Полный текст (7 603 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.
стр. 3886
قبل أَن يؤمروا بِقِتَال الْمُشْركين كَافَّة، فَاسْتَشَارَ الْمُسلمُونَ رَسُول الله، ﷺ فِي قراباتهم من الْمُشْركين أَن يبروهم ويصلوهم، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وَقَالَ قَتَادَة وَابْن زيد: ثمَّ نسخ ذَلِك، وَلَا يجوز الإهداء للْمُشْرِكين إلَاّ لِلْأَبَوَيْنِ خَاصَّة، لِأَن الْهَدِيَّة فِيهَا تأنيس للمهدى إِلَيْهِ، وألطاف لَهُ، وتثبيت لمودته، وَقد نهى الله تَعَالَى عَن التودد للْمُشْرِكين بقوله: ﴿لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوأدون من حادَّ الله وَرَسُوله﴾ (المجادلة: ٢٢) . الْآيَة، وَقَوله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء تلقونَ إِلَيْهِم بالمودة﴾ (الممتحنة: ١) . قَوْله: (أَن تبروهم وتقسطوا إِلَيْهِم) ، أَي: أَن تحسنوا إِلَيْهِم وتعاملوهم فِيمَا بَيْنكُم بِالْعَدْلِ وتقسطوا، بِضَم التَّاء من الإقساط، وَهُوَ الْعدْل، يُقَال: أقسط يقسط فَهُوَ مقسط إِذا عدل، وقسط يقسط فَهُوَ قاسط إِذا جَار، فَكَأَن الْهمزَة فِي أقسط للسلب، كَمَا يُقَال: شكا إِلَيْهِ فأشكاه أَي: أَزَال شكواه.
٩١٦٢ - حدَّثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ قَالَ حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ بِلَالٍ قَالَ حدَّثني عبْدُ الله بنُ دِينارٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ رَأى عُمَرُ حُلَّةً علَى رَجُلٍ تُباعُ فَقَالَ لِلنَّبِيَّ ﷺ ابْتَعْ هَذِهِ الحُلَّةَ تَلْبَسْها يَوْمَ الجُمْعَةِ وإذَا جاءَكَ الوَفْدُ فَقَالَ إنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ فأتِي رسولُ الله، ﷺ مِنْهَا بِحُلَلٍ فأرْسَلَ إِلَى عُمَرَ مِنْهَا بِحُلَّةٍ فَقَالَ عُمَرَ كَيْفَ ألْبَسُها وقَدْ قُلْتُ مَا قُلْتُ قَالَ إنِّي لَمْ أكْسُكَها لِتَلْبَسَهَا تَبِيعُها أوْ تَكْسُوهَا فأرْسَلَ بِها عُمَرُ إِلَى إخٍ لَهُ مِنْ أهْلِ مَكَّةَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ، وَهُوَ أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أرسل تِلْكَ الْحلَّة الَّتِي أرسلها إِلَيْهِ رَسُول الله، ﷺ إِلَى أَخ لَهُ بِمَكَّة، وَهُوَ مُشْرك، فَدلَّ ذَلِك على جَوَاز الإهداء للرحم من الْمُشْركين، وَهَذَا أوضح الحكم فِي إِطْلَاق التَّرْجَمَة، وَأَنَّهَا لَيست على إِطْلَاقهَا، وَقد مضى الحَدِيث فِي كتاب الْجُمُعَة فِي: بَاب يلبس أحسن مَا يجد، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر، وَمضى أَيْضا عَن قريب فِي: بَاب هَدِيَّة مَا يكره لبسهَا، عَن عبيد الله بن مسلمة عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر، وَهنا أخرجه: عَن خَالِد بن مخلد، بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام: البَجلِيّ الْكُوفِي، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً.
٠٢٦٢ - حدَّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْماعِيلَ قَالَ حَدَّثنا أبُو أُسَامَةَ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ أسْماءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قالَتْ قَدِمَتْ علَيَّ أُمِّي وهْيَ مُشْرِكَةٌ فِي عِهْدِ رَسُولِ الله فاسْتَفْتَيْتُ رسولَ الله ﷺ قُلْتُ وهْيَ رَاغِبَةٌ أفأصِلُ أُمِّي قالَ نَعَمْ صِلي أُمَّكِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبيد، بِضَم الْعين مصغر عبد ابْن إِسْمَاعِيل، واسْمه فِي الأَصْل: عبد الله، يكنى أَبَا مُحَمَّد الْهَبَّاري الْقرشِي الْكُوفِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة اللَّيْثِيّ، وَهِشَام بن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِزْيَة عَن قُتَيْبَة، وَفِي الْأَدَب عَن الْحميدِي: وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أبي كريب وَعَن ابْن أبي شيبَة، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن أبي شُعَيْب.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن هِشَام عَن أَبِيه) ، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة الْآتِيَة فِي الْأَدَب: أَخْبرنِي أبي. قَوْله: (عَن أَسمَاء) ، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة: أَخْبَرتنِي أَسمَاء، كَذَا قَالَ أَكثر أَصْحَاب ابْن هِشَام، وَقَالَ بعض أَصْحَاب ابْن عُيَيْنَة: عَنهُ عَن هِشَام عَن فَاطِمَة بنت الْمُنْذر عَن أَسمَاء، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ، وَهُوَ خطأ، وَحكى أَبُو نعيم أَن عمر بن عَليّ الْمُقدم وَيَعْقُوب الْقَارِي روياه عَن هِشَام كَذَلِك، وَإِذا كَانَ كَذَلِك يحْتَمل أَن يَكُونَا محفوظين، وَرَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَة وَعبد الحميد بن جَعْفَر عَن هِشَام، فَقَالَا: عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، وَكَذَا أخرجه ابْن حبَان من طَرِيق الثَّوْريّ عَن هِشَام، قَالَ البرقاني: الأول أثبت وَأشهر. قَوْله: (قدمت على أُمِّي) ، وَفِي رِوَايَة اللَّيْث عَن هِشَام كَمَا يَأْتِي فِي الْأَدَب: قدمت أُمِّي مَعَ ابْنهَا، وَذكر الزبير: أَن اسْم ابْنهَا الْحَارِث بن مدرك بن عبيد بن عمر ابْن مَخْزُوم.
ثمَّ اخْتلف فِي هَذِه الْأُم؟ فَقيل: كَانَت ظِئْرًا لَهَا، وَقيل: كَانَت أمهَا من الرضَاعَة، وَقيل: كَانَت أمهَا من النّسَب، وَهُوَ
стр. 3887
الْأَصَح، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن سعد وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَالْحَاكِم من حَدِيث عبد الله بن الزبير، قَالَ: قدمت قتيلة على ابْنَتهَا أَسمَاء بنت أبي بكر فِي الْمَدِينَة وَكَانَ أَبُو بكر طَلقهَا فِي الْجَاهِلِيَّة بِهَدَايَا زبيب وَسمن وقرظ، فَأَبت أَسمَاء أَن تقبل هديتها أَو تدْخلهَا بَيتهَا، فَأرْسلت إِلَى عَائِشَة: سَلِي رَسُول الله، ﷺ ، فَقَالَ: لتدخلها ... الحَدِيث، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي: بَاب قبُول الْهَدِيَّة من الْمُشْركين، وَاخْتلفُوا فِي اسْمهَا، فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: إِنَّهَا قتيلة، بِضَم الْقَاف وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: وَقَالَ الزبير بن بكار أسمها قتلة، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقَالَ الدَّاودِيّ: اسْمهَا أم بكر، وَقَالَ ابْن التِّين: لَعَلَّه كنيتها، وَالصَّحِيح: قتيلة، بِضَم الْقَاف على صِيغَة التصغير، بنت عبد الْعُزَّى بن أسعد بن جَابر بن نصر بن مَالك بن حسل، بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ: ابْن عَامر بن لؤَي، وَذكرهَا المستغفري فِي جملَة الصَّحَابَة. وَقَالَ تَأَخّر إسْلَامهَا،. وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ: لَيْسَ فِي شَيْء من الحَدِيث ذكر إسْلَامهَا. قَوْله: (وَهِي مُشركَة) جملَة حَالية. قَوْله: (فِي عهد رَسُول الله، ﷺ ، أَي: فِي زَمَنه وأيامه، وَفِي رِوَايَة حَاتِم: فِي عهد قُرَيْش، إِذْ عاقدوا رَسُول الله، ﷺ ، وَأَرَادَ بذلك مَا بَين الْحُدَيْبِيَة وَالْفَتْح. قَوْله: (وَهِي راغبة) ، قَالَ بَعضهم: أَي: فِي الْإِسْلَام، وَقَالَ بَعضهم: أَي: فِي الصِّلَة. وَفِيه نظر لِأَنَّهَا جَاءَت أَسمَاء وَمَعَهَا هَدَايَا من زبيب وَسمن وَغير ذَلِك. قلت: وَفِي النّظر نظر لِأَنَّهَا رُبمَا كَانَت تَأمل أَن تَأْخُذ أَكثر مِمَّا أَهْدَت. وَقَالَ بَعضهم: راغبة، أَي: عَن ديني، أَي كارهة لَهُ، وَعند أبي دَاوُد راغمة، بِالْمِيم أَي كارهة لِلْإِسْلَامِ وساخطة عَليّ، وَقَالَ بَعضهم: هاربة من الْإِسْلَام، وَعند مُسلم أَو راهبة، وَكَانَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء يُفَسر قَوْله: مراغماً بِالْخرُوجِ عَن الْعَدو على رغم أَنفه، وَقَالَ ابْن قرقول: راغبة، روينَاهُ نصبا على الْحَال، وَيجوز رَفعه على أَنه خبر مُبْتَدأ. وَقَالَ ابْن بطال: لَو أَرَادَت بِهِ الْمُضِيّ لقالت مراغمة، وَهُوَ بِالْبَاء أظهر وَوَقع فِي كتاب ابْن التِّين: دَاعِيَة، ثمَّ فَسرهَا بقوله: طالبة، ويروي مُعْتَرضَة لَهُ.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: جَوَاز صلَة الرَّحِم الْكَافِرَة كالرحم الْمسلمَة. وَفِيه: مستدل لمن رأى وجوب، النَّفَقَة للْأَب الْكَافِر، وَالأُم الْكَافِرَة على الْوَلَد الْمُسلم. وَفِيه: موادعة أهل الْحَرْب ومعاملتهم فِي زمن الْهُدْنَة. وَفِيه: السّفر فِي زِيَارَة الْقَرِيب. وَفِيه: فَضِيلَة أَسمَاء حَيْثُ تحرت فِي أَمر دينهَا، وَكَيف لَا وَهِي بنت الصّديق وَزوج الزبير بن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
٠٣ - (بابٌ لَا يَحِلُّ لأَحَدٍ أنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ وصَدَقَتِهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يحل إِلَى آخِره، فَإِن قلت: لَيْسَ لفظ: لَا يحل، وَلَا لفظ يدل عَلَيْهِ فِي أَحَادِيث الْبَاب، وَكَيف يترجم بِهَذِهِ التَّرْجَمَة؟ قلت: قيل: إِنَّه ترْجم بِهَذِهِ التَّرْجَمَة لقُوَّة الدَّلِيل عِنْده فِيهَا، وَلَكِن يُعَكر عَلَيْهِ بشيئين. الأول: أَنه يرى للوالد الرُّجُوع فِيمَا وهبه لوَلَده، فَكيف يَقُول هُنَا: لَا يحل لأحد أَن يرجع فِي هِبته، والكرة فِي سِيَاق النَّفْي تَقْتَضِي الْعُمُوم، وانتهض بَعضهم مساعدة لَهُ، فَقَالَ: يُمكن أَن يرى صِحَة الرُّجُوع لَهُ، وَإِن كَانَ حَرَامًا بِغَيْر عذر. قلت: سُبْحَانَ الله مَا أبعد هَذَا عَن مَنْهَج الصَّوَاب، لِأَنَّهُ: كَيفَ يرى صِحَة شيى مَعَ كَونه فِي نفس الْأَمر حَرَامًا؟ وَبَين كَون الشَّيْء صَحِيحا، وَبَين كَونه حَرَامًا، مُنَافَاة؟ فَالصَّحِيح لَا يُقَال لَهُ حرَام، وَلَا الْحَرَام يُقَال لَهُ صَحِيح. وَالثَّانِي: أَنه قيل فِي تَرْجَمته بِهَذِهِ التَّرْجَمَة لقُوَّة الدَّلِيل عِنْده، فَإِن كَانَت هَذِه الْقُوَّة لدليله بِحَدِيث ابْن عَبَّاس، فَذا لَا يدل على عدم الْحل لأَنا قد ذكرنَا فِي أَوَائِل: بَاب هبة الرجل لأمرأته أَن جعله ﷺ الْعَائِد فِي هِبته كالعائد فِي قيئه، من بَاب التَّشْبِيه من حَيْثُ إِنَّه ظَاهر الْقبْح مُرُوءَة لَا شرعا، فَلَا يثبت بذلك عدم الْحل فِي الرُّجُوع حَتَّى يُقَال: لَا يحل لأحد أَن يرجع فِي هِبته، وَأَيْضًا كَيفَ تثبت الْقُوَّة لدليله مَعَ وُرُود قَوْله ﷺ : الرجل أَحَق بهبته مَا لم يثب مِنْهَا، رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) وَابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه، وروى (عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : من وهب هبة فَهُوَ أَحَق بهبته، مَا لم يثب مِنْهَا) . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ، فَإِن قَالَ المساعد لَهُ: هَذَانِ الحديثان لَا يقاومان حَدِيثه الَّذِي رَوَاهُ فِي هَذَا الْبَاب. قلت: وَلَئِن سلمنَا ذَلِك، فَمَا يَقُول فِي حَدِيث ابْن عمر، أخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) عَنهُ أَن النَّبِي، ﷺ قَالَ: من وهب هبة فَهُوَ أَحَق بهَا مَا لم يثب مِنْهَا، وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا فِي سنَنه، فَإِن قَالَ: مساهلة الْحَاكِم فِي التَّصْحِيح مَشْهُورَة، يُقَال: لَهُ حَدِيث ابْن عمر صَحِيح مَرْفُوعا، وَرُوَاته ثِقَات، كَذَا قَالَ عبد الْحق فِي الْأَحْكَام، وَصَححهُ ابْن حزم أَيْضا، فَفِيهِ الْكِفَايَة لمن يَهْتَدِي إِلَى مدارك الْأَشْيَاء ومسالك الدَّلَائِل.
стр. 3888
١٢٦٢ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا هِشامٌ وشُعْبَةُ قَالَا حدَّثنا قَتادةُ عنْ سَعِيدِ بنِ الْمُسَيِّبِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ العائِدُ فِي هِبَتِهِ كالعائِدِ فِي قَيْئِهِ.
لَيْسَ فِيهِ لفظ يدل على لفظ التَّرْجَمَة وَلَا يتم بِهِ استدلاله على نفي حل الرُّجُوع عَن هِبته، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي، والْحَدِيث مر عَن قريب، وَقَالَ ابْن بطال: جعل رَسُول الله، ﷺ الرُّجُوع فِي الْهِبَة كالرجوع فِي الْقَيْء وَهُوَ حرَام، فَكَذَا الرُّجُوع فِي الْهِبَة. قُلْنَا: الرَّاجِع فِي الْقَيْء هُوَ الْكَلْب لَا الرجل، وَالْكَلب غير متعبد بتحليل وَتَحْرِيم، فَلَا يثبت منع الْوَاهِب من الرُّجُوع فَهُوَ يدل على تَنْزِيه أَمنه من أَمْثَال الْكَلْب لَا أَنه أبطل أَن يكون لَهُم الرُّجُوع فِي هباتهم. فَإِن قلت: رُوِيَ: لَا يحل لواهب أَن يرجع فِي هِبته؟ قلت: قَالَ الطَّحَاوِيّ: قَوْله: لَا يحل، لَا يسْتَلْزم التَّحْرِيم، وَهُوَ كَقَوْلِه: لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: لَا تحل لَهُ من حَيْثُ تحل لغيره من دون الْحَاجة، وَأَرَادَ بذلك التَّغْلِيظ فِي الْكَرَاهَة. قَالَ: وَقَوله: كالعائد فِي قيئه، وَإِن اقْتضى التَّحْرِيم لكَون الْقَيْء حَرَامًا، لَكِن الزِّيَادَة فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: وَهِي قَوْله: كَالْكَلْبِ، يدل على عدم التَّحْرِيم، لِأَن الْكَلْب غير متعبد فالقيء لَيْسَ حَرَامًا عَلَيْهِ، وَالْمرَاد التَّنْزِيه عَن فعل يشبه فعل الْكَلْب. وَاعْترض عَلَيْهِ بَعضهم بقوله: مَا تَأَوَّلَه مستبعد وينافي سِيَاق الْأَحَادِيث، وَأَن عرف الشَّرْع فِي مثل هَذِه الْأَشْيَاء يُرِيد بِهِ الْمُبَالغَة فِي الزّجر، كَقَوْلِه: من لعب بالنرد شير فَكَأَنَّمَا غمس يَده فِي لحم خِنْزِير. انْتهى. قلت: لَا يستبعد إلَاّ مَا قَالَه هَذَا الْمُعْتَرض حَيْثُ لم يبين وَجه الاستبعاد، وَلَا بَين وَجه منافرة سِيَاق الْأَحَادِيث، وَنحن مَا ننفي الْمُبَالغَة فِيهِ، بل نقُول: الْمُبَالغَة فِي التَّغْلِيظ فِي الْكَرَاهَة وقبح هَذَا الْفِعْل وكل ذَلِك لَا يَقْتَضِي منع الرُّجُوع فَافْهَم.
٢٢٦٢ - حدَّثنا عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ الْمُبَارَكِ قَالَ حدَّثنا عبدُ الوَارِثِ قَالَ حدَّثنا أيُّوبُ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ لَيْسَ لَنا مَثَلُ السَّوْءِ الَّذِي يَعودُ فِي هِبَتِهِ كالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ.
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس أخرجه عَن عبد الله بن الْمُبَارك العيشي، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة يَعْنِي: أَبَا بكر، وَلَيْسَ هَذَا بأخي عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي، والرواة كلهم بصريون إلَاّ عِكْرِمَة وَابْن عَبَّاس فَإِنَّهُمَا سكنا فِيهَا مُدَّة، وَفِي بعض النّسخ: وحَدثني عبد الرَّحْمَن بِصِيغَة الْإِفْرَاد. وَاو الْعَطف. قَوْله: (لَيْسَ لنا مثل السوء) يَعْنِي: لَا يَنْبَغِي لنا يُرِيد بِهِ نَفسه وَالْمُؤمنِينَ أَن نتصف بِصفة ذميمة تشابهنا فِيهَا أخس الْحَيَوَانَات فِي أخس أحوالها، وَقد يُطلق الْمثل على الصّفة الغريبة العجيبة الشَّأْن، سَوَاء كَانَ فِي صفة مدح أَو ذمّ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة مثل السوء وَللَّه الْمثل الْأَعْلَى﴾ (النَّحْل: ٠٦) . قَالُوا: هَذَا الْمثل ظَاهر فِي تَحْرِيم الرُّجُوع فِي الْهِبَة وَالصَّدَََقَة بعد إقباضها. قُلْنَا: هَذَا الْمثل يدل على التَّنْزِيه وَكَرَاهَة الرُّجُوع، لَا على التَّحْرِيم، ويستدل بِحَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حِين أَرَادَ شِرَاء فرس حمل عَلَيْهِ فِي سَبِيل الله، فَسَأَلَ عَن ذَلِك رَسُول الله، ﷺ ، فَقَالَ: لَا تبتغه، وَإِن أعطاكه بدرهم ... الحَدِيث يَأْتِي الْآن، فَلَمَّا لم يكن من هَذَا القَوْل مُوجبا حرمه ابتياع مَا تصدق بِهِ، فَكَذَلِك هَذَا الحَدِيث لم يكن مُوجبا حُرْمَة الرُّجُوع فِي الْهِبَة.
٣٢٦٢ - حدَّثنا يَحْيَى بٌّ خَ قَزَعَةَ قَالَ حدَّثنا مالِكٌ عنْ زيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ أبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ ابنَ الخطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقولُ حَمَلْتُ عَلَى فرَسٍ فِي سَبِيلِ الله فأضاعَهُ الَّذِي كانَ عِنْدَهُ فأرَدْتُ أنْ أشْتَرِيَهُ مِنْهُ وظَنَنْتُ أنَّهُ بائِعُهُ بِرُخْصٍ فَسألْتُ عنْ ذَلِكَ النبيَّ ﷺ فَقَالَ لَا تَشْتَرِهِ وإنْ أعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ واحِدٍ فإنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كالْكَلْبِ يَعودُ فِي قَيْئِهِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تتَعَيَّن أَن يُقَال فِي قَوْله: (فَإِن الْعَائِد فِي صدقته كَالْكَلْبِ يعود فِي قيئه) ، وَالَّذِي يفهم من صَنِيع البُخَارِيّ أَنه
стр. 3889
لَا يفرق بَين الْهِبَة وَالصَّدَََقَة، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن الْهِبَة يجوز الرُّجُوع فِيهَا على مَا فِيهِ من الْخلاف وَالتَّفْصِيل، بِخِلَاف الصَّدَقَة فَإِنَّهُ لَا يجوز الرُّجُوع فِيهَا مُطلقًا، والْحَدِيث مضى فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب هَل يَشْتَرِي صدقته؟ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله ابْن يُوسُف عَن مَالك ... إِلَى آخِره، وَأخرجه هُنَا عَن يحيى بن قزعة، بِفَتْح الْقَاف وَالزَّاي وَالْعين الْمُهْملَة: الْمَكِّيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده عَن مَالك عَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه، أسلم أبي خَالِد، مولى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (عَن زيد ن أسلم) سَيَأْتِي فِي آخر حَدِيث فِي الْهِبَة عَن الْحميدِي: حَدثنَا سُفْيَان سَمِعت مَالِكًا يسْأَل زيد بن أسلم، قَالَ: سَمِعت أبي ... فَذكره مُخْتَصرا، ولمالك فِيهِ إِسْنَاد آخر سَيَأْتِي فِي الْجِهَاد: عَن نَافِع عَن ابْن عمر ... وَله فِيهِ إِسْنَاد قَالَت: عَن عَمْرو بن دِينَار عَن ثَابت الْأَحْنَف عَن ابْن عمر ... أخرجه أَبُو عمر. قَوْله: (سَمِعت عمر بن الْخطاب) زَاد ابْن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان: على الْمِنْبَر، وَهِي للموطآت للدارقطني. قَوْله: (حملت على فرس) أَي: تَصَدَّقت بِهِ ووهبته بِأَن يقاتَلَ عَلَيْهِ فِي سَبِيل الله، وَفِي رِوَايَة القعْنبِي فِي (الْمُوَطَّأ) : على فرس عَتيق، والعتيق الْكَرِيم الْفَائِق من كل شَيْء، وَهَذَا الْفرس هُوَ الَّذِي أهداه تَمِيم الدَّارِيّ لرَسُول الله، ﷺ ، يُقَال لَهُ: الْورْد، فَأعْطَاهُ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَحمل عَلَيْهِ عمر فِي سَبِيل الله فَوَجَدَهُ يُبَاع، وَهَذَا رَوَاهُ الْوَاقِدِيّ عَن سهل بن سعد فِي تَسْمِيَة خيل النَّبِي ﷺ . فَإِن قلت: كَيفَ كَيْفيَّة الْحمل عَلَيْهِ؟ قلت: ظَاهره يَقْتَضِي حمل تمْلِيك ليجاهد بِهِ، وَلَو كَانَ حمل تحبيس لم يجز بَيْعه. قَوْله: (فأضاعه الَّذِي كَانَ عِنْده) أَي: لم يحسن الْقيام عَلَيْهِ، وَقصر فِي مؤونته وخدمته. وَقيل: أَي لم يعرف مِقْدَاره فَأَرَادَ بَيْعه بِدُونِ قِيمَته، وَقيل: اسْتَعْملهُ فِي غير مَا جعل لَهُ. قَوْله: (لَا تشتره) ، نهي للتنزيه لَا للتَّحْرِيم، قَالَه الْكرْمَانِي: قلت: هَكَذَا هُوَ عِنْد الْجُمْهُور وَحمله قوم على التَّحْرِيم وَلَيْسَ بِظَاهِر، وَالله أعلم، ثمَّ إِن هَذَا النَّهْي مَخْصُوص بالصورة الْمَذْكُورَة وَمَا أشبههَا، لَا فِيمَا إِذا رده إِلَيْهِ الْمِيرَاث، مثلا.
١٣ - (بابٌ)
إِن قدر شَيْء مَعَه يكون معرباً وإلَاّ فَلَا، لِأَن الْإِعْرَاب لَا يكون إلَاّ بِالْعقدِ والتركيب، وَهُوَ كالفصل، لِأَن الْكتاب يجمع الْأَبْوَاب، والأبواب تجمع الْفُصُول.
٤٢٦٢ - حدَّثنا حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قَالَ أخبرنَا هِشامُ بنُ يوسُفَ أنَّ ابنَ جُرَيْجٍ أخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبرنِي عبْدُ الله بنُ عُبَيْدِ الله بنِ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّ بَني صُهَيْبٍ مَوْلَى ابنِ جُدْعَانَ ادَّعُوا بَيْتَيْنِ وحُجْرَةً أنَّ رسولَ الله ﷺ أعْطَى ذَلِكَ صُهَيْباً فَقَالَ مَرْوَانُ منْ يَشْهَدُ لَكُما علَى ذالِكَ قَالُوا ابنُ عُمَرَ فدَعَاهُ فَشَهِدَ لأعْطَى رسولُ الله ﷺ صُهَيْبَاً بَيْتَيْنِ وحُجْرَةً فقَضَى مرْوَانُ بِشَهَادَتِهِ لَهُمْ.
قَالَ ابْن بطال: ذكر هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْهِبَة، لِأَن فِيهِ: أَن النَّبِي، ﷺ وهب صهيباً ذَلِك، وَقَالَ ابْن التِّين: أَتَى البُخَارِيّ بِهَذِهِ الْقِصَّة هُنَا لِأَن العطايا نَافِذَة، وَقَالَ بَعضهم: ومناسبته لَهَا أَن الصَّحَابَة بعد ثُبُوت عَطِيَّة النَّبِي، ﷺ ، ذَلِك لِصُهَيْب لم يستفصلوا: هَل رَجَعَ أَو لَا؟ فَدلَّ على أَن لَا أثر للرُّجُوع فِي الْهِبَة. انْتهى. قلت: أما مَا ذكره ابْن بطال وَابْن التِّين فَلهُ وَجه مَا، وَأما القَوْل الثَّالِث فَلَا وَجه لَهُ أصلا، لِأَن الْمَوْهُوب لَهُ إِذا مَاتَ لَا رُجُوع فِيهِ أصلا عِنْد جَمِيع الْعلمَاء. وَأما عِنْد الْحَنَفِيَّة فَلِأَن الرُّجُوع امْتنع بِالْمَوْتِ، وَأما عِنْد غَيرهم فَلَا رُجُوع من الأول أصلا، لِأَن الْمَوْهُوب لَهُ إِذا مَاتَ لَا رُجُوع فِيهِ أصلا عِنْد جَمِيع الْعلمَاء. وَأما عِنْد الْحَنَفِيَّة فَلِأَن الرُّجُوع امْتنع بِالْمَوْتِ، وَأما عِنْد غَيرهم فَلَا رُجُوع من الأول أصلا إلَاّ فِي مَوضِع مَخْصُوص واستفصال الصَّحَابَة وَعدم استفصالهم فِي الرُّجُوع وَعَدَمه بعد موت الْوَاهِب لَا دخل لَهُ هُنَا، فَلَا فَائِدَة فِي قَوْله، فَدلَّ على أَن لَا أثر فِي الرُّجُوع فِي الْهِبَة، لِأَن الرُّجُوع لم يبْق أصلا، فالرجوع وَعَدَمه غير مبنيين على الاستفصال، وَعَدَمه حَتَّى يكون عدم استفصالهم دَالا على عدم الرُّجُوع وَعدم الرُّجُوع هُنَا مُتَحَقق بِدُونِ ذَلِك أَقُول: لذكر هَذَا الحَدِيث هُنَا وَجه حسن، وَهُوَ أَنه أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن حكم الْهِبَة عِنْد وُقُوع الدَّعْوَى بَين المتواهبين أَو بَين ورثتهم كَحكم سَائِر الدَّعَاوَى فِي أَبْوَاب الْفِقْه فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْحَاكِم وَإِقَامَة الشُّهُود وَالْيَمِين وَغير ذَلِك، فَافْهَم.
стр. 3890
ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق الْمروزِي، يعرف بالصغير. الثَّانِي: هِشَام بن يُوسُف أَبُو عبد الرَّحْمَن الصَّنْعَانِيّ الْيَمَانِيّ قاضيها. الثَّالِث: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ. الرَّابِع: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة الْمَكِّيّ قَاضِي ابْن الزبير، والْحَدِيث تفرد بِهِ البُخَارِيّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن بني صُهَيْب) ، بِضَم الصَّاد: ابْن سِنَان بن خَالِد الْموصِلِي ثمَّ الرُّومِي ثمَّ الْمَكِّيّ ثمَّ الْمدنِي، كَانَ من السَّابِقين الْأَوَّلين والمعذبين فِي الله، أَبُو يحيى، وَقيل: أَبُو غَسَّان، سبته الرّوم من نِينَوَى وَأمه سلمى من بني مَازِن بن عَمْرو بن تَمِيم، كَانَ أَبوهُ أَو عَمه عَاملا لكسرى على الأبلة، وَكَانَت مَنَازِلهمْ بِأَرْض الْموصل، فأغارت الرّوم على تِلْكَ النَّاحِيَة فسبت صهيباً وَهُوَ غُلَام صَغِير، فَنَشَأَ بالروم فَصَارَ ألكن، فابتاعه كلب مِنْهُم، فقدموا بِهِ مَكَّة فَاشْتَرَاهُ عبد الله بن جدعَان بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن تَمِيم بن مرّة، فَأعْتقهُ فَأَقَامَ مَعَه بِمَكَّة إِلَى أَن هلك ابْن جدعَان، ثمَّ هَاجر إِلَى الْمَدِينَة فِي النّصْف من ربيع الأول، وَأدْركَ رَسُول الله، ﷺ ، بقباء قبل أَن يدْخل الْمَدِينَة، وَشهد بَدْرًا، وَمَات بِالْمَدِينَةِ فِي شَوَّال سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَهُوَ ابْن سبعين سنة، وَصلى عَلَيْهِ سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأما بَنو صُهَيْب فهم: حَمْزَة وَسعد وَصَالح وَصَيْفِي وَعباد وَعُثْمَان وحبِيب وَمُحَمّد، وَكلهمْ رووا عَنهُ.
قَوْله: (فَقَالَ مَرْوَان) ، هُوَ ابْن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة الْأمَوِي وَكَانَ يَوْمئِذٍ أَمِير الْمَدِينَة لمعاوية بن أبي سُفْيَان. قَوْله: (بَيْتَيْنِ وحجرة) بَيْتَيْنِ تَثْنِيَة: بَيت. قَالَ صَاحب (الْمغرب) : الْبَيْت اسْم لمسقف وَاحِد وَأَصله من: بَيت الشّعْر أَو الصُّوف، سمى بِهِ لِأَنَّهُ يبات فِيهِ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: بَيت الرجل دَاره وقصره. قلت: الدَّار لَا تسمى بَيْتا، لِأَنَّهَا مُشْتَمِلَة على بيُوت، والحجرة، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم: هُوَ الْموضع الْمُنْفَرد فِي الدَّار، وَذكر عمر بن شبة فِي (أَخْبَار الْمَدِينَة) أَن بَيت صُهَيْب كَانَ لأم سَلمَة فَوَهَبته لِصُهَيْب، فلعلها أَعطَتْهُ بِإِذن النَّبِي، ﷺ ، وَالظَّاهِر أَن الَّذِي وَقع عَلَيْهِ الدَّعْوَى غير ذَلِك. قَوْله: (من شهد لَكمَا؟) قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لفظ بني صُهَيْب جمع وَهَذَا مثنى. قلت: أقل الْجمع اثْنَان عِنْد بَعضهم. انْتهى. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التعسف، بل الْجَواب أَن الَّذِي أدعى كَانَ اثْنَيْنِ مِنْهُم فخاطبهما مَرْوَان بِصِيغَة الْإِثْنَيْنِ لِأَن الْحَاكِم لَا يُخَاطب إِلَّا الَّذِي بدعي وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ مَرْوَان من يشْهد: من يشْهد لكم؟ فَهَذِهِ الرِّوَايَة لَا إِشْكَال فِيهَا. قَوْله: (قَالُوا: ابْن عمر) أَي: يشْهد بذلك عبد الله بن عمر. قَوْله: (فَدَعَاهُ) أَي: فَدَعَا مَرْوَان عبد الله بن عمر فَشهد بذلك، وَقَالَ) ؛ لأعطي رَسُول الله، ﷺ ، وَاللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة لِأَنَّهَا لَام الْقسم، وَالتَّقْدِير: وَالله لأعطي رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (فَقضى مَرْوَان بِشَهَادَتِهِ لَهُم) ، أَي: حكم مَرْوَان بِشَهَادَة ابْن عمر لبني صُهَيْب بالبيتين والحجرة.
وَقَالَ ابْن بطال: كَيفَ قضى مَرْوَان بِشَهَادَة ابْن عمر وَحده؟ ثمَّ قَالَ: فَالْجَوَاب: أَن مَرْوَان إِنَّمَا حكم بِشَهَادَتِهِ مَعَ يَمِين الطَّالِب، على مَا جَاءَ فِي السّنة من الْقَضَاء بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد، قيل: فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ لم يذكر فِي الحَدِيث. قلت: لَيْسَ كَذَلِك لِأَن الْقَاعِدَة المستمرة تَنْفِي الحكم بِشَاهِد وَاحِد. فَلَا بُد من شَاهِدين أَو من شَاهد وَيَمِين عِنْد من يرَاهُ بذلك. فَإِن قلت: قد اسْتدلَّ بَعضهم بقول بعض السّلف، كشريح القَاضِي، أَنه قَالَ: الشَّاهِد الْوَاحِد إِذا انضمت إِلَيْهِ قرينَة تدل على صدقه أَلا ترى أَن أَبَا دَاوُد ترْجم فِي (سنَنه) بَاب إِذا علم الْحَاكِم صدق الشَّاهِد الْوَاحِد يجوز لَهُ أَن يحكم! وسَاق قصَّة خُزَيْمَة بن ثَابت، وَسبب تَسْمِيَته: ذَا الشَّهَادَتَيْنِ؟ قلت: الْجُمْهُور على أَن ذَلِك لَا يَصح، وَأَن قصَّة خُزَيْمَة مَخْصُوصَة بِهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: قَضَاء مَرْوَان بِشَهَادَة ابْن عمر يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه يجوز لَهُ أَن يُعْطي من مَال الله من يسْتَحق الْعَطاء، فَينفذ مَا قيل لَهُ: إِن سيدنَا رَسُول الله، ﷺ ، أعطَاهُ، فَإِن لم يكن كَذَلِك كَانَ قد أَمْضَاهُ، وَإِن كَانَ غير ذَلِك كَانَ هُوَ الْمُعْطِي عَطاء صَحِيحا. وَقد يكون هَذَا خَاصّا فِي الْفَيْء، لِأَن النَّبِي، ﷺ ، أعْطى أَبَا قَتَادَة بِدَعْوَاهُ وَشَهَادَة من كَانَ السَّلب عِنْده. الْوَجْه الثَّانِي: أَنه رُبمَا حكم الإِمَام بِشَهَادَة المبرز فِي الْعَدَالَة وجده، وَقد قَالَ بعض فُقَهَاء الْكُوفَة: حكم شُرَيْح بشهادتي وحدي فِي شَيْء. قَالَ: وَأَخْطَأ شُرَيْح، قَالَ: وَالْوَجْه الأول الصَّحِيح.
٢٣ - (بابُ مَا قِيلَ فِي العُمْراى والرُّقْباى)
ثبتَتْ الْبَسْمَلَة فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة قبل لفظ: بَاب. قَوْله: (بَاب مَا قيل) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا قيل فِي أَحْكَام
стр. 3891
الْعمريّ والرقبى، الْعُمْرَى، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم مَقْصُورا، وَحكي بِضَم الْعين وَالْمِيم جَمِيعًا، وبفتح الْعين وَسُكُون الْمِيم. وَقَالَ ابْن سَيّده: الْعُمْرَى، مصدر كالرجعى، وأصل الْعُمْرَى مَأْخُوذ من الْعُمر، والرقبى بِوَزْن الْعُمْرَى كِلَاهُمَا على وزن فعلى، وأصل الرقبى من المراقبة. فَإِن قلت: ذكر فِي التَّرْجَمَة الْعُمْرَى والرقبى، وَلم يذكر فِي الْبَاب إلَاّ حديثين فِي الْعُمْرَى، وَلم يذكر شَيْئا فِي الرقبى؟ قلت: قيل: إنَّهُمَا متحدان فِي الْمَعْنى، فَلذَلِك اقْتصر على الْعُمْرَى، على أَن النَّسَائِيّ روى بِإِسْنَاد صَحِيح عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوفا: الْعُمْرَى والرقبى سَوَاء؟ قلت: هَذَا الْجَواب غير مقنع، لأَنا لَا نسلم الِاتِّحَاد بَينهمَا فِي الْمَعْنى فالعمرى من الْعُمر والرقبى من المراقبة. وَبَينهمَا فرق فِي التَّعْرِيف، على مَا يَجِيء بَيَانه، وَمعنى قَول ابْن عَبَّاس: هما سَوَاء يَعْنِي: فِي الحكم، وَهُوَ الْجَوَاز، لَا أَنَّهُمَا سَوَاء فِي الْمَعْنى.
أعْمَرْتُهُ الدَّارَ فَهْيَ عُمْراى جَعَلْتُها لَهُ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى تَفْسِير الْعُمْرَى، وَهُوَ أَن يَقُول الرجل لغيره: أعمرته دَاري، أَي: جَعلتهَا لَهُ مُدَّة عمري. وَقَالَ أَبُو عبيد: الْعُمْرَى أَن يَقُول الرجل للرجل: دَاري لَك عمرك، أَو يَقُول: دَاري هَذِه لَك عمري، فَإِذا قَالَ ذَلِك وَسلمهَا إِلَيْهِ كَانَت للمعمر وَلم ترجع إِلَيْهِ إِن مَاتَ، وَكَذَا إِذا قَالَ: أعمرتك هَذِه الدَّار، أَو: جَعلتهَا لَك حياتك، أَو: مَا بقيت، أَو: مَا عِشْت، أَو: مَا حييت، وَمَا يُفِيد هَذَا الْمَعْنى.
وَقَالَ شَيخنَا، ﵀: الْعُمْرَى على ثَلَاثَة أَقسَام:
أَحدهَا: أَن يَقُول: أعمرتك هَذِه الدَّار، فَإِذا مت فَهِيَ لعقبك أَو وَرثتك، فَهَذِهِ صَحِيحَة عِنْد عَامَّة الْعلمَاء. وَذكر النَّوَوِيّ أَنه لَا خلاف فِي صِحَّتهَا، وَإِنَّمَا الْخلاف: هَل يملك الرَّقَبَة أَو الْمَنْفَعَة فَقَط؟ وسنذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الْقسم الثَّانِي: أَن لَا يذكر ورثته وَلَا عقبه، بل يَقُول: أعمرتك هَذِه الدَّار، أَو: جَعلتهَا لَك، أَو نَحْو هَذَا، وَيُطلق ... فَفِيهَا أَرْبَعَة أَقْوَال. أَصَحهَا: الصِّحَّة كالمسألة الأولى، وَيكون لَهُ ولورثته من بعده، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأَبُو عبيد وَآخَرُونَ. القَوْل الثَّانِي: أَنَّهَا لَا تصح لِأَنَّهُ تمْلِيك مُؤَقّت، فَأشبه مَا لَو وهبه أَو بَاعه إِلَى وَقت معِين، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم. الثَّالِث: أَنَّهَا تصح وَيكون للمعمَر فِي حَيَاته فَقَط، فَإِذا مَاتَ رجعت إِلَى المعمِرِ أَو إِلَى ورثته إِن كَانَ قد مَاتَ، وَحكى هَذَا أَيْضا عَن الْقَدِيم. الرَّابِع: أَنَّهَا عَارِية يستردها المعمِر مَتى شَاءَ، فَإِذا مَاتَ عَادَتْ إِلَى ورثته.
الْقسم الثَّالِث: أَن لَا يذكر الْعقب وَلَا الْوَرَثَة، وَلَا يقْتَصر على الْإِطْلَاق، بل يَقُول: فَإِذا مت رجعت إِلَيّ، أَو: إِلَى ورثتي إِن كنت مت. فَإِن قُلْنَا: بِالْبُطْلَانِ فِي حَالَة الْإِطْلَاق فههنا أولى، وَكَذَلِكَ فِي الْإِطْلَاق بِالصِّحَّةِ، وعودها بعد موت المعمَر إِلَى المعمِّر، وَإِن قُلْنَا: إِنَّهَا تصح فِي حَالَة الْإِطْلَاق، ويتأبد الْملك فَفِيهِ وَجْهَان لأَصْحَاب الشَّافِعِي أَحدهمَا: عدم الصِّحَّة. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَهُوَ أسبق إِلَى الْفَهم، وَرجحه القَاضِي ابْن كج، وَصَاحب التمة، وَبِه جزم الْمَاوَرْدِيّ. وَالثَّانِي: يَصح، وَيَلْغُو الشَّرْط، وَعَزاهُ الرَّافِعِيّ للأكثرين.
ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء فِيمَا ينْتَقل إِلَى المعمَر: هَل ينْتَقل إِلَيْهِ ملك الرَّقَبَة حَتَّى يجوز لَهُ البيع وَالشِّرَاء وَالْهِبَة وَغير ذَلِك من التَّصَرُّفَات، أَو إِنَّمَا تنْتَقل إِلَيْهِ الْمَنْفَعَة فَقَط. كالوقف؟ فَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَن ذَلِك تمْلِيك للرقبة، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، وَذهب مَالك إِلَى أَنه إِنَّمَا يملك الْمَنْفَعَة فَقَط، فعلى هَذَا فَإِنَّهَا ترجع إِلَى المعمر إِذا مَاتَ المعمَر عَن غير وَارِث، أَو انقرضت ورثته، وَلَا يرجع إِلَى بَيت المَال.
ثمَّ هَهُنَا مسَائِل مُتَعَلقَة بِهَذَا الْبَاب.
الأولى: الْعُمْرَى الْمَذْكُورَة فِي أَحَادِيث هَذَا الْبَاب وَفِي غَيره، هَل هِيَ عَامَّة فِي كل مَا يَصح تَمْلِيكه من الْعقار وَالْحَيَوَان والأثاث وَغَيرهَا، أَو يخْتَص ذَلِك بالعقار؟ الْجَواب: أَن أَكثر وُرُود الْأَحَادِيث فِي الدّور والأراضي، فإمَّا أَن يكون خرج مخرج الْغَالِب فَلَا يكون لَهُ مَفْهُوم، ويعم الحكم كل مَا يَصح تَمْلِيكه. أَو يُقَال: هَذَا الحكم ورد على خلاف الأَصْل، فَيقْتَصر على مورد النَّص، فَلَا يتَعَدَّى بِهِ إِلَى غَيره، قَالَ شَيخنَا: لم أرَ من تعرض لذَلِك، إلَاّ أَن الرَّافِعِيّ مثل فِي أَمْثِلَة الْعمريّ بِغَيْر الْعقار، فَقَالَ: وَلَو قَالَ: دَاري لَك عمرك فَإِذا مت فَهِيَ لزيد، أَو: عَبدِي لَك عمرك فَإِذا مت فَهُوَ حر، تصح الْعُمْرَى على قَوْلنَا الْجَدِيد، ولغى الْمَذْكُور بعْدهَا، فَعلم من هَذَا جَرَيَان الحكم فِي العبيد وَغَيرهم.
الثَّانِيَة: هَل يَسْتَوِي فِي الْعُمْرَى تَقْيِيد ذَلِك بعمر الْوَاهِب كَمَا لَو قَيده بعمر الْمَوْهُوب؟ فَعَن أبي عبيد التَّسْوِيَة بَينهمَا، لِأَنَّهُ فسر الْعمريّ بِأَن يَقُول للرجل: هَذِه الدَّار لَك عمرك أَو عمري، وَلَكِن عِنْد أَصْحَاب الشَّافِعِي عدم الصِّحَّة فِي هَذِه الصُّورَة. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَلَو قَالَ: جعلت لَك هَذِه الدَّار عمري أَو حَياتِي
الثَّالِثَة: إِذا قيد الْوَاهِب الْعُمْرَى بعمر أجبني، بِأَن قَالَ: جعلت هَذِه الدَّار لَك عمر زيد، فَهَل يَصح؟ قَالَ الرَّافِعِيّ: أجْرى فِيهِ الْخلاف فِيمَا إِذا قَالَ: عمري أَو حَياتِي
стр. 3892
فعلى هَذَا فَالْأَصَحّ عدم الصِّحَّة لِخُرُوجِهِ عَن اللَّفْظ الْوَارِد فِيهِ.
الرَّابِعَة: إِذا لم يشْتَرط الْوَاهِب الرُّجُوع بعد موت المعمر لنَفسِهِ بل شَرطه لغيره، فَقَالَ: فَإِذا مت فَهِيَ لزيد، قَالَ الرَّافِعِيّ: يَصح وَيَلْغُو الشَّرْط، وَكَذَا لَو قَالَ: أعمرتك عَبدِي فَإِذا مت فَهُوَ حر يَصح، وَيَلْغُو الشَّرْط على الْجَدِيد.
الْخَامِسَة: إِذا لم يذكر الْعُمر فِي العقد بل أوردهُ بِصِيغَة الْهِبَة، كَمَا إِذا قَالَ: وَهبتك هَذِه الدَّار، فَإِذا مت رجعت إليَّ فَهَذَا لَا يَصح، قَالَ الرَّافِعِيّ: ظَاهر الْمَذْهَب فَسَاد الْهِبَة وَالْوَقْف بِالشُّرُوطِ الَّتِي يفْسد بهَا البيع، بِخِلَاف الْعُمْرَى لما فِيهَا من الْإِخْبَار.
السَّادِسَة: إِذا أَتَى بِمَا يَقْتَضِي الْعُمْرَى، وَلَكِن بِصِيغَة البيع، فَقَالَ: مَلكتك هَذِه الدَّار بِعشْرَة عمرك، فَنقل الرَّافِعِيّ عَن ابْن كج أَنه قَالَ: لَا ينْعَقد عِنْدِي جَوَازه تَفْرِيعا على الْجَدِيد. وَقَالَ أَبُو عَليّ الطَّبَرِيّ: لَا يجوز، قَالَ شَيخنَا: مَا قَالَه أَبُو عَليّ هُوَ الصَّحِيح نقلا وتوجيهاً، فقد جزم بِهِ ابْن شُرَيْح وَأَبُو إِسْحَاق الْمروزِي وَالْمَاوَرْدِيّ، وَمَا نَقله عَن ابْن كج احْتِمَال، وَقَالَ بِهِ ابْن خيران فِيمَا حَكَاهُ صَاحب التَّحْرِير.
السَّابِعَة: هَل تجوز الْوَصِيَّة بالعمرى بِأَن يَقُول: إِذا مت فَهَذِهِ الدَّار لزيد عمره، كَمَا يجوز تنجيزها؟ فَقَالَ بِهِ الرَّافِعِيّ، وَلكنهَا تعْتَبر من الثُّلُث.
الثَّامِنَة: لَا يجوز تَعْلِيق الْعُمْرَى بِغَيْر موت المعمِر، كَقَوْلِه إِذا مَاتَ فلَان فقد أعمرتك هَذِه الدَّار.
وَأما الرقبى فَهُوَ أَن يَقُول الرجل للرجل: أرقبتك دَاري إِن متُ قبلك فَهِيَ لَك وَإِن مت قبلي فَهِيَ لي، وَهُوَ مُشْتَقّ من الرقوب، فَكَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا يترقب موت صَاحبه. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: ذهب بعض أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَغَيرهم أَن الرقبي جَائِزَة مثل الْعمريّ. وَهُوَ قَول أَحْمد وأسحاق وَفرق بعض أهل الْعلم من أهل الْكُوفَة من أهل الْكُوفَة وَغَيرهم بَين الْعُمْرَى والرقبى، فأجازوا الْعُمْرَى وَلم يجيزوا الرقبى، وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) : الْعُمْرَى جَائِزَة للمعمِر لَهُ فِي حَال حَيَاته ولورثته من بعده. قلت: وَهَذَا قَول جَابر بن عبد الله، وَعبد الله ابْن عَبَّاس، وَعبد الله بن عمر وَعلي بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَرُوِيَ عَن شُرَيْح وَمُجاهد وطاووس وَالثَّوْري، وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) أَيْضا: والرقبى بَاطِلَة عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَمَالك، وَقَالَ أَبُو يُوسُف: جَائِزَة، بِهِ قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد.
اسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا جعَلَكُمْ عُمَّاراً
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن من الْعُمْرَى أَن يكون استعمر بِمَعْنى أعمر، كاستهلك بِمَعْنى أهلك، أَي: أعمركم فِيهَا دِيَاركُمْ ثمَّ هُوَ يَرِثهَا مِنْكُم بعد انْقِضَاء أعماركم، وَفِي (التَّهْذِيب) للأزهري: أَي: أذن لكم فِي عمارتها واستخراج قوتكم مِنْهَا. وَقيل: استعمركم من الْعُمر نَحْو: استبقاكم من الْبَقَاء، وَقيل: استعمركم أَي: عمركم بالعمارة. قَوْله: (عمَّاراً) بِضَم الْعين وَتَشْديد الْمِيم.
٥٢٦٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ يَحْيى عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ جابرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قضاى النبيُّ ﷺ بالعُمْرى أنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله مَا قيل فِي الْعُمْرَى، وَهَذَا الَّذِي رَوَاهُ جَابر هُوَ الَّذِي قيل فِيهَا، وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، وشيبان بن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.
والْحَدِيث أخرجه بَقِيَّة السِّتَّة: مُسلم فِي الْفَرَائِض عَن القواريري عَن جمَاعَة غَيره، وَأَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَغَيره. وَالتِّرْمِذِيّ فِي الْأَحْكَام عَن إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ، وَالنَّسَائِيّ فِي الْعُمْرَى عَن عبد الْأَعْلَى وَغَيره، وَابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن مُحَمَّد بن رمح بِهِ، وَمعنى حَدِيثهمْ وَاحِد.
قَوْله: (قضى النَّبِي، ﷺ ، أَي: حكم (بالعمرى) أَي بِصِحَّتِهَا. قَوْله: (أَنَّهَا) ، أَي: بِأَنَّهَا، أَي: بِأَن الْهِبَة (لمن وهبت لَهُ) ، ووهبت على صِيغَة الْمَجْهُول.
وروى مُسلم حَدِيث جَابر بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة وأسانيد متباينة، أخرج عَن أبي سَلمَة وَلَفظه: الْعُمْرَى لمن وهبت لَهُ. وَعَن
стр. 3893
أبي سَلمَة أَيْضا عَنهُ أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: (أَيّمَا رجل أعمر عمرى لَهُ ولعقبه فَأَنَّهَا للَّذي أعطيها لَا ترجع إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا) ، لِأَنَّهُ أعْطى عَطاء وَقعت فِيهِ الْمَوَارِيث. وَعَن أبي سَلمَة عَنهُ أَيْضا. وَلَفظه، قَالَ، ﷺ : (أَيّمَا رجل أعمر رجلا عمرى لَهُ ولعقبه، فَقَالَ: قد أعطيتكها وَعَقِبك مَا بَقِي مِنْكُم أحد فَإِنَّهَا لمن أعطيها، وَإِنَّهَا لَا ترجع إِلَى صَاحبهَا من أجل أَنه أَعْطَاهَا عَطاء وَقعت فِيهِ الْمَوَارِيث) . وَعَن أبي سَلمَة أَيْضا عَن جَابر قَالَ: إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أجَاز رَسُول الله، ﷺ أَن تَقول: هِيَ لَك ولعقبك، فَأَما إِذا قَالَ: هِيَ لَك مَا عِشْت فَإِنَّهَا ترجع إِلَى صَاحبهَا. قَالَ معمر: وَكَانَ الزُّهْرِيّ يُفْتِي بِهِ. وَعَن أبي سَلمَة أَيْضا عَنهُ: أَن رَسُول الله، ﷺ ، قضى فِيمَن أعمر عمرى لَهُ ولعقبه فَهِيَ لَهُ بتلة لَا يجوز للمعطي فِيهَا شَرط وَلَا ثنيا، قَالَ أَبُو سَلمَة لِأَنَّهُ أعْطى عَطاء وَقعت فِيهِ الْمَوَارِيث. فَقطعت الْمَوَارِيث شَرطه. وَأخرج مُسلم أَيْضا من رِوَايَة أبي الزبير عَن جَابر يرفعهُ إِلَى النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: (أَمْسكُوا عَلَيْكُم أَمْوَالكُم وَلَا تفسدوها، فَإِنَّهُ من أعمر عمرى فَهِيَ للَّذي أعمرها حَيا أَو مَيتا ولعقبه) . وَعَن أبي الزبير أَيْضا عَنهُ، قَالَ: أعمرت امْرَأَة بِالْمَدِينَةِ حَائِطا لَهَا ابْنا لَهَا، ثمَّ توفّي وَتوفيت بعده، وَترك ولدا بعده، وَله إخْوَة بنُون للمعمرة، فَقَالَ ولد المعمرة: رَجَعَ الْحَائِط إِلَيْنَا، فَقَالَ بَنو المعمّر: بل كَانَ لأبينا حَيَاته وَمَوته، فاختصموا إِلَى طَارق مولى عُثْمَان فَدَعَا جَابِرا فَشهد على رَسُول الله، ﷺ بالعمرى لصَاحِبهَا فَقضى بذلك طَارق، ثمَّ كتب إِلَى عبد الْملك فَأخْبرهُ بذلك، وَأخْبرهُ بِشَهَادَة جَابر، فَقَالَ عبد الْملك: صدق جَابر، فَأمْضى ذَلِك طَارق بِأَن ذَلِك الْحَائِط لبني المعمَر حَتَّى الْيَوْم. وَأخرج مُسلم أَيْضا من حَدِيث عَطاء عَن جَابر عَن النَّبِي، ﷺ قَالَ: (الْعُمْرَى جَائِزَة) . وَأخرج أَيْضا عَن عَطاء عَنهُ عَن النَّبِي، ﷺ أَنه قَالَ: (المرى مِيرَاث لأَهْلهَا) وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مفصلا فِي أول الْبَاب، وبهذه الْأَحَادِيث احْتج أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَالْحسن بن صَالح وَأَبُو عبيد، على: أَن الْعُمْرَى لَهُ يملكهَا ملكا تَاما يتَصَرَّف فِيهَا تصرف الْملاك، واشترطوا فِيهَا الْقَبْض على أصولهم فِي الهبات. وَذهب الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَيزِيد بن قسيط وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَاللَّيْث بن سعد وَمَالك إِلَى أَن الْعمريّ جَائِزَة وَلكنهَا ترجع إِلَى الَّذِي أعمرها، واحتجواغ فِي ذَلِك بقوله ﷺ : (الْمُسلمُونَ عِنْد شروطهم) . أخرجه الطَّحَاوِيّ وَأَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة. وَأجَاب عَنهُ الطَّحَاوِيّ بِأَن هَذَا على الشُّرُوط الَّتِي قد أَبَاحَ الْكتاب اشْتِرَاطهَا، وَجَاءَت بهَا السّنة، وَأجْمع عَلَيْهَا الْمُسلمُونَ، وَمَا نهى عَنهُ الْكتاب ونهت عَنهُ السّنة فَهُوَ غير دَاخل فِي ذَلِك. ألَا تَرى أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ فِي حَدِيث بَرِيرَة: (كل شَرط لَيْسَ فِي كتاب الله تَعَالَى فَهُوَ بَاطِل، وَإِن كَانَ مائَة شَرط) ؟ .
٦٢٦٢ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ قَالَ حدَّثنا قَتادَةُ قَالَ حدَّثني النَّضْرُ بنُ أنس عنْ بَشيرِ بنِ نَهيكٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ العُمْراى جائِزَةٌ.
هَذَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة مثل حَدِيث جَابر، لَكِن حَدِيث جَابر روى عَن فعله، وَهَذَا عَن قَوْله، وَهَمَّام هُوَ ابْن يحيى الشَّيْبَانِيّ الْبَصْرِيّ، وَالنضْر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: ابْن أنس بن مَالك البُخَارِيّ الْأنْصَارِيّ، وَبشير، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الشين الْمُعْجَمَة: ابْن نهيك، بِفَتْح النُّون وَكسر الْهَاء: السلوسي، وَيُقَال: السدُوسِي، يعد فِي الْبَصرِيين. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين على نسق وَاحِد وهم قَتَادَة وَالنضْر وَبشير.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَرَائِض عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَمُحَمّد بن بشار وَعَن يحيى ابْن حبيب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع عَن أبي الْوَلِيد، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعُمْرَى عَن مُحَمَّد بن الْمثنى.
قَوْله: (الْعُمْرَى جَائِزَة) ، قَالَ الطَّحَاوِيّ: أَي جَائِزَة للمعمَر لَا حق فِيهَا للمعمِر بعد ذَلِك أبدا. وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْحسن عَن سَمُرَة: أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: (الْعُمْرَى جَائِزَة لأَهْلهَا، أَو مِيرَاث لأَهْلهَا) ، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عبد الله بن الزبير، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (الْعُمْرَى جَائِزَة لمن أعمرها، والرقبى لمن راقبها، سَبِيلهَا سَبِيل الْمِيرَاث) .
فَإِن قلت: روى النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله، ﷺ قَالَ: (لَا عمرى، فَمن أعمر شَيْئا فَهُوَ لَهُ) . وَهَذَا يُعَارض هَذَا الحَدِيث؟ قلت: لَا مُعَارضَة، لِأَن معنى الحَدِيث قَوْله: لَا عمرى بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَة على مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة من الرُّجُوع، أَي: فَلَيْسَ لَهُم الْعُمْرَى الْمَعْرُوفَة عِنْدهم الْمُقْتَضِيَة للرُّجُوع. فَإِن قلت: فِي حَدِيث ابْن عمر عِنْد النَّسَائِيّ: (لَا عمرى وَلَا رقبى) ، وَعند أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي حَدِيث جَابر: (لَا ترقبوا وَلَا تعمروا) ، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: أَمْسكُوا عَلَيْكُم أَمْوَالكُم لَا تفسدوها ... الحَدِيث، وَقد مضى عَن قريب؟ قلت: أَحَادِيث النَّهْي مَحْمُولَة على الْإِرْشَاد، يَعْنِي: إِن كَانَ لكم غَرَض فِي عود أَمْوَالكُم إِلَيْكُم فَلَا تعمروها فَإِنَّكُم إِذا أعمرتموها لم ترجع إِلَيْكُم، فَلذَلِك قَالَ: لَا تفسدوها، أَي: لَا تفسدوا ماليتكم فَإِنَّهَا لن تعود إِلَيْكُم، وَفِي بعض طرق حَدِيث جَابر عِنْد مُسلم: جعلت الْأَنْصَار يعمرون الْمُهَاجِرين، فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : (أَمْسكُوا عَلَيْكُم أَمْوَالكُم) . انْتهى. وَكَأَنَّهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 3894
علم حَاجَة الْمَالِك إِلَى ملكه، وَأَنه لَا يصبر، فنهاهم ﷺ عَن التَّبَرُّع بِأَمْوَالِهِمْ وَأمرهمْ بإمساكهم. فَافْهَم.
وَقَالَ عَطاءٌ حدَّثني جابرٌ عنِ النبيِّ ﷺ نَحْوَهُ
عَطاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح. قَوْله: (نَحوه) ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: مثله، وَهَذَا صورته صُورَة تَعْلِيق وَلكنه لَيْسَ بمعلق، لِأَنَّهُ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور عَن قَتَادَة، وَقَائِل قَوْله. وَقَالَ عَطاء: هُوَ قَتَادَة يَعْنِي، قَالَ: قَتَادَة قَالَ عَطاء: حَدثنِي جَابر عَن النَّبِي، ﷺ نَحوه، أَي: نَحْو حَدِيث أبي هُرَيْرَة، يَعْنِي: الْعُمْرَى جَائِزَة، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) وَرَوَاهُ أَبُو نعيم عَن أبي إِسْحَاق بن حَمْزَة حَدثنَا أَبُو خَليفَة حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد حَدثنَا همام عَن قَتَادَة عَن عَطاء عَن جَابر مثله، لَا نَحوه بِلَفْظ: الْعُمْرَى جَائِزَة، وَرَوَاهُ مُسلم عَن خَالِد بن الْحَارِث عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن عَطاء بِلَفْظ: الْعُمْرَى مِيرَاث لأَهْلهَا، وَكَأَنَّهُ الَّذِي أَرَادَ البُخَارِيّ بقوله: نَحوه، لِأَن: نَحوه، لَيْسَ: مثله. وَكَأَنَّهُ لم ير الْمثل، فَلهَذَا لم يذكرهُ. قلت: قد ذكرنه أَنه فِي رِوَايَة أبي ذَر: مثله، وَفِي رِوَايَة غَيره: نَحوه، فَهَذَا يشْعر بِعَدَمِ الْفرق بَينهمَا.
٣٣ - (بابُ منِ اسْتَعَارَ مِنَ النَّاسِ الفَرَسَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من اسْتعَار الْفرس، وَهَذَا شُرُوع فِي بَيَان أَحْكَام الْعَارِية، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: الْفرس وَالدَّابَّة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني وَغَيرهَا، وَفِي رِوَايَة ابْن شبويه، مثله لَكِن قَالَ: وَغَيرهمَا، بالتثنية. وَفِي كتاب صَاحب (التَّوْضِيح) بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، كتاب الْعَارِية، وغالب النّسخ هَذَا لَيْسَ بموجود فِيهِ، وَهَذِه النُّسْخَة أولى لِأَن الْعَادة أَن تنوج الْأَبْوَاب بِالْكتاب، وَالْعَارِية، بتَشْديد الْيَاء وتخفيفها، وَتجمع على عواري، وفيهَا لُغَة ثَالِثَة: عارة، حَكَاهَا الْجَوْهَرِي وَابْن سَيّده، وحكاها الْمُنْذِرِيّ فَقَالَ: عاراة، بِالْألف. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: عارة، بتَخْفِيف الرَّاء بِغَيْر يَاء، مَأْخُوذَة من عَار إِذا ذهب وَجَاء، وَمِنْه سمى: العيَّار، لِكَثْرَة مَجِيئه وذهابه. وَقَالَ البطليموسي: هِيَ مُشْتَقَّة من التعاور، وَهُوَ: التناوب، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: كَأَنَّهَا منسوبة إِلَى الْعَار، لِأَن طلبَهَا عَار وعيب، ورد عَلَيْهِ بوقوعها من الشَّارِع وَلَا عَار فِي فعله، وَفِي الشَّرْع: الْعَارِية تمْلِيك الْمَنْفَعَة بِلَا عوض، وَهُوَ اخْتِيَار أبي بكر الرَّازِيّ. وَقَالَ الْكَرْخِي وَالشَّافِعِيّ: وَهِي إِبَاحَة الْمَنَافِع حَتَّى يملك الْمُسْتَعِير إِجَارَة مَا استعاره، وَلَو ملك الْمَنَافِع لملك إِجَارَتهَا، وَالْأول أصح، لِأَن الْمُسْتَعِير لَهُ أَن يعير، وَلَو كَانَت إِبَاحَة لما ملك ذَلِك، وَإِنَّمَا لم يجز الْإِجَارَة لِأَنَّهَا أقوى وألزم من الْإِعَارَة، وَالشَّيْء لَا يستتبع مثله، فبالأحرى أَن لَا يستتبع الْأَقْوَى.
٧٢٦٢ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عَن قَتَادَةَ قَالَ سَمِعْتُ أنسا يقولُ كانَ بالمَدِينَةِ فَزَعٌ فاسْتَعَارَ النبيُّ ﷺ فرَساً منْ أبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لهُ المَنْدُوبُ فَرَكِبَ فلَمَّا رجَعَ قَالَ مَا رأيْنا مِنْ شَيْءٍ وإنْ وجدْنَاهُ لَبَحْراً..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن بنْدَار عَن غنْدر عَن أَحْمد بن مُحَمَّد، وَفِي الْجِهَاد وَفِي الْأَدَب عَن مُسَدّد عَن يحيى. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي، ﷺ ، عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار وَعَن يحيى بن حبيب عَن أبي بكر عَن وَكِيع. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن عَمْرو بن مَرْزُوق. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجِهَاد عَن مَحْمُود بن غيلَان وَعَن بنْدَار وَابْن أبي عدي وَأبي دَاوُد، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم.
قَوْله: (فزع) ، أَي: خوف من عَدو. قَوْله: (من أبي طَلْحَة) ، هُوَ زيد بن سهل زوج أم أنس. قَوْله: (الْمَنْدُوب) ، مرادف: الْمسنون، وَهُوَ اسْم فرس أبي طَلْحَة. قَالَ ابْن الْأَثِير: هُوَ من النّدب، وَهُوَ الرهب الَّذِي يَجْعَل فِي السباق، وَقيل: سمي بِهِ لندب كَانَ فِي جِسْمه. وَهُوَ أثر الْجرْح. قَوْله: (من شَيْء) ، أَي: من الْعَدو وَسَائِر مُوجبَات الْفَزع. قَوْله: (وَإِن وَجَدْنَاهُ لبحراً) ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: إِن وجدنَا، بِحَذْف الضَّمِير، قَالَ الْخطابِيّ: إِن، هِيَ النافية، وَاللَّام فِي: لبحراً، بِمَعْنى: إلَاّ، أَي: مَا وَجَدْنَاهُ إلَاّ بحراً. وَالْعرب تَقول: إِن زيدا لعاقل، أَي: مَا زيد إلَاّ عَاقل، وعَلى هَذَا قِرَاءَة من قَرَأَ: ﴿إِن هَذَانِ لساحران﴾ (طه: ٣٦) . بتَخْفِيف، وَالْمعْنَى: إِن مَا هَذَانِ إلَاّ ساحران. وَقَالَ ابْن التِّين: هَذَا مَذْهَب الْكُوفِيّين، وَمذهب الْبَصرِيين، أَن: إِن، هِيَ مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة، وَاللَّام زَائِدَة، وَالْبَحْر هُوَ
стр. 3895
الْفرس الْوَاسِع الجرى وَزعم نفطويه: أَن الْبَحْر من أَسمَاء الْخَيل وَهُوَ الْكثير الجري الَّذِي لَا يفنى جريه، كَمَا لَا يفنى مَاء الْبَحْر، وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي رِوَايَة سعيد عَن قَتَادَة، فَكَانَ بعد ذَلِك لَا يجاري. وَقَالَ عِيَاض: إِن فِي خيل سيدنَا رَسُول الله، ﷺ ، فرسا يُسمى: البخر، اشْتَرَاهُ من تجار قدمُوا من الْيمن فَسبق عَلَيْهِ مَرَّات، ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك: يحْتَمل أَنه تصير إِلَيْهِ بعد أبي طَلْحَة. قيل: هَذَا نقض للْأولِ، لَكِن لَو قَالَ: إنَّهُمَا فرسَان اتفقَا فِي الِاسْم لَكَانَ أقرب. قلت: كَانَ للنَّبِي، ﷺ ، أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ فرسا مِنْهَا سَبْعَة مُتَّفق عَلَيْهَا وَهِي: السكب: اشْتَرَاهُ من أَعْرَابِي من بني فَزَارَة، وَهُوَ أول فرس ملكه وَأول فرس غزا عَلَيْهِ وَكَانَ كميتا. والمرتجز: اشْتَرَاهُ من أَعْرَابِي من بني مرّة وَكَانَ أَبيض. ولزاز: أهداه لَهُ الْمُقَوْقس، واللحيف: أهداه لَهُ ربيعَة بن أبي الْبَراء. والظرب: أهداه لَهُ فَرْوَة بن عَمْرو عَامل البلقاء لقيصر الرّوم. والورد: أهداه لَهُ تَمِيم الدَّارِيّ، فَأعْطَاهُ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَحمل عَلَيْهِ فِي سَبِيل الله، ثمَّ وجده يُبَاع برخص، فَقَالَ لَهُ، ﷺ : (لَا تشتره) ، وسبحه: والبقية مُخْتَلف فِيهَا، وَذكر فِيهَا: البخر وَالْمَنْدُوب. أما الْبَحْر: فقد ذكر عِيَاض أَنه اشْتَرَاهُ من تجار قدمُوا من الْيمن. وَأما الْمَنْدُوب: فَهُوَ الَّذِي رَكبه أَبُو طَلْحَة، من: نَدبه فَانْتدبَ أَي: دَعَاهُ فَأجَاب: فَقَوله ﷺ : (إِن وَجَدْنَاهُ لبحراً) مَعْنَاهُ: وجدنَا الْفرس الَّذِي يُسمى مَنْدُوبًا بحراً. فَقَوله: (بحراً) ، صفته وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ ذَاك الْفرس الَّذِي اشْتَرَاهُ من التُّجَّار الْمُسَمّى بالبحر. وَأما ذكر الْمَنْدُوب فِي خيل النَّبِي ﷺ فَالظَّاهِر أَن أَبَا طَلْحَة وهبه لَهُ، فَمن حسن جريه شبهه النَّبِي ﷺ ببحر، فَدلَّ ذَلِك على أَن الْبَحْر اسْم للْفرس الَّذِي اشْتَرَاهُ من التُّجَّار، وَالْبَحْر الآخر صفة للمندوب، وَهَذَا تَحْرِير الْكَلَام، وَقد جمع بَعضهم أَفْرَاس النَّبِي، ﷺ ، فِي بَيت وَهِي الأفراس الْمُتَّفق عَلَيْهَا، فَقَالَ:
(وَالْخَيْل: سكب لحيف سبْحَة ظرب ... لزاز مرتجز ورد لَهَا أسرار)
وَآخر جمع أسيافه:
(إِن شِئْت أَسمَاء سياف النَّبِي فقد ... جَاءَت بأسمائها السَّبع أَخْبَار)
(قل: محذم ثمَّ حتف ذُو الفقار وَقل ... غضب رسوب وقلعي وبتار)
قلت: سيوفه عشرَة، هَذِه سَبْعَة وَالثَّلَاثَة الْأُخْرَى: رسوب ومأثور وَرثهُ من أَبِيه، قدم بِهِ الْمَدِينَة وَهُوَ أول سيف ملكه. وصمصامة، سيف عَمْرو معدي كرب، وهبه لخَالِد بن سعيد، وَيُقَال: وَله سيف آخر يدعى الْقَضِيب، وَهُوَ أول سيف تقلد بِهِ، قَالَه النَّيْسَابُورِي فِي كتاب (شرف الْمُصْطَفى) [/ ح.
وَقَالَ ابْن بطال: اخْتلف الْعلمَاء فِي عَارِية الْحَيَوَان وَالْعَقار مِمَّا لَا يُغَاب عَنهُ، فروى ابْن الْقَاسِم عَن مَالك: أَن من اسْتعَار حَيَوَانا وَغَيره مِمَّا لَا يُغَاب عَنهُ فَتلف عِنْده فَهُوَ مُصدق فِي تلفه، وَلَا يضمنهُ إلَاّ بِالتَّعَدِّي، وَهُوَ قَول الْكُوفِيّين، وَالْأَوْزَاعِيّ. وَقَالَ عَطاء: الْعَارِية مَضْمُونَة على كل حَال، كَانَت مِمَّا لَا يُغَاب عَنهُ، أم لَا تعدى فِيهَا أَولا، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد. وَقَالَت الشَّافِعِيَّة: إلَاّ إِذا تلف من الْوَجْه الْمَأْذُون فِيهِ فَلَا ضَمَان عندنَا. وَقَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: الْعَارِية أَمَانَة إِن هَلَكت من غير تعد لم تضمن، وَهُوَ قَول عَليّ وَابْن مَسْعُود وَالْحسن وَالنَّخَعِيّ وَالشعْبِيّ وَالثَّوْري وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَشُرَيْح وَالْأَوْزَاعِيّ وَابْن شبْرمَة وَإِبْرَاهِيم، وَقضى شُرَيْح بذلك ثَمَانِينَ سنة بِالْكُوفَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِي: تضمن، وَبِه قَالَ أَحْمد، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة وَعَطَاء وَإِسْحَاق. وَقَالَ قَتَادَة وَعبد الله بن الْحُسَيْن الْعَنْبَري: إِن شَرط ضَمَانهَا ضمن وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ ربيعَة: كل العواري مَضْمُونَة. وَفِي (الرَّوْضَة) : إِذا تلفت الْعين فِي يَد الْمُسْتَعِير ضمنهَا، سَوَاء تلفت بِآفَة سَمَاوِيَّة أم بفعلة بتقصير أم بِلَا تَقْصِير، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور، وَحكى قَول آخر أَنَّهَا لَا تضمن إلَاّ بِالتَّعَدِّي، وَهُوَ قَول ضَعِيف، وَلَو أعَار بِشَرْط أَن يكون أَمَانَة لغى الشَّرْط وَكَانَت مَضْمُونَة، وَفِي حاوي الْحَنَابِلَة: إِن شَرط نفي ضَمَانهَا سقط الضَّمَان، وَإِن تلف جزؤها بِاسْتِعْمَالِهِ كحمل منشفة لم يضمن فِي أصح الْوَجْهَيْنِ. انْتهى. قلت: وَلَو شَرط الضَّمَان فِي الْعَارِية هَل يَصح؟ فالمشايخ فِيهِ مُخْتَلفُونَ، كَذَا فِي التُّحْفَة، وَقَالَ فِي خُلَاصَة الفتاوي: رجل قَالَ لآخر: أعرني ثَوْبك، فَإِن ضَاعَ فَأَنا لَهُ ضَامِن، قَالَ: لَا يضمن. وَنَقله عَن الْمُنْتَقى.
وَاحْتج الشَّافِعِي وَمن مَعَه بِأَحَادِيث. مِنْهَا: حَدِيث أبي أُمَامَة، أخرجه أَبُو دَاوُد عَنهُ أَنه سمع النَّبِي، ﷺ فِي حجَّة الْوَدَاع يَقُول: (الْعَارِية مُؤَدَّاة والزعيم غَارِم) . وَحسنه التِّرْمِذِيّ، وَصَححهُ ابْن حبَان. وَمِنْهَا: حَدِيث أُميَّة بن صَفْوَان بن أُميَّة عَن أَبِيه أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 3896
اسْتعَار مِنْهُ أدرعاً يَوْم حنين، فَقَالَ: أغصباً يَا مُحَمَّد؟ قَالَ: (لَا بل عَارِية مَضْمُونَة) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ. وَمِنْهَا: حَدِيث يعلى بن أُميَّة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَنهُ. قَالَ: قَالَ لي رَسُول الله ﷺ : (إِذا أتتك رُسُلِي فادفع إِلَيْهِم ثَلَاثِينَ درعاً، فَقلت: يَا رَسُول الله إِعَارَة مَضْمُونَة أم عَارِية مُؤَدَّاة؟ . وَمِنْهَا: حَدِيث سَمُرَة، رَوَاهُ الْأَرْبَعَة عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (على الْيَد مَا أخذت حَتَّى تُؤَدِّيه) ، وَحسنه التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ. وَحجَّة الَّذين ينفون الضَّمَان إلَاّ بِالتَّعَدِّي مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، ثمَّ الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنَيْهِمَا) عَن عَمْرو بن عبد الْجَبَّار عَن عُبَيْدَة بن حسان عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي ﷺ : (لَيْسَ على الْمُسْتَوْدع غير الْمغل ضَمَان، وَلَا على الْمُسْتَعِير غير الْمغل ضَمَان) . وروى ابْن مَاجَه فِي (سنَنه) : عَن الْمثنى بن صباح عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (من أودع وَدِيعَة فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ) .
فَإِن قلت: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: عَمْرو بن عبد الْجَبَّار وَعبيدَة ضعيفان، وَإِنَّمَا يرْوى هَذَا من قَول شُرَيْح، غير مَرْفُوع. قلت: قيل: الْجرْح الْمُبْهم لَا يقبل مَا لم يتَبَيَّن سَببه، وَرِوَايَة من وَقفه لَا تقدح فِي رِوَايَة من رَفعه، وَقيل: عُبَيْدَة هَذَا لم يُضعفهُ أحد من أهل هَذَا الشَّأْن، وَذكره البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه) وَلم يذكر فِيهِ جرحا، وَكَذَا عَمْرو بن عبد الْجَبَّار لم يُضعفهُ أحد غير أَن ابْن عدي لما ذكره لم يزدْ على قَوْله: لَهُ مَنَاكِير، وَقد اعْترض بَعضهم على الْقَائِل الْمَذْكُور: بِأَن عُبَيْدَة قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: إِنَّه مُنكر الحَدِيث، وَقَالَ ابْن حبَان: يروي الموضوعات عَن الثِّقَات، ورد عَلَيْهِمَا بِأَنَّهُمَا لم يبينا سَبَب الْجرْح، وَالْجرْح الْمُجَرّد لَا يقبل، على أَن البُخَارِيّ لما ذكره فِي (تَارِيخه) لم يتَعَرَّض إِلَيْهِ بِشَيْء. وَالْجَوَاب عَن حَدِيث أبي أُمَامَة أَنه لَيْسَ فِيهِ دلَالَة على التَّضْمِين، لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا﴾ (النِّسَاء: ٨٥) . فَإِذا تلفت الْأَمَانَة لم يلْزمه ردهَا. .
وَأما حَدِيث صَفْوَان بن أُميَّة فَهُوَ مُضْطَرب سنداً ومتناً، وَجَمِيع وجوهه لَا يَخْلُو عَن نظر، وَلِهَذَا قَالَ صَاحب (التَّمْهِيد) : الِاضْطِرَاب فِيهِ كثير وَلَا حجَّة فِيهِ عِنْدِي فِي تضمين الْعَارِية. انْتهى. ثمَّ على تَقْدِير صِحَّته، قَوْله: (مَضْمُونَة) أَي: مَضْمُونَة الرَّد عَلَيْك، بِدَلِيل قَوْله: حَتَّى يُؤَدِّيهَا إِلَيْك، وَيحْتَمل أَن يُرِيد اشْتِرَاط الضَّمَان، وَالْعَارِية بِشَرْط الضَّمَان مَضْمُونَة فِي رِوَايَة للحنفية، وروى عبد الرَّزَّاق فِي (مصنفِه) عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: الْعَارِية بِمَنْزِلَة الْوَدِيعَة وَلَا ضَمَان فِيهَا إلَاّ أَن يتَعَدَّى، وَأخرج عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لَيْسَ على صَاحب الْعَارِية ضَمَان. وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْعَارِية لَيست بيعا وَلَا مَضْمُونَة، إِنَّمَا هُوَ مَعْرُوف إلَاّ أَن يُخَالف فَيضمن.
وَأما حَدِيث سَمُرَة فَإِن الْأَدَاء فِيهِ فرض، وَلَا يلْزم مِنْهُ الضَّمَان، وَلَو لزم من اللَّفْظ الضَّمَان للَزِمَ الْخصم أَن يضمن الْمَرْهُون والودائع لِأَنَّهَا مِمَّا قَبضته الْيَد.
٤٣ - (بابُ الإسْتِعَارَةِ لِلْعَرُوسِ عِنْدَ البِناءِ)
هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الِاسْتِعَارَة لأجل الْعَرُوس، والعروس نعت يَسْتَوِي فِيهِ الرجل وَالْمَرْأَة مَا داما فِي إعراسهما، وَيُقَال: إسم لَهما عِنْد دُخُول أَحدهمَا بِالْآخرِ، وَفِي غير هَذِه الْحَالة الرجل يُسمى عريساً وَالْمَرْأَة عروساً. قَوْله: (عِنْد الْبناء) أَي: الزفاف، يُقَال: بنى على أَهله إِذا زفها، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الابتناء وَالْبناء: الدُّخُول بِالزَّوْجَةِ، وَالْأَصْل فِيهِ أَن الرجل كَانَ إِذا تزوج امْرَأَة بنى عَلَيْهَا قبَّة ليدْخل بهَا فِيهَا، فَيُقَال: بنى الرجل على أَهله. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَلَا يُقَال بنى بأَهْله، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قد جَاءَ فِي غير مَوضِع، وَهُوَ أَيْضا اسْتَعْملهُ فِي كِتَابه.
٨٢٦٢ - حدَّثنا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الوَاحِدِ بنُ أيْمَنَ قَالَ حدَّثني أبِي قَالَ دَخَلْتُ على عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وعَلَيْهَا دِرْعُ قِطْرٍ ثَمنُ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ فقَالَتْ ارْفَعْ بَصَرَكَ إِلَى جارِيَتِي انْظُرْ إلَيْهَا فإنَّها تُزْهاى أَن تَلْبَسَهُ فِي البَيْتِ وقدْ كانِ لِي مِنْهُنَّ دِرْعٌ على عَهْدِ رسولِ الله ﷺ فَما كانَتِ امْرَأةٌ تُقيَّنُ بالْمَدِينَةِ إلَاّ أرْسَلَتْ إليَّ تَسْتَعِيرُهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَمَا كَانَت امْرَأَة) إِلَى آخِره.
ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة: أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وَعبد الْوَاحِد بن أَيمن
стр. 3897
المَخْزُومِي مولى أبي عَمْرو الْمَكِّيّ، يكنى أَبَا الْقَاسِم، وَأَبوهُ أَيمن ضد الْأَيْسَر الحبشي المَخْزُومِي الْمَكِّيّ، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَعَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، والْحَدِيث تفرد بِهِ البُخَارِيّ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَعَلَيْهَا درع قطر) ، جملَة حَالية، وَدرع، مُضَاف إِلَى: قطر، والدرع قَمِيص الْمَرْأَة، وَهُوَ مُذَكّر، وَدرع الْحَدِيد مُؤَنّثَة. وَحكى أَبُو عبيد أَنه يذكر وَيُؤَنث، والقطر، بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الطَّاء الْمُهْملَة وَفِي آخِره رَاء، قَالَ ابْن فَارس: هُوَ جنس من البرود. وَقَالَ الْخطابِيّ: ضرب من المروط غليظ، وَقيل: ثِيَاب من غليظ الْقطن وَغَيره، وَقيل: من الْقطن خَاصَّة، وَفِي رِوَايَة أبي الْحسن الْقَابِسِيّ وَابْن السكن بِالْفَاءِ، كَذَا قَالَه ابْن قرقول، ثمَّ قَالَ: وَهِي ضرب من ثِيَاب الْيمن يعرف بالقطرية فِيهَا حمرَة. وَقَالَ البنالسي: الصَّوَاب بِالْقَافِ، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الثِّيَاب القطرية منسوبة إِلَى قطر، قَرْيَة فِي الْبَحْرين، فكسروا الْقَاف للنسبة وخففوا. وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي: درع قطن، بِضَم الْقَاف وَفِي آخِره نون، وَقيل: الْأَشْهر وَالصَّوَاب بِالْقَافِ وَالنُّون. قَوْله: (ثمن خَمْسَة دَرَاهِم) ، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَشْديد الْمِيم الْمَكْسُورَة على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمَاضِي من التثمين، وَهُوَ التَّقْوِيم. وَخَمْسَة بِالنّصب بِنَزْع الْخَافِض أَي: قوم بِخَمْسَة دَرَاهِم، ويروى: ثمن، بِلَفْظ الإسم مَنْصُوبًا بِنَزْع الْخَافِض أَي: بِثمن خَمْسَة دَرَاهِم فَيكون مُضَافا إِلَى خَمْسَة دَرَاهِم، فَيكون لفظ خَمْسَة مجروراً بِالْإِضَافَة. ويروى: ثمن، بِالرَّفْع على الِابْتِدَاء وَخَمْسَة بِالرَّفْع أَيْضا خَبره، وَلَكِن بِحَذْف الضَّمِير تَقْدِيره: ثمنه خَمْسَة دَرَاهِم، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن شبويه وَحده: خمسه الدَّرَاهِم. قَوْله: (أنظر) ، بِلَفْظ الْأَمر. قَوْله: (إِلَيْهَا) أَي: إِلَى الْجَارِيَة. قَوْله: (فَإِنَّهَا تزهى) بِضَم أَوله أَي: تتكبر أَو تأنف. وَقَالَ ثَعْلَب فِي بَاب فعل، بِضَم الْفَاء، وَقد زهيت علينا يَا رجل وَأَنت مزهو، وَعند التدميري مَأْخُوذ من التيه وَالْعجب، وَأَصله من الْبُسْر إِذا حسن منظره، وراقت ألوانه، وَقَالَ ابْن درسْتوَيْه: الْعَامَّة تَقول: زهى علينا، فَيحصل الْفِعْل لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مفعول لم يسم فَاعله، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: يُقَال: زهى زهواً إِذا تكبر، وَمِنْه قَوْلهم: مَا أزهاه، وَلَيْسَ هُوَ من زهى، لِأَن مَا لم يسم فَاعله لَا يتعجب مِنْهُ، ورد عَلَيْهِ بِمَا رُوِيَ عَن ابْن عُصْفُور وَغَيره: يَجِيء التَّعَجُّب مِمَّا لم يسم فَاعله فِي أَلْفَاظ مَعْدُودَة، مِنْهَا: مَا أجنه. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: قَالَ الشَّاعِر:
(لنا صاحبٌ مولعٌ بالخلافِ ... كثيرُ الْخَطَأ قَلِيل الصَّوَاب)
(ألج لجاجاً من الخنفساء ... وأزهى إِذا مَا مَشى من غراب)
قَوْله: (مِنْهُنَّ) أَي: من الدروع أَو من بَين النِّسَاء. قَوْله: (على عهد رَسُول الله، ﷺ أَي: فِي زَمَنه وأيامه. قَوْله: (تقين) بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْقَاف وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره نون، على صِيغَة الْمَجْهُول، من التقيين وَهُوَ التزيين، وَالْمعْنَى: مَا كَانَت امْرَأَة بِالْمَدِينَةِ تتزين لزفافها، إلَاّ أرْسلت تستعير ذَلِك الدرْع، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: أَرَادَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنهم كَانُوا أَولا فِي حَال ضيق، فَكَانَ الشَّيْء المحتقر عِنْدهم إِذْ ذَاك عَظِيم الْقدر، وَقَالَ صَاحب (الْأَفْعَال) فَإِن الشَّيْء يقينه قينا إِذا أصلحه. يُقَال: قن إناءك، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: قنت الشَّيْء أقينه قينا، لممته، واقتانت الرَّوْضَة: أخذت زخرفها، وَمِنْه قيل للماشطة: مقينة، لِأَنَّهَا تزين النِّسَاء، وشبهت بالأمة لِأَنَّهَا تصلح الْبَيْت وتزينه، والقنية المغينة، والقينة الْأمة مُطلقًا، والقين وكل صانع عِنْد الْعَرَب قين. وَقَالَ الْمُهلب: عَارِية الثِّيَاب للعرس من فعل الْمَعْرُوف وَالْعَمَل الْجَارِي عِنْدهم لِأَنَّهُ مرغب فِي أجره، لِأَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، لم تمنع مِنْهُ أحدا.
وَفِيه: أَن الْمَرْأَة قد تلبس فِي بَيتهَا مَا حسن من الثِّيَاب وَمَا يلْبسهُ بعض الخدم. وَفِيه: تواضع عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَأَخذهَا بالبلغة فِي حَال الْيَسَار، وَقد أعانت الْمُنْكَدر فِي كِتَابَته بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم، وَذكرت مَا كَانُوا عَلَيْهِ ليتذكر ذَلِك.
٥٣ - (بابُ فَضْلِ الْمَنِيحَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل المنيحة وَلَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر لفظ: بَاب، والمنيحة، بِفَتْح الْمِيم وَكسر النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة، على وزن عَظِيمَة، وَهِي النَّاقة، وَالشَّاة ذَات الدّرّ يعار لَبنهَا ثمَّ ترد إِلَى أَهلهَا، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: ومنيحة اللَّبن أَن يُعْطِيهِ نَاقَة أَو شَاة ينْتَفع بلبنها وَيُعِيدهَا، وَكَذَلِكَ إِذا أعطَاهُ لينْتَفع بوبرها وصوفها زَمَانا ثمَّ يردهَا، قَالَ الْقَزاز: قيل: لَا تكون المنيحة إلَاّ نَاقَة أَو شَاة وَقَالَ أَبُو عبيد: المنيحة عِنْد الْعَرَب على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يُعْطي الرجل صَاحبه صلَة
стр. 3898
فَيكون لَهُ. وَالْآخر: أَن يُعْطِيهِ نَاقَة أَو شَاة ينْتَفع بحلبها ووبرها زَمنا ثمَّ يردهَا. قلت: المنيحة فِي الأَصْل الْعَطِيَّة من منح إِذا أعْطى وَكَذَلِكَ المنحة، بِالْكَسْرِ.
٩٢٦٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا مالكٌ عنْ أبِي الزِّنَادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ نِعْمَ المَنِيحَةُ اللِّقْحَةُ الصَّفيُّ مِنْحَةً والشَّاةُ الصَّفيُّ تَغْدُو بإناءٍ وتَرُوحُ بإنَاءٍ.
(الحَدِيث ٩٢٦٢ طرفه فِي: ٨٠٦٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ ذكر المنيحة بالمدح، وَلَا يمدح النَّبِي ﷺ ، شَيْئا إلَاّ فِي الْعَمَل بِهِ فضل. وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: وَعبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.
قَوْله: (نعم المنيحة) ، بِفَتْح الْمِيم وَكسر النُّون. وَقد ذَكرنَاهَا الْآن. قَوْله: (اللقحة) ، بِكَسْر اللَّام: بِمَعْنى الملقوحة، أَي: الحلوب من النَّاقة. وَفِي (التَّلْوِيح) : اللقحة، بِكَسْر اللَّام: الشَّاة الَّتِي لَهَا لبن، وَبِفَتْحِهَا الْمرة الْوَاحِدَة من الْحَلب، وَقيل فِيهَا الْفَتْح وَالْكَسْر، واللقحة مَرْفُوع لِأَنَّهُ صفة المنيحة. وَقَوله: (الصفي) ، صفة بعد صفة، وَمَعْنَاهَا: الْكَثِيرَة اللَّبن. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الصفي صفة للقحة، فَلم مادخل عَلَيْهَا التَّاء؟ قلت: لِأَنَّهُ إِمَّا فعيل أَو فعول، يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث. فَإِن قلت: فَلِمَ دَخل على المنيحة؟ قلت: لنقل اللَّفْظ من الوصفية إِلَى الإسمية، أَو لِأَن اسْتِوَاء التَّذْكِير والتأنيث إِنَّمَا هُوَ فِيمَا كَانَ موصوفه مَذْكُورا. انْتهى. قلت: رُوِيَ أَيْضا: الصفية، بتاء التَّأْنِيث، فَلَا حَاجَة إِلَى قَوْله: لِأَنَّهُ إِمَّا فعيل أَو فعول، على أَن قَوْله: إِمَّا فعيل، غير صَحِيح، لِأَنَّهُ من معتل اللَّام الواوي دون اليائي. قَوْله: (منحة) ، نصب على التَّمْيِيز. وَقَالَ ابْن مَالك: فِيهِ وُقُوع التَّمْيِيز بعد فَاعل: نعم، ظَاهرا وَقد مَنعه سِيبَوَيْهٍ إلَاّ مَعَ الْإِضْمَار، مثل: (بئس للظالمين بَدَلا) ، وَجوزهُ الْمبرد وَهُوَ الصَّحِيح. قَوْله: (وَالشَّاة الصفي) ، صفة وموصوف عطف على مَا قبله، وَقد مضى معنى: الصفي، قَوْله: (تَغْدُو بِإِنَاء وَتَروح بِإِنَاء) أَي: من اللَّبن، أَي: تحلب إِنَاء بِالْغُدُوِّ وإناء بالْعَشي، وَقيل: تَغْدُو بِأَجْر حلبها فِي الغدو والرواح. وَوَقع هَذَا الحَدِيث فِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق سُفْيَان عَن أبي الزِّنَاد بِلَفْظ: (إلَاّ رجل يمنح أهل بَيت نَاقَة تَغْدُو بِإِنَاء وَتَروح بِإِنَاء، إِن أجرهَا لعَظيم) .
حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ واسْمَاعِيلُ عنْ مالِكٍ قَالَ نِعْمَ الصَّدَقَةِ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن عبد الله بن يُوسُف التنيسِي وَإِسْمَاعِيل بن أبي أويس ابْن أُخْت مَالك بن أنس رويا عَن مَالك، قَالَ: (نعم الصَّدَقَة اللقحة الصفي منحة) ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور عَن مَالك، وَكَذَا رَوَاهُ شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَشْرِبَة، وَقَالَ ابْن التِّين: من روى: (نعم الصَّدَقَة) ، روى بِالْمَعْنَى، لِأَن المنحة الْعَطِيَّة، وَالصَّدَََقَة أَيْضا عَطِيَّة. وَقَالَ بَعضهم: لَا تلازم بَينهمَا، فَكل صَدَقَة عَطِيَّة، وَلَيْسَ كل عَطِيَّة صَدَقَة. وَإِطْلَاق الصَّدَقَة على المنيحة مجَاز، وَلَو كَانَت المنيحة صَدَقَة لما حلت للنَّبِي ﷺ ، بل هِيَ من جنس الْهَدِيَّة وَالْهِبَة. انْتهى. قلت: أَرَادَ ابْن التِّين بقوله: روى بِالْمَعْنَى، الْمَعْنى اللّغَوِيّ، وَلَا فرق فِي اللُّغَة بَين الْعَطِيَّة والمنحة وَالصَّدَََقَة وَالْهِبَة والهدية، لِأَن معنى الْعَطِيَّة مَوْجُود فِي الْكل بِحَسب اللُّغَة، وَإِنَّمَا الْفرق بَينهمَا فِي الِاسْتِعْمَال، ألَا ترى أَنه لَو تصدق على غَنِي تكون هبة، وَلَو وهب لفقير تكون صَدَقَة، وَقَالَ ابْن بطال: المنحة تمْلِيك الْمَنَافِع لَا تمْلِيك الرّقاب وَالسّنة أَن ترد المنيحة إِلَى أَهلهَا إِذا اسْتغنى عَنْهَا، كَمَا رد رَسُول الله، ﷺ إِلَى أم أنس، وَلما فتح الله على رَسُوله غَنَائِم خَيْبَر رد الْمُهَاجِرُونَ إِلَى الْأَنْصَار منائحهم، وثمارهم كَمَا سَيَجِيءُ الْآن.
٠٣٦٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا ابنُ وَهْبٍ قَالَ حدَّثنا يونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ المَدِينَةَ مِنْ مَكَّةَ وليْسَ بِأيْدِيهِمْ يَعْني شَيئاً وكانَتِ الأنْصِارُ أهْلَ الأرْضِ والعَقَارِ فَقَاسَمَهُمُ الأنْصَارُ على أنْ يُعْطُوهُمْ ثِمَارَ أمْوَالِهِمْ كُلَّ عامٍ ويَكْفُوهُمْ العَمَلَ والمَؤنَةَ وكانَتْ أُمُّهُ أُمُّ أنَسٍ أُمُّ سُلَيْمٍ كانَتْ أُمُّ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ فَكانَتْ أعْطَتْ أُمُّ أنَسٍ رسولَ الله ﷺ عذاقاً فَأَعْطَاهُنَّ النبيُّ ﷺ أُمَّ أيْمَنَ
стр. 3899
مَوْلاتَهُ أُمُّ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ قَالَ ابنُ شِهَابٍ فأخبرنِي أنَسُ بنُ مالِكٍ أنَّ النبيَّ ﷺ لَمَّا فَرِغَ منْ قَتْلِ أهْلِ خَيْبَرَ فانْصَرَفَ إِلَى المَدِينَةِ رَدَّ المُهَاجِرُونَ إِلَى الأنْصَارِ مَنائِحَهُمُ الَّتي كانُوا مَنحُوهُمْ مِنْ ثِمَارِهِمْ فَرَدَّ النَّبيُّ ﷺ إِلَى أمِّهِ عِذَاقَها وأعْطى رسولُ الله ﷺ أُمَّ أيْمَنَ مَكَانَهُنَّ مِنْ حائِطِهِ. وَقَالَ أحْمَدُ بنُ شَبِيبٍ أخْبَرَنا أبي عنْ يونُسَ بِهاذَا وَقَالَ مَكانَهُنَّ مِنْ خالِصِهِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة تعرف من قَوْله: (فقاسمهم الْأَنْصَار) إِلَى قَوْله: (قَالَ ابْن شهَاب) . وَابْن وهب هُوَ: عبد الله بن وهب الْبَصْرِيّ، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وحرملة بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب عَن عَمْرو بن سَواد ثَلَاثَتهمْ عَن ابْن وهب بِهِ.
قَوْله: (وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِم) يَعْنِي شَيْئا هَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: (وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِم) بدوة، يَعْنِي شَيْئا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: يَعْنِي وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِم مَال، وَالتَّفْسِير الأول أَعم مِنْهُ. قَوْله: (فقاسمهم الْأَنْصَار) جَوَاب: لما. فَإِن قلت: ظَاهر هَذَا يغاير حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي مضى فِي الْمُزَارعَة، قَالَت الْأَنْصَار للنَّبِي ﷺ : (إقسم بَيْننَا وَبَين إِخْوَاننَا النخيل، قَالَ: لَا، فَقَالَ: تكفونا المؤونة ونشرككم فِي الثَّمَرَة؟ قَالُوا: سمعنَا وأطعنا) . قلت: لَا مُغَايرَة بَينهمَا لِأَن الْمَنْفِيّ هُنَاكَ مقاسمة الْأُصُول وَالْمرَاد هُنَا مقاسمة الثِّمَار، وَزعم الدَّاودِيّ، رَحمهَا الله أَن المُرَاد من قَوْله: فقاسمهم، هُنَا أَي خالفهم، وَجعله من: القَسَم، بِفتْحَتَيْنِ لَا من: الْقسم، بِسُكُون السِّين، وَفِيه نظر لَا يخفى. قَوْله: (وَكَانَت أمه) أَي: أم أنس بن مَالك. وَقَوله: أم أنس، بدل مِنْهُ، وَقَوله: أم سليم، بِضَم السِّين الْمُهْملَة بدل عَن أم أنس، وَفِي رِوَايَة مُسلم: وَكَانَت أم أنس بن مَالك وَهِي تدعى أم سليم، وَكَانَت أم عبد الله ابْن أبي طَلْحَة كَانَ أَخا أنس لأمه. قَوْله: (كَانَت) تَأْكِيد: لكَانَتْ، الأولى فَهِيَ أم أنس وَأم عبد الله وَاسْمهَا: سهلة أَو مليكَة بنت ملْحَان الْأَنْصَارِيَّة. وَقَوله: (وَكَانَت أمه. . إِلَى قَوْله: أبي طَلْحَة، من كَلَام الزُّهْرِيّ الرَّاوِي عَن أنس، كَذَا قَالَ بَعضهم، وَلَكِن ظَاهر السِّيَاق أَنه يَقْتَضِي أَنه من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن أنس، فَيكون من بَاب التَّجْرِيد، وَهُوَ أَن ينتزع من أَمر ذِي صفة أَمر آخر مثل الْأَمر الأول فِي تِلْكَ الصّفة وَإِنَّمَا يفعل ذَلِك مُبَالغَة فِي كَمَال الصّفة فِي الْأَمر الأول والتجريد على أَقسَام مِنْهَا مُخَاطبَة الأنسان نَفسه، كَأَنَّهُ ينتزع من نَفسه شخصا فيخاطبه، والتجريد هُنَا من هَذَا الْقسم. قَوْله: (فَكَانَت أَعْطَتْ) أَي: كَانَت أم أنس، أَعْطَتْ رَسُول الله، ﷺ عذاقاً، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وبذال مُعْجمَة خَفِيفَة، جمع: عذق، بِفَتْح الْعين وَسُكُون الذَّال، كحبل وحبال، والعذق: النَّخْلَة، وَقيل: إِنَّمَا يُقَال لَهَا ذَلِك: إِذا كَانَ حملهَا مَوْجُودا. وَالْمعْنَى: أَنَّهَا وهبت للنَّبِي ﷺ تمرها. قَوْله: (أم أَيمن) ، بِالنّصب لِأَنَّهُ مفعول ثَان لأعطى، وَاسْمهَا بركَة، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء وَالْكَاف المفتوحات، وكنيت بِهِ لِأَنَّهَا كَانَت أَولا تَحت عبيد مصغر عبد الحبشي فَولدت لَهُ أَيمن. وَفِي (صَحِيح مُسلم) أَنَّهَا كَانَت وصيفة لعبد الله بن عبد الْمطلب وَكَانَت من الْحَبَشَة، فَلَمَّا ولدت آمِنَة رَسُول الله، ﷺ كَانَت أم أَيمن تحضنه حَتَّى كبر ﷺ فَأعْتقهَا وَزوجهَا مَوْلَاهُ زيد بن حَارِثَة. قَوْله: (أم أُسَامَة بن زيد) بن شرَاحِيل بن كَعْب مولى النَّبِي، ﷺ ، من أَبَوَيْهِ، وَكَانَ أسود أفطس، توفّي فِي آخر أَيَّام مُعَاوِيَة سنة ثَمَان وتسع وَخمسين، وَمَات النَّبِي، ﷺ وَهُوَ ابْن عشْرين سنة، فأسامة وأيمن أَخَوان لأم، وَاسْتشْهدَ أَيمن يَوْم حنين، وَكَانَ ﷺ يَقُول: (بركَة أُمِّي بعد أُمِّي) ، وَمَاتَتْ بعد رَسُول الله، ﷺ بِخَمْسَة أشهر. قَوْله: (قَالَ ابْن شهَاب، هُوَ الزُّهْرِيّ الرَّاوِي: وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَكَذَا هُوَ عِنْد مُسلم. قَوْله: (منائحهم) ، جمع منيحة. قَوْله: (وَقَالَ أَحْمد بن شبيب) ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى: ابْن سعيد أَبُو عبد الله الحبطي الْبَصْرِيّ، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي (مَنَاقِب عُثْمَان) وَفِي الاستقراض مُفردا، وَفِي غير مَوضِع مَقْرُونا إِسْنَاده بِإِسْنَاد آخر، وَهُوَ من أَفْرَاده، روى عَن أَبِيه شبيب عَن يُونُس بن يزِيد. قَوْله: (بِهَذَا) ، أَي: بِهَذَا الْمَتْن والإسناد، وَطَرِيق أَحْمد بن
стр. 3900
شبيب وَصله البرقاني عَنهُ مثله. قَوْله: (وَقَالَ مكانهن من خالصه) ، أَي: من خَالص مَاله، وَقَالَ ابْن التِّين: الْمَعْنى وَاحِد، لِأَن حَائِطه صَار لَهُ خَالِصا.
١٣٦٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا عيساى بنُ يُونُسَ قَالَ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ عنْ حَسَّانِ بنِ عَطِيَّةَ عنْ أبِي كبْشَةَ السَّلُولِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عبْدَ الله بنَ عَمْرٍ وَرَضي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يقُولُ قَالَ رسولُ الله ﷺ أربَعُونَ خَصْلَةً أعْلاهُنَّ مَنيحَةُ العَنْزِ مَا منْ عامِلٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رجاءَ ثَوابِها وتَصْدِيقَ مَوْعُودِها إلَاّ أدْخَلَهُ الله بهَا الجَنَّةَ قَالَ حَسَّانُ فَعَدَدْنَا مَا دُونَ مَنِيحَةِ العَنْزِ مِنْ رَدِّ السَّلَامِ وتَشْمِيتِ العاطِسِ وإمَاطَةِ الأذاى عنِ الطَّرِيقِ ونَحُوِهِ فَما اسْتَطَعْنَا أنْ نَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أعلاهن منيحة العنز) .
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: مُسَدّد بن مسرهد، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: عِيسَى بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق الْهَمدَانِي. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ. الرَّابِع: حسان بن عَطِيَّة الشَّامي أبي بكر. الْخَامِس: أَبُو كَبْشَة، بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وبالشين الْمُعْجَمَة: اسْمه كنيته، والسلولي، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَضم اللَّام الأولى: نِسْبَة إِلَى سلول قَبيلَة من هوَازن. السَّادِس: عبد الله ابْن عَمْرو بن الْعَاصِ.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَعِيسَى كُوفِي وَالْأَوْزَاعِيّ وَحسان شاميان، وَحسان إِمَّا من الْحسن فالنون أَصْلِيَّة، وَإِمَّا من الْحس فالنون زَائِدَة، وَلَيْسَ لحسان هَذَا وَلَا لأبي كَبْشَة فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَآخر فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقد ذكرنَا أَن أَبَا كَبْشَة اسْمه وكنيته سَوَاء، وَزعم الْحَاكِم أَن اسْمه الْبَراء بن قيس، ورد عَلَيْهِ عبد الْغَنِيّ بن سعيد وبيّن أَنه غَيره.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الزَّكَاة عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى ومسدد، كِلَاهُمَا عَن عِيسَى بن يُونُس إِلَى آخِره.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن حسان بن عَطِيَّة) وَفِي رِوَايَة أَحْمد: عَن الْوَلِيد حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ حَدثنِي حسان بن عَطِيَّة. قَوْله: (عَن أبي كَبْشَة) ، وَفِي رِوَايَة أَحْمد: حَدثنِي أَبُو كَبْشَة. قَوْله: (قَالَ رَسُول الله، ﷺ ، وَفِي رِوَايَة أَحْمد: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (أَرْبَعُونَ خصْلَة) ، مُبْتَدأ. وَقَوله: (أعلاهن) ، مُبْتَدأ ثَان. وَقَوله: (منيحة العنز) ، خَبره، وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول، والعنز: هِيَ الْأُنْثَى من الْمعز، وَكَذَلِكَ العنز من الظباء والأوعال. قَوْله: (مِنْهَا) ، أَي: من الْأَرْبَعين. قَوْله: (رَجَاء) ، نصب على التَّعْلِيل، وَكَذَلِكَ قَوْله: (تَصْدِيق موعودها) فَإِن قلت: من الْمَعْلُوم قطعا أَنه ﷺ كَانَ عَالما بهَا أجمع، لِأَنَّهُ لَا ينْطق عَن الْهوى فلمَ لم يذكرهَا؟ قلت: لِمَعْنى، وَهُوَ أَنْفَع لنا من ذكرهَا، وَذَلِكَ، وَالله أعلم خشيَة أَن يكون التَّعْيِين لَهَا زهداً عَن غَيرهَا من أَبْوَاب الْبر. قَوْله: (قَالَ حسان) إِلَى آخِره، قَالَ ابْن بطال: وَلَيْسَ قَول حسان مَانِعا أَن يستطيعها غَيره، قَالَ: وَقد بَلغنِي عَن بعض أهل عصرنا أَنه طلبَهَا فَوجدَ مَا يبلغ أَزِيد من أَرْبَعِينَ خصْلَة. فَمِنْهَا: أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله، ﷺ عَن عمل يدْخل الْجنَّة فَذكر لَهُ أَشْيَاء، ثمَّ قَالَ: والمنيحة والفيء على ذِي الرَّحِم الْقَاطِع، فَإِن لم تطق فأطعم الجائع واسق الظمآن، هَذِه ثَلَاث خِصَال أعلاهن المنيحة وَلَيْسَ الْفَيْء مِنْهَا لِأَنَّهُ أفضل من المنيحة وَالسَّلَام. وَفِي الحَدِيث: من قَالَ السَّلَام عَلَيْك، كتب لَهُ عشر حَسَنَات، وَمن زَاد: وَرَحْمَة الله، كتب لَهُ عشرُون، وَمن زَاد: وَبَرَكَاته، كتب لَهُ ثَلَاثُونَ، وتشميت الْعَاطِس ... الحَدِيث، وَهُوَ ثَلَاث تثبت لَك الود فِي صدر أَخِيك: إِحْدَاهَا تشميت الْعَاطِس وإماطة الْأَذَى عَن الطَّرِيق وإعانة الضائع والصنعة للأخرق وَإِعْطَاء صلَة الرَّحِم الْحَبل، وَإِعْطَاء شسع النَّعْل وَأَن يؤنس الوحشان أَي تَلقاهُ بِمَا يؤنسه من القَوْل الْجَمِيل أَو يبلغ من أَرض الفلاة إِلَى مَكَان الْأنس وكشف الْكُرْبَة، قَالَ ﷺ : (من كشف كربَة عَن أَخِيه كشف الله عَنهُ كربَة يَوْم الْقِيَامَة) . وَكَون الْمَرْء فِي حَاجَة أَخِيه وَستر الْمُسلم للْحَدِيث، وَالله فِي عون العَبْد مَا دَامَ العَبْد فِي عون أَخِيه، وَمن ستر مُسلما ستره الله يَوْم
стр. 3901
الْقِيَامَة والتفسح فِي الْمجَالِس وَإِدْخَال السرُور على الْمُسلم وَنصر الْمَظْلُوم وَالْأَخْذ على يَد الظَّالِم. (قَالَ: أنْصر أَخَاك ظَالِما أَو مَظْلُوما) ، وَالدّلَالَة على الْخَيْر، قَالَ: الدَّال على الْخَيْر كفاعله، والآمر بِالْمَعْرُوفِ والإصلاح بَين النَّاس، وَالْقَوْل الطّيب يرد بِهِ الْمِسْكِين، قَالَ تَعَالَى: ﴿قَول مَعْرُوف ومغفرة خير من صَدَقَة يتبعهَا أَذَى﴾ (الْبَقَرَة: ٣٦٢) . وَفِي الحَدِيث: (اتَّقوا النَّار وَلَو بشق تَمْرَة، فَإِن لم تَجِد فبكلمة طيبَة، وَإِن تفرغ من دلوك فِي إِنَاء المستقي وغرس الْمُسلم وزرعه) قَالَ ﷺ : (مَا من مُسلم يغْرس غرساً أَو يزرع زرعا فيأكل مِنْهُ طير أَو إِنْسَان أَو بَهيمة إلَاّ كَانَ لَهُ صَدَقَة) . والهدية إِلَى الْجَار، قَالَ، ﷺ : (لَا تحقرن إحداكن لجارتها وَلَو فرسن شَاة) ، والشفاعة للْمُسلمِ وَرَحْمَة عَزِيز ل وغني افْتقر وعالم بَين جهال: إرحموا ثَلَاثَة: غَنِي قوم افْتقر، وعزيز قوم ذل، وعالماً يلْعَب بِهِ الْجُهَّال) ، وعيادة الْمَرِيض للْحَدِيث: (عَائِد الْمَرِيض على مخارف الْجنَّة) وَالرَّدّ على من يغتاب. قَالَ: من حمى مُؤمنا من مُنَافِق يغتابه بعث الله إِلَيْهِ ملكا يَوْم الْقِيَامَة يحمي لَحْمه من النَّار، ومصافحة الْمُسلم. قَالَ: (لَا يُصَافح مُسلم مُسلما فتزول يَده عَن يَده حَتَّى يغْفر لَهما) ، والتحاب فِي الله والتجالس إِلَى الله والتزاور فِي الله والتباذل فِي الله، قَالَ الله تَعَالَى: (وَجَبت محبتي لأَصْحَاب هَذِه الْأَعْمَال الصَّالِحَة) وَعون الرجل فِي دَابَّته يحمل عَلَيْهَا مَتَاعه صَدَقَة، رُوِيَ ذَلِك عَن رَسُول الله، ﷺ . انْتهى. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَقُول: هَذَا الْكَلَام رجم بِالْغَيْبِ، لاحْتِمَال أَن يكون المُرَاد غير الْمَذْكُورَات من سَائِر أَعمال الْخَيْر ثمَّ إِنَّه من أَيْن علم أَن هَذِه أدنى من المنيحة لجَوَاز أَن يكون مثلهَا أَو أَعلَى مِنْهَا؟ ثمَّ فِيهِ تحكم حَيْثُ جعل السَّلَام مِنْهُ وَلم يَجْعَل رد السَّلَام مِنْهُ، مَعَ أَنه صرح فِي هَذَا الحَدِيث الَّذِي نَحن فِيهِ بِهِ، وَكَذَا جعل الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ مِنْهُ بِخِلَاف النَّهْي عَن الْمُنكر، وَفِيه: أَيْضا: تكْرَار لدُخُول الْأَخير وَهُوَ الْأَرْبَعُونَ تَحت بعض مَا تقدم، فَتَأمل.
٢٣٦٢ - حدَّثنا مُحمَّدُ بنُ يوسُفَ قَالَ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني عَطاءٌ عنْ جَابر رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كانَتْ لرِجالٍ مِنَّا فُضُولُ أرَضينَ فَقَالُوا نُؤَاجِرُها بالثُّلُثِ والرُّبْعِ والنِّصْفِ فَقَالَ النبيُّ ﷺ منْ كانَتْ لَهُ أرْضٌ فَلْيَزْرَعْها أوْ لِيَمْنَحْهَا أخَاهُ فإنْ أباى فلْيُمْسِكْ أرْضَهُ.
(انْظُر الحَدِيث ٠٤٣٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَو ليمنحها أَخَاهُ) وَقد مضى الحَدِيث فِي كتاب الْمُزَارعَة، فِي: بَاب مَا كَانَ من أَصْحَاب النَّبِي، ﷺ ، يواسي بَعضهم بَعْضًا فِي الزِّرَاعَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبيد الله بن مُوسَى عَن الْأَوْزَاعِيّ إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٣٣٦٢ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني الزُّهْرِيُّ قَالَ حدَّثني عطاءُ بنُ يَزِيدَ قَالَ حدَّثني أبُو سَعِيدٍ قَالَ جاءَ أعْرَابِيٌّ إِلَى النبيِّ ﷺ فسَأَلَهُ عنِ الهِجْرَةِ فَقَالَ ويْحَكَ إنَّ الْهِجْرَةِ شَأْنُهَا شَدِيدٌ فَهلْ لَكَ مِنْ إبِلٍ قَالَ نعَمْ قَالَ فَتُعْطِي صدَقَتَهَا قَالَ نعَمْ قَالَ فَهَلْ تَمْنَحُ مِنْهَا شَيْئاً قَالَ نعَمْ قَالَ فتَحْلُبُهَا يوْم وِرْدِهَا قَالَ نعَمْ قَالَ فاعْمَلْ مِنْ ورَاءِ البِحَارِ فإنَّ الله لَنْ يَتْرِكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيئَاً.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَهَل تمنح مِنْهَا شَيْئا) ءلى قَوْله. قَالَ: (فاعمل من وَرَاء الْبحار) ، وَقد مضى الحَدِيث فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب زَكَاة الْإِبِل، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن عبد الله عَن الْوَلِيد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (قَالَ مُحَمَّد بن يُوسُف) ، ظَاهره التَّعْلِيق، وَيحْتَمل أَن يكون مَعْطُوفًا على الَّذِي قبله، فَيكون مَوْصُولا وَوَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نعيم من طَرِيق مُحَمَّد بن يُوسُف الْمَذْكُور. قَوْله: (يَوْم وردهَا) ، أَي: يَوْم نوبَة شربهَا، وَذَلِكَ لِأَن الْحَلب يَوْمئِذٍ أوفق للناقة وأرفق للمحتاجين. قَوْله: (لن يتْرك) ، أَي: لن ينْقصك من الْوتر، ويروى: لن يتْرك من التّرْك، من بَاب الافتعال.
٤٣٦٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشِّارٍ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الوَهَّابِ قَالَ حدَّثنا أيُّوبُ عنْ عَمْرٍ وعنْ طَاوُوس
стр. 3902
ٍ قَالَ حدَّثني أعْلَمُهُم بِذَاكَ يَعْنِي ابنَ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النبيَّ ﷺ خرَجَ إِلَى أرْضٍ تَهْتَزُّ زَرْعاً فَقَالَ لِمَنْ هذِهِ فقالُوا أكتراها فُلانٌ فَقَالَ أمَّا إنَّهُ لَوْ مَنَحَهَا إيَّاهُ كانَ خَيْراً لَهُ مِنْ أنْ يأخُذَ عَلَيْهَا أجْراً مَعْلُوماً.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أما أَنه لَو منحها إِيَّاه) إِلَى آخِره، لِأَنَّهُ يدل على فضل المنيحة، وَعبد الْوَهَّاب هُوَ ابْن عبد الْمجِيد الْبَصْرِيّ، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار الْمَكِّيّ، وَقد مر الحَدِيث فِي الْمُزَارعَة. قَوْله: (يَهْتَز) ، من الهز وَهُوَ الْحَرَكَة، وَالْمعْنَى إِلَى أَرض تتحرك وترتاج لأجل الزَّرْع الَّذِي عَلَيْهَا، وكل من خف لأمر وارتاح لَهُ، فقد اهتز لَهُ. قَوْله: (لَو منحها) ، أَي: لَو أَعْطَاهَا الْمَالِك، فلَانا المكترى على طَرِيق المنحة، لَكَانَ خيرا لَهُ، لِأَنَّهَا أَكثر ثَوابًا، وَلِأَنَّهُم كَانُوا يتنازعون فِي كِرَاء الأَرْض أَو لِأَنَّهُ كره لَهُم الافتتان بالزراعة. لِئَلَّا يقعدوا بهَا عَن الْجِهَاد.
٦٣ - (بابٌ إذَا قَالَ أخْدَمْتُكَ هَذِهِ الجَارِيَةَ على مَا يتَعَارَفُ النَّاسُ فَهْوَ جائزٌ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا قَالَ رجل لآخر: أخدمتك هَذِه الْجَارِيَة. قَوْله: (على مَا يتعارف النَّاس) أَي: على عرفهم فِي صُدُور هَذَا القَوْل مِنْهُم، أَو على عرفهم فِي كَون الأخدام أم هبة أَو عَارِية. قَوْله: (فَهُوَ جَائِز) جَوَاب: إِذا، وَحَاصِله أَن عرفهم فِي قَوْله: أخدمتك هَذِه الْجَارِيَة إِن كَانَ هبة تكون هبة، وَإِن كَانَ عرفهم أَن هَذَا عَارِية تكون عَارِية. وَقَالَ ابْن بطال: لَا أعلم خلافًا بَين الْعلمَاء أَنه إِذا قَالَ: أخدمتك هَذِه الْجَارِيَة أَو هَذَا العَبْد، أَنه قد وهب لَهُ خدمته لَا رقبته، وَأَن الإخدام لَا يَقْتَضِي تمْلِيك الرَّقَبَة عِنْد الْعَرَب، كَمَا أَن الإسكان لَا يَقْتَضِي تمْلِيك رَقَبَة الدَّار. انْتهى. وَقَالَ أَصْحَابنَا: إِذا قَالَ: أخدمتك هَذَا العَبْد، يكون عَارِية لِأَنَّهُ أذن فِي استخدامه، وَإِذا كَانَ عَارِية، فَلهُ أَن يرجع فِيهَا مَتى شَاءَ.
وَقَالَ بعْضُ النَّاسِ هذِهِ عارِيَّةٌ
قَالَ الْكرْمَانِي: قيل: أَرَادَ بِهِ الْحَنَفِيَّة وغرضه أَنهم يَقُولُونَ: لَا إِنَّه إِذا قَالَ: أخدمتك هَذَا العَبْد، فَهُوَ عَارِية، وقصة هَاجر تدل على أَنه هبة. انْتهى. قلت: لَيْسَ فِي قصَّة هَاجر مَا يدل على الْهِبَة إلَاّ قَوْله: (فأعطوها هَاجر) ، وَقَوله: (وأخدمها هَاجر) ، لَا يدل على الْهِبَة.
وإنْ قَالَ كسَوْتُكَ هذَا الثَّوْبَ فَهْوَ هِبَةٌ
قَالَ ابْن بطال: لم يخْتَلف الْعلمَاء أَنه إِذا قَالَ: كسوتك هَذَا الثَّوْب، مُدَّة يسميها، فَلهُ شَرطه، وَإِن لم يذكر أَََجَلًا فَهُوَ هبة، لِأَن لفظ الْكسْوَة يَقْتَضِي الْهِبَة، لقَوْله تَعَالَى: ﴿فكفارته إطْعَام عشرَة مَسَاكِين أَو كسوتهم﴾ (الْمَائِدَة: ٩٨) . وَلم تخْتَلف الْأمة أَن ذَلِك تمْلِيك الطَّعَام وَالثيَاب.
٥٣٦٢ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ قَالَ حدَّثنا أَبُو الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ هاجَرَ إبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ فأعْطُوها آجَرَ فَرَجِعَتْ فقالتْ أشَعَرْتَ أنَّ الله كبَتَ الكافِرَ وأخْدَمَ وليدَةً وَقَالَ ابنُ سِيرِينَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ فأخْدَمَها هاجَرَ..
هَذَا قِطْعَة من حَدِيث فِي قصَّة إِبْرَاهِيم وَهَاجَر، سلخها من الحَدِيث الَّذِي ذكره بِتَمَامِهِ فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب شِرَاء الْمَمْلُوك من الْحَرْبِيّ، وَذكر أَيْضا قِطْعَة مِنْهُ، معلقَة فِي: بَاب قبُول الْهَدِيَّة من الْمُشْركين، وَذكر هَذِه الْقطعَة هُنَا مَوْصُولَة عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن أبي الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان عَن عبد الرَّحْمَن ابْن هُرْمُز الْأَعْرَج، عَن أبي هُرَيْرَة وَأَرَادَ بهَا الِاسْتِدْلَال على الْحَنَفِيَّة فِي قَوْلهم: إِن قَول الرجل: أخدمتك هَذَا العَبْد عَارِية،
стр. 3903
وَلَكِن لَا يَصح استدلاله بِهَذَا لما ذكرنَا الْآن، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن بطال: واستدلال البُخَارِيّ بقوله: فَأَخْدَمَهَا هَاجر على الْهِبَة، لَا يَصح، وَإِنَّمَا صحت الْهِبَة فِي هَذِه الْقِصَّة من قَوْله: (فأعطوها هَاجر) أَي: أعْطوا سارة الوليدة الَّتِي تسمى: هَاجر، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي: بَاب شِرَاء الْمَمْلُوك من الْحَرْبِيّ.
٧٣ - (بابٌ إذَا حَمَلَ رَجُلٌ على فَرَسٍ فَهْوَ كالعُمْراى والصَّدَقَةِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: إِذا حمل رجل على فرس أَي: تصدق بِهِ، ووهبه بِأَن يُقَاتل عَلَيْهِ فِي سَبِيل الله، وَنَذْكُر الْآن: هَل المُرَاد من الْحمل التَّمْلِيك أَو التحبيس. قَوْله: (فَهُوَ كالعمرى) ، أَي: فَحكمه كَحكم الْعُمْرَى، وَحكم الصَّدَقَة يَعْنِي: لَا رُجُوع فِيهِ كَمَا لَا رُجُوع فِي الْعُمْرَى وَالصَّدَََقَة، أما الْعُمْرَى فَلقَوْله ﷺ : (من أعمر عمرى فَهِيَ للمعمَر لَهُ ولورثته من بعده) ، وَأما الصَّدَقَة فَإِنَّهُ يُرَاد بهَا وَجه الله تَعَالَى فَتَقَع جَمِيع الْعين لله تَعَالَى، وَإِنَّمَا تصير للْفَقِير نِيَابَة عَن الله تَعَالَى، بِحكم الرزق الْمَوْعُود فَلَا يبْقى مَحل للرُّجُوع، وَلَكِن إِطْلَاق التَّرْجَمَة لَا يساعد مَا ذهب إِلَيْهِ البُخَارِيّ، لِأَن المُرَاد بِالْحملِ على الْفرس إِن كَانَ بقوله: هُوَ لَك، يكون تَمْلِيكًا. قَالَ ابْن بطال: فَهُوَ كالصدقة، فَإِذا قبضهَا لم يجز الرُّجُوع فِيهَا، وَإِن كَانَ مُرَاده التحبيس فِي سَبِيل الله قَالَ ابْن بطال: هُوَ كالوقف لَا يجوز الرُّجُوع فِيهِ عِنْد الْجُمْهُور، وَعَن أبي حنيفَة: إِن الْحَبْس بَاطِل فِي كل شَيْء، قَالَ الدَّاودِيّ قَول البُخَارِيّ: هُوَ كالعمرى وَالصَّدَََقَة تحكم بِغَيْر تَأمل، وَقَول من ذكر من النَّاس أصح لأَنهم يَقُولُونَ: الْمُسلمُونَ على شروطهم. قلت: عِنْد الْحَنَفِيَّة قَول الرجل: حَملتك على هَذَا الْفرس لَا يكون هبة إلَاّ بِالنِّيَّةِ، لِأَن الْحمل هُوَ الإركاب حَقِيقَة فَيكون عَارِية، وَلكنه يحْتَمل الْهِبَة، يُقَال: حمل الْأَمِير فلَانا على الْفرس مَعْنَاهُ ملكه إِيَّاه، فَيحمل على التَّمْلِيك عِنْد نِيَّته لِأَنَّهُ نوى مَا يحْتَملهُ لَفظه، وَفِيه تَشْدِيد عَلَيْهِ، فَتعْتَبر نِيَّته. وَأما قَول أبي حنيفَة: أَن الْحَبْس بَاطِل لَيْسَ فِي شَيْء معِين، وَإِنَّمَا هُوَ عَام، كَمَا قَالَ ابْن بطال نَاقِلا عَنهُ: إِن الْحَبْس بَاطِل فِي كل شَيْء، وَلَيْسَ هُوَ مُنْفَردا بِهَذَا القَوْل، وَقد قَالَ شُرَيْح القَاضِي بذلك قبله.
وَقَالَ بعْضُ النَّاسِ لَهُ أنْ يَرْجِعَ فِيها
أَرَادَ بِهَذَا الْبَعْض أَبَا حنيفَة، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ أَن يرجع فِيهَا لأَنا قد ذكرنَا أَنه إِن أَرَادَ بِالْحملِ التحبيس يكون وَقفا، وَالْوَقْف غير لَازم عِنْده، وَإِطْلَاق البُخَارِيّ كَلَامه، وَنسبَة جَوَاز الرُّجُوع إِلَى أبي حنيفَة فِي هَذِه الصُّورَة خَاصَّة لَيْسَ وَاقعا فِي مَحَله لِأَنَّهُ يرى بِبُطْلَان الْوَقْف الْغَيْر الْمَحْكُوم بِهِ، وَيرى جَوَاز رُجُوع الْوَاهِب عَن هِبته إلَاّ فِي مَوَاضِع مُعينَة، كَمَا عرف فِي كتب الْفِقْه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: خَالف فِيهِ أَي: فِي حكم حمل الرجل على فرس وَجعل الْحَبْس بَاطِلا، وَلِهَذَا قَالَ البُخَارِيّ: وَقَالَ بعض النَّاس لَهُ أَن يرجع فِيهَا، والْحَدِيث يرد عَلَيْهِ. قلت: لَا نسلم أَن الحَدِيث يرد عَلَيْهِ، لِأَن معنى الْحمل عِنْده مَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب أَنه عَارِية، والخصم أَيْضا يَقُول: إِن للْمُعِير أَن يرجع فِي عاريته.
٦٣٦٢ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ قَالَ أخبرنَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ مالِكاً يَسْألُ زَيْدَ بنَ أسْلَمَ قَالَ سَمِعْتُ أبي يقُولُ قَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ حَمَلْتُ على فَرَسٍ فِي سَبيلِ الله فرَأيْتُهُ يباعُ فَسألْتُ رسولَ الله ﷺ فَقَالَ لَا تَشْتَرِ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ..
قيل مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حملت على فرس فِي سَبِيل الله) ورد عَلَيْهِ بِأَن هَذَا بعيد، وَالْمرَاد من الحَدِيث عدم عود الرجل إِلَى صدقته، والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب لَا يحل لأحد أَن يرجع فِي هِبته وصدقته، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَقَالَ الْخطابِيّ: يحْتَمل أَن يكون فِيهِ أَنه قد أخرجه من ملكه لوجه الله تَعَالَى، وَكَانَ فِي نَفسه مِنْهُ شَيْء فأشفق، ﷺ ، أَن يفْسد نِيَّته ويحبط أجره، فَنَهَاهُ عَنهُ وَشبهه بِالْعودِ فِي صدقته، وَإِن كَانَ بِالثّمن، وَهَذَا كتحريمه على الْمُهَاجِرين معاودة دَارهم بِمَكَّة، قَالَ: وَإِمَّا إِذا تصدق بالشَّيْء لَا على سَبِيل الإحباس على أَصله، بل على سَبِيل الْبر وَالصَّدَََقَة فَإِنَّهُ يجرى مجْرى الْهِبَة، وَلَا بَأْس عَلَيْهِ فِي ابتياعه من صَاحبه، وَالله أعلم.
стр. 3904
بسْمِ الله الرَّحْمانِ الرَّحِيمِ
٢٥ - (كتابُ الشَّهاَداتِ)
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الشَّهَادَات، وَهُوَ جمع شَهَادَة، وَهُوَ مصدر من: شهد يشْهد. قَالَ الْجَوْهَرِي: خبر قَاطع والمشاهدة المعاينة مَأْخُوذَة من الشُّهُود أَي الْحُضُور، لِأَن الشَّاهِد مشَاهد لما غَابَ عَن غَيره، وَقَالَ أَصْحَابنَا: معنى الشَّهَادَة الْحُضُور، وَقَالَ، ﷺ : (الْغَنِيمَة لمن شهد الْوَاقِعَة) ، أَي: حضرها وَالشَّاهِد أَيْضا يحضر مجْلِس القَاضِي ومجلس الْوَاقِعَة، وَمَعْنَاهَا شرعا: إِخْبَار عَن مُشَاهدَة وعيان لَا عَن تخمين وحسبان، وَفِي (التَّوْضِيح) : هَذَا الْكتاب أَخّرهُ ابْن بطال إِلَى مَا بعد النَّفَقَات، وَقدم عَلَيْهِ الْأَنْكِحَة، وَالَّذِي فِي الْأُصُول والشروح (كشرح ابْن التِّين) وشيوخنا مَا فَعَلْنَاهُ، يَعْنِي ذكرهم هَذَا الْكتاب هَهُنَا.
١ - (بابُ مَا جاءَ فِي البَيِّنَةِ على المُدَّعِي)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من نَص الْقُرْآن أَن الْبَيِّنَة تتَعَيَّن على الْمُدَّعِي، وَهَذِه التَّرْجَمَة هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَسقط لبَعْضهِم لفظ: بَاب، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَابْن شبويه: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم مَوْجُودَة قبل لفظ الْكتاب، وَفِي بضع النّسخ، بَاب مَا جَاءَ فِي الْبَيِّنَة على الْمُدعى.
لِقَوْلِ تَعَالى ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أجَلٍ مُسَمَّى فاكْتُبُوهُ ولْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بالعَدْلِ وَلَا يَأبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ الله فلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ولْيَتَّقِ الله ربَّهُ ولَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيئاً فإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهاً أوْ ضَعِيفاً أوْ لَا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بالعَدْلِ واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فإنْ لَمْ يَكونا رجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتَانِ مَمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ
أنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الأخراى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأمُوا أنْ تكْتُبُوهُ صَغِيراً أوْ كَبِيراً إِلَى أجَلِهِ ذالِكُمْ أقْسَطُ عِنْدَ الله وأقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وأدْناى أنْ لَا تَرْتَابُوا إلَاّ أنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ حاضِرَةٌ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جناحٌ أنْ لَا تَكْتُبُوها وأشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وإنْ تَفْعَلُوا فإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ واتَّقُوا الله ويُعَلِّمُكُمْ الله وَالله بكُلِّ شَيْءٍ علِيمٌ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . وقَوْلِهِ تعَالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قوَّامِينَ بالقِسْطِ شُهَدَاءَ لله ولَوْ عَلَى أنْفُسِكُمْ أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ إنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَو فقِيراً فَالله أوْلاى بِهما فَلا تَتَّبِعُوا الهَواى أنْ تَعْدِلُوا وأنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا فإنَّ الله كانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ (النِّسَاء: ٥٣١) .
لم يذكر فِي هَذَا الْبَاب حَدِيثا اكْتِفَاء بِذكر الْآيَتَيْنِ، وَقَالَ بَعضهم: أما، إِشَارَة إِلَى الحَدِيث الْمَاضِي قَرِيبا من ذَلِك فِي آخر: بَاب الرَّهْن. قلت: الَّذِي فِي آخر: بَاب الرَّهْن، هُوَ حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي، ﷺ قضى أَن الْيَمين على الْمُدَّعِي عَلَيْهِ، وَحَدِيث عبد الله فِيهِ: شَاهِدَاك أَو يَمِينه، وَهَذَا الْوَجْه فِيهِ بعد لَا يخفى. ثمَّ وَجه الِاسْتِدْلَال بِالْآيَةِ للتَّرْجَمَة أَنه لَو كَانَ القَوْل قَول الْمُدعى من غير بَيِّنَة لما احْتِيجَ إِلَى الْكِتَابَة والإملاء، وَالْإِشْهَاد عَلَيْهِ، فَلَمَّا احْتِيجَ إِلَيْهِ دلّ على أَن الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي، وَقَالَ ابْن بطال: الْأَمر بالإملاء يدل على أَن القَوْل قَول من عَلَيْهِ الشَّيْء، وَأَيْضًا أَنه يَقْتَضِي تَصْدِيقه فِيمَا عَلَيْهِ، فَالْبَيِّنَة على مدعي تَكْذِيبه، وَأما الْآيَة الْأُخْرَى فَوجه الدّلَالَة: أَن الله تَعَالَى قد أَخذ عَلَيْهِ أَن يقر بِالْحَقِّ على نَفسه، فَالْقَوْل قَول الْمُدعى عَلَيْهِ
стр. 3905
فَإِذا كذبه الْمُدَّعِي فَعَلَيهِ الْبَيِّنَة، وَآيَة المداينة أطول آيَة فِي الْقُرْآن الْعَظِيم، وَهِي بِتَمَامِهَا مَكْتُوبَة فِي الْكتاب فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة ابْن شبويه إِلَى قَوْله إِلَى أجل مُسَمّى فاكتبوه. وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا تداينتم بدين إِلَى أجل مُسَمّى فاكتبوه﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . قَالَ: نزلت فِي السّلم إِلَى أجل مَعْلُوم. قَوْله: ﴿إِذا تداينتم بدين﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . أَي: إِذا تبايعتم بدين: الدّين مَا كَانَ مُؤَجّلا، وَالْعين مَا كَانَت حَاضِرَة، يُقَال: دَان فلَان يدين دينا: اسْتقْرض وَصَارَ عَلَيْهِ دين، وَرجل مديون: كثر مَا عَلَيْهِ من الدّين، ومديان، بِكَسْر الْمِيم: إِذا كَانَ عَادَته أَن يَأْخُذ بِالدّينِ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير الْمديَان: الْكثير الدّين الَّذِي عَلَيْهِ الدُّيُون، وَهُوَ مفعال من الدّين للْمُبَالَغَة، وَيُقَال للمديون، مَدين أَيْضا. قَوْله: ﴿إِلَى أجل﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . الْأَجَل الْوَقْت الْمُسَمّى الْمَعْلُوم. قَوْله: ﴿فاكتبوه﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . أَي: أثبتوه فِي كتاب بَين فِيهِ قدر الْحق وَالْأَجَل ليرْجع إِلَيْهِ وَقت التَّنَازُع وَالنِّسْيَان، وَلِأَنَّهُ يحصل مِنْهُ الْحِفْظ والتوثقة. فَإِن قلت: ﴿فاكتبوه﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . أَمر من الله تَعَالَى، وَثَبت فِي (الصَّحِيحَيْنِ) عَن ابْن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (إِنَّا أمة أُميَّة لَا نكتب وَلَا نحسب) ، فَمَا الْجمع بَينهمَا؟ قلت: إِن الدّين من حَيْثُ هُوَ غير مفتقر إِلَى كِتَابَة أصلا لِأَن كتاب الله قد سهل الله حفظه على النَّاس وَالسّنَن أَيْضا مَحْفُوظَة عَن رَسُول الله، ﷺ ، وَالَّذِي أَمر بكتابه إِنَّمَا هُوَ أَشْيَاء جزئية تقع بَين النَّاس، فَأمروا أَمر إرشاد لَا أَمر إِيجَاب، كَمَا ذهب إِلَيْهِ، وَهُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور، فَإِن كتب فَحسن، وَإِن ترك فَلَا بَأْس. وَقَالَ أَبُو سعيد وَالشعْبِيّ وَالربيع بن أنس وَالْحسن وَابْن جريج وَابْن زيد وَآخَرُونَ: كَانَ ذَلِك وَاجِبا ثمَّ نسخ بقوله: ﴿فَإِن أَمن بَعْضكُم بَعْضًا فليؤد الَّذِي اؤتمن أَمَانَته﴾ (الْبَقَرَة: ٣٨٢) . وَذهب بَعضهم إِلَى أَنه مُحكم. قَوْله: ﴿وليكتب بَيْنكُم كَاتب بِالْعَدْلِ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . أَي: بِالْحَقِّ والإنصاف لَا يزِيد فِيهِ وَلَا ينقص وَلَا يقدم الْأَجَل وَلَا يُؤَخِّرهُ، وَيَنْبَغِي أَن يكون الْكَاتِب فَقِيها عَالما باخْتلَاف الْعلمَاء، أدبياً مُمَيّزا بَين الْأَلْفَاظ المتشابهة قَوْله: ﴿وَلَا يأبَ كَاتب﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . أَي: لَا يمْتَنع كَمَا أَمر الله تَعَالَى من الْعدْل، وَيُقَال: وَلَا يمْتَنع من يعرف الْكِتَابَة إِذا سُئِلَ أَن يكْتب للنَّاس وَلَا ضَرُورَة عَلَيْهِ فِي ذَلِك، فَكَمَا علمه الله مَا لم يكن يعلم فليتصدق على غَيره مِمَّن لَا يحسن الْكِتَابَة، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث: (إِن الصَّدَقَة أَن تعين صانعاً أَو تصنع لأخرق) . وَفِي الحَدِيث الآخر: (من كتم علما يُعلمهُ ألْجم يَوْم الْقِيَامَة بلجام من نَار) . وَقَالَ مُجَاهِد وَعَطَاء: وَاجِب على الْكَاتِب أَن يكْتب. قَوْله: ﴿وليملل الَّذِي عَلَيْهِ الْحق﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . الإملال والإملاء لُغَتَانِ جَاءَ بهما الْقُرْآن، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَهِيَ تملي عَلَيْهِ﴾ (الْفرْقَان: ٥) . وَقَالَ: ﴿وليملل الَّذِي عَلَيْهِ الْحق﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . يقر على نَفسه بِمَا عَلَيْهِ وَلَا ينقص من الْحق شَيْئا. قَالَ القَاضِي إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق: ظَاهر قَوْله : ﴿وليملل الَّذِي عَلَيْهِ الْحق﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . يدل على أَن القَوْل قَول من عَلَيْهِ الشَّيْء، وَقَالَ غَيره: لِأَن الله تَعَالَى حِين أمره بالإملاء اقْتضى تَصْدِيقه فِيمَا عَلَيْهِ، فَإِذا كَانَ مُصدقا فَالْبَيِّنَة على من يَدعِي تَكْذِيبه. قَوْله: ﴿فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحق سَفِيها﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) أَي: مَحْجُورا عَلَيْهِ بتبذير وَنَحْوه، وَقيل: سَفِيها: أَي: جَاهِلا بالإملاء أَو طفْلا صَغِيرا. قَوْله: ﴿أَو ضَعِيفا﴾ أَي: عَاجِزا عَن مَصَالِحه، وَيُقَال: أَي: صَغِيرا أَو مَجْنُونا. قَوْله: ﴿أَو لَا يَسْتَطِيع أَن يمل هُوَ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . إِمَّا بالعي أَو الخرس أَو العجمة أَو الْجَهْل بِموضع صَوَاب ذَلِك من خطائه. قَوْله: ﴿فليملل وليه﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . أَي: من يقوم مقَامه، وَقيل: هُوَ صَاحب الدّين يملي دينه، وَالْأول أصح لِأَن فِي الثَّانِي رِيبَة. قَوْله: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . أَي: من أهل ملتكم من الْأَحْرَار الْبَالِغين، وَهَذَا مَذْهَب مَالك وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وسُفْيَان، وَأكْثر الْفُقَهَاء، وَأَجَازَ شُرَيْح وَابْن سِيرِين شَهَادَة العَبْد، وَهَذَا قَول أنس بن مَالك، وَأَجَازَ بَعضهم شَهَادَته فِي الشَّيْء التافه، وَإِنَّمَا أَمر بِالْإِشْهَادِ مَعَ الْكِتَابَة لزِيَادَة التوثقة. قَوْله: ﴿فَإِن لم يَكُونَا رجلَيْنِ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . أَي: فَإِن لم يكن الشَّاهِدَانِ رجلَيْنِ. قَوْله: ﴿فَرجل وَامْرَأَتَانِ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . أَي: فالشاهد رجل، أَو الَّذِي يشْهد رجل وَامْرَأَتَانِ مَعَه، وأقيمت الْمَرْأَتَانِ مقَام الرجل لنُقْصَان عقل الْمَرْأَة، كَمَا جَاءَ ذَلِك فِي (الصَّحِيح) . قَوْله: ﴿مِمَّن ترْضونَ من الشُّهَدَاء﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . أَي: مِمَّن كَانَ مرضياً فِي دينه وأمانته وكفايته، وَفِيه كَلَام كثير مَوْضِعه غير هَذَا. قَوْله: ﴿أَن تضل إِحْدَاهمَا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وانتصابه على أَنه مفعول لَهُ أَي: إِرَادَة أَن تضل، وَقَرَأَ حَمْزَة أَن تضل أحداهما، على الشَّرْط، وَمعنى الضلال هُنَا عبارَة عَن النسْيَان، وقابل النسْيَان بالتذكر لِأَنَّهُ يعادله، وقرىء: فَتذكر، بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد، وهما لُغَتَانِ. قَوْله: ﴿وَلَا يأب الشُّهَدَاء إِذا مَا دعوا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . أَي: لَا يمْتَنع الشُّهُود إِذا مَا طلبُوا لتحمل الشَّهَادَة، وإثباتها فِي الْكتاب، وَقيل: لإقامتها وأدائها عِنْد الْحَاكِم، وَقيل: للتحمل وَالْأَدَاء جَمِيعًا، وَهَذَا أَمر ندب، وَقيل: فرض كِفَايَة، وَقيل: فرض عين، وَهُوَ قَول قَتَادَة وَالربيع،
стр. 3906
وَقَالَ مُجَاهِد وَأَبُو مجلز وَغير وَاحِد: إِذا دعيت لتشهد فَأَنت بِالْخِيَارِ، وَإِذا شهِدت فَدُعِيت فأجب. قَوْله: ﴿وَلَا تساموا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . أَي: وَلَا تضجروا ﴿أَن تكتبوه صَغِيرا أَو كَبِيرا﴾ أَي: قَلِيلا كَانَ المَال أَو كثيرا. قَوْله ﴿إِلَى أَجله﴾ أَي إِلَى وقته
قَوْله: ﴿ذَلِكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . إِشَارَة إِلَى أَن تكتبوه، لِأَنَّهُ فِي معنى الْمصدر أَي: ذَلِكُم الْكتب. قَوْله: ﴿أقسط﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . أَي: أعدل ﴿وأقوم للشَّهَادَة﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . أَي: أعون على إِقَامَة الشَّهَادَة. قَوْله: ﴿وَأدنى أَن لَا ترتابوا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . أَي: أقرب من انْتِفَاء الريب فِي مبلغ الْحق وَالْأَجَل. قَوْله: ﴿إلَاّ أَن تكون تِجَارَة﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . اسْتثِْنَاء من الاستشهاد وَالْكِتَابَة و ﴿تِجَارَة حَاضِرَة﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . بِالرَّفْع على أَن: كَانَ، التَّامَّة. وَقيل: هِيَ النَّاقِصَة على أَن الِاسْم: تِجَارَة حَاضِرَة، وَالْخَبَر: (تديرونها) وقرىء بِالنّصب على أَن تكون التِّجَارَة تِجَارَة حَاضِرَة، وَمعنى: حَاضِرَة يدا بيد تديرونها بَيْنكُم، وَلَيْسَ فِيهَا أجل، وَلَا نَسِيئَة. وأباح الله ترك الْكِتَابَة فِيهَا لعدم الْخَوْف فِيهِ من التَّأْجِيل. قَوْله: ﴿جنَاح﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . أَي: حرج. قَوْله: ﴿وَأشْهدُوا إِذا تبايعتم﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . إِذا كَانَ فِيهِ أجل أَو لم يكن فأشهدوا على حقكم على كل حَال، وَرُوِيَ عَن جَابر بن زيد وَمُجاهد وَعَطَاء وَالضَّحَّاك نَحْو ذَلِك. وَقَالَ الشّعبِيّ وَالْحسن: هَذَا الْأَمر مَنْسُوخ بقوله: ﴿فَإِن أَمن بَعْضكُم بَعْضًا﴾ (الْبَقَرَة: ٣٨٢) . وَهَذَا الْأَمر مَحْمُول عِنْد الْجُمْهُور على الْإِرْشَاد وَالنَّدْب لَا على الْوُجُوب. قَوْله: ﴿وَلَا يضار كَاتب﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . وَهُوَ أَن يزِيد أَو ينقص أَو يحرف أَو يشْهد بِمَا لم يستشهد، أَو يمْتَنع عَن إِقَامَة الشَّهَادَة، وَقيل: أَن يمْتَنع الْكَاتِب أَن يكْتب وَالشَّاهِد أَن يشْهد، وَقيل: أَن يدعوهما وهما مشغولان، وَقيل: أَن يدعى الْكَاتِب أَن يكْتب الْبَاطِل وَالشَّاهِد أَن يشْهد بالزور. قَوْله: ﴿وَإِن تَفعلُوا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . يَعْنِي: مَا نهيتم عَنهُ. قَوْله: ﴿فَإِنَّهُ فسوق بكم﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . أَي: خُرُوج عَن الْأَمر. قَوْله: ﴿وَاتَّقوا الله﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . أَي: خافوه وراقبوه وَاتبعُوا أمره واتركوا زواجره. قَوْله: ﴿ويعلمكم الله﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . أَي: بشرائع دينه ﴿وَالله بِكُل شَيْء عليم﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . أَي: عَالم بحقائق الْأُمُور ومصالحها وعواقبها وَلَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء من الْأَشْيَاء، بل علمه مُحِيط بِجَمِيعِ الكائنات. قَوْله: (وَقَول الله ، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: لقولِ الله تَعَالَى. قَوْله: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كونُوا قوامين بِالْقِسْطِ﴾ (النِّسَاء: ٥٣١) . الْآيَة فِي سُورَة النِّسَاء، قَوْله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ (النِّسَاء: ٥٣١) . أَي: بِالْعَدْلِ، فَلَا تعدلوا عَنهُ يَمِينا وَلَا شمالاً وَأَن لَا يأخذكم فِي الْحق لومة لائم. قَوْله: ﴿شُهَدَاء لله﴾ (النِّسَاء: ٥٣١) . تقيمون شهاداتكم لوجه الله كَمَا أمرْتُم بإقامتها. قَوْله: ﴿وَلَو على أَنفسكُم﴾ (النِّسَاء: ٥٣١) . أَي: وَلَو كَانَت الشَّهَادَة على أَنفسكُم، أَي: إشهد بِالْحَقِّ وَلَو عَاد ضررك عَلَيْك، إِذا سُئِلت عَن الْأَمر قل الْحق فِيهِ، وَإِن كَانَت مضرَّة عَلَيْك، فَإِن الله سُبْحَانَهُ سَيجْعَلُ لمن أطاعه فرجا ومخرجاً من كل أَمر يضيق عَلَيْهِ، وَقيل: معنى الشَّهَادَة على نَفسه هِيَ الْإِقْرَار على نَفسه، لِأَنَّهُ فِي معنى الشَّهَادَة عَلَيْهَا بإلزام الْحق لَهَا. قَوْله: ﴿أَو الْوَالِدين والأقربين﴾ (النِّسَاء: ٥٣١) . أَي: وَإِن كَانَت الشَّهَادَة عَلَيْهِم فَلَا تراعوهم، بل اشْهَدُوا بِالْحَقِّ وَإِن عَاد ضررها عَلَيْهِم، فَالْحق حَاكم عَلَيْهِم وعَلى كل أحد. قَوْله: ﴿وَإِن يكن غَنِيا﴾ أَي: إِن يكن الْمَشْهُود عَلَيْهِ غَنِيا لَا ترعوه لغناه أَو يكن فَقِيرا لَا تشفقوا عَلَيْهِ لفقره، فَالله أولى بهما مِنْكُم وَأعلم بِمَا فِيهِ صلاحهما. قَوْله: ﴿فَلَا تتبعوا الْهوى أَن تعدلوا﴾ (النِّسَاء: ٥٣١) . أَي: كَرَاهَة أَن تعدلوا، أَو إِرَادَة أَن تعدلوا، على اعْتِبَار الْعدْل والعدول. قَوْله: ﴿وَإِن تلووا﴾ من اللي، وَهُوَ التحريف وتعمد الْكَذِب أَي: وَإِن تلووا أَلْسِنَتكُم عَن شَهَادَة الْحق أَو تعرضوا عَن الشَّهَادَة بِمَا عنْدكُمْ وتمنعوها فَإِن الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا بمجازاتكم عَلَيْهِ.
٢ - (بابٌ إذَا عَدَّلَ رجُلٌ أحَداً فَقَالَ لَا نَعْلَمُ إلَاّ خيرا أوْ قَالَ مَا عَلِمْتُ إلَاّ خيْراً)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا عدل رجل أحدا، وَقَوله: أحدا، هُوَ الْكشميهني رِوَايَة، وَفِي رِوَايَة غَيره: إِذا عدل رجل رجلا، وَعدل، بتَشْديد الدَّال: من التَّعْدِيل. قَوْله: فَقَالَ: أَي: الْمعدل، لَا نعلم إلَاّ خيرا أَو: مَا علمت إلَاّ خيرا، وَلم يذكر جَوَاب إِذا الَّذِي هُوَ حكم الْمَسْأَلَة لأجل الْخلاف، وروى الطَّحَاوِيّ عَن أبي يُوسُف أَنه إِذا قَالَ ذَلِك قبلت شَهَادَته، وَلم يذكر خلافًا عَن الْكُوفِيّين فِي ذَلِك، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث الْإِفْك على مَا يَأْتِي حَدِيث الْإِفْك، وَعَن مُحَمَّد: لَا بُد أَن يَقُول الْمعدل هُوَ عدل جَائِز الشَّهَادَة، وَالأَصَح أَنه يَكْتَفِي بقوله هُوَ عدل، وَذكر ابْن التِّين عَن ابْن عمر أَنه كَانَ إِذا أنعم مدح الرجل، قَالَ: مَا علمنَا إلَاّ خيرا، وروى ابْن الْقَاسِم عَن مَالك أَنه أنكر أَن يكون قَوْله: لَا أعلم إلَاّ خيرا، تَزْكِيَة، وَقَالَ: لَا يكون تَزْكِيَة حَتَّى يَقُول رضَا، وَأرَاهُ عدلا رضَا. وَذكر الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي، قَالَ: لَا تقبل فِي التَّعْدِيل إلَاّ أَن يَقُول: عدل عَليّ ولي، ثمَّ لَا يقبله حَتَّى يسْأَله عَن مَعْرفَته، فَإِن كَانَ يعرف حَاله الْبَاطِنَة يقبل، وإلَاّ لم يقبل ذَلِك، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَالأَصَح عندنَا يَعْنِي الشَّافِعِيَّة أَنه يَكْفِي أَن يَقُول: هُوَ عدل، وَلَا يشْتَرط: عَليّ ولي.
стр. 3907
٧٣٦٢ - حدَّثنا حَجَّاجٌ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ قَالَ حدَّثنا ثَوْبَانُ وَقَالَ اللَّيْثُ حدَّثني يونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ وابنُ المُسَيَّبِ وعَلْقَمَةُ بنُ وقَّاص وعُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله عنْ حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وبعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصدِّقُ بَعْضاً حينَ قَالَ لَها أهل الْإِفْك مَا قَالُوا فدعى رَسُول الله ﷺ عليا وَأُسَامَة حِين استليت الْوَحْي يستأمرها فِي فِرَاق أَهله فأمَّا أُسَامَةُ فَقَالَ أهلُكَ وَلَا نَعْلَمُ إلَاّ خَيْراً وقالتْ بَريرَةُ إنْ رأيْتَ علَيْها أمْراً أغْمِصُهُ أكثَرَ مِنْ أنَّها جارِيةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنامُ عنْ عَجِينِ أهْلِهَا فَتأتِي الدَّاجُن فتَأْكُلُهُ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ مَنْ يَعْذِرُنا فِي رَجُلٍ بَلَغَنِي أذاهُ فِي أهْلِ بَيْتِي فَوالله مَا عَلِمْتُ مِنْ أهْلِي إلَاّ خيْراً ولَقدْ ذَكَرُوا رَجُلاً مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلَاّ خَيْراً..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا نعلم إِلَّا خيرا) وَرِجَاله: حجاج بن الْمنْهَال، وَفِي بعض النّسخ مَذْكُور باسم أَبِيه، وَعبد الله ابْن عمر بن غَانِم النميري، بِضَم النُّون وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء. قَالَ فِي (تَهْذِيب الْكَمَال) : روى عَن يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي وَيزِيد الرقاشِي وَثَّقَهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ ابْن مَنْدَه: نزل أفريقية، وَذكره مُصَنف (رجال الصَّحِيحَيْنِ) : من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَبَقِيَّة الرِّجَال مَشْهُورُونَ، وَعبيد الله بن عبد الله بن ععتبة. وَفِيه: رِوَايَة التابعة عَن أَرْبَعَة من التَّابِعين على نسق وَاحِد.
وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع فِي الشَّهَادَات أَيْضا عَن أبي الرّبيع سُلَيْمَان بن دَاوُد، وَفِي الْمَغَازِي وَفِي التَّفْسِير وَفِي الْإِيمَان وَالنُّذُور وَفِي الِاعْتِصَام عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله وَفِي الْجِهَاد وَفِي التَّوْحِيد وَفِي الشَّهَادَات وَفِي الْمَغَازِي وَفِي التَّفْسِير وَفِي الْإِيمَان وَالنُّذُور أَيْضا عَن الْحجَّاج، وَفِي التَّوْحِيد أَيْضا عَن يحيى بن بكير، وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي بِهِ، وَعَن حبَان بن مُوسَى وَعَن حسن الْحلْوانِي وَعبد بن حميد وَعَن إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم وَمُحَمّد بن رَافع وَعبد بن حميد، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن أبي دَاوُد سُلَيْمَان بن سيف الْحَرَّانِي وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى. وَأخرجه البُخَارِيّ هُنَا مُخْتَصرا، وَلم يَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: لَا، إِلَى قَوْله: (وَلَا نعلم إلَاّ خيرا) ، وَفِيه عَن اللَّيْث مُعَلّقا وَهُوَ قَوْله: وَقَالَ اللَّيْث: حَدثنِي يُونُس، وَوَصله فِي كتاب التَّفْسِير: عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن يُونُس ... إِلَى آخِره، على مَا سَيَجِيءُ بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قَوْله: (وَبَعض حَدِيثهمْ) مُبْتَدأ وَقَوله: (يصدق بَعْضًا) خَبره وَالْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (أهل الْإِفْك) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْفَاء، والإفك فِي الأَصْل: الْكَذِب، وَأَرَادُوا بِهِ هَهُنَا: مَا كذب على عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، مِمَّا رميت بِهِ. قَوْله: (استلبث) استفعل من اللّّبْث وَهُوَ الإبطاء والتأخر، يُقَال: لبث يلبث لبثاً بِسُكُون الْبَاء وَقد يفتح، وَيُقَال: اللّّبْث، بِفَتْح اللَّام الإسم، وبالضم: الْمصدر. قَوْله: (يستأمرهما) أَي: يشاورهما. قَوْله: (فَقَالَ: أهلك) أَي: فَقَالَ أُسَامَة: أهلك بِالنّصب أَي: إلزم أهلك، وَيجوز بِالرَّفْع أَي: هِيَ أهلك أَو أهلك غير مطعون عَلَيْهِ، وَنَحْوه. قَوْله: (بَرِيرَة) ، هِيَ مولاة عَائِشَة. قَوْله: (إِن رَأَيْت عَلَيْهَا) أَي: مَا رَأَيْت عَلَيْهَا، كلمة: إِن، النافية بِمَعْنى: مَا، للنَّفْي. قَوْله: (أغمصه) ، بالغين الْمُعْجَمَة وَالصَّاد الْمُهْملَة أَي: أعيبها بِهِ ويطعن بِهِ عَلَيْهَا، يُقَال: أغمصه فلَان: إِذا استصغره وَلم يره شَيْئا، وغمصت عَلَيْهِ قولا أَي: أعيبه عَلَيْهِ. قَوْله: (الدَّاجِن) بِالدَّال الْمُهْملَة وَكسر الْجِيم: هُوَ شَاة ألفت الْبيُوت واستأنست، وَمن الْعَرَب من يَقُولهَا بِالْهَاءِ، وَسَيَأْتِي تَمام الْكَلَام عَن قريب بعد: أَبُو أَيُّوب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٣ - (بابُ شَهَادَةِ الْمُخْتَبِي)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم شَهَادَة المختبي، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أَي: المختفي عِنْد التَّحَمُّل، تَقْدِيره: هَل تجوز أم لَا؟ ثمَّ ذكره بقوله:
وأجازَهُ عَمْرُو بنُ حُرَيْثٍ
أَي: أجَاز الإختباء عِنْد تحمل الشَّهَادَة عَمْرو بن حُرَيْث، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وبالمثلثة: ابْن عَمْرو بن عُثْمَان بن عبد الله بن عَمْرو بن مَخْزُوم المَخْزُومِي من صغَار الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، ولأبيه صُحْبَة، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ ذكر إلَاّ فِي هَذَا الْموضع، وَهَذَا
стр. 3908
التَّعْلِيق رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث سعيد بن مَنْصُور: حَدثنَا هشيم أَنبأَنَا الشَّيْبَانِيّ عَن مُحَمَّد بن عبد الله الثَّقَفِيّ أَن عَمْرو بن حُرَيْث كَانَ يُجِيز شَهَادَته، يَعْنِي: المختبيء، وَيَقُول: كَذَا يفعل بالخائن والفاجر.
قَالَ وكذالِكَ يُفْعَلُ بالْكَاذِبِ الفاجِرِ
أَي: قَالَ عَمْرو بن حُرَيْث: كَذَلِك، أَي: بالاختبار عِنْد تحمل الشَّهَادَة، يفعل بِسَبَب الْكَاذِب الْفَاجِر، وَأَرَادَ بِهِ: الْمَدْيُون الَّذِي لَا يعْتَرف بِالدّينِ ظَاهرا ثمَّ يختلي بِهِ الدَّائِن فِي مَوضِع، وَقد كَانَ أخْفى فِيهِ من يسمع إِقْرَاره بِالدّينِ، فَإِذا شهد بذلك بعد ذَلِك يسمع عِنْد عمر، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد وَابْن أبي ليلى وَمَالك وَأحمد وَإِسْحَاق، وَرُوِيَ عَن شُرَيْح وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ أَنهم كَانُوا لَا يجيزون شَهَادَة المختبيء، وَقَالُوا: إِنَّه لَيْسَ بِعدْل حِين اختفى مِمَّن يشْهد عَلَيْهِ، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم.
وَقَالَ الشُّعَبِيُّ وابنُ سِيرينَ وعَطاءٌ وقَتادَةُ السَّمْعُ شَهادةٌ
يَعْنِي: إِذا سمع من أحد شَيْئا وَلم يشهده عَلَيْهِ يسمع شَهَادَته عِنْد عَامر الشّعبِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَقَتَادَة ابْن دعامة، وَتَعْلِيق الشّعبِيّ رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن هشيم عَن مطرف عَنهُ بِهِ، وَرُوِيَ عَن الشّعبِيّ أَنه قَالَ: يجوز شَهَادَة السّمع إِذا قَالَ: سمعته يَقُول، وَإِن لم يشهده، وَكَذَا روى عَن عُبَيْدَة وَإِبْرَاهِيم قَالَا: شَهَادَة السّمع جَائِزَة. قَالَ الطَّحَاوِيّ فِي (مُخْتَصره) : يجوز للرجل أَن شهد بِمَا سمع إِذا كَانَ معايناً لمن سَمعه مِنْهُ وَإِن لم يشهده على ذَلِك. فَإِن قلت: قد مر أَن الشّعبِيّ لَا يُجِيز شَهَادَة المختبيء، وَقَوله: السّمع شَهَادَة يُعَارضهُ؟ قلت: لاحْتِمَال أَن فِي شَهَادَة المختبيء مخادعة، وَلَا يلْزم من ذَلِك رد شَهَادَة السّمع من غير قصد، وَعَن مَالك نَظِيره، وَهُوَ أَنه قَالَ: الْحِرْص على تحمل الشَّهَادَة قَادِح فَإِن اختفى ليشهد فَهُوَ حرص.
وَقَالَ الحَسَنُ يَقُولُ لَمْ يُشْهِدُوني على شَيْءٍ وإنِّي سَمِعْتُ كذَا وكَذَا
تَعْلِيق الْحسن الْبَصْرِيّ رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن حَاتِم بن وردان عَن يُونُس عَن الْحسن، قَالَ: لَو أَن رجلا سمع من قوم شَيْئا فَإِنَّهُ يَأْتِي القَاضِي فَيَقُول: لم يشهدوني، وَلَكِنِّي سَمِعت كَذَا وَكَذَا.
٨٣٦٢ - حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ سالِمٌ سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَقُولُ انْطَلَقَ رسولُ الله ﷺ وأُبَيُّ بنُ كعْبٍ الأنْصَارِيُّ يَؤُمَّانِ النَّخْلَ الَّتِي فِيهاابنُ صَيَّادٍ حتَّى إذَا دَخلَ رسولُ الله ﷺ طَفِقَ رسولُ الله ﷺ يَتَّقي بِجُذُوعِ النَّخْلِ وهْوَ يَخْتِلُ أنْ يَسْمَعَ مِنِ ابنِ صيَّادٍ شَيْئاً قَبْلَ أنْ يَراهُ وابْنُ صيَّادٍ مُضْطَجِعٌ على فِرَاشِهِ فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْرَمةٌ أوْ زَمْزَمَةٌ فَرأتْ أُمُّ ابنِ صَيَّادٍ النبيَّ ﷺ وهْوَ يَتَّقِي بجُذُوعِ النَّخْلِ فقالتْ لابْنِ صَيَّادٍ أيْ صافِ هَذَا مُحَمَّدٌ فَتَنَاهاى ابنُ صيَّادٍ قَالَ رسولُ الله ﷺ لوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَهُوَ يخْتل أَن يسمع من ابْن صياد شَيْئا قبل أَن يرَاهُ) .
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب إِذا أسلم الصَّبِي فَمَاتَ هَل يصلى عَلَيْهِ؟ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَبْدَانِ عَن عبد الله عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: أَخْبرنِي سَالم بن عبد الله أَن ابْن عمر أخبرهُ ... إِلَى آخِره بأتم مِنْهُ. وَأخرجه هُنَا عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. وَنَذْكُر بعض شَيْء لبعد الْعَهْد مِنْهُ.
قَوْله: (يؤمان) ، أَي: يقصدان. قَوْله: (طفقَ رَسُول الله، ﷺ ، بِكَسْر الْفَاء، من أَفعَال المقاربة، مَعْنَاهُ: أَخذ فِي الْفِعْل وَجعل يفعل. قَوْله: (يَتَّقِي) ، خبر: طفق. قَوْله: (وَهُوَ يخْتل) ، جملَة وَقعت حَالا، وَهُوَ بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق
стр. 3909
أَي: يطْلب ابْن صياد مستغفلاً لَهُ ليسمع شَيْئا من كَلَامه الَّذِي يتَكَلَّم بِهِ فِي خلوته، حَتَّى يظْهر للصحابة أَنه كَاهِن، وأصل الختل الخدع، يُقَال: ختله يختله: إِذا خدعه وراوغه، وختل الذِّئْب الصَّيْد إِذا اختفى لَهُ. قَوْله: (فِي قطيفة) هِيَ: كسَاء مخمل. قَوْله: (رمرمة) ، بالراءين، وَهُوَ الصَّوْت الْخَفي. قَوْله: (أَو زمزمة) شكّ من الرَّاوِي، وَهُوَ بالزايين المعجمتين. قَوْله: (أَي صَاف) ، يَعْنِي: يَا صَاف! وَهُوَ بالصَّاد الْمُهْملَة وَالْفَاء المضمومة أَو الْمَكْسُورَة أَو الساكنة: ابْن صياد. قَوْله: (فتناهى) ، قَالَ ابْن الْأَثِير: قيل: هُوَ تفَاعل من النَّهْي: الْعقل، أَي: رَجَعَ إِلَيْهِ عقله وتنبه من غفلته، وَقيل: هُوَ من الِانْتِهَاء أَي: انْتهى عَن زمزمته. قَوْله: (لَو تركته بَين) أَي: لَو تركته أمه بِحَيْثُ لَا يعرف قدوم رَسُول الله، ﷺ ، وَلم يندهش عَنهُ، بيَّن لكم باخْتلَاف كَلَامه مَا يهون عَلَيْكُم شَأْنه.
وَقَالَ الْمُهلب: فِيهِ: جَوَاز الاحتيال على المستسرين فِي جحود الْحق حَتَّى يسمع مِنْهُم مَا يستسرون بِهِ وَيحكم بِهِ عَلَيْهِم، وَلَكِن بعد أَن يفهم عَنْهُم فهما حسياً مُبينًا.
٩٣٦٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عَن الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ جاءَتْ امرَأَةُ رِفاعَةَ القُرَظيِّ النبيَّ ﷺ فقالتْ كُنْتُ عنْدَ رِفَاعَةَ فَطلقَنِي فأبتَّ طَلاقِي فتَزوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ الزُّبَيْرِ إنَّمَا معَهُ مِثْلُ هُدْبةِ الثَّوْبِ فَقَالَ أتُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفاَعَةَ لَا حتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وَأَبُو بَكْرٍ جالِسٌ عِنْدَهُ وخالدُ بنُ سَعِيدِ بنِ العاصِ بالبَابِ يَنْتظِرُ أنْ يُؤْذَنَ لَهُ فَقَالَ يَا أبَا بَكْرِ ألَا تَسْمَعُ إلَى هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ النبيِّ ﷺ ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وخَالِد بن سعيد) إِلَى آخر الحَدِيث، بَيَان ذَلِك أَن خَالِدا أنكر على امْرَأَة رِفَاعَة مَا تلفظت بِهِ عِنْد النَّبِي، ﷺ ، وَلم يُنكر عَلَيْهِ النَّبِي، ﷺ ، على ذَلِك، وَكَانَ إِنْكَار خَالِد عَلَيْهَا لاعتماده على سَماع صَوتهَا، وَهَذَا هُوَ حَاصِل مَا يَقع من شَهَادَة السّمع، لِأَن خَالِدا مثل المختفي عَنْهَا. وَعبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي، وَقد تكَرر ذكره، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد وَالتِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن ابْن أبي عمر وَإِسْحَاق بن مَنْصُور وَالنَّسَائِيّ فِيهِ وَمن الطَّلَاق عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَابْن مَاجَه فِي النِّكَاح عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، ستتهم عَن سُفْيَان بِهِ.
قَوْله: (جَاءَت امْرَأَة رِفَاعَة) ، اسْم الْمَرْأَة: تَمِيمَة بنت وهب، وَلم يَقع فِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَلَا فِي رِوَايَة غَيره من مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه تَسْمِيَة امْرَأَة رِفَاعَة، وَقد سَمَّاهَا مَالك فِي رِوَايَته: تَمِيمَة بنت وهب، وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي (الِاسْتِيعَاب) : وَلَا أعلم لَهَا غير قصَّتهَا مَعَ رِفَاعَة بن سموأل حَدِيث الْعسيلَة من حَدِيث مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) وَكَذَا قَالَ الطَّبَرَانِيّ فِي (المعجم الْكَبِير) : لَهَا ذكر فِي قصَّة رِفَاعَة، وَلَا حَدِيث لَهَا، وَأما زَوجهَا الأول فَهُوَ رِفَاعَة بن سموأل الْقرظِيّ، من بني قُرَيْظَة. قَالَ ابْن عبد الْبر: وَيُقَال: رِفَاعَة بن رفاة، وَهُوَ أحد الْعشْرَة الَّذين فيهم نزلت: ﴿وَلَقَد وصَّلنا لَهُم القَوْل. .﴾ (الْقَصَص: ١٥) . الْآيَة، كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه) وَابْن مرْدَوَيْه فِي (تَفْسِيره) من حَدِيث رِفَاعَة بِإِسْنَاد صَحِيح، وَأما زَوجهَا الثَّانِي فَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن الزبير، بِفَتْح الزَّاي وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، بِلَا خلاف ابْن باطا، وَقيل: باطيا، من بني قُرَيْظَة. وَأما مَا ذكره ابْن مَنْدَه وَأَبُو نعيم فِي كِتَابَيْهِمَا (معرفَة الصَّحَابَة) : أَنه من الْأَنْصَار من الْأَوْس، ونسباه إِلَى عبد الرَّحْمَن بن الزبير بن زيد بن أُميَّة بن زيد بن مَالك بن عَوْف بن عَمْرو بن عَوْف بن مَالك بن الْأَوْس فَغير جيد، وَقيل: اسْم الْمَرْأَة سهيمة، وَقيل: الغميصاء، وَقيل: الرميصاء.
قلت: لما أخرج التِّرْمِذِيّ حَدِيث امْرَأَة رِفَاعَة الْقرظِيّ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن ابْن عمر وَأنس والرميصاء أَو الغميصاء، فَهَذَا يدل على أَنَّهُمَا غير الْمَرْأَة الَّتِي تزوجت بِابْن الزبير. أما حَدِيث ابْن عمر فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَنهُ عَن النَّبِي، ﷺ ، فِي الرجل يكون لَهُ الْمَرْأَة ثمَّ يطلقهَا، ثمَّ يَتَزَوَّجهَا رجل فيطلقها قبل أَن يدْخل بهَا، فترجع إِلَى زَوجهَا الأول، قَالَ: (لَا حَتَّى تذوق الْعسيلَة) . وَأما حَدِيث أنس فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن دِينَار عَن يحيى بن يزِيد الْهنائِي، قَالَ: سَأَلت أنس بن مَالك عَن رجل تزوج امْرَأَة
стр. 3910
وَكَانَ قد طَلقهَا زَوجهَا أَحْسبهُ قَالَ ثَلَاثًا فَلم يدْخل بهَا الثَّانِي، فَقَالَ: سُئِلَ رَسُول الله، ﷺ ، فَقَالَ: (لَا تحل لَهُ حَتَّى يَذُوق عسيلتها وتذوق عُسَيْلَته) . وَأما حَدِيث الرميصاء أَو الغميصاء، فَهُوَ من حَدِيث عَائِشَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) بِإِسْنَاد صَحِيح من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ للغميصاء: (لَا، حَتَّى يَذُوق من عُسَيْلَتك وتذوقي من عُسَيْلَته) .
وروى النَّسَائِيّ بِسَنَد جيد عَن عبد الله بن عَبَّاس أَن الغميصاء أَو الرميصاء أَتَت النَّبِي، ﷺ ، تَشْتَكِي زَوجهَا، وَأَنه لَا يصل إِلَيْهَا، فَلم يلبث أَن جَاءَ زَوجهَا، فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنَّهَا كَاذِبَة وَهُوَ يصل إِلَيْهَا وَلكنهَا تُرِيدُ أَن ترجع إِلَى زَوجهَا الأول، فَقَالَ: (لَيْسَ ذَلِك لَهَا حَتَّى يَذُوق عُسَيْلَته) .
قلت: وَفِي الْبَاب. روى بكر بن مَعْرُوف عَن مقَاتل بن حَيَّان فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن طَلقهَا فَلَا تحل لَهُ من بعد حَتَّى تنْكح زوجا غَيره﴾ (الْبَقَرَة: ٠٣٢) . نزلت فِي عَائِشَة بنت عبد الرَّحْمَن بن عتِيك النضري، كَانَت تَحت رِفَاعَة، يَعْنِي: ابْن وهب، وَهُوَ ابْن عَمها فَتَزَوجهَا ابْن الزبير ثمَّ طَلقهَا، فَأَتَت رَسُول الله، ﷺ ، فَقَالَت: يَا رَسُول الله ﴿إِن زَوجي طَلقنِي قبل أَن يمسني، أفأرجع إِلَى ابْن عمي؟ فَقَالَ: (لَا، حَتَّى يكون مس) . فَلَبثت مَا شَاءَ الله ثمَّ أَتَت، فَقَالَت: يَا رَسُول الله﴾ إِن زَوجي الَّذِي كَانَ تزَوجنِي بعد زَوجي كَانَ مسني، فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : (كذبت بِقَوْلِك الأول فَلَنْ أصدقك فِي الآخر) فَلَبثت، فَلَمَّا قبض رَسُول الله، ﷺ : أَتَت أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَت: أرجع إِلَى زَوجي الأول فَإِن الآخر قد مسنى؟ فَقَالَ لَهَا أَبُو بكر: قد عهِدت رَسُول الله، ﷺ ، حِين قَالَ لَك: فَلَا تَرْجِعِي إِلَيْهِ، فَلَمَّا قبض أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، جَاءَت عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: إِن أتيتني بعد مرَّتك هَذِه لأرجمنك.
قَوْله: (فَبت طَلَاقي) ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة الْمَفْتُوحَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق أَي: قطع قطعا كلياً بتحصيل الْبَيْنُونَة الْكُبْرَى، وَهَكَذَا رِوَايَة الْجُمْهُور: بت، من الثلاثي الْمُجَرّد، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: فَأَبت طَلَاقي، من الْمَزِيد فِيهِ، وَهِي لُغَة ضَعِيفَة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي حِكَايَة عَن الْأَصْمَعِي: لَا يُقَال: يبت، قَالَ: وَقَالَ الْفراء: هما لُغَتَانِ، وَيُقَال: بته يبته، بِضَم الْبَاء فِي الْمُضَارع وَحكى: يبته، بِالْكَسْرِ. قَالَ الْجَوْهَرِي: وَهُوَ شَاذ، وَفِي رِوَايَة أبي نعيم من حَدِيث ابْن عَبَّاس: كَانَت أُميَّة بنت الْحَارِث عِنْد عبد الرَّحْمَن بن الزبير فَطلقهَا ثَلَاثًا ... الحَدِيث، وَهنا صرح بِالثَّلَاثَةِ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ، على مَا يَأْتِي: أَن رِفَاعَة طَلقنِي آخر ثَلَاث تَطْلِيقَات، فَبَان مِنْهُ أَن الثَّلَاث كَانَت متفرقات، وَأَن المُرَاد بقوله هُنَا: (فَبت طَلَاقي) هِيَ الطَّلقَة الثَّالِثَة الَّتِي تحصل بهَا الْبَيْنُونَة الْكُبْرَى. قَوْله: (مثل هدبة الثَّوْب) ، بِضَم الْهَاء وَسُكُون الدَّال: وَهِي طرفه الَّذِي لم ينسج، شبهوها بهدب الْعين وَهُوَ شعر الجفن، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (فَأخذت هدبة من جلبابها، فَتَبَسَّمَ رَسُول الله، ﷺ فَقَالَ خَالِد: أَلا تزجر هَذِه؟) وَفِيه: (قَالَت عَائِشَة: وَعَلَيْهَا خمار أَخْضَر فشكت ءليها وأرتها خضرَة بجلدها) ، وَفِيه: (فجَاء ابْن الزبير وَمَعَهُ إبنان لَهُ من غَيرهَا، فَقَالَت: وَالله مَا لي إِلَيْهِ من ذَنْب، إلَاّ أَن مَا مَعَه لَيْسَ بأغنى عني من هَذِه) ، وَأخذت هدبة من ثوبها، فَقَالَ: كذبَت يَا رَسُول الله، إِنِّي لأنفضها نفض الْأَدِيم وَلكنهَا ناشز تُرِيدُ رِفَاعَة، فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : (فَإِن كَانَ ذَلِك لم تحلي لَهُ، أَو لم تصلحي لَهُ حَتَّى يَذُوق من عُسَيْلَتك) . وَفِي (تَهْذِيب) الْأَزْهَرِي، قَالَ النَّبِي، ﷺ لامْرَأَة سَأَلت عَن زوج تزوجته لترجع إِلَى زَوجهَا الأول، فَلم ينتشر ذكره للإيلاج: (لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَته) . وَفِي (المُصَنّف) عَن عَامر، قَالَ: قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (لَا تحل لَهب حَتَّى يهزها هزيز الْبكر) ، وَقَالَ أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (لَا تحل للْأولِ حَتَّى يُجَامِعهَا الثَّانِي وَيدخل بهَا) ، وَقَالَ ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (حَتَّى يسفسفها بِهِ) . قلت: كَأَنَّهُ من: سفسفت الرّيح التُّرَاب، إِذا أثارته، أَو من السفسفة وَهِي: انتخال الدَّقِيق، وَنَحْوه. قَوْله: (أَن تَرْجِعِي) ، ويروى: (أَن ترجعين) ، بالنُّون وَهِي على لُغَة من يرفع الْفِعْل بعد أَن. قَوْله: (عُسَيْلَته) ، بِضَم الْعين وَفتح السِّين الْمُهْملَة تَصْغِير عسلة وَفِي الْغسْل لُغَتَانِ التَّأْنِيث والتذكير، فأنث الْعسيلَة لذَلِك لِأَن الْمُؤَنَّث يرد إِلَيْهَا الْهَاء إِذا صغر، كَقَوْلِك: سميسة ويدية، وَقيل: إِنَّمَا أنثه لِأَنَّهُ أَرَادَ النُّطْفَة، وَضَعفه النَّوَوِيّ لِأَن الْإِنْزَال لَا يشْتَرط، وَإِنَّمَا هِيَ كِنَايَة عَن الْجِمَاع، شبه لذته بلذة الْعَسَل وحلاوته. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: صغرت العسلة بِالْهَاءِ لِأَن الْغَالِب على الْعَسَل التَّأْنِيث. قَالَ: وَيُقَال: إِنَّمَا أنث لِأَنَّهُ أُرِيد بِهِ العسلة وَهِي الْقطعَة مِنْهُ، كَمَا يُقَال للقطعة من
стр. 3911
الذَّهَب ذهبة: وَالْمرَاد بالعسيلة هُنَا الْجِمَاع لَا الْإِنْزَال، وَقد جَاءَ ذَلِك مَرْفُوعا من حَدِيث عَائِشَة: أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: (الْعسيلَة: الْجِمَاع) . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَفِي إِسْنَاده أَبُو عبد الْملك القمي يرويهِ عَن ابْن أبي مليكَة عَن عَائِشَة، وَقَالَ ابْن التِّين: يُرِيد الْوَطْء وحلاوة مَسْلَك الْفرج فِي الْفرج لَيْسَ المَاء. قَوْله: (وخَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ) بن أُميَّة بن عبد شمس بن عب منَاف بن قصي الْقرشِي الْأمَوِي، يكنى: أَبَا سعيد: أسلم قَدِيما، يُقَال: إِنَّه أسلم بعد أبي بكر الصّديق فَكَانَ ثَالِثا أَو رَابِعا. وَقيل: كَانَ خَامِسًا. وَقَالَ ضَمرَة بن ربيعَة: كَانَ إِسْلَام خَالِد مَعَ إِسْلَام أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهَاجَر إِلَى الْحَبَشَة وَقدم على رَسُول الله، ﷺ فِي غَزْوَة خَيْبَر وَبَعثه على صدقَات الْيمن، فَتوفي رَسُول الله، ﷺ وَهُوَ بِالْيمن، قتل بمرج الصفر فِي الْوَقْعَة بِهِ سنة أَربع عشرَة فِي صدر خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقيل: بل كَانَ قَتله فِي وقْعَة أجنادين بِالشَّام قبل وَفَاة أبي بكر بِأَرْبَع وَعشْرين لَيْلَة قَوْله: (أَلا تسمع إِلَى هَذِه) إِلَى آخِره، كَأَنَّهُ استعظم لَفظهَا بذلك. قَوْله: (تجْهر) ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ: تهجر من الهجر، يَعْنِي تَأتي بالْكلَام الْقَبِيح.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: أَن الرجل إِذا أَرَادَ أَن يُعِيد مطلقته بِالثلَاثِ، فَلَا بُد من زوج آخر يتَزَوَّج بهَا وَيدخل عَلَيْهَا. وأجمعت الْأمة على أَن الدُّخُول شَرط الْحل للْأولِ، وَلم يُخَالف فِي ذَلِك إلَاّ سعيد بن الْمسيب والخوارج والشيعة، وَدَاوُد الظَّاهِرِيّ، وَبشر المريسي، وَذَلِكَ اخْتِلَاف لَا خلاف لعدم استنادهم إِلَى دَلِيل، وَلِهَذَا لَو قضى بِهِ القَاضِي لَا ينفذ، وَالشّرط الْإِيلَاج دون الْإِنْزَال، وَشد الْحسن الْبَصْرِيّ فِي اشْتِرَاط الْإِنْزَال. وَفِيه: مَا قَالَه الْمُهلب: جَوَاز الشَّهَادَة على غير الْحَاضِر من وَرَاء الْبَاب والستر، لِأَن خَالِدا سمع قَول الْمَرْأَة وَهُوَ من وَرَاء الْبَاب، ثمَّ أنكرهُ عَلَيْهَا بِحَضْرَة النَّبِي، ﷺ وَأبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلم يُنكر عَلَيْهِ. وَفِيه: إِنْكَار فِي الأَصْل والجهر هُوَ الْمَعْقُول فِي القَوْل إلَاّ أَن يكون فِي حق لَا بُد لَهُ من الْبَيَان عِنْد الْحَاكِم. وَالله أعلم.
٤ - (بابٌ إذَا شَهِدَ شاهِدٌ أوْ شُهُودٌ بِشَيْءٍ فَقَالَ آخَرُونَ مَا عَلِمْنَا ذَلِكَ يُحْكَمْ بِقَوْلِ منْ شَهِدَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا شهد بقضية أَو شهد شُهُود بهَا، فَقَالَ جمَاعَة آخَرُونَ: مَا علمنَا بذلك، أَرَادَ بِهِ أَنهم نفوا مَا أثبت الشُّهُود الْأَولونَ. قَوْله: (يحكم بقوله من شهد) ، جَوَاب: إِذا، وَأَرَادَ بِهِ أَن الْإِثْبَات أولى من النَّفْي، لِأَن الْمُثبت أولى وأقدم من النَّافِي قَالَ بَعضهم: وَهُوَ وفَاق من أهل الْعلم. قلت: فِيهِ خلاف، فَقَالَ الْكَرْخِي: الْمُثبت أولى من النَّافِي، لِأَن الْمُثبت مُعْتَمد على الْحَقِيقَة فِي خَبره، فَيكون أقرب إِلَى الصدْق من النَّافِي الَّذِي يبْنى الْأَمر على الظَّاهِر، وَلِهَذَا قيل: الشَّهَادَة على الْإِثْبَات دون النَّفْي، وَلِأَن الْمُثبت يثبت أمرا زَائِدا لم يكن فَيُفِيد التأسيس، والنافي مبقِ لِلْأَمْرِ الأول، فَيُفِيد التَّأْكِيد، والتأسيس أولى. وَقَالَ عِيسَى بن أبان: يتعارض الْمُثبت والنافي فَلَا يتَرَجَّح أَحدهمَا على الآخر إلَاّ بِدَلِيل مُرَجّح، فلأجل هَذَا الِاخْتِلَاف ذكر أَصْحَابنَا فِي ذَلِك أصلا كلياً جَامعا يرجع إِلَيْهِ فِي تَرْجِيح أَحدهمَا، وَهُوَ أَن النَّفْي لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون من جنس مَا يعرف بدليله، بِأَن يكون مبناه على دَلِيل أَو من جنس مَا لَا يعرف بدليله، بإن يكون مبناه على الِاسْتِصْحَاب دون الدَّلِيل، أَو احْتمل الْوَجْهَانِ، فَالْأول مثل الْإِثْبَات فَيَقَع التَّعَارُض بَينهمَا لتساويهما فِي الْقُوَّة، فيطلب التَّرْجِيح، وَيعْمل بالراجح. وَالثَّانِي: لَيْسَ فِيهِ تعَارض، فالأخذ بالمثبت أولى، وَالثَّانِي ينظر فِي النَّفْي، فَإِن تبين أَنه مِمَّا يعرف بِالدَّلِيلِ يكون كالإثبات فيتعارضان، فيطلب التَّرْجِيح وَأَن تبين أَنه بِنَاء على الِاسْتِصْحَاب فالإثبات أولى، ولهذه الْأَقْسَام صور موضعهَا فِي الْأُصُول تركناها خوفًا من التَّطْوِيل.
وَقَالَ الحُمَيْدِيُّ هَذَا كَما أخْبَرَ بِلالٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلَّى فِي الكَعْبَةِ وَقَالَ الْفَضْلُ لَمْ يُصَلِّ فأخَذَ النَّاسُ بِشَهَادَةِ بِلالٍ
هَذَا من جملَة الصُّور الَّتِي ذكرنَا أَنَّهَا ثَلَاثَة أَقسَام، وَهُوَ من الْقسم الَّذِي لَا يعرف النَّفْي فِيهِ إلَاّ بِظَاهِر الْحَال، فَلَا يُعَارض الْإِثْبَات، فَلهَذَا أخذُوا بِشَهَادَة بِلَال: أَنه صلى فِي جَوف الْكَعْبَة عَام الْفَتْح، ورجحوا رِوَايَته على رِوَايَة الْفضل بن عَبَّاس: أَنه لم يصلِ، وَإِطْلَاق الشَّهَادَة على إِخْبَار بِلَال تجوز. فَإِن قلت: التَّرْجَمَة فِي قَول الآخرين مَا علمنَا ذَلِك، وَالَّذِي ذكره عَن
стр. 3912
الْحميدِي صُورَة المنافيين، فَلَا مُطَابقَة؟ قلت: معنى قَول الْفضل: لم يصلِّ مَا علم أَنه صلى، وَلَعَلَّه كَانَ مشتغلاً بِالدُّعَاءِ وَنَحْوه فَلم يره صلى، فنفاه عملا بظنه، وَقد مضى هَذَا الَّذِي علقه عَن الْحميدِي وَهُوَ عبد الله بن الزبير بن عِيسَى بن عبد الله بن الزبير بن عبيد الله بن حميد بأتم مِنْهُ فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب الْعشْر، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن سعيد بن أبي مَرْيَم عَن عبد الله بن وهب، الحَدِيث، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
كَذَلِكَ إنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أنَّ لِفُلانٍ علَى فُلَانٍ ألْفَ دِرْهَمٍ وشَهِدَ آخَرَان بألْفٍ وخَمْسمِائَةٍ يُقْضَى بالزِّيَادَةِ
أَي: كَالْحكمِ الْمَذْكُور يحكم إِن شهد شَاهِدَانِ أَن لفُلَان على فلَان ألف دِرْهَم بِأَن شَهدا: أَن لزيد على عَمْرو مثلا ألف دِرْهَم، وَشهد شَاهِدَانِ آخرَانِ: أَن لَهُ عَلَيْهِ ألفا وَخَمْسمِائة دِرْهَم، يقْضِي أَي: يحكم بِالزِّيَادَةِ أَيْضا وَهِي خَمْسمِائَة، يَعْنِي: يحكم بِأَلف وَخَمْسمِائة، لِأَن عدم علم الْغَيْر لَا يُعَارض علمه، وَفِي بعض النّسخ يُعْطي بِالزِّيَادَةِ، فالباء فِي: بِالزِّيَادَةِ، على هَذَا زَائِدَة، وَقيد بقوله: وَشهد آخرَانِ، لِأَنَّهُ لَو شهد وَاحِد بِالزِّيَادَةِ لَا تلْزم الزِّيَادَة إلَاّ بِشَاهِد آخر، وَفِي تَمْثِيل هَذِه الْمَسْأَلَة بِمَا قبله بقوله كَذَلِك نظر، لِأَن مَا قبله مُشْتَمل على صُورَتَيْنِ إِحْدَاهمَا صُورَة مَا علمنَا، وَالثَّانيَِة صُورَة المنافيين، وَلَا تطابق هَذِه الْمَسْأَلَة الصُّورَتَيْنِ المذكورتين وَلَا وَاحِدَة مِنْهُمَا. فَإِن قلت: شَهَادَة الآخرين بِأَلف وَخمْس مائَة يُنَافِي شَهَادَة الشَّاهِدين بِأَلف ظَاهرا. قلت: لَا نسلم ذَلِك بل كلهم متفقون فِي الْألف، وَإِنَّمَا انْفَرد الْآخرَانِ بالخمسمائة الزَّائِدَة، فثبتت الزِّيَادَة لوُجُود نِصَاب الشَّهَادَة، حَتَّى لَو كَانَ الَّذِي يشْهد بِالزِّيَادَةِ وَاحِدًا لَا يلْزم الزِّيَادَة إلَاّ بِشَاهِد آخر، كَمَا ذكرنَا.
٠٤٦٢ - حدَّثنا حِبَّانُ قَالَ أخبرنَا عبدُ الله قَالَ أخبرنَا عُمَرُ بنُ سَعِيدِ بنِ أبِي حُسَيْنٍ قَالَ أَخْبرنِي عبدُ الله بنُ أبي مُلَيْكَةَ عنْ عُقْبَةَ بنِ الحارِثِ أنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لأبِي إهَابِ بنِ عَزِيزٍ فأتَتْهُ امْرَأةٌ فقالَتْ قدْ أرْضَعْتُ عُقْبَةَ والَّتِي تَزَوَّجَ فَقَالَ لَها عُقْبَةُ مَا أعْلَمُ أنَّكِ أرْضَعْتِنِي وَلَا أخْبَرْتِنِي فأرْسَلَ إِلَى آلَ أبي إهَابٍ يَسْألُهُمْ فَقَالُوا مَا عَلِمْنَا أرْضَعَتْ صاحِبَتَنا فرَكِبَ إِلَى الْنَّبِيِّ ﷺ بالمَدِينَةِ فَسَألَهُ فَقَالَ رسولُ الله، ﷺ كَيْفَ وقَدْ قِيلَ فَفَارَقَها ونَكَحَتْ زَوْجاً غَيْرَهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة غير ظَاهِرَة، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَهَادَة وَلَا حكم، وَلَكِن قَالَ الْكرْمَانِي: أَمر النَّبِي، ﷺ ، بالمفارقة. بقوله: (كَيفَ وَقد قيل؟) كَالْحكمِ، وإخبار الْمُرضعَة كَالشَّهَادَةِ، وَقَالَ بَعضهم: الْمُرضعَة أَثْبَتَت الرَّضَاع وَعقبَة نَفَاهُ، فأعمل النَّبِي، ﷺ ، قَوْلهَا، فَأمره بالمفارقة، إِمَّا وجوبا عِنْد من يَقُول بِهِ، وَإِمَّا ندبا على طَرِيق الْوَرع. قلت: فِي كل مِنْهُم نظر، أما الأول: فَفِيهِ التجويز. وَأما الثَّانِي: فَلَو لاحظ فِيهِ صُورَة مَا علمنَا لَكَانَ أقرب وأوجه، لِأَن فِيهِ نفي الْعلم. وَهُوَ يُطَابق التَّرْجَمَة.
والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب الرحلة فِي الْمَسْأَلَة النَّازِلَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله عَن عمر بن سعيد بن أبي حُسَيْن ... إِلَى آخِره نَحوه، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. وإهاب، بِكَسْر الْهمزَة، وعزيز على وزن) عَظِيم، بزايين معجمتين، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والحموي عَزِيز، بِضَم الْعين وَفتح الزَّاي وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء، مصغر، قيل: وَالْأول أصوب.
٥ - (بابُ الشُّهَدَاءِ العُدُولِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الشُّهَدَاء الْعُدُول، يَعْنِي: من هم، وَالشُّهَدَاء جمع شَهِيد بِمَعْنى: الشَّاهِد، والعدول جمع عدل، وَالْعدْل من ظهر مِنْهُ الْخَيْر، وَقَالَ أبراهيم: الْعدْل الَّذِي لم يظْهر فِيهِ رِيبَة، قَالَ ابْن بطال: وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد وَإِسْحَاق، وروى ابْن أبي شيبَة عَن جرير عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم، قَالَ: الْعدْل فِي الْمُسلمين مَا لم يطعن فِي بطن وَلَا فرج، وَقَالَ الشّعبِيّ: يجوز شَهَادَة الْمُسلم مَا لم يصب حدا أَو يعلم عَنهُ جريمة فِي دينه، وَكَانَ الْحسن يُجِيز شَهَادَة من صلَّى إلَاّ أَن يَأْتِي الْخصم بِمَا يجرحه، وَعَن حبيب:
стр. 3913
قَالَ: سَأَلَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رجلا عَن رجل، فَقَالَ: لَا نعلم إلَاّ خيرا، قَالَ: حَسبك. وَقَالَ شُرَيْح: أدع وَأكْثر وَأَطْنَبَ وائت على ذَلِك بِشُهُود عدُول، فَإنَّا قد أمرنَا بِالْعَدْلِ، وَأَنت فسل عَنهُ، فَإِن قَالُوا: الله يعلم، يفرقُوا أَن يَقُولُوا: هُوَ مريب، وَلَا تجوز شَهَادَة مريب، وَإِن قَالُوا: علمناه عدلا مُسلما، فَهُوَ إِن شَاءَ الله كَذَلِك، وَتجوز شَهَادَته. وَقَالَ أَبُو عبيد فِي (كتاب الْقَضَاء) : من ضيَّع شَيْئا مِمَّا أمره الله، ، أَو ركب شَيْئا مِمَّا نهى الله تَعَالَى عَنهُ فَلَيْسَ يعدل. وَعَن أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ: من كَانَت طَاعَته أَكثر من مَعَاصيه وَكَانَ الْأَغْلَب عَلَيْهِ الْخَيْر وَزَاد الشَّافِعِي: والمروءة وَلم يَأْتِ كَبِيرَة يجب الْحَد بهَا أَو مَا يشبه الْحَد قبلت شَهَادَته، لِأَن أحدا لَا يسلم من ذَنْب، وَمن أَقَامَ على مَعْصِيّة، أَو كَانَ كثير الْكَذِب غير مستتر بِهِ لم تجز شَهَادَته.
وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: لَا يَخْلُو ذكر الْمُرُوءَة أَن يكون مِمَّا يحل أَو يحرم، فَإِن كَانَ مِمَّا يحل أَو يحرم، فَإِن كَانَ مِمَّا يحل فَلَا معنى لذكرها، وَإِن كَانَ مِمَّا يحرم فَهِيَ من الْمعاصِي، وَقَالَ الدَّاودِيّ: الْعدْل، أَن يكون مُسْتَقِيم الْأَمر مُؤديا لفروضه غير مُخَالف لأمر الْعُدُول فِي سيرته وخلائقه، وَغير كثير الْخَوْض فِي الْبَاطِل، وَلَا يتهم فِي حَدِيثه وَلم يطلع مِنْهُ على كَبِيرَة أصر عَلَيْهَا، ويختبر ذَلِك فِي مُعَامَلَته وصحبته فِي السّفر، قَالَ: وَزعم أهل الْعرَاق أَن الْعَدَالَة الْمَطْلُوبَة فِي إِظْهَار الْإِسْلَام مَعَ سَلَامَته من فسق ظَاهر أَو طعن خصم فِيهِ فَيتَوَقَّف فِي شَهَادَته حَتَّى تثبت لَهُ الْعَدَالَة. وَفِي (الرسَالَة) عَن الشَّافِعِي: صفة الْعدْل هُوَ الْعَامِل بِطَاعَة الله تَعَالَى، فَمن رُؤِيَ عَاملا بهَا فَهُوَ عدل، وَمن عمل بِخِلَافِهَا كَانَ خلاف الْعدْل. وَقَالَ أَبُو ثَوْر: من كَانَ أَكثر أمره الْخَيْر وَلَيْسَ بِصَاحِب جريمة فِي دين وَلَا مصرَّ على ذَنْب وَإِن صَغُرَ قبل وَكَانَ مَسْتُورا، وكل من كَانَ مُقيما على ذَنْب وَإِن صغر لم تقبل شَهَادَته.
وقَوْلِ الله تعَالى: ﴿وأشْهِدُوا ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (الطَّلَاق: ٢) . ﴿ومِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) .
وَقَول الله، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: الشُّهَدَاء الْعُدُول. قَوْله: ﴿وَمِمَّنْ ترْضونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . الْوَاو فِيهِ عاطفة لَا من الْقُرْآن، وَاحْتج بقوله: ﴿واشهدوا ذَوي عدل مِنْكُم﴾ (الطَّلَاق: ٢) . على أَن الْعَدَالَة فِي الشُّهُود شَرط. وَبِقَوْلِهِ: ﴿مِمَّن ترْضونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . على أَن الشُّهُود إِذا لم يرض بهم لمَانع عَن الشَّهَادَة لَا تقبل شَهَادَتهم.
١٤٦٢ - حدَّثنا الحَكَمُ بنُ نافِع قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني حُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ عَوْفٍ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُتْبَةَ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقولُ إنَّ أُنَاساً كانُوا يُؤْخَذُونَ بالوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسولِ الله ﷺ وإنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ وإنَّمَا نأخُذُكُمْ الآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنا مِنْ أعْمَالِكُمْ فَمَنْ أظْهَرَ لَنَا خَيْراً أمِنَّاهُ وقرَّبْنَاهُ ولَيْسَ إلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ الله يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ ومنْ أظْهَرَ لَنَا سُوءَاً لَمْ نَأْمَنْهُ ولَمْ نُصَدِّقْهُ وإنْ قالَ إنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يُؤْخَذ مِنْهُ: أَن الْعدْل من لم يُوجد مِنْهُ الرِّيبَة. وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده، وَعبد الله بن عتبَة، بِضَم الْعين وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مَسْعُود، وَهُوَ ابْن أخي عبد الله بن مَسْعُود الْهُذلِيّ الْكُوفِي، مَاتَ فِي زمن عبد الْملك بن مَرْوَان، سمع من كبار الصَّحَابَة، أدْرك زمَان النَّبِي، ﷺ . وَفِي (التَّهْذِيب) : أدْرك النَّبِي، ﷺ ، وَهُوَ خماسي ذكره ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) ، وَالْمَرْفُوع من هَذَا الحَدِيث إِخْبَار عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَمَّا كَانَ النَّاس يَأْخُذُونَ بِهِ على عهد رَسُول الله، ﷺ ، وَبَقِيَّة الْخَبَر بَيَان لما يَسْتَعْمِلهُ النَّاس بعد انْقِطَاع الْوَحْي بوفاة رَسُول الله، ﷺ ، فَبَقيَ كَمَا قَالَ أَبُو الْحسن: لكل من سَمعه أَن يحفظه ويتأدب بِهِ.
قَوْله: (بِالْوَحْي) ، يَعْنِي: كَانَ الْوَحْي يكْشف عَن سَائِر النَّاس فِي بعض الْأَوْقَات. قَوْله: (أمنَّا) ، بِهَمْزَة بِغَيْر مد وَكسر الْمِيم وَتَشْديد النُّون: يَعْنِي جَعَلْنَاهُ آمنا، من الشَّرّ، وَهُوَ مُشْتَقّ من: الْأمان، وَيُقَال: مَعْنَاهُ، صيرناه عندنَا أَمينا. قَوْله: (وقرَّبناه) ، أَي: أعظمناه وكرَّمناه. قَوْله: (من سَرِيرَته) ، السرير: السِّرّ وَيجمع على: سرائر. قَوْله: (وَالله يحاسبه) ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْحَمَوِيّ: يُحَاسب، بِحَذْف الضَّمِير الْمَنْصُوب، وَفِي
стр. 3914
رِوَايَة البَاقِينَ: محاسبة، بميم فِي أَوله وهاء فِي آخِره من بَاب المفاعلة. قَوْله: (سوءا) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني شرا.
وَفِيه: أَن من ظهر مِنْهُ الْخَيْر فَهُوَ الْعدْل الَّذِي يجب قبُول شَهَادَته، وَفِي قَول عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هَذَا: كَانَ النَّاس فِي الزَّمن الأول على الْعَدَالَة، وَقد ترك بعض ذَلِك فِي زمن عمر، فَقَالَ لَهُ رجل: أَتَيْتُك بِأَمْر لَا رَأس لَهُ وَلَا ذَنْب. فَقَالَ لَهُ: وَمَا ذَاك؟ قَالَ: شَهَادَة الزُّور، ظَهرت فِي أَرْضنَا. قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: فِي زماني وسلطاني، لَا وَالله لَا يوسم رجل بِغَيْر الْعَدَالَة.
٦ - (بابُ تَعْدِيلِ كَمْ يَجُوزُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَعْدِيل كم نفس يجوز، حَاصله أَن الْعدَد الْمعِين هَل شَرط فِي التَّعْدِيل أم لَا؟ وَفِيه خلاف، فَلذَلِك لم يُصَرح بالحكم، فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا يقبل فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل أقل من رجلَيْنِ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يقبل تَعْدِيل الْوَاحِد وجرحه، وَقَالَ ابْن بطال قلت: مَذْهَب أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف: يقبل فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل وَاحِد، وَمُحَمّد بن الْحسن مَعَ الشَّافِعِي.
٢٤٦٢ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ ثابِتٍ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ مُرَّ علَى النَّبِي، ﷺ بِجَنَازَةٍ فأثْنُوا علَيْها خَيْراً فَقَالَ وجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فأثْنُوا علَيْها شَرَّاً أوْ قالَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَالَ وَجَبَتْ فَقِيلَ يَا رسولَ الله قُلْتَ لِهَذَا وجَبَتْ ولِهَذَا وجبَتْ قَالَ شَهَادَةُ الْقَوْمِ المُؤْمِنُونَ شُهَدَاءُ الله فِي الأرْضِ.
(انْظُر الحَدِيث ٧٦٣١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تَأتي على مَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة من أَن الْوَاحِد يَكْفِي فِي التَّعْدِيل، لِأَن قَوْله: (الْمُؤْمِنُونَ) ، جمع محلى بِالْألف وَاللَّام وَالْألف وَاللَّام إِذا دخل الْجمع يبطل الجمعية وَيبقى الجنسية، وَأَدْنَاهَا وَاحِد، ويتأيد هَذَا بقول عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما مر عَلَيْهِ بِثَلَاث جنائز: وَجَبت فِي كل وَاحِد مِنْهَا، فَقَالَ لَهُ أَبُو الْأسود: وَمَا وَجَبت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: قلت كَمَا قَالَ النَّبِي، ﷺ : (أَيّمَا مُسلم شهد لَهُ أَرْبَعَة بِخَير أدخلهُ الله الْجنَّة) فَقُلْنَا: وَثَلَاثَة؟ قَالَ:
стр. 3915
(وَثَلَاثَة) ، فَقُلْنَا: وإثنان؟ قَالَ: (وإثنان) ، ثمَّ لم نَسْأَلهُ عَن الْوَاحِد.
والْحَدِيث يَأْتِي الْآن فِي هَذَا الْبَاب، وَقد مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب ثَنَاء النَّاس على الْمَيِّت أَيْضا. وَإِنَّمَا لم يسْأَلُوا عَن الْوَاحِد لأَنهم كَانُوا يعتمدون قَول الْوَاحِد فِي ذَلِك، لكِنهمْ لم يسْأَلُوا عَن حكمه، وَيُؤَيِّدهُ أَيْضا أَن البُخَارِيّ صرح بالاكتفاء فِي التَّزْكِيَة بِوَاحِد، على مَا يَجِيء عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَحَدِيث الْبَاب مر فِي كتاب الْجَنَائِز أَيْضا فِي الْبَاب الْمَذْكُور.
قَوْله: (شَهَادَة الْقَوْم) كَلَام إضافي مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: مَقْبُولَة. قَوْله: (الْمُؤْمِنُونَ) مُبْتَدأ. وَقَوله: (شُهَدَاء الله) ، خَبره، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي: شَهَادَة الْقَوْم الْمُؤمنِينَ، فَيكون: الْمُؤمنِينَ، صفة الْقَوْم، وَيكون شَهَادَة الْقَوْم مَرْفُوعا بِالِابْتِدَاءِ، وَخَبره مَحْذُوف كَمَا فِي الصُّورَة الأولى تَقْدِيره: شَهَادَة الْقَوْم الْمُؤمنِينَ مَقْبُولَة. وَقَوله: (شُهَدَاء الله فِي الأَرْض) خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض، وَعَن السُّهيْلي: مَعَ مَا فِيهِ من التعسف، رَوَاهُ بَعضهم بِرَفْع الْقَوْم فوجهه أَن قَوْله: شَهَادَة، مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هَذِه شَهَادَة، وَهِي جملَة مُسْتَقلَّة مُنْقَطِعَة عَمَّا بعْدهَا، و: الْقَوْم، مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ، والمؤمنون، صفته. وَقَوله: (شُهَدَاء الله فِي الأَرْض) ، خَبره: وَتَكون هَذِه الْجُمْلَة بَيَانا للجملة الأولى.
٣٤٦٢ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثنا داودُ بنُ أبِي الفُرَاتِ قَالَ حدَّثنا عبدُ الله بنُ بُرَيْدَةَ عنْ أبِي الأسْوَدِ قَالَ أتَيْتُ المَدِينَةَ وقدْ وقَعَ بِهَا مَرَضٌ وهُمْ يَمُوتُونَ مَوْتاً ذَرِيعاً فجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فَمَرَّتْ جِنَازَةٌ فَأُثْنِيَ خَيْراً فَقَالَ عُمَرُ وجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فأُثْنِيَ خَيْراً فَقَالَ وَجَبَتْ ثُمَّ مُرَّ بالثَّالِثَةِ فأُثْنِيَ شَرَّاً فَقَالَ وَجَبَتْ فقُلْتُ مَا وجَبَتْ يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ قُلْتُ كَمَا قالَ النَّبِي، ﷺ أيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أدْخَلَهُ الله الجَنَّةَ قُلْنَا وثَلاثَةٌ قَالَ وثَلَاثَةٌ قُلْنَا واثْنَانِ قَالَ واثْنَانِ ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عنِ الوَاحِدِ.
(انْظُر الحَدِيث ٨٦٣١) .
وَجه الْمُطَابقَة هُنَا مثل الْمَذْكُور فِي الحَدِيث السَّابِق، وَبُرَيْدَة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، وَفتح الرَّاء وَأَبُو الْأسود: اسْمه ظَالِم ضد الْعَادِل مر مَعَ الحَدِيث فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب الثَّنَاء على الْمَيِّت. قَوْله: (وَقد وَقع بهَا مرض) ، جملَة حَالية، وَكَذَلِكَ قَوْله: (وهم يموتون) أَي: أهل الْمَدِينَة. قَوْله: (ذريعاً) ، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة أَي: وَاسِعًا أَو سَرِيعا. قَوْله: (خيرا) بِالنّصب صفة لمصدر مَحْذُوف أَي: ثَنَاء خيرا أَو مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض، أَي: بِخَير، وَكَذَلِكَ فِي الْكَلَام فِي: شرا، بِالنّصب.
٧ - (بابُ الشَّهَادَةِ على الأنْسَابِ والرَّضَاعِ الْمُسْتَفِيضِ والْمَوْتِ القَدِيمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشَّهَادَة على الْأَنْسَاب، وَهُوَ جمع نسب (وَالرّضَاع المستفيض) ، أَي: الشَّائِع الذائع. قَوْله: (وَالْمَوْت الْقَدِيم) ، أَي: الْعَتِيق الَّذِي تطاول الزَّمَان عَلَيْهِ وَحده بعض الْمَالِكِيَّة بِخَمْسِينَ سنة، وَقيل: بِأَرْبَعِينَ، وَالْحَاصِل أَن هَذِه التَّرْجَمَة معقودة لشهادة الاستفاضة مِنْهَا النّسَب وَالرّضَاع وَالْمَوْت، وَقيد الرَّضَاع بالاستفاضة وَالْمَوْت بالقدم، وَمعنى الْبَاب: أَن مَا صَحَّ من الْأَنْسَاب وَالرّضَاع وَالْمَوْت بالاستفاضة، وَثَبت علمه بالنفوس وَارْتَفَعت فِيهِ الريب وَالشَّكّ أَنه لَا يحْتَاج فِيهِ لمعْرِفَة عدد الَّذين بهم ثَبت علم ذَلِك، وَلَا يحْتَاج إِلَى معرفَة الشُّهُود. ألَا ترى أَن الرَّضَاع الَّذِي فِي هَذِه الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة كلهَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ مستفيضاً مَعْلُوما عِنْد الْقَوْم الَّذين وَقع الرَّضَاع مِنْهُم وَثَبت بِهِ الْحُرِّيَّة وَالنّسب فِي الْإِسْلَام، وَيجوز عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ والكوفيين الشَّهَادَة بِالسَّمَاعِ المستفيض فِي النّسَب وَالْمَوْت الْقَدِيم وَالنِّكَاح.
وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: أَجمعُوا على أَن شَهَادَة السماع تجوز فِي النِّكَاح دون الطَّلَاق، وَيجوز عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ الشَّهَادَة على ملك الدَّار بِالسَّمَاعِ، زَاد الشَّافِعِي: وَالثَّوْب أَيْضا، وَلَا يجوز ذَلِك عِنْد الْكُوفِيّين، وَقَالَ مَالك: لَا تجوز الشَّهَادَة على ملك الدَّار بِالسَّمَاعِ على خمس سِنِين وَنَحْوهَا إلَاّ مِمَّا يكثر من السنين، وَهُوَ بِمَنْزِلَة سَماع الْوَلَاء، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: وَشَهَادَة السماع إِنَّمَا هِيَ مِمَّن أَتَت عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ سنة، أَو خَمْسُونَ، وَقَالَ مَالك: وَلَيْسَ أحد يشْهد على أَجنَاس الصَّحَابَة إلَاّ على السماع، وَقَالَ عبد الْملك: أقل مَا يجوز فِي الشَّهَادَة على السماع أَرْبَعَة شُهَدَاء من أهل الْعدْل أَنهم لم يزَالُوا يسمعُونَ أَن هَذِه الدَّار صَدَقَة على بني فلَان محبسة عَلَيْهِم مِمَّا تصدق بِهِ فلَان، وَلم يزَالُوا يسمعُونَ أَن فلَانا مولى فلَان قد تواطأ ذَلِك عِنْدهم وفشى من كَثْرَة مَا سَمِعُوهُ من الْعُدُول وَمن غَيرهم وَمن الْمَرْأَة وَالْخَادِم وَالْعَبْد.
وَاخْتلف فِيمَا يجوز من شَهَادَة النِّسَاء فِي هَذَا الْبَاب، فَقَالَ مَالك: لَا يجوز فِي الْأَنْسَاب وَالْوَلَاء شَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، وَإِنَّمَا يجوز مَعَ الرِّجَال فِي الْأَمْوَال، وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ شَهَادَة رجل وَامْرَأَتَيْنِ فِي الْأَنْسَاب، وَأما الرَّضَاع فَقَالَ أَصْحَابنَا: يثبت الرَّضَاع بِمَا يثبت بِهِ المَال، وَهُوَ شَهَادَة رجلَيْنِ أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ، وَلَا تقبل شَهَادَة النِّسَاء المنفردات، وَعند مَالك بامرأتين، وَعند أَحْمد بمرضعة فَقَط.
وَقَالَ النبيُّ، ﷺ أرْضَعَتْنِي وَأَبا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ
هَذَا قِطْعَة من حَدِيث رَوَاهُ مَوْصُولا فِي الرَّضَاع من حَدِيث أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان، وَإِنَّمَا ذكر هَذِه الْقطعَة هُنَا معلقَة لأجل مَا فِي التَّرْجَمَة من قَوْله: وَالرّضَاع. قَوْله: (أرضعتني) ، فعل ومفعول. (وَأَبا سَلمَة) بِالنّصب عطف على الْمَفْعُول. (ثويبة) ، بِالرَّفْع فَاعله. وَأَبُو سَلمَة، بِفَتْح اللَّام: ابْن عبد الْأسد المَخْزُومِي، أسلم وَهَاجَر إِلَى الْمَدِينَة مَعَ زَوجته أم سَلمَة، وَمَات سنة أَربع، فَتَزَوجهَا رَسُول الله، ﷺ . وَقَالَ الذَّهَبِيّ: أَبُو سَلمَة بن عبد الْأسد توفّي سنة اثْنَتَيْنِ، وثوبية مصغر الثوبة بالثاء الْمُثَلَّثَة وبالباء الْمُوَحدَة: مولاة أبي لَهب، أرضعت أَولا حَمْزَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَثَانِيا رَسُول الله، ﷺ ، وثالثاً أَبَا سَلمَة. قَالَ الْكرْمَانِي: وَاخْتلف فِي إسْلَامهَا، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: يُقَال: إِنَّهَا أسلمت.
والتَّثَبُّتِ فِيهِ
стр. 3916
هَذَا من بَقِيَّة التَّرْجَمَة، أَي: فِي أَمر الْإِرْضَاع، لِأَنَّهُ، ﷺ ، أَمر فِيهِ بالتثبت احْتِيَاطًا، وَسَيَجِيءُ فِي آخر حَدِيث من أَحَادِيث الْبَاب. قَالَ: (يَا عَائِشَة: أنظرن من أخوانكن، فَإِنَّمَا الرضَاعَة من المجاعة) . وَالْمرَاد بِالنّظرِ هُنَا التفكر والتأمل، على مَا يَجِيء، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٤٤٦٢ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ أخبرنَا الحَكَمُ عنْ عِرَاكِ بنِ مالِكٍ عنْ عُرْوَةَ ابنِ الزُبَيْرِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتِ اسْتَأْذَنِ عليَّ أفْلَحُ فَلَمْ آذَنْ لَهُ فَقَالَ أتَحْتَجِبِينَ مِنِّي وأنَا عَمُّكِ فَقُلْتُ وكَيْفَ ذَلِكَ قَالَ أرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أخِي بِلَبَنِ أخِي فَقالَتْ سألْتُ عنْ ذالِكَ رَسُول الله، ﷺ فَقَالَ صَدَقَ أفْلَحُ أئْذَنِي لَهُ..
مطابقته لجزء التَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ قَوْله: والتثبت فِيهِ، وَذَلِكَ لِأَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قد تثبتت فِي أَمر حكم الرَّضَاع الَّذِي كَانَ بَينهَا وَبَين أَفْلح الْمَذْكُور، وَالدَّلِيل على تثبتها أَنَّهَا مَا أَذِنت لَهُ حَتَّى سَأَلت رَسُول الله، ﷺ ، عَن ذَلِك، وَالْحكم، بِفتْحَتَيْنِ: هُوَ ابْن عتيبة مصغر عتبَة الْبَاب وَقد تكَرر ذكره، وعراك، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء.
وَهَذَا الحَدِيث أخرجة بَقِيَّة السِّتَّة. وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ فِي النِّكَاح من رِوَايَة عرَاك عَن عُرْوَة عَنْهَا. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ فِي النِّكَاح من رِوَايَة مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَنْهَا. وَأخرجه مُسلم أَيْضا وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فِي النِّكَاح من رِوَايَة سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَنْهَا. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي النِّكَاح من رِوَايَة يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَنْهَا، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن حسان بن مُوسَى وَمُسلم فِي النِّكَاح عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَالنَّسَائِيّ فِيهِ، وَفِي الطَّلَاق عَن عَمْرو بن عَليّ، الْكل من رِوَايَة معمر بن رَاشد عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَنْهَا. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي النِّكَاح عَن ابْن أبي شيبَة. وَالتِّرْمِذِيّ فِي الرَّضَاع عَن الْحسن بن عَليّ من رِوَايَة عبد الله بن نمير عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَنْهَا. وَأخرجه مُسلم أَيْضا وَالنَّسَائِيّ فِي النِّكَاح من رِوَايَة عَطاء بن أبي رَبَاح عَن عُرْوَة عَنْهَا. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير من حَدِيث شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَنْهَا. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَنْهَا.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (اسْتَأْذن) ، أَي: طلب الْإِذْن، وفاعله قَوْله: أَفْلح، وَقَوله: عَليّ، بتَشْديد الْيَاء. وَقد اخْتلف فِي: أَفْلح، هَذَا فَقيل: ابْن أبي القعيس، بِضَم الْقَاف وَفتح العي الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة، وَقَالَ أَبُو عمر: قيل: أَبُو القعيس، وَقيل: أَخُو أَبُو القعيس، وأصحها مَا قَالَ مَالك وَمن تَابعه: عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة: جَاءَ أَفْلح، أَخُو أبي القعيس، وَيُقَال: إِنَّه من الْأَشْعَرِيين، وَقيل: إِن إسم أبي القعيس الْجَعْد، وَيُقَال: أَفْلح يكنى أَبَا الجعيد. وَقيل: إسم أبي القعيس وَائِل بن أَفْلح، وَقيل: أَفْلح بن أبي الْجَعْد، روى ذَلِك عبد الرَّزَّاق، وَقيل أَيْضا: عمي أَبُو الْجَعْد. وَفِي (صَحِيح الْإِسْمَاعِيلِيّ) : أَفْلح بن قعيس، أَو ابْن أبي القعيس. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: قَالَ هِشَام بن عُرْوَة: إِنَّمَا هُوَ أَبُو القعيس أَفْلح، قَالَ: وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيح، إِنَّمَا هُوَ أَبُو الْجَعْد أَخُو أبي القعيس. وَقَالَ النَّوَوِيّ: اخْتلف الْعلمَاء فِي عَم عَائِشَة الْمَذْكُور، فَقَالَ أَبُو الْحسن الْقَابِسِيّ: هما عمان لعَائِشَة من الرضَاعَة: أَحدهمَا أَخُو أَبِيهَا أبي بكر، من الرضَاعَة الَّذِي هُوَ أَبُو القعيس، وَأَبُو القعيس أَبوهَا من الرضَاعَة، وَأَخُوهُ أَفْلح عَمها. وَقيل: هُوَ عَم وَاحِد، وَهُوَ غلط، فَإِن عَمها فِي الحَدِيث الأول ميت، وَفِي الثَّانِي حَيّ، جَاءَ يسْتَأْذن. قلت: المُرَاد من الحَدِيث الأول هُوَ مَا قَالَت عَائِشَة: يَا رَسُول الله، لَو كَانَ فلَان حَيا، لعمها من الرضَاعَة، دخل عَليّ، قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (نعم! إِن الرضَاعَة تحرم مَا تحرم الْولادَة) . ثمَّ قَالَ النَّوَوِيّ: وَالصَّوَاب: مَا قَالَه القَاضِي، فَإِنَّهُ ذكر الْقَوْلَيْنِ، ثمَّ قَالَ: قَول الْقَابِسِيّ أشبه، لِأَنَّهُ لَو كَانَ وَاحِدًا لفهمت حكمه من الْمرة الأولى، وَلم يحتجب مِنْهُ بعد ذَلِك. فَإِن قيل: فَإِذا كَانَا عمين كَيفَ سَأَلت عَن الْمَيِّت، وأعلمها النَّبِي، ﷺ أَنه عَم لَهَا يدْخل عَلَيْهَا، واحتجبت عَن عَمها الآخر. أخي أبي القعيس حَتَّى أعلمها النَّبِي، ﷺ بِأَنَّهُ عَمها يدْخل عَلَيْهَا، فَهَلا اكتفت بِأحد السؤالين؟ فَالْجَوَاب: أَنه يحْتَمل أَن أَحدهمَا: كَانَ عَمَّا من أحد الْأَبَوَيْنِ، وَالْآخر: مِنْهُمَا أَو
стр. 3917
عَمَّا أَعلَى وَالْآخر أدنى، أَو نَحْو ذَلِك من الِاخْتِلَاف، فخافت أَن تكون الْإِبَاحَة مُخْتَصَّة بِصَاحِب الْوَصْف المسؤول عَنهُ أَولا وَالله أعلم. انْتهى. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: أَو يحْتَمل أَنَّهَا نسيت الْقِصَّة الأولى فأنشأت سؤالاً آخر. أَو جوزت تَبْدِيل الحكم.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: ثُبُوت الْمَحْرَمِيَّة بَينهَا وَبَين عَمها من الرضَاعَة. وَفِيه: أَنه لَا يجوز للْمَرْأَة أَن تَأذن للرجل الَّذِي لَيْسَ بِمحرم لَهَا فِي الدُّخُول عَلَيْهَا، وَيجب عَلَيْهَا الاحتجاب مِنْهُ، وَهُوَ كَذَلِك إِجْمَاعًا بعد أَن نزلت آيَة الْحجاب، وَمَا ورد من بروز النِّسَاء فَإِنَّمَا كَانَ قبل نزُول الْحجاب، وَكَانَت قصَّة أَفْلح مَعَ عَائِشَة بعد نزُول الْحجاب، كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ،. من طَرِيق مَالك أَن ذَلِك كَانَ بعد أَن نزل الْحجاب. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة الاسْتِئْذَان، وَلَو فِي حق الْمحرم، لجَوَاز أَن تكون الْمَرْأَة على حَال لَا يحل للْمحرمِ أَن يَرَاهَا عَلَيْهِ. وَفِيه: أَن الْأَمر المتردد فِيهِ بَين التَّحْرِيم وَالْإِبَاحَة لَيْسَ لمن لم يتَرَجَّح أحد الطَّرفَيْنِ الْإِقْدَام عَلَيْهِ. وَفِيه: جَوَاز الْخلْوَة وَالنَّظَر إِلَى غير الْعَوْرَة للْمحرمِ بِالرّضَاعِ، وَلَكِن إِنَّمَا يثبت فِي محرمية الرَّضَاع تَحْرِيم النِّكَاح وَجَوَاز النّظر وَالْخلْوَة والمسافرة بهَا، وَلَا تثبت بَقِيَّة الْأَحْكَام من كل وَجه: من الْمِيرَاث، وَوُجُوب النَّفَقَة وَالْعِتْق بِالْملكِ وَالْعقل عَنْهَا ورد الشَّهَادَة وَسُقُوط الْقصاص، وَلَو كَانَ أَبَا أَو أما، فَإِنَّهُمَا كَالْأَجْنَبِيِّ فِي سَائِر هَذِه الْأَحْكَام.
٥٤٦٢ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ قَالَ حدَّثنا قَتادَةُ عنْ جابِرِ بنِ زَيْدٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النبيُّ، ﷺ فِي بِنْتِ حَمْزَةَ لَا تَحِلُّ لي يَحْرُمُ مِنَ الرِّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ هِي بِنْتُ أخِي مِنَ الرِّضَاعَةِ.
(الحَدِيث ٥٤٦٢ طرفه فِي: ٠٠١٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن فِيهِ حكم الرَّضَاع. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان. وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن هدبة بن خَالِد عَن همام بِهِ وَعَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن مُحَمَّد بن يحيى الْقطيعِي وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عبد الله بن الصَّباح وَعَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد التَّمِيمِي. وَأخرجه فِيهِ ابْن مَاجَه عَن حميد بن مسْعدَة الشَّامي وَأبي بكر مُحَمَّد بن خَلاد.
قَوْله: (فِي بنت حَمْزَة) وَهُوَ حَمْزَة بن عبد الْمطلب بن هَاشم أَبُو يعلى، وَقيل: أَبُو عمَارَة، وَهُوَ عَم رَسُول الله، ﷺ وَأَخُوهُ من الرضَاعَة، أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لَهب، وَكَانَ حَمْزَة أسن من رَسُول الله، ﷺ بِسنتَيْنِ، وَشهد أحدا وَقتل بهَا يَوْم السبت النّصْف من شَوَّال من سنة ثَلَاث من الْهِجْرَة. قَوْله: (لَا تحل لي) ، إِنَّمَا لم تحل لَهُ لِأَنَّهَا كَانَت بنت أَخِيه من الرَّضَاع، وَهُوَ معنى قَوْله: (هِيَ بنت أخي من الرضَاعَة) . قَوْله: (يحرم من الرَّضَاع مَا يحرم من النّسَب) ، قَالَ الْخطابِيّ: اللَّفْظ عَام وَمَعْنَاهُ خَاص، وتفصيله: أَن الرَّضَاع يجْرِي عُمُومه فِي تَحْرِيم نِكَاح الْمُرضعَة وَذَوي أرحامها على الرَّضِيع مجْرى النّسَب، وَلَا يجْرِي فِي الرَّضِيع وَذَوي أرحامه مجْرَاه، وَذَلِكَ أَنه إِذا أَرْضَعَتْه صَارَت أما لَهُ يحرم عَلَيْهِ نِكَاحهَا وَنِكَاح محارمها، وَهِي لَا تحرم على أَبِيه وَلَا على ذَوي أنسابه غير أَوْلَاده، فَيجْرِي الْأَمر فِي هَذَا الْبَاب عُمُوما على أحد الشقين، وخصوصاً فِي الشق الآخر. وَفِي (التَّوْضِيح) : يحرم من الرَّضَاع مَا يحرم من النّسَب لفظ عَام لَا يتسثنى مِنْهُ شَيْء. قلت: يسْتَثْنى مِنْهُ أَشْيَاء. مِنْهَا: أَنه يجوز أَن يتَزَوَّج بِأم أَخِيه وَأُخْت ابْنه من الرَّضَاع، وَلَا يجوز أَن يتَزَوَّج بهما من النّسَب لِأَن أم أَخِيه من النّسَب تكون أمه، أَو مَوْطُوءَة أَبِيه بِخِلَاف الرَّضَاع وَأُخْت ابْنه من النّسَب ربيته أَو بنته، بِخِلَاف الرَّضَاع، وَيجوز أَن يتَزَوَّج بأخت أَخِيه من الرَّضَاع، كَمَا يجوز أَن يتَزَوَّج بأخت أَخِيه من النّسَب، ذَلِك مثل الْأَخ من الْأَب إِذا كَانَ لَهُ أُخْت من الْأُم جَازَ لِأَخِيهِ من أَبِيه أَن يَتَزَوَّجهَا، وكل مَا لَا يحرم من النّسَب لَا يحرم من الرَّضَاع، وَقد يحرم من النّسَب مَا لَا يحرم من الرَّضَاع، كَمَا ذكرنَا من الصُّورَتَيْنِ. وَمِنْهَا: أَنه يجوز لَهُ أَن يتَزَوَّج بِأم حفيده من الرَّضَاع دون النّسَب. وَمِنْهَا: أَنه يجوز أَن يتَزَوَّج بجدة وَلَده من الرَّضَاع دون النّسَب. وَمِنْهَا: أَنه يجوز لَهَا أَن تتَزَوَّج بأب أَخِيهَا من الرَّضَاع، وَلَا يجوز ذَلِك من النّسَب. وَمِنْهَا: أَنه يجوز لَهُ أَن يتَزَوَّج أم عَمه من الرَّضَاع دون النّسَب. وَمِنْهَا: أَنه يجوز لَهُ أَن يتَزَوَّج أم خَاله من الرَّضَاع دون النّسَب. وَمِنْهَا: أَنه يجوز لَهَا أَن تتَزَوَّج بِأَخ ابْنَتهَا من الرَّضَاع دون النّسَب.
وَفِيه: إِثْبَات التحريمك بِلَبن الْفَحْل، وَاخْتلف أهل الْعلم قَدِيما فِي لبن الْفَحْل، وَكَانَ الْخلاف قَدِيما منتشراً فِي زمن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ. ثمَّ أَجمعُوا بعد ذَلِك، إلَاّ الْقَلِيل مِنْهُم، أَن لبن الْفَحْل يحرم، فَأَما من قَالَ من
стр. 3918
الصَّحَابَة بِالتَّحْرِيمِ: ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة على اخْتِلَاف عَنْهَا، وَمن التَّابِعين: عُرْوَة بن الزبير وطاووس وَابْن شهَاب وَمُجاهد وَأَبُو الشعْثَاء جَابر بن زيد وَالْحسن وَالشعْبِيّ وَسَالم وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَهِشَام بن عُرْوَة، على اخْتِلَاف فِيهِ. وَمن الْأَئِمَّة: أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وأصحابهم وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر. وَأما من رخص فِي لبن الْفَحْل وَلم يره محرما فقد رُوِيَ ذَلِك عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم: ابْن عمر وَجَابِر وَرَافِع بن خديج وَعبد الله بن الزبير، وَمن التَّابِعين: سعيد بن الْمسيب وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَسليمَان بن يسَار أَخُوهُ عَطاء بن يسَار وَمَكْحُول وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأَبُو قلَابَة وَإيَاس بن مُعَاوِيَة، وَمن الْأَئِمَّة: إِبْرَاهِيم بن علية وَدَاوُد الظَّاهِرِيّ فِيمَا حَكَاهُ عَنهُ ابْن عبد الْبر فِي (التَّمْهِيد) . وَالْمَعْرُوف عَن دَاوُد خِلَافه، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: لم يقل أحد من أَئِمَّة الْفُقَهَاء وَأهل الْفَتْوَى بِإِسْقَاط حُرْمَة لبن الْفَحْل إلَاّ أهل الظَّاهِر، وَابْن علية، وَالْمَعْرُوف عَن دَاوُد مُوَافقَة مواتفقة الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة فِي ذَلِك حَكَاهُ ابْن حزم عَنهُ فِي (الْمحلى) وَكَذَا ذهب إِلَيْهِ ابْن حزم. فَلم يبْق مِمَّن خَالف فِيهِ إِذا إلَاّ ابْن علية.
وَاعْلَم أَنهم أَجمعُوا على انتشار الْحُرْمَة بَين الْمُرضعَة وَأَوْلَاد الرَّضِيع وَأَوْلَاد الْمُرضعَة، وَمذهب كَافَّة الْعلمَاء ثُبُوت حُرْمَة الرَّضَاع بَينه وَبَين زوج الْمَرْأَة، وَيصير ولدا لَهُ وَأَوْلَاد الرجل أخوة الرَّضِيع وإخواته وَيكون أخوة الرجل وإخواته أَعْمَامه وعماته، وَيكون أَوْلَاد الرَّضِيع أَوْلَادًا للرجل وَلم يُخَالف فِي هَذَا إِلَّا ابْن علية، كَمَا ذكرنَا. وَنَقله الْمَازرِيّ عَن ابْن عمر وَعَائِشَة. وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى: ﴿وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم وأخواتكم من الرضَاعَة﴾ (النِّسَاء: ٣٢) . وَلم يذكر الْبِنْت والعمة كَمَا ذكرهمَا فِي النّسَب، وَاحْتج الْجُمْهُور بِحَدِيث الْبَاب وَغَيره من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة فِي عَم عَائِشَة وَعم حَفْصَة، وَأَجَابُوا عَمَّا احْتَجُّوا بِهِ من الْآيَة أَنه: لَيْسَ فِيهَا نَص بِإِبَاحَة الْبِنْت والعمة وَنَحْوهمَا، لِأَن ذكر الشَّيْء لَا يدل على سُقُوط الحكم عَمَّا سواهُ، لَو لم يُعَارضهُ دَلِيل آخر، كَيفَ وَقد جَاءَت الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِي ذَلِك؟
٦٤٦٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي بَكْرٍ عنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عبدِ الرحمانِ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زَوْجَ النَّبِي، ﷺ أخْبَرَتْها أنَّ رسولَ الله، ﷺ كانَ عِنْدَها وأنَّها سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ قالَتْ عائِشَةُ فقُلْتُ يَا رسولَ الله أُرَاهُ فُلاناً لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ فقالتْ عائِشَةُ يَا رسولَ الله هذَا رَجُلٌ يَسْتَأذِنُ فِي بَيْتِكَ قالتْ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ أُرَاهُ فُلاناً لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ فقالتْ عائِشَةُ لوْ كانَ فُلانٌ حَيَّاً لِعَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ دَخلَ علَيَّ فَقال رسولُ الله ﷺ نَعَمْ إنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا يَحْرُمُ مِنَ الوِلَادَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ حكم الرَّضَاع، وَعبد الله بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم الْأنْصَارِيّ. وَرِجَال إِسْنَاده كلهم مدنيون إلَاّ شَيْخه، وَقد دَخلهَا.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْخمس: عَن عبد الله بن يُوسُف وَفِي النِّكَاح عَن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هَارُون بن عبد الله.
قَوْله: (وَأَنَّهَا) أَي: وَأَن عَائِشَة. قَوْله: (يسْتَأْذن) ، جملَة فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة: رجل. قَوْله: (أرَاهُ) ، بِضَم الْهمزَة أَي: أَظُنهُ الْقَائِل بقوله: أرَاهُ فلَانا، هُوَ عَائِشَة. وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فَقَالَت عَائِشَة: يَا رَسُول الله! هَذَا رجل يسْتَأْذن فِي بَيْتك؟ فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : (أرَاهُ فلَانا، لعم حَفْصَة) . الحَدِيث، وَالْقَائِل هُوَ النَّبِي، ﷺ . قَوْله: (لعم حَفْصَة) اللَّام فِيهِ وَفِي قَوْلهَا: لعمها، لَام التَّبْلِيغ لسامع بقول أَو بِمَا فِي مَعْنَاهُ، كاللام فِي قَوْلك. قلت لَهُ: وأذنت لَهُ، وفسرت لَهُ، وَمَعَ هَذَا لَا يَخْلُو عَن معنى التَّعْلِيل، فَافْهَم. (وَحَفْصَة) هِيَ زوج النَّبِي ﷺ ، وَهِي بنت عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (دخل عليَّ) ، بتَشْديد الْيَاء والاستفهام فِيهِ مُقَدّر تَقْدِيره: هَل كَانَ يجوز لَهُ أَن يدْخل عَليّ؟ فَقَالَ، ﷺ فِي جوابها: (نعم) يَعْنِي: نعم يجوز دُخُوله عَلَيْك، ثمَّ علل جَوَاز دُخُوله عَلَيْهَا بقوله: (إِن الرضَاعَة تحرم مَا يحرم من الْولادَة) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (إِن الرضَاعَة تحرم مَا تحرم الْولادَة) ، وَالرضَاعَة، بِفَتْح الرَّاء وَكسرهَا، وَفِي الرَّضَاع أَيْضا لُغَتَانِ: فتح الرَّاء وَكسرهَا، وَقد
стр. 3919
رضع الصَّبِي أمه، بِكَسْر الضَّاد، يرضعها بِفَتْحِهَا، قَالَ الْجَوْهَرِي: يَقُول أهل نجد: رضع يرضع، بِفَتْح الضَّاد فِي الْمَاضِي، وبكسرها فِي الْمُضَارع رضعاً، كضرب يضْرب ضربا، وَالْحكم الَّذِي يعرف مِنْهُ قد مر فِي الحَدِيث الْمَاضِي.
٧٤٦٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قَالَ أخبرنَا سُفْيانُ عنْ أشْعَثَ بنِ أبِي الشَّعْثَاءِ عنْ أبِيهِ عنْ مَسْرُوقٍ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ دخَلَ علَيَّ النبيُّ ﷺ وعِنْدِي رَجُلٌ قَالَ يَا عائِشَةُ مَنْ هاذَا قُلْتُ أخي مِنَ الرَّضَاعَةِ قَالَ يَا عائِشَةُ انْظُرْنَ منْ إخْوَانُكُنَّ فإنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ.
(الحَدِيث ٧٤٦٢ طرفه فِي: ٢٠١٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله كلهم كوفيون إلَاّ عَائِشَة وَمُحَمّد بن كثير ضد الْقَلِيل وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَأَشْعَث، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وبالثاء الْمُثَلَّثَة: هُوَ ابْن سليم بن الْأسود الْمحَاربي وَأَبوهُ أَبُو الشعْثَاء مثل حُرُوف أَشْعَث. واسْمه سليم الْمَذْكُور، ومسروق هُوَ ابْن الأجدع.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن أَشْعَث بِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن هناد وَعَن ابْن الْمثنى وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن عبد بن حميد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن كثير بِهِ وَعَن حَفْص بن عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هناد بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَعِنْدِي رجل) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. وَفِي رِوَايَة: (وَعِنْدِي رجل قَاعد، فَاشْتَدَّ ذَلِك عَلَيْهِ وَرَأَيْت الْغَضَب فِي وَجهه، قَالَ: يَا عَائِشَة من هَذَا؟ فَقلت: يَا رَسُول الله! إِنَّه أخي من الرضَاعَة) . قَوْله: (أنظرن) ، من النّظر الَّذِي بِمَعْنى التفكير والتأمل. قَوْله: (من؟) استفهامية. قَوْله: (إخوانكن) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (إخوتكن) وَكِلَاهُمَا جمع: أَخ، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْأَخ أَصله أَخُو، بِالتَّحْرِيكِ، لِأَنَّهُ جمع على: آخا، مثل: آبَاء، والذاهب مِنْهُ وَاو، وَيجمع أَيْضا على إخْوَان مثل: خرب وخربان، وعَلى إخْوَة وأُخوة، عَن الْفراء. قَوْله: (فَإِنَّمَا الرضَاعَة) ، الْفَاء فِيهِ للتَّعْلِيل لقَوْله: (أنظرن من إخوانكن) يَعْنِي: لَيْسَ كل من أرضع لبن أمهَا يصير أَخا لَكِن، بل شَرطه أَن يكون من المجاعة، أَي: الْجُوع، أَي: الرضَاعَة الَّتِي تثبت بهَا الْحُرْمَة مَا يكون فِي الصغر حَتَّى يكون الرَّضِيع طفْلا يسد اللَّبن جوعته، وَأما مَا كَانَ بعد الْبلُوغ فَلَا يسدها اللَّبن وَلَا يشبعه إلَاّ الْخبز. وَقيل: مَعْنَاهُ أَن المصة والمصتين لَا تسد الْجُوع، وَكَذَلِكَ الرَّضَاع بعد الْحَوْلَيْنِ، وَإِن بلغ خمس رَضعَات، وَإِنَّمَا يحرم إِذا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ قدر مَا يدْفع المجاعة. وَهُوَ مَا قدر بِهِ السّنة يَعْنِي: خمْسا، أَي: لَا بُد من اعْتِبَار الْمِقْدَار وَالزَّمَان، قَالَه الْكرْمَانِي: قلت: فِيهِ خلاف فِي الْمِقْدَار وَالزَّمَان. أما الْمِقْدَار: فقد قَالَ الشَّافِعِي وَأَصْحَابه: لَا يثبت الرَّضَاع بِأَقَلّ من خمس رَضعَات، وَبِه قَالَ أَحْمد، وَعنهُ: ثَلَاث رَضعَات، وَقَالَ جُمْهُور الْعلمَاء: يثبت برضعة وَاحِدَة، حَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَعَطَاء وطاووس وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمَكْحُول وَالزهْرِيّ وَقَتَادَة وَالْحكم وَحَمَّاد وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَقَالَ أَبُو ثَوْر وَأَبُو عبيد وَابْن الْمُنْذر، ﵏: يثبت بِثَلَاث رَضعَات، وَلَا يثبت بِأَقَلّ، وَبِه قَالَ سُلَيْمَان بن يسَار وَسَعِيد بن جُبَير وَدَاوُد الظَّاهِرِيّ، وَحَكَاهُ ابْن حزم عَن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَاحْتج الشَّافِعِي، وَمن مَعَه بِحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: (كَانَ فِيمَا نزل من الْقُرْآن عشر رَضعَات يحرمن ثمَّ نسخن بِخمْس مَعْلُومَات، فَتوفي رَسُول الله، ﷺ وَهِي فِيمَا يقرؤ من الْقُرْآن) . رَوَاهُ مُسلم، وعنها: (أَنَّهَا لَا تحرم المصة والمصتان) ، رَوَاهُ مُسلم أَيْضا، وَاحْتج أَبُو حنيفَة وَمن مَعَه بِإِطْلَاق قَوْله تَعَالَى: ﴿وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم﴾ (النِّسَاء: ٣) . وَلم يذكر عددا وَالتَّقْيِيد بِهِ زِيَادَة، وَهُوَ نسخ ولإطلاق الْأَحَادِيث مِنْهَا قَوْله ﷺ : (يحرم من الرَّضَاع مَا يحرم من النّسَب) ، وَقد مضى ذكره عَن قريب، وَمَا رَوَاهُ مَنْسُوخ، رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: قَوْله: (لَا تحرم الرضعة والرضعتان) ، كَانَ فأمااليوم فالرضعة الْوَاحِدَة تحرم، فَجعله مَنْسُوخا، حَكَاهُ أَبُو بكر الرَّازِيّ، وَقيل: الْقُرْآن لَا يثبت بِخَبَر الْوَاحِد، وَإِذا لم يثبت قُرْآنًا لم يثبت خبر وَاحِد عَن النَّبِي، ﷺ ، وَقَالَ ابْن بطال: أَحَادِيث عَائِشَة مضطربة فَوَجَبَ تَركهَا. وَالرُّجُوع إِلَى كتاب الله تَعَالَى، لِأَنَّهُ يرويهِ ابْن زيد مرّة عَن النَّبِي، ﷺ ، وَمرَّة عَن عَائِشَة، وَمرَّة عَن أَبِيه
стр. 3920
وبمثله يسْقط. وَأما الزَّمَان: فمدته ثَلَاثُونَ شهرا عِنْد أبي حنيفَة، وَعِنْدَهُمَا سنتَانِ، وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، وَعند زفر ثَلَاث سِنِين، وَقَالَ بَعضهم: لَا حدَّ لَهُ للنصوص الْمُطلقَة، وَلَهُمَا قَوْله تَعَالَى: ﴿والوالدات يرضعن أَوْلَادهنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلين﴾ (الْبَقَرَة: ٣٣٢) . وَقَوله: ﴿وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا﴾ (الْأَحْقَاف: ٥١) . وَأَقل مُدَّة الْحمل سِتَّة أشهر. فَبَقيَ للفصال حولان. وَلأبي حنيفَة قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن أَرَادَا فصالاً عَن تراضٍ مِنْهُمَا وتشاور﴾ (الْبَقَرَة: ٣٣٢) . بعد قَوْله: ﴿والوالدات يرضعن﴾ (الْبَقَرَة: ٣٣٢) . فَثَبت أَن بعد الْحَوْلَيْنِ رضَاع، وَالْمعْنَى فِيهِ: أَنه لَا يُمكن قطع الْوَلَد عَن اللَّبن دفْعَة وَاحِدَة، فَلَا بُد من زِيَادَة مُدَّة يعْتَاد فِيهَا الصَّبِي مَعَ اللَّبن الْفِطَام فَيكون غذاؤه اللَّبن تَارَة وَأُخْرَى الطَّعَام إِلَى أَن ينسى اللَّبن، وَأَقل مُدَّة تنْتَقل بهَا الْعَادة سِتَّة أشهر اعْتِبَارا بِمدَّة الْحمل.
تابَعَهُ ابنُ مَهْدِيٍّ عنْ سُفْيَانَ
أَي: تَابع مُحَمَّد بن كثير عبد الرَّحْمَن بن مهْدي فِي رِوَايَته الحَدِيث عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، كَمَا رَوَاهُ ابْن كثير عَنهُ، وَهَذِه الْمُتَابَعَة رَوَاهَا مُسلم عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن ابْن مهْدي عَن سُفْيَان بِهِ.
٨ - (بابُ شَهَادَةِ القَاذِفِ والسَّاِرِقِ والزَّاني)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم شَهَادَة الْقَاذِف، وَهُوَ الَّذِي يقذف أحدا بِالزِّنَا، وأصل الْقَذْف الرَّمْي، يُقَال: قذف يقذف، من بَاب: ضرب يضْرب، قذفا، فَهُوَ قَاذف، وَلم يُصَرح بِالْجَوَابِ لمَكَان الْخلاف فِيهِ.
وقَوْلِ الله تعَالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أبَداً وأُولائِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ إلَاّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ (النُّور: ٤ و ٥) .
وَقَول الله، مجرور عطفا على قَوْله: شَهَادَة الْقَاذِف، وأوله قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات ثمَّ لم يَأْتُوا بأَرْبعَة شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة، وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة أبدا وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ إلَاّ الَّذين تَابُوا من بعد ذَلِك وَأَصْلحُوا، فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾ (النُّور: ٤ و ٥) . ظَاهر الْآيَة لَا يدل على الشَّيْء الَّذِي بِهِ رموا الْمُحْصنَات، وَذكر الرَّامِي لَا يدل على الزِّنَا، إِذْ قد يرميها بِسَرِقَة وَشرب خمر، فَلَا بُد من قرينَة دَالَّة على التَّعْيِين، وَقد اتّفق الْعلمَاء على أَن المُرَاد الرَّمْي بِالزِّنَا، لقرائن دلّت عَلَيْهِ، وَهِي تقدم ذكر الزِّنَا وَذكر الْمُحْصنَات الَّتِي هِيَ العفائف، يدل على أَن المُرَاد الرَّمْي بضد العفاف. وَقَوله: ﴿ثمَّ لم يَأْتُوا بأَرْبعَة شُهَدَاء﴾ (النُّور: ٤ و ٥) . وَمَعْلُوم أَن الشُّهُود غير مَشْرُوط، إلَاّ فِي الزِّنَا، وَالْإِجْمَاع على أَنه لَا يجب الْجلد بِالرَّمْي بِغَيْر الزِّنَا. قَوْله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ (النُّور: ٤ و ٥) . الْخطاب للأئمة. قَوْله: ﴿إلَاّ الَّذين تَابُوا﴾ (النُّور: ٤ و ٥) . هَذَا اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، لِأَن التائبين غير داخلين فِي صدر الْكَلَام، وَهُوَ قَوْله: ﴿وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ﴾ (النُّور: ٤ و ٥) . إِذْ التَّوْبَة تجب مَا قبلهَا من الذُّنُوب، فَلَا يكون التائب فَاسِقًا، وَأما شَهَادَته فَلَا تقبل أبدا عِنْد الْحَنَفِيَّة، لِأَن رد الشَّهَادَة من تَتِمَّة الْحَد، لِأَنَّهُ يصلح جَزَاء فَيكون مشاركاً للْأولِ فِي كَونه حدا. وَقَوله: ﴿وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ﴾ (النُّور: ٤ و ٥) . لَا يصلح جَزَاء، لِأَنَّهُ لَيْسَ بخطاب للأئمة، بل هُوَ إِخْبَار عَن صفة قَائِمَة بالقاذفين، فَلَا يصلح أَن يكون من تَمام الْحَد لِأَنَّهُ كَلَام مُبْتَدأ على سَبِيل الِاسْتِئْنَاف مُنْقَطع عَمَّا قبله لعدم صِحَة عطفه على مَا سبق. لِأَن قَوْله: ﴿وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ﴾ (النُّور: ٤ و ٥) . جملَة إخبارية لَيْسَ بخطاب للأئمة، وَمَا قبله جملَة إنشائية خطاب للأئمة، وَكَذَا قَوْله: ﴿وَلَا تقبلُوا﴾ (النُّور: ٤ و ٥) . جملَة إنشائية، خطاب للأئمة، فيصلح أَن يكون عطفا على قَوْله: ﴿فاجلدوا﴾ (النُّور: ٤ و ٥) . وَالشَّافِعِيّ ﵀ قطع قَوْله: ﴿وَلَا تقبلُوا﴾ (النُّور: ٤ و ٥) . عَن قَوْله: ﴿فاجلدوا﴾ (النُّور: ٤ و ٥) . مَعَ دَلِيل الِاتِّصَال، وَهُوَ كَونه جملَة إنشائية صَالِحَة للجزاء، مفوضة إِلَى الْأَئِمَّة مثل الألى وواصل قَوْله (وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ) مَعَ قيانم دَلِيل الإنفصال وَهُوَ كَونه جملَة إسمية غير صَالِحَة للجزاء ثمَّ إِنَّه إِذا تَابَ قبلت شَهَادَته عِنْد الشَّافِعِي، وَعند أبي حنيفَة رد شَهَادَته يتَعَلَّق بِاسْتِيفَاء الْحَد، فَإِذا شهد قبل الْحَد أَو قبل تَمام اسْتِيفَائه قبلت شَهَادَته، فَإِذا استوفى لم تقبل شَهَادَته أبدا، وَإِن تَابَ وَكَانَ من الْأَبْرَار الأتقياء، وَعند الشَّافِعِي رد شَهَادَته مُتَعَلق بِنَفس الْقَذْف، فَإِذا تَابَ عَن الْقَذْف بِأَن يرجع عَنهُ عَاد مَقْبُول الشَّهَادَة، وَكِلَاهُمَا متمسك بِالْآيَةِ على الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَقَالَ الشَّافِعِي: التَّوْبَة من الْقَذْف إكذابه نَفسه، وَقَالَ الْإِصْطَخْرِي: مَعْنَاهُ أَن يَقُول: كذبت فَلَا أَعُود إِلَى مثله. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: لَا يَقُول كذبت، لِأَنَّهُ رُبمَا كَانَ صَادِقا، فَيكون قَوْله: كذبت كذبا، وَالْكذب مَعْصِيّة، والإتيان بالمعصية لَا يكون تَوْبَة عَن مَعْصِيّة أُخْرَى، بل يَقُول: الْقَذْف بَاطِل نَدِمت على مَا قلت وَرجعت عَنهُ وَلَا أَعُود إِلَيْهِ. قَوْله: ﴿وَأَصْلحُوا﴾ (النُّور: ٤ و ٥) . قَالَ أَصْحَابنَا: إِنَّه بعد التَّوْبَة لَا بُد
стр. 3921
من مُضِيّ مُدَّة عَلَيْهِ فِي حسن الْحَال حَتَّى قدرُوا ذَلِك بِسنة، لِأَن الْفُصُول الْأَرْبَعَة يتَغَيَّر فِيهَا الْأَحْوَال والطبائع، كَمَا فِي الْعنين، قَوْله: ﴿فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾ (النُّور: ٤ و ٥) . يقبل التَّوْبَة من كرمه.
وجَلَدَ عُمَرُ أبَا بَكْرَةَ وشِبْلَ بنَ مَعْبَدٍ ونافِعَاً بِقَذْفِ المُغِيرَةِ ثُمَّ اسْتَتَابَهُمْ وَقَالَ مَنْ تابَ قَبِلْتُ شَهَادَتَهُ
أَبُو بكرَة اسْمه نفيع مصغر نفع بِالْفَاءِ: ابْن الْحَارِث بن كلدة، بِالْكَاف وَاللَّام وَالدَّال الْمُهْملَة المفتوحات: ابْن عَمْرو بن علاج ابْن أبي سَلمَة واسْمه: عبد الْعُزَّى، وَيُقَال: ابْن عبد الْعزي بن نميرة بن عَوْف بن قسي، وَهُوَ ثَقِيف الثَّقَفِيّ، صَاحب رَسُول الله، ﷺ ، وَقيل: كَانَ أَبوهُ عبدا لِلْحَارِثِ بن كلدة، فاستلحقه الْحَار وَهُوَ أَخُو زِيَاد لأمه، وَكَانَت أمهما سميَّة أمة لِلْحَارِثِ بن كلدة، وَإِنَّمَا قيل لَهُ: أَبُو بكرَة، لِأَنَّهُ تدلى إِلَى النَّبِي، ﷺ ، ببكرة من حصن الطَّائِف، فكنى أَبَا بكرَة فَأعْتقهُ رَسُول الله، ﷺ ، يَوْمئِذٍ رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله، ﷺ ، مائَة حَدِيث وَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ حَدِيثا، اتفقَا على ثَمَانِيَة، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِخَمْسَة، وَمُسلم بِحَدِيث، وَكَانَ مِمَّن اعتزل يَوْم الْجمل وَلم يُقَاتل مَعَ أحد من الْفَرِيقَيْنِ، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة إِحْدَى وَخمسين، وَصلى عَلَيْهِ أَبُو بَرزَة الْأَسْلَمِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وشبل، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن معبد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبيد بن الْحَارِث بن عَمْرو بن عَليّ بن أسلم بن أحمس بن الْغَوْث بن أَنْمَار البَجلِيّ، قَالَه الطَّبَرِيّ، وَهُوَ أَخُو أبي بكرَة لأمه، وهم أَرْبَعَة أخوة لأم وَاحِدَة اسْمهَا سميَّة. وَقد ذَكرنَاهَا الْآن. وَقَالَ بَعضهم: لَيست لَهُ صُحْبَة، وَكَذَا قَالَ يحيى بن معِين، روى لَهُ التِّرْمِذِيّ، وَنَافِع بن الْحَارِث أَخُو أبي بكرَة لأمه نزلا من الطَّائِف فَأَسْلمَا وَله رِوَايَة، قَالَه الذَّهَبِيّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الثَّلَاثَة يَعْنِي: أَبَا بكرَة وشبل بن معبد ونافعاً أخوة صحابيون شهدُوا مَعَ أَخ آخر لأبي بكرَة اسْمه: زِيَاد، على الْمُغيرَة فجلد الثَّلَاثَة، وَزِيَاد لَيست لَهُ صُحْبَة وَلَا رِوَايَة، وَكَانَ من دهاة الْعَرَب وفصحائهم، مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين، وقصتهم رويت من طرق كَثِيرَة. ومحصلها: أَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة كَانَ أَمِير الْبَصْرَة لعمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فاتهمه أَبُو بكرَة وشبل وَنَافِع وَزِيَاد الَّذِي يُقَال لَهُ زِيَاد بن أبي سُفْيَان، وهم أخوة لأم تسمى: سميَّة، وَقد ذَكرنَاهَا، فَاجْتمعُوا جَمِيعًا فَرَأَوْا الْمُغيرَة متبطن الْمَرْأَة، وَكَانَ يُقَال لَهَا: الرقطاء أم جميل بنت عَمْرو بن الأفقم الْهِلَالِيَّة، وَزوجهَا الْحجَّاج بن عتِيك بن الْحَارِث بن عَوْف الْجُشَمِي، فرحلوا إِلَى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فشكوه، فَعَزله عمر وَولى أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وأحضر الْمُغيرَة فَشهد عَلَيْهِ الثَّلَاثَة بِالزِّنَا، وَأما زِيَاد فَلم يثبت الشَّهَادَة، وَقَالَ: رَأَيْت منْظرًا قبيحاً وَمَا أَدْرِي أخالطها أم لَا؟ فَأمر عمر بجلد الثَّلَاثَة حد الْقَذْف، وروى الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من طَرِيق عبد الْعَزِيز بن أبي بكرَة الْقِصَّة مُطَوَّلَة، وفيهَا: فَقَالَ زِيَاد: رأيتهما فِي لِحَاف وَسمعت نفسا عَالِيا، وَمَا أَدْرِي مَا وَرَاء ذَلِك، وَالتَّعْلِيق الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ وَصله الشَّافِعِي فِي (الْأُم) عَن سُفْيَان، قَالَ: سَمِعت الزُّهْرِيّ يَقُول: زعم أهل الْعرَاق أَن شَهَادَة الْمَحْدُود لَا تجوز، فَأشْهد لأخبرني فلَان أَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ لأبي بكرَة، تب وَأَقْبل شهادتك. قَالَ سُفْيَان: سمى الزُّهْرِيّ الَّذِي أخبرهُ فحفظته ثمَّ نَسِيته، فَقَالَ لي عمر بن قيس: هُوَ ابْن الْمسيب، وروى سُلَيْمَان بن كثير عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد أَن عمر قَالَ لأبي بكرَة وشبل وَنَافِع: من تَابَ مِنْكُم قبلت شَهَادَته، قلت: قَالَ الطَّحَاوِيّ: ابْن الْمسيب لم يَأْخُذهُ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إلَاّ بلاغاً لِأَنَّهُ لم يَصح لَهُ عَنهُ سَماع، وروى أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا قيس بن سَالم الْأَفْطَس عَن قيس بن عَاصِم، قَالَ: كَانَ أَبُو بكرَة إِذا أَتَاهُ رجل ليشهده قَالَ: أشهِد غَيْرِي، فَإِن الْمُسلمين قد فسقوني. وَالدَّلِيل على أَن الحَدِيث لم يكن عِنْد سعيد بِالْقَوِيّ، أَنه كَانَ يذهب إِلَى خِلَافه، روى عَنهُ قَتَادَة وَعَن الْحسن أَنَّهُمَا قَالَا: الْقَاذِف إِذا تَابَ تَوْبَة فِيمَا بَينه وَبَين ربه، ، لَا تقبل لَهُ شَهَادَة، ويستحيل أَن يسمع من عمر شَيْئا بِحَضْرَة الصَّحَابَة وَلَا ينكرونه عَلَيْهِ وَلَا يخالفونه ثمَّ يتْركهُ إِلَى خِلَافه، وَذكر الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي كِتَابه (الْمدْخل) : إِذا لم يثبت هَذَا، كَيفَ رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه؟ وَأجِيب: بِأَن الْخَبَر مُخَالف للشَّهَادَة، وَلِهَذَا لم يتَوَقَّف أحد من أهل الْمصر عَن الرِّوَايَة عَنهُ وَلَا طعن
стр. 3922
أحد على رِوَايَته من هَذِه الْجِهَة مَعَ إِجْمَاعهم أَن لَا شَهَادَة لمحدود فِي قذف غير ثَابت، فَصَارَ قبُول خَبره جَارِيا مجْرى الْإِجْمَاع، وَفِيه مَا فِيهِ.
وأجازَهُ عبْدُ الله بنُ عُتْبَةَ وعُمرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ وسعيدُ بنُ جُبَيْر وطاوُوسٌ ومُجَاهِدٌ والشَّعْبِيُّ وعِكْرِمَةُ والزُّهْرِيُّ ومُحَارِبُ بنُ دِثَارٍ وشُرَيْحٌ ومُعَاوِيَةُ بنُ قُرَّةَ
أَي: وَأَجَازَ الحكم الْمَذْكُورَة، وَهُوَ قبُول شَهَادَة الْمَحْدُود فِي الْقَذْف عبد الله بن عتبَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: ابْن مَسْعُود الْهُذلِيّ، وَوَصله الطَّبَرِيّ من طَرِيق عمرَان بن عُمَيْر. قَالَ: كَانَ عبد الله بن عتبَة يُجِيز شَهَادَة الْقَاذِف إِذا تَابَ، وَعمر بن عبد الْعَزِيز الْخَلِيفَة الْمَشْهُور وَوَصله الطَّبَرِيّ والخلال من طَرِيق ابْن جريج عَن عمرَان بن مُوسَى: سَمِعت عمر بن عبد الْعَزِيز أجَاز شَهَادَة الْقَاذِف وَمَعَهُ رجل، وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج فَزَاد مَعَ عمر بن عبد الْعَزِيز أبات بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم. قَوْله: (وَسَعِيد بن جُبَير) التَّابِعِيّ الْمَشْهُور، وَوَصله الطَّبَرِيّ من طَرِيقه بِلَفْظ: تقبل شَهَادَة الْقَاذِف إِذا تَابَ. قَوْله: (وطاووس) هُوَ ابْن كيسَان الْيَمَانِيّ، وَمُجاهد بن جبر الْمَكِّيّ، وصل مَا روى عَنْهُمَا سعيد بن مَنْصُور وَالشَّافِعِيّ والطبري من طَرِيق ابْن أبي نجيح، قَالَ: الْقَاذِف إِذا تَابَ تقبل شَهَادَته، قيل لَهُ: من يَقُوله؟ قَالَ: عَطاء وطاووس وَمُجاهد. قَوْله: (وَالشعْبِيّ) هُوَ عَامر بن شرَاحِيل، وصل مَا روى عَنهُ الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن أبي خَالِد عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول: إِذا تَابَ قبلت شَهَادَته. قَوْله: (وَعِكْرِمَة) ، هُوَ مولى ابْن عَبَّاس، وصل مَا روى عَنهُ الْبَغَوِيّ فِي (الجعديات) عَن شُعْبَة عَن يُونُس هُوَ ابْن عبيد عَن عِكْرِمَة قَالَ: إِذا تَابَ الْقَاذِف قبلت شَهَادَته. قَوْله: (وَالزهْرِيّ) ، هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وصل مَا روى عَنهُ ابْن جرير عَنهُ أَنه قَالَ: إِذا حد الْقَاذِف فَإِنَّهُ يَنْبَغِي للْإِمَام أَن يستتيبه، فَإِن تَابَ قبلت شَهَادَته، وإلَاّ لم تقبل. قَوْله: (ومحارب) ، بِضَم الْمِيم وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء: ابْن دثار، بِكَسْر الدَّال الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الثَّاء الْمُثَلَّثَة: الْكُوفِي قاضيها، و: شُرَيْح، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة القَاضِي، وَمُعَاوِيَة بن قُرَّة بن إِيَاس الْبَصْرِيّ أدْرك جمَاعَة من الصَّحَابَة. وَقَالَ بَعضهم: هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة من أهل الْكُوفَة. قلت: لَا نسلم قَوْله: إِن مُعَاوِيَة من أهل الْكُوفَة، بل هُوَ من أهل الْبَصْرَة، وَلم يُرْوَ عَن أحد مِنْهُم التَّصْرِيح بِقبُول شَهَادَة الْقَاذِف، وَهَؤُلَاء أحد عشر نفسا ذكرهم البُخَارِيّ تَقْوِيَة لمَذْهَب من يرى بِقبُول شَهَادَة الْقَاذِف، ورد الْمَذْهَب من لَا يرى بذلك، وَمن لَا يرى بذلك أَيْضا رووا عَن ابْن عَبَّاس ذكره ابْن حزم عَنهُ بِسَنَد جيد من طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي عَنهُ أَنه قَالَ: شَهَادَة الْقَاذِف لَا تجوز وَإِن تَابَ، وَهَذَا وَاحِد يُسَاوِي هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين، بل يفضل عَلَيْهِم، وَكفى بِهِ حجَّة. وَقَالَ ابْن حزم أَيْضا: وَصَحَّ ذَلِك أَيْضا عَن الشّعبِيّ فِي أحد قوليه، وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمُجاهد فِي أحد قوليه، وَعِكْرِمَة فِي أحد قوليه، وَشُرَيْح وسُفْيَان بن سعيد، وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة عَن الْحسن وَسَعِيد بن الْمسيب قَالَا: لَا شَهَادَة لَهُ وتوبته بَينه وَبَين الله تَعَالَى، وَهَذَا سَنَد صَحِيح على شَرط مُسلم، وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الْمثنى بن الصَّباح وآدَم بن فائد عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: أَن رَسُول الله، ﷺ قَالَ: (لَا تجوز شَهَادَة خائن وَلَا مَحْدُود فِي الْإِسْلَام) . فَإِن قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: آدم والمثنى لَا يحْتَج بهما. قلت: فِي (مُصَنف) ابْن أبي شيبَة حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان عَن حجاج عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (الْمُسلمُونَ عدُول بَعضهم على بعض إلَاّ محدوداً فِي قذف) . فقد تَابع الْحجَّاج وَهُوَ ابْن أَرْطَأَة آدم والمثنى، وَالْحجاج أخرج لَهُ مُسلم مقرون بآخر، وَرَوَاهُ أَبُو سعيد النقاش فِي (كتاب الشُّهُود) تأليفه من حَدِيث حجاج وَمُحَمّد بن عبيد الله الْعَزْرَمِي وَسليمَان بن مُوسَى عَن عَمْرو بن شُعَيْب، وَرَوَاهُ أَحْمد بن مُوسَى بن مرْدَوَيْه فِي مجالسه من حَدِيث الْمثنى عَن عَمْرو عَن أَبِيه عَن عبد الله بن عَمْرو.
وقالَ أبُو الزِّنادِ الأمْرُ عِنْدَنا بالمَدِينَةِ إذَا رجِعَ القاذِفُ عنْ قَوْلِهِ فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ قُبِلَتْ شِهادَتُهُ
أَبُو الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف النُّون: عبد الله بن ذكْوَان، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق حُصَيْن بن عبد الرَّحْمَن قَالَ: رَأَيْت رجلا جلد حدا فِي قذف بِالزِّنَا، فَلَمَّا فرغ من ضربه أحدث تَوْبَة، فَلَقِيت أَبَا الزِّنَاد، فَقَالَ لي: الْأَمر عندنَا ... فَذكره.
стр. 3923
وقالَ الشُّعْبِيُّ وقَتادَةُ إذَا أكْذَبَ نفْسَهُ جُلِدَ وقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ
الشّعبِيّ عَامر بن شرَاحِيل، وصل مَا روى عَنهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق دَاوُد بن أبي هِنْد عَن الشّعبِيّ قَالَ: إِذا أكذب الْقَاذِف نَفسه قبلت شَهَادَته. قلت: قد صَحَّ عَن الشّعبِيّ فِي أحد قوليه: إِنَّه لَا تقبل، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن عَن ابْن حزم.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إذَا جُلِدَ العَبْدُ ثُمَّ أُعْتِقَ جازَتْ شَهَادَتُهُ وإنِ اسْتُقْضِيَ الْمَحُدُودُ فَقضاياهُ جائِزَةٌ
أَي: قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: رَوَاهُ عَنهُ فِي (جَامعه) عبد الله بن الْوَلِيد الْعَدنِي، وروى عبد الرَّزَّاق عَن الثَّوْريّ عَن وَاصل عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: لَا تقبل شَهَادَة الْقَاذِف تَوْبَته فِيمَا بَينه وَبَين الله، وَقَالَ الثَّوْريّ: وَنحن على ذَلِك.
وَقَالَ بعْضُ النَّاسِ لَا تَجُوزُ شهادَةُ القَاذِفِ وإنْ تابَ
أَرَادَ بِبَعْض النَّاس أَبَا حنيفَة، فِيمَا ذهب إِلَيْهِ، وَلَكِن هَذَا لَا يمشي وَلَا يبرد بِهِ قلب المتعصب، فَإِن أَبَا حنيفَة مَسْبُوق بِهَذَا القَوْل، وَلَيْسَ هُوَ بمخترع لَهُ، وَقد ذكرنَا عَن قريب عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، نَحوه وَعَن جمَاعَة من التَّابِعين، وَقد ذَكَرْنَاهُمْ، وَقَالَ بَعضهم: وَهَذَا مَنْقُول عَن الحنيفة، يَعْنِي: عدم قبُول شَهَادَة الْمَحْدُود فِي الْقَذْف، وَقَالَ: وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِأَحَادِيث قَالَ الْحفاظ: لَا يَصح شَيْء مِنْهَا، وأشهرها حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده مَرْفُوعا: لَا تجوز شَهَادَة خائن وَلَا خَائِنَة وَلَا مَحْدُود فِي الْإِسْلَام. أخرجه أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَائِشَة نَحوه، وَقَالَ: لَا يَصح، وَقَالَ أَبُو زرْعَة: مُنكر، قلت: قد مر عَن قريب حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أخرجه ابْن أبي شيبَة أَيْضا فِي (مُصَنفه) وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَلما أخرجه أَبُو دَاوُد سكت عَنهُ، وَهَذَا دَلِيل الصِّحَّة عِنْده.
ثُمَّ قالَ لَا يَجُوزُ نِكاحٌ بِغَيْرِ شاهِدَيْنِ فإنْ تَزوَّجَ بِشَهَادَةِ محْدُودَيْنِ جازَ وإنْ تَزوَّجَ بِشَهَادَةِ عَبْدَيْنِ لَمْ يَجُزْ
أَي: ثمَّ قَالَ بعض النَّاس الْمَذْكُور، وَأَرَادَ بِهِ إِثْبَات التَّنَاقُض فِيمَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة، وَلَكِن لَا يمشي أصلا لِأَن حَالَة التَّحَمُّل لَا تشْتَرط فِيهَا الْعَدَالَة، كَمَا ذكر عَن بعض الصَّحَابَة أَنه تحمل فِي حَال كفره، ثمَّ أدّى بعد إِسْلَامه، وَذَلِكَ لِأَن الْغَرَض شهرة النِّكَاح، وَذَلِكَ حَاصِل بِالْعَدْلِ، وَغَيره عِنْد التَّحَمُّل، وَأما عِنْد الْأَدَاء فَلَا يقبل إلَاّ الْعدْل. قَوْله: (فَإِن تزوج) إِلَى آخِره أَيْضا إِثْبَات التَّنَاقُض فِيهِ، وَلَيْسَ فِيهِ تنَاقض، لِأَن عدم جَوَاز النِّكَاح بِغَيْر شَاهِدين بِالنَّصِّ، وَأما التَّزَوُّج بِشَهَادَة محدودين فقد ذكرنَا أَن المُرَاد من ذَلِك شهرة النِّكَاح، وَذَلِكَ حَاصِل بِشَهَادَة المحدودين، وَأما عدم جَوَاز التَّزَوُّج بِشَهَادَة عَبْدَيْنِ فَلِأَن الأَصْل فِيهِ أَن كل من ملك الْقبُول بِنَفسِهِ انْعَقَد العقد بِحُضُورِهِ، وَمن لَا فَلَا، فَإِذا كَانَ كَذَلِك لَا ينْعَقد بِحُضُور عَبْدَيْنِ أَو صبيين أَو مجنونين، فَمن أَيْن التَّنَاقُض يرد؟ وَمن أَيْن الِاعْتِرَاض الصَّادِر من غير تَأمل فِي دقائق الْأَشْيَاء؟
وأجازَ شَهَادَةَ الْمَحْدُودِ والعبْدِ والأمَةِ لِرُؤْيَةِ هِلالِ رَمَضانَ
أَي: أجَاز بعض النَّاس الْمشَار إِلَيْهِ. . إِلَى آخِره، وَهَذَا الِاعْتِرَاض أَيْضا لَيْسَ بِشَيْء أصلا، وَذَلِكَ لِأَن أَبَا حنيفَة أجْرى ذَلِك مجْرى الْخَبَر، وَالْخَبَر يُخَالف الشَّهَادَة فِي الْمَعْنى، لِأَن الْمخبر لَهُ دخل فِي حكم مَا شهد بِهِ، وَقَالَ بِهَذَا أَيْضا غير أبي حنيفَة، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : هَذَا غلط لِأَن الشَّاهِد على هِلَال رَمَضَان لَا يَزُول عَنهُ اسْم شَاهد، وَلَا يُسمى مخبرا، فَحكمه حكم الشَّاهِد فِي الْمَعْنى لاستحقاقه ذَلِك بالإسم، وَأَيْضًا: فَإِن الشَّهَادَة على هِلَال رَمَضَان حكم من الْأَحْكَام، وَلَا يجوز أَن يقبل فِي الْأَحْكَام إلَاّ من تجوز شَهَادَته فِي كل شَيْء، وَمن جَازَت شَهَادَته فِي هِلَال رَمَضَان وَلم تجز فِي الْقَذْف فَلَيْسَ بِعدْل، وَلَا هُوَ مِمَّن يرضى، لِأَن الله تَعَالَى إِنَّمَا تعبدنا بِمن نرضى من الشُّهَدَاء. انْتهى. قلت: هَذَا تَطْوِيل الْكَلَام بِلَا فَائِدَة، وَكَلَام مَبْنِيّ على غير معرفَة بدقائق الْأَشْيَاء، وَقَوله: الشَّاهِد على هِلَال رَمَضَان لَا يَزُول عَنهُ اسْم الشَّاهِد، وَلَا يُسمى مخبرا، تحكم زَائِد، وَعدم زَوَال اسْم الشَّاهِد عَن الشَّاهِد على هِلَال رَمَضَان لَا عَقْلِي وَلَا نقلي، فَمن ادّعى ذَلِك فَعَلَيهِ الْبَيَان وَنفي الْإِخْبَار عَن شَاهد هِلَال رَمَضَان غير صَحِيح، على مَا لَا يخفى. وَقَوله: وَحكمه حكم الشَّاهِد فِي الْمَعْنى يُنَاقض كَلَامه، الأول، لِأَنَّهُ قَالَ: لَا يُسمى مخبرا ثمَّ كَيفَ
стр. 3924
يَقُول: فَحكمه أَي: فَحكم هَذَا الْمخبر حكم الشَّاهِد فِي الْمَعْنى، وَنحن أَيْضا نقُول بذلك، وَلكنه لَيْسَ بِشَهَادَة حَقِيقَة إِذْ لَو كَانَت شَهَادَة حَقِيقَة لما جَازَ الحكم بِشَهَادَة وَاحِد فِي هِلَال رَمَضَان، مَعَ أَنه يَكْتَفِي بِشَهَادَة وَاحِد عِنْد اعتلال المطلع بِشَيْء، وَهُوَ قَول عِنْد الشَّافِعِي أَيْضا وَرِوَايَة أَحْمد، وَالله تَعَالَى تعبدنا بِمن نرضى من الشُّهَدَاء عِنْد الشَّهَادَات الْحَقِيقِيَّة، والإخبار بِهِلَال رَمَضَان لَيْسَ من ذَلِك، وَالله أعلم.
وكَيْفَ تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ وقَدْ نَفاى النبيُّ ﷺ الزَّانِي سَنةً
هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ، وَهُوَ من تَمام التَّرْجَمَة، قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا عطف على أول التَّرْجَمَة، وَكَثِيرًا مَا يفعل البُخَارِيّ مثله، يردف تَرْجَمَة على تَرْجَمَة، وَإِن بعد مَا بَينهمَا. قَوْله: (وَكَيف تعرف تَوْبَته؟) أَي: كَيفَ تعرف تَوْبَة الْقَاذِف؟ وَأَشَارَ بذلك إِلَى الِاخْتِلَاف، فَقَالَ: أَكثر السّلف: لَا بُد أَن يكذب نَفسه، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي، رُوِيَ ذَلِك عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَاخْتَارَهُ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق. وَقَالَ: تَوْبَته أَن يزْدَاد خيرا وَلم يشْتَرط إكذاب نَفسه فِي تَوْبَته، لجَوَاز أَن يكون صَادِقا فِي قذفه، وَإِلَى هَذَا مَال البُخَارِيّ، كَمَا نذكرهُ الْآن، وَهُوَ استدلاله على ذَلِك بقوله: وَقد نفى النَّبِي، ﷺ الزَّانِي سنة، أَي: قد نَفَاهُ عَن الْبَلَد، وَهُوَ التَّغْرِيب، وَلم ينْقل عَنهُ ﷺ أَنه شَرط على الزَّانِي تَكْذِيبه لنَفسِهِ واعترافه بِأَنَّهُ عصى الله، ، فِي مُدَّة تغريبه، وَسَيَأْتِي نفي الزَّانِي مَوْصُولا فِي آخر الْبَاب.
ونهاى النبيُّ ﷺ عنْ كَلامِ كعبِ بنِ مالِكٍ وصاحِبَيْهِ حتَّى مضاى خَمسُونَ لَيْلَةً
هَذَا أَيْضا من جملَة مَا يسْتَدلّ بِهِ البُخَارِيّ على مَا ذهب إِلَيْهِ مثل مَا ذهب مَالك، بَيَانه أَنه ﷺ لما نهى عَن كَلَام كَعْب بن مَالك وصاحبيه هما مرَارَة بن الرّبيع وهلال بن أُميَّة ﴿الَّذين خلفوا حَتَّى إِذا ضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ﴾ (التَّوْبَة: ٨١١) . لم ينْقل عَنهُ أَنه شَرط عَلَيْهِم ذَلِك فِي مُدَّة الْخمسين، وقصة كَعْب ستأتي بِطُولِهَا فِي آخر تَفْسِير بَرَاءَة، وغزوة تَبُوك. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه تعلق قصتهم بِالْبَابِ؟ قلت: تخلفوا عَن رَسُول الله، ﷺ فِي غَزْوَة تَبُوك، والتخلف عَنهُ بِدُونِ إِذْنه مَعْصِيّة، كالسرقة وَنَحْوهَا.
٨٤٦٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ وَقَالَ اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني يُونُسُ عنِ ابنِ شِهابِ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ امْرَأةً سَرَقَتْ فِي غَزْوَةِ الفَتْحِ فَأتى بهَا رسولُ الله ﷺ ثُمَّ أمَرَ فَقُطِعَتْ يَدُها قالتْ عائِشَةُ فَحَسُنَتْ تَوْبَتُها وتَزَوَّجَتْ وكانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذالِكَ فأرْفعُ حاجَتَها إِلَى رسُولِ الله ﷺ ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فحسنت توبتها) ، لِأَن فِيهِ دلَالَة على أَن السَّارِق إِذا تَابَ وَحسنت حَاله تقبل شَهَادَته، فَالْبُخَارِي ألحق الْقَاذِف بالسارق لعدم الْفَارِق عِنْده، وَنقل الطَّحَاوِيّ الْإِجْمَاع على قبُول شَهَادَة السَّارِق إِذا تَابَ، وَذهب الْأَوْزَاعِيّ وَالْحسن بن صَالح إِلَى أَن الْمَحْدُود فِي الْخمر إِذا تَابَ لَا تقبل شَهَادَته، وَقد خالفا فِي ذَلِك جَمِيع فُقَهَاء الْأَمْصَار.
وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحُدُود عَن إِسْمَاعِيل أَيْضا بِإِسْنَادِهِ، وَفِي غَزْوَة الْفَتْح عَن مُحَمَّد بن مقَاتل. وَأخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن أبي الطَّاهِر وحرملة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن أبي صَالح، وَهُوَ عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث عَن اللَّيْث. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقطع عَن الْحَارِث بن مِسْكين عَن ابْن وهب. وَأما التَّعْلِيق عَن اللَّيْث فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد عَن مُحَمَّد بن يحيى بن فَارس عَن أبي صَالح لَكِن بِغَيْر هَذَا اللَّفْظ، وَظهر أَن هَذَا اللَّفْظ لِابْنِ وهب.
قَوْله: (أَن امْرَأَة) ، اسْمهَا: فَاطِمَة بنت الْأسود. قَوْله: (ثمَّ أَمر بهَا فَقطعت) ، فِيهِ حذف يَعْنِي: بَعْدَمَا ثَبت عِنْد النَّبِي، ﷺ : بِشُرُوطِهِ أَمر بِقطع يَدهَا.
وَفِيه: أَن الْمَرْأَة كَالرّجلِ فِي حكم السّرقَة. وَفِيه: أَن تَوْبَة السَّارِق إِذا حسنت لَا ترد شَهَادَته بعد ذَلِك.
стр. 3925
٩٤٦٢ - حدَّثنا يَحْياى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عبدِ الله عنْ زَيْدِ بنِ خالِدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ أنَّهُ أمَرَ فِيمَنْ زَنَى ولَمْ يُحْصِنْ بِجِلْدِ مائَةٍ وتَغْرِيبِ عامٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ لم يشْتَرط على الَّذِي زنى وأقيم عَلَيْهِ الْحَد ذكر التَّوْبَة، وَإِنَّمَا قَالَ فِي مَاعِز: حصلت التَّوْبَة بِالْحَدِّ، وَكَذَا فِي هَذَا الزَّانِي.
وَرِجَال هَذَا الحَدِيث قد ذكرُوا غير مرّة بِهَذَا النسق، ومفرقين أَيْضا، وَعبيد الله بن عبد الله ابْن عتبَة بن مَسْعُود، وَزيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح وَعَن أبي الطَّاهِر وحرملة.
قَوْله: (بجلد مائَة) ، الْبَاء فِيهِ مُتَعَلق بقوله أَمر. وَقَوله: (فِيمَن زنى) فِي مَحل النصب على المفعولية بقوله: (يجلد مائَة) ، لِأَن الْمصدر يعْمل عمل فعله. قَوْله: (وَلم يحصن) ، بِفَتْح الصَّاد وَكسرهَا وَالْوَاو فِيهِ للْحَال. والْحَدِيث احْتج بِهِ الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد على أَن الزَّانِي إِذا لم يكن مُحصنا يجلد مائَة جلدَة ويغرب سنة. وَقَالَ أَصْحَابنَا: لَا يجمع بَين جلد وَنفي، لِأَن النَّص جعل الْجلد مائَة وَالزِّيَادَة على مُطلق النَّص نسخ، والْحَدِيث مَنْسُوخ، وَلِأَن فِي التَّغْرِيب تعريضاً للْفَسَاد، وَلِهَذَا قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: كفى بِالنَّفْيِ فتْنَة، وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، نفى شخصا فَارْتَد، وَلحق بدار الْحَرْب، فَحلف أَن لَا يَنْفِي بعده أبدا، وَبِهَذَا عرف أَن نفيهم كَانَ بطرِيق السياسة وَالتَّعْزِير لَا بطرِيق الْحَد. لِأَن مثل عمر لَا يحلف أَن لَا يُقيم الْحُدُود، وَالله أعلم.
٩ - (بابٌ لَا يَشْهَدُ على شِهَادَةِ جَوْر إذَا أُشْهِدَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يشْهد الرجل على شَهَادَة جور، وَهُوَ الظُّلم والحيف والميل عَن الْحق. قَوْله: (إِذا أشهد) ، على صِيغَة الْمَجْهُول.
٠٥٦٢ - حدَّثنا عبْدَانُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا أبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ عنِ النُّعْمَانِ بنِ بَشيرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ سألَتْ أُمِّي أبِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِي مِنْ مالِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَوَهَبَهَا لِي فقالَت لَا أرْضاى حتَّى تُشْهِدَ النبيَّ ﷺ فأخَذَ بِيَدِي وأنَا غُلامٌ فأتاى بيَ النبيُّ ﷺ فَقَالَ إنَّ أُمَّهُ بنْتَ رَواحَةَ سألَتْنِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِهاذا قَالَ ألَكَ ولَدٌ سِواهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فأُرَاهُ قَالَ لَا تُشْهِدْني عَلَى جَوْر. وَقَالَ أبُو حَرِيزٍ عنِ الشَّعْبِيِّ لَا أشْهَدُ على جَوْر.
(انْظُر الحَدِيث ٦٨٥٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: إِذا أشهد، لِأَنَّهُ لَا يشْهد على جور إِذا لم يستشهد بطرِيق الأولى، وعبدان هُوَ عبد الله ابْن عُثْمَان الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي وَأَبُو حَيَّان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون التَّيْمِيّ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، واسْمه: يحيى بن سعيد الْكُوفِي، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْهِبَة فِي: بَاب الْهِبَة للْوَلَد وَفِي: بَاب الْإِشْهَاد فِي الْهِبَة.
قَوْله: (الموهبة) بِمَعْنى: الْهِبَة مصدر ميمي. قَوْله: (ثمَّ بدا لَهُ) أَي: نَدم من الْمَنْع كَأَنَّهُ منع أَولا ثمَّ نَدم على ذَلِك. قَوْله: (بنت رَوَاحَة) بِفَتْح الرَّاء وَالْوَاو المخففة، وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة: وَهِي عمْرَة بنت رَوَاحَة، مرت هُنَاكَ. قَوْله: (على جور) ، الْجور هُنَا بِمَعْنى الْميل عَن الِاعْتِدَال وَالْمَكْرُوه جور أَيْضا، وَذَلِكَ لِأَن الْجور بِمَعْنى الظُّلم مشْعر بِالْحُرْمَةِ. قَوْله: (وَقَالَ أَبُو حريز) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وبالزاي وَهُوَ عبد الله بن الْحُسَيْن الْأَزْدِيّ قَاضِي سجستان، وَقد ذكرنَا فِي الْهِبَة من وَصله، وَفِي بعض النّسخ وَقع قَوْله: (وَقَالَ أَبُو حريز) إِلَى آخِره قبل الحَدِيث الْمَذْكُور، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَقع فِي غير مَا نسخه: قَالَ أَبُو حريز ... إِلَى آخِره، ثمَّ ذكر الحَدِيث. وَفِي نُسْخَة ذكره بعد إِيرَاده لحَدِيث النُّعْمَان بن بشير، وَكَأَنَّهُ أولى.
١٥٦٢ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا أبُو جَمْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ زَهْدَمَ بنَ مُضَرِّبٍ قَالَ سَمِعْتُ عِمْرَانَ بنَ حُصَيْن رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ خيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ
следующие страницы →