← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِن كُنْتُم على سفر وَلم تَجدوا كَاتبا فرهان مَقْبُوضَة﴾ (الْبَقَرَة: ٣٨٢) .) وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على مَا قبله أَي فِي بَيَان قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن كُنْتُم على سفر﴾ (الْبَقَرَة: ٣٨٢) . قَوْله: ﴿وَإِن كُنْتُم على سفر﴾ (الْبَقَرَة: ٣٨٢) . أَي: مسافرين، وتداينتم إِلَى أجل مُسَمّى: ﴿وَلم تَجدوا كَاتبا﴾ (الْبَقَرَة: ٣٨٢) . يكْتب لكم، قَالَ ابْن عَبَّاس: أَو وجدوه وَلم يَجدوا قرطاساً أَو دَوَاة أَو قَلما ﴿فرهان مَقْبُوضَة﴾ (الْبَقَرَة: ٣٨٢) . أَي: فَلْيَكُن بدل الْكِتَابَة رهان مَقْبُوضَة فِي يَد صَاحب الْحق. وَقد اسْتدلَّ بقوله: ﴿فرهان مَقْبُوضَة﴾ (الْبَقَرَة: ٣٨٢) . أَن الرَّهْن لَا يلْزم إلَاّ بِالْقَبْضِ، كَمَا هُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور، وَقَالَ ابْن بطال: جَمِيع الْفُقَهَاء يجوزون الرَّهْن فِي الْحَضَر وَالسّفر، وَمنعه مُجَاهِد وَدَاوُد فِي الْحَضَر، وَنقل الطَّبَرِيّ عَن مُجَاهِد وَالضَّحَّاك أَنَّهُمَا قَالَا: لَا يشرع الرَّهْن إلَاّ فِي السّفر حَيْثُ لَا يُوجد الْكَاتِب، وَبِه قَالَ دَاوُد. ٨٠٥٢ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ قَالَ حدَّثنا قَتادَةُ عنْ أنَس رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ ولَقدْ رَهَنَ النبيُّ ﷺ درْعَهُ بِشَعِيرٍ ومَشَيْتُ إِلَى النبيِّ ﷺ بِخُبْزِ شَعِيرٍ وإهَالَة سِنْخَةٍ ولَقَدْ سَمِعْتُهُ يقولُ مَا أصْبَحَ لِآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلَاّ صاعٌ وَلَا أمْسَى وإنَّهُم لَتِسْعَةُ أبْياتٍ. (انْظُر الحَدِيث ٩٦٠٢) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَقَد رهن رَسُول الله ﷺ درعه بشعير) ، وَقد مضى الحَدِيث فِي أَوَائِل كتاب الْبيُوع فِي: بَاب شِرَاء النَّبِي ﷺ بِالنَّسِيئَةِ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُسلم عَن هِشَام عَن قَتَادَة عَن أنس وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن حَوْشَب عَن أَسْبَاط عَن هِشَام الدستوَائي عَن قَتَادَة عَن أنس، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: (وَلَقَد رَهنه) ، مَعْطُوف على شيى مَحْذُوف بيَّنه مَا رَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق أبان الْعَطَّار عَن قَتَادَة عَن أنس: أَن يَهُودِيّا دَعَا رَسُول الله ﷺ فَأَجَابَهُ، وَلَقَد رهن ... إِلَى آخِره، وَهَذَا الْيَهُودِيّ هُوَ أَبُو الشَّحْم واسْمه كنيته، وَهُوَ من بني ظفر، بِفَتْح الظَّاء الْمُعْجَمَة وَالْفَاء: وَهُوَ بطن من الْأَوْس وَكَانَ حليفاً لَهُم وَكَانَ قدر الشّعير ثَلَاثِينَ صَاعا كَمَا سَيَأْتِي فِي البُخَارِيّ من حَدِيث عَائِشَة فِي الْجِهَاد، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه وَالطَّبَرَانِيّ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ: (بِعشْرين صَاعا) ، وَوَقع لِابْنِ حبَان من طَرِيق شَيبَان عَن قَتَادَة عَن أنس: أَن قيمَة الطَّعَام كَانَت دِينَارا، وَزَاد أَحْمد من طَرِيق شَيبَان: (فَمَا وجد مَا يَفْتكهَا بِهِ حَتَّى مَاتَ) . قَوْله: (درعه) ، بِكَسْر الدَّال يذكر وَيُؤَنث. قَوْله: (بشعير) ، الْبَاء فِيهِ للمقابلة، أَي: رهن درعه فِي مُقَابلَة شعير. قَوْله: (ومشيت) ، أَي: قَالَ أنس: مشيت إِلَى النَّبِي، ﷺ . قَوْله: (بِخَبَر شعير) ، بِالْإِضَافَة وَالْبَاء فِيهِ تتَعَلَّق: بمشيت. قَوْله: (وإهالة) ، بِكَسْر الْهمزَة وَتَخْفِيف الْهَاء: مَا أذيب من الشَّحْم والألية، وَقيل: هُوَ كل دسم جامد، وَقيل: مَا يؤتدم بِهِ من الأدهان. قَوْله: (سنخة) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر النُّون وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة: أَي متغيرة الرّيح، وَيُقَال: زنخة أَيْضا بالزاي، مَوضِع السِّين. قَوْله: (وَلَقَد سمعته) ، أَي: قَالَ أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (لقد سَمِعت النَّبِي، ﷺ ، يَقُول) وَقد مر مَا قَالَ الْكرْمَانِي فِيهِ وَمَا رد عَلَيْهِ وَمَا أجبْت عَنهُ فِي الْبَاب الْمَذْكُور. قَوْله: (مَا أصبح لآل مُحَمَّد إلَاّ صَاع وَلَا أَمْسَى) . كَذَا بِهَذِهِ الْعبارَة وَقع لجَمِيع الروَاة، وَكَذَا ذكره الْحميدِي فِي الْجمع، وَوَقع لأبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق الْكَجِّي عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم شيخ البُخَارِيّ الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث، بِلَفْظ: (مَا أصبح لآل مُحَمَّد وَلَا أَمْسَى إلَاّ صَاع) وَهَذَا أحسن وَفِيه تنَازع الفعلان فِي ارْتِفَاع صَاع وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ. قَوْله: (أصبح) ، فعل وفاعله: صَاع، ويقد صَاع آخر فِي قَوْله: وَلَا أَمْسَى، أَي: وَلَا أَمْسَى صَاع، وَوَقع فِي رِوَايَة أَحْمد عَن أبي عَامر والإسماعيلي من طَرِيقه، وللترمذي من طَرِيق ابْن أبي عدي ومعاذ بن هِشَام، وللنسائي من طَرِيق هِشَام بِلَفْظ: (مَا أَمْسَى فِي آل مُحَمَّد صَاع تمر وَلَا صَاع حب) ، وَالْمرَاد بالآل: أهل بَيته ﷺ ،، وَقد بيَّنه بقوله: (وَإِنَّهُم) ، أَي: وَإِن آله لتسعة أَبْيَات، وَأَرَادَ بِهِ بطرِيق الْكِنَايَة تسع نسْوَة، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين، وَلم يقل النَّبِي، ﷺ ، هَذِه الْمقَالة بطرِيق التضجر، حاشا وكلَاّ، وَإِنَّمَا هُوَ بَيَان الْوَاقِع. وَفِيه من الْفَوَائِد: جَوَاز مُعَاملَة الْكفَّار فِيمَا لم يتَحَقَّق تَحْرِيم عين المتعامل فِيهِ، وَعدم الِاعْتِبَار بِفساد معتقدهم ومعاملاتهم فِيمَا بَينهم. وَفِيه: جَوَاز بيع السِّلَاح وَرَهنه وإجارته وَغير ذَلِك من الْكَافِر مَا لم يكن حَرْبِيّا. وَفِيه: ثُبُوت أَمْلَاك أهل الذِّمَّة فِي أَيْديهم. وَفِيه:

стр. 3782

جَوَاز الشِّرَاء بِالثّمن الْمُؤَجل. وَفِيه: جَوَاز اتِّخَاذ الدروع وَغَيرهَا من آلَات الْحَرْب، وَأَنه غير قَادِح فِي الت كل. وَفِيه: أَن قنية آلَة الْحَرْب لَا تدل عَليّ تحبيسها. وَفِيه: أَن أَكثر قوت ذَلِك الْعَصْر الشّعير، قَالَه الدَّاودِيّ. وَفِيه: مَا كَانَ فِيهِ النَّبِي، ﷺ ، من التَّوَاضُع والزهد فِي الدُّنْيَا والتقلل مِنْهَا مَعَ قدرته عَلَيْهَا، وَالْكَرم الَّذِي أفْضى بِهِ إِلَى عدم الإدخار حَتَّى احْتَاجَ إِلَى رهن درعه وَالصَّبْر على ضيق الْعَيْش والقناعة باليسير. وَفِيه: فَضِيلَة أَزوَاجه، ﷺ ، لصبرهن مَعَه على ذَلِك. وَفِيه: فَوَائِد أُخْرَى ذَكرنَاهَا هُنَاكَ. ٢ - (بابُ مَنْ رَهَنَ دِرْعَهُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من رهن درعه وَإِنَّمَا ذكر هَذِه التَّرْجَمَة مَعَ أَنه ذكر حَدِيث الْبَاب فِي بَاب شِرَاء النَّبِي، ﷺ ، بِالنَّسِيئَةِ لتَعَدد شَيْخه فِيهِ مَعَ زِيَادَة فِيهِ هُنَا على مَا نذكرهُ. ٩٠٥٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ تَذَاكَرْنا عنْدَ إبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ والْقَبِيلَ فِي السلَفِ فَقَالَ إبراهيمُ حَدثنَا الأسْوَدُ عنْ عائِشةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ النبيَّ ﷺ اشْتَرى مِنْ يَهُوديٍ طَعَاما إِلَى أجَلٍ ورَهَنَهُ دِرْعَهُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَرَهنه درعه) ، وَذكر هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب شِرَاء النَّبِي ﷺ بِالنَّسِيئَةِ، كَمَا ذكرنَا الْآن عَن مُعلى بن أَسد عَن عبد الْوَاحِد عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش إِلَى آخِره، وَالزِّيَادَة فِيهِ هُنَا قَوْله: (والقبيل) ، بِفَتْح الْقَاف وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهُوَ الْكَفِيل، وزنا وَمعنى. قَوْله: (فِي السّلف) وَهُنَاكَ: (فِي السّلم) . وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ وَفِي الْبَاب السَّابِق أَيْضا، وَالله أعلم. ٣ - (بابُ رَهْنِ السِّلَاحِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم رهن السِّلَاح، قيل: وَإِنَّمَا ترْجم لرهن السِّلَاح بعد رهن الدرْع، لِأَن الدرْع لَيست بسلاح حَقِيقَة، وَإِنَّمَا هِيَ آلَة يتقى بهَا السِّلَاح. انْتهى. قلت: الدرْع يتقى بهَا النَّفس وَإِن لم يكن عَلَيْهِ سلَاح، وَالْمرَاد بِالسِّلَاحِ الْآلَة الَّتِي يدْفع بهَا الشَّخْص عَن نَفسه، والدرع أعظم وَأَشد فِي هَذَا الْبَاب على مَا لَا يخفى. ٠١٥٢ - حدَّثنا علِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ قَالَ عَمْرٌ وسَمعْتُ جابِرَ بنَ عبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يقولُ قَالَ رسولُ الله ﷺ مَنْ لِكَعْبِ بنِ الأشْرَفِ فإنَّهُ آذاى الله ورسولَهُ ﷺ فَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ أنَا فأتاهُ فَقَالَ أرَدْنا أنْ تُسْلِفَنا وِسْقاً أوْ وِسْقعَيْنِ فَقَالَ ارْهَنوني نِساءَكُمْ قالُوا كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِساءَنا وأنْتَ أجْمَلُ الْعرَبِ قَالَ فارْهنوني أبْنَاءَكُمْ قَالُوا كَيْفَ نَرْهَنُ أبْنَاءَنا فيُسَبُّ أحَدُهم فيقالُ رُهِنَ بِوَسْقٍ أوْ وَسْقَيْنِ هَذَا عارٌ علَيْنا ولاكِنَّا نَرْهنُكَ الَّلأْمَةَ قالَ سُفْيَانُ يَعْنِي السِّلاحَ فوَعَدَهُ أنْ يَأْتِيهُ فقَتَلُوهُ ثُمَّ أتَوْا النبيَّ ﷺ فأخبروه.. قيل: لَيْسَ فِيهِ مَا بوب عَلَيْهِ لأَنهم لم يقصدوا إِلَّا الحديقة، وَإِنَّمَا يُؤْخَذ جَوَاز رهن السِّلَاح من الحَدِيث الَّذِي قبله. انْتهى. قلت: لَيْسَ فِي لفظ التَّرْجَمَة مَا يدل على جَوَاز رهن السِّلَاح وَلَا على عدم جَوَازه، لِأَنَّهُ أطلق، فَتكون الْمُطَابقَة بَينه وَبَين التَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَكنَّا نرهنك اللأمة) ، أَي: السِّلَاح بِحَسب ظَاهر الْكَلَام، وَإِن لم يكن فِي نفس الْأَمر حَقِيقَة الرَّهْن، وَهَذَا الْمِقْدَار كافٍ فِي وَجه الْمُطَابقَة. وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وَقد تكَرر ذكره، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة. وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَمُحَمّد بن مسلمة، بِفَتْح الميمين وَاللَّام أَيْضا: ابْن خَالِد بن عدي بن مجدعة بن حَارِثَة بن الْحَارِث بن الْخَزْرَج ابْن عمر وَهُوَ النبيت بن مَالك بن أَوْس الْحَارِثِيّ الْأنْصَارِيّ، يكنى أَبَا عبد الله، وَقيل: أَبُو عبد الرَّحْمَن، وَيُقَال: أَبُو سعيد حَلِيف بني عبد الْأَشْهَل

стр. 3783

شهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ ، وَقيل: إِنَّه اسْتَخْلَفَهُ على الْمَدِينَة عَام تَبُوك، روى عَنهُ جَابر وَآخَرُونَ، اعتزل الْفِتْنَة وَأقَام بالربذة وَمَات بِالْمَدِينَةِ فِي صفر سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين، وَقيل: سنة سبع وَأَرْبَعين وَهُوَ ابْن سبع وَسبعين سنة، وَصلى عَلَيْهِ مَرْوَان بن الحكم وَهُوَ يَوْمئِذٍ أَمِير الْمَدِينَة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي المغاوي عَن عَليّ بن عبد الله وَفِي الْجِهَاد عَن قُتَيْبَة وَعبد الله بن مُحَمَّد فرقهما. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الزُّهْرِيّ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن أَحْمد بن صَالح، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن عبد الله ابْن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (من لكعب بن الْأَشْرَف) أَي: من يتَصَدَّى لقَتله، وَقَالَ ابْن اسحاق كَانَ كَعْب بن الْأَشْرَف من طي ثمَّ أحد بني نَبهَان حَلِيف بني النَّضر، وَكَانَت أمه من بني النَّضر، وَاسْمهَا عقيلة بنت أبي الْحقيق، وَكَانَ أَبوهُ قد أصَاب دَمًا فِي قومه، فَأتى الْمَدِينَة فنزلها، وَلما جرى ببدر مَا جرى قَالَ: وَيحكم ﴿أَحَق هَذَا؟ وَأَن مُحَمَّدًا قتل أَشْرَاف الْعَرَب وملوكها، وَالله إِن كَانَ هَذَا حَقًا فبطن الأَرْض خير من ظهرهَا، ثمَّ خرج حَتَّى قدم مَكَّة فَنزل على الْمطلب بن أبي ودَاعَة السَّهْمِي، وَعِنْده عَاتِكَة بنت أَسد بن أبي الْعيص بن أُميَّة بن عبد شمس، فَأكْرمه الْمطلب فَجعل ينوح ويبكي على قَتْلَى بدر، ويحرض النَّاس على رَسُول الله ﷺ ، وينشد الْأَشْعَار، فَمن ذَلِك مَا حَكَاهُ الْوَاقِدِيّ من قصيدة عَيْنِيَّة طَوِيلَة من الوافر أَولهَا: (طحنت رحى بدر بمهلك أَهله ... ولمثل بدر تستهل وتدمع) (قتلت سراة النَّاس حول خيامهم ... لَا تبعدوا أَن الْمُلُوك تصرع) فَأَجَابَهُ حسان بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: (أبكاه كَعْب ثمَّ عل بعبرة ... مِنْهُ وعاش مجدعاً لَا تسمع) (وَلَقَد رَأَيْت بِبَطن بدر مِنْهُم ... قَتْلَى تسح لَهَا الْعُيُون وتدمع) إِلَى آخرهَا ... وَبلغ ذَلِك رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: (من لكعب بن الْأَشْرَف؟) . وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَ كَعْب شَاعِرًا يهجو رَسُول الله ﷺ وَالْمُسْلِمين ويظاهر عَلَيْهِم الْكفَّار، وَلما أصَاب الْمُشْركين يَوْم بدر مَا أَصَابَهُم اشْتَدَّ عَلَيْهِ. قَوْله: (فَقَالَ مُحَمَّد بن مُسلم: أَنا) ، أَي: أَنا لَهُ، أَي: لقَتله يَا رَسُول الله. وَاخْتلفُوا فِي كَيْفيَّة قَتله على وَجْهَيْن: أَحدهمَا لما ذكره البُخَارِيّ وَمُسلم أَيْضا فِي: بَاب قتل كَعْب بن الْأَشْرَف، فِي كتاب الْمَغَازِي، وَهُوَ قَوْله: قَالَ: يَا رَسُول الله﴾ أَتُحِبُّ أَن أَقتلهُ؟ قَالَ: نعم، قَالَ: إئذن لي أَن أَقُول شَيْئا، قَالَ: قل ... إِلَى آخر الحَدِيث، ينظر هُنَاكَ. وَالْوَجْه الثَّانِي: مَا ذكره مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَغَيره: لما قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من لكعب؟) قَالَ مُحَمَّد بن مسلمة: أَنا، فَرجع مُحَمَّد بن مسلمة فَأَقَامَ ثَلَاثًا لَا يَأْكُل وَلَا يشرب، وَبلغ ذَلِك رَسُول الله ﷺ ، فَدَعَاهُ فَقَالَ: مَا الَّذِي مَنعك من الطَّعَام وَالشرَاب؟ فَقَالَ: لِأَنِّي قلت قولا وَلَا أَدْرِي أَفِي بِهِ أم لَا. فَقَالَ: (إِنَّمَا عَلَيْك الْجهد) ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله! لَا بُد لنا أَن نقُول قولا، فَقَالَ: (قُولُوا مَا بدا لكم فَأنْتم فِي حل من ذَلِك) . وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: فَاجْتمع فِي قَتله مُحَمَّد بن مسلمة وسلكان بن سَلامَة بن وقش وَهُوَ أَبُو نائلة الأشْهَلِي، وَكَانَ أَخا لكعب من الرضَاعَة وَعباد بن بشر بن وقش الأشْهَلِي وَأَبُو عبس بن حبر أَخُو بني حَارِثَة والْحَارث بن أَوْس، وَقدمُوا إِلَى ابْن الْأَشْرَف قبل أَن يَأْتُوا سلكان بن سَلامَة أَبَا نائلة، فجَاء مُحَمَّد بن مسلمة إِلَى كَعْب فَتحدث مَعَه سَاعَة وتناشدا شعرًا، ثمَّ قَالَ: وَيحك يَا ابْن الْأَشْرَف؟ إِنِّي قد جئْتُك لحَاجَة أُرِيد ذكرهَا لَك، فاكتم عَليّ. قَالَ: أفعل. قَالَ: كَانَ قدوم هَذَا الرجل علينا بلَاء من الْبلَاء، عادتنا الْعَرَب ورمونا عَن قَوس وَاحِدَة، وَقطعت عَنَّا السبل حَتَّى جَاع الْعِيَال وجهدت الْأَنْفس، وأصبحنا قد جهدنا وَجهد عيالنا، فَقَالَ: أَنا وَالله قد أَخْبَرتكُم أَن الْأَمر سيصير إِلَى هَذَا، ثمَّ جَاءَهُ من ذَكَرْنَاهُمْ، فَقَالَ لَهُ سلكان: إِنِّي أردْت أَن تبيعنا طَعَاما ونرهنك ونوثقك ونحسن فِي ذَلِك، فَقَالَ: أترهنوا فِي أَبْنَائِكُم؟ قَالَ: لقد أردْت أَن تفضحنا، أَن معنى أصحاباً على مثل رَأْيِي، وَقد أردْت أَن آتِيك بهم فتبيعهم ونحسن فِي ذَلِك، ونرهنك من الْحلقَة، يَعْنِي: السِّلَاح، مَا فِيهِ وَفَاء. فَقَالَ كَعْب: إِن فِي الْحلقَة لوفاء، فَرجع أَبُو نائلة إِلَى أَصْحَابه فَأخْبرهُم، فَأخذُوا السِّلَاح وَخَرجُوا يَمْشُونَ، وَخرج رَسُول الله ﷺ مَعَهم إِلَى البقيع يَدْعُو لَهُم، وَقَالَ: انْطَلقُوا

стр. 3784

على اسْم الله وبركته) ، وَكَانَت لَيْلَة مُقْمِرَة، وَرجع رَسُول الله ﷺ إِلَى حجرته وَسَارُوا حَتَّى انْتَهوا إِلَى حصنه، فَهَتَفَ بِهِ أَبُو نائلة، وَكَانَ حَدِيث عهد بعرس، فَوَثَبَ فِي محلفة لَهُ فَأخذت امْرَأَته بناحيتها، وَقَالَت: إِلَى أَيْن فِي هَذِه السَّاعَة؟ فَقَالَ: إِنَّه أَبُو نائلة، لَو وجدني نَائِما أيقظني، فَقَالَت: وَالله إِنِّي لأعرف فِي صَوته الشَّرّ، فَقَالَ لَهَا كَعْب: لَو دعى الْفَتى إِلَى طعنة لَيْلًا لأجاب، ثمَّ نزل فَتحدث مَعَهم سَاعَة وتحدثوا مَعَه، ثمَّ قَالُوا: هَل لَك يَا ابْن الْأَشْرَف أَن نتماشى إِلَى شعب الْعَجُوز فنتحدث بِهِ بَقِيَّة ليلتنا هَذِه، قَالَ: نعم، إِن شِئْتُم، فَخَرجُوا يتماشون فَأخر الْأَمر أَخذ أَبُو نائلة بفود رَأسه، فَقَالَ: اضربوا عَدو الله، فضربوه فاختلفت عَلَيْهِ أسيافهم، فَلم تغن شَيْئا، قَالَ مُحَمَّد بن مسلمة: فَذكرت مغولاً لي فِي سَيفي، والمغول السَّيْف الصَّغِير، فَوَضَعته فِي ثنته وتحاملت عَلَيْهِ حَتَّى بلغ عانته، وَصَاح عَدو الله صَيْحَة لم يبْق حولنا حصن إلَاّ وَقد أوقد عَلَيْهِ نَار، وَوَقع عَدو الله، وَجِئْنَا آخر اللَّيْل إِلَى رَسُول لله ﷺ ، وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي فَأَخْبَرنَاهُ بقتْله ففرح، ودعا لنا. وَحكى الطَّبَرِيّ عَن الْوَاقِدِيّ، قَالَ: جاؤوا بِرَأْس كَعْب ابْن الْأَشْرَف إِلَى رَسُول الله ﷺ ، وَفِي كتاب (شرف الْمُصْطَفى) : أَن الَّذين قتلوا كَعْبًا حملُوا رَأسه فِي المخلاة إِلَى الْمَدِينَة، فَقيل: إِنَّه أول رَأس حمل فِي الْإِسْلَام، وَقيل: بل رَأس أبي عزو الجُمَحِي الَّذِي قَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : لَا يلْدغ الْمُؤمن من جُحر مرَّتَيْنِ، فَقتل وجمل رَأسه إِلَى الْمَدِينَة فِي رمح، وَأما أول مُسلم حمل رَأسه فِي الْإِسْلَام فعمر بن الخمق، وَله صُحْبَة. فَإِن قلت: كَيفَ قتلوا كَعْبًا على وَجه الْغرَّة وَالْخداع؟ قلت: لما قدم مَكَّة وحرض الْكفَّار على رَسُول الله ﷺ وشبب بنساء الْمُسلمين فقد نقض الْعَهْد، وَإِذا نقض الْعَهْد فقد وَجب قَتله بِأَيّ طَرِيق كَانَ، وَكَذَا من يجْرِي مجْرَاه كَأبي رَافع وَغَيره، وَقَالَ الْمُهلب: لم يكن فِي عهد من رَسُول الله ﷺ ، بل كَانَ مُمْتَنعا بقَوْمه فِي حصنه، وَقَالَ الْمَازرِيّ: نقض الْعَهْد وَجَاء مَعَ أهل الْحَرْب معينا عَلَيْهِم، ثمَّ إِن ابْن مسلمة لم يُؤمنهُ لكنه كَلمه فِي البيع وَالشِّرَاء فاستأنس بِهِ، فَتمكن مِنْهُ من غير عهد وَلَا أَمَان. وَقد قَالَ رجل فِي مجْلِس عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِن قَتله كَانَ غدراً، فَأمر بقتْله فَضربت عُنُقه، لِأَن الْغدر إِنَّمَا يتَصَوَّر بعد أَمَان صَحِيح، وَقد كَانَ كَعْب مناقضاً للْعهد. قَوْله: (وسْقا) ، بِفَتْح الْوَاو وَكسرهَا: وَهُوَ سِتُّونَ صَاعا. قَوْله: (أَو وسقين) ، شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (ارهنوني) ، فِيهِ لُغَتَانِ رهن وأرهن، فالفصيحة: رهن، والقليلة: أرهن. فَقَوله: ارهنوا على اللُّغَة الفصيحة بِكَسْر الْهمزَة، وعَلى اللُّغَة القليلة بِفَتْحِهَا. قَوْله: (فيُسب) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَكَذَا قَوْله: رهن بوسق. قَوْله: (اللأمة) ، مَهْمُوزَة: الدرْع وَقد فسره سُفْيَان الرَّاوِي بِالسِّلَاحِ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: اللأمة الدرْع، وَقيل: السِّلَاح، وَلأمة الْحَرْب أداته، وَقد ترك الْهمزَة تَخْفِيفًا، وَقَالَ ابْن بطال: لَيْسَ فِي قَوْلهم: نرهنك اللأمة، دلَالَة على جَوَاز رهن السِّلَاح عِنْد الْحَرْبِيّ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك من معاريض الْكَلَام الْمُبَاحَة فِي الْحَرْب وَغَيره، وَقَالَ السُّهيْلي: فِي قَوْله: من لكعب ابْن الْأَشْرَف، فَإِنَّهُ آذَى الله وَرَسُوله؟ جَوَاز قتل من سبّ النَّبِي ﷺ ، وَإِن كَانَ ذَا عهد، خلافًا لأبي حنيفَة فَإِنَّهُ لَا يرى بقتل الذِّمِّيّ فِي مثل هَذَا. قلت: من أَيْن يفهم من الحَدِيث جَوَاز قتل الذِّمِّيّ بالسب؟ أَقُول: هَذَا بحثا، وَلَكِن أَنا مَعَه فِي جَوَاز قتل الساب مُطلقًا. ٤ - (بابٌ الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ ومَحْلُوبٌ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الرَّهْن مركوب، يَعْنِي: إِذا كَانَ ظهرا يركب، وَإِذا كَانَ من ذَوَات الدّرّ يحلب، وَهَذِه التَّرْجَمَة لفظ حَدِيث أخرجه الْحَاكِم من طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: الرَّهْن مركوب ومحلوب، وَقَالَ: إِسْنَاده على شَرط الشَّيْخَيْنِ. وَأخرجه ابْن عدي فِي (الْكَامِل) وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنَيْهِمَا) من رِوَايَة أبراهيم بن محشر، قَالَ: حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (الرَّهْن محلوب ومركوب) ، قَالَ ابْن عدي: لَا أعلم رَفعه عَن أبي مُعَاوِيَة غير إِبْرَاهِيم بن محشر هَذَا، وَله مُنكرَات من جِهَة الْإِسْنَاد غير مَحْفُوظَة. وَقَالَ مُغِيرَةُ عنْ إبْرَاهِيمَ: تُرْكَبُ الضَّالَّةُ بِقَدْرِ عَلَفِهَا وتُحْلَبُ بِقَدْرِ عَلَفِهَا والرَّهْنُ مِثْلُهُ

стр. 3785

مُغيرَة بِضَم الْمِيم وَكسرهَا بلام التَّعْرِيف وبدونها: هُوَ ابْن مقسم، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْقَاف، مر فِي الصَّوْم، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، والضالة مَا ضل من الْبَهِيمَة ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى. قَوْله: (بِقدر عَلفهَا) ، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: بِقدر عَملهَا، وَالْأول أوجه، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن هشيم عَن مُغيرَة بِهِ. قَوْله: (وَالرَّهْن) ، أَي: الْمَرْهُون مثله فِي الحكم الْمَذْكُور، يَعْنِي: يركب ويحلب بِقدر الْعلف، وَهَذَا أَيْضا وَصله سعيد بن مَنْصُور بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَلَفظه: الدَّابَّة إِذا كَانَت مَرْهُونَة تركب بِقدر عَلفهَا، وَإِذا كَانَ لَهَا لبن يشرب مِنْهُ بِقدر عَلفهَا. ١١٥٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ عنْ عامِرٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَقُولُ الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ ويُشْرَبُ لَبَنُ الدَّرِّ إذَا كانَ مَرْهُوناً. (الحَدِيث ١١٥٢ طرفه فِي: ٢١٥٢) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وزكرياء هُوَ ابْن أبي زَائِدَة، وعامر هُوَ الشّعبِيّ وَلَيْسَ لِلشَّعْبِيِّ عَن أبي هُرَيْرَة فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَآخر فِي تَفْسِير الزمر، وعلق لَهُ ثَالِثا فِي النِّكَاح. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن مقَاتل فِي الرَّهْن. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع عَن هناد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أبي كريب ويوسف ابْن عِيسَى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. ذكر طرق هَذَا الحَدِيث: وَلما رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ قَالَ: وَقد روى غير وَاحِد هَذَا الحَدِيث عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مَوْقُوفا، وَرَوَاهُ كَذَلِك: سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَشعْبَة ووكيع. فَأَما حَدِيث ابْن عُيَيْنَة فَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَنهُ، وَمن طَرِيق الْبَيْهَقِيّ. وَأما حَدِيث شُعْبَة فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَنهُ. وَأما حَدِيث وَكِيع فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن عبد الله الْعَبْسِي عَنهُ، وَورد مَرْفُوعا من طرق أُخْرَى. مِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) ، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة يحيى بن حَمَّاد وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة شَيبَان بن فروخ، كِلَاهُمَا عَن أبي عوَانَة عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، وَرِجَاله كلهم ثِقَات. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) من رِوَايَة يزِيد بن عَطاء عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا وَيزِيد ضَعِيف. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن عدي أَيْضا من رِوَايَة الْحسن بن عُثْمَان بن زِيَاد التسترِي عَن خَليفَة بن خياط وَحَفْص بن عمر الرَّازِيّ عَن عبد الرَّحْمَن ابْن مهْدي عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، وَقَالَ: هَذَا عَن الثَّوْريّ عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مُسْندًا مُنكر جدا. وَالْبَلَاء من الْحسن بن عُثْمَان فَإِنَّهُ كَذَّاب. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن عدي أَيْضا من رِوَايَة أبي الْحَارِث الْوراق عَن شُعْبَة عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، وَقَالَ: أَبُو الْحَارِث هَذَا بَصرِي، وَقَالَ ابْن طَاهِر: روى عَن أبي عوَانَة وَعِيسَى بن يُونُس وَأبي مُعَاوِيَة وَشعْبَة وَالثَّوْري مَرْفُوعا وموقوفاً، وَالأَصَح الْمَوْقُوف. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: رَفعه أَبُو الْحَارِث نصر بن حَمَّاد الْوراق عَن شُعْبَة عَن الْأَعْمَش، وروى عَن وهب بن جرير أَيْضا مَرْفُوعا، وَغَيرهمَا يرويهِ عَن شُعْبَة مَوْقُوفا، وَهُوَ الصَّوَاب. قَالَ: وَرَفعه أَيْضا لوين عَن عِيسَى بن يُونُس عَن الْأَعْمَش، وَالْمَحْفُوظ عَن الْأَعْمَش وَقفه على أبي هُرَيْرَة، وَهُوَ أصح، وَرَوَاهُ خَلاد الصفار عَن مَنْصُور عَن أبي صَالح مَرْفُوعا، وَغَيره يقفه، وَهُوَ أصح، وَعند ابْن حزم من حَدِيث زَكَرِيَّاء عَن الشّعبِيّ عَنهُ مَرْفُوعا: إِذا كَانَت الدَّابَّة مَرْهُونَة فعلى الْمُرْتَهن عَلفهَا وَلبن الدّرّ يشرب، وعَلى الَّذِي يشرب نَفَقَته ويركب. وَقَالَ: هَذِه الزِّيَادَة إِنَّمَا هِيَ من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن الصَّائِغ مولى بني هَاشم عَن هشيم، فالتخليط من قبله لَا من قبل هشيم، قلت: إِسْمَاعِيل هَذَا احْتج بِهِ مُسلم، وَتَابعه زِيَاد بن أَيُّوب عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ، وَيَعْقُوب الدوري عِنْد الْبَيْهَقِيّ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (الرَّهْن يركب) ، أَي: الْمَرْهُون يركب، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْمرَاد الظّهْر، وبيَّنه فِي الطَّرِيق الثَّانِي حَيْثُ قَالَ: الظّهْر يركب. قَوْله: (بِنَفَقَتِهِ) ، أَي: بِمُقَابلَة نَفَقَته، يَعْنِي يركب وَينْفق عَلَيْهِ. قَوْله: (وَيشْرب) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا. قَوْله: (لبن الدّرّ) ، بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء، وَهُوَ مصدر بِمَعْنى: الدارة، أَي: ذَات الضَّرع، وَقَالَ بَعضهم: وَقَوله: لبن الدّرّ، من إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه، وَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿حب الحصيد﴾ (ق: ٩) . قلت: إِضَافَة الشيى إِلَى نَفسه لَا تصح

стр. 3786

إلَاّ إِذا وَقع فِي الظَّاهِر فيؤول، وَقد ذكرنَا أَن المُرَاد بالدر: الدارة، فَلَا يكون إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه، لِأَن اللَّبن غير الدارة، وَكَذَلِكَ يؤول فِي ﴿حب الحصيد﴾ (ق: ٩) [/ ح. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهَذَا الحَدِيث إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَجَمَاعَة الظَّاهِرِيَّة على: أَن الرَّاهِن يركب الْمَرْهُون بِحَق نَفَقَته عَلَيْهِ. وَيشْرب لبنه، كَذَلِك، وَرُوِيَ ذَلِك أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : وَمَنَافع الرَّهْن كلهَا لَا تحاشى مِنْهَا شَيْئا لصَاحب الرَّهْن لَهُ كَمَا كَانَت قبل الرَّهْن، وَلَا فرق حاشى ركُوب الدَّابَّة الْمَرْهُونَة وحاشى لبن الْحَيَوَان الْمَرْهُون. فَإِنَّهُ لصَاحب الرَّهْن إلَاّ أَن يضيعهما فَلَا ينْفق عَلَيْهِمَا وَينْفق على كل ذَلِك الْمُرْتَهن، فَيكون لَهُ حِينَئِذٍ الرّكُوب وَاللَّبن بِمَا أنْفق لَا يُحَاسب بِهِ من دينه، كثر ذَلِك أَو قل، وَذَلِكَ لِأَن ملك الرَّاهِن باقٍ فِي الرَّهْن لم يخرج عَن ملكه، لَكِن الرّكُوب والاحتلاب خَاصَّة لمن أنْفق على المركوب والمحلوب، لحَدِيث أبي هُرَيْرَة انْتهى. وَقَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَمَالك وَأحمد فِي رِوَايَة: لَيْسَ للرَّاهِن ذَلِك لِأَنَّهُ يُنَافِي حكم الرَّهْن، وَهُوَ الْحَبْس الدَّائِم، فَلَا يملكهُ، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَيْسَ لَهُ أَن ينْتَفع بالمرهون استخداماً وركوباً ولبناً وسكنى وَغير ذَلِك، وَلَيْسَ لَهُ أَن يَبِيعهُ من غير الْمُرْتَهن بِغَيْر إِذْنه، وَلَو بَاعه توقف على إِجَازَته، فَإِن أجَازه وَيكون الثّمن رهنا، سَوَاء شَرط الْمُرْتَهن عِنْد الْإِجَازَة أَن يكون مَرْهُونا عِنْده أَو لَا. وَعَن أبي يُوسُف: لَا يكون رهنا إلَاّ بِشَرْط، وَكَذَا: لَيْسَ للْمُرْتَهن أَن ينْتَفع بالمرهون حَتَّى لَو كَانَ عبدا لَا يستخدمه أَو دَابَّة لَا يركبهَا أَو ثوبا لَا يلْبسهُ أَو دَارا لَا يسكنهَا أَو مُصحفا لَيْسَ لَهُ أَن يقْرَأ فِيهِ وَلَيْسَ لَهُ أَن يَبِيعهُ إلَاّ بِإِذن الرَّاهِن. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ فِي الِاحْتِجَاج لِأَصْحَابِنَا: أجمع الْعلمَاء على أَن نَفَقَة الرَّهْن على الرَّاهِن لَا على الْمُرْتَهن، وَأَنه لَيْسَ على الْمُرْتَهن اسْتِعْمَال الرَّهْن. قَالَ: والْحَدِيث يَعْنِي: الحَدِيث الَّذِي احْتج بِهِ الشَّافِعِي وَمن مَعَه مُجمل فِيهِ لم يبين فِيهِ الَّذِي يركب وَيشْرب، فَمن أَيْن جَازَ للمخالف أَن يَجعله للرَّاهِن دون الْمُرْتَهن؟ وَلَا يجوز حمله على أَحدهمَا إلَاّ بِدَلِيل، قَالَ: وَقد روى هشيم عَن زَكَرِيَّاء عَن الشّعبِيّ عَن أبي هُرَيْرَة، ذكر أَن النَّبِي، ﷺ قَالَ: (إِذا كَانَت الدَّابَّة مَرْهُونَة فعلى الْمُرْتَهن عَلفهَا وَلبن الدّرّ يشرب وعَلى الَّذِي يشرب نَفَقَتهَا ويركب، فَدلَّ هَذَا الحَدِيث أَن الْمَعْنى بالركوب وَشرب اللَّبن فِي الحَدِيث الأول هُوَ الْمُرْتَهن لَا الرَّاهِن، فَجعل ذَلِك لَهُ وَجعلت النَّفَقَة عَلَيْهِ بَدَلا مِمَّا يتعوض مِنْهُ، وَكَانَ هَذَا عندنَا وَالله أعلم فِي وَقت مَا كَانَ الرِّبَا مُبَاحا، وَلم ينْه حِينَئِذٍ عَن الْقَرْض الَّذِي يجر مَنْفَعَة، وَلَا عَن أَخذ الشَّيْء لشَيْء وَإِن كَانَا غير متساويين، ثمَّ حرم الرِّبَا بعد ذَلِك وَحرم كل قرض جر مَنْفَعَة. وَأجْمع أهل الْعلم أَن نَفَقَة الرَّهْن على الرَّاهِن لَا على الْمُرْتَهن، وَأَنه لَيْسَ للْمُرْتَهن اسْتِعْمَال الرَّهْن، قَالَ: وَيُقَال لمن صرف ذَلِك إِلَى الرَّاهِن فَجعل لَهُ اسْتِعْمَال الرَّهْن: أَيجوزُ للرَّاهِن أَن يرْهن رجلا دَابَّة هُوَ راكبها؟ فَلَا يجد بدّاً من أَن يَقُول: لَا، فَيُقَال لَهُ: فَإِذا كَانَ الرَّهْن لَا يجوز إلَاّ أَن يكون مخلى بَينه وَبَين الْمُرْتَهن فيقبضه وَيصير فِي يَده دون يَد الرَّاهِن، كَمَا وصف الله تَعَالَى بقوله: ﴿فرهان مَقْبُوضَة﴾ (الْبَقَرَة: ٣٨٢) . فَيَقُول: نعم، فَيُقَال لَهُ: فَلَمَّا لم يجز أَن يسْتَقْبل الرَّهْن على مَا الرَّاهِن رَاكِبه لم يجز ثُبُوته فِي يَده بعد ذَلِك رهنا بِحقِّهِ إلَاّ كَذَلِك أَيْضا، لِأَن دوَام الْقَبْض لَا بُد مِنْهُ فِي الرَّهْن إِذا كَانَ الرَّهْن إِنَّمَا هُوَ إحباس الْمُرْتَهن للشَّيْء الْمَرْهُون بِالدّينِ، وَفِي ذَلِك أَيْضا مَا يمْنَع اسْتِخْدَام الْأمة الرَّهْن لِأَنَّهَا ترجع بذلك إِلَى حَال لَا يجوز عَلَيْهَا اسْتِقْبَال الرَّهْن. وَحجَّة أُخْرَى: أَنهم قد أَجمعُوا أَن الْأمة الرَّهْن لَيْسَ للرَّاهِن أَن يَطَأهَا، وللمرتهن مَنعه من ذَلِك، فَلَمَّا كَانَ الْمُرْتَهن يمْنَع الرَّاهِن من وَطئهَا، كَانَ لَهُ أَيْضا أَن يمنعهُ بِحَق الرَّهْن من استخدامها. انْتهى. قلت: الطَّحَاوِيّ أطلق قَوْله: قد أَجمعُوا ... إِلَى آخِره، وَقد قَالَ بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي: للرَّاهِن أَن يطَأ الآيسة وَالصَّغِيرَة، لِأَنَّهُ لَا ضَرَر فِيهِ، فَإِن عِلّة الْمَنْع الْخَوْف من أَن تَلد مِنْهُ، فَتخرج بذلك من الرَّهْن، وَهَذَا مَعْدُوم فِي حَقّهمَا، وَالْجُمْهُور على خلاف ذَلِك، ثمَّ إِن خَالف فوطىء فَلَا حد عَلَيْهِ لِأَنَّهَا ملكه، وَلَا مهر عَلَيْهِ، فَإِذا ولدت صَارَت أم ولد لَهُ وَخرجت من الرَّهْن وَعَلِيهِ قيمتهَا حِين أحبلها، وَلَا فرق بَين الْمُوسر والمعسر، إِلَّا أَن الْمُوسر تُؤْخَذ قيمتهَا مِنْهُ، والمعسر يكون فِي ذمَّته قيمتهَا، وَهَذَا قَول أَصْحَابنَا وَالشَّافِعِيّ أَيْضا. وَقَالَ ابْن حزم: قَالَ الشَّافِعِي: إِن رهن أمة فَوَطِئَهَا فَحملت، فَإِن كَانَ مُوسِرًا خرجت من الرَّهْن ويكلف رهنا آخر مَكَانهَا، وَإِن كَانَ مُعسرا، فَمرَّة قَالَ: يخرج من الرَّهْن وَلَا يُكَلف رهنا مَكَانهَا وَلَا تكلّف هِيَ شَيْئا، وَمرَّة

стр. 3787

قَالَ: تبَاع إِذا وضعت وَلَا يُبَاع الْوَلَد ويكلف رهن آخر. وَقَالَ أَبُو ثَوْر: هِيَ خَارِجَة من الرَّهْن وَلَا يُكَلف لَا هُوَ وَلَا هِيَ شَيْئا، سَوَاء كَانَ مُوسِرًا أَو مُعسرا. وَعَن قَتَادَة: أَنَّهَا تبَاع ويكلف سَيِّدهَا أَن يفتكَّ وَلَده مِنْهَا. وَعَن ابْن سِيرِين: أَنَّهَا استسعيت، وَكَذَلِكَ العَبْد الْمَرْهُون إِذا أعتق. وَقَالَ مَالك: إِن كَانَ مُوسِرًا كلف أَن يَأْتِي بِقِيمَتِهَا فَتكون الْقيمَة رهنا وَتخرج هِيَ من الرَّهْن، وَإِن كَانَ مُعسرا، فَإِن كَانَت تخرج إِلَيْهِ وتأتيه فَهِيَ خَارِجَة من الرَّهْن وَلَا يتبع بغرامة وَلَا يُكَلف هُوَ رهنا مَكَانهَا، لَكِن يتبع بِالدّينِ الَّذِي عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ تسور عَلَيْهَا بِيعَتْ هِيَ وَأعْطِي هُوَ وَلَده مِنْهَا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: إِن حملت وَأقر بحملها، فَإِن كَانَ مُوسِرًا خرجت من الرَّهْن وكلف قَضَاء الدّين إِن كَانَ حَالا، أَو كلف رهنا بِقِيمَتِهَا إِن كَانَ إِلَى أجل، وَإِن كَانَ مُعسرا كلفت أَن تستسعى فِي الدّين الْحَال بَالغا مَا بلغ، وَلَا ترجع بِهِ على سَيِّدهَا، وَلَا يُكَلف وَلَدهَا سِعَايَة، وَإِن كَانَ الدّين إِلَى أجل كلفت أَن تستسعى فِي قيمتهَا فَقَط، فَجعلت رهنا مَكَانهَا، فَإِذا حل أجل الدّين كلفت من قبل أَن تستسعي فِي بَاقِي الدّين إِن كَانَت أَكثر من قيمتهَا، وَإِن كَانَ السَّيِّد استلحق وَلَدهَا بعد وَضعهَا لَهُ وَهُوَ مُعسر، قسم الدّين على قيمتهَا يَوْم ارتهنها، وعَلى قيمَة وَلَدهَا يَوْم اسْتَلْحقهُ، فَمَا أصَاب للْأُم سعت فِيهِ بَالغا مَا بلغ للْمُرْتَهن، وَلم ترجع بِهِ على سَيِّدهَا، وَمَا أصَاب الْوَلَد سعي فِي الْأَقَل من الدّين أَو من قِيمَته وَلَا رُجُوع بِهِ على أَبِيه، وَيَأْخُذ الْمُرْتَهن كل ذَلِك. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : هَذَا الحَدِيث حجَّة على أبي حنيفَة قلت: سُبْحَانَ الله! هَذَا تحكم، وَكَيف يكون حجَّة عَلَيْهِ وَقد ذكرنَا وَجهه؟ على أَن الشّعبِيّ، هُوَ الرَّاوِي عَن أبي هُرَيْرَة فِي هَذَا الحَدِيث، قد روى عَنهُ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا، فَهَذَا قَالَ: حَدثنَا أَبُو نعيم، قَالَ: حَدثنَا الْحسن بن صَالح عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن الشّعبِيّ، قَالَ: لَا ينْتَفع فِي الرَّهْن بِشَيْء، فَهَذَا الشّعبِيّ يَقُول هَذَا، وَقد روى عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ ، الحَدِيث الْمَذْكُور أفيجوز عَلَيْهِ أَن يكون أَبُو هُرَيْرَة يحدثه عَن النَّبِي ﷺ ، بذلك ثمَّ يَقُول هُوَ بِخِلَافِهِ؟ وَلَيْسَ ذَلِك إلَاّ وَقد ثَبت نسخ هَذَا الحَدِيث عِنْده. وَالله أعلم. ٢١٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ قَالَ أخْبَرَنا عبدُ الله بنُ الْمُبَارَكِ قَالَ أخْبرنا زَكَرِيَّاءُ عَن الشَّعْبِيِّ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ الرَّهنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كانَ مَرْهُونَاً ولَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كانَ مَرْهُوناً وعلَى الَّذِي يَرْكَبُ ويَشْرَبُ النَّفَقَةُ. (انْظُر الحَدِيث ١١٥٢) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه مُحَمَّد بن مقَاتل الرَّازِيّ عَن عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي عَن زَكَرِيَّاء بن أبي زَائِدَة عَن عَامر الشّعبِيّ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (الظّهْر يركب) ، ويروى: (الرَّهْن يركب) ، وَمرَاده بِالرَّهْنِ أَيْضا: الظّهْر، بِقَرِينَة: يركب. ٥ - (بابُ الرَّهْنِ عِنْدَ الْيَهُودِ وغَيْرِهِمْ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الرَّهْن عِنْد الْيَهُود وَغَيرهم مثل النَّصَارَى وَالْحَرْبِيّ الْمُسْتَأْمن. ٣١٥٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا جَريرٌ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتِ اشْتَرَى رسولُ الله ﷺ منْ يَهُودِيٍّ طَعاماً ورهَنَهُ دِرْعَهُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث قد تكَرر ذكره، لَا سِيمَا عَن قريب. ٦ - (بابٌ إذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ والْمُرْتَهِنُ ونَحْوُهُ فالْبَيِّنَةُ عَلى الْمُدَّعِي والْيَمِينُ علَى الْمُدَّعَى عليْهِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا اخْتلف الرَّاهِن وَالْمُرْتَهن، مثل مَا إِذا اخْتلفَا فِي مِقْدَار الدّين وَالرَّهْن قَائِم، فَقَالَ الرَّاهِن: رهنتك بِعشْرَة دَنَانِير، وَقَالَ الْمُرْتَهن: بِعشْرين دِينَارا. فَقَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر: القَوْل قَول الرَّاهِن مَعَ يَمِينه، لِأَنَّهُ يُنكر الزِّيَادَة، وَالْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَهُوَ الْمُرْتَهن. وَعَن الْحسن وَقَتَادَة: القَوْل قَول الْمُرْتَهن مَا لم يُجَاوز دينه قيمَة رَهنه. قَوْله: (وَنَحْوه) أَي: وَنَحْو اخْتِلَاف الرَّاهِن وَالْمُرْتَهن، مثل اخْتِلَاف الْمُتَبَايعين، وَغَيره، ثمَّ اخْتلفُوا فِي تَفْسِير

стр. 3788

الْمُدَّعِي، فَقيل: المدع من لَا يسْتَحق إلَاّ بِحجَّة كالخارج، وَقيل: الْمُدَّعِي من يتَمَسَّك بِغَيْر الظَّاهِر، وَقيل: الْمُدَّعِي من يذكر أمرا خفِيا خلاف الظَّاهِر. وَقيل: الْمُدَّعِي من إِذا ترك ترك، وَهَذَا هُوَ الْأَحْسَن لكَونه جَامعا ومانعاً. وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ من يسْتَحق بقوله من غير حجَّة كصاحب الْيَد، وَقيل: من يتَمَسَّك بِالظَّاهِرِ، وَقيل: من إِذا ترك لَا يتْرك بل يجْبر، وَهَذَا أَيْضا أحسن مَا قيل فِيهِ. ٤١٥٢ - حدَّثنا خَلَاّدُ بنُ يَحْيَى قَالَ حدَّثنا نافِعُ بنُ عُمرَ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ قَالَ كَتَبْتُ إِلَى ابنِ عَبَّاسٍ فكَتَبَ إلَيَّ أنَّ النبيِّ ﷺ قَضَى أنَّ الْيَمِينَ علَى الْمُدَّعَى عليْهِ. مطابقته لجزء التَّرْجَمَة، وَهُوَ قَوْله: (وَالْيَمِين على الْمُدعى عَلَيْهِ) . وخلاد، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام: ابْن يحيى بن صَفْوَان أَبُو مُحَمَّد السّلمِيّ الْكُوفِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَنَافِع بن عمر بن عبد الله الجُمَحِي من أهل مَكَّة، وَابْن أبي مليكَة هُوَ عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة، واسْمه: زُهَيْر بن عبد الله أَبُو مُحَمَّد الْمَكِّيّ الْأَحول، كَانَ قَاضِيا لِابْنِ الزبير ومؤذناً لَهُ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشَّهَادَات عَن أبي نعيم، وَفِي التَّفْسِير عَن نصر بن عَليّ. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَحْكَام عَن أبي الطَّاهِر ابْن السَّرْح وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي القضايا عَن القعْنبِي عَن نَافِع بن عمر مُخْتَصرا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَحْكَام عَن مُحَمَّد بن سُهَيْل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقَضَاء عَن عَليّ بن سعيد عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن حَرْمَلَة بن يحيى عَن ابْن وهب فِي مَعْنَاهُ. قَوْله: (كتبت إِلَى ابْن عَبَّاس) يَعْنِي: كتبت إِلَيْهِ أسأله فِي قَضِيَّة امْرَأتَيْنِ ادَّعَت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى، على مَا يَجِيء فِي تَفْسِير سُورَة آل عمرَان. قَوْله: (فَكتب إِلَى) إِلَى آخِره: الْكِتَابَة حكمهَا حكم الِاتِّصَال لَا الِانْقِطَاع، وَالْخلاف فِيهَا مَعْرُوف فِي عُلُوم الحَدِيث، وَقد قَالَ بِصِحَّتِهِ أَيُّوب وَمَنْصُور وَآخَرُونَ، وَهُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور كَمَا قَالَ ابْن الصّلاح، وَهُوَ الصَّحِيح أَيْضا عِنْد الْأُصُولِيِّينَ، كَمَا ذكره فِي الْمَحْصُول، وَفِي الصَّحِيح عدَّة أَحَادِيث، من ذَلِك: قَالَ البُخَارِيّ فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور: كتب إِلَى مُحَمَّد بن بشار، وَعند مُسلم: أَن جَابر بن سَمُرَة كتب إِلَى عَامر بن سعد بن أبي وَقاص بِحَدِيث رجم الْأَسْلَمِيّ، وَذهب أَبُو الْحسن بن الْقطَّان إِلَى انْقِطَاع الرِّوَايَة بِالْكِتَابَةِ، وَأنكر عَلَيْهِ فِي ذَلِك، وَمِمَّنْ ذهب إِلَى عدم صِحَة الْكِتَابَة: الْمَاوَرْدِيّ، كَمَا ذهب إِلَيْهِ فِي الْإِجَارَة. قَوْله: (قضى أَن الْيَمين على الْمُدعى عَلَيْهِ) ، قيل: إِن البُخَارِيّ حمله على عُمُومه، خلافًا لمن قَالَ: إِن القَوْل فِي الرَّهْن قَول الْمُرْتَهن مَا لم يُجَاوز قدر الرَّهْن، لِأَن الرَّهْن كالشاهد للْمُرْتَهن. وَقَالَ الدَّاودِيّ: الحَدِيث خرج مخرج الْعُمُوم وَأُرِيد بِهِ الْخُصُوص، وَقَالَ ابْن التِّين: وَالْأولَى أَن يُقَال: إِنَّهَا نازلة فِي عين وَالْأَفْعَال لَا عُمُوم لَهَا كالأقوال فِي الْأَصَح، وَقد جَاءَ فِي حَدِيث: إلَاّ فِي الْقسَامَة، أَي: فَإِنَّهَا على الْمُدعى إِذا قَالَ: دمي عِنْد فلَان، وَادّعى ابْن التِّين أَن الشَّافِعِي وَأَبا حنيفَة وَجَمَاعَة من متأخري الْمَالِكِيَّة أَبَوا ذَلِك، ثمَّ قَالَ: وَقيل: يحلف الْمُدَّعِي وَإِن لم يقل الْمَيِّت: دمي عِنْد فلَان، وَهُوَ قَول شَاذ لم يقلهُ أحد من فُقَهَاء الْأَمْصَار. وَقَالَت فرقة: لَا يجب الْقَتْل إلَاّ بِبَيِّنَة واعتراف الْقَاتِل. قلت: قَوْله: وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث (إلَاّ فِي الْقسَامَة) هُوَ حَدِيث رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) ، وَالدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة مُسلم بن خَالِد الزنْجِي عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على من أنكر، إلَاّ فِي الْقسَامَة. ٦١٥٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سعيدٍ قَالَ حدَّثنا جَريرٌ عنْ مَنْصُور عنْ أبِي وائِلٍ قَالَ قَالَ عبدُ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمينٍ يَسْتَحِقُّ بِها مَالا وهْوَ فِيها فاجِرٌ لَقِيَ الله وهُوَ علَيْهِ غَضْبانٌ فأنْزَلَ الله تَصْدِيقَ ذَلِكَ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ فقَرَأَ إلَى ﴿عَذَابٌ ألِيمٌ﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . ثُمَّ إنَّ الأشْعَثَ ابنَ قَيْسٍ خَرَجَ إلَيْنَا فَقَالَ مَا يُحَدِّثُكُمح أبُو عَبْدِ الرَّحْمانِ قَالَ فَحَدَّثناهُ قَالَ فَقَالَ صَدَقَ لَفِيَّ وَالله أُنْزِلَتْ كانَتْ بَيْنِي وبَيْنَ رَجُلٍ خُصومَةٌ فِي بِئرٍ فاخْتَصَمْنا إِلَى رسولِ الله ﷺ فَقَالَ

стр. 3789

رسولُ الله ﷺ شاهِدُكَ أوْ يَمينُهُ قُلْتُ إنَّهُ إذَاً يَحْلِفَ وَلَا يُبَالي فَقَالَ رسولُ الله ﷺ منْ حَلَفَ عَلَى يَمينٍ يَسْتَحِقُّ بِها مَالا وهْوَ فِيهَا فاجِرٌ لَقيَ الله وهْوَ علَيْهِ غَضْبان فأنْزَلَ الله تَصْدِيقَ ذَلِكَ ثُمَّ اقْتَرَأَ هاذِهِ الْآيَة: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ إِلَى ﴿ولَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ﴾ .. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (شاهدك أَو يَمِينه) والْحَدِيث مضى فِي كتاب الشّرْب فِي: بَاب الْخُصُومَة فِي الْبِئْر، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عَبْدَانِ عَن أبي حَمْزَة عَن الْأَعْمَش عَن شَقِيق عَن عبد الله ... إِلَى آخِره. وَأخرجه هُنَا عَن قُتَيْبَة عَن جرير بن عبد الحميد عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن أبي وَائِل، هُوَ شَقِيق بن سَلمَة، قَوْله: (قَالَ: قَالَ عبد الله) ، هُوَ عبد الله بن مَسْعُود. قَوْله: (وَهُوَ فِيهَا فَاجر) أَي: كَاذِب، وَهُوَ من بَاب الْكِنَايَة، إِذْ الْفُجُور لَازم الْكَذِب، وَالْوَاو فِي: وَهُوَ، للْحَال. قَوْله: (غَضْبَان) ، وَإِطْلَاق الْغَضَب على الله تَعَالَى من بَاب الْمجَاز، إِذْ المُرَاد لَازمه، وَهُوَ إِرَادَة إِيصَال الْعَذَاب. قَوْله: (ثمَّ إِن الْأَشْعَث) ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وبالثاء الْمُثَلَّثَة. قَوْله: (أَبُو عبد الرَّحْمَن) ، هُوَ كنية عبد الله بن مَسْعُود. قَوْله: (فَحَدَّثنَاهُ) ، بِفَتْح الدَّال. قَوْله: (لفي) ، بِفَتْح اللَّام وَكسر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (أنزلت) ، ويروى: نزلت. قَوْله: (شاهدك) ، ويروى: شَاهِدَاك. قَوْله: (إِذا يحلف) ، بِنصب الْفَاء، وَقد مر الْبَحْث فِيهِ هُنَاكَ مستقصًى. بِسم الله الرَّحمانِ الرَّحِيمِ ٩٤ - (كتابُ العِتْقِ) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الْعتْق، ذَا هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَلكنه ذكره قبل الْبَسْمَلَة، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين هَكَذَا: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فِي الْعتْق وفضله، وَفِي رِوَايَة ابْن شبويه: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، بَاب فِي الْعتْق، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: كتاب الْعتْق: بَاب مَا جَاءَ فِي الْعتْق وفضله. الْعتْق لُغَة: الْقُوَّة، من عتق الطَّائِر إِذا قوي على جناحيه، وَفِي الشَّرْع: عبارَة عَن قُوَّة شَرْعِيَّة فِي مَمْلُوك، وَهِي إِزَالَة الْملك عَنهُ، وَالرّق ضعف شَرْعِي يثبت فِي الْمحل فيعجزه عَن التَّصَرُّفَات الشَّرْعِيَّة، ويسلبه أَهْلِيَّة الْقَضَاء وَالشَّهَادَة والسلطنة والتزوج، وَغير ذَلِك، وَالْعتاق اسْم لِلْعِتْقِ، يُقَال: أعتقت العَبْد أعْتقهُ إعتاقا وعتاقة، وَالْإِعْتَاق إِثْبَات الْعتْق عِنْد أبي يُوسُف، وَمُحَمّد، وَعند أبي حنيفَة: إِثْبَات الْفِعْل المفضي إِلَى حُصُول الْعتْق. ١ - (بابُ مَا جاءَ فِي العتقِ وفَضْلِهِ وقَوْلِ الله ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ (الْبَلَد: ٣١ ٥١) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي أَمر الْعتْق، وَفِي بَيَان فَضله. قَوْله: (وَقَول الله ، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: فِي الْعتْق. قَوْله: ﴿فك رَقَبَة﴾ (الْبَلَد: ٣١ ٥١) . أَولهَا قَوْله: ﴿فَلَا اقتحم الْعقبَة وَمَا ادراك مَا الْعقبَة فك رَقَبَة﴾ (الْبَلَد: ١١ ٣١) . الضَّمِير فِي: فَلَا اقتحم، يرجع إِلَى الْإِنْسَان فِي قَوْله: ﴿لقد خلقنَا الْإِنْسَان﴾ (الْبَلَد: ٤) . المُرَاد مِنْهُ: الْوَلِيد بن الْمُغيرَة، فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول: أهلكت مَالا كثيرا فِي عَدَاوَة مُحَمَّد ﷺ ، فَقَالَ الله : ﴿أيحسب﴾ أَي: أيظن هَذَا ﴿أَن لم يره﴾ أَي: أَن لم ير مَا أنفقهُ ﴿أحد﴾ (الْبَلَد: ٧) . من النَّاس؟ ثمَّ ذكر الله النعم ليعتبر. فَقَالَ: ﴿ألم نجْعَل لَهُ عينين وَلِسَانًا وشفتين وهديناه النجدين﴾ (الْبَلَد: ٨ ٠١) . أَي: سَبِيل الْخَيْر وَالشَّر، قَالَه أَكثر الْمُفَسّرين، وَقيل: الْحق وَالْبَاطِل، وَقيل الْهدى والضلالة، وَقيل: الشقاوة والسعادة. والنجد: الْمُرْتَفع من الأَرْض. ثمَّ قَالَ: ﴿فَلَا أقتحم الْعقبَة﴾ (الْبَلَد: ٧) . أَي: فَلَا دخل هَذَا الْإِنْسَان الْعقبَة، والاقتحام: الدُّخُول فِي الْأَمر الشَّديد، والعقبة: جبل فِي جَهَنَّم، وَقيل: هِيَ عقبَة دون الْحَشْر، وَقيل: سَبْعُونَ دركة من جَهَنَّم، وَقيل: الصِّرَاط، وَقيل: نَار دون الْحَشْر. وَقَالَ الْحسن: عقبَة وَالله شَدِيدَة. قَوْله: ﴿وَمَا أَدْرَاك مَا الْعقبَة﴾ (الْبَلَد: ٣١ ٥١) . أَي: مَا اقتحام الْعقبَة؟ قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: كل شَيْء قَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاك﴾ فَإِنَّهُ أخبرهُ بِهِ، وَمَا قَالَ: ﴿وَمَا يدْريك﴾ فَإِنَّهُ لم يُخبرهُ بِهِ. قَوْله: ﴿فك رَقَبَة﴾ قَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَالْكسَائِيّ: فك، بِفَتْح الْكَاف، وَأطْعم بِفَتْح الْمِيم على الْفِعْل، وَالْبَاقُونَ بِالْإِضَافَة على الإسم، لِأَنَّهُ تَفْسِير. قَوْله: ﴿وَمَا

стр. 3790

أَدْرَاك﴾ مَعْنَاهُ: خلص رقبته من الْأسر على قِرَاءَة ابْن كثير، وعَلى قِرَاءَة غَيره: خلاص الرَّقَبَة، أَي: الفك هُوَ خلاص الرَّقَبَة، وَإِنَّمَا ذكر لفظ: الرَّقَبَة، دون سَائِر الْأَعْضَاء، مَعَ أَن الْعتْق يتَنَاوَل الْجَمِيع، لِأَن حكم السَّيِّد عَلَيْهِ كحبل فِي رَقَبَة العَبْد، وكالغل الْمَانِع لَهُ من الْخُرُوج، فَإِذا أعتق فَكَأَنَّهُ أطلقت رقبته من ذَلِك قَوْله: ﴿أَو إطْعَام فِي يَوْم﴾ (الْبَلَد: ٤١) . وَالْمرَاد من الْيَوْم هُنَا مُطلق الزَّمَان لَيْلًا كَانَ أَو نَهَارا. قَوْله: ذِي مسغبة﴾ (الْبَلَد: ٥١) . أَي: مجاعَة، يُقَال: سغب يسغب سغوباً: إِذا جَاع. قَوْله: ﴿يَتِيما﴾ (الْبَلَد: ٤١) . مَنْصُوب بقوله: أطْعم، أَو بإطعام، والمصدر أَيْضا يعْمل عمل فعله. قَوْله: ﴿ذَا مقربة﴾ (الْبَلَد: ٥١) . صفة: ليتيماً، أَي: ذَا قرَابَة، يُقَال: زيد قَرَابَتي أَو ذُو مقربتي، وَزيد قَرَابَتي قَبِيح لِأَن الْقَرَابَة مصدر. قَوْله: ﴿أَو مِسْكينا﴾ (الْبَلَد: ٦١) . عطف على يَتِيما ﴿وَذَا مَتْرَبَة﴾ (الْبَلَد: ٦١) . صفته أَي: ذَا فقر، قد لصق بِالتُّرَابِ من الْفقر، وَقيل: المتربة من التربة هُنَا، وَهِي شدَّة الْحَال. ٧١٥٢ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يونُسَ قَالَ حَدثنَا عاصِمُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثني واقِدُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثني سعيدُ بنُ مَرْجانَةَ صاحِبُ عَلِيِّ بنِ حُسَيْنٍ قَالَ قَالَ لي أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ أيُّما رَجُلٍ أعْتَقَ امْرَءًا مسْلِماً اسْتَنْقَذَ الله بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْواً مِنْهُ مِنَ النَّارِ قَالَ سَعِيدُ بنُ مَرْجَانَةَ فانْطَلَقْتُ بِهِ إلاى عَلِيِّ بنِ حُسَيْنٍ فعَمَدَ عَلِيُّ بنُ حُسَيْنٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ إِلَى عَبْدٍ لَهُ قَدْ أعْطَاهُ بِهِ عَبْدُ الله بنُ جَعْفَرٍ عَشْرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ أوْ ألْفِ دِينَارٍ فأعْتَقَهُ. (الحَدِيث ٧١٥٢ طرفه فِي: ٥١٧٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَنَّهُ يخبر عَن فضل عَظِيم فِي الْعتْق. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَحْمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد ابْن عبد الله بن يُونُس بن عبد الله التَّمِيمِي الْيَرْبُوعي. الثَّانِي: عَاصِم بن مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب الْعَدوي الْقرشِي. الثَّالِث: وَاقد، بِكَسْر الْقَاف: ابْن مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، أَخُو عَاصِم الْمَذْكُور، الرَّابِع: سعيد ب مرْجَانَة وَهُوَ سعيد بن عبد الله مولى بني عَامر، ومرجانة أمه وَهِي أُخْت اللؤلؤة أم سعيد، مَاتَ سنة سبع وَتِسْعين. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة، أَي: رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه ذكر مَنْسُوبا إِلَى جده وَأَنه كُوفِي وَأَن سعيداً حجازي وَعَاصِم وَأَخُوهُ مدنيان. وَفِيه: رِوَايَة الْأَخ عَن الْأَخ. وَفِيه: أَن سعيد بن مرْجَانَة لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث، وَقد ذكره ابْن حبَان فِي التَّابِعين، وَأثبت رِوَايَته عَن أبي هُرَيْرَة، ثمَّ ذهل فَذكره فِي اتِّبَاع التَّابِعين، وَقَالَ: لم يسمع عَن أبي هُرَيْرَة، وَيرد مَا ذكره رِوَايَة البُخَارِيّ، بقوله: قَالَ لي أَبُو هُرَيْرَة: وَوَقع التَّصْرِيح بِسَمَاعِهِ مِنْهُ عِنْد مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهمَا. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي كَفَّارَات الْأَيْمَان عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم. وَأخرجه مُسلم فِي الْعتْق عَن دَاوُد بن رشيد وَعَن حميد بن مسْعدَة وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن قُتَيْبَة عَن لَيْث. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَيْمَان عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعتْق عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن مُجَاهِد بن مُوسَى، وَلما أخرجه التِّرْمِذِيّ قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن عَائِشَة وَعَمْرو بن عَنْبَسَة وَابْن عَبَّاس وواثلة بن الْأَسْقَع وَأبي أُمَامَة وَعقبَة بن عَامر وَكَعب بن مرّة قلت. أما حَدِيث عَائِشَة فَأخْرجهُ ابْن زَنْجوَيْه بِإِسْنَادِهِ عَنْهَا مَرْفُوعا: من أعتق عضوا من مَمْلُوك أعتق الله بِكُل عُضْو مِنْهُ عضوا. وَأما حَدِيث عَمْرو بن عَنْبَسَة فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث شُرَحْبِيل بن السمط أَنه قَالَ لعَمْرو بن عَنْبَسَة: حَدثنَا حَدِيثا سمعته من رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، يَقُول: من أعتق رَقَبَة مُؤمنَة كَانَت فدَاه من النَّار. وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَأخْرجهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حبَان فِي (كتاب الثَّوَاب وفضائل الْأَعْمَال) عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : أَيّمَا مُؤمن أعتق مُؤمنا فِي الدُّنْيَا أعْتقهُ الله عضوا بعضو من النَّار. وَأما حَدِيث وَاثِلَة بن الْأَسْقَع فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة الغريف الديلمي، قَالَ: أَتَيْنَا وَاثِلَة بن الْأَسْقَع، فَقُلْنَا لَهُ: حَدثنَا حَدِيثا فَذكره، وَفِيه قَالَ: أَتَيْنَا رَسُول الله ﷺ ، فِي صَاحب لنا أوجب يَعْنِي: النَّار بِالْقَتْلِ، فَقَالَ: أعتقوا عَنهُ يعْتق الله بِكُل عُضْو مِنْهُ

стр. 3791

عضوا مِنْهُ من النَّار. وَأخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) وَقَالَ: إِن غريف لقب عبد الله الديلمي. وَأما حَدِيث أبي أُمَامَة فَأخْرجهُ التِّرْمِذِيّ عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ : (أَيّمَا امرىء مُسلم أعتق امْرأ مُسلما كَانَ فكاكه من النَّار، يجزى كل عُضْو مِنْهُ عضوا وَأَيّمَا امرىء مُسلم أعتق امْرَأتَيْنِ مسلمتين كَانَتَا فكاكه من النَّار، يجزى كل عُضْو مِنْهُمَا عضوا مِنْهُ، وَأَيّمَا امْرَأَة مسلمة أعتقت امْرَأَة مسلمة كَانَت فكاكها من النَّار يجزى كل عُضْو مِنْهَا عضوا مِنْهَا) . وَقَالَ: حسن صَحِيح غَرِيب. وَأما حَدِيث عقبَة فَأخْرجهُ أَحْمد من رِوَايَة قَتَادَة عَن قيس الجذامي عَن عقبَة بن عَامر: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (من أعتق رَقَبَة مُؤمنَة فَهِيَ فكاكه من النَّار) . وَرَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْحَاكِم، وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. وَأما حَدِيث كَعْب بن مرّة فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة شُرَحْبِيل بن السمط، قَالَ: قلت لكعب: يَا كَعْب بن مرّة أَو مرّة بن كَعْب حدِّثنا عَن رَسُول الله ﷺ وَاحْذَرْ. قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (من أعتق امْرأ مُسلما كَانَ فكاكه من النَّار يجزى بِكُل عظم مِنْهُ عظم مِنْهُ، وَمن أعتق امْرَأتَيْنِ مسلمتين كَانَتَا فكاكه من النَّار يجزى بِكُل عظمين مِنْهُمَا عظم مِنْهُ) . لفظ ابْن مَاجَه، وَأخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) . قلت: وَفِي الْبَاب عَن معَاذ بن جبل وَمَالك بن عَمْرو الْقشيرِي وَسَهل بن سعد وَأبي مَالك وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَأبي ذَر. وَأما حَدِيث معَاذ فَأخْرجهُ أَحْمد من رِوَايَة قَتَادَة عَن قيس عَن معَاذ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: من أعتق رَقَبَة مُؤمنَة فَهِيَ فداؤه من النَّار. وَأما حَدِيث مَالك بن عَمْرو فَأخْرجهُ أَحْمد أَيْضا من رِوَايَة عَليّ ابْن زيد عَن زُرَارَة بن أبي أوفى عَن مَالك بن عَمْرو الْقشيرِي، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (من أعتق رَقَبَة مسلمة فَهِيَ فداؤه من النَّار) . وَأما حَدِيث سهل بن سعد فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الصَّغِير) من رِوَايَة زَكَرِيَّاء بن مَنْظُور عَن أبي حَازِم عَن سهل بن سعد أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (من أعتق رَقَبَة مسلمة أعتق الله بِكُل عُضْو مِنْهُ عضوا من النَّار) ، وَأخرجه ابْن عدي فِي (الْكَامِل) وَضَعفه بزكرياء الْمَذْكُور. وَأما حَدِيث أبي مَالك فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) عَن شُعْبَة بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدّم فِي حَدِيث مَالك بن عَمْرو. وَأما حَدِيث أبي مُوسَى فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ فِي (الْكُبْرَى) وَالْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عَن شُعْبَة شيخ من أهل الْكُوفَة عَن أبي بردة عَن أَبِيه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول: (من أعتق رَقَبَة أَو عبدا كَانَت فكاكه من النَّار) . وَأما حَدِيث أبي ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأخْرجهُ الْبَزَّار فِي (مُسْنده) من رِوَايَة أبي جرير عَن الْحسن عَن صعصعة عَن أبي ذَر، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (من أعتق رَقَبَة مُؤمنَة فَإِنَّهُ يَجْزِي من كل عضوا، وَيجوز: من كل عُضْو مِنْهُ عضوا مِنْهُ من النَّار) . ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (صَاحب عَليّ بن حُسَيْن) ، وَهُوَ زين العابدين بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَكَانَ سعيد بن مرْجَانَة مُنْقَطِعًا إِلَيْهِ فَعرف بِصُحْبَتِهِ. قَوْله: (أَيّمَا رجل) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عَاصِم بن عَليّ عَن عَاصِم بن مُحَمَّد: أَيّمَا مُسلم، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن أبي حَكِيم عَن سعيد بن مرْجَانَة، وَكلمَة: أَي، للشّرط دخلت عَلَيْهِ كلمة: مَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: (أَيّمَا رجل) ، بِالْجَرِّ وبالرفع على الْبَدَلِيَّة. قَوْله: (استنقذ الله) أَي: نجى الله وخلص بِكُل عُضْو مِنْهُ عضوا مِنْهُ من النَّار، وَسَيَأْتِي فِي كَفَّارَات الْأَيْمَان: أعتق الله بِكُل عُضْو مِنْهَا عضوا من أَعْضَائِهِ من النَّار، حَتَّى فرجه بفرجه، وَعند أبي الْفضل الْجُورِي: حَتَّى أَنه ليعتق الْيَد بِالْيَدِ وَالرجل بِالرجلِ والفم بالفم، فَقَالَ لَهُ عَليّ بن حُسَيْن أَنْت سَمِعت هَذَا من أبي هُرَيْرَة؟ قَالَ: نعم. قَالَ: ادعوا لي أفرد غلماني مطوفاً فَأعْتقهُ. قَوْله: (قَالَ: سعيد بن مرْجَانَة) هَذَا مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (فَانْطَلَقت بِهِ) ، أَي: بِالْحَدِيثِ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: فَانْطَلَقت حَتَّى سَمِعت الحَدِيث من أبي هُرَيْرَة، فَذَكرته لعَلي، وَزَاد أَحْمد وَأَبُو عوَانَة فِي روايتيهما من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن أبي حَكِيم عَن سعيد بن مرْجَانَة، فَقَالَ عَليّ بن الْحُسَيْن: أَنْت سَمِعت هَذَا من أبي هُرَيْرَة، قَالَ: نعم قَوْله: (فَعمد عَليّ) أَي: عَليّ بن الْحُسَيْن، أَي: قصد إِلَى عبد لَهُ واسْمه مطرف ... كَمَا ذكر الْآن فِي حَدِيث الْجُورِي. قَوْله: (قد أعطَاهُ) أَي: قد أعْطى عَليّ بن الْحُسَيْن بِهِ أَي: بِمُقَابلَة عَبده (عبد الله بن جَعْفَر) وَهُوَ مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل: أعطَاهُ، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ مَفْعُوله الأول، وَقَوله: (عشرَة آلَاف دِرْهَم) مَفْعُوله الثَّانِي، وَعبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب وَهُوَ ابْن عَم وَالِد عَليّ بن الْحُسَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهُوَ أول من ولد للمهاجرين

стр. 3792

بِالْحَبَشَةِ، وَكَانَ آيَة فِي الْكَرم وَيُسمى ببحر الْجُود وَله صُحْبَة، مَاتَ سنة ثَمَانِينَ من الْهِجْرَة. قَوْله: (أَو ألف دِينَار) ، شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (فَأعْتقهُ) ، وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن أبي حَكِيم، فَقَالَ: إذهب أَنْت حر لوجه الله تَعَالَى. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ: يَنْبَغِي أَن يكون الْمُعْتق كَامِل الْأَعْضَاء، وَلَا يَنْبَغِي أَن يكون نَاقص الْأَعْضَاء بعور أَو شلل وشبههما، وَلَا معيبا بِعَيْب يضر بِالْعَمَلِ ويخل بالسعي والاكتساب، وَرُبمَا كَانَ نقص الْأَعْضَاء زِيَادَة فِي الثّمن كالخصي إِذْ يصلح لما يصلح لَهُ غَيره من حفظ الْحَرِيم وَنَحْوه، فَلَا يكره على أَنه لَا يخل بِالْعَمَلِ. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: اخْتلف الْعلمَاء أَيّمَا أفضل: عتق الْإِنَاث أَو الذُّكُور؟ فَقَالَ بَعضهم: الْإِنَاث أفضل، وَقَالَ آخَرُونَ: الذُّكُور أفضل، لحَدِيث أبي أُمَامَة وَلما فِي الذّكر من الْمعَانِي الْعَامَّة الَّتِي لَا تُوجد فِي الْإِنَاث، وَلِأَن من الْإِمَاء من لَا ترغب فِي الْعتْق وتضيع بِهِ بِخِلَاف العَبْد، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح، وَاسْتحبَّ بعض الْعلمَاء أَن يعْتق الذّكر وَالْأُنْثَى، مثلهَا ذكره الفرغاني فِي (الْهِدَايَة) ليتَحَقَّق مُقَابلَة الْأَعْضَاء بالأعضاء، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: الزِّنَا كَبِيرَة لَا يكفر إلَاّ بِالتَّوْبَةِ، فَيحمل هَذَا الحَدِيث على أَنه أَرَادَ مس الْأَعْضَاء بَعْضهَا بَعْضًا من غير إيلاج، وَيحْتَمل أَن يُرِيد: أَن لعتق الْفرج حظاً فِي الموازنة فيكفر. وَفِيه: فضل الْعتْق، وَأَنه من أرفع الْأَعْمَال وَرُبمَا يُنجي الله بِهِ من النَّار. وَفِيه: أَن المجازاة قد تكون من جنس الْأَعْمَال فجوزي الْمُعْتق للْعَبد بِالْعِتْقِ من النَّار. وَفِيه: أَن تَقْوِيم بَاقِي العَبْد لمن أعتق شِقْصا مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ لاستعمال عتق نَفسه بِتَمَامِهَا من النَّار، وَصَارَت حُرْمَة الْعتْق تتعدى إِلَى الْأَمْوَال لفضل النجَاة بِهِ من النَّار، قيل: وَهَذَا أولى من قَول من قَالَ: إِنَّمَا ألزم عتق بَاقِيه لتكميل حريَّة العَبْد. وَفِيه: أَن عتق الْمُسلم أفضل من عتق الْكَافِر، وَهُوَ قَول كَافَّة الْعلمَاء، وَحكي عَن مَالك وَبَعض أَصْحَابه أَن الْأَفْضَل عتق الرَّقَبَة النفيسة وَإِن كَانَ كَافِرًا. ٢ - (بابٌ أيُّ الرِّقابِ أفْضَلُ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: أَي الرّقاب أفضل لِلْعِتْقِ؟ وَكلمَة: أَي: هُنَا للاستفهام. ٨١٥٢ - حدَّثنا عُبَيْدُ لله بنُ مُوساى عنْ هِشَامِ بنِ عُروة عنْ أبِيهِ عنْ أبِي مُرَاوِحٍ عنْ أبِي ذَرٍّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سألْتُ النبيَّ ﷺ أَي الْعَمَلِ أفْضَلُ قَالَ إيمانٌ بِاللَّه وجِهادٌ فِي سَبِيلِهِ قُلْتُ فأيُّ الرِّقابِ أفْضَلُ قَالَ أغْلاهَا ثَمَنَاً وأنْفَسُها عِنْدَ أهْلِها قُلْتُ فإنْ لَمْ أفْعَلْ قَالَ تُعينُ ضايِعاً أوْ تَصْنَعُ لَأَخْرَقَ قَالَ فإنْ لَمْ أفْعَلْ قَالَ تدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ فإنَّها صَدَقةٌ تصَدَّقُ بِها عَلى نفْسِكَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فإي الرّقاب أفضل؟) . ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عبيد الله بن مُوسَى بن باذام أَبُو مُحَمَّد الْعَبْسِي. الثَّانِي: هِشَام بن عُرْوَة. الثَّالِث: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الرَّابِع: أَبُو مراوح، بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الرَّاء وَكسر الْوَاو وَفِي آخِره حاء مُهْملَة على وزن مقَاتل، وَفِي رِوَايَة مُسلم اللَّيْثِيّ: وَيُقَال لَهُ الْغِفَارِيّ، قيل: اسْمه سعد، وَالأَصَح أَنه لَا يعرف لَهُ اسْم، وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد: أدْرك النَّبِي ﷺ وَلم يره. الْخَامِس: أَبُو ذَر الْغِفَارِيّ، واسْمه جُنْدُب بن جُنَادَة. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رِجَاله كلهم مدنيون إلَاّ شَيْخه فَإِنَّهُ كُوفِي. وَفِيه: أَن هَذَا الْإِسْنَاد فِي حكم الثلاثيات لِأَن هِشَام بن عُرْوَة الَّذِي هُوَ شيخ شَيْخه من التَّابِعين، وَإِن كَانَ روى هُنَا عَن تَابِعِيّ آخر، وَهُوَ أَبوهُ عُرْوَة. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين فِي نسق وهم: هِشَام وَأَبوهُ وَأَبُو مراوح، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن الزُّهْرِيّ عَن حبيب مولى عُرْوَة عَن عُرْوَة فَصَارَ فِيهِ أَرْبَعَة من التَّابِعين. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن أَبِيه. وَفِيه: أَن لَيْسَ لأبي مراوح فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث. وَفِيه: عَن هِشَام بن عُرْوَة وَفِي رِوَايَة الْحَارِث بن أبي أُسَامَة عَن عبيد الله ابْن مُوسَى: أخبرنَا هِشَام بن عُرْوَة. وَفِيه: هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَخْبرنِي أبي أَن أَبَا مراوح أخبرهُ. وَفِيه: عَن أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة يحيى بن سعيد: أَن أَبَا ذَر أخبرهُ، وَذكر الْإِسْمَاعِيلِيّ جمَاعَة أَكثر من عشْرين نفسا رووا هَذَا الحَدِيث عَن هِشَام بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَخَالفهُم مَالك فَأرْسلهُ فِي الْمَشْهُور عَنهُ عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ ، وَرَوَاهُ يحيى بن يحيى

стр. 3793

اللَّيْثِيّ وَطَائِفَة عَنهُ عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، وَرَوَاهُ سعيد بن دَاوُد عَنهُ عَن هِشَام كَرِوَايَة الْجَمَاعَة، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: الرِّوَايَة الْمُرْسلَة عَن مَالك أصح، وَالْمَحْفُوظ عَن هِشَام كَمَا قَالَ الْجَمَاعَة. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي وَخلف بن هِشَام وَعَن مُحَمَّد بن رَافع وَعبد بن حميد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعتْق عَن عبيد الله بن سعيد بِقصَّة الْجِهَاد وقصة الرّقاب وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم بهما وَفِي الْجِهَاد عَن مُحَمَّد بن عبد الله بالقصة الأولى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن أَحْمد ابْن سيار بِقصَّة الرّقاب. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَجِهَاد فِي سَبيله) ، إِنَّمَا قرن الْجِهَاد بِالْإِيمَان لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِم أَن يجاهدوا فِي سَبِيل الله حَتَّى تكون كلمة الله هِيَ الْعليا وَكَانَ الْجِهَاد فِي ذَلِك الْوَقْت أفضل الْأَعْمَال. قَوْله: (أغلاها ثمنا) فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: أَعْلَاهَا، بِالْعينِ الْمُهْملَة، وَهِي رِوَايَة النَّسَائِيّ أَيْضا، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بالغين الْمُعْجَمَة، وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَفِي (الْمطَالع) : مَعْنَاهُمَا مُتَقَارب، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم من رِوَايَة حَمَّاد بن زيد: أَكْثَرهَا ثمنا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَحَله، وَالله أعلم، فِيمَن أَرَادَ أَن يعْتق رَقَبَة وَاحِدَة، أما لَو كَانَ مَعَ شخص ألف دِرْهَم مثلا فَأَرَادَ أَن يَشْتَرِي بهَا رَقَبَة يعتقها فَوجدَ رَقَبَة نفيسة ورقبتين مفضولتين، فالرقبتان أفضل. قَالَ: وَهَذَا بِخِلَاف الْأُضْحِية، فَإِن الْوَاحِدَة السمينة فِيهَا أفضل لِأَن الْمَطْلُوب هُنَالك الرَّقَبَة وهنالك طيب اللَّحْم، وَقَالَ أَبُو عبد الْملك: إِذا كَانَا فِي ذَوي الدّين أفضلهما أغلاهما ثمنا. وَقد اخْتلف فِيمَا إِذا كَانَ النَّصْرَانِي أَو الْيَهُودِيّ أَو غَيرهمَا أَكثر ثمنا من الْمُسلم، قَالَ مَالك: عتق الأغلى أفضل وَإِن كَانَ غير مُسلم. وَقَالَ أصبغ: عتق الْمُسلم أفضل. قَوْله: (وأنفسها) ، أَي: أَكْثَرهَا رَغْبَة عِنْد أَهلهَا لمحبتهم فِيهَا، لِأَن عتق مثل ذَلِك لَا يَقع غَالِبا إلَاّ خَالِصا، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله تَعَالَى: ﴿لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون﴾ (آل عمرَان: ٢٩) . وَكَانَ لِابْنِ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، جَارِيَة يُحِبهَا فَأعْتقهَا لهَذِهِ الْآيَة. قَوْله: (قلت: فَإِن لم أفعل؟) ويروى: قَالَ: فَإِن لم أفعل؟ أَي: إِن لم أقدر على ذَلِك؟ فَأطلق الْفِعْل وَأَرَادَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَرَأَيْت إِن لم أفعل؟ وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ فِي (الغرائب) : فَإِن لم أستطع؟ قَوْله: (تعين ضايعاً) بالضاد الْمُعْجَمَة وبالياء آخر الْحُرُوف بعد الْألف، كَذَا وَقع لجَمِيع رُوَاة البُخَارِيّ، وَجزم بِهِ القَاضِي عِيَاض وَغَيره، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة مُسلم إلَاّ فِي رِوَايَة السَّمرقَنْدِي، وَجزم الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره بِأَن هشاماً رَوَاهُ هَكَذَا دون من رَوَاهُ عَن أَبِيه، فَعلم من ذَلِك أَن الَّذِي رَوَاهُ: صانعاً، بالصَّاد الْمُهْملَة وبالنون بعد الْألف غير صَحِيح، لِأَن هَذِه الرِّوَايَة لم تقع فِي شَيْء من طرقه. وروى الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق معمر عَن هِشَام هَذَا الحَدِيث بالضاد الْمُعْجَمَة، قَالَ معمر: وَكَانَ الزُّهْرِيّ يَقُول: صحف هِشَام، وَإِنَّمَا هُوَ بالصَّاد الْمُهْملَة وَالنُّون. قلت: كَأَن ابْن الْمُنِير اعْتمد على أَنه بالصَّاد الْمُهْملَة وَالنُّون حَيْثُ قَالَ: وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن إِعَانَة الصَّانِع أفضل من إِعَانَة غير الصَّانِع، لِأَن غير الصَّانِع مَظَنَّة الْإِعَانَة، فَكل أحد يُعينهُ غَالِبا بِخِلَاف الصَّانِع، فَإِنَّهُ لشهرته بصنعته يغْفل عَن إعانته فَهُوَ من جنس الصَّدَقَة على المستور. انْتهى. قلت: هَذَا لَا بَأْس بِهِ إِذا صحت الرِّوَايَة بالصَّاد وَالنُّون، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَصَوَابه بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّون، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْأَكْثَر فِي الرِّوَايَة الْمُعْجَمَة. وَقَالَ عِيَاض: روايتنا فِي هَذَا من طَرِيق هِشَام بِالْمُعْجَمَةِ، وَعَن أبي بَحر بِالْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ صَوَاب الْكَلَام لمقابلته بالأخرق، وَإِن كَانَ الْمَعْنى من جِهَة مَعُونَة الضائع أَيْضا صَحِيحا، لَكِن صحت الرِّوَايَة عَن هِشَام بِالْمُهْمَلَةِ، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: الزُّهْرِيّ، يَقُول بِالْمُهْمَلَةِ، ويرون أَن هشاماً صحفه بِالْمُعْجَمَةِ، وَالصَّوَاب قَول الزُّهْرِيّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وضايعاً، بِالْمُعْجَمَةِ. بِالْمُعْجَمَةِ ثمَّ بِالْمُهْمَلَةِ وَفِي بَعْضهَا بالمهملتين وبالنون ثو قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن معمر كَانَ الزُّهْرِيّ يَقُول صحف هِشَام حَيْثُ روى ضايعاً بِالْمُعْجَمَةِ انْتهى قلت انْتهى. قلت: لم يحرر الْكرْمَانِي هَذَا الْموضع، والتحرير مَا ذَكرْنَاهُ، وَمعنى الضايع، بِالْمُعْجَمَةِ: الْفَقِير لِأَنَّهُ ذُو ضيَاع من فقر وعيال. قَوْله: (أَو تصنع لأخرق) ، الأخرق، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالراء وَالْقَاف: هُوَ الَّذِي لَيْسَ فِي يَده صَنْعَة وَلَا يحسن الصِّنَاعَة، قَالَ ابْن سَيّده: خرق بالشَّيْء جَهله وَلم يحسن عمله، وَهُوَ أخرق وَفِي (المثلث) لِابْنِ عديس: والخرق جمع الأخرق من الرِّجَال والخرقاء من النِّسَاء، وهما ضد الصناع والصنع. قَوْله: (تدع النَّاس) ، أَي: تتركهم من الشَّرّ، و: تدع، من الْأَفْعَال الَّتِي أمات الْعَرَب ماضيها، كَذَا قالته النُّحَاة، وَيرد عَلَيْهِم قِرَاءَة من قَرَأَ ﴿مَا وَدعك

стр. 3794

رَبك وَمَا قلى﴾ (الضُّحَى: ٣) . بتَخْفِيف الدَّال. قَوْله: (فَإِنَّهَا صَدَقَة) أَي: فَإِن الْمَذْكُور من الْجُمْلَة صَدَقَة. قَوْله: (تصدق بهَا) ، بِفَتْح الصَّاد وَتَشْديد الدَّال، أَصله تَتَصَدَّق فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَيجوز تَشْدِيد الصَّاد على الْإِدْغَام، وَيجوز تخفيفها. وَفِي الحَدِيث أَن الْجِهَاد أفضل الْأَعْمَال بعد الْإِيمَان، وَلما اخْتلفت الرِّوَايَات فِي أفضل الْأَعْمَال أجابوا بِأَن الِاخْتِلَاف بِحَسب اخْتِلَاف السَّائِلين، وَالْجَوَاب لَهُم بِحَسب مَا يَلِيق بالْمقَام. وَفِيه: حسن الْمُرَاجَعَة فِي السُّؤَال وصبر الْمُفْتِي والمعلم على المستفتي والتلميذ والرفق بهم. ٣ - (بابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ العَتَاقَةِ فِي الْكُسُوفِ أوِ الآياتِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِحْبَاب الْعتَاقَة فِي كسوف الشَّمْس، والعتاقة بِفَتْح الْعين مصدر: أعتقت العَبْد، قَالَ الْكرْمَانِي: بالعتاقة أَي: بِالْإِعْتَاقِ، وَهُوَ على سَبِيل الْكِنَايَة إِذْ الْإِعْتَاق يلْزم الْعتَاقَة. قلت: كل مِنْهُمَا مصدر: أعتقت، فَلَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّكَلُّف. قَوْله: (أَو الْآيَات) جمع: آيَة، وَهِي الْعَلامَة، وَكلمَة: أَو، هُنَا للتنويع لَا للشَّكّ هُوَ من عطف الْعَام على الْخَاص، قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا عطف بِأَو، لَا: بِالْوَاو، قلت: أَو، بِمَعْنى: الْوَاو أَو بِمَعْنى: بل؟ قلت: كَون: أَو، بِمَعْنى: الْوَاو، لَهُ وَجه، وَأما كَونه بِمَعْنى: بل، فَلَا وَجه لَهُ على مَا لَا يخفى، وَأَرَادَ بِالْآيَاتِ نَحْو الخسوف فِي الْقَمَر والظلمة الشَّدِيدَة والرياح المحرقة والزلازل وَنَحْو ذَلِك. قَالَ الْكرْمَانِي: حَدِيث الْبَاب فِي كسوف الشَّمْس، وَيسْتَحب الْعتَاقَة فِيهَا وَلَا دلَالَة على اسْتِحْبَاب الْعتَاقَة فِي الْآيَات، وَأجَاب بِالْقِيَاسِ على الْكُسُوف لِأَن الْكُسُوف أَيْضا آيَة. ٩١٥٢ - حدَّثنا موساى بنُ مَسْعُودٍ قَالَ حدَّثنا زَائِدَةُ بنُ قُدَامَةَ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ فاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عنْ أسْمَاءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قالَتْ أمَرَ النبيُّ ﷺ بالعَتَاقَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، ومُوسَى بن مَسْعُود أَبُو حُذَيْفَة النَّهْدِيّ، بالنُّون: الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَفَاطِمَة بنت الْمُنْذر بن الزبير تروي عَن جدَّتهَا أَسمَاء، وَقد مضى الحَدِيث فِي أَبْوَاب الْكُسُوف فِي: بَاب من أحب الْعتَاقَة فِي كسوف الشَّمْس، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن ربيع بن يحيى عَن زَائِدَة ... إِلَى آخِره نَحوه، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. تابَعَهُ عَلِيٌّ عنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عنْ هِشَامٍ أَي: تَابع عَليّ مُوسَى بن مَسْعُود فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث فَرَوَاهُ عَن الدَّرَاورْدِي عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن فَاطِمَة بنت الْمُنْذر ... إِلَى آخِره. قَالَ الْكرْمَانِي: عَليّ هُوَ ابْن حجر، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم وبالراء: أَبُو الْحسن السَّعْدِيّ الْمروزِي، مَاتَ سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَهُوَ شيخ البُخَارِيّ، وَوهم من قَالَ: المُرَاد بِهِ ابْن حجر. قلت: كلٌّ من عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَعلي بن حجر من مَشَايِخ البُخَارِيّ، وكل مِنْهُمَا روى عَن الدَّرَاورْدِي، فَمَا الدَّلِيل على صِحَة كَلَامه وَنسبَة الْوَهم إِلَى غَيره؟ والدراوردي، بِفَتْح الدَّال وَالرَّاء الْخَفِيفَة وَفتح الْوَاو وَسُكُون الرَّاء وَكسر الدَّال الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء: نِسْبَة إِلَى دراورد، قَرْيَة من قرى خُرَاسَان، وَهُوَ عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد. ٠٢٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبِي بَكْر قَالَ حدَّثنا عَثَّامٌ قَالَ حدَّثنا هِشامٌ عنْ فاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قالَتْ كُنَّا نُؤْمَرُ عِنْدَ الكسوفِ بالْعَتاقَةِ.. هَذَا طَرِيق أخرجه عَن مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي عَن عثام، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة: ابْن عَليّ بن الْوَلِيد العامري الْكُوفِي، مَاله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد، يروي عَن هِشَام بن عُرْوَة وَفَاطِمَة زَوجته، وَرِوَايَة زَائِدَة فِي هَذَا الحَدِيث السَّابِق تبين أَن الْآمِر بالعتاقة فِي الْكُسُوف فِي رِوَايَة عثام هَذِه هُوَ النَّبِي ﷺ ، وَهَذَا مِمَّا يُقَوي أَن قَول الصَّحَابِيّ: (كُنَّا نؤمر) بِكَذَا: فِي حكم الْمَرْفُوع.

стр. 3795

٤ - (بابٌ إذَا أعتَقَ عَبْداً بَيْنَ اثْنَيْنِ أوْ أمَةً بَيْنَ الشُّرَكاءِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أعتق شخص عبدا كَائِنا بَين شَخْصَيْنِ أَو أمة، أَي: أَو أعتق شخص أمة كائنة بَين الشُّرَكَاء، وَإِنَّمَا خصص العَبْد بالإثنين وَالْأمة بالشركاء مَعَ أَن هَذَا الحكم فِيمَا إِذا كَانَت الْأمة بَين اثْنَيْنِ وَالْعَبْد بَين الشُّرَكَاء، مَعَ عدم التَّفَاوُت بَينهمَا، لأجل الْمُحَافظَة على لفظ الحَدِيث. قَوْله: (بَين اثْنَيْنِ) لَيْسَ إلَاّ على سَبِيل التَّمْثِيل، إِذْ الحكم كَذَلِك فِيمَا يكون بَين الثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة وهلم جرّاً، وَقَالَ ابْن التِّين: أَرَادَ أَن العَبْد كالأمة لاشْتِرَاكهمَا فِي الرّقّ، قَالَ: وَقد بَين فِي حَدِيث ابْن عمر فِي آخر الْبَاب أَنه كَانَ يُفْتِي فيهمَا بذلك، قيل: كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى رد قَول إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه: أَن هَذَا الحكم مُخْتَصّ بالذكور وخطئه، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: العَبْد اسْم للمملوك الذّكر بِأَصْل وَضعه، وَالْأمة اسْم لمؤنثه بِغَيْر لغظه، وَمن ثمَّ قَالَ إِسْحَاق: إِن هَذَا الحكم لَا يتَنَاوَل الْأُنْثَى، وَخَالفهُ الْجُمْهُور فَلم يفرقُوا فِي الحكم بَين الذّكر وَالْأُنْثَى، إِمَّا لِأَن لفظ العَبْد يُرَاد بِهِ الْجِنْس، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿أَلا آتى الرَّحْمَن عبدا﴾ (مَرْيَم: ٣٩) . فَإِنَّهُ يتَنَاوَل الذّكر وَالْأُنْثَى قطعا، وَإِمَّا على طَرِيق الْإِلْحَاق لعدم الْفَارِق. ١٢٥٢ - عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله قَالَ حَدثنَا سُفيانُ عنْ عَمْرو عنْ سالِمٍ عنْ أبِيهِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النبِيِّ ﷺ قَالَ مَنْ أعْتَقَ عَبْداً بَيْنَ اثْنَيْنِ فإنْ كانَ مُوسِراً قُوِّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ يُعْتَقُ.. أخرج البُخَارِيّ حَدِيث ابْن عَمْرو فِي هَذَا الْبَاب من سِتَّة طرق تشْتَمل على فُصُول من أَحْكَام عتق العَبْد الْمُشْتَرك، وَقد ذكرنَا مَا يتَعَلَّق بأبحاث هَذِه الْأَحَادِيث مستوفاة فِي: بَاب تَقْوِيم الْأَشْيَاء بَين الشُّرَكَاء بِقِيمَة عدل، فَإِنَّهُ أخرج فِيهِ حَدِيث أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر، وَأخرج أَيْضا حَدِيث جوَيْرِية بن أَسمَاء عَن نَافِع عَن ابْن عمر فِي: بَاب الشّركَة فِي الرَّقِيق، ولنذكر فِي أَحَادِيث هَذَا الْبَاب مَا لَا بُد مِنْهُ، وَمن أَرَادَ الإمعان فِيهِ فَليرْجع إِلَى: بَاب تَقْوِيم الْأَشْيَاء بَين الشُّرَكَاء. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ. وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة. وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار. وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْعتْق عَن عَمْرو النَّاقِد وَابْن أبي عمر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم فرقهما، الْكل عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو. قَوْله: (سُفْيَان عَن عَمْرو) ، وَفِي رِوَايَة الْحميدِي: عَن سُفْيَان حَدثنَا عَمْرو بن دِينَار عَن سَالم عَن أَبِيه، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه: عَن سُفْيَان عَن عَمْرو أَنه سمع سَالم بن عبد الله بن عمر. قَوْله: (من أعتق) ظَاهره الْعُمُوم وَلكنه مَخْصُوص بالِاتِّفَاقِ، فَلَا يَصح من الْمَجْنُون وَلَا من الصَّبِي وَلَا من الْمَحْجُور عَلَيْهِ بِسَفَه عِنْد الشَّافِعِي، وَأَبُو حنيفَة لَا يرى الْحجر بِسَفَه فَتَصِح تَصَرُّفَاته، وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد يريان الْحجر على السَّفِيه فِي تَصَرُّفَات لَا تصح مَعَ الْهزْل: كَالْبيع وَالْهِبَة وَالْإِجَارَة وَالصَّدَََقَة، وَلَا يحْجر عَلَيْهِ فِي غَيرهَا: كَالطَّلَاقِ وَالْعتاق، وَلَا يَصح أَيْضا من الْمَحْجُور عَلَيْهِ بِسَبَب إفلاث عِنْد الشَّافِعِي. قَوْله: (بَين اثْنَيْنِ) ، كالمثال لِأَنَّهُ لَا فرق بَين أَن يكون بَين اثْنَيْنِ أَو أَكثر. قَوْله: (فَإِن كَانَ) ، أَي: الْمُعْتق (مُوسِرًا) يَعْنِي: صَاحب يسَار. قَوْله: (قُوّم) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي رِوَايَة لمُسلم وَالنَّسَائِيّ: قوم عَلَيْهِ قيمَة عدل لَا وكس وَلَا شطط، والوكس، بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْكَاف وبالسين الْمُهْملَة: النَّقْص، والشطط: الْجور. قَوْله: (ثمَّ يعْتق) ، أَي: العَبْد. وَبِهَذَا الحَدِيث احْتج الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق وَقَالُوا: إِذا كَانَ العَبْد بَين اثْنَيْنِ فَأعْتقهُ أَحدهمَا قوم عَلَيْهِ حِصَّة شَرِيكه، وَيعتق العَبْد كُله وَلَا يجب الضَّمَان عَلَيْهِ إلَاّ إِذا كَانَ مُوسِرًا، وَتَقْرِير مَذْهَب الشَّافِعِي مَا قَالَه فِي الْجَدِيد: إِنَّه إِذا كَانَ الْمُعْتق لحصته من العَبْد مُوسِرًا عتق جَمِيعه حِين أعْتقهُ، وَهُوَ حر من يَوْمئِذٍ يَرث وَيُورث عَنهُ، وَله وَلَاؤُه وَلَا سَبِيل للشَّرِيك على العَبْد، وَعَلِيهِ قيمَة نصيب شَرِيكه، كَمَا لَو قَتله، وَإِن كَانَ مُعسرا فالشريك على ملكه يقاسمه كَسبه أَو يَخْدمه يَوْمًا ويخلي لنَفسِهِ يَوْمًا، وَلَا سِعَايَة عَلَيْهِ لظَاهِر الحَدِيث. وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد: يسْعَى العَبْد فِي نصيب شَرِيكه الَّذِي لم يعْتق إِذا كَانَ الْمُعْتق مُعسرا، وَلَا يرجع على العَبْد بِشَيْء، وَهُوَ قَول الشّعبِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب وَقَتَادَة، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي سَيَأْتِي فِي الْكتاب، فَإِنَّهُ رَوَاهُ كَمَا رَوَاهُ ابْن عمر، وَزَاد عَلَيْهِ حكم السّعَايَة على مَا سنبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَأما أَبُو حنيفَة فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول: إِذا كَانَ الْمُعْتق مُوسِرًا فالشريك بِالْخِيَارِ، إِن شَاءَ أعتق وَالْوَلَاء بَينهمَا نِصْفَانِ، وَإِن شَاءَ استسعى العَبْد فِي نصف الْقيمَة، فَإِذا أَدَّاهَا عتق وَالْوَلَاء بَينهمَا نِصْفَانِ، وَإِن شَاءَ ضمن الْمُعْتق نصف الْقيمَة

стр. 3796

فَإِذا أَدَّاهَا عتق وَرجع بهَا المضمن على العَبْد فاستسعاه فِيهَا، وَكَانَ الْوَلَاء للْمُعْتق، وَإِن كَانَ الْمُعْتق مُعسرا فالشريك بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ أعتق وَإِن شَاءَ استسعى العَبْد فِي نصف قِيمَته، فإيهما فعل فَالْولَاء بَينهمَا نِصْفَانِ. وَحَاصِل مَذْهَب أبي حنيفَة: أَنه يرى بتجزىء الْعتْق، وَأَن يسَار الْمُعْتق لَا يمْنَع السّعَايَة، وَاحْتج أَبُو حنيفَة فِيمَا ذهب إِلَيْهِ بِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن نَافِع عَن عبد الله، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، على مَا يَجِيء عقيب الحَدِيث الْمَذْكُور، وَبِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا بِإِسْنَادِهِ عَن أبي هُرَيْرَة على مَا يَجِيء بعد هَذَا الْبَاب، فَإِنَّهُمَا يدلان على تجزىء الْإِعْتَاق وعَلى ثُبُوت السّعَايَة أَيْضا، على مَا سنبينه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٢٢٥٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ مَنْ أعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ فكانَ لَهُ مالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ قُوِّمَ الْعَبْدُ قيمَةَ عَدْلٍ فأعْطَى شُرَكَاءَهُ حصَصَهُمْ وعَتَقَ عَلَيْهِ وإلَاّ فَقدْ عَتَقَ منْهُ مَا عتَقَ.. هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْعتْق عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عُثْمَان بن عمر، الْكل عَن مَالك عَن نَافِع. قَوْله: (شركا) ، بِكَسْر الشين، أَي: نَصِيبا. قَوْله: (فَكَانَ لَهُ مَال يبلغ) ، هَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: كَانَ لَهُ مَا يبلغ أَي شَيْء يبلغ، وَإِنَّمَا قيد بقوله: يبلغ، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ لَهُ مَال لَا يبلغ ثمن العَبْد لَا يقوم عَلَيْهِ مُطلقًا، لَكِن الْأَصَح عِنْد الشَّافِعِيَّة أَنه يسرى إِلَى الْقدر الَّذِي هُوَ مُوسر بِهِ تنفيذاً لِلْعِتْقِ بِحَسب الْإِمْكَان، وَبِه قَالَ مَالك. قَوْله: (ثمن العَبْد) أَي: ثمن بَقِيَّة العَبْد، لِأَنَّهُ مُوسر بِحِصَّتِهِ، وَقد أوضح ذَلِك النَّسَائِيّ فِي رِوَايَته من طَرِيق زيد بن أبي أنيسَة عَن عبيد الله بن عمر وَعمر بن نَافِع وَمُحَمّد بن عجلَان عَن نَافِع عَن ابْن عمر بِلَفْظ: وَله مَال يبلغ قيمَة أنصباء شركائه، فَإِنَّهُ يضمن لشركائه أنصباءهم وَيعتق العَبْد، وَالْمرَاد بِالثّمن هُنَا الْقيمَة، لِأَن الثّمن مَا اشْتريت بِهِ الْعين، وَاللَّازِم هُنَا الْقيمَة لَا الثّمن. قَوْله: (قوم) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (قيمَة عدل) ، وَهُوَ أَن لَا يُزَاد من قِيمَته وَلَا ينقص. قَوْله: (فَأعْطى شركاءه) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: إِن أعْطى، على بِنَاء الْفَاعِل وشركاءه بِالنّصب على المفعولية، وَرُوِيَ: (فَأعْطِي) على صِيغَة الْمَجْهُول، و: شركاؤه، بِالرَّفْع على أَنه مفعول نَاب عَن الْفَاعِل. قَوْله: (حصصهم) أَي: قيمَة حصصهم. قَوْله: (وإلَاّ) أَي: وَإِن لم يكن مُوسِرًا فقد عتق مِنْهُ حِصَّته، وَهِي مَا عتق. وَبِهَذَا الحَدِيث احْتج ابْن أبي ليلى وَمَالك وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد فِي: أَن وجوب الضَّمَان على الْمُوسر خَاصَّة دون الْمُعسر، يدل عَلَيْهِ قَوْله: (وإلَاّ فقد عتق مِنْهُ مَا عتق) . وَقَالَ زفر: يضمن قيمَة نصيب شَرِيكه، مُوسِرًا كَانَ أَو مُعسرا. وَيخرج العَبْد كُله حرا لِأَنَّهُ جنى على مَال رجل، فَيجب عَلَيْهِ ضَمَان مَا أتلف بِجِنَايَتِهِ، وَلَا يفْتَرق الحكم فِيهِ، سَوَاء كَانَ مُوسِرًا أَو مُعسرا، والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ. ٣٢٥٢ - حدَّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْماعيلَ عنْ أبِي أُسَامَةَ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ مَنْ أَعْتَقَ شِرْكا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ فعَلَيْهِ عِتْقُهُ كُلِّهِ إنْ كانَ لَهُ مَالٌ يَبْلغُ ثَمَنُهُ فإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مالٌ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ قيمَةَ عَدْلٍ عَلى الْمُعْتِقِ فأُعْتِقَ مِنْهُ مَا أعْتَقَ.. هَذَا طَرِيق آخر أخرجه عَن عبيد بن إِسْمَاعِيل واسْمه فِي الأَصْل: عبد الله، يكنى: أَبَا مُحَمَّد الْهَبَّاري الْقرشِي الْكُوفِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، يروي عَن أبي أُسَامَة حَمَّاد بن أبي أُسَامَة عَن عبيد الله بن عمر الْعمريّ عَن نَافِع إِلَى آخِره. قَوْله: (فَعَلَيهِ) أَي: فعلى من أعتق شركا، أَي: نَصِيبا لَهُ. قَوْله: (كُله) ، بِالْجَرِّ لِأَنَّهُ تَأْكِيد لقَوْله فِي: مَمْلُوك، وَقَالَ بَعضهم: كُله، بجر اللَّام تَأْكِيدًا للضمير الْمُضَاف، أَي: عتق العَبْد كُله. قلت: لَيْسَ هُنَا ضمير مُضَاف حَتَّى يكون تَأْكِيدًا لَهُ، وَفِيه مساهلة جدا. قَوْله: (فَأعتق مِنْهُ مَا أعتق) ، على صِيغَة الْمَجْهُول كِلَاهُمَا، وَهَذَا جَزَاء الشَّرْط، لِأَن قَوْله: يقوم عَلَيْهِ، صفة مَال وَلَيْسَ بجزاء، فَافْهَم. حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثنا بِشْرٌ عنْ عُبَيْدِ الله اخْتَصَرَهُ

стр. 3797

هَذَا طَرِيق آخر أخرجه عَن مُسَدّد عَن بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: عَن عبيد الله بن عمر الْعمريّ، قَوْله: (اخْتَصَرَهُ) أَي: اخْتَصَرَهُ مُسَدّد أَي بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، يَعْنِي ذكر الْمَقْصُود مِنْهُ، وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن عَمْرو بن عَليّ عَن بشر عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من أعتق شركا لَهُ فِي عبد فقد أعتق كُله إِن كَانَ للَّذي أعتق نصِيبه من المَال مَا يبلغ ثمنه، يُقَام عَلَيْهِ قيمَة عدل فَيدْفَع إِلَى شركائه أنصباءهم ويخلي سَبيله) . ٤٢٥٢ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أيُّوبَ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ منْ أعْتَقَ نَصِيباً لَهُ فِي مَمْلُوكٍ أوْ شَرْكا لَهُ فِي عَبْدٍ وكانَ لَهُ مِنَ الْمَالِ مَا يَبْلُغُ قِيمَتَهُ بِقيمَةِ الْعَدْلِ فَهْوَ عَتيقٌ قَالَ نافِعٌ وإلَاّ فقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ قَالَ أيُّوبُ لَا أدرِي أشَيْءٌ قالَهُ نافِعٌ أوْ شَيْءٌ فِي الْحَدِيثِ.. هَذَا طَرِيق آخر عَن أبي النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشّركَة عَن عمرَان بن ميسرَة عَن عبد الْوَارِث، وَقد مر فِي: بَاب تَقْوِيم الْأَشْيَاء بَين الشُّرَكَاء بِقِيمَة عدل، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. قَالَ ابْن عبد الْبر: لَا خلاف أَن التَّقْوِيم لَا يكون إلَاّ على الْمُوسر، ثمَّ اخْتلفُوا فِي وَقت الْعتْق، فَقَالَ الْجُمْهُور وَالشَّافِعِيّ فِي الْأَصَح وَبَعض الْمَالِكِيَّة: إِنَّه يعْتق فِي الْحَال، وحجتهم رِوَايَة أَيُّوب الْمَذْكُورَة حَيْثُ قَالَ: فَهُوَ عَتيق، وأوضح من ذَلِك مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان وَغَيرهمَا من طَرِيق سُلَيْمَان بن مُوسَى عَن نَافِع عَن ابْن عمر بِلَفْظ: (من أعتق عبدا وَله فِيهِ شُرَكَاء، وَله وَفَاء فَهُوَ حر) . وروى الطَّحَاوِيّ من طَرِيق ابْن أبي ذِئْب عَن نَافِع: (فَكَانَ للَّذي يعْتق نصِيبه مَا يبلغ ثمنه، فَهُوَ عَتيق كُله) . وَالْمَشْهُور عِنْد الْمَالِكِيَّة: أَنه لَا يعْتق إلَاّ بِدفع الْقيمَة، فَلَو أعتق الشَّرِيك قبل أَخذ الْقيمَة نفذ عتقه، وَهُوَ أحد أَقْوَال الشَّافِعِي، ﵀. ٥٢٥٢ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ مِقْدَامٍ قَالَ حدَّثنا الْفُضَيْلُ بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثنا مُوسَى بنُ عُقْبَةَ قَالَ أَخْبرنِي نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّهُ كانَ يُفْتِي فِي العَبْدِ أوِ الأمَةِ يَكونُ بَيْنَ شُرَكاءَ فَيُعْتِقُ أحَدُهُمْ نِصِيبَهُ مِنْهُ يَقُولُ قدْ وجَبَ عَلَيْهِ عِتْقُهُ كُلِّهِ إذَا كانَ لِلَّذِي أعْتَقَ مِنَ الْمَالِ مَا يبْلُغُ يُقَوَّمُ مِنْ مالِهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ ويُدْفَعُ إِلَى الشُّرَكَاءِ أنْصِباؤُهُمْ ويُخلَّى سَبِيلُ الْمُعْتَقِ يُخْبِرُ ذلِكَ ابنُ عُمَرَ عنِ النبيِّ ﷺ .. هَذَا طَرِيق آخر فِيمَا رُوِيَ عَن ابْن عمر، أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه روى الحَدِيث الْمَذْكُور وَأفْتى بِمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهره فِي حق الْمُوسر، ليرد بذلك على من لم يقل لَهُ. قَوْله: (مَا يبلغ) ، مَفْعُوله مَحْذُوف، وَتَقْدِيره: مَا يبلغ ثمنه. قَوْله: (سَبِيل الْمُعْتق) ، بِفَتْح التَّاء أَي: الْعَتِيق، وَلم ينْفَرد مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع بِهَذَا السِّيَاق، بل وَافقه صَخْر بن جوَيْرِية. أخرجه الطَّحَاوِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا أَبُو بكرَة، قَالَ: حَدثنَا روح بن عبَادَة، قَالَ: حَدثنَا صَخْر بن جوَيْرِية عَن نَافِع عَن ابْن عمر، كَانَ يُفْتِي فِي العَبْد أَو الْأمة يكون أَحدهمَا بَين شركائه فَيعتق أحدهم نصِيبه مِنْهُ، فَإِنَّهُ يجب عتقه على الَّذِي أعْتقهُ، إِذا كَانَ لَهُ من المَال مَا يبلغ ثمنه يقوم فِي مَاله قيمَة عدل، فَيدْفَع إِلَى شركائه أنصباءهم ويخلي سَبِيل العَبْد، يخبر بذلك عبد الله بن عمر عَن رَسُول الله ﷺ . وَأخرجه أَبُو عوَانَة وَالدَّارَقُطْنِيّ. ورَواهُ اللَّيْثُ وابنُ ذِئْبٍ وابْنُ إسْحَاقَ وجُوَيْرِيَةُ ويحْيى بنُ سعِيدٍ وإسْماعِيلُ بنُ أُمَيَّةَ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النبيِّ ﷺ مُخْتَصَراً أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور اللَّيْث بن سعد، وَوصل رِوَايَته النَّسَائِيّ، قَالَ: أخبرنَا قُتَيْبَة، قَالَ: حَدثنَا اللَّيْث عَن نَافِع

стр. 3798

عَن ابْن عمر، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ ، يَقُول: (أَيّمَا مَمْلُوك كَانَ بَين شُرَكَاء، وَأعْتق أحدهم نصِيبه، فَإِنَّهُ يُقَام فِي مَال الَّذِي أعتق قيمَة عدل، فَيعتق إِن بلغ ذَلِك مَاله) . قَوْله: (وَابْن أبي ذِئْب) ، هُوَ مُحَمَّد بن أبي ذِئْب، بِلَفْظ الْحَيَوَان الْمَشْهُور، وَوصل رِوَايَته أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) وَلَفظه: (من أعتق شركا فِي مَمْلُوك، وَكَانَ للَّذي يعْتق مَا يبلغ ثمنه، فقد عتق كُله) قَوْله: (وَابْن إِسْحَاق) ، هُوَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق صَاحب المغاوي، وَوصل رِوَايَته أَبُو عوَانَة، وَلَفظه: من أعتق شركا لَهُ فِي عبد مَمْلُوك، فَعَلَيهِ نفاذه مِنْهُ. قَوْله: (وَجُوَيْرِية) ، مصغر الْجَارِيَة: ابْن أَسمَاء، وَوصل رِوَايَته الطَّحَاوِيّ، وَقد مر عَن قريب. قَوْله: (وَيحيى بن سعيد) ، هُوَ الْأنْصَارِيّ، وَوصل رِوَايَته مُسلم عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن عبد الْوَهَّاب عَن يحيى بن سعيد عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ ، مثل حَدِيث مَالك عَن نَافِع، وَقد ذكر فِيمَا مضى. قَوْله: (وَإِسْمَاعِيل) ، ابْن أُميَّة، وَوصل رِوَايَته عبد الرَّزَّاق نَحْو رِوَايَة ابْن أبي ذِئْب. قَوْله: (مُخْتَصرا) يَعْنِي: لم يذكرُوا الْجُمْلَة الْأَخِيرَة فِي حق الْمُعسر، وَهِي قَوْله: فقد عتق مِنْهُ مَا عتق. ٥ - (بابٌ إذَا أعْتَقَ نَصِيباً لَهُ فِي عَبْدٍ ولَيْسَ لَهُ مالٌ اسْتسعَى العَبْدُ غَيرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ علَى نَحْوِ الْكِتَابَةِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أعتق شخص نَصِيبا لَهُ فِي عبد، وَالْحَال أَنه لَيْسَ لَهُ مَال استسعى العَبْد، هَذَا جَوَاب: إِذا، والاستسعاء أَن يُكَلف العَبْد الإكتساب حَتَّى يحصل قيمَة نصيب الشَّرِيك. قَوْله: (غير مشقوق عَلَيْهِ) ، حَال من العَبْد، أَي: لَا يُكَلف مَا يشق عَلَيْهِ. قَوْله: (على نَحْو الْكِتَابَة) أَي: يكون العَبْد فِي زمَان الِاسْتِسْعَاء كَالْمكَاتبِ، يُؤَدِّي أَولا فأولاً، وَهَذِه التَّرْجَمَة تدل على أَن البُخَارِيّ يرى بِصِحَّة حَدِيثي ابْن عمر الْمَذْكُور، وَأبي هُرَيْرَة الَّذِي يذكرهُ، وَقد استبعد الْإِسْمَاعِيلِيّ إِمْكَان الْجمع بَين حديثيهما، وَمنع الحكم بصحتهما مَعًا، وَجزم بِأَنَّهُمَا متدافعان، وَغَيره قد جمع بَينهمَا، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ فِي: بَاب تَقْوِيم الْأَشْيَاء بَين الشُّرَكَاء، فَليرْجع إِلَيْهِ، فَمن وقف عَلَيْهِ هُنَاكَ فقد عرف مَا علمنَا فِيهِ من الْفَيْض الإلهي، والنور الرباني. ٦٢٥٢ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ أبِي رَجاءٍ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ آدَمَ قَالَ حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ قَتادَةَ قَالَ حدَّثني النَّضْرُ بْنُ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عنْ بَشِيرِ بنِ نَهيكٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ من أعْتَقَ شَقِيصاً مِنْ عَبْد. ٧٢٥٢ - وحدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَزيِدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا سعِيدٌ عنْ قَتَادَةَ عنِ النَّضْرِ بنِ أنَسٍ عنْ بَشِيرِ بنِ نَهيكٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ منْ أعْتَقَ نِصيباً أَو شَقِيصاً فِي مَمْلُوكٍ فخَلَاصُهُ علَيْهِ فِي مالِهِ إنْ كانَ لَهُ مالٌ وإلَاّ قُوِّمَ عَلَيْهِ فاسْتَسْعَى بِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيق وَاحِد فِي: بَاب تَقْوِيم الْأَشْيَاء بَين الشُّرَكَاء. وَأخرجه هُنَا من طَرِيقين. أَحدهمَا: عَن أَحْمد بن أبي رَجَاء، واسْمه عبد الله بن أَيُّوب، يكنى بِأبي الْوَلِيد الْحَنَفِيّ الْهَرَوِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده عَن يحيى بن آدم بن سُلَيْمَان الْقرشِي الْكُوفِي، صَاحب الثَّوْريّ عَن جرير بن حَازِم بن زيد الْبَصْرِيّ عَن قَتَادَة عَن النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: ابْن أنس بن مَالك عَن بشير، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الشين الْمُعْجَمَة: ابْن نهيك، بِفَتْح النُّون وَكسر الْهَاء، وَالطَّرِيق الآخر: عَن مُسَدّد عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، أَعنِي: فِي بَاب تَقْوِيم الْأَشْيَاء. قَوْله: (شقيصاً) ، بِفَتْح الشين وَكسر الْقَاف أَي: نَصِيبا. قَوْله فِي الطَّرِيق الثَّانِي: (أَو شقيصاً) ، شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (وإلَاّ) أَي: وَإِن لم يكن لَهُ مَال قوم، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (غير مشقوق عَلَيْهِ) حَال أَي على العَبْد.

стр. 3799

تابَعَهُ حَجَّاجُ بنُ حَجَّاجٍ وأبانُ ومُوسى بنُ خَلَفٍ عنْ قَتادَةَ اخْتَصَرَهُ شُعْبَةُ أَي: تَابع سعيد بن أبي عرُوبَة فِي رِوَايَته عَن قَتَادَة حجاج بن حجاج، على وزن فعال، بِالتَّشْدِيدِ فيهمَا: الْأَسْلَمِيّ الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ الْأَحول، أَرَادَ البُخَارِيّ بِذكر مُتَابعَة هَؤُلَاءِ الرَّد على من زعم أَن الِاسْتِسْعَاء فِي هَذَا الحَدِيث غير مَحْفُوظ، وَأَن سعيد بن أبي عرُوبَة تفرد بِهِ، فاستظهر لَهُ بمتابعة هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين. أما رِوَايَة حجاج بن حجاج فَهِيَ فِي نُسْخَة رَوَاهَا أَحْمد بن حَفْص أحد شُيُوخ البُخَارِيّ عَن أَبِيه عَن إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَنهُ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ حجاج بن أَرْطَأَة عَن قَتَادَة فقد أخرجهَا الطَّحَاوِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا روح بن الْفرج، قَالَ: حَدثنَا يُوسُف بن عدي، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان الرَّازِيّ عَن حجاج بن أَرْطَأَة عَن قَتَادَة، فَذكر مثله، أَي: مثل رِوَايَة سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة، وَقد ذكر آنِفا. وَأما رِوَايَة أبان، فقد أخرجهَا أَبُو دَاوُد: حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: حَدثنَا أبان، قَالَ: حَدثنَا قَتَادَة عَن النَّضر بن أنس عَن بشير ابْن نهيك عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ النَّبِي، ﷺ : (من أعتق شقيصاً فِي مَمْلُوكه فَعَلَيهِ أَن يعتقهُ كُله إِن كَانَ لَهُ مَال، وإلَاّ استسعى العَبْد غير مشقوق عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا والطَّحَاوِي. وَأما رِوَايَة مُوسَى بن خلف فقد أخرجهَا الْخَطِيب فِي كتاب (الْفَصْل للوصل) من طَرِيق أبي ظفر عبد السَّلَام بن مطهر عَنهُ عَن قَتَادَة عَن النَّضر، وَلَفظه: (من أعتق شِقْصا لَهُ فِي مَمْلُوك فَعَلَيهِ خلاصه إِن كَانَ لَهُ مَال، فَإِن لم يكن لَهُ مَال استسعى غير مشقوق عَلَيْهِ) . ومُوسَى بن خلف، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَاللَّام المفتوحتين: الْعمي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمِيم: كَانَ يعد البدلاء. وَأما من رِوَايَة شُعْبَة فأخرجها مُسلم وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق غنْدر عَن قَتَادَة بِإِسْنَادِهِ وَلَفظه عَن النَّبِي، ﷺ ، فِي الْمَمْلُوك بَين الرجلَيْن فَيعتق أَحدهمَا نصِيبه، قَالَ: يضمن. ٦ - (بابُ الخَطَإ والنِّسْيانِ فِي العَتَاقَةِ والطَّلاقِ ونَحْوِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْخَطَأ وَالنِّسْيَان فِي الْعتْق وَالطَّلَاق، وَالْخَطَأ ضد الْعمد، فَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْخَطَأ نقيض الصَّوَاب، وَقد يمد، وقرىء بهما فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن قتل مُؤمنا خطأ﴾ (النِّسَاء: ٢٩) . تَقول: أَخْطَأت وتخطأت، بِمَعْنى وَاحِد، وَلَا يُقَال: أخطيت، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَأَخْطَأ يخطىء: إِذا سلك سَبِيل الْخَطَأ عمدا أَو سَهوا، وَيُقَال: خطىء بِمَعْنى أَخطَأ أَيْضا، وَقيل: خطىء إِذا تعمد، وَأَخْطَأ إِذا لم يتَعَمَّد، وَيُقَال لمن أَرَادَ شَيْئا فَفعل غَيره أَو فعل غير الصَّوَاب: أَخطَأ. وَالنِّسْيَان خلاف الذّكر وَالْحِفْظ، وَرجل نِسْيَان، بِفَتْح النُّون: كثير النسْيَان للشَّيْء، وَقد نسيت الشَّيْء نِسْيَانا، وَعَن أبي عُبَيْدَة: النسْيَان التّرْك، قَالَ تَعَالَى: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ (التَّوْبَة: ٧٦) . وَقد ذكرت فِي (شرح مَعَاني الْآثَار) الَّذِي ألفته: أَن الْخَطَأ فِي الإصطلاح هُوَ الْفِعْل فِي غير قصد تَامّ، وَالنِّسْيَان معنى يَزُول بِهِ الْعلم من الشَّيْء مَعَ كَونه ذَاكِرًا لأمورٍ كَثِيرَة، وَإِنَّمَا قيل ذَلِك احْتِرَازًا عَن النّوم وَالْجُنُون وَالْإِغْمَاء، وَقيل: النسْيَان عبارَة عَن الْجَهْل الطارىء، وَيُقَال؛ المأتى بِهِ إِن كَانَ على جِهَة مَا يَنْبَغِي فَهُوَ الصَّوَاب، وَإِن كَانَ لَا على مَا يَنْبَغِي نظر، فَإِن كَانَ مَعَ قصد من الْآتِي بِهِ يُسمى الْغَلَط، وَإِن كَانَ من غير قصد مِنْهُ، فَإِن كَانَ يتَنَبَّه بإيسر تَنْبِيه يُسمى السَّهْو، وإلَاّ يُسمى الْخَطَأ. قَوْله: (وَنَحْوه) ، أَي: نَحْو مَا ذكر من الْعتَاقَة وَالطَّلَاق من الْأَشْيَاء الَّتِي يُرِيد الرجل أَن يتَلَفَّظ بِشَيْء مِنْهَا. فَيَسْبق لِسَانه إِلَى غَيره، وَقَالَ بَعضهم: (وَنَحْوه) ، أَي: من التعليقات. قلت: هَذَا التَّفْسِير لَيْسَ بِظَاهِر وَلَا لَهُ معنى يُفِيد صُورَة الْخَطَأ فِي الْعتاق إِن أَرَادَ التَّلَفُّظ بِشَيْء فَسبق لِسَانه، فَقَالَ لعَبْدِهِ: أَنْت حر، وَكَذَلِكَ فِي الطَّلَاق، قَالَ لامْرَأَته: أَنْت طَالِق، بعد أَن أَرَادَ التَّلَفُّظ بِشَيْء، وَقَالَ أَصْحَابنَا: طَلَاق الخاطىء وَالنَّاسِي والهازل واللاعب وَالَّذِي يكلم بِهِ من غير قصد وَاقع، وَصُورَة النَّاسِي فِيمَا إِذا حلف وَنسي، وَقَالَ الدَّاودِيّ: النسْيَان لَا يكون فِي الطَّلَاق وَلَا الْعتاق إلَاّ أَن يُرِيد أَنه حلف بهما على فعل شَيْء ثمَّ نسي يَمِينه وَفعله، فَهَذَا إِنَّمَا يوضع فِيهِ النسْيَان إِذا لم يذكر فِيهِ يَمِينه، كَمَا تُوضَع الصَّلَاة عَمَّن نَسِيَهَا إِذا لم يذكرهَا حَتَّى يَمُوت، وَكَذَلِكَ دُيُون النَّاس وَغَيرهَا لَا يَأْثَم بِتَرْكِهَا نَاسِيا. قَالَ ابْن التِّين: هَذَا من الدَّاودِيّ على مَذْهَب مَالك، رَحمَه الله تَعَالَى. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي النَّاسِي فِي يَمِينه: هَل يلْزمه حنث أم لَا؟ على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: لَا، وَهُوَ قَول عَطاء وَأحد قولي الشَّافِعِي، وَبِه قَالَ إِسْحَاق، وَإِلَيْهِ ذهب البُخَارِيّ فِي الْبَاب. وَثَانِيهمَا: وَهُوَ قَول الشّعبِيّ وطاووس: من أَخطَأ فِي الطَّلَاق فَلهُ نِيَّته، وَفِيه قَول ثَالِث: يَحْنَث فِي الطَّلَاق خَاصَّة، قَالَه أَحْمد، وَذهب مَالك والكوفيون إِلَى أَنه يَحْنَث فِي الْخَطَأ أَيْضا، وَادّعى ابْن بطال أَنه الْأَشْهر

стр. 3800

عَن الشَّافِعِي، وَرُوِيَ ذَلِك عَن أَصْحَاب ابْن مَسْعُود. وَاخْتلف ابْن الْقَاسِم وَأَشْهَب فِيمَا إِذا دَعَا رجل عبدا يُقَال لَهُ نَاصح، فَأَجَابَهُ عبد يُقَال لَهُ مَرْزُوق، فَقَالَ لَهُ: أَنْت حر، وَهُوَ يظنّ الأول، وَشهد عَلَيْهِ بذلك، فَقَالَ ابْن الْقَاسِم: يعتقان جَمِيعًا: مَرْزُوق بمواجهته بِالْعِتْقِ، وناصح بِمَا نَوَاه، وَأما فِيمَا بَينه وَبَين الله فَلَا يعْتق إلَاّ نَاصح. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: إِن لم يكن لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَة لم يعْتق إلَاّ الَّذِي نوى، وَقَالَ أَشهب: يعْتق مَرْزُوق فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى، وَفِيمَا بَينه وَبَين الله لَا يعْتق نَاصح، لِأَنَّهُ دَعَاهُ لِيعْتِقَهُ فَأعتق غَيره وَهُوَ يَظُنّهُ مرزوقاً. ولَا عَتَاقَةَ إلَاّ لِوَجْهِ الله تَعَالَى روى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: لَا طَلَاق إلَاّ لعدة، وَلَا عتاق إلَاّ لوجه الله، وَمعنى: لَا عتاقة إلَاّ لوجه الله، أَي: لذات الله أَو لجِهَة رِضَاء الله، قيل: أَرَادَ البُخَارِيّ بإيراد هَذَا الرَّد على الْحَنَفِيَّة فِي قَوْلهم: إِذا قَالَ الرجل لعَبْدِهِ: أَنْت حر للشَّيْطَان أَو للصنم، فَإِنَّهُ يعْتق لصدوره من أَهله مُضَافا إِلَى مَحَله عَن ولَايَة فنفذ، ولغت تَسْمِيَة الْجِهَة وَكَانَ عَاصِيا بهَا. وَالْجَوَاب عَنهُ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: تَصْحِيح الحَدِيث الْمَذْكُور، وَالْآخر: بعد التَّسْلِيم أَن المُرَاد بِهِ أَن يكون نِيَّة الْمُعْتق الْإِخْلَاص فِيهَا، لِأَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ، فَإِذا لم يكن خَالِصا فِي نِيَّته يكون عَاصِيا بِذكر غير الله، كَمَا ذكرنَا، وَترك هَذَا لَا يمْنَع وُقُوع الْعتْق لقضية: أَنْت حر، وَالْبَاقِي لَغْو. وَقَالَ النبيُّ ﷺ لكُلِّ امْرِىءٍ مَا نَوَى هَذَا قِطْعَة من حَدِيث عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قد مر فِي أول الْكتاب بِلَفْظ: (وَإِنَّمَا لكل امرىء مَا نوى) . وَأوردهُ فِي أَوَاخِر كتاب الْإِيمَان: (وَلكُل امرىء مَا نوى) . فَإِن قلت: مَا مُرَاده من ذكر هَذِه الْقطعَة هَهُنَا؟ قلت: كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ تَأْكِيد مَا سبق من عدم وُقُوع الْعتاق إِذا كَانَ لغير وَجه الله، لِأَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ، وَلكنه لَا يُفِيد شَيْئا، لِأَن النِّيَّة أَمر مبطن وَوُقُوع الْإِعْتَاق غير مُتَوَقف عَلَيْهِ، بل الْوُقُوع بِمُقْتَضى الْكَلَام الصَّحِيح، فَلَا يمنعهُ تَسْمِيَة الْجِهَة اللَّغْو. ولَا نِيَّةَ لِلنَّاسِي والْمُخْطِىء كَأَنَّهُ استنبط من قَوْله: (لكل امرىء مَا نوى) ، عدم وُقُوع الْعتاق من النَّاسِي والمخطىء لِأَنَّهُ لَا نِيَّة لَهما، وَفِيه نظر، لِأَن الْوُقُوع إِنَّمَا هُوَ بِمُقْتَضى كَلَام صَحِيح صادر من عَاقل بَالغ، والمخطىء من: أَخطَأ من أَرَادَ الصَّوَاب فَصَارَ إِلَى غَيره، وَوَقع فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ: الخاطىء من خطأ، وَهُوَ من تعمد لما لَا يَنْبَغِي. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون أَشَارَ بالترجمة إِلَى مَا ورد فِي بعض الطّرق، وَهُوَ الحَدِيث الَّذِي يذكرهُ أهل الْفِقْه وَالْأُصُول كثيرا بِلَفْظ: (رفع الله عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ، أخرجه ابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن عَبَّاس، إلَاّ أَنه بِلَفْظ: وضع، بدل: رفع. انْتهى. قلت: كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى هَذَا الحَدِيث الَّذِي أخبر بِأَن الْخَطَأ وَالنِّسْيَان رفعا عَن أمته، فَلَا يَتَرَتَّب على النَّاسِي والمخطىء حكم، وَذَلِكَ لعدم النِّيَّة فيهمَا، والأعمال بِالنِّيَّاتِ، فَإِذا كَانَ كَذَلِك لَا يَقع الْعتاق من النَّاسِي والمخطىء، وَكَذَلِكَ الطَّلَاق، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، لِأَنَّهُ لَا اخْتِيَار لَهُ فَصَارَ كالنائم والمغمى عَلَيْهِ، قُلْنَا: الِاخْتِيَار أَمر بَاطِن لَا يُوقف عَلَيْهِ إلَاّ بحرج فَلَا يَصح تَعْلِيق الحكم عَلَيْهِ، أما هَذَا الحَدِيث فَإِنَّهُ صَحِيح، فَأخْرجهُ الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد رِجَاله رجال الصَّحِيح غير شَيْخه، حَيْثُ قَالَ: حَدثنَا ربيع الْمُؤَذّن، قَالَ: حَدثنَا بشر بن بكر، قَالَ: أخبرنَا الْأَوْزَاعِيّ عَن عَطاء عَن عبيد بن عُمَيْر عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : تجَاوز الله لي عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ، فَهَذَا هُوَ الصَّحِيح، وَالَّذِي أعله إِنَّمَا أعل إِسْنَاد ابْن مَاجَه الَّذِي أخرجه عَن مُحَمَّد بن الْمُصَفّى الْحِمصِي: حَدثنَا الْوَلِيد بن مُسلم حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ ، أَن الله وضع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ، فَهَذَا كَمَا ترى أسقط: عبيد بن عُمَيْر، وَأَيْضًا أعله بِأَنَّهُ من رِوَايَة الْوَلِيد عَن الْأَوْزَاعِيّ، وَالصَّحِيح طَرِيق الطَّحَاوِيّ، وَأخرج نَحوه الدَّارَقُطْنِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم، وَرَوَاهُ ابْن حزم من طَرِيق الرّبيع وَصَححهُ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي الْأَرْبَعين: هُوَ حَدِيث حسن صَحِيح. قَوْله: (تجَاوز الله) أَي: عَفا الله. قَوْله: (لي) ، أَي: لأجلي، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لم يتَجَاوَز ذَلِك إلَاّ عَن هَذِه الْأمة

стр. 3801

لأجل سيدنَا مُحَمَّد، ﷺ . قَوْله: (الْخَطَأ وَالنِّسْيَان) ، أَي: حكمهمَا فِي حق الله لَا فِي حُقُوق الْعباد، لِأَن فِي حَقه عذرا صَالحا لسقوطه، حَتَّى قيل إِن الخاطىء لَا يَأْثَم، فَلَا يُؤَاخذ بِحَدّ وَلَا قصاص. وَأما فِي حُقُوق الْعباد فَلم يَجْعَل عذرا حَتَّى وَجب ضَمَان الْعدوان على الخاطىء، لِأَنَّهُ ضَمَان مَال لَا جَزَاء فعل، وَوَجَب بِهِ الدِّيَة وَصَحَّ طَلَاقه وعتاقه. ٨٢٥٢ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ قَالَ حدَّثنا مِسْعَرٌ عنْ قَتادَةَ عنْ زُرَارَةَ بنِ أوْفَى عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ إنَّ الله تَجَاوَزَ لِي عنْ أُمَّتِي مَا وسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُها مَا لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَكَلَّمْ.. قيل: لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْء يُطَابق التَّرْجَمَة، لِأَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي وَسْوَسَة الصُّدُور، وَلَو ذكر حَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَذْكُور الْآن لَكَانَ أنسب، وَأجَاب الْكرْمَانِي بِشَيْء يقرب مِنْهُ أَخذ وَجه الْمُطَابقَة حَيْثُ قَالَ: أَولا: مَا وَجه تعلق الحَدِيث بالوسوسة؟ ثمَّ قَالَ: قلت: الْقيَاس على الوسوسة، فَكَمَا أَنَّهَا لَا اعْتِبَار لَهَا عِنْد عدم التوطين، فَكَذَلِك النَّاسِي والمخطىء، لَا توطين لَهما. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: الْحميدِي، بِضَم الْحَاء نِسْبَة إِلَى حميد، أحد أجداد الرَّاوِي، وَهُوَ عبد الله بن الزبير بن عِيسَى بن عبيد الله بن أُسَامَة بن عبد الله بن الزبير بن حميد أَبُو بكر. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: مسعر، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين وَفتح الْعين الْمُهْملَة: ابْن كدام. الرَّابِع: قَتَادَة. الْخَامِس: زُرَارَة، بِضَم الزَّاي وَتَخْفِيف الرَّاء: ابْن أبي أوفى بِلَفْظ: أفعل التَّفْضِيل العامري، مَاتَ فجاءة سنة ثَلَاث وَتِسْعين، وَقيل: كَانَ يُصَلِّي صَلَاة الصُّبْح فَقَرَأَ ﴿يَا أَيهَا المدثر﴾ (المدثر: ١) . إِلَى أَن بلغ ﴿فَإِذا نقر فِي الناقور﴾ (المدثر: ٨) . خر مَيتا. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه مكيان، والْحميدِي قد مر فِي أول (الصَّحِيح) . وَفِيه: حَدثنَا الْحميدِي، ويروى: حَدثنِي بِصِيغَة الْإِفْرَاد. وَفِيه: أَن مسعراً وَقَتَادَة كوفيان، وَأَن زُرَارَة بَصرِي قَاضِي الْبَصْرَة، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ أَحَادِيث يسيرَة. وَفِيه: عَن زُرَارَة، وَفِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور: حَدثنَا زُرَارَة. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّلَاق عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم وَفِي النذور عَن خَلاد بن يحيى. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن قُتَيْبَة وَسَعِيد بن مَنْصُور وَمُحَمّد بن عبيد وَعَن عَمْرو النَّاقِد وَزُهَيْر بن حَرْب وَعَن ابْن الْمثنى وَابْن بشار وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن زُهَيْر بن حَرْب عَن وَكِيع وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّلَاق عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّلَاق عَن عبيد الله بن سعيد وَعَن مُوسَى بن عبد الرحمان وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ وَعَن حميد بن مسْعدَة وَعَن هِشَام بن عمار. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِن الله تجَاوز لي عَن أمتِي) وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (تجَاوز الله لأمتي) . قَوْله: (لي) أَي: لأجلي. قَوْله: (مَا وسوست بِهِ صدورها) ، جملَة فِي مَحل النصب على المفعولية، وَكلمَة: مَا، مَوْصُولَة، و: وسوست، صلتها و: بِهِ، عَائِد و: صدورها، بِالرَّفْع فَاعل وسوست، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ بِالنّصب على أَن: وسوست، تضمن معنى: حدثت، وَيَأْتِي فِي الطَّلَاق بِلَفْظ: مَا حدثت بِهِ أَنْفسهَا. وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: عَمَّا حدثت بِهِ أَنْفسهَا. وَفِي رِوَايَة للنسائي: (إِن الله تجَاوز لأمتي مَا وسوست بِهِ وَحدثت بِهِ أَنْفسهَا) . وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَأهل اللُّغَة يَقُولُونَ: أَنْفسهَا، بِالضَّمِّ يُرِيدُونَ بِغَيْر اخْتِيَارهَا، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ونعلم مَا توسوس بِهِ نَفسه﴾ (ق: ٦١) . وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن قَوْله: بِالضَّمِّ، لَيْسَ بجيد، بل الصَّوَاب: بِالرَّفْع، لِأَنَّهَا حَرَكَة إِعْرَاب. قلت: لَيْسَ هَذَا مَوضِع المناقشة بِالرَّدِّ عَلَيْهِ لِأَن الرّفْع هُوَ الضَّم فِي الأَصْل، غَايَة مَا فِي الْبَاب أَن النُّحَاة يستعملون فِي الْإِعْرَاب الرّفْع، وَفِي الْبناء الضَّم، بل يسْتَعْمل

стр. 3802

كل مِنْهُمَا مَوضِع الآخر، خُصُوصا عِنْد الْفُقَهَاء الوسوسة: حَدِيث النَّفس والأفكار، وَقد وسوست إِلَيْهِ نَفسه وَسْوَسَة ووسواساً بِالْكَسْرِ، وَهُوَ بِالْفَتْح الِاسْم، ووسوس إِذا تكلم بِكَلَام لم يُبينهُ، حَاصله أَن الوسوسة تردد الشَّيْء فِي النَّفس من غير أَن تطمئِن إِلَيْهِ وتستقر عِنْده. قَوْله: (مَا لم تعْمل) أَي: فِي العمليات (أَو تكلم) فِي القوليات. وَأما قَول ابْن الْعَرَبِيّ: إِن المُرَاد بقوله: مَا لم تكلم، الْكَلَام النَّفْسِيّ، إِذْ هُوَ الْكَلَام الْأَصْلِيّ وَأَن القَوْل الْحَقِيقِيّ هُوَ الْوُجُود بِالْقَلْبِ المواقف للْعلم، فَهُوَ مَرْدُود عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَالَه تعصباً لما حكى عَن مذْهبه من وُقُوع الطَّلَاق بالعزم، وَإِن لم يتَلَفَّظ. وَحَكَاهُ عَن رِوَايَة أَشهب عَن مَالك فِي الطَّلَاق وَالْعِتْق وَالنّذر أَنه يَكْفِي فِيهِ عزمه وَقَوله وجزمه فِي قلبه بِكَلَامِهِ النَّفْسِيّ الْحَقِيقِيّ، وَنصر ذَلِك بِأَن اللِّسَان معبر عَمَّا فِي الْقلب، فَمَا كَانَ يملكهُ الْوَاحِد كالنذر وَالطَّلَاق وَالْعتاق كفى فِيهِ عزمه، وَمَا كَانَ من التَّصَرُّفَات بَين اثْنَيْنِ لم يكن بُد من ظُهُور القَوْل، وَهَذَا فِي غَايَة الْبعد، وَقد نقضه الْخطابِيّ على قَائِله بالظهار وَغَيره، فأنهم أَجمعُوا على أَنه: لَو عزم على الظِّهَار لم يلْزمه حَتَّى يلفظ بِهِ، قَالَ: وَهُوَ فِي معنى الطَّلَاق، وَكَذَلِكَ لَو حدث نَفسه بِالْقَذْفِ لم يكن قذفا، وَلَو حدث نَفسه فِي الصَّلَاة لم يكن عَلَيْهِ إِعَادَة، وَقد حرم الله تَعَالَى الْكَلَام فِي الصَّلَاة، فَلَو كَانَ حَدِيث النَّفس فِي معنى الْكَلَام لكَانَتْ صلَاته تبطل، وَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِنِّي لأجهر جيشي وَأَنا فِي الصَّلَاة وَمِمَّنْ قَالَ بِأَن: طَلَاق النَّفس لَا يُؤثر، عَطاء بن أبي رَبَاح وَابْن سِيرِين وَالْحسن وَسَعِيد بن جُبَير وَالشعْبِيّ وَجَابِر بن زيد وَقَتَادَة وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن هَذِه الْمُجَاوزَة من خَصَائِص هَذِه الْأمة، وَأَن الْأُمَم الْمُتَقَدّمَة يؤاخذون بذلك، وَقد اخْتلف: هَل كَانَ ذَلِك يُؤَاخذ بِهِ فِي أول الْإِسْلَام؟ ثمَّ نسخ وخفف ذَلِك عَنْهُم، أَو تَخْصِيص وَلَيْسَ بنسخ، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن تبدوا مَا فِي أَنفسكُم أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ الله﴾ (الْبَقَرَة: ٤٨٢) . فقد قَالَ غير وَاحِد من الصَّحَابَة، مِنْهُم أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس: إِنَّهَا مَنْسُوخَة، بقوله تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ (الْبَقَرَة: ٦٨٢) . فَإِن قيل: قَالُوا: من عزم على الْمعْصِيَة بِقَلْبِه، وَإِن لم يعملها، يُؤَاخذ عَلَيْهِ. وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَا شكّ أَن الْعَزْم على الْمعْصِيَة وَسَائِر الْأَعْمَال القلبية كالحسد ومحبة إِشَاعَة الْفَاحِشَة يُؤَاخذ عَلَيْهِ، لَكِن إِذا وطَّن نَفسه عَلَيْهِ، وَالَّذِي فِي الحَدِيث هُوَ: مَا لم يوطن عَلَيْهِ نَفسه وَإِنَّمَا أَمر ذَلِك بفكره من غير اسْتِقْرَار، وَيُسمى هَذَا هما، وَيفرق بَين الْهم والعزم. فَإِن قيل: الْمَفْهُوم من لفظ: مَا لم تعْمل، مشْعر بِأَن مَا فِي الصُّدُور موطناً وَغير موطن لَا يُؤَاخذ عَلَيْهِ. وَأجِيب: بِأَنَّهُ يجب الْحمل على غير الموطن جمعا بَينه وَبَين مَا يدل على الْمُؤَاخَذَة، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يحبونَ أَن تشيع الْفَاحِشَة﴾ (النُّور: ٩١) . وَأَيْضًا: لفظ الوسوسة لَا يسْتَعْمل إلَاّ عِنْد التَّرَدُّد والتزلزل. وَقَالَ عِيَاض: الهمّ مَا يمر فِي الْفِكر من غير اسْتِقْرَار وَلَا توطن، فَإِن اسْتمرّ وتوطن عَلَيْهِ عزماً يُؤَاخذ بِهِ أَو يُثَاب عَلَيْهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الَّذِي ذهب إِلَيْهِ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّة السّلف وَأهل الْعلم وَالْفُقَهَاء والمحدثين والمتكلمين، وَلَا يلْتَفت إِلَى من خالفهم فِي ذَلِك. فَزعم أَن مَا يهم بِهِ الْإِنْسَان وَإِن وَطن بِهِ لَا يُؤَاخذ بِهِ متمسكاً فِي ذَلِك بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد هَمت بِهِ وهم بهَا﴾ (يُوسُف: ٤٢) . وَبِقَوْلِهِ ﷺ : (مَا لم تعْمل أَو تكلم، وَمن لم يعْمل بِمَا عزم عَلَيْهِ وَلَا نطق بِهِ، فَلَا. الْجَواب عَن و: الْآيَة أَن من الهمّ مَا يُؤَاخذ بِهِ الْإِنْسَان، وَهُوَ مَا اسْتَقر واستوطن، وَمِنْه مَا يكون أَحَادِيث لَا تَسْتَقِر، فَلَا يُؤَاخذ بهَا كَمَا شهد بِهِ الحَدِيث، وَالَّذِي يرفع الْإِشْكَال وَيبين المُرَاد حَدِيث أبي كَبْشَة عَمْرو بن سعد: سمع سيدنَا رَسُول الله لله ... فَذكر حَدِيثا فِيهِ: قَالَت الْمَلَائِكَة: ذَاك عَبدك يُرِيد أَن يعْمل سَيِّئَة وَهُوَ أبْصر بِهِ. وَزعم الطَّبَرِيّ أَن فِيهِ دلَالَة على أَن الْحفظَة يَكْتُبُونَ أَعمال الْقُلُوب خلافًا لمن قَالَ: لَا يكتبونها وَلَا يَكْتُبُونَ إلَاّ الْأَعْمَال الظَّاهِرَة، وَبِه اسْتدلَّ بَعضهم على أَنه إِذا كتب بِالطَّلَاق وَقع من قَوْله مَا لم يعْمل، وَالْكِتَابَة عمل، وَهُوَ قَول مُحَمَّد بن الْحسن وَأحمد بن حَنْبَل، وَشرط مَالك فِيهِ الْإِشْهَاد على الْكِتَابَة، وَجعله الشَّافِعِي كِنَايَة إِن نوى بِهِ الطَّلَاق وَقع، وإلَاّ فَلَا، وَفرض بَعضهم بَين أَن يَكْتُبهُ فِي بَيَاض كالرق وَالْوَرق واللوح، وَبَين أَن يَكْتُبهُ على الأَرْض فأوقعه فِي الأول دون الثَّانِي، وَفِيه نظر. ٩٢٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثيرٍ عنْ سُفْيانَ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعيدٍ عَن مُحَمَّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْكيِّ عنْ عَلْقَمَةَ بنِ وقَّاصٍ اللَّيْثِي قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبِيِّ

стр. 3803

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الأعْمَالُ بالنِّيَّةِ ولاِمْرِىءٍ مَا نَوَى فَمَنْ كانتُ هِجْرَتُهُ إِلَى الله ورسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى الله ورسولِهِ ومَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أوِ امْرَأةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهجْرَتُه إِلَى مَا هاجَرَ إلَيْهِ.. قد مر هَذَا الحَدِيث فِي أول الْكتاب فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن الْحميدِي عَن سُفْيَان ... إِلَى آخِره، وَهنا: عَن مُحَمَّد بن كثير ضد قَلِيل عَن سُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ. قَوْله: (الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ ولامرىء مَا نوى) ، كَذَا أخرجه مُحَمَّد بن كثير بِخِلَاف: إِنَّمَا، فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وٌ د أخرجه أَبُو دَاوُد عَن مُحَمَّد بن كثير شيخ البُخَارِيّ فِيهِ، فَقَالَ: (إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لامرىء مَا نوى) . قَوْله: (إِلَى دنيا) فِي رِوَايَة الْكشميهني: للدنيا، وَهِي رِوَايَة أبي دَاوُد أَيْضا، وَوجه إِعَادَة هَذَا الحَدِيث وَذكره هُنَا لأجل ذكر قِطْعَة مِنْهُ، وَهُوَ قَوْله: قَالَ النَّبِي ﷺ : لكل امرىء مَا نوى، وَقد ذكرنَا وَجه ذكر الْقطعَة، وللإشارة أَيْضا إِلَى أَنه أخرج هَذَا الحَدِيث من شيخين وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. ٧ - (بابٌ إذَا قَالَ رجُلٌ لِعَبْدِهِ هُوَ لله ونَوَى الْعِتْقَ والإشْهَادُ فِي العِتْقِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا قَالَ رجل لعَبْدِهِ هُوَ لله، هَذَا هَكَذَا روى الْأصيلِيّ وكريمة، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: بَاب إِذا قَالَ لعَبْدِهِ، الْفَاعِل مُضْمر، وَهُوَ رجل أَو شخص. قَوْله: (وَنوى الْعتْق) ، أَي: وَالْحَال أَنه نوى عتق العَبْد بِهَذَا اللَّفْظ، وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف تَقْدِيره: صَحَّ أَو عتق العَبْد. قَوْله: (وَالْإِشْهَاد) بِالرَّفْع، وَفِيه حذف تَقْدِيره: وَبَاب يذكر فِيهِ الْإِشْهَاد فِي الْعتْق، فَيكون ارتفاعه بِالْفِعْلِ الْمُقدر، وَتَكون هَذِه الْجُمْلَة أَعنِي: قَوْلنَا: وَبَاب يذكر فِيهِ الْإِشْهَاد على الْعتْق معطوفة على: بَاب إِذا قَالَ أَي بَاب يذكر فِيهِ، إِذا قَالَ، وَلَفظ: بَاب، منون فِي الظَّاهِر، وَفِي الْمُقدر، وَهَذَا هُوَ الْوَجْه، وَمن جر الْإِشْهَاد فقد جر مَا لَا يُطيق حمله. ٠٣٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ نُمَيْرٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ بِشْرٍ عنْ إسْمَاعِيلَ عنْ قَيْسٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ لَمَّا أقْبَلَ يُرِيدُ الأسْلامَ ومَعَهُ غُلامُهُ ضَلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما مِنْ صاحِبِهِ فأقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ وأبُو هُرَيْرَةَ جالِسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِي ﷺ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَذَا غُلَامُكَ قَدْ أتَاكَ فَقَالَ أما أنِّي أُشْهِدُكَ أنَّهُ حُرٌّ فَهْوَ حينَ يَقُولُ: (يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وعَنائِها ... علَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أما أَنِّي أشهدك أَنه حر) ، وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد الأحمسي البَجلِيّ، وَاسم أبي خَالِد سعد، وَقيس هُوَ ابْن أبي حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: واسْمه عَوْف، قدم الْمَدِينَة بَعْدَمَا قبض النَّبِي، ﷺ ، وَهَؤُلَاء كلهم كوفيون قَوْله: (يُرِيد الْإِسْلَام) جملَة حَالية، وَكَذَلِكَ قَوْله: (وَمَعَهُ غُلَامه) ، جملَة حَالية إسمية أَي: وَمَعَ أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (ضل) ، أَي: تاه كل وَاحِد مِنْهُمَا ذهب إِلَى نَاحيَة وَفَسرهُ الْكرْمَانِي بقوله: ضَاعَ، وَتَبعهُ بَعضهم على ذَلِك وَلَيْسَ مَعْنَاهُ إلَاّ مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (أما) ، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْمِيم وتستعمل هَذِه الْكَلِمَة على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن تكون حرف استفتاح بِمَنْزِلَة أَلا. وَالثَّانِي: أَن تكون بِمَعْنى حَقًا. وَأما، هُنَا على هَذَا الْمَعْنى. قَوْله: (أَنِّي) ، بِفَتْح الْهمزَة كَمَا تفتح الْهمزَة بعد قَوْلهم: حَقًا، لِأَنَّهَا بِمَعْنَاهُ. قَوْله: (فَهُوَ حِين يَقُول) ، أَي: الْوَقْت الَّذِي وصل فِيهِ إِلَى الْمَدِينَة. قَوْله: (يَا لَيْلَة) ، هَذَا من بَحر الطَّوِيل، وَقد دخله الخرم، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة وَسُكُون الرَّاء، وَهُوَ حذف الْحَرْف من أول الْجُزْء، وللطويل ثَمَانِيَة أَجزَاء وَقد حذف الْحَرْف من أول جزئه وَهُوَ: يَا لَيْلَة، لِأَن تَقْدِيره: فيا لَيْلَة، لِأَن وَزنه فيالي: فعولن، لَهُ من طو: مفاعيلن، لَهَا و: فعول، عنائها: مفاعلن. وَفِيه الْقَبْض، وَقَول الْكرْمَانِي: وَلَا بُد من زِيَادَة وَلَو أوفاء فِي أول الْبَيْت ليَكُون مَوْزُونا، كَلَام من يقف على علم الْعرُوض، لِأَن مَا جَازَ حذفه كَيفَ يُقَال فِيهِ لَا بُد من إثْبَاته؟ قَوْله: (عنائها) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وبتخفيف النُّون وبالمد: أَي تعبها ومشقتها. قَوْله: (دارة

стр. 3804

الْكفْر) ، هِيَ دَار الْحَرْب، والدارة أخص من الدَّار، ويروى: (دَاره) ، بِالْإِضَافَة إِلَى الضَّمِير، وَحِينَئِذٍ يكون الْكفْر بَدَلا مِنْهُ بدل الْكل من الْكل، وَكَثِيرًا مَا تسْتَعْمل الدارة فِي أشعار الْعَرَب، كَمَا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: (وَلَا سِيمَا يَوْم بدارة جلجل) ودارات كَثِيرَة، وَقَالَ أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي: الدارة جوفة تحف الْجبَال، وَقَالَ عَنهُ فِي مَوضِع آخر: الدارة رمل مستدير قدر ميلين تحفه الْجبَال. وَقَالَ الهجري: الدارة النبكة السهلة حفتها جبال، وَمِقْدَار الدارة خَمْسَة أَمْيَال فِي مثلهَا. قلت: النبكة، بِفَتْح النُّون وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْكَاف: وَهِي أكمة محددة الرَّأْس، وَيجمع على: نبك، بِالتَّحْرِيكِ. فَإِن قلت: الشّعْر لمن؟ قلت: ظَاهره أَنه لأبي هُرَيْرَة، وَلكنه غير مَشْهُور بالشعر. وَحكى ابْن التِّين: أَنه لغلامه، وَحكى الفاكهي فِي (كتاب مَكَّة) : عَن مقدم بن حجاج السوَائِي أَن الْبَيْت الْمَذْكُور لأبي مرْثَد الغنوي فِي قصَّة لَهُ، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكون أَبُو هُرَيْرَة قد تمثل بِهِ. وَالله أعلم. وَقَالَ الْمُهلب: لَا خلاف بَين الْعلمَاء فِيمَا علمت إِذا قَالَ رجل لعَبْدِهِ: هُوَ حر، أَو: هُوَ لله، وَنوى الْعتْق أَنه يلْزمه الْعتْق. وكل مَا يفهم بِهِ عَن الْمُتَكَلّم أَنه أَرَادَ بِهِ الْعتْق لزمَه وَنفذ عَلَيْهِ، وروى ابْن أبي شيبَة عَن هشيم عَن مُغيرَة: أَن رجلا قَالَ لغلامه: أَنْت لله. فَسئلَ الشّعبِيّ وَالْمُسَيب بن رَافع وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان، فَقَالُوا: هُوَ حر. وَعَن إِبْرَاهِيم كَذَلِك، وَقَالَ إِبْرَاهِيم: وَإِن قَالَ: إِنَّك لحر النَّفس، فَهُوَ حر، وَعَن الْحسن: إِذا قَالَ: مَا أَنْت إلَاّ حر، نِيَّته. وَعَن الشّعبِيّ مثله. وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ: الْعتْق عِنْد بُلُوغ الأمل والنجاة مِمَّا يخَاف، كَمَا فعل أَبُو هُرَيْرَة حِين أَنْجَاهُ الله من دَار الْكفْر وَمن ضلاله فِي اللَّيْل عَن الطَّرِيق، وَكَانَ إِسْلَام أبي هُرَيْرَة فِي سنة سِتّ من الْهِجْرَة.

стр. 3805

٢٣٥٢ - حدَّثنا شِهَابُ بنُ عَبَّادٍ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ حُمَيْدٍ عنْ إسْمَاعِيلَ عنْ قَيْسٍ قَالَ لَ مَّا أقْبَلَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ ومَعَهُ غُلَامَهُ وهْوَ يَطْلُبُ الإسْلامَ فَضَلَّ أحَدُهُمَا صاحِبَهُ بِهاذَا وَقَالَ أما أنِّي أشْهِدُكَ أنَّهُ لله. هَذَا طَرِيق آخر عَن شهَاب بن عباد، بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء: الْعَبْدي الْكُوفِي أَبُو عَمْرو عَن إِبْرَاهِيم بن حميد بن عبد الرَّحْمَن الرُّؤَاسِي من قيس غيلَان الْكُوفِي ... إِلَى آخِره. قَوْله: (وَهُوَ يطْلب الْإِسْلَام) جملَة حَالية، وَيحْتَمل أَن يكون حَقِيقَة، وَإِن لم يسلم وَأسلم بعد، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد يظْهر الْإِسْلَام. قَوْله: (فضل) ، أَصله التَّعْدِيَة بالحرف لِأَنَّهُ قَالَ فِي الطَّرِيق الأول. فضل كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن صَاحبه، وَيكون نصب (صاحبَه) هُنَا بِنَزْع الْخَافِض، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قومَه سبعين﴾ (الْأَعْرَاف: ٥٥١) . أَي: من قومه، وَالتَّقْدِير هُنَا: فضل أَحدهمَا عَن صَاحبه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقد جَاءَ مُتَعَدِّيا بِنَفسِهِ فِي الْأَشْيَاء الثَّابِتَة، كَمَا يُقَال: ضللت الْمَسْجِد وَالدَّار، إِذا لم يعرف موضعهما قلت: هَذَا من بَاب التَّوَسُّع، كَمَا يُقَال: دخلت الْمَسْجِد، حَتَّى قيل: إِن الصَّوَاب: فأضل أَحدهمَا صَاحبه. ٨ - (بابُ أُمِّ الوَلَدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم أم الْوَلَد، وَلم يذكر الحكم مَا هُوَ، فَكَأَنَّهُ تَركه للْخلاف فِيهِ. قَالَ أَبُو عمر: اخْتلف السّلف وَالْخلف من الْعلمَاء فِي عتق أم الْوَلَد وَفِي جَوَاز بيعهَا، فالثابت عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عدم جَوَاز بيعهَا، وروى مثل ذَلِك عَن عُثْمَان وَعمر بن عبد الْعَزِيز، وَهُوَ قَول أَكثر التَّابِعين مِنْهُم: الْحسن وَعَطَاء ومحاهد وَسَالم وَابْن شهَاب وَإِبْرَاهِيم، وَإِلَى ذَلِك ذهب مَالك وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، فِي أَكثر كتبه، وَقد أجَاز بيعهَا فِي بعض كتبه، وَقَالَ الْمُزنِيّ: قطع فِي أَرْبَعَة عشر موضعا من كتبه بِأَن لَا تبَاع، وَهُوَ الصَّحِيح من مذْهبه، وَعَلِيهِ جُمْهُور أَصْحَابه، وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَزفر وَالْحسن بن صَالح وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي عبيد وَأبي ثَوْر، وَكَانَ أَبُو بكر الصّديق وَعلي بن أبي طَالب وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير وَجَابِر وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، يجيزون بيع أم الْوَلَد، وَبِه قَالَ دَاوُد، وَقَالَ جَابر وَأَبُو سعيد: (كُنَّا نبيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد على عهد رَسُول الله ﷺ ، وَذكر عبد الرَّزَّاق: أَنبأَنَا ابْن جريج أَخْبرنِي أَبُو الزبير سمع جَابِرا، يَقُول: (كُنَّا نبيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَرَسُول الله ﷺ ، فِينَا لَا يرى بذلك بَأْسا) . وأنبأنا ابْن جريج أَنبأَنَا عبد الرَّحْمَن بن الْوَلِيد أَن أَبَا إِسْحَاق الْهَمدَانِي أخبرهُ أَن أَبَا بكر الصّديق (كَانَ يَبِيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد فِي آمارته وَعمر فِي نصف إمارته) . وَقَالَ ابْن مَسْعُود: (تعْتق فِي نصيب وَلَدهَا) ، وَقد رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَابْن الزبير. قَالَ: وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي، ﷺ ، فِي مَارِيَة سريته: لما ولدت إِبْرَاهِيم، ﵊، قَالَ: (أعْتقهَا وَلَدهَا) ، من وَجه لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَلَا يُثبتهُ أهل الحَدِيث، وَكَذَا حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي، ﷺ ، أَنه قَالَ: (إيما أمة ولدت من سَيِّدهَا فَإِنَّهَا حرَّة إِذا مَاتَ سَيِّدهَا) ، فَقيل لَهُ: عَمَّن هَذَا؟ قَالَ: (عَن الْقُرْآن هَذَا) ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾ (النِّسَاء: ٩٥) . وَكَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من أولي الْأَمر، وَقد قَالَ: أعْتقهَا وَلَدهَا وَإِن كَانَ سِقطاً. قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ مِنْ أشْرَاطِ السَّاعَةِ أنْ تَلِدَ الأمَةِ رَبَّها هَذَا التَّعْلِيق مر مَوْصُولا مطولا فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب سُؤال جِبْرِيل النَّبِي، ﷺ ، عَن الْإِيمَان، وَتقدم الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. وَجه إِيرَاد هَذَا هُنَا هُوَ أَن مِنْهُم من اسْتدلَّ على جَوَاز بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد، وَمِنْهُم من منع ذَلِك فَكَانَ البُخَارِيّ أَرَادَ بِذكرِهِ هَذَا الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنه لَا يدل على الْجَوَاز وَلَا الْمَنْع. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) وَقد اسْتدلَّ إمامان من كبار الْعلمَاء على ذَلِك، اسْتدلَّ أَحدهمَا على الْإِبَاحَة، وَالْآخر على الْمَنْع، وَذَلِكَ عَجِيب مِنْهُمَا، وَقد أنكر عَلَيْهِمَا فَإِنَّهُ لَيْسَ كل مَا أخبر، ﷺ ، بِكَوْنِهِ من عَلَامَات السَّاعَة يكون محرما أَو مذموماً كتطاول الرعاء فِي الْبُنيان وفشو المَال وَكَون خمسين امْرَأَة لَهُنَّ قيم وَاحِد لَيْسَ بِحرَام بِلَا شكّ، وَإِنَّمَا هَذِه عَلَامَات، والعلامة لَا يشْتَرط فِيهَا شَيْء من ذَلِك، بل تكون بِالْخَيرِ وَالشَّر والمباح وَالْمحرم وَالْوَاجِب وَغَيره. انْتهى. قلت: وَجه اسْتِدْلَال الْمُجِيز أَن ظَاهر قَوْله:

стр. 3806

(رَبهَا) ، أَن المُرَاد بِهِ سَيِّدهَا لِأَن وَلَدهَا من سَيِّدهَا يتنزل منزلَة سَيِّدهَا لمصير مآل الْإِنْسَان إِلَى وَلَده غَالِبا، وَوجه اسْتِدْلَال الْمَانِع أَن هَذَا إِخْبَار عَن غَلَبَة الْجَهْل فِي آخر الزَّمَان حَتَّى تبَاع أُمَّهَات الْأَوْلَاد، فيكثر تردد الْأمة فِي الْأَيْدِي حَتَّى يَشْتَرِيهَا وَلَدهَا وَهُوَ لَا يدْرِي، فَيكون فِيهِ إِشَارَة إِلَى تَحْرِيم بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد، وَلَا يخفى تعسف الْوَجْهَيْنِ. ٣٣٥٢ - حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني عُرْوَةَ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ إنَّ عُتْبَةَ بنَ أبِي وقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أخِيهِ سَعْدِ بنِ أبِي وقَّاصٍ أنْ يَقْبِضَ إلَيْهِ ابنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ قَالَ عُتْبَةُ إنَّهُ ابْني فلَمَّا قَدِمَ رسولُ الله ﷺ زَمَنَ الْفَتْحِ أخَذَ سَعْدٌ ابنُ ولِيدَةِ زَمْعَةَ فَأقْبَلَ بِهِ إلَى رسولِ الله ﷺ وأقْبَلَ معَهُ بِعَبْدِ بنِ زَمْعَةَ فقالَ سَعْدٌ يَا رسُولَ الله هَذَا ابنُ أخِي عَهِدَ إلَيَّ أنَّهُ ابْنُهُ فَقَالَ عبدُ بنُ زَمْعَةَ يَا رسولَ الله هَذَا أخِي ابنُ ولِيدَةِ زَمعَة وُلدَ عَلى فِراشِهِ فنَظَرَ رسولُ الله ﷺ إِلَى ابنُ وليدَةِ زَمْعَةَ فإذَا هُوَ أشْبَهُ النًّاسِ بهِ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بنَ زَمْعَةَ مِنْ أجْلِ أنَّهُ وُلِدَ علَى فِرَاشِ أَبِيه وَقَالَ رسولُ الله ﷺ احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بنْتَ زَمْعَةَ مِمَّا رَأى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ وكانتْ سَوْدَةُ زَوْجَ النبيِّ ﷺ .. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (هَذَا أخي، ولد على فرَاش أبي) وَحكمه، ﷺ ، بِأَنَّهُ أَخُوهُ، فَإِن فِيهِ ثُبُوت أميَّة الْوَلَد. فَإِن قلت: لَيْسَ فِيهِ تعرض لحريتها وَلَا لرقيتها. قلت: التَّرْجَمَة فِي بَاب أم الْوَلَد مُطلقًا من غير تعرض للْحكم، كَمَا ذكرنَا فَتحصل الْمُطَابقَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة، وَقيل: فِيهِ: إِشَارَة إِلَى حريَّة أم الْوَلَد لِأَنَّهُ جعلهَا فراشا، فسوى بَينهَا وَبَين الزَّوْجَة فِي ذَلِك. وَقَالَ الْكرْمَانِي: زَاد فِي بعض النّسخ بعد تَمام الحَدِيث، قَالَ أَبُو عبد الله: سمى النَّبِي، ﷺ ، أمة زَمعَة أمة ووليدة، فَدلَّ على أَنَّهَا لم تكن عتيقة بِهَذَا الحَدِيث. قلت: هَذَا يدل على أَن ميله إِلَى عدم عتق أم الْوَلَد بِمَوْت السَّيِّد، ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي: وَقد يُقَال غَرَض البُخَارِيّ فِيهِ بَيَان أَن بعض الْحَنَفِيَّة لَا يَقُولُونَ بِأَن الْوَلَد للْفراش فِي الْأمة إِذْ لَا يلحقون الْوَلَد بالسيد إلَاّ بِإِقْرَارِهِ، بل يخصصونه بفراش الْحرَّة، فَإِذا أَرَادوا تَأْوِيل مَا فِي هَذَا الحَدِيث فِي بعض الرِّوَايَات من أَن الْوَلَد للْفراش يَقُولُونَ: إِن أم الْوَلَد الْمُتَنَازع فِيهَا كَانَت حرَّة لَا أمة، ثمَّ إِن هَذَا الحَدِيث مضى فِي أَوَائِل كتاب الْبيُوع فِي: بَاب تَفْسِير الشُّبُهَات، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَلَكِن نذْكر هُنَا بعض شيى لزِيَادَة الْفَائِدَة. وَقَالَ ابْن بطال: الْقَضِيَّة مشكلة من جِهَة أَن عبدا ادّعى على أمة ولدا بقوله: أخي، وَلم يَأْتِ بِبَيِّنَة تشهد على إِقْرَار أَبِيه، فَكيف قبل دَعْوَاهُ؟ فَذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ إِلَى: أَن الْأمة إِذا وَطئهَا مَوْلَاهَا فقد لزمَه كل ولد تَجِيء بِهِ بعد ذَلِك، إدعاه أم لَا. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: لَا يلْزم مَوْلَاهَا إلَاّ أَن يقرَّ بِهِ، وَقَالَ: إِن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: (هولك) ، وَلم يقل: هُوَ أَخُوك، فَيجوز أَن يُرِيد بِهِ: هُوَ مَمْلُوك لَك بِحَق مَا لَك عَلَيْهِ من الْيَد، وَلِهَذَا أَمر سَوْدَة بالاحتجاب مِنْهُ، فَلَو جعله، ﷺ ، ابْن زَمعَة لما حجب مِنْهُ أُخْته. وَقَالَت طَائِفَة: مَعْنَاهُ: هُوَ أَخُوك كَمَا ادعيت، قَضَاء مِنْهُ فِي ذَلِك بِعَمَلِهِ، لِأَن زَمعَة كَانَ صهره فَألْحق وَلَده بِهِ لما علمه من فراسته، لَا أَنه قضى بذلك لاستلحاق عبد لَهُ. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: (هُوَ لَك) ، أَي: بِيَدِك عَلَيْهِ لَا إِنَّك تملكه، وَلَكِن يمنه مِنْهُ كل من سواك، كَمَا قَالَ فِي اللّقطَة: هِيَ لَك تدفع غَيْرك عَنْهَا حَتَّى يَجِيء صَاحبهَا، وَلما كَانَ لعبد شريك وَهُوَ أُخْته سَوْدَة، وَلم يعلم مِنْهَا تَصْدِيق فِي ذَلِك، ألزم رَسُول الله ﷺ ، عبدا مَا أقرَّ بِهِ على نَفسه، وَلم يَجْعَل ذَلِك حجَّة على أُخْته، فَأمرهَا بالاحتجاب. وَقَالَ الشَّافِعِي: رُؤْيَة ابْن زَمعَة لسودة مُبَاحَة، لكنه كرهه للشُّبْهَة، وأمرها بالتنزه عَنهُ اخْتِيَارا. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: هُوَ لَك ملك، يَعْنِي عبدا لِأَنَّهُ بَان وليدة أَبِيك، وكل أمة تَلد من غير سَيِّدهَا فولدها عبد، وَلم ينْقل فِي الحَدِيث اعْتِرَاف سَيِّدهَا بِوَطْئِهَا، وَلَا شهد بذلك عَلَيْهِ، فَلم يبْق إلَاّ الْقَضَاء بِأَنَّهُ عبد تبيع لأمه، لَا أَنه قضى لَهُ بِبَيِّنَة. وَأجَاب ابْن الْقصار بجوابين: أَحدهمَا: أَنه كَانَ يدعى: عبد بن زَمعَة، أَنه حر وَأَنه أَخُوهُ ولد على فرَاش أَبِيه،

стр. 3807

فَكيف يقْضِي لَهُ بِالْملكِ؟ وَلَو كَانَ مَمْلُوكا لعتق بِهَذَا القَوْل. وَالْآخر: أَنه لَو قضى لَهُ بِالْملكِ لم يقل الْوَلَد للْفراش، لِأَن الْمَمْلُوك لَا يلْحق بالفراش، ولكان يَقُول: هُوَ ملك لَك. وَقَالَ الْمُزنِيّ: يحْتَمل أَن يكون أجَاب فِيهِ على الْمَسْأَلَة. فأعلمهم بالحكم أَن هَذَا يكون إِذا ادّعى صَاحب فرَاش وَصَاحب زنا، لَا أَنه قَبِلَ قَول سعد على أَخِيه عتبَة، وَلَا على زَمعَة قَول ابْنه عبد بن زَمعَة أَنه أَخُوهُ، لِأَن كل اُحْدُ مِنْهُمَا أخبر عَن غَيره، وَقد قَامَ الْإِجْمَاع على أَنه لَا يقبل إِقْرَار أحد على غَيره، فَحكم بذلك ليعرفهم الحكم فِي مثله إِذا نزل. قَوْله: (أَخذ سعد ابْن وليدة زَمعَة) أَي: أَخذ سعد بن أبي وَقاص، وَهُوَ مَرْفُوع منون. وَقَوله: (ابْن وليدة) ، مَنْصُوب على أَنه مفعول، وَيَنْبَغِي أَن يكْتب: ابْن، بِالْألف. قَوْله: (هُوَ لَك يَا عبد بن زَمعَة) ، بِرَفْع عبد، وَيجوز نَصبه، وَكَذَا: ابْن، وَكَذَا قَوْله: يَا سَوْدَة بنت زَمعَة. قلت: أما وَجه الرّفْع وَالنّصب فَهُوَ أَن تَوَابِع الْمَبْنِيّ المفردة من التَّأْكِيد وَالصّفة وَعطف الْبَيَان ترفع على لَفظه، وتنصب على مَحَله بَيَانه: أَن لفظ عبد فِي: يَا عبد، منادى مَبْنِيّ على الضَّم، فَإِذا أكذ أَو اتّصف أَو عطف عَلَيْهِ يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ، كَمَا عرف فِي مَوْضِعه. قَوْله: (احتجبي مِنْهُ يَا سَوْدَة) ، أشكل مَعْنَاهُ قَدِيما على الْعلمَاء. فَذهب أَكثر الْقَائِلين بِأَن الْحَرَام لَا يحرم الْحَلَال، وَأَن الزِّنَا لَا تَأْثِير لَهُ فِي التَّحْرِيم، وَهُوَ قَول عبد الْملك بن الْمَاجشون، إلَاّ أَن قَوْله: كَانَ ذَلِك مِنْهُ على وَجه الِاحْتِيَاط والتنزه، وَأَن للرجل أَن يمْنَع امْرَأَته من رُؤْيَة أَخِيهَا، هَذَا قَول الشَّافِعِي. وَقَالَت طَائِفَة: كَانَ ذَلِك مِنْهُ لقطع الذريعة بعد حكمه بِالظَّاهِرِ، فَكَأَنَّهُ حكم بحكمين: حكم ظَاهر وَهُوَ: الْوَلَد للْفراش، وَحكم بَاطِن، وَهُوَ: الاحتجاب من أجل الشّبَه. كَأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ بِأَخ لَك يَا سَوْدَة إلَاّ فِي حكم الله تَعَالَى، فَأمرهَا بالاحتجاب مِنْهُ. قلت: وَمن هَذَا أَخذ أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد: أَن وَطْء الزِّنَا محرم، وَمُوجب للْحكم وَأَنه يجْرِي مجْرى الْوَطْء الْحَلَال فِي التَّحْرِيم مِنْهُ، وحملوا أمره، ﷺ ، لسودة بالاحتجاب على الْوُجُوب، وَهُوَ أحد قولي مَالك. وَفِي قَوْله الآخر: الْأَمر هَهُنَا للاستحباب، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأبي ثَوْر، وَذَلِكَ لأَنهم يَقُولُونَ: إِن وَطْء الزِّنَا لَا يحرم شَيْئا وَلَا يُوجب حكما، والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم، وَذكر فِي حكم أم الْوَلَد سَبْعَة أَقْوَال: الأول: يجوز عتقهَا على مَال صرح بِهِ ابْن الْقصار فِي (فَتَاوِيهِ) الثَّانِي: يجوز بيعهَا مُطلقًا، وَقد ذكرنَا الْخلاف فِيهِ. الثَّالِث: يجوز لسَيِّدهَا بيعهَا فِي حَيَاته، فَإِذا مَاتَ عتقت، وَحكي ذَلِك عَن الشَّافِعِي. الرَّابِع: أَنَّهَا تبَاع فِي الدّين، وَفِيه حَدِيث سَلامَة بن معقل فِي (سنَن أبي دَاوُد) . الْخَامِس: أَنَّهَا تبَاع، وَلَكِن إِن كَانَ وَلَدهَا مَوْجُودا عِنْد موت أَبِيه سَيِّدهَا حسب من نصِيبه إِن كَانَ ثمَّ مشارك لَهُ فِي التَّرِكَة، وَهُوَ مَذْهَب ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. السَّادِس: أَنه يجوز بيعهَا بِشَرْط الْعتْق، وَلَا يجوز بِغَيْرِهِ. السَّابِع: أَنَّهَا إِن عَقَّت وأبِقَتْ لم يجز بيعهَا، وَإِن فجرت أَو كفرت جَازَ بيعهَا. حُكيَ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَحكى الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي التَّوَقُّف. ٩ - (بابُ بَيْعِ المُدَبِّرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الْمُدبر: هَل يجوز أم لَا؟ وَقد ذكر هَذِه التَّرْجَمَة بِعَينهَا فِي كتاب الْبيُوع. ٤٣٥٢ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبِي إياسٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا عَمْرُ ابنُ دِينارٍ قَالَ سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ أعْتَقَ رَجُلٌ مِنَّا عَبْداً لَهُ عنْ دُبُرٍ فَدَعَا النبيُّ ﷺ بِهِ فَباعَهُ قَالَ جابِرٌ ماتَ الغُلامُ عامَ أوَّلَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث يُوضح حكم التَّرْجَمَة أَيْضا أَنه أطلقها، فَدلَّ أَن مذْهبه جَوَاز بيع الْمُدبر، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الْبيُوع مُسْتَوفى. قَوْله: (عَن دبر) بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وسكونها، وَاسم العَبْد: يَعْقُوب، وَالْمُعتق: أَبُو مَذْكُور، وَالْمُشْتَرِي: نعيم النحام. وَالثمن ثَمَانمِائَة دِرْهَم. قَوْله: (عَام أول) ، بِالصرْفِ وَعدم الصّرْف، لِأَنَّهُ إِمَّا: أفعل أَو فوعل، وَيجوز بِنَاؤُه على الضَّم، وَهَذِه الْإِضَافَة من إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى صفته، وَأَصله عَاما أول، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ اخْتِلَاف الْعلمَاء فِيهِ، فلنذكر هُنَا أَيْضا يعَض شَيْء. فَقَالَ قوم: يجوز بيع الْمُدبر وَيرجع فِيهِ مَتى شَاءَ، وَهُوَ قَول مُجَاهِد وطاووس، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر، وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الحَدِيث، قَالُوا: وَهُوَ مَذْهَب عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا باعت مُدبرَة لَهَا سحرتها.

стр. 3808

وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يجوز، روى ذَلِك عَن زيد بن ثَابت، وَابْن عمر، وَهُوَ قَول الشّعبِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب وَابْن أبي ليلى وَالنَّخَعِيّ، وَبِه قَالَ مَالك وَالثَّوْري وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ والكوفيون: لَا يُبَاع فِي دين وَلَا فِي غَيره إلَاّ فِي دين قبل التَّدْبِير، وَيُبَاع بعد الْمَوْت إِذا أغرقه الدّين، وَكَانَ التَّدْبِير قبل الدّين أَو بعده، وَعَن أبي حنيفَة: لَا يُبَاع فِي الدّين، وَلَكِن يستسعى للْغُرَمَاء، فَإِذا أدّى مَا لَهُم عتق، وَقَالَ ابْن التِّين: وَلم يخْتَلف قَول مَالك وَأَصْحَابه: أَن من دبر عَبده وَلَا دين عَلَيْهِ أَنه لَا يجوز بَيْعه وَلَا هِبته وَلَا نقض تَدْبيره مَا دَامَ حَيا، خلافًا للشَّافِعِيّ. وَفِي (التَّوْضِيح) يخرج الْمُدبر بعد موت سَيّده من ثلثه. وَقَالَ دَاوُد: يخرج من جَمِيع المَال، فَإِن لم يحملهُ الثُّلُث رق مَا لم يحملهُ الثُّلُث مِنْهُ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يسْعَى فِي فكاك رقبته، فَإِن مَاتَ سَيّده وَعَلِيهِ دين سعى للْغُرَمَاء، وَيخرج حَيا. ٠١ - (بابُ بَيْعِ الوَلاءِ وَهِبَتِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الْوَلَاء وهبته: هَل يجوز أم لَا؟ وَحَدِيث الْبَاب يدل على أَنه لَا يجوز، وَالْوَلَاء بِفَتْح الْوَاو، وبالمد هُوَ حق إِرْث الْمُعْتق من الْعَتِيق، وَهَذَا يُسمى: وَلَاء الْعتَاقَة، وَسَببه الْعتْق لَا الْإِعْتَاق، لِأَنَّهُ إِذا ورث قَرِيبه يعْتق عَلَيْهِ، وَيكون وَلَاؤُه لَهُ وَلَو كَانَ سَببه الْإِعْتَاق لما ثَبت لَهُ الْوَلَاء، لِأَنَّهُ لم يُوجد الْإِعْتَاق. ٥٣٥٢ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ أخْبرني عَبْدُ الله بنُ دِينارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما يَقول نَهى رسولُ الله ﷺ عنْ بَيْعِ الوَلاءِ وعنْ هِبَتِهِ. (الحَدِيث ٥٣٥٢ طرفه فِي: ٦٥٧٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يبين الْإِبْهَام الَّذِي فِيهَا. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْعتْق عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْفَرَائِض عَن حَفْص بن عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن عبد الْملك قَوْله: (نهى رَسُول الله ﷺ ، إِلَى آخِره يَعْنِي وَلَاء الْعتْق وَهُوَ مَا إِذا مَاتَ الْمُعْتق وَرثهُ مُعْتقه أَو وَرَثَة مُعْتقه. وَكَانَت الْعَرَب تبيعه وتهبه، فَنهى عَنهُ الشَّارِع لِأَن الْوَلَاء كالنسب، فَلَا يَزُول بالإزالة. وفقهاء الْحجاز وَالْعراق مجمعون على أَنه: لَا يجوز بيع الْوَلَاء وَلَا هِبته، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر. وَفِيه قَول ثَان: روى أَن مَيْمُونَة بنت الْحَارِث وهبت وَلَاء مواليها من الْعَبَّاس، وَأَن عُرْوَة ابْتَاعَ وَلَاء طهْمَان لوَرَثَة مُصعب بن الزبير، وَذكر عبد الرَّزَّاق عَن عَطاء أَنه: يجوز للسَّيِّد أَن يَأْذَن لعَبْدِهِ أَن يوالي من شَاءَ، وَهَذَا هُوَ هبة الْوَلَاء، وَصَحَّ من حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا: الْوَلَاء لحْمَة كلحمة النّسَب لَا يُبَاع وَلَا يُورث، صَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَالْحَاكِم، وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد، وَخَالفهُ الْبَيْهَقِيّ فأعله، وَذكره ابْن بطال من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن نَافِع عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: الْوَلَاء لحْمَة كالنسب، وَأوردهُ ابْن التِّين بِزِيَادَة، بِلَفْظ: لَا يحل بَيْعه وَلَا هِبته، ثمَّ قَالَ: وَعَلِيهِ جَمَاهِير أهل الْعلم، وَقَامَ الْإِجْمَاع على أَنه: لَا يجوز تَحْويل النّسَب، وَقد نسخ الله تَعَالَى الْمَوَارِيث بالتبني بقوله: ﴿ادعوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿ومواليكم﴾ (الْأَحْزَاب: ٥) . وَلعن رَسُول الله ﷺ ، من انتسب إِلَى غير أَبِيه، فَكَانَ حكم الْوَلَاء كَحكم النّسَب فِي ذَلِك، فَكَمَا لَا يجوز بيع النّسَب وَلَا هِبته، كَذَلِك الْوَلَاء، وَلَا نَقله وَلَا تحويله، وَإنَّهُ للْمُعْتق كَمَا قَالَ ﷺ . ٦٣٥٢ - حدَّثنا عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتِ اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ فاشْتَرَطَ أهْلُهَا وَلاءَها فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أعْتِقِيها فإنَّ الوَلاءَ لِمَنْ أعْطَى الوَرِقَ فأعْتَقْتُها فَدَعاها النبيُّ ﷺ فَخَيَّرَها منْ زَوْجِها فقالَتْ لَوْ أعْطَانِي كَذَا وكذَا مَا ثَبَتُّ عِنْدَهُ فاخْتارَتْ نَفْسَها.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله ﷺ : (فَإِن الْوَلَاء لمن أعْطى الْوَرق) فَهَذَا يدل على أَن الْوَلَاء لَا ينْقل، فَإِذا لم يجز نَقله لَا يجوز بَيْعه وَلَا هِبته. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب البيع وَالشِّرَاء مَعَ النِّسَاء أخرجه من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة وَمن رِوَايَة نَافِع عَن ابْن عمر: أَن عَائِشَة ساومت، وَفِي: بَاب، إِذا اشْترط شُرُوطًا فِي البيع لَا يحل، من رِوَايَة

стр. 3809

مَالك عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة. وَأخرجه هُنَا عَن عُثْمَان عَن جرير بن عبد الحميد عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن الْأسود بن يزِيد عَن عَائِشَة، وَأخرجه أَيْضا فِي الْفَرَائِض عَن مُحَمَّد بن جرير وَفِيه أَيْضا عَن مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل عَن أبي عوَانَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبيُوع وَفِي الْوَلَاء عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْبيُوع وَفِي الطَّلَاق وَفِي الْفَرَائِض عَن قُتَيْبَة عَن جرير بِهِ، وَذكر قصَّة التَّخْيِير فِي الْبيُوع وَفِي الطَّلَاق دون الْفَرَائِض. قَوْله: (بَرِيرَة) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الرَّاء الأولى، وَكَانَت وليدة لبني هِلَال، كَذَا فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَن أبي الزبير عَن عُرْوَة، قَوْله: (لم أعْطى الْوَرق) ، بِفَتْح الْوَاو وَكسر الرَّاء، وَهِي الدَّرَاهِم المضروبة، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: وَإِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعْطى الثّمن أَو لمن مَعَه النِّعْمَة. قَوْله: (فَخَيرهَا من زَوجهَا) لِأَن زَوجهَا كَانَ عبدا على الْأَصَح، وَإِذا كَانَ زوج الْأمة حرا خيرت عندنَا أَيْضا. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا تخير، وروى مُسلم عَن عَائِشَة أَن زَوجهَا كَانَ عبدا فَخَيرهَا النَّبِي ﷺ ، وروى البُخَارِيّ وَمُسلم أَيْضا عَنْهَا أَن زوج بَرِيرَة كَانَ حرا حِين أعتقت، وَالْعَمَل بِهَذَا أولى لثُبُوت الْحُرِّيَّة لاتفاقهم أَنه كَانَ قتل عبدا. ونقول بِمُوجب الْحَدِيثين جمعا بَين الدَّلِيلَيْنِ، وَلَا فرق فِي هَذَا بَين القنة وَأم الْوَلَد والمدبرة وَالْمُكَاتبَة، وَزفر يخالفنا فِي الْكِتَابَة. ١١ - (بابٌ إذَا أُسِرَ أخُو الرَّجُلِ أوْ عَمُّهُ هَلْ يُفادَى إذَا كانَ مُشْرِكاً) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أسر أَخُو الرجل أَو عَمه هَل يفادى؟ من فاداه يفاديه مفاداة: إِذا أعْطى فداءه، وأنقذه. وَقيل: المفاداة أَن يَفتكَّ الْأَسير بأسير مثله، وَفِي (الْمغرب) : فدَاه من الْأسر فدَاء: استنقذه مِنْهُ بِمَال، والفدية اسْم ذَلِك المَال، والمفاداة بَين اثْنَيْنِ. وَقَالَ الْمبرد: المفاداة أَن تدفع رجلا وَتَأْخُذ رجلا وَالْفِدَاء أَن تشتريه. وَقيل: هما بِمَعْنى قلت: يفادى هُنَا بِمَعْنى: أَن يُعْطي مَالا ويستنقذ الْأَسير. قَوْله: (إِذا كَانَ) ، أَي: أَخُوهُ أَو عَمه مُشْركًا من أهل دَار الْحَرْب، وَإِنَّمَا قَالَ البُخَارِيّ: هَل يفادى؟ بالاستفهام على سَبِيل الاستخبار، وَلم يبين حكم الْمَسْأَلَة. وَاقْتصر على ذكر أخي الرجل وَعَمه من بَين سَائِر ذَوي رَحمَه، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ترك بَيَان حكم الْمَسْأَلَة لأجل الْخلاف فِيهِ على مَا نبينه، وَأما اقْتِصَاره على الْأَخ وَالْعم فَلِأَنَّهُ استنبط من حَدِيث الْبَاب أَن الْأَخ وَالْعم لَا يعتقان على من ملكهمَا، وَكَذَلِكَ ابْن الْعم، لِأَن النَّبِي ﷺ قد ملك من عَمه الْعَبَّاس وَمن ابْن عَمه عقيل بِالْغَنِيمَةِ الَّتِي لَهُ فِيهَا نصيب، وَكَذَلِكَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قد ملك من أَخِيه عقيل وَعَمه الْعَبَّاس وَلم يعتقا عَلَيْهِ. وَأما بَيَان الِاخْتِلَاف فِيمَن يعْتق على الرجل إِذا ملكه، فَذهب مَالك إِلَى أَنه لَا يعْتق عَلَيْهِ إلَاّ أهل الْفَرَائِض فِي كتاب الله تَعَالَى، وهم: الْوَلَد ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى، وَولد الْوَلَد، وَإِن سفلوا، وَأَبوهُ وأجداده وجداته من قبل الْأَب وَالأُم وَإِن بعدوا، وَإِخْوَته لِأَبَوَيْنِ أَو لأَب أَو لأم، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي إلَاّ فِي الْأُخوة: فَإِنَّهُم لَا يعتقون، وحجته فِيهِ: أَن عقيلاً كَانَ أَخا عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَلم يعْتق عَلَيْهِ بِمَا ملك من نَفسه من الْغَنِيمَة مِنْهُ. وَعند الْحَنَفِيَّة: كل من ملك ذَا رحم محرم مِنْهُ عتق عَلَيْهِ، وَذُو الرَّحِم الْمحرم كل شَخْصَيْنِ يدليان إِلَى أصل وَاحِد بِغَيْر وَاسِطَة: كالأخوين، أَو أَحدهمَا بِوَاسِطَة، وَالْآخر بواسطتين، كالعم وَابْن الْعم، وَلَا يعْتق ذُو رحم غير محرم كبني الْأَعْمَام والأخوال وَبني العمات والخالات، وَلَا محرم غير ذِي رحم كالمحرمات بالصهرية، أَو الرَّضَاع إِجْمَاعًا، وَيَقُول الْحَنَفِيَّة قَالَ أَحْمد وَعنهُ كَقَوْل الشَّافِعِي. وَفِي (حاوي) الْحَنَابِلَة: وَمن ملك ذَا رحم محرم عتق عَلَيْهِ، وَعنهُ: لَا يعْتق إلَاّ عَمُود النّسَب. وَحجَّة الْحَنَفِيَّة فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة من حَدِيث سَمُرَة بن جُنْدُب، قَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل قَالَا: حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة بن جُنْدُب عَن النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ مُوسَى فِي مَوضِع آخر: عَن سَمُرَة بن جُنْدُب فِيمَا يحْسب حَمَّاد، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من ملك ذَا رحم محرم فَهُوَ حر) ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا عبد الله بن مُعَاوِيَة الجُمَحِي الْبَصْرِيّ حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (من ملك ذَا رحم محرم فَهُوَ حر) . وَقَالَ النَّسَائِيّ: أخبرنَا مُحَمَّد بن الْمثنى، قَالَ: حَدثنَا حجاج وَأَبُو دَاوُد، قَالَا: حَدثنَا حَمَّاد عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (من ملك ذَا محرم فَهُوَ حر) ، وَقَالَ ابْن مَاجَه: حَدثنَا عقبَة بن مكرم وَإِسْحَاق بن مَنْصُور، قَالَا: حَدثنَا مُحَمَّد بن بكر البرْسَانِي عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة وَعَاصِم عَن الْحسن عَن سَمُرَة بن جُنْدُب عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (من ملك ذَا رحم محرم فَهُوَ حر) ، وَقَالَ بَعضهم: أَشَارَ البُخَارِيّ بترجمة هَذَا الْبَاب

стр. 3810

إِلَى تَضْعِيف حَدِيث سَمُرَة هَذَا، واستنكره ابْن الْمَدِينِيّ، وَرجح التِّرْمِذِيّ إرْسَاله، وَقَالَ البُخَارِيّ: لَا يَصح. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: وَتفرد بِهِ حَمَّاد، وَكَانَ يشك فِي وَصله، وَغَيره يرويهِ عَن قَتَادَة عَن الْحسن. قَوْله: وَعَن قَتَادَة عَن عمر قَوْله: مُنْقَطِعًا، أخرج ذَلِك النَّسَائِيّ. قلت: مَا وَجه دلَالَة هَذِه التَّرْجَمَة على ضعف هَذَا الحَدِيث؟ فَمَا هَذِه الدّلَالَة؟ هَل هِيَ لفظية أَو عقلية؟ والْحَدِيث أخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من طَرِيق أَحْمد بن حَنْبَل عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَاصِم الْأَحول وَقَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة مَرْفُوعا، وَسكت عَنهُ، ثمَّ أخرجه عَن ضَمرَة بن ربيعَة عَن سُفْيَان عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: (من ملك ذَا رحم فَهُوَ حر) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ، والمحفوط: عَن سَمُرَة بن جُنْدُب، وَصَححهُ أَيْضا ابْن حزم وَابْن الْقطَّان، وَقَالَ ابْن حزم: هَذَا خبر صَحِيح تقوم بِهِ الْحجَّة كل من رُوَاته ثِقَات. انْتهى. وَلَئِن سلمنَا مَا قَالُوا، فَمَا يقلون فِي حَدِيث ضَمرَة ابْن ربيعَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَهَذَا فِيهِ الْكِفَايَة فِي الِاحْتِجَاج؟ فَإِن قلت: قَالُوا: تفرد بِهِ ضَمرَة. قلت: لَيْسَ انْفِرَاده بِهِ دَلِيلا على أَنه غير مَحْفُوظ وَلَا يُوجب ذَلِك عِلّة فِيهِ، لِأَنَّهُ من الثِّقَات المأمونين لم يكن بِالشَّام رجل يُشبههُ، كَذَا قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل. وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة مَأْمُونا لم يكن هُنَاكَ أفضل مِنْهُ، وَقَالَ ابْن يُونُس: كَانَ فَقِيه أهل فلسطين فِي زَمَانه. والْحَدِيث إِذا انْفَرد بِهِ مثل هَذَا كَانَ صَحِيحا، وَلَا يضرّهُ تفرده. وقالَ أنَسٌ قَالَ العَبَّاسُ لِلْنَّبِيِّ ﷺ : فأدَّيْتُ نَفْسِي وفاديْتُ عَقيلاً هَذَا التَّعْلِيق جُزْء من حَدِيث مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الْقِسْمَة، وَتَعْلِيق القنو فِي الْمَسْجِد. أخرجه هُنَاكَ فَقَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس، قَالَ: أُتِي النَّبِي، ﷺ ، بِمَال من الْبَحْرين ... الحَدِيث، وَفِيه: جَاءَهُ الْعَبَّاس فَقَالَ: يَا رَسُول الله ﴿أَعْطِنِي، فَإِنِّي فاديت نَفسِي وفاديت عقيلاً ... إِلَى آخِره. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ مَوْصُولا، فَقَالَ: أَخْبرنِي أَبُو الطّيب مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله، حَدثنَا مُحَمَّد بن عِصَام حَدثنَا حَفْص بن عبد الله حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن طهْمَان ... إِلَى آخِره وعباس عَم النَّبِي، ﷺ ، لما أسر فِي وقْعَة بدر فَأدى نَفسه بِمِائَة أُوقِيَّة من ذهب، قَالَه ابْن إِسْحَاق، وَقَالَ ابْن كثير فِي (تَفْسِيره) : وَهَذِه الْمِائَة عَن نَفسه وَعَن بني أَخِيه عقيل وَنَوْفَل، وروى هِشَام بن الْكَلْبِيّ عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ: فدى الْعَبَّاس نَفسه بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ من كل وَاحِد من الأسرى أَرْبَعِينَ أُوقِيَّة، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : أضعفوها على الْعَبَّاس، فَقَالَ: تَرَكتنِي فَقِيرا مَا عِشْت أسأَل الله. قَالَ رَسُول الله ﷺ : (فَأَيْنَ المَال الَّذِي تركته عِنْد أم الْفضل) ، وَذكره فَقَالَ: يَا ابْن أخي من أعلمك؟ فوَاللَّه مَا كَانَ عندنَا ثَالِث. فَقَالَ: (أَخْبرنِي الله) ، فَقَالَ أشهد أَنَّك لصَادِق وَمَا علمت أَنَّك رَسُول الله قبل الْيَوْم، وَأسلم وَأمر إبني إخيه، فَأَسْلمَا. قَالَ ابْن عَبَّاس: وَفِيه نزل: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي قل لمن فِي أَيْدِيكُم من الْأُسَارَى أَن يعلم الله فِي قُلُوبكُمْ﴾ (الْأَنْفَال: ٠٧) . الْآيَة، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: عَن يزِيد بن رُومَان عَن عُرْوَة عَن الزُّهْرِيّ عَن جمَاعَة، سماهم. قَالُوا: بعثت قُرَيْش إِلَى رَسُول الله ﷺ فِي فدَاء أسرائهم، ففدى كل قوم أسيرهم بِمَا رَضوا، وَقَالَ الْعَبَّاس: يَا رَسُول الله قد كنت مُسلما. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : (الله أعلم بِإِسْلَامِك، فَإِن يكن كَمَا تَقول فَالله يجْزِيك، وَأما ظاهرك فقد كَانَ علينا فافتدِ نَفسك وَابْني أَخِيك نَوْفَل بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَعقيل بن أبي طَالب بن عبد الْمطلب، وَحَلِيفك عتبَة بن عَمْرو أخي بني الْحَارِث بن فهر) قَالَ: مَا ذَاك عِنْدِي يَا رَسُول الله﴾ قَالَ: (فإين المَال الَّذِي دَفَنته أَنْت وَأم الْفضل؟ قَالَ: فَقلت لَهَا: إِن أصبت فِي سَفَرِي هَذَا فَهَذَا المَال الَّذِي دَفَنته لبني الْفضل وَعبد الله وَقثم) قَالَ: وَالله إِنِّي لأعْلم أَنَّك رَسُول الله إِن هَذَا شَيْء مَا علمه أحد غَيْرِي وَغير أم الْفضل، فَاحْسبْ لي يَا رَسُول الله مَا أصبْتُم مني عشْرين أُوقِيَّة من مَال كَانَ معي. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : لَا، ذَاك شَيْء أَعْطَانَا الله مِنْك، ففدى نَفسه وَابْني أَخَوَيْهِ وَحَلِيفه، فَأنْزل الله عزوجل فِيهِ: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي قل لمن فِي أَيْدِيكُم من الْأُسَارَى ... ﴾ (الْأَنْفَال: ٠٧) . الْآيَة قَالَ الْعَبَّاس: فَأَعْطَانِي الله مَكَان الْعشْرين أُوقِيَّة فِي الْإِسْلَام عشْرين عبدا، كلهم فِي يَده مَال يضْرب بِهِ مَعَ مَا أَرْجُو من مغْفرَة الله، . وَاخْتلفُوا فِي الَّذِي أسر الْعَبَّاس، فَقيل: ملك من الْمَلَائِكَة، وَقيل: أسره أَبُو الْيُسْر كَعْب بن عَمْرو وأخو بني سَلمَة الْأنْصَارِيّ وَكَانَ الْعَبَّاس جسيماً وَأَبُو الْيُسْر مجموعاً، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : (كَيفَ أسرت الْعَبَّاس؟) فَقَالَ: أعانني عَلَيْهِ رجل مَا رَأَيْته قطّ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : (أعانك عَلَيْهِ ملك كريم) . وَقيل

стр. 3811

أسره عبيد الله بن أَوْس الْأنْصَارِيّ من بني ظفر وَسمي: بمقرن، قَالَ الْوَاقِدِيّ: وَإِنَّمَا سمي بِهِ لِأَنَّهُ قرن بَين الْعَبَّاس وَنَوْفَل وَعقيل بجبل، فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُول الله ﷺ قَالَ: (لقد أعانك عَلَيْهِم ملك كريم) ، وَقَالَ إِبْنِ إِسْحَاق وَلما أسر الْعَبَّاس بَات رَسُول الله ﷺ ساهراً تِلْكَ اللَّيْلَة، فَقيل لَهُ: مَالك لَا تنام؟ فَقَالَ: (يَمْنعنِي أَمر الْعَبَّاس) ، وَكَانَ موثقًا بالقيد، فأطلقوه فَنَامَ رَسُول الله ﷺ . وكانَ عَلِيٌّ لَهُ نَصِيبٌ فِي تِلْكَ الْغَنِيمَةِ الَّتِي أصابَ مِنْ أخِيهِ عَقِيلٍ ومِنْ عَمِّهِ عَبَّاسٍ هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ ذكره فِي معرض الِاسْتِدْلَال على أَنه لَا يعْتق الْأَخ وَلَا الْعم بِمُجَرَّد الْملك، إِذْ لَو عتقا لعتق الْعَبَّاس وَعقيل على عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي حِصَّته من الْغَنِيمَة، وَأجِيب: بِأَن الْكَافِر لَا يملك بِالْغَنِيمَةِ ابْتِدَاء، بل يتَخَيَّر فِيهِ بَين الْقَتْل والاسترقاق وَالْفِدَاء، فَلَا يلْزم الْعتْق بِمُجَرَّد الْغَنِيمَة.

стр. 3812

٢١ - (بابُ عِتْق الْمُشرِكِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم عتق الْمُشرك والمصدر مُضَاف إِلَى فَاعله، وَالْمَفْعُول مَتْرُوك، وَقَالَ بَعضهم يحْتَمل أَن يكون مُضَافا إِلَى الْفَاعِل أَو إِلَى الْمَفْعُول، وعَلى الثَّانِي جرى ابْن بطال، فَقَالَ: لَا خلاف فِي جَوَاز عتق الْمُشرك تَطَوّعا، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي عتقه عَن الْكَفَّارَة. انْتهى. قلت: الِاحْتِمَال الَّذِي ذكره مَوْجُود، وَلَكِن المُرَاد الْإِضَافَة إِلَى الْفَاعِل وإلَاّ لَا تقع الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة. وَقَول ابْن بطال: لَا خلاف فِي جَوَاز عتق الْمُشرك تَطَوّعا، لَا يسْتَلْزم تعْيين كَون الْإِضَافَة إِلَى الْمَفْعُول، وَلَو كَانَ قصد هَذَا يرد لِئَلَّا تنخرم الْمُطَابقَة. ٨٣٥٢ - حدَّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا أَبُو أُسَامةَ عنْ هِشَامٍ قَالَ أخْبَرَنِي أبي أنَّ حكِيمَ ابنَ حِزَامٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أعْتَقَ فِي الجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبةٍ وحَمَلَ عَلى بَعِيرٍ فلَمَّا أسْلَمَ حَمَلَ عَلى مائَةِ بَعِيرٍ وأعْتَقَ مِائَةَ رَقَبةٍ قَالَ فَسَألْتُ رسولَ الله ﷺ فَقلْتُ يَا رسولَ الله أرَأيْتَ أشْيَاءَ كُنْتُ أصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ كُنْتُ أتَحَنَّثُ بِها يَعْنِي أتَبَرَّرُ بِها قَالَ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ أسْلَمْتَ علَى مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة كَمَا نبهنا عَلَيْهِ الْآن. وَعبيد، بِضَم الْعين: ابْن إِسْمَاعِيل، واسْمه فِي الأَصْل: عبد الله يعْنى أَبَا مُحَمَّد الْقرشِي الْكُوفِي وَهُوَ من أَفْرَاده. وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة. وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير يروي عَن أَبِيه عُرْوَة. وَحَكِيم، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الْكَاف: ابْن حزَام، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي المخففة: ابْن خويلد بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي الْقرشِي الْأَسدي، وَهُوَ ابْن أخي خَدِيجَة بنت خويلد، وَابْن عَم الزبير بن الْعَوام، ولد فِي بطن الْكَعْبَة لِأَن أمه صَفِيَّة وَقيل: فَاخِتَة بنت زُهَيْر بن الْحَارِث دخلت الْكَعْبَة فِي نسْوَة من قُرَيْش وَهِي حَامِل، فَأَخذهَا الطلق فَولدت حكيماً بهَا، وَهُوَ من مُسلم الْفَتْح، وعاش مائَة وَعشْرين سنة، سِتُّونَ سنة فِي الْإِسْلَام وَسِتُّونَ سنة فِي الْجَاهِلِيَّة، وَمَات سنة أَربع وَخمسين فِي أَيَّام مُعَاوِيَة، وَقد مضى بعض هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب من تصدق فِي الشّرك ثمَّ أسلم، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ تعدد مَوْضِعه وَأَن مُسلما أخرجه. قَوْله: (إِن حَكِيم بن حزَام) ، ظَاهره الْإِرْسَال، لِأَن عُرْوَة لم يدْرك زمن ذَلِك، لَكِن. قَوْله: (قَالَ: فَسَأَلت) يُوضح الْوَصْل، لِأَن فَاعل: قَالَ، هُوَ: حَكِيم، فَكَأَن عُرْوَة قَالَ: قَالَ حَكِيم، فَيكون بِمَنْزِلَة قَوْله عَن حَكِيم، وَالدَّلِيل على ذَلِك رِوَايَة مُسلم فَإِنَّهُ أخرجه من طَرِيق أبي مُعَاوِيَة عَن هِشَام، فَقَالَ عَن أَبِيه عَن حَكِيم بن حزَام. قَوْله: (حمل على مائَة بعير) ، أَي: فِي الْحَج، لما رُوِيَ: أَنه حج فِي الْإِسْلَام وَمَعَهُ مائَة بَدَنَة قد جللها بالحبرة، ووقف بِمِائَة عبد، وَفِي أَعْنَاقهم أطواق الْفضة فَنحر وَأعْتق الْجَمِيع. قَوْله: (أَرَأَيْت؟) مَعْنَاهُ: أَخْبرنِي. قَوْله: (أتحنث) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة. قَوْله: (يَعْنِي: أتبرَّر بهَا) ، هَذَا تَفْسِير الْحِنْث، وَهُوَ بِالْبَاء الْمُوَحدَة وبراءين: أولاهما ثَقيلَة أَي: أطلب بهَا الْبر وَالْإِحْسَان إِلَى النَّاس، والتقرب إِلَى الله تَعَالَى. وَالْبر، بِكَسْر الْبَاء: الطَّاعَة وَالْعِبَادَة، وَهَذَا التَّفْسِير من هِشَام بن عُرْوَة دلّ عَلَيْهِ رِوَايَة مُسلم حَيْثُ قَالَ: عَن حَكِيم بن حزَام، قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله! أَشْيَاء كنت أَفعَلهَا فِي الْجَاهِلِيَّة، قَالَ هِشَام: يَعْنِي: أتبرر بهَا، وَهَذَا صَرِيح أَن الَّذِي فسر بقوله، يَعْنِي: أتبرر بهَا، هُوَ هِشَام بن عُرْوَة دون غَيره من الروَاة، وَلَا البُخَارِيّ نَفسه فَافْهَم. وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: أَن عتق الْمُشرك على وَجه التَّطَوُّع جَائِز لهَذَا الحَدِيث حَيْثُ جعل عتق الْمِائَة رَقَبَة فِي الْجَاهِلِيَّة من فعال الْخَيْر المجازى بهَا عِنْد الله المتقرب بهَا إِلَيْهِ بعد الْإِسْلَام، وَهُوَ قَوْله: (أسلمت على مَا سلم لَك من خير) ، وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ صِحَة التَّقَرُّب فِي حَال الْكفْر، بل إِذا أسلم ينْتَفع بذلك الْخَيْر الَّذِي فعله فِي الْكفْر، وَدلّ ذَلِك على أَن مُسلما لَو أعتق كَافِرًا لَكَانَ مأجوراً على عتقه، لِأَن حكيماً لما جعل لَهُ الْأجر على مَا فعل فِي الْجَاهِلِيَّة بِالْإِسْلَامِ الَّذِي صَار إِلَيْهِ فَلم يكن الْمُسلم الَّذِي فعل مثل فعله فِي الْإِسْلَام بِدُونِ حَال حَكِيم، بل هُوَ أولى بِالْأَجْرِ، وَاخْتلف فِي عتق الْمُشرك فِي كَفَّارَة الْيَمين، وَالظِّهَار، فعندنا يجوز،

стр. 3813

وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: لَا يجوز كَمَا فِي قتل الْخَطَأ، وَعَن أَحْمد كَقَوْلِنَا وَعنهُ: يجوز مُطلقًا، وَلنَا إِطْلَاق النُّصُوص وَآيَة الْقَتْل مُقَيّدَة بِالْإِيمَان، وَالْأَصْل فِي كل نَص أَن يعْمل بِمُقْتَضَاهُ إطلاقاً وتقييداً. ٣١ - (بابُ مَنْ مَلَكَ مِنَ الْعَرَبِ رَقيقاً فوَهَبَ وباَعَ وجامعَ وفَداى وسَباى الذُّرِّيَّةَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من ملك من الْعَرَب رَقِيقا، وَالْعرب الجيل الْمَعْرُوف من النَّاس وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَسَوَاء أَقَامَ بالبادية أَو المدن، والأعراب ساكنوا الْبَادِيَة من الْعَرَب الَّذين لَا يُقِيمُونَ فِي الْأَمْصَار وَلَا يدْخلُونَ بهَا إلَاّ لحَاجَة، وَالنّسب إِلَيْهَا أَعْرَابِي وعربي. وَاخْتلف فِي نسبتهم، وَالأَصَح: أَنهم نسبوا إِلَى عربة، بِفتْحَتَيْنِ: وَهِي من تهَامَة، لِأَن أباهم إِسْمَاعِيل، ﵊، نَشأ بهَا. قَوْله: (فوهب) إِلَى آخِره، تَفْصِيل قَوْله: ملك، فَذكر خَمْسَة أَشْيَاء: الْهِبَة وَالْبيع وَالْجِمَاع والفدى والسبي، وَذكر فِي الْبَاب أَرْبَعَة أَحَادِيث وَبَين فِي كلِّ حديثٍ حُكْمَ كلِّ وَاحِد مِنْهَا غير البيع، وَهُوَ أَيْضا مَذْكُور فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي بعض طرقه، كَمَا سَيَجِيءُ بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى، ومفعولات: وهب وَبَاعَ وجامع وفدى محذوفة. قَوْله: (وسبى) ، عطف على قَوْله: ملك (والذرية) نسل الثقلَيْن، يُقَال: ذرا الله الْخلق، أَي: خلقهمْ وَأَرَادَ البُخَارِيّ بِعقد هَذِه التَّرْجَمَة بَيَان الْخلاف فِي استرقاق الْعَرَب، وَالْجُمْهُور على أَن الْعَرَبِيّ إِذا سبي جَازَ أَن يسترق، وَإِذا تزوج أمة بِشَرْطِهِ كَانَ وَلَدهَا رَقِيقا تبعا لَهَا، وَبِه قَالَ مَالك وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ، وحجتهم أَحَادِيث الْبَاب، وَبِه قَالَ الْكُوفِيُّونَ: وَقَالَ الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو ثَوْر: يلْزم سيد الْأمة أَن يقومه على أَبِيه ويلتزم أَبوهُ بأَدَاء الْقيمَة، وَلَا يسترق، وَهُوَ قَول سعيد بن الْمسيب، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ لِابْنِ عَبَّاس: لَا يسترق ولد عَرَبِيّ من أَبِيه، وَقَالَ اللَّيْث: أما مَا رُوِيَ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من فدَاء ولد الْعَرَب من الولائد، إِنَّمَا كَانَ من أَوْلَاد الْجَاهِلِيَّة، وَفِيمَا أقرّ بِهِ الرجل من نِكَاح الْإِمَاء فَأَما الْيَوْم فَمن تزوج أمة وَهُوَ يعلم أَنَّهَا أمة، فولده عبد لسَيِّدهَا عَرَبيا كَانَ أَو قريشياً أَو غَيره. وقوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ضرَبَ الله مَثَلاً عبْداً مَمْلُوكاً لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ومَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وجَهْرَاً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لله بَلْ أكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (النَّحْل: ٥٧) . وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: (من ملك) ، لِأَنَّهُ فِي مَحل الْجَرّ بِالْإِضَافَة، وَفِيه التَّقْدِير الْمَذْكُور، وَهُوَ: بَاب فِي بَيَان من ملك الْعَرَب، وَفِي ذكر قَول الله تَعَالَى: ﴿ضرب الله مثلا﴾ (النَّحْل: ٥٧) . وَفِي بعض النّسخ: وَقَول الله تَعَالَى. قيل: وَجه مُنَاسبَة الْآيَة للتَّرْجَمَة من جِهَة أَن الله تَعَالَى أطلق العَبْد الْمَمْلُوك وَلم يُقَيِّدهُ بِكَوْنِهِ عجمياً، فَدلَّ على أَن لَا فرق فِي ذَلِك بَين الْعَرَبِيّ والعجمي. قَوْله: ﴿ضرب الله مثلا عبدا مَمْلُوكا﴾ (النَّحْل: ٤٧) . لما نهى الله تَعَالَى الْمُشْركين عَن ضرب الْأَمْثَال بقوله: قبل هَذِه الْآيَة: ﴿فَلَا تضربوا لله الْأَمْثَال﴾ (النَّحْل: ٤٧) . أَي: الْأَشْبَاه والأشكال، إِن الله يعلم مَا يكون قبل أَن يكون وَمَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، علمهمْ كَيفَ يضْرب الْأَمْثَال، فَقَالَ: مثلكُمْ فِي إشراككم بِاللَّه الْأَوْثَان من سوَّى بَين عبد مَمْلُوك عَاجز عَن التَّصَرُّف، وَبَين حر مَالك قد يرزقه الله مَالا، ويتصرف فِيهِ وَينْفق كَيفَ يَشَاء. قَوْله: (عبدا مَمْلُوكا) إِنَّمَا ذكر الْمَمْلُوك ليمين بَينه وَبَين الْحر، لِأَن اسْم العَبْد يَقع عَلَيْهِمَا إِذْ هما من عباد الله تَعَالَى. قَوْله: (لَا يقدر على شَيْء) أَي: لَا يملك مَا بِيَدِهِ وَإِن كَانَ بَاقِيا مَعَه، لِأَن للسَّيِّد انْتِزَاعه مِنْهُ وَيخرج مِنْهُ الْمكَاتب والمأذون لَهُ، لِأَنَّهُمَا يقدران على التَّصَرُّف. فَإِن قلت: من، فِي ﴿وَمن رزقناه﴾ (النَّحْل: ٥٧) . مَا هِيَ؟ قلت: الظَّاهِر أَنَّهَا مَوْصُوفَة كَأَنَّهُ قيل: وحراً رزقناه ليطابق عبدا، وَلَا يمْتَنع أَن تكون مَوْصُولَة، وَإِنَّمَا قَالَ: هَل يستوون، بِالْجمعِ، لِأَن الْمَعْنى: هَل يَسْتَوِي الْأَحْرَار وَالْعَبِيد، فَالْمُرَاد الشُّيُوع فِي الْجِنْس لَا التَّخْصِيص، ثمَّ قَالَ: ﴿الْحَمد لله بل أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ﴾ (النَّحْل: ٥٧) . أَن الْحَمد لي وَجَمِيع النعم مني. ثمَّ اعْلَم أَن الْمُفَسّرين اخْتلفُوا فِي معنى هَذِه الْآيَة، فَقَالَ مُجَاهِد وَالضَّحَّاك: هَذَا الْمثل لله تَعَالَى وَمن عبد دونه، وَقَالَ قَتَادَة: هَذَا الْمثل لِلْمُؤمنِ وَالْكَافِر، فَذهب إِلَى أَن العَبْد الْمَمْلُوك هُوَ الْكَافِر، لِأَنَّهُ لَا ينْتَفع فِي الْآخِرَة بِشَيْء من عمله. قَوْله: ﴿وَمن رزقناه منَّا رزقا حسنا﴾ (النَّحْل: ٥٧) . هُوَ الْمُؤمن.

стр. 3814

٠٤٥٢ - حدَّثنا ابنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ أخْبَرني اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ ذكَرَ عُرْزَةُ أأ مَرْوانَ والمِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ قَالَ أخبراهُ أنَّ النبيَّ ﷺ قامَ حِينَ جاءَهُ وفْدُ هَوازِنَ فَسألُوهُ أنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ أمْوَالَهُمْ وسَبْيَهُمْ فَقَالَ إنَّ مَعِي مَنْ تَرَوْنَ وأحَبُّ الحَدِيثِ إليَّ أصْدَقُهُ فاخْتاروا إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إمَّا المَالَ وإمَّا السَّبْيَ وقدْ كُنْتُ اسْتَأنَيْتُ بِهِمْ وكانَ النبيُّصلى الله عَلَيْهِ وَسلم انْتظرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ فلَمَّا تبَيَّنَ لهمْ أنَّ النبيَّ ﷺ غيرُ رَادٍّ إلَيْهِمْ إلَاّ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا إنَّا نَخْتارُ سَبْيَنا فقامَ النبيُّ ﷺ فِي النَّاسِ فأثْناى علَى الله بِما هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أمَّا بَعْدُ فإنَّ إخْوَانَكُمْ جاؤنا تائِبينَ وإنِّي رأيْتُ أنْ أرُدَّ إلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ فَمَنْ أحَبَّ مِنْكُمْ أنْ يُطَيِّبَ ذالِكَ فلْيَفْعَلْ ومنْ أحَبَّ أنْ يَكُونَ على حظِّهِ حتَّى نُعْطِيَهُ إيَّاهُ منْ أوَّلِ مَا يفيءُ الله علَيْنا فلْيَفْعَلْ فقالَ النَّاسُ طَيَّبْنَا ذالِكَ قَالَ إنَّا لَا نَدْرِي منْ أذِنَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ فارْجِعُوا حتَّى يَرْفعَ إلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أمْرَكُمْ فرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُم ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى النبيِّ ﷺ فأخْبروهُ أنَّهُمْ طَيَّبُوا وأذِنُوا فهاذا الَّذِي بلَغَنا عَنْ سَبْيِ هَوازنَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من ملك رَقِيقا من الْعَرَب فوهب) وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الْوكَالَة فِي: بَاب إِذا وهب شَيْئا لوكيل أَو شَفِيع قومٍ جَازَ إِلَى قَوْله: قَالَ النَّبِي ﷺ : نَصِيبي لكم. وَأخرجه هُنَاكَ عَن سعيد بن عفير عَن اللَّيْث عَن عقيل ... إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه: عَن سعيد بن أبي مَرْيَم عَن اللَّيْث ... إِلَى آخِره. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (ذكر عُرْوَة) ، هُوَ ابْن الزبير، وَسَيَأْتِي فِي الشُّرُوط من طَرِيق معمر عَن الزُّهْرِيّ: أَخْبرنِي عُرْوَة. قَوْله: (أَن مَرْوَان والمسور بن مخرمَة) مَرْوَان هُوَ ابْن الحكم، قَالَ الْكرْمَانِي: صَحَّ سَماع مسور من النَّبِي، ﷺ ، وَأما مَرْوَان فقد قَالَ الْوَاقِدِيّ: رأى النَّبِي، ﷺ ، وَلكنه لم يحفظ عَنهُ شَيْئا، وَقَالَ ابْن بطال: الحَدِيث مُرْسل، لم يسمع الْمسور من رَسُول الله ﷺ شَيْئا، ومروان لم يره قطّ. قَوْله: (اسْتَأْنَيْت) ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْهمزَة وَفتح النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: أَي انتظرت. قَوْله: (حِين قفل) ، أَي: حِين رَحل. قَوْله: (حَتَّى يفِيء الله) ، بِفَتْح الْيَاء، أَي: حَتَّى يرجع الله إِلَيْنَا من مَال الْكفَّار وَيُعْطِينَا خراجاً أَو غنيمَة أَو غير ذَلِك، وَلَيْسَ المُرَاد الْفَيْء الاصطلاحي مَخْصُوصًا. قَوْله: (عُرَفَاؤُكُمْ) جمع عريف، وَهُوَ النَّقِيب وَهُوَ دون الرئيس. قَوْله: (فَهَذَا الَّذِي بلغنَا عَن سبي هوَازن) ، هُوَ قَول ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَكَانَت هَذِه الْوَاقِعَة فِي سنة ثَمَان. ١٤٥٢ - حدَّثنا علِيُّ بنُ الحَسَنِ قَالَ أخْبرنا عبْدُ الله قَالَ أخْبرنا ابنُ عَوْنٍ قَالَ كتَبْتُ إِلَى نافِعٍ فكتَبَ إلَيَّ أنَّ النبيَّ ﷺ أغارَ على بَنِي الْمُصْطَلِقِ وهُمْ غارُّونَ وأنْعامُهُمْ تُسْقى على الماءِ فقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وسباى ذَرَارِيَّهُمْ وأصابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ قَالَ حدَّثني بِهِ عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ وكانَ فِي ذالِكَ الْجَيْشِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وسبى ذَرَارِيهمْ) وَفِي التَّرْجَمَة: وسبى الذُّرِّيَّة. وَعلي بن الْحسن بن شَقِيق، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الْقَاف الأولى: الْمروزِي، مَاتَ سنة خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَابْن عون، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: هُوَ عبد الله بن عون، مر فِي الْعلم. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن يحيى وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن سعيد بن مَنْصُور عَن إِسْمَاعِيل بن علية. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن بزيع.

стр. 3815

قَوْله: (قَالَ كتبت) أَي: قَالَ ابْن عون: كتبت إِلَى نَافِع فِي أَمر بني المصطلق، فَكتب. . إِلَى آخِره، قد ذكرنَا فِي: بَاب إِذا اخْتلف الرَّاهِن وَالْمُرْتَهن أَن الْكِتَابَة حكمهَا حكم الِاتِّصَال لَا الِانْقِطَاع. قَوْله: (أغار) بالغين الْمُعْجَمَة، يُقَال: أغار على عدوه إِذا هجم عَلَيْهِ ونهبه، ومصدره الإغارة، والغارة اسْم من الإغارة. ومادته: غين وواو وَرَاء. قَوْله: (بني المصطلق) ، بِضَم الْمِيم وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة وَكسر اللَّام وبالقاف: وَهِي بطن من خُزَاعَة، والمصطلق هُوَ ابْن سعد بن عَمْرو بن ربيعَة ابْن حَارِثَة بن عَمْرو بن عَامر، وَيُقَال: إِن المصطلق لقب واسْمه جذيمة، بِفَتْح الْجِيم وَكسر الذَّال الْمُعْجَمَة: ابْن سعد بن عَمْرو. وَعَمْرو هُوَ أَبُو خُزَاعَة، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: سمي المصطلق لحسن صَوته، مفتعل من الصلق، والصلق شدَّة الصَّوْت وحدته، من قَوْله : ﴿سلقوكم بألسنة حداد﴾ (الْأَحْزَاب: ٩١) . وَيُقَال: صلق بَنو فلَان بني فلَان، إِذا وَقَعُوا بهم وقتلوهم قتلا ذريعاً، قَوْله: (وهم غَارونَ) ، جملَة إسمية حَالية بالغين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء، والغارون جمع غَار، أَي: غافل أَي أَخذهم على غرَّة وبغتة. قَوْله: (وأنعامهم تَسْقِي) أَيْضا جملَة إسمية حَالية، والأنعام، بِفَتْح الْهمزَة جمع: نعم، قَالَ الْجَوْهَرِي: النعم وَاحِد الْأَنْعَام، وَهل المَال الراعية، وَأكْثر مَا يَقع هَذَا الإسم على الْإِبِل، قَالَ الْفراء: هُوَ ذكر لَا يؤنث، يَقُولُونَ: هَذَا نعم وَارِد وَيجمع على نعْمَان، والأنعام تذكر وتؤنث قَالَ الله تَعَالَى فِي مَوضِع: ﴿مِمَّا فِي بطونه﴾ (النَّحْل: ٦٦) . وَفِي مَوضِع ﴿مِمَّا فِي بطونها﴾ وَجمع الْجمع: أناعيم. قَوْله: (تسقى) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فَقتل مُقَاتلَتهمْ) أَي: الطَّائِفَة الْبَالِغين الَّذين هم على صدد الْقِتَال. قَوْله: (ذَرَارِيهمْ) ، بتَشْديد الْيَاء وتخفيفها وَهُوَ جمع ذُرِّيَّة. قَوْله: (يَوْمئِذٍ) ، أَي: يَوْم الإغارة على بني المصطلق. قَوْله: (جوَيْرِية) ، مصغر جَارِيَة. وَمن حَدِيثهَا مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: لما قسم رَسُول الله ﷺ ، سَبَايَا بني المصطلق وَقعت جوَيْرِية بنت الْحَارِث فِي السهْم لِثَابِت بن قيس بن شماس أَو لِابْنِ عَم لَهُ، فكاتبته على نَفسهَا وَكَانَت امْرَأَة حلوة ملاحة لَا يَرَاهَا إحد إلَاّ أخذت بِنَفسِهِ، فَأَتَت رَسُول الله ﷺ تستعينه فِي كتَابَتهَا، قَالَت: فوَاللَّه مَا هُوَ إلَاّ أَن رَأَيْتهَا على بَاب حُجْرَتي، فكرهتها وَعرفت أَنه سيرى مِنْهَا مَا رَأَيْت، فَدخلت عَلَيْهِ فَقَالَت: يَا رَسُول الله ﴿أَنا جوَيْرِية بنت الْحَارِث بن أبي ضرار سيد قومه، وَقد أصابني من البلايا مَا لم يخف عَلَيْك، فَوَقَعت فِي السهْم لِثَابِت بن قيس بن شماس أَو لِابْنِ عَم لَهُ، فكاتبته فجئتك استعينك على كتابتي. قَالَ: فَهَل لَك من خير فِي ذَلِك؟ قَالَت: وَمَا هُوَ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: أَقْْضِي كتابك وأتزوجك؟ قَالَت: نعم يَا رَسُول الله﴾ قد فعلت. قَالَت: وَخرج الْخَبَر إِلَى النَّاس أَن رَسُول الله ﷺ قد تزوج جوَيْرِية بنت الْحَارِث، فَقَالَ النَّاس: أصها رَسُول الله ﷺ فأرسلوا مَا بِأَيْدِيهِم. قَالَت: فَلَقَد اعْتِقْ بتزويجه إِيَّاهَا مائَة أهل بَيت من بني المصطلق، فَمَا أعلم امْرَأَة كَانَت أعظم بركَة على قَومهَا مِنْهَا. وروى مُوسَى بن عقبَة عَن بعض بني المصطلق: أَن أَبَاهَا طلبَهَا وافتداها ثمَّ خطبهَا مِنْهُ رَسُول الله، ﷺ ، فَزَوجهُ إِيَّاهَا. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: وَيُقَال: إِن رَسُول الله ﷺ ، جعل صَدَاقهَا عتق كل أَسِير من بني المصطلق، وَيُقَال: جعل صَدَاقهَا عتق أَرْبَعِينَ من بني المصطلق، وَكَانَت جوَيْرِية تَحت مسافع بن صَفْوَان المصطلقي، وَقيل: صَفْوَان بن مَالك، وَكَانَ اسْمهَا: برة، فغيرها النَّبِي، ﷺ ، فسماها جوَيْرِية، وَمَاتَتْ فِي ربيع الأول سنة سِتّ وَخمسين وَلها خمس وَسِتُّونَ سنة. وَأما غَزْوَة بني المصطلق، فَقَالَ البُخَارِيّ: وَهِي غَزْوَة الْمُريْسِيع، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: وَذَلِكَ سنة سِتّ. وَقَالَ مُوسَى بن عقبَة: سنة أَربع. انْتهى. وَقَالَ الصغاني: غَزْوَة الْمُريْسِيع من غزوات رَسُول الله، ﷺ ، فِي سنة خمس من مهاجره، قَالُوا: إِن بني المصطلق من خُزَاعَة يُرِيدُونَ محاربة رَسُول الله ﷺ ، وَكَانُوا ينزلون على بئرٍ لَهُم يُقَال لَهَا: الْمُريْسِيع، بَينهَا وَبَين الْفَرْع مسيرَة يَوْم، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَت غَزْوَة بني المصطلق لليلتين من شعْبَان سنة خمس فِي سَبْعمِائة من أَصْحَابه، وَقَالَ ابْن هِشَام: اسْتعْمل على الْمَدِينَة أَبَا ذَر الْغِفَارِيّ، وَيُقَال: نميلَة بن عبد الله اللَّيْثِيّ، وَذكر ابْن سعد ندب رَسُول الله ﷺ النَّاس إِلَيْهِم، فَأَسْرعُوا الْخُرُوج وقادوا الْخَيل، وَهِي ثَلَاثُونَ فرسا فِي الْمُهَاجِرين مِنْهَا عشرَة، وَفِي الْأَنْصَار عشرُون، واستخلف على الْمَدِينَة زيد بن حَارِثَة وَكَانَ مَعَه فرسَان لزار والظرب، وَيُقَال: كَانَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَامِل راية الْمُهَاجِرين، وَسعد بن عبَادَة حَامِل راية الْأَنْصَار، فَقتلُوا مِنْهُم عشرَة وأسروا سَائِرهمْ، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: بلغ رَسُول الله ﷺ ، أَن بني المصطلق يجمعُونَ لَهُ وَقَائِدهمْ الْحَارِث بن أبي ضرار، أَبُو جوَيْرِية بنت الْحَارِث الَّتِي تزَوجهَا رَسُول الله ﷺ ، فَلَمَّا سمع بهم خرج إِلَيْهِم حَتَّى لَقِيَهُمْ على مَاء من مِيَاههمْ يُقَال لَهُ: الْمُريْسِيع، من نَاحيَة قديد إِلَى السَّاحِل، فتزاحف

стр. 3816

النَّاس فَاقْتَتلُوا، فَهزمَ الله بني المصطلق وَقتل من قتل، وَنفل رَسُول الله ﷺ أَبْنَاءَهُم ونساءهم وَأَمْوَالهمْ، فأفاءهم عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن سعد: وَأمر رَسُول الله ﷺ بالأسارى فكتفوا، وَاسْتعْمل عَلَيْهِم بُرَيْدَة بن الخصيب، وَأمر بالغلام فَجمعت وَاسْتعْمل عَلَيْهِم شقران مَوْلَاهُ، وَجمع الذُّرِّيَّة نَاحيَة وَاسْتعْمل على سهم الْخمس وسهمان الْمُسلمين محيمة بن جُزْء الزبيدِيّ، وَكَانَت الْإِبِل ألفي بعير، والشياه خَمْسَة آلَاف، وَكَانَ السَّبي مِائَتي بنت، وَغَابَ رَسُول الله ﷺ ، ثَمَانِيَة وَعشْرين وَقدم الْمَدِينَة هِلَال رَمَضَان، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: وَأُصِيب بني المصطلق نَاس، وَقتل عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مِنْهُم رجلَيْنِ مَالِكًا وَابْنه، وَكَانَ شعار الْمُسلمين يَوْمئِذٍ: يَا مَنْصُور أمت أمت. ٢٤٥٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مَال عنْ رَبِيعَةَ بنِ أبِي عَبْدِ الرَّحْمانِ عَن مُحَمَّدِ بنِ يَحْياى بنِ حَبَّانَ عنِ ابنِ مُحَيْرِيزٍ قَالَ رأيْتُ أَبَا سعِيدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فَسألْتُهُ فَقَالَ خرَجْنَا مَعَ رسولِ الله ﷺ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فأصَبْنَا سبْياٍ مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ فاشْتَهَيْنَا النِّساءَ فاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا العُزْبَةُ وأحْبَبْنا العَزْلَ فسَألْنا رسولَ الله ﷺ فَقَالَ مَا عَلَيْكُمْ أنْ لَا تَفْعَلُوا مَا منْ نَسَمةٍ كائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ إلأ وهْيَ كائِنَةٌ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله فِيهَا: وجامع، يَعْنِي: بعد أَن ملك من الْعَرَب سبياً وَرَبِيعَة، بِفَتْح الرَّاء: الْمَشْهُور بربيعة الرَّأْي شيخ مَالك، وَمُحَمّد بن يحيى بن حبَان، بِفَتْح الْحَاء وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنون: مر فِي الْوضُوء، وَابْن محيريز هُوَ عبد الله بن محيريز، بِضَم الْمِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وَكسر الرَّاء وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة أَيْضا وَفِي آخِره زَاي. وَمر الحَدِيث فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب بيع الرَّقِيق، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي محيريز: أَن أَبَا سعيد ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (الْعَزْل) ، هُوَ نزع الذّكر من الْفرج عِنْد الْإِنْزَال. قَوْله: (مَا عَلَيْكُم أَن لَا تَفعلُوا) يَعْنِي: لَا بَأْس عَلَيْكُم أذا تركْتُم الْعَزْل. قَوْله: (نسمَة) ، بِفَتْح السِّين، وَهِي: الأنسان، أَي: مَا من نفس كائنة فِي علم الله إلَاّ وَهِي كائنة فِي الْخَارِج، لَا بُد من مجيئها من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود، أَي: مَا قدر الله أَن يكون الْبَتَّةَ. وَفِي الحَدِيث دَلِيل على أَن الصَّحَابَة أطبقوا على وَطْء مَا وَقع فِي سُهْمَانهمْ من السَّبي، وَهَذَا لَا يكون إلَاّ بعد الِاسْتِبْرَاء بِإِجْمَاع الْعلمَاء، من وَهَذَا يدل أَن السباء يقطع الْعِصْمَة بَين الزَّوْجَيْنِ الْكَافرين. وَاخْتلف السّلف فِي حكم وَطْء الوثنيات والمجوسيات إِذا سبين، فَأَجَازَهُ سعيد بن الْمسيب وَعَطَاء وطاووس وَمُجاهد، وَهَذَا قَول شَاذ لم يلْتَفت إِلَيْهِ أحد من الْعلمَاء، وَاتفقَ أَئِمَّة الْفَتْوَى على أَنه: لَا يجوز وَطْء الوثنيات بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن﴾ (الْبَقَرَة: ١٢٢) . وَإِنَّمَا أَبَاحَ الله تَعَالَى وَطْء نسَاء أهل الْكتاب خَاصَّة. بقوله: وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ﴾ (الْمَائِدَة: ٥) . وَإِنَّمَا أطبق الصَّحَابَة على وَطْء سَبَايَا الْعَرَب بعد إسلامهن، لِأَن سبي هوَازن كَانَ سنة ثَمَان، وَسبي بني المصطلق سنة سِتّ، وَسورَة الْبَقَرَة من أول مَا نزل بِالْمَدِينَةِ، فقد علمُوا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يؤمنَّ﴾ (الْبَقَرَة: ١٢٢) . وتقرر عِنْدهم أَنه لَا يجوز وَطْء الوثنيات الْبَتَّةَ حَتَّى يسلمن، وروى عبد الرَّزَّاق: حَدثنَا جَعْفَر بن سُلَيْمَان حَدثنَا يُونُس ابْن عبيد أَنه سمع الْحسن يَقُول: كُنَّا نغزو مَعَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، فَإِذا أصَاب أحدهم جَارِيَة من الفىء فَأَرَادَ أَن يُصِيبهَا أمرهَا فاغتسلت ثمَّ علمهَا الْإِسْلَام وأمرها بِالصَّلَاةِ واستبرأها بِحَيْضَة، ثمَّ أَصَابَهَا. وَعُمُوم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن﴾ (الْبَقَرَة: ١٢٢) . يَقْتَضِي تَحْرِيم وَطْء المجوسيات بِالتَّزْوِيجِ وبملك الْيَمين، وعَلى هَذَا أَئِمَّة الْفَتْوَى وَعَامة الْعلمَاء. وَأما الْعَزْل فقد اخْتلف فِيهِ قَدِيما وإباحته أظهر فِي الحَدِيث عِنْد الشَّافِعِي، سَوَاء كَانَت حرَّة أَو أمة مَعَ الْإِذْن وبدونه، وروى مَالك عَن سعيد بن أبي وَقاص وَأبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ وَزيد بن ثَابت وَابْن عَبَّاس: أَنهم كَانُوا يعزلون، وَرُوِيَ ذَلِك أَيْضا عَن ابْن مَسْعُود وَجَابِر، وَذكر مَالك أَيْضا عَن ابْن عمر أَنه: كره الْعَزْل، وَقيل: رُوِيَ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْقَوْلَانِ جَمِيعًا، وَاحْتج من كره الْعَزْل بِأَنَّهُ: الوأد الْخَفي، كَمَا رُوِيَ عَن عَائِشَة، وَاتفقَ أَئِمَّة الْفَتْوَى على جَوَاز الْعَزْل عَن الْحرَّة إِذا أَذِنت فِيهِ لزَوجهَا. وَاخْتلفُوا فِي الْأمة الْمُزَوجَة، فَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة: الْأذن فِي ذَلِك لمولاها، وَقَالَ أَبُو يُوسُف: الْإِذْن إِلَيْهَا،

стр. 3817

وَقَالَ الشَّافِعِي: يعْزل عَنْهَا بِدُونِ إِذْنهَا وَبِدُون إِذن مَوْلَاهَا. ٣٤٥٢ - حدَّثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ عُمَارَةَ بنِ الْقَعْقَاعِ عنْ أبِي زُرْعَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ لَا أزَالُ أُحِبُّ بني تَمِيم ح وحدَّثني ابنُ سَلَامٍ قَالَ أخبرنَا جَرِيرُ بنُ عَبْدِ الحَمِيدِ عنِ الْمُغِيرَةِ عنِ الحَارِثِ عنْ أبِي زُرْعَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ وعنْ عُمَارَةَ عنْ أبِي زُرْعَةَ عَن أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ مَا زِلْتُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ مُنْذُ ثَلَاثٍ سَمِعْتُ مِنْ رَسُول الله ﷺ يَقُولُ فِيهِمْ سَمِعْتُهُ يَقولُ هُمْ أشَدُّ أُمَّتِي على الدَّجَّالِ قَالَ وجاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ هَذهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنا وكانَتْ سَبِيَّةٌ منْهُمْ عِنْدَ عائِشَةَ فَقَالَ أعْتِقِيها فإنَّها منْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ ﵇. (الحَدِيث ٣٤٥٢ طرفه فِي: ٦٦٣٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: وَبَاعَ، وَلَكِن فِي بعض طرقه عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق معمر عَن جرير: كَانَت على عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، نسمَة من بني إِسْمَاعِيل، فَقدم سبي خولان، فَقَالَت عَائِشَة: يَا رَسُول الله! أبتاع مِنْهُم. قَالَ: لَا، فَلَمَّا قدم سبي بني العنبر قَالَ: ابتاعي مِنْهُم فَإِنَّهُم ولد إِسْمَاعِيل، ﵇. وَوَقع عِنْد أبي عوَانَة من طَرِيق الشّعبِيّ عَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا:. وجىء بسبي بني العنبر. انْتهى. وَبَنُو العنبر بطن من بني تَمِيم، وَقَالَ الرشاطي: الْعَنْبَري فِي تَمِيم ينْسب إِلَى العنبر بن عَمْرو بن تَمِيم، وَذكر ابْن الْكَلْبِيّ: أَن العنبر هَذَا هُوَ ولد عَامر بن عَمْرو، وَفِي تَمِيم أَيْضا: العنبر بن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم. وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ عَن شيخين لَهُ أَحدهمَا: عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن جرير، بِفَتْح الْجِيم وَكسر الرَّاء الأولى: ابْن عبد الحميد عَن عمَارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم: ابْن الْقَعْقَاع عَن أبي زرْعَة، بِضَم الزَّاي وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْعين الْمُهْملَة: واسْمه هرم، وَقيل: عبد الرَّحْمَن، وَقيل: عَمْرو بن عَمْرو بن جرير بن عبد الله البَجلِيّ عَن أبي هُرَيْرَة، وَالْآخر: عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن جرير عَن الْمُغيرَة بن مقسم عَن الْحَارِث بن يزِيد من الزِّيَادَة العكلي، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْكَاف: التَّمِيمِي الْكُوفِي، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَذكر فِيهِ عمَارَة مَقْرُونا بِالْحَارِثِ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن زُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن زُهَيْر بِهِ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مَا زلت أحب بني تَمِيم) ، هِيَ قَبيلَة كَبِيرَة فِي مُضر تنْسب إِلَى تَمِيم بن مر بن أد بن طابخة بن الياس بن مُضر. قَوْله: (مُنْذُ ثَلَاث) ، أَي: من حِين سَمِعت الْخِصَال الثَّلَاث، وَهِي الَّتِي أَولهَا: هُوَ قَوْله: (هم أَشد أمتِي على الدَّجَّال) . وَثَانِيها: هُوَ قَوْله: (هَذِه صدقَات قَومنَا) وَثَالِثهَا: أمره، ﷺ ، لعَائِشَة بِعِتْق السبية الْمَذْكُورَة. لكَونهَا من ولد إِسْمَاعِيل، ﵇، وَزَاد فِيهِ أَحْمد من وَجه آخر عَن أبي زرْعَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَمَا كَانَ قوم من الْأَحْيَاء أبْغض إِلَيّ مِنْهُم فأحببتهم. انْتهى. وَكَانَ ذَلِك لما كَانَ بَينهم وَبَين قومه فِي الْجَاهِلِيَّة من الْعَدَاوَة. قَوْله: (يَقُول فيهم) أَي: فِي بني تَمِيم. قَوْله: (سمعته يَقُول) ، أَي: سَمِعت النَّبِي، ﷺ ، يَقُول: (هم أَشد أمتِي على الدَّجَّال) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من رِوَايَة الشّعبِيّ عَن أبي هُرَيْرَة: (هم أَشد النَّاس قتالاً فِي الْمَلَاحِم) ، وَرِوَايَة الشّعبِيّ أَعم من رِوَايَة أبي زرْعَة، على مَا لَا يخفى. قَوْله: (وَجَاءَت صَدَقَاتهمْ) ، أَي: صدقَات بني تَمِيم، فَقَالَ: (هَذِه صدقَات قَومنَا) ، إِنَّمَا نسبهم إِلَيْهِ لِاجْتِمَاع نسبهم بنسبه، ﷺ ، فِي إلْيَاس بن مُضر، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من طَرِيق الشّعبِيّ: عَن أبي هُرَيْرَة فِي هَذَا الحَدِيث: وأُتي النَّبِي، ﷺ ، بنعم من صَدَقَة بني سعد، فَلَمَّا راعه حسنها، قَالَ: (هَذِه صَدَقَة قومِي) . انْتهى. وَبَنُو سعد بطن كَبِير من تَمِيم، ينتسبون إِلَى سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم. قَوْله: (سبية مِنْهُم) ، أَي: من بني تَمِيم، وسبية على وزن: فعيلة، بِفَتْح السِّين من السَّبي أَو من السباء، فَإِن كَانَ من الأول يكون بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَإِن كَانَ من الثَّانِي يكون بِالْهَمْزَةِ بعد الْبَاء الْمُوَحدَة، وَلم يدر اسْمهَا، وَوَقع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق هَارُون بن مَعْرُوف عَن جرير: نسمَة، بِفَتْح النُّون وَالسِّين الْمُهْملَة: وَهِي الْإِنْسَان، وَله

стр. 3818

من رِوَايَة أبي معمر: (وَكَانَت على عَائِشَة نسمَة من بني إِسْمَاعِيل) وَفِي رِوَايَة الشّعبِيّ عِنْد أبي عوَانَة: (وَكَانَ على عَائِشَة مُحَرر) وبيَّن الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) فِي رِوَايَة الشّعبِيّ: أَن المُرَاد بِالَّذِي كَانَ عَلَيْهَا أَنه كَانَ (نذرا) . وَلَفظه: نذرت عَائِشَة أَن تعْتق محرراً من بني إِسْمَاعِيل، وللطبراني فِي (الْكَبِير) من حَدِيث رديح، بِضَم الرَّاء وَفتح الدَّال وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: ابْن ذُؤَيْب بن شعثم، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَضم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفِي آخِره مِيم: الْعَنْبَري: أَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: يَا نَبِي الله ﴿إِنِّي نذرت عتيقاً من ولد إِسْمَاعِيل. فَقَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ : إصبري حَتَّى يَجِيء فَيْء بني العنبر غَدا، فجَاء فَيْء فَبنِي العنبر، فَقَالَ لَهَا: خذي مِنْهُم أَرْبَعَة، فَأخذت رديحاً وزبيباً وزخيا وَسمرَة، فَمسح النَّبِي ﷺ رؤوسهم وبرك عَلَيْهِم، ثمَّ قَالَ: يَا عَائِشَة﴾ هَؤُلَاءِ من بني إِسْمَاعِيل قصدا، وَقَالَ بَعضهم: وَالَّذِي تعين لعتق عَائِشَة من هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة، أما رديح وَأما زخى. قلت: قَالَ الذَّهَبِيّ فِي (تَجْرِيد الصَّحَابَة) : رديح بن ذُؤَيْب بن شعثم التَّمِيمِي الْعَنْبَري مولى عَائِشَة روى عَنهُ ابْنه عبد الله وَهَذَا يدل على أَن الَّذِي اعتقته هُوَ رديح بِلَا ترديد، وزبيب، بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره بَاء أَيْضا، وَضَبطه العسكري: بنُون فِي أَوله، و: هُوَ زنيب بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو التَّمِيمِي الْعَنْبَري وروى عَنهُ أَبُو دَاوُد فِي كتاب الْقَضَاء: حَدثنَا أَحْمد بن عَبدة حَدثنَا عمار بن شُعَيْب بن عبيد الله بن الزَّبِيب الْعَنْبَري، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: سَمِعت جدي الزَّبِيب يَقُول: بعث رَسُول الله ﷺ جَيْشًا إِلَى بني العنبر، فَأخذُوا بركبة من نَاحيَة الطَّائِف واستاقوهم إِلَى نَبِي الله ﷺ ، فركبت فسبقتهم إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَقلت: السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته! أَتَانَا جندك فأخذونا، وَقد كُنَّا أسلمنَا ... الحَدِيث بِطُولِهِ. قَوْله: (بركبة) بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْكَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهُوَ اسْم مَوضِع مَعْرُوف، وَهِي غير ركبة الَّتِي بَين مَكَّة وَالْمَدينَة. وَأما زخي، فبضم الزَّاي وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْيَاء، ومصغر، وَضَبطه ابْن عون بالراء، وَذكره الذَّهَبِيّ فِي حرف الزَّاي، وَقَالَ: زخي الْعَنْبَري، وَغلط من قَالَ: رخي بالراء. وَسمرَة: هُوَ ابْن عَمْرو بن قرط، بِضَم الْقَاف وَسُكُون الرَّاء. وَقَالَ الذهبيِّ سَمُرَة بن عَمْرو الْعَنْبَري، أجَاز النَّبِي ﷺ شَهَادَة لَهُ لزبيب الْعَنْبَري ثمَّ قَالَ سَمُرَة من بلعنبر أَعتَقته عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قلت: قَضِيَّة الشَّهَادَة فِي حَدِيث أبي دَاوُد الَّذِي ذكرنَا مِنْهُ بعضه. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: دَلِيل على جَوَاز استرقاق الْعَرَب، وتملكهم كَسَائِر فرق الْعَجم إلَاّ أَن عِتقهم أفضل. قَالَ ابْن بطال: وَتَمِيم كَانُوا يختارون مَا يخرجُون فِي الصَّدقَات من أفضل مَا عِنْدهم، فأعجبه ﷺ ، فَلذَلِك قَالَ: هَذَا القَوْل على معنى الْمُبَالغَة فِي نصحهمْ لله وَلِرَسُولِهِ فِي جودة الِاخْتِيَار للصدقة. وَفِيه: فَضِيلَة ظَاهِرَة لبني تَمِيم، وَكَانَ فيهم فِي الْجَاهِلِيَّة وَصدر الْإِسْلَام جمَاعَة من الْأَشْرَاف والرؤساء. وَفِيه: الْإِخْبَار عَمَّا سَيَأْتِي من الْأَحْوَال الكائنة فِي آخر الزَّمَان. ٤١ - (بابُ فَضْلِ مَنْ أدَّبَ جارِيَتَهُ وعَلَّمَهَا) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من أدب جَارِيَته، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر والنسفي لفظ: فضل، بل هُوَ: بَاب من أدَّب جَارِيَته، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: وأعتقها أَيْضا. ٤٤٥٢ - حدَّثنا إسْحاقُ بنُ إبْراهِيمَ قَالَ سَمِعَ مُحَمَّدَ بنَ فضَيْلٍ عنْ مُطَرِّفِ عنِ الشُّعْبِيِّ عنْ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوسَى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ منْ كانَتْ لَهُ جارِيَةٌ فعلَّمَهَا فأحْسَنَ إلَيْهَا ثُمَّ أعْتَقَهَا وتَزَوَّجَها كانَ لَهُ أجْرَانِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَانَ لَهُ أَجْرَانِ) ، وهما: أجر التَّعْلِيم وَأجر الْعتْق. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إسحاف بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه. الثَّانِي: مُحَمَّد بن فُضَيْل بن غَزوَان. الثَّالِث: مطرف بن طريف الْحَارِثِيّ، وَيُقَال الحارفي. الرَّابِع: عَامر الشّعبِيّ. الْخَامِس: أَبُو بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، واسْمه الْحَارِث بن أبي مُوسَى، وَيُقَال: عَامر، وَيُقَال إسمه كنيته. السَّادِس: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ واسْمه عبد الله بن قيس. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع.

стр. 3819

وَفِيه: أَن شَيْخه مروزي سكن نيسابور والبقية كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا بأتم مِنْهُ فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب تَعْلِيم الرجل أمته وَأَهله عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن الْمحَاربي عَن صَالح بن حَيَّان عَن عَامر الشّعبِيّ ... الحَدِيث. وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِيهِ عَن هناد بن السّري. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (فعلمها) فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والسرخسي، فعالها، أَي: أنْفق عَلَيْهَا، من: عَال الرجل عِيَاله يعولهم: إِذا أَقَامَ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من قوت وَكِسْوَة وَغَيرهمَا. وَقَالَ الْكسَائي: يُقَال: عَال الرجل يعول إِذا كثر عِيَاله، واللغة الجيدة: أعال يعيل. قَالَ الْمُهلب فِيهِ: أَن الله تَعَالَى قد ضاعف لَهُ أجره بِالنِّكَاحِ والتعليم، فَجعله كَمثل أجر الْعتْق. وَفِيه: الحض على نِكَاح العتيقة وعَلى ترك الْعُلُوّ فِي الدُّنْيَا، وَأَن من تواضع لله فِي منكحه، وَهُوَ يقدر على نِكَاح أهل الشّرف، فَإِن ذَلِك مِمَّا يُرْجَى عَلَيْهِ جزيل الثَّوَاب. فَإِن قلت: روى الْبَزَّار فِي (مُسْنده) عَن ابْن عمر: لما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿لن تنالوا الْبر﴾ (آل عمرَان: ٢٩) . ذكرت مَا أَعْطَانِي الله فَلم أجد شَيْئا أحب أَلِي من جَارِيَة رُومِية، فأعتقتها، فَلَو أَنِّي أَعُود فِي شَيْء جعلته لله لنكحتها. قلت: هَذَا مَحْمُول على من لَا يرغب نِكَاحهَا، لِأَن عَادَة الْعَرَب الرَّغْبَة عَن تَزْوِيج الْمُعتقَة، وَالْمُعتق إِذا رغب يكون لغيره فَلَا يكره لَهُ النِّكَاح حِينَئِذٍ، وَأَيْضًا النِّكَاح لَيْسَ براجع فِي عتقه، لِأَنَّهُ لَا يملك الْآن إلَاّ مَنْفَعَة الْوَطْء. قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَقد أجَاز مَالك وَأكْثر أَصْحَابنَا الرُّجُوع فِي الْمَنَافِع إِذا تصدق بهَا وشرى بهَا، وَالْحجّة لَهُم حَدِيث الْعَرَايَا، فَكيف إِذا تصدق بِالرَّقَبَةِ؟ فَإِنَّهُ يجوز شِرَاء مَنْفَعَتهَا، بل هُوَ أولى من الصَّدَقَة بِالْمَنْفَعَةِ، وَالَّذِي منع من الرُّجُوع فِي الْمَنَافِع إِذا تصدق بهَا ابْن الْمَاجشون. ٥١ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ ﷺ الْعَبِيدَ إخْوانُكُمْ فأطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَوْله، ﷺ : العبيد ... إِلَى آخِره، وَلَفظ هَذِه التَّرْجَمَة معنى حَدِيث أبي ذَر، رَوَاهُ ابْن مَنْدَه بِلَفْظ: إِنَّهُم إخْوَانكُمْ فَمن لاءمكم مِنْهُم فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تلبسُونَ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عَمْرو الرَّازِيّ، قَالَ: حَدثنَا جرير عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد عَن مُورق عَن أبي ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : من لاءمكم من مملوكيكم فأطعموه مِمَّا تَأْكُلُونَ واكسوه مِمَّا تكسون، وَمن لَا يلائمكم مِنْهُم فبيعوه وَلَا تعذبوا خلق الله، . وَأخرج مُسلم فِي آخر (صَحِيحه) حَدِيثا طَويلا عَن أبي الْيُسْر كَعْب بن عَمْرو فِي: بَاب ستْرَة النَّبِي، ﷺ ، وَفِيه: وَهُوَ يَقُول، أَي: النَّبِي، ﷺ : أطعموهم مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تلبسُونَ. وقَوْلِهِ تعَالَى: ﴿واعبُدُوا الله ولَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وبالْوَالِدَيْنِ إحْسَاناً وبِذِي القُرْبَى واليَتَامَى والْمَسَاكِين والجارِ وذِي القُرْبى والجارِ الْجُنُبِ والصَّاحِبِ بالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ إنَّ الله لَا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتَالَا فَخُوراً﴾ (النِّسَاء: ٦٣) . وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على: قَول، فِي قَوْله: بَاب قَول النَّبِي ﷺ ، هَذِه الْآيَة فِي سُورَة النِّسَاء، كَذَا هِيَ إِلَى آخرهَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وَقَول الله: ﴿واعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وبالوالدين إحساناً وبذي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين﴾ إِلَى قَوْله: ﴿مختالاً فخوراً﴾ (النِّسَاء: ٦٣) . فَفِيهَا يَأْمر الله تَعَالَى بِعِبَادَتِهِ وَحده لَا شريك لَهُ، فَإِنَّهُ الخالف الرازق الْمُنعم المتفضل على خلقه فِي جَمِيع الْأَحْوَال، ثمَّ أوصى بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدين بقوله: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ (النِّسَاء: ٦٣) . لِأَنَّهُ تَعَالَى جَعلهمَا سَببا لخروجك من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود، ثمَّ عطف على الْإِحْسَان إِلَى الْوَالِدين الْإِحْسَان إِلَى الْقرَابَات من الرِّجَال وَالنِّسَاء، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث: الصَّدَقَة على الْمِسْكِين صَدَقَة، وعَلى ذِي الرَّحِم صَدَقَة، وَصله. ثمَّ قَالَ: واليتامى، لأَنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم، وَمن ينْفق عَلَيْهِم؟ ثمَّ قَالَ: وَالْمَسَاكِين: وهم المحاويج من ذَوي الْحَاجَات الَّذين لَا يَجدونَ مَا يقوم بكفايتهم، فَأمر الله تَعَالَى بمساعدتهم بِمَا تتمّ بِهِ كفايتهم:

стр. 3820

وتزول بِهِ ضرورتهم، ثمَّ قَالَ: ﴿وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى وَالْجَار الْجنب﴾ (النِّسَاء: ٦٣) . قَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَالْجَار ذِي القربي، يَعْنِي: الَّذِي بَيْنك وَبَينه قرَابَة، وَالْجَار الْجنب: الَّذِي لَيْسَ بَيْنك وَبَينه قرَابَة، وَكَذَا رُوِيَ عَن عِكْرِمَة وَمُجاهد وَمَيْمُون بن مهْرَان وَالضَّحَّاك وَزيد بن أسلم وَمُقَاتِل بن حَيَّان وَقَتَادَة، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق عَن نوف الْبكالِي ﴿وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى﴾ (النِّسَاء: ٦٣) . يَعْنِي: الْمُسلم. ﴿وَالْجَار الْجنب﴾ (النِّسَاء: ٦٣) . يَعْنِي: الْيَهُودِيّ والنصاري، رَوَاهُ ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم. وَقَالَ جَابر الْجعْفِيّ عَن الشّعبِيّ عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود: ﴿الْجَار ذِي الْقُرْبَى﴾ (النِّسَاء: ٦٣) . الْمَرْأَة، وَقَالَ مُجَاهِد: ﴿وَالْجَار الْجنب﴾ (النِّسَاء: ٦٣) . يَعْنِي: الرفيق فِي السّفر. ثمَّ قَالَ: والصاحب بالجنب، قَالَ الثَّوْريّ عَن جَابر الْجعْفِيّ عَن الشّعبِيّ عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود، قَالَا: هِيَ الْمَرْأَة، قَالَ ابْن أبي حَاتِم: كَذَا رُوِيَ عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْحسن وَسَعِيد بن جُبَير فِي إِحْدَى الرِّوَايَات. وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة: هُوَ الرفيق فِي السّفر، وَقَالَ سعيد بن جُبَير: هُوَ الرفيق الصَّالح، وَقَالَ زيد بن أسلم: هُوَ جليسك فِي الْحَضَر ورفيقك فِي السّفر، ثمَّ قَالَ: ﴿وَابْن السَّبِيل﴾ (النِّسَاء: ٦٣) . وَعَن ابْن عَبَّاس وَجَمَاعَة: هُوَ الضَّيْف، وَقَالَ مُجَاهِد وَأَبُو جَعْفَر الباقر وَالْحسن وَالضَّحَّاك: هُوَ الَّذِي يمر عَلَيْك مجتازاً فِي السّفر. ثمَّ قَالَ: ﴿وَمَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ (النِّسَاء: ٦٣) . هَذَا وَصِيَّة بالأرقاء، لِأَن الرَّقِيق ضَعِيف الجثة أَسِير فِي أَيدي النَّاس، وَلِهَذَا ثَبت أَن رَسُول الله ﷺ ، جعل يُوصي أمته فِي مرض الْمَوْت يَقُول: الصَّلَاة الصَّلَاة وَمَا ملكت إيمَانكُمْ، فَجعل يُرَدِّدهَا حَتَّى مَا يفِيض بهَا لِسَانه، وَهَذَا كَانَ مُرَاد البُخَارِيّ بِذكرِهِ هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة، وروى مُسلم من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو أَنه قَالَ لقهرمان لَهُ: هَل أَعْطَيْت الرَّقِيق قوتهم؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَانْطَلق فأعطهم، إِن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: كفى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَن يحبس عَمَّن يملك قوتهم. قَوْله: ﴿إِن الله لَا يحب من كَانَ مختالاً﴾ (النِّسَاء: ٦٣) . أَي: فِي نَفسه معجباً متكبراً ﴿فخوراً﴾ (النِّسَاء: ٦٣) . على النَّاس، يرى أَنه خير مِنْهُم، فَهُوَ فِي نَفسه كَبِير، وَهُوَ عِنْد الله حقير وَعند النَّاس بغيض. قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: ذِي الْقُرْبى القَرِيبُ، والْجُنُبُ الغَريبُ الجارُ الْجُنُبُ يَعْنِي الصَّاحِبَ فِي السَّفَرِ أَبُو عبد الله: هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، هَذَا الَّذِي فسره هُوَ تَفْسِير أبي عُبَيْدَة فِي كتاب (الْمجَاز) . ٥٤٥٢ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبِي إياسٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حَدثنَا واصِلٌ الأحْدَبُ قَالَ سَمِعْتُ المَعْرورَ بنَ سُوَيْدٍ قَالَ رأيْتُ أبَا ذَرٍّ الغِفَّاريَّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وعلَيْهِ حُلَّةٌ وعَلى غُلَامِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْنَاهُ عنْ ذالِكَ فَقَالَ إنِّي سابَبْتُ رَجُلاً فَشكانِي إِلَى النبيِّ ﷺ فَقَالَ ليَ النبيُّ ﷺ أعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ ثمَّ قَالَ إنَّ إخْوَانَكُمْ خَوَلُكمْ جعَلَهُمُ الله تَحْتَ أيْدِيكُمْ فَمنْ كانَ أخوهُ تحْتَ يَدهِ فلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأكُلُ ولْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهمْ مَا يَغْلِبُهم فإنْ كلَّفْتُموهُمْ مَا يَغْلِبُهُم فأعِينُوهُمْ. (انْظُر الحَدِيث ٠٣ طرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وواصل هُوَ ابْن حَيَّان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: الْكُوفِي، والمعرور، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَضم الرَّاء الأولى: وَهُوَ من كبار التَّابِعين، يُقَال: عَاشَ مائَة وَعشْرين سنة، وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب الْمعاصِي من أَمر الْجَاهِلِيَّة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة عَن وَاصل ... إِلَى آخِره وَفِيه زِيَادَة، وَهِي قَوْله: إِنَّك امْرُؤ فِيك جَاهِلِيَّة. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.، ولنذكر بعض شَيْء. قَوْله: (حلَّة) ، هِيَ وَاحِدَة الْحلَل، وَهِي برود، الْيمن، وَلَا تسمى حلَّة إلَاّ أَن تكون ثَوْبَيْنِ من جنس وَاحِد. قَوْله: (ساببت رجلا) قيل: هُوَ بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (أعيرته؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار. قَوْله: (إِن إخْوَانكُمْ) ، المُرَاد إخْوَة الْإِسْلَام وَالنّسب، لِأَن النَّاس كلهم بَنو آدم، ﵇. قَوْله: (خولكم) ، أَي: حشمكم وخدمكم، وَوَاحِد الخول: خائل، وَقد يكون وَاحِدًا، وَيَقَع على العَبْد وَالْأمة وَهُوَ مَأْخُوذ من التخويل، وَهُوَ التَّمْلِيك، وَقيل: من الرِّعَايَة. قَوْله: (تَحت يَده) ، أَي: ملكه، وَإِن كَانَ العَبْد محترفاً فَلَا وجوب على السَّيِّد. قَوْله: (فليطعمه) ، أَمر ندب، وَكَذَلِكَ (وليلبسه) وَقيل: لمَالِك، ﵀: أيأكل من طَعَام لَا يَأْكُل مِنْهُ عِيَاله ورقيقه، ويلبس ثيابًا لَا يلبسُونَ؟ قَالَ: أرَاهُ من ذَلِك فِي سَعَة. قيل لَهُ: فَحَدِيث أبي ذَر؟ قَالَ: كَانُوا يَوْمئِذٍ لَيْسَ لَهُم هَذَا الْقُوت. قَوْله: (وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبهُمْ) ، أَي: لَا تُكَلِّفُوهُمْ على عمل يَغْلِبهُمْ عَن إِقَامَته، وَهَذَا وَاجِب، وَكَانَ عمر بن الْخطاب
следующие страницы →