع وَمِنْهَا التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير مثل وَجَاءَت سكرة الْمَوْت بِالْحَقِّ قَرَأَ أَبُو بكر وَطَلْحَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَجَاءَت سكرة الْحق بِالْمَوْتِ وَمِنْهَا الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان مثل تسع وَتسْعُونَ نعجة أُنْثَى فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقَالَ القَاضِي عِيَاض قيل السَّبْعَة توسعة وتسهيل لم يقْصد بِهِ الْحصْر وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ هُوَ حصر الْعدَد فِي السَّبْعَة قيل هِيَ فِي صُورَة التِّلَاوَة وَكَيْفِيَّة النُّطْق من إدغام وَإِظْهَار وتفخيم وترقيق وَمد وإمالة ليقْرَأ كل بِمَا يُوَافق لغته ويسهل على لِسَانه أَي كَمَا لَا يُكَلف الْقرشِي الْهَمْز واليمني تَركه والأسدي فتح حرف المضارعة وَقَالَ ابْن أبي صفرَة هَذِه السَّبع إِنَّمَا شرعت من حرف وَاحِد من السَّبْعَة الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث وَهُوَ الَّذِي جمع عَلَيْهِ عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ انقياد هِشَام لعلمه أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لم يرد إِلَّا خيرا وَفِيه مَا كَانَ عَلَيْهِ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ من الصلابة وَكَانَ هِشَام من أَصْلَب النَّاس بعده وَكَانَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِذا كره شَيْئا يَقُول لَا يكون هَذَا مَا بقيت أَنا وَهِشَام بن حَكِيم وَفِيه مَشْرُوعِيَّة الْقِرَاءَة بِمَا تيَسّر عَلَيْهِ دون أَن يتَكَلَّف وَهُوَ معنى قَول النَّبِي ﷺ َ - فِي آخر الحَدِيث " فاقرؤا مَا تيَسّر مِنْهُ " أَي مَا تيَسّر لكم من الْقُرْآن وَحفظه - ٥ - (بابُ إخْرَاجِ أهْلِ الْمَعَاصِي والخُصُومِ مِنَ الْبُيُوتِ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز إِخْرَاج أهل الْمعاصِي ... إِلَى آخِره. قَوْله: (بعد الْمعرفَة) ، أَي: بعد الْعرْفَان بأحوالهم، وَهَذَا على سَبِيل التَّأْدِيب لَهُم والزجر عَن ارْتِكَاب مَا لم يجزه الشَّرْع. وقدْ أخْرَجَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أُخْتَ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ حِينَ ناحَتْ أَي: أخرج عمر بن الْخطاب أُخْت أبي بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهِي: أم فَرْوَة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن سعد فِي (الطَّبَقَات الْكَبِير) : أَنبأَنَا عُثْمَان بن عمر أَنبأَنَا يُونُس بن يزِيد عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب، قَالَ: لما توفّي أَبُو بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَقَامَت عَائِشَة عَلَيْهِ النوح، فَبلغ عمر فنهاهن فأبين أَن ينتهين، فَقَالَ لهشام بن الْوَلِيد: أخرج إِلَى ابْنة أبي قُحَافَة، يَعْنِي: أم فَرْوَة، فعلاها بِالدرةِ ضربات، فَتفرق النوائح حِين سمعن ذَلِك. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هَذَا

стр. 3674

مُنْقَطع فِيمَا بَين سعيد وَعمر فَينْظر فِي جزم البُخَارِيّ، وَوَصله إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي مُسْنده من وَجه آخر عَن الزُّهْرِيّ، وَفِيه: فَجعل يخرجهن امْرَأَة امْرَأَة وَهُوَ يضربهن بِالدرةِ. ٦ - (بابُ دَعْوَى الْوَصِيِّ لِلْمَيِّتِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم دَعْوَى الوضي للْمَيت أَي: لأَجله فِي الْحُقُوق مِنْهَا الِاسْتِلْحَاق فِي النّسَب وَحَدِيث الْبَاب فِيهِ. ١٢٤٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنْ عَبْدَ بنَ زَمْعَةَ وسَعْدَ بنَ أبِي وقَّاصٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ اخْتَصَما إلاى النبيِّ ﷺ فِي ابنِ أمَةِ زَمْعَةَ فَقَالَ سَعْدً يَا رسولَ الله أوْصَانِي أخِي إذَا قَدِمْتُ أَن أنْظُرَ ابنَ أمَةِ زَمْعَةَ فأقْبِضَهُ فإنَّهُ ابْني وَقَالَ عبْدُ بنُ زَمْعَةَ أخِي وابنُ أمَةِ أبِي وُلِدَ على فِرَاش أبِي فرَأى النبيُّ ﷺ شبَهَاً بَيِّناً بِعُتْبَةَ فَقَالَ هُوَ لَكَ يَا عبْدُ بنَ زَمْعَةَ الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ واحْتَجِبِي منْهُ يَا سَوْدَةُ. . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَوْصَانِي أخي فَلْينْظر فِيهِ) والْحَدِيث مضى فِي أَوَائِل كتاب الْبيُوع فِي: بَاب تَفْسِير المشبهات، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن يحيى بن قزعة عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة ... إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه: عَن عبد الله بن مُحَمَّد البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ ... إِلَى آخِره. قَوْله: (ان عبد بن زَمعَة) ، لفظ عبد خلاف الْحر هُوَ ابْن لزمعة، بِفَتْح الزَّاي وَالْمِيم وَالْعين الْمُهْملَة: ابْن قيس العامري الصَّحَابِيّ. قَوْله: (اخْتَصمَا) ، كَانَت خصومتهما عَام الْفَتْح. قَوْله: (أَوْصَانِي أخي) أَخُوهُ هُوَ عتبَة بن أبي وَقاص، اخْتلفُوا فِي إِسْلَامه، وَهُوَ الَّذِي شج رَسُول الله ﷺ وَكسر رباعيته يَوْم أحد. قَوْله: (إِذا قدمت) ، أَي: مَكَّة. قَوْله: (أَن أنظر ابْن أمة زَمعَة) ، هَذَا الابْن المختصم فِيهِ اسْمه: عبد الرَّحْمَن، صَحَابِيّ. قَوْله: (شبها بَينا بِعتبَة) ، هُوَ عتبَة بن أبي وَقاص، وَقد حكم، ﷺ ، هُنَا بِأَن الْوَلَد للْفراش، وَلم يحكم فِيهِ بالشبه وَهُوَ حجَّة قَوِيَّة للحنفية فِي منع الحكم بالقائف، وَإِنَّمَا قَالَ لسودة بنت زَمعَة، وَهِي زوج النَّبِي، ﷺ : احتجبي مِنْهُ، أَي من ابْن أمة زَمعَة، تورعاً للمشابهة الظَّاهِرَة بَين ابْن أمة زَمعَة، وَعتبَة، وَالله أعلم. ٧ - (بابُ التَّوَثُّقِ مِمَّنْ تُخْشَى مَعَرَّتُهُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة التَّوَثُّق مِمَّن يخْشَى معرته، بِفَتْح الْمِيم وَالْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء: وَهِي الْفساد والعبث، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: المعرة: الْأَمر الْقَبِيح الْمَكْرُوه والأذى، وَهِي مفعلة من

стр. 3675

العر. وَفِي (الْمغرب) المعرة المساءة والأذى، مفعلة من العر وَهُوَ الْحَرْب أَو من عره إِذا لطخه بالعرة وَهِي السرقين، والتوثق الإحكام، يُقَال: عقد وثيق أَي: مُحكم، ووثق بِهِ وثاقة أَي: ايتمنه وأوثقه وَوَثَّقَهُ بِالتَّشْدِيدِ أَي: أحكمه، وشده بِالْوَثَاقِ، أَي: بالقيد، وَهُوَ بِفَتْح الْوَاو وَالْكَسْر فِيهِ لُغَة، ثمَّ التَّوَثُّق تَارَة يكون بالقيد وَتارَة يكون بِالْحَبْسِ، على مَا يَجِيء إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وقَيَّدَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عِكْرِمَةَ عَلَى تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ والسُّنُنِ والفَرَائِضِ عِكْرِمَة هُوَ مولى عبد الله بن عَبَّاس، أَصله من البربر من أهل الغرب كَانَ لحصين بن أبي الْحر الْعَنْبَري، فوهبه لعبد الله ابْن عَبَّاس حِين جَاءَ والياً على الْبَصْرَة لعَلي بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، روى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَأكْثر عَن مَوْلَاهُ، وروى عَنهُ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَمَات قبله، وَالْأَعْمَش وَقَتَادَة وَالْإِمَام أَبُو حنيفَة وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ، وَعَن عبد الرَّحْمَن ابْن حسان: سَمِعت عِكْرِمَة يَقُول: طلبت الْعلم أَرْبَعِينَ سنة وَكنت أُفْتِي بِالْبَابِ وَابْن عَبَّاس فِي الدَّار، وَعَن الشّعبِيّ: مَا بَقِي أحد أعلم بِكِتَاب الله من عِكْرِمَة، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة خمس وَمِائَة، وَهُوَ ابْن ثَمَانِينَ سنة. وَالتَّعْلِيق الْمَذْكُور وَصله ابْن سعد عَن أَحْمد ابْن عبد الله بن يُونُس وعارم بن الْفضل، قَالَا: حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن الزبير بن الخريت، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء، عَن عِكْرِمَة، قَالَ: كَانَ ابْن عَبَّاس يَجْعَل فِي رجْلي الكبل يعلمني الْقُرْآن ويعلمني السّنة، والكبل: بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره لَام: وَهُوَ الْقَيْد. ٢٢٤٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ سَعِيدِ بنِ أبِي سعِيدٍ أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقولُ بعَثَ النبيُّ ﷺ خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ فَجاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنيفَةَ يُقالُ لَهُ ثُمامَةُ بنُ أُثالٍ سَيِّدُ أهْلِ الْيَمامَةِ فرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ فَخَرَجَ إلَيْهِ رسولُ الله ﷺ قَالَ مَا عِنْدَكَ يَا ثمامَةُ قَالَ عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ فذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ أطْلقوا ثَمامَةَ. . أَي: مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فربطوه فِي سَارِيَة) ، وَذَلِكَ كَانَ للتوثق خوفًا من معرته، والْحَدِيث مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الِاغْتِسَال إِذا أسلم، وربط الْأَسير أَيْضا فِي الْمَسْجِد، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن اللَّيْث عَن سعيد بن أبي سعيد أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة ... إِلَى آخِره. وَأخرجه أَيْضا هُنَاكَ فِي: بَاب دُخُول الْمُشرك الْمَسْجِد، بِهَذَا الْإِسْنَاد عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث عَن سعيد بن أبي سعيد هُوَ المَقْبُري. قَوْله: (خيلاً) ، أَي: ركبانا. قَوْله: (قبل نجد) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: جِهَة نجد، ومقابلها. قَوْله: (ثُمَامَة) ، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الميمين. و: (أَثَال) بِضَم الْهمزَة وَتَخْفِيف الثَّاء الْمُثَلَّثَة وبلام مصروفاً. قَوْله: (الْيَمَامَة) ، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف الميمين: مَدِينَة من الْيمن على مرحلَتَيْنِ من الطَّائِف. قَوْله: (فَذكر الحَدِيث) أَي: بِتَمَامِهِ وَطوله، وَسَيَأْتِي فِي كتاب الْمَغَازِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (أطْلقُوا) أَمر من الْإِطْلَاق. وَفِيه: الْأَمر بالتوثق بالقيدو بِالْحَبْسِ أَيْضا، وَقد رُوِيَ أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ يحبس فِي الدّين، وروى معمر عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين، قَالَ: كَانَ شُرَيْح إِذا قضى على رجل أَمر بحبسه فِي الْمَسْجِد إِلَى أَن يقوم، فَإِن أعطي حَقه، وَإِلَّا أَمر بِهِ إِلَى السجْن، وَقَالَ طَاوُوس: إِذا لم يقر الرجل بالحكم حبس، وروى معمر عَن بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده: أَن رَسُول الله ﷺ حبس رجلا فِي تُهْمَة، وَحَدِيث ثُمَامَة أصل فِي هَذَا الْبَاب، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. ٨ - (بابُ الرَّبْطِ والْحَبْسِ فِي الْحَرَمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة ربط الْغَرِيم وحبسه فِي الْحرم، وَفِيه رد على طَاوُوس حَيْثُ كره السجْن بِمَكَّة، فروى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق قيس بن سعد عَن طَاوُوس: أَنه كَانَ يكره السجْن بِمَكَّة وَيَقُول: لَا يَنْبَغِي لبيت عَذَاب أَن يكون فِي بَيت رَحْمَة. قلت: هَذَا نظر مليح، وَلَكِن الْعَمَل على خِلَافه.

стр. 3676

واشْتَراى نافِعُ بنُ عَبْدِ الْحَرِثِ دَارا لِلْسِّجْنِ بِمَكَّةَ مِنْ صَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ علَى أنَّ عُمَرَ إنْ رَضِيَ فالْبَيْعُ بَيْعُهُ وإنْ لَمْ يَرْضَ عُمَرَ فلِصَفْوانَ أرْبَعُمَائَةٍ نَافِع بن عبد الْحَارِث الْخُزَاعِيّ من فضلاء الصَّحَابَة، اسْتَعْملهُ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على مَكَّة، وَكَانَ من جملَة عُمَّال عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَصَفوَان بن أُميَّة الجُمَحِي الْمَكِّيّ الصَّحَابِيّ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة وَالْبَيْهَقِيّ من طرق: عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عبد الرَّحْمَن بن فروخ بِهِ، وَلَيْسَ لنافع بن عبد الْحَارِث وَلَا لِصَفْوَان فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (للسجن) بِفَتْح السِّين: مصدر من: سجن يسجن، من: بَاب نصر ينصر، سجناً بِالْفَتْح، والسجن بِالْكَسْرِ وَاحِد السجون. قَوْله: (على أَن عمر) كلمة: على، دخلت على: أَن، الشّرطِيَّة نظرا إِلَى الْمَعْنى، كَأَنَّهُ قَالَ: على هَذَا الشَّرْط، فَاعْترضَ بِأَن البيع بِمثل هَذَا الشَّرْط فَاسد. وَأجِيب: بِأَنَّهُ لم يكن دَاخِلا فِي نفس العقد، بل هُوَ وعد، أَو هُوَ مِمَّا يَقْتَضِيهِ العقد، أَو كَانَ بيعا بِشَرْط الْخِيَار لعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَو إِنَّه كَانَ وَكيلا لعمر، وللوكيل أَن يَأْخُذ لنَفسِهِ إِذا رده الْمُوكل بِالْعَيْبِ وَنَحْوه. وَقَالَ الْمُهلب: اشْتَرَاهَا نَافِع من صَفْوَان للسجن، وَشرط عَلَيْهِ: إِن رَضِي عمر بالابتياع فَهِيَ لعمر، وَإِن لم يرض فلك بِالثّمن الْمَذْكُور لنافع، بِأَرْبَع مائَة وَهَذَا بيع جَائِز. قَوْله: وَإِن لم يرض عمر فلصفوان أَرْبَعمِائَة أَي وَإِن لم يرض عمر بالابتياع الْمَذْكُور يكون لِصَفْوَان أَرْبَعمِائَة فِي مُقَابلَة الِانْتِفَاع بِتِلْكَ الدَّار إِلَى أَن يعود الْجَواب من عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَا يظنّ أَن هَذِه الأربعمائة هِيَ الثّمن، لِأَن الثّمن كَانَ أَرْبَعَة آلَاف. فَإِن قلت: هَذِه الْأَرْبَعَة آلَاف دَرَاهِم أَو دَنَانِير؟ قلت: يحْتَمل كلاًّ مِنْهُمَا، وَلَكِن الظَّاهِر أَنه دَرَاهِم، وَكَانَت من بَيت مَال الْمُسلمين وبعيد أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَشْتَرِي دَارا للسجن بأَرْبعَة آلَاف دِينَار؟ لشدَّة احترازه على بَيت المَال. وسَجَنَ ابنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ أَي: سجن عبد الله بن الزبير بِمَكَّة أَيَّام ولَايَته عَلَيْهَا، ومفعول: سجن، مَحْذُوف تَقْدِيره: سجن الْمَدْيُون وَنَحْوه، وَحذف للْعلم بِهِ، وَهَذَا التَّعْلِيق ذكره ابْن سعد من طَرِيق ضَعِيف عَن مُحَمَّد بن عمر: حَدثنَا ربيعَة بن عُثْمَان وَغَيره عَن سعد بن مُحَمَّد بن جُبَير وَالْحُسَيْن ابْن الْحسن بن عَطِيَّة الْعَوْفِيّ عَن أَبِيه عَن جده ... فَذكره. ٣٢٤٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني سَعِيدُ بنُ أبِي سَعيد قَالَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ بَعَثَ النبيُّ ﷺ خيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ فَجاءَتْ بِرَجُلٍ منْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقالُ لَهُ ثُمامَةُ بنُ أُثَالٍ فرَبَطُوهُ بِسارِيَةٍ مِنْ سَوارِيَ الْمَسْجِدِ. . مضى هَذَا الحَدِيث فِي الْبَاب السَّابِق بأتم مِنْهُ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث، وَهَهُنَا: (عَن عبد الله بن يُوسُف عَن اللَّيْث، ومطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فربطوه بِسَارِيَة من سواري الْمَسْجِد) أَي: مَسْجِد الْمَدِينَة، قَالَ الْمُهلب: السّنة فِي مثل قَضِيَّة ثُمَامَة أَن يقتل أَو يستعبد أَو يفادى بِهِ، أَو يمنَّ عَلَيْهِ، فحبسه النَّبِي، ﷺ ، حَتَّى يرى الْوُجُوه أصلح للْمُسلمين فِي أمره. بِسْمِ الله الرَّحْمانِ الرَّحِيمِ ٩ - (بابُ الْمُلَازَمَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة مُلَازمَة الدَّائِن مديونه، وَفِي بعض النّسخ: بَاب فِي الْمُلَازمَة، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة قبل قَوْله: بَاب الْمُلَازمَة: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم: بَاب الْمُلَازمَة، وَسَقَطت فِي رِوَايَة البَاقِينَ.

стр. 3677

٤٢٤٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني جَعْفَر بنُ رَبِيعَةَ وَقَالَ غَيْرُهُ حدَّثني اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني جَعْفَرُ بنُ رَبيعَةَ عنْ عبدِ الرَّحْمانِ بنِ هُرْمُزَ عنْ عَبْدِ الله بنِ كَعْبِ بنِ مالِكٍ الأنْصَارِيِّ عنْ كَعْبِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهْ أنَّهُ كانَ لَهُ علَى عَبْدِ الله بنِ أبِي حَدْرَدٍ الأسْلَمِيِّ ديْنٌ فلَقِيَهُ فلَزِمَهُ فتَكَلَّمَا حتَّى ارْتَفَعَتْ أصْوَاتُهُمَا فمَرَّ بِهِما النبيُّ ﷺ فَقَالَ يَا كَعْبُ وأشَارَ بِيَدِهِ كأنَّهُ يَقولُ النِّصْفُ فأخذَ نِصْفَ مَا علَيْهِ وتَرَكَ نِصْفاً. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَلَزِمَهُ) أَي: فَلَزِمَ كَعْب بن مَالك عبد الله بن أبي حَدْرَد، وَلم يُنكر عَلَيْهِ النَّبِي، ﷺ ، حِين وقف عَلَيْهِمَا وَأمر كَعْبًا يحط النّصْف، وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب التقاضي والملازمة فِي الْمَسْجِد. قَوْله: (وَقَالَ غَيره) أَي: غير يحيى قَالَ: حَدثنِي اللَّيْث، قَالَ: حَدثنِي جَعْفَر بن ربيعَة. وَالْفرق بَين الطَّرِيقَيْنِ: أَن الأول: روى بعن. وَالثَّانِي بِلَفْظ: حَدثنِي جَعْفَر بن ربيعَة. وَفِيه: جَوَاز مُلَازمَة الْغَرِيم لِأَنَّهُ ﷺ لم يُنكر على كَعْب ملازمته لغريمه كَمَا ذكرنَا، وَاخْتلفُوا فِي ملازمته المعدم: هَل يلازمه بعد ثُبُوت الإعدام وانطلاقه من الْحَبْس، فَعِنْدَ أبي حنيفَة لَهُ أَن يلازمه وَيَأْخُذ فضل كَسبه ويقاسمه أَصْحَاب الدُّيُون إِن كَانَ عَلَيْهِ لجَماعَة، وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد: يُحَال بَينه وَبَين غُرَمَائه إلَاّ أَن يقيموا الْبَيِّنَة أَن لَهُ مَالا. ٠١ - (بابُ التَّقَاضِي) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تقاضي الدّين، أَي: مُطَالبَته. ٥٤ - (كتابٌ فِي اللُّقْطَةِ) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام اللّقطَة، هَكَذَا وَقع للمستملي والنسفي: كتاب فِي اللّقطَة، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة ابْن التِّين وَابْن بطال. وتبعهما على ذَلِك صَاحب (التَّلْوِيح) ، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم: بَاب إِذا أخبر رب اللّقطَة بالعلامة دفع إِلَيْهِ، على مَا يَجِيء. واللقطة، بِضَم اللَّام وَفتح الْقَاف: اسْم لِلْمَالِ الْمُلْتَقط. قَالَ بعض شرَّاح كتب الْحَنَفِيَّة: إِن هَذَا اسْم الْفَاعِل للْمُبَالَغَة، وبسكون الْقَاف اسْم مفعول، كالضحكة، وَمعنى الْمُبَالغَة فِيهِ لزِيَادَة معنى اخْتصَّ بِهِ، وَهُوَ أَن كل من رَآهَا يمِيل إِلَى رَفعهَا، فَكَأَنَّهَا تَأمره بِالرَّفْع لِأَنَّهَا حاملة إِلَيْهِ، فأسند إِلَيْهَا مجَازًا، فَجعلت كَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي رفعت نَفسهَا، وَنَظِيره قَوْلهم: نَاقَة حَلُوب،

стр. 3678

ودابة ركُوب وَهُوَ اسْم فَاعل سميت بذلك لِأَن من رَآهَا يرغب فِي الْحَلب وَالرُّكُوب، فَنزلت كَأَنَّهَا أحلبت نَفسهَا وأركبت نَفسهَا. قلت: فِيهِ تعسف وَلَيْسَ كَذَلِك، بل اللّقطَة سَوَاء كَانَ بِفَتْح الْقَاف أَو سكونها اسْم مَوْضُوع على هَذِه الصِّيغَة لِلْمَالِ الْمُلْتَقط، وَلَيْسَ هَذَا مثل الضحكة، وَلَا مثل نَاقَة حلوف ودابة ركُوب، لِأَن هَذِه صِفَات تدل على الْحُدُوث والتجدد، غير أَن الأول للْمُبَالَغَة فِي وصف الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول، وَالثَّانِي وَالثَّالِث بِمَعْنى الْمَفْعُول للْمُبَالَغَة. وَقَالَ ابْن سَيّده: اللَقطة واللُقطة واللِقاطة: مَا الْتقط وَفِي (الْجَامِع) : اللّقطَة مَا التقطه الْإِنْسَان فَاحْتَاجَ إِلَى تَعْرِيفه. وَفِي (التَّلْوِيح) : وَقيل: اللّقطَة هُوَ الرجل الَّذِي يلتقط، وَاسم الْمَوْجُود: لقطَة، وَعَن الْأَصْمَعِي وَابْن الْأَعرَابِي وَالْفراء، بِفَتْح الْقَاف: اسْم المَال. وَعَن الْخَلِيل هِيَ بِالْفَتْح اسْم الْمُلْتَقط كَسَائِر مَا جَاءَ على هَذَا الْوَزْن يكون اسْم الْفَاعِل كهمزة ولمزة، وبسكون الْقَاف اسْم المَال الملقوط. قَالَ الْأَزْهَرِي: هَذَا قِيَاس اللُّغَة وَلَكِن كَلَام الْعَرَب فِي اللُّغَة على غير الْقيَاس، فَإِن الروَاة أَجمعُوا على أَن اللّقطَة يَعْنِي، بِالْفَتْح: اسْم للشَّيْء الْمُلْتَقط، والالتقاط العثور على الشَّيْء من غير قصد وَطلب، وَفِي (أدب الْكتاب) تسكين الْقَاف من لحن الْعَامَّة، ورد عَلَيْهِ بِمَا ذكرنَا عَن الْخَلِيل، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَيُقَال لَهَا أَيْضا لقاطة، بِالضَّمِّ ولقط بِفَتْح الْقَاف وَاللَّام بِلَا هَاء. ١ - (بابٌ إذَا أخبرهُ رَبُّ اللُّقْطَةِ بِالعَلامَةِ دَفَعَ إلَيْهِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أخبر إِلَى آخِره، وَأخْبر على صِيغَة الْمَعْلُوم. قَوْله: (رب اللّقطَة) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ فَاعل: أخبر، قَوْله: دفع، على صِيغَة الْمَعْلُوم أَيْضا أَي: دفع الْمُلْتَقط اللّقطَة إِلَى رَبهَا، وَفِي بعض النّسخ إِذا أخبرهُ، بالضمير الْمَنْصُوب، أَي: إِذا أخبر الْمُلْتَقط رب اللّقطَة بالعلامة دفع إِلَيْهِ. ٦٢٤٢ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ وحدَّثني مُحمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدُرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سَلَمَةَ سَمِعْتُ سُويْدَ بنَ غَفَلَةَ قَالَ لَ قِيتُ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقَالَ أخَذْتُ صُرَّةً مِائَةَ دِينارٍ فأتَيْتُ النبيَّ ﷺ فَقَالَ عَرِّفْهَا حَوْلاً فعرَّفْتُهَا حَوْلَها فلَمْ أجِدْ مَنْ يَعْرِفُها ثُمَّ أتَيْتُهُ فَقَالَ عرِّفْهَا حَوْلاً فعَرَّفْتُها فلَمْ أجِدْ ثُمَّ أتَيْتُهُ ثَلاثاً فَقَالَ احْفَظْ وِعاءَهَا وعدَدَها وَوِكَاءَها فإنْ جاءَ صاحِبُها وإلَاّ فاسْتَمْتِعْ بِهَا فاسْتَمْتَعْتُ فلَقِيتُهُ بَعْدُ بِمَكَّةَ فَقَالَ لَا أدْرِي ثَلاثَةَ أحْوَالٍ أوْ حَوْلاً واحِداً. (الحَدِيث ٦٢٤٢ طرفه فِي: ٧٣٤٢) . لَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث مَا يشْعر صَرِيحًا على التَّرْجَمَة، أللهم إِلَّا إِذا قيل: وَقع فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث مَا يشْعر على التَّرْجَمَة، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى ذَلِك وَهُوَ فِي رِوَايَة مُسلم، فَإِنَّهُ روى هَذَا الحَدِيث مطولا بطرق مُتعَدِّدَة، وَفِي بَعْضهَا، قَالَ: فَإِن جَاءَ أحد يُخْبِرك بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إِيَّاه. فَإِن قلت: قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذِه زِيَادَة زَادهَا حَمَّاد بن سَلمَة، وَهِي غير مَحْفُوظَة. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل هِيَ مَحْفُوظَة صَحِيحَة، فَإِن سُفْيَان وَزيد بن أبي أنيسَة وافقا حَمَّاد بن سَلمَة فِي هَذِه الزِّيَادَة فِي رِوَايَة مُسلم، وَكَذَلِكَ سُفْيَان فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، حَيْثُ قَالَ: حَدثنَا الْحسن بن عَليّ الْخلال حَدثنَا يزِيد بن هَارُون وَعبد الله بن نمير عَن سُفْيَان عَن سَلمَة بن كهيل عَن سُوَيْد بن غَفلَة ... الحَدِيث، وَفِيه: وَقَالَ إحصِ عدتهَا ووعاءها ووكاءها، فَإِن جَاءَ طالبها فأخبرك بعدتها ووعائها ووكائها فادفعها إِلَيْهِ، وإلَاّ فاستمتع بهَا. ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة، لِأَنَّهُ أخرجه من طَرِيقين الأول: عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن شُعْبَة بن الْحجَّاج عَن سَلمَة بن كهيل بِضَم الْكَاف عَن سُوَيْد بِضَم السِّين الْمُهْملَة ابْن غَفلَة، بالغين الْمُعْجَمَة وَالْفَاء وَاللَّام مفتوحات: الْجعْفِيّ الْكُوفِي أدْرك الْجَاهِلِيَّة ثمَّ أسلم وَلم يُهَاجر. مَاتَ سنة ثَمَانِينَ وَله مائَة وَعِشْرُونَ سنة، وَقيل: إِنَّه صَحَابِيّ، وَالْأول أصح، وروى عَنهُ أَنه قَالَ: أَنا لِدَة رَسُول الله ﷺ ولدت عَام الْفِيل، قدم الْمَدِينَة حِين نفضت الْأَيْدِي من دفن رَسُول الله ﷺ ، وَقد رُوِيَ عَنهُ أَنه صلى مَعَ النَّبِي ﷺ وَالْأول أثبت. الطَّرِيق الثَّانِي: عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر،

стр. 3679

وَهُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة ... إِلَى آخِره، وَهَذَا أنزل، وَلم يسق الْمَتْن إلَاّ على النَّازِل، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عَبْدَانِ، واسْمه عبد الله بن عُثْمَان وَعَن سُلَيْمَان بن حَرْب فرقهما. وَأخرجه مُسلم فِي اللّقطَة أَيْضا عَن أبي بكر بن نَافِع وَبُنْدَار، كِلَاهُمَا عَن غنْدر بِهِ، وَعَن عبد الرَّحْمَن بن بشر وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم وَعَن عبد الرَّحْمَن بن بشر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي عَن مُحَمَّد بن كثير عَن شُعْبَة بِهِ وَعَن مُسَدّد بن مسرهد وَعَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن حَمَّاد بن سَلمَة بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَحْكَام عَن الْحسن بن عَليّ الْخلال، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي اللّقطَة عَن مُحَمَّد بن قدامَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَعَن عَمْرو بن عَليّ الفلاس وَعَن عَمْرو بن يزِيد وَعَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن عَليّ بن مُحَمَّد الطنافسي عَن وَكِيع. ذكر من أخرجه، وَغَيره من أَحَادِيث هَذَا الْبَاب: وَلما روى التِّرْمِذِيّ هَذَا الحَدِيث، قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن عبد الله بن عَمْرو، والجارود بن الْمُعَلَّى، وعياض بن حَمَّاد، وَجَرِير بن عبد الله. قلت: وَفِي الْبَاب عَن عمر بن الْخطاب، وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَسَهل بن سعد، وَأبي هُرَيْرَة، وَجَابِر، وَعبد الله بن الشخير، ويعلى بن مرّة، وسُويد بن أبي عقبَة، وَزيد بن خَالِد، وَعَائِشَة، وَرجل من الصَّحَابَة، والمقداد. أما حَدِيث عبد الله بن عَمْرو فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة ابْن عجلَان عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن رَسُول الله، ﷺ ، أَنه سُئِلَ عَن التَّمْر الْمُعَلق ... الحَدِيث، وَفِيه: سُئِلَ عَن اللّقطَة، فَقَالَ: مَا كَانَ فِيهَا فِي طَرِيق الميتاء والقرية الجامعة فعرفها سنة، فَإِن جَاءَ طالبها فادفعها إِلَيْهِ، فَإِن لم يَأْتِ فَهِيَ لَك، وَمَا كَانَ فِي الخراب فَفِيهَا وَفِي الرِّكَاز الْخمس، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا. قَوْله: (الميتاء) ، بِكَسْر الْمِيم: الطَّرِيق المسلوك على وزن: مفعال، من الْإِتْيَان، وَالْمِيم زَائِدَة وبابه الْهمزَة. وَأما حَدِيث الْجَارُود بن مُعلى فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ عَنهُ، (قَالَ: أَتَيْنَا النَّبِي، ﷺ ، وَنحن على إبل عجاف، فَقُلْنَا إِنَّا نمر بموض قد سَمَّاهُ، فنجد إبِلا فنركبها. قَالَ: ضَالَّة الْمُسلم حرق النَّار) . وَله حَدِيث آخر رَوَاهُ أَحْمد، وَفِيه: (فَإِن وجدت رَبهَا فادفعها إِلَيْهِ وإلَاّ فَمَال الله يؤتيه من يَشَاء) . وَأما حَدِيث عِيَاض بن حَمَّاد فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من وجد لقطَة فليشهد ذَوا عدل وَلَا يكتم وَلَا يغب، فَإِن وجد صَاحبهَا فليردها عَلَيْهِ وإلَاّ فَهُوَ مَال الله) . وَأما حَدِيث جرير بن عبد الله فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنهُ، وَلَفظه: (لَا يؤوي الضَّالة إلَاّ ضال) ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا. وَأما حَدِيث عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنهُ، وَلَفظه: (عرفهَا سنة) . وَأما حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا مطولا فَينْظر فِي مَوْضِعه. وَأما حَدِيث سهل بن سعد فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا مطولا ينظر فِي مَوْضِعه. وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَنهُ: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (لَا تحل اللّقطَة من الْتقط شَيْئا فليعرفه، فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فليردها إِلَيْهِ، فَإِن لم يَأْتِ فليتصدق بهَا فَإِن جَاءَ فليخيره بَين الْأجر وَبَين الَّذِي لَهُ) ، وَلأبي هُرَيْرَة حَدِيث آخر رَوَاهُ الْبَزَّار. وَأما حَدِيث جَابر فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنهُ، قَالَ: رخص لنا رَسُول الله ﷺ فِي الْعَصَا وَالسَّوْط وَالْحَبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينْتَفع بِهِ. وَأما حَدِيث عبد الله بن الشخير فَرَوَاهُ ابْن مَاجَه عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (ضَالَّة الْمُسلم حرق النَّار) . وَأما حَدِيث يعلى بن مرّة فَرَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من الْتقط لقطَة يسيرَة، درهما أَو حبلاً أَو شبه ذَلِك، فليعرفه ثَلَاثَة أَيَّام، وَإِن كَانَ فَوق ذَلِك فليعرفه سِتَّة أَيَّام. وَأما حَدِيث سُوَيْد فَرَوَاهُ ابْن قَانِع فِي مُعْجمَة عَنهُ، قَالَ: سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن اللّقطَة، فَقَالَ: عرفا سنة فَإِن جَاءَ صاجبها فأدها إِلَيْهِ وَإِلَّا فأوثق صرارها ووكاءها، فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فأدها إِلَيْهِ، وإلَاّ فشأنك بهَا، وَسَماهُ ابْن قَانِع: سُوَيْد بن عقبَة الْجُهَنِيّ، وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي (الِاسْتِيعَاب) : سُوَيْد أَبُو عقبَة الْأنْصَارِيّ، وَقَالَ: حَدِيثه فِي اللّقطَة صَحِيح. وَأما حَدِيث زيد بن خَالِد فَرَوَاهُ الْأَئِمَّة السِّتَّة على مَا يَجِيء بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَأما حَدِيث عَائِشَة فَرَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور عَنْهَا: أَنَّهَا كَانَت ترخص للْمُسَافِر أَن يلتقط السَّوْط والعصا والإداوة والنعلين والمزود، وَالظَّاهِر أَنه مَحْمُول على السماع، وَعَن أم سَلمَة مثله. وَأما الحَدِيث عَن رجل من الصَّحَابَة فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ : (أَنه سُئِلَ عَن الضَّالة؟ فَقَالَ: أعرف عفاصها ووكاءها ثمَّ عرفهَا ثَلَاثَة أَيَّام على بَاب الْمَسْجِد، فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وإلَاّ فشأنك بهَا) . وَأما حَدِيث الْمِقْدَاد فَرَوَاهُ ابْن مَاجَه، عَنهُ أَنه دخل خربة

стр. 3680

فَخرج جرذ وَمَعَهُ دِينَار، ثمَّ آخر حَتَّى أخرج سَبْعَة عشر دِينَارا فَأخْبر النَّبِي ﷺ خَبَرهَا، فَقَالَ: لَا صَدَقَة فِيهَا، بَارك الله لَك فِيهَا. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أخذت) ، هَكَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: أصبت، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وجدت. قَوْله: (مائَة دِينَار) نصب على أَنه بدل من: صرة، وَيجوز الرّفْع على تَقْدِير: فِيهَا مائَة دِينَار. قَوْله: (فعرفها) بِالتَّشْدِيدِ أَمر من التَّعْرِيف، وَهُوَ أَن يُنَادي فِي الْموضع الَّذِي لقاها فِيهِ وَفِي الْأَسْوَاق والشوارع والمساجد، وَيَقُول: من ضَاعَ لَهُ شَيْء فليطلبه عِنْدِي. قَوْله: (فعرفتها أَيْضا) ، بِالتَّشْدِيدِ من التَّعْرِيف، و: (حولا) نصب على الظّرْف. قَوْله: (من يعرفهَا) بِالتَّخْفِيفِ من عرف يعرف معرفَة وعرفاناً. قَوْله: (ثمَّ أَتَيْته ثَلَاثًا) ، أَي: ثَلَاث مَرَّات، الْمَعْنى: أَنه أَتَى ثَلَاث مَرَّات، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنه أَتَى بعد الْمَرَّتَيْنِ الْأَوليين ثَلَاث مَرَّات، وَإِن كَانَ ظَاهر الْكَلَام يَقْتَضِي ذَلِك لِأَن: ثمَّ إِذا تخلفت عَن معنى التَّشْرِيك فِي الحكم وَالتَّرْتِيب والمهلة تكون زَائِدَة فَلَا تكون عاطفة أَلْبَتَّة قَالَه الْأَخْفَش والكوفيون وحملوا على ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا ضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِم أنفسهم وظنوا أَن لَا ملْجأ من الله إلَاّ إِلَيْهِ ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم﴾ (التَّوْبَة: ٨١١) . ويوضح مَا ذكرنَا رِوَايَة مُسلم، فَقَالَ: أَي: أبي بن كَعْب: (إِنِّي وجدت صرة فِيهَا مائَة دِينَار على عهد رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: عرفهَا حولا. قَالَ: فعرفتها فَلم أجد من يعرفهَا، ثمَّ أَتَيْته، فَقَالَ: عرفهَا حولا، فعرفتها فَلم أجد من يعرفهَا، ثمَّ أَتَيْته فَقَالَ: عرفهَا حولا، فَلم أجد من يعرفهَا، فَقَالَ: احفظ عَددهَا. .) الحَدِيث. وَقد اخْتلفت الرِّوَايَات فِي هَذَا، فَفِي رِوَايَة: عرفهَا ثَلَاثًا، وَفِي أُخْرَى: أَو حولا وَاحِدًا، وَفِي أُخْرَى: فِي سنة أَو فِي ثَلَاث سِنِين، وَفِي أُخْرَى: عَاميْنِ أَو ثَلَاثَة. وروى مُسلم عَن جمَاعَة هَذَا الحَدِيث، ثمَّ قَالَ: وَفِي حَدِيثهمْ جَمِيعًا ثَلَاثَة أَحْوَال إلَاّ حَمَّاد بن سَلمَة، فَإِن فِي حَدِيثه: عَاميْنِ أَو ثَلَاثَة. وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: لم يقل أحد من أَئِمَّة الْفَتْوَى بِظَاهِرِهِ من أَن اللّقطَة تعرف ثَلَاثَة أَعْوَام إلَاّ رِوَايَة جَاءَت عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد روى عَن عمر أَنَّهَا تعرف سنة مثل قَول الْجَمَاعَة، وَفِي الْحَاوِي عَن شواذ من الْفُقَهَاء أَنَّهَا تعرف ثَلَاثَة أَحْوَال. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يعرفهَا ثَلَاثَة أشهر. قَالَ: وروينا عَنهُ: ثَلَاثَة أَيَّام، ثمَّ يعرفهَا سنة، وَزعم ابْن الْجَوْزِيّ أَن رِوَايَة الثَّلَاثَة أَحْوَال: إِمَّا أَن يكون غَلطا من بعض الروَاة، وَإِمَّا أَن يكون الْمُعَرّف عرفهَا تعريفاً غير جيد كَمَا قَالَ للمسيء صلَاته: إرجع فصل فَإنَّك لم تصل، وَذكر ابْن حزم عَن عمر بن الْخطاب: يعرف اللّقطَة ثَلَاثَة أشهر، وَفِي رِوَايَة: أَرْبَعَة أشهر، وَعَن الثَّوْريّ: الدِّرْهَم يعرف أَرْبَعَة أَيَّام. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : إِن كَانَت أقل من عشرَة دَرَاهِم يعرفهَا أَرْبَعَة، وَإِن كَانَت عشرَة فَصَاعِدا عرفهَا حولا، وَهَذِه رِوَايَة عَن أبي حنيفَة، وَقدر مُحَمَّد الْحول من غير تَفْصِيل بَين الْقَلِيل وَالْكثير، وَهُوَ ظَاهر الْمَذْهَب، وَفِي (التَّوْضِيح) : كَذَا قَالَه أَبُو إِسْحَاق فِي تنبيهه، وَالْمذهب الْفرق، فالكثير يعرف سنة، والقليل يعرف مُدَّة يغلب على الظَّن قلَّة أَسف صَاحبه عَلَيْهِ، وَمِمَّنْ روى عَنهُ تَعْرِيف سنة: عَليّ وَابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن الْمسيب وَالشعْبِيّ، وَإِلَيْهِ ذهب مَالك والكوفيون وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، وَنقل الْخطابِيّ إِجْمَاع الْعلمَاء فِيهِ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: ابْتِدَاء الْحول من يَوْم التَّعْرِيف، لَا من الْأَخْذ. قَوْله: (إحفظ وعاءها) ، بِكَسْر الْوَاو وَقد يضم وبالمد، وَقَرَأَ الْحسن بِالضَّمِّ فِي قَوْله: وعَاء أَخِيه، وَقَرَأَ سعيد بن جُبَير إعاء أَخِيه، بقلب الْوَاو همزَة مَكْسُورَة، والوعاء مَا يَجْعَل فِيهِ الشَّيْء سَوَاء كَانَ من جلدٍ أَو خرق أَو خشب أَو غير ذَلِك، وَيُقَال: الْوِعَاء هُوَ الَّذِي يكون فِيهِ النَّفَقَة، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: هُوَ الْخِرْقَة. قَوْله: (ووكاءها) ، بِكَسْر الْوَاو وبالمد، وَهُوَ الَّذِي يشد بِهِ رَأس الْكيس، أَو الصرة أَو غَيرهَا، وَيُقَال: أوكيته إيكاءً، فَهُوَ موك، بِلَا همز. وَزَاد فِي حَدِيث زيد بن خَالِد العفاص، كَمَا يَجِيء عَن قريب. قَوْله: (فَإِن جَاءَ صَاحبهَا) ، شَرط جَزَاؤُهُ مَحْذُوف، نَحْو: فارددها إِلَيْهِ. قَوْله: (وإلَاّ) ، أَي: وَإِن لم يَجِيء صَاحبهَا فاستمتع بهَا، اسْتدلَّ بِهِ قوم. وَبِقَوْلِهِ: (فشأنك بهَا) ، فِي حَدِيث سُوَيْد الَّذِي مضى: على أَن بعد السّنة يملك الْمُلْتَقط اللّقطَة، وَهَذَا خرق لإِجْمَاع أَئِمَّة الْفَتْوَى فِي أَنه يردهَا بعد الْحول أَيْضا إِذا جَاءَ صَاحبهَا، لِأَنَّهَا وَدِيعَة عِنْده، وَلقَوْله، ﷺ : فأدها إِلَيْهِ. قَوْله: (فَلَقِيته بعد بِمَكَّة) ، الْقَائِل بقوله: لَقيته، شُعْبَة، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى سَلمَة بن كهيل. قَوْله: (بعد) ، بِضَم الدَّال، أَي: بعد ذَلِك. قَوْله: (بِمَكَّة) ، حَال من الضَّمِير الْمَنْصُوب أَي: حَال كَون سَلمَة بِمَكَّة، يَعْنِي: كَانَ ملاقاة شُعْبَة بسلمة
следующие страницы →