Полный текст (7 603 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.
стр. 3816
النَّاس فَاقْتَتلُوا، فَهزمَ الله بني المصطلق وَقتل من قتل، وَنفل رَسُول الله ﷺ أَبْنَاءَهُم ونساءهم وَأَمْوَالهمْ، فأفاءهم عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن سعد: وَأمر رَسُول الله ﷺ بالأسارى فكتفوا، وَاسْتعْمل عَلَيْهِم بُرَيْدَة بن الخصيب، وَأمر بالغلام فَجمعت وَاسْتعْمل عَلَيْهِم شقران مَوْلَاهُ، وَجمع الذُّرِّيَّة نَاحيَة وَاسْتعْمل على سهم الْخمس وسهمان الْمُسلمين محيمة بن جُزْء الزبيدِيّ، وَكَانَت الْإِبِل ألفي بعير، والشياه خَمْسَة آلَاف، وَكَانَ السَّبي مِائَتي بنت، وَغَابَ رَسُول الله ﷺ ، ثَمَانِيَة وَعشْرين وَقدم الْمَدِينَة هِلَال رَمَضَان، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: وَأُصِيب بني المصطلق نَاس، وَقتل عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مِنْهُم رجلَيْنِ مَالِكًا وَابْنه، وَكَانَ شعار الْمُسلمين يَوْمئِذٍ: يَا مَنْصُور أمت أمت.
٢٤٥٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مَال عنْ رَبِيعَةَ بنِ أبِي عَبْدِ الرَّحْمانِ عَن مُحَمَّدِ بنِ يَحْياى بنِ حَبَّانَ عنِ ابنِ مُحَيْرِيزٍ قَالَ رأيْتُ أَبَا سعِيدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فَسألْتُهُ فَقَالَ خرَجْنَا مَعَ رسولِ الله ﷺ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فأصَبْنَا سبْياٍ مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ فاشْتَهَيْنَا النِّساءَ فاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا العُزْبَةُ وأحْبَبْنا العَزْلَ فسَألْنا رسولَ الله ﷺ فَقَالَ مَا عَلَيْكُمْ أنْ لَا تَفْعَلُوا مَا منْ نَسَمةٍ كائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ إلأ وهْيَ كائِنَةٌ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله فِيهَا: وجامع، يَعْنِي: بعد أَن ملك من الْعَرَب سبياً وَرَبِيعَة، بِفَتْح الرَّاء: الْمَشْهُور بربيعة الرَّأْي شيخ مَالك، وَمُحَمّد بن يحيى بن حبَان، بِفَتْح الْحَاء وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنون: مر فِي الْوضُوء، وَابْن محيريز هُوَ عبد الله بن محيريز، بِضَم الْمِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وَكسر الرَّاء وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة أَيْضا وَفِي آخِره زَاي. وَمر الحَدِيث فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب بيع الرَّقِيق، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي محيريز: أَن أَبَا سعيد ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (الْعَزْل) ، هُوَ نزع الذّكر من الْفرج عِنْد الْإِنْزَال. قَوْله: (مَا عَلَيْكُم أَن لَا تَفعلُوا) يَعْنِي: لَا بَأْس عَلَيْكُم أذا تركْتُم الْعَزْل. قَوْله: (نسمَة) ، بِفَتْح السِّين، وَهِي: الأنسان، أَي: مَا من نفس كائنة فِي علم الله إلَاّ وَهِي كائنة فِي الْخَارِج، لَا بُد من مجيئها من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود، أَي: مَا قدر الله أَن يكون الْبَتَّةَ. وَفِي الحَدِيث دَلِيل على أَن الصَّحَابَة أطبقوا على وَطْء مَا وَقع فِي سُهْمَانهمْ من السَّبي، وَهَذَا لَا يكون إلَاّ بعد الِاسْتِبْرَاء بِإِجْمَاع الْعلمَاء، من وَهَذَا يدل أَن السباء يقطع الْعِصْمَة بَين الزَّوْجَيْنِ الْكَافرين.
وَاخْتلف السّلف فِي حكم وَطْء الوثنيات والمجوسيات إِذا سبين، فَأَجَازَهُ سعيد بن الْمسيب وَعَطَاء وطاووس وَمُجاهد، وَهَذَا قَول شَاذ لم يلْتَفت إِلَيْهِ أحد من الْعلمَاء، وَاتفقَ أَئِمَّة الْفَتْوَى على أَنه: لَا يجوز وَطْء الوثنيات بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن﴾ (الْبَقَرَة: ١٢٢) . وَإِنَّمَا أَبَاحَ الله تَعَالَى وَطْء نسَاء أهل الْكتاب خَاصَّة. بقوله: وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ﴾ (الْمَائِدَة: ٥) . وَإِنَّمَا أطبق الصَّحَابَة على وَطْء سَبَايَا الْعَرَب بعد إسلامهن، لِأَن سبي هوَازن كَانَ سنة ثَمَان، وَسبي بني المصطلق سنة سِتّ، وَسورَة الْبَقَرَة من أول مَا نزل بِالْمَدِينَةِ، فقد علمُوا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يؤمنَّ﴾ (الْبَقَرَة: ١٢٢) . وتقرر عِنْدهم أَنه لَا يجوز وَطْء الوثنيات الْبَتَّةَ حَتَّى يسلمن، وروى عبد الرَّزَّاق: حَدثنَا جَعْفَر بن سُلَيْمَان حَدثنَا يُونُس ابْن عبيد أَنه سمع الْحسن يَقُول: كُنَّا نغزو مَعَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، فَإِذا أصَاب أحدهم جَارِيَة من الفىء فَأَرَادَ أَن يُصِيبهَا أمرهَا فاغتسلت ثمَّ علمهَا الْإِسْلَام وأمرها بِالصَّلَاةِ واستبرأها بِحَيْضَة، ثمَّ أَصَابَهَا. وَعُمُوم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن﴾ (الْبَقَرَة: ١٢٢) . يَقْتَضِي تَحْرِيم وَطْء المجوسيات بِالتَّزْوِيجِ وبملك الْيَمين، وعَلى هَذَا أَئِمَّة الْفَتْوَى وَعَامة الْعلمَاء.
وَأما الْعَزْل فقد اخْتلف فِيهِ قَدِيما وإباحته أظهر فِي الحَدِيث عِنْد الشَّافِعِي، سَوَاء كَانَت حرَّة أَو أمة مَعَ الْإِذْن وبدونه، وروى مَالك عَن سعيد بن أبي وَقاص وَأبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ وَزيد بن ثَابت وَابْن عَبَّاس: أَنهم كَانُوا يعزلون، وَرُوِيَ ذَلِك أَيْضا عَن ابْن مَسْعُود وَجَابِر، وَذكر مَالك أَيْضا عَن ابْن عمر أَنه: كره الْعَزْل، وَقيل: رُوِيَ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْقَوْلَانِ جَمِيعًا، وَاحْتج من كره الْعَزْل بِأَنَّهُ: الوأد الْخَفي، كَمَا رُوِيَ عَن عَائِشَة، وَاتفقَ أَئِمَّة الْفَتْوَى على جَوَاز الْعَزْل عَن الْحرَّة إِذا أَذِنت فِيهِ لزَوجهَا.
وَاخْتلفُوا فِي الْأمة الْمُزَوجَة، فَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة: الْأذن فِي ذَلِك لمولاها، وَقَالَ أَبُو يُوسُف: الْإِذْن إِلَيْهَا،
стр. 3817
وَقَالَ الشَّافِعِي: يعْزل عَنْهَا بِدُونِ إِذْنهَا وَبِدُون إِذن مَوْلَاهَا.
٣٤٥٢ - حدَّثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ عُمَارَةَ بنِ الْقَعْقَاعِ عنْ أبِي زُرْعَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ لَا أزَالُ أُحِبُّ بني تَمِيم ح وحدَّثني ابنُ سَلَامٍ قَالَ أخبرنَا جَرِيرُ بنُ عَبْدِ الحَمِيدِ عنِ الْمُغِيرَةِ عنِ الحَارِثِ عنْ أبِي زُرْعَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ وعنْ عُمَارَةَ عنْ أبِي زُرْعَةَ عَن أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ مَا زِلْتُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ مُنْذُ ثَلَاثٍ سَمِعْتُ مِنْ رَسُول الله ﷺ يَقُولُ فِيهِمْ سَمِعْتُهُ يَقولُ هُمْ أشَدُّ أُمَّتِي على الدَّجَّالِ قَالَ وجاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ هَذهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنا وكانَتْ سَبِيَّةٌ منْهُمْ عِنْدَ عائِشَةَ فَقَالَ أعْتِقِيها فإنَّها منْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ ﵇.
(الحَدِيث ٣٤٥٢ طرفه فِي: ٦٦٣٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: وَبَاعَ، وَلَكِن فِي بعض طرقه عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق معمر عَن جرير: كَانَت على عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، نسمَة من بني إِسْمَاعِيل، فَقدم سبي خولان، فَقَالَت عَائِشَة: يَا رَسُول الله! أبتاع مِنْهُم. قَالَ: لَا، فَلَمَّا قدم سبي بني العنبر قَالَ: ابتاعي مِنْهُم فَإِنَّهُم ولد إِسْمَاعِيل، ﵇. وَوَقع عِنْد أبي عوَانَة من طَرِيق الشّعبِيّ عَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا:. وجىء بسبي بني العنبر. انْتهى. وَبَنُو العنبر بطن من بني تَمِيم، وَقَالَ الرشاطي: الْعَنْبَري فِي تَمِيم ينْسب إِلَى العنبر بن عَمْرو بن تَمِيم، وَذكر ابْن الْكَلْبِيّ: أَن العنبر هَذَا هُوَ ولد عَامر بن عَمْرو، وَفِي تَمِيم أَيْضا: العنبر بن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم.
وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ عَن شيخين لَهُ أَحدهمَا: عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن جرير، بِفَتْح الْجِيم وَكسر الرَّاء الأولى: ابْن عبد الحميد عَن عمَارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم: ابْن الْقَعْقَاع عَن أبي زرْعَة، بِضَم الزَّاي وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْعين الْمُهْملَة: واسْمه هرم، وَقيل: عبد الرَّحْمَن، وَقيل: عَمْرو بن عَمْرو بن جرير بن عبد الله البَجلِيّ عَن أبي هُرَيْرَة، وَالْآخر: عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن جرير عَن الْمُغيرَة بن مقسم عَن الْحَارِث بن يزِيد من الزِّيَادَة العكلي، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْكَاف: التَّمِيمِي الْكُوفِي، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَذكر فِيهِ عمَارَة مَقْرُونا بِالْحَارِثِ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن زُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن زُهَيْر بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مَا زلت أحب بني تَمِيم) ، هِيَ قَبيلَة كَبِيرَة فِي مُضر تنْسب إِلَى تَمِيم بن مر بن أد بن طابخة بن الياس بن مُضر. قَوْله: (مُنْذُ ثَلَاث) ، أَي: من حِين سَمِعت الْخِصَال الثَّلَاث، وَهِي الَّتِي أَولهَا: هُوَ قَوْله: (هم أَشد أمتِي على الدَّجَّال) . وَثَانِيها: هُوَ قَوْله: (هَذِه صدقَات قَومنَا) وَثَالِثهَا: أمره، ﷺ ، لعَائِشَة بِعِتْق السبية الْمَذْكُورَة. لكَونهَا من ولد إِسْمَاعِيل، ﵇، وَزَاد فِيهِ أَحْمد من وَجه آخر عَن أبي زرْعَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَمَا كَانَ قوم من الْأَحْيَاء أبْغض إِلَيّ مِنْهُم فأحببتهم. انْتهى. وَكَانَ ذَلِك لما كَانَ بَينهم وَبَين قومه فِي الْجَاهِلِيَّة من الْعَدَاوَة. قَوْله: (يَقُول فيهم) أَي: فِي بني تَمِيم. قَوْله: (سمعته يَقُول) ، أَي: سَمِعت النَّبِي، ﷺ ، يَقُول: (هم أَشد أمتِي على الدَّجَّال) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من رِوَايَة الشّعبِيّ عَن أبي هُرَيْرَة: (هم أَشد النَّاس قتالاً فِي الْمَلَاحِم) ، وَرِوَايَة الشّعبِيّ أَعم من رِوَايَة أبي زرْعَة، على مَا لَا يخفى. قَوْله: (وَجَاءَت صَدَقَاتهمْ) ، أَي: صدقَات بني تَمِيم، فَقَالَ: (هَذِه صدقَات قَومنَا) ، إِنَّمَا نسبهم إِلَيْهِ لِاجْتِمَاع نسبهم بنسبه، ﷺ ، فِي إلْيَاس بن مُضر، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من طَرِيق الشّعبِيّ: عَن أبي هُرَيْرَة فِي هَذَا الحَدِيث: وأُتي النَّبِي، ﷺ ، بنعم من صَدَقَة بني سعد، فَلَمَّا راعه حسنها، قَالَ: (هَذِه صَدَقَة قومِي) . انْتهى. وَبَنُو سعد بطن كَبِير من تَمِيم، ينتسبون إِلَى سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم. قَوْله: (سبية مِنْهُم) ، أَي: من بني تَمِيم، وسبية على وزن: فعيلة، بِفَتْح السِّين من السَّبي أَو من السباء، فَإِن كَانَ من الأول يكون بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَإِن كَانَ من الثَّانِي يكون بِالْهَمْزَةِ بعد الْبَاء الْمُوَحدَة، وَلم يدر اسْمهَا، وَوَقع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق هَارُون بن مَعْرُوف عَن جرير: نسمَة، بِفَتْح النُّون وَالسِّين الْمُهْملَة: وَهِي الْإِنْسَان، وَله
стр. 3818
من رِوَايَة أبي معمر: (وَكَانَت على عَائِشَة نسمَة من بني إِسْمَاعِيل) وَفِي رِوَايَة الشّعبِيّ عِنْد أبي عوَانَة: (وَكَانَ على عَائِشَة مُحَرر) وبيَّن الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) فِي رِوَايَة الشّعبِيّ: أَن المُرَاد بِالَّذِي كَانَ عَلَيْهَا أَنه كَانَ (نذرا) . وَلَفظه: نذرت عَائِشَة أَن تعْتق محرراً من بني إِسْمَاعِيل، وللطبراني فِي (الْكَبِير) من حَدِيث رديح، بِضَم الرَّاء وَفتح الدَّال وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: ابْن ذُؤَيْب بن شعثم، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَضم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفِي آخِره مِيم: الْعَنْبَري: أَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: يَا نَبِي الله ﴿إِنِّي نذرت عتيقاً من ولد إِسْمَاعِيل. فَقَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ : إصبري حَتَّى يَجِيء فَيْء بني العنبر غَدا، فجَاء فَيْء فَبنِي العنبر، فَقَالَ لَهَا: خذي مِنْهُم أَرْبَعَة، فَأخذت رديحاً وزبيباً وزخيا وَسمرَة، فَمسح النَّبِي ﷺ رؤوسهم وبرك عَلَيْهِم، ثمَّ قَالَ: يَا عَائِشَة﴾ هَؤُلَاءِ من بني إِسْمَاعِيل قصدا، وَقَالَ بَعضهم: وَالَّذِي تعين لعتق عَائِشَة من هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة، أما رديح وَأما زخى. قلت: قَالَ الذَّهَبِيّ فِي (تَجْرِيد الصَّحَابَة) : رديح بن ذُؤَيْب بن شعثم التَّمِيمِي الْعَنْبَري مولى عَائِشَة روى عَنهُ ابْنه عبد الله وَهَذَا يدل على أَن الَّذِي اعتقته هُوَ رديح بِلَا ترديد، وزبيب، بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره بَاء أَيْضا، وَضَبطه العسكري: بنُون فِي أَوله، و: هُوَ زنيب بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو التَّمِيمِي الْعَنْبَري وروى عَنهُ أَبُو دَاوُد فِي كتاب الْقَضَاء: حَدثنَا أَحْمد بن عَبدة حَدثنَا عمار بن شُعَيْب بن عبيد الله بن الزَّبِيب الْعَنْبَري، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: سَمِعت جدي الزَّبِيب يَقُول: بعث رَسُول الله ﷺ جَيْشًا إِلَى بني العنبر، فَأخذُوا بركبة من نَاحيَة الطَّائِف واستاقوهم إِلَى نَبِي الله ﷺ ، فركبت فسبقتهم إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَقلت: السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته! أَتَانَا جندك فأخذونا، وَقد كُنَّا أسلمنَا ... الحَدِيث بِطُولِهِ. قَوْله: (بركبة) بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْكَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهُوَ اسْم مَوضِع مَعْرُوف، وَهِي غير ركبة الَّتِي بَين مَكَّة وَالْمَدينَة. وَأما زخي، فبضم الزَّاي وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْيَاء، ومصغر، وَضَبطه ابْن عون بالراء، وَذكره الذَّهَبِيّ فِي حرف الزَّاي، وَقَالَ: زخي الْعَنْبَري، وَغلط من قَالَ: رخي بالراء. وَسمرَة: هُوَ ابْن عَمْرو بن قرط، بِضَم الْقَاف وَسُكُون الرَّاء. وَقَالَ الذهبيِّ سَمُرَة بن عَمْرو الْعَنْبَري، أجَاز النَّبِي ﷺ شَهَادَة لَهُ لزبيب الْعَنْبَري ثمَّ قَالَ سَمُرَة من بلعنبر أَعتَقته عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قلت: قَضِيَّة الشَّهَادَة فِي حَدِيث أبي دَاوُد الَّذِي ذكرنَا مِنْهُ بعضه.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: دَلِيل على جَوَاز استرقاق الْعَرَب، وتملكهم كَسَائِر فرق الْعَجم إلَاّ أَن عِتقهم أفضل. قَالَ ابْن بطال: وَتَمِيم كَانُوا يختارون مَا يخرجُون فِي الصَّدقَات من أفضل مَا عِنْدهم، فأعجبه ﷺ ، فَلذَلِك قَالَ: هَذَا القَوْل على معنى الْمُبَالغَة فِي نصحهمْ لله وَلِرَسُولِهِ فِي جودة الِاخْتِيَار للصدقة. وَفِيه: فَضِيلَة ظَاهِرَة لبني تَمِيم، وَكَانَ فيهم فِي الْجَاهِلِيَّة وَصدر الْإِسْلَام جمَاعَة من الْأَشْرَاف والرؤساء. وَفِيه: الْإِخْبَار عَمَّا سَيَأْتِي من الْأَحْوَال الكائنة فِي آخر الزَّمَان.
٤١ - (بابُ فَضْلِ مَنْ أدَّبَ جارِيَتَهُ وعَلَّمَهَا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من أدب جَارِيَته، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر والنسفي لفظ: فضل، بل هُوَ: بَاب من أدَّب جَارِيَته، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: وأعتقها أَيْضا.
٤٤٥٢ - حدَّثنا إسْحاقُ بنُ إبْراهِيمَ قَالَ سَمِعَ مُحَمَّدَ بنَ فضَيْلٍ عنْ مُطَرِّفِ عنِ الشُّعْبِيِّ عنْ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوسَى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ منْ كانَتْ لَهُ جارِيَةٌ فعلَّمَهَا فأحْسَنَ إلَيْهَا ثُمَّ أعْتَقَهَا وتَزَوَّجَها كانَ لَهُ أجْرَانِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَانَ لَهُ أَجْرَانِ) ، وهما: أجر التَّعْلِيم وَأجر الْعتْق.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إسحاف بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه. الثَّانِي: مُحَمَّد بن فُضَيْل بن غَزوَان. الثَّالِث: مطرف بن طريف الْحَارِثِيّ، وَيُقَال الحارفي. الرَّابِع: عَامر الشّعبِيّ. الْخَامِس: أَبُو بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، واسْمه الْحَارِث بن أبي مُوسَى، وَيُقَال: عَامر، وَيُقَال إسمه كنيته. السَّادِس: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ واسْمه عبد الله بن قيس.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع.
стр. 3819
وَفِيه: أَن شَيْخه مروزي سكن نيسابور والبقية كوفيون. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا بأتم مِنْهُ فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب تَعْلِيم الرجل أمته وَأَهله عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن الْمحَاربي عَن صَالح بن حَيَّان عَن عَامر الشّعبِيّ ... الحَدِيث. وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِيهِ عَن هناد بن السّري. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (فعلمها) فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والسرخسي، فعالها، أَي: أنْفق عَلَيْهَا، من: عَال الرجل عِيَاله يعولهم: إِذا أَقَامَ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من قوت وَكِسْوَة وَغَيرهمَا. وَقَالَ الْكسَائي: يُقَال: عَال الرجل يعول إِذا كثر عِيَاله، واللغة الجيدة: أعال يعيل. قَالَ الْمُهلب فِيهِ: أَن الله تَعَالَى قد ضاعف لَهُ أجره بِالنِّكَاحِ والتعليم، فَجعله كَمثل أجر الْعتْق.
وَفِيه: الحض على نِكَاح العتيقة وعَلى ترك الْعُلُوّ فِي الدُّنْيَا، وَأَن من تواضع لله فِي منكحه، وَهُوَ يقدر على نِكَاح أهل الشّرف، فَإِن ذَلِك مِمَّا يُرْجَى عَلَيْهِ جزيل الثَّوَاب. فَإِن قلت: روى الْبَزَّار فِي (مُسْنده) عَن ابْن عمر: لما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿لن تنالوا الْبر﴾ (آل عمرَان: ٢٩) . ذكرت مَا أَعْطَانِي الله فَلم أجد شَيْئا أحب أَلِي من جَارِيَة رُومِية، فأعتقتها، فَلَو أَنِّي أَعُود فِي شَيْء جعلته لله لنكحتها. قلت: هَذَا مَحْمُول على من لَا يرغب نِكَاحهَا، لِأَن عَادَة الْعَرَب الرَّغْبَة عَن تَزْوِيج الْمُعتقَة، وَالْمُعتق إِذا رغب يكون لغيره فَلَا يكره لَهُ النِّكَاح حِينَئِذٍ، وَأَيْضًا النِّكَاح لَيْسَ براجع فِي عتقه، لِأَنَّهُ لَا يملك الْآن إلَاّ مَنْفَعَة الْوَطْء. قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَقد أجَاز مَالك وَأكْثر أَصْحَابنَا الرُّجُوع فِي الْمَنَافِع إِذا تصدق بهَا وشرى بهَا، وَالْحجّة لَهُم حَدِيث الْعَرَايَا، فَكيف إِذا تصدق بِالرَّقَبَةِ؟ فَإِنَّهُ يجوز شِرَاء مَنْفَعَتهَا، بل هُوَ أولى من الصَّدَقَة بِالْمَنْفَعَةِ، وَالَّذِي منع من الرُّجُوع فِي الْمَنَافِع إِذا تصدق بهَا ابْن الْمَاجشون.
٥١ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ ﷺ الْعَبِيدَ إخْوانُكُمْ فأطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَوْله، ﷺ : العبيد ... إِلَى آخِره، وَلَفظ هَذِه التَّرْجَمَة معنى حَدِيث أبي ذَر، رَوَاهُ ابْن مَنْدَه بِلَفْظ: إِنَّهُم إخْوَانكُمْ فَمن لاءمكم مِنْهُم فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تلبسُونَ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عَمْرو الرَّازِيّ، قَالَ: حَدثنَا جرير عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد عَن مُورق عَن أبي ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : من لاءمكم من مملوكيكم فأطعموه مِمَّا تَأْكُلُونَ واكسوه مِمَّا تكسون، وَمن لَا يلائمكم مِنْهُم فبيعوه وَلَا تعذبوا خلق الله، . وَأخرج مُسلم فِي آخر (صَحِيحه) حَدِيثا طَويلا عَن أبي الْيُسْر كَعْب بن عَمْرو فِي: بَاب ستْرَة النَّبِي، ﷺ ، وَفِيه: وَهُوَ يَقُول، أَي: النَّبِي، ﷺ : أطعموهم مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تلبسُونَ.
وقَوْلِهِ تعَالَى: ﴿واعبُدُوا الله ولَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وبالْوَالِدَيْنِ إحْسَاناً وبِذِي القُرْبَى واليَتَامَى والْمَسَاكِين والجارِ وذِي القُرْبى والجارِ الْجُنُبِ والصَّاحِبِ بالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ إنَّ الله لَا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتَالَا فَخُوراً﴾ (النِّسَاء: ٦٣) .
وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على: قَول، فِي قَوْله: بَاب قَول النَّبِي ﷺ ، هَذِه الْآيَة فِي سُورَة النِّسَاء، كَذَا هِيَ إِلَى آخرهَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وَقَول الله: ﴿واعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وبالوالدين إحساناً وبذي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين﴾ إِلَى قَوْله: ﴿مختالاً فخوراً﴾ (النِّسَاء: ٦٣) . فَفِيهَا يَأْمر الله تَعَالَى بِعِبَادَتِهِ وَحده لَا شريك لَهُ، فَإِنَّهُ الخالف الرازق الْمُنعم المتفضل على خلقه فِي جَمِيع الْأَحْوَال، ثمَّ أوصى بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدين بقوله: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ (النِّسَاء: ٦٣) . لِأَنَّهُ تَعَالَى جَعلهمَا سَببا لخروجك من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود، ثمَّ عطف على الْإِحْسَان إِلَى الْوَالِدين الْإِحْسَان إِلَى الْقرَابَات من الرِّجَال وَالنِّسَاء، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث: الصَّدَقَة على الْمِسْكِين صَدَقَة، وعَلى ذِي الرَّحِم صَدَقَة، وَصله. ثمَّ قَالَ: واليتامى، لأَنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم، وَمن ينْفق عَلَيْهِم؟ ثمَّ قَالَ: وَالْمَسَاكِين: وهم المحاويج من ذَوي الْحَاجَات الَّذين لَا يَجدونَ مَا يقوم بكفايتهم، فَأمر الله تَعَالَى بمساعدتهم بِمَا تتمّ بِهِ كفايتهم:
стр. 3820
وتزول بِهِ ضرورتهم، ثمَّ قَالَ: ﴿وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى وَالْجَار الْجنب﴾ (النِّسَاء: ٦٣) . قَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَالْجَار ذِي القربي، يَعْنِي: الَّذِي بَيْنك وَبَينه قرَابَة، وَالْجَار الْجنب: الَّذِي لَيْسَ بَيْنك وَبَينه قرَابَة، وَكَذَا رُوِيَ عَن عِكْرِمَة وَمُجاهد وَمَيْمُون بن مهْرَان وَالضَّحَّاك وَزيد بن أسلم وَمُقَاتِل بن حَيَّان وَقَتَادَة، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق عَن نوف الْبكالِي ﴿وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى﴾ (النِّسَاء: ٦٣) . يَعْنِي: الْمُسلم. ﴿وَالْجَار الْجنب﴾ (النِّسَاء: ٦٣) . يَعْنِي: الْيَهُودِيّ والنصاري، رَوَاهُ ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم. وَقَالَ جَابر الْجعْفِيّ عَن الشّعبِيّ عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود: ﴿الْجَار ذِي الْقُرْبَى﴾ (النِّسَاء: ٦٣) . الْمَرْأَة، وَقَالَ مُجَاهِد: ﴿وَالْجَار الْجنب﴾ (النِّسَاء: ٦٣) . يَعْنِي: الرفيق فِي السّفر. ثمَّ قَالَ: والصاحب بالجنب، قَالَ الثَّوْريّ عَن جَابر الْجعْفِيّ عَن الشّعبِيّ عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود، قَالَا: هِيَ الْمَرْأَة، قَالَ ابْن أبي حَاتِم: كَذَا رُوِيَ عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْحسن وَسَعِيد بن جُبَير فِي إِحْدَى الرِّوَايَات. وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة: هُوَ الرفيق فِي السّفر، وَقَالَ سعيد بن جُبَير: هُوَ الرفيق الصَّالح، وَقَالَ زيد بن أسلم: هُوَ جليسك فِي الْحَضَر ورفيقك فِي السّفر، ثمَّ قَالَ: ﴿وَابْن السَّبِيل﴾ (النِّسَاء: ٦٣) . وَعَن ابْن عَبَّاس وَجَمَاعَة: هُوَ الضَّيْف، وَقَالَ مُجَاهِد وَأَبُو جَعْفَر الباقر وَالْحسن وَالضَّحَّاك: هُوَ الَّذِي يمر عَلَيْك مجتازاً فِي السّفر. ثمَّ قَالَ: ﴿وَمَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ (النِّسَاء: ٦٣) . هَذَا وَصِيَّة بالأرقاء، لِأَن الرَّقِيق ضَعِيف الجثة أَسِير فِي أَيدي النَّاس، وَلِهَذَا ثَبت أَن رَسُول الله ﷺ ، جعل يُوصي أمته فِي مرض الْمَوْت يَقُول: الصَّلَاة الصَّلَاة وَمَا ملكت إيمَانكُمْ، فَجعل يُرَدِّدهَا حَتَّى مَا يفِيض بهَا لِسَانه، وَهَذَا كَانَ مُرَاد البُخَارِيّ بِذكرِهِ هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة، وروى مُسلم من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو أَنه قَالَ لقهرمان لَهُ: هَل أَعْطَيْت الرَّقِيق قوتهم؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَانْطَلق فأعطهم، إِن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: كفى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَن يحبس عَمَّن يملك قوتهم. قَوْله: ﴿إِن الله لَا يحب من كَانَ مختالاً﴾ (النِّسَاء: ٦٣) . أَي: فِي نَفسه معجباً متكبراً ﴿فخوراً﴾ (النِّسَاء: ٦٣) . على النَّاس، يرى أَنه خير مِنْهُم، فَهُوَ فِي نَفسه كَبِير، وَهُوَ عِنْد الله حقير وَعند النَّاس بغيض.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: ذِي الْقُرْبى القَرِيبُ، والْجُنُبُ الغَريبُ الجارُ الْجُنُبُ يَعْنِي الصَّاحِبَ فِي السَّفَرِ
أَبُو عبد الله: هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، هَذَا الَّذِي فسره هُوَ تَفْسِير أبي عُبَيْدَة فِي كتاب (الْمجَاز) .
٥٤٥٢ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبِي إياسٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حَدثنَا واصِلٌ الأحْدَبُ قَالَ سَمِعْتُ المَعْرورَ بنَ سُوَيْدٍ قَالَ رأيْتُ أبَا ذَرٍّ الغِفَّاريَّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وعلَيْهِ حُلَّةٌ وعَلى غُلَامِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْنَاهُ عنْ ذالِكَ فَقَالَ إنِّي سابَبْتُ رَجُلاً فَشكانِي إِلَى النبيِّ ﷺ فَقَالَ ليَ النبيُّ ﷺ أعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ ثمَّ قَالَ إنَّ إخْوَانَكُمْ خَوَلُكمْ جعَلَهُمُ الله تَحْتَ أيْدِيكُمْ فَمنْ كانَ أخوهُ تحْتَ يَدهِ فلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأكُلُ ولْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهمْ مَا يَغْلِبُهم فإنْ كلَّفْتُموهُمْ مَا يَغْلِبُهُم فأعِينُوهُمْ.
(انْظُر الحَدِيث ٠٣ طرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وواصل هُوَ ابْن حَيَّان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: الْكُوفِي، والمعرور، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَضم الرَّاء الأولى: وَهُوَ من كبار التَّابِعين، يُقَال: عَاشَ مائَة وَعشْرين سنة، وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب الْمعاصِي من أَمر الْجَاهِلِيَّة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة عَن وَاصل ... إِلَى آخِره وَفِيه زِيَادَة، وَهِي قَوْله: إِنَّك امْرُؤ فِيك جَاهِلِيَّة. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.، ولنذكر بعض شَيْء.
قَوْله: (حلَّة) ، هِيَ وَاحِدَة الْحلَل، وَهِي برود، الْيمن، وَلَا تسمى حلَّة إلَاّ أَن تكون ثَوْبَيْنِ من جنس وَاحِد. قَوْله: (ساببت رجلا) قيل: هُوَ بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (أعيرته؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار. قَوْله: (إِن إخْوَانكُمْ) ، المُرَاد إخْوَة الْإِسْلَام وَالنّسب، لِأَن النَّاس كلهم بَنو آدم، ﵇. قَوْله: (خولكم) ، أَي: حشمكم وخدمكم، وَوَاحِد الخول: خائل، وَقد يكون وَاحِدًا، وَيَقَع على العَبْد وَالْأمة وَهُوَ مَأْخُوذ من التخويل، وَهُوَ التَّمْلِيك، وَقيل: من الرِّعَايَة. قَوْله: (تَحت يَده) ، أَي: ملكه، وَإِن كَانَ العَبْد محترفاً فَلَا وجوب على السَّيِّد. قَوْله: (فليطعمه) ، أَمر ندب، وَكَذَلِكَ (وليلبسه) وَقيل: لمَالِك، ﵀: أيأكل من طَعَام لَا يَأْكُل مِنْهُ عِيَاله ورقيقه، ويلبس ثيابًا لَا يلبسُونَ؟ قَالَ: أرَاهُ من ذَلِك فِي سَعَة. قيل لَهُ: فَحَدِيث أبي ذَر؟ قَالَ: كَانُوا يَوْمئِذٍ لَيْسَ لَهُم هَذَا الْقُوت. قَوْله: (وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبهُمْ) ، أَي: لَا تُكَلِّفُوهُمْ على عمل يَغْلِبهُمْ عَن إِقَامَته، وَهَذَا وَاجِب، وَكَانَ عمر بن الْخطاب
стр. 3821
رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَأْتِي الحوائط، فَمن رَآهُ من العبيد كلف مَا لَا يُطيق وضع عَنهُ، وَمن أقل رزقه زَاده فِيهِ. قَالَ مَالك: وَكَذَلِكَ يفعل فِيمَن يفعل من الأجراء وَلَا يطيقه، وَرُوِيَ أَنه ﷺ قَالَ: أوصيكم بالضعيفين: الْمَرْأَة والمملوك، وَأمر ﷺ موَالِي أبي طيبَة أَن يخففوا عَنهُ من خراجه. وَفِي (التَّوْضِيح) : التَّسْوِيَة فِي الْمطعم والملبس اسْتِحْبَاب، وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْعلمَاء، فَلَو كَانَ سَيّده يَأْكُل الْفَائِق ويلبس العالي فَلَا يجب عَلَيْهِ أَن يُسَاوِي مَمْلُوكه فِيهِ، وَمَا أحسن تَعْلِيل مَالك، وَهُوَ مَا ذَكرْنَاهُ الْآن من قَوْله: لَيْسَ لَهُم هَذَا الْقُوت، وَإِنَّمَا كَانَ الْغَالِب من قوتهم التَّمْر وَالشعِير، وَقد صَحَّ أَن سيدنَا رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: للمملوك طَعَامه وَكسوته بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يُكَلف من الْعَمَل مَا لَا يُطيق، فَإِن زَاد على مَا فرض عَلَيْهِ من قوته وَكسوته بِالْمَعْرُوفِ كَانَ متفضلاً مُتَطَوعا. وَقَالَ ربيعَة بن عبد الرَّحْمَن: لَو أَن رجلا عمل لنَفسِهِ خبيصاً فَأَكله دون خادمه، مَا كَانَ بذلك بَأْس، وَكَانَ يُفْتِي أَنه: إِذا أطْعم خادمه من الْخبز الَّذِي يَأْكُل مِنْهُ فقد أطْعمهُ مِمَّا يَأْكُل مِنْهُ، لِأَن: من، عِنْد الْعَرَب للتَّبْعِيض. وَلَو قَالَ: أطعموهم من كل مَا تَأْكُلُونَ، لعم الخبيص وَغَيره، وَكَذَا فِي اللبَاس. قَوْله: (فَإِن كلفْتُمُوهُمْ) فَإِن قلت: إِذا نهى عَن التَّكْلِيف فَكيف عقبه بقوله: فَإِن كلفْتُمُوهُمْ؟ قلت: النَّهْي للتنزيه قَالَه الْكرْمَانِي، وَفِيه نظر، لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إلَاّ وسعهَا﴾ (الْبَقَرَة: ٦٨٢) . وَلما لم يُكَلف الله فَوق طاقتنا، وَنحن عبيده، وَجب علينا أَن نمتثل لحكمه وطريقته فِي عبيدنا، وروى هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، مَرْفُوعا: لَا تستخدموا رقيقكم بِاللَّيْلِ، فَإِن النَّهَار لكم وَاللَّيْل لَهُم. وروى معمى عَن أَيُّوب عَن أبي قلَابَة يرفعهُ إِلَى سلمَان: أَن رجلأ أَتَاهُ وَهُوَ يعجن، فَقَالَ: أَيْن الْخَادِم؟ قَالَ: أَرْسلتهُ لحَاجَة، فَلم نَكُنْ لنجمع عَلَيْهِ شَيْئَيْنِ: أَن نرسله وَلَا نكفيه عمله، ووقف عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على تَاجر لَا يعرفهُ، فَاشْترى مِنْهُ قميصين بِعشْرَة دَرَاهِم، فَقَالَ لعَبْدِهِ: إختر أَيهمَا شِئْت.
وَفِيه من الْفَوَائِد: النَّهْي عَن سبّ الرَّقِيق وتعييرهم بِمن ولدهم. وَفِيه: الْحَث على الْإِحْسَان إِلَيْهِم والرفق بهم، وَيلْحق بالرقيق من كَانَ فِي مَعْنَاهُ من أجِير ومستخدم فِي أَمر وَنَحْوهمَا، وَفِيه عدم الترفع على الْمُسلم والإحتقار. وَفِيه: الْمُحَافظَة على الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر. وَفِيه: إِطْلَاق الْأَخ على الرَّقِيق.
٦١ - (بابُ العَبْدِ إذَا أحْسنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ ونَصَحَ سَيِّدَهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل العَبْد أَو فِي بَيَان ثَوَابه إِذا أحسن عبَادَة ربه، بِأَن أَقَامَهَا بشروطها. قَوْله: (ونصح) ، من النَّصِيحَة، وَهِي كلمة جَامِعَة مَعْنَاهَا: حِيَازَة الْحَظ للمنصوح لَهُ، وَهُوَ إِرَادَة صَلَاح حَاله وتخليصه من الْخلَل وتصفيته من الْغِشّ.
٦٤٥٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ العَبْدُ إذَا نصَحَ سَيِّدَهُ وأحْسَنَ عِبادَةَ رَبِّهِ كانَ لَهُ أجْرُهُ مَرَّتَيْنِ.
(الحَدِيث ٦٤٥٢ طرفه فِي: ٠٥٥٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن القعْنبِي وَهُوَ عبد الله بن مسلمة شيخ البُخَارِيّ. وَفِيه: حض الْمَمْلُوك على نصح سَيّده، لِأَنَّهُ راعٍ فِي مَاله، وَهُوَ مسؤول عَمَّا استرعى. قَوْله: (كَانَ لَهُ أجره مرَّتَيْنِ) ، مرّة لنصح سَيّده وَمرَّة لإحسان عبَادَة ربه.
٧٤٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثيرٍ قَالَ أخبرنَا سفْيانُ عنْ صالِحٍ عنِ الشَّعْبِيِّ عنْ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِي موساى الأشْعَرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قالَ قالَ النبيِّ ﷺ أيُّمَا رَجلٍ كانَتْ لَهُ جارِيَةٌ فَأدَّبَهَا فأحْسَنَ تَأدِيبَهَا وأعْتَقَهَا وتَزَوَّجَهَا فلَهُ أجْرَانِ وأيُّما عَبْدٍ أدَّى حَقَّ الله وحقَّ مَوالِيهِ فلَهُ أجْرَانِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأَيّمَا عبد) إِلَى آخِره لِأَن أَدَاء حق الله هُوَ معنى: أحسن عبَادَة ربه، وَأَدَاء حق موَالِيه هُوَ معنى نصح سَيّده. وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَصَالح هُوَ ابْن صَالح أَبُو حَيّ الْهَمدَانِي الْكُوفِي، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر، وَأَبُو بردة اسْمه الْحَارِث أَو عَامر، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عبد الله بن قيس. وَالنّصف الأول من الحَدِيث وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الْجَارِيَة قد مر عَن قريب فِي: بَاب فضل من أدب جَارِيَته، وَالنّصف الثَّانِي وَهُوَ الَّذِي فِيهِ أَمر العَبْد قد مر فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب تَعْلِيم الرجل أمته وَأَهله، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن الْمحَاربي عَن صَالح بن حَيَّان عَن الشّعبِيّ، وَقد مر
стр. 3822
الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَصَالح بن حَيَّان هَذَا هُوَ صَالح بن صَالح أَبُو حَيّ الْمَذْكُور، غير أَن البُخَارِيّ ذكره هُنَاكَ بنسبته إِلَى جده، فَإِنَّهُ صَالح بن صَالح بن مُسلم بن حَيَّان، وَلَيْسَ بِصَالح بن حَيَّان الْقرشِي الْكُوفِي الَّذِي يروي عَن أبي وَائِل، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصًى.
٨٤٥٢ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا يونسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ الْمُسَيَّبِ يَقولُ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ رسولُ الله ﷺ للعبْدِ الْمَمْلُوكِ الصَّالِحِ أجْرَانِ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله والحَجُّ وبِرُّ أُمِّي لأحْبَبْتُ أنْ أموتَ وأنَا مَمْلُوكٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث، وَوَقع فِي كتاب ابْن بطال عزو حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا لأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَهُوَ غلط، فَإِنَّهُ أسقط حَدِيث أبي مُوسَى وَركبهُ على حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن مُحَمَّد السجسْتانِي الْمروزِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وحرملة بن يحيى وَفِي الْأَيْمَان عَن زُهَيْر بن حَرْب.
قَوْله: (للْعَبد الْمَمْلُوك) إِنَّمَا وصف العَبْد بالمملوك، لِأَن العَبْد أَعم من أَن يكون مَمْلُوكا وَغير مَمْلُوك، فَإِن النَّاس كلهم عبيد الله. قَوْله: (الصَّالح) ، أَي: فِي عبَادَة الرب ونصح السَّيِّد. قَوْله: (أَجْرَانِ) ، قَالَ ابْن بطال: لما كَانَ للْعَبد فِي عبَادَة ربه أجر، كَذَلِك لَهُ فِي نصح السَّيِّد أجر، وَلَا يُقَال: الأجران متساويان، لِأَن طَاعَة الله تَعَالَى أوجب من طَاعَته. قَوْله: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ) ، قَالَ ابْن بطال: لفظ: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ. .) إِلَى آخِره هُوَ من قَول أبي هُرَيْرَة، وَكَذَا قَالَه الدَّاودِيّ وَغَيره، وَقَالُوا: يدل على أَنه مدرج يَعْنِي: الحَدِيث لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: (وبرُّ أُمِّي) ، وَلم يكن للنَّبِي، ﷺ ، حِينَئِذٍ أم يبرها، وجنح الْكرْمَانِي إِلَى أَنه من كَلَام الرَّسُول، ﷺ . ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: مَاتَ أم الرَّسُول، ﷺ ، وَهُوَ طِفْل، فَمَا معمى بره أمه؟ قلت: لتعليم الْأمة، أَو على سَبِيل فرض الْحَيَاة، أَو المُرَاد بِهِ أمه الَّتِي أَرْضَعَتْه، وَهِي حليمة السعدية. انْتهى. قلت: لَو اطلع الْكرْمَانِي على مَا اطلع عَلَيْهِ من يَدعِي الإدراج لما تكلّف هَذَا التَّأْوِيل المتعسف، وَقد صرح بالإدراج الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق آخر عَن عبد الله بن الْمُبَارك بِلَفْظ: وَالَّذِي نفس أبي هُرَيْرَة بِيَدِهِ ... إِلَى آخِره، وَكَذَلِكَ أخرجه الْحُسَيْن بن الْحسن الْمروزِي فِي كتاب (الْبر والصلة) عَن ابْن الْمُبَارك، وَصرح مُسلم أَيْضا بذلك، فَقَالَ: حَدثنِي أَبُو الطَّاهِر وحرملة بن يحيى، قَالَا: أخبرنَا ابْن وهب، قَالَ: أخبرنَا يُونُس عَن ابْن شهَاب، سَمِعت سعيد بن الْمسيب يَقُول: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (للْعَبد الْمَمْلُوك الصَّالح أَجْرَانِ، وَالَّذِي نفس أبي هُرَيْرَة بِيَدِهِ، لَوْلَا الْجِهَاد فِي سَبِيل الله، وَالْحج وبر أُمِّي لأحببت أَن أَمُوت وَأَنا مَمْلُوك) . قَالَ: وبلغنا أَن أَبَا هُرَيْرَة لم يكن يحجّ حَتَّى مَاتَت أمه لصحبتها، قَالَ أَبُو الطَّاهِر: فِي حَدِيثه (للْعَبد المصلح) وَلم يذكر الْمَمْلُوك. انْتهى. وَاسم أم أبي هُرَيْرَة: أُمَيْمَة، بِالتَّصْغِيرِ، وَقيل: مَيْمُونَة، وَهِي صحابية ثَبت ذكر إسْلَامهَا فِي (صَحِيح مُسلم) وَبَين أَبُو مُوسَى اسْمهَا فِي ذيل (الْمعرفَة) ، وإنمااستثنى أَبُو هُرَيْرَة هَذِه الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة لِأَن الْجِهَاد وَالْحج يشْتَرط فيهمَا إِذن السَّيِّد، وَكَذَلِكَ بر الْأُم، قد يحْتَاج إِلَى إِذن السَّيِّد فِي بعض وجوهه، بِخِلَاف بَقِيَّة الْعِبَادَات الْبَدَنِيَّة، وَلم يتَعَرَّض للعبادات الْمَالِيَّة إِمَّا لكَونه كَانَ إِذْ ذَاك لم يكن لَهُ مَال يزِيد على قدر حَاجته فيمكنه صرفه فِي القربات بِدُونِ إِذن السَّيِّد، وَإِمَّا لِأَنَّهُ كَانَ يرى أَن للْعَبد أَن يتَصَرَّف فِي مَاله بِغَيْر إِذْنه. فَإِن قيل: فِي قَوْله: أَجْرَانِ، يلْزم كَون أجر المماليك ضعف أجر السادات؟ قلت: أجَاب الْكرْمَانِي: بِأَن لَا مَحْذُور فِي ذَلِك، أَو يكون أجر المماليك مضاعفاً من هَذِه الْجِهَة، وَقد يكون للسادات جِهَات أُخْرَى يسْتَحق بهَا أجر العَبْد، أَو يكون المُرَاد تَرْجِيح العَبْد الْمُؤَدِّي للحقين على العَبْد الْمُؤَدِّي لأَحَدهمَا. وَالله أعلم. قَوْله: (لأحببت أَن أَمُوت وَأَنا مَمْلُوك) ، الْوَاو، فِيهِ للْحَال. قَالَ الْخطابِيّ: وَلِهَذَا الْمَعْنى امتحن الله، ، أنبياءه، ﵈، ابتلى يُوسُف، ﵇، بِالرّقِّ
стр. 3823
ودانيال حِين سباه بخْتنصر، وَكَذَا مَا رُوِيَ عَن خضر، ﵇، حِين سُئِلَ لوجه الله فَلم يكن عِنْده مَا يُعْطِيهِ، فَقَالَ لَا أملك إلَاّ نَفسِي، فبعني واستنفق ثمني، وَنَحْو ذَلِك.
٩٤٥٢ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ نَصْر قَالَ حدَّثنا أَبُو أُسامَةَ عنِ الأعْمَشِ قَالَ حدَّثنا أبُو صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ نَعِمَّا مَا لِأَحَدِكُمْ يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ ويَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ لِأَن مَعْنَاهُ: نعمَّا للمملوك يحسن عبَادَة ربه، على مَا نبينه عَن قريب. وَإِسْحَاق بن نصر هُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر فَذكره بنسبته إِلَى جده السَّعْدِيّ البُخَارِيّ، كَانَ ينزل بِالْمَدِينَةِ بِبَاب بني سعد وَهُوَ من أَفْرَاده وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات السمان.
قَوْله: (نعمَّا مَا لأَحَدهم) ، بِفَتْح النُّون وَكسر الْعين وإدغام الْمِيم فِي الْأُخْرَى، وَيجوز كسر النُّون وَفتحهَا أَيْضا مَعَ إسكان الْعين وتحريك الْمِيم، فالجملة أَربع لُغَات. قَالَ الزّجاج: مَا، بِمَعْنى الشَّيْء، فالتقدير: نعم الشَّيْء، وَقَالَ ابْن التِّين: وَقع فِي نُسْخَة الشَّيْخ أبي الْحسن الْقَابِسِيّ: نعم مَا، بتَشْديد الْمِيم الأولى وَفتحهَا، وَلَا وَجه لَهُ، وَالصَّوَاب إدغامها فِي: مَا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّ الله نعمَّا يعظكم بِهِ﴾ (النِّسَاء: ٨٥) . والمخصوص بالمدح مَحْذُوف. قَوْله: (يحسن) مُبين لَهُ تَقْدِيره: نعمَّا لمملوك لأَحَدهم يحسن عبَادَة ربه وَينْصَح لسَيِّده.
٧١ - (بابُ كَرَاهِيَةِ التَّطَاوُلِ علَى الرَّقِيقِ وقَوْلِهِ عَبْدِي أوْ أمَتِي)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التطاول أَي الترفع والتجاوز عَن الْحَد فِيهِ. قيل: المُرَاد بِالْكَرَاهَةِ كَرَاهَة التَّنْزِيه، وَذَلِكَ لِأَن الْكل عبيد الله،، وَالله لطيف بعباده رَفِيق بهم، فَيَنْبَغِي للسادة امْتِثَال ذَلِك فِي عبيدهم، وَمن ملكهم الله إيَّاهُم، وَيجب عَلَيْهِم حسن الْملك ولين الْجَانِب، كَمَا يجب على العبيد حسن الطَّاعَة والنصح لسادتهم والانقياد لَهُم وَترك مخالفتهم. قَوْله: (وَقَوله) ، بِالْجَرِّ، عطف على: كَرَاهِيَة التطاول، وَالتَّقْدِير: وكراهية قَول الشَّخْص لمن يملكهُ من العبيد: عَبِيدِي، وَلمن يملك من الْجَوَارِي: أمتِي، وَالْكَرَاهَة فِيهِ أَيْضا للتنزيه من غير تَحْرِيم.
وَجه الْكَرَاهَة: أَن هَذَا الأسم من بَاب الْمُضَاف وَمُقْتَضَاهُ إِثْبَات الْعُبُودِيَّة لَهُ، وَصَاحبه الَّذِي هُوَ الْمَالِك عبد لله تَعَالَى متعبد بأَمْره وَنَهْيه، فإدخال مَمْلُوك الله تَعَالَى تَحت هَذَا الأسم يُوجب الشّرك، وَمعنى المضاهاة، فَلذَلِك اسْتحبَّ لَهُ أَن يَقُول: فَتَاي وَفَتَاتِي، وَالْمعْنَى فِي ذَلِك كُله يرجع إِلَى الْبَرَاءَة من الْكبر، والأليق بالشخص الَّذِي هُوَ عبد الله ومملوك لَهُ أَن لَا يَقُول: عَبدِي، وَإِن كَانَ قد ملك قياده فِي الِاسْتِخْدَام ابتلاء فِيهِ من الله بخلقه، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا بَعْضكُم لبَعض فتْنَة أَتَصْبِرُونَ﴾ (الْفرْقَان: ٠٢) . وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِن قَالَ عَبدِي أَو أمتِي وَلم يرد التكبر فأرجو أَن لَا إِثْم عَلَيْهِ.
وقالَ الله تَعَالَى ﴿والصَّالِحِينَ مِنْ عَبَادِكُمْ وإمَائِكُمْ﴾ (النُّور: ٢٣) . وَقَالَ: ﴿عَبْداً مَمْلُوكاً﴾ (النَّحْل: ٥٧) . ﴿وألْفَيا سَيِّدَهَا لَدَى الْبابِ﴾ (يُوسُف: ٥٢) . وَقَالَ ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِناتِ﴾ (النِّسَاء: ٥٢) . وَقَالَ النبيُّ ﷺ قومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ ﴿واذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (يُوسُف: ٢٤) . أيْ سَيَّدِكَ ومَنْ سَيِّدِكُمْ
ذكر هَذَا كُله دَلِيلا لجَوَاز أَن يَقُول: عَبدِي وَأمتِي، وَأَن النَّهْي الَّذِي ورد فِي الحَدِيث عَن قَول الرجل: عَبدِي وَأمتِي. وَعَن قَوْله: إسق ربَّكَ، وَنَحْوه للتنزيه لَا للتَّحْرِيم. قَوْله: ﴿وَالصَّالِحِينَ من بادكم وَإِمَائِكُمْ﴾ هُوَ فِي سُورَة النُّور، وأوله: ﴿وَانْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم وَالصَّالِحِينَ من عبادكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِم الله من فَضله وَالله وَاسع عليم﴾ (النُّور: ٢٣) . وَلما أَمر الله تَعَالَى قبل هَذِه الْآيَة بغض الْأَبْصَار وَحفظ الْفروج، بقوله: ﴿قل للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم ويحفظوا فروجهم﴾ (النِّسَاء: ٥٢) . الْآيَة، بَين بعده أَن الَّذِي أَمر بِهِ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا لَا يحل، فَبين بعد ذَلِك طَرِيق الْحل، فَقَالَ: ﴿وَأنْكحُوا الْأَيَامَى﴾ (النُّور: ٢٣) . أَصْلهَا: أيائم، فَقلب، والأيم للرجل وَالْمَرْأَة، فالأيامي: هم الَّذين لَا أَزوَاج لَهُم من الرِّجَال وَالنِّسَاء، يُقَال: رجل أيم وَامْرَأَة إيم وأيمة. وآم الرجل وآمت الْمَرْأَة بأيم أيمة، وأيوماً إِذا لم يتزوجا بكرين كَانَا أَو ثيبين، وَقَالَ ابْن بطال: جَازَ أَن يَقُول الرجل: عَبدِي وَأمتِي، لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالصَّالِحِينَ من عبادكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (النُّور: ٢٣) . وَإِنَّمَا نهى عَنهُ على سَبِيل الغلظة لَا على سَبِيل التَّحْرِيم، وَكره ذَلِك لاشْتِرَاط اللَّفْظ، إِذْ يُقَال: عبد الله
стр. 3824
وَأمة الله. قَوْله: (وَقَالَ ﴿عبدا مَمْلُوكا﴾ (النَّحْل: ٥٧)) هُوَ فِي سُورَة النَّحْل، وأوله: ﴿وَضرب الله مثلا عبدا مَمْلُوكا لَا يقدر على شَيْء ... ﴾ (النَّحْل: ٥٧) . الْآيَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي أول: بَاب من ملك الْعَرَب رَقِيقا. قَوْله: ﴿وألفيا سَيِّدهَا لَدَى الْبَاب﴾ (يُوسُف: ٥٢) هُوَ فِي سُورَة يُوسُف، وَقَبله: ﴿واستبقا الْبَاب وقدت قَمِيصه من دبر وألفيا سَيِّدهَا لَدَى الْبَاب﴾ (يُوسُف: ٥٢) . الْآيَة، والقصة مَشْهُورَة، وَالْمعْنَى: تسابقا إِلَى الْبَاب يَعْنِي: يُوسُف وزليخا فنفر يُوسُف عَنْهَا فأسرع يُرِيد الْبَاب ليخرج، وأسرعت زليخا وَرَاءه لتمنعه من الْخُرُوج، وقدت قَمِيصه من دُبُرٍ لِأَنَّهَا جبذته من خَلفه فشقت قَمِيصه، وألفيا سَيِّدهَا أَي: صادفا ولَقِيا بَعْلهَا، وَهُوَ قطفير، وَإِنَّمَا قَالَ: سَيِّدهَا، وَلم يقل: سيدهما، لِأَن ملك يُوسُف لم يَصح، فَلم يكن سيداً لَهُ على الْحَقِيقَة. قَوْله: (وَقَالَ: ﴿من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات﴾ (النِّسَاء: ٥٢)) هُوَ فِي سُورَة النِّسَاء، وأوله: ﴿وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات فَمَا ملكت أَيْمَانكُم من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات ... ﴾ (النِّسَاء: ٥٢) . الْآيَة، يَعْنِي: مِنْهُ لم يجد مِنْكُم طولا أَي: سَعَة وقدرة أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات من الْحَرَائِر العفائف وَالْمُؤْمِنَات، فتزوجوا من الْإِمَاء الْمُؤْمِنَات اللَّاتِي يملكهن الْمُؤْمِنُونَ، والفتيات جمع فتاة وَهِي: الآمة. قَوْله: (وَقَالَ النَّبِي، ﷺ : قومُوا إِلَى سيدكم) ، هُوَ قِطْعَة من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أخرجه البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي على مَا يَأْتِي، فَقَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا غنْدر حَدثنَا شُعْبَة عَن سعد، قَالَ: سَمِعت أَبَا أُمَامَة، قَالَ: سَمِعت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ يَقُول: نزل أهل قُرَيْظَة على حكم سعد بن معَاذ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأرْسل النَّبِي ﷺ إِلَى سعد، فَأتى على حمَار، فَلَمَّا دنا من الْمَسْجِد قَالَ للْأَنْصَار: (قومُوا إِلَى سيدكم) الحَدِيث، وخاطب الْأَنْصَار بقوله: (قومُوا إِلَى سيدكم) يُرِيد بِهِ سعد بن معَاذ، فَمن هَذَا أَخذ أَن لَا يمْنَع العَبْد أَن يَقُول: سَيِّدي ومولاء، لِأَن مرجع السِّيَادَة إِلَى معنى الرياسة على من تَحت يَده والسياسة لَهُ وَحسن التَّدْبِير، وَلذَلِك سمى الزَّوْج سيداً، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وألفيا سَيِّدهَا لَدَى الْبَاب﴾ (يُوسُف: ٥٢) . وَقد قيل لمَالِك: هَل كره أحد بِالْمَدِينَةِ قَوْله لسَيِّده: يَا سَيِّدي؟ قَالَ: لَا. وَاحْتج بِهَذِهِ الْآيَة، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ (آل عمرَان: ٩٣) . قيل لَهُ: يَقُولُونَ: السَّيِّد هُوَ الله؟ قَالَ: أَيْن هُوَ فِي كتاب الله تَعَالَى؟ وَإِنَّمَا فِي الْقُرْآن: ﴿ربِّ اغْفِر لي ولوالدي﴾ (نوح: ٨٢) . قيل: أنكر أَن يَدْعُو يَا سَيِّدي. قَالَ: مَا فِي الْقُرْآن أحب إِلَيّ، وَدُعَاء الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقد قَالَ بعض أهل اللُّغَة: إِنَّمَا سمى السَّيِّد لِأَنَّهُ يملك السوَاد الْأَعْظَم، وَقد قَالَ ﷺ فِي الْحسن: إِن ابْني هَذَا سيد. قَوْله: ( ﴿واذكرني عِنْد رَبك﴾ (يُوسُف: ٢٤)) هُوَ فِي سُورَة يُوسُف وأوله: ﴿وَقَالَ للَّذي ظن أَنه ناجٍ مِنْهُمَا: أذكرني عِنْد رَبك ... ﴾ (يُوسُف: ٢٤) الْآيَة، وقصته مَشْهُورَة، مَعْنَاهُ: صفني عِنْد الْملك بصفتي، وقص عَلَيْهِ بقصتي لَعَلَّه يرحمني ويخرجني من السجْن، فَلَمَّا وكل أمره إِلَى غير الله أمكثه فِي السجْن سبع سِنِين. وَقَالَ الْخطابِيّ: لَا يُقَال أطْعم رَبك، لِأَن الْإِنْسَان مربوب مَأْمُور بإخلاص التَّوْحِيد وَترك الْإِشْرَاك مَعَه، فكره لَهُ المضاهاة بالإسم. وَأما غَيره من سَائِر الْحَيَوَان والجماد فَلَا بَأْس بِإِطْلَاق هَذَا الإسم عَلَيْهِ عِنْد الْإِضَافَة، كَقَوْلِهِم: رب الدَّار، وَرب الدَّابَّة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قد ورد فِي الْقُرْآن مثل قَوْله: ﴿إِنَّه رَبِّي أحسن مثواي﴾ (يُوسُف: ٣٢) . ﴿واذكرني عِنْد رَبك﴾ (يُوسُف: ٢٤) . قلت: ذَاك شرع من قبلنَا. فَإِن قلت: كَمَا أَنه لَا رب حَقِيقَة غير الله، كَذَا لَا سيد وَلَا مولى حَقِيقَة أَيْضا إلَاّ الله تَعَالَى، فَلِمَ جَازَ هَذَا وَامْتنع هَذَا؟ قلت: التربية الْحَقِيقِيَّة مُخْتَصَّة بِاللَّه تَعَالَى، بِخِلَاف السِّيَادَة فَإِنَّهَا ظَاهِرَة، بعض النَّاس سَادَات على الآخرين، وَأما الْمولى فقد جَاءَ بمعاني بَعْضهَا لَا يَصح إلَاّ على الْمَخْلُوق. قَوْله: (وَمن سيدكم؟) هَذِه اللَّفْظَة سَقَطت من رِوَايَة النَّسَفِيّ وَأبي ذَر وَأبي الْوَقْت، وَثبتت فِي رِوَايَة البَاقِينَ، وَهِي قِطْعَة من حَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي (الْأَدَب الْمُفْرد) من طَرِيق حجاج الصَّواف عَن أبي الزبير، قَالَ: حَدثنَا جَابر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من سيدكم يَا بني سَلمَة؟) قُلْنَا: الْجد بن قيس على أَنا نبخله. قَالَ وَأي داى أدوى من الْبُخْل؟ بل سيدكم عَمْرو بن الجموح، وَكَانَ عَمْرو على أصنامهم فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ يُولِمُ عَن رَسُول لله ﷺ إِذا تزوج. وَأخرجه الْحَاكِم من طَرِيق مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة نَحوه. وَالْحَد، بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الدَّال: هُوَ ابْن قيس بن صَخْر بن خنساء بن سِنَان بن عبيد بن عدي بن غنم، بِسُكُون النُّون: ابْن كَعْب بن سَلمَة، بِكَسْر اللَّام، يكنى أَبَا عبد الله، وَقَالَ أَبُو عمر: كَانَ يرْمى بالنفاق، وَيُقَال: إِنَّه تَابَ وَحسنت تَوْبَته وعاش إِلَى أَن مَاتَ فِي خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأما عَمْرو بن الجموح، بِفَتْح الْجِيم وَضم الْمِيم المخففة وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: فَهُوَ ابْن زيد بن حرَام، بمهملتين: ابْن كَعْب بن غنم بن سَلمَة، قَالَ ابْن إِسْحَاق: كَانَ مَا سَادَات بني سَلمَة، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: عَقبي، وَفِي قَول: بَدْرِي، اسْتشْهد يَوْم أحد، هُوَ وَابْنه خَلاد. فَإِن قلت: ذكر ابْن مَنْدَه من حَدِيث كَعْب بن مَالك أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (من سيدكم يَا بني سَلمَة؟) قَالُوا: جد بن قيس، فَذكر الحَدِيث، فَقَالَ: سيدكم
стр. 3825
بشر بن الْبَراء بن معْرور) ، بِسُكُون الْعين الْمُهْملَة: ابْن صَخْر، يجْتَمع مَعَ عَمْرو بن الجموح فِي صَخْر؟ قلت: اخْتلف فِي وَصله وإرساله على الزُّهْرِيّ، على أَنه يُمكن التَّوْفِيق بِأَن تحمل قصَّة بشر على أَنَّهَا كَانَت بعد قتل عَمْرو بن الجموح، وَمَات بشر الْمَذْكُور بعد خَيْبَر، أكل مَعَ النَّبِي ﷺ من الشَّاة المسمومة، وَكَانَ قد شهد الْعقبَة وبدراً، ذكره إِبْنِ إِسْحَاق.
٠٥٥٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ أخبرنَا يَحْيَى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني نافعٌ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ إذَا نَصَحَ الْعَبْدُ سَيِّدَهُ وأحْسنَ عِبادَةَ رَبِّهِ كانَ لَهُ أجْرُهُ مَرَّتَيْنِ.
(انْظُر الحَدِيث ٦٤٥٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن العَبْد إِذا نصح سَيّده وَأحسن عبَادَة ربه، يكره تطاول مَوْلَاهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا الحَدِيث مضى فِي أول: بَاب العَبْد إِذا أحسن عبَادَة ربه، وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأخرجه مُسلم فِي الْعتْق وَفِي النذور عَن زُهَيْر بن حَرْب وَمُحَمّد بن الْمثنى.
١٥٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلَاءِ قَالَ حدَّثنا أَبُو أُسَامَةَ عنْ بُرَيْدٍ عنْ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوساى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الْمَمْلُوكُ الَّذِي يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ ويُؤَدِّي إلَى سَيِّدِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ والنَّصِيحَةِ والطَّاعَةِ لَهُ أجْرَانِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَيُؤَدِّي إِلَى سَيّده) إِلَى آخِره، لِأَنَّهُ إِذا قَامَ بِمَا ذكر فِيهِ يكره التطاول عَلَيْهِ. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب تَعْلِيم الرجل أمته، وَعَن قريب فِي: بَاب العَبْد إِذا أحسن عبَادَة ربه، مَعَ زِيَادَة ونقصان، يظْهر ذَلِك عِنْد النّظر بِالتَّأَمُّلِ. وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وبريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله بن أبي بردة، واسْمه الْحَارِث أَو عَامر بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، واسْمه عبد الله بن قيس. قَوْله: (الْمَمْلُوك) مُبْتَدأ وَخَبره الْجُمْلَة، وَهِي قَوْله: (لَهُ أَجْرَانِ) ، ويروى: للمملوك، فَإِن صحت هَذِه الرِّوَايَة يكون قَوْله: أَجْرَانِ مُبْتَدأ، وَقَوله: للمملوك، مقدما خَبره. وَلَا يكون فِي هَذِه الرِّوَايَة لَفْظَة: لَهُ.
٢٥٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يُحَدِّثُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ لَا يَقُلْ أحَدُكُمْ أطْعِمْ رَبَّكَ وَضِّىءْ رَبَّكَ اسْقِ رَبَّكَ ولْيَقُلْ سَيِّدي ومَوْلا وَلَا يَقُلْ أحَدُكُم عَبْدِي أمَتي ولْيَقُلْ فَتايَ وفَتَاتِي وغُلامِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا يقل أحدكُم عَبدِي أمتِي) فَإِن من جملَة التَّرْجَمَة قَوْله: عَبدِي وَأمتِي.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد، لم يذكر مُحَمَّد هَذَا مَنْسُوبا فِي أَكثر الرِّوَايَات إلَاّ فِي رِوَايَة أبي عَليّ بن شبويه، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام، وَكَذَا حَكَاهُ الجياني عَن رِوَايَة ابْن السكن، وَحكى عَن الْحَاكِم أَنه الذهلي. وَقد أخرج مُسلم هَذَا الحَدِيث فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد ابْن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق. وَلَا يبعد أَن يكون مُحَمَّد هَذَا هُوَ مُحَمَّد بن رَافع، لِأَنَّهُ روى عَنهُ أَيْضا فِي (الصَّحِيح) . الثَّانِي: عبد الرَّزَّاق بن همام. الثَّالِث: معمر بن رَاشد. الرَّابِع: همام بن مُنَبّه. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.
وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: تحديث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي، ﷺ ، وَهُوَ بِهَذِهِ الصِّيغَة نَادِر.
قَوْله: (أطْعم) بِفَتْح الْهمزَة أَمر من الْإِطْعَام، (وَرَبك) مَنْصُوب مَفْعُوله. قَوْله: (وضىء) ، أَمر بِمن: وضأه يوضئه. قَوْله: (إسق) ،، بِكَسْر الْهمزَة: أَمر من سقَاهُ يسْقِيه، تثبت فِي الِابْتِدَاء وَتسقط فِي الدرج. قَوْله: (وَليقل سَيِّدي ومولاي) ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: السِّيَاق يَقْتَضِي أَن يُقَال: سيدك ومولاك، لتناسب: رَبك. قلت: الأول خطاب للسادات. وَالثَّانِي: للمماليك. أَي: لَا يَقُول السَّيِّد الْمَمْلُوك: أطْعم رَبك، إِذْ فِيهِ نوع من التكبر، وَلَا يَقُول العَبْد أَيْضا لفظا
стр. 3826
يكون فِيهِ نوع تَعْظِيم لَهُ، بل يَقُول: أطعمت سَيِّدي ومولاي وَنَحْوه. قلت: روى مُسلم وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة فِي ذَا الحَدِيث نَحوه، وَزَاد: وَلَا يقل أحدكُم مولَايَ، فَإِن مولاكم الله. قلت: اخْتلفُوا فِي هَذِه الزِّيَادَة على الْأَعْمَش، مِنْهُم من ذكرهَا، وَمِنْهُم من حذفهَا، وَقَالَ عِيَاض: حذفهَا أصح، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْمَشْهُور حذفهَا، قَالَ: وَإِنَّمَا صرنا إِلَى التَّرْجِيح للتعارض مَعَ تعذر الْجمع وَعدم الْعلم بالتاريخ. وَسبب النَّهْي عَن قَول: أطْعم رَبك، وَنَحْوه مَا ذَكرْنَاهُ فِي أَوَائِل الْكتاب. وَقَالَ ابْن بطال: لَا يجوز أَن يُقَال لأحد غير الله: رب، كَمَا لَا يجوز أَن يُقَال: إِلَه. قلت: النَّهْي عِنْد الْإِطْلَاق، وَأما الْإِضَافَة فَيجوز، كَمَا فِي ﴿أذكرني عِنْد رَبك﴾ (يُوسُف: ٢٤) . وَنَحْو ذَلِك، وَيحْتَمل أَن يكون النَّهْي للتنزيه، وَمَا ورد من ذَلِك فلبيان الْجَوَاز، وَقيل: هُوَ مَخْصُوص بِغَيْر النَّبِي ﷺ وَلَا يرد مَا فِي الْقُرْآن، إِذْ المُرَاد النَّهْي عَن الْإِكْثَار من ذَلِك واتخاذ اسْتِعْمَال هَذِه اللَّفْظَة عَادَة، وَلَيْسَ المُرَاد النَّهْي عَن ذكرهَا فِي الْجُمْلَة. فَإِن قلت: ذكر قَوْله: (أطْعم رَبك، وضىء رَبك، إسق رَبك) ، أَمْثِلَة تدل على التَّخْصِيص أم لَا؟ قلت: لَا، وَإِنَّمَا ذكرت دون غَيرهَا لغَلَبَة اسْتِعْمَالهَا فِي المخاطبات. قَوْله: (وَلَا يقل أحدكُم: عَبدِي أمتِي) ، زَاد مُسلم فِي رِوَايَته، من طَرِيق الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة: (كلكُمْ عبيد الله وكل نِسَائِكُم إِمَاء الله) ، فأرشد، ﷺ ، إِلَى الْعلَّة، لِأَن حَقِيقَة الْعُبُودِيَّة إِنَّمَا يَسْتَحِقهَا الله، ، وَلِأَن فِيهَا تَعْظِيمًا لَا يَلِيق بالمخلوق اسْتِعْمَاله لنَفسِهِ. قَوْله: (وَليقل: فَتَاي وَفَتَاتِي) ، زَاد مُسلم: وجاريتي، فأرشد رَسُول الله ﷺ ، إِلَى مَا يُؤَدِّي المعني مَعَ السَّلامَة من التعاظم، لِأَن لفظ: الْفَتى والغلام، لَا يدل على مَحْض الْملك كدلالة العَبْد، فقد كثر اسْتِعْمَال الْفَتى فِي الْحر، وَكَذَلِكَ الْغُلَام وَالْجَارِيَة، وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد بِالنَّهْي من اسْتَعْملهُ على جِهَة التعاظم لَا من أَرَادَ التَّعْرِيف.
٣٥٥٢ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا جريرُ بنُ حازِمٍ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ مَنْ أعْتَقَ نَصيباً لَهُ مِنَ العَبْدِ فَكانَ لَهُ مِنَ المَالِ مَا يبْلُغُ قيمَتَهُ يُقَوَّمُ علَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ وأُعْتِقَ مِنْ مالِهِ وإلَاّ فَقدْ عَتَقَ منْهُ مَا عَتَقَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه لَو لم يحكم عَلَيْهِ بِعِتْق كُله عِنْد الْيَسَار لَكَانَ بذلك متطاولاً عَلَيْهِ، وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْعتْق فِي: بَاب إِذا أعتق عبدا بَين اثْنَيْنِ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي النُّعْمَان عَن حداد عَن أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر ... إِلَى آخِره.
٤٥٥٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحيى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني نافِعٌ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ كُلُّكُمْ رَاعٍ فَمَسْئُولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ فالأميرُ الَّذِي علَى النَّاسِ راعٍ وهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ والرَّجُلُ راعٍ علَى أهْلِ بَيْتهِ وهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ والمَرْأةُ راعِيَةٌ على بَيْتِ بَعْلِهَا وَولَدِهِ وهْيَ مَسْئولَةٌ عَنْهُم والْعَبْدُ راعٍ على مالِ سَيِّدِهِ وهْوَ مَسئُولٌ عنْهُ ألَاّ فكُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْئولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَالْعَبْد رَاع على مَال سَيّده) فَإِنَّهُ إِذا كَانَ ناصحاً لَهُ فِي خدمته مُؤديا الْأَمَانَة يَنْبَغِي أَن يُعينهُ وَلَا يَتَطَاوَل عَلَيْهِ. وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب الْعمريّ. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن عبيد الله بن سعيد. والْحَدِيث مضى أَيْضا فِي آخر كتاب الاستقراض فِي: بَاب العَبْد رَاع فِي مَال سَيّده، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله عَن عبد الله بن عمر، وَأخرجه أَيْضا فِي كتاب الْجُمُعَة فِي: بَاب الْجُمُعَة فِي الْقرى والمدن: عَن بشر بن مُحَمَّد عَن عبد الله عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم ... إِلَى آخِره.
стр. 3827
٦٥٥٢ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْماعيلَ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثنا عُبَيْدُ الله قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وزَيْدَ بنَ خالِدٍ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إذَا زَنَتِ الأمَةُ فاجْلِدُوهِا ثمَّ إذَا زَنتْ فاجْلِدُوها ثُمَّ إذَا زَنَتْ فاجْلِدُوها فِي الثَّالِثَة أوِ الرَّابِعَةِ يبِيعُوهَ ولَوْ بِضَفَيرٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من حَيْثُ إِن الْأمة إِذا زنت لَا يكره التطاول عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يكره التطاول إِذا نصحت سَيِّدهَا وَأَدت حق الله فَإِذا زنت أخلت بالإثنين، فتؤدب، فَإِن لم ينجع تبَاع، وَلَو بِيعَتْ بضفير، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَكسر الْفَاء: وَهُوَ الْحَبل المفتول، والْحَدِيث مضى فقي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب بيع العَبْد الزَّانِي، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من طَرِيقين، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. وَمَالك بن إِسْمَاعِيل بن زِيَاد بن دِرْهَم أَبُو غَسَّان النَّهْدِيّ الْكُوفِي، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعبيد الله هُوَ ابْن عبد الله ابْن عتبَة بن مَسْعُود.
٨١ - (بابٌ إذَا أتاهُ خادِمُهُ بِطَعَامِهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أَتَى الشَّخْص خادمه، وَهُوَ الَّذِي يَخْدمه، سَوَاء كَانَ عبدا أَو حرا، ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: فليجلسه مَعَه فَإِن لم يجلسه فليناوله لقْمَة أَو لقمتين، وَإِنَّمَا طوى ذكره اكْتِفَاء بِمَا ذكر فِي الحَدِيث.
٧٥٥٢ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ قَالَ حَدثنَا شُعبَةُ قَالَ أَخْبرنِي مُحَمَّدُ بنُ زِيادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ إِذا أتاى أحدَكُمْ خادِمُهُ بِطَعَامِهِ فإنْ لَمْ يُجْلِسْهُ معَهُ فَلْيُناوِلُهُ لُقْمَةً أوْ لُقْمَتَيْنِ أوْ أُكْلَةً أوْ أُكْلَتَيْنِ فإنَّهُ وَلِيَ عِلاجَهُ.
(الحَدِيث ٧٥٥٢ طرفه فِي: ٠٦٤٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن زِيَاد، بِكَسْر الزاء وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف، مر فِي: بَاب غسل الأعقاب، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَطْعِمَة عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة.
قَوْله: (فَإِن لم يجلسه مَعَه) ، مَعْطُوف على مُقَدّر تَقْدِيره: فليجلسه مَعَه. قَوْله: (أَو أُكلة) ، شكّ من الرَّاوِي، والأكلة، بِضَم الْهمزَة: اللُّقْمَة. قَوْله: (علاجه) مصدر عالج يعالج، وَالْمعْنَى هُنَا: ولي عمله. وَقَوله: ولي، إِمَّا من الْولَايَة، أَي: تولى ذَلِك، وَإِمَّا من الْوَلِيّ، وَهُوَ الْقرب أَي: قاسى كلفة اتِّخَاذه.
وَفِيه: الْحَث على مَكَارِم الْأَخْلَاق، وَهُوَ الْمُوَاسَاة فِي الطَّعَام لَا سِيمَا فِي حق من صنعه وَحمله، لِأَنَّهُ تحمل حره ودخانه وتعلقت بِهِ نَفسه وشم رَائِحَته، قَالَ الْمُهلب: هَذَا الحَدِيث يُفَسر حَدِيث أبي ذَر فِي التَّسْوِيَة بَين العَبْد وَالسَّيِّد، أَنه على سَبِيل النّدب، لِأَنَّهُ لم يوسه فِي هَذَا الحَدِيث فِي المواكلة، وَالله أعلم.
٩١ - (بابٌ العَبْدُ راعٍ فِي مَال سيِّدِهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ العَبْد رَاع فِي مَال سَيّده، فَإِذا كَانَ رَاعيا يلْزمه حفظه، وَهَذِه التَّرْجَمَة بِعَينهَا مَضَت فِي آخر كتاب الاستقراض.
ونَسبَ النبيُّ ﷺ المالَ إِلَى السَّيدِ
كَأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَى حَدِيث ابْن عمر: من بَاعَ عبدا وَله مَال، فَمَاله للسَّيِّد إلَاّ أَن يَشْتَرِطه الْمُبْتَاع، وَهَذَا مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأبي حنيفَة، وَالْعَبْد لَا يملك شَيْئا، لِأَن الرّقّ منافٍ للْملك، وَمَاله لسَيِّده عِنْد بَيْعه وَعند عتقه، وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة، وَبِه قَالَ سعيد بن الْمسيب وَالثَّوْري وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَت طَائِفَة: مَاله دون سَيّده فِي الْعتْق، وَالْبيع، رُوِيَ ذَلِك عَن عمر وَابْنه وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَبِه قَالَ النَّخعِيّ وَالْحسن.
٨٥٥٢ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ قَالَ أخْبَرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي سالمُ بنُ عبْدِ الله عنْ
стр. 3828
عبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّهُ سَمِعَ رسولَ لله ﷺ يقولُ كلُّكم راعٍ وَمَسْئُول عنْ رَعِيَّتِهِ فالإمَامُ راعٍ ومسْئولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ والرَّجُلُ فِي أهْلِهِ راعٍ وهْوَ مَسْئولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ والْمَرْأةُ فِي بيْتِ زَوْجهَا راعِيَةٌ وهْيَ مَسْئُولَةٌ عنْ رَعِيَّتِها والخَادِمُ فِي مالِ سَيِّدِهِ راعٍ وهْوَ مَسْئولٌ عَن رَعِيَّتِهِ قَالَ فسَمِعْتُ هؤلَاءِ مِنَ النبيِّ ﷺ قَالَ والرَّجُلُ فِي مالِ أبِيهِ راعٍ ومسئولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ فكُلُّكُمْ رَاعٍ وكلُّكُمْ مسْئُولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: وَالْخَادِم فِي مَال سَيّده رَاع، وَالْمرَاد من الْخَادِم هُنَا العَبْد، وَإِن كَانَ يتَنَاوَل غَيره مِمَّن يخْدم غَيره، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع الْحِمصِي، وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، والْحَدِيث قد مر فِي الْبَاب السَّابِق، وَفِي غَيره فِيمَا مضى، وَقد بَيناهُ فِي الْبَاب السَّابِق.
٠٢ - (بابٌ إذَا ضَرَبَ الْعَبْدَ فلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: إِذا ضرب الرجل عَبده لأجل التَّأْدِيب، فليجتنب وَجهه إِكْرَاما لَهُ، قَالَ الْمُهلب: لِأَن الله خلقه بِيَدِهِ. قلت: يَعْنِي: بقدرته الْبَالِغَة الْكَامِلَة، وَسَيَجِيءُ مزِيد الْكَلَام فِيهِ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٩٥٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثنا ابنُ وهْبٍ قَالَ حدَّثني مالكُ بنُ أنَسٍ قَالَ وأخبرَنِي ابنُ فُلانٍ عنْ سَعِيدٍ الْمقْبُريِّ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ وحدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ إذَا قاتَلَ أحَدُكُمْ فلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه إِذا وَجب احتناب الْوَجْه عِنْد الْقِتَال مَعَ الْكَافِر، فاجتناب وَجه العَبْد الْمُؤمن أوجب.
وَأخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين:
أَحدهمَا: عَن مُحَمَّد بن عبيد الله أبي ثَابت الْمدنِي، مولى عُثْمَان بن عَفَّان، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب. قَوْله: (قَالَ وَأَخْبرنِي ابْن فلَان) ، أَي: قَالَ ابْن وهب: حَدثنِي مَالك وَابْن فلَان، كِلَاهُمَا عَن سعيد المَقْبُري، قيل: لم يُصَرح باسم ابْن وهب لضَعْفه، قَالَ الْمزي: يُقَال: هُوَ ابْن سمْعَان، يَعْنِي: عبد الله بن زِيَاد بن سُلَيْمَان بن سمْعَان الْمدنِي، وَكَذَا قَالَ أَبُو نصر الكلاباذي وَغَيره، وروى عَن أبي ذَر الْهَرَوِيّ فِي رِوَايَته عَن الْمُسْتَمْلِي، كَذَلِك، وَقد أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي (غرائب مَالك) من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن خرَاش، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة، عَن البُخَارِيّ قَالَ: حَدثنَا أَبُو ثَابت مُحَمَّد بن عبيد الله الْمدنِي، فَذكر الحَدِيث، لَكِن قَالَ بدل قَوْله ابْن فلَان ابْن سمْعَان، فَكَأَنَّهُ لم يُصَرح باسمه فِي الصَّحِيح، بل كنى بِهِ لأجل ضعفه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيُقَال: إِن مَالِكًا كذبه، وَهُوَ أحد المتروكين. قلت: كذبه أَحْمد وَغَيره أَيْضا وَمَاله فِي البُخَارِيّ شيىء إلَاّ هَذَا الْموضع.
الطَّرِيق الثَّانِي: عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله الْجعْفِيّ البُخَارِيّ، الْمَعْرُوف بالمسندي عَن عبد الرَّزَّاق بن همام عَن همام بن مُنَبّه الْأَنْبَارِي، وَلم يسق الحَدِيث على لفظ هَذَا الطَّرِيق. وَأخرجه مُسلم من طَرِيق أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: فليتق، بدل: فليتجنب، وَله من طَرِيق الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: إِذا ضرب، وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق عجلَان، وَلأبي دَاوُد من طَرِيق أبي سَلمَة، كِلَاهُمَا عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا يُفِيد على أَن لفظ: قَاتل، بِمَعْنى: قتل، وَأَن المفاعلة لَيست على ظَاهرهَا. قلت: لَا نسلم ذَلِك، بل بَاب المفاعلة على حَالهَا ليتناول مَا يَقع عِنْد أهل الْعدْل مَعَ الْبُغَاة، وَعند دفع الصَّائِل، فيجتنبون عِنْد ذَلِك عَن الضَّرْب على الْوَجْه، فَإِذا وَجب الاجتناب فِي مثل هَذَا الْموضع، فَفِي بَاب التَّعْزِير والتأديب وَالْحُدُود بطرِيق الأولى فِي الْوُجُوب، وَقد روى أَبُو دَاوُد وَغَيره فِي حَدِيث أبي بكرَة فِي قصَّة الَّتِي زنت فَأمر رَسُول الله ﷺ ، برجمها، وَقَالَ: إرموا وَاتَّقوا الْوَجْه، فَإِذا كَانَ ذَلِك فِي حق من تعين إهلاكه، فَمن دونه أولى.
وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ الْعلمَاء، إِنَّمَا نهى عَن ضرب الْوَجْه لِأَنَّهُ لطيف
стр. 3829
يجمع المحاسن، وَأكْثر مَا يَقع الْإِدْرَاك بأعضائه فيخشى من ضربه أَن يبطل أَو يتشوه كلهَا أَو بَعْضهَا، والشين فِيهِ فَاحش لبروزه وظهوره، بل لَا يسلم إِذا ضرب غَالِبا من شين. انْتهى. وَهَذَا تَعْلِيل حسن، وَلَكِن روى مُسلم، وَفِي رِوَايَته تَعْلِيل آخر، فَإِنَّهُ روى الحَدِيث من طَرِيق أبي أَيُّوب المراعي عَن أبي هُرَيْرَة، وَزَاد: فَإِن الله خلق آدم على صورته. وَاخْتلف فِي مرجع هَذَا الضَّمِير، فَعِنْدَ الْأَكْثَرين: يرجع إِلَى الْمَضْرُوب، وَهَذَا حسن، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: أعَاد بَعضهم الضَّمِير على الله، متمسكاً بِمَا ورد من ذَلِك فِي بعض طرقه أَن الله تَعَالَى خلق آدم على صُورَة الرَّحْمَن، وَأنكر الْمَازرِيّ وَغَيره صِحَة هَذِه الزِّيَادَة ثمَّ قَالَ: وعَلى تَقْدِير صِحَّتهَا يحمل على مَا يَلِيق بالباري سُبْحَانَهُ، . قيل: كَيفَ يُنكر هَذِه الزِّيَادَة وَقد أخرجهَا ابْن أبي عَاصِم فِي السّنة، وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عمر بِإِسْنَاد رِجَاله ثِقَات، وأخرجها أَيْضا ابْن أبي عَاصِم من طَرِيق أبي يُوسُف عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ يرد التَّأْوِيل الأول؟ قَالَ: من قَاتل فليجتنب الْوَجْه فَإِن صُورَة وَجه الْإِنْسَان على صُورَة وَجه الرَّحْمَن، فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك تعين إجراؤه على مَا تقرر بَين أهل السّنة من إمراره، كَمَا جَاءَ من غير اعْتِقَاد تَشْبِيه أَو يؤول على مَا يَلِيق بالرحمن . فَإِن قلت: مَا حكم هَذَا النَّهْي؟ قلت: ظَاهره التَّحْرِيم، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث سُوَيْد بن مقرن أَنه رأى رجلا لطم غُلَامه، فَقَالَ: أما علمت أَن الصُّورَة مُحرمَة؟ .
بسمِ الله الرحْمانِ الرَّحِيم
٠٥ - (كتابُ الْمُكَاتَبِ)
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الْمكَاتب، وَوَقع هَكَذَا: فِي الْمكَاتب، من غير ذكر لفظ: كتاب، وَلَا لفظ: بَاب، والبسملة مَوْجُودَة عِنْد الْكل. وَالْمكَاتب، بِفَتْح التَّاء: هُوَ الرَّقِيق الَّذِي يكاتبه مَوْلَاهُ على مَال يُؤَدِّيه إِلَيْهِ بِحَيْثُ إِنَّه إِذا أَدَّاهُ عتق، وَإِن عجز رد إِلَى الرّقّ، وبكسر التَّاء: هُوَ مَوْلَاهُ الَّذِي بَينهمَا عقد الْكِتَابَة، وَالْكِتَابَة أَن يَقُول الرجل لمملوكه: كاتبتك على ألف دِرْهَم مثلا، وَمَعْنَاهُ: كتبت لَك على نَفسِي أَن تعْتق مني إِذا وفيت المَال، وكتبت لي على نَفسك أَن تفي بذلك، أَو كتبت عَلَيْك وَفَاء المَال، وكتبت على الْعتْق. واشتقاقها من: الْكتب، وَهُوَ الْجمع، يُقَال: كتبت الْكتاب إِذا جمعت بَين الْكَلِمَات والحروف، وسمى هَذَا العقد كِتَابَة لما يكْتب فِيهِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ. فَإِن قلت: سَائِر الْعُقُود يُوجد فِيهَا معنى الْكِتَابَة، فَلِمَ لَا تسمى بِهَذَا الإسم؟ قلت: لِئَلَّا تبطل التَّسْمِيَة كالقارورة، سميت بِهَذَا الإسم لقرار الْمَائِع فِيهَا، وَلم يسم الْكوز وَنَحْوه قَارُورَة، وَإِن كَانَ يقر الْمَائِع فِيهِ، لِئَلَّا تبطل الْأَعْلَام وَالْكِتَابَة شرعا عقد بَين الْمولى وَعَبده، بِلَفْظ الْكِتَابَة أَو مَا يُؤدى مَعْنَاهُ من كل وَجه يُوجب التَّحْرِير يدا فِي الْحَال ورقبة فِي المَال، وَقَالَ الرَّوْيَانِيّ: الْكِتَابَة إسلامية وَلم تكن تعرف فِي الْجَاهِلِيَّة، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهَا كَانَت متعارفة قبل الْإِسْلَام فأقرها النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة فِي كَلَامه على حَدِيث بَرِيرَة: قيل: إِن بَرِيرَة أول مُكَاتبَة فِي الْإِسْلَام، وَقد كَانُوا يتكاتبون فِي الْجَاهِلِيَّة بِالْمَدِينَةِ. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَاخْتلف فِي أول من كُوتِبَ فِي الْإِسْلَام فَقيل: سلمَان الْفَارِسِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَاتب أَهله على مائَة ودية نجمها لَهُم، فَقَالَ، ﷺ : إِذا غرستها فاذنِّي. قَالَ: فَلَمَّا غرستها آذنته فَدَعَا فِيهَا بِالْبركَةِ، فَلم تفت مِنْهَا ودية وَاحِدَة. وَقيل: أول من كُوتِبَ أَبُو المؤمل، فَقَالَ ﷺ : (أعينوه) ، فَقضى كِتَابَته وفضلت عِنْده، فاستفتى رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: ﵇: (انفقها فِي سَبِيل الله) . وَأول من كُوتِبَ من النِّسَاء: بَرِيرَة، وَأول من كُوتِبَ بعد النَّبِي ﷺ أَبُو أُميَّة، مولى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ سِيرِين مولى أنس.
(بابُ إثْم منْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ الْمُكَاتَبَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم من قذف مَمْلُوكه الَّذِي كَاتبه، كَذَا وَقع فِي هَذَا الْبَاب هُنَا فِي بعض النّسخ، وَلم يذكر فِيهِ حَدِيث أصلا وَلَا لَهُ وَجه فِي دُخُوله أَبْوَاب الْمكَاتب، وَقد ترْجم فِي كتاب الْحُدُود: بَاب قذف الْمَمْلُوك، وَأورد فِيهِ حَدِيثه، على مَا يَجِيء بَيَانه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قيل: كَانَ البُخَارِيّ ترْجم بِهَذَا الْبَاب وأخلى بَيَاضًا ليكتب فِيهِ الحَدِيث الْوَارِد فِيهِ، فَكَأَنَّهُ لما لم يظفر بِهِ تَركه هَكَذَا.
стр. 3830
١ - (بابُ المُكَاتَبِ ونُجومِهِ فِي كلِّ سَنَةٍ نَجْمٌ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر الْمكَاتب، وَأمر نجومه، وَهُوَ جمع نجم، وَهُوَ فِي الأَصْل: الطالع، ثمَّ سمي بِهِ الْوَقْت، وَمِنْه قَول الشَّافِعِي: أقل التَّأْجِيل نجمان، أَي: شَهْرَان، ثمَّ سمي بِهِ مَا يُؤدى بِهِ من الْوَظِيفَة، يُقَال: دين منجم، جعل نجوماً، وَقَالَ الرَّافِعِيّ: النَّجْم فِي الأَصْل الْوَقْت، وَكَانَت الْعَرَب يبنون أُمُورهم على طُلُوع النَّجْم لأَنهم لَا يعْرفُونَ الْحساب، فَيَقُول أحدهم: إِذا طلع نجم الثريا أدّيت حَقك، فسميت الْأَوْقَات نجوماً، ثمَّ سمى الْمُؤَدى فِي الْوَقْت نجماً، وَقيل: أصل هَذَا من نُجُوم الأنواء، لأَنهم كَانُوا لَا يعْرفُونَ الْحساب، وَإِنَّمَا يحفظون أَوْقَات السّنة بالأنواء. قَوْله: (فِي كل سنة نجم) ، يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون: نجم، مَرْفُوعا بِالِابْتِدَاءِ، وَخَبره هُوَ قَوْله مقدما: فِي كل سنة، وَتَكون الْجُمْلَة فِي مَحل الرّفْع على الخبرية. وَالْوَجْه الثَّانِي: يَأْتِي على رِوَايَة النَّسَفِيّ أَن لَفْظَة نجم سَاقِطَة، وَهُوَ أَن يكون قَوْله: فِي كل سنة، نصبا على الْحَال من: نجومه، وَقَالَ بَعضهم: عرف من التَّرْجَمَة اشْتِرَاط التَّأْجِيل فِي الْكِتَابَة، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، بِنَاء على أَن الْكِتَابَة مُشْتَقَّة من الضَّم، وَهُوَ ضم بعض النُّجُوم إِلَى بعض، وَأَقل مَا يحصل بِهِ الضَّم نجمان، ثمَّ ذكر بعد أسطر: وَلم يرد المُصَنّف أَي: البُخَارِيّ بقوله: فِي كل سنة نجم، أَن ذَلِك شَرط فِيهِ، فَإِن الْعلمَاء اتَّفقُوا على أَنه لَو وَقع النَّجْم بِالْأَشْهرِ جَازَ، وَفِيه مَا فِيهِ.
وقَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وآتُوهُمْ مِنْ مالِ الله الَّذِي آتاكُمْ﴾ (النُّور: ٣٣) .
هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي سُورَة النُّور. وَقيل قَوْله: ﴿وَالَّذين يَبْتَغُونَ وليستعفف الَّذين لَا يَجدونَ نِكَاحا حَتَّى يغنيهم الله من فَضله وَالَّذين يَبْتَغُونَ﴾ (النُّور: ٢٣) . وَبعده: ﴿وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء﴾ إِلَى قَوْله: ﴿غَفُور رَحِيم﴾ (النُّور: ٤٣) . وَلما ذكر الله تَعَالَى تَزْوِيج الْحَرَائِر وَالْإِمَاء والأحرار وَالْعَبِيد ذكر حَال من يعجز عَن ذَلِك، ثمَّ قَالَ: ﴿وَالَّذين يَبْتَغُونَ﴾ (النُّور: ٣٣) . أَي: يطْلبُونَ، من: البغية، وَهُوَ الطّلب. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَالَّذين يَبْتَغُونَ، مَرْفُوع على الإبتداء أَو مَنْصُوب بِفعل مُضْمر يفسره: فكاتبوهم، كَقَوْلِك: زيدا فَاضْرِبْهُ، وَدخلت الْفَاء لتضمن معنى الشَّرْط. قَوْله: ﴿الْكتاب﴾ (النُّور: ٣٣) . مَنْصُوب، وَأَنه مفعول: يَبْتَغُونَ. الْكتاب وَالْمُكَاتبَة، كالعتاب والمعاتبة، وَهِي مفاعلة بَين اثْنَيْنِ، وهما: السَّيِّد وَعَبده، فَيُقَال: كَاتب يُكَاتب مُكَاتبَة وكتاباً، كَمَا يُقَال: قَاتل يُقَاتل مقاتلة وقتالاً، وَمعنى: يَبْتَغُونَ الْكتاب، أَي: الْمُكَاتبَة. قَوْله: (فكاتبوهم) خبر الْمُبْتَدَأ: الَّذين يَبْتَغُونَ. ثمَّ إِن هَذَا الْأَمر عِنْد الْجُمْهُور على النّدب، وَقَالَ دَاوُد: على الْوُجُوب إِذا سَأَلَهُ العَبْد أَن يكاتبه، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عِكْرِمَة أَيْضا. وَقَالَ عَطاء: يجب عَلَيْهِ، إِن علم أَن لَهُ مَالا، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : وَقيل: هُوَ أَمر إِيجَاب فرض على الرجل أَن يُكَاتب عَبده الَّذِي قد علم مِنْهُ خيرا إِذا سَأَلَهُ ذَلِك بِقِيمَتِه وَأكْثر، وَهُوَ قَول دَاوُد وَمُحَمّد بن جرير من الْفُقَهَاء، وَهِي رِوَايَة الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. وَاحْتج من نصر هَذَا القَوْل بِمَا روى قَتَادَة: أَن سِيرِين سَأَلَ أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن يكاتبه، فلكأ عَلَيْهِ فَشَكَاهُ إِلَى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فعلاه بِالدرةِ وَأمره بِالْكِتَابَةِ على مَا يَجِيء وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي غُلَام لحويطب بن عبد الْعُزَّى يُقَال لَهُ: صبيح، سَأَلَ مَوْلَاهُ أَن يكاتبه فَأبى عَلَيْهِ، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، فكاتبه حويطب على مائَة دِينَار ووهب لَهُ مِنْهَا عشْرين دِينَارا فأداها، وَقتل يَوْم حنين فِي الْحَرْب. انْتهى. قلت: سِيرِين، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة مولى أنس بن مَالك، وَهُوَ من سبي عين التَّمْر الَّذين أسرهم خَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَوْله: فلكأ عَلَيْهِ، أَي: توقف وتباطىء، وَكَذَلِكَ تلكأ. قَوْله: فعلاه بِالدرةِ، وَهِي بِكَسْر الدَّال وَتَشْديد الرَّاء، وَهِي الْآلَة الَّتِي يضْرب بهَا. وقصة سِيرِين رَوَاهَا ابْن سعد، فَقَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن حميد الْعَبْدي عَن معمر عَن قَتَادَة، قَالَ: سَأَلَ سِيرِين أَبُو مُحَمَّد أنس بن مَالك الْكِتَابَة فَأبى أنس، فَرفع عمر بن الْخطاب عَلَيْهِ الدرة، وَقَالَ: كَاتبه، فكاتبه، وَقَالَ: أخبرنَا معمر بن عِيسَى حَدثنَا مُحَمَّد بن عمر وَسمعت مُحَمَّد بن سِيرِين: كَاتب أنس أبي على أَرْبَعِينَ ألف دِرْهَم. وَحُوَيْطِب بن عبد الْعُزَّى الْقرشِي العامري أَبُو مُحَمَّد، وَقيل: أَبُو الْأصْبع من الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم شهد حنيناً ثمَّ حمد إِسْلَامه وعمَّر مائَة وَعشْرين سنة وَله رِوَايَة. وصبيح غُلَامه، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، وقصته رَوَاهَا سَلمَة ابْن الْفضل عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن خَالِد عبد الله بن صبيح عَن أَبِيه، قَالَ: كنت مَمْلُوكا لحويطب، فَسَأَلته فَنزلت: ﴿وَالَّذين
стр. 3831
يَبْتَغُونَ﴾ (النُّور: ٣٣) . الْآيَة. وَحجَّة الْجُمْهُور فِي هَذَا أَن الْإِجْمَاع مُنْعَقد على أَن السَّيِّد لَا يجْبر على بيع عَبده وَإِن ضوعف لَهُ فِي الثّمن، وَإِذا كَانَ كَذَلِك فالأحرى وَالْأولَى أَن لَا يخرج عَن ملكه بِغَيْر عوض، لَا يُقَال: إِنَّهَا طَرِيق الْعتْق والشارع متشوف إِلَيْهِ فحالف البيع، لأَنا نقُول: التشوف إِنَّمَا هُوَ فِي مَحل مَخْصُوص، وَأَيْضًا الْكسْب لَهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أعتقني مجَّانا. وَأما الْآثَار الَّتِي دلّت على الْوُجُوب فَسَيَأْتِي الْكَلَام فِيهَا، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قَوْله: ﴿إِن علمْتُم فيهم خيرا﴾ (النُّور: ٣٣) . اخْتلفُوا فِي المُرَاد بِالْخَيرِ، فَقَالَ الثَّوْريّ: هُوَ الْقُوَّة على الاحتراف وَالْكَسْب لأَدَاء مَا كوتبوا عَلَيْهِ، وَعَن اللَّيْث مثله، وَكره ابْن عمر كِتَابَة من لَا حِرْفَة لَهُ، وَكَذَا رُوِيَ عَن سلمَان، وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: الصدْق والأمان وَالْوَفَاء، وَقَالَ بَعضهم: الصّلاح وَإِقَامَة الصَّلَاة، وَقَالَ مُجَاهِد: المَال، وَكَذَا نقل عَن عَطاء وَأبي رزين، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس، وَفِي (المُصَنّف) : وَكتب عمر إِلَى عُمَيْر بن سعد أَنه: من قبل من الْمُسلمين أَن يكاتبوا أرقَّاءهم على مَسْأَلَة النَّاس، وَقَالَ ابْن حزم: قَالَت طَائِفَة: المَال، فَنَظَرْنَا فِي ذَلِك فَوَجَدنَا مَوْضُوع كَلَام الْعَرَب الَّذِي نزله بِهِ الْقُرْآن أَنه: لَو أَرَادَ، ، المَال لقَالَ: إِن علمْتُم لَهُم خيرا، أَو عِنْدهم، أَو مَعَهم خيرا، لِأَن بِهَذِهِ الْحُرُوف يُضَاف المَال إِلَى من هُوَ لَهُ فِي لُغَة الْعَرَب، وَلَا يُقَال أصلا: فِي فلَان مَال، فَعلمنَا أَنه تَعَالَى لم يرد بِهِ المَال، فصح أَنه الدّين. وَرُوِيَ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عنهُ، أَنه سُئِلَ: أاكاتب وَلَيْسَ لي مَال؟ فَقَالَ: نعم، فصح عِنْده أَن الْخَيْر عِنْده لم يكن المَال. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: من قَالَ: إِنَّه المَال، لَا يَصح عندنَا، لِأَن العَبْد نَفسه مَال لمَوْلَاهُ، فَكيف يكون لَهُ مَال؟ وَالْمعْنَى عندنَا: إِن علمْتُم فيهم الدّين والصدق وعلمتم أَنهم يعاملونكم على أَنهم متعبدون بِالْوَفَاءِ لكم بِمَا عَلَيْهِم من الْكتاب والصدق فِي الْمُعَامَلَة، فكاتبوهم. قَوْله: ﴿وَآتُوهُمْ من مَال الله الَّذِي آتَاكُم﴾ (النُّور: ٣٣) . أَي: أعطوهم من المَال الَّذِي أَعْطَاكُم الله تَعَالَى. اخْتلف فِي المخاطبين من هم؟ فَقيل: الْأَغْنِيَاء الَّذين يجب عَلَيْهِم الزَّكَاة، أمروا أَن يُعْطوا المكاتبين، وَقيل: السَّادة أمروا بإعانتهم، وَهُوَ أَن يحط عَنْهُم من مَال الْكِتَابَة شَيْئا. وَاخْتلف فِي الإيتاء: هَل هُوَ وَاجِب؟ فَذهب الشَّافِعِي إِلَى أَنه وَاجِب، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: لَيْسَ بِوَاجِب، وَالْأَمر فِيهِ على النّدب والحض أَن يضع الرجل عَن عَبده من مَال كِتَابَته شَيْئا مُسَمّى بِهِ يَسْتَعِين على الْخَلَاص، وَاخْتلفُوا فِيهِ أَيْضا: هَل هُوَ مِقْدَار معِين؟ فَقَالَ الشَّافِعِي: هُوَ غير مُقَدّر وَلكنه وَاجِب، كَمَا ذكرنَا، وَهُوَ الْمَنْقُول عَن سعيد بن جُبَير، وَقَالَ أَحْمد: هُوَ ربع المَال، وَهُوَ الْمَرْوِيّ أَيْضا عَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَن ابْن مَسْعُود: الثُّلُث، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَآتُوهُمْ، أَمر للْمُسلمين على وَجه الْوُجُوب بإعانة المكاتبين وإعطائهم سهمهم الَّذِي جعل الله لَهُم من بَيت المَال، كَقَوْلِه: وَفِي الرّقاب، عِنْد أبي حنيفَة وَأَصْحَابه، وَقيل: معنى: آتوهم، أسلفوهم. وَقيل: أَنْفقُوا عَلَيْهِم بعد أَن يؤدوا أَو يعتقوا، وَهَذَا كُله مُسْتَحبّ، وَقَالَ ابْن بطال: قَول الْجُمْهُور أولى، لِأَنَّهُ، ﷺ ، لم يَأْمر موَالِي بَرِيرَة بإعطائها شَيْئا، وَقد كوتبت وبيعت بعد الْكِتَابَة، وَلَو كَانَ الإيتاء وَاجِبا لَكَانَ مُقَدرا كَسَائِر الْوَاجِبَات، حَتَّى إِذا امْتنع السَّيِّد من جعله ادَّعَاهُ عِنْد الْحَاكِم، فَأَما دَعْوَى المجهور فَلَا يحكم بهَا، وَلَو كَانَ الإيتاء وَاجِبا وَهُوَ غير مُقَدّر لَكَانَ الْوَاجِب للْمولى على الْمكَاتب هُوَ الْبَاقِي بعد الْحَط، فَأدى ذَلِك إِلَى جهل مبلغ الْكِتَابَة، وَذَلِكَ لَا يجوز.
وَقَالَ رَوْحٌ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أوَاجِبٌ عَلَيَّ إذَا عَلِمْتُ لَهُ مَالا أنْ أُكَاتِبَهُ؟ قَالَ: مَا أرَاهُ إلَاّ واجِباً
روح هُوَ ابْن عبَادَة، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح. وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن حزم من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق، حَدثنَا عَليّ بن عبد الله، قَالَ: حَدثنَا روح بن عبَادَة حَدثنَا ابْن جريج بِهِ.
وَقَالَ عَمْرُو بنُ دِينَارٍ قُلْتُ لِعَطاءٍ تأثِرُهُ عنْ أحَدٍ قَالَ لَا ثُمَّ أخْبرني أنَّ مُوسَى بنَ أنَسٍ أخْبرَهُ أنَّ سِيرينَ سألَ أنَساً الْمُكَاتَبَةَ وكانَ كَثيرَ المالِ فأباى فانْطَلَقَ إِلَى عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقَالَ كاتِبْهُ فَأبى فضَرَبَهُ بالدِّرَّةِ ويَتْلُو عُمَرٌ ﴿فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ (النُّور: ٣٣) فكَاتَبَهُ
стр. 3832
هَكَذَا وَقع: قَالَ عَمْرو، بِدُونِ الضَّمِير الْمَنْصُوب بعد قَالَ فِي النّسخ المروية عَن الْفربرِي، وَظَاهره يدل على أَن هَذَا الْأَثر من عَمْرو بن دِينَار عَن عَطاء، قيل: لَيْسَ كَذَلِك، لِأَن النُّسْخَة الْمُعْتَمد عَلَيْهَا من رِوَايَة النَّسَفِيّ عَن البُخَارِيّ هَكَذَا، وَقَالَهُ عَمْرو بن دِينَار، بالضمير الْمَنْصُوب بعد: قَالَ، أَي: قَالَ القَوْل الْمَذْكُور عَمْرو بن دِينَار، وفاعل: قلت، هُوَ ابْن جريج لَا عَمْرو بن دِينَار، حَاصله أَن عَمْرو ببن دِينَار قَالَ مثل مَا قَالَ عَطاء فِي سُؤال ابْن جريج عَنهُ، لَا أَن عمرا سَأَلَ ذَلِك عَن عَطاء مثل مَا سَأَلَ ابْن جريج. قَوْله: (تأثره) أَي: ترويه عَن أحد من: أثر يأثر أثرا، يُقَال: أثرت الحَدِيث أَثَره إِذا ذكرت عَن غَيْرك، وَمِنْه قيل: حَدِيث مأثور، أَي: يَنْقُلهُ خلف عَن سلف. قَوْله: (قَالَ: لَا) أَي: لَا آثره عَن أحد. قَوْله: (ثمَّ أَخْبرنِي) الْقَائِل بِهَذَا هُوَ ابْن جريج، والمخبر هُوَ عَطاء، كَذَا وَقع مُصَرحًا فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل القَاضِي فِي (أَحْكَام الْقُرْآن) وَلَفظه: قَالَ ابْن جريج: وَأَخْبرنِي عَطاء أَن مُوسَى بن أنس أخبرهُ. . ابْن سِيرِين وَهُوَ أَبُو مُحَمَّد بن سِيرِين، وَقد ذكرنَا عَن قريب. وَظَاهره الْإِرْسَال، لِأَن مُوسَى لم يدْرك وَقت سُؤال سِيرِين من أنس الْكِتَابَة، وَقد رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق والطبري من وَجه آخر مُتَّصِل من طَرِيق سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: أرادني سِيرِين على الْمُكَاتبَة فأبيت، فَأتى عمر بن الْخطاب فَذكر نَحوه. قَوْله: (فَأبى) أَي: امْتنع من فعل الْكِتَابَة. قَوْله: (فَانْطَلق إِلَى عمر) ، وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق: فاستعداه عَلَيْهِ، وَزَاد فِي آخر الْقِصَّة: فكاتبه أنس، وَقد ذكرنَا عَن ابْن سعد أَنه: كَاتبه على أَرْبَعِينَ ألف دِرْهَم.
فَإِن قلت: روى الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق أنس بن سِيرِين عَن أَبِيه قَالَ: كاتبني أنس على عشْرين ألف دِرْهَم. قلت: أُجِيب بِأَنَّهُمَا إِن كَانَا محفوظين يحمل أَحدهمَا على الْوَزْن وَالْآخر على الْعدَد. فَإِن قلت: ضربُ عمر أنسا، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يدل على أَن عمر كَانَ يرى بِوُجُوب الْكِتَابَة. قلت: قَالَ ابْن الْقصار: إِنَّمَا علا عمر أنسا بِالدرةِ على وَجه النصح لأنس، وَلَو كَانَت الْكِتَابَة لَزِمت أنسا مَا أَبى، وَإِنَّمَا نَدبه عمر إِلَى الْأَفْضَل. انْتهى. وَفِيه نظر لَا يخفى، لِأَن الضَّرْب غير موجه على ترك الْمَنْدُوب، خُصُوصا من مثل عمر لمثل أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَلَا سِيمَا تَلا عمر قَوْله تَعَالَى ﴿فكاتبوهم﴾ (النُّور: ٣٣) . الْآيَة عِنْد ضربه إيَّاه.
٠٦٥٢ - وَقَالَ اللَّيْثُ حدَّثني يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ عُرْوَةُ قالَتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَن بَريرَةَ دَخَلَتْ عَلَيْها تَسْتَعِينُها فِي كِتَابَتِها وعلَيْها خَمْسَةُ أوَاقِي نُجِّمَتْ عَلَيْها فِي خَمْسِ سِنينَ فقالَتْ لَهَا عائِشَةُ ونَفِسَتْ فِيها أرَأيْتِ إنْ عَدَدْتُ لَهُمْ عَدَّةً واحِدَةً أيَبِيعُكِ أهْلُكِ فأُعْتِقَكِ فَيكونَ وَلَاؤُكِ لِي فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أهْلِها فعَرَضَتْ ذَلِكَ علَيْهِمْ فَقَالُوا لَا إلَاّ أنْ يَكُونَ لَنا الوَلَاءُ قالَتْ عائِشَةُ فدَخَلْتُ علَى رسولِ لله ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فقالَ لَها رسولُ الله ﷺ اشْتَرِيهَا فأعْتِقِيها فإنَّما الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ ثُمَّ قامَ رسولُ الله ﷺ فقالَ مَا بالُ رِجالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتابِ الله مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطاً لَيْسَ فِي كِتابِ الله فَهْوَ باطِلٌ شَرْطُ الله أحَقُّ وأوْثَقُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (نجمت عَلَيْهَا فِي خمس سِنِين) ، وَهَذَا الحَدِيث ذكره البُخَارِيّ فِي كِتَابه فِي عدَّة مَوَاضِع: أَولهَا: فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب ذكر البيع وَالشِّرَاء على الْمِنْبَر فِي الْمَسْجِد، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان عَن يحيى عَن عمْرَة عَن عَائِشَة ... الحَدِيث، وَقد ذكرنَا مَا يتَعَلَّق بِكُل وَاحِد فِي مَوْضِعه، وَذكره هُنَا مُعَلّقا، وَوَصله الذهلي فِي الزهريات عَن أبي صَالح كَاتب اللَّيْث عَن اللَّيْث، وَفِيه مقَال من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الْمَحْفُوظ رِوَايَة اللَّيْث لَهُ عَن ابْن شهَاب نَفسه بِغَيْر وَاسِطَة، وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ أَنه رَوَاهُ عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث عَن ابْن شهَاب، وَكَذَلِكَ أخرجه مُسلم أَيْضا عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث عَن ابْن شهَاب، وَكَذَلِكَ أخرجه الطَّحَاوِيّ، قَالَ: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: أخبرنَا ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي رجال من أهل الْعلم مِنْهُم يُونُس بن يزِيد وَاللَّيْث بن سعد، عَن ابْن شهَاب حَدثهمْ عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة زوج النَّبِي،
стр. 3833
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَت: (جَاءَت بَرِيرَة) الحَدِيث. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن يُونُس عَن يزِيد عَن ابْن وهب إِلَى آخِره نَحْو رِوَايَة الطَّحَاوِيّ، فاشترك النَّسَائِيّ والطَّحَاوِي هُنَا فِي يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، وَقد علم من هَذَا أَن يُونُس بن يزِيد رَفِيق اللَّيْث فِيهِ لَا شَيْخه. وَالْوَجْه الآخر: أَنه وَقع فِيهِ مُخَالفَة للروايات الْمَشْهُورَة، وَهُوَ قَوْله: (وَعَلَيْهَا خَمْسَة أَوَاقٍ نجمت عَلَيْهَا فِي خمس سِنِين) ، وَالْمَشْهُور مَا فِي رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة الَّتِي تَأتي بعد بَابَيْنِ عَن أَبِيه: (أَنَّهَا كاتبت على تسع أَوَاقٍ كل عَام أُوقِيَّة) ، وَقد جزم الْإِسْمَاعِيلِيّ أَن هَذِه الرِّوَايَة الْمُعَلقَة غلط. قلت: أُجِيب عَنهُ: بِأَن التسع أصل، وَالْخمس كَانَت بقيت عَلَيْهَا، وَبِهَذَا جزم الْقُرْطُبِيّ والمحب الطَّبَرِيّ. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة قُتَيْبَة: (وَلم تكن أدَّت من كتَابَتهَا شَيْئا؟ قلت: أُجِيب: بِأَنَّهَا كَانَت حصلت الْأَرْبَع أَوَاقٍ قبل أَن تستعين بعائشة، ثمَّ جاءتها وَقد بَقِي عَلَيْهَا خمس. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يُجَاب بِأَن الْخمس هِيَ الَّتِي كَانَت اسْتحقَّت عَلَيْهَا لحلول نجومها من جملَة التسع الأواقي الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث هِشَام، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي رِوَايَة عمْرَة عَن عَائِشَة الَّتِي مَضَت فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب ذكر البيع وَالشِّرَاء على الْمِنْبَر فِي الْمَسْجِد، فَقَالَ أَهلهَا: إِن شِئْت أَعْطَيْت مَا بَقِي. قَوْله: (دخلت عَلَيْهَا) ، أَي: على عَائِشَة. قَوْله: (تستعينها) ، جملَة حَالية. قَوْله: (فِي كتَابَتهَا) أَي: فِي مَال كتَابَتهَا. قَوْله: (أواقي) ، جمع أُوقِيَّة، وَهِي أَرْبَعُونَ درهما، وَيجوز فِي الْجمع تَشْدِيد الْيَاء وتخفيفها. قَوْله: (نجمت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، صفة للأواقي. قَوْله: (ونفست فِيهَا) ، جملَة حَالية مُعْتَرضَة بَين القَوْل ومقوله، وَهُوَ بِكَسْر الْفَاء أَي: رغبت، وَمِنْه ﴿فَلْيَتَنَافَس الْمُتَنَافسُونَ﴾ (المطففين: ٦٢) . وَإِذا قيل: نفست بِهِ، يكون مَعْنَاهُ: نحلت، ونفست عَلَيْهِ الشَّيْء نفاسة إِذا لم تره لَهُ أَهلا، ونفست الْمَرْأَة تنفس، من بَاب علم يعلم: إِذا حَاضَت. قَوْله: (أَرَأَيْت إِن عددت لَهُم عدَّة وَاحِدَة) ، معنى: أَرَأَيْت: أَخْبِرِينِي، وَمعنى: عددت لَهُم: عددت الْخمس أواقي، وَفِي رِوَايَة عمْرَة عَن عَائِشَة: (إِن أحل أهلك أَن أصب لَهُم ثمنك صبة وَاحِدَة وأعتقك؟) كَذَا فِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ. قَوْله: (شُرُوطًا لَيست فِي كتاب الله تَعَالَى) ، أَي: لَيْسَ فِي حكم الله تَعَالَى وقضائه فِي كِتَابه أَو سنة رَسُوله، ﷺ . قَوْله: (شَرط الله أَحَق) ، قَالَ الدَّاودِيّ: شَرط الله هَهُنَا أرَاهُ، وَالله أعلم، هُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فإخوانكم فِي الدّين ومواليكم﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٣) . وَقَوله: ﴿وَإِذ تَقول للَّذي أنعم الله عَلَيْهِ وأنعمت عَلَيْهِ﴾ (الْأَحْزَاب: ٧٣) . وَقَالَ فِي مَوضِع: هُوَ قَوْله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ (الْبَقَرَة: ٨٨١ وَالنِّسَاء: ٩٢) . وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ﴾ (الْحَشْر: ٧) . الْآيَة. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَعِنْدِي أَن الْأَظْهر هُوَ مَا أعلم بِهِ ﷺ من قَوْله: (إِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق) ، (وَمولى الْقَوْم مِنْهُم) ، وَالْوَلَاء لحْمَة كالنسب) ، وَفِي بعض الرِّوَايَات: (كتاب الله أَحَق) ، يحْتَمل أَن يُرِيد: حكمه، وَيحْتَمل أَن يُرِيد الْقرَان.
وَفِيه فَوَائِد كصيرة: تكلم الْعلمَاء فِيهِ كثيرا جدا لِأَنَّهُ رُوِيَ بِوُجُوه مُخْتَلفَة وطرق مُتَغَايِرَة، حَتَّى أَن مُحَمَّد بن جرير صنف فِي فَوَائده مجلداً، وَقد ذكرنَا أَكْثَرهَا فِيمَا مضى فِي كتاب الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَغَيرهَا، وَمن أعظم فَوَائده مَا احْتج بِهِ قوم على فَسَاد البيع بِالشّرطِ، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَذهب قوم إِلَى أَن البيع صَحِيح وَالشّرط بَاطِل، وَقد ذَكرْنَاهُ فِيمَا مضى مفصلا.
٢ - (بابُ مَا يَجوزُ مِنْ شُرُوطِ الْمُكَاتِبِ ومنِ اشْتَرَطَ شَرْطاً لَيْسَ فِي كتابِ الله تَعَالَى)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يجوز من شُرُوط الْمكَاتب، وَمن جملَة شُرُوط الْمكَاتب قبُوله العقد وَذكر مَال الْكِتَابَة، سَوَاء كَانَ حَالا أَو مُؤَجّلا أَو منجماً. وَعند الشَّافِعِي: إِذا شَرط حَالا لَا يكون كِتَابَة، بل يكون عتقا، وَمن شُرُوطه: أَن يكون عَاقِلا بَالغا، وَيجوز عندنَا أَيْضا إِذا كَانَ صَغِيرا مُمَيّزا بِأَن يعرف أَن البيع سالب وَالشِّرَاء جالب. وَفِي (شرح الطَّحَاوِيّ) وَإِذا كَانَ لَا يعقل لَا يجوز إلَاّ إِذا قبل عَنهُ إِنْسَان فَإِنَّهُ يجوز ويتوقف على إِدْرَاكه، فَإِن أدّى هَذَا الْقَابِل عتق، وَعند زفر: لَهُ اسْتِرْدَاده وَهُوَ الْقيَاس، وَلَيْسَ فِي أَحَادِيث الْبَاب إلَاّ ذكر شَرط الْوَلَاء. قَوْله: (وَمن اشْترط شرطا لَيْسَ فِي كتاب الله تَعَالَى) وَهُوَ الشَّرْط الَّذِي خَالف كتاب الله أَو سنة رَسُوله أَو إِجْمَاع الْأمة، وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة: معنى (لَيْسَ فِي كتاب الله تَعَالَى) لَيْسَ فِي حكم الله جَوَازه أَو وُجُوبه، لَا أَن كل من شَرط شرطا لم ينْطق بِهِ الْكتاب يبطل، لِأَنَّهُ قد يشْتَرط فِي البيع الْكَفِيل فَلَا يبطل الشَّرْط، وَيشْتَرط فِي الثّمن شُرُوطًا من أَوْصَافه أَو من نجومه وَنَحْو ذَلِك فَلَا يبطل.
وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ الْعلمَاء: الشَّرْط فِي البيع أَقسَام: أَحدهَا: يَقْتَضِيهِ إِطْلَاق العقد، كَشَرط تَسْلِيمه. الثَّانِي: شَرط فِيهِ مصلحَة كَالرَّهْنِ وهما جائزان اتِّفَاقًا. الثَّالِث:
стр. 3834
اشْتِرَاط الْعتْق فِي العَبْد، وَهُوَ جَائِز عِنْد الْجُمْهُور لحَدِيث عَائِشَة فِي قصَّة بَرِيرَة. الرَّابِع: مَا يزِيد على مُقْتَضى العقد وَلَا مصلحَة فِيهِ للْمُشْتَرِي كاستثناء منفعَته فَهُوَ بَاطِل.
فِيه ابنُ عُمَرَ عنِ النبيِّ ﷺ
يَعْنِي فِي هَذَا الْبَاب عبد الله بن عمر يروي عَن النَّبِي ﷺ ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر فِيهِ عَن ابْن عمر أَي: رُوِيَ عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَى حَدِيث ابْن عمر الَّذِي يَأْتِي فِي آخر الْبَاب.
١٦٥٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أخبرَتْهُ أنَّ بَرِيرَةَ جاءَتْ تَسْتَعِينُها فِي كِتابَتِها ولَمْ تَكُنْ قَضتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئاً قالَتْ لَهَا عائِشَةُ ارْجِعِي إلَى أهْلِك فإنْ أحَبُّوا أنْ أقْضِي عَنْكِ كِتَابَتَكِ ويكُونُ وَلاؤكِ لِي فعَلْتُ فَذَكَرَتْ ذالِكَ بَرِيرَةُ لِأَهْلِهَا فأبَوْا وَقَالُوا إنْ شَاءَتْ أنْ تَحْتَسِبَ علَيْكِ فَلْتَفْعَلْ ويكُونَ وَلَاؤُكِ لَنا فَذَكَرَتْ ذالِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ لهَا رسولُ الله ﷺ ابْتَاعِي فأعْتِقي فإنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أعْتقَ قَالَ ثُمَ قامَ رسولُ الله ﷺ فَقَالَ مَا بالُ أُناسٍ يَشْتَرِطُونَ شُروطاً لَيْسَتْ فِي كِتابِ الله مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطاً لَيْسَ فِي كِتابِ الله فَلَيْسَ لَهُ وإنْ شَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ شَرْطُ الله أحقُّ وأوْثَقُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: من اشْترط شرطا لَيْسَ فِي كتاب الله. قَوْله: (إِلَى أهلك) المُرَاد بِهِ هُنَا: السَّادة. قَوْله: (فعلت) جَوَاب. قَوْله: (فَإِن أَحبُّوا) . قَوْله: (فَأَبَوا) ، أَي: امْتَنعُوا عَن كَون الْوَلَاء لعَائِشَة. قَوْله: (أَن تحتسب) ، أَي: إِذا أَرَادَت الثَّوْب عِنْد الله وَأَن لَا يكون لَهَا الْوَلَاء. قَوْله: (مَا بَال أنَاس؟) ، أَي: مَا شَأْنهمْ؟ قَوْله: (وَإِن شَرط مائَة مرّة) ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: مائَة شَرط، قَالَ النَّوَوِيّ: معنى: مائَة شَرط، أَنه لَو: شَرط مائَة مرّة توكيداً فَهُوَ بَاطِل. قلت: مثل هَذَا يذكر للْمُبَالَغَة. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: قَوْله: وَلَو كَانَ مائَة شَرط، خرج مخرج التكثير، يَعْنِي: أَن الشُّرُوط الْغَيْر الْمَشْرُوعَة بَاطِلَة وَلَو كثرت.
٣٦٥٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يوسُفَ قَالَ أخْبرنا مالكٌ عَن نافِعٍ عنْ عبْدِ الله بنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ أرادَت عائشَةُ أُمُّ المُؤْمِنينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنْ تَشْتَرِيَ جارِيَةً لِتُعْتِقَها فَقَالَ أهْلُها على أنَّ ولاءَهَا لَنا قَالَ رسولُ الله ﷺ لَا يَمْنعُ ذالِك فإنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (على أَن ولاءها لنا) ، لِأَن هَذَا شَرط لَيْسَ فِي كتاب الله ، وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبيُوع عَن عبد الله بن يُوسُف وَفِي الْفَرَائِض عَن إِسْمَاعِيل وقتيبة فرقهما. وَأخرجه مُسلم فِي الْعتْق عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْفَرَائِض وَالنَّسَائِيّ فِي الْبيُوع جَمِيعًا عَن قُتَيْبَة. قَوْله: (لَا يمنعك) ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: لَا نَمْنَعك بنُون، وَرِوَايَة مُسلم مثل الأول، وَالله أعلم.
٣ - (بابُ اسْتِعانَةِ المُكَاتِبَ وسؤالِهِ النَّاسَ)
هَذَا بَاب فِي بَيَان استعانة الْمكَاتب، أَي: طلبه العون من غَيره ليعينه بِشَيْء يضمه إِلَى مَال الْكِتَابَة، يَعْنِي: يجوز لِأَنَّهُ، ﷺ ، أقرّ بَرِيرَة على سؤالها من عَائِشَة واستعانتها مِنْهَا، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ من عطف الْخَاص على الْعَام، لِأَن الِاسْتِعَانَة تقع بالسؤال وَبِغَيْرِهِ. انْتهى. قلت: هَذَا كَأَنَّهُ مَا الْتفت إِلَى سين الِاسْتِعَانَة، فَإِنَّهَا للطلب، والطلب لَا يكون إلَاّ من غَيره.
٤٥ - (حَدثنَا عبيد بن إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة
стр. 3835
رَضِي الله عَنْهَا قَالَت جَاءَت بَرِيرَة فَقَالَت إِنِّي كاتبت أَهلِي على تسع أَوَاقٍ فِي كل عَام أُوقِيَّة فأعينيني فَقَالَت عَائِشَة إِن أحب أهلك أَن أعدهَا لَهُم عدَّة وَاحِدَة وأعتقك فعلت وَيكون ولاؤك لي فَذَهَبت إِلَى أهليها فَأَبَوا ذَلِك عَلَيْهَا فَقَالَت إِنِّي قد عرضت ذَلِك عَلَيْهِم فَأَبَوا إِلَّا أَن يكون الْوَلَاء لَهُم فَسمع بذلك رَسُول الله ﷺ َ - فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرته فَقَالَ خذيها فأعتقيها واشترطي لَهُم الْوَلَاء فَإِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق قَالَت عَائِشَة فَقَامَ رَسُول الله ﷺ َ - فِي النَّاس فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أما بعد فَمَا بَال رجال مِنْكُم يشترطون شُرُوطًا لَيست فِي كتاب الله فأيما شَرط لَيْسَ فِي كتاب الله فَهُوَ بَاطِل وَإِن كَانَ مائَة شَرط فقضاء الله أَحَق وَشرط الله أوثق مَا بَال رجال مِنْكُم يَقُول أحدهم أعتق يَا فلَان ولي الْوَلَاء إِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله فأعينيني. وَعبيد بن إِسْمَاعِيل أَبُو مُحَمَّد الْهَبَّاري الْقرشِي الْكُوفِي وَهُوَ من أَفْرَاده وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد ابْن أُسَامَة وَهِشَام بن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام ﵃ قَوْله " فأعينيني " كَذَا هُوَ بِصِيغَة الْأَمر للمؤنث فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني فأعيتني بِصِيغَة الْمَاضِي من الإعياء وَهُوَ الْعَجز وَالْمعْنَى فأعيتني تسع أَوَاقٍ لعجزي عَن تَحْصِيلهَا وَفِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة وَغَيره من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن هِشَام فأعتقيني بِصِيغَة الْأَمر من الْإِعْتَاق وَالثَّابِت فِي طَرِيق مَالك وَغَيره عَن هِشَام هُوَ الأول قَوْله " واشترطي " قَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت هَذَا مُشكل من حَيْثُ أَن هَذَا الشَّرْط يفْسد العقد وَمن حَيْثُ أَنَّهَا خدعت البائعين حَيْثُ شرطت لَهُم مَا لَا يحصل لَهُم وَكَيف أذن ﷺ َ - لعَائِشَة فِي ذَلِك (قلت) أول بِأَن مَعْنَاهُ اشترطي عَلَيْهِم كَقَوْلِه تَعَالَى وَإِن أسأتم فلهَا أَو أظهري لَهُم حكم الْوَلَاء وَبِأَن المُرَاد التوبيخ لَهُم لِأَنَّهُ ﷺ َ - قد بَين لَهُم أَن هَذَا الشَّرْط لَا يَصح فَلَمَّا لجوا فِي اشْتِرَاطه قَالَ ذَلِك أَي لَا تبالي بِهِ سَوَاء شرطتيه أم لَا وَالأَصَح أَنه من خَصَائِص عَائِشَة لَا عُمُوم لَهُ وَالْحكمَة فِي إِذْنه ثمَّ إِبْطَاله أَن يكون ألمغ فِي قطع عَادَتهم وزجرهم عَن مثله انْتهى قلت اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك فَمنهمْ من أنكر الشَّرْط فِي الحَدِيث فروى الْخطابِيّ فِي المعالم بِسَنَدِهِ إِلَى يحيى بن أكتم أَنه أنكر وَعَن الشَّافِعِي فِي الْأُم الْإِشَارَة إِلَى تَضْعِيف رِوَايَة هِشَام المصرحة بالاشتراط لكَونه انْفَرد بهَا دون أَصْحَاب أَبِيه ورد مَا نقل عَن يحيى بِمَا حكى الْخطابِيّ عَن ابْن خُزَيْمَة أَن قَول يحيى بن أكتم غلط وَكَذَلِكَ رد مَا نقل عَن الشَّافِعِي بِأَن الَّذِي فِي الْأُم ومختصر الْمُزنِيّ وَغَيرهمَا عَن الشَّافِعِي كَرِوَايَة الْجُمْهُور واشترطي بِصِيغَة الْأَمر للمؤنث من الشَّرْط وَقَالَ الطَّحَاوِيّ حَدثنِي الْمُزنِيّ بِهِ عَن الشَّافِعِي بِلَفْظ واشرطي بِهَمْزَة قطع بِغَيْر تَاء مثناة من فَوق ثمَّ وَجهه بِأَن مَعْنَاهُ أظهري لَهُم حكم الْوَلَاء والإشراط بِكَسْر الْهمزَة الْإِظْهَار قَالَ بَعضهم وَأنكر غَيره هَذِه الرِّوَايَة قلت لَا مجَال لإنكارها لِأَن كل وَاحِد من الطَّحَاوِيّ والمزني ثِقَة ثَبت لَا يشك فِيمَا روياه وَلَا يلْزم أَن يكون هَذَا الَّذِي نَقله الطَّحَاوِيّ عَن الْمُزنِيّ أَن يكون الشَّافِعِي ذكره فِي الْأُم والمزني أعرف بِحَالهِ قَوْله " فقضاء الله أَحَق " أَي حكم الله أَحَق بالاتباع من الشُّرُوط الْمُخَالفَة لَهُ قَوْله " وَشرط الله أوثق " أَي بِاتِّبَاع حُدُوده الَّتِي حَدهَا وَهنا أفعل التَّفْضِيل لَيْسَ على بَابه لِأَنَّهُ لَا مُشَاركَة بَين الْحق وَالْبَاطِل وَقد يرد أفعل لغير التَّفْضِيل كثيرا -
٤ - (بابُ بَيْعِ المُكَاتِبِ إذَا رَضِيَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز بيع الْمكَاتب، وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: بَاب بيع الْمُكَاتبَة، وَالْأول أصح لقَوْله: إِذا رَضِي بِالْبيعِ، وَلَو لم يعجز نَفسه، وَهُوَ قَول أَحْمد وَرَبِيعَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَأبي ثَوْر وَمَالك وَالشَّافِعِيّ فِي قَول، وَاخْتَارَهُ ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي أصح الْقَوْلَيْنِ، وَبَعض الْمَالِكِيَّة: لَا يجوز. وَقَالَ أَبُو عمر فِي (التَّمْهِيد) : قَالَ مَالك: لَا يجوز بيع الْمكَاتب إلَاّ أَن يعجز عَن الْأَدَاء فَإِن لم يعجز عَن الْأَدَاء فَلَيْسَ لَهُ وَلَا لسَيِّده بَيْعه، وَقَالَ ابْن شهَاب
стр. 3836
وَأَبُو الزِّنَاد وَرَبِيعَة: لَا يجوز بَيْعه إلَاّ بِرِضَاهُ، فَإِن رَضِي بِالْبيعِ فَهُوَ عجز مِنْهُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَعَطَاء وَاللَّيْث وَأحمد وَأَبُو ثَوْر: يجوز بَيْعه على أَن يمْضِي فِي كِتَابَته، فَإِن أدّى عتق وَكَانَ وَلَاؤُه للَّذي ابتاعه، وَإِن عجز فَهُوَ عبد لَهُ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: لَا يجوز بيع الْمكَاتب مَا دَامَ مكَاتبا حَتَّى يعجز، وَلَا يجوز بيع كِتَابَته، قَالَ: وَهُوَ قَول الشَّافِعِي بِمصْر، وَكَانَ بالعراق يَقُول: يجوز بَيْعه، وَأما بيع كِتَابَته فَغير جَائِز بِحَال.
وقالتْ عائِشَةُ هُوَ عَبْدٌ مَا بَقِي علَيْهِ شَيْءٌ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله الطَّحَاوِيّ، قَالَ: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: حَدثنَا ابْن وهب حَدثنَا ابْن أبي ذِئْب عَن عمرَان ابْن بشير عَن سَالم عَن عَائِشَة، قَالَت: إِنَّك عبد مَا بَقِي عَلَيْك شَيْء. قَالَ: وَحدثنَا أَبُو بشر حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة وشجاع ابْن الْوَلِيد عَن عَمْرو بن مَيْمُون عَن سُلَيْمَان بن يسَار، قَالَ: اسْتَأْذَنت على عَائِشَة، فَقَالَت: كم بَقِي عَلَيْك من كتابتك؟ قلت: عشر أَوَاقٍ. قَالَت: أَدخل فَإنَّك عبد مَا بَقِي عَلَيْك شَيْء، وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ: مَا بَقِي عَلَيْك دِرْهَم. قلت: سُلَيْمَان بن يسَار أَبُو أَيُّوب الْهِلَالِي الْمدنِي مولى مَيْمُونَة زوج النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ ابْن سعد: وَيُقَال: إِن سُلَيْمَان بن يسَار نَفسه كَانَ مكَاتبا لأم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَأما سَالم الَّذِي فِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ أَيْضا فَهُوَ سَالم بن عبد الله النصري، بالنُّون وَالصَّاد الْمُهْملَة: أَبُو عبد الله الْمدنِي، وَهُوَ سَالم مولى شَدَّاد بن الْهَاد، وَهُوَ سَالم مولى مَالك بن أَوْس بن الْحدثَان، مولى النصريين، وَهُوَ سَالم سبلان، روى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
وَقَالَ زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله الشَّافِعِي عَن سُفْيَان عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد: أَن زيد بن ثَابت قَالَ فِي الْمكَاتب: هُوَ عبد مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا عَليّ بن شيبَة حَدثنَا يزِيد بن هَارُون أَنبأَنَا سُفْيَان عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد: كَانَ زيد بن ثَابت يَقُول: الْمكَاتب عبد مَا بَقِي عَلَيْهِ شَيْء من كِتَابَته.
وَقَالَ ابنُ عُمَرَ هُوَ عبْدٌ إنْ عاشَ وإنْ ماتَ وإنْ جَنى مَا بَقِيَ عليْهِ شَيْءٌ
أَي: قَالَ عبد الله بن عمر: هُوَ عبد أَي: الْمكَاتب عبد ... إِلَى آخِره، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله الطَّحَاوِيّ عَن يُونُس: أخبرنَا ابْن وهب أَخْبرنِي أُسَامَة بن زيد وَمَالك بن أنس عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: الْمكَاتب عبد مَا بَقِي عَلَيْهِ من كِتَابَته شَيْء، ذكر فِي أثر ابْن عمر ثَلَاثَة أَشْيَاء: حَيَاة الْمكَاتب، وَمَوته، وجنايته.
أما فِي حَيَاته فَإِنَّهُ عبد مَا بَقِي عَلَيْهِ شَيْء من مَال الْكِتَابَة، وَلَا يعْتق إلَاّ بأَدَاء كل الْبَدَل عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء، إلَاّ عِنْد ابْن عَبَّاس، فَإِنَّهُ يعْتق بِنَفس العقد، وَهُوَ غَرِيم الْمولى بِمَا عَلَيْهِ من بدل الْكِتَابَة، وَعند عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يعْتق بِقدر مَا أدّى، وَبِه قَالَت الظَّاهِرِيَّة، وَيعتق بِأَدَائِهِ جَمِيع الْكِتَابَة عندنَا، وَإِن لم يقل الْمولى: إِذا أديتها فَأَنت حر، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يعْتق مَا لم يقل كاتبتك على كَذَا إِن أديته فَأَنت حر.
وَأما فِي مَوته فَإِنَّهُ إِذا مَاتَ وَله مَال لم تَنْفَسِخ الْكِتَابَة، وَقضى مَا عَلَيْهِ من بدل الْكِتَابَة وَحكم بِعِتْقِهِ فِي آخر جُزْء من أَجزَاء حَيَاته، وَمَا بَقِي من ذَلِك فَهُوَ لوَرثَته، وَيعتق أَوْلَاده المولودون فِي الْكِتَابَة، وَكَذَا المشترون فِيهَا، وَهَذَا عندنَا، وَهُوَ قَول عَليّ وَابْن مَسْعُود وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَالنَّخَعِيّ وَالشعْبِيّ وَعَمْرو بن دِينَار وَالثَّوْري. وَقَالَ الشَّافِعِي: تبطل الْكِتَابَة بِمَوْت الْمكَاتب عبدا وَمَا ترك لمَوْلَاهُ، وَبِه قَالَ أَحْمد. وَهُوَ قَول قَتَادَة وَأبي سُلَيْمَان، وَإِذا مَاتَ الْمولى لَا تبطل الْكِتَابَة، وَيُقَال: للْمكَاتب أد المَال إِلَى وَرَثَة الْمولى على نجومه.
وَأما فِي جِنَايَته، فَإِن الْمولى يدْفع قيمَة وَاحِدَة وَلَا يُزَاد عَلَيْهَا وَإِن تَكَرَّرت الْجِنَايَة، وَكَذَا فِي أم الْوَلَد والمدير، بِخِلَاف الْقِنّ فَإِن الدّفع يتَكَرَّر بِتَكَرُّر الْجِنَايَة.
٤٦٥٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عَن يَحْياى بنِ سَعيدٍ عنْ عَمْرَةَ بنْتِ عَبْدِ الرحْمانِ أنَّ بَرِيرَةَ تَسْتَعِينُ عائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا فقالَتْ لَها إنْ أحَبَّ أهْلُكِ أنْ أصُبَّ لَهُمْ
стр. 3837
ثَمَنَكِ صَبَّةً واحِدَةً فعَلْتُ فَذَكَرَتْ بَرِيرَةَ ذالِكَ لِأَهْلِهَا فَقَالُوا لَا إلَاّ أنْ يَكُونَ الوَلَاءُ لَنا قَالَ مالِكٌ قَالَ يَحْياى فَزَعَمَتْ عَمْرَةَ أنَّ عائِشَةَ ذَكَرَتْ ذالِكَ لِرسولِ الله ﷺ فَقَالَ اشْتَرِيهَا وأعْتِقِيهَا فإنَّما الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله، ﷺ : اشتريها، لِأَن أمره بِالشِّرَاءِ يدل على جَوَاز البيع، وَهُوَ حجَّة الشَّافِعِي فِي جَوَاز بيع الْمكَاتب، وَهُوَ قَوْله الْمصْرِيّ، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب. قَوْله: (إلَاّ أَن يكون الْوَلَاء) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: إلَاّ أَن يكون ولاؤك. قَوْله: (قَالَ يحيى) ، هُوَ ابْن سعيد، وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الأول. قَوْله: (فَزَعَمت عمْرَة) أَي: قَالَت، والزعم يسْتَعْمل بِمَعْنى القَوْل الْمُحَقق. قَوْله: (فَإِنَّمَا الْوَلَاء) ، أَشَارَ بِكَلِمَة: إِنَّمَا، الَّتِي هِيَ للحصر: أَن الْوَلَاء لمن أعتق لَا غير.
٥ - (بابٌ إِذا قَالَ المُكاتِبُ اشْتَرِني وأعْتِقْنِي فاشْتَرَاهُ لِذالِكَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا قَالَ الْمكَاتب لأحد: اشترني من مولَايَ وأعتقني، فَاشْتَرَاهُ لتِلْك أَي: لِلْعِتْقِ وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف، تَقْدِيره: جَازَ.
٥٦٥٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الوَاحِدِ بنُ أيْمَنَ قَالَ حدَّثني أبي أيْمَنُ قَالَ دخلْتُ علَى عائِشةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فقُلْتُ كُنْتُ لِعُتْبَةَ بنِ أبِي لَهَبٍ وماتَ ووَرِثَنِي بَنُوهُ وإنَّهُمْ باعُونِي مِنْ ابنِ أبِي عَمْرٍ وفأعْتَقَنِي ابنُ أبي عَمْرٍ وواشْتَرَطَ بَنُو عُتْبَةَ الوَلاءَ فقالَتْ دَخَلَتْ بَريرَةُ وهْيَ مُكاتَبَةٌ فقالتْ اشْتَرِيني وأعْتِقِيني قالَتْ نَعَمْ قالَتْ لَا يَبِيعُونِي حتَّى يَشْتَرِطُوا ولائِي فقالَتْ لَا حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ فَسَمِعَ بِذالِكَ النبيُّ ﷺ أوْ بَلَغَهُ فذَكَرَ لِعائِشَةَ فَذَكَرَتْ عائِشَةُ مَا قالَتْ لَها فَقَالَ اشْتَرِيها وأعْتِقِيهَا ودَعِيهِمْ يَشْترِطُونَ مَا شَاؤُا فاشْتَرَتْها عائِشَةُ فأعْتَقَتْها واشْتَرَطَ أهلُها الوَلاءَ فقالَ النبيُّ ﷺ الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ وإنِ اشْتَرَطُوا مِائَةَ شَرْطٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (اشتريني وأعتقيني) ، وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، وَقد تكَرر ذكره، وَعبد الْوَاحِد ابْن أَيمن ضد الْأَيْسَر المَخْزُومِي الْمَكِّيّ وأيمن الحبشي مولى ابْن أبي عَمْرو المَخْزُومِي، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى خَمْسَة أَحَادِيث، هَذَا وآخران عَن عَائِشَة، وحديثان عَن جَابر، وَكلهَا مُتَابعَة. وَلم يروِ عَنهُ غير وَلَده عبد الْوَاحِد، وإيمن الحبشي هَذَا، غير أَيمن بن نائل الحبشي، وَكِلَاهُمَا مكيان، غير أَن أَيمن وَالِد عبد الْوَاحِد نزيل الْمَدِينَة، وأيمن بن نائل نزيل عسقلان، وَكِلَاهُمَا من التَّابِعين.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشُّرُوط عَن خَلاد بن يحيى.
قَوْله: (كنت لعتبة) ، ويروى: (كنت غُلَاما لعتبة) ، وَلَفظ الْغُلَام مُقَدّر فِي الرِّوَايَة الَّتِي لم يذكر فِيهَا. وَعتبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: ابْن أبي لَهب عبد الْعُزَّى بن عبد الْمطلب الْهَاشِمِي، أسلم يَوْم الْفَتْح هُوَ وَأَخُوهُ معتب، وَلم يهاجرا من مَكَّة، وأخوهما عتيبة بِالتَّصْغِيرِ مَاتَ كَافِرًا. قَوْله: (بنوه) ، أَي: بَنو عتبَة، وهم: الْعَبَّاس وَأَبُو خرَاش وَهِشَام وَيزِيد. قَوْله: (من ابْن أبي عَمْرو) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والنسفي: من عبد الله بن أبي عَمْرو، وَزَاد الْكشميهني من عبد الله بن أبي عَمْرو بن عبد الله المَخْزُومِي. قَوْله: (أَو بلغه؟) ، شكّ من الرَّاوِي أَي: أَو بلغ النَّبِي ﷺ ؟ قَوْله: (فَذكر) أَي: النَّبِي ﷺ ذَلِك لعَائِشَة. قَوْله: (ودعيهم) ، أَي: اتركيهم وَلَا تتعرضي لَهُم فِيمَا يشترطون مَا شاؤا من الْوَلَاء. قَوْله: (مائَة شَرط) ، هُوَ بِمَعْنى الْمصدر ليُوَافق الرِّوَايَة الْأُخْرَى: مائَة مرّة، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
стр. 3838
بِسْمِ الله الرَّحْمانِ الرَّحِيمِ
١٥ - (كتابُ الهِبَةِ وفَضْلِها والتَّحْرِيضِ عَلَيْها)
١ - (بابُ الْهِبَة وفضلها والتحريض عَلَيْهَا)
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الْهِبَة وَبَيَان فَضلهَا وَبَيَان التحريض عَلَيْهَا، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني وَابْن شبويه: والتحريض فِيهَا، واستعماله: بعلى، أَكثر. والتحريض على الشَّيْء: الْحَث والإغراء عَلَيْهِ، والبسملة مُقَدّمَة على قَوْله: كتاب الْهِبَة، عِنْد الْكل إلَاّ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، فَإِنَّهَا مَذْكُورَة بعده، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : أصل الْهِبَة من هبوب الرّيح أَي: مروره. قلت: هَذَا غلط صَرِيح بل الْهِبَة مصدر من: وهب يهب، وَأَصلهَا: وهب، لِأَنَّهُ معتل الْفَاء كالعدة أَصْلهَا: وعد، فَلَمَّا حذفت الْوَاو تبعا لفعله عوضت عَنْهَا الْهَاء، فَقيل: هبة وعدة، وَمَعْنَاهَا فِي اللُّغَة: إِيصَال الشَّيْء للْغَيْر بِمَا يَنْفَعهُ، سَوَاء كَانَ مَالا أَو غير مَال: يُقَال: وهبت لَهُ مَالا، ووهب الله فلَانا ولدا صَالحا، وَيُقَال: وهبه مَالا أَيْضا، وَلَا يُقَال: وهب مِنْهُ، وَيُسمى الْمَوْهُوب: هبة وموهبة، وَالْجمع: هبات ومواهب، واتهبه مِنْهُ: إِذا قبله، واستوهبه إِيَّاه: إِذا طلب الْهِبَة وَفِي الشَّرْع: الْهِبَة تمْلِيك المَال بِلَا عوض، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْهِبَة تمْلِيك بِلَا عوض، وتحتها أَنْوَاع: كالإبراء: وَهِي هبة الدّين مِمَّن عَلَيْهِ، وَالصَّدَََقَة: وَهِي الْهِبَة لثواب الْآخِرَة، والهدية: وَهِي مَا ينْقل إِلَى الْمَوْهُوب مِنْهُ إِكْرَاما لَهُ. وَأخذ بَعضهم كَلَام الْكرْمَانِي هَذَا، وَذكر التَّقْسِيم الْمَذْكُور بعد أَن قَالَ: الْهِبَة تطلق بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ على أَنْوَاع، ثمَّ قَالَ: وَتطلق الْهِبَة بِالْمَعْنَى الْأَخَص على مَا لَا يقْصد لَهُ بدل، وَعَلِيهِ ينطبق قَول من عرف الْهِبَة بِأَنَّهَا: تمْلِيك بِلَا عوض. انْتهى. قلت: تَقْسِيم الْهِبَة إِلَى الْأَنْوَاع الْمَذْكُورَة لَيْسَ بِالنّظرِ إِلَى مَعْنَاهَا الشَّرْعِيّ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالنّظرِ إِلَى مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ، لِأَن الْأَنْوَاع الْمَذْكُورَة إِنَّمَا تنطبق على الْمَعْنى اللّغَوِيّ لَا الشَّرْعِيّ، فَافْهَم.
١ - (حَدثنَا عَاصِم بن عَليّ قَالَ حَدثنَا ابْن أبي ذِئْب عَن المَقْبُري عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ يَا نسَاء المسلمات لَا تحقرن جَارة لجارتها وَلَو فرسن شَاة) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن فِيهِ تحريضا على الْخَيْر إِلَى أحد وَلَو كَانَ بِشَيْء حقير وَهُوَ دَاخل فِي معنى الْهِبَة من حَيْثُ اللُّغَة. (ذكر رِجَاله) وهم أَرْبَعَة على رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين خَمْسَة الأول عَاصِم بن عَليّ بن عَاصِم بن صُهَيْب أَبُو الْحُسَيْن مولى قريبَة بنت مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مَاتَ سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ الثَّانِي مُحَمَّد بن أبي ذِئْب هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن أبي ذِئْب واسْمه هِشَام الثَّالِث سعيد المَقْبُري الرَّابِع أَبوهُ كيسَان الْخَامِس أَبُو هُرَيْرَة وكيسان سقط فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَالصَّوَاب إثْبَاته وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ رَوَاهُ عَن ابْن أبي ذِئْب يحيى الْقطَّان وَأَبُو معشر عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة من غير ذكر أَبِيه وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من طَرِيق أبي معشر عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة لم يقل عَن أَبِيه وَزَاد فِي أَوله " تهادوا فَإِن الْهَدِيَّة تذْهب وحر الصَّدْر " وَقَالَ غَرِيب وَأَبُو معشر يضعف وَقَالَ الطرقي أَنه أَخطَأ فِيهِ حَيْثُ لم يقل عَن أَبِيه (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه أَن شَيْخه من أهل وَاسِط وَأَنه من أَفْرَاده وَبَقِيَّة الروَاة مدنيون وَفِيه أَن أحدهم مَذْكُور بنسبته إِلَى أحد أجداده كَمَا ذكرنَا وَالْآخر مَذْكُور بنسبته إِلَى مَقْبرَة الْمَدِينَة لأجل سكناهُ فِيهَا والْحَدِيث أخرجه مُسلم قَالَ حَدثنَا يحيى بن يحيى قَالَ أخبرنَا اللَّيْث بن سعيد وَحدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد قَالَ حَدثنَا لَيْث عَن سعيد بن أبي سعيد عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ َ - كَانَ يَقُول " يَا نسَاء المسلمات لَا تحقرن جَارة لجارتها وَلَو فرسن شَاة " (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " يَا نسَاء المسلمات " ذكر عِيَاض فِي إعرابه ثَلَاثَة أوجه. أَصَحهَا وأشهرها نصب النِّسَاء وجر المسلمات على الْإِضَافَة قَالَ الْبَاجِيّ وَبِهَذَا روينَاهُ عَن جَمِيع شُيُوخنَا بالمشرق وَهُوَ من بَاب إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه والموصوف إِلَى صفته والأعم إِلَى الْأَخَص كمسجد الْجَامِع وجانب الغربي وَهُوَ عِنْد الْكُوفِيّين جَائِز على ظَاهره وَعند الْبَصرِيين
стр. 3839
يقدرُونَ فِيهِ محذوفا أَي مَسْجِد الْمَكَان الْجَامِع وجانب الْمَكَان الغربي وَيقدر هُنَا يَا نسَاء الْأَنْفس المسلمات أَو الْجَمَاعَات الْمُؤْمِنَات وَقيل تَقْدِيره يَا فاضلات المسلمات كَمَا يُقَال هَؤُلَاءِ رجال الْقَوْم أَي ساداتهم وأفاضلهم. الْوَجْه الثَّانِي رفع النِّسَاء وَرفع المسلمات على معنى النداء وَالصّفة أَي يَا أيتها النِّسَاء المسلمات قَالَ الْبَاجِيّ كَذَا يرويهِ أهل بلدنا. الْوَجْه الثَّالِث رفع النِّسَاء وَكسر التَّاء من المسلمات على أَنه مَنْصُوب على الصّفة على الْموضع كَمَا يُقَال يَا زيد الْعَاقِل بِرَفْع زيد وَنصب الْعَاقِل قَوْله " جَارة " الجارة مؤنث الْجَار وَيُقَال للزَّوْجَة جَار لِأَنَّهَا تجاور زَوجهَا فِي مَحل وَاحِد وَقيل الْعَرَب تكني عَن الضرة بالجارة تطيرا من الضَّرَر وَمِنْه كَانَ ابْن عَبَّاس ينَام بَين جَارِيَته قَوْله " لجارتها " ظَاهره الْمَرْأَة الَّتِي تجاور الْمَرْأَة الَّتِي تسمى جَارة مؤنث الْجَار وَقَالَ الْكرْمَانِي لجارتها مُتَعَلق بِمَحْذُوف أَي لَا تحقرن جَارة هَدِيَّة مهداة لجارتها بَالغ فِيهِ حَتَّى ذكر أَحْقَر الْأَشْيَاء من أبْغض البغيضين إِذا حمل لفظ الجارة على الضرة وجارتها بالضمير فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة أبي ذَر لَا تحقرن جَارة لجارة بِلَا ضمير قَوْله " وَلَو فرسن شَاة " يَعْنِي وَلَو أَنَّهَا تهدي فرسن شَاة وَالْمرَاد مِنْهُ الْمُبَالغَة فِي إهداء الشَّيْء الْيَسِير لَا حَقِيقَة الفرسن لِأَنَّهُ لم تجر الْعَادة فِي المهاداة بِهِ وَالْمَقْصُود أَنَّهَا تهدي بِحَسب الْمَوْجُود عِنْدهَا وَلَا يستحقر لقلته لِأَن الْجُود بِحَسب الْمَوْجُود والوجود خير من الْعَدَم هَذَا ظَاهر الْكَلَام وَيحْتَمل أَن يكون النَّهْي وَاقعا للمهدى إِلَيْهَا وَأَنَّهَا لَا تحتقر مَا يهدى إِلَيْهَا وَلَو كَانَ حَقِيرًا والفرسن بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وَكسر السِّين الْمُهْملَة وَفِي آخِره نون قَالَ ابْن دُرَيْد هُوَ ظَاهر الْخُف وَالْجمع فراسن وَفِي الْمُحكم هِيَ طرف خف الْبَعِير انْتهى حَكَاهُ سِيبَوَيْهٍ فِي الثلاثي وَلَا يُقَال فِي جمعه فرسنات كَمَا قَالُوا خناصر وَلم يَقُولُوا خنصرات وَفِي الْمُخَصّص هُوَ عِنْد سِيبَوَيْهٍ فعلن وَلم يحك فِي الْأَسْمَاء غَيره وَقَالَ أَبُو عبيد السلَامِي عِظَام الْفرس كلهَا وَفِي الْجَامِع هُوَ من الْبَعِير بِمَنْزِلَة الظفر من الْإِنْسَان وَفِي المغيث هُوَ عظم قَلِيل اللَّحْم وَهُوَ للشاة وَالْبَعِير بِمَنْزِلَة الْحَافِر للدابة وَقيل هُوَ خف الْبَعِير وَفِي الصِّحَاح رُبمَا استعير للشاة وَقَالَ ابْن السراج النُّون زَائِدَة وَقَالَ الْأَصْمَعِي الفرسن مَا دون الرسغ من يَد الْبَعِير وَهِي مُؤَنّثَة. وَفِي الحَدِيث الحض على التهادي وَلَو باليسير لما فِيهِ من استجلاب الْمَوَدَّة وإذهاب الشحناء وَلما فِيهِ من التعاون على أَمر الْمَعيشَة والهدية إِذا كَانَت يسيرَة فَهِيَ أدل على الْمَوَدَّة وَأسْقط للمؤنة وأسهل على الْمهْدي لإطراح التَّكْلِيف وَالْكثير قد لَا يَتَيَسَّر كل وَقت والمواصلة باليسير تكون كالكثير
٢ - (حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن عبد الله الأويسي قَالَ حَدثنَا ابْن أبي حَازِم عَن أَبِيه عَن يزِيد بن رُومَان عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت لعروة ابْن أُخْتِي إِن كُنَّا لنَنْظُر إِلَى الْهلَال ثمَّ الْهلَال ثمَّ الْهلَال ثَلَاثَة أهلة فِي شَهْرَيْن وَمَا أوقدت فِي أَبْيَات رَسُول الله ﷺ َ - نَار فَقلت يَا خَالَة مَا كَانَ يعيشكم قَالَت الأسودان التَّمْر وَالْمَاء إِلَّا أَنه قد كَانَ لرَسُول الله ﷺ َ - جيران من الْأَنْصَار كَانَت لَهُم منائح وَكَانُوا يمنحون رَسُول الله ﷺ َ - من ألبانهم فيسقينا) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله وَكَانُوا يمنحون رَسُول الله ﷺ َ - من ألبانهم وَذَلِكَ لأَنهم كَانُوا يهْدُونَ إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - من ألبان منايحهم. وَفِي الْهَدِيَّة معنى الْهِبَة على مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ. (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى بن عَمْرو بن أويس بِضَم الْهمزَة وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة ونسبته إِلَيْهِ. الثَّانِي عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم واسْمه سَلمَة بن دِينَار. الثَّالِث أَبوهُ سَلمَة بن دِينَار. الرَّابِع يزِيد من الزِّيَادَة ابْن رُومَان بِضَم الرَّاء أَبُو روح مولى آل الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّادِس عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه مَنْسُوب إِلَى أحد أجداده. وَفِيه أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَفِيه رِوَايَة الرَّاوِي عَن خَالَته. وَفِيه ثَلَاثَة
стр. 3840
من التَّابِعين على نسق وَاحِد. الأول أَبُو حَازِم سَلمَة. وَالثَّانِي يزِيد بن رُومَان. وَالثَّالِث عُرْوَة. وَفِيه رِوَايَة الرَّاوِي عَن أَبِيه والْحَدِيث رَوَاهُ مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن يحيى بن يحيى. (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " ابْن أُخْتِي " يَعْنِي يَا ابْن أُخْتِي وحرف النداء مَحْذُوف وَفِي رِوَايَة مُسلم وَالله يَا ابْن أُخْتِي وَأم عُرْوَة أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق وَهِي أُخْت عَائِشَة بنت أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم قَوْله " إِن كُنَّا " إِن هَذِه مُخَفّفَة من أَن المثقلة فَتدخل على الجملتين فَإِن دخلت على الاسمية جَازَ إعمالها خلافًا للكوفيين وَإِن دخلت على الفعلية وَجب إهمالها وَالْأَكْثَر أَن يكون الْفِعْل مَاضِيا نَاسِخا وَهَهُنَا كَذَلِك لِأَنَّهَا دخلت على الْمَاضِي النَّاسِخ لِأَن كَانَ من النواسخ وَاللَّام فِي لنَنْظُر عِنْد سِيبَوَيْهٍ والأكثرين لَام الِابْتِدَاء دخلت لتوكيد النِّسْبَة وتخليص الْمُضَارع للْحَال وللفرق بَين أَن المخففة من المثقلة وَأَن النافية وَلِهَذَا صَارَت لَازِمَة بعد أَن كَانَت جَائِزَة وَزعم أَبُو عَليّ وَأَبُو الْفَتْح وَجَمَاعَة أَنَّهَا لَام غير لَام الِابْتِدَاء اجتلب للْفرق قَوْله " ثَلَاثَة أهلة " بِالنّصب تَقْدِيره نرى ثَلَاثَة أهلة ونكملها فِي شَهْرَيْن بِاعْتِبَار رُؤْيَة الْهلَال فِي أول الشَّهْر الأول ثمَّ بِرُؤْيَتِهِ فِي أول الشَّهْر الثَّانِي ثمَّ بِرُؤْيَتِهِ فِي أول الشَّهْر الثَّالِث فَيصدق عَلَيْهِ ثَلَاثَة أهلة وَلَكِن الْمدَّة سِتُّونَ يَوْمًا وَفِي الرقَاق من طَرِيق هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه بِلَفْظ كَانَ يَأْتِي علينا الشَّهْر مَا نوقد فِيهِ نَارا وَفِي رِوَايَة ابْن ماجة من طَرِيق أبي سَلمَة عَن عَائِشَة بِلَفْظ لقد كَانَ يَأْتِي على آل مُحَمَّد الشَّهْر مَا يرى فِي بَيت من بيوته الدُّخان قَوْله " وَمَا أوقدت " على صِيغَة الْمَجْهُول من الإيقاد قَوْله " يَا خَالَة " بِضَم التَّاء لِأَنَّهُ منادى مُفْرد قَوْله " مَا كَانَ يعيشكم " بِضَم الْيَاء من أعاشه الله تَعَالَى عيشة وَقَالَ النَّوَوِيّ بِفَتْح الْعين وَكسر الْيَاء الْمُشَدّدَة قَالَ وَفِي بعض النّسخ الْمُعْتَمدَة يَعْنِي فِي نسخ مُسلم فَمَا كَانَ يقيتكم من الْقُوت صرح بذلك القونوي فِي مُخْتَصر شرح مُسلم وَقَالَ بَعضهم وَفِي بعض النّسخ مَا يغنيكم بِسُكُون الْمُعْجَمَة بعْدهَا نون مَكْسُورَة ثمَّ تَحْتَانِيَّة سَاكِنة انْتهى (قلت) كَأَنَّهُ صحف عَلَيْهِ فَجعله من الاغناء وَلَيْسَ هُوَ الْأَمْن الْقُوت فعلى قَوْله تكون هَذِه رِوَايَة رَابِعَة فتحتاج إِلَى الْبَيَان قَوْله " الأسودان المَاء وَالتَّمْر " وَهُوَ من بَاب التغليب إِذْ المَاء لَيْسَ أسود وأطلقت عَائِشَة على التَّمْر أسود لِأَنَّهُ غَالب تمر الْمَدِينَة وَقَالَ ابْن سيدة فسر أهل اللُّغَة الأسودين بِالْمَاءِ وَالتَّمْر وَعِنْدِي أَنَّهَا إِنَّمَا أَرَادَت الْحرَّة وَاللَّيْل قيل لَهما الأسودان لاسودادهما وَذَلِكَ أَن وجود التَّمْر وَالْمَاء عِنْدهم شبع ورى وخصب وَإِنَّمَا أَرَادَت عَائِشَة أَن تبالغ فِي شدَّة الْحَال بِأَن لَا يكون مَعهَا إِلَّا اللَّيْل والحرة وَهَذَا أذهب فِي سوء الْحَال من وجود التَّمْر وَالْمَاء وَقيل الأسودان المَاء وَاللَّبن وضاف مرْثَد الْمدنِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قوم فَقَالَ لَهُم مالكم عندنَا إِلَّا الأسودان قَالُوا إِن فِي ذَلِك لمقنعا المَاء وَالتَّمْر فَقَالَ مَا ذَلِك أردْت وَالله إِنَّمَا أردْت الْحرَّة وَاللَّيْل (قلت) الْحرَّة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء البقل الَّذِي يُؤْكَل غير مطبوخ قَوْله " منائح " جمع منيحة بِفَتْح الْمِيم وَكسر النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة وَهِي نَاقَة أَو شَاة تعطيها غَيْرك ليحتلبها ثمَّ يردهَا عَلَيْك وَقد تكون المنيحة عَطِيَّة للرقبة بمنافعها مُؤَبّدَة مثل الْهِبَة وَقَالَ الْفراء منحته منيحة وَهِي النَّاقة وَالشَّاة يُعْطِيهَا الرجل لآخر يحلبها ثمَّ يردهَا وَزعم بَعضهم أَن المنيحة لَا تكون إِلَّا نَاقَة وَقَالَ أَبُو عبيد المنيحة عِنْد الْعَرَب على وَجْهَيْن أَن يُعْطي الرجل صَاحب صلَة فَيكون لَهُ وَأَن يمنحه نَاقَة أَو شَاة ينْتَفع بحلبها ووبرها وصوفها زَمنا ثمَّ يردهَا وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ الْعَرَب تَقول منحتك النَّاقة وأنحلتك الْوَبر وأعريتك النَّخْلَة وأعمرتك الدَّار وَهَذِه كلهَا هبة مَنَافِع يعود بعْدهَا مثلهَا قَوْله " يمنحون " من الْمنح وَهُوَ الْعَطاء يُقَال منحه يمنحه من بَاب فَتحه يَفْتَحهُ ومنحه يمنحه من بَاب ضربه يضْربهُ وَالِاسْم المنحة بِالْكَسْرِ وَهِي الْعَطِيَّة. وَفِي الحَدِيث زهد النَّبِي ﷺ َ - فِي الدُّنْيَا وَالصَّبْر على التقلل وَأخذ الْبلْغَة من الْعَيْش وإيثار الْآخِرَة على الدُّنْيَا. وَفِيه حجَّة لمن آثر الْفقر على الْغنى. وَفِيه أَن السّنة مُشَاركَة الْوَاجِد المعدم
٢ - (بابُ القَلِيلِ مِنَ الهِبَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْقَلِيل من الْهِبَة، وَأَرَادَ بِهِ أَن المهدى إِلَيْهِ بِشَيْء قَلِيل لَا يستقله وَلَا يردهُ لقلته.
стр. 3841
٨٦٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبِي عَدِيٍّ عنْ شُعْبَةَ عنْ سُلَيْمَانَ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ لوْ دُعِيتُ إلَى ذِرَاعٍ أوْ كُرَاعٍ لأجَبْتُ ولوْ أُهْدِيَ إلَيَّ ذِراعٌ أوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ.
(الحَدِيث ٨٦٥٢ طرفه فِي: ٨٧١٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَلَو أهدي إِلَيّ ذِرَاع أَو كرَاع لقبلت) وَذَلِكَ يدل على أَن الْقَلِيل من الْهَدِيَّة جَائِز وَلَا يرد، والهدية فِي معنى الْهِبَة من حَيْثُ اللُّغَة كَمَا ذكرنَا. وَابْن أبي عدي هُوَ مُحَمَّد بن أبي عدي واسْمه إِبْرَاهِيم الْبَصْرِيّ. وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش. وَأَبُو حَازِم هُوَ سُلَيْمَان الْأَشْجَعِيّ.
والْحَدِيث من أَفْرَاده وَأخرجه فِي الْأَنْكِحَة بِلَفْظ: لَأَجَبْت، وَلَو أهْدى إِلَيّ ذِرَاع لقبلت، والكراع من حد الرسغ، وَهُوَ فِي الْبَقر وَالْغنم بِمَنْزِلَة الوظيف فِي الْفرس وَالْبَعِير، وَهُوَ مستدق السَّاق، يذكر وَيُؤَنث، وَادّعى ابْن التِّين أَن الكراع من الدَّوَابّ مَا دون الكعب من غير الْإِنْسَان، وَمن الْإِنْسَان مَا دون الرّكْبَة، وَعَن ابْن فَارس: كرَاع كل شَيْء طرفه. وَقَالَ أَبُو عبيد: الأكارع قَوَائِم الشَّاة، وأكارع الأَرْض أطرافها القاصية، شبه بأكارع الشَّاة أَي: قَوَائِمهَا، وَقَالَ بَعضهم: قيل: الكراع اسْم مَكَان. قلت: الَّذِي قَالَه هُوَ الْغَزالِيّ، ذكره فِي (الْإِحْيَاء) بِلَفْظ: كرَاع الغميم، وَترد ذَلِك رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس مَرْفُوعا: لَو أهدي إِلَيّ كرَاع لقبلته، ثمَّ صَححهُ وَادّعى صَاحب (التنقيب على التَّهْذِيب) أَن سَبَب هَذَا الحَدِيث أَن أم حَكِيم الْخُزَاعِيَّة قَالَت: يَا رَسُول الله! أتكره الْهَدِيَّة؟ فَقَالَ، ﷺ : مَا أقبح رد الْهَدِيَّة، لَو دعيت إِلَى كرَاع لَأَجَبْت، وَلَو أهدي إِلَيّ ذِرَاع لقبلت. قلت: الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ ﵀. وَقَالَ ابْن بطال: أَشَارَ النَّبِي، ﷺ ، بِالْكُرَاعِ والفرسن إِلَى الحض على قبُول الْهَدِيَّة، وَلَو قلَّت لِئَلَّا يمْتَنع الْبَاعِث من المهاداة، لاحتقار المهدى إِلَيْهِ. انْتهى. والذراع أفضل من الكراع، وَكَانَ، ﷺ ، يحب أكله، وَلِهَذَا سمَّ فِيهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يُحِبهُ لِأَنَّهُ مبادي الشَّاة وَأبْعد من الْأَذَى.
٣ - (بابُ مَنِ اسْتَوْهَبَ مِنْ أصْحَابِهِ شَيْئاً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من استوهب من أَصْحَابه شَيْئا، سَوَاء كَانَ عينا أَو مَنْفَعَة. وَالْجَوَاب مَحْذُوف تَقْدِيره: جَازَ، بِغَيْر كَرَاهَة إِذا كَانَ يعلم طيب خاطرهم.
وَقَالَ أَبُو سَعيدٍ قَالَ النبيُّ ﷺ اضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْماً
هَذَا التَّعْلِيق قِطْعَة من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ فِي الرّقية، أخرجه البُخَارِيّ مَوْصُولا بِتَمَامِهِ فِي كتاب الْإِجَارَة فِي: بَاب مَا يعْطى فِي الرّقية، بِفَاتِحَة الْكتاب.
٩٦٥٢ - حدَّثنا ابنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا أَبُو غَسَّانَ قَالَ حدَّثني أَبُو حازِمٍ عنْ سَهْلٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ أرْسَلَ إِلَى امْرَأةٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ وكانَ لَهَا غُلامٌ نَجَّارٌ قَالَ لَهَا مُرِي عَبْدَكِ فَلْيَعْمَلْ لَنا أعْوَادَ المِنْبَرِ فأمَرَتْ عَبْدَهَا فذَهَبَ فَقَطَعَ مِنَ الطَّرْفَاءِ فصَنَعَ لَهُ مِنْبَراً فلَمَّا قَضاهُ أرْسَلَتْ إِلَى النبيِّ ﷺ أنَّهُ قَدْ قَضَاهُ قَالَ ﷺ أرْسِلِي بِهِ إلَيَّ فَجاؤا بِهِ فاحْتَمَلَهُ النبيُّ ﷺ فوَضَعَهُ حيْثُ تَرَوْنَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَن النَّبِي ﷺ أرسل إِلَى امْرَأَة) إِلَى آخِره فَإِن إرْسَاله ﷺ إِلَيْهَا وَقَوله لَهَا بِأَن تَأمر غلامها يعْمل أَعْوَاد الْمِنْبَر استيهاب فِيهِ من الْمَرْأَة.
وَابْن أبي مَرْيَم هُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم بن أبي مَرْيَم الجُمَحِي الْمصْرِيّ، وَأَبُو غَسَّان، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة وبالنون: واسْمه مُحَمَّد بن مطرف اللَّيْثِيّ، وَأَبُو حَازِم سَلمَة ابْن دِينَار وَسَهل بن سعد الْأنْصَارِيّ السَّاعِدِيّ.
والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْجُمُعَة فِي بَاب الْخطْبَة على الْمِنْبَر، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
قَوْله: (أرسل إِلَى امْرَأَة من الْأَنْصَار) ، وَفِي كثير من النّسخ: إِلَى امْرَأَة من الْمُهَاجِرين، وَقَالَ
стр. 3842
ابْن التِّين: أَكثر الرِّوَايَات أَنَّهَا من الْأَنْصَار، ولعلها كَانَت هَاجَرت وَهِي مَعَ ذَلِك أنصارية الأَصْل، وَفِي أصل ابْن بطال أَيْضا من الْأَنْصَار. قَوْله: (فليعمل أَعْوَاد) أَي: ليفعل لنا فعلا فِي أَعْوَاد من نجر وتسوية وخرط يكون مِنْهَا مِنْبَر. قَوْله: (فَلَمَّا قَضَاهُ) ، أَي: صنعه وأحكمه، وَقَالَ الْخطابِيّ: الْعبارَة عَمَّا يعالج من الْأَشْيَاء ويعتمل تقع بِثَلَاثَة أَلْفَاظ هِيَ: الْفِعْل والصنع والجعل، وأجمعها فِي الْمَعْنى: الْفِعْل، وأوسعها فِي الِاسْتِعْمَال: الْجعل، وأخصها فِي التَّرْتِيب: الصنع. تَقول: فعل فلَان خيرا، وَفعل شرا، وَلَفظ الْجعل يسترسل على الْأَعْيَان وَالصِّفَات، وَلَفظ الصنع يسْتَعْمل غَالِبا فِيمَا يدْخلهُ التَّدْبِير.
٠٧٥٢ - حدَّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ عنْ أبيهِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كُنْتُ يَوْماً جالِساً مَعَ رِجالٍ منْ أصْحابِ النبيِّ ﷺ فِي مَنْزِلٍ فِي طَريقِ مَكَّةَ ورسولُ الله ﷺ نازِلٌ أمامَنا والقَوْمُ مُحْرِمُونَ وأنَا غَيرْرُ مُحْرِمٍ فأبْصَرُوا حِمَاراً وحْشياً وَأَنا مَشْغُولٌ أخْصِفُ نعلِي فَلَمْ يُؤْذُونِي بِهِ وأحَبُّو لوْ أنِّي أبْصَرْتُهُ فالْتَفَتُّ فأبْصَرْتُهُ فقُمْتُ إلاى الفَرَسِ فأسْرَجْتُهُ ثُمَّ رَكِبْتُ ونَسِيتُ السَّوْطَ والرُّمْحَ فَقُلْتُ لَهُمْ ناوِلُونِي السَّوْطَ والرُّمْحَ فَقَالُوا لَا وَالله لَا نُعِينُكَ علَيْهِ بِشَيْءٍ فغَضِبْتُ فنَزَلْتُ فأخَذْتُهُما ثُمَّ رَكِبْتُ فَشَدَدْتُ علَى الحِمَارِ فَعَقَرْتُهُ ثُمَّ جِئْتُ بِهِ وقدْ ماتَ فَوَقَعُوا فِيهِ يأكُلُونَهُ ثُمَّ إنَّهُمْ شَكُّوا فِي أكْلِهِمْ إيَّاهُ وهُمْ حُرُمٌ فرُحْنَا وخَبَاتُ العَضُدَ مَعي فأدْرَكْنا رسولَ الله ﷺ فَسَألْناهُ عنْ ذالِكَ فَقال معَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ فقُلْتُ نَعَمْ فَنَاوَلْتُهُ العَضُدَ فأكَلَهَا حتَّى نَفَّدَهَا وهْوَ مُحْرِمٌ فحدَّثنِي بِهِ زيْدُ بنُ أسْلَمَ عنْ عَطَاءِ بنِ يَسارٍ عنْ أبِي قَتادَةَ عنِ النبيِّ ﷺ ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَقَالَ: مَعكُمْ شَيْء؟) فَإِنَّهُ فِي معنى الاستيهاب من الْأَصْحَاب، قَالَ ابْن بطال: استيهاب الصَّيْد حسن إِذا علم أَن نَفسه تطيب بِهِ، وَإِنَّمَا طلب ﷺ من أبي سعيد، وَكَذَا من أبي قَتَادَة وَغَيرهم ليؤنسهم بِهِ وَيرْفَع عَنْهُم اللّبْس فِي توقفهم فِي جَوَاز ذَلِك، وَعبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى أَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري الأويسي الْمَدِينِيّ، وَقد تكَرر ذكره، وَمُحَمّد بن جَعْفَر بن أبي كثير الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، وَأَبُو حَازِم هُوَ سَلمَة بن دِينَار وَأَبُو قَتَادَة اسْمه الْحَارِث السّلمِيّ، بِفَتْح السِّين وَاللَّام الْأنْصَارِيّ الخزرجي.
والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب إِذا صَاد الْحَلَال فأهدى للْمحرمِ الصَّيْد فَأَكله، وَمضى أَيْضا فِي ثَلَاثَة أَبْوَاب عَقِيبه، كلهَا مُتَوَالِيَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
قَوْله: (وَرَسُول الله) ، الْوَاو، فِيهِ وَالْوَاو فِي: وَالْقَوْم، وَالْوَاو فِي: أَنا غير محرم، كلهَا للْحَال. قَوْله: (وَأَنا مَشْغُول أخصف نَعْلي) جملَة حَالية أَيْضا، وَمعنى: أخصف؛ أخرز. قَالَ تَعَالَى: ﴿وطفقا يخصفان﴾ (الْأَعْرَاف: ٢٢، وطه: ١٢١) . أَي: يلزقا الْبَعْض بِالْبَعْضِ. قَوْله: (فعقرته) من الْعقر وَهُوَ الْجرْح، وَلَكِن المُرَاد هَهُنَا عقره عقراً شَدِيدا حَتَّى مَاتَ مِنْهُ. قَوْله: (ثمَّ جِئْت بِهِ) ، أَي: بالحمار الْمَذْكُور. قَوْله: (وهم حرم) ، جملَة حَالية. قَوْله: (حَتَّى نفدها) ، بتَشْديد الْفَاء وبإهمال الدَّال: يُرِيد أكلهَا حَتَّى أَتَى عَلَيْهَا، يُقَال: نفد الشَّيْء إِذا فني، وَرُوِيَ بِكَسْر الْفَاء المخففة، ورده ابْن التِّين. قَوْله: (فَحَدثني بِهِ) ، قَائِل هَذَا هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر الرَّاوِي عَن أبي حَازِم، أَي: حَدثنِي بِهَذَا الحَدِيث زيد ابْن أسلم أَبُو أُسَامَة أَيْضا عَن عَطاء بن يسَار ضد الْيَمين أبي مُحَمَّد الْهِلَالِي مولى مَيْمُونَة بنت الْحَارِث زوج النَّبِي ﷺ عَن أبي قَتَادَة الْمَذْكُور عَن النَّبِي ﷺ .
٤ - (بابُ مَنِ اسْتَسْقى)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من استسقى ماءاً ولبناً وَغَيرهمَا، وَجَوَابه مَحْذُوف تَقْدِيره: مَا حكمه؟ وَحكمه: يجوز لَهُ ذَلِك مِمَّا تطيب بِهِ نفس الْمَطْلُوب مِنْهُ.
стр. 3843
وَقَالَ سَهْلٌ قالَ لِيَ النبيُّ ﷺ اسْقِني
سهل هُوَ ابْن سعد الْأنْصَارِيّ، وَهَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث أَوله: ذكر للنَّبِي ﷺ امْرَأَة من الْعَرَب، فَأمر أسيد أَن يُرْسل إِلَيْهَا ... الحَدِيث، وَفِيه: فَقَالَ النَّبِي ﷺ : إسقنا يَا سهل.
٥ - (بابُ قُبُولِ هَدِيَّةِ الصَّيْدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز قبُول هَدِيَّة الصَّيْد، أَي: هَدِيَّة صائد الصَّيْد، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يهدي، وَالصَّيْد نَفسه لَا يَهْدِي، بِكَسْر الدَّال، بل يُهدَى، بِفَتْحِهَا.
وقَبِلَ النبيُّ ﷺ منْ أبِي قَتادَةَ عضُدَ الصَّيْدِ
هَذَا التَّعْلِيق ذكره مَوْصُولا فِي: بَاب من استوهب من أَصْحَابه شَيْئا، قبل الْبَاب السَّابِق.
٢٧٥٢ - حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ هِشامِ بنِ زَيْدِ بنِ أنَسِ بنِ مالِكٍ عنْ أنَس رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أنْفجْنا أرْنَباً بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَسَعى القَوْمُ فلَغَبُوا فأدْرَكْتُها فأخَذْتُهَا فأتَيْتُ بِهَا
стр. 3844
أبَا طَلْحةَ فَذَبَحَها وبَعَثَ بِهَا إِلَى رسولِ الله ﷺ بِوَرِكِها أوْ فَخِذَيهَا قَالَ فَخِذَيْها لَا شَكَّ فيهِ فقَبِلَهُ قُلْتُ وأكَلَ مِنْهُ قَالَ وأكلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ بَعْدُ قَبِلَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَقبله) وَهُوَ ظَاهر.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الذَّبَائِح عَن أبي الْوَلِيد وَعَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان. وَأخرجه مُسلم فِي الذَّبَائِح عَن أبي مُوسَى وَعَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن يحيى بن حبيب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَطْعِمَة عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وأوله: كنت غُلَاما حزوراً قصدت أرنباً. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّيْد عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن بشار.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (انفجنا) ، بالنُّون وَالْفَاء وَالْجِيم، أَي: أثرناه من مَكَانَهُ، قَالَ الْجَوْهَرِي: نفج الأرنب إِذا ثار، وأنفجته أَنا، والإنفاج الإثارة، يُقَال: أنفجت الأرنب فِي جُحْره أَي: أثرته فثار، وَأَصله من: أنفجت الأرنب إِذا وَثَبت فوسعت الخطوة. قَالَ الْخَلِيل: نفج اليربوع ينفج وينفج نفوجاً، وينتفج، وَهُوَ أَرْجَى عدوه، والأرنب حَيَوَان مَعْرُوف، وَكَلَام الْجَوْهَرِي يَقْتَضِي أَنه مُذَكّر، فَإِنَّهُ قَالَ: إِذا ثار، وَلم يقل: ثارت. وَكَذَا قَالَ فِي بَاب الْبَاء: الأرنب، وَاحِد الأرانب، وَلم يقل: وَاحِدَة الأرانب. وَالَّذِي فِي حَدِيث الْبَاب يَقْتَضِي تأنيثه، وَهِي الضمائر الَّتِي فِي (أدركتها) إِلَى آخِره، وَهَكَذَا ذكره بعض أهل اللُّغَة بِأَنَّهُ مُؤَنّثَة، وَالصَّحِيح أَنه يكون للمذكر وَالْأُنْثَى، وَبِه صدر كَلَامه صَاحب (الْمُحكم) . ثمَّ قَالَ: والأرنب الْأُنْثَى والخزر الذّكر. وَقَالَ الْجَوْهَرِي فِي بَاب الزَّاي: الخزز ذكر الأرانب، وَالْجمع: خزان، مثل صرد وصردان. قَوْله: (بمر الظهْرَان) ، الْبَاء فِيهِ تتَعَلَّق: بأنفجنا، وَمر الظهْرَان، بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء وَفتح الظَّاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْهَاء، قَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ مَوضِع قريب من مَكَّة. انْتهى. وَهُوَ الَّذِي يعرف الْيَوْم: بِبَطن مر، قَالَ الْجَوْهَرِي: وبطن مر، مَوضِع، وَهُوَ من مَكَّة على مرحلة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَمر، بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء: قَرْيَة ذَات نخل وَزرع، والظهران، بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْهَاء وبالراء وَالنُّون: اسْم للوادي، وَهُوَ على خَمْسَة أَمْيَال من مَكَّة إِلَى جِهَة الْمَدِينَة. وَقَالَ الْبكْرِيّ: مر مُضَاف إِلَى: الظهْرَان، وَبَينه وَبَين الْبَيْت سِتَّة عشر ميلًا. وَقَالَ سعيد ابْن الْمسيب: كَانَت منَازِل عك مر الظهْرَان، وببطن مر تخزعت خُزَاعَة عَن أخواتها فَبَقيت بِمَكَّة، وسارت أخوتها إِلَى الشَّام أَيَّام سيل العرم. وَقَالَ كثير عزة: سميت مر لمرارة مَائِهَا. قَوْله: (فلغبوا) ، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَكسرهَا وبالفتح أشهر، وَمَعْنَاهُ: تعبوا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَة: فتعبوا، من التَّعَب وَهُوَ الإعياء. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: تَقول الْعَرَب: لغبت ألغب لغوباً: أعييت. وَقَالَ الدَّاودِيّ: لغبوا عطشوا، وَقَالَ ابْن التِّين: وَلم يذكرهُ غَيره. قَوْله: (أَبَا طَلْحَة) ، هُوَ زوج أم أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَاسْمهَا: أم سليم. قَوْله: (بوركها) ، بِفَتْح الْوَاو وَكسر الرَّاء، وبكسر الْوَاو وَإِسْكَان الرَّاء: هُوَ مَا فَوق الْفَخْذ، وَهُوَ بِكَسْر الْخَاء وسكونها. قَوْله: (أَو فخذيها) ، شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (قَالَ فخذيها لَا شكّ فِيهِ) ، وفاعل: قَالَ، هُوَ: شُعْبَة، لِأَن ابْن بطال قَالَ: شُعْبَة فخذيها لَا شكّ فِيهِ، ثمَّ قَالَ: فِيهِ دَلِيل على أَن شُعْبَة شكّ فِي الفخذين أَولا ثمَّ استيقن، وَكَذَلِكَ شكّ أخيراً فِي الْأكل فَأوقف حَدِيثه على الْقبُول. قلت: يُشِير بِهَذَا إِلَى أَنه لَا يشك فِي فخذيها، وَإِنَّمَا الشَّك بَين الْوَرِكَيْنِ والفخذين. قَوْله: (ثمَّ قَالَ بعد قبله) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه شكّ فِي أكله وَلم يشك فِي قبُوله، وَفِي (التَّوْضِيح) : شُعْبَة شكّ فِي الفخذين أَولا ثمَّ استيقن، وَكَذَلِكَ شكّ أخيراً فِي الْأكل. قلت: وَلم يشك فِي الْقبُول.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: إِبَاحَة السَّعْي لطلب الصَّيْد. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس: (من تبع الصَّيْد غفل) . قلت: المُرَاد بِهِ: من تَمَادى بِهِ طلب الصَّيْد إِلَى أَن فَاتَتْهُ الصَّلَاة أَو غَيرهَا من مصَالح دينه ودنياه. وَفِيه: أَنه إِذا طلب جمَاعَة الصَّيْد فأدركه بَعضهم وَأَخذه يكون ملكا لَهُ، وَلَا يُشَارِكهُ فِيهِ من شَاركهُ فِي طلبه، وَفِيه فِي لفظ التِّرْمِذِيّ وَغَيره: (فذبحها بمروة) ، صِحَة الذّبْح بالمروة وَنَحْوهَا إِذا كَانَ لَهَا حد يذكى بِهِ الصَّيْد، فَإِن قَتله بثقله لم يحل. وَفِيه: أَنه لَا بَأْس بإهداء الصاحب لصَاحبه الشَّيْء الْيَسِير، وَإِن كَانَ المهدى إِلَيْهِ عَظِيما، إِذا علم من حَاله محبَّة ذَلِك مِنْهُ. وَفِيه: الْأَخْبَار عَمَّن أهْدى إِلَيْهِ شَيْء مِمَّا يُؤْكَل فَقبله، أَنه أكله، كَمَا فعل أنس. وَفِيه: إِبَاحَة أكل الأرنب، وَهُوَ قَول الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وكافة الْعلمَاء إلَاّ مَا حُكيَ عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَعبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى وَعِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس: أَنهم كَرهُوا
стр. 3845
أكلهَا.
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقد كره بعض أهل الْعلم أكل الأرنب، وَقَالُوا: إِنَّهَا تدمى. انْتهى. قلت: رِوَايَة عَن أَصْحَابنَا كَرَاهَة إكله، وَالأَصَح قَول الْعَامَّة. وَورد فِي إِبَاحَته أَحَادِيث كَثِيرَة. مِنْهَا: حَدِيث جَابر بن عبد الله، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ: (أَن غُلَاما من قومه صَار أرنباً فذبحها بمروة، فعلقها، فَسَأَلَ رَسُول الله ﷺ ، عَن أكلهَا، فَأمره بأكلها. وَمِنْهَا: حَدِيث عمار بن يَاسر، رَوَاهُ أَبُو يعلى فِي (مُسْنده) وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة ابْن الحوتكية: أَن رجلا سَأَلَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن الأرنب؟ فَأرْسل إِلَى عمار، فَقَالَ: (كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ ونزلنا فِي مَوضِع كَذَا وَكَذَا، فأهدى لَهُ رجل من الْأَعْرَاب أرنباً فأكلناها، فَقَالَ الْأَعرَابِي: إِنِّي رَأَيْت دَمًا. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : لَا بَأْس) . وَحَدِيث مُحَمَّد بن صَفْوَان رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة الشّعبِيّ عَنهُ: أَنه مر على النَّبِي ﷺ بأرنبين فعلقهما، فَقَالَ: يَا رَسُول الله ﴿إِنِّي أصبت هذَيْن الأرنبين فَلم أجد حَدِيدَة أذكيهما بهَا، فذكيتهما بمروة، أَفَآكُل؟ قَالَ: (كُلْ) ، لفظ ابْن مَاجَه ﵀. وَحَدِيث مُحَمَّد بن صَيْفِي، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة من رِوَايَة الشّعبِيّ عَنهُ، قَالَ: (أتيت النَّبِي ﷺ بأرنبين فذبحتهما بمروة، فَأمرنِي بأكلهما) . وَحَدِيث ابْن عَبَّاس رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (المعجم الْكَبِير) من رِوَايَة أبي أُمَامَة بن سهل بن حنيف، قَالَ: سَمِعت ابْن عَبَّاس: يَقُول: (أهديت لرَسُول الله ﷺ أرنباً وَعَائِشَة نَائِمَة، فَرفع لَهَا مِنْهَا الْفَخْذ فَلَمَّا انْتَبَهت أَعْطَاهَا إِيَّاه فأكلته. وَحَدِيث عبد الله بن عَمْرو، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة مُحَمَّد عَن خَالِد عَن أَبِيه خَالِد بن الْحُوَيْرِث: (أَن عبد الله بن عَمْرو كَانَ بالصفاح قَالَ مُحَمَّد: مَكَان بِمَكَّة وَأَن رجلا جَاءَ بأرنب قد صادها، فَقَالَ: يَا عبد الله بن عَمْرو﴾ مَا تَقول؟ قَالَ: قد جِيءَ بهَا إِلَى رَسُول الله ﷺ وَأَنا جَالس، فَلم يأكلها وَلم ينْه عَن أكلهَا، وَزعم أَنَّهَا تحيض. وَحَدِيث عمر وَأبي الدَّرْدَاء وَأبي ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) من رِوَايَة حَكِيم بن جُبَير عَن مُوسَى بن طَلْحَة قَالَ عمر لأبي ذَر وعمار وَأبي الدَّرْدَاء: (أتذكرون يَوْم كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ بمَكَان كَذَا وَكَذَا فَأَتَاهُ أَعْرَابِي بأرنب؟ فَقَالَ: يَا رَسُول الله ﴿إِنِّي رَأَيْت بهَا دَمًا، فَأمرنَا بأكلها وَلم يَأْكُل، قَالُوا: نعم) الحَدِيث. وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنهُ، قَالَ: (جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى النَّبِي ﷺ بأرنب قد شواها، فَلم يَأْكُل، وَأمر الْقَوْم أَن يَأْكُلُوا) الحَدِيث. وَحَدِيث خُزَيْمَة ابْن جُزْء، رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَنهُ، قَالَ: (قلت: يَا رَسُول الله﴾ جِئْت لأسألك عَن أَجنَاس الأَرْض، وَفِيه: قلت يَا رَسُول الله ﴿مَا تَقول فِي الأرنب؟ قَالَ: لَا آكله وَلَا أحرمهُ. قلت: فَإِنِّي آكل مَا لم يحرم، ولِمَ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: تبينت أَنَّهَا تدمي) . وَحَدِيث عبد الله ابْن معقل، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَنهُ أَنه: (سَأَلَ رَسُول الله ﷺ ، فَذكر حَدِيثا، قلت: يَا رَسُول الله﴾ مَا تَقول فِي الأرنب؟ قَالَ: لَا آكلها وَلَا أحرمهَا.
٦ - (بَاب قبُول الهديَّة)
٣٧٥٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ ابنِ مَسْعُودٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَبَّاسٍ عنِ الصَّعْبِ بنِ جَثَّامَة رَضِي الله تَعَالَى عنهُم أنَّهُ أهْداى لرسولِ الله ﷺ حِمَاراً وحْشياً وهْوَ بالأبْواءِ أوْ بَودَّانَ فَردَّ عليْهِ فلَمَّا رأى مَا فِي وجْهِهِ قَالَ أمَا إنَّا لَمْ نرُدُّهُ عَلَيْكَ إلَاّ أنَّا حُرُمٌ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَنه أهدي لرَسُول الله ﷺ وَقَالَ بَعضهم: وَشَاهد التَّرْجَمَة مِنْهُ مَفْهُوم. قَوْله: (لم نرده عَلَيْك إلَاّ إِنَّا حرم) ، فَإِن مَفْهُومه أَنه لَو لم يكن محرما لقبله مِنْهُ. انْتهى. قلت: الَّذِي ذكرته أوجه، لِأَن التَّرْجَمَة فِي قبُول هَدِيَّة الصَّيْد، وَالْقَبُول لَا يكون إلَاّ بعد الإهداء، ورد النَّبِي ﷺ إِيَّاهَا لم يكن ... إلَاّ لأجل كَونه محرما، لَا لأجل أَنه لم يجوز قبُولهَا أصلا. نعم هَذَا الَّذِي ذكره رُبمَا يمشي على رِوَايَة أبي ذَر. فَأن عِنْده على رَأس هَذَا الحَدِيث: بَاب قبُول الْهَدِيَّة، وَلَيْسَ هَذَا فِي رِوَايَة البَاقِينَ وَهُوَ الصَّوَاب، وَهَذَا الحَدِيث مر فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب إِذا أهْدى للْمحرمِ حمارا وحشياً حَيا لم يقبل، بِعَين هَذَا الْمَتْن والإسناد، غير أَن هُنَاكَ: عَن عبد الله بن يُوسُف، وَهنا: عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس. وَالله أعلم.
قَوْله: (بالأبواء) ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وبالمد: اسْم مَكَان بَين مَكَّة وَالْمَدينَة. قَوْله: (أَو بودَّان) ، شكّ من الرَّاوِي، وَهُوَ بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد
стр. 3846
الدَّال وبالنون: وَهُوَ أَيْضا اسْم مَكَان بَين مَكَّة وَالْمَدينَة. قَوْله: (إِنَّا لم نرده) ، يجوز فِيهِ فك الْإِدْغَام والإدغام بِفَتْح الدَّال وَضمّهَا، وَإِنَّمَا قبل الصَّيْد من أبي قَتَادَة ورده على الصعب، مَعَ أَنه ﷺ كَانَ فِي الْحَالين محرما، لِأَن الْمحرم لَا يملك الصَّيْد وَيملك مَذْبُوح الْحَلَال لِأَنَّهُ كقطعة لحم لم يبْق فِي حكم الصَّيْد.
٧ - (بابُ قَبولِ الهَدِيَّةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم قبُول الْهَدِيَّة، هَذَا هَكَذَا ثَبت فِي رِوَايَة أبي ذَر، قَالَ بَعضهم: هُوَ تكْرَار بِغَيْر فَائِدَة. قلت: لَا نسلم ذَلِك، لِأَن الْبَاب الَّذِي ثَبت فِي رِوَايَة أبي ذَر على رَأس حَدِيث الصعب بن جثامة، وَهُوَ هَدِيَّة الصَّيْد خَاصَّة، وَهَذَا الْبَاب أَعم من أَن تكون هَدِيَّة الصَّيْد أَو هَدِيَّة غَيره من الْأَشْيَاء الَّتِي تهدى، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: بَاب من قبل الْهَدِيَّة.
٤٧٥٢ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوساى قَالَ حَدثنَا عَبدَةُ قَالَ حدَّثنا هِشامٌ عَنْ أبيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ النَّاسَ كانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَداياهُمْ يَوْمَ عائِشَةَ يَبْتَغُونَ بِها أوْ يَبْتَغُونَ بِذالِكَ مَرْضَاةَ رسولِ الله ﷺ ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث، وَهُوَ وَاضح لمن لَهُ تَأمل وَحسن نظر.
وَإِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء الرَّازِيّ، يعرف بالصغير وَعَبدَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن سُلَيْمَان، مر فِي الصَّلَاة. وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة عَن عَائِشَة.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي كريب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم.
قَوْله: (كَانُوا يتحرون) ، من التَّحَرِّي وَهُوَ الْقَصْد وَالِاجْتِهَاد فِي الطّلب والعزم على تَخْصِيص الشَّيْء بِالْفِعْلِ وَالْقَوْل. قَوْله: (يَوْم عَائِشَة) ، يَعْنِي: يَوْم نوبتها. قَوْله: (يَبْتَغُونَ) ، جملَة حَالية، أَي: يطْلبُونَ من: البغية، وَهُوَ الطّلب. ويروى: (يتبعُون) ، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق الْمُشَدّدَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وبالعين الْمُهْملَة: من الإتباع. قَوْله: (بذلك) أَي: بتحرِّيهم بهداياهم يَوْم عَائِشَة، يَعْنِي: يَوْم يكون النَّبِي ﷺ عِنْد عَائِشَة فِي يَوْم نوبتها. قَوْله: (مرضاة رَسُول الله ﷺ بِفَتْح الْمِيم، مصدر ميمي بِمَعْنى: الرِّضَا.
وَفِي هَذَا الحَدِيث: جَوَاز تحري الْهِدَايَة ابْتِغَاء مرضاة المهدى إِلَيْهِ. وَفِيه: الدّلَالَة على فضل عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
٥٧٥٢ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا جعْفَرُ بنُ إيَاسٍ قَالَ سَمِعْتُ سَعيدَ بنَ جبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ أهْدَتْ أُمُّ حُفَيْدٍ خالَةُ ابنِ عَبَّاسٍ إِلَى النبيِّ ﷺ أقِطاً وسَمْناً وأضُبّاً فَأكل النبيُّ ﷺ مِنَ الأقِطِ والسَّمْنِ وتَرَكَ الضَّبَّ تَقَذُّرَاً قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ فأُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُول الله ﷺ ولَوْ كانَ حَرَاماً مَا أُكِلَ عَلى مائِدَةِ رسولِ الله ﷺ ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأكل النَّبِي ﷺ من الأقط وَالسمن) وَأكله دَلِيل على قبُول هَدِيَّة أم حفيد، وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس عبد الرَّحْمَن، أَصله من خُرَاسَان، سكن عسقلان، وَهُوَ من أَفْرَاده، وجعفر بن إِيَاس، بِكَسْر الْهمزَة وتحفيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة: الْمَشْهُور بِابْن أبي وحشية ضد الأنسية مر فِي الْعلم.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَطْعِمَة عَن مُسلم، وَفِيه عَن أبي النُّعْمَان وَفِي الِاعْتِصَام عَن مُوسَى. وَأخرجه مُسلم فِي الذَّبَائِح عَن بنْدَار وَأبي بكر ابْن نَافِع. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَطْعِمَة عَن حَفْص بن عَمْرو. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّيْد وَفِي الْوَلِيمَة عَن زِيَاد بن أَيُّوب.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أم حفيد) ، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره دَال مُهْملَة: وَاسْمهَا هزيلة مصغر: هزلة، بالزاي وَهِي أُخْت مَيْمُونَة أم الْمُؤمنِينَ، وَكَانَت تسكن الْبَادِيَة. قَوْله: (أقطاً) ، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْقَاف بعْدهَا طاء مُهْملَة، وَهُوَ لبن يَابِس مجفف مستحجر يطْبخ بِهِ. قَوْله: (وأضباً) ، جمع: ضَب، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، مثل: فلس وأفلس. وَفِي (الْمُحكم) : الضَّب دويبة وَالْجمع: ضباب وأضب، ومضبة على وزن مفعلة كَمَا قَالُوا
стр. 3847
للشيوخ: مشيخة، وَفِي الْمثل: أعق من الضَّب، لِأَنَّهُ رُبمَا أكل حسو لَهُ، وَالْأُنْثَى ضبة، والضب لَا يشرب مَاء. قَوْله: (فَأكل) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: فَأكل الضَّب. قَوْله: (على مائدة رَسُول الله ﷺ ، قَالَ الدَّاودِيّ: يَعْنِي الْقَصعَة والمنديل وَنَحْوهمَا، لِأَن أنسا قَالَ: مَا أكل على خوان، وأصل الْمَائِدَة من الميد، وَهُوَ الْعَطاء، يُقَال: مادني يميدني، وَقَالَ أَبُو عبيد: هِيَ فاعلة بِمَعْنى مفعولة من الْعَطاء، وَقَالَ الزّجاج، هُوَ عِنْدِي من: ماد يميد إِذا تحرّك. وَقَالَ ابْن فَارس: هُوَ من ماد يميد إِذا أطْعم، قَالَ: والخوان مِمَّا يُقَال: إِنَّه إسم أعجمي، غير أَنِّي سَمِعت إِبْرَاهِيم بن عَليّ الْقطَّان يَقُول: سُئِلَ ثَعْلَب، وَأَنا أسمع: أَيجوزُ أَن يُقَال: إِن الخوان سمي بذلك لِأَنَّهُ يتخون مَا عَلَيْهِ أَي: ينتقص بِهِ؟ فَقَالَ: مَا يبعد ذَلِك. قَوْله: (تقذراً) ، نصب على التَّعْلِيل، أَي: لأجل التقذر، يُقَال: قذرت الشَّيْء وتقذرته واستقذرته: إِذا كرهته.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز الإهداء وَقبُول الْهَدِيَّة. وَفِيه: من احْتج بقول ابْن عَبَّاس على جَوَاز أكل الضَّب لِأَنَّهُ قَالَ: لَو كَانَ حَرَامًا مَا أكل على مائدة رَسُول الله ﷺ ! قَالَت الشَّافِعِيَّة: وَهُوَ احتجاج حسن، وَهُوَ قَول الْفُقَهَاء كَافَّة، وَنَصّ عَلَيْهِ مَالك فِي (الْمُدَوَّنَة) وَعنهُ رِوَايَة بِالْمَنْعِ، وَقد روى مَالك فِي حَدِيث الضَّب أَنه ﷺ أَمر ابْن عَبَّاس وخَالِد بن الْوَلِيد بِأَكْلِهِ فِي بَيت مَيْمُونَة، وَقَالا لَهُ: ولِمَ لَا تَأْكُل يَا رَسُول الله؟ فَقَالَ: (إِنِّي يحضرني من الله حَاضِرَة) ، يَعْنِي الْمَلَائِكَة الَّذين يُنَاجِيهِمْ، ورائحة الضَّب ثَقيلَة، فَلذَلِك تقذره خشيَة أَن تؤذي الْمَلَائِكَة بريحه. وَقَالَ ابْن بطال: إِنَّه يجوز للْإنْسَان أَن يتقذر مَا لَيْسَ بِحرَام عَلَيْهِ لقلَّة عَادَته بِأَكْلِهِ أَو لوهمه. وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : يكره أكل الضَّب لِأَن النَّبِي ﷺ نهى عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، حِين سَأَلته عَن أكله. قلت: هَذَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن الْحسن عَن الْأسود عَن عَائِشَة أَنه ﷺ أهدي لَهُ ضَب فَلم يَأْكُلهُ، فَسَأَلته عَن أكله فنهاني، فَجَاءَنِي سَائل على الْبَاب فَأَرَادَتْ عَائِشَة أَن تعطيه، فَقَالَ ﷺ : مَا لَا تأكليه؟ وَالنَّهْي يدل على التَّحْرِيم، وَرُوِيَ عَن عبد الرَّحْمَن بن شبْل، أخرجه أَبُو دادو فِي الْأَطْعِمَة عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن ضَمْضَم بن زرْعَة عَن سريح بن عبيد عَن أبي رَاشد الحبراني عَن عبد الرَّحْمَن بن شبْل: أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَن أكل لحم الضَّب. فَإِن قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: تفرد ابْن عَيَّاش وَلَيْسَ بِحجَّة، وَقَالَ ابْن الْمُنْذِرِيّ: إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش وضمضم فيهمَا مقَال، وَقَالَ الْخطابِيّ: لَيْسَ إِسْنَاده بِذَاكَ. قلت: ضَمْضَم حمصي
وَابْن عَيَّاش إِذا روى عَن الشاميين كَانَ حَدِيثه صَحِيحا، كَذَا قَالَ البُخَارِيّ وَيحيى بن معِين وَغَيرهمَا، وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي: بَاب ترك الْوضُوء من الدَّم فِي (سنَنه) ، وَكَيف يَقُول هُنَا: وَلَيْسَ بِحجَّة؟ وَلما أخرج أَبُو دَاوُد هَذَا الحَدِيث سكت عَنهُ، وَهُوَ حسن صَحِيح عِنْده، وَقد صحّح التِّرْمِذِيّ لِابْنِ عَيَّاش عَن شُرَحْبِيل بن مُسلم عَن أبي أُمَامَة، وشرحبيل شَامي، وروى الطَّحَاوِيّ فِي (شرح الْآثَار) مُسْندًا إِلَى عبد الرَّحْمَن بن حَسَنَة، قَالَ: نزلنَا أَرضًا كَثِيرَة الضباب فأصابتنا مجاعَة، فطبخنا مِنْهَا وَإِن الْقُدُور لتغلي بهَا إِذْ جَاءَ رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقُلْنَا: ضباب أصبناها. وَقَالَ: إِن أمة من بني إِسْرَائِيل مسخت دَوَاب فِي الأَرْض إِنِّي أخْشَى أَن تكون هَذِه، فأكفؤها. وَقَالَ أَصْحَابنَا: الْأَحَادِيث الَّتِي وَردت بِإِبَاحَة أكل الضَّب مَنْسُوخَة بأحاديثنا، وَوجه هَذَا النّسخ بِدلَالَة التَّارِيخ، وَهُوَ أَن يكون أحد النصين مُوجبا للحظر وَالْآخر مُوجبا للْإِبَاحَة مثل مَا نَحن فِيهِ، والتعارض ثَابت من حَيْثُ الظَّاهِر، ثمَّ يَنْتَفِي ذَلِك بالمصير إِلَى دلَالَة التَّارِيخ، وَهُوَ أَن النَّص الْمُوجب للحظر يكون مُتَأَخِّرًا عَن الْمُوجب للْإِبَاحَة فَكَانَ الْأَخْذ بِهِ أولى، وَلَا يُمكن جعل الْمُوجب للْإِبَاحَة مُتَأَخِّرًا، لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ إِثْبَات النّسخ مرَّتَيْنِ، فَافْهَم.
٦٧٥٢ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا مَعْنٌ قَالَ حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ طَهْمَانِ عنْ مُحَمَّدِ ابنِ زِيادٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كانَ رسولُ الله ﷺ إذَا أُتِيَ بِطَعامٍ سألَ عنُ أهَدِيَّةٌ أمْ صَدَقَةٌ فإنْ قِيلَ صَدَقَةٌ قَالَ لِأَصْحَابِهِ كُلُوا ولَمْ يَأكُلْ وإنْ قِيلَ هَدِيَّةٌ ضَرَبَ بِيَدِهِ ﷺ فأكَلَ مَعَهُمْ.
стр. 3848
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَإِن قيل هَدِيَّة) إِلَى آخِره، لِأَن أكله مَعَهم يدل على قبُول الْهَدِيَّة، وَرِجَاله كلهم قد ذكرُوا، ومعن هُوَ ابْن عِيسَى بن يحيى الْقَزاز الْمدنِي. قَوْله: (إِذْ أُتِي بِطَعَام) ، زَاد أَحْمد وَابْن حبَان من طَرِيق ابْن سَلمَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد: من غير أَهله. قَوْله: (ضرب بِيَدِهِ) ، أَي: شرع فِي الْأكل مسرعاً، وَمثله ضرب فِي الأَرْض إِذا أسْرع السّير، وَقَالَ ابْن بطال: إِنَّمَا لَا يَأْكُل الصَّدَقَة لِأَنَّهَا أوساخ النَّاس، وَلِأَن أَخذ الصَّدَقَة منزلَة دنية، لقَوْله ﷺ : (الْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى، وَأَيْضًا لَا تحل الصَّدَقَة للأغنياء، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ووجدك عائلاً فأغنى﴾ (الضُّحَى: ٧) .
٧٧٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدَرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ قَتادَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أُتِيَ النبيُّ ﷺ بِلَحْمٍ فَقِيلَ تُصُدِّقَ علَى بَرِيرَةَ قالَ هُوَ لهَا صَدَقةٌ ولَنا هَدِيَّةٌ.
(انْظُر الحَدِيث ٥٩٤١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلنَا هَدِيَّة) ، أَي: حَيْثُ أَهْدَت بَرِيرَة إِلَيْنَا فَهُوَ هَدِيَّة، وَذَلِكَ لِأَن الصَّدَقَة يجوز فِيهَا تصرف الْفَقِير بِالْبيعِ والهدية وَغير ذَلِك لصِحَّة ملكه لَهَا، كتصرفات سَائِر الْملاك فِي أملاكهم، وغندر بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون: هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَقد تكَرر ذكره. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الزّهْد عَن وَكِيع. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أبي بكر وَأبي كريب وَعَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن عَمْرو بن مَرْزُوق. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعمريّ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم.
٨٧٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدَرٌ قالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ الْقَاسِمِ قَالَ سَمِعْتُهُ مِنْهُ عنِ القَاسِمِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا أنَّها أرادَتْ أنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ وأنَّهُمْ اشْتَرَطُوا ولاءَها فَذُكِرَ لِلنَّبيِّ ﷺ فَقَالَ النبيُّ ﷺ اشْتَرِيها فأعْتِقِيهَا فإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ وأُهْدِيَ لَها لَحْمٌ فقالَ النبيُّ ﷺ هَذَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ هُوَ لَها صَدَقَة وَلنَا هَدِيَّةٌ وخُيِّرَتْ قَالَ عبدُ الرَّحْمانِ زَوْجُها حُرٌّ أوْ عَبْدٌ قَالَ شُعْبَةُ ثُمَّ سَألْتُ عَبْدَ الرَّحْمانِ عنْ زَوْجِها قَالَ لَا أدْرِي أحُرٌّ أمْ عَبْدٌ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلنَا هَدِيَّة) لِأَن التَّحْرِيم يتَعَلَّق بِالصّفةِ لَا بِالذَّاتِ، وَقد تغير مَا تصدق بِهِ على بَرِيرَة بانتقاله إلَاّ إِلَى ملكهَا وَخُرُوجه عَن ملك الْمُتَصَدّق.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْعتْق عَن أَحْمد بن عُثْمَان النَّوْفَلِي، وَفِي الزَّكَاة بِقصَّة الْهَدِيَّة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن غنْدر، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْبيُوع وَفِي الْفَرَائِض عَن مُحَمَّد بن بشار بِهِ، وَفِي الطَّلَاق والشروط عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل، وَقد مر الْكَلَام فِي معنى صدر الحَدِيث فِي مَوَاضِع كَثِيرَة.
قَوْله: (فَقَالَ النَّبِي ﷺ : هَذَا تصدق بِهِ على بَرِيرَة، هُوَ لَهَا صَدَقَة وَلنَا هَدِيَّة) ، هَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر الْهَرَوِيّ، فَقيل للنَّبِي ﷺ : هَذَا تصدق بِهِ على بَرِيرَة، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : (هُوَ لنا صَدَقَة وَلنَا هَدِيَّة) . قَوْله: (وخيرت) أَي: بَرِيرَة صَارَت مخيرة بَين أَن تفارق زَوجهَا وَأَن تبقى تَحت نِكَاحهَا. قَوْله: (قَالَ عبد الرَّحْمَن) ، هُوَ عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم الرَّاوِي الْمَذْكُور. قَوْله: (لَا أَدْرِي أحرٌّ أم عبد؟) أَي: قَالَ عبد الرَّحْمَن: لَا أَدْرِي زوج بَرِيرَة هَل هُوَ حر أَو عبد، وَالْمَشْهُور أَنه عبد، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَعَلِيهِ أهل الْحجاز، وَهُوَ مَا ذكره النَّسَائِيّ عَن ابْن عَبَّاس، واسْمه: مغيث، وَخَالف أهل الْعرَاق، فَقَالُوا: كَانَ حرا، وَالله تَعَالَى أعلم، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ.
٩٧٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ أبُو الحَسَنِ قَالَ أخْبَرنا خالِدُ بنُ عَبْدِ الله عنْ خالِدٍ الحَذَّاءِ عنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرينَ عنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قالَتْ دَخَلَ النبيُّ ﷺ علَى عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فَقَالَ لَهًّ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ قالَتْ لَا إلَاّ شَيْءٌ بَعَثَتْ بِهِ أُمُّ عَطِيَّةَ مِنَ الشَّاةِ الَّتِي بَعَثْتَ إلَيْهَا مِنَ الصَّدَقَةِ قَالَ إنَّها قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّها.
(انْظُر الحَدِيث ٦٤٤١ وطرفه) .
стр. 3849
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى قَوْله: إِنَّهَا بلغت محلهَا، لِأَن مَعْنَاهُ قد زَالَ عَنْهَا حكم الصَّدَقَة وَصَارَت حَلَالا لنا، وخَالِد بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الطَّحَّان الوَاسِطِيّ، يروي عَن خَالِد بن مهْرَان الْحذاء، وَأم عَطِيَّة اسْمهَا نسيبة، بِضَم النُّون، وَقيل: بِفَتْحِهَا، وَكَذَا وَقع بِالْفَتْح فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة وهب بن بَقِيَّة عَن خَالِد بن عبد الله. والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب إِذا تحولت الصَّدَقَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن عبد الله عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن خَالِد عَن حَفْصَة بنت سِيرِين عَن أم عَطِيَّة الْأَنْصَارِيَّة ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (بعثت بِهِ أم عَطِيَّة) على صِيغَة الْمَعْلُوم، وَقَوله: (بعثت إِلَيْهَا) على صِيغَة الْمَعْلُوم. قَوْله: (محلهَا) ، بِفَتْح الْحَاء، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بِكَسْرِهَا، وَهُوَ يَقع على الزَّمَان وَالْمَكَان.
٨ - (بابُ مَنْ أهْدَى إِلَى صاحِبِهِ وتَحَرَّى بعْضَ نِسائِهِ دُونَ بَعْضٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إهداء من أهْدى إِلَى أحد من أَصْحَابه، وتحرى أَي قصد بعض نِسَائِهِ، يَعْنِي: أَرَادَ أَن يكون إهداؤه إِلَى صَاحبه يَوْم يكون صَاحبه عِنْد وَاحِدَة مِنْهُنَّ.
٠٨٥٢ - حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا حمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتْ كانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمِي وقالتْ أمُّ سَلَمَةَ إنَّ صَواحِبِي اجْتَمَعْنَ فذَكَرَتْ لَهُ فأعْرَضَ عَنْها.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى قَول عَائِشَة: (كَانَ النَّاس يتحرون بهداياهم يومي) وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة ابْن الزبير، وَفِي بعض النّسخ: عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ هُنَا مُخْتَصرا. وَأخرجه فِي فضل عَائِشَة مطولا على مَا سَيَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن يحيى بن درست.
قَوْله: (يومي) ، أَي: يَوْم نوبتي لرَسُول الله ﷺ ، وَأم سَلمَة هِيَ هِنْد إِحْدَى زَوْجَات النَّبِي ﷺ . قَوْله: (إِن صواحبي) أَرَادَت بِهِ بَقِيَّة أَزوَاج النَّبِي ﷺ وَكَانَ اجتماعهن عِنْد أم سَلمَة، وقلن لَهَا: خبِّري رَسُول الله ﷺ أَن يَأْمر النَّاس بِأَن يهدوا لَهُ حَيْثُ كَانَ، فَذكرت ذَلِك أم سَلمَة لرَسُول الله ﷺ ، فَأَعْرض عَنْهَا، يَعْنِي: لم يلْتَفت إِلَى مَا قَالَت لَهُ، ويروى: فَأَعْرض عَنْهُن، أَي: عَن أَزوَاجه الْبَقِيَّة، وَذكر ابْن سعد فِي (طَبَقَات النِّسَاء) من حَدِيث أم سَلمَة، قَالَت: كَانَ الْأَنْصَار يكثرون إلطاف رَسُول الله ﷺ ، سعد بن عبَادَة وَسعد بن معَاذ وَعمارَة بن حزم وَأَبُو أَيُّوب، وَذَلِكَ لقرب جوارهم من رَسُول الله ﷺ .
١٨٥٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني أخِي عنْ سُلَيْمَانَ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا أنَّ نِسَاءَ رسولِ الله ﷺ كُنَّ حِزْبَيْنِ فَحزْبٌ فيهِ عائِشَةُ وحَفْصَةُ وصَفِيَّةُ وسَوْدَةُ والحِزْبُ الآخَرُ أُمُّ سَلَمَةَ وسَائرُ نِساءِ رسولِ الله ﷺ وكانَ المُسْلِمُونَ قدْ عَلِمُوا حُبَّ رسولِ الله ﷺ عائِشَةَ فإذَا كانتْ عِنْدَ أحدهِمْ هَدِيَّةٌ يُرِيدُ أنْ يُهْدِيهَا إِلَى رسولِ الله ﷺ أخَّرَهَا حتَّى إذَا كانَ رسولُ الله ﷺ فِي بَيْتِ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا بَعَثَ صاحِبُ الهَدِيَّةِ إِلَى رسولِ الله ﷺ فِي بَيْتِ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا فَكلَّمَ حِزْبُ أُمِّ سَلَمَةَ فَقُلْنَ لَهَا كَلِّمِي رسولَ الله ﷺ يُكَلِّمُ النَّاسَ فيقُولُ مَنْ أَرَادَ أنْ يُهْدِيَ إِلَى رسولِ الله ﷺ هدِيَّةً فلْيُهْدِها إليْهِ حَيْثُ كانَ مِنْ بُيُوتِ نِسائِهِ فَكَلَّمَتْهُ أُمُّ سَلمَة بِما قُلْنَ فَلَمْ يَقُلْ لَهَا شَيْئاً فسَألْنَها فقالَتْ مَا قَالَ لِي شَيْئاً فقُلْنَ
стр. 3850
لَهَا فَكَلِّميهِ قالَتْ فكلَّمْتُهُ حِينَ دارَ إلَيْها أَيْضا فلَمْ يَقُلْ لَها شَيْئاً فسألْنَها فقالَتْ مَا قالَ لِي شَيئاً فقُلْنَ لَها كَلِّمِيهِ حتَّى يُكَلِّمَكِ فدَارَ إليْها فكلَّمَتْهُ فَقَالَ لَهَا لَا تُؤْذِيني فِي عائِشَةَ فإنَّ الوَحْيَ لَمْ يَأْتِني وَأَنا فِي ثوْبِ امْرَأةٍ إلَاّ عائِشَةَ قالتْ فقالتْ أتُوبُ إلاى الله مِنْ أذاكَ يَا رسوُلَ الله ثُمَّ إنَّهُنَّ دَعَوْنَ فاطِمَةَ بِنْتَ رسولِ الله ﷺ فأرسلَتْ إِلَى رسولِ الله ﷺ تقُولُ إنَّ نِساءَكَ يَنْشُدْنَكَ الله العَدْلَ فِي بِنْتِ أبِي بَكْرٍ فكَلَّمَتْهُ فَقَالَ يَا بُنَيَّةَ ألَا تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ قالَتْ بَلاى فرَجَعَتْ إلَيْهِنَّ فأخْبَرَتْهُنَّ فقُلْنَ ارْجِعِي إلَيْهِ فأبَتْ أنْ تَرْجِعَ فأرْسَلْنَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ فأتَتْهُ فأغْلَظَتْ وقالتْ إنَّ نِسَاءَكَ يَنْشُدْنَكَ الله العَدْلَ فِي بِنْتِ ابنِ أبِي قُحَافَةَ فرَفَعَتْ صَوْتَها حتَّى تَناوَلَتْ عائِشَةَ وهِيَ قاعِدَةٌ فَسَبَّتْهَا حتَّى أنَّ رسولَ الله ﷺ لَيَنْظُرُ إِلَى عائِشَةَ هَلْ تَكلَّمُ قَالَ فتَكَلَّمَتْ عائِشَةُ تَرُدُّ علَى زَيْنَبَ حتَّى أسْكَتَتْهَا قالتْ فَنَظَرَ النَّبِي ﷺ إِلَى عائشةَ وَقَالَ إنَّها بِنْتُ أبِي بَكْرٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَكَانَ الْمُسلمُونَ قد علمُوا. .) إِلَى قَوْله: (إِلَى رَسُول الله ﷺ ، فِي بَيت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا) .
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إِسْمَاعِيل بن أبي أويس. الثَّانِي: أَخُوهُ، هُوَ أَبُو بكر عبد الحميد ابْن أبي أويس، مر فِي الْعلم. الثَّالِث: سُلَيْمَان بن بِلَال، مر فِي الْإِيمَان. الرَّابِع: هِشَام بن عُرْوَة. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّادِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَفِيه: رِوَايَة الْأَخ عَن الْأَخ. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب وَقد تَابع البُخَارِيّ فِي السَّنَد الْمَذْكُور حميد بن زَنْجوَيْه فِي رِوَايَة أبي نعيم، وَإِسْمَاعِيل القَاضِي فِي رِوَايَة أبي عوَانَة فروياه عَن إِسْمَاعِيل كَمَا قَالَ، وَخَالفهُم مُحَمَّد بن يحيى الذهلي فَرَوَاهُ إِسْمَاعِيل: حَدثنِي سُلَيْمَان، فَحذف الْوَاسِطَة بَين إِسْمَاعِيل وَسليمَان، وَهُوَ أَخُو إِسْمَاعِيل: عبد الحميد.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حزبين) ، تَثْنِيَة حزب، وَهُوَ الطَّائِفَة وَيجمع على أحزاب. قَوْله: (عَائِشَة) ، هِيَ بنت أبي بكر الصّديق، (وَحَفْصَة) هِيَ بنت عمر بن الْخطاب، (وَصفِيَّة) بنت حييّ الْخَيْبَرِية. (وَسَوْدَة) بنت زَمعَة العامرية. قَوْله: (أم سَلمَة) ، هِيَ بنت أبي أُميَّة. قَوْله: (وَسَائِر نسَاء رَسُول الله ﷺ أَي: وَبَقِيَّة نِسَائِهِ، ﷺ ، وَهِي الْأَرْبَع: زَيْنَب بنت جحش الأَسدِية، ومَيْمُونَة بنت الْحَارِث الْهِلَالِيَّة، وَأم حَبِيبَة رَملَة بنت أبي سُفْيَان الأموية، وَجُوَيْرِية بنت الْحَارِث الْمُصْطَلِقِيَّة. قَوْله: (يكلم النَّاس) ، يجوز بِالْجَزْمِ وبالرفع. قَوْله: (فَيَقُول) ، تَفْسِير لقَوْله: يكلم. قَوْله: (فليهدها إِلَيْهِ) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فليهد، بِلَا ضمير. قَوْله: (بِمَا قُلْنَ) ، أَي: بِالَّذِي قلنه. قَوْله: (حِين دَار إِلَيْهَا) ، أَي: إِلَى عَائِشَة أَرَادَ يَوْم كَونه، ﷺ ، فِي نوبَة عَائِشَة فِي بَيتهَا. قَوْله: (فكلمته) ، أَي: فكلمت أم سَلمَة رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ لَهَا رَسُول الله ﷺ : (لَا تؤذيني فِي عَائِشَة) ، كلمة: فِي، هَهُنَا للتَّعْلِيل، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فذلكن الَّذِي لمتنني فِيهِ﴾ (يُوسُف: ٢٣) . وَفِي الحَدِيث: أَن امْرَأَة دخلت النَّار فِي هرة حبستها. قَوْله: (قَالَت: فَقَالَت) ، أَي: قَالَت عَائِشَة فَقَالَت أم سَلمَة: أَتُوب إِلَى الله. قَوْله: (ثمَّ إنَّهُنَّ) أَي: إِن نسَاء النَّبِي اللَّاتِي هن الحزب الآخر. قَوْله: (دعون) ، أَي: طلبن فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: دعين قَوْله: (تَقول) ، أَي: فَاطِمَة تَقول لرَسُول الله ﷺ : (إِن نِسَاءَك ينشدنك الله الْعدْل) أَي: يسألنك بِاللَّه الْعدْل، وَمَعْنَاهُ: التَّسْوِيَة بَينهُنَّ فِي كل شَيْء من الْمحبَّة وَغَيرهَا، هَكَذَا قَالَه بَعضهم، وَلَكِن الْمَعْنى التَّسْوِيَة بَينهُنَّ فِي الْمحبَّة الْمُتَعَلّقَة بِالْقَلْبِ، لِأَنَّهُ كَانَ يُسَوِّي بَينهُنَّ فِي الْأَفْعَال المقدورة. وَأَجْمعُوا على أَن محبتهن
стр. 3851
لَا تَكْلِيف فِيهَا وَلَا يلْزمه فِيهَا لِأَنَّهَا لَا قدرَة عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يُؤمر بِالْعَدْلِ فِي الْأَفْعَال، حَتَّى اخْتلفُوا فِي أَنه: هَل يلْزمه الْقسم بَين الزَّوْجَات أم لَا؟ وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: يناشدنك الله الْعدْل، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن ابْن شهَاب: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن الْحَارِث بن هِشَام، قَالَت: أرْسلت أَزوَاج النَّبِي، ﷺ ، فَاطِمَة بنت رَسُول الله ﷺ ، إِلَى رَسُول الله ﷺ ، فاستأذنت عَلَيْهِ وَهُوَ مُضْطَجع معي فِي مِرْطِي فَأذن لَهَا، فَقَالَت: يَا رَسُول الله ﴿إِن أَزوَاجك أَرْسلنِي يسألنك الْعدْل فِي بنت أبي قُحَافَة، وَأَنا ساكتة. قَالَت: فَقَالَ لَهَا رَسُول الله ﷺ : (أَلَسْت تحبين مَا أحب؟) فَقَالَت: بلَى قَالَ: (فأحبي هَذِه) . قَالَت فَاطِمَة حِين سَمِعت ذَلِك من رَسُول الله ﷺ فَرَجَعت إِلَى أَزوَاج النَّبِي ﷺ فأخبرتهن بِالَّذِي قَالَت وَبِالَّذِي قَالَ لَهَا رَسُول الله ﷺ ، فَقُلْنَ لَهَا: مَا نرَاك أغنيت عَنَّا من شَيْء، فارجعي إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقولِي لَهُ: إِن أَزوَاجك ينشدنك الْعدْل فِي بنت أبي قُحَافَة، فَقَالَت فَاطِمَة: وَالله لَا ُأكَلِّمهُ فِيهَا أبدا. قَالَت عَائِشَة: فَأرْسل أَزوَاج النَّبِي ﷺ زَيْنَب بنت جحش، زوج النَّبِي ﷺ ، وَهِي الَّتِي كَانَت تساميني مِنْهُنَّ من الْمنزلَة عِنْد رَسُول الله ﷺ ، لم أرَ امْرَأَة قطّ خيرا فِي الدّين من زَيْنَب وَأتقى لله وأصدق حَدِيثا وأوصل للرحم وَأعظم صَدَقَة، وَأَشد ابتذالاً لنَفسهَا فِي الْعَمَل الَّذِي تصدق بِهِ، وتقرب إِلَى الله مَا عدا سُورَة من حِدة كَانَت فِيهَا تسرع الْفَيْئَة، قَالَت: فاستأذنت على رَسُول الله ﷺ مَعَ عَائِشَة على الْحَال الَّذِي دخلت فَاطِمَة عَلَيْهَا وُجُوبهَا فَإِذن لَهَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُول الله﴾ إِن أَزوَاجك أرسلنني يسألنك الْعدْل فِي بنت أبي قُحَافَة. قَالَت: ثمَّ وَقعت بِي فاستطالت عَليّ وَأَنا أرقب رَسُول الله ﷺ ، وأرقب طرفه: هَل يَأْذَن لي فِيهَا؟ قَالَت: فَلم تَبْرَح زَيْنَب حَتَّى عرفت أَن رَسُول الله ﷺ لَا يكره أَن أنتصر، قَالَت: فَلَمَّا وَقعت بهَا لم أنشبها حَتَّى انهيت عَلَيْهَا. قَالَت: فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَتَبَسم: إِنَّهَا بنت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِنَّمَا سقت حَدِيث مُسلم بِكَمَالِهِ لِأَنَّهُ كالشرح لحَدِيث البُخَارِيّ مَعَ زيادات فِيهِ، وسأشرح بعض مَا فِيهِ. قَوْله: (يَا بنية) ، تَصْغِير إشفاق. قَوْله: (فَأَتَتْهُ) أَي: فَأَتَت زَيْنَب رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (فأغلظت) أَي: فِي كَلَامهَا. قَوْله: (فِي بنت أبي قُحَافَة) ، بِضَم الْقَاف وَتَخْفِيف الْحَاء الْمُهْملَة وبالفاء: هِيَ كنية وَالِد أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، واسْمه: عُثْمَان بن عَامر بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد ابْن تَمِيم بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب، وَاسم أبي بكر: عبد الله، يلتقي مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي مرّة بن كَعْب. قَوْله: (حَتَّى تناولت) ، أَي: تعرضت. قَوْله: (وَهِي قَاعِدَة) ، جملَة حَالية، أَي: عَائِشَة قَاعِدَة، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه مُخْتَصرا من طَرِيق عبد الله الْبَهِي: عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، قَالَت: دخلت عَليّ زَيْنَب بنت جحش فسبتني فردعها النَّبِي ﷺ فَأَبت، فَقَالَ: سبيهَا، فسببتها حَتَّى جف رِيقهَا فِي فمها. انْتهى. يحْتَمل أَن تكون هَذِه قَضِيَّة أُخْرَى. قَوْله: (وَقَالَ: إِنَّهَا بنت أبي بكر) ، أَي: إِنَّهَا شريفة عَاقِلَة عارفة كأبيها وَقيل: مَعْنَاهُ هِيَ أَجود فهما وأدق نظرا مِنْهَا. وَفِيه: الِاعْتِبَار بِالْأَصْلِ فِي مثل هَذِه الْأَشْيَاء. وَفِيه: لَطِيفَة أُخْرَى، وَهِي، أَنه، ﷺ ، نَسَبهَا إِلَى أَبِيهَا فِي معرض الْمَدْح، ونسبت فِيمَا تقدم إِلَى أبي قُحَافَة حَيْثُ لما أُرِيد النّيل مِنْهَا، ليخرج أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ من الْوسط إِذْ ذَاك، وَلِئَلَّا يهيج ذكره الْمحبَّة. قَوْله فِي رِوَايَة مُسلم: تساميني، بِالسِّين الْمُهْملَة أَي: تضاهيني فِي الْمنزلَة من السمو وَهُوَ الِارْتفَاع. قَوْله؛ (مَا عدا سُورَة من حِدة) بِالْحَاء الْمُهْملَة، وَهُوَ العجلة بِالْغَضَبِ، ويروى: من حد، بِدُونِ الْهَاء، وَهُوَ شدَّة الْخلق، وصحف صَاحب (التَّحْرِير) فروى: سَوْدَة، بِالدَّال وَجعلهَا بنت زَمعَة، وَهُوَ ظَاهر الْغَلَط. قَوْله: (تسرع مِنْهَا الْفَيْئَة) ، بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْهمزَة، وَهُوَ الرُّجُوع من: فَاء إِذا رَجَعَ، وَمعنى كَلَامهَا أَنَّهَا كَامِلَة الْأَوْصَاف إلَاّ فِي شدَّة خلق بِسُرْعَة غضب، وَمَعَ ذَلِك يسْرع زَوَالهَا عَنْهَا. قَوْله: لم أنشبها أَي: لم أهملها حَتَّى أنحيت، بالنُّون والحاء الْمُهْملَة، أَي قصدتها بالمعارضة، ويروى: حِين أنحيت، وَرجح القَاضِي هَذِه الرِّوَايَة وَمَا ثمَّ مَوضِع ترجح، ويروى: أثختها بالثاء الْمُثَلَّثَة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة وبالنون، أَي: قطعتها وغلبتها. قَوْله: (وَتَبَسم) ، جملَة وَقعت حَالا.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: فَضِيلَة عَظِيمَة لعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَفِيه: أَنه لَا حرج على الرجل فِي إِيثَار بعض نِسَائِهِ بالتحف، وَإِنَّمَا اللَّازِم الْعدْل فِي الْمبيت وَالنَّفقَة وَنَحْو ذَلِك من الْأُمُور اللَّازِمَة، كَذَا رُوِيَ عَن الْمُهلب، وَاعْترض على ذَلِك بِأَنَّهُ
стр. 3852
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يفعل ذَلِك، وَإِنَّمَا فعله الَّذين أهدوا لَهُ، وَإِنَّمَا لم يمنعهُم النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ لَيْسَ من كَمَال الْأَخْلَاق التَّعَرُّض لمثل هَذَا، على أَن حَال النَّبِي ﷺ يشْعر بِأَنَّهُ كَانَ يشركهن فِي ذَلِك، وَلم تقع المنافسة إلَاّ لكَون الْعَطِيَّة تصل إلَيْهِنَّ من بَيت عَائِشَة. وَفِيه: تجرى النَّاس بالهدايا فِي أَوْقَات المسرة ومواضعها من المهدى إِلَيْهِ ليزِيد بذلك فِي سرورة. وَفِيه: أَن الرجل يَسعهُ السُّكُوت بَين نِسَائِهِ إِذا تناظرن فِي ذَلِك وَلَا يمِيل مَعَ بَعضهنَّ على بعض، كَمَا سكت، ﷺ ، حِين تناظرت زَيْنَب وَعَائِشَة، وَلَكِن قَالَ فِي الْأَخير: إِنَّهَا بنت أبي بكر. وَفِيه: إِشَارَة إِلَى التَّفْضِيل بالشرف والعز. وَفِيه: جَوَاز التشكي والترسل فِي ذَلِك. وَفِيه: مَا كَانَ عَلَيْهِ أَزوَاج النَّبِي ﷺ ، من مهابته وَالْحيَاء مِنْهُ، حَتَّى راسلنه بِأَعَز النَّاس عِنْده: فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَفِيه: إدلال زَيْنَب بنت جحش على النَّبِي ﷺ ، لكَونهَا كَانَت بنت عمته، كَانَت أمهَا أُمَيْمَة بِالتَّصْغِيرِ بنت عبد الْمطلب. وَقَالَ الدَّاودِيّ: فِيهِ: عذر النَّبِي ﷺ لِزَيْنَب، قيل: لَا نَدْرِي هَذَا من أَيْن أَخذه؟ وَقيل: يُمكن أَنه أَخذه من مخاطبتها النَّبِي ﷺ لطلب الْعدْل مَعَ علمهَا بِأَنَّهُ أعدل النَّاس، لَكِن غلبت عَلَيْهَا الْغيرَة فَلم يؤاخذها النَّبِي ﷺ بِإِطْلَاق ذَلِك، وَإِنَّمَا خص زَيْنَب بِالذكر لِأَن فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، كَانَت حاملة رِسَالَة خَاصَّة، بِخِلَاف زَيْنَب فَإِنَّهَا شريكتهن فِي ذَلِك، بل كَانَت رأسهن، لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تولت إرْسَال فَاطِمَة أَولا ثمَّ سَارَتْ بِنَفسِهَا.
قَالَ البُخَارُيُّ الْكَلامُ الأخِيرُ قَصَّةُ فاطِمَةَ يُذْكَرُ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ رَجُل عنِ الزُّهْرِيَّ عنْ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ
لما تصرف الروَاة فِي هَذَا الحَدِيث بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْص حَتَّى إِن مِنْهُم من جعله ثَلَاثَة أَحَادِيث. قَالَ البُخَارِيّ: الْكَلَام الْأَخير قصَّة فَاطِمَة ... إِلَى آخِره، يذكرهُ عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن رجل، وَهُوَ مَجْهُول، عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام عَن عَائِشَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الرجل الْمَجْهُول مَذْكُور على طَرِيق الشَّهَادَة والمتابعة، وَاحْتمل فِيهَا مَا لَا يحْتَمل فِي الْأُصُول.
وَقَالَ أبُو مَرْوَانَ عنْ هِشَامٍ عَن عُرْزَةَ كانَ النَّاسُ يَتَحرَّوْنَ يَوْمَ عائِشَةَ وعنْ هِشامٍ عنْ رَجُلٍ منْ قُرَيْشٍ ورَجُلٍ منَ المَوالِي عَن الزُهْرِي عنْ مُحَمَّدِ بنِ عبْدِ الرَّحْمانِ بنِ الحَارِثِ بنِ هِشامٍ قالَتْ عائِشَةُ كُنْتُ عِنْدَ النَّبِي ﷺ فاسْتَأْذَنتْ فاطمَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
أَبُو مَرْوَان هُوَ يحيى بن أبي زَكَرِيَّا الغساني، سكن واسطاً، مَاتَ سنة تسعين وَمِائَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقيل: إِنَّه مُحَمَّد بن عُثْمَان العثماني، وَهُوَ وهم. قلت: هَذَا أَيْضا يكنى أَبَا مَرْوَان، لكنه لم يدْرك عَن هِشَام بن عُرْوَة، وَإِنَّمَا يروي عَنهُ بِوَاسِطَة، وروى عَن هِشَام أَيْضا بطرِيق آخر، رَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة عَنهُ عَن عَوْف بن الْحَارِث عَن أَخِيه رميثة
عَن أم سَلمَة: أَن نسَاء النَّبِي ﷺ قُلْنَ لَهَا: إِن النَّاس يتحرون بهداياهم يَوْم عَائِشَة ... الحَدِيث. أخرجه أَحْمد.
٩ - (بابُ مَا لَا يُرَدُّ مِنَ الهَدِيَّةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يرد من الْهَدِيَّة.
٢٨٥٢ - حدَّثنا أبُو مَعْمَر قَالَ حدَّثنا عبْدُ الوارِثِ قَالَ حدَّثنا عَزْرةُ بنُ ثابِتٍ الأنْصَارِيُّ قَالَ حدَّثني ثُمامَةُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ دَخَلْتُ علَيْهِ فنَاوَلَنِي طِيباً قَالَ كانَ أنَسٌ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ قَالَ وزَعَمَ أنَسٌ أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ.
(الحَدِيث ٢٨٥٢ طرفه فِي: ٩٢٩٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه أوضح مَا فِي التَّرْجَمَة من الْإِبْهَام، لِأَن قَوْله: مَا لَا يرد من الْهَدِيَّة، غير مَعْلُوم، فَالْحَدِيث أوضحه
стр. 3853
وَهُوَ أَن المُرَاد مِنْهُ الطّيب. قَالَ الْجَوْهَرِي: الطّيب مَا يتطيب بِهِ. قلت: هَذَا بِكَسْر الطَّاء وَسُكُون الْيَاء، وَأما: الطّيب، بِفَتْح الطَّاء وَتَشْديد الْيَاء الْمَكْسُورَة، فَهُوَ خلاف الْخَبيث. تَقول: طَابَ الشَّيْء يطيب طيبَة وتطياباً.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: عبد الله بن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج الْمنْقري المقعد. الثَّانِي: عبد الْوَارِث بن سعيد. الثَّالِث: عزْرَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الزَّاي وبالراء: ابْن ثَابت الْأنْصَارِيّ. الرَّابِع: ثُمَامَة، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الْمِيم: ابْن عبد الله بن أنس، قَاضِي الْبَصْرَة. الْخَامِس: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن جده، فَإِن ثُمَامَة روى عَن جده أنس بن مَالك.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَة رد الطّيب: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي، قَالَ: حَدثنَا عزْرَة بن ثَابت عَن ثُمَامَة بن عبد الله، قَالَ: كَانَ أنس لَا يرد الطّيب. وَقَالَ أنس: إِن النَّبِي ﷺ كَانَ لَا يرد الطّيب، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة وَفِي الزِّينَة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن وَكِيع.
قَوْله: (قَالَ: دخلت عَلَيْهِ) ، أَي: قَالَ عزْرَة بن ثَابت: دخلت على ثُمَامَة بن عبد الله بن أنس، وَقد وهم صَاحب (التَّوْضِيح) حَيْثُ قَالَ: الضَّمِير فِي: عَلَيْهِ، يرجع إِلَى أنس. قَوْله: (فناولني طيبا) أَي: فناولني ثُمَامَة طيبا، وَقد ذكرنَا أَن الطّيب فِي اللُّغَة مَا يتطيب بِهِ، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الله بن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (ثَلَاث لَا ترد: الوسائد والدهن وَاللَّبن) ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث غَرِيب، وَهَذَا الَّذِي ذكره أَيْضا مِمَّا لَا يرد وَإِنَّمَا لم يذكرهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ على شَرطه. قَوْله: (قَالَ وَزعم أنس) ، أَي: قَالَ: والزعم يسْتَعْمل لِلْقَوْلِ، قَالَ ابْن بطال، ﵀: إِنَّمَا كَانَ لَا يرد الطّيب من أجل أَنه ملازم لمناجاة الْمَلَائِكَة، وَلذَلِك كَانَ لَا يَأْكُل الثوم وَمَا يشاكله، قَالَ بَعضهم: لَو كَانَ هَذَا هُوَ السَّبَب فِي ذَلِك لَكَانَ من خَصَائِصه، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن أنسا اقْتدى بِهِ فِي ذَلِك، وَقد ورد النَّهْي عَن رده مَقْرُونا بِبَيَان الْحِكْمَة فِي ذَلِك فِي حَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو عوَانَة من طَرِيق عبيد الله بن أبي جَعْفَر عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (من عرض عَلَيْهِ طيب فَلَا يردهُ، فَإِنَّهُ خَفِيف الْمحمل طيب الرَّائِحَة) وَأخرجه مُسلم من هَذَا الْوَجْه لَكِن، قَالَ: ريحَان، بدل: طيب. انْتهى. قلت: إِذا انْتَفَت الخصوصية لَا يُنَافِي أَن يكون من جملَة السَّبَب فِي ترك رده اسْتِصْحَاب شَيْء طيب الرَّائِحَة للْملك وللخلق.
٠١ - (بابُ مَنْ رَأى الهِبَةَ الغائِبَةَ جائزَةً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من رأى الْهِبَة أَي: الَّتِي توهب، لِأَن نفس الْهِبَة مصدر، كَمَا ذكرنَا، فَلَا يُوصف بالغيبة. وَفِي بعض النّسخ: من رأى الْهَدِيَّة الغائبة جَائِزَة، وَالْأول أصوب على مَا لَا يخفى.
٤٨٥٢ - حدَّثنا سعيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهاب قَالَ ذَكَرَ عُرْوَةُ أنَّ المِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما ومَرْوانَ قَالَ أخْبِراهُ أنَّ النبيَّ ﷺ حينَ جاءَهُ وفْدُ هَوازِنَ قامَ فِي النَّاسِ فأثناى علَى الله بِما هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ قالَ أمَّا بَعْدُ فإنَّ إخْوَانَكُمْ جاؤنَا تائبِينَ وإنِّي رأيْتُ أنْ أرُدَّ إلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ فَمنْ أحَبَّ مِنْكُمْ أنْ يُطَيِّبَ ذالِكَ فَلْيَفْعَلْ ومَنْ أحَبَّ أنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حتَّى نُعْطِيَهُ إيَّاهُ مِنْ أوَّلِ مَا يُفِىءُ الله عَلَيْنا فَقَالَ النَّاسُ طَيَّبْنَا لَكَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث، فَإِن فِيهِ: أَنهم تركُوا مَا غنموه من السَّبي، من قبل أَن يقسم، وَذَلِكَ فِي معنى الْغَائِب، وتركهم إِيَّاه فِي معنى الْهِبَة، وَفِيه تعسف شَدِيد من وُجُوه: الأول: أَنهم مَا ملكوا شَيْئا قبل الْقِسْمَة، وَإِن كَانُوا استحقوه. وَالثَّانِي: إِطْلَاق الْهِبَة على التّرْك بعيد جدا. وَالثَّالِث: أَنه هبة شَيْء مَجْهُول، لِأَن مَا يسْتَحق كل وَاحِد مِنْهُم قبل الْقِسْمَة غير مَعْلُوم. وَالرَّابِع: توصيف الْهِبَة بالعيبة، وَفِيه مَا فِيهِ، وَهَذِه التعسفات كلهَا من وضع هَذِه التَّرْجَمَة على الْوَجْه الْمَذْكُور.
وَهَذَا الحَدِيث قِطْعَة من حَدِيث الْمسور ومروان فِي قصَّة هوَازن، وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الْعتْق فِي: بَاب من ملك من الْعَرَب رَقِيقا فوهب
стр. 3854
وَبَاعَ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى هُنَاكَ.
قَوْله: (وَمن أحب أَن يكون على حَظه) ، أَي: نصِيبه، وَجَوَاب: من، الَّتِي هِيَ للشّرط مَحْذُوف، يدل عَلَيْهِ السِّيَاق فِي جَوَاب الشَّرْط الأول، وَهُوَ قَوْله: فَلْيفْعَل، وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ: أَن للسُّلْطَان أَن يرفع أَمْلَاك قوم إِذا كَانَ فِي ذَلِك مصلحَة واستئلاف، ورد بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا ذكره، بل فِيهِ أَنه ﷺ فعل ذَلِك بعد تطييب نفوس الْغَانِمين.
١١ - (بابُ الْمُكَافَأة فِي الهِبَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْمُكَافَأَة، وَهِي إِعْطَاء الْعِوَض فِي الْهِبَة، والمكافأة مفاعلة من: كافأ يكافيء، وَأَصلهَا بِالْهَمْزَةِ، وَقد يلين، وكل شَيْء سَاوَى شَيْئا حَتَّى يكون مثله فَهُوَ مكافىء لَهُ، وَمِنْه التكافؤ وَهُوَ الاسْتوَاء.
٥٨٥٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا عيساى بنُ يُونُسَ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عَن عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالتْ كانَ رسولُ الله ﷺ يقْبَلُ الهدِيَّةَ ويُثيبُ علَيْها.
مطابقته للتَّرْجَمَة إِنَّمَا تتأتى إِذا أُرِيد بِلَفْظ الْهِبَة فِي التَّرْجَمَة مَعْنَاهَا الْأَعَمّ، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير، يروي عَن أَبِيه عُرْوَة.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع عَن عَليّ بن بَحر وَعبد الرَّحِيم بن مطرف، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن يحيى بن أَكْثَم، وَعلي بن خشرم، وَفِي الشَّمَائِل عَن عَليّ بن خشرم وَغير وَاحِد كلهم عَن عِيسَى بن يُونُس بِهِ.
قَوْله: (عَن هِشَام) وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: عَن عِيسَى بن يُونُس حَدثنَا هِشَام. قَوْله: (ويثيب عَلَيْهَا) ، من أثاب يثيب أَي: يكافىء عَلَيْهَا بِأَن يُعْطي صَاحبهَا الْعِوَض، والمكافأة على الْهَدِيَّة مَطْلُوبَة اقْتِدَاء بالشارع. قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَعِنْدنَا لَا يجب فِيهَا ثَوَاب مُطلقًا، سَوَاء وهب الْأَعْلَى للأدنى أَو عَكسه، أَو للمساوي. قَالَ الْمُهلب: والهدية ضَرْبَان: للمكافأة، فَهِيَ بيع وَيجْبر على دفع الْعِوَض، وَللَّه تَعَالَى. وللصلة، فَلَا يلْزم عَلَيْهِ مُكَافَأَة، وَإِن فعل فقد أحسن.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِيمَن وهب هبة ثمَّ طلب ثَوَابهَا، وَقَالَ: إِنَّمَا أردْت الثَّوَاب، فَقَالَ مَالك: ينظر فِيهِ، فَإِن كَانَ مثله من يطْلب الثَّوَاب من الْمَوْهُوب لَهُ فَلهُ ذَلِك، مثل هبة الْفَقِير للغني والغلام لصَاحبه، وَالرجل لامْرَأَته وَمن فَوْقه، وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يكون لَهُ إِذا لم يشرطه، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي الثَّانِي، وَاحْتج مَالك بِحَدِيث الْبَاب، والاقتداء بِهِ وَاجِب، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ (الْأَحْزَاب: ١٢) . وروى أَحْمد فِي (مُسْنده) وَابْن حبَان فِي (صَحِيحه) من حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن أَعْرَابِيًا وهب للنَّبِي ﷺ فأثابه عَلَيْهَا. وَقَالَ: رضيت؟ فَقَالَ: لَا، فزاده، قَالَ: رضيت؟ قَالَ: لَا، فزاده. قَالَ: رضيت؟ قَالَ: نعم. قَالَ النَّبِي ﷺ : إِنِّي لَا أتهب هبة إلَاّ من قريشي أَو أَنْصَارِي أَو ثقفي، وَعَن أبي هُرَيْرَة نَحوه، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ، وَقَالَ: حسن. وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح على شَرط مُسلم وَهُوَ دَال على الثَّوَاب فِيهَا، وَإِن لم يشرط، لِأَنَّهُ ﷺ أثابه وزاده فِيهِ حَتَّى بلغ رِضَاهُ، وَاحْتج بِهِ من أوجبه، قَالَ: وَلَو لم يكن وَاجِبا لم يثبه وَلم يزده، وَلَو أثاب تَطَوّعا لم تلْزمهُ الزِّيَادَة، وَكَانَ يُنكر على الْأَعرَابِي طلبَهَا. قلت: طمع فِي مَكَارِم أخلافه وعادته فِي الإثابة. وَقَالَ ابْن التِّين: إِذا شَرط الثَّوَاب أجَازه الْجَمَاعَة إلَاّ عبد الْملك، وَله عِنْد الْجَمَاعَة أَن يردهَا مَا لم يتَغَيَّر إلَاّ عِنْد مَالك، فألزمه الثَّوَاب بِنَفس الْقبُول، وَعبارَة ابْن الْحَاجِب: وَإِذا صرح بالثواب فَإِن عيَّنه فَبيع، وَإِن لم يُعينهُ فصححه ابْن الْقَاسِم وَمنعه بَعضهم للْجَهْل بِالثّمن، قَالَ: وَلَا يلْزم الْمَوْهُوب لَهُ إلَاّ قيمتهَا قَائِمَة أَو فَائِتَة، وَقَالَ مطرف: للْوَاهِب أَن يَأْبَى إِن كَانَت قَائِمَة.
لمْ يَذْكُرْ وكِيعٌ ومحاضِرٌ عنْ هشامٍ عَن أبِيهِ عنْ عائِشَةَ
أَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذَا إِلَى أَن عِيسَى بن يُونُس تفرد بوصل هَذَا الحَدِيث عَن هِشَام، وَأَنه لم يذكر وَكِيع بن الْجراح، ومحاضر، بِضَم الْمِيم وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة: ابْن الْمُوَرِّع، بتَشْديد الرَّاء الْمَكْسُورَة وبالعين الْمُهْملَة: الْكُوفِي، عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة يَعْنِي: لم يسندا إِلَى هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، بل أَرْسلَاهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: لَا نَعْرِف هَذَا الحَدِيث مَرْفُوعا
стр. 3855
إلَاّ من حَدِيث عِيسَى بن يُونُس، وَكَذَا قَالَ الْبَزَّار، وَقَالَ الْآجُرِيّ: سَأَلت أَبَا دَاوُد عَنهُ، فَقَالَ: تفرد بوصله عِيسَى بن يُونُس، وَهُوَ عِنْد النَّاس مُرْسل.
٢١ - (بابُ الهِبَةِ لِلْولدِ وَإِذا أعْطاى بَعْضَ ولَدِه لم يَجُزْ حتَّى يَعْدِلَ بَيْنَهُمْ ويُعْطِيَ الآخَرِينَ مِثْلَهُ وَلَا يُشْهَدُ عَلَيْهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم هبة الْوَالِد لوَلَده، وَإِذا أعْطى أَي: الْأَب بعض وَلَده شَيْئا لم يجز حَتَّى يعدل، يَعْنِي: فِي الْعَطاء للْكُلّ وَيُعْطِي الآخرين، أَي: الْأَوْلَاد الآخرين، وَهَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: وَيُعْطى الآخر، بِصِيغَة الْإِفْرَاد. وَصدر التَّرْجَمَة بِالْهبةِ للْوَلَد لدفع إِشْكَال من يَأْخُذ بِظَاهِر حَدِيث: أَنْت وَمَالك لأَبِيك، فَإِن المَال إِذا كَانَ للْأَب فَلَو وهب مِنْهُ شَيْئا لوَلَده كَانَ كَأَنَّهُ وهب مَال نَفسه لنَفسِهِ، وَقَالَ بَعضهم: فَفِي التَّرْجَمَة إِشَارَة إِلَى ضعف هَذَا الحَدِيث أَو إِلَى تَأْوِيله. قلت: بِأَيّ وَجه تدل هَذِه التَّرْجَمَة على ضعف هَذَا الحَدِيث؟ فَلَا وَجه لذَلِك أصلا على أَن الحَدِيث الْمَذْكُور صَحِيح، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي (سنَنه) : حَدثنَا هِشَام بن عمار حَدثنَا عِيسَى بن يُونُس حَدثنَا يُوسُف بن إِسْحَاق بن أبي إِسْحَاق السبيعِي عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر: أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله ﴿إِن لي مَالا وَولدا. وَإِن أبي يُرِيد أَن يجتاح مَال. قَالَ: (أَنْت وَمَالك لأَبِيك) . قَالَ ابْن الْقطَّان: إِسْنَاده صَحِيح. وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: رِجَاله ثِقَات، وَقَالَ فِي (التَّنْقِيح) : ويوسف بن إِسْحَاق من الثِّقَات الْمخْرج لَهُم فِي (الصَّحِيحَيْنِ) قَالَ: وَقَول الدَّارَقُطْنِيّ فِيهِ: غَرِيب، تفرد بِهِ عِيسَى عَن يُوسُف، لَا يضرّهُ، فَإِن غرابة الحَدِيث والتفرد بِهِ لَا يُخرجهُ عَن الصِّحَّة. وَطَرِيق آخر أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الصَّغِير) وَالْبَيْهَقِيّ فِي (دَلَائِل النُّبُوَّة) فِي حَدِيث جَابر، قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله﴾ إِن أَبِيه يُرِيد أَن يَأْخُذ ماليه ... الحَدِيث، بِطُولِهِ، وَفِي آخِره: قَالَ: بَكَى رَسُول الله ﷺ ، ثمَّ أَخذ بتلابيب ابْنه، وَقَالَ لَهُ: (إذهب، فَأَنت وَمَالك لأَبِيك) . وَفِيه: عَن عَائِشَة أَيْضا، رَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) : أَن رجلا أَتَى النَّبِي ﷺ يُخَاصم أَبَاهُ فِي دين لَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ ﷺ : (أَنْت وَمَالك لأَبِيك) . وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب أخرجه الْبَزَّار فِي (مُسْنده) وَالطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه) ، فَذكره بِلَفْظ ابْن مَاجَه. وَعَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه الْبَزَّار فِي (مُسْنده) عَنهُ مَرْفُوعا بِلَفْظ ابْن مَاجَه، وَفِي سَنَده مقَال. وَعَن ابْن مَسْعُود أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه) : أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لرجل: (أَنْت وَمَالك لأَبِيك) ، وَفِيه مقَال، وَعَن ابْن عمر أخرجه أَبُو يعلى فِي (مُسْنده) عَنهُ مَرْفُوعا بِلَفْظ ابْن مَسْعُود.
قَوْله: (وَإِذا أعْطى بعض وَلَده) إِلَى قَوْله: (مثله) . وَاخْتلف الْعلمَاء من التَّابِعين وَغَيرهم فِيهِ، فَقَالَ طَاوُوس وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَمُجاهد وَعُرْوَة وَابْن جريج وَالنَّخَعِيّ وَالشعْبِيّ وَابْن شبْرمَة وَأحمد وَإِسْحَاق وَسَائِر الظَّاهِرِيَّة: أَن الرجل إِذا نحل بعض بنيه دون بعض فَهُوَ بَاطِل. وَقَالَ أَبُو عمر: اخْتلف فِي ذَلِك عَن أَحْمد، وَأَصَح شَيْء عَنهُ فِي ذَلِك مَا ذكره الخرفي فِي (مُخْتَصره) عَنهُ، قَالَ: وَإِذا فضل بعض وَلَده فِي الْعَطِيَّة أَمر برده، فَإِن مَاتَ وَلم يردهُ فقد ثَبت لمن وهب لَهُ، إِذا كَانَ ذَلِك فِي صِحَّته، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث النُّعْمَان ابْن بشير، يَقُول: نَحَلَنِي أبي غُلَاما، فأمرتني أُمِّي أَن أذهب إِلَى رَسُول الله ﷺ لأشهده على ذَلِك، فَقَالَ: أكل ولدك أَعْطيته؟ فَقَالَ: لَا. قَالَ: فاردده، أخرجه الجماهير غير أبي دَاوُد، وَقَالَ الثَّوْريّ وَاللَّيْث بن سعد وَالقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ فِي رِوَايَة: يجوز أَن ينْحل لبَعض وَلَده دون بعض، وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ مفصلا. قَوْله: (وَلَا يشْهد عَلَيْهِ) ، أَي: على الْأَب، و: لَا يشْهد، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ عطف على قَوْله: لم يجز، وَقَالَ أَيْضا: وَفِي بعض الرِّوَايَات: و: يشْهد، بِدُونِ كلمة: لَا، وَالْأولَى هِيَ الْمُنَاسبَة لحَدِيث عمر، وَقَالَ ابْن بطال: مَعْنَاهُ الرَّد لفعل الْأَب إِذا فضل بعض بنيه، وَأَنه لَا يسع الشُّهُود أَن يشْهدُوا على ذَلِك.
وَقَالَ النبيُّ ﷺ اعْدِلوا بَيْنَ أوْلَادِكُمْ فِي العطِيَّةِ
هَذَا التَّعْلِيق يَأْتِي مَوْصُولا فِي الْبَاب الثَّانِي من حَدِيث النُّعْمَان بن بشير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِدُونِ قَوْله: فِي الْعَطِيَّة، وروى الطَّحَاوِيّ، قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا آدم، قَالَ: حَدثنَا وَرْقَاء عَن الْمُغيرَة عَن الشّعبِيّ، قَالَ: سَمِعت النُّعْمَان
следующие страницы →