Полный текст (7 603 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.
стр. 3921
من مُضِيّ مُدَّة عَلَيْهِ فِي حسن الْحَال حَتَّى قدرُوا ذَلِك بِسنة، لِأَن الْفُصُول الْأَرْبَعَة يتَغَيَّر فِيهَا الْأَحْوَال والطبائع، كَمَا فِي الْعنين، قَوْله: ﴿فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾ (النُّور: ٤ و ٥) . يقبل التَّوْبَة من كرمه.
وجَلَدَ عُمَرُ أبَا بَكْرَةَ وشِبْلَ بنَ مَعْبَدٍ ونافِعَاً بِقَذْفِ المُغِيرَةِ ثُمَّ اسْتَتَابَهُمْ وَقَالَ مَنْ تابَ قَبِلْتُ شَهَادَتَهُ
أَبُو بكرَة اسْمه نفيع مصغر نفع بِالْفَاءِ: ابْن الْحَارِث بن كلدة، بِالْكَاف وَاللَّام وَالدَّال الْمُهْملَة المفتوحات: ابْن عَمْرو بن علاج ابْن أبي سَلمَة واسْمه: عبد الْعُزَّى، وَيُقَال: ابْن عبد الْعزي بن نميرة بن عَوْف بن قسي، وَهُوَ ثَقِيف الثَّقَفِيّ، صَاحب رَسُول الله، ﷺ ، وَقيل: كَانَ أَبوهُ عبدا لِلْحَارِثِ بن كلدة، فاستلحقه الْحَار وَهُوَ أَخُو زِيَاد لأمه، وَكَانَت أمهما سميَّة أمة لِلْحَارِثِ بن كلدة، وَإِنَّمَا قيل لَهُ: أَبُو بكرَة، لِأَنَّهُ تدلى إِلَى النَّبِي، ﷺ ، ببكرة من حصن الطَّائِف، فكنى أَبَا بكرَة فَأعْتقهُ رَسُول الله، ﷺ ، يَوْمئِذٍ رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله، ﷺ ، مائَة حَدِيث وَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ حَدِيثا، اتفقَا على ثَمَانِيَة، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِخَمْسَة، وَمُسلم بِحَدِيث، وَكَانَ مِمَّن اعتزل يَوْم الْجمل وَلم يُقَاتل مَعَ أحد من الْفَرِيقَيْنِ، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة إِحْدَى وَخمسين، وَصلى عَلَيْهِ أَبُو بَرزَة الْأَسْلَمِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وشبل، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن معبد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبيد بن الْحَارِث بن عَمْرو بن عَليّ بن أسلم بن أحمس بن الْغَوْث بن أَنْمَار البَجلِيّ، قَالَه الطَّبَرِيّ، وَهُوَ أَخُو أبي بكرَة لأمه، وهم أَرْبَعَة أخوة لأم وَاحِدَة اسْمهَا سميَّة. وَقد ذَكرنَاهَا الْآن. وَقَالَ بَعضهم: لَيست لَهُ صُحْبَة، وَكَذَا قَالَ يحيى بن معِين، روى لَهُ التِّرْمِذِيّ، وَنَافِع بن الْحَارِث أَخُو أبي بكرَة لأمه نزلا من الطَّائِف فَأَسْلمَا وَله رِوَايَة، قَالَه الذَّهَبِيّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الثَّلَاثَة يَعْنِي: أَبَا بكرَة وشبل بن معبد ونافعاً أخوة صحابيون شهدُوا مَعَ أَخ آخر لأبي بكرَة اسْمه: زِيَاد، على الْمُغيرَة فجلد الثَّلَاثَة، وَزِيَاد لَيست لَهُ صُحْبَة وَلَا رِوَايَة، وَكَانَ من دهاة الْعَرَب وفصحائهم، مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين، وقصتهم رويت من طرق كَثِيرَة. ومحصلها: أَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة كَانَ أَمِير الْبَصْرَة لعمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فاتهمه أَبُو بكرَة وشبل وَنَافِع وَزِيَاد الَّذِي يُقَال لَهُ زِيَاد بن أبي سُفْيَان، وهم أخوة لأم تسمى: سميَّة، وَقد ذَكرنَاهَا، فَاجْتمعُوا جَمِيعًا فَرَأَوْا الْمُغيرَة متبطن الْمَرْأَة، وَكَانَ يُقَال لَهَا: الرقطاء أم جميل بنت عَمْرو بن الأفقم الْهِلَالِيَّة، وَزوجهَا الْحجَّاج بن عتِيك بن الْحَارِث بن عَوْف الْجُشَمِي، فرحلوا إِلَى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فشكوه، فَعَزله عمر وَولى أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وأحضر الْمُغيرَة فَشهد عَلَيْهِ الثَّلَاثَة بِالزِّنَا، وَأما زِيَاد فَلم يثبت الشَّهَادَة، وَقَالَ: رَأَيْت منْظرًا قبيحاً وَمَا أَدْرِي أخالطها أم لَا؟ فَأمر عمر بجلد الثَّلَاثَة حد الْقَذْف، وروى الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من طَرِيق عبد الْعَزِيز بن أبي بكرَة الْقِصَّة مُطَوَّلَة، وفيهَا: فَقَالَ زِيَاد: رأيتهما فِي لِحَاف وَسمعت نفسا عَالِيا، وَمَا أَدْرِي مَا وَرَاء ذَلِك، وَالتَّعْلِيق الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ وَصله الشَّافِعِي فِي (الْأُم) عَن سُفْيَان، قَالَ: سَمِعت الزُّهْرِيّ يَقُول: زعم أهل الْعرَاق أَن شَهَادَة الْمَحْدُود لَا تجوز، فَأشْهد لأخبرني فلَان أَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ لأبي بكرَة، تب وَأَقْبل شهادتك. قَالَ سُفْيَان: سمى الزُّهْرِيّ الَّذِي أخبرهُ فحفظته ثمَّ نَسِيته، فَقَالَ لي عمر بن قيس: هُوَ ابْن الْمسيب، وروى سُلَيْمَان بن كثير عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد أَن عمر قَالَ لأبي بكرَة وشبل وَنَافِع: من تَابَ مِنْكُم قبلت شَهَادَته، قلت: قَالَ الطَّحَاوِيّ: ابْن الْمسيب لم يَأْخُذهُ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إلَاّ بلاغاً لِأَنَّهُ لم يَصح لَهُ عَنهُ سَماع، وروى أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا قيس بن سَالم الْأَفْطَس عَن قيس بن عَاصِم، قَالَ: كَانَ أَبُو بكرَة إِذا أَتَاهُ رجل ليشهده قَالَ: أشهِد غَيْرِي، فَإِن الْمُسلمين قد فسقوني. وَالدَّلِيل على أَن الحَدِيث لم يكن عِنْد سعيد بِالْقَوِيّ، أَنه كَانَ يذهب إِلَى خِلَافه، روى عَنهُ قَتَادَة وَعَن الْحسن أَنَّهُمَا قَالَا: الْقَاذِف إِذا تَابَ تَوْبَة فِيمَا بَينه وَبَين ربه، ، لَا تقبل لَهُ شَهَادَة، ويستحيل أَن يسمع من عمر شَيْئا بِحَضْرَة الصَّحَابَة وَلَا ينكرونه عَلَيْهِ وَلَا يخالفونه ثمَّ يتْركهُ إِلَى خِلَافه، وَذكر الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي كِتَابه (الْمدْخل) : إِذا لم يثبت هَذَا، كَيفَ رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه؟ وَأجِيب: بِأَن الْخَبَر مُخَالف للشَّهَادَة، وَلِهَذَا لم يتَوَقَّف أحد من أهل الْمصر عَن الرِّوَايَة عَنهُ وَلَا طعن
стр. 3922
أحد على رِوَايَته من هَذِه الْجِهَة مَعَ إِجْمَاعهم أَن لَا شَهَادَة لمحدود فِي قذف غير ثَابت، فَصَارَ قبُول خَبره جَارِيا مجْرى الْإِجْمَاع، وَفِيه مَا فِيهِ.
وأجازَهُ عبْدُ الله بنُ عُتْبَةَ وعُمرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ وسعيدُ بنُ جُبَيْر وطاوُوسٌ ومُجَاهِدٌ والشَّعْبِيُّ وعِكْرِمَةُ والزُّهْرِيُّ ومُحَارِبُ بنُ دِثَارٍ وشُرَيْحٌ ومُعَاوِيَةُ بنُ قُرَّةَ
أَي: وَأَجَازَ الحكم الْمَذْكُورَة، وَهُوَ قبُول شَهَادَة الْمَحْدُود فِي الْقَذْف عبد الله بن عتبَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: ابْن مَسْعُود الْهُذلِيّ، وَوَصله الطَّبَرِيّ من طَرِيق عمرَان بن عُمَيْر. قَالَ: كَانَ عبد الله بن عتبَة يُجِيز شَهَادَة الْقَاذِف إِذا تَابَ، وَعمر بن عبد الْعَزِيز الْخَلِيفَة الْمَشْهُور وَوَصله الطَّبَرِيّ والخلال من طَرِيق ابْن جريج عَن عمرَان بن مُوسَى: سَمِعت عمر بن عبد الْعَزِيز أجَاز شَهَادَة الْقَاذِف وَمَعَهُ رجل، وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج فَزَاد مَعَ عمر بن عبد الْعَزِيز أبات بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم. قَوْله: (وَسَعِيد بن جُبَير) التَّابِعِيّ الْمَشْهُور، وَوَصله الطَّبَرِيّ من طَرِيقه بِلَفْظ: تقبل شَهَادَة الْقَاذِف إِذا تَابَ. قَوْله: (وطاووس) هُوَ ابْن كيسَان الْيَمَانِيّ، وَمُجاهد بن جبر الْمَكِّيّ، وصل مَا روى عَنْهُمَا سعيد بن مَنْصُور وَالشَّافِعِيّ والطبري من طَرِيق ابْن أبي نجيح، قَالَ: الْقَاذِف إِذا تَابَ تقبل شَهَادَته، قيل لَهُ: من يَقُوله؟ قَالَ: عَطاء وطاووس وَمُجاهد. قَوْله: (وَالشعْبِيّ) هُوَ عَامر بن شرَاحِيل، وصل مَا روى عَنهُ الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن أبي خَالِد عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول: إِذا تَابَ قبلت شَهَادَته. قَوْله: (وَعِكْرِمَة) ، هُوَ مولى ابْن عَبَّاس، وصل مَا روى عَنهُ الْبَغَوِيّ فِي (الجعديات) عَن شُعْبَة عَن يُونُس هُوَ ابْن عبيد عَن عِكْرِمَة قَالَ: إِذا تَابَ الْقَاذِف قبلت شَهَادَته. قَوْله: (وَالزهْرِيّ) ، هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وصل مَا روى عَنهُ ابْن جرير عَنهُ أَنه قَالَ: إِذا حد الْقَاذِف فَإِنَّهُ يَنْبَغِي للْإِمَام أَن يستتيبه، فَإِن تَابَ قبلت شَهَادَته، وإلَاّ لم تقبل. قَوْله: (ومحارب) ، بِضَم الْمِيم وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء: ابْن دثار، بِكَسْر الدَّال الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الثَّاء الْمُثَلَّثَة: الْكُوفِي قاضيها، و: شُرَيْح، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة القَاضِي، وَمُعَاوِيَة بن قُرَّة بن إِيَاس الْبَصْرِيّ أدْرك جمَاعَة من الصَّحَابَة. وَقَالَ بَعضهم: هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة من أهل الْكُوفَة. قلت: لَا نسلم قَوْله: إِن مُعَاوِيَة من أهل الْكُوفَة، بل هُوَ من أهل الْبَصْرَة، وَلم يُرْوَ عَن أحد مِنْهُم التَّصْرِيح بِقبُول شَهَادَة الْقَاذِف، وَهَؤُلَاء أحد عشر نفسا ذكرهم البُخَارِيّ تَقْوِيَة لمَذْهَب من يرى بِقبُول شَهَادَة الْقَاذِف، ورد الْمَذْهَب من لَا يرى بذلك، وَمن لَا يرى بذلك أَيْضا رووا عَن ابْن عَبَّاس ذكره ابْن حزم عَنهُ بِسَنَد جيد من طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي عَنهُ أَنه قَالَ: شَهَادَة الْقَاذِف لَا تجوز وَإِن تَابَ، وَهَذَا وَاحِد يُسَاوِي هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين، بل يفضل عَلَيْهِم، وَكفى بِهِ حجَّة. وَقَالَ ابْن حزم أَيْضا: وَصَحَّ ذَلِك أَيْضا عَن الشّعبِيّ فِي أحد قوليه، وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمُجاهد فِي أحد قوليه، وَعِكْرِمَة فِي أحد قوليه، وَشُرَيْح وسُفْيَان بن سعيد، وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة عَن الْحسن وَسَعِيد بن الْمسيب قَالَا: لَا شَهَادَة لَهُ وتوبته بَينه وَبَين الله تَعَالَى، وَهَذَا سَنَد صَحِيح على شَرط مُسلم، وروى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الْمثنى بن الصَّباح وآدَم بن فائد عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: أَن رَسُول الله، ﷺ قَالَ: (لَا تجوز شَهَادَة خائن وَلَا مَحْدُود فِي الْإِسْلَام) . فَإِن قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: آدم والمثنى لَا يحْتَج بهما. قلت: فِي (مُصَنف) ابْن أبي شيبَة حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان عَن حجاج عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (الْمُسلمُونَ عدُول بَعضهم على بعض إلَاّ محدوداً فِي قذف) . فقد تَابع الْحجَّاج وَهُوَ ابْن أَرْطَأَة آدم والمثنى، وَالْحجاج أخرج لَهُ مُسلم مقرون بآخر، وَرَوَاهُ أَبُو سعيد النقاش فِي (كتاب الشُّهُود) تأليفه من حَدِيث حجاج وَمُحَمّد بن عبيد الله الْعَزْرَمِي وَسليمَان بن مُوسَى عَن عَمْرو بن شُعَيْب، وَرَوَاهُ أَحْمد بن مُوسَى بن مرْدَوَيْه فِي مجالسه من حَدِيث الْمثنى عَن عَمْرو عَن أَبِيه عَن عبد الله بن عَمْرو.
وقالَ أبُو الزِّنادِ الأمْرُ عِنْدَنا بالمَدِينَةِ إذَا رجِعَ القاذِفُ عنْ قَوْلِهِ فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ قُبِلَتْ شِهادَتُهُ
أَبُو الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف النُّون: عبد الله بن ذكْوَان، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق حُصَيْن بن عبد الرَّحْمَن قَالَ: رَأَيْت رجلا جلد حدا فِي قذف بِالزِّنَا، فَلَمَّا فرغ من ضربه أحدث تَوْبَة، فَلَقِيت أَبَا الزِّنَاد، فَقَالَ لي: الْأَمر عندنَا ... فَذكره.
стр. 3923
وقالَ الشُّعْبِيُّ وقَتادَةُ إذَا أكْذَبَ نفْسَهُ جُلِدَ وقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ
الشّعبِيّ عَامر بن شرَاحِيل، وصل مَا روى عَنهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق دَاوُد بن أبي هِنْد عَن الشّعبِيّ قَالَ: إِذا أكذب الْقَاذِف نَفسه قبلت شَهَادَته. قلت: قد صَحَّ عَن الشّعبِيّ فِي أحد قوليه: إِنَّه لَا تقبل، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن عَن ابْن حزم.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إذَا جُلِدَ العَبْدُ ثُمَّ أُعْتِقَ جازَتْ شَهَادَتُهُ وإنِ اسْتُقْضِيَ الْمَحُدُودُ فَقضاياهُ جائِزَةٌ
أَي: قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: رَوَاهُ عَنهُ فِي (جَامعه) عبد الله بن الْوَلِيد الْعَدنِي، وروى عبد الرَّزَّاق عَن الثَّوْريّ عَن وَاصل عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: لَا تقبل شَهَادَة الْقَاذِف تَوْبَته فِيمَا بَينه وَبَين الله، وَقَالَ الثَّوْريّ: وَنحن على ذَلِك.
وَقَالَ بعْضُ النَّاسِ لَا تَجُوزُ شهادَةُ القَاذِفِ وإنْ تابَ
أَرَادَ بِبَعْض النَّاس أَبَا حنيفَة، فِيمَا ذهب إِلَيْهِ، وَلَكِن هَذَا لَا يمشي وَلَا يبرد بِهِ قلب المتعصب، فَإِن أَبَا حنيفَة مَسْبُوق بِهَذَا القَوْل، وَلَيْسَ هُوَ بمخترع لَهُ، وَقد ذكرنَا عَن قريب عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، نَحوه وَعَن جمَاعَة من التَّابِعين، وَقد ذَكَرْنَاهُمْ، وَقَالَ بَعضهم: وَهَذَا مَنْقُول عَن الحنيفة، يَعْنِي: عدم قبُول شَهَادَة الْمَحْدُود فِي الْقَذْف، وَقَالَ: وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِأَحَادِيث قَالَ الْحفاظ: لَا يَصح شَيْء مِنْهَا، وأشهرها حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده مَرْفُوعا: لَا تجوز شَهَادَة خائن وَلَا خَائِنَة وَلَا مَحْدُود فِي الْإِسْلَام. أخرجه أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَائِشَة نَحوه، وَقَالَ: لَا يَصح، وَقَالَ أَبُو زرْعَة: مُنكر، قلت: قد مر عَن قريب حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أخرجه ابْن أبي شيبَة أَيْضا فِي (مُصَنفه) وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَلما أخرجه أَبُو دَاوُد سكت عَنهُ، وَهَذَا دَلِيل الصِّحَّة عِنْده.
ثُمَّ قالَ لَا يَجُوزُ نِكاحٌ بِغَيْرِ شاهِدَيْنِ فإنْ تَزوَّجَ بِشَهَادَةِ محْدُودَيْنِ جازَ وإنْ تَزوَّجَ بِشَهَادَةِ عَبْدَيْنِ لَمْ يَجُزْ
أَي: ثمَّ قَالَ بعض النَّاس الْمَذْكُور، وَأَرَادَ بِهِ إِثْبَات التَّنَاقُض فِيمَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة، وَلَكِن لَا يمشي أصلا لِأَن حَالَة التَّحَمُّل لَا تشْتَرط فِيهَا الْعَدَالَة، كَمَا ذكر عَن بعض الصَّحَابَة أَنه تحمل فِي حَال كفره، ثمَّ أدّى بعد إِسْلَامه، وَذَلِكَ لِأَن الْغَرَض شهرة النِّكَاح، وَذَلِكَ حَاصِل بِالْعَدْلِ، وَغَيره عِنْد التَّحَمُّل، وَأما عِنْد الْأَدَاء فَلَا يقبل إلَاّ الْعدْل. قَوْله: (فَإِن تزوج) إِلَى آخِره أَيْضا إِثْبَات التَّنَاقُض فِيهِ، وَلَيْسَ فِيهِ تنَاقض، لِأَن عدم جَوَاز النِّكَاح بِغَيْر شَاهِدين بِالنَّصِّ، وَأما التَّزَوُّج بِشَهَادَة محدودين فقد ذكرنَا أَن المُرَاد من ذَلِك شهرة النِّكَاح، وَذَلِكَ حَاصِل بِشَهَادَة المحدودين، وَأما عدم جَوَاز التَّزَوُّج بِشَهَادَة عَبْدَيْنِ فَلِأَن الأَصْل فِيهِ أَن كل من ملك الْقبُول بِنَفسِهِ انْعَقَد العقد بِحُضُورِهِ، وَمن لَا فَلَا، فَإِذا كَانَ كَذَلِك لَا ينْعَقد بِحُضُور عَبْدَيْنِ أَو صبيين أَو مجنونين، فَمن أَيْن التَّنَاقُض يرد؟ وَمن أَيْن الِاعْتِرَاض الصَّادِر من غير تَأمل فِي دقائق الْأَشْيَاء؟
وأجازَ شَهَادَةَ الْمَحْدُودِ والعبْدِ والأمَةِ لِرُؤْيَةِ هِلالِ رَمَضانَ
أَي: أجَاز بعض النَّاس الْمشَار إِلَيْهِ. . إِلَى آخِره، وَهَذَا الِاعْتِرَاض أَيْضا لَيْسَ بِشَيْء أصلا، وَذَلِكَ لِأَن أَبَا حنيفَة أجْرى ذَلِك مجْرى الْخَبَر، وَالْخَبَر يُخَالف الشَّهَادَة فِي الْمَعْنى، لِأَن الْمخبر لَهُ دخل فِي حكم مَا شهد بِهِ، وَقَالَ بِهَذَا أَيْضا غير أبي حنيفَة، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : هَذَا غلط لِأَن الشَّاهِد على هِلَال رَمَضَان لَا يَزُول عَنهُ اسْم شَاهد، وَلَا يُسمى مخبرا، فَحكمه حكم الشَّاهِد فِي الْمَعْنى لاستحقاقه ذَلِك بالإسم، وَأَيْضًا: فَإِن الشَّهَادَة على هِلَال رَمَضَان حكم من الْأَحْكَام، وَلَا يجوز أَن يقبل فِي الْأَحْكَام إلَاّ من تجوز شَهَادَته فِي كل شَيْء، وَمن جَازَت شَهَادَته فِي هِلَال رَمَضَان وَلم تجز فِي الْقَذْف فَلَيْسَ بِعدْل، وَلَا هُوَ مِمَّن يرضى، لِأَن الله تَعَالَى إِنَّمَا تعبدنا بِمن نرضى من الشُّهَدَاء. انْتهى. قلت: هَذَا تَطْوِيل الْكَلَام بِلَا فَائِدَة، وَكَلَام مَبْنِيّ على غير معرفَة بدقائق الْأَشْيَاء، وَقَوله: الشَّاهِد على هِلَال رَمَضَان لَا يَزُول عَنهُ اسْم الشَّاهِد، وَلَا يُسمى مخبرا، تحكم زَائِد، وَعدم زَوَال اسْم الشَّاهِد عَن الشَّاهِد على هِلَال رَمَضَان لَا عَقْلِي وَلَا نقلي، فَمن ادّعى ذَلِك فَعَلَيهِ الْبَيَان وَنفي الْإِخْبَار عَن شَاهد هِلَال رَمَضَان غير صَحِيح، على مَا لَا يخفى. وَقَوله: وَحكمه حكم الشَّاهِد فِي الْمَعْنى يُنَاقض كَلَامه، الأول، لِأَنَّهُ قَالَ: لَا يُسمى مخبرا ثمَّ كَيفَ
стр. 3924
يَقُول: فَحكمه أَي: فَحكم هَذَا الْمخبر حكم الشَّاهِد فِي الْمَعْنى، وَنحن أَيْضا نقُول بذلك، وَلكنه لَيْسَ بِشَهَادَة حَقِيقَة إِذْ لَو كَانَت شَهَادَة حَقِيقَة لما جَازَ الحكم بِشَهَادَة وَاحِد فِي هِلَال رَمَضَان، مَعَ أَنه يَكْتَفِي بِشَهَادَة وَاحِد عِنْد اعتلال المطلع بِشَيْء، وَهُوَ قَول عِنْد الشَّافِعِي أَيْضا وَرِوَايَة أَحْمد، وَالله تَعَالَى تعبدنا بِمن نرضى من الشُّهَدَاء عِنْد الشَّهَادَات الْحَقِيقِيَّة، والإخبار بِهِلَال رَمَضَان لَيْسَ من ذَلِك، وَالله أعلم.
وكَيْفَ تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ وقَدْ نَفاى النبيُّ ﷺ الزَّانِي سَنةً
هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ، وَهُوَ من تَمام التَّرْجَمَة، قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا عطف على أول التَّرْجَمَة، وَكَثِيرًا مَا يفعل البُخَارِيّ مثله، يردف تَرْجَمَة على تَرْجَمَة، وَإِن بعد مَا بَينهمَا. قَوْله: (وَكَيف تعرف تَوْبَته؟) أَي: كَيفَ تعرف تَوْبَة الْقَاذِف؟ وَأَشَارَ بذلك إِلَى الِاخْتِلَاف، فَقَالَ: أَكثر السّلف: لَا بُد أَن يكذب نَفسه، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي، رُوِيَ ذَلِك عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَاخْتَارَهُ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق. وَقَالَ: تَوْبَته أَن يزْدَاد خيرا وَلم يشْتَرط إكذاب نَفسه فِي تَوْبَته، لجَوَاز أَن يكون صَادِقا فِي قذفه، وَإِلَى هَذَا مَال البُخَارِيّ، كَمَا نذكرهُ الْآن، وَهُوَ استدلاله على ذَلِك بقوله: وَقد نفى النَّبِي، ﷺ الزَّانِي سنة، أَي: قد نَفَاهُ عَن الْبَلَد، وَهُوَ التَّغْرِيب، وَلم ينْقل عَنهُ ﷺ أَنه شَرط على الزَّانِي تَكْذِيبه لنَفسِهِ واعترافه بِأَنَّهُ عصى الله، ، فِي مُدَّة تغريبه، وَسَيَأْتِي نفي الزَّانِي مَوْصُولا فِي آخر الْبَاب.
ونهاى النبيُّ ﷺ عنْ كَلامِ كعبِ بنِ مالِكٍ وصاحِبَيْهِ حتَّى مضاى خَمسُونَ لَيْلَةً
هَذَا أَيْضا من جملَة مَا يسْتَدلّ بِهِ البُخَارِيّ على مَا ذهب إِلَيْهِ مثل مَا ذهب مَالك، بَيَانه أَنه ﷺ لما نهى عَن كَلَام كَعْب بن مَالك وصاحبيه هما مرَارَة بن الرّبيع وهلال بن أُميَّة ﴿الَّذين خلفوا حَتَّى إِذا ضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ﴾ (التَّوْبَة: ٨١١) . لم ينْقل عَنهُ أَنه شَرط عَلَيْهِم ذَلِك فِي مُدَّة الْخمسين، وقصة كَعْب ستأتي بِطُولِهَا فِي آخر تَفْسِير بَرَاءَة، وغزوة تَبُوك. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه تعلق قصتهم بِالْبَابِ؟ قلت: تخلفوا عَن رَسُول الله، ﷺ فِي غَزْوَة تَبُوك، والتخلف عَنهُ بِدُونِ إِذْنه مَعْصِيّة، كالسرقة وَنَحْوهَا.
٨٤٦٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ وَقَالَ اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني يُونُسُ عنِ ابنِ شِهابِ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ امْرَأةً سَرَقَتْ فِي غَزْوَةِ الفَتْحِ فَأتى بهَا رسولُ الله ﷺ ثُمَّ أمَرَ فَقُطِعَتْ يَدُها قالتْ عائِشَةُ فَحَسُنَتْ تَوْبَتُها وتَزَوَّجَتْ وكانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذالِكَ فأرْفعُ حاجَتَها إِلَى رسُولِ الله ﷺ ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فحسنت توبتها) ، لِأَن فِيهِ دلَالَة على أَن السَّارِق إِذا تَابَ وَحسنت حَاله تقبل شَهَادَته، فَالْبُخَارِي ألحق الْقَاذِف بالسارق لعدم الْفَارِق عِنْده، وَنقل الطَّحَاوِيّ الْإِجْمَاع على قبُول شَهَادَة السَّارِق إِذا تَابَ، وَذهب الْأَوْزَاعِيّ وَالْحسن بن صَالح إِلَى أَن الْمَحْدُود فِي الْخمر إِذا تَابَ لَا تقبل شَهَادَته، وَقد خالفا فِي ذَلِك جَمِيع فُقَهَاء الْأَمْصَار.
وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحُدُود عَن إِسْمَاعِيل أَيْضا بِإِسْنَادِهِ، وَفِي غَزْوَة الْفَتْح عَن مُحَمَّد بن مقَاتل. وَأخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن أبي الطَّاهِر وحرملة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن أبي صَالح، وَهُوَ عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث عَن اللَّيْث. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقطع عَن الْحَارِث بن مِسْكين عَن ابْن وهب. وَأما التَّعْلِيق عَن اللَّيْث فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد عَن مُحَمَّد بن يحيى بن فَارس عَن أبي صَالح لَكِن بِغَيْر هَذَا اللَّفْظ، وَظهر أَن هَذَا اللَّفْظ لِابْنِ وهب.
قَوْله: (أَن امْرَأَة) ، اسْمهَا: فَاطِمَة بنت الْأسود. قَوْله: (ثمَّ أَمر بهَا فَقطعت) ، فِيهِ حذف يَعْنِي: بَعْدَمَا ثَبت عِنْد النَّبِي، ﷺ : بِشُرُوطِهِ أَمر بِقطع يَدهَا.
وَفِيه: أَن الْمَرْأَة كَالرّجلِ فِي حكم السّرقَة. وَفِيه: أَن تَوْبَة السَّارِق إِذا حسنت لَا ترد شَهَادَته بعد ذَلِك.
стр. 3925
٩٤٦٢ - حدَّثنا يَحْياى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عبدِ الله عنْ زَيْدِ بنِ خالِدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ أنَّهُ أمَرَ فِيمَنْ زَنَى ولَمْ يُحْصِنْ بِجِلْدِ مائَةٍ وتَغْرِيبِ عامٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ لم يشْتَرط على الَّذِي زنى وأقيم عَلَيْهِ الْحَد ذكر التَّوْبَة، وَإِنَّمَا قَالَ فِي مَاعِز: حصلت التَّوْبَة بِالْحَدِّ، وَكَذَا فِي هَذَا الزَّانِي.
وَرِجَال هَذَا الحَدِيث قد ذكرُوا غير مرّة بِهَذَا النسق، ومفرقين أَيْضا، وَعبيد الله بن عبد الله ابْن عتبَة بن مَسْعُود، وَزيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح وَعَن أبي الطَّاهِر وحرملة.
قَوْله: (بجلد مائَة) ، الْبَاء فِيهِ مُتَعَلق بقوله أَمر. وَقَوله: (فِيمَن زنى) فِي مَحل النصب على المفعولية بقوله: (يجلد مائَة) ، لِأَن الْمصدر يعْمل عمل فعله. قَوْله: (وَلم يحصن) ، بِفَتْح الصَّاد وَكسرهَا وَالْوَاو فِيهِ للْحَال. والْحَدِيث احْتج بِهِ الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد على أَن الزَّانِي إِذا لم يكن مُحصنا يجلد مائَة جلدَة ويغرب سنة. وَقَالَ أَصْحَابنَا: لَا يجمع بَين جلد وَنفي، لِأَن النَّص جعل الْجلد مائَة وَالزِّيَادَة على مُطلق النَّص نسخ، والْحَدِيث مَنْسُوخ، وَلِأَن فِي التَّغْرِيب تعريضاً للْفَسَاد، وَلِهَذَا قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: كفى بِالنَّفْيِ فتْنَة، وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، نفى شخصا فَارْتَد، وَلحق بدار الْحَرْب، فَحلف أَن لَا يَنْفِي بعده أبدا، وَبِهَذَا عرف أَن نفيهم كَانَ بطرِيق السياسة وَالتَّعْزِير لَا بطرِيق الْحَد. لِأَن مثل عمر لَا يحلف أَن لَا يُقيم الْحُدُود، وَالله أعلم.
٩ - (بابٌ لَا يَشْهَدُ على شِهَادَةِ جَوْر إذَا أُشْهِدَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يشْهد الرجل على شَهَادَة جور، وَهُوَ الظُّلم والحيف والميل عَن الْحق. قَوْله: (إِذا أشهد) ، على صِيغَة الْمَجْهُول.
٠٥٦٢ - حدَّثنا عبْدَانُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا أبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ عنِ النُّعْمَانِ بنِ بَشيرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ سألَتْ أُمِّي أبِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِي مِنْ مالِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَوَهَبَهَا لِي فقالَت لَا أرْضاى حتَّى تُشْهِدَ النبيَّ ﷺ فأخَذَ بِيَدِي وأنَا غُلامٌ فأتاى بيَ النبيُّ ﷺ فَقَالَ إنَّ أُمَّهُ بنْتَ رَواحَةَ سألَتْنِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِهاذا قَالَ ألَكَ ولَدٌ سِواهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فأُرَاهُ قَالَ لَا تُشْهِدْني عَلَى جَوْر. وَقَالَ أبُو حَرِيزٍ عنِ الشَّعْبِيِّ لَا أشْهَدُ على جَوْر.
(انْظُر الحَدِيث ٦٨٥٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: إِذا أشهد، لِأَنَّهُ لَا يشْهد على جور إِذا لم يستشهد بطرِيق الأولى، وعبدان هُوَ عبد الله ابْن عُثْمَان الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي وَأَبُو حَيَّان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون التَّيْمِيّ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، واسْمه: يحيى بن سعيد الْكُوفِي، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْهِبَة فِي: بَاب الْهِبَة للْوَلَد وَفِي: بَاب الْإِشْهَاد فِي الْهِبَة.
قَوْله: (الموهبة) بِمَعْنى: الْهِبَة مصدر ميمي. قَوْله: (ثمَّ بدا لَهُ) أَي: نَدم من الْمَنْع كَأَنَّهُ منع أَولا ثمَّ نَدم على ذَلِك. قَوْله: (بنت رَوَاحَة) بِفَتْح الرَّاء وَالْوَاو المخففة، وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة: وَهِي عمْرَة بنت رَوَاحَة، مرت هُنَاكَ. قَوْله: (على جور) ، الْجور هُنَا بِمَعْنى الْميل عَن الِاعْتِدَال وَالْمَكْرُوه جور أَيْضا، وَذَلِكَ لِأَن الْجور بِمَعْنى الظُّلم مشْعر بِالْحُرْمَةِ. قَوْله: (وَقَالَ أَبُو حريز) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وبالزاي وَهُوَ عبد الله بن الْحُسَيْن الْأَزْدِيّ قَاضِي سجستان، وَقد ذكرنَا فِي الْهِبَة من وَصله، وَفِي بعض النّسخ وَقع قَوْله: (وَقَالَ أَبُو حريز) إِلَى آخِره قبل الحَدِيث الْمَذْكُور، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَقع فِي غير مَا نسخه: قَالَ أَبُو حريز ... إِلَى آخِره، ثمَّ ذكر الحَدِيث. وَفِي نُسْخَة ذكره بعد إِيرَاده لحَدِيث النُّعْمَان بن بشير، وَكَأَنَّهُ أولى.
١٥٦٢ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا أبُو جَمْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ زَهْدَمَ بنَ مُضَرِّبٍ قَالَ سَمِعْتُ عِمْرَانَ بنَ حُصَيْن رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ خيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ
стр. 3926
ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ قَالَ عِمْرَانُ لَا أدْرِي أذَكَرَ النبيُّ ﷺ بعْدُ قَرْنَيْنِ أوْ ثَلاثَةً قَالَ النبيُّ ﷺ إنَّ بَعْدَكُمْ قَوْماً يَخُونُونَ ولَا يُؤْتَمَنُونَ ويَشْهَدُونَ وَلَا يستشهدون ويَنْذِرُونَ ولَا يَفُونَ ويَظْهَرُ فيهِمُ السِّمْنُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَيشْهدُونَ وَلَا يستشهدون) ، لِأَن الشَّهَادَة قبل الاستشهاد فِيهَا معنى الْجور.
وَأَبُو جَمْرَة، بِالْجِيم وَالرَّاء: نصر بن عمرَان الضبعِي، وَقد مر فِي أَوَاخِر كتاب الْإِيمَان، و: زَهْدَم، بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْهَاء وَفتح الدَّال الْمُهْملَة: ابْن مضرب، بِضَم الْمِيم وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء: الْجرْمِي الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي فضل الصَّحَابَة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَفِي الرقَاق عَن بنْدَار عَن غنْدر وَفِي النذور عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي بكر وَأبي مُوسَى وَبُنْدَار، ثَلَاثَتهمْ عَن غنْدر وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن عبد الرَّحْمَن بن بشر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النذور عَن مُحَمَّد ابْن عبد الْأَعْلَى، سبعتهم عَن شُعْبَة عَن أبي جَمْرَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قرنء) قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: الْمَعْنى: خير النَّاس أهل قَرْني، فَحذف الْمُضَاف، وَقد يُسمى أهل الْعَصْر قرنا، لاقترانهم فِي الْوُجُود، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: هُوَ بِسُكُون الرَّاء من النَّاس أهل زمَان وَاحِد، وَقَالَ ابْن التِّين معنى قَوْله: (قَرْني) أَي: أَصْحَابِي من رَآهُ أَو سمع كَلَامه، فدان بِهِ، وَالْقرَان أهل عصر مُتَقَارِبَة أسنانهم، وَقَالَ الْخطابِيّ: واشتق لَهُم هَذَا الإسم من الاقتران فِي الْأَمر الَّذِي يجمعهُمْ، وَقيل: إِنَّه لَا يكون قرنا حَتَّى يَكُونُوا فِي زمن نَبِي أَو رَئِيس يجمعهُمْ على مِلَّة أَو رَأْي أَو مَذْهَب. وَقَالَ ابْن التِّين: سَوَاء قلَّت الْمدَّة أَو كثرت. وَقيل: الْقرن ثَمَانُون سنة. وَقيل: أَرْبَعُونَ، وَقيل: مائَة سنة. قَالَ الْقَزاز: وَاحْتج لهَذَا بِأَن النَّبِي، ﷺ مسح بِيَدِهِ على رَأس غُلَام، وَقَالَ لَهُ: (عش قرنا) ، فَعَاشَ مائَة سنة. قَالَ ابْن عديس: قَالَ ثَعْلَب: هَذَا هُوَ الِاخْتِيَار، وَقَالَ ابْن التِّين: وَقيل: من عشْرين إِلَى مائَة وَعشْرين وَقيل: سِتُّونَ، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: ثَلَاثُونَ سنة، وَقَالَ ابْن سَيّده: هُوَ مِقْدَار التَّوَسُّط فِي أَعمار أهل الزَّمَان، فَهُوَ فِي كل قوم على مِقْدَار أعمارهم. قَالَ: وَهُوَ الْأمة تَأتي بعد الْأمة. قيل: مدَّته عشر سِنِين، وَفِي (الموعب) : وَقيل عشرُون سنة، وَقيل: سَبْعُونَ، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الْقرن الْوَقْت من الزَّمَان، وَفِي (التَّهْذِيب) : لِأَنَّهُ يقرن أمة بِأمة وعالماً بعالم. قَوْله: (يَلُونَهُمْ) ، مِنْ وَلِيهُ يَلِيهِ، بِالْكَسْرِ فيهمَا، وَالْوَلِيّ: الْقرب والدنو. قَوْله: (قَالَ عمرَان) هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَهُوَ بَقِيَّة حَدِيث عمرَان. قَوْله: (أذَكر؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام. قَوْله: (بعدٌ) مَبْنِيّ على الضَّم منوي الْإِضَافَة، وَفِي رِوَايَة: بعد قرنه. قَوْله: (إِن بعدكم قوما) ، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَابْن شبويه: (إِن بعدكم قوم) قَالَ الْكرْمَانِي: فَلَعَلَّهُ مَنْصُوب، لكنه كتب بِدُونِ الْألف على اللُّغَة الربيعية أَو ضمير الشَّأْن مَحْذُوف على ضعف. قَوْله: (يخونون) ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة من الْخِيَانَة، أَو فِي رِوَايَة ابْن حزم: يحربون، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالرَّاء وَالْبَاء الْمُوَحدَة، قَالَ: فَإِن كَانَ مَحْفُوظًا فَهُوَ من قَوْلهم: حربه يحربه إِذا أَخذ مَاله وَتَركه بِلَا شَيْء، وَرجل محروب أَي: مسلوب المَال. قَوْله: (وَلَا يؤتمنون) أَي: لَا يَثِق النَّاس بهم وَلَا يعتقدونهم، أَي: يكون لَهُم خِيَانَة ظَاهِرَة بِحَيْثُ لَا يبْقى للنَّاس اعْتِمَاد عَلَيْهِم. قَوْله: (وَيشْهدُونَ) ، يحْتَمل أَن يُرَاد: يتحملون الشَّهَادَة بِدُونِ التحميل، أَو يؤدون الشَّهَادَة بِدُونِ طلب الْأَدَاء. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: بعض الشَّهَادَات تجب أَو يسْتَحبّ الْأَدَاء قبل الطّلب. قلت: حذف الْمَفْعُول بِهِ يدل على إِرَادَة الْعُمُوم، فالمذموم عدم التَّخْصِيص، وَذَلِكَ الْبَعْض مثل مَا فِيهِ حق مُؤَكد لله تَعَالَى الْمُسَمّى بِشَهَادَة الْحِسْبَة غير مُرَاد بِدَلِيل خارجي، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: إِن قيل: كَيفَ الْجمع بَين قَوْله: (يشْهدُونَ وَلَا يستشهدون؟) ، وَبَين قَوْله فِي حَدِيث زيد ن خَالِد: (أَلا أخْبركُم بِخَير الشُّهَدَاء: الَّذين يأْتونَ بِالشَّهَادَةِ قبل أَن يُسْألُوها) . فَالْجَوَاب أَن التِّرْمِذِيّ ذكر عَن بعض أهل الْعلم أَن المُرَاد بِالَّذِي يشْهد وَلَا يستشهد شَاهد الزُّور. وَاحْتج بِحَدِيث عمر عَن النَّبِي، ﷺ ، أَنه قَالَ: (ثمَّ يفشوا الْكَذِب حَتَّى يشْهد الرجل وَلَا يستشهد) ، وَالْمرَاد بِحَدِيث زيد بن خَالِد الشَّاهِد على الشَّيْء فَيُؤَدِّي شَهَادَته وَلَا يمْتَنع من إِقَامَتهَا. وَقَالَ الْخطابِيّ: وَيحْتَمل أَن يُرِيد الشَّهَادَة على المغيب من أَمر الْخلق فَيشْهد على قوم أَنهم من أهل النَّار، ولآخرين بِغَيْر ذَلِك على مَذْهَب أهل الْأَهْوَاء، وَقيل: إِنَّمَا هَذَا فِي الرجل تكون عِنْده الشَّهَادَة وَقد نَسِيَهَا صَاحب الْحق، وَيتْرك أطفالاً وَلَهُم على النَّاس حُقُوق، وَلَا علم للْمُوصي بهَا، فَيَجِيء مَن عِندَه الشَّهَادَة فيبذل شَهَادَته لَهُم بذلك، فيحيى حَقهم، فَحمل بذل الشَّهَادَة قبل الْمَسْأَلَة على مثل هَذَا. وَقَالَ ابْن بطال: وَالشَّهَادَة المذمومة لم يرد بهَا الشَّهَادَة على الْحُقُوق، إِنَّمَا أُرِيد بهَا الشَّهَادَة فِي الْإِيمَان، يدل عَلَيْهِ قَول النَّخعِيّ رِوَايَة فِي آخر الحَدِيث، وَكَانُوا
стр. 3927
يضربوننا على الشَّهَادَة، فَدلَّ هَذَا من قَول إِبْرَاهِيم: أَن الشَّهَادَة المذموم عَلَيْهَا صَاحبهَا هِيَ قَول الرجل: أشهد بِاللَّه مَا كَانَ كَذَا على كَذَا، على معنى الْحلف، فكره ذَلِك، وَهَذِه الْأَقْوَال أَقْوَال الَّذين جمعُوا بَين حَدِيث النُّعْمَان وَزيد. وَأما ابْن عبد الْبر فَإِنَّهُ رجح حَدِيث زيد بن خَالِد لكَونه من رِوَايَة أهل الْمَدِينَة، فقدمه على رِوَايَة أهل الْعرَاق، وَبَالغ فِيهِ حَتَّى زعم أَن حَدِيث النُّعْمَان لَا أصل لَهُ، وَمِنْهُم من رجح حَدِيث عمرَان، لِاتِّفَاق صَاحِبي (الصَّحِيح) عَلَيْهِ، وانفراد مُسلم بِإِخْرَاج حَدِيث زيد بن خَالِد، قَوْله: (وينذرون) ، بِفَتْح أَوله وبكسر الذَّال الْمُعْجَمَة وَبِضَمِّهَا. قَوْله: (وَلَا يفون) من الْوَفَاء، يُقَال: وَفِي يَفِي وَأَصله، يُوفي، حذفت الْوَاو لوقوعها بَين الْيَاء والكسرة، وأصل: يفون، يوفيون، فَلَمَّا حذفت الْوَاو وَلما ذكرنَا استثقلت الضمة على الْيَاء فنقلت إِلَى مَا قبلهَا بعد سلب حَرَكَة مَا قبلهَا. قَوْله: (وَيظْهر فيهم السّمن) ، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم بعْدهَا نون، مَعْنَاهُ: أَنهم يحبونَ التَّوَسُّع فِي المآكل والمشارب، وَهِي أَسبَاب السّمن. وَقَالَ ابْن التِّين: المُرَاد ذمّ محبته وتعاطيه لَا مَن يخلق كَذَلِك. وَقيل: المُرَاد، يظْهر فيهم كَثْرَة المَال، وَقيل: المُرَاد أَنهم يتسمنون أَي: يتكثرون بِمَا لَيْسَ فيهم، وَيدعونَ مَا لَيْسَ لَهُم من الشّرف، وَيحْتَمل أَن يكون جَمِيع ذَلِك مرَادا، وَقد رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من طَرِيق هِلَال بن يسَاف عَن عمرَان بن حُصَيْن بِلَفْظ: ثمَّ يَجِيء قوم فيتسمنون وَيُحِبُّونَ السّمن.
٢٥٦٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قَالَ أخبرنَا سُفْيَانُ عنْ مَنْصُور عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عُبَيْدَةَ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ أقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أحَدِهِمْ يَمِينَهُ ويَمِينُه شَهَادَتَهُ قَالَ إبْرَاهِيمُ وكانُوا يَضْرِبُونَنَا على الشَّهَادَةِ والعَهْدِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (تسبق شهادةُ أحدهم يَمِينه ويمنُه شهادَتَه) لِأَن فِيهِ معنى الْجور، لِأَن مَعْنَاهُ أَنهم لَا يتورعون فِي أَقْوَالهم، ويستهينون بِالشَّهَادَةِ وَالْيَمِين، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ وَعبيدَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: هُوَ السَّلمَانِي، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَرِجَال هَذَا الْإِسْنَاد كلهم كوفيون. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين على نسق وَاحِد.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفَضَائِل عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان، وَفِي النذور عَن سعد ابْن حَفْص وَفِي الرَّقَائِق عَن عَبْدَانِ، وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن قُتَيْبَة وهناد وَعَن عُثْمَان وَإِسْحَاق وَعَن ابْن الْمثنى وَعَن مُحَمَّد ابْن بشار. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن هناد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الشُّرُوط عَن قُتَيْبَة بِهِ، وَفِي الْقَضَاء عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بِهِ، وَعَن أَحْمد بن عُثْمَان النَّوْفَلِي وَعَن ابْن الْمثنى وَابْن بشار، وَعَن بشر بن خَالِد وَعَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَعَمْرو بن نَافِع.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ثمَّ تَجِيء أَقوام تسبق شَهَادَة أحدهم يَمِينه ويمنه شَهَادَته) ، يَعْنِي فِي حَالين لَا فِي حَالَة وَاحِدَة، قَالَ الْكرْمَانِي: تقدم الشَّهَادَة على الْيَمين وَبِالْعَكْسِ دور فَلَا يُمكن وُقُوعه فَمَا وَجهه؟ قلت: هم الَّذين يحرصون على الشَّهَادَة مشغوفون بترويجها، يحلفُونَ على مَا يشْهدُونَ بِهِ، فَتَارَة يحلفُونَ قبل أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ، وَتارَة يعكسون، وَيحْتَمل أَن يكون مثلا فِي سرعَة الشَّهَادَة وَالْيَمِين، وحرص الرجل عَلَيْهِمَا حَتَّى لَا يدْرِي بأيتهما يبتديء، فَكَأَنَّهُ يسْبق أَحدهمَا الآخر من قلَّة مبالاته بِالدّينِ. قَوْله: (قَالَ إِبْرَاهِيم) إِلَى آخِره، مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَقيل: مُعَلّق، وَقَالَ بَعضهم: وَوهم من زعم أَنه مُعَلّق. قلت: لم يقم الدَّلِيل على أَنه وهم، بل كَلَام بِالِاحْتِمَالِ. قَوْله: (وَكَانُوا يضربوننا على الشَّهَادَة والعهد) وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْفَضَائِل بِهَذَا الْإِسْنَاد: (وَنحن صغَار) . وَكَذَلِكَ أخرجه مُسلم بِلَفْظ: كَانُوا ينهوننا وَنحن غلْمَان عَن الْعَهْد والشهادات. وَقَالَ أَبُو عمر: مَعْنَاهُ عِنْدهم: النَّهْي عَن مبادرة الرجل بقوله: إشهد بِاللَّه، وعَلى عهد الله لقد كَانَ كَذَا وَنَحْو ذَلِك، وَإِنَّمَا كَانُوا يضربونهم على ذَلِك حَتَّى لَا يصير لَهُم بِهِ عَادَة فَيحلفُونَ فِي كل مَا يصلح وَمَا لَا يصلح، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بالعهد الْمنْهِي الدُّخُول فِي الْوَصِيَّة لما يَتَرَتَّب على ذَلِك من الْمَفَاسِد، وَالْوَصِيَّة تسمى الْعَهْد، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لن ينَال عهدي الظَّالِمين﴾ (الْبَقَرَة: ٤٢١) . .
٠١ - (بابُ مَا قيلَ فِي شَهادَةِ الزُّورِ)
стр. 3928
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا قيل فِي شَهَادَة الزُّور من التَّغْلِيظ والوعيد، والزور وصف الشَّيْء بِخِلَاف صفته، فَهُوَ تمويه الْبَاطِل بِمَا يُوهم أَنه حق، وَالْمرَاد بِهِ هُنَا: الْكَذِب.
لِقَوْلِ الله ﴿والَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ (الْفرْقَان: ٢٧) .
ذكره هَذِه الْقطعَة من الْآيَة فِي معرض التَّعْلِيل لما قيل فِي شَهَادَة الزُّور من الْوَعيد والتهديد لَا وَجه لَهُ، لِأَن الْآيَة سيقت فِي مدح الَّذين لَا يشْهدُونَ الزُّور، وَمَا قبلهَا أَيْضا فِي مدح التائبين العاملين الْأَعْمَال الصَّالِحَة، وَتَمام الْآيَة أَيْضا مدح فِي الَّذين إِذا سمعُوا اللَّغْو مروا كراماً، وَمَا بعْدهَا أَيْضا من الْآيَات كَذَلِك، وَقَالَ بَعضهم: أَشَارَ إِلَى أَن الْآيَة سيقت فِي ذمّ متعاطي شَهَادَة الزُّور، وَهُوَ اخْتِيَار لأحد مَا قيل فِي تَفْسِيرهَا. انْتهى. قلت: مَا سيقت الْآيَة، إلَاّ فِي مدح تاركي شَهَادَة الزُّور، كَمَا قُلْنَا. وَقَوله: وَهُوَ اخْتِيَار لأحد مَا قيل فِي تَفْسِيرهَا، لم يقل بِهِ أحد من الْمُفَسّرين، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي تَفْسِير الزُّور، فَقَالَ أَكْثَرهم: الزُّور والشرك، وَقيل: شَهَادَة الزُّور، قَالَه ابْن طَلْحَة وَقيل: الْمُشْركُونَ، وَقيل: الصَّنَم، وَقيل: مجَالِس الخناء، وَقيل: مجْلِس كَانَ يشْتم فِيهِ، ﷺ ، وَقيل: العهود على الْمعاصِي.
وكِتْمَانِ الشِّهادةِ
وكتمان، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: فِي شَهَادَة الزُّور، أَي: وَمَا قيل فِي كتمان الشَّهَادَة بِالْحَقِّ من الْوَعيد والتهديد.
لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ومَنْ يَكْتُمْها فإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (الْبَقَرَة: ٣٨٢) .
هَذَا التَّعْلِيل فِي مَحَله، أَي: وَلَا تخفوا الشَّهَادَة، إِذا دعيتم إِلَى إِقَامَتهَا، وَمن كتمانها ترك التَّحَمُّل عِنْد الْحَاجة إِلَيْهِ. قَوْله: ﴿فَإِنَّهُ آثم قلبه﴾ (الْبَقَرَة: ٣٨٢) . أَي: فَاجر قلبه، وَخَصه بِالْقَلْبِ لِأَن الكتمان يتَعَلَّق بِهِ، لِأَنَّهُ يضمره فِيهِ فأسند إِلَيْهِ ﴿وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ عليم﴾ (الْبَقَرَة: ٣٨٢) . أَي: يجازي على أَدَاء الشَّهَادَة وكتمانها.
تَلْوُوا ألْسِنَتَكُمْ بِالشَّهادَةِ
أَشَارَ بقوله: تلووا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن تلووا أَو تعرضوا فَإِن الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا﴾ (النِّسَاء: ٥٣١) . أَي: وَإِن تلووا أَلْسِنَتكُم بِالشَّهَادَةِ، وروى الطَّبَرِيّ عَن الْعَوْفِيّ فِي هَذِه الْآيَة، قَالَ: وتلوي لسَانك بِغَيْر الْحق، وَهِي اللجلجة، فَلَا تقيم الشَّهَادَة على وَجههَا. وتلووا من اللي، وَأَصله اللوي. قَالَ الْجَوْهَرِي: لوى الرجل رَأسه وألوى بِرَأْسِهِ، أقَال وَأعْرض. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِن تلووا أَو تعرضوا﴾ (النِّسَاء: ٥٣١) . بواوين، قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ القَاضِي يكون ليه وإعراضه لأحد الْخَصْمَيْنِ على الآخر، وَقد قرىء بواو وَاحِدَة مَضْمُومَة اللَّام من: وليت، وَقَالَ مُجَاهِد: أَي إِن تلووا الشَّهَادَة فتقيموها أَو تعرضوا عَنْهَا فتتركوها، فَإِن الله يجازيكم عَلَيْهِ، قَالَ الْكرْمَانِي: وَلَو فصل البُخَارِيّ بَين لفظ: تلووا، وَلَفظ: أَلْسِنَتكُم، بِمثل: أَي، أَو: يَعْنِي، ليتميز الْقرَان عَن كَلَامه لَكَانَ أولى قلت: بل كَانَ التَّمْيِيز بَين الْقُرْآن وَكَلَامه وَاجِبا، لِأَن من لَا يحفظ الْقُرْآن أَو لَا يحسن الْقِرَاءَة يظنّ أَن قَوْله: (أَلْسِنَتكُم) من الْقُرْآن، وَكَانَ الَّذِي يَنْبَغِي أَن يَقُول، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِن تلووا﴾ (النِّسَاء: ٥٣١) . يَعْنِي أَلْسِنَتكُم. و: إتْيَان، كلمة مُفْردَة من الْقُرْآن فِي معرض الِاحْتِجَاج لَا يُفِيد، وَلَا هُوَ بطائل أَيْضا.
٣٥٦٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُنيرٍ قَالَ سَمِعَ وهْبَ بنَ جَرِير وعبْدَ المَلِكِ بنَ إبْرَاهِيمَ قالَا حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ أبِي بَكْرِ بنِ أنَسٍ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سُئلَ النبيُّ ﷺ عنِ الكَبَائِرِ قَالَ الأشْرَاكُ بِاللَّه وعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ وقَتْلُ النَّفْسِ وشَهَادَةُ الزُّورِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَشَهَادَة الزُّور) .
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عبد الله بن مُنِير، بِضَم الْمِيم وَكسر النُّون: أَبُو عبد الرَّحْمَن الزَّاهِد، مر فِي الْوضُوء. الثَّانِي: وهب بن جرير بن حَازِم الْأَزْدِيّ أَبُو الْعَبَّاس. الثَّالِث: عبد الْملك بن إِبْرَاهِيم أَبُو عبد الله، مولى بني عبد الدَّار الْقرشِي. الرَّابِع: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الْخَامِس: عبيد الله، بتصغير العَبْد، ابْن أبي بكر بن أنس بن مَالك. السَّادِس: أنس بن مَالك.
стр. 3929
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: السماع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه مروزي وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَن وهب بن جرير بَصرِي وَأَن عبد الْملك بن إِبْرَاهِيم مكي جدي، بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الدَّال الْمُهْملَة، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَن شُعْبَة واسطي سكن الْبَصْرَة، وَأَن عبيد الله بَصرِي. قَوْله: عَن عبد الله بن أبي بكر، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن جَعْفَر الَّتِي تَأتي فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة حَدثنِي عبيد الله بن أبي بكر سَمِعت أنس بن مَالك. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن جده.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن الْوَلِيد، وَفِي الدِّيات عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن يحيى بن حبيب وَعَن مُحَمَّد بن الْوَلِيد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبيُوع وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقَضَاء وَفِي الْقصاص وَفِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (سُئِلَ النَّبِي ﷺ ، ويروى: سُئِلَ رَسُول الله، ﷺ ، وَفِي رِوَايَة بهز عَن شُعْبَة عِنْد أَحْمد أَو ذكرهَا، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن جَعْفَر: ذكر الْكَبَائِر أَو سُئِلَ عَنْهَا، قَوْله: (عَن الْكَبَائِر) ، جمع كَبِيرَة وَهِي الفعلة القبيحة من الذُّنُوب الْمنْهِي عَنْهَا شرعا. الْعَظِيم أمرهَا: كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا والفرار من الزَّحْف وَغير ذَلِك، وَهِي من الصِّفَات الْغَالِبَة، يَعْنِي صَار إسماً لهَذِهِ الفعلة القبيحة، وَفِي الأَصْل هِيَ صفة، وَالتَّقْدِير: الفعلة القبيحة أَو الْخصْلَة القبيحة، قيل: الْكَبِيرَة كل مَعْصِيّة، وَقيل: كل ذَنْب قرن بِنَار أَو لعنة أَو غضب أَو عَذَاب. قلت: الْكَبِيرَة أَمر نسبي، فَكل ذَنْب فَوْقه ذَنْب فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَبِيرَة، وبالنسبة إِلَى مَا تَحْتَهُ صَغِيرَة. وَاخْتلفُوا فِي الْكَبَائِر، وَهَهُنَا ذكر أَرْبَعَة، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهَا أَربع فَقَط، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْء مِمَّا يدل على الْحصْر. وَقيل: هِيَ سبع، وَهِي فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (اجتنبوا السَّبع الموبقات وَهِي: الْإِشْرَاك بِاللَّه، وَقتل النَّفس الَّتِي حرم الله إلَاّ بِالْحَقِّ، وَالسحر، وَأكل الرِّبَا، وَأكل مَال الْيَتِيم، والتولي يَوْم الزَّحْف، وَقذف الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات الْغَافِلَات) . وَقيل: الْكَبَائِر تسع، رَوَاهُ الْحَاكِم فِي حَدِيث طَوِيل فَذكر السَّبْعَة الْمَذْكُورَة، وَزَاد عَلَيْهَا: (عقوق الْوَالِدين الْمُسلمين، وَاسْتِحْلَال الْحَرَام) . وَذكر شَيخنَا عَن أبي طَالب الْمَكِّيّ أَنه قَالَ: الْكَبَائِر سبع عشرَة، قَالَ: جمعتها من جملَة الْأَخْبَار وَجُمْلَة مَا اجْتمع من قَول ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَغَيرهم: الشّرك بِاللَّه، والإصرار على مَعْصِيَته، والقنوط من رَحمته، والأمن من مكره، وَشَهَادَة الزُّور، وَقذف الْمُحصن، وَالْيَمِين الْغمُوس، وَالسحر، وَشرب الْخمر، والمسكر، وَأكل مَال الْيَتِيم ظلما وَأكل الرِّبَا، وَالزِّنَا، واللواطة، وَالْقَتْل، وَالسَّرِقَة، والفرار من الزَّحْف، وعقوق الْوَالِدين. انْتهى. وَقَالَ رجل لِابْنِ عَبَّاس: الْكَبَائِر سبع؟ فَقَالَ: هِيَ إِلَى سَبْعمِائة. قَوْله: (الْإِشْرَاك بِاللَّه) ، مَرْفُوع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف التَّقْدِير: الْكَبَائِر الْإِشْرَاك بِاللَّه وَمَا بعده عطف عَلَيْهِ، وَوجه تَخْصِيص هَذِه الْأَرْبَعَة بِالذكر لِأَنَّهَا أكبر الْكَبَائِر والشرك أعظمها. قَوْله: (وعقوق الْوَالِدين) ، العقوق من العق، وَهُوَ: الْقطع، وَذكر الْأَزْهَرِي أَنه يُقَال: عق وَالِده يعقه، بِضَم الْعين: عقاً وعقوقاً إِذا قطعه، والعاق اسْم فَاعل، وَيجمع على عققة، بِفَتْح الْحُرُوف كلهَا، و: عُقُق، بِضَم الْعين وَالْقَاف. وَقَالَ صَاحب (الْمُحكم) : رجل عُقُق وعقوق وعق وعاق، بِمَعْنى وَاحِد. والعاق هُوَ الَّذِي شقّ عَصا الطَّاعَة لوَالِديهِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا قَول أهل اللُّغَة. وَأما حَقِيقَة العقوق الْمحرم شرعا فقلَّ من ضَبطه، وَقد قَالَ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو مُحَمَّد بن عبد السَّلَام: لم أَقف فِي عقوق الْوَالِدين وَفِيمَا يختصان بِهِ من العقوق على ضَابِط اعْتمد عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يجب طاعتهما فِي كل مَا يأمران بِهِ وَلَا ينهيان عَنهُ بِاتِّفَاق الْعلمَاء، وَقد حرم على الْوَلَد الْجِهَاد بِغَيْر إذنهما لما يشق عَلَيْهِمَا من توقع قَتله أَو قطع عُضْو من أَعْضَائِهِ ولشدة تفجعهما على ذَلِك،، وَقد ألحق بذلك كل سفر يخافان فِيهِ على نَفسه أَو عُضْو من أَعْضَائِهِ. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بن الصّلاح فِي (فَتَاوِيهِ) : العقوق الْمحرم كل فعل يتَأَذَّى بِهِ الْوَالِدَان تأذياً لَيْسَ بالهين مَعَ كَونه لَيْسَ من الْأَفْعَال الْوَاجِبَة، قَالَ: وَرُبمَا قيل: طَاعَة الْوَالِدين وَاجِبَة فِي كل مَا لَيْسَ بِمَعْصِيَة، وَمُخَالفَة أَمرهمَا فِي ذَلِك عقوق، وَقد أوجب كثير من الْعلمَاء طاعتهما فِي الشُّبُهَات، وَلَيْسَ قَول من قَالَ من عُلَمَائِنَا: يجوز لَهُ السّفر فِي طلب الْعلم وَفِي التِّجَارَة بِغَيْر إذنهما مُخَالفا لما ذكرته، فَإِن هَذَا كَلَام مُطلق، وَفِيمَا ذكرته بَيَان لتقييد ذَلِك الْمُطلق. قَوْله: (وَقتل النَّفس) ، يَعْنِي: بِغَيْر الْحق وَيَكْفِي فِيهِ وعيداً قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا﴾ (النِّسَاء: ٣٩) . الْآيَة. قَوْله: (وَشَهَادَة
стр. 3930
الزُّور) ، وَقد مر تَفْسِير الزُّور فِي أول الْبَاب. وَقد رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: عدلت شَهَادَة الزُّور بالإشراك بِاللَّه، وَقَرَأَ عبد الله ﴿فَاجْتَنبُوا الرجس من الْأَوْثَان وَاجْتَنبُوا قَول الزُّور﴾ (الْحَج: ٠٣) . وَاخْتلف فِي شَاهد الزُّور، إِذا تَابَ، فَقَالَ مَالك: تقبل تَوْبَته وشهادته كشارب الْخمر، وَعَن عبد الْملك: لَا تقبل كالزنديق. وَقَالَ أَشهب: إِن أقرّ بذلك لم تقبل تَوْبَته أبدا، وَعند أبي حنيفَة: إِذا ظَهرت تَوْبَته يجب قبُول شَهَادَته إِذا أَتَى ذَلِك مرّة أُخْرَى، يظْهر فِي مثلهَا تَوْبَته، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأبي ثَوْر، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَقَول أبي حنيفَة وَمن تبعه أصح. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: بَلغنِي عَن مَالك أَنه: لَا تقبل شَهَادَته أبدا وَإِن تَابَ وَحسنت تَوْبَته. وَاخْتلف هَل يُؤَدب إِذا أقرّ، فَعَن شُرَيْح أَنه: كَانَ يبْعَث بِشَاهِد الزُّور إِلَى قومه أَو إِلَى سوقه إِن كَانَ مولى، إِنَّا قد زيفنا شَهَادَة هَذَا، وَيكْتب اسْمه عِنْده ويضربه خفقات، وَينْزع عمَامَته عَن رَأسه، وَعَن الْجَعْد بن ذكْوَان: أَن شريحاً ضرب شَاهد زور عشْرين سَوْطًا. وَعَن عمر بن عبد الْعَزِيز: أَنه اتهمَ قوما على هِلَال رَمَضَان فضربهم سبعين سَوْطًا وأبطل شَهَادَتهم، وَعَن الزُّهْرِيّ: شَاهد الزُّور يُعَزّر. وَقَالَ الْحسن: يضْرب شَيْئا. وَيُقَال للنَّاس: إِن هَذَا شَاهد زور، وَقَالَ الشّعبِيّ: يضْرب مَا دون الْأَرْبَعين خَمْسَة وَثَلَاثِينَ سَبْعَة وَثَلَاثِينَ سَوْطًا. وَفِي (كتاب الْقَضَاء) لأبي عبيد بن سَلام: عَن معمر: أَن رَسُول الله، ﷺ رد شَهَادَة رجل فِي كذبة كذبهَا. وَذكره أَبُو سعيد النقاش بِإِسْنَادِهِ إِلَى عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، بِلَفْظ: كذبة وَاحِدَة كذها. وَفِي (الْأَشْرَاف) : كَانَ سوار يَأْمر بِهِ، يلبب بِثَوْبِهِ، وَيَقُول لبَعض أعوانه: إذهبوا بِهِ إِلَى مَسْجِد الْجَامِع فدوروا بِهِ على الْخلق وَهُوَ يُنَادي: من رَآنِي فَلَا يشْهد بزور. وَكَانَ النُّعْمَان يرى أَن يبْعَث بِهِ إِلَى سوقه إِن كَانَ سوقياً أَو إِلَى مَسْجِد قومه، وَيَقُول: القَاضِي يقرؤكم السَّلَام، وَيَقُول: إِنَّا وجدنَا هَذَا شَاهد زور، فَاحْذَرُوهُ وَحَذرُوهُ الناسَ، وَلَا يرى عَلَيْهِ تعزيراً. وَعَن مَالك: أرى أَن يفضح ويعلن بِهِ وَيُوقف، وَأرى أَن يضْرب ويسار بِهِ، وَقَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق: يُقَام للنَّاس، ويعذر ويؤدب. وَقَالَ أَبُو ثَوْر: يُعَاقب. وَقَالَ الشَّافِعِي: يُعَزّر وَلَا يبلغ بالتعزير أَرْبَعِينَ سَوْطًا ويشهر بأَمْره، وَعَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَنه حَبسه يَوْمًا وخلى عَنهُ، وَعَن ابْن أبي ليلى: يضْرب خَمْسَة وَسبعين سَوْطًا لاولا يبْعَث بِهِ. وَعَن الْأَوْزَاعِيّ: إِذا كَانَا اثْنَيْنِ وشهدا على طَلَاق فَفرق بَينهمَا ثمَّ أكذبا نفسهما، أَنَّهُمَا يضربان مائَة مائَة ويغرمان للزَّوْج الصَدَاق. وَعَن الْقَاسِم وَسَالم: شاهذ الزُّور يحبس ويخفق سبع خفقات بعد الْعَصْر، وينادى عَلَيْهِ. وَعَن عبد الْملك بن يعلى قَاضِي الْبَصْرَة: أَنه أَمر بحلق أَنْصَاف رؤوسهم وتسخم وُجُوههم وَيُطَاف بهم فِي الْأَسْوَاق. قلت: عِنْد أبي حنيفَة: شَاهد الزُّور يبْعَث بِهِ إِلَى محلته أَو سوقه، فَيُقَال لَهُم: إِنَّا وجدنَا هَذَا شَاهد زور فَاحْذَرُوهُ، فَلَا يضْرب وَلَا يحبس. وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد، يضْرب وَيحبس إِن لم يحدث تَوْبَة، لِأَنَّهُ ارْتكب مَحْظُورًا فيعزر.
تابَعَهُ غُنْدَرٌ وأبُو عامِرٍ وبَهْزٌ وعَبْدُ الصَّمَدِ عنْ شُعْبَةَ
أَي: تَابع وهب بن جرير فِي رِوَايَته عَن شُعْبَة غنْدر، وَهُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَأَبُو عَامر عبد الْملك الْعَقدي، وبهز، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْهَاء وَفِي آخِره زَاي: ابْن أَسد الْعمي، وَعبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث، وَهَؤُلَاء بصريون، فمتابعة الْعَقدي وَصلهَا أَبُو سعيد النقاش فِي (كتاب الشُّهُود) وَابْن مَنْدَه فِي (كتاب الْإِيمَان) من طَرِيقه عَن شعبه بِلَفْظ: (أكبر الْكَبَائِر الْإِشْرَاك بِاللَّه) . ومتابعة بهز وَصلهَا أَحْمد عَنهُ ومتابعة عبد الصَّمد وَصلهَا البُخَارِيّ فِي الدِّيات.
٤٥٦٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا بِشْرُ بنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ حدَّثنا الجُرَيْرِيُّ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبِي بَكْرَةَ عنْ أبِيهِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ ألَا أُنَبِّئُكُمْ بِأكْبَرِ الكَبَائِرِ ثَلاثاً قَالُوا بلَى يَا رسُولَ الله قَالَ الإشْرَاكُ بِاللَّه وعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ وجَلسَ وكانَ مُتَّكِئَاً فقالَ ألَا وقَوْلِ الزُّورِ قَالَ فَما زَالَ يُكَرِّرُهَا حتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة، وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة، والجريري، بِضَم الْجِيم وَفتح الرَّاء الأولى: سعيد بن إِيَاس الْأَزْدِيّ، وَسَماهُ فِي رِوَايَة خَالِد الْحذاء عَنهُ فِي أَوَائِل الْأَدَب، وَقد أخرج البُخَارِيّ للْعَبَّاس بن فرور والجريري
стр. 3931
لكنه إِذا أخرج عَنهُ سَمَّاهُ، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة يروي عَن أَبِيه أبي بكرَة واسْمه: نفيع، بِضَم النُّون: الثَّقَفِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اسْتِتَابَة الْمُرْتَدين عَن مُسَدّد أَيْضا وَفِي الاسْتِئْذَان عَن عَليّ بن عبد الله ومسدد، وَفِي الْأَدَب عَن إِسْحَاق ابْن شاهين، وَفِي اسْتِتَابَة الْمُرْتَدين أَيْضا عَن قيس بن حَفْص، وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن عَمْرو النَّاقِد، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر وَفِي الشَّهَادَات، وَفِي التَّفْسِير عَن حميد بن مسْعدَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَلا أنبئكم) أَي: أَلا أخْبركُم، وألَا، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف اللَّام، للتّنْبِيه هُنَا ليدل على تحقق مَا بعْدهَا. قَوْله: (ثَلَاثًا) أَي: قَالَ لَهُم: (ألَا أنبئكم) ثَلَاث مَرَّات، وَإِنَّمَا كَرَّرَه تَأْكِيدًا ليتنبه السَّامع على إِحْضَار فهمه، وَكَانَت عَادَته ﷺ إِعَادَة حَدِيثه ثَلَاثًا ليفهم عَنهُ. قَوْله: (الْإِشْرَاك بِاللَّه) ، مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: أكبر الْكَبَائِر الْإِشْرَاك بِاللَّه، لِأَنَّهُ لَا ذَنْب أعظم من الْإِشْرَاك بِاللَّه. قَوْله: (وعقوق الْوَالِدين) ، إِنَّمَا ذكر هَذَا (وَقَول الزُّور) مَعَ الْإِشْرَاك بِاللَّه، مَعَ أَن الشّرك أكبر الْكَبَائِر بِلَا شكّ لِأَنَّهُمَا يشابهانه من حَيْثُ إِن الْأَب سَبَب وجوده ظَاهرا وَهُوَ يرِيبهُ، وَمن حَيْثُ إِن المزور يثبت الْحق لغير مُسْتَحقّه، فَلهَذَا ذكرهمَا الله تَعَالَى حَيْثُ قَالَ: ﴿فَاجْتَنبُوا الرجس من الْأَوْثَان وَاجْتَنبُوا قَول الزُّور﴾ (الْحَج: ٠٣) . قَوْله: (وَجلسَ) أَي: للاهتمام بِهَذَا الْأَمر، وَهُوَ يفيدنا تَأْكِيد تَحْرِيمه وَعظم قبحه. قَوْله: (وَكَانَ مُتكئا) ، جملَة حَالية. وَسبب الإهتمام بذلك كَون قَول الزُّور أَو شَهَادَة الزُّور أسهل وقوعاً على النَّاس، والتهاون بهَا أَكثر، لِأَن الْحَوَامِل عَلَيْهِ كَثِيرَة: كالعداوة والحقد والحسد ... وَغير ذَلِك، فاحتيج إِلَى الإهتمام بتعظيمه، والشرك مفسدته قَاصِرَة، ومفسدة الزُّور متعدية. قَوْله: (ألَا وَقَول الزُّور) ، وَفِي رِوَايَة خَالِد عَن الْجريرِي: (أَلا وَقَول الزُّور، وَشَهَادَة الزُّور) . وَفِي رِوَايَة ابْن علية: (شَهَادَة الزُّور أَو قَول الزُّور) . وَقَول الزُّور أَعم من أَن يكون شَهَادَة زور أَو غير شَهَادَة، كالكذب، فلأجل ذَلِك بوب عَلَيْهِ التِّرْمِذِيّ بقوله: بَاب مَا جَاءَ فِي التَّغْلِيظ فِي الْكَذِب والزور، وَنَحْوه. ثمَّ روى حَدِيث أنس الْمَذْكُور قبل هَذَا، فالكذب فِي الْمُعَامَلَات دَاخل فِي مُسَمّى قَول الزُّور، لَكِن حَدِيث خريم بن فاتك الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه من رِوَايَة حبيب بن النُّعْمَان الْأَسدي عَن خريم بن فاتك. قَالَ: صلى رَسُول الله، ﷺ صَلَاة الصُّبْح، فَلَمَّا انْصَرف قَامَ قَائِما فَقَالَ: (عدلت شَهَادَة الزُّور بالإشراك بِاللَّه، ثَلَاث مَرَّات) . ثمَّ قَرَأَ: ﴿فَاجْتَنبُوا الرجس من الْأَوْثَان وَاجْتَنبُوا قَول الزُّور حنفَاء لله غير مُشْرِكين بِهِ﴾ (الْحَج: ٠٣) . يدل على أَن المُرَاد بقول الزُّور فِي آيَة الْحَج: شَهَادَة الزُّور، لِأَنَّهُ قَالَ: (عدلت شَهَادَة الزُّور بالإشراك بِاللَّه) ثمَّ قَرَأَ: ﴿فَاجْتَنبُوا الرجس من الْأَوْثَان وَاجْتَنبُوا قَول الزُّور﴾ (الْحَج: ٠٣) . فَجعل فِي الحَدِيث قَول الزُّور المعادل للإشراك هُوَ شَهَادَة الزُّور، لَا مُطلق قَول الزُّور، وَإِذا عرف أَن قَول الزُّور هُوَ الْكَذِب. فَلَا شكّ أَن دَرَجَات الْكَذِب تَتَفَاوَت بِحَسب المكذوب عَلَيْهِ، وبحسب الْمُتَرَتب على الْكَذِب من الْمَفَاسِد. .
وَقد قسم ابْن الْعَرَبِيّ الْكَذِب على أَرْبَعَة أَقسَام: أَحدهَا: وَهُوَ أَشدّهَا: الْكَذِب على الله تَعَالَى: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَمن أظلم مِمَّن كذب على الله﴾ (الزمر: ٩٣) . وَالثَّانِي: الْكَذِب على رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: وَهُوَ هُوَ، أَو نَحوه. الثَّالِث: الْكَذِب على النَّاس، وَهِي شَهَادَة الزُّور فِي إِثْبَات مَا لَيْسَ بِثَابِت على أحد، أَو إِسْقَاط مَا هُوَ ثَابت. الرَّابِع: الْكَذِب للنَّاس، قَالَ وَمن أشده الْكَذِب فِي الْمُعَامَلَات، وَهُوَ أحد أَرْكَان الْفساد الثَّلَاثَة فِيهَا، وَهِي: الْكَذِب وَالْعَيْب والغش، وَالْكذب، وَإِن كَانَ محرما، سَوَاء قُلْنَا كَبِيرَة أَو صَغِيرَة، فقد يُبَاح عِنْد الْحَاجة إِلَيْهِ، وَيجب فِي مَوَاضِع ذكرهَا الْعلمَاء. قَوْله: (حَتَّى قُلْنَا ليته سكت) إِنَّمَا قَالُوا ذَلِك شَفَقَة على رَسُول الله، ﷺ ، وَكَرَاهَة لما تزعجه. فَإِن قلت: الحَدِيث لَا يتَعَلَّق بكتمان الشَّهَادَة، وَهُوَ مَذْكُور فِي التَّرْجَمَة؟ قلت: علم مِنْهُ حكمه قِيَاسا عَلَيْهِ، لِأَن تَحْرِيم شَهَادَة الزُّور لإبطال الْحق والكتمان أَيْضا فِيهِ إبِْطَال لَهُ، وَالله أعلم.
وَقَالَ إسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا الجُرَيْريُّ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ
إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم هُوَ الْمَشْهُور بِابْن علية، وَعليَّة: بِضَم الْعين وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: وَهُوَ اسْم أمه، مولاة لبني أَسد، والجريري مضى عَن قريب، وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن أبي بكرَة الْمَذْكُور. وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي اسْتِتَابَة الْمُرْتَدين، على مَا يَجِيء بَيَانه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
стр. 3932
١١ - (بابُ شَهَادَةِ الأعْماى وأمرِهِ ونِكَاحِهِ وإنْكَاحِهِ ومُبَايَعَتِهِ وقَبُولِهِ فِي التَّأْذِينِ وغيْرِهِ وَمَا يُعْرَفُ بالأصْوَاتِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم شَهَادَة الْأَعْمَى. قَوْله: (وَأمره) ، أَي: وَفِي بَيَان أمره أَي حَاله فِي تَصَرُّفَاته. قَوْله: (ونكاحه) ، أَي: وتزوجه بِامْرَأَة. قَوْله: (وإنكاحه) ، أَي: وتزويجه غَيره. قَوْله: (ومبايعته) ، يَعْنِي بَيْعه وشراءه. قَوْله: (وقبوله) ، أَي: قبُول الْأَعْمَى فِي تأذينه. (وَغَيره) نَحْو إِقَامَته للصَّلَاة وإمامته أَيْضا أَي: إِذا توفّي النَّجَاسَة. قَوْله: (وَمَا يعرف بالأصوات) ، أَي: وَفِي بَيَان مَا يعرف بالأصوات. قَالَ ابْن الْقصار: الصَّوْت فِي الشَّرْع قد أقيم مقَام الشَّهَادَة، ألَا ترى أَنه إِذا سمع الْأَعْمَى صَوت امْرَأَته فَإِنَّهُ يجوز لَهُ أَن يَطَأهَا، والإقدام على اسْتِبَاحَة الْفرج أعظم من الشَّهَادَة فِي الْحُقُوق، والإقرارات مفتقرة إِلَى السماع، وَلَا تفْتَقر إِلَى المعاينة بِخِلَاف الْأَفْعَال الَّتِي تفْتَقر إِلَى المعاينة، وَكَأن البُخَارِيّ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَنه يُجِيز شَهَادَة الْأَعْمَى. وَفِيه خلاف نذكرهُ عَن قريب.
وأجَازَ شَهَادَتَهُ قاسِمٌ والحَسنُ وابنُ سِيرِينَ والزُّهْرِيُّ وعَطاءٌ
أَي: أجَاز شَهَادَة الْأَعْمَى قَاسم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَمُحَمّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَعَطَاء بن أبي رَبَاح. وَتَعْلِيق الْقَاسِم وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن هشيم عَن يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، قَالَ: سَمِعت الحكم ابْن عتيبة يسْأَل الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن شَهَادَة الْأَعْمَى، فَقَالَ: جَائِزَة، وَتَعْلِيق الْحسن وَابْن سِيرِين وَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق أَشْعَث عَن الْحسن وَابْن سِيرِين قَالَا: شَهَادَة الْأَعْمَى جَائِزَة وَتَعْلِيق الزُّهْرِيّ وَصله ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا ابْن مهْدي عَن سُفْيَان عَن ابْن أبي ذِئْب عَن الزُّهْرِيّ أَنه كَانَ يُجِيز شَهَادَة الْأَعْمَى، وَتَعْلِيق عَطاء وَصله الْأَثْرَم من طَرِيق ابْن جريج عَنهُ، قَالَ: تجوز شَهَادَة الْأَعْمَى، وَقَالَ ابْن حزم، صَحَّ عَن عَطاء أَنه أجَاز شَهَادَة الْأَعْمَى.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: تَجُوزُ شَهادَتُهُ إذَا كانَ عاقِلاً
أَي: قَالَ عَامر الشّعبِيّ، وَوَصله ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن الْحسن بن صَالح وَإِسْرَائِيل عَن عِيسَى بن أبي عزة عَن الشّعبِيّ أَنه أجَاز شَهَادَة الْأَعْمَى، وَمعنى قَوْله: (إِذا كَانَ عَاقِلا) ، إِذا كَانَ كيِّساً فطناً للقرائن درّاكاً للأمور الدقيقة. وَلَيْسَ هُوَ بِقَيْد احْتِرَازًا عَن الْجُنُون، لِأَن الْعقل لَا بُد مِنْهُ فِي جَمِيع الشَّهَادَات.
وَقَالَ الحَكَمُ رُبَّ شَيءٍ تُجَوَّزُ فِيهِ
أَي: قَالَ الحكم بن عتيبة، وَوَصله ابْن أبي شيبَة عَن ابْن مهْدي عَن شُعْبَة قَالَ: سَأَلت الحكم عَن شَهَادَة الْأَعْمَى فَقَالَ: رب شَيْء تجوز فِيهِ. قَوْله: (تجوز) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: خفف فِيهِ، وغرضه أَنه قد يسامح للأعمى شَهَادَته فِي بعض الْأَشْيَاء الَّتِي تلِيق بالمسامحة وَالتَّخْفِيف.
وقالَ الزُّهْرِيُّ: أرَأيْتَ ابنَ عبَّاسٍ لَوْ شَهِدَ علَى شَهَادَةٍ أكُنْتَ تَرُدُّهُ؟
أَي: قَالَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ ... إِلَى آخِره، وتعليقه وَصله الْكَرَابِيسِي فِي (أدب الْقَضَاء) من طَرِيق ابْن أبي ذِئْب عَنهُ، وَهَذَا يُؤَيّد مَا قَالَه الشّعبِيّ فِي الْأَعْمَى إِذا كَانَ عَاقِلا. وَقُلْنَا: إِن مَعْنَاهُ كَانَ فطناً كيّساً. وَهَذَا ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، كَانَ أفطن النَّاس وأذكاهم وأدركهم بدقائق الْأُمُور فِي حَال بَصَره وَفِي حَال عماه، فَلذَلِك استبعد رد شَهَادَته بعد عماه.
وكانَ ابنُ عَبَّاسٍ يَبْعثُ رَجُلاً إذَا غابَتِ الشَّمْسُ أفْطَرَ ويَسألُ عنِ الفَجْرِ فإذَا قيلَ لَهُ طَلَعَ صلَّى رَكْعَتَيْنِ
أَي: كَانَ عبد الله بن عَبَّاس يبْعَث رجلا يمفحص عَن غيبوبة الشَّمْس للإفطار، فَإِذا أخبرهُ بالغيبوبة أفطر. وَوجه تعلقته بالترجمة كَون ابْن عَبَّاس قبل قَول الْغَيْر فِي غرُوب الشَّمْس أَو طُلُوعهَا وَهُوَ أعمى، وَلَا يرى شخص الْمخبر، وَإِنَّمَا يسمع صَوته قيل: لَعَلَّ
стр. 3933
البُخَارِيّ يُشِير بأثر ابْن عَبَّاس إِلَى جَوَاز شَهَادَة الْأَعْمَى على التَّعْرِيف، يَعْنِي: إِذا عرف أَنه فلَان، فَإِذا عرف شهد وَشَهَادَة التَّعْرِيف مُخْتَلف فِيهَا عِنْد مَالك. وَكَذَلِكَ الْبَصِير إِذا لم يعرف نسب الشَّخْص فَعرفهُ نسبه من يَثِق بِهِ فَهَل يشْهد على فلَان ابْن فلَان بنسبه أَو لَا؟ مُخْتَلف فِيهِ أَيْضا.
وقالَ سُلَيْمَانُ بنُ يَسارٍ: إسْتَأْذَنْتُ على عائِشَةَ فعَرَفَتْ صَوْتِي قالتْ سُلَيْمَانُ ادْخُلْ فإنَّكَ مَمْلُوكٌ مَا بَقِيَ عَلَيْكَ شَيءٌ
سُلَيْمَان بن يسَار ضد الْيَمين أَبُو أَيُّوب أَخُو عَطاء، وَعبد الله وَعبد الْملك مولى مَيْمُونَة بنت الْحَارِث الْهِلَالِي. قَوْله: (قَالَت سُلَيْمَان) يَعْنِي: يَا سُلَيْمَان، وَهُوَ منادى حذف مِنْهُ حرف النداء. قَوْله: (مَا بَقِي عَلَيْك شَيْء) أَي: من مَال الْكِتَابَة، وَلَا بُد فِي هَذَا من تَأْوِيل، لِأَن سُلَيْمَان مكَاتب لميمونة لَا لعَائِشَة وَوَجهه أَن يُقَال: إِن، على، فِي قَول عَائِشَة تكون بِمَعْنى: من، أَي: اسْتَأْذَنت من عَائِشَة فِي الدُّخُول على مَيْمُونَة، فَقَالَت: أَدخل عَلَيْهَا، أَو لَعَلَّ مذهبها أَن النّظر حَلَال إِلَى العَبْد سَوَاء كَانَ ملكهَا أَو لاد، وَأَنَّهَا لَا ترى الاحتجاب من العَبْد مُطلقًا، واستبعده بَعضهم بِغَيْر دَلِيل فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ، وَقيل: يحْتَمل أَنه كَانَ مكَاتبا لعَائِشَة، وَهُوَ غير صَحِيح، لِأَن الْأَخْبَار الصَّحِيحَة بِأَنَّهُ مولى مَيْمُونَة ترده.
وأجازَ سَمُرَةُ بنُ جُنْدُبٍ شَهَادَةَ امْرَأةٍ مُتْنقِبَةٍ
متنقبة، بتَشْديد الْقَاف فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره، منتقبة، بِسُكُون النُّون وتقديمها على التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، من الانتقاب، وَالْأول من التنقب. وَهِي الَّتِي كَانَ على وَجههَا نقاب. وَفِي (التَّلْوِيح) : هَذَا التَّعْلِيق يخدش فِيهِ مَا رَوَاهُ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه فِي (كتاب الصَّحَابَة) : أَن النَّبِي، ﷺ ، كَلمته امْرَأَة وَهِي متنقبة، فَقَالَ: أسفري، فَإِن الْإِسْفَار من الْإِيمَان.
٥٥٦٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدِ بنِ مَيْمُونٍ قَالَ أخْبَرَنا عيساى بنُ يُونُسَ عَن هِشَامٍ عنْ أبِيه عَن عائشةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالتْ سَمِعَ النبيُّ، ﷺ رجُلاً يَقْرأُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ ﵀ لَقدْ أذْكَرَنِي كذَا وكذَا آيَة أسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذا وكذَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ اعْتمد على صَوت ذَلِك الرجل الَّذِي قَرَأَ فِي الْمَسْجِد من غير أَن يرى شخصه، وَمُحَمّد بن عبيد مصغر عبد بن مَيْمُون، مر فِي الصَّلَاة، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعِيسَى بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي أَبُو عَمْرو، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن مُحَمَّد بن عبيد الْمَذْكُور أَيْضا. قَوْله: (اسقطتهن) أَي: نسيتهن.
وزَادَ عَبَّادُ بنُ عَبْدِ الله عنْ عائِشَةَ تَهَجَّدَ النَّبيُ ﷺ فِي بَيْتِي فَسَمِعَ صَوْتَ عَبَّادٍ يُصَلِّي فِي الْمسْجِدِ فَقَالَ يَا عائِشَةُ لَصوْتُ عَبَّادٍ هاذَا قُلْتُ: نَعمْ قَالَ: أللَّهُمَّ ارْحَمْ عَبَّاداً
عباد بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله بن الزبير بن الْعَوام التَّابِعِيّ، مر فِي الزَّكَاة، وَهَذِه الزِّيَادَة الَّتِي هِيَ التَّعْلِيق وَصلهَا أَبُو يعلى من طَرِيق مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: تهجد النَّبِي، ﷺ فِي بَيْتِي وتهجد عباد بن بشر فِي الْمَسْجِد، فَسمع رَسُول الله، ﷺ صَوته، فَقَالَ: يَا عَائِشَة (هَذَا عباد بن بشر؟) فَقلت: نعم قَالَ (أللهم ارْحَمْ عباداً) .
قَوْله: (تهجد النَّبِي ﷺ ، من الهجود وَهُوَ من الأضداد يُقَال: تهجد بِاللَّيْلِ إِذا صلى، وتهجد إِذا نَام، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: يُقَال: تهجدت إِذا سهرت وَإِذا نمت، فَهُوَ من الأضداد. قَوْله: (فَسمع صَوت عباد) ، وَهُوَ عباد بن بشر الْأنْصَارِيّ الأشْهَلِي، شهد بَدْرًا وأضاءت لَهُ عَصَاهُ لما خرج من عِنْد النَّبِي، ﷺ ، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: اسْتشْهد يَوْم الْيَمَامَة وَهُوَ ابْن خمس وَأَرْبَعين سنة، وَلَا يظنّ أَن عباداً الَّذِي فِي قَوْله: فَسمع صَوت عباد، هُوَ عباد بن عبد الله
стр. 3934
بن الزبير، وَقد ميز بَينهمَا فِي رِوَايَة أبي يعلى، فَعبَّاد بن بشر صَحَابِيّ جليل، وَعباد بن عبد الله تَابِعِيّ من وسط التَّابِعين، قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ: فَسمع صَوت عباد بن تَمِيم، وَهُوَ سَهْو. قَوْله: (لصوت عباد هَذَا؟) ، فَقَوله: هَذَا، مُبْتَدأ و: لصوت عباد، مقدما خَبره، وَاللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد.
وَفِيه: جَوَاز رفع الصَّوْت فِي الْمَسْجِد بِالْقِرَاءَةِ فِي اللَّيْل. وَفِيه: الدُّعَاء لمن أصَاب الْإِنْسَان من جِهَته خيرا وَإِن لم يَقْصِدهُ ذَلِك الْإِنْسَان. وَفِيه: جَوَاز النسْيَان على النَّبِي، ﷺ فِيمَا قد بلغه إِلَى الْأمة.
٦٥٦٢ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حَدثنَا عبْدُ العَزِيزِ بنُ أبِي سلَمَةَ قَالَ أخبرَنا ابنُ شِهابٍ عَن سالِمِ بنِ عبْدِ الله عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ أنَّ بِلالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا واشْرَبُوا حتَّى يُؤذِّنَ أوْ قالَ حتَّى تَسْمَعُوا أذَانَ ابنِ أُمِّ مكْتُومٍ وكانَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رجُلاً أعْماى لَا يُؤَذِّنُ حتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ أصْبَحْتَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهُم كَانُوا يعتمدون على صَوت الْأَعْمَى. والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب أَذَان الْأَعْمَى. وَفِي بَاب الْأَذَان بعد الْفجْر، وَفِي: بَاب الْأَذَان قبل الْفجْر، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٧٥٦٢ - حدَّثنا زيادُ بنُ يَحْيى قَالَ حدَّثنا حاتِمُ بنُ وَرْدَانَ قَالَ حدَّثنا أيُّوبُ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي مُلَيْكَةَ عنِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قالَ قَدِمْتُ على النبيِّ ﷺ أقْبِيَةٌ فَقَالَ لي أبي مخْرَمَةُ انْطَلِقْ بِنا إليْهِ عسَى أنْ يُعْطِينَا مِنْهَا شَيْئاً فَقَامَ أبي على البَابِ فتَكَلَّمَ فعَرَفَ النبيُّ ﷺ صَوْتَهُ فخَرَجَ النبيُّ ﷺ ومَعَهُ قَباءٌ وهُوَ يُرِيهِ مَحاسِنَهُ وهْوَ يَقُولُ خَبأتُ هاذَا لَكَ خَبَأتُ هاذَا لَكَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي، ﷺ اعْتمد على صَوت مخرمَة قبل أَن يرى شخصه، وَزِيَاد، بِكَسْر الزَّاي وتحفيف الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن يحيى بن زِيَاد أَبُو الْخطاب الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة أَربع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، وحاتم بن وردان على وزن فعلان من الْوُرُود أَبُو صَالح الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَة.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْهِبَة فِي: بَاب كَيفَ يقبض العَبْد وَالْمَتَاع، ومقصود البُخَارِيّ من هَذِه التَّرْجَمَة وَمن الْأَحَادِيث الَّتِي أوردهَا فِيهَا بَيَان جَوَاز شَهَادَة الْأَعْمَى. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَيْسَ فِي جَمِيع مَا ذكره دلَالَة على قبُول شَهَادَة الْأَعْمَى فِيمَا يحْتَاج إِلَى إِثْبَات الْأَعْيَان، أما نِكَاح الْأَعْمَى فَإِنَّهُ فِي نَفسه، لِأَنَّهُ فِي زَوجته وَأمته لَا لغيره فِيهِ.
وَأما مَا رَوَاهُ فِي التأذين فقد أخبر أَنه كَانَ لَا يُؤذن حَتَّى يُقَال لَهُ: أَصبَحت، وَكفى بِخَبَر سيدنَا رَسُول الله، ﷺ شَاهدا لَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُؤذن حَتَّى يصبح، والاعتماد على الْجمع الَّذِي يخبرونه بِالْوَقْتِ. وَأما مَا قَالَه عَن الزُّهْرِيّ فِي ابْن عَبَّاس فَهُوَ تَأْوِيل لَا احتجاج. وَأما مَا ذكر من سَماع النَّبِي، ﷺ قِرَاءَة رجل بَيَان أَن كل صائت، وَإِن لم ير مصوته، يعرف بِصَوْتِهِ. وَإِمَّا مَا ذكره من قصَّة مخرمَة فَإِنَّمَا يرِيه محَاسِن الثَّوْب مساً لَا إبصاراً لَهُ بِالْعينِ.
قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَفِيه نظر من حَيْثُ إِن الْجَمَاعَة الَّذين ذكرهم البُخَارِيّ أَجَازُوا شَهَادَة الْأَعْمَى، فَهُوَ دَلِيل البُخَارِيّ. انْتهى. وَقَالَ ابْن حزم: شَهَادَة الْأَعْمَى مَقْبُولَة كَالصَّحِيحِ، رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس، وَصَحَّ عَن الزُّهْرِيّ وَعَطَاء وَالقَاسِم وَالشعْبِيّ وَشُرَيْح وَابْن سِيرِين وَالْحكم بن عتيبة وَرَبِيعَة وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَابْن جريج وَأحد قولي الْحسن وَأحد قولي إِيَاس بن مُعَاوِيَة وَأحد قولي ابْن أبي ليلى وَهُوَ قَول مَالك وَاللَّيْث وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي سُلَيْمَان وأصحابنا.
وَقَالَت طَائِفَة: تجوز شَهَادَته فِيمَا عرف قبل الْعَمى وَلَا تجوز فِيمَا عرف بعد الْعَمى، وَهُوَ أحد قولي الْحسن وَأحد قولي ابْن أبي ليلى. وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه. وَقَالَت طَائِفَة: تجوز فِي الشَّيْء الْيَسِير، رُوِيَ ذَلِك عَن النَّخعِيّ. وَقَالَت طَائِفَة: لَا تقبل فِي شَيْء أصلا إلَاّ فِي الْأَنْسَاب وَهُوَ قَول زفر، وَعند أبي حنيفَة لَا تقبل فِي شَيْء أصلا.
وَفِي (التَّوْضِيح) : فحصلنا فِيهِ على سِتَّة مَذَاهِب: الْمَنْع الْمُطلق،
стр. 3935
وَالْجَوَاز الْمُطلق، وَالْجَوَاز فِيمَا طَرِيقه الصَّوْت دون الْبَصَر، وَالْفرق بَين مَا علمه قبل وَبَين مَا عمله بعد، وَالْجَوَاز الْيَسِير، وَالْجَوَاز فِي الْأَنْسَاب خَاصَّة.
٢١ - (بابُ شَهَادَةِ النِّسَاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز شَهَادَة النِّسَاء.
وقَوْلِ الله تعالَى ﴿فإنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتَانِ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) .
ذكر هَذِه الْقطعَة من الْآيَة لِأَنَّهَا تدل على جَوَاز شَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال، وَقَالَ ابْن بطال: أجمع أَكثر الْعلمَاء على أَن شَهَادَتهنَّ لَا تجوز فِي الْحُدُود وَالْقصاص. وَهُوَ قَول ابْن الْمسيب وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن وَالزهْرِيّ وَرَبِيعَة وَمَالك وَاللَّيْث والكوفيين وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأبي ثَوْر. وَاخْتلفُوا فِي النِّكَاح وَالطَّلَاق وَالْعِتْق وَالنّسب وَالْوَلَاء، فَذهب ربيعَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر إِلَى: أَنه لَا تجوز فِي شَيْء من ذَلِك كُله مَعَ الرِّجَال، وَأَجَازَ شَهَادَتهنَّ فِي ذَلِك كُله مَعَ الرِّجَال الْكُوفِيُّونَ، وَاتَّفَقُوا أَنه: تجوز شَهَادَتهنَّ منفردات فِي الْحيض والولادة والاستهلال وعيوب النِّسَاء، وَمَا لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال من عوراتهن للضَّرُورَة. وَاخْتلفُوا فِي الرَّضَاع، فَمنهمْ من أجَاز شهاداتهن منفردات، وَمِنْهُم من أجازها مَعَ الرِّجَال، وَقَالَ أَصْحَابنَا: يثبت الرَّضَاع بِمَا ثَبت بِهِ المَال، وَهُوَ شَهَادَة رجلَيْنِ أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ، وَلَا تقبل شَهَادَة النِّسَاء المنفردات، وَعند الشَّافِعِي: يثبت بِشَهَادَة أَربع نسْوَة وَعند مَالك: بامرأتين. وَعند أَحْمد: بمرضعة فَقَط. وَفِي (الْكَافِي) : أَنه لَا فرق بَين أَن يشْهد قبل النِّكَاح أَو بعده. انْتهى. وَاخْتلفُوا فِي عدد من يجب قبُول شَهَادَته من النِّسَاء على مَا لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال. فَقَالَت طَائِفَة: لَا تقبل أقل من أَربع، وَهَذَا قَول أهل الْبَيْت وَالنَّخَعِيّ وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَهُوَ رَأْي الشَّافِعِي وَأبي ثَوْر. وَقَالَت طَائِفَة: تجوز شَهَادَة امْرَأتَيْنِ على مَا لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال، وَبِه قَالَ مَالك وَابْن شبْرمَة وَابْن أبي ليلى، وَعَن مَالك: إِذا كَانَت مَعَ الْقَابِلَة امْرَأَة أُخْرَى فشهادتها جَائِزَة، وَرُوِيَ عَن الشّعبِيّ أَنه أجَاز شَهَادَة الْمَرْأَة الْوَاحِدَة فِيمَا لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال، وَعَن مَالك: أرى أَن تجوز شَهَادَة الْمَرْأَتَيْنِ فِي الدّين مَعَ يَمِين صَاحبه، وَعَن الشَّافِعِي: يسْتَحْلف الْمُدعى عَلَيْهِ وَلَا يحلف الْمُدَّعِي مَعَ شَهَادَة الْمَرْأَتَيْنِ. وَقَالَت طَائِفَة لَا تجوز شَهَادَة النِّسَاء إلَاّ فِي موضِعين فِي: المَال، وَحَيْثُ لَا يرى الرِّجَال من عورات النِّسَاء.
٨٥٦٢ - حدَّثنا ابنُ أبيَ مَرْيَمَ قَالَ أخبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قَالَ أخْبَرَنِي زَيْدٌ عنْ عِياضِ بنِ عبْدِ الله عنْ أبِي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهِ عنِ النبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ ألَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأْةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ قُلْنَا بَلَى قَالَ فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَابْن أبي مَرْيَم هُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن أبي مَرْيَم الجُمَحِي الْمصْرِيّ، وَمُحَمّد بن جَعْفَر بن أبي كثير وَزيد هُوَ ابْن أسلم، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ اسْمه: سعد بن مَالك، والْحَدِيث مضى بأتم مِنْهُ فِي كتاب الْحيض فِي: بَاب ترك الْحَائِض الصَّوْم، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٣١ - (بابُ شَهَادَةِ الإمَاءِ والعَبيدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم شَهَادَة الْإِمَاء وَهُوَ جمع: أمة، وَالْعَبِيد جمع: عبد، وَحكمه أَن شَهَادَتهم لَا تقبل مُطلقًا عِنْد الْجُمْهُور، وَعند أَحْمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر: تقبل فِي الشَّيْء الْيَسِير، وَهُوَ قَول شُرَيْح وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن.
وقالَ أنَسٌ شهادَةُ العَبْدِ جائِزَةٌ إذَا كانَ عَدْلاً
هَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة عَن حَفْص بن غياث عَن الْمُخْتَار بن فلفل، قَالَ: سَأَلت أنسا عَن شَهَادَة العبيد؟ فَقَالَ: جَائِزَة وَفِي الإشراف: وَمَا علمت أحدا رد شَهَادَة العَبْد.
стр. 3936
وأجَازَهُ شُرَيْحٌ وزُرَارَةُ بنُ أوْفى
أَي: أجَاز حكم شَهَادَة العَبْد شُرَيْح هُوَ القَاضِي، وزرارة، بِضَم الزَّاي وَتَخْفِيف الرَّاء: ابْن أوفى بِوَزْن أفعل التَّفْضِيل أَو أفعل من الْمَاضِي الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ العامري قَاضِي الْبَصْرَة، وَتَعْلِيق شُرَيْح أخرجه ابْن أبي شيبَة عَن ابْن أبي زَائِدَة عَن أَشْعَث عَن عَامر: أَن شريحاً أجَاز شَهَادَة العَبْد. وَأما التَّعْلِيق عَن زُرَارَة فَذكره ابْن حزم محتجاً بِهِ، وَلَا يحْتَج إلَاّ بِصَحِيح.
وَقَالَ ابنُ سِيرينَ: شَهادَتُهُ جائزَةٌ إلَاّ العَبْدَ لِسَيِّدِهِ
أَي: قَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين: شَهَادَة العَبْد جَائِزَة، وَوَصله عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل: حَدثنَا أبي حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن يحيى بن عَتيق عَنهُ بِلَفْظ: إِنَّه كَانَ لَا يرى بِشَهَادَة الْمَمْلُوك بَأْسا إِذا كَانَ عدلا.
وأجَازَهُ الحَسَنُ وإبْرَاهِيمُ فِي الشِّيْءِ التَّافِهِ
أَي: أجَاز حكم شَهَادَة العَبْد الْحسن الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ فِي الشَّيْء التافه أَي الحقير، وَهُوَ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وبالفاء الْمَكْسُورَة وَالْهَاء. وَتَعْلِيق الْحسن وَصله ابْن أبي شيبَة، عَن معَاذ بن معَاذ عَن أَشْعَث الحمراني عَنهُ من غير ذكر التافه، وَتَعْلِيق إِبْرَاهِيم، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه أَيْضا عَن وَكِيع عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم بِلَفْظ: كَانُوا يجيزونها فِي الشَّيْء الطفيف.
وَقَالَ شرَيْحٌ كُلُّكُمْ بَنُو عبيدٍ وإمَاءٍ
كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة ابْن السكن: كلكُمْ عبيد وإماء، وَوَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عمار الذَّهَبِيّ: سَمِعت شريحاً شهد عِنْده عبد فَأجَاز شَهَادَته، فَقيل: إِنَّه عبد. فَقَالَ كلنا عبيد وَأمنا حَوَّاء ﵍.
وللعلماء فِي شَهَادَة العَبْد ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: جَوَازهَا كَالْحرِّ، وَرُوِيَ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَقَوْل أنس وَشُرَيْح، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر. وَثَانِيها: جَوَازهَا فِي الشَّيْء التافه، رُوِيَ عَن الشّعبِيّ كَقَوْل الْحسن وَالنَّخَعِيّ. وَثَالِثهَا: لَا يجوز فِي شَيْء أصلا، رُوِيَ عَن عمر وَابْن عَبَّاس، وَهُوَ قَول عَطاء وَمَكْحُول، وَإِلَيْهِ ذهب الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: فَإِن قلت: كل من جَازَ قبُول خَبره جَازَ قبُول شَهَادَته كَالْحرِّ. قلت: لَا نسلم، فَإِن الْخَبَر قد سومح فِيهِ مَا لم يسامح فِي الشَّهَادَة، لِأَن الْخَبَر يقبل من الْأمة مُنْفَرِدَة وَمن العَبْد مُنْفَردا وَلَا تقبل شَهَادَتهمَا منفردين، وَالْعَبْد نَاقص عَن رُتْبَة الْحر فِي أَحْكَام، فَكَذَلِك فِي الشَّهَادَة، وَمذهب ابْن حزم الْجَوَاز، فَإِن شَهَادَة العَبْد وَالْأمة مَقْبُولَة فِي كل شَيْء لسَيِّده أَو لغيره كَشَهَادَة الْحر والحرة، وَلَا فرق.
٩٥٦٢ - حدَّثنا أَبُو عاصِمٍ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ عنِ ابنِ أَبِيْ مُلَيْكَةَ عنْ عُقْبَةَ بنِ الحارِثِ ح وحدَّثنا عَلِيُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ أبِي مُلَيْكَةَ قَالَ حدَّثني عُقْبَةُ بنُ الحَارِثِ أوْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ أنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أبِي إهَابٍ قَالَ فَجاءَتْ أمَةٌ سَوْدَاءُ فقالَتْ قَدْ أرْضَعْتُكُمَا فَذَكَرْتُ ذالِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فأعْرَضَ عَنِّي قَالَ فَتَنَحَّيْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ قَالَ وكَيْفَ وقَدْ زَعَمَتْ أنْ قَدْ أرْضَعَتْكُمَا فَنهاهُ عنْها..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْأمة الْمَذْكُورَة لَو لم تكن شهادتها مَقْبُولَة مَا عمل بهَا، وَلذَلِك أَمر النَّبِي، ﷺ ، عقبَة بِفِرَاق امْرَأَته بقول الْأمة الْمَذْكُورَة، ثمَّ إِنَّه أخرج الحَدِيث الْمَذْكُور من طَرِيقين: الأول: عَن أبي عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج عَن عبد الله بن أبي مليكَة عَن عقبَة بن الْحَارِث. وَالثَّانِي: عَن عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن ابْن جريج ... إِلَى آخِره، وَقد مضى الحَدِيث فِي
стр. 3937
كتاب الْعلم فِي: بَاب الرحلة فِي الْمَسْأَلَة النَّازِلَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ وَأجَاب الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن حَدِيث الْبَاب، فَقَالَ: قد جَاءَ فِي بعض طرقه: فَجَاءَت مولاة لأهل مَكَّة، قَالَ: وَهَذَا اللَّفْظ يُطلق على الْحرَّة الَّتِي عَلَيْهَا الْوَلَاء، فَلَا دلَالَة فِيهِ على أَنَّهَا كَانَت رَفِيقَة، ورد عَلَيْهِ بِأَن رِوَايَة حَدِيث الْبَاب فِيهِ التَّصْرِيح بِأَنَّهَا أمة، فَتعين أَنَّهَا لَيست بحرة.
٤١ - (بابُ شَهَادَةِ الْمُرْضِعَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم شَهَادَة الْمُرضعَة.
٠٦٦٢ - حدَّثنا أَبُو عاصِمٍ عنْ عُمَرَ بنِ سَعِيدٍ عنِ ابنِ أبي مُلَيْكَةَ عنْ عُقْبَةَ بنِ الحَارِثِ قَالَ تَزَوَّجْتُ امْرَأةً فجَاءَتْ امْرَأةٌ فَقالَتْ إنِّي قَدْ أرْضَعْتُكُمَا فأتَيْتُ النبيَّ ﷺ فَقَالَ وكَيْفَ وقَدْ قِيلَ دَعْهَا عَنْكَ أوْ نَحْوَهُ..
هَذَا الطَّرِيق عَن أبي عَاصِم عَن عمر بن سعيد بن حُسَيْن النَّوْفَلِي الْقرشِي المكيد، وَفِي الْبَاب الَّذِي قبله: أَبُو عَاصِم عَن ابْن جريج، كِلَاهُمَا عَن ابْن أبي مليكَة، فَكَانَ لأبي عَاصِم فِيهِ شَيْخَانِ، وَفِي (سنَن الدَّارَقُطْنِيّ) : لَهُ شَيْخَانِ آخرَانِ فِيهِ، رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن أبي عَاصِم عَن أبي عَامر الخزاز وَمُحَمّد بن سليم، كِلَاهُمَا عَن ابْن أبي مليكَة أَيْضا، فَصَارَ لأبي عَاصِم أَرْبَعَة من الشُّيُوخ كلهم يروون عَن ابْن أبي مليكَة، وَأَبُو عَاصِم يروي عَنْهُم. قَوْله: (دعها) أَي: اتركها بعيدَة متجاوزة عَنْك.
٥١ - (بابُ تَعْدِيلِ النِّسَاءِ بَعْضِهِنَّ بَعْضَاً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم تَعْدِيل النِّسَاء بَعضهم بَعْضًا فِي أَمر قَضِيَّة، وَهَذِه التَّرْجَمَة هَكَذَا من غير رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر زَاد قبل الْبَاب حَدِيث الْإِفْك، ثمَّ قَالَ: بَاب الْإِفْك، بِكَسْر الْهمزَة: الْكَذِب.
١٦٦٢ - حدَّثنا أبُو الرَّبِيعِ سلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ فأفْهَمَنِي بَعْضَهُ أحْمدُ قَالَ حدَّثنا فُلَيْحُ بنُ سُلَيْمان عنِ ابنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ وسَعِيدِ بنِ الْمُسَيَّبِ وعَلْقَمَةَ بنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِي وعُبَيْدِ الله بنِ عبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زَوْجِ النبيِّ ﷺ حِينَ قالَ لَهَا أهْلُ الأفْكِ مَا قالُوا فَبَرَّأهَا الله مِنْهُ قَالَ الزُّهْرِيُّ وكُلُّهُمْ حدَّثنِي طائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا وبَعْضُهُمْ أوْعاى مِنْ بَعْضٍ وأثْبَتُ لَهُ اقْتِصَاصاً وقَدْ وعَيْتُ عنْ كُلِّ واحِدٍ مِنْهُمُ الحَدِيثَ الَّذِي حدَّثني عَن عائِشَةَ وبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضاً زَعَمُوا أنَّ عائِشَةَ قالَتْ كانَ رسُولُ الله ﷺ إذَا أرَادَ أنْ يَخْرُجَ سَفَرَاً أقْرَعَ بَيْنَ أزْوَاجِهِ فأيَّتَهُنَّ خَرَجَ سَهمُهَا خَرَجَ بِها معَهُ فأقْرَعَ بَيْنن فِي غَزاةٍ غَزاهَا فَخرَجَ سَهْمِي فَخَرَجْتُ معَهُ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الحِجَابُ فَأَنا أحْمَلُ فِي هَوْدَجً وأُنْزَلُ فِيهه فَسِرْنَا حتَّى إذَا فَرَغَ رَسُولُ الله ﷺ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وقَفَلَ ودَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ آذَنَ لَيْلَةً بالرَّحِيلِ فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حتَّى جاوَزْتُ الجَيْشَ فلَمَّا قَضَيْتُ شَأنِي أقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ فلَمَسْتُ صَدْرِي فإذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْع أظْفارً قدِ انْقَطَعَ فرَجَعْتُ فالْتَمَسْتُ عِقْدِي فحَبَسَني ابْتِغَاؤهُ فأقْبَلَ الَّذِينَ يَرْحَلُونَ لِي فاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فرَحَلُوهُ عَلى بَعيري الَّذِي كُنْتُ أرْكَبُ وهُمْ يَحْسُبونَ أنِّي فِيهِ وكانَ النِّسَاءُ إذْ ذَاكَ خِفافاً لَمْ يَثْقُلْنَ ولَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ وإنَّمَا يأكُلْنَ العُلْقَةَ مِنَ الطَّعامِ فَلَمْ
стр. 3938
يَسْتَنْكِر القَوْمُ حِينَ رَفَعُوهُ ثقلَ الهَوْدَج فاحْتَمَلُوهُ وكُنْتُ جَارِيَة حديثَةَ السِّنِّ فبَعَثُوا الجَمَلَ وسارُوا فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الجَيْشُ فَجئْتُ مَنْزِلَهُم ولَيْسَ فيِه أَحَدٌ فأمَمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ فظَنَنْتُ أنَّهُمْ سَيَفْقِدُوني فَيرْجِعُونَ إليَّ فَبيْنَا أَنا جالِسَةٌ غلبتني عَيْنَايَ فَنِمْتُ وكانَ صَفْوانُ بنُ المُعَظَّلِ السُّلَميُّ ثُمَّ الذَّكْوَاتيُّ مِنْ وَرَاءِ الجَيْشِ فأصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرأى سَوادَ إنْسَانٍ نائِمٍ فأتانِي وكانَ يَرانِي قبْلَ الحِجَابِ فاسْتَيْقَظْتُ باسْتِرْجَاعِهِ حِينَ أناخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطِىءَ يَدَها فرَكِبْتُهَا فانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حتَّى أتَيْنَا الجَيْشَ بعْدَ مَا نَزَلُوا مُعَرِّسِينَ فِي نَحْرٍ الظَّهِيرَةِ فهَلَكَ مَنْ هَلكَ وكانَ الَّذي تَوَلَّى الإفْكَ عبْدُ الله بنُ أُبَيِّ ابنِ سَلول فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ فاشْتَكَيْتُ بِهَا شَهْراً والنَّاسُ يُفيضُونَ مِنْ قَوْلِ أصْحَابِ الإفْكِ ويَريبُنِي فِي وَجَعِي أنِّي لَا أراى مِنَ النبيِّ ﷺ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أراى مِنْهُ حِينَ أمْرَضُ إنَّمَا يَدْخُلُ فيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ كَيْفُ تِيكُمْ لَا أشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذالِكَ حتَّى نقَهْتُ فَخَرَجْتُ أَنا وأُمَّ مِسْطَحٍ قِبلَ المناصِعِ مُتَبَرَّزُنا لَا نَخْرُجُ إلَاّ لَيْلاً إِلَى لَيْلٍ وذالِكَ قَبْلَ أنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَريباً مِنْ بُيُوتِنَا وأمْرُنا أمْرُ العَرَبِ الأُوَلِ فِي البَرِيَّةِ أَو فِي التَّنَزُّهِ فأقْبَلْتُ أَنا وأُمُّ مِسْطَحٍ بِنْتَ أبِي رُهْمٍ نَمْشِي فَعَثَرَتْ فِي مِرْطها فقالَتْ تَعِسَ مِسْطَحٌ فقُلْتُ لَهَا بِئْسَ مَا قُلْتِ أتَسُبِّينَ رَجُلاً شَهِدَ بَدْراً فقالَتْ يَا هنْتَاهُ ألَمْ تَسْمَعِي مَا قَالُوا فأخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أهْلِ الإفْكِ فازْدَدْتُ مَرَضاً إِلَى مَرَضِي فلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي دخَلَ علَيَّ رسوُلُ الله ﷺ فسَلَّمَ فَقَالَ كَيْفَ تِيكُمْ فَقُلْتُ إئْذِنْ لِي إِلَى أبَوَيَّ قالَتْ وأنَا حِينَئِذٍ أريدُ أنْ أسْتَيْقِنَ الخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِما فأذِنَ لِي رسولُ الله ﷺ فأتيْتُ أبَوَيَّ فقُلْتُ لَأُمِّي مَا يتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ فقالَتْ يَا بُنَيَّةَ هَوِّنِي علَى نَفْسِكِ الشَّأْنَ فَوَالله لقَلَّمَا كانَتِ امْرَأةٌ قطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا ولَهَا ضَرَائِرُ إلَاّ أكْثَرْنَ عَلَيْهَا فقُلْتُ سُبْحَانَ الله ولَقَدْ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بهاذا قالتْ فَبِتُّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حتَّى أصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ثُمَّ أصْبَحْتُ فَدَعَا رسولُ الله ﷺ عليَّ بنَ أبِي طَالِبٍ وأُسَامَةَ ابنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أهْلِهِ فأمَّا أُسَامَةُ فأشارَ عَلَيْهِ بالَّذِي يَعْلمُ فِي نفْسِهِ مِنَ الوُدِّ لَهُمْ فَقَالَ أُسَامَةُ أهْلُكَ يَا رسولَ الله ﷺ وَلَا نَعْلَمُ وَالله إلَاّ خَيْراً وأمَّا علِيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ فَقَالَ يَا رسولَ الله لَمْ يُضَيِّقِ الله علَيْكَ والنِّسَاءُ سِواهَا كَثيرٌ وسَلِ الجارِيةَ تَصْدُقْكَ فَدَعَا رسولُ الله ﷺ بَريرَةَ فَقَالَ يَا بَرِيرَةَ هَلْ رَأيْتَ فِيهَا شَيْئاً يَريبُكِ فقالتْ بَرِيرَةُ لَا والَّذِي بَعثَكَ بالحَقِّ إنْ رَأيْتُ مِنهَا أمْراً أغْمِصُهُ علَيْهَا أكْثَرَ مِنْ أنَّهَا جارِيةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تنامُ عنِ العَجِينِ فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأكُلُهُ فقامَ رسولُ الله ﷺ مِنْ يَوْمِهِ فاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ الله بنِ أُبَيٍّ ابنِ سَلُولَ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجلٍ بلَغَنِي أذَاهُ فِي أهْلِي فوَاللَّه مَا عَلِمْتُ على أهْلِي إلَاّ خَيْراً وقدْ ذَكَرُوا رجُلاً مَا علمْتُ علَيْهِ إلَاّ خَيْراً وَمَا كانَ يَدْخُلُ على أهْلِي إلَاّ مَعِي فقامَ
стр. 3939
سعْدُ بنُ مُعَاذٍ قَالَ يَا رسولَ الله أَنا وَالله أعْذِرُكَ منْهُ إنْ كانَ مِنَ الأوْسِ ضربْنا عُنُقَهُ وإنْ كانَ مِنْ أخْوَانِنا مِنَ الخَزْرَجِ أمرْتَنا ففَعَلْنَا فيِهِ أمْرَكَ فقامَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ وهْوَ سيِّدُ الخَزْرجِ وكانَ قبْلَ ذالِكَ رجُلاً صَالحا ولاكِنْ احْتَمَلَتْهُ الحَميَّةُ فَقَالَ كذبْتَ لَعَمْرُ الله لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تقْدِرُ على ذالِكَ فَقامَ أُسَيْدُ بنُ الحُضَيْرِ فَقَالَ كذَبْتَ لَعَمْرُ الله وَالله لَنقْتُلَنَّهُ فإنَّكَ مُنَافِقُ تُجَادِلُ عنِ المُنَافِقِينَ فَثارَ الحيَّانِ الأوْسُ والخَزْرَجُ حتَّى هَمُّوا ورسولُ الله ﷺ على المِنْبَرِ فنَزَلَ فَخَفَّضَهُمْ حتَّى سَكَتُوا وسَكَتَ وبَكَيْتُ يَوْمِي لَا يَرْقأُ لِي دَمْعٌ وَلَا اكْتَحِلُ بِنَوْم فأصْبَحَ عِنْدِي أبَوايَ قدْ بَكَيْتُ ليْلَتَيْنِ ويوْماً حتَّى أظُنُّ أنَّ البُكَاءَ فالِقٌ كَبِدِي قالتْ فَبيْنَما هُمَا جالِسانِ عِنْدِي وَأَنا أبْكِي إذِ اسْتَأْذَنَتِ امْرَأةٌ مِنَ الأنْصَارِ فأذِنْتُ لَهَا فجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِيَ فبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إذْ دَخَلَ رسولُ الله ﷺ فجلَسَ ولَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مِنْ يَوْمِ قِيلَ فِيَّ مَا قيلَ قَبْلَهَا وقَدْ مَكَثَ شَهْراً لَا يُوحَى إلَيْهِ فِي شَأْنِي شَيْءٌ قالَتْ فتَشَهَّدَ ثُمَّ قالَ يَا عائِشَةُ فإنَّهُ بلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وكَذَا فإنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فسَيُبرِّئُكِ الله وإنْ كُنْتِ ألْمَمْتِ فاسْتَغْفِرِي الله وتُوبِي إلَيْهِ فإنَّ العَبْدَ إذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تابَ تابَ الله علَيْهِ فلَمَّا قَضَى رسولُ الله ﷺ مَقالَتَهُ قلَصَ دَمْعِيَ حتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً وقُلْتُ لأبِي أجِبُ عَنِّي رسولَ الله ﷺ قَالَ وَالله مَا أدرِي مَا أقولُ لِرَسُولِ الله ﷺ فقُلْتُ لِأُمِّي أجِيبي عَنِّي رسولَ الله ﷺ فِيمَا قَالَ قالَتْ وَالله مَا أدْرِي مَا أقولُ لِرَسولِ الله ﷺ قالَتْ وَأَنا جارِيَةٌ حديثَةُ السِّنِّ لَا أقْرَأُ كَثيراً مِنَ القُرْآنِ فقُلْتُ إنِّي وَالله لَقَدْ عَلِمْتُ أنَّكُمْ سَمِعْتُمْ مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ ووَقَرَ فِي أنْفُسِكُمْ وصَدَّقْتُمْ بِهِ ولَئِنْ قُلْتُ إنِّي بَريئَةٌ وَالله يَعْلَمُ إنِّي لبَرِيئَةً لَا تُصَدِّقُونِي بِذالِكَ ولَئنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأمْرِ وَالله يَعْلَمُ أنِّي بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِّي وَالله مَا أجِدُ لي ولَكُمْ مثَلاً إلَاّ أَبَا يُوسُفَ إذْ قالَ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَالله المُسْتَعَانُ على مَا تَصِفُونَ﴾ (يُوسُف:. ١) . ثُمَّ تَحَوَّلْتُ عَلَى فِراشِي وأنَا أرْجُو أَن يُبَرِّئَنِي الله ولَكِنْ وَالله مَا ظَنَنْتُ أنْ يُنْزِلَ فِي شَأْنِي وَحْياً ولأنا أحْقَرُ فِي نَفْسِي مِنْ أنْ يَتَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ فِي أمْرِي ولَكِنِّي كُنْتُ أرْجُو أنْ يَرَى رسولُ الله ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيا يُبَرِّئُنِي الله فَوَالله مَا رَامَ مَجْلِسَهُ ولَا خَرَجَ أحَدٌ مِنْ أهْلِ البَيْتِ حتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ فأخَذَهُ مَا كانَ يأخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ حتَّى أنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الجُمَّانِ مِنَ العَرَقِ فِي يَوْمٍ شاتٍ فلَمَّا سُرِّيَ عنْ رسولِ الله ﷺ وهْوَ يَضْحَكُ فَكانَ أوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِها أنْ قالِ لِي يَا عائِشَةُ احْمَدِي الله فقَدْ بَرَّأكِ الله فقالَتْ لِي أُمِّي قُومِي إِلَى رسولِ الله ﷺ فقُلْتُ لَا وَالله لَا أقُومُ إلَيْهِ ولَا أحْمَدُ إلَاّ الله فأنْزَلَ الله تَعَالَى إنَّ الَّذِينَ جاؤُوا بالإفْكِ عُصْبَةً مِنْكُمْ الآياتِ فلَمَّا أنْزَلَ الله هَذَا فِي بَرَاءَتِي قَالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ وكانَ يُنْفِقُ على مِسْطَح بن أثاثةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَالله لَا أُنْفِقُ علَى مِسْطَح شيْئاً
стр. 3940
أبدَاً بعْدَ مَا قَالَ لِعَائِشَةَ فأنْزَلَ الله تَعَالى ﴿وَلَا يَأْتَلِ أولُو الفَضْلِ مِنْكُمْ والسَّعَةِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿غَفُورٌ رَحيمٌ﴾ (النُّور: ٢٢) . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بَلَى وَالله إنِّي لأُحِبُّ أنْ يَغْفِرَ الله لِي فرَجَعَ إلَى مِسْطَحٍ الَّذي كانَ يَجْدِي عَلَيْهِ وكانَ رسولُ الله ﷺ يَسْألُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عنْ أمْرِي فَقَالَ يَا زَيْنَبَ مَا عَلِمْتِ مَا رَأيْتِ فقالَتْ يَا رسولَ الله أحْمِي سَمْعِي وبَصَرِي وَالله مَا علِمْتُ علَيْهَا إلَاّ خَيْرَاً قالَتْ وهْيَ الَّتِي كانَتْ تُسامِينِي فعَصَمَها الله بالوَرَعِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ سُؤال النَّبِي، ﷺ بَرِيرَة وَزَيْنَب بنت جحش عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وثناء كل مِنْهُمَا عَلَيْهَا بِخَير، وَهَذَا تَعْدِيل وتزكية عَن بعض النِّسَاء لبَعض.
ذكر رِجَاله وهم تِسْعَة: الأول: أَبُو الرّبيع سُلَيْمَان بن دَاوُد الْعَتكِي، مَاتَ فِي آخر سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، مر فِي الْإِيمَان. الثَّانِي: أَحْمد، وَقد اخْتلف فِيهِ، فَفِي (أصل) الدمياطي: هُوَ أَحْمد بن يُونُس، وَقَالَ الْكرْمَانِي وَفِي بعض النّسخ: أَحْمد بن يُونُس، أَي: أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس الْيَرْبُوعي الْمَشْهُور بشيخ الْإِسْلَام، مر فِي الوضوءد، وَكَذَا قَالَ خلف فِي (أَطْرَافه) : إِنَّه أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس، ووهمه الْمزي وَلم يبين سَببه، وَزعم ابْن خلفون أَن أَحْمد هَذَا هُوَ: أَحْمد بن حَنْبَل، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي (طَبَقَات الْفراء) : هُوَ أَحْمد بن النَّضر النَّيْسَابُورِي. الثَّالِث: فليح، بِضَم الْفَاء وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: ابْن سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة، وَكَانَ اسْمه عبد الْملك، ولقبه فليح فغلب على اسْمه واشتهر بِهِ، يكنى أَبَا يحيى الْخُزَاعِيّ، وَيُقَال الْأَسْلَمِيّ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّادِس: سعيد بن الْمسيب، بِفَتْح الْيَاء الْمُشَدّدَة وَكسرهَا. السَّابِع: عَلْقَمَة بن وَقاص اللَّيْثِيّ العتواري. الثَّامِن: عبيد الله بتصغير العَبْد ابْن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود أَبُو عبد الله الْهُذلِيّ، أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة. التَّاسِع: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: فأفهمني بعضه أَحْمد، إِنَّمَا قَالَ بِهَذِهِ الْعبارَة وَلم يقل: حَدثنِي، وَلَا: أَخْبرنِي، وَنَحْو ذَلِك إشعاراً أَنه أفهمهُ بعض مَعَاني الحَدِيث ومقاصده لَا لَفظه. قَوْله: فأفهمني، جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول، وَأحمد مَرْفُوع على الفاعلية، وَبَعضه مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول ثَان. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي، وَبَقِيَّة الروَاة مدنيون. وَفِيه: خَمْسَة من التَّابِعين مُتَوَالِيَة. وَفِيه: أَن فليحاً روى عَن الزُّهْرِيّ وَأَن الزُّهْرِيّ روى عَن هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن جمَاعَة من التَّابِعين.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي وَفِي التَّفْسِير وَفِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور وَفِي الِاعْتِصَام عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله وَفِي الْجِهَاد والتوحيد وَفِي الشَّهَادَات وَفِي الْمَغَازِي وَفِي التَّفْسِير وَفِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن حجاج بن منهال وَفِي التَّفْسِير والتوحيد أَيْضا عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث، وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي وَعَن حبَان بن مُوسَى وَعَن حسن الْحلْوانِي وَعبد بن حميد وَعَن إِسْحَاق بن أبراهيم وَمُحَمّد بن رَافع وَمُحَمّد بن حميد، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن أبي دَاوُد سُلَيْمَان بن سيف الْحَرَّانِي، وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أهل الْإِفْك) قَالَ السُّهيْلي فِي قَوْله : ﴿إِن الَّذين جاؤا بالإفك﴾ (النُّور: ١١) . هم: عبد الله ابْن أبيَّ وَحمْنَة بنت جحش وَعبد الله أَبُو أَحْمد أَخُوهَا ومسطح وَحسان، وَقيل: حسان لم يكن مِنْهُم، وَقَالَ النَّسَفِيّ، فِي هَذِه الْآيَة: أهل الْإِفْك هم: عبد الله ابْن أبيّ رَأس الْمُنَافِقين وَيزِيد بن رِفَاعَة وَحسان بن ثَابت ومسطح بن أَثَاثَة وَحمْنَة بنت جحش وَمن ساعدهم وَفِي (صَحِيح مُسلم) : وَكَانَ الَّذين تكلمُوا: مسطح وَحمْنَة وَحسان، وَأما الْمُنَافِق عبد الله بن أبيّ، فَهُوَ الَّذِي كَانَ يستوشيه ويجمعه، وَهُوَ الَّذِي تولى كبره، وَحمْنَة. قَوْله: (يتسوشيه، أَي: يَسْتَخْرِجهُ بالبحث وَالْمَسْأَلَة، ثمَّ يفشيه ويشيعه ويحركه وَلَا يَدعه يخمد. وَقَالَ النَّسَفِيّ: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي تولى كبره﴾ (النُّور: ١١) . هُوَ عبد الله بن أبيّ، أَي: الَّذِي تولى عظمه وَبَدَأَ بِهِ ومعظم الشركان مِنْهُ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي تولى كبره مِنْهُم لَهُ عَذَاب عَظِيم﴾ (النُّور: ١١) . لإمعانه فِي عَدَاوَة رَسُول الله، ﷺ وانتهازه الفرص وَطَلَبه سَبِيلا إِلَى الغميزة، ثمَّ قَالَ
стр. 3941
النَّسَفِيّ: وَقيل: الَّذِي تولى كبره هُوَ حسان بن ثَابت، وَعَن عَامر الشّعبِيّ: أَن عَائِشَة قَالَت، مَا سَمِعت بِشَيْء أحسن من شعر حسان: وَمَا تمثلت بِهِ إلَاّ رَجَوْت لَهُ الْجنَّة. قَوْله لأبي سُفْيَان:
(هجوتَ مُحَمَّدًا فأجبتُ عَنهُ ... وَعند الله فِي ذَاك الْجَزَاء)
وَهُوَ من قصيدة قَالَهَا لأبي سُفْيَان، فَقيل لعَائِشَة: يَا أم الْمُؤمنِينَ: أَلَيْسَ الله يَقُول: ﴿وَالَّذِي تولى كبره مِنْهُم لَهُ عَذَاب عَظِيم﴾ (النُّور: ١١) . فَقَالَت وَأي عَذَاب أَشد من الْعَمى؟ فَذهب بَصَره وَكِيع بِسيف، وَكَانَ يدْفع عَن رَسُول الله، ﷺ . وَأما الْإِفْك، فَقَالَ النَّسَفِيّ: الْإِفْك أبلغ مَا يكون من الافتراء وَالْكذب، وَقيل: هُوَ الْبُهْتَان لَا تشعر بِهِ حَتَّى يفجأك، وَأَصله: الْإِفْك، بِالْفَتْح مصدر قَوْلك: أفكه يأفكه أفكاً. قلبه وَصَرفه عَن الشَّيْء، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿أجئتنا لتأفكنا عَن آلِهَتنَا﴾ (الْأَحْقَاف: ٢٢) . وَقيل للكذب: إفْك، لِأَنَّهُ مَصْرُوف عَن الصدْق. قَوْله: (وَقَالَ الزُّهْرِيّ: وَكلهمْ حَدثنِي طَائِفَة) أَي: بَعْضًا، هَذَا قَول جَائِز سَائِغ من غير كَرَاهَة، لِأَنَّهُ قد بَين أَن بعض الحَدِيث عَن بَعضهم وَبَعضه عَن بَعضهم. وَالْأَرْبَعَة الَّذين حدثوه أَئِمَّة حفاظ من أجلَّة التَّابِعين، فَإِذا ترددت اللَّفْظَة من هَذَا الحَدِيث بَين كَونهَا عَن هَذَا أَو عَن ذَاك لم يضر، وَجَاز الِاحْتِجَاج بهَا لِأَنَّهُمَا ثقتان، وَقد اتّفق الْعلمَاء على أَنه لَو قَالَ: حَدثنِي زيد أَو عمر وهما ثقتان معروفان بذلك عِنْد الْمُخَاطب جَازَ الِاحْتِجَاج بذلك الحَدِيث. قَوْله: (أوعى من بعض) أَي: أحفظ وَأحسن إيراداً وسرداً للْحَدِيث. قَوْله: (اقتصاصاً) أَي: حفظا، يُقَال: قصصت الشَّيْء إِذا تتبعت أَثَره شَيْئا بعد شَيْء، وَمِنْه: ﴿نَحن نقص عَلَيْك أحسن الْقَصَص﴾ (يُوسُف: ٣) . ﴿قَالَت لأخته قصية﴾ (الْقَصَص: ١١) . أَي: اتبعي أَثَره، وَمِنْه الْقَاص الَّذِي يَأْتِي بالقصة وَيجوز بِالسِّين: قسست، أَثَره قساً. قَوْله: (وَقد وعيت) ، بِفَتْح الْعين. أَي: حفظت. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: قَالَ أَولا كلهم: حَدثنِي طَائِفَة، وَثَانِيا: وعيت عَن كل وَاحِد مِنْهُم ... الحَدِيث، وهما متنافيان؟ قلت: المُرَاد بِالْحَدِيثِ الْبَعْض الَّذِي حَدثهُ مِنْهُ، إِذْ الحَدِيث يُطلق على الْكل وعَلى الْبَعْض، وَهَذَا الَّذِي فعله الزُّهْرِيّ من جمعه الحَدِيث عَنْهُم جَائِز، وَقد ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (وَبَعض حَدِيثهمْ) ، الْقيَاس أَن يُقَال: بَعضهم يصدق بَعْضًا، أَو حَدِيث بَعضهم يصدق بَعْضًا، وَلَكِن لَا شكّ أَن المُرَاد ذَلِك. لَكِن قد يسْتَعْمل أَحدهمَا مَكَان الآخر لما بَينهمَا من الْمُلَازمَة بِحَسب عرف الِاسْتِعْمَال. قَوْله: (زَعَمُوا) ، أَي: قَالُوا، والزعم قد يُرَاد بِهِ القَوْل الْمُحَقق الصَّرِيح. وَقد يُرَاد غير ذَلِك، وَإِنَّمَا قَالُوا لِأَن بَعضهم صَرَّحُوا بِالْبَعْضِ، وَبَعْضهمْ صدق الْبَاقِي، وَإِن لم يقل صَرِيحًا بِهِ. قَوْلهَا: (كَانَ رَسُول الله، ﷺ إِذا أَرَادَ أَن يخرج سفرا) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: ذكرُوا أَن عَائِشَة قَالَت: كَانَ رَسُول الله، ﷺ إِذا أَرَادَ أَن يخرج سفرا. قَوْلهَا: (أَقرع بَين أَزوَاجه) أَي: ساهم بَينهُنَّ تطييباً لقلوبهن. وَكَيْفِيَّة الْقرعَة بالخواتيم، يُؤْخَذ خَاتم هَذَا وَخَاتم هَذَا ويدفعان إِلَى رجل فَيخرج مِنْهُمَا وَاحِدًا. وَعَن الشَّافِعِي يَجْعَل رِقَاعًا صغَارًا يكْتب فِي كل وَاحِد اسْم ذِي السهْم، ثمَّ يَجْعَل بَنَادِق طين ويغطي عَلَيْهَا ثوب، ثمَّ يدْخل رجل يَده فَيخرج بندقة وَينظر من صَاحبهَا، فيدفعها إِلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو عبيد بن سَلام: عمل بِالْقُرْعَةِ ثَلَاثَة من الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام نَبينَا: وَيُونُس، وزكرياء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَوْلهَا: (فأيتهن خرج سهمها أخرج بهَا مَعَه) . كَذَا هُوَ: أخرج، بِالْألف فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَلأبي ذَر عَن غير الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والباقين: خرج، بِلَا ألف، وَهُوَ الصَّوَاب. قَوْلهَا: (فِي غزَاة غَزَاهَا) ، هِيَ غَزْوَة بني المصطلق، وَكَانَت سنة سِتّ، كَذَا جزم بِهِ ابْن التِّين، وَقَالَ غَيره: فِي شعْبَان سنة خمس، وتعرف أَيْضا بغزوة الْمُريْسِيع، وَقَالَ مُوسَى بن عقبَة: سنة أَربع، فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَقْوَال. قَوْلهَا: (فَأَنا أحمل) على صِيغَة الْمَجْهُول، قَوْلهَا: (فِي هودج) بتح الْهَاء وَسُكُون الْوَاو وبفتح الذَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره جِيم وَهُوَ مركب من مراكب الْعَرَب أعد النِّسَاء قَوْلهَا سش
(وقفل) ، أَي: رَجَعَ. قَوْلهَا: (آذن لَيْلَة) ، من الإيذان وَمن التأذين. قَالَه الْكرْمَانِي، وَيُقَال: آذن بِالْمدِّ وَالتَّخْفِيف مثل قَوْله: ﴿فَقل آذنتكم على سَوَاء﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٩٠١) . وَرُوِيَ بِالْقصرِ وبالتشديد، أَي: إعلم، قَوْلهَا: (بالرحيل) ، بِالْجَرِّ على الأَصْل، ويروى: الرحيل، بِالنّصب حِكَايَة عَن قَوْلهم: الرحيل، مَنْصُوبًا على الإغراء. قَوْلهَا: (شأني) أَي: مَا يتَعَلَّق بِقَضَاء الْحَاجة، وَهُوَ مَا يكنى عَنهُ استقباحاً لذكره. قَوْلهَا: (إِلَى الرحل) ، قَالَ الْكرْمَانِي: الرحل: الْمَتَاع. قلت: الرحل الْمنزل والمسكن، يُقَال: انتيهنا إِلَى رحالنا أَي: إِلَى مَنَازلنَا. قَوْلهَا: (فَإِذا عقد) ، كلمة: إِذا، للمفاجأة، وَالْعقد، بِكَسْر الْعين وَسُكُون الْقَاف: القلادة. قَوْلهَا: (من جزع أظفار) ، الْجزع، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الزَّاي: خرز يمَان، وَزعم أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ابْن يُوسُف التيفاشي فِي كِتَابه (الْأَحْجَار) : أَنه يُوجد فِي الْيمن فِي معادن العقيق، وَمِنْه مَا يُؤْتى بِهِ من الصين، وَهُوَ أصنافٍ فَمِنْهُ
стр. 3942
البقراني والغروي والفارسي والحبشي والعسلي والمعرق، وَلَيْسَ فِي الْحِجَارَة أَصْلَب من الْجزع جسماً لَا يكَاد يُجيب من يعالجه سَرِيعا، وَإِنَّمَا يحسن إِذا طبخ بالزيت، وَزَعَمت الفلاسفه أَنه يشتق من اسْمه: الْجزع، لِأَنَّهُ يُولد فِي الْقلب جزعاً، وَمن تقلد بِهِ كثرت همومه وَرَأى أحلاماً رَدِيئَة وَكثر الْكَلَام بَينه وَبَين النَّاس، وَإِن علق على طِفْل كثر لعابه وسال، وَإِن لف فِي شعر الْمُطلقَة ولدت. وَيقطع نفث الدَّم وَيخْتم القروح. وَعند الْبكْرِيّ: وَمِنْه جزع يعرف بالنقمي ومعدنه بضمير وسعوان وعذيقة ومخلاف حولان والجزع السماوي وَهُوَ العشاري، وَقَالَ ثَعْلَب فِي (الفصيح) : والجزع الخرز، وَقَالَ ابْن درسْتوَيْه: لَيْسَ كل الخرز يُسمى جزعاً، وَإِنَّمَا الْجزع مِنْهَا المجزع أَي: المقطع بالألوان الْمُخْتَلفَة، قد قطع سوَاده ببياضه. وَفِي (المنضد) لكراع عَن الْأَثْرَم: أهل الْبَصْرَة يَقُولُونَ: الْجزع والجزع، بِالْفَتْح وَالْكَسْر: الخرز، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم التَّمِيمِي فِي كِتَابه (المستطرف) عَن بنْدَار: الْجزع وَاحِد لَا جمع لَهُ. وَقَالَ الْحَرْبِيّ وَابْن سَيّده: الْجزع الخرز، واحدته جزعة. قَوْلهَا: (أظفار) ، بِالْألف فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: ظفار، بِلَا ألف وَكَذَا وَقع فِي (صَحِيح مُسلم) بِلَا ألف. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: من قَيده بِأَلف أَخطَأ وصحيح الرِّوَايَة بِفَتْح الظَّاء. وَقَالَ ابْن السّكيت: ظفار قَرْيَة بِالْيمن، وَعَن ابْن سعد: جبل، وَفِي (الصِّحَاح) : مَبْنِيّ على الْكسر كقطام. وَقَالَ الْبكْرِيّ: قَالَ بَعضهم: سَبِيلهَا سَبِيل الْمُؤَنَّث لَا ينْصَرف. وَقَالَ ابْن قرقول: ترفع وتنصب، وَقَالَ أَبُو عبيد: وَقصر المملكة بظفار قصر ذِي ريدان، وَيُقَال: إِن الْجِنّ بنتهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي ظفار، بِفَتْح الْمُعْجَمَة وخفة الْفَاء وبالراء: مَدِينَة بِالْيمن، وَيُقَال: جزع ظفاري وَفِي بَعْضهَا أظفار، بِزِيَادَة همزَة فِي أَولهَا نَحْو الْأَظْفَار جمع الظفر، وَلَعَلَّه سمي بِهِ لِأَن الظفر نوع من الْعطر، أَو لِأَنَّهُ مَا اطْمَأَن من الأَرْض، أَو لِأَن الْأَظْفَار اسْم لعود يُمكن أَن يَجْعَل كالخرز فيتحلى بِهِ. انْتهى. وَقَالَ ابْن التِّين فِي بعض الرِّوَايَات: العقد الملتمس مِقْدَار ثمنه اثْنَي عشرَة درهما. قَوْلهَا: (يرحلون لي) ، بِاللَّامِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: يرحلون بِي، بِالْبَاء وَاللَّام أَجود. قلت: بِاللَّامِ فِي مُسلم، و: يرحلون، بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْحَاء المخففة وَهُوَ معنى قَوْلهَا: فرحلوه، بتَخْفِيف الْحَاء أَيْضا من: رحلت الْبَعِير، أَي: شددت عَلَيْهِ الرحل. ويروى: (من الرحيل) . قَوْلهَا: (إِذْ ذَاك) ، أَي: حِينَئِذٍ (لم يثقلن) ، أَي: من اللَّحْم. قَوْلهَا: (وَلم يغشهن اللَّحْم) أَي: لم يركب عَلَيْهِنَّ اللَّحْم، يَعْنِي: لم يكن سمينات. وَعند مُسلم: (وَكَانَ النِّسَاء إِذْ ذَاك خفافاً لم يهبلن وَلم يغشهن اللَّحْم) . يُقَال: هبله اللَّحْم وأهبله إِذا أثقله وَكثر لَحْمه وشحمه. قَوْلهَا: (وَإِنَّمَا يأكلن الْعلقَة) ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام وبالقاف، أَي: الْقَلِيل، وَيُقَال لَهَا أَيْضا: الْبلْغَة، كَأَنَّهُ الَّذِي يمسك الرمق وَتعلق النَّفس للإزدياد مِنْهُ، أَي: تشوقها إِلَيْهِ. وَقَالَ صَاحب (الْعين) : الْعلقَة مَا فِيهِ بلغَة من الطَّعَام إِلَى وَقت الْغَدَاة، وأصل الْعلقَة شجر يبْقى فِي الشتَاء يعلق بِهِ الْإِبِل، أَي تجتزىء بِهِ حَتَّى يدْرك الرّبيع، وَقيل: مَا يمسك بِهِ الْمَرْء نَفسه من الْأكل. وَقيل: هُوَ مَا يَأْكُلهُ من الْغَدَاة. قَوْلهَا: (فبعثوا الْجمل) أَي: أثاروه. قَوْلهَا: (مَا اسْتمرّ الْجَيْش) ، أَي: ذهب وَمضى. قَالَه الدَّاودِيّ، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿سحر مُسْتَمر﴾ (الْقَمَر: ٢) . أَي: ذَاهِب، أَو مَعْنَاهُ: دَائِم أَو قوي شَدِيد، وَلَيْسَ فِيهِ أحد. وَفِي رِوَايَة مُسلم: (وَلَيْسَ بهَا دَاع وَلَا مُجيب) . قَوْلهَا: (فأممت) ، أَي: قصدت، من أم. وَمِنْه: ﴿آمين الْبَيْت الْحَرَام﴾ (الْمَائِدَة: ٢) . قَالَ ابْن التِّين: فعلى هَذَا يقْرَأ، أممت، بِالتَّخْفِيفِ وَإِن شددت فِي بعض الْأُمَّهَات، وَذكره فِي الْمَغَازِي، بِلَفْظ: (فَتَيَمَّمت منزلي) ، وَالْمعْنَى وَاحِد. قَوْلهَا: (فَظَنَنْت) ، الظَّن هُنَا بِمَعْنى الْعلم. قَوْلهَا: (فَبينا أَنا) ، أَصله: بَين، فأشبعت فَتْحة النُّون فَصَارَت ألفا، وَهُوَ مُضَاف إِلَى الْجُمْلَة الَّتِي بعده (وغلبتني) جَوَابه قَوْلهَا: (وَكَانَ صَفْوَان بن الْمُعَطل السّلمِيّ) صَفْوَان، إِمَّا من: الصَّفَا، أَو من: صفن، فَفِي الأول النُّون زَائِدَة، و: الْمُعَطل، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الطَّاء الْمُهْملَة: ابْن وبيصة بن المؤمل بن خزاعي بن محَارب بن مرّة بن هِلَال بن فالج بن ذكْوَان ابْن ثَعْلَبَة بن بهنة بن سليم، ذكره الْكَلْبِيّ وَغَيره، وَنسبه خَليفَة: رحيضة، مَوضِع، وبيصة، وَفِي محَارب محاربي. قَوْلهَا: (السّلمِيّ) ، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام، نِسْبَة إِلَى سليم الْمَذْكُور فِي نسبه، وَهُوَ من شواذ النّسَب، لِأَن الْقيَاس فِيهِ: السليمي. قَوْلهَا: (ثمَّ الذكواني) ، بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة: نِسْبَة إِلَى ذكْوَان الْمَذْكُور فِي نسبه، وَكَانَ صَفْوَان على السَّاقَة يلتقط مَا يسْقط من مَتَاع الْجَيْش ليَرُدهُ إِلَيْهِم، وَقيل: إِنَّه كَانَ ثقيل النّوم لَا يَسْتَيْقِظ حَتَّى يرتحل النَّاس، وَقد جَاءَ فِي (سنَن أبي دَاوُد) (شكت امْرَأَته ذَلِك مِنْهُ لسيدنا رَسُول الله، ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّا أهل بَيت نوم عرف لنا ذَلِك، لَا نكاد نستيقظ حَتَّى تطلع الشَّمْس) .
стр. 3943
وَذكر القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ أَنه كَانَ حصوراً لم يكْشف كنف أُنْثَى قطّ، وَفِي (سير)
: لقد سُئِلَ عَن صَفْوَان فوجدوه لَا يَأْتِي النِّسَاء، وَأول مشاهده الْمُريْسِيع، وَذكر الْوَاقِدِيّ أَنه شهد الخَنْدَق وَمَا بعْدهَا، وَكَانَ شجاعاً خيَّراً شَاعِرًا، وَعَن ابْن إِسْحَاق: قتل فِي غَزْوَة أرمينية شَهِيدا سنة تسع عشرَة، وَقيل: توفّي فِي خلَافَة مُعَاوِيَة سنة ثَمَان وَخمسين واندقت رجله يَوْم قتل فطاعن بهَا وَهِي منكسرة حَتَّى مَاتَ، وَلما ضرب حسان بن ثَابت بِسَيْفِهِ لما هجاه وَلم يقتصه مِنْهُ سيدنَا رَسُول الله، ﷺ استوهب من حسان جِنَايَته، فوهبه لرَسُول الله، ﷺ ، فَعوضهُ مِنْهَا حَائِطا من نخيل، وَزعم ابْن إِسْحَاق وَأَبُو نعيم: أَنه بيرحاء، وَسِيرِين أُخْت مَارِيَة، قيل: فِيهِ نظر لِأَن بيرحاء إِنَّمَا وصل لحسان من جِهَة أبي طَلْحَة، وَفِي (الِاكْتِفَاء) لأبي الرّبيع سُلَيْمَان بن سَالم: رُوِيَ من وُجُوه أَن إِعْطَاء رَسُول الله، ﷺ لحسان سِيرِين إِنَّمَا كَانَ لذبه عَن رَسُول الله، ﷺ ، قَوْلهَا: (فَرَأى سَواد إِنْسَان) أَي: شخصه. قَوْلهَا: (وَكَانَ يراني قبل الْحجاب) أَي: قبل حجاب الْبيُوت، وَآيَة الْحجاب نزلت فِي زَيْنَب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْلهَا: (واستيقظت من نومي) أَي: تنبهت من نومي. قَوْلهَا: (باسترجاعه) ، أَي: بقوله: ﴿إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ (الْبَقَرَة: ٦٥١) . وَفِي رِوَايَة مسمل: فَاسْتَيْقَظت باسترجاعه حِين عرفني. فحمرت وَجْهي بجلبابي، وَالله مَا يكلمني كلمة وَلَا سَمِعت مِنْهُ كلمة غير استرجاعه حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَته فوطىء على يَدهَا فركبتها. قَوْلهَا: (حِين أَنَاخَ رَاحِلَته) ، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِكَلِمَة: حِين، بِمَعْنى: الْوَقْت، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والنسفي: حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَته. قَوْلهَا: (فوطىء يَدهَا) ، أَي: فوطىء صَفْوَان يَد الرَّاحِلَة ليسهل الرّكُوب عَلَيْهَا فَلَا يكون احْتِيَاج إِلَى مساعدة. قَوْلهَا: (يَقُود بِي) ، جملَة حَالية. قَوْلهَا: (حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْش بَعْدَمَا نزلُوا معرسين) ، أَي: حَال كَونهم معرسين، من التَّعْرِيس، وَهُوَ النُّزُول. قَالَه ابْن بطال، وَالْمَشْهُور أَن التَّعْرِيس هُوَ النُّزُول فِي آخر اللَّيْل، وَلم يجىء الْمَعْنى هَهُنَا إلَاّ على قَول أبي زيد، فَإِنَّهُ قَالَه: التَّعْرِيس: النُّزُول أَي: وَقت كَانَ، وَمن هَذَا أَخذ ابْن بطال حَيْثُ أطلق النُّزُول، وَفِي رِوَايَة مُسلم: بَعْدَمَا نزلُوا موغرين فِي نحر الظهيرة، وَكَذَا ذكره البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي وَالتَّفْسِير، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: الرِّوَايَة الصَّحِيحَة بالغين الْمُعْجَمَة وَالرَّاء الْمُهْملَة من الوغرة بِسُكُون الْغَيْن، وَهِي شدَّة الْحر، وَرَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بِعَين مُهْملَة وزاي، وَيُمكن أَن يُقَال فِيهِ: هُوَ من وعزت إِلَيْهِ، أَي: تقدّمت، يُقَال: وعزت إِلَيْهِ وَعزا، مخففاً، وَيُقَال: وعزت إِلَيْهِ توعيزاً بِالتَّشْدِيدِ، قَالَ: وصحفه بَعضهم فَقَالَ: موعرين، يَعْنِي بِعَين مُهْملَة وَرَاء. قَالَ: وَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: مغورين، بغين مُعْجمَة مُقَدّمَة، والتغوير النُّزُول للقائلة. قَوْلهَا: (فِي نحر الظهيرة) وَهُوَ وَقت القائلة وَشدَّة الْحر والنحر الأول والصدر وأوائل الشَّهْر تسمى النحور. وَقَالَ الدَّاودِيّ: الظهيرة نصف النَّهَار عِنْد أول الْفَيْء، قَالَ: وَقيل: الظّهْر والظهير لما بعد نصف النَّهَار لِأَن الظّهْر آخر الْإِنْسَان، وَسمي آخر الشَّهْر بذلك، وَلَا نسلم لَهُ، لِأَن أول اشتداد الْحر قبل نصف النَّهَار، قَوْلهَا: (وَهلك من هلك) أَي: هلك الَّذين اشتغلوا بالإفك، وَفِي رِوَايَة مُسلم: وَهلك من هلك فِي شأني. قَوْلهَا: (وَكَانَ الَّذِي تولى الْإِفْك) أَي: تصدر وتصدى، وَفِي رِوَايَة مُسلم: وَكَانَ الَّذِي تولى كبره (عبد الله بن أبيّ بن سلول) وَابْن سلول بِالرَّفْع صفة لعبد الله لَا لأبي، وَلِهَذَا يكْتب بِالْألف، و: سلول، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف اللَّام الأولى غير منصرف عَلَم لأم عبد الله. قَوْلهَا: (فاشتكيت) أَي: مَرضت. قَوْلهَا: (بهَا) أَي: بِالْمَدِينَةِ. قَوْلهَا: (شهرا) ، أَي: مُدَّة شهر. قَوْلهَا: (فيفيضون) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: وَالنَّاس يفيضون، بِضَم الْيَاء، من الْإِفَاضَة وَهِي التكثير والتوسعة، يُقَال: أَفَاضَ الْقَوْم فِي الحَدِيث إِذا انْدَفَعُوا فِيهِ يَخُوضُونَ، وَهُوَ من قَوْله: ﴿لمسكم فِيمَا أَفَضْتُم فِيهِ عَذَاب عَظِيم﴾ (النُّور: ٤١) . وَقَالَ ابْن عَرَفَة: حَدِيث مفاض ومستفاض ومستفيض فِي النَّاس، أَي: جارٍ فيهم وَفِي كَلَامهم. قَوْلهَا: (ويريبني) بِفَتْح الْيَاء وَضمّهَا، فَالْأول من، رَابَنِي، وَالثَّانِي، من: أرابني، يُقَال: رَابَنِي الْأَمر يريبني: إِذا توهمته وَشَكَكْت فِيهِ فَإِذا استيقنته قلت: رَابَنِي مِنْهُ كَذَا يريبني، وَعَن الْفراء: هما بِمَعْنى وَاحِد فِي الشَّك. وَقَالَ صَاحب (الْمُنْتَهى) : الِاسْم الرِّيبَة بِالْكَسْرِ، وأرابني ورابني إِذا تخوفت عاقبته، وَقيل: رَابَنِي إِذا علمت بِهِ الرِّيبَة، وأرابني إِذا ظَنَنْت بِهِ، وَقيل: رَابَنِي إِذا رَأَيْت مِنْهُ مَا يريبك وتكرهه، وَيَقُول هُذَيْل: أرابني وأراب إِذا أَتَى بريبة، وراب: صَار ذَا رِيبَة، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي (الواعي) رَابَنِي أفْصح. قَوْلهَا: (اللطف) ، بِضَم اللَّام وَسُكُون الطَّاء. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَيُقَال بِفَتْحِهَا لُغَتَانِ، وَهُوَ الْبر والرفق،
стр. 3944
وَفِي رِوَايَة مُسلم: إِنِّي لَا أعرف من رَسُول الله، ﷺ اللطف الَّذِي أرِي مِنْهُ. قَوْلهَا: (حِين أمرض) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من التمريض، وَهُوَ الْقيام على الْمَرِيض فِي مَرضه. قَوْلهَا: (تيكم) بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ إِشَارَة إِلَى الْمُؤَنَّث نَحْو: ذاكم إِلَى الْمُذكر. قَوْلهَا: (حَتَّى نقهت) بِفَتْح الْقَاف، ذكره ثَعْلَب، وبالكسر ذكره الْجَوْهَرِي، هُوَ من: نقه فَهُوَ ناقه، وَهُوَ الَّذِي برىء من الْمَرَض، وَهُوَ قريب عهد بِهِ لم يتراجع إِلَيْهِ كَمَال صِحَّته. وَقَالَ النَّوَوِيّ: يُقَال: نقه ينقه نقوهاً فَهُوَ ناقه، ككلح يكلح كلوحاً فَهُوَ كالح، ونقه ينقه كفرح يفرح فَرحا، وَجمع الناقه: نقه، بِضَم النُّون وَتَشْديد الْقَاف، وأنقهه الله. قَوْلهَا: (قبل المناصع) ، بِكَسْر الْقَاف أَي: جِهَة المناصع بِفَتْح الْمِيم، وَهِي مَوَاضِع خَارج الْمَدِينَة كَانُوا يتبرزون فِيهَا، الْوَاحِد منصع، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: أرَاهُ موضعا بِعَيْنِه خَارج الْمَدِينَة، وَهُوَ فِي الحَدِيث: (صَعِيد أفيح خَارج الْمَدِينَة) وَقَالَ ابْن السّكيت: المناصع فِي اللُّغَة الْمجَالِس. قَوْلهَا: (متبرزنا) ، بِفَتْح الرَّاء الْمُشَدّدَة وبالزاي، وَهُوَ الْموضع الَّذِي يتبرزون فِيهِ أَي: يقضون فِيهِ حَاجتهم، وَالْبرَاز اسْم ذَلِك الْموضع أَيْضا. قَوْلهَا: (الكنف) ، بِضَم الْكَاف وَالنُّون، جمع: كنيف، قَالَ أهل اللُّغَة: الكنيف السَّاتِر مُطلقًا، وَسمي بِهِ مَوضِع الْغَائِط لأَنهم يستترون بِهِ. قَوْلهَا: (وأمرنا أَمر الْعَرَب الأول) ، يَعْنِي فِي التبرز خَارج الْمَدِينَة. وَقَالَ النَّوَوِيّ: ضبط الأول بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: ضم الْهمزَة وَتَخْفِيف الْوَاو، وَالْآخر: بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْوَاو، وَكِلَاهُمَا صَحِيح. قَوْلهَا: (أَو فِي التَّنَزُّه) ، شكّ من الرَّاوِي فِي طلب النزاهة بِالْخرُوجِ إِلَى الصَّحرَاء وَفِي رِوَايَة مُسلم: (وأمرنا أَمر الْعَرَب الأول فِي التَّنَزُّه) ، وَكُنَّا نتأذى بالكنف أَن نتخذها عِنْد بُيُوتنَا. قَوْلهَا: (وَأم مسطح بنت أبي رهم) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فَانْطَلَقت أَنا وَأم مسطح) ، وَهِي ابْنة أبي رهم بن الْمطلب بن عبد منَاف، وَأما إبنة صَخْر بن عَامر خَالَة أبي بكر الصّديق، وَابْنهَا مسطح بن أَثَاثَة بن عباد بن الْمطلب. انْتهى. و: مسطح، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة، وَاسم أمه: سلمى بنت أبي رهم، وَذكر أَبُو نعيم فِيمَا نقل من خطه: أَن اسْمهَا رائطة بنت صَخْر أُخْت أم الصّديق، وَأَبُو رهم، بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْهَاء، وَهِي زَوْجَة أَثَاثَة، بِضَم الْهمزَة وَتَخْفِيف الثَّاء الْمُثَلَّثَة الأولى، وَكَانَت من أَشد النَّاس على ابْنهَا مسطح، وَقَالَ النَّوَوِيّ: ومسطح لقب، واسْمه: عَامر، وَقيل: عَوْف، وكنيته: أَبُو عباد، وَقيل: أَبُو عبد الله، توفّي سنة سبع وَثَلَاثِينَ، وَقيل: أَربع وَثَلَاثِينَ، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: شهد مَعَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، صفّين وَمَات فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ عَن سِتّ وَخمسين سنة. قلت: مسطح، إسم عود من أَعْوَاد الخباء، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أَثَاثَة، بِضَم الْهمزَة: إسم رجل، وَقَالَ أَبُو زيد: الأثاث: المَال أجمع الْإِبِل وَالْغنم وَالْعَبِيد وَالْمَتَاع، الْوَاحِدَة: أَثَاثَة، يَعْنِي بِفَتْح الْهمزَة. وَقَالَ الْفراء: الأثاث: مَتَاع الْبَيْت، وَلَا وَاحِد لَهُ. قَوْلهَا: (نمشي) ، حَال أَي: ماشين. قَوْلهَا: (فَعَثَرَتْ فِي مرْطهَا) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: فَعَثَرَتْ أم مسطح فِي مرْطهَا، عثرت، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة أَي: زلقت، و: المرط، بِكَسْر الْمِيم: كسَاء من صوف، قَالَه الدَّاودِيّ، وَقَالَ ابْن فَارس: ملحفة يؤتزر بهَا، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: المروط الأكسية، وَضَبطه ابْن التِّين: المرط، بِفَتْح الْمِيم. قَوْلهَا: (فَقَالَت: تعس مسطح) ، بِكَسْر الْعين وَفتحهَا، لُغَتَانِ مشهورتان، وَمَعْنَاهُ: عثر، وَقيل: هلك، وَقيل: لزمَه الشَّرّ، وَقيل: بعد، وَقيل: سقط لوجهه، وَقيل: التعس أَن لَا ينتعش من عثرته، وَقيل: تعس تعساً وأتعسه الله، وَقَالَ ابْن التبين: المحدثون يقرؤونه بِكَسْر الْعين، وَهُوَ عِنْد أهل اللُّغَة بِفَتْحِهَا، وَقيل: مَعْنَاهُ انكبّ أَي: أكبه الله. قَوْلهَا: (فَقَالَت: يَا هنتاه) ، وَفِي رِوَايَة: أَي: هنتاه، وَكَذَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي: وهنتاه، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون النُّون وَفتحهَا والسكون أشهر، وبضم الْهَاء الْأَخِيرَة، وتسكن ونونها مُخَفّفَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: عَن بَعضهم تَشْدِيد النُّون، وَأنْكرهُ الْأَزْهَرِي، قَالُوا: وَهَذِه اللَّفْظَة تخْتَص بالنداء، وَمَعْنَاهَا: يَا هَذِه، وَقيل: يَا امْرَأَة، وَقيل: يَا بلها، كَأَنَّهَا نسبت إِلَى قلَّة الْمعرفَة بمكائد النَّاس وشرورهم، وَقد تقدم فِي الْحَج فِي: بَاب من قدم ضعفة أَهله بِاللَّيْلِ، وَيُقَال فِي التَّثْنِيَة: هنتان، وَفِي الْجمع: هَنَات وهنوات، وَفِي الْمُذكر: هن وهنان وهنون، وَلَك أَن تلحقها الْهَاء لبَيَان الْحَرَكَة فَتَقول: ياهنه، وَأَن تشبع الْحَرَكَة فَتَصِير ألفا فَتَقول: يَا هَناه، وَلَك ضم الْهَاء فَتَقول: يَا هَناه، أقبل. قَوْلهَا: (ألم تسمعي؟) ، وَفِي الْمَغَازِي. . وَلم تسمعي؟ وَفِي رِوَايَة مُسلم: أَو لم تسمعي؟ قَوْلهَا: (إئذن لي إِلَى أَبَوي) أَي: إئذن لي أَن آتِي أَبَوي، وَفِي رِوَايَة مُسلم، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أتأذن لي أَن آتِي أَبَوي؟ قَوْلهَا: (من قبلهمَا) ، بِكَسْر الْقَاف أَي: من جهتهما. قَوْلهَا: (لقلما كَانَت امْرَأَة قطّ وضئية) ، اللَّام فِي: لقلما للتَّأْكِيد. و: قلَّ، فعل مَاض دخلت عَلَيْهِ كلمة: مَا، لتأكيد معنى الْقلَّة، وَتارَة تسْتَعْمل هَذِه الْكَلِمَة فِي نفي
стр. 3945
أصل الْفِعْل، وَتارَة فِي الْقلَّة جدا. وضيئة، على وزن فعيلة. . أَي: جميلَة حَسَنَة من الْوَضَاءَة وَهُوَ الْحسن. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) : وَفِي نُسْخَة ابْن ماهان: حظية، من الحظوة، وَهِي الوجاهة، يُقَال: حظيت الْمَرْأَة عِنْد زَوجهَا تحظى حُظوة وحِظوة، بِالضَّمِّ وَالْكَسْر: أَي: سعدت بِهِ وَدنت من قلبه وأحبها. قَوْلهَا: (وَلها ضرائر) ، بِالْألف، وَهُوَ الصَّوَاب، وَهُوَ جمع ضرَّة، وزوجات الرجل ضرائر، لِأَن كل وَاحِدَة تتضرر بِالْأُخْرَى بالغيرة وَالْقسم، وَفِي بعض النّسخ: ضرار، وَأَصله من: الضّر، بِكَسْر الضَّاد وَضمّهَا. قَوْلهَا: (إِلَّا أكثرن عَلَيْهَا) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة، أَي: أكثرن عَلَيْهَا القَوْل فِي عيبها ونقصها. قَوْلهَا: (لَا يرقأ لي دمع) ، مَهْمُوز، أَي: لَا يَنْقَطِع من رقأ الدمع إِذا انْقَطع. قَوْلهَا: (وَلَا أكتحل بنوم) ، أَي: لَا أَنَام، وَهُوَ اسْتِعَارَة. قَوْلهَا: (حِين استلبث الْوَحْي) ، أَي: حِين أَبْطَأَ. ولبث وَلم ينزل. قَوْلهَا: (يستشيرهما) ، جملَة حَالية مقدرَة من الاستشارة. قَوْلهَا: (أهلك) ، رُوِيَ بِالنّصب أَي: إلزم أهلك، وَرُوِيَ بِالرَّفْع أَي: هِيَ أهلك لَا تسمع فِيهَا شَيْئا. قَوْلهَا: (وَأما عَليّ بن أبي طَالب) إِلَى آخِره، إِنَّمَا قَالَ عَليّ ذَلِك مصلحَة ونصيحة للرسول، ﷺ ، فِي اعْتِقَاده لِأَنَّهُ رأى انزعاج رَسُول الله، ﷺ ، بِهَذَا الْأَمر وقلقه، فَأَرَادَ رَاحَة خاطره ﷺ لَا لعداوة لعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَوْلهَا: (يريبك) ، من راب، وَقد ذكر مرّة يَعْنِي: هَل رَأَيْت شَيْئا فِيهَا مَا يريبك؟ وَفِي رِوَايَة مُسلم: هَل رَأَيْت من شَيْء يريبك من عَائِشَة؟ قَوْلهَا: (إِن رَأَيْت مِنْهَا) أَي: مَا رَأَيْت مِنْهَا. قَوْلهَا: (أغمصه عَلَيْهَا) ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَكسر الْمِيم وَضم الصَّاد الْمُهْملَة، أَي: أعيبها بِهِ وأطعن عَلَيْهَا. قَوْلهَا: (فتأتي الدَّاجِن) ، وَهِي الشاه الَّتِي تألف الْبَيْت وَلَا تخرج إِلَى المرعى، وَقَالَ ابْن التِّين: هِيَ الشَّاة الَّتِي تحبس فِي الْبَيْت لدرها لَا تخرج إِلَى المرعى، وَقيل: هُوَ دجَاجَة أَو حمام أَو وَحش أَو طير يألف الْبَيْت، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: الدَّاجِن الشَّاة الْمُعْتَادَة للْقِيَام فِي الْمنزل إِذا سمنت للذبح، وَاللَّبن وَلم تسرح فِي السَّرْح وكل مُعْتَاد موضعا هُوَ بِهِ يُقيم فَهُوَ كَذَلِك دَاجِن، يُقَال: دجن فلَان بمَكَان كَذَا وأدجن بِهِ إِذا أَقَامَ بِهِ. قَوْلهَا: (فَقَامَ رَسُول الله، ﷺ من يَوْمه) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (قَالَ رَسُول الله، ﷺ وَهُوَ على الْمِنْبَر: يَا معشر الْمُسلمين من يعذرني) . قَوْلهَا: (فاستعذر من عبد الله بن أبي) ، أَي: طلب من يعذرهُ مِنْهُ أَي: من ينصفه مِنْهُ. قَوْلهَا: (من يعذرني من رجل) ، وَقَالَ الْخطابِيّ: (من يعذرني) ، يؤول على وَجْهَيْن أَي: من يقوم بِعُذْرِهِ فِيمَا يَأْتِي إِلَيّ من الْمَكْرُوه مِنْهُ؟ وَالثَّانِي: من يقوم بعذري إِن عاقبته على سوء فعله؟ وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ: من يقوم بعذري إِن كافأته على قبح فعاله، وَلَا يلومني على ذَلِك؟ وَقيل: مَعْنَاهُ: من ينصرني، والعذير النَّاصِر، وَقيل: مَعْنَاهُ من ينْتَقم لي مِنْهُ، وَيشْهد لهَذَا جَوَاب سعد بن معَاذ: أَنا أعذرك مِنْهُ. قَوْلهَا: (رجلا) ، هُوَ صَفْوَان. قَوْلهَا: (فَقَامَ سعد بن معَاذ فَقَالَ: يَا رَسُول الله! أَنا أعذرك مِنْهُ) إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن الْأَوْس من قومه وهم بَنو النجار، وَمن آذَى رَسُول الله، ﷺ وَجب قَتله، ثمَّ إِن الْمَوْجُود فِي الْأُصُول: سعد بن معَاذ، وَقع فِي مَوضِع آخر: سعد بن عبَادَة، وَقَالَ ابْن حزم: هَذَا عندنَا وهمٌ لِأَن سعد بن معَاذ مَاتَ إِثْر غَزْوَة بني قُرَيْظَة بِلَا شكّ وَبني قُرَيْظَة كَانَ فِي إخر ذِي الْقعدَة من سنة أَربع فَبين الغزوتين نَحْو من سنتَيْن وَالوهم لم يعر مِنْهُ أخحد من الْبشر وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ ذكر سعد بن معَاذ وهم اتّفق فِيهِ الروَاة وَقَالَ بن عمر هم وهم وَخطأ، وَتَبعهُ على ذَلِك جمَاعَة. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: قَالَ بعض شُيُوخنَا: ذكر سعد بن معَاذ فِي هَذَا وهمٌ، وَالْأَشْبَه أَنه غَيره، وَلِهَذَا لم يذكرهُ ابْن إِسْحَاق فِي (السّير) وَإِنَّمَا قَالَ: إِن الْمُتَكَلّم أَولا وآخراً أسيد بن حضير.
وَقَالَ القَاضِي: هَذَا مُشكل، لِأَن هَذِه الْقِصَّة كَانَت فِي غَزْوَة الْمُريْسِيع وَهِي غَزْوَة بني المصطلق سنة سِتّ، وَسعد بن معَاذ مَاتَ فِي إِثْر غزَاة الخَنْدَق من الرَّمية الَّتِي أَصَابَته، وَذَلِكَ فِي سنة أَربع، وَلِهَذَا قيل وهم الْأَشْبَه أَنه غَيره وَقَالَ القَاضِي فِي الْجَواب أَن مُوسَى بن عقبَة ذكر أَن اليسيع سنة أرع وَهِي سنة الخَنْدَق، فَيحْتَمل أَن المريسي وَحَدِيث الْإِفْك كَانَا فِي سنة أَربع قبل الخَنْدَق. قلت: هَذَا يبين صِحَة مَا ذكره البُخَارِيّ من أَنه سعد بن معَاذ، وَهُوَ الَّذِي فِي (الصَّحِيحَيْنِ) . أما سعد بن معَاذ، بِضَم الْمِيم فَهُوَ: ابْن النُّعْمَان بن امرىء الْقَيْس ابْن زيد بن عبد الْأَشْهَل بن جشم بن الْحَارِث بن الْخَزْرَج بن عَمْرو بن النبيت، واسْمه: عَمْرو بن مَالك بن الْأَوْس الْأنْصَارِيّ الأوسي الأشْهَلِي، أسلم على يَد مُصعب بن عُمَيْر لما أرْسلهُ النَّبِي، ﷺ إِلَى الْمَدِينَة يعلم الْمُسلمين، شهد بَدْرًا لم يَخْتَلِفُوا فِيهِ وَشهد أحدا وَالْخَنْدَق، ورماه يَوْمئِذٍ حبَان بن عَرَفَة فِي أكحله، وَمر عَن قريب تَارِيخ وَفَاته. وَأما سعد بن عبَادَة، بِضَم الْعين، فَهُوَ ابْن دليم بن حَارِثَة بن أبي حزيمة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الزَّاي وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْمِيم
стр. 3946
بعْدهَا هَاء: ابْن ثَعْلَبَة بن طريف بن الْخَزْرَج بن سَاعِدَة بن كَعْب بن الْخَزْرَج الْأَكْبَر أخي الْأَوْس بن حَارِثَة بن ثَعْلَبَة العنقاء ابْن عَمْرو المزيقياء بن عَامر مَاء السَّمَاء، وَأم الْأَوْس والخزرج: قيلة بنت كَاهِل بن عذرة بن سعد بن قضاعة، وَقيل: قيلة بنت الأرقم بن عَمْرو بن جَفْنَة، وَكَانَ نقيب بني سَاعِدَة، شهد بَدْرًا عِنْد بَعضهم وَلم يُبَايع أَبَا بكر وَلَا عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَسَار إِلَى الشَّام، فَأَقَامَ بحوران إِلَى أَن مَاتَ سنة خمس عشرَة، وَلم يَخْتَلِفُوا أَنه وجد مَيتا على مغتسله. وَأما أسيد، بِضَم الْهمزَة فَهُوَ: ابْن حضير، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة: ابْن سماك بن عتِيك بن امريء الْقَيْس بن زيد بن عبد الْأَشْهَل بن جشم ابْن الْحَارِث بن عَمْرو بن مَالك بن الْأَوْس الْأنْصَارِيّ الأوسي الأشْهَلِي أَبُو يحيى، أسلم على يَد مُصعب بن عُمَيْر بِالْمَدِينَةِ بعد الْعقبَة الأولى. وَقيل: الثَّانِيَة، وَاخْتلف فِي شُهُوده بَدْرًا فنفاه ابْن إِسْحَاق الْكَلْبِيّ، وأثبته غَيرهمَا، وَشهد أحدا وَمَا بعْدهَا من الْمشَاهد، وَشهد مَعَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فتح الْبَيْت الْمُقَدّس، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة عشْرين، وَصلى عَلَيْهِ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
قَوْلهَا: (وَكَانَ قبل ذَلِك رجلا صَالحا) ، وَفِي مُسلم وَكَانَ رجلا صَالحا، يَعْنِي: لم يكن قبل ذَلِك يحمي لمنافق. قَوْلهَا: (وَلَكِن احتملته الحمية) ، بحاء مُهْملَة وَمِيم أَي: أغضبته، وَعند مُسلم: أجتهلته، بجيم وهاء أَي: أغضبته وَحَمَلته على الْجَهْل، فالروايتان صحيحتان. قَوْلهَا: (كذبت لعمر الله وَالله) ، أَي: إِن رَسُول الله، ﷺ لَا يَجْعَل حكمه إِلَيْك، كَذَا قَالَ الدَّاودِيّ، وَقَالَ ابْن التِّين: مَعْنَاهُ أَنه قَالَ لَهُ: كذبت إِنَّك لَا تقدر على قَتله، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر. قَوْلهَا: (فَقَامَ أسيد بن الْحضير) ، قد مرت تَرْجَمته الْآن، فَقَالَ: كذبت لعمر الله، وَالله لنقتله، أَي: إِن أمرنَا رَسُول الله، ﷺ قَتَلْنَاهُ، وَقوم أسيد بَنو عبد الْأَشْهَل. قَوْلهَا: (فَإنَّك مُنَافِق) ، أَي: تفعل فعل الْمُنَافِقين، وَلم يرد بِهِ النِّفَاق الْحَقِيقِيّ. قَوْلهَا: (فثار الْحَيَّانِ الْأَوْس والخزرج) ، أَي: تناهضوا للنزاع والعصبية، وَأَصله من ثار الشَّيْء يثور إِذا ارْتَفع وانتشر. قَوْلهَا: (حَتَّى هموا) ، أَي: حَتَّى قصدُوا الْمُحَاربَة وتناهضوا للنزاع. قَوْلهَا: (فخفضهم) ، يَعْنِي تلطف بهم حَتَّى سكتوا. قَوْلهَا: (وَقد بَكَيْت لَيْلَتَيْنِ وَيَوْما) ، هَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: لَيْلَتي وَيَوْما، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَأبي الْوَقْت: لَيْلَتي ويومي. قَوْلهَا: (فالق) ، من فلق؛ إِذا شقّ. قَوْلهَا: (وَأَنا أبْكِي) ، جملَة حَالية. قَوْلهَا: (إِذْ اسْتَأْذَنت) كلمة: إِذا، للمفاجأة وَكَذَلِكَ؛ إِذْ، فِي قَوْلهَا: (إِذْ دخل) . قَوْلهَا: (قيل فيَّ) ، بِكَسْر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء. قَوْلهَا: (وَقد مكث شهراف لَا يُوحى إِلَيْهِ) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: وَلَقَد لَبِثت شهرا لَا يُوحى إِلَيْهِ، وَذَلِكَ ليعلم رَسُول الله، ﷺ الْمُتَكَلّم من غَيره. قَوْلهَا: (فِي شأني) أَي: فِي أَمْرِي وحالي. قَوْلهَا: (أَلممْت بِشَيْء) وَفِي رِوَايَة: بذنب، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم، وَهُوَ من الْإِلْمَام، وَهُوَ النُّزُول النَّادِر غير المتكرر، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَي: فعلت ذَنبا، مَعَ أَنه لَيْسَ من عادتك. قَوْلهَا: (فَإِن العَبْد إِذا اعْترف بِذَنبِهِ تَابَ الله عَلَيْهِ) قَالَ الدَّاودِيّ: دَعَاهَا إِلَى الِاعْتِرَاف وَلم يأمرها بالستر كَغَيْرِهَا، لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي عِنْد الشَّارِع امْرَأَة أَصَابَت ذَنبا. قَوْلهَا: (قلص دمعي) ، بِفَتْح الْقَاف وَاللَّام أَي: ارْتَفع وانقبض، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يَعْنِي: أَن الْحزن والوجدة قد انْتَهَت نهايتهما وَبَلغت غايتهما وَمهما انْتهى الْأَمر إِلَى ذَلِك قلص الدمع لفرط حرارة الْمُصِيبَة. وَقَالَ الدَّاودِيّ: قلص دمعي أَي: ذهب. وَقيل: نقص، وَقَالَ ابْن السّكيت: قلص المَاء فِي الْبَيْت إِذا ارْتَفع، وَمَاء قليص. قَوْلهَا: (مَا أحس) ، بِضَم الْهمزَة من الإحساس، قَالَ تَعَالَى: ﴿هَل تحس مِنْهُم من أحد﴾ (مَرْيَم: ٨٩) . قَوْلهَا: (قَالَ: وَالله مَا أَدْرِي مَا أَقُول) ، مَعْنَاهُ: إِن الْأَمر الَّذِي سَأَلَهَا رَسُول الله، ﷺ لَا يقف مِنْهُ على أَمر زَائِد على مَا عِنْد رَسُول الله، ﷺ قبل نزُول الْوَحْي من حسن الظَّن. قَوْلهَا: (إلَاّ أَبَا يُوسُف) أَي: إلَاّ مثل يَعْقُوب، ﵊، وَهُوَ: الصَّبْر، وَكَأَنَّهَا من شدَّة حزنها لم تتذكر اسْم يَعْقُوب، وَإِنَّمَا قَالَت: أَبَا يُوسُف، لِأَنَّهُ لما جَاءَ إخْوَة يُوسُف أباهم يَعْقُوب وَمَعَهُمْ قَمِيص يُوسُف بِدَم كذب. قَالَ يَعْقُوب: ﴿بل سَوَّلت لكم أَنفسكُم أمرا فَصَبر جميل وَالله الْمُسْتَعَان على مَا تصفون﴾ (يُوسُف: ٨١) . قَوْلهَا: (إِذْ قَالَ) ، أَي: حِين قَالَ. قَوْلهَا: (فوَاللَّه مَا رام مَجْلِسه) ، أَي: مَا برح الْمجْلس وَلَا قَامَ عَنهُ، يُقَال: رامه يريمه ريماً، أَي: برحه ولازمه. قَوْلهَا: (من البرحاء) بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة على وزن: فعلاء، من البرح، وَهِي: شدَّة الْحمى وَغَيرهَا من الشدائد، وَقيل: البرح: شدَّة الْحر، وَقَالَ الْخطابِيّ: شدَّة الكرب، مَأْخُوذ من قَوْلك: بَرحت بِالرجلِ إِذا بلغت بِهِ غَايَة الْأَذَى وَالْمَشَقَّة. قَوْلهَا: (ليتحدر) ، اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد، أَي: ينزل ويقطر، من: حدر يحدر حدراً وحدوراً، والحدور ضد الصعُود، وَيَتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى. قَوْلهَا: (مثل الجمان) ، بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْمِيم، وَهُوَ الدّرّ، كَذَا ذكره ابْن التِّين وَغَيره، وَقَالَ ابْن سَيّده: الجمان هنوات على أشكال اللُّؤْلُؤ من فضَّة، فَارسي مُعرب، واحدته جمانة، وَرُبمَا سميت
стр. 3947
الدرة جمانة. وَقيل: الجمان: الْحِرْز يبيض بِمَاء الْفضة، وَفِي (المغيث) : هُوَ اللُّؤْلُؤ الصَّغِير، وَقَالَ الجواليقي، وَقد جعل لبيد الدرة جمانة فَقَالَ:
(كجمانة البحري سلَّ نظامها)
قَوْلهَا: (فَلَمَّا سري) ، وَهُوَ مشدد مَبْنِيّ لما لم يسم فَاعله وَمَعْنَاهُ: لما كشف وأزيل عَنهُ. قَالَ ابْن دحْيَة: وَنزل عذرها بعد سبع وَثَلَاثِينَ لَيْلَة. قَوْلهَا: (وَالله لَا أقوم إِلَيْهِ) ، قَالَت ذَلِك إدلالاً عَلَيْهِم وعتاباً لكَوْنهم شكوا فِي حَالهَا مَعَ علمهمْ بِحسن طرائفها وَجَمِيل أحوالها وتنزهها عَن هَذَا الْبَاطِل الَّذِي افتراه الظلمَة، لَا حجَّة لَهُم وَلَا شُبْهَة فِيهِ. قَوْلهَا: (لِقَرَابَتِهِ) ، وَذَلِكَ أَن أم مسطح، سلمى هِيَ بنت خَالَة أبي بكر الصّديق. قَوْلهَا: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ (النُّور: ٢٢) . أَي: وَلَا يحلف ﴿أولُوا الْفضل مِنْكُم﴾ (النُّور: ٢٢) . والآلية: الْيَمين وَالْفضل هُنَا المَال ﴿وَالسعَة﴾ (النُّور: ٢٢) . فِي الْعَيْش والرزق. فَإِن قلت: قَوْله: ﴿أولُوا﴾ (النُّور: ٢٢) . جمع، وَالْمرَاد هُنَا الصّديق؟ قلت: قَالَ الضَّحَّاك: أَبُو بكر وَغَيره من الْمُسلمين. قَوْلهَا: (إِلَى قَوْله: ﴿غَفُور رَحِيم﴾ (النُّور: ٢٢) .) وَفِي رِوَايَة مُسلم: إِلَى قَوْله: ﴿ألَا تحبون أَن يغْفر الله لكم﴾ (النُّور: ٢٢) . قَالَ ابْن حبَان بن مُوسَى: قَالَ عبد الله بن الْمُبَارك: هَذِه أَرْجَى آيَة فِي كتاب الله، فَقَالَ أَبُو بكر: بلَى وَالله إِنِّي لأحب أَن يغْفر الله لي، فَرجع إِلَى مسطح النَّفَقَة الَّتِي كَانَ ينْفق عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَا أَنْزعهَا مِنْهُ أبدا. قَوْلهَا: (الَّذِي كَانَ يجدى عَلَيْهِ) ، أَي: يعْطى، من الجداء، وَهُوَ الْعَطِيَّة. وَكَذَلِكَ: الجدوي. قَوْلهَا: (أحمي) ، أَي: أصون (سَمْعِي) من أَن أَقُول: سَمِعت وَلم أسمع، (وبصري) من أَن أَقُول: أَبْصرت وَلم أبْصر، أَي: لَا أكذب حماية لَهما. قَوْلهَا: (تساميني) أَي: تضاهيني بكمالها ومكانها عِنْد رَسُول الله، ﷺ ، وَهِي مفاعلة من السمو، وَهُوَ: الِارْتفَاع.
قَالَ: وحدَّثنا فُلَيحٌ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ وعَبْدِ الله بنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ
أَي: قَالَ أَبُو الرّبيع سُلَيْمَان بن دَاوُد: وَحدثنَا فليح بن سُلَيْمَان عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة وَعبد الله بن الزبير مثله، أَي: مثل الحَدِيث الْمَذْكُور الَّذِي رَوَاهُ فليح عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة.
قَالَ: وحدَّثنا فلَيْحٌ عنْ رَبِيعَةَ بنِ أبِي عبدِ الرَّحْمانِ ويَحْيَى بنِ سَعيدٍ عنِ القاسِمِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أبِي بَكْرٍ مِثْلَهُ
أَي: قَالَ أَبُو الرّبيع سُلَيْمَان: وَحدثنَا فليح ... إِلَى آخِره، وَالْحَاصِل أَن فليح بن سُلَيْمَان روى الحَدِيث الْمَذْكُور من أَرْبَعَة مَشَايِخ. الأول: ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ الثَّانِي: هِشَام بن عُرْوَة. وَالثَّالِث: ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن، شيخ مَالك. وَالرَّابِع: يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد من الحَدِيث الْمَذْكُور: فِيهِ: جَوَاز رِوَايَة الحَدِيث عَن جمَاعَة، عَن كل وَاحِد قِطْعَة مُبْهمَة مِنْهُ، وَإِن كَانَ فعل الزُّهْرِيّ وَحده فقد أجمع الْمُسلمُونَ على قبُوله مِنْهُ والاحتجاج بِهِ. وَفِيه: صِحَة الْقرعَة بَين النِّسَاء، وَبِه اسْتدلَّ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وجماهير الْعلمَاء فِي الْعَمَل بِالْقُرْعَةِ: فِي الْقسم بَين الزَّوْجَات، وَفِي الْعتْق والوصايا وَالْقِسْمَة وَنَحْو ذَلِك، وَقَالَ أَبُو عبيد: عمل بهَا ثَلَاثَة من الْأَنْبِيَاء، ﵈، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي أول الْبَاب. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: اسْتِعْمَالهَا كالإجماع وَلَا معنى لقَوْل من يردهَا، وَالْمَشْهُور عَن أبي حنيفَة، إِبْطَالهَا، وَحكي عَنهُ إجازتها. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر وَغَيره: الْقيَاس تَركهَا، لَكِن عَملنَا بهَا بالآثار. انْتهى. قلت: لَيْسَ الْمَشْهُور عَن أبي حنيفَة إبِْطَال الْقرعَة، وَأَبُو حنيفَة لم يقل كَذَلِك، وَإِنَّمَا قَالَ: الْقيَاس يأباها، لِأَنَّهُ تَعْلِيق لَا اسْتِحْقَاق بِخُرُوج الْقرعَة، وَذَلِكَ قمار، وَلَكِن تركنَا الْقيَاس للآثار وللتعامل الظَّاهِر من لدن رَسُول الله، ﷺ إِلَى يَوْمنَا هَذَا من غير نَكِير مُنكر، وَإِنَّمَا قَالَ هَهُنَا: يفعل تطييباً لقلوبهن، والْحَدِيث مَحْمُول عَلَيْهِ، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنه ﷺ لم تكن التَّسْوِيَة وَاجِبَة عَلَيْهِ فِي الْحَضَر، وَإِنَّمَا كَانَ يَفْعَله تفضلاً، وَقد قَالَ بعض أَصْحَابنَا: وَعند أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ إِذا أَرَادَ الرجل سفرا أَقرع بَين نِسَائِهِ، لَا يجوز أَخذ بَعضهنَّ بِغَيْر ذَلِك، وَالَّذِي فِي الْقَدُورِيّ: عَن مَذْهَب أبي حنيفَة: لَا حقَّ لَهُنَّ فِي حَالَة السّفر يُسَافر بِمن شَاءَ مِنْهُنَّ، وَقَالَ الأقطع فِي (شَرحه) : لِأَن الزَّوْج لَا يلْزمه اسْتِصْحَاب وَاحِدَة مِنْهُنَّ وَلَا يلْزمه الْقِسْمَة فِي حَالَة السّفر، وَالْأولَى وَالْمُسْتَحب أَن يقرع لتطييب قلوبهن. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَعَن مَالك: يُسَافر بِمن شَاءَ مِنْهُنَّ بِغَيْر قرعَة، لِأَن الْقِسْمَة سَقَطت للضَّرُورَة. وَقَالَ ابْن التِّين: قَالَ مَالك: الشَّارِع يفعل ذَلِك تَطَوّعا مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا يجب عَلَيْهِ أَن يعدل بَينهُنَّ. وَفِيه: عدم وجوب قَضَاء مُدَّة السّفر للنسوة المقيمات، وَهَذَا مجمع عَلَيْهِ إِذا كَانَ السّفر طَويلا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَحكم السّفر الْقصير حكم الطَّوِيل على الْمَذْهَب الصَّحِيح، وَخَالف فِيهِ
стр. 3948
بعض أَصْحَابنَا. وَفِيه: جَوَاز سفر الرجل بِزَوْجَتِهِ. وَفِيه: جَوَاز الْغَزْو بِهن. وَفِيه: جَوَاز ركُوب النِّسَاء فِي الهوادج. وَفِيه: جَوَاز خدمَة الرِّجَال لَهُنَّ فِي ذَلِك فِي الْأَسْفَار. وَفِيه: أَن إرتحال الْعَسْكَر يتَوَقَّف على أَمر الْأَمِير، وَفِيه: جَوَاز خُرُوج الْمَرْأَة لحَاجَة الْإِنْسَان بِغَيْر إِذن الزَّوْج، وَهَذَا من الْأُمُور المستثناة. وَفِيه: جَوَاز لبس النِّسَاء القلائد فِي السّفر كالحضر. وَفِيه: أَن من يركب الْمَرْأَة على الْبَعِير وَغَيره لَا يكلمها إِذا لم يكن محرما إِلَّا لحَاجَة، لأَنهم حملُوا وَلم يكلموا من يظنونها فِيهِ. وَفِيه: فَضِيلَة الاقتصاد فِي الْأكل للنِّسَاء وغيرهن، وَلَا يكثرن مِنْهُ بِحَيْثُ يهبلهن اللَّحْم. وَفِيه: جَوَاز تَأَخّر بعض الْجَيْش سَاعَة وَنَحْوهَا لحَاجَة تعرض لَهُم. وَفِيه: إغاثة الملهوف وَعون الْمُنْقَطع، وإنقاذ الضائع وإكرام ذَوي الأقدار، كَمَا فعل صَفْوَان بِهَذَا كُله. وَفِيه: حسن الْأَدَب مَعَ الأجنبيات، لَا سِيمَا فِي الْخلْوَة بِهن عِنْد الضَّرُورَة فِي بَريَّة أَو غَيرهَا. وَفِيه: أَنه إِذا أركب أَجْنَبِيَّة يَنْبَغِي أَن يمشي قدامها وَلَا يمشي بجنبها وَلَا وَرَاءَهَا. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الاسترجاع عِنْد المصائب سَوَاء كَانَت فِي الدّين أَو فِي الدُّنْيَا، وَسَوَاء كَانَت فِي نَفسه أَو من يعز عَلَيْهِ. وَفِيه: تَغْطِيَة الْمَرْأَة وَجههَا عَن نظر الْأَجْنَبِيّ، سَوَاء كَانَ صَالحا أَو غَيره. وَفِيه: جَوَاز الْحلف من غير استحلاف. وَفِيه: أَنه يسْتَحبّ أَن يسر عَن الْإِنْسَان مَا يُقَال فِيهِ إِذا لم يكن فِي ذكره فَائِدَة كَمَا كتموا عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، هَذَا الْأَمر شهرا وَلم تسمعه بعد ذَلِك، إلَاّ بِعَارِض عرض، وَهُوَ قَول أم مسطح: تعس مسطح. وَفِيه: اسْتِحْبَاب ملاطفة الرجل زَوجته وَيحسن معاشرتها. وَفِيه: أَنه إِذا عرض عَارض بِأَن سمع عَنْهَا شَيْئا أَو نَحْو ذَلِك يقلل من اللطف وَنَحْوه لتفطن أَن ذَلِك لعَارض، فتسأل عَن سَببه فتزيله. وَفِيه: اسْتِحْبَاب السُّؤَال عَن الْمَرِيض. وَفِيه: أَنه يسْتَحبّ للْمَرْأَة إِذا أَرَادَت الْخُرُوج لحَاجَة أَن يكون مَعهَا رَفِيقَة لَهَا لتأنس بهَا وَلَا يتَعَرَّض لَهَا. وَفِيه: كَرَاهَة الْإِنْسَان صَاحبه وقريبه إِذا آذَى أهل الْفضل، أَو فعل غير ذَلِك من القبائح، كَمَا فعلت أم مسطح فِي دعائها عَلَيْهِ. وَفِيه: فَضِيلَة أهل بدر والذب عَنْهُم، كَمَا فعلت عَائِشَة فِي ذبها عَن مسطح. وَفِيه: أَن الْمَرْأَة لَا تذْهب لبيت أَبَوَيْهَا إلَاّ بِإِذن زَوجهَا. وَفِيه جَوَاز التَّعَجُّب بِلَفْظ التَّسْبِيح وَفِيه اسْتِحْبَاب مُشَاورَة الرجل بطانته وَأَهله وأصدقاء فِيمَا ينويه من الإمور وَفِيه: جَوَاز الْبَحْث وَالسُّؤَال عَن الْأُمُور المسموعة لمن لَهُ بهَا تعلق، وَأما غَيره فمنهي عَنهُ، وَهُوَ تجسس وفضول. وَفِيه: خطْبَة الإِمَام النَّاس عِنْد نزُول أمرٍ بهم. وَفِيه: اشتكاء ولي الْأَمر إِلَى الْمُسلمين من تعرض لَهُ بأذى فِي أَهله أَو فِي نَفسه. وَفِيه: فَضَائِل ظَاهره لِصَفْوَان بِشَهَادَة النَّبِي ﷺ بِمَا شهد وبفعاله الجميلة. وَفِيه: الْمُبَادرَة إِلَى قطع الْفِتَن والخصومات والمنازعات. وَفِيه: فَضِيلَة سعد بن معَاذ وَأسيد بن حضير. وَفِيه: قبُول التَّوْبَة والحث عَلَيْهَا. وَفِيه: تَفْوِيض الْكَلَام إِلَى الْكِبَار دون الصغار لأَنهم أعرف. وَفِيه: جَوَاز الاستشهاد بآيَات الْقرَان الْعَزِيز، وَلَا خلاف أَنه جَائِز. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الْمُبَادرَة بتبشير من تَجَدَّدَتْ لَهُ نعْمَة ظَاهِرَة أَو اندفعت عَنهُ بلية بارزة. وَفِيه: بَرَاءَة عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، من الْإِفْك، وَهِي بَرَاءَة قَطْعِيَّة بِنَصّ الْقُرْآن، فَلَو تشكك فِيهَا إِنْسَان صَار كَافِرًا مُرْتَدا بِإِجْمَاع الْمُسلمين. وَفِيه: تَجْدِيد شكر الله تَعَالَى تجدّد النِّعْمَة. وَفِيه: فَضَائِل لأبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أولُوا الْفضل مِنْكُم﴾ (النُّور: ٢٢) . وَفِيه اسْتِحْبَاب صلَة الْأَرْحَام وَإِن كَانُوا مسيئين وَفِيه اسْتِحْبَاب الْعَفو والصفح عَن الْمُسِيء وَفِيه: اسْتِحْبَاب الصَّدَقَة والإنفاق فِي سَبِيل الْخيرَات. وَفِيه: اسْتِحْبَاب لمن حلف على يَمِين فَرَأى غَيرهَا خيرا مِنْهَا أَن يَأْتِي بِالَّذِي هُوَ خير، فيكفر عَن يَمِينه. وَفِيه فَضِيلَة زَيْنَب أم الْمُؤمنِينَ ﵂ وَفِيه التثبيت فِي الشَّهَادَة وَفِيه أَن الْخطْبَة مبتداة بِالْحَمْد لله وَالثنَاء عليهوفيه: اسْتِحْبَاب القَوْل: بأما بعد، فِي الْخطْبَة بعد: الْحَمد لله وَالصَّلَاة على رَسُوله، ﷺ . وَفِيه: غضب الْمُسلمين عِنْد انتهاك حُرْمَة أَمِيرهمْ واهتمامهم بِدفع ذَلِك. وَفِيه: جَوَاز سبّ المتعصب لمبطل، كَمَا سبّ أسيد بن حضير سعد بن عبَادَة لتعصبه لِلْمُنَافِقِ، وَقَالَ: إِنَّك مُنَافِق تجَادل عَن الْمُنَافِقين، وَقد ذكرنَا أَنه لم يرد بِهِ النِّفَاق الْحَقِيقِيّ. وَفِيه: جَوَاز تَعْدِيل النِّسَاء، لِأَنَّهُ ﷺ سَأَلَ بَرِيرَة وَزَيْنَب عَن عَائِشَة وهما من أخبرتا بفضلها، وَكَمَال دينهَا، وَبِه احْتج أَبُو حنيفَة فِي جَوَاز تَعْدِيل النِّسَاء بَعضهنَّ بَعْضًا. وَفِيه: أَن من آذَى رَسُول الله، ﷺ فِي أَهله أَو عرضه، فَإِنَّهُ يقتل، لقَوْل أسيد بن حضير: إِن كَانَ من الْأَوْس قَتَلْنَاهُ، وَلم يرد عَلَيْهِ النَّبِي، ﷺ شَيْئا، قَالَ ابْن بطال: وَكَذَا من سبّ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بِمَا برأها الله مِنْهُ أَنه يقتل لتكذيبه الله وَرَسُوله ﷺ ، وَقَالَ قوم: لَا يقتل من سبها بِغَيْر مَا برأها الله تَعَالَى مِنْهُ، وَقَالَ الْمُهلب: وَالنَّظَر عِنْدِي أَن يقتل من سبّ زَوْجَات سيدنَا رَسُول الله، ﷺ ، بِمَا رميت بِهِ عَائِشَة أَو بِغَيْر ذَلِك. وَفِيه:
стр. 3949
وجوب تَعْظِيم أهل بدر والذب عَنْهُم. وَفِيه: أَن الصَّبْر الْجَمِيل فِيهِ الْغِبْطَة والعزة فِي الدَّاريْنِ. وَفِيه: ترك الْحَد لما يخْشَى من تَفْرِيق الْكَلِمَة، كَمَا ترك رَسُول الله، ﷺ حد ابْن سلول. وَفِيه: أَن الِاعْتِرَاف بِمَا يَشَاء من الْبَاطِل لَا يحل. وَفِيه: أَن الْوَحْي مَا كَانَ يَأْتِيهِ مَتى أَرَادَ، لبَقَائه شهرا لم يوحَ إِلَيْهِ. وَفِيه: جَوَاز تحلي النِّسَاء بِالذَّهَب وَالْفِضَّة واللؤلؤ والخرز وَنَحْوهَا. وَفِيه: حُرْمَة التشكيك فِي تبرئة عَائِشَة من الْإِفْك. وَفِيه: أَن العصبية تنقل عَن إسم، كَمَا قَالَت: وَكَانَ قبل ذَلِك رجلا صَالحا. وَفِيه: الْكَشْف والبحث عَن الْأَخْبَار الْوَارِدَة، إِن كَانَ لَهَا نَظَائِر، أم لَا، لسؤاله، ﷺ ، بَرِيرَة وَأُسَامَة وَزَيْنَب وَغَيرهم من بطانته عَن عَائِشَة وَعَن سَائِر أفعالها، وَمَا يغمص عَلَيْهَا، وَالْحكم بِمَا يظْهر من الْأَفْعَال على اقيل، وَذكر ابْن مرْدَوَيْه فِي (تَفْسِيره) من حَدِيث يُونُس بن بكير عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة: سَأَلَ، يَعْنِي، رَسُول الله، ﷺ ، جَارِيَة لي سَوْدَاء، فَقَالَ: (أَخْبِرِينَا بِمَا علمك بعائشة. .) فَذكرت الْعَجِين، وَمَعَهُ نَاس، فأداروها حَتَّى فطنت. فَقَالَت: سُبْحَانَ الله! وَالله مَا أعلم على عَائِشَة إلَاّ مَا يعلم الصَّائِغ على تبر الذَّهَب الْأَحْمَر. وَفِي لفظ: جَارِيَة نوبية، وَهَذِه الْفَوَائِد مَا تنيف على سِتِّينَ فَائِدَة، وَالله هُوَ الْمُسْتَعَان.
٦١ - (بابٌ إذَا زَكَّى رَجُلٌ رجُلاً كَفَاهُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا زكى رجل رجلا كَفاهُ أَي: كفى رجلا الَّذِي هُوَ المزكَّى، بِفَتْح الْكَاف، يَعْنِي لَا يحْتَاج إِلَى آخر مَعَه، وَقد ذكر فِي أَوَائِل الشَّهَادَات: بَاب تَعْدِيل كم يجوز، فتوقف فِي جَوَابه، وَهَهُنَا صرح بالأكتفاء بِالْوَاحِدِ، وَفِيه خلاف: فَعِنْدَ مُحَمَّد بن الْحسن: يشْتَرط إثنان كَمَا فِي الشَّهَادَة، وَهُوَ الْمُرَجح عِنْد الشَّافِعِيَّة والمالكية، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيّ. وَعند أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف: يكْتَفى بِوَاحِد، والاثنان أحب، وَكَذَا الْخلاف فِي الرسَالَة والترجمة.
وَقَالَ أَبُو جَمِيلَةَ وجَدْتُ مَنْبُوذاً فلَمَّا رَآنِي عُمَرُ قَالَ عَسَى الغُوَيْرُ بُؤساً كأنَّهُ يَتَّهِمُنِي قَالَ عَرِيفي أنَّهُ رَجُلٌ صَالح قَالَ كذَلِكَ اذْهَبْ وعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (قَالَ عريفي أَنه رجل صَالح، قَالَ كَذَلِك اذْهَبْ) ، فَإِنَّهُ يدل على أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قبل تَزْكِيَة الْوَاحِد وَاكْتفى بِهِ، وَأَبُو جميلَة، بِفَتْح الْجِيم وَكسر الْمِيم: واسْمه سِنِين، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وبنونين أولاهما مَفْتُوحَة مُخَفّفَة بَينهمَا يَاء آخر الْحُرُوف، كَذَا ضَبطه عبد الْغَنِيّ بن سعيد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَابْن مَاكُولَا، وَقَالَ بَعضهم: وَوهم من شدد التحتانة كالداودي. قلت: كَيفَ ينْسب الدَّاودِيّ إِلَى الْوَهم وَلم ينْفَرد هُوَ بِالتَّشْدِيدِ، فَإِن البُخَارِيّ ذكر فِي (تَارِيخه) كَانَ ابْن عُيَيْنَة وَسليمَان بن كثير يثقلان سنيناً، وَاقْتصر عَلَيْهِ ابْن التِّين، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى: حَدثنَا هِشَام عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سِنِين أبي جميلَة، وَأَنه أدْرك النَّبِي، ﷺ ، وَخرج مَعَه عَام الْفَتْح، وَأَنه الْتقط مَنْبُوذًا، فَأتى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَسَأَلَهُ عَنهُ فَأثْنى عَلَيْهِ خيرا، وَأنْفق عَلَيْهِ من بَيت المَال، وَجعل ولاءه لَهُ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَبُو جميلَة سِنِين، وَقيل: ميسرَة ضد الميمنة ابْن يَعْقُوب الطهوي، بِضَم الطَّاء وَفتح الْهَاء، وَقيل: بسكونها، وَقد يفتحون الطَّاء مَعَ سُكُون الْهَاء، فَفِيهِ ثَلَاث لُغَات، ورد عَلَيْهِ: بِأَن أَبَا جميلَة الَّذِي ذكره وترجمه لَيْسَ بِأبي جميلَة الْمَذْكُور فِي البُخَارِيّ، فَإِنَّهُ تَابِعِيّ طهوي كُوفِي، وَذَاكَ صَحَابِيّ عِنْد الْأَكْثَرين، وَإِن كَانَ الْعجلِيّ ذكره من التَّابِعين واسْمه سِنِين بن فرقد. وَقَالَ ابْن سعد: هُوَ سلمي، وَقَالَ غَيره: هُوَ ضمري، وَقيل: سليطي. وَذكره الذَّهَبِيّ فِي (الصَّحَابَة) وَقَالَ: أَبُو جميلَة سِنِين السّلمِيّ، أدْرك النَّبِي، ﷺ ، وَحَدِيثه فِي التِّرْمِذِيّ روى عَنهُ الزُّهْرِيّ. قلت: تفرد الزُّهْرِيّ بالرواية عَنهُ. قَوْله: (وجدت مَنْبُوذًا) ، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون النُّون وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْوَاو وَفِي آخِره ذال مُعْجمَة، وَمَعْنَاهُ: اللَّقِيط. قَوْله: (فَلَمَّا رأى عمر) ، أَي: فَلَمَّا رَآهُ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (قَالَ: عَسى الغوير أبؤساً) كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن الْكشميهني، وَسقط فِي رِوَايَة البَاقِينَ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فَقَالَ: حَدثنَا ابْن علية عَن الزُّهْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه سمع سنيناً أَبَا جميلَة يَقُول: وجدت مَنْبُوذًا
стр. 3950
فَذكره عريفي لعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأَتَيْته فَقَالَ: هُوَ حر وَوَلَاؤُهُ لَك ورضاعه علينا، وَمعنى تَمْثِيل عمر بِهَذَا الْمثل عَسى النوير أبؤساً أَن عمر اتهمه أَن يكون وَلَده أَتَى بِهِ للْفَرض لَهُ فِي بَيت المَال، وَيحْتَمل أَن يكون ظن أَنه يُرِيد أَن يفْرض ويلي أمره وَيَأْخُذ مَا يفْرض لَهُ. ويصنع مَا شَاءَ، فَقَالَ عمر هَذَا الْمثل، فَلَمَّا قَالَ لَهُ عريفه: إِنَّه رجل صَالح صدقه، وَقَالَ الميداني فِي (مجمع الْأَمْثَال) تأليفه: الغوير تَصْغِير غَار، والأبؤس جمع بؤس، وَهُوَ الشدَّة. وَيُقَال الأبؤس الداهية. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: إِن أصل هَذَا الْمثل أَنه كَانَ غَار فِيهِ نَاس فانهار عَلَيْهِم، أَو قَالَ: فَأَتَاهُم عَدو فَقَتلهُمْ فِيهِ، فَقيل ذَلِك لكل من دخل فِي أَمر لَا يعرف عاقبته. وَفِي (علل الْخلال) قَالَ الزُّهْرِيّ: هَذَا مثل يضْربهُ أهل الْمَدِينَة. وَقَالَ سُفْيَان: أَصله أَن نَاسا كَانَ بَينهم وَبَين آخَرين حَرْب، فَقَالَت لَهُم عَجُوز: إحذروا واستعدوا من هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُم يألونكم شرا، فَلم يَلْبَثُوا أَن جَاءَهُم فزع. فَقَالَت الْعَجُوز: عَسى الغوير أبؤساً، تَعْنِي: لَعَلَّه أَتَاكُم النَّاس من قبل الغوير، وَهُوَ الشّعب. وَقَالَ الْكَلْبِيّ: غوير مَاء لكَلْب مَعْرُوف فِي نَاحيَة السماوة، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الغوير طَرِيق يعبرون فِيهِ، وَكَانُوا يتواصون بِأَن يحسروه لِئَلَّا يؤتوا مِنْهُ، وروى الْحَرْبِيّ عَن عَمْرو عَن أَبِيه. أَن الغوير نفق فِي حصن الرباء، وَيُقَال: هَذَا مثل لكل شَيْء يخَاف أَن يَأْتِي مِنْهُ شَرّ، وانتصاب أبؤساً بعامل مُقَدّر، تَقْدِيره: عَسى الغوير يصير أبؤساً وَقَالَ أَبُو عَليّ: جعل: عَسى بِمعنى: كَانَ، ونزله مَنْزِلَته، يضْرب للرجل يُقَال لَهُ: لَعَلَّ الشَّرّ جَاءَ من قبلك، وَيُقَال: تَقْدِيره: عَسى أَن يَأْتِي الغوير بشر. قَوْله: (كَأَنَّهُ يتهمني) ، أَي: بِأَن يكون الْوَلَد لَهُ، كَمَا ذكرنَا أَن يكون قَصده الْفَرْض لَهُ من بَيت المَال. قَوْله: (قَالَ عريفي) ، العريف النَّقِيب، وَهُوَ دون الرئيس، قَالَ ابْن بطال: وَكَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قسم النَّاس أقساماً وَجعل على كل ديوَان عريفاً ينظر عَلَيْهِم، وَكَانَ الرجل النابذ من ديوَان الَّذِي زَكَّاهُ عِنْد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (قَالَ: كَذَلِك) ، أَي: قَالَ عمر لعريفه: هُوَ صَالح مثل مَا يَقُول، وَزَاد مَالك فِي رِوَايَته: قَالَ: نعم، يَعْنِي: كَذَلِك. قَوْله: (إذهب وعلينا نَفَقَته) ، وَفِي رِوَايَة مَالك: إذهب فَهُوَ حر وَلَك وَلَاؤُه وعلينا نَفَقَته، يَعْنِي: من بَيت المَال. وَقَالَ ابْن بطال فِي هَذِه الْقَضِيَّة: إِن القَاضِي إِذا سَأَلَ فِي مجْلِس نظره عَن أحد فَإِنَّهُ يجتزىء بقول الْوَاحِد، كَمَا صنع عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأما إِذا كلف الْمَشْهُود لَهُ أَن يعدل شُهُوده، فَلَا يقبل أقل من اثْنَيْنِ.
وَفِيه: جَوَاز الِالْتِقَاط، وَإِن لم يشْهد، وَأَن نَفَقَته إِذا لم يعرف فِي بَيت المَال وَأَن ولاءه لملتقطه. وَفِيه: أَن اللَّقِيط حر، وَقَالَ قوم: إِنَّه عبد، وَمِمَّنْ قَالَ: إِنَّه حر، عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعمر بن عبد الْعَزِيز، وَإِبْرَاهِيم، وَالشعْبِيّ.
٢٦٦٢ - حدَّثنا ابنُ سَلام قَالَ أخبرنَا عبدُ الوَهَّابِ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ الحَذَّاءُ عنْ عبدِ الرَّحْمانِ بنِ أبِي بَكْرَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ أثْنَى رَجُلٌ علَى رَجُلٍ عِنْدَ النبيِّ ﷺ فَقَالَ ويْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صاحِبِكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صاحِبِكَ مِرَاراً ثُمَّ قالَ مَنْ كانَ مِنْكُمْ مادِحاً أخاهُ لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ أحْسِبُ فُلاناً وَالله حَسِيبُهُ ولَا أُزَكِّي عَلى الله أحَداً أحْسِبُهُ كَذَا وكَذَا إنْ كانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ.
قَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ شَارِح التراجم: وَجه مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة أَنه، ﷺ ، أرشد إِلَى أَن التَّزْكِيَة كَيفَ تكون، فَلَو لم تكن مُقَيّدَة لما أرشد إِلَيْهَا، لَكِن للمانع أَن يَقُول: إِنَّهَا مُقَيّدَة مَعَ تَزْكِيَة أُخْرَى لَا بمفردها. وَلَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على أحد الطَّرِيقَيْنِ. انْتهى. قلت: قَوْله: إِنَّهَا مُقَيّدَة مَعَ تَزْكِيَة أُخْرَى، غير مُسلم وَالْمَنْع بطرِيق مَا ذكره غير صَحِيح، لِأَن الحَدِيث يدل على أَنه، ﷺ ، اعْتبر تَزْكِيَة الرجل إِذا اقتصد، وَلَا يتغالى وَلم يعب ﷺ عَلَيْهِ إلَاّ الإغراق والغلو فِي الْمَدْح، وَبِهَذَا يرد قَول من قَالَ: لَيْسَ فِي الْخَبَر: إِن تَزْكِيَة الْوَاحِد للْوَاحِد كَافِيَة. حَيْثُ يحْتَاج إِلَى التَّزْكِيَة الْبَتَّةَ، وَكَذَا فِيهِ رد لقَوْل من قَالَ: اسْتِدْلَال البُخَارِيّ على التَّرْجَمَة بِحَدِيث أبي بكرَة ضَعِيف، لِأَنَّهُ ضعف مَا هُوَ صَحِيح، لِأَنَّهُ علل بقوله: فَإِن غَايَته أَنه ﷺ اعْتبر تَزْكِيَة الرجل أَخَاهُ إِذا اقتصد وَلم يغل، وتضعيفة بِهَذَا هُوَ عين تَصْحِيح وَجه الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة لما ذَكرْنَاهُ، وكل هَذِه التعسفات مَعَ الرَّد على البُخَارِيّ بِمَا ذكر لأجل الرَّد على أبي حنيفَة حَيْثُ احْتج بِهَذَا الحَدِيث على اكتفائه فِي التَّزْكِيَة بِوَاحِد، فَافْهَم.
ثمَّ رجال الحَدِيث الْمَذْكُور خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن سَلام، وَفِي بعض النّسخ اسْمه وَاسم أَبِيه. الثَّانِي: عبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ الْبَصْرِيّ. الثَّالِث: خَالِد
стр. 3951
ابْن مهْرَان الْحذاء الْبَصْرِيّ. الرَّابِع: عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة. الْخَامِس: أَبوهُ أَبُو بكرَة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة، واسْمه: نفيع بن الْحَارِث الثَّقَفِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن آدم وَعَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن يحيى بن يحيى وَعَن مُحَمَّد بن عمر وَأبي بكر وَعَن عَمْرو النَّاقِد وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن أَحْمد بن يُونُس. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
قَوْله: (أثنى رجل على رجل عِنْد النَّبِي، ﷺ ، قيل: يحْتَمل أَن يكون المثني، بِكَسْر النُّون هُوَ: محجن بن الأدرع الْأَسْلَمِيّ، وَأَن يكون الْمثنى عَلَيْهِ ذُو البجادين، لِأَن للْأولِ حَدِيثا عِنْد الطَّبَرَانِيّ لَا يبعد أَن يكون هُوَ إِيَّاه، وَللثَّانِي حَدِيثا عِنْد ابْن إِسْحَاق يشْعر أَن يكون الْمثنى عَلَيْهِ ذَا البجادين. ومحجن، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْجِيم وَفِي آخِره نون: ابْن الأدرع، قَالَ الذَّهَبِيّ: قديم الْإِسْلَام، نزل الْبَصْرَة واختط مَسْجِدهَا، لَهُ أَحَادِيث قلت: عِنْد أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ: وَذُو البجادين، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا الْجِيم: واسْمه عبد الله بن عبد بهم بن عفيف الْمُزنِيّ، مَاتَ فِي غَزْوَة تَبُوك، قَالَ عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: دَفنه النَّبِي، ﷺ وحطه بِيَدِهِ فِي قَبره، وَقَالَ: (اللَّهُمَّ إِنِّي قد أمسيت عَنهُ رَاضِيا فارضَ عَنهُ) . قَالَ ابْن مَسْعُود: فليتني كنت صَاحب الحفرة. قَالَ الذَّهَبِيّ: حَدِيث صَحِيح قَوْله: (وَيلك) ، لفظ الويل فِي الأَصْل الْحزن والهلاك وَالْمَشَقَّة من الْعَذَاب، وَيسْتَعْمل بِمَعْنى التفجع والتعجب، وَهَهُنَا كَذَلِك، وينتصب عِنْد الْإِضَافَة ويرتفع عِنْد الْقطع. وَوجه انتصابه بعامل مُقَدّر من غير لَفظه. قَوْله: (قطعت عنق صَاحبك) ، وَفِي رِوَايَة: قطعْتُمْ عنق الرجل، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: قطعْتُمْ ظهر الرجل، وَهِي اسْتِعَارَة من قطع الْعُنُق الَّذِي هُوَ الْقَتْل لاشْتِرَاكهمَا فِي الْهَلَاك. قَوْله: (لَا محَالة) ، بِفَتْح الْمِيم أَي: الْبَتَّةَ لَا بُد مِنْهُ قَوْله: (أَحسب فلَانا) ، أَي: أَظُنهُ، من: حسب يحْسب بِكَسْر عين الْفِعْل فِي الْمَاضِي وَفتحهَا فِي الْمُسْتَقْبل محسبة وحسباناً، بِالْكَسْرِ وَمَعْنَاهُ الظَّن، وَأما: حسبته أَحْسبهُ بِالضَّمِّ حسباً وحسباناً وحسابة إِذا عددته. قَوْله: (وَالله حسيبه) ، أَي: كافيه، فعيل بِمَعْنى مفعول، من أحسبني الشَّيْء إِذا كفاني. قَوْله: (وَلَا أزكي على الله أحدا) أَي: لَا أقطع لَهُ على عَاقِبَة أحد بِخَير وَلَا غَيره، لِأَن ذَلِك مغيب عَنَّا، وَلَكِن نقُول: نحسب ونظن، لوُجُود الظَّاهِر الْمُقْتَضِي لذَلِك. قَوْله: (أَحْسبهُ كَذَا وَكَذَا) ، أَي: أَظُنهُ على حَالَة كَذَا، وَصفَة كَذَا، إِن كَانَ يعلم ذَلِك مِنْهُ: وَالْمرَاد من قَوْله: يعلم، يظنّ، وَكَثِيرًا يَجِيء الْعلم بِمَعْنى الظَّن، وَإِنَّمَا قُلْنَا: مَعْنَاهُ يظنّ، حَتَّى لَا يُقَال: إِذا كَانَ يعلم مِنْهُ فلِمَ يَقُول أَحْسبهُ؟ فَإِن قلت: قد جَاءَ أَحَادِيث صَحِيحَة بالمدح فِي الْوَجْه. قلت: النَّهْي مَحْمُول على الإفراط فِيهِ أَو على من يخَاف عَلَيْهِ، وَأما من لَا يخَاف عَلَيْهِ، ذَلِك لَكمَا تقواه ورسوخ عقله فَلَا نهى إِذا لم يكن فِيهِ مجازفة، بل إِن كَانَ يحصل بذلك مصلحَة كالإزدياد عَلَيْهِ، والاقتداء بِهِ كَانَ مُسْتَحبا، قَالَه النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) .
٧١ - (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الإطْنَابِ فِي المَدْحِ ولْيَقُلْ مَا يَعْلَمُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يكره من الإطناب فِي مدح الرجل، والإطناب، بِكَسْر الْهمزَة فِي الْكَلَام: الْمُبَالغَة فِيهِ. قَوْله: (وَليقل) ، أَي: المادح، مَا يُعلمهُ فِي الممدوح وَلَا يتجاوزه وَلَا يطنب فِيهِ.
٣٦٦٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الصَّبَّاحِ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ زَكَرِيَّاءَ قَالَ حدَّثنا بُرَيْدُ بنُ عبْدِ الله عنْ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوساى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سَمِعَ النبيَّ، ﷺ رَجُلاً يُثْنِي علَى رَجُلٍ ويُطْرِيهِ فِي مَدْحِهِ فَقَالَ أهْلكْتُمْ أوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ.
(الحَدِيث ٣٦٦٢ طرفه فِي: ٠٦٠٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ويطريه فِي مدحه) ، وَهُوَ ظَاهر. فَإِن قلت: كَيفَ دلّ الحَدِيث على الْجُزْء الْأَخير من التَّرْجَمَة، وَهُوَ قَوْله: وَليقل مَا يعلم؟ قلت: الَّذِي يطنب لَا بُد أَن يَقُول بِمَا لَا يعلم، لِأَنَّهُ لَا يطلع على سَرِيرَته وخلواته، فيستقضي أَن لَا يطنب، وَهَذَا الحَدِيث بِمَعْنى الحَدِيث السَّابِق، لِأَنَّهُمَا متحدان فِي الْمَعْنى، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَن الثَّنَاء على الرجل فِي وَجهه لَا يكره، وَإِنَّمَا يكره الإطناب، فَلذَلِك ذكر هَذِه التَّرْجَمَة.
وَمُحَمّد بن الصَّباح، بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: مر فِي الصَّلَاة، وَإِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّاء أَبُو زِيَاد الْأَسدي، مَوْلَاهُم الخلقاني الْكُوفِي، وبريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله بن أبي بردة، بِضَم الْبَاء أَيْضا، يروي عَن
стр. 3952
أبي بردة وَهُوَ جده، وجده يروي عَن أَبِيه أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَهُوَ عبد الله بن قيس، وَاسم أبي بردة: الْحَارِث، وَيُقَال: عَامر، وَيُقَال: اسْمه كنيته.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب، وَمُسلم فِي آخر الْكتاب، كِلَاهُمَا عَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن إِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّاء.
قَوْله: (رجلا يثني على رجل) ، يحْتَمل أَن يَكُونَا مَا ذَكرْنَاهُ فِي الحَدِيث الْمَاضِي. قَوْله: (ويطريه) بِضَم الْيَاء من الإطراء، وَهُوَ الْمُبَالغَة فِي الْمَدْح، وَيُقَال أطراه أَي: مدحه، وَجَاوَزَ الْحَد فِيهِ، وَذكره الْجَوْهَرِي فِي معتل اللَّام اليائي. وَإِنَّمَا قَالَ: (أهلكتم) ، لِئَلَّا يغتر الرجل وَيرى أَنه عِنْد النَّاس كَذَلِك بِتِلْكَ الْمنزلَة ليحصل مِنْهُ الْعجب فيجد إِلَيْهِ سَبِيلا.
٨١ - (بابُ بُلُوغِ الصِّبْيَانِ وشَهَادَتِهِمْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حد بُلُوغ الصّبيان وَحكم شَهَادَتهم. والترجمة مُشْتَمِلَة على حكمين. الأول: بُلُوغ الصّبيان، قَالَ ابْن بطال: أجمع الْعلمَاء على أَن الِاحْتِلَام فِي الرِّجَال وَالْحيض فِي النِّسَاء هُوَ الْبلُوغ الَّذِي يلْزم بِهِ الْعِبَادَات وَالْحُدُود والاستئذان وَغَيره، وَاخْتلفُوا فِيمَن تَأَخّر احتلامه من الرِّجَال أَو حيضه من النِّسَاء، فَقَالَ اللَّيْث وَأحمد وَإِسْحَاق وَمَالك: الإنبات، أَو أَن يبلغ من السن مَا يعلم أَن مثله قد بلغ، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: وَذَلِكَ سبع عشرَة سنة أَو ثَمَان عشرَة سنة، وَفِي النِّسَاء هَذِه الْأَوْصَاف أَو الْجَبَل، إِلَّا أَن مَالِكًا لَا يُقيم الْحَد بالإنبات إِذا زنى أَو سرق مَا لم يَحْتَلِم أَو يبلغ من السن مَا يعلم أَن مثله لَا يبلغهُ حَتَّى يَحْتَلِم، فَيكون عَلَيْهِ الْحَد، وَأما أَبُو حنيفَة فَلم يعْتَبر الإنبات، وَقَالَ: حد الْبلُوغ فِي الْجَارِيَة سبع عشرَة، وَفِي الْغُلَام تسع عشرَة، وَفِي رِوَايَة: ثَمَانِي عشرَة مثل قَول ابْن الْقَاسِم، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَمذهب الشَّافِعِي: أَن الإنبات عَلامَة بُلُوغ الْكَافِر لَا الْمُسلم، وَاعْتبر خمس عشرَة سنة فِي الذُّكُور وَالْإِنَاث، وَمذهب أبي يُوسُف وَمُحَمّد كمذهب الشَّافِعِي، وَبِه قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَابْن وهب وَابْن الْمَاجشون. الحكم الثَّانِي: فِي شَهَادَة الصّبيان، وَاخْتلفُوا فِيهَا. فَعَن النَّخعِيّ: تجوز شَهَادَتهم بَعضهم على بعض، وَعَن عَليّ بن أبي طَالب وَشُرَيْح وَالْحسن وَالشعْبِيّ، مثله، وَعَن شُرَيْح: أَنه كَانَ يُجِيز شَهَادَة الصّبيان فِي السن والموضحة، ويأباه فِيمَا سوى ذَلِك. وَفِي رِوَايَة: أَنه أجَاز شَهَادَة غلْمَان فِي أمة وَقضى فِيهَا بأَرْبعَة آلَاف، وَكَانَ عُرْوَة يُجِيز شَهَادَتهم، وَقَالَ عبد الله بن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: هم أَحْرَى إِذا سئلوا عَم رؤا أَن يشْهدُوا. وَقَالَ مَكْحُول: إِذا بلغ خمس عشرَة سنة فأجز شَهَادَته. وَقَالَ الْقَاسِم وَسَالم: إِذا أنبت، وَقَالَ عَطاء: حَتَّى يكبروا، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَقَالَت طَائِفَة: لَا تجوز شَهَادَتهم، رُوِيَ هَذَا عَن ابْن عَبَّاس وَالقَاسِم وَسَالم وَعَطَاء وَالشعْبِيّ وَالْحسن وَابْن أبي ليلى وَالثَّوْري والكوفيين وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر وَأبي عبيد، وَقَالَت طَائِفَة: تجوز شَهَادَتهم بَعضهم على بعض فِي الْجراح وَالدَّم، رُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ وَابْن الزبير وَشُرَيْح وَالنَّخَعِيّ وَعُرْوَة وَالزهْرِيّ وَرَبِيعَة وَمَالك إِذا لم يتفرقوا.
وقَوْلِ الله تَعالى ﴿وإذَا بلَغَ الأطْفَالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ (النُّور: ٩٥) .
وَقَول الله، بِالْجَرِّ عطفا على: بُلُوغ الصّبيان، أَي: وَفِي بَيَان قَوْله تَعَالَى، وَتَمَامه: ﴿كَمَا اسْتَأْذن الَّذين من قبلهم كَذَلِك يبين الله لكم آيَاته وَالله عليم حَكِيم﴾ (النُّور: ٩٥) . وَإِنَّمَا ذكر هَذَا لِأَن فِيهِ تَعْلِيق الحكم ببلوغ الْحلم، لِأَن التَّرْجَمَة فِي بُلُوغ الصّبيان والأطفال: جمع طِفْل، وَهُوَ الصَّبِي، وَيَقَع على الذّكر وَالْأُنْثَى وَالْجَمَاعَة، وَيُقَال: طفلة وَأَطْفَال قَالَه ابْن الْأَثِير، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الطِّفْل الْمَوْلُود، وَالْجمع: أَطْفَال، وَقد يكون الطِّفْل وَاحِدًا وجمعاً، مثل: الْجنب، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَو الطِّفْل الَّذين لم يظهروا﴾ (النُّور: ١٣) . وَذكر فِي كتاب (خلق الْإِنْسَان) لِثَابِت: مَا دَامَ الْوَلَد فِي بطن أمه فَهُوَ جَنِين، وَإِذا وَلدته يُسمى صَبيا مَا دَامَ رضيعاً، فَإِذا فطم سمي غُلَاما إِلَى سبع سِنِين، ثمَّ يصير يافعاً إِلَى عشر حجج، ثمَّ يصير حزوراً إِلَى خمس عشرَة سنة، ثمَّ يصير قمداً إِلَى خمس وَعشْرين سنة، ثمَّ يصير عنطنطاً إِلَى ثَلَاثِينَ سنة، ثمَّ يصير صملاً إِلَى أَرْبَعِينَ سنة، ثمَّ يصير كهلاً إِلَى خمسين سنة، ثمَّ يصير شَيخا إِلَى ثَمَانِينَ سنة، ثمَّ يصير هرماً بعد ذَلِك فانياً كَبِيرا. انْتهى. قلت: فعلى هَذَا: لَا يُقَال الصَّبِي إلَاّ للرضيع مَا دَامَ رضيعاً. وعَلى قَول ابْن الْأَثِير: الصَّبِي والطفل وَاحِد. قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا بلغ الْأَطْفَال مِنْكُم﴾ (النُّور: ٩٥) . أَي: الصّبيان. قَالَ النَّسَفِيّ: مِنْكُم، أَي: من الْأَحْرَار دون المماليك. قَوْله: ﴿الْحلم﴾ أَي: الْبلُوغ، وَمِنْه: الحالم، وَهُوَ الَّذِي يبلغ مبلغ الرِّجَال، وَهُوَ من: حلَم، بِفَتْح اللَّام، والحِلم بِالْكَسْرِ: الأناءة، وَهُوَ من: حلُم، بِضَم اللَّام. قَوْله: ﴿فليستأذنوا﴾ أَي: فِي جَمِيع الْأَوْقَات فِي الدُّخُول عَلَيْكُم.
стр. 3953
قَوْله: ﴿كَمَا اسْتَأْذن الَّذين من قبلهم﴾ (النُّور: ٩٥) . أَي: الْأَحْرَار الَّذين بلغُوا الْحلم من قبلهم، وَأكْثر الْعلمَاء على أَن هَذِه الْآيَة محكمَة، وَحكي عَن سعيد بن الْمسيب، أَنَّهَا مَنْسُوخَة، وَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: آيَة لَا يُؤمن بهَا أَكثر النَّاس: آيَة الْإِذْن، وَإِنِّي لآمر جارتي أَن تستأذن عَليّ، وَسَأَلَهُ عَطاء، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَأَسْتَأْذِنُ على أُخْتِي؟ قَالَ: نعم، وَإِن كَانَت فِي حجرك تمونها، وتلا هَذِه الْآيَة.
وقالَ مُغِيرَةُ: احْتَلَمْتُ وَأَنا ابنُ ثِنْتَيْ عَشَرَةَ سَنَةً
مُغيرَة، بِضَم الْمِيم وَكسرهَا وبالألف وَاللَّام ودونها: ابْن مقسم الضَّبِّيّ الْكُوفِي الْفَقِيه الْأَعْمَى، وَكَانَ من فُقَهَاء إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن يحيى، ثِقَة مَأْمُون وَكَانَ عثمانياً، مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، وَكَانَ مِمَّن أَخذ عَن أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ يُفْتِي بقوله ويحتج بِهِ. قَوْله: (وَأَنا ابْن ثِنْتَيْ عشرَة سنة) وَجَاء مثله عَن عَمْرو بن الْعَاصِ، فَإِنَّهُم ذكرُوا أَنه لم يكن بَينه وَبَين ابْنه عبد الله ابْن عَمْرو فِي السن سوى ثِنْتَيْ عشرَة سنة.
وبُلُوغُ النِّساءِ فِي الحَيْضِ لِقَوْلِهِ ﴿واللَاّئِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (الطَّلَاق: ٤) .
هُوَ بَقِيَّة من التَّرْجَمَة، و: بُلُوغ، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: وشهادتهم، أَي: بَاب فِي حكم بُلُوغ الصّبيان وشهادتهم، وَفِي حكم بُلُوغ النِّسَاء فِي الْحيض، وَيجوز رَفعه على أَن يكون مُبْتَدأ وَخَبره. قَوْله: (فِي الحض) ، وَوجه الِاسْتِدْلَال بِالْآيَةِ أَن فِيهَا تَعْلِيق الحكم فِي الْعدة بِالْأَقْرَاءِ على حُصُول الْحيض، فَدلَّ على أَن الْحيض بُلُوغ فِي حق النِّسَاء، وَهَذَا مجمع عَلَيْهِ. قَوْله: ﴿واللائي﴾ (الطَّلَاق: ٤) . أَي: النِّسَاء اللائي ﴿يئسن﴾ (الطَّلَاق: ٤) . أَي: لَا يرجون أَن يحضن، وَبعده: ﴿إِن ارتبتم فعدتهن ثَلَاثَة أشهر، واللائي لم يحضن وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾ (الطَّلَاق: ٤) . قَوْله: ﴿إِن ارتبتم﴾ (الطَّلَاق: ٤) . أَي: إِن شَكَكْتُمْ أَن الدَّم الَّذِي يظْهر مِنْهَا لكبرها من الْمَحِيض أَو الِاسْتِحَاضَة، فعدتهن ثَلَاثَة أشهر ﴿واللائي لم يحضن﴾ (الطَّلَاق: ٤) . يَعْنِي: الصغار ﴿فعدتهن ثَلَاثَة أشهر﴾ (الطَّلَاق: ٤) . فَحذف لدلَالَة الْمَذْكُور عَلَيْهِ. قَوْله: ﴿وَأولَات الْأَحْمَال﴾ (الطَّلَاق: ٤) . أَي: الحبالى: ﴿أَجلهنَّ﴾ (الطَّلَاق: ٤) . أَي: عدتهن ﴿أَن يَضعن حَملهنَّ﴾ (الطَّلَاق: ٤) . من المطلقات والمتوفى عَنْهَا زَوجهَا، وَإِن ارْتَفَعت حَيْضَة الْمَرْأَة وَهِي شَابة فَإِن ارتابت أحامل هِيَ أم لَا؟ فَإِن استبان حملهَا فأجلها أَن تضع حملهَا، وَإِن لم يستبن فَاخْتلف فِيهِ، فَقَالَ بَعضهم: يستأنى بهَا، واقصى ذَلِك سنة، وَهَذَا مَذْهَب مَالك وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي عبيد، وَرووا ذَلِك عَن عمر وَغَيره، وَأهل الْعرَاق يرَوْنَ عدتهَا بِثَلَاث حيض بَعْدَمَا كَانَت حَاضَت فِي بَاقِي عمرها، وَإِن مكثت عشْرين سنة إِلَى أَن تبلغ من الْكبر مبلغا تيأس من الْحيض فَتكون عدتهَا بعد الْإِيَاس ثَلَاثَة أشهر، وَهَذَا هُوَ الْأَصَح من مَذْهَب الشَّافِعِي، وَعَلِيهِ أَكثر الْعلمَاء، وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود وَأَصْحَابه.
وَقَالَ الحَسَنُ بنُ صالِحٍ: أدْرَكْتُ جارَةً لَنا جَدَّةً بِنْتَ إحْدَى وعِشرِينَ سَنَةً
الْحسن بن صَالح ابْن أخي مُسلم بن حبَان بن شفي بن هني بن رَافع الْهَمدَانِي الثَّوْريّ أَبُو عبد الله الْكُوفِي العابد، ولد سنة مائَة وَمَات سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَة. قَوْله: (جدة) ، بِالنّصب على أَنه بدل من: جَارة. وَقَوله: (بنت) ، مَنْصُوب على أَنه صفة لجدة، وتصوير ذَلِك بِأَن هَذِه حَاضَت وعمرها تسع سِنِين وَولدت وعمرها عشر سِنِين، وَعرض لبنتها، مثلهَا، وَأَقل مَا يُمكن مثله فِي تسع عشرَة سنة، وَقد رُوِيَ عَن الشَّافِعِي أَيْضا أَنه رأى بِالْيمن جدة بنت إِحْدَى وَعشْرين سنة، وَأَنَّهَا حَاضَت لاستكمال تسع، وَوضعت بِنْتا لاستكمال عشر، وَوَقع لبنتها كَذَلِك.
٤٦٦٢ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ سَيدٍ قَالَ حَدثنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ حدَّثني عُبَيْدُ الله قَالَ حدَّثني نافِعٌ قَالَ حدَّثني ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وهْوَ ابنُ أرْبعَ عَشْرَةَ سَنةً فَلَمْ يُجزْنِي ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ الخَنْدَقِ وأنَا ابنُ خَمْسَ عَشْرَةَ فأجَازَنِي قَالَ نافِعٌ
стр. 3954
فقَدِمْتُ عَلى عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ وهْو خَليفَةُ فَحدَّثْتُهُ هاذَا الحَدِيث فَقَالَ إنَّ هذَا لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ والْكَبِيرِ وكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أنْ يَفْرِضُوا لِمَنْ بَلغَ خَمسَ عَشْرَةَ.
(الحَدِيث ٤٦٦٢ طرفه فِي: ٧٩٠٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يوضحها بِأَن بُلُوغ الصَّبِي فِي خمس عشرَة سنة بِاعْتِبَار السن، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ﷺ أجَاز لِابْنِ عمر، وسنه خمس عشرَة، فَدلَّ على أَن الْبلُوغ بِالسِّنِّ بِخمْس عشرَة.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عبيد الله بن سعيد، كَذَا وَقع فِي جَمِيع الْأُصُول: عبيد الله بتصغير عبد وَهُوَ أَبُو قدامَة السَّرخسِيّ، وَوَقع لبَعض الْحفاظ: عبيد بن إِسْمَاعِيل، وَبِذَلِك جزم الْبَيْهَقِيّ فِي (الخلافيات) : فَأخْرج الحَدِيث من طَرِيق مُحَمَّد ابْن الْحُسَيْن الْخَثْعَمِي عَن عبيد بن إِسْمَاعِيل، ثمَّ قَالَ: أخرجه البُخَارِيّ عَن عبيد بن إِسْمَاعِيل. قلت: عبيد بن إِسْمَاعِيل، واسْمه فِي الأَصْل: عبد الله يكنى أَبَا مُحَمَّد الْهَبَّاري الْقرشِي الْكُوفِي، وَهُوَ من مَشَايِخ البُخَارِيّ، وَمن أَفْرَاده، وَيحْتَمل أَن يكون البُخَارِيّ روى الحَدِيث الْمَذْكُور عَنْهُمَا جَمِيعًا، فَوَقع هُنَا فِي كثير من النّسخ: عبيد الله بن سعيد، وَوَقع فِي بَعْضهَا: عبيد بن إِسْمَاعِيل، على أَن عبيد بن إِسْمَاعِيل أَيْضا روى عَن أبي أُسَامَة. الثَّانِي: أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَقد تكَرر ذكره. الثَّالِث: عبيد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب ...
وَفِي السَّنَد: االتحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع.
والْحَدِيث أخرجه ابْن مَاجَه فِي الْحُدُود عَن عَليّ بن مُحَمَّد.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عرضه يَوْم أحد) ذكر ابْن عمر هُنَا: عرضه، وَبعد ذَلِك قَالَ: عرضني، لِأَن الأَصْل: عرضه، وَأما التَّكَلُّم على سَبِيل الْحِكَايَة فَهُوَ نقل كَلَام ابْن عمر بِعَيْنِه، فَإِن كَانَ الْكل كَلَام ابْن عمر لَا كَلَام الرَّاوِي، يكون من بَاب التَّجْرِيد، فَإِن ابْن عمر جرد من نَفسه شخصا وَعبر عَنهُ بِلَفْظ الْغَائِب، وَجَاز فِي أَمْثَالهَا وَجْهَان: تَقول: أَنا الَّذِي ضربت زيدا، وَأَنا الَّذِي ضرب زيدا. قَوْله: (فَلم يجزني) ، يَعْنِي فِي ديوَان المقاتلين وَلم يقدر لي رزقا مثل أرزاق الأجناد، وَفِي (صَحِيح ابْن حبَان) : فَلم يجزني وَلم يرني بلغت. قَوْله: (يَوْم الخَنْدَق) ، وَوَقع فِي (جمع) الْحميدِي، بدل الخَنْدَق: يَوْم الْفَتْح، وَهُوَ غلط نَقله أَبُو الْفضل بن نَاصِر السلَامِي عَن تعليقة أبي مَسْعُود، وَخلف، قَالَ: وتبعهما شَيخنَا الْحميدِي، وراجعنا الْكِتَابَيْنِ فِي هَذَا فَلم نجد فيهمَا إلَاّ الخَنْدَق. وَهُوَ الصَّوَاب، وَفِي رِوَايَة ذكرهَا ابْن التِّين: عرضت عَام الخَنْدَق، ولي أَربع عشرَة، فأجازني، قَالَ: وَقيل: إِنَّمَا عرض يَوْم بدر فَرده وَأَجَازَهُ بِأحد، وَقَالَ بَعضهم: ذكر الخَنْدَق وهمٌ، وَإِنَّمَا كَانَت غَزْوَة ذَات الرّقاع، لِأَن الخَنْدَق كَانَت سنة خمس، وَهُوَ قَالَ إِنَّه كَانَ فِي أحد ابْن أَربع عشرَة، فعلى هَذَا يكون غَزْوَة ذَات الرّقاع هِيَ المرادة، لِأَنَّهَا كَانَت فِي سنة أَربع، بَينهَا وَبَين أحد سنة، وَقد يُجَاب: بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن ابْن عمر فِي أُحد دخل فِي أول سنة أَربع من حِين مولده، وَذَلِكَ فِي شَوَّال مِنْهَا ثمَّ تكملت لَهُ سنة أَربع عشرَة فِي شَوَّال من الْآتِيَة، ثمَّ دخل فِي الْخَامِس عشرَة إِلَى شوالها الَّذِي كَانَت فِيهِ الخَنْدَق، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنه فِي أحد فِي أول الرَّابِعَة، وَفِي الخَنْدَق فِي آخر الْخَامِسَة. وَقد رُوِيَ عَن مُوسَى بن عقبَة وَغَيره: أَن الخَنْدَق كَانَت سنة أَربع، فَلَا حَاجَة إِذن لهَذِهِ الْأُمُور. قَوْله: (قَالَ نَافِع) مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (إِن هَذَا لحد) ، أَي: إِن هَذَا السن، وَهُوَ خمس عشرَة سنة، نِهَايَة الصغر وبداية الْبلُوغ، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عَن عبيد الله بن عمر عِنْد التِّرْمِذِيّ، فَقَالَ: هَذَا حد مَا بَين الذُّرِّيَّة والمقاتلة. قَوْله: (وَكتب إِلَى عماله) ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمِيم، جمع: عَامل، وهم النواب الَّذين استنابهم فِي الْبِلَاد، وَفِي رِوَايَة مُسلم زِيَادَة. قَوْله: وَمن كَانَ دون ذَلِك فَاجْعَلُوهُ فِي الْعِيَال. قَوْله: (أَن يفرضوا) ، أَي: يقدروا لَهُم رزقا فِي ديوَان الْجند.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: أَن من اسْتكْمل خمس عشرَة سنة أجريت عَلَيْهِ أَحْكَام الْبَالِغين وَإِن لم يَحْتَلِم فيكلف بالعبادات وَإِقَامَة الْحُدُود، وَيسْتَحق سهم الْغَنِيمَة وَيقتل إِن كَانَ حَرْبِيّا وَغير ذَلِك من الْأَحْكَام. وَمن ذَلِك: أَن الإِمَام يستعرض من يخرج مَعَه لِلْقِتَالِ قبل أَن يَقع الْحَرْب، فَمن وجده أَهلا استصحبه، وَمن لَا فَيردهُ. وَقَالَ بَعضهم: وَعند الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَفِيَّة لَا تتَوَقَّف الْإِجَازَة لِلْقِتَالِ
стр. 3955
على الْبلُوغ، بل للْإِمَام أَن يُجِيز من الصّبيان من فِيهِ قُوَّة ونجدة، فَرب مراهق أقوى من بَالغ، وَحَدِيث ابْن عمر حجَّة عَلَيْهِم. انْتهى. قلت: لَيْسَ بِحجَّة عَلَيْهِم أصلا، لِأَن حكم الْمُرَاهق كَحكم الْبَالِغ، حَتَّى إِذا قَالَ: قد بلغت، يصدق.
٥٦٦٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثنا صَفْوَانُ بنُ سُلَيْمٍ عنْ عَطَاءِ بنِ يَسار عنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَبْلُغُ بِهِ النبيَّ ﷺ قَالَ غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَة واجِبٌ على كلِّ مُحْتَلِمٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَاجِب على كل محتلم) ، إِذْ لَو لم يَتَّصِف المحتلم بِالْبُلُوغِ لما وَجب عَلَيْهِ شَيْء، وَهَذَا الْبلُوغ بالإنزال. فَإِن قلت: الْجُزْء الْأَخير من التَّرْجَمَة الشَّهَادَة وَلَيْسَ فِيهِ وَلَا فِيمَا قبله ذكرهَا؟ قلت: أُجِيب بِأَنَّهُ ترْجم بهَا، وَلكنه لم يظفر بِشَيْء من ذَلِك على شَرطه. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجُمُعَة فِي: بَاب هَل على من لم يشْهد الْجُمُعَة غسل؟ وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٩١ - (بابُ سُؤالِ الحاكِم المُدَّعِيَ هَلْ بَيِّنةٌ قَبْلَ اليَمِينِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان سُؤال الْحَاكِم الْمُدَّعِي، بِكَسْر الْعين: هَل لَك بَيِّنَة تشهد بِمَا تَدعِي قبل عرض الْيَمين على الْمُدعى عَلَيْهِ؟
٧٦٦٢ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ أخبرَنا أبُو مُعَاوِيَةَ عنِ الأعْمَشِ عنْ شَقِيقٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله، ﷺ مَن حلف على يَمين وهْوَ فيهَا فاجِرٌ لَيَقْتَطِعَ بِها مالَ امْرِىٍ مُسْلِمٍ لَقيَ الله وهْوَ عَلَيْهِ غَضْبانُ قَالَ فَقَالَ الأشْعَثُ بنُ قَيْسٍ فِيَّ وَالله كانَ ذالِكَ كانَ بَيْنِي وبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أرْضٌ فجَحَدَنِي فقَدَّمْتُهُ إِلَى النبيِّ ﷺ فَقَالَ لي رسولُ الله ﷺ ألَكَ بَيِّنةٌ قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ احْلفْ قَالَ قُلْتُ يَا رَسولَ الله إِذا يَحْلِفَ ويَذْهَبَ بمَالي قَالَ فأنْزَلَ الله تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ إِلَى آخرِ الآيَةِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَلَك بَيِّنَة؟ قَالَ: قلت: لَا) . وَمُحَمّد شيخ البُخَارِيّ هُوَ ابْن سَلام، صرح بِهِ فِي (الْأَطْرَاف) قَالَ الجياني: وَكَذَا نسبه أَبُو مُحَمَّد بن السكن. والْحَدِيث رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن الْقَاسِم عَن أبي كريب مُحَمَّد بن الْعَلَاء عَن أبي مُعَاوِيَة، فَيجوز أَن يكون هُوَ أَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم، بِالْخَاءِ وَالزَّاي المعجمتين: الضَّرِير، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وشقيق أَبُو وَائِل، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. والْحَدِيث قد مضى بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن فِي الْخُصُومَات فِي: بَاب كَلَام الْخُصُوم بَعضهم بِبَعْض، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٠٢ - (بابٌ اليَمِينُ على المُدَّعى عليْهِ فِي الأمْوالِ والحُدُودِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الْيَمين على الْمُدعى عَلَيْهِ دون الْمُدَّعِي. قَوْله: (فِي الْأَمْوَال وَالْحُدُود) ، يَعْنِي: سَوَاء كَانَ الْيَمين الَّذِي على الْمُدعى عَلَيْهِ فِي الْأَمْوَال أَو الْحُدُود، وَأَرَادَ بِهِ أَن هَذَا الحكم عَام، وَقَالَ بَعضهم: يُشِير بِهِ إِلَى الرَّد على الْكُوفِيّين فِي تخصيصهم الْيَمين على الْمُدعى عَلَيْهِ فِي الْأَمْوَال دون الْحُدُود.
قلت: هَذِه التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على حكمين.
الأول: أَن الْيَمين على الْمُدعى عَلَيْهِ وَهُوَ يسْتَلْزم شَيْئَيْنِ. أَحدهمَا: أَن لَا يجب يَمِين الِاسْتِظْهَار، وَفِيه اخْتِلَاف الْعلمَاء، وَهُوَ أَن الْمُدَّعِي إِذا أثبت مَا يَدعِيهِ ببينه فللحاكم أَن يستحلفه أَن بَينته شهِدت بِحَق، وَإِلَيْهِ ذهب شُرَيْح وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالْحسن بن حَيّ، وَقد روى ابْن أبي ليلى عَن الحكم عَن الْحسن أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، اسْتحْلف عبد الله بن الْحر مَعَ بَينته، وَذهب مَالك والكوفيون وَالشَّافِعِيّ وَأحمد إِلَى أَنه: لَا يَمِين عَلَيْهِ، وَقَالَ إِسْحَاق إِذا استراب الْحَاكِم أوجب ذَلِك، وَالْحجّة لَهُم حَدِيث ابْن مَسْعُود الَّذِي مضى فِي الْبَاب السَّابِق من حَيْثُ إِنَّه، ﷺ ، لم يقل للأشعث: تحلف مَعَ الْبَيِّنَة، فَلم
стр. 3956
يُوجب على الْمُدَّعِي غير الْبَيِّنَة، وَأَيْضًا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات ثمَّ لم يَأْتُوا بأَرْبعَة شُهَدَاء ... ﴾ (النُّور: ٤) . الْآيَة، فَأَبْرَأهُ الله تَعَالَى من الْجلد بِإِقَامَة أَرْبَعَة شُهَدَاء من غير يَمِين. وَالْآخر: أَن لَا يَصح الْقَضَاء بِشَاهِد وَاحِد وَيَمِين الْمُدَّعِي، لِأَن الشَّارِع جعل الْيَمين على الْمُدعى عَلَيْهِ، وَفِيه اخْتِلَاف أَيْضا نذكرهُ عَن قريب.
وَالْحكم الثَّانِي: أَن الْيَمين على الْمُدعى عَلَيْهِ فِي الْأَمْوَال وَالْحُدُود، وَفِيه اخْتِلَاف أَيْضا، فَذهب الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد إِلَى القَوْل بِعُمُوم ذَلِك فِي الْأَمْوَال وَالْحُدُود وَالنِّكَاح وَنَحْوه، وَاسْتثنى مَالك النِّكَاح وَالطَّلَاق وَالْعتاق والفدية، فَقَالَ: لَا يجب فِي شَيْء مِنْهَا الْيَمين حَتَّى يُقيم الْمُدَّعِي الْبَيِّنَة، وَلَو شَاهدا وَاحِدًا. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: يخْتَص الْيَمين بالمدعى عَلَيْهِ فِي الْأَمْوَال دون الْحُدُود. وَفِي (التَّوْضِيح) : قَامَ الْإِجْمَاع على استحلاف الْمُدعى عَلَيْهِ فِي الْأَمْوَال، وَاخْتلفُوا فِي الْحُدُود وَالطَّلَاق وَالنِّكَاح وَالْعِتْق، فَذهب الشَّافِعِي: إِلَى أَن الْيَمين وَاجِبَة على كل مدعى عَلَيْهِ إِذا لم يكن للْمُدَّعِي بَيِّنَة، وَسَوَاء كَانَت الدَّعْوَى فِي دم أَو جراح أَو طَلَاق أَو نِكَاح أَو عتق أَو غير ذَلِك، وَاحْتج بِحَدِيث الْبَاب: شَاهِدَاك أَو يَمِينه، قَالَ: وَلم يخص مدعي مَال دون مدعي دم أَو غَيره، بل الْوَاجِب أَن يحمل على الْعُمُوم. ألَا يرى أَنه جعل الْقسَامَة فِي دَعْوَى الدَّم، وَقَالَ للْأَنْصَار: يبرئكم يهود بِخَمْسِينَ يَمِينا؟ وَالدَّم أعظم حُرْمَة من المَال. وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو ثَوْر: إِذا ادّعت الْمَرْأَة على زَوجهَا خلعاً أَو طَلَاقا، وَجحد الزَّوْج الطَّلَاق، فعلَيْهَا الْبَيِّنَة وإلَاّ يسْتَحْلف الزَّوْج، وَإِن ادّعى الْخلْع على مَال، فأنكرت، فَإِن أَقَامَ الْبَيِّنَة لَزِمَهَا المَال وإلَاّ حَلَفت وَلزِمَ الزَّوْج الْفِرَاق، لِأَنَّهُ أقرّ بِهِ، وَإِن ادّعى العَبْد الْعتْق، وَلَا بَيِّنَة لَهُ، يسْتَحْلف السَّيِّد فَإِن حلف برىء وَإِن ادّعى السَّيِّد أَنه أعْتقهُ على مَال، وَأنكر العَبْد حلف، وَلزِمَ السَّيِّد الْعتْق، وَكَانَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد يريان بِأَن يسْتَحْلف على النِّكَاح، فَإِن أَبى ألزم النِّكَاح.
قلت: مَذْهَب أبي حنيفَة: أَن الْمُدعى عَلَيْهِ لَا يسْتَحْلف فِي النِّكَاح بِأَن يَدعِي على امْرَأَة نِكَاحا. وَهِي تجحد، أَو ادَّعَت هِيَ كَذَلِك وَهُوَ يجْحَد. وَلَا فِي الرّجْعَة، بِأَن ادّعى بعد انْقِضَاء عدتهَا أَنه كَانَ رَاجعهَا فِي الْعدة، وَهِي تجحد، أَو ادَّعَت هِيَ كَذَلِك وَهُوَ يجْحَد. وَلَا فِي فَيْء الْإِيلَاء بِأَن ادّعى بعد مُضِيّ مُدَّة الْإِيلَاء أَنه فَاء إِلَيْهَا فِي الْمدَّة، وَهِي تجحد أَو ادَّعَت الْمَرْأَة كَذَلِك، وَهُوَ يجْحَد. وَلَا فِي الِاسْتِيلَاد، بِأَن ادَّعَت الْأمة على سَيِّدهَا أَنَّهَا ولدت مِنْهُ، وَأنكر الْمولى، وَلَا يتَصَوَّر الْعَكْس من قبله عَلَيْهَا، لِأَن الِاسْتِيلَاد يثبت بِإِقْرَارِهِ. وَلَا فِي الرّقّ بِأَن ادّعى على مَجْهُول النّسَب أَنه عَبده أَو ادّعى مَجْهُول النّسَب أَنه مُعْتقه. وَلَا فِي النّسَب، بِأَن ادّعى الْوَلَد على الْوَالِد أَو الْوَالِد على الْوَلَد، وَأنكر الآخر. وَلَا فِي الْوَلَاء: بِأَن ادّعى على مَعْرُوف النّسَب أَنه مُعْتقه، أَو ادّعى مَعْرُوف النّسَب أَنه مُعْتقه، أَو كَانَ ذَلِك فِي الْمُوَالَاة. وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: يسْتَحْلف فِي الْكل، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد. وَلَا يسْتَحْلف بِاتِّفَاق أَصْحَابنَا فِي الْحَد، بِأَن قَالَ رجل لآخر: لي عَلَيْك حد قذف، وَهُوَ يُنكر، لَا يسْتَحْلف لِأَنَّهُ يندرىء بِالشُّبُهَاتِ إلَاّ إِذا تضمن حَقًا، بِأَن علق عتق عَبده بِالزِّنَا، وَقَالَ: إِن زَنَيْت فَأَنت حر، فَادّعى العَبْد أَنه زنى وَلَا بَيِّنَة لَهُ عَلَيْهِ، يسْتَحْلف الْمولى، حَتَّى إِذا نكل ثَبت الْعتْق دون الزِّنَا. وَقَالَ القَاضِي الإِمَام فَخر الدّين، الْمَعْرُوف: بقاضيخان الْفَتْوَى، على أَنه يسْتَحْلف الْمُنكر فِي الْأَشْيَاء السِّتَّة الْمَذْكُورَة، وَذكر ابْن الْمُنْذر عَن الشّعبِيّ وَالثَّوْري وَأَصْحَاب الرَّأْي أَنه: لَا يسْتَحْلف على شَيْء من الْحُدُود، وَلَا على الْقَذْف، وَقَالُوا: يسْتَحْلف يسْتَحْلف على السّرقَة فَإِن نكل لزمَه المَال وَعند مَالك لَا يَمِين فِي النِّكَاح وَالطَّلَاق وَالْعِتْق والفرقة إِلَّا أَن يُقيم الْمُدعى شَاهدا وَاحِد فَإِذا أقالمه اسْتحْلف الْمُدعى عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْن حبيب: إِذا أَقَامَت الْمَرْأَة أَو العَبْد شَاهدا وَاحِدًا على أَن الزَّوْج طَلقهَا، أَو أَن السَّيِّد أعْتقهُ، فاليمين تكون على السَّيِّد وَالزَّوْج، فَإِن حلفا سقط عَنْهُمَا الطَّلَاق وَالْعِتْق، وَهَذَا قَول مَالك وَابْن الْمَاجشون وَابْن كنَانَة، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَة: فَإِن نكل قضى بِالطَّلَاق وَالْعِتْق، ثمَّ رَجَعَ مَالك، فَقَالَ: لَا يقْضِي بِالطَّلَاق ويسجن، فَإِن طَال سَجَنهُ دين، وَترك وَبِه قَالَ ابْن الْقَاسِم، وَطول السجْن عِنْده سنة.
وَقَالَ النبيُّ ﷺ : شاهِدَاكَ أوْ يَمينُهُ
وصل البُخَارِيّ هَذَا التَّعْلِيق فِي آخر الْبَاب من حَدِيث الْأَشْعَث بن قيس، وَهَذَا صَرِيح أَن الَّذِي على الْمُدعى الْبَيِّنَة، وَالَّذِي على الْمُدعى عَلَيْهِ الْيَمين، فَيَقْتَضِي منع يَمِين الْمُدَّعِي عِنْد الرَّد عَلَيْهِ، وَيَمِين الِاسْتِظْهَار أَيْضا كَمَا ذكرنَا. وارتفاع: شَاهِدَاك، على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: الْمُثبت لدعواك أَو الْحجَّة لَك شَاهِدَاك، وَيجوز أَن يكون مَرْفُوعا على الِابْتِدَاء، وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: شَاهِدَاك هُوَ الْمَطْلُوب فِي دعواك، أَو شَاهِدَاك هما المثبتان لدعواك، وَنَحْو ذَلِك.
стр. 3957
وَقَالَ قُتَيْبَةُ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ ابنِ شُبْرُمَةَ كلَّمَنِي أبُو الزِّنَادِ فِي شَهَادَةِ الشَّاهِدِ ويَمِينِ المُدَّعِي فقُلْتُ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فإنْ لَمْ يَكُونَا رجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا الأُخْراى﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . قُلْتُ إذَا كانَ يُكْتَفى بِشَهَادَةِ شاهِدٍ ويَمِينِ المُدَّعِي فَمَا يَحْتاجُ أنْ تُذْكَرَ إحْدَاهُمَا الأخْراى مَا كانَ يُصْنَعُ بِذِكْرِ هاذِهِ الأُخْراى
كَذَا هَكَذَا فِي كثير من النّسخ: قَالَ قُتَيْبَة، مُعَلّقا، وَفِي بَعْضهَا: حَدثنَا قُتَيْبَة، وَكَذَا نقل عَن الشَّيْخ قطب الدّين الْحلَبِي الشَّارِح، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) وَكَانَ الأول أظهر لِأَن البُخَارِيّ لم يحْتَج فِي (صَحِيحه) بِابْن شبْرمَة، وَابْن شبْرمَة هُوَ عبد الله بن شبْرمَة بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء المضمومة: ابْن الطُّفَيْل بن حسان الضَّبِّيّ أَبُو شبْرمَة الْكُوفِي القَاضِي، فَقِيه أهل الْكُوفَة، عداده فِي التَّابِعين، وَكَانَ عفيفاً صَارِمًا عَاقِلا فَقِيها، يشبه النساك، ثِقَة فِي الحَدِيث، شَاعِرًا، حسن الْخلق، اسْتشْهد بِهِ البُخَارِيّ فِي (الصَّحِيح) وروى لَهُ فِي الْأَدَب وروى لَهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه، مَاتَ سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَة، وروى عَن أبي حنيفَة حَدِيثا وَاحِدًا. وَأَبُو الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف النُّون، واسْمه عبد الله بن ذكْوَان الْقرشِي الْمدنِي قَاضِي الْمَدِينَة، قَالَ الْعجلِيّ: مدنِي تَابِعِيّ ثِقَة، سمع من أنس بن مَالك، مَاتَ سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة. قَوْله: إِذا كَانَ شَرط، وَقَوله: فَمَا يحْتَاج، جَزَاء، وَكلمَة: مَا، نَافِيَة بِخِلَاف قَوْله: مَا كَانَ، فَإِنَّهَا استفهامية، والفعلان: أَعنِي: يحْتَاج ويصنع، بِلَفْظ الْمَجْهُول أَي: إِذا جَازَ الْكِفَايَة على شَاهد وَيَمِين فَلَا يحْتَاج إِلَى تذكير إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى إِذْ الْيَمين تقوم مقَامهَا، فَمَا فَائِدَة ذكر التَّذْكِير فِي الْقُرْآن؟ وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَائِدَته تتميم شَاهد، إِذْ الْمَرْأَة الْوَاحِدَة لَا اعْتِبَار لَهَا، لِأَن الْمَرْأَتَيْنِ كَرجل وَاحِد. انْتهى. قلت: هَذَا كَلَام عَجِيب كَأَنَّهُ مخترع من عِنْده، فَكيف يكون حَاصله: أَن مَذْهَب أبي الزِّنَاد الْقَضَاء بِشَاهِد وَيَمِين الْمُدَّعِي كَأَهل بَلَده، وَمذهب ابْن شبْرمَة خِلَافه كَأَهل بَلَده؟ فاحتج عَلَيْهِ أَبُو الزِّنَاد بالْخبر الْوَارِد فِي ذَلِك، وَاحْتج عَلَيْهِ ابْن شبْرمَة بِمَا ذكره من الْآيَة الْكَرِيمَة. وَقَالَ بَعضهم: وَإِنَّمَا يتم لَهُ الْحجَّة بذلك على أصل مُخْتَلف فِيهِ بَين الْفَرِيقَيْنِ. وَهُوَ أَن الْخَبَر إِذا ورد متضمناً لزِيَادَة على مَا فِي الْقُرْآن: هَل يكون نسخا؟ وَالسّنة لَا تنسخ الْقرَان، أَو لَا؟ يكون نسخا بل زِيَادَة مُسْتَقلَّة بِحكم مُسْتَقل إِذا ثَبت سَنَده وَجب القَوْل بِهِ، وَالْأول مَذْهَب الْكُوفِيّين وَالثَّانِي مَذْهَب الْحِجَازِيِّينَ، وَمَعَ قطع النّظر عَن ذَلِك لَا ينْهض حجَّة ابْن شبْرمَة لِأَنَّهُ يصير مُعَارضَة للنَّص بِالرَّأْيِ. انْتهى. قلت: مَذْهَب ابْن شبْرمَة هُوَ مَذْهَب ابْن أبي ليلى وَعَطَاء وَالنَّخَعِيّ وَالشعْبِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ والكوفيين والأندلسيين من أَصْحَاب مَالك، وهم يَقُولُونَ: نَص الْكتاب الْعَزِيز فِي بَاب الشَّهَادَة: رجلَانِ، فَإِذا لم يَكُونَا رجلَيْنِ فَرجل وَامْرَأَتَانِ، وَالْحكم بِشَاهِد وَيَمِين مُخَالف للنَّص، فَلَا يجوز، وَالْأَخْبَار الَّتِي وَردت بِشَاهِد وَيَمِين أَخْبَار أحاد فَلَا يعْمل بهَا عِنْد مخالفتها النَّص، لِأَنَّهُ يكون نسخا وَنسخ الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد لَا يجوز، وَقَالَ بَعضهم: النّسخ رفع الحكم وَلَا رفع هُنَا، وَأَيْضًا النَّاسِخ والمنسوخ لَا بُد أَن يتواردا على مَحل وَاحِد، وَهَذَا غير مُتَحَقق فِي الزِّيَادَة على النَّص. قلت: النّسخ رفع الحكم قسم من أَقسَام النّسخ لِأَنَّهُ على أَرْبَعَة أَقسَام: نسخ الحكم والتلاوة جَمِيعًا، وَنسخ الحكم دون التِّلَاوَة، وَنسخ التِّلَاوَة دون الحكم، وَالرَّابِع: نسخ وصف الحكم، وَهُوَ أَيْضا مثل الزِّيَادَة على النَّص، وَهُوَ نسخ عندنَا، وَعند الشَّافِعِي هُوَ بِمَنْزِلَة تَخْصِيص الْعَام، حَتَّى جوز ذَلِك بِالْقِيَاسِ وبخبر الْوَاحِد، وَقَول هَذَا الْقَائِل: النّسخ رفع الحكم، لَيْسَ على إِطْلَاقه، لِأَن النّسخ من قبيل بَيَان التبديل، لِأَن الْبَيَان عندنَا خَمْسَة أَقسَام: بَيَان تَقْرِير، وَبَيَان تَفْسِير، وَبَيَان تَغْيِير، وَبَيَان ضَرُورَة، وَبَيَان تَبْدِيل. والنسخ مِنْهُ، وَمَعْنَاهُ: أَن يَزُول شَيْء ويخلفه غَيره، وَلَا شكّ أَن الحكم بِشَاهِد وَيَمِين رفع حكم الشَّاهِدين، أَو الشَّاهِد، وَالْمَرْأَة، وَكَيف يَقُول هُنَا: وَلَا رفع هُنَا؟ وَقَوله: وَأَيْضًا النَّاسِخ والمنسوخ ... إِلَى آخِره لَيْسَ على إِطْلَاقه، لأَنا نسلم أَنه لَا بُد من توارد النَّاسِخ والمنسوخ فِي مَحل وَاحِد وَلَكِن لَا نسلم قَوْله: وَهَذَا غير مُتَحَقق فِي الزِّيَادَة على النَّص، لِأَن قَائِل هَذَا، أَي من كَانَ لم يفرق بَين نسخ الْوَصْف وَبَين نسخ الذَّات، والنسخ هُنَا من قبيل نسخ الْوَصْف لَا من قبيل نسخ الذَّات، وَنحن نقُول: إِن نسخ الْوَصْف مثل نسخ الذَّات فِي الحكم، فَلهَذَا منعنَا الحكم بِشَاهِد وَيَمِين، وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَتَخْصِيص الْكتاب بِالسنةِ جَائِز، وَكَذَلِكَ الزِّيَادَة عَلَيْهِ، قُلْنَا: لَا نسلم أَن الزِّيَادَة على النَّص كالتخصيص مُطلقًا، وَإِنَّمَا يكون كالتخصيص إِذا كَانَت
стр. 3958
الزِّيَادَة حكما مُسْتقِلّا بِنَفسِهَا، فَحِينَئِذٍ يكون كالتخصيص، لِأَنَّهَا لَا تغير. والتخصيص بَيَان عدم إِرَادَة بعض مَا يتَنَاوَلهُ اللَّفْظ، فَيبقى الْبَاقِي بذلك النّظم بِعَيْنِه، فَإِن الْعَام إِذا خص مِنْهُ بعض الْأَفْرَاد بَقِي الحكم فِيمَا وَرَاءه بِلَفْظ الْعَام بِعَيْنِه، كَلَفْظِ الْمُشْركين إِذا خص مِنْهُ أهل الذِّمَّة بَقِي الحكم فِي غَيرهم ثَابتا بِلَفْظ الْمُشْركين، فَلم يكن التَّخْصِيص نسخا، لِأَن النّسخ بَيَان انْتِهَاء مُدَّة الحكم الثَّابِت، وبالتخصيص تبين أَن الْمَخْصُوص لم يكن مرَادا بِالْعَام فَلَا يكون رفعا بعد الثُّبُوت، بل منعا عَن الدُّخُول فِي حكم الْعَام، وَلِهَذَا قُلْنَا: إِن التَّخْصِيص لَا يكون إلَاّ مُقَارنًا، لِأَنَّهُ بَيَان مَحْض، وَشرط النّسخ أَن يكون مُتَأَخِّرًا، فَيكون تبديلاً لَا بَيَانا مَحْضا، ثمَّ نظر هَذَا الْقَائِل فِي كَون الزِّيَادَة على النَّص كالتخصيص. بقوله: كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم﴾ (النِّسَاء: ٤٢) . وَأَجْمعُوا على تَحْرِيم الْعمة مَعَ بنت أَخِيهَا، وَسَنَد الْإِجْمَاع فِي ذَلِك السّنة الثَّابِتَة، وَكَذَلِكَ قطع رجل السَّارِق فِي الْمرة الثَّانِيَة، قُلْنَا: الْجَواب عَن هذَيْن الْحكمَيْنِ أَنَّهُمَا حكمان مستقلان بأنفسهما، وَلم يغيرا لحكم فيهمَا حَتَّى يكون نسخا. وَقد قُلْنَا: إِن مثل هَذَا كالتخصيص ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَقد أَخذ من رد أَن الحكم بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين لكَونه زِيَادَة على الْقُرْآن بِأَحَادِيث كَثِيرَة كلهَا زَائِدَة على مَا فِي الْقُرْآن: كَالْوضُوءِ بالنبيذ، وَالْوُضُوء من القهقهة، وَمن الْقَيْء، والمضمضة وَالِاسْتِنْشَاق فِي الْغسْل دون الْوضُوء، واستبراء المسبية، وَترك قطع من سرق مَا يسْرع إِلَيْهِ الْفساد، وَشَهَادَة الْمَرْأَة الْوَاحِدَة فِي الْولادَة، وَلَا قَود إلَاّ بِالسَّيْفِ، وَلَا جُمُعَة إلَاّ فِي مصر جَامع، وَلَا تقطع الْأَيْدِي فِي الْغَزْو، وَلَا يَرث الْكَافِر الْمُسلم، وَلَا يُؤْكَل الطافي من السّمك، وَيحرم كل ذِي نَاب من السبَاع ومخلب من الطير، وَلَا يقل الْوَالِد بالوالد، وَلَا يَرث الْقَاتِل من الْقَتِيل، وَغير ذَلِك من الْأَمْثِلَة الَّتِي تَتَضَمَّن الزِّيَادَة على عُمُوم الْكتاب، قُلْنَا: هَذَا كُله لَا يرد علينا، وَالْجَوَاب عَن هَذَا كُله مَا قُلْنَا: إِن الزَّائِد على النَّص إِذا كَانَ حكما مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ لَا يضر ذَلِك، فَلَا يُسمى نسخا، لِأَنَّهُ لَا يُغير وَلَا يُبدل، وَالَّذِي فِيهِ التَّغْيِير بِحَسب الظَّاهِر لَا من حَيْثُ الْوَصْف وَلَا من حَيْثُ الذَّات يكون كالتخصيص.
وَقَوله: وَأَجَابُوا بِأَنَّهَا أَحَادِيث كَثِيرَة شهيرة، فَوَجَبَ الْعَمَل بهَا لشهرتها. لَا نقُول بِهِ، لأَنا لَا نلتزم شهرة تِلْكَ الْأَحَادِيث، فَالْأَصْل الَّذِي نَحن عَلَيْهِ فِيهِ الْكِفَايَة. وَقَوله: فَيُقَال لَهُم: وَحَدِيث الْقَضَاء بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين جَاءَ من طرق كَثِيرَة مَشْهُورَة، بل ثَبت من طرق صحيحية مُتعَدِّدَة، فَنَقُول: إِن كَانَ مُرَادهم بِهَذِهِ الشُّهْرَة الشُّهْرَة عِنْدهم فَلَا يلْزمنَا ذَلِك، وَإِن كَانَ المُرَاد الشُّهْرَة عِنْد الْكل فَلَا نسلم ذَلِك، لِأَن شهرتها عِنْد الْكل مَمْنُوعَة، فَمن ادّعى ذَلِك فَعَلَيهِ الْبَيَان، وَلَئِن سلمنَا شهرتها فَالزِّيَادَة بهَا على الْقُرْآن لَا تخرج عَن كَونهَا نسخا، وَالَّذِي قَالَ هَؤُلَاءِ وَظِيفَة التَّوَاتُر فَلَا تَوَاتر أصلا.
قَوْله: فَمِنْهَا مَا أخرجه مُسلم من حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله، ﷺ قضى بِيَمِين وَشَاهد، وَقَالَ فِي التَّمْيِيز: إِنَّه حَدِيث صَحِيح لَا يرتاب فِي صِحَّته، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: لَا مطْعن لأحد فِي صِحَّته وَلَا فِي إِسْنَاده.
وَالْجَوَاب عَنهُ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: بطرِيق الْمَنْع، وَهُوَ أَن مُسلما روى هَذَا الحَدِيث من حَدِيث سيف بن سُلَيْمَان عَن قيس بن سعد عَن عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عَبَّاس ... إِلَى آخِره، وَذكر التِّرْمِذِيّ فِي (الْعِلَل الْكَبِير) : سَأَلت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل عَنهُ، فَقَالَ: عَمْرو بن دِينَار لم يسمع عِنْدِي هَذَا الحَدِيث من ابْن عَبَّاس، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: قيس لَا نعلمهُ يحدث عَن عَمْرو بن دِينَار بِشَيْء، فقد رمي الحَدِيث بالانقطاع فِي موضِعين من البُخَارِيّ بَين عَمْرو وَابْن عَبَّاس، وَمن الطَّحَاوِيّ بَين قيس وَعَمْرو، رد الْبَيْهَقِيّ فِي (الخلافيات) على الطَّحَاوِيّ، وَأَشَارَ إِلَى أَن قيسا سمع من عَمْرو، وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِرِوَايَة وهب بن جرير عَن أَبِيه قَالَ: سَمِعت قيس بن سعد يحدث عَن عَمْرو بن دِينَار عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، فَذكر الْمحرم الَّذِي وقصته نَاقَته، ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَلَا يبعد أَن يكون لَهُ عَن عَمْرو غير هَذَا.
قلت: لم يُصَرح أحد من أهل هَذَا الشَّأْن فِيمَا علمنَا أَن قيسا سمع من عَمْرو، لَا يلْزم من قَول جرير: سَمِعت قيسا يحدث عَن عَمْرو، أَن يكون قيس سمع ذَلِك من عَمْرو، وَذكر الذَّهَبِيّ سَيْفا فِي كِتَابه فِي (الضُّعَفَاء) وَقَالَ: رمي بِالْقدرِ، وَقَالَ فِي (الْمِيزَان) : ذكره ابْن عدي فِي (الْكَامِل) وسَاق لَهُ هَذَا الحَدِيث. وَسَأَلَ عَبَّاس يحيى بن معِين عَن هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: لَيْسَ بِمَحْفُوظ، وَضعف أَحْمد بن حَنْبَل مُحَمَّد بن مُسلم، ثمَّ ذكر الْبَيْهَقِيّ هَذَا الحَدِيث من وَجه آخر من حَدِيث معَاذ بن عبد الرَّحْمَن عَن ابْن عَبَّاس. قلت: رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد عَن ربيعَة ابْن عُثْمَان، وَإِبْرَاهِيم هُوَ الْأَسْلَمِيّ مَكْشُوف الْحَال، مرمي بِالْكَذِبِ وَغَيره من المصائب، وَرَبِيعَة هَذَا، قَالَ أَبُو زرْعَة: لَيْسَ بذلك، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: مُنكر الحَدِيث.
وَالْجَوَاب الآخر: بطرِيق التَّسْلِيم، وَهُوَ أَنه من أَخْبَار الْآحَاد، فَلَا يجوز الزِّيَادَة بِهِ على النَّص.
قَوْله: وَمِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قضى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد. قلت: هَذَا أخرجه أَبُو دَاوُد، وَقَالَ: حَدثنَا أَحْمد
стр. 3959
ابْن أبي بكر أَبُو مُصعب الزُّهْرِيّ حَدثنَا الدَّرَاورْدِي عَن ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن عَن سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا، وَقَالا: حَدِيث حسن غَرِيب. قُلْنَا: هَذَا حَدِيث مَعْلُول، لِأَن عبد الْعَزِيز الدَّرَاورْدِي قد سَأَلَ سهيلاً عَنهُ فَلم يعرفهُ، وَهَذَا قدح فِيهِ، لِأَن الْخصم يضعف الحَدِيث بِمَا هُوَ أدنى من ذَلِك، فَإِن قلت: يجوز أَن يكون رَوَاهُ ثمَّ نَسيَه. قلت: يجوز أَن يكون وهم فِي أول الْأَمر، وروى مَا لم يكن سَمعه، وَقد علمنَا أَن آخر أمره كَانَ جحوده وفقد الْعلم بِهِ، فَهُوَ أولى، وَقَالَ صَاحب (الْجَوْهَر النقي) : فِيهِ مَعَ نِسْيَان سُهَيْل أَنه قد اخْتلف عَلَيْهِ، فَرَوَاهُ زُهَيْر بن مُحَمَّد عَنهُ عَن أَبِيه عَن زيد بن ثَابت كَمَا ذكره الْبَيْهَقِيّ.
قَوْله: وَمِنْهَا حَدِيث جَابر، مثل حَدِيث أبي هُرَيْرَة، أخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَأَبُو عوَانَة قلت أخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن ماجة عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن جَابر: أَن النَّبِي، ﷺ قضى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا عَن اسماعيل بن جَعْفَر دحدثنا جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه أَن النَّبِي ﷺ قضى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد الْوَاحِد. انْتهى، الأول مَرْفُوع، وَالثَّانِي مُرْسل، وَعبد الْوَهَّاب اخْتَلَط فِي آخر عمره، كَذَا ذكره ابْن معِين وَغَيره وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد: كَانَ ثِقَة وَفِيه ضعف. وَقَالَ ابْن الْمهْدي: أَرْبَعَة كَانُوا يحدثُونَ من كتب النَّاس وَلَا يحفظون ذَلِك الْحِفْظ، فَذكر مِنْهُم عبد الْوَهَّاب، وَقد خَالفه فِي هَذَا الحَدِيث من هُوَ أكبر مِنْهُ وأوثق كمالك وَغَيره، فَأَرْسلُوهُ. وَقَالَ صَاحب (التَّمْهِيد) : إرْسَاله أشهر. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ إِن الْمُرْسل أصح، وَكَذَا روى الثَّوْريّ عَن جَعْفَر عَن أَبِيه مُرْسلا، وَلِهَذَا ذكر فِي كتاب الْمعرفَة: أَن الشَّافِعِي لم يحْتَج بِهَذَا الحَدِيث فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، لذهاب بعض الْحفاظ إِلَى كَونه غَلطا، وَقَالَ هَذَا الْقَائِل: وَفِي الْبَاب عَن نَحْو من عشْرين من الصَّحَابَة، فِيهَا الحسان والضعاف، وَبِدُون ذَلِك تثبت الشُّهْرَة وَدَعوى نسخه مرودودة. قلت: الْجَواب ثُبُوت الشُّهْرَة بذلك، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَأما قَوْله: وَدَعوى نسخه مَرْدُودَة، فمردود لِأَن قَوْله ﷺ : (الْيَمين على الْمُدعى عَلَيْهِ) ، وَقَوله: (الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على من أنكر) يرد مَا قَالَه: وَكَذَا قَوْله: شَاهِدَاك أَو يَمِينه مَعَ ظَاهر الْقُرْآن، لِأَنَّهُ أوجب عِنْد عدم الرجلَيْن قبُول رجل وَامْرَأَتَيْنِ، وَإِذا وجد شَاهد وَاحِد فالرجلان معدومان، فَفِي قبُوله مَعَ الْيَمين نفي مَا اقتضته الْآيَة، وَيُؤَيّد قَول من يَدعِي النّسخ: إِن الْأَشْعَث إِنَّمَا وَفد سنة عشرَة، وَقد قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (شَاهِدَاك أَو يَمِينه) ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿مِمَّن ترْضونَ من الشُّهَدَاء﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . وَلَيْسَ الْمُدَّعِي بِشَاهِد وَاحِد مِمَّن يرضى بِاسْتِحْقَاق مَا يَدعِيهِ بقوله وَيَمِينه. وَزَعَمُوا أَن يَمِين الْمُدَّعِي قَائِمَة مقَام الْمَرْأَتَيْنِ، فعلى هَذَا، لَو كَانَ الْمُدَّعِي ذِمِّيا فَأَقَامَ شَاهدا وَجب أَن لَا يقبل مِنْهُ، كَمَا لَو كَانَت المرإتان ذميتين.
وَأما الَّذِي رُوِيَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فَمنهمْ: ابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة وَزيد بن ثَابت وَجَابِر بن عبد الله وَعلي بن أبي طَالب وسرق وَسعد بن عبَادَة وَعبد الله بن عَمْرو وَعَمْرو بن حزم والمغيرة بن شُعْبَة وزبيب بن ثَعْلَبَة وَعمارَة بن حزم وَعبد الله بن عمر وَرجل لَهُ صُحْبَة وَالزُّبَيْر بن الْعَوام، وَقد ذكرنَا أَحَادِيث: ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة وَجَابِر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. أما حَدِيث زيد ابْن ثَابت فَأخْرجهُ ابْن عدي وَالْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) من رِوَايَة زُهَيْر بن مُحَمَّد عَن سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن زيد بن ثَابت، أوردهُ ابْن عدي فِي تَرْجَمَة زُهَيْر بن مُحَمَّد، قَالَ: لم يقل: عَن سُهَيْل عَن أَبِيه عَن زيد غَيره، وَقَالَ أَبُو عمر فِي (التَّمْهِيد) : هَذَا خطأ، وَالصَّوَاب: عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَقَالَ ابْن حبَان: زيد بن ثَابت وهم من زُهَيْر بن مُحَمَّد. وَأما حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأخْرجهُ ابْن عدي أَيْضا فِي تَرْجَمَة الْحَارِث بن مَنْصُور الوَاسِطِيّ عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: وَهَذَا لَا أعلم رَوَاهُ عَن الثَّوْريّ غير الْحَارِث. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَهَكَذَا روى سُفْيَان الثَّوْريّ عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن النَّبِي، ﷺ ، مُرْسلا. وَأما حَدِيث سرق فَأخْرجهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة عبد الله بن يزِيد مولى المنبعث عَن رجل من أهل مصر عَن سرق، أَن رَسُول الله، ﷺ ، أجَاز شَهَادَة الرجل وَيَمِين الطَّالِب، وَهَذَا فِيهِ مَجْهُول. وَأما حَدِيث سعد بن عبَادَة، فَقَالَ التِّرْمِذِيّ بعد أَن روى حَدِيث أبي هُرَيْرَة من رِوَايَة ربيعَة ابْن أبي عبد الرَّحْمَن، قَالَ: قَالَ ربيعَة: وَأَخْبرنِي ابْن سعد بن عبَادَة، قَالَ: وجدنَا فِي كتاب سعد أَن النَّبِي، ﷺ قضى بِالْيَمِينِ مَعَ الشاهذ، هَكَذَا رَوَاهُ غير مُسَمّى. وَأما حَدِيث عبد الله بن عَمْرو فَرَوَاهُ ابْن عبد الْبر فِي (التَّمْهِيد) وَابْن عدي أَيْضا من رِوَايَة
стр. 3960
مُحَمَّد بن عبد الله بن عبيد بن عمر اللَّيْثِيّ عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ ابْن عدي: وَمُحَمّد هَذَا غير ثِقَة. وَأما حَدِيث عَمْرو بن حزم والمغيرة بن شُعْبَة فأخرجهما الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) من رِوَايَة سعيد بن عَمْرو بن شُرَحْبِيل بن سعد بن عبَادَة أَنه وجد كتابا فِي كتب آبَائِهِ، هَذَا مَا وَقع، أَو ذكر عَمْرو بن حزم والمغيرة بن شُعْبَة، قَالَا: بَينا نَحن عِنْد رَسُول الله، ﷺ دخل رجلَانِ يختصمان، مَعَ أَحدهمَا شَاهد لَهُ على حَقه، فَجعل رَسُول الله، ﷺ يَمِين صَاحب الْحق مَعَ شَاهده فاقتطع بذلك حَقه. وَأما حَدِيث زبيب، بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن ثَعْلَبَة الْعَنْبَري فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة شُعَيْب بن عبد الله بن زبيب الْعَنْبَري: حَدثنِي أبي قَالَ: سَمِعت جدي الزَّبِيب ... الحَدِيث مطولا، فَلْينْظر فِيهِ وَأوردهُ ابْن عدي فِي تَرْجَمَة شُعَيْب بن عبد الله، وَقَالَ: أَرْجُو أَنه يصدق فِيهِ. وَأما حَدِيث عمَارَة بن حزم فَأخْرجهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) قَالَ: حَدثنَا يَعْقُوب حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن الْمطلب عَن سعيد بن عَمْرو بن شُرَحْبِيل عَن جده أَنه قَالَ: كتاب وجدته فِي كتب سعيد بن سعد بن عبَادَة: أَن عمَارَة بن حزم شهد أَن رَسُول الله، ﷺ قضى بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِد، وَقد اخْتلف فِيهِ على عبد الْعَزِيز بن الْمطلب. وَأما حَدِيث عبد الله بن عمر فَأخْرجهُ ابْن عدي من رِوَايَة أبي حذافة السَّهْمِي عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر، وَقَالَ: هَذَا عَن مَالك بِهَذَا الْإِسْنَاد بَاطِل، وَقَالَ أَبُو عمر: حَدِيث أبي حذافة مُنكر. وَأما حَدِيث رجل لَهُ صُحْبَة فَأخْرجهُ الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) من حَدِيث الشَّافِعِي: أخبرنَا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد عَن ربيعَة بن عُثْمَان عَن معَاذ بن عبد الرَّحْمَن عَن ابْن عَبَّاس، وَآخر لَهُ صُحْبَة: أَن رَسُول الله، ﷺ قضى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد، وَقد ذكرنَا عَن قريب أَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد يرمَى بِالْكَذِبِ، وَرَبِيعَة مُنكر الحَدِيث، قَالَه أَبُو حَاتِم. وَأما حَدِيث عبد الله بن الزبير فَذكره الْحَافِظ أَبُو سعيد مُحَمَّد بن عَليّ بن عَمْرو فِي كتاب (الشُّهُود) أَنبأَنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى حَدثنَا الْحُسَيْن بن أَحْمد بن بسطَام حَدثنَا أَحْمد بن عَبدة حَدثنَا عباد عَن شُعَيْب بن عبد الله بن الزبير عَن أَبِيه عَن جده الزبير بن الْعَوام: أَن النَّبِي، ﷺ قضى بِيَمِين مَعَ الشَّاهِد.
فَإِن قلت: هَذِه الْأَحَادِيث دلّت على جَوَاز الحكم بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِد، وروى النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي الزِّنَاد عَن ابْن أبي صَفِيَّة الْكُوفِي: أَنه حضر شريحاً فِي مَسْجِد الْكُوفَة قضى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد، وَعَن أبي الزِّنَاد: أَن عمر بن عبد الْعَزِيز وشريحاً قضيا بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد، قَالَ أَبُو الزِّنَاد: كتب عمر إِلَى عبد الحميد ابْن عبد الرَّحْمَن، عَامله على الْمَدِينَة، أَن يقْضِي بِهِ. وَفِي (الْمحلى) روينَا عَن عمر بن الْخطاب أَنه قَالَ: قضى بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِد الْوَاحِد. قَالَ: وَرُوِيَ عَن سُلَيْمَان بن يسَار وَأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَأبي الزِّنَاد وَرَبِيعَة وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَإيَاس بن مُعَاوِيَة، وَيحيى ابْن معمر، وَالْفُقَهَاء السَّبْعَة وَغَيرهم، وَقَالَ أَبُو عمر وَرُوِيَ عَن أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَأبي بن كَعْب وَعبد الله بن عمر وَالْقَضَاء بِالْيَمِينِ، وَإِن كَانَ فِي الْأَسَانِيد عَنْهَا ضعف. قلت: أما الْأَحَادِيث فقد وقفت على حَالهَا، وَأما هَؤُلَاءِ المذكورون فَإِن كَانَ روى عَنْهُم بأسانيد ضَعِيفَة، فقد روى عَن غَيرهم بأسانيد صِحَاح، أَنه لَا يجوز. مِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا حَمَّاد بن خَالِد عَن ابْن أبي ذِئْب عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: هِيَ بِدعَة وَأول من قضى بهَا مُعَاوِيَة، وَهَذَا السَّنَد على شَرط مُسلم، وَقَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح: أول من قضى بِهِ عبد الْملك بن مَرْوَان، وَقَالَ مُحَمَّد بن الْحسن: إِن حكم بِهِ قاضٍ نقض حكمه، وَهُوَ بِدعَة، وَقد ذكرنَا عَن جمَاعَة، فِيمَا مضى، عدم الْجَوَاز بِهِ.
٨٦٦٢ - حدَّثنا أَبُو نَعِيمٍ قَالَ حَدثنَا نافعُ بنُ عُمَرَ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ قَالَ كتَبَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ النبيَّ ﷺ قَضاى باليَمِينِ على المُدَّعاى عَلَيْهِ.
(انْظُر الحَدِيث ٤١٥٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن التَّرْجَمَة بَاب الْيَمين على الْمُدعى عَلَيْهِ، والْحَدِيث فِيهِ أَنه ﷺ قضى بِالْيَمِينِ على الْمُدعى عَلَيْهِ، وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وَنَافِع بن عمر بن عبد الله بن جميل الجُمَحِي الْقرشِي من أهل مَكَّة، مَاتَ بِمَكَّة، سنة تسع وَسِتِّينَ، وَمِائَة وَابْن أبي مليكَة: هُوَ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي مليكَة، بِضَم الْمِيم، وَقد تكَرر ذكره، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الرَّهْن عَن خَلاد بن يحيى عَن نَافِع بن عمر ... إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَفِيه حجَّة للحنفية أَن الْيَمين وَظِيفَة الْمُدعى عَلَيْهِ، وَأَنَّهَا لَا ترد على الْمُدَّعِي، وَلَا يَمِين الِاسْتِظْهَار، وَلَا يَمِين بِشَاهِد وَاحِد.
وَقد أخرج الْبَيْهَقِيّ هَذَا الحَدِيث من طَرِيق عبد الله بن إِدْرِيس عَن ابْن جريج وَعُثْمَان بن الْأسود عَن ابْن أبي مليكَة، قَالَ: كنت قَاضِيا لِابْنِ الزبير على الطَّائِف، فَكتبت إِلَى ابْن عَبَّاس، فَكتب إِلَيّ: أَن رَسُول
следующие страницы →