← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

النَّاس فِيمَا لَا مَنْفَعَة فِيهِ إِلَّا للتلهي الْمنْهِي عَنهُ، فَلَا يجوز بيع شَيْء مِنْهُ إلَاّ الْأَصْنَام الَّتِي تكون من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْحَدِيد والرصاص إِذا غيرت مِمَّا هِيَ عَلَيْهِ وَصَارَت نقراً أَو قطعا فَيجوز بيعهَا وَالشِّرَاء بهَا. ٩٧٤٢ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ الْمُنْذِر قَالَ حدَّثنا أنَسُ بنُ عِياضٍ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ القَاسِمِ عنْ أبيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّها كانَتِ اتَّخَذعتْ علَى سَهْوَةٍ لَها سِتْراً فِيهِ تَماثيلُ فَهَتَكَهُ النبيُّ ﷺ فاتَّخَذَتْ مِنْهُ نُمْرُقَتَيْنِ فَكانَتَا فِي الْبَيْتِ يَجْلِسُ عَلَيْهِمَا.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فهتكه) ، أَي: فهتك السّتْر، أَي: شقَّه، وَهَذَا يدْخل فِي قَوْله: فَإِن كسر صنماً، لِأَن التماثيل الَّتِي هِيَ الصُّور كَانَت تعبد كَمَا كَانَ الصَّنَم يعبد. وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، وَالقَاسِم هُوَ مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث من أَفْرَاده، وَوجه إِدْخَال هَذَا الحَدِيث فِي الْمَظَالِم هُوَ: أَن هتك السّتْر الَّذِي فِيهِ التماثيل من إِزَالَة الظُّلم، لِأَن الظُّلم وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه، وَكَذَلِكَ اتِّخَاذ التماثيل والصور، وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه. فَافْهَم. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (سهوة) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْهَاء، وَهِي الصّفة الَّتِي تكون بَين يَدي الْبيُوت، وَقيل: هِيَ بَيت صَغِير منحدر فِي الأَرْض. وَقيل: هِيَ الرف أَو الطاق الَّذِي يوضع فِيهِ الشَّيْء، وَقيل: هِيَ الطاق فِي وسط الْبَيْت، وَقيل: هِيَ بَيت صَغِير سمكه مُرْتَفع عَن الأَرْض يشبه الخزانة الصَّغِيرَة يكون فِيهِ الْمَتَاع. قَوْله: (تماثيل) ، جمع تِمْثَال، وَهُوَ مَا يصنع ويصور مشبهاً بِخلق الله تَعَالَى من ذَوَات الرّوح، وَفِي (الْمغرب) : الصُّورَة عَام وَيشْهد لَهُ مَا ذكر فِي الأَصْل أَنه صلى وَعَلِيهِ ثوب وَفِيه تماثيل، كره لَهُ. قَالَ: وَإِذا قطع رَأسهَا فَلَيْسَتْ بتمثال، ثمَّ ذكر حَدِيث الْبَاب، وَقَالَ: من ظن أَن الصُّورَة الْمنْهِي عَنْهَا مَا لَهُ شخص دون مَا كَانَ منسوجاً أَو مَنْقُوشًا فِي ثوب أَو جِدَار، فَهَذَا الحَدِيث يكذب ظَنّه. وَقَوله ﷺ : (لَا تدخل الْمَلَائِكَة بَيْتا فِيهِ تماثيل أَو تصاوير) . كَأَنَّهُ شكّ من الرَّاوِي، وَأما قَوْلهم: وَيكرهُ التصاوير والتماثيل، فالعطف للْبَيَان. قَوْله: (فهتكه) ، أَي: شقَّه، وَقد ذَكرْنَاهُ، وَفِي حَوَاشِي (الْمغرب) : هتك السّتْر تخريقه. قَوْله: (نمرقتين) ، تَثْنِيَة نمرقة، بِضَم النُّون وَالرَّاء وَكسرهَا وَضم النُّون وَفتح الرَّاء: وَهِي وسَادَة صَغِيرَة، وَقد تطلق على الطنفسة، كَذَا فسره الْكرْمَانِي. وَقَوله: (فكانتا فِي الْبَيْت يجلس عَلَيْهِمَا) يُنَافِي ذَلِك تَفْسِيره بالوسادة. ٣٣ - (بابُ مَنْ قاتَلَ دُونَ مالِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من قَاتل دون مَاله، قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: عِنْد مَاله. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: دون فِي أَصْلهَا ظرف مَكَان بِمَعْنى تَحت، وَيسْتَعْمل للسَّبَبِيَّة على الْمجَاز، وَوَجهه أَن الَّذِي يُقَاتل على مَاله إِنَّمَا يَجعله خَلفه أَو تَحْتَهُ، ثمَّ يُقَاتل عَلَيْهِ، وَفِي (الصِّحَاح) : دون نقيض فَوق، وَهُوَ تَقْصِير عَن الْغَايَة، وَيكون ظرفا، وَجَوَاب مَحْذُوف تَقْدِيره: من قَاتل دون مَاله فَمَاذَا حكمه؟ وَيجوز إِن يكون تَقْدِيره: من قَاتل دون مَاله فَقتل فَهُوَ شَهِيد، وَلم يذكرهُ اكْتِفَاء بِمَا فِي حَدِيث الْبَاب، على عَادَته فِي مثل ذَلِك. ٠٨٤٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يَزِيدَ قَالَ حدَّثنا سَعِيدٌ هُوَ ابنُ أبِي أيُّوبَ قَالَ حدَّثني أَبُو الأسْوَدِ عنْ عِكْرِمَةَ عنْ عَبْدِ الله بن عَمْرٍ وَرَضي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ منْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهْوَ شَهِيدٌ. قيل: لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة، لِأَن الْمُقَاتلَة لَا تَسْتَلْزِم الْقَتْل، وَالشَّهَادَة مرتبَة على الْقَتْل. قلت: قد ذكرت الْآن أَن تَقْدِير التَّرْجَمَة: من قَاتل دون مَاله فَقتل، فَمَاذَا حكمه؟ فَالْجَوَاب: إِنَّه شَهِيد. وَاقْتصر فِي الحَدِيث على لفظ: قتل، لِأَنَّهُ يسْتَلْزم الْمُقَاتلَة، وَبِهَذَا تتضح الْمُطَابقَة. وَقيل أَيْضا: مَا وَجه إِدْخَال هَذَا الحَدِيث فِي هَذِه الْأَبْوَاب؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ يدل أَن للْإنْسَان أَن يدْفع من قصد مَاله ظلما، فَإِذا قتل صَار شَهِيدا، وَهَذَا النَّوْع دَاخل فِي الْمَظَالِم لِأَن فِيهِ دفع الظُّلم. فَافْهَم. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عبد الله بن يزِيد من الزِّيَادَة الْقرشِي الْعَدوي أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمقري الْقصير مولى آل عمر بن الْخطاب

стр. 3747

رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الثَّانِي: سعيد بن أبي أَيُّوب، واسْمه مِقْلَاص الْخُزَاعِيّ، مَوْلَاهُم أَبُو يحيى، وَقد مر فِي التَّهَجُّد. الثَّالِث: أَبُو الْأسود مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن يَتِيم عُرْوَة، مر فِي الْغسْل. الرَّابِع: عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس. الْخَامِس: عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه سكن مَكَّة وَأَصله من نَاحيَة الْبَصْرَة. وَقيل: من نَاحيَة الأهواز، وَأَن سعيد ابْن أبي أَيُّوب مصري. وَأَن أَبَا الْأسود وَعِكْرِمَة مدنيان. وَفِيه: عَن عِكْرِمَة عَن عبد الله، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ عَن أبي الْأسود أَن عِكْرِمَة أخبرهُ، وَلَيْسَ لعكرمة عَن عبد الله بن عَمْرو فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد. ذكر الِاخْتِلَاف فِي متن هَذَا الحَدِيث: روى البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث عَن الْمقري، فَقَالَ: فَهُوَ شَهِيد، ودحيم وَابْن أبي عمر وَعبد الْعَزِيز بن سَلام كلهم رَوَوْهُ عَن الْمقري، فَقَالُوا: فَلهُ الْجنَّة، وَكلهمْ قَالُوا: مَظْلُوما، وَلم يقلهُ البُخَارِيّ، وَالْأَشْبَه أَن يكون نَقله من حفظه أَو سَمعه من المقريء من حفظه، فجَاء فِي الحَدِيث على مَا جرى بِهِ اللَّفْظ فِي هَذَا الْبَاب، وَمن جَاءَ بِهِ على غير مَا اُعْتِيدَ من اللَّفْظ فِيهِ فَهُوَ بِالْحِفْظِ أولى، وَلَا سِيمَا فيهم مثل دُحَيْم، وَكَذَلِكَ مَا زادوه من قَوْله: مَظْلُوما، فَإِن الْمَعْنى لَا يجوز إلَاّ أَن يكون كَذَلِك، وَرَوَاهُ أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) : عَن مُحَمَّد بن أَحْمد عَن بشر بن مُوسَى عَن عبد الله بن يزِيد الْمقري بِلَفْظ: من قتل دون مَاله مَظْلُوما، وروى مُسلم هَذَا الحَدِيث وَفِيه قصَّة من حَدِيث سُلَيْمَان الْأَحول: أَن ثَابتا مولى عمر بن عبد الرَّحْمَن أخبرهُ أَنه: لما كَانَ بَين عبد الله بن عَمْرو وَبَين عَنْبَسَة بن أبي سُفْيَان مَا كَانَ تيسروا لِلْقِتَالِ، فَركب خَالِد بن الْعَاصِ إِلَى عبد الله بن عَمْرو فوعظه خَالِد، فَقَالَ عبد الله بن عَمْرو: أما علمت أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد؟ قَوْله: تيسروا. أَي: تأهبوا وتهيأوا. وَأخرجه النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد البُخَارِيّ: أَخْبرنِي عبيد الله بن فضَالة بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: أخبرنَا عبد الله، وَهُوَ ابْن يزِيد الْمقري، قَالَ: حَدثنَا سعيد، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْأسود مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن عَن عِكْرِمَة عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ: أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: من قتل دون مَاله مَظْلُوما فَلهُ الْجنَّة، وَله، فِي رِوَايَة من طَرِيق آخر عَن عِكْرِمَة عَن عبد الله بن عَمْرو، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد، وَهَذَا مَتنه قبل متن حَدِيث البُخَارِيّ، وَإِسْنَاده مُخْتَلف. وَله فِي رِوَايَة أُخْرَى من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن طَلْحَة: أَنه سمع عبد الله بن عَمْرو يحدث عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: من أُرِيد مَاله بِغَيْر حق فقاتل فَقتل فَهُوَ شَهِيد. وَقَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن سُلَيْمَان، قَالَ: حَدثنَا مُعَاوِيَة بن هِشَام، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن عبد الله بن الْحسن عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن طَلْحَة عَن عبد الله بن عَمْرو، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد. قَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن: هَذَا خطأ وَالصَّوَاب الَّذِي قبله. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن طَلْحَة عَن عبد الله بن عَمْرو عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد. ثمَّ قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن عَليّ وَأبي هُرَيْرَة وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَجَابِر، ثمَّ روى عَن عبد بن حميد عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد حَدثنَا أبي عَن أَبِيه عَن أبي عُبَيْدَة بن مُحَمَّد بن عمار بن يَاسر عَن طَلْحَة بن عبيد الله بن عَوْف عَن سعيد بن زيد، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد، وَمن قتل دون دَمه فَهُوَ شَهِيد، وَمن قتل دون دينه فَهُوَ شَهِيد. وَمن قتل دون أَهله فَهُوَ شَهِيد ثمَّ قَالَ: هَذَا حسن صَحِيح رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَسليمَان بن دَاوُد الْهَاشِمِي، وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة سُفْيَان وَابْن إِسْحَاق وإبن مَاجَه من رِوَايَة سُفْيَان فَقَط، كِلَاهُمَا عَن الزُّهْرِيّ بِذكر المَال فَقَط. وَأما حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأخْرجهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث زيد بن عَليّ بن حُسَيْن عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد. قَالَ شَيخنَا: أوردهُ أَحْمد هَكَذَا فِي مُسْند عَليّ، وَهُوَ يدل على أَن المُرَاد بقوله عَن جده، عَليّ بن حُسَيْن، فعلى هَذَا يكون مُنْقَطِعًا. وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَأخْرجهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : من أُرِيد مَاله ظلما فَقتل فَهُوَ شَهِيد. وَأما حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَأخْرجهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث مَيْمُون بن مهْرَان عَن ابْن عمر: من أُتِي عِنْد مَاله فقاتل فقوتل فَهُوَ شَهِيد، وَله

стр. 3748

طَرِيق آخر رَوَاهُ أَبُو يعلى الْموصِلِي فِي (المعجم) من رِوَايَة أبي قلَابَة عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد. وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَأخْرجهُ ... . وَأما حَدِيث جَابر فَأخْرجهُ أَبُو يعلى فِي (مُسْنده) من رِوَايَة مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد. قلت: وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن: سعد بن أبي وَقاص وَعبد الله بن مَسْعُود وَبُرَيْدَة بن الْحصيب وسُويد بن مقرن وَأنس بن مَالك وَعبد الله بن الزبير وَعبد الله بن عَامر بن كريز وفهر بن مطرف ومخارق بن سليم. وَأما حَدِيث سعد فَأخْرجهُ الْبَزَّار فِي (مُسْنده) من حَدِيث عُبَيْدَة بنت نائل عَن عَائِشَة بنت سعد عَن أَبِيهَا، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، يَقُول: (من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد) . وَأما حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) وَابْن عدي فِي (الْكَامِل) من رِوَايَة أبي وَائِل عَن عبد الله، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من قتل دون مظْلمَة فَهُوَ شَهِيد) ، وَرَوَاهُ الْبَزَّار من رِوَايَة أبي وَائِل عَنهُ، وَلَفظه: (من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد) . وَأما حَدِيث بُرَيْدَة فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد) . وَأما حَدِيث سُوَيْد بن مقرن فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة سوَادَة بن أبي الْجَعْد عَن أبي جَعْفَر، قَالَ: كنت جَالِسا عِنْد سُوَيْد بن مقرن، فَقَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من قتل دون مظلمته فَهُوَ شَهِيد) . وَأما حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأخْرجهُ الْبَزَّار فِي (مُسْنده) وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) وَابْن عدي فِي (الْكَامِل) من رِوَايَة عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: الْمَقْتُول دون مَاله شَهِيد. وَأما حَدِيث عبد الله بن الزبير وَعبد الله بن عَامر فأخرجهما الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من رِوَايَة حَنْظَلَة بن قيس عَن عبد الله بن الزبير وَعبد الله بن عَامر بن كريز: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: من قتل أَو قَالَ: مَاتَ دون مَاله فَهُوَ شَهِيد. وَأما حَدِيث نهير بن مطرف فَأخْرجهُ الْبَزَّار فِي (مُسْنده) من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن الْمطلب عَن أَخِيه عَن أَبِيه فهيد بن مطرف: أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله! أَرَأَيْت إِن عدا عَليّ عادٍ؟ قَالَ: تَأمره وتنهاه، قَالَ: فَإِن أَبى، تَأمر بقتاله؟ قَالَ: نعم، فَإِن قَتلك فَأَنت فِي الْجنَّة، وَإِن قتلته فَهُوَ فِي النَّار. وَأما حَدِيث مُخَارق بن سليم فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث قَابُوس بن مُخَارق عَن أَبِيه، قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: الرجل يأتيني فيريد مَالِي؟ قَالَ: ذكِّره بِاللَّه. قَالَ: فَإِن لم يذكر؟ قَالَ: فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ بِمن حولك من الْمُسلمين. قَالَ: فَإِن لم يكن حَولي أحد من الْمُسلمين؟ قَالَ: فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ بالسلطان، قَالَ: فَإِن نأى السُّلْطَان عني؟ قَالَ: قَاتل دون مَالك حَتَّى تكون من شُهَدَاء الْآخِرَة، أَو تمنع مَالك. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: جَوَاز قتل القاصد لأخد المَال بِغَيْر حق، سَوَاء كَانَ المَال قَلِيلا أَو كثيرا، لعُمُوم الحَدِيث، وَهَذَا قَول جَمَاهِير الْعلمَاء. وَقَالَ بعض أَصْحَاب مَالك: لَا يجوز قَتله إِذا طلب شَيْئا يَسِيرا: كَالثَّوْبِ وَالطَّعَام، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء، وَالصَّوَاب مَا قَالَه الجماهير. وَأما المدافعة عَن الْحَرِيم فواجبة بِلَا خلاف، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَفِي المدافعة عَن النَّفس بِالْقَتْلِ خلاف فِي مَذْهَبنَا وَمذهب غَيرنَا، والمدافعة عَن المَال جَائِزَة غير وَاجِبَة. وَفِيه: أَن القاصد إِذا قتل لَا دِيَة لَهُ وَلَا قصاص. وَفِيه: أَن الدَّافِع إِذا قتل يكون شَهِيدا. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقد رخص بعض أهل الْعلم للرجل أَن يُقَاتل عَن نَفسه وَمَاله. وَقَالَ ابْن الْمُبَارك: يُقَاتل وَلَو دِرْهَمَيْنِ. وَقَالَ الْمُهلب: وَكَذَلِكَ فِي كل من قَاتل على مَا يحل لَهُ الْقِتَال عَلَيْهِ من أهل أَو دين فَهُوَ كمن قَاتل دون نَفسه وَمَاله، فَلَا دِيَة عَلَيْهِ وَلَا تبعة، وَمن أَخذ فِي ذَلِك بِالرُّخْصَةِ وَأسلم المَال والأهل وَالنَّفس فَأمره إِلَى الله تَعَالَى، وَالله يعذرهُ ويأجره، وَمن أَخذ فِي ذَلِك بالشدة وَقتل كَانَت لَهُ الشَّهَادَة. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وروينا عَن جمَاعَة من أهل الْعلم أَنهم رَأَوْا قتال اللُّصُوص ودفعهم عَن أنفسهم أَمْوَالهم، وَقد أَخذ ابْن عمر لصاً فِي دَاره، فأصلت عَلَيْهِ السَّيْف، قَالَ سَالم: فلولا أَنا لضربه بِهِ، وَقَالَ النَّخعِيّ: إِذا خفت أَن يبدأك اللص فابدأه. وَقَالَ الْحسن: إِذا طرق اللص بِالسِّلَاحِ فاقتله، وَسُئِلَ مَالك عَن الْقَوْم يكونُونَ فِي السّفر فَتَلقاهُمْ اللُّصُوص؟ قَالَ: يقاتلونهم وَلَو على دانق. وَقَالَ عبد الْملك:

стр. 3749

إِن قدر أَن يمْتَنع من اللُّصُوص فَلَا يعطهم شَيْئا. وَقَالَ أَحْمد: إِذا كَانَ اللص مُقبلا، وَأما موليا فَلَا. وَعَن إِسْحَاق مثله. وَقَالَ أَبُو حنيفَة فِي رجل دخل على رجل لَيْلًا للسرقة ثمَّ خرج بِالسَّرقَةِ من الدَّار، فَاتبعهُ الرجل فَقتله: لَا شَيْء عَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّافِعِي: من أُرِيد مَاله فِي مصر أَو فِي صحراء، أَو أُرِيد حريمه، فالاختيار لَهُ أَن يكلمهُ أَو يستغيث، فَإِن منع أَو امْتنع لم يكن لَهُ قِتَاله، فَإِن أَبى أَن يمْتَنع من قَتله من أَرَادَ قَتله، فَلهُ أَن يَدْفَعهُ عَن نَفسه وَعَن مَاله، وَلَيْسَ لَهُ عمد قَتله، فَإِذا لم يمْتَنع فقاتله فَقتله لَا عقل فِيهِ وَلَا قَود وَلَا كَفَّارَة. ٤٣ - (بابٌ إذَا كَسَرَ قَصْعَةً أوْ شَيْئاً لِغَيْرِهِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا كسر شخص قَصْعَة، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الصَّاد: وَهِي إِنَاء من عود، وَقَالَ ابْن سَيّده: وَهِي صَحْفَة تشبع عشرَة، وَهِي وَاحِدَة القصاع والقصع. قَوْله: (أَو شَيْئا) من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص، أَي: أَو كسر شَيْئا. وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: هَل يضمن الْمثل أَو الْقيمَة؟ هَكَذَا قدره بَعضهم، وَفِيه نظر، لِأَن الْقَصعَة وَنَحْوهَا لَيست من الْمِثْلِيَّات أصلا، وَلَكِن يمشي مَا قَالَه فِي قَوْله: (أَو شَيْئا) ، لِأَنَّهُ أَعم من أَن يكون من الْمِثْلِيَّات أَو من ذَوَات الْقيم. قلت: فِي الحَدِيث أَنه ﷺ دفع قَصْعَة صَحِيحَة عوض الْقَصعَة الَّتِي كسرتها عَائِشَة على مَا يَجِيء؟ قلت: لم يكن ذَلِك من النَّبِي ﷺ على سَبِيل الحكم على الْخصم، وَكَانَ دَفعه الْقَصعَة عوض الْمَكْسُورَة تطييباً لقلب صاحبتها، فَلَا يدل ذَلِك على أَن الْقَصعَة وَنَحْوهَا من الْمِثْلِيَّات. ١٨٤٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ فأرْسَلَتْ إحْدَى أُمَّهاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ خادِمٍ بِقَصْعَةٍ فِيها طَعامٌ فضَرَبَتْ بِيَدِهَا فكَسَرَتِ الْقَصْعَةَ فَضَمَّهَا وجَعَلَ فِيهَا الطعامَ وَقَالَ كُلُوا وحبَسَ الرَّسولَ والقَصَعةَ حتَّى فَرَغُوا فدَفَعَ القَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ وحبَسَ الْمَكْسُورَةَ. (الحَدِيث ١٨٤٢ طرفه فِي: ٥٢٢٥) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَكسرت الْقَصعَة) ، وَيحيى بن سعيد الْقطَّان. قَوْله: (كَانَ عِنْد بعض نِسَائِهِ) ، وروى التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْريّ عَن حميد عَن أنس، قَالَ: أَهْدَت بعض أَزوَاج النَّبِي ﷺ إِلَى النَّبِي ﷺ طَعَاما فِي قَصْعَة، فَضربت عَائِشَة الْقَصعَة بِيَدِهَا فَأَلْقَت مَا فِيهَا، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : طَعَام بِطَعَام وإناء بِإِنَاء، ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَأخرجه أَحْمد عَن ابْن أبي عدي وَيزِيد بن هَارُون عَن حميد بِهِ، وَقَالَ: أظنها عَائِشَة، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: إِنَّمَا أبهمت عَائِشَة تفخيماً لشأنها. قيل: إِنَّه مِمَّا لَا يخفى وَلَا يلتبس إِنَّهَا هِيَ، لِأَن الْهَدَايَا إِنَّمَا كَانَت تهدى إِلَى النَّبِي ﷺ فِي بَيتهَا، ورد بِأَن هَذَا مُجَرّد دَعْوَى يحْتَاج إِلَى الْبَيَان. وَقَالَ شَيخنَا: لم يَقع فِي رِوَايَة أحد من البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه تَسْمِيَة زوج النَّبِي، ﷺ ، الَّتِي أَهْدَت لَهُ الطَّعَام، وَقد ذكر ابْن حزم من طَرِيق اللَّيْث عَن جرير بن حَازِم عَن حميد عَن أنس: أَن الَّتِي أهدته إِلَيْهِ زَيْنَب بنت جحش، أَهْدَت إِلَى رَسُول الله ﷺ وَهُوَ فِي بَيت عَائِشَة ويومها جَفْنَة من حيس، فَقَامَتْ عَائِشَة فَأخذت الْقَصعَة فَضربت بهَا فكسرتها، فَقَامَ رَسُول الله، ﷺ ، إِلَى قَصْعَة لَهَا فَدَفعهَا إِلَى رَسُول زَيْنَب، فَقَالَ: هَذِه مَكَان صحفتها. وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة جسرة بنت دجَاجَة عَن عَائِشَة، قَالَت: مَا رَأَيْت صانعاً طَعَاما مثل صَفِيَّة، صنعت لرَسُول الله طَعَاما فَبعثت بِهِ، فأخذني أفكل، يَعْنِي: رعدة، فَكسرت الْإِنَاء، فَقلت: يَا رَسُول الله! مَا كَفَّارَة مَا صنعت؟ قَالَ: إِنَاء مثل إِنَاء وَطَعَام مثل طَعَام. قَالَ الْخطابِيّ: فِي إِسْنَاده مقَال، وَقَالَ الشَّيْخ: يحْتَمل أَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ وَقعت لعَائِشَة مرّة مَعَ زَيْنَب وَمرَّة مَعَ صَفِيَّة، فَلَا مَانع من ذَلِك، فَإِن كَانَ ذَلِك وَاقعَة وَاحِدَة رَجعْنَا إِلَى التَّرْجِيح، وَحَدِيث أنس أصح. وَفِي بعض طرقه زَيْنَب، وَالله أعلم. وَذكر أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ فِي الْحَوَاشِي: أَن مُرْسلَة الْقَصعَة أم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وروى النَّسَائِيّ من طَرِيق حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن أبي المتَوَكل عَن أم سَلمَة، أَنَّهَا أَتَت بِطَعَام فِي صَحْفَة إِلَى النَّبِي، ﷺ ، وَأَصْحَابه، فَجَاءَت عَائِشَة متزرة بكساء وَمَعَهَا فهر، ففلقت الصحفة ... الحَدِيث، وَفِي (الْأَوْسَط) للطبراني من طَرِيق عبيد الله الْعمريّ

стр. 3750

عَن ثَابت عَن أنس أَنهم كَانُوا عِنْد رَسُول الله ﷺ فِي بَيت عَائِشَة إِذْ أَتَى بصحفة خبز وَلحم من بَيت أم سَلمَة، فَوَضَعْنَا أَيْدِينَا وَعَائِشَة تصنع طَعَاما عجلة، فَلَمَّا فَرغْنَا جَاءَت بِهِ وَرفعت صَحْفَة أم سَلمَة فكسرتها. وروى ابْن أبي شيبَة وَابْن مَاجَه، من طَرِيق رجل من بني سواءة غير مُسَمّى عَن عَائِشَة، قَالَت: كَانَ رَسُول الله ﷺ مَعَ أَصْحَابه فصنعت لَهُ طَعَاما، وصنعت لَهُ حَفْصَة طَعَاما، فسبقتني، فَقلت لِلْجَارِيَةِ: إنطلقي فأكفئي قصعتها. فألقتها. فَانْكَسَرت وانتثر الطَّعَام، فَجَمعه على النطع، فَأَكَلُوا ثمَّ بعث بقصعتي إِلَى حَفْصَة، فَقَالَ: خُذُوا ظرفا مَكَان ظرفكم، وَالظَّاهِر أَنَّهَا قصَّة أُخْرَى، لِأَن فِي هَذِه الْقِصَّة: أَن الْجَارِيَة هِيَ الَّتِي كسرت، وَفِي الَّذِي تقدم أَن عَائِشَة نَفسهَا هِيَ الَّتِي كسرتها، قَوْله: (فَأرْسلت إِحْدَى أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ) ، قد تقدم من الْأَحَادِيث أَن الَّتِي أرْسلت دَائِرَة بَين عَائِشَة وَزَيْنَب بنت جحش وَصفِيَّة وَأم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُن، فَإِن كَانَت الْقِصَّة مُتعَدِّدَة فَلَا كَلَام فِيهَا، وإلَاّ فَالْعَمَل بالترجيح، كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (مَعَ خَادِم) ، يُطلق الْخَادِم على الذّكر وَالْأُنْثَى، وَهنا المُرَاد: الْأُنْثَى، بِدَلِيل تَأْنِيث الضَّمِير فِي قَوْله: (فَضربت بِيَدِهَا فَكسرت الْقَصعَة) . وَذكر هُنَا الْقَصعَة، وَفِي غَيره ذكر الْجَفْنَة والصحفة، كَمَا مر، قَوْله: (فِيهَا طَعَام) ، قد ذكر فِي حَدِيث زَيْنَب: أَنه حيس، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة. وَهُوَ الطَّعَام الْمُتَّخذ من التَّمْر والأقط وَالسمن، وَقد يَجْعَل عوض الأقط: الدَّقِيق أَو الفتيت، وَفِي حَدِيث الطَّبَرَانِيّ: خبز وَلحم. قَوْله: (فَضمهَا) ، أَي: ضم الْقَصعَة الَّتِي انْكَسَرت رسولُ الله ﷺ . قَوْله: (وَقَالَ: كلوا) ، أَي: قَالَ، ﷺ لأَصْحَابه الَّذين كَانُوا مَعَه. قَوْله: (وَحبس الرَّسُول) ، أَي: أوقف الْخَادِم الَّذِي هُوَ رَسُول إِحْدَى أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ. قَوْله: (والقصعة) ، أَي: حبس الْقَصعَة الْمَكْسُورَة أَيْضا عِنْده. قَوْله: (حَتَّى فرغوا) أَي: حَتَّى فرغت الصَّحَابَة الَّذين كَانُوا مَعَه من الْأكل. قَوْله: (فَدفع) ، أَي: أَمر بإحضار قَصْعَة صَحِيحَة من عِنْد الَّتِي هُوَ فِي بَيتهَا فَدَفعهَا إِلَى الرَّسُول وَحبس الْقَصعَة الْمَكْسُورَة عِنْده، وَرَأَيْت فِي بعض الْمَوَاضِع فِي أثْنَاء مطالعتي: أَن النَّبِي ﷺ أَخذ الْقَصعَة الْمَكْسُورَة. وَكَانَت قطعا، فاستوت صَحِيحَة فِي كَفه الْمُبَارك كَمَا كَانَت أَولا. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ ابْن التِّين: احْتج بِهَذَا الحَدِيث من قَالَ: يقْضِي فِي الْعرُوض بالأمثال، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَرِوَايَة عَن مَالك، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: كل مَا صنع الآدميون غرم مثله كَالثَّوْبِ وَبِنَاء الْحَائِط وَنَحْو ذَلِك، وَلَك مَا كَانَ من صنع الله مثل العَبْد وَالدَّابَّة فَفِيهِ الْقيمَة، وَالْمَشْهُور من مذْهبه أَن كل مَا كَانَ لَيْسَ بمكيل وَلَا مَوْزُون فَفِيهِ الْقيمَة، وَمَا كَانَ مَكِيلًا أَو مَوْزُونا، فَيقْضى بِمثلِهِ يَوْم استهلاكه. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: فَإِن قيل: الصحفة من ذَوَات الْقيم، فَكيف غرمها؟ فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الظَّاهِر مَا يحويه بَيته، ﷺ ، أَنه ملكه فَنقل من ملكه إِلَى ملكه لَا على وَجه الغرامة بِالْقيمَةِ. الثَّانِي: أَن أَخذ الْقَصعَة من بَيت الكاسرة عُقُوبَة، والعقوبة بالأموال مَشْرُوعَة، وَلما اسْتدلَّ ابْن حزم بِحَدِيث الْقَصعَة، قَالَ: هَذَا قَضَاء بِالْمثلِ لَا بِالدَّرَاهِمِ. قَالَ: وَقد رُوِيَ عَن عُثْمَان بن عَفَّان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَابْن مَسْعُود أَنَّهُمَا قضيا فِيمَن اسْتهْلك فصلاناً بفصلان مثلهَا، وَشبهه دَاوُد بجزاء الصَّيْد فِي العَبْد العَبْد، وَفِي العصفور العصفور. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَاخْتلف الْعلمَاء فِيمَن اسْتهْلك عرُوضا أَو حَيَوَانا، فَذهب الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ وَجَمَاعَة: إِلَى أَن عَلَيْهِ مثل مَا اسْتهْلك، قَالُوا: وَلَا يقْضِي بِالْقيمَةِ إلَاّ عِنْد عدم الْمثل، وَذهب مَالك: إِلَى أَن من اسْتهْلك شَيْئا من الْعرُوض أَو الْحَيَوَان فَعَلَيهِ قِيمَته يَوْم استهلاكه، وَالْقيمَة أعدل فِي ذَلِك، ثمَّ قَالَ: وَاتفقَ مَالك والكوفيون وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر، فِيمَن اسْتهْلك ذَهَبا أَو وَرقا أَو طَعَاما مَكِيلًا أَو مَوْزُونا أَن عَلَيْهِ مثل مَا اسْتهْلك فِي صفته ووزنه وَكيله. قلت: مَذْهَب أبي حنيفَة أَن كل مَا كَانَ مثلِيا إِذا اسْتَهْلكهُ شخص يجب عَلَيْهِ مثله، وَإِن كَانَ من ذَوَات الْقيم يجب عَلَيْهِ قِيمَته، والمثلي كالمكيل مثل الْحِنْطَة وَالشعِير، وَالْمَوْزُون كالدراهم وَالدَّنَانِير، وَلَكِن بِشَرْط أَن لَا يكون الْمَوْزُون مِمَّا يضر بالتبعيض، يَعْنِي: غير المصوغ مِنْهُ، فَهُوَ يلْحق بذوات الْقيم، وَغير الْمثْلِيّ كالعدديات المتفاوتة كالبطيخ وَالرُّمَّان والسفرجل وَالثيَاب وَالدَّوَاب، والعددي المتقارب كالجوز وَالْبيض والفلوس كالمكيل. وَالْجَوَاب عَن حَدِيث الْبَاب مَا قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ الْمَذْكُور آنِفا، وَقد ذكرنَا فِي أول الْبَاب مَا يَكْفِي عَن الْجَواب عَن الحَدِيث. وَفِيه: بسط عذر الْمَرْأَة فِي حَالَة الْغيرَة، لِأَنَّهُ لم ينْقل أَنه ﷺ عَاتب عَائِشَة على ذَلِك، فَإِنَّمَا قَالَ: (غارت أمكُم) ، وَيُقَال: إِنَّمَا لم يؤدبها، وَلَو بالْكلَام، لِأَنَّهُ فهم أَن المهدية كَانَت

стр. 3751

أَرَادَت بإرسالها ذَلِك إِلَى بَيت عَائِشَة أذاها، والمظاهرة عَلَيْهَا، فَلَمَّا كسرتها لم يزدْ على أَن قَالَ: (غارت أمكُم وَجمع الطَّعَام بِيَدِهِ وَقَالَ: قَصْعَة بقصعة وَأما طَعَام بِطَعَام) ، لِأَنَّهُ كَانَ يعلم بإتلافه قبُول لَهُ أَو فِي حكمه، وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر: وَلم يغرم الطَّعَام لِأَنَّهُ كَانَ مهْدي، فإتلافه قبُوله لَهُ، أَو فِي حكم الْقبُول، قيل: فِيهِ نظر لِأَن الطَّعَام لم يتْلف فَإِنَّهُ دعى بقصعة فَوَضعه فِيهَا، وَقَالَ: (كلوا غارت أمكُم) . وَأجِيب: بِأَن هَذَا الطَّعَام إِن كَانَ هَدِيَّة فيستدعى أَن يكون ملكا للمهدي فَلَا غَرَامَة، وَإِن كَانَ ملكا للنَّبِي، ﷺ ، بِاعْتِبَار أَن مَا كَانَ فِي بيُوت أَزوَاجه، ﷺ ، فَهُوَ ملك لَهُ فَلَا يتَصَوَّر فِيهِ الغرامة. وَقَالَ ابنُ أبي مَرْيَمَ قَالَ أخبَرَنَا يَحْيَى بنُ أيُّوبَ قَالَ حدَّثنا حُمَيْدٌ قَالَ حدَّثنا أنَسٌ عنِ النبيِّ ﷺ ابْن أبي مَرْيَم اسْمه سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم بن أبي مَرْيَم، وَهُوَ أحد شُيُوخ البُخَارِيّ، وَأَرَادَ بِهَذَا الْكَلَام بَيَان التَّصْرِيح بتحديث أنس لحميد. ٥٣ - (بابٌ إذَا هَدَمَ حائِطاً فَلْيَبْنِ مِثْلَهُ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا هدم شخص حَائِط شخص فليبن مثله وَهَذَا بِعَيْنِه، مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأبي ثَوْر، فَإِنَّهُم قَالُوا: إِذا هدم رجل حَائِطا لآخر فَإِنَّهُ يَبْنِي لَهُ مثله، فَإِن تَعَذَّرَتْ الْمُمَاثلَة رَجَعَ إِلَى الْقيمَة، وَفِي فَتَاوَى الظَّهِيرِيَّة ذكر الإِمَام مُحَمَّد بن الْفضل: إِذا هدم رجل حَائِط إِنْسَان إِن كَانَ من خشب ضمن الْقيمَة، وَإِن كَانَ من طين وَكَانَ عتيقاً قَدِيما فَكَذَلِك، وَإِن كَانَ حَدِيثا جَدِيدا أَمر بإعادته. ٢٨٤٢ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ هُوَ بنُ حازِمٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيرينَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ كانَ رجُلٌ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ يُقالُ لَهُ جُرَيْجٍ يُصَلِّي فَجاءَتْهُ أُمُّهُ فدَعَتْهُ فَأبى أنْ يُجِيبَهَا فَقَالَ أُجِيبُها أوْ أُصَلِّي ثُمَّ أتَتْهُ فقالَتْ أللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حتَّى تُرِيهِ الْمُومِساتِ وكانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ فقالَتْ امْرَأةٌ لَأَفْتِنَنَّ جُرَيْجاً فتَعَرَّضَتْ لَهُ فكَلَّمَتْهُ فأبَى فأتَتْ راعِياً فأمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِها فوَلَدَتْ غُلاماً فقالَتْ هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ فأتَوْهُ وكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ فأنْزَلُوهُ وسَبُّوهُ فتَوَضَّأَ وصَلَّى ثُمَّ أتَى الغُلَامَ فقالَ مَنْ أبُوكَ يَا غُلامُ قَالَ الرَّاعِي قَالُوا نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ لَا إلَاّ مِنْ طِينٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (نَبْنِي صومعتك من ذهب، قَالَ: لَا، إلَاّ من طين) . لِأَنَّهُ كَانَ من طين، وَلم يرض إلَاّ أَن يكون مثله. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، ﵈، مطولا. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن يزِيد بن هَارُون عَن جرير بن حَازِم. قَوْله: (جريج) ، بِضَم الْجِيم الأولى: الراهب. قَوْله: (يُصَلِّي) ، خبر: كَانَ. قَوْله: (أَو أُصَلِّي؟) كلمة: أَو، هُنَا للتَّخْيِير. قَوْله: (لَا تمته) بِضَم التَّاء: من الإماتة. قَوْله: (حَتَّى تريه) ، بِضَم التَّاء: من الإراءة. قَوْله: (المومسات) ، أَي: الزواني، وَهُوَ جمع مومسة، وَهِي الْفَاجِرَة وَيجمع على: مياميس أَيْضا وموامس، وَأَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ: مياميس، وَلَا يَصح إلَاّ على إشباع الكسرة لتصير: يَاء، كمطفل ومطافل ومطافيل، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَمِنْه حَدِيث أبي وَائِل: أَكثر تبع الدَّجَّال أَوْلَاد المياميس، وَفِي رِوَايَة: أَوْلَاد الموامس، وَقد اخْتلف فِي أصل هَذِه اللَّفْظَة، فبعضهم يَجعله من الْهمزَة، وَبَعْضهمْ يَجعله من الْوَاو، وكل مِنْهُمَا تكلّف لَهُ اشتقاقاً فِيهِ. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: المومسة الْفَاجِرَة وَلم يذكر شَيْئا غير ذَلِك، وَفِي الْمطَالع المياميس والمومسات: المجاهرات بِالْفُجُورِ، الْوَاحِدَة: مومسة، وبالياء الْمَفْتُوحَة روينَاهُ عَن جَمِيعهم، وَكَذَلِكَ ذكره أَصْحَاب الْعَرَبيَّة فِي

стр. 3752

الْوَاو وَالْمِيم وَالسِّين، وَرَوَاهُ ابْن الْوَلِيد عَن ابْن السماك: المآميس، بِالْهَمْز، فَإِن صَحَّ الْهَمْز فَهُوَ من: مَاس الرجل، إِذا لم يلْتَفت إِلَى موعظة، ومأس مَا بَين يَدي الْقَوْم: أفسد، وَهَذَا بِمَعْنى المجاهرة والاستهتار، وَيكون وَزنه على هَذَا: فعاليل. قَوْله: (فِي صومعته) . قَوْله: (فكلمته) ، أَي: فِي ترغيبه فِي مباشرتها. قَوْله: (فَولدت) ، فِيهِ حذف كثير تَقْدِيره: فأمكنته من نَفسهَا، يَعْنِي: زنى بهَا فحبلت ثمَّ ولدت غُلَاما، فَقَالَت: أَي الْمَرْأَة، هُوَ، أَي: الْغُلَام، من جريج. قَوْله: (ثمَّ أَتَى الْغُلَام) ، بِالنّصب أَي: الطِّفْل الَّذِي فِي المهد قبل زمَان تكَلمه. قَوْله: (قَالَ: لَا) أَي: قَالَ جريج: لَا تبنوها إلَاّ من طين، وَقَالَ ابْن مَالك: فِيهِ شَاهد على حذف المجزوم: بِلَا، كَمَا قدرناه. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الِاحْتِجَاج بِأَن شرع من قبلنَا شرع لنا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَاحْتج البُخَارِيّ بِهِ على التَّرْجَمَة بِنَاء على أَن شرع من قبلنَا شرع لنا، وَفِيه نظر، لِأَن شرعنا أوجب الْمثل فِي الْمِثْلِيَّات، والحائط مُتَقَوّم لَا مثلي. انْتهى. قلت: شرع من قبلنَا يلْزمنَا مَا لم يقص الله علينا بالإنكار، وَقد قُلْنَا: إِن الْحَائِط إِذا كَانَ من خشب يكون من ذَوَات الْقيم، وَإِن كَانَ من الطين وَالْحجر يبْنى بِأَن يُعَاد مثله. وَفِيه: أَن الطِّفْل يدعى غُلَاما وَفِيه: أَنه أحد من تكلم فِي المهد، وَقَالَ الضَّحَّاك: تكلم فِي المهد سِتَّة: شَاهد يُوسُف، ﵊، وَابْن ماشطة فِرْعَوْن، وَعِيسَى، وَيحيى، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَصَاحب جريج، وَصَاحب الْأُخْدُود. وَفِيه: الْمُطَالبَة، كَمَا طالبت بَنو إِسْرَائِيل جريجاً بِمَا ادَّعَتْهُ الْمَرْأَة عَلَيْهِ، وأصل هَذِه الْمُطَالبَة أَن أهل تِلْكَ الْبَلدة كَانُوا يعظمون أَمر الزِّنَا، فَظهر أَمر تِلْكَ الْمَرْأَة فِي الْبَلَد، فَلَمَّا وضعت حملهَا أخبر الْملك أَن امْرَأَة قد ولدت من الزِّنَا، فَدَعَاهَا فَقَالَ لَهَا: من أَيْن لَك هَذَا الْوَلَد؟ قَالَت: من جريج الراهب، قد واقعني. فَبعث الْملك أعوانه إِلَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاة فَنَادَوْهُ فَلم يجبهم حَتَّى جاؤا إِلَيْهِ بالمرو والمساحي وهدموا صومعته وَجعلُوا فِي عُنُقه حبلاً وجاؤا بِهِ إِلَى الْملك، فَقَالَ لَهُ الْملك: إِنَّك قد جعلت نَفسك عابداً ثمَّ تهتك حَرِيم النَّاس وتتعاطى مَا لَا يحل لَهُ؟ قَالَ: أَي شَيْء فعلت؟ قَالَ: إِنَّك زَنَيْت بِامْرَأَة كَذَا. فَقَالَ: لم أفعل، فَلم يصدقوه وَحلف على ذَلِك فَلم يصدقوه، فَقَالَ: فردوني إِلَى أُمِّي، فَردُّوهُ إِلَيْهَا فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّاهُ إِنَّك دَعَوْت الله عَليّ فَاسْتَجَاب الله دعاءك، فَادّعى الله أَن يكْشف عني بدعائك. فَقَالَت: أللهم إِن كَانَ جريج إِنَّمَا أَخَذته بدعوتي فاكشف عَنهُ، فَرجع جريج إِلَى الْملك، فَقَالَ: أَيْن هَذِه الْمَرْأَة؟ وَأَيْنَ هَذَا الصَّبِي؟ فجاؤا بهما، فسألوهما، فَقَالَت الْمَرْأَة: بلَى هَذَا الَّذِي فعل بِي، فَوضع جريج يَدَيْهِ على رَأس الصَّبِي، وَقَالَ: بِحَق الَّذِي خلقك أَن تُخبرنِي من أَبوك؟ فَتكلم الصَّبِي بِإِذن الله تَعَالَى، وَقَالَ: إِن أبي فلَان الرَّاعِي، فَلَمَّا سَمِعت الْمَرْأَة بذلك اعْترفت، وَقَالَت: كنت كَاذِبَة، وَإِنَّمَا فعل بِي فلَان الرَّاعِي. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى أَن الْمَرْأَة كَانَت حَامِلا لم تضع بعد، فَقَالَ لَهَا: أَيْن أصبتك؟ قَالَت: تَحت شَجَرَة، وَكَانَت الشَّجَرَة بِجنب صومعته، قَالَ جريج: أخرجُوا إِلَى تِلْكَ الشَّجَرَة، ثمَّ قَالَ: يَا شَجَرَة ﴿أَسأَلك بِالَّذِي خلقكك أَن تخبريني من زنى بِهَذِهِ الْمَرْأَة؟ فَقَالَ كل غُصْن مِنْهَا: راعي الْغنم، ثمَّ طعن بإصبعه فِي بَطنهَا، وَقَالَ: يَا غُلَام﴾ من أَبوك؟ فَنَادَى من بَطنهَا: أبي راعي الْغنم، فَعِنْدَ ذَلِك اعتذر الْملك إِلَى جريج، وَقَالَ: إئذن لي أَن أبني صومعتك بِالذَّهَب؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فبالفضة؟ قَالَ: لَا، وَلَكِن بالطين كَمَا كَانَ، فبنوه بالطين كَمَا كَانَ، هَكَذَا سَاق هَذِه الْقِصَّة الإِمَام أَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي فِي كتاب (تَنْبِيه الغافلين) ، وَذكر أَبُو اللَّيْث عَن يزِيد بن حَوْشَب الفِهري عَن أَبِيه، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (لَو كَانَ جريج الراهب فَقِيها لعلم أَن إِجَابَة أمه أفضل من عبَادَة ربه) . وَفِيه: إِثْبَات الْكَرَامَة للأولياء. وَقَالَ ابْن بطال: يُمكن أَن يكون جريج نَبيا، لِأَن النُّبُوَّة كَانَت مُمكنَة فِي بني إِسْرَائِيل غير ممتنعة عَلَيْهِم، وَلَا نَبِي بعد نَبينَا مُحَمَّد ﷺ ، فَلَيْسَ يجْرِي من الْآيَات بعده مَا يكون خرقاً للْعَادَة وَلَا قلب الْعين، وَإِنَّمَا يكون كَرَامَة لأوليائه، مثل: دعز مجابة ورؤيا صَالِحَة وبركة ظَاهِرَة وَفضل بَين وتوفيق من الله تَعَالَى إِلَى الْإِبْرَاء مِمَّا اتهمَ بِهِ الصالحون وامتحن بِهِ المتقون. وَفِيه: أَن دُعَاء الْأُم أَو الْأَب على وَلَده، إِذا كَانَ بنية خَالِصَة، قد يُجَاب، وَإِن كَانَ فِي حَال الضجر. وَفِيه: أَيْضا خلاص الْوَلَد من بلية باتلي بهَا ببركة دُعَاء وَالِديهِ. وَفِيه: دَلِيل أَن الْوضُوء كَانَ لغير هَذِه الْأمة أَيْضا إلَاّ أَن هَذِه الْأمة قد خصت بالغرة والتحجيل خلافًا لمن خصها بِأَصْل الْوضُوء. بِسْمِ الله الرحْمانِ الرَّحِيم

стр. 3753

٧٤ - (كِتابُ الشَّرِكَةِ) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الشّركَة، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَابْن شبويه، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: بَاب الشّركَة، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: فِي الشّركَة، بِدُونِ لفظ: كتاب، وَلَا لفظ: بَاب، وَالشَّرِكَة، بِفَتْح الشين وَكسر الرَّاء، وَكسر الشين وَإِسْكَان الرَّاء، وَفتح الشين وَإِسْكَان الرَّاء. وَفِيه لُغَة رَابِعَة: شرك، بِغَيْر تَاء التَّأْنِيث. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا لَهُم فِيهَا من شرك﴾ (سبأ: ٢٢) . أَي: من نصيب، وَجمع الشّركَة: شرك، بِفَتْح الرَّاء وَكسر الشين، يُقَال: شركته فِي الْأَمر أشركه شركَة، وَالِاسْم الشّرك وَهُوَ: النَّصِيب. قَالَ ﷺ : (من أعتق شركا لَهُ) ، أَي: نَصِيبا وَشريك الرجل ومشاركه سَوَاء، وَهِي فِي اللُّغَة الِاخْتِلَاط على الشُّيُوع أَو على الْمُجَاورَة، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِن كثيرا من الخلطاء ليبغي﴾ (ص: ٤٢) وَفِي الشَّرْع ثُبُوت الْحق لاثْنَيْنِ فَصَاعِدا فِي الشَّيْء الْوَاحِد كَيفَ كَانَ. ثمَّ هِيَ تَارَة تحصل بالخلط، وَتارَة بالشيوع الْحكمِي كَالْإِرْثِ، وَقَالَ أَصْحَابنَا: الشّركَة فِي الشَّرْع عبارَة عَن العقد على الِاشْتِرَاك واختلاط النَّصِيبَيْنِ، وَهِي على نَوْعَيْنِ: شركَة الْملك، وَهِي أَن يملك إثنان عينا أَو إِرْثا أَو شِرَاء أَو هبة أَو ملكا بِالِاسْتِيلَاءِ، أَو اخْتَلَط مَالهمَا بِغَيْر صنع أَو خلطاه، خلطاً بِحَيْثُ يعسر التَّمْيِيز أَو يتَعَذَّر، فَكل هَذَا شركَة ملك وكل وَاحِد مِنْهُمَا: أَجْنَبِي فِي قسط صَاحبه. وَالنَّوْع الثَّانِي: شركَة العقد، وَهِي أَن يَقُول أَحدهمَا: شاركتك فِي كَذَا، وَيقبل الآخر، وَهِي على أَرْبَعَة أَنْوَاع: مُفَاوَضَة، وعنان، وَتقبل، وَشركَة وُجُوه، وبيانها فِي الْفُرُوع. ١ - (بابُ الشَّرِكَةِ فِي الطَّعامِ والنِّهْدِ والْعُرُوضِ وكَيْفَ قِسْمَةُ مَا يُكَالُ ويوزَنُ مُجَازَفَةً أوْ قَبْضَةً قَبْضَةً لما لَمْ يَرَ الْمُسْلِمُونَ فِي النِّهْدِ بَأْساً أنْ يِأْكُلَ هَذا بَعْضاً وهذَا بعْضاً وكَذَلِكَ مُجَازَفَةُ الذَّهَبِ والفضَّةِ والقِرَانِ فِي التَّمْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشّركَة فِي الطَّعَام، وَقد عقد لهَذَا بَاب مُفردا مُسْتقِلّا يَأْتِي بعد أَبْوَاب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (والنهد) ، بِفَتْح النُّون وَكسرهَا وَسُكُون الْهَاء وبدال مُهْملَة، قَالَ الْأَزْهَرِي فِي (التَّهْذِيب) : النهد إِخْرَاج الْقَوْم نفقاتهم على قدر عدد الرّفْقَة، يُقَال: تناهدوا، وَقد ناهد بَعضهم بَعْضًا. وَفِي (الْمُحكم) : النهد العون، وَطرح نهده مَعَ الْقَوْم أعانهم وخارجهم، وَقد تناهدوا أَي: تخارجوا، يكون ذَلِك فِي الطَّعَام وَالشرَاب، وَقيل: النهد إِخْرَاج الرفقاء النَّفَقَة فِي السّفر وخلطها، وَيُسمى بالمخارجة، وَذَلِكَ جَائِز فِي جنس وَاحِد وَفِي الْأَجْنَاس، وَإِن تفاوتوا فِي الْأكل، وَلَيْسَ هَذَا من الرِّبَا فِي شَيْء، وَإِنَّمَا هُوَ من بَاب الْإِبَاحَة، وَقَالَ ثَعْلَب: هُوَ النهد، بِالْكَسْرِ، قَالَ: وَالْعرب تَقول: هَات نهدك، مَكْسُورَة النُّون. وَحكى عَن عَمْرو بن عبيد عَن الْحسن أَنه قَالَ: أخرجُوا نهدكم فَإِنَّهُ أعظم للبركة وأحس لأخلاقكم وَأطيب لنفوسكن. وَفِي (الْمطَالع) : أَن الْقَابِسِيّ فسره بِطَعَام الصُّلْح بَين الْقَبَائِل، وَعَن قَتَادَة: مَا أفلس المتلازمان يَعْنِي: المتناهدان، وَذكر مُحَمَّد بن عبد الْملك التاريخي فِي كتاب (النهد) : عَن الْمَدَائِنِي وَابْن الْكَلْبِيّ وَغَيرهمَا: أَن أول من وضع النهد الحضين بن الْمُنْذر الرقاشِي. قلت: الحضين، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره نون: ابْن الْمُنْذر بن الْحَارِث بن وَعلة بن مجَالد بن يثربي بن رَيَّان بن الْحَارِث بن مَالك بن شَيبَان بن ذهل، أحد بني رقاش، شَاعِر فَارسي يكنى أَبَا ساسان، روى عَن عُثْمَان وَعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وروى عَنهُ الْحسن الْبَصْرِيّ وَعبد الله بن الداناج وَعلي بن سُوَيْد وَابْنه يحيى بن حضين، وَكَانَ أَسِيرًا عِنْد بني أُميَّة فَقتله أَبُو مُسلم الْخُرَاسَانِي. قَوْله: (وَالْعرُوض) ، بِضَم الْعين: جمع عرض بِسُكُون الرَّاء وَهُوَ الْمَتَاع، ويقابل النَّقْد، وَأَرَادَ بِهِ: الشّركَة فِي الْعرُوض، وَفِيه خلاف. فَقَالَ أَصْحَابنَا: لَا يَصح شركَة مُفَاوَضَة وَلَا شركَة عنان إلَاّ بالنقدين وهما: الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير والتبر. وَقَالَ مَالك: يجوز فِي الْعرُوض إِذا اتَّحد الْجِنْس، وَعند بعض الشَّافِعِيَّة: يجوز إِذا كَانَ عرضا مثلِيا. وَقَالَ مُحَمَّد: يَصح أَيْضا بالفلوس الرائجة. لِأَنَّهَا برواجها يأحذ حكم النَّقْدَيْنِ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف: لَا يَصح، لِأَن رواجها عَارض. قَوْله: (وَكَيف قسْمَة مَا يُكَال) أَي: وَفِي بَيَان قسْمَة مَا يدْخل تَحت الْكَيْل وَالْوَزْن، هَل يجوز مجازفة أَو يجوز قَبْضَة قَبْضَة، يَعْنِي: مُتَسَاوِيَة، وَقيل: المُرَاد بهَا مجازفة الذَّهَب بِالْفِضَّةِ وَالْعَكْس، لجَوَاز

стр. 3754

التَّفَاضُل فِيهِ، وَكَذَا كل مَا جَازَ بالتفاضل مِمَّا يُكَال أَو يُوزن من المطعومات وَنَحْوهَا، هَذَا إِذا كَانَت المجازفة فِي الْقِسْمَة. وَقُلْنَا: الْقِسْمَة بيع، وَقَالَ ابْن بطال: قسْمَة الذَّهَب بِالذَّهَب مجازفة وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ مِمَّا لَا يجوز بِالْإِجْمَاع. وَأما قسْمَة الذَّهَب مَعَ الْفضة مجازفة، فكرهه مَالك وَأَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ وَآخَرُونَ، وَكَذَلِكَ: لَا يجوز قسْمَة الْبر مجازفة، وكل مَا حرم فِيهِ التَّفَاضُل. قَوْله: (لما لم ير الْمُسلمُونَ) اللَّام فِيهِ مَكْسُورَة وَالْمِيم مُخَفّفَة، هَذَا تَعْلِيل لعدم جَوَاز قسْمَة الذَّهَب بِالذَّهَب وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ مجازفة، أَي: لأجل عدم رُؤْيَة الْمُسلمين بالنهد بَأْسا، جوزوا مجازفة الذَّهَب بِالْفِضَّةِ لاخْتِلَاف الْجِنْس، بِخِلَاف مجازفة الذَّهَب بِالذَّهَب وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ لجَرَيَان الرِّبَا فِيهِ، فَكَمَا أَن مَبْنِيّ النهد على الْإِبَاحَة، وَإِن حصل التَّفَاوُت فِي الْأكل، فكذل مجازفة الذَّهَب بِالْفِضَّةِ وَإِن كَانَ فِيهِ التَّفَاوُت بِخِلَاف الذَّهَب بِالذَّهَب وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ، لما ذكرنَا. قَوْله: (أَن يَأْكُل هَذَا بَعْضًا) تَقْدِيره: بِأَن يَأْكُل، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَنهم كَمَا جوزوا النهد الَّذِي فِيهِ التَّفَاوُت، فَكَذَلِك جوزوا مجازفة الذَّهَب وَالْفِضَّة مَعَ التَّفَاوُت، لما ذكرنَا. قَوْله: (والقِران فِي التَّمْر) ، بِالْجَرِّ، ويروى: والإقران، عطف على قَوْله: أَن يَأْكُل هَذَا بَعْضًا، أَي: بِأَن يَأْكُل هَذَا تمرتين تمرتيين، وَهَذَا تَمْرَة تَمْرَة. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي حَدِيث ابْن عمر فِي كتاب الْمَظَالِم فِي: بَاب إِذا أذن إِنْسَان لآخر شَيْئا جَازَ. ٣٨٤٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ وهْبِ بنِ كَيْسانَ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّهُ قَالَ بَعَثَ رسولُ الله ﷺ بَعْثاً قِبَلَ السَّاحِلِ فأمَّرَ عَلَيْهِمْ أبَا عُبَيْدَةَ ابنَ الجَرَّاحِ وهُمْ ثَلَاثُمائَةٍ وَأَنا فِيهِمْ فخَرَجْنا حتَّى إِذا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ فأمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بأزْوادِ ذالِكَ الْجَيْشِ فَجُمِعَ ذالِكَ كُلُّهُ فكانَ مِزْوَدَيْ تَمرٍ فكانَ يُقَوِّتُنا كلَّ يَوْمٍ قَليلاً قَليلاً حتَّى فَنِيَ فَلَمْ يكُنْ يُصِيبُنَا إلَاّ تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ فقُلْتُ وَمَا تُغْنِي تَمْرةٌ فَقَالَ لَقَدْ وجَدْنَا فَقْدَها حينَ فَنيَتْ قَالَ ثُمَّ انْتَهَيْنَا إلاى الْبَحْرِ فإذَا حُوتٌ مثْلُ الظَّرِبِ فأكَلَ منْهُ ذالِكَ الْجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثُمَّ أمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلَعَيْنِ مِنْ أضْلاعِهِ فَنُصِبا ثمَّ أمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرَحُلَتْ ثمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا فلَمْ تُصِبْهُمَا.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَأمر أَبُو عُبَيْدَة بأزواد ذَلِك الْجَيْش فَجمع ذَلِك ذَلِك كُله) وَلما كَانَ يفرق عَلَيْهِم كل يَوْم قَلِيلا قَلِيلا صَار فِي معنى النهد، وَاعْترض بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذكر المجازفة، لأَنهم لم يُرِيدُوا الْمُبَايعَة وَلَا الْبَدَل. وَأجِيب: بِأَن حُقُوقهم تَسَاوَت فِيهِ بعد جمعه، فتناولوه مجازفة كَمَا جرت الْعَادة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن مَالك، وَفِي الْجِهَاد عَن صَدَقَة بن الْفضل. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّيْد عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن مُحَمَّد ابْن عَبدة بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن ابْن مهْدي عَن مَالك بِهِ وَعَن أبي كريب عَن أبي أُسَامَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن هناد بن السّري، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّيْد وَفِي السّير عَن مُحَمَّد بن آدم وَعَن الْحَارِث ب مِسْكين. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الزّهْد عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بعث رَسُول الله، ﷺ ، بعثاً) كَانَ هَذَا الْبَعْث فِي رَجَب سنة ثَمَان لِلْهِجْرَةِ، والبعث، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفِي آخِره ثاء مُثَلّثَة: وَهُوَ بِمَعْنى الْمَبْعُوث، من بَاب تَسْمِيَة الْمَفْعُول بِالْمَصْدَرِ. قَوْله: (قبل السَّاحِل) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: جِهَة السَّاحِل، والساحل شاطىء الْبَحْر. قَوْله: (فأمَّر) ، بتَشْديد الْمِيم: من التأمير، أَي: جعل أَبَا عُبَيْدَة أَمِيرا عَلَيْهِم، وَاسم أبي عُبَيْدَة: عَامر بن عبد الله بن الْجراح، بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الرَّاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة: الفِهري الْقرشِي أَمِين الْأمة، أحد الْعشْرَة المبشرة، شهد الْمشَاهد كلهَا، وَثَبت مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، يَوْم أحد وَنزع الحلقتين اللَّتَيْنِ دخلتا فِي وَجه رَسُول الله ﷺ من حلق المنفر بِفِيهِ، فَوَقَعت ثنيتاه، مَاتَ سنة ثَمَانِي عشرَة فِي طاعون عمواس، وقبره بغور نيسان عِنْد قَرْيَة تسمى عمتا، وَصلى عَلَيْهِ معَاذ بن جبل

стр. 3755

وَكَانَ سنه يَوْم مَاتَ ثمانياً وَخمسين سنة. قَوْله: (وهم) ، أَي: الْبَعْث الَّذِي هُوَ الْجَيْش ثَلَاثمِائَة أنفس. قَوْله: (فني الزَّاد) ، قَالَ الْكرْمَانِي: إِذا فني فَكيف أَمر بِجمع الأزواد؟ فَأجَاب: بِأَنَّهُ إِمَّا أَن يُرِيد بِهِ فنَاء زَاده خَاصَّة، أَو يُرِيد بالفناء الْقلَّة. قلت: يجوز أَن يُقَال معنى: فنى: أشرف على الفناء. قَوْله: (فَكَانَ مزودي تمر) ، المزود، بِكَسْر الْمِيم: مَا يَجْعَل فِيهِ الزَّاد، كالجراب. وَفِي رِوَايَة مُسلم: بعثنَا رَسُول الله، ﷺ ، وزودنا جراباً من تمر لم يجد لنا غَيره، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة يُعْطِينَا تَمْرَة تَمْرَة. قَوْله: (لقد وجدنَا فقدها حِين فنيت) ، أَي: وجدنَا فقدها مؤثراً شاقاً علينا، وَلَقَد حزنَّا لفقدها. قَوْله: (ثمَّ انتهينا إِلَى الْبَحْر فَإِذا حوت) ، كلمة: إِذا، للمفاجأة، والحوت يَقع على الْوَاحِد وَالْجمع، وَقَالَ صَاحب (الْمُنْتَهى) : وَالْجمع حيتان، وَهِي الْعِظَام مِنْهَا. وَقَالَ ابْن سيدة: الْحُوت السّمك اسْم جنس، وَقيل: هُوَ مَا عظم مِنْهُ، وَالْجمع أحوات. وَفِي كتاب الْفراء: جمعه أحوته وأحوات فِي الْقَلِيل، فَإِذا كثرت فَهِيَ الْحيتَان. قَوْله: (مثل الظرب) ، بِفَتْح الظَّاء الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء: مُفْرد الظراب، وَهِي الروابي الصغار. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الظراب الْجبَال الصغار وَاحِدهَا ظرب، بِوَزْن كتف، وَقد يجمع فِي الْقلَّة على: أظراب. قَوْله: (ثَمَانِي عشرَة لَيْلَة) ، كَذَا هُوَ فِي نُسْخَة الْأصيلِيّ، وَرُوِيَ: ثَمَانِيَة عشر لَيْلَة، وَقَالَ ابْن التِّين: الصَّوَاب هُوَ الأول. وَرُوِيَ: فأكلنا مِنْهُ شهرا. وَرُوِيَ: نصف شهر، وَقَالَ عِيَاض: يَعْنِي: أكلُوا مِنْهُ نصف شهر طرياً، وَبَقِيَّة ذَلِك قديداً. وَقَالَ النَّوَوِيّ: من قَالَ شهرا هُوَ الأَصْل وَمَعَهُ زِيَادَة علم، وَمن روى دونه لم ينف الزِّيَادَة، وَلَو نفاها قدم الْمُثبت، وَالْمَشْهُور عِنْد الْأُصُولِيِّينَ أَن مَفْهُوم الْعدَد لَا حكم لَهُ فَلَا يلْزم مِنْهُ نفي الزِّيَادَة. وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فَأَقَمْنَا عَلَيْهَا شهرا، وَلَقَد رَأَيْتنَا تغترق من وَقب عينه قلال الدّهن، ونقتطع مِنْهُ الفدر، كالثور، وَلَقَد أَخذ منا أَبُو عُبَيْدَة ثَلَاثَة عشر رجلا فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقب عينه وتزودنا من لَحْمه وشائق، فَلَمَّا قدمنَا الْمَدِينَة أَتَيْنَا رَسُول الله ﷺ فَذَكرنَا ذَلِك لَهُ، فَقَالَ: هُوَ رزق أخرجه الله لكم، فَهَل مَعكُمْ من لَحْمه شيى فتطعمونا؟ قَالَ: فَأَرْسَلنَا إِلَى رَسُول الله ﷺ مِنْهُ فَأَكله) . قَوْله: (بضلعين) ، ضبط بِكَسْر الضَّاد وَفتح اللَّام، وَقَالَ فِي (أدب الْكَاتِب) : ضلع وضلع. وَقَالَ الْهَرَوِيّ: هما لُغَتَانِ، والضلع مُؤَنّثَة، والوقب، بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْقَاف وبالباء الْمُوَحدَة: هُوَ النقرة الَّتِي يكون فِيهَا الْعين. قَوْله: (الفدر) ، بِكَسْر الْفَاء وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره رَاء: جمع فدرة، وَهِي الْقطعَة من اللَّحْم، (والوشائق) ، بالشين الْمُعْجَمَة: جمع وشيقة، وَهِي اللَّحْم القديد. وَقيل: الوشيقة أَن يُؤْخَذ اللَّحْم فيغلى قَلِيلا وَلَا ينضج، فَيحمل فِي الْأَسْفَار. وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ: (نرصد عيرًا لقريش، فَأَقَمْنَا بالسَّاحل نصف شهر فأصابنا جوع شَدِيد حَتَّى أكلنَا الْخبط، فَسُمي ذَلِك الْجَيْش بِجَيْش الْخبط، فَألْقى لنا الْبَحْر دَابَّة يُقَال لَهَا: العنبر، فأكلنا مِنْهَا نصف شهر وادَّهنَّا من ودكه حَتَّى ثَابت إِلَيْنَا أجسامنا) . وَفِي مُسلم: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يَعْنِي بالعنبر ميتَة، ثمَّ قَالَ: لَا بل نَحن رسل رَسُول الله، ﷺ ، وَفِي سَبِيل الله ، وَقد اضطررتم فَكُلُوا. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الْقُرْطُبِيّ: جمعُ أبي عُبيدة الأزواد وقسمتها بِالسَّوِيَّةِ إِمَّا إِن يكون حكما حكم بِهِ لِما شَاهد من الضَّرُورَة وخوفه من تلف من لم يبْق مَعَه زَاد، فَظهر لَهُ أَنه وَجب على من مَعَه أَن يواسي من لَيْسَ لَهُ زَاد، أَو يكون عَن رضَا مِنْهُم، وَقد فعل مثل ذَلِك غير مرّة سيدنَا رَسُول الله، ﷺ ، وَلذَلِك قَالَ بعض الْعلمَاء هُوَ سنَّة. وَقَالَ ابْن بطال: إستدل بعض الْعلمَاء بِهَذَا الحَدِيث بِأَنَّهُ لَا يقطع سَارِق فِي مجاعَة، لِأَن الْمُوَاسَاة وَاجِبَة للمحتاجين وَخَصه أَبُو عمر بِسَرِقَة المأكل. وَفِيه: أَن للْإِمَام أَن يواسي بَين النَّاس فِي الأقوات فِي الْحَضَر بِثمن وَغَيره، كَمَا فعل ذَلِك فِي السّفر. وَفِيه: قُوَّة إِيمَان هَؤُلَاءِ الْبَعْث، إِذْ لَو ضعف، وَالْعِيَاذ بِاللَّه، لما خَرجُوا وهم ثَلَاثمِائَة وَلَيْسَ مَعَهم سوى جراب تمر أَو مزودي تمر، كَمَا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. قَالَ عِيَاض: وَيحْتَمل أَن يكون، ﷺ ، زودهم الجراب زَائِدا عَمَّا كَانَ مَعَهم من الزَّاد من أَمْوَالهم، وَيحْتَمل أَنه لم يكن فِي أَزْوَادهم تمر غير هَذَا الجراب، وَكَانَ مَعَهم غَيره من الزَّاد. وَقيل: يحْتَمل أَن الجراب الَّذِي زودهم الشَّارِع كَانَ على سَبِيل الْبركَة، فَلِذَا كَانُوا يأخذونه تَمْرَة تَمْرَة. وَفِيه: فضل أبي عُبَيْدَة، وَلِهَذَا سَمَّاهُ الشَّارِع: أَمِين هَذِه الْأمة. وَفِيه: النّظر فِي الْقَوْم وَالتَّدْبِير فِيهِ وَفضل الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، على مَا كَانَ فيهم من الْبُؤْس وَقد اسْتَجَابُوا لله وَلِلرَّسُولِ من بَعْدَمَا أَصَابَهُم الْقرح. وَفِيه: رضاهم بِالْقضَاءِ وطاعتهم للأمير. وَفِيه: جَوَاز الشّركَة فِي الطَّعَام خلط الأزواد فِي السّفر إِذا كَانَ ذَلِك أرْفق بهم.

стр. 3756

٤٨٤٢ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ مَرْحُومٍ قَالَ حدَّثنا حاتِمُ بنُ إسْمَاعِيلَ عنْ يَزِيدَ بنِ أبِي عُبَيْدٍ عنْ سَلَمَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ خَفَّتْ أزْوَادُ الْقَوْمِ وأمْلَقُوا فأتَوُا النبيَّ ﷺ فِي نَحْرِ إبِلِهِمْ فأذِنَ لَهُمْ فَلَقِيَهُمْ عُمَرُ فأخْبَرُوهُ فَقَالَ مَا بَقاؤُكُمْ بَعْدَ إبِلِكُمْ فدَخَلَ عَليّ النبيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رسولَ الله مَا بَقَاؤُهُمْ بعْدَ إبِلِهِمْ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ نادِ فِي النَّاسِ فَيَأْتُونَ بِفَضْلِ أزْوَادِهِمْ فَبُسِطَ لِذالِكَ نِطْعٌ وجَعَلُوهُ علَي النِّطْعِ فقامَ رسولُ الله ﷺ فدَعا وبَرَّكَ علَيْهِ ثُمَّ دَعَاهُمْ بِأوْعِيَتِهِمْ فاحْتَثاى النَّاسُ حتَّى فرَغُوا ثمَّ قَالَ رسولُ الله ﷺ أشْهَدْ أنْ لَا إلاه إلَاّ الله وأنِّي رسولُ الله. (الحَدِيث ٤٨٤٢ طرفه فِي: ٢٨٩٢) . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَيَأْتُونَ بِفضل أَزْوَادهم) وَمن قَوْله: (فَدَعَا وبرَّك عَلَيْهِ) فَإِن فِيهِ جمع أَزْوَادهم وَهُوَ فِي معنى النهد، ودعا النَّبِي، ﷺ ، فِيهَا بِالْبركَةِ. ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة: الأول: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن مَرْحُوم هُوَ بشر بن عُبَيْس بن مَرْحُوم بن عبد الْعَزِيز الْعَطَّار. الثَّانِي: حَاتِم بن إِسْمَاعِيل أَبُو إِسْمَاعِيل. الثَّالِث: يزِيد بن أبي عبيد مولى سَلمَة بن الْأَكْوَع، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة سِتّ أَو سبع وَأَرْبَعين وَمِائَة. الرَّابِع: سَلمَة بن الْأَكْوَع، واسْمه سِنَان بن عبد الله الْأَسْلَمِيّ، وكنيته: أَبُو مُسلم، وَقيل: أَبُو عَامر، وَقيل: أَبُو إِيَاس. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه بَصرِي وَأَن حاتماً كُوفِي سكن الْمَدِينَة وَأَن يزِيد مدنِي. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن بشر بن مَرْحُوم أَيْضا وَهُوَ من أَفْرَاده، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْعَبَّاس حَدثنَا أَحْمد بن يُونُس حَدثنَا النَّضر ابْن مُحَمَّد حَدثنَا عِكْرِمَة بن عمار عَن إِيَاس بن سَلمَة عَن أَبِيه بِمَعْنى هَذَا الحَدِيث. قَالَ: وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: عِكْرِمَة عَن إِيَاس صَحِيح، أَو مَحْفُوظ أَو كلَاما نَحْو هَذَا. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : يُرِيد الْإِسْمَاعِيلِيّ: بِنَحْوِهِ، مَا روينَاهُ من عِنْد الطَّبَرَانِيّ: حَدثنَا أَبُو حُذَيْفَة حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحسن بن كيسَان حَدثنَا عِكْرِمَة بن عمار عَن إِيَاس بن سَلمَة عَن أَبِيه، قَالَ: غزونا مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، هوَازن فأصابنا جهد شَدِيد حَتَّى هممنا بنحر بعض ظهرنا، وَفِيه: فتطاولت لَهُ، يَعْنِي للأزواد، أنظر كم هُوَ؟ فَإِذا هُوَ كربض الشَّاة، قَالَ: فحشونا جربنَا، ثمَّ دَعَا رَسُول الله، ﷺ ، بنطفة من مَاء فِي أَدَاة فَأمر بهَا فصبت فِي قدح، فَجعلنَا نتطهر بِهِ حَتَّى تطهرنا جَمِيعًا. قَوْله: (كربض الشَّاة) بِفَتْح الرَّاء وَالْبَاء الْمُوَحدَة وبالضاد الْمُعْجَمَة: وَهُوَ مَوضِع الْغنم الَّذِي تربض فِيهِ، أَي: تمكث فِيهِ، من ربض فِي الْمَكَان يربض إِذا لصق بِهِ وَأقَام ملازماً لَهُ. قَوْله جربنَا بِضَم الْجِيم وَسُكُون الرَّاء جمع جراب. قَوْله: (بنطفة من مَاء) النُّطْفَة، يُقَال للْمَاء الْكثير والقليل، وَهُوَ بِالْقَلِيلِ أخص. قَوْله: (خفت أزواد الْقَوْم) أَي: قلَّت، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: أزودة الْقَوْم. قَوْله: (وأملقوا) أَي: افتقروا، يُقَال: أملق إِذا افْتقر. قَوْله: (نطع) ، فِيهِ أَربع لُغَات. قَوْله: (وبرَّك) ، بتَشْديد الرَّاء أَي دَعَا بِالْبركَةِ عَلَيْهِ. قَوْله: (بِأَوْعِيَتِهِمْ) ، جمع وعَاء. قَوْله: (فأحتثى النَّاس) ، بِسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة بعْدهَا تَاء مثناة من فَوق ثمَّ ثاء مثبتة: من الاحتثاء من حثا يحثو حثوا، وحثى يحثي حثياً إِذا حفن حفْنَة. قَوْله: (ثمَّ قَالَ رَسُول الله، ﷺ إِلَى آخِره، إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن هَذَا كَانَ معْجزَة لَهُ، ﷺ ، وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ فِي (دلائله) من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي عمْرَة الْأنْصَارِيّ عَن أَبِيه، وَفِيه: فَمَا بَقِي فِي الْجَيْش وعَاء إلَاّ ملؤه وَبَقِي مثله، فَضَحِك حَتَّى بَدَت نواجده وَقَالَ: أشهد أَن لَا إلاه إلَاّ الله، وَأَنِّي رَسُول الله، لَا يلقى الله عبد مأمن بهما إلَاّ حُجِبَ من النَّار. ٥٨٤٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسفَ قَالَ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثنا أبُو النَّجَاشِيِّ قَالَ سَمِعْتُ

стр. 3757

رافِعَ بنَ خَدِيجٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كُنَّا نُصَلِّي معَ النبيِّ ﷺ فنَنْحَرُ جَزُوراً فيُقْسَمُ عَشْرَ قِسْمٍ فَنَأْكُلُ لَحْمَاً نَضِيحاً قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَيقسم عشر قسم) فَإِن فِيهِ جمع الْأَنْصِبَاء مِمَّا يُوزن مجازفة. وَمُحَمّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ، قَالَه الْحَافِظ أَبُو نعيم، وَالْأَوْزَاعِيّ هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عمر، وَأَبُو النَّجَاشِيّ، بِفَتْح النُّون وَالْجِيم المخففة وبالشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْيَاء وتخفيفها: واسْمه عَطاء بن صُهَيْب، وَرَافِع، بِالْفَاءِ: ابْن خديج، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الدَّال الْمُهْملَة وبالجيم. والْحَدِيث مضى من هَذَا الْوَجْه فِي كتاب مَوَاقِيت الصَّلَاة فِي: بَاب وَقت الْمغرب، والمتن غير الْمَتْن. قَوْله: (عشر قسم) بِكَسْر الْقَاف وَفتح السِّين: جمع قسْمَة. قَوْله: (لَحْمًا نضيجاً) ، بِفَتْح النُّون وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره جِيم أَي: مستوياً. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: النضيج الْمَطْبُوخ، فعيل بِمَعْنى مفعول. وَفِيه: قسْمَة اللَّحْم من غير ميزَان لِأَنَّهُ من بَاب الْمَعْرُوف، وَهُوَ مَوْضُوع للْأَكْل. وَقَالَ ابْن التِّين: فِيهِ: الْحجَّة على من زعم أَن أول وَقت الْعَصْر مصير ظلّ الشَّيْء مثلَيْهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: إِن وَقت الْعَصْر عِنْد مصير الظل مثلَيْهِ ليسع هَذَا الْمِقْدَار. قلت: هَذَا مُخَالف لما قَالَه ابْن التِّين على مَا لَا يخفى. ٦٨٤٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلَاءِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ أُسَامَةَ عنْ بُرَيْدٍ عنْ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوساى قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ إنَّ الأشْعَرِيِّينَ إذَا أرْمَلُوا فِي الغَزْوِ أوْ قَلَّ طَعامُ عِيَالِهِمْ بالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ واحِدٍ ثُمَّ اقْتَسَموهُ بَيْنَهُمْ فِي إنَاءٍ واحدٍ بالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّي وأنَا مِنْهُمْ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (جمعُوا مَا كَانَ عِنْدهم فِي ثوب وَاحِد ثمَّ اقتسموه بَينهم) وَلَا يخفى على المتأمل ذَلِك، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه مضى فِي: بَاب فضل من علم. وبريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن عبد الله بن أبي بردة يروي عَن جده أبي بردة واسْمه الْحَارِث، وَقيل: عَامر، وَقيل: اسْمه كنيته، يروي عَن أَبِيه أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، واسْمه عبد الله بن قيس. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَأبي كريب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن مُوسَى بن هَارُون. قَوْله: (إِن الْأَشْعَرِيين) جمع أشعري، بتَشْديد الْيَاء نِسْبَة إِلَى الإشعر، قَبيلَة من الْيمن، ويروى: إِن الأشعرين، بِدُونِ يَاء النِّسْبَة، وَتقول الْعَرَب: جَاءَك الأشعرون بِحَذْف الْيَاء. قَوْله: (إِذا أرملوا) ، أَي: إِذا فني زادهم، من الإرمال، بِكَسْر الْهمزَة وَهُوَ فنَاء الزَّاد وإعواز الطَّعَام، وَأَصله من الرمل، كَأَنَّهُمْ لصقوا بالرمل من الْقلَّة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَا مَتْرَبَة﴾ (الْبَلَد: ٦١) . قَوْله: (فهم مني) أَي: متصلون بِي، وَكلمَة: من، هَذِه تسمى اتصالية، نَحْو: لَا أَنا من الدَّد وَلَا الدَّد مني. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ الْمُبَالغَة فِي اتِّحَاد طريقهما واتفاقهما فِي طَاعَة الله تَعَالَى. وَقيل: المُرَاد فعلوا فعلي فِي الْمُوَاسَاة. وَفِيه: منقبة عَظِيمَة للأشعريين من إيثارهم ومواساتهم بِشَهَادَة سيدنَا رَسُول الله، ﷺ ، وَأعظم مَا شرفوا بِهِ كَونه أضافهم إِلَيْهِ. وَفِيه: اسْتِحْبَاب خلط الزَّاد فِي السّفر والحضر أَيْضا، وَلَيْسَ المُرَاد بِالْقِسْمَةِ هُنَا الْقِسْمَة الْمَعْرُوفَة عِنْد الْفُقَهَاء، وَإِنَّمَا المُرَاد هُنَا إِبَاحَة بَعضهم بَعْضًا بموجوده. وَفِيه: فَضِيلَة الإيثار والمواساة. وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه: جَوَاز هبة الْمَجْهُول. قلت: لَيْسَ شَيْء فِي الحَدِيث يدل على هَذَا، وَلَيْسَ فِيهِ إلَاّ مواساة بَعضهم بَعْضًا وَالْإِبَاحَة، وَهَذَا لَا يُسمى هبة، لِأَن الْهِبَة تمْلِيك المَال، وَالتَّمْلِيك غير الْإِبَاحَة، وَأَيْضًا: الْهِبَة لَا تكون إلَاّ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُول لقِيَام العقد بهما، وَلَا بُد فِيهَا من الْقَبْض عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء من التَّابِعين وَغَيرهم، وَلَا يجوز فِيمَا يقسم إلَاّ محوزة مقسومة كَمَا عرف فِي موضعهَا. ٢ - (بابُ مَا كانَ مِنْ خَلِيَطَيْنِ فإنَّهُمَا يتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بالسَّوِيَّةِ فِي الصَّدَقَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا كَانَ من خليطين، أَي: مخالطين، وهما الشريكان إِذا كَانَ من أَحدهمَا تصرف من إِنْفَاق مَال الشّركَة أَكثر مِمَّا أنْفق صَاحبه، فَإِنَّهُمَا يتراجعان عِنْد الرِّبْح بِقدر مَا أنْفق كل وَاحِد مِنْهُمَا، فَمن أنْفق قَلِيلا يرجع على من أنْفق أَكثر مِنْهُ، لِأَنَّهُ ﷺ ، لما أَمر الخليطين فِي الْغنم بالتراجع بَينهمَا

стр. 3758

بِالسَّوِيَّةِ، وهما شريكان، دلّ على أَن كل شريك فِي مَعْنَاهُمَا. قَوْله: (فِي الصَّدَقَة) ، قيد بهَا لوُرُود الحَدِيث فِي الصَّدَقَة، لِأَن التراجع لَا يَصح بَين الشَّرِيكَيْنِ فِي الرّقاب. ٧٨٤٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عبْدِ الله بنِ الْمُثَنَّى قَالَ حدَّثني أبي قَالَ حدَّثني ثُمَامَةُ بنُ عبْدِ الله بنِ أنَسٍ أَن أنَساً حدَّثَهُ أنَّ أبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ كتَبَ لَهُ فرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي فرَضَ رسولُ الله ﷺ قَالَ وَمَا كانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فإنَّهُمَا يتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بالسَّوِيَّةِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَمَا كَانَ من خليطين) إِلَى آخِره، وَهَذَا الْإِسْنَاد كُله بِالتَّحْدِيثِ، وَهُوَ غَرِيب، والْحَدِيث بِعَين هَذِه التَّرْجَمَة وَعين هَؤُلَاءِ الروَاة مضى فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب مَا كَانَ من خليطين، فَإِنَّهُمَا يتراجعان بَينهمَا بِالسَّوِيَّةِ. ٣ - (بابُ قِسْمَةِ الغَنَمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قسْمَة الْغنم بِالْعَدْلِ، وَفِي بعض النّسخ: بَاب قسم الْغنم. ٨٨٤٢ - حدَّثنا علِيُّ بنُ الْحَكَمِ الأنْصَارِيُّ قَالَ حدَّثنا أبُو عَوانَةَ عنْ سعِيدٍ بنِ مَسْرُوقٍ عنْ عَبابَةَ بنِ رَفاعَةَ بنِ رافِعِ بنِ خَدِيجٍ عنْ جَدِّهِ قَالَ كُنَّا معَ النبيِّ ﷺ بذِي الْحُلَيْفَةِ فأصَابَ النَّاسَ جُوعٌ فأصابُوا إبِلا وَغنما قَالَ وكانَ النبيُّ ﷺ فِي أخرَيَاتِ الْقَوْمِ فعَجِلُوا وذبَحُوا ونصَبُوا الْقُدُورَ فأمَرَ النبيُّ ﷺ بالقدُورِ فأُكْفِئَتْ ثُمَّ قسَمَ فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنَ الغَنَمِ بِبَعِيرٍ فنَدَّ مِنْها بعيرٌ فطَلبُوهُ فأعْياهُمْ وكانَ فِي القَوْمِ خَيْل يَسِيرَةٌ فأهْواى رجُلٌ مِنْهُم بِسَهْمٍ فحَبَسَهُ الله ثمَّ قَالَ إنَّ لِهاذِهِ الْبَهَائِم أوابِدَ كأوابِدِ الوَحْشِ فَمَا غلبَكُمْ منْها فاصْنَعُوا بِهِ هاكذا فَقَالَ جدِّي إنَّا نَرْجُو أوْ نخافُ العدُوَّ غَدا وليْستْ مَعَنا مُدًى أفَنَذْبَحُ بالْقصبِ قَالَ مَا أنْهرَ الدَّمَ وذُكرَ اسمُ الله عَلَيْهِ فَكُلُوهُ ليْسَ السِّنَّ والظُّفْرَ فسأُحَدِّثُكُمْ عنْ ذالِكَ أمَّا السِّنَّ فَعَظْمٌ وأمَّا الظُّفْرَ فَمُدَي الحَبْشَةِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ قسم فَعدل عشرَة من الْغنم بِبَعِير) . ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عَليّ بن الحكم، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْكَاف: الْأنْصَارِيّ. الثَّانِي: أَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَبعد الْألف نون: واسْمه الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي. الثَّالِث: سعيد بن مَسْرُوق بن عدي الثَّوْريّ وَالِد سُفْيَان الثَّوْريّ. الرَّابِع: عَبَايَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف يَاء آخر الْحُرُوف مَفْتُوحَة: ابْن رِفَاعَة بن رَافع بن خديج. الْخَامِس: رَافع بن خديج بن رَافع بن عدي الأوسي الْأنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَهُوَ مروزي من قَرْيَة تدعى غزا. وَأَن أَبَا عوَانَة واسطي وَأَن سعيد بن مَسْرُوق كُوفِي وَأَن عَبَايَة مدنِي. وَفِيه: رِوَايَة عَبَايَة عَن جده، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَرَوَاهُ أَبُو الْأَحْوَص عَن سعيد بن مَسْرُوق عَن عَبَايَة بن رِفَاعَة عَن أَبِيه عَن جده، وَتَابعه عبد الْوَارِث بن سعيد عَن لَيْث بن أبي سليم ومبارك بن سعيد بن مَسْرُوق، فَقَالَا: عَن عَبَايَة عَن أَبِيه عَن جده، وَسَيَجِيءُ فِي الذَّبَائِح رِوَايَة البُخَارِيّ أَيْضا عَن عَبَايَة بن رِفَاعَة عَن أَبِيه عَن جده. قلت: رَافع بن خديج روى عَنهُ ابْنه رِفَاعَة بن رَافع وَابْن ابْنه عَبَايَة بن رِفَاعَة بن رَافع بن خديج، على خلاف فِيهِ. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشّركَة عَن مُحَمَّد بن وَكِيع وَفِي الْجِهَاد والذبائح عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِي الذَّبَائِح أَيْضا عَن مُسَدّد وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن عَبْدَانِ وَعَن مُحَمَّد بن سَلام بالقصة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة،

стр. 3759

وَعَن قبيصَة بِبَعْض الْقِصَّة الثَّالِثَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَضَاحِي عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن الْقَاسِم بن زَكَرِيَّاء وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن مُحَمَّد بن الْوَلِيد وَعَن ابْن أبي عمر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الذَّبَائِح عَن مُسَدّد بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الصَّيْد عَن هناد عَن بنْدَار بالقصة الثَّالِثَة وَعَن مَحْمُود بن غيلَان بالقصة الأولى وَالثَّانيَِة، وَأَعَادَهُ فِي السّير عَن هناد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن مَحْمُود بن غيلَان بهما وَعَن هناد بهما، وَفِي الصَّيْد عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان وَفِي الذَّبَائِح عَن هناد بالقصة الثَّالِثَة وَعَن مُحَمَّد بن مَنْصُور بالقصة الثَّالِثَة وَعَن عَمْرو بن عَليّ بالقصة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود بهما، وَفِي الْأَضَاحِي عَن أَحْمد بن عبد الله بن الحكم بِبَعْض الْقِصَّة الثَّانِيَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَضَاحِي عَن أبي كريب بالقصة الأولى وَفِي الذَّبَائِح عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير مقطعاً فِي موضِعين. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بِذِي الحليفة) ، قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) ، ﵀: وَذُو الحليفة هَذِه لَيست الْمِيقَات إِنَّمَا هِيَ الَّتِي من تهَامَة عِنْد ذَات عرق، ذكره ياقوت وَغَيره. قلت: فِي رِوَايَة مُسلم هَكَذَا عَن رَافع بن خديج، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، بِذِي الحليفة من تهَامَة. وَذكر الْقَابِسِيّ أَنَّهَا المهلَّ الَّتِي بِقرب الْمَدِينَة، وَقَالَهُ أَيْضا النَّوَوِيّ، وَفِيه نظر من حَيْثُ أَن فِي الحَدِيث ردا لقولهما، وَقَالَ ابْن التِّين: وَكَانَت سنة ثَمَان من الْهِجْرَة فِي قَضِيَّة حنين. قَوْله: (فِي أخريات الْقَوْم) ، أَي: فِي أواخرهم وَأَعْقَابهمْ، وَهِي جمع أُخْرَى، وَكَانَ يفعل ذَلِك رفقا لمن مَعَه ولحمل الْمُنْقَطع. قَوْله: (فعجلوا) ، بِكَسْر الْجِيم. قَوْله: (فأكفئت) ، أَي: قلبت وأميلت وأريق مَا فِيهَا، وَهُوَ من الإكفاء، قَالَ ثَعْلَب: كفأت الْقدر إِذا كببته، وَكَذَلِكَ قَالَه الْكسَائي وَأَبُو عَليّ القالي وَابْن الْقُوطِيَّة فِي آخَرين، فعلى هَذَا إِنَّمَا يُقَال: فكفئت وأكفئت إِنَّمَا قَالَ على قَول ابْن السّكيت فِي (الْإِصْلَاح) : لِأَنَّهُ نقل عَن ابْن الْأَعرَابِي وَأبي عبيد وَآخَرين، يُقَال: أكفئت وَقَالَ ابْن التِّين: صَوَابه كفئت بِغَيْر ألف من كفأت الْإِنَاء مهموزاً، وَاخْتلف فِي إمالة الْإِنَاء، فَيُقَال فِيهَا: كفأت وَأَكْفَأت، وَكَذَلِكَ اخْتلف فِي أكفأت الشَّيْء لوجهه. وَقد اخْتلف فِي سَبَب أمره بإكفاء الْقُدُور، فَقيل: إِنَّهُم انتهبوها مالكين لَهَا من غير غنيمَة، وَلَا على وَجه الْحَاجة إِلَى أكلهَا، يشْهد لَهُ قَوْله فِي رِوَايَة: فانتهبناها. قلت: وَلَا على وَجه الْحَاجة إِلَى أكلهَا، فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ ذكر فِي بَاب النهبة: فأصابتنا مجاعَة، فَهُوَ بَيَان لوجه الْحَاجة. وَقيل: إِنَّمَا كَانَ لتركهم الشَّارِع فِي أخريات الْقَوْم واستعجالهم وَلم يخَافُوا من مكيدة الْغدر فحرمهم الشَّارِع مَا استعجلوه عُقُوبَة لَهُم بنقيضي قصدهم، كَمَا منع الْقَاتِل من الْمِيرَاث. قَالَه الْقُرْطُبِيّ: وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة أبي دَاوُد: وَتقدم سرعَان النَّاس فتعجلوا فَأَصَابُوا الْغَنَائِم وَرَسُول الله، ﷺ ، فِي آخر النَّاس. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّمَا أَمرهم بذلك لأَنهم كَانُوا قد انْتَهوا إِلَى دَار الْإِسْلَام، وَالْمحل الَّذِي لَا يجوز الْأكل فِيهِ من مَال الْغَنِيمَة الْمُشْتَركَة، فَإِن الْأكل مِنْهَا قبل الْقسم إِنَّمَا يُبَاح فِي دَار الْحَرْب، والمأمور بِهِ من الإراقة إِنَّمَا هُوَ إِتْلَاف المرق عُقُوبَة لَهُم، وَأما اللَّحْم فَلم يتلفوه، بل يحمل على أَنه جُمع ورُد إِلَى الْمغنم، وَلَا يظنّ أَنه أَمر بإتلافه لِأَنَّهُ مَال الْغَانِمين، وَلِأَنَّهُ، ﷺ ، نهى عَن إِضَاعَة المَال. فَإِن قلت: لم ينْقل أَنهم حملوه إِلَى الْغَنِيمَة؟ قلت: وَلَا نقل أَيْضا أَنهم أحرقوه وَلَا أتلفوه، فَوَجَبَ تَأْوِيله على وفْق الْقَوَاعِد الشَّرْعِيَّة، بِخِلَاف لحم الْحمر الْأَهْلِيَّة يَوْم خَيْبَر لِأَنَّهَا صَارَت نَجِسَة. قَوْله: (فَعدل) هَذَا مَحْمُول على أَنه كَانَ يحْسب قيمتهَا يَوْمئِذٍ، وَلَا يُخَالف قَاعِدَة الْأُضْحِية من إِقَامَة بعير مقَام سبع شِيَاه، لِأَن هَذَا هُوَ الْغَالِب فِي قيمَة الشَّاة وَالْإِبِل المعتدلة. قَوْله: (فندَّ) ، بِفَتْح النُّون وَتَشْديد الدَّال الْمُهْملَة، أَي: نفر، وَذهب على وَجهه شارداً، يُقَال: ندَّ يندُّ ندا وندوداً. قَوْله: (فأعياهم) ، أَي: أعجزهم، يُقَال: أعيى إِذا أعجز، وعيى بأَمْره إِذا لم يهتد لوجهه، وأعياني هُوَ، قَوْله: (يسيرَة) ، أَي: قَليلَة. قَوْله: (فَأَهوى) ، أَي: قصد، قَالَ الْأَصْمَعِي: أهويت بالشَّيْء إِذا أَوْمَأت إِلَيْهِ. قَوْله: (أوابد) ، جمع آبدة، بِالْمدِّ وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة المخففة، يُقَال مِنْهُ: أبدت تأبُد، بِضَم الْبَاء وتأبِد بِكَسْرِهَا، وَهِي الَّتِي نفرت من الْإِنْس وتوحشت. وَقَالَ الْقَزاز: مَأْخُوذَة من الْأَبَد، وَهِي الدَّهْر لطول مقَامهَا. وَقَالَ أَبُو عبيد: أخذت من تأبدت الدَّار تأبداً، وأبدت تأبد أبوداً: إِذا خلا مِنْهَا أَهلهَا. قَوْله: (مِنْهَا) ، أَي: من الأوابد. قَوْله: (فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا) أَي: إرموه بِالسَّهْمِ. قَوْله: (قَالَ جدي إِنَّا نرجو أَو نَخَاف) ، قَالَ الْكرْمَانِي: نرجو بِمَعْنى نَخَاف، وَلَفظ: أَو نَخَاف، شكّ من الرَّاوِي. وَقَالَ ابْن التِّين: هما سَوَاء. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ربه﴾ (الْكَهْف: ١١) .

стр. 3760

أَي: يخافه. وَقَوله: (جدي) هُوَ جد عَبَايَة بن رِفَاعَة بن رَافع بن خديج، وعباية الَّذِي هُوَ أحد الروَاة يَحْكِي عَن جده رَافع بن خديج أَنه قَالَ: نرجو، أَو قَالَ: إِنَّا نَخَاف، والرجاء هُنَا بِمَعْنى الْخَوْف. قَوْله: (مدي) ، بِضَم الْمِيم، جمع مدية وَهِي السكين. قَوْله: (أفنذبح بالقصب؟) وَفِي رِوَايَة لمُسلم: فنذكي بالليط، بِكَسْر اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالطاء الْمُهْملَة: هِيَ قطع الْقصب، قَالَه الْقُرْطُبِيّ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قشوره، الْوَاحِد ليطة. وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) : أنذكي بالمروة. فَإِن قلت: مَا معنى هَذَا السُّؤَال عِنْد لِقَاء الْعَدو؟ قلت: لأَنهم كَانُوا عازمين على قتال الْعَدو وصانوا سيوفهم وأسنتهم وَغَيرهَا عَن اسْتِعْمَالهَا، لِأَن ذَلِك يفْسد الْآلَة، وَلم يكن لَهُم سكاكين صغَار معدة للذبح. قَوْله: (مَا أنهر الدَّم) ، أَي: مَا أسَال وأجرى الدَّم، وَكلمَة: مَا، شَرْطِيَّة وموصولة، وَالْحكمَة فِي اشْتِرَاط الإنهار التَّنْبِيه على أَن تَحْرِيم الْميتَة لبَقَاء دَمهَا، وَيُقَال: معنى أنهر الدَّم أساله وصبه بِكَثْرَة، وَهُوَ مشبه بجري المَاء فِي النَّهر، وَعند الْخُشَنِي: مَا انهز، بالزاي، من النهز، وَهُوَ الدّفع وَهُوَ غَرِيب. قَوْله: (فكلوه) الْفَاء جَوَاب الشَّرْط أَو لتَضَمّنه مَعْنَاهُ. قَوْله: (لَيْسَ السن وَالظفر) ، كلمة: لَيْسَ، بِمَعْنى إلَاّ، وإعراب مَا بعده النصب. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هما منصوبان على الِاسْتِثْنَاء: بليس، وَفِيه مَا فِيهِ. قَوْله: (فسأحدثكم) ، أَي: سأبين لكم الْعلَّة فِي ذَلِك، وَلَيْسَت السِّين هُنَا للاستقبال بل للاستمرار، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرين﴾ (النِّسَاء: ١٩) . وَزعم الزَّمَخْشَرِيّ أَن السِّين إِذا دخلت على فعل مَحْبُوب أَو مَكْرُوه أفادت أَنه وَاقع لَا محَالة. قَوْله: (أما السن فَعظم) ، قَالَ التَّيْمِيّ: الْعظم غَالِبا لَا يقطع إِنَّمَا يجرح ويدمي فتزهق النَّفس من غير أَن يتَيَقَّن وُقُوع الذَّكَاة، فَلهَذَا نهى عَنهُ، وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَا يجوز بالعظم لِأَنَّهُ يَتَنَجَّس بِالدَّمِ، وَهُوَ زَاد إِخْوَاننَا من الْجِنّ، وَلِهَذَا نهى عَن الِاسْتِنْجَاء بِهِ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: هُوَ قِيَاس حذف عَنهُ فقدمه الثَّانِيَة لظهورها عِنْدهم وَهِي أَن كل عظم لَا يحل الذّبْح بِهِ قَوْله (وَأما الظفر فمدى الْحَبَشَة) الْمَعْنى فِيهِ أَن لَا يتشبه بهم لأَنهم كفار، وَهُوَ شعار لَهُم. وَفِي الحَدِيث: من تشبه بِقوم فَهُوَ مِنْهُم، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَقَالَ الْخطابِيّ: ظَاهره يُوهم أَن مدى الْحَبَشَة لَا تقع بهَا الذَّكَاة، وَلَا خلاف أَن مُسلما لَو ذكى بمدية حبشِي كَافِر جَازَ، فَمَعْنَى الْكَلَام: أَن أهل الْحَبَشَة يدمون مذابح الشَّاة بأظفارهم حَتَّى تزهق النَّفس خنقاً وتعذيباً ويحلونها مَحل الذَّكَاة، فَلذَلِك ضرب الْمثل بِهِ. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهُوَ على أَنْوَاع: الأول: عدم جَوَاز الْأكل من الْغَنِيمَة قبل الْقِسْمَة عِنْد الِانْتِهَاء إِلَى دَار الْإِسْلَام. الثَّانِي: فِيهِ جَوَاز قسم الْغنم وَالْبَقر وَالْإِبِل بِغَيْر تَقْوِيم، وَبِه قَالَ مَالك والكوفيون، وَأَبُو ثَوْر إِذا كَانَ ذَلِك على التَّرَاضِي. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يجوز قسم شَيْء من الْحَيَوَان بِغَيْر تَقْوِيم، قَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِك على طَرِيق الْقيمَة، أَلَا ترى أَنه عدل عشرَة من الْغنم بِبَعِير، وَهَذَا معنى التَّقْوِيم. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَهَذِه الْغَنِيمَة لم يكن فِيهَا غير الْإِبِل وَالْغنم، وَلَو كَانَ فِيهَا غير ذَلِك لقوم جَمِيعًا وقسمه على الْقيمَة. الثَّالِث: فِيهِ أَن مَا ند من الْحَيَوَان الْإِنْسِي لم يقدر عَلَيْهِ جَازَ أَن يذكي بِمَا يذكى بِهِ الصَّيْد، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَهُوَ قَول عَليّ وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وطاووس وَعَطَاء وَالشعْبِيّ وَالْأسود بن يزِيد وَالنَّخَعِيّ وَالْحكم وَحَمَّاد وَالثَّوْري وَأحمد والمزني وَدَاوُد، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَالْجُمْهُور ذَهَبُوا إِلَى حَدِيث أبي العشراء عَن أَبِيه قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله! أما تكون الذَّكَاة إلَاّ فِي اللبة وَالْحلق؟ قَالَ: لَو طعنت فِي فَخذهَا لأجزأ عَنْك. قلت: حَدِيث أبي العشراء رَوَاهُ الْأَرْبَعَة، فَأَبُو دَاوُد عَن أَحْمد بن يُونُس عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن أبي العشراء، وَالتِّرْمِذِيّ عَن أَحْمد بن منيع عَن يزِيد بن هَارُون عَن حَمَّاد بن سَلمَة، وَالنَّسَائِيّ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن حَمَّاد بن سَلمَة وَابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن حَمَّاد بن سَلمَة. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ بعد أَن رَوَاهُ: قَالَ أَحْمد بن منيع: قَالَ يزِيد هَذَا فِي الضَّرُورَة، وَقَالَ أَيْضا: هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إلَاّ من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة، وَلَا نَعْرِف لأبي العشراء عَن أَبِيه غير هَذَا الحَدِيث، وَاخْتلفُوا فِي اسْم أبي العشراء، فَقَالَ بَعضهم: اسْمه أُسَامَة بن قهطم، وَيُقَال: يسَار بن برز، وَيُقَال: ابْن بلز، وَيُقَال: اسْمه عُطَارِد، وَقَالَ أَبُو عَليّ الْمَدِينِيّ: الْمَشْهُور أَن اسْمه أُسَامَة بن مَالك بن قطهم، فنسب إِلَى جده، وقهطم بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الْهَاء والطاء الْمُهْملَة، وَقَالَ ابْن الصّلاح فِيمَا نَقله من خطّ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره بِكَسْر الْقَاف، وَقيل: قحطم بِالْحَاء الْمُهْملَة، وَقَالَ مَالك وَرَبِيعَة وَاللَّيْث: لَا يُؤْكَل إلَاّ بِذَكَاة الْإِنْسِي بالنحر أَو الذّبْح، استصحاباً لمشروعية أصل ذَكَاته، لِأَنَّهُ، وَإِن كَانَ قد لحق بالوحش فِي الِامْتِنَاع

стр. 3761

فَلم يلْتَحق بهَا لَا فِي النَّوْع وَلَا فِي الحكم، أَلا يرى أَن مملك مَالِكه باقٍ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَول سعيد بن الْمسيب أَيْضا، وَقَالَ مَالك: لَيْسَ فِي الحَدِيث أَن السهْم قَتله، وَإِنَّمَا قَالَ: حَبسه، ثمَّ بعد أَن حَبسه صَار مَقْدُورًا عَلَيْهِ، فَلَا يُؤْكَل إلَاّ بِالذبْحِ، وَلَا فرق بَين أَن يكون وحشياً أَو إنسياً. وَقَوله: (فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا) ، قَالَ مَالك: نقُول بِمُوجبِه، أَي: نرميه ونحبسه فَإِن أدركناه حَيا ذكيناه، وَإِن تلف بِالرَّمْي فَهَل نأكله أَو لَا؟ وَلَيْسَ فِي الحَدِيث تعْيين أَحدهمَا، فلحق بالمجملات، فَلَا ينْهض حجَّة. وَقَالُوا: فِي حَدِيث أبي العشراء لَيْسَ بِصَحِيح، لِأَن التِّرْمِذِيّ قَالَ فِيهِ مَا ذَكرْنَاهُ الْآن. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: لَا يصلح هَذَا إلَاّ فِي المتردية والمستوحشة، قَالُوا: وَلَئِن سلمنَا صِحَّته لما كَانَ فِيهِ حجَّة، إِذْ مقتضاة جَوَاز الذَّكَاة فِي أَي عُضْو كَانَ مُطلقًا فِي الْمَقْدُور على تذكيته وَغَيره، وَلَا قَائِل بِهِ فِي الْمَقْدُور عَلَيْهِ، فَظَاهره لَيْسَ بِمُرَاد قطعا، وَقَالَ شَيخنَا، ﵀: لَيْسَ الْعَمَل على عُمُوم هَذَا الحَدِيث. وَلَعَلَّه خرج جَوَابا بالسؤال عَن المتوحش والمتردي الَّذِي لَا يقدر على ذبحه، وَقد روى أَبُو الْحسن الْمَيْمُونِيّ أَنه سَأَلَ أَحْمد بن حَنْبَل عَن هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: هُوَ عِنْدِي غلط. قلت: فَمَا تَقول؟ قَالَ: أما أَنا فَلَا يُعجبنِي وَلَا أذهب إِلَيْهِ إلَاّ فِي مَوضِع ضَرُورَة، كَيفَ مَا أمكنتك الذَّكَاة لَا يكون إلَاّ فِي الْحلق أَو اللبة، قَالَ: فَيَنْبَغِي للَّذي يذبح أَن يقطع الْحلق أَو اللبة. قلت: روى مُحَمَّد بن الْحسن عَن أبي حنيفَة عَن سعيد بن مَسْرُوق عَن عَبَايَة بن رِفَاعَة بن رَافع عَن ابْن عمر: أَن بَعِيرًا تردى فِي بِئْر بِالْمَدِينَةِ، فَلم يقدر على منحره، فوجىء بسكين من قبل خاصرته، فَأخذ مِنْهُ ابْن عمر عشيراً بِدِرْهَمَيْنِ. العشير: لُغَة فِي الْعشْر: كالنصيف وَالنّصف. وَقيل: العشير الإمعاء، وَمَعَ هَذَا قَول الْجَمَاعَة الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِيهِ الْكِفَايَة فِي الِاحْتِجَاج بِهِ. الرَّابِع: فِيهِ: من شَرط الذَّكَاة إنهار الدَّم، وَلم يخص بِشَيْء من الْعُرُوق فِي شَيْء من الْكتب السِّتَّة إلَاّ فِي رِوَايَة رَوَاهَا ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) من رِوَايَة من لم يسم عَن رَافع بن خديج، قَالَ: سَأَلت رَسُول الله ﷺ ، عَن الذَّبِيحَة بالليطة، فَقَالَ: كل مَا فرى الْأَوْدَاج إلَاّ السن أَو الظفر، وَلَا شكّ أَن ذَلِك مَخْصُوص بمَكَان الذّبْح والنحر لغَلَبَة الدَّم فِيهِ، ولكونه أسْرع إِلَى إزهاق نفس الْحَيَوَان وإراحته من التعذيب. وَاخْتلف الْعلمَاء فِيمَا يجب قطعه فِي الذّبْح، وَهُوَ أَرْبَعَة: الْحُلْقُوم والمرىء والودجان فَاشْترط قطع الْأَرْبَعَة: اللَّيْث وَدَاوُد وَأَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذر من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَمَالك فِي رِوَايَة، وَلَو اكْتفى الشَّافِعِي وَأحمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ بِقطع الْحُلْقُوم والمريء فَقَط، وَاكْتفى مَالك بالحلقوم والودجين، وَاكْتفى أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف فِي رِوَايَة بِقطع ثَلَاثَة من الْأَرْبَعَة، وَعَن أبي يُوسُف: اشْتِرَاط الْحُلْقُوم واثنين من الثَّلَاثَة الْبَاقِيَة، وَعنهُ أَيْضا اشْتِرَاط الْحُلْقُوم والمري وَأحد الودجين، وَاشْترط مُحَمَّد بن الْحسن أَكثر كل وَاحِد من الْأَرْبَعَة. الْخَامِس: فِيهِ اشْتِرَاط التَّسْمِيَة لِأَنَّهُ قرنها بالذكاة وعلق الْإِبَاحَة عَلَيْهَا، فقد صَار كل وَاحِد مِنْهُمَا شرطا وَهُوَ حجَّة على الشَّافِعِي فِي عدم اشْتِرَاط التَّسْمِيَة، فَقَالَ: لَو ترك التَّسْمِيَة عَامِدًا أَو نَاسِيا، تُؤْكَل ذَبِيحَته، وَبِه قَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : قَالَ مَالك: لَا يُؤْكَل فِي الْوَجْهَيْنِ. قلت: لَيْسَ كَذَلِك مذْهبه، بل مذْهبه مَا ذكره ابْن قدامَة فِي (الْمُغنِي) : أَن عِنْد مَالك يحل إِذا تَركهَا نَاسِيا، وَلَا يحل إِذا تَركهَا عَامِدًا. قلت: هَذَا هُوَ مثل مَذْهَبنَا، فَإِن عندنَا إِذا تَركهَا عَامِدًا فالذبيحة ميتَة لَا تُؤْكَل، وَإِن تَركهَا نَاسِيا أكل مَا ذبحه، وَالْمَشْهُور عَن أَحْمد مثل قَوْلنَا، ومذهبنا مَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس وطاووس وَابْن الْمسيب وَالْحسن وَالثَّوْري وَإِسْحَاق وَعبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، وَفِي التَّفْسِير فِي سُورَة الْأَنْعَام وَدَاوُد بن عَليّ يحرم مَتْرُوك التَّسْمِيَة نَاسِيا، وَقَالَ فِي (النَّوَازِل) : وَفِي قَول بشر لَا يُؤْكَل إِذا ترك التَّسْمِيَة عَامِدًا أَو نَاسِيا. وَقَالَ الْقَدُورِيّ فِي (شَرحه لمختصر الْكَرْخِي) : وَقد اخْتلف الصَّحَابَة فِي النسْيَان، فَقَالَ عَليّ وَابْن عَبَّاس: إِذا ترك التَّسْمِيَة أكل، وَقَالَ ابْن عمر: لَا يُؤْكَل، وَالْخلاف فِي النسْيَان يدل على اتِّفَاقهم فِي الْعمد. فَإِن قلت: كَيفَ صُورَة مَتْرُوك التَّسْمِيَة عمدا؟ قلت: أَن يعلم أَن التَّسْمِيَة شَرط وَتركهَا مَعَ ذكرهَا، أما لَو تَركهَا من لم يعلم باشتراطها فَهُوَ فِي حكم النَّاسِي، ذكره فِي (الْحَقَائِق) وَكَذَلِكَ الحكم على الْخلاف إِذا تَركهَا عمدا عِنْد إرْسَال الْبَازِي وَالْكَلب وَالرَّمْي، قَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : وَهَذَا القَوْل من الشَّافِعِي مُخَالف للْإِجْمَاع، لِأَنَّهُ لَا خلاف فِيمَن كَانَ قبله فِي حُرْمَة مَتْرُوك التَّسْمِيَة عَامِدًا، وَإِنَّمَا الْخلاف بَينهم فِي مَتْرُوك التَّسْمِيَة نَاسِيا. والْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (الْمُسلم يَكْفِيهِ اسْمه، فَإِن نسي أَن يُسَمِّي حِين يذبح فليسم وليذكر اسْم الله ثمَّ ليَأْكُل) . حَدِيث ضَعِيف لِأَن فِي سَنَده مُحَمَّد بن يزِيد بن سِنَان، قَالُوا: كَانَ صَدُوقًا، وَلَكِن كَانَ شَدِيد الْغَفْلَة. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: وَفِي سَنَده معقل بن عبد الله وَهُوَ وَإِن كَانَ من رجال مُسلم لكنه أَخطَأ فِي رفع هَذَا الحَدِيث، وَقد رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور وَعبد الله

стр. 3762

بن الزبير الْحميدِي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو عَن أبي الشعْثَاء عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: وَكَذَلِكَ الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: سَأَلَ رجل النَّبِي ﷺ : الرجل منا يذبح وينسى أَن يُسَمِّي الله؟ قَالَ: (اسْم الله على كل مُسلم) ، وَفِي لفظ: (على فَم كل مُسلم) ، ضَعِيف لِأَن فِي سَنَده مَرْوَان بن سَالم، ضعفه أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد: حَدثنَا مُسَدّد حَدثنَا عبد الله بن دَاوُد عَن ثَوْر بن يزِيد عَن الصَّلْت عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (ذَبِيحَة الْمُسلم حَلَال، ذكر اسْم الله أَو لم يذكر) قلت: هَذَا مُرْسل، وَهُوَ لَيْسَ بِحجَّة عِنْده، وَقَالَ ابْن الْقطَّان: وَفِيه مَعَ الْإِرْسَال أَن الصَّلْت السدُوسِي لَا يعرف لَهُ حَال، وَلَا يعرف بِغَيْر هَذَا، وَلَا روى عَنهُ غير ثَوْر بن يزِيد. السَّادِس: فِيهِ: عدم جَوَاز الذّبْح بِالسِّنِّ وَالظفر، وَيدخل فِيهِ ظفر الْآدَمِيّ وَغَيره من كل الْحَيَوَانَات، وَسَوَاء الْمُتَّصِل والمنفصل بِحَسب ظَاهر الحَدِيث، وَسَوَاء الطَّاهِر وَالنَّجس. وَقَالَ النَّوَوِيّ: ويلتحق بِهِ سَائِر الْعِظَام من كل حَيَوَان الْمُتَّصِل والمنفصل. وَقيل: كل مَا صدق عَلَيْهِ اسْم الْعظم فَلَا تجوز الذَّكَاة بِشَيْء مِنْهُ، وَهُوَ قَول النَّخعِيّ وَالْحسن بن صَالح وَاللَّيْث وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر وَدَاوُد، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وصاحباه: لَا يجوز بِالسِّنِّ والعظم المتصلين، وَيجوز بالمنفصلين، وَعَن مَالك رِوَايَات أشهرها: جَوَازه بالعظم دون السن كَيفَ كَانَا، وَالثَّانيَِة كمذهب الشَّافِعِي، وَالثَّالِثَة كمذهب أبي حنيفَة، وَالرَّابِعَة: يجوز بِكُل شَيْء بِالسِّنِّ وَالظفر. وَعَن ابْن جريج جَوَاز التذكية بِعظم الْحمار دون القرد، وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : وَيجوز الذّبْح بالظفر والقرن وَالسّن إِذا كَانَ منزوعاً وينهر الدَّم ويفري الْأَوْدَاج، وَذكر فِي (الْجَامِع الصَّغِير) : مُحَمَّد عَن يَعْقُوب عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ: أكره هَذَا الذّبْح وَإِن فعل فَلَا بَأْس بِأَكْلِهِ، وَاحْتج أَصْحَابنَا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَن سماك بن حَرْب عَن مري ابْن قطري عَن عدي بن حَاتِم، قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله! أَرَأَيْت أَحَدنَا أصَاب صيدا وَلَيْسَ مَعَه سكين، أيذبح بالمروة وشقة الْعَصَا؟ فَقَالَ: (أمرر الدَّم بِمَا شِئْت وَاذْكُر اسْم الله) . وَفِي لفظ النَّسَائِيّ: أنهر الدَّم. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) قَالَ الْخطابِيّ: ويروى: أمره، قَالَ: وَالصَّوَاب: أمرر، بِسُكُون الْمِيم وَتَخْفِيف الرَّاء. قلت: وَبِهَذَا اللَّفْظ رَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَالْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) وَقَالَ: صَحِيح على شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ، وَقَالَ السُّهيْلي فِي (الرَّوْض الْأنف) : أَمر الدَّم، بِكَسْر الْمِيم، أَي: أسله، يُقَال: دم مائر أَي: سَائل، قَالَ: هَكَذَا رَوَاهُ النقاش وَفَسرهُ، وَرَوَاهُ أَبُو عبيد بِسُكُون الْمِيم، وَجعله من: مريت الضَّرع وَالْأول أشبه بالمعني، وَجمع الطَّبَرَانِيّ بَين الرِّوَايَات الثَّلَاث، وَفِيه رِوَايَة رَابِعَة عِنْد النَّسَائِيّ فِي (سنَنه الْكُبْرَى) : أهرق، فَيكون الْجَمِيع بِرِوَايَة أبي عبيد خمس رِوَايَات. بَيَان ذَلِك: أَن الأولى: أمرر من الإمرار، وَالثَّانيَِة: أَمر من المير، أجوف يائي، وَالثَّالِثَة: أنهر، من الإنهار، وَالرَّابِعَة: أهرق، من الإهراق. وَأَصله: أرق من الإراقة، وَالْهَاء زَائِدَة. وَالْخَامِسَة: من المري، نَاقص يائي، وَالْجَوَاب عَن قَوْله: لَيْسَ السن وَالظفر، أَنه مَحْمُول على غير المنزوع، فَإِن الْحَبَشَة كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَلِك إِظْهَارًا للجلادة، فَإِنَّهُم لَا يقلمون ظفراً ويحدون الْأَسْنَان بالمبرد ويقاتلون بالخدش والعض، وَلِأَنَّهُمَا إِذا ذكرا مطلقين يُرَاد فيهمَا غير المنزوع، أما المنزوع فيذكر مُقَيّدا، يُقَال: سنّ منزوع وظفر منزوع، وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي الحَدِيث الْمَذْكُور: شكّ فِي موضِعين: فِي اتِّصَاله، وَفِي قَوْله: أما السن فَعظم، هَل هُوَ من كَلَام النَّبِي ﷺ أَو لَا؟ ثمَّ روى عَن أبي دَاوُد هَذَا الحَدِيث، وَفِيه: قَالَ رَافع: وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَن ذَلِك، أما السن فَعظم، وَأما الظفر فمدى الْحَبَشَة، وَلم يكن أَيْضا فِي حَدِيث مُسلم. أما السن من كَلَام النَّبِي ﷺ نصا. السَّابِع: أَن حكم الصيال حكم الندود، وَفِي (الْمُنْتَقى) : فِي الْبَعِير إِذا صال على إِنْسَان فَقتله وَهُوَ يُرِيد الذَّكَاة حل أكله. الثَّامِن: أَن الذَّكَاة لَا بُد فِيهَا من آلَة حادة تجْرِي الدَّم، وَأَنه لَا يَكْفِي فِي ذَلِك الرض وَالدَّفْع بالشَّيْء الثقيل الَّذِي لَا حد لَهُ، وَإِن أَزَال الْحَيَاة، وَهَذَا مجمع عَلَيْهِ، وَسَوَاء فِي ذَلِك الْحَدِيد والنحاس والزجاج والقصب وَالْحجر، وكل مَا لَهُ حد إلَاّ مَا يسْتَثْنى مِنْهُ فِي الحَدِيث وَالله أعلم. التَّاسِع: اسْتدلَّ بقوله مَا أنهر الدَّم على أَنه يجزىء فِيمَا شرع ذبحه النَّحْر، وَفِيمَا شرع نَحره الذّبْح، وَهُوَ قَول كَافَّة الْعلمَاء إلَاّ دَاوُد ومالكاً فِي إِحْدَى الرِّوَايَات عَنهُ، وَعَن مَالك: الْكَرَاهَة فِي رِوَايَة، وَعنهُ فِي رِوَايَة: التَّفْرِقَة، فيجزىء ذبح المنحور وَلَا يجزىء نحر الْمَذْبُوح. الْعَاشِر: أَجمعُوا على أَفضَلِيَّة نحر الْإِبِل وَذبح الْغنم، وَاخْتلفُوا فِي الْبَقر، وَالصَّحِيح إلحاقها بالغنم وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، وَقيل: يتَخَيَّر فِيهَا بَين الْأَمريْنِ.

стр. 3763

٤ - (بابُ القِرَآنِ فِي التَّمْرِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ حتَّى يَسْتَأْذِنَ أصْحَابَهُ) هَذِه التَّرْجَمَة هَكَذَا مَوْجُودَة فِي النّسخ المتداولة بَين النَّاس، قيل: لَعَلَّ، حَتَّى، بِمَعْنى: حِين، فتحرفت أَو سقط من التَّرْجَمَة شَيْء، أما لفظ النَّهْي من أَولهَا أَو: لَا يجوز، قبل: حَتَّى. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى ظن التحريف فِيهِ، بلَى فِيهِ حذف، وَبَاب الْحَذف شَائِع ذائع تَقْدِيره: هَذَا فِي بَيَان حكم القِران الْكَائِن فِي التَّمْر الْكَائِن بَين الشُّرَكَاء، لَا يَنْبَغِي لأحد مِنْهُم أَن يقرن حَتَّى يسْتَأْذن أَصْحَابه، وَذَلِكَ من بَاب حسن الْأَدَب فِي الْأكل، لِأَن الْقَوْم الَّذين وضع بَين أَيْديهم التَّمْر كالمتساوين فِي أكله، فَإِن اسْتَأْثر أحدهم بِأَكْثَرَ من صَاحبه لم يجز لَهُ ذَلِك، وَمن هَذَا الْبَاب جعل الْعلمَاء النَّهْي عَن النهبة فِي طَعَام الأعراس وَغَيرهَا، لما فِيهِ من سوء الْأَدَب والاستئثار بِمَا لَا يطيب عَلَيْهِ نفس صَاحب الطَّعَام، وَقَالَ أهل الظَّاهِر: إِن النَّهْي عَنهُ على الْوُجُوب، وفاعله عَاص إِذا كَانَ عَالما بِالنَّهْي، وَلَا نقُول: إِنَّه أكل حَرَامًا، لِأَن أَصله الْإِبَاحَة، وَدَلِيل الْجُمْهُور أَنه إِنَّمَا وضع بَين أَيدي النَّاس للْأَكْل، فَإِنَّمَا سَبيله سَبِيل المكارمة لَا على التشاح، لاخْتِلَاف النَّاس فِي الْأكل، فبعضهم يَكْفِيهِ الْيَسِير، وَبَعْضهمْ لَا يَكْفِيهِ أضعافه، وَلَو كَانَت سُهْمَانهمْ سَوَاء لما سَاغَ لمن لَا يشبعه الْيَسِير أَن أكل أَكثر من مثل نصيب من يشبعه الْيَسِير، وَلما لم يتشاح النَّاس فِي هَذَا الْمِقْدَار علم أَن سَبِيل هَذِه المكارمة، لَا على معنى الْوُجُوب. ٩٨٤٢ - حدَّثنا خَلَاّدُ بنُ يَحْيَى قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ قَالَ حدَّثنا جَبَلَةُ بنُ سُحَيْمٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَقُولُ نهَى النبيُّ ﷺ أنْ يَقْرُنَ الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ جَمِيعاً حتَّى يَسْتَأْذِنَ أصْحابَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وخلاد بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام: ابْن يحيى بن صَفْوَان أَبُو مُحَمَّد السّلمِيّ الْكُوفِي، سكن مَكَّة. وَهُوَ من أَفْرَاده، وَقد مر فِي الْغسْل، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وجبلة، بِالْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَاللَّام المفتوحات: ابْن سحيم، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: التَّيْمِيّ، وَيُقَال: الشَّيْبَانِيّ، مر فِي كتاب الصَّوْم فِي بَاب: إِذا رَأَيْتُمْ الْهلَال. وَهَذَا الحَدِيث وَالَّذِي بعده عَن جبلة عَن ابْن عمر، فَالْأول: عَن سُفْيَان عَن جبلة، وَالثَّانِي: عَن شُعْبَة عَن جبلة، وَقد ذكره فِي الْمَظَالِم فِي: بَاب إِذا أذن إِنْسَان لآخر شَيْئا جَازَ، عَن شُعْبَة أَيْضا عَن جبلة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٠٩٤٢ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ جَبَلَةَ قَالَ كُنَّا بالْمَدِينَةِ فأصابَتْنَا سَنَةٌ فَكانَ ابنُ الزُّبَيْر يَرْزُقنا التَّمْرَ وكانَ ابنُ عُمَرَ يَمُرُّ بِنَا فيَقُولُ لَا تَقْرُنُوا فإنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عنِ الإقْرَانِ إلَاّ أَن يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُم أخاهُ. أَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ. قَوْله: (سنَة) ، أَي جَدب وَغَلَاء. (وَابْن الزبير) هُوَ عبد الله بن الزبير بن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (يرزقنا التَّمْر) ، أَي: يقوتنا بِهِ يُقَال: رزقته رزقا فارتزق، كَمَا يُقَال: قته فاقتات، والرزق اسْم لكل مَا ينْتَفع بِهِ حَتَّى الدَّار وَالْعَبْد، وَأَصله فِي اللُّغَة: الْحَظ والنصيب، وكل حَيَوَان يَسْتَوْفِي رزقه حَلَالا أَو حَرَامًا. قَوْله: (لَا تقرنوا) ، من قرن يقرن من بَاب ضرب يضْرب، ويروى عَن جبلة قَالَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ فِي بعث الْعرَاق، فَكَانَ ابْن الزبير يرزقنا التَّمْر، وَكَانَ ابْن عمر يمر وَيَقُول: لَا تقارنوا إلَاّ أَن يسْتَأْذن الرجل أَخَاهُ، هَذَا لأجل مَا فِيهِ من الْغبن، وَلِأَن ملكهم فِيهِ سَوَاء، ويروى نَحوه عَن أبي هُرَيْرَة فِي أَصْحَاب الصّفة. قَوْله: (نهى عَن الإقران) ، ويروى: (عَن القِران) ، وَالنَّهْي فِيهِ للتنزيه، وَقَالَت الظَّاهِرِيَّة: للتَّحْرِيم. ٥ - (بابُ تَقْوِيمِ الأشْيَاءِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ بِقيمَةِ عَدْلٍ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم تَقْوِيم الْأَشْيَاء نَحْو: الْأَمْتِعَة وَالْعرُوض بَين الشُّرَكَاء حَال كَون التَّقْوِيم بِقِيمَة عدل، وَحكمه أَنه: يجوز بِلَا خلاف، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي قسمتهَا بِغَيْر تَقْوِيم، فَأَجَازَهُ الْأَكْثَرُونَ إِذا كَانَ على سَبِيل التَّرَاضِي، وَمنعه الشَّافِعِي. ١٩٤٢ - حدَّثنا عِمْرَانُ بنُ مَيْسَرَةَ قَالَ حدَّثنَا عبْدُ الوَارِثِ قَالَ حدَّثنا أيُّوبُ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ

стр. 3764

عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من أعْتَقَ شِقْصاً لَهُ مِنْ عَبْدٍ أوْ شِرْكَاً أوْ قَالَ نَصِيباً وكانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ الْعَدْلِ فَهْوَ عَتِيقٌ وإلَاّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عتَقَ قَالَ لَا أدْرِي قَوْلَهُ عتَقَ مِنْهُ مَا عتَقَ قَوْلٌ مِنْ نافِعٍ أوْ فِي الْحَدِيثِ عنِ النبيِّ ﷺ .. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (بِقِيمَة الْعدْل) . ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عمرَان بن ميسرَة ضد الميمنة مر فِي الْعلم. الثَّانِي: عبد الْوَارِث بن سعيد التَّمِيمِي الْعَنْبَري. الثَّالِث: أَيُّوب بن أبي تَمِيمَة السّخْتِيَانِيّ. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد الله بن عمر. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده، وَأَن عبد الْوَارِث وَأَيوب بصريان وَأَن نَافِعًا مدنِي. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْعتْق عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد بن زيد. وَأخرجه مُسلم فِي النذور عَن زُهَيْر بن حَرْب، وَفِيه وَفِي الْعتْق عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي وَأبي كَامِل الجحدري. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْعتْق عَن أبي الرّبيع بِهِ وَعَن مُؤَمل بن هِشَام. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَحْكَام عَن أَحْمد بن منيع عَن إِسْمَاعِيل بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْبيُوع عَن عَمْرو بن عَليّ وَفِي الْعتْق عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن عَمْرو بن زُرَارَة وَعَن مُحَمَّد بن يحيى. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (شِقْصا) بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْقَاف وبالصاد الْمُهْملَة: وَهُوَ النَّصِيب قَلِيلا أَو كثيرا. وَيُقَال لَهُ: الشقيص أَيْضا، بِزِيَادَة الْيَاء، مثل: نصف ونصيف، وَيُقَال لَهُ أَيْضا: الشّرك بِكَسْر الشين أَيْضا، وَقَالَ ابْن دُرَيْد، الشّقص هُوَ الْقَلِيل من كل شَيْء، وَقَالَ الْقَزاز: لَا يكون إلَاّ الْقَلِيل من الْكثير، وَقَالَ فِي (الْجَامِع) : الشّقص النَّصِيب والسهم، تَقول لي فِي هَذَا المَال شقص، أَي: نصيب قَلِيل، وَالْجمع أشقاص، وَقد شقصت الشَّيْء إِذا جزأته، وَقَالَ ابْن سَيّده: وَقيل: هُوَ الْحَظ وَجمعه شقاص، وَقَالَ الدَّاودِيّ: الشّقص والسهم والنصيب والحظ كُله وَاحِد. قلت: وَفِيه تحرز الرَّاوِي عَن مُخَالفَة لفظ الحَدِيث وَإِن أصَاب الْمَعْنى، لِأَن النَّصِيب والشرك والشقص بِمَعْنى وَاحِد، وَلما شكّ فِيهِ الرَّاوِي أَتَى بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ تحرياً وتحرزاً عَن الْمُخَالفَة، وَقد اخْتلف فِي وجوب ذَلِك واستحبابه، وَلَا خلاف فِي الِاسْتِحْبَاب، وَذهب غير وَاحِد إِلَى جَوَاز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى للْعَالم بِمَا يحِيل الْأَلْفَاظ دون غَيره. قَوْله: (من عبد) ، يتَنَاوَل الذّكر وَالْأُنْثَى، فَأَما الذّكر فبالنص، وَأما الْأُنْثَى، فَقيل: إِن اللَّفْظ يَتَنَاوَلهَا أَيْضا بِالنَّصِّ، فَإِن إِطْلَاق لفظ: العَبْد، يتَنَاوَل كلا مِنْهُمَا، قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: وَذَلِكَ لِأَنَّهَا صفة، فَيُقَال: عبد وَعَبدَة، فَإِذا أطلقت القَوْل يتَنَاوَل الذّكر وَالْأُنْثَى وَقيل: إِنَّمَا يثبت ذَلِك فِي الْأُنْثَى بِالْقِيَاسِ الْجَلِيّ، إِذْ الْمَعْنى الْمَوْجُود فِي الذّكر مَوْجُود فِي الْأُنْثَى، لِأَن وصف الذُّكُورَة وَالْأُنُوثَة لَا تَأْثِير لَهُ فِي الْوَصْف الْمُقْتَضِي للْحكم، وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ: أَدْرَاك كَون الْأمة فِيهِ كَالْعَبْدِ حَاصِل للسامع قبل التفطن لوجه الْجمع. قلت: فِي (صَحِيح البُخَارِيّ) التَّصْرِيح بالأمة من رِوَايَة مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يُفْتِي فِي العَبْد أَو الْأمة، يكون بَين الشُّرَكَاء فَيعتق أحدهم نصِيبه مِنْهُ، وَفِي آخِره: يخبر ذَلِك عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ ، وَسَيَأْتِي فِي الحَدِيث الثَّانِي فِي الْبَاب: من أعتق شقيصاً من مَمْلُوك، وَهَذَا شَامِل للْعَبد وَالْأمة أَيْضا، وَحكى عَن ابْن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه تَخْصِيص هَذَا الحكم بالعبيد دون الْإِمَاء، قَالَ النَّوَوِيّ: وَهَذَا القَوْل شَاذ مُخَالف للْعُلَمَاء كَافَّة. قَوْله: (وَكَانَ لَهُ) ، أَي: للْمُعْتق. قَوْله: (ثمنه) ، أَي: ثمن العَبْد بِتَمَامِهِ. قَوْله: (بِقِيمَة الْعدْل) ، وَهُوَ أَن يقوّم على أَن كُله عبد، وَلَا يقوّم بِعَيْب الْعتْق. قَالَه أصبغ وَغَيره، وَقيل: يقوم على أَنه مَسّه الْعتْق، وَفِي لفظ: قوم عَلَيْهِ بِأَعْلَى الْقيمَة، وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ: وَلَا وكس وَلَا شطط. قَوْله: (فَهُوَ عَتيق) ، أَي: العَبْد كُله عَتيق، أَي: معتوق بعضه بِالْإِعْتَاقِ وَبَعضه بِالسّرَايَةِ. قَوْله: (وإلَاّ) أَي: وَإِن لم يكن لَهُ مَا يبلغ ثمنه فقد عتق مِنْهُ مَا عتق، أَي: مَا عتقه، يَعْنِي: الْمِقْدَار الَّذِي عتقه، وَالْعين مَفْتُوحَة فِي: عتق الأول، وَعتق، الثَّانِي. وَقَالَ الدَّاودِيّ: يجوز ضم الْعين فِي الثَّانِي، وَتعقبه ابْن التِّين. فَقَالَ: هَذَا لم يقلهُ غَيره وَلَا يعرف عتق بِالضَّمِّ، لِأَن الْفِعْل لَازم صَحِيح، لِأَنَّهُ يُقَال: عتق العَبْد عتقا وعتاقة وعتاقاً فَهُوَ عَتيق، وهم عُتَقَاء، وَأعْتقهُ مَوْلَاهُ. وَفِي (الْمغرب) : وَقد يُقَام الْعتْق مقَام الْإِعْتَاق، وَقَالَ ابْن الْأَثِير؛ يُقَال: أعتقت العَبْد أعْتقهُ عتقا وعتاقة، فَهُوَ مُعتق وَأَنا معتِق، وَعتق فَهُوَ عَتيق أَي: حررته

стр. 3765

وَصَارَ حرا. قَوْله: (قَالَ: لَا أَدْرِي) أَي: قَالَ أَيُّوب، قَالَه الطرقي، وَكَذَا فِي (صَحِيح الْإِسْمَاعِيلِيّ) : قَالَ أَيُّوب، فَذكره، قَالَ: وَفِي رِوَايَة الْمُعَلَّى عَن حَمَّاد عَن أَيُّوب، قَالَه نَافِع. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهُوَ على أَنْوَاع: الأول: فِي بَيَان مَسْأَلَة التَّرْجَمَة، وَهُوَ التَّقْوِيم فِي قسْمَة الرَّقِيق، فَعِنْدَ أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: لَا تجوز قسمته إلَاّ بعد التَّقْوِيم، واحتجا بِهَذَا الحَدِيث وَبِالْحَدِيثِ الَّذِي بعده، قَالَا: أجَاز ﷺ تقويمه فِي البيع لِلْعِتْقِ، فَكَذَلِك تقويمه فِي الْقِسْمَة، وَقَالَ مَالك وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: يجوز قسمته بِغَيْر تَقْوِيم إِذا تراضوا على ذَلِك، وحجتهم أَنه ﷺ قسم غَنَائِم حنين وَكَانَ أَكْثَرهَا السَّبي والماشية، وَلَا فرق بَين الرَّقِيق وَسَائِر الْحَيَوَانَات، وَلم يذكر فِي شَيْء من السَّبي تَقْوِيم. قلت: مَذْهَب أبي حنيفَة: أَن الرَّقِيق لَا يقسم إلَاّ إِذا كَانَ مَعَه شَيْء آخر للتفاوت فِيهِ، والتفاوت فِي الْآدَمِيّ فَاحش لتَفَاوت الْمعَانِي الْبَاطِنَة كالذهن والكياسة وَالْأَمَانَة والفروسية وَالْكِتَابَة، فيعتذر التَّعْدِيل إلَاّ إِذا كَانَ مَعَه شَيْء آخر، فَحِينَئِذٍ يقسم قسْمَة الْجَمِيع من غير رضَا الشُّرَكَاء، فَيجْعَل الرَّقِيق تبعا كَبيع الشّرْب وَالطَّرِيق، وَنَحْوهمَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: يقسم الرَّقِيق جبرا، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد لِاتِّحَاد الْجِنْس، وَإِنَّمَا التَّفَاوُت فِي الْقيمَة وَذَا لَا يمْنَع صِحَة الْقِسْمَة كَمَا فِي الْإِبِل وَالْبَقر ورقيق الْغنم، وَالْجَوَاب من جِهَة أبي حنيفَة: أَن التَّفَاوُت فِي الْحَيَوَانَات يقل عِنْد اتِّحَاد الْجِنْس، أَلا يرى أَن الذّكر وَالْأُنْثَى من بني آدم جِنْسَانِ، وَمن الْحَيَوَانَات جنس وَاحِد؟ أَلا يرى أَنه إِذا اشْترى شخصا على أَنه عبد فَإِذا هُوَ جَارِيَة لَا ينْعَقد العقد، وَلَو اشْترى غنما أَو إبِلا على أَنه ذكر، فَإِذا هُوَ انثى ينْعَقد العقد، بِخِلَاف الْمَغَانِم، لِأَن حق المغانمين فِي الْمَالِيَّة حَتَّى كَانَ للْإِمَام بيعهَا وَقِسْمَة ثمنهَا بَينهم، وَفِي الرَّقِيق شركَة الْملك يتَعَلَّق بِالْعينِ والمالية، فافترق حكمهمَا، فَلَا يجوز قِيَاس أَحدهمَا على الآخر. الثَّانِي: احْتج مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور: أَنه إِذا كَانَ عبد بَين اثْنَيْنِ فَأعتق أَحدهمَا نصِيبه، فَإِن كَانَ لَهُ مَال غرم نصيب صَاحبه وَعتق العَبْد من مَاله، وَإِن لم يكن لَهُ مَال عتق من العَبْد مَا عتق وَلَا يستسعى. قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَهَذَا قَول أهل الْمَدِينَة، وَعند أبي حنيفَة أَن شَرِيكه مُخَيّر، إِمَّا أَنه يعْتق نصِيبه أَو يستسعى العَبْد وَالْوَلَاء فِي الْوَجْهَيْنِ لَهما، أَو يضمن الْمُعْتق قيمَة نصِيبه لَو كَانَ مُوسِرًا، أَو يرجع بِالَّذِي ضمن على العَبْد، وَيكون الْوَلَاء للْمُعْتق، وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد: لَيْسَ لَهُ إلَاّ الضَّمَان مَعَ الْيَسَار، أَو السّعَايَة مَعَ الْإِعْسَار، وَلَا يرجع الْمُعْتق على العَبْد بِشَيْء، وَالْوَلَاء للْمُعْتق فِي الْوَجْهَيْنِ وَاحْتج أَبُو حنيفَة بِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا: من أعتق شِقْصا لَهُ فِي مَمْلُوك فخلاصه عَلَيْهِ فِي مَاله إِن كَانَ لَهُ مَال، وإلَاّ قوم عَلَيْهِ واستسعى بِهِ غير مشقوق، أَي لَا يشدد عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ مُسلم أَيْضا فَثَبت السّعَايَة بذلك، وَقَالَ ابْن حزم: على ثُبُوت الِاسْتِسْعَاء ثَلَاثُونَ صحابياً. وَقَوله: وإلَاّ فقد عتق مِنْهُ مَا عتق، لم تصح هَذِه الزِّيَادَة عَن الثِّقَة أَنه من قَول النَّبِي ﷺ ، حَتَّى قَالَ أَيُّوب وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ: أهوَ شَيْء فِي الحَدِيث أَو قَالَه نَافِع من قبله؟ وهما الراويان لهَذَا الحَدِيث. وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : هِيَ مكذوبة. وَاعْلَم أَن هَهُنَا أَرْبَعَة عشر مذهبا. الأول: مَذْهَب عُرْوَة وَمُحَمّد بن سِيرِين وَالْأسود بن يزِيد وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَزفر: أَن من أعتق شركا لَهُ فِي عبد ضمن قيمَة حِصَّة شَرِيكه مُوسِرًا كَانَ أَو مُعسرا، وَرووا ذَلِك عَن عبد الله بن مَسْعُود وَعمر بن الْخطاب. الثَّانِي: مَذْهَب ربيع: أَن من أعتق حِصَّة لَهُ من عبد بَينه وَبَين آخر لم ينفذ عتقه، نَقله أَبُو يُوسُف عَنهُ. الثَّالِث: مَذْهَب الزُّهْرِيّ وَعبد الرَّحْمَن بن يزِيد وَعَطَاء ابْن أبي رَبَاح وَعَمْرو بن دِينَار: أَنه ينفذ عتق من أعتق وَيبقى من لم يعْتق على نصِيبه يفعل فِيهِ مَا شَاءَ. الرَّابِع: مَذْهَب عُثْمَان اللَّيْثِيّ، فَإِنَّهُ ينفذ عتقِ الَّذِي أعتق فِي نصِيبه وَلَا يلْزمه شَيْء لشَرِيكه إلَاّ أَن تكون جَارِيَة رائعة. إِنَّمَا تلتمس للْوَطْء، فَإِنَّهُ يضمن للضَّرَر الَّذِي أَدخل على شَرِيكه. الْخَامِس: مَذْهَب الثَّوْريّ وَاللَّيْث وَالنَّخَعِيّ فِي قَول، فَإِنَّهُم قَالُوا: إِن شَرِيكه بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ أعتق وَإِن شَاءَ ضمن الْمُعْتق. السَّادِس: مَذْهَب ابْن جريج وَعَطَاء بن أبي رَبَاح فِي قَول: إِنَّه إِن أعتق أحد الشَّرِيكَيْنِ نَصبه استسقى العَبْد سَوَاء كَانَ الْمُعْتق مُعسرا أَو مُوسِرًا السَّابِع مَذْهَب عبد الله بن أبي يزِيد أَنه أَن أعتق مُشْركًا لَهُ فِي عبد وَهُوَ مُفلس، فَأَرَادَ العَبْد أَخذ نصِيبه بِقِيمَتِه فَهُوَ أولى بذلك إِن نقد. الثَّامِن: مَذْهَب ابْن سِيرِين أَنه: إِذا أعتق نصِيبه فِي عبد فباقيه يعْتق من بَيت مَال الْمُسلمين. التَّاسِع: مَذْهَب مَالك: أَن الْمُعْتق إِن كَانَ مُوسِرًا قوم عَلَيْهِ حصص شركائه، وأغرمها لَهُم. وَأعْتق كُله بعد التَّقْوِيم لَا قبله، وَإِن شَاءَ الشَّرِيك أَن يعْتق حِصَّته فَلهُ ذَلِك، وَلَيْسَ لَهُ أَن يمسِكهُ رَقِيقا، وَلَا أَن يكاتبه، وَلَا أَن يَبِيعهُ، وَلَا أَن يدبره وَإِن كَانَ مُعسرا، فقد عتق مَا أعتق وَالْبَاقِي رَقِيق يَبِيعهُ الَّذِي هُوَ لَهُ إِن شَاءَ أَو

стр. 3766

يمسِكهُ رَقِيقا أَو يكاتبه أَو يَهبهُ أَو يدبره، وَسَوَاء أيسر الْمُعْتق بعد عتقه أَو لم يوسر. الْعَاشِر: مَذْهَب الشَّافِعِي فِي قَول، وَأحمد وَإِسْحَاق: أَن الَّذِي أعتق إِن كَانَ مُوسِرًا قوم عَلَيْهِ حِصَّة من شركه، وَهُوَ حر كُله حِين أعتق الَّذِي أعتق نصِيبه، وَلَيْسَ لمن يشركهُ أَن يعتقهُ، وَلَا أَن يمسِكهُ وَإِن كَانَ مُعسرا. فقد عتق مَا عتق وَبَقِي سائره مَمْلُوكا يتَصَرَّف فِيهِ مَالِكه كَيفَ شَاءَ. الْحَادِي عشر: مَذْهَب عبد الله بن شبْرمَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَالْحسن بن حَيّ وَسَعِيد بن الْمسيب وَسليمَان بن يسَار وَالشعْبِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان وَقَتَادَة كمذهب أبي يُوسُف وَمُحَمّد، وَقد ذَكرْنَاهُ. الثَّانِي عشر: مَذْهَب أبي حنيفَة، وَقد ذَكرْنَاهُ. الثَّالِث عشر: مَذْهَب بكير بن الْأَشَج فَإِنَّهُ قَالَ فِي رجلَيْنِ بَينهمَا عبد فَأَرَادَ أَحدهمَا أَن يعْتق أَو يُكَاتب: فَإِنَّهُمَا يتقاومانه. الرَّابِع عشر: مَذْهَب الظَّاهِرِيَّة، أَنه إِذا أعتق أحد نصِيبه من العَبْد الْمُشْتَرك يعْتق كُله حِين تلفظ بذلك، فَإِن كَانَ لَهُ مَال يَفِي بِقِيمَة حِصَّة شَرِيكه على حسب طاقته، لَيْسَ للشَّرِيك غير ذَلِك، وَلَا لَهُ أَن يعْتق، وَالْوَلَاء للَّذي أعتق أَولا، وَلَا يرجع العَبْد على من أعْتقهُ بِشَيْء مِمَّا سعى فِيهِ، حدث لَهُ مَال أَو لم يحدث. النَّوْع الثَّالِث: فِيهِ دَلِيل على صِحَة عتق الْمُوسر وتبرعاته من الصَّدَقَة وَنَحْوهَا، وَهُوَ قَول جُمْهُور الْعلمَاء، وَذهب بَعضهم إِلَى أَنه إِذا كَانَ مُعسرا لَا يَصح عتق نصِيبه وَيبقى العَبْد جَمِيعه فِي الرّقّ، وَحَكَاهُ القَاضِي عِيَاض، وَقد ادّعى ابْن عبد الْبر الإتفاق على خِلَافه، فَقَالَ: وَقد أجمع الْعلمَاء على القَوْل بنفوذ الْعتْق من الشَّخْص، سَوَاء كَانَ الْمُعْتق مُعسرا أَو مُوسِرًا. النَّوْع الرَّابِع: يسْتَدلّ بِعُمُوم قَوْله: من أعتق، على أَن الحكم فِيهِ عَام فِي جَمِيع من يَصح مِنْهُ الْعتْق، سَوَاء كَانَ الْمُعْتق أَو الشَّرِيك أَو العَبْد الْمُعْتق مُسلما أَو كَافِرًا. النَّوْع الْخَامِس: فِيهِ أَن المَال الْغَائِب كالحاضر، لِأَنَّهُ مَالك عَلَيْهِ، فَيعتق عَلَيْهِ حِصَّة شَرِيكه بِالسّرَايَةِ ويطالبه بِقِيمَة حِصَّته، وَفِيه خلاف للمالكية. النَّوْع السَّادِس: قَالَ شَيخنَا: فِي قَوْله: مَا يبلغ ثمنه، حجَّة لأحد الْوَجْهَيْنِ لأَصْحَاب الشَّافِعِي أَنه إِذا ملك مَا يبلغ بعض ثمن حِصَّة شَرِيكه أَنه لَا يعْتق عَلَيْهِ. النَّوْع السَّابِع: فِي أَن المُرَاد بقوله: فَكَانَ لَهُ من المَال مَا يبلغ ثمنه، وَهُوَ مَا يفضل عَن قوت يَوْمه وقوت من يلْزمه نَفَقَته، وسكنى يَوْمه، ودست ثوب كَمَا هُوَ الْمُعْتَبر فِي الدُّيُون، وَهُوَ قَول الجماهير من الْعلمَاء، وَبِه جزم الرَّافِعِيّ فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَيْسَ الْيَسَار الْمُعْتَبر فِي هَذَا الْبَاب كاليسار الْمُعْتَبر فِي الْكَفَّارَة الْمرتبَة، وَكَذَا قَالَ ابْن الْمَاجشون من الْمَالِكِيَّة، وَقَالَ أَشهب: يُبَاع عَلَيْهِ ثِيَاب ظَهره وَلَا يتْرك لَهُ إلَاّ مَا يُصَلِّي فِيهِ، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: يُبَاع عَلَيْهِ منزله الَّذِي يسكنهُ وشوار بَيته، وَلَا يتْرك لَهُ إلَاّ كسْوَة ظَهره، وعيشة الْأَيَّام. النَّوْع الثَّامِن: فِي قَوْله: من أعتق، دَلِيل على أَنه لَا فرق بَين أَن يكون من أعتق نصِيبه وَاحِدًا أَو أَكثر. النَّوْع التَّاسِع: قَالَ شَيخنَا: إِذا وَقع الْعتْق من وَاحِد فَأكْثر مَعًا وَكَانُوا موسرين فَيقوم عَلَيْهِم على قدر الحصص أَو على عدد الرؤوس، فِيهِ خلاف عِنْد الشَّافِعِيَّة والمالكية، وَالأَصَح عِنْد أَصْحَاب الشَّافِعِي أَنه: على عدد الرؤوس كالشفعة، وَصحح ابْن الْعَرَبِيّ أَن هَذَا على قدر الحصص. النَّوْع الْعَاشِر: قَالَ شَيخنَا أَيْضا إِن فِي قَوْله: (من أعتق شِقْصا لَهُ) دَلِيل أَن تقدم كِتَابَة شَرِيكه لعَبْدِهِ فِي حِصَّته لَا يمْنَع من سرَايَة الْعتْق فِي نصيب شَرِيكه، لِأَن الْمكَاتب عبد، وَهُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور، كَمَا قَالَ الرَّافِعِيّ. . وَعَن صَاحب (التَّقْرِيب) رِوَايَة وَجه أَو قَول: أَنه لَا يسري إِذْ لَا سَبِيل إِلَى إبِْطَال الْكِتَابَة. النَّوْع الْحَادِي عشر: قَالَ شَيخنَا أَيْضا: وَفِيه أَيْضا أَن تعلق الرَّهْن بِحِصَّة الشَّرِيك لَا يمْنَع من السَّرَايَة، وَهُوَ الصَّحِيح كَمَا قَالَ الرَّافِعِيّ. النَّوْع الثَّانِي عشر: قَالَ شَيخنَا أَيْضا: فِيهِ أَن تقدم تَدْبِير الشَّرِيك بِحِصَّتِهِ على إِعْتَاق الشَّرِيك الْمُوسر بِحِصَّتِهِ، لَا يمْنَع السَّرَايَة أَيْضا، وَفِيه قَولَانِ للشَّافِعِيّ، والأقوى كَمَا قَالَ الرَّافِعِيّ: أَنه لَا يمْنَع، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه يمْنَع. النَّوْع الثَّالِث عشر: فِيهِ: أَيْضا أَن تقدم اسْتِيلَاء الشَّرِيك وَهُوَ مُعسر لَا يمْنَع سرَايَة إِعْتَاق شَرِيكه. النَّوْع الرَّابِع عشر: اسْتدلَّ بِهِ ابْن عبد الْبر لقَوْل مَالك وَأَصْحَابه: إِن من أفسد شَيْئا من الْعرُوض الَّتِي لَا تكال وَلَا توزن فَإِنَّمَا عَلَيْهِ قيمَة مَا اسْتهْلك من ذَلِك لَا مثله، لِأَنَّهُ ﷺ لم يُوجب على من أعتق نصِيبه نصف عبد مثله لشَرِيكه، قَالَ مَالك: الْقِسْمَة أعدل فِي ذَلِك، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة أَيْضا.

стр. 3767

النَّوْع الْخَامِس عشر: قَالَ شَيخنَا: الحَدِيث مَحْمُول على مَا إِذا أعتق نصِيبه فِي حَالَة الصِّحَّة، فَإِذا أعتق حِصَّته فِي الْمَرَض وَمَات فَإِنَّهُ لَا ينفذ وَلَا يسري على الْمُوسر إلَاّ مَا احتمله ثلث مَاله، وَكَذَلِكَ لَو أوصى بِعِتْق نصِيبه أَو بِبَعْض حِصَّته فَإِنَّهُ لَا يسري عَلَيْهِ شَيْء زَائِد على ذَلِك، لَا فِي حِصَّته وَلَا فِي حِصَّة شَرِيكه، لِأَنَّهُ قد انْقَطع ملكه بِالْمَوْتِ. النَّوْع السَّادِس عشر: شَرط السَّرَايَة الَّتِي هِيَ من خَواص الْعتْق أَن يحصل الْعتْق فِي حِصَّته بِاخْتِيَارِهِ حَتَّى لَو ورت سقطا من قَرِيبه الَّذِي يعْتق عَلَيْهِ لم يسر وَلم يقوم عَلَيْهِ نصيب شَرِيكه، بِخِلَاف مَا إِذا اشْتَرَاهُ أَو اتهبه، قَالَه الرَّافِعِيّ. ٢٩٤٢ - حدَّثنا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أخْبرنا عبْدُ الله قَالَ أخبرنَا سَعيدُ بنُ أبِي عُرُوبَةَ عنْ قَتادَةَ عنِ النَّضْرِ بنِ أنَسٍ عنْ بَشيرِ بنِ نَهِيكٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ مَنْ أعْتَقَ شَقِيصاً مِنْ مَمْلُوكِهِ فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ فِي مالِه فإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ الْمَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ ثُمَّ اسْتَسْعَى غَيْرَ مَشْقُوقٍ علَيْهِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (قوم الْمَمْلُوك قيمَة عدل) . ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد، مر فِي الْوَحْي. الثَّانِي: عبد الله بن الْمُبَارك. الثَّالِث: سعيد بن أبي عرُوبَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَضم الرَّاء وبالباء الْمُوَحدَة: واسْمه مهْرَان الْيَشْكُرِي. الرَّابِع: قَتَادَة بن دعامة. الْخَامِس: النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: ابْن أنس بن مَالك النجاري الْأنْصَارِيّ. السَّادِس: بشير، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الشين الْمُعْجَمَة: ابْن نهيك، بِفَتْح النُّون وَكسرهَا وبالكاف: السَّلُولي، وَيُقَال: السدُوسِي. السَّابِع: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَهُوَ وَشَيْخه مروزيان والبقية بصريون، وَقَالَ الْخَطِيب: رَوَاهُ يزِيد بن هَارُون عَن سعيد عَن قَتَادَة عَن النَّضر بن أنس بِلَفْظ: من أعتق نَصِيبا لَهُ من عبد وَلم يكن لَهُ مَال استسعى العَبْد فِي ثمن رقبته غير مشقوق عَلَيْهِ، هَكَذَا رَوَاهُ يزِيد، قصر عَن بعض الْأَلْفَاظ الَّتِي ذكرهَا عبد الله بن بكر عَن ابْن أبي عرُوبَة، وَقد رَوَاهُ سعيد بن الْمُبَارك وَيزِيد بن زُرَيْع وَمُحَمّد بن بشر الْعَبْدي وَيحيى الْقطَّان وَمُحَمّد ب أبي عدي فَأحْسنُوا سِيَاقه، واستوفوا أَلْفَاظه، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أبان بن يزِيد وَجَرِير بن حَازِم ومُوسَى بن خلف عَن قَتَادَة، وَرَوَاهُ شُعْبَة عَن قَتَادَة فَلم يذكر استسعاء العَبْد، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ روح بن عبَادَة ومعاذ بن هِشَام كِلَاهُمَا عَن هِشَام الدستوَائي عَن قَتَادَة، إلَاّ أَن معَاذًا لم يذكر فِي إِسْنَاده النَّضر، إِنَّمَا قَالَ: عَن قَتَادَة عَن بشير بن نهيك، وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن كثير الْعَبْدي عَن همام عَن قَتَادَة. وروى أَبُو عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن يزِيد الْمصْرِيّ عَن همام معنى ذَلِك إلَاّ أَنه زَاد فِيهِ ذكر الِاسْتِسْعَاء وَجعله من قَول قَتَادَة، وميزه من كَلَام النَّبِي ﷺ فَقَالَ: وَكَانَ قَتَادَة يَقُول: إِن لم يكن لَهُ مَال استسعى. وَفِي لفظ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَن رجلا أعتق شِقْصا من مَمْلُوكه فغرمه النَّبِي ﷺ بَقِيَّة ثمنه، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: إِن كَانَ الِاسْتِسْعَاء على مَا يذهب إِلَيْهِ الْكُوفِي مِنْهُ فقد جمع بَين حَدِيثي ابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة، وهما متدافعان وجعلهما صَحِيحَيْنِ، وَهَذَا بعيد جدا، وَالْقَوْل فِي ذَلِك أحد قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: إِن قَوْله: استسعى العَبْد، لَيْسَ فِي الْخَبَر الْمسند، وَإِنَّمَا هُوَ لِقَتَادَة، فدرج فِي الْخَبَر على مَا رَوَاهُ همام عَن قَتَادَة، وَأما أَن يكون استسعاء العَبْد السَّيِّد يستسعيه فِي قومه غير مشقوق عله أَن الْعتْق لم يكمل فِيهِ فَإِنَّهُ لم يبين فِي الْخَبَر من يستسعيه، وَتبين أَن الْعتْق لم ينفذ فِيهِ فَصَارَ سَيّده هُوَ الَّذِي يستسعيه. قلت: أَبُو هُرَيْرَة روى هَذَا الحَدِيث كَمَا رَوَاهُ ابْن عمر وَزَاد عَلَيْهِ شَيْئا بيَّن بِهِ كَيفَ حكم مَا بَقِي من العَبْد بعد نصيب الْمُعْتق، كَمَا هُوَ مشروح فِيهِ، فَكَانَ هَذَا الحَدِيث فِيهِ مَا فِي حَدِيث ابْن عمر. وَفِيه: وجوب السّعَايَة على العَبْد إِذا كَانَ مُعْتقه مُعسرا، وسنزيد فِيهِ عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْعتْق عَن مُسَدّد وَعَن أَحْمد بن أبي رَجَاء وَفِي الشّركَة أَيْضا عَن أبي النُّعْمَان. وَأخرجه مُسلم فِي الْعتْق وَفِي النذور عَن مُحَمَّد بن مُوسَى وَمُحَمّد بن بشار، وَفِي النذور أَيْضا عَن عبيد الله بن

стр. 3768

معَاذ وَفِي الْعتْق أَيْضا عَن عَليّ بن خشرم وَفِي النذور أَيْضا عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعلي بن خشرم وَفِيهِمَا أَيْضا عَن عَمْرو النَّاقِد وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَفِي الْعتْق أَيْضا عَن هَارُون بن عبد الله. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْعتْق عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن مُحَمَّد بن كثير وَعَن أَحْمد بن عَليّ وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن معَاذ وَلم يذكر النَّضر بن أنس فِي إِسْنَاده، وَعَن نصر بن عَليّ وَعَن عَليّ بن عبد الله وَعَن مُحَمَّد بن بشار وَفِي حَدِيث أبان وَابْن أبي عرُوبَة ذكر الِاسْتِسْعَاء. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَحْكَام عَن عَليّ بن خشرم بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن بشار وَفِيه ذكر الِاسْتِسْعَاء، قَالَ: وَرَوَاهُ شُعْبَة عَن قَتَادَة وَلم يذكر فِيهِ أَمر السّعَايَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعتْق عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن مُحَمَّد بن بشار وَعَن هناد وَعَن نصر بن عَليّ وَعَن المؤمل بن هِشَام وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله، وَفِيه ذكر السّعَايَة وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَمُحَمّد بن إِسْمَاعِيل وَلم يذكر النَّضر بن أنس فِي إِسْنَاده وَلَا قصَّة الِاسْتِسْعَاء وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ. ذكر بَيَان مَا فِي حَدِيثي أبي هُرَيْرَة وَابْن عمر الْمَذْكُورين: قد ذكرنَا عَن قريب أَن فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة زِيَادَة وَهِي: وجوب السّعَايَة على العَبْد إِذا كَانَ الْمُعْتق مُعسرا. فَإِن قلت: قَالَ الْخطابِيّ: قَوْله: استسعى غير مشقوق عَلَيْهِ لَا يُثبتهُ أهل النَّقْل مُسْندًا عَن النَّبِي ﷺ ، ويزعمون أَنه من قَول قَتَادَة، وَقد تَأَوَّلَه بعض النَّاس فَقَالَ: معنى السّعَايَة أَن يستسعي العَبْد لسَيِّده أَي: يستخدم، وَكَذَلِكَ معنى قَوْله: غير مشقوق عَلَيْهِ، أَي: لَا يحمل فَوق مَا يلْزمه من الْخدمَة إلَاّ بِقدر مَا فِيهِ من الرّقّ، وَلَا يُطَالب بِأَكْثَرَ مِنْهُ، وَأَيْضًا لم يذكر ابْن أبي عرُوبَة بالسعاية فِي رِوَايَته عَن قَتَادَة، وَفِيه اضْطِرَاب، فَدلَّ على أَنه لَيْسَ من متن الحَدِيث عِنْده، وَإِنَّمَا هُوَ من كَلَام قَتَادَة، وَيدل على صِحَة ذَلِك حَدِيث ابْن عمر، وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر: روى أَبُو هُرَيْرَة هَذَا الحَدِيث على خلاف مَا رَوَاهُ ابْن عمر، وَاخْتلف فِي حَدِيثه، وَهُوَ حَدِيث يَدُور على قَتَادَة عَن النَّضر بن أنس عَن بشير ابْن نهيك عَن أبي هُرَيْرَة، وَاخْتلف أَصْحَاب قَتَادَة عَلَيْهِ فِي الِاسْتِسْعَاء، وَهُوَ الْموضع الْمُخَالف لحَدِيث ابْن عمر من رِوَايَة مَالك وَغَيره، وَاتفقَ شُعْبَة وَهَمَّام على ترك ذكر السّعَايَة فِي هَذَا الحَدِيث، وَالْقَوْل قَوْلهم فِي قَتَادَة عِنْد جَمِيع أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ إِذا خالفهم فِي قَتَادَة غَيرهم، وَأَصْحَاب قَتَادَة الَّذين هم حجَّة فِيهِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة، فَإِن اتّفق هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة لم يعرج على من خالفهم فِي قَتَادَة، وَإِن اخْتلفُوا نظر، فَإِن اتّفق مِنْهُم اثْنَان وَانْفَرَدَ وَاحِد فَالْقَوْل قَول الْإِثْنَيْنِ، لَا سِيمَا إِذا كَانَ أَحدهمَا شُعْبَة، وَلَيْسَ أحد بِالْجُمْلَةِ فِي قَتَادَة مثل شُعْبَة لِأَنَّهُ كَانَ يوقفه على الْإِسْنَاد وَالسَّمَاع، وَقد اتّفق شُعْبَة وَهِشَام فِي هَذَا الحَدِيث على سُقُوط ذكر الِاسْتِسْعَاء فِيهِ، وتابعهما همام، وَفِي هَذَا تَقْوِيَة لحَدِيث ابْن عمر، وَهُوَ حَدِيث مدنِي صَحِيح لَا يُقَاس بِهِ غَيره، وَهُوَ أولى مَا قيل بِهِ فِي هَذَا الْبَاب. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: ضعف الشَّافِعِي السّعَايَة بِوُجُوه: مِنْهَا: أَن شُعْبَة وهشاماً رواياه عَن قَتَادَة وَلَيْسَ فِيهِ استسعاء وهما أحفظ. وَمِنْهَا: أَنه سمع بعض أهل الْعلم يَقُول: لَو كَانَ حَدِيث سعيد مُنْفَردا لَا يُخَالِفهُ غَيره مَا كَانَ ثَابتا. قلت: تَابع ابْن أبي عرُوبَة على رِوَايَته عَن قَتَادَة يحيى بن أبي صبيح، رَوَاهُ الْحميدِي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن ابْن أبي عرُوبَة وَيحيى بن صبيح عَن قَتَادَة على مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ عَن مُحَمَّد بن النُّعْمَان عَن الْحميدِي، وَهُوَ شيخ البُخَارِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة شيخ الشَّافِعِي عَن سعيد بن أبي عرُوبَة وَيحيى بن صبيح، بِفَتْح الصَّاد: الْخُرَاسَانِي الْمقري، كِلَاهُمَا عَن قَتَادَة كَذَلِك، وَقد ذكر الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي (سنَنه) : أَن الْحجَّاج وَأَبَان ومُوسَى بن خلف وَجَرِير بن حَازِم رَوَوْهُ عَن قَتَادَة كَذَلِك، يَعْنِي: ذكرُوا فِيهِ الِاسْتِسْعَاء، وَإِذا سكت شُعْبَة وَهِشَام عَن الِاسْتِسْعَاء لم يكن ذَلِك حجَّة على ابْن أبي عرُوبَة، لِأَنَّهُ ثِقَة قد زَاد عَلَيْهِمَا شَيْئا، فَالْقَوْل قَوْله، كَيفَ وَقد وَافقه على ذَلِك جمَاعَة؟ وَقَالَ ابْن حزم: هَذَا خبر فِي غَايَة الصِّحَّة، فَلَا يجوز الْخُرُوج عَن الزِّيَادَة الَّتِي فِيهِ، وَقد رَوَاهُ عَنهُ يزِيد ابْن هَارُون وَعِيسَى بن يُونُس وَجَمَاعَة كَثِيرَة، ذكرهم صَاحب (التَّمْهِيد) وَلم يَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ فِي أَمر السّعَايَة، مِنْهُم: عَبدة بن سُلَيْمَان وَهُوَ أثبت النَّاس سَمَاعا من ابْن أبي عرُوبَة، وَقَالَ صَاحب (الاستذكار) ، وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنهُ كَذَلِك روح بن عبَادَة وَيزِيد بن زُرَيْع وَعلي بن مسْهر وَيحيى بن سعيد وَمُحَمّد بن بكر وَيحيى بن أبي عدي، وَلَو كَانَ هَذَا الحَدِيث غير ثَابت كَمَا زَعمه الشَّافِعِي لما أخرجه الشَّيْخَانِ فِي (صَحِيحَيْهِمَا) وَقَالَ شَارِح (الْعُمْدَة) : الَّذين لم يَقُولُوا بالاستسعاء تعللوا فِي تَضْعِيفه بتعللات على الْبعد، وَلَا يُمكنهُم الْوَفَاء بِمِثْلِهَا فِي الْمَوَاضِع الَّتِي يَحْتَاجُونَ إِلَى الِاسْتِدْلَال فِيهَا بِأَحَادِيث يرد عَلَيْهِم فِيهَا مثل تِلْكَ التعللات.

стр. 3769

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (شقيصاً) ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الْقَاف: بِمَعْنى الشّقص، وَهُوَ النَّصِيب، وَقد ذكرنَا أَنَّهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنى وَاحِد كالنصيف وَالنّصف. قَوْله: (فَعَلَيهِ خلاصه) ، أَي: فَعَلَيهِ أَدَاء قيمَة الْبَاقِي من مَاله ليتخلص من الرّقّ. قَوْله: (قيمَة عدل) ، قد مضى تَفْسِيره. قَوْله: (غير مشقوق) ، أَي: غير مُكَلّف عَلَيْهِ فِي الِاكْتِسَاب، حَاصله: يُكَلف العَبْد بالاستسعاء قدر نصيب الشَّرِيك الآخر بِلَا تَشْدِيد، فَإِذا دَفعه إِلَيْهِ عتق، وَمعنى هَذَا الحَدِيث مثل معنى حَدِيث ابْن عمر، غير أَن فِيهِ زِيَادَة هِيَ: الِاسْتِسْعَاء، وَثَبت هَذَا عِنْد الشَّيْخَيْنِ وَالتِّرْمِذِيّ أَيْضا، وروى ابْن عدي فِي (الْكَامِل) من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: (من أعتق شِقْصا من رَقِيق كَانَ عَلَيْهِ أَن يعْتق نَفسه، فَإِن لم يكن لَهُ مَال يستسعى العَبْد) وَالله أعلم. ٦ - (بابٌ هَلْ يُقْرَعُ فِي الْقِسْمَةِ والاسْتِهامِ فِيه) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يقرع من الْقرعَة بِضَم الْقَاف، وَهِي مَعْرُوفَة. قَوْله: (والاستهام) أَي: أَخذ السهْم، أَي: النَّصِيب، وَلَيْسَ المُرَاد من الاستهام هُنَا الإقراع، وَإِن كَانَ مَعْنَاهُمَا فِي الأَصْل وَاحِدًا، لِأَنَّهُ لَا معنى أَن يُقَال: هَل يقرع فِي الإقراع؟ قَوْله: (فِيهِ) قَالَ الْكرْمَانِي: الضَّمِير عَائِد إِلَى الْقسم أَو المَال الَّذِي يدل عَلَيْهَا الْقِسْمَة، وَقَالَ بَعضهم: الضَّمِير يعود إِلَى الْقسم بِدلَالَة الْقِسْمَة. قلت: كِلَاهُمَا بمعزل عَن نهج الصَّوَاب، وَلم يذكر هُنَا قسم وَلَا مَال حَتَّى يعود الضَّمِير إِلَيْهِ، بل الضَّمِير يعود إِلَى الْقِسْمَة والتذكير بِاعْتِبَار أَن الْقِسْمَة هُنَا بِمَعْنى الْقسم، وَفِي (الْمغرب) : الْقِسْمَة اسْم من الاقتسام، وَجَوَاب: هَل، مَحْذُوف تَقْدِيره: نعم يقرع، قَالَ ابْن بطال: الْقرعَة سنة لكل من أَرَادَ الْعدْل فِي الْقِسْمَة بَين الشُّرَكَاء، وَالْفُقَهَاء متفقون على القَوْل بهَا، وَخَالفهُم بعض الْكُوفِيّين، وَقَالُوا: لَا معنى لَهَا لِأَنَّهَا تشبه الأزلام الَّتِي نهى الله عَنْهَا، وَحكى ابْن الْمُنْذر عَن أبي حنيفَة أَنه جوزها. وَقَالَ: هِيَ فِي الْقيَاس لَا تسقيم، وَلَكنَّا نَتْرُك الْقيَاس فِي ذَلِك للآثار وَالسّنة، وَفِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي الْإِفْك: كَانَ إِذا خرج أَقرع بَين نِسَائِهِ، وَفِي حَدِيث أم الْعَلَاء: أَن عُثْمَان بن مَظْعُون طاولهم سَهْمه فِي السُّكْنَى، حِين أقرعت الْأَنْصَار سُكْنى الْمُهَاجِرين، وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (لَو يعلم النَّاس مَا فِي النداء والصف الأول لاستهموا عَلَيْهِ) . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فساهم فَكَانَ من المدحضين﴾ (الصافات: ١٤١) . وَقَالَ إِسْمَاعِيل القَاضِي: لَيْسَ فِي الْقرعَة إبِْطَال شَيْء من الْحق، وَإِذا وَجَبت الْقِسْمَة بَين الشُّرَكَاء فِي أَرض أَو دَار فَعَلَيْهِم أَن يعدلُوا ذَلِك بِالْقيمَةِ ويستهموا، وَيصير لكل وَاحِد مِنْهُم مَا وَقع لَهُ بِالْقُرْعَةِ مجتمعاً مِمَّا كَانَ لَهُ فِي الْملك مشَاعا، فَيصير فِي مَوضِع بِعَيْنِه، وَيكون ذَلِك بِالْعِوَضِ الَّذِي صَار لشَرِيكه. وَإِنَّمَا منعت الْقرعَة أَن يخْتَار كل وَاحِد مِنْهُم موضعا بِعَيْنِه. ٣٩٤٢ - حدَّثنا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثني زَكَرِيَّاءُ قَالَ سَمِعْتُ عامِراً يقُولُ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بنَ بَشِيرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَثَلُ القائِمِ عَلَى حُدُودِ الله والْوَاقِعِ فِيها كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا علَى سَفينَةٍ فأصابَ بَعْضُهُمْ أعْلاهَا وبَعْضُهُمْ أسْفَلَها فكانَ الَّذِينَ فِي أسْفَلِها إذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا علَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقاً ولَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنا فإنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أرَادُوا هلَكُوا جَميعاً وإنْ أخَذُوا علَى أيْدِيهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعاً. (الحَدِيث ٣٩٤٢ طرفه فِي: ٦٨٦٢) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (استهموا على سفينة) . وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن الْأَحول الْكُوفِي، وزكرياء هُوَ ابْن زَائِدَة الْهَمدَانِي الْكُوفِي الْأَعْمَى، وعامر هُوَ الشّعبِيّ، والنعمان بن بشير، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة: الْأنْصَارِيّ، مر فِي كتاب الْإِيمَان. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشَّهَادَات عَن عمر بن حَفْص بن غياث عَن أَبِيه عَن الْأَعْمَش عَن الشّعبِيّ بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْفِتَن عَن أَحْمد بن منيع عَن أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. قَوْله: (مثل الْقَائِم على حُدُود الله تَعَالَى) أَي: الْمُسْتَقيم على مَا منع الله تَعَالَى من مجاوزتها، وَيُقَال: الْقَائِم بِأَمْر الله مَعْنَاهُ: الْآمِر بِالْمَعْرُوفِ والناهي عَن الْمُنكر. وَقَالَ الزّجاج: أصل الْحَد فِي اللُّغَة الْمَنْع، وَمِنْه حد الدَّار، وَهُوَ مَا يمْنَع غَيرهَا من الدُّخُول فِيهَا، والحداد الْحَاجِب والبواب، وَلَفظ

стр. 3770

التِّرْمِذِيّ: مثل الْقَائِم على حُدُود الله تَعَالَى والمدهن فِيهَا أَي: الغاش فِيهَا، ذكره ابْن فَارس، وَقيل: هُوَ كالمصانعة، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿ودوا لَو تدهن فيدهنون﴾ (الْقَلَم: ٩) . وَقيل: المدهن المتلين لمن لَا يَنْبَغِي التلين لَهُ. قَوْله: (وَالْوَاقِع فِيهَا) أَي: فِي الْحُدُود، أَي: التارك للمعروف المرتكب للْمُنكر. قَوْله: (استهموا) أَي: اتخذ كل وَاحِد مِنْهُم سَهْما، أَي: نَصِيبا من السَّفِينَة بِالْقُرْعَةِ. قَوْله: (على من فَوْقهم) ، أَي: على الَّذين فَوْقهم. قَوْله: (وَلم نؤذ) ، من الْأَذَى، وَهُوَ الضَّرَر. قَوْله: (من فَوْقنَا) أَي: الَّذين سكنوا فَوْقنَا. قَوْله: (فَإِن يتركوهم وَمَا أَرَادوا) . أَي: فَإِن يتْرك الَّذين سكنوا فَوْقهم إِرَادَة الَّذين سكنوا تَحْتهم من الْخرق، وَالْوَاو، بِمَعْنى: مَعَ، وَكلمَة: مَا، مَصْدَرِيَّة. قَوْله: (هَلَكُوا) ، جَوَاب الشَّرْط وَهُوَ قَوْله: فَإِن ... قَوْله: (هَلَكُوا جَمِيعًا) أَي: كلهم الَّذين سكنوا فَوق وَالَّذين سكنوا أَسْفَل، لِأَن بخرق السَّفِينَة تغرق السَّفِينَة وَيهْلك أَهلهَا. قَوْله: (وَإِن أخذُوا على أَيْديهم) أَي: وَإِن منعوهم من الْخرق نَجوا أَي: الآخذون (ونجوا جَمِيعًا) يَعْنِي: جَمِيع من فِي السَّفِينَة، وَلَو لم يذكر قَوْله: (ونجوا جَمِيعًا) ، لكَانَتْ النجَاة اخْتصّت بالآخذين فَقَط، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل كلهم نَجوا لعدم الْخرق، وَهَكَذَا إِذا أُقِيمَت الْحُدُود وَأمر بِالْمَعْرُوفِ وَنهي عَن الْمُنكر تحصل النجَاة للْكُلّ وإلَاّ هلك العَاصِي بالمعصية وَغَيرهم بترك الْإِقَامَة. وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَحْكَام فِيهِ: جَوَاز الضَّرْب بِالْمثلِ وَجَوَاز الْقرعَة، فَإِنَّهُ، ﷺ ، ضرب الْمثل هُنَا بالقوم الَّذين ركبُوا السَّفِينَة، وَلم يذم المستهمين فِي السفية وَلَا أبطل فعلهم، بل وضيه وَضرب بِهِ مثلا لمن نجى من الهلكة فِي دينه. وَفِيه: تَعْذِيب الْعَامَّة بذنوب الْخَاصَّة وَاسْتِحْقَاق الْعقُوبَة بترك النَّهْي عَن الْمُنكر مَعَ الْقُدْرَة. وَفِيه: أَنه يجب على الْجَار أَن يصبر على شَيْء من أَذَى جَاره خوف مَا هُوَ أَشد. وَفِيه: إِثْبَات الْقرعَة فِي سُكْنى السفية إِذا تشاحوا، وَذَلِكَ فِيمَا إِذا نزلُوا مَعًا. فَأَما من سبق مِنْهُم فَهُوَ أَحَق. وَذكر ابْن بطال هُنَا مَسْأَلَة الدَّار الَّتِي لَهَا علوا وسفل لمناسبة بَينهَا وَبَين أهل السَّفِينَة، فَقَالَ: وَأما حكم الْعُلُوّ والسفل يكون بَين رجلَيْنِ، فيعتل السّفل وَيُرِيد صَاحبه هَدمه فَلَيْسَ لَهُ هَدمه إلَاّ من ضَرُورَة، وَلَيْسَ لرب الْعُلُوّ أَن يَبْنِي على سفله شَيْئا لم يكن قبل إلَاّ الشَّيْء الْخَفِيف الَّذِي لَا يضر صَاحب السّفل، فَلَو انْكَسَرت خَشَبَة من سفل الْعُلُوّ فَلَا يدْخل مَكَانهَا أَسْفَل مِنْهَا، قَالَ أَشهب: وَبَاب الدَّار على صَاحب السّفل، فَلَو انْهَدم السّفل أجبر صَاحبه على بنائِهِ وَلَيْسَ على صَاحب الْعُلُوّ أَن يَبْنِي السّفل، فَإِن أَبى صَاحب السّفل أَن يَبْنِي قيل لَهُ: بِعْ مِمَّن يَبْنِي. انْتهى. قلت: الَّذِي ذكره أَصْحَابنَا أَنه لَيْسَ لصَاحب الْعُلُوّ إِذا انْهَدم السّفل أَن يَأْخُذ صَاحب السّفل بِالْبِنَاءِ، لَكِن يُقَال لصَاحب الْعُلُوّ: ابْن السّفل إِن شِئْت حَتَّى يبلغ مَوْضِعه علوك ثمَّ ابْن علوك، وَلَيْسَ لصَاحب السّفل أَن يسكن حَتَّى يُعْطي قيمَة بِنَاء السّفل، وَذُو الْعُلُوّ يسكن علوه، والسفل كَالرَّهْنِ فِي يَده وسقف السّفل بِكُل آلاته لصَاحب السّفل وَلِصَاحِب الْعُلُوّ سكناهُ، وَصَاحب الْعُلُوّ إِذا بنى السّفل فَلهُ أَن يرجع بِمَا أنْفق على صَاحب السّفل، وَإِن كَانَ صَاحب السّفل يَقُول: لَا حَاجَة لي إِلَى السّفل. ٧ - (بابُ شَرِكَةِ الْيَتِيمِ وأهْلِ الْمِيرَاثِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم شركَة الْيَتِيم وَأهل الْمِيرَاث، وَحكمه مَا قَالَه ابْن بطال: شركَة الْيَتِيم ومخالطته فِي مَاله لَا يجوز عِنْد الْعلمَاء، إلَاّ أَن يكون للْيَتِيم فِي ذَلِك رُجْحَان. قَالَ تَعَالَى: ﴿ويسألونك عَن الْيَتَامَى قل: إصْلَاح لَهُم خير وَإِن تخالطوهم فإخوانكم وَالله يعلم الْمُفْسد من المصلح﴾ (الْبَقَرَة: ٠٢٢) . ٤٩٤٢ - حدَّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله الْعامِرِيُّ الأُوَيْسيُّ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ صالحٍ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ أخبرَني عُرْوةُ أنَّهُ سألَ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَقَالَ اللَّيْثُ حدَّثني يونُسُ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَألَ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عنْ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ﴾ إِلَى ﴿ورُباع﴾ (النِّسَاء: ٣) . فقالتْ يَا ابنَ أُخْتِي هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ ولِيِّهَا تُشَارِكُهُ فِي مالِهِ فيُعْجِبُهُ مالُها وجَمالُها فيُرِيدُ ولِيُّها أَن يَتَزوَّجَهَا بغَيْرِ أنْ يُقْسطَ فِي صَداقِهَا فيُعْطِيهَا مثْلَ مَا يُعْطِيها غَيْرُهُ فَنُهوا

стр. 3771

أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلَاّ أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ ويَبْلُغُوا بِهِنَّ أعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنَ الصَّدَّاقِ وأُمِرُوا أنْ يَنْكِحُوا مَا طابَ لَهمْ مِنَ النِّسَاءِ سِواهُنَّ. قَالَ عُرْوةُ قالتْ عائِشَةُ ثمَّ إنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رسولَ الله ﷺ بعْدَ هاذِهِ الآيَةِ فأنْزَلَ الله ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ والَّذِي ذَكَرَ الله أنَّهُ يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ الآيَةُ الأُولَى الَّتي قَالَ فِيها وإنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى فانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ قالَتْ عائِشَةُ وقَوْل الله فِي الآيةِ الأخْرَى وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ يَعْني هِيَ رَغْبَة أحَدِكُمْ بَيَتيمَتِه الَّتي فِي حَجْرِه حِينَ تَكُونُ قَليلَةَ الْمَالِ والْجَمَالِ فَنهوا أنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا فِي مالِها وجَمالِها مِنْ يَتامَى النِّساءِ إلَاّ بالْقِسْطِ مِنْ أجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ (النِّسَاء: ٧٢١) .. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (الْيَتِيمَة تكون فِي حجر وَليهَا تشاركه فِي مَاله) . ذكر رِجَاله وهم ثَمَانِيَة: الأول: عبد الْعَزِيز بن يحيى بن عَمْرو بن أويس الْقرشِي العامري الأويسي، بِضَم الْهمزَة وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالسين الْمُهْملَة: نِسْبَة إِلَى جده أويس. الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَبُو إِسْحَاق الْقرشِي الزُّهْرِيّ، كَانَ على قَضَاء بَغْدَاد. الثَّالِث: صَالح بن كيسَان أَبُو مُحَمَّد مؤدب ولد عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّادِس: اللَّيْث بن سعد. السَّابِع: يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي. الثَّامِن: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: السُّؤَال فِي موضِعين. وَفِيه: أَن الطَّرِيق الأول مَوْصُول وَالطَّرِيق الثَّانِي وَهُوَ قَوْله. وَقَالَ اللَّيْث مُعَلّق. وَفِيه: أَن رُوَاة الطَّرِيق الأول كلهم مدنيون ورواة الطَّرِيق الثَّانِي من نسب شَتَّى، فالليث مصري وَيُونُس أيلي وَابْن شهَاب مدنِي، وَكَذَلِكَ عُرْوَة. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ من طَرِيق يُونُس عَن الزُّهْرِيّ فِي الْأَحْكَام عَن عَليّ بن عبد الله وَفِي الشّركَة وَقَالَ اللَّيْث. وَأخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وحرملة بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي النِّكَاح عَن أَحْمد بن عَمْرو بن السَّرْح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى وَسليمَان بن دَاوُد، أربعتهم عَن وهب عَن يُونُس. وَأخرجه النَّسَائِيّ الطَّرِيق الأول عَن سُلَيْمَان بن سيف عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَقَالَ اللَّيْث) ، مُعَلّق وَصله الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره من طَرِيق عبد الله بن صَالح عَن اللَّيْث مَقْرُونا بطرِيق ابْن وهب عَن يُونُس. قَوْله: (وَإِن خِفْتُمْ إِلَى ... وَربَاع) ، يَعْنِي: سَأَلَ عُرْوَة عَائِشَة عَن تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن خِفْتُمْ أَلا تقسطوا فِي الْيَتَامَى فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾ (النِّسَاء: ٣) . وَمعنى قَوْله: وَإِن خِفْتُمْ، يَعْنِي: إِذا كَانَت تَحت حجر أحدكُم يتيمة وَخَافَ أَن لَا يُعْطِيهَا مهر مثلهَا، فليعدل إِلَى مَا سواهَا من النِّسَاء فَإِنَّهُنَّ كَثِيرَة، وَلم يضيق الله عَلَيْهِ، وَسَيَأْتِي فِي البُخَارِيّ فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى أخبرنَا هِشَام عَن ابْن جريج أَخْبرنِي هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة: أَن رجلا كَانَت لَهُ يتيمة فنكحها، وَكَانَ لَهَا عذق، وَكَانَ يمْسِكهَا عَلَيْهِ وَلم يكن لَهَا من نَفسه شَيْء، فَنزلت فِيهِ: ﴿وَإِن خِفْتُمْ أَلا تقسطوا فِي الْيَتَامَى﴾ (النِّسَاء: ٣) . أَحْسبهُ قَالَ: كَانَت شريكته فِي ذَلِك العذق وَفِي مَاله، ثمَّ ذكر البُخَارِيّ عقيب هَذَا الحَدِيث حَدِيث الْبَاب الَّذِي أخرجه عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله الأويسي إِلَى آخِره، وَفِي رِوَايَة لمُسلم من حَدِيث هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن خِفْتُمْ ألَاّ تقسطوا فِي الْيَتَامَى﴾ (النِّسَاء: ٣) . قَالَت: أنزلت فِي الرجل يكون لَهُ الْيَتِيمَة وَهُوَ وَليهَا ووارثها وَلها مَال وَلَيْسَ لَهَا أحد يُخَاصم دونهَا وَلَا ينْكِحهَا لمالها فيضربها ويسيء صحبتهَا. فَقَالَ: ﴿وَإِن خِفْتُمْ ألَاّ تقسطوا فِي الْيَتَامَى فأنكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء﴾ (النِّسَاء: ٧٢١) . يَقُول: مَا أحللت لكم، ودع هَذِه الَّتِي تضربها. انْتهى. قَوْله: ﴿مَا طَابَ لكم﴾ (النِّسَاء: ٣) . قَرَأَ ابْن أبي عبلة: من طَابَ لكم، وَمعنى: طَابَ حل. قَوْله: ﴿مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾ (النِّسَاء: ٣) . معدولات عَن: اثْنَيْنِ وَثَلَاث وَأَرْبع، وَهِي نكرَة ومنعها

стр. 3772

عَن الصّرْف للعدل وَالْوَصْف، وَقيل: للعدل والتأنيث لِأَن الْعدَد كُله مؤنث، وَالْوَاو جَاءَت على طَرِيق الْبَدَل كَأَنَّهُ قَالَ: وَثَلَاث بدل من ثِنْتَيْنِ وَربَاع بدل من ثَلَاث، وَلَو جَاءَت: أَو، لجَاز أَن لَا يكون لصَاحب الْمثنى ثَلَاث وَلَا لصَاحب الثَّلَاث رباع، وَالْمقَام مقَام امتنان وَإِبَاحَة، فَلَو كَانَ يجوز الْجمع بَين أَكثر من أَربع لذكره. وَقَالَ الشَّافِعِي: وَقد دلّت سنة رَسُول الله ﷺ المبينة عَن الله أَنه: لَا يجوز لأحد غير رَسُول الله ﷺ أَن يجمع بَين أَكثر من أَربع، وَهَذَا الَّذِي قَالَه الشَّافِعِي مجمع عَلَيْهِ بَين الْعلمَاء إِلَّا مَا حكى عَن طَائِفَة من الشِّيعَة فِي الْجمع بَين أَكثر من أَربع إِلَى تسع، وَقَالَ بَعضهم: لَا حصر، وَقد يتَمَسَّك بَعضهم بِفعل النَّبِي ﷺ فِي جمعه بَين أَكثر من أَربع، أما تسع كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَأما إِحْدَى عشرَة كَمَا جَاءَ فِي بعض أَلْفَاظ البُخَارِيّ، وَهَذَا عِنْد الْعلمَاء من خَصَائِص رَسُول ﷺ دون غَيره من الْأمة. قَوْله: (فَقَالَت: يَا ابْن أُخْتِي) ، وَذَلِكَ لِأَن عُرْوَة ابْن أَسمَاء أُخْت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (فِي حجر وَليهَا) ، بِفَتْح الْحَاء وَكسرهَا، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: يجوز أَن يكون من حجر الثَّوْب وَهُوَ طرفه الْمُقدم، لِأَن الْإِنْسَان يُربي وَلَده فِي حجره، وَالْحجر، بِالْفَتْح وَالْكَسْر: الثَّوْب والحضن، والمصدر بِالْفَتْح لَا غير، ووليها: هُوَ الْقَائِم بأمرها. قَوْله: (بِغَيْر أَن يقسط) ، بِضَم الْيَاء، من: الإقساط، وَهُوَ الْعدْل يُقَال: أقسط يقسط فَهُوَ مقسط إِذا عدل، وقسط يقسط من بَاب ضرب يضْرب فَهُوَ قاسط إِذا جَار، فَكَأَن الْهمزَة فِي أقسط للسلب، كَمَا يُقَال شكى إِلَيْهِ فأشكاه. قَوْله: (فنهوا) ، بِضَم النُّون وَالْهَاء، لِأَنَّهُ صِيغَة الْمَجْهُول، وَأَصله نهيوا، فنقلت ضمة الْيَاء إِلَى الْهَاء فَالتقى ساكنان، فحذفت الْيَاء فَصَارَ: نهوا، على وزن: فعوا، لِأَن الْمَحْذُوف لَام الْفِعْل. قَوْله: (ثمَّ إِن النَّاس استفتوا) ، أَي: طلبُوا مِنْهُ الْفَتْوَى فِي أَمر النِّسَاء. الْفَتْوَى والفتيا بِمَعْنى وَاحِد، وَهُوَ الإسم، والمفتي من يبين الْمُشكل من الْكَلَام، وَأَصله من الفتي وَهُوَ الشَّاب الْقوي، فالمفتي يقوى ببيانه مَا أشكل. قَوْله: (بعد هَذِه الْآيَة) ، وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن خِفْتُمْ﴾ إِلَى ﴿وَربَاع﴾ (النِّسَاء: ٣) . قَوْله: فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿ويستفتونك فِي النِّسَاء﴾ (النِّسَاء: ٧٢١) . أَي: يطْلبُونَ مِنْك الْفَتْوَى فِي أَمر النِّسَاء. قَالَ ابْن أبي حَاتِم: قَرَأت على مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم أخبرنَا ابْن وهب أَخْبرنِي يُونُس عَن ابْن شهَاب أَخْبرنِي عُرْوَة بن الزبير، قَالَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: ثمَّ إِن النَّاس استفتوا رَسُول ﷺ بعد هَذِه الْآيَة فِيهِنَّ، فَأنْزل الله ﴿ويستفتونك فِي النِّسَاء قل الله يفتيكم فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُم فِي الْكتاب﴾ (النِّسَاء: ٧٢١) . الْآيَة، قَالَت: وَالَّذِي ذكر الله أَن يُتْلَى عَلَيْهِم فِي الْكتاب الْآيَة الأولى الَّتِي قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِن خِفْتُمْ أَلا تقسطوا فِي الْيَتَامَى فأنكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء﴾ (النِّسَاء: ٣) . وَبِهَذَا الْإِسْنَاد عَن عَائِشَة قَالَت: وَقَول الله: ﴿وترغبون أَن تنكحوهن﴾ (النِّسَاء: ٧٢١) . رَغْبَة أحدكُم عَن يتيمته الَّتِي تكون فِي حجره حِين تكون قَليلَة المَال ... إِلَى آخر مَا سَاقه البُخَارِيّ وَالْمَقْصُود أَن الرجل إِذا كَانَ فِي حجره يتيمة يحل لَهُ تَزْوِيجهَا، فَتَارَة يرغب فِي أَن يَتَزَوَّجهَا، فَأمره الله تَعَالَى أَن يمهرها أُسْوَة أَمْثَالهَا من النِّسَاء، فَإِن لم يفعل فليعدل إِلَى غَيرهَا من النِّسَاء، فقد وسع الله ، وَهَذَا الْمَعْنى فِي الْآيَة الأولى الَّتِي فِي أول السُّورَة، وَتارَة لَا يكون للرجل فِيهَا رَغْبَة لدمامتها عِنْده أَو فِي نفس الإمر، فَنَهَاهُ الله، ، أَن يعضلها عَن الْأزْوَاج خشيَة أَن يشركوه فِي مَاله الَّذِي بَينه وَبَينهَا، كَمَا قَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: ﴿فِي يتامى النِّسَاء اللَّاتِي لَا تؤتوهن مَا كتب لَهُنَّ وترغبون أَن تنكحوهن﴾ (النِّسَاء:؟ ؟) . فَكَانَ الرجل فِي الْجَاهِلِيَّة يكون عِنْده الْيَتِيمَة فيلقي عَلَيْهَا ثَوْبه، فَإِذا فعل ذَلِك بهَا لم يقدر أحد أَن يَتَزَوَّجهَا أبدا، فَإِن كَانَت جميلَة فَهُوَ بهَا تزَوجهَا وَأكل مَالهَا، وَإِن كَانَت دَمِيمَة منعهَا من الرِّجَال حَتَّى تَمُوت، فَإِذا مَاتَت ورثهَا فَحرم ذَلِك وَنهى عَنهُ. قَوْله: (رَغْبَة أحدكُم بيتيمته) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: عَن يتيمته، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَضَبطه الْحَافِظ الدمياطي هَكَذَا. ٨ - (بابُ الشَّرِكَةِ فِي الأرَضينَ وغَيْرِها) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشّركَة فِي الْأَرْضين وَغَيرهَا، أَي: وَغير الْأَرْضين كَالدَّارِ والبساتين، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن للشركاء فِي الأَرْض وَغَيرهَا الْقِسْمَة مُطلقًا، خلافًا لمن خصها بِالَّتِي ينْتَفع بهَا إِذا قسمت على مَا يَجِيء بَيَانه عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٥٩٤٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا هِشامٌ قَالَ أخْبرنَا مَعْمَرٌ عَن الزُّهْرِيِّ عنْ أبي

стр. 3773

سلَمَةَ عنْ جابِرِ بنِ عبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ إنَّما جعَلَ النبيُّ ﷺ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ فإذَا وقَعَتِ الحُدُودُ وصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (مَا لم يقسم) ، لِأَن هَذَا يشْعر بِأَن مَا لم يقسم يكون بَين الشُّرَكَاء، وَالْقِسْمَة لَا تكون إلَاّ بَينهم، والْحَدِيث مضى فِي: بَاب شُفْعَة مَا لم يقسم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُسَدّد عَن عبد الْوَاحِد عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ، وَهنا: عَن عبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي عَن هِشَام بن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ الْيَمَانِيّ عَن معمر بن رَاشد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ ... إِلَى آخِره. قَوْله: (كل مَا لم يقسم) ، أَي: كل مُشْتَرك لم يقسم من الْأَرَاضِي وَنَحْوهَا. ٩ - (بابٌ إِذا اقْتَسَمَ الشُّرَكَاءُ الدُّورَ أوْ غَيْرَها فلَيْسَ لَهُمْ رجوَعٌ وَلَا شُفْعَةٌ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا اقتسم الشُّرَكَاء الدّور وَغَيرهَا، أَي: غير الدّور، نَحْو: الْبَسَاتِين وَسَائِر العقارات، وَفِي بعض النّسخ: إِذا اقتسموا، نَحْو: أكلوني البراغيث. قَوْله: (فَلَيْسَ لَهُم رُجُوع) جَوَاب: إِذا، لِأَن الْقِسْمَة عقد لَازم فَلَا رُجُوع فِيهَا. قَوْله: (وَلَا شُفْعَة) أَي: وَلَا شُفْعَة فِي الْقِسْمَة، لِأَن الشُّفْعَة فِي الشّركَة لَا فِي الْقِسْمَة لِأَن الشُّفْعَة لَا تكون فِي شَيْء مقسوم عِنْد الْعلمَاء كَافَّة، وَإِنَّمَا هِيَ فِي الْمشَاع لقَوْله، ﷺ : إِذا وَقعت الْحُدُود فَلَا شُفْعَة. ٦٩٤٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حدَّثنا معْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيَّ عنْ أبِي سلَمَةَ ابنِ عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَضَى النبيُّ ﷺ بالشُّفّعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ فإذَا وقَعَتِ الحدُودُ وصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ.. قيل لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة لِأَن فِي التَّرْجَمَة لُزُوم الْقِسْمَة وَلَيْسَ فِي الحَدِيث إلَاّ نفي الشُّفْعَة. وَأجِيب: بِأَنَّهُ يلْزم من نفي الشُّفْعَة نفي الرُّجُوع إِذْ لَو كَانَ للشَّرِيك الرُّجُوع لعاد مَا يشفع فِيهِ مشَاعا، فَحِينَئِذٍ تعود الشُّفْعَة. والْحَدِيث مضى الْآن وَفِي: بَاب شُفْعَة مَا لم يقسم، كم ذَكرْنَاهُ، وَعبد الْوَاحِد هُوَ ابْن زِيَاد الْبَصْرِيّ. ٠١ - (بابُ الاشْتِرَاكِ فِي الذَّهَبِ والْفِضَّةِ وَمَا يَكونُ فِيهِ منَ الصَّرْفِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الِاشْتِرَاك فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة، وَهُوَ جَائِز إِذا كَانَ من كل وَاحِد من الْإِثْنَيْنِ دَرَاهِم أَو دَنَانِير فَالشَّرْط أَن يخلطا المَال حَتَّى يتَمَيَّز ثمَّ يتصرفان جَمِيعًا، وَيُقِيم كل وَاحِد مِنْهُمَا الآخر مقَام نَفسه، وَهَذَا صَحِيح بِلَا خلاف. وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا كَانَ من أَحدهمَا دَنَانِير وَمن الآخر دَرَاهِم، فَقَالَ مَالك والكوفيون وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر: لَا يجوز، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: إِنَّمَا لم يجز ذَلِك لِأَنَّهُ صرف وَشركَة، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالك، وَحكى ابْن أبي زيد خلاف مَالك فِيهِ، وَأَجَازَهُ سَحْنُون، وَأكْثر قَول مَالك: إِنَّه لَا يجوز، وَقَالَ الثَّوْريّ: يجوز أَن يَجْعَل أَحدهمَا دَنَانِير وَالْآخر دَرَاهِم فيخلطانها، وَذَلِكَ أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا قد بَاعَ بِنصْف نصِيبه نصف نصيب صَاحبه. قَوْله: (وَمَا يكون فِيهِ من الصّرْف) وَفِي بعض النّسخ: وَمَا يكون فِي الصّرْف بِدُونِ كلمة: من، وَهَذَا مثل التبر وَالدَّرَاهِم المغشوشة، وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك، فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: يَصح فِي كل مثلي، وَهَذَا هُوَ الْأَصَح عِنْد الشَّافِعِيَّة. وَقيل: يخْتَص بِالنَّقْدِ الْمَضْرُوب، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَمَا يكون فِيهِ الصّرْف هُوَ بيع الذَّهَب بِالْفِضَّةِ، وَبِالْعَكْسِ، وَسمي بِهِ لصرفه عَن مُقْتَضى الْبياعَات من جَوَاز التَّفَاضُل فِيهِ، وَقيل: من صريفهما، وَهُوَ تصويتهما فِي الْمِيزَان. ٨٩٤٢ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ قَالَ حدَّثنا أَبُو عاصِمٍ عنْ عُثْمَانَ يَعْنِي ابنَ الأسْوَدِ قَالَ أخْبَرني سُلَيْمَانُ بنُ أبِي مُسْلِمٍ قَالَ سألْتُ أبَا الْمِنْهَالِ عنِ الصَّرْفِ يدَاً بِيَدٍ فَقَالَ اشْتَرَيْتُ أَنا وشَريكٌ لي

стр. 3774

شَيْئاً يدَاً بِيَدٍ ونَسِيئَةٍ فجاءَنا البُراءُ بنُ عازِبٍ فَسَألْناهُ فَقَالَ فَعلْتُ أَنا وشَرِيكي زَيْدُ بن أرْقَمَ فسألْنَا النبيَّ ﷺ عنْ ذالِكَ فَقَالَ مَا كانَ يَداً بِيَدٍ فَخُذُوهُ وَمَا كانَ نَسيئَةً فَذَرُوهُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (اشْتريت أَنا وَشريك لي شَيْئا) ، وَذَلِكَ لِأَن أَبَا الْمنْهَال وشريكه كَانَا يشتريان شَيْئا من الذَّهَب وَالْفِضَّة يدا بيد ونسيئة، وَكَانَا شَرِيكَيْنِ فيهمَا، فسألا عَن حكم ذَلِك لِأَنَّهُ صرف، ثمَّ عملا بِمَا بلغهما من النَّبِي، ﷺ ، إِن مَا كَانَ يدا بيد فَهُوَ جَائِز، وَمَا كَانَ نَسِيئَة فَلَا يجوز. والْحَدِيث مر فِي أَوَائِل الْبيُوع فِي: بَاب التِّجَارَة فِي الْبر، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من طَرِيقين: الأول: عَن أبي عَاصِم عَن ابْن جريج عَن عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن المنهار، وَالْآخر: عَن الْفضل بن يَعْقُوب عَن الْحجَّاج بن مُحَمَّد ... إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه: عَن عَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن عَليّ بن بَحر أبي حَفْص الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ الصَّيْرَفِي عَن أبي عَاصِم النَّبِيل، واسْمه: الضَّحَّاك بن مخلد، وَهُوَ شيخ البُخَارِيّ أَيْضا، وروى عَنهُ هُنَا بِوَاسِطَة، وَكَذَلِكَ فِي عدَّة مَوَاضِع يروي عَنهُ بِوَاسِطَة، وَفِي مَوَاضِع يروي عَنهُ بِلَا وَاسِطَة، وَعُثْمَان هُوَ ابْن الْأسود ابْن مُوسَى بن باذان الْمَكِّيّ. وَقَوله: (يَعْنِي: ابْن الْأسود) إِشْعَار مِنْهُ بِأَن شَيْخه لم يقل إلَاّ عُثْمَان فَقَط، وَأما ذكر نسبه فَهُوَ مِنْهُ، وَهَذَا من جملَة الاحتياطات،. وَسليمَان بن أبي مُسلم هُوَ الْأَحول، مر فِي التَّهَجُّد، وَأَبُو الْمنْهَال، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون وباللام: عبد الرَّحْمَن. قَوْله: (شَيْئا يدا بيد ونسيئة) وَلَفظه فِي كتاب الْبيُوع: كنت أتجر فِي الصّرْف. قَوْله: (فَخُذُوهُ) ، بِالْفَاءِ وَكَذَلِكَ: فذروه، بِالْفَاءِ، ويروى: ذروه، بِدُونِ الْفَاء، وَذَلِكَ لِأَن الِاسْم الْمَوْصُول بِالْفِعْلِ المتضمن للشّرط يجوز فِيهِ دُخُول الْفَاء فِي خَبره وَيجوز تَركه. قَوْله: (فذروه) ، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الرَّاء، أَي: اتركوه، وَهُوَ من الْأَفْعَال الَّتِي أمات الْعَرَب ماضيها، وَهَذِه هِيَ رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: فَردُّوهُ، بِضَم الرَّاء وَتَشْديد الدَّال من الرَّد. وَفِيه: رد مَا لَا يجوز وَهُوَ النَّسِيئَة وَهُوَ التَّأْخِير، فَلَا يجوز شَيْء من الصّرْف نَسِيئَة، وَإِنَّمَا يجوز يدا بيد، وَقد مر. ١١ - (بابُ مُشَارَكَةِ الذِّمِّيِّ والْمُشْرِكِينَ فِي الْمُزَارَعَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم مُشَاركَة الذِّمِّيّ وَالْمُشْرِكين الْمُسلم فِي الْمُزَارعَة. قَوْله: (وَالْمُشْرِكين) من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص، على أَن المُرَاد من الْمُشْركين هم المستأمنون، فيكونون فِي معنى أهل الذِّمَّة، وَأما الْمُشرك الْحَرْبِيّ فَلَا تتَصَوَّر الشّركَة بَينه وَبَين الْمُسلم فِي دَار الْإِسْلَام، على مَا لَا يخفى، وَحكمهَا أَنَّهَا تجوز، لِأَن هَذِه الْمُشَاركَة فِي معنى الْإِجَارَة واستئجار أهل الذِّمَّة جَائِز، وَأما مُشَاركَة الذِّمِّيّ مَعَ الْمُسلم فِي غير الْمُزَارعَة فَعِنْدَ مَالك: لَا يجوز إلَاّ أَن يتَصَرَّف الذِّمِّيّ بِحَضْرَة الْمُسلم، أَو يكون الْمُسلم هُوَ الَّذِي يتَوَلَّى البيع وَالشِّرَاء، لِأَن الذِّمِّيّ قد يتجر فِي الرِّبَا وَالْخمر وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا يحل للْمُسلمِ، وَأما أَخذ أَمْوَالهم فِي الْجِزْيَة فللضرورة، إِذْ لَا مَال لَهُم غَيره، وروى مَا قَالَه مَالك عَن عَطاء وَالْحسن الْبَصْرِيّ، وَبِه قَالَ اللَّيْث وَالثَّوْري وَأحمد وَإِسْحَاق وَعند أَصْحَابنَا: مُشَاركَة الْمُسلم مَعَ أهل الذِّمَّة فِي شركَة الْمُفَاوضَة لَا يجوز عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد. خلافًا لأبي يُوسُف، وَقد عرف فِي مَوْضِعه. ٩٩٤٢ - حدَّثنا موساى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا جُوَيْرِيَةُ بنُ أسْمَاءَ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أعْطاى رسولُ الله ﷺ خيْبَرَ الْيَهُودَ أنْ يَعْمَلُوها ويَزْرَعُوها ولَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث، وَهُوَ أَن فِيهِ مُشَاركَة الْيَهُود فِي مُزَارعَة خَيْبَر من حَيْثُ إِنَّه ﷺ جعل لَهُم شطر مَا يخرج من الزِّرَاعَة من خَيْبَر، والشطر الْبَاقِي يصرف للْمُسلمين، وَهَؤُلَاء الْيَهُود كَانُوا أهل ذمَّة وأُلحق الْمُشْركُونَ بهم لأَنهم فِي حكم أهل الذِّمَّة لكَوْنهم مستأمنين، كَمَا ذكرنَا. والْحَدِيث قد مضى فِي أَوَائِل كتاب الْمُزَارعَة فِي مَوَاضِع، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَنَذْكُر بعض شَيْء من ذَلِك. قَوْله: (أَن يعملوها) ، أَي: يزرعوا بَيَاض أرْضهَا، وَلذَلِك سموا الْمُسَاقَاة. وَفِيه: إِثْبَات الْمُسَاقَاة والمزارعة، وَمَالك لَا يُجِيزهُ. قَوْله: (وَلَهُم شطر مَا يخرج مِنْهَا) أَي: من أَرض خَيْبَر الَّتِي يزرعونها. وَفِيه: دَلِيل على أَن رب الأَرْض وَالشَّجر إِذا بَين حِصَّة نَفسه جَازَ، وَكَانَ الْبَاقِي لِلْعَامِلِ كَمَا لَو بيَّن حِصَّة

стр. 3775

الْعَامِل، وَقَالَ بعض الْفُقَهَاء: إِذا سمى حِصَّة نَفسه لم يكن الْبَاقِي لِلْعَامِلِ حَتَّى يُسَمِّي لَهُ حِصَّته، وَاحْتج بِهِ أَحْمد: أَنه إِذا كَانَ الْبذر من عِنْد الْعَامِل جَازَ، وَذهب ابْن أبي ليلى وَأَبُو يُوسُف إِلَى أَنَّهَا جَائِزَة، سَوَاء كَانَ الْبذر من عِنْد الأكار أَو رب الأَرْض. وَقَالَ ابْن التِّين: اسْتدلَّ بِهِ من أجَاز قرض النَّصْرَانِي، وَلَا دَلِيل فِيهِ لِأَنَّهُ قد يعْمل بالربا وَنَحْوه، بِخِلَاف الْمُسلم، وَالْعَمَل فِي النّخل وَالزَّرْع لَا يخْتَلف فِيهِ عمل يَهُودِيّ من نَصْرَانِيّ، وَلَو كَانَ الْمُسلم فَاسِقًا يخْشَى أَن يعْمل بِهِ ذَلِك، كره أَيْضا كالنصراني بل أَشد، وَقَالَ الْمُهلب: وكل مَا لَا يدْخلهُ رَبًّا وَلَا ينْفَرد بِهِ الذِّمِّيّ فَلَا بَأْس بشركة الْمُسلم لَهُ فِيهِ. ٢١ - (بابُ قِسْمَةِ الْغَنَمِ والْعَدْلِ فِيها) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم قسْمَة الْغنم وَالْعدْل فِيهَا، أَي: فِي قسْمَة الْغنم. ٠٠٥٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ يَزيدَ بنِ أبِي حَبِيبٍ عنْ أبِي الخَيْرِ عنْ عُقْبَةَ بنِ عامِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ أعْطَاهُ غنَماً يَقْسِمُها علَى صَحَابَتِهِ وضَحايا فبَقِيَ عَتُودٌ فَذَكرَهُ لرَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ ضَحِّ بِهِ أنْتَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث بِعَين هَذَا الْمَتْن وبعين هَذَا الْإِسْنَاد فِي أول كتاب الْوكَالَة، غير أَن شَيْخه هُنَاكَ عَمْرو بن خَالِد عَن اللَّيْث، وَهنا قُتَيْبَة عَنهُ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (عتود) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَضم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: وَهُوَ مَا بلغ الرَّعْي وَقَوي وَبلغ حولا، وَهَذِه الْقِسْمَة يجوز فِيهَا من الْمُسَامحَة والمساهلة مَا لَا يجوز فِي الْقِسْمَة الَّتِي هِيَ تَمْيِيز الْحُقُوق، لِأَنَّهُ ﷺ ، إِنَّمَا وكل عقبَة على تَفْرِيق الضَّحَايَا على أَصْحَابه، وَلم يعين لأحد مِنْهُم شَيْئا بِعَيْنِه، فَكَانَ تفريقاً موكولاً إِلَى اجْتِهَاد عقبَة، وَكَانَ ذَلِك على سَبِيل التَّطَوُّع من رَسُول الله ﷺ ، لَا أَنَّهَا كَانَت وَاجِبَة عَلَيْهِ لأَصْحَابه، فَلم يكن على عقبَة حرج فِي قسمتهَا وَلَا لزمَه من أحد مِنْهُم ملامة إِن أعطَاهُ دون مَا أعْطى صَاحبه، وَلَيْسَ كَذَلِك الْقِسْمَة بَين حُقُوقهم الْوَاجِبَة، فَإِنَّهَا مُتَسَاوِيَة فِي الْمَقْسُوم، فَهَذِهِ لَا يكون فِيهَا تغابن وَلَا ظلم على أحد مِنْهُم. وَفِيه: استيمار الْوَكِيل مَا يصنع بِمَا فضل. وَفِيه: التَّفْوِيض إِلَى الْوَكِيل. وَفِيه: قبُول الْعَطِيَّة والتضحية بهَا. ٣١ - (بابُ الشَّرِكَةِ فِي الطَّعامِ وغَيْرِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشّركَة فِي الطَّعَام وَغَيره، هُوَ كل مَا يجوز تملكه، وَقَالَ بَعضهم: وَغَيره، أَي: من الْمِثْلِيَّات، وَالَّذِي قُلْنَا هُوَ أَعم وَأحسن، وَجَوَاب التَّرْجَمَة: يجوز ذَلِك، لِأَن الشّركَة بيع من الْبيُوع فَيجوز فِي الطَّعَام وَغَيره، وَكره مَالك الشّركَة فِي الطَّعَام بالتساوي أَيْضا فِي الْكَيْل والجودة، لِأَنَّهُ يخْتَلف فِي الصّفة وَالْقيمَة، وَلَا تجوز الشّركَة إلَاّ على الاسْتوَاء فِي ذَلِك، وَلَا يكَاد أَن يجمع فِيهِ ذَلِك فكرهه، وَلَيْسَ الطَّعَام مثل الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم الَّتِي هِيَ على الاسْتوَاء عِنْد النَّاس. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: تجوز الشّركَة بِالْحِنْطَةِ إِذا اشْتَركَا على الْكَيْل وَلم يشتركا على الْقيمَة، وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ وَأَبُو ثَوْر الشّركَة بِالطَّعَامِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: تجوز الشّركَة بالقمح وَالزَّيْت لِأَنَّهُمَا يختلطان جَمِيعًا، وَلَا يتَمَيَّز أَحدهمَا من الآخر. وَاخْتلفُوا فِي الشّركَة بالعروض، فجوزها مَالك وَابْن أبي ليلى، ومنعها الثَّوْريّ والكوفيون وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا تجوز الشّركَة فِي كل مَا يرجع فِي حَال المفاضلة إِلَى الْقيمَة إلَاّ أَن يَبِيع نصف عرضه بِنصْف عرض الآخر ويتقابضان. ويُذْكَرُ أنَّ رَجُلاً ساوَمَ شَيْئاً فغَمَزَهُ آخَرُ فَرَأى عُمَرُ أنَّ لَهُ شَرِكَةً كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، فَرَأى عمر، وَفِي رِوَايَة ابْن شبويه: فَرَأى ابْن عمر، وَالْأول أصح، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق إِيَاس بن مُعَاوِيَة أَن عمر أبْصر رجلا يساوم سلْعَة وَعِنْده رجل، فغمزه حَتَّى اشْتَرَاهَا، فَرَأى عمر أَنَّهَا شركَة، وَهَذَا يدل على أَنه كَانَ لَا يشْتَرط للشَّرِكَة صِيغَة ويكتفي فِيهَا بِالْإِشَارَةِ إِذا ظَهرت الْقَرِينَة، وَهُوَ قَول مَالك، وَعَن

стр. 3776

مَالك أَيْضا فِي السّلْعَة تعرض للْبيع فيقف من يَشْتَرِيهَا للتِّجَارَة، فَإِذا اشْتَرَاهَا وَاحِد مِنْهُم واستشركه الآخر لزمَه أَن يشركهُ لِأَنَّهُ انْتفع بترك الزِّيَادَة عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِذا غمزه أَو سكت فسكوته رضَا بِالشّركَةِ، لِأَنَّهُ كَانَ يُمكنهُ أَن يَقُول: لَا أشركك، فيزيد عَلَيْهِ، فَلَمَّا سكت كَانَ ذَلِك رضَا، وَقَالَ ابْن حبيب: ذَلِك لتجار تِلْكَ السّلْعَة خَاصَّة، كَأَن يَشْتَرِيهَا فِي الأول من أهل تِلْكَ التِّجَارَة أَو غَيرهم. قَالَ: وَرُوِيَ أَن عمر قضى بِمثل ذَلِك. قَالَ: وكل مَا اشْتَرَاهُ لغير تِجَارَة، فَسَأَلَهُ رجل أَن يشركهُ وَهُوَ يَشْتَرِي، فَلَا تلْزمهُ الشّركَة، وَإِن كَانَ الَّذِي استشركه من أهل التِّجَارَة، وَالْقَوْل قَول المُشْتَرِي مَعَ يَمِينه إِن شراه ذَلِك لغير التِّجَارَة. قَالَ: وَمَا اشْتَرَاهُ الرجل من تِجَارَته فِي حانوته أَو بَيته فَوقف بِهِ نَاس من أهل تِجَارَته فاستشركوه، فَإِن الشّركَة لَا تلْزمهُ. وَنقل ابْن التِّين عَن مَالك فِي رِوَايَة أَشهب فِيمَن يبْتَاع سلْعَة وَقوم وقُوف، فَإِذا تمّ البيع سَأَلُوهُ الشّركَة، فَقَالَ: أما الطَّعَام فَنعم، وَأما الْحَيَوَان فَمَا علمت ذَلِك فِيهِ، زَاد فِي (الْوَاضِحَة) : وَإِنَّمَا رَأَيْت ذَلِك خوفًا أَن يفْسد بَعضهم على بعض إِذا لم يقْض لَهُم بذلك، وَقَالَ أصبغ: الشّركَة بَينهم فِي جَمِيع السّلع من الْأَطْعِمَة وَالْعرُوض والدقيق وَالْحَيَوَان وَالثيَاب، وَاخْتلف فِيمَن حضرها من لَيْسَ من أهل سوقها وَلَا من يتجر بهَا، فَقَالَ مَالك وَأصبغ: لَا شركَة لَهُم، وَقَالَ أَشهب: نعم. ٢٠٥٢ - حدَّثنا أصْبَغُ بنُ الْفَرَجِ قَالَ أخْبَرَني عبْدُ الله بنُ وهْبٍ قَالَ أَخْبرنِي سعيدٌ عنْ زُهْرَةٍ ابنِ مَعْبَدٍ عنْ جَدِّهِ عبْدِ الله بنِ هِشامٍ وكانَ قدْ أدْرَكَ النبيَّ ﷺ وذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ زَيْنَبُ بِنْتُ حُمَيْدٍ إِلَى رسُولِ الله ﷺ فقالَتْ يَا رسولَ الله بايِعْهُ فَقَالَ هُوَ صَغِيرٌ فَمَسَحَ رَأْسَهُ ودَعا لَهُ. وعنْ زُهْرَةَ بنِ مَعْبَدٍ أنَّهُ كانَ يَخْرُجُ بِهِ جَدُّهُ عبْدُ الله بنُ هِشَامً إلَى السُّوقِ فيَشْتَرِي الطَّعامَ فَيلْقَاهُ ابنُ عُمَرَ وابنُ الزُّبَيْرِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمْ فَيَقُولانِ لَهُ أشْرِكْنا فإنَّ النبيَّ ﷺ قدْ دَعا لَكَ بِالْبَرَكَةِ فَيُشْرِكُهُمْ فَرُبَّما أصابَ الرَّاحِلَةَ كَمَا هِيَ فيَبْعَثُ بِها إِلَى المَنْزِلِ. (الحَدِيث ١٠٥٢ طرفه فِي: ٠١٢٧) . (الحَدِيث ٢٠٥٢ طرفه فِي: ٣٥٣٦) . هَذَا الحَدِيث إِلَى آخر الْبَاب حَدِيث وَاحِد غير أَنه ذكر بعد قَوْله: (وَعَن زهرَة بن معبد) وَهُوَ أَيْضا مَوْصُول بالسند الأول، والمطابقة بَينه وَبَين التَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَيَقُولَانِ لَهُ: أشركنا) إِلَى آخِره ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أصبغ بن الْفرج، بِالْجِيم، أَبُو عبد الله، مر فِي الْوضُوء. الثَّانِي: عبد الله بن وهب بن مُسلم أَبُو مُحَمَّد. الثَّالِث: سعيد هُوَ ابْن أبي أَيُّوب الْخُزَاعِيّ، واسْمه أَبُو أَيُّوب مِقْلَاص. الرَّابِع: زهرَة، بِضَم الزَّاي وَسُكُون الْهَاء من الْأَسْمَاء الْمُشْتَركَة بَين الذُّكُور وَالْإِنَاث ابْن معبد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله بن هِشَام أَو عقيل، بِفَتْح الْعين. الْخَامِس: جده عبد الله بن هِشَام بن زهرَة التَّيْمِيّ، من بني عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن تيم بن مرّة رَهْط أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهِشَام مَاتَ قبل الْفَتْح كَافِرًا، وَقد شهد عبد الله بن هِشَام فتح مصر فاختط بهَا، ذكره ابْن يُونُس وَغَيره، وعاش إِلَى خلَافَة مُعَاوِيَة. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مصريون. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن عبد الله بن هِشَام أَيْضا من أَفْرَاده. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن جده. وَفِيه: سعيد ذكر مُجَردا عَن نسبه، وَفِي رِوَايَة ابْن شبويه: سعيد هُوَ ابْن أبي أَيُّوب. وَفِيه: عَن زهرَة، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد من رِوَايَة الْمقري: حَدثنِي سعيد حَدثنِي أَبُو عقيل زهرَة بن معبد. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الدَّعْوَات عَن عبد الله عَن ابْن وهب وَفِي الشّركَة أَيْضا عَن عَليّ بن عبد الله عَن عبد الله بن يزِيد عَن سعيد بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي (الْخراج) عَن عبيد الله بن عمر القواريري عَن عبد الله بن يزِيد الْمقري عَن سعيد بِهِ، وَلم يقل: ودعا لَهُ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَكَانَ قد أدْرك النَّبِي، ﷺ ، ذكر ابْن مَنْدَه أَنه أدْرك

стр. 3777

من حَيَاة النَّبِي، ﷺ ، سِتّ سِنِين. قَوْله: (وَذَهَبت بِهِ أمه زَيْنَب بنت حميد) ، بِضَم الْحَاء: ابْن زُهَيْر بن الْحَارِث بن أَسد بن عبد الْعُزَّى، وَهِي من الصحابيات. قَوْله: (بَايعه) أَمر من الْمُبَايعَة، وَهِي المعاقدة على الْإِسْلَام، كَأَن كل وَاحِد من الْمُبَايِعين بَاعَ مَا عِنْده من صَاحبه وَأَعْطَاهُ خَالِصَة نَفسه وطاعته ودخيلة أمره، وَعلل، ﷺ ، لترك الْمُبَايعَة بقوله: هُوَ صَغِير، وَلكنه مسح رَأسه ودعا لَهُ. قَوْله: (وَعَن زهرَة) ، قد ذكرنَا أَنه مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (فَيَقُولَانِ لَهُ) ، أَي: يَقُول ابْن عمر وَابْن الزبير لعبد الله بن هِشَام: أشركنا، بِفَتْح الْهمزَة يَعْنِي: إجعلنا شَرِيكَيْنِ لَك فِي الطَّعَام الَّذِي اشْتَرَيْته. قَوْله: (فيشركهم) ، بِضَم الْيَاء، أَي: فيجعلهم شُرَكَاء مَعَه فِيمَا اشْتَرَاهُ. قَوْله: (فَرُبمَا أصَاب الرَّاحِلَة) ، أَي: من الرِّبْح. قَوْله: (كَمَا هِيَ) ، أَي: بِتَمَامِهَا. وَفِيه من الْفَوَائِد: مسح رَأس الصَّغِير. وَفِيه: ترك مبايعة من لم يبلغ، وَقَالَ الدَّاودِيّ: وَكَانَ يُبَايع الْمُرَاهق الَّذِي يُطيق الْقِتَال. وَفِيه: الدُّخُول فِي السُّوق لطلب المعاش وَطلب الْبركَة حَيْثُ كَانَت. وَفِيه: الرَّد على جهلة المتزهدة فِي اعْتِقَادهم أَن السعَة من الْحَلَال مذمومة، نبه عَلَيْهِ ابْن الْجَوْزِيّ. وَفِيه: أَن الصَّغِير إِذا عقل شَيْئا من الشَّارِع كَانَ ذَلِك صُحْبَة، قَالَه الدَّاودِيّ. وَقَالَ ابْن التِّين: فِيهِ نظر. وَفِيه: أَن النِّسَاء كن يذْهبن بالأطفال إِلَى النَّبِي، ﷺ . وَفِيه: طلب التِّجَارَة وسؤال الشّركَة. وَفِيه: معْجزَة من معجزات النَّبِي، ﷺ ، وَهِي: إِجَابَة دُعَائِهِ فِي عبد الله بن هِشَام. وَفِيه: أَن لفظ: أَشْرَكتك، إِذا أطلق يكون تشريكاً فِي النّصْف، قَالَ الْكرْمَانِي: قَالَه الْفُقَهَاء. قالَ أبُو عَبْدِ الله إِذا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أشْرِكْنِي فإذَا سَكَتَ فَهْوَ شَرِيكُهُ بالْنِّصْفِ أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه أَرَادَ أَنه إِذا رأى رجل رجلا يَشْتَرِي شَيْئا فَقَالَ لَهُ: أشركني فِيمَا اشْتَرَيْته، فَسكت الرجل وَلم يرد عَلَيْهِ بِنَفْي وَلَا إِثْبَات، يكون شَرِيكا لَهُ بِالنِّصْفِ، لِأَن سُكُوته يدل على الرِّضَا. ٤١ - (بابُ الشَّرِكَةِ فِي الرَّقِيقِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشّركَة فِي الرَّقِيق، قَالَ ابْن الْأَثِير: الرَّقِيق الْمَمْلُوك فعيل بِمَعْنى مفعول، وَقد يُطلق على الْجَمَاعَة، تَقول: رق العَبْد وأرقه واسترقه. وَفِي (الْمغرب) : الرَّقِيق العَبْد، وَقد يُقَال للعبيد وَمِنْه هَؤُلَاءِ: رقيقي، ورق العَبْد رقا: صَار رَقِيقا، واسترقه اتَّخذهُ رَقِيقا. ٣٠٥٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا جُوَيْرِيَةُ بنُ أسْمَاءَ عنُ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ مَنْ أعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي مَمْلُوكٍ وجَبَ علَيْهِ أنْ يُعْتِقَ كُلَّهُ إنْ كانَ لَهُ مالٌ قدْرَ ثَمَنِهِ يُقَامُ قِيمَةَ عَدْلٍ ويُعْطاى شُرَكَاؤُهُ حِصَّتَهُمْ ويُخَلَّى سَبِيلُ الْمُعْتَقِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (من أعتق شركا لَهُ) لِأَن الاعتاق يبْنى على صِحَة الْملك، فَلَو لم تكن الشّركَة فِي الرَّقِيق صَحِيحَة لما ترَتّب عَلَيْهَا صِحَة الْعتْق، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب تَقْوِيم الْأَشْيَاء بَين الشُّرَكَاء بِقِيمَة عدل، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عمرَان بن ميسرَة عَن عبد الْوَارِث عَن أَيُّوب عَن نَافِع، وَقد ذكر هُنَاكَ من أخرجه غَيره، وَالْبُخَارِيّ أخرج حَدِيث ابْن عمر فِي الْعتْق من طرق كَثِيرَة ووجوه مُخْتَلفَة فِي مَوَاضِع مُتعَدِّدَة. قَوْله: (وَجب عَلَيْهِ أَن يعْتق كُله إِن كَانَ لَهُ مَال) ، بِهِ تعلق الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق: أَن الضَّمَان لَا يجب على أحد الشَّرِيكَيْنِ للْآخر لقيمة نصِيبه إِلَّا إِذا كَانَ مُوسِرًا. قَوْله: (سَبِيل الْمُعْتق) ، بِفَتْح التَّاء وَقد مر الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ مستقصًى. ٤٠٥٢ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازِمٍ عنْ قَتادَةَ عنِ النَّضْرِ بنِ أنَسٍ عنْ بَشيرِ ابنِ نَهِيكٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ مَنْ أعْتَقَ شِقْصاً لَهُ فِي عَبْدٍ

стр. 3778

أُعْتِقَ كلُّهُ إنْ كانَ لَهُ مَالٌ وإلَاّ يُسْتَسْعَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ علَيْهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة مقل مَا ذكرنَا فِي الحَدِيث الَّذِي قبله، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي: بَاب تَقْوِيم الْأَشْيَاء، عَن قريب فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن بشر بن مُحَمَّد عَن عبد الله عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة ... إِلَى آخِره وَأخرج البُخَارِيّ حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَيْضا من طرق كَثِيرَة ووجوه مُخْتَلفَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ وَمَا يتَعَلَّق بِالْحَدِيثين الْمَذْكُورين. قَوْله: (يستسع) ، وَفِي رِوَايَة: يستسعى، بإشباع الْعين بِالْألف، وَفِي أُخْرَى استسعى على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمَاضِي، وَالله أعلم. ٥١ - (بابُ الإشْتِرَاكِ فِي الْهَدْيِ والْبُدْنِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الِاشْتِرَاك فِي الْهَدْي، بِسُكُون الدَّال وَهُوَ مَا يهدى إِلَى الْحرم من النعم. قَوْله: (وَالْبدن) ، من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام، وَهُوَ بِضَم الْبَاء وَسُكُون الدَّال: جمع بَدَنَة. وإذَا أشْرَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي هَدْيِهِ بعْدَ مَا أهْدَى جَوَاب إِذا مُقَدّر تَقْدِيره: هَل يجوز ذَلِك؟ وَجَوَاب الِاسْتِفْهَام يعلم من قَوْله ﷺ فِي حَدِيث الْبَاب، وَهُوَ قَوْله: وأشركه فِي الْهَدْي، وَفِي بعض النّسخ: وَإِذا أشرك الرجل رجلا، وَهَذَا أوجه. حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ قَالَ أخبرَنا عبْدُ المَلِكِ بنُ جُرَيْجٍ عنْ عطاءٍ عنْ جابرٍ وعنْ طاوُوسٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُم قَالَ قَدِمَ النبيُّ ﷺ صُبْحَ رابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مُهلِّينَ بالْحَجِّ لَا يَخْلِطُهُمْ شَيْءٌ فلَمَّا قَدِمْنا أمَرَنا فجَعَلْناها عُمْرَةً وأنْ نَحِلَّ إلَى نِسَائِنا فَفَشَتْ فِي ذالِكَ الْقالَةُ قَالَ عَطاءٌ فَقَالَ جابِرٌ فَيرُوحُ أحَدُنا إِلَى مِنًى وذكَرُهُ يَقْطُرُ مَنِيّاً فَقَالَ جابِرٌ يَكُفُّهُ فبَلَغَ ذَلِك النبيَّ ﷺ فقامَ خَطِيباً فقالَ بلَغَنِي أنَّ أقْوامَاً يَقولونَ كذَا وكذَا وَالله لأَنا أبَرُّ وأتْقاى لله مِنْهُمْ ولَوْ أنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْري مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أهْدَيْتُ ولَوْلا أنَّ مَعي الْهَدْيَ لأحْلَلْتُ فقامَ سُراقَةُ بنُ مالِكِ بنِ جُعْشُمٍ فَقَالَ يَا رسولَ الله هِيَ لَنا أوْ لِلَأَبَدِ فَقَالَ لَا بَلْ لِلْأَبَدِ قَالَ وجاءَ عَلِيُّ بنُ أبي طالِبٍ فَقَالَ أحَدُهُما يقولُ لَبَّيْكَ بمَا أهَلَّ بِهِ رسولُ الله ﷺ وَقَالَ الآخَرُ لَبَّيْكَ بِحَجَّةِ رسولِ الله ﷺ فأمَرَ النبيُّ ﷺ أنْ يُقِيمَ عَلَى إحْرَامِهِ وأشْرَكَهُ فِي الْهَدْيِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وأشركه فِي الْهَدْي) ، وَرِجَاله كلهم قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي، وَحَدِيث جَابر مضى فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب تقضي الْحَائِض الْمَنَاسِك، وَبَينهمَا اخْتِلَاف فِي الروَاة وَزِيَادَة ونقصان فِي الْمَتْن، وَمضى أَكثر الْكَلَام فِي هَذَا هُنَاكَ. قَوْله: (وَعَن طَاوُوس) عطف على قَوْله: عَطاء، لِأَن ابْن جريرج سمع مِنْهُمَا. قَوْله: (قدم النَّبِي ﷺ أَي: مَكَّة. قَوْله: (صبح رَابِعَة) أَي: فِي صَبِيحَة لَيْلَة رَابِعَة، قَالَ الدَّاودِيّ: اخْتلف فِيهِ، وَكَانَ خُرُوجه من الْمَدِينَة لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة. قَوْله: (مهلين) أَي: محرمين، وانتصابه على الْحَال، وَإِنَّمَا جمع بِاعْتِبَار أَن قدوم النَّبِي، ﷺ ، مُسْتَلْزم لقدوم أَصْحَابه مَعَه، ويروى: محرمون، على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هم محرمون. قَوْله: (لَا يخلطهم شَيْء) أَي: من الْعمرَة، ويروى: لَا يخلطه، فَفِي الأول الضَّمِير يرجع إِلَى النَّبِي، ﷺ ، وَأَصْحَابه الَّذين مَعَه، وَفِي الثَّانِي: يرجع إِلَى النَّبِي، ﷺ ، وَحده، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَفِيه: دلَالَة وَاضِحَة على الْإِفْرَاد. قلت: لَا يدل على ذَلِك، لِأَن معنى: لَا يخلطه شَيْء، يَعْنِي وَقت الْإِحْرَام، وَكَذَلِكَ معنى قَول عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وأهلَّ رَسُول الله، ﷺ ، بِالْحَجِّ مُفردا أَنه لم يعْتَمر فِي وَقت إِحْرَامه بِالْحَجِّ، لكنه اعْتَمر بعد ذَلِك. قَوْله: (فَلَمَّا قدمنَا)

стр. 3779

أَي: مَكَّة، شرفها الله تَعَالَى. قَوْله: (أمرنَا) ، أَي: أمرنَا رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (فجعلناها عمْرَة) ، أَي: فَجعلنَا تِلْكَ الفعلة من الْحَج عمْرَة، أَي: صرنا متمتعين. قَوْله: (ففشت) أَي: فشاعت وانتشرت، من الفشو: بِالْفَاءِ والشين الْمُعْجَمَة. قَوْله: (فِي ذَلِك) ، أَي: فِي فعلهم الْعمرَة بعد الْحَج. قَوْله: (القالة) ، بِالْقَافِ وَاللَّام ويروى: الْمقَالة بِالْمِيم قبل الْقَاف، وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى وَاحِد، وَأَرَادَ بِهِ مقَالَة النَّاس، وَذَلِكَ لما كَانَ فِي اعْتِقَادهم أَن الْعمرَة لَا تصح فِي أشهر الْحَج، وَكَانُوا يرَوْنَ الْعمرَة فِيهَا فجوراً. قَوْله: (قَالَ عَطاء) ، هُوَ الرَّاوِي عَن جَابر، وَهُوَ عَطاء بن أبي رَبَاح. قَوْله: (وَذكره يقطر منياً) هَذَا كِنَايَة عَن قرب الْعَهْد بِالْوَطْءِ، وَالْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (قَالَ جَابر: يكفه) أَرَادَ أَنه أَشَارَ بِهِ إِلَى التقطر، أَي: قَالَ جَابر: قَوْله: (ذَلِك) وَالْحَال أَنه يكفه من كف يكف أَي: منع، ويروى: بكفه، بِالْبَاء الْمُوَحدَة الْمَكْسُورَة، دخلت على الْكَفّ الَّذِي هُوَ الْعُضْو الْمَعْرُوف. قَوْله: (فَبلغ ذَلِك) أَي: مَا صدر مِنْهُم من القَوْل. قَوْله: (خَطِيبًا) ، نصب على الْحَال. قَوْله: (لأَنا) اللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة وَهِي لَام التوكيد دخلت على الْمُبْتَدَأ وَخَبره هُوَ قَوْله: (أبر) ، وَهُوَ أفعل التَّفْضِيل من الْبر وَهُوَ الْخَيْر وَالْإِحْسَان (وَاتَّقَى) كَذَلِك أفعل التَّفْضِيل من التَّقْوَى. قَوْله: (وَلَو أَنِّي اسْتقْبلت من أَمْرِي) أَي: لَو عرفت فِي أول الْحَال مَا عرفت آخرا من جَوَاز الْعمرَة فِي أشهر الْحَج (لما أهديت) أَي: لَكُنْت مُتَمَتِّعا إِرَادَة لمُخَالفَة أهل الْجَاهِلِيَّة، وَلَوْلَا أَنِّي معي الْهَدْي لأحللت من الْإِحْرَام، وَلَكِن امْتنع الْإِحْلَال لصَاحب الْهَدْي وَهُوَ الْمُفْرد أَو الْقَارِن حَتَّى يبلغ الْهَدْي مَحَله، وَذَلِكَ فِي أَيَّام النَّحْر لَا قبلهَا، وَقد احْتج بِهِ من يَقُول: إِنَّه ﷺ كَانَ مُفردا وَأَنه أفضل، وَهَذَا الِاحْتِجَاج غير صَحِيح لِأَن الْهَدْي لَا يمْنَع الْمُفْرد من الْإِحْلَال وَالنَّبِيّ ﷺ لم يتَحَلَّل، فَدلَّ على أَنه كَانَ مُتَمَتِّعا وَفِي (الاستذكار) : لَا يَصح عندنَا أَن يكون مُتَمَتِّعا إِلَّا تمتّع قرَان، لِأَنَّهُ لَا خلاف بَين الْعلمَاء أَنه ﷺ لم يحل من عمرته، وَأقَام محرما من أجل هَدْيه إِلَى النَّحْر، وَهَذَا حكم الْقَارِن لَا الْمُتَمَتّع. قَوْله: (فَقَامَ سراقَة) ، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء وَالْقَاف: ابْن مَالك بن جعْشم، بِضَم الْجِيم والشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة بَينهمَا وَفِي آخِره مِيم: المدلجي من مُدْلِج بن مرّة بن عبد مَنَاة بن كنَانَة، يكنى أَبَا سُفْيَان من مشاهير الصَّحَابَة، كَانَ ينزل قديداً وَقيل: إِنَّه سكن مَكَّة. قَوْله: (هِيَ) ، أَي: الْعمرَة فِي أشهر الْحَج أَو الْمُتْعَة. قَوْله: (لَا بل لِلْأَبَد) أَي: لَيْسَ الْأَمر كَمَا تَقول، بل هِيَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة مَا دَامَ الْإِسْلَام. قَوْله: (وَجَاء عَليّ بن أبي طَالب) ، أَي: من الْيمن، قَالَ ابْن بطال فِي (الْمَغَازِي) للْبُخَارِيّ: عَن بُرَيْدَة أَن النَّبِي ﷺ كَانَ بعث عليا إِلَى الْيمن قبل حجَّة الْوَدَاع ليقْبض الْخمس، فَقدم من سعايته، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : (بِمَا أَهلَلْت يَا عَليّ؟) قَالَ: بِمَا أهل بِهِ رَسُول الله ﷺ . قَالَ: (فاهدِ وامكث حَرَامًا كَمَا كنت) ، قَالَ: فأهدى لَهُ عَليّ هَديا، قَالَ: فَهَذَا تَفْسِير قَوْله: (وأشركه فِي الْهَدْي) أَن الْهَدْي الَّذِي أهداه عَليّ عَن النَّبِي ﷺ وَجعل لَهُ ثَوَابه فَيحْتَمل أَن يفرده بِثَوَاب ذَلِك الْهَدْي، كُله فَهُوَ شريك لَهُ فِي هَدْيه لِأَنَّهُ أهداه عَنهُ تَطَوّعا من مَاله، وَيحْتَمل أَن يشركهُ فِي ثَوَاب هدي وَاحِد يكون بَينهمَا، كَمَا ضحى ﷺ عَنهُ وَعَن أهل بَيته بكبش، وَعَمن لم يضح من أمته وأشركهم فِي ثَوَابه، وَيجوز الِاشْتِرَاك فِي هدي التَّطَوُّع. وَقَالَ القَاضِي: عِنْدِي أَنه لم يكن شَرِيكا حَقِيقَة بل أعطَاهُ نذرا يذبحه، وَالظَّاهِر أَنه ﷺ نحر الْبدن الَّتِي جَاءَت مَعَه من الْمَدِينَة وَأعْطى عليا من الْبدن الَّتِي جَاءَ بهَا من الْيمن. قَوْله: (فَقَالَ أَحدهمَا) ، أَي: أحد الراويين من عَطاء وطاووس وَقَالَ بِلَفْظ: أَحدهمَا، لِأَن الرَّاوِي لم يكن عَالما بِالتَّعْيِينِ، لَكِن روى عَطاء عَن جَابر فِي: بَاب تقضي الْحَائِض الْمَنَاسِك، أَنه قَالَ: أَهلَلْت بِمَا أهل بِهِ رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (فامر النَّبِي ﷺ أَي أَمر عليا ﵁ أَن يُقيم أَي يثبت على إِحْرَامه قَوْله (وأشركه) أَي: أشرك النَّبِي ﷺ عليا فِي الْهَدْي، وَقد ذكرنَا وَجهه الْآن. ٥١ - (بابُ الإشْتِرَاكِ فِي الْهَدْيِ والْبُدْنِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الِاشْتِرَاك فِي الْهَدْي، بِسُكُون الدَّال وَهُوَ مَا يهدى إِلَى الْحرم من النعم. قَوْله: (وَالْبدن) ، من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام، وَهُوَ بِضَم الْبَاء وَسُكُون الدَّال: جمع بَدَنَة. وإذَا أشْرَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي هَدْيِهِ بعْدَ مَا أهْدَى جَوَاب إِذا مُقَدّر تَقْدِيره: هَل يجوز ذَلِك؟ وَجَوَاب الِاسْتِفْهَام يعلم من قَوْله ﷺ فِي حَدِيث الْبَاب، وَهُوَ قَوْله: وأشركه فِي الْهَدْي، وَفِي بعض النّسخ: وَإِذا أشرك الرجل رجلا، وَهَذَا أوجه. حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ قَالَ أخبرَنا عبْدُ المَلِكِ بنُ جُرَيْجٍ عنْ عطاءٍ عنْ جابرٍ وعنْ طاوُوسٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُم قَالَ قَدِمَ النبيُّ ﷺ صُبْحَ رابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مُهلِّينَ بالْحَجِّ لَا يَخْلِطُهُمْ شَيْءٌ فلَمَّا قَدِمْنا أمَرَنا فجَعَلْناها عُمْرَةً وأنْ نَحِلَّ إلَى نِسَائِنا فَفَشَتْ فِي ذالِكَ الْقالَةُ قَالَ عَطاءٌ فَقَالَ جابِرٌ فَيرُوحُ أحَدُنا إِلَى مِنًى وذكَرُهُ يَقْطُرُ مَنِيّاً فَقَالَ جابِرٌ يَكُفُّهُ فبَلَغَ ذَلِك النبيَّ ﷺ فقامَ خَطِيباً فقالَ بلَغَنِي أنَّ أقْوامَاً يَقولونَ كذَا وكذَا وَالله لأَنا أبَرُّ وأتْقاى لله مِنْهُمْ ولَوْ أنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْري مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أهْدَيْتُ ولَوْلا أنَّ مَعي الْهَدْيَ لأحْلَلْتُ فقامَ سُراقَةُ بنُ مالِكِ بنِ جُعْشُمٍ فَقَالَ يَا رسولَ الله هِيَ لَنا أوْ لِلَأَبَدِ فَقَالَ لَا بَلْ لِلْأَبَدِ قَالَ وجاءَ عَلِيُّ بنُ أبي طالِبٍ فَقَالَ أحَدُهُما يقولُ لَبَّيْكَ بمَا أهَلَّ بِهِ رسولُ الله ﷺ وَقَالَ الآخَرُ لَبَّيْكَ بِحَجَّةِ رسولِ الله ﷺ فأمَرَ النبيُّ ﷺ أنْ يُقِيمَ عَلَى إحْرَامِهِ وأشْرَكَهُ فِي الْهَدْيِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وأشركه فِي الْهَدْي) ، وَرِجَاله كلهم قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي، وَحَدِيث جَابر مضى فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب تقضي الْحَائِض الْمَنَاسِك، وَبَينهمَا اخْتِلَاف فِي الروَاة وَزِيَادَة ونقصان فِي الْمَتْن، وَمضى أَكثر الْكَلَام فِي هَذَا هُنَاكَ. قَوْله: (وَعَن طَاوُوس) عطف على قَوْله: عَطاء، لِأَن ابْن جريرج سمع مِنْهُمَا. قَوْله: (قدم النَّبِي ﷺ أَي: مَكَّة. قَوْله: (صبح رَابِعَة) أَي: فِي صَبِيحَة لَيْلَة رَابِعَة، قَالَ الدَّاودِيّ: اخْتلف فِيهِ، وَكَانَ خُرُوجه من الْمَدِينَة لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة. قَوْله: (مهلين) أَي: محرمين، وانتصابه على الْحَال، وَإِنَّمَا جمع بِاعْتِبَار أَن قدوم النَّبِي، ﷺ ، مُسْتَلْزم لقدوم أَصْحَابه مَعَه، ويروى: محرمون، على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هم محرمون. قَوْله: (لَا يخلطهم شَيْء) أَي: من الْعمرَة، ويروى: لَا يخلطه، فَفِي الأول الضَّمِير يرجع إِلَى النَّبِي، ﷺ ، وَأَصْحَابه الَّذين مَعَه، وَفِي الثَّانِي: يرجع إِلَى النَّبِي، ﷺ ، وَحده، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَفِيه: دلَالَة وَاضِحَة على الْإِفْرَاد. قلت: لَا يدل على ذَلِك، لِأَن معنى: لَا يخلطه شَيْء، يَعْنِي وَقت الْإِحْرَام، وَكَذَلِكَ معنى قَول عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وأهلَّ رَسُول الله، ﷺ ، بِالْحَجِّ مُفردا أَنه لم يعْتَمر فِي وَقت إِحْرَامه بِالْحَجِّ، لكنه اعْتَمر بعد ذَلِك. قَوْله: (فَلَمَّا قدمنَا) أَي: مَكَّة، شرفها الله تَعَالَى. قَوْله: (أمرنَا) ، أَي: أمرنَا رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (فجعلناها عمْرَة) ، أَي: فَجعلنَا تِلْكَ الفعلة من الْحَج عمْرَة، أَي: صرنا متمتعين. قَوْله: (ففشت) أَي: فشاعت وانتشرت، من الفشو: بِالْفَاءِ والشين الْمُعْجَمَة. قَوْله: (فِي ذَلِك) ، أَي: فِي فعلهم الْعمرَة بعد الْحَج. قَوْله: (القالة) ، بِالْقَافِ وَاللَّام ويروى: الْمقَالة بِالْمِيم قبل الْقَاف، وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى وَاحِد، وَأَرَادَ بِهِ مقَالَة النَّاس، وَذَلِكَ لما كَانَ فِي اعْتِقَادهم أَن الْعمرَة لَا تصح فِي أشهر الْحَج، وَكَانُوا يرَوْنَ الْعمرَة فِيهَا فجوراً. قَوْله: (قَالَ عَطاء) ، هُوَ الرَّاوِي عَن جَابر، وَهُوَ عَطاء بن أبي رَبَاح. قَوْله: (وَذكره يقطر منياً) هَذَا كِنَايَة عَن قرب الْعَهْد بِالْوَطْءِ، وَالْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (قَالَ جَابر: يكفه) أَرَادَ أَنه أَشَارَ بِهِ إِلَى التقطر، أَي: قَالَ جَابر: قَوْله: (ذَلِك) وَالْحَال أَنه يكفه من كف يكف أَي: منع، ويروى: بكفه، بِالْبَاء الْمُوَحدَة الْمَكْسُورَة، دخلت على الْكَفّ الَّذِي هُوَ الْعُضْو الْمَعْرُوف. قَوْله: (فَبلغ ذَلِك) أَي: مَا صدر مِنْهُم من القَوْل. قَوْله: (خَطِيبًا) ، نصب على الْحَال. قَوْله: (لأَنا) اللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة وَهِي لَام التوكيد دخلت على الْمُبْتَدَأ وَخَبره هُوَ قَوْله: (أبر) ، وَهُوَ أفعل التَّفْضِيل من الْبر وَهُوَ الْخَيْر وَالْإِحْسَان (وَاتَّقَى) كَذَلِك أفعل التَّفْضِيل من التَّقْوَى. قَوْله: (وَلَو أَنِّي اسْتقْبلت من أَمْرِي) أَي: لَو عرفت فِي أول الْحَال مَا عرفت آخرا من جَوَاز الْعمرَة فِي أشهر الْحَج (لما أهديت) أَي: لَكُنْت مُتَمَتِّعا إِرَادَة لمُخَالفَة أهل الْجَاهِلِيَّة، وَلَوْلَا أَنِّي معي الْهَدْي لأحللت من الْإِحْرَام، وَلَكِن امْتنع الْإِحْلَال لصَاحب الْهَدْي وَهُوَ الْمُفْرد أَو الْقَارِن حَتَّى يبلغ الْهَدْي مَحَله، وَذَلِكَ فِي أَيَّام النَّحْر لَا قبلهَا، وَقد احْتج بِهِ من يَقُول: إِنَّه ﷺ كَانَ مُفردا وَأَنه أفضل، وَهَذَا الِاحْتِجَاج غير صَحِيح لِأَن الْهَدْي لَا يمْنَع الْمُفْرد من الْإِحْلَال وَالنَّبِيّ ﷺ لم يتَحَلَّل، فَدلَّ على أَنه كَانَ مُتَمَتِّعا وَفِي (الاستذكار) : لَا يَصح عندنَا أَن يكون مُتَمَتِّعا إِلَّا تمتّع قرَان، لِأَنَّهُ لَا خلاف بَين الْعلمَاء أَنه ﷺ لم يحل من عمرته، وَأقَام محرما من أجل هَدْيه إِلَى النَّحْر، وَهَذَا حكم الْقَارِن لَا الْمُتَمَتّع. قَوْله: (فَقَامَ سراقَة) ، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء وَالْقَاف: ابْن مَالك بن جعْشم، بِضَم الْجِيم والشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة بَينهمَا وَفِي آخِره مِيم: المدلجي من مُدْلِج بن مرّة بن عبد مَنَاة بن كنَانَة، يكنى أَبَا سُفْيَان من مشاهير الصَّحَابَة، كَانَ ينزل قديداً وَقيل: إِنَّه سكن مَكَّة. قَوْله: (هِيَ) ، أَي: الْعمرَة فِي أشهر الْحَج أَو الْمُتْعَة. قَوْله: (لَا بل لِلْأَبَد) أَي: لَيْسَ الْأَمر كَمَا تَقول، بل هِيَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة مَا دَامَ الْإِسْلَام. قَوْله: (وَجَاء عَليّ بن أبي طَالب) ، أَي: من الْيمن، قَالَ ابْن بطال فِي (الْمَغَازِي) للْبُخَارِيّ: عَن بُرَيْدَة أَن النَّبِي ﷺ كَانَ بعث عليا إِلَى الْيمن قبل حجَّة الْوَدَاع ليقْبض الْخمس، فَقدم من سعايته، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : (بِمَا أَهلَلْت يَا عَليّ؟) قَالَ: بِمَا أهل بِهِ رَسُول الله ﷺ . قَالَ: (فاهدِ وامكث حَرَامًا كَمَا كنت) ، قَالَ: فأهدى لَهُ عَليّ هَديا، قَالَ: فَهَذَا تَفْسِير قَوْله: (وأشركه فِي الْهَدْي) أَن الْهَدْي الَّذِي أهداه عَليّ عَن النَّبِي ﷺ وَجعل لَهُ ثَوَابه فَيحْتَمل أَن يفرده بِثَوَاب ذَلِك الْهَدْي، كُله فَهُوَ شريك لَهُ فِي هَدْيه لِأَنَّهُ أهداه عَنهُ تَطَوّعا من مَاله، وَيحْتَمل أَن يشركهُ فِي ثَوَاب هدي وَاحِد يكون بَينهمَا، كَمَا ضحى ﷺ عَنهُ وَعَن أهل بَيته بكبش، وَعَمن لم يضح من أمته وأشركهم فِي ثَوَابه، وَيجوز الِاشْتِرَاك فِي هدي التَّطَوُّع. وَقَالَ القَاضِي: عِنْدِي أَنه لم يكن شَرِيكا حَقِيقَة بل أعطَاهُ نذرا يذبحه، وَالظَّاهِر أَنه ﷺ نحر الْبدن الَّتِي جَاءَت مَعَه من الْمَدِينَة وَأعْطى عليا من الْبدن الَّتِي جَاءَ بهَا من الْيمن. قَوْله: (فَقَالَ أَحدهمَا) ، أَي: أحد الراويين من عَطاء وطاووس وَقَالَ بِلَفْظ: أَحدهمَا، لِأَن الرَّاوِي لم يكن عَالما بِالتَّعْيِينِ، لَكِن روى عَطاء عَن جَابر فِي: بَاب تقضي الْحَائِض الْمَنَاسِك، أَنه قَالَ: أَهلَلْت بِمَا أهل بِهِ رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (فامر النَّبِي ﷺ أَي أَمر عليا ﵁ أَن يُقيم أَي يثبت على إِحْرَامه قَوْله (وأشركه) أَي: أشرك النَّبِي ﷺ عليا فِي الْهَدْي، وَقد ذكرنَا وَجهه الْآن. ٦١ - (بابُ منْ عَدَلَ عَشْرَاً مِنَ الغَنَمِ بِجَزُورٍ فِي الْقَسْمَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ من عدل من الْغنم بجزور، بِفَتْح الْجِيم وَضم الزَّاي، أَي: بعير، فِي الْقسم، بِفَتْح الْقَاف قيد بِهِ احْتِرَازًا عَن الْأُضْحِية فَإِن فِيهَا يعدل سَبْعَة بجزور نظرا إِلَى الْغَالِب، وَأما يَوْم الْقسم فَكَانَ النّظر فِيهِ إِلَى الْقيمَة الْحَاضِرَة فِي ذَلِك الزَّمَان وَذَلِكَ الْمَكَان.

стр. 3780

٧٠٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ أخبرنَا وَكِيعٌ عنْ سُفْيان عنْ أبِيهِ عنْ عَبَايَةَ بنِ رِفاعَةَ عنْ جَدِّهِ رَافع بنِ خَدِيجٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كُنَّا مَعَ النبيِّ ﷺ بِذِي الْحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ فأصَبْنَا غَنَماً وإبِلاً فَعَجِلَ الْقَوْمُ فأغلَوْا بِها القُدُورَ فَجاءَ رسولُ الله ﷺ فأمَرَ بِها فاكْفِئَتْ ثُمَّ عدَلَ عَشْرَاً مِنَ الغَنَمِ بِجَزُورٍ ثمَّ إنَّ بَعِيرًا مِنْهَا نَدَّ ولَيْسَ فِي الْقَوْمِ إلَاّ خَيْلٌ يَسيرَةٌ فرَماهُ رَجلٌ فَحَبَسَهُ بِسَهْمٍ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ إنَّ لِهاذِهِ الْبَهَائِمِ أوَابِدَ كأوَابِدِ الْوَحْشِ فَما غَلَبَكُمْ مِنْها فاصْنَعِوا بِهِ هاكَذًّ قَالَ قَالَ جَدِّي يَا رسولَ الله إنَّا نَرْجُو أوْ نَخافُ أنْ نَلْقَى العَدُوَّ ولَيْسَ مَعَنا مُدًى أفَنَذْبَحُ بالْقصَبِ فَقَالَ اعْجَلْ أوْ أرْنِي مَا أنْهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسمُ الله علَيْهِ فَكُلُوا لَيْسَ السِّنَّ والظُّفْرَ وسَأُحَدِّثُكُمْ عنْ ذالِكَ أمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وأمًّا الظُّفْرُ فَمُداى الحَبَشَةِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ عدل عشرا من الْغنم بجزور) ، والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب قسْمَة الْغنم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عَليّ بن الحكم الْأنْصَارِيّ عَن أبي عوَانَة عَن سعيد بن مَسْرُوق عَن عَبَايَة ... إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه: عَن مُحَمَّد وَلم ينْسب هُوَ فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن شبويه: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام عَن وَكِيع عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أَبِيه سعيد ابْن مَسْرُوق عَن عَبَايَة ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى هُنَاكَ. قَوْله: (أَو أَرَانِي) ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وَكسر النُّون بِزِيَادَة الْيَاء الْحَاصِلَة من إشباع كسرة النُّون، ويروى: أرن، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الرَّاء وَسُكُون النُّون. قَالَ الْخطابِيّ: صَوَابه: أرن، على وزن: اعجل، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ وَهُوَ من أرن يأرن: إِذا نشط وخف، أَي: أعجل ذَبحهَا لِئَلَّا تَمُوت خنقاً، فَإِن الذّبْح إِذا كَانَ بِغَيْر حَدِيد احْتَاجَ صَاحبه إِلَى خفَّة يَد وَسُرْعَة. قَالَ: وَقد يكون على وزن: أعطِ، يَعْنِي: أَدَم الْقطع وَلَا تفتر، من قَوْلهم: رنوت إِذا أدمت النّظر، وَالصَّحِيح أَنه بِمَعْنى أعجل، وَأَنه شكّ من الرَّاوِي هَل قَالَ: أعجل أَو أرنِ. وَقَالَ التوربشتي: هِيَ كلمة تسْتَعْمل فِي الاستعجال وَطلب الخفة، وأصل الْكَلِمَة كسر الرَّاء وَمِنْهُم من يسكنهَا وَمِنْهُم من يحذف يَاء الْإِضَافَة مِنْهَا لِأَن كسرة النُّون تدل عَلَيْهَا. قَالَ الْكرْمَانِي: بَيَان كَونه يَاء الْإِضَافَة مُشكل إِذْ الظَّاهِر أَنه يَاء الإشباع. قلت: الَّذِي قَالَه هُوَ الصَّحِيح، لِأَن يَاء الْإِضَافَة لَا وَجه لَهَا هُنَا على مَا لَا يخفى، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٦١ - (بابُ منْ عَدَلَ عَشْرَاً مِنَ الغَنَمِ بِجَزُورٍ فِي الْقَسْمَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ من عدل من الْغنم بجزور، بِفَتْح الْجِيم وَضم الزَّاي، أَي: بعير، فِي الْقسم، بِفَتْح الْقَاف قيد بِهِ احْتِرَازًا عَن الْأُضْحِية فَإِن فِيهَا يعدل سَبْعَة بجزور نظرا إِلَى الْغَالِب، وَأما يَوْم الْقسم فَكَانَ النّظر فِيهِ إِلَى الْقيمَة الْحَاضِرَة فِي ذَلِك الزَّمَان وَذَلِكَ الْمَكَان. ٧٠٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ أخبرنَا وَكِيعٌ عنْ سُفْيان عنْ أبِيهِ عنْ عَبَايَةَ بنِ رِفاعَةَ عنْ جَدِّهِ رَافع بنِ خَدِيجٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كُنَّا مَعَ النبيِّ ﷺ بِذِي الْحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ فأصَبْنَا غَنَماً وإبِلاً فَعَجِلَ الْقَوْمُ فأغلَوْا بِها القُدُورَ فَجاءَ رسولُ الله ﷺ فأمَرَ بِها فاكْفِئَتْ ثُمَّ عدَلَ عَشْرَاً مِنَ الغَنَمِ بِجَزُورٍ ثمَّ إنَّ بَعِيرًا مِنْهَا نَدَّ ولَيْسَ فِي الْقَوْمِ إلَاّ خَيْلٌ يَسيرَةٌ فرَماهُ رَجلٌ فَحَبَسَهُ بِسَهْمٍ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ إنَّ لِهاذِهِ الْبَهَائِمِ أوَابِدَ كأوَابِدِ الْوَحْشِ فَما غَلَبَكُمْ مِنْها فاصْنَعِوا بِهِ هاكَذًّ قَالَ قَالَ جَدِّي يَا رسولَ الله إنَّا نَرْجُو أوْ نَخافُ أنْ نَلْقَى العَدُوَّ ولَيْسَ مَعَنا مُدًى أفَنَذْبَحُ بالْقصَبِ فَقَالَ اعْجَلْ أوْ أرْنِي مَا أنْهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسمُ الله علَيْهِ فَكُلُوا لَيْسَ السِّنَّ والظُّفْرَ وسَأُحَدِّثُكُمْ عنْ ذالِكَ أمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وأمًّا الظُّفْرُ فَمُداى الحَبَشَةِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ عدل عشرا من الْغنم بجزور) ، والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب قسْمَة الْغنم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عَليّ بن الحكم الْأنْصَارِيّ عَن أبي عوَانَة عَن سعيد بن مَسْرُوق عَن عَبَايَة ... إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه: عَن مُحَمَّد وَلم ينْسب هُوَ فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن شبويه: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام عَن وَكِيع عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أَبِيه سعيد ابْن مَسْرُوق عَن عَبَايَة ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى هُنَاكَ. قَوْله: (أَو أَرَانِي) ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وَكسر النُّون بِزِيَادَة الْيَاء الْحَاصِلَة من إشباع كسرة النُّون، ويروى: أرن، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الرَّاء وَسُكُون النُّون. قَالَ الْخطابِيّ: صَوَابه: أرن، على وزن: اعجل، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ وَهُوَ من أرن يأرن: إِذا نشط وخف، أَي: أعجل ذَبحهَا لِئَلَّا تَمُوت خنقاً، فَإِن الذّبْح إِذا كَانَ بِغَيْر حَدِيد احْتَاجَ صَاحبه إِلَى خفَّة يَد وَسُرْعَة. قَالَ: وَقد يكون على وزن: أعطِ، يَعْنِي: أَدَم الْقطع وَلَا تفتر، من قَوْلهم: رنوت إِذا أدمت النّظر، وَالصَّحِيح أَنه بِمَعْنى أعجل، وَأَنه شكّ من الرَّاوِي هَل قَالَ: أعجل أَو أرنِ. وَقَالَ التوربشتي: هِيَ كلمة تسْتَعْمل فِي الاستعجال وَطلب الخفة، وأصل الْكَلِمَة كسر الرَّاء وَمِنْهُم من يسكنهَا وَمِنْهُم من يحذف يَاء الْإِضَافَة مِنْهَا لِأَن كسرة النُّون تدل عَلَيْهَا. قَالَ الْكرْمَانِي: بَيَان كَونه يَاء الْإِضَافَة مُشكل إِذْ الظَّاهِر أَنه يَاء الإشباع. قلت: الَّذِي قَالَه هُوَ الصَّحِيح، لِأَن يَاء الْإِضَافَة لَا وَجه لَهَا هُنَا على مَا لَا يخفى، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٨٤ - (كتابُ الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الرَّهْن، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: بَاب الرَّهْن فِي الْحَضَر، وَفِي رِوَايَة ابْن شبويه: بَاب مَا جَاءَ فِي الرَّهْن، وَفِي رِوَايَة الْكل الْآيَة مَذْكُورَة فِي الأول. قَوْله: (فِي الْحَضَر) لَيْسَ بِقَيْد، وَلكنه ذكره بِنَاء على الْغَالِب، لِأَن الرَّهْن فِي السّفر نَادِر، وَقَالَ ابْن بطال: الرَّهْن جَائِز فِي الْحَضَر خلافًا للظاهرية، وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى: ﴿وَإِن كُنْتُم على سفر وَلم تَجدوا كَاتبا فرهان مَقْبُوضَة﴾ (الْبَقَرَة: ٣٨٢) . وَالْجَوَاب: أَن الله تَعَالَى إِنَّمَا ذكر السّفر لِأَن الْغَالِب فِيهِ عدم الْكَاتِب فِي السّفر، وَقد يُوجد الْكَاتِب فِي السّفر وَيجوز فِيهِ الرَّهْن، وَكَذَا يجوز فِي الْحَضَر، وَلِأَن الرَّهْن للاستيثاق فيستوثق فِي الْحَضَر أَيْضا كالكفيل، وَأَيْضًا رهن رَسُول الله ﷺ ، درعه بِالْمَدِينَةِ، وَالرَّهْن فِي اللُّغَة مُطلق الْحَبْس، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿كل نفس بِمَا كسبت رهينة﴾ (المدثر: ٨٣) . أَي: محبوسة، وَفِي الشَّرْع: هُوَ حبس شَيْء يُمكن اسْتِيفَاؤهُ مِنْهُ الدّين: تَقول: رهنت الشَّيْء عِنْد فلَان وَرَهنه الشَّيْء وأرهنته الشَّيْء بمعني، قَالَ ثَعْلَب: يجوز رهنته وأرهنته. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: لَا يُقَال: أرهنت الشَّيْء وَإِنَّمَا يُقَال: رهنته، وَيجمع الرَّهْن على رهان وَرهن بِضَمَّتَيْنِ. وَقَالَ الْأَخْفَش: رهن بِضَمَّتَيْنِ قبيحة لِأَنَّهُ لَا يجمع فعل على فعل إلَاّ قَلِيلا شاذاً، نَحْو: سقف وسقف، قَالَ: وَقد يكون رهن جمعا للرهان، كَأَنَّهُ يجمع رهن على رهان، ثمَّ يجمع رهان على رهن، مثل فرَاش وفرش والراهن الَّذِي يرْهن، وَالْمُرْتَهن الَّذِي يَأْخُذ الرَّهْن، وَالشَّيْء مَرْهُون ورهين وَالْأُنْثَى رهينة. ١ - (بابٌ فِي الرَّهْن فِي الْحَضَر

стр. 3781

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِن كُنْتُم على سفر وَلم تَجدوا كَاتبا فرهان مَقْبُوضَة﴾ (الْبَقَرَة: ٣٨٢) .) وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على مَا قبله أَي فِي بَيَان قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن كُنْتُم على سفر﴾ (الْبَقَرَة: ٣٨٢) . قَوْله: ﴿وَإِن كُنْتُم على سفر﴾ (الْبَقَرَة: ٣٨٢) . أَي: مسافرين، وتداينتم إِلَى أجل مُسَمّى: ﴿وَلم تَجدوا كَاتبا﴾ (الْبَقَرَة: ٣٨٢) . يكْتب لكم، قَالَ ابْن عَبَّاس: أَو وجدوه وَلم يَجدوا قرطاساً أَو دَوَاة أَو قَلما ﴿فرهان مَقْبُوضَة﴾ (الْبَقَرَة: ٣٨٢) . أَي: فَلْيَكُن بدل الْكِتَابَة رهان مَقْبُوضَة فِي يَد صَاحب الْحق. وَقد اسْتدلَّ بقوله: ﴿فرهان مَقْبُوضَة﴾ (الْبَقَرَة: ٣٨٢) . أَن الرَّهْن لَا يلْزم إلَاّ بِالْقَبْضِ، كَمَا هُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور، وَقَالَ ابْن بطال: جَمِيع الْفُقَهَاء يجوزون الرَّهْن فِي الْحَضَر وَالسّفر، وَمنعه مُجَاهِد وَدَاوُد فِي الْحَضَر، وَنقل الطَّبَرِيّ عَن مُجَاهِد وَالضَّحَّاك أَنَّهُمَا قَالَا: لَا يشرع الرَّهْن إلَاّ فِي السّفر حَيْثُ لَا يُوجد الْكَاتِب، وَبِه قَالَ دَاوُد. ٨٠٥٢ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ قَالَ حدَّثنا قَتادَةُ عنْ أنَس رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ ولَقدْ رَهَنَ النبيُّ ﷺ درْعَهُ بِشَعِيرٍ ومَشَيْتُ إِلَى النبيِّ ﷺ بِخُبْزِ شَعِيرٍ وإهَالَة سِنْخَةٍ ولَقَدْ سَمِعْتُهُ يقولُ مَا أصْبَحَ لِآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلَاّ صاعٌ وَلَا أمْسَى وإنَّهُم لَتِسْعَةُ أبْياتٍ. (انْظُر الحَدِيث ٩٦٠٢) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَقَد رهن رَسُول الله ﷺ درعه بشعير) ، وَقد مضى الحَدِيث فِي أَوَائِل كتاب الْبيُوع فِي: بَاب شِرَاء النَّبِي ﷺ بِالنَّسِيئَةِ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُسلم عَن هِشَام عَن قَتَادَة عَن أنس وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن حَوْشَب عَن أَسْبَاط عَن هِشَام الدستوَائي عَن قَتَادَة عَن أنس، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: (وَلَقَد رَهنه) ، مَعْطُوف على شيى مَحْذُوف بيَّنه مَا رَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق أبان الْعَطَّار عَن قَتَادَة عَن أنس: أَن يَهُودِيّا دَعَا رَسُول الله ﷺ فَأَجَابَهُ، وَلَقَد رهن ... إِلَى آخِره، وَهَذَا الْيَهُودِيّ هُوَ أَبُو الشَّحْم واسْمه كنيته، وَهُوَ من بني ظفر، بِفَتْح الظَّاء الْمُعْجَمَة وَالْفَاء: وَهُوَ بطن من الْأَوْس وَكَانَ حليفاً لَهُم وَكَانَ قدر الشّعير ثَلَاثِينَ صَاعا كَمَا سَيَأْتِي فِي البُخَارِيّ من حَدِيث عَائِشَة فِي الْجِهَاد، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه وَالطَّبَرَانِيّ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ: (بِعشْرين صَاعا) ، وَوَقع لِابْنِ حبَان من طَرِيق شَيبَان عَن قَتَادَة عَن أنس: أَن قيمَة الطَّعَام كَانَت دِينَارا، وَزَاد أَحْمد من طَرِيق شَيبَان: (فَمَا وجد مَا يَفْتكهَا بِهِ حَتَّى مَاتَ) . قَوْله: (درعه) ، بِكَسْر الدَّال يذكر وَيُؤَنث. قَوْله: (بشعير) ، الْبَاء فِيهِ للمقابلة، أَي: رهن درعه فِي مُقَابلَة شعير. قَوْله: (ومشيت) ، أَي: قَالَ أنس: مشيت إِلَى النَّبِي، ﷺ . قَوْله: (بِخَبَر شعير) ، بِالْإِضَافَة وَالْبَاء فِيهِ تتَعَلَّق: بمشيت. قَوْله: (وإهالة) ، بِكَسْر الْهمزَة وَتَخْفِيف الْهَاء: مَا أذيب من الشَّحْم والألية، وَقيل: هُوَ كل دسم جامد، وَقيل: مَا يؤتدم بِهِ من الأدهان. قَوْله: (سنخة) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر النُّون وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة: أَي متغيرة الرّيح، وَيُقَال: زنخة أَيْضا بالزاي، مَوضِع السِّين. قَوْله: (وَلَقَد سمعته) ، أَي: قَالَ أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (لقد سَمِعت النَّبِي، ﷺ ، يَقُول) وَقد مر مَا قَالَ الْكرْمَانِي فِيهِ وَمَا رد عَلَيْهِ وَمَا أجبْت عَنهُ فِي الْبَاب الْمَذْكُور. قَوْله: (مَا أصبح لآل مُحَمَّد إلَاّ صَاع وَلَا أَمْسَى) . كَذَا بِهَذِهِ الْعبارَة وَقع لجَمِيع الروَاة، وَكَذَا ذكره الْحميدِي فِي الْجمع، وَوَقع لأبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق الْكَجِّي عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم شيخ البُخَارِيّ الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث، بِلَفْظ: (مَا أصبح لآل مُحَمَّد وَلَا أَمْسَى إلَاّ صَاع) وَهَذَا أحسن وَفِيه تنَازع الفعلان فِي ارْتِفَاع صَاع وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ. قَوْله: (أصبح) ، فعل وفاعله: صَاع، ويقد صَاع آخر فِي قَوْله: وَلَا أَمْسَى، أَي: وَلَا أَمْسَى صَاع، وَوَقع فِي رِوَايَة أَحْمد عَن أبي عَامر والإسماعيلي من طَرِيقه، وللترمذي من طَرِيق ابْن أبي عدي ومعاذ بن هِشَام، وللنسائي من طَرِيق هِشَام بِلَفْظ: (مَا أَمْسَى فِي آل مُحَمَّد صَاع تمر وَلَا صَاع حب) ، وَالْمرَاد بالآل: أهل بَيته ﷺ ،، وَقد بيَّنه بقوله: (وَإِنَّهُم) ، أَي: وَإِن آله لتسعة أَبْيَات، وَأَرَادَ بِهِ بطرِيق الْكِنَايَة تسع نسْوَة، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين، وَلم يقل النَّبِي، ﷺ ، هَذِه الْمقَالة بطرِيق التضجر، حاشا وكلَاّ، وَإِنَّمَا هُوَ بَيَان الْوَاقِع. وَفِيه من الْفَوَائِد: جَوَاز مُعَاملَة الْكفَّار فِيمَا لم يتَحَقَّق تَحْرِيم عين المتعامل فِيهِ، وَعدم الِاعْتِبَار بِفساد معتقدهم ومعاملاتهم فِيمَا بَينهم. وَفِيه: جَوَاز بيع السِّلَاح وَرَهنه وإجارته وَغير ذَلِك من الْكَافِر مَا لم يكن حَرْبِيّا. وَفِيه: ثُبُوت أَمْلَاك أهل الذِّمَّة فِي أَيْديهم. وَفِيه:

стр. 3782

جَوَاز الشِّرَاء بِالثّمن الْمُؤَجل. وَفِيه: جَوَاز اتِّخَاذ الدروع وَغَيرهَا من آلَات الْحَرْب، وَأَنه غير قَادِح فِي الت كل. وَفِيه: أَن قنية آلَة الْحَرْب لَا تدل عَليّ تحبيسها. وَفِيه: أَن أَكثر قوت ذَلِك الْعَصْر الشّعير، قَالَه الدَّاودِيّ. وَفِيه: مَا كَانَ فِيهِ النَّبِي، ﷺ ، من التَّوَاضُع والزهد فِي الدُّنْيَا والتقلل مِنْهَا مَعَ قدرته عَلَيْهَا، وَالْكَرم الَّذِي أفْضى بِهِ إِلَى عدم الإدخار حَتَّى احْتَاجَ إِلَى رهن درعه وَالصَّبْر على ضيق الْعَيْش والقناعة باليسير. وَفِيه: فَضِيلَة أَزوَاجه، ﷺ ، لصبرهن مَعَه على ذَلِك. وَفِيه: فَوَائِد أُخْرَى ذَكرنَاهَا هُنَاكَ. ٢ - (بابُ مَنْ رَهَنَ دِرْعَهُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من رهن درعه وَإِنَّمَا ذكر هَذِه التَّرْجَمَة مَعَ أَنه ذكر حَدِيث الْبَاب فِي بَاب شِرَاء النَّبِي، ﷺ ، بِالنَّسِيئَةِ لتَعَدد شَيْخه فِيهِ مَعَ زِيَادَة فِيهِ هُنَا على مَا نذكرهُ. ٩٠٥٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ تَذَاكَرْنا عنْدَ إبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ والْقَبِيلَ فِي السلَفِ فَقَالَ إبراهيمُ حَدثنَا الأسْوَدُ عنْ عائِشةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ النبيَّ ﷺ اشْتَرى مِنْ يَهُوديٍ طَعَاما إِلَى أجَلٍ ورَهَنَهُ دِرْعَهُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَرَهنه درعه) ، وَذكر هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب شِرَاء النَّبِي ﷺ بِالنَّسِيئَةِ، كَمَا ذكرنَا الْآن عَن مُعلى بن أَسد عَن عبد الْوَاحِد عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش إِلَى آخِره، وَالزِّيَادَة فِيهِ هُنَا قَوْله: (والقبيل) ، بِفَتْح الْقَاف وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهُوَ الْكَفِيل، وزنا وَمعنى. قَوْله: (فِي السّلف) وَهُنَاكَ: (فِي السّلم) . وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ وَفِي الْبَاب السَّابِق أَيْضا، وَالله أعلم. ٣ - (بابُ رَهْنِ السِّلَاحِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم رهن السِّلَاح، قيل: وَإِنَّمَا ترْجم لرهن السِّلَاح بعد رهن الدرْع، لِأَن الدرْع لَيست بسلاح حَقِيقَة، وَإِنَّمَا هِيَ آلَة يتقى بهَا السِّلَاح. انْتهى. قلت: الدرْع يتقى بهَا النَّفس وَإِن لم يكن عَلَيْهِ سلَاح، وَالْمرَاد بِالسِّلَاحِ الْآلَة الَّتِي يدْفع بهَا الشَّخْص عَن نَفسه، والدرع أعظم وَأَشد فِي هَذَا الْبَاب على مَا لَا يخفى. ٠١٥٢ - حدَّثنا علِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ قَالَ عَمْرٌ وسَمعْتُ جابِرَ بنَ عبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يقولُ قَالَ رسولُ الله ﷺ مَنْ لِكَعْبِ بنِ الأشْرَفِ فإنَّهُ آذاى الله ورسولَهُ ﷺ فَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ أنَا فأتاهُ فَقَالَ أرَدْنا أنْ تُسْلِفَنا وِسْقاً أوْ وِسْقعَيْنِ فَقَالَ ارْهَنوني نِساءَكُمْ قالُوا كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِساءَنا وأنْتَ أجْمَلُ الْعرَبِ قَالَ فارْهنوني أبْنَاءَكُمْ قَالُوا كَيْفَ نَرْهَنُ أبْنَاءَنا فيُسَبُّ أحَدُهم فيقالُ رُهِنَ بِوَسْقٍ أوْ وَسْقَيْنِ هَذَا عارٌ علَيْنا ولاكِنَّا نَرْهنُكَ الَّلأْمَةَ قالَ سُفْيَانُ يَعْنِي السِّلاحَ فوَعَدَهُ أنْ يَأْتِيهُ فقَتَلُوهُ ثُمَّ أتَوْا النبيَّ ﷺ فأخبروه.. قيل: لَيْسَ فِيهِ مَا بوب عَلَيْهِ لأَنهم لم يقصدوا إِلَّا الحديقة، وَإِنَّمَا يُؤْخَذ جَوَاز رهن السِّلَاح من الحَدِيث الَّذِي قبله. انْتهى. قلت: لَيْسَ فِي لفظ التَّرْجَمَة مَا يدل على جَوَاز رهن السِّلَاح وَلَا على عدم جَوَازه، لِأَنَّهُ أطلق، فَتكون الْمُطَابقَة بَينه وَبَين التَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَكنَّا نرهنك اللأمة) ، أَي: السِّلَاح بِحَسب ظَاهر الْكَلَام، وَإِن لم يكن فِي نفس الْأَمر حَقِيقَة الرَّهْن، وَهَذَا الْمِقْدَار كافٍ فِي وَجه الْمُطَابقَة. وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وَقد تكَرر ذكره، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة. وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَمُحَمّد بن مسلمة، بِفَتْح الميمين وَاللَّام أَيْضا: ابْن خَالِد بن عدي بن مجدعة بن حَارِثَة بن الْحَارِث بن الْخَزْرَج ابْن عمر وَهُوَ النبيت بن مَالك بن أَوْس الْحَارِثِيّ الْأنْصَارِيّ، يكنى أَبَا عبد الله، وَقيل: أَبُو عبد الرَّحْمَن، وَيُقَال: أَبُو سعيد حَلِيف بني عبد الْأَشْهَل

стр. 3783

شهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ ، وَقيل: إِنَّه اسْتَخْلَفَهُ على الْمَدِينَة عَام تَبُوك، روى عَنهُ جَابر وَآخَرُونَ، اعتزل الْفِتْنَة وَأقَام بالربذة وَمَات بِالْمَدِينَةِ فِي صفر سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين، وَقيل: سنة سبع وَأَرْبَعين وَهُوَ ابْن سبع وَسبعين سنة، وَصلى عَلَيْهِ مَرْوَان بن الحكم وَهُوَ يَوْمئِذٍ أَمِير الْمَدِينَة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي المغاوي عَن عَليّ بن عبد الله وَفِي الْجِهَاد عَن قُتَيْبَة وَعبد الله بن مُحَمَّد فرقهما. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الزُّهْرِيّ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن أَحْمد بن صَالح، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن عبد الله ابْن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (من لكعب بن الْأَشْرَف) أَي: من يتَصَدَّى لقَتله، وَقَالَ ابْن اسحاق كَانَ كَعْب بن الْأَشْرَف من طي ثمَّ أحد بني نَبهَان حَلِيف بني النَّضر، وَكَانَت أمه من بني النَّضر، وَاسْمهَا عقيلة بنت أبي الْحقيق، وَكَانَ أَبوهُ قد أصَاب دَمًا فِي قومه، فَأتى الْمَدِينَة فنزلها، وَلما جرى ببدر مَا جرى قَالَ: وَيحكم ﴿أَحَق هَذَا؟ وَأَن مُحَمَّدًا قتل أَشْرَاف الْعَرَب وملوكها، وَالله إِن كَانَ هَذَا حَقًا فبطن الأَرْض خير من ظهرهَا، ثمَّ خرج حَتَّى قدم مَكَّة فَنزل على الْمطلب بن أبي ودَاعَة السَّهْمِي، وَعِنْده عَاتِكَة بنت أَسد بن أبي الْعيص بن أُميَّة بن عبد شمس، فَأكْرمه الْمطلب فَجعل ينوح ويبكي على قَتْلَى بدر، ويحرض النَّاس على رَسُول الله ﷺ ، وينشد الْأَشْعَار، فَمن ذَلِك مَا حَكَاهُ الْوَاقِدِيّ من قصيدة عَيْنِيَّة طَوِيلَة من الوافر أَولهَا: (طحنت رحى بدر بمهلك أَهله ... ولمثل بدر تستهل وتدمع) (قتلت سراة النَّاس حول خيامهم ... لَا تبعدوا أَن الْمُلُوك تصرع) فَأَجَابَهُ حسان بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: (أبكاه كَعْب ثمَّ عل بعبرة ... مِنْهُ وعاش مجدعاً لَا تسمع) (وَلَقَد رَأَيْت بِبَطن بدر مِنْهُم ... قَتْلَى تسح لَهَا الْعُيُون وتدمع) إِلَى آخرهَا ... وَبلغ ذَلِك رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: (من لكعب بن الْأَشْرَف؟) . وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَ كَعْب شَاعِرًا يهجو رَسُول الله ﷺ وَالْمُسْلِمين ويظاهر عَلَيْهِم الْكفَّار، وَلما أصَاب الْمُشْركين يَوْم بدر مَا أَصَابَهُم اشْتَدَّ عَلَيْهِ. قَوْله: (فَقَالَ مُحَمَّد بن مُسلم: أَنا) ، أَي: أَنا لَهُ، أَي: لقَتله يَا رَسُول الله. وَاخْتلفُوا فِي كَيْفيَّة قَتله على وَجْهَيْن: أَحدهمَا لما ذكره البُخَارِيّ وَمُسلم أَيْضا فِي: بَاب قتل كَعْب بن الْأَشْرَف، فِي كتاب الْمَغَازِي، وَهُوَ قَوْله: قَالَ: يَا رَسُول الله﴾ أَتُحِبُّ أَن أَقتلهُ؟ قَالَ: نعم، قَالَ: إئذن لي أَن أَقُول شَيْئا، قَالَ: قل ... إِلَى آخر الحَدِيث، ينظر هُنَاكَ. وَالْوَجْه الثَّانِي: مَا ذكره مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَغَيره: لما قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من لكعب؟) قَالَ مُحَمَّد بن مسلمة: أَنا، فَرجع مُحَمَّد بن مسلمة فَأَقَامَ ثَلَاثًا لَا يَأْكُل وَلَا يشرب، وَبلغ ذَلِك رَسُول الله ﷺ ، فَدَعَاهُ فَقَالَ: مَا الَّذِي مَنعك من الطَّعَام وَالشرَاب؟ فَقَالَ: لِأَنِّي قلت قولا وَلَا أَدْرِي أَفِي بِهِ أم لَا. فَقَالَ: (إِنَّمَا عَلَيْك الْجهد) ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله! لَا بُد لنا أَن نقُول قولا، فَقَالَ: (قُولُوا مَا بدا لكم فَأنْتم فِي حل من ذَلِك) . وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: فَاجْتمع فِي قَتله مُحَمَّد بن مسلمة وسلكان بن سَلامَة بن وقش وَهُوَ أَبُو نائلة الأشْهَلِي، وَكَانَ أَخا لكعب من الرضَاعَة وَعباد بن بشر بن وقش الأشْهَلِي وَأَبُو عبس بن حبر أَخُو بني حَارِثَة والْحَارث بن أَوْس، وَقدمُوا إِلَى ابْن الْأَشْرَف قبل أَن يَأْتُوا سلكان بن سَلامَة أَبَا نائلة، فجَاء مُحَمَّد بن مسلمة إِلَى كَعْب فَتحدث مَعَه سَاعَة وتناشدا شعرًا، ثمَّ قَالَ: وَيحك يَا ابْن الْأَشْرَف؟ إِنِّي قد جئْتُك لحَاجَة أُرِيد ذكرهَا لَك، فاكتم عَليّ. قَالَ: أفعل. قَالَ: كَانَ قدوم هَذَا الرجل علينا بلَاء من الْبلَاء، عادتنا الْعَرَب ورمونا عَن قَوس وَاحِدَة، وَقطعت عَنَّا السبل حَتَّى جَاع الْعِيَال وجهدت الْأَنْفس، وأصبحنا قد جهدنا وَجهد عيالنا، فَقَالَ: أَنا وَالله قد أَخْبَرتكُم أَن الْأَمر سيصير إِلَى هَذَا، ثمَّ جَاءَهُ من ذَكَرْنَاهُمْ، فَقَالَ لَهُ سلكان: إِنِّي أردْت أَن تبيعنا طَعَاما ونرهنك ونوثقك ونحسن فِي ذَلِك، فَقَالَ: أترهنوا فِي أَبْنَائِكُم؟ قَالَ: لقد أردْت أَن تفضحنا، أَن معنى أصحاباً على مثل رَأْيِي، وَقد أردْت أَن آتِيك بهم فتبيعهم ونحسن فِي ذَلِك، ونرهنك من الْحلقَة، يَعْنِي: السِّلَاح، مَا فِيهِ وَفَاء. فَقَالَ كَعْب: إِن فِي الْحلقَة لوفاء، فَرجع أَبُو نائلة إِلَى أَصْحَابه فَأخْبرهُم، فَأخذُوا السِّلَاح وَخَرجُوا يَمْشُونَ، وَخرج رَسُول الله ﷺ مَعَهم إِلَى البقيع يَدْعُو لَهُم، وَقَالَ: انْطَلقُوا

стр. 3784

على اسْم الله وبركته) ، وَكَانَت لَيْلَة مُقْمِرَة، وَرجع رَسُول الله ﷺ إِلَى حجرته وَسَارُوا حَتَّى انْتَهوا إِلَى حصنه، فَهَتَفَ بِهِ أَبُو نائلة، وَكَانَ حَدِيث عهد بعرس، فَوَثَبَ فِي محلفة لَهُ فَأخذت امْرَأَته بناحيتها، وَقَالَت: إِلَى أَيْن فِي هَذِه السَّاعَة؟ فَقَالَ: إِنَّه أَبُو نائلة، لَو وجدني نَائِما أيقظني، فَقَالَت: وَالله إِنِّي لأعرف فِي صَوته الشَّرّ، فَقَالَ لَهَا كَعْب: لَو دعى الْفَتى إِلَى طعنة لَيْلًا لأجاب، ثمَّ نزل فَتحدث مَعَهم سَاعَة وتحدثوا مَعَه، ثمَّ قَالُوا: هَل لَك يَا ابْن الْأَشْرَف أَن نتماشى إِلَى شعب الْعَجُوز فنتحدث بِهِ بَقِيَّة ليلتنا هَذِه، قَالَ: نعم، إِن شِئْتُم، فَخَرجُوا يتماشون فَأخر الْأَمر أَخذ أَبُو نائلة بفود رَأسه، فَقَالَ: اضربوا عَدو الله، فضربوه فاختلفت عَلَيْهِ أسيافهم، فَلم تغن شَيْئا، قَالَ مُحَمَّد بن مسلمة: فَذكرت مغولاً لي فِي سَيفي، والمغول السَّيْف الصَّغِير، فَوَضَعته فِي ثنته وتحاملت عَلَيْهِ حَتَّى بلغ عانته، وَصَاح عَدو الله صَيْحَة لم يبْق حولنا حصن إلَاّ وَقد أوقد عَلَيْهِ نَار، وَوَقع عَدو الله، وَجِئْنَا آخر اللَّيْل إِلَى رَسُول لله ﷺ ، وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي فَأَخْبَرنَاهُ بقتْله ففرح، ودعا لنا. وَحكى الطَّبَرِيّ عَن الْوَاقِدِيّ، قَالَ: جاؤوا بِرَأْس كَعْب ابْن الْأَشْرَف إِلَى رَسُول الله ﷺ ، وَفِي كتاب (شرف الْمُصْطَفى) : أَن الَّذين قتلوا كَعْبًا حملُوا رَأسه فِي المخلاة إِلَى الْمَدِينَة، فَقيل: إِنَّه أول رَأس حمل فِي الْإِسْلَام، وَقيل: بل رَأس أبي عزو الجُمَحِي الَّذِي قَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : لَا يلْدغ الْمُؤمن من جُحر مرَّتَيْنِ، فَقتل وجمل رَأسه إِلَى الْمَدِينَة فِي رمح، وَأما أول مُسلم حمل رَأسه فِي الْإِسْلَام فعمر بن الخمق، وَله صُحْبَة. فَإِن قلت: كَيفَ قتلوا كَعْبًا على وَجه الْغرَّة وَالْخداع؟ قلت: لما قدم مَكَّة وحرض الْكفَّار على رَسُول الله ﷺ وشبب بنساء الْمُسلمين فقد نقض الْعَهْد، وَإِذا نقض الْعَهْد فقد وَجب قَتله بِأَيّ طَرِيق كَانَ، وَكَذَا من يجْرِي مجْرَاه كَأبي رَافع وَغَيره، وَقَالَ الْمُهلب: لم يكن فِي عهد من رَسُول الله ﷺ ، بل كَانَ مُمْتَنعا بقَوْمه فِي حصنه، وَقَالَ الْمَازرِيّ: نقض الْعَهْد وَجَاء مَعَ أهل الْحَرْب معينا عَلَيْهِم، ثمَّ إِن ابْن مسلمة لم يُؤمنهُ لكنه كَلمه فِي البيع وَالشِّرَاء فاستأنس بِهِ، فَتمكن مِنْهُ من غير عهد وَلَا أَمَان. وَقد قَالَ رجل فِي مجْلِس عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِن قَتله كَانَ غدراً، فَأمر بقتْله فَضربت عُنُقه، لِأَن الْغدر إِنَّمَا يتَصَوَّر بعد أَمَان صَحِيح، وَقد كَانَ كَعْب مناقضاً للْعهد. قَوْله: (وسْقا) ، بِفَتْح الْوَاو وَكسرهَا: وَهُوَ سِتُّونَ صَاعا. قَوْله: (أَو وسقين) ، شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (ارهنوني) ، فِيهِ لُغَتَانِ رهن وأرهن، فالفصيحة: رهن، والقليلة: أرهن. فَقَوله: ارهنوا على اللُّغَة الفصيحة بِكَسْر الْهمزَة، وعَلى اللُّغَة القليلة بِفَتْحِهَا. قَوْله: (فيُسب) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَكَذَا قَوْله: رهن بوسق. قَوْله: (اللأمة) ، مَهْمُوزَة: الدرْع وَقد فسره سُفْيَان الرَّاوِي بِالسِّلَاحِ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: اللأمة الدرْع، وَقيل: السِّلَاح، وَلأمة الْحَرْب أداته، وَقد ترك الْهمزَة تَخْفِيفًا، وَقَالَ ابْن بطال: لَيْسَ فِي قَوْلهم: نرهنك اللأمة، دلَالَة على جَوَاز رهن السِّلَاح عِنْد الْحَرْبِيّ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك من معاريض الْكَلَام الْمُبَاحَة فِي الْحَرْب وَغَيره، وَقَالَ السُّهيْلي: فِي قَوْله: من لكعب ابْن الْأَشْرَف، فَإِنَّهُ آذَى الله وَرَسُوله؟ جَوَاز قتل من سبّ النَّبِي ﷺ ، وَإِن كَانَ ذَا عهد، خلافًا لأبي حنيفَة فَإِنَّهُ لَا يرى بقتل الذِّمِّيّ فِي مثل هَذَا. قلت: من أَيْن يفهم من الحَدِيث جَوَاز قتل الذِّمِّيّ بالسب؟ أَقُول: هَذَا بحثا، وَلَكِن أَنا مَعَه فِي جَوَاز قتل الساب مُطلقًا. ٤ - (بابٌ الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ ومَحْلُوبٌ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الرَّهْن مركوب، يَعْنِي: إِذا كَانَ ظهرا يركب، وَإِذا كَانَ من ذَوَات الدّرّ يحلب، وَهَذِه التَّرْجَمَة لفظ حَدِيث أخرجه الْحَاكِم من طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: الرَّهْن مركوب ومحلوب، وَقَالَ: إِسْنَاده على شَرط الشَّيْخَيْنِ. وَأخرجه ابْن عدي فِي (الْكَامِل) وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنَيْهِمَا) من رِوَايَة أبراهيم بن محشر، قَالَ: حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (الرَّهْن محلوب ومركوب) ، قَالَ ابْن عدي: لَا أعلم رَفعه عَن أبي مُعَاوِيَة غير إِبْرَاهِيم بن محشر هَذَا، وَله مُنكرَات من جِهَة الْإِسْنَاد غير مَحْفُوظَة. وَقَالَ مُغِيرَةُ عنْ إبْرَاهِيمَ: تُرْكَبُ الضَّالَّةُ بِقَدْرِ عَلَفِهَا وتُحْلَبُ بِقَدْرِ عَلَفِهَا والرَّهْنُ مِثْلُهُ

стр. 3785

مُغيرَة بِضَم الْمِيم وَكسرهَا بلام التَّعْرِيف وبدونها: هُوَ ابْن مقسم، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْقَاف، مر فِي الصَّوْم، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، والضالة مَا ضل من الْبَهِيمَة ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى. قَوْله: (بِقدر عَلفهَا) ، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: بِقدر عَملهَا، وَالْأول أوجه، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن هشيم عَن مُغيرَة بِهِ. قَوْله: (وَالرَّهْن) ، أَي: الْمَرْهُون مثله فِي الحكم الْمَذْكُور، يَعْنِي: يركب ويحلب بِقدر الْعلف، وَهَذَا أَيْضا وَصله سعيد بن مَنْصُور بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَلَفظه: الدَّابَّة إِذا كَانَت مَرْهُونَة تركب بِقدر عَلفهَا، وَإِذا كَانَ لَهَا لبن يشرب مِنْهُ بِقدر عَلفهَا. ١١٥٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ عنْ عامِرٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَقُولُ الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ ويُشْرَبُ لَبَنُ الدَّرِّ إذَا كانَ مَرْهُوناً. (الحَدِيث ١١٥٢ طرفه فِي: ٢١٥٢) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وزكرياء هُوَ ابْن أبي زَائِدَة، وعامر هُوَ الشّعبِيّ وَلَيْسَ لِلشَّعْبِيِّ عَن أبي هُرَيْرَة فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَآخر فِي تَفْسِير الزمر، وعلق لَهُ ثَالِثا فِي النِّكَاح. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن مقَاتل فِي الرَّهْن. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع عَن هناد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أبي كريب ويوسف ابْن عِيسَى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. ذكر طرق هَذَا الحَدِيث: وَلما رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ قَالَ: وَقد روى غير وَاحِد هَذَا الحَدِيث عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مَوْقُوفا، وَرَوَاهُ كَذَلِك: سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَشعْبَة ووكيع. فَأَما حَدِيث ابْن عُيَيْنَة فَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَنهُ، وَمن طَرِيق الْبَيْهَقِيّ. وَأما حَدِيث شُعْبَة فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَنهُ. وَأما حَدِيث وَكِيع فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن عبد الله الْعَبْسِي عَنهُ، وَورد مَرْفُوعا من طرق أُخْرَى. مِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) ، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة يحيى بن حَمَّاد وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة شَيبَان بن فروخ، كِلَاهُمَا عَن أبي عوَانَة عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، وَرِجَاله كلهم ثِقَات. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) من رِوَايَة يزِيد بن عَطاء عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا وَيزِيد ضَعِيف. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن عدي أَيْضا من رِوَايَة الْحسن بن عُثْمَان بن زِيَاد التسترِي عَن خَليفَة بن خياط وَحَفْص بن عمر الرَّازِيّ عَن عبد الرَّحْمَن ابْن مهْدي عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، وَقَالَ: هَذَا عَن الثَّوْريّ عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مُسْندًا مُنكر جدا. وَالْبَلَاء من الْحسن بن عُثْمَان فَإِنَّهُ كَذَّاب. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن عدي أَيْضا من رِوَايَة أبي الْحَارِث الْوراق عَن شُعْبَة عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، وَقَالَ: أَبُو الْحَارِث هَذَا بَصرِي، وَقَالَ ابْن طَاهِر: روى عَن أبي عوَانَة وَعِيسَى بن يُونُس وَأبي مُعَاوِيَة وَشعْبَة وَالثَّوْري مَرْفُوعا وموقوفاً، وَالأَصَح الْمَوْقُوف. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: رَفعه أَبُو الْحَارِث نصر بن حَمَّاد الْوراق عَن شُعْبَة عَن الْأَعْمَش، وروى عَن وهب بن جرير أَيْضا مَرْفُوعا، وَغَيرهمَا يرويهِ عَن شُعْبَة مَوْقُوفا، وَهُوَ الصَّوَاب. قَالَ: وَرَفعه أَيْضا لوين عَن عِيسَى بن يُونُس عَن الْأَعْمَش، وَالْمَحْفُوظ عَن الْأَعْمَش وَقفه على أبي هُرَيْرَة، وَهُوَ أصح، وَرَوَاهُ خَلاد الصفار عَن مَنْصُور عَن أبي صَالح مَرْفُوعا، وَغَيره يقفه، وَهُوَ أصح، وَعند ابْن حزم من حَدِيث زَكَرِيَّاء عَن الشّعبِيّ عَنهُ مَرْفُوعا: إِذا كَانَت الدَّابَّة مَرْهُونَة فعلى الْمُرْتَهن عَلفهَا وَلبن الدّرّ يشرب، وعَلى الَّذِي يشرب نَفَقَته ويركب. وَقَالَ: هَذِه الزِّيَادَة إِنَّمَا هِيَ من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن الصَّائِغ مولى بني هَاشم عَن هشيم، فالتخليط من قبله لَا من قبل هشيم، قلت: إِسْمَاعِيل هَذَا احْتج بِهِ مُسلم، وَتَابعه زِيَاد بن أَيُّوب عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ، وَيَعْقُوب الدوري عِنْد الْبَيْهَقِيّ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (الرَّهْن يركب) ، أَي: الْمَرْهُون يركب، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْمرَاد الظّهْر، وبيَّنه فِي الطَّرِيق الثَّانِي حَيْثُ قَالَ: الظّهْر يركب. قَوْله: (بِنَفَقَتِهِ) ، أَي: بِمُقَابلَة نَفَقَته، يَعْنِي يركب وَينْفق عَلَيْهِ. قَوْله: (وَيشْرب) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا. قَوْله: (لبن الدّرّ) ، بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء، وَهُوَ مصدر بِمَعْنى: الدارة، أَي: ذَات الضَّرع، وَقَالَ بَعضهم: وَقَوله: لبن الدّرّ، من إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه، وَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿حب الحصيد﴾ (ق: ٩) . قلت: إِضَافَة الشيى إِلَى نَفسه لَا تصح
следующие страницы →