← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

٢١ - (بابٌ إذَا أذِنَ لَهُ أوْ حَلَّلَهُ ولَمْ يُبَيِّنْ كَمْ هُوَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أذن رجل لَهُ أَي: لرجل آخر فِي اسْتِيفَاء حَقه. قَوْله: (أَو حلله) ، أَي: أَو حلل رجل رجلا آخر، وَهَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره أَو أحله لَهُ. قَوْله: (وَلم يبين كم هُوَ) أَي: مِقْدَار الْمَأْذُون أَو الْمُحَلّل، وَلم يذكر جَوَاب إِذا الَّذِي هُوَ جَوَاب الْمَسْأَلَة، لِأَن فِيهِ تَفْصِيلًا، لأَنا إِذا قُلْنَا: حَدِيث هَذَا الْبَاب مثل حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي: بَاب من كَانَت لَهُ مظْلمَة فحللها، هَل يبين مظلمته؟ يكون فِيهِ الْخلاف الْمَذْكُور هُنَاكَ، وَلَكِن حَدِيث أبي هُرَيْرَة مُشْتَمل على الْأُمُور الْوَاجِبَة، وَحَدِيث الْبَاب مُشْتَمل على المكارمة وَقلة التشاح، وَلَا يضر فِي هَذَا عدم معرفَة الْمِقْدَار، لِأَن الْغُلَام فِيهِ لَو حلل من نصِيبه الْأَشْيَاخ وَأذن فِي إِعْطَائِهِ لَهُم لَكَانَ مَا حلل مِنْهُ غير مَعْلُوم، لِأَنَّهُ لَا يعرف مِقْدَار مَا كَانُوا يشربون، وَلَا مِقْدَار مَا كَانَ يشرب هُوَ، وَلَا شكّ أَن سَبِيل مَا يوضع للنَّاس للْأَكْل وَالشرب سَبيله المكارمة وَقلة المشاححة، فعلى هَذَا يقدر الْجَواب هُنَا: جَائِز أَو يجوز. ١٥٤٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخْبرنا مالِكٌ عنْ أبِي حازِمِ بنِ دِينارٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وعنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وعنْ يَسارِهِ الأشْيَاخُ فَقَالَ لِلْغُلامِ أتأْذَنُ لِي أنْ أُعْطِيَ هَؤُلاءِ فَقَالَ الْغُلَامُ لَا وَالله يَا رسولَ الله لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أحَداً قَالَ فَتَلَّهُ رسولُ الله ﷺ فِي يَدِهِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث، لِأَنَّهُ لَو أذن الْغُلَام لرَسُول الله ﷺ بِدفع الشَّرَاب الَّذِي شرب مِنْهُ رَسُول الله ﷺ إِلَى الأشياح الَّذين كَانُوا على يسَاره لَكَانَ تَحْلِيل الْغُلَام غير مَعْلُوم، وَكَذَلِكَ مِقْدَار شربهم وشربه، وَكَانَ دلّ ذَلِك على جَوَازه بِلَا خلاف من غير بَيَان مِقْدَاره، وَلكنه مُقَيّد بِمثل هَذَا الْبَاب كَمَا ذكرنَا، لَا فِي الْأَبْوَاب الَّتِي تتَعَلَّق بالواجبات، وَيجْرِي الْخلاف فِيهَا، من ذَلِك مَا اخْتلف الْعلمَاء فِي هبة الْمشَاع، فَقَالَ مَالك وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر: تجوز ويتأتى فِيهَا الْقَبْض، كَمَا يجوز فِيهَا البيع، وَسَوَاء كَانَ الْمشَاع مِمَّا يقسم، كالدور وَالْأَرْض، أَو مِمَّا لَا يقسم: كَالْعَبْدِ وَالثيَاب والجواهر، وَسَوَاء مِمَّا كَانَ يقبض بِالتَّخْلِيَةِ أَو مِمَّا يقبض بالتحويل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن كَانَ الْمشَاع مِمَّا يقسم لم تجز هبة شَيْء مِنْهُ مشَاعا، وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يقسم تجوز هِبته. والْحَدِيث قد مضى فِي أَوَائِل كتاب الشّرْب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن سعيد ابْن أبي مَرْيَم عَن أبي غَسَّان عَن أبي حَازِم عَن سهل بن سعد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. وَأخرجه هَهُنَا: عَن عبد الله بن يُوسُف التنيسِي عَن مَالك عَن أبي حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي: سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج، وَهنا فِيهِ زِيَادَة، وَهُوَ قَوْله: فتله رَسُول الله، ﷺ ، فِي يَده، فتلة، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد اللَّام وَمَعْنَاهُ: دَفعه إِلَيْهِ بِقُوَّة وعنف، قَالَه الْخطابِيّ. وَقَالَ غَيره: وَضعه فِي يَده، وَأنكر غَيره هَذِه، وَاسْتدلَّ بقوله تَعَالَى: ﴿وتله للجبين﴾ (الصافات: ٣٠١) . أَي: صرعه لَكِن بِرِفْق لَا بعنف، وَقَالَ ابْن التِّين: من قَالَ: الْغُلَام، ابْن عَبَّاس، يُؤْخَذ مِنْهُ أَن الصَّبِي يُسمى غُلَاما، وَمن قَالَ: إِنَّه الْفضل، أَخذ مِنْهُ أَن الْبَالِغ يُسمى غُلَاما. ٣١ - (بابُ إثْمِ مَنْ ظَلَمَ شَيْئاً مِنَ الأرْضِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من ظلم شَيْئا من الأَرْض، يَعْنِي: استولى عَلَيْهِ. وَفِيه: إِشَارَة إِلَى أَن الْغَصْب يتَحَقَّق فِي الْعقار، وَأَنه لَيْسَ بمخصوص بِمَا يحول وينقل. وَفِيه: خلاف نذكرهُ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَلم يذكر جَوَاب: من، اكْتِفَاء بِمَا فِي الحَدِيث. ٢٥ - (حَدثنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ قَالَ حَدثنِي طَلْحَة بن عبد الله أَن

стр. 3712

عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو بن سهل قَالَ أخبرهُ أَن سعيد بن زيد ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول من ظلم من الأَرْض شَيْئا طوقه من سبع أَرضين) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن قَوْله شَيْئا فِي التَّرْجَمَة يتَنَاوَل قدر شبر وَمَا فَوْقه وَمَا دونه وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع الْحِمصِي وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب وَطَلْحَة بن عبد الله بن عَوْف بن أخي عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَعبد الرَّحْمَن بن عَمْرو بن سهل الْأنْصَارِيّ الْمدنِي وَقد ينْسب إِلَى جده وَقد نسبه الْمزي الْأنْصَارِيّ أَيْضا وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الحَدِيث فَقَط وَفِي هَذَا السَّنَد ثَلَاثَة من التَّابِعين على نسق وَاحِد وهم الزُّهْرِيّ وَطَلْحَة وَعبد الرَّحْمَن رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَسَعِيد بن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل الْقرشِي أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ أسلم قَدِيما وَكَانَ مجاب الدعْوَة وَقد أسقط بعض أَصْحَاب الزُّهْرِيّ فِي روايتهم عَنهُ هَذَا الحَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو بن سهل وجعلوه من رِوَايَة طَلْحَة عَن سعيد بن زيد نَفسه وَفِي مسندي أَحْمد وَأبي يعلى وصحيح ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق ابْن إِسْحَق حَدثنِي الزُّهْرِيّ عَن طَلْحَة بن عبد الله قَالَ أَتَتْنِي أروى بنت أويس فِي نفر من قُرَيْش فيهم عبد الرَّحْمَن بن سهل فَقَالَت إِن سعيدا انْتقصَ من أرضي إِلَى أرضه مَا لَيْسَ لَهُ وَقد أَحْبَبْت أَن تأتوه فتكلموه قَالَ فَرَكبْنَا إِلَيْهِ وَهُوَ بأرضه بالعقيق فَذكر الحَدِيث وَقَالَ الْكرْمَانِي رُوِيَ أَن مَرْوَان أرسل إِلَى سعيد نَاسا يكلمونه فِي شَأْن أروى بنت أويس وَكَانَت شكته إِلَى مَرْوَان فِي أَرض فَقَالَ سعيد تروني ظلمتها وَقد سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول الحَدِيث فَترك سعيد لَهَا مَا ادَّعَت وَقَالَ اللَّهُمَّ إِن كَانَت كَاذِبَة فَلَا تمتها حَتَّى تعمي بصرها وَتجْعَل قبرها فِي بِئْر قَالُوا فوَاللَّه مَا مَاتَت حَتَّى ذهب بصرها فَجعلت تمشي فِي دارها فَوَقَعت فِي بِئْرهَا قَوْله " طوقه " على بِنَاء الْمَجْهُول قَالَ الْخطابِيّ لَهُ وَجْهَان أَحدهمَا أَنه يُكَلف نقل مَا ظلم مِنْهَا فِي الْقِيَامَة إِلَى الْمَحْشَر فَيكون كالطوق فِي عُنُقه وَالْآخر أَن يُعَاقب بالخسف إِلَى سبع أَرضين كَمَا فِي الحَدِيث الآخر الَّذِي بعده وَقَالَ النَّوَوِيّ وَأما التطويق فَقَالُوا يحْتَمل أَن مَعْنَاهُ أَن يحمل مِنْهُ من سبع أَرضين ويكلف إطاقته ذَلِك أَو يَجْعَل لَهُ كالطوق فِي عُنُقه وَيطول الله عُنُقه كَمَا جَاءَ فِي غلظ جلد الْكَافِر وَعظم ضرسه أَو يطوق اثم ذَلِك وَيلْزم كلزوم الطوق بعنقه وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ هُوَ من تطويق التَّكْلِيف لَا من التَّقْلِيد قَالَ وَلَيْسَ ذَلِك بممتنع فَإِنَّهُ صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ َ - أَنه قَالَ " لَا أَلفَيْنِ أحدكُم تَأتي على رقبته بعير أَو شَاة " وَأما الْخَسْف أَن يخسف بِهِ الأَرْض بعد مَوته أَو فِي حشره وَفِي تَهْذِيب الطَّبَرِيّ بَيَان لهَذَا التطويق قَالَ حَدثنَا سُفْيَان بن وَكِيع حَدثنَا حسن بن عَليّ حَدثنَا زَائِدَة عَن الرّبيع عَن أَيمن حَدثنِي يعلى بن مرّة سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول أَيّمَا رجل ظلم شبْرًا من الأَرْض كلفه الله أَن يحفره حَتَّى يبلغ سبع أَرضين ثمَّ يطوقه يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يقْضِي بَين النَّاس وَفِي رِوَايَة الشّعبِيّ عَن أَيمن عَنهُ من سرق شبْرًا من أَرض أَو غلَّة جَاءَ يحْتَملهُ يَوْم الْقِيَامَة على عُنُقه إِلَى سبع أَرضين وَفِي رِوَايَة كلف أَن يحمل ترابها إِلَى الْمَحْشَر وَفِي التَّوْضِيح وَالصَّوَاب أَيمن عَن يعلى وَوهم ابْن مَنْدَه وَأَبُو نعيم فِي ظنهما أَن لأيمن صُحْبَة (قلت) وَكَذَا قَالَ الذَّهَبِيّ فِي تَجْرِيد الصَّحَابَة أَنَّهُمَا وهما فِي ذَلِك (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ دَلِيل أَن من ملك أَرضًا ملك أَسْفَلهَا إِلَى مُنْتَهَاهَا وَله أَن يمْنَع من حفر تحتهَا سربا أَو بِئْرا سَوَاء أضرّ ذَلِك بأرضه أَو لَا قَالَه الْخطابِيّ وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ لِأَن حكم أَسْفَلهَا تبع لأعلاها وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ وَقد اخْتلف فِيمَا إِذا حفر أرضه فَوجدَ فِيهَا معدنا أَو شبهه فَقيل هُوَ لَهُ وَقيل بل للْمُسلمين وعَلى ذَلِك فَلهُ أَن ينزل بِالْحفرِ مَا شَاءَ مَا لم يضر بجاره وَكَذَلِكَ لَهُ أَن يرفع فِي الْهَوَاء الْمُقَابل لذَلِك الْقدر من الأَرْض من الْبناء مَا شَاءَ مَا لم يضر بِأحد وَاسْتدلَّ الدَّاودِيّ على أَن السَّبع الْأَرْضين بَعْضهَا على بعض لم يفتق بَعْضهَا من بعض قَالَ لِأَنَّهُ لَو فتقت لم يطوق مِنْهَا مَا ينْتَفع بِهِ غَيره وَقيل بَين كل أَرض وَأَرْض خمس مائَة عَام مثل مَا بَين كل سَمَاء وسماء. وَفِيه تهديد عَظِيم للغصاب. وَفِيه دَلِيل على أَن الْأَرْضين سبع كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن الأَرْض مِثْلهنَّ﴾ وَقَالَ الْكرْمَانِي وَفِيه غصب الأَرْض خلافًا للحنفية قلت رمى الْكرْمَانِي كَلَامه جزَافا من غير وقُوف على كَيْفيَّة مَذْهَب الْحَنَفِيَّة فَإِن مَذْهَبهم فِيهِ خلاف فَعِنْدَ أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف الْغَصْب لَا يتَحَقَّق إِلَّا فِيمَا ينْقل ويحول لِأَن إِزَالَة الْيَد بِالنَّقْلِ وَلَا نقل فِي الْعقار فَإِذا غصب عقارا فَهَلَك فِي يَده لَا يضمن وَقَالَ مُحَمَّد يضمن وَهُوَ قَول أبي

стр. 3713

يُوسُف الأول وَبِه قَالَ زفر وَالشَّافِعِيّ وَمَالك وَأحمد لِأَن الْغَصْب عِنْدهم يتَحَقَّق فِي الْعقار وَالْخلاف فِي الْغَصْب لَا فِي الْإِتْلَاف وَبَعض مَشَايِخنَا قَالُوا يتَحَقَّق الْغَصْب فِي الْعقار أَيْضا عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف لَكِن لَا على وَجه يُوجب الضَّمَان وَالْأَكْثَرُونَ على أَنه لَا يتَحَقَّق فِي الْعقار أصلا وَالِاسْتِدْلَال بِحَدِيث الْبَاب على مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ غير مُسْتَقِيم لِأَنَّهُ ﷺ َ - جعل جَزَاء غصب الأَرْض التطوق يَوْم الْقِيَامَة وَلَو كَانَ الضَّمَان وَاجِبا لبينه لِأَن الضَّمَان من أَحْكَام الدُّنْيَا فالحاجة إِلَيْهِ أمس وَالْمَذْكُور جَمِيع جَزَائِهِ فَمن زَاد عَلَيْهِ كَانَ نسخا وَذَا لَا يجوز بِالْقِيَاسِ وَإِطْلَاق لفظ الْغَصْب عَلَيْهِ لَا يدل على تحقق الْغَصْب الْمُوجب للضَّمَان كَمَا أَنه ﷺ َ - أطلق لفظ البيع على الْحر بقوله " من بَاعَ حرا " وَلَا يدل ذَلِك على البيع الْمُوجب للْحكم على أَنه جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظ أَخذ فَقَالَ من أَخذ شبْرًا من الأَرْض ظلما فَإِنَّهُ يطوقه الله يَوْم الْقِيَامَة من سبع أَرضين فَعلم أَن المُرَاد من الْغَصْب الْأَخْذ ظلما لَا غصبا مُوجبا للضَّمَان فَإِن قلت قَوْله ﷺ َ - " على الْيَد مَا أخذت حَتَّى ترد " يدل على ذَلِك بِإِطْلَاقِهِ وَالتَّقْيِيد بالمنقول خِلَافه قلت هَذَا مجَاز لِأَن الْأَخْذ حَقِيقَة لَا يتَصَوَّر فِي الْعقار لِأَن حد الْأَخْذ أَن يصير الْمَأْخُوذ تبعا ليده فَافْهَم ٢٦ - (حَدثنَا أَبُو معمر قَالَ حَدثنَا عبد الْوَارِث قَالَ حَدثنَا حُسَيْن عَن يحيى بن أبي كثير قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم أَن أَبَا سَلمَة قَالَ حَدثهُ أَنه كَانَت بَينه وَبَين أنَاس خُصُومَة فَذكر لعَائِشَة ﵂ فَقَالَت لَهُ يَا أَبَا سَلمَة اجْتنب الأَرْض فَإِن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ من ظلم قيد شبر من الأَرْض طوقه من سبع أَرضين) مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا فِي الحَدِيث الْمَاضِي وَرِجَاله سَبْعَة الأول أَبُو معمر عبد الله بن عَمْرو بن الْحجَّاج المقعد الْبَصْرِيّ الثَّانِي عبد الْوَارِث بن سعيد الثَّالِث حُسَيْن الْمعلم الرَّابِع يحيى بن أبي كثير الطَّائِي الْيَمَانِيّ الْخَامِس مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ السَّادِس أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن السَّابِع أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَدْء الْخلق عَن عَليّ عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي وَعَن إِسْحَق بن مَنْصُور قَوْله " بَين أنَاس خُصُومَة " وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق حَرْب بن شَدَّاد عَن يحيى بِلَفْظ وَكَانَ بَينه وَبَين قومه خُصُومَة فِي أَرض وَهَذَا يُفَسر أَن الْخُصُومَة كَانَت فِي أَرض وَأَنَّهَا كَانَت بَينه وَبَين قومه وَعلم مِنْهُ أَن المُرَاد من قَوْله أنَاس هم قومه وَلَكِن مَا علمت أَسمَاؤُهُم قَوْله " فَذكر لعَائِشَة " فِيهِ حذف الْمَفْعُول وَسَيَأْتِي فِي بَدْء الْخلق من وَجه آخر بِلَفْظ فَدخل على عَائِشَة فَذكر لَهَا ذَلِك قَوْله " قيد شبر " بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف أَي قدر شبر قَوْله " أَرضين " بِفَتْح الرَّاء وَجَاء إسكانها أَيْضا - ٤٥٤٢ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الله بنُ الْمُبَارَكِ قَالَ حدَّثنا مُوساى بنُ عُقْبَةَ عنْ سالِمٍ عنْ أبِيهِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ مَنْ أخذَ مِنَ الأرْضِ شَيْئاً بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ إلَى سَبْعِ أرْضِينَ. (الحَدِيث ٤٥٤٢ طرفه فِي: ٦٩١٣) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من أَخذ من الأَرْض شَيْئا بِغَيْر حَقه) ، لِأَن الْأَخْذ بِغَيْر الْحق ظلم، وَرِجَاله كلهم ذكرُوا غير مرّة، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر يروي عَن أَبِيه. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَدْء الْخلق عَن بشر بن مُحَمَّد عَن ابْن الْمُبَارك. قَوْله: (شَيْئا) يتَنَاوَل قَلِيلا وَكَثِيرًا قَوْله: (خسف بِهِ) ، أَي: بذلك الشَّيْء الَّذِي أَخذه من الأَرْض بِغَيْر حق، وَقد ذكرنَا أَنه يخسف بِهِ بعد مَوته، أَو فِي حشره، وَلَكِن بعد أَن ينْقل جَمِيع مَا أَخذه إِلَى سبع أَرضين، وَيجْعَل كُله فِي عُنُقه طوقاً ثمَّ يخسف بِهِ، وروى الطَّبَرِيّ وَابْن حبَان من حَدِيث يعلى بن مرّة مَرْفُوعا، الحَدِيث مضى فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وروى ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَاد حسن من حَدِيث أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ: (أعظم الْغلُول يَوْم الْقِيَامَة ذِرَاع أَرض يسرقه الرجل فيطوقه من سبع أَرضين) .

стр. 3714

قَالَ الْفِربْرِي قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بنُ أبي حاتِمٍ أَبُو جَعْفَر: هُوَ مُحَمَّد بن أبي حَاتِم البُخَارِيّ وراق البُخَارِيّ، وَقد ذكر عَنهُ الْفربرِي فِي هَذَا الْكتاب فَوَائِد كَثِيرَة عَن البُخَارِيّ وَغَيره، وَثبتت هَذِه الْفَائِدَة فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن مشايخه الثَّلَاثَة، وَسَقَطت لغيره. فَافْهَم. قَالَ أبُو عَبْدِ الله هذَا الحَدِيثُ لَيْسَ بُخُرَاسَانَ فِي كِتابِ ابنُ الْمُبارَكِ أمْلاهُ عَلَيْهِمْ بالْبَصْرَةِ أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. قَوْله: (هَذَا الحَدِيث) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى حَدِيث الْبَاب. قَوْله: (لَيْسَ بخراسان فِي كتاب ابْن الْمُبَارك) ، أَرَادَ أَن عبد الله بن الْمُبَارك صنف كتبه بخراسان، وَحدث بهَا هُنَاكَ، وَحملهَا عَنهُ أَهلهَا، إلَاّ هَذَا الحَدِيث فَإِنَّهُ أملاه عَلَيْهِم بِالْبَصْرَةِ. قَوْله: (فِي كتاب) ، ويروى: فِي كتب. قَوْله: (أملاه) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي: أمْلى عَلَيْهِم، بِحَذْف الْمَفْعُول، وَهُوَ الضَّمِير الْمَنْصُوب. قيل: لَا يلْزم من كَونه لَيْسَ فِي كتبه الَّتِي حدث بهَا فِي خُرَاسَان أَن لَا يكون حدث بِهِ بخراسان، فَإِن نعيم بن حَمَّاد الْمروزِي مِمَّن حمل عَنهُ بخراسان، وَقد حدث عَنهُ بِهَذَا الحَدِيث، وَأخرجه أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) من طَرِيقه، وَيحْتَمل أَن يكون نعيم أَيْضا إِنَّمَا سَمعه من ابْن الْمُبَارك بِالْبَصْرَةِ، وَهُوَ من غرائب الصَّحِيح، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.

стр. 3715

(بابٌ إذَا أذِنَ إنْسانٌ لآِخَرَ شَيْئاً جَازَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أذن إِنْسَان لإِنْسَان آخر. قَوْله: (شَيْئا) أَي: فِي شَيْء، فَلَمَّا حذف حرف الْجَرّ تعدى الْفِعْل فنصب، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قومه سبعين رجلا﴾ (الْأَعْرَاف: ٥٥١) . أَي: من قومه. قَوْله: (جَازَ) جَوَاب إِذا. ٥٥٤٢ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ جَبَلَةَ كُنَّا بالمَدِينَةِ فِي بَعْضِ أهْلِ الْعِرَاقِ فأصابَتْنا سَنَةٌ فكانَ ابنُ الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنا التَّمْرَ فكانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما يَمُرُّ بِنا فَيقُولُ إنَّ رسولَ الله ﷺ نَهاى عنِ الإقْرَانِ إلَاّ أنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أخاهُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إلَاّ أَن يسْتَأْذن الرجل مِنْكُم أَخَاهُ) . وجبلة، بِالْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَاللَّام المفتوحات: ابْن سحيم، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة: الشَّيْبَانِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَطْعِمَة عَن آدم وَفِي الشّركَة عَن أبي الْوَلِيد. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَطْعِمَة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن عبيد الله بن معَاذ وَعَن بنْدَار وَعَن زُهَيْر بن حَرْب وَمُحَمّد بن الْمثنى أَيْضا. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن وَاصل بن عبد الْأَعْلَى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن عَليّ بن خشرم وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَعَن عبد الحميد بن مُحَمَّد. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَطْعِمَة عَن بنْدَار وروى أَحْمد من حَدِيث الْحسن عَن سعد مولى أبي بكر، قَالَ: قدمت بَين يَدي النَّبِي، ﷺ ، تَمرا فَجعلُوا يقرنون، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا تقرنوا) ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا عَن سعد مولى أبي بكر، وَلَفظه: (وَكَانَ يخْدم النَّبِي ﷺ وَيُعْجِبهُ خدمته، أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن الإقران) ، يَعْنِي فِي التَّمْر، وروى الْبَزَّار فِي (مُسْنده) من حَدِيث الشّعبِيّ عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (قسم رَسُول الله ﷺ تَمرا بَين أَصْحَابه، فَكَانَ بَعضهم يقرن، فَنهى رَسُول الله ﷺ أَن يقرن إلَاّ بِإِذن صَاحبه) ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) بِلَفْظ: (كنت فِي الصّفة فَبعث إِلَيْنَا النَّبِي ﷺ تمر عَجْوَة، فَسَكَبت بَيْننَا، فَكُنَّا نقرن الثِّنْتَيْنِ من الْجُوع، فَكُنَّا إِذا قرن أَحَدنَا لأَصْحَابه: إِنِّي قد قرنت فأقرنوا) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث أبي طَلْحَة: أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَن الإقران. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي بعض أهل الْعرَاق) ، وَعند التِّرْمِذِيّ: فِي بعث أهل الْعرَاق. قَوْله: (سنة) ، أَي: غلاء وجدب. قَوْله: (فَكَانَ ابْن الزبير) ، أَي: عبد الله بن الزبير بن الْعَوام. قَوْله: (نهى عَن الإقران) ، بِكَسْر الْهمزَة من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ، قَالَ ابْن التِّين: كَذَا وَقع فِي البُخَارِيّ رباعياً، وَالْمَعْرُوف خِلَافه، وَالَّذِي فِي اللُّغَة ثلاثي، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: كَذَا لجَمِيع رُوَاة مُسلم: (الإقران)

стр. 3716

وَلَيْسَت مَعْرُوفَة، وَالصَّوَاب: الْقرَان. ثلاثي. وَقَالَ الْفراء: لَا يُقَال: أقرن، وَقَالَ غَيره: إِنَّمَا يُقَال: أقرن على الشَّيْء إِذا قوي عَلَيْهِ وأطاقه، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرنين﴾ (الزخرف: ٣٥) . أَي: مطيقين، وَفِي (الصِّحَاح) : أقرن الدَّم الْعرق واستقرن أَي: كثر، فَيحْتَمل أَن يكون الإقران فِي هَذَا الحَدِيث على ذَلِك، وَيكون مَعْنَاهُ النَّهْي عَن الْإِكْثَار من أكل التَّمْر إِذا كَانَ مَعَ غَيره، وَيرجع مَعْنَاهُ إِلَى الْقرَان الْمَذْكُور فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى، وَنقل الْمُنْذِرِيّ عَن أبي مُحَمَّد الْمعَافِرِي أَنه: يُقَال: قرن بَين الشَّيْئَيْنِ وأقرن: إِذا جمع بَينهمَا. قَوْله: (ألَاّ أَن يسْتَأْذن الرجل مِنْكُم أَخَاهُ) ، قَالَ الْخَطِيب: هَذَا من قَول ابْن عمر وَلَيْسَ من قَول النَّبِي ﷺ ، بيَّن ذَلِك آدم بن أبي إِيَاس وشبابة بن سوار عَن شُعْبَة، وَقَالَ عَاصِم بن عَليّ: أرى الْإِذْن من قَول ابْن عمر، قيل: يرد على هَذَا مَا أخرجه البُخَارِيّ بعدُ من حَدِيث جبلة بن سحيم: سَمِعت ابْن عمر يَقُول: (نهى رَسُول الله ﷺ أَن يقرن الرجل بَين التمرتين جَمِيعًا حَتَّى يسْتَأْذن أَصْحَابه) . قلت: إحتمال الإدراج باقٍ فِيهِ أَيْضا، فَلْيتَأَمَّل. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: النَّهْي عَن الإقران. قَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي كِتَابه (المغيث) : للنَّهْي عَن الْقرَان وَجْهَان: الأول: ذهبت عَائِشَة وَجَابِر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، إِلَى أَنه قَبِيح، وَفِيه شَره وهلع وَهُوَ يزري بِصَاحِبِهِ. الثَّانِي: كَانَ التَّمْر من جِهَة ابْن الزبير وَكَانَ ملكهم فِيهِ سَوَاء، فَيصير الَّذِي يقرن أَكثر أكلا من غَيره، فَأَما إِذا كَانَ التَّمْر ملكا لَهُ فَلهُ أَن يَأْكُل كَمَا شَاءَ، كَمَا رُوِيَ أَن سالما كَانَ يَأْكُل التَّمْر كفا كفا، وَقيل: إِذا كَانَ الطَّعَام بِحَيْثُ يكون شبعاً للْجَمِيع كَانَ مُبَاحا لَهُ لَو أكله، وَجَاز لَهُ أَن يَأْكُل كَمَا شَاءَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَحمل أهل الظَّاهِر هَذَا النَّهْي على التَّحْرِيم مُطلقًا. قَالَ: وَهُوَ مِنْهُم ذُهُول عَن مساق الحَدِيث وَمَعْنَاهُ. وَحمله جُمْهُور الْفُقَهَاء على حَالَة الْمُشَاركَة بِدَلِيل مساق الحَدِيث. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَاخْتلفُوا فِي أَن هَذَا النَّهْي على التَّحْرِيم أَو على الْكَرَاهَة وَالْأَدب؟ وَالصَّوَاب: التَّفْصِيل كَمَا سبق. وَاخْتلف الْعلمَاء فِيمَا يملك من الطَّعَام حِين وَضعه، فَإِن قُلْنَا: إِنَّهُم يملكونه بِوَضْعِهِ بَين أَيْديهم فَيحرم أَن يَأْكُل أحد أَكثر من الآخر، وَإِن قُلْنَا: إِنَّمَا يملك كل وَاحِد مِنْهُم مَا رفع إِلَى فِيهِ فَهُوَ سوء أدب وشره ودناءة، وَيكون مَكْرُوها. وَقَالَ ابْن التِّين: وَحمله بَعضهم على مَا إِذا اسْتَوَت أثمانهم فِيهِ مثل أَن يتخارجوا فِي ثمنه أَو يَهبهُ لَهُم رجل أَو يوصى لَهُم بِهِ، وَأما إِن أطْعمهُم هُوَ، فروى ابْن نَافِع عَن مَالك: لَا بَأْس بِهِ، وَفِي رِوَايَة ابْن وهب: لَيْسَ بجميل أَن يَأْكُل تمرتين أَو ثَلَاثًا فِي لقْمَة دونهم. فَإِن قلت: روى الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من رِوَايَة يزِيد بن زُرَيْع عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (كنت نَهَيْتُكُمْ عَن الإقران فِي التَّمْر، فَإِن الله قد وسع عَلَيْكُم فأقرنوا) قلت: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن شاهين أَيْضا فِي كِتَابه (النَّاسِخ والمنسوخ) ، ثمَّ قَالَ: الحَدِيث الَّذِي فِيهِ النَّهْي عَن الإقران صَحِيح الْإِسْنَاد، وَالَّذِي فِيهِ الْإِبَاحَة لَيْسَ بِذَاكَ الْقوي، لِأَن فِي سَنَده اضطراباً، وَإِن صَحَّ فَيحمل على أَنه نَاسخ للنَّهْي. وَقَالَ الْحَازِمِي: وَذكر الْحَدِيثين: إِسْنَاد الأول أصح وَأشهر من الثَّانِي، غير أَن الْخطب فِي هَذَا الْبَاب يسير، لِأَنَّهُ لَيْسَ من بَاب الْعِبَادَات والتكاليف، وَإِنَّمَا هُوَ من قبيل الْمصَالح الدنياوية فَيَكْفِي فِي ذَلِك الحَدِيث الثَّانِي، ثمَّ يشيده إِجْمَاع الامة على خلاف ذَلِك. وَقيل: إِن النَّبِي، ﷺ ، إِنَّمَا نهى عَن ذَلِك حَيْثُ كَانَ الْعَيْش زهيداً والقوت متعذراً مُرَاعَاة لجَانب الْفُقَرَاء والضعفاء وَالْمَسَاكِين، وحثاً على الإيثار والمواساة ورغبة فِي تعَاطِي أَسبَاب المعدلة حَالَة الِاجْتِمَاع والاشتراك، فَلَمَّا وسع الله الْخَيْر وَعم الْعَيْش الْغَنِيّ، وَالْفَقِير، قَالَ: فشأنكم إِذا. ٦٥٤٢ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبِي وائِلٍ عنْ أبِي مَسْعُودٍ أنَّ رَجُلاً منَ الأنْصَارِ يُقالُ لَهُ أبُو شُعَيْب كانَ لهُ غُلامٌ لَحَّامٌ فَقَالَ لَهُ أبُو شُعَيْبٍ اصْنَعْ لِي طَعَامَ خَمْسَةٍ لَعَلِّي أدْعُو النَّبيَّ ﷺ خامِسَ خَمْسَةٍ وأبْصَرَ فِي وجْهِ النبيِّ ﷺ الجُوعَ فَدَعاهُ فتَبِعَهُمْ رَجلٌ لَمْ يُدْعَ فَقَالَ النبيُّ ﷺ إنَّ هاذا قدْ اتَّبَعَنَا أتَأذَنُ لَهُ قَالَ نَعَمْ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أتأذن لَهُ؟ قَالَ: نعم) فَإِن معنى التَّرْجَمَة يَشْمَل ذَلِك. وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي

стр. 3717

وَأَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَأَبُو مَسْعُود عقبَة بن عَمْرو. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب مَا قيل فِي اللحام والجزار، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه عَن الْأَعْمَش ... إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (وَأبْصر) ، جملَة مَاضِيَة وَقعت حَالا. قَوْله: (قد اتَّبعنَا) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي الْحسن، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: تبعنا. وَقَالَ الدَّاودِيّ: معنى اتَّبعنَا سَار مَعنا، وتبعهم لحقهم. وَقَالَ ابْن فَارس: تبِعت فلَانا إِذا تلوته، واتبعته إِذا لحقته، وبنحوه ذكره الْجَوْهَرِي: تبِعت الْقَوْم إِذا تلوتهم، وَاتَّبَعتهمْ إِذا سرت مَعَهم. وَقَالَ الْأَخْفَش: تبع وأتبع سَوَاء، وَقَالَ ابْن التِّين: وَالصَّوَاب أَن يقْرَأ: اتَّبعنَا، بتَشْديد التَّاء على بَاب افتعل من تبع، فَمَعْنَاه مثل معنى تبع، وَضبط الدَّاودِيّ هُنَا لظَنّه أَن الْهمزَة همزَة قطع، فَقَالَ: معنى اتَّبعنَا سَار مَعنا، وتبعهم أَي اتبعهم. ٥١ - (بابُ قَوْلِ الله تعَالاى ﴿وهْوَ ألَدُّ الخِصَامِ﴾ (الْبَقَرَة: ٤٠٢) .) أَي: هَذَا بَاب مَا جَاءَ فِي الحَدِيث مَا يُوَافق لفظ الْقُرْآن، وَمَعْنَاهُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ أَلد الْخِصَام﴾ (الْبَقَرَة: ٤٠٢) . وَتَمام هَذَا هُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن النَّاس من يُعْجِبك قَوْله فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيشْهد الله على مَا فِي قلبه وَهُوَ أَلد الْخِصَام﴾ (الْبَقَرَة: ٤٠٢) . وَقَالَ السّديّ: هَذِه الْآيَة وَثَلَاث آيَات بعْدهَا نزلت فِي الْأَخْنَس بن شريق الثَّقَفِيّ، جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ وَأظْهر الْإِسْلَام وَفِي بَاطِنه خلاف ذَلِك، وَعَن ابْن عَبَّاس: أَنَّهَا نزلت فِي نفر من الْمُنَافِقين تكلمُوا فِي خبيب وَأَصْحَابه الَّذين قتلوا بالرجيع وعابوهم، فَأنْزل الله ذمّ الْمُنَافِقين ومدح خبيباً وَأَصْحَابه. وَقيل: بل ذَلِك عَام فِي الْمُنَافِقين كلهم، وَهَذَا قَول قَتَادَة وَمُجاهد وَالربيع بن أنس وَغير وَاحِد، وَهُوَ الصَّحِيح. وَقَالَ ابْن جرير: حَدثنِي يُونُس أخبرنَا ابْن وهب أَخْبرنِي اللَّيْث بن سعد عَن خَالِد بن يزِيد عَن سعيد بن أبي هِلَال عَن الْقرظِيّ عَن نوف وَهُوَ الْبكالِي وَكَانَ مِمَّن يقْرَأ الْكتب، قَالَ: إِنِّي لَا أجد صفة نَاس من هَذِه الْأمة، فِي كتاب الله الْمنزل قوم يحتالون الدُّنْيَا بِالدّينِ، ألسنتهم أحلى من الْعَسَل، وَقُلُوبهمْ أَمر من الصَّبْر يلبسُونَ لِبَاس مسوك الضَّأْن وَقُلُوبهمْ قُلُوب الذئاب، فعليَّ يجرأون؟ وفيَّ يفترون؟ حَلَفت بنفسي لأبعثنَّ عَلَيْهِم فتْنَة تتْرك الْحَلِيم فِيهَا حيران. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: تدبرتها فِي الْقُرْآن فَإِذا هم المُنَافِقُونَ. قَوْله: (وَيشْهد الله على مَا فِي قلبه) ، أَي: يظْهر للنَّاس الْإِسْلَام ويبارز الله تَعَالَى بِمَا فِي قلبه من الْكفْر والنفاق، هَذَا مَا رُوِيَ عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن مُحَمَّد بن أبي مُحَمَّد عَن عِكْرِمَة أَو سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس. وَقيل: مَعْنَاهُ إِنَّه إِذا أظهر للنَّاس الْإِسْلَام حلف وَأشْهد الله لَهُم أَن الَّذِي فِي قلبه مُوَافق لِلِسَانِهِ، وَهَذَا الْمَعْنى صَحِيح. قَوْله: ﴿وَهُوَ أَلد الْخِصَام﴾ (الْبَقَرَة: ٤٠٢) . الألد فِي اللُّغَة هُوَ الأعوج: ﴿وتنذر بِهِ قوما لداً﴾ (مَرْيَم: ٧٩) . أَي: عوجا، وَهَكَذَا الْمُنَافِق فِي حَال خصومته يكذب ويزور عَن الْحق وَلَا يَسْتَقِيم مَعَه، بل يفتري وَيفجر. وَيُقَال: الألد هُوَ شَدِيد الْجِدَال، وَالْإِضَافَة فِيهِ بِمَعْنى: فِي، كَقَوْلِهِم: ثَبت الْغدر أَو جعل الْخِصَام أَلد على الْمُبَالغَة، وَفِي (الْجَامِع) : واللدد مصدر الألد، وَرجل أَلد إِذا اشْتَدَّ فِي الْخُصُومَة، وَالْأُنْثَى لداء، واللدد الْجِدَال أَخذ من: لديد الْوَادي أَي: جَانِبه، كَأَنَّهُ إِذا منع من جَانب جَاءَ من جَانب آخر، وَفِي تَفْسِير عبد الرَّحْمَن عَن ابْن عَبَّاس: أَلد الْخِصَام، أَي: ذُو جِدَال إِذا كلمك وراجعك. وَعَن الْحسن: كَاذِب القَوْل، وَعَن مُجَاهِد: ظَالِم لَا يَسْتَقِيم، وَعَن قَتَادَة شَدِيد الْقَسْوَة فِي مَعْصِيّة الله جدل بِالْبَاطِلِ. وَقَالَ ابْن سَيّده: لددت لدداً صرت أَلد، ولددته ألده إِذا خصمته. وَقيل: مَأْخُوذ من اللديدين وهما صفحتا الْعُنُق، وَالْمعْنَى: من أَي جَانب أَخذ فِي الْخُصُومَة قوي، وَالْخِصَام جمع: الْخصم، كصعب وصعاب، قَالَه الزّجاج. وَقيل: هُوَ مصدر خاصمته. ٧٥٤٢ - حدَّثنا أَبُو عاصِمٍ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ إنَّ أبْغَضَ الرِّجَالِ إلاى الله الألعدُّ الخَصِمُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو عَاصِم النَّبِيل الضَّحَّاك بن مخلد، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ، وَابْن أبي مليكَة هُوَ عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة، وَاسم أبي مليكَة زُهَيْر بن عبد الله الْمَكِّيّ الْأَحول، كَانَ قَاضِيا لعبد الله بن الزبير. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَحْكَام عَن مُسَدّد، وَفِي التَّفْسِير عَن قبيصَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن أبي بكر بن

стр. 3718

أبي شيبَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن ابْن أبي عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الْقَضَاء عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. قَوْله: (الْخصم) ، بِفَتْح الْخَاء وَكسر الصَّاد: المولع بِالْخُصُومَةِ الماهر فِيهَا. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿بل هم قوم خصمون﴾ (الزخرف: ٨٥) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الأبغض هُوَ الْكَافِر. قلت: اللَّام للْعهد عَن الْأَخْنَس، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح النُّون وبالمهملة: ابْن شريق، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء: الَّذِي نزل فِيهِ الْآيَة، وَهُوَ مُنَافِق، أَو هُوَ تَغْلِيظ فِي الزّجر أَو المُرَاد الألد فِي الْبَاطِل المستحل لَهُ. ٦١ - (بابُ إثْمِ مَنْ خاصَمَ فِي باطِلٍ وهْوَ يَعْلَمُهُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم من خَاصم فِي أَمر بَاطِل، وَالْحَال أَنه يعمله، أَي: يعلم أَنه بَاطِل. ٨٥٤٢ - حدَّثنا عبْدُ الْعَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني إبْرَاهِيمْ بنُ سَعْدٍ عنْ صالِحٍ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ أخْبَرَنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ زَيْنَبَ أُمِّ سَلَمَةَ أخْبَرَتْهُ أنَّ أُمَّها سلَمَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زَوْجَ النبيِّ ﷺ أخْبَرَتْها عنْ رسولِ الله ﷺ أنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً ببابِ حُجْرَتِهِ فخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقَالَ إنَّما أَنا بَشَرٌ وإنَّهُ يأْتِينِي الخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ فأحْسِبُ أنَّهُ صَدَقَ فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فإنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلْيَأْخُذْها أوْ فَلْيَتْرُكْها.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَة من النَّار) . ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى الأويسي. الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. الثَّالِث: صَالح بن كيسَان مؤدب ولد عمر بن عبد الْعَزِيز. الرَّابِع: مُحَمَّد، بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّادِس: زَيْنَب بنت أم سَلمَة وَهِي بنت أبي سَلمَة عبد الله بن عبد الْأسد، وَكَانَ اسْمهَا برة فسماها رَسُول الله ﷺ زَيْنَب، سَمِعت النَّبِي ﷺ عِنْد البُخَارِيّ. السَّابِع: أمهَا أم سَلمَة وَاسْمهَا: هِنْد بنت أبي أُميَّة. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ، وهم: صَالح على قَول من قَالَ: رأى عبد الله بن عمر وَالزهْرِيّ وَعُرْوَة. وَفِيه: رِوَايَة الصحابية عَن الصحابية، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَحْكَام عَن أبي الْيَمَان وَفِي الشَّهَادَات وَالْأَحْكَام أَيْضا عَن القعْنبِي عَن مَالك وَفِي ترك الْحِيَل عَن مُحَمَّد بن كثير. وَأخرجه مُسلم فِي الْقَضَاء عَن يحيى بن يحيى وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن أبي كريب وَعَن عَمْرو النَّاقِد وَعَن حَرْمَلَة بن يحيى وَعَن عبد بن حميد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَحْكَام مُخْتَصرا عَن هَارُون بن إِسْحَاق، وَلم يذكرهُ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) فَكَأَنَّهُ غفل عَنهُ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِنَّمَا أَنا بشر) أَي: لَا أعلم الْغَيْب وبواطن الْأُمُور، كَمَا هُوَ مُقْتَضى حَال البشرية، وَأَنه إِنَّمَا يحكم بِالظَّاهِرِ وَالله يتَوَلَّى السرائر، وَلَو شَاءَ الله لأطلعه على بَاطِن الْأُمُور حَتَّى يحكم بِالْيَقِينِ، لَكِن أَمر الله أمته بالإقتداء بِهِ، فَأجرى أَحْكَامه على الظَّاهِر لتطيب نُفُوسهم للانقياد. قَوْله: (أبلغ من بعض) ، أَي: أفْصح بِبَيَان حجَّته، وَقَالَ الزّجاج: بلغ الرجل يبلغ بلاغة وَهُوَ بليغ: إِذا كَانَ يبلغ بِعِبَارَة لِسَانه كنه مَا فِي قلبه، وَقَالَ غَيره: البلاغة إِيصَال الْمَعْنى إِلَى الْقلب، فِي أحسن صُورَة من اللَّفْظ، وَقيل: الإيجاز مَعَ الإفهام وَالتَّصَرُّف من غير إِضْمَار، وَذكر ابْن رَشِيق فِي (الْعُمْدَة) وَمن خطه، فِيمَا قيل: البلاغة قَلِيل يفهم وَكثير لَا يسأم، وَقَالَ آخر: إجاعة اللَّفْظ وإشباع الْمَعْنى. وَقَالَ آخر: البليغ أسهلهم لفظا وَأَحْسَنهمْ بديهة. وَقَالَ خلف

стр. 3719

الْأَحْمَر: البلاغة لمحة دَالَّة، وَقَالَ الْخَلِيل: البلاغة كلمة تكشف عَن البغية، وَقيل: الإيجاز من غير عجز والإطناب من غير خطأ، وَقيل: البلاغة معرفَة الْوَصْل والفصل، وَقيل: أَن يدل أول الْكَلَام على آخِره وَآخره على أَوله، وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة: (وَلَعَلَّ بَعْضكُم أَن يكون أَلحن بحجته من بعض، فَمن قطعت لَهُ من حق أَخِيه قِطْعَة، فَإِنَّمَا أقطع لَهُ قِطْعَة من النَّار) . واللحن، بِالتَّحْرِيكِ. قَالَ الْخطابِيّ: الفطنة، وَقد لحن، بِالْكَسْرِ يلحن لحناً بِسُكُون الْحَاء: الْخَطَأ فِي الْإِعْرَاب. قَوْله: (فأحسب) بِالنّصب عطف على قَوْله: أَن يكون أبلغ، وَأدْخل: أَن تَشْبِيها للعل بعسى. قَوْله: (فَمن قضيت) أَي: حكمت لَهُ بِحَق مُسلم، إِنَّمَا ذكر مُسلما تَغْلِيبًا أَو اهتماماً بِحَالهِ أَو نظرا، إِلَى لفظ بَعْضكُم، فَإِنَّهُ خطاب للْمُؤْمِنين. قَوْله: (قِطْعَة من النَّار) ، أَي: هُوَ حرَام مآله النَّار. قَوْله: (فليأخذها) ، أَمر تهديد لَا تَخْيِير، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَمن شَاءَ فليؤمن وَمن شَاءَ فليكفر﴾ (الْكَهْف: ٩٢) . وَكَقَوْلِه: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُم﴾ (فصلت: ٠٤) [/ ح. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: دلَالَة على الحكم بِالظَّاهِرِ تَشْرِيفًا للْأمة، وَهُوَ كَقَوْلِه: (أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلاه إلَاّ الله) ، وَقَوله فِي حَدِيث المتلاعنين: (لَوْلَا الْإِيمَان لَكَانَ لي وَلها شَأْن) ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَقد رُوِيَ فِي هَذَا إِنَّمَا أحكم بِمَا أسمع، وَإِنَّمَا للحصر، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا أحكم إلَاّ بِمَا أسمع، وَقد اخْتلف فِي هَذَا فَقَالَ مَالك، فِي الْمَشْهُور عَنهُ: أَن الْحَاكِم لَا يحكم بِعِلْمِهِ فِي شَيْء، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق: وَأَبُو عبيد وَالشعْبِيّ، وروى عَن شُرَيْح. وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى: أَنه يقْضِي بِعِلْمِهِ فِي كل شَيْء من الْأَمْوَال وَالْحُدُود. وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر، وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي. وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى التَّفْرِيق، فَمنهمْ من قَالَ: يقْضِي بِعِلْمِهِ بِمَا سَمعه فِي مجْلِس قَضَائِهِ خَاصَّة لَا قبله وَلَا فِي غَيره، إِذا لم يحضر مَجْلِسه بيِّنة فِي الْأَمْوَال بِعِلْمِهِ خَاصَّة، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ وَجَمَاعَة من أَصْحَاب مَالك، وحكوه عَنهُ أَيْضا. وَمِنْهُم من قَالَ: يحكم بِمَا سَمعه فِي مجْلِس قَضَائِهِ وَفِي غَيره، لَا قبل قَضَائِهِ وَلَا فِي غير مصره، فِي الْأَمْوَال خَاصَّة، سَوَاء سمع ذَلِك فِي مجْلِس قَضَائِهِ أَو فِي غَيره لَا قبل ولَايَته أَو بعْدهَا، وَبِه قَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد، وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي. قَالَ: وَذهب بعض أَصْحَابنَا إِلَى أَنه يقْضِي بِعِلْمِهِ فِي الْأَمْوَال وَالْقَذْف خَاصَّة، وَلم يشْتَرط مجْلِس الْقَضَاء. وَاتَّفَقُوا على أَنه يحكم بِعِلْمِهِ فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل، لِأَن ذَلِك ضَرُورِيّ فِي حَقه، وَقَالَ الْمُهلب: دلّ الحَدِيث على أَن الْقوي على الْبَيَان البليغ فِي تأدية الْحجَّة يبلغ بِالْبَاطِلِ مَا يقْضِي لَهُ على خَصمه، وَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا يحل لَهُ مَا حرم الله عَلَيْهِ، وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وتدلوا بهَا إِلَى الْحُكَّام لتأكلوا فريقاً من أَمْوَال النَّاس﴾ (الْبَقَرَة: ٨٨١) . وَفِيه: دلَالَة أَن الْبَيِّنَة مسموعة بعد الْيَمين، وَهُوَ الَّذِي فهمه البُخَارِيّ وَبَوَّبَ لَهُ بعد: بَاب من أَقَامَ الْبَيِّنَة بعد الْيَمين. وَفِيه: دلَالَة على حكمه، ﷺ ، بِالِاجْتِهَادِ. قَالَ عِيَاض: وَهُوَ قَول الْمُحَقِّقين، قَالَه الْخطابِيّ. وَفِيه: دَلِيل على أَنه لَيْسَ كل مُجْتَهد مصيباً، وَأَن إِثْم الْخَطَأ مَرْفُوع عَنهُ إِذا اجْتهد. وَفِيه: الْعَمَل بِالظَّنِّ، قَالَ: فأحسب أَنه صدق، وَهُوَ أَمر لم يخْتَلف فِيهِ فِي حق الْحَاكِم، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: ذهب قوم إِلَى أَن كل مَا يقْضِي بِهِ الْحَاكِم من تمْلِيك مَال وَإِزَالَة ملك أَو إِثْبَات نِكَاح أَو طَلَاق أَو مَا أشبه ذَلِك على مَا حكم، وَإِن كَانَ فِي الْبَاطِن على خلاف مَا شهد بِهِ الشَّاهِدَانِ، وعَلى خلاف مَا حكم بِشَهَادَتِهِمَا على الحكم الظَّاهِر، لم يكن قَضَاء القَاضِي مُوجبا شَيْئا من تمْلِيك وَلَا تَحْلِيل وَلَا تَحْرِيم، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِك: أَبُو يُوسُف، وَخَالفهُم آخَرُونَ فَقَالُوا: مَا كَانَ ذَلِك من تمْلِيك مَال فَهُوَ على حكم الْبَاطِن، وَمَا كَانَ من ذَلِك من قَضَاء بِطَلَاق أَو نِكَاح بِشُهُود ظَاهِرهمْ الْعَدَالَة وَبَاطِنهمْ الجرحة، فَحكم الْحَاكِم بِشَهَادَتِهِم على ظَاهِرهمْ، فَإِنَّهُ ينفذ ظَاهرا وَبَاطنا، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد، رحمهمَا الله. ٧١ - (بابُ إذَا خاصَمَ فَجَرَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: (إِثْم من إِذا خَاصم فجر) ، من الْفُجُور، وَهُوَ الْكَذِب والفسوق والعصيان، وأصل الْفجْر: الشق وَالْفَتْح، يُقَال فجر المَاء إِذا شقَّه، وَمِنْه: فجر الصُّبْح، وَكَأن الْفَاجِر يفتح مَعْصِيّة ويتسع فِيهَا. ٩٥٤٢ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ خَالِدٍ قَالَ أخبرنَا مُحَمَّدٌ عنْ شُعْبَةَ عنْ سُلَيْمَانَ عنْ عَبْدِ الله بنِ مُرَّةَ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمْروٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ أرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كانَ

стр. 3720

مُنَافِقاً أوْ كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ أرْبَعَةٍ كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حتَّى يَدَعَها إذَا حدَّثَ كَذَبَ وإذَا وعَدَ أخْلَفَ وإذَا عاهَدَ غَدَرَ وإذَا خاصَمَ فَجَرَ. (انْظُر الحَدِيث ٤٣ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَإِذا خَاصم فجر) . و (بشر) بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة ابْن خَالِد أَبُو مُحَمَّد العسكري، شيخ مُسلم أَيْضا، وَمُحَمّد هُوَ ابْن جَعْفَر، وَصرح بِهِ فِي بعض النّسخ، وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب عَلَامَات الْمُنَافِق، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن قبيصَة بن عقبَة عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش ... إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ، وَذكر هُنَاكَ مَوضِع: إِذا وعد أخلف، وَإِذا ائْتمن خَان، وَذَلِكَ لِأَن الْمَتْرُوك فِي الْمَوْضِعَيْنِ دَاخل تَحت الْمَذْكُور مِنْهُمَا. ٨١ - (بابُ قِصاصِ الْمَظْلُومِ إذَا وجَدَ مالَ ظالِمِه) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم قصاص الْمَظْلُوم الَّذِي أَخذ مِنْهُ المَال إِذا وجد يَعْنِي: إِذا ظهر بِمَال الَّذِي ظلمه، وَجَوَاب، إِذا مَحْذُوف تَقْدِيره: هَل يَأْخُذ مِنْهُ بِقدر حَقه؟ يَعْنِي: يَأْخُذ. وَاكْتفى بِذكر أثر ابْن سِيرِين عَن ذكر الْجَواب، واستمرت عَادَته على هَذَا الْوَجْه وَهِي مَسْأَلَة الظفر، وفيهَا خلاف وتفصيل، فَقَالَ ابْن بطال: اخْتلف الْعلمَاء فِي الَّذِي يجْحَد وَدِيعَة غَيره، ثمَّ إِن الْمُودع يجد لَهُ مَالا، هَل يَأْخُذهُ عوضا من حَقه؟ فروى ابْن الْقَاسِم عَن مَالك: أَنه لَا يفعل، وروى عَنهُ: أَن لَهُ أَن يَأْخُذ حَقه إِذا وجده من مَاله إِذا لم يكن فِيهِ شَيْء من الزِّيَادَة، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، وَقَالَ النَّوَوِيّ: من لَهُ حق على رجل وَهُوَ عَاجز عَن اسْتِيفَائه يجوز لَهُ أَن يَأْخُذ من مَاله قدر حَقه من غير إِذْنه، وَهَذَا مَذْهَبنَا، وَمنع من ذَلِك أَبُو حنيفَة وَمَالك، وَقَالَ ابْن بطال: وروى ابْن وهب عَن مَالك: أَنه إِذا كَانَ على الجاحد لِلْمَالِ دين فَلَيْسَ لَهُ أَن يَأْخُذ إلَاّ مِقْدَار مَا يكون فِيهِ أُسْوَة الْغُرَمَاء، وَعَن أبي حنيفَة: يَأْخُذ من الذَّهَب الذَّهَب وَمن الْفضة الْفضة وَمن الْمكيل الْمكيل وَمن الْمَوْزُون الْمَوْزُون، وَلَا يَأْخُذ غير ذَلِك، وَقَالَ زفر: لَهُ أَن يَأْخُذ الْعرض بِالْقيمَةِ. انْتهى. قلت: مَذْهَبنَا أَنه إِذا بخس حَقه فَلهُ أَن يَأْخُذهُ وإلَاّ فَلَا. وَقَالَ ابنُ سِيرِينَ يُقاصهُ وقَرَأ ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (النَّحْل: ٦٢١) . أَي: قَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين إِذا وجد مَال ظالمه يقاصه، بِالتَّشْدِيدِ، وَأَصله: يقاصصه، أَرَادَ: يَأْخُذ مثل مَاله، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الله بن حميد فِي تَفْسِيره من طَرِيق خَالِد الْحذاء عَنهُ بِلَفْظ: أَن أَخذ أحد مِنْك شَيْئا فَخذ مثله. قَوْله: (وَقَرَأَ) ، إِشَارَة إِلَى أَنه احْتج فِيمَا ذهب إِلَيْهِ بقوله تَعَالَى: ﴿وَإِن عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمثل مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (النَّحْل: ٦٢١) . يَعْنِي: لَا يزِيد وَلَا ينقص. ٠٦٤٢ - حدَّثنا أَبُو الْيَمانِ قَالَ أخْبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني عُرْوَةُ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ جاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ فقالَتْ يَا رسولَ الله إنَّ أبَا سُفْيانَ رجُلٌ مِسِّيكٌ فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أنْ أُطْعِمَ منَ الَّذِي لَهُ عِيَالَنا فَقَالَ لَا حَرَجَ عَلَيْكَ أنْ تُطْعِمِيهِمْ بالْمَعْرُوفِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِذن النَّبِي ﷺ لهِنْد بِالْأَخْذِ من مَال زَوجهَا. قَالَ ابْن بطال: فَهَذَا يدل على جَوَاز أَخذ صَاحب الْحق من مَال من لَو يوفه أَو جَحده قدر حَقه، وَإسْنَاد هَذَا الحَدِيث على هَذَا النسق بِعَيْنِه قد مر غير مرّة. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَهِنْد بنت عتبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: ابْن ربيعَة أم مُعَاوِيَة، أسلمت يَوْم الْفَتْح وَمَاتَتْ فِي خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَزوجهَا أَبُو سُفْيَان اسْمه: صَخْر بن حَرْب بن أُميَّة وَالِد مُعَاوِيَة. قَوْله: (مسيك) ، بِفَتْح الْمِيم وَتَخْفِيف السِّين على وزن: فعيل، بِفَتْح الْفَاء، ويروى بِكَسْر الْمِيم وَتَشْديد السِّين على وزن فعيل بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيد، وَهُوَ صِيغَة مُبَالغَة: كسكين وخمير، مَعْنَاهُ: بخيل شَدِيد الْمسك بِمَا فِي يَدَيْهِ، وَقَالَ عِيَاض: فِي رِوَايَة كثير من أهل الإتقان بِالْفَتْح وَالتَّخْفِيف، وَقَيده بَعضهم بِالْوَجْهَيْنِ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: فِي كتب الحَدِيث الْفَتْح وَالتَّخْفِيف، وَالْمَشْهُور عِنْد الْمُحدثين الْكسر وَالتَّشْدِيد. قَوْله: (حرج) ، أَي: إِثْم. قَوْله: (أَن تطعميهم) ، كلمة: أَن مَصْدَرِيَّة، تَقْدِيره: لَا حرج عَلَيْك بإطعامك إيَّاهُم بِالْمَعْرُوفِ، أَي: بِقدر مَا يتعارف أَن يَأْكُل الْعِيَال، وَهَذَا الحَدِيث يشْتَمل على أَحْكَام، وَهِي النَّفَقَة للأولاد وَأَنَّهَا مقدرَة بالكفاية لَا بالإمداد.

стр. 3721

وَجَوَاز سَماع كَلَام الْأَجْنَبِيَّة وَذكر الْإِنْسَان بِمَا يكره عِنْد الْحَاجة، وَأَن للْمَرْأَة مدخلًا فِي كَفَالَة أَوْلَادهَا، وَجَوَاز خُرُوج الْمَرْأَة من بَيتهَا لقَضَاء حَاجَتهَا، وَقد اسْتدلَّ بِهِ من يرى بِجَوَاز الحكم على الْغَائِب. قلت: هَذَا اسْتِدْلَال فَاسد من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه كَانَ فَتْوَى لَا حكما. وَالْآخر: أَن أَبَا سُفْيَان كَانَ حَاضرا فِي الْبَلَد. ١٦٤٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني يَزِيدُ عنْ أبِي الخَيْرِ عنْ عُقْبَةَ ابنِ عامِر رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قُلْنا لِلنَّبِيِّ ﷺ إنَّكَ تَبْعَثُنَا فنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونا فَما تَرَى فِيهِ فَقَالَ لَنا إنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأُمِرَ لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَأقْبَلُوا فإنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ. (الحَدِيث ١٦٤٢ طرفه فِي: ٧٣١٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ بالتكلف من قَوْله: (فَخُذُوا مِنْهُم حق الضَّيْف) فَإِنَّهُ أثبت فِيهِ حَقًا للضيف، وَلِصَاحِب الْحق أَخذ حَقه مِمَّن يتَعَيَّن فِي جِهَته، وَفِيه معنى قصاص الْمَظْلُوم. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَيزِيد من الزِّيَادَة هُوَ ابْن أبي حبيب. وَأَبُو الْخَيْر ضد الشَّرّ واسْمه مرْثَد، بالثاء الْمُثَلَّثَة: ابْن عبد الله الْيَزنِي، وَهَؤُلَاء كلهم مصريون مَا خلا شَيْخه فَإِنَّهُ تنيسي، وَلَكِن أَصله من دمشق وعد من المصريين. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَطْعِمَة عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي السّير عَن قُتَيْبَة، وَقَالَ: حسن، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن رمح. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لَا يقرونا) ، بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الْقَاف وَإِسْقَاط نون الْجمع، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا لَا يقروننا، على الأَصْل، لِأَن نون جمع الْمُذكر لَا يسْقط إلَاّ فِي مَوَاضِع مَعْرُوفَة، وَأَصله من قريب الضَّيْف قرى، مثل قليته قلى. وقراءً إِذا أَحْسَنت إِلَيْهِ، فَإِذا كسرت الْقَاف قصرت، وَإِذا فتحتها مددت. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَا يقروننا، بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف أَي: لَا يضيفونا. قَوْله: (فَخُذُوا مِنْهُم) ، وَفِي رِوَايَة الكشميني: فَخُذُوا مِنْهُ، أَي: من مَالهم، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَن أبي الْخَيْر عَن عقبَة بن عَامر، قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله، إِنَّا نمر بِقوم فَلَا هم يضيفونا وَلَا هم يؤدون مَا لنا عَلَيْهِم من الْحق، وَلَا نَحن نَأْخُذ مِنْهُم. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِن أَبَوا إلَاّ أَن تَأْخُذُوا مِنْهُم كرها فَخُذُوا) . ثمَّ قَالَ: وَقد رُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كَانَ يَأْمر بِنَحْوِ هَذَا. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن ظَاهر الحَدِيث وجوب قِرى الضَّيْف، وَأَن المنزول عَلَيْهِ لَو امْتنع من الضِّيَافَة أخذت مِنْهُ كرها، وَإِلَيْهِ ذهب اللَّيْث مُطلقًا، وَخَصه أَحْمد بِأَهْل الْبَوَادِي دون الْقرى، وَمِمَّا اسْتدلَّ بِهِ على ذَلِك مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي كَرِيمَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : لَيْلَة الضَّيْف حق على كل مُسلم، فَمن أصبح بفنائه فَهُوَ عَلَيْهِ دين، فَإِن شَاءَ اقْتضى وَإِن شَاءَ ترك، وَأَبُو كَرِيمَة هُوَ الْمِقْدَام بن معدي كرب، وَصرح بِهِ الطَّحَاوِيّ فِي رِوَايَته عَنهُ، وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (أَيّمَا ضيف نزل بِقوم فَأصْبح الضَّيْف محروماً، فَلهُ أَن يَأْخُذهُ، بِقدر قراه، وَلَا حرج عَلَيْهِ) . وَقَالَ الْجُمْهُور: الضِّيَافَة سنَّة وَلَيْسَت بواجبة، وَقد كَانَت وَاجِبَة فنسخ وُجُوبهَا، قَالَه الطَّحَاوِيّ، وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِحَدِيث الْمِقْدَاد ابْن الْأسود، قَالَ: جِئْت أَنا وَصَاحب لي حَتَّى كَادَت تذْهب أسماعنا وأبصارنا من الْجُوع، فَجعلنَا نتعرض للنَّاس فَلم يضفنا أحد، وَفِي رِوَايَة مُسلم: فَجعلنَا نعرض أَنْفُسنَا على أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَلَيْسَ أحد مِنْهُم يقبلنا، فأتينا النَّبِي ﷺ فَانْطَلق بِنَا إِلَى أَهله، فَإِذا ثَلَاثَة أعنز، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : احتلبوا هَذَا اللَّبن بَيْننَا ... الحَدِيث بِطُولِهِ، قَالَ الطَّحَاوِيّ: أَفلا يرى أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ لم يضيفوهم، وَقد بلغت بهم الْحَاجة، ثمَّ لم يعنفهم رَسُول الله على ذَلِك؟ فَدلَّ على نسخ مَا كَانَ أوجب على النَّاس من الضِّيَافَة، ثمَّ روى من حَدِيث عبد الله بن السَّائِب عَن أَبِيه عَن جده: أَنه سمع النَّبِي ﷺ يَقُول: (لَا يَأْخُذ أحدكُم مَتَاع صَاحبه لاعباً وَلَا جاداً، وَإِذا أَخذ أحدكُم عَصا صَاحبه فليردها إِلَيْهِ) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ أَيْضا، وَقيل: الحَدِيث مَحْمُول على الْمُضْطَرين. ثمَّ اخْتلفُوا: هَل يلْزم الْمُضْطَر الْعِوَض أَو لَا؟ فَقيل: يلْزم، وَقيل: لَا، وَقيل: كَانَ هَذَا فِي أول الْإِسْلَام، فَكَانَت الْمُوَاسَاة وَاجِبَة، فَلَمَّا فتحت الْفتُوح نسخ ذَلِك، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله فِي حَدِيث أبي شُرَيْح عِنْد مُسلم فِي حق

стр. 3722

الضَّيْف: وجائزته يَوْم وَلَيْلَة، والجائزة تفضل لَا وَاجِبَة، وَقيل: هَذَا كَانَ مَخْصُوصًا بالعمال المبعوثين لقبض الصَّدقَات من جِهَة الإِمَام، فَكَانَ على الْمَبْعُوث إِلَيْهِم إنزالهم فِي مُقَابلَة عَمَلهم الَّذِي يتولونه، لِأَنَّهُ لَا قيام لَهُم إلَاّ بذلك، حَكَاهُ الْخطابِيّ، قَالَ: وَكَانَ هَذَا فِي ذَلِك الزَّمَان إِذْ لم يكن للْمُسلمين بَيت مَال، فَأَما الْيَوْم فأرزاق الْعمَّال من بَيت المَال. قَالَ: وَإِلَى نَحْو هَذَا ذهب أَبُو يُوسُف فِي الضِّيَافَة على أهل نَجْرَان خَاصَّة، وَقيل: كَانَ هَذَا خَاصّا بِأَهْل الذِّمَّة، وَقد شَرط عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حِين ضرب الْجِزْيَة على نَصَارَى الشَّام ضِيَافَة من نزل بهم، وَقَالَ ابْن التِّين: نسخه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ (الْبَقَرَة: ٨٨١) . قَالَ: وَقيل: كَانَ ذَلِك فِي أهل العمود والمواطن الَّتِي لَا أسواق فِيهَا. ٩١ - (بابُ مَا جاءَ فِي السَّقَائِفِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي السقائف، وَهُوَ جمع سَقِيفَة، على وزن فعيلة بِمَعْنى مفعولة، وَهِي الْمَكَان المظلل كالساباط والحوانيت بِجَانِب الدَّار، وَكَانَ مُرَاده من وضع هَذِه التَّرْجَمَة الْإِشَارَة إِلَى أَن الْجُلُوس فِي الْأَمْكِنَة الْعَامَّة جَائِز، وَأَن اتِّخَاذ صَاحب الدَّار ساباطاً أَو مستظلاً جَائِز إِذا لم يضر الْمَارَّة. وَقَالَ ابْن التِّين: لما كَانَ لأهل الْمَوَاضِع أَن يرتفقوا بسقائفهم وأفنيتهم جَازَ الْجُلُوس فِيهَا. وَقَالَ ابْن بطال: السقائف والحواني قد علم النَّاس لِمَ وضعت، وَمن اتخذ فِيهَا مَجْلِسا فَذَلِك مُبَاح لَهُ إِذا الْتزم مَا فِي ذَلِك من: غض الْبَصَر، ورد السَّلَام، وهداية الضال، وَجَمِيع شُرُوطه. وجَلَسَ النبيُّ ﷺ وأصْحَابُهُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي ساعِدَةَ هَذَا قِطْعَة من حَدِيث طَوِيل رَوَاهُ البُخَارِيّ من طَرِيق سهل بن سعد فِي الْأَشْرِبَة على مَا يَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وسقيفة بني سَاعِدَة كَانُوا يَجْتَمعُونَ فِيهَا، وَكَانَت مُشْتَركَة بَينهم، وَجلسَ النَّبِي، ﷺ ، مَعَهم فِيهَا، وفيهَا وَقعت الْمُبَايعَة بخلافة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَبَنُو سَاعِدَة فِي الْأَنْصَار فِي الْخَزْرَج، وساعدة هُوَ ابْن كَعْب بن الْخَزْرَج، قَالَ ابْن دُرَيْد: سَاعِدَة اسْم من أَسمَاء الْأسد. ٢٦٤٢ - حدَّثنا يَحْياى بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثني ابنُ وَهْبٍ قَالَ حدَّثني مالِكٌ ح وأخْبَرَنِي يونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أخبرَنِي عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ أخْبَرَهُ عنْ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُم قَالَ حِينَ تَوَفَّى الله نَبِيَّهُ ﷺ إنَّ الأنْصَارَ اجْتَمَعُوا فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ فَقُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ انْطَلِقْ بِنَا فَجِئْنَاهُمْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي ساعِدَةَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، قيل: لَيْسَ لإدخال هَذَا الْبَاب فِي كتاب الْمَظَالِم وَجه، قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: الْغَرَض بَيَان أَن الْجُلُوس فِي السَّقِيفَة الَّتِي للعامة لَيْسَ ظلما، وَفِيه مَا فِيهِ. وَيحيى بن سُلَيْمَان أَبُو سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي نزيل مصر، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب هُوَ الزُّهْرِيّ. قَوْله: (وَأَخْبرنِي) أَي: قَالَ ابْن وهب وَيُونُس أَيْضا: أَخْبرنِي بِهِ، وَهَذَا تَحْويل من إِسْنَاد إِلَى إِسْنَاد آخر، وَكَانَ ابْن وهب حَرِيصًا على التَّفْرِقَة بَين التحديث والإخبار مُرَاعَاة للاصطلاح، وَيُقَال: إِنَّه أول من اصْطلحَ على ذَلِك بِمصْر، والْحَدِيث مُخْتَصر من قصَّة بيعَة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَسَيَأْتِي فِي الْهِجْرَة، وَفِي كتاب الْحُدُود بِطُولِهِ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٠٢ - (بابٌ لَا يَمْنَعُ جارٌ جارَهُ أنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يمْنَع جَار ... إِلَى آخِره. قَوْله: (خَشَبَة) ، بِالْإِفْرَادِ والتنوين فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره خشباً بِصِيغَة الْجمع، وَرَأَيْت صَاحب (التَّلْوِيح) قد ضبط بِيَدِهِ: خشباً، بِضَم الْخَاء وَسُكُون الشين. قلت: تجمع الْخَشَبَة على خشب بِفتْحَتَيْنِ وخشب بِضَم الْخَاء وَسُكُون الشين وخشب بِضَمَّتَيْنِ وخشبان، وروى الطَّحَاوِيّ عَن جمَاعَة من الْمَشَايِخ أَنهم رَوَوْهُ فِي الحَدِيث بِالْإِفْرَادِ، وَأنكر ذَلِك عبد الْغَنِيّ بن سعيد، فَقَالَ: النَّاس كلهم يَقُولُونَ بِالْجمعِ إلَاّ الطَّحَاوِيّ.

стр. 3723

قلت: إِنْكَار عبد الْغَنِيّ لَيْسَ بموجه، لِأَن الطَّحَاوِيّ مَا انْفَرد بِهِ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ عَن الْمَشَايِخ فَكيف يَقُول: النَّاس كلهم؟ وَقَالَ أَبُو عمر: قد رُوِيَ اللفظان يَعْنِي: الْإِفْرَاد وَالْجمع. فِي (الْمُوَطَّأ) ، والإفراد أحسن لِأَن أمره أخف فِي مُسَامَحَة الْجَار، بِخِلَاف الْجمع، لِأَنَّهُ أشق عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَاحِد. ٣٦٤٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ لَا يمْنَعُ جارٌ جارَهُ أنْ يَغرِزَ خشَبةً فِي جِدَارِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ مالِي أراكُمْ مُعْرِضِينَ وَالله لأرْمِيَنَّ بِها بَيْنَ أكْتَافِكُمْ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إنَّهُمَا سَوَاء، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن يحيى بن يحيى وَعَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن أبي الطَّاهِر وحرملة بن يحيى وَعَن عبد بن حميد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْقَضَاء عَن مُسَدّد وَمُحَمّد بن أَحْمد بن أبي خلف. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَحْكَام عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن هِشَام بن عمار وَمُحَمّد بن الصَّباح. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن مَالك عَن ابْن شهَاب) كَذَا فِي (الْمُوَطَّأ) وَقَالَ خَالِد بن مخلد: عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد، بدل: ابْن شهَاب. وَقَالَ بشر بن عمر: عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة، بدل: الْأَعْرَج، وَوَافَقَهُ هِشَام بن يُوسُف عَن مَالك وَمعمر عَن الزُّهْرِيّ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (الغرائب) ، وَقَالَ: الْمَحْفُوظ عَن مَالك الأول، وَقَالَ فِي (الْعِلَل) : رَوَاهُ هِشَام الدستوَائي: عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد ب الْمسيب، بدل: الْأَعْرَج، وَكَذَا قَالَ عقيل: عَن الزُّهْرِيّ، وَقَالَ ابْن أبي حَفْصَة: عَن الزُّهْرِيّ عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن، بدل: الْأَعْرَج. وَالْمَحْفُوظ: عَن الزُّهْرِيّ عَن الْأَعْرَج، وَبِذَلِك جزم ابْن عبد الْبر أَيْضا، ثمَّ أَشَارَ إِلَى أَنه يحْتَمل أَن يكون عِنْد الزُّهْرِيّ عَن الْجَمِيع. قَوْله: (لَا يمْنَع) بِالْجَزْمِ على أَن كلمة: لَا، ناهية، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر بِالرَّفْع، على أَن: لَا، نَافِيَة خبر بِمَعْنى النَّهْي، وَفِي رِوَايَة أَحْمد: لَا يمنعن، بِزِيَادَة نون التَّأْكِيد، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: (لَا ضَرَر وَلَا ضرار، وللرجل أَن يضع خَشَبَة فِي حَائِط جَاره) . قَوْله: (أَن يغرز) ، أَي: بِأَن يغرز، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: بغرز خَشَبَة فِي جِدَار جَاره. قَوْله: (ثمَّ يَقُول أَبُو هُرَيْرَة) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: عَن ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : إِذا اسْتَأْذن أحدكُم أَخَاهُ أَن يغرز خَشَبَة فِي جِدَاره فَلَا يمنعهُ، فنكسوا، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: مَا لي أَرَاكُم قد أعرضتم، لألقينَّها بَين أكتافكم. وَفِي رِوَايَة أَحْمد: فَلَمَّا حَدثهمْ أَبُو هُرَيْرَة بذلك طأطأوا رؤوسهم. قَوْله: (عَنْهَا) ، أَي: عَن هَذِه الْمقَالة، أَو عَن هَذِه السنَّة. قَوْله: (لأرمينَّ بهَا) ، وَفِي رِوَايَة: لأرمينها. وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: لألقينها، كَمَا مرت الْآن. قَوْله: (بَين أكتافكم) ، قَالَ ابْن عبد الْبر: روينَاهُ فِي (الْمُوَطَّأ) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة وبالنون، يَعْنِي: بِالْوَجْهَيْنِ: بأكتافكم، جمع كتف بِالتَّاءِ، وبأكنافكم، بالنُّون: جمع كنف، وَهُوَ الْجَانِب، قَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ إِن لم تقبلُوا هَذَا الحكم وتعملوا بِهِ راضين لأجعلنَّها أَي: الْخَشَبَة على رِقَابكُمْ كارهين، وَأَرَادَ بذلك الْمُبَالغَة، وَوَقع ذَلِك من أبي هُرَيْرَة حِين كَانَ يَلِي إمرة الْمَدِينَة لمروان، وَوَقع فِي رِوَايَة عِنْد ابْن عبد الْبر من وَجه آخر: لأرمين بهَا بَين أعينكُم وَإِن كرهتم. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اخْتلف الْعلمَاء فِي معنى هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ قوم: مَعْنَاهُ النّدب إِلَى بر الْجَار وَلَيْسَ على الْوُجُوب، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك، وروى ابْن عبد الحكم عَن مَالك، قَالَ: لَيْسَ يقْضِي على رجل أَن يغرز خَشَبَة فِي جِدَار جَاره، وَإِنَّمَا نرى أَن ذَلِك كَانَ من رَسُول الله، ﷺ ، على الوصاءة بالجار. قَالَ: وَأكْثر عُلَمَاء السّلف أَن ذَلِك على النّدب، وَحَمَلُوهُ على معنى قَوْله، ﷺ : (إِذا اسْتَأْذَنت أحدَكم امرأتُه إِلَى الْمَسْجِد فَلَا يمْنَعهَا) ، وَقد مر فِي حَدِيث أبي دَاوُد: إِذا اسْتَأْذن أحدكُم أَخَاهُ، وَقيد بَعضهم الْوُجُوب بالاستئذان، وَقَالَ قوم: هُوَ وَاجِب إِذا لم يكن فِي ذَلِك مضرَّة على صَاحب الْجِدَار، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَدَاوُد وَأَبُو ثَوْر وَجَمَاعَة من أَصْحَاب الحَدِيث، وَهُوَ مَذْهَب عمر بن الْخطاب، وروى الشَّافِعِي عَن مَالك بِسَنَد صَحِيح: أَن الضَّحَّاك بن خَليفَة سَأَلَ مُحَمَّد بن مسلمة أَن

стр. 3724

يَسُوق خليجاً لَهُ فيمر بِهِ فِي أَرض مُحَمَّد بن مسلمة، فَامْتنعَ، فَكَلمهُ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي ذَلِك فَأبى، فَقَالَ: وَالله ليمرن بِهِ وَلَو على بَطْنك، فَحمل عمر الْأَمر على ظَاهره وعداه إِلَى كل مَا يحْتَاج الْجَار إِلَى الِانْتِفَاع بِهِ من دَار جَاره وأرضه. وَقَالَ بَعضهم: وَقد قوى الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم القَوْل بِالْوُجُوب بِأَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قضى بِهِ وَلم يُخَالِفهُ أحد من أهل عصره، وَكَانَ اتِّفَاقًا مِنْهُم على ذَلِك. انْتهى. قلت: هَذَا مُجَرّد دَعْوَى يحْتَاج إِلَى إِقَامَة دَلِيل، وَعَن الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد قَولَانِ: أشهرهما: اشْتِرَاط إِذن الْمَالِك، فَإِن امْتنع لم يجْبر، وَهُوَ قَول أَصْحَابنَا، وحملوا الْأَمر فِيمَا جَاءَ من الحَدِيث على النّدب وَالنَّهْي على التَّنْزِيه جمعا بَينه وَبَين الْأَحَادِيث الدَّالَّة على تَحْرِيم مَال الْمُسلم إلَاّ بِرِضَاهُ، وَهُوَ كَقَوْلِه، ﷺ : مَا زَالَ جِبْرِيل، ﵊، يوصيني بالجار حَتَّى ظَنَنْت أَنه سيورثه، وَكَقَوْلِه: مَا آمن من بَات شبعان وجاره طاو، وَقيل: إِن الْهَاء فِي: جِدَاره، يرجع إِلَى الغارز، لِأَن الْجِدَار إِذا كَانَ بَين اثْنَيْنِ وَهُوَ لأَحَدهمَا فَأَرَادَ صَاحبه أَن يضع عَلَيْهِ الْجُذُوع وَيَبْنِي، رُبمَا مَنعه جَاره لِئَلَّا يشرف عَلَيْهِ، فَأخْبر الشَّارِع أَنه لَا يمنعهُ ذَلِك، وَقَالَ ابْن التِّين: عورض هَذَا بِأَنَّهُ إِحْدَاث قَول ثَالِث فِي معنى الْخَبَر، وَذَلِكَ مَمْنُوع عِنْد أَكثر الْأُصُولِيِّينَ، وَلَا يسلم لَهُ، وَالله أعلم. ١٢ - (بابُ صَبِّ الْخَمْرِ فِي الطَّرِيقِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صب الْخمر فِي طَرِيق النَّاس، هَل يَنْبَغِي ذَلِك أم لَا؟ فَقيل: لَا يمْنَع من ذَلِك، لِأَنَّهُ للإعلان برفضها، وليشتهر تَركهَا، وَذَلِكَ أَنه أرجح فِي الْمصلحَة من التأذي بصبها فِي الطَّرِيق، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُهلب، وَقيل: يمْنَع من ذَلِك، فَقَالَ ابْن التِّين: هَذَا الَّذِي فِي الحَدِيث كَانَ فِي أول الْإِسْلَام قبل أَن ترَتّب الْأَشْيَاء وتنظف، فَأَما الْآن فَلَا يَنْبَغِي صب النَّجَاسَات فِي الطّرق خوفًا أَن يُؤْذِي الْمُسلمين، وَقد منع سَحْنُون أَن يصب المَاء من بِئْر وَقعت فِيهِ فَأْرَة فِي الطَّرِيق. قَوْله: (فِي الطَّرِيق) ، ويروى: فِي الطّرق. ٤٦٤٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَبُو يَحْيى قَالَ أخبرنَا عَفَّانُ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ قَالَ حدَّثنا ثابِتٌ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كنتُ ساقِيَ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِ أبِي طَلْحَةَ وكانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الْفَضِيخَ فأمَرَ رسولُ الله ﷺ مُنادِياً يُنادي ألَا إنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ قَالَ فقالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ اخْرُجْ فأهْرِقْها فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُها فجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ قَدْ قُتِلَ قَوْمٌ وهْيَ فِي بُطُونِهِمْ فأنْزَلَ الله ﴿لَيْسَ علَى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ (الْمَائِدَة: ٣٩) .. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَهَرَقْتهَا فجرت فِي سِكَك الْمَدِينَة) ، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحِيم أَبُو يحيى هُوَ الْمَعْرُوف بصاعقة، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعَفَّان هُوَ ابْن مُسلم الصفار، وروى عَنهُ البُخَارِيّ فِي الْجَنَائِز بِدُونِ الْوَاسِطَة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد، وَفِي الْأَشْرِبَة عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَشْرِبَة عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَنهُ بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَنهُ نَحوه. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كنت ساقي الْقَوْم فِي منزل أبي طَلْحَة) ، وَأَبُو طَلْحَة زوج أم أنس، واسْمه: زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ، شهد الْعقبَة وبدراً وأحداً وَسَائِر الْمشَاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ ، وَهُوَ أحد النُّقَبَاء، وعاش بعد رَسُول الله ﷺ أَرْبَعِينَ سنة، وَمَات بِالشَّام، قَالَه أَبُو زرْعَة الدِّمَشْقِي. وَعَن أنس: أَنه غزا الْبَحْر فَمَاتَ فِيهِ، فَمَا وجدوا جَزِيرَة فدفنوه فِيهَا إِلَّا بعد سَبْعَة أَيَّام، وَلم يتَغَيَّر، وَفِي الْقَوْم كَانَ أَبُو عُبَيْدَة وَأبي بن كَعْب، على مَا يَأْتِي فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْأَشْرِبَة، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: إِنِّي لقائم أسقيها أَبَا طَلْحَة، وَأَبا أَيُّوب ورجالاً من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، وَفِي رِوَايَة لَهُ: إِنِّي لقائم على الْحَيّ على عمومتي أسقيهم، وَفِي رِوَايَة لَهُ: كنت أَسْقِي أَبَا طَلْحَة وَأَبا دُجَانَة ومعاذ بن جبل فِي رَهْط من الْأَنْصَار، وَفِي رِوَايَة لَهُ: إِنِّي لأسقي أَبَا طَلْحَة وَأَبا دُجَانَة وَسُهيْل بن بَيْضَاء من مزادة. قَوْله: (وَكَانَ خمرهم يَوْمئِذٍ الفضيخ) ، أصل الْخمر من المخامرة، وَهِي المخالطة،

стр. 3725

سميت بهَا لمخالطتها الْعقل، وَمن التخمير وَهُوَ التغطية، سميت بهَا لتغطيتها الْعقل، يذكر وَيُؤَنث، وَجزم ابْن التِّين بالتأنيث، وَقَالَ ابْن سَيّده: هِيَ مَا أسكر من عصير الْعِنَب، والأعرف فِيهَا التَّأْنِيث، وَقد يذكر، وَالْجمع: خمور. وَقَالَ ابْن الْمسيب، فِيمَا حكا النّحاس فِي (ناسخه) سميت بذلك لِأَنَّهَا صعد صفوها ورسب كدرها، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: لِأَنَّهَا تركت فَاخْتَمَرت، واختمارها تغير رِيحهَا، وَجعلهَا أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي من الْحُبُوب، وَأَظنهُ تسمحاً مِنْهُ، لِأَن حَقِيقَة الْخمر إِنَّمَا هِيَ للعنب دون سَائِر الْأَشْيَاء، وَعند أبي حنيفَة الإِمَام: الْخمر هِيَ النيء من مَاء الْعِنَب إِذا غلا وَاشْتَدَّ، وَلها عدَّة أَسمَاء نَحْو الْمِائَتَيْنِ، ذَكرنَاهَا فِي (شرحنا لمعاني الْآثَار) والفضيخ، بفاء مَفْتُوحَة وضاد وخاء معجمتين: شراب يتَّخذ من الْبُسْر من غير أَن تمسه النَّار، وَقَالَ ابْن سَيّده: هُوَ شراب يتَّخذ من الْبُسْر المفضوخ، يَعْنِي: المشدوخ. وَفِي (مجمع الغرائب) : ويروى عَن ابْن عمر أَنه قَالَ: لَيْسَ بالفضيخ، وَلكنه الفضوخ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة عَن الْأَعْرَاب: هُوَ مَا اعتصر من الْعِنَب اعتصاراً، فَهُوَ الفضيخ، وَكَذَلِكَ فضيخ الْبُسْر. وَقَالَ الدَّاودِيّ: يهشم الْبُسْر وَيجْعَل مَعَه المَاء، وَقَالَهُ اللَّيْث أَيْضا. قَوْله: (فَأمر رَسُول الله ﷺ منادياً يُنَادي) ، وَفِي رِوَايَة: فَأَتَاهُم آتٍ، يَعْنِي: أَن الْآتِي أخْبرهُم بالنداء، والنداء عَن الْأَمر يتنزل فِي الْعَمَل بِهِ منزلَة سَماع. قَوْله: (فَأَهْرقهَا) الْهَاء فِيهِ زَائِدَة وَأَصله: أراقها من الإراقة، وَهِي الإسالة والصب، وَيُقَال: أراق وهراق. قَوْله: (فِي سِكَك الْمَدِينَة) أَي: فِي طرقها، جمع: سكَّة بِالْكَسْرِ. قَوْله: (فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿لَيْسَ على الَّذين آمنُوا ... ﴾ (الْمَائِدَة: ٣٩) . الْآيَة. وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: حَدثنَا الْأسود بن عَامر أَنبأَنَا إِسْرَائِيل عَن سماك عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لما حرمت الْخمر قَالَ أنَاس: يَا رَسُول الله ﴿أَصْحَابنَا الَّذين مَاتُوا وهم يشربونها؟ فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ على الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَاح فِيمَا طعموا﴾ (الْمَائِدَة: ٣٩) . قَالَ: وَلما حولت الْقبْلَة، قَالَ أنَاس: يَا رَسُول الله﴾ أَصْحَابنَا الَّذين مَاتُوا وهم يصلونَ إِلَى بَيت الْمُقَدّس؟ فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ٣٤١) . وَقَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ: حَدثنَا شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء بن عَازِب، قَالَ: لما نزل تَحْرِيم الْخمر، قَالُوا: كَيفَ بِمن كَانَ يشْربهَا قبل أَن تحرم؟ فَنزلت ﴿لَيْسَ على الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَاح فِيمَا طعموا ... ﴾ (الْمَائِدَة: ٣٩) . الْآيَة، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن بنْدَار عَن غنْدر عَن شُعْبَة نَحوه، وَقَالَ: حسن صَحِيح. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: تَحْرِيم الْخمر، وَذكر ابْن سعد وَغَيره أَن تَحْرِيم الْخمر كَانَ فِي السّنة الثَّانِيَة بعد غَزْوَة أحد. وَفِيه: قبُول خبر الْوَاحِد. وَفِيه: حُرْمَة إِِمْسَاكهَا، وَنقل النَّوَوِيّ اتِّفَاق الْجُمْهُور عَلَيْهِ. وَفِيه: قَول من قَالَ: قتل قوم وَهِي فِي بطونهم، صدر عَن غَلَبَة خوف وشفقة، أَو عَن غَفلَة عَن الْمَعْنى، لِأَن الْخمر كَانَت مُبَاحَة أَولا، وَمن فعل مَا أُبِيح لَهُ لم يكن لَهُ وَلَا عَلَيْهِ شَيْء، لِأَن الْمُبَاح مستوى الطَّرفَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشَّرْع. وَفِيه: فجرت فِي سِكَك الْمَدِينَة، وَاسْتدلَّ بِهِ ابْن حزم على طَهَارَة الْخمر، لِأَن الصَّحَابَة كَانَ أَكْثَرهم يمشي حافياً، فَمَا يُصِيب قدمه لَا ينجس بِهِ. قلت: هَذِه جَرَاءَة عَظِيمَة، لِأَن الْقُرْآن أخبر بنجاستها. ٢٢ - (بابُ أفْنِيَةِ الدُّورِ والْجُلوسِ فِيهَا عَلَى الصُّعُدَاتِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْجُلُوس فِي أفنية الدّور، والأفنية جمع: فنَاء، بِكَسْر الْفَاء وبالنون وَالْمدّ: وَهُوَ مَا امْتَدَّ من جَوَانِب الدَّار. وَفِي (الْمغرب) : وَهُوَ سَعَة أَمَام الْبيُوت. وَقَالَ ابْن ولاد: الفناء حَرِيم الدَّار. قَوْله: (وَالْجُلُوس على الصعدات) ، أَي: وَبَيَان حكم الْجُلُوس على الصعدات، وَهِي بِضَمَّتَيْنِ: الطرقات، وَهُوَ جمع: صَعِيد، مثل: طَرِيق يجمع على طرقات، وَقيل: الصعدات جمع صعد بِضَمَّتَيْنِ، والصعد جمع صَعِيد، فَيكون الصعدات جمع الْجمع، كطرق فَإِنَّهُ جمع طَرِيق وَيجمع على طرقات. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَقيل: هِيَ جمع صعدة كظلمة، وَهِي فنَاء بَاب الدَّار وممر النَّاس بَين يَدَيْهِ. وقالَتْ عائِشَةُ فابْتَنَى أبُو بَكْرٍ مَسْجِدَاً بِفِناءِ دارِهِ يُصَلِّي فِيهِ ويَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ نِساءُ الْمُشْرِكِينَ وأبْنَاؤُهُمْ يعْجَبونَ مِنْهُ والنبيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ ذكر هَذَا التَّعْلِيق دَلِيلا على جَوَاز التَّصَرُّف من صَاحب الدَّار فِي فنَاء دَاره، وَهُوَ أَيْضا يُوضح الحكم الَّذِي أبهمه فِي التَّرْجَمَة، وَوَصله فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الْمَسْجِد يكون فِي الطَّرِيق من غير ضَرَر للنَّاس فِيهِ، عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة بن الزبير: أَن عَائِشَة زوج النَّبِي ﷺ قَالَت ... الحَدِيث، وَفِيه: ثمَّ بدا لأبي بكر فابتنى مَسْجِدا

стр. 3726

بِفنَاء دَاره فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيقْرَأ الْقُرْآن، فتقف عَلَيْهِ نسَاء الْمُشْركين وأبناؤهم يعْجبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ ... الحَدِيث. وَأخرجه أَيْضا فِي الْهِجْرَة بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه مطولا. وَفِيه: ثمَّ بدا لأبي بكر فابتنى مَسْجِدا بِفنَاء دَاره، وَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيقْرَأ الْقُرْآن، فتتقذف عَلَيْهِ نسَاء الْمُشْركين وأبناؤهم، وهم يعْجبُونَ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، ويروى: فينقذف عَلَيْهِ، وَمر هَذَا أَيْضا فِي الْكفَالَة فِي: بَاب جوَار أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي عهد النَّبِي ﷺ . وَفِيه: فيتقصف عَلَيْهِ نسَاء الْمُشْركين، وَمَعْنَاهُ: يزدحمون عَلَيْهِ، وَأَصله من القصف، وَهُوَ: الْكسر وَالدَّفْع الشَّديد لفرط الزحام، وَهَذَا كَمَا رَأَيْت هُنَا أَربع رِوَايَات. الأولى: فتقف عَلَيْهِ نسَاء الْمُشْركين، مر فِي: بَاب الْمَسْجِد على الطَّرِيق. وَالثَّانيَِة: هُنَا: فيتقصف. وَالثَّالِثَة: فِي الْهِجْرَة: فيتقذف، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة بدل الصَّاد من الْقَذْف، وَهُوَ الرَّمْي بِقُوَّة وَالْمعْنَى: يرْمونَ أنفسهم عَلَيْهِ ويتزاحمون. وَالرَّابِعَة: فينقذف من الْقَذْف أَيْضا. وَلَكِن الْفرق بَينهمَا أَن: يتقذف، على وزن: يتفعل، من بَاب التفعل، وينقذف على وزن: ينفعل، من بَاب الانفعال. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَفِي حَدِيث الْهِجْرَة: فيتقذف عَلَيْهِ نسَاء الْمُشْركين، وَفِي رِوَايَة: فينقذف، وَالْمَعْرُوف: فيتقصف. قلت: وَقد قيل رِوَايَة أُخْرَى، وَهِي: يتصفف من الصَّفّ، أَي: يصطفون عَلَيْهِ ويقفون صفا صفا. قَوْله: (يعْجبُونَ) ، جملَة حَالية، وَكَذَلِكَ قَوْله: (وَالنَّبِيّ ﷺ يَوْمئِذٍ بِمَكَّة) . ٥٦٤٢ - حدَّثنا مُعاذُ بنُ فَضَالَةَ قَالَ حدَّثنا أَبُو عُمَرَ حَفْصُ بنُ مَيْسَرَةْ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ عَطَاءِ ابنِ يَسارٍ عنْ أبِي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النبيِّ ﷺ قَالَ إيَّاكُمْ والجلوسَ عَلى الطُّرُقَاتِ فقالُوا مَا لَنا بُدٌّ إنَّما هِيَ مَجالِسُنا نَتَحَدَّثُ فِيها قَالَ فإذَا أبَيْتُمْ إلَاّ الْمَجَالِسَ فأعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّها قَالُوا مَا حَقُّ الطَّرِيقِ قَالَ غَضُّ الْبَصَرِ وكَفُّ الأذَى ورَدُّ السَّلَامِ وأمْرٌ بالْمَعْرُوفِ ونَهْيٌ عنِ الْمُنْكَرِ. (الحَدِيث ٥٦٤٢ طرفه فِي: ٩٢٢٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إيَّاكُمْ وَالْجُلُوس على الطرقات) فَإِن قلت: التَّرْجَمَة على الصعدات؟ قلت: الصعدات هِيَ الطرقات كَمَا ذكرنَا، وَلَا فرق بَينهمَا فِي الْمَعْنى، وَعند أبي دَاوُد بِلَفْظ: الطرقات. وَرِجَاله قد ذكرُوا. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الاسْتِئْذَان عَن عبد الله بن مُحَمَّد. وَأخرجه مُسلم فِيهِ وَفِي اللبَاس عَن سُوَيْد بن سعيد عَن يحيى بن يحيى وَعَن مُحَمَّد بن رَافع. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن القعْنبِي عَن الدَّرَاورْدِي بِهِ. قَوْله: (إيَّاكُمْ وَالْجُلُوس) ، بِالنّصب على التحذير، أَي: اتَّقوا الْجُلُوس واتركوه على الطرقات. قَوْله: (مَا لنا بدُّ) أَي: مَا لنا غنى عَنهُ. قَوْله: (هِيَ) أَي: الطرقات. قَوْله: (فَإِذا أَبَيْتُم) ، من: الإباء فَإِذا امتنعتم عَن الْجُلُوس إلَاّ فِي الْمجَالِس، وَهَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: فَإِذا أتيتم إِلَى الْمجَالِس، من الْإِتْيَان، وبكلمة: إِلَى، الَّتِي للغاية. قَوْله: (قَالَ: غض الْبَصَر) أَي: قَالَ النَّبِي ﷺ : حق الطَّرِيق غض الْبَصَر، وَأَرَادَ بِهِ السَّلامَة من التَّعَرُّض للفتنة لمن يمء من النِّسَاء وَغَيرهم قَوْله (وكف الْأَذَى) بِالرَّفْع عطف على مَا قبله وَأَرَادَ بِهِ السَّلامَة من التَّعَرُّض إِلَى أحد بالْقَوْل وَالْفِعْل مِمَّا لَيْسَ فيهمَا من الْخَيْر. قَوْله: (ورد السَّلَام) ، يَعْنِي: على الَّذِي يسلم عَلَيْهِ من المارين. قَوْله: (وَأمر بِمَعْرُوف) ، وَهُوَ كل أَمر جَامع لكل مَا عرف من طَاعَة الله تَعَالَى والتقرب إِلَيْهِ وَالْإِحْسَان إِلَى النَّاس وكل مَا ندب إِلَيْهِ الشَّرْع من المحسنات وَنهى عَنهُ من المقبحات، وَالْمُنكر ضد الْمَعْرُوف، وكل مَا قبحه الشَّرْع وَحرمه وَكَرِهَهُ، وَزَاد عِنْد أبي دَاوُد: وإرشاد السَّبِيل وتشميت الْعَاطِس إِذا حمد، وَمن حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد الطَّبَرَانِيّ: وإغاثة الملهوف، زِيَادَة على مَا ذكر. قَالُوا: نَهْيه ﷺ عَن الْجُلُوس فِي الطرقات لِئَلَّا يضعف الْجَالِس على الشُّرُوط الَّتِي ذكرهَا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فهم الْعلمَاء أَن هَذَا الْمَنْع لَيْسَ على جِهَة التَّحْرِيم، وَإِنَّمَا هُوَ من بَاب سد الذرائع والإرشاد إِلَى الصُّلْح. قَالَ: وَفِي رِوَايَة: وَحسن الْكَلَام من رد الْجَواب، قَالَ: يُرِيد أَن من جلس على الطَّرِيق فقد تعرض لكَلَام النَّاس، فليحسن لَهُم كَلَامه وَيصْلح شَأْنه. وروى هِشَام بن عُرْوَة عَن عبد الله بن الزبير، قَالَ: الْمجَالِس حلق الشَّيْطَان إِن يرَوا حَقًا لَا يقومُونَ بِهِ، وَإِن يرَوا بَاطِلا فَلَا يدفعونه. وَقَالَ عَامر: كَانَ النَّاس يَجْلِسُونَ فِي مَسَاجِدهمْ: فَلَمَّا قتل عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، خَرجُوا إِلَى الطَّرِيق يسْأَلُون عَن الْإِخْبَار. وَقَالَ طَلْحَة

стр. 3727

ابْن عبيد الله: مجْلِس الرجل بِبَابِهِ مرؤة. وَقَالَ ابْن أبي خَالِد: رَأَيْت الشّعبِيّ جَالِسا فِي الطَّرِيق. وَفِيه: الدّلَالَة على النّدب إِلَى لُزُوم الْمنَازل الَّتِي يسلم لازمها من رُؤْيَة مَا تكره رُؤْيَته، وَسَمَاع مَا لَا يحل لَهُ سَمَاعه، وَمَا يجب عَلَيْهِ إِنْكَاره، وَمن إغاثة مستغيث تلْزمهُ إغاثته، وَذَلِكَ أَنه، ﷺ ، إِنَّمَا أذن فِي الْجُلُوس بالأفنية، والطرق بعد نَهْيه عَنهُ إِذا كَانَ من يقوم بالمعاني الَّتِي ذكرهَا، وَإِذا كَانَ كَذَلِك فالأسواق الَّتِي تجمع الْمعَانِي الَّتِي أَمر الشَّارِع الْجَالِس بالطرق باجتنابها، مَعَ الْأُمُور الَّتِي هِيَ أوجب مِنْهَا، وألزم من ترك الْكَذِب وَالْحلف بِالْبَاطِلِ وتحسين السّلع بِمَا لَيْسَ فِيهَا، وغش الْمُسلمين وَغير ذَلِك من الْمعَانِي الَّتِي لَا يُطيق الْكَلَام بِمَا يلْزمه مِنْهَا إلَاّ من عصمه الله، أَحَق وَأولى بترك الْجُلُوس مِنْهَا فِي الأفنية والطرق. ٣٢ - (بابُ الآبَارِ علَى الطُّرُقِ إذَا لَمْ يَتَأذَّ بِها) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْآبَار الَّتِي حفرت على الطَّرِيق إِذا لم يتأذَّ بِها، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول يَعْنِي: إِذا لم يحصل مِنْهَا أَذَى لأحد من المارين، وَالْحكم لم يفهم من التَّرْجَمَة ظَاهرا، لَكِن من حَدِيث الْبَاب يفهم الحكم، وَهُوَ الْجَوَاز، لِأَن فِيهِ مَنْفَعَة لِلْخلقِ والبهائم، غير أَنه مُقَيّد بِشَرْط أَن لَا يكون فِي حفرهَا أَذَى لأحد، والآبار جمع: بِئْر، كالأجمال جمع حمل، وَهُوَ جمع الْقلَّة، وَالْكَثْرَة بئار، وَذكرت فِي شرحي: أَن الْبِئْر يجمع فِي الْقلَّة على أبؤر وآبار، بِهَمْزَة بعد الْبَاء، وَمن الْعَرَب من يقلب الْهمزَة ألفا فَيَقُول: آبار، فَإِذا كثرت فَهِيَ: البئار، وَقد بأرت بِئْرا، وَقَالَ أَبُو زيد: بأرت أبأر بأراً. ٦٦٤٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أبِي بَكْرٍ عنْ أبِي صالِحٍ السَّمانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ بَيْنا رَجُلٌ بِطَريقٍ اشْتدَّ علَيْهِ العَطَشُ فوَجَدَ بِئْراً فنَزَلَ فِيها فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ فإذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ فقالَ الرُّجُلُ لَقَدْ بَلَغَ هاذا الْكَلْبُ مِنَ العَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كانَ بلَغَ مِنِّي فنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ مَاء فَسَقى الْكَلْبُ فشَكَرَ الله لَهُ فَغَفَرَ لَهُ قَالُوا يَا رسولَ الله وإنَّ لَنَا فِي البَهَائِمِ لأجرَاً فَقَالَ فِي كُلّ ذَاتٍ كبِدٍ رَطْبَةٍ أجْر.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه مُشْتَمل على ذكر بِئْر فِي طَرِيق، وَلم يحصل مِنْهُ إلَاّ مَنْفَعَة لآدَمِيّ وحيوان، وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الشّرْب فِي: بَاب فضل سقِِي المَاء، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه غير شَيْخه، فَإِنَّهُ رَوَاهُ هُنَاكَ: عَن عبد الله بن ييوسف عَن مَالك، وَهنا أخرجه: عَن عبد الله بن مسلمة القعْنبِي عَن مَالك، وَمر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. وَقَالَ الْمُهلب: هَذَا يدل على أَن حفر الْآبَار بِحَيْثُ يجوز للحافر حفرهَا من أَرض مُبَاحَة أَو مَمْلُوكَة لَهُ جَائِز، وَلم يمْنَع ذَلِك لما فِيهِ من الْبركَة، وتلافي العطشان، وَلذَلِك لم يكن ضَامِنا، لِأَنَّهُ قد يجوز مَعَ الِانْتِفَاع بهَا إِن يستضربها بساقط بلَيْل، أَو تقع فِيهَا مَاشِيَة، لكنه لما كَانَ ذَلِك نَادرا، وَكَانَت الْمَنْفَعَة أَكثر، فغلب عَلَيْهِ حَال الِانْتِفَاع على حَال الاستضرار، فَكَانَ جُباراً لَا دِيَة لمن هلك فِيهَا. ٤٢ - (بابُ إمَاطَةِ الأذَى) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أجر إمَاطَة الْأَذَى، أَي: إِزَالَته عَن الْمُسلمين. قَالَ أَبُو عبيد عَن الْكسَائي: مطت عَنهُ الْأَذَى وأمطته: نحيته، وَكَذَلِكَ: مطت غَيْرِي وأمطيته، وَأنكر الْأَصْمَعِي ذَلِك، وَقَالَ: مطت أَنا وأمطت غَيْرِي، ومادته: مِيم وياء وطاء. وقالَ هَمَّامٌ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ يُمِيطُ الأذاى عنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ

стр. 3728

همامٌ، على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ: هُوَ ابْن مُنَبّه، أَخُو وهب بن مُنَبّه، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي الْجِهَاد فِي: بَاب من أَخذ بالركاب، بِلَفْظ: وتميط الْأَذَى عَن الطَّرِيق صَدَقَة. قَوْله: (تميط) ، تَقْدِيره: أَن تميط، وَإِن، مَصْدَرِيَّة، أَي: إماطتك الْأَذَى عَن الطَّرِيق صَدَقَة كَمَا تقدر، كَذَا فِي قَوْلهم: تسمع بالمعيدي خير من أَن ترَاهُ أَي: أَن تسمع، أَي: سماعك، وَقيل: هَذَا من قَول أبي هُرَيْرَة، وَقَالَ ابْن بطال: هَذَا القَوْل لَيْسَ من أبي هُرَيْرَة، لِأَن الْفَضَائِل لَا تدْرك بِالْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا تُؤْخَذ توقيفاً من النَّبِي ﷺ ، قَالَ: وَقد أسْند مَالك مَعْنَاهُ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ: بَيْنَمَا رجل يمشي إِذا وجد غُصْن شوك على الطَّرِيق، فَأخْرجهُ فَشكر الله لَهُ فغفر لَهُ، يَأْتِي هَذَا الحَدِيث عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. فَإِن قلت: كَيفَ تكون إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق صَدَقَة؟ قلت: معنى الصَّدَقَة إِيصَال النَّفْع إِلَى الْمُتَصَدّق عَلَيْهِ، وَالَّذِي أماط الْأَذَى عَن الطَّرِيق قد تصدق عَلَيْهِ بالسلامة، فَكَانَ لَهُ أجر الصَّدَقَة. ٥٢ - (بابُ الغُرْفَةِ والْعِلِّيَّةِ الِمُشْرِفَةِ وغيْرِ الْمُشْرِفَةِ فِي السُّطُوحِ وغيْرِهَا) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز اسْتِعْمَال الغرفة، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْفَاء. قَالَ الْجَوْهَرِي: الغرفة الْعلية وَالْجمع: غرفات وغرفات وغرفات وغرف. قَوْله: (والعلية) ، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَضمّهَا وَكسر اللَّام الْمُشَدّدَة وبالياء آخر الْحُرُوف الْمُشَدّدَة، وَهِي الغرفة على تَفْسِير الْجَوْهَرِي، لِأَنَّهُ فسر الغرفة بالعلية فِي: بَاب الغرف، ثمَّ فسر الْعلية بالغرفة فِي: بَاب علا، ثمَّ قَالَ: وَالْجمع العلالي: وَقَالَ: وَهِي فعيلة مثل مزيفة وَأَصلهَا: عليوة، فأبدلت الْوَاو يَاء وأدغمت وَهِي من: علوات، وَقَالَ بَعضهم: هِيَ الْعلية، بِالْكَسْرِ على فعيلة، وَبَعْضهمْ يَجْعَلهَا من المضاعف ووزنها: فعلية، قَالَ: وَلَيْسَ فِي الْكَلَام فعلية. انْتهى كَلَامه. وَاعْترض عَلَيْهِ فِي قَوْله: وَبَعْضهمْ يَجْعَلهَا من المضاعف ووزنها فعلية، بِأَنَّهُ لَا يَصح، لِأَن الْعلية: من: (ع ل و) ، وَلَيْسَت من: (ع ل ل) ، وَقَوله: لَيْسَ فِي الْكَلَام فعلية سَهْو، لِأَنَّهُ قد ذكر: مزيفة، وَإِذا كَانَ كَذَلِك يكون عطف الْعلية على الغرفة عطفا تفسيرياً. قَوْله: (المشرفة) ، بِضَم الْمِيم وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: من الإشراف على الشَّيْء، وَهُوَ الِاطِّلَاع عَلَيْهِ. قَوْله: (فِي السطوح) ، أَي: سَوَاء كَانَت الْعلية المشرفة على مَكَان أَو غير المشرفة كائنة على سطح، أَو مُنْفَرِدَة قَائِمَة مُرْتَفعَة من غير أَن تكون على سطح، فيفهم من كَلَامه أَنَّهَا على أَرْبَعَة أَقسَام: الأول: علية مشرفة على مَكَان على سطح. الثَّانِي: مشرفة على مَكَان على غير سطح. الثَّالِث: غير مشرفة على مَكَان على سطح. الرَّابِع: غير مشرفة على مَكَان على غير سطح. وَقَالَ ابْن بطال: الغرفة على السطوح مُبَاحَة مَا لم يطلع مِنْهَا على حُرْمَة أحد. قلت: الَّذِي ذكره هِيَ الْعلية على السَّطْح غير المشرفة، فيفهم مِنْهُ أَنَّهَا إِذا كَانَت مشرفة على مَكَان فَهِيَ غير مُبَاحَة، وَكَذَلِكَ إِذا كَانَت على غير سطح، وَكَانَت مشرفة، وَلم أر أحدا من شرَّاح البُخَارِيّ حقق هَذَا الْموضع. ٧٦٤٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ محمَّدٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ أشْرَفَ النبيُّ ﷺ علَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ قَالَ هَلْ تَرَوْنَ مَا أراى إنِّي أرى مَوَاقِعَ الفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أشرف النَّبِي ﷺ على أَطَم من آطام الْمَدِينَة) ، لِأَن الأطم، بِضَمَّتَيْنِ: بِنَاء مُرْتَفع، قَالَه ابْن الْأَثِير، وَهُوَ كالعلية المشرفة لِأَنَّهَا أَيْضا بِنَاء مُرْتَفع، غير أَنه تَارَة تبنى على غير سطح، وَقَالَ غَيره: الأطم، بِضَم الْهمزَة والطاء وسكونها وَالْجمع: آطام، وَهِي: حصون لأهل الْمَدِينَة، والواحدة: أطمة، مثل: أكمة، وَقيل: الأطم: حصن مَبْنِيّ بِالْحِجَارَةِ. وَعبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله الْجعْفِيّ البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي، وَابْن عُيَيْنَة، بِضَم الْعين وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف الأولى وَسُكُون الثَّانِيَة وبالنون الْمَفْتُوحَة: هُوَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي أَوَاخِر كتاب الْحَج فِي: بَاب آطام الْمَدِينَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان ... إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (مواقع) ، مَنْصُوب بدل: عَمَّا أرى، وَهَذَا إِخْبَار بِكَثْرَة الْفِتَن فِي الْمَدِينَة، وَقد وَقع كَمَا أخبر النَّبِي ﷺ .

стр. 3729

٨٦٤٢ - حدَّثنا يحياى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبرنِي عُبَيْدُ الله بنُ عبْدِ الله بنِ أبِي ثَوْرٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ لَمْ أزَلْ حَرِيصاً علَى أنْ أسْألَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ أزْوَاجِ النبيِّ ﷺ اللَّتَيْنِ قَالَ الله لَهُما إنْ تَتُوبَا إلاى الله فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكما. فَحَجَجْتُ معَهُ فَعَدَلَ وعَدَلْتُ معَهُ بِالإدَاوَةِ فتَبَرَّزَ حتَّى جاءَ فَسَكَبْتُ علَى يَدَيْهِ مِنَ الإدَاوَةِ فَتَوَضَّأَ فَقُلْتُ يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنِ الْمَرْآتانِ مِنْ أزْواجِ النبيِّ ﷺ اللَّتانِ قَالَ لَهُمَا إنْ تَتُوبَا إلاى الله فَقَالَ واَعَجَبِي لَكَ يَا ابنَ عَبَّاسٍ عائِشَةُ وحفْصَةُ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ عُمَرُ الحَدِيثَ يَسُوقُهُ فَقَالَ إنِّي كُنْتُ وجارٌ لِي مِنَ الأنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بنِ زَيْدٍ وهْيَ مِنْ عَوالِي الْمَدِينَةِ وكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ علَى النبيِّ ﷺ فَيَنْزِلُ هُوَ يَوْمَاً وأُنْزِلُ يُوْما فإذَا نَزلْتُ جِئْتُهُ مِنْ خبَرِ ذالِكَ الْيَوْمِ مِنَ الأَمْرِ وغيْرِهِ وإذَا نزَلَ فَعَلَ مِثْلهُ وكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ فلَمَّا قَدِمْنَا علَى الأنْصَارِ إذَا هُمْ قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ فَطَفِقَ نِساؤُنَا يأخُذْنَ مِنْ أدَبِ نِسَاءِ الأنْصَارِ فَصِحْتُ عَلَى امْرَأَتِي فرَاجَعَتْنِي فأنْكَرْتُ أنْ تُرَاجِعَنِي فقالَتْ ولِمَ تُنْكِرُ أنْ أُراجِعَكَ فَوالله إنَّ أزْواجَ النبيِّ ﷺ لَيْرَاجِعْنَهُ وإنَّ إحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ الْيَوْمَ حتَّى اللَّيْلِ فأفْزَعَنِي فقُلْتُ خابَتْ منْ فَعَلَ مِنْهُنَّ بِعَظِيمٍ ثُمَّ جَمَعْتُ علَيَّ ثِيَابِي فدَخَلْتُ علَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ أيْ حَفْصَةُ أتُغَاضِبُ إحْدَاكُنَّ رسولَ الله ﷺ اليَوْمَ حتَّى اللَّيْلَ فقالَتْ نَعَمْ فقُلْتُ خابَتْ وخَسِرَتْ أفْتَأْمَنُ أنْ يَغْضَبَ الله لِغَضَبِ رسُولِهِ ﷺ فتَهْلِكِينَ لَا تَسْتَكْثِرِي علَى رسولِ الله ﷺ ولَا تُرَاجِعِيهِ فِي شَيْءً وَلَا تَهْجُرِيهِ واسْأَلِيني مَا بَدَا لَكِ ولَا يَغُرَّنَّكِ أنْ كانَتْ جارَتكِ هِيَ أوْضأُ مِنْكِ وأحَبَّ إلَى رسولِ الله ﷺ يُرِيدُ عائِشَةَ وكُنَّا تَحدَّثْنَا أنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ النِّعالَ لِغَزْوِنا فنَزَلَ صاحِبي يَوْمَ نَوْبَتِهِ فرَجَعَ عِشَاءً فضَرَبَ بابِي ضَرْباً شَدِيداً وَقَالَ أَنا نائِمٌ هُوَ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إلَيْهِ وَقَالَ حَدَثَ أمْرٌ عَظِيمٌ قُلْتُ مَا هُوَ أجَاءَتْ غَسَّانُ قَالَ لَا بَلْ أعْظَمُ مِنْهُ وأطْولُ طَلَّقَ رسولُ الله ﷺ نِساءَهُ قَالَ قدْ خابَتْ حَفْصَةُ وخَسِرَتْ كُنْتُ أظُنُّ أنَّ هاذا يُوشِكُ أنْ يَكُونَ فَجَمَعْتُ علَيَّ ثيابِي فصَلَّيْتُ صَلاةَ الفَجْرِ معَ النبيِّ ﷺ فدَخَلَ مَشْرُبةً لَهُ فاعْتَزَلَ فِيها فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فإذَا هِيَ تَبْكِي قُلْتُ مَا يُبْكِيكِ أوَ لَمْ أكُنْ حَذَّرْتُكِ أطلَّقكُنَّ رسولُ الله ﷺ قالتْ لَا أدْرِي هُوَ ذَا فِي الْمَشْرُبَةِ فخَرَجْتُ فجِئْتُ المنْبرَ فإذَا حَوْله رَهْطٌ يَبْكِي بعْضُهُمْ فَجلَسْتُ معهُم قَلِيلا ثُمَّ غلَبَنِي مَا أجِدُ فَجِئْتُ الْمَشْرُبَةَ الَّتِي هُوَ فِيها فَقلْتُ لِغُلَامٍ لَهُ أسْوَدَ استَأْذِنْ لِعُمَرَ فدَخلَ فكلَّمَ النبيَّ ﷺ ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصمَت فانْصَرَفْتُ حتَّى جَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ثُمَّ غَلَبَني مَا أجِدُ فَجِئْتُ فَذَكَرَ مِثْلَهُ فَجَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الذِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ثُمَّ غلَبَنِي مَا أجِدُ فَجِئْتُ الغُلَامَ فَقُلْتُ اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ فلَمَّا

стр. 3730

وَلَّيْتُ مُنْصَرِفَاً فإذَا الغُلَامُ يَدْعُونِي قَالَ أذِنَ لَكَ رسولُ الله ﷺ فَدَخَلْتُ علَيْهِ فإذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ علَى رِمالِ حَصِيرٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ فِرَاشٌ قدْ أثَّرَ الرِّمالُ بِجَنْبِهِ مُتَّكِيءٌ علَى وِسَادَةٍ مِنْ أدَمٍ حَشْوُها لِيفٌ فسَلَّمْتُ علَيْهِ ثُمَّ قُلْتُ وَأَنا قائِمٌ طَلَّقْتَ نِساءَكَ فرَفَعَ بَصرَهُ إلِيَّ فقالَ لَا ثُمَّ قُلْتُ وأنَا قائِمٌ أسْتِأنِسُ يَا رسولَ الله لَوْ رَأَيْتَنِي وكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ فلَمَّا قَدِمْنَا علَى قَوْمٍ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ فَذَكَرَهُ فتَبَسَّمَ النبيُّ ﷺ ثُمَّ قُلْتُ لَوْ رَأَيْتَنِي ودَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ لَا يَغُرَّنَّكِ إنْ كانَتْ جارَتُكِ هِيَ أوْضَأ مِنْكِ وأحَبَّ إِلَى النبيِّ ﷺ يُرِيدُ عائِشَةَ فتَبَسَّمَ أُخْرَى فَجلَسْتُ حينَ رَأَيْتُهُ تبَسَّمَ ثُمَّ رَفَعْتُ بَصَرِي فِي بَيْتِهِ فَوَالله مَا رَأيْتُ فِيه شَيْئاً يَرُدُّ الْبَصَرَ غَيْرَ أهَبَةٍ ثَلَاثَةٍ فَقُلْتُ ادْعُ الله فلْيُوَسِّعْ علَى أُمَّتِكَ فإنَّ فَارِسَ والرُّومَ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وأُعْطُوا الدُّنْيا وهُمْ لَا يَعْبُدُونَ الله وكانَ مُتَّكِئَاً فَقَالَ أوَفِي شَكٍّ أنتَ يَا ابْنَ الخطَّابِ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الحيَاةِ الدُنْيَا فَقُلْتُ يَا رسولَ الله اسْتَغْفِرْ لِي فاعْتَزَلَ النبيُّ ﷺ منْ أجْلِ ذَلِكَ الحَدِيثِ حِينَ أفْشَتْهُ حَفْصَةُ إلَى عائِشَةَ وكانَ قَدْ قالَ مَا أنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرَاً مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ حينَ عاتَبَهُ الله فلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وعِشْرُونَ دَخَلَ علَى عائِشَةَ فبَدَأَ بِهَا فقَالَتْ لَهُ عائِشَةُ إنَّكَ أقْسَمْتَ أنْ لَا تَدْخُلَ علَيْنَا شَهْراً وإنَّا أصْبَحْنَا لِتِسْعٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً أعَدَّهَا عَدّاً فَقَالَ النبيُّ ﷺ الشَّهْرُ تِسْعٌ وعِشْرُونَ وكانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ تِسْعٌ وعِشْرُونَ قالَتْ عائِشَةُ فأُنْزِلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ فبَدَأَ بِي أوَّلَ امْرَأَةٍ فَقَالَ إنِّي ذَاكِرٌ لَكَ أمْراً ولَا عَلَيْكَ أنْ لَا تَعْجَلِي حتَّى تَسْتَأمِرِي أبَوَيْكِ قالَتْ قَدْ أعْلَمُ أنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِكَ ثُمَّ قَالَ إنَّ الله قَالَ: ﴿يَا أيُّها النبيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إِلَى قَوْله ﴿عظِيماً﴾ (الْأَحْزَاب: ٨٢، ٩٢) قُلْتُ أفِي هَذَا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ فإنِّي أرِيدُ الله ورسولَهُ والدَّارَ الآخِرَةَ ثُمَّ خَيَّرَ نِساءَهُ فَقُلْنَ مِثْلَ مَا قالَتْ عائِشَةُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَدخل مشربَة لَهُ) ، لِأَن الْمشْربَة هِيَ الغرفة، قَالَه ابْن الْأَثِير وَغَيره، وَقد ذكرهَا فِي التَّرْجَمَة باسمها الآخر، وَهِي: الغرفة، وَهِي بِفَتْح الْمِيم وَضم الرَّاء وَفتحهَا، والمشربة بِفَتْح الْمِيم وَفتح الرَّاء: الْموضع الَّذِي يشرب مِنْهُ، كالمشرعة، والمشربة بِكَسْر الْمِيم: آلَة الشّرْب. وَعقيل، بِضَم الْعين، وَعبيد الله بن عبد الله، بتصغير الابْن وتكبير الْأَب، وَأَبُو ثَوْر، بالثاء الْمُثَلَّثَة الْمَفْتُوحَة، وَقَالَ الْحَافِظ الدمياطي، قَالَ الْخَطِيب فِي (تكملته) : لَا أعلم أحدا روى عَن عبيد الله هَذَا إِلَّا الزُّهْرِيّ، وَلَا أعلمهُ حدث عَن غير ابْن عَبَّاس. قلت: خرج أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه حَدِيث مُحَمَّد بن جَعْفَر بن الزبير بن الْعَوام عَن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثَوْر عَن ابْن عَبَّاس فِي طواف النَّبِي، ﷺ ، عَام الْفَتْح على الْبَعِير، وَقد مضى بعض هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب التناوب فِي الْعلم، عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ، وَذكرنَا هُنَاكَ تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَعدل) ، أَي: عَن الطَّرِيق. قَوْله: (بالأداواة) ، بِكَسْر الْهمزَة: وَهِي إِنَاء صَغِير من جلد يتَّخذ للْمَاء كالسطيحة وَنَحْوهَا، وَيجمع على: أداوي. قَوْله: (فَتبرز) أَصله: خرج إِلَى الفضاء لقَضَاء الْحَاجة. قَوْله: (واعجبي لَك ﴿﴾ ) بِالْألف فِي آخِره، ويروى: وَاعجَبا، بِالتَّنْوِينِ نَحْو: يَا رجلا، كَأَنَّهُ ينْدب على التَّعَجُّب، وَهُوَ إِمَّا تعجب من جَهله بذلك وَهُوَ كَانَ مَشْهُورا بَينهم بِعلم التَّفْسِير، وَإِمَّا من حرصه على سُؤَاله عَمَّا مَا لَا يتَنَبَّه لَهُ إلَاّ الْحَرِيص على الْعلم من تَفْسِير مَا لَا حكم فِيهِ من الْقُرْآن.

стр. 3731

وَقَالَ ابْن مَالك: وَا، فِي: وَاعجَبا، اسْم فعل إِذا نون عجبا بِمَعْنى: اعْجَبْ، وَمثله: وي، وَجِيء بعده بقوله: عجبا توكيداً، وَإِذا لم ينون فَالْأَصْل فِيهِ: واعجبي، فأبدلت الْيَاء ألفا، وَفِيه شَاهد على اسْتِعْمَال: وَا، فِي غير الندبة، كَمَا هُوَ رَأْي الْمبرد، وَقَالَ فِي (الْكَشَّاف) : قَالَه تَعَجبا كَأَنَّهُ كره مَا سَأَلَهُ عَنهُ. قَوْله: (عَائِشَة وَحَفْصَة) ، أَي: الْمَرْأَتَانِ اللَّتَان قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى الله ... ﴾ (التَّحْرِيم: ٤) الْآيَة، هما عَائِشَة وَحَفْصَة. قَوْله: (يَسُوقهُ) ، جملَة حَالية. قَوْله: (وجار لي من الْأَنْصَار) ، جَار مَرْفُوع لِأَنَّهُ عطف على الضَّمِير الَّذِي فِي: كنت، على مَذْهَب الْكُوفِيّين، وَفِي رِوَايَته فِي: بَاب التناوب فِي كتاب الْعلم: كنت أَنا وجار لي هَذَا على مَذْهَب الْبَصرِيين، لِأَن عِنْدهم لَا يَصح الْعَطف بِدُونِ إِظْهَار: أَنا، حَتَّى لَا يلْزم عطف الِاسْم على الْفِعْل، والكوفيون لَا يشترطون ذَلِك، وَكلمَة: من، فِي: من الْأَنْصَار، بَيَانِيَّة. وَالْمرَاد من هَذَا الْجَار هُوَ عتْبَان بن مَالك بن عَمْرو الْعجْلَاني الْأنْصَارِيّ الخزرجي. قَوْله: (فِي بني أُميَّة بن زيد) ، فِي مَحل الْجَرّ على الوصفية، أَي: الكائنين فِي بني أُميَّة بن زيد، أَو المستقرين. قَوْله: (وَهِي رَاجِعَة) ، إِلَى أمكنة بني أُميَّة. قَوْله: (من عوالي الْمَدِينَة) ، وَهِي الْقرى بِقرب الْمَدِينَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: العوالي أَمَاكِن بِأَعْلَى أَرَاضِي الْمَدِينَة، وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا: علوي، على غير قِيَاس، وَأَدْنَاهَا من الْمَدِينَة على أَرْبَعَة أَمْيَال، وأبعدها من جِهَة نجد ثَمَانِيَة. قَوْله: (فَينزل يَوْمًا) ، الْفَاء فِيهِ تفسيرية تفسر التناوب الْمَذْكُور. قَوْله: (من الْأَمر) أَي: الْوَحْي، إِذْ اللَّام للمعهود عِنْدهم، أَو الْأَوَامِر الشَّرْعِيَّة. قَوْله: (وَغَيره) ، أَي: وَغير الْأَمر من أَخْبَار الدُّنْيَا. قَوْله: (معشر قُرَيْش) ، أَي: جمع قُرَيْش. قَوْله: (فَطَفِقَ نساؤنا) ، بِكَسْر الْفَاء وفتحا، وَمعنى: طفق فِي الْفِعْل: أَخذ فِيهِ، وَهُوَ من أَفعَال المقاربة. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وطفقا يخصفان عَلَيْهِنَّ من ورق الْجنَّة﴾ (الْأَعْرَاف: ٢٢ وطه: ١٢١) . أَي: أخذا فِي ذَلِك. قَوْله: (فراجعتني) ، أَي: ردَّتْ عَليّ الْجَواب. قَوْله: (حَتَّى اللَّيْل) أَي: إِلَى اللَّيْل. قَوْله: (بعظيم) ، أَي: بِأَمْر عَظِيم. قَوْله: (ثمَّ جمعت عَليّ ثِيَابِي) أَي: لبستها. قَوْله: (أَي حَفْصَة) أَي: يَا حَفْصَة. قَوْله: (مَا بدا لَك؟) أَي: مَا كَانَ لَك من الضرورات؟ قَوْله: (إِن كَانَت جارتك) أَي: بِأَن كَانَت، فَإِن مَصْدَرِيَّة، أَي: وَلَا يغرنك كَون جارتك أَضْوَأ مِنْك، أَي أَزْهَر وَأحسن، ويروى: أوضأ من الْوَضَاءَة أَي: من أجمل وأنظفحدَّثنا وَالْمرَاد من الْجَار: الضرة، وَالْمرَاد بهَا عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَفسّر ذَلِك بقوله: يُرِيد عَائِشَة. قَوْله: (غَسَّان) ، على وزن: فعال، بِالتَّشْدِيدِ اسْم مَاء من جِهَة الشَّام نزل عَلَيْهِ قومٌ من الأزد، فنسبوا إِلَيْهِ مِنْهُم بَنو جَفْنَة رَهْط الْمُلُوك، وَيُقَال: هُوَ اسْم قَبيلَة. قَوْله: (تنعل) ، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون النُّون من: إنعال الدَّوَابّ، وَأَصله: تنعل الدَّوَابّ النِّعَال، لِأَنَّهُ يتَعَدَّى إِلَى المفعولين، فَحذف أَحدهمَا، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك لِأَن النِّعَال لَا تنعل، ويروى: تنعل البغال، جمع: بغل، بِالْبَاء الْمُوَحدَة والغين الْمُعْجَمَة. قَوْله: (عشَاء) ، نصب على الظَّرْفِيَّة أَي: فِي عشَاء. قَوْله: (فَضرب بَابي) ، فِيهِ: حذف، وَهُوَ عطف عَلَيْهِ، أَي: فَسمع اعتزال الرَّسُول ﷺ عَن زَوْجَاته، فَرجع إِلَى العوالي، فجَاء إِلَى بَابي فَضرب، وَالْفَاء فِيهِ تسمى بِالْفَاءِ الفصيحة، لِأَنَّهَا تفصح عَن الْمُقدر، قَوْله: (أنائم هُوَ؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (فَفَزِعت) أَي: فَخفت، الْقَائِل هُوَ عمر، الْفَاء فِيهِ للتَّعْلِيل، أَي: لأجل الضَّرْب الشَّديد، فزعت. قَوْله: (يُوشك أَن يكون) ، أَي: يقرب كَونه، وَهُوَ من أَفعَال المقاربة، يُقَال: أوشك يُوشك إيشاكاً فَهُوَ موشك، وَقد وَشك وشكا ووشاكة. قَوْله: (مشربَة لَهُ) ، قد ذكرنَا أَن الْمشْربَة هِيَ الغرفة الصَّغِيرَة، وَكَذَا قَالَ ابْن فَارس، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: هِيَ كالصفة بَين يَدي الغرفة، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هِيَ الغرفة الصَّغِيرَة، وَقَالَ ابْن بطال: الْمشْربَة الخزانة الَّتِي يكون فِيهَا طَعَامه وَشَرَابه، وَقيل لَهَا: مشربَة، فِيمَا أرى لأَنهم كَانُوا يخزنون فِيهَا شرابهم، كَمَا قيل للمكان الَّذِي تطلع عَلَيْهِ الشَّمْس ويشرق فِيهِ صَاحبه: مشرقة. قَوْله: (لغلام لَهُ أسود) ، قيل: اسْمه رَبَاح، بِفَتْح الرَّاء وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة. قَوْله: (منصرفاً) ، نصب على الْحَال. قَوْله: (فَإِذا الْغُلَام) ، كلمة: إِذا، للمفاجأة. قَوْله: (على رمال حَصِير) ، بِالْإِضَافَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الرمال، بِضَم الرَّاء وخفة الْمِيم: المرمول أَي: المنسوج، قَالَ أَبُو عبيد: رملت وأرملت أَي: نسجت، وَقَالَ الْخطابِيّ: رمال الْحَصِير ضلوعه المتداخلة بِمَنْزِلَة الخيوط فِي الثَّوْب المنسوج، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الرمال مَا رمل أَي: نسج، يُقَال: رمل الْحَصِير وأرمله فَهُوَ مرمول ومرمل، ورملته شدد للتكثير، وَيُقَال: الرمال جمع رمل بِمَعْنى مرمول، كخلق الله بِمَعْنى مَخْلُوق، وَالْمرَاد أَنه كَأَن السرير قد نسج وَجهه بالسعف، وَلم يكن على السرير وطاء سوى الْحَصِير. قَوْله: (متكىء) ، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هُوَ

стр. 3732

متكىء. قَوْله: (على وسَادَة) ، بِكَسْر الْوَاو وَهِي: المخدة. قَوْله: (من أَدَم) ، بِفتْحَتَيْنِ، وَهُوَ اسْم لجمع أَدِيم، وَهُوَ الْجلد المدبوغ المصلح بالدباغ. قَوْله: (طلقت نِسَاءَك؟) ، همزَة الِاسْتِفْهَام فِيهِ مقدرَة، أَي: أطلقت. قَوْله: (أستأنس) أَي: أتبصر هَل يعود رَسُول الله، ﷺ ، إِلَى الرضى، أَو هَل أَقُول قولا أطيب بِهِ وقته وأزيل مِنْهُ غَضَبه. قَوْله: (غير أهبة) ، بالفتحات جمع إهَاب على غير الْقيَاس، والإهاب: الْجلد الَّذِي لم يدبغ، وَالْقِيَاس أَن يجمع الإهاب على: أهب، بِضَمَّتَيْنِ. قَوْله: (فليوسع) ، هَذِه الْفَاء عطف على مَحْذُوف، لِأَنَّهُ لَا يصلح أَن يكون جَوَابا لِلْأَمْرِ، لِأَن مُقْتَضى الظَّاهِر أَن يُقَال أدع الله أَن يُوسع، وَتَقْدِير الْكَلَام هَكَذَا، وَقَوله: فليوسع عطف عَلَيْهِ للتَّأْكِيد. قَوْله: (أَفِي شكّ؟) يَعْنِي: هَل أَنْت فِي شكّ؟ والمشكوك هُوَ الْمَذْكُور بعده، وَهُوَ تَعْجِيل الطَّيِّبَات. قَوْله: (اسْتغْفر لي) ، طلب الاسْتِغْفَار إِنَّمَا كَانَ عَن جراءته على مثل هَذَا الْكَلَام، فِي حَضْرَة رَسُول الله ﷺ ، وَعَن استعظامه التجملات الدنياوية. قَوْله: (فاعتزل النَّبِي ﷺ ، ابْتِدَاء كَلَام من عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بعد فَرَاغه من كَلَامه الأول، فَلذَلِك عطفه بِالْفَاءِ. قَوْله: (من أجل ذَلِك الحَدِيث) ، أَي: اعتزاله إِنَّمَا كَانَ من أجل إفشاء ذَلِك الحَدِيث، وَهُوَ مَا رُوِيَ أَن رَسُول الله ﷺ خلا بمارية فِي يَوْم عَائِشَة، وَعلمت بذلك حَفْصَة، فَقَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ : (أكتمي عَليّ وَقد حرمت مَارِيَة على نَفسِي) ، ففشت حَفْصَة إِلَى عَائِشَة فَغضِبت عَائِشَة حَتَّى حلف النَّبِي ﷺ أَنه لَا يقربهن شهرا، وَهُوَ معنى قَوْله: (مَا إِنَّا بداخل عَلَيْهِم شهرا) . قَوْله: (من شدَّة موجدته) ، أَي: من شدَّة غَضَبه، والموجدة مصدر ميمي من وجد يجد وجدا وموجدة. قَوْله: (حِين عاتبه الله تَعَالَى) ، ويروى: حَتَّى عاتبه الله، وَهَذِه هِيَ الْأَظْهر، وعاتبه الله تَعَالَى بقوله: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي لم تحرم مَا أحل الله لَك تبتغي مرضاة أَزوَاجك﴾ (التَّحْرِيم: ١) . قَوْله: (لتسْع وَعشْرين لَيْلَة) ، بِاللَّامِ فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: بتسع، بِالْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (الشَّهْر تسع وَعِشْرُونَ) ، أَي الشَّهْر الَّذِي آلَيْت بِهِ تسع وَعِشْرُونَ وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه كَانَ نَاقِصا يَوْمًا قَوْله (وَكَانَ ذَلِك تسع وَعِشْرُونَ) ويروى: تسعا وَعشْرين، وَجه الرِّوَايَة الأولى: أَن: كَانَ فِيهَا تَامَّة فَلَا يحْتَاج إِلَى خبر، وتسع بِالرَّفْع يجوز أَن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: وجد ذَلِك الشَّهْر وَهُوَ تسع وَعِشْرُونَ، وَيجوز أَن يكون بَدَلا من الشَّهْر، وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة: أَن: كَانَ، نَاقِصَة، وتسعاً وَعشْرين خَبَرهَا. قَوْله: (فأنزلت آيَة التَّخْيِير) ، وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك إِن كنتن تردن الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ إِلَى قَوْله: ﴿أجرا عَظِيما﴾ (الْأَحْزَاب: ٨٢) [/ ح. اخْتلف الْعلمَاء: هَل خيرهن فِي الطَّلَاق أَو بَين الدُّنْيَا وَالْآخِرَة؟ وَهل اخْتِيَارهَا صَرِيح أَو كِنَايَة؟ وَهل هُوَ فرقة أم لَا؟ وَهل هُوَ بِالْمَجْلِسِ أَو بِالْعرْفِ؟ وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: اخْتلف الْعلمَاء فِي كَيْفيَّة تَخْيِير النَّبِي ﷺ أَزوَاجه على قَوْلَيْنِ: الأول: خيرهن بِإِذن الله تَعَالَى فِي الْبَقَاء على الزَّوْجِيَّة أَو الطَّلَاق، فاخترن الْبَقَاء. الثَّانِي: خيرهن بَين الدُّنْيَا فيفارقهن وَبَين الْآخِرَة فيمسكهن، وَلم يُخَيِّرهُنَّ فِي الطَّلَاق. ذكره الْحسن وَقَتَادَة، وَمن الصَّحَابَة عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِيمَا رَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل عَنهُ، أَنه قَالَ: لم يُخَيّر النَّبِي ﷺ نِسَاءَهُ إلَاّ بَين الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وَقَالَت عَائِشَة: خيرهن بَين الطَّلَاق وَالْمقَام مَعَه، وَبِه قَالَ مُجَاهِد وَالشعْبِيّ وَمُقَاتِل. وَاخْتلفُوا فِي سَببه، فَقيل: لِأَن الله خَيره بَين ملك الدُّنْيَا ونعيم الْآخِرَة، فَاخْتَارَ الْآخِرَة على الدُّنْيَا، فَلَمَّا اخْتَار ذَلِك أَمر الله بِتَخْيِير نِسَائِهِ ليكن على مثل حَاله، وَقيل: لِأَنَّهُنَّ تَغَايَرْنَ عَلَيْهِ، فآلى مِنْهُنَّ شهرا، وَقيل: لِأَنَّهُنَّ اجْتَمعْنَ يَوْمًا فَقُلْنَ: نُرِيد مَا يُرِيد النِّسَاء من الْحلِيّ، حَتَّى قَالَ بَعضهنَّ: لَو كُنَّا عِنْد غير النَّبِي ﷺ إِذن لَكَانَ لنا شَأْن وَثيَاب وحلي. وَقيل: لِأَن الله تَعَالَى صان خلْوَة نبيه ﷺ ، فخيرهن على أَن لَا يتزوجن بعده، فَلَمَّا أجبن إِلَى ذَلِك أمسكهن. وَقيل: لِأَن كل وَاحِدَة طلبت مِنْهُ شَيْئا، وَكَانَ غير مستطيع، فطلبت أم سَلمَة معلما، ومَيْمُونَة حلَّة يَمَانِية، وَزَيْنَب ثوبا مخططاً وَهُوَ الْبرد الْيَمَانِيّ، وَأم حَبِيبَة ثوبا سحولياً، وَحَفْصَة ثوبا من ثِيَاب مصر، وَجُوَيْرِية معجراً وَسَوْدَة قطيفة خيبرية، إلَاّ عَائِشَة فَلم تطلب مِنْهُ شَيْئا، وَكَانَت تَحْتَهُ ﷺ تسع نسْوَة، خمس من قُرَيْش: عَائِشَة، وَحَفْصَة بنت عمر، وَأم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان، وَسَوْدَة بنت زَمعَة، وَأم سَلمَة بنت أبي الْحَارِث الْهِلَالِيَّة. وَأَرْبع من غير قُرَيْش: صَفِيَّة بنت حييّ الْخَيْبَرِية، ومَيْمُونَة بنت الْحَارِث، وَزَيْنَب بنت جحش الأَسدِية، وَجُوَيْرِية بنت الْحَارِث الْمُصْطَلِقِيَّة. قَوْله: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك﴾ (الْأَحْزَاب: ٨٢) . قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: كَانَ أَزوَاج النَّبِي ﷺ سألنه شَيْئا من عرض الدُّنْيَا وآذينه بِزِيَادَة النَّفَقَة والغيرة، فغم ذَلِك رَسُول الله ﷺ فهجرهن وآلى أَن لَا يقربهن شهرا، وَلم يخرج إِلَى أَصْحَابه فِي الصَّلَاة، فَقَالُوا: مَا شَأْنه؟ قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِن شِئْتُم لأعلمن لكم مَا شَأْنه؟ فَأتى النَّبِي ﷺ ، فَجرى مِنْهُ مَا ذكر

стр. 3733

فِي حَدِيث الْبَاب. وَذكروا أَيْضا أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، تتبع نسَاء النَّبِي ﷺ فَجعل يكلمهن لكل وَاحِدَة بِكَلَام، فَقَالَت أم سَلمَة: يَا ابْن الْخطاب! أَو مَا بَقِي لَك إلَاّ أَن تدخل بَين رَسُول الله ﷺ وَبَين نِسَائِهِ؟ من يسْأَل الْمَرْأَة إلَاّ زَوجهَا؟ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة بالتخيير، فَبَدَأَ رَسُول الله ﷺ بعائشة، وَكَانَت أحبهنَّ إِلَيْهِ، فَخَيرهَا وَقَرَأَ عَلَيْهَا الْقُرْآن، فَاخْتَارَتْ الله وَرَسُوله وَالدَّار الْآخِرَة، فرؤى الْفَرح فِي وَجه رَسُول الله ﷺ وتتابعتها بَقِيَّة النسْوَة واخترن اخْتِيَارهَا، وَقَالَ قَتَادَة: فَلَمَّا اخْترْنَ الله وَرَسُوله شكر لَهُنَّ على ذَلِك وقصره عَلَيْهِنَّ فَقَالَ: ﴿لَا تحل لَك النِّسَاء من بعد وَلَا أَن تبدل بِهن من أَزوَاج﴾ (الْأَحْزَاب: ٢٥) . قَوْله: ﴿فتعالين﴾ (الْأَحْزَاب: ٨٢) . أصل: تعال، أَن يَقُول من فِي الْمَكَان الْمُرْتَفع لمن فِي الْمَكَان المستوطىء ثمَّ كثر حَتَّى اسْتَقر اسْتِعْمَاله فِي الْأَمْكِنَة كلهَا، وَمعنى تعالين: أقبلن، وَلم يرد نهوضهن إِلَيْهِ بِأَنْفُسِهِنَّ. قَوْله: ﴿وأسرحكن﴾ (الْأَحْزَاب: ٨٢) . يَعْنِي: الطَّلَاق ﴿سراحاً جميلاً﴾ (الْأَحْزَاب: ٨٢) . من غير إِضْرَار، طَلَاقا بِالسنةِ، وقرىء بِالرَّفْع على الِاسْتِئْنَاف. قَوْله: ﴿وَالدَّار الْآخِرَة﴾ (الْأَحْزَاب: ٨٢) . يَعْنِي: الْجنَّة. قَوْله: ﴿مِنْكُن﴾ (الْأَحْزَاب: ٨٢) . يَعْنِي: اللَّاتِي آثرن الْآخِرَة. ﴿أجرا عَظِيما﴾ (الْأَحْزَاب: ٨٢) . وَهُوَ الْجنَّة. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن الْمُحدث قد يَأْتِي بِالْحَدِيثِ على وَجهه وَلَا يختصر، لِأَنَّهُ قد كَانَ يَكْتَفِي، حِين سَأَلَهُ ابْن عَبَّاس عَن الْمَرْأَتَيْنِ بِمَا كَانَ يُخبرهُ مِنْهُ أَنَّهُمَا عَائِشَة وَحَفْصَة، وَفِيه: موعظة الرجل ابْنَته وَإِصْلَاح خلقهَا لزَوجهَا. وَفِيه: الْحزن والبكاء لأمور رَسُول الله ﷺ وَمَا يكرههُ والاهتمام بِمَا يهمه. وَفِيه: الاسْتِئْذَان والحجابة للنَّاس كلهم، كَانَ مَعَ المستأذن عِيَال أَو لم يكن. وَفِيه: الانصارف بِغَيْر صرف من المستأذن عَلَيْهِ، وَمن هَذَا الحَدِيث قَالَ بعض الْعلمَاء: إِن السُّكُوت يحكم بِهِ، كَمَا حكم عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بسكوت رَسُول الله ﷺ عَن صرفه إِيَّاه. وَفِيه: التكرير بالاستئذان. وَفِيه: أَن للسُّلْطَان أَن يَأْذَن أَو يسكت أَو يصرف. وَفِيه: تقلله ﷺ من الدُّنْيَا وَصَبره على مضض ذَلِك، وَكَانَت لَهُ عَنهُ مندوحة. وَفِيه: أَنه يسْأَل السُّلْطَان عَن فعله إِذا كَانَ ذَلِك مِمَّا يهم أهل طَاعَته. وَفِيه: قَوْله ﷺ لعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَا ردا لما أخبر بِهِ الْأنْصَارِيّ من طَلَاق نِسَائِهِ، وَلم يخبر عمر بِمَا أخبر بِهِ الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَا شكاه لعلمه أَنه لم يقْصد الْإِخْبَار بِخِلَاف الْقِصَّة، وَإِنَّمَا هُوَ وهم جرى عَلَيْهِ. وَفِيه: الْجُلُوس بَين يَدي السُّلْطَان وَإِن لم يَأْمر بِهِ إذات استؤنس مِنْهُ إِلَى انبساط خلق. وَفِيه: أَن أحدا لَا يجوز أَن يسْخط حَاله وَلَا مَا قسم الله لَهُ وَلَا سَابق قَضَائِهِ، لِأَنَّهُ يخَاف عَلَيْهِ ضعف يقينه. وَفِيه: أَن التقلل من الدُّنْيَا لرفع طيباته إِلَى دَار الْبَقَاء خير حَال مِمَّن يعجلها فِي الدُّنْيَا الفانية والعجل لَهَا أقرب إِلَى السَّفه. وَفِيه: الاسْتِغْفَار من السخط وَقلة الرضى. وَفِيه: سُؤال من الشَّارِع الاسْتِغْفَار، وَلذَلِك يجب أَن يسْأَل أهل الْفضل وَالْخَيْر الدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار. وَفِيه: أَن الْمَرْأَة تعاقب على إفشاء سر زَوجهَا، وعَلى التحيل عَلَيْهِ بالأذى بالتوبيخ لَهَا بالْقَوْل، كَمَا وبخ الله تَعَالَى أَزوَاج نبيه ﷺ على تظاهرهما وإفشاء سره، وعاتبهن بالإيلاء والاعتزال والهجران كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿واهجروهن فِي الْمضَاجِع﴾ (النِّسَاء: ٤٣) . وَفِيه: أَن الشَّهْر يكون تِسْعَة وَعشْرين يَوْمًا. وَفِيه: أَن الْمَرْأَة الرشيدة لَا بَأْس أَن تشَاور أَبَوَيْهَا أَو ذَوي الرَّأْي من أَهلهَا فِي أَمر نَفسهَا الَّتِي هِيَ أَحَق بهَا من وَليهَا، وَهِي فِي المَال أولى بالمشاورة، لَا على أَن الْمُشَاورَة لَازِمَة لَهَا إِذا كَانَت رَشِيدَة كعائشة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَفِيه: دَلِيل لجَوَاز ذكر الْعَمَل الصَّالح، وَهِي فِي قَول عبد الله بن عَبَّاس: فحججت مَعَه، أَي: مَعَ عمر. وَفِيه: الِاسْتِعَانَة فِي الْوضُوء إِذْ هُوَ الظَّاهِر من قَوْله: فَتَوَضَّأ، وَقَالَ ابْن التِّين: وَيحْتَمل الِاسْتِنْجَاء، وَذَلِكَ أَن يصب المَاء فِي يَده الْيُمْنَى ثمَّ يُرْسِلهُ حَيْثُ شَاءَ، وَفِيه: رد الْخطاب إِلَى الْجمع بعد الْإِفْرَاد، وَذَلِكَ فِي قَوْله: أفتأمن؟ أَي: إحداكن، ثمَّ قَالَ: فتهلكن، على رِوَايَة: تهلكن، بِضَم الْكَاف وبالنون الْمُشَدّدَة، قَالَه الدَّاودِيّ. وَفِيه: أَن ضحكه ﷺ التبسم إِكْرَاما لمن يضْحك إِلَيْهِ. وَقَالَ جرير: مَا رَآنِي رَسُول الله ﷺ مُنْذُ أسلمت إلَاّ تَبَسم. وَفِيه: التَّخْيِير، وَقد اسْتعْمل السّلف الِاخْتِيَار بعده، فَعِنْدَ الشَّافِعِي أَن الْمَرْأَة إِذا اخْتَارَتْ نَفسهَا فَوَاحِدَة، وَهُوَ قَول عَائِشَة وَعمر بن عبد الْعَزِيز، وَذكر عَليّ: أَنَّهَا إِذا اخْتَارَتْ نَفسهَا فَثَلَاث. وَقَالَ طَاوُوس: نفس الِاخْتِيَار لَا يكون طَلَاقا حَتَّى يوقعه، وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِن وَاحِدَة من نِسَائِهِ ﷺ اخْتَارَتْ نَفسهَا، فَبَقيت إِلَى زمن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَت تَأتي بالحطب بِالْمَدِينَةِ فتبيعه، وَأَنَّهَا أَرَادَت النِّكَاح فَمنعهَا عمر، فَقَالَت: إِن كنت من أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ اضْرِب عَليّ الْحجاب، فَقَالَ لَهَا: وَلَا كَرَامَة. وَقيل: إِنَّهَا رعت

стр. 3734

غنما. وَالَّذِي فِي (الصِّحَاح) : أَنَّهُنَّ اخْترْنَ الله وَرَسُوله وَالدَّار الْآخِرَة. وَقَالَ الإِمَام الرَّازِيّ الْجَصَّاص الْحَنَفِيّ: اخْتلف السّلف فِيمَن خير امْرَأَته، فَقَالَ عَليّ: إِن اخْتَارَتْ زَوجهَا فَوَاحِدَة رَجْعِيَّة، وَإِن اخْتَارَتْ نَفسهَا فَوَاحِدَة بَائِنَة، وَعنهُ: وَإِن اخْتَارَتْ زَوجهَا فَلَا شَيْء، وَإِن اخْتَارَتْ نَفسهَا فَوَاحِدَة بَائِنَة. وَقَالَ زيد بن ثَابت فِي: أَمرك بِيَدِك، إِن اخْتَارَتْ نَفسهَا فَوَاحِدَة رَجْعِيَّة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وصاحباه وَزفر، فِي الْخِيَار: بَائِنَة اخْتَارَتْ زَوجهَا فَلَا شَيْء، وَإِن اخْتَارَتْ نَفسهَا فَوَاحِدَة بَائِنَة إِذا أَرَادَ الزَّوْج الطَّلَاق، وَلَا يكون ثَلَاثًا، وَإِن نوى. وَقَالَ ابْن أبي ليلى وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ: إِن اخْتَارَتْ زَوجهَا فَلَا شَيْء، وَإِن اخْتَارَتْ نَفسهَا فَوَاحِدَة. وَقَالَ مَالك فِي الْخِيَار: إِنَّه ثَلَاث، إِذا اخْتَارَتْ نَفسهَا وَإِن طلقت نَفسهَا بِوَاحِدَة لم يَقع شَيْء، وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأبي حنيفَة وَأحمد وجماهير الْعلمَاء: أَن من خير زَوجته فَاخْتَارَتْ لم يكن ذَلِك طَلَاقا، وَلَا يَقع بِهِ فرقة. وَرُوِيَ عَن عَليّ وَزيد بن ثَابت وَالْحسن وَاللَّيْث: أَن نفس التَّخْيِير يَقع بِهِ طَلْقَة بَائِنَة، سَوَاء اخْتَارَتْ زَوجهَا أم لَا، وَحَكَاهُ الْخطابِيّ وَغَيره عَن مَذْهَب مَالك، قَالَ القَاضِي: لَا يَصح هَذَا عَن مَالك. وَفِيه: جَوَاز الْيَمين شهرا، أَن لَا يدْخل على امْرَأَته، وَلَا يكون بذلك موليا، لِأَنَّهُ لَيْسَ من الْإِيلَاء الْمَعْرُوف فِي اصْطِلَاح الْفُقَهَاء وَلَا لَهُ حِكْمَة، وأصل الْإِيلَاء فِي اللُّغَة: الْحلف على الشَّيْء يُقَال مِنْهُ: آلى يولي إِيلَاء وتآلى تآلياً، وايتلى إيتلاءٍ: وَصَارَ فِي عرف الْفُقَهَاء مُخْتَصًّا بِالْحلف عَن الِامْتِنَاع عَن وَطْء الزوجه، وَلَا خلاف فِي هَذَا إلَاّ مَا حُكيَ عَن ابْن سِيرِين أَنه قَالَ: الْإِيلَاء الشَّرْعِيّ مَحْمُول على مَا يتَعَلَّق بِالزَّوْجَةِ من ترك جماع أَو كَلَام أَو انفاق، وَسَيَجِيءُ مزِيد الْكَلَام فِي مسَائِل الْإِيلَاء المصطلح عَلَيْهِ فِي بَابه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَفِيه: جَوَاز دق الْبَاب وضربه. وَفِيه: جَوَاز دُخُول الْآبَاء على الْبَنَات بِغَيْر إِذن أَزوَاجهنَّ والتفتيش عَن الْأَحْوَال، سِيمَا عَمَّا يتَعَلَّق بالمزاوجة. وَفِيه: السُّؤَال قَائِما. وَفِيه: التناوب فِي الْعلم والاشتغال بِهِ. وَفِيه: الْحِرْص على طلب الْعلم. وَفِيه: قبُول خبر الْوَاحِد وَالْعَمَل بمراسيل الصَّحَابَة. وَفِيه: أَن الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، كَانَ يخبر بَعضهم بَعْضًا بِمَا يسمع من النَّبِي ﷺ وَيَقُولُونَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ ، ويجعلون ذَلِك كالمسند، إِذْ لَيْسَ فِي الصَّحَابَة من يكذب وَلَا غير ثِقَة، وَفِيه: أَن شدَّة الْوَطْأَة على النِّسَاء غير وَاجِبَة، لِأَن النَّبِي، ﷺ ، سَار بسيرة الْأَنْصَار فِيهِنَّ. وَفِيه: فضل عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ٩٦٤٢ - حدَّثنا ابنُ سَلامٍ قَالَ حدَّثنا الْفَزَارِيُّ عنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيل عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ آلَى رسولُ الله ﷺ مِنْ نِسائِهِ شهْرَاً وكانتِ انْفَكَّتْ قدَمُهُ فجَلَسَ فِي عُلِّيَّةٍ لَهُ فَجاءَ عُمَرُ فَقَالَ أطَلَّقْتَ نِساءَكَ قَالَ لَا ولاكِنِّي آلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْراً فمَكَثَ تِسْعاً وعِشْرِينَ ثُمَّ نَزَلَ فَدَخَلَ علَى نِسَائِهِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَجَلَسَ فِي علية لَهُ) ، وَابْن سَلام هُوَ مُحَمَّد بن سَلام، والفزاري، بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الزَّاي وبالراء: هُوَ مَرْوَان بن مُعَاوِيَة، مر فِي الصَّلَاة. قَوْله: (آلى) ، أَي: حلف، وَلَا يُرِيد بِهِ الْإِيلَاء الفقهي. قَوْله: (انفكت) أَي: انفرجت، والفك انفراج الْمنْكب أَو الْقدَم عَن مفصله. قَوْله: (فجَاء عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) يَعْنِي: إِلَى عليته. وَفِي الحَدِيث الَّذِي قبله، قَالَ عمر: فَجئْت الْمشْربَة الَّتِي هُوَ فِيهَا، فَقلت لغلام لَهُ أسود ... الحَدِيث. ٦٢ - (بابُ مَنْ عَقَلَ بَعِيرَهُ علَى البَلَاطِ أوْ بابِ الْمَسْجِدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من عقل بعيره، يَعْنِي: شدّ بعيره بالعقال على البلاطد، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَهُوَ حِجَارَة مفروشة عِنْد بَاب الْمَسْجِد. قَوْله: (وَبَاب الْمَسْجِد) ، أَي: أَو على بَاب الْمَسْجِد. ٠٧٤٢ - حدَّثنا مُسْلِمٌ قَالَ حدَّثنا أبُو عُقَيْلٍ قَالَ حَدَّثَنا أبُو الْمُتَوَكِّلِ الناجِيُّ قَالَ أتَيْتُ جابِرَ ابنَ عبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ دَخَلَ النبيُّ ﷺ الْمَسْجِدَ فَدَخَلْتُ إلَيْهِ وعَقَلْتُ الْجَمَلَ فِي ناحِيَةِ البَلاطِ فقُلْتُ هَذا جَمَلُكَ فخَرَجَ فجَعَلَ يُطِيفُ بالجَمَلِ قَالَ الثَّمَنُ والْجَمَلُ لَكَ. .

стр. 3735

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وعقلت الْجمل فِي نَاحيَة البلاط) . قيل: هُنَا نظر من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الْمَذْكُور فِي التَّرْجَمَة على البلاط وَالْمَذْكُور فِي الحَدِيث فِي نَاحيَة البلاط وناحية الشَّيْء غَيره. وَالْآخر: أَن فِي التَّرْجَمَة أَو بَاب الْمَسْجِد وَلَيْسَ فِي الحَدِيث ذَلِك. قلت: يُمكن الْجَواب عَن الأول: بِأَن يكون المُرَاد بِنَاحِيَة البلاط طرفها، وَكَانَ عقل الْجمل بطرفها، وَلَا يَتَأَتَّى إلَاّ بالطرف. وَعَن الثَّانِي: بِأَنَّهُ ألحق بَاب الْمَسْجِد بِمَا قبله فِي الحكم قِيَاسا عَلَيْهِ، وَقيل: أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا ورد فِي بعض طرقه. قلت: هَذَا لَا بَأْس بِهِ إِن ثَبت مَا ادَّعَاهُ من ذَلِك، وَمَعَ هَذَا فالموضع كُله مَوضِع تَأمل. وَمُسلم هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم، وَأَبُو عقيل، بِالْفَتْح: هُوَ بشير ضد النذير ابْن عقبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف الدَّوْرَقِي، وَأَبُو المتَوَكل هُوَ عَليّ النَّاجِي، بالنُّون وَالْجِيم وياء النِّسْبَة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن عقبَة بن مكرم. قَوْله: (فَقلت) ، أَي: قَالَ جَابر: فَقلت: يَا رَسُول الله! هَذَا جملك، وَهُوَ الْجمل الَّذِي اشْتَرَاهُ ﷺ مِنْهُ فِي السّفر، وَقد مرت قصَّته فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب شِرَاء الدَّوَابّ وَالْحمير. قَوْله: (فَخرج) أَي: النَّبِي، ﷺ ، من الْمَسْجِد. قَوْله: (فَجعل يطِيف بالجمل) ، أَي: يلم بِهِ ويقاربه. قَوْله: (قَالَ الثّمن) ، أَي: قَالَ النَّبِي ﷺ : ثمن الْجمل والجمل لَك، يَعْنِي: كِلَاهُمَا لَك، وَهَذَا يدل على غَايَة كرم النَّبِي، ﷺ ، وَأَن جَابِرا عِنْده بِمَنْزِلَة. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ ابْن بطال: فِيهِ: أَن رحاب الْمَسْجِد مناخ للبعير. وَفِيه: جَوَاز إِدْخَال الْأَمْتِعَة فِي الْمَسْجِد، قِيَاسا على الْبَعِير. وَفِيه: حجَّة لمَالِك والكوفيين فِي طَهَارَة أَبْوَال الْإِبِل وأرواثها. وَفِيه: رد على الشَّافِعِي فِيمَا قَالَ بنجاستها، قَالَ ابْن بطال: وَهَذَا خلاف مِنْهُ، لدَلِيل الحَدِيث، وَلَو كَانَت نَجِسَة كَمَا زعم مَا كَانَ لجَابِر إِدْخَال الْبَعِير فِي الْمَسْجِد، وَحين رَآهُ الشَّارِع لم يُنكر عَلَيْهِ، وَلَو كَانَت نَجِسَة لأَمره بإخراجها من الْمَسْجِد خشيَة مَا يكون فِيهِ من الروث وَالْبَوْل، إِذْ لَا يُؤمن من حُدُوث ذَلِك مِنْهَا. انْتهى. قلت: أجَاب الْكرْمَانِي عَن ذَلِك بقوله: أَقُول: لَا دَلِيل على دُخُول الْبَعِير فِي الْمَسْجِد وَلَا على حُدُوث الْبَوْل والروث فِيهِ على تَقْدِير الْحُدُوث، فقد يغسل الْمَسْجِد وينظف مِنْهُ، فَلَا حجَّة لَهُم وَلَا رد عَلَيْهِ، أَي: على الشَّافِعِي. قلت: هَذَا لَيْسَ بِشَيْء من الْجَواب، لِأَن جَابِرا صرح بِأَنَّهُ عقل جمله فِي نَاحيَة بلاط الْمَسْجِد، وَهُوَ رحاب الْمَسْجِد وللرحاب حكم الْمَسْجِد، وَقَوله: وَلَا على حُدُوث الْبَوْل والروث فِيهِ، لم يقل بِهِ الرَّاد، وَإِنَّمَا قَالَ: لَا يُؤمن حُدُوثه، فَلَو كَانَ بَوْله وروثه نجسا لمَنعه من ذَلِك. وَقَوله: وعَلى تَقْدِير الْحُدُوث ... إِلَى آخِره، جَوَاب بطرِيق التسلم فَلَيْسَ بِجَوَاب، لِأَنَّهُ لَا يجوز السُّكُوت عَن ذَلِك، مَعَ الْعلم بِنَجَاسَتِهِ اكْتِفَاء بِالْغسْلِ والتنظيف، وَأجَاب صَاحب (التَّوْضِيح) عَن ذَلِك بقوله: ومذهبه جَوَاز إِدْخَاله فِيهِ، وَلَا يرد عَلَيْهِ مَا ذكره، فَسلم من التعسف الْمَذْكُور. ٧٢ - (بابُ الوُقُوفِ والْبَوْلِ عِنْدَ سُبَاطَةِ القَوْمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الْوُقُوف وَالْبَوْل عِنْد سباطة قوم، والسباطة، بِالضَّمِّ: الكناسة، وَقيل: المزبلة، ومعناهما مُتَقَارب، لِأَن الكناسة: الزبل الَّذِي يكنس. ١٧٤٢ - حدَّثني سُلَيْمَانُ بنُ حَرْب عنْ شُعْبَةَ عنْ مَنْصُورٍ عنْ أبِي وائِلٍ عنْ حُذَيْفَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ لَقَدْ رَأَيْتُ رسولَ الله ﷺ أوْ قالَ لَقَدْ أتَى النبيُّ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبالَ قائِماً. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة الْكُوفِي، وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الْوضُوء فِي: بَاب الْبَوْل قَائِما، وَفِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن آدم عَن شُعْبَة عَن الْأَعْمَش عَن أبي وَائِل عَن حُذَيْفَة وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير عَن مَنْصُور عَن أبي وَائِل ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصًى. ٨٢ - (بابُ مَنْ أخَذَ الْغُصْنَ وَمَا يُؤْذِي النَّاسَ فِي الطَّرِيقِ فرَمَى بِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ثَوَاب من أَخذ الْغُصْن، أَي غُصْن كَانَ، من أَي شجر كَانَ، مِمَّا يشوش على المارين فِي الطَّرِيق. قَوْله: (وَمَا يُؤْذِي) أَي: وَفِي ثَوَاب من أَخذ مَا يُؤْذِي النَّاس، وَهَذَا أَعم من الأول لِأَنَّهُ يَشْمَل الْغُصْن وَالْحجر وَنَحْوهمَا مِمَّا يحصل

стр. 3736

مِنْهُ الْأَذَى للنَّاس عِنْد الْمُرُور عَلَيْهِ. قَوْله: (فَرمى بِهِ) ، يَعْنِي رَفعه من الطَّرِيق وَرمى بِهِ فِي غير الطَّرِيق، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بَاب من أخر الْغُصْن، من التَّأْخِير، وَهُوَ إزاحته عَن الطَّرِيق. ٢٧٤٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ سُمَيٍّ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ بَيْنَما رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ فأخَذَهُ فَشَكَرَ الله لَهُ فَغَفَرَ لَهُ. (انْظُر الحَدِيث ٢٥٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبد الله هُوَ ابْن يُوسُف، وَفِي بعض النّسخ، ذكر صَرِيحًا. وَسمي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء: مولى أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن الْمُغيرَة هِشَام، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات، والرواة كلهم مدنيون مَا خلال شَيْخه. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْجِهَاد عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن قُتَيْبَة بِهِ وَفِي رِوَايَته: فَأَخَّرَهُ، مَوضِع: فَأَخذه. ثمَّ قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن أبي بَرزَة وَابْن عَبَّاس وَأبي ذَر. قلت: أما حَدِيث أبي بَرزَة فَأخْرجهُ ابْن مَاجَه، عَنهُ قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله! دلَّنِي على عمل أنتفع بِهِ، قَالَ: أعزل الْأَذَى من طَرِيق الْمُسلمين. وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَأخْرجهُ ... وَأما حَدِيث أبي ذَر فَأخْرجهُ ابْن عبد الْبر من حَدِيث مَالك ب يزِيد عَن أَبِيه عَن أبي ذَر، مَرْفُوعا: (إماطتك الْحجر والشوك والعظم عَن الطَّرِيق صَدَقَة) . قلت: وَفِي الْبَاب عَن أبي سعيد، أخرجه ابْن زَنْجوَيْه من حَدِيث ابْن لَهِيعَة عَن دراج عَن أبي الْهَيْثَم عَن أبي سعيد مَرْفُوعا: (غفر الله لرجل أماط عَن الطَّرِيق غُصْن شوك، مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر) . وَعَن أبي بُرَيْدَة، أخرجه أَبُو دَاوُد عَنهُ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: فِي الْإِنْسَان ثَلَاثمِائَة وَسِتُّونَ مفصلا، فَعَلَيهِ أَن يتَصَدَّق عَن كل مفصل مِنْهُ بِصَدقَة، قَالُوا: وَمن يُطيق ذَلِك؟ قَالَ: النخاعة فِي الْمَسْجِد يدفنها، وَالشَّيْء ينحيه عَن الطَّرِيق ... وَعَن أنس، أخرجه ابْن أبي شيبَة من حَدِيث قَتَادَة عَنهُ، قَالَ: (كَانَت شَجَرَة على طَرِيق النَّاس فَكَانَت تؤذيهم، فعزلها رجل عَن طريقهم، قَالَ النَّبِي، ﷺ : رَأَيْته يتقلب فِي ظلها فِي الْجنَّة) . وَاعْلَم أَن الشَّخْص يُؤجر على إمَاطَة الْأَذَى، وكل مَا يُؤْذِي النَّاس فِي الطَّرِيق، وَفِيه دلَالَة على أَن طرح الشوك فِي الطَّرِيق وَالْحِجَارَة والكناسة والمياه الْمفْسدَة للطرق وكل مَا يُؤْذِي النَّاس يخْشَى الْعقُوبَة عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَلَا شكّ أَن نزع الْأَذَى عَن الطَّرِيق من أَعمال الْبر، وَأَن أَعمال الْبر تكفر السَّيِّئَات وتوجب الغفران، وَلَا يَنْبَغِي للعاقل أَن يحقر شَيْئا من أَعمال الْبر، أما مَا كَانَ من شجر فَقَطعه وألقاه، وَأما مَا كَانَ مَوْضُوعا فأماطه، وَالْأَصْل فِي هَذَا كُله قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره﴾ (الزلزلة: ٧) . وإماطة الْأَذَى عَن الطَّرِيق شُعْبَة من شعب الْإِيمَان. ٩٢ - (بابٌ إذَا اخْتَلَفُوا فِي الطَّرِيق الْمِيتاءِ وَهْيَ الرَّحْبَةُ تَكُونُ بَيْنَ الطَّرِيقِ ثُمَّ يُرِيدُ أهْلُهَا الْبُنْيَانَ فَتُرِكَ مِنْها الطَّرِيقُ سَبَعةَ أذْرُعٍ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا اخْتلف النَّاس فِي الطَّرِيق الميتاء، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق ممدودة، وَهِي على وزن مفعال، أَصله من الْإِتْيَان، وَالْمِيم زَائِدَة، ويروى مَقْصُورَة على وزن مفعل، وَقد فسره البُخَارِيّ بقوله: وَهِي الرحبة إِلَى آخِره، أَي: الواسعة تكون بَين الطَّرِيق. وَقيل: الرحبة الساحة، وَقَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ: الميتاء أعظم الطّرق وَهِي الَّتِي يكثر مُرُور النَّاس بهَا. وَقيل: الطَّرِيق العامرة، وَقيل: الفناء بِكَسْر الْفَاء، وروى ابْن عدي من حَدِيث عباد بن مَنْصُور عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، (قَالَ: قضى رَسُول الله ﷺ فِي الطَّرِيق الميتاء الَّتِي يُؤْتى من كل مَكَان) الحَدِيث، وَقد فسر ﷺ الطَّرِيق الميتاء بقوله: الَّتِي يُؤْتى من كل مَكَان. قَوْله: (ثمَّ يُرِيد أَهلهَا) أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن أَصْحَاب الطَّرِيق الميتاء إِذا أَرَادوا أَن يبنوا فِيهَا يتْركُوا مِنْهَا الطَّرِيق لِلْمَارِّينَ مِقْدَار سَبْعَة أَذْرع، على مَا نذكرهُ فِي معنى

стр. 3737

الحَدِيث، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هَذِه التَّرْجَمَة لفظ حَدِيث رَوَاهُ عبَادَة بن الصَّامِت عِنْد عبد الله بن أَحْمد فِيمَا زَاده مطولا عَن أبي كَامِل الجحدري، حَدثنَا الْفضل بن سُلَيْمَان حَدثنَا مُوسَى بن عقبَة عَن إِسْحَاق بن يحيى بن طَلْحَة عَنهُ. ٣٧٤٢ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثنا جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ عنِ الزُّبَيْرِ بنِ خِرِّيتٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَضَى النبيُّ ﷺ إِذا تشاجَرُوا فِي الطَّرِيقِ المِيتاءِ بِسَبْعَةِ أذْرُعٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَجَرِير، بِفَتْح الْجِيم وَكسر الرَّاء: ابْن حَازِم، بالزاي، وَالزُّبَيْر بن الخريت هَذَا لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وحديثين فِي التَّفْسِير، وَآخر فِي الدَّعْوَات، وَالزُّبَيْر، بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن خريت، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره تَاء مثناة من فَوق، وَمَعْنَاهُ فِي الأَصْل: الماهر الحاذق. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا تشاجروا) ، أَي: إِذا تخاصموا، يَعْنِي: أَصْحَاب الطَّرِيق الميتاء. قَوْله: (فِي الطَّرِيق) ، زَاد الْمُسْتَمْلِي فِي رِوَايَته، فِي الطَّرِيق الميتاء، وَلَيْسَت هَذِه الزِّيَادَة مَحْفُوظَة فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، فَإِن قلت: لم ذكر فِي التَّرْجَمَة بقوله فِي الطَّرِيق الميتاء؟ قلت: أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن هَذِه الزِّيَادَة وردة فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس، أخرجه عبد الرَّزَّاق عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ : (إِذا اختلفتم فِي الطَّرِيق الميتاء فاجعلوها سَبْعَة أَذْرع) . قَوْله: (بسبعة أَذْرع) ، يتَعَلَّق بقوله: قضى) وَالْمرَاد بالذراع ذِرَاع الْبُنيان الْمُتَعَارف، وَقيل: بِمَا يتعارفه أهل كل بلد من الذرعان. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ، ﵀: لم نجد لهَذَا الحَدِيث معنى أولى أَن يحمل من أَن الطَّرِيق المبتدأة، إِذا اخْتلف مبتدئوها فِي الْمِقْدَار الَّذِي يوقفون لَهَا من الْمَوَاضِع الَّتِي يحاولون اتخاذها مِنْهَا، كالقوم يفتتحون مَدِينَة من مَدَائِن الْعَدو، فيريد الإِمَام قسمتهَا وَيُرِيد بِهِ، مَعَ ذَلِك أَن يَجْعَل فِيهَا طرقاً لكل من يسلكها بَين النَّاس إِلَى مَا سواهَا من الْبلدَانِ وَلَا يجدهَا، مِمَّا كَانَ المفتتحة عَلَيْهِم أحكموا ذَلِك فِيهَا، فَيجْعَل كل طَرِيق مِنْهَا سَبْعَة أَذْرع، وَمثل ذَلِك الأَرْض الْموَات، يقطعهَا الإِمَام رجلا وَيجْعَل عَلَيْهِ إحياءها وَوضع طريقها مِنْهَا لاجتياز النَّاس فِيهِ مِنْهَا إِلَى مَا سواهَا، فَيكون ذَلِك الطَّرِيق سَبْعَة أَذْرع. وَقَالَ الْمُهلب: هَذَا الحكم فِي الأفنية، إِذا أَرَادَ أَهلهَا الْبُنيان أَن يَجْعَل سَبْعَة أَذْرع حَتَّى لَا يضر بالمارة، ولمدخل الْأَحْمَال ومخرجها، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: هُوَ على الْوُجُوب عِنْد الْعلمَاء للْقَضَاء بِهِ، ومخرجه عِنْدهم على الْخُصُوص، وَمَعْنَاهُ أَن كل طَرِيق يَجْعَل كَذَلِك، وَمَا يبْقى بعد ذَلِك لكل وَاحِد من الشُّرَكَاء فِي الأَرْض قدر مَا ينْتَفع بِهِ، وَلَا مضرَّة عَلَيْهِ. وكل طَرِيق يُؤْخَذ لَهَا سَبْعَة أَذْرع وَيبقى لبَعض الشُّرَكَاء من نصِيبه بعد ذَلِك، وَمَا لَا ينْتَفع بِهِ فَغير دَاخل فِي معنى الحَدِيث. وَقيل هَذَا الحَدِيث فِي أُمَّهَات الطَّرِيق، وَمَا يكثر الِاخْتِلَاف فِيهِ وَالْمَشْي عَلَيْهِ، وَأما مَا ينتاب من الطّرق فَيجوز فِي أفنيتها مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ أقل من سَبْعَة أَذْرع. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: يكون ذَلِك فِي الطَّرِيق الْوَاسِع من الشوارع الَّذِي يقْعد فِي حافية الباعة، وَإِن كَانَ أقل من سَبْعَة أَذْرع منعُوا لِئَلَّا يضيق بأَهْله. ٠٣ - (بابُ النُّهْبَى بِغَيْرِ إذْنِ صاحِبِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم النهبى، بِضَم النُّون على وزن فعلى: من النهب، وَهُوَ أَخذ الشَّيْء من أحد عيَانًا قهرا. وَقَالَ الْخطابِيّ: النهبى اسْم مَبْنِيّ من النهب، كالعمرى من الْعُمر. قَوْله: (بِغَيْر إِذن صَاحبه) ، أَي: صَاحب المنهوب بِقَرِينَة. قَوْله: (النهبى) ، فَلَا يكون إضماراً قبل الذّكر، وَمَفْهُوم هَذَا أَنه إِذا أذن بالنهب جَازَ. وَقَالَ عُبَادَةُ بَايَعْنا النبيَّ ﷺ أنْ لَا نَنْتَهِبَ عبَادَة هُوَ ابْن الصَّامِت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهَذَا التَّعْلِيق قِطْعَة من حَدِيث أخرجه فِي مَوَاضِع، مِنْهَا قد مر فِي كتاب

стр. 3738

الْإِيمَان فِي بَاب حَدثنَا أَبُو الْيَمَان، قَالَ: حَدثنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: أخبرنَا أَبُو إِدْرِيس عَائِذ الله بن عبد الله أَن عبَادَة ابْن الصَّامِت، وَكَانَ شهد بَدْرًا ... الحَدِيث، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر الانتهاب، وَإِنَّمَا ذكره فِي رِوَايَة الصنَابحِي فِي: بَاب وُفُود الْأَنْصَار، وَلَفظه: بَايَعْنَاهُ على أَن لَا نشْرك بِاللَّه شَيْئا وَلَا نَسْرِق وَلَا نزني وَلَا نقْتل النَّفس الَّتِي حرم الله وَلَا ننتهب ... الحَدِيث، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي كتاب الْإِيمَان. ٤٧٤٢ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبي إيَاسٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا عَدِيُّ بنُ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ عبْدَ الله بنَ يَزِيدَ الأنْصَارِيَّ وهْوَ جَدُّهُ أبُو أُمِّه قَالَ نَهَى النبيُّ ﷺ عنِ النُّهْبَى والمثْلَةِ. (الحَدِيث ٤٧٤٢ طرفه فِي: ٦١٥٥) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن معنى التَّرْجَمَة: بَاب النَّهْي بِغَيْر إِذن صَاحبه لَا يجوز، لِأَن نهب مَال الْغَيْر حرَام. قَوْله: (عبد الله بن يزِيد) ، بِالْيَاءِ فِي أَوله من الزِّيَادَة، وَهُوَ هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده: عبد الله ابْن زيد، بِدُونِ الْيَاء فِي أَوله، وَهُوَ غير صَحِيح. قَوْله: (وَهُوَ) ، يَعْنِي عبد الله بن يزِيد. قَوْله: (جده) ، يَعْنِي: جد عدي بن ثَابت لأمه، وَاسم أمه فَاطِمَة، وتكنى أم عدي، وَعبد الله بن يزِيد بن حُصَيْن بن عَمْرو بن الْحَارِث بن خطمة واسْمه عبد الله ابْن جشم بن مَالك بن الْأَوْس الْأنْصَارِيّ، أَبُو مُوسَى الخطمي، مضى ذكره فِي الاسْتِسْقَاء، وَلَيْسَ لَهُ عَن النَّبِي ﷺ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث، وَله فِيهِ عَن الصَّحَابَة غير هَذَا، وَقد اخْتلف فِي سَمَاعه من النَّبِي ﷺ ، لِأَن مُصعب بن الزبير قَالَ: لَيْسَ لَهُ صُحْبَة، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: لَهُ رُؤْيَة، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: روى عَن النَّبِي ﷺ وَكَانَ صَغِيرا على عَهده، فَإِن صحت رِوَايَته فَذَاك، وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ. قَوْله: (والمثلة) ، بِضَم الْمِيم وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة، وَيجوز فتح الْمِيم وَضم الثَّاء، وَيجمع على: مثلات، وَهِي الْعقُوبَة فِي الْأَعْضَاء: كجدع الْأنف وَالْأُذن وفقء الْعين وَنَحْوهَا، وَقَالَ ابْن بطال: الانتهاب الْمحرم هُوَ مَا كَانَت الْعَرَب عَلَيْهِ من الغارات، وَعَلِيهِ وَقعت الْبيعَة فِي حَدِيث عبَادَة. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: النهبة الْمُحرمَة أَن ينهب مَال الرجل بِغَيْر أُذُنه، وَهُوَ لَهُ كَارِه، وَأما الْمَكْرُوه فَهُوَ مَا أذن صَاحبه للْجَمَاعَة وأباحه لَهُم، وغرضهم تساويهم فِيهِ أَو تقاربهم، فيغلب الْقوي على الضَّعِيف. وَقَالَ الْخطابِيّ، مَعْلُوم أَن أَمْوَال الْمُسلمين مُحرمَة، فيؤول هَذَا فِي الْجَمَاعَة يغزون، فَإِذا غنموا انتهبوا وَأخذ كل وَاحِد مَا وَقع بِيَدِهِ مستأثراً بِهِ من غير قسْمَة، وَقد يكون ذَلِك فِي الشَّيْء تشاع الْهِبَة فِيهِ، فينتهبون على قدر قوتهم، وَكَذَلِكَ الطَّعَام يقدم إِلَيْهِم، فَلِكُل وَاحِد أَن يَأْكُل مِمَّا يَلِيهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا ينتهب وَلَا يستلب من عِنْد غَيره، وَكَذَلِكَ كره من كره أَخذ النثار فِي عُقُود الْأَمْلَاك وَنَحْوه، وَقَالَ الْحسن وَالنَّخَعِيّ وَقَتَادَة: معنى الحَدِيث النهبة الْمُحرمَة، وَهِي أَن يينتهب مَال الرجل بِغَيْر إِذْنه. وَاخْتلف الْعلمَاء فِيمَا ينثر على رُؤُوس الصّبيان وَفِي الأعراس، فَتكون فِيهَا النهبة، فكرهه مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ، وَإِنَّمَا كره لِأَنَّهُ قد يَأْخُذ مِنْهُ من لَا يحب صَاحب الشَّيْء أَخذه، وَيجب أَخذ غَيره، وَمَا حُكيَ عَن الْحسن بِأَنَّهُ كَانَ لَا يرى بَأْسا بالنهب فِي العرسات والولائم، وَكَذَلِكَ الشّعبِيّ فِيمَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة، عَنهُ: فَلَيْسَ من النهبة الْمُحرمَة، وَكَذَا حَدِيث عبد الله بن قرط عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِي الْبدن الَّتِي نحرها: (من شَاءَ اقتطع) ، قَالَ الشَّافِعِي: صَار ملكا للْفُقَرَاء، لِأَنَّهُ خلى بَينه وَبينهمْ. فَإِن قلت: روى عَن عون بن عمَارَة وعصمة بن سُلَيْمَان عَن لمازة بن الْمُغيرَة عَن ثَوْر بن يزِيد عَن خَالِد بن معدان عَن معَاذ ابْن جبل، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَن النَّبِي ﷺ كَانَ فِي أَمْلَاك، فَجَاءَت الْجَوَارِي مَعَهُنَّ الأطباق عَلَيْهَا اللوز وَالسكر، فَأمْسك الْقَوْم أَيْديهم، فَقَالَ: أَلا تنتهبون؟ قَالُوا: إِنَّك كنت نَهَيْتنَا عَن النهبة. قَالَ: تِلْكَ نهبة العساكر، فَأَما العرسان فَلَا، قَالَ: فَرَأَيْت رَسُول الله ﷺ يجاذبهم ويجاذبونه) . قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: عون وعصمة لَا يحْتَج بحديثهما، ولمازة مَجْهُول، وَابْن معدان عَن معَاذ مُنْقَطع. قلت: خَالِد بن معدان، روى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَلكنه لم يسمع من معَاذ بن جبل. وَقَالَ الشَّافِعِي: فَإِن أَخذ آخذ لَا تجرح شَهَادَته أَن كثيرا يزْعم أَن هَذَا مُبَاح، لِأَن مَالِكه إِنَّمَا طَرحه لمن يَأْخُذهُ، وَأما أَنا فأكرهه لمن أَخذه، وَكَانَ أَبُو مَسْعُود الْأنْصَارِيّ يكرههُ، وَكَذَلِكَ إِبْرَاهِيم وَعَطَاء وَعِكْرِمَة وَمَالك، وَذكر ابْن قدامَة أَنه يجب الْقطع على المنتهب قبل الْقِسْمَة، وَحكى عَن دَاوُد أَنه يرى الْقطع على من أَخذ مَال الْغَيْر، سَوَاء أَخذه من حرز أَو من غير حرز.

стр. 3739

٥٧٤٢ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ حدَّثني اللَّيْثُ قَالَ حدَّثنا عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ أبِي بَكْرِ بنِ عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ لَا يَزْنِي الزَّانِي حينَ يَزْنِي وهْوَ مُؤْمِنٌ ولَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وهْوَ مُؤْمِنٌ ولَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وهْوَ مُؤْمِنٌ ولَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إلَيْهِ فِيهَا أبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُها وهْوَ مُؤْمِنٌ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا ينتهب نهبة) إِلَى آخِره، قيل: لَا مُطَابقَة هُنَا، لِأَن التَّرْجَمَة مُقَيّدَة بِغَيْر الْإِذْن. والْحَدِيث مُطلق، وَأجِيب: بِأَن الحَدِيث أَيْضا مُقَيّد بِعَدَمِ الْإِذْن، وَذَلِكَ لِأَن رفع الْبَصَر إِلَيْهِ لَا يكون عَادَة إلَاّ عِنْد عدم الْإِذْن. وَهَذَا هُوَ فَائِدَة ذكر الرّفْع، وَهَذَا الْجَواب من الْكرْمَانِي أَخذه بَعضهم وَلم ينْسبهُ إِلَيْهِ، وَأَيْضًا قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: النهب لَا يتَصَوَّر إلَاّ بِغَيْر إِذن صَاحبه، فَمَا فَائِدَة التَّقْيِيد بِهِ فِي التَّرْجَمَة؟ قلت: المُرَاد الْإِذْن الإجمالي حَتَّى يخرج مِنْهُ انتهاب مشَاع الْهِبَة وَنَحْوه من الموائد. وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحُدُود عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن إِلَى آخِره. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن عبد الْملك بن شُعَيْب عَن اللَّيْث عَن أَبِيه عَن جده بِإِسْنَادِهِ نَحوه. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْأَشْرِبَة، وَفِي الرَّجْم عَن عِيسَى بن حَمَّاد عَن اللَّيْث بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْفِتَن عَن عِيسَى بن حَمَّاد عَن اللَّيْث. . إِلَى آخِره، نَحوه، وَفِي الْبَاب عَن أبي دَاوُد من حَدِيث ابْن جريج عَن أبي الزبير عَن جَابر، قَالَ: قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من انتهب نهبة فَلَيْسَ منا) ، وَعند ابْن حبَان من حَدِيث الْحسن عَن عمرَان بن حُصَيْن أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مثله، وَعند التِّرْمِذِيّ عَن أنس قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من انتهب نهبة فَلَيْسَ منا) ، وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح، وَعند أَحْمد عَن زيد بن خَالِد، قَالَ: نهى رَسُول الله ﷺ عَن النهبة، وَعند ابْن حبَان عَن ثَعْلَبَة عَن الحكم، قَالَ: انتهينا غنما لِلْعَدو فنصبنا قدورنا، فَمر النَّبِي ﷺ بالقدور فَأمر بهَا فأكفئت، ثمَّ قَالَ: إِن النهبة لَا تحل. وروى ابْن أبي شيبَة من حَدِيث عَاصِم بن كُلَيْب عَن أَبِيه: أَخْبرنِي رجل من الصَّحَابَة، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ فِي غزَاة، فأصابتنا مجاعَة وأصبنا غنما فانتهبناها قبل أَن يقسم فِينَا، فَأَتَانَا النَّبِي ﷺ متوكئاً على قَوس، فأكفأ قدورنا بقوسه، وَقَالَ: لَيست النهبة بأحل من الْميتَة. قَوْله: (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي) أَي: لَا يَزْنِي الشَّخْص الَّذِي يَزْنِي. قَوْله: (حِين يَزْنِي) ، نصب على الظّرْف. قَوْله: (وَهُوَ مُؤمن) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا، قيل: مَعْنَاهُ وَالْحَال أَنه مُسْتَكْمل شرائع الْإِيمَان. وَقيل: يَزُول مِنْهُ الثَّنَاء بِالْإِيمَان لَا نفس الْإِيمَان، وَقيل: يَزُول إيمَانه إِذا اسْتمرّ على ذَلِك الْفِعْل، وَقيل: إِذا فعله مستحلاً يَزُول عَنهُ الْإِيمَان فيكفر، وَقَالَ ابْن التِّين: قَالَ البُخَارِيّ: ينْزع مِنْهُ نور الْإِيمَان. قَوْله: (وَلَا يشرب) ، فَاعله مَحْذُوف، قَالَ ابْن مَالك: فِيهِ حذف الْفَاعِل، أَي: لَا يشرب الشَّارِب، وَرُوِيَ: لَا يشرب الْخمر، بِكَسْر الْبَاء على معنى النَّهْي، يَعْنِي: إِذا كَانَ مُؤمنا فَلَا يفعل. قَوْله: (وَلَا يسرق) ، الْكَلَام فِيهِ مثل الْكَلَام فِي لَا يَزْنِي. قَوْله: (إِلَيْهِ) أَي: إِلَى المنتهب، يدل عَلَيْهِ قَوْله: وَلَا ينتهب. قَوْله: (فِيهَا) ، أَي: فِي النهبة. قَوْله: (أَبْصَارهم) ، بِالنّصب لِأَنَّهُ مفعول: يرفع النَّاس. قَوْله: (حِين ينتهبها) ، نصب على الظّرْف، أَي: وَقت انتهابها. قَوْله: (وَهُوَ مُؤمن) ، جملَة حَالية. وروى ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن أبي أوفى، يرفعهُ: وَلَا ينتهب نهبة ذَات شرف يرفع الْمُسلمُونَ إِلَيْهَا رؤوسهم وَهُوَ مُؤمن، وروى مُسلم من حَدِيث يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن أبي سَلمَة، وَسَعِيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: (لَا يَزْنِي الزَّانِي) الحَدِيث، وَفِيه قَالَ ابْن شهَاب: فَأَخْبرنِي عبد الْملك بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن: أَن أَبَا بكر كَانَ يُحَدِّثهُمْ هَؤُلَاءِ عَن أبي هُرَيْرَة، ثمَّ يَقُول: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يلْحق مَعَهُنَّ: وَلَا ينتهب نهبة ذَات شرف يرفع النَّاس إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارهم حِين ينتهبها وَهُوَ مُؤمن. ثمَّ روى من حَدِيث عقيل بن خَالِد، قَالَ: قَالَ ابْن شهَاب: وَأَخْبرنِي أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (لَا يَزْنِي الزَّانِي) وَاقْتصر الحَدِيث يذكر مَعَ ذكر النهبة، وَلم يقل: ذَات شرف، ثمَّ قَالَ: وَقَالَ ابْن هِشَام: حَدثنِي سعيد بن الْمسيب وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله ﷺ بِمثل حَدِيث أبي بكر هَذَا إلَاّ النهبة. قَوْله: (وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يلْحق) ، بِضَم الْيَاء من الْإِلْحَاق. قَوْله: (مَعَهُنَّ) ، أَي: مَعَ قَوْله: (لَا يَزْنِي) ، وَقَوله:

стр. 3740

(وَلَا يشرب) ، وَقَوله: (وَلَا يسرق) ، قَوْله: (وَلَا ينتهب) ، فِي مَحل المفعولية لقَوْله: (وَيلْحق) ، على سَبِيل الْحِكَايَة، وَقَالَ النَّوَوِيّ: ظَاهر هَذَا أَنه من كَلَام أبي هُرَيْرَة مَوْقُوف عَلَيْهِ، وَلَكِن جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى تدل على أَنه من كَلَام النَّبِي ﷺ ، وَجمع الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بن الصّلاح بِمَا يؤول إِلَيْهِ ملخص كَلَامه: أَن معنى قَول أبي هُرَيْرَة: يلْحق مَعَهُنَّ وَلَا ينتهب ... إِلَى آخِره، يَعْنِي يلْحقهَا رِوَايَة عَن رَسُول الله ﷺ لَا من عِنْد نَفسه، واختصاص أبي بكر بِهَذَا لكَونه بلغه أَن غَيره لَا يَرْوِيهَا. قَوْله: (ذَات شرف) ، فِي الْأُصُول الْمَشْهُورَة المتداولة بالشين الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة، وَمَعْنَاهُ: ذَات قدر عَظِيم، وَقيل: ذَات استشراف، ليستشرف النَّاس لَهَا ناظرين إِلَيْهَا رافعين أَبْصَارهم. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيم الْجُوَيْنِيّ بِالسِّين الْمُهْملَة، وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو: وَكَذَا قَيده بَعضهم فِي كتاب مُسلم، وَقَالَ: مَعْنَاهُ أَيْضا: ذَات قدر عَظِيم. فَإِن قلت: يُعَارض هَذَا الحَدِيث حَدِيث أبي ذَر: من قَالَ لَا إلاه إلَاّ الله ... دخل الْجنَّة، وَإِن زنى وَإِن سرق، وَالْأَحَادِيث الَّتِي نَظَائِره مَعَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ (آل عمرَان: ٦١١) . مَعَ إِجْمَاع أهل الْحق على أَن الزَّانِي وَالسَّارِق وَالْقَاتِل وَغَيرهم من أَصْحَاب الْكَبَائِر، غير الشّرك لَا يكفرون بذلك؟ قلت: هَذَا الَّذِي دعاهم إِلَى أَن قَالُوا هَذِه الْأَلْفَاظ الَّتِي تطلق على نفي الشَّيْء يُرَاد نفي كَمَاله، كَمَا يُقَال: لَا علم إلَاّ بِمَا نفع، وَلَا مَال إِلَّا الْإِبِل، وَلَا عَيْش إلَاّ عَيْش الْآخِرَة، ثمَّ إِن مثل هَذَا التَّأْوِيل ظَاهر شَائِع فِي اللُّغَة يسْتَعْمل كثيرا، وَبِهَذَا يحصل الْجمع بَينه وَبَين مَا ذكر من الحَدِيث وَالْآيَة، وتأوله بعض الْعلمَاء على من فعل ذَلِك مستحلاً مَعَ علمه بورود الشَّرْع بِتَحْرِيمِهِ. وعنْ سَعيدٍ وَأبي سلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ عنِ النَّبيِّ ﷺ مِثْلَهُ إلَاّ النُّهْبَةَ سعيد هُوَ ابْن الْمسيب، وَأَبُو سَلمَة هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن سعيداً وَأَبا سَلمَة رويا هَذَا الحَدِيث الْمَذْكُور مثل مَا ذكر، إلَاّ النهبة، يَعْنِي: لم يذكرَا حكم الانتهاب، بل ذكر الزِّنَا وَالسَّرِقَة وَالشرب فَقَط. وَقد ذكرنَا آنِفا عَن مُسلم أَنه أخرج فِي حَدِيثه: وَقَالَ ابْن شهَاب: حَدثنِي سعيد بن الْمسيب وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله، ﷺ ، بِمثل حَدِيث أبي بكر هَذَا إلَاّ النهبة. وَذكر مُسلم أَيْضا من طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ أَن الزُّهْرِيّ روى عَن ابْن الْمسيب وابي سَلمَة وَأبي بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي، ﷺ ... الحَدِيث وَفِيه: وَذكر النهبة وَلم يقل ذَات شرف. قَالَ الفِرَبْرَيُّ وجدْتُ بِخَطِّ أبِي جَعْفَرٍ قَالَ أَبُو عَبْدِ الله تفْسِيرُهُ أنْ يُنْزَعَ مِنْهُ يُرِيدُ الإيمانَ الْفربرِي، هُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يُوسُف بن مطر الرَّاوِي عَن البُخَارِيّ وَأَبُو جَعْفَر هُوَ ابْن أبي حَاتِم، ورَّاق البُخَارِيّ وَأَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. قَوْله: (تَفْسِيره) ، أَي: تَفْسِير قَوْله: (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن) ، أَن ينْزع مِنْهُ نور الْإِيمَان، وَالْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق بالجنان وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ ونوره الْأَعْمَال الصَّالِحَة والاجتناب عَن الْمعاصِي، فَإِذا زنى أَو شرب الْخمر أَو سرق يذهب نوره وَيبقى صَاحبه فِي الظلمَة، وَالْإِشَارَة فِيهِ إِلَى أَنه لَا يخرج عَن الْإِيمَان. قيل: إِن فِي هَذَا الحَدِيث تَنْبِيها على جَمِيع أَنْوَاع الْمعاصِي والتحذير مِنْهَا. فنبه بِالزِّنَا على جَمِيع الشَّهَوَات وبالخمر على جَمِيع مَا يصد عَن الله تَعَالَى وَيُوجب الْغَفْلَة عَن حُقُوقه، وبالسرقة على الرَّغْبَة فِي الدُّنْيَا والحرص على الْحَرَام، وبالنهبة على الاستخفاف بعباد الله تَعَالَى وَترك توقيرهم وَالْحيَاء مِنْهُم، وَجمع الدُّنْيَا من غير وَجههَا، وَالله تَعَالَى أعلم. ١٣ - (بابُ كَسْرِ الصَّلِيبِ وقَتْلِ الخِنْزِيرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْإِخْبَار عَن النَّبِي ﷺ أَنه أخبر عَن كسر عِيسَى بن مَرْيَم، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، عِنْد نُزُوله صلبان النصاري وأوثان الْمُشْركين وَقتل خنازير الْكل، وَلَيْسَ المُرَاد من هَذِه التَّرْجَمَة الْإِشَارَة إِلَى جَوَاز كسر صَلِيب النَّصَارَى وَقتل خنازير أهل الذِّمَّة، فَإنَّا أمرنَا بتركهم وَمَا يدينون، وَأما كسر صَلِيب أهل الْحَرْب وَقتل خنازيرهم فَهُوَ جَائِز وَلَا شَيْء على فَاعله، والصليب هُوَ المربع الْمَشْهُور لِلنَّصَارَى من الْخشب، يَزْعمُونَ أَن عِيسَى، ﵊، صلب على خَشَبَة

стр. 3741

على تِلْكَ الصُّورَة، وَقد كذبهمْ الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْكَرِيم بقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صلبوه﴾ (النِّسَاء: ٧٥١) . الْآيَة، وَكَانَ أَصله من خشب وَرُبمَا يَعْمَلُونَهُ من ذهب وَفِضة ونحاس وَنَحْوهَا. ٦٧٤٢ - حدَّثنا علِيُّ بنُ عبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثنا الزُّهْرِيُّ قَالَ أَخْبرنِي سَعِيدُ بنُ الْمُسَيَّبِ قَالَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن رسولِ الله ﷺ قَالَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يَنْزِلَ فيكُمْ ابنُ مرْيَمَ حَكَماً مُقْسِطاً فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ ويَقْتُلَ الخِنْزِيرَ ويَضَعَ الجِزْيَةَ ويفيضَ الْمَالَ حتَّى لَا يَقْبَلَهُ أحَدٌ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه مر مرَارًا، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن عبد الْأَعْلَى بن حَمَّاد وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْفِتَن عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. قَوْله: (السَّاعَة) أَي: يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (ابْن مَرْيَم) ، هُوَ عِيسَى بن مَرْيَم، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَوْله: (حكما) بِفتْحَتَيْنِ، بِمَعْنى: الْحَاكِم. قَوْله: (مقسطاً) أَي: عادلاً فِي حكمه، وَهُوَ من الإقساط بِكَسْر الْهمزَة، وَهُوَ الْعدْل. يُقَال: أقسط يقسط فَهُوَ مقسط إِذا عدل، وقسط يقسط فَهُوَ قاسط إِذا جَار وظلم، فَكَأَن الْهمزَة فِي: أقسط، للسلب كَمَا يُقَال: شكى إِلَيْهِ، فأشكاه أَي: أَزَال شكواه. قَوْله: (فيكسر الصَّلِيب) إِشْعَار بِأَن النَّصَارَى كَانُوا على الْبَاطِل فِي تَعْظِيمه. قَوْله: (وَيَضَع الْجِزْيَة) ، أَي: يَتْرُكهَا فَلَا يقبلهَا بل، يَأْمُرهُم بِالْإِسْلَامِ. فَإِن قلت: هَذَا يُخَالف حكم الشَّرْع، فَإِن الْكِتَابِيّ إِذا بذل الْجِزْيَة وَجب قبُولهَا فَلَا يجوز بعد ذَلِك إكراهه على الْإِسْلَام وَلَا قَتله؟ قلت: هَذَا الحكم الَّذِي كَانَ بَيْننَا يَنْتَهِي بنزول عِيسَى، ﵊. فَإِن قلت: هَذَا يدل على أَن عِيسَى، ﵊، ينْسَخ الحكم الَّذِي كَانَ فِي شرعنا، وَالْحَال أَنه تَابع لشرع نَبينَا ﷺ . قلت: لَيْسَ هُوَ بناسخ، بل نَبينَا ﷺ هُوَ الَّذِي بَين بالنسخ. وَأَن عِيسَى، ﵊، يفعل ذَلِك بِأَمْر نَبينَا ﷺ . وَأما ترك الْجِزْيَة فَإِنَّهَا كَانَت تُؤْخَذ فِي زَمَاننَا لحاجتنا إِلَى المَال. وَأما فِي زمن عِيسَى، ﵊، فيكثر المَال وتفتح الْكُنُوز حَتَّى لَا يلتقي أحد من يقبل مِنْهُ فَلذَلِك يتْرك الْجِزْيَة. قَوْله: (وَيفِيض) ، بِالْفَاءِ وَالضَّاد الْمُعْجَمَة: من فاض المَاء والدمع وَغَيرهمَا يفِيض فيضاً: إِذا كثر، وَقيل: السَّبَب فِي فيضان المَال: نزُول البركات، وَظُهُور الْخيرَات، وَقلة الرغبات لقصر الآمال لعلمهم بِقرب يَوْم الْقِيَامَة. ٢٣ - (بابٌ هَلْ تُكْسَرُ الدِّنَانُ الَّتِي فِيها الْخَمْرُ أوْ تُخَرَّقُ الزِّقَاقُ فإنْ كَسَرَ صَنَماً أوْ صَلِيباً أوْ طُنْبُوراً أوْ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِخَشَبِهِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل تكسر الدنان الَّتِي فِيهَا الْخمر؟ والدنان، بِكَسْر الدَّال: جمع الدن، بِفَتْح الدَّال وَتَشْديد النُّون. قَالَ الْكرْمَانِي: وَهُوَ الخب. قلت: هَذَا تَفْسِير الشَّيْء بِمَا هُوَ أخْفى مِنْهُ. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: والخب الخابية فَارسي مُعرب. قلت: هُوَ فِي اللُّغَة الفارسية خم، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْمِيم، فعرب وَقيل: حب، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة. وَفِي دستور اللُّغَة فِي: بَاب الْحَاء المضمومة: الْحبّ خم ودستي. قَوْله: (الَّتِي فِيهَا الْخمر) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا صفة الدنان، وَجَوَاب: هَل، مَحْذُوف وَإِنَّمَا لم يذكرهُ لِأَن فِيهِ خلافًا وتفصيلاً. بَيَانه: أَن قَوْله: هَل تكسر الدنان الَّتِي فِيهَا الْخمر؟ أَعم من أَن يكون لمُسلم أَو لذِمِّيّ أَو لحربي، فَإِن كَانَ الدن لمُسلم فَفِيهِ الْخلاف: فَعِنْدَ أبي يُوسُف وَأحمد فِي رِوَايَة: لَا يضمن، ويستدل لَهما فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا حميد بن مسْعدَة حَدثنَا الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان، قَالَ: سَمِعت ليثاً يحدث عَن يحيى بن عباد عَن أنس عَن أبي طَلْحَة أَنه قَالَ: يَا نَبِي الله ﴿إِنِّي اشْتريت خمرًا لأيتام فِي حجري﴾ قَالَ: (أهرق الْخمر وَكسر الدنان) ، ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقَالَ الثَّوْريّ هَذَا الحَدِيث عَن السّديّ عَن يحيى بن عباد عَن أنس: أَن أَبَا طَلْحَة كَانَ عِنْده، وَهَذَا أصح من حَدِيث اللَّيْث، وَقَالَ مُحَمَّد بن الْحسن: يضمن، وَبِه قَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة، لِأَن الإراقة بِدُونِ الْكسر مُمكنَة. وَأجِيب: عَن الحَدِيث: بِأَنَّهُ ضَعِيف، ضعفه ابْن الْعَرَبِيّ، وَقَالَ: لَا يَصح لَا من حَدِيث أبي طَلْحَة وَلَا من حَدِيث أنس أَيْضا، لِتَفَرُّد السّديّ بِهِ، وَفِيه اللَّيْث بن أبي سليم

стр. 3742

وَفِيه مقَال، وَقَالَ شَيخنَا: مَا قَالَه ابْن الْعَرَبِيّ مَرْدُود، فالسدي هُوَ الْكَبِير واسْمه إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن وَثَّقَهُ يحيى بن سعيد الْقطَّان، وَأحمد وَالنَّسَائِيّ وَابْن عدي، وَاحْتج بِهِ مُسلم. قلت: قَول التِّرْمِذِيّ هَذَا أصح من حَدِيث اللَّيْث، يدل على أَن حَدِيث اللَّيْث أَيْضا صَحِيح، وَلَكِن حَدِيث السّديّ أصح. وَالظَّاهِر أَنه لم يُصَرح بِصِحَّتِهِ لأجل اللَّيْث، وَاسم أبي طَلْحَة: زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ، وَقَالَ جُمْهُور الْعلمَاء، مِنْهُم الشَّافِعِي: إِن الْأَمر بِكَسْر الدنان مَحْمُول على النّدب. وَقيل: لِأَنَّهَا لَا تعود تصلح لغيره لغَلَبَة رَائِحَة الْخمر وطعمها، وَالظَّاهِر أَنه أَرَادَ بذلك الزّجر، قَالَ شَيخنَا، رَحمَه الله تَعَالَى: يحْتَمل أَنهم لَو سَأَلُوهُ أَن يبقوها ويغسلوها لرخص لَهُم. وَإِن كَانَ الدن لذِمِّيّ فعندنا يضمن بِلَا خلاف بَين أَصْحَابنَا، لِأَنَّهُ مَال مُتَقَوّم فِي حَقهم، وَعند الشَّافِعِي وَأحمد: لَا يضمن لِأَنَّهُ غير مُتَقَوّم فِي حق الْمُسلم، فَكَذَا فِي حق الذِّمِّيّ. وَإِن كَانَ الدن لحربي فَلَا يضمن بِلَا خلاف إلَاّ إِذا كَانَ مستأمناً. قَوْله: (أَو تخرق) ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة على صِيغَة الْمَجْهُول، عطف على قَوْله: (هَل تكسر الدنان؟) . والزقاق، بِكَسْر الزَّاي: جمع زق جمع الْكَثْرَة، وَجمع الْقلَّة أزقاق، وَفِيه أَيْضا الْخلاف الْمَذْكُور فَإِن كَانَ شقّ زق الْخمر لمُسلم يضمن عِنْد مُحَمَّد وَأحمد فِي رِوَايَة، وَعند أبي يُوسُف لَا يضمن لِأَنَّهُ من جملَة الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ. وَقَالَ مَالك: زق الْخمر لَا يطهره المَاء لِأَن الْخمر غاص فِي دَاخله، وَقَالَ غَيره: يطهره، ويبنى على هَذَا الضَّمَان وَعَدَمه، وَالْفَتْوَى على قَول أبي يُوسُف خُصُوصا فِي هَذَا الزَّمَان، وَقد روى أَحْمد من حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: أَخذ النَّبِي ﷺ شفرة وَخرج إِلَى السُّوق وَبهَا زقاق خمر جلبت من الشَّام، فشق بهَا مَا كَانَ من تِلْكَ الزقاق. قَوْله: (فَإِن كسر صنماً) ، وَفِي بعض النّسخ: وَإِن كسر، بِالْوَاو، وَفِي بَعْضهَا: وَإِذا كسر، وعَلى تَقْدِير جَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف تَقْدِيره: هَل يجوز ذَلِك أم لَا؟ أَو هَل يضمن أم لَا؟ وَإِنَّمَا لم يُصَرح بِذكر الْجَواب لمَكَان الْخلاف فِيهِ أَيْضا. فَقَالَ أَصْحَابنَا: إِذا أتلف على نَصْرَانِيّ صليباً فَإِنَّهُ يضمن قِيمَته صليباً. يَعْنِي: حَال كَونه صليباً لَا حَال كَونه صَالحا لغيره، لِأَن النَّصْرَانِي مقرّ على ذَلِك، فَصَارَ كَالْخمرِ الَّتِي هم مقرون عَلَيْهَا. وَقَالَ أَحْمد: لَا يضمن، وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن كَانَ بعد الْكسر يصلح لنفع مُبَاح لَا يضمن، وإلَاّ لزمَه مَا بَين قِيمَته قبل الْكسر وَقِيمَته بعده، لِأَنَّهُ أتلف مَا لَهُ قيمَة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الصَّنَم مَا يتَّخذ إِلَهًا من دون الله، وَقيل: مَا كَانَ لَهُ جسم أَو صُورَة، وَإِن لم يكن لَهُ جسم وَلَا صُورَة فَهُوَ وثن. وَقَالَ فِي بَاب الْوَاو: الوثن كل مَا لَهُ جثة معمولة من جَوَاهِر الأَرْض أَو من الْخشب وَالْحِجَارَة كصورة الْآدَمِيّ يعْمل وَينصب ويعبد، والصنم الصُّورَة بِلَا جثة، وَمِنْهُم من لم يفرق بَينهمَا، وَأطلقهُمَا على الْمَعْنيين، وَقد يُطلق الوثن على غير الصُّورَة. قَوْله: (أَو طنبور) ، بِضَم الطَّاء وَقد يفتح وَالضَّم أشهر، وَهُوَ آلَة مَشْهُورَة من آلَات الملاهي، وَهُوَ فَارسي مُعرب. قَوْله: (أَو مَا لَا ينْتَفع بخشبه) قَالَ الْكرْمَانِي: يَعْنِي: أَو كسر شَيْئا لَا يجوز الِانْتِفَاع بخشبه قبل الْكسر، كآلات الملاهي المتخذة من الْخشب، فَهُوَ تَعْمِيم بعد تَخْصِيص، وَيحْتَمل أَن يكون: أَو، بِمَعْنى: إِلَى أَن، يَعْنِي: فَإِن كسر طنبوراً إِلَى حد لَا ينْتَفع بخشبه وَلَا ينْتَفع بعد الْكسر، أَو عطف على مُقَدّر، وَهُوَ: كسراً ينْتَفع بخشبه أَي: كسر كسراً ينْتَفع بخشبه وَلَا ينْتَفع بعد الْكسر. انْتهى. وَقَالَ بَعضهم: وَلَا يخفى تكلّف هَذَا الْأَخير وَبعد الَّذِي قبله. انْتهى. قلت: الْكرْمَانِي جعل لكلمة: أَو، هُنَا ثَلَاث معَان. مِنْهَا: أَن يكون للْعَطْف على مَا قبله، فَيكون من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص. وَمِنْهَا: أَن يكون بِمَعْنى: إِلَى أَن، كَمَا فِي قَوْلك: لألزمنك أَو تقضيني حَقي، وينتصب الْمُضَارع بعْدهَا، وَهُوَ كثير فِي كَلَام الْعَرَب، وَلَا بعد فِيهِ. وَمِنْهَا: أَن يكون مَعْطُوفًا على شَيْء مُقَدّر، وَهَذَا أَيْضا بَاب وَاسع فَلَا تكلّف فِيهِ، وَإِنَّمَا يكون التَّكَلُّف فِي مَوضِع يُؤْتى بالْكلَام بِالْجَرِّ الثقيل. وَالْكَلَام فِي هَذَا الْفَصْل أَيْضا على الْخلاف وَالتَّفْصِيل، فَقَالَ أَصْحَابنَا: من كسر لمُسلم طنبوراً أَو بربطاً أَو طبلاً أَو مِزْمَارًا أَو دفاً فَهُوَ ضَامِن، وَبيع هَذِه الْأَشْيَاء جَائِز عِنْد أبي حنيفَة، وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ وَمَالك وَأحمد: لَا يضمن وَلَا يجوز بيعهَا، وَقَالَ أَصْحَاب الشَّافِعِي عَنهُ بالتفصيل: إِن كَانَ بعد الْكسر يصلح لنفع مُبَاح يضمن، وإلَاّ فَلَا، وَعَن بعض أَصْحَابنَا: الِاخْتِلَاف فِي الدُّف والطبل الَّذِي يضْرب للهو، وَأما طبل الْغُزَاة والدف الَّذِي يُبَاح ضربه فِي الْعرس فَيضمن بالِاتِّفَاقِ. وَفِي (الذَّخِيرَة) للحنفية: قَالَ أَبُو اللَّيْث: ضرب الدُّف فِي الْعرس مُخْتَلف فِيهِ، فَقيل: يكره، وَقيل) لَا. وَأما الدُّف الَّذِي يضْرب فِي زَمَاننَا مَعَ الصنجات والجلاجلات فمكروه بِلَا خلاف.

стр. 3743

وأُتِيَ شُرَيْحٌ فِي طَنْبُورٍ كُسِرَ فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ شُرَيْح هُوَ ابْن الْحَارِث الْكِنْدِيّ، أدْرك النَّبِي، ﷺ ، وَلم يلقه، استقضاه عمر بن الْخطاب على الْكُوفَة، وَأقرهُ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأقَام على الْقَضَاء بهَا سِتِّينَ سنة، وَقضى بِالْبَصْرَةِ سنة، وَمَات سنة ثَمَان وَسبعين وَكَانَ لَهُ عشرُون وَمِائَة سنة. قَوْله: (وأتى شُرَيْح فِي طنبور) ، يَعْنِي: أَتَى إِلَيْهِ اثْنَان أدعى أَحدهمَا على الآخر أَنه كسر طنبوره فَلم يقْض فِيهِ بِشَيْء، أَي: لم يحكم فِيهِ بغرامة. وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق أبي حُصَيْن، بِفَتْح الْحَاء، بِلَفْظ: أَن رجلا كسر طنبور رجل فرفعه إِلَى شُرَيْح فَلم يضمنهُ شَيْئا، وَذكره وَكِيع بن الْجراح عَن سُفْيَان عَن أبي حُصَيْن، بِفَتْح الْحَاء: أَن رجلا كسر طنبور رجل فحاجه إِلَى شُرَيْح فَلم يضمنهُ شَيْئا، وَهَذَا يُوضح أَن جَوَاب التَّرْجَمَة عدم الضَّمَان. وَقَالَ ابْن التِّين: قضى شُرَيْح فِي الطنبور الصَّحِيح يكسر: بِأَن يدْفع لمَالِكه فينتفع بِهِ، وَقَالَ الْمُهلب: وَمَا كسر من آلَات الْبَاطِل وَكَانَ فِيهَا بعد كسرهَا مَنْفَعَة فصاحبها أولى بهَا مَكْسُورَة، إلَاّ أَن يرى الإِمَام حرقها بالنَّار، على معنى التَّشْدِيد والعقوبة على وَجه الِاجْتِهَاد، كَمَا أحرق عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، دَار على بيع الْخمر، وَقد هم الشَّارِع بتحريق دور من يتَخَلَّف عَن صَلَاة الْجَمَاعَة، وَهَذَا أصل فِي الْعقُوبَة فِي المَال إِذا رأى ذَلِك. قيل: هَذَا كَانَ فِي الصَّدْر الأول، ثمَّ نسخ. ٧٧٤٢ - حدَّثنا أبُو عاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عنْ يَزِيدَ بنِ أبِي عُبَيدٍ عنْ سلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ رَأى نِيرَاناً تُوقَدُ يَوْمَ خَيْبَرَ قَالَ علَى مَا تُوقَدُ هاذِهِ النيرَانُ قالُوا علَى الْحُمُرِ الإنْسِيَّةِ قَالَ اكْسِرُوهَا وأهْرِقُوها قَالُوا ألَا نُهَرِيقُها ونَغْسِلُهَا قَالَ اغْسِلوا.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (اكسروها) أَي: الْقُدُور، يدل عَلَيْهِ السِّيَاق، فَلَا يكون إضماراً قبل الذّكر، وَكسر الْقُدُور هُنَا فِي الحكم مثل كسر الدنان الَّتِي فِيهَا الْخمر. وَرِجَاله ثَلَاثَة قد ذكرُوا غير مرّة، وَهُوَ من تَاسِع ثلاثيات البُخَارِيّ. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن القعْنبِي، وَفِي الْأَدَب عَن قُتَيْبَة وَفِي الذَّبَائِح عَن مكي بن إِبْرَاهِيم وَفِي الدَّعْوَات عَن مُسَدّد عَن يحيى. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي وَفِي الذَّبَائِح عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن عباد وَفِي الذَّبَائِح عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الذَّبَائِح عَن يَعْقُوب بن حميد. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يَوْم خَيْبَر) ، يَعْنِي فِي غَزْوَة خَيْبَر، وَكَانَت سنة سبع وَمن خَيْبَر إِلَى الْمَدِينَة أَربع مراحل. قَوْله: (اكسروها) ، أَي: الْقُدُور، وَقد مر الْآن الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (على الْحمر الأنسية) ، الْحمر بِضَمَّتَيْنِ جمع حمَار، وَأَرَادَ بهَا الأنسية الْحمر الْأَهْلِيَّة. قَوْله: (وأهريقوها) ، بِسُكُون الْهمزَة وَجَاز حذف الْهمزَة أَو الْهَاء وَالْيَاء، ونهريقها، بِفَتْح الْحَاء وسكونها وبسكون الْهَاء وَحذف الْيَاء، قَالَ الْجَوْهَرِي: هرق المَاء يهريقه بِفَتْح الْهَاء، هراقة، أَي: صبه، وَفِي لُغَة أُخْرَى: أهرق المَاء يهرقه إهراقاً، وَفِيه لُغَة أُخْرَى: إهراق يهريق إهراقاً، قَالُوا: قَوْله ألاِ نهرقها؟ بِكَلِمَة: ألَا، الَّتِي للاستفهام عَن النَّفْي، ويروى: لَا نهريقها، بِالنَّفْيِ. لَا يُقَال: إِن فِيهِ مُخَالفَة لأمر رَسُول الله ﷺ ، لأَنهم فَهموا بالقرائن أَن الْأَمر لَيْسَ للْإِيجَاب. قَوْله: (قَالَ: اغسلواها) أَي: قَالَ ﷺ فِي جوابهم، لَا نهرقها ونغسلها: إغسلوها، إِنَّمَا رَجَعَ ﷺ عَن أمره بالشيئين، وهما الْأَمر بِالْكَسْرِ، وَالْأَمر بالإهراق إِلَى قَوْله: اغسلوها، وَهُوَ مُجَرّد الْأَمر بِالْغسْلِ، لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن اجْتِهَاده قد تغير أَو أوحى إِلَيْهِ بذلك، وَالْيَوْم لَا يجوز فِيهِ الْكسر لِأَن الحكم بِالْغسْلِ نسخ التَّخْيِير، كَمَا أَنه نسخ الْجَزْم بِالْكَسْرِ. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: دَلِيل على نَجَاسَة لحم الْحمر الْأَهْلِيَّة، لِأَن فِيهِ الْأَمر بإراقته، وَهَذَا أبلغ فِي التَّحْرِيم، وَقد كَانَت لُحُوم الْحمر تُؤْكَل قبل ذَلِك. وَاخْتلف الْعلمَاء الَّذين ذَهَبُوا إِلَى إِبَاحَة لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة فِي معنى النَّهْي الْوَارِد عَن النَّبِي ﷺ عَن أكلهَا، لأي عِلّة كَانَ هَذَا النَّهْي. فَقَالَ نَافِع وَعبد الْملك بن جريج وَعبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى وَبَعض الْمَالِكِيَّة: عِلّة النَّهْي لأجل الْإِبْقَاء على الظّهْر لَيْسَ على وَجه التَّحْرِيم. وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: مَا

стр. 3744

نهى رَسُول الله ﷺ يَوْم خَيْبَر عَن أكل لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة. إلَاّ من أجل أَنَّهَا ظهر، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن ابْن عَبَّاس من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة مَوْقُوفا على عبد الرَّحْمَن، وَلم يذكر ابْن عَبَّاس، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لَا أَدْرِي، أنهى عَنهُ رَسُول الله ﷺ من أجل أَنه كَانَ حمولة النَّاس، فكره أَن يذهب حمولتهم أَو حرمه فِي يَوْم خَيْبَر، وَهَذَا يبين أَن ابْن عَبَّاس علم بِالنَّهْي لكنه حمله على التَّنْزِيه تَوْفِيقًا بَين الْآيَة وعمومها، وَبَين أَحَادِيث النَّهْي، وَقَالَ سعيد بن جُبَير وَبَعض الْمَالِكِيَّة: إِنَّمَا منعت الصَّحَابَة يَوْم خَيْبَر من أكل لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة لِأَنَّهَا كَانَت جوالة تَأْكُل القذرات، فَكَانَ نَهْيه، ﷺ ، لهَذِهِ الْعلَّة، لَا لأجل التَّحْرِيم. وَقَالَ آخَرُونَ: عِلّة النَّهْي كَانَت لاحتياجهم إِلَيْهَا، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من حَدِيث عبد الله بن عمر: نهى رَسُول الله ﷺ عَن أكل الْحمار الأهلي يَوْم خَيْبَر، وَكَانُوا قد احتاجوا إِلَيْهَا. وَقَالَ آخَرُونَ: عِلّة النَّهْي أَنَّهَا أقيتت قبل الْقِسْمَة، فَمنع النَّبِي ﷺ من أكلهَا قبل أَن تقسم، وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر: وَفِي إِذن رَسُول الله، ﷺ ، فِي أكل الْخَيل، وإباحته لذَلِك يَوْم خَيْبَر، دَلِيل على أَن نَهْيه عَن أكل لُحُوم الْحمر يَوْمئِذٍ عبَادَة لغير عِلّة، لِأَنَّهُ مَعْلُوم أَن الْخَيل أرفع من الْحمير، وَأَن الْخَوْف على الْخَيل وعَلى قِيَامهَا فَوق الْخَوْف على الْحمير، وَأَن الْحَاجة فِي الْغَزْو وَغَيره إِلَى الْخَيل أعظم، وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن أكل لُحُوم الْحمر لم يكن لحَاجَة وضرورة إِلَى الظّهْر وَالْحمل، وَإِنَّمَا كَانَت عبَادَة وَشَرِيعَة، وَالَّذين ذَهَبُوا إِلَى إِبَاحَة أكل لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة، وهم: عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة، وَعبيد بن الْحسن وَعبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، وَبَعض الْمَالِكِيَّة، احْتَجُّوا بِحَدِيث غَالب بن أبجر، قَالَ: يَا رَسُول الله! إِنَّه لم يبْق من مَالِي شَيْء استطيع أَن أطْعم مِنْهُ أَهلِي غير حمر لي أَو حمرات لي قَالَ: فأطعم أهلك من سمين مَالك، وَإِنَّمَا قذرت لكم جوال الْقرْيَة. رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَأَبُو دَاوُد وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ. وَأجِيب عَنهُ: بِأَن هَذَا الحَدِيث مُخْتَلف فِي إِسْنَاده، فَفِي طَرِيق عَن ابْن معقل عَن رجلَيْنِ من مزينة أَحدهمَا: عَن الآخر عبد الله بن عَمْرو بن لويم، بِضَم اللَّام وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره مِيم، وَالْآخر: غَالب بن أبجر، وَقَالَ مسعر: أرِي غَالِبا الَّذِي سَأَلَ النَّبِي، ﷺ ، وَفِي طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن معقل، وَفِي طَرِيق عبد الله بن معقل، وَفِي طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن بشر، وَفِي طَرِيق عبد الله بن بشر، عوض عبد الرَّحْمَن، وَهَذَا اخْتِلَاف شَدِيد فَلَا يُقَاوم الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الَّتِي وَردت بِتَحْرِيم لُحُوم الْأَهْلِيَّة. وَقَالَ ابْن حزم: هَذَا الحَدِيث بِطرقِهِ بَاطِل، لِأَنَّهَا كلهَا من طَرِيق عبد الرَّحْمَن ابْن بشر وَهُوَ مَجْهُول، وَالْآخر: من طَرِيق عبد الله بن عَمْرو بن لويم، وَهُوَ مَجْهُول، أَو من طَرِيق شريك وَهُوَ ضَعِيف، ثمَّ عَن ابْن الْحسن، وَلَا يدْرِي من هُوَ، أَو من طَرِيق سلمى بنت النَّضر الخضرية وَلَا يدْرِي من هِيَ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا حَدِيث مَعْلُول، ثمَّ طول فِي بَيَانه. قَالَ أبُو عَبْدِ الله كانَ ابنُ أبي أوَيْسٍ يَقولُ الْحُمُرُ الأنَسِيَّةُ بنَصْبِ الألِفِ والنُّونِ أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ، نَفسه يَحْكِي عَن شَيْخه إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، واسْمه: عبد الله الأصبحي الْمدنِي ابْن أُخْت مَالك بن أنس، فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول: الْحمر الأنسية نِسْبَة إِلَى: الْأنس، بِالْفَتْح ضد الوحشة وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَالْمَشْهُور فِيهَا كسر الْهمزَة منسوبة إِلَى الْأنس، وهم بَنو آدم الْوَاحِد أنسي. وَفِي كتاب أبي مُوسَى مَا يدل على أَن الْهمزَة مَضْمُومَة، فَإِنَّهُ قَالَ: هِيَ الَّتِي تألف الْبيُوت، والأنس ضد الوحشة، وَالْمَشْهُور فِي ضد الوحشة الْأنس بِالضَّمِّ، وَقد جَاءَ فِيهِ بِالْكَسْرِ قَلِيلا. قَالَ: وَرَوَاهُ بَعضهم، بِفَتْح الْهمزَة وَالنُّون وَلَيْسَ بِشَيْء قَالَ ابْن الْأَثِير: إِن أَرَادَ أَن الْفَتْح غير مَعْرُوف فِي الرِّوَايَة فَيجوز، وَإِن أَرَادَ أَنه لَيْسَ بِمَعْرُوف فِي اللُّغَة فَلَا، فَإِنَّهُ مصدر: أنست بِهِ أنسا وأنسة. . وَقَالَ بَعضهم: وَتَعْبِيره عَن الْهمزَة بِالْألف، وَعَن الْفَتْح بِالنّصب جَائِز عِنْد الْمُتَقَدِّمين، وَإِن كَانَ الِاصْطِلَاح أخيراً قد اسْتَقر على خِلَافه، فَلَا تبادر إِلَى إِنْكَاره. انْتهى. قلت: هَذَا لَيْسَ بمصطلح عِنْد النُّحَاة الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين، إِنَّهُم يعبرون عَن الْهمزَة بِالْألف، وَعَن الْفَتْح بِالنّصب، فَمن أدَّعى خلاف ذَلِك، فَعَلَيهِ الْبَيَان، فالهمزة ذَات حَرَكَة، وَالْألف مَادَّة هوائية، فَلَا تقبل الْحَرَكَة. وَالْفَتْح من ألقاب الْبناء، وَالنّصب من ألقاب الْإِعْرَاب، وَهَذَا مِمَّا لَا يخفى على أحد.

стр. 3745

٨٧٤٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدُ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبِي نَجِيحٍ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ أبِي مَعْمَرٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ دَخلَ النبيُّ ﷺ مَكَّةَ وحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمائَةٍ وسِتُّونَ نُصُباً فجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعودٍ فِي يَدِهِ وجَعلَ يَقولُ ﴿جاءَ الْحَقُّ وزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ الْآيَة (الْإِسْرَاء: ١٨) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَجعل يطعنها بِعُود) ، أَي: يطعن النُصب، وَهِي الَّتِي نصبت لِلْعِبَادَةِ من دون الله، وَهُوَ دَاخل فِي التَّرْجَمَة فِي قَوْله: فَإِن كسر صنماً أَو صليباً. وَرِجَاله: عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَابْن أبي نجيح، بِفَتْح النُّون وَكسر الْجِيم: هُوَ عبد الله بن يسَار ضد الْيَمين وَمُجاهد بن جبر، وَأَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: عبد الله بن سَخْبَرَة الْأَزْدِيّ الْكُوفِي. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن صَدَقَة بن الْفضل وَفِي التَّفْسِير عَن الْحميدِي. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد وَمُحَمّد بن يحيى، الثَّلَاثَة عَن ابْن عُيَيْنَة بِهِ، وَعَن حسن الْحلْوانِي وَعبد بن حميد، كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّزَّاق عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن ابْن أبي نجيح. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن ابْن أبي عمر بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعبيد الله بن سعيد فرقهما، كِلَاهُمَا عَن ابْن عُيَيْنَة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (دخل النَّبِي ﷺ ، يَعْنِي: فِي غَزْوَة الْفَتْح، وَكَانَت فِي رَمَضَان سنة ثَمَان. قَوْله: (وحول الْكَعْبَة) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (نصبا) . وَقَالَ ابْن التِّين: ضبط فِي رِوَايَة أبي الْحسن، بِضَم النُّون وَالصَّاد، فَيكون على هَذَا جمع: نِصَاب، وَهُوَ صنم أَو حجر ينصب، وَلَيْسَ ببيّنٍ كَونه جمعا، لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي بعد سِتِّينَ إلَاّ مُفردا، تَقول عِنْدِي سِتُّونَ ثوبا وَنَحْو ذَلِك، وَلَا تَقول: أثواباً، قَالَ: وَقد قيل: نصب وَنصب بِمَعْنى وَاحِد، فعلى هَذَا يكون جمعا لَا مُفردا، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: النصب، بِضَم الصَّاد وسكونها: حجر كَانُوا ينصبونه فِي الْجَاهِلِيَّة ويتخذونه صنماً ويعبدونه، وَالْجمع أنصاب، وَقيل: هُوَ حجر كَانُوا ينصبونه ويذبحون عَلَيْهِ فيحمر بِالدَّمِ، ويروى: (صنماً) ، مَوضِع: (نصبا) . قَوْله: (فَجعل يطعنها) ، جعل من أَفعَال المقاربة وَهِي ثَلَاثَة أَنْوَاع، وَهُوَ من النَّوْع الَّذِي وضع على الشُّرُوع فِيهِ، أَي: فِي الْخَبَر، وَهُوَ كثير. (ويطعنها) بِضَم الْعين على الْمَشْهُور، وَيجوز فتحهَا، قَالَ الْجَوْهَرِي: طعنه بِالرُّمْحِ وَطعن فِي السن يطعن بِالضَّمِّ طَعنا، وَطعن فِيهِ بالْقَوْل يطعن أَيْضا، وَطعن فِي الْمَفَازَة يطعن ويطعن أَيْضا: ذهب. قَوْله: (فِي يَده) فِي مَحل الجرِّ لِأَنَّهُ صفة لعود. قَوْله: (وَجعل) مثل جعل الأول. قَوْله: (وزهق) ، أَي هلك وَمَات، يُقَال: زهقت نَفسه تزهق زهوقاً بِالضَّمِّ خرجت، قَالَ الْجَوْهَرِي: ﴿وزهق الْبَاطِل﴾ (الْإِسْرَاء: ١٨) . أَي: اضمحل، والزهوق بِالْفَتْح ... . وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عمر: أَن رَسُول الله ﷺ لما دخل مَكَّة وجد بهَا ثَلَاثمِائَة وَسِتِّينَ صنماً، فَأَشَارَ إِلَى كل صنم بِعصاً. وَقَالَ: ﴿جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل إِن الْبَاطِل كَانَ زهوقا﴾ (الْإِسْرَاء: ١٨) . وَكَانَ لَا يُشِير إِلَى صنم إلَاّ سقط من غير أَن يمسهُ بعصاه، وروى أَحْمد من حَدِيث جَابر، قَالَ: كَانَ فِي الْكَعْبَة صور فَأمر رَسُول الله ﷺ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن يمحوها، فَبل عمر ثوبا ومحاها بِهِ، فَدَخلَهَا ﷺ وَمَا فِيهَا شَيْء. انْتهى. وطعْنُه ﷺ الْأَصْنَام عَلامَة أَنَّهَا لَا تدفع عَن نَفسهَا، فَكيف تكون آلِهَة؟ ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الطَّبَرِيّ: فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود جَوَاز كسر آلَات الْبَاطِل وَمَا لَا يصلح إلَاّ فِي الْمعْصِيَة حَتَّى تَزُول هيئتها وَينْتَفع برضاضها، وَقَالَ ابْن بطال: آلَات اللَّهْو كالطنابير والعيدان والصلبان والأنصاب، تكسر حَتَّى تغير عَن هيئتها إِلَى خلَافهَا، وَيُقَال: وكل مَا لَا معنى لَهَا إلَاّ التلهي بهَا عَن ذكر الله تَعَالَى، والشغل بهَا عَمَّا يُحِبهُ الله إِلَى مَا يسخطه، يجب أَن يُغير عَن هَيئته الْمَكْرُوهَة إِلَى خلَافهَا من الهيئات الَّتِي يَزُول مَعهَا الْمَعْنى الْمَكْرُوه، وَذَلِكَ أَنه ﷺ كسر الْأَصْنَام والجوهر الَّذِي فِيهَا، وَلَا شكّ أَنه يصلح إِذا غير عَن الْهَيْئَة الْمَكْرُوهَة وَينْتَفع بِهِ بعد الْكسر، وَقد رُوِيَ عَن جمَاعَة من السّلف كسر آلَات الملاهي، وروى سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: كَانَ أَصْحَاب عبد الله يستقبلون الْجَوَارِي مَعَهُنَّ الدفوف فيخرقونها، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: فِي معنى الْأَصْنَام الْقُبُور المتخذة من الْمدر والخشب وشبههما، وكل مَا يَتَّخِذهُ

стр. 3746

النَّاس فِيمَا لَا مَنْفَعَة فِيهِ إِلَّا للتلهي الْمنْهِي عَنهُ، فَلَا يجوز بيع شَيْء مِنْهُ إلَاّ الْأَصْنَام الَّتِي تكون من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْحَدِيد والرصاص إِذا غيرت مِمَّا هِيَ عَلَيْهِ وَصَارَت نقراً أَو قطعا فَيجوز بيعهَا وَالشِّرَاء بهَا. ٩٧٤٢ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ الْمُنْذِر قَالَ حدَّثنا أنَسُ بنُ عِياضٍ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ القَاسِمِ عنْ أبيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّها كانَتِ اتَّخَذعتْ علَى سَهْوَةٍ لَها سِتْراً فِيهِ تَماثيلُ فَهَتَكَهُ النبيُّ ﷺ فاتَّخَذَتْ مِنْهُ نُمْرُقَتَيْنِ فَكانَتَا فِي الْبَيْتِ يَجْلِسُ عَلَيْهِمَا.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فهتكه) ، أَي: فهتك السّتْر، أَي: شقَّه، وَهَذَا يدْخل فِي قَوْله: فَإِن كسر صنماً، لِأَن التماثيل الَّتِي هِيَ الصُّور كَانَت تعبد كَمَا كَانَ الصَّنَم يعبد. وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، وَالقَاسِم هُوَ مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث من أَفْرَاده، وَوجه إِدْخَال هَذَا الحَدِيث فِي الْمَظَالِم هُوَ: أَن هتك السّتْر الَّذِي فِيهِ التماثيل من إِزَالَة الظُّلم، لِأَن الظُّلم وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه، وَكَذَلِكَ اتِّخَاذ التماثيل والصور، وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه. فَافْهَم. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (سهوة) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْهَاء، وَهِي الصّفة الَّتِي تكون بَين يَدي الْبيُوت، وَقيل: هِيَ بَيت صَغِير منحدر فِي الأَرْض. وَقيل: هِيَ الرف أَو الطاق الَّذِي يوضع فِيهِ الشَّيْء، وَقيل: هِيَ الطاق فِي وسط الْبَيْت، وَقيل: هِيَ بَيت صَغِير سمكه مُرْتَفع عَن الأَرْض يشبه الخزانة الصَّغِيرَة يكون فِيهِ الْمَتَاع. قَوْله: (تماثيل) ، جمع تِمْثَال، وَهُوَ مَا يصنع ويصور مشبهاً بِخلق الله تَعَالَى من ذَوَات الرّوح، وَفِي (الْمغرب) : الصُّورَة عَام وَيشْهد لَهُ مَا ذكر فِي الأَصْل أَنه صلى وَعَلِيهِ ثوب وَفِيه تماثيل، كره لَهُ. قَالَ: وَإِذا قطع رَأسهَا فَلَيْسَتْ بتمثال، ثمَّ ذكر حَدِيث الْبَاب، وَقَالَ: من ظن أَن الصُّورَة الْمنْهِي عَنْهَا مَا لَهُ شخص دون مَا كَانَ منسوجاً أَو مَنْقُوشًا فِي ثوب أَو جِدَار، فَهَذَا الحَدِيث يكذب ظَنّه. وَقَوله ﷺ : (لَا تدخل الْمَلَائِكَة بَيْتا فِيهِ تماثيل أَو تصاوير) . كَأَنَّهُ شكّ من الرَّاوِي، وَأما قَوْلهم: وَيكرهُ التصاوير والتماثيل، فالعطف للْبَيَان. قَوْله: (فهتكه) ، أَي: شقَّه، وَقد ذَكرْنَاهُ، وَفِي حَوَاشِي (الْمغرب) : هتك السّتْر تخريقه. قَوْله: (نمرقتين) ، تَثْنِيَة نمرقة، بِضَم النُّون وَالرَّاء وَكسرهَا وَضم النُّون وَفتح الرَّاء: وَهِي وسَادَة صَغِيرَة، وَقد تطلق على الطنفسة، كَذَا فسره الْكرْمَانِي. وَقَوله: (فكانتا فِي الْبَيْت يجلس عَلَيْهِمَا) يُنَافِي ذَلِك تَفْسِيره بالوسادة. ٣٣ - (بابُ مَنْ قاتَلَ دُونَ مالِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من قَاتل دون مَاله، قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: عِنْد مَاله. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: دون فِي أَصْلهَا ظرف مَكَان بِمَعْنى تَحت، وَيسْتَعْمل للسَّبَبِيَّة على الْمجَاز، وَوَجهه أَن الَّذِي يُقَاتل على مَاله إِنَّمَا يَجعله خَلفه أَو تَحْتَهُ، ثمَّ يُقَاتل عَلَيْهِ، وَفِي (الصِّحَاح) : دون نقيض فَوق، وَهُوَ تَقْصِير عَن الْغَايَة، وَيكون ظرفا، وَجَوَاب مَحْذُوف تَقْدِيره: من قَاتل دون مَاله فَمَاذَا حكمه؟ وَيجوز إِن يكون تَقْدِيره: من قَاتل دون مَاله فَقتل فَهُوَ شَهِيد، وَلم يذكرهُ اكْتِفَاء بِمَا فِي حَدِيث الْبَاب، على عَادَته فِي مثل ذَلِك. ٠٨٤٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يَزِيدَ قَالَ حدَّثنا سَعِيدٌ هُوَ ابنُ أبِي أيُّوبَ قَالَ حدَّثني أَبُو الأسْوَدِ عنْ عِكْرِمَةَ عنْ عَبْدِ الله بن عَمْرٍ وَرَضي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ منْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهْوَ شَهِيدٌ. قيل: لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة، لِأَن الْمُقَاتلَة لَا تَسْتَلْزِم الْقَتْل، وَالشَّهَادَة مرتبَة على الْقَتْل. قلت: قد ذكرت الْآن أَن تَقْدِير التَّرْجَمَة: من قَاتل دون مَاله فَقتل، فَمَاذَا حكمه؟ فَالْجَوَاب: إِنَّه شَهِيد. وَاقْتصر فِي الحَدِيث على لفظ: قتل، لِأَنَّهُ يسْتَلْزم الْمُقَاتلَة، وَبِهَذَا تتضح الْمُطَابقَة. وَقيل أَيْضا: مَا وَجه إِدْخَال هَذَا الحَدِيث فِي هَذِه الْأَبْوَاب؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ يدل أَن للْإنْسَان أَن يدْفع من قصد مَاله ظلما، فَإِذا قتل صَار شَهِيدا، وَهَذَا النَّوْع دَاخل فِي الْمَظَالِم لِأَن فِيهِ دفع الظُّلم. فَافْهَم. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عبد الله بن يزِيد من الزِّيَادَة الْقرشِي الْعَدوي أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمقري الْقصير مولى آل عمر بن الْخطاب

стр. 3747

رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الثَّانِي: سعيد بن أبي أَيُّوب، واسْمه مِقْلَاص الْخُزَاعِيّ، مَوْلَاهُم أَبُو يحيى، وَقد مر فِي التَّهَجُّد. الثَّالِث: أَبُو الْأسود مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن يَتِيم عُرْوَة، مر فِي الْغسْل. الرَّابِع: عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس. الْخَامِس: عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه سكن مَكَّة وَأَصله من نَاحيَة الْبَصْرَة. وَقيل: من نَاحيَة الأهواز، وَأَن سعيد ابْن أبي أَيُّوب مصري. وَأَن أَبَا الْأسود وَعِكْرِمَة مدنيان. وَفِيه: عَن عِكْرِمَة عَن عبد الله، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ عَن أبي الْأسود أَن عِكْرِمَة أخبرهُ، وَلَيْسَ لعكرمة عَن عبد الله بن عَمْرو فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد. ذكر الِاخْتِلَاف فِي متن هَذَا الحَدِيث: روى البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث عَن الْمقري، فَقَالَ: فَهُوَ شَهِيد، ودحيم وَابْن أبي عمر وَعبد الْعَزِيز بن سَلام كلهم رَوَوْهُ عَن الْمقري، فَقَالُوا: فَلهُ الْجنَّة، وَكلهمْ قَالُوا: مَظْلُوما، وَلم يقلهُ البُخَارِيّ، وَالْأَشْبَه أَن يكون نَقله من حفظه أَو سَمعه من المقريء من حفظه، فجَاء فِي الحَدِيث على مَا جرى بِهِ اللَّفْظ فِي هَذَا الْبَاب، وَمن جَاءَ بِهِ على غير مَا اُعْتِيدَ من اللَّفْظ فِيهِ فَهُوَ بِالْحِفْظِ أولى، وَلَا سِيمَا فيهم مثل دُحَيْم، وَكَذَلِكَ مَا زادوه من قَوْله: مَظْلُوما، فَإِن الْمَعْنى لَا يجوز إلَاّ أَن يكون كَذَلِك، وَرَوَاهُ أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) : عَن مُحَمَّد بن أَحْمد عَن بشر بن مُوسَى عَن عبد الله بن يزِيد الْمقري بِلَفْظ: من قتل دون مَاله مَظْلُوما، وروى مُسلم هَذَا الحَدِيث وَفِيه قصَّة من حَدِيث سُلَيْمَان الْأَحول: أَن ثَابتا مولى عمر بن عبد الرَّحْمَن أخبرهُ أَنه: لما كَانَ بَين عبد الله بن عَمْرو وَبَين عَنْبَسَة بن أبي سُفْيَان مَا كَانَ تيسروا لِلْقِتَالِ، فَركب خَالِد بن الْعَاصِ إِلَى عبد الله بن عَمْرو فوعظه خَالِد، فَقَالَ عبد الله بن عَمْرو: أما علمت أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد؟ قَوْله: تيسروا. أَي: تأهبوا وتهيأوا. وَأخرجه النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد البُخَارِيّ: أَخْبرنِي عبيد الله بن فضَالة بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: أخبرنَا عبد الله، وَهُوَ ابْن يزِيد الْمقري، قَالَ: حَدثنَا سعيد، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْأسود مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن عَن عِكْرِمَة عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ: أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: من قتل دون مَاله مَظْلُوما فَلهُ الْجنَّة، وَله، فِي رِوَايَة من طَرِيق آخر عَن عِكْرِمَة عَن عبد الله بن عَمْرو، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد، وَهَذَا مَتنه قبل متن حَدِيث البُخَارِيّ، وَإِسْنَاده مُخْتَلف. وَله فِي رِوَايَة أُخْرَى من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن طَلْحَة: أَنه سمع عبد الله بن عَمْرو يحدث عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: من أُرِيد مَاله بِغَيْر حق فقاتل فَقتل فَهُوَ شَهِيد. وَقَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن سُلَيْمَان، قَالَ: حَدثنَا مُعَاوِيَة بن هِشَام، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن عبد الله بن الْحسن عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن طَلْحَة عَن عبد الله بن عَمْرو، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد. قَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن: هَذَا خطأ وَالصَّوَاب الَّذِي قبله. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن طَلْحَة عَن عبد الله بن عَمْرو عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد. ثمَّ قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن عَليّ وَأبي هُرَيْرَة وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَجَابِر، ثمَّ روى عَن عبد بن حميد عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد حَدثنَا أبي عَن أَبِيه عَن أبي عُبَيْدَة بن مُحَمَّد بن عمار بن يَاسر عَن طَلْحَة بن عبيد الله بن عَوْف عَن سعيد بن زيد، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد، وَمن قتل دون دَمه فَهُوَ شَهِيد، وَمن قتل دون دينه فَهُوَ شَهِيد. وَمن قتل دون أَهله فَهُوَ شَهِيد ثمَّ قَالَ: هَذَا حسن صَحِيح رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَسليمَان بن دَاوُد الْهَاشِمِي، وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة سُفْيَان وَابْن إِسْحَاق وإبن مَاجَه من رِوَايَة سُفْيَان فَقَط، كِلَاهُمَا عَن الزُّهْرِيّ بِذكر المَال فَقَط. وَأما حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأخْرجهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث زيد بن عَليّ بن حُسَيْن عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد. قَالَ شَيخنَا: أوردهُ أَحْمد هَكَذَا فِي مُسْند عَليّ، وَهُوَ يدل على أَن المُرَاد بقوله عَن جده، عَليّ بن حُسَيْن، فعلى هَذَا يكون مُنْقَطِعًا. وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَأخْرجهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : من أُرِيد مَاله ظلما فَقتل فَهُوَ شَهِيد. وَأما حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَأخْرجهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث مَيْمُون بن مهْرَان عَن ابْن عمر: من أُتِي عِنْد مَاله فقاتل فقوتل فَهُوَ شَهِيد، وَله

стр. 3748

طَرِيق آخر رَوَاهُ أَبُو يعلى الْموصِلِي فِي (المعجم) من رِوَايَة أبي قلَابَة عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد. وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَأخْرجهُ ... . وَأما حَدِيث جَابر فَأخْرجهُ أَبُو يعلى فِي (مُسْنده) من رِوَايَة مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد. قلت: وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن: سعد بن أبي وَقاص وَعبد الله بن مَسْعُود وَبُرَيْدَة بن الْحصيب وسُويد بن مقرن وَأنس بن مَالك وَعبد الله بن الزبير وَعبد الله بن عَامر بن كريز وفهر بن مطرف ومخارق بن سليم. وَأما حَدِيث سعد فَأخْرجهُ الْبَزَّار فِي (مُسْنده) من حَدِيث عُبَيْدَة بنت نائل عَن عَائِشَة بنت سعد عَن أَبِيهَا، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، يَقُول: (من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد) . وَأما حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) وَابْن عدي فِي (الْكَامِل) من رِوَايَة أبي وَائِل عَن عبد الله، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من قتل دون مظْلمَة فَهُوَ شَهِيد) ، وَرَوَاهُ الْبَزَّار من رِوَايَة أبي وَائِل عَنهُ، وَلَفظه: (من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد) . وَأما حَدِيث بُرَيْدَة فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد) . وَأما حَدِيث سُوَيْد بن مقرن فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة سوَادَة بن أبي الْجَعْد عَن أبي جَعْفَر، قَالَ: كنت جَالِسا عِنْد سُوَيْد بن مقرن، فَقَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من قتل دون مظلمته فَهُوَ شَهِيد) . وَأما حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأخْرجهُ الْبَزَّار فِي (مُسْنده) وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) وَابْن عدي فِي (الْكَامِل) من رِوَايَة عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: الْمَقْتُول دون مَاله شَهِيد. وَأما حَدِيث عبد الله بن الزبير وَعبد الله بن عَامر فأخرجهما الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من رِوَايَة حَنْظَلَة بن قيس عَن عبد الله بن الزبير وَعبد الله بن عَامر بن كريز: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: من قتل أَو قَالَ: مَاتَ دون مَاله فَهُوَ شَهِيد. وَأما حَدِيث نهير بن مطرف فَأخْرجهُ الْبَزَّار فِي (مُسْنده) من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن الْمطلب عَن أَخِيه عَن أَبِيه فهيد بن مطرف: أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله! أَرَأَيْت إِن عدا عَليّ عادٍ؟ قَالَ: تَأمره وتنهاه، قَالَ: فَإِن أَبى، تَأمر بقتاله؟ قَالَ: نعم، فَإِن قَتلك فَأَنت فِي الْجنَّة، وَإِن قتلته فَهُوَ فِي النَّار. وَأما حَدِيث مُخَارق بن سليم فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث قَابُوس بن مُخَارق عَن أَبِيه، قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: الرجل يأتيني فيريد مَالِي؟ قَالَ: ذكِّره بِاللَّه. قَالَ: فَإِن لم يذكر؟ قَالَ: فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ بِمن حولك من الْمُسلمين. قَالَ: فَإِن لم يكن حَولي أحد من الْمُسلمين؟ قَالَ: فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ بالسلطان، قَالَ: فَإِن نأى السُّلْطَان عني؟ قَالَ: قَاتل دون مَالك حَتَّى تكون من شُهَدَاء الْآخِرَة، أَو تمنع مَالك. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: جَوَاز قتل القاصد لأخد المَال بِغَيْر حق، سَوَاء كَانَ المَال قَلِيلا أَو كثيرا، لعُمُوم الحَدِيث، وَهَذَا قَول جَمَاهِير الْعلمَاء. وَقَالَ بعض أَصْحَاب مَالك: لَا يجوز قَتله إِذا طلب شَيْئا يَسِيرا: كَالثَّوْبِ وَالطَّعَام، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء، وَالصَّوَاب مَا قَالَه الجماهير. وَأما المدافعة عَن الْحَرِيم فواجبة بِلَا خلاف، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَفِي المدافعة عَن النَّفس بِالْقَتْلِ خلاف فِي مَذْهَبنَا وَمذهب غَيرنَا، والمدافعة عَن المَال جَائِزَة غير وَاجِبَة. وَفِيه: أَن القاصد إِذا قتل لَا دِيَة لَهُ وَلَا قصاص. وَفِيه: أَن الدَّافِع إِذا قتل يكون شَهِيدا. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقد رخص بعض أهل الْعلم للرجل أَن يُقَاتل عَن نَفسه وَمَاله. وَقَالَ ابْن الْمُبَارك: يُقَاتل وَلَو دِرْهَمَيْنِ. وَقَالَ الْمُهلب: وَكَذَلِكَ فِي كل من قَاتل على مَا يحل لَهُ الْقِتَال عَلَيْهِ من أهل أَو دين فَهُوَ كمن قَاتل دون نَفسه وَمَاله، فَلَا دِيَة عَلَيْهِ وَلَا تبعة، وَمن أَخذ فِي ذَلِك بِالرُّخْصَةِ وَأسلم المَال والأهل وَالنَّفس فَأمره إِلَى الله تَعَالَى، وَالله يعذرهُ ويأجره، وَمن أَخذ فِي ذَلِك بالشدة وَقتل كَانَت لَهُ الشَّهَادَة. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وروينا عَن جمَاعَة من أهل الْعلم أَنهم رَأَوْا قتال اللُّصُوص ودفعهم عَن أنفسهم أَمْوَالهم، وَقد أَخذ ابْن عمر لصاً فِي دَاره، فأصلت عَلَيْهِ السَّيْف، قَالَ سَالم: فلولا أَنا لضربه بِهِ، وَقَالَ النَّخعِيّ: إِذا خفت أَن يبدأك اللص فابدأه. وَقَالَ الْحسن: إِذا طرق اللص بِالسِّلَاحِ فاقتله، وَسُئِلَ مَالك عَن الْقَوْم يكونُونَ فِي السّفر فَتَلقاهُمْ اللُّصُوص؟ قَالَ: يقاتلونهم وَلَو على دانق. وَقَالَ عبد الْملك:

стр. 3749

إِن قدر أَن يمْتَنع من اللُّصُوص فَلَا يعطهم شَيْئا. وَقَالَ أَحْمد: إِذا كَانَ اللص مُقبلا، وَأما موليا فَلَا. وَعَن إِسْحَاق مثله. وَقَالَ أَبُو حنيفَة فِي رجل دخل على رجل لَيْلًا للسرقة ثمَّ خرج بِالسَّرقَةِ من الدَّار، فَاتبعهُ الرجل فَقتله: لَا شَيْء عَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّافِعِي: من أُرِيد مَاله فِي مصر أَو فِي صحراء، أَو أُرِيد حريمه، فالاختيار لَهُ أَن يكلمهُ أَو يستغيث، فَإِن منع أَو امْتنع لم يكن لَهُ قِتَاله، فَإِن أَبى أَن يمْتَنع من قَتله من أَرَادَ قَتله، فَلهُ أَن يَدْفَعهُ عَن نَفسه وَعَن مَاله، وَلَيْسَ لَهُ عمد قَتله، فَإِذا لم يمْتَنع فقاتله فَقتله لَا عقل فِيهِ وَلَا قَود وَلَا كَفَّارَة. ٤٣ - (بابٌ إذَا كَسَرَ قَصْعَةً أوْ شَيْئاً لِغَيْرِهِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا كسر شخص قَصْعَة، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الصَّاد: وَهِي إِنَاء من عود، وَقَالَ ابْن سَيّده: وَهِي صَحْفَة تشبع عشرَة، وَهِي وَاحِدَة القصاع والقصع. قَوْله: (أَو شَيْئا) من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص، أَي: أَو كسر شَيْئا. وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: هَل يضمن الْمثل أَو الْقيمَة؟ هَكَذَا قدره بَعضهم، وَفِيه نظر، لِأَن الْقَصعَة وَنَحْوهَا لَيست من الْمِثْلِيَّات أصلا، وَلَكِن يمشي مَا قَالَه فِي قَوْله: (أَو شَيْئا) ، لِأَنَّهُ أَعم من أَن يكون من الْمِثْلِيَّات أَو من ذَوَات الْقيم. قلت: فِي الحَدِيث أَنه ﷺ دفع قَصْعَة صَحِيحَة عوض الْقَصعَة الَّتِي كسرتها عَائِشَة على مَا يَجِيء؟ قلت: لم يكن ذَلِك من النَّبِي ﷺ على سَبِيل الحكم على الْخصم، وَكَانَ دَفعه الْقَصعَة عوض الْمَكْسُورَة تطييباً لقلب صاحبتها، فَلَا يدل ذَلِك على أَن الْقَصعَة وَنَحْوهَا من الْمِثْلِيَّات. ١٨٤٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ فأرْسَلَتْ إحْدَى أُمَّهاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ خادِمٍ بِقَصْعَةٍ فِيها طَعامٌ فضَرَبَتْ بِيَدِهَا فكَسَرَتِ الْقَصْعَةَ فَضَمَّهَا وجَعَلَ فِيهَا الطعامَ وَقَالَ كُلُوا وحبَسَ الرَّسولَ والقَصَعةَ حتَّى فَرَغُوا فدَفَعَ القَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ وحبَسَ الْمَكْسُورَةَ. (الحَدِيث ١٨٤٢ طرفه فِي: ٥٢٢٥) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَكسرت الْقَصعَة) ، وَيحيى بن سعيد الْقطَّان. قَوْله: (كَانَ عِنْد بعض نِسَائِهِ) ، وروى التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْريّ عَن حميد عَن أنس، قَالَ: أَهْدَت بعض أَزوَاج النَّبِي ﷺ إِلَى النَّبِي ﷺ طَعَاما فِي قَصْعَة، فَضربت عَائِشَة الْقَصعَة بِيَدِهَا فَأَلْقَت مَا فِيهَا، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : طَعَام بِطَعَام وإناء بِإِنَاء، ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَأخرجه أَحْمد عَن ابْن أبي عدي وَيزِيد بن هَارُون عَن حميد بِهِ، وَقَالَ: أظنها عَائِشَة، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: إِنَّمَا أبهمت عَائِشَة تفخيماً لشأنها. قيل: إِنَّه مِمَّا لَا يخفى وَلَا يلتبس إِنَّهَا هِيَ، لِأَن الْهَدَايَا إِنَّمَا كَانَت تهدى إِلَى النَّبِي ﷺ فِي بَيتهَا، ورد بِأَن هَذَا مُجَرّد دَعْوَى يحْتَاج إِلَى الْبَيَان. وَقَالَ شَيخنَا: لم يَقع فِي رِوَايَة أحد من البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه تَسْمِيَة زوج النَّبِي، ﷺ ، الَّتِي أَهْدَت لَهُ الطَّعَام، وَقد ذكر ابْن حزم من طَرِيق اللَّيْث عَن جرير بن حَازِم عَن حميد عَن أنس: أَن الَّتِي أهدته إِلَيْهِ زَيْنَب بنت جحش، أَهْدَت إِلَى رَسُول الله ﷺ وَهُوَ فِي بَيت عَائِشَة ويومها جَفْنَة من حيس، فَقَامَتْ عَائِشَة فَأخذت الْقَصعَة فَضربت بهَا فكسرتها، فَقَامَ رَسُول الله، ﷺ ، إِلَى قَصْعَة لَهَا فَدَفعهَا إِلَى رَسُول زَيْنَب، فَقَالَ: هَذِه مَكَان صحفتها. وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة جسرة بنت دجَاجَة عَن عَائِشَة، قَالَت: مَا رَأَيْت صانعاً طَعَاما مثل صَفِيَّة، صنعت لرَسُول الله طَعَاما فَبعثت بِهِ، فأخذني أفكل، يَعْنِي: رعدة، فَكسرت الْإِنَاء، فَقلت: يَا رَسُول الله! مَا كَفَّارَة مَا صنعت؟ قَالَ: إِنَاء مثل إِنَاء وَطَعَام مثل طَعَام. قَالَ الْخطابِيّ: فِي إِسْنَاده مقَال، وَقَالَ الشَّيْخ: يحْتَمل أَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ وَقعت لعَائِشَة مرّة مَعَ زَيْنَب وَمرَّة مَعَ صَفِيَّة، فَلَا مَانع من ذَلِك، فَإِن كَانَ ذَلِك وَاقعَة وَاحِدَة رَجعْنَا إِلَى التَّرْجِيح، وَحَدِيث أنس أصح. وَفِي بعض طرقه زَيْنَب، وَالله أعلم. وَذكر أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ فِي الْحَوَاشِي: أَن مُرْسلَة الْقَصعَة أم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وروى النَّسَائِيّ من طَرِيق حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن أبي المتَوَكل عَن أم سَلمَة، أَنَّهَا أَتَت بِطَعَام فِي صَحْفَة إِلَى النَّبِي، ﷺ ، وَأَصْحَابه، فَجَاءَت عَائِشَة متزرة بكساء وَمَعَهَا فهر، ففلقت الصحفة ... الحَدِيث، وَفِي (الْأَوْسَط) للطبراني من طَرِيق عبيد الله الْعمريّ

стр. 3750

عَن ثَابت عَن أنس أَنهم كَانُوا عِنْد رَسُول الله ﷺ فِي بَيت عَائِشَة إِذْ أَتَى بصحفة خبز وَلحم من بَيت أم سَلمَة، فَوَضَعْنَا أَيْدِينَا وَعَائِشَة تصنع طَعَاما عجلة، فَلَمَّا فَرغْنَا جَاءَت بِهِ وَرفعت صَحْفَة أم سَلمَة فكسرتها. وروى ابْن أبي شيبَة وَابْن مَاجَه، من طَرِيق رجل من بني سواءة غير مُسَمّى عَن عَائِشَة، قَالَت: كَانَ رَسُول الله ﷺ مَعَ أَصْحَابه فصنعت لَهُ طَعَاما، وصنعت لَهُ حَفْصَة طَعَاما، فسبقتني، فَقلت لِلْجَارِيَةِ: إنطلقي فأكفئي قصعتها. فألقتها. فَانْكَسَرت وانتثر الطَّعَام، فَجَمعه على النطع، فَأَكَلُوا ثمَّ بعث بقصعتي إِلَى حَفْصَة، فَقَالَ: خُذُوا ظرفا مَكَان ظرفكم، وَالظَّاهِر أَنَّهَا قصَّة أُخْرَى، لِأَن فِي هَذِه الْقِصَّة: أَن الْجَارِيَة هِيَ الَّتِي كسرت، وَفِي الَّذِي تقدم أَن عَائِشَة نَفسهَا هِيَ الَّتِي كسرتها، قَوْله: (فَأرْسلت إِحْدَى أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ) ، قد تقدم من الْأَحَادِيث أَن الَّتِي أرْسلت دَائِرَة بَين عَائِشَة وَزَيْنَب بنت جحش وَصفِيَّة وَأم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُن، فَإِن كَانَت الْقِصَّة مُتعَدِّدَة فَلَا كَلَام فِيهَا، وإلَاّ فَالْعَمَل بالترجيح، كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (مَعَ خَادِم) ، يُطلق الْخَادِم على الذّكر وَالْأُنْثَى، وَهنا المُرَاد: الْأُنْثَى، بِدَلِيل تَأْنِيث الضَّمِير فِي قَوْله: (فَضربت بِيَدِهَا فَكسرت الْقَصعَة) . وَذكر هُنَا الْقَصعَة، وَفِي غَيره ذكر الْجَفْنَة والصحفة، كَمَا مر، قَوْله: (فِيهَا طَعَام) ، قد ذكر فِي حَدِيث زَيْنَب: أَنه حيس، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة. وَهُوَ الطَّعَام الْمُتَّخذ من التَّمْر والأقط وَالسمن، وَقد يَجْعَل عوض الأقط: الدَّقِيق أَو الفتيت، وَفِي حَدِيث الطَّبَرَانِيّ: خبز وَلحم. قَوْله: (فَضمهَا) ، أَي: ضم الْقَصعَة الَّتِي انْكَسَرت رسولُ الله ﷺ . قَوْله: (وَقَالَ: كلوا) ، أَي: قَالَ، ﷺ لأَصْحَابه الَّذين كَانُوا مَعَه. قَوْله: (وَحبس الرَّسُول) ، أَي: أوقف الْخَادِم الَّذِي هُوَ رَسُول إِحْدَى أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ. قَوْله: (والقصعة) ، أَي: حبس الْقَصعَة الْمَكْسُورَة أَيْضا عِنْده. قَوْله: (حَتَّى فرغوا) أَي: حَتَّى فرغت الصَّحَابَة الَّذين كَانُوا مَعَه من الْأكل. قَوْله: (فَدفع) ، أَي: أَمر بإحضار قَصْعَة صَحِيحَة من عِنْد الَّتِي هُوَ فِي بَيتهَا فَدَفعهَا إِلَى الرَّسُول وَحبس الْقَصعَة الْمَكْسُورَة عِنْده، وَرَأَيْت فِي بعض الْمَوَاضِع فِي أثْنَاء مطالعتي: أَن النَّبِي ﷺ أَخذ الْقَصعَة الْمَكْسُورَة. وَكَانَت قطعا، فاستوت صَحِيحَة فِي كَفه الْمُبَارك كَمَا كَانَت أَولا. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ ابْن التِّين: احْتج بِهَذَا الحَدِيث من قَالَ: يقْضِي فِي الْعرُوض بالأمثال، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَرِوَايَة عَن مَالك، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: كل مَا صنع الآدميون غرم مثله كَالثَّوْبِ وَبِنَاء الْحَائِط وَنَحْو ذَلِك، وَلَك مَا كَانَ من صنع الله مثل العَبْد وَالدَّابَّة فَفِيهِ الْقيمَة، وَالْمَشْهُور من مذْهبه أَن كل مَا كَانَ لَيْسَ بمكيل وَلَا مَوْزُون فَفِيهِ الْقيمَة، وَمَا كَانَ مَكِيلًا أَو مَوْزُونا، فَيقْضى بِمثلِهِ يَوْم استهلاكه. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: فَإِن قيل: الصحفة من ذَوَات الْقيم، فَكيف غرمها؟ فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الظَّاهِر مَا يحويه بَيته، ﷺ ، أَنه ملكه فَنقل من ملكه إِلَى ملكه لَا على وَجه الغرامة بِالْقيمَةِ. الثَّانِي: أَن أَخذ الْقَصعَة من بَيت الكاسرة عُقُوبَة، والعقوبة بالأموال مَشْرُوعَة، وَلما اسْتدلَّ ابْن حزم بِحَدِيث الْقَصعَة، قَالَ: هَذَا قَضَاء بِالْمثلِ لَا بِالدَّرَاهِمِ. قَالَ: وَقد رُوِيَ عَن عُثْمَان بن عَفَّان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَابْن مَسْعُود أَنَّهُمَا قضيا فِيمَن اسْتهْلك فصلاناً بفصلان مثلهَا، وَشبهه دَاوُد بجزاء الصَّيْد فِي العَبْد العَبْد، وَفِي العصفور العصفور. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَاخْتلف الْعلمَاء فِيمَن اسْتهْلك عرُوضا أَو حَيَوَانا، فَذهب الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ وَجَمَاعَة: إِلَى أَن عَلَيْهِ مثل مَا اسْتهْلك، قَالُوا: وَلَا يقْضِي بِالْقيمَةِ إلَاّ عِنْد عدم الْمثل، وَذهب مَالك: إِلَى أَن من اسْتهْلك شَيْئا من الْعرُوض أَو الْحَيَوَان فَعَلَيهِ قِيمَته يَوْم استهلاكه، وَالْقيمَة أعدل فِي ذَلِك، ثمَّ قَالَ: وَاتفقَ مَالك والكوفيون وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر، فِيمَن اسْتهْلك ذَهَبا أَو وَرقا أَو طَعَاما مَكِيلًا أَو مَوْزُونا أَن عَلَيْهِ مثل مَا اسْتهْلك فِي صفته ووزنه وَكيله. قلت: مَذْهَب أبي حنيفَة أَن كل مَا كَانَ مثلِيا إِذا اسْتَهْلكهُ شخص يجب عَلَيْهِ مثله، وَإِن كَانَ من ذَوَات الْقيم يجب عَلَيْهِ قِيمَته، والمثلي كالمكيل مثل الْحِنْطَة وَالشعِير، وَالْمَوْزُون كالدراهم وَالدَّنَانِير، وَلَكِن بِشَرْط أَن لَا يكون الْمَوْزُون مِمَّا يضر بالتبعيض، يَعْنِي: غير المصوغ مِنْهُ، فَهُوَ يلْحق بذوات الْقيم، وَغير الْمثْلِيّ كالعدديات المتفاوتة كالبطيخ وَالرُّمَّان والسفرجل وَالثيَاب وَالدَّوَاب، والعددي المتقارب كالجوز وَالْبيض والفلوس كالمكيل. وَالْجَوَاب عَن حَدِيث الْبَاب مَا قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ الْمَذْكُور آنِفا، وَقد ذكرنَا فِي أول الْبَاب مَا يَكْفِي عَن الْجَواب عَن الحَدِيث. وَفِيه: بسط عذر الْمَرْأَة فِي حَالَة الْغيرَة، لِأَنَّهُ لم ينْقل أَنه ﷺ عَاتب عَائِشَة على ذَلِك، فَإِنَّمَا قَالَ: (غارت أمكُم) ، وَيُقَال: إِنَّمَا لم يؤدبها، وَلَو بالْكلَام، لِأَنَّهُ فهم أَن المهدية كَانَت
следующие страницы →