Полный текст (7 603 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3676
واشْتَراى نافِعُ بنُ عَبْدِ الْحَرِثِ دَارا لِلْسِّجْنِ بِمَكَّةَ مِنْ صَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ علَى أنَّ عُمَرَ إنْ رَضِيَ فالْبَيْعُ بَيْعُهُ وإنْ لَمْ يَرْضَ عُمَرَ فلِصَفْوانَ أرْبَعُمَائَةٍ
نَافِع بن عبد الْحَارِث الْخُزَاعِيّ من فضلاء الصَّحَابَة، اسْتَعْملهُ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على مَكَّة، وَكَانَ من جملَة عُمَّال عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَصَفوَان بن أُميَّة الجُمَحِي الْمَكِّيّ الصَّحَابِيّ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة وَالْبَيْهَقِيّ من طرق: عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عبد الرَّحْمَن بن فروخ بِهِ، وَلَيْسَ لنافع بن عبد الْحَارِث وَلَا لِصَفْوَان فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (للسجن) بِفَتْح السِّين: مصدر من: سجن يسجن، من: بَاب نصر ينصر، سجناً بِالْفَتْح، والسجن بِالْكَسْرِ وَاحِد السجون. قَوْله: (على أَن عمر) كلمة: على، دخلت على: أَن، الشّرطِيَّة نظرا إِلَى الْمَعْنى، كَأَنَّهُ قَالَ: على هَذَا الشَّرْط، فَاعْترضَ بِأَن البيع بِمثل هَذَا الشَّرْط فَاسد. وَأجِيب: بِأَنَّهُ لم يكن دَاخِلا فِي نفس العقد، بل هُوَ وعد، أَو هُوَ مِمَّا يَقْتَضِيهِ العقد، أَو كَانَ بيعا بِشَرْط الْخِيَار لعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَو إِنَّه كَانَ وَكيلا لعمر، وللوكيل أَن يَأْخُذ لنَفسِهِ إِذا رده الْمُوكل بِالْعَيْبِ وَنَحْوه. وَقَالَ الْمُهلب: اشْتَرَاهَا نَافِع من صَفْوَان للسجن، وَشرط عَلَيْهِ: إِن رَضِي عمر بالابتياع فَهِيَ لعمر، وَإِن لم يرض فلك بِالثّمن الْمَذْكُور لنافع، بِأَرْبَع مائَة وَهَذَا بيع جَائِز. قَوْله: وَإِن لم يرض عمر فلصفوان أَرْبَعمِائَة أَي وَإِن لم يرض عمر بالابتياع الْمَذْكُور يكون لِصَفْوَان أَرْبَعمِائَة فِي مُقَابلَة الِانْتِفَاع بِتِلْكَ الدَّار إِلَى أَن يعود الْجَواب من عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَا يظنّ أَن هَذِه الأربعمائة هِيَ الثّمن، لِأَن الثّمن كَانَ أَرْبَعَة آلَاف. فَإِن قلت: هَذِه الْأَرْبَعَة آلَاف دَرَاهِم أَو دَنَانِير؟ قلت: يحْتَمل كلاًّ مِنْهُمَا، وَلَكِن الظَّاهِر أَنه دَرَاهِم، وَكَانَت من بَيت مَال الْمُسلمين وبعيد أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَشْتَرِي دَارا للسجن بأَرْبعَة آلَاف دِينَار؟ لشدَّة احترازه على بَيت المَال.
وسَجَنَ ابنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ
أَي: سجن عبد الله بن الزبير بِمَكَّة أَيَّام ولَايَته عَلَيْهَا، ومفعول: سجن، مَحْذُوف تَقْدِيره: سجن الْمَدْيُون وَنَحْوه، وَحذف للْعلم بِهِ، وَهَذَا التَّعْلِيق ذكره ابْن سعد من طَرِيق ضَعِيف عَن مُحَمَّد بن عمر: حَدثنَا ربيعَة بن عُثْمَان وَغَيره عَن سعد بن مُحَمَّد بن جُبَير وَالْحُسَيْن ابْن الْحسن بن عَطِيَّة الْعَوْفِيّ عَن أَبِيه عَن جده ... فَذكره.
٣٢٤٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني سَعِيدُ بنُ أبِي سَعيد قَالَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ بَعَثَ النبيُّ ﷺ خيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ فَجاءَتْ بِرَجُلٍ منْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقالُ لَهُ ثُمامَةُ بنُ أُثَالٍ فرَبَطُوهُ بِسارِيَةٍ مِنْ سَوارِيَ الْمَسْجِدِ. .
مضى هَذَا الحَدِيث فِي الْبَاب السَّابِق بأتم مِنْهُ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث، وَهَهُنَا: (عَن عبد الله بن يُوسُف عَن اللَّيْث، ومطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فربطوه بِسَارِيَة من سواري الْمَسْجِد) أَي: مَسْجِد الْمَدِينَة، قَالَ الْمُهلب: السّنة فِي مثل قَضِيَّة ثُمَامَة أَن يقتل أَو يستعبد أَو يفادى بِهِ، أَو يمنَّ عَلَيْهِ، فحبسه النَّبِي، ﷺ ، حَتَّى يرى الْوُجُوه أصلح للْمُسلمين فِي أمره.
بِسْمِ الله الرَّحْمانِ الرَّحِيمِ
٩ - (بابُ الْمُلَازَمَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة مُلَازمَة الدَّائِن مديونه، وَفِي بعض النّسخ: بَاب فِي الْمُلَازمَة، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة قبل قَوْله: بَاب الْمُلَازمَة: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم: بَاب الْمُلَازمَة، وَسَقَطت فِي رِوَايَة البَاقِينَ.
стр. 3677
٤٢٤٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني جَعْفَر بنُ رَبِيعَةَ وَقَالَ غَيْرُهُ حدَّثني اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني جَعْفَرُ بنُ رَبيعَةَ عنْ عبدِ الرَّحْمانِ بنِ هُرْمُزَ عنْ عَبْدِ الله بنِ كَعْبِ بنِ مالِكٍ الأنْصَارِيِّ عنْ كَعْبِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهْ أنَّهُ كانَ لَهُ علَى عَبْدِ الله بنِ أبِي حَدْرَدٍ الأسْلَمِيِّ ديْنٌ فلَقِيَهُ فلَزِمَهُ فتَكَلَّمَا حتَّى ارْتَفَعَتْ أصْوَاتُهُمَا فمَرَّ بِهِما النبيُّ ﷺ فَقَالَ يَا كَعْبُ وأشَارَ بِيَدِهِ كأنَّهُ يَقولُ النِّصْفُ فأخذَ نِصْفَ مَا علَيْهِ وتَرَكَ نِصْفاً. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَلَزِمَهُ) أَي: فَلَزِمَ كَعْب بن مَالك عبد الله بن أبي حَدْرَد، وَلم يُنكر عَلَيْهِ النَّبِي، ﷺ ، حِين وقف عَلَيْهِمَا وَأمر كَعْبًا يحط النّصْف، وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب التقاضي والملازمة فِي الْمَسْجِد.
قَوْله: (وَقَالَ غَيره) أَي: غير يحيى قَالَ: حَدثنِي اللَّيْث، قَالَ: حَدثنِي جَعْفَر بن ربيعَة. وَالْفرق بَين الطَّرِيقَيْنِ: أَن الأول: روى بعن. وَالثَّانِي بِلَفْظ: حَدثنِي جَعْفَر بن ربيعَة.
وَفِيه: جَوَاز مُلَازمَة الْغَرِيم لِأَنَّهُ ﷺ لم يُنكر على كَعْب ملازمته لغريمه كَمَا ذكرنَا، وَاخْتلفُوا فِي ملازمته المعدم: هَل يلازمه بعد ثُبُوت الإعدام وانطلاقه من الْحَبْس، فَعِنْدَ أبي حنيفَة لَهُ أَن يلازمه وَيَأْخُذ فضل كَسبه ويقاسمه أَصْحَاب الدُّيُون إِن كَانَ عَلَيْهِ لجَماعَة، وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد: يُحَال بَينه وَبَين غُرَمَائه إلَاّ أَن يقيموا الْبَيِّنَة أَن لَهُ مَالا.
٠١ - (بابُ التَّقَاضِي)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تقاضي الدّين، أَي: مُطَالبَته.
٥٤ - (كتابٌ فِي اللُّقْطَةِ)
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام اللّقطَة، هَكَذَا وَقع للمستملي والنسفي: كتاب فِي اللّقطَة، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة ابْن التِّين وَابْن بطال. وتبعهما على ذَلِك صَاحب (التَّلْوِيح) ، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم: بَاب إِذا أخبر رب اللّقطَة بالعلامة دفع إِلَيْهِ، على مَا يَجِيء. واللقطة، بِضَم اللَّام وَفتح الْقَاف: اسْم لِلْمَالِ الْمُلْتَقط. قَالَ بعض شرَّاح كتب الْحَنَفِيَّة: إِن هَذَا اسْم الْفَاعِل للْمُبَالَغَة، وبسكون الْقَاف اسْم مفعول، كالضحكة، وَمعنى الْمُبَالغَة فِيهِ لزِيَادَة معنى اخْتصَّ بِهِ، وَهُوَ أَن كل من رَآهَا يمِيل إِلَى رَفعهَا، فَكَأَنَّهَا تَأمره بِالرَّفْع لِأَنَّهَا حاملة إِلَيْهِ، فأسند إِلَيْهَا مجَازًا، فَجعلت كَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي رفعت نَفسهَا، وَنَظِيره قَوْلهم: نَاقَة حَلُوب،
стр. 3678
ودابة ركُوب وَهُوَ اسْم فَاعل سميت بذلك لِأَن من رَآهَا يرغب فِي الْحَلب وَالرُّكُوب، فَنزلت كَأَنَّهَا أحلبت نَفسهَا وأركبت نَفسهَا. قلت: فِيهِ تعسف وَلَيْسَ كَذَلِك، بل اللّقطَة سَوَاء كَانَ بِفَتْح الْقَاف أَو سكونها اسْم مَوْضُوع على هَذِه الصِّيغَة لِلْمَالِ الْمُلْتَقط، وَلَيْسَ هَذَا مثل الضحكة، وَلَا مثل نَاقَة حلوف ودابة ركُوب، لِأَن هَذِه صِفَات تدل على الْحُدُوث والتجدد، غير أَن الأول للْمُبَالَغَة فِي وصف الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول، وَالثَّانِي وَالثَّالِث بِمَعْنى الْمَفْعُول للْمُبَالَغَة. وَقَالَ ابْن سَيّده: اللَقطة واللُقطة واللِقاطة: مَا الْتقط وَفِي (الْجَامِع) : اللّقطَة مَا التقطه الْإِنْسَان فَاحْتَاجَ إِلَى تَعْرِيفه. وَفِي (التَّلْوِيح) : وَقيل: اللّقطَة هُوَ الرجل الَّذِي يلتقط، وَاسم الْمَوْجُود: لقطَة، وَعَن الْأَصْمَعِي وَابْن الْأَعرَابِي وَالْفراء، بِفَتْح الْقَاف: اسْم المَال. وَعَن الْخَلِيل هِيَ بِالْفَتْح اسْم الْمُلْتَقط كَسَائِر مَا جَاءَ على هَذَا الْوَزْن يكون اسْم الْفَاعِل كهمزة ولمزة، وبسكون الْقَاف اسْم المَال الملقوط. قَالَ الْأَزْهَرِي: هَذَا قِيَاس اللُّغَة وَلَكِن كَلَام الْعَرَب فِي اللُّغَة على غير الْقيَاس، فَإِن الروَاة أَجمعُوا على أَن اللّقطَة يَعْنِي، بِالْفَتْح: اسْم للشَّيْء الْمُلْتَقط، والالتقاط العثور على الشَّيْء من غير قصد وَطلب، وَفِي (أدب الْكتاب) تسكين الْقَاف من لحن الْعَامَّة، ورد عَلَيْهِ بِمَا ذكرنَا عَن الْخَلِيل، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَيُقَال لَهَا أَيْضا لقاطة، بِالضَّمِّ ولقط بِفَتْح الْقَاف وَاللَّام بِلَا هَاء.
١ - (بابٌ إذَا أخبرهُ رَبُّ اللُّقْطَةِ بِالعَلامَةِ دَفَعَ إلَيْهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أخبر إِلَى آخِره، وَأخْبر على صِيغَة الْمَعْلُوم. قَوْله: (رب اللّقطَة) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ فَاعل: أخبر، قَوْله: دفع، على صِيغَة الْمَعْلُوم أَيْضا أَي: دفع الْمُلْتَقط اللّقطَة إِلَى رَبهَا، وَفِي بعض النّسخ إِذا أخبرهُ، بالضمير الْمَنْصُوب، أَي: إِذا أخبر الْمُلْتَقط رب اللّقطَة بالعلامة دفع إِلَيْهِ.
٦٢٤٢ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ وحدَّثني مُحمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدُرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سَلَمَةَ سَمِعْتُ سُويْدَ بنَ غَفَلَةَ قَالَ لَ قِيتُ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقَالَ أخَذْتُ صُرَّةً مِائَةَ دِينارٍ فأتَيْتُ النبيَّ ﷺ فَقَالَ عَرِّفْهَا حَوْلاً فعرَّفْتُهَا حَوْلَها فلَمْ أجِدْ مَنْ يَعْرِفُها ثُمَّ أتَيْتُهُ فَقَالَ عرِّفْهَا حَوْلاً فعَرَّفْتُها فلَمْ أجِدْ ثُمَّ أتَيْتُهُ ثَلاثاً فَقَالَ احْفَظْ وِعاءَهَا وعدَدَها وَوِكَاءَها فإنْ جاءَ صاحِبُها وإلَاّ فاسْتَمْتِعْ بِهَا فاسْتَمْتَعْتُ فلَقِيتُهُ بَعْدُ بِمَكَّةَ فَقَالَ لَا أدْرِي ثَلاثَةَ أحْوَالٍ أوْ حَوْلاً واحِداً. (الحَدِيث ٦٢٤٢ طرفه فِي: ٧٣٤٢) .
لَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث مَا يشْعر صَرِيحًا على التَّرْجَمَة، أللهم إِلَّا إِذا قيل: وَقع فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث مَا يشْعر على التَّرْجَمَة، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى ذَلِك وَهُوَ فِي رِوَايَة مُسلم، فَإِنَّهُ روى هَذَا الحَدِيث مطولا بطرق مُتعَدِّدَة، وَفِي بَعْضهَا، قَالَ: فَإِن جَاءَ أحد يُخْبِرك بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إِيَّاه. فَإِن قلت: قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذِه زِيَادَة زَادهَا حَمَّاد بن سَلمَة، وَهِي غير مَحْفُوظَة. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل هِيَ مَحْفُوظَة صَحِيحَة، فَإِن سُفْيَان وَزيد بن أبي أنيسَة وافقا حَمَّاد بن سَلمَة فِي هَذِه الزِّيَادَة فِي رِوَايَة مُسلم، وَكَذَلِكَ سُفْيَان فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، حَيْثُ قَالَ: حَدثنَا الْحسن بن عَليّ الْخلال حَدثنَا يزِيد بن هَارُون وَعبد الله بن نمير عَن سُفْيَان عَن سَلمَة بن كهيل عَن سُوَيْد بن غَفلَة ... الحَدِيث، وَفِيه: وَقَالَ إحصِ عدتهَا ووعاءها ووكاءها، فَإِن جَاءَ طالبها فأخبرك بعدتها ووعائها ووكائها فادفعها إِلَيْهِ، وإلَاّ فاستمتع بهَا.
ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة، لِأَنَّهُ أخرجه من طَرِيقين الأول: عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن شُعْبَة بن الْحجَّاج عَن سَلمَة بن كهيل بِضَم الْكَاف عَن سُوَيْد بِضَم السِّين الْمُهْملَة ابْن غَفلَة، بالغين الْمُعْجَمَة وَالْفَاء وَاللَّام مفتوحات: الْجعْفِيّ الْكُوفِي أدْرك الْجَاهِلِيَّة ثمَّ أسلم وَلم يُهَاجر. مَاتَ سنة ثَمَانِينَ وَله مائَة وَعِشْرُونَ سنة، وَقيل: إِنَّه صَحَابِيّ، وَالْأول أصح، وروى عَنهُ أَنه قَالَ: أَنا لِدَة رَسُول الله ﷺ ولدت عَام الْفِيل، قدم الْمَدِينَة حِين نفضت الْأَيْدِي من دفن رَسُول الله ﷺ ، وَقد رُوِيَ عَنهُ أَنه صلى مَعَ النَّبِي ﷺ وَالْأول أثبت. الطَّرِيق الثَّانِي: عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر،
стр. 3679
وَهُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة ... إِلَى آخِره، وَهَذَا أنزل، وَلم يسق الْمَتْن إلَاّ على النَّازِل، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عَبْدَانِ، واسْمه عبد الله بن عُثْمَان وَعَن سُلَيْمَان بن حَرْب فرقهما. وَأخرجه مُسلم فِي اللّقطَة أَيْضا عَن أبي بكر بن نَافِع وَبُنْدَار، كِلَاهُمَا عَن غنْدر بِهِ، وَعَن عبد الرَّحْمَن بن بشر وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم وَعَن عبد الرَّحْمَن بن بشر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي عَن مُحَمَّد بن كثير عَن شُعْبَة بِهِ وَعَن مُسَدّد بن مسرهد وَعَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن حَمَّاد بن سَلمَة بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَحْكَام عَن الْحسن بن عَليّ الْخلال، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي اللّقطَة عَن مُحَمَّد بن قدامَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَعَن عَمْرو بن عَليّ الفلاس وَعَن عَمْرو بن يزِيد وَعَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن عَليّ بن مُحَمَّد الطنافسي عَن وَكِيع.
ذكر من أخرجه، وَغَيره من أَحَادِيث هَذَا الْبَاب: وَلما روى التِّرْمِذِيّ هَذَا الحَدِيث، قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن عبد الله بن عَمْرو، والجارود بن الْمُعَلَّى، وعياض بن حَمَّاد، وَجَرِير بن عبد الله. قلت: وَفِي الْبَاب عَن عمر بن الْخطاب، وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَسَهل بن سعد، وَأبي هُرَيْرَة، وَجَابِر، وَعبد الله بن الشخير، ويعلى بن مرّة، وسُويد بن أبي عقبَة، وَزيد بن خَالِد، وَعَائِشَة، وَرجل من الصَّحَابَة، والمقداد.
أما حَدِيث عبد الله بن عَمْرو فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة ابْن عجلَان عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن رَسُول الله، ﷺ ، أَنه سُئِلَ عَن التَّمْر الْمُعَلق ... الحَدِيث، وَفِيه: سُئِلَ عَن اللّقطَة، فَقَالَ: مَا كَانَ فِيهَا فِي طَرِيق الميتاء والقرية الجامعة فعرفها سنة، فَإِن جَاءَ طالبها فادفعها إِلَيْهِ، فَإِن لم يَأْتِ فَهِيَ لَك، وَمَا كَانَ فِي الخراب فَفِيهَا وَفِي الرِّكَاز الْخمس، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا. قَوْله: (الميتاء) ، بِكَسْر الْمِيم: الطَّرِيق المسلوك على وزن: مفعال، من الْإِتْيَان، وَالْمِيم زَائِدَة وبابه الْهمزَة. وَأما حَدِيث الْجَارُود بن مُعلى فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ عَنهُ، (قَالَ: أَتَيْنَا النَّبِي، ﷺ ، وَنحن على إبل عجاف، فَقُلْنَا إِنَّا نمر بموض قد سَمَّاهُ، فنجد إبِلا فنركبها. قَالَ: ضَالَّة الْمُسلم حرق النَّار) . وَله حَدِيث آخر رَوَاهُ أَحْمد، وَفِيه: (فَإِن وجدت رَبهَا فادفعها إِلَيْهِ وإلَاّ فَمَال الله يؤتيه من يَشَاء) . وَأما حَدِيث عِيَاض بن حَمَّاد فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من وجد لقطَة فليشهد ذَوا عدل وَلَا يكتم وَلَا يغب، فَإِن وجد صَاحبهَا فليردها عَلَيْهِ وإلَاّ فَهُوَ مَال الله) . وَأما حَدِيث جرير بن عبد الله فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنهُ، وَلَفظه: (لَا يؤوي الضَّالة إلَاّ ضال) ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا.
وَأما حَدِيث عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنهُ، وَلَفظه: (عرفهَا سنة) . وَأما حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا مطولا فَينْظر فِي مَوْضِعه. وَأما حَدِيث سهل بن سعد فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا مطولا ينظر فِي مَوْضِعه. وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَنهُ: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (لَا تحل اللّقطَة من الْتقط شَيْئا فليعرفه، فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فليردها إِلَيْهِ، فَإِن لم يَأْتِ فليتصدق بهَا فَإِن جَاءَ فليخيره بَين الْأجر وَبَين الَّذِي لَهُ) ، وَلأبي هُرَيْرَة حَدِيث آخر رَوَاهُ الْبَزَّار. وَأما حَدِيث جَابر فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنهُ، قَالَ: رخص لنا رَسُول الله ﷺ فِي الْعَصَا وَالسَّوْط وَالْحَبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينْتَفع بِهِ. وَأما حَدِيث عبد الله بن الشخير فَرَوَاهُ ابْن مَاجَه عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (ضَالَّة الْمُسلم حرق النَّار) . وَأما حَدِيث يعلى بن مرّة فَرَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من الْتقط لقطَة يسيرَة، درهما أَو حبلاً أَو شبه ذَلِك، فليعرفه ثَلَاثَة أَيَّام، وَإِن كَانَ فَوق ذَلِك فليعرفه سِتَّة أَيَّام. وَأما حَدِيث سُوَيْد فَرَوَاهُ ابْن قَانِع فِي مُعْجمَة عَنهُ، قَالَ: سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن اللّقطَة، فَقَالَ: عرفا سنة فَإِن جَاءَ صاجبها فأدها إِلَيْهِ وَإِلَّا فأوثق صرارها ووكاءها، فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فأدها إِلَيْهِ، وإلَاّ فشأنك بهَا، وَسَماهُ ابْن قَانِع: سُوَيْد بن عقبَة الْجُهَنِيّ، وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي (الِاسْتِيعَاب) : سُوَيْد أَبُو عقبَة الْأنْصَارِيّ، وَقَالَ: حَدِيثه فِي اللّقطَة صَحِيح. وَأما حَدِيث زيد بن خَالِد فَرَوَاهُ الْأَئِمَّة السِّتَّة على مَا يَجِيء بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَأما حَدِيث عَائِشَة فَرَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور عَنْهَا: أَنَّهَا كَانَت ترخص للْمُسَافِر أَن يلتقط السَّوْط والعصا والإداوة والنعلين والمزود، وَالظَّاهِر أَنه مَحْمُول على السماع، وَعَن أم سَلمَة مثله. وَأما الحَدِيث عَن رجل من الصَّحَابَة فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ : (أَنه سُئِلَ عَن الضَّالة؟ فَقَالَ: أعرف عفاصها ووكاءها ثمَّ عرفهَا ثَلَاثَة أَيَّام على بَاب الْمَسْجِد، فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وإلَاّ فشأنك بهَا) . وَأما حَدِيث الْمِقْدَاد فَرَوَاهُ ابْن مَاجَه، عَنهُ أَنه دخل خربة
стр. 3680
فَخرج جرذ وَمَعَهُ دِينَار، ثمَّ آخر حَتَّى أخرج سَبْعَة عشر دِينَارا فَأخْبر النَّبِي ﷺ خَبَرهَا، فَقَالَ: لَا صَدَقَة فِيهَا، بَارك الله لَك فِيهَا.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أخذت) ، هَكَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: أصبت، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وجدت. قَوْله: (مائَة دِينَار) نصب على أَنه بدل من: صرة، وَيجوز الرّفْع على تَقْدِير: فِيهَا مائَة دِينَار. قَوْله: (فعرفها) بِالتَّشْدِيدِ أَمر من التَّعْرِيف، وَهُوَ أَن يُنَادي فِي الْموضع الَّذِي لقاها فِيهِ وَفِي الْأَسْوَاق والشوارع والمساجد، وَيَقُول: من ضَاعَ لَهُ شَيْء فليطلبه عِنْدِي. قَوْله: (فعرفتها أَيْضا) ، بِالتَّشْدِيدِ من التَّعْرِيف، و: (حولا) نصب على الظّرْف. قَوْله: (من يعرفهَا) بِالتَّخْفِيفِ من عرف يعرف معرفَة وعرفاناً. قَوْله: (ثمَّ أَتَيْته ثَلَاثًا) ، أَي: ثَلَاث مَرَّات، الْمَعْنى: أَنه أَتَى ثَلَاث مَرَّات، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنه أَتَى بعد الْمَرَّتَيْنِ الْأَوليين ثَلَاث مَرَّات، وَإِن كَانَ ظَاهر الْكَلَام يَقْتَضِي ذَلِك لِأَن: ثمَّ إِذا تخلفت عَن معنى التَّشْرِيك فِي الحكم وَالتَّرْتِيب والمهلة تكون زَائِدَة فَلَا تكون عاطفة أَلْبَتَّة قَالَه الْأَخْفَش والكوفيون وحملوا على ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا ضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِم أنفسهم وظنوا أَن لَا ملْجأ من الله إلَاّ إِلَيْهِ ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم﴾ (التَّوْبَة: ٨١١) . ويوضح مَا ذكرنَا رِوَايَة مُسلم، فَقَالَ: أَي: أبي بن كَعْب: (إِنِّي وجدت صرة فِيهَا مائَة دِينَار على عهد رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: عرفهَا حولا. قَالَ: فعرفتها فَلم أجد من يعرفهَا، ثمَّ أَتَيْته، فَقَالَ: عرفهَا حولا، فعرفتها فَلم أجد من يعرفهَا، ثمَّ أَتَيْته فَقَالَ: عرفهَا حولا، فَلم أجد من يعرفهَا، فَقَالَ: احفظ عَددهَا. .) الحَدِيث. وَقد اخْتلفت الرِّوَايَات فِي هَذَا، فَفِي رِوَايَة: عرفهَا ثَلَاثًا، وَفِي أُخْرَى: أَو حولا وَاحِدًا، وَفِي أُخْرَى: فِي سنة أَو فِي ثَلَاث سِنِين، وَفِي أُخْرَى: عَاميْنِ أَو ثَلَاثَة. وروى مُسلم عَن جمَاعَة هَذَا الحَدِيث، ثمَّ قَالَ: وَفِي حَدِيثهمْ جَمِيعًا ثَلَاثَة أَحْوَال إلَاّ حَمَّاد بن سَلمَة، فَإِن فِي حَدِيثه: عَاميْنِ أَو ثَلَاثَة. وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: لم يقل أحد من أَئِمَّة الْفَتْوَى بِظَاهِرِهِ من أَن اللّقطَة تعرف ثَلَاثَة أَعْوَام إلَاّ رِوَايَة جَاءَت عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد روى عَن عمر أَنَّهَا تعرف سنة مثل قَول الْجَمَاعَة، وَفِي الْحَاوِي عَن شواذ من الْفُقَهَاء أَنَّهَا تعرف ثَلَاثَة أَحْوَال. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يعرفهَا ثَلَاثَة أشهر. قَالَ: وروينا عَنهُ: ثَلَاثَة أَيَّام، ثمَّ يعرفهَا سنة، وَزعم ابْن الْجَوْزِيّ أَن رِوَايَة الثَّلَاثَة أَحْوَال: إِمَّا أَن يكون غَلطا من بعض الروَاة، وَإِمَّا أَن يكون الْمُعَرّف عرفهَا تعريفاً غير جيد كَمَا قَالَ للمسيء صلَاته: إرجع فصل فَإنَّك لم تصل، وَذكر ابْن حزم عَن عمر بن الْخطاب: يعرف اللّقطَة ثَلَاثَة أشهر، وَفِي رِوَايَة: أَرْبَعَة أشهر، وَعَن الثَّوْريّ: الدِّرْهَم يعرف أَرْبَعَة أَيَّام. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : إِن كَانَت أقل من عشرَة دَرَاهِم يعرفهَا أَرْبَعَة، وَإِن كَانَت عشرَة فَصَاعِدا عرفهَا حولا، وَهَذِه رِوَايَة عَن أبي حنيفَة، وَقدر مُحَمَّد الْحول من غير تَفْصِيل بَين الْقَلِيل وَالْكثير، وَهُوَ ظَاهر الْمَذْهَب، وَفِي (التَّوْضِيح) : كَذَا قَالَه أَبُو إِسْحَاق فِي تنبيهه، وَالْمذهب الْفرق، فالكثير يعرف سنة، والقليل يعرف مُدَّة يغلب على الظَّن قلَّة أَسف صَاحبه عَلَيْهِ، وَمِمَّنْ روى عَنهُ تَعْرِيف سنة: عَليّ وَابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن الْمسيب وَالشعْبِيّ، وَإِلَيْهِ ذهب مَالك والكوفيون وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، وَنقل الْخطابِيّ إِجْمَاع الْعلمَاء فِيهِ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: ابْتِدَاء الْحول من يَوْم التَّعْرِيف، لَا من الْأَخْذ. قَوْله: (إحفظ وعاءها) ، بِكَسْر الْوَاو وَقد يضم وبالمد، وَقَرَأَ الْحسن بِالضَّمِّ فِي قَوْله: وعَاء أَخِيه، وَقَرَأَ سعيد بن جُبَير إعاء أَخِيه، بقلب الْوَاو همزَة مَكْسُورَة، والوعاء مَا يَجْعَل فِيهِ الشَّيْء سَوَاء كَانَ من جلدٍ أَو خرق أَو خشب أَو غير ذَلِك، وَيُقَال: الْوِعَاء هُوَ الَّذِي يكون فِيهِ النَّفَقَة، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: هُوَ الْخِرْقَة. قَوْله: (ووكاءها) ، بِكَسْر الْوَاو وبالمد، وَهُوَ الَّذِي يشد بِهِ رَأس الْكيس، أَو الصرة أَو غَيرهَا، وَيُقَال: أوكيته إيكاءً، فَهُوَ موك، بِلَا همز. وَزَاد فِي حَدِيث زيد بن خَالِد العفاص، كَمَا يَجِيء عَن قريب. قَوْله: (فَإِن جَاءَ صَاحبهَا) ، شَرط جَزَاؤُهُ مَحْذُوف، نَحْو: فارددها إِلَيْهِ. قَوْله: (وإلَاّ) ، أَي: وَإِن لم يَجِيء صَاحبهَا فاستمتع بهَا، اسْتدلَّ بِهِ قوم. وَبِقَوْلِهِ: (فشأنك بهَا) ، فِي حَدِيث سُوَيْد الَّذِي مضى: على أَن بعد السّنة يملك الْمُلْتَقط اللّقطَة، وَهَذَا خرق لإِجْمَاع أَئِمَّة الْفَتْوَى فِي أَنه يردهَا بعد الْحول أَيْضا إِذا جَاءَ صَاحبهَا، لِأَنَّهَا وَدِيعَة عِنْده، وَلقَوْله، ﷺ : فأدها إِلَيْهِ. قَوْله: (فَلَقِيته بعد بِمَكَّة) ، الْقَائِل بقوله: لَقيته، شُعْبَة، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى سَلمَة بن كهيل. قَوْله: (بعد) ، بِضَم الدَّال، أَي: بعد ذَلِك. قَوْله: (بِمَكَّة) ، حَال من الضَّمِير الْمَنْصُوب أَي: حَال كَون سَلمَة بِمَكَّة، يَعْنِي: كَانَ ملاقاة شُعْبَة بسلمة
стр. 3681
فِي مَكَّة، وَقد أوضح ذَلِك مُسلم فِي رِوَايَته حَيْثُ قَالَ: قَالَ شُعْبَة: فَسَمعته بعد عشر سِنِين يَقُول: عرفهَا عَاما وَاحِدًا، وَكَذَلِكَ صرح بذلك أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) : يُقَال فِي آخر الحَدِيث: قَالَ شُعْبَة: فَلَقِيت سَلمَة بعد ذَلِك، فَقَالَ: لَا أَدْرِي ثَلَاثَة أَحْوَال أَو حولا وَاحِدًا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (فَلَقِيته) ، أَي: قَالَ سُوَيْد: لقِيت أبي بن كَعْب بعد ذَلِك بِمَكَّة، قلت: تبع فِي ذَلِك ابْن بطال حَيْثُ قَالَ: الَّذِي شكّ فِيهِ هُوَ أبي بن كَعْب، وَالْقَائِل هُوَ سُوَيْد بن غَفلَة، وَلَكِن يرد هَذَا مَا ذَكرْنَاهُ عَن مُسلم وَالطَّيَالِسِي. قَوْله: (فَقَالَ: لَا أَدْرِي) أَي: قَالَ سَلمَة بن كهيل، وَهُوَ الشاك فِيهِ، وعَلى قَول ابْن بطال: الشاك هُوَ أبي بن كَعْب، والسائل مِنْهُ هُوَ سُوَيْد بن غَفلَة، كَمَا ذَكرْنَاهُ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: التَّعْرِيف بِثَلَاثَة أَحْوَال، وَلَكِن الشَّك فِيهِ يُوجب سُقُوط الْمَشْكُوك، وَهُوَ الثَّلَاثَة. وَقَالَ ابْن بطال: لم يقل أحد من أَئِمَّة الْفَتْوَى بِظَاهِرِهِ بِأَن اللّقطَة تعرف ثَلَاثَة أَحْوَال، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. وَفِيه: الْأَمر بِحِفْظ ثَلَاثَة أَشْيَاء: وَهِي الْوِعَاء وَالْعدَد والوكاء، وَإِنَّمَا أَمر بِحِفْظ هَذِه الْأَشْيَاء لوجوه من الْمصَالح: مِنْهَا: أَن الْعَادة جَارِيَة بإلقاء الْوِعَاء والوكاء إِذا فرغ من النَّفَقَة، وَأمره بمعرفته وَحفظه لذَلِك، وَمِنْهَا: أَنه إِذا أمره بِحِفْظ هذَيْن فحفظ مَا فيهمَا أولى. وَمِنْهَا: أَن يتَمَيَّز عَن مَاله فَلَا يخْتَلط بِهِ. وَمِنْهَا: أَن صَاحبهَا إِذا جَاءَ بَغْتَة فَرُبمَا غلب على ظَنّه صدقه، فَيجوز لَهُ الدّفع إِلَيْهِ. وَمِنْهَا: أَنه إِذا حفظ ذَلِك وعرفه أمكه التَّعْرِيف لَهَا وَالْإِشْهَاد عَلَيْهِ، وَأمره، ﷺ ، بِحِفْظ هَذِه الْأَوْصَاف الثَّلَاثَة، هُوَ على قَول من يَقُول بِمَعْرِِفَة الْأَوْصَاف: يدْفع إِلَيْهِ بِغَيْر بَيِّنَة. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: لَا بُد من ذكر جَمِيعهَا، وَلم يعْتَبر أصبغ الْعدَد، وَقَول ابْن الْقَاسِم أوضح، فَإِذا أَتَى بِجَمِيعِ الْأَوْصَاف، هَل يحلف مَعَ ذَلِك أَو لَا؟ قَولَانِ: النَّفْي لِابْنِ الْقَاسِم وتحليفه لأَشْهَب، وَلَا تلْزمهُ بَيِّنَة عِنْد مَالك، وَأَصْحَابه، وَأحمد وَدَاوُد، وَهُوَ قَول البُخَارِيّ، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ بِالْبَابِ الْمَذْكُور، وَبِه قَالَ اللَّيْث بن سعد أَيْضا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وأصحابهما: لَا يجب الدّفع إلَاّ بِالْبَيِّنَةِ، وتأولوا الحَدِيث على جَوَاز الدّفع بِالْوَصْفِ إِذا صدقه على ذَلِك وَلم يقم الْبَيِّنَة، وَاسْتدلَّ الشَّافِعِي على ذَلِك بقوله فِي الحَدِيث الآخر: الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي، وَهَذَا مدعٍ، وَقَالَ الشَّافِعِي: وَلَو وصفهَا عشرَة أنفس لَا يجوز أَن يقسم بَينهم، وَنحن نعلم أَن كلهم كاذبون إلَاّ وَاحِدًا مِنْهُم غير معِين، فَيجوز أَن يكون صَادِقا، وَيجوز أَن يكون كَاذِبًا، وَأَنَّهُمْ عرفُوا الْوَصْف من الْمُلْتَقط، وَمن الَّذِي ضَاعَت مِنْهُ، وَقَالَ شَيخنَا زين: هَذَا معنى كَلَامه، وَظَاهر الحَدِيث يدل لما قَالَ مَالك وَاللَّيْث وَأحمد، وَالله أعلم. وَلَو أخبر طَالب اللّقطَة بصفاتها الْمَذْكُورَة فَصدقهُ الْمُلْتَقط وَدفعهَا إِلَيْهِ ثمَّ جَاءَ طَالب آخر لَهَا وَأقَام الْبَيِّنَة على أَنَّهَا ملكه، فقد اتَّفقُوا على أَنَّهَا تنتزع مِمَّن أَخذهَا أَولا بِالْوَصْفِ وتدفع للثَّانِي لِأَن الْبَيِّنَة أقوى من الْوَصْف، فَإِن كَانَ قد أتلفهَا ضمنهَا.
وَاخْتلفُوا: هَل لمقيم الْبَيِّنَة أَن يضمن الْمُلْتَقط؟ فَقَالَ الشَّافِعِي: لَهُ تَضْمِينه لِأَنَّهُ دَفعه لغير مَالِكه. وَقَالَت الْمَالِكِيَّة: لَا يضمن لِأَنَّهُ فعل مَا أمره بِهِ الشَّارِع. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: يقسم بَينهمَا كَمَا يحكم فِي نفسين ادعا شَيْئا وَأَقَامَا بَيِّنَة. وَقَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: وَإِن دَفعهَا بِذكر الْعَلامَة ثمَّ جَاءَ آخر وَأقَام الْبَيِّنَة بِأَنَّهُ لَهُ فَإِن كَانَت قَائِمَة أَخذهَا مِنْهُ، وَإِن كَانَت هالكة يضمن أَيهمَا شَاءَ، وَيرجع الْمُلْتَقط على الْآخِذ إِن ضمن، وَلَا يرجع الْأَخْذ على أحد، وللملتقط أَن يَأْخُذ مِنْهُ كَفِيلا عِنْد الدّفع. وَقيل: يخيَّر، وَإِن دَفعهَا إِلَيْهِ بتصديقه ثمَّ أَقَامَ آخر بَيِّنَة أَنَّهَا لَهُ، فَإِن كَانَت قَائِمَة أَخذهَا مِنْهُ، وَإِن كَانَت هالكه فَإِن كَانَ دفع إِلَيْهِ بِغَيْر قَضَاء، فَلهُ أَن يضمن إيهما شَاءَ، فَإِن ضمن الْقَابِض فَلَا يرجع بِهِ على أحد، وَإِن ضمن الْمُلْتَقط فَلهُ أَن يرجع بِهِ على الْقَابِض، وللملتقظ أَن يَأْخُذ بِهِ كَفِيلا، وَإِن كَانَ دَفعهَا إِلَيْهِ بِقَضَاء ضمن الْقَابِض، وَلَا يضمن الْمُلْتَقط لِأَنَّهُ مقهور، وَإِن أَقَامَ الْحَاضِر بَيِّنَة أَنَّهَا لَهُ فَقضى بِالدفع إِلَيْهِ، ثمَّ حضر آخر وَأقَام بَيِّنَة أَنَّهَا لَهُ لم يضمن.
وَفِيه: الِاسْتِمْتَاع باللقطة إِذا لم يَجِيء صَاحبهَا وَاحْتج بِظَاهِرِهِ جمَاعَة، وَقَالُوا: يجوز للغني وَالْفَقِير إِذا عرفهَا حولا أَن يسْتَمْتع بهَا، وَقد أَخذهَا عَليّ بن أبي طَالب، وَهُوَ: يجوز لَهُ أَخذ النَّفْل دون الْفَرْض، وَأبي بن كَعْب وَهُوَ من مياسير الصَّحَابَة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن كَانَ غَنِيا لم يجز لَهُ الِانْتِفَاع بهَا، وَيجوز إِن كَانَ فَقِيرا، وَلَا يتَصَدَّق بهَا على غَنِي، وَيتَصَدَّق بهَا على فَقير أَجْنَبِيّا كَانَ أَو قَرِيبا مِنْهُ، وَكَذَا لَهُ أَن يتَصَدَّق بهَا على أَبَوَيْهِ وَزَوجته وَولده إِذا كَانُوا فُقَرَاء. فَإِن قلت: ظَاهر الحَدِيث حجَّة عَلَيْكُم، لِأَنَّهُ، ﷺ ، قَالَ لأبي: فاستمتع بهَا. قَالَ: فاستمتعت! قلت: هَذَا حِكَايَة حَال فَلَا تعم، وَيجوز أَنه ﷺ عرف فقره أَو كَانَت عَلَيْهِ دُيُون، وَلَئِن سلمنَا أَنه كَانَ غَنِيا، فَقَالَ لَهُ: استمتع بهَا، وَذَلِكَ جَائِز عندنَا من الإِمَام على سَبِيل الْعرض، وَيحْتَمل
стр. 3682
أَنه ﷺ عرف أَنه فِي مَال حَرْبِيّ كَافِر. ثمَّ لَو ضَاعَت اللّقطَة قبل الْحول فَهَل يضمن أَو لَا؟ فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد بن الْحسن: إِن كَانَ حِين أَخذهَا أشهد عَلَيْهِ ليردها لم يضمن، وإلَاّ ضمن، لحَدِيث عِيَاض بن حَمَّاد وَقد ذَكرْنَاهُ وَعَن أبي يُوسُف: لَا يشْتَرط الْإِشْهَاد كَمَا لَو أَخذهَا بِإِذن الْمَالِك، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد، وَإِن لم يشْهد عَلَيْهِ عِنْد الإلتقاط وَادّعى أَنه أَخذهَا ليردها. وَادّعى صَاحبهَا أَنه أَخذهَا لنَفسِهِ، فَالْقَوْل لصَاحِبهَا، وَيضمن الْمُلْتَقط قيمتهَا عِنْدهمَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُف: القَوْل قَول الْمُلْتَقط، فَلَا يضمن، وَإِذا لم يُمكنهُ الْإِشْهَاد بِأَن لم يجد أحدا وَقت الِالْتِقَاط، أَو خَافَ من الظلمَة عَلَيْهَا، فَلَا يضمن بالِاتِّفَاقِ.
وَاخْتلف فِي ضياعها بعد الْحول من غير تَفْرِيط، فالجمهور على عدم الضَّمَان، وَنقل ابْن التِّين عَن الشَّافِعِيَّة: أَنه إِذا نوى تَملكهَا ثمَّ ضَاعَت ضمنهَا، وَعند الْبَعْض: لَا ضَمَان، ثمَّ عِنْد الشَّافِعِيَّة: لَا يحْتَاج فِي إنفاقها على نَفسه إِلَى اخْتِيَار التَّمْلِيك، بل إِذا انْقَضتْ السّنة دخلت فِي ملكه، يدل عَلَيْهِ مَا فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: فَإِن لم يَأْتِ فَهِيَ لَك. قَالَ شَيخنَا: هَذَا وَجه لأَصْحَاب الشَّافِعِي، وَالصَّحِيح عِنْدهم: أَنه لَا بُد من اخْتِيَار التَّمَلُّك قبل الْإِنْفَاق، وَهُوَ الَّذِي صَححهُ النَّوَوِيّ، فَقَالَ: لَا بُد من اخْتِيَار التَّمْلِيك لفظا.
وَفِيه: وَجه آخر: أَنه لَا يملكهَا إلَاّ بِالتَّصَرُّفِ بِالْبيعِ وَنَحْوه، وَنقل ابْن التِّين عَن جَمِيع فُقَهَاء الْأَمْصَار أَنه: لَيْسَ لَهُ أَن يتملكها قبل السّنة، وَنقل عَن دَاوُد أَنه يأكلها ثمَّ يضمنهَا. وَفِيه: دلَالَة على إبِْطَال قَول من يَدعِي علم الْغَيْب بكهانة أَو سحر، لِأَنَّهُ لَو كَانَ يُعلم شَيْء من الْغَيْب بذلك لما ذكر رَسُول الله، ﷺ ، لصَاحب اللّقطَة معرفَة الْأَوْصَاف الَّتِي ذكرهَا فِيهِ.
٢ - (بابُ ضالَّةِ الإبِلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْتِقَاط ضَالَّة الْإِبِل، هَل يجوز التقاطها أم لَا؟ وَاكْتفى بِمَا فِي الحَدِيث عَن الْجَزْم بِالْجَوَابِ، وَالْمرَاد بالضالة هُنَا: الْإِبِل وَالْبَقر مِمَّا يحمي نَفسه وَيقدر على الإبعاد فِي طلب المرعى وَالْمَاء، وَقيل: هِيَ الضائعة فِي كل مَا يقتنى من الْحَيَوَان وَغَيره، يُقَال: ضل الشَّيْء إِذا ضَاعَ وضل عَن الطَّرِيق إِذا حَار، والضالة فِي الأَصْل فاعلة، ثمَّ اتَّسع فِيهَا فَصَارَت من الصِّفَات الْغَالِبَة، وَيَقَع على الذّكر وَالْأُنْثَى والاثنين وَالْجمع، وَيجمع على: ضوال.
٧٢٤٢ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَبَّاسٍ قَالَ حدَّثنا عبدُ الرَّحْمانِ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ رَبِيعَةَ قَالَ حدَّثني يَزِيدُ مَوْلاى الْمُنْبَعِث عنْ زَيْدِ بنِ خالِدٍ الْجُهَنِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ جَاءَ أعْرَابي النبيَّ ﷺ فسَألَهُ عَمَّا يَلْتَقِطُهُ فَقَالَ عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ احْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا فإنْ جاءَ أحدٌ يُخْبِرُكَ بِها وإلَاّ فاسْتَنْفِقْها قَالَ يَا رسولَ الله فَضالَّةُ الغَنَم قالَ لَكَ أوْ لِأَخيكَ أوْ لِلذِّئْبِ قَالَ ضالَّةُ الْإبِلِ فَتَمَعَّرَ وجْهُ النبيِّ ﷺ فَقَالَ مالَكَ ولَهَا معَها حِذَاؤُها وسِقَاؤُهَا تَرِدُ الماءَ وتَأْكُلُ الشَّجَرَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ضَالَّة الْإِبِل) وَقد مضى الحَدِيث فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب الْغَضَب فِي الموعظة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن أبي عَامر عَن سُلَيْمَان بن بِلَال الْمَدِينِيّ عَن ربيعَة بن عبد الرَّحْمَن إِلَى آخِره، وَهَهُنَا أخرجه: عَن عَمْرو بن عَبَّاس بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالسِّين الْمُهْملَة عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي بن حسان عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن الْمَعْرُوف بِالرَّأْيِ بِسُكُون الْهمزَة عَن يزِيد من الزِّيَادَة مولى المنبعث، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصًى.
قَوْله: (جَاءَ أَعْرَابِي) وَفِي رِوَايَة مَالك عَن ربيعَة: جَاءَ رجل، وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن بِلَال الْمَدِينِيّ عَن ربيعَة: سَأَلَهُ رجل عَن اللّقطَة، وَقد مضى هَذَا فِي كتاب الْعلم، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: سُئِلَ عَن اللّقطَة، وَفِي رِوَايَة مُسلم: جَاءَ رجل يسْأَله عَن اللّقطَة، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ: أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله ﷺ عَن اللّقطَة، وَفِي رِوَايَة لَهُ: أَتَى رجلٌ رسولَ الله ﷺ ، وَأَنا مَعَه، فَسَأَلَهُ عَن اللّقطَة. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى مثل رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، وَكَذَا فِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ، وَفِي رِوَايَة لَهُ: جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله ﷺ فَسَأَلَهُ عَن اللّقطَة، وَفِي رِوَايَة حَدِيث هَذَا الْبَاب جَاءَ أَعْرَابِي، وَزعم ابْن بشكوال: أَن هَذَا
стр. 3683
السَّائِل عَن اللّقطَة هُوَ بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَزاهُ لأبي دَاوُد، ورد عَلَيْهِ بَعضهم بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي نسخ أبي دَاوُد شَيْء من ذَلِك، وَفِيه بُعدٌ أَيْضا لِأَنَّهُ لَا يُوصف بِأَنَّهُ أَعْرَابِي. قلت: ابْن بشكوال لم يُصَرح بِأَن الْأَعرَابِي الَّذِي سَأَلَ هُوَ بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِنَّمَا قَالَ: السَّائِل الْمَذْكُور فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن بِلَال، وَهُوَ قَوْله: سَأَلَهُ رجل، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: سُئِلَ النَّبِي ﷺ هُوَ بِلَال وَلَفظ السَّائِل أَعم من الْأَعرَابِي وَغَيره، وبلال وَغَيره، وَابْن بشكوال أوضح السَّائِل بِأَنَّهُ بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِنَّهُ كَلَام لَيْسَ فِيهِ غُبَار، وَلَيْسَ فِيهِ بعد، وَلَو صرح بقوله: الْأَعرَابِي هُوَ بِلَال، لَكَانَ ورد عَلَيْهِ مَا قَالَه، وَأما عزو ابْن بشكوال ذَلِك إِلَى أبي دَاوُد فَلَيْسَ بِصَحِيح، لِأَن أَبَا دَاوُد روى هَذَا الحَدِيث بطرق كَثِيرَة، وَلَيْسَ فِيهِ مَا عزاهُ ابْن بشكوال إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا لَفظه: أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله ﷺ ، وَفِي رِوَايَة: أَن رَسُول الله ﷺ سُئِلَ عَن اللّقطَة، وَلَيْسَ لِبلَال ذكر أصلا، فَافْهَم. ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: ثمَّ ظَفرت بِتَسْمِيَة السَّائِل وَذَلِكَ فِيمَا أخرجه الْحميدِي وَالْبَغوِيّ وَابْن السكن وَالْمَاوَرْدِيّ وَالطَّبَرَانِيّ، كلهم من طَرِيق مُحَمَّد بن معن الْغِفَارِيّ عَن ربيعَة عَن عقبَة بن سُوَيْد الْجُهَنِيّ عَن أَبِيه، قَالَ: سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن اللّقطَة، فَقَالَ: عرفهَا سنة ثمَّ أوثق وعاءها ... الحَدِيث، قَالَ: وَهُوَ أولى مَا فسر بِهِ هَذَا الْمُبْهم لكَونه من رَهْط زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ. انْتهى. قلت: حَدِيث سُوَيْد بن عقبَة الَّذِي يرويهِ عَنهُ ابْنه عقبَة غير حَدِيث زيد بن خَالِد، فَكيف يُفَسر الْمُبْهم الَّذِي فِي حَدِيث زيد بن خَالِد بِحَدِيث سُوَيْد؟ وَلَا يلْزم من كَون سُوَيْد من رَهْط زيد أَن يكون حَدِيثهمَا وَاحِدًا بِحَسب الصُّورَة، وَإِن كَانَا فِي الْمَعْنى من بَاب وَاحِد، وَأَيْضًا هُوَ استبعد كَلَام ابْن بشكوال فِي إِطْلَاق الْأَعرَابِي على بِلَال، وَكَيف لَا يستبعد هُنَا إِطْلَاق الْأَعرَابِي على سُوَيْد بن عقبَة؟ وَلَا يلْزم من سُؤال سُوَيْد رَسُول الله ﷺ عَن اللّقطَة أَن يكون هُوَ الْأَعرَابِي الَّذِي فِي حَدِيث زيد بن خَالِد. قَوْله: (فَسَأَلَهُ عَمَّا يلتقطه) أَي: عَن الشَّيْء الَّذِي يلتقطه، وَوَقع فِي أَكثر الرِّوَايَات أَنه سَأَلَ عَن اللّقطَة، وَوَقع فِي رِوَايَة لمُسلم: سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن اللّقطَة الذَّهَب أَو الْوَرق، وَهَذَا لَيْسَ بِقَيْد، وَإِنَّمَا هُوَ كالمثال، وَحكم غير الذَّهَب وَالْفِضَّة كحكمهما، وَوَقع فِي رِوَايَة لأبي دَاوُد: وَسُئِلَ عَن النَّفَقَة. قَوْله: (عرفهَا) ، بِالتَّشْدِيدِ أَمر من التَّعْرِيف. قَوْله: (ثمَّ احفظ عفاصها) ، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْفَاء وبالصاد هُوَ: الْوِعَاء الَّذِي يكون فِيهِ النَّفَقَة، سَوَاء كَانَ من جلد أَو خرقَة أَو حَرِير أَو غَيرهَا، واشتقاقه من: العفص، وَهُوَ الثني والعطف لِأَن الْوِعَاء يثنى عَليّ مَا فِيهِ، وَوَقع فِي (زَوَائِد الْمسند) لعبد الله بن أَحْمد من طَرِيق الْأَعْمَش عَن سَلمَة فِي حَدِيث أبي أَو خرقتها، بدل عفاصها، وَوَقع فِي حَدِيث أبي أَيْضا: احفظ وعاءها وعددها ووكاءها، وَفِي حَدِيث زيد بن خَالِد: إحفظ عفاصها ووكاءها، فأسقط ذكر الْعدَد وَزَاد ذكر العفاص، وَقد اخْتلف فِي العفاص، فَذهب أَبُو عبيد إِلَى أَنه مَا يرْبط فِيهِ النَّفَقَة، وَقَالَ الْخطابِيّ: أَصله: الْجلد الَّذِي يلبس رَأس القارورة. وَقَالَ الْجُمْهُور: وَهُوَ الْوِعَاء: قَالَ شَيخنَا: قَول الْخطابِيّ هُوَ الأولى، فَإِنَّهُ جمع فِي حَدِيث زيد بَين الْوِعَاء والعفاص، فَدلَّ على أَنه غَيره. قلت: الَّذِي ذكره شَيخنَا هُوَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ ذكر العفاص والوكاء، وَالَّذِي يَقُول: العفاص هُوَ الْوِعَاء، هُوَ الأولى، وَلم يجمع فِي حَدِيث زيد إلَاّ العفاص والوكاء، لِأَن الأَصْل حفظ العفاص الَّذِي هُوَ الْوِعَاء. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: ثمَّ إعرف وعاءها ووكاءها وعفاصها، فعلى مَا ذكرت يكون ذكر الْوِعَاء أَو ذكر العفاص تَكْرَارا؟ قلت: قد ذكرت أَن العفاص فِيهِ اخْتِلَاف، فعلى قَول من فسر العفاص بِالْجلدِ الَّذِي يلبس رَأس القارورة لَا يكون تَكْرَارا. فَإِن قلت: ذكر الْعدَد فِي حَدِيث أبي، وَلم يذكرهُ فِي حَدِيث زيد؟ قلت: قد جَاءَ ذكر الْعدَد فِي حَدِيث زيد أَيْضا فِي رِوَايَة لمُسلم، أَو الظَّاهِر أَن تَركه هُنَا بسهو من الرَّاوِي، وَالله أعلم. قَوْله: (فَإِن جَاءَ أحد يُخْبِرك بهَا) ، جَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف، تَقْدِيره: فَإِن جَاءَ أحد يُخْبِرك باللقطة وأوصافها فأدها إِلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن يُوسُف عَن سُفْيَان، كَمَا سَيَأْتِي، فَإِن جَاءَ أحد يُخْبِرك بعفاصها ووكائها. قَوْله: (وإلَاّ فاستنفقها) ، أَي: وَإِن لم يَأْتِ أحد بعد التَّعْرِيف حولا فاستنفقها من الاستنفاق، وَهُوَ استفعال، وَبَاب الاستفعال للطلب، لَكِن الطّلب على قسمَيْنِ: صَرِيح وتقديري، وَهَهُنَا لَا يَتَأَتَّى الصَّرِيح فَيكون للطلب التقديري، كَمَا فِي قَوْلك: استخرجت الوتد من الْحَائِط: فَإِن قلت: فِي رِوَايَة مَالك كَمَا يَجِيء بعد بَاب: (اعرف عفاصها ووكاءها ثمَّ عرفهَا سنة) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد، من طَرِيق عبد الله بن يزِيد مولى المنبعث بِلَفْظ: (عرفهَا حولا فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فادفعها إِلَيْهِ، وإلَاّ أعرف وكاءها وعفاصها ثمَّ اقبضها فِي مَالك) . فرواية مَالك تَقْتَضِي سبق الْمعرفَة على التَّعْرِيف، وَرِوَايَة
стр. 3684
أبي دَاوُد بِالْعَكْسِ. قلت: قَالَ النَّوَوِيّ: الْجمع بَينهمَا بِأَن يكون مَأْمُورا بالمعرفة فِي حالتين، فَيعرف العلامات أول مَا يلتقط حَتَّى يعلم صدق واصفها إِذا وصفهَا، ثمَّ بعد تَعْرِيفهَا سنة إِذا أَرَادَ أَن يتملكها فيعرفها مرّة أُخْرَى معرفَة وافية مُحَققَة ليعلم قدرهَا وصفتها لاحْتِمَال أَن يَجِيء صَاحبهَا فَيَقَع الِاخْتِلَاف فِي ذَلِك، فَإِذا عرفهَا الْمُلْتَقط وَقت التَّمَلُّك يكون القَوْل قَوْله، لِأَنَّهُ أَمِين. واللقطة وَدِيعَة عِنْده، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون: ثمَّ، فِي الرِّوَايَتَيْنِ بِمَعْنى: الْوَاو، فَلَا يَقْتَضِي ترتيباً، فَلَا يَقْتَضِي تخالفاً يحْتَاج الى الْجمع. قلت: خُرُوج: ثمَّ، عَن معنى التَّشْرِيك فِي الحكم والمهلة وَالتَّرْتِيب إِنَّمَا يمشي على قَول الْكُوفِيّين، فَتكون حِينَئِذٍ زَائِدَة، وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون فِي مَوضِع لَا يخل بِالْمَعْنَى، وَهَهُنَا لَا وَجه لما قَالَه، وَلَئِن سلمنَا أَنه يكون بِمَعْنى: الْوَاو، و: الْوَاو، أَيْضا تَقْتَضِي التَّرْتِيب على قَول الْبَعْض، فَلَا يتم الْجَواب بِمَا قَالَه. فَإِن قلت: هَذَا الْعرْفَان وَاجِب أم سنة؟ قلت: قيل: وَاجِب لظَاهِر الْأَمر، وَقيل: مُسْتَحبّ، وَقيل: يجب عِنْد الِالْتِقَاط، وَيسْتَحب بعده، قَوْله: (فضالَّة الْغنم؟) أَي: مَا حكم ضَالَّة الْغنم؟ قَوْله: (قَالَ: لَك، أَو لأخيك أَو الذِّئْب) ، كلمة: أَو، فِيهِ للتقسيم والتنويع، وَالْمعْنَى: إِن ضَالَّة الْغنم لَك إِن أَخَذتهَا وعرفتها، وَلم تَجِد صَاحبهَا. قَوْله: (أَو لأخيك) يَعْنِي: إِن أَخَذتهَا وعرفتها وَجَاء صَاحبهَا فَهِيَ لَهُ، وَأَرَادَ بِهِ الْأَخ فِي الدّين، وَهُوَ صَاحب الْغنم. قَوْله: (أَو للذئب) يَعْنِي: إِن تركتهَا وَلم يتَّفق آخذ غَيْرك فَهِيَ طعمة للذئب غَالِبا، لِأَنَّهَا لَا تَحْمِي نَفسهَا، وَذكر الذِّئْب مِثَال، وَلَيْسَ بِقَيْد، وَالْمرَاد جنس مَا يَأْكُل الشَّاة ويفترسها من السبَاع، وَوَقع فِي رِوَايَة اسماعيل بن جَعْفَر عَن ربيعَة، كَمَا سَيَأْتِي بعد أَبْوَاب، فَقَالَ: خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَك ... إِلَى آخِره، وَهُوَ صَرِيح بِالْأَمر بِالْأَخْذِ، وَفِيه رد على أَحْمد فِي إِحْدَى روايتيه أَنه يتْرك الْتِقَاط الشَّاة، وَبِه تمسك مَالك فِي أَنه يَأْخُذهَا ويملكها بِالْأَخْذِ، وَلَو جَاءَ صَاحبهَا لِأَنَّهُ صَار حكمه حكم الذِّئْب فَلَا غَرَامَة، ورد عَلَيْهِ بِأَن اللَاّم لَيست للتَّمْلِيك لِأَن الذِّئْب لَا يملك وَإِنَّمَا يأكلها الْمُلْتَقط بِالضَّمَانِ، وَقد أَجمعُوا على أَنه لَو جَاءَ صَاحبهَا قبل أَن يأكلها الْمُلْتَقط فَإِنَّهُ يَأْخُذهَا لِأَنَّهَا بَاقِيَة على ملكه. قَوْله: (قَالَ: ضَالَّة الْإِبِل؟) أَي: مَا حكم ضَالَّة الْإِبِل؟ قَوْله: (فتمعر وَجه النَّبِي ﷺ أَي: تغير وَجهه من الْغَضَب ومادة تمعر: مِيم وَعين مُهْملَة وَرَاء، وَأَصله فِي الشّجر إِذا قل مَاؤُهُ فصَال قَلِيل النضرة عديم الْإِشْرَاق وَيُقَال للوادي المجدب: أمعر، وَقَالَ بَعضهم: وَلَو روى بالغين الْمُعْجَمَة لَكَانَ لَهُ وَجه، أَي: صَار بلون الْمغرَة، وَهِي حمرَة شَدِيدَة إِلَى كمودة، ويقويه قَوْله فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر: فَغَضب حَتَّى احْمَرَّتْ وجنتاه، أَو وَجهه. قلت: إِذا لم تثبت فِيهِ الرِّوَايَة فَلَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التعسف. قَوْله: (مَا لَك) ، يَعْنِي: لَيْسَ لَك هَذَا، وَيدل عَلَيْهِ رِوَايَة سُلَيْمَان بن بِلَال عَن ربيعَة الَّتِي سبقت فِي كتاب الْعلم، فذرها حَتَّى يلقاها رَبهَا. قَوْله: (مَعهَا حذاؤها) بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالذال الْمُعْجَمَة ممدوداً، أَي: خفها. قَوْله: (وسقاؤها) ، السقاء بِالْكَسْرِ فِي الأَصْل ظرف المَاء من الْجلد، وَالْمرَاد بِهِ هُنَا: جوفها، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا إِذا شربت يَوْمًا تصبر أَيَّامًا على الْعَطش، وَقيل: المُرَاد بِهِ عُنُقهَا لِأَنَّهَا تتَنَاوَل الْمَأْكُول بِغَيْر تَعب لطول عُنُقهَا، فَلَا تحْتَاج إِلَى ملتقط. وَمَا يتَعَلَّق بِهِ الحكم قد مضى فِي كتاب الْعلم، ولنذكر شَيْئا نزراً.
اخْتلف الْعلمَاء فِي ضَالَّة الْإِبِل: هَل تُؤْخَذ؟ على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: لَا يَأْخُذهَا وَلَا يعرفهَا، قَالَه مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ لنَهْيه ﷺ عَن ضَالَّة الْإِبِل. الثَّانِي: أَخذهَا وتعريفها أفضل، قَالَه الْكُوفِيُّونَ: لِأَن تَركهَا سَبَب لضياعها. وَفِيه قَول ثَالِث: إِن وجدهَا فِي الْقرى عرفهَا، وَفِي الصَّحرَاء لَا يعرفهَا. وَقَالَت الشَّافِعِيَّة: الْأَصَح أَنه إِن وجدهَا بمفازة فللقاضي التقاطها للْحِفْظ، وَكَذَا لغيره، وَيحرم التقاطها للتَّمَلُّك، وَإِن وجدهَا بقرية فَيجوز التَّمَلُّك. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَمِمَّنْ رأى ضَالَّة الْبَقر كضالة الْإِبِل طَاوُوس وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَبَعض أَصْحَاب مَالك، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي ضَالَّة الْبَقر: إِن وجدت فِي مَوضِع يخَاف عَلَيْهَا فَهِيَ فِي منزلَة الشَّاة، وإلَاّ فكالبعير، وَقيل: إِن كَانَت لَهَا قُرُون تمنع بهَا فكالبعير وإلَاّ فكالشاة، حَكَاهُ ابْن التِّين، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: عندنَا فِي الْبَقر وَالْغنم قَولَانِ، وَرَأى مَالك إلحاقها بالغنم، وَرَأى ابْن الْقَاسِم إلحاقها بِالْإِبِلِ إِذا كَانَت بِموضع لَا يخَاف عَلَيْهَا من السبَاع، وَكَانَ هَذَا تَفْصِيل أَحْوَال لَا اخْتِلَاف أَقْوَال، وَمثلهَا جَاءَ فِي الْإِبِل إِلْحَاقًا بهَا.
وَاخْتلف فِي الْتِقَاط الْخَيل وَالْبِغَال والحمر، فَظَاهر قَول ابْن الْقَاسِم: الْجَوَاز، وَمنعه أَشهب وَابْن كنَانَة، وَقَالَ ابْن حبيب: وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْعَبِيد كل مَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ وَيذْهب، هُوَ دَاخل فِي الضَّالة، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: الْخَيل وَالْإِبِل وَالْبَقر وَالْبِغَال وَالْحمير وَالشَّاة والظباء: لَا يجوز عندنَا التقاطها إلَاّ أَن يَأْخُذهَا الإِمَام للْحِفْظ، وَفِي (التَّوْضِيح) : إِذا عرف المَال وَشبهه وانقضى الْحول أَو قبله، وَجَاء صَاحبه أَخذه بِزِيَادَتِهِ الْمُتَّصِلَة، وَكَذَا الْمُنْفَصِلَة إِن حدثت قبل التَّمَلُّك، وَإِن حدثت بعده رَجَعَ فِيهَا دون الزِّيَادَة.
стр. 3685
٣ - (بابُ ضالَّةِ الغَنَمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْتِقَاط ضَالَّة الْغنم، وَإِنَّمَا أفرد هَذَا الْبَاب بترجمة وَإِن كَانَ مَذْكُورا فِي الْبَاب السَّابِق لزِيَادَة فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن حكم هَذَا الْبَاب غير حكم ذَاك الْبَاب.
٨٢٤٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُلَيْمانُ عنْ يَحْيَى اعنْ يَزيدَ مَوْلاى الْمُنْبَعِثِ أنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بنَ خالِدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقولُ سُئِلَ النبيُّ ﷺ عنِ اللُّقَطَةِ فزَعَمَ أنَّهُ قَالَ اعْرِفْ عِفَاصَها وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنةً يَقولُ يَزيدُ إنْ لَمْ تُعْتَرَفِ اسْتَنْفِقَ بِها صاحِبُها وكانَتْ ودِيعَةً عِنْدَهُ قَالَ يَحْياى فَهاذَا الَّذِي لَا أدْرِي أفِي حَديثِ رسولِ الله ﷺ هُوَ أمْ شَيْءٌ مِنْ عِنْدهِ ثُمَّ قَالَ كَيْفَ تَراى فِي ضالَّةِ الغَنَمِ قَالَ النبيُّ ﷺ خُذْهَا فإنَّما هِيَ لَكَ أوْ لِأَخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ قَالَ يَزيدُ وهْيَ تُعَرَّفُ أيْضاً ثُمَّ قَالَ كيْفَ تَراى فِي ضالَّةِ الإبِلِ قَالَ فَقَالَ دَعْها فإنَّ معَهَا حِذَاءَها وسِقَاءَهَا تَرِدُ الْمَاءَ وتَأكُلُ الشَّجَرَ حتَّى يَجِدَها رَبُّهَا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَيفَ ترى فِي ضَالَّة الْغنم؟) وَهَذَا الحَدِيث مضى فِي الْبَاب السَّابِق، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَمْرو بن عَبَّاس عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن ربيعَة عَن يزِيد ... إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه: عَن إِسْمَاعِيل ابْن عبد الله هُوَ ابْن أبي أويس عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن يزِيد. . إِلَى آخِره.
قَوْله: (فَزعم) ، أَي: قَالَ، فالزعم يسْتَعْمل مقَام القَوْل الْمُحَقق كثيرا، والزاعم هُوَ زيد بن خَالِد. قَوْله: (أَنه قَالَ) أَي: أَن رَسُول الله ﷺ ، (قَالَ: أعرف) من الْمعرفَة. قَوْله: (يَقُول يزِيد) يَعْنِي: قَالَ يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ: يَقُول يزِيد، وَهَذِه الْجُمْلَة مقول قَول يحيى، فَافْهَم. وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (إِن لم تُعرف) ، بِلَفْظ الْمَجْهُول من التَّعْرِيف، ويروى: إِن لم تُعرف، من الْمعرفَة على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا. قَوْله: (صَاحبهَا) ، أَي: ملتقطها. قَوْله: (قَالَ يحيى) ، أَي: يحيى بن سعيد الرَّاوِي، وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَالْحَاصِل أَن يحيى بن سعيد شكّ: هَل قَوْله: وَكَانَت وَدِيعَة عِنْده، من رَسُول الله ﷺ أم لَا؟ وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: فَهَذَا الَّذِي لَا أَدْرِي، أَي: لَا أعلم (أَفِي حَدِيث رَسُول الله، ﷺ الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (هُوَ) يرجع إِلَى قَوْله: (وَكَانَت وَدِيعَة عِنْده) . قَوْله: (أم شَيْء من عِنْده) أَي: أَو هُوَ شَيْء قَالَه من عِنْده، وَقد جزم يحيى بن سعيد بذلك أَنه من رَسُول الله ﷺ ، وَلم يشك فِيهِ، وَهُوَ فِيمَا رَوَاهُ مُسلم عَن القعْنبِي والإسماعيلي من طَرِيق يحيى ابْن حسان، كِلَاهُمَا عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن يحيى، فَقَالَ فِيهِ: فَإِن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن وَدِيعَة عنْدك. وَقد أَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى رَفعهَا على مَا يَجِيء بعد أَبْوَاب، لِأَنَّهُ ترْجم بقوله: إِذا جَاءَ صَاحب اللّقطَة بعد سنة ردهَا عَلَيْهِ لِأَنَّهَا وَدِيعَة عِنْده. قَوْله: (قَالَ يزِيد) ، وَهِي تعرف أَيْضا، أَي: قَالَ يزِيد مولى المنبعث الرَّاوِي الْمَذْكُور، وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. وَقَوله: (تعرف) ، بتَشْديد الرَّاء من التَّعْرِيف على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (حَتَّى يجدهَا رَبهَا) أَي: صَاحبهَا.
فِيهِ: دَلِيل على جَوَاز أَن يُقَال لمَالِك السّلْعَة: رب السّلْعَة. وَالْأَحَادِيث متظاهرة بذلك إلَاّ أَنه قد نهى عَن ذَلِك فِي العَبْد وَالْأمة فِي الحَدِيث الصَّحِيح، فَقَالَ: لَا يقل أحدكُم: رَبِّي، وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك، فكرهه بَعضهم مُطلقًا، وَأَجَازَهُ بَعضهم مُطلقًا، وَفرق قوم فِي ذَلِك بَين من لَهُ روح ومالا روح لَهُ، فكره أَن يُقَال: رب الْحَيَوَان، وَلم يكره ذَلِك فِي الْأَمْتِعَة، وَالصَّوَاب: تَقْيِيد الْكَرَاهَة أَو التَّحْرِيم بِجِنْس الْمَمْلُوك من الْآدَمِيّين، فَأَما غير الْآدَمِيّ فقد ورد فِي عدَّة أَحَادِيث، فَقَالَ هَهُنَا: حَتَّى يجدهَا رَبهَا، وَقَالَ فِي الْإِبِل: حَتَّى يلقاها رَبهَا.
стр. 3686
٤ - (بابٌ إذَا لَمْ يُوجَدْ صاحِبُ اللقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ فَهْيَ لِمَنْ وَجَدَهَا)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا لم يُوجد صَاحب اللّقطَة بعد التَّعْرِيف بِسنة فَهِيَ، أَي: اللّقطَة، لمن وجدهَا، وَهُوَ بِعُمُومِهِ يتَنَاوَل الْوَاجِد الْغَنِيّ وَالْفَقِير، وَهَذَا خلاف مَذْهَب الْجُمْهُور، فَإِن عِنْدهم: إِذا كَانَت الْعين مَوْجُودَة يجب الرَّد، وَإِن كَانَت استهلكت يجب الْبَدَل، وَلم يخالفهم فِي ذَلِك إلَاّ الْكَرَابِيسِي من أَصْحَاب الشَّافِعِي، وَدَاوُد الظَّاهِرِيّ: وَوَافَقَهُمَا البُخَارِيّ فِي ذَلِك، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بقوله ﷺ فِي حَدِيث الْبَاب: فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وإلَاّ فشأنك بهَا، وَهَذَا تَفْوِيض إِلَى اخْتِيَاره. وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِمَا رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور فِي حَدِيث زيد بن خَالِد عَن الدَّرَاورْدِي عَن ربيعَة بِلَفْظ: وإلَاّ فتصنع بهَا مَا تصنع بِمَالك، وَمن حجَّة الْجُمْهُور، قَوْله فِي حَدِيث الْبَاب السَّابِق: وَكَانَت وَدِيعَة عِنْده، وَقَوله فِي رِوَايَة بشر بن سعيد بن زيد بن خَالِد: فاعرف عفاصها ووكاءها ثمَّ كُلها، فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فأدها إِلَيْهِ فَإِن ظَاهر قَوْله: فَإِن جَاءَ صَاحبهَا ... إِلَى آخِره، بعد قَوْله: كلهَا، يَقْتَضِي وجوب ردهَا بعد أكلهَا، فَيحمل على رد الْبَدَل، وَقَالَ ابْن بطال: إِذا جَاءَ صَاحب اللّقطَة بعد الحَول لزم ملتقطها أَن يردهَا إِلَيْهِ، وعَلى هَذَا إِجْمَاع أَئِمَّة الْفَتْوَى، وَزعم بعض من نسب نَفسه إِلَى الْعلم: أَنَّهَا لَا تُؤَدّى إِلَيْهِ بعد الْحول، اسْتِدْلَالا بقوله ﷺ : (فشأنك بهَا) . قَالَ: فَهَذَا يدل على ملكهَا، قَالَ: وَهَذَا القَوْل يُؤَدِّي إِلَى تنَاقض السّنَن، إِذْ قَالَ: فأدها إِلَيْهِ قلت: قَوْله فأدها إِلَيْهِ دَلِيل على أَنه إِذا استنفقها أَو تلفت عِنْده بعد التَّمَلُّك أَنه يضمنهَا لصَاحِبهَا إِذا جَاءَ، وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا قَوْله فِي رِوَايَة بشر بن سعيد عَن زيد: ثمَّ كلهَا، فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فأدها ... أمره بأدائها بعد الْهَلَاك إِذا كَانَ قد يملكهَا أما إِذا أتلفت عِنْده بِغَيْر تَفْرِيط مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يضمنهَا لصَاحِبهَا إِذا جَاءَ، لِأَن يَده عَلَيْهَا يَد أَمَانَة فَصَارَت كَالْوَدِيعَةِ.
٩٢٤٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ رَبِيعَةَ بنِ أبِي عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ يَزِيدَ مَوْلاى الْمُنْبَعِثِ عنْ زَيْدِ بنِ خالِدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ جاءَ رَجُلٌ إلَى رسولِ الله ﷺ فسَألَهُ عنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ اعْرِفْ عِفَاصَها ووِكاءَها ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فإنْ جاءَ صاحِبُها وإلَاّ فَشأْنُكَ بِها قَالَ فَضالَّةُ الغَنَمِ قَالَ هِيَ لَكَ أوْ لِأَخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ قَالَ فَضالَّةُ الإبلِ قَالَ مالَكَ ولَهَا مَعَها سِقَاؤُها وحِذَاؤُها تَردُ الْمَاءَ وتَأْكُلُ الشَّجَرَ حتَّى يَلْقَاها ربُّهَا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فشأنك بهَا) بِنصب النُّون، أَي: إلزم شَأْنك ملتبساً بهَا، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: قيل: إِنَّه مَنْصُوب على الْمصدر، يُقَال: شأنت شَأْنه مَعهَا ... الخ أَي: قصدت قَصده، وأشأن شَأْنك أَي: إعمل مَا تُحسنهُ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (فشأنك) بِالنّصب وبالرفع، فَقَالَ فِي النصب: أَي: إلزم شَأْنك، وَلم يبين الرّفْع، وَوَجهه أَن يكون مَرْفُوعا بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: فشأنك مُبَاح أَو جَائِز أَو نَحْو ذَلِك، والشأن: الْخطب وَالْأَمر وَالْحَال. قَوْله: (مَالك وَلها؟) أَي: مَالك وَأَخذهَا وَالْحَال أَنَّهَا مُسْتَقلَّة بِأَسْبَاب تعيشها، فَيكون قَوْله: (مَعهَا سقاؤها) ، على تَقْدِير الْحَال، وَبَقِيَّة الْكَلَام قد مرت.
٥ - (بابٌ إذَا وَجَدَ خَشَبَةً فِي الْبَحْرِ أوْ سَوْطاً أوْ نَحْوَهُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا وجد شخص خَشَبَة فِي الْبَحْر أَو وجد سَوْطًا فِي مَوضِع أَو وجد شَيْئا وَنَحْو ذَلِك مثل عَصا وحبل وَمَا أشبههما، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: مَاذَا يصنع بِهِ؟ هَل يَأْخُذهُ أَو يتْركهُ؟ فَإِذا أَخذه هَل يَتَمَلَّكهُ أَو سَبيله سَبِيل اللّقطَة؟ فَفِيهِ اخْتِلَاف الْعلمَاء. فروى ابْن عبد الحكم عَن مَالك: إِذا ألْقى الْبَحْر خَشَبَة فَتَركهَا أفضل، وَقَالَ ابْن شعْبَان: فِيهَا قَول آخر: إِن وجدهَا يَأْخُذهَا، فَإِن جَاءَ رَبهَا غرم لَهُ قيمتهَا. ورخصت طَائِفَة فِي أَخذ اللّقطَة الْيَسِيرَة وَالِانْتِفَاع بهَا وَترك تَعْرِيفهَا، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنهُ عمر وَعلي وَابْن عمر وَعَائِشَة، وَهُوَ قَول عَطاء وَالنَّخَعِيّ وطاووس، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: روينَا عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي اللّقطَة: لَا بَأْس بِمَا دون الدِّرْهَم أَن يسْتَمْتع بِهِ. وَعَن جَابر كَانُوا يرخصون فِي السَّوْط وَالْحَبل وَنَحْوه أَن ينْتَفع بِهِ. وَقَالَ عَطاء: لَا بَأْس للْمُسَافِر إِذا وجد السَّوْط والسقاء والنعلين أَن ينْتَفع بهَا، اسْتدلَّ من
стр. 3687
يُبِيح ذَلِك بِحَدِيث الْخَشَبَة، لِأَن النَّبِي، ﷺ ، أخبر أَنه أَخذهَا حطباً لأَهله وَلم يَأْخُذهَا ليعرفها، وَلم يقل أَنه فعل مَا لَا يَنْبَغِي.
وَفِي (الْهِدَايَة) : وَإِن كَانَت اللّقطَة مِمَّا يعلم أَن صَاحبهَا لَا يتطلبها: كالنواة وقشور الرُّمَّان فإلقاؤه إِبَاحَة أَخذه فَيجوز الِانْتِفَاع بِهِ من غير تَعْرِيف، وَلكنه يبْقى على ملك مَالِكه، لِأَن التَّمْلِيك من الْمَجْهُول لَا يَصح، وَقَالَ ابْن رشد الأَصْل فِي ذَلِك مَا رُوِيَ أَنه ﷺ مر بتمرة فِي الطَّرِيق، (فَقَالَ: لَوْلَا أَن تكون من الصَّدَقَة لأكلتها) ، وَلم يذكر فِيهَا تعريفاً، وَهَذَا مثل الْعَصَا وَالسَّوْط، وَإِن كَانَ أَشهب قد اسْتحْسنَ تَعْرِيف ذَلِك، فَإِن كَانَ يَسِيرا، إلَاّ أَن لَهُ قدرا وَمَنْفَعَة فَلَا خلاف فِي تَعْرِيفه سنة، وَقيل: أَيَّامًا وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يبقي فِي يَد ملتقطه ويخشى عَلَيْهِ التّلف، فَإِن هَذَا يَأْكُلهُ الْمُلْتَقط فَقِيرا كَانَ أَو غَنِيا، وَهل يضمن؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَالْأَشْهر أَن لَا ضَمَان عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ مِمَّا يسْرع إِلَيْهِ الْفساد فِي الْحَاضِرَة، فَقيل: لَا ضَمَان عَلَيْهِ، وَقيل: عَلَيْهِ الضَّمَان، وَقيل: بِالْفرقِ أَن يتَصَدَّق بِهِ أَو يَأْكُلهُ، أَعنِي: إِنَّه يضمن فِي الْأكل وَلَا يضمن فِي الصَّدَقَة، وَفِي (الْوَاقِعَات) : الْمُخْتَار فِي القشود والنواة يملكهَا، وَفِي الصَّيْد لَا يملكهُ، وَإِن جمع سنبلاً بعد الْحَصاد فَهُوَ لَهُ لإِجْمَاع النَّاس على ذَلِك، وَإِن سلخ شَاة ميتَة فَهُوَ لَهُ ولصاحبها أَن يَأْخُذهَا مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الحكم فِي صوفها.
٠٣٤٢ - وَقَالَ اللَّيْثُ حدَّثني جَعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ عنْ عبْدِ الرَّحْمانِ بنِ هُرْمُزَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنْ رسولِ الله ﷺ أنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وساقَ الْحَدِيثَ فَخَرَجَ يَنْطُر لعَلَّ مَرْكباً قَدْ جاءَ بِمَالِه فإذَا هُوَ بالْخَشَبَةِ فأخَذَها لَأَهْلِهِ حَطَباً فلَمَّا نَشرَهَا وجَدَ الْمَالَ والصَّحِيفَةَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَإِذا هُوَ بالخشبة فَأَخذهَا) ، وَقيل: لَيْسَ فِي الْبَاب ذكر السَّوْط. وَأجِيب: بِأَنَّهُ استنبطه بطرِيق الْإِلْحَاق. وَقيل: كَأَنَّهُ فَاتَهُ عَنهُ، وَقَالَ بَعضهم: أَشَارَ بِالسَّوْطِ إِلَى أثر يَأْتِي بعد أَبْوَاب فِي حَدِيث أبي بن كَعْب، أَو أَشَارَ إِلَى مَا أخرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث جَابر، قَالَ: رخص لنا رَسُول الله ﷺ فِي الْعَصَا وَالسَّوْط وَالْحَبل، وأشباهه، يلتقطه الرجل ينْتَفع بِهِ. انْتهى. قلت: لَو أَشَارَ بِالسَّوْطِ إِلَى أثر يَأْتِي ... إِلَى آخِره، على مَا قَالَه هَذَا الْقَائِل، كَانَ الأصوب أَن يذكر السَّوْط هُنَاكَ، وَذكره هُنَا وإشارته إِلَى هُنَاكَ فِيهِ مَا فِيهِ، وَقَوله: أَو أَشَارَ إِلَى مَا أخرجه أَبُو دَاوُد ... إِلَى آخِره، لَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهُ كثيرا مَا يذكر تَرْجَمَة مُشْتَمِلَة على شَيْئَيْنِ أَو أَكثر، وَلَا يذكر لبعضها حَدِيثا أَو أثرا، فيجاب عَنهُ بِأَنَّهُ ذكره على أَن يجد شَيْئا صَحِيحا فيذكره، وَلَكِن لم يجده فَسكت عَنهُ، وَهَذَا الحَدِيث الَّذِي ذكره أَبُو دَاوُد ضَعِيف، وَاخْتلف فِي رَفعه وَوَقفه، فَكيف يرضى بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ؟ وَقد مضى الحَدِيث بِتَمَامِهِ فِي الْكفَالَة، وَقد ذكره هُنَا أَيْضا تَعْلِيقا عَن اللَّيْث، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: (وجد المَال) أَي: الَّذِي بَعثه الْمُسْتَقْرض إِلَيْهِ، والصحيفة الَّتِي كتبهَا الْمُسْتَقْرض إِلَيْهِ يذكر فِيهَا بعث مَال الْقَرَاض.
٦ - (بابٌ إذَا وجَدَ تَمْرَةً فِي الطَّرِيقِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: إِذا وجد شخص تَمْرَة فِي الطَّرِيق، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره يجوز لَهُ أَخذهَا وأكلها وَذكر التمرة لَيْسَ بِقَيْد وَكَذَا كل مَا كَانَ نَحْوهَا من المحقرات.
١٣٤٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ مَنْصورٍ عنْ طَلْحَةَ عنْ أنَس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ مَرَّ النبيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّريِقِ قَالَ لَوْلَا أنِّي أخافُ أنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأكَلْتُها. (انْظُر الحَدِيث ٥٥٠٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمُحَمّد بن يُوسُف بن وَاقد أَبُو عبد الله الْفرْيَابِيّ، قَالَه أَبُو نعيم وَغَيره، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَطَلْحَة هُوَ ابْن مصرف على وزن اسْم فَاعل من التصريف.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع فِي: بَاب مَا يتنزه من الشُّبُهَات عَن قبيصَة عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن طَلْحَة عَن أنس إِلَى آخِره. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
وَفِيه: جَوَاز أكل مَا يُوجد من المحقرات ملقى فِي الطرقات لِأَنَّهُ ﷺ ذكر أَنه لم يتمنع من أكلهَا إلَاّ تورعاً لخشيته أَن تكون من الصَّدَقَة الَّتِي حرمت عَلَيْهِ، لَا لكَونهَا مرمية فِي الطَّرِيق. وَفِيه: حُرْمَة الصَّدَقَة على الرَّسُول ﷺ والاحتراز عَن الشُّبْهَة. وَقيل: هَذَا أَشد مَا رُوِيَ فِي الشُّبُهَات. وَفِيه: إِبَاحَة الشَّيْء التافه بِدُونِ التَّعْرِيف، وَأَنه خَارج عَن حكم اللّقطَة لِأَن صَاحبه لَا يَطْلُبهُ وَلَا يتشاح فِيهِ، وَقد
стр. 3688
روى عبد الرَّزَّاق أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْتقط حبا أَو حَبَّة من رمان فَأكلهَا، وَعَن ابْن عمر أَنه وجد تَمْرَة فَأَخذهَا فَأكل نصفهَا ثمَّ لقِيه مِسْكين فَأعْطَاهُ النّصْف الآخر. وَفِيه: إِسْقَاط الْغرم عَن أكل الطَّعَام الْمُلْتَقط، وَقيل: يضمنهُ وَإِن أكله مُحْتَاجا إِلَيْهِ، ذكره ابْن الْجلاب.
٢٣٤٢ - وَقَالَ يَحْياى حدَّثنا سُفيانُ قَالَ حدَّثني مَنصُورً وَقَالَ زَائِدَةُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ طَلْحَةَ قَالَ حدَّثنا أنَسٌ وحدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أخبرنَا عبْدُ الله قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّه عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ إنِّي لأَنقَلَّبُ إلاى أَهلِي فأجِدُ التَّمْرَةَ ساقِطَة عَلَى فِرَاشي فأرْفَعُهَا لِآكُلَها ثُمَّ أخْشَى أنْ تَكُونَ صَدَقَةً فَأُلْقِيها.
يحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ.
وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسَدّد فِي مُسْنده عَن يحيى، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من طَرِيق مُسَدّد.
قَوْله: (وَقَالَ زَائِدَة) ، أَي: ابْن قدامَة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم، فَقَالَ: حَدثنَا أَبُو كريب، قَالَ: حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن زَائِدَة عَن مَنْصُور عَن طَلْحَة بن مصرف، قَالَ: حَدثنَا أنس بن مَالك أَن رَسُول الله ﷺ مر بتمرة فِي الطَّرِيق فَقَالَ: لَوْلَا أَن تكون من الصَّدَقَة لأكلتها. قَوْله: (عبد الله) ، هُوَ ابْن الْمُبَارك، وَمعمر، بِفَتْح الميمين: هُوَ ابْن رَاشد، وَهَمَّام، بتَشْديد الْمِيم على وزن فعال: ابْن مُنَبّه بن كَامِل الْيَمَانِيّ الأبناوي، وَهَذَا الحَدِيث مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب مَا يتنزه من الشُّبُهَات مُعَلّقا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (فألقيها) ، بِضَم الْهمزَة: من الْإِلْقَاء وَهُوَ الرَّمْي، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فألقيها بِالرَّفْع لَا غير، يَعْنِي: لَا يجوز نصب الْيَاء فِيهِ لِأَنَّهُ مَعْطُوف على قَوْله: فارفعها، فَإِذا نصب رُبمَا يظنّ أَنه عطف على قَوْله: أَن تكون، فَيفْسد الْمَعْنى.
٧ - (بابٌ كَيْفَ تُعَرَّفُ لَقَطَةُ أهْلِ مَكَّةَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ كَيفَ تعرف، بِالتَّشْدِيدِ من التَّعْرِيف على صِيغَة الْمَجْهُول، وَهَذِه التَّرْجَمَة تبين إِثْبَات لقطَة الْحرم، وَفِيه رد على من يَقُول: لَا يلتقط لقطَة أهل الْحرم، وَاسْتَدَلُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ مُسلم بِإِسْنَادِهِ عَن عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان التَّيْمِيّ أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَن لقطَة الْحَاج، وأجابت الْعَامَّة عَن ذَلِك بِأَن المُرَاد التقاطها للتَّمَلُّك لَا للْحِفْظ، وَقد أوضح هَذَا حَدِيث الْبَاب، وَقيل: لم يبين أَن كَيْفيَّة لقطَة الْحرم مثل كَيْفيَّة لقطَة غَيره فِي التَّعْرِيف وَالتَّمْلِيك أم هِيَ مقتصرة على الْحِفْظ فِيهِ؟ قلت: بل هِيَ مقتصرة على الْحِفْظ فَقَط، يدل عَلَيْهِ حَدِيث الْبَاب، وَاكْتفى بِمَا فِي الحَدِيث عَن تَصْرِيح ذَلِك فِي التَّرْجَمَة.
وقالَ طَاوُوسٌ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ لَا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَها إلَاّ مَنْ عَرَّفَها
هَذَا قِطْعَة من حَدِيث وَصلهَا البُخَارِيّ فِي الْحَج فِي: بَاب لَا يحل الْقِتَال. قَوْله: (لَا يلتقط لقطتهَا) ، أَي: لقطَة أهل مَكَّة (إلَاّ من عرفهَا) يَعْنِي: للْحِفْظ لصَاحِبهَا.
وَقَالَ خالِدٌ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النبيِّ ﷺ لَا تُلْتَقَطُ لُقْطَتُها إلَاّ لِمُعَرِّفٍ
خَالِد هُوَ الْحذاء، وَهَذَا أَيْضا قِطْعَة وَصلهَا البُخَارِيّ فِي أَوَائِل الْبيُوع فِي: بَاب مَا قيل فِي الصواغ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
стр. 3689
٣٣٤٢ - وَقَالَ أحْمَدُ بنُ سَعْدٍ قَالَ حدَّثنا رَوْحٌ قَالَ حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ قَالَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ دِينار عَن عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ لَا يُعْضَدُ عِضاهُما ولَا يُنَفَّرُ صَيْدُها ولَا تَحل لُقْطَتُها إلَاّ لِمُنْشِدٍ وَلَا يُخْتَلاى خِلَاها فَقَالَ عبَّاسٌ يَا رسولَ الله إلَاّ الْإذْخِرَ فَقَالَ إلَاّ الْإذْخِرَ. .
اخْتلف فِي أَحْمد بن سعيد هَذَا، فَقَالَ مُحَمَّد بن طَاهِر الْمَقْدِسِي: هُوَ ابو عبد الله أَحْمد بن سعيد الرباطي، وَقَالَ أَبُو نعيم: هُوَ أَحْمد بن سعيد الدَّارمِيّ، وروح هُوَ ابْن عبَادَة، وزكرياء هُوَ ابْن إِسْحَاق الْمَكِّيّ. وَوصل هَذَا التَّعْلِيق الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق الْعَبَّاس ابْن عبد الْعَظِيم، وَأَبُو نعيم من طَرِيق خلف بن سَالم، كِلَاهُمَا عَن روح بن عبَادَة.
قَوْله: (لَا يعضد) بِالْجَزْمِ، أَي: لَا يقطع، وَقَالَ الْكرْمَانِي: بِالْجَزْمِ وَالرَّفْع. قلت: الْجَزْم على أَنه نهي، وَالرَّفْع على أَنه نفي، والعضاه شجر أم غيلَان، وكل شجر لَهُ شوك عَظِيم، الْوَاحِدَة عضة بِالتَّاءِ، وَأَصلهَا عضهة. وَقيل: واحدته عضاهة، وعضهت العضاه: إِذا قطعتها. قَوْله: (إلَاّ لِمُنْشِد) ، وَهُوَ المعرّف، يُقَال: أنشدته، أَي: عَرفته. وَقَالَ ابْن بطال: قيل: معنى المنشد من سمع ناشده يَقُول: من أصَاب كَذَا، فَحِينَئِذٍ يجوز للملتقط أَن يرفعها لكَي يردهَا. وَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل: المنشد الطَّالِب، وَهُوَ صَاحبهَا، وَقَالَ أَبُو عبيد: لَا يجوز فِي الْعَرَبيَّة أَن يُقَال للطَّالِب: المنشد، إِنَّمَا هُوَ الْمُعَرّف، والطالب الناشد، وَقيل: إِنَّمَا لَا يتَمَلَّك لقطتهَا لِإِمْكَان إيصالها إِلَى رَبهَا إِن كَانَت للمكي، فَظَاهر، وَإِن كَانَت للغريب فيقصد فِي كل عَام من أقطار الأَرْض إِلَيْهَا فيسهل التَّوَصُّل إِلَيْهَا. قَوْله: (وَلَا يخْتَلى خَلاهَا) ، الخلا مَقْصُورا النَّبَات الرطب الرَّقِيق مَا دَامَ رطبا، واختلاؤه قطعه، واختلت الأَرْض كثر خَلاهَا، فَإِذا يبس فَهُوَ حشيش، والإذخر، بِكَسْر الْهمزَة: حشيشة طيبَة الرَّائِحَة يسقف بهَا الْبيُوت فَوق الْخشب، وهمزتها زَائِدَة، قَالَه ابْن الْأَثِير، وَاخْتلف الْعلمَاء فِي لقطَة مَكَّة، فَقَالَت طَائِفَة: حكمهَا كَحكم سَائِر الْبلدَانِ، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وروينا هَذَا القَوْل عَن عمر وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَابْن الْمسيب، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد، وَقَالَت طَائِفَة: لَا تحل أَلْبَتَّة، وَلَيْسَ لواجدها إلَاّ إنشادها، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَابْن مهْدي وَأبي عبيد بن سَلام.
٤٣٤٢ - حدَّثنا يَحْياى بنُ موساى قَالَ حدَّثنا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ قَالَ حدَّثنا اْلأوْزَاعِي قَالَ حدَّثني يَحْياى بنُ أبِي كَثيرٍ قَالَ حدَّثني أبُو سلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ قَالَ حدَّثني أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ لَمَّا فَتَحَ الله علَى رَسولِهِ ﷺ مكَّةَ قامَ فِي النَّاسِ فَحمِدَ الله وأثْنى علَيْهِ ثُمَّ قالَ إنَّ الله حبَسَ عنْ مَكَّةَ الفِيلَ وسَلَّطَ علَيْها رسولَهُ والْمُؤْمِنينَ فإنَّها لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ كانَ قَبْلي وإنَّها أُحِلَّتْ لي سَاعَة مِنْ نَهَارٍ وإنَّهَا لَا تَحِلُّ لَأَحَدٍ بَعْدِي فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُها وَلَا يخْتَلاى شَوْكُهَا وَلَا تَحلُّ ساقِطَتُها إلَاّ لِمُنْشِدٍ ومَنْ قُتِلَ لَهُ قَتيلٌ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إمَّا أنْ يُفْداى وإمَّا أنْ يُقِيدَ فَقَالَ العبَّاسُ إلَاّ الإذْخِرَ فإنَّا نَجْعَلُهُ لِقُبُورِنا وبُيُوتِنَا فَقَالَ رسولُ الله ﷺ إلَاّ الإذْخِرَ فقامَ أَبُو شاهٍ رَجُلٌ مِنْ أهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ اكْتُبُوا لِي يَا رسولَ الله فَقَالَ رسولُ الله ﷺ اكْتُبُوا لِأَبِي شاهٍ قُلْتُ لِلأوْزَاعِيِّ مَا قَوْلُهُ اكْتُبُوا لِي يَا رسولَ الله قَالَ هاذِهِ الْخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَها مِنْ رَسُولِ الله ﷺ . .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا تحل ساقطتها إِلَّا لِمُنْشِد) .
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: يحيى بن مُوسَى ابْن عبد ربه أَبُو زَكَرِيَّاء السّخْتِيَانِيّ الْبَلْخِي، يُقَال لَهُ: خت. الثَّانِي: الْوَلِيد بن مُسلم، بِلَفْظ الْفَاعِل من الْإِسْلَام.
стр. 3690
الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ. الرَّابِع: يحيى بن أبي كثير وَاسم أبي كثير صَالح. الْخَامِس: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَهَذَا من الغرائب، أَن كل وَاحِد من الروَاة صرح بِالتَّحْدِيثِ. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن الْوَلِيد وَالْأَوْزَاعِيّ شاميان وَيحيى يمامي وَأَبُو سَلمَة مدنِي. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: ثَلَاثَة من المدلسين على نسق وَاحِد.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن زُهَيْر بن حَرْب وَعبيد الله بن سعيد، كِلَاهُمَا عَن الْوَلِيد بن مُسلم بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل عَن الْوَلِيد بن مُسلم بِهِ إلَاّ أَنه لم يذكر قصَّة أبي شاه، وَفِي الْعلم عَن مُؤَمل بن الْفضل عَن الْوَلِيد بن مُسلم بِهِ مُخْتَصرا، وَعَن عَليّ بن سهل الرَّمْلِيّ عَن الْوَلِيد بن مُسلم وَفِي الدِّيات عَن الْعَبَّاس ابْن الْوَلِيد بن يزِيد عَن أَبِيه عَن الْأَوْزَاعِيّ بِبَعْضِه. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الدِّيات عَن مَحْمُود بن غيلَان وَيحيى بن مُوسَى، كِلَاهُمَا عَن الْوَلِيد بن مُسلم بِبَعْضِه، وَفِي الْعلم بِهَذَا الْإِسْنَاد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن الْعَبَّاس بن الْوَلِيد بن يزِيد عَن أَبِيه وَعَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن وَعَن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الدِّيات عَن عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم دُحَيْم عَن الْوَلِيد بن مُسلم بِبَعْضِه: من قتل لَهُ قَتِيل إِلَى قَوْله: يفدى.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لما فتح الله على رَسُوله، ﷺ ، مَكَّة قَامَ فِي النَّاس) ظَاهره أَن الْخطْبَة وَقعت عقيب الْفَتْح وَلَيْسَ كَذَلِك، بل وَقعت بعد الْفَتْح عقيب قتل رجل من خُزَاعَة رجلا من بني لَيْث، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة من وَجه آخر فِي الْعلم فِي: بَاب كِتَابَة الْعلم، عَن أبي نعيم عَن شَيبَان عَن يحيى عَن سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة: أَن خُزَاعَة قتلوا رجلا من بني لَيْث عَام فتح مَكَّة بقتيل مِنْهُم قَتَلُوهُ، فَأخْبر بذلك النَّبِي ﷺ ، فَركب رَاحِلَته فَخَطب فَقَالَ: إِن الله قد حبس عَن مَكَّة الْفِيل أَو الْقَتْل ... الحَدِيث. قَوْله: (الْقَتْل) فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: بِالْقَافِ وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بِالْفَاءِ وبالياء آخر الْحُرُوف، وَالْمرَاد بِهِ الْفِيل الَّذِي أخبر الله فِي كِتَابه فِي سُورَة ﴿ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك بأصحاب الْفِيل﴾ (الْفِيل: ١) . قَوْله: (وَلَا تحل لأحد كَانَ قبلي) ، كلمة: لَا، بِمَعْنى: لم، أَي: لم تحل. قَوْله: (وَلَا ينفر) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من التنفير، يُقَال: (نفر ينفر نفوراً ونفاراً إِذا فر وَذهب. قَوْله: (وَلَا تحل) على بِنَاء الْمَعْلُوم والساقطة هِيَ اللّقطَة. قَوْله: (إلَاّ لِمُنْشِد) أَي، لمعرف يَعْنِي: لَا تحل لقطتهَا إلَاّ لمن يُرِيد أَن يعرفهَا فَقَط، لَا لمن أَرَادَ أَن يتملكها. قَوْله: (من قتل لَهُ قَتِيل) ، قد مر أَنه ﷺ : إِنَّمَا قَالَ هَذَا لما أخبر أَن خُزَاعَة قتلوا رجلا من بني لَيْث عَام فتح مَكَّة بقتيل مِنْهُم، أَي: بِسَبَب قَتِيل مِنْهُم. قَوْله: (فَهُوَ بِخَير النظرين) ، أَي: بِخَير الْأَمريْنِ، يَعْنِي: الْقصاص وَالدية، فَأَيّهمَا اخْتَار كَانَ لَهُ إِمَّا أَن يفدى، على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: يعْطى لَهُ الْفِدْيَة، أَي: الدِّيَة، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَغَيره: إِمَّا أَن يودى لَهُ، من وديت الْقَتِيل أديه دِيَة: إِذا أَعْطَيْت دِيَته، وَإِمَّا أَن يُقيد، أَي: يقْتَصّ، من الْقود، وَهُوَ الْقصاص وَفِي رِوَايَة: وَأما أَن يُقَاد لَهُ. قَوْله: (فَقَامَ أَبُو شاه) ، بِالْهَاءِ لَا غير، قَالَ النَّوَوِيّ: وَقد جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات بِالتَّاءِ، وَكَذَا عَن ابْن دحْيَة. وَفِي (الْمطَالع) : وَأَبُو شاه، مصروفاً ضَبطه بَعضهم، وقرأته أَنا معرفَة ونكرة. قلت: معنى قَوْله: مصروفاً، أَنه بِالتَّنْوِينِ، وَمعنى: شاه، بِالْفَارِسِيَّةِ ملك وَيجمع على شاهان، وَقد ورد النَّهْي عَن القَوْل بشاهان شاه، يَعْنِي: ملك الْمُلُوك، وَيقدم الْمُضَاف إِلَيْهِ على الْمُضَاف فِي اللُّغَة الفارسية.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهَذَا الحَدِيث مُشْتَمل على أَحْكَام: مِنْهَا: أَحْكَام تتَعَلَّق بحرم مَكَّة، وَقد مر أبحاثه فِي كتاب الْحَج. وَمِنْهَا: مَا يتَعَلَّق باللقطة، وَقد مر أبحاثها فِي كتاب اللّقطَة. وَمِنْهَا: مَا يتَعَلَّق بِكِتَاب أبي شاه، وَقد مر فِي كتاب الْعلم. وَمِنْهَا: مَا يتَعَلَّق بِالْقصاصِ وَالدية، وَهُوَ قَوْله: وَمن قتل لَهُ قَتِيل، وَقد اخْتلفُوا فِيهِ، وَهُوَ أَن من قتل لَهُ قَتِيل عمدا فَوَلِيه بِالْخِيَارِ بَين أنم يعْفُو وَيَأْخُذ الدِّيَة أَو يقْتَصّ، رَضِي بذلك الْقَاتِل أَو لم يرض، وَهُوَ مَذْهَب سعيد بن الْمسيب وَمُحَمّد بن سِيرِين وَمُجاهد وَالشعْبِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر. وَقَالَ ابْن حزم: صَحَّ هَذَا عَن ابْن عَبَّاس، وَرُوِيَ عَن عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم،
стр. 3691
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَعبد الله بن ذكْوَان وسُفْيَان الثَّوْريّ وَعبد الله بن شبْرمَة وَالْحسن ابْن حييّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد، ﵏ لَيْسَ لوَلِيّ الْمَقْتُول أَن يَأْخُذ الدِّيَة إلَاّ برضى الْقَاتِل، وَلَيْسَ لَهُ إلَاّ الْقود أَو الْعَفو. وَاحْتج هَؤُلَاءِ بِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن أنس أَن الرّبيع بنت النَّضر، عمته لطمت جَارِيَة فَكسرت سنّهَا، فعرضوا عَلَيْهِم الْأَرْش فَأَبَوا، فطلبوا الْعَفو فَأَبَوا، فَأتوا النَّبِي، ﷺ ، فَأَمرهمْ بِالْقصاصِ، فجَاء أَخُوهَا أنس بن النَّضر، فَقَالَ: يَا رَسُول الله ﴿أتكسر سنّ الرّبيع؟ وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لَا تكسر سنّهَا. فَقَالَ: يَا أنس﴾ كتاب الله الْقصاص، فَعَفَا الْقَوْم، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِن من عباد الله لَو أقسم على الله لَأَبَره) ، فَثَبت بِهَذَا الحَدِيث أَن الَّذِي يجب بِكِتَاب الله وَسنة رَسُول الله فِي الْعمد هُوَ الْقصاص، لِأَنَّهُ لَو كَانَ للْمَجْنِيّ عَلَيْهِ الْخِيَار بَين الْقصاص وَبَين أَخذ الدِّيَة إِذا لخيره رَسُول الله ﷺ ، وَلما حكم لَهَا بِالْقصاصِ بِعَيْنِه فأذا كَانَ كَذَلِك وَجب أَن يحمل قَوْله: فَهُوَ بِخَير النظرين، إِمَّا أَن يفدى وَأما أَن يُقيد على أَخذ الدِّيَة برضى الْقَاتِل، حَتَّى تتفق مَعَاني الْآثَار. وَيُؤَيّد مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل الْقصاص، وَلم يكن فيهم الدِّيَة فَقَالَ الله لهَذِهِ الْأمة: ﴿كتب عَلَيْكُم الْقصاص فِي الْقَتْلَى﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧١) . الْآيَة، وَقَوله: ﴿فَمن عفى لَهُ من أَخِيه شَيْء﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧١) . فالعفو أَن يقبل الدِّيَة فِي الْعمد، قَوْله: ﴿ذَلِك تَخْفيف من ربكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧١) . يَعْنِي: مِمَّا كتب على من كَانَ قبلكُمْ، أَو نقُول: التَّخْيِير من الشَّرْع تَجْوِيز الْفِعْلَيْنِ وَبَيَان المشروعية فيهمَا وَنفي الْحَرج عَنْهُمَا، كَقَوْلِه ﷺ فِي الربويات: (إِذا اخْتلف الجنسان فبيعوا كَيفَ شِئْتُم) ، مَعْنَاهُ: تَجْوِيز البيع مفاضلة ومماثلة بِمَعْنى نفي الْحَرج عَنْهُمَا، وَلَيْسَ فِيهِ أَن يسْتَقلّ بِهِ دون رضى المُشْتَرِي، فَكَذَا هُنَا جَوَاز الْقصاص وَجَوَاز أَخذ الدِّيَة، وَلَيْسَ فِيهِ اسْتِقْلَال يَسْتَغْنِي بِهِ عَن رضى الْقَاتِل. فَإِن قلت: قد أخبر الله تَعَالَى فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة أَن للْوَلِيّ الْعَفو وَاتِّبَاع الْقَاتِل بِإِحْسَان فَيَأْخُذ الدِّيَة من الْقَاتِل، وَإِن لم يكن اشْترط ذَلِك فِي عَفوه. قلت: الْعَفو فِي اللُّغَة الْبَذْل: ﴿خُذ الْعَفو﴾ (الْأَعْرَاف: ٩٩١) . أَي: مَا سهل، فَإِذا الْمَعْنى: فَمن بذل لَهُ شَيْء من الدِّيَة فليقبل، والإبذال لَا يجب إلَاّ برضى من يجب لَهُ ورضى من يجب عَلَيْهِ.
٨ - (بابٌ لَا تُحْتَلَبُ ماشِيَةُ أحَدٍ بِغَيْرِ إذْنٍ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا تحتلب مَاشِيَة أحد بِغَيْر إِذن صَاحبهَا، والماشية تقع على الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم، وَلكنه فِي الْغنم أَكثر، قَالَه ابْن الْأَثِير. قَوْله: (بِغَيْر إِذن) بِالتَّنْوِينِ، ويروى: (بِغَيْر إِذْنه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْقَضَاء وَأَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد جَمِيعًا بِالْإِسْنَادِ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " عَن نَافِع فِي موطأ مُحَمَّد بن الْحسن أخبرنَا نَافِع وَفِي رِوَايَة أبي قطن فِي الموطآت للدارقطني قلت لمَالِك أحَدثك نَافِع قَوْله " أَن رَسُول الله ﷺ َ - " وَفِي رِوَايَة يزِيد بن الْهَاد عَن مَالك عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا أَنه سمع رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول قَوْله " لَا يحلبن بِضَم اللَّام وبالنون الثَّقِيلَة كَذَا فِي البُخَارِيّ وَأكْثر الموطآت وَفِي رِوَايَة ابْن الْهَاد " لَا يحتلبن " من الاحتلاب من بَاب الافتعال قَوْله " مَاشِيَة امرىء " وَفِي رِوَايَة ابْن الْهَاد وَجَمَاعَة من رُوَاة الْمُوَطَّأ " مَاشِيَة رجل " وَفِي بعض شُرُوح الْمُوَطَّأ بِلَفْظ " مَاشِيَة أَخِيه " وكل وَاحِد مِنْهُمَا لَيْسَ بِقَيْد لِأَنَّهُ لَا اخْتِصَاص لَهُ بِالرِّجَالِ وَلَا بِالْمُسْلِمين لأَنهم سَوَاء فِي هَذَا الحكم قيل فرق بَين الْمُسلم وَالذِّمِّيّ فَلَا يحْتَاج إِلَى الْإِذْن فِي الذِّمِّيّ لِأَن الصَّحَابَة شرطُوا على أهل الذِّمَّة من الضِّيَافَة للْمُسلمين وَصَحَّ ذَلِك عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَذكر ابْن وهب عَن مَالك فِي الْمُسَافِر ينزل بالذمي قَالَ لَا يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا إِلَّا بِإِذْنِهِ قيل لَهُ فالضيافة الَّتِي جعلت عَلَيْهِم قَالَ كَانُوا يَوْمئِذٍ يُخَفف عَنْهُم بِسَبَبِهَا وَأما
стр. 3692
الْآن فَلَا وَقَالَ بَعضهم نسخ الْإِذْن وَحَمَلُوهُ على أَنه كَانَ قبل فرض الزَّكَاة قَالُوا وَكَانَت الضِّيَافَة وَاجِبَة حِينَئِذٍ ثمَّ نسخ ذَلِك بِفَرْض الزَّكَاة وَذكر الطَّحَاوِيّ كَذَلِك أَيْضا قَوْله " مشْربَته " بِضَم الرَّاء وَفتحهَا هِيَ الْموضع المصون لما يخزن كالغرفة وَقَالَ الْكرْمَانِي هِيَ الغرفة المرتفعة عَن الأَرْض وفيهَا خزانَة الْمَتَاع انْتهى والمشربة بِفَتْح الرَّاء خَاصَّة مَكَان الشّرْب والمشربة بِكَسْر الرَّاء إِنَاء الشّرْب قَوْله " خزانته " بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة الْموضع أَو الْوِعَاء الَّذِي يخزن فِيهِ الشَّيْء مِمَّا يُرَاد حفظه وَفِي رِوَايَة أَيُّوب عِنْد أَحْمد فيكسر بَابهَا قَوْله " فَينْتَقل " بالنُّون وَالْقَاف من الِانْتِقَال وَهُوَ التَّحْوِيل من مَكَان إِلَى مَكَان وَهَكَذَا هُوَ فِي أَكثر الموطآت عَن مَالك وَحكى ابْن عبد الْبر عَن بَعضهم فينتثل بنُون ثمَّ تَاء مثناة من فَوق ثمَّ ثاء مُثَلّثَة من الانتثال من النثل وَهُوَ النثر مرّة وَاحِدَة بِسُرْعَة وَيُقَال نثل مَا فِي كِنَانَته إِذا صبها ونثرها وَهَكَذَا أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق روح بن عبَادَة وَمُسلم من رِوَايَة أَيُّوب ومُوسَى بن عقبَة وَغَيرهمَا عَن نَافِع وَرَوَاهُ عَن اللَّيْث عَن نَافِع بِالْقَافِ وَهُوَ عِنْد ابْن مَاجَه من هَذَا الْوَجْه بِالْمُثَلثَةِ وَقَوله تُؤْتى وَقَوله فتكسر وَقَوله فَينْتَقل كلهَا على بِنَاء الْمَجْهُول قَوْله تخزن بِضَم الزَّاي على بِنَاء الْفَاعِل وضروع مَوَاشِيهمْ كَلَام إضافي مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل تخزن وَقَوله أطعماتهم بِالنّصب مَفْعُوله وَهِي جمع أَطْعِمَة والأطعمة جمع طَعَام وَالْمرَاد بِهِ هُنَا اللَّبن والضروع جمع ضرع وَهُوَ لكل ذَات خف وظلف كالثدي للْمَرْأَة وَفِي رِوَايَة الْكشميهني تحرز ضروع مَوَاشِيهمْ بِضَم التَّاء وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وَفِي آخِره زَاي وَالْمعْنَى أَنه ﷺ َ - شبه اللَّبن فِي الضَّرع بِالطَّعَامِ المخزون الْمَحْفُوظ فِي الخزانة فِي أَنه لَا يحل أَخذه بِغَيْر إِذن وَلَا فرق بَين اللَّبن وَغَيره (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) قَالَ أَبُو عمر يحمل هَذَا الحَدِيث على مَا لَا تطيب بِهِ النَّفس لقَوْله ﷺ َ - لَا يحل مَال امرىء مُسلم إِلَّا عَن طيب نفس مِنْهُ وَقَالَ ﷺ َ - إِن دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ عَلَيْكُم حرَام وَإِنَّمَا خص اللَّبن بِالذكر لتساهل النَّاس فِي تنَاوله وَلَا فرق بَين اللَّبن وَالتَّمْر وَغَيرهمَا فِي ذَلِك وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ ذهب الْجُمْهُور إِلَى أَنه لَا يحل شَيْء من لبن الْمَاشِيَة وَلَا من التَّمْر إِلَّا إِذا علم طيب نفس صَاحبه وَذهب بَعضهم إِلَى أَن ذَلِك يحل وَإِن لم يعلم حَال صَاحبه لِأَن ذَلِك حق جعله الشَّارِع لَهُ يُؤَيّدهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث الْحسن عَن سَمُرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ إِذا أَتَى أحدكُم على مَاشِيَة فَإِن كَانَ فِيهَا صَاحبهَا فليستأذنه فَإِن أذن لَهُ وَإِلَّا فليحلب وَيشْرب وَإِن لم يكن فِيهَا فليصوت ثَلَاثًا فَإِن أجَاب فليستأذنه فَإِن أذن لَهُ وَإِلَّا فليحلب وَيشْرب وَلَا يحمل وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا وَقَالَ حَدِيث سَمُرَة حَدِيث حسن غَرِيب صَحِيح وَالْعَمَل على هَذَا عِنْد بعض أهل الْعلم وَبِه يَقُول أَحْمد وَإِسْحَاق وَقَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ سَماع الْحسن من سَمُرَة صَحِيح وَقد تكلم بعض أهل الحَدِيث فِي رِوَايَة الْحسن عَن سَمُرَة وَقَالُوا إِنَّمَا يحدث عَن صحيفَة سَمُرَة وَاسْتَدَلُّوا أَيْضا بِحَدِيث أبي سعيد رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح من رِوَايَة أبي نَضرة عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - إِذا أتيت على رَاع فناده ثَلَاث مَرَّات فَإِن أجابك وَإِلَّا فَاشْرَبْ من غير أَن تفْسد وَإِذا أتيت على حَائِط بُسْتَان فناده ثَلَاث مَرَّات فَإِن أجابك وَإِلَّا فَكل من غير أَن تفْسد وَبِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث يحيى بن سليم عَن عبد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ َ - سُئِلَ عَن التَّمْر الْمُعَلق فَقَالَ من أصَاب مِنْهُ من ذِي حَاجَة غير متخذ خبنة فَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَقَالَ هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث يحيى بن سليم وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي ﷺ َ - سُئِلَ عَن التَّمْر الْمُعَلق إِلَى آخِره نَحوه والخبنة بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا نون قَالَ الْجَوْهَرِي هُوَ مَا تحمله فِي حضنك وَقَالَ ابْن الْأَثِير الخبنة معطف الْإِزَار وطرف الثَّوْب أَي لَا يَأْخُذ مِنْهُ فِي طرف ثَوْبه يُقَال أخبن الرجل إِذا خبأ شَيْئا فِي خبنة ثَوْبه أَو سراويله وَالْمرَاد من التَّمْر الْمُعَلق هُوَ التَّمْر على النّخل قبل أَن يقطع وَلَيْسَ المُرَاد مَا كَانُوا يعلقونه فِي الْمَسْجِد من الأقناء فِي أَيَّام التمرة فَإِن ذَلِك مُسبل مَأْذُون فِيهِ وَاسْتَدَلُّوا أَيْضا بقضية الْهِجْرَة وَشرب أبي بكر وَالنَّبِيّ ﷺ َ - من غنم الرَّاعِي وَقَالَ جُمْهُور الْعلمَاء وفقهاء الْأَمْصَار مِنْهُم الْأَئِمَّة أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وأصحابهم لَا يجوز لأحد أَن يَأْكُل من بُسْتَان أحد وَلَا يشرب من لبن غنمه إِلَّا بِإِذن صَاحبه اللَّهُمَّ إِلَّا إِذا كَانَ مُضْطَرّا فَحِينَئِذٍ يجوز لَهُ ذَلِك قدر دفع الْحَاجة وَالْجَوَاب عَن الْأَحَادِيث
стр. 3693
الْمَذْكُورَة من وُجُوه الأول أَن التَّمَسُّك بالقاعدة الْمَعْلُومَة أولى قَالَه الْقُرْطُبِيّ وَالثَّانِي أَن حَدِيث النَّهْي أصح وَالثَّالِث أَن ذَلِك مَحْمُول على مَا إِذا علم طيب نفوس أَرْبَاب الْأَمْوَال بِالْعَادَةِ أَو بغَيْرهَا وَالرَّابِع أَن ذَلِك مَحْمُول على أَوْقَات الضرورات كَمَا كَانَ فِي أول الْإِسْلَام وَأجَاب الطَّحَاوِيّ بِأَن هَذِه الْأَحَادِيث كَانَت فِي حَال وجوب الضِّيَافَة حِين أَمر رَسُول الله ﷺ َ - بهَا وأوجبها للمسافرين على من حلوا بِهِ فَلَمَّا نسخ وجوب ذَلِك وارتفع حكمه ارْتَفع أَيْضا حكم الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ وَشرب أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حِين الْهِجْرَة من غنم الرَّاعِي وإعطائه للشارع كَانَ إدلالا على صَاحب الْغنم لمعرفته إِيَّاه وَأَنه كَانَ يعلم أَنه أذن لِلرَّاعِي أَن يسْقِي من مر بِهِ أَو أَنه كَانَ عرفه أَنه أَبَاحَ بذلك أَو أَنه مَال حَرْبِيّ لَا أَمَان لَهُ وَقَالَ ابْن أبي صفرَة حَدِيث الْهِجْرَة فِي زمن المكارمة وَهَذَا فِي زمن التشاح لما علم ﷺ َ - من تغير الْأَحْوَال بعده وَقَالَ الدَّاودِيّ إِنَّمَا شرب الشَّارِع وَالصديق لِأَنَّهُمَا ابْنا سَبِيل وَلَهُمَا شرب ذَلِك إِذا احتاجا وَفِي الحَدِيث اسْتِعْمَال الْقيَاس لتشبيه النَّبِي ﷺ َ - اللَّبن فِي الضَّرع بِالطَّعَامِ المخزون وَهَذَا هُوَ قِيَاس الْأَشْيَاء على نظائرها وأشباهها وَفِيه إِبَاحَة خزن الطَّعَام واحتكاره خلافًا لغلاة المتزهدة حَيْثُ يَقُولُونَ لَا يجوز الادخار مُطلقًا وَفِيه أَن اللَّبن يُسمى طَعَاما فَيحنث بِهِ من حلف لَا يتَنَاوَل طَعَاما إِلَّا أَن يكون لَهُ نِيَّة تخرج اللَّبن وَقَالَ ابْن عمر فِيهِ مَا يدل على أَن من حلب من ضرع شَاة أَو بقرة أَو نَاقَة بعد أَن يكون فِي حرزها مَا يبلغ قِيمَته مَا يجب فِيهِ الْقطع إِن عَلَيْهِ الْقطع إِلَّا على قَول من لَا يرى الْقطع فِي الْأَطْعِمَة الرّطبَة من الْفَوَاكِه وَفِيه بيع الشَّاة اللَّبُون بِالطَّعَامِ لقَوْله فَإِنَّمَا يخزن لَهُم ضروع مَوَاشِيهمْ أطعماتهم فَجعل اللَّبن طَعَاما وَقد اخْتلف الْفُقَهَاء فِي بيع الشَّاة اللَّبُون بِاللَّبنِ وَسَائِر الطَّعَام نَقْدا أَو إِلَى أجل فَذهب مَالك وَأَصْحَابه إِلَى أَنه لَا بَأْس بِبيع الشَّاة اللَّبُون بِاللَّبنِ يدا بيد مَا لم يكن فِي ضرْعهَا لبن فَإِن كَانَ فِي ضرْعهَا لبن لم يجز يدا بيد بِاللَّبنِ من أجل الْمُزَابَنَة فَإِن كَانَت الشَّاة غير لبون جَازَ فِي ذَلِك الْأَجَل وَغير الْأَجَل وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه لَا يجوز بيع الشَّاة اللَّبُون بِالطَّعَامِ إِلَى أجل وَلَا يجوز عِنْد الشَّافِعِي بيع شَاة فِي ضرْعهَا لبن بِشَيْء من اللَّبن يدا بيد وَلَا إِلَى أجل وَفِيه ذكر الحكم بعلته وإعادته بعد ذكر الْعلَّة تَأْكِيدًا وتقريرا وَفِيه أَن الْقيَاس لَا يشْتَرط فِي صِحَّته مُسَاوَاة الْفَرْع للْأَصْل بِكُل اعْتِبَار بل رُبمَا كَانَت للْأَصْل مزية لَا يضر سُقُوطهَا فِي الْفَرْع إِذا تشاركا فِي أصل الصّفة لِأَن الضَّرع لَا يُسَاوِي الخزانة فِي الخزن لما أَن الصر لَا يُسَاوِي القفل فِيهِ وَمَعَ ذَلِك فقد ألحق الشَّارِع الضَّرع المصرور بالحكم بالخزانة المقفلة فِي تَحْرِيم تنَاول كل مِنْهُمَا بِغَيْر إِذن صَاحبه وَفِيه ضرب الْأَمْثَال للتقريب للإفهام وتمثيل مَا يخفى بِمَا هُوَ وَاضح مِنْهُ -
٩ - (بابٌ إذَا جاءَ صاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ ردَّهَا علَيْهِ لِأَنَّها ودِيعَةٌ عِنْدَهُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا جَاءَ صَاحب اللّقطَة ... إِلَى آخِره. قَوْله: (بعد سنة) أَي: بعد مُضِيّ سنة التَّعْرِيف. قَوْله: (لِأَنَّهَا) أَي: لِأَن اللّقطَة وَدِيعَة عِنْد الْمُلْتَقط، فَيجب ردهَا إِلَى صَاحبهَا.
٦٣٤٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ رَبِيعَةَ بنِ أبِي عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ يَزيدَ مَولاى الْمُنْبَعِثِ عنْ زَيْدِ بنِ خالِدٍ الْجُهنيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رجُلاً سَأَلَ رسولَ الله ﷺ عنِ اللُّقَطَةِ قَالَ عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وعِفَاصَها ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِها فإنْ جاءَ رَبُّهَا فأدَّهَا إلَيْهِ قَالُوا يَا رسولَ الله فَضالَّةُ الغَنَمِ قَالَ خُذْهَا فإنَّمَا هِيَ لَكَ أوْ لِأَخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ قَالَ يَا رسولَ الله فَضالَّةُ الإبلِ قَالَ فَغَضِبَ رسولُ الله ﷺ حتَّى احْمَرَّتْ وجْنَتَاهُ إوِ احْمَرَّ وجْهُهُ ثُمَّ قَالَ مالَكَ ولَها مَعها حِذَاؤُهَا وسِقَاؤُها حتَّى يَلْقاها ربُّهَا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَإِن جَاءَ رَبهَا فأدها إِلَيْهِ) . فَإِن قلت: لَيْسَ فِي الحَدِيث لفظ: لِأَنَّهَا وَدِيعَة عِنْده؟ قلت: أُجِيب بجوابين: أَحدهمَا: أَنه ذكر هَذِه اللَّفْظَة فِي: بَاب ضَالَّة الْغنم، قبل هَذَا الْبَاب بِخَمْسَة أَبْوَاب، وَلكنه ذكره بِالشَّكِّ هُنَاكَ
стр. 3694
وَذكره هُنَا مترجماً بِالْمَعْنَى، لِأَن قَوْله: (أدها إِلَيْهِ) بعد الاستنفاق، يدل على وجوب الرَّد وعَلى أَنه لَا يملكهَا، فَيكون كَالْوَدِيعَةِ عِنْده، وَالْجَوَاب الآخر: أَنه أسقط هَذَا اللَّفْظ من حَيْثُ اللَّفْظ، وَذكره ضمنا من حَيْثُ الْمَعْنى، لِأَن قَوْله: (فَإِن جَاءَ صَاحبهَا فأدها إِلَيْهِ) ، يدل على بَقَاء ملك صَاحبهَا، خلافًا لمن أَبَاحَهَا بعد الْحول بِلَا ضَمَان، والجوابان متقاربان، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصًى. ثمَّ إِنَّه يسْتَدلّ من قَوْله: (لِأَنَّهَا وَدِيعَة عِنْده) على أَنَّهَا إِذا تلفت من غير تَقْصِير مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا ضَمَان عَلَيْهِ، وَيدل على هَذَا اخْتِيَاره، كَمَا هُوَ قَول جمَاعَة من السّلف. فَإِن قلت: كَيفَ يتَصَوَّر الْأَدَاء بعد الأْستنفاق؟ قلت: بدلهَا يقوم مقَامهَا، وَكَيْفِيَّة ذَلِك مَعَ مَا قَالُوا فِيهِ قد مَضَت محررة. قَوْله: (حَتَّى احْمَرَّتْ وجنتاه أَو احمر وَجهه) ، شكّ من الرَّاوِي، والوجنتان تَثْنِيَة: وجنة، وَهِي مَا ارْتَفع من الْخَدين، وفيهَا أَربع لُغَات: بِالْوَاو وبالهمزة وبالفتح فيهمَا وبالكسر أَيْضا. وَالله أعلم.
٠١ - (بابٌ هَلْ يَأْخُذُ اللُّقَطَةَ وَلَا يَدَعُهَا تَضِيعُ حتَّى لَا يأخُذُها مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يَأْخُذ الْمُلْتَقط اللّقطَة وَلَا يَدعهَا حَال كَونهَا تضيع بِتَرْكِهِ إِيَّاهَا؟ قَوْله: (حَتَّى لَا يَأْخُذهَا) ، كَذَا هُوَ بِحرف: لَا، بعد: حَتَّى، فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة ابْن شبويه: حَتَّى يَأْخُذهَا، بِدُونِ حرف: لَا. وَقَالَ بَعضهم: وأظن الْوَاو سَقَطت من قبل: حَتَّى، وَالْمعْنَى: لَا يَدعهَا تضيع وَلَا يَدعهَا يَأْخُذهَا من لَا يسْتَحق. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا الظَّن، وَلَا إِلَى تَقْدِير الْوَاو، لِأَن الْمَعْنى صَحِيح وَالتَّقْدِير لَا يَتْرُكهَا ضائعة، يَنْتَهِي إِلَى أَخذهَا من لَا يسْتَحق، وَكلمَة: هَل، هُنَا لَيست على معنى الِاسْتِفْهَام، بل هِيَ بِمَعْنى: قد، للتحقيق، وَالْمعْنَى: بَاب يذكر فِيهِ قد يَأْخُذ اللّقطَة ... إِلَى آخِره، وَلِهَذَا لَا يحْتَاج إِلَى جَوَاب. وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى الرَّد على من كره أَخذ اللّقطَة. روى ذَلِك عَن ابْن عمر وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهُوَ قَول عَطاء بن أبي رَبَاح، وروى ابْن الْقَاسِم عَن مَالك أَنه كره أَخذهَا، والآبق فَإِن أَخذ ذَلِك وضاعت وأبق من غير تضييعه لم يضمن، وَكره أَحْمد أَخذهَا أَيْضا، وَمن حجتهم فِي ذَلِك مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مَرْزُوق، قَالَ: حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن أبي الْعَلَاء يزِيد بن عبد الله بن الشخير عَن أبي مُسلم الجذمي عَن الْجَارُود، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (ضَالَّة الْمُسلم حرق النَّار) . وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن عَمْرو بن عَليّ عَن أبي دَاوُد عَن الْمثنى بن سعيد عَن قَتَادَة عَن يزِيد بن عبد الله عَن أبي مُسلم الجذمي عَن الْجَارُود نَحوه. وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا. قلت: سُلَيْمَان بن حَرْب شيخ البُخَارِيّ وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ. وَأَبُو مُسلم الجذمي، بِفَتْح الْجِيم والذال الْمُعْجَمَة: نِسْبَة إِلَى جذيمة عبد الْقَيْس، لَا يعرف اسْمه، والجارود هُوَ ابْن الْمُعَلَّى الْعَبْدي، واسْمه: بشر، والجارود: لقب بِهِ لِأَنَّهُ أغار فِي الْجَاهِلِيَّة على بكر بن وَائِل فَأَصَابَهُمْ وجردهم، وَفد على رَسُول الله ﷺ سنة عشر فِي وَفد عبد الْقَيْس، فَأسلم وَكَانَ نَصْرَانِيّا، ففرح النَّبِي ﷺ بِإِسْلَامِهِ وأكرمه وقربه. والضالة: هِيَ الضائعة من كل مَا يقتنى من الْحَيَوَان وَغَيره، يُقَال: ضل الصَّبِي، إِذا ضَاعَ، وضل عَن الطَّرِيق إِذا حَار وَقد: مر الْكَلَام فِيهِ مرّة. قَوْله: (حرق النَّار) ، بِفتْحَتَيْنِ وَقد تسكن الرَّاء، وَحرق النَّار لهيبها، وَالْمعْنَى: أَن ضَالَّة الْمُسلم إِذا أَخذهَا إِنْسَان ليتملكها إدته إِلَى النَّار، وَهَذَا تَشْبِيه بليغ. وحرف التَّشْبِيه مَحْذُوف لأجل الْمُبَالغَة، وَهُوَ من تَشْبِيه المحسوس بالمحسوس. وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ فِي قَول، وَأحمد فِي رِوَايَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: لَا يحرم أَخذ الضوال، وَعَن الشَّافِعِي فِي قَول وَأحمد فِي رِوَايَة: ندب تَركهَا، وَعَن الشَّافِعِي فِي قَول: يجب رَفعهَا، وَقَالَ ابْن حزم: قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: كلا الْأَمريْنِ، مُبَاح، وَالْأَفْضَل أَخذهَا. وَقَالَ الشَّافِعِي مرّة: أَخذهَا أفضل، وَمرَّة قَالَ: الْوَرع تَركهَا. وَأجَاب الطَّحَاوِيّ عَن الحَدِيث الْمَذْكُور أَنه ﷺ أَرَادَ أَخذهَا لغير التَّعْرِيف، وَقد بَين ذَلِك مَا رُوِيَ عَن الْجَارُود أَيْضا أَنه قَالَ: قد كُنَّا أَتَيْنَا إِلَى رَسُول الله ﷺ وَنحن على إبل عجاف، فَقُلْنَا: يَا رَسُول الله إِنَّا قد نمر بالحرف فنجد إبِلا فنركبها؟ فَقَالَ: إِن ضَالَّة الْمُسلم حرق النَّار، وَكَانَ سُؤَالهمْ النَّبِي ﷺ عَن أَخذهَا لِأَن يركبوها، لَا لِأَن يعرفوها، فأجابهم: بِأَن قَالَ: ضَالَّة الْمُسلم حرق النَّار، أَي: إِن ضَالَّة الْمُسلم حكمهَا أَن تحفظ على صَاحبهَا حَتَّى تُؤَدّى إِلَى صَاحبهَا، لَا لِأَن ينْتَفع بهَا لركوب، وَلَا لغير ذَلِك، فَبَان بذلك معنى الحَدِيث.
стр. 3695
٧٣٤٢ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سَلَمةَ بنِ كُهَيْلٍ قَالَ سَمِعْتُ سُوَيْدَ بنَ غَفَلَةَ قَالَ كُنْتُ معَ سَلْمانَ بنِ رَبِيعَةَ وزيْدِ بنِ صُوحَانَ فَي غَزاةٍ فوَجَدْتُ سَوْطاً فَقَالَ لي ألْقِهِ قلتُ لَا ولاكِنْ إنْ وجَدْتُ صاحِبَهُ وإلَاّ اسْتَمْتَعْتُ بِهِ فلَمَّا رَجَعْنا حَجَجْنا فمَرَرْتُ بالْمَدِينَةِ فسألْتُ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فَقَالَ وجَدْتُ صُرَّةً عَلَى عَهْدِ النبيِّ ﷺ فِيها مِائَةُ دِينارٍ فأَتَيْتُ بِها النبيَّ ﷺ فَقَالَ عَرِّفْهَا حَوْلاً فعَرَّفْتُها حَوْلاً ثُمَّ أتَيْتُ فَقَالَ عرِّفْها حَوْلاً فعرَّفْتُها حَوْلاً ثُمَّ أتَيْتُهُ قَالَ عَرِّفْهَا حَوْلاً فعرَّفْتُها حَوْلاً ثُمَّ أتَيْتُهُ الرَّابِعَةَ فَقَالَ اعْرِفْ عِدَّتَهَا وَوِكَاءَها وَوِعَاءَها فإنْ جاءَ صاحِبُها وإلَاّ اسْتَمْتِعْ بِهَا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أمره، ﷺ ، إِيَّاه بالتعريف، يدل على أَن أَخذ اللّقطَة مَشْرُوع لِئَلَّا تضيع إِذا تَركهَا وَتَقَع فِي يَد غير مستحقها. والْحَدِيث مضى فِي أول كتاب اللّقطَة، وَلكنه أخرجه هَهُنَا من طَرِيق آخر مَعَ زِيَادَة فِيهِ.
وَرِجَاله قد ذكرُوا مَعَ تَرْجَمَة سُوَيْد بن غَفلَة هُنَاكَ، وسلمان بن ربيعَة الْبَاهِلِيّ، يُقَال: لَهُ صُحْبَة، وَيُقَال لَهُ: سلمَان الْخَيل، لخبرته بهَا، وَكَانَ أَمِيرا على بعض الْمَغَازِي فِي فتوح الْعرَاق سنة ثَلَاثِينَ، فِي عهد عمر وَعُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهُوَ أول من تولى قَضَاء الْكُوفَة، وَاسْتشْهدَ فِي خِلَافَته فِي فتوح الْعرَاق، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع، وَزيد بن صوحان، بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو بعْدهَا حاء مُهْملَة وَبعد الْألف نون: الْعَبْدي، تَابِعِيّ كَبِير مخضرم أَيْضا، وَزعم ابْن الْكَلْبِيّ: أَن لَهُ صُحْبَة. وروى أَبُو يعلى من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَرْفُوعا: من سره أَن ينظر إِلَى من سبقه بعض أَعْضَائِهِ إِلَى الْجنَّة فَلْينْظر إِلَى زيد بن صوحان، وَكَانَ قدوم زيد فِي عهد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَشهد الْفتُوح، وروى ابْن مَنْدَه من حَدِيث بُرَيْدَة، قَالَ: سَاق النَّبِي، ﷺ ، لَيْلَة فَقَالَ زيد: زيد الْخَيْر: فَسئلَ عَن ذَلِك، فَقَالَ رجل سبقه يَده إِلَى الْجنَّة فَقطعت يَد زيد بن صوحان فِي بعض الْفتُوح، وَقتل مَعَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَوْم الْجمل.
قَوْله: (فِي غزَاة) ، زَاد أَحْمد من طَرِيق سُفْيَان عَن سَلمَة: حَتَّى إِذا كُنَّا بالعذيب، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الدَّال الْمُعْجَمَة: وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة مصغر عذب: وَهُوَ مَوضِع، قَالَه بعض الشُّرَّاح وَسكت. قلت: عذيب وادٍ بِظَاهِر الْكُوفَة، وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد فِي (شَرحه لشعر أبي الطّيب) عِنْد قَوْله:
(تذكرت مَا بَين العذيب وبارق)
العذيب: مَاء لبني تَمِيم، وَكَذَلِكَ: بارق. قَالَ الرشاطي والبكري: ديار بني تَمِيم بِالْيَمَامَةِ، وعذيبة تَأْنِيث الَّذِي قبله مَوضِع فِي طَرِيق مَكَّة بَين الْجَار وينبع. قَوْله: (ألقه) ، أَمر من الْإِلْقَاء، وَهُوَ الرَّمْي. قَوْله: (قلت: لَا) ، أَي: لَا ألقيه. قَوْله: (الرَّابِعَة) ، هِيَ رَابِعَة بِاعْتِبَار مَجِيئه إِلَى النَّبِي ﷺ ، وثالثة بِاعْتِبَار التَّعْرِيف، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: تقدم أول اللّقطَة أَنَّهَا الثَّالِثَة؟ قلت: التَّخْصِيص بِالْعدَدِ لَا يدل على نفي الزَّائِد. انْتهى. والأصوب مَا قُلْنَاهُ. قَوْله: (عدتهَا) ، أَي: عَددهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا يدل على تَأْخِير الْمعرفَة عَن التَّعْرِيف، يَعْنِي. قَوْله: (أعرف عدتهَا) ، وَالرِّوَايَات السَّابِقَة بِالْعَكْسِ. قلت: مضى الْجَواب عَن هَذَا عَن قريب، وَهُوَ أَنه مَأْمُور بمعرفتين، يعرف أَولا ليعلم صدق وصفهَا، وَيعرف ثَانِيًا معرفَة زَائِدَة على الأولى، من قدرهَا وجودتها على سَبِيل التَّحْقِيق، ليردها على صَاحبهَا بِلَا تفَاوت.
حدَّثنا عبْدَانُ قَالَ أَخْبرنِي أبي عنْ شُعْبَةَ عنْ سلَمَةَ بِهاذَا قَالَ فَلَقَيْته بَعْدُ بِمَكَّةَ فَقَالَ لَا أدْرِي أثَلاثَةَ أحْوَالٍ أوْ حَوْلاً واحِداً
عَبْدَانِ: اسْمه عبد الله، وعبدان لقب عَلَيْهِ، وَأَبُو عُثْمَان بن جبلة، بِالْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة المفتوحتين: الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، وَسَلَمَة هُوَ ابْن كهيل.
قَوْله: (بِهَذَا) ، أَي: بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور. قَوْله: (قَالَ: فَلَقِيته) ، أَي: قَالَ سُوَيْد بن غَفلَة: فَلَقِيت أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (بِمَكَّة فَقَالَ لَا أَدْرِي) أَي: لَا أعلم ... إِلَى آخِره، وَرَوَاهُ مُسلم، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر حَدثنَا شُعْبَة. وحَدثني أَبُو بكر بن نَافِع، وَاللَّفْظ لَهُ، حَدثنَا غنْدر حَدثنَا شُعْبَة عَن سَلمَة بن كهيل، قَالَ: سَمِعت سُوَيْد بن غَفلَة،
стр. 3696
قَالَ: خرجت أَنا وَزيد بن صوحان وسلمان بن ربيعَة غازين، فَوجدت سَوْطًا فَأَخَذته، فَقَالَا لي: دَعه، فَقلت: لَا، وَلَكِنِّي أعرف بِهِ، فَإِن جَاءَ صَاحبه وإلَاّ استمتعت بِهِ. قَالَ: فأبيت عَلَيْهِمَا، فَلَمَّا رَجعْنَا من غزاتنا قضي لي أَنِّي حججْت، فَأتيت الْمَدِينَة، فَلَقِيت أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأَخْبَرته بشأن السَّوْط، وبقولهما، فَقَالَ: إِنِّي وجدت صرة فِيهَا مائَة دِينَار على عهد رَسُول الله ﷺ فَأتيت بهَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: عرفهَا حولا، قَالَ: فعرفتها فَلم أجد من يعرفهَا، ثمَّ أَتَيْته. فَقَالَ: عرفهَا حولا فعرفتها فَلم أجد من يعرفهَا، ثمَّ أَتَيْته. فَقَالَ: عرفهَا حولا، فَلم أجد من يعرفهَا، فَقَالَ: إحفظ عَددهَا ووعاءها ووكاءها، فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وإلَاّ فاستمتع بهَا، فاستمتعت بهَا، فَلَقِيته بعد ذَلِك بِمَكَّة، فَقَالَ: لَا أَدْرِي، بِثَلَاثَة أَحْوَال أَو حول وَاحِد. انْتهى. وَإِنَّمَا سقت حَدِيث مُسلم هَذَا بِطُولِهِ لِأَنَّهُ كالشرح لرِوَايَة البُخَارِيّ هَذِه.
١١ - (بابُ مَنْ عَرَّفَ اللُّقَطَةَ ولَمْ يَدْفَعْهَا إلاى السُّلْطَانِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من عرف بِالتَّشْدِيدِ من التَّعْرِيف. قَوْله: (وَلم يَدْفَعهَا) ، من الدّفع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وَلم يرفعها، بالراء مَوضِع الدَّال، وَحَاصِل هَذِه التَّرْجَمَة أَن الْمُلْتَقط لَا يجب عَلَيْهِ أَن يدْفع اللّقطَة إِلَى السُّلْطَان، سَوَاء كَانَت قَليلَة أَو كَثِيرَة، لِأَن السّنة وَردت بِأَن وَاجِد اللّقطَة هُوَ الَّذِي يعرفهَا دون غَيره، لقَوْله: عرفهَا، إلَاّ إِذا كَانَ الْمُلْتَقط غير أَمِين، فَإِن السُّلْطَان يَأْخُذهَا مِنْهُ ويدفعها إِلَى أَمِين ليعرفها على مَا نذكرهُ عَن قريب، وَأَشَارَ بهَا أَيْضا إِلَى رد قَول من يفرق بَين الْقَلِيل وَالْكثير حَيْثُ يَقُولُونَ: إِن كَانَ قَلِيلا يعرفهُ وَإِن كَانَ كثيرا يرفعهُ إِلَى بَيت المَال، وَالْجُمْهُور على خِلَافه، وَمِمَّنْ ذهب إِلَى ذَلِك: الْأَوْزَاعِيّ، وَفرق بَعضهم بَين اللّقطَة والضوال، وَفرق بعض الْمَالِكِيَّة وَبَعض الشَّافِعِيَّة بَين المؤتمن وَغَيره، فالزموا المؤتمن بالتعريف، وَأمرُوا بدفعها إِلَى السُّلْطَان فِي غير المؤتمن ليعطيها لمؤتمن يعرفهَا.
٨٣٤٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ رَبيعَةَ عنْ يَزيدَ مَوْلاى الْمُنْبَعِثِ عنْ زَيْدِ بنِ خالدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ أعرابِياً سألَ النبيَّ ﷺ عنِ اللُّقَطَةِ قَالَ عَرِّفْهَا سَنَةً فإنْ جاءَ أحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعِفَاصِهَا ووِكَائِهَا وإلَاّ فاسْتَنْفِقْ بِها وسألَهُ عنْ ضالَّةِ الإبِلِ فتَمَعَّرَ وَجُهُهُ وَقَالَ مالَكَ ولَهَا مَعَها سِقاؤُها وحذَاؤُها تَردُ الماءَ وتأكُلُ الشِّجَرَ دَعْها حتَّى يَجِدَها رَبُّها وسألَهُ عنْ ضالَّةِ الْغَنَمِ فَقَالَ هِيَ لَكَ أوْ لأخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه لَا يجب على الْمُلْتَقط دَفعهَا إِلَى السُّلْطَان، بل هُوَ يعرفهَا، وَهُوَ حَاصِل معنى قَوْله: (من عرف اللّقطَة وَلم يَدْفَعهَا إِلَى السُّلْطَان) ، والْحَدِيث مضى مكرراً مَعَ شَرحه.
٢١ - (بابٌ)
أَي: هَذَا بَاب، وَهُوَ كالفصل لما قبله، وَهَكَذَا وَقع بِغَيْر تَرْجَمَة، وَلَيْسَ هُوَ بموجود فِي رِوَايَة أبي ذَر.
٩٣٤٢ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ أخبرنَا النَّضْرُ قَالَ أخبرنَا إسْرَائيلُ عنْ أبي إسحاقَ قَالَ أخبرَني الْبَراءُ عنْ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما وحدَّثنا عبدُ الله بنُ رَجاءٍ قَالَ حدَّثنا إسْرَائيلُ عنْ أبي إسْحاقَ عَن الْبَرَاءِ عنْ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ انْطَلَقْتُ فإذَا أنَا بِرَاعِي غَنَمٍ يَسوقُ غَنَمَهُ فَقُلْتُ لِمَنْ أنْتَ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ فسَمَّاهُ فعَرَفْتُهُ فقُلْتُ هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ فَقَالَ نَعَمْ فَقُلْتُ هَلْ أنْتَ حالِبٌ لِي قَالَ نَعَمْ فأمَرْتُهُ فاعْتَقَلَ شَاة منْ غَنَمِهِ ثُمَّ أمَرْتُهُ أنْ يَنْفُضَ ضَرْعَها مِنَ الغُبَارِ ثُمَّ أمَرْتُهُ أنْ يَنْفُضَ كَفَّيْهِ فَقَالَ هَكَذَا ضَرَبَ إحْدَى كفَّيْهِ بِالأُخْرَى فحَلَبَ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ وقَدْ جَعَلْتُ
стр. 3697
لِرَسُولِ الله ﷺ إدَاوَةً على فَمِها خِرْقَةٌ فَصَبَبْتُ علَى اللَّبَنِ حتَّى برَدَ أسْفَلُهُ فانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَقلْتُ اشْرَبْ يَا رسولَ الله فَشرِبَ حتَّى رَضِيتُ..
وَجه إِدْخَال هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب الَّذِي كالفصل من الْبَاب المترجم الَّذِي قبله من حَيْثُ إِن الْبَاب المترجم مُشْتَمل على حكم من أَحْكَام اللّقطَة، وَهَذَا أَيْضا فِيهِ شَيْء يشبه حَاله حَال اللّقطَة، وَهُوَ الشّرْب من لبن غنم لَهَا راعٍ وَاحِد فِي الصَّحرَاء، وَهُوَ فِي حكم الضائع فِي هَذِه الْحَالة، فَصَارَ كالسوط أَو الْحَبل أَو نَحْوهمَا الَّذِي يُبَاح الْتِقَاطه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا التلفيق بَينه وَبَين مَا تقدم آنِفا من حَدِيث: (لَا يحلبن أحد مَاشِيَة أحد؟) قلت: كَانَ هَهُنَا إِذن عادي أَو كَانَ صَاحبه صديق الصّديق، أَو كَانَ كَافِرًا حَرْبِيّا أَو كَانَ حَالهمَا حَال اضطرار أَو من جِهَة النَّبِي، ﷺ ، أولى بِالْمُؤْمِنِينَ. انْتهى. قلت: لَا تطلب الْمُطَابقَة إلَاّ بَين حَدِيث الْبَاب وَالْبَاب الَّذِي ترْجم عَلَيْهِ، وَهَهُنَا الْبَاب الَّذِي فِيهِ هَذَا الحَدِيث مُجَرّد من التَّرْجَمَة، وَهُوَ دَاخل فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَهُوَ: بَاب من عرف اللّقطَة وَلم يَدْفَعهَا إِلَى السُّلْطَان، وَالَّذِي ذكره الْكرْمَانِي لَيْسَ لَهُ مُنَاسبَة هَهُنَا أصلا، وَإِنَّمَا يَسْتَقِيم مَا ذكره بَين هَذَا الحَدِيث وَبَين: بَاب لَا يحتلب مَاشِيَة أحد إلَاّ بِإِذن، وَبَينهمَا ثَلَاثَة أَبْوَاب، وَالْأَصْل بَيَان الْمُطَابقَة بَين كل بَاب وَحَدِيثه.
ثمَّ إِن البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: الأول: عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه عَن النَّضر، بِسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: ابْن شُمَيْل مصغر شَمل عَن إِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق عَن جده أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي عَن الْبَراء بن عَازِب. الثَّانِي: عَن عبد الله بن رَجَاء بن الْمثنى الفداني الْبَصْرِيّ أبي عَمْرو عَن إِسْرَائِيل ... إِلَى آخِره، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن مُحَمَّد بن يُوسُف، وَفِي الْهِجْرَة عَن مُحَمَّد بن بشار، وَفِي الْأَشْرِبَة عَن مَحْمُود عَن النَّضر. وَأخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن سَلمَة بن شبيب، وَفِي الْأَشْرِبَة عَن أبي مُوسَى.
قَوْله: (فَإِذا أَنا) ، كلمة: إِذا، للمفاجأة. قَوْله: (انْطَلَقت) ، أَي: حِين كَانَ مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، قَاصِدين الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة. قَوْله: (يَسُوق غنمه) ، جملَة حَالية. قَوْله: (هَل فِي غنمك من لبن؟) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَحكى عِيَاض رِوَايَة ضم اللَّام وَسُكُون الْبَاء أَي: شَاة ذَات لبن، كَذَا قَالَه بَعضهم: وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا اللَّبن، بِضَم اللَّام وَسُكُون الْبَاء جمع: لبنة، وَكَذَلِكَ لبن بِكَسْر اللَّام، وَعَن يُونُس يُقَال: كم لبن غنمك وَلبن غنمك؟ أَي: ذَوَات الدّرّ مِنْهَا. قَوْله: (فَأَمَرته) ، أَي: بالاعتقال، وَهُوَ الْإِمْسَاك، يُقَال: اعتقلت الشَّاة إِذا وضعت رجلهَا بَين فخذيك أَو ساقيك لتحلبها. قَوْله: (كثبة) ، بِضَم الْكَاف وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهُوَ قدر حلبة. وَقيل: الْقَلِيل مِنْهُ، وَقيل: الْقدح من اللَّبن. قَوْله: (إداوة) ، وَهِي الركوة.
وَفِي الحَدِيث من الْفَوَائِد: اسْتِصْحَاب الاداوة فِي السّفر وخدمة التَّابِع للمتبوع. وَفِيه: من التأدب والتنظيف مَا صنعه أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من نفض يَد الرَّاعِي ونفض الضَّرع، وَقَالَ ابْن بطال: سَأَلت بعض شيوخي عَن وَجه استجازة الصّديق لشرب اللَّبن من ذَلِك الرَّاعِي، فَقَالَ لي: يحْتَمل أَن يكون الشَّارِع قد كَانَ أذن لَهُ فِي الْحَرْب، وَكَانَت أَمْوَال الْمُشْركين لَهُ حَلَالا، فعرضته على الْمُهلب، فَقَالَ لي: لَيْسَ هَذَا بِشَيْء لِأَن الْحَرْب وَالْجهَاد إِنَّمَا فرض بِالْمَدِينَةِ، وَكَذَلِكَ الْمَغَانِم إِنَّمَا نزل تحليلها يَوْم بدر بِنَصّ الْقُرْآن، وَإِنَّمَا شرباه بِالْمَعْنَى الْمُتَعَارف عِنْدهم فِي ذَلِك الزَّمن من المكارمات، وَرُبمَا استفهم بِهِ الصّديق الرَّاعِي من أَنه حالب أَو غير حالب؟ وَلَو كَانَ بِمَعْنى الْغَنِيمَة مَا استفهمه، ويحلب على مَا أَرَادَ الرَّاعِي أَو كره، وَالله أعلم.
بسمِ الله الرَّحْمان الرَّحيمِ
٦٤ - (كِتابُ الْمَظَالِمُ والْغَضَبِ)
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان تَحْرِيم الْمَظَالِم وَتَحْرِيم الْغَصْب، والمظالم جمع مظْلمَة مصدر ميمي من ظلم يظلم ظلما، وَأَصله: الْجور ومجاوزة الْحَد، وَمَعْنَاهُ الشَّرْعِيّ: وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه الشَّرْعِيّ. وَقيل: التَّصَرُّف فِي ملك الْغَيْر بِغَيْر إِذْنه. والمظلمة أَيْضا اسْم مَا أَخذ مِنْك بِغَيْر حق، وَفِي الْمغرب الْمظْلمَة الظُّلم، وَاسم للمأخوذ فِي قَوْلهم: عِنْد فلَان مظلمتي وظلامتي أَي: حَقي الَّذِي أَخذ مني ظلما، وَالْغَصْب أَخذ مَال الْغَيْر ظلما وعدواناً. يُقَال: غصبه يغصبه غصبا فَهُوَ غَاصِب، وَذَاكَ مَغْصُوب، وَقيل: الْغَصْب
стр. 3698
الِاسْتِيلَاء على مَال الْغَيْر ظلما. وَقيل: أَخذ حق الْغَيْر بِغَيْر حق، وَهَذِه التَّرْجَمَة هَكَذَا هِيَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَفِي رِوَايَة غَيره سقط لفظ: كتاب هَكَذَا فِي الْمَظَالِم وَالْغَصْب، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: كتاب الْغَصْب: بَاب فِي الْمَظَالِم.
وقَوْلِ الله تعَالى: ﴿ولَا تَحْسَبَنَّ الله غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الْظَّالِمُونَ إنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ﴾ رَافِعِي رُؤُوسِهِمْ الْمُقْنِعُ والْمُقْمِحُ واحِدٌ (إِبْرَاهِيم: ٤١٢، ٢٤ و ٣٤) .
وَقَول الله بِالْجَرِّ عطف على مَا قبله، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر من قَوْله: ﴿وَلَا تحسبن الله غافلاً﴾ (ابراهيم: ٤١٢، ٢٤ و ٣٤) . إِلَى قَوْله: ﴿عَزِيز ذُو انتقام﴾ (ابراهيم: ٦٤) . وَهِي سِتّ آيَات فِي أَوَاخِر سُورَة إِبْرَاهِيم، ﵊، وَفِي رِوَايَة غَيره: ﴿وَلَا تحسبن الله غافلاً﴾ (ابراهيم: ٤١٢، ٢٤ و ٣٤) . وسَاق الْآيَة فَقَط. قَوْله: ﴿وَلَا تحسبن الله غافلاً﴾ (ابراهيم: ٤١٢، ٢٤ و ٣٤) . إِن كَانَ الْخطاب للرسول ﷺ فَمَعْنَاه التثبيت على مَا كَانَ عَلَيْهِ من أَنه لَا يحسبه غافلاً كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تكونن من الْمُشْركين﴾ (الْأَنْعَام: ٤١، يُونُس: ٥٠١، الْقَصَص: ٧٨) . وَإِن كَانَ الْخطاب لغيره مِمَّن يجوز أَنه يحسبه غافلاً لجهله بصفاته فَلَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير شَيْء. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَيجوز أَن يُرَاد: وَلَا تحسبنه يعاملهم مُعَاملَة الغافل عَمَّا يعْملُونَ، وَلَكِن مُعَاملَة الرَّقِيب عَلَيْهِم المحاسب على النقير والقطمير. قَوْله: ﴿إِنَّمَا يؤخرهم ليَوْم تشخص فِيهِ الْأَبْصَار﴾ (ابراهيم: ٤١٢، ٢٤ و ٣٤) . أَي: أَبْصَارهم، لَا تقرّ فِي أماكنهم من هول مَا ترى. قَوْله: ﴿مهطعين﴾ (ابراهيم: ٤١٢، ٢٤ و ٣٤) . يَعْنِي: مُسْرِعين إِلَى الدَّاعِي، وَقيل: الإهطاع: أَن تقبل ببصرك على المرئي وتديم النّظر إِلَيْهِ لَا تطرف. قَوْله: ﴿مقنعي رؤوسهم﴾ (ابراهيم: ٤١٢، ٢٤ و ٣٤) . أَي: رافعي رُؤْسهمْ، كَذَا فسره مُجَاهِد: ﴿وَلَا يرْتَد إِلَيْهِم طرفهم﴾ (ابراهيم: ٤١٢، ٢٤ و ٣٤) . أَي: لَا يطرفون، وَلَكِن عيونهم مَفْتُوحَة ممدودة من غير تَحْرِيك الأجفان ﴿وأفئدتهم هَوَاء﴾ (ابراهيم: ٤١٢، ٢٤ و ٣٤) . أَي: خلاء، وَهُوَ الَّذِي لم تشغله الأجرام أَي: لَا فوة فِي قُلُوبهم وَلَا جَرَاءَة وَيُقَال للأحمق أَيْضا: قلبه هَوَاء، وَعَن ابْن جريج: هَوَاء أَي: صفر من الْخَيْر خَالِيَة عَنهُ. قَوْله: (الْمقنع والمقمح وَاحِد) ، كَذَا ذكره أَبُو عُبَيْدَة، أَي: هَذِه الْكَلِمَة بالنُّون وَالْعين وبالميم والحاء مَعْنَاهُمَا وَاحِد، وَهُوَ: رفع الرَّأْس. وَحكى ثَعْلَب أَن لَفْظَة: اقنع مُشْتَرك بَين مَعْنيين، يُقَال؛ أقنع إِذا رفع رَأسه، واقنع إِذا يطأطئه، وَيحْتَمل الْوَجْهَيْنِ هُنَا: أَن يرفع رَأسه ينظر ثمَّ يطاطئه ذلاً وخضوعاً.
وقالَ مُجَاهِدٌ مُهْطِعِينَ أيْ مُدِيمِي النَّظَرَ ويقالُ مُسْرِعِينَ ﴿لَا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وأفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ (ابراهيم: ٤١٢، ٢٤ و ٣٤) . يَعْنِي جُوفاً لَا عُقُولَ لَهُمْ
تَفْسِير مُجَاهِد أخرجه الْفرْيَابِيّ عَنهُ، وَقد ذكرنَا معنى: ﴿لَا يرْتَد إِلَيْهِم طرفهم وأفئدتهم هَوَاء﴾ (ابراهيم: ٤١٢، ٢٤ و ٣٤) . قَوْله: (جوفاً) بِضَم الْجِيم جمع: أجوف، قَوْله: (يَعْنِي، لَا عقول لَهُم) كَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة فِي (الْمجَاز) ، وَقيل: معنى: ﴿وأفئدتهم هَوَاء﴾ (ابراهيم: ٤١٢، ٢٤ و ٣٤) . نزعت أفئدتهم من أَجْوَافهم.
وأنْذِرْ الناسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ الْعَذَابُ فَيقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنَا إِلَى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِع الرُّسُلَ أوَ لَمْ تَكُونُو أقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مالَكُمْ مِنْ زوَالٍ وسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ وتبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وضَرَبْنَا لَكُمْ الأمْثَالَ وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ الله مَكْرُهُمْ وإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ فَلَا تَحْسَبَنَّ الله مُخْلفٌ وعْدِهِ رُسُلَهُ إِن الله عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ (ابراهيم: ٦٤) .
قد ذكرنَا أَن فِي رِوَايَة أبي ذَر سيق من قَوْله: ﴿وَلَا تحسبن الله غافلاً﴾ (ابراهيم: ٤١٢، ٢٤ و ٣٤) . إِلَى قَوْله: ﴿عَزِيز ذُو انتقام﴾ (ابراهيم: ٦٤) . سِتّ آيَات، وَفِي رِوَايَة غَيره آيَة وَاحِدَة فَقَط وَهِي الْآيَة الأولى. قَوْله: ﴿وانذر النَّاس﴾ الْخطاب للرسول ﷺ أمره بإنذار النَّاس وتخويفهم. قَوْله: ﴿يَوْم يَأْتِيهم الْعَذَاب﴾ (ابراهيم: ٦٤) . وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ مفعول ثَان: لأنذر. قَوْله: ﴿أخرنا إِلَى أجل قريب﴾ (ابراهيم: ٦٤) . يَعْنِي: ردنا إِلَى الدُّنْيَا وأمهلنا إل أجل وحد من الزَّمَان قريب نتدارك مَا فرطنا فِيهِ من إِجَابَة دعوتك وَاتِّبَاع رسلك. قَوْله: ﴿أَو لم تَكُونُوا أقسمتم﴾ (ابراهيم: ٦٤) . أَي: يُقَال لَهُم: أَو لم تَكُونُوا حلفتم أَنكُمْ باقون فِي الدُّنْيَا لَا تزالون بِالْمَوْتِ والفناء حَتَّى كَفرْتُمْ بِالْبَعْثِ وسكنتم فِي مسَاكِن الَّذين ظلمُوا من قبلكُمْ ﴿وَتبين لكم﴾ (ابراهيم: ٦٤) . ظهر لكم مَا فعلنَا بهم من أَنْوَاع الزَّوَال بموتهم وخراب مساكنهم والانتقام مِنْهُم، بَعْضهَا بِالْمُشَاهَدَةِ
стр. 3699
وَبَعضهَا بالإخبار ﴿وضربنا لكم الْأَمْثَال﴾ (ابراهيم: ٦٤) . أَي: صِفَات مَا فعلوا بالأمثال المضروبة لكل ظَالِم. قَوْله: ﴿وَقد مكروا مَكْرهمْ﴾ (ابراهيم: ٦٤) . يَعْنِي: بِالنَّبِيِّ ﷺ حِين هموا بقتْله ﴿وَعند الله مَكْرهمْ﴾ (ابراهيم: ٦٤) . أَي: عَالم بِهِ لَا يخفى عَلَيْهِ، فيجازيهم. قَوْله: ﴿وَإِن كَانَ مَكْرهمْ لتزول مِنْهُ الْجبَال﴾ (ابراهيم: ٦٤) . يَعْنِي: وَإِن كَانَ مَكْرهمْ ليبلغ فِي الكيد إِلَى إِزَالَة الْجبَال، فَإِن الله ينصر دينه، وَالْمرَاد بالجبال هُنَا: الاسلام، وَقيل: جبال الأَرْض مُبَالغَة، وَالْأول اسْتِعَارَة، ثمَّ طمن قلب النَّبِي ﷺ بقوله: ﴿وَلَا تحسبن الله مخلف وعده رسله إِن الله عَزِيز﴾ (ابراهيم: ٦٤) . أَي: منيع ﴿ذُو انتقام﴾ (ابراهيم: ٦٤) . من الْكفَّار.
١ - (بابُ قِصَاص الْمَظَالِمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قصاص الْمَظَالِم يَوْم الْقِيَامَة، وَالْقصاص اسْم بِمَعْنى الْمُقَاصَّة، وَهُوَ مقاصة ولي الْمَقْتُول الْقَاتِل، والمجروح الْجَارِح، وَهِي مساواته إِيَّاه فِي قتل أَو جرح، ثمَّ عَم فِي كل مُسَاوَاة، وَيُقَال: أقصه الْحَاكِم يقصه إِذا مكنه من أَخذ الْقصاص.
٠٤٤٢ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ أخبرنَا معاذُ بنُ هِشامٍ قَالَ حدَّثني أبي عَن قَتَادَةَ عنْ أبِي الْمُتَوَكِّل النَّاجي عنْ أبِي سعيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنْ رسولِ الله ﷺ قَالَ إذَا خلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ والنَّارِ فيَتَقَاصُّونَ مَظالِمَ كانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيا حتَّى إِذا نُقُّوا وهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الجنَّةِ فَوَالَّذِي نفْسُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِيَدِهِ لأَحَدُهُم بِمَسْكَنِهِ فِي الجَنَّةِ أدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كانَ فِي الدُّنْيَا. (الحَدِيث ٠٤٤٢ طرفه فِي: ٥٣٥٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فيقاصون مظالم كَانَت بَينهم) وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم هُوَ الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه، ومعاذ بن هِشَام الْبَصْرِيّ، سكن نَاحيَة الْيمن، يكنى أَبَا عبد الله، وَأَبوهُ هِشَام بن أبي عبد الله الدستوَائي، ودستواء من نَاحيَة الأهواز، كَانَ يَبِيع الثِّيَاب الَّتِي تجلب مِنْهَا فنسب إِلَيْهَا مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَة، وَأَبُو المتَوَكل عَليّ بن دؤاد، بِضَم الدَّال الْمُهْملَة الأولى النَّاجِي، بالنُّون وبالجيم وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، سعيد بن مَالك.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الرقَاق عَن الصَّلْت بن مُحَمَّد عَن يزِيد بن زُرَيْع، وَقد ترْجم هُنَاكَ فِي: بَاب الْقصاص يَوْم الْقِيَامَة.
قَوْله: (إِذا خلص الْمُؤْمِنُونَ) ، بِفَتْح اللَّام أَي: إِذا سلمُوا ونجوا من النَّار، وَالْمرَاد بعض الْمُؤمنِينَ. قَوْله: (حبسوا) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: عرفُوا. قَوْله: (بقنطرة) ، قَالَ ابْن التِّين: القنطرة كل شَيْء ينصب على عين أَو وَاد، وَقَالَ الْهَرَوِيّ سمي الْبناء قنطرة لتكاثف بعض الْبناء على بعض، وسماها الْقُرْطُبِيّ: الصِّرَاط الثَّانِي وَالْأول لأهل الْمَحْشَر، كلهم إلَاّ من دخل الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب أَو يلتقطه عنق من النَّار، فَإِذا خلص من الْأَكْبَر وَلَا يخلص مِنْهُ إلَاّ الْمُؤْمِنُونَ، حبسوا على صِرَاط خَاص بهم، وَلَا يرجع إِلَى النَّار من هَذَا أحد، وَهُوَ معنى قَوْله إِذا خلص الْمُؤْمِنُونَ من النَّار أَي: من الصِّرَاط الْمَضْرُوب على النَّار، وَقَالَ مقَاتل: إِذا قطعُوا جسر جَهَنَّم حبسوا على قنطرة بَين الْجنَّة وَالنَّار، فَإِذا هذبوا قَالَ لَهُم رضوَان: ﴿سَلام عَلَيْكُم طبتم فادخلوها خَالِدين﴾ (الزمر: ٣٧) . قَوْله: (بَين الْجنَّة وَالنَّار) ، أَي: بقنظرة كائنة بَين الْجنَّة والصراط الَّذِي على متن النَّار، وَلِهَذَا سمي بالصراط الثَّانِي، وَبِهَذَا يرد على بَعضهم فِي قَوْله بقنطرة: الَّذِي يظْهر أَنَّهَا طرف الصِّرَاط مِمَّا يَلِي الْجنَّة، وَيحْتَمل أَن يكون من غَيره بَين الصِّرَاط وَالْجنَّة. انْتهى. قلت: سُبْحَانَ الله، مَا هَذَا التَّصَرُّف بالتعسف، فَإِن الحَدِيث مُصَرح بِأَن تِلْكَ القنطرة بَين الْجنَّة وَالنَّار، وَهُوَ يَقُول: إِنَّهَا طرف الصِّرَاط، وطرف الصِّرَاط من الصِّرَاط، وَقَوله بيه، يدل على أَنَّهَا قنطرة مُسْتَقلَّة غير مُتَّصِلَة بالصراط، وَهَذَا هُوَ الْمَعْنى قطعا. وَجعل هَذَا الْقَائِل هَذَا الْمَعْنى بِالِاحْتِمَالِ وَمَا غر هَذَا الْقَائِل إلَاّ حِكَايَة ابْن التِّين عَن الدَّاودِيّ: أَن القنطرة هُنَا يحْتَمل أَن تكون طرف الصِّرَاط، والكرماني أَيْضا تصرف هُنَا قَرِيبا من كَلَام الدَّاودِيّ، حَيْثُ قَالَ: قَوْله: قنطرة. فَإِن قلت: هَذَا يشْعر بِأَن فِي الْقِيَامَة جسرين، هَذَا وَالْآخر على متن جَهَنَّم الْمَشْهُور بالصراط. قلت: لَا مَحْذُور فِيهِ، وَلَئِن ثَبت بِالدَّلِيلِ أَنه وَاحِد فَلَا بُد من تَأْوِيله: أَن هَذِه القنطرة من تَتِمَّة الصِّرَاط وذنابته، وَنَحْو ذَلِك، انْتهى. قلت: سُبْحَانَ الله، فَلَا حَاجَة إِلَى هَذَا السُّؤَال بقوله: يشْعر ... إِلَى آخِره لِأَنَّهُ يُنَادي بِأَعْلَى صَوته أَن
стр. 3700
القنطرة الْمَذْكُورَة غير الصِّرَاط، وَلَا من تتمته كَمَا ذكرنَا، وَقَوله: وَلَئِن ثَبت، وَلم يثبت ذَلِك، فَلَا حَاجَة إِلَى التَّأْوِيل الَّذِي ذكره. قَوْله: (فيتقاصون) ، بتَشْديد الصَّاد الْمُهْملَة: من الْقصاص، يَعْنِي: يتبع بَعضهم بَعْضًا فِيمَا وَقع بَينهم من الْمَظَالِم الَّتِي كَانَت بَينهم فِي الدُّنْيَا فِي كل نوع من الْمَظَالِم الْمُتَعَلّقَة بالأبدان، وَالْأَمْوَال. وَقَالَ ابْن بطال: الْمُقَاصَّة فِي هَذَا الحَدِيث هِيَ لقوم دون قوم، هم قوم لَا تستغرق مظالمهم جَمِيع حسناتهم، لِأَنَّهَا لَو استغرقت جَمِيع حسناتهم لكانوا مِمَّن وَجب لَهُم الْعَذَاب، وَلما جَازَ أَن يُقَال فيهم: خلصوا من النَّار، فَمَعْنَى الحَدِيث، وَالله أعلم، على الْخُصُوص لمن لم يكن لَهُم تبعات يسيرَة، إِذْ الْمُقَاصَّة أَصْلهَا فِي كَلَام الْعَرَب مقاصصة، وَهِي مفاعلة، وَلَا يكون أبدا إلَاّ بَين اثْنَيْنِ: كالمشاتمة والمقاتلة، فَكَانَ لكل وَاحِد مِنْهُم على أَخِيه مظْلمَة، وَعَلِيهِ لَهُ مظْلمَة، وَلم يكن فِي شَيْء مِنْهَا مَا يسْتَحق عَلَيْهِ النَّار فيتقاصون بِالْحَسَنَاتِ والسيئات، فَمن كَانَت مظلمته أَكثر من مظْلمَة أَخِيه أَخذ من حَسَنَاته، فَيدْخلُونَ الْجنَّة ويقتطعون فِيهَا الْمنَازل على قدر مَا بَقِي لكل وَاحِد مِنْهُم من الْحَسَنَات، فَلهَذَا يتقاصصون بعد خلاصهم من النَّار لِأَن أحدا لَا يدْخل الْجنَّة ولأحد عَلَيْهِ تباعة، وَقَالَ الْمُهلب: هَذِه الْمُقَاصَّة إِنَّمَا تكون فِي الْمَظَالِم فِي الْأَبدَان، من اللَّطْمَة وَشبههَا مِمَّا يُمكن فِيهِ أَدَاء الْقصاص بِحُضُور بدنه، فَيُقَال للمظلوم: إِن شِئْت أَن تنتصف وَإِن شِئْت أَن تَعْفُو. وَقَالَ غَيره: لَا قصاص فِي الْآخِرَة فِي الْعرض وَالْمَال وَغَيره إلَاّ بِالْحَسَنَاتِ والسيئات. قيل: فِيهِ نظر، لِأَن أَبَا الْفضل ذكر فِي كتاب (التَّرْغِيب والترهيب) بِسَنَد صَالح عَن سعيد بن الْمسيب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: إِذا فرغ الله من الْقَضَاء أقبل على الْبَهَائِم حَتَّى إِنَّه ليجعل للجماء الَّتِي نطحتها القرناء قرنين فتنطح بهما الْأُخْرَى، وَيُقَال: معنى يتقاصون يتتاركون، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوضِع مقاصة وَلَا محاسبة، لَكِن يلقِي الله، ، فِي قُلُوبهم الْعَفو لبَعْضهِم عَن بعض، أَو يعوض الله بَعضهم من بعض. قَوْله: (حَتَّى إِذا نقوا) ، بِضَم النُّون وَتَشْديد الْقَاف: من التنقية، وَهُوَ إِفْرَاد الْجيد من الرَّدِيء، وَوَقع للمستملي هُنَا: حَتَّى إِذا تقصوا، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الصَّاد الْمُهْملَة، أَي: أكملوا التَّقَاصّ. قَوْله: (وهذبوا) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من التَّهْذِيب، وَهُوَ التَّلْخِيص من الآثام بمقاصصة بَعضهم بِبَعْض، وَيشْهد لهَذَا الحَدِيث قَوْله فِي حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْآتِي ذكره فِي التَّوْحِيد: لَا يحل لأحد من أهل الْجنَّة أَن يدْخل الْجنَّة ولأحد قِبَلَهُ مظْلمَة.
فَإِن قلت: ذكر الدَّارَقُطْنِيّ حَدِيثا فِيهِ: أَن الْجنَّة بعد الصِّرَاط، وَهَذَا يُعَارض حَدِيث القنطرة؟ قلت: لَا، لِأَن المُرَاد بعد الصِّرَاط الثَّانِي هُوَ القنطرة كَمَا ذكرنَا. فَإِن قلت: صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: أَصْحَاب الْحَشْر محبوسون بَين الْجنَّة وَالنَّار، يسْأَلُون عَن فضول أَمْوَال كَانَت بِأَيْدِيهِم، وَهَذَا يُعَارض حَدِيث الْبَاب. قلت: لَا، لِأَن مَعْنَاهُمَا مُخْتَلف لاخْتِلَاف أَحْوَال النَّاس، لِأَن من الْمُؤمنِينَ من لَا يحبسون بل إِذا خَرجُوا بثوا على أَنهَار الْجنَّة. قَوْله: (لأَحَدهم) ، اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد، وَهِي مَفْتُوحَة، وأحدهم مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ، فخبره قَوْله: أدل بمنزله الَّذِي كَانَ فِي الدُّنْيَا، قَالَ الْمُهلب: انماً، كَانَ أدل، لأَنهم عرفُوا مساكنهم، بتعريضها عَلَيْهِم بِالْغَدَاةِ والعشي. فَإِن قلت: يُعَارض هَذَا مَا رُوِيَ عَن عبد الله ابْن سَلام: أَن الْمَلَائِكَة تدلهم على طَرِيق الْجنَّة. قلت: لَا تعَارض، فَإِن هَذَا يكون مِمَّن لم يحبس على القنطرة وَلم يدْخل النَّار أَو يخرج مِنْهَا فيطرح على بَاب الْجنَّة، وَقد يحْتَمل أَن يكون ذَلِك فِي الْجَمِيع، فَإِذا وصلت بهم الْمَلَائِكَة، كَانَ كل أحد عرف بمنزله، وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿ويدخلهم الْجنَّة عرفهَا لَهُم﴾ (مُحَمَّد: ٦) . وَقَالَ أَكثر أهل التَّفْسِير إِذا دخل أهل الْجنَّة الْجنَّة يُقَال لَهُم: تفَرقُوا إِلَى مَنَازِلكُمْ، فهم أعرف بهَا من أهل الْجُمُعَة إِذا انصرفوا. وَقيل: إِن هَذَا التَّعْرِيف إِلَى الْمنَازل بِدَلِيل، وَهُوَ الْملك الْمُوكل بِعَمَل العَبْد يمشي بَين يَدَيْهِ، وَحَدِيث الْبَاب يردهُ، فَلْينْظر.
وقالَ يونُسُ بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا شَيْبانُ عنْ قَتَادَةَ قَالَ حدَّثنا أبُو الْمُتَوَكِّلِ
يُونُس بن مُحَمَّد: هُوَ أَبُو مُحَمَّد الْمُؤَدب الْبَغْدَادِيّ، وشيبان هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ يكنى أَبَا مُعَاوِيَة، سكن الْكُوفَة وَأَصله بَصرِي وَكَانَ مؤدباً لبني دَاوُد بن عَليّ، مَاتَ بِبَغْدَاد سنة أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَة، وَأَبُو المتَوَكل النَّاجِي قد مر عَن قريب، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله ابْن مَنْدَه فِي (كتاب الْإِيمَان) وَأَرَادَ البُخَارِيّ بِهِ بَيَان سَماع قَتَادَة لهَذَا الحَدِيث من أبي المتَوَكل بطرِيق التحديث وَفِي (التَّلْوِيح) : رَوَاهُ أَيْضا أَبُو نعيم الْحَافِظ عَن أبي عَليّ مُحَمَّد بن أَحْمد، قَالَ: حَدثنَا إِسْحَاق بن الْحُسَيْن بن مَيْمُون بن مُحَمَّد الْمروزِي حَدثنَا شَيبَان عَن قَتَادَة حَدثنَا أَبُو المتَوَكل، فَذكره. قيل: أَبُو نعيم رَوَاهُ عَن إِسْحَاق بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد.
стр. 3701
٢ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿ألَا لَعْنَةُ الله علَى الظَّالِمِينَ﴾ (هود: ٨١) .)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله تَعَالَى حِكَايَة عَن الْمَلَائِكَة أَو الرُّسُل أَنهم يَقُولُونَ يَوْم الْقِيَامَة: ﴿أَلا لعنة الله على الظَّالِمين﴾ (هود: ٨١) . وَهَذَا آخر آيَة فِي سُورَة هود، وَأول الْآيَة هُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا أُولَئِكَ يعرضون على رَبهم وَيَقُول الأشهاد هَؤُلَاءِ الَّذين كذبُوا على رَبهم أَلا لعنة الله على الظَّالِمين﴾ (هود: ٨١) . الأشهاد: هم الرُّسُل، وَقيل: الْمَلَائِكَة، وَقيل: النَّبِيُّونَ، وَقيل: أمة مُحَمَّد ﷺ يشْهدُونَ على النَّاس، وَيَقُولُونَ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذين كذبُوا على رَبهم﴾ (هود: ٨١) . أَي: زَعَمُوا أَن لَهُ شَرِيكا وَولدا: ﴿أَلا لعنة الله على الظَّالِمين﴾ (هود: ٨١) . أَي: الْمُشْركين. والأشهاد: جمع شَاهد، مثل: نَاصِر وأنصار وَصَاحب وَأَصْحَاب. وَيجوز أَن يكون جمع: شَهِيد، مثل شرِيف وأشراف، ويوضح ذَلِك حَدِيث الْبَاب، وَهُوَ الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ صَفْوَان بن مُحرز عَن ابْن عمر، وَفِيه: فينادي على رُؤُوس الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذين كذبُوا على رَبهم ألَا لعنة الله على الظَّالِمين﴾ (هود: ٨١) .
١٤٤٢ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ قَالَ أخْبرني قَتادَةُ عنْ صَفْوانَ ابنِ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيِّ قَالَ بَيْنَما أنَا أمْشِي مَعَ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا آخِذٌ بيَدِهِ إذْ عَرَضَ رَجُلٌ فَقَالَ كَيْفَ سَمِعْتَ رسولَ الله ﷺ فِي النَّجْواى فَقَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ إنَّ الله يُدْنِي الْمُؤمِنَ فَيَضَعُ علَيْهِ كَنَفَهُ ويَسْتُرُهُ فيَقُولُ أتَعْرِفُ ذَنْبَ كذَا أتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا فيَقُولُ نَعَمْ أيْ رَبِّ حَتَّى إذَا قرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ ورَأى فِي نَفْسِهِ أنَّهُ هلَكَ قَالَ سَتَرْتُهِا علَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنا أغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ فَيُعْطَى كَتابَ حَسَنَاتِهِ وأمَّا الكَافِرُ والْمُنَافِقُونَ فَيقُولُ ﴿الْأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الذِينَ كَذَبُوا علَى رَبِّهِمْ ألَا لَعْنَةُ الله علَى الظَّالِمِينَ﴾ (هود: ٨١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث، وَهَمَّام هُوَ ابْن يحيى بن دِينَار الشَّيْبَانِيّ الْبَصْرِيّ، وَصَفوَان بن مُحرز، بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وبالزاي: الْمَازِني الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة أَربع وَتِسْعين.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن مُسَدّد، وَفِي الْأَدَب وَفِي التَّوْحِيد عَن مُسَدّد أَيْضا. وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن أبي مُوسَى وَعَن بنْدَار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن أبي عبيد الله وَفِي الرَّقَائِق عَن سُوَيْد بن نصر. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن حميد بن مسْعدَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بَيْنَمَا) ، ويروى: بَينا، قَوْله: (آخذ بِيَدِهِ) أَي: بيد ابْن عمر، وآخذ على وزن فَاعل، مَرْفُوع على أَنه بدل من أَمْشِي، وَقد ذكر فِي مَوْضِعه أَنه يُبدل كل من الِاسْم وَالْفِعْل وَالْجُمْلَة من مثله. وَقَوله: (أَمْشِي) فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ خبر لمبتدأ. وَهُوَ قَوْله: (أَنا) وَسمي الْفِعْل الْمُضَارع مضارعاً أَي: مشابهاً لاسم الْفَاعِل فِي الحركات والسكنات وَغير ذَلِك، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يجوز أَن يُبدل اسْم الْفَاعِل من الْمُضَارع، وَيجوز نصب: آخذ، على الْحَال من جِهَة الْعَرَبيَّة. قَوْله: (إِذْ عرض) جَوَاب: بَيْنَمَا. قَوْله: (فِي النَّجْوَى) أَي: الَّذِي يَقع بَين الله تَعَالَى وَبَين عَبده الْمُؤمن يَوْم الْقِيَامَة، وَهُوَ فضل من الله تَعَالَى حَيْثُ يذكر الْمعاصِي للْعَبد سرا. قَوْله: (يدني) بِضَم الْيَاء من الإدناء وَهُوَ التَّقْرِيب الرتبي لَا المكاني. قَوْله: (فَيَضَع عَلَيْهِ كنفه) ، بِفَتْح النُّون وَالْفَاء. قَالَ الْكرْمَانِي: الكنف الْجَانِب والساتر والعون، يُقَال: كنفت الرجل أَي: صنته وحطته وأعنته. انْتهى. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: كنفه حفظه وستره من أهل الْموقف وصونه عَن الخزي والتفضيح، مستعار من كنف الطَّائِر وَهُوَ جنَاحه يصون بِهِ نَفسه وَيسْتر بِهِ بيضه فيحفظه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بَعْضهَا أَي: وَفِي بعض الرِّوَايَات: كتفه، بالفوقانية. قلت: هَذِه الرِّوَايَة وَقعت من أبي ذَر عَن الْكشميهني. قَالَ عِيَاض: وَهُوَ تَصْحِيف قَبِيح. قَوْله: (الأشهاد) جمع شَاهد، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (على الظَّالِمين) المُرَاد بالظلم هُنَا الْكفْر والنفاق وَلَيْسَ كل ظلم يدْخل فِي معنى الْآيَة، وَيسْتَحق اللَّعْنَة، لِأَنَّهُ لَا يكون عُقُوبَة الْكفْر عِنْد الله كعقوبة صغائر الذُّنُوب، واللعن الإبعاد والطرد، وَهَذَا الحَدِيث يبين أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ لتسألن يَوْمئِذٍ عَن النَّعيم﴾ (التكاثر: ٨) . إِن السُّؤَال عَن
стр. 3702
النَّعيم الْحَلَال إِنَّمَا هُوَ سُؤال تَقْرِير وتوقيف لَهُ على نعمه الَّتِي أنعم بهَا عَلَيْهِ، أَلا يرى أَن الله تَعَالَى يوقفه على ذنُوبه الَّتِي عَصَاهُ فِيهَا ثمَّ يغفرها لَهُ، وَإِذا كَانَ كَذَلِك فسؤاله عباده عَن النَّعيم الْحَلَال أولى أَن يكون سُؤال تَقْرِير لَا سُؤال حِسَاب وانتقام.
وَفِيه: حجَّة لأهل السّنة أَن أهل الذُّنُوب من الْمُؤمنِينَ لَا يكفرون بِالْمَعَاصِي، كَمَا زعمت الْخَوَارِج. وَفِيه: حجَّة أَيْضا على الْمُعْتَزلَة فِي مغْفرَة الذُّنُوب إلَاّ الْكَبَائِر.
٣ - (بابٌ لَا يَظْلِمُ الْمُسْلِمُ الْمُسْلِمَ وَلَا يُسْلِمُهُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يظلم الْمُسلم الْمُسلم، الأول: مَرْفُوع على الفاعلية، وَالثَّانِي: مَنْصُوب على المفعولية. قَوْله: (وَلَا يُسلمهُ) بِضَم الْيَاء، يُقَال: أسلم فلَان فلَانا إِذا أَلْقَاهُ إِلَى الهلكة وَلم يحمه من عدوه، وَيُقَال: معنى (لَا يُسلمهُ) : لَا يتْركهُ مَعَ من يُؤْذِيه، بل ينصره وَيدْفَع عَنهُ.
٢٤٤٢ - حدَّثنا يَحْياى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ أنَّ سالِماً أخبرهُ أنَّ عبدَ الله بن عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أخبرهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ الْمُسْلِمُ أخُو الْمُسلِمِ لَا يَظْلِمُهُ ولَا يُسْلِمُهُ ومَنْ كانَ فِي حاجَةِ أخِيهِ كانَ الله فِي حاجَتِهِ ومَنْ فَرَّجَ عنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيامَةِ ومَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ الله يوْمَ الْقِيَامَةِ. (الحَدِيث ٢٤٤٢ طرفه فِي: ١٥٩٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر بن الْخطاب. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْإِكْرَاه عَن يحيى. وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد جَمِيعًا وَالتِّرْمِذِيّ فِي الْحُدُود. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرَّجْم.
وَفِي الْبَاب عَن أبي هُرَيْرَة أخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: (من نفس عَن مُسلم كربَة من كرب الدُّنْيَا نفس الله عَنهُ كربَة من كرب يَوْم الْقِيَامَة، وَمن يسر على مُعسر فِي الدُّنْيَا يسر الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَمن ستر على مُسلم فِي الدُّنْيَا ستر الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَالله فِي عون العَبْد مَا دَامَ العَبْد فِي عون أَخِيه) . وَعَن عقبَة بن عَامر أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي الْهَيْثَم عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (من رأى عَورَة فسترها كَانَ كمن أحيى موؤدة) زَاد الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) : (من قبرها) ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ. وَعَن ابْن عَبَّاس أخرجه ابْن مَاجَه من حَدِيث عِكْرِمَة عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ . قَالَ: (من ستر عَورَة أَخِيه الْمُسلم ستر الله عَوْرَته يَوْم الْقِيَامَة) . وَعَن كَعْب بن عجْرَة أخرجه الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ عَن كَعْب بن عجْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من نفس عَن مُؤمن كربَة نفس الله عَنهُ كربَة يَوْم الْقِيَامَة، وَمن ستر على مُؤمن عَورَة ستر الله عَلَيْهِ عَوْرَته يَوْم الْقِيَامَة، وَمن فرج عَن مُؤمن كربَة فرج الله عَنهُ كربته) . وَعَن مسلمة ابْن مخلد أخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث أبي أَيُّوب عَنهُ: أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: (من ستر مُسلما فِي الدُّنْيَا ستره الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة) الحَدِيث، وَإِسْنَاده صَحِيح. وَعَن أبي سعيد أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث يحيى بن عبد الرَّحْمَن بن حَاطِب عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (لَا يرى مُؤمن من أَخِيه عَورَة فيسترها عَلَيْهِ إلَاّ أدخلهُ الله الْجنَّة) . وَعَن جَابر بن عبد الله أخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من ستر على أَخِيه عَورَة فَكَأَنَّمَا أَحْيَا موؤدة) وَضَعفه ابْن عدي. وَعَن نبيط بن شريط أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الصَّغِير) عَن أَحْمد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نبيط بن شريط عَن أَبِيه عَن جده عَن أَبِيه نبيط، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من ستر عَورَة حُرْمَة مُؤمنَة ستره الله من النَّار) . وَعَن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه أَبُو الشَّيْخ ابْن حبَان فِي (كتاب الثَّوَاب) من رِوَايَة مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْعُكَّاشِي عَن عَمْرو بن وثاب عَن قبيصَة بن ذُؤَيْب عَن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من ستر مُؤمنا فَكَأَنَّمَا يستر الله ، والعكاشي ضَعِيف.
стр. 3703
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (الْمُسلم أَخُو الْمُسلم) ، يَعْنِي أَخُوهُ فِي الْإِسْلَام، وكل شَيْئَيْنِ يكون بَينهمَا اتِّفَاق تطلق عَلَيْهِمَا اسْم الْأُخوة. وَقَوله: الْمُسلم، تنَاول الْحر وَالْعَبْد والبالغ والمميز. قَوْله: (وَلَا يَظْلمه) ، نفي بِمَعْنى الْأَمر وَهُوَ من بَاب التَّأْكِيد، لِأَن ظلم الْمُسلم للْمُسلمِ حرَام. قَوْله: (وَلَا يُسلمهُ) ، قد فسرناه الْآن، وَزَاد الطَّبَرَانِيّ فِي رِوَايَته عَن سَالم: وَلَا يُسلمهُ فِي مصيبته. وَقَالَ ابْن التِّين: لَا يَظْلمه فرض، وَلَا يُسلمهُ مُسْتَحبّ. وَظَاهر كَلَام الدَّاودِيّ أَنه كظلمه، قَالَ: وَفِيه تَفْصِيل الْوُجُوب إِذا فجئه عَدو وَشبه ذَلِك، والاستحباب فِيمَا كَانَ من إِعَانَة فِي شَيْء من الدُّنْيَا. وَقَالَ ابْن بطال: نصر الْمَظْلُوم فرض كِفَايَة وتتعين فرضيته على السُّلْطَان. قلت: الْوُجُوب والاستحباب بِحَسب اخْتِلَاف الْأَحْوَال، والستر على الْمُسلم لَا يمْنَع الْإِنْكَار عَلَيْهِ خُفْيَة وَهَذَا فِي غير المجاهر، وَأما المجاهر فخارج عَن هَذَا وَلَا غيبَة لَهُ لقَوْله ﷺ : (أَتَرْعَوْنَ عَن ذكر الْفَاجِر؟ مَتى يعرفهُ النَّاس؟ أذكروه بِمَا فِيهِ يحذرهُ النَّاس) ، رَوَاهُ صَاحب (التَّلْوِيح) : بِإِسْنَادِهِ عَن بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : هُوَ ضَعِيف، وجد بهز هُوَ مُعَاوِيَة بن حيدة بن مُعَاوِيَة الْقشيرِي، وَعَن يحيى بن معِين بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده إِسْنَاده صَحِيح إِذا كَانَ دونه ثِقَة. وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم: سَمِعت أبي يَقُول: بهز شيخ يكْتب حَدِيثه وَلَا يحْتَج بِهِ. وَقَالَ النَّسَائِيّ: ثِقَة، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: هُوَ حجَّة عِنْدِي، اسْتشْهد بِهِ البُخَارِيّ فِي (الصَّحِيح) وروى لَهُ فِي (الْأَدَب) وروى لَهُ الْأَرْبَعَة. قَوْله: (كربةَ) ، بِضَم الْكَاف: وَهُوَ الْغم الَّذِي يَأْخُذ النَّفس، وَكَذَلِكَ الكرب على وزن الضَّرْب، تَقول مِنْهُ: كربه الْغم إِذا اشْتَدَّ عَلَيْهِ. قَوْله: (من كربات) ، جمع كربَة، ويروى: من كرب، بِضَم الْكَاف وَفتح الرَّاء. وَابْن التِّين اقْتصر على الأول، وَقَالَ: ضبط بِضَم الرَّاء وَيجوز فتحهَا وإسكانها. قَوْله: (وَمن ستر مُسلما) ، أَي: رَآهُ على قَبِيح فَلم يظهره للنَّاس، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَقْتَضِي ترك الْإِنْكَار عَلَيْهِ خُفْيَة.
وَفِي الحَدِيث: حض على التعاون وَحسن المعاشرة والإلفة والستر على الْمُؤمن وَترك التسمع بِهِ والإشهار لذنوبه. وَفِيه: أَن المجازاة قد تكون فِي الْآخِرَة من جنس الطَّاعَة فِي الدُّنْيَا، وَهَذَا الحَدِيث يحتوي على كثير من آدَاب الْمُسلمين. وَقَالَ الْكرْمَانِي: السّتْر إِنَّمَا هُوَ فِي مَعْصِيّة وَقعت وَانْقَضَت، أما فِيمَا تلبس الشَّخْص فَيجب الْمُبَادرَة بإنكارها وَمنعه مِنْهَا، وَأما مَا يتَعَلَّق بِجرح الروَاة وَالشُّهُود فَلَا يحل السّتْر عَلَيْهِم، وَلَيْسَ هَذَا من الْغَيْبَة الْمُحرمَة، بل من النَّصِيحَة الْوَاجِبَة.
٤ - (بابٌ أعِنْ أخاكَ ظالِماً أوْ مَظْلُوماً)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِعَانَة أَخِيه سَوَاء كَانَ ظَالِما أَو مَظْلُوما.
٣٤٤٢ - حدَّثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قَالَ حدَّثنا هُشَيْمٌ أخبرنَا عُبيدُ الله بنُ أبي بَكْرِ بنِ أنَسٍ وحُمَيدٌ الطَّوِيلُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يقُولُ قَالَ رسولُ الله ﷺ انْصُرْ أخاكَ ظالِماً أوْ مَظْلُوماً.
٤٤٤٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا مُعْتَمِرٌ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أَنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ انْصُرْ أخاكَ ظالِماً أوْ مظْلُوماً قَالُوا يَا رسولَ الله هاذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُوماً فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظالِماً قَالَ تأخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ. (انْظُر الحَدِيث ٣٤٤٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَخَاك ظَالِما أَو مَظْلُوما) . فَإِن قلت: الحَدِيث: أنْصر أَخَاك. قلت: النُّصْرَة تَسْتَلْزِم الْإِعَانَة فَيَكْفِي هَذَا الْمِقْدَار فِي وَجه الْمُطَابقَة. وَقيل: أَشَارَ بِلَفْظ الْإِعَانَة إِلَى مَا رُوِيَ عَن جَابر مَرْفُوعا: أعن أَخَاك ظَالِما أَو مَظْلُوما، أخرجه أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) من الْوَجْه الَّذِي أخرجه مِنْهُ البُخَارِيّ بِهَذَا اللَّفْظ، وروى هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: الأول: عَن عُثْمَان مُخْتَصرا، والْحَدِيث من أَفْرَاده، وهشيم مصغر هشم ابْن بشير مصغر بشر الوَاسِطِيّ، وَعبيد الله بن أبي بكر بن أنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ. قَوْله: (سمع) ، الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى: حميد، ويروى: سمعا، بالتثنية وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى: حميد وَعبيد الله. الطَّرِيق الثَّانِي: عَن مُسَدّد عَن مُعْتَمر بِلَفْظ الْفَاعِل من الاعتمار ابْن سُلَيْمَان الْبَصْرِيّ عَن حميد الطَّوِيل، وَفِي هَذَا من الزِّيَادَة، وَهِي قَوْله: قَالُوا: يَا رَسُول الله ... إِلَى آخِره، وَهِي رِوَايَة أبي الْوَقْت. وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي الْإِكْرَاه:
стр. 3704
وَقَالَ رجل. وَفِي رِوَايَة: قَالَ: يَا رَسُول الله! بِالْإِفْرَادِ، وَرِوَايَة: قَالَ رجل، يُوضح أَن فَاعل قَالَ مُضْمر فِيهِ يرجع إِلَى الرجل، قَوْله: (هَذَا) ، إِشَارَة إِلَى مَا فِي ذهنهم من الرجل الَّذِي ينصرونه. (ومظلوماً) نصب على الْحَال من الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي: ننصره، وَكَذَلِكَ: (مَظْلُوما) نصب على الْحَال. قَوْله: (تَأْخُذ فَوق يَدَيْهِ) أَي: تَمنعهُ عَن الظُّلم، وَكلمَة: فَوق، مقحمة، أَو ذكرت إِشَارَة إِلَى الْأَخْذ بالاستعلاء وَالْقُوَّة، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من حَدِيث حميد عَن أنس، قَالَ: تكفه عَن الظُّلم فَذَاك نَصره إِيَّاه، وَفِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث جَابر: إِن كَانَ ظَالِما فلينهه، فَإِنَّهُ لَهُ نصْرَة. وَقَوله: تَأْخُذ، يدل على أَن الْقَائِل وَاحِد، وَلَو كَانَ جمعا لقَالَ: تأخذون، وَقَالَ ابْن بطال: النَّصْر عِنْد الْعَرَب الْإِعَانَة، وَتَفْسِيره لنصر الظَّالِم بِمَنْعه من الظُّلم من تَسْمِيَة الشَّيْء بِمَا يؤول إِلَيْهِ، وَهُوَ من وجيز البلاغة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ مَعْنَاهُ: أَن الظَّالِم مظلوم فِي نَفسه فَيدْخل فِيهِ ردع الْمَرْء عَن ظلمه لنَفسِهِ حسا وَمعنى، فَلَو رأى إنْسَانا يُرِيد أَن يجب نَفسه لظَنّه أَن ذَلِك يزِيل مفسده طلبه للزِّنَا، مثلا، مَنعه من ذَلِك، وَكَانَ ذَلِك نصرا لَهُ، واتحد فِي هَذِه الصُّورَة الظَّالِم والمظلوم. وَفِي (التَّلْوِيح) : ذكر الْمفضل بن سَلمَة الضَّبِّيّ فِي كِتَابه (الفاخر) : أَن أول من قَالَ: أنْصر أَخَاك ظَالِما أَو مَظْلُوما، جُنْدُب ابْن العنبر بن عَمْرو بن تَمِيم، بقوله لسعد بن زيد مَنَاة لما أسر:
(يَا أَيهَا الْمَرْء الْكَرِيم المكسوم ... أنْصر أَخَاك ظَالِما أَو مظلوم)
وَأنْشد التاريخي للأسلع بن عبد الله:
(إِذا أَنا لم أنْصر أخي وَهُوَ ظَالِم ... على الْقَوْم لم أنْصر أخي حِين يظلم)
فأرادوا بذلك مَا اعتادوه من حمية الْجَاهِلِيَّة، لَا على مَا فسره النَّبِي ﷺ .
٥ - (بابُ نَصْرِ الْمَظْلُومِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب نصر الْمَظْلُوم.)
٥٤٤٢ - حدَّثنا سَعيدُ بنُ الرَّبِيع قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الأشْعَثِ بنِ سُلَيْمٍ قَالَ سَمِعْتُ مُعاوِيَةَ بنَ سُوَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ البَرَاءَ بنَ عازِبٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ أمَرَنا النبيُّ ﷺ بِسَبْعٍ ونهَانا عنْ سَبْعٍ فذَكَرَ عِيادَةَ الْمَرِيضِ واتِّباعَ الْجَنائِزِ وتَشْميتَ العاطِسِ ورَدَّ السَّلَامِ ونَصْرَ الْمَظْلُومِ وإجَابَةَ الدَّاعِي وإبْرَارَ الْمُقْسِمِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَنصر الْمَظْلُوم) وَهُوَ أحد السَّبْعَة الْمَذْكُورَة.
وَرِجَاله خَمْسَة قد ذكرُوا، وَسَعِيد بن الرّبيع، بِفَتْح الرَّاء: الْبَصْرِيّ بياع الثِّيَاب الهروية، مر فِي جَزَاء الصَّيْد، والأشعث بن سليم، بِضَم السِّين الْمُهْملَة: الْكُوفِي المكنى بِأبي الشعْثَاء، مر فِي التَّيَمُّن فِي الْوضُوء، وَمُعَاوِيَة بن سُوَيْد، بِضَم السِّين الْمُهْملَة: مر مَعَ الحَدِيث فِي أول الْجَنَائِز.
والْحَدِيث مر فِي: بَاب الْأَمر بِاتِّبَاع الْجَنَائِز، مَعَ اشتماله على السَّبْعَة الْمنْهِي عَنْهَا بالسند الْمَذْكُور، إِلَّا شَيْخه، فَإِنَّهُ هُنَاكَ: أَبُو الْوَلِيد عَن شُعْبَة ... إِلَى آخِره.
قَوْله: (وإبرار الْمقسم) ، ويروي: (وإبرار الْقسم) ، قَالَ الْعلمَاء: نصر الْمَظْلُوم فرض وَاجِب على الْمُؤمنِينَ على الْكِفَايَة، فَمن قَامَ بِهِ سقط عَن البَاقِينَ، وَيتَعَيَّن فرض ذَلِك على السُّلْطَان، ثمَّ على من لَهُ قدرَة على نصرته إِذا لم يكن هُنَاكَ من ينصره غَيره من سُلْطَان وَشبهه، وعيادة الْمَرِيض سنة مرعية، وَاتِّبَاع الْجَنَائِز من فروض الْكِفَايَة، وتشميت الْعَاطِس سنة، وَقيل: فرض كِفَايَة، حَكَاهُ ابْن بطال، وَبِه قَالَ ابْن سراقَة من الشَّافِعِيَّة، وَقيل: وَاجِب كرد السَّلَام، وَإجَابَة الدَّاعِي سنة إلَاّ أَنه فِي الْوَلِيمَة قيل: فرض عين، وَقيل: فرض كِفَايَة. وَقَالَ ابْن بطال: هُوَ فِي الْوَلِيمَة آكِد، وإبرار الْمقسم، مَنْدُوب إِلَيْهِ إِذا أقسم عَلَيْهِ فِي مُبَاح يَسْتَطِيع فعله، فَإِن أقسم على مَا لَا يجوز، أَو يشق على صَاحبه، لم ينْدب إِلَى الْوَفَاء بِهِ.
٦٤٤٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلَاءِ قَالَ حدَّثنا أَبُو أسَامَةَ عنْ بُرَيْدٍ عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبِي موساى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كالْبُنْيانِ يَشُد بَعضُهُ بَعْضاً وشَبَّكَ بيْنَ أصَابِعِهِ. (انْظُر الحَدِيث ١٨٤ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث: فَإِن الْمُؤمن إِذا شدّ الْمُؤمن فقد نَصره، وَأَبُو اسامة حَمَّاد بن أُسَامَة وبريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله بن أبي بردة، يروي عَن جده أبي بردة، بِضَم الْبَاء، وَاسم أبي بردة: الْحَادِث. وَقيل: عَامر، وَقيل: اسْمه كنيته، وَهُوَ ابْن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، واسْمه عبد الله بن قيس.
وَفِي هَذَا السَّنَد: رِوَايَة الرَّاوِي عَن جده، وَرِوَايَة الرَّاوِي
стр. 3705
عَن أَبِيه فَالْأول: بريد، وَالثَّانِي: أَبُو بردة.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب تشبيك الْأَصَابِع فِي الْمَسْجِد وَغَيره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَرَوَاهُ هُنَاكَ عَن خَلاد بن يحيى عَن سُفْيَان عَن بريد إِلَى آخِره.
قَوْله: (بعضه) فِي رِوَايَة الْكشميهني: (يشد بَعضهم) ، بِصِيغَة الْجمع، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.
٦ - (بابُ الإنْتِصارِ مِنَ الظَّالِمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الِانْتِصَار، أَي: الانتقام.
لِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿لَا يُحِبُّ الله الجهْرَ بالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إلَاّ مَنْ ظُلِمَ وكانَ الله سَميعاً عَلِيماً (النِّسَاء: ٨٤١) .
هَذَا تَعْلِيل لجَوَاز الِانْتِصَار من الظَّالِم، وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: ﴿لَا يحب الله الْجَهْر بالسوء من القَوْل إِلَّا من ظلم﴾ (النِّسَاء: ٨٤١) . يَقُول: لَا يحب الله أَن يَدْعُو أحد على أحد إلَاّ أَن يكون مَظْلُوما، فَإِنَّهُ قد أرخص لَهُ أَن يَدْعُو على من ظلمه، وَذَلِكَ قَوْله: ﴿إِلَّا من ظلم﴾ (النِّسَاء: ٨٤١) . وَإِن صَبر فَهُوَ خير لَهُ، وَقَالَ عبد الرَّزَّاق: أخبرنَا الْمثنى بن الصَّباح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: ﴿لَا يحب الله الْجَهْر بالسوء من القَوْل إلَاّ من ظلم﴾ (النِّسَاء: ٨٤١) . قَالَ: ضاف رجل رجلا فَلم يؤد إِلَيْهِ حق ضيافته، فَلَمَّا خرج أخبر النَّاس، فَقَالَ: ضفت فلَانا فَلم يؤد إِلَيّ حق ضيافتي. قَالَ: فَذَلِك الْجَهْر بالسوء من القَوْل إلَاّ من ظلم حِين لم يؤد إِلَيْهِ الآخر حق ضيافته، وَقَالَ عبد الْكَرِيم بن مَالك الْجَزرِي، فِي هَذِه الْآيَة: هُوَ الرجل يشتمك فتشتمه، وَلَكِن إِن افترى عَلَيْك فَلَا تفتر عَلَيْهِ، لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلمن انتصر بعد ظلمه فَأُولَئِك مَا عَلَيْهِم من سَبِيل﴾ (الشورى: ١٤) . وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (المستبان مَا قَالَا، فعلى البادىء مِنْهُمَا مَا لم يعتدِ الْمَظْلُوم) .
﴿والَّذِينَ إذَا أصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (الشورى: ٩٣) .
الْبَغي الظُّلم: أَي: الَّذين إِذا أَصَابَهُم بغي الْمُشْركين فِي الدّين انتصروا عَلَيْهِم بِالسَّيْفِ، أَو إِذْ بغى عَلَيْهِم باغٍ كره أَن يستذلوا لِئَلَّا يجترىء عَلَيْهِم الْفُسَّاق، فَإِذا قدرُوا عفوا. وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق السّديّ فِي قَوْله: ﴿وَالَّذين إِذا أَصَابَهُم الْبَغي هم ينتصرون﴾ (الشورى: ٩٣) . قَالَ: يَعْنِي فَمن بغى عَلَيْهِم من غير أَن يعتدوا، وروى النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: (دخلت على زَيْنَب بنت جحش فسبتني، فردعها النَّبِي، ﷺ ، فَأَبت، فَقَالَ لي: سبيهَا فسببتها حَتَّى جف رِيقهَا فِي فمها، فَرَأَيْت وَجهه يَتَهَلَّل) .
قَالَ إبْرَاهِيمُ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُسْتَذَلُّوا فإذَا قَدَرُوا عَفَوْا
إِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ. قَوْله: (كَانُوا) أَي: السّلف. قَوْله: (أَن يستذلوا) ، على صِيغَة الْمَجْهُول وَهُوَ من الذلك، وَهَذَا التَّعْلِيق ذكره عبد بن حميد فِي (تَفْسِيره) عَن قبيصَة عَنهُ، وَفِي رِوَايَة قَالَ مَنْصُور: سَأَلت إِبْرَاهِيم عَن قَوْله: ﴿وَالَّذين إِذا أَصَابَهُم الْبَغي هم ينتصرون﴾ (الشورى: ٩٣) . قَالَ: كَانُوا يكْرهُونَ للْمُؤْمِنين أَن يذلوا أنفسهم فيجترىء الْفُسَّاق عَلَيْهِم.
٧ - (بابُ عَفْوِ الْمَظْلُومِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حسن عَفْو الْمَظْلُوم عَمَّن ظلمه.
لِقَوْلِهِ تعالاى: ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْراً أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عنْ سِوءٍ فإنَّ الله كانَ عَفُوُّاً قَدِيراً﴾ (النِّسَاء: ٩٤١) .
هَذَا تَعْلِيل لحسن عَفْو الْمَظْلُوم. قَوْله: ﴿إِن تبدوا﴾ (النِّسَاء: ٩٤١) . أَي: تظهروا ﴿خيرا﴾ (النِّسَاء: ٩٤١) . بَدَلا من السوء ﴿أَو تُخْفُوهُ﴾ (النِّسَاء: ٩٤١) . أَي: أَو أخفيتموه، أَو عفوتم عَمَّن أَسَاءَ إِلَيْكُم فَإِن ذَلِك مِمَّا يقربكم إِلَى الله تَعَالَى ويجزل ثوابكم لَدَيْهِ، فَإِن من صِفَاته تَعَالَى أَن يعْفُو عَن عباده مَعَ قدرته على عقابهم، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَإِن الله كَانَ عفوا قَدِيرًا﴾ (النِّسَاء: ٩٤١) . وَلِهَذَا ورد فِي الْأَثر أَن حَملَة الْعَرْش يسبحون الله تَعَالَى، فَيَقُول بَعضهم: سُبْحَانَكَ على حلمك بعد علمك، وَيَقُول بَعضهم: سُبْحَانَكَ على عفوك بعد قدرتك. وَفِي (الصَّحِيح) : (مَا نقص مَال من صَدَقَة، وَمَا زَاد الله عبدا بِعَفْو إلَاّ عزا، وَمن تواضع لله رَفعه الله) . وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ
стр. 3706
لأبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (مَا من عبد ظلم مظْلمَة فَعَفَا عَنْهَا إلَاّ أعز الله بهَا نَصره) . وَأخرج الطَّبَرِيّ عَن السّديّ فِي قَوْله: ﴿أَو تعفوا عَن سوء﴾ (النِّسَاء: ٩٤١) . أَي: عَمَّن ظلم.
وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةً مِثْلُهَا فَمَنْ عَفا وأصْلَحَ فأجْرُهُ عَلَى الله إنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (الشورى: ٠٤) .
أَي: وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة ... ﴾ (الشورى: ٠٤) . وَقَوله: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة﴾ (الشورى: ٠٤) . إِلَى قَوْله: ﴿من سَبِيل﴾ (الشورى: ٠٤) . آيَات متناسقة من سُورَة حم عسق، وروى ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ فِي قَوْله: ﴿وَجَزَاء سية سَيِّئَة مثلهَا﴾ (الشورى: ٠٤) . قَالَ: إِذا شتمك شتمته بِمِثْلِهَا من غير أَن تعتدي، وَعَن الْحسن رخص لَهُ إِذا سبه أحد أَن يسبه، وَيُقَال: يُرِيد بقوله: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ (الشورى: ٠٤) . الْقصاص فِي الْجراح المتماثلة، وَإِذا قَالَ: أَخْزَاهُ الله، أَو: لَعنه الله، قابله بِمثلِهِ، وَسميت الثَّانِيَة: سَيِّئَة، لازدواج الْكَلَام ليعلم أَنه جَزَاء على الأولى.
﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إنَّمَا السَّبيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ ويَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ ولَمَنْ صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذالِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمُورِ وتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْا العَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (الشورى: ١٤ ٤٤) .
اللَّام فِي: ﴿وَلمن انتصر﴾ للتَّأْكِيد أَي: انتقم. قَوْله: ﴿بعد ظلمه﴾ من إِضَافَة الْمصدر إِلَى الْمَفْعُول. قَوْله: ﴿فَأُولَئِك﴾ إِشَارَة إِلَى معنى من دون لَفظه ﴿مَا عَلَيْهِم من سَبِيل﴾ للمعاقب، وَالْمعْنَى: أَخذ حَقه بعد أَن ظلم فَأُولَئِك مَا عَلَيْهِم من سَبِيل إِلَى لومه، وَقيل: مَا عَلَيْهِم من إِثْم، إِنَّمَا السَّبِيل باللوم وَالْإِثْم على الَّذين يظْلمُونَ النَّاس، يبتدرون النَّاس بالظلم ويبغون فِي الأَرْض يتكبرون فِيهَا وَيقْتلُونَ ويفسدون عَلَيْهِم بِغَيْر الْحق، أُولَئِكَ لَهُم عَذَاب أَلِيم أَي: مؤلم، وَلمن صَبر على الظُّلم والأذى وَلم ينتصر وفوض أمره إِلَى الله إِن ذَلِك الصَّبْر وَالْمَغْفِرَة مِنْهُ لمن عزم الْأُمُور، أَي: من الْأُمُور الَّتِي ندب إِلَيْهَا، والعزم: الْإِقْدَام على الْأَمر بعد الروية والفكر. قَوْله: ﴿وَمن يضلل الله﴾ أَي: وَمن يخلق الله تَعَالَى فِيهِ الضَّلَالَة، فَمَا لَهُ من ولي من بعده وَلَيْسَ لَهُ من نَاصِر يَتَوَلَّاهُ من بعد إضلاله إِيَّاه. قَوْله: ﴿وَترى الظَّالِمين﴾ أَي: الْكَافرين لما رَأَوْا الْعَذَاب أَي: لما يرَوْنَ، فجَاء بِلَفْظ الْمَاضِي تَحْقِيقا ﴿يَقُولُونَ هَل إِلَى مرد من سَبِيل؟﴾ أَي: هَل إِلَى رَجْعَة إِلَى الدُّنْيَا من حِيلَة، فنؤمن بك؟ وَذكر هَذِه الْآيَات الْكَرِيمَة لِأَنَّهَا تَتَضَمَّن عَفْو الْمَظْلُوم وصفحه واستحقاقه الْأجر الْجَمِيل وَالثَّوَاب الجزيل.
٨ - (بابٌ الْظُّلْمُ ظُلُماتٌ يَوْمَ الْقِيامَةِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الظُّلم ظلمات، وَهُوَ جمع ظلمَة وَهُوَ خلاف النُّور، وَضم اللَّام فِيهِ لُغَة، وَيجوز فِي الظُّلُمَات ضم اللَّام وَفتحهَا وسكونها، وَيُقَال: أظلم اللَّيْل، والظلام أول اللَّيْل، والظلماء الظلمَة، وَرُبمَا وصف بهَا يُقَال لَيْلَة ظلماء، أَي: مظْلمَة، وظلم اللَّيْل بِالْكَسْرِ وأظلم بِمَعْنى، وَعَن الْفراء: أظلم الْقَوْم دخلُوا فِي الظلام، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَإِذا هم مظلمون﴾ (يس: ٧٣) . قَوْله: (يَوْم الْقِيَامَة) ، نصب على الظّرْف.
٧٤٤٢ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يونُسَ قَالَ حدَّثنا عبْدُ العَزِيزِ الْمَاجِشُونُ أخبرنَا عَبْدُ الله بنُ دِينارٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عَن النبيِّ ﷺ قَالَ الظُّلْمُ ظُلُماتٌ يَوْمَ الْقِيامَةِ
التَّرْجَمَة هِيَ عين الحَدِيث، وَأحمد هُوَ ابْن عبد الله بن يُونُس أَبُو عبد الله التَّمِيمِي الْيَرْبُوعي الْكُوفِي، وَعبد الْعَزِيز بن عبد الله ابْن أبي سَلمَة الْمَاجشون، وَاسم أبي سَلمَة: دِينَار، مَاتَ بِبَغْدَاد سنة أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَة، والماجشون، بِضَم الْجِيم وَفتحهَا وَكسرهَا، وَهَذَا لقب يَعْقُوب بن أبي سَلمَة، وَسمي بذلك وَلَده وَأهل بَيته، وَلِهَذَا يرْوى هُنَا: عبد الْعَزِيز بن الْمَاجشون، وَلَيْسَ بلقب خَاص لعبد الْعَزِيز، وَسمي بذلك لِأَن وجنتيه كَانَتَا حمراوان، وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ، وَقد مر عبد الْعَزِيز فِي الْعلم وَمر الْكَلَام فِي معنى الْمَاجشون.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن حَاتِم. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن عَبَّاس
стр. 3707
الْعَنْبَري وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب، وَرَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق محَارب بن دثار عَن ابْن عمر، وَزَاد فِي أَوله: يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا الظُّلم ... وَفِي رِوَايَة: وَإِيَّاكُم وَالظُّلم، وَأخرجه مُسلم أَيْضا من حَدِيث جَابر بِلَفْظ: اتَّقوا الظُّلم فَإِن الظُّلم ظلمات يَوْم الْقِيَامَة وَاتَّقوا الشُّح ... الحَدِيث.
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: الظُّلم يشْتَمل على معصيتين: أَخذ مَال الْغَيْر بِغَيْر حق، ومبارزة الْآمِر بِالْعَدْلِ بالمخالفة، وَهَذِه أدهى، لِأَنَّهُ لَا يكَاد يَقع الظُّلم إلَاّ للضعيف الَّذِي لَا نَاصِر لَهُ غير الله، وَإِنَّمَا ينشأ من ظلمَة الْقلب، لِأَنَّهُ لَو استنار بِنور الْهَدْي لنظر فِي العواقب. وَقَالَ الْمُهلب: الَّذِي يدل عَلَيْهِ الْقُرْآن: أَنَّهَا ظلمات على الْبَصَر حَتَّى لَا يَهْتَدِي سَبِيلا، قَالَ الله تَعَالَى فِي الْمُؤمنِينَ: ﴿يسْعَى نورهم بَين أَيْديهم وبأيمانهم﴾ (الْحَدِيد: ٢١) . وَقَالَ فِي الْمُنَافِقين: ﴿انظرونا نقتبس من نوركم﴾ (الْحَدِيد: ٣١) . فأثاب الله الْمُؤمن بِلُزُوم نور الْإِيمَان لَهُم، ولذذهم بِالنّظرِ إِلَيْهِ، وقوى بِهِ أَبْصَارهم، وعاقب الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ بِأَن أظلم عَلَيْهِم ومنعهم لَذَّة النّظر إِلَيْهِ. وَقَالَ الْقَزاز: الظُّلم هُنَا الشّرك، أَي: هُوَ عَلَيْهِم ظلام وعمى، وَمن هَذَا زعم بعض اللغويين أَن اشتقاق الظُّلم من الظلام، كَأَن فَاعله فِي ظلام عَن الْحق، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَن الظُّلم وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب.
٩ - (بابُ الإتِّقَاءِ والحَذَرِ مِنْ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الاتقاء أَي: الاجتناب وَالْخَوْف والحذر من دَعْوَة الْمَظْلُوم لِأَنَّهَا لَا ترد.
٨٤٤٢ - حدَّثنا يَحْياى بنُ مُوساى قَالَ حدَّثنا وكِيعٌ قَالَ حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ بنُ إسْحَاقَ الْمَكِّيُّ عنْ يَحْياى بنُ عَبْدِ الله بنِ صَيْفِيّ عنْ أبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعاذاً إلاى اليَمَنِ فَقَالَ اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فإنَّهَا لَيْسَ بَيْنَها وبيْنَ الله حجَابٌ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (اتَّقِ دَعْوَة الْمَظْلُوم) . والْحَدِيث مضى فِي أَوَاخِر كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب أَخذ الصَّدَقَة من الْأَغْنِيَاء. فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بأتم مِنْهُ: عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله عَن زَكَرِيَّاء بن إِسْحَاق ... إِلَى آخِره، وَأخرجه هُنَا: عَن يحيى بن مُوسَى ابْن عبد ربه أبي زَكَرِيَّاء السّخْتِيَانِيّ الْحدانِي الْبَلْخِي الَّذِي يُقَال لَهُ: خت، عَن وَكِيع بن الْجراح عَن زَكَرِيَّاء ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. قَوْله: (فَإِنَّهَا) أَي: فَإِن دَعْوَة الْمَظْلُوم. ويروى: فَإِنَّهُ أَي: فَإِن الشَّأْن لَيْسَ بَين دَعْوَة الْمَظْلُوم وَبَين الله حجاب، وَمعنى عدم الْحجاب أَنَّهَا مجابة، وَقد جَاءَ فِي حَدِيث آخر مُفَسرًا دَعْوَة الْمَظْلُوم مجابة وَإِن كَانَ فَاجِرًا، ففجوره على نَفسه، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا.
٠١ - (بابُ مَنْ كَانتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ عِنْدَ الرَّجُلِ فَحَلَّلَهَا لَهُ هَلْ يُبَيِّنُ مَظْلِمَتَهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من كَانَت لَهُ مظْلمَة، أَي: الْمَأْخُوذ بِغَيْر حق عِنْد الرجل، ويروى: عِنْد رجل. قَوْله: (هَل يبين مظلمته؟) أَي: هَل يحْتَاج إِلَى بَيَان تِلْكَ الْمظْلمَة حَتَّى يَصح التَّحْلِيل؟ وَفِيه خلاف، فَلذَلِك لم يذكر جَوَاب: هَل.
٩٤٤٢ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبي إياسٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبِي ذِئْبٍ قَالَ حدَّثنا سَعيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ مَنْ كانَتْ لَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ أوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ قَبْلَ أنْ لَا يَكُونَ دِينارٌ ولَا دِرْهَمٌ إنْ كانَ لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ وإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ. (الحَدِيث ٩٤٤٢ طرفه فِي: ٤٣٥٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث، فَإِنَّهُ أَعم من أَن يبين قدر مَا يتَحَلَّل بِهِ، أَو لَا يبين، وَهَذَا يُقَوي قَول من قَالَ بِصِحَّة الْإِبْرَاء الْمَجْهُول، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَابْن أبي ذِئْب هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (من كَانَت لَهُ) ، قَالَ بَعضهم: اللَّام فِيهِ بِمَعْنى، على، أَي: من كَانَت عَلَيْهِ مظْلمَة لِأَخِيهِ. قلت:
стр. 3708
لَا يحْتَاج إِلَى ذَلِك، بل اللَّام هُنَا بِمَعْنى: عِنْد، كَقَوْلِهِم: كتبته لخمس خلون، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن مَالك عَن المَقْبُري فِي الرقَاق بِلَفْظ: من كَانَت عِنْده مظْلمَة لِأَخِيهِ ... وَالْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا. قَوْله: (مظْلمَة) ، قَالَ ابْن مَالك: مظْلمَة، بِفَتْح اللَّام وَكسرهَا، وَالْكَسْر أشهر، وَقد رُوِيَ بِالضَّمِّ أَيْضا. وَفِي (التَّوْضِيح) : قَالَ الْقَزاز بِضَم اللَّام وَكسرهَا، وَفِي (أدب الْكَاتِب) لِابْنِ قُتَيْبَة بِفَتْح اللَّام، وَنقل ابْن التِّين عَن ابْن قُتَيْبَة فتح اللَّام وَكسرهَا. قَالَ: وَضبط عَن (الصِّحَاح) ضمهَا، وَهُوَ خطأ. قَوْله: (من عرضه) ، بِكَسْر الْعين، وَعرض الرجل مَوضِع الْمَدْح والذم مِنْهُ، سَوَاء كَانَ فِي نَفسه أَو فِي سلفه أَو من يلْزمه أمره، وَقيل: هُوَ جَانِبه الَّذِي يصونه من نَفسه وحسبه ويحامي عَنهُ أَن ينتقص أَو يثلب. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: عرض الرجل نَفسه وبدنه لَا غير. قَوْله: (أَو شَيْء) ، أَي: من الْأَشْيَاء، وَهُوَ من عطف الْعَام على الْخَاص، فَيدْخل فِيهِ المَال بأصنافه والجراحات حَتَّى اللَّطْمَة وَنَحْوهَا، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: من عرض أَو مَال. قَوْله: (فليتحلله) ، قَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ: يستوهبه وَيقطع دَعْوَاهُ عَنهُ، لِأَن مَا حرم الله من الْغَيْبَة لَا يُمكن تَحْلِيله، وَجَاء رجل إِلَى ابْن سِيرِين، فَقَالَ: اجْعَلنِي فِي حل فقد اغتبتك، فَقَالَ: إِنِّي لَا أحل مَا حرم الله تَعَالَى، وَلَكِن مَا كَانَ من قبلنَا فَأَنت فِي حل، وَيُقَال: معنى: فليتحلله إِذا سَأَلَهُ: أَن يَجعله فِي حل، يُقَال: تحللته واستحللته. قَوْله: (الْيَوْم) ، نصب على الظّرْف أَرَادَ بِهِ فِي الدُّنْيَا. قَوْله: (قبل أَن لَا يكون دِينَار وَلَا دِرْهَم) ، يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (إِن كَانَ لَهُ عمل صَالح) إِلَى آخِره، معنى أَخذ الْحَسَنَات والسيئات أَن يَجْعَل ثَوَابهَا لصَاحب الْمظْلمَة، وَيجْعَل على الظَّالِم عُقُوبَة سيئاته. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا التَّوْفِيق بَينه وَبَين قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ (الْأَنْعَام: ٤٦١ والإسراء: ٥١ وفاطر: ٨١ وَالزمر: ٧) . قلت: لَا تعَارض بَينهمَا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُعَاقب بِسَبَب فعله وظلمه، وَلم يُعَاقب بِغَيْر جِنَايَة مِنْهُ، لِأَنَّهُ لما تَوَجَّهت عَلَيْهِ حُقُوق للْغُرَمَاء دفعت إِلَيْهِم حَسَنَاته وَلما لم يبْق مِنْهَا بَقِيَّة، قوبل على حسب مَا اقْتَضَاهُ عدل الله تَعَالَى فِي عباده، فَأَخَذُوهَا من سيئاته فَعُوقِبَ بهَا. انْتهى. قلت فِيهِ: مَا فِيهِ يعلم بِالتَّأَمُّلِ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَامَ الْإِجْمَاع على أَنه إِذا بَين مظلمته عَلَيْهِ فأبراه فَهُوَ نَافِذ، وَاخْتلفُوا فِيمَن بَينهمَا مُلَابسَة أَو مُعَاملَة ثمَّ حلل بعضهما بَعْضًا من كل مَا جرى بَينهمَا من ذل، فَقَالَ قوم: إِن ذَلِك بَرَاءَة لَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَإِن لم يبين مِقْدَاره وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا تصح الْبَرَاءَة إِذا بَين لَهُ وَعرف مَاله عِنْده أَو قَارب ذَلِك بِمَا لَا مشاحة فِي ذكره، وَهَذَا الحَدِيث حجَّة لهَذَا، لِأَن قَوْله ﷺ : ﴿أخذت مِنْهُ بِقدر مظلمته) ، يدل أَنه يجب أَن يكون مَعْلُوم الْقدر مشاراً إِلَيْهِ، وَكَانَ ابْن الْمسيب لَا يحلل أحدا، وَكَانَ ابْن يسَار يحلل من الْعرض وَالْمَال، وَقَالَ مَالك: أما المَال فَنعم، وَأما من الْعرض: ﴿فَإِنَّمَا السَّبِيل على الَّذين يظْلمُونَ النَّاس﴾ (الشورى: ٢٤) . وَقَالَ الدَّاودِيّ: أَحسب مَالِكًا أَرَادَ: إِن أصَاب من عرض رجل لم يجز لوَارِثه أَن يحلله. وَقَالَ ابْن التِّين: وَأرَاهُ خلافًا لقَوْل مَالك، لِأَنَّهُ قَالَ: إِن مَاتَ وَلَا وَفَاء عِنْده، فَالْأَفْضَل أَن يحلله، وَأما من ظلم أَو اغتاب فَلَا، وَذكر الْآيَة، وَكَانَ بَعضهم يحلل من عرضه ويتأول الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا، وَكَانَ الْقَاسِم يحلل من ظلمه وَقَالَ الْخطابِيّ: إِذا اغتاب رجل رجلا فَإِن كَانَ بلغ القَوْل مِنْهُ ذَلِك فَلَا بُد أَن يسْتَحل، وَإِن لم يبلغهُ اسْتغْفر الله وَلَا يُخبرهُ، وَأما التَّحَلُّل فِي المَال فَإِنَّمَا يَصح ذَلِك فِي أَمر مَعْلُوم، وَقَالَ بعض أهل الْعلم: إِنَّمَا يَصح ذَلِك فِي الْمَنَافِع الَّتِي هِيَ أَعْرَاض، مثل أَن يكون قد غصبه دَارا فسكنها، أَو دَابَّة فركبها، أَو ثوبا فلبسه أَو يكون أعياناً فَتلفت، فَإِذا تحلل مِنْهَا صَحَّ التَّحَلُّل، فَإِن كَانَت الدَّار قَائِمَة وَالدَّرَاهِم فِي يَده حَاصِلَة لم يَصح التَّحَلُّل مِنْهَا إلَاّ أَن يهب أعيانها مِنْهُ، فَتكون هبة مستأنفة.
قَالَ أَبُو عبْدِ الله قَالَ اسْماعِيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ إنَّما سُمِّي الْمَقْبُرِيُّ لِأَنَّهُ كانَ نَزَلَ ناحِيَةَ الْمَقابِرِ
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ، وَإِسْمَاعِيل بن أبي أويس من شُيُوخه، وَاسم أبي أويس عبد الله الأصبحي الْمدنِي ابْن أُخْت مَالك بن أنس قَوْله: (إِنَّمَا سمى) ، أَي: سعيد، الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث: المَقْبُري لنزوله نَاحيَة الْمَقَابِر بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة. وَقَوله: (قَالَ أَبُو عبد الله) إِلَى آخِره، إِنَّمَا يثبت فِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده.
قَالَ أبُو عبد الله وسَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ هُوَ مَوْلاى بَنِي ليْثٍ وهْو سَعيدُ بنُ أبي سَعِيدٍ وَاسم ابي سعيد كَيْسَانُ
هَذَا أَيْضا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده، وَأَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ، وَكَانَ اسْم أبي سعيد كيسَان، كَانَ مكَاتبا لامْرَأَة من أهل الْمَدِينَة من بني لَيْث بن بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة، وكيسان روى عَن عمر بن الْخطاب، وَعلي بن أبي طَالب وَأبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد
стр. 3709
الْخُدْرِيّ، وروى عَنهُ ابْنه سعيد وَآخَرُونَ، وَقَالَ مُحَمَّد بن عمر: كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث، توفّي سنة مائَة فِي خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز، وَقَالَ الْحَرْبِيّ: جعله عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على حفر الْقُبُور فَسُمي المَقْبُري، وَأما ابْنه سعيد فروى عَن أبي هُرَيْرَة وَأنس بن مَالك وَجَابِر بن عبد الله وَعبد الله بن عمر وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَعَائِشَة وَأم سَلمَة وَآخَرين، وَقَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَمُحَمّد بن سعد وَأَبُو زرْعَة وَالنَّسَائِيّ وَآخَرُونَ: ثِقَة، وَكَذَا قَالَ ابْن خرَاش، وَزَاد: جليل أثبت النَّاس فِيهِ اللَّيْث، وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد: مَاتَ سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَة بِالْمَدِينَةِ، روى لَهُ الْجَمَاعَة وَآخَرُونَ.
١١ - (بابٌ إذَا حَلَّلَهُ مِنْ ظُلْمِهِ فَلَا رُجُوعَ فِيهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا حلل الْمَظْلُوم من ظلمه فَلَا رُجُوع فِيهِ إِن كَانَ مَعْلُوما عِنْد من يَشْتَرِطه، أَو مَجْهُول عِنْد من يُجِيزهُ على الْخلاف الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي الْبَاب السَّابِق.
٠٥٤٢ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فِي هاذِهِ الْآيَة ﴿وإنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزَاً أوْ إعْرَاضاً﴾ (النِّسَاء: ٨٢١) . قالَتِ الرَّجُلُ تَكونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْها يُريدُ أنْ يُفارِقَها فَقَالَتْ أجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حِلٍّ فنَزَلَتْ هاذِهِ الآيةُ فِي ذالِكَ. .
قَالَ الدَّاودِيّ: لَيست التَّرْجَمَة مُطَابقَة للْحَدِيث، لِأَن هَذَا فِيمَا يَأْتِي وَلَيْسَ بظُلْم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ دلّ، يَعْنِي: الحَدِيث على التَّرْجَمَة؟ قلت: الْخلْع عقد لَازم لَا رُجُوع فِيهِ، وَكَذَا لَو كَانَ التَّحْلِيل بطرِيق الصُّلْح أَو الْهِبَة أَو الْإِبْرَاد، ورد عَلَيْهِ بَعضهم بقوله: قَالَ الْكرْمَانِي كَذَا فَوَهم، ومورد الحَدِيث وَالْآيَة إِنَّمَا هُوَ فِي حق من يسْقط حَقّهَا من الْقِسْمَة، وَلَيْسَ من الْخلْع فِي شَيْء. انْتهى. قلت: نعم، قَوْله: الْخلْع عقد لَازم لَا رُجُوع فِيهِ لَيْسَ بِشَيْء، لِأَنَّهُ مَا فِي التَّرْجَمَة، وَلَا فِي الحَدِيث شيى يدل على الْخلْع، وَلَكِن قَوْله: وَكَذَا ... إِلَى آخِره، لَهُ وَجه، لِأَن التَّرْجَمَة فِي تَحْلِيل من ظلمه وَلَا رُجُوع فِيهِ. والْحَدِيث أَيْضا فِيهِ التَّحْلِيل على مَا لَا يخفى، وَلَكِن يُعَكر عَلَيْهِ بِشَيْء، وَذَلِكَ لِأَن التَّحْلِيل إِسْقَاط الْحق من الْمظْلمَة الْفَائِتَة ومضمون الْآيَة إِسْقَاط الْحق الْمُسْتَقْبل حَتَّى لَا يكون عدم الْوَفَاء بِهِ مظْلمَة لسقوطه، وَلَكِن وَجه هَذَا بِأَن يُقَال: بِأَن البُخَارِيّ تأنق فِي الِاسْتِدْلَال، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذا نفذ الْإِسْقَاط فِي الْحق المتوقع فنفوذه فِي الْحق المتحقق أولى وأجدر، وَهَذَا هُوَ وَجه الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن مقَاتل. الثَّانِي: عبد الله بن الْمُبَارك. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: أم الْمُؤمنِينَ، عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
وَمن لطائف إِسْنَاده أَن فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي موضِعين. وَأَن فِيهِ: العنعنة فِي موضِعين وَأَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه مروزيان وَأَن هشاماً وأباه عُرْوَة مدنيان.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد عَن عبد الله أَيْضا، وَلكنه فِي التَّفْسِير نسبهما، وَهَهُنَا لم ينسبهما، كَمَا ترى.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي هَذِه الْآيَة) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن امْرَأَة خَافت ... ﴾ (النِّسَاء: ٨٢١) . الْآيَة. قَوْله: (قَالَت) ، أَي: عَائِشَة. قَوْله: (الرجل عِنْده الْمَرْأَة) إِلَى آخِره، مقول القَوْل: (وَالرجل) مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره قَوْله: (يُرِيد أَن يفارقها) وَقَوله: (عِنْده الْمَرْأَة لَيْسَ بمستكثر مِنْهَا) جملتان حاليتان، والجمل بعد الْمعرفَة تقع حَالا، وَبعد النكرَة صفة. وَمعنى قَوْله: (لَيْسَ بمستكثر مِنْهَا) : لَيْسَ بطالب كَثْرَة الصُّحْبَة مِنْهَا، وَيُرِيد مفارقتها إِمَّا لكبرها أَو لدمامتها أَو لسوء خلقهَا أَو لِكَثْرَة شَرها أَو غير ذَلِك. قَوْله: (فَقَالَت) ، أَي: تِلْكَ الْمَرْأَة: (أجعلك من شأني) أَي: من أجل شأني (فِي حل) من مواجب الزَّوْجِيَّة وحقوقها. قَوْله: (فَنزلت هَذِه الْآيَة) أَي: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن امْرَأَة خَافت من بَعْلهَا ... ﴾ (النِّسَاء: ٨٢١) . الْآيَة قَوْله: (فِي ذَلِك) ، أَي: فِي أَمر هَذِه الْمَرْأَة. قَوْله: ﴿وَإِن امْرَأَة خَافت﴾ (النِّسَاء: ٨٢١) . أَي: وَإِن خَافت امْرَأَة من بَعْلهَا أَي: من زَوجهَا نُشُوزًا، والنشوز مِنْهُ أَن يسيء عشرتها ويمنعها النَّفَقَة. قَوْله: ﴿أَو إعْرَاضًا﴾ (النِّسَاء: ٨٢١) . الْإِعْرَاض مِنْهُ كَرَاهَته إِيَّاهَا وإرادته مفارقتها، فَإِذا كَانَ كَذَلِك: ﴿فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا أَن يصالحا بَينهمَا
стр. 3710
صلحا﴾ (النِّسَاء: ٨٢١) . وَهُوَ أَن يقبل مِنْهَا مَا تسقطه من حَقّهَا من نَفَقَة أَو كسْوَة أَو مبيت عِنْدهَا أَو غير ذَلِك من حُقُوقهَا عَلَيْهِ، فَلَا جنَاح عَلَيْهَا فِي بذلها لَهُ ذَلِك، وَلَا عَلَيْهِ فِي قبُوله مِنْهَا، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلَا جناج عَلَيْهِمَا أَن يصالحا بَينهمَا صلحا﴾ (النِّسَاء: ٨٢١) . ثمَّ قَالَ: ﴿وَالصُّلْح خير﴾ (النِّسَاء: ٨٢١) . أَي: من الْفِرَاق، وَلِهَذَا لما كَبرت سَوْدَة بنت زَمعَة وعزم رَسُول الله ﷺ على فراقها صالحته على أَن يمْسِكهَا وتترك يَوْمهَا لعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فَقبل رَسُول الله ﷺ مِنْهَا، وأبقاها على ذَلِك، فَقَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ: حَدثنَا سُلَيْمَان ابْن معَاذ عَن سماك بن حَرْب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: خشيت سَوْدَة أَن يطلقهَا رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَت: يَا رَسُول الله! لَا تُطَلِّقنِي وَأَجْعَل يومي لعَائِشَة، فَفعل، فَنزلت هَذِه الْآيَة: ﴿وَإِن امْرَأَة خَافت من بَعْلهَا نُشُوزًا أَو إعْرَاضًا﴾ (النِّسَاء: ٨٢١) . الْآيَة، قَالَ ابْن عَبَّاس: فَمَا اصطلحا عَلَيْهِ من شَيْء فَهُوَ جَائِز، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ، وَقَالَ: حسن غَرِيب وَقَالَ سعيد بن مَنْصُور: أخبرنَا عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه قَالَ: انزلت فِي سَوْدَة وأشباهها: ﴿وَإِن امْرَأَة خَافت من بَعْلهَا نُشُوزًا أَو إعْرَاضًا﴾ (النِّسَاء: ٨٢١) . وَذَلِكَ أَن سَوْدَة كَانَت امْرَأَة قد أَسِنَت، ففرقت أَن يفارقها رَسُول الله ﷺ وضنت بمكانها مِنْهُ، وَعرفت من حب رَسُول الله ﷺ عَائِشَة ومنزلتها مِنْهُ، فَوهبت يَوْمهَا من رَسُول الله، ﷺ ، لعَائِشَة، فَقبل النَّبِي، ﷺ ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الدغولي فِي أول (مُعْجَمه) : حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا الدستوَائي حَدثنَا الْقَاسِم بن أبي بزَّة قَالَ: بعث النَّبِي، ﷺ ، إِلَى سَوْدَة بت زَمعَة بِطَلَاقِهَا، فَلَمَّا أَن أَتَاهَا جَلَست لَهُ على طَرِيق عَائِشَة، فَلَمَّا رَأَتْهُ، قَالَت لَهُ: أنْشدك بِالَّذِي أنزل عَلَيْك كِتَابه واصطفاك على خلقه لما راجعتني، فَإِنِّي قد كَبرت وَلَا حَاجَة لي فِي الرِّجَال، أبْعث مَعَ نِسَائِك يَوْم الْقِيَامَة، فَرَاجعهَا، قَالَت: فَإِنِّي قد جعلت يومي وليلتي لحبة رَسُول الله ﷺ ، وَقَالَ ابْن كثير: وَهَذَا غَرِيب مُرْسل. وَقَالَ ابْن جرير: حَدثنَا ابْن حميد وَابْن وَكِيع، قَالَا: حَدثنَا جرير عَن شُعْبَة عَن ابْن سِيرِين قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَسَأَلَهُ عَن آيَة، فكره ذَلِك وضربه بِالدرةِ، فَسَأَلَهُ آخر عَن هَذِه الْآيَة: ﴿وَإِن امْرَأَة خَافت من بَعْلهَا نُشُوزًا أَو إعْرَاضًا﴾ (النِّسَاء: ٨٢١) . فَقَالَ: عَن مثل هَذَا فَسَلُوا، ثمَّ قَالَ: هَذِه الْمَرْأَة تكون عِنْد الرجل قد خلا من سنّهَا فَتزَوج الْمَرْأَة الشَّابَّة يلْتَمس وَلَدهَا، فَمَا اصطلحا عَلَيْهِ من شَيْء فَهُوَ جَائِز. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا عَليّ بن الْحسن الهسنجاني حَدثنَا مُسَدّد حَدثنَا أَبُو الْأَحْوَص عَن سماك بن حَرْب عَن خَالِد بن عُرْوَة، قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَسَأَلَهُ عَن قَول الله : ﴿وَإِن امْرَأَة خَافت من بَعْلهَا نُشُوزًا أَو إعْرَاضًا فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا﴾ (النِّسَاء: ٨٢١) . قَالَ عَليّ: يكون الرجل عِنْده الْمَرْأَة فسوا عَيناهُ عَنْهَا من دمامتها أَو كبرها أَو سوء خلقهَا أَو قذرها فتكره فِرَاقه، فَإِن وضعت لَهُ من مهرهَا شَيْئا حل لَهُ، وَإِن جعلت لَهُ من أَيَّامهَا فَلَا حرج، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن شُعْبَة وَحَمَّاد بن سَلمَة وَأبي الْأَحْوَص، وَرَوَاهُ ابْن جرير من طَرِيق إِسْرَائِيل أربعتهم عَن سماك بِهِ، وَكَذَا فسره ابْن عَبَّاس وَعبيدَة السَّلمَانِي وَمُجاهد وَالشعْبِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَعَطَاء وعطية الْعَوْفِيّ وَمَكْحُول وَالْحكم بن عتيبة وَالْحسن وَقَتَادَة وَغير وَاحِد من السّلف وَالْأَئِمَّة، وَلَا أعلم فِي ذَلِك خلافًا فِي أَن المُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة هَذَا، وَالله أعلم. وَذكر أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن خضر ابْن عَسْكَر فِي كِتَابه (ذيل التَّعْرِيف والإعلام) : أَنَّهَا نزلت بِسَبَب أبي السنابل بن بعكك وَامْرَأَته، وَفِي تَفْسِير مقَاتل: نزلت فِي خُوَيْلَة بنت مُحَمَّد بن مسلمة حِين أَرَادَ زَوجهَا رَافع بن خديج طَلاقهَا، وَفِي كتاب عبد الرَّزَّاق: خَوْلَة، وَفِي (غرر التِّبْيَان) زَوجهَا سعد بن الرّبيع، وَفِي (تَفْسِير الثَّعْلَبِيّ) : هِيَ عمْرَة بنت مُحَمَّد بن مسلمة.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز هبة بعض الزَّوْجَات يَوْمهَا لبعضهن، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: لَا يكون ذَلِك إلَاّ برضى الزَّوْج والتسوية بَينهُنَّ كَانَ غير وَاجِب عَلَيْهِ ﷺ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَفْعَله تفضلاً مِنْهُ، وَعَن الدَّاودِيّ: إِذا رضيت بترك الْقسم والإنفاق عَلَيْهَا ثمَّ سَأَلته الْعدْل فلهَا ذَلِك، وَقَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: ولواحدة مِنْهُنَّ أَن ترجع إِن وهبت قسمهَا لِلْأُخْرَى لِأَنَّهَا أسقطت حَقًا لم يجب بعد، فَلَا يسْقط كالمعير يرجع فِي الْعَارِية مَتى شَاءَ.
стр. 3711
٢١ - (بابٌ إذَا أذِنَ لَهُ أوْ حَلَّلَهُ ولَمْ يُبَيِّنْ كَمْ هُوَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أذن رجل لَهُ أَي: لرجل آخر فِي اسْتِيفَاء حَقه. قَوْله: (أَو حلله) ، أَي: أَو حلل رجل رجلا آخر، وَهَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره أَو أحله لَهُ. قَوْله: (وَلم يبين كم هُوَ) أَي: مِقْدَار الْمَأْذُون أَو الْمُحَلّل، وَلم يذكر جَوَاب إِذا الَّذِي هُوَ جَوَاب الْمَسْأَلَة، لِأَن فِيهِ تَفْصِيلًا، لأَنا إِذا قُلْنَا: حَدِيث هَذَا الْبَاب مثل حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي: بَاب من كَانَت لَهُ مظْلمَة فحللها، هَل يبين مظلمته؟ يكون فِيهِ الْخلاف الْمَذْكُور هُنَاكَ، وَلَكِن حَدِيث أبي هُرَيْرَة مُشْتَمل على الْأُمُور الْوَاجِبَة، وَحَدِيث الْبَاب مُشْتَمل على المكارمة وَقلة التشاح، وَلَا يضر فِي هَذَا عدم معرفَة الْمِقْدَار، لِأَن الْغُلَام فِيهِ لَو حلل من نصِيبه الْأَشْيَاخ وَأذن فِي إِعْطَائِهِ لَهُم لَكَانَ مَا حلل مِنْهُ غير مَعْلُوم، لِأَنَّهُ لَا يعرف مِقْدَار مَا كَانُوا يشربون، وَلَا مِقْدَار مَا كَانَ يشرب هُوَ، وَلَا شكّ أَن سَبِيل مَا يوضع للنَّاس للْأَكْل وَالشرب سَبيله المكارمة وَقلة المشاححة، فعلى هَذَا يقدر الْجَواب هُنَا: جَائِز أَو يجوز.
١٥٤٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخْبرنا مالِكٌ عنْ أبِي حازِمِ بنِ دِينارٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وعنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وعنْ يَسارِهِ الأشْيَاخُ فَقَالَ لِلْغُلامِ أتأْذَنُ لِي أنْ أُعْطِيَ هَؤُلاءِ فَقَالَ الْغُلَامُ لَا وَالله يَا رسولَ الله لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أحَداً قَالَ فَتَلَّهُ رسولُ الله ﷺ فِي يَدِهِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث، لِأَنَّهُ لَو أذن الْغُلَام لرَسُول الله ﷺ بِدفع الشَّرَاب الَّذِي شرب مِنْهُ رَسُول الله ﷺ إِلَى الأشياح الَّذين كَانُوا على يسَاره لَكَانَ تَحْلِيل الْغُلَام غير مَعْلُوم، وَكَذَلِكَ مِقْدَار شربهم وشربه، وَكَانَ دلّ ذَلِك على جَوَازه بِلَا خلاف من غير بَيَان مِقْدَاره، وَلكنه مُقَيّد بِمثل هَذَا الْبَاب كَمَا ذكرنَا، لَا فِي الْأَبْوَاب الَّتِي تتَعَلَّق بالواجبات، وَيجْرِي الْخلاف فِيهَا، من ذَلِك مَا اخْتلف الْعلمَاء فِي هبة الْمشَاع، فَقَالَ مَالك وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر: تجوز ويتأتى فِيهَا الْقَبْض، كَمَا يجوز فِيهَا البيع، وَسَوَاء كَانَ الْمشَاع مِمَّا يقسم، كالدور وَالْأَرْض، أَو مِمَّا لَا يقسم: كَالْعَبْدِ وَالثيَاب والجواهر، وَسَوَاء مِمَّا كَانَ يقبض بِالتَّخْلِيَةِ أَو مِمَّا يقبض بالتحويل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن كَانَ الْمشَاع مِمَّا يقسم لم تجز هبة شَيْء مِنْهُ مشَاعا، وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يقسم تجوز هِبته.
والْحَدِيث قد مضى فِي أَوَائِل كتاب الشّرْب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن سعيد ابْن أبي مَرْيَم عَن أبي غَسَّان عَن أبي حَازِم عَن سهل بن سعد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. وَأخرجه هَهُنَا: عَن عبد الله بن يُوسُف التنيسِي عَن مَالك عَن أبي حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي: سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج، وَهنا فِيهِ زِيَادَة، وَهُوَ قَوْله: فتله رَسُول الله، ﷺ ، فِي يَده، فتلة، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد اللَّام وَمَعْنَاهُ: دَفعه إِلَيْهِ بِقُوَّة وعنف، قَالَه الْخطابِيّ. وَقَالَ غَيره: وَضعه فِي يَده، وَأنكر غَيره هَذِه، وَاسْتدلَّ بقوله تَعَالَى: ﴿وتله للجبين﴾ (الصافات: ٣٠١) . أَي: صرعه لَكِن بِرِفْق لَا بعنف، وَقَالَ ابْن التِّين: من قَالَ: الْغُلَام، ابْن عَبَّاس، يُؤْخَذ مِنْهُ أَن الصَّبِي يُسمى غُلَاما، وَمن قَالَ: إِنَّه الْفضل، أَخذ مِنْهُ أَن الْبَالِغ يُسمى غُلَاما.
٣١ - (بابُ إثْمِ مَنْ ظَلَمَ شَيْئاً مِنَ الأرْضِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من ظلم شَيْئا من الأَرْض، يَعْنِي: استولى عَلَيْهِ. وَفِيه: إِشَارَة إِلَى أَن الْغَصْب يتَحَقَّق فِي الْعقار، وَأَنه لَيْسَ بمخصوص بِمَا يحول وينقل. وَفِيه: خلاف نذكرهُ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَلم يذكر جَوَاب: من، اكْتِفَاء بِمَا فِي الحَدِيث.
٢٥ - (حَدثنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ قَالَ حَدثنِي طَلْحَة بن عبد الله أَن
стр. 3712
عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو بن سهل قَالَ أخبرهُ أَن سعيد بن زيد ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول من ظلم من الأَرْض شَيْئا طوقه من سبع أَرضين) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن قَوْله شَيْئا فِي التَّرْجَمَة يتَنَاوَل قدر شبر وَمَا فَوْقه وَمَا دونه وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع الْحِمصِي وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب وَطَلْحَة بن عبد الله بن عَوْف بن أخي عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَعبد الرَّحْمَن بن عَمْرو بن سهل الْأنْصَارِيّ الْمدنِي وَقد ينْسب إِلَى جده وَقد نسبه الْمزي الْأنْصَارِيّ أَيْضا وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الحَدِيث فَقَط وَفِي هَذَا السَّنَد ثَلَاثَة من التَّابِعين على نسق وَاحِد وهم الزُّهْرِيّ وَطَلْحَة وَعبد الرَّحْمَن رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَسَعِيد بن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل الْقرشِي أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ أسلم قَدِيما وَكَانَ مجاب الدعْوَة وَقد أسقط بعض أَصْحَاب الزُّهْرِيّ فِي روايتهم عَنهُ هَذَا الحَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو بن سهل وجعلوه من رِوَايَة طَلْحَة عَن سعيد بن زيد نَفسه وَفِي مسندي أَحْمد وَأبي يعلى وصحيح ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق ابْن إِسْحَق حَدثنِي الزُّهْرِيّ عَن طَلْحَة بن عبد الله قَالَ أَتَتْنِي أروى بنت أويس فِي نفر من قُرَيْش فيهم عبد الرَّحْمَن بن سهل فَقَالَت إِن سعيدا انْتقصَ من أرضي إِلَى أرضه مَا لَيْسَ لَهُ وَقد أَحْبَبْت أَن تأتوه فتكلموه قَالَ فَرَكبْنَا إِلَيْهِ وَهُوَ بأرضه بالعقيق فَذكر الحَدِيث وَقَالَ الْكرْمَانِي رُوِيَ أَن مَرْوَان أرسل إِلَى سعيد نَاسا يكلمونه فِي شَأْن أروى بنت أويس وَكَانَت شكته إِلَى مَرْوَان فِي أَرض فَقَالَ سعيد تروني ظلمتها وَقد سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول الحَدِيث فَترك سعيد لَهَا مَا ادَّعَت وَقَالَ اللَّهُمَّ إِن كَانَت كَاذِبَة فَلَا تمتها حَتَّى تعمي بصرها وَتجْعَل قبرها فِي بِئْر قَالُوا فوَاللَّه مَا مَاتَت حَتَّى ذهب بصرها فَجعلت تمشي فِي دارها فَوَقَعت فِي بِئْرهَا قَوْله " طوقه " على بِنَاء الْمَجْهُول قَالَ الْخطابِيّ لَهُ وَجْهَان أَحدهمَا أَنه يُكَلف نقل مَا ظلم مِنْهَا فِي الْقِيَامَة إِلَى الْمَحْشَر فَيكون كالطوق فِي عُنُقه وَالْآخر أَن يُعَاقب بالخسف إِلَى سبع أَرضين كَمَا فِي الحَدِيث الآخر الَّذِي بعده وَقَالَ النَّوَوِيّ وَأما التطويق فَقَالُوا يحْتَمل أَن مَعْنَاهُ أَن يحمل مِنْهُ من سبع أَرضين ويكلف إطاقته ذَلِك أَو يَجْعَل لَهُ كالطوق فِي عُنُقه وَيطول الله عُنُقه كَمَا جَاءَ فِي غلظ جلد الْكَافِر وَعظم ضرسه أَو يطوق اثم ذَلِك وَيلْزم كلزوم الطوق بعنقه وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ هُوَ من تطويق التَّكْلِيف لَا من التَّقْلِيد قَالَ وَلَيْسَ ذَلِك بممتنع فَإِنَّهُ صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ َ - أَنه قَالَ " لَا أَلفَيْنِ أحدكُم تَأتي على رقبته بعير أَو شَاة " وَأما الْخَسْف أَن يخسف بِهِ الأَرْض بعد مَوته أَو فِي حشره وَفِي تَهْذِيب الطَّبَرِيّ بَيَان لهَذَا التطويق قَالَ حَدثنَا سُفْيَان بن وَكِيع حَدثنَا حسن بن عَليّ حَدثنَا زَائِدَة عَن الرّبيع عَن أَيمن حَدثنِي يعلى بن مرّة سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول أَيّمَا رجل ظلم شبْرًا من الأَرْض كلفه الله أَن يحفره حَتَّى يبلغ سبع أَرضين ثمَّ يطوقه يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يقْضِي بَين النَّاس وَفِي رِوَايَة الشّعبِيّ عَن أَيمن عَنهُ من سرق شبْرًا من أَرض أَو غلَّة جَاءَ يحْتَملهُ يَوْم الْقِيَامَة على عُنُقه إِلَى سبع أَرضين وَفِي رِوَايَة كلف أَن يحمل ترابها إِلَى الْمَحْشَر وَفِي التَّوْضِيح وَالصَّوَاب أَيمن عَن يعلى وَوهم ابْن مَنْدَه وَأَبُو نعيم فِي ظنهما أَن لأيمن صُحْبَة (قلت) وَكَذَا قَالَ الذَّهَبِيّ فِي تَجْرِيد الصَّحَابَة أَنَّهُمَا وهما فِي ذَلِك (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ دَلِيل أَن من ملك أَرضًا ملك أَسْفَلهَا إِلَى مُنْتَهَاهَا وَله أَن يمْنَع من حفر تحتهَا سربا أَو بِئْرا سَوَاء أضرّ ذَلِك بأرضه أَو لَا قَالَه الْخطابِيّ وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ لِأَن حكم أَسْفَلهَا تبع لأعلاها وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ وَقد اخْتلف فِيمَا إِذا حفر أرضه فَوجدَ فِيهَا معدنا أَو شبهه فَقيل هُوَ لَهُ وَقيل بل للْمُسلمين وعَلى ذَلِك فَلهُ أَن ينزل بِالْحفرِ مَا شَاءَ مَا لم يضر بجاره وَكَذَلِكَ لَهُ أَن يرفع فِي الْهَوَاء الْمُقَابل لذَلِك الْقدر من الأَرْض من الْبناء مَا شَاءَ مَا لم يضر بِأحد وَاسْتدلَّ الدَّاودِيّ على أَن السَّبع الْأَرْضين بَعْضهَا على بعض لم يفتق بَعْضهَا من بعض قَالَ لِأَنَّهُ لَو فتقت لم يطوق مِنْهَا مَا ينْتَفع بِهِ غَيره وَقيل بَين كل أَرض وَأَرْض خمس مائَة عَام مثل مَا بَين كل سَمَاء وسماء. وَفِيه تهديد عَظِيم للغصاب. وَفِيه دَلِيل على أَن الْأَرْضين سبع كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن الأَرْض مِثْلهنَّ﴾ وَقَالَ الْكرْمَانِي وَفِيه غصب الأَرْض خلافًا للحنفية قلت رمى الْكرْمَانِي كَلَامه جزَافا من غير وقُوف على كَيْفيَّة مَذْهَب الْحَنَفِيَّة فَإِن مَذْهَبهم فِيهِ خلاف فَعِنْدَ أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف الْغَصْب لَا يتَحَقَّق إِلَّا فِيمَا ينْقل ويحول لِأَن إِزَالَة الْيَد بِالنَّقْلِ وَلَا نقل فِي الْعقار فَإِذا غصب عقارا فَهَلَك فِي يَده لَا يضمن وَقَالَ مُحَمَّد يضمن وَهُوَ قَول أبي
стр. 3713
يُوسُف الأول وَبِه قَالَ زفر وَالشَّافِعِيّ وَمَالك وَأحمد لِأَن الْغَصْب عِنْدهم يتَحَقَّق فِي الْعقار وَالْخلاف فِي الْغَصْب لَا فِي الْإِتْلَاف وَبَعض مَشَايِخنَا قَالُوا يتَحَقَّق الْغَصْب فِي الْعقار أَيْضا عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف لَكِن لَا على وَجه يُوجب الضَّمَان وَالْأَكْثَرُونَ على أَنه لَا يتَحَقَّق فِي الْعقار أصلا وَالِاسْتِدْلَال بِحَدِيث الْبَاب على مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ غير مُسْتَقِيم لِأَنَّهُ ﷺ َ - جعل جَزَاء غصب الأَرْض التطوق يَوْم الْقِيَامَة وَلَو كَانَ الضَّمَان وَاجِبا لبينه لِأَن الضَّمَان من أَحْكَام الدُّنْيَا فالحاجة إِلَيْهِ أمس وَالْمَذْكُور جَمِيع جَزَائِهِ فَمن زَاد عَلَيْهِ كَانَ نسخا وَذَا لَا يجوز بِالْقِيَاسِ وَإِطْلَاق لفظ الْغَصْب عَلَيْهِ لَا يدل على تحقق الْغَصْب الْمُوجب للضَّمَان كَمَا أَنه ﷺ َ - أطلق لفظ البيع على الْحر بقوله " من بَاعَ حرا " وَلَا يدل ذَلِك على البيع الْمُوجب للْحكم على أَنه جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظ أَخذ فَقَالَ من أَخذ شبْرًا من الأَرْض ظلما فَإِنَّهُ يطوقه الله يَوْم الْقِيَامَة من سبع أَرضين فَعلم أَن المُرَاد من الْغَصْب الْأَخْذ ظلما لَا غصبا مُوجبا للضَّمَان فَإِن قلت قَوْله ﷺ َ - " على الْيَد مَا أخذت حَتَّى ترد " يدل على ذَلِك بِإِطْلَاقِهِ وَالتَّقْيِيد بالمنقول خِلَافه قلت هَذَا مجَاز لِأَن الْأَخْذ حَقِيقَة لَا يتَصَوَّر فِي الْعقار لِأَن حد الْأَخْذ أَن يصير الْمَأْخُوذ تبعا ليده فَافْهَم
٢٦ - (حَدثنَا أَبُو معمر قَالَ حَدثنَا عبد الْوَارِث قَالَ حَدثنَا حُسَيْن عَن يحيى بن أبي كثير قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم أَن أَبَا سَلمَة قَالَ حَدثهُ أَنه كَانَت بَينه وَبَين أنَاس خُصُومَة فَذكر لعَائِشَة ﵂ فَقَالَت لَهُ يَا أَبَا سَلمَة اجْتنب الأَرْض فَإِن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ من ظلم قيد شبر من الأَرْض طوقه من سبع أَرضين) مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا فِي الحَدِيث الْمَاضِي وَرِجَاله سَبْعَة الأول أَبُو معمر عبد الله بن عَمْرو بن الْحجَّاج المقعد الْبَصْرِيّ الثَّانِي عبد الْوَارِث بن سعيد الثَّالِث حُسَيْن الْمعلم الرَّابِع يحيى بن أبي كثير الطَّائِي الْيَمَانِيّ الْخَامِس مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ السَّادِس أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن السَّابِع أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَدْء الْخلق عَن عَليّ عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي وَعَن إِسْحَق بن مَنْصُور قَوْله " بَين أنَاس خُصُومَة " وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق حَرْب بن شَدَّاد عَن يحيى بِلَفْظ وَكَانَ بَينه وَبَين قومه خُصُومَة فِي أَرض وَهَذَا يُفَسر أَن الْخُصُومَة كَانَت فِي أَرض وَأَنَّهَا كَانَت بَينه وَبَين قومه وَعلم مِنْهُ أَن المُرَاد من قَوْله أنَاس هم قومه وَلَكِن مَا علمت أَسمَاؤُهُم قَوْله " فَذكر لعَائِشَة " فِيهِ حذف الْمَفْعُول وَسَيَأْتِي فِي بَدْء الْخلق من وَجه آخر بِلَفْظ فَدخل على عَائِشَة فَذكر لَهَا ذَلِك قَوْله " قيد شبر " بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف أَي قدر شبر قَوْله " أَرضين " بِفَتْح الرَّاء وَجَاء إسكانها أَيْضا -
٤٥٤٢ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الله بنُ الْمُبَارَكِ قَالَ حدَّثنا مُوساى بنُ عُقْبَةَ عنْ سالِمٍ عنْ أبِيهِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ مَنْ أخذَ مِنَ الأرْضِ شَيْئاً بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ إلَى سَبْعِ أرْضِينَ. (الحَدِيث ٤٥٤٢ طرفه فِي: ٦٩١٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من أَخذ من الأَرْض شَيْئا بِغَيْر حَقه) ، لِأَن الْأَخْذ بِغَيْر الْحق ظلم، وَرِجَاله كلهم ذكرُوا غير مرّة، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر يروي عَن أَبِيه.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَدْء الْخلق عَن بشر بن مُحَمَّد عَن ابْن الْمُبَارك.
قَوْله: (شَيْئا) يتَنَاوَل قَلِيلا وَكَثِيرًا قَوْله: (خسف بِهِ) ، أَي: بذلك الشَّيْء الَّذِي أَخذه من الأَرْض بِغَيْر حق، وَقد ذكرنَا أَنه يخسف بِهِ بعد مَوته، أَو فِي حشره، وَلَكِن بعد أَن ينْقل جَمِيع مَا أَخذه إِلَى سبع أَرضين، وَيجْعَل كُله فِي عُنُقه طوقاً ثمَّ يخسف بِهِ، وروى الطَّبَرِيّ وَابْن حبَان من حَدِيث يعلى بن مرّة مَرْفُوعا، الحَدِيث مضى فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وروى ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَاد حسن من حَدِيث أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ: (أعظم الْغلُول يَوْم الْقِيَامَة ذِرَاع أَرض يسرقه الرجل فيطوقه من سبع أَرضين) .
стр. 3714
قَالَ الْفِربْرِي قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بنُ أبي حاتِمٍ
أَبُو جَعْفَر: هُوَ مُحَمَّد بن أبي حَاتِم البُخَارِيّ وراق البُخَارِيّ، وَقد ذكر عَنهُ الْفربرِي فِي هَذَا الْكتاب فَوَائِد كَثِيرَة عَن البُخَارِيّ وَغَيره، وَثبتت هَذِه الْفَائِدَة فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن مشايخه الثَّلَاثَة، وَسَقَطت لغيره. فَافْهَم.
قَالَ أبُو عَبْدِ الله هذَا الحَدِيثُ لَيْسَ بُخُرَاسَانَ فِي كِتابِ ابنُ الْمُبارَكِ أمْلاهُ عَلَيْهِمْ بالْبَصْرَةِ
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. قَوْله: (هَذَا الحَدِيث) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى حَدِيث الْبَاب. قَوْله: (لَيْسَ بخراسان فِي كتاب ابْن الْمُبَارك) ، أَرَادَ أَن عبد الله بن الْمُبَارك صنف كتبه بخراسان، وَحدث بهَا هُنَاكَ، وَحملهَا عَنهُ أَهلهَا، إلَاّ هَذَا الحَدِيث فَإِنَّهُ أملاه عَلَيْهِم بِالْبَصْرَةِ. قَوْله: (فِي كتاب) ، ويروى: فِي كتب. قَوْله: (أملاه) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي: أمْلى عَلَيْهِم، بِحَذْف الْمَفْعُول، وَهُوَ الضَّمِير الْمَنْصُوب. قيل: لَا يلْزم من كَونه لَيْسَ فِي كتبه الَّتِي حدث بهَا فِي خُرَاسَان أَن لَا يكون حدث بِهِ بخراسان، فَإِن نعيم بن حَمَّاد الْمروزِي مِمَّن حمل عَنهُ بخراسان، وَقد حدث عَنهُ بِهَذَا الحَدِيث، وَأخرجه أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) من طَرِيقه، وَيحْتَمل أَن يكون نعيم أَيْضا إِنَّمَا سَمعه من ابْن الْمُبَارك بِالْبَصْرَةِ، وَهُوَ من غرائب الصَّحِيح، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
стр. 3715
(بابٌ إذَا أذِنَ إنْسانٌ لآِخَرَ شَيْئاً جَازَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أذن إِنْسَان لإِنْسَان آخر. قَوْله: (شَيْئا) أَي: فِي شَيْء، فَلَمَّا حذف حرف الْجَرّ تعدى الْفِعْل فنصب، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قومه سبعين رجلا﴾ (الْأَعْرَاف: ٥٥١) . أَي: من قومه. قَوْله: (جَازَ) جَوَاب إِذا.
٥٥٤٢ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ جَبَلَةَ كُنَّا بالمَدِينَةِ فِي بَعْضِ أهْلِ الْعِرَاقِ فأصابَتْنا سَنَةٌ فكانَ ابنُ الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنا التَّمْرَ فكانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما يَمُرُّ بِنا فَيقُولُ إنَّ رسولَ الله ﷺ نَهاى عنِ الإقْرَانِ إلَاّ أنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أخاهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إلَاّ أَن يسْتَأْذن الرجل مِنْكُم أَخَاهُ) . وجبلة، بِالْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَاللَّام المفتوحات: ابْن سحيم، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة: الشَّيْبَانِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَطْعِمَة عَن آدم وَفِي الشّركَة عَن أبي الْوَلِيد. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَطْعِمَة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن عبيد الله بن معَاذ وَعَن بنْدَار وَعَن زُهَيْر بن حَرْب وَمُحَمّد بن الْمثنى أَيْضا. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن وَاصل بن عبد الْأَعْلَى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن عَليّ بن خشرم وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَعَن عبد الحميد بن مُحَمَّد. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَطْعِمَة عَن بنْدَار وروى أَحْمد من حَدِيث الْحسن عَن سعد مولى أبي بكر، قَالَ: قدمت بَين يَدي النَّبِي، ﷺ ، تَمرا فَجعلُوا يقرنون، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا تقرنوا) ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا عَن سعد مولى أبي بكر، وَلَفظه: (وَكَانَ يخْدم النَّبِي ﷺ وَيُعْجِبهُ خدمته، أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن الإقران) ، يَعْنِي فِي التَّمْر، وروى الْبَزَّار فِي (مُسْنده) من حَدِيث الشّعبِيّ عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (قسم رَسُول الله ﷺ تَمرا بَين أَصْحَابه، فَكَانَ بَعضهم يقرن، فَنهى رَسُول الله ﷺ أَن يقرن إلَاّ بِإِذن صَاحبه) ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) بِلَفْظ: (كنت فِي الصّفة فَبعث إِلَيْنَا النَّبِي ﷺ تمر عَجْوَة، فَسَكَبت بَيْننَا، فَكُنَّا نقرن الثِّنْتَيْنِ من الْجُوع، فَكُنَّا إِذا قرن أَحَدنَا لأَصْحَابه: إِنِّي قد قرنت فأقرنوا) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث أبي طَلْحَة: أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَن الإقران.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي بعض أهل الْعرَاق) ، وَعند التِّرْمِذِيّ: فِي بعث أهل الْعرَاق. قَوْله: (سنة) ، أَي: غلاء وجدب. قَوْله: (فَكَانَ ابْن الزبير) ، أَي: عبد الله بن الزبير بن الْعَوام. قَوْله: (نهى عَن الإقران) ، بِكَسْر الْهمزَة من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ، قَالَ ابْن التِّين: كَذَا وَقع فِي البُخَارِيّ رباعياً، وَالْمَعْرُوف خِلَافه، وَالَّذِي فِي اللُّغَة ثلاثي، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: كَذَا لجَمِيع رُوَاة مُسلم: (الإقران)
следующие страницы →