Полный текст (7 603 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.
стр. 3851
لَا تَكْلِيف فِيهَا وَلَا يلْزمه فِيهَا لِأَنَّهَا لَا قدرَة عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يُؤمر بِالْعَدْلِ فِي الْأَفْعَال، حَتَّى اخْتلفُوا فِي أَنه: هَل يلْزمه الْقسم بَين الزَّوْجَات أم لَا؟ وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: يناشدنك الله الْعدْل، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن ابْن شهَاب: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن الْحَارِث بن هِشَام، قَالَت: أرْسلت أَزوَاج النَّبِي، ﷺ ، فَاطِمَة بنت رَسُول الله ﷺ ، إِلَى رَسُول الله ﷺ ، فاستأذنت عَلَيْهِ وَهُوَ مُضْطَجع معي فِي مِرْطِي فَأذن لَهَا، فَقَالَت: يَا رَسُول الله ﴿إِن أَزوَاجك أَرْسلنِي يسألنك الْعدْل فِي بنت أبي قُحَافَة، وَأَنا ساكتة. قَالَت: فَقَالَ لَهَا رَسُول الله ﷺ : (أَلَسْت تحبين مَا أحب؟) فَقَالَت: بلَى قَالَ: (فأحبي هَذِه) . قَالَت فَاطِمَة حِين سَمِعت ذَلِك من رَسُول الله ﷺ فَرَجَعت إِلَى أَزوَاج النَّبِي ﷺ فأخبرتهن بِالَّذِي قَالَت وَبِالَّذِي قَالَ لَهَا رَسُول الله ﷺ ، فَقُلْنَ لَهَا: مَا نرَاك أغنيت عَنَّا من شَيْء، فارجعي إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقولِي لَهُ: إِن أَزوَاجك ينشدنك الْعدْل فِي بنت أبي قُحَافَة، فَقَالَت فَاطِمَة: وَالله لَا ُأكَلِّمهُ فِيهَا أبدا. قَالَت عَائِشَة: فَأرْسل أَزوَاج النَّبِي ﷺ زَيْنَب بنت جحش، زوج النَّبِي ﷺ ، وَهِي الَّتِي كَانَت تساميني مِنْهُنَّ من الْمنزلَة عِنْد رَسُول الله ﷺ ، لم أرَ امْرَأَة قطّ خيرا فِي الدّين من زَيْنَب وَأتقى لله وأصدق حَدِيثا وأوصل للرحم وَأعظم صَدَقَة، وَأَشد ابتذالاً لنَفسهَا فِي الْعَمَل الَّذِي تصدق بِهِ، وتقرب إِلَى الله مَا عدا سُورَة من حِدة كَانَت فِيهَا تسرع الْفَيْئَة، قَالَت: فاستأذنت على رَسُول الله ﷺ مَعَ عَائِشَة على الْحَال الَّذِي دخلت فَاطِمَة عَلَيْهَا وُجُوبهَا فَإِذن لَهَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُول الله﴾ إِن أَزوَاجك أرسلنني يسألنك الْعدْل فِي بنت أبي قُحَافَة. قَالَت: ثمَّ وَقعت بِي فاستطالت عَليّ وَأَنا أرقب رَسُول الله ﷺ ، وأرقب طرفه: هَل يَأْذَن لي فِيهَا؟ قَالَت: فَلم تَبْرَح زَيْنَب حَتَّى عرفت أَن رَسُول الله ﷺ لَا يكره أَن أنتصر، قَالَت: فَلَمَّا وَقعت بهَا لم أنشبها حَتَّى انهيت عَلَيْهَا. قَالَت: فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَتَبَسم: إِنَّهَا بنت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِنَّمَا سقت حَدِيث مُسلم بِكَمَالِهِ لِأَنَّهُ كالشرح لحَدِيث البُخَارِيّ مَعَ زيادات فِيهِ، وسأشرح بعض مَا فِيهِ. قَوْله: (يَا بنية) ، تَصْغِير إشفاق. قَوْله: (فَأَتَتْهُ) أَي: فَأَتَت زَيْنَب رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (فأغلظت) أَي: فِي كَلَامهَا. قَوْله: (فِي بنت أبي قُحَافَة) ، بِضَم الْقَاف وَتَخْفِيف الْحَاء الْمُهْملَة وبالفاء: هِيَ كنية وَالِد أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، واسْمه: عُثْمَان بن عَامر بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد ابْن تَمِيم بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب، وَاسم أبي بكر: عبد الله، يلتقي مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي مرّة بن كَعْب. قَوْله: (حَتَّى تناولت) ، أَي: تعرضت. قَوْله: (وَهِي قَاعِدَة) ، جملَة حَالية، أَي: عَائِشَة قَاعِدَة، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه مُخْتَصرا من طَرِيق عبد الله الْبَهِي: عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، قَالَت: دخلت عَليّ زَيْنَب بنت جحش فسبتني فردعها النَّبِي ﷺ فَأَبت، فَقَالَ: سبيهَا، فسببتها حَتَّى جف رِيقهَا فِي فمها. انْتهى. يحْتَمل أَن تكون هَذِه قَضِيَّة أُخْرَى. قَوْله: (وَقَالَ: إِنَّهَا بنت أبي بكر) ، أَي: إِنَّهَا شريفة عَاقِلَة عارفة كأبيها وَقيل: مَعْنَاهُ هِيَ أَجود فهما وأدق نظرا مِنْهَا. وَفِيه: الِاعْتِبَار بِالْأَصْلِ فِي مثل هَذِه الْأَشْيَاء. وَفِيه: لَطِيفَة أُخْرَى، وَهِي، أَنه، ﷺ ، نَسَبهَا إِلَى أَبِيهَا فِي معرض الْمَدْح، ونسبت فِيمَا تقدم إِلَى أبي قُحَافَة حَيْثُ لما أُرِيد النّيل مِنْهَا، ليخرج أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ من الْوسط إِذْ ذَاك، وَلِئَلَّا يهيج ذكره الْمحبَّة. قَوْله فِي رِوَايَة مُسلم: تساميني، بِالسِّين الْمُهْملَة أَي: تضاهيني فِي الْمنزلَة من السمو وَهُوَ الِارْتفَاع. قَوْله؛ (مَا عدا سُورَة من حِدة) بِالْحَاء الْمُهْملَة، وَهُوَ العجلة بِالْغَضَبِ، ويروى: من حد، بِدُونِ الْهَاء، وَهُوَ شدَّة الْخلق، وصحف صَاحب (التَّحْرِير) فروى: سَوْدَة، بِالدَّال وَجعلهَا بنت زَمعَة، وَهُوَ ظَاهر الْغَلَط. قَوْله: (تسرع مِنْهَا الْفَيْئَة) ، بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْهمزَة، وَهُوَ الرُّجُوع من: فَاء إِذا رَجَعَ، وَمعنى كَلَامهَا أَنَّهَا كَامِلَة الْأَوْصَاف إلَاّ فِي شدَّة خلق بِسُرْعَة غضب، وَمَعَ ذَلِك يسْرع زَوَالهَا عَنْهَا. قَوْله: لم أنشبها أَي: لم أهملها حَتَّى أنحيت، بالنُّون والحاء الْمُهْملَة، أَي قصدتها بالمعارضة، ويروى: حِين أنحيت، وَرجح القَاضِي هَذِه الرِّوَايَة وَمَا ثمَّ مَوضِع ترجح، ويروى: أثختها بالثاء الْمُثَلَّثَة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة وبالنون، أَي: قطعتها وغلبتها. قَوْله: (وَتَبَسم) ، جملَة وَقعت حَالا.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: فَضِيلَة عَظِيمَة لعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَفِيه: أَنه لَا حرج على الرجل فِي إِيثَار بعض نِسَائِهِ بالتحف، وَإِنَّمَا اللَّازِم الْعدْل فِي الْمبيت وَالنَّفقَة وَنَحْو ذَلِك من الْأُمُور اللَّازِمَة، كَذَا رُوِيَ عَن الْمُهلب، وَاعْترض على ذَلِك بِأَنَّهُ
стр. 3852
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يفعل ذَلِك، وَإِنَّمَا فعله الَّذين أهدوا لَهُ، وَإِنَّمَا لم يمنعهُم النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ لَيْسَ من كَمَال الْأَخْلَاق التَّعَرُّض لمثل هَذَا، على أَن حَال النَّبِي ﷺ يشْعر بِأَنَّهُ كَانَ يشركهن فِي ذَلِك، وَلم تقع المنافسة إلَاّ لكَون الْعَطِيَّة تصل إلَيْهِنَّ من بَيت عَائِشَة. وَفِيه: تجرى النَّاس بالهدايا فِي أَوْقَات المسرة ومواضعها من المهدى إِلَيْهِ ليزِيد بذلك فِي سرورة. وَفِيه: أَن الرجل يَسعهُ السُّكُوت بَين نِسَائِهِ إِذا تناظرن فِي ذَلِك وَلَا يمِيل مَعَ بَعضهنَّ على بعض، كَمَا سكت، ﷺ ، حِين تناظرت زَيْنَب وَعَائِشَة، وَلَكِن قَالَ فِي الْأَخير: إِنَّهَا بنت أبي بكر. وَفِيه: إِشَارَة إِلَى التَّفْضِيل بالشرف والعز. وَفِيه: جَوَاز التشكي والترسل فِي ذَلِك. وَفِيه: مَا كَانَ عَلَيْهِ أَزوَاج النَّبِي ﷺ ، من مهابته وَالْحيَاء مِنْهُ، حَتَّى راسلنه بِأَعَز النَّاس عِنْده: فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَفِيه: إدلال زَيْنَب بنت جحش على النَّبِي ﷺ ، لكَونهَا كَانَت بنت عمته، كَانَت أمهَا أُمَيْمَة بِالتَّصْغِيرِ بنت عبد الْمطلب. وَقَالَ الدَّاودِيّ: فِيهِ: عذر النَّبِي ﷺ لِزَيْنَب، قيل: لَا نَدْرِي هَذَا من أَيْن أَخذه؟ وَقيل: يُمكن أَنه أَخذه من مخاطبتها النَّبِي ﷺ لطلب الْعدْل مَعَ علمهَا بِأَنَّهُ أعدل النَّاس، لَكِن غلبت عَلَيْهَا الْغيرَة فَلم يؤاخذها النَّبِي ﷺ بِإِطْلَاق ذَلِك، وَإِنَّمَا خص زَيْنَب بِالذكر لِأَن فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، كَانَت حاملة رِسَالَة خَاصَّة، بِخِلَاف زَيْنَب فَإِنَّهَا شريكتهن فِي ذَلِك، بل كَانَت رأسهن، لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تولت إرْسَال فَاطِمَة أَولا ثمَّ سَارَتْ بِنَفسِهَا.
قَالَ البُخَارُيُّ الْكَلامُ الأخِيرُ قَصَّةُ فاطِمَةَ يُذْكَرُ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ رَجُل عنِ الزُّهْرِيَّ عنْ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ
لما تصرف الروَاة فِي هَذَا الحَدِيث بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْص حَتَّى إِن مِنْهُم من جعله ثَلَاثَة أَحَادِيث. قَالَ البُخَارِيّ: الْكَلَام الْأَخير قصَّة فَاطِمَة ... إِلَى آخِره، يذكرهُ عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن رجل، وَهُوَ مَجْهُول، عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام عَن عَائِشَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الرجل الْمَجْهُول مَذْكُور على طَرِيق الشَّهَادَة والمتابعة، وَاحْتمل فِيهَا مَا لَا يحْتَمل فِي الْأُصُول.
وَقَالَ أبُو مَرْوَانَ عنْ هِشَامٍ عَن عُرْزَةَ كانَ النَّاسُ يَتَحرَّوْنَ يَوْمَ عائِشَةَ وعنْ هِشامٍ عنْ رَجُلٍ منْ قُرَيْشٍ ورَجُلٍ منَ المَوالِي عَن الزُهْرِي عنْ مُحَمَّدِ بنِ عبْدِ الرَّحْمانِ بنِ الحَارِثِ بنِ هِشامٍ قالَتْ عائِشَةُ كُنْتُ عِنْدَ النَّبِي ﷺ فاسْتَأْذَنتْ فاطمَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
أَبُو مَرْوَان هُوَ يحيى بن أبي زَكَرِيَّا الغساني، سكن واسطاً، مَاتَ سنة تسعين وَمِائَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقيل: إِنَّه مُحَمَّد بن عُثْمَان العثماني، وَهُوَ وهم. قلت: هَذَا أَيْضا يكنى أَبَا مَرْوَان، لكنه لم يدْرك عَن هِشَام بن عُرْوَة، وَإِنَّمَا يروي عَنهُ بِوَاسِطَة، وروى عَن هِشَام أَيْضا بطرِيق آخر، رَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة عَنهُ عَن عَوْف بن الْحَارِث عَن أَخِيه رميثة
عَن أم سَلمَة: أَن نسَاء النَّبِي ﷺ قُلْنَ لَهَا: إِن النَّاس يتحرون بهداياهم يَوْم عَائِشَة ... الحَدِيث. أخرجه أَحْمد.
٩ - (بابُ مَا لَا يُرَدُّ مِنَ الهَدِيَّةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يرد من الْهَدِيَّة.
٢٨٥٢ - حدَّثنا أبُو مَعْمَر قَالَ حدَّثنا عبْدُ الوارِثِ قَالَ حدَّثنا عَزْرةُ بنُ ثابِتٍ الأنْصَارِيُّ قَالَ حدَّثني ثُمامَةُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ دَخَلْتُ علَيْهِ فنَاوَلَنِي طِيباً قَالَ كانَ أنَسٌ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ قَالَ وزَعَمَ أنَسٌ أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ.
(الحَدِيث ٢٨٥٢ طرفه فِي: ٩٢٩٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه أوضح مَا فِي التَّرْجَمَة من الْإِبْهَام، لِأَن قَوْله: مَا لَا يرد من الْهَدِيَّة، غير مَعْلُوم، فَالْحَدِيث أوضحه
стр. 3853
وَهُوَ أَن المُرَاد مِنْهُ الطّيب. قَالَ الْجَوْهَرِي: الطّيب مَا يتطيب بِهِ. قلت: هَذَا بِكَسْر الطَّاء وَسُكُون الْيَاء، وَأما: الطّيب، بِفَتْح الطَّاء وَتَشْديد الْيَاء الْمَكْسُورَة، فَهُوَ خلاف الْخَبيث. تَقول: طَابَ الشَّيْء يطيب طيبَة وتطياباً.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: عبد الله بن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج الْمنْقري المقعد. الثَّانِي: عبد الْوَارِث بن سعيد. الثَّالِث: عزْرَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الزَّاي وبالراء: ابْن ثَابت الْأنْصَارِيّ. الرَّابِع: ثُمَامَة، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الْمِيم: ابْن عبد الله بن أنس، قَاضِي الْبَصْرَة. الْخَامِس: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن جده، فَإِن ثُمَامَة روى عَن جده أنس بن مَالك.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَة رد الطّيب: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي، قَالَ: حَدثنَا عزْرَة بن ثَابت عَن ثُمَامَة بن عبد الله، قَالَ: كَانَ أنس لَا يرد الطّيب. وَقَالَ أنس: إِن النَّبِي ﷺ كَانَ لَا يرد الطّيب، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة وَفِي الزِّينَة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن وَكِيع.
قَوْله: (قَالَ: دخلت عَلَيْهِ) ، أَي: قَالَ عزْرَة بن ثَابت: دخلت على ثُمَامَة بن عبد الله بن أنس، وَقد وهم صَاحب (التَّوْضِيح) حَيْثُ قَالَ: الضَّمِير فِي: عَلَيْهِ، يرجع إِلَى أنس. قَوْله: (فناولني طيبا) أَي: فناولني ثُمَامَة طيبا، وَقد ذكرنَا أَن الطّيب فِي اللُّغَة مَا يتطيب بِهِ، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الله بن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (ثَلَاث لَا ترد: الوسائد والدهن وَاللَّبن) ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث غَرِيب، وَهَذَا الَّذِي ذكره أَيْضا مِمَّا لَا يرد وَإِنَّمَا لم يذكرهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ على شَرطه. قَوْله: (قَالَ وَزعم أنس) ، أَي: قَالَ: والزعم يسْتَعْمل لِلْقَوْلِ، قَالَ ابْن بطال، ﵀: إِنَّمَا كَانَ لَا يرد الطّيب من أجل أَنه ملازم لمناجاة الْمَلَائِكَة، وَلذَلِك كَانَ لَا يَأْكُل الثوم وَمَا يشاكله، قَالَ بَعضهم: لَو كَانَ هَذَا هُوَ السَّبَب فِي ذَلِك لَكَانَ من خَصَائِصه، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن أنسا اقْتدى بِهِ فِي ذَلِك، وَقد ورد النَّهْي عَن رده مَقْرُونا بِبَيَان الْحِكْمَة فِي ذَلِك فِي حَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو عوَانَة من طَرِيق عبيد الله بن أبي جَعْفَر عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (من عرض عَلَيْهِ طيب فَلَا يردهُ، فَإِنَّهُ خَفِيف الْمحمل طيب الرَّائِحَة) وَأخرجه مُسلم من هَذَا الْوَجْه لَكِن، قَالَ: ريحَان، بدل: طيب. انْتهى. قلت: إِذا انْتَفَت الخصوصية لَا يُنَافِي أَن يكون من جملَة السَّبَب فِي ترك رده اسْتِصْحَاب شَيْء طيب الرَّائِحَة للْملك وللخلق.
٠١ - (بابُ مَنْ رَأى الهِبَةَ الغائِبَةَ جائزَةً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من رأى الْهِبَة أَي: الَّتِي توهب، لِأَن نفس الْهِبَة مصدر، كَمَا ذكرنَا، فَلَا يُوصف بالغيبة. وَفِي بعض النّسخ: من رأى الْهَدِيَّة الغائبة جَائِزَة، وَالْأول أصوب على مَا لَا يخفى.
٤٨٥٢ - حدَّثنا سعيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهاب قَالَ ذَكَرَ عُرْوَةُ أنَّ المِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما ومَرْوانَ قَالَ أخْبِراهُ أنَّ النبيَّ ﷺ حينَ جاءَهُ وفْدُ هَوازِنَ قامَ فِي النَّاسِ فأثناى علَى الله بِما هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ قالَ أمَّا بَعْدُ فإنَّ إخْوَانَكُمْ جاؤنَا تائبِينَ وإنِّي رأيْتُ أنْ أرُدَّ إلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ فَمنْ أحَبَّ مِنْكُمْ أنْ يُطَيِّبَ ذالِكَ فَلْيَفْعَلْ ومَنْ أحَبَّ أنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حتَّى نُعْطِيَهُ إيَّاهُ مِنْ أوَّلِ مَا يُفِىءُ الله عَلَيْنا فَقَالَ النَّاسُ طَيَّبْنَا لَكَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث، فَإِن فِيهِ: أَنهم تركُوا مَا غنموه من السَّبي، من قبل أَن يقسم، وَذَلِكَ فِي معنى الْغَائِب، وتركهم إِيَّاه فِي معنى الْهِبَة، وَفِيه تعسف شَدِيد من وُجُوه: الأول: أَنهم مَا ملكوا شَيْئا قبل الْقِسْمَة، وَإِن كَانُوا استحقوه. وَالثَّانِي: إِطْلَاق الْهِبَة على التّرْك بعيد جدا. وَالثَّالِث: أَنه هبة شَيْء مَجْهُول، لِأَن مَا يسْتَحق كل وَاحِد مِنْهُم قبل الْقِسْمَة غير مَعْلُوم. وَالرَّابِع: توصيف الْهِبَة بالعيبة، وَفِيه مَا فِيهِ، وَهَذِه التعسفات كلهَا من وضع هَذِه التَّرْجَمَة على الْوَجْه الْمَذْكُور.
وَهَذَا الحَدِيث قِطْعَة من حَدِيث الْمسور ومروان فِي قصَّة هوَازن، وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الْعتْق فِي: بَاب من ملك من الْعَرَب رَقِيقا فوهب
стр. 3854
وَبَاعَ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى هُنَاكَ.
قَوْله: (وَمن أحب أَن يكون على حَظه) ، أَي: نصِيبه، وَجَوَاب: من، الَّتِي هِيَ للشّرط مَحْذُوف، يدل عَلَيْهِ السِّيَاق فِي جَوَاب الشَّرْط الأول، وَهُوَ قَوْله: فَلْيفْعَل، وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ: أَن للسُّلْطَان أَن يرفع أَمْلَاك قوم إِذا كَانَ فِي ذَلِك مصلحَة واستئلاف، ورد بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا ذكره، بل فِيهِ أَنه ﷺ فعل ذَلِك بعد تطييب نفوس الْغَانِمين.
١١ - (بابُ الْمُكَافَأة فِي الهِبَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْمُكَافَأَة، وَهِي إِعْطَاء الْعِوَض فِي الْهِبَة، والمكافأة مفاعلة من: كافأ يكافيء، وَأَصلهَا بِالْهَمْزَةِ، وَقد يلين، وكل شَيْء سَاوَى شَيْئا حَتَّى يكون مثله فَهُوَ مكافىء لَهُ، وَمِنْه التكافؤ وَهُوَ الاسْتوَاء.
٥٨٥٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا عيساى بنُ يُونُسَ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عَن عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالتْ كانَ رسولُ الله ﷺ يقْبَلُ الهدِيَّةَ ويُثيبُ علَيْها.
مطابقته للتَّرْجَمَة إِنَّمَا تتأتى إِذا أُرِيد بِلَفْظ الْهِبَة فِي التَّرْجَمَة مَعْنَاهَا الْأَعَمّ، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير، يروي عَن أَبِيه عُرْوَة.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع عَن عَليّ بن بَحر وَعبد الرَّحِيم بن مطرف، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن يحيى بن أَكْثَم، وَعلي بن خشرم، وَفِي الشَّمَائِل عَن عَليّ بن خشرم وَغير وَاحِد كلهم عَن عِيسَى بن يُونُس بِهِ.
قَوْله: (عَن هِشَام) وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: عَن عِيسَى بن يُونُس حَدثنَا هِشَام. قَوْله: (ويثيب عَلَيْهَا) ، من أثاب يثيب أَي: يكافىء عَلَيْهَا بِأَن يُعْطي صَاحبهَا الْعِوَض، والمكافأة على الْهَدِيَّة مَطْلُوبَة اقْتِدَاء بالشارع. قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَعِنْدنَا لَا يجب فِيهَا ثَوَاب مُطلقًا، سَوَاء وهب الْأَعْلَى للأدنى أَو عَكسه، أَو للمساوي. قَالَ الْمُهلب: والهدية ضَرْبَان: للمكافأة، فَهِيَ بيع وَيجْبر على دفع الْعِوَض، وَللَّه تَعَالَى. وللصلة، فَلَا يلْزم عَلَيْهِ مُكَافَأَة، وَإِن فعل فقد أحسن.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِيمَن وهب هبة ثمَّ طلب ثَوَابهَا، وَقَالَ: إِنَّمَا أردْت الثَّوَاب، فَقَالَ مَالك: ينظر فِيهِ، فَإِن كَانَ مثله من يطْلب الثَّوَاب من الْمَوْهُوب لَهُ فَلهُ ذَلِك، مثل هبة الْفَقِير للغني والغلام لصَاحبه، وَالرجل لامْرَأَته وَمن فَوْقه، وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يكون لَهُ إِذا لم يشرطه، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي الثَّانِي، وَاحْتج مَالك بِحَدِيث الْبَاب، والاقتداء بِهِ وَاجِب، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ (الْأَحْزَاب: ١٢) . وروى أَحْمد فِي (مُسْنده) وَابْن حبَان فِي (صَحِيحه) من حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن أَعْرَابِيًا وهب للنَّبِي ﷺ فأثابه عَلَيْهَا. وَقَالَ: رضيت؟ فَقَالَ: لَا، فزاده، قَالَ: رضيت؟ قَالَ: لَا، فزاده. قَالَ: رضيت؟ قَالَ: نعم. قَالَ النَّبِي ﷺ : إِنِّي لَا أتهب هبة إلَاّ من قريشي أَو أَنْصَارِي أَو ثقفي، وَعَن أبي هُرَيْرَة نَحوه، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ، وَقَالَ: حسن. وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح على شَرط مُسلم وَهُوَ دَال على الثَّوَاب فِيهَا، وَإِن لم يشرط، لِأَنَّهُ ﷺ أثابه وزاده فِيهِ حَتَّى بلغ رِضَاهُ، وَاحْتج بِهِ من أوجبه، قَالَ: وَلَو لم يكن وَاجِبا لم يثبه وَلم يزده، وَلَو أثاب تَطَوّعا لم تلْزمهُ الزِّيَادَة، وَكَانَ يُنكر على الْأَعرَابِي طلبَهَا. قلت: طمع فِي مَكَارِم أخلافه وعادته فِي الإثابة. وَقَالَ ابْن التِّين: إِذا شَرط الثَّوَاب أجَازه الْجَمَاعَة إلَاّ عبد الْملك، وَله عِنْد الْجَمَاعَة أَن يردهَا مَا لم يتَغَيَّر إلَاّ عِنْد مَالك، فألزمه الثَّوَاب بِنَفس الْقبُول، وَعبارَة ابْن الْحَاجِب: وَإِذا صرح بالثواب فَإِن عيَّنه فَبيع، وَإِن لم يُعينهُ فصححه ابْن الْقَاسِم وَمنعه بَعضهم للْجَهْل بِالثّمن، قَالَ: وَلَا يلْزم الْمَوْهُوب لَهُ إلَاّ قيمتهَا قَائِمَة أَو فَائِتَة، وَقَالَ مطرف: للْوَاهِب أَن يَأْبَى إِن كَانَت قَائِمَة.
لمْ يَذْكُرْ وكِيعٌ ومحاضِرٌ عنْ هشامٍ عَن أبِيهِ عنْ عائِشَةَ
أَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذَا إِلَى أَن عِيسَى بن يُونُس تفرد بوصل هَذَا الحَدِيث عَن هِشَام، وَأَنه لم يذكر وَكِيع بن الْجراح، ومحاضر، بِضَم الْمِيم وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة: ابْن الْمُوَرِّع، بتَشْديد الرَّاء الْمَكْسُورَة وبالعين الْمُهْملَة: الْكُوفِي، عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة يَعْنِي: لم يسندا إِلَى هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، بل أَرْسلَاهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: لَا نَعْرِف هَذَا الحَدِيث مَرْفُوعا
стр. 3855
إلَاّ من حَدِيث عِيسَى بن يُونُس، وَكَذَا قَالَ الْبَزَّار، وَقَالَ الْآجُرِيّ: سَأَلت أَبَا دَاوُد عَنهُ، فَقَالَ: تفرد بوصله عِيسَى بن يُونُس، وَهُوَ عِنْد النَّاس مُرْسل.
٢١ - (بابُ الهِبَةِ لِلْولدِ وَإِذا أعْطاى بَعْضَ ولَدِه لم يَجُزْ حتَّى يَعْدِلَ بَيْنَهُمْ ويُعْطِيَ الآخَرِينَ مِثْلَهُ وَلَا يُشْهَدُ عَلَيْهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم هبة الْوَالِد لوَلَده، وَإِذا أعْطى أَي: الْأَب بعض وَلَده شَيْئا لم يجز حَتَّى يعدل، يَعْنِي: فِي الْعَطاء للْكُلّ وَيُعْطِي الآخرين، أَي: الْأَوْلَاد الآخرين، وَهَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: وَيُعْطى الآخر، بِصِيغَة الْإِفْرَاد. وَصدر التَّرْجَمَة بِالْهبةِ للْوَلَد لدفع إِشْكَال من يَأْخُذ بِظَاهِر حَدِيث: أَنْت وَمَالك لأَبِيك، فَإِن المَال إِذا كَانَ للْأَب فَلَو وهب مِنْهُ شَيْئا لوَلَده كَانَ كَأَنَّهُ وهب مَال نَفسه لنَفسِهِ، وَقَالَ بَعضهم: فَفِي التَّرْجَمَة إِشَارَة إِلَى ضعف هَذَا الحَدِيث أَو إِلَى تَأْوِيله. قلت: بِأَيّ وَجه تدل هَذِه التَّرْجَمَة على ضعف هَذَا الحَدِيث؟ فَلَا وَجه لذَلِك أصلا على أَن الحَدِيث الْمَذْكُور صَحِيح، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي (سنَنه) : حَدثنَا هِشَام بن عمار حَدثنَا عِيسَى بن يُونُس حَدثنَا يُوسُف بن إِسْحَاق بن أبي إِسْحَاق السبيعِي عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر: أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله ﴿إِن لي مَالا وَولدا. وَإِن أبي يُرِيد أَن يجتاح مَال. قَالَ: (أَنْت وَمَالك لأَبِيك) . قَالَ ابْن الْقطَّان: إِسْنَاده صَحِيح. وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: رِجَاله ثِقَات، وَقَالَ فِي (التَّنْقِيح) : ويوسف بن إِسْحَاق من الثِّقَات الْمخْرج لَهُم فِي (الصَّحِيحَيْنِ) قَالَ: وَقَول الدَّارَقُطْنِيّ فِيهِ: غَرِيب، تفرد بِهِ عِيسَى عَن يُوسُف، لَا يضرّهُ، فَإِن غرابة الحَدِيث والتفرد بِهِ لَا يُخرجهُ عَن الصِّحَّة. وَطَرِيق آخر أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الصَّغِير) وَالْبَيْهَقِيّ فِي (دَلَائِل النُّبُوَّة) فِي حَدِيث جَابر، قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله﴾ إِن أَبِيه يُرِيد أَن يَأْخُذ ماليه ... الحَدِيث، بِطُولِهِ، وَفِي آخِره: قَالَ: بَكَى رَسُول الله ﷺ ، ثمَّ أَخذ بتلابيب ابْنه، وَقَالَ لَهُ: (إذهب، فَأَنت وَمَالك لأَبِيك) . وَفِيه: عَن عَائِشَة أَيْضا، رَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) : أَن رجلا أَتَى النَّبِي ﷺ يُخَاصم أَبَاهُ فِي دين لَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ ﷺ : (أَنْت وَمَالك لأَبِيك) . وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب أخرجه الْبَزَّار فِي (مُسْنده) وَالطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه) ، فَذكره بِلَفْظ ابْن مَاجَه. وَعَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه الْبَزَّار فِي (مُسْنده) عَنهُ مَرْفُوعا بِلَفْظ ابْن مَاجَه، وَفِي سَنَده مقَال. وَعَن ابْن مَسْعُود أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه) : أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لرجل: (أَنْت وَمَالك لأَبِيك) ، وَفِيه مقَال، وَعَن ابْن عمر أخرجه أَبُو يعلى فِي (مُسْنده) عَنهُ مَرْفُوعا بِلَفْظ ابْن مَسْعُود.
قَوْله: (وَإِذا أعْطى بعض وَلَده) إِلَى قَوْله: (مثله) . وَاخْتلف الْعلمَاء من التَّابِعين وَغَيرهم فِيهِ، فَقَالَ طَاوُوس وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَمُجاهد وَعُرْوَة وَابْن جريج وَالنَّخَعِيّ وَالشعْبِيّ وَابْن شبْرمَة وَأحمد وَإِسْحَاق وَسَائِر الظَّاهِرِيَّة: أَن الرجل إِذا نحل بعض بنيه دون بعض فَهُوَ بَاطِل. وَقَالَ أَبُو عمر: اخْتلف فِي ذَلِك عَن أَحْمد، وَأَصَح شَيْء عَنهُ فِي ذَلِك مَا ذكره الخرفي فِي (مُخْتَصره) عَنهُ، قَالَ: وَإِذا فضل بعض وَلَده فِي الْعَطِيَّة أَمر برده، فَإِن مَاتَ وَلم يردهُ فقد ثَبت لمن وهب لَهُ، إِذا كَانَ ذَلِك فِي صِحَّته، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث النُّعْمَان ابْن بشير، يَقُول: نَحَلَنِي أبي غُلَاما، فأمرتني أُمِّي أَن أذهب إِلَى رَسُول الله ﷺ لأشهده على ذَلِك، فَقَالَ: أكل ولدك أَعْطيته؟ فَقَالَ: لَا. قَالَ: فاردده، أخرجه الجماهير غير أبي دَاوُد، وَقَالَ الثَّوْريّ وَاللَّيْث بن سعد وَالقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ فِي رِوَايَة: يجوز أَن ينْحل لبَعض وَلَده دون بعض، وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ مفصلا. قَوْله: (وَلَا يشْهد عَلَيْهِ) ، أَي: على الْأَب، و: لَا يشْهد، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ عطف على قَوْله: لم يجز، وَقَالَ أَيْضا: وَفِي بعض الرِّوَايَات: و: يشْهد، بِدُونِ كلمة: لَا، وَالْأولَى هِيَ الْمُنَاسبَة لحَدِيث عمر، وَقَالَ ابْن بطال: مَعْنَاهُ الرَّد لفعل الْأَب إِذا فضل بعض بنيه، وَأَنه لَا يسع الشُّهُود أَن يشْهدُوا على ذَلِك.
وَقَالَ النبيُّ ﷺ اعْدِلوا بَيْنَ أوْلَادِكُمْ فِي العطِيَّةِ
هَذَا التَّعْلِيق يَأْتِي مَوْصُولا فِي الْبَاب الثَّانِي من حَدِيث النُّعْمَان بن بشير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِدُونِ قَوْله: فِي الْعَطِيَّة، وروى الطَّحَاوِيّ، قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا آدم، قَالَ: حَدثنَا وَرْقَاء عَن الْمُغيرَة عَن الشّعبِيّ، قَالَ: سَمِعت النُّعْمَان
стр. 3856
على منبرنا هَذَا يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (سووا بَين أَوْلَادكُم فِي الْعَطِيَّة كَمَا تحبون أَن يسووا بَيْنكُم فِي الْبر) .
وهَلْ لِلْوالِدِ أنْ يَرْجِعَ فِي عَطِيَّتِهِ وَمَا يأْكُلُ مِنْ مالِ ولدِهِ بالْمَعْرُوفِ وَلَا يتَعَدَّى
هَذَا الَّذِي ذكره مَسْأَلَتَانِ: الأول: أَن الْأَب إِذا وهب لِابْنِهِ، هَل لَهُ أَن يرجع؟ فِيهِ خلاف، فَعِنْدَ طَاوُوس وَعِكْرِمَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق: لَيْسَ للْوَاهِب أَن يرجع فِيمَا وهب، إلَاّ الَّذِي ينحله الْأَب لِابْنِهِ، وَغير الْأَب من الْأُصُول كَالْأَبِ، عِنْد الشَّافِعِي فِي الْأَصَح. وَفِي (التَّوْضِيح) : لَا رُجُوع فِي الْهِبَة إلَاّ لِلْأُصُولِ، أَبَا كَانَ أَو أما أَو جدا، وَلَيْسَ لغير الْأَب الرُّجُوع عِنْد مَالك وَأكْثر أهل الْمَدِينَة، إلَاّ أَن عِنْدهم أَن الْأُم لَهَا الرُّجُوع أَيْضا مِمَّا وهبت لولدها إِذا كَانَ أَبوهُ حَيا، هَذَا هُوَ الْأَشْهر عِنْد مَالك، وَرُوِيَ عَنهُ الْمَنْع، وَلَا يجوز عِنْد أهل الْمَدِينَة أَن ترجع الْأُم مَا وهبت ليتيم من وَلَدهَا، كَمَا لَا يجوز الرُّجُوع فِي الْعتْق وَالْوَقْف وأشباهه. انْتهى. وَعند أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: لَا رُجُوع فِيمَا يَهبهُ لكل ذِي رحم محرم بِالنّسَبِ، كالابن وَالْأَخ وَالْأُخْت وَالْعم والعمة. وكل من لَو كَانَ امْرَأَة لَا يحل لَهُ أَن يَتَزَوَّجهَا، وَبِه قَالَ طَاوُوس وَالْحسن وَأحمد وَأَبُو ثَوْر.
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة: أكل الْوَلَد من مَال الْوَلَد بِالْمَعْرُوفِ يجوز. وروى الْحَاكِم مَرْفُوعا من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: أَن أطيب مَا أكل الرجل من كَسبه، وَأَن وَلَده من كَسبه، فَكُلُوا من مَال أَوْلَادكُم، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَقَالَ: حَدِيث حسن، وَعند أبي حنيفَة: يجوز للْأَب الْفَقِير أَن يَبِيع عَرَضَ ابْنه الْغَائِب لأجل النَّفَقَة، لِأَن لَهُ تملك مَال الابْن عِنْد الْحَاجة، وَلَا يَصح بيع عقاره لأجل النَّفَقَة. وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: لَا يجوز فيهمَا، وَأَجْمعُوا أَن الْأُم لَا تبيع مَال وَلَدهَا الصَّغِير وَالْكَبِير، كَذَا فِي (شرح الطَّحَاوِيّ) .
واشْتَرَى النبيُّ ﷺ مِنْ عُمَرَ بَعِيراً ثُمَّ أعْطَاهُ ابنَ عُمَرَ وَقَالَ اصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ
هَذَا قِطْعَة من حَدِيث مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب إِذا اشْترى شَيْئا فوهب من سَاعَته، فأرجع فراجع إِلَيْهِ تقف عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن بطال: مُنَاسبَة حَدِيث ابْن عمر للتَّرْجَمَة أَنه، ﷺ ، لَو سَأَلَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن يهب الْبَعِير لِابْنِهِ عبد الله لبادر إِلَى ذَلِك، وَلكنه لَو فعل لم يكن عدلا بَين بني عمر، فَلذَلِك اشْتَرَاهُ النَّبِي ﷺ من عمر ثمَّ وهبه لعبد الله، وَهَذَا يدل على مَا بوب لَهُ البُخَارِيّ من التَّسْوِيَة بَين الْأَبْنَاء فِي الْهِبَة.
وَاخْتلف الْفُقَهَاء فِي معنى التَّسْوِيَة: هَل هُوَ على الْوُجُوب أَو على النّدب؟ فَأَما مَالك وَاللَّيْث وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه فأجازوا أَن يخص بعض بنيه دون بعض بالنحلة والعطية، على كَرَاهِيَة من بَعضهم، والتسوية أحب إِلَى جَمِيعهم. وَقَالَ الشَّافِعِي: ترك التَّفْضِيل فِي عَطِيَّة الْأَبْنَاء فِيهِ حسن الْأَدَب، وَيجوز لَهُ ذَلِك فِي الحكم، وَكره الثَّوْريّ وَابْن الْمُبَارك وَأحمد أَن يفضل بعض وَلَده على بعض فِي العطايا، وَكَانَ إِسْحَاق يَقُول مثل هَذَا، ثمَّ رَجَعَ إِلَى مثل قَول الشَّافِعِي. وَقَالَ الْمُهلب: وَفِي الحَدِيث دلَالَة على أَنه لَا تلْزم المعدلة فِيمَا يَهبهُ غير الْأَب لولد غَيره.
٦٨٥٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ حُمَيْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ ومُحَمَّدِ بنِ النُّعْمَانِ بنَ بَشِيرٍ أنَّهُما حدَّثاه عنِ النُّعْمانِ ابنَ بَشيرٍ أنَّ أبَاهُ أَتى بِهِ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ إنِّي نَحَلْتُ ابْني هذَا غُلاماً فَقَالَ أكُلَّ ولَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ قَالَ لَا قَالَ فارْجِعْهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن التَّرْجَمَة فِيمَا إِذا أعْطى لبَعض وَلَده لم يجز حَتَّى يعدل وَيُعْطِي الآخرين مثله، والْحَدِيث يتَضَمَّن هَذَا على مَا لَا يخفى.
ذكر رِجَاله: عبد الله بن يُوسُف التنيسِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَقد تكَرر ذكره، وَمَالك بن أنس وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَحميد، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة: ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَقد مر فِي الْإِيمَان، وَمُحَمّد بن النُّعْمَان بن بشير الْأنْصَارِيّ، ذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات التَّابِعين، وَقَالَ الْعجلِيّ: هُوَ تَابِعِيّ ثِقَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة إلَاّ أَبَا دَاوُد، والنعمان، بِضَم النُّون: ابْن بشير ضد
стр. 3857
النذير ابْن سعد بن ثَعْلَبَة بن الْجلاس، بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف اللَّام: الْأنْصَارِيّ الخزرجي، وَأَبوهُ بشير من الْبَدْرِيِّينَ، قيل: إِنَّه أول من بَايع أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من الْأَنْصَار بالخلافة، وَقتل يَوْم عين التَّمْر مَعَ خَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، سنة ثِنْتَيْ عشرَة بعد انْصِرَافه من الْيَمَامَة.
حَتَّى ص ٤٤١
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، وبصيغة التَّثْنِيَة فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التابعيين عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون إلَاّ شَيْخه فَإِنَّهُ فِي الأَصْل من دمشق وَسكن تنيس. وَفِيه: عَن النُّعْمَان بن بشير، كَذَا هُوَ لأكْثر أَصْحَاب الزُّهْرِيّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ من طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ عَن ابْن شهَاب: أَن مُحَمَّد بن النُّعْمَان وَحميد بن عبد الرَّحْمَن حَدثنَا عَن بشير بن سعلة، فَجعله من مُسْند بشير، فشذ بذلك، وَالْمَحْفُوظ أَنه عَنْهُمَا عَن النُّعْمَان بن بشير، وروى هَذَا الحَدِيث عَن النُّعْمَان عدد كثير من التَّابِعين، مِنْهُم: عُرْوَة بن الزبير عِنْد مُسلم، وَأبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، وَأَبُو الضُّحَى عِنْد النَّسَائِيّ وَابْن حبَان وَأحمد والطَّحَاوِي، والمفضل بن الْمُهلب عِنْد أَحْمد وَأبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، وَعبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود عِنْد أَحْمد، وَعون بن عبد الله عِنْد أبي عوَانَة، وَالشعْبِيّ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) وَأبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان وَغَيرهم، وَرَوَاهُ عَن الشّعبِيّ عدد كثير أَيْضا.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْهِبَة من رِوَايَة الشّعبِيّ عَن النُّعْمَان عَن حَامِد ابْن عمر، وَفِي الشَّهَادَات عَن عَبْدَانِ عَن ابْن الْمُبَارك. وَأخرجه مُسلم من حَدِيث مَالك فِي الْفَرَائِض عَن يحيى بن يحيى عَنهُ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَابْن أبي عمر وَعَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح وَعَن حَرْمَلَة وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن عبد بن حميد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَحْكَام عَن نصر بن عَليّ وَسَعِيد بن عبد الرحمان وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النَّحْل عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين، كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن هَاشم عَن الْوَلِيد بن مُسلم وَعَن قُتَيْبَة عَن سُفْيَان وَعَن عَمْرو بن عُثْمَان. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن هِشَام بن عمار، وَمن طَرِيق الشّعبِيّ أخرجه مُسلم فِي الْفَرَائِض عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن يحيى بن يحيى وَعَن أبي بكر عَن عَليّ وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن أَحْمد بن عُثْمَان. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع عَن أَحْمد بن حَنْبَل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النَّحْل عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْملك وَعَن مُوسَى بن عبد الرَّحْمَن. وَعَن أبي دَاوُد الْحَرَّانِي وَفِي الْقَضَاء عَن مُحَمَّد بن قدامَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن بكر بن خلف.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن أَبَاهُ) هُوَ: بشير بن سعد. قَوْله: (إِنِّي نحلت) ، بالنُّون والحاء الْمُهْملَة، يُقَال: نحله أنحله نحلاً، بِضَم النُّون، أَي: أَعْطيته، ونحلت للْمَرْأَة مهرهَا أنحلها نحلة، بِكَسْر النُّون، هَكَذَا اقْتصر فِي النحلة على الْكسر، وَحكى غَيره فِيهَا الْوَجْهَيْنِ: الضَّم وَالْكَسْر، والنحلى، بِالضَّمِّ على وزن: فعلى: الْعَطِيَّة. قَوْله: (هَذَا غُلَاما)
. قَوْله: (أكل ولدك؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار، و: كل، مَنْصُوب بقوله: نحلت، وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان: أَلَك ولد سواهُ؟ قَالَ: نعم. وَفِي رِوَايَة لمُسلم: أكل بنيك؟ . فَإِن قلت: مَا التَّوْفِيق بَين الرِّوَايَتَيْنِ؟ قلت: لَا مُنَافَاة بَينهمَا، لِأَن لفظ: الْوَلَد، يَشْمَل مَا لَو كَانُوا ذُكُورا أَو إِنَاثًا وذكورا، وَأما لفظ: الْبَنِينَ، فالذكور فيهم ظَاهر، وَإِن كَانَ فيهم إناث فَيكون على سَبِيل التغليب، وَلم يذكر مُحَمَّد بن سعد لبشير بن سعد وَالِد النُّعْمَان ولدا غير النُّعْمَان، وَذكر لَهُ بِنْتا اسْمهَا: أبيَّة، مصغر أبي. وَالله أعلم. قَوْله: (قَالَ: فأرجعه) ، أَي: قَالَ النَّبِي ﷺ أرجع مَا نحلته لابنك. اخْتلف فِي هَذَا اللَّفْظ، فَفِي بعض الرِّوَايَات: فاردده، وَفِي رِوَايَة: فَرده، وَفِي رِوَايَة: فَرد عطيته، وَفِي رِوَايَة: اتَّقوا الله واعدلوا بَين أَوْلَادكُم، وَفِي رِوَايَة: قاربوا بَين أَوْلَادكُم، روى: قاربوا بِالْبَاء الْمُوَحدَة وبالنون.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهِ جمَاعَة على أَن من نحل بعض بنيه دون بعض فَهُوَ بَاطِل، فَعَلَيهِ أَن يرجع حَتَّى يعدل بَين أَوْلَاده، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً وَبَقِي الْكَلَام فِي تَحْقِيق هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من غير
стр. 3858
وَجه عَن النُّعْمَان بن بشير، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من طَرِيق الزُّهْرِيّ عَن مُحَمَّد بن النُّعْمَان، وَحميد بن عبد الرَّحْمَن عَن النُّعْمَان مثل حَدِيث الْبَاب ثمَّ قَالَ: وَاحْتج بِهِ قوم على أَن الرجل إِذا نحل بعض بنيه دون بعض أَنه بَاطِل، ثمَّ قَالَ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، وَحَاصِل كَلَامه أَنهم جوزوا ذَلِك، ثمَّ قَالَ مَا ملخصه: إِن الحَدِيث الْمَذْكُور لَيْسَ فِيهِ أَن النُّعْمَان كَانَ صَغِيرا حِينَئِذٍ، وَلَعَلَّه كَانَ كَبِيرا، وَلم يكن قَبضه. وَقد روى أَيْضا على معنى غير مَا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، وَهُوَ أَن النُّعْمَان قَالَ: انْطلق بِي أبي إِلَى النَّبِي ﷺ ونحلني نحلاً ليشهده على ذَلِك، فَقَالَ: (أَو كل ولدك نحلته مثل هَذَا؟ فَقَالَ: لَا. قَالَ: أَيَسُرُّك أَن يَكُونُوا إِلَيْك فِي الْبر كلهم سَوَاء؟ قَالَ: بلَى. قَالَ: فَأشْهد على هَذَا غَيْرِي) . فَهَذَا لَا يدل على فَسَاد العقد الَّذِي كَانَ عقده للنعمان، وَأما امْتِنَاعه عَن الشَّهَادَة فَلِأَنَّهُ كَانَ متوقياً عَن مثل ذَلِك، وَلِأَنَّهُ كَانَ إِمَامًا، وَالْإِمَام لَيْسَ من شَأْنه أَن يشْهد، وَإِنَّمَا من شَأْنه أَن يحكم. وَقد اعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يلْزم من كَون الإِمَام لَيْسَ من شَأْنه أَن يشْهد أَن يمْتَنع من تحمل الشَّهَادَة، وَلَا من أَدَائِهَا إِذا تعيّنت عَلَيْهِ. قلت: لَا يلْزم أَيْضا أَن لَا يمْتَنع من تحمل الشَّهَادَة، فَإِن التَّحَمُّل لَيْسَ بمتعين، لَا سِيمَا فِي حق النَّبِي ﷺ ، لِأَن مقَامه أجل من ذَلِك، وكلامنا فِي التَّحَمُّل لَا فِي الْأَدَاء، إِذا تحمل. فَافْهَم. ثمَّ روى الطَّحَاوِيّ حَدِيث النُّعْمَان الْمَذْكُور من رِوَايَة الشّعبِيّ عَنهُ كَمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ، على مَا يَأْتِي، وَلَيْسَ فِيهِ أَنه ﷺ أمره برد الشَّيْء، وَإِنَّمَا فِيهِ الْأَمر بالتسوية. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة البُخَارِيّ: (فَرجع فَرد عطيته؟) قلت: رده عطيته فِي هَذِه الرِّوَايَات بِاخْتِيَارِهِ هُوَ لَا بِأَمْر النَّبِي ﷺ لما سمع عَنهُ ﷺ : (فَاتَّقُوا الله واعدلوا بَين أَوْلَادكُم) . فَإِن قلت: فِي حَدِيث الْبَاب الْأَمر بِالرُّجُوعِ صَرِيحًا حَيْثُ قَالَ: (فارجعه) قلت: لَيْسَ الْأَمر على الْإِيجَاب، وَإِنَّمَا هُوَ من بَاب الْفضل وَالْإِحْسَان، ألَا ترى إِلَى حَدِيث أنس رَوَاهُ الْبَزَّار فِي (مُسْنده) عَنهُ: (أَن رجلا كَانَ عِنْد رَسُول الله ﷺ ، فجَاء ابْن لَهُ فَقبله وَأَجْلسهُ على فَخذه، وجاءته بنية لَهُ فأجلسها بَين يَدَيْهِ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : (ألَا سويت بَينهمَا؟) انْتهى. وَلَيْسَ هَذَا من بَاب الْوُجُوب، وَإِنَّمَا هُوَ من بَاب الْإِنْصَاف وَالْإِحْسَان.
٣١ - (بابُ الإشْهَادِ فِي الهِبَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْإِشْهَاد فِي الْهِبَة.
٧٨٥٢ - حدَّثنا حامِدُ بنُ عُمَرَ قَالَ حدَّثناأبُو عَوَانَةَ عنْ حُصَيْنٍ عنْ عامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بنَ بَشيرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما وهْوَ علَى المِنْبَرِ يقُولُ أعْطَانِي أبي عَطِيَّةً فَقَالَت عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ لَا أرْضاى حتَّى تُشْهِدَ رسولَ الله ﷺ فَأتى رسولَ الله ﷺ فَقَالَ إنِّي أعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَواحَةَ عَطِيَّةً فأمَرَتْنِي أنْ أُشْهِدَكَ يَا رسولَ الله قَالَ أعْطَيْت سائرَ ولدِكَ مثْلَ هاذَا قَالَ لَا قَالَ فاتَّقُوا الله واعْدِلُوا بَيْنَ أوْلادِكُمْ قَالَ فرَجَعَ فرَدَّ عَطِيَّتَهُ.
(انْظُر الحَدِيث ٦٨٥٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث، وَهُوَ ظَاهر، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ شَارِح التراجم: فَإِن قيل: لَيْسَ فِي حَدِيث النُّعْمَان مَا يدل على أكل الرجل مَال وَلَده، قُلْنَا: إِذا جَازَ للوالد انتزاع ملك وَلَده الثَّابِت بِالْهبةِ لغير حَاجَة، فَلِأَن يجوز عِنْد الْحَاجة أولى.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: حَامِد بن عمر بن حَفْص بن عبيد الله الثَّقَفِيّ. الثَّانِي: أَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي. الثَّالِث: حُصَيْن، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ: ابْن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ. الرَّابِع: عَامر بن شُرَحْبِيل الشّعبِيّ. الْخَامِس: النُّعْمَان بن بشير.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَأَبُو عوَانَة واسطي وحصين وعامر كوفيان. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَهُوَ على الْمِنْبَر) ، جملَة حَالية، وَكَذَا قَوْله: (يَقُول) . قَوْله: (أَعْطَانِي أبي عَطِيَّة) ، وَكَانَ الْعَطِيَّة غُلَاما صرح بِهِ مُسلم فِي رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه، قَالَ: حَدثنَا النُّعْمَان بن بشير، قَالَ وَقد أعطَاهُ أَبوهُ غُلَاما، فَقَالَ لَهُ
стр. 3859
النَّبِي ﷺ : (مَا هَذَا الْغُلَام؟) فَقَالَ أعطانيه أبي. قَالَ: فَكل أخوته أَعْطيته كَمَا أَعْطَيْت هَذَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَرده. وَكَذَا صرح بِهِ فِي حَدِيث جَابر رَوَاهُ مُسلم عَنهُ، قَالَ: قَالَت امْرَأَة بشير: إنحل ابْني غلامك وَأشْهد لي رَسُول الله ﷺ الحَدِيث. فَإِن قلت: روى ابْن حبَان من رِوَايَة ابْن حريز، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وَفِي آخِره زَاي، على وزن كريم، وَالطَّبَرَانِيّ أَيْضا عَن الشّعبِيّ: أَن النُّعْمَان خطب بِالْكُوفَةِ، فَقَالَ: إِن وَالِدي بشير بن سعد أَتَى النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: إِن عمْرَة بنت رَوَاحَة نفست بِغُلَام، وَإِنِّي سميته النُّعْمَان، وَأَنَّهَا أَبَت أَن تربيه حَتَّى جعلت لَهُ حديقة من أفضل مَال هُوَ لي، فَإِنَّهَا قَالَت: أشهد على ذَلِك رَسُول الله ﷺ ... وَفِيه قَوْله ﷺ : (لَا أشهد على جور) قلت: وفْق ابْن حبَان بَين الرِّوَايَتَيْنِ بِالْحملِ على وَاقِعَتَيْنِ: إِحْدَاهمَا: عِنْد ولادَة النُّعْمَان، وَكَانَت الْعَطِيَّة حَدِيثَة، وَالْأُخْرَى: بعد أَن كبر النُّعْمَان، وَكَانَت الْعَطِيَّة عبدا. وَقَالَ بَعضهم: يُعَكر عَلَيْهِ أَنه يبعد أَن ينسى بشير بن سعد، مَعَ جلالته، الحكم فِي الْمَسْأَلَة حَتَّى يعود إِلَى رَسُول الله ﷺ يستشهد على الْعَطِيَّة الثَّانِيَة بعد أَن قَالَ لَهُ فِي الأولى: لَا أشهد على جور. قلت: لَا بُعد فِي هَذَا أصلا، فَإِن الْإِنْسَان مَأْخُوذ من النسْيَان، وهموم أَحْوَال الدُّنْيَا وغم أَحْوَال الْآخِرَة تنسي أَن نِسْيَان، وَالنِّسْيَان غَالب، حَتَّى قيل: إِن الْإِنْسَان مَأْخُوذ من النسْيَان. قَوْله: (عمْرَة بنت رَوَاحَة) ، بِفَتْح الرَّاء: الْأَنْصَارِيَّة زَوْجَة بشير أم النُّعْمَان، وَهِي أُخْت عبد الله بن رَوَاحَة. قَوْله: (حَتَّى تُشهِد) من الْإِشْهَاد، وَسَيَأْتِي فِي الشَّهَادَات من حَدِيث الشّعبِيّ سَبَب سُؤال شَهَادَة رَسُول الله ﷺ ، وَلَفظه: عَن النُّعْمَان، قَالَ: سَأَلت أُمِّي أبي بعض الموهبة لي من مَاله، وَلَفظ مُسلم عَن الشّعبِيّ: حَدثنِي النُّعْمَان بن بشير أَن أمه ابْنة رَوَاحَة سَأَلت أَبَاهُ بعض الموهبة من مَاله، فالتوى بهَا سنة أَي: مطلها ثمَّ بدا لَهُ. وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان من هَذَا الْوَجْه: بعد حَوْلَيْنِ، والتوفيق بَين الرِّوَايَتَيْنِ، بِأَن يُقَال: إِن الْمدَّة كَانَت سنة وشيئاً، فجبر الْكسر تَارَة وألغى أُخْرَى، ثمَّ فِي رِوَايَة مُسلم: فَأخذ أبي بيَدي، وَأَنا يَوْمئِذٍ غُلَام، فَأتى رَسُول الله ﷺ . وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ، قَالَ: انْطلق بَين أبي يحملني إِلَى رَسُول الله ﷺ ، والتوفيق بَين الرِّوَايَتَيْنِ بِأَن يُقَال: إِنَّه أَخذ بِيَدِهِ فَمشى مَعَه بعض الطَّرِيق، وَحمله فِي بَعْضهَا لصِغَر سنه. قَوْله: (فَرجع فَرد عَلَيْهِ عطيته) ،، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: فَرجع أبي فَرد تِلْكَ الصَّدَقَة. وَسَيَأْتِي فِي الشَّهَادَات. قَالَ: لَا تشهدني على جور. وَفِي رِوَايَة لمُسلم: وَلَا تشهدني إِذا فَإِنِّي لَا أشهد على جور، وَفِي رِوَايَة لَهُ: وَإِنِّي لَا أشهد إلَاّ على حق. وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: فَأشْهد على هَذَا غَيْرِي، وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق من طَرِيق طَاوُوس مُرْسلا: لَا أشهد إلَاّ على الْحق، لَا أشهد بِهَذِهِ. وَفِي رِوَايَة عُرْوَة عِنْد النَّسَائِيّ: فكره أَن يشْهد لَهُ، وَقد ذكرنَا وَجه امْتِنَاعه عَن الشَّهَادَة عَن قريب، وَاخْتِلَاف الْأَلْفَاظ فِي هَذِه الْقِصَّة الْوَاحِدَة يرجع إِلَى معنى وَاحِد.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهِ من أوجب التَّسْوِيَة فِي عَطِيَّة الْأَوْلَاد، وَبِه صرح البُخَارِيّ، وَهُوَ قَول طَاوُوس وَالثَّوْري وَأحمد وَإِسْحَاق، كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَقَالَ بِهِ بعض الْمَالِكِيَّة. ثمَّ الْمَشْهُور عِنْد هَؤُلَاءِ: أَنَّهَا بَاطِلَة، وَعَن أَحْمد: يَصح وَيجب عَلَيْهِ أَن يرجع، وَعنهُ: يجوز التَّفَاضُل إِن كَانَ لَهُ سَبَب، كاحتياح الْوَلَد لزمانته أَو دينه أَو نَحْو ذَلِك. وَقَالَ أَبُو يُوسُف: تجب التَّسْوِيَة إِن قصد بالتفضيل الْإِضْرَار، وَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَن التَّسْوِيَة مُسْتَحبَّة، فَإِن فضل بَعْضًا صَحَّ وَكره، وحملوا الْأَمر على النّدب وَالنَّهْي على التَّنْزِيه.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي صفة التَّسْوِيَة، فَقَالَ مُحَمَّد بن الْحسن وَأحمد وَإِسْحَاق وَبَعض الشَّافِعِيَّة وَبَعض الْمَالِكِيَّة: الْعدْل إِن يُعْطي الذّكر حظين كالميراث، وَقَالَ غَيرهم: لَا يفرق بَين الذّكر وَالْأُنْثَى، وَظَاهر الْأَمر بالتسوية يشْهد لَهُم، واستأنسوا بِحَدِيث أخرجه سعيد بن مَنْصُور وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيقه عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: (سووا بَين أَوْلَادكُم فِي الْعَطِيَّة، فَلَو كنت مفضلاً أحدا لفضلت النِّسَاء) . وَأجَاب عَن حَدِيث النُّعْمَان من حمل الْأَمر بالتسوية على النّدب بِوُجُوه:
الأول: أَن الْمَوْهُوب للنعمان كَانَ جَمِيع مَال وَالِده، فَلذَلِك مَنعه، ورد هَذَا بِأَن كثيرا من طرق حَدِيث النُّعْمَان صَرِيح بالبعضية، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَمن أبعد التأويلات أَن النَّهْي إِنَّمَا يتَنَاوَل من وهب جَمِيع مَاله لبَعض وَلَده، كَمَا ذهب إِلَيْهِ سَحْنُون، وَكَأَنَّهُ لم يسمع فِي نفس هَذَا الحَدِيث أَن الْمَوْهُوب كَانَ غُلَاما، وَأَنه وهبه لَهُ لما سَأَلته الْأُم الْهِبَة من بعض مَاله، قَالَ: وَهَذَا يعلم مِنْهُ على الْقطع أَنه كَانَ لَهُ مَال غَيره.
الثَّانِي: أَن الْعَطِيَّة الْمَذْكُورَة لم تتنجز، وَإِنَّمَا جَاءَ بشير وَالِد النُّعْمَان يستشير النَّبِي ﷺ فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِأَن لَا يفعل، فَترك، حَكَاهُ
стр. 3860
الطَّحَاوِيّ. وَقَالَ بَعضهم: وَفِي أَكثر طرق الحَدِيث مَا ينابذه. قلت: هَذَا كَلَام من لَا إنصاف لَهُ، لِأَنَّهُ يقْصد بِهَذَا تَضْعِيف مَا قَالَه، مَعَ أَنه لم يقل هَذَا إلَاّ بِحَدِيث شُعَيْب، يرويهِ شيخ البُخَارِيّ عَنهُ، وَهُوَ شُعَيْب بن أبي ضَمرَة، فَإِنَّهُ رَوَاهُ حَيْثُ قَالَ: حَدثنَا فَهد، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْيَمَان، قَالَ: حَدثنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: حَدثنِي حميد بن عبد الرَّحْمَن وَمُحَمّد بن النُّعْمَان أَنَّهُمَا سمعا النُّعْمَان ابْن بشير، يَقُول: نَحَلَنِي أبي غُلَاما ثمَّ مَشى أبي حَتَّى إِذا أدخلني على رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله ﴿إِنِّي نحلت إبني غُلَاما فَإِن أَذِنت أَن أجيزه لَهُ أجزت، ثمَّ ذكر الحَدِيث، فَهَذَا يُنَادي بِأَعْلَى صَوته أَن بشيراً نحل ابْنه غُلَاما، وَلكنه لم يُنجزهُ حَتَّى اسْتَشَارَ النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك، فَلم يَأْذَن لَهُ بِهِ فَتَركه.
الثَّالِث: أَن النُّعْمَان كَانَ كَبِيرا وَلم يكن قبض الْمَوْهُوب، فَجَاز لِأَبِيهِ الرُّجُوع. ذكره الطَّحَاوِيّ أَيْضا. وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ خلاف مَا فِي أَكثر طرق الحَدِيث أَيْضا، قَوْله: أرجعه، فَإِنَّهُ يدل على تقدم وُقُوع الْقَبْض. انْتهى. قلت: هَذَا أَيْضا طعن فِي كَلَام الطَّحَاوِيّ من غير وَجه وَمن غير إنصاف، لِأَنَّهُ لم يقل هَذَا أَيْضا إلَاّ وَقد أَخذه من حَدِيث يُونُس بن عبد الْأَعْلَى شيخ مُسلم عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة شيخ الشَّافِعِي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن مُحَمَّد بن النُّعْمَان وَحميد بن عبد الرَّحْمَن أخبراه أَنَّهُمَا سمعا النُّعْمَان بن بشير يَقُول: نَحَلَنِي أبي غُلَاما، فأمرتني أُمِّي أَن أذهب إِلَى رَسُول الله ﷺ لِأُشهدَه على ذَلِك ... الحَدِيث، فَهَذَا يدل على أَن النُّعْمَان كَانَ كَبِيرا، إِذْ لَو كَانَ صَغِيرا كَيفَ كَانَت أمه تَقول لَهُ: إذهب إِلَى رَسُول الله ﷺ ؟ وَقَول هَذَا الْقَائِل: إرجعه، يدل على تقدم الْقَبْض، غير دَال على الْقَبْض حَقِيقَة، لِأَنَّهُ يحْتَمل أَنه قَالَ لبشير: إرجع عَمَّا قلت بنحل ابْنك النُّعْمَان دون أخوته.
الرَّابِع: أَن قَوْله: أشهِد، فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ وَغَيره، وَلَا يدل على أَن الْأَمر بالتسوية يدل على الْوُجُوب، لِأَن أَمر التوبيخ يدل عَلَيْهِ أَلْفَاظ كَثِيرَة فِي الحَدِيث يعرف بِالتَّأَمُّلِ.
الْخَامِس: أَن عمل الخليفتين أبي بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، بعد النَّبِي ﷺ على عدم التَّسْوِيَة قرينَة ظَاهِرَة فِي أَن الْأَمر للنَّدْب. أما أثر أبي بكر فَأخْرجهُ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: حَدثنَا ابْن وهب أَن مَالِكًا حَدثهُ عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة، زوج النَّبِي، ﷺ ، أَنَّهَا قَالَت أَن أَبَا بكر الصّديق نحلهَا جدَاد عشْرين وسْقا من مَاله بِالْغَابَةِ، فَلَمَّا حَضرته الْوَفَاة قَالَ: وَالله يَا بنية﴾ مَا من أحد من النَّاس أحب إِلَيّ غنى بعدِي مِنْك، وَلَا أعز عَليّ فقرا بعدِي مِنْك، وَإِنِّي كنت نحلتك جدَاد عشْرين وسْقا، فَلَو كنت جددته وأحرزته كَانَ لَك، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْم مَال الْوَارِث، وَإِنَّمَا هما أَخَوَاك وَأُخْتَاك، فَاقْتَسمُوهُ على بَيَان كتاب الله تَعَالَى. فَقَالَت عَائِشَة: وَالله يَا أبتِ ﴿لَو كَانَ كَذَا وَكَذَا لتركته، إِنَّمَا هِيَ أَسمَاء، فَمن الْأُخْرَى؟ فَقَالَ: ذُو بطن بنت خَارِجَة، أَرَاهَا جَارِيَة. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي (سنَنه) من حَدِيث شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير، أَن عَائِشَة، قَالَت: كَانَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، نَحَلَنِي جدَاد عشْرين وسْقا من مَاله، فَلَمَّا حَضرته الْوَفَاة جلس فاحتبى، ثمَّ تشهد ثمَّ قَالَ: أما بعد﴾ أَي بنية ... إِن أحب النَّاس إِلَيّ غنى بعدِي لأنتِ، وَإِنِّي كنت نحلتك جدَاد عشْرين وسْقا من مَالِي، فوددت وَالله لَو أَنَّك كنت خزنته وجددته، وَلَكِن إِنَّمَا هُوَ الْيَوْم مَال الْوَارِث، وَإِنَّمَا هما أَخَوَاك وَأُخْتَاك. فَقلت: يَا أبتاه هَذِه أَسمَاء، فَمن الْأُخْرَى؟ قَالَ: ذُو بطن ابْنة خَارِجَة، أَرَاهَا جَارِيَة، فَقلت لَو أَعْطَيْتنِي مَا هُوَ كَذَا إِلَى كَذَا لرددته إِلَيْك. قَالَ الشَّافِعِي: وَفضل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَاصِمًا بِشَيْء، وَفضل ابْن عَوْف ولد أم كُلْثُوم. وَأما أثر عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَذكره الطَّحَاوِيّ أَيْضا كَمَا ذكره الْبَيْهَقِيّ عَن الشَّافِعِي، ﵀، وَأخرج عبد الله بن وهب فِي (مُسْنده) ، وَقَالَ: بَلغنِي عَن عَمْرو بن دِينَار أَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف نحل ابْنَته من أم كُلْثُوم بنت عقبَة ابْن أبي معيط أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم، وَله ولد من غَيرهَا. قلت: هَذَا مُنْقَطع.
السَّادِس: هُوَ الْجَواب الْقَاطِع أَن الْإِجْمَاع انْعَقَد على جَوَاز إِعْطَاء الرجل مَاله لغير وَلَده، فَإِذا جَازَ لَهُ أَن يخرج جَمِيع وَلَده من مَاله جَازَ لَهُ أَن يخرج عَن ذَلِك لبَعْضهِم، ذكره ابْن عبد الْبر، قيل: فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ قِيَاس مَعَ وجود النَّص. قلت: إِنَّمَا يمْنَع ذَلِك ابْتِدَاء، وَأما إِذا عمل بِالنَّصِّ على وَجه من الْوُجُوه، ثمَّ إِذا قيس ذَلِك الْوَجْه إِلَى وَجه آخر، لَا يُقَال: إِنَّه عمل بِالْقِيَاسِ مَعَ وجود النَّص. فَافْهَم.
وَفِي الحَدِيث من الْفَوَائِد: النّدب إِلَى التَّأْلِيف بَين الْأُخوة وَترك مَا يُوقع بَينهم الشحناء وَيُورث العقوق للآباء. وَفِيه: إِن الْعَطِيَّة إِذا كَانَت من الْأَب لصغير لَا يحْتَاج إِلَى الْقَبْض، فَيَكْفِي قبُوله لَهُ. وَفِيه: كَرَاهَة تحمل الشَّهَادَة فِيمَا لَيْسَ بمباح. وَفِيه: أَن الْإِشْهَاد فِي الْهِبَة مَشْرُوع، وَلَيْسَ بِوَاجِب. وَفِيه: جَوَاز الْميل إِلَى بعض الْأَوْلَاد والزوجات دون بعض، لِأَن هَذَا أَمر قلبِي وَلَيْسَ باختياري. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة
стр. 3861
استفسار الْحَاكِم والمفتي عَمَّا يحْتَمل ذَلِك، كَقَوْلِه، ﷺ : (أَلَك ولد غَيره؟ وأفكلهم أَعْطيته؟) . وَفِيه: جَوَاز تَسْمِيَة الْهِبَة صَدَقَة. وَفِيه: أَن للْأُم كلَاما فِي مصلحَة الْوَلَد. وَفِيه: الْمُبَادرَة إِلَى قبُول قَول الْحق وأمرَ الْحَاكِم والمفتي بتقوى الله كل حَال. وَفِيه: إِشَارَة إِلَى سوء عَاقِبَة الحرض أَن عمْرَة لَو رضيت بِمَا وهبه زَوجهَا لولدها لما رَجَعَ فِيهِ، فَلَمَّا اشْتَدَّ حرصها فِي تثبيت ذَلِك أفْضى إِلَى بُطْلَانه.
٤١ - (بابُ هِبَةِ الرَّجُلِ لامْرَأتِهِ والمَرْأةِ لِزَوْجِها)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم هبة الرجل لامْرَأَته، وَحكم هبة الْمَرْأَة لزَوجهَا، وَحكمهَا أَنه يجوز، فَإِذا جَازَ هَل لأَحَدهمَا أَن يرجع على الآخر؟ فَلَا يجوز على مَا يَجِيء بَيَانه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قَالَ إبْرَاهِيمُ جائِزَةٌ
إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن يزِيد النَّخعِيّ، أَي: هبة الرجل لأمرأه، وَهبة الْمَرْأَة لزَوجهَا جَائِزَة. وَهَذَا تَعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق عَن الثَّوْريّ عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم، قَالَ: إِذا وهبت لَهُ أَو وهب لَهَا فَلِكُل وَاحِد مِنْهُمَا عطيته. وَوَصله الطَّحَاوِيّ من طَرِيق أبي عوَانَة عَن مَنْصُور، قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيم: إِذا وهبت امْرَأَة لزَوجهَا، أَو وهب الزَّوْج لامْرَأَته، فالهبة جَائِزَة وَلَيْسَ لوَاحِد مِنْهُمَا أَن يرجع فِي هِبته. وَمن طَرِيق أبي حنيفَة: عَن حَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم الزَّوْج وَالْمَرْأَة بِمَنْزِلَة ذِي الرَّحِم، إِذا وهب أَحدهمَا لصَاحبه لم يكن لَهُ أَن يرجع.
وَقَالَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ: لَا يَرْجِعَانِ
عمر بن عبد الْعَزِيز أحد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين، وَأحد الزهاد العابدين. قَوْله: (لَا يرجعان) ، يَعْنِي: لَا يرجع الزَّوْج على الزَّوْجَة وَلَا الزَّوْجَة على الزَّوْج فِيمَا إِذا وهب أَحدهمَا للْآخر، وَهَذَا وَصله أَيْضا عبد الرَّزَّاق عَن الثَّوْريّ عَن عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد: أَن عمر ابْن عبد الْعَزِيز قَالَ مثل قَول إِبْرَاهِيم، وَقَالَ ابْن بطال: قَالَ بَعضهم: لَهَا أَن ترجع فِيمَا أَعطَتْهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَن يرجع فِيمَا أَعْطَاهَا، روى هَذَا عَن شُرَيْح وَالزهْرِيّ وَالشعْبِيّ، وَذكر عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين، كَانَ شُرَيْح إِذا جَاءَتْهُ امْرَأَة وهبت لزَوجهَا هبة ثمَّ رجعت فِيهَا يَقُول لَهُ: بينتك: أَنَّهَا وَهبتك طيبَة نَفسهَا من غير كره وَلَا هوان، وإلَاّ فيمينها: مَا وهبت بِطيب نَفسهَا إلَاّ بعد كره، وَهُوَ إِن انْتهى فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا الرُّجُوع إلَاّ بِهَذَا الشَّرْط.
واسْتَأْذَنِ النبيُّ ﷺ نِساءَهُ فِي أنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِ عائِشَةَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أَزوَاج النَّبِي، ﷺ ، وهبْنَ لَهُ مَا استحقين من الْأَيَّام، وَلم يكن لَهُنَّ رُجُوع فِيمَا مضى، وَهَذَا على حمل الْهِبَة على مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب على مَا يَجِيء عَن قريب، وَوَصله أَيْضا فِي آخر الْمَغَازِي على مَا يَجِيء، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (أَن يمرض) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، من التمريض وَهُوَ الْقيام على الْمَرِيض فِي مَرضه.
وَقَالَ النبيُّ ﷺ العائِدُ فِي هِبَتِهِ كالْكَلْبِ يعود فِي قَيْئِهِ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن عُمُوم الْعَائِد فِي هِبته المذموم يدْخل فِيهِ الزَّوْج وَالزَّوْجَة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ أَيْضا فِي: بَاب لَا يحل لأحد أَن يرجع فِي هِبته، وَسَيَأْتِي بعد خَمْسَة عشر بَابا، وَهَذَا الَّذِي علقه أخرجه السِّتَّة إلَاّ التِّرْمِذِيّ، أَخْرجُوهُ عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (الْعَائِد فِي هِبته كالعائد فِي قيئه) ، زَاد أَبُو دَاوُد: قَالَ قَتَادَة، وَلَا نعلم الْقَيْء إلَاّ حَرَامًا، وَاحْتج بِهَذَا طَاوُوس وَعِكْرِمَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق على أَنه: لَيْسَ للْوَاهِب أَن يرجع فِيمَا وهبه إلَاّ الَّذِي ينحله الْأَب لِابْنِهِ، وَعند مَالك: لَهُ أَن يرجع فِي الْأَجْنَبِيّ الَّذِي قصد مِنْهُ الثَّوَاب وَلم يثبه، وَبِه قَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: للْوَاحِد الرُّجُوع فِي هِبته من الْأَجْنَبِيّ مَا دَامَت قَائِمَة وَلم يعوض مِنْهَا، وَهُوَ قَول سعيد بن الْمسيب وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَشُرَيْح القَاضِي وَالْأسود بن يزِيد، وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالشعْبِيّ، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب وَعلي بن أبي طَالب
стр. 3862
وَعبد الله بن عمر وَأبي هُرَيْرَة وفضالة بن عبيد، وَأَجَابُوا عَن الحَدِيث بِأَنَّهُ، ﷺ ، جعل الْعَائِد فِي هِبته كالعائد فِي قيئه، بالتشبيه من حَيْثُ إِنَّه ظَاهر الْقبْح مُرُوءَة وخلقاً، لَا شرعا، وَالْكَلب غير متعبد بالحلال وَالْحرَام، فَيكون الْعَائِد فِي هِبته عَائِدًا فِي أَمر قذر كالقذر الَّذِي يعود فِيهِ الْكَلْب، فَلَا يثبت بذلك منع الرُّجُوع فِي الْهِبَة، وَلكنه يُوصف بالقبح وَبِه نقُول، فَلذَلِك نقُول بِكَرَاهَة الرُّجُوع.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ قَالَ لاِمْرَأتِهِ هَبِي لِي بَعْضَ صَدَاقِكِ أوْ كُلَّهُ ثُمَّ لَمْ يَمْكُثْ إلَاّ يَسِيراً حتَّى طَلَّقَهَا فرَجَعَتْ فِيهِ قَالَ يَرُدُّ إلَيْهَا إنْ كانَ خَلَبَها وإنْ كانَتْ أعْطَتْهُ عنْ طِيبِ نَفْسٍ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ أمْرِهِ خَدِيعَةٌ جازَ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فإنْ طِبْنَ لَكُمْ عنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً﴾ (النِّسَاء: ٤) . فَكُلُوهُ
الزُّهْرِيّ: هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الله عَن يُونُس بن يزِيد عَنهُ. قَوْله: (هبي) ، أَمر للمؤنث من: وهب يهب، وَأَصله: أوهبي، حذفت الْوَاو مِنْهُ تبعا لفعله، لِأَن أصل: يهب يُوهب، فَلَمَّا حذفت الْوَاو اسْتغنى عَن الْهمزَة فحذفت فَصَارَ: هبي، على وزن: عَليّ. قَوْله: (أوكله) أَي: أَو قَالَ: هبي لي كل الصَدَاق، قَوْله: (يرد إِلَيْهَا) ، أَي: يرد الزَّوْج الصَدَاق إِلَيْهَا. قَوْله: (إِن كَانَ خلبها) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَاللَّام وَالْبَاء الْمُوَحدَة أَي: إِن كَانَ خدعها، وَمِنْه فِي الحَدِيث: إِذا بِعْت فَقل: (لَا خلابة) ، أَي: لَا خداع. فَإِن قلت: روى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: رَأَيْت الْقُضَاة يقبلُونَ الْمَرْأَة فِيمَا وهبت لزَوجهَا وَلَا يقبلُونَ الزَّوْج فِيمَا وهب لامْرَأَته؟ قلت: التَّوْفِيق بَينهمَا أَن رِوَايَة معمر عَنهُ هُوَ مَنْقُول، وَرِوَايَة يُونُس عَنهُ هُوَ اخْتِيَاره، وَهُوَ التَّفْصِيل الْمَذْكُور بَين أَن يكون خدعها، فلهَا أَن ترجع أَو لَا فَلَا، وَهُوَ قَول الْمَالِكِيَّة إِن أَقَامَا الْبَيِّنَة على ذَلِك، وَقيل: يقبل قَوْله فِي ذَلِك مُطلقًا. وَإِلَى عدم الرُّجُوع من الْجَانِبَيْنِ مُطلقًا ذهب الْجُمْهُور، وَإِلَى التَّفْصِيل الَّذِي نقل عَن الزُّهْرِيّ ذهب شُرَيْح القَاضِي، وَإِذا وهب أحد الزَّوْجَيْنِ للْآخر لَا بُد فِي ذَلِك من الْقَبْض، وَهُوَ قَول ابْن سِيرِين وَشُرَيْح وَالشعْبِيّ ومسروق وَالثَّوْري وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَهُوَ رِوَايَة أَشهب عَن مَالك، وَقَالَ ابْن أبي ليلى وَالْحسن: لَا يحْتَاج إِلَى الْقَبْض. قَوْله: ﴿فَإِن طبن لكم﴾ (النِّسَاء: ٤) . الْآيَة: احْتج بِهَذِهِ الزُّهْرِيّ فِيمَا ذهب إِلَيْهِ، وَقبلهَا: ﴿وَأتوا النِّسَاء صدقاتهن نحلة فَإِن طبن لكم عَن شَيْء مِنْهُ نفسا فكلوه هَنِيئًا مريئاً﴾ (النِّسَاء: ٤) . الْخطاب فِي قَوْله: ﴿وَآتوا النِّسَاء﴾ (النِّسَاء: ٤) . للناكحين، وَقَالَ مقَاتل: كَانَ الرجل يتَزَوَّج ثمَّ يَقُول: أرثك وترثيني، فَتَقول الْمَرْأَة: نعم، فَنزلت. وَقيل: إِن الرجل كَانَ يُعْطي الرجل أُخْته وَيَأْخُذ أُخْته مَكَانهَا من غير مهر، فنهو عَن ذَلِك بهذ الْآيَة. قَوْله: ﴿صدقاتهن﴾ (النِّسَاء: ٤) . أَي: مهورهن، وَاحِدهَا صَدَقَة، بِفَتْح الصَّاد وَضم الدَّال، وَهِي لُغَة أهل الْحجاز، وَتَمِيم تَقول: صَدَقَة، بِضَم الصَّاد وَسُكُون الدَّال، فَإِذا جمعُوا قَالُوا: صدقَات، بِضَم الصَّاد وَسُكُون الدَّال وبضم الدَّال أَيْضا مثل: ظلمات. قَوْله: ﴿نَخْلَة﴾ (النِّسَاء: ٤) . أَي: فَرِيضَة مُسَمَّاة، قَالَه قَتَادَة وَابْن جريج وَمُقَاتِل، وَعَن ابْن عَبَّاس: النحلة: الْمهْر، وَقَالَ ابْن زيد: النحلة فِي كَلَام الْعَرَب الْوَاجِب، تَقول: لَا ينْكِحهَا إلَاّ بِشَيْء وَاجِب لَهَا، وَلَيْسَ يَنْبَغِي لأحد بعد النَّبِي ﷺ أَن ينْكح امْرَأَة إلَاّ بِصَدَاق وَاجِب، وَلَا يَنْبَغِي أَن تكون تَسْمِيَة الصَدَاق كذبا بِغَيْر حق، وَقيل: النحلة الدّيانَة وَالْملَّة، وَالتَّقْدِير: وآتوهن صدقاتهن ديانَة، وَفِيه لُغَتَانِ: كسر الصَّاد وَضمّهَا وانتصابها على الْمصدر، أَو على الْحَال. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الْمَعْنى: آتوهن مهورهن ديانَة، على أَنه مفعول لَهُ، وَيجوز أَن يكون حَالا من المخاطبين، أَي: ناحلين طيبي النُّفُوس بالإعطاء، أَو من الصَّدقَات، أَي: منحولة معطاة عَن طيبَة الْأَنْفس، وَالْخطاب للأزواج. وَقيل: للأولياء لأَنهم كَانُوا يَأْخُذُونَ مُهُور بناتهم، وَكَانُوا يَقُولُونَ: هَنِيئًا لَك النافجة، لمن يُولد لَهُ بنت، يعنون: تَأْخُذ مهرهَا فتنفج بِهِ مَالك، أَي: تعظمه. قَوْله: ﴿فَإِن طبن لكم﴾ (النِّسَاء: ٤) . يَعْنِي: النِّسَاء المنكوحات أَيهَا الْأزْوَاج. ﴿عَن شَيْء مِنْهُ﴾ (النِّسَاء: ٤) . أَي: من الصَدَاق، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الضَّمِير فِي: مِنْهُ، جَار مجْرى اسْم الْإِشَارَة، كَأَنَّهُ قيل: عَن شَيْء من ذَلِك. قَوْله: (نفسا) نصب على التَّمْيِيز، وَإِنَّمَا وحد لِأَن الْغَرَض بَيَان الْجِنْس، وَالْوَاحد يدل عَلَيْهِ، وَالْمعْنَى: فَإِن وهبْنَ لكم شَيْئا من الصَدَاق ونحلت عَن نفوسهن طَيّبَات غير مخبثات بِمَا يضطرهن إِلَى الْهِبَة من شكاسة أخلاقكم وَسُوء معاشرتكم، فكلوه فأنفقوه. قَالَ الْفُقَهَاء: فَإِن وهبت لَهُ ثمَّ طلبت مِنْهُ بعد الْهِبَة، علم أَنَّهَا لم تطب مِنْهُ نفسا. قَوْله: ﴿هَنِيئًا مريئاً﴾ (النِّسَاء: ٤) . نعت لمصدر مَحْذُوف أَي: أكلا هَنِيئًا. وَقيل: هُوَ مصدر فِي مَوضِع الْحَال، أَي: أكلا هَنِيئًا، والهنيء مَا يُؤمن عاقبته، وَقيل: مَا أورث نفعا وشفاءً، وَقيل: الطّيب المساغ الَّذِي لَا ينغصه شَيْء، وَهُوَ مَأْخُوذ من هنأت الْبَعِير: إِذا عالجته بالقطران
стр. 3863
من الجرب، وَالْمعْنَى: فكلوه دَوَاء شافياً، والمريء: الْمَحْمُود الْعَاقِبَة التَّام الهضم الَّذِي لَا يضر وَلَا يُؤْذِي، وَقيل: الهنيء: مَا يلد الْآكِل، والمريء مَا يحمد عاقبته، وَقيل لمدخل الطَّعَام من الْحُلْقُوم إِلَى فَم الْمعدة: المريء، لمرء الطَّعَام فِيهِ، وَهُوَ إنسياغه، وَفِي (تَفْسِير مقَاتل) : هَنِيئًا يَعْنِي: حلا مريئاً يَعْنِي: طيبا.
٨٨٥٢ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوساى قَالَ أخبرنَا هِشامٌ عنْ مَعْمَرٍ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبرَني عُبَيْدُ الله ابنُ عَبْدِ الله قَالَ قالَتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا لَمَّا ثَقُلَ النبيُّ ﷺ فاشْتَدَّ وجعُهُ اسْتَأْذَنَ أزْوَاجَهُ أنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتي فأذِنَّ لَهُ فخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلاهُ الأرْضَ وكانَ بَيْنَ العَبَّاسِ وبَيْنَ رَجلٍ آخَرَ فَقَالَ عُبَيْدُ الله فَذَكَرْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ مَا قالَتْ عائِشَةُ فَقَالَ لِي وهَلْ تَدْري مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عائِشَةُ قُلْتُ لَا قالَ هُوَ عَلِيُّ بنُ أبِي طالِبٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة هُوَ الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي أَوَائِل الْبَاب عِنْد قَوْله: (وَاسْتَأْذَنَ النَّبِي ﷺ نِسَاءَهُ فِي أَن يمرض فِي بَيت عَائِشَة، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب الْغسْل وَالْوُضُوء فِي المخضب والقدح، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة عَن عَائِشَة بأتم مِنْهُ، وَهنا أخرجه: عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى الْفراء أبي إِسْحَاق الرَّازِيّ الْمَعْرُوف بالصغير عَن هِشَام بن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ الْيَمَانِيّ عَن معمر، بِفَتْح الميمين: ابْن رَاشد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله، بِضَم الْعين: ابْن عبد الله بِفَتْح الْعين: ابْن عتبَة ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً.
٩٨٥٢ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمُ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ قَالَ حَدثنَا ابنُ طاوُسٍ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ العائدُ فِي هِبَتِهِ كالْكَلْبِ يَعودُ فِي قَيْئِهِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة هُوَ الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ عَن قريب عِنْد قَوْله: (وَقَالَ النَّبِي ﷺ : الْعَائِد فِي هِبته كَالْكَلْبِ يعود فِي قيئه) ووهيب هُوَ ابْن خَالِد الْبَصْرِيّ، وَابْن طَاوُوس هُوَ عبد الله يروي عَن أَبِيه. قَوْله: (كَالْكَلْبِ يعود فِي قيئه) ويروى: كَالْكَلْبِ يقيء ثمَّ يعود فِي قيئه، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
٥١ - (بابُ هِبَةِ الْمَرْأَةِ لِغَيْرِ زَوْجِها وعِتْقِهَا إذَا كانَ لَها زَوْجٌ فَهْوَ جائِزٌ إذَا لَمْ تَكنْ سَفِيهَةً فإذَا كانتْ سَفِيهَةً لَمْ يَجُزْ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ولَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أمْوَالَكُمْ﴾ (النِّسَاء: ٥) .)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم هبة الْمَرْأَة لغير زَوجهَا إِن وهبت شَيْئا لغير زَوجهَا. قَوْله: (وعتقها) ، عطف على قَوْله: هبة الْمَرْأَة، أَي: حكم عتق الْمَرْأَة جاريتها. قَوْله: (إِذا كَانَ لَهَا زوج) ، لَيست للشّرط بل ظرف لما تقدم، لِأَن الْكَلَام فِيمَا إِذا كَانَ لَهَا زوج وَقت الْهِبَة أَو الْعتْق، أما إِذا لم يكن لَهَا زوج فَلَا نزاع فِي جَوَازه. قَوْله: (فَهُوَ) ، أَي: الْمَذْكُور من الْهِبَة وَالْعِتْق جَائِز إِذا لم تكن الْمَرْأَة سَفِيهَة، وَهِي ضد الرشيدة والرشيدة: من صلح دينهَا ودنياها. قَوْله: (وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُم﴾ (النِّسَاء: ٥) . ذكر هَذَا فِي معرض الِاسْتِدْلَال. وَقَالَ سعيد بن جُبَير وَمُجاهد وَالْحكم: السُّفَهَاء الَّذين ذكرهم الله، ، هُنَا الْيَتَامَى وَالنِّسَاء، وَعَن الْحسن: الْمَرْأَة وَالصَّبِيّ، وَفِي لفظ: الصغار وَالنِّسَاء أسفه السُّفَهَاء، وَفِي لفظ: ابْنك السَّفِيه وامرأتك السفيهة، وَقد ذكر أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: اتَّقوا الله فِي الضعيفين: الْيَتِيم وَالْمَرْأَة. وَقَالَ ابْن مَسْعُود: النِّسَاء وَالصبيان، وَقَالَ السّديّ: الْوَلَد وَالْمَرْأَة. وَقَالَ الضَّحَّاك: الْوَلَد وَالنِّسَاء أسفه السُّفَهَاء، فَيَكُونُوا عَلَيْكُم أَرْبَابًا. وَعَن ابْن عَبَّاس: امْرَأَتك وبنتك قَالَ: وأسفه السُّفَهَاء الْولدَان وَالنِّسَاء. قَالَ الطَّبَرِيّ: وَقَالَ غير هَؤُلَاءِ: إِنَّهُم الصّبيان خَاصَّة، قَالَه ابْن جُبَير
стр. 3864
وَالْحسن، وَقَالَ آخَرُونَ: بل عَنى بذلك السُّفَهَاء من ولد الرجل، مِنْهُم أَبُو مَالك وَابْن عَبَّاس وَأَبُو مُوسَى وَابْن زيد بن أسلم. وَقَالَ آخَرُونَ: بل عَنى بذلك النِّسَاء خَاصَّة، فَذكر الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان عَن أَبِيه، قَالَ: زعم حضرمي أَن رجلا عمد فَدفع مَاله إِلَى امْرَأَته فَوَضَعته فِي غير الْحق، فَقَالَ الله : ﴿وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُم﴾ (النِّسَاء: ٥) . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أبي حَدثنَا هِشَام بن عمار حَدثنَا صَدَقَة بن خَالِد حَدثنَا عُثْمَان بن أبي العاتكة عَن عَليّ بن يزِيد عَن الْقَاسِم عَن أبي أُمَامَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : إِن النِّسَاء السُّفَهَاء إلَاّ الَّتِي أطاعت قيمها) . وَرَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه مطولا. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: ذكره عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم. حَدثنَا حَرْب بن شُرَيْح عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة عَن أبي هُرَيْرَة: ﴿وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُم﴾ (النِّسَاء: ٥) . قَالَ: الخدم، وهم شياطين الْإِنْس وهم الخدم. وَفِي (التَّوْضِيح) : من قَالَ عَنى بالسفهاء النِّسَاء خَاصَّة فَإِنَّهُ حمل اللَّفْظ على غير وَجهه، وَذَلِكَ لِأَن الْعَرَب لَا تكَاد تجمع: فعيلاً، على: فعلاء، إلَاّ فِي جمع الذُّكُور أَو الذُّكُور وَالْإِنَاث، فَأَما إِذا أَرَادوا جمع الْإِنَاث خَاصَّة لَا ذُكُور مَعَهُنَّ جَمَعُوهُ على: فعائل وفعيلات. مثل: غَرِيبَة تجمع على: غرائب وغريبات، فَأَما الغرباء فَهُوَ جمع غَرِيب. قَالَ: وَكَأن البُخَارِيّ أَرَادَ بالتبويب وَمَا فِيهِ من الْأَحَادِيث الرَّد على من خَالف ذَلِك (روى حبيب الْمعلم عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: أَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ، لما فتح مَكَّة: لَا يجوز عَطِيَّة امْرَأَة فِي مَالهَا إلَاّ بِإِذن زَوجهَا) . أخرجه النَّسَائِيّ.
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي الْمَرْأَة المالكة لنَفسهَا الرشيدة ذَات الزَّوْج على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه لَا فرق بَينهَا وَبَين الْبَالِغ الرشيد فِي التَّصَرُّف، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ وَأبي ثَوْر وَأَصْحَاب الرَّأْي. وَالْقَوْل الآخر: لَا يجوز لَهَا أَن تُعْطِي من مَالهَا شَيْئا بِغَيْر إِذن زَوجهَا، رُوِيَ ذَلِك عَن أنس وطاووس وَالْحسن الْبَصْرِيّ. وَقَالَ اللَّيْث: لَا يجوز عتق الْمُزَوجَة وصدقتها إلَاّ فِي الشَّيْء الْيَسِير الَّذِي لَا بُد مِنْهُ من صلَة الرَّحِم، أَو مَا يتَقرَّب بِهِ إِلَى الله تَعَالَى، وَقَالَ مَالك: لَا يجوز عطاؤها بِغَيْر إِذن زَوجهَا إلَاّ من ثلث مَالهَا خَاصَّة، قِيَاسا على الْوَصِيَّة.
٠٩٥٢ - حدَّثنا أَبُو عاصِمٍ عنِ ابنِ جرَيْجٍ عنِ ابنِ أبِي مُلَيكَةَ عنْ عَبَّادِ بنِ عَبْدِ الله عنْ أسْماءَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ الله مالِي مالٌ إلَاّ مَا أدْخَلَ الزُّبَيْرُ عَلي أفأتَصَدَّقُ قَالَ تَصَدَّقِي وَلَا تُوعي فيُوعَى الله علَيْكِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (تصدقي) فَإِنَّهُ يدل على أَن للمَرأة الَّتِي لَهَا زوج أَن تَتَصَدَّق بِغَيْر إِذن زَوجهَا. فَإِن قلت: التَّرْجَمَة هبة الْمَرْأَة، وَلَفظ الحَدِيث بِالصَّدَقَةِ؟ قلت: المُرَاد من الْهِبَة مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ، وَهُوَ يتَنَاوَل الصَّدَقَة.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد. الثَّانِي: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الثَّالِث: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة، بِضَم الْمِيم. الرَّابِع: عباد، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله بن الزبير بن الْعَوام. لخامس: أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه مصري وَابْن جريج وَابْن أبي مليكَة مكيان وَعباد بن عبد الله مدنِي. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن جدته. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية.
وَبَعض الحَدِيث مضى فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب الصَّدَقَة فِيمَا اسْتَطَاعَ، وَفِيه: عَن عباد بن عبد الله بن الزبير أخبرهُ عَن أَسمَاء، وَقد روى أَيُّوب هَذَا الحَدِيث عَن ابْن أبي مليكَة عَن عَائِشَة بِغَيْر وَاسِطَة، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ، وَالنَّسَائِيّ، وَصرح أَيُّوب عَن ابْن أبي مليكَة بتحديث عَائِشَة لَهُ بذلك، فَيحمل على أَنه سَمعه من عباد عَنْهَا، ثمَّ حدثته بِهِ.
قَوْله: (إلَاّ مَا أَدخل الزبير عَليّ) ، بتَشْديد الْيَاء، مَعْنَاهُ: مَا صيَّر ملكا لَهَا، فَأمرهَا، ﷺ ، أَن تَتَصَدَّق، وَلم يأمرها باستئذان الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (أفأتصدق؟) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيره بِدُونِ حرف الِاسْتِفْهَام. قَوْله: (وَلَا توعي) من الإيعاء، أَي: لَا تجعليه فِي الْوِعَاء، وَهُوَ الظّرْف مَحْفُوظًا لَا تخرجينه مِنْهُ، فَيعْمل الله بك مثل ذَلِك، وَهُوَ معنى قَوْله: (فيوعى الله عَلَيْك.، قَوْله: (فيوعى) ، بِالنّصب لكَونه جَوَاب النَّهْي، وَإسْنَاد الإيعاء إِلَى الله تَعَالَى من بَاب المشاكلة. وَقَالَ الخطاي: أَي: لَا تخبىء
стр. 3865
الشَّيْء فِي الْوِعَاء، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجمع فأوعى﴾ (المعارج: ٨١) . أَي: مَادَّة الرزق مُتَّصِلَة باتصاف النَّفَقَة مُنْقَطِعَة بانقطاعها، فَلَا تمنعي فَضلهَا فتحرمي مادتها، وَقد مر الْكَلَام مَبْسُوطا فِي كتاب الزَّكَاة.
١٩٥٢ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الله بنُ نُمَيْر قَالَ حدَّثنا هشامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ فاطِمَةَ عنْ أسْماءَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ أنْفِقِي ولَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ الله علَيْكِ ولَا تُوعِي فَيوعِيَ الله علَيْكِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث الْمَاضِي لَهَا، وَعبيد الله بن سعيد بن يحيى أَبُو قدامَة الْيَشْكُرِي السَّرخسِيّ، وَفَاطِمَة بنت الْمُنْذر بن الزبير بن الْعَوام، وَهِي بنت عَم هِشَام بن عُرْوَة وَزَوجته، وَأَسْمَاء هِيَ بنت أبي بكر، جدتهما جَمِيعًا لأبويهما. قَوْله: (أنفقي) ، أَمر من الْإِنْفَاق. قَوْله: (وَلَا تحصى) من الإحصاء، نهى عَنهُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْصى لأجل التبقية، والذخر فيحصي الله عَلَيْهَا بِقطع الْبركَة وَمنع الزِّيَادَة، وَقد يكون مرجع الإحصاء إِلَى المحاسبة عَلَيْهِ والمناقشة فِي الْآخِرَة، وَنسبه الإحصاء إِلَى الله من بَاب المشاكلة. وَقَوله: (فيحصى) ، بِالنّصب لِأَنَّهُ جَوَاب النَّهْي، وَهنا أَمر ﷺ بِالْإِنْفَاقِ، وَلم يقل: بِالْمَعْرُوفِ، لعلمها بمراده لاحْتِمَال أَن يُرَاد بِالَّذِي تَحت يَدهَا من مَال الزبير، فَإِن كَانَ كَذَلِك تنْفق بِمَا كَانَ يخفي الزبير إِنْفَاقه من إغاثة ملهوف وَإِعْطَاء سَائل.
٢٩٥٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ عنِ اللَّيْثِ عنْ يَزِيدَ عنْ بُكَيْرٍ عنْ كُريْبٍ مَوْلى ابنِ عَبَّاسٍ أنَّ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الحَارِثِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا أعْتَقَتْ ولِيدَة وَلم تَسْتَأذِنِ النبيَّ ﷺ فلَمَّا كانَ يَوْمَهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْها فيهِ قالَتْ أشَعَرْتَ يَا رسولَ الله أنِّي أعْتَقْتُ ولِيدَتي قَالَ أوْ فَعَلْتِ قالَتْ نَعَمْ قَالَ أمَّا أنَّكِ لوْ أعْطَيْتِهَا أخْوَالَكِ كانَ أَعْظَمَ لأجْرِكِ.
(الحَدِيث ٢٩٥٢ طرفه فِي: ٤٩٥٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن مَيْمُونَة كَانَت رَشِيدَة، وأعتقت وليدتها من غير اسْتِئْذَان من النَّبِي، ﷺ ، فَلَو لم يكن تصرف الرشيدة فِي مَالهَا نَافِذا لأبطله النَّبِي، ﷺ .
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: يحيى بن بكير هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير أَبُو زَكَرِيَّا المَخْزُومِي. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: يزِيد من الزِّيَادَة ابْن أبي حبيب. الرَّابِع: بكير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله الْأَشَج. الْخَامِس: كريب مولى ابْن عَبَّاس أَبُو رشد، بِكَسْر الرَّاء. السَّادِس: مَيْمُونَة بنت الْحَارِث الْهِلَالِيَّة، زوج النَّبِي، ﷺ .
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن النّصْف الأول من الْإِسْنَاد بصريون وَالنّصف الثَّانِي مدنيون. وَفِيه: أَن شَيْخه مَنْسُوب إِلَى جده. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين على نسق وَاحِد وهم: يزِيد وَبُكَيْر وكريب. وَفِيه: أَن بكيراً وكريباً متحدان فِي الْحُرُوف الْأَرْبَعَة.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن هَارُون بن سعيد الْأَيْلِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعتْق عَن أَحْمد ابْن يحيى بن الْوَزير.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وليدة) ، أَي: أمة، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق عَطاء بن يسَار عَن مَيْمُونَة: أَنَّهَا كَانَت لَهَا جَارِيَة سَوْدَاء. قَوْله: (أشعرت؟) ، أَي: أعلمت؟ قَوْله: (قَالَ: أَو فعلت؟) ، أَي: قَالَ النَّبِي، ﷺ : أَو فعلت الْعتْق؟ قَوْله: (أما) ، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْمِيم، وَهُوَ هُنَا بِمَعْنى: حَقًا، أَو أحقاً، على خلاف فِيهِ، وتفتح كلمة: أَن بعْدهَا وَهِي قَوْله: أَنَّك، وَأما: أما، الَّتِي تكون حرف الاستفتاح الَّتِي بِمَعْنى ألَا، فكلمة: أَن، بعْدهَا مَكْسُورَة كَمَا تكسر بعد ألَا، الاستفتاحية. قَوْله: (أخوالك) ، أخوالها كَانُوا من بني هِلَال أَيْضا وَاسم أمهَا: هِنْد بنت عَوْف بن زُهَيْر بن الْحَارِث، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (إخواتك) ، بِالتَّاءِ. قَالَ عِيَاض: وَلَعَلَّه أصح من رِوَايَة أخوالك، بِدَلِيل رِوَايَة مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) (فَلَو أعطيتهَا أختيك) .
стр. 3866
وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْجَمِيع وصحيح لَا تعَارض، وَيكون النَّبِي، ﷺ ، قَالَ ذَلِك كُله. قَوْله: (كَانَ أعظم لأجرك) .
قَالَ ابْن بطال: فِيهِ: أَن هبة ذِي الرَّحِم أفضل من الْعتْق، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأحمد من حَدِيث سُلَيْمَان بن عَامر الضَّبِّيّ مَرْفُوعا: (الصَّدَقَة على الْمِسْكِين صَدَقَة، وعَلى ذِي الرَّحِم صَدَقَة وصلَة) . وَرَوَاهُ أَيْضا ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وصححاه. قلت: يَنْبَغِي أَن يكون أَفضَلِيَّة هبة ذِي الرَّحِم من الْعتْق إِذا كَانَ فَقِيرا لَا مُطلقًا، كَيفَ وَقد جَاءَ فِي الْعتْق أَنه: يعْتق بِكُل عُضْو مِنْهُ عضوا مِنْهُ من النَّار؟ وَبِه تجاز الْعقبَة يَوْم الْقِيَامَة؟ وَنقل عَن مَالك: أَن الصَّدَقَة على الْأَقَارِب أفضل من الْعتْق، وَالْحق أَن هَذَا يخْتَلف باخْتلَاف الْأَحْوَال.
وَقَالَ بَكْرُ بنُ مُضَرَ عنْ عَمْرٍ وعنْ بُكَيْرٍ عنْ كُرَيْبٍ: أنَّ مَيْمُونَةَ أعْتَقَتْ
هَذَا صُورَة تَعْلِيق، وَفِي نُسْخَة صَاحب (التَّلْوِيح) : بِخَطِّهِ بعد قَوْله: كَانَ أعظم لأجرك: تَابعه بكر بن مُضر عَن عَمْرو ... إِلَى آخِره. ثمَّ قَالَ: أَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذِهِ الْمُتَابَعَة اللَّيْث بن سعد، وَأَن بكرا تَابعه، وَأَن عمرا تَابع يزِيد بن أبي حبيب، وَهُوَ مَرْوِيّ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن الْحسن: حَدثنَا أَحْمد بن عِيسَى حَدثنَا ابْن وهب أَخْبرنِي عَمْرو بن الْحَارِث عَن بكير بن عبد الله عَن كريب، فَذكره، وَكَذَا ذكره صَاحب (التَّوْضِيح) لِأَنَّهُ أَخذه عَن صَاحب (التَّلْوِيح) وَذكره الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) بِصُورَة التَّعْلِيق كَمَا هُوَ فِي نسختنا حَيْثُ قَالَ: أخرجه البُخَارِيّ فِي الْهِبَة عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن بكير بن الْأَشَج عَن كريب بِهِ، قَالَ: وَقَالَ بكر بن مُضر عَن عَمْرو بن الْحَارِث عَن بكير عَن كريب: أَن مَيْمُونَة ... فَذكره. انْتهى. وَقيل: أَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا التَّعْلِيق شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: مُوَافقَة عَمْرو بن الْحَارِث ليزِيد بن أبي حبيب على قَوْله: عَن كريب، وَقد خالفهما مُحَمَّد بن إِسْحَاق فَرَوَاهُ، عَن بكر، فَقَالَ: عَن سُلَيْمَان بن يسَار بدل: بكير، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من طَرِيقه، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: رِوَايَة يزِيد وَعَمْرو أصح. وَالْآخر: أَنه: عَن بكر بن مُضر عَن عَمْرو بِصُورَة الْإِرْسَال، فَذكر قصَّة مَا أدْركهَا، لَكِن قد رَوَاهُ ابْن وهب عَن عَمْرو ابْن الْحَارِث، فَقَالَ فِيهِ: عَن كريب عَن مَيْمُونَة، أخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ من طَرِيقه.
٣٩٥٢ - حدَّثنا حِبَّانُ بنُ مُوسَى قَالَ أخْبَرَنا عبْدُ الله قَالَ أخبرنَا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عَن عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا كانَ رسولُ الله ﷺ إذَا أرَادَ سَفَراً أقْرَعَ بَيْنَ نِسائِهِ فأيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِها مَعَهُ وكانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَها ولَيْلَتها غَيْرَ أنَّ سَوْدَةَ بنْتَ زَمْعَةَ وهَبَتْ يَوْمَها ولَيْلَتَهَا لِعائِشَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ تَبْتَغِي بِذالِكَ رِضاءَ رسولِ الله ﷺ ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وهبت يَوْمهَا وليلتها لعَائِشَة) ، فَإِن التَّرْجَمَة هبة الْمَرْأَة لغير زَوجهَا، فَلَا تُوجد الْمُطَابقَة إلَاّ إِذا قُلْنَا: إِن هَذَا هبة الْمَرْأَة لغير زَوجهَا، وَهُوَ عَائِشَة، فَلَو قُلْنَا: إِن الْهِبَة كَانَت لرَسُول الله ﷺ ، لَا يُطَابق التَّرْجَمَة، وللعلماء قَولَانِ فِي هَذَا: هَل الْهِبَة للزَّوْج أَو للضرة؟ والمطابقة تَأتي على قَول من يَقُول: للضرة، على مَا قُلْنَاهُ.
وحبان، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مُوسَى الْمروزِي، مر فِي الصَّلَاة، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَعُرْوَة هُوَ ابْن الزبير بن الْعَوام.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشَّهَادَات عَن مُحَمَّد بن مقَاتل. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي النِّكَاح عَن أَحْمد بن عَمْرو بن السَّرْح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن ابْن السَّرْح وَعَن مُحَمَّد بن آدم عَن ابْن الْمُبَارك إِلَى قَوْله: (خرج بهَا مَعَه) .
قَوْله: (أَقرع) ، من: أقرعت بَينهم من الْقرعَة، وَمِنْه يُقَال: تقارعوا واقترعوا، والقرعة هِيَ: السِّهَام الَّتِي تُوضَع على الحظوظ، فَمن خرجت قرعته وَهِي: سَهْمه الَّذِي وضع على النَّصِيب، فَهُوَ لَهُ. قَوْله: (فأيتهن) أَي: أَيَّة امْرَأَة خرج مِنْهُنَّ خرج سهمها الَّذِي باسمها (خرج بهَا مَعَه) أَي: خرج رَسُول الله ﷺ ، بِتِلْكَ المرإة الَّتِي خرج سهمها مَعَه أَي: فِي صُحْبَة رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (تبتغي) ، أَي:
стр. 3867
تطلب بذلك، أَي: بالذكور، وَهُوَ مَا وهبت يَوْمهَا وليلتها لعَائِشَة، وأصل الْقرعَة لتطييب النَّفس.
ثمَّ اخْتلفُوا أَن الْقرعَة فِي كل الْأَسْفَار أَو فِي سفر مَخْصُوص؟ فَقَالَ مَالك فِي (الْمُدَوَّنَة) : يخرج من شَاءَ مِنْهُنَّ فِي أَي الْأَسْفَار شَاءَ. وَقَالَ ابْن الْجلاب: إِن أَرَادَ سفر تِجَارَة فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهمَا: كَالْحَجِّ والغزو، وَالْأُخْرَى: لَا أقراع. وَقَالَ: وَإِن أَرَادَ سفر حج أَو غَزْو فأقرع بَينهُنَّ، ثمَّ إِذا انْقَضى سَفَره قضى لَهُنَّ وَبَدَأَ بهَا، أَو بِمن شَاءَ غَيرهَا. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : لم ينْقل الْقَضَاء، والبداءة بغَيْرهَا أحب.
٦١ - (بابٌ بِمَنْ يُبْدَأُ بالْهَدِيَّةِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ حكم من يبْدَأ بالهدية عِنْد التَّعَارُض فِي الِاسْتِحْقَاق.
٤٩٥٢ - وَقَالَ بَكرٌ عنْ عَمْرٍ وعنْ بُكَيْرٍ عنْ كُرَيْبٍ مَولَى ابنِ عَبَّاسٍ أنَّ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النبيِّ ﷺ أعْتَقَتْ وَلِيدَةً لِها فقالَ لهَا لَو وصَلْتِ بَعْضَ أخْوالِكِ كانَ أعْظَمُ لأَجْرِكِ.
(انْظُر الحَدِيث ٢٩٥٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث، لِأَن فِيهِ شَيْئَيْنِ: عتق الوليدة وصلَة بعض أخوالها. فَقَالَ، ﵇، مَا مَعْنَاهُ: أَن صلتها لبَعض أخوالها كَانَت أولى وَأكْثر لِلْأجرِ، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث عَطاء بن السَّائِب عَن مَيْمُونَة، قَالَت: كَانَت لي جَارِيَة سَوْدَاء، فَقلت: يَا رَسُول الله! إِنِّي أردْت أعتق هَذِه. فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : (أَفلا تفدين بهَا بنت أختك أَو بنت أَخِيك من رِعَايَة الْغنم؟) . فَإِن قلت: التَّرْجَمَة بِلَفْظ الْهَدِيَّة، والْحَدِيث بِلَفْظ الصِّلَة، فَكيف الْمُطَابقَة؟ قلت: الْهَدِيَّة فِيهَا معنى الصِّلَة، وملاحظة هَذَا الْمِقْدَار فِي وَجه الْمُطَابقَة تَكْفِي. قَوْله: (فَقَالَ لَهَا) أَي: فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لميمونة، وَفِي بعض النّسخ: فَقَالَ لَهَا رَسُول الله ﷺ ، وَقد مر هَذَا الحَدِيث الَّذِي ذكره مُعَلّقا فِي الْبَاب السَّابِق، وَالْكَلَام فِيهِ أَيْضا.
٥٩٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنَ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي عِمْرَانَ الجوْنِيِّ عنْ طَلْحَةَ بنِ عبدِ الله رَجُلٍ منْ بَني تَيْمِ ابنِ مُرَّةَ عنْ عائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ قُلْتُ يَا رسولَ الله إنَّ لي جَارَيْنِ فإلَى أيِّهما أُهْدِي قَالَ إِلَى أقْرَبِهِما مِنْكَ بَابا.
(انْظُر الحَدِيث ٩٥٢٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو عمرَان الْجونِي، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْوَاو وبالنون: اسْمه عبد الْملك بن حبيب الْبَصْرِيّ، وَطَلْحَة بن عبد الله بن عُثْمَان بن عبيد الله بن معمر التَّيْمِيّ الْقرشِي، تقدم فِي الشُّفْعَة. والْحَدِيث قد مضى فِي الشُّفْعَة فِي: بَاب أَي جوَار أقرب، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٧١ - (بابُ مَنْ لَمْ يَقْبَلِ الْهَدِيَّةَ لِعِلَّةٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من لم يقبل هَدِيَّة شخص لعِلَّة أَي: لأجل عِلّة فِيهَا، مثل: هَدِيَّة الْمُسْتَقْرض إِلَى الْمقْرض، أَو هَدِيَّة شخص لرجل يقْضِي حَاجته عِنْد أحد أَو يشفع لَهُ فِي أَمر.
وَقَالَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ كانَتِ الْهَدِيَّةُ فِي زَمَنِ رسولِ الله ﷺ هَدِيَّةً والْيَوْمَ رِشْوَةٌ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن سعيد بِقصَّة فِيهِ، فَروِيَ من طَرِيق فرات بن مُسلم، قَالَ: اشْتهى عمر بن عبد الْعَزِيز التفاح فَلم يجد فِي بَيته شَيْئا يَشْتَرِي بِهِ، فَرَكبْنَا مَعَه، فَتَلقاهُ غلْمَان الدَّيْر بأطباق تفاح، فَتَنَاول وَاحِدَة فشمها، ثمَّ رد الأطباق. فَقلت لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: لَا حَاجَة لي فِيهِ. فَقلت: ألم يكن رَسُول الله ﷺ ، وَأَبُو بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يقبلُونَ الْهَدِيَّة؟ فَقَالَ: إِنَّهَا لأولئك هَدِيَّة، وَهِي للعمال بعدهمْ رشوة، والرشوة، بِضَم الرَّاء وَكسرهَا وَفتحهَا: مَا تُؤْخَذ بِغَيْر عوض، ويذم آخذه.
стр. 3868
٦٩٥٢ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله ابنِ عُتْبَةَ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أخْبَرَهُ أنَّهُ سَمِع الصَعْبَ بنَ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيَّ وكانَ مِنْ أصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يُخْبِرُ أنَّهُ أهْدَي لِرَسُولِ الله ﷺ حِمَارَ وحْشٍ وهْوَ بالأبْوَاءِ أوْ بِوَدَّانَ وَهْوَ مُحْرِمٌ فرَدَّهُ قَالَ صَعْبٌ فَلَمَّا عرَفَ فِي وجْهِي رَدَّهُ هَدِيَّتِي قَالَ لَيْسَ بِنَا رَدٌ عَلَيْكَ ولَكِنَّا حُرُمٌ.
(انْظُر الحَدِيث ٥٢٨١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَرده) ، أَي: رد حمَار وَحش الَّذِي أهداه صَعب، وَلم يقبله لعِلَّة، وَهِي كَونه محرما، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَقد تكَرر هَذَا الْإِسْنَاد بهؤلاء الروَاة غير مرّة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب إِذا أهْدى للْمحرمِ حمارا وحشياً، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله ب يُوسُف عَن مَالك عَن ابْن شهَاب وَهُوَ الزُّهْرِيّ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (وَكَانَ من أَصْحَاب النَّبِي، ﷺ ، جملَة مُعْتَرضَة، قَوْله: (رده) ، مصدر مفعول: عرف، أَي: عرف أثر الرَّد، وَهُوَ كراهتي لذَلِك. قَوْله: (حرم) بِضَمَّتَيْنِ. جمع حرَام، بِمَعْنى: محرم، نَحْو: قذال وقذل.
٧٩٥٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرٍ عنْ أبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ اسْتَعْمَلَ النبيُّ ﷺ رَجُلاً مِنَ الأزْدِ يُقالُ لهُ ابنُ الأُتْبِيَّةِ علَى الصَّدَقَةِ فلَمَّا قَدِمَ قَالَ هَذَا لَكُمْ وهَذَا أُهْديَ لِي قَالَ فَهَلَاّ جلَسَ فِي بَيْتِ أبِيهِ أوْ بَيْتِ أُمِّهِ فَيَنْظُر أيُهْدِي لَهُ أمْ لَا والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ أحَدٌ مِنْهُ شَيْئاً إلَاّ جاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ علَى رَقَبَتِهِ إنْ كانَ بَعِيراً لَهُ رُغَاءٌ أوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أوْ شَاة تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حتَّى رَأيْنَا عُفْرَةَ إبْطَيْهِ أللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ أللَّهُمَّ هلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثًا..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث، لِأَن رَسُول الله ﷺ أنكر على عَامله الْمَذْكُور على أَخذه الْهَدِيَّة لِأَنَّهَا هَدِيَّة تهدى لأجل عِلّة، وَهُوَ ظَاهر، وَعبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله أَبُو جَعْفَر الْجعْفِيّ البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَأَبُو حميد، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة: اسْمه عبد الرَّحْمَن، وَقيل: الْمُنْذر، وَقيل غير ذَلِك: السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي أَوَاخِر كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى ﴿والعاملين عَلَيْهَا﴾ (التَّوْبَة: ٠٦) . أخرجه أَيْضا فِي الْأَحْكَام عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي النذور عَن أبي الْيَمَان وَفِي ترك الْحِيَل عَن عبيد بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن جمَاعَة غَيره، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجراح عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وَمُحَمّد بن أَحْمد بن أبي خلف عَن سُفْيَان.
قَوْله: (من الأزد) ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الزَّاي، وَفِي آخِره دَال مُهْملَة: هُوَ الأزد بن الْغَوْث بن نبت بن ملكان بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان؟ يُقَال لَهُ: الأزد، بالزاي، و: الْأسد، بِالسِّين، وَذكر فِي كتاب الزَّكَاة بِالسِّين. قَوْله: (ابْن الأتبية) ، بِضَم الْهمزَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمُشَدّدَة، وَيُقَال: اللتبية، بِضَم اللَّام وَسُكُون التَّاء وَفتحهَا وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، وَفِيه أَرْبَعَة أَقْوَال، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي كتاب الزَّكَاة. قَالَ الْكرْمَانِي وَالأَصَح أَنه بِاللَّامِ وَسُكُون الفوقانية، وَأَنَّهَا نِسْبَة إِلَى بني: لتب، قَبيلَة مَعْرُوفَة. قلت: قَالَ الرشاطي: قَيده شَيخنَا أَبُو عَليّ الغساني، بِضَم اللَّام وَإِسْكَان التَّاء، وَقَالَ أَبُو بكر بن دُرَيْد: بَنو لتب، بطن من الْعَرَب مِنْهُم ابْن اللتبية رجل من الأزد لَهُ صُحْبَة، واللتب: الاشتداد، وَهُوَ اللصوق أَيْضا. قَوْله: (مِنْهُ) ، أَي: من مَال الصَّدَقَة. قَوْله: (يحملهُ) ، جملَة حَالية. قَوْله (إِن كَانَ بَعِيرًا) ، جَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف تَقْدِيره: يحملهُ على رقبته. قَوْله: (لَهُ رُغَاء) جملَة وَقعت صفة لبعير، و: الرُّغَاء، بِضَم الرَّاء:
стр. 3869
صَوت ذَوَات الْخُف، يُقَال: رغا يرغو رُغَاء، وأرغيته أَنا. قَوْله: (لَهَا خوار) ، جملَة وَقعت صفة لبقرة، و: الخوار، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة: صَوت الْبَقر، يُقَال: هر الثور يخور خواراً. وَقَالَ ابْن التِّين: هُوَ بِالْخَاءِ وَالْجِيم، وَفِي (الْمطَالع) : الْمَعْنى وَاحِد إلَاّ أَنه بِالْخَاءِ يسْتَعْمل فِي الظباء وَالشَّاة، وبالجيم للبقر وَالنَّاس. قَوْله: (تَيْعر) ، صفة لشاة يُقَال: يعرت العنز تَيْعر بِالْكَسْرِ، يعار بِالضَّمِّ، أَي: صاحت. قَالَ ابْن الْأَثِير: وَأكْثر مَا يُقَال لصوت الْمعز، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: تَيْعر بِالْكَسْرِ، وَقَالَ غَيره بِفَتْحِهَا أَيْضا. قَوْله: (عفرَة إبطَيْهِ) ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْفَاء: وَهِي الْبيَاض الَّذِي فِيهِ شَيْء كلون الأَرْض، وشَاة عفراء يَعْلُو بياضها حمرَة. وَقيل: هِيَ بَيَاض لَيْسَ بناصع، وَيُقَال: هِيَ بِضَم الْمُهْملَة وَفتحهَا وَالْفَاء سَاكِنة وَبِفَتْحِهَا. قَوْله: (هَل بلغت؟) أَي: قد بلغت، أَو هُوَ اسْتِفْهَام تقريري، والتكرير للتَّأْكِيد ليسمع من لَا يسمع وليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب.
وَفِي الحَدِيث: أَن هَدَايَا الْعمَّال يجب أَن تجْعَل فِي بَيت المَال، وَأَنه لَيْسَ لَهُم مِنْهَا شَيْء إلَاّ أَن يستأذنوا الإِمَام فِي ذَلِك، كَمَا جَاءَ فِي قصَّة معَاذ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه ﷺ طيب لَهُ الْهَدِيَّة فأنفذها لَهُ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بعد رَسُول الله ﷺ . وَفِيه: كَرَاهِيَة قبُول هَدِيَّة طَالب الْعِنَايَة، وَيدخل فِي معنى ذَلِك كَرَاهَة هَدِيَّة الْمديَان والمقارض، وكل من هديته بِسَبَب عِلّة.
٨١ - (بابٌ إذَا وهَبَ أوْ وَعَدَ ثُمَّ ماتَ قَبْلَ أنْ تَصِلَ إلَيْهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا وهب الرجل هبة لآخر، أَو وعد لآخر، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أَو وعد عدَّة ثمَّ مَاتَ أَي: الَّذِي وهب أَو الَّذِي وعد. قَوْله: (قبل أَن تصل) أَي: الْهِبَة أَو الْعدة إِلَيْهِ أَي: إِلَى الْمَوْهُوب لَهُ أَو الْمَوْعُود لَهُ، وَيجوز أَن يكون الضَّمِير فِي: مَاتَ، رَاجعا إِلَى الَّذِي وهب لَهُ أَو وعد لَهُ، أَي: أَو مَاتَ الَّذِي وهب لَهُ أَو مَاتَ الَّذِي وعد لَهُ، قبل أَن يصل مَا وهب لَهُ إِلَيْهِ، أَو مَاتَ قبل أَن يصل مَا وعد لَهُ إِلَيْهِ. وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف لم يظهره لأجل الْخلاف فِيهِ، بَيَان ذَلِك أَن التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: الْهِبَة. وَالْآخر: الْوَعْد.
أما الْهِبَة: فَالشَّرْط فِيهَا الْقَبْض عِنْد أَكثر الْفُقَهَاء وَالتَّابِعِينَ، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، إلَاّ أَن أَحْمد يَقُول: إِن كَانَت الْهِبَة عينا تصح بِدُونِ الْقَبْض فِي الْأَصَح، وَفِي الْمكيل وَالْمَوْزُون لَا تصح بِدُونِ الْقَبْض، وَعند مَالك: يثبت الْملك فِيهَا قبل الْقَبْض اعْتِبَارا بِالْبيعِ، وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم، وَهُوَ قَول ابْن أبي ليلى. وَفِي كتاب (التَّفْرِيع) لأَصْحَاب مَالك: وَمن وهب شَيْئا من مَاله لزمَه دَفعه إِلَى الْمَوْهُوب لَهُ إِذا طَالبه بِهِ، فَإِن أَبى ذَلِك حكم بِهِ عَلَيْهِ إِذا أقرّ وَقَامَت عَلَيْهِ الْبَيِّنَة، وَإِن أنكر حلف عَلَيْهَا وبرىء مِنْهَا، وَإِن نكل عَن الْيَمين حلف الْمَوْهُوب لَهُ فيأخذها مِنْهُ، وَإِن مَاتَ الْوَاهِب قبل دَفعهَا إِلَى الْمَوْهُوب لَهُ فَلَا شَيْء لَهُ إِذا كَانَ قد أمكنه أَخذهَا، ففرط فِيهَا، وَإِن مَاتَ الْمَوْهُوب لَهُ قبل قبضهَا، قَامَ ورثته مقَامه فِي مُطَالبَة الْوَاهِب بهبته، وَاسْتدلَّ أَصْحَابنَا وَأَصْحَاب الشَّافِعِي فِي اشْتِرَاط الْقَبْض بِحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: أَن أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، نحلهَا جدَاد عشْرين وسْقا ... الحَدِيث ذَكرْنَاهُ عَن قريب. وَاسْتدلَّ صَاحب (الْهِدَايَة) فِي ذَلِك بقوله: وَلنَا. قَوْله ﷺ : لَا تجوز الْهِبَة إلَاّ مَقْبُوضَة. قلت: هَذَا حَدِيث مُنكر لَا أصل لَهُ، بل هُوَ من قَول إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) ، وَقَالَ: أخبرنَا سُفْيَان الثَّوْريّ عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم، قَالَ: لَا تجوز الْهِبَة حَتَّى تقبض، وَالصَّدَََقَة تجوز قبل أَن تقبض.
وَأما الْوَعْد: فَاخْتلف الْفُقَهَاء فِيهِ، فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ: لَا يلْزم من الْعدة. لِأَنَّهَا مَنَافِع لم تقبض، فلصاحبها الرُّجُوع فِيهَا. وَقَالَ مَالك: أما الْعدة، مثل أَن يسْأَل الرجل الرجل أَن يهب لَهُ هبة، فَيَقُول: نعم، ثمَّ يَبْدُو لَهُ أَن لَا يفعل، فَلَا أرى ذَلِك يلْزمه. قَالَ: وَلَو كَانَ فِي قَضَاء دين فَسَأَلَهُ أَن يقْضِي عَنهُ، فَقَالَ: نعم، وَثمّ رجال يشْهدُونَ عَلَيْهِ، فَمَا أحراه أَن يلْزمه إِذا شهد عَلَيْهِ اثْنَان. وَقَالَ سَحْنُون: الَّذِي يلْزمه فِي الْعدة فِي السّلف، وَالْعَارِية أَن يَقُول لرجل: إهدم دَارك وَأَنا أسلفك مَا تبنيها بِهِ، أَو أخرج إِلَى الْحَج وَأَنا أسلفك أَو أشتر سلْعَة كَذَا، أَو تزوج وَأَنا أسلفك، كل ذَلِك مِمَّا يدْخلهُ فِيهِ. ويتشبه بِهِ، فَهَذَا كُله يلْزمه، وَأما أَن يَقُول: أَنا أسلفك أَو أُعْطِيك فَلَيْسَ بِشَيْء، وَقَالَ أصبغ: يلْزمه فِي ذَلِك مَا وعد بِهِ.
وَقَالَ عبيدَةُ إنْ ماتَا وكانتْ فُصِلَتِ الهَدِيَّةُ والْمُهْداى لَهُ حَيٌّ فَهْيَ لِوَرَثَتِهِ وإنْ لَمْ تَكُنْ فُصِلَتْ فَهِيَ فَهْيَ لِوَرَثَةِ الَّذِي أهْداى
стр. 3870
عُبَيْدَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عَمْرو السَّلمَانِي، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام: الْحَضْرَمِيّ. قَوْله: (إِن مَاتَا) أَي: الْمهْدي والمهدى إِلَيْهِ. قَوْله: (وَكَانَت فصلت الْهَدِيَّة) ، بالصَّاد الْمُهْملَة من الْفَصْل، وَالْمرَاد مِنْهُ: الْقَبْض، ويروى: وصلت الْهَدِيَّة من الْوَصْل، فالوصول بِالنّظرِ إِلَى المهدى إِلَيْهِ، والفصل بِالنّظرِ إِلَى الْمهْدي، إِذْ حَقِيقَة الْإِقْبَاض لَا بُد لَهَا من فصل الْمَوْهُوب عَن الْوَاهِب، وَوَصله إِلَى الْمُتَّهب وتفصيله بَين أَن يكون انفصلت أم لَا مصير مِنْهُ إِلَى أَن قبض الرَّسُول يقوم مقَام المهدى إِلَيْهِ، وَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَن الْهَدِيَّة لَا تنْتَقل إِلَى المهدى إِلَيْهِ إلَاّ بِأَن يقبضهَا أَو وَكيله.
وَقَالَ الحَسَنُ أيُّهُما ماتَ قَبْلُ فَهْيَ لِورَثَةِ الْمُهداى لَهُ إذِا قبَضَها الرَّسُولُ
الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ. قَوْله: (أَيهمَا) أَي: أَي وَاحِد من الْمهْدي والمهدى إِلَيْهِ مَاتَ قبل الآخر. قَوْله: (فَهِيَ) ، أَي: الْهَدِيَّة لوَرَثَة المهدى لَهُ، وَقَالَ ابْن بطال: إِن كَانَ بعث بهَا الْمهْدي مَعَ رَسُوله، فَمَاتَ الَّذِي أهديت إِلَيْهِ فَإِنَّهَا ترجع إِلَيْهِ، وَإِن كَانَ أرسل بهَا مَعَ رَسُول الَّذِي أهديت إِلَيْهِ فَمَاتَ المهدى إِلَيْهِ، فَهِيَ لوَرثَته، هَذَا قَول الحكم وَأحمد وَإِسْحَاق.
٨٩٥٢ - حدَّثنا عليُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثنا ابنُ الْمُنْكَدِرِ سَمِعْتُ جابِراً رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ لي النبيُّ ﷺ لَوْ جاءَ مالُ البَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هكَذَا ثَلاثاً فلَمْ يَقْدَمْ حَتَّى تُوُفِيَّ النبيُّ ﷺ فأمَرَ أبُو بَكْرٍ مُنادِياً فَنادى مَنْ كانَ لَهُ عِنْدَ النبيِّ ﷺ عِدَّةٌ أَو دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا فأتَيْتُهُ فقُلْتُ إنَّ النبيَّ ﷺ وعَدَنِي فَحَثاى لِي ثَلاثاً..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي ﷺ وعد جَابِرا بِشَيْء وَمَات قبل الْوَفَاء بِهِ، وَالْحكم فِيهِ إِن وَقع مثل هَذَا من غير النَّبِي، ﷺ ، فالهبة لوَرَثَة الْوَاهِب، وَكَذَلِكَ لم يكن فِي حق النَّبِي، ﷺ ، لَازِما وَلَكِن أَبَا بكر فعل ذَلِك على سَبِيل التَّطَوُّع، وَلم يكن يلْزم فِي ذَلِك شَيْء الشَّارِع، وَلَا أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِنَّمَا أنفذ الصّديق ذَلِك بعد مَوته، ﷺ ، اقْتِدَاء بطريقة رَسُول الله ﷺ ، ولفعله، فَإِنَّهُ كَانَ أوفى النَّاس بعده وأصدقهم لوعده، فَإِن قلت: التَّرْجَمَة هَدِيَّة، وَالَّذِي قَالَه النَّبِي، ﷺ : وعد؟ قلت: لما كَانَ وعد النَّبِي، ﷺ ، لَا يجوز أَن يخلف نزلُوا وعده منزلَة الضَّمَان فِي الصِّحَّة، فرقا بَينه وَبَين غَيره من الْأمة مِمَّن يجوز أَن يَفِي وَأَن لَا يَفِي، وَقد تنزل الْهِبَة الَّتِي لم تقبض منزلَة الْوَعْد بهَا، وَقَالَ الْمُهلب: إنجاز الْوَعْد مَنْدُوب إِلَيْهِ، وَلَيْسَ بِوَاجِب، وَالدَّلِيل على ذَلِك اتِّفَاق الْجَمِيع على أَن من وعد بِشَيْء لم يضْرب بِهِ مَعَ الْغُرَمَاء، وَلَا خلاف أَنه مستحسن وَمن مَكَارِم الْأَخْلَاق. انْتهى. وَقيل: لم يرو عَن أحد من السّلف وجوب لقَضَاء بالعدة. قلت: فِيهِ نظر، لِأَن البُخَارِيّ ذكر أَن ابْن الأشوع وَسمرَة قضيا بِهِ. وَفِي تَارِيخ الْمُسْتَمْلِي) : أَن عبد الله بن شبْرمَة قضى على رجل بوعد وحبسه فِيهِ، وتلا: ﴿كبر مقتاً عِنْد الله أَن تَقولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصَّفّ: ٠٣) .
وَرِجَال الحَدِيث أَرْبَعَة: عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر، مر فِي الْوضُوء، وَجَابِر بن عبد الله، والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي، ﷺ ، عَن عَمْرو النَّاقِد. قَوْله: (الْبَحْرين) على لفظ تَثْنِيَة بَحر مَوضِع بَين الْبَصْرَة وعمان، وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ: بحراني. قَوْله: (ثَلَاثًا) أَي: ثَلَاث حثيات، من: حثيت الشَّيْء حثياً، وحثوت حثوا، إِذا قَبضته ورميته، والحثية الغرف بكف.
٩١ - (بابٌ كيْفَ يُقْبَضُ العَبْدُ والْمَتاعُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ كَيفَ يقبض العَبْد الْمَوْهُوب وَالْمَتَاع الْمَوْهُوب، والترجمة فِي كَيْفيَّة الْقَبْض لَا فِي أصل الْقَبْض، على مَا يَجِيء بَيَانه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَقَالَ ابنُ عُمَرَ كُنْتُ علَى بَكْرٍ صَعْبٍ فاشْتَرَاهُ النبيُ، ﷺ وَقَالَ هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ الله
هَذَا التَّعْلِيق ذكره البُخَارِيّ مَوْصُولا فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب إِذا اشْترى شَيْئا فوهبه من سَاعَته، وَقد تقدم الْكَلَام
стр. 3871
فِيهِ هُنَاكَ مشروحاً. وَوجه إِيرَاده هُنَا لبَيَان كَيْفيَّة قبض الْمَوْهُوب، والموهوب هُنَا مَتَاع، فَاكْتفى فِيهِ بِكَوْنِهِ فِي يَد البَائِع، وَلم يحْتَج إِلَى قبض آخر. وَقَالَ ابْن بطال: كَيْفيَّة الْقَبْض عِنْد الْعلمَاء بِإِسْلَام الْوَاهِب لَهَا إِلَى الْمَوْهُوب لَهُ، وحيازة الْمَوْهُوب لذَلِك: كركوب ابْن عمر الْجمل.
وَاخْتلفُوا فِي الْحِيَازَة: هَل هِيَ شَرط لصِحَّة الْهِبَة أم لَا؟ فَقَالَ بَعضهم: شَرط، وَهُوَ قَول أبي بكر الصّديق وَعمر الْفَارُوق وَعُثْمَان وَابْن عَبَّاس ومعاذ وَشُرَيْح ومسروق وَالشعْبِيّ وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ والكوفيين، وَقَالُوا: لَيْسَ للْمَوْهُوب لَهُ مُطَالبَة الْوَاهِب بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، لِأَنَّهَا مَا لم يقبض عدَّة فَيحسن الْوَفَاء، وَلَا يقْضى عَلَيْهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: تصح بالْكلَام دون الْقَبْض، كَالْبيع، روى عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالنَّخَعِيّ كَذَلِك، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد وَأَبُو ثَوْر، إِلَّا أَن أَحْمد وَأَبا ثَوْر قَالَا: للْمَوْهُوب لَهُ الْمُطَالبَة بهَا فِي حَيَاة الْوَاهِب، وَإِن مَاتَ بطلت الْهِبَة. فَإِن قلت: إِذا تعين فِي الْهِبَة حق الْمَوْهُوب لَهُ، وَجب لَهُ مُطَالبَة الْوَاهِب فِي حَيَاته، فَكَذَلِك بعد مماته كَسَائِر الْحُقُوق. قلت: هَذَا هُوَ الْقيَاس، لَوْلَا حكم الصّديق بَين ظهراني الصَّحَابَة وهم متوافرون فِيمَا وهبه لابنته جدَاد عشْرين وسْقا من مَاله بِالْغَابَةِ، وَلم تكن قبضتها، وَقَالَ لَهَا: لَو كنت خزنته كَانَ ذَلِك، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْم مَال وإرث، وَلم يرو عَن أحد من الصَّحَابَة أَنه أنكر قَوْله ذَلِك، وَلَا رد عَلَيْهِ.
٩٩٥٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيثُ عنِ ابنِ مُلَيْكَةَ عنِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّهُ قَالَ قَسَمَ رسولُ الله، ﷺ أقْبِيَةً ولَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ مِنْهَا شيْئاً فَقَالَ مخْرَمَةُ يَا بُنيَّ انْطَلِقْ بِنا إِلَى رسولِ الله، ﷺ فانْطَلَقْتُ معَهُ فَقَالَ ادْخُلْ فادْعُهُ لي قَالَ فَدَعَوْتُهُ لَهُ فخَرَجَ إلَيْهِ وعَلَيْهِ قِباءٌ مِنْهَا فَقَالَ خبَأْنَا هاذا لَكَ قَالَ فنَظَرَ إلَيْهِ فَقَالَ رَضِيَ مَخْرَمَةُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن نقل الْمَتَاع إِلَى الْمَوْهُوب لَهُ قبض، وَبِهَذَا يُجَاب عَن قَول من قَالَ: كَيفَ يدل الحَدِيث على التَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ قبض العَبْد؟ لِأَنَّهُ لما علم أَن قبض الْمَتَاع بِالنَّقْلِ إِلَيْهِ علم مِنْهُ حكم العَبْد وَغَيره من سَائِر المنقولات.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: قُتَيْبَة بن سعيد، وَاللَّيْث بن سعد، وَعبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة، والمسور، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة، وَأَبوهُ مخرمَة، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة: ابْن نَوْفَل الزُّهْرِيّ، أسلم يَوْم الْفَتْح، بلغ مائَة وَخمْس عشرَة سنة، وَمَات سنة أَربع وَخمسين.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه بغلاني، وبغلان من بَلخ، وَأَن اللَّيْث مصري وَابْن أبي مليكَة مكي. وَفِيه: رد على من يَقُول: إِن الْمسور لم ير رَسُول الله، ﷺ ، وَلم يسمع مِنْهُ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن قُتَيْبَة أَيْضا، وَفِي الشَّهَادَات عَن زِيَاد بن يحيى، وَفِي الْخمس عَن عبد الله بن عبد الْوَهَّاب الحَجبي، وَفِي الْأَدَب عَن الحَجبي أَيْضا ... وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن قُتَيْبَة بِهِ، وَعَن زِيَاد بن يحيى، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي اللبَاس عَن قُتَيْبَة وَيزِيد بن خَالِد، كِلَاهُمَا عَن اللَّيْث بِهِ وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان عَن قُتَيْبَة، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن قُتَيْبَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أقبية) ، جمع: قبَاء، ممدوداً. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: القباء الَّذِي يلبس، وَفِي (الْمغرب) مَا يدل على أَنه عَرَبِيّ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا قَالَه ابْن دُرَيْد، وَهُوَ: من قبوت الشَّيْء إِذا جمعته. قَوْله: (فَادعه لي) أَي: فَادع رَسُول الله، ﷺ ، لأجلي. وَفِي رِوَايَة تَأتي: قَالَ الْمسور فأعظمت ذَلِك، فَقَالَ: يَا بني إِنَّه لَيْسَ بجبار فدعوته فَخرج. قَوْله: (فَخرج إِلَيْهِ) ، أَي: فَخرج رَسُول الله، ﷺ ، إِلَى مخرمَة. قَوْله: (وَعَلِيهِ قبَاء) ، جملَة حَالية. قَوْله: (مِنْهَا) ، أَي: من الأقببة، وَظَاهر هَذَا اسْتِعْمَال الْحَرِير، وَلَكِن قَالُوا: يجوز أَن يكون قبل النَّهْي، وَقيل: مَعْنَاهُ، وأنهه نشره على أكتافه ليراه مخرمَة كُله، وَهَذَا لَيْسَ بِلبْس، وَلَو كَانَ بعد التَّحْرِيم. قَوْله: (فَقَالَ خبأنا هَذَا لَك) . إِنَّمَا قَالَ هَذَا للملاطفة، لِأَنَّهُ كَانَ فِي خلقه شَيْء وَذكره فِي الْجِهَاد، وَلَفظه: (وَكَانَ فِي خلقه شدَّة) . قَوْله: (فَنظر إِلَيْهِ) أَي: قَالَ الْمسور: فَنظر مخرمَة إِلَى القباء. قَوْله: (فَقَالَ: رَضِي مخرمَة؟) ، قَالَ الدَّاودِيّ هُوَ من قَوْله، ﷺ ، مَعْنَاهُ: هَل رضيت على وَجه الِاسْتِفْهَام؟ وَقَالَ ابْن التِّين:
стр. 3872
يحْتَمل أَن يكون من قَول مخرمَة.
وَمن فَوَائده: الاستئلاف للقلوب، وَأَن الْقَبْض يحصل بِمُجَرَّد النَّقْل إِلَى المهدى إِلَيْهِ.
٠٢ - (بابٌ إِذا وهَبَ هِبةً فقَبَضَهَا الآخَرُ ولَمْ يَقُلْ قَبِلْتُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا وهب رجل هبة فقبضها الآخر، أَي: الْمَوْهُوب لَهُ، وَلم يقل: قبلت. وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف، وَلم يُصَرح بِهِ لمَكَان الْخلاف فِيهِ. وَالْجَوَاب: جَازَت، خلافًا لمن يشْتَرط الْقبُول، قَالَ ابْن بطال: لَا يحْتَاج الْقَابِض أَن يَقُول: قبلت، وَهُوَ قد قبضهَا. قَالَ: وعَلى هَذَا جمَاعَة الْعلمَاء، وَمذهب الشَّافِعِي: لَا بُد من الْإِيجَاب وَالْقَبُول، كَمَا فِي البيع وَسَائِر التمليكات، فَلَا يقوم الْأَخْذ وَالعطَاء مقامهما، كَمَا فِي البيع. قَالَ: وَلَا شكّ أَن من يصير إِلَى انْعِقَاد البيع بالمعاطاة تجزيه فِي الْهِبَة. وَاخْتَارَ ابْن الصّباغ من أَصْحَاب الشَّافِعِي: أَن الْهِبَة الْمُطلقَة لَا تتَوَقَّف على إِيجَاب وَقبُول. وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: لَا يعْتَبر الْقبُول فِي الْهِبَة كَالْعِتْقِ، وَهُوَ قَول شَاذ خَالف فِيهِ الكافة إلَاّ إِذا أَرَادَ الْهَدِيَّة، وَعند الْحَنَفِيَّة: لَا تصح الْهَدِيَّة إلَاّ بِالْإِيجَابِ، كَقَوْلِه: وهبت وَنَحْوه، هَذَا بِمُجَرَّدِهِ فِي حق الْوَاهِب، وبالقبول كَقَوْلِه: قبلت، وَالْقَبْض، فَلَا يتم فِي حق الْمَوْهُوب لَهُ إلَاّ بِالْقبُولِ وَالْقَبْض، لِأَنَّهُ عقد تبرع فَيتم بالمتبرع، وَلَكِن لَا يملكهُ الْمَوْهُوب لَهُ إلَاّ بِالْقبُولِ وَالْقَبْض، وَثَمَرَة ذَلِك فِيمَن حلف لَا يهب وَلم يقبل الْمَوْهُوب لَهُ يَحْنَث، وَعند زفر لَا يَحْنَث إلَاّ بِقبُول وَقبض كَمَا فِي البيع، أَو حلف على أَن يهب فلَانا، فوهبه، وَلم يقبل بر فِي يَمِينه عندنَا.
٠٠٦٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مَحْبُوبٍ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الواحِدِ قَالَ حدَّثنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ حُمَيْدِ بنِ عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ جاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُول الله، ﷺ فَقَالَ هلَكْتُ فَقَالَ وَمَا ذَاك قَالَ وقعْتُ بأهْلِي فِي رمَضَانَ قَالَ تَجِدُ رَقَبَة قَالَ لَا قَالَ فَهلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لَا قَالَ فَتَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِيناً قَالَ لَا قَالَ فَجاءَ رجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ بِعَرَقٍ والعرَقَ المِكْتلُ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ اذْهَبْ بِهذا فتَصَدَّقْ بهِ قَالَ عَلَى أحْوَجَ مِنَّا يَا رسولَ الله والَّذِي بعَثَكَ بالحَقِّ مَا بيْنَ لَابَتيْها أهْلُ بَيتٍ أحْوَجْ مِنَّا قَالَ اذْهَبْ فأطْعِمْهُ أهْلَكَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث، وَهُوَ أَنه، ﷺ ، أعْطى الرجل التَّمْر الْمَذْكُور فِيهِ فَقَبضهُ، وَلم يقل: قبلت، ثمَّ قَالَ لَهُ: (إذهب فأطعم أهلك) . وَاخْتِيَار البُخَارِيّ على هَذَا، وَهُوَ أَن الْقَبْض بِالْهبةِ كافٍ لَا يحْتَاج أَن يَقُول: قبلت، فَلذَلِك عقد التَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة وَذكر لَهَا الحَدِيث الْمَذْكُور، ورد عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ. أَحدهمَا: أَنه لم يُصَرح فِي الحَدِيث بِذكر الْقبُول وَلَا بنفيه. وَالْآخر: أَن هَذِه كَانَت صَدَقَة لَا هبة، فَلهَذَا لم يحْتَج إِلَى الْقبُول.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب إِذا جَامع فِي رَمَضَان وَلم يكن لَهُ شَيْء، فَتصدق عَلَيْهِ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ ... إِلَى آخِره. وَهنا أخرجه: عَن مُحَمَّد بن مَحْبُوب أبي عبد الله الْبَصْرِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد عَن معمر بن رَاشد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. والعرق، بِفتْحَتَيْنِ المكتل، بِكَسْر الْمِيم، وَهُوَ: الزنبيل. واللابة: الْحرَّة، وَهِي الأَرْض الَّتِي فِيهَا حِجَارَة سود، ولابتا الْمَدِينَة: حرتان تكتنفانها.
١٢ - (بابٌ إِذا وَهَبَ دينا علَى رجُلٍ قَالَ شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ هُوَ جائزٌ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا وهب رجل دينا لَهُ على رجل. قَالَ شُعْبَة بن الْحجَّاج عَن الحكم بن عتيبة: هُوَ جَائِز، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة عَن ابْن أبي زَائِدَة عَن شُعْبَة عَنهُ: فِي رجل وهب لرجل دينا لَهُ عَلَيْهِ، قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَن يرجع فِيهِ. وَقَالَ ابْن بطال: لَا خلاف بَين الْعلمَاء أَن من كَانَ عَلَيْهِ دين لرجل فوهبه لَهُ ربه وأبرأه مِنْهُ، وَقبل الْبَرَاءَة أَنه لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى قبض، لِأَنَّهُ مَقْبُوض فِي ذمَّته، وَإِنَّمَا يحْتَاج فِي ذَلِك إِلَى قبُول الَّذِي عَلَيْهِ الدّين.
وَاخْتلفُوا: إِذا وهب دينا لَهُ على رجل لرجل
стр. 3873
آخر، فَقَالَ مَالك: يجوز إِذا سلم إِلَيْهِ الْوَثِيقَة بِالدّينِ وأحله مَحل نَفسه، فَإِن لم يكن وَثِيقَة وأشهدا على ذَلِك وأعلنا فَهُوَ جَائِز. وَقَالَ أَبُو ثَوْر: الْهِبَة جَائِزَة أشهد أَو لم يشْهد إِذا تقاررا على ذَلِك، وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو حنفة: الْهِبَة غير جَائِزَة لِأَنَّهَا لَا تجوز عِنْدهم إلَاّ مَقْبُوضَة. انْتهى. وَعند الشَّافِعِيَّة فِي ذَلِك وَجْهَان: جزم الْمَاوَرْدِيّ بِالْبُطْلَانِ وَصَححهُ الْغَزالِيّ وَمن تبعه، وَصحح العمراني وَغَيره الصِّحَّة، قيل: وَالْخلاف مُرَتّب على البيع إِن صححنا بيع الدّين من غير من عَلَيْهِ، فالهبة أولى، وَإِن منعناه فَفِي الْهِبَة وَجْهَان. وَقَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: تمْلِيك الدّين من غير من هُوَ عَلَيْهِ لَا يجوز، لِأَنَّهُ لَا يقدر على تَسْلِيمه، وَلَو ملكه مِمَّن هُوَ عَلَيْهِ يجوز، لِأَنَّهُ إِسْقَاط وإبراء.
ووهَبَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ ﵉ لرَجُلٍ دَيْنَهُ
الْحسن هُوَ ابْن عَليّ بن أبي طَالب. قَوْله: (لرجل دينه) أَي: دينه الَّذِي عَلَيْهِ، وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ، لِأَنَّهُ فِي نفس الْأَمر إِبْرَاء.
وَقَالَ النَّبِي، ﷺ مَنْ كانَ لَهُ عَلَيْهِ حقٌّ فلْيُعْطِهِ أوْ لِيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسَدّد فِي (مُسْنده) من طَرِيق سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: من كَانَ لأحد عَلَيْهِ حق فليعطه إِيَّاه أَو ليتحلله مِنْهُ. قَوْله: (أَو ليتحلله مِنْهُ) أَي: من صَاحبه، والتحلل الإستحلال من صَاحبه، وتحلله أَي: جعله فِي حل بإبرائه ذمَّته.
فَقَالَ جابرٌ قُتلَ أبي وعَلَيْهِ دَينٌ فسَأل النبيُّ، ﷺ غُرَمَاءَهُ أنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حائِطي ويُحَلِّلُوا أبي
جَابر هُوَ ابْن عبد الله الْأنْصَارِيّ، وَأَبوهُ عبد الله بن عَمْرو بن حرَام بن ثَعْلَبَة الخزرجي السّلمِيّ نقيب بَدْرِي قتل بِأحد والْحَدِيث مضى مَوْصُولا فِي الْقَرْض، وَفِي هَذَا الْبَاب أَيْضا بأتم مِنْهُ على مَا يَأْتِي. قَوْله: (ثَمَر حائطي) . بالثاء الْمُثَلَّثَة، ويروى بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق، والحائط هُنَا: الْبُسْتَان من النّخل إِذا كَانَ عَلَيْهِ حَائِط أَي جِدَار.
١٠٦٢ - حدَّثنا عبْدَانُ قَالَ أخبرنَا عبْدُ الله قَالَ أخبرنَا يُونُسُ وَقَالَ الليثُ قَالَ حدَّثني يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ حدَّثني ابنُ كَعْبِ بنِ مالِكٍ أنَّ جابِرَ بنَ عبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ أخبرَهُ أنَّ أباهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيداً فاشْتَدَّ الغُرَماءُ فِي حُقُوقِهمْ فأتيْتُ رسولَ الله ﷺ فَكَلَّمْتُهُ فسَألَهُمْ أنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حائِطي ويُحَلِّلُوا أبي فأبَوْا فلَمْ يُعْطِهِمْ رسولُ الله، ﷺ حائِطي ولَمْ يَكْسِرْهُ لَهُمْ ولاكِنْ قَالَ سأغْدُو عليْكَ فغَدَا علَيْنَا حينَ أصْبَحَ فَطافَ فِي النَّخْلِ ودَعا فِي ثَمَرِهِ بالبَرَكَةِ فجدَدْتُها فقَضَيْتُهُمْ حُقُوقَهُمْ وبَقِيَ لَنَا مِنْ ثَمَرِهَا بَقِيَّةٌ ثُمَّ جِئْتُ رسولَ الله، ﷺ وهْوَ جالِسٌ فأخبرْتُهُ بذالِكَ فَقَالَ رسولُ الله، ﷺ لِعُمَرَ اسْمَعْ وهْوَ جالِسٌ يَا عُمَرَ فَقَالَ عُمرُ ألَا يكُونُ قدْ عَلِمْنا أنَّكَ رسولُ الله وَالله إنَّكَ لَرَسولُ الله..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث، وَلكنه بالتكلف، وَهُوَ أَنه ﷺ سَأَلَ غُرَمَاء أبي جَابر أَن يقبضوا ثَمَر حَائِطه. ويحللوه من بَقِيَّة دينه، وَلَو قبلوا ذَلِك كَانَ إِبْرَاء ذمَّة أبي جَابر من بَقِيَّة الدّين، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة لَو وَقع كَانَ هبة الدّين مِمَّن هُوَ عَلَيْهِ، وَهُوَ معنى التَّرْجَمَة، وَهَذَا يدل على أَن هَذَا الصَّنِيع يجوز فِي الدّين، إِذْ لَو لم يكن جَائِزا لما سَأَلَ النَّبِي ﷺ غُرَمَاء أبي جَابر بِهِ. فَافْهَم، فَإِنَّهُ دَقِيق، غفل عَنهُ الشُّرَّاح.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الاستقراض فِي: بَاب إِذا قضى دون حَقه أَو حلله فَهُوَ جَائِز، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عَبْدَانِ أَيْضا عَن عبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ ... إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه من طَرِيقين: أَحدهمَا: نَحْو الطَّرِيق الَّذِي أخرجه فِي الْبَاب الْمَذْكُور. وَالْآخر: مُعَلّق عَن اللَّيْث عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب هُوَ الزُّهْرِيّ
стр. 3874
عَن ابْن كَعْب بن مَالك، قَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يكون ابْن كَعْب هَذَا عبد الرَّحْمَن أَو عبد الله، لِأَن الزُّهْرِيّ يروي عَنْهُمَا جَمِيعًا، لَكِن الظَّاهِر أَنه عبد الله لِأَنَّهُ يروي عَن جَابر، وَهَذَا الْمُعَلق وَصله الذهلي فِي الزهريات عَن عبد الله بن صَالح عَن اللَّيْث ... إِلَى آخِره. قَوْله: (ثَمَر حائطي) ، قد مر تَفْسِيره آنِفا. قَوْله: (ويحللوا أبي) ، أَي: يَجْعَلُوهُ فِي حل بإبرائهم ذمَّته. قَوْله: (فَأَبَوا) ، أَي: امْتَنعُوا. قَوْله: (وَلم يكسرهُ) ، أَي: لم يكسر الثَّمر من النّخل لَهُم، أَي: لم يعين وَلم يقسم عَلَيْهِم. قَوْله: (حِين أصبح) ، ويروى: حَتَّى أصبح، وَالْأول أوجه. قَوْله: (فجدَدْتُها) ، أَي: قطعتها. قَوْله: (بذلك) ، أَي: بِقَضَاء الْحُقُوق وَبَقَاء الزِّيَادَة وَظُهُور بركَة دُعَاء رَسُول الله، ﷺ ، حَتَّى كَأَنَّهُ علم من أَعْلَام النُّبُوَّة معْجزَة من معجزاته. قَوْله: (إلَاّ وَيكون) بتَخْفِيف اللَّام ويروى بتشديدها، ومقصود رَسُول الله، ﷺ تَأْكِيد علم عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وتقويته وَضم حجَّة أُخْرَى إِلَى الْحجَج السالفة.
٢٢ - (بابُ هِبَةِ الواحِدِ لِلْجَمَاعَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم هبة الْوَاحِد للْجَمَاعَة، وَحكمه أَنَّهَا تجوز على اخْتِيَاره، وَقَالَ ابْن بطال: غَرَض المُصَنّف إِثْبَات هبة الْمشَاع، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، خلافًا لأبي حنيفَة. قلت: إِطْلَاق نِسْبَة عدم جَوَاز هبة الْمشَاع إِلَى أبي حنيفَة غير صَحِيح، فَإِنَّهُم ينقلون شَيْئا من مذْهبه من غير تَحْرِير وَلَا وقُوف على مدركه، ثمَّ ينسبونه إِلَيْهِ فَهَذِهِ جرْأَة وَعدم إنصاف، والمشاع الَّذِي لَا يجوز هِبته فِيمَا إِذا كَانَ مِمَّا يقسم، وَأما فِيمَا لَا يقسم فَهِيَ جَائِزَة، وَأَيْضًا الْعبْرَة فِي الشُّيُوع وَقت الْقَبْض لَا وَقت العقد. حَتَّى لَو وهب مشَاعا وَسلم مقسوماً يجوز.
وَقَالَت أسْماءُ للْقاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ وابنِ عَتِيقٍ وَرِثْتُ عنْ أُخْتِي عائِشَةَ مَالا بِالْغَابَةِ وقدْ أعْطَانِي بِهِ مُعاوِيَةُ مائَةَ ألْفٍ فَهُوَ لَكُما
أورد البُخَارِيّ هَذَا الْأَثر الْمُعَلق فِي معرض الِاحْتِجَاج على رد مَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة فِي عدم تجويزه لهبة الْمشَاع، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن بطال، وَلَكِن لَا يساعده هَذَا، فَإِن المَال الَّذِي كَانَ بَالغا بِهِ يحْتَمل أَن يكون مِمَّا يقسم، وَيحْتَمل أَن يكون مِمَّا لَا يقسم، وعَلى كلا التَّقْدِيرَيْنِ لَا يرد عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِن كَانَ مِمَّا يقسم فَلَا نزاع أَنه يجوزه، وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يقسم فَالْعِبْرَة للشيوع الْمَانِع وَقت الْقَبْض لَا وَقت العقد، كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن. قَوْله: (قَالَت أَسمَاء) ، هِيَ بنت أبي بكر الصّديق أُخْت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَالقَاسِم: هُوَ ابْن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، وَقَالَ ابْن التِّين فِي كِتَابه: الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي عَتيق، قَالَ: وأظن الْوَاو سَقَطت من كتابي، لِأَن أَبَا عَتيق هُوَ عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر، وَابْنه اسْمه عبد الله. قَالَ: وَعند أبي ذَر، وَابْن أبي عَتيق، وَقَالَ الدَّاودِيّ: الْقَاسِم بن مُحَمَّد هُوَ ابْن أخي عَائِشَة وَابْن أبي عَتيق ابْن أخيهما. قلت: الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر هُوَ ابْن أخي أَسمَاء، وَابْن أبي عَتيق هُوَ أَبُو بكر عبد الله بن أبي عَتيق مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر، وَهُوَ ابْن أخي أَسمَاء. قَوْله: (ورثت عَن أُخْتِي عَائِشَة) ، مَاتَت عَائِشَة وورثتها أختاها: أَسمَاء وَأم كُلْثُوم، وَأَوْلَاد أَخِيهَا عبد الرَّحْمَن، وَلم يَرِثهَا أَوْلَاد مُحَمَّد أَخِيهَا لِأَنَّهُ لم يكن شقيقها، فَكَأَن أَسمَاء أَرَادَت جبر خاطر الْقَاسِم بذلك، وأشركت مَعَه عبد الله لِأَنَّهُ لم يكن وَارِثا لوُجُود أَبِيه. قَوْله: (بِالْغَابَةِ) ، بالغين الْمُعْجَمَة، وَهِي فِي الأَصْل: الأجمة ذَات الشّجر المتكاثف لِأَنَّهَا تغيّب مَا فِيهَا، وَلَكِن المُرَاد بهَا هُنَا مَوضِع قريب من الْمَدِينَة من عواليها، وَبهَا أَمْوَال أَهلهَا. قَوْله: (مُعَاوِيَة) ، هُوَ ابْن أبي سُفْيَان قَوْله: (لَكمَا) ، خطاب للقاسم وَعبد الله بن أبي عَتيق، وَهَذِه صُورَة هبة الْوَاحِد من إثنين، فَإِن قلت: التَّرْجَمَة هبة الْوَاحِد للْجَمَاعَة فَلَا مُطَابقَة. قلت: يغْتَفر هَذَا الْمِقْدَار لِأَن الْجمع يُطلق على الْإِثْنَيْنِ كَمَا عرف.
٢٠٦٢ - حدَّثنا يَحْيى بنُ قَزَعَةَ قَالَ حدَّثنا مالكٌ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ فشرِبَ وعنْ يَمِينِهِ غُلامٌ وعنْ يَسارِهِ الأشْياخُ فَقَالَ لِلْغُلامِ إنْ أذِنْتَ لِي أعْطَيْتُ هؤُلاءِ فَقَالَ مَا كُنتُ لأُوثِر بنَصِيبي مِنْكَ يَا رَسُول الله أحَدَاً فتلَّهُ فِي يَدِهِ.
.
стр. 3875
مطابقته للتَّرْجَمَة مَا قَالَه ابْن بطال: إِنَّه ﷺ سَأَلَ الْغُلَام أَن يهب نصِيبه للأشياخ، وَكَانَ نصِيبه مِنْهُ مشَاعا متميز، فَدلَّ على صِحَة هبة الْمشَاع. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى، وَأَبُو حَازِم هُوَ سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج، والْحَدِيث مر فِي كتاب الْمَظَالِم فِي: بَاب إِذا أذن لَهُ أَو حلله، وَلم يبين كم هُوَ. (وتله) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق، وَتَشْديد اللَّام أَي: طَرحه، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
٣٢ - (بابُ الهِبَةِ المقْبُوضَةِ وغيْرِ الْمَقْبُوضَةِ والمُقْسُومَة وغيرِ المقْسُومَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْهِبَة المقبوضة ... إِلَى آخِره، وَمرَاده من التَّرْجَمَة هُوَ قَوْله: وَغير المقسومة، لِأَن حكم المقبوضة قد مضى، وَغير المقبوضة قد علم مِنْهُ، وَحكم المقسومة ظَاهر، فَلم يبْق إلَاّ بَيَان حكم غير المقسومة.
وقدْ وهبَ النبيُّ ﷺ وأصحابُهُ لِهَوازِنَ مَا غَنِمُوا منْهُمْ وهْوَ غَيْرُ مَقْسُومٍ
ذكر هَذَا لبَيَان قَوْله فِي التَّرْجَمَة: وَغير المقسومة، وغرضه من هَذَا إِقَامَة الدَّلِيل على صِحَة هبة الْمشَاع، وَلَكِن لَا يتم بِهِ الِاسْتِدْلَال، لِأَن الْمَذْكُور فِيهِ لَا يُطلق عَلَيْهِ الْهِبَة الشَّرْعِيَّة لِأَن الْقَبْض شَرط فِيهَا، وَذكر عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) : وَقَالَ: أخبرنَا سُفْيَان الثَّوْريّ عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم، قَالَ: لَا تجوز الْهِبَة حَتَّى يقبض. انْتهى. وَقَوله: (غير مقسوم) ، يلْزم مِنْهُ أَن يكون غير مَقْبُوض أَيْضا، فَإِذا لم يكن مَقْبُوضا كَيفَ يُطلق عَلَيْهِ الْهِبَة الشَّرْعِيَّة؟ وَهَذَا الْمُعَلق يَأْتِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ بأتم مِنْهُ مَوْصُولا. قَوْله: (لهوازن) ويروى: إِلَى هوَازن، وَهِي قَبيلَة مَعْرُوفَة. وَقَالَ الرشاطي: الهوازني فِي قيس غيلَان وَفِي خُزَاعَة. فَفِي، قيس غيلَان: هوَازن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة ببن حَفْصَة بن قيس غيلَان، وَفِي خُزَاعَة: هوَازن بن أسلم بن أقْصَى، وهوازن هَذَا بطن، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: هوَازن ضرب من الطير، وَقَالَ ابْن عبد الْوَارِث: هوزن وَاحِد ذَلِك، وَهُوَ: فوعل، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد: فِي هوَازن بطُون كَثِيرَة وأفخاذ وقلَّ من ينْسب هَذِه النِّسْبَة.
٣٠٦٢ - حدَّثنا وَقَالَ ثابتٌ قَالَ حدَّثنا مِسْعرٌ عنْ مُحاربٍ عَن جابرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أتَيْتُ النَّبِي، ﷺ فِي الْمَسْجِدِ فقَضَانِي وزَادَنِي..
ذكر هَذَا أَيْضا فِي معرض الِاسْتِدْلَال على صِحَة هبة الْمشَاع، وَلَكِن لَا يتم بِهِ الِاسْتِدْلَال لِأَن هَذِه الزِّيَادَة لم تكن هبة، وَإِنَّمَا هِيَ ليتيقن بهَا الْإِيفَاء زِيَادَة فِي الثّمن، وَالزِّيَادَة لَا يُؤثر فِيهَا الشُّيُوع. فَإِن قلت: يُوجب جَهَالَة الثّمن. قلت: الْجَهَالَة لَا تُؤثر فِي الثّمن الْمعِين، وَحَدِيث جَابر هَذَا قد مضى مطولا فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب شِرَاء الدَّوَابّ وَالْحمير، وَمر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى، وثابت بالثاء الْمُثَلَّثَة ضد زائل: ابْن مُحَمَّد أَبُو إِسْمَاعِيل العابد الشَّيْبَانِيّ الْكُوفِي، مَاتَ سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَثَبت كَذَلِك عِنْد أبي عَليّ ابْن السكن، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَبِه جزم أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) وَفِي رِوَايَة أبي زيد الْمروزِي: وَقَالَ ثَابت، ذكره بِصُورَة التَّعْلِيق، وَهُوَ مَوْصُول عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيره، وَفِي رِوَايَة أبي أَحْمد الْجِرْجَانِيّ: قَالَ البُخَارِيّ: حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا ثَابت، فَزَاد فِي الْإِسْنَاد مُحَمَّدًا، وَقَالَ الغساني: وَفِي نُسْخَة الْأصيلِيّ: حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا ثَابت قَالَ، وَحدث البُخَارِيّ عَن ثَابت بِدُونِ الْوَاسِطَة كثيرا. قلت: وَلم يُتَابع الْجِرْجَانِيّ على هَذِه الزِّيَادَة، وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بِمُحَمد هُوَ البُخَارِيّ المُصَنّف، وَيَقَع مثل ذَلِك كثيرا، فَلَعَلَّ الْجِرْجَانِيّ ظَنّه غير البُخَارِيّ. قَوْله: (مسعر) ، بِكَسْر الْمِيم: ابْن كدام، وَقد مر فِي الْوضُوء وَغَيره، (ومحارب) ، بِكَسْر الرَّاء ضد الْمصَالح ابْن دثار ضد الشعار.
٤٠٦٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدَرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ مُحَارِبٍ سَمِعْتُ جابرَ بنَ عبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يقولُ بعتُ مِنَ النبيِّ ﷺ بَعيراً فِي سَفَر فلَمَّا أتيْنَا المَدِينَةَ قَالَ ائْتِ المَسْجِدَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ فوزَنَ. قَالَ شُعْبَةُ أرَاهُ فوَزَنَ لِي فأرْجَحَ فَما زالَ مِنْها شَيْءٌ حتَّى أصَابَهَا أهْلُ الشَّأمِ يَوْمَ الحَرَّةِ.
.
стр. 3876
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث جَابر عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر، وَهُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن محَارب إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ، وَسَيَأْتِي أَيْضا فِي الشُّرُوط، وَإِنَّمَا أدخلهُ فِي هَذِه التَّرْجَمَة لما ذكرنَا فِي الحَدِيث الْمَاضِي، وَالْجَوَاب عَنهُ مثل الْجَواب هُنَاكَ. قَوْله: (يَوْم الْحرَّة) ، أَي: يَوْم الْوَقْعَة الَّتِي كَانَت حوالي الْمَدِينَة عِنْد حرتها بَين عَسْكَر الشَّام من جِهَة يزِيد بن مُعَاوِيَة، وَبَين أهل الْمَدِينَة، سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ.
٥٠٦٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ عنْ مالكٍ عنْ أبِي حازمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ أُتِيَ بِشَرابٍ وعنْ يَمِينِهِ غُلامٌ وعنْ يَسارِهِ أشْياخٌ فَقَالَ لِلْغُلامِ أتَأْذَنِ لي أنْ أُعْطِيَ هَؤُلاءِ فَقَالَ الغُلامُ لَا وَالله لَا أُوثِرُ بنَصِيبِي منْكَ أحدَاً فَتَلَّهُ فِي يَدِهِ..
هَذَا الحَدِيث ذكره فِي الْبَاب السَّابِق فِي تَرْجَمَة هبة الْوَاحِد للْجَمَاعَة، وَهنا ذكره فِي تَرْجَمَة الْهِبَة الْغَيْر المقسومة، وَوجه الْمُطَابقَة من حَيْثُ إِن فِيهِ هبة غير مقسومة، وَهَذَا أَيْضا لَا يقوم بِهِ الدَّلِيل فِيمَا ذهب إِلَيْهِ، لِأَن غير الْمَقْسُوم غير متميز وَلَا يتَصَوَّر فِيهِ الْقَبْض أصلا، وَمن شَرط صِحَة الْهِبَة الشَّرْعِيَّة الْقَبْض.
٦٠٦٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عُثْمَانَ بنِ جَبَلَةَ قَالَ أخبرنِي أبي عنْ شُعْبَةَ عنْ سَلَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كانَ لِرَجُلٍ علَى رسولِ الله، ﷺ دَيْنٌ فَهَمَّ بِهِ أصْحَابُهُ فَقَالَ دَعُوهُ فإنَّ لِصاحِبِ الحَقِّ مَقالاً وَقَالَ اشتَرُوا لهُ سِنّاً فأعْطُوهَا إيَّاهُ فقالوُوا إنَّا لَا نَجِدُ سنّاً إلَاّ سِنّاً هِيَ أفْضَلُ مِنْ سِنِّهِ قَالَ فاشْتَرُوهَا فأعْطُوهَا إيَّاهُ فإنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أحْسَنُكُمْ قَضاءً..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث، لِأَن فِيهِ أَنه ﷺ أَمر بِإِعْطَاء سنّ لصَاحب الدّين أفضل من سنه، وَالزِّيَادَة فِيهِ غير مقسومة، وَالْجَوَاب عَنهُ مثل الْجَواب فِي الحَدِيث الَّذِي قبله، وَعبد الله بن عُثْمَان هُوَ الملقب بعبدان، وَسَلَمَة هُوَ ابْن كهيل، وَأَبُو سَلمَة هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَقد مضى الحَدِيث فِي كتاب الاستقراض فِي: بَاب حسن الْقَضَاء، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٤٢ - (بابٌ إذَا وهَبَ جَماعَة القَوْمِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا وهب جمَاعَة لقوم، وَزَاد الْكشميهني فِي رِوَايَته وهب رجل جمَاعَة جَازَ، وَهَذِه الزِّيَادَة لَا طائل تحتهَا، لِأَنَّهَا تقدّمت مُفْردَة قبل بَاب.
٨٠٦٢ - حدَّثنا يَحْيى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ أنَّ مَرْوَانَ ابنَ الحَكم والمِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَة أخْبرَاهُ أنَّ النَّبِي، ﷺ قَالَ حِينَ جاءَهُ وفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمينَ فَسألُوهُ أنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ أمْوَالَهُمْ وسَبْيَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ مَعي تَروْنَ وأحَبُّ الحَدِيثَ إلَيَّ أصْدَقُهُ فاخْتَارُوا إحْداى الطَّائِفَتَيْنِ إمَّا السَّبْيَ وإمَّا المَالَ وقدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ وكانَ النبيُ، ﷺ انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ فلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّ النبيَّ، ﷺ غيْرُ رَادٍّ إلَيْهِمْ إلَاّ إحْداى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا فإنَّا نَخْتَارُ سَبْينَا فقامَ فِي الْمُسْلِمِينَ فأثْناى على الله بِمَا هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ قالَ أمَّا بَعْدُ فإنَّ إخْوَانَكُمْ هَؤُلاءِ جاؤُنا تائِبِينَ وإنِّي رَأيْتُ أنْ أرُدَّ إلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ فَمَنْ أحَبَّ مِنْكُمْ أنْ يُطَيِّبَ ذالِكَ فلْيَفْعَلْ ومنْ أحَبَّ أنْ يَكُونَ على حَظِّهِ حتَّى نُعْطِيَهُ إيَّاهُ مِنْ أوَّلِ
стр. 3877
مَا يُفِيءُ الله عَلَيْنَا فلْيَفْعَلْ فَقَالَ النَّاسُ طَيَّبْنَا يَا رسوُلَ الله لَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ إأا لَا نَدْرِي منْ أذِنَ مَنْكُمْ فِيهِ مِمَّنْ لَمْ يَأذَنْ فارْجِعُوا حتَّى يَرْفَعَ إلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أمْرَكُمْ فرَجَعَ النَّاسُ فكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا إلَى النَّبِي، ﷺ فأخبرُوهُ أنَّهُمْ طَيَّبُوا وأذِنُوا..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث، وَهُوَ أَن الْغَانِمين، وهم جمَاعَة، وهبوا بعض الْغَنِيمَة لمن غنموها مِنْهُم، وهم قوم هوَازن. وَأما وَجه الْمُطَابقَة فِي زِيَادَة الْكشميهني فَمن جِهَة أَنه كَانَ للنَّبِي، ﷺ ، سهم، وَهُوَ الصفي، فوهبه لَهُم. وَالْجَوَاب عَنهُ مَا مر عَن قريب، وَهَذَا الحَدِيث هُوَ الْمَذْكُور فِي الْمرة الرَّابِعَة مِنْهَا فِي كتاب الْوكَالَة فِي: بَاب إِذا وهب شَيْئا لوكيل أَو شَفِيع قوم جَازَ.
قَوْله: (هوَازن) ، مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (مُسلمين) ، حَال من الْوَفْد. قَوْله: (من ترَوْنَ) ، أَي: من الْعَسْكَر. قَوْله: (حَتَّى يرفع) ، قَالَه الْكرْمَانِي: قَالُوا: هُوَ بِالرَّفْع أَجود. قلت: لم يبين وَجه أجودية الرف، وَالنّصب هُوَ الأَصْل، لِأَن: أَن، بعد: حَتَّى، مقدرَة فَافْهَم، وَبَقِيَّة الْكَلَام قد مرت.
وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : مَا ملخصه: إِنَّهُم طيبُوا أنفسهم ووهبوا لَهُم. وَفِيه: رد على قَول أبي حنيفَة: إِن هبة الْمشَاع الَّتِي تتأتى فِيهَا الْقِسْمَة لَا تجوز. قلت: لَا وَجه للرَّدّ على قَول أبي حنيفَة، فَإِنَّهُ يَقُول: هَذَا لَيست فِيهِ هبة شَرْعِيَّة، وَإِنَّمَا هُوَ رد سَبْيهمْ إِلَيْهِم، ورد الشَّيْء لصَاحبه لَا يُسمى هبة.
وهذَا الَّذِي بَلَغنا مِنْ سَبْيِ هَوازِنَ هاذَا آخِرُ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ يَعْنِي فَهذَا الَّذِي بَلَغَنَا
قَوْله: (هَذَا الَّذِي بلغنَا) من كَلَام الزُّهْرِيّ بَينه البُخَارِيّ بقوله: هَذَا آخر قَول الزُّهْرِيّ، وَفِي بعض النّسخ: قَالَ أَبُو عبد الله، هَذَا آخر قَول الزُّهْرِيّ، ثمَّ فسره بقوله: (يَعْنِي فَهَذَا الَّذِي بلغنَا) يَعْنِي: هُوَ هَذَا آخر قَوْله. وَالله أعلم.
٥٢ - (بابُ مَنْ أهْدِيَ لَهُ هَدِيَّةٌ وعِنْدَهُ جُلَساؤُهُ فَهُوَ أحَقُّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من أهدي لَهُ، بِضَم الْهمزَة على صِيغَة الْمَجْهُول، و: هَدِيَّة: مَرْفُوعَة بِإِسْنَاد أهدي إِلَيْهِ. قَوْله: (وَعِنْده) أَي: وَالْحَال أَن عِنْد هَذَا الَّذِي أهْدى لَهُ جمَاعَة، وهم جُلَسَاؤُهُ وَهُوَ جمع جليس. قَوْله: (فَهُوَ أَحَق) ، جَوَاب من: أَي: الَّذِي أهْدى لَهُ أَحَق بالهدية من جُلَسَائِهِ، يَعْنِي: لَا يشاركون مَعَه.
ويُذْكَرُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ أنَّ جُلَسَاءَهُ شُرَكَاءَهُ ولَمْ يَصِحَّ
لما كَانَ وضع تَرْجَمَة الْبَاب يُخَالف مَا روى عَن ابْن عَبَّاس أَن جلساءه وشركاؤه، أَشَارَ إِلَيْهِ بِصِيغَة التمريض، بقوله: وَيذكر عَن ابْن عَبَّاس أَن جلساءه، أَي: جلساء الْمهْدي إِلَيْهِ شركاؤه فِي الْهَدِيَّة، وَلم يكتف بِذكرِهِ هَذَا عَن ابْن عَبَّاس بِصِيغَة التمريض حَتَّى أكده بقوله: وَلم يَصح، أَي: وَلم يَصح، هَذَا عَن ابْن عَبَّاس، وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى: وَلم يَصح فِي هَذَا الْبَاب شَيْء، وَلِهَذَا قَالَ الْعقيلِيّ: لَا يَصح فِي هَذَا الْبَاب عَن النَّبِي، ﷺ شَيْء، وروى هَذَا عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا وموقوفاً، وَالْمَوْقُوف أصح إِسْنَادًا من الْمَرْفُوع. أما الْمَرْفُوع، فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن الصَّلْت: حَدثنَا منْدَل بن عَليّ عَن ابْن جريج عَن عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من أهديت لَهُ هَدِيَّة وَعِنْده نَاس فهم شركاؤه فِيهَا) ومندل بن عَليّ ضَعِيف، وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق أَيْضا عَن مُحَمَّد بن مُسلم عَن عَمْرو عَن ابْن عَبَّاس، وَرَوَاهُ أَيْضا عبد بن حميد من طَرِيق ابْن جريج عَن عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا نَحوه، وَلَفظه وَعِنْده قوم، وَاخْتلف على عبد الرَّزَّاق عَنهُ فِي وَقفه وَرَفعه، وَالْمَشْهُور عَنهُ الْوَقْف، وَهُوَ أصح الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ، وَله شَاهد مَرْفُوع من حَدِيث الْحسن بن عَليّ فِي مُسْند إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَآخر عَن عَائِشَة عِنْد الْعقيلِيّ، وإسنادهما ضَعِيف أَيْضا، وَقَالَ ابْن بطال: معنى الحَدِيث النّدب عِنْد الْعلمَاء فِيمَا خف من الْهَدَايَا، وَجَرت الْعَادة فِيهِ، وَأما مثل الدّور وَالْمَال الْكثير فصاحبها أَحَق بهَا، ثمَّ ذكر حِكَايَة أبي يُوسُف القَاضِي: أَن الرشيد أهْدى إِلَيْهِ مَالا كثيرا وَهُوَ جَالس مَعَ أَصْحَابه، فَقيل لَهُ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : جلساؤكم شركاؤكُم، فَقَالَ أَبُو يُوسُف: إِنَّه لم يرد فِي مثله، وَإِنَّمَا ورد فِيمَا خف من الْهَدَايَا من المأكل وَالْمشْرَب، ويروى من غير هَذَا الْوَجْه أَنه: كَانَ جَالِسا وَعِنْده أَحْمد بن جنبل
стр. 3878
وَيحيى بن معِين، فَحَضَرَ من عِنْد الرشيد طبق وَعَلِيهِ أَنْوَاع من التحف المثمنة، فروى أَحْمد وَيحيى هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ أَبُو يُوسُف: ذَاك فِي التَّمْر والعجوة، يَا خَازِن! إرفعه.
٩٠٦٢ - حدَّثنا ابنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أخبرنَا عبدُ الله قَالَ أخبرنَا شُعْبَةُ عنْ سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ عنْ أبِي سلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِي ﷺ أنَّهُ أخذَ سِنَّا فَجاءَهُ صاحِبُهُ يَتقَاضَاهُ فَقال إنَّ لِصاحِبِ الحَقِّ مقَالاً ثُمَّ قَضاهُ أفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ وَقَالَ أفْضَلُكُمْ أحْسَنُكُمْ قَضَاءً..
مطابقته للتَّرْجَمَة على مَا قَالَه الْكرْمَانِي: إِن الزِّيَادَة على حَقه كَانَت هَدِيَّة، وَقيل: هِبته لصَاحب السن الْقدر الزَّائِد على حَقه، وَلم يُشَارِكهُ غَيره، وَفِيه نظر لَا يَخْلُو عَن تعسف، والْحَدِيث مر عَن قريب فِي: بَاب الْهِبَة المقبوضة، وَابْن مقَاتل هُوَ مُحَمَّد بن مقَاتل الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي.
٠١٦٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ عمْرٍ وَعَن ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّهُ كانَ مَعَ النبيِّ، ﷺ فِي سفَرٍ فكانَ علَى بَكْرٍ لِعُمَرَ صَعْبٍ فَكانَ يَتَقَدَّمُ النبيَّ، ﷺ فَيَقُولُ أبُوهُ يَا عَبْدَ الله لَا يَتَقَدَّمُ النبيَّ ﷺ أحَدٌ فَقَالَ لَهُ النبيُّ ﷺ بِعْنِيهِ فَقَالَ عُمَرُ هُوَ لَكَ فاشْتَرَاهُ ثُمَّ قالَ هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ الله فاصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ.
(انْظُر الحَدِيث ٥١١٢ وطرفه) .
قَالَ: هَذَا الحَدِيث لَا دخل لَهُ فِي هَذَا الْبَاب، فَلَا مُطَابقَة بَينه وَبَين التَّرْجَمَة. قلت: لِأَن هَذَا هبة لشخص معِين فَلَا مُشَاركَة لغيره فِيهَا، وَقَالَ ابْن بطال: هِبته لِابْنِ عمر مَعَ النَّاس، فَلم يسْتَحق أحد مِنْهُم فِيهِ شركَة. قلت: هَذَا عَجِيب: لِأَن الشَّخْص إِذا وهب لأحد شَيْئا وَهُوَ بَين النَّاس فَهَل يتَوَهَّم فِيهِ أَنهم يشاركونه فِيهِ؟ حَتَّى يُقَال: هَذِه هبة وهبت لشخص وَعِنْده جُلَسَاؤُهُ، فهم شركاؤه فِيهِ، بل كل مِنْهُم يتَحَقَّق أَن هَذَا هُوَ الأحق لتعينه من جِهَة الْوَاهِب. وَقَالَ بَعضهم: هَذَا مصير من المُصَنّف إِلَى اتِّحَاد حكم الْهَدِيَّة وَالْهِبَة. قلت: هَذَا أعجب من ذَلِك، وَكَيف بَينهمَا اتِّحَاد فِي الحكم؟ بل بَينهمَا تغاير فِي الحكم وتباين، لِأَن الْهِبَة عقد من الْعُقُود يحْتَاج إِلَى إِيجَاب وَقبُول وَقبض، والهدية لَيست كَذَلِك، وَأَيْضًا قد يشْتَرط الْعِوَض فِي الْهِبَة وَلَا يشْتَرط فِي الْهَدِيَّة، والْحَدِيث قد مر فِي الْبيُوع فِي: بَاب إِذا اشْترى شَيْئا فوهب من سَاعَته و (الْبكر) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة: الْفَتى من الْإِبِل بِمَنْزِلَة الْغُلَام من النَّاس، وَالْأُنْثَى بكرَة، و (صَعب) صفته أَي: شَدِيد، وَقد مر هُنَاكَ بَقِيَّة الْكَلَام.
٦٢ - (بابٌ إذَا وهَبَ بعِيراً لرَجُلٍ وهْوَ راكِبُهُ فَهْوَ جائِزٌ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: إِذا وهب رجل بعير لرجل، وَهُوَ رَاكِبه، أَي: وَالْحَال أَن الْمَوْهُوب لَهُ رَاكب الْجمل الْمَوْهُوب، فَهُوَ جَائِز، والتخلية بَينه وَبَين الْبَعِير تتنزل منزلَة الْقَبْض.
١١٦٢ - وَقَالَ الحُمَيْدِيُّ حدَّثنا سُفْيانُ قَالَ حدَّثنا عَمْرٌ وعنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِي، ﷺ فِي سَفَرٍ وكُنْتُ علَى بَكْرٍ صَعْبٍ فَقَالَ النبيُّ، ﷺ ، لِعُمَرَ بِعْنِيهِ فابْتَاعَهُ فَقَالَ النبيُّ، ﷺ ، هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ الله..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث مر فِي الْبَاب الَّذِي قبله وَفِي غَيره كَمَا ذَكرْنَاهُ، والْحميدِي هُوَ عبد الله بن عِيسَى الْقرشِي الْأَسدي أَبُو بكر الْمَكِّيّ، ونسبته إِلَى أحد أجداده حميد، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وهما أَيْضا مكيان، وَهَذَا وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ فَرَوَاهُ عَن أبي صَالح عَنهُ بِهِ وَأَبُو نعيم عَن أبي عَليّ مُحَمَّد بن أَحْمد عَن بشر بن عِيسَى عَنهُ بِهِ.
٧٢ - (بابُ هَدِيَّةَ مَا يُكْرَهُ لُبْسُها)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم هَدِيَّة مَا يكره لبسهَا، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: مَا يكره لبسه، بتذكير الضَّمِير، وَكِلَاهُمَا صَحِيح، لِأَن كلمة:
стр. 3879
مَا يصلح للمذكر والمؤنث، وَالْمرَاد بِالْكَرَاهَةِ مَا هُوَ أَعم من التَّحْرِيم والتنزيه، وهدية مَا لَا يجوز لبسه جَائِزَة، فَإِن لصَاحِبهَا التَّصَرُّف فِيهَا بِالْبيعِ وَالْهِبَة لمن يجوز لِبَاسه كالنساء.
٢١٦٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ رأى عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ حُلَّةً سِيرَاءَ عِنْدَ بابِ المَسْجِدِ فَقَالَ يَا رسولَ الله لوِ اشْتَرَيْتَهَا فلَبِسْتَهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ ولِلْوَفْدِ قَالَ إنَّما يَلْبَسُها منْ لَا خَلاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ ثُمَّ جاءَتْ حُلَلٌ فأعْطى رسولُ الله ﷺ عُمَرَ مِنْها حُلَّةً وَقَالَ أكَسَوْتَنِيها وقُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ فَقَالَ إنِّي لَمْ أكْسُكَهَا فَكَسَا عُمَرُ أَخا لَهُ بِمَكَّةَ مُشْرِكاً..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ أهْدى تِلْكَ الْحلَّة إِلَى عمر، مَعَ أَنه يكره لبسهَا. والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الْجُمُعَة فِي: بَاب يلبس أحسن مَا يجد، والحلة من برود الْيمن، وَأَنَّهَا لَا تكون إلَاّ من ثَوْبَيْنِ: إِزَار ورداء، والوفد: هم الْقَوْم يَجْتَمعُونَ ويرِدُون الْبِلَاد، وَكَذَلِكَ الَّذين يقصدون الْأُمَرَاء لزيارة واسترفاد وانتجاع وَغير ذَلِك، وَهُوَ جمع: وَافد، تَقول: وَفد يفد فَهُوَ وَافد، وَأَنا أوفدته فوفد. قَوْله: (عُطَارِد) ، منصرف وَهُوَ علم رجل تميمي يَبِيع الْحلَل. قَوْله: (أَخا لَهُ) أَي: لعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هُوَ أَخُوهُ من أمه، وَقيل: من الرضَاعَة.
٣١٦٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ فُضَيْلٍ عنْ أبِيهِ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ أتَى النبيُّ ﷺ بَيْتَ فاطِمَةَ بِنْتِه فلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا وجاءَ عَلِيّ فَذكَرَتْ لَهُ ذالِكَ فذَكَرَهُ لِلنبيِّ ﷺ قَالَ إنِّي رَأيْتُ علَى بابِها سِتْراً مَوْشِياً فَقَالَ مَا لِي وللدُّنْيَا فَأَتَاهَا علِيٌّ فذَكَرَ ذالِكَ لَهَا فقالَتْ لِيَأْمُرْنِي فِيهِ بِمَا شاءَ قَالَ تُرْسِلُ بِهِ إلَى فُلانٍ أهْلِ بَيْتٍ بِهِمْ حاجةٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ أمره ﷺ فَاطِمَة بإرسال ذَلِك السّتْر الْمُوشى أَي: المخطط إِلَى آل فلَان.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن جَعْفَر بن أبي الْحُسَيْن أَبُو جَعْفَر الْحَافِظ الْكُوفِي، نزل فيد، بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره دَال مُهْملَة: وَهُوَ بلد بَين بَغْدَاد وَمَكَّة فِي نصف الطَّرِيق سَوَاء، وَنسب إِلَيْهَا، وَقيل لَهُ: الفيدي، ذكره اللالكائي وَابْن عدي وَابْن عَسَاكِر فِي شُيُوخ البُخَارِيّ. الثَّانِي: مُحَمَّد بن فُضَيْل بن غَزوَان. الثَّالِث: أَبوهُ فُضَيْل بن غَزوَان بن جرير أَبُو الْفضل الضَّبِّيّ الْكُوفِي. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن فُضَيْل بن غَزوَان لَيْسَ لَهُ عَن نَافِع عَن ابْن عمر فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي اللبَاس عَن وَاصل بن عبد الْأَعْلَى عَن ابْن فُضَيْل بِهِ، وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن عبد الله بن نمير عَنهُ نَحوه.
قَوْله: (أَتَى بَيت فَاطِمَة) ، ويروى: أَتَى بنته فَاطِمَة فَلم يدْخل عَلَيْهَا، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: وقلَّ مَا كَانَ يدْخل إلَاّ بِإِذْنِهَا. قَوْله: (موشياً) أَصله موشوي فاجتمعت الْوَاو وَالْيَاء وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فقلبت الْوَاو يَاء وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء وَكسرت الشين لأجل الْيَاء، فَصَارَ نَحْو مرضِي وَنَحْوه. قَوْله: (فَذكرت لَهُ ذَلِك) ، هَذَا قَول فَاطِمَة أَي: ذكرت مَجِيء رَسُول الله، ﷺ ، إِلَى بَيتهَا وَعدم دُخُوله فِيهِ، وَفِي رِوَايَة ابْن نمير، عَن ابْن فُضَيْل: فجَاء عَليّ فرآها مهتمة. قَوْله: (فَذكره للنَّبِي، ﷺ ، أَي: فَذكر ذَلِك عَليّ للنَّبِي، ﷺ ، كَذَا فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، وَفِي رِوَايَة ابْن نمير عَن فُضَيْل، فَقَالَ: يَا رَسُول الله! اشْتَدَّ عَلَيْهَا أَنَّك جِئْت فَلم تدخل عَلَيْهَا. قَوْله: (فَقَالَ مَالِي وللدنيا) وَفِي رِوَايَة ابْن نمير عَن فُضَيْل: مَا لي وللرقم، أَي: المرقوم، والرقم النقش. قَوْله: (فَقَالَت) أَي: فَاطِمَة. قَوْله: (فِيهِ) ، أَي: فِي السّتْر الْمُوشى. قَوْله: (قَالَ) ،
стр. 3880
أَي: النَّبِي، ﷺ ، ترسل بِهِ أَي ترسل فَاطِمَة بذلك السّتْر إِلَى آل فلَان، ويروى: إِلَى فلَان، بِدُونِ ذكر آل وَترسل، بِضَم اللَّام فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، ترسل بِهِ، بِالْبَاء وبحذف النُّون من غير عِلّة، وَهِي لُغَة. قَوْله: (أهل بَيت) ، بِالْجَرِّ على الْبَدَل.
وَفِيه كره النَّبِي، ﷺ ، الْحَرِير لفاطمة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، لِأَنَّهَا مِمَّن يرغب لَهَا فِي الْآخِرَة وَلَا يرضى لَهَا بتعجيل طيباتها فِي حَيَاتهَا الدُّنْيَا وَأَن النَّهْي عَنهُ إِنَّمَا هُوَ من جِهَة الْإِسْرَاف قَالَ الْكرْمَانِي وَأَقُول لِأَن فِيهَا صوراً ونقوشاً وَالله أعلم. وَفِيه كَرَاهِيَة دُخُول الْبَيْت الَّذِي فِيهِ مَا يكره وروى ابْن حببان من حَدِيث سفينة قَالَ لم يكن رَسُول الله، ﷺ يدْخل بَيْتا مزوقاً.
٤١٦٢ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبرنِي عَبْدُ المَلِكِ بنِ مَيْسَرَةَ قَالَ سَمِعْتُ زَيْدَ بنَ وهْبٍ عنْ عَلِيٍّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أهْدَى إلَى النَّبِي، ﷺ حُلَّةً سِيَرَاءَ فلَبِسْتُهَا فَرَأيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ فَشَقَقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَرَأَيْت الْغَضَب فِي وَجهه) فَإِنَّهُ كره لبسهَا لعَلي مَعَ أَنه أهداها إِلَيْهِ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النَّفَقَات عَن حجاج بن منهال وَفِي اللبَاس عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَعَن بنْدَار عَن غنْدر. وَأخرجه مُسلم فِي اللبَاس عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن غنْدر بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن بنْدَار بِهِ.
قَوْله: (فِي حلَّة سيراء) ، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف مَمْدُود: وَهُوَ نوع من البرود يخالطه حَرِير كالسيور، وَهُوَ فعلاء من السّير، وَهُوَ الْقد، هَكَذَا يرْوى على الصّفة، وَقيل: على الْإِضَافَة، وَاحْتج بِأَن سِيبَوَيْهٍ قَالَ: لم تأت فعلاء صفة لَكِن إسماً، وَشرح السيراء بالحرير الصافي مَعْنَاهُ حلَّة حَرِير. قَوْله: (فَرَأَيْت الْغَضَب فِي وَجهه) ، ظَاهره التَّحْرِيم، وَأما أَبُو عبد الله أَخُو الْمُهلب فَقَالَ: هُوَ دَال على أَن النَّهْي للكراهة فَقَط، وَلَو كَانَ تَحْرِيمًا لما عرف الْكَرَاهَة من وَجهه بل نَهَاهُ. فَإِن قلت: من الْمهْدي هَذِه الْحلَّة؟ قلت: قَالُوا: أكيدر دومة، قَالَ ابْن الْأَثِير: دومة الجندل مَوضِع، بِضَم الدَّال وتفتح. قَوْله: (فشققتها بَين نسَائِي) ، وَالْمرَاد بِهِ نسَاء قومه، وَلَا يُرِيد بِهِ زَوْجَاته إِذْ لم يكن لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، زَوْجَة فِي حَيَاة رَسُول الله، ﷺ سوى فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَذكر ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب (الْهَدَايَا) تأليفه، عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: فشققت مِنْهَا أَرْبَعَة أخمرة لفاطمة بنت أَسد أُمِّي، ولفاطمة زَوْجَتي، ولفاطمة بنت حَمْزَة بن عبد الْمطلب. قَالَ: وَنسي الرَّاوِي الرَّابِعَة. قَالَ عِيَاض: يشبه أَن تكون فَاطِمَة بنت شيبَة بن ربيعَة امْرَأَة عقيل أخي عَليّ، وَعند أبي الْعَلَاء بن سُلَيْمَان: فَاطِمَة بنت أبي طَالب المكناة أم هانىء، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: قيل: فَاطِمَة بنت الْوَلِيد بن عقبَة، وَقيل: فَاطِمَة بنت عتبَة بن ربيعَة.
٨٢ - (بابُ قَبولِ الْهَدِيَّةِ مِنَ المُشْرِكِينَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز قبُول الْهَدِيَّة من الْمُشْركين، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى ضعف الحَدِيث الْوَارِد فِي رد هَدِيَّة الْمُشرك، وَهُوَ مَا أخرجه مُوسَى بن عقبَة فِي الْمَغَازِي عَن ابْن شهَاب عَن عبد الرَّحْمَن بن كَعْب بن مَالك وَرِجَال من أهل الْعلم أَن عَامر بن مَالك الَّذِي يدعى: ملاعب الأسنة. قدم على رَسُول الله، ﷺ ، وَهُوَ مُشْرك فأهدى لَهُ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أقبل هَدِيَّة مُشْرك ... الحَدِيث، رِجَاله ثِقَات إلَاّ أَنه مُرْسل، وَقد وَصله بَعضهم عَن الزُّهْرِيّ وَلَا يَصح. وَفِي الْبَاب عَن عِيَاض بن حمَار أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا من طَرِيق قَتَادَة عَن يزِيد بن عبد الله عَن عِيَاض. قَالَ: أهديث للنَّبِي، ﷺ ، نَاقَة فَقَالَ: أسلمت؟ قلت: لَا، قَالَ: إِنِّي نهيت عَن زبد الْمُشْركين. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث صَحِيح، وَمعنى قَوْله: إِنِّي نهيت عَن زبد الْمُشْركين، يَعْنِي: هداياهم. قلت الزّبد، بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره دَال مُهْملَة: وَهُوَ الرفد وَالعطَاء، يُقَال مِنْهُ: زبده يزبده، بِالْكَسْرِ، فَأَما يزبده بِالضَّمِّ فَهُوَ: إطْعَام الزّبد. وَقَالَ الْخطابِيّ: يشبه أَن يكون هَذَا الحَدِيث مَنْسُوخا لِأَنَّهُ قبل هَدِيَّة غير وَاحِد من الْمُشْركين، أهْدى لَهُ الْمُقَوْقس مَارِيَة وَالْبَغْلَة، وَأهْدى لَهُ أكيدر دومة فَقبل مِنْهُمَا. وَقيل: إِنَّمَا رد هديته ليغيظه بردهَا فيحمله ذَلِك على الْإِسْلَام. وَقيل: ردهَا لِأَن للهدية موضعا من الْقلب، وَلَا يجوز أَن يمِيل بِقَلْبِه
стр. 3881
إِلَى مُشْرك، فَردهَا قطعا لسَبَب الْميل، وَلَيْسَ ذَلِك مناقضاً لقبُول هَدِيَّة النَّجَاشِيّ والمقوقس وأكيدر لأَنهم أهل كتاب. انْتهى.
قلت: روى فِي هَذَا الْبَاب عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) عَنهُ. قَالَ: أهْدى النَّجَاشِيّ إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، قَارُورَة من غَالِيَة، وَكَانَ أول من عمل لَهُ الغالية. وَلم أجد فِي هَدَايَا الْمُلُوك لَهُ، ﷺ ، من حَدِيث جَابر إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَالنَّجَاشِي كَانَ قد أسلم، وَلَا مدْخل للْحَدِيث فِي الْبَاب إلَاّ أَن يكون أهداه لَهُ قبل إِسْلَامه، وَفِيه نظر، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بالنجاشي نجاشي آخر من مُلُوك الْحَبَشَة لم يسلم، كَمَا فِي الحَدِيث الصَّحِيح عِنْد مُسلم من حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن النَّبِي، ﷺ ، كتب قبل مَوته إِلَى كسْرَى وَقَيْصَر وَإِلَى النَّجَاشِيّ وَإِلَى كل جَبَّار يَدعُوهُم ... الحَدِيث، وَعَن أبي حميد السَّاعِدِيّ، قَالَ: غزونا مَعَ النَّبِي، ﷺ ... الحَدِيث، وَفِيه: وَأهْدى ملك أَيْلَة إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، بغلة بَيْضَاء، فَكَسَاهُ رَسُول الله، ﷺ ، بردة وَكتب لَهُ ببحرهم، أخرجه الشَّيْخَانِ على مَا يَجِيء، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَعَن أنس، أخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة قَتَادَة عَنهُ: أَن أكيدر دومة الجندل أهْدى إِلَى رَسُول الله ﷺ ، جُبَّة من سندس. ولأنس حَدِيث آخر رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) وَأحمد وَالْبَزَّار فِي (مسنديهما) قَالَ: أهْدى الأكيدر لرَسُول الله، ﷺ ، جرة من منٍّ فَجعل يقسمها بَيْننَا، وَقَالَ الْبَزَّار: فقبلها، ولأنس حَدِيث آخر رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) من رِوَايَة عَليّ بن يزِيد عَن أنس: أَن ملك الرّوم أهْدى إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، ممشقة من سندس، فلبسها أوردهُ. فِي تَرْجَمَة عَليّ وَضَعفه. قلت: الممشقة، بِضَم الْمِيم الأولى وَفتح الثَّانِي وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة وبالقاف: هُوَ الثَّوْب الْمَصْبُوغ بالمشق، بِكَسْر الْمِيم، وَهُوَ الْمغرَة، ولأنس حَدِيث آخر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة عمَارَة بن زادان عَن ثَابت عَن أنس: أَن ملك ذِي يزن أهْدى لرَسُول الله، ﷺ ، حلَّة أَخذهَا بِثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ نَاقَة فقبلها.
وَعَن بِلَال بن رَبَاح، أخرجه أَبُو دَاوُد عَنهُ حَدِيثا مطولا وَفِيه: ألم تَرَ إِلَى الركائب المناخات الْأَرْبَع؟ فَقلت: بلَى. فَقَالَ: إِن لَك رقابهن وَمَا عَلَيْهِنَّ، فَإِن عَلَيْهِنَّ كسْوَة وَطَعَامًا أهداهن إِلَى عَظِيم فدك فاقبضهن واقض دينك.
وَعَن حَكِيم بن حزَام أخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة عرَاك بن مَالك أَن حَكِيم بن حزَام، قَالَ: كَانَ مُحَمَّد أحب رجل فِي النَّاس إِلَى فِي الْجَاهِلِيَّة، فَلَمَّا تنبأ وَخرج إِلَى الْمَدِينَة شهد حَكِيم بن حزَام الْمَوْسِم، وَهُوَ كَافِر، فَوجدَ جلة لذِي يزن تبَاع، فاشتراها بِخَمْسِينَ دِينَارا ليهديها لرَسُول الله، ﷺ ، فَقدم بهَا عَلَيْهِ الْمَدِينَة فأراده على قبضهَا هَدِيَّة فَأبى، قَالَ عبد الله: حسبته قَالَ: إِنَّا لَا نقبل شَيْئا من الْمُشْركين، وَلَكِن إِن شِئْت أخذناها بِالثّمن، فأعطيته حِين أبي عليَّ الْهَدِيَّة.
وَعَن عبد الله بن الزبير: أخرجه أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ أَيْضا من رِوَايَة عَامر بن عبد الله بن الزبير عَن أَبِيه. قَالَ: قدمت قتيلة ابْنة عبد الْعُزَّى على ابْنَتهَا أَسمَاء بنت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، بِهَدَايَا ضباباً وقرظاً وَسمنًا، زَاد الطَّبَرَانِيّ: وَهِي مُشركَة فَأَبت أَسمَاء أَن تقبل هديتها وَتدْخلهَا بَيتهَا، فَسَأَلت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، النَّبِي، ﷺ ، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿لَا يَنْهَاكُم الله عَن الَّذين لم يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّين﴾ (الممتحنة: ٨) . الْآيَة، فَأمرهَا أَن تقبل هديتها وَتدْخلهَا بَيتهَا.
وَعَن عبد الله بن عَبَّاس أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن الحكم عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس: أَن الْحجَّاج بن علاط أهْدى لرَسُول الله، ﷺ ، سَيْفه ذُو الفقار، ودحية الْكَلْبِيّ أهْدى لَهُ بغلته الشَّهْبَاء، وَفِي تَرْجَمَة أبي شيبَة، رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) ، وَضَعفه. وَلابْن عَبَّاس حَدِيث آخر رَوَاهُ الْبَزَّار فِي (مُسْنده) من رِوَايَة منْدَل عَن إِبْنِ إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: أهْدى الْمُقَوْقس إِلَى رَسُول الله، ﷺ قدح قَوَارِير، فَكَانَ يشرب فِيهِ.
وَعَن حَنْظَلَة الْكَاتِب أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) عَنهُ: أَنه قَالَ: أهْدى الْمُقَوْقس ملك القبط إِلَى النَّبِي، ﷺ ، هَدِيَّة وَبغلة شهباء فقبلها، ﷺ . وَعَن دحْيَة الْكَلْبِيّ، أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) عَنهُ أَنه قَالَ: أهديت لرَسُول الله، ﷺ ، جُبَّة صوف وخفين، فلبسهما حَتَّى تخرقا وَلم يسْأَل عَنْهُمَا، أذكيا أم لَا؟ انْتهى. قلت: كَانَ ذَلِك قبل إِسْلَامه. وَعَن بُرَيْدَة ابْن الْحصيب أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) : عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه، قَالَ: أهْدى لغير أَمِير القبط لرَسُول الله، صلى الله
стр. 3882
عَلَيْهِ وَسلم، جاريتين أُخْتَيْنِ وَبغلة، فَكَانَ رَسُول الله، ﷺ ، يركبهَا، وَأما إِحْدَى الجاريتين فتسراها فَولدت لَهُ إِبْرَاهِيم، وَأما الْأُخْرَى فَأَعْطَاهَا حسان بن ثَابت الْأنْصَارِيّ. وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أخرجه ابْن عدي فِي (الْكَامِل) عَنهُ، قَالَ: أهْدى ملك الرّوم إِلَى رَسُول الله، ﷺ جرة زنجبيل فَقَسمهَا بَين أَصْحَابه. وَعَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة، أخرجه التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة الشّعبِيّ عَنهُ، قَالَ: أهْدى دحْيَة الْكَلْبِيّ لرَسُول الله، ﷺ ، خُفَّيْنِ فلبسها. وَعَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من رِوَايَة عَطاء عَنْهَا، قَالَت: أهْدى الْمُقَوْقس. صَاحب الْإسْكَنْدَريَّة إِلَى رَسُول الله، ﷺ مكحلة عيدَان شامية ومرآة ومشط. وَعَن دَاوُد بن أبي دَاوُد عَن جده أخرجه ابْن قَانِع عَنهُ: أَن النَّبِي، ﷺ ، أهْدى لَهُ قَيْصر جُبَّة من سندس، فَأتى أَبَا بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يشاورهما، فَقَالَا: يَا رَسُول الله! نرى أَن تلبسها يبكت الله تَعَالَى عَدوك وَيسر الْمُسلمُونَ، فلبسا وَصعد الْمِنْبَر ... الحَدِيث، وَفِي إِسْنَاده جَهَالَة.
ثمَّ التَّوْفِيق بَين هَذِه الْأَحَادِيث مَا قَالَه الطَّبَرِيّ: بِأَن الِامْتِنَاع فِيمَا أهْدى لَهُ خَاصَّة، وَالْقَبُول فِيمَا أهدي للْمُسلمين، وَقيل: الِامْتِنَاع فِي حق من يُرِيد بهديته التودد، وَالْقَبُول فِي حق من يُرْجَى بذلك تأنيسه وتأليفه على الْإِسْلَام. وَقيل: يحمل الْقبُول على من كَانَ من أهل الْكتاب، وَالرَّدّ على من كَانَ من أهل الْأَوْثَان، وَقيل: يمْتَنع ذَلِك لغيره من الْأُمَرَاء، لِأَن ذَلِك من خَصَائِصه، وَقيل: نسخ الْمَنْع بِأَحَادِيث الْقبُول. وَقيل: بِالْعَكْسِ، وَالله أعلم.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ هاجَرَ إبْرَاهِيمُ ﵇ بِسارَةَ فدَخَلَ قَرْيَةً فِيها مالِكٌ أوْ جَبَّارٌ فَقَالَ أعْطُوهَا آجَرَ
ذكر هَذَا التَّعْلِيق مُخْتَصرا.
وَأخرجه مَوْصُولا فِي كتاب الْبيُوع فِي بَاب شِرَاء الْمُلُوك من الْحَرْبِيّ وَقد قتدم الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ وَأخرجه أَيْضا وَأخرجه أَيْضا مَوْصُولا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، ﵈. وقصته على مَا قَالَ عُلَمَاء السّير: أَن إِبْرَاهِيم أَقَامَ بِالشَّام مُدَّة فقحط الشَّام فَسَار إِلَى مصر وَمَعَهُ سارة وَلُوط، ﵈، وَكَانَ بهَا فِرْعَوْن، وَهُوَ أول الفراعنة، عَاشَ دهراً طَويلا، وَاخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ قوم: هُوَ سِنَان بن علوان بن عبيد بن عويج بن عملاق بن لاود بن سَام بن نوح، ﵇، وَقيل: سِنَان ابْن الأهبوب أَخُو الضَّحَّاك، وَهُوَ الَّذِي بَعثه إِلَى مصر، وَقَامَ بهَا. وَقيل: عَمْرو بن امرىء الْقَيْس بن نابليون بن سبأ. وَقيل: طوليس، وَكَانَت سارة من أجمل النِّسَاء، وَكَانَت لَا تَعْصِي لإِبْرَاهِيم، ﵊، شَيْئا، فَلذَلِك أكرمها الله تَعَالَى فَأتى الجبارَ رجلٌ وَقَالَ: إِنَّه قدم رجل وَمَعَهُ امْرَأَة من أحسن النَّاس وَجها، وَوصف لَهُ حسنها وجمالها، فَأرْسل الْجَبَّار إِلَى إِبْرَاهِيم، ﵊، فَقَالَ: مَا هَذِه الْمَرْأَة مِنْك؟ قَالَ: هِيَ أُخْتِي، وَخَافَ إِن قَالَ: امْرَأَتي، أَن يقْتله، فَقَالَ لَهُ: زينها وأرسلها إليَّ،. وَلَا تمْتَنع حَتَّى أنظر إِلَيْهَا، فَرجع إِبْرَاهِيم، ﵊، إِلَى سارة وَقَالَ لَهَا: إِن هَذَا الْجَبَّار قد سَأَلَني عَنْك فَأَخْبَرته أَنَّك أُخْتِي، فَلَا تكذبِينِي عِنْده، فَإنَّك أُخْتِي فِي كتاب الله تَعَالَى، وَأَنه لَيْسَ فِي هَذِه الأَرْض مُسلم غَيْرِي وَغَيْرك، وَلُوط، ثمَّ أقبلط سارة إِلَى الْجَبَّار، وَقَامَ إِبْرَاهِيم، ﵊، يُصَلِّي، فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ وَرَآهَا فَتَنَاولهَا بيد، فيبست إِلَى صَدره، فَلَمَّا رأى ذَلِك فِرْعَوْن أعظم أمرهَا، وَقَالَ لَهَا: سَلِي إلهك أَن يُطلق عني، فوَاللَّه لَا أوذيك. فَقَالَت سارة: أللهم إِن كَانَ صَادِقا فَأطلق لَهُ يَده، فَأطلق الله لَهُ يَده، وَقيل: فعل ذَلِك ثَلَاث مَرَّات، فَلَمَّا رأى ذَلِك ردهَا إِلَى إِبْرَاهِيم ووهب لَهَا هَاجر، وَهِي الَّتِي ذكرت فِي حَدِيث الْبَاب: آجر، وَهِي لُغَة فِي: هَاجر، فَأَقْبَلت سارة إِلَى إِبْرَاهِيم، ﵊، فَلَمَّا أحس بهَا انْفَتَلَ من صلَاته، فَقَالَ: مَهيم؟ فَقَالَت: كفى الله كيد الْفَاجِر، وأخدمني هَاجر.
وَاخْتلفُوا فِي هَاجر، فَقَالَ مقَاتل: كَانَت من ولد هود، ﵊، وَقَالَ الضَّحَّاك: كَانَت بنت ملك مصر وَكَانَ الْملك سَاكِنا بمنف، وَعَلِيهِ ملك آخر، وَقيل: إِنَّمَا غَلبه فِرْعَوْن فَقتله وسبى ابْنَته فاسترقها ووهبها لسارة، ووهبتها سارة لإِبْرَاهِيم فواقعها إِبْرَاهِيم، ﵊، فَولدت إِسْمَاعِيل، وَسَارة بنت هاران أَخ إِبْرَاهِيم، ﵊، قَالَ ابْن كثير: وَالْمَشْهُور أَن سارة ابْنة عَمه هاران أُخْت لوط، ﵊، كَمَا حَكَاهُ السُّهيْلي، وَمن ادّعى أَن تَزْوِيج بنت الْأَخ كَانَ إِذْ ذَاك مَشْرُوعا فَلَيْسَ لَهُ على ذَلِك دَلِيل، وَلَو فرض أَنه كَانَ مَشْرُوعا، وَهُوَ مَنْقُول عَن الربانيين من الْيَهُود، كَانَ الْأَنْبِيَاء، ﵈، لَا يتعاطونه، وَقَالَ السّديّ: وَكَانَت سارة بنت ملك حران، وَكَانَ
стр. 3883
قد بلغَهَا خبر الْخَلِيل، ﵊، فآمنت بِهِ وعابت على قَومهَا عبَادَة الْأَوْثَان، فَلَمَّا قدم الْخَلِيل حران تزوجته على أَن لَا يغيرها، وَذهب بعض الْعلمَاء إِلَى نبوة ثَلَاث نسْوَة: سارة وَأم مُوسَى وَمَرْيَم، عَلَيْهِنَّ السَّلَام، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور: أَنَّهُنَّ صديقات.
وأُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ شاةٌ فِيهَا سُمٌّ
يَأْتِي حَدِيث هَذِه الْهَدِيَّة فِي هَذَا الْبَاب مَوْصُول، وَيَأْتِي الْكَلَام فِيهَا هُنَاكَ.
وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ أهْدَى مَلِكُ أيْلَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ وكَساهُ بُرْداً وكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ
أَبُو حميد السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ، قيل: اسْمه عبد الرَّحْمَن، وَقيل: غير ذَلِك، والْحَدِيث الْمُعَلق مضى مطولا فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب خرص التَّمْر، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وأيلة، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: بَلْدَة مَعْرُوفَة بساحل الْبَحْر فِي طَرِيق المصريين إِلَى مَكَّة، وَهِي الْآن خراب. قَوْله: (وَكتب لَهُ ببحرهم) ، أَي: ببلدهم وحكومة أَرضهم وديارهم لَهُ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر، لَا الْبَحْر الَّذِي هُوَ ضد الْبر، كَمَا توهمه بَعضهم.
٥١٦٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا يُونُسُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ قَتادَةَ قَالَ حدَّثنا أنَسٌ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ جبَّةَ سُنْدُسٍ وكانَ يَنْهَى عنِ الحَرِيرِ فعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا فَقَالَ ﷺ والَّذِي نِفْس مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَنادِيلُ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ فِي الجَنَّةِ أحْسَنُ مِنْ هَذَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن فِيهِ قبُول الْهَدِيَّة من الْمُشرك، لِأَن الَّذِي أهداها هُوَ أكيدر دومة، على مَا يَجِيء عَن قريب. وَعبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله أَبُو جَعْفَر البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَيُونُس بن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد الْمُؤَدب البغذذ أَي شَيبَان بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن عبد الرحمان النَّحْوِيّ والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي صفة الْجنَّة عَن عبد الله بن مُحَمَّد أَيْضا. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن يُونُس بن مُحَمَّد عَنهُ بِهِ.
قَوْله: (أهدي) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْمهْدِي هُوَ أكيدر، كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن. قَوْله: (سندس) ، قَالَ ابْن الْأَثِير: السندس مَا رق من الديباج وَرفع، وَقَالَ الدَّاودِيّ: السندس رَقِيق الديباج، والاستبرق غليظه، وَقَالَ ابْن التِّين: الاستبرق أفضل من السندس لِأَنَّهُ غليظ الديباج، وكل مَا غلظ من الْحَرِير كَانَ أفضل من رَقِيقه، قَوْله: (وَكَانَ ينْهَى عَن الْحَرِير) ، جملَة حَالية. قَوْله: (لمناديل سعد) ، جمع منديل، وَهُوَ الَّذِي يحمل فِي الْيَد، مُشْتَقّ من الندل، وَهُوَ: النَّقْل، لِأَنَّهُ ينْقل من يَد إِلَى يَد، وَقيل: الندل الْوَسخ، وَفِيه إِشَارَة إِلَى منزلَة سعد فِي الْجنَّة، وَأَن أدنى ثِيَابه فِيهَا خير من هَذِه الْجُبَّة، لِأَن المناديل فِي الثِّيَاب أدناها، لِأَنَّهُ معد للوسخ والامتهان، فَغَيره أفضل مِنْهُ، وَقيل: فِي قَوْله: (لمناديل سعد) ضرب الْمِثَال بالمناديل الَّتِي يمسح بهَا الْأَيْدِي وينفض بهَا الْغُبَار ويتخذ لفافة لجيِّد الثِّيَاب، فَكَانَت كالخادم، وَالثيَاب كالمخدوم، فَإِذا كَانَت المناديل أفضل من هَذِه الثِّيَاب أَعنِي: جُبَّة السندس دلّ على عطايا الرب، ﷻ ، قَالَ: ﴿فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين﴾ (السَّجْدَة: ٧١) . فَإِن قلت: مَا وَجه تَخْصِيص سعد بِهِ؟ قلت: لَعَلَّ منديله كَانَ من جنس ذَلِك الثَّوْب لوناً وَنَحْوه، أَو كَانَ الْوَقْت يَقْتَضِي استمالة سعد، أَو كَانَ اللامسون المتعجبون من الْأَنْصَار، فَقَالَ: منديل سيدكم خير مِنْهَا، أَو كَانَ سعد يجب ذَلِك الْجِنْس من الثِّيَاب، وَقَالَ صَاحب (الِاسْتِيعَاب) رُوِيَ أَن جِبْرِيل، ﵊، نزل فِي جنَازَته معتجراً، بعمامة من استبرق.
٦١٦٢ - وَقَالَ سَعِيدٌ عنْ قَتادَة عنْ أنَسٍ أنَّ أُكَيْدَرَ دُومَةَ أهْدَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ..
سعيد خَز تبم أبي عرُوبَة، روى عَن قَتَادَة ... إِلَى آخِره، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله أَحْمد عَن روح عَن سعيد بن أبي عرُوبَة بِهِ، وَقَالَ فِيهِ: (جُبَّة سندس أَو ديباج) شكّ سعيد، وأكيدر بِضَم الْهمزَة تَصْغِير أكدر، وَهُوَ ابْن عبد الْملك بن عبد الْجِنّ، بِالْجِيم وَالنُّون
стр. 3884
ابْن أعبا بن الْحَارِث بن مُعَاوِيَة، ينْسب إِلَى كِنْدَة، وَكَانَ النَّبِي، ﷺ أرسل إِلَيْهِ خَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي سَرِيَّة فَأسرهُ، وَقتل أَخَاهُ حسان، وَقدم بِهِ إِلَى الْمَدِينَة فَصَالحه النَّبِي، ﷺ ، على الْجِزْيَة وَأطْلقهُ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَاخْتلفُوا فِي إِسْلَامه، قَالَ فِي (الْجَامِع) : ذكر البلاذري: أَنه لما قدم على رَسُول الله، ﷺ ، أسلم وَعَاد إِلَى قومه، فَلَمَّا توفى رَسُول الله، ﷺ ، ارْتَدَّ فَلَمَّا سَار خَالِد من الْعرَاق إِلَى الشَّام قَتله، وَكَانَ أكيدر ملك ومة، بِضَم الدَّال عِنْد اللّغَوِيّ، وَفتحهَا عِنْد الحديثي، و: الْوَاو، سَاكِنة، وَهِي مَدِينَة بِقرب تَبُوك بهَا نخل وَزرع، وَلها حصن عادي على عشر مراحل من الْمَدِينَة وثمان من دمشق، وَيُسمى: دومة الجندل، والجندل: الْحِجَارَة، والدومة: مستدار الشَّيْء ومجتمعه، كَأَنَّهَا سميت بِهِ لِأَن مَكَانهَا مُجْتَمع الأججار ومستدارها. وروى أَبُو يعلى بِإِسْنَاد قوي من حَدِيث قيس بن النُّعْمَان، أَنه: لما قدم أخرج قبَاء من ديباج منسوجاً بِالذَّهَب، فَرده النَّبِي، ﷺ ، ثمَّ إِنَّه وجد فِي نَفسه من رد هديته، فَرجع بِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِي، ﷺ : (إدفعه إِلَى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) الحَدِيث وَفِي حَدِيث عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن مُسلم عِنْد مُسلم: (أَن أكيدر دومة أهْدى للنَّبِي، ﷺ ، ثوب حَرِير، فَأعْطَاهُ عليا، فَقَالَ: شققه خمرًا بَين الفواطم) . وَقد ذكرنَا الفواطم فِي الْبَاب الَّذِي قبل هَذَا الْبَاب.
٧١٦٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ عبْدِ الوهَّابِ قَالَ حدَّثنا خالِدُ بنُ الحارِثِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ هِشامِ بنِ زَيْدٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ يَهُودِيَّةَ أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ مَسْمُومَةً فأكَلَ مِنْهَا فَجيءَ بِها فَقيلَ ألَا نَقْتُلُهَا فَمَا زِلْتُ أعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رسولِ الله ﷺ .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ قبل هَدِيَّة تِلْكَ الْيَهُودِيَّة، وَأكله مِنْهَا يدل على قبُوله إِيَّاهَا، وَعبد الله بن عبد الْوَهَّاب أَبُو مُحَمَّد الحَجبي الْبَصْرِيّ مَاتَ فِي سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ من أَفْرَاده، وخَالِد بن الْحَارِث بن سليم الهُجَيْمِي الْبَصْرِيّ وَهِشَام بن زيد بن أنس بن مَالك.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطِّبّ عَن يحيى بن حبيب، وَعَن هَارُون الْجمال، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الدِّيات عَن يحيى بن حبيب.
قَوْله: (يَهُودِيَّة) ، اسْمهَا زَيْنَب، وَاخْتلف فِي إسْلَامهَا. قَوْله: (فِي لَهَوَات) ، جمع: لهات، بِفَتْح اللَّام، قَالَ الْجَوْهَرِي: اللهاة الهنة المطبقة فِي أقْصَى سقف الْحلق، وَالْجمع اللها، واللهوات واللهياة، وَقَالَ عِيَاض: هِيَ اللحمة الَّتِي بِأَعْلَى الحنجرة من أقْصَى الْفَم، وَقَالَ الدَّاودِيّ: لهواته، مَا يَبْدُو من فِيهِ عِنْد التبسم، وَفِي (الْمغرب) اللهاة: لحْمَة مشرفة على الْحلق.
وَفِي الحَدِيث دلَالَة على أكل طَعَام من يحل أكل طَعَامه، دون أَن يسْأَل عَن أَصله. وَفِيه: حمل الْأُمُور على السَّلامَة حَتَّى يقوم دَلِيل على غَيرهَا، وَكَذَلِكَ حكم مَا بيع فِي سوق الْمُسلمين، وَهُوَ مَحْمُول على السَّلامَة حَتَّى يتَبَيَّن خلَافهَا.
٨١٦٢ - حدَّثنا أَبُو النُّعْمانِ قَالَ حدَّثنا الْمُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمَانَ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي عُثْمَان عَن عبد الرَّحْمانِ ابنِ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبيِّ ﷺ ثَلاثِينَ ومائَةً فَقَالَ النبيُّ ﷺ هَلْ مَعَ أحَدٍ مِنْكُمْ طعامٌ فإذَا مَعَ رَجُلٍ صاعٌ مِنْ طَعَامٍ أوْ نَحْوُهُ فَعُجِنَ ثُمَّ جاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعَانُّ طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُها فَقَالَ النبيُّ ﷺ بَيْعَاً أمْ عَطِيَّةٌ أوْ قالَ هِبَةً قَالَ لَا بَلْ بَيْعٌ فاشْتَرَى مِنْهُ شَاة فَصُنِعَتْ وأمَرَ النبيُّ ﷺ البَطْنَ أنْ يُشْوَى وايْمُ الله مَا فِي الثَّلاثِينَ والمِائَةِ إلَاّ قَدْ حَزَّ بِسَوادِ النبيُّ ﷺ لَهُ حُزَّةً مِنْ سَوادِ بَطْنِهَا إنْ كانَ شاهِداً أعْطَاهَا إيَّاهُ وإنْ كانَ غائِباً خَبَّأ لَهُ فَجَعَلَ مِنْهَا قَصْعَتَيْنِ فأكَلُوا أجْمَعُونَ وشَبِعْنَا فَفُضِلَتِ الْقَصْعَتَانِ فَحَمَلْناهُ على البَعِيرِ أوْ كَما قَالَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله أم عَطِيَّة، والعطية تطلق على الْهَدِيَّة وعَلى الْهِبَة، وَلِهَذَا قَالَ: أم هبة. وَفِيه: دلَالَة على جَوَاز قبُول هَدِيَّة الْمُشرك، لِأَنَّهُ لَو لم يجز لما قَالَ ﷺ : أم عَطِيَّة وَأَبُو النُّعْمَان، مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي الْبَصْرِيّ، والمعتمر بن سُلَيْمَان بن طرخان التَّيْمِيّ الْبَصْرِيّ، يروي عَن أَبِيه، وَأَبُو عُثْمَان هُوَ عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ بالنُّون الْكُوفِي، سكن
стр. 3885
الْبَصْرَة، أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَأسلم على عهد النَّبِي، ﷺ وَصدق بِهِ وَلم يره، مَاتَ سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ بِالْبَصْرَةِ، وَهُوَ ابْن أَرْبَعِينَ وَمِائَة سنة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب الشِّرَاء وَالْبيع مَعَ الْمُشْركين.
قَوْله: (فَإِذا مَعَ رجل) ، كلمة إِذا، للمفاجأة، قَوْله: (أَو نَحوه) ، بِالرَّفْع عطف على الصَّاع وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الصَّاع. قَوْله: (مشعان) ، بِضَم الْمِيم وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة. وبالعين الْمُهْملَة، وَفِي آخِره نون مُشَدّدَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى، بِكَسْر الْمِيم. وَقَالَ: هُوَ ثَائِر الرَّأْس أَشْعَث وَقَالَ الْقَزاز هُوَ الحافي الثائر الرَّأْس وَفِي بعض الرِّوَايَة وَقع بعد قَوْله مشعان طَوِيل جدا فَوق الطول وَهُوَ تَفْسِير البُخَارِيّ وَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي. قَوْله: (بيعا أعْطِيه) منصوبان بِفعل مُقَدّر تَقْدِيره: تبيع بيعا أَو تُعْطِي عَطِيَّة. قَوْله: (أَو قَالَ) ، شكّ من الرَّاوِي فِي أَنه قَالَ: عَطِيَّة أم هبة. قَوْله: (فَاشْترى مِنْهُ) ، أَي: من الرجل، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فَاشْترى مِنْهَا، أَي: من الْغنم. قَوْله: (فصنعت) ، أَي: ذبحت. قَوْله: (بسواد الْبَطن) ، هُوَ الكبد، قَالَه النَّوَوِيّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: اللَّفْظ أَعم مِنْهُ، يَعْنِي: يتَنَاوَل كل مَا فِي الْبَطن من كبد وَغَيره. قلت: الَّذِي قَالَه النَّوَوِيّ أقوى فِي المعجزة. قَوْله: (وأيم الله) ، قسم، يَعْنِي: من أَلْفَاظ الْقسم، نَحْو: لعمر الله، وعهد الله، وَفِيه لُغَات كَثِيرَة، وتفتح همزتها وتكسر، وَهِي همزَة وصل، وَقد تقطع وَأهل الْكُوفَة من النُّحَاة يَزْعمُونَ أَنه جمع يَمِين، وَغَيرهم يَقُولُونَ: هِيَ اسْم مَوْضُوع للقسم. قَوْله: (حز) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي، مَعْنَاهُ: قطع. قَوْله: (حزة) ، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة: وَهِي الْقطعَة من اللَّحْم وَغَيره، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى بِفَتْح الْجِيم قَوْله: (أَعْطَاهَا إِيَّاه) أَي: أعْطى الحزة إِيَّاه، أَي: الشَّاهِد، أَي: الْحَاضِر. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ من الْقلب، وَأَصله: أعطَاهُ إِيَّاهَا. قلت: لَا حَاجَة إِلَى دَعْوَى الْقلب فِيهِ، بل العبارتان سَوَاء فِي الِاسْتِعْمَال. قَوْله: (أَجْمَعُونَ) ، بِالرَّفْع تَأْكِيد للضمير الَّذِي فِي أكلُوا، ثمَّ إِنَّه يحْتَمل الْوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَنهم اجْتَمعُوا كلهم على القصعتين فَأَكَلُوا مُجْتَمعين، وَفِيه معْجزَة أُخْرَى: وَهِي اتساع القصعتين حَتَّى تمكنت مِنْهَا أيادي الْقَوْم كلهم، وَالْوَجْه الآخر: أَنهم أكلُوا كلهم من القصعتين على أَي وَجه كَانَ. قَوْله: (فحملناه) ، أَي: الطَّعَام، وَلَو أُرِيد القصعتان لقيل: حملناهما، وَفِي الْأَطْعِمَة. وَفضل فِي القصعتين، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم، فَالضَّمِير حِينَئِذٍ يرجع إِلَى الْقدر الَّذِي فضل. قَوْله: (أَو كَمَا قَالَ) ، شكّ من الرَّاوِي.
قَالَ الْكرْمَانِي: قَالُوا: فِيهِ معجزتان: إِحْدَاهمَا: تَكْثِير سَواد الْبَطن حَتَّى وسع هَذَا الْعدَد، وَالْأُخْرَى: تَكْثِير الصَّاع وَلحم الشَّاة حَتَّى أشبعهم أَجْمَعِينَ. ففضلت فضلَة حملوها لعدم الْحَاجة إِلَيْهَا. قلت: فِيهِ أَربع معجزات: الأولى تَكْثِير الصَّاع، وَالثَّانيَِة: تَكْثِير سَواد الْبَطن. وَالثَّالِثَة: اتساع القصعتين لتمكن أيادي هَؤُلَاءِ الْعدَد. وَالرَّابِعَة: الفضلة الَّتِي فضلت بعد شبعهم واكتفائهم. وَفِيه: الْمُوَاسَاة بِالطَّعَامِ عِنْد المسبغة وتساوي النَّاس فِي ذَلِك. وَفِيه: ظُهُور الْبركَة عِنْد الِاجْتِمَاع على الطَّعَام، وَفِيه: تَأْكِيد الْخِبْرَة بالقسم وَإِن كَانَ الْمخبر صَادِقا، وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه: فَسَاد قَول من حمل رد الْهَدِيَّة على الوثني دون الْكِتَابِيّ، لِأَن هَذَا الْأَعرَابِي كَانَ وثنياً. قلت: لَيْسَ فِيهِ شَيْء يدل على أَنه كَانَ وثنياً، فَإِن قَالَ: علم ذَلِك من الخارح، فَعَلَيهِ الْبَيَان.
٩٢ - (بابُ الهَدِيَّةِ لِلْمُشْرِكِينَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْهَدِيَّة الْوَاقِعَة للْمُشْرِكين، وَحكمهَا أَنَّهَا: تجوز للرحم مِنْهُم، كَمَا سَنذكرُهُ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وقَوْلِ الله تعالَى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ الله عنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أنْ تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ الله يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: ٨) .
وَقَول الله، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: الْهَدِيَّة، أَي: وَفِي بَيَان قَول الله تَعَالَى: ﴿لَا يَنْهَاكُم الله ... ﴾ (الممتحنة: ٨) . إِلَى آخر الْآيَة فِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ ذكر إِلَى قَوْله: ﴿وتقسطوا إِلَيْهِم﴾ (الممتحنة: ٨) . وَالْمرَاد من ذكر الْآيَة بَيَان من تجوز لَهُ الْهَدِيَّة من الْمُشْركين، وَمن لَا تجوز، وَلَيْسَ حكم الْهَدِيَّة إِلَيْهِم على الْإِطْلَاق. ثمَّ الْآيَة الْكَرِيمَة نزلت فِي قتيلة امْرَأَة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ قد طَلقهَا فِي الْجَاهِلِيَّة، فَقدمت على ابْنَتهَا أَسمَاء بنت أبي بكر، فَأَهْدَتْ لَهَا قرظاً، وَأَشْيَاء، فَكرِهت قبُولهَا حَتَّى ذكرته لرَسُول الله، ﷺ ، فَنزلت الْآيَة الْمَذْكُورَة، كَذَا قَالَه الطَّبَرِيّ، وَقيل: نزلت فِي مُشْركي مَكَّة من لم يُقَاتل الْمُؤمنِينَ وَلم يخرجوهم من دِيَارهمْ، وَقَالَ مُجَاهِد: هُوَ خطاب للْمُؤْمِنين الَّذين بقوا بِمَكَّة وَلم يهاجروا، وَالَّذين قَاتلهم كفار أهل مَكَّة، وَقَالَ السّديّ: كَانَ هَذَا
стр. 3886
قبل أَن يؤمروا بِقِتَال الْمُشْركين كَافَّة، فَاسْتَشَارَ الْمُسلمُونَ رَسُول الله، ﷺ فِي قراباتهم من الْمُشْركين أَن يبروهم ويصلوهم، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وَقَالَ قَتَادَة وَابْن زيد: ثمَّ نسخ ذَلِك، وَلَا يجوز الإهداء للْمُشْرِكين إلَاّ لِلْأَبَوَيْنِ خَاصَّة، لِأَن الْهَدِيَّة فِيهَا تأنيس للمهدى إِلَيْهِ، وألطاف لَهُ، وتثبيت لمودته، وَقد نهى الله تَعَالَى عَن التودد للْمُشْرِكين بقوله: ﴿لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوأدون من حادَّ الله وَرَسُوله﴾ (المجادلة: ٢٢) . الْآيَة، وَقَوله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء تلقونَ إِلَيْهِم بالمودة﴾ (الممتحنة: ١) . قَوْله: (أَن تبروهم وتقسطوا إِلَيْهِم) ، أَي: أَن تحسنوا إِلَيْهِم وتعاملوهم فِيمَا بَيْنكُم بِالْعَدْلِ وتقسطوا، بِضَم التَّاء من الإقساط، وَهُوَ الْعدْل، يُقَال: أقسط يقسط فَهُوَ مقسط إِذا عدل، وقسط يقسط فَهُوَ قاسط إِذا جَار، فَكَأَن الْهمزَة فِي أقسط للسلب، كَمَا يُقَال: شكا إِلَيْهِ فأشكاه أَي: أَزَال شكواه.
٩١٦٢ - حدَّثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ قَالَ حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ بِلَالٍ قَالَ حدَّثني عبْدُ الله بنُ دِينارٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ رَأى عُمَرُ حُلَّةً علَى رَجُلٍ تُباعُ فَقَالَ لِلنَّبِيَّ ﷺ ابْتَعْ هَذِهِ الحُلَّةَ تَلْبَسْها يَوْمَ الجُمْعَةِ وإذَا جاءَكَ الوَفْدُ فَقَالَ إنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ فأتِي رسولُ الله، ﷺ مِنْهَا بِحُلَلٍ فأرْسَلَ إِلَى عُمَرَ مِنْهَا بِحُلَّةٍ فَقَالَ عُمَرَ كَيْفَ ألْبَسُها وقَدْ قُلْتُ مَا قُلْتُ قَالَ إنِّي لَمْ أكْسُكَها لِتَلْبَسَهَا تَبِيعُها أوْ تَكْسُوهَا فأرْسَلَ بِها عُمَرُ إِلَى إخٍ لَهُ مِنْ أهْلِ مَكَّةَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ، وَهُوَ أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أرسل تِلْكَ الْحلَّة الَّتِي أرسلها إِلَيْهِ رَسُول الله، ﷺ إِلَى أَخ لَهُ بِمَكَّة، وَهُوَ مُشْرك، فَدلَّ ذَلِك على جَوَاز الإهداء للرحم من الْمُشْركين، وَهَذَا أوضح الحكم فِي إِطْلَاق التَّرْجَمَة، وَأَنَّهَا لَيست على إِطْلَاقهَا، وَقد مضى الحَدِيث فِي كتاب الْجُمُعَة فِي: بَاب يلبس أحسن مَا يجد، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر، وَمضى أَيْضا عَن قريب فِي: بَاب هَدِيَّة مَا يكره لبسهَا، عَن عبيد الله بن مسلمة عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر، وَهنا أخرجه: عَن خَالِد بن مخلد، بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام: البَجلِيّ الْكُوفِي، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً.
٠٢٦٢ - حدَّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْماعِيلَ قَالَ حَدَّثنا أبُو أُسَامَةَ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ أسْماءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قالَتْ قَدِمَتْ علَيَّ أُمِّي وهْيَ مُشْرِكَةٌ فِي عِهْدِ رَسُولِ الله فاسْتَفْتَيْتُ رسولَ الله ﷺ قُلْتُ وهْيَ رَاغِبَةٌ أفأصِلُ أُمِّي قالَ نَعَمْ صِلي أُمَّكِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبيد، بِضَم الْعين مصغر عبد ابْن إِسْمَاعِيل، واسْمه فِي الأَصْل: عبد الله، يكنى أَبَا مُحَمَّد الْهَبَّاري الْقرشِي الْكُوفِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة اللَّيْثِيّ، وَهِشَام بن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِزْيَة عَن قُتَيْبَة، وَفِي الْأَدَب عَن الْحميدِي: وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أبي كريب وَعَن ابْن أبي شيبَة، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن أبي شُعَيْب.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن هِشَام عَن أَبِيه) ، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة الْآتِيَة فِي الْأَدَب: أَخْبرنِي أبي. قَوْله: (عَن أَسمَاء) ، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة: أَخْبَرتنِي أَسمَاء، كَذَا قَالَ أَكثر أَصْحَاب ابْن هِشَام، وَقَالَ بعض أَصْحَاب ابْن عُيَيْنَة: عَنهُ عَن هِشَام عَن فَاطِمَة بنت الْمُنْذر عَن أَسمَاء، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ، وَهُوَ خطأ، وَحكى أَبُو نعيم أَن عمر بن عَليّ الْمُقدم وَيَعْقُوب الْقَارِي روياه عَن هِشَام كَذَلِك، وَإِذا كَانَ كَذَلِك يحْتَمل أَن يَكُونَا محفوظين، وَرَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَة وَعبد الحميد بن جَعْفَر عَن هِشَام، فَقَالَا: عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، وَكَذَا أخرجه ابْن حبَان من طَرِيق الثَّوْريّ عَن هِشَام، قَالَ البرقاني: الأول أثبت وَأشهر. قَوْله: (قدمت على أُمِّي) ، وَفِي رِوَايَة اللَّيْث عَن هِشَام كَمَا يَأْتِي فِي الْأَدَب: قدمت أُمِّي مَعَ ابْنهَا، وَذكر الزبير: أَن اسْم ابْنهَا الْحَارِث بن مدرك بن عبيد بن عمر ابْن مَخْزُوم.
ثمَّ اخْتلف فِي هَذِه الْأُم؟ فَقيل: كَانَت ظِئْرًا لَهَا، وَقيل: كَانَت أمهَا من الرضَاعَة، وَقيل: كَانَت أمهَا من النّسَب، وَهُوَ
стр. 3887
الْأَصَح، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن سعد وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَالْحَاكِم من حَدِيث عبد الله بن الزبير، قَالَ: قدمت قتيلة على ابْنَتهَا أَسمَاء بنت أبي بكر فِي الْمَدِينَة وَكَانَ أَبُو بكر طَلقهَا فِي الْجَاهِلِيَّة بِهَدَايَا زبيب وَسمن وقرظ، فَأَبت أَسمَاء أَن تقبل هديتها أَو تدْخلهَا بَيتهَا، فَأرْسلت إِلَى عَائِشَة: سَلِي رَسُول الله، ﷺ ، فَقَالَ: لتدخلها ... الحَدِيث، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي: بَاب قبُول الْهَدِيَّة من الْمُشْركين، وَاخْتلفُوا فِي اسْمهَا، فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: إِنَّهَا قتيلة، بِضَم الْقَاف وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: وَقَالَ الزبير بن بكار أسمها قتلة، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقَالَ الدَّاودِيّ: اسْمهَا أم بكر، وَقَالَ ابْن التِّين: لَعَلَّه كنيتها، وَالصَّحِيح: قتيلة، بِضَم الْقَاف على صِيغَة التصغير، بنت عبد الْعُزَّى بن أسعد بن جَابر بن نصر بن مَالك بن حسل، بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ: ابْن عَامر بن لؤَي، وَذكرهَا المستغفري فِي جملَة الصَّحَابَة. وَقَالَ تَأَخّر إسْلَامهَا،. وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ: لَيْسَ فِي شَيْء من الحَدِيث ذكر إسْلَامهَا. قَوْله: (وَهِي مُشركَة) جملَة حَالية. قَوْله: (فِي عهد رَسُول الله، ﷺ ، أَي: فِي زَمَنه وأيامه، وَفِي رِوَايَة حَاتِم: فِي عهد قُرَيْش، إِذْ عاقدوا رَسُول الله، ﷺ ، وَأَرَادَ بذلك مَا بَين الْحُدَيْبِيَة وَالْفَتْح. قَوْله: (وَهِي راغبة) ، قَالَ بَعضهم: أَي: فِي الْإِسْلَام، وَقَالَ بَعضهم: أَي: فِي الصِّلَة. وَفِيه نظر لِأَنَّهَا جَاءَت أَسمَاء وَمَعَهَا هَدَايَا من زبيب وَسمن وَغير ذَلِك. قلت: وَفِي النّظر نظر لِأَنَّهَا رُبمَا كَانَت تَأمل أَن تَأْخُذ أَكثر مِمَّا أَهْدَت. وَقَالَ بَعضهم: راغبة، أَي: عَن ديني، أَي كارهة لَهُ، وَعند أبي دَاوُد راغمة، بِالْمِيم أَي كارهة لِلْإِسْلَامِ وساخطة عَليّ، وَقَالَ بَعضهم: هاربة من الْإِسْلَام، وَعند مُسلم أَو راهبة، وَكَانَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء يُفَسر قَوْله: مراغماً بِالْخرُوجِ عَن الْعَدو على رغم أَنفه، وَقَالَ ابْن قرقول: راغبة، روينَاهُ نصبا على الْحَال، وَيجوز رَفعه على أَنه خبر مُبْتَدأ. وَقَالَ ابْن بطال: لَو أَرَادَت بِهِ الْمُضِيّ لقالت مراغمة، وَهُوَ بِالْبَاء أظهر وَوَقع فِي كتاب ابْن التِّين: دَاعِيَة، ثمَّ فَسرهَا بقوله: طالبة، ويروي مُعْتَرضَة لَهُ.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: جَوَاز صلَة الرَّحِم الْكَافِرَة كالرحم الْمسلمَة. وَفِيه: مستدل لمن رأى وجوب، النَّفَقَة للْأَب الْكَافِر، وَالأُم الْكَافِرَة على الْوَلَد الْمُسلم. وَفِيه: موادعة أهل الْحَرْب ومعاملتهم فِي زمن الْهُدْنَة. وَفِيه: السّفر فِي زِيَارَة الْقَرِيب. وَفِيه: فَضِيلَة أَسمَاء حَيْثُ تحرت فِي أَمر دينهَا، وَكَيف لَا وَهِي بنت الصّديق وَزوج الزبير بن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
٠٣ - (بابٌ لَا يَحِلُّ لأَحَدٍ أنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ وصَدَقَتِهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يحل إِلَى آخِره، فَإِن قلت: لَيْسَ لفظ: لَا يحل، وَلَا لفظ يدل عَلَيْهِ فِي أَحَادِيث الْبَاب، وَكَيف يترجم بِهَذِهِ التَّرْجَمَة؟ قلت: قيل: إِنَّه ترْجم بِهَذِهِ التَّرْجَمَة لقُوَّة الدَّلِيل عِنْده فِيهَا، وَلَكِن يُعَكر عَلَيْهِ بشيئين. الأول: أَنه يرى للوالد الرُّجُوع فِيمَا وهبه لوَلَده، فَكيف يَقُول هُنَا: لَا يحل لأحد أَن يرجع فِي هِبته، والكرة فِي سِيَاق النَّفْي تَقْتَضِي الْعُمُوم، وانتهض بَعضهم مساعدة لَهُ، فَقَالَ: يُمكن أَن يرى صِحَة الرُّجُوع لَهُ، وَإِن كَانَ حَرَامًا بِغَيْر عذر. قلت: سُبْحَانَ الله مَا أبعد هَذَا عَن مَنْهَج الصَّوَاب، لِأَنَّهُ: كَيفَ يرى صِحَة شيى مَعَ كَونه فِي نفس الْأَمر حَرَامًا؟ وَبَين كَون الشَّيْء صَحِيحا، وَبَين كَونه حَرَامًا، مُنَافَاة؟ فَالصَّحِيح لَا يُقَال لَهُ حرَام، وَلَا الْحَرَام يُقَال لَهُ صَحِيح. وَالثَّانِي: أَنه قيل فِي تَرْجَمته بِهَذِهِ التَّرْجَمَة لقُوَّة الدَّلِيل عِنْده، فَإِن كَانَت هَذِه الْقُوَّة لدليله بِحَدِيث ابْن عَبَّاس، فَذا لَا يدل على عدم الْحل لأَنا قد ذكرنَا فِي أَوَائِل: بَاب هبة الرجل لأمرأته أَن جعله ﷺ الْعَائِد فِي هِبته كالعائد فِي قيئه، من بَاب التَّشْبِيه من حَيْثُ إِنَّه ظَاهر الْقبْح مُرُوءَة لَا شرعا، فَلَا يثبت بذلك عدم الْحل فِي الرُّجُوع حَتَّى يُقَال: لَا يحل لأحد أَن يرجع فِي هِبته، وَأَيْضًا كَيفَ تثبت الْقُوَّة لدليله مَعَ وُرُود قَوْله ﷺ : الرجل أَحَق بهبته مَا لم يثب مِنْهَا، رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) وَابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه، وروى (عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : من وهب هبة فَهُوَ أَحَق بهبته، مَا لم يثب مِنْهَا) . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ، فَإِن قَالَ المساعد لَهُ: هَذَانِ الحديثان لَا يقاومان حَدِيثه الَّذِي رَوَاهُ فِي هَذَا الْبَاب. قلت: وَلَئِن سلمنَا ذَلِك، فَمَا يَقُول فِي حَدِيث ابْن عمر، أخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) عَنهُ أَن النَّبِي، ﷺ قَالَ: من وهب هبة فَهُوَ أَحَق بهَا مَا لم يثب مِنْهَا، وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا فِي سنَنه، فَإِن قَالَ: مساهلة الْحَاكِم فِي التَّصْحِيح مَشْهُورَة، يُقَال: لَهُ حَدِيث ابْن عمر صَحِيح مَرْفُوعا، وَرُوَاته ثِقَات، كَذَا قَالَ عبد الْحق فِي الْأَحْكَام، وَصَححهُ ابْن حزم أَيْضا، فَفِيهِ الْكِفَايَة لمن يَهْتَدِي إِلَى مدارك الْأَشْيَاء ومسالك الدَّلَائِل.
стр. 3888
١٢٦٢ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا هِشامٌ وشُعْبَةُ قَالَا حدَّثنا قَتادةُ عنْ سَعِيدِ بنِ الْمُسَيِّبِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ العائِدُ فِي هِبَتِهِ كالعائِدِ فِي قَيْئِهِ.
لَيْسَ فِيهِ لفظ يدل على لفظ التَّرْجَمَة وَلَا يتم بِهِ استدلاله على نفي حل الرُّجُوع عَن هِبته، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي، والْحَدِيث مر عَن قريب، وَقَالَ ابْن بطال: جعل رَسُول الله، ﷺ الرُّجُوع فِي الْهِبَة كالرجوع فِي الْقَيْء وَهُوَ حرَام، فَكَذَا الرُّجُوع فِي الْهِبَة. قُلْنَا: الرَّاجِع فِي الْقَيْء هُوَ الْكَلْب لَا الرجل، وَالْكَلب غير متعبد بتحليل وَتَحْرِيم، فَلَا يثبت منع الْوَاهِب من الرُّجُوع فَهُوَ يدل على تَنْزِيه أَمنه من أَمْثَال الْكَلْب لَا أَنه أبطل أَن يكون لَهُم الرُّجُوع فِي هباتهم. فَإِن قلت: رُوِيَ: لَا يحل لواهب أَن يرجع فِي هِبته؟ قلت: قَالَ الطَّحَاوِيّ: قَوْله: لَا يحل، لَا يسْتَلْزم التَّحْرِيم، وَهُوَ كَقَوْلِه: لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: لَا تحل لَهُ من حَيْثُ تحل لغيره من دون الْحَاجة، وَأَرَادَ بذلك التَّغْلِيظ فِي الْكَرَاهَة. قَالَ: وَقَوله: كالعائد فِي قيئه، وَإِن اقْتضى التَّحْرِيم لكَون الْقَيْء حَرَامًا، لَكِن الزِّيَادَة فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: وَهِي قَوْله: كَالْكَلْبِ، يدل على عدم التَّحْرِيم، لِأَن الْكَلْب غير متعبد فالقيء لَيْسَ حَرَامًا عَلَيْهِ، وَالْمرَاد التَّنْزِيه عَن فعل يشبه فعل الْكَلْب. وَاعْترض عَلَيْهِ بَعضهم بقوله: مَا تَأَوَّلَه مستبعد وينافي سِيَاق الْأَحَادِيث، وَأَن عرف الشَّرْع فِي مثل هَذِه الْأَشْيَاء يُرِيد بِهِ الْمُبَالغَة فِي الزّجر، كَقَوْلِه: من لعب بالنرد شير فَكَأَنَّمَا غمس يَده فِي لحم خِنْزِير. انْتهى. قلت: لَا يستبعد إلَاّ مَا قَالَه هَذَا الْمُعْتَرض حَيْثُ لم يبين وَجه الاستبعاد، وَلَا بَين وَجه منافرة سِيَاق الْأَحَادِيث، وَنحن مَا ننفي الْمُبَالغَة فِيهِ، بل نقُول: الْمُبَالغَة فِي التَّغْلِيظ فِي الْكَرَاهَة وقبح هَذَا الْفِعْل وكل ذَلِك لَا يَقْتَضِي منع الرُّجُوع فَافْهَم.
٢٢٦٢ - حدَّثنا عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ الْمُبَارَكِ قَالَ حدَّثنا عبدُ الوَارِثِ قَالَ حدَّثنا أيُّوبُ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ لَيْسَ لَنا مَثَلُ السَّوْءِ الَّذِي يَعودُ فِي هِبَتِهِ كالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ.
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس أخرجه عَن عبد الله بن الْمُبَارك العيشي، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة يَعْنِي: أَبَا بكر، وَلَيْسَ هَذَا بأخي عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي، والرواة كلهم بصريون إلَاّ عِكْرِمَة وَابْن عَبَّاس فَإِنَّهُمَا سكنا فِيهَا مُدَّة، وَفِي بعض النّسخ: وحَدثني عبد الرَّحْمَن بِصِيغَة الْإِفْرَاد. وَاو الْعَطف. قَوْله: (لَيْسَ لنا مثل السوء) يَعْنِي: لَا يَنْبَغِي لنا يُرِيد بِهِ نَفسه وَالْمُؤمنِينَ أَن نتصف بِصفة ذميمة تشابهنا فِيهَا أخس الْحَيَوَانَات فِي أخس أحوالها، وَقد يُطلق الْمثل على الصّفة الغريبة العجيبة الشَّأْن، سَوَاء كَانَ فِي صفة مدح أَو ذمّ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة مثل السوء وَللَّه الْمثل الْأَعْلَى﴾ (النَّحْل: ٠٦) . قَالُوا: هَذَا الْمثل ظَاهر فِي تَحْرِيم الرُّجُوع فِي الْهِبَة وَالصَّدَََقَة بعد إقباضها. قُلْنَا: هَذَا الْمثل يدل على التَّنْزِيه وَكَرَاهَة الرُّجُوع، لَا على التَّحْرِيم، ويستدل بِحَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حِين أَرَادَ شِرَاء فرس حمل عَلَيْهِ فِي سَبِيل الله، فَسَأَلَ عَن ذَلِك رَسُول الله، ﷺ ، فَقَالَ: لَا تبتغه، وَإِن أعطاكه بدرهم ... الحَدِيث يَأْتِي الْآن، فَلَمَّا لم يكن من هَذَا القَوْل مُوجبا حرمه ابتياع مَا تصدق بِهِ، فَكَذَلِك هَذَا الحَدِيث لم يكن مُوجبا حُرْمَة الرُّجُوع فِي الْهِبَة.
٣٢٦٢ - حدَّثنا يَحْيَى بٌّ خَ قَزَعَةَ قَالَ حدَّثنا مالِكٌ عنْ زيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ أبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ ابنَ الخطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقولُ حَمَلْتُ عَلَى فرَسٍ فِي سَبِيلِ الله فأضاعَهُ الَّذِي كانَ عِنْدَهُ فأرَدْتُ أنْ أشْتَرِيَهُ مِنْهُ وظَنَنْتُ أنَّهُ بائِعُهُ بِرُخْصٍ فَسألْتُ عنْ ذَلِكَ النبيَّ ﷺ فَقَالَ لَا تَشْتَرِهِ وإنْ أعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ واحِدٍ فإنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كالْكَلْبِ يَعودُ فِي قَيْئِهِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تتَعَيَّن أَن يُقَال فِي قَوْله: (فَإِن الْعَائِد فِي صدقته كَالْكَلْبِ يعود فِي قيئه) ، وَالَّذِي يفهم من صَنِيع البُخَارِيّ أَنه
стр. 3889
لَا يفرق بَين الْهِبَة وَالصَّدَََقَة، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن الْهِبَة يجوز الرُّجُوع فِيهَا على مَا فِيهِ من الْخلاف وَالتَّفْصِيل، بِخِلَاف الصَّدَقَة فَإِنَّهُ لَا يجوز الرُّجُوع فِيهَا مُطلقًا، والْحَدِيث مضى فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب هَل يَشْتَرِي صدقته؟ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله ابْن يُوسُف عَن مَالك ... إِلَى آخِره، وَأخرجه هُنَا عَن يحيى بن قزعة، بِفَتْح الْقَاف وَالزَّاي وَالْعين الْمُهْملَة: الْمَكِّيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده عَن مَالك عَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه، أسلم أبي خَالِد، مولى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (عَن زيد ن أسلم) سَيَأْتِي فِي آخر حَدِيث فِي الْهِبَة عَن الْحميدِي: حَدثنَا سُفْيَان سَمِعت مَالِكًا يسْأَل زيد بن أسلم، قَالَ: سَمِعت أبي ... فَذكره مُخْتَصرا، ولمالك فِيهِ إِسْنَاد آخر سَيَأْتِي فِي الْجِهَاد: عَن نَافِع عَن ابْن عمر ... وَله فِيهِ إِسْنَاد قَالَت: عَن عَمْرو بن دِينَار عَن ثَابت الْأَحْنَف عَن ابْن عمر ... أخرجه أَبُو عمر. قَوْله: (سَمِعت عمر بن الْخطاب) زَاد ابْن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان: على الْمِنْبَر، وَهِي للموطآت للدارقطني. قَوْله: (حملت على فرس) أَي: تَصَدَّقت بِهِ ووهبته بِأَن يقاتَلَ عَلَيْهِ فِي سَبِيل الله، وَفِي رِوَايَة القعْنبِي فِي (الْمُوَطَّأ) : على فرس عَتيق، والعتيق الْكَرِيم الْفَائِق من كل شَيْء، وَهَذَا الْفرس هُوَ الَّذِي أهداه تَمِيم الدَّارِيّ لرَسُول الله، ﷺ ، يُقَال لَهُ: الْورْد، فَأعْطَاهُ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَحمل عَلَيْهِ عمر فِي سَبِيل الله فَوَجَدَهُ يُبَاع، وَهَذَا رَوَاهُ الْوَاقِدِيّ عَن سهل بن سعد فِي تَسْمِيَة خيل النَّبِي ﷺ . فَإِن قلت: كَيفَ كَيْفيَّة الْحمل عَلَيْهِ؟ قلت: ظَاهره يَقْتَضِي حمل تمْلِيك ليجاهد بِهِ، وَلَو كَانَ حمل تحبيس لم يجز بَيْعه. قَوْله: (فأضاعه الَّذِي كَانَ عِنْده) أَي: لم يحسن الْقيام عَلَيْهِ، وَقصر فِي مؤونته وخدمته. وَقيل: أَي لم يعرف مِقْدَاره فَأَرَادَ بَيْعه بِدُونِ قِيمَته، وَقيل: اسْتَعْملهُ فِي غير مَا جعل لَهُ. قَوْله: (لَا تشتره) ، نهي للتنزيه لَا للتَّحْرِيم، قَالَه الْكرْمَانِي: قلت: هَكَذَا هُوَ عِنْد الْجُمْهُور وَحمله قوم على التَّحْرِيم وَلَيْسَ بِظَاهِر، وَالله أعلم، ثمَّ إِن هَذَا النَّهْي مَخْصُوص بالصورة الْمَذْكُورَة وَمَا أشبههَا، لَا فِيمَا إِذا رده إِلَيْهِ الْمِيرَاث، مثلا.
١٣ - (بابٌ)
إِن قدر شَيْء مَعَه يكون معرباً وإلَاّ فَلَا، لِأَن الْإِعْرَاب لَا يكون إلَاّ بِالْعقدِ والتركيب، وَهُوَ كالفصل، لِأَن الْكتاب يجمع الْأَبْوَاب، والأبواب تجمع الْفُصُول.
٤٢٦٢ - حدَّثنا حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قَالَ أخبرنَا هِشامُ بنُ يوسُفَ أنَّ ابنَ جُرَيْجٍ أخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبرنِي عبْدُ الله بنُ عُبَيْدِ الله بنِ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّ بَني صُهَيْبٍ مَوْلَى ابنِ جُدْعَانَ ادَّعُوا بَيْتَيْنِ وحُجْرَةً أنَّ رسولَ الله ﷺ أعْطَى ذَلِكَ صُهَيْباً فَقَالَ مَرْوَانُ منْ يَشْهَدُ لَكُما علَى ذالِكَ قَالُوا ابنُ عُمَرَ فدَعَاهُ فَشَهِدَ لأعْطَى رسولُ الله ﷺ صُهَيْبَاً بَيْتَيْنِ وحُجْرَةً فقَضَى مرْوَانُ بِشَهَادَتِهِ لَهُمْ.
قَالَ ابْن بطال: ذكر هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْهِبَة، لِأَن فِيهِ: أَن النَّبِي، ﷺ وهب صهيباً ذَلِك، وَقَالَ ابْن التِّين: أَتَى البُخَارِيّ بِهَذِهِ الْقِصَّة هُنَا لِأَن العطايا نَافِذَة، وَقَالَ بَعضهم: ومناسبته لَهَا أَن الصَّحَابَة بعد ثُبُوت عَطِيَّة النَّبِي، ﷺ ، ذَلِك لِصُهَيْب لم يستفصلوا: هَل رَجَعَ أَو لَا؟ فَدلَّ على أَن لَا أثر للرُّجُوع فِي الْهِبَة. انْتهى. قلت: أما مَا ذكره ابْن بطال وَابْن التِّين فَلهُ وَجه مَا، وَأما القَوْل الثَّالِث فَلَا وَجه لَهُ أصلا، لِأَن الْمَوْهُوب لَهُ إِذا مَاتَ لَا رُجُوع فِيهِ أصلا عِنْد جَمِيع الْعلمَاء. وَأما عِنْد الْحَنَفِيَّة فَلِأَن الرُّجُوع امْتنع بِالْمَوْتِ، وَأما عِنْد غَيرهم فَلَا رُجُوع من الأول أصلا، لِأَن الْمَوْهُوب لَهُ إِذا مَاتَ لَا رُجُوع فِيهِ أصلا عِنْد جَمِيع الْعلمَاء. وَأما عِنْد الْحَنَفِيَّة فَلِأَن الرُّجُوع امْتنع بِالْمَوْتِ، وَأما عِنْد غَيرهم فَلَا رُجُوع من الأول أصلا إلَاّ فِي مَوضِع مَخْصُوص واستفصال الصَّحَابَة وَعدم استفصالهم فِي الرُّجُوع وَعَدَمه بعد موت الْوَاهِب لَا دخل لَهُ هُنَا، فَلَا فَائِدَة فِي قَوْله، فَدلَّ على أَن لَا أثر فِي الرُّجُوع فِي الْهِبَة، لِأَن الرُّجُوع لم يبْق أصلا، فالرجوع وَعَدَمه غير مبنيين على الاستفصال، وَعَدَمه حَتَّى يكون عدم استفصالهم دَالا على عدم الرُّجُوع وَعدم الرُّجُوع هُنَا مُتَحَقق بِدُونِ ذَلِك أَقُول: لذكر هَذَا الحَدِيث هُنَا وَجه حسن، وَهُوَ أَنه أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن حكم الْهِبَة عِنْد وُقُوع الدَّعْوَى بَين المتواهبين أَو بَين ورثتهم كَحكم سَائِر الدَّعَاوَى فِي أَبْوَاب الْفِقْه فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْحَاكِم وَإِقَامَة الشُّهُود وَالْيَمِين وَغير ذَلِك، فَافْهَم.
стр. 3890
ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق الْمروزِي، يعرف بالصغير. الثَّانِي: هِشَام بن يُوسُف أَبُو عبد الرَّحْمَن الصَّنْعَانِيّ الْيَمَانِيّ قاضيها. الثَّالِث: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ. الرَّابِع: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة الْمَكِّيّ قَاضِي ابْن الزبير، والْحَدِيث تفرد بِهِ البُخَارِيّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن بني صُهَيْب) ، بِضَم الصَّاد: ابْن سِنَان بن خَالِد الْموصِلِي ثمَّ الرُّومِي ثمَّ الْمَكِّيّ ثمَّ الْمدنِي، كَانَ من السَّابِقين الْأَوَّلين والمعذبين فِي الله، أَبُو يحيى، وَقيل: أَبُو غَسَّان، سبته الرّوم من نِينَوَى وَأمه سلمى من بني مَازِن بن عَمْرو بن تَمِيم، كَانَ أَبوهُ أَو عَمه عَاملا لكسرى على الأبلة، وَكَانَت مَنَازِلهمْ بِأَرْض الْموصل، فأغارت الرّوم على تِلْكَ النَّاحِيَة فسبت صهيباً وَهُوَ غُلَام صَغِير، فَنَشَأَ بالروم فَصَارَ ألكن، فابتاعه كلب مِنْهُم، فقدموا بِهِ مَكَّة فَاشْتَرَاهُ عبد الله بن جدعَان بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن تَمِيم بن مرّة، فَأعْتقهُ فَأَقَامَ مَعَه بِمَكَّة إِلَى أَن هلك ابْن جدعَان، ثمَّ هَاجر إِلَى الْمَدِينَة فِي النّصْف من ربيع الأول، وَأدْركَ رَسُول الله، ﷺ ، بقباء قبل أَن يدْخل الْمَدِينَة، وَشهد بَدْرًا، وَمَات بِالْمَدِينَةِ فِي شَوَّال سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَهُوَ ابْن سبعين سنة، وَصلى عَلَيْهِ سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأما بَنو صُهَيْب فهم: حَمْزَة وَسعد وَصَالح وَصَيْفِي وَعباد وَعُثْمَان وحبِيب وَمُحَمّد، وَكلهمْ رووا عَنهُ.
قَوْله: (فَقَالَ مَرْوَان) ، هُوَ ابْن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة الْأمَوِي وَكَانَ يَوْمئِذٍ أَمِير الْمَدِينَة لمعاوية بن أبي سُفْيَان. قَوْله: (بَيْتَيْنِ وحجرة) بَيْتَيْنِ تَثْنِيَة: بَيت. قَالَ صَاحب (الْمغرب) : الْبَيْت اسْم لمسقف وَاحِد وَأَصله من: بَيت الشّعْر أَو الصُّوف، سمى بِهِ لِأَنَّهُ يبات فِيهِ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: بَيت الرجل دَاره وقصره. قلت: الدَّار لَا تسمى بَيْتا، لِأَنَّهَا مُشْتَمِلَة على بيُوت، والحجرة، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم: هُوَ الْموضع الْمُنْفَرد فِي الدَّار، وَذكر عمر بن شبة فِي (أَخْبَار الْمَدِينَة) أَن بَيت صُهَيْب كَانَ لأم سَلمَة فَوَهَبته لِصُهَيْب، فلعلها أَعطَتْهُ بِإِذن النَّبِي، ﷺ ، وَالظَّاهِر أَن الَّذِي وَقع عَلَيْهِ الدَّعْوَى غير ذَلِك. قَوْله: (من شهد لَكمَا؟) قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لفظ بني صُهَيْب جمع وَهَذَا مثنى. قلت: أقل الْجمع اثْنَان عِنْد بَعضهم. انْتهى. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التعسف، بل الْجَواب أَن الَّذِي أدعى كَانَ اثْنَيْنِ مِنْهُم فخاطبهما مَرْوَان بِصِيغَة الْإِثْنَيْنِ لِأَن الْحَاكِم لَا يُخَاطب إِلَّا الَّذِي بدعي وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ مَرْوَان من يشْهد: من يشْهد لكم؟ فَهَذِهِ الرِّوَايَة لَا إِشْكَال فِيهَا. قَوْله: (قَالُوا: ابْن عمر) أَي: يشْهد بذلك عبد الله بن عمر. قَوْله: (فَدَعَاهُ) أَي: فَدَعَا مَرْوَان عبد الله بن عمر فَشهد بذلك، وَقَالَ) ؛ لأعطي رَسُول الله، ﷺ ، وَاللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة لِأَنَّهَا لَام الْقسم، وَالتَّقْدِير: وَالله لأعطي رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (فَقضى مَرْوَان بِشَهَادَتِهِ لَهُم) ، أَي: حكم مَرْوَان بِشَهَادَة ابْن عمر لبني صُهَيْب بالبيتين والحجرة.
وَقَالَ ابْن بطال: كَيفَ قضى مَرْوَان بِشَهَادَة ابْن عمر وَحده؟ ثمَّ قَالَ: فَالْجَوَاب: أَن مَرْوَان إِنَّمَا حكم بِشَهَادَتِهِ مَعَ يَمِين الطَّالِب، على مَا جَاءَ فِي السّنة من الْقَضَاء بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد، قيل: فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ لم يذكر فِي الحَدِيث. قلت: لَيْسَ كَذَلِك لِأَن الْقَاعِدَة المستمرة تَنْفِي الحكم بِشَاهِد وَاحِد. فَلَا بُد من شَاهِدين أَو من شَاهد وَيَمِين عِنْد من يرَاهُ بذلك. فَإِن قلت: قد اسْتدلَّ بَعضهم بقول بعض السّلف، كشريح القَاضِي، أَنه قَالَ: الشَّاهِد الْوَاحِد إِذا انضمت إِلَيْهِ قرينَة تدل على صدقه أَلا ترى أَن أَبَا دَاوُد ترْجم فِي (سنَنه) بَاب إِذا علم الْحَاكِم صدق الشَّاهِد الْوَاحِد يجوز لَهُ أَن يحكم! وسَاق قصَّة خُزَيْمَة بن ثَابت، وَسبب تَسْمِيَته: ذَا الشَّهَادَتَيْنِ؟ قلت: الْجُمْهُور على أَن ذَلِك لَا يَصح، وَأَن قصَّة خُزَيْمَة مَخْصُوصَة بِهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: قَضَاء مَرْوَان بِشَهَادَة ابْن عمر يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه يجوز لَهُ أَن يُعْطي من مَال الله من يسْتَحق الْعَطاء، فَينفذ مَا قيل لَهُ: إِن سيدنَا رَسُول الله، ﷺ ، أعطَاهُ، فَإِن لم يكن كَذَلِك كَانَ قد أَمْضَاهُ، وَإِن كَانَ غير ذَلِك كَانَ هُوَ الْمُعْطِي عَطاء صَحِيحا. وَقد يكون هَذَا خَاصّا فِي الْفَيْء، لِأَن النَّبِي، ﷺ ، أعْطى أَبَا قَتَادَة بِدَعْوَاهُ وَشَهَادَة من كَانَ السَّلب عِنْده. الْوَجْه الثَّانِي: أَنه رُبمَا حكم الإِمَام بِشَهَادَة المبرز فِي الْعَدَالَة وجده، وَقد قَالَ بعض فُقَهَاء الْكُوفَة: حكم شُرَيْح بشهادتي وحدي فِي شَيْء. قَالَ: وَأَخْطَأ شُرَيْح، قَالَ: وَالْوَجْه الأول الصَّحِيح.
٢٣ - (بابُ مَا قِيلَ فِي العُمْراى والرُّقْباى)
ثبتَتْ الْبَسْمَلَة فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة قبل لفظ: بَاب. قَوْله: (بَاب مَا قيل) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا قيل فِي أَحْكَام
следующие страницы →