Полный текст (7 603 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.
стр. 3956
يُوجب على الْمُدَّعِي غير الْبَيِّنَة، وَأَيْضًا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات ثمَّ لم يَأْتُوا بأَرْبعَة شُهَدَاء ... ﴾ (النُّور: ٤) . الْآيَة، فَأَبْرَأهُ الله تَعَالَى من الْجلد بِإِقَامَة أَرْبَعَة شُهَدَاء من غير يَمِين. وَالْآخر: أَن لَا يَصح الْقَضَاء بِشَاهِد وَاحِد وَيَمِين الْمُدَّعِي، لِأَن الشَّارِع جعل الْيَمين على الْمُدعى عَلَيْهِ، وَفِيه اخْتِلَاف أَيْضا نذكرهُ عَن قريب.
وَالْحكم الثَّانِي: أَن الْيَمين على الْمُدعى عَلَيْهِ فِي الْأَمْوَال وَالْحُدُود، وَفِيه اخْتِلَاف أَيْضا، فَذهب الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد إِلَى القَوْل بِعُمُوم ذَلِك فِي الْأَمْوَال وَالْحُدُود وَالنِّكَاح وَنَحْوه، وَاسْتثنى مَالك النِّكَاح وَالطَّلَاق وَالْعتاق والفدية، فَقَالَ: لَا يجب فِي شَيْء مِنْهَا الْيَمين حَتَّى يُقيم الْمُدَّعِي الْبَيِّنَة، وَلَو شَاهدا وَاحِدًا. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: يخْتَص الْيَمين بالمدعى عَلَيْهِ فِي الْأَمْوَال دون الْحُدُود. وَفِي (التَّوْضِيح) : قَامَ الْإِجْمَاع على استحلاف الْمُدعى عَلَيْهِ فِي الْأَمْوَال، وَاخْتلفُوا فِي الْحُدُود وَالطَّلَاق وَالنِّكَاح وَالْعِتْق، فَذهب الشَّافِعِي: إِلَى أَن الْيَمين وَاجِبَة على كل مدعى عَلَيْهِ إِذا لم يكن للْمُدَّعِي بَيِّنَة، وَسَوَاء كَانَت الدَّعْوَى فِي دم أَو جراح أَو طَلَاق أَو نِكَاح أَو عتق أَو غير ذَلِك، وَاحْتج بِحَدِيث الْبَاب: شَاهِدَاك أَو يَمِينه، قَالَ: وَلم يخص مدعي مَال دون مدعي دم أَو غَيره، بل الْوَاجِب أَن يحمل على الْعُمُوم. ألَا يرى أَنه جعل الْقسَامَة فِي دَعْوَى الدَّم، وَقَالَ للْأَنْصَار: يبرئكم يهود بِخَمْسِينَ يَمِينا؟ وَالدَّم أعظم حُرْمَة من المَال. وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو ثَوْر: إِذا ادّعت الْمَرْأَة على زَوجهَا خلعاً أَو طَلَاقا، وَجحد الزَّوْج الطَّلَاق، فعلَيْهَا الْبَيِّنَة وإلَاّ يسْتَحْلف الزَّوْج، وَإِن ادّعى الْخلْع على مَال، فأنكرت، فَإِن أَقَامَ الْبَيِّنَة لَزِمَهَا المَال وإلَاّ حَلَفت وَلزِمَ الزَّوْج الْفِرَاق، لِأَنَّهُ أقرّ بِهِ، وَإِن ادّعى العَبْد الْعتْق، وَلَا بَيِّنَة لَهُ، يسْتَحْلف السَّيِّد فَإِن حلف برىء وَإِن ادّعى السَّيِّد أَنه أعْتقهُ على مَال، وَأنكر العَبْد حلف، وَلزِمَ السَّيِّد الْعتْق، وَكَانَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد يريان بِأَن يسْتَحْلف على النِّكَاح، فَإِن أَبى ألزم النِّكَاح.
قلت: مَذْهَب أبي حنيفَة: أَن الْمُدعى عَلَيْهِ لَا يسْتَحْلف فِي النِّكَاح بِأَن يَدعِي على امْرَأَة نِكَاحا. وَهِي تجحد، أَو ادَّعَت هِيَ كَذَلِك وَهُوَ يجْحَد. وَلَا فِي الرّجْعَة، بِأَن ادّعى بعد انْقِضَاء عدتهَا أَنه كَانَ رَاجعهَا فِي الْعدة، وَهِي تجحد، أَو ادَّعَت هِيَ كَذَلِك وَهُوَ يجْحَد. وَلَا فِي فَيْء الْإِيلَاء بِأَن ادّعى بعد مُضِيّ مُدَّة الْإِيلَاء أَنه فَاء إِلَيْهَا فِي الْمدَّة، وَهِي تجحد أَو ادَّعَت الْمَرْأَة كَذَلِك، وَهُوَ يجْحَد. وَلَا فِي الِاسْتِيلَاد، بِأَن ادَّعَت الْأمة على سَيِّدهَا أَنَّهَا ولدت مِنْهُ، وَأنكر الْمولى، وَلَا يتَصَوَّر الْعَكْس من قبله عَلَيْهَا، لِأَن الِاسْتِيلَاد يثبت بِإِقْرَارِهِ. وَلَا فِي الرّقّ بِأَن ادّعى على مَجْهُول النّسَب أَنه عَبده أَو ادّعى مَجْهُول النّسَب أَنه مُعْتقه. وَلَا فِي النّسَب، بِأَن ادّعى الْوَلَد على الْوَالِد أَو الْوَالِد على الْوَلَد، وَأنكر الآخر. وَلَا فِي الْوَلَاء: بِأَن ادّعى على مَعْرُوف النّسَب أَنه مُعْتقه، أَو ادّعى مَعْرُوف النّسَب أَنه مُعْتقه، أَو كَانَ ذَلِك فِي الْمُوَالَاة. وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: يسْتَحْلف فِي الْكل، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد. وَلَا يسْتَحْلف بِاتِّفَاق أَصْحَابنَا فِي الْحَد، بِأَن قَالَ رجل لآخر: لي عَلَيْك حد قذف، وَهُوَ يُنكر، لَا يسْتَحْلف لِأَنَّهُ يندرىء بِالشُّبُهَاتِ إلَاّ إِذا تضمن حَقًا، بِأَن علق عتق عَبده بِالزِّنَا، وَقَالَ: إِن زَنَيْت فَأَنت حر، فَادّعى العَبْد أَنه زنى وَلَا بَيِّنَة لَهُ عَلَيْهِ، يسْتَحْلف الْمولى، حَتَّى إِذا نكل ثَبت الْعتْق دون الزِّنَا. وَقَالَ القَاضِي الإِمَام فَخر الدّين، الْمَعْرُوف: بقاضيخان الْفَتْوَى، على أَنه يسْتَحْلف الْمُنكر فِي الْأَشْيَاء السِّتَّة الْمَذْكُورَة، وَذكر ابْن الْمُنْذر عَن الشّعبِيّ وَالثَّوْري وَأَصْحَاب الرَّأْي أَنه: لَا يسْتَحْلف على شَيْء من الْحُدُود، وَلَا على الْقَذْف، وَقَالُوا: يسْتَحْلف يسْتَحْلف على السّرقَة فَإِن نكل لزمَه المَال وَعند مَالك لَا يَمِين فِي النِّكَاح وَالطَّلَاق وَالْعِتْق والفرقة إِلَّا أَن يُقيم الْمُدعى شَاهدا وَاحِد فَإِذا أقالمه اسْتحْلف الْمُدعى عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْن حبيب: إِذا أَقَامَت الْمَرْأَة أَو العَبْد شَاهدا وَاحِدًا على أَن الزَّوْج طَلقهَا، أَو أَن السَّيِّد أعْتقهُ، فاليمين تكون على السَّيِّد وَالزَّوْج، فَإِن حلفا سقط عَنْهُمَا الطَّلَاق وَالْعِتْق، وَهَذَا قَول مَالك وَابْن الْمَاجشون وَابْن كنَانَة، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَة: فَإِن نكل قضى بِالطَّلَاق وَالْعِتْق، ثمَّ رَجَعَ مَالك، فَقَالَ: لَا يقْضِي بِالطَّلَاق ويسجن، فَإِن طَال سَجَنهُ دين، وَترك وَبِه قَالَ ابْن الْقَاسِم، وَطول السجْن عِنْده سنة.
وَقَالَ النبيُّ ﷺ : شاهِدَاكَ أوْ يَمينُهُ
وصل البُخَارِيّ هَذَا التَّعْلِيق فِي آخر الْبَاب من حَدِيث الْأَشْعَث بن قيس، وَهَذَا صَرِيح أَن الَّذِي على الْمُدعى الْبَيِّنَة، وَالَّذِي على الْمُدعى عَلَيْهِ الْيَمين، فَيَقْتَضِي منع يَمِين الْمُدَّعِي عِنْد الرَّد عَلَيْهِ، وَيَمِين الِاسْتِظْهَار أَيْضا كَمَا ذكرنَا. وارتفاع: شَاهِدَاك، على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: الْمُثبت لدعواك أَو الْحجَّة لَك شَاهِدَاك، وَيجوز أَن يكون مَرْفُوعا على الِابْتِدَاء، وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: شَاهِدَاك هُوَ الْمَطْلُوب فِي دعواك، أَو شَاهِدَاك هما المثبتان لدعواك، وَنَحْو ذَلِك.
стр. 3957
وَقَالَ قُتَيْبَةُ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ ابنِ شُبْرُمَةَ كلَّمَنِي أبُو الزِّنَادِ فِي شَهَادَةِ الشَّاهِدِ ويَمِينِ المُدَّعِي فقُلْتُ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فإنْ لَمْ يَكُونَا رجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا الأُخْراى﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . قُلْتُ إذَا كانَ يُكْتَفى بِشَهَادَةِ شاهِدٍ ويَمِينِ المُدَّعِي فَمَا يَحْتاجُ أنْ تُذْكَرَ إحْدَاهُمَا الأخْراى مَا كانَ يُصْنَعُ بِذِكْرِ هاذِهِ الأُخْراى
كَذَا هَكَذَا فِي كثير من النّسخ: قَالَ قُتَيْبَة، مُعَلّقا، وَفِي بَعْضهَا: حَدثنَا قُتَيْبَة، وَكَذَا نقل عَن الشَّيْخ قطب الدّين الْحلَبِي الشَّارِح، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) وَكَانَ الأول أظهر لِأَن البُخَارِيّ لم يحْتَج فِي (صَحِيحه) بِابْن شبْرمَة، وَابْن شبْرمَة هُوَ عبد الله بن شبْرمَة بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء المضمومة: ابْن الطُّفَيْل بن حسان الضَّبِّيّ أَبُو شبْرمَة الْكُوفِي القَاضِي، فَقِيه أهل الْكُوفَة، عداده فِي التَّابِعين، وَكَانَ عفيفاً صَارِمًا عَاقِلا فَقِيها، يشبه النساك، ثِقَة فِي الحَدِيث، شَاعِرًا، حسن الْخلق، اسْتشْهد بِهِ البُخَارِيّ فِي (الصَّحِيح) وروى لَهُ فِي الْأَدَب وروى لَهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه، مَاتَ سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَة، وروى عَن أبي حنيفَة حَدِيثا وَاحِدًا. وَأَبُو الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف النُّون، واسْمه عبد الله بن ذكْوَان الْقرشِي الْمدنِي قَاضِي الْمَدِينَة، قَالَ الْعجلِيّ: مدنِي تَابِعِيّ ثِقَة، سمع من أنس بن مَالك، مَاتَ سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة. قَوْله: إِذا كَانَ شَرط، وَقَوله: فَمَا يحْتَاج، جَزَاء، وَكلمَة: مَا، نَافِيَة بِخِلَاف قَوْله: مَا كَانَ، فَإِنَّهَا استفهامية، والفعلان: أَعنِي: يحْتَاج ويصنع، بِلَفْظ الْمَجْهُول أَي: إِذا جَازَ الْكِفَايَة على شَاهد وَيَمِين فَلَا يحْتَاج إِلَى تذكير إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى إِذْ الْيَمين تقوم مقَامهَا، فَمَا فَائِدَة ذكر التَّذْكِير فِي الْقُرْآن؟ وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَائِدَته تتميم شَاهد، إِذْ الْمَرْأَة الْوَاحِدَة لَا اعْتِبَار لَهَا، لِأَن الْمَرْأَتَيْنِ كَرجل وَاحِد. انْتهى. قلت: هَذَا كَلَام عَجِيب كَأَنَّهُ مخترع من عِنْده، فَكيف يكون حَاصله: أَن مَذْهَب أبي الزِّنَاد الْقَضَاء بِشَاهِد وَيَمِين الْمُدَّعِي كَأَهل بَلَده، وَمذهب ابْن شبْرمَة خِلَافه كَأَهل بَلَده؟ فاحتج عَلَيْهِ أَبُو الزِّنَاد بالْخبر الْوَارِد فِي ذَلِك، وَاحْتج عَلَيْهِ ابْن شبْرمَة بِمَا ذكره من الْآيَة الْكَرِيمَة. وَقَالَ بَعضهم: وَإِنَّمَا يتم لَهُ الْحجَّة بذلك على أصل مُخْتَلف فِيهِ بَين الْفَرِيقَيْنِ. وَهُوَ أَن الْخَبَر إِذا ورد متضمناً لزِيَادَة على مَا فِي الْقُرْآن: هَل يكون نسخا؟ وَالسّنة لَا تنسخ الْقرَان، أَو لَا؟ يكون نسخا بل زِيَادَة مُسْتَقلَّة بِحكم مُسْتَقل إِذا ثَبت سَنَده وَجب القَوْل بِهِ، وَالْأول مَذْهَب الْكُوفِيّين وَالثَّانِي مَذْهَب الْحِجَازِيِّينَ، وَمَعَ قطع النّظر عَن ذَلِك لَا ينْهض حجَّة ابْن شبْرمَة لِأَنَّهُ يصير مُعَارضَة للنَّص بِالرَّأْيِ. انْتهى. قلت: مَذْهَب ابْن شبْرمَة هُوَ مَذْهَب ابْن أبي ليلى وَعَطَاء وَالنَّخَعِيّ وَالشعْبِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ والكوفيين والأندلسيين من أَصْحَاب مَالك، وهم يَقُولُونَ: نَص الْكتاب الْعَزِيز فِي بَاب الشَّهَادَة: رجلَانِ، فَإِذا لم يَكُونَا رجلَيْنِ فَرجل وَامْرَأَتَانِ، وَالْحكم بِشَاهِد وَيَمِين مُخَالف للنَّص، فَلَا يجوز، وَالْأَخْبَار الَّتِي وَردت بِشَاهِد وَيَمِين أَخْبَار أحاد فَلَا يعْمل بهَا عِنْد مخالفتها النَّص، لِأَنَّهُ يكون نسخا وَنسخ الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد لَا يجوز، وَقَالَ بَعضهم: النّسخ رفع الحكم وَلَا رفع هُنَا، وَأَيْضًا النَّاسِخ والمنسوخ لَا بُد أَن يتواردا على مَحل وَاحِد، وَهَذَا غير مُتَحَقق فِي الزِّيَادَة على النَّص. قلت: النّسخ رفع الحكم قسم من أَقسَام النّسخ لِأَنَّهُ على أَرْبَعَة أَقسَام: نسخ الحكم والتلاوة جَمِيعًا، وَنسخ الحكم دون التِّلَاوَة، وَنسخ التِّلَاوَة دون الحكم، وَالرَّابِع: نسخ وصف الحكم، وَهُوَ أَيْضا مثل الزِّيَادَة على النَّص، وَهُوَ نسخ عندنَا، وَعند الشَّافِعِي هُوَ بِمَنْزِلَة تَخْصِيص الْعَام، حَتَّى جوز ذَلِك بِالْقِيَاسِ وبخبر الْوَاحِد، وَقَول هَذَا الْقَائِل: النّسخ رفع الحكم، لَيْسَ على إِطْلَاقه، لِأَن النّسخ من قبيل بَيَان التبديل، لِأَن الْبَيَان عندنَا خَمْسَة أَقسَام: بَيَان تَقْرِير، وَبَيَان تَفْسِير، وَبَيَان تَغْيِير، وَبَيَان ضَرُورَة، وَبَيَان تَبْدِيل. والنسخ مِنْهُ، وَمَعْنَاهُ: أَن يَزُول شَيْء ويخلفه غَيره، وَلَا شكّ أَن الحكم بِشَاهِد وَيَمِين رفع حكم الشَّاهِدين، أَو الشَّاهِد، وَالْمَرْأَة، وَكَيف يَقُول هُنَا: وَلَا رفع هُنَا؟ وَقَوله: وَأَيْضًا النَّاسِخ والمنسوخ ... إِلَى آخِره لَيْسَ على إِطْلَاقه، لأَنا نسلم أَنه لَا بُد من توارد النَّاسِخ والمنسوخ فِي مَحل وَاحِد وَلَكِن لَا نسلم قَوْله: وَهَذَا غير مُتَحَقق فِي الزِّيَادَة على النَّص، لِأَن قَائِل هَذَا، أَي من كَانَ لم يفرق بَين نسخ الْوَصْف وَبَين نسخ الذَّات، والنسخ هُنَا من قبيل نسخ الْوَصْف لَا من قبيل نسخ الذَّات، وَنحن نقُول: إِن نسخ الْوَصْف مثل نسخ الذَّات فِي الحكم، فَلهَذَا منعنَا الحكم بِشَاهِد وَيَمِين، وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَتَخْصِيص الْكتاب بِالسنةِ جَائِز، وَكَذَلِكَ الزِّيَادَة عَلَيْهِ، قُلْنَا: لَا نسلم أَن الزِّيَادَة على النَّص كالتخصيص مُطلقًا، وَإِنَّمَا يكون كالتخصيص إِذا كَانَت
стр. 3958
الزِّيَادَة حكما مُسْتقِلّا بِنَفسِهَا، فَحِينَئِذٍ يكون كالتخصيص، لِأَنَّهَا لَا تغير. والتخصيص بَيَان عدم إِرَادَة بعض مَا يتَنَاوَلهُ اللَّفْظ، فَيبقى الْبَاقِي بذلك النّظم بِعَيْنِه، فَإِن الْعَام إِذا خص مِنْهُ بعض الْأَفْرَاد بَقِي الحكم فِيمَا وَرَاءه بِلَفْظ الْعَام بِعَيْنِه، كَلَفْظِ الْمُشْركين إِذا خص مِنْهُ أهل الذِّمَّة بَقِي الحكم فِي غَيرهم ثَابتا بِلَفْظ الْمُشْركين، فَلم يكن التَّخْصِيص نسخا، لِأَن النّسخ بَيَان انْتِهَاء مُدَّة الحكم الثَّابِت، وبالتخصيص تبين أَن الْمَخْصُوص لم يكن مرَادا بِالْعَام فَلَا يكون رفعا بعد الثُّبُوت، بل منعا عَن الدُّخُول فِي حكم الْعَام، وَلِهَذَا قُلْنَا: إِن التَّخْصِيص لَا يكون إلَاّ مُقَارنًا، لِأَنَّهُ بَيَان مَحْض، وَشرط النّسخ أَن يكون مُتَأَخِّرًا، فَيكون تبديلاً لَا بَيَانا مَحْضا، ثمَّ نظر هَذَا الْقَائِل فِي كَون الزِّيَادَة على النَّص كالتخصيص. بقوله: كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم﴾ (النِّسَاء: ٤٢) . وَأَجْمعُوا على تَحْرِيم الْعمة مَعَ بنت أَخِيهَا، وَسَنَد الْإِجْمَاع فِي ذَلِك السّنة الثَّابِتَة، وَكَذَلِكَ قطع رجل السَّارِق فِي الْمرة الثَّانِيَة، قُلْنَا: الْجَواب عَن هذَيْن الْحكمَيْنِ أَنَّهُمَا حكمان مستقلان بأنفسهما، وَلم يغيرا لحكم فيهمَا حَتَّى يكون نسخا. وَقد قُلْنَا: إِن مثل هَذَا كالتخصيص ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَقد أَخذ من رد أَن الحكم بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين لكَونه زِيَادَة على الْقُرْآن بِأَحَادِيث كَثِيرَة كلهَا زَائِدَة على مَا فِي الْقُرْآن: كَالْوضُوءِ بالنبيذ، وَالْوُضُوء من القهقهة، وَمن الْقَيْء، والمضمضة وَالِاسْتِنْشَاق فِي الْغسْل دون الْوضُوء، واستبراء المسبية، وَترك قطع من سرق مَا يسْرع إِلَيْهِ الْفساد، وَشَهَادَة الْمَرْأَة الْوَاحِدَة فِي الْولادَة، وَلَا قَود إلَاّ بِالسَّيْفِ، وَلَا جُمُعَة إلَاّ فِي مصر جَامع، وَلَا تقطع الْأَيْدِي فِي الْغَزْو، وَلَا يَرث الْكَافِر الْمُسلم، وَلَا يُؤْكَل الطافي من السّمك، وَيحرم كل ذِي نَاب من السبَاع ومخلب من الطير، وَلَا يقل الْوَالِد بالوالد، وَلَا يَرث الْقَاتِل من الْقَتِيل، وَغير ذَلِك من الْأَمْثِلَة الَّتِي تَتَضَمَّن الزِّيَادَة على عُمُوم الْكتاب، قُلْنَا: هَذَا كُله لَا يرد علينا، وَالْجَوَاب عَن هَذَا كُله مَا قُلْنَا: إِن الزَّائِد على النَّص إِذا كَانَ حكما مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ لَا يضر ذَلِك، فَلَا يُسمى نسخا، لِأَنَّهُ لَا يُغير وَلَا يُبدل، وَالَّذِي فِيهِ التَّغْيِير بِحَسب الظَّاهِر لَا من حَيْثُ الْوَصْف وَلَا من حَيْثُ الذَّات يكون كالتخصيص.
وَقَوله: وَأَجَابُوا بِأَنَّهَا أَحَادِيث كَثِيرَة شهيرة، فَوَجَبَ الْعَمَل بهَا لشهرتها. لَا نقُول بِهِ، لأَنا لَا نلتزم شهرة تِلْكَ الْأَحَادِيث، فَالْأَصْل الَّذِي نَحن عَلَيْهِ فِيهِ الْكِفَايَة. وَقَوله: فَيُقَال لَهُم: وَحَدِيث الْقَضَاء بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين جَاءَ من طرق كَثِيرَة مَشْهُورَة، بل ثَبت من طرق صحيحية مُتعَدِّدَة، فَنَقُول: إِن كَانَ مُرَادهم بِهَذِهِ الشُّهْرَة الشُّهْرَة عِنْدهم فَلَا يلْزمنَا ذَلِك، وَإِن كَانَ المُرَاد الشُّهْرَة عِنْد الْكل فَلَا نسلم ذَلِك، لِأَن شهرتها عِنْد الْكل مَمْنُوعَة، فَمن ادّعى ذَلِك فَعَلَيهِ الْبَيَان، وَلَئِن سلمنَا شهرتها فَالزِّيَادَة بهَا على الْقُرْآن لَا تخرج عَن كَونهَا نسخا، وَالَّذِي قَالَ هَؤُلَاءِ وَظِيفَة التَّوَاتُر فَلَا تَوَاتر أصلا.
قَوْله: فَمِنْهَا مَا أخرجه مُسلم من حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله، ﷺ قضى بِيَمِين وَشَاهد، وَقَالَ فِي التَّمْيِيز: إِنَّه حَدِيث صَحِيح لَا يرتاب فِي صِحَّته، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: لَا مطْعن لأحد فِي صِحَّته وَلَا فِي إِسْنَاده.
وَالْجَوَاب عَنهُ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: بطرِيق الْمَنْع، وَهُوَ أَن مُسلما روى هَذَا الحَدِيث من حَدِيث سيف بن سُلَيْمَان عَن قيس بن سعد عَن عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عَبَّاس ... إِلَى آخِره، وَذكر التِّرْمِذِيّ فِي (الْعِلَل الْكَبِير) : سَأَلت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل عَنهُ، فَقَالَ: عَمْرو بن دِينَار لم يسمع عِنْدِي هَذَا الحَدِيث من ابْن عَبَّاس، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: قيس لَا نعلمهُ يحدث عَن عَمْرو بن دِينَار بِشَيْء، فقد رمي الحَدِيث بالانقطاع فِي موضِعين من البُخَارِيّ بَين عَمْرو وَابْن عَبَّاس، وَمن الطَّحَاوِيّ بَين قيس وَعَمْرو، رد الْبَيْهَقِيّ فِي (الخلافيات) على الطَّحَاوِيّ، وَأَشَارَ إِلَى أَن قيسا سمع من عَمْرو، وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِرِوَايَة وهب بن جرير عَن أَبِيه قَالَ: سَمِعت قيس بن سعد يحدث عَن عَمْرو بن دِينَار عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، فَذكر الْمحرم الَّذِي وقصته نَاقَته، ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَلَا يبعد أَن يكون لَهُ عَن عَمْرو غير هَذَا.
قلت: لم يُصَرح أحد من أهل هَذَا الشَّأْن فِيمَا علمنَا أَن قيسا سمع من عَمْرو، لَا يلْزم من قَول جرير: سَمِعت قيسا يحدث عَن عَمْرو، أَن يكون قيس سمع ذَلِك من عَمْرو، وَذكر الذَّهَبِيّ سَيْفا فِي كِتَابه فِي (الضُّعَفَاء) وَقَالَ: رمي بِالْقدرِ، وَقَالَ فِي (الْمِيزَان) : ذكره ابْن عدي فِي (الْكَامِل) وسَاق لَهُ هَذَا الحَدِيث. وَسَأَلَ عَبَّاس يحيى بن معِين عَن هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: لَيْسَ بِمَحْفُوظ، وَضعف أَحْمد بن حَنْبَل مُحَمَّد بن مُسلم، ثمَّ ذكر الْبَيْهَقِيّ هَذَا الحَدِيث من وَجه آخر من حَدِيث معَاذ بن عبد الرَّحْمَن عَن ابْن عَبَّاس. قلت: رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد عَن ربيعَة ابْن عُثْمَان، وَإِبْرَاهِيم هُوَ الْأَسْلَمِيّ مَكْشُوف الْحَال، مرمي بِالْكَذِبِ وَغَيره من المصائب، وَرَبِيعَة هَذَا، قَالَ أَبُو زرْعَة: لَيْسَ بذلك، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: مُنكر الحَدِيث.
وَالْجَوَاب الآخر: بطرِيق التَّسْلِيم، وَهُوَ أَنه من أَخْبَار الْآحَاد، فَلَا يجوز الزِّيَادَة بِهِ على النَّص.
قَوْله: وَمِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قضى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد. قلت: هَذَا أخرجه أَبُو دَاوُد، وَقَالَ: حَدثنَا أَحْمد
стр. 3959
ابْن أبي بكر أَبُو مُصعب الزُّهْرِيّ حَدثنَا الدَّرَاورْدِي عَن ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن عَن سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا، وَقَالا: حَدِيث حسن غَرِيب. قُلْنَا: هَذَا حَدِيث مَعْلُول، لِأَن عبد الْعَزِيز الدَّرَاورْدِي قد سَأَلَ سهيلاً عَنهُ فَلم يعرفهُ، وَهَذَا قدح فِيهِ، لِأَن الْخصم يضعف الحَدِيث بِمَا هُوَ أدنى من ذَلِك، فَإِن قلت: يجوز أَن يكون رَوَاهُ ثمَّ نَسيَه. قلت: يجوز أَن يكون وهم فِي أول الْأَمر، وروى مَا لم يكن سَمعه، وَقد علمنَا أَن آخر أمره كَانَ جحوده وفقد الْعلم بِهِ، فَهُوَ أولى، وَقَالَ صَاحب (الْجَوْهَر النقي) : فِيهِ مَعَ نِسْيَان سُهَيْل أَنه قد اخْتلف عَلَيْهِ، فَرَوَاهُ زُهَيْر بن مُحَمَّد عَنهُ عَن أَبِيه عَن زيد بن ثَابت كَمَا ذكره الْبَيْهَقِيّ.
قَوْله: وَمِنْهَا حَدِيث جَابر، مثل حَدِيث أبي هُرَيْرَة، أخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَأَبُو عوَانَة قلت أخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن ماجة عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن جَابر: أَن النَّبِي، ﷺ قضى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا عَن اسماعيل بن جَعْفَر دحدثنا جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه أَن النَّبِي ﷺ قضى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد الْوَاحِد. انْتهى، الأول مَرْفُوع، وَالثَّانِي مُرْسل، وَعبد الْوَهَّاب اخْتَلَط فِي آخر عمره، كَذَا ذكره ابْن معِين وَغَيره وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد: كَانَ ثِقَة وَفِيه ضعف. وَقَالَ ابْن الْمهْدي: أَرْبَعَة كَانُوا يحدثُونَ من كتب النَّاس وَلَا يحفظون ذَلِك الْحِفْظ، فَذكر مِنْهُم عبد الْوَهَّاب، وَقد خَالفه فِي هَذَا الحَدِيث من هُوَ أكبر مِنْهُ وأوثق كمالك وَغَيره، فَأَرْسلُوهُ. وَقَالَ صَاحب (التَّمْهِيد) : إرْسَاله أشهر. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ إِن الْمُرْسل أصح، وَكَذَا روى الثَّوْريّ عَن جَعْفَر عَن أَبِيه مُرْسلا، وَلِهَذَا ذكر فِي كتاب الْمعرفَة: أَن الشَّافِعِي لم يحْتَج بِهَذَا الحَدِيث فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، لذهاب بعض الْحفاظ إِلَى كَونه غَلطا، وَقَالَ هَذَا الْقَائِل: وَفِي الْبَاب عَن نَحْو من عشْرين من الصَّحَابَة، فِيهَا الحسان والضعاف، وَبِدُون ذَلِك تثبت الشُّهْرَة وَدَعوى نسخه مرودودة. قلت: الْجَواب ثُبُوت الشُّهْرَة بذلك، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَأما قَوْله: وَدَعوى نسخه مَرْدُودَة، فمردود لِأَن قَوْله ﷺ : (الْيَمين على الْمُدعى عَلَيْهِ) ، وَقَوله: (الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على من أنكر) يرد مَا قَالَه: وَكَذَا قَوْله: شَاهِدَاك أَو يَمِينه مَعَ ظَاهر الْقُرْآن، لِأَنَّهُ أوجب عِنْد عدم الرجلَيْن قبُول رجل وَامْرَأَتَيْنِ، وَإِذا وجد شَاهد وَاحِد فالرجلان معدومان، فَفِي قبُوله مَعَ الْيَمين نفي مَا اقتضته الْآيَة، وَيُؤَيّد قَول من يَدعِي النّسخ: إِن الْأَشْعَث إِنَّمَا وَفد سنة عشرَة، وَقد قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (شَاهِدَاك أَو يَمِينه) ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿مِمَّن ترْضونَ من الشُّهَدَاء﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . وَلَيْسَ الْمُدَّعِي بِشَاهِد وَاحِد مِمَّن يرضى بِاسْتِحْقَاق مَا يَدعِيهِ بقوله وَيَمِينه. وَزَعَمُوا أَن يَمِين الْمُدَّعِي قَائِمَة مقَام الْمَرْأَتَيْنِ، فعلى هَذَا، لَو كَانَ الْمُدَّعِي ذِمِّيا فَأَقَامَ شَاهدا وَجب أَن لَا يقبل مِنْهُ، كَمَا لَو كَانَت المرإتان ذميتين.
وَأما الَّذِي رُوِيَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فَمنهمْ: ابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة وَزيد بن ثَابت وَجَابِر بن عبد الله وَعلي بن أبي طَالب وسرق وَسعد بن عبَادَة وَعبد الله بن عَمْرو وَعَمْرو بن حزم والمغيرة بن شُعْبَة وزبيب بن ثَعْلَبَة وَعمارَة بن حزم وَعبد الله بن عمر وَرجل لَهُ صُحْبَة وَالزُّبَيْر بن الْعَوام، وَقد ذكرنَا أَحَادِيث: ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة وَجَابِر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. أما حَدِيث زيد ابْن ثَابت فَأخْرجهُ ابْن عدي وَالْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) من رِوَايَة زُهَيْر بن مُحَمَّد عَن سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن زيد بن ثَابت، أوردهُ ابْن عدي فِي تَرْجَمَة زُهَيْر بن مُحَمَّد، قَالَ: لم يقل: عَن سُهَيْل عَن أَبِيه عَن زيد غَيره، وَقَالَ أَبُو عمر فِي (التَّمْهِيد) : هَذَا خطأ، وَالصَّوَاب: عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَقَالَ ابْن حبَان: زيد بن ثَابت وهم من زُهَيْر بن مُحَمَّد. وَأما حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأخْرجهُ ابْن عدي أَيْضا فِي تَرْجَمَة الْحَارِث بن مَنْصُور الوَاسِطِيّ عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: وَهَذَا لَا أعلم رَوَاهُ عَن الثَّوْريّ غير الْحَارِث. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَهَكَذَا روى سُفْيَان الثَّوْريّ عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن النَّبِي، ﷺ ، مُرْسلا. وَأما حَدِيث سرق فَأخْرجهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة عبد الله بن يزِيد مولى المنبعث عَن رجل من أهل مصر عَن سرق، أَن رَسُول الله، ﷺ ، أجَاز شَهَادَة الرجل وَيَمِين الطَّالِب، وَهَذَا فِيهِ مَجْهُول. وَأما حَدِيث سعد بن عبَادَة، فَقَالَ التِّرْمِذِيّ بعد أَن روى حَدِيث أبي هُرَيْرَة من رِوَايَة ربيعَة ابْن أبي عبد الرَّحْمَن، قَالَ: قَالَ ربيعَة: وَأَخْبرنِي ابْن سعد بن عبَادَة، قَالَ: وجدنَا فِي كتاب سعد أَن النَّبِي، ﷺ قضى بِالْيَمِينِ مَعَ الشاهذ، هَكَذَا رَوَاهُ غير مُسَمّى. وَأما حَدِيث عبد الله بن عَمْرو فَرَوَاهُ ابْن عبد الْبر فِي (التَّمْهِيد) وَابْن عدي أَيْضا من رِوَايَة
стр. 3960
مُحَمَّد بن عبد الله بن عبيد بن عمر اللَّيْثِيّ عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ ابْن عدي: وَمُحَمّد هَذَا غير ثِقَة. وَأما حَدِيث عَمْرو بن حزم والمغيرة بن شُعْبَة فأخرجهما الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) من رِوَايَة سعيد بن عَمْرو بن شُرَحْبِيل بن سعد بن عبَادَة أَنه وجد كتابا فِي كتب آبَائِهِ، هَذَا مَا وَقع، أَو ذكر عَمْرو بن حزم والمغيرة بن شُعْبَة، قَالَا: بَينا نَحن عِنْد رَسُول الله، ﷺ دخل رجلَانِ يختصمان، مَعَ أَحدهمَا شَاهد لَهُ على حَقه، فَجعل رَسُول الله، ﷺ يَمِين صَاحب الْحق مَعَ شَاهده فاقتطع بذلك حَقه. وَأما حَدِيث زبيب، بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن ثَعْلَبَة الْعَنْبَري فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة شُعَيْب بن عبد الله بن زبيب الْعَنْبَري: حَدثنِي أبي قَالَ: سَمِعت جدي الزَّبِيب ... الحَدِيث مطولا، فَلْينْظر فِيهِ وَأوردهُ ابْن عدي فِي تَرْجَمَة شُعَيْب بن عبد الله، وَقَالَ: أَرْجُو أَنه يصدق فِيهِ. وَأما حَدِيث عمَارَة بن حزم فَأخْرجهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) قَالَ: حَدثنَا يَعْقُوب حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن الْمطلب عَن سعيد بن عَمْرو بن شُرَحْبِيل عَن جده أَنه قَالَ: كتاب وجدته فِي كتب سعيد بن سعد بن عبَادَة: أَن عمَارَة بن حزم شهد أَن رَسُول الله، ﷺ قضى بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِد، وَقد اخْتلف فِيهِ على عبد الْعَزِيز بن الْمطلب. وَأما حَدِيث عبد الله بن عمر فَأخْرجهُ ابْن عدي من رِوَايَة أبي حذافة السَّهْمِي عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر، وَقَالَ: هَذَا عَن مَالك بِهَذَا الْإِسْنَاد بَاطِل، وَقَالَ أَبُو عمر: حَدِيث أبي حذافة مُنكر. وَأما حَدِيث رجل لَهُ صُحْبَة فَأخْرجهُ الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) من حَدِيث الشَّافِعِي: أخبرنَا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد عَن ربيعَة بن عُثْمَان عَن معَاذ بن عبد الرَّحْمَن عَن ابْن عَبَّاس، وَآخر لَهُ صُحْبَة: أَن رَسُول الله، ﷺ قضى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد، وَقد ذكرنَا عَن قريب أَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد يرمَى بِالْكَذِبِ، وَرَبِيعَة مُنكر الحَدِيث، قَالَه أَبُو حَاتِم. وَأما حَدِيث عبد الله بن الزبير فَذكره الْحَافِظ أَبُو سعيد مُحَمَّد بن عَليّ بن عَمْرو فِي كتاب (الشُّهُود) أَنبأَنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى حَدثنَا الْحُسَيْن بن أَحْمد بن بسطَام حَدثنَا أَحْمد بن عَبدة حَدثنَا عباد عَن شُعَيْب بن عبد الله بن الزبير عَن أَبِيه عَن جده الزبير بن الْعَوام: أَن النَّبِي، ﷺ قضى بِيَمِين مَعَ الشَّاهِد.
فَإِن قلت: هَذِه الْأَحَادِيث دلّت على جَوَاز الحكم بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِد، وروى النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي الزِّنَاد عَن ابْن أبي صَفِيَّة الْكُوفِي: أَنه حضر شريحاً فِي مَسْجِد الْكُوفَة قضى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد، وَعَن أبي الزِّنَاد: أَن عمر بن عبد الْعَزِيز وشريحاً قضيا بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد، قَالَ أَبُو الزِّنَاد: كتب عمر إِلَى عبد الحميد ابْن عبد الرَّحْمَن، عَامله على الْمَدِينَة، أَن يقْضِي بِهِ. وَفِي (الْمحلى) روينَا عَن عمر بن الْخطاب أَنه قَالَ: قضى بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِد الْوَاحِد. قَالَ: وَرُوِيَ عَن سُلَيْمَان بن يسَار وَأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَأبي الزِّنَاد وَرَبِيعَة وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَإيَاس بن مُعَاوِيَة، وَيحيى ابْن معمر، وَالْفُقَهَاء السَّبْعَة وَغَيرهم، وَقَالَ أَبُو عمر وَرُوِيَ عَن أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَأبي بن كَعْب وَعبد الله بن عمر وَالْقَضَاء بِالْيَمِينِ، وَإِن كَانَ فِي الْأَسَانِيد عَنْهَا ضعف. قلت: أما الْأَحَادِيث فقد وقفت على حَالهَا، وَأما هَؤُلَاءِ المذكورون فَإِن كَانَ روى عَنْهُم بأسانيد ضَعِيفَة، فقد روى عَن غَيرهم بأسانيد صِحَاح، أَنه لَا يجوز. مِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا حَمَّاد بن خَالِد عَن ابْن أبي ذِئْب عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: هِيَ بِدعَة وَأول من قضى بهَا مُعَاوِيَة، وَهَذَا السَّنَد على شَرط مُسلم، وَقَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح: أول من قضى بِهِ عبد الْملك بن مَرْوَان، وَقَالَ مُحَمَّد بن الْحسن: إِن حكم بِهِ قاضٍ نقض حكمه، وَهُوَ بِدعَة، وَقد ذكرنَا عَن جمَاعَة، فِيمَا مضى، عدم الْجَوَاز بِهِ.
٨٦٦٢ - حدَّثنا أَبُو نَعِيمٍ قَالَ حَدثنَا نافعُ بنُ عُمَرَ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ قَالَ كتَبَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ النبيَّ ﷺ قَضاى باليَمِينِ على المُدَّعاى عَلَيْهِ.
(انْظُر الحَدِيث ٤١٥٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن التَّرْجَمَة بَاب الْيَمين على الْمُدعى عَلَيْهِ، والْحَدِيث فِيهِ أَنه ﷺ قضى بِالْيَمِينِ على الْمُدعى عَلَيْهِ، وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وَنَافِع بن عمر بن عبد الله بن جميل الجُمَحِي الْقرشِي من أهل مَكَّة، مَاتَ بِمَكَّة، سنة تسع وَسِتِّينَ، وَمِائَة وَابْن أبي مليكَة: هُوَ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي مليكَة، بِضَم الْمِيم، وَقد تكَرر ذكره، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الرَّهْن عَن خَلاد بن يحيى عَن نَافِع بن عمر ... إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَفِيه حجَّة للحنفية أَن الْيَمين وَظِيفَة الْمُدعى عَلَيْهِ، وَأَنَّهَا لَا ترد على الْمُدَّعِي، وَلَا يَمِين الِاسْتِظْهَار، وَلَا يَمِين بِشَاهِد وَاحِد.
وَقد أخرج الْبَيْهَقِيّ هَذَا الحَدِيث من طَرِيق عبد الله بن إِدْرِيس عَن ابْن جريج وَعُثْمَان بن الْأسود عَن ابْن أبي مليكَة، قَالَ: كنت قَاضِيا لِابْنِ الزبير على الطَّائِف، فَكتبت إِلَى ابْن عَبَّاس، فَكتب إِلَيّ: أَن رَسُول
стр. 3961
الله، ﷺ قَالَ: (لَو يعْطى النَّاس بدعواهم لادعى رجال أَمْوَال قوم ودماءهم، وَلَكِن الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على من أنكر) ، وَهَذِه الزِّيَادَة لَيست فِي (الصَّحِيحَيْنِ) وإسنادها حسن، وَقد بَين ﷺ الْحِكْمَة فِي كَون الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على الْمُدعى عَلَيْهِ، بقوله، ﷺ : (لَو يعْطى النَّاس بدعواهم لادعى رجال أَمْوَال قوم ودماءهم) .
وَقيل: الْحِكْمَة فِي كَون الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي لِأَن جَانِبه ضَعِيف، لِأَنَّهُ يَقُول خلاف الظَّاهِر فيتقوى بهَا، وجانب الْمُدعى عَلَيْهِ قوي، لِأَن الأَصْل فرَاغ ذمَّته، فَاكْتفى مِنْهُ بِالْيَمِينِ لِأَنَّهَا حجَّة ضَعِيفَة. فَإِن قلت: قَالَ الْأصيلِيّ: حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا لَا يَصح مَرْفُوعا، إِنَّمَا هُوَ قَول ابْن عَبَّاس: كَذَا رَوَاهُ أَيُّوب وَنَافِع الجُمَحِي عَن ابْن أبي مليكَة عَن ابْن عَبَّاس، قلت: رَوَاهُ الشَّيْخَانِ من رِوَايَة ابْن جريج مَرْفُوعا، وَهَذَا يَكْفِي لصِحَّة الرّفْع، وَمَعَ هَذَا فَإِن كَانَ مُرَاد الْأصيلِيّ جَمِيع الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فَلَا يَصح، لِأَن الْمِقْدَار الَّذِي أخرجه الشَّيْخَانِ مُتَّفق على صِحَّته، وَإِن كَانَ مُرَاده هَذِه الزِّيَادَة، وَهِي قَوْله: لَو يعْطى النَّاس ... إِلَى آخِره، فَغَرِيب فَافْهَم.
(بابٌ)
قد مر غير مرّة أَن الْبَاب إِذا كَانَ مَذْكُورا مُجَردا يكون كالفصل فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَقد ذكرنَا أَيْضا أَن لفظ: الْكتاب، يجمع على الْأَبْوَاب، والأبواب تجمع الْفُصُول، وَبَاب هُنَا غير مُعرب، لِأَن الْإِعْرَاب لَا يكون إلَاّ بعد العقد، والتركيب أللهم إلَاّ إِذا قُلْنَا: التَّقْدِير: هَذَا بَاب، فَحِينَئِذٍ يكون مَرْفُوعا على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَلَيْسَ هَذَا بمذكور فِي كثير من النّسخ.
٠٧٦٢ - حدَّثنا عُثْمَانِ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حدَّثنا جَريرٌ عنْ مَنْصُور عنْ أبِي وائلٍ قَالَ قَالَ عبدُ الله مَنْ حَلَفَ على يَمينٍ يَسْتَحقُّ بهَا مَالا لَقِيَ الله وهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ثُمَّ أنْزَلَ الله تَصْدِيقَ ذالِكَ إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيْمانِهِمْ إِلَى عَذابٌ ألِيمٌ ثُمَّ إنَّ الأشْعَثَ بنَ قَيْسٍ خَرَجَ إلَيْنَا فَقَالَ مَا يُحَدِّثُكُمْ أبُو عَبْدِ الرَّحْمانِ فَحَدَّثْناهُ بِمَا قَالَ فَقَالَ صَدقَ لَفِيَّ أُنْزِلَتْ كانَ بَيْنِي وبيْنَ رجُل خُصُومَةٌ فِي شَيْءٍ فاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُول الله، ﷺ فَقَالَ شاهِدَاكَ أوْ يَمينُهُ فقُلْتُ لهُ إنَّهُ إذَاً يَحْلِفَ وَلَا يُبَالِي فَقَالَ النبيُّ ﷺ مَنْ حَلَفَ علَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِها مَالا وهْوَ فِيهَا فاجِرٌ لَقِيَ الله وهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ فأنْزَلَ الله تَصْدِيقَ ذالِكَ ثُمَّ اقْتَرأَ هَذِهِ الآيَةَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: شَاهِدَاك، لِأَنَّهُ ﷺ خَاطب بذلك الْأَشْعَث، وَكَانَ هُوَ الْمُدَّعِي، فَجعل ﷺ الْبَيِّنَة عَلَيْهِ، وَهَذَا الحَدِيث مضى فِي الرَّهْن فِي: بَاب إِذا اخْتلف الرَّاهِن وَالْمُرْتَهن، بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن، غير أَن هُنَاكَ أخرجه: عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن جرير ... إِلَى آخِره، وَهَهُنَا: عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. وَقَالَ بَعضهم: وَاسْتدلَّ بِهَذَا الْحصْر على رد الْقَضَاء بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِد. وَأجِيب: بِأَن المُرَاد بقوله ﷺ (شَاهِدَاك) على رجل وَيَمِين الطَّالِب
أَي: بينتك، سَوَاء كَانَت رجلَيْنِ أَو رجلا وَامْرَأَتَيْنِ أَو رجلا وَيَمِين الطَّالِب. انْتهى. قلت: هَذَا تَأْوِيل غير صَحِيح، فسبحان الله كَيفَ يدل. قَوْله: (شَاهِدَاك) ، شَاهِدَاك بِالْبَيِّنَةِ، وَالْبَيِّنَة قد عرفت بِالنَّصِّ أَنَّهَا: رجلَانِ أَو رجل وَامْرَأَتَانِ، لَيْسَ إلَاّ وَتَخْصِيص لفظ: الشَّاهِدين، لِكَوْنِهِمَا أَكثر وأغلب، فَافْهَم. وَالله أعلم.
١٢ - (بابٌ إِذا إدَّعى أَو قَذَفَ فلَهُ أنْ يَلْتَمِسَ البَيِّنَةَ ويَنْطَلِقَ لِطَلَبِ البَيِّنَةِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا ادّعى رجل بِشَيْء على آخر. قَوْله: (أَو قذف) أَي: أَو قذف رجل رجلا أَو قذف امْرَأَته بِأَن رَمَاهَا بِالزِّنَا. قَوْله: (فَلهُ) أَي: فَلهَذَا الْمُدَّعِي أَو لهَذَا الْقَاذِف وَالضَّمِير هُنَا مثل الضَّمِير فِي قَوْله: ﴿اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى﴾ (الْمَائِدَة: ٨) . فَإِن هُوَ يرجع
стр. 3962
إِلَى الْعدْل الَّذِي يدل عَلَيْهِ: إعدلوا، وَكَذَلِكَ قَوْله: أدعى، يدل على الْمُدَّعِي، وَقَوله: أَو قذف، يدل على الْقَاذِف. قَوْله: (وينطلق) بِالنّصب عطفا على قَوْله: (أَن يلْتَمس) وَفِيه: إِشَارَة إِلَى أَن لَهُ حق المهلة فِي التمَاس الْبَيِّنَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يكون من بَاب اللف والنشر، وخصص هَذَا بالقسم الثَّانِي أَي: الْقَذْف مُوَافقَة للفظ الحَدِيث. قلت: هُوَ قَوْله: فَقَالَ: يَا رَسُول الله! إِذا رأى أَحَدنَا على امْرَأَته رجلا ينْطَلق يلْتَمس الْبَيِّنَة؟ ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لَيْسَ فِي الحَدِيث إلَاّ هَذَا، فَمن أَيْن علم حكم الادعاء؟ قلت: بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ.
٣٥ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار قَالَ حَدثنَا ابْن أبي عدي عَن هِشَام قَالَ حَدثنَا عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن هِلَال بن أُميَّة قذف امْرَأَته عِنْد النَّبِي ﷺ َ - بِشريك بن سمحاء فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - الْبَيِّنَة أَو حد فِي ظهرك فَقَالَ يَا رَسُول الله إِذا رأى أَحَدنَا على امْرَأَته رجلا ينْطَلق يلْتَمس الْبَيِّنَة فَجعل يَقُول الْبَيِّنَة وَإِلَّا حد فِي ظهرك فَذكر حَدِيث اللّعان) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله ينْطَلق يلْتَمس الْبَيِّنَة فَإِن قلت الحَدِيث ورد فِي الزَّوْجَيْنِ والترجمة أَعم من ذَلِك والانطلاق لالتماس الْبَيِّنَة لتمكين الْقَاذِف من إِقَامَة الْبَيِّنَة حَتَّى ينْدَفع الْحَد عَنهُ وَلَيْسَ الْأَجْنَبِيّ كَذَلِك (قلت) كَانَ ذَلِك قبل نزُول آيَة اللّعان حَيْثُ كَانَ الزَّوْج وَالْأَجْنَبِيّ سَوَاء ثمَّ كَمَا ثَبت للقاذف ذَلِك ثَبت لكل مُدع بطرِيق الأولى وَمُحَمّد بن بشار بتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة قد تكَرر ذكره وَابْن أبي عدي بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الدَّال الْمُهْملَة هُوَ مُحَمَّد بن أبي عدي واسْمه إِبْرَاهِيم وَهِشَام هُوَ ابْن حسان القردوسي الْبَصْرِيّ والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير وَفِي الطَّلَاق وَأَبُو دَاوُد فِي الطَّلَاق وَالتِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير وَالطَّلَاق كلهم عَن بنْدَار وَهُوَ مُحَمَّد بن بشار الْمَذْكُور (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " هِلَال بن أُميَّة " بن عَامر بن قيس بن عبد الأعلم بن عَامر بن كَعْب بن وَاقِف واسْمه مَالك بن امرىء الْقَيْس بن مَالك بن الأوسي الْأنْصَارِيّ الوَاقِفِي شهد بَدْرًا وأحدا وَكَانَ قديم الْإِسْلَام وَأمه أنيسَة بنت هدم أُخْت كُلْثُوم بن الْهدم الَّذِي نزل عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ َ - لما قدم الْمَدِينَة مُهَاجرا وَهُوَ الَّذِي لَاعن امْرَأَته على مَا نذكرهُ وَهُوَ أحد الثَّلَاثَة الَّذين تخلفوا عَن غَزْوَة تَبُوك وَقَالَ الطَّبَرِيّ والمهلب بن أبي صفرَة يستنكر قَوْله فِي الحَدِيث هِلَال بن أُميَّة وَإِنَّمَا الْقَاذِف عُوَيْمِر الْعجْلَاني وَكَانَت هَذِه الْقَضِيَّة فِي شعْبَان سنة تسع منصرف سيدنَا رَسُول الله ﷺ َ - من تَبُوك وَقَالَ الْمُهلب وَأَظنهُ غلط من هِشَام بن حسان وَمِمَّا يدل على أَنَّهَا قَضِيَّة وَاحِدَة توقف سيدنَا رَسُول الله ﷺ َ - حَتَّى أنزل الله الْآيَة وَلَو أَنَّهُمَا قضيتان لم يتَوَقَّف عَن الحكم فيهمَا وَالْحكم فِي الثَّانِيَة بِمَا أنزل الله تَعَالَى قلت لم ينْفَرد بِهِ هِشَام بل تَابعه عباد بن مَنْصُور ذكره التِّرْمِذِيّ وَقَالَ وَرَوَاهُ عباد بن مَنْصُور عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس مُتَّصِلا وَرَوَاهُ أَيُّوب عَن عِكْرِمَة مُرْسلا وَلم يذكر ابْن عَبَّاس وروى الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره قَالَ حَدثنَا أَبُو أَحْمد الْحُسَيْن بن مُحَمَّد حَدثنَا جرير بن حَازِم عَن أَيُّوب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قذف هِلَال امْرَأَته قيل لَهُ ليجلدنك رَسُول الله ﷺ َ - ثَمَانِينَ جلدَة فَنزلت لَهُ الْآيَة الحَدِيث مطولا وَلما رَوَاهُ الْحَاكِم كَذَلِك من حَدِيث الْحسن بن مُحَمَّد الْمروزِي عَن جرير بِهِ قَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ وَرَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره عَن عباد عَن عَطاء عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس وَقَالَ الْخَطِيب حَدِيث هِلَال وعويمر صَحِيحَانِ فلعلهما اتفقَا مَعًا فِي مقَام وَاحِد أَو مقامين وَنزلت الْآيَة الْكَرِيمَة فِي تِلْكَ الْحَال لَا سِيمَا وَفِي حَدِيث عُوَيْمِر كره رَسُول الله ﷺ َ - السَّائِل يدل على أَنه سبق بِالْمَسْأَلَة مَعَ مَا روينَا عَن جَابر أَنه قَالَ مَا نزلت آيَة اللّعان إِلَّا لِكَثْرَة السُّؤَال وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ الْأَكْثَرُونَ على أَن قَضِيَّة هِلَال أسبق من قَضِيَّة عُوَيْمِر وَالنَّقْل فيهمَا مشتبه مُخْتَلف وَقَالَ ابْن الصّباغ فِي الشَّامِل قصَّة هِلَال تبين الْآيَة نزلت فِيهِ أَولا وَقَول النَّبِي ﷺ َ - لعويمر " إِن الله أنزل فِيك وَفِي صَاحبَتك " مَعْنَاهُ مَا نزل فِي قَضِيَّة هِلَال لِأَن ذَلِك حكم عَام لجَمِيع الْمُسلمين
стр. 3963
قَالَ النَّوَوِيّ ولعلها نزلت فيهمَا جَمِيعًا لاحْتِمَال سؤالهما فِي وَقْتَيْنِ متقاربين فَنزلت وَسبق هِلَال بِاللّعانِ قَوْله " قذف " الْقَذْف فِي اللُّغَة الرَّمْي بِقُوَّة وَلَكِن المُرَاد هُنَا رمي الْمَرْأَة بِالزِّنَا أَو مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ يُقَال قذف يقذف قذفا فَهُوَ قَاذف قَوْله " امْرَأَته " زعم مقَاتل فِي تَفْسِيره أَن الْمَرْأَة اسْمهَا خَوْلَة بنت قيس الْأَنْصَارِيَّة قَوْله " بِشريك بن سمحاء " سمحاء أمه وَأَبُو عَبدة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن معتب بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة كَذَا ضَبطه الشَّيْخ مُحي الدّين رَحمَه الله تَعَالَى وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ مغيث بالغين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره ثاء مُثَلّثَة ابْن الْجد بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الدَّال ابْن عجلَان بن حَارِثَة بن ضبيعة البلوي وَهُوَ ابْن عَم معن وَعَاصِم بن عدي بن الْجد وَهُوَ حَلِيف الْأَنْصَار وَهُوَ صَاحب اللّعان قيل أَنه شهد مَعَ أَبِيه أحدا وَهُوَ أَخُو الْبَراء بن مَالك لأمه وَهُوَ الَّذِي قذفه هِلَال بن أُميَّة بامرأته وَعَن أنس أَنه أول من لَاعن فِي الْإِسْلَام وَإِنَّمَا سميت أمه سمحاء لسوادها قيل اسْمهَا لبينة وَقيل مانية بنت عبد الله قَوْله " الْبَيِّنَة " بِالنّصب أَي أحضر الْبَيِّنَة أَو أقمها وَيجوز الرّفْع على معنى الْوَاجِب عَلَيْك الْبَيِّنَة قَوْله " أَو حد " أَي الْوَاجِب عِنْد عدم الْبَيِّنَة حد فِي ظهرك ويروي الْبَيِّنَة وَإِلَّا حد أَي وَإِن لم تحضر الْبَيِّنَة أَو إِن لم تقمها فجزاؤك حد فِي ظهرك والجزء الأول من الْجُمْلَة الجزائية وَالْفَاء محذوفان وَكلمَة فِي بِمَعْنى على أَي على ظهرك كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾ أَي عَلَيْهَا قَوْله " يلْتَمس الْبَيِّنَة " جملَة حَالية من الالتماس وَهُوَ الطّلب قَوْله " فَجعل يَقُول " أَي فَجعل الرَّسُول يَقُول الْمَعْنى أَنه يُكَرر قَوْله الْبَيِّنَة أَو حد فِي ظهرك قَوْله فَذكر حَدِيث اللّعان أَي فَذكر ابْن عَبَّاس حَدِيث اللّعان وَهُوَ الَّذِي ذكره البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير فِي سُورَة النُّور وَالَّذِي ذكره هُنَا قِطْعَة مِنْهُ وَذكره بالسند الْمَذْكُور عَن مُحَمَّد بن بشار الْمَذْكُور من قَوْله أَو حد فِي ظهرك فَقَالَ هِلَال وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ إِنِّي لصَادِق فلينزلن الله مَا يبرىء ظَهْري من الْحَد فَنزل جِبْرِيل ﵊ وَأنزل عَلَيْهِ ﴿وَالَّذين يرْمونَ أَزوَاجهم﴾ فَقَرَأَ حَتَّى بلغ ﴿إِن كَانَ من الصَّادِقين﴾ فَانْصَرف النَّبِي ﷺ َ - فَأرْسل إِلَيْهَا فجَاء هِلَال فَشهد وَالنَّبِيّ ﷺ َ - يَقُول " إِن الله يعلم أَن أَحَدكُمَا كَاذِب فَهَل مِنْكُمَا تائب " ثمَّ قَامَت فَشَهِدت فَلَمَّا كَانَ عِنْد الْخَامِسَة وقفوها وَقَالُوا إِنَّهَا مُوجبَة قَالَ ابْن عَبَّاس فتلكأت وَنَكَصت حَتَّى ظننا أَنَّهَا ترجع ثمَّ قَالَت لَا أفضح قومِي سَائِر الْيَوْم فمضت فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - " أبصروها فَإِن جَاءَت بِهِ أكحل الْعَينَيْنِ سابغ الأليتين خَدلج السَّاقَيْن فَهُوَ لِشَرِيك بن سمحاء " فَجَاءَت بِهِ كَذَلِك فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - " لَوْلَا مَا مضى من كتاب الله لَكَانَ لي وَلها شَأْن " وَأَبُو دَاوُد لَهُ طَرِيقَانِ فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا أَحدهمَا عَن مُحَمَّد بن بشار إِلَى آخِره نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ شَيخا وسندا ومتنا وَالْآخر عَن الْحسن بن عَليّ قَالَ حَدثنَا يزِيد بن هرون قَالَ أخبرنَا عباد بن مَنْصُور عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ جَاءَ هِلَال بن أُميَّة وَهُوَ أحد الثَّلَاثَة الَّذين تَابَ الله عَلَيْهِم فجَاء من أرضه عشَاء فَوجدَ عِنْد أَهله رجلا فَرَأى بِعَيْنيهِ وَسمع بأذنيه فَلم يهجه حَتَّى أصبح ثمَّ غَدا على رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي جِئْت أَهلِي عشَاء فَرَأَيْت عِنْدهم رجلا فَرَأَيْت بعيني وَسمعت بأذني فكره رَسُول الله ﷺ َ - مَا جَاءَ بِهِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ فَنزلت ﴿وَالَّذين يرْمونَ أَزوَاجهم وَلم يكن لَهُم شُهَدَاء إِلَّا نفسهم فشهادة أحدهم أَربع شَهَادَات﴾ الْآيَتَيْنِ كلتيهما فسرى عَن رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ " أبشر يَا هِلَال قد جعل الله لَك فرجا ومخرجا " قَالَ هِلَال قد كنت أَرْجُو ذَلِك من رَبِّي فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - أرْسلُوا إِلَيْهَا فَجَاءَت فَتلا عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ َ - وذكرهما وأخبرهما أَن عَذَاب الْآخِرَة أَشد من عَذَاب الدُّنْيَا فَقَالَ هِلَال وَالله لقد صدقت عَلَيْهَا فَقَالَت كذب فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " لَاعِنُوا بَينهمَا " فَقيل لهِلَال اشْهَدْ فَشهد أَربع شَهَادَات بِاللَّه أَنه لمن الصَّادِقين فَلَمَّا كَانَ الْخَامِسَة قيل لَهُ يَا هِلَال اتَّقِ الله فَإِن عَذَاب الدُّنْيَا أَهْون من عَذَاب الْآخِرَة وَإِن هَذِه الْمُوجبَة الَّتِي توجب عَلَيْك الْعَذَاب فَقَالَ وَالله لَا يُعَذِّبنِي الله عَلَيْهَا كَمَا لم يجلدني عَلَيْهَا فَشهد الْخَامِسَة أَن لعنة الله عَلَيْهِ إِن كَانَ من الْكَاذِبين ثمَّ قيل لَهَا اشهدي فَشَهِدت أَربع شَهَادَات بِاللَّه أَنه لمن الْكَاذِبين فَلَمَّا كَانَ الْخَامِسَة قيل لَهَا اتقِي الله فَإِن عَذَاب الدُّنْيَا أَهْون من عَذَاب الْآخِرَة وَأَن هَذِه الْمُوجبَة الَّتِي توجب عَلَيْك الْعَذَاب فتلكأت سَاعَة ثمَّ قَالَت وَالله لَا أفضح قومِي فَشَهِدت الْخَامِسَة أَن غضب الله عَلَيْهَا إِن كَانَ من الصَّادِقين فَفرق رَسُول الله ﷺ َ - بَينهمَا وَقضى أَن لَا يدعى وَلَدهَا لأَب وَلَا ترمى وَلَا يرْمى وَلَدهَا وَمن رَمَاهَا أَو رمى وَلَدهَا فَعَلَيهِ الْحَد وَقضى أَن لَا بَيت عَلَيْهِ وَلَا قوت من أجل أَنَّهُمَا يتفرقان
стр. 3964
من غير طَلَاق وَلَا متوفي عَنْهَا وَقَالَ إِن جَاءَت بِهِ أُصَيْهِب أريصح أثيبج حمش السَّاقَيْن فَهُوَ لهِلَال وَإِن جَاءَت بِهِ أَوْرَق جَعدًا جمالِيًّا خَدلج السَّاقَيْن سابغ الأليتين فَهُوَ للَّذي رميت بِهِ فَجَاءَت بِهِ أَوْرَق جَعدًا جمالِيًّا خَدلج السَّاقَيْن سَابق الأليتين فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - لَوْلَا الْأَيْمَان لَكَانَ لي وَلها شَأْن قَالَ عِكْرِمَة فَكَانَ بعد ذَلِك أَمِيرا على مصر وَمَا يدعى لأَب ولنذكر تَفْسِير مَا وَقع فِي الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة من الْأَلْفَاظ الغريبة قَوْله الْمُوجبَة أَي توجب الْعَذَاب. قَوْله فتلكأت أَي تبطأت عَن إتْمَام اللّعان. قَوْله وَنَكَصت أَي رجعت إِلَى وَرَائِهَا وَهُوَ الْقَهْقَرَى يُقَال نكص يَنْكص من بَاب نصر ينصر. قَوْله لَا أفضح بِضَم الْهمزَة من الإفضاح. قَوْله سابغ الأليتين أَي تامهما وعظيمهما من سبوغ الثَّوْب وَالنعْمَة. قَوْله خَدلج السَّاقَيْن أَي عظيمهما. قَوْله لَوْلَا مَا مضى من كتاب الله وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿ويدرؤ عَنْهَا الْعَذَاب﴾ . قَوْله فَلم يهجه أَي لم يزعجه وَلم ينفره من هاج الشَّيْء يهيج هيجا واهتاج أَي ثار وهاجه غَيره. قَوْله أُصَيْهِب تَصْغِير أصهب وَكَذَا فِي رِوَايَة أصهب بِالتَّكْبِيرِ وَهُوَ الَّذِي تعلو لَونه صهبة وَهِي كالشقرة وَقَالَ الْخطابِيّ وَالْمَعْرُوف أَن الصهبة مُخْتَصَّة بالشعر وَهِي حمرَة يعلوها سَواد. قَوْله أريصح تَصْغِير الأرصح وَهُوَ الناتىء الأليتين ومادته رَاء وصاد وحاء مهملتان وَيجوز بِالسِّين قَالَه الْهَرَوِيّ وَالْمَعْرُوف فِي اللُّغَة أَن الأرسخ والأرصح هُوَ الْخَفِيف لحم الأليتين قَوْله أثيبج تَصْغِير الأثبج وَهُوَ الناتىء الثبج أَي مَا بَين الْكَتِفَيْنِ والكاهل ومادته الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْجِيم. قَوْله حمش السَّاقَيْن أَي دقيقهما يُقَال رجل حمش السَّاقَيْن وأحمش السَّاقَيْن ومادته حاء مُهْملَة وَمِيم وشين مُعْجمَة. قَوْله أَوْرَق أَي أسمر والورقة السمرَة يُقَال جمل أَوْرَق وناقة وَرْقَاء. قَوْله جعد الْجَعْد فِي صِفَات الرِّجَال يكون مدحا وذما فالمدح مَعْنَاهُ أَن يكون شَدِيد الْأسر والخلق أَو يكون جعد الشّعْر وَهُوَ ضد السبط لِأَن السبوطة أَكْثَرهَا فِي شُعُور الْعَجم وَأما الذَّم فَهُوَ الْقصير المتردد الْخلق. قَوْله جمالِيًّا بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْيَاء الضخم الْأَعْضَاء التَّام الأوصال (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) أجمع الْعلمَاء على صِحَة اللّعان وَاللّعان عندنَا شَهَادَات مؤكدات بالأيمان مقرونة بِاللّعانِ قَائِمَة مقَام الْقَذْف فِي حَقه وَلِهَذَا يشْتَرط كَونهَا مِمَّن يحد قاذفها وَلَا يقبل شَهَادَته بعد اللّعان أبدا وقائمة مقَام حد الزِّنَا فِي حَقّهَا وَلِهَذَا لَو قَذفهَا مرَارًا يَكْفِي لعان وَاحِد كالحد وَعند الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد هِيَ أَيْمَان مؤكدات بِلَفْظ الشَّهَادَة فَيشْتَرط أَهْلِيَّة الْيَمين عِنْدهم فَيجْرِي بَين الْمُسلم وَامْرَأَته الْكَافِرَة وَبَين الْكَافِر وَامْرَأَته الْكَافِرَة وَبَين العَبْد وَامْرَأَته وَعِنْدنَا يشْتَرط أَهْلِيَّة الشَّهَادَة فَلَا يجْرِي إِلَّا بَين الْمُسلمين الحرين العاقلين الْبَالِغين غير محدودين فِي قذف لقَوْله تَعَالَى ﴿فشهادة أحدهم﴾ وَيجْرِي عندنَا بَين الْفَاسِق وَامْرَأَته وَبَين الْأَعْمَى وَامْرَأَته لِأَن هَذِه الشَّهَادَة مَشْرُوعَة فِي مَوَاضِع التُّهْمَة وَإِن كَانَ لَا يقبل شَهَادَة الْفَاسِق وَالْأَعْمَى فِي سَائِر الْمَوَاضِع وَالشّرط أَيْضا كَون الْمَرْأَة مِمَّن يحد قاذفها فَلَا بُد من إحصانها وَالشّرط أَيْضا أَن يكون الْقَذْف بِالزِّنَا بِأَن يَقُول أَنْت زَانِيَة أَو زَنَيْت وَلَو قَذفهَا بِغَيْر الزِّنَا لَا يجب اللّعان وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ الْأَكْثَر على أَنَّهُمَا بفراغهما من اللّعان يَقع التَّحْرِيم المؤبد وَلَا تحل لَهُ أبدا وَإِن أكذب نَفسه مُتَمَسِّكِينَ بقوله لَا سَبِيل لَك عَلَيْهَا وَرُبمَا جَاءَ فِي حَدِيث ابْن شهَاب لمضت سنة المتلاعنين أَن يفرق بَينهمَا وَلَا يَجْتَمِعَانِ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه إِذا التعنا بَانَتْ بتفريق الْحَاكِم حَتَّى لَو مَاتَ أَحدهمَا قبل حكم الْحَاكِم وَرثهُ الآخر وَقَالَ زفر لَا تقع الْفرْقَة إِلَّا إِذا تلاعنا جَمِيعًا فَإِذا تلاعنا وَقعت بِغَيْر قَضَاء وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد فِي رِوَايَة وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد وَعبيد الله بن الْحسن التَّفْرِيق تَطْلِيقَة بَائِنَة حَتَّى إِذا أكذب نَفسه جَازَ نِكَاحهَا وَعند أبي يُوسُف تَحْرِيم مؤبد وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَزفر. وَقَالَ عُثْمَان البتي لَا تَأْثِير للعان فِي الْفرْقَة وَإِنَّمَا يسْقط النّسَب وَالْحَد وهما على الزَّوْجِيَّة كَمَا كَانَا حَتَّى يطلقهَا وَحَكَاهُ الطَّبَرِيّ أَيْضا عَن جَابر بن زيد قَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ قَالَ مَالك وَالْحسن بن صَالح وَالشَّافِعِيّ وَاللَّيْث أَي مِنْهُمَا نكل حد إِن كَانَ الزَّوْج فللقذف وَلها فللزنا وَعَن الشّعبِيّ وَالضَّحَّاك وَمَكْحُول إِذا أَبَت رجمت وَأيهمَا نكل حبس حَتَّى يُلَاعن وَذكر ذَلِك عَن أبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَاسْتدلَّ الشَّافِعِي بقوله قذف امْرَأَته بِشريك بن سمحاء على أَنه لَا حد على الرَّامِي زَوجته إِذا سمى الَّذِي رَمَاهَا بِهِ ثمَّ التعن وَعند مَالك يحد وَلَا يكْتَفى بلعانه وَاعْتذر بعض أَصْحَابه عَن حَدِيث شريك بِأَن شَرِيكا لم يطْلب حَقه. وَزعم أَبُو بكر الرَّازِيّ أَنه كَانَ حد الْقَاذِف
стр. 3965
الْجلد بِدلَالَة قَوْله " الْبَيِّنَة وَإِلَّا حد فِي ظهرك " وَأَنه نسخ الْجلد إِلَى اللّعان. وَفِيه فِي قَوْله لَوْلَا مَا مضى من كتاب الله أَن الحكم إِذا وَقع بِشَرْطِهِ لَا ينْقض وَإِن بَين خِلَافه إِذا لم يَقع خلل أَو تَفْرِيط فِي شَيْء وَفِيه فِي قَوْله الْبَيِّنَة وَإِلَّا حد فِي ظهرك مُرَاجعَة الْخصم الإِمَام إِذا رجا أَن يظْهر لَهُ خلاف مَا قَالَ لَهُ لِأَن قَوْله ﷺ َ - هَذَا كالفتيا وَفِيه أَن الْحُدُود والحقوق يَسْتَوِي فِيهِ الصَّالح وَغَيره قَالَه الدَّاودِيّ (فَإِن قلت) لم سمي هَذَا الحكم لعانا وَلم اختير لفظ اللَّعْن على لفظ الْغَضَب وَمَا الْحِكْمَة فِي مشروعيته (قلت) أما التَّسْمِيَة بِاللّعانِ فلقول الزَّوْج عَليّ لعنة الله إِن كنت من الْكَاذِبين وَاللّعان والتلاعن والملاعنة وَاحِد يُقَال تلاعنا والتعنا ولاعن القَاضِي بَينهمَا وَقيل سمي لعانا لِأَنَّهُ من اللَّعْن وَهُوَ الطَّرْد والإبعاد وَلَا شكّ أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يبعد عَن صَاحبه وَأما وَجه اخْتِيَار لفظ اللَّعْن على لفظ الْغَضَب فَلِأَن لفظ اللَّعْن مقدم فِي الْآيَة الْكَرِيمَة وَفِي صُورَة اللّعان وَلِأَن جَانب الرجل فِيهِ أقوى من جَانب الْمَرْأَة لِأَنَّهُ قَادر على الِابْتِدَاء بِاللّعانِ دونهَا وَأَنه قد يَنْفَكّ لِعَانه عَن لعانها وَلَا ينعكس وَأما مَشْرُوعِيَّة اللّعان فلحفظ الْأَنْسَاب وَدفع المعرة عَن الْأزْوَاج (فَإِن قلت) فَلم جعل اللَّعْن للرجل وَالْغَضَب للْمَرْأَة (قلت) لِأَن الْإِنْسَان لَا يُؤثر أَن يهتك زوجه بالمحال -
٢٢ - (بابُ اليَمِينِ بعْدَ العَصْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي الْخَبَر من الْيَمين بعد الْعَصْر.
٢٧٦٢ - حدَّثنا علِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا جَرِيرُ بنُ عَبْدِ الحَمِيدِ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ ثَلاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ الله ولَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ ولَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ رَجُلٌ عَلى فَضْلِ ماءٍ بِطَرِيقٍ يَمْنَعُ مِنْهُ ابنَ السَّبِيلِ ورَجُلٌ بايَعَ رَجُلاً لَا يُبَايِعُهُ إلَاّ لِلدُّنْيَا فإنْ أعْطَاهُ مَا يُرِيدُ وَفَى لَهُ وإلَاّ لَمْ يَفِ لَهُ ورَجُلٌ ساوَمَ رَجَلاً بِسِلْعةٍ بَعْدَ العَصْرِ فَحَلَفَ بِاللَّه لَقدْ أعْطَى بهِ كَذَا وكَذَا فأخذَهَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان وَأَبُو صَالح ذكْوَان السمان. والْحَدِيث مضى فِي الشّرْب فِي: بَاب الْخُصُومَة فِي الْبِئْر، بأتم مِنْهُ. قَوْله: (بعد الْعَصْر) ، قد ذكرنَا أَن تَخْصِيص هَذَا الْوَقْت بتعظيم الْإِثْم على من حلف فِيهِ كَاذِبًا لشهود مَلَائِكَة اللَّيْل وَالنَّهَار فِي هَذَا الْوَقْت، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال: لِأَن فِيهِ ارْتِفَاع الْأَعْمَال، لِأَن هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَة يشْهدُونَ بعد صَلَاة الصُّبْح أَيْضا. قَوْله: (بِهِ) ، أَي: بالمتاع الَّذِي يدل عَلَيْهِ السّلْعَة، ويروى: بهَا، وَهُوَ ظَاهر. قَوْله: (فَأَخذهَا) فِيهِ حذف، أَي: أَخذ الرجل الثَّانِي، وَهُوَ المُشْتَرِي السّلْعَة بذلك الثّمن اعْتِمَادًا على حلفه.
٣٢ - (بابٌ يَحْلِفُ المُدَّعَى عَلَيْهِ حَيْثُمَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ وَلَا يُصْرَفُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى غَيْرِهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن الْمُدعى عَلَيْهِ إِذا تَوَجَّهت عَلَيْهِ الْيَمين يحلف حَيْثُ مَا وَجَبت عَلَيْهِ، وَلَا يصرف من مَوْضِعه ذَلِك، وَهَذَا قَول الْحَنَفِيَّة والحنابلة، وَإِلَيْهِ مَال البُخَارِيّ، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: جملَة مَذْهَب مَالك فِي هَذَا أَن الْيَمين لَا تكون عِنْد الْمِنْبَر من كل جَامع، وَلَا فِي الْجَامِع حَيْثُ كَانَ، إلَاّ فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا، وَمَا دون ذَلِك حلف فِي مجْلِس الْحَاكِم، أَو حَيْثُ شَاءَ من الْمَوَاضِع فِي السُّوق أَو غَيرهَا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ التَّوَجُّه إِلَى الْقبْلَة. قَالَ: وَلَا يعرف مَالك منبراً إلَاّ مِنْبَر الْمَدِينَة فَقَط، قَالَ: وَمن أَبى أَن يحلف عِنْده فَهُوَ كالناكل عَن الْيَمين، وَيحلف فِي أَيْمَان الْقسَامَة عِنْد مَالك إِلَى مَكَّة، شرفها الله وعظمها، كل من كَانَ من أَهلهَا فَيحلف بَين الرُّكْن وَالْمقَام، وَكَذَلِكَ الْمَدِينَة، وَيحلف عِنْد الْمِنْبَر، وَحكى أَبُو عبيد: أَن عمر بن عبد الْعَزِيز حمل قوما إتهمهم بفلسطين إِلَى الصَّخْرَة، فَحَلَفُوا عِنْدهَا. وَقَالَ أَبُو عمر: وَذهب الشَّافِعِي إِلَى نَحْو قَول مَالك: إلَاّ أَن الشَّافِعِي لَا يرى الْيَمين عِنْد مِنْبَر الْمَدِينَة، وَلَا بَين الرُّكْن وَالْمقَام بِمَكَّة إلَاّ فِي عشْرين دِينَارا فَصَاعِدا وَقَالَ أَبُو حنيفَة وصاحباه: لَا يجب الِاسْتِحْلَاف عِنْد مِنْبَر النَّبِي، ﷺ على أحد، وَلَا بَين الرُّكْن وَالْمقَام على أحد فِي قَلِيل الْأَشْيَاء وَلَا فِي كثيرها، وَلَا فِي الدِّمَاء وَلَا
стр. 3966
غَيرهَا، لَكِن الْحُكَّام يحلِّفون من وَجب عَلَيْهِ الْيَمين فِي مجَالِسهمْ.
قَضَى مَرْوَانُ باليَمِينِ علَى زَيْدِ بنِ ثابِتٍ علَى المِنْبَرِ فَقَالَ أحْلِفُ لَهُ مَكانِي فجَعَلَ زَيْدٌ يَحْلِفُ وأبَى أنْ يَحْلِفَ علَى المِنْبَرِ فجَعَلَ مَرْوَانُ يَعْجَبُ مِنْهُ
مَرْوَان هُوَ ابْن الحكم الْأمَوِي، كَانَ وَالِي الْمَدِينَة من جِهَة مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن دَاوُد ابْن الْحصين: سمع أَبَا غطفان بن طريف الْمزي، قَالَ: اخْتصم زيد بن ثَابت وَابْن مُطِيع يَعْنِي: عبد الله إِلَى مَرْوَان فِي دَار، فَقضى بِالْيَمِينِ على زيد على الْمِنْبَر، فَقَالَ: أَحْلف لَهُ مَكَاني. فَقَالَ مَرْوَان: لَا وَالله إلَاّ عِنْد مقاطع الْحُقُوق، فَجعل زيد يحلف أَن حَقه لحق ويأبى أَن يحلف على الْمِنْبَر، فَجعل مَرْوَان يعجب من ذَلِك، قَالَ مَالك: لَا أرى أَن يحلف على الْمِنْبَر فِي أقل من ربع دِينَار، وَذَلِكَ ثَلَاثَة دَرَاهِم. قَوْله: (على الْمِنْبَر) يتَعَلَّق بقوله: على الْمِنْبَر ظَاهرا، لَكِن السِّيَاق يَقْتَضِي أَن يتَعَلَّق بِالْيَمِينِ. قَوْله: (أَحْلف) بِلَفْظ الْمُتَكَلّم، وَإِن كَانَ الْمَعْنى صَحِيحا بِلَفْظ الْأَمر أَيْضا. قَوْله: (فَجعل) بِمَعْنى: طفق، من أَفعَال المقاربة، وروى ابْن جريج عَن عِكْرِمَة، قَالَ: أبْصر عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قوما يحلفُونَ بَين الْمقَام وَالْبَيْت، فَقَالَ: أَعلَى دم؟ قيل: لَا، قَالَ: أفعلى عَظِيم من المَال؟ قَالَ: لَا، قَالَ: لقد خشيت أَن يتهاون النَّاس بِهَذَا الْمقَام. قَالَ: ومنبر النَّبِي، ﷺ ، فِي التَّعْظِيم مثل ذَلِك، لما ورد فِيهِ من الْوَعيد على من حلف عِنْده بِيَمِين كَاذِبَة.
واحتيج أَبُو حنيفَة بِمَا رُوِيَ عَن زيد بن ثَابت أَنه: لم يحلف عِنْد الْمِنْبَر، وَمن يرى ذَلِك مَال إِلَى قَول مَرْوَان بِغَيْر حجَّة، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَاحْتج عَلَيْهِ الشَّافِعِي فَقَالَ: لَو لم يعلم زيد أَن الْيَمين عِنْد الْمِنْبَر سُنَّة، لأنكر ذَلِك على مَرْوَان، وَقَالَ لَهُ: لَا وَالله لَا عَلَيْهِ أَحْلف إلَاّ فِي مجلسك. انْتهى. قلت: هَذَا عَجِيب! كَيفَ يَقُول هَذَا؟ فَلَو علم زيد أَنه سُنَّة لما حلف على أَنه لَا يحلف إلَاّ فِي مَجْلِسه، وَعدم سَمَاعه كَلَام مَرْوَان أعظم من الْإِنْكَار عَلَيْهِ صَرِيحًا، والاحتجاج بزيد بن ثَابت أولى بالاحتجاج، بل أَحَق من مَرْوَان. وَقد اخْتلف فِي الَّذِي يغلظ فِيهِ من الْحُقُوق، فَعَن مَالك: ربع دِينَار، وَعَن الشَّافِعِي: عشرُون دِينَارا فَأكْثر، وَنقل القَاضِي فِي مغربته
عَن بعض الْمُتَأَخِّرين: أَنه يغلظ فِي الْقَلِيل وَالْكثير، وَقَالَ ابْن الْجلاب: يحلف على أقل من ربع دِينَار فِي سَائِر الْمَسَاجِد، وَقَالَ مَالك: فِيمَا حَكَاهُ ابْن الْقَاسِم عَنهُ: أَنه يحلف قَائِما إلَاّ من بِهِ عِلّة، وروى عَنهُ ابْن كنَانَة: لَا يلْزمه الْقيام، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: لَا يسْتَقْبل الْقبْلَة، وَخَالفهُ مطرف وَابْن الْمَاجشون، وَهل يحلف فِي دبر صَلَاة وَحين اجْتِمَاع النَّاس إِذا كَانَ المَال كثيرا؟ قَالَ ابْن الْقَاسِم ومطرف وَابْن الْمَاجشون وَأصبغ: لَيْسَ ذَلِك عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن كنَانَة عَن مَالك: يتحَرَّى بِهِ السَّاعَات الَّتِي يحضر النَّاس فِيهَا الْمَسَاجِد ويجتمعون للصَّلَاة.
وَاخْتلف فِي صفة مَا يحلف بِهِ، فَقَالَ مَالك: بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إلَاّ هُوَ عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة، الرَّحْمَن الرَّحِيم، وَقَالَ الشَّافِعِي: يزِيد: الَّذِي يعلم خَائِنَة الْأَعْين وَمَا تخفي الصُّدُور، وَالَّذِي يعلم من السِّرّ مَا يعلم من الْعَلَانِيَة. قَالَ سَحْنُون: يحلف بِاللَّه وبالمصحف، ذكره عَنهُ الدَّاودِيّ، وَعند أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: الْيَمين بِاللَّه لَا بِالطَّلَاق وَالْعتاق إلَاّ إِذا ألحَّ الْخصم، وَلَا يُبَالِي بِالْيَمِينِ بِاللَّه، فَحِينَئِذٍ يحلف بهما، لَكِن إِذا نكل لَا يقْضِي عَلَيْهِ بِالنّكُولِ، لِأَنَّهُ امْتنع عَمَّا هُوَ مَنْهِيّ عَنهُ شرعا، وَلَو قضى عَلَيْهِ بِالنّكُولِ لَا ينفذ ويغلظ الْيَمين بأوصاف الله تَعَالَى، وَقيل: لَا يغلظ على الْمَعْرُوف بالصلاح، ويغلظ على غَيره، وَقيل: يغلظ فِي الخطير من المَال دون الحقير، وَلَا يغلظ بِزَمَان وَلَا بمَكَان. وَفِي (التَّوْضِيح) : هَل يحلف بِحَضْرَة الْمُصحف؟ أَبَاهُ مَالك، وألزمه ذَلِك بعض المالكيين فِي عشْرين دِينَارا فَأكْثر، وَعَن ابْن الْمُنْذر: أَنه حكى عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ: رَأَيْت مطرفاً يحلف بِحَضْرَة الْمُصحف.
وَقَالَ النبِيُّ ﷺ شاهِدَاكَ أوْ يَمينُهُ فَلَمْ يَخُصَّ مَكَانَاً دُونَ مَكان
لما كَانَ مَذْهَب البُخَارِيّ أَن يحلف الْمُدعى عَلَيْهِ حَيْثُ مَا وَجَبت عَلَيْهِ الْيَمين، احْتج بِهَذَا على مَا ذهب إِلَيْهِ، وَقد مر هَذَا مُسْندًا فِي حَدِيث الْأَشْعَث، وَهَذَا عَجِيب مِنْهُ حَيْثُ وَافق الْحَنَفِيَّة فِي هَذَا. قيل: قد اعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ ترْجم للْيَمِين بعد الْعَصْر، فَأثْبت التَّغْلِيظ بِالزَّمَانِ وَنفى هُنَا الغليظ بِالْمَكَانِ، وَأجِيب أَنه لَا يلْزم من تَرْجَمته بذلك أَنه يُوجب تَغْلِيظ الْيَمين بِالزَّمَانِ، وَلم يُصَرح هُنَاكَ بِشَيْء من النَّفْي وَالْإِثْبَات.
стр. 3967
٣٧٦٢ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْماعِيلَ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الواحِدِ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبِي وائِلٍ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ منْ حَلَف عَلى يَمينٍ لِيَقْتَطِعَ بِها مَالا لَقِيَ الله وهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة، وَإِن كَانَ فِيهَا بعد، وَلَكِن يُمكن أَن يُوَجه بِشَيْء بتعسف، وَهُوَ أَن التَّرْجَمَة فِي أَن الْمُدعى عَلَيْهِ يحلف حَيْثُ مَا يجب عَلَيْهِ الْيَمين. والْحَدِيث فِي الْوَعيد الشَّديد فِيمَن يحلف كَاذِبًا، فَالَّذِي يتَعَيَّن عَلَيْهِ الْيَمين يتحَرَّى الصدْق، سَوَاء كَانَ يحلف فِي مَكَان وَجَبت عَلَيْهِ الْيَمين فِيهِ أَو فِي غَيره من الْأَمْكِنَة الَّتِي تغلظ فِيهَا الْيَمين، احْتِرَازًا عَن الْوُقُوع فِي هَذَا الْوَعيد الشَّديد. والْحَدِيث مضى قَرِيبا بأتم مِنْهُ.
٤٢ - (بابٌ إذَا تَسارَعَ قَوْمٌ فِي الْيَمِينِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا تسارع قوم، يَعْنِي: قوم وَجَبت عَلَيْهِم الْيَمين فتسارعوا جَمِيعًا أَيهمْ يبْدَأ أَولا، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف يُبينهُ الحَدِيث، يَعْنِي: يقرع بَينهم، وَهُوَ الْجَواب.
٥٢ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيْمَانِهِمْ ثَمناً قَلِيلاً﴾ (آل عمرَان: ٧٧) .)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْوَعيد الشَّديد الَّذِي تتضمنه هَذِه الْآيَة الكرمية فِي حق الَّذِي يرتكبون الْأَيْمَان الكاذبة الْفَاجِرَة، الآثمة، وَقد ذمهم الله تَعَالَى بقوله: ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . أَي: يعتاضون ﴿بِعَهْد الله﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . أَي: بِمَا عَاهَدَ الله عَلَيْهِ ﴿وَأَيْمَانهمْ﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . الكاذبة ﴿ثمنا قَلِيلا﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . أَي: عوضا يَسِيرا. قيل: نزلت هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي الْأَشْعَث بن قيس حِين خَاصم الْيَهُودِيّ فِي أَرض، على مَا مر حَدِيثه عَن قريب، وَقيل: إِن رجلا أَقَامَ سلْعَته فِي السُّوق أول النَّهَار، فَلَمَّا كَانَ آخِره جَاءَ رجل فساومه عَلَيْهَا، فَحلف بِاللَّه منعتها أول النَّهَار من كَذَا، وَلَوْلَا الْمسَاء لما بِعْت على مَا يَجِيء الْآن، وَتَمام الْآيَة: ﴿أُولَئِكَ لَا خلاق لَهُم فِي الْآخِرَة، وَلَا يكلمهم الله وَلَا ينظر
стр. 3968
إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . قَوْله: ﴿لَا خلاق لَهُم﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . أَي: لَا نصيب لَهُم. قَوْله: ﴿وَلَا يكلمهم الله﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . فَإِن كَانَ ذَلِك من الْيَهُود فَلَا يكلمهُ أصلا، وَإِن كَانَ من العصاة فَلَا يكلمهم كلَاما يسرهم وَلَا يَنْفَعهُمْ. ﴿وَلَا يزكيهم﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . أَي: وَلَا يثني عَلَيْهِم. وَقيل: لَا يطهرهم من الذُّنُوب والآثام، بل يَأْمر بهم إِلَى النَّار ﴿وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . أَي: مؤلم شَدِيد.
٥٧٦٢ - حدَّثنا إسْحَاقُ قَالَ أخبرنَا يَزيدُ بنُ هَارُونَ قَالَ أخبرنَا العَوَّامُ قَالَ حدَّثني إبْرَاهِيمُ أبُو إسْمَاعِيلَ السَّكْسَكِيُّ سَمِعَ عَبْدَ الله بنَ أوْفَى رَضِي الله تَعَالَى عنهُما يَقولُ أقَامَ رَجُلٌ سِلْعَتَهُ فحَلَفَ بِاللَّه لَقَدْ أعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطِها فنَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيْمانِهِمْ ثَمناً قَلِيلا﴾
(انْظُر الحَدِيث ٨٨٠٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة لِلْآيَةِ من حَيْثُ أَنَّهَا نزلت فِي حق الرجل الَّذِي أَقَامَ سلْعَة فَحلف يَمِينا فاجرة. فَإِن قلت: قد ذكر فِيمَا مضى أَن الْأَشْعَث بن قيس قَالَ: فيَّ نزلت هَذِه الْآيَة. قلت: لَا مُعَارضَة بَينهمَا، لِأَنَّهُ يحْتَمل نزُول هَذِه الْآيَة فِي كل من القضيتين وَإِسْحَاق شيخ البُخَارِيّ قَالَ الغساني: لم أَجِدهُ مَنْسُوبا لأحد من شُيُوخنَا، لَكِن صرح البُخَارِيّ بنسبته فِي: بَاب شُهُود الْمَلَائِكَة بَدْرًا. قَالَ: حَدثنَا إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَقَالَ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ: هُوَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، والعوام، بتَشْديد الْوَاو: ابْن حَوْشَب، وَإِبْرَاهِيم ابْن عبد الرَّحْمَن أَبُو إِسْمَاعِيل السكْسكِي الْكُوفِي والسكسكي فِي كِنْدَة ينْسب إِلَى السكاسك بن أَشْرَس بن كِنْدَة، مِنْهُم إِبْرَاهِيم هَذَا، وَابْن أبي أوفى هُوَ عبد الله، وَاسم أبي أوفى، عَلْقَمَة بن خَالِد بن الْحَارِث الْأَسْلَمِيّ، لَهُ ولأبيه صُحْبَة. والْحَدِيث مضى فِي الْبيُوع فِي: بَاب مَا يكره من الْحلف فِي البيع، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
وَقَالَ ابنُ أبي أوْفَى النَّاجِشُ آكِلُ رِباً خائِنٌ
هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَيْهِ، وَقد مر فِي الْبيُوع فِي: بَاب النجش، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٧٧٦٢ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ خالِدٍ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ شُعْبَةَ عنْ سُلَيْمانَ عنْ أبِي وَائِلٍ عنْ عبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَنْ حَلَفَ علَى يَمينٍ كاذِباً لِيَقْتَطِعَ مالَ رجُلٍ أوْ قالَ أخِيهِ لَقيَ الله وهْوَ عَلَيْهِ غَضْبانُ وأنْزَلَ الله تَصْدِيقَ ذالِكَ فِي القُرْآنِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيْمَانِهِمْ ثَمناً قَلِيلاً﴾ (آل عمرَان: ٧٧) . الْآيَة فلَقِيني الأشْعَثُ فَقَالَ مَا حدَّثكُمْ عَبْدُ الله اليَوْمَ قلْتُ: كَذَا وكذَا قَالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ..
مطابقته للباب المتضمن لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة ظَاهِرَة لَا تخفى، والْحَدِيث تكَرر ذكره عَن قريب وبعيد. قَوْله: (مَا حَدثكُمْ عبد الله) هُوَ عبد الله بن مَسْعُود الرَّاوِي، وَفِي الْأَحَادِيث الْمَاضِيَة: مَا حَدثكُمْ أَبُو عبد الرَّحْمَن، هُوَ كنية عبد الله، وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وَأَبُو وَائِل شَقِيق.
٦٢ - (بابُ كَيْفَ يُسْتَحْلَفُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: كَيفَ يسْتَحْلف من يتَوَجَّه عَلَيْهِ الْيَمين، ويستحلف، بِضَم الْيَاء: على صِيغَة الْمَجْهُول.
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يحْلِفُونَ بِاللَّه لَكُمْ﴾ (التَّوْبَة: ٢٦) . وقوْلِهِ ﴿ثُمَّ جَاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّه إنْ أرَدْنَا إلَاّ إحْساناً وتوْفِيقاً﴾ (النِّسَاء: ٢٦) . وقَوْلِ الله ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّه إنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ (التَّوْبَة: ٦٥) . ويَحْلِفُونَ بِاللَّه لَكُمْ لِيُرْضُوكْمْ﴾ (التَّوْبَة: ٢٦) . ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّه لَشَهَادَتُنا أحَقُّ مِنْ شَهَادَتُهُما﴾ (الْمَائِدَة: ٧٠١) .
ذكر هَذِه الْآيَات الَّتِي فِيهَا الْحلف بِاللَّه، وَهِي مُنَاسبَة للتَّرْجَمَة، وَقَالَ بَعضهم: غَرَضه بذلك أَنه لَا يجب تَغْلِيظ الْحلف بالْقَوْل: قلت: غَرَضه بذلك الْإِشَارَة إِلَى أَن أصل الْيَمين أَن تكون بِلَفْظ الله، لما يذكر عَن قريب عَن عبد الله بن مَسْعُود، أَن النبيِّ ﷺ قَالَ: من كَانَ حَالفا فليحلف بِاللَّه أَو ليصمت) . .
يُقالُ بِاللَّه وتالله وَوالله
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الإسم الَّذِي يحلف بِهِ، وَإِلَى حُرُوف الْقسم، أما الِاسْم الَّذِي يحلف بِهِ فَهُوَ لفظ الله، وَهُوَ الأَصْل فِيهِ، وَأما حُرُوف
стр. 3969
الْقسم فَهِيَ: الْبَاء الْمُوَحدَة نَحْو: بِاللَّه، وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق نَحْو: تالله، وَالْوَاو نَحْو: وَالله، وَالْكل ورد فِي الْقُرْآن أما الْبَاء فَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالُوا تقاسموا بِاللَّه﴾ (النَّمْل: ٩٤) . و (أما التَّاء فَقَوله تَعَالَى: ﴿تالله لقد آثرك الله علينا﴾ (يُوسُف: ١٩) . وَأما الْوَاو فَقَوله ﴿وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين﴾ (الْأَنْعَام: ٣٢) .، وَقد ذكرنَا كَيْفيَّة الْيَمين وَالْخلاف فِيهِ عَن قريب فِي: بَاب يحلف الْمُدعى عَلَيْهِ حَيْثُ مَا وَجَبت عَلَيْهِ الْيَمين.
وَقَالَ النبيُّ ﷺ ورَجُلٌ حَلَفَ بِاللَّه كاذِباً بعْدَ العَصْرِ وَلَا يُحْلَفُ بِغَيْرِ الله
هَذَا التَّعْلِيق قِطْعَة من حَدِيث ذكره مَوْصُولا عَن أبي هُرَيْرَة فِي: بَاب الْيَمين بعد الْعَصْر، وَذكره هُنَا بِالْمَعْنَى، وغرضه من ذكره هُنَا هُوَ قَوْله: (وَرجل حلف بِاللَّه) . قَوْله: (وَلَا يحلف بِغَيْر الله) لَيْسَ من الحَدِيث، بل من كَلَام البُخَارِيّ ذكره تكميلاً للتَّرْجَمَة.
٨٧٦٢ - حدَّثنا إسْماعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ عَمِّهِ أبي سُهَيْلٍ عَن أبِيهِ أنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بنُ عُبَيْدِ الله يقولُ جاءَ رجلٌ إِلَى رسولِ الله ﷺ فَإِذا هُوَ يَسْألُهُ عنِ الإسْلامِ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ خَمسُ صَلَواتٍ فِي اليَوْمِ واللَّيْلَةِ فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُها قَالَ لَا إلَاّ أنْ تَطَوَّعَ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ وصِيامُ رَمَضانَ قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ قَالَ لَا إلَاّ أنْ تَطَّوَّعَ قالَ وذَكَرَ لَهُ رسولُ الله ﷺ الزَّكَاةَ قَالَ هَلْ عليَّ غَيْرُها قَالَ لَا إلَاّ أنْ تَطَّوَّعَ قَالَ فأدْبَرَ الرُّجُلُ وهْوَ يَقولُ وَالله لَا أزِيدُ عَلى هَذَا وَلَا أنْقُصُ قَالَ رسولُ الله ﷺ أفْلَحَ إنْ صَدَقَ.
(انْظُر الحَدِيث ٦٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَالله لَا أَزِيد على هَذَا) ، فَهَذَا هُوَ صُورَة الْحلف بِلَفْظ اسْم الله، وبالباء الْمُوَحدَة، والْحَدِيث بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد قد مضى فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب الزَّكَاة من الْإِسْلَام، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
٩٧٦٢ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيل قَالَ حدَّثنا جُوَيْرِيَةُ قَالَ ذَكَرَ نافعٌ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ منْ كانَ حالِفَاً فَلْيَحْلِفْ بِاللَّه أوْ لِيَصْمُتْ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فليحلف بِاللَّه) ، وَجُوَيْرِية تَصْغِير: جَارِيَة ابْن أَسمَاء، على وزن حَمْرَاء، وهما من الْأَسْمَاء الْمُشْتَركَة بَين الذُّكُور وَالْإِنَاث، وَقد تكَرر ذكره، وَعبد الله هُوَ ابْن عمر بن الْخطاب.
قَوْله: (من كَانَ حَالفا) إِلَى آخِره، أَي: من أَرَادَ أَن يحلف (فليحلف بِاللَّه) أَو لَا يحلف أصلا، وَهُوَ دَال على الْمَنْع من الْحلف بِغَيْر الله، وَلَا شكّ فِي انْعِقَاد الْيَمين باسم الذَّات وَالصِّفَات الْعلية، وَأما الْيَمين بِغَيْر ذَلِك فَهُوَ مَمْنُوع.
وَاخْتلفُوا: هَل هُوَ منع تَحْرِيم أَو تَنْزِيه؟ وَالْخلاف فِيهِ مَوْجُود عِنْد الْمَالِكِيَّة، فالأقسام ثَلَاثَة: الأول: مَا يُبَاح الْيَمين بِهِ، وَهُوَ مَا ذكرنَا من اسْم الذَّات وَالصِّفَات. الثَّانِي: مَا يحرم الْيَمين بِهِ بِالْإِنْفَاقِ كالأنصاب والأزلام وَاللات والعزى، فَإِن قصد تعظيمها فَهُوَ كفر، كَذَا قَالَ بعض الْمَالِكِيَّة مُعَلّقا لِلْقَوْلِ فِيهِ، حَيْثُ يَقُول: فَإِن قصد تعظيمها يكفر، وإلَاّ فَحَرَام، وَالْقسم بالشَّيْء تَعْظِيم لَهُ. وَالثَّالِث: مَا يخْتَلف فِيهِ بِالتَّحْرِيمِ، وَالْكَرَاهَة، وَهُوَ مِمَّا عدا ذَلِك مِمَّا لَا يَقْتَضِي تَعْظِيمه، وَقَالَ ابْن بطال: وَأَجْمعُوا أَنه لَا يَنْبَغِي للْحَاكِم أَن يسْتَحْلف إلَاّ بِاللَّه لَا بالعتاق أَو الْحَج أَو الْمُصحف وَإِن اتهمه القَاضِي غلظ عَلَيْهِ الْيَمين بِزِيَادَة من صِفَات الله ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي: بَاب كَيفَ يسْتَحْلف.
٧٢ - (بابُ مَنْ أقامَ البَيِّنَةَ بعْدَ اليَمِينِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من أَقَامَ الْبَيِّنَة بعد يَمِين الْمُدعى عَلَيْهِ، وَجَوَاب: من، مَحْذُوف، تَقْدِيره: هَل تقبل الْبَيِّنَة أم لَا؟ وَإِنَّمَا لم يُصَرح بِهِ لمَكَان الْخلاف فِيهِ على عَادَته الَّتِي جرت هَكَذَا، فالجمهور على أَنَّهَا تقبل، وَإِلَيْهِ ذهب الثَّوْريّ والكوفيون وَالشَّافِعِيّ وَاللَّيْث وَأحمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ مَالك فِي (الْمُدَوَّنَة) : إِن استحلفه وَهُوَ لَا يعلم بِالْبَيِّنَةِ، ثمَّ علمهَا قضى لَهُ بهَا، وَإِن استحلفه وَرَضي بِيَمِينِهِ تَارِكًا لبينته، وَهِي حَاضِرَة أَو غَائِبَة، فَلَا حق لَهُ إِذا شهِدت لَهُ، قَالَه مطرف وَابْن الْمَاجشون، وَقَالَ ابْن أبي ليلى: لَا تقبل بَينته بعد استحلاف الْمُدعى عَلَيْهِ. وَبِه قَالَ أَبُو عبيد وَأهل الظَّاهِر.
стр. 3970
وَقَالَ النبيُّ لَعَلَّ بَعْضُكُمْ ألْحَنَ لُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ
هَذَا قِطْعَة من حَدِيث يذكرهُ عَن أم سَلمَة فِي هَذَا الْبَاب مَوْصُولا، وَذكره أَيْضا فِي الْمَظَالِم فِي: بَاب إِثْم من خَاصم فِي بَاطِل وَهُوَ يُعلمهُ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. فَإِن قلت: مَا مُنَاسبَة ذكر هَذَا فِي هَذَا الْبَاب؟ قلت: إِذا اخْتصم اثْنَان أَو أَكثر لَا بُد أَن يكون لكل مِنْهُم حجَّة حَتَّى يكون بَعضهم أَلحن بحجته من بعض، وَذَلِكَ لَا يكون إلَاّ فِيمَا إِذا جَازَ إِقَامَة الْبَيِّنَة بعد الْيَمين.
وَقَالَ طاوُوسٌ وإبْرَاهِيمُ وشُرَيْح البَيِّنَةُ العَادِلَةُ أحَقُّ مِنَ اليَمِينِ الفاجِرَةِ
طاوُوس هُوَ ابْن كيسَان، وَإِبْرَاهِيم بن يزِيد النَّخعِيّ وَشُرَيْح القَاضِي، وَقد طول الشُّرَّاح فِي معنى كَلَام هَؤُلَاءِ بِحَيْثُ إِن النَّاظر فِيهِ لَا يرجع بمزيد فَائِدَة، وَحَاصِل معنى كَلَامهم: أَن الْمُدعى عَلَيْهِ إِذا حلف دفع الْمُدَّعِي بِالْيَمِينِ، ثمَّ إِذا أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَة المرضية وَهُوَ معنى: العادلة، على دَعْوَاهُ ظهر أَن يَمِين الْمُدعى عَلَيْهِ كَانَت فاجرة أَي كَاذِبَة، فسماع هَذِه الْبَيِّنَة العادلة أولى بِالْقبُولِ من تِلْكَ الْيَمين الْفَاجِرَة، فَتسمع هَذِه الْبَيِّنَة وَيقْضى بهَا، وَالله أعلم. وَتَعْلِيق شُرَيْح رَوَاهُ الْبَغَوِيّ عَن عَليّ بن الْجَعْد: أَنبأَنَا شريك عَن عَاصِم عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن شُرَيْح، قَالَ: من ادّعى قضائي فَهُوَ عَلَيْهِ حَتَّى تَأتي بَيِّنَة الْحق أَحَق من قضائي الْحق أَحَق من يَمِين فاجرة، وَذكر ابْن حبيب فِي (الْوَاضِحَة) بِإِسْنَاد لَهُ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: الْبَيِّنَة العادلة خير من الْيَمين الْفَاجِرَة.
٠٨٦٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ هِشَامٍ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ زَيْنَبَ عنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ ولَعَلَّ بَعْضَكُمْ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضيْتُ لَهُ بِحَقِّ أخِيهِ شَيْئاً بِقَوْلِهِ فإنَّمَا أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا..
أنكر بَعضهم دُخُول هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب، ورد عَلَيْهِ بَعضهم بِكَلَام يمل السَّامع، وَقد ذكرنَا وَجه دُخُوله فِي هَذَا الْبَاب اان، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي الْمَظَالِم فِي: بَاب إِثْم من خَاصم فِي بَاطِل وَهُوَ يُعلمهُ، من غير هَذَا الطَّرِيق، وَفِيه بعض زِيَادَة على هَذَا.
قَوْله: (أَلحن) أَي: أفطن، يُقَال: لحن، بِكَسْر الْحَاء: إِذا فطن، وَقَالَ الْخطابِيّ: اللّحن متحركة الْحَاء الفطنة، وساكنة الْحَاء: الزيغ فِي الْإِعْرَاب يَعْنِي إِزَالَة الْإِعْرَاب عَن جِهَته. قَوْله: (فَإِنَّمَا أقطع لَهُ قِطْعَة من النَّار) ، دَال على أَن حكم الْحَاكِم لَا يحل حَرَامًا وَلَا يحرم حَلَالا، وَسَوَاء فِيهِ المَال وَغَيره من الْحُقُوق.
وَقد اتّفق الْعلمَاء على تَحْرِيم ذَلِك فِي الْأَمْوَال، وَقَالَ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: حكمه فِي الطَّلَاق وَالنِّكَاح وَالنّسب يحْتَمل الْأُمُور عَمَّا عَلَيْهِ فِي الْبَاب بِخِلَاف الْأَمْوَال وَفِيه: أَن القَاضِي يحكم بِعِلْمِهِ فِيمَا علمه بعد الْقَضَاء من حُقُوق الْآدَمِيّين، وَلَا يحكم فِيمَا علمه قبله، وَقَالَ مَالك: لَا يحكم بِعِلْمِهِ مُطلقًا. وَفِيه: أَن الْحَاكِم إِنَّمَا يحكم بِالظَّاهِرِ، وَأَن على من علم من الْحَاكِم أَنه قد أَخطَأ فِي الحكم فَأعْطَاهُ شَيْئا لَيْسَ لَهُ أَن يَأْخُذهُ. وَفِيه: أَن الْبَيِّنَة مسموعة بعد الْيَمين، وَالله هُوَ الْمعِين.
٨٢ - (بابُ مَنْ أمَرَ بإنْجَازِ الوَعْدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أَمر بإنجاز الْوَعْد، أَي: الْوَفَاء بِهِ، يُقَال: أنْجز الْوَعْد إنجازاً أوفى بِهِ، ونجز الْوَعْد وَهُوَ ناجز إِذا حصل وَتمّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَجه تعلق هَذَا الْبَاب بِأَبْوَاب الشَّهَادَات هُوَ أَن الْوَعْد كَالشَّهَادَةِ على نَفسه. وَقَالَ الْمُهلب: إنجاز الْوَعْد مَأْمُور بِهِ مَنْدُوب إِلَيْهِ عِنْد الْجَمِيع، وَلَيْسَ بِفَرْض، لاتفاقهم على أَن الْمَوْعُود لَا يضارب بِمَا وعد بِهِ مَعَ الْغُرَمَاء، وَلَا خلاف فِي أَن ذَلِك مستحسن، وَقد أثنى الله تَعَالَى على من صدق وعده، وَفِي بنذره، وَذَلِكَ من مَكَارِم الْأَخْلَاق، وَلما كَانَ الشَّارِع أَمر النَّاس بهَا وندبهم إِلَيْهَا أدّى ذَلِك عَنهُ خَلِيفَته الصّديق، وَقَامَ فِيهِ مقَامه، وَلم يسْأَل جَابِرا الْبَيِّنَة على مَا ادَّعَاهُ على رَسُول الله، ﷺ من الْعدة، لِأَنَّهُ لم يكن شَيْئا ادَّعَاهُ جَابر فِي ذمَّة رَسُول الله، ﷺ ، وَإِنَّمَا ادّعى شَيْئا فِي بَيت المَال، والفيء، وَذَلِكَ موكول إِلَى اجْتِهَاد الإِمَام، وَعَن بعض الْمَالِكِيَّة إِن ارْتبط الْوَعْد بِسَبَب وَجب الْوَفَاء بِهِ وإلَاّ لَا، فَمن قَالَ: لآخر: تزوج وَلَك كَذَا، فَتزَوج لذَلِك وَجب الْوَفَاء بِهِ.
стр. 3971
وفَعَلَهُ الحَسَنُ
أَي: فعل إنجاز الْوَعْد الْحسن الْبَصْرِيّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْفِعْل، بِلَفْظ الْمصدر، وَالْحسن صفة مشبهة صفة للْفِعْل، وَفِي بَعْضهَا: فعل بِلَفْظ الْمَاضِي، وَالْحسن الْبَصْرِيّ. قلت: الْوَجْه الأول أحسن وأوجه على مَا لَا يخفى، وَمَعْنَاهُ فعل إنجاز الْوَعْد الْحسن، فارتفاع الْحسن فِي هَذَا الْوَجْه مَرْفُوع على الوصفية، على الْوَجْه الثَّانِي يكون ارتفاعه بالفاعلية، فَافْهَم.
وذَكَرَ ﴿إسْمَاعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ (مَرْيَم: ٤٥) .
أَي: ذكر الله تَعَالَى إِسْمَاعِيل ﷺ فِي كِتَابه الْكَرِيم بقوله: ﴿وَاذْكُر فِي الْكتاب إِسْمَاعِيل إِنَّه كَانَ صَادِق الْوَعْد﴾ (مَرْيَم: ٤٥) . وَهَذَا الَّذِي فِي الْمَتْن رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَفِي رِوَايَة غَيره ﴿وَاذْكُر فِي الْكتاب ... ﴾ (مَرْيَم: ٤٥) . إِلَى آخِره، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق الثَّوْريّ أَنه بلغه أَن إِسْمَاعِيل ﷺ دخل قَرْيَة هُوَ وَرجل، فَأرْسلهُ فِي حَاجَة، وَقَالَ لَهُ: إِنَّه ينتظره، فَأَقَامَ حولا فِي انْتِظَاره، وَمن طَرِيق ابْن شَوْذَب: أَنه اتخذ ذَلِك الْموضع مسكنا، فَسُمي من يَوْمئِذٍ: صَادِق الْوَعْد.
وقَضاى ابنُ الأشْوَعِ بِالوَعْدِ
ابْن الأشوع هُوَ سعيد بن عَمْرو بن الأشوع الْهَمدَانِي قَاضِي الْكُوفَة فِي زمَان إِمَارَة خَالِد الْقَسرِي على الْعرَاق، وَذَلِكَ بعد الْمِائَة، مَاتَ فِي ولَايَة خَالِد، وَذكره ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) وَقَالَ يحيى بن معِين: مَشْهُور يعرفهُ النَّاس، وَابْن الأشوع، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْوَاو وَفِي آخِره عين مُهْملَة. قَوْله: (بالوعد) أَي: بإنجاز الْوَعْد.
وذَكَرَ ذالِكَ عنْ سَمُرَةَ
أَي: ذكر ابْن الأشوع الْقَضَاء بإنجازالوعد عَن سَمُرَة بن جُنْدُب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقع ذَلِك فِي تَفْسِير إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه.
وَقَالَ المِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَةَ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ ، وذكَرَ صِهْرَاً لَهُ قَالَ: وعَدَنِي فوَفَى لي
الْمسور، بِكَسْر الْمِيم، ومخرمة بِفَتْحِهَا. قَوْله: (وَذكر) أَي: النَّبِي ﷺ صهراً لَهُ يَعْنِي: أَبَا الْعَاصِ بن الرّبيع زوج زَيْنَب بنت النَّبِي ﷺ ، وَقيل: يَعْنِي أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَاعْلَم أَن الْأخْتَان من قبل المرإة، والأحماء من قبل الرجل، والصهر يجمعهما، وَكَانَ ﷺ صهر أبي الرّبيع لِأَنَّهُ كَانَ زوج بنته زَيْنَب، وصهر أبي بكر الصّديق أَيْضا لِأَنَّهُ كَانَ زوج بنته عَائِشَة الصديقة. قَوْله: (قَالَ: وَعَدَني) أَي: قَالَ وَمِنْهَا: ﷺ (صهري وَعَدَني فوفى لي) ، ويروى: فوفاني، ويروى فأوفاني.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله ورَأيْتُ إسْحَاقَ بنَ إبْرَاهِيمَ يَحْتَجُّ بِحَدِيثِ ابنِ الأشْوَعَ
أَبُو عبد الله البُخَارِيّ نَفسه، وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن رَاهَوَيْه. قَوْله: (يحْتَج بِحَدِيث ابْن الأشوع) ، هُوَ الحَدِيث الَّذِي ذكره عَن سَمُرَة بن جُنْدُب، وَأَرَادَ بِهِ أَنه كَانَ يحْتَج بِهِ فِي القَوْل بِوُجُوب إنجاز الْوَعْد، وَوَقع فِي كثير من النّسخ: ذكر إِسْمَاعِيل، بَين التَّعْلِيق عَن ابْن الأشوع وَبَين نقل البُخَارِيّ عَن إِسْحَاق، وَالَّذِي وَقع فِي نسختنا أولى.
١٨٦٢ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ حَمْزَةَ قَالَ حدَّثنا إبرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَن صالِحٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أخبرهُ قَالَ أخبرَنِي أبُو سُفْيَانَ أنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ سألْتُكَ مَاذَا يأمُرُكُمْ فَزَعَمْتَ أنَّهُ أمرَكُمْ بالصَّلاةِ والصِّدْقِ والعَفَافِ والوَفاءِ بالعَهْدِ وأداءِ الأمانَةِ قَالَ وهاذِهِ صِفَةُ نَبِيٍّ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَالْوَفَاء بالعهد) ، يَعْنِي: كَانَ صَادِق الْوَعْد، وَإِبْرَاهِيم بن حَمْزَة وَأَبُو إِسْحَاق الزبيرِي الْمَدِينِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَإِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ الْقرشِي الْمَدِينِيّ، وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان أَبُو مُحَمَّد
стр. 3972
مؤدب ولد عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة ابْن مَسْعُود، وَهَذَا قِطْعَة من حَدِيث قصَّة هِرقل، ذكره فِي أول الْكتاب، وَذكرنَا هُنَاكَ مَا فِيهِ الْكِفَايَة.
٢٨٦٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا إسْماعِيلُ بنُ جَعْفَرَ عنْ أبِي سُهَيْلِ نافعِ بنِ مالِكِ ابنِ أبِي عامرٍ عنْ أبِيهِ عَن أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ آيةُ المُنَافِقِ ثَلاثٌ إِذا حَدَّثَ كَذَبَ وإذَا ائْتُمِنَ خانَ وإذَا وعَدَ أَخْلَفَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَإِذا وعد أخلف) ، لِأَن ضِدّه: إِذا وعد صدق، فَسلم من طَائِفَة النِّفَاق، وصادق الْوَعْد ينْدب مِنْهُ إنجاز وعده، وَقد مضى الحَدِيث فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب عَلامَة الْمُنَافِق، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن سُلَيْمَان بن أبي الرّبيع عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر، وَهنا: عَن قُتَيْبَة عَن إِسْمَاعِيل.
٤٦ - (حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى قَالَ أخبرنَا هِشَام عَن ابْن جريج قَالَ أَخْبرنِي عَمْرو بن دِينَار عَن مُحَمَّد بن عَليّ عَن جَابر بن عبد الله ﵃ قَالَ لما مَاتَ النَّبِي ﷺ َ - جَاءَ أَبَا بكر مَال من قبل الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ فَقَالَ أَبُو بكر من كَانَ لَهُ على النَّبِي ﷺ َ - دين أَو كَانَت لَهُ قبله عدَّة فليأتنا قَالَ جَابر فَقلت وَعَدَني رَسُول الله ﷺ َ - أَن يعطيني هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا فَبسط يَدَيْهِ ثَلَاث مَرَّات قَالَ جَابر فعد فِي يَدي خَمْسمِائَة ثمَّ خَمْسمِائَة ثمَّ خَمْسمِائَة) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله " أَو كَانَت لَهُ قبله عدَّة " أَي وعد وَهَذَا لَوْلَا أَن إنجاز الْوَعْد أَمر مَرْغُوب مَنْدُوب إِلَيْهِ لما الْتزم أَبُو بكر بذلك بعد وَفَاة النَّبِي ﷺ َ - وَقيل أَن ذَلِك من خَصَائِص النَّبِي ﷺ َ - فَلذَلِك دفع أَبُو بكر إِلَى جَابر مَا كَانَ وعده رَسُول الله ﷺ َ - لَهُ وَإِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ يعرف بالصغير وَهِشَام بن يُوسُف أَبُو عبد الرَّحْمَن الْيَمَانِيّ قاضيها وَابْن جريج عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج وَمُحَمّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَقد مضى مثل هَذَا الحَدِيث فِي الْكفَالَة فِي بَاب من تكفل عَن ميت دينا فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار إِلَى آخِره قَوْله " من قبل الْعَلَاء " بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي من جِهَته والْعَلَاء بِالْمدِّ ابْن الْحَضْرَمِيّ عبد الله كَانَ عَاملا لرَسُول الله ﷺ َ - على الْبَحْرين وَأقرهُ الشَّيْخَانِ عَلَيْهَا إِلَى أَن مَاتَ سنة أَربع عشرَة
٤٧ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم قَالَ أخبرنَا سعيد بن سُلَيْمَان قَالَ حَدثنَا مَرْوَان بن شُجَاع عَن سَالم الْأَفْطَس عَن سعيد بن جُبَير قَالَ سَأَلَني يَهُودِيّ من أهل الْحيرَة أَي الْأَجَليْنِ قضى مُوسَى قلت لَا أَدْرِي حَتَّى أقدم على حبر الْعَرَب فأسأله فَقدمت فَسَأَلت ابْن عَبَّاس فَقَالَ قضى أكثرهما وأطيبهما إِن رَسُول الله ﷺ َ - إِذا قَالَ فعل) مطابقته للتَّرْجَمَة من قَوْله إِذا قَالَ فعل لِأَن رَسُول الله ﷺ َ - أما مُوسَى أَو غَيره على مَا نذكرهُ من محَاسِن أخلاقه من إنجاز وعده وَكَذَا أَي رَسُول كَانَ لِأَن وعدهم صَادِق وَلَا خلف عِنْدهم. (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم أَبُو يحيى كَانَ يُقَال لَهُ صَاعِقَة. الثَّانِي سعيد بن سُلَيْمَان الْمَشْهُور بسعدويه الْبَغْدَادِيّ وَقد مر. الثَّالِث مَرْوَان بن شُجَاع أَبُو عَمْرو مولى مَرْوَان بن مُحَمَّد بن الحكم الْقرشِي الْأمَوِي الْجَزرِي مَاتَ بِبَغْدَاد سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَة. الرَّابِع سَالم بن عجلَان الْأَفْطَس قتل صبرا سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. الْخَامِس سعيد بن جُبَير. السَّادِس عبد الله بن عَبَّاس
стр. 3973
(ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه سُؤال الْيَهُودِيّ عَن سعيد بن جُبَير وسؤال سعيد عَن ابْن عَبَّاس وَفِيه أَن سالما لَيْسَ لَهُ رِوَايَة فِي البُخَارِيّ إِلَّا هَذَا وَآخر فِي الطِّبّ وَكَذَا الرَّاوِي عَنهُ مَرْوَان وَفِيه أَن سعيد بن سُلَيْمَان من مَشَايِخ البُخَارِيّ وَكَثِيرًا يروي عَنهُ بِدُونِ الْوَاسِطَة وَهنا روى عَنهُ بِوَاسِطَة وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " من أهل الْحيرَة " بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الرَّاء مَدِينَة مَعْرُوفَة بالعراق قريب الْكُوفَة وَكَانَت للنعمان بن الْمُنْذر قَوْله " أَي الْأَجَليْنِ " أَي الْمشَار إِلَيْهِمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثَمَانِي حجج فَإِن أتممت عشرا فَمن عنْدك﴾ قَوْله " حَتَّى أقدم " أَي على ابْن عَبَّاس بِمَكَّة قَوْله " على حبر الْعَرَب " بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء الْمُوَحدَة وَنَصّ أَبُو الْعَبَّاس فِي فصيحه على فتح الْحَاء وَفِي الْمُخَصّص عَن صَاحب الْعين هُوَ الْعَالم من عُلَمَاء الدّيانَة مُسلما كَانَ أَو ذِمِّيا بعد أَن يكون كتابيا وَالْجمع أَحْبَار وَذكر الْمُطَرز عَن ثَعْلَب يُقَال للْعَالم حبر وَحبر وَقَالَ الْمبرد سمي حبرًا لِأَنَّهُ مِمَّا يحبر بِهِ الْكتب أَي تحسن وَفِي الواعي سمي الْعَالم حبرًا لتأثيره فِي الْكتب لِأَن الحبر والحبار الْأَثر وَقَالَ ابْن الْأَثِير وَكَانَ يُقَال لِابْنِ عَبَّاس الحبر وَالْبَحْر لعلمه وسعته وَاخْتلفُوا فِيمَن سَمَّاهُ بذلك فَذكر أَبُو نعيم الْحَافِظ أَن عبد الله انْتهى يَوْمًا إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - وَعِنْده جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ لَهُ " إِنَّه كَائِن حبر هَذِه الْأمة فاستوص بِهِ خيرا " وَفِي المنثور لِابْنِ دُرَيْد الْأَزْدِيّ أَن عبد الله بن سعد بن أبي سرح لما أرسل ابْن عَبَّاس رَسُولا إِلَى جرجير ملك الْمغرب فَتكلم مَعَه فَقَالَ لَهُ جرجير مَا يَنْبَغِي إِلَّا أَن يكون حبر الْعَرَب فَسُمي عبد الله من يَوْمئِذٍ الحبر قَوْله " قضى أكثرهما وأطيبهما " كَذَا رَوَاهُ سعيد بن جُبَير مَوْقُوفا وَهُوَ فِي حكم الْمَرْفُوع لِأَن ابْن عَبَّاس كَانَ لَا يعْتَمد على أهل الْكتاب وَقد صرح بِرَفْعِهِ عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ َ - سَأَلَ جِبْرِيل ﵇ " أَي الْأَجَليْنِ قضى مُوسَى قَالَ أتمهما وأكملهما " وَفِي حَدِيث جَابر أَوْفَاهُمَا وَفِي حَدِيث أبي سعيد أتمهما وأطيبهما عشر سِنِين وَالْمرَاد بالأطيب أَي فِي نفس شُعَيْب ﵇ قَوْله " أَن رَسُول الله ﷺ َ - إِذا قَالَ فعل " قَالَ الْكرْمَانِي أَي مُوسَى ﵇ أَو أَرَادَ جنس الرَّسُول فيتناوله تناولا أوليا وَقَالَ بَعضهم المُرَاد برَسُول الله من اتّصف بذلك وَلم يرد شخصا بِعَيْنِه -
٩٢ - (بابٌ لَا يُسْألُ أهْلُ الشِّرْكِ عنِ الشَّهَادَةِ وغيْرِهَا)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يُسْألُ ... إِلَى آخِره، وَيسْأل على صِيغَة الْمَجْهُول، وَأَرَادَ بِهَذَا عدم قبُول شَهَادَتهم. وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك: فَعِنْدَ الْجُمْهُور: لَا تقبل شَهَادَتهم أصلا وَلَا شَهَادَة بَعضهم على بعض، وَمِنْهُم من أَجَارَ شَهَادَة أهل الْكتاب بَعضهم على بعض للْمُسلمين، وَهُوَ قَول إِبْرَاهِيم، وَمِنْهُم من أجَاز شَهَادَة أهل الشّرك بَعضهم على بعض، وَهُوَ قَول عمر بن عبد الْعَزِيز وَالشعْبِيّ وَنَافِع وَحَمَّاد ووكيع، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة، وَمِنْهُم من قَالَ: لَا تجوز شَهَادَة أهل مِلَّة إلَاّ على أهل ملتها الْيَهُودِيّ على الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ على النَّصْرَانِي وَهُوَ قَول الزُّهْرِيّ وَالضَّحَّاك وَالْحكم وَابْن أبي ليلى وَعَطَاء وَأبي سَلمَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأبي ثَوْر وروى عَن شُرَيْح وَالنَّخَعِيّ تجوز شَهَادَتهم على الْمُسلمين فِي الْوَصِيَّة فِي السّفر للضَّرُورَة وَبِه قَالَ الْأَوْزَاعِيّ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ لَا تَجُوزُ شهَادَةُ أهْلِ المِلَلِ بَعْضِهِمْ على بَعْضٍ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿فأغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ العَدَاوَةَ والْبَغْضَاءَ﴾ (الْمَائِدَة: ٤١) .
أَي: قَالَ عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ. قَوْله: (أهل الْملَل) ، أَي: ملل الْكفْر، وَهُوَ بِكَسْر الْمِيم جمع: مِلَّة، وَالْملَّة الدّين كملة الْإِسْلَام ومل الْيَهُودِيّ وملة النَّصَارَى، هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع: حَدثنَا سُفْيَان عَن دَاوُد عَن الشّعبِيّ، قَالَ: لَا تجوز شَهَادَة مِلَّة على مِلَّة إلَاّ الْمُسلمين. وَاحْتج الشّعبِيّ بقوله تَعَالَى: ﴿فأغرينا﴾ (الْمَائِدَة:) ، أَي: ألصقنا، وَمِنْه سمي الغرى الَّذِي يلصث بِهِ، وَقَالَ الرّبيع: يَعْنِي بِهِ النَّصَارَى خَاصَّة لأَنهم افْتَرَقُوا: نسطورية ويعقوبية وملكائية، وَعَن ابْن أبي نجيح يَعْنِي بِهِ: الْيَهُود وَالنَّصَارَى،
стр. 3974
وَاخْتلف فِيهِ على الشّعبِيّ، فروى عبد الرَّزَّاق عَن الثَّوْريّ عَن عِيسَى، وَهُوَ الحناط عَن الشّعبِيّ، قَالَ: كَانَ يُجِيز شَهَادَة النَّصْرَانِي على الْيَهُودِيّ واليهودي على النَّصْرَانِي، وروى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق أَشْعَث عَن الشّعبِيّ، قَالَ: تجوز شَهَادَة أهل الْملَل للْمُسلمين بَعضهم على بعض.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا تُصَدِّقُوا أهْلِ الكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ وقُولُوا آمَنَّا بِاللَّه وَمَا أُنْزِلَ﴾ (الْبَقَرَة: ٦٣١) . الْآيَة
هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة من طَرِيق أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا النَّهْي عَن تَصْدِيق أهل الْكتاب فِيمَا لَا يعرف صدقه من قبل غَيرهم فَيدل على رد شَهَادَتهم وَعدم قبُولهَا.
٥٨٦٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ يونُسَ عنِ ابنِ شِهِابٍ عنْ عُبَيْدَ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ تَسْألُونَ أهْلَ الكِتَابِ وكِتَابُكُمُ الَّذِي أُنْزِلَ على نَبِيِّهِ ﷺ أحْدَثُ الأَخْبَارِ بِاللَّه تَقْرَؤُنَهُ لَمْ يُشَبْ وقدْ حدَّثَكُمُ الله أنَّ أهْلَ الكِتَابِ بَدَّلُوا مَا كَتَبَ الله وغَيَّرُوا بأيْدِيهِمُ الكِتَابَ فَقَالُوا هُوَ مِنْ عِنْدِ الله لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أفَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ عنْ مُسَائَلَتِهِمْ وَلَا وَالله مَا رَأيْنَا مِنْهُم رجُلاً قَطُّ يَسْألُكُمْ عنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ الرَّد عَن مساءلة أهل الْكتاب، لِأَن أخبارهم لَا تقبل لكَوْنهم بدلُوا الْكتاب بِأَيْدِيهِم، فَإِذا لم يقبل أخبارهم لَا تقبل شَهَادَتهم بِالطَّرِيقِ الأولى، لِأَن بَاب الشَّهَادَة أضيق من بَاب الرِّوَايَة.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة.
والأثر أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِي التَّوْحِيد عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب.
قَوْله: (كَيفَ تسْأَلُون أهل الْكتاب؟) إِنْكَار من ابْن عَبَّاس عَن سُؤَالهمْ من أهل الْكتاب. قَوْله: (وَكِتَابكُمْ) ، أَي: الْقُرْآن، وارتفاعه على أَنه مُبْتَدأ، وَقَوله: (الَّذِي أنزل على نبيه) ، صفته. وَقَوله: (أحدث الْأَخْبَار) خَبره. قَوْله: (على نبيه) ، أَي: مُحَمَّد، ﷺ . قَوْله: (الْإِخْبَار) ، بِكَسْر الْهمزَة بِمَعْنى الْمصدر، وَبِفَتْحِهَا بِمَعْنى الْجمع، وَمَعْنَاهُ: إِنَّه أقرب الْكتب نزولاً إِلَيْكُم من عِنْد الله، فَالْحَدِيث بِالنِّسْبَةِ إِلَى المنزول إِلَيْهِم وَهُوَ فِي نَفسه قديم على مَا عرف فِي مَوْضِعه. قَوْله: (لم يشب) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من الشوب، وَهُوَ الْخَلْط، أَي: لم يخلط وَلم يُبدل وَلم يُغير. وَفِي (مُسْند أَحْمد) ﵀، من حَدِيث جَابر مَرْفُوعا: (لَا تسألوا أهل الْكتاب عَن شَيْء فَإِنَّهُم لن يهدوكم، وَقد ضلوا) الحَدِيث. قَوْله: (بدلُوا) ، من التبديل، قَالَ الله تَعَالَى فِي حق الْيَهُود: ﴿فويل للَّذين يَكْتُبُونَ الْكتاب بِأَيْدِيهِم ثمَّ يَقُولُونَ هَذَا من عِنْد الله ليشتروا بِهِ ثمنا قَلِيلا﴾ (الْبَقَرَة: ٩٧) . قَوْله: (وَلَا وَالله) ، كلمة: لَا، زَائِدَة، إِمَّا تَأْكِيد لنفي مَا قبله أَو مَا بعده، يَعْنِي: هم لَا يسألونكم، فَأنْتم بِالطَّرِيقِ الأولى أَن لَا تسألوهم، وَاحْتج بِهَذَا الحَدِيث المانعون عَن شَهَادَتهم أصلا،
وَفِيه: أَن أهل الْكتاب بدلُوا وغيروا، كَمَا أخبر الله تَعَالَى عَنْهُم فِي الْقُرْآن الْكَرِيم، وَسَأَلَ مُحَمَّد بن الوضاح بعض عُلَمَاء النَّصَارَى، فَقَالَ: مَا بَال كتابكُمْ معشر الْمُسلمين لَا زِيَادَة فِيهِ وَلَا نُقْصَان؟ وَكِتَابنَا بِخِلَاف ذَلِك؟ فَقَالَ: لِأَن الله تَعَالَى وكل حفظ كتابكُمْ إِلَيْكُم. فَقَالَ: استحفظوا من كتاب الله، فَلَمَّا وَكله إِلَى مَخْلُوق دخله الخرم وَالنُّقْصَان، وَقَالَ فِي كتَابنَا: ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ (الْحجر: ٩) . فَتَوَلّى الله حفظه، فَلَا سَبِيل إِلَى الزِّيَادَة فِيهِ، وَلَا النُّقْصَان مِنْهُ.
٠٣ - (بابُ القرْعَةِ فِي المُشْكِلَاتِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة الْقرعَة فِي الْأَشْيَاء المشكلات الَّتِي يَقع فِيهَا النزاع بَين اثْنَيْنِ أَو أَكثر، وَوَقع فِي رِوَايَة السَّرخسِيّ: من المشكلات، وَكلمَة: فِي، أصوب، وَأما كلمة: من، إِن كَانَت مَحْفُوظَة فَتكون للتَّعْلِيل، أَي: لأجل المشكلات، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مِمَّا خطاياهم﴾ (العنكبوت: ٢١) . أَي: لأجل خطاياهم. قيل: وَجه إِدْخَال هَذَا الْبَاب فِي كتاب الشَّهَادَات أَنَّهَا من جملَة الْبَينَات الَّتِي تثبت بهَا
стр. 3975
الْحُقُوق. قلت: الْأَحْسَن أَن يُقَال: وَجه ذَلِك أَنه كَمَا يقطع النزاع، وَالْخُصُومَة بِالْبَيِّنَةِ، فَكَذَلِك يقطع بِالْقُرْعَةِ، وَهَذَا الْمِقْدَار كافٍ لوجه الْمُنَاسبَة.
وقَوْله ﴿إذْ يُلْقُونَ أقْلَامَهُمْ أيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَم﴾ (آل عمرَان: ٤٤) . وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ اقْتَرَعوا فَجَرَتِ الأقْلَامُ مَعَ الجِرْيَةِ وعالَ قَلَمُ زَكَرِيَّاءَ الجِرْيَةَ فَكَفَلَهَا زَكَرِيَّاءَ﴾ (آل عمرَان: ٤٤) .
وَقَوله، بِالْجَرِّ عطفا على الْقرعَة، وَذكر هَذِه الْآيَة فِي معرض الِاحْتِجَاج لصِحَّة الحكم بِالْقُرْعَةِ، بِنَاء على أَن شرع من قبلنَا هُوَ شرع لنا مَا لم يقص الله علينا بالإنكار، وَلَا إِنْكَار فِي مشروعيتها، وَمَا نسب بَعضهم إِلَى أبي حنيفَة بِأَنَّهُ أنكرها فَغير صَحِيح، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ عَن قريب فِي تَفْسِير قصَّة أهل الْإِفْك. وَأول الْآيَة: ﴿ذَلِك من أنباء الْغَيْب نوحيه إِلَيْك وَمَا كنت لديهم إِذْ يلقون أقلامهم أَيهمْ يكفل مَرْيَم وَمَا كنت لديهم إِذْ يختصمون﴾ (آل عمرَان: ٤٤) . قَوْله: ذَلِك إِشَارَة إِلَى مَا ذكر من قَضِيَّة مَرْيَم. قَوْله (من أَبنَاء الغبيب) أَي أَخْبَار الْغَيْب، (نوحيه إِلَيْك) أَي: نَقصه عَلَيْك ﴿وَمَا كنت لديهم﴾ أَي: وَمَا كنت يَا مُحَمَّد عِنْدهم ﴿إِذْ يلقون﴾ أَي: حِين يلقون ﴿الأقلام أَيهمْ يكفل مَرْيَم﴾ ، أَي: يضمها إِلَى نَفسه ويربيها، وَذَلِكَ لرغبتهم فِي الْأجر ﴿وَمَا كنت لديهم إِذْ يختصمون﴾ أَي: حِين يختصمون فِي أَخذهَا. وأصل الْقِصَّة أَن امْرَأَة عمرَان، وَهِي حنة بنت فاقود، لَا تحمل: فرأت يَوْمًا طائراً يزق فرخه، فاشتهت الْوَلَد فدعَتْ الله تَعَالَى أَن يَهَبهَا ولدا، فَاسْتَجَاب الله دعاءها، فواقعها زَوجهَا فَحملت مِنْهُ، فَلَمَّا تحققت الْحمل ندرت أَن يكون محررا، أَي: خَالِصا لخدمة بَيت الْمُقَدّس، فَلَمَّا وضعت قَالَت: ﴿رب إِنِّي وَضَعتهَا أُنْثَى﴾ (آل عمرَان: ٦٣) . ثمَّ خرجت بهَا فِي خرقتها إِلَى بني الكاهن بن هروة أخي مُوسَى بن عمرَان، وهم يَوْمئِذٍ يلون من بَيت الْمُقَدّس مَا يَلِي الحجبة من الْكَعْبَة، فَقَالَت لَهُم: دونكم هَذِه النذيرة، فَإِنِّي حررتها وَهِي ابْنَتي، وَلَا تدخل الْكَنِيسَة حَائِض، وَأَنا لَا أردهَا إِلَى بَيْتِي، فَقَالُوا: هَذِه ابْنة إمامنا، وَكَانَ عمرَان يؤمهم فِي الصَّلَاة وَصَاحب القربان، فَقَالَ زَكَرِيَّاء: إدفعوها إِلَيّ، فَإِن خَالَتهَا تحتي، فَقَالُوا: لَا تطيب نفوسنا، هِيَ ابْنة إمامنا فَعِنْدَ ذَلِك اقترعوا بأقلامهم عَلَيْهَا، وَهِي الأقلام الَّتِي كَانُوا يَكْتُبُونَ بهَا التَّوْرَاة، فقرعهم زَكَرِيَّاء، ﵊، وَقد ذكر عِكْرِمَة وَالسُّديّ وَقَتَادَة وَغير وَاحِد أَنهم ذَهَبُوا إِلَى نهر الْأُرْدُن واقترعوا هُنَالك على أَن يلْقوا أقلامهم فِيهِ، فَأَيهمْ ثَبت فِي جرية المَاء فَهُوَ كافلها، فَألْقوا أقلامهم فاحتملها المَاء إلَاّ قلم زَكَرِيَّاء، فَإِنَّهُ ثَبت، فَأَخذهَا فَضمهَا إِلَى نَفسه، وَقد ذكر الْمُفَسِّرُونَ أَن الأقلام هِيَ الأقلام الَّتِي كَانُوا يَكْتُبُونَ بهَا التَّوْرَاة، كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَيُقَال: الأقلام السِّهَام، وَسمي السهْم قَلما لِأَنَّهُ يقلم: أَي: يبرى. قَوْله: ﴿أَيهمْ يكفل مَرْيَم﴾ (آل عمرَان: ٤٤) . أَي: يَأْخُذهَا بكفالتها. قَوْله: (اقترعوا) ، يَعْنِي: عِنْد التنافس فِي كَفَالَة مَرْيَم. قَوْله: (مَعَ الجرية) بِكَسْر الْجِيم للنوع من الجريان وَقَالَ ابْن التِّين صَوَابه اقرعوا أَو قارعوا لِأَنَّهُ رباعي قلت قد جَاءَ اقترعوا كَمَا جَاءَ أقرعوا فَلَا وَجه لدعوى الصَّوَاب فِيهِ. قَوْله: (عَال) أَي: غلب الجرية ويروى: علا، ويروى: عدا، حَاصله: ارْتَفع قلم زَكَرِيَّاء، وَيُقَال: إِنَّهُم اقترعوا ثَلَاث مَرَّات، وَعَن ابْن عَبَّاس: فَلَمَّا وُضعت مَرْيَم فِي الْمَسْجِد اقترع عَلَيْهَا أهل الْمصلى وهم يَكْتُبُونَ الْوَحْي.
وقَوْلِهِ ﴿فَساهَمَ﴾ أقْرَعَ ﴿فكانَ مِنَ المدْحَضينَ﴾ (الصافات: ١٤١) . من المَسْهومِينَ
وَقَوله، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله الأول. قَوْله: (أَقرع) ، تَفْسِير لقَوْله: فساهم، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى يُونُس، ﵇. وَفسّر البُخَارِيّ المدحضين بِمَعْنى: المسهومين، يَعْنِي: المغلوبين، يُقَال: ساهمته فسهمته، كَمَا يُقَال: قارعته فقرعته. وَقَوله: ﴿فساهم﴾ : اقرع تَفْسِير ابْن عَبَّاس أخرجه الطَّبَرِيّ من طَرِيق مُعَاوِيَة بن صَالح عَن عَليّ بن أبي طالحة عَن ابْن عَبَّاس وروى عَن السدى قَالَ: قَوْله: ﴿فساهم﴾ أَي: قارع. قَالَ بَعضهم: هُوَ أوضح. قلت: كَونه أوضح بِاعْتِبَار أَنه من بَاب المفاعلة الَّتِي هِيَ للاشتراك بَين اثْنَيْنِ. وَحَقِيقَة المدحض المزلق عَن مقَام الظفر وَالْغَلَبَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يُونُس بن مَتى لما دَعَا قومه أهل نِينَوَى من بِلَاد الْموصل على شاطىء دجلة للدخول فِي دينه أبطؤوا عَلَيْهِ، فَدَعَا عَلَيْهِم وَوَعدهمْ الْعَذَاب بعد ثَلَاث، وَخرج عَنْهُم فَرَأى قومه دخاناً ومقدمات الْعَذَاب، فآمنوا بِهِ وَصَدقُوهُ وتابوا إِلَى الله، ، وردوا الْمَظَالِم حَتَّى ردوا حِجَارَة مَغْصُوبَة، كَانُوا بنوا
стр. 3976
بهَا وَخَرجُوا طَالِبين يُونُس فَلم يجدوه، وَلم يزَالُوا كَذَلِك حَتَّى كشف الله عَنْهُم الْعَذَاب، ثمَّ إِن يُونُس ركب سفينة فَلم تجرِ، فَقَالَ أَهلهَا: فِيكُم آبق، فاقترعوا فَخرجت الْقرعَة عَلَيْهِ، فالتقمه الْحُوت. وَقد اخْتلف فِي مُدَّة لبثه فِي بَطْنه من يَوْم وَاحِد إِلَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا. فَأوحى الله تَعَالَى إِلَى الْحُوت أَن يلتقمه وَلَا يكسر لَهُ عظما. وَذكر مقَاتل: أَنهم قارعوه سِتّ مَرَّات خوفًا عَلَيْهِ من أَن يقذف فِي الْبَحْر، وَفِي كلهَا خرج عَلَيْهِ، وَفِي يُونُس سِتّ لُغَات: ضم النُّون وَفتحهَا وَكسرهَا مَعَ الْهمزَة وَتَركه، وَالْأَشْهر ضم النُّون بِغَيْر همز.
وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَرَضَ النبِيُّ ﷺ على قَوْمٍ اليَمينَ فَأسْرَعُوا فأمَرَ أنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ أيُّهُمْ يَحْلِفُ
هَذَا التَّعْلِيق قد مر مَوْصُولا فِي: بَاب إِذا سارع قوم فِي الْيَمين، وَقد مر عَن قريب، وَهَذَا أَيْضا يدل على مَشْرُوعِيَّة الْقرعَة.
٦٨٦٢ - حدَّثنا عُمَرَ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ قَالَ حدَّثنا أبِي قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ حدَّثني الشَّعْبِيُّ أنَّهُ سَمِعَ النُّعْمَانَ بنَ بَشِيرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يَقولُ قَالَ النبيُّ ﷺ مَثَلُ الْمُدهِنِ فِي حُدُودِ الله والواقِعِ فِيها مثَلُ قَوْمٍ اسْتهَمُوا سَفِينَةً فصارَ بَعْضُهُمْ فِي أسْفَلِهَا وصارَ بَعْضُهم فِي أعْلاهَا فكانَ الَّذِي فِي أسْفَلِهَا يَمُرُّونَ بالْمَاءِ على الَّذِينَ فِي أعْلاهَا فَتأذَّوْا بهِ فأخَذَ فَأْساً فَجَعَلَ يَنْقُرُ أسْفَلَ السَّفِينَةِ فأتوْهُ فَقَالُوا مالَكَ قَالَ تأذَّيْتُمْ بِي وَلَا بُدَّ لي مِنَ المَاءِ فإنْ أخَذُوا على يدَيْهِ أنْجَوْه ونجَّوا أنْفُسَهُمْ وإنْ تَرَكُوا أهْلَكُوهُ وأهْلَكُوا أنْفُسَهُمْ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (استهموا سفينة) ، وَهَذَا الحَدِيث مضى فِي الشّركَة فِي: بَاب هَل يقرع فِي الْقِسْمَة؟ والاستهام فِيهِ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أبي نعيم عَن زَكَرِيَّاء. قَالَ: سَمِعت عَامِرًا، وَهُوَ الشّعبِيّ يَقُول: سَمِعت النُّعْمَان بن بشير ... إِلَى آخِره، وَفِي بعض النّسخ وَقع حَدِيث النُّعْمَان هَكَذَا فِي آخر الْبَاب.
قَوْله: (مثل المدهن) ، وَهُنَاكَ: مثل الْقَائِم على حُدُود الله تَعَالَى، والمدهن، بِضَم الْمِيم وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَكسر الْهَاء، وَفِي آخِره نون من الإدهان، وَهُوَ الْمُحَابَاة فِي غير حق، وَهُوَ الَّذِي يرائي ويضيع الْحُقُوق وَلَا يُغير الْمُنكر، وَوَقع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي الشّركَة: مثل الْقَائِم على حُدُود الله وَالْوَاقِع فِيهَا والمدهن فِيهَا، وَهَذِه ثَلَاث فرق، وجودهَا فِي الْمثل الْمَضْرُوب هُوَ أَن الَّذين أَرَادوا خرق السَّفِينَة بِمَنْزِلَة الْوَاقِع فِي حُدُود الله، ثمَّ من عداهم إِمَّا مُنكر وَهُوَ الْقَائِم، وَإِمَّا سَاكِت وَهُوَ المداهن.
وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: قَالَ ثمَّة، يَعْنِي: فِي كتاب الشّركَة: مثل الْقَائِم على حُدُود الله، وَقَالَ هَهُنَا: مثل المدهن، وهما نقيضان إِذْ الْآمِر هُوَ الْقَائِم بِالْمَعْرُوفِ والمدهن هُوَ التارك لَهُ، فَمَا وَجهه؟ قلت: كِلَاهُمَا صَحِيح، فَحَيْثُ قَالَ الْقَائِم نظر إِلَى جِهَة النجَاة، وَحَيْثُ قَالَ المدهن نظر إِلَى جِهَة الْهَلَاك، وَلَا شكّ أَن التَّشْبِيه مُسْتَقِيم على كل وَاحِد من الْجِهَتَيْنِ. وَاعْترض عَلَيْهِ بَعضهم بقوله: كَيفَ يَسْتَقِيم هُنَا الِاقْتِصَار على ذكر المدهن، وَهُوَ: التارك لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وعَلى ذكر الْوَاقِع فِي الْحَد وَهُوَ العَاصِي، وَكِلَاهُمَا هَالك، وَالْحَاصِل أَن بعض الروَاة ذكر المدهن والقائم، وَبَعْضهمْ ذكر الْوَاقِع والقائم، وَبَعْضهمْ جمع الثَّلَاثَة. وَأما الْجمع بَين المدهن وَالْوَاقِع دون الْقَائِم فَلَا يَسْتَقِيم. انْتهى.
قلت: لَا وَجه لاعتراضه على الْكرْمَانِي، لِأَن سُؤال الْكرْمَانِي وَجَوَابه مبنيان على الْقسمَيْنِ الْمَذْكُورين فِي هَذَا الحَدِيث، وهما: المدهن الْمَذْكُور هُنَا، والقائم الْمَذْكُور هُنَاكَ، وَهُوَ لم يبين كَلَامه على التارك الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ، وَالْوَاقِع فِي الْحَد، فَلَا يرد عَلَيْهِ شَيْء أصلا، تَأمل، فَإِنَّهُ مَوضِع يحْتَاج فِيهِ إِلَى التَّأَمُّل.
قَوْله: (استهموا سفينة) أَي: اقترعوها فَأخذ كل وَاحِد مِنْهُم سَهْما، أَي: نَصِيبا من السَّفِينَة بِالْقُرْعَةِ، وَقَالَ ابْن التِّين: وَإِنَّمَا يَقع ذَلِك فِي السَّفِينَة وَنَحْوهَا فِيمَا إِذا أنزلوا مَعًا، أما لَو سبق بَعضهم بَعْضًا فَالسَّابِق أَحَق بموضعه، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا فِيمَا إِذا كَانَت مسبلة، أما إِذا كَانَت مَمْلُوكَة لَهُم مثلا فالقرعة مَشْرُوعَة: إِذا تنازعوا. قلت: إِذا وَقعت الْمُنَازعَة تشرع الْقرعَة سَوَاء كَانَت مسبلة أَو مَمْلُوكَة، مَا لم يسْبق أحدهم فِي المسبلة. قَوْله: (فتأذوا بِهِ) ، أَي: بالمار عَلَيْهِم، أَو: بِالْمَاءِ الَّذِي مَعَ الْمَار عَلَيْهِم. قَوْله: (ينقر) ، بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون النُّون وَضم الْقَاف من النقر، وَهُوَ الْحفر سَوَاء كَانَ فِي الْخشب أَو الْحجر، أَو نَحْوهمَا، قَوْله:
стр. 3977
(فَإِن أخذُوا على يَدَيْهِ) أَي: منعُوهُ من النقر، ويروى: على يَده. قَوْله: (نجوه) أَي: نجو الْمَار، ويروى: أنجوه: بِالْهَمْزَةِ، ونجوا أنفسهم، بتَشْديد الْجِيم، وَهَكَذَا إِقَامَة الْحُدُود تحصل بهَا النجَاة لمن إقامها وأقيمت عَلَيْهِ، وإلَاّ هلك العَاصِي بالمعصية والساكت بِالرِّضَا بهَا.
وَقَالَ الْمُهلب: فِي هَذَا الحَدِيث: تَعْذِيب الْعَامَّة بذنب الْخَاصَّة، وَاسْتِحْقَاق الْعقُوبَة بترك الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ، وتبيين الْعَالم الحكم بِضَرْب الْمثل.
٧٨٦٢ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني خارِجة بنُ زَيْدٍ الأنْصَارِيُّ أنَّ أُمَّ العَلاءِ امْرأةً مِنْ نِسَائِهِمْ قَدْ بايَعَتِ النبيَّ ﷺ أخْبَرَتْهُ أنَّ عُثْمَانَ بنَ مَظْعُونٍ طارَ لَهُ سَهْمُهُ فِي السُّكْناى حِينَ اقْتَرَعَتِ الأنْصَارُ سُكْنَى الْمُهَاجِرِينَ قالتْ أُمُّ العَلاءِ فسَكَنَ عِنْدَنَا عُثْمَانُ بنُ مَظْعُونٍ فاشْتَكَى فَمَرَّضْنَاهُ حتَّى إِذا تُوُفِّيَ وجعلْنَاهُ فِي ثِيابِهِ دخَلَ علَيْنَا رسولُ الله ﷺ فقلْتُ رَحْمَةُ الله عَلَيْكَ أبَا السَّائِبِ فَشَهَادَتِي علَيْكَ لَقَدْ أكْرَمَكَ الله فَقَالَ لِي النبيُّ ﷺ وَمَا يُدْرِيكِ أنَّ الله أكْرَمَهُ فقُلْتُ لَا أدْرِي بِأبي أنْتَ وأُمِّي يَا رسولَ الله فَقَالَ رسولُ الله، ﷺ أمَّا عُثمانُ فَقد جاءَهُ وَالله اليَقِينُ وإنِّي لأرْجو لهُ الخَيْرَ وَالله مَا أدْرِي وَأَنا رسولُ الله مَا يُفْعَلُ بِهِ قالتْ فَوالله لَا أُزَكِّي أحَدَاً بعْدَهُ أبدَاً وأحْزَنَنِي ذالِكَ قالتْ فَنِمْتُ فأُرِيتُ لِعُثْمَانَ عَيْناً تَجْرِي فَجِئْتُ إِلَى رسولِ الله، ﷺ فأخبرتُهُ فَقَالَ ذلِكَ عَمَلُهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا السَّنَد بِعَيْنِه قد مر غير مرّة، والْحَدِيث مر فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب الدُّخُول على الْمَيِّت بعد الْمَوْت، وَتقدم الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. وخارجة بن زيد بن ثَابت أَبُو زيد الْأنْصَارِيّ النجاري الْمَدِينِيّ أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة، قَالَ الْعجلِيّ: مدنِي تَابِعِيّ ثِقَة، وَأم الْعَلَاء بنت الْحَارِث بن ثَابت بن خَارِجَة بن ثَعْلَبَة بن الْجلاس بن أُميَّة بن جدارة بن عَوْف بن الْحَارِث بن الخزر، وَهِي وَالِدَة خَارِجَة بن زيد بن ثَابت وَعُثْمَان بن مَظْعُون، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الظَّاء الْمُعْجَمَة وَضم الْعين الْمُهْملَة: ابْن حبيب بن وهب الجُمَحِي أَبُو السَّائِب، أحد السَّابِقين.
قَوْله: (اشْتَكَى) أَي: مرض. قَوْله: (فمرضناه) بتَشْديد الرَّاء من التمريض، وَهُوَ الْقيام بِأم الْمَرِيض. قَوْله: (أَبَا السَّائِب) كنية عُثْمَان. قَوْله: (بِأبي أَنْت وَأمي) أَي: مفدًى. قَوْله: (ذَلِك عمله) إِنَّمَا عبر المَاء بِالْعَمَلِ وجريانه بجريانه، لِأَن كل ميت تمم على عمله إلَاّ الَّذِي مَاتَ مرابطاً، فَإِن عمله يَنْمُو إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
٨٨٦٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانَ رسولُ الله، ﷺ إذَا أرادَ سفَرَاً أقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فأيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ وكانَ يقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَهَا ولَيْلَتَهَا غَيْرَ أنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وهبَتْ يَوْمَهَا ولَيْلَتَهَا لِعَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تَبْتَغِي بِذالِكَ رِضاءَ رسولِ الله، ﷺ ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد: والْحَدِيث مضى فِي أول حَدِيث الْإِفْك، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٩٨٦٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ سُمَيٍّ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ والصَّفِّ الأوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَاّ أنْ يَسْتَهْمُوا علَيْهِ لاسْتَهَمُوا ولَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرٍ لَاسْتَبَقُوا إلَيْهِ ولَوْ يَعْلَمُونَ
стр. 3978
مَا فِي العَتَمَةِ والصُّبْحِ لأتَوْهُما ولَوْ حَبْواً.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِلَّا أَن يستهموا عَلَيْهِ لاستهموا) أَي: لاقترعوا عَلَيْهِ، وكل مَا ذكر فِي هَذَا الْبَاب من الحَدِيث وَغَيره فِي مَشْرُوعِيَّة الْقرعَة. والْحَدِيث مر فِي كتاب مَوَاقِيت الصَّلَاة فِي: بَاب الاستهام فِي الْأَذَان، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
بِسْمِ الله الرَّحْمانِ الرَّحِيمِ
٣٥ - (كِتَابُ الصُّلْحِ)
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الصُّلْح، هَكَذَا بالبسملة، وَبِقَوْلِهِ: كتاب الصُّلْح، وَقع عِنْد النَّسَفِيّ والأصيلي وَأبي الْوَقْت، وَوَقع لغَيرهم: بَاب، مَوضِع: كتاب، وَوَقع لأبي ذَر فِي الْإِصْلَاح بَين النَّاس، وَوَقع للكشميهني: الْإِصْلَاح بَين النَّاس إِذا تفاسدوا، وَالصُّلْح على أَنْوَاع فِي أَشْيَاء كَثِيرَة لَا يقْتَصر على بعض شَيْء. كَمَا قَالَه بَعضهم، وَالصُّلْح فِي اللُّغَة اسْم بِمَعْنى الْمُصَالحَة، وَهِي المسالمة، خلاف الْمُخَاصمَة، وَأَصله من الصّلاح ضد الْفساد، وَفِي الشَّرْع: الصُّلْح عقد يقطع النزاع من بَين الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ، وَيقطع الْخُصُومَة، فَافْهَم.
١ - (بابُ مَا جاءَ فِي الإصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْإِصْلَاح بَين النَّاس، وَفِي بعض النّسخ: بَاب مَا جَاءَ فِي الْإِصْلَاح بَين النَّاس.
وقَوْلِ الله تعَالى ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إلأ منْ أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ومنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضاةِ الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرَاً عَظِيماً﴾ (النِّسَاء: ٤١١) .
وَقَول الله بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله فِي الْإِصْلَاح، ذكر هَذِه الْآيَة فِي بَيَان فضل الْإِصْلَاح بَين النَّاس. وَأَن الصُّلْح: أَمر مَنْدُوب إِلَيْهِ، وَفِيه قطع النزاع والخصومات. قَوْله: ﴿من نَجوَاهُمْ﴾ (النِّسَاء: ٤١١) . يَعْنِي: كَلَام النَّاس، وَيُقَال: النَّجْوَى السِّرّ، وَقَالَ النّحاس: كل كَلَام ينْفَرد بِهِ جمَاعَة سرا كَانَ أَو جَهرا، فَهُوَ نجوى. قَوْله: ﴿إلَاّ مِن أَمر﴾ (النِّسَاء: ٤١١) . تَقْدِيره: إلَاّ نجوى من أَمر ... إِلَى آخِره، وَيجوز أَن يكون الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطِعًا بِمَعْنى: لَكِن من أَمر بِصَدقَة أَو مَعْرُوف، فَإِن فِي نَجوَاهُ خيرا. وَقَالَ الدَّاودِيّ: مَعْنَاهُ: لَا يَنْبَغِي أَن يكون أَكثر نَجوَاهُمْ إلَاّ فِي هَذِه الْخلال. قَوْله: ﴿أَو مَعْرُوف﴾ (النِّسَاء: ٤١١) . الْمَعْرُوف اسْم جَامع لكل مَا عرف من طَاعَة الله ، والتقرب إِلَيْهِ وَالْإِحْسَان إِلَى النَّاس، وكل مَا ندب إِلَيْهِ الشَّرْع، وَنهى عَنهُ من المحسنات والمقبحات، وَهُوَ من الصِّفَات الْغَالِبَة، أَي: أَمر مَعْرُوف بَين النَّاس إِذا رَوَاهُ لَا ينكرونه. قَوْله: ﴿ابْتِغَاء مرضاة الله﴾ (النِّسَاء: ٤١١) . أَي: طلبا لرضاه مخلصاً فِي ذَلِك محتسباً ثَوَاب ذَلِك عِنْد الله تَعَالَى.
وخُرُوجِ الإمَامِ إِلَى المَوَاضِعِ لِيُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ بأصْحَابِهِ
وَخُرُوج الإِمَام، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: وَقَول الله، وَهُوَ من بَقِيَّة التَّرْجَمَة. قَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا يخرج الإِمَام ليصلح بَين النَّاس إِذا أشكل عَلَيْهِ أَمرهم وَتعذر ثُبُوت الْحَقِيقَة عِنْده فيهم، فَحِينَئِذٍ يخرج إِلَى الطَّائِفَتَيْنِ وَيسمع من الْفَرِيقَيْنِ، وَمن الرجل وَالْمَرْأَة، وَمن كَافَّة النَّاس سَمَاعا شافياً يدل على الْحَقِيقَة، هَذَا قَول عَامَّة الْعلمَاء، وَكَذَلِكَ ينْهض الإِمَام على العقارات وَالْأَرضين الَّتِي يتشاح فِي قسمتهَا، فيعاين ذَلِك وَقَالَ عَطاء: لَا يحل للْإِمَام إِذا تبين الْقَضَاء أَن يصلح بَين الْخُصُوم، وَإِنَّمَا يَسعهُ ذَلِك فِي الْأُمُور المشكلة، وَأما إِذا استبانت الْحجَّة لأحد الْخَصْمَيْنِ على الآخر، وَتبين للْحَاكِم مَوضِع الظَّالِم على الْمَظْلُوم، فَلَا يَسعهُ أَن يحملهَا على الصُّلْح، وَبِه قَالَ أَبُو عبيد، وَقَالَ الشَّافِعِي: يأمرهما بِالصُّلْحِ وَيُؤَخر الحكم بَينهمَا يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: إِن طمع القَاضِي أَن يصطلح الخصمان فَلَا بَأْس أَن يرددهما، وَلَا ينفذ الحكم بَينهمَا لعلهما يصطلحان وَلَا يرددهم أَكثر من مرّة أَو مرَّتَيْنِ، فَإِن لم يطْمع أنفذ الحكم بَينهمَا، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ: رددوا الْخُصُوم حَتَّى يصطلحوا، فَإِن فصل الْقَضَاء يحدث بَين النَّاس الضغائن.
стр. 3979
٠٩٦٢ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا أبُو غَسَّانَ قَالَ حدَّثني أبُو حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ نَاسا مِنْ بَنِي عَمْرِو بنِ عَوْفٍ كانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ فَخَرَجَ إلَيْهِمُ النبيُّ ﷺ فِي أُنَاسٍ مِنْ أصْحَابِهِ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ ولَمْ يَأْتِ النبيُّ ﷺ فَجاءَ بِلَالٌ فأذَّنَ بالصَّلاةِ ولَمْ يَأْتِ النبيُّ ﷺ فَجَاءَ إِلَى أبِي بَكْرٍ فَقَالَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ حُبِسَ وقَدْ حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَهَلْ لَكَ أنْ تَؤُمَّ النَّاسَ فقالَ نَعَمْ إنْ شِئْتَ فأقَامَ الصَّلاةَ فتَقَدَّمَ أبُو بَكرٍ ثُمَّ جاءَ النَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ حتَّى قامَ فِي الصَّفِّ الأوَّلِ الأوَّلِ فأخَذَ النَّاسُ بالتَّصْفِيحِ حتَّى أكْثَرُوا وكانَ أبُو بَكْرٍ لَا يَكادُ يَلْتَفِتُ فِي الصَّلاةِ فالْتَفَتْ فإذَا هُوَ بالنَّبِيِّ ﷺ ورَاءَهُ فأشَارَ إلَيْهِ بِيَدِهِ فأمَرَهُ أنْ يُصَلِّي كَمَا هُوَ فَرَفَعَ أبُو بَكْرٍ يَدَهُ فَحَمِدَ الله ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرَى وَرَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ فِي الصَّفِّ وتَقَدَّمَ النبيُّ ﷺ فَصَلَّى بالنَّاس فَلَمَّا فَرَغَ أقْبلَ علَى النَّاسِ فَقَالَ يَا أيُّهَا النَّاسُ إذَا نابَكُمْ شَيّءٌ فِي صَلَاتِكُمْ أخَذْتُمْ بالتَّصْفِيحِ إنَّما التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ منْ نابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ الله فإنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ إلَاّ الْتَفَتَ يَا أبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ حِينَ أشَرْتُ إلَيْكَ لَمْ تُصَلِّ بالنَّاسِ فَقَالَ مَا كانَ يَنْبَغِي لابنِ أبِي قُحافَةَ أنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيِ النبيِّ ﷺ ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ فِي الْإِصْلَاح بَين النَّاس، وَلَا سِيمَا للجزء الْأَخير من التَّرْجَمَة، وَهُوَ قَوْله وَخُرُوج الإِمَام ومطابقته لَهُ صَرِيح فِي قَوْله: فَخرج إِلَيْهِم النَّبِي، ﷺ ، وَأَبُو غَسَّان، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة وَفِي آخِره نون: واسْمه مُحَمَّد بن مطرف اللَّيْثِيّ الْمدنِي، نزل عسقلان، وَأَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي: سَلمَة بن دِينَار. والْحَدِيث مضى فِي كتاب مَوَاقِيت الصَّلَاة فِي: بَاب من دخل ليؤم النَّاس، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن أبي حَازِم، وَقد تقدم الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً،
قَوْله: (كَانَ بَينهم شَيْء) أَي: من الْخُصُومَة قَوْله: (وَحبس) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: حصل لَهُ التَّوَقُّف بِسَبَب الْإِصْلَاح. قَوْله: (بالتصفيح) هُوَ التصفيق وَهُوَ ضرب الْيَد على الْيَد بِحَيْثُ يسمع لَهُ صَوت. قَوْله: (إِذا نابكم) ، كلمة: إِذا، للظرفية الْمَحْضَة لَا للشّرط. قَوْله: (لم تصل) قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ مثل: مَا مَنعك إلأ لَا تسْجد، وثمة صَحَّ أَن يُقَال: لَا، زَائِدَة، فَمَا قَوْلك هُنَا إِذْ لِمَ لَا تكون زَائِدَة؟ ثمَّ أجَاب بقوله: (مَنعك) ، مجَاز عَن دعَاك حملا للنقيض على النقيض.
١٩٦٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ أبي أنَّ أنسا رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قِيلَ للنَّبِيِّ ﷺ لَوْ أتَيْتَ عَبْدَ الله بنَ أُبَيٍّ فانْطَلَقَ إلَيْهِ النبِيُّ ﷺ ورَكِبَ حِمَاراً فانْطَلَقَ المُسْلِمُونَ يَمْشُون معَهُ وهْيَ أرْضٌ سَبِخَةٌ فلَمَّا أتَاهُ النبيُّ ﷺ فَقَالَ إلَيْكَ عَنِّي وَالله لَقَدْ آذانِي نَتْنُ حِمارِكَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ مِنْهُمْ وَالله لَحِمَارُ رسولِ الله ﷺ أطْيَبُ رِيحاً مِنْكَ فَغَضِبَ لِعَبْدِ الله رَجُلٌ مِنْ قَوْمهِ فَشتَمَهُ فَغَضِبَ لكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا أصْحَابُهُ فَكانَ بَيْنَهُمَا ضَرْبٌ بالجَرِيدِ والأيْدِي والنِّعَالِ فَبَلَغَنا أنَّهَا أُنْزِلَتْ ﴿وإنَّ طائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فأصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (الحجرات: ٩) .
стр. 3980
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه، ﷺ ، خرج إِلَى مَوضِع فِيهِ عبد الله بن أبي بن سلول لِيَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَام، وَكَانَ ذَلِك فِي أول قدومه الْمَدِينَة إِذْ التَّبْلِيغ فرض عَلَيْهِ، وَكَانَ يَرْجُو أَن يسلم من وَرَاءه بِإِسْلَامِهِ لرياسته فِي قومه، وَقد كَانَ أهل الْمَدِينَة عزموا أَن يُتَوِّجُوهُ بتاج الْإِمَارَة لذَلِك، وَكَانَ خُرُوجه ﷺ فِي نفس الْأَمر من أعظم الْإِصْلَاح فيهم، قيل: إِنَّمَا خرج إِلَيْهِم وَلم ينفذ إِلَيْهِم لكثرتهم، وليكون خُرُوجه أعظم فِي نُفُوسهم، وَقيل: لقرب عَهدهم بِالْإِسْلَامِ. وَقَالَ الدَّاودِيّ: كَانَ هَذَا قبل إِسْلَام عبد الله بن أبيَّ. قلت: لَكِن بشكل عَلَيْهِ قَوْله: أنزلت: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (الحجرات: ٩) . على مَا نذكرهُ عَن قريب.
وَرِجَاله أَرْبَعَة: الأول: مُسَدّد، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: مُعْتَمر على وزن اسْم فَاعل من الاعتمار. الثَّالِث: أَبوهُ سُلَيْمَان ابْن طرخان. الرَّابِع: أنس بن مَالك، وَهَؤُلَاء كلهم بصريون.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن مُعْتَمر عَن أَبِيه بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لَو أتيت) ، كلمة: لَو، هُنَا لِلتَّمَنِّي، فَلَا يحْتَاج إِلَى جَوَاب، وَيجوز أَن تكون على أَصْلهَا، وَالْجَوَاب مَحْذُوف تَقْدِيره: لَكَانَ خيرا، وَنَحْو ذَلِك. قَوْله: (وَركب حمارا) ، جملَة حَالية، وَكَذَلِكَ قَوْله: (يَمْشُونَ) ، جملَة حَالية، قَوْله: (سبخَة) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَاحِدَة السباخ، وَأَرْض سبخَة، بِكَسْر الْبَاء: ذَات سباخ، وَهِي الأَرْض الَّتِي تعلوها الملوحة وَلَا تكَاد تنْبت إلَاّ بعض الشّجر. قَوْله: (إِلَيْك عني) ، يَعْنِي: تَنَح عني. قَوْله: (فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار) قَالَ ابْن التِّين: قيل: إِنَّه عبد الله بن رَوَاحَة. قَوْله: (لحِمَار) ، اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد، وارتفاعه على الِابْتِدَاء وَخَبره قَوْله: (أطيب ريحًا مِنْك) . قَوْله: (فَغَضب لعبد الله) أَي: لأجل عبد الله، وَهُوَ ابْن أبي بن سلول. قَوْله: (فشتمه) كَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: فشتما، بالتثنية بِلَا ضمير، أَي: فشتم كل وَاحِد مِنْهُمَا الآخر. قَوْله: (بِالْجَرِيدِ) ، بِالْجِيم وَالرَّاء كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بالحديد بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالدَّال. قَوْله: (فَبَلغنَا) ، الْقَائِل هُوَ أنس بن مَالك، قَوْله: (إِنَّهَا) أَي: إِن الْآيَة أنزلت وأوضحها بقوله: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (الحجرات: ٩) . وَقَالَ ابْن بطال: ويستحيل أَن تكون الْآيَة الْكَرِيمَة نزلت فِي قصَّة ابْن أبيّ، وقتال أَصْحَابه مَعَ الصَّحَابَة، لِأَن أَصْحَاب عبد الله لَيْسُوا مُؤمنين، وَقد تعصبوا لَهُ بعد الْإِسْلَام فِي قصَّة الْإِفْك، وَقد جَاءَ هَذَا الْمَعْنى مُبينًا فِي هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الاسْتِئْذَان من رِوَايَة أُسَامَة بن زيد، قَالَ: مر رَسُول الله، ﷺ بِمَجْلِس فِيهِ أخلاط من الْمُشْركين وَالْمُسْلِمين وَعَبدَة الْأَوْثَان وَالْيَهُود، فيهم عبد الله بن أبي، وَأَن النَّبِي ﷺ لما عرض عَلَيْهِم الْإِيمَان قَالَ ابْن أبي: إجلس فِي بَيْتك، فَمن جَاءَك يُرِيد الْإِسْلَام ... الحَدِيث، فَدلَّ أَن الْآيَة لم تنزل فِي قصَّة ابْن أبيّ وَإِنَّمَا نزلت فِي قوم من الْأَوْس والخزرج اخْتلفُوا فِي حد، فَاقْتَتلُوا بِالْعِصِيِّ وَالنعال، قَالَه سعيد بن جُبَير وَالْحسن وَقَتَادَة، وَيُشبه أَن تكون نزلت فِي بني عَمْرو بن عَوْف الَّذين خرج إِلَيْهِم النَّبِي، ﷺ ، ليصلح بَينهم ... الحَدِيث الْمَذْكُور فِي الصَّلَاة، وَفِي تَفْسِير مقَاتل: مر ﷺ على الْأَنْصَار وَهُوَ رَاكب حِمَاره يَعْفُور، فَبَال، فَأمْسك ابْن أبي بأنفِهِ وَقَالَ للنَّبِي ﷺ : خل للنَّاس سَبِيل الرّيح من نَتن هَذَا الْحمار، فشق على النَّبِي ﷺ . قَوْله: (فَانْصَرف) ، فَقَالَ ابْن رَوَاحَة ألَا أَرَاك أمسَكت على أَنْفك من بَوْل حِمَاره؟ وَالله لَهو أطيب من ريح عرضك، فَكَانَ بَينهم ضرب بِالْأَيْدِي وَالسَّعَف، فَرجع النَّبِي ﷺ فَأصْلح بَينهم، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ﴾ (الحجرات: ٩) . الْآيَة. وَفِي (تَفْسِير ابْن عَبَّاس) : وأعان ابْن أبي رجال من قومه وهم مُؤمنُونَ فَاقْتَتلُوا، وَمن زعم أَن قِتَالهمْ كَانَ بِالسُّيُوفِ فقد كذب.
قلت: التَّحْرِير فِي هَذَا أَن حَدِيث أنس هَذَا مُغَاير لحَدِيث سهل بن سعد الَّذِي قبله، لِأَن قصَّة سهل فِي بني عَمْرو بن عَوْف وهم من الْأَوْس، وَكَانَت مَنَازِلهمْ بقباء، وقصة أنس فِي رَهْط عبد الله بن أبي، وهم من الْخَزْرَج، وَكَانَت مَنَازِلهمْ بِالْعَالِيَةِ، فَلهَذَا اسْتشْكل ابْن بطال، ثمَّ قَالَ: يشبه أَن تكون الْآيَة نزلت فِي بني عَمْرو بن عَوْف، فَإِذا كَانَ نزُول الْآيَة فيهم لَا إِشْكَال فِيهِ، وَإِذا قُلْنَا: نُزُولهَا فِي قَضِيَّة عبد الله بن أبي، يبْقى الْإِشْكَال، وَلَكِن يحْتَمل أَن يَزُول الْإِشْكَال من وَجه آخر، وَهُوَ أَن فِي حَدِيث أنس ذكر أَنه ﷺ كَانَ يمْضِي بِنَفسِهِ ليبلغ مَا أنزل إِلَيْهِ لقرب عَهدهم بِالْإِسْلَامِ، فَبِهَذَا يَزُول الْإِشْكَال إِن صَحَّ ذَلِك، مَعَ أَن الدَّاودِيّ نَص على أَنه كَانَ قبل إِسْلَام عبد الله، كَمَا ذَكرْنَاهُ، فَإِن صَحَّ مَا ذكره الدَّاودِيّ فالإشكال بَاقٍ، وَيحْتَمل إِزَالَة الْإِشْكَال أَيْضا من وَجه آخر، وَهُوَ: أَن قَول أنس فِي الحَدِيث الْمَذْكُور: بلغنَا أَنَّهَا أنزلت ... لَا يسْتَلْزم النُّزُول، فِي ذَلِك الْوَقْت،
стр. 3981
وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن الْآيَة فِي الحجرات ونزولها مُتَأَخّر جدا.
على أَن الْمُفَسّرين اخْتلفُوا فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة، فَقَالَ قَتَادَة: نزلت فِي رجلَيْنِ من الْأَنْصَار كَانَت بَينهمَا مداراة فِي حق بَينهمَا، فَقَالَ أَحدهمَا للْآخر: لآخذنَّ حَقي مِنْك عنْوَة، لِكَثْرَة عشيرته، وَأَن الآخر دَعَاهُ إِلَى النَّبِي ﷺ فَأبى أَن يتبعهُ، فَلم يزل الْأَمر بَينهمَا حَتَّى تدافعا، وَحَتَّى تنَاول بَعضهم بَعْضًا بِالْأَيْدِي وَالنعال، وَلم يكن قتال بِالسُّيُوفِ، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: إِنَّهَا نزلت فِي حَرْب سمير وحاطب، وَكَانَ سمير قتل حَاطِبًا، فَجعل الْأَوْس والخزرج يقتتلون إِلَى أَن أَتَاهُم رَسُول الله، ﷺ ، فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة، وَأمر نبيه وَالْمُؤمنِينَ أَن يصلحوا بَينهم. وَقَالَ السّديّ: كَانَت امْرَأَة من الْأَنْصَار يُقَال لَهَا: أم زيد تَحت رجل، وَكَانَ بَينهَا وَبَين زَوجهَا شَيْء، قَالَ: فرقى بهَا إِلَى علية وحبسها فِيهَا، فَبلغ ذَلِك قَومهَا، فجاؤا وَجَاء قومه فَاقْتَتلُوا بِالْأَيْدِي وَالنعال، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (الحجرات: ٩) [/ ح.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: بَيَان مَا كَانَ للنَّبِي، ﷺ ، عَلَيْهِ من الصفح والحلم وَالصَّبْر على الْأَذَى وَالدُّعَاء إِلَى الله تَعَالَى، وتأليف الْقُلُوب على ذَلِك. وَفِيه: أَن ركُوب الْحمار لَا نقص فِيهِ على الْكِبَار، وَكَانَ ركُوبه ﷺ على سَبِيل التشريع، ركب مرّة فرسا لأبي طَلْحَة فِي فزع كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَركب يَوْم حنين بغلته ليثبت الْمُسلمُونَ إِذا رَأَوْهُ عَلَيْهَا، ووقف بِعَرَفَة على رَاحِلَته، وَسَار مِنْهَا إِلَى مُزْدَلِفَة وَهُوَ عَلَيْهَا وَمن مُزْدَلِفَة إِلَى منى وَإِلَى مَكَّة. وَفِيه: مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة من تَعْظِيم رَسُول الله، ﷺ ، وَالْأَدب مَعَه والمحبة الشَّدِيدَة. وَفِيه: جَوَاز الْمُبَالغَة فِي الْمَدْح، لِأَن الصَّحَابِيّ أطلق على أَن ريح الْحمار أطيب من ريح عبد الله بن أبي، وَلم يُنكر عَلَيْهِ النَّبِي، ﷺ ، فِي ذَلِك. وَفِيه: إِبَاحَة مشي التلامذة وَالشَّيْخ رَاكب.
٢ - (بابٌ لَيْسَ الكاذِبُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ لَيْسَ الْكَاذِب الَّذِي يصلح بَين النَّاس، لِأَن فِيهِ دفع الْمفْسدَة، وقمع الشرور وَمَعْنَاهُ: أَن هَذَا الْكَذِب لَا يعد كذبا بِسَبَب الْإِصْلَاح، مَعَ أَنه ل يخرج من حَقِيقَته. فَإِن قلت: الَّذِي فِي الحَدِيث: لَيْسَ الْكذَّاب) ، فَلفظ التَّرْجَمَة لَا يطابقه قلت: فِي لفظ مُسلم من رِوَايَة معمر عَن ابْن شهَاب كَلَفْظِ التَّرْجَمَة، فَلَا يضر هَذَا الْقدر من الِاخْتِلَاف، وَقَالَ بَعضهم: وَكَانَ حق السِّيَاق أَن يَقُول: لَيْسَ من يصلح بن النَّاس كَاذِبًا، لكنه ورد على طَرِيق الْقلب، وَهُوَ سَائِغ، انْتهى. قلت: الَّذِي ذكره هُوَ حق السِّيَاق، لِأَن الحَدِيث هَكَذَا، فراعى الْمُطَابقَة، غير أَن الِاخْتِلَاف فِي لفظ الْكذَّاب والكاذب، وَكِلَاهُمَا لفظ النَّبِي ﷺ ، فِي حَدِيث وَاحِد، فَلَا يعد اخْتِلَافا، وَدَعوى الْقلب لَا دَلِيل عَلَيْهِ، مَعَ أَن معنى قَوْله فِي الحَدِيث: ﴿لَيْسَ الْكذَّاب) ، أَنه من بَاب ذِي كَذَا، أَي: لَيْسَ بِذِي كذب، كَمَا قيل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا رَبك بظلام للعبيد﴾ (فصلت: ٦٤) . أَي: وَمَا رَبك بِذِي ظلم، لِأَن نفي الظلامية لَا يسْتَلْزم نفي كَونه ظَالِما، فَلذَلِك يقدر كَذَا، لِأَن الله تَعَالَى لَا يظلم مِثْقَال ذرة، يَعْنِي لَيْسَ عِنْده ظلم أصلا.
٢٩٦٢ - حدَّثنا عبْدُ العزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ صالِحٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ أنَّ حُمَيْدَ بنَ عَبْدِ الرَّحْمانِ أخبرَهُ أنَّ أُمَّهُ أُمَّ كَلْثُومٍ بنْتَ عُقْبَةَ أخْبَرَتْهُ أنَّها سَمِعَتْ رسولَ الله، ﷺ يقُولُ لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرَاً أوْ يَقولُ خَيْراً.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى بن عَمْرو بن أويس الأويسي، وَفِي بعض النّسخ لفظ الأويسي مَذْكُور، وَهُوَ نسبته إِلَى أحد أجداده. الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن سعد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. الثَّالِث: صَالح بن كيسَان. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: حميد، بِضَم الْحَاء: ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف بن عبد عَوْف. السَّادِس: أمه، أم كُلْثُوم، بنت عقبَة، بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف: ابْن أبي معيط، كَانَت تَحت زيد بن حَارِثَة، ثمَّ تزَوجهَا عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فَولدت لَهُ إِبْرَاهِيم وحميداً، ثمَّ تزَوجهَا الزبير بن الْعَوام، ثمَّ تزَوجهَا عَمْرو بن الْعَاصِ، وَهِي أُخْت الْوَلِيد بن
стр. 3982
عقبَة وَأُخْت عُثْمَان بن عَفَّان لأمه، أسلمت وَهَاجَرت وبايعت وَكَانَت هجرتهَا سنة سبع.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن كلهم مدنيون. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين فِي نسق وهم: صَالح وَابْن شهَاب وَحميد. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأُم. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصحابية.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن عَمْرو بن النَّاقِد وَعَن حَرْمَلَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن نصر بن عَليّ، وَعَن مُسَدّد وَعَن أَحْمد بن مُحَمَّد وَعَن الرّبيع بن سُلَيْمَان. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن أَحْمد بن منيع، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن عبيد الله بن سعيد وَفِي عشرَة النِّسَاء عَن مُحَمَّد بن زنبور وَعَن كثير بن عبيد وَعَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (الَّذِي يصلح بَين النَّاس) فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ خبر: لَيْسَ، وَيصْلح، بِضَم الْيَاء من الْإِصْلَاح. قَوْله: (فينمي) ، من: نمى الحَدِيث إِذا رَفعه وبلغه على وَجه الْإِصْلَاح، وأنماه إِذا بلغه على وَجه الْإِفْسَاد، وَكَذَلِكَ: نماه، بِالتَّشْدِيدِ. وَقَالَ ابْن فَارس: نميت الحَدِيث إِذا أشعته. ونميت بِالتَّخْفِيفِ: أسندته، وَقَالَ الزّجاج فِي (فعلت وأفعلت) نميت الشَّيْء وأنميته بِمَعْنى، وَفِي (فصيح ثَعْلَب) : نمى ينمي أَي: زَاد، وَكثر وَحكى اللحياني: يَنْمُو، بِالْوَاو قَالَ: وهما لُغَتَانِ فصيحتان، وَفِيه لُغَة أُخْرَى حَكَاهَا ابْن القطاع وَغَيره: نَمُوَ، على وزن: شرف، وَقَالَ الْكسَائي: لم أسمعهُ بِالْوَاو إِلَّا من أَخَوَيْنِ من بني سليم. قَالَ: ثمَّ سَأَلت عَنهُ بني سليم فَلم يعرفوه بِالْوَاو، وَفِي (الصِّحَاح) : رُبمَا قَالُوا بِالْوَاو، وينمو، وَفِي (الواعي) وَغَيره: ينمى أفْصح، وَذكر أَبُو حَاتِم فِي (تَقْوِيم الْمُفْسد) : لَا يُقَال: يَنْمُو. وَعَن الْأَصْمَعِي: الْعَامَّة يَقُولُونَ يَنْمُو، وَلَا أعرف ذَلِك يثبت، وَذكر الليلي: أَن بعض اللغويين فرق بَين ينمى وينمو، فَقَالَ: ينمى بِالْيَاءِ لِلْمَالِ، وبالواو لغير المَال، وَقَالَ الْحَرْبِيّ: وَأكْثر الْمُحدثين يَقُولُونَ: نمى خيرا، بتَخْفِيف الْمِيم، وَهَذَا لَا يجوز فِي النَّحْو، وَسَيِّدنَا رَسُول الله، ﷺ أفْصح النَّاس، وَمن خفف الْمِيم يلْزمه أَن يَقُول: خير، بِالرَّفْع انْتهى. لقَائِل أَن يَقُول: يجوز أَن ينْتَصب خيرا: بينمى، كَمَا ينْتَصب: بقال، وَذكر ابْن قرقول عَن القعْنبِي: ينمي، بِضَم الْيَاء وَكسر الْمِيم، قَالَ: وَلَيْسَ بِشَيْء، وَوَقع فِي رِوَايَة: ينْهَى، ذَلِك، بِالْهَاءِ، وَهُوَ تَصْحِيف. وَقد يخرج على معنى أَن يبلغ بِهِ من: أنهيت الْأَمر إِلَى كَذَا، أَي: أوصلته إِلَيْهِ. أوصلته إِلَيْهِ. وَفِي (الْمُحكم) : أنميته: أذعته على وَجه النميمة. قَوْله: (أَو يَقُول خيرا) ، شكّ من الرَّاوِي، وَزَاد مُسلم فِي رِوَايَة يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه عَن صَالح عَن الزُّهْرِيّ، قَالَت: وَلم أسمعهُ يرخص فِي شَيْء مِمَّا يَقُول النَّاس إلَاّ فِي ثَلَاث: يَعْنِي: الْحَرْب، والإصلاح بَين النَّاس، وَحَدِيث الرجل امْرَأَته وَحَدِيث الْمَرْأَة زَوجهَا، وَجعل يُونُس هَذِه الزِّيَادَة عَن الزُّهْرِيّ، فَقَالَ: لم أسمع يرخص فِي شَيْء مِمَّا يَقُول النَّاس: كذب إلَاّ فِي ثَلَاث، وَعند التِّرْمِذِيّ: لَا يحل الْكَذِب إلَاّ فِي ثَلَاث: يحدث الرجل امْرَأَته ليرضيها، وَالْكذب فِي الْحَرْب، وَالْكذب ليصلح بَين النَّاس، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: اخْتلف الْعلمَاء فِي هَذَا الْبَاب، فَقَالَت طَائِفَة: الْكَذِب المرخص فِيهِ فِي هَذِه هُوَ جَمِيع مَعَاني الْكَذِب، فَحَمله قوم على الْإِطْلَاق، وأجازوا قَول مَا لم يكن فِي ذَلِك لما فِيهِ من الْمصلحَة، فَإِن الْكَذِب المذموم إِنَّمَا هُوَ فِيمَا فِيهِ مضرَّة للْمُسلمين، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ عبد الْملك بن ميسرَة عَن النزال بن سُبْرَة، قَالَ: كُنَّا عِنْد عُثْمَان وَعِنْده حُذَيْفَة، فَقَالَ لَهُ عُثْمَان: بَلغنِي عَنْك أَنَّك قلت كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ حُذَيْفَة: وَالله مَا قلته، قَالَ: وَقد سمعناه قَالَ ذَلِك، فَلَمَّا خرج قُلْنَا لَهُ: أَلَيْسَ قد سمعناك تَقوله؟ قَالَ: بلَى، قُلْنَا: فَلِمَ حَلَفت؟ فَقَالَ: إِنِّي أستر ديني بعضه بِبَعْض مَخَافَة أَن يذهب كُله، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يجوز الْكَذِب فِي شَيْء من الْأَشْيَاء، وَلَا الْخَبَر عَن شَيْء بِخِلَاف مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَمَا جَاءَ فِي هَذَا إِنَّمَا هُوَ على التورية وَطَرِيق المعاريض، تَقول للظالم: فلَان يَدْعُو لَك، وتنوي قَوْله: أللهم اغْفِر لجَمِيع الْمُسلمين، ويعد زَوجته وبنته، وَيُرِيد فِي ذَلِك أَن قدر الله تَعَالَى أَو إِلَى مُدَّة، وَكَذَلِكَ الْإِصْلَاح بَين النَّاس، وَحَدِيث الْمَرْأَة زَوجهَا يحْتَمل أَنه مِمَّا يحدث أَحدهمَا الآخر من وده لَهُ واغتباطه بِهِ، وَالْكذب فِي الْحَرْب هُوَ أَن يظْهر من نَفسه قُوَّة ويتحدث بِمَا يشحذ بِهِ بَصِيرَة أَصْحَابه ويكيد بِهِ عدوه، وَقد قَالَ سيدنَا رَسُول الله، ﷺ : (الْحَرْب خدعة) وَقَالَ الْمُهلب: لَيْسَ لأحد أَن يعْتَقد إِبَاحَة الْكَذِب، وَقد نهى النَّبِي، ﷺ عَن الْكَذِب نهيا مُطلقًا، وَأخْبر أَنه مُخَالف للْإيمَان، فَلَا يجوز اسْتِبَاحَة شَيْء مِنْهُ، وَإِنَّمَا أطلق النَّبِي، ﷺ ، للمصلح بَين النَّاس أَن يَقُول مَا علم من الْخَيْر بَين الْفَرِيقَيْنِ ويسكت عَمَّا سمع من الشَّرّ بَينهم، ويعد أَن يسهل مَا صَعب وَيقرب مَا بعد، لَا أَنه يخبر بالشَّيْء على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ، لِأَن الله قد حرم ذَلِك وَرَسُوله، وَكَذَلِكَ الرجل يعد الْمَرْأَة
стр. 3983
ويمنيها وَلَيْسَ هَذَا من طَرِيق الْكَذِب، لِأَن حَقِيقَته الْإِخْبَار عَن الشَّيْء على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ، والوعد لَا يكون حَقِيقَة حَتَّى ينجز، وإلانجاز مرجو فِي الاستقيال، فَلَا يصلح أَن يكون كذبا، وَكَذَلِكَ فِي الْحَرْب إِنَّمَا يجوز فِيهَا المعاريض والإبهام بِأَلْفَاظ تحْتَمل وَجْهَيْن، فيوري بهَا عَن أحد الْمَعْنيين ليغتر السَّامع بِأَحَدِهِمَا عَن الآخر، وَلَيْسَ حَقِيقَته الْإِخْبَار عَن الشَّيْء بِخِلَافِهِ وضده، وَنَحْو ذَلِك مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله، ﷺ أَنه مازح عجوزاً، فَقَالَ: (إِن العُجَّز لَا يدخلن الْجنَّة) . فأوهمها فِي ظَاهر الْأَمر أَنَّهُنَّ لَا يدخلن الْجنَّة أصلا، وَإِنَّمَا أَرَادَ: أَنَّهُنَّ لَا يدخلن الْجنَّة إلَاّ شبَابًا، فَهَذَا وَشبهه من المعاريض الَّتِي فِيهَا مندوحة عَن الْكَذِب، وَأما صَرِيح الْكَذِب فَلَيْسَ بجائز لأحد. وَأما قَول حُذَيْفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. فَإِنَّهُ خَارج من مَعَاني الْكَذِب الَّذِي رُوِيَ عَن رَسُول الله، ﷺ أَنه أذن فِيهَا، وَإِنَّمَا ذَلِك من جنس إحْيَاء الرجل نَفسه عِنْد الْخَوْف، كَالَّذي يضْطَر إِلَى الْميتَة وَلحم الْخِنْزِير فيأكل ليحيى نَفسه، وَكَذَلِكَ الْخَائِف، لَهُ أَن يخلص نَفسه بِبَعْض مَا حرم الله تَعَالَى عَلَيْهِ، وَله أَن يحلف على ذَلِك وَلَا حرج عَلَيْهِ وَلَا إِثْم، قَالَ عِيَاض: وَأما المخادعة فِي منع حق عَلَيْهِ أَو عَلَيْهَا أَو أَخذ مَا لَيْسَ لَهُ أَولهَا فَهُوَ حرَام بِالْإِجْمَاع.
٣ - (بابُ قَوْلِ الإمامِ لأصْحَابِهِ اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الإِمَام ... إِلَى آخِره. قَوْله: (نصلح) ، مجزوم لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر.
٣٩٦٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله الأويْسِيُّ وإسْحَاقُ بنَ مُحَمَّدٍ الفَرْوِيُّ قَالَا حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرَ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ أهْلَ قُباءٍ اقْتَتَلُوا حتَّى تَرَاموْا بالحِجَارَةِ فأُخْبِرَ رسولُ الله ﷺ بِذَلِكَ فَقَالَ اذْهَبُوا بِنا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمُحَمّد بن عبد الله هُوَ مُحَمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خَالِد بن فَارس بن ذُؤَيْب أَبُو عبد الله الذهلي النَّيْسَابُورِي، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي قريب من ثَلَاثِينَ موضعا، وَلم يقل: حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى الذهلي مُصَرحًا، وَيَقُول: حَدثنَا مُحَمَّد، وَلَا يزِيد عَلَيْهِ، وَرُبمَا يَقُول: مُحَمَّد بن عبد الله، فينسبه إِلَى جده، وَيَقُول أَيْضا: مُحَمَّد بن خَالِد، وينسبه إِلَى جد أَبِيه، وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَن البُخَارِيّ، لما دخل نيسابور شغب عَلَيْهِ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي فِي مَسْأَلَة خلق اللَّفْظ، وَكَانَ قد سمع مِنْهُ، فَلم يتْرك الرِّوَايَة عَنهُ وَلم يُصَرح باسمه، مَاتَ بعد البُخَارِيّ بِيَسِير، سنة سبع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، وَأما عبد الْعَزِيز بن عبد الله الأويسي فَهُوَ أَيْضا من مَشَايِخ البُخَارِيّ، وَقد روى عَنهُ بِلَا وَاسِطَة فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وروى هُنَا بِوَاسِطَة مُحَمَّد بن يحيى، وَهَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَأبي أَحْمد الْجِرْجَانِيّ بإسقاطه، وَصَارَ الحَدِيث عِنْدهمَا: عَن البُخَارِيّ عَن عبد الْعَزِيز وَإِسْحَاق بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن عبد الله بن أبي فَرْوَة أَبُو يَعْقُوب الْفَروِي، وَهُوَ أَيْضا من مَشَايِخ البُخَارِيّ، روى عَنهُ وَعَن مُحَمَّد غير مَنْسُوب عَنهُ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعبد الْعَزِيز وَإِسْحَاق كِلَاهُمَا رويا عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن أبي كثير عَن أبي حَازِم: سَلمَة بن دِينَار عَن سهل بن دِينَار عَن سهل بن سعد الْأنْصَارِيّ، وَهَذَا الحَدِيث طرف من حَدِيث سهل بن سعد الَّذِي مضى فِي أول كتاب الصُّلْح.
قَوْله: (نصلح) ، يجوز بِالْجَزْمِ وبالرفع، أما الْجَزْم: فَلِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر. وَأما الرّفْع فعلى تَقْدِير: نَحن نصلح.
وَفِيه: خُرُوج الإِمَام مَعَ أَصْحَابه للإصلاح بَين النَّاس عِنْد تفاقم أُمُورهم وَشدَّة تنازعهم. وَفِيه: مَا كَانَ ﷺ من التَّوَاضُع والخضوع والحرص على قطع، الْخلاف وحسم دواعي الْفرْقَة عَن أمته، كَمَا وَصفه الله تَعَالَى.
٤ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿أنْ يَصَّالَحَا بيْنَهُمَا صُلْحاً والصُّلْحُ خيْرٌ﴾ (النِّسَاء: ٨٢١) .)
أول الْآيَة، قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن امْرَأَة خَافت من بَعْلهَا نُشُوزًا أَو إعْرَاضًا فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا أَن يصَّالحا بَينهمَا صلحا وَالصُّلْح خير، وأحضرت الْأَنْفس الشُّح، وَإِن تحسنوا وتتقوا فَإِن الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا﴾ (النِّسَاء: ٨٢١) . يَقُول الله تَعَالَى مخبرا ومشرعاً عَن حَال الزَّوْجَيْنِ تَارَة فِي حَال نفور الرجل عَن الْمَرْأَة، وَتارَة فِي حَال اتفاقه مِنْهَا، وَتارَة عِنْد فِرَاقه لَهَا. فالحالة
стр. 3984
الأولى: مَا إِذا خَافت الْمَرْأَة من زَوجهَا أَن ينفر عَنْهَا أَو يعرض عَنْهَا، فلهَا أَن تسْقط عَنهُ حَقّهَا أَو بعضه من نَفَقَة أَو كسْوَة أَو مبيت أَو غير ذَلِك من حُقُوقهَا عَلَيْهِ، وَله أَن يقبل ذَلِك مِنْهَا، فَلَا جنَاح عَلَيْهَا فِي بذلها ذَلِك لَهُ، وَلَا عَلَيْهِ فِي قبُوله مِنْهَا، وَلِهَذَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا أَن يصالحها بَينهمَا صلحا﴾ (النِّسَاء: ٨٢١) . ثمَّ قَالَ: ﴿وَالصُّلْح خير﴾ (النِّسَاء: ٨٢١) . أَي: من الْفِرَاق، وروى أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ: حَدثنَا سُلَيْمَان بن معَاذ عَن سماك بن حَرْب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: خشيت سَوْدَة أَن يطلقهَا رَسُول الله، ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُول الله! لَا تُطَلِّقنِي، وَاجعَل يومي لعَائِشَة، فَفعل وَنزلت هَذِه الْآيَة: ﴿وَإِن امْرَأَة خَافت﴾ (النِّسَاء: ٨٢١) . الْآيَة وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ. وَقَالَ: حسن غَرِيب، وَقيل: نزلت فِي رَافع بن خديج طلق زَوجته وَاحِدَة وَتزَوج شَابة، فَلَمَّا قَارن انْقِضَاء الْعدة قَالَت: أصالحك على بعض الْأَيَّام، ثمَّ لم تسمح، فَطلقهَا أُخْرَى ثمَّ سَأَلته ذَلِك فَرَاجعهَا، فَنزلت هَذِه الْآيَة، قَوْله: ﴿نُشُوزًا﴾ النُّشُوز أَصله الإرتفاع، فَإِذا أَسَاءَ عشرتها ومنعها نَفسه وَالنَّفقَة فَهُوَ نشوز، وَقَالَ ابْن فَارس: نشز بَعْلهَا إِذا جفاها وضربها، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: النُّشُوز أَن يتجافى عَنْهَا، بِأَن يمْنَعهَا الرَّحْمَة الَّتِي بَين الرجل وَالْمَرْأَة، وَأَن يؤذيها بسب أَو ضرب، والإعراض أَن يعرض عَنْهَا بِأَن يقل محادثتها ومؤانستها، وَذَلِكَ لبَعض الْأَسْبَاب من طعن فِي سنّ أَو دمامة أَو شَيْء فِي خُلق أَو خَلق أَو ملال أَو نَحْو ذَلِك. قَوْله: ﴿أَن يصَّالحَا﴾ أَصله: أَن يتصالحا، فأبدلت التَّاء صاداً وأدغمت الصَّاد فِي الصَّاد، فَصَارَ: يصالحا، وقريء: (أَن يصلحا) أَي: أَن يصطلحا، وَأَصله: يصتلحا، فأبدلت التَّاء صاداً وأدغمت فِي الْأُخْرَى، وقرىء: أَن يصلحا. وَقَوله: ﴿صلحا﴾ (النِّسَاء: ٨٢١) . فِي معنى مصدر كل وَاحِد من الْأَفْعَال الثَّلَاثَة. قَوْله: ﴿وَالصُّلْح خير﴾ (النِّسَاء: ٨٢١) . أَي: من الْفرْقَة أَو من النُّشُوز والإعراض وَسُوء الْعشْرَة. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هَذِه الْجُمْلَة اعْتِرَاض، وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿وأحضرت الْأَنْفس الشُّح﴾ (النِّسَاء: ٨٢١) . وَمعنى إِحْضَار الْأَنْفس الشُّح: أَن الشُّح جعل حَاضرا لَهَا لَا يغيب عَنْهَا أبدا، وَلَا تنفك عَنهُ، يَعْنِي أَنَّهَا مطبوعة عَلَيْهِ، وَالْغَرَض أَن الْمَرْأَة لَا تكَاد تسمح بقسمتها، وَالرجل لَا يكَاد نَفسه تسمح بِأَن يقسم لَهَا وَأَن يمْسِكهَا إِذا رغب عَنْهَا، وَأحب غَيرهَا. قَوْله: ﴿وَإِن تحسنوا﴾ (النِّسَاء: ٨٢١) . أَي: بِالْإِقَامَةِ على نِسَائِكُم وتتقوا النُّشُوز والإعراض، وَمَا يُؤَدِّي إِلَى الْأَذَى وَالْخُصُومَة، ﴿فَإِن الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (النِّسَاء: ٨٢١) . من الْإِحْسَان وَالتَّقوى ﴿خَبِيرا﴾ (النِّسَاء: ٨٢١) . يثيبكم عَلَيْهِ.
٤٩٦٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سعِيدٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أوْ إعْرَاضاً﴾ (النِّسَاء: ٨٢١) . قالَتْ هُوَ الرَّجُلُ يَراى منِ امْرَأتِهِ مَا لَا يُعْجِبُهُ كِبَراً أوْ غَيْرُهُ فَيُرِيدُ فِرَاقَهَا فَتَقُولُ أمْسِكْنِي واقْسِمْ لي مَا شِئْتَ قالتْ فَلا بَأْسَ إذَا تَراضَيا.
هَذَا الحَدِيث تَفْسِير عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، هَذِه الْآيَة، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، قَوْله: كبرا، بِالنّصب بَيَان لقَوْله: مَا لَا يُعجبهُ، أَي: كبر السن أَو غَيره من سوء خلق أَو خلق، ويروى وَغَيره، بِالْوَاو. قَوْله: (فَتَقول) ، أَي الْمَرْأَة تَقول لزَوجهَا: عَائِشَة فَلَا بَأْس بذلك إِذا تَرَاضيا أَي الرجل وَامْرَأَته، وَدلّ هَذَا على أَن ترك التَّسْوِيَة بَين النِّسَاء وتفضيل بَعضهم على بعض لَا يجوز إلَاّ بِإِذن المفضولة ورضاها، وَيدخل فِي هَذَا الْمَعْنى جَمِيع مَا يَقع بَين الرجل وَالْمَرْأَة فِي: مَال أَو وَطْء أَو غير ذَلِك، وكل مَا تَرَاضيا عَلَيْهِ من الصُّلْح فَهُوَ حَلَال للرجل، من زَوجته لِلْآيَةِ الْمَذْكُورَة، وَنقل الدَّاودِيّ عَن مَالك: أَنَّهَا إِذا رضيت بِالْبَقَاءِ بترك الْقسم لَهَا أَو الْإِنْفَاق عَلَيْهَا، ثمَّ سَأَلت الْعدْل، كَانَ ذَلِك لَهَا، وَالَّذِي قَالَه فِي الْمُدَوَّنَة، ذكره فِي الْقسم لَهَا، وَأما النَّفَقَة فيلزمها ذَلِك إِذا تركته، وَالْفرق أَن الْغيرَة لَا تملك بِخِلَاف النَّفَقَة.
٥ - (بابٌ إذَا اصْطَلَحُوا على صُلْحِ جَوْرٍ فالصُّلْحُ مَرْدُودٌ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: إِذا اصْطلحَ قوم على صلح جور، الْجور فِي الأَصْل الظُّلم، يُقَال: جَار جوراً، أَي: ظلما، وَلَفظ: جور، يجوز أَن يكون صفة لصلح، وَيجوز أَن يكون مُضَافا إِلَيْهِ قَوْله (فَالصُّلْح) بِالْفَاءِ جَوَاب إِذا المتضمنة معنى الشَّرْط.
стр. 3985
٦٩٦٢ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبِي ذِئبٍ قَالَ حدَّثنا الزُّهْرِيُّ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عبْدِ الله عنْ أبِي هُرَيْرَةَ وزَيْدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَا جاءَ أعْرَابِيٌّ فَقَالَ يَا رسولَ الله اقْضِ بَيْنَنَا بِكتابِ الله فقامَ خَصْمُهُ فَقَالَ صدَقَ اقْضِ بيْنَنَا بِكِتَابِ الله فَقَالَ الأعْرَابِيُّ أنَّ ابْني كانَ عَسِيفاً على هذَا فَزنَى بامْرَأتِهِ فَقَالُوا لي على ابْنِكَ الرَّجْمُ فَفَدَيْتُ ابْنِي منْهُ بِمَائَةٍ مِنَ الغَنَمِ ووَلِيدَةٍ ثُمَّ سألْتُ أهْلَ العِلْمِ فَقَالُوا إنَّمَا علَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ فَقَالَ النبيُّ ﷺ لأقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ الله أمَّا الوَلِيدَةُ والغَنَمُ فَرَدَّ علَيْكَ وعَلى ابْنِكَ جَلْد مِائَةٍ وتَغرِيبُ عامٍ وأمَّا أنْتَ يَا أُنَيْسُ لرَجُلٍ فاْغْدُ على امْرَأة هاذَا فارْجُمْهَا فَغَدَا علَيْهَا أَُنَيْسٌ فرَجَمَهَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أما الوليدة وَالْغنم فَرد عَلَيْك) ، لِأَنَّهُ فِي معنى الصُّلْح عَمَّا وَجب على العسيف من الْحَد، وَلم يكن ذَلِك جَائِزا فِي الشَّرْع فَكَانَ جوراً.
وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس: واسْمه عبد الرَّحْمَن، أَصله من خُرَاسَان، سكن فِي عسقلان. وَابْن أبي ذِئْب هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم، وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود.
وَبَعض هَذَا الحَدِيث مر فِي الْوكَالَة فِي: بَاب الْوكَالَة فِي الْحُدُود، وَقد مر الْكَلَام فِيمَا يتَعَلَّق بِهِ وبتعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره، ولنتكلم بِمَا يتَعَلَّق بِهِ هُنَا.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بِكِتَاب الله) أَي: بِحكم كتاب الله تَعَالَى. فَإِن قلت: هَذَا وخصمه كَانَا يعلمَانِ أَنه ﷺ لَا يحكم إلَاّ بِكِتَاب الله، فَمَا معنى قَوْلهمَا: إقض بَيْننَا بِكِتَاب الله تَعَالَى؟ قلت: ليفصل بَينهمَا بالحكم الصّرْف، لَا بِالصُّلْحِ، إِذْ للْحَاكِم أَن يفعل ذَلِك لَكِن برضاهما. قَوْله: (عسيفاً) ، أَي: أَجِيرا، وَيجمع على: عسفاء، ذكره الْأَزْهَرِي وعسفة، على غير قِيَاس، ذكره ابْن سَيّده، وَقيل: كل خَادِم عسيف، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وعسيف فعيل بِمَعْنى مفعول كأسير، أَو بِمَعْنى: فَاعل، كعليم من العسف الْجور أَو الْكِفَايَة. قَوْله: (على هَذَا) ، إِنَّمَا قَالَ: على هَذَا، وَلم يقل: لهَذَا، ليعلم أَنه أجِير ثَابت الْأُجْرَة عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يكون كَذَلِك إِذا لابس الْعَمَل وأتمه، وَلَو قَالَ: لهَذَا، لم يلْزم ذَلِك. قَوْله: (ووليدة) ، أَي: قَوْله: (ثمَّ سَأَلت أهل الْعلم) ، أَرَادَ بهم الصَّحَابَة الَّذين كَانُوا يفتون فِي عصر النَّبِي، ﷺ ، وهم الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَثَلَاثَة من الْأَنْصَار: أبي بن كَعْب ومعاذ بن جبل وَزيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. قَوْله: (وتغريب عَام) ، التَّغْرِيب، بالغين الْمُعْجَمَة: النَّفْي عَن الْبَلَد الَّذِي وَقعت فِيهِ الْجِنَايَة، يُقَال: أغربته وغرَّبته إِذا نحيته وأبعدته، والغرب الْبعد. قَوْله: (لأقضين بَيْنكُمَا بِكِتَاب الله) ، أَي: بِحكمِهِ، إِذْ لَيْسَ فِي الْكتاب ذكر الرَّجْم، وَقد جَاءَ الْكتاب بِمَعْنى الْفَرْض قَالَ تَعَالَى: ﴿كتب عَلَيْكُم الصّيام﴾ (الْبَقَرَة: ٣٨١) . أَي: فرض، وَيحْتَمل أَن يكون: فرض أَولا ثمَّ نسخ لَفظه دون حكمه، على مَا رُوِيَ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ: قرأناها فِيمَا أنزل الله تَعَالَى: ﴿الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ بِمَا قضيا من اللَّذَّة﴾ (النِّسَاء: ٦١) . وَيُقَال: الرَّجْم، وَإِن لم يكن مَنْصُوصا عَلَيْهِ فِي الْقُرْآن باسمه الْخَاص، فَإِنَّهُ مَذْكُور فِيهِ على سَبِيل الْإِجْمَال، وَهُوَ قَوْله : ﴿فآذوهما﴾ (النِّسَاء: ٦١) . والأذى يَتَّسِع فِي مَعْنَاهُ الرَّجْم وَغَيره من الْعقُوبَة. قَوْله: (فردٌّ عَلَيْك) ، رد مصدر، وَلِهَذَا وَقع خَبرا، وَالتَّقْدِير: فَهُوَ رد، أَي: مَرْدُود عَلَيْك، ويروى: (فَترد عَلَيْك) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمُضَارع. قَوْله: (يَا أنيس) ، تَصْغِير أنس قيل: هُوَ ابْن الضَّحَّاك الْأَسْلَمِيّ يعد فِي الشاميين، ومخرج حَدِيثه عَلَيْهِم، وَقد حدث عَن النَّبِي، ﷺ ، وَقَالَ ابْن التِّين: هُوَ تَصْغِير أنس بن مَالك خَادِم رَسُول الله، ﷺ ، وَذهب ابْن عبد الْبر إِلَى أَنه الضَّحَّاك بن مرْثَد الغنوي وَالْأول أشهر، قَوْله: (فاغدُ) أَي: ائتها غدْوَة، قَالَه ابْن التِّين، ثمَّ قَالَ: قيل فِيهِ تَأْخِير الحكم إِلَى الْغَد، وَقَالَ غَيره: لَيْسَ مَعْنَاهُ أمض إِلَيْهَا بكرَة، بل مَعْنَاهُ: إمش إِلَيْهَا، وَكَذَا معنى قَوْله: فغدا عَلَيْهَا، أَي: مَشى إِلَيْهَا. قَوْله: (فرجمها) ، أَي: بعد أَن ثَبت باعترافها فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص أنيس بِهَذَا الحكم؟ قلت: لِأَنَّهُ ﷺ مَا كَانَ يَأْمر فِي الْقَبِيلَة إلَاّ رجلا مِنْهَا لنفورهم من حكم غَيرهم، وأنيساً كَانَ أسلمياً، وَالْمَرْأَة كَانَت أسلمية.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: من ذَلِك احْتج بِهِ الْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَابْن أبي ليلى وَالْحسن ابْن أبي حَيّ، وَالشَّافِعِيّ وَأحمد
стр. 3986
وَإِسْحَاق، على أَن الرجل إِذا لم يكن مُحصنا وزنى فَإِنَّهُ يجلد مائَة جلدَة ويغرب عَاما. وَقَالَ أَبُو عمر: لَا خلاف بَين الْمُسلمين إِن الْبكر إِذا زنى يجلد مائَة جلدَة.
وَاخْتلفُوا فِي التَّغْرِيب، فَقَالَ مَالك: ينفى الرجل وَلَا تنفى الْمَرْأَة، وَلَا العَبْد، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: ينفى الرجل وَلَا تنفى الْمَرْأَة، وَقَالَ الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ وَالْحسن بن حَيّ: ينفى الزَّانِي إِذا جُلِدَ، امْرَأَة كَانَ أَو رجلا. وَاخْتلف قَول الشَّافِعِي فِي العَبْد، فَقَالَ مرّة: استحيى الله فِي تغريب العَبْد، وَقَالَ مرّة: ينفى العَبْد نصف سنة، وَقَالَ مرّة: ينفى سنة إِلَى غير بَلَده، وَبِه وَقَالَ الطَّبَرِيّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقد صَحَّ عَن رَسُول الله، ﷺ النَّفْي وَالْعَمَل على هَذَا عِنْد أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي، ﷺ ، مِنْهُم أَبُو بكر وَعمر وَعلي وَأبي بن كَعْب وَعبد الله بن مَسْعُود وَأَبُو ذَر وَغَيرهم، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَن غير وَاحِد من التَّابِعين، وَهُوَ قَول سُفْيَان الثَّوْريّ، وَمَالك بن أنس وَعبد الله بن الْمُبَارك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَزفر: الْبكر إِذا زنى جلد مائَة وَلَا ينفى، إلَاّ أَن يرى الإِمَام أَن يَنْفِيه للدعارة الَّتِي كَانَت مِنْهُ، فينفيه إِلَى حَيْثُ أحب، كَمَا يَنْفِي الدعار غير الزناة. قلت: الدعر والدعارة الشَّرّ وَالْفساد. وَمُدَّة نفي الدعار موكولة إِلَى رَأْي الإِمَام، وَرُوِيَ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه غرب فِي الْخمر، وَكَانَ عمر إِذا غضب على رجل نَفَاهُ إِلَى الشَّام، وَرُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قطع يَد سَارِق ونفاه إِلَى زُرَارَة، وَهِي قَرْيَة قريبَة من الْكُوفَة، وَكَذَا جَاءَ النَّفْي فِي المخنثين على مَا يَجِيء فِي الْكتاب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَاحْتج أَبُو حنيفَة وَمن مَعَه فِي ذَلِك بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة وَزيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ: أنَّ رَسُول الله، ﷺ سُئِلَ عَن الْأمة إِذا زنت وَلم تحصن فَقَالَ: (إِذا زنت وَلم تحصن فاجلدوها، ثمَّ إِن زنت فاجلدوها، ثمَّ إِن زنت فاجلدوها، ثمَّ بيعوها وَلَو بضفير) الحَدِيث، قَالُوا: فَلَمَّا قَالَ رَسُول الله، ﷺ فِي الْأمة: إِذا زنت أَن تجلد، وَلم يَأْمر مَعَ الْجلد، نفي، وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿فعليهن نصف مَا على الْمُحْصنَات من الْعَذَاب﴾ (النِّسَاء: ٥٢) . فأعلمنا بذلك أَن مَا يجب على الْإِمَاء إِذا زنين هُوَ نصف مَا يجب على الْحَرَائِر إِذا زنين، ثمَّ ثَبت أَن لَا نفي على الْأمة إِذا زنت، كَذَلِك أَيْضا لَا نفي على الْحرَّة إِذا زنت، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقد روينَاهُ عَن رَسُول الله، ﷺ ، أَنه نهى عَن أَن تُسَافِر الْمَرْأَة ثَلَاثَة أَيَّام إلَاّ مَعَ محرم، فَدلَّ ذَلِك أَن لَا تُسَافِر الْمَرْأَة فِي حد الزِّنَى ثَلَاثَة أَيَّام بِغَيْر محرم، وَفِي ذَلِك إبِْطَال النَّفْي عَن النِّسَاء فِي الزِّنَى. وانتفى ذَلِك عَن الرِّجَال أَيْضا، لِأَن فِي درئه إِيَّاه عَن الْحَرَائِر دَلِيل على درئه عَن الْأَحْرَار. فَإِن قلت: يلْزم الْحَنَفِيَّة على مَا ذكرُوا أَن لَا يمنعوا من تغريب الْمَرْأَة إِلَى مَا دون ثَلَاثَة أَيَّام. قلت: لَا يلْزمهُم ذَلِك، لِأَن النَّفْي لَيْسَ من الْحَد حَتَّى يستعملوه فِيمَا يُمكنهُم، وَإِنَّمَا هُوَ من بَاب التَّعْزِير. وَقَالُوا أَيْضا: النَّص جعل الْحَد مائَة، وَالزِّيَادَة على مُطلق النَّص نسخ، وَمَا رَوَوْهُ مَنْسُوخ بِحَدِيث مَاعِز. قلت: هَذَا إِذا ثَبت تَأَخّر أَمر مَاعِز عَنهُ، وَلِأَن فِي التَّغْرِيب تعريضاً لَهَا للْفَسَاد، وَلِهَذَا قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: كفى بِالنَّفْيِ فتْنَة، وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، نفي شخصا فَارْتَد وَلحق بدار الْحَرْب، فَحلف أَن لَا ينفى بعده أبدا، وَبِهَذَا عرف أَن نفيهم كَانَ بطرِيق السياسة والتعزيز لَا بطرِيق الْحَد، لِأَن مثل عمر لَا يحلف أَن لَا يُقيم الْحُدُود فَافْهَم.
وَفِيه: أَن أولى النَّاس بِالْقضَاءِ الْخَلِيفَة إِذا كَانَ عَالما بِوُجُوه الْقَضَاء. وَفِيه: أَن الْمُدعى أولى بالْقَوْل، والطالب أَحَق أَن يتَقَدَّم بالْكلَام، وَإِن بَدَأَ الْمَطْلُوب. وَفِيه: أَن الْبَاطِل من الْقَضَاء مَرْدُود، وَمَا خَالف السّنة الْوَاضِحَة من ذَلِك فَبَاطِل. وَفِيه: أَن قبض من قضى لَهُ بِمَا قضى لَهُ بِهِ إِذا كَانَ خطأ وجوراً وَخِلَافًا للسّنة، لَا يدْخلهُ قَبضه فِي ملكه، وَلَا يَصح ذَلِك لَهُ، وَعَلِيهِ رده. وَفِيه: أَن للْعَالم إِن يُفْتِي فِي مصر فِيهِ من هُوَ أعلم مِنْهُ إِذا أفتى بِعلم. وَفِيه: أَنه لم تقع الْفرْقَة بَينهمَا بالزنى. وَفِيه: أَنه لَا يجب على الإِمَام حُضُور المرجوم بِنَفسِهِ. وَفِيه: دَلِيل على وجوب قبُول خبر الْوَاحِد. وَفِيه: أدب السَّائِل فِي طلب الْأذن. وَفِيه: أَن الرَّجْم لَا يجب إلَاّ على الْمُحصن، وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ، وَلَا يلْتَفت إِلَى مَا يحْكى عَن الْخَوَارِج، وَقد خالفوا السّنَن. وَفِيه: أَنه لم يَجْعَل قَاذِفا بقوله: زنى بامرأته. وَفِيه: أَنه لم يشْتَرط فِي الِاعْتِرَاف التّكْرَار، وَهُوَ حجَّة على الشَّافِعِي، وَقَالَ ابْن أبي ليلى: وَأحمد لَا يجب إلَاّ بالأعتراف أَربع مَرَّات. وَفِيه: أَن للْإِمَام أَن يسْأَل الْمَقْذُوف، فَإِن اعْترف حكم عَلَيْهِ بِالْوَاجِبِ، وَإِن لم يعْتَرف وطالب الْقَاذِف أَخذ لَهُ بِحقِّهِ، وَهَذَا مَوضِع اخْتلف فِيهِ الْفُقَهَاء، فَقَالَ مَالك: لَا يحد الإِمَام الْقَاذِف حَتَّى يُطَالِبهُ الْمَقْذُوف إلَاّ أَن يكون الإِمَام سَمعه فيحده إِن كَانَ مَعَه شُهُود غَيره عدُول، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وصاحباه وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ: لَا يحد الْقَاذِف إلَاّ بمطالبة الْمَقْذُوف. وَقَالَ ابْن أبي ليلى: يحده الإِمَام، وَإِن لم يَطْلُبهُ الْمَقْذُوف. وَفِيه: أَنه لم يسْأَله عَن كَيْفيَّة الزِّنَى، لِأَنَّهُ مُبين فِي قَضِيَّة مَاعِز، وَهَذَا صَحِيح، إِن ثَبت تَأْخِير هَذَا الْخَبَر عَن خبر مَاعِز، فَيحمل على أَن الابْن كَانَ بكرا وَعلي
стр. 3987
أَنه اعْترف، وإلأ فإقرار الْأَب عَلَيْهِ غير مَقْبُول، أَو يكون هَذَا إِفْتَاء، أَي: إِن كَانَ كَذَا فَكَذَا. وَفِيه: سُقُوط الْجلد مَعَ الرَّجْم خلافًا لمسروق وَأهل الظَّاهِر فِي إيجابهم الْجمع بَينهمَا. قُلْنَا: لَو كَانَ وَاجِبا لأمر بِهِ. وَفِيه: اسْتِدْلَال للظاهرية على أَن المقرَّ بالزنى لَا يقبل رُجُوعه عَنهُ، وَلَيْسَ فِي الحَدِيث التَّعْرِيض للرُّجُوع، وَقَالَ مَالك وَأَصْحَابه: يقبل مِنْهُ إِن رَجَعَ إِلَى شُبْهَة، وَإِن رَجَعَ إِلَى غَيرهَا فِيهِ خلاف. وَفِيه: إِقَامَة الْحَاكِم الحكم بِمُجَرَّد إِقْرَار الْمَحْدُود من غير شَهَادَة عَلَيْهِ، وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي وَأبي ثَوْر، وَلَا يجوز ذَلِك عِنْد مَالك إلَاّ بعد الشَّهَادَة عَلَيْهِ، وَقَالَ للقرطبي: هَذَا كُله مبْنى على أَن أنيساً كَانَ حَاكما، وَيحْتَمل أَن يكون رَسُولا ليستفصلها، ويعضد هَذَا التَّأْوِيل قَوْله فِي آخر الحَدِيث فِي بعض الرِّوَايَات: فَاعْترفت فَأمر بهَا رَسُول الله، ﷺ فرجمت، فَهَذَا يدل على أَن أنيساً إِنَّمَا سمع إِقْرَارهَا، وَأَن تَنْفِيذ الحكم كَانَ من النَّبِي، ﷺ . قَالَ: وَحِينَئِذٍ يتَوَجَّه إِشْكَال آخر. وَهُوَ أَن يُقَال: فَكيف اكْتفى فِي ذَلِك بِشَاهِد وَاحِد؟ وَقد اخْتلف فِي الشَّهَادَة على الْإِقْرَار بالزنى: هَل يَكْتَفِي بِشَهَادَة شَاهِدين؟ أَو لَا بُد من أَرْبَعَة؟ على قَوْلَيْنِ لعلمائنا، وَلم يذهب أحد من الْمُسلمين إِلَى الإكتفاء بِشَهَادَة وَاحِد؟ فَالْجَوَاب: أَن هَذَا اللَّفْظ الَّذِي قَالَ فِيهِ: فَاعْترفت فَأمر بهَا فرجمت، هُوَ من رِوَايَة اللَّيْث عَن الزُّهْرِيّ، وَرَوَاهُ عَن الزُّهْرِيّ مَالك بِلَفْظ: فَاعْترفت فرجمها، لم يذكر فَأمر بهَا النَّبِي، ﷺ فرجمت، وَعند التَّعَارُض. فَحَدِيث مَالك أولى لما يعلم من حفظ مَالك وَضَبطه وخصوصاً فِي حَدِيث الزُّهْرِيّ، فَإِنَّهُ من أعرف النَّاس بِهِ، وَالظَّاهِر أَن أنيساً كَانَ حَاكما فيزول الْإِشْكَال، وَلَو سلمنَا أَنه كَانَ رَسُولا فَلَيْسَ فِي الحَدِيث مَا ينص على انْفِرَاده بِالشَّهَادَةِ، وَيكون غَيره قد شهد عَلَيْهَا عِنْد النَّبِي، ﷺ بذلك. ويعضد هَذَا أَن الْقَضِيَّة اشتهرت وانتشرت فيبعد أَن ينْفَرد بهَا وَاحِد، سلمنَا، لكنه خبر وَلَيْسَ بِشَهَادَة فَلَا يشْتَرط الْعدَد فِيهِ، وَحِينَئِذٍ يسْتَدلّ بهَا على قبُول أَخْبَار الْآحَاد وَالْعَمَل بهَا فِي الدِّمَاء وَغَيرهَا. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَفِيه: أَن زنى الْمَرْأَة لَا يفْسخ نِكَاحهَا من زَوجهَا. وَفِيه: أَن الْحُدُود الَّتِي هِيَ مَحْضَة لحق الله لَا يَصح الصُّلْح فِيهَا.
وَاخْتلف فِي حد الْقَذْف: هَل يَصح الصُّلْح فِيهِ أم لَا؟ وَلم يخْتَلف فِي كَرَاهَته لِأَنَّهُ ثمن عرض، وَلَا خلاف فِي جَوَازه قبل رَفعه، وَأما حققو الْأَبدَان من الْجراح، وَحُقُوق الْأَمْوَال، فَلَا خلاف فِي جَوَازه مَعَ الْإِقْرَار، وَاخْتلف فِي الصُّلْح على الْإِنْكَار، فَأَجَازَهُ مَالك وَأَبُو حنيفَة وَمنعه الشَّافِعِي.
٧٩٦٢ - حدَّثنا يَعْقُوبُ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ أبيهِ عنِ القَاسِمِ بنُ مُحَمَّدٍ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالتْ قَالَ رسولُ الله، ﷺ مَنْ أحْدَثَ فِي أمْرِنَا هذَا مَا لَيْسَ فيهِ فَهْوَ رَدٌّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن من اصْطلحَ على صلح جور فَهُوَ دَاخل فِي معنى قَوْله ﷺ : (من أحدث فِي أمرنَا) الحَدِيث. وَيَعْقُوب شيخ البُخَارِيّ، قيل: هُوَ يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي، وَقيل: يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد، وَقيل: يَعْقُوب بن حميد بن كاسب، وَقيل: يَعْقُوب بن مُحَمَّد بن الزُّهْرِيّ، كَذَا ذكره ابْن السكن وَأنْكرهُ الْحَاكِم، وَزعم أَبُو نعيم أَنه يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، وَذكر الكلاباذي وَالْحَاكِم أَنه يَعْقُوب بن حميد، وَالَّذِي وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين يَعْقُوب، كَذَا غير مَنْسُوب، وَانْفَرَدَ ابْن السكن بقوله: يَعْقُوب بن مُحَمَّد، وَكَذَا وَقع فِي الْمَغَازِي فِي: بَاب فضل من شهد بَدْرًا، قَالَ البُخَارِيّ: حَدثنَا يَعْقُوب حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعد، فَوَقع عِنْد ابْن السكن: يَعْقُوب بن مُحَمَّد، أَي: الزُّهْرِيّ، وَعند الْأَكْثَرين غير مَنْسُوب، وَلَكِن قَالَ أَبُو ذَر فِي رِوَايَته فِي الْمَغَازِي: يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، أَي الدَّوْرَقِي. قَوْله: (عَن أَبِيه) هُوَ سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَوَقع مَنْسُوبا، كَذَلِك فِي مُسلم، وَقَالَ فِي رِوَايَته: أَي وَالقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق الْقرشِي التَّيْمِيّ الْمَدِينِيّ؟
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَقْضِيَة عَن مُحَمَّد بن الصَّباح الْبَزَّار، وَعبد الله بن عَوْف الخزاز وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعبد بن حميد، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن مُحَمَّد بن الصَّباح بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن عِيسَى، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي مَرْوَان مُحَمَّد بن عُثْمَان.
قَوْله: (من أحدث فِي أمرنَا هَذَا) الإحداث فِي أَمر النَّبِي، ﷺ ، هُوَ اختراع شَيْء فِي دينه بِمَا لَيْسَ فِيهِ، مِمَّا لَا يُوجد فِي الْكتاب وَالسّنة. قَوْله: (فَهُوَ رد) أَي: مَرْدُود، وَمن بَاب إِطْلَاق الْمصدر على اسْم الْمَفْعُول، كَمَا يُقَال: هَذَا خلق الله، أَي: مخلوقه، وَهَذَا نسج فلَان، أَي: منسوجه، وَحَاصِل مَعْنَاهُ: أَنه بَاطِل غير مُعْتَد بِهِ.
وَفِيه: رد المحدثات وَأَنَّهَا لَيست من الدّين لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا أمره، ﷺ ، وَالْمرَاد بِهِ أَمر الدّين.
стр. 3988
رواهُ عَبْدُ الله بنُ جَعْفَرٍ الْمَخْرَميّ وعَبْدُ الواحِدِ بنُ أبِي عَوْنٍ عنْ سَعْدِ بنِ إبْرَاهِيمَ
أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور عبد الله بن جَعْفَر بن عبد الرَّحْمَن بن الْمسور بن مخرمَة وَنسبه المخرمي إِلَى جده الْأَعْلَى، مخرمَة، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء، وَعبد الْوَاحِد بن أبي عون الدوسي من أنفسهم، وَثَّقَهُ ابْن معِين، مَاتَ سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَة، أما رِوَايَة عبد الله بن جَعْفَر فوصلها مُسلم، قَالَ: حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعبد بن حميد عَن أبي عَامر، قَالَ عبد: حَدثنَا عبد الْملك بن عَمْرو حَدثنَا عبد الله بن جَعْفَر الزُّهْرِيّ عَن سعد بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: سَأَلت الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن رجل لَهُ مسَاكِن فأوصى بِثلث كل مسكن مِنْهَا. قَالَ: يجمع ذَلِك كُله فِي مسكن وَاحِد، ثمَّ قَالَ: أَخْبَرتنِي عَائِشَة أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: (من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد) ، وَأما رِوَايَة عبد الْوَاحِد بن أبي عون فوصلها الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَنهُ بِلَفْظ: (من فعل أمرا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد) ، وَلَيْسَ لعبد الْوَاحِد فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع، وَكَذَلِكَ لعبد الله بن جَعْفَر.
٦ - (بابٌ كيْفَ يُكْتَبُ هاذَا مَا صالَحَ فُلانُ بنُ فُلانٍ وفُلانُ بنُ فُلانٍ وإنْ لَمْ يَنْسُبْهُ إِلَى نَسَبِهِ أوْ قَبِيلَتِهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: كَيفَ يكْتب كتاب الصُّلْح، يكْتب: هَذَا مَا صَالح فلَان بن فلَان وَفُلَان بن فلَان، فيكتفى بِهَذَا الْمِقْدَار إِذا كَانَ مَشْهُورا مَعْرُوفا بَين النَّاس، وَلَا يحْتَاج أَن ينْسب فِي الْكتاب إِلَى نسبه أَو إِلَى قبيلته، وَأما الَّذِي يَكْتُبهُ أهل الوثائق ويذكرون فِيهِ اسْمه وَاسم جده، ويذكرون نسبته إِلَى شَيْء من الْأَشْيَاء فَهُوَ احْتِيَاط لخوف اللّبْس والاشتباه، فَإِذا أَمن من ذَلِك تكون الْكِتَابَة بذلك على سَبِيل الِاسْتِحْبَاب: ألَا يَرَى أنَّ النَّبِي ﷺ اقْتصر فِي كتاب المقاضاة مَعَ الْمُشْركين على أَن كتب: مُحَمَّد بن عبد الله، وَلم يزدْ عَلَيْهِ لما أَمن الالتباس فِيهِ، لِأَنَّهُ لم يكن هَذَا الِاسْم لأحد غير النَّبِي ﷺ ، وَلَكِن الْفُقَهَاء استحبوا أَن يكْتب اسْمه وَاسم أَبِيه وجده وَنسبه، لرفع الْإِشْكَال. وَقل مَا يَقع مَعَ ذكر هَذِه الْأَرْبَعَة اشْتِبَاه فِي اسْمه، وَلَا التباس فِي أمره.
٨٩٦٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدَرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عَن أبِي إسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ البَرَاءَ ابنَ عازِبٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ لمَّا صالحَ رسولُ الله، ﷺ أهْلَ الحُدَيْبِيَةِ كتَبَ علَيُّ بينَهُمْ كِتاباً فكَتَبَ مُحَمَّدٌ رسولُ الله ﷺ فَقَالَ المُشْرِكُونَ لَا تَكْتُبْ مُحَمَّدٌ رسولُ الله لَوْ كُنْتَ رَسُولا لَمْ نُقَاتِلْكَ فَقَالَ لِعَلِيٍّ امْحُهُ فَقَالَ علِيُّ مَا أَنا بِالَّذِي أمْحاهُ فَمحَاهُ رسولُ الله، ﷺ بِيَدِهِ وصالَحَهُمْ على أنْ يَدْخُلَ هُوَ وأصْحَابُهُ ثَلاثَةَ أيَّامٍ وَلَا يَدْخُلُوهًّ إلَاّ بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ فَسألُوهُ مَا جُلُبَّانِ السِّلاحِ فَقَالَ القِرَابُ بِمَا فِيهِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَكتب: مُحَمَّد رَسُول الله) ، حَيْثُ لم يذكر اسْم أَبِيه وَلَا اسْم جده، لِأَنَّهُ لم يكن هَذَا الإسم إلَاّ لَهُ، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وغندر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي الْهَمدَانِي الْكُوفِي.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار كِلَاهُمَا وَعَن غنْدر وَعَن عبيد الله بن معَاذ عَن أَبِيه، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن أَحْمد ابْن حَنْبَل عَن غنْدر.
قَوْله: (إمحه) ، أَمر بِفَتْح الْحَاء وَضمّهَا، يُقَال: محوت الشَّيْء أمحوه وأمحاه، وَقَول عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: مَا أَنا بِالَّذِي أمحاه، لَيْسَ بمخالفة لأمر رَسُول الله، ﷺ لِأَنَّهُ علم بِالْقَرِينَةِ أَن الْأَمر لَيْسَ للْإِيجَاب. قَوْله: (إِلَّا بجلبَّان السِّلَاح) ، بِضَم الْجِيم وَاللَّام وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، كَذَا ضَبطه ابْن قُتَيْبَة، وَبَعض الْمُحدثين، قَالَ: وَهُوَ أوعية السِّلَاح بِمَا فِيهَا، قَالَ: وَمَا أرَاهُ سمى بِهِ إلَاّ بجفائه، وَلذَلِك قيل للْمَرْأَة الجافية الغليظة: جلبانة، وَقد فسر فِي الحَدِيث بِأَنَّهَا القراب، بِكَسْر الْقَاف وَتَخْفِيف الرَّاء وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة، وَهُوَ شَيْء يخرز من الْجلد يضع فِيهِ الرَّاكِب سَيْفه بغمده وَسَوْطه ويعلقه فِي الرحل، وَقَالَ
стр. 3989
الْأَزْهَرِي: القراب غمد السَّيْف، والجلبان من الجلبة وَهِي: الْجلْدَة الَّتِي تجْعَل على القتب، والجلدة الَّتِي تغشى التميمة لِأَنَّهَا كالغشاء للقراب. قَالَ الْخطابِيّ: الجلبان يشبه الجراب من الْأدم، يضع الرَّاكِب فِيهِ سَيْفه بقرابه، وَيَضَع فِيهِ سَوْطه يعلقه الرَّاكِب من وسط رَحْله أَو من آخِره، وَيحْتَمل أَن تكون اللَّام سَاكِنة، وَهُوَ جلب، بِضَم الْجِيم وَاللَّام وَتَشْديد الْبَاء، وَدَلِيله قَوْله فِي رِوَايَة مُؤَمل عَن سُفْيَان: (إلَاّ بجلب السِّلَاح) ، قَالَ وجلب نفس السِّلَاح كجلب الرحل نفس عيبته، كَأَنَّهُ يُرَاد بِهِ نفس السِّلَاح، وَهُوَ السَّيْف خَاصَّة من غير أَن يكون مَعَه من أدوات الْحَرْب من لَامة ورمح وجحفة وَنَحْوهَا، ليَكُون عَلامَة للأمن، وَالْعرب لَا تضع السِّلَاح إلَاّ فِي الْأَمْن، قَالَ: وَقد جَاءَ: جربان السَّيْف، فِي هَذَا الْمَعْنى، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الجربان: قرَاب السَّيْف، فَلَا يُنكر أَن يكون ذَلِك من بَاب تعاقب اللَّام وَالرَّاء، وَالَّذِي ضَبطه فِي أَكثر الْكتب بجلب السِّلَاح، بِضَم اللَّام وَتَشْديد الْبَاء وَضَبطه الْجَوْهَرِي وَابْن فَارس جربان بِضَم الرَّاء وَتَشْديد الْبَاء بِضَم الرَّاء وَتَشْديد الْبَاء، وَقَالَ ابْن فَارس: جَرَيَان السَّيْف: قرَابه، وَقيل: حَده، قَوْله: (القراب بِمَا فِيهِ) ، تَفْسِير الجلبَّان، وَفسّر أَيْضا بِالسَّيْفِ والقوس وَنَحْوه. وَفِي رِوَايَة: لَا يدْخل مَكَّة سِلَاحا إلَاّ فِي القراب، وَفِي لفظ: وَلَا يحمل سِلَاحا إلَاّ سيوفاً.
٩٩٦٢ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوساى عنْ إسْرَائِيلَ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنِ البُرَاءِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ اعْتَمَرَ النبيُّ ﷺ فِي ذِي القِعْدَةِ فأبَى أهْلُ مَكَّةَ أنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ حَتَّى قاضاهُمْ على أنْ يُقيمَ بِها ثَلاثَةَ أيَّامٍ فلَمَّا كَتَبُوا الكِتابَ كتبُوا هاذا مَا قاضاى عليْهِ مُحَمَّدٌ رسولُ الله، ﷺ فَقَالُوا لَا نُقِرُّ بِهَا فلَوْ نَعْلَمُ أنَّكَ رَسوُلُ الله مَا مَنَعْنَاكَ لاكِنْ أنْتَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ أَنا رسولُ الله وأنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ امْحُ رسولُ الله قَالَ لَا وَالله لَا أمْحُوكَ أبَدَاً فأخذَ رسولُ الله ﷺ الْكِتَابَ فَكَتَبَ هاذَا مَا قاضاى عليْهِ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله لَا يدْخُلُ مَكَّةَ سلَاحٌ إلَاّ فِي القِرَابِ وأنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ أهْلِهَا بأحَدٍ إنْ أرادَ أنْ يَتَّبِعَهُ وأنْ لَا يَمْنَعَ أحَداً مِنْ أصْحَابِهِ أرادَ أنْ يُقِيمَ بِهَا فلَمَّا دَخَلَهَا ومَضاى الأجَلُ أتَوْا عَلِيَّاً فَقَالُوا قُلْ لِصَاحِبِكَ اخْرُجْ عَنَّا فَقدْ مَضاى الأجَلُ فَخَرجَ النبيُّ ﷺ فتَبِعَتْهُمْ ابنَةُ حَمْزَةَ يَا عَمِّ يَا عَمِّ فَتنَاوَلَها علِيُّ فأخذَ بِيَدِهَا وَقَالَ لِفَاطِمَةَ ﵍ دُونَكِ ابْنةَ عَمِّكِ حَمَلَتْها فاختَصَمَ فِيها علِيٌّ وزيْدٌ وجَعْفَرٌ فَقَالَ علِيٌّ أَنا أحَقُّ بِهَا وَهِي ابْنةُ عَمِّي وَقَالَ جَعْفَرٌ ابْنَةُ عَمِّي وخالَتُهَا تَحْتِي وَقَالَ زيْدٌ ابنَةُ أخِي فَقضاى بِهَا النبيُّ ﷺ لِخَالَتِهَا وَقَالَ الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ وَقَالَ لِعَلِيٍّ أنْتَ مِنِّي وأنَا منْكَ وَقَالَ لِجَعْفَر أشْبهْتَ خَلْقي وخُلُقِي. وَقَالَ لِزَيْدٍ أنْتَ أخُونا وموْلانَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَلَفظ المقاضاة يدل عَلَيْهَا، وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، يروي عَن جده. والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا.
قَوْله: (فِي ذِي الْقعدَة) ، بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الْعين. قَوْله: (أَن يَدَعُوه) ، أَي: أَن يَتْرُكُوهُ. قَوْله: (حَتَّى قاضاهم) ، معنى قاضى، فاصل، وأمضى أَمرهمَا عَلَيْهِ، وَهُوَ بِمَعْنى صَالح، وَمِنْه: قضى القَاضِي إِذا فصل الحكم وأمضاه. قَوْله: (هَذَا) ، إِشَارَة إِلَى مَا فِي الذِّهْن، مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: مَا قاضى، ومقوله: (لَا نقربها) ، قَوْله: أَي بالرسالة. قَوْله: (فَلَو نعلم) ، إعلم أَن لَو للماضي، وَإِنَّمَا عدل هُنَا إِلَى الْمُضَارع ليدل على الِاسْتِمْرَار، أَي: اسْتمرّ عدم علمنَا برسالتك، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى، قَوْله: ﴿لَو يطيعكم فِي كثير من الْأَمر لعنِتُّم﴾ (الحجرات: ٧) . قَوْله: (فَأخذ رَسُول الله، ﷺ الْكتاب فَكتب) ، أَي: أَمر عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَكتب، كَقَوْلِك: ضرب الْأَمِير، أَي: أَمر بِهِ. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن: مَا رَأَيْت هَذَا اللَّفْظ: فَكتب، إلَاّ فِي هَذَا الْموضع، وَقيل: إِنَّه مُخْتَصّ بِهَذَا الْموضع، وَقيل: إِنَّه كالرسم، لِأَن بعض من لَا يكْتب يرسم اسْمه بِيَدِهِ لتكراره عَلَيْهِ، وَقيل: وَكتب، وَأما قَوْله: ﴿وَمَا كنت تتلو
стр. 3990
من قبله من كتاب﴾ (العنكبوت: ٨٤) . الْآيَة، لِأَنَّهُ تَلا بعد، وَأما قَوْله: (إِنَّا أمة أُميَّة لَا نكتب وَلَا نحسب) ، لِأَنَّهُ كَانَ فيهم من يكْتب، لَكِن عَادَة الْعَرَب يسمون الْجُمْلَة باسم أَكْثَرهَا، فَلذَلِك كَانَ أَكثر أمره أَن لَا يحسن، فَكتب مرّة. وَقيل: لما أَخذ الْقَلَم أوحى الله إِلَيْهِ فَكتب، وَقيل: مَا مَاتَ حَتَّى كتب، وَقيل: كتب على الِاتِّفَاق من غير قصد، وَوَقع فِي بعض نسخ أَطْرَاف أبي مَسْعُود أَنه ﷺ أَخذ الْكتاب، وَلم يحسن أَن يكْتب، فَكتب مَكَان رَسُول الله: مُحَمَّدًا، وَكتب: (هَذَا مَا قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّد) وَالثَّابِت مَا ذَكرْنَاهُ أَنه أَمر عليا فَكتب. وَفِي رِوَايَة: فَأخذ الْكتاب، وَلَيْسَ يحسن يكْتب وَأَن من معجزاته أَنه يحسن من وقته، لِأَنَّهُ خرق للْعَادَة، وَقَالَ بِهِ أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ وَأَبُو الْفَتْح النَّيْسَابُورِي وَأَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ، وصنف فِيهِ وَأنكر عَلَيْهِ، وَقَالَ السُّهيْلي: وَكتب على ذَلِك الْيَوْم نسختين إِحْدَاهمَا مَعَ رَسُول الله، ﷺ وَالْأُخْرَى مَعَ سُهَيْل، وَشهد فيهمَا أَبُو بكر وَعمر وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَسعد بن أبي وَقاص وَأَبُو عُبَيْدَة ابْن الْجراح وَمُحَمّد بن مسلمة وَمِكْرَز بن حَفْص وَهُوَ يَوْمئِذٍ مُشْرك وَحُوَيْطِب بن عبد الْعُزَّى. قَوْله: (هَذَا مَا قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّد بن عبد الله: لَا يدْخل مَكَّة) هَذَا إِشَارَة إِلَى مَا فِي الذِّهْن مُبْتَدأ وَقَوله: مَا قاضى، خَبره، ومفسر لَهُ. وَقَوله: لَا يدْخل، تَفْسِير للتفسير. قَوْله: (وَأَن لَا يخرج من أَهلهَا بِأحد إِن أَرَادَ أَن يتبعهُ) لَا يخرج، بِضَم الْيَاء من الْإِخْرَاج من أَهلهَا، أَي: من أهل مَكَّة. فَإِن قلت: خرجت بنت حَمْزَة وَمَضَت مَعَه؟ قلت: النِّسَاء لم يدخلن فِي الْعَهْد، وَالشّرط إِنَّمَا وَقع فِي الرِّجَال فَقَط، وَقد بَينه البُخَارِيّ فِي كتاب الشُّرُوط بعد هَذَا، وَفِي بعض طرقه: فَقَالَ سُهَيْل: وعَلى أَن لَا يَأْتِيك منَّا رجل هُوَ على دينك إلَاّ رَددته إِلَيْنَا، وَلم يذكر النِّسَاء، فصح بِهَذَا أَن أَخذه لابنَة حَمْزَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، كَانَ لهَذِهِ الْعلَّة. ألَا ترَاهُ رد أَبَا جندل إِلَى أَبِيه، وَهُوَ الْعَاقِد لهَذِهِ المقاضاة؟ وَقَالَ البُخَارِيّ، فِيمَا سَيَأْتِي: قَول الله تَعَالَى: ﴿إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات﴾ (الممتحنة: ٢١) . فِيهِ نسخ السّنة بِالْقُرْآنِ، وَهَذَا على أحد الْقَوْلَيْنِ فَإِن هَذَا الْعَهْد كَانَ يَقْتَضِي أَن لَا يَأْتِيهِ مُسلم إلَاّ رده، فنسخ الله تَعَالَى ذَلِك فِي النِّسَاء خَاصَّة، على أَن لفظ المقاضاة: لَا يَأْتِيك رجل، وَهُوَ إِخْرَاج النِّسَاء، وَقَالَ السُّهيْلي: وَفِي قَول سُهَيْل: لَا يَأْتِيك منا رجل وَإِن كَانَ على دينك إلَاّ رَددته، مَنْسُوخ عِنْد أبي حنيفَة بِحَدِيث سَرِيَّة خَالِد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حِين وَجهه النَّبِي ﷺ إِلَى خثعم، وَفِيهِمْ نَاس مُسلمُونَ، فَاعْتَصمُوا بِالسُّجُود، فَقَتلهُمْ خَالِد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فوداهم النَّبِي ﷺ نصف الدِّيَة، وَقَالَ: أَنا بَرِيء من كل مُسلم بَين مُشْرِكين. قَوْله: (فَلَمَّا دَخلهَا) ، أَي: مَكَّة فِي الْعَام الْمقبل، (وَمضى الْأَجَل) أَي: قرب انْقِضَاء الْأَجَل، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَإِذا بلغن أَجلهنَّ﴾ (الْبَقَرَة: ٤٣٢ وَالطَّلَاق: ٢) . وَلَا بُد من هَذَا التَّأْوِيل لِئَلَّا يلْزم عدم الْوَفَاء بِالشّرطِ. قَوْله: (فتبعتهم ابْنة حَمْزَة) ، وَهِي أُمَامَة. وَقيل: عمَارَة، وَأمّهَا سلمى بنت عُمَيْس. قَوْله: (يَا عَم) مرَّتَيْنِ إِن قَالَت لرَسُول الله، ﷺ فَهُوَ عَمها من الرضَاعَة، وَإِن قالته لزيد فَكَانَ مصافياً لِحَمْزَة ومؤاخياً لَهُ. قَوْله: (دُونك) ، يَعْنِي: خذيها، وَهُوَ من أَسمَاء الْأَفْعَال، وَفِي رِوَايَة: أَن زيدا أَتَى بهَا، وَاحْتج حِين خَاصم فِيهَا لِأَنَّهُ تجشم الْخُرُوج بهَا، قَالَ ابْن التِّين: أما أَن يكون فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وهم، أَو يكون خرج مرّة فَلم يَأْتِ بهَا وسعت إِلَيْهِ فِي هَذِه الْمرة فَأتى بهَا (فَتَنَاولهَا عَليّ) رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَقَالَ الدَّاودِيّ: وَفِيه: يتَنَاوَل غير ذَات الْمحرم عِنْد الِاضْطِرَار إِلَيْهِ، وَالصَّحِيح أَنَّهَا الْآن ذَات محرم، لِأَن فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أُخْتهَا من الرضَاعَة، وَهِي تَحت عَليّ، فَهِيَ ذَات محرم، إلَاّ أَنَّهَا غير مُؤَبّدَة التَّحْرِيم. قَوْله: (حملتها) ، بِلَفْظ الْمَاضِي، وَلَعَلَّ الْفَاء فِيهِ محذوفة، ويروى: احمليها، وَفِي رِوَايَة: احتمليها. قَوْله: (فَقَالَ زيد: ابْنة أخي) أَي: قَالَ زيد بن حَارِثَة: هِيَ ابْنة أخي، وَلَيْسَت بابنة أَخِيه، فَإِن أَبَا زيد هُوَ حَارِثَة، وَأَبا حَمْزَة هُوَ عبد الْمطلب، وَأم حَمْزَة هَالة، وَأم زيد سعدى، وَلَا رضَاع بَينهمَا، لِأَن زيدا كَانَ ابْن ثَمَان سِنِين لما دخل مَكَّة وخالط قُريْشًا، وَإِنَّمَا آخى رَسُول الله، ﷺ بَين زيد وَبَين حَمْزَة، فَقَالَ ذَلِك بِاعْتِبَار هَذِه المؤاخاة. قَوْله: (فَقضى بهَا) ، أَي: بابنة حَمْزَة (لخالتها) . وفيهَا: دلَالَة أَن للخالة حَقًا فِي الْحَضَانَة، فَقَالَ ﷺ : الْخَالَة بِمَنْزِلَة الْأُم. قَوْله: (وَقَالَ لعَلي) رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَنْت مني) أَي: مُتَّصِل بِي، و: من، هَذِه تسمى اتصالية، فطيب رَسُول الله، ﷺ قُلُوب الْكل بِنَوْع من التشريف على مَا يَلِيق بِالْحَال. وَفِيه: منقبة عَظِيمَة جليلة لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأعظم من قَوْله: (أَنْت مني) قَوْله: (وَأَنا مِنْك) . قَوْله: (أشبهت خَلقي وخُلقي) الأول بِفَتْح الْخَاء وَالثَّانِي بضَمهَا. قَوْله: (أَنْت أخونا) أَي بِاعْتِبَار أخوة الْإِسْلَام، وَالْمرَاد بقوله: (ومولانا) ، الْمولى الْأَسْفَل لِأَنَّهُ أَصَابَهُ سباء فاشتري لِخَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فَوَهَبته للنَّبِي، ﷺ ، وَهُوَ صبي فَأعْتقهُ وتبناه، قَالَ ابْن عمر: مَا كُنَّا نَدْعُوهُ إلَاّ زيد بن مُحَمَّد حَتَّى نزلت: ﴿أدعوهم لِآبَائِهِمْ﴾ (الْأَحْزَاب: ٥) . وآخى ﷺ بَينه وَبَين حَمْزَة، وَعَن عَائِشَة، رَضِي الله
стр. 3991
تَعَالَى عَنْهَا، مَا بعث رَسُول الله، ﷺ ، زيد بن حَارِثَة فِي سَرِيَّة إلَاّ أمَّره عَلَيْهِم، وَلَو بَقِي لاستخلفه، قتل بمؤتة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٧ - (بابُ الصُّلْحِ مَعَ المُشْرِكِينَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصُّلْح مَعَ الْمُشْركين.
فِيهِ عنْ أبي سُفْيَانَ
أَي: فِي هَذَا الْبَاب شَيْء يرْوى عَن أبي سُفْيَان، يَعْنِي: فِي، بَاب الصُّلْح مَعَ الْمُشْركين مثل الَّذِي مر فِي شَأْن هِرقل، وَهُوَ أَن هِرقل أرسل إِلَيْهِ فِي ركب من قُرَيْش فِي الْمدَّة الَّتِي ماد فِيهَا رَسُول الله، ﷺ كفار قُرَيْش ... الحَدِيث مطولا فِي أول الْكتاب، وَفِيه: وَنحن فِي مُدَّة لَا نَدْرِي مَا هُوَ صانع فِيهَا، وَهِي مُدَّة الصُّلْح بَينهم.
وَقَالَ عَوْفُ بنُ مالِكٍ عنِ النَّبِي، ﷺ ثُمَّ تَكُونُ هُدْنة بَيْنَكُمْ وبيْنَ بَنِي الأصْفَرِ
هَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث وَصله البُخَارِيّ بِتَمَامِهِ فِي الْجِزْيَة من طَرِيق أبي إِدْرِيس الْخَولَانِيّ، وعَوْف بن مَالك ابْن أبي عَوْف الْأَشْجَعِيّ الْغَطَفَانِي أَبُو عبد الله، شهد فتح مَكَّة مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، ثمَّ نزل الشَّام وَسكن دمشق وَمَات بحمص سنة اثْنَيْنِ وَسبعين. قَوْله: (ثمَّ تكون هدنة) ، بِضَم الْهَاء وَهُوَ الصُّلْح، وَفِيه الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة. وَبَنُو الْأَصْفَر: الرّوم، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: سموا بِهِ لِأَن جَيْشًا من الْحَبَشَة غلب على بِلَادهمْ فِي وَقت، فوطىء نِسَاءَهُمْ فَولدت أَوْلَادًا صفراً بَين سَواد الْحَبَشَة وَبَيَاض الرّوم.
وفيهِ عنْ سَهْلُ بنُ حُنَيْفٍ
أَي: وَفِي الْبَاب رُوِيَ عَن سهل بن حنيف بن واهب الْأنْصَارِيّ الأوسي أَبُو ثَابت، ويروى: وَفِيه سهل بن حنيف، بِدُونِ كلمة: عَن، وَهَذَا التَّعْلِيق أَيْضا طرف من حَدِيث وَصله البُخَارِيّ فِي آخر الْجِزْيَة، قَالَ: حَدثنَا عَبْدَانِ أخبرنَا أَبُو حَمْزَة، قَالَ: سَمِعت الْأَعْمَش، قَالَ: سَأَلت أَبُو وَائِل: شهِدت صفّين؟ قَالَ: نعم، فَسمِعت سهل بن حنيف يَقُول: (أتهموا رَأْيكُمْ، رَأَيْتنِي يَوْم أبي جندل، فَلَو استطيع أَن أرد أَمر النَّبِي، ﷺ ، لرددته) الحَدِيث. وَسَهل بن حنيف شهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله، ﷺ مَاتَ بِالْكُوفَةِ سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ، وَصلى عَلَيْهِ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وكبَّر سِتَّاً. وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر والأصيلي: كَذَا، وَفِيه عَن سهل بن حنيف (لقد رَأَيْتنَا يَوْم أبي جندل) . وَلم يَقع هَذَا فِي رِوَايَة غَيرهمَا. وَأَبُو جندل: اسْمه الْعَاصِ بن سُهَيْل بن عَمْرو، قتل مَعَ أَبِيه بِالشَّام، وَقَالَ الْمَدَائِنِي: ثتل سُهَيْل بن عَمْرو باليرموك، وَقيل: مَاتَ فِي طاعون عمواس. قَوْله: (أتهموا رَأْيكُمْ) ، يُخَاطب بِهِ سهل بن حنيف أَبَا وَائِل، وَمَعْنَاهُ: أَنْتُم أفسدتم رَأْيكُمْ حَيْثُ تركم رَأْي عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَوْم صفّين حَتَّى جرى مَا جرى. قَوْله: (رَأَيْتنِي) أَي: رَأَيْت نَفسِي يَوْم أبي جندل، وَهُوَ الْيَوْم الَّذِي حضر أَبُو جندل إِلَى النَّبِي ﷺ فِي يَوْم كَانَ يكْتب هُوَ وَسُهيْل بن عَمْرو كتاب الصُّلْح. وَكَانَ قد حضر أَبُو جندل، وَهُوَ يرسف فِي الْحَدِيد، وَكَانَ قد أسلم بِمَكَّة وَأَبوهُ حَبسه وَقَيده، فهرب فجَاء إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو سُهَيْل أَخذ بتلبيبه ويجره ليَرُدهُ إِلَى قُرَيْش، وَجعل أَبُو جندل يصْرخ بِأَعْلَى صَوته، يَا معشر الْمُسلمين ﴿أأرَدُّ إِلَى الْمُشْركين يفتنوني فِي ديني؟ فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : (يَا أَبَا جندل﴾ إصبر واحتسب، فَأن الله جَاعل لَك وَلمن مَعَك من الْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّة فرجا ومخرجاً، وَإِنَّا قد عَقدنَا بَيْننَا وَبينهمْ صلحا وعهداً، فَإنَّا لَا نغدر بهم) ، وَقيل: إِنَّمَا رد أَبَا جندل لِأَنَّهُ كَانَ يَأْمَن عَلَيْهِ الْقَتْل لحُرْمَة أَبِيه سُهَيْل بن عَمْرو، وَمعنى قَول سهل بن حنيف: فَلَو فَلَو استطيع إِلَى آخِره يَعْنِي مَا كنت يَوْمئِذٍ عَن قتال الْمُشْركين وَلَكِن مَا كنت استطيع أَن أَرَادَ أَمر النَّبِي ﷺ اسْتَطَعْت لرددتَه، وَأَرَادَ بأَمْره هَذَا هُوَ عقده الصُّلْح مَعَهم، وَلما وَقع الصُّلْح تَأَخّر كل من كَانَ فِي قلبه الْقِتَال امتثالاً لأمر النَّبِي ﷺ .
وأسُمَاءُ والمِسْوَرُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 3992
أَي: وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق، وَعَن الْمسور بن مخرمَة، وَيجوز فِي أَسمَاء والمسور الرّفْع على أَن يكون عطفا على قَوْله: وَفِيه سهلُ بنُ حنيف على رِوَايَة سهل بِالرَّفْع بِدُونِ كلمة: عَن، على مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (عَن النَّبِي، ﷺ ، أَي: فِي ذكر الصُّلْح. أما حَدِيث أَسمَاء فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى حَدِيثهَا الَّذِي مضى فِي الْهِبَة فِي: بَاب هَدِيَّة الْمُشْركين: حَدثنَا عبيد بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن أَسمَاء بنت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَت: (وقدمت على أُمِّي وَهِي مُشركَة) والْحَدِيث، فَإِن فِيهِ معنى الصُّلْح، على مَا لَا يخفى. وَأما حَدِيث الْمسور بن مخرمَة فَسَيَأْتِي فِي أول كتاب الشُّرُوط بعد سَبْعَة أَبْوَاب.
٠٠٧٢ - وَقَالَ موساى بنُ مَسْعُودٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ بنُ سَعِيدٍ عنْ أبِي إسُحَاقٍ عنِ البَرَاءِ بنِ عازِبٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ صالَحَ النَّبيُّ ﷺ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ على ثَلاثَةِ أشْيَاءَ على أنَّ منْ أتاهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ رَدَّهُ إلَيْهِمْ ومنْ أتاهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَرُدُّوهُ وعَلى أنْ يَدْخُلَها مِنْ قابِل ويقيمَ بهَا ثَلاثَةَ أيَّامٍ وَلَا يَدْخُلَها إلَاّ بجُلُبَّانِ السِّلاحِ السِّيْفِ والقَوْسِ ونحْوِهِ فَجاءَ أبُو جُنْدَلٍ يحْجُلُ فِي قُيُودِهِ فَرَدَّهُ إلَيْهِمْ.
. مُوسَى بن مَسْعُود أَبُو حُذَيْفَة النَّهْدِيّ، مر فِي: بَاب الْعتْق وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ السبيعِي، وَقد مر عَن قريب، وَهَذِه الطَّرِيقَة أخرجهَا الْبَيْهَقِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَغَيره. قَوْله: (من قَابل) أَي: من عَام قَابل. قَوْله: (يحجل) ، بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَضم الْجِيم، أَي: يمشي مشي الحجلة، الطير الْمَعْرُوف، وَقيل: أَي يمشي مشْيَة الْمُقَيد، وَالْأَصْل فِيهِ أَن يرفع رجلا وَيقوم على أُخْرَى، وَذَلِكَ أَن الْمُقَيد لَا يُمكنهُ أَن ينْقل رجلَيْهِ مَعًا، وَقيل: هُوَ أَن يُقَارب خطوه، وَهُوَ مشْيَة الْمُقَيد، وَقيل: فلَان يحجل فِي مشيته أَي: يتبختر، وَرُوِيَ يجلجل فِي قيوده. قَوْله: (فَرده إِلَيْهِم) ، يُرِيد رده إِلَى أَبِيه سُهَيْل بن عَمْرو.
قَالَ أَبُو عَبْدُ الله لَمْ يَذْكُرْ مؤمَّلٌ عنْ سُفْيَانَ أبَا جَنْدَلٍ وَقَالَ إلَاّ بجُلُبِّ السِّلاحِ
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه أَرَادَ أَن مُؤَمل بن إِسْمَاعِيل تَابع مُوسَى بن مَسْعُود فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، لكنه لم يذكر قصَّة أبي جندل. وَقَالَ: ﴿إلَاّ بجلبِّ السِّلَاح) بدل قَوْله: (إلَاّ بجلبَّان السِّلَاح) ، والجلبّ، بِضَم الْجِيم وَاللَّام وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَقَالَ الْخطابِيّ بتَخْفِيف الْيَاء، جمع: جلبة، وَطَرِيق مُؤَمل هَذَا أخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) مَوْصُولا عَنهُ.
١٠٧٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ رافِعٍ قَالَ حدَّثنا سُرَيْجُ بنُ النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا فُلَيْحٌ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسُولَ الله ﷺ خَرَجَ مُعْتَمِراً فَحال كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ البَيْتِ فنَحَرَ هَدْيَهُ وحلَقَ رأسَهُ بالحُدَيْبِيَّةِ وقاضاهُمْ على أنْ يعْتَمِرَ الْعَامَ الْمُقْبِلَ وَلَا يَحْمِلَ سِلاحاً عَلَيْهِمْ إلَاّ سُيُوفاً وَلَا يُقيمُ بِهَا إلَاّ مَا أحَبُّوا فاعْتَمَرَ مِنَ العَامِ الْمُقْبِلِ فدَخَلَهَا كَمَا كانَ صالَحَهُمُ فلَمَّا أقامَ بِهَا ثَلاثاً أمَرُوهُ أنْ يَخْرُجَ فَخَرَجَ.
(الحَدِيث ١٠٧٢ طراه فِي: ٢٥٢٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَقَاضَاهُمْ) لِأَن فِي المقاضاة معنى الصُّلْح، وَمُحَمّد بن رَافع، بِالْفَاءِ وَالْعين الْمُهْملَة: ابْن أبي زيد الْقشيرِي النَّيْسَابُورِي، وَمَات سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وسريج، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وبالجيم: أَبُو الْحُسَيْن الْبَغْدَادِيّ الْجَوْهَرِي روى عَنهُ البُخَارِيّ، وروى عَن مُحَمَّد بن رَافع عَنهُ هُنَا، وروى عَن مُحَمَّد غير مَنْسُوب عَنهُ فِي الْحَج، وفليح، بِضَم الْفَاء وَفتح اللَّام وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: ابْن سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة، وَكَانَ اسْمه: عبد الْملك، ولقبه: فليح، فاشتهر بِهِ، يكنى أَبَا يحيى الْخُزَاعِيّ.
стр. 3993
قَوْله: (مُعْتَمِرًا) حَال. قَوْله: (فحال كفار قُرَيْش) ، أَي: منعُوا بَينه وَبَين الْبَيْت. قَوْله: (وَقَاضَاهُمْ) ، أَي: صَالحهمْ، وَهَذِه الْمُصَالحَة ترتبت عَلَيْهَا الْمصلحَة الْعَظِيمَة، وَهِي مَا ظهر من ثمراتها: فتح مَكَّة، وَدخُول النَّاس فِي الدّين أَفْوَاجًا، وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا قبل الصُّلْح لم يَكُونُوا يختلطون بِالْمُسْلِمين وَلَا يعْرفُونَ طَريقَة الرَّسُول ﷺ مفصلة، فَلَمَّا حصل الصُّلْح واختلطوا بهم وَعرفُوا أَحْوَاله من المعجزات الباهرة وَحسن السِّيرَة وَجَمِيل الطَّرِيقَة، تألفت نُفُوسهم إِلَى الْإِسْلَام فأسلموا قبل الْفَتْح كثيرا، وَيَوْم الْفَتْح كلهم، وَكَانَت الْعَرَب فِي الْبَوَادِي ينتظرون إِسْلَام أهل مَكَّة، فَلَمَّا أَسْلمُوا أسلم الْعَرَب كلهم، وَالْحَمْد لله.
٢٠٧٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا بِشْرٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيى عنْ بُشَيْرِ بنِ يَسارٍ عنُ سهْلِ بنِ أبِي حَثْمَةَ قَالَ انْطَلَقَ عبْدُ الله بنُ سَهْل ومُحيِّصةُ بنُ مسْعُودِ بنِ زَيْدٍ إِلَى خَيْبَرَ وهْيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَهِي يَوْمئِذٍ صلح) يَعْنِي: مصالحة أَهلهَا الْيَهُود مَعَ الْمُسلمين، وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن الْمفضل، وَقد مر فِي الْعلم، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَبشير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة مصغر بشر: ابْن يسَار ضد الْيَمين الْمدنِي مولى الْأَنْصَار، وَسَهل بن أبي حثْمَة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة، وَاسم أبي حثْمَة: عَامر ابْن سَاعِدَة أَبُو يحيى الْأنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ الْمدنِي الصَّحَابِيّ، وَعبد الله بن سهل الْأنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ، الَّذِي قَتله الْيَهُود بِخَيْبَر ابْن أخي محيصة، بِضَم الْمِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف مَكْسُورَة وتخفيفها وبالصاد الْمُهْملَة: ابْن مَسْعُود بن كَعْب بن عَامر بن عدي الْحَارِثِيّ، وَوَقع هُنَا عِنْد البُخَارِيّ: مَسْعُود بن زيد، وَعند جَمِيع أَصْحَاب الْكتب كَابْن عبد الْبر وَابْن الْأَثِير وَغَيرهمَا لم يذكرُوا إلَاّ مَسْعُود بن كَعْب.
وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِزْيَة عَن مُسَدّد أَيْضا، وَفِي الْأَدَب عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَفِي الدِّيات عَن أبي نعيم وَفِي الْأَحْكَام عَن عبد الله بن يُوسُف وَإِسْمَاعِيل بن أبي أويس، كِلَاهُمَا عَن مَالك. وَأخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن عبد الله بن عمر القواريري عَن حَمَّاد وَعَن القواريري عَن بشر بن الْمفضل بِهِ، وَعَن عَمْرو بن النَّاقِد وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن قُتَيْبَة عَن لَيْث وَعَن يحيى بن يحيى وَعَن القعْنبِي عَن سُلَيْمَان بن بِلَال وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الدِّيات عَن القواريري وَمُحَمّد بن عبيد وَعَن الْحسن بن عَليّ وَعَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وَعَن الْحسن بن مُحَمَّد بن الصَّباح، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقَضَاء وَفِي الْقسَامَة عَن قُتَيْبَة وَعَن أبي الطَّاهِر وَعَن أَحْمد بن عَبدة وَعَن مُحَمَّد بن مَنْصُور وَعَن مُحَمَّد بن بشار وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن أَحْمد بن سُلَيْمَان وَعَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَعَن الْحَارِث بن مِسْكين، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الدِّيات عَن يحيى بن حَكِيم.
قَوْله: (وَهِي يَوْمئِذٍ صلح) ، ويروى: وهم يَوْمئِذٍ صلح، أَي: أهل خَيْبَر يَوْمئِذٍ فِي صلح مَعَ الْمُسلمين.
٨ - (بابُ الصُّلْحِ فِي الدِّيَّةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَحْكَام الصُّلْح فِي الدِّيَة بِأَن وَجب قصاص وَوَقع على مَال معِين، وَالدية أَصْلهَا: ودية، لِأَنَّهُ من: ودى يَدي، يُقَال: وديت الْقَتِيل أديه دِيَة: إِذا أَعْطَيْت دِيَته، واتديت إِذا أخذت دِيَته، وَالْهَاء فِيهِ عوض عَن الْوَاو المحذوفة.
٣٠٧٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله الأنْصَارِيُّ قَالَ حدَّثني حُمَيْدٌ أنَّ أنَساً حدَّثَهُمْ أنَّ الرُّبَيِّعَ وهْيَ ابنَةُ الَّنضْرِ كَسَرَتْ ثَنيَّةَ جارِيَةٍ فطَلَبُوا الأرْشَ وطلَبُوا العَفْوَ فأبَوْا فأتَوْا النَّبيَّ ﷺ فأمرَهُمْ بالقِصاصِ فَقَالَ أنسُ بنُ النَّضْرِ أتُكْسَرَ ثَنيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رسولَ الله لَا والَّذِي بعَثَكَ بالحَقِّ لَا تكْسَرُ ثَنيَّتُهَا فَقَالَ يَا أنسُ كِتابُ الله القِصاصُ فَرضيَ القَوْم وعَفوْا فَقَالَ النبيُّ ﷺ إنَّ منْ عِبَادِ الله منْ لَوْ أقْسَمَ على الله لأبَرَّهُ زادَ الفَزَارِيُّ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنسٍ ثُمَّ رَضيَ القَوْمُ وقَبِلُوا الأرْشَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ رَضِي الْقَوْم وقبلوا الْأَرْش) لِأَن قبُول الْأَرْش عوض الْقصاص لم يكن إلَاّ بِالصُّلْحِ، فَإِن قلت: قَوْله:
стр. 3994
(فرضيب الْقَوْم وعفوا) يدل على أَن لَا صلح فِيهِ، فَمن أَيْن الْمُطَابقَة؟ قلت: رِوَايَة الْفَزارِيّ تدل على أَن معنى: عفوا، يَعْنِي: عَن الْقصاص، وَفِيه الْجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ فَافْهَم. والْحَدِيث من ثلاثيات البُخَارِيّ، وَهِي الْعَاشِرَة مِنْهَا.
وَمُحَمّد بن عبد الله بن الْمثنى بن عبد الله بن أنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ، ولي قَضَاء الْبَصْرَة ثمَّ قصاء بَغْدَاد أَيَّام الرشيد، وَولد سنة ثَمَانِي عشرَة وَمِائَة، وَمَات سنة خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَحميد هُوَ الطَّوِيل، وَقد تكَرر ذكره.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير وَفِي الدِّيات عَن الْأنْصَارِيّ تَارَة مطولا وَتارَة مُخْتَصرا، وَفِي (صَحِيح مُسلم) من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن أنس: أَن أُخْت الرّبيع أم حَارِثَة جرحت إنْسَانا، وَفِيه: فَقَالَت أم الرّبيع: وَالله لَا تكسر ثنيتها، وَكَذَا هُوَ فِي (سنَن النَّسَائِيّ) فرجح جمَاعَة من الْعلمَاء رِوَايَة البُخَارِيّ، وَقرر النَّوَوِيّ فجعلهما قضيتين، فَينْظر، لِأَن الأول رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن أبي شيبَة فِي آخَرين.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن الرُّبَيْعَ) ، بِضَم الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمَكْسُورَة وَفِي آخِره عين مُهْملَة: بنت النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: ابْن ضَمْضَم بن زيد بن حرَام بن حبيب بن عَامر بن غنم بن عدي بن النجار الْأَنْصَارِيَّة، وَهِي عمَّة أنس بن مَالك، خَادِم رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (ثنية جَارِيَة) ، الثَّنية مقدم الْأَسْنَان، وَالْجَارِيَة الْمَرْأَة الشَّابَّة لَا الْأمة هُنَا، ليتصور الْقصاص بَينهمَا. قَوْله: (فطلبوا الْأَرْش) ، أَي: فَطلب قوم الربيّع من قوم الْجَارِيَة أَخذ الْأَرْش. قَوْله: (وطلبوا الْعَفو) ، يَعْنِي: قَالُوا: خُذُوا الْأَرْش أَو اعْفُوا عَن هَذِه، فَأَبَوا، يَعْنِي: قوم الْجَارِيَة امْتَنعُوا فَلَا رَضوا بِأخذ الْأَرْش وَلَا بِالْعَفو، فَعِنْدَ ذَلِك أَتَوا النَّبِي ﷺ وتخاصموا بَين يَدَيْهِ، فَأَمرهمْ النَّبِي، ﷺ بِالْقصاصِ. قَوْله: فَقَالَ أنس بن النَّضر، وَهُوَ عَم أنس بن مَالك، قتل يَوْم أحد شَهِيدا وَوجد بِهِ بضعَة وَثَمَانُونَ من ضَرْبَة بِسيف وطعنة بِرُمْح ورمية بِسَهْم، وَفِيه نزلت: ﴿رجال صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَمنهمْ من قضى نحبه﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٢) . قَوْله: (أتُكسر؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام، وتكسر على صِيغَة الْمَجْهُول، وَلم يُنكر أنس حكم الشَّرْع، وَالظَّاهِر أَن ذَلِك كَانَ مِنْهُ قبل أَن يعرف أَن (كتاب الله الْقصاص) وَظن التَّخْيِير لَهُم بَين الْقصاص وَالدية، أَو كَانَ مُرَاده الاستشفاع من رَسُول الله، ﷺ ، أَو قَالَ ذَلِك توقعاً ورجاء من فضل الله تَعَالَى أَن يُرْضِي خصمها ويلقي فِي قلبه أَن يعْفُو عَنْهَا. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: كلمة: لَا، فِي قَوْله: (لَا وَالله) ، لَيْسَ ردا للْحكم بل نفي لوُقُوعه. وَلَفظ: (لَا تُكسر) إِخْبَار عَن عدم الْوُقُوع، وَذَلِكَ بِمَا كَانَ لَهُ عِنْد الله من الثِّقَة بِفضل الله ولطفه فِي حَقه أَنه لَا يخيبه، بل يلهمهم الْعَفو، وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (إِن من عباد الله من لَو أقسم على الله لأبرّه) ، حَيْثُ يُعلمهُ من جملَة عباد الله المخلصين. قَوْله: (كتاب الله الْقصاص) ، أَي: حكم كتاب الله الْقصاص على حذف مُضَاف، وَهُوَ إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿والجروح قصاص﴾ (الْمَائِدَة: ٥٤) . أَو إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسّن بِالسِّنِّ﴾ (الْمَائِدَة: ٥٤) . أَو إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمثل مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (النَّحْل: ٦٢١) . أَو الْكتاب بِمَعْنى الْفَرْض والإيجاب. قَوْله: (لَأَبَره) أَي: صدقه، يُقَال بر الله قسمه وأبره. قَوْله: (زَاد الْفَزارِيّ) ، بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الزَّاي وَالرَّاء، وَهُوَ مَرْوَان بن مُعَاوِيَة بن الْحَارِث الْكُوفِي سكن مَكَّة. شرفها الله، والفزاري ينْسب إِلَى فَزَارَة بن ذبيان بن بغيص بن ريث بن غطفان، وَتَعْلِيق الْفَزارِيّ أسْندهُ البُخَارِيّ فِي تَفْسِير سُورَة الْمَائِدَة، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام عَن مَرْوَان بن مُعَاوِيَة الْفَزارِيّ، فَذكره، وَالله أعلم.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: وجوب الْقصاص فِي السن، قَالَ النَّوَوِيّ: وَهُوَ مجمع عَلَيْهِ إِذا قلعهَا كلهَا، وَفِي كسر بَعْضهَا، وَفِي كسر الْعِظَام خلاف مَشْهُور بَين الْعلمَاء، وَالْأَكْثَرُونَ على أَنه: لَا قصاص قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَذهب مَالك إِلَى أَن الْقصاص فِي ذَلِك كُله إِذا أمكنت الْمُمَاثلَة، وَمَا لم يكن مخوفا كعظم الْفَخْذ والصلب أخذا بقوله تَعَالَى: ﴿فَمن اعْتدي عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ بِمثل مَا اعْتدى عَلَيْكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٤٩١) . وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسّن بِالسِّنِّ﴾ (الْبَقَرَة: ٤٩١) . وَذهب الْكُوفِيُّونَ وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ إِلَى أَنه: لَا قَوَدَ فِي كسر الْعِظَام مَا خلا السن لعدم الثِّقَة بالمماثلة، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: قيل لِأَحْمَد: كَيفَ يقْتَصّ من السن؟ قَالَ يبرد. وَذكر ابْن رشد فِي (الْقَوَاعِد) أَن ابْن عَبَّاس روى عَنهُ (أَن لَا قصاص فِي عظم) ، وَكَذَا عَن ابْن عمر، قَالَ: وَرُوِيَ عَن رَسُول الله، ﷺ : (لم يقد من الْعظم الْمَقْطُوع فِي غير الْمفصل) إِلَّا أَنه لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَفِيه: جَوَاز الْحلف فِيمَا يَظُنّهُ الْإِنْسَان. وَفِيه: جَوَاز الثَّنَاء على من لَا يخَاف عَلَيْهِ الْفِتْنَة بذلك. وَفِيه: دلَالَة على كرامات الْأَوْلِيَاء. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الْعَفو عَن الْقصاص والشفاعة فِيهِ. وَفِيه: إِثْبَات الْقصاص بَين النِّسَاء وَفِي الْأَسْنَان. وَفِيه: فَضِيلَة أنس. وَفِيه: أَن الْخيرَة فِي الْقصاص وَالدية إِلَى مُسْتَحقّه لَا إِلَى الْمُسْتَحق عَلَيْهِ.
стр. 3995
٩ - (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا ابْني هذَا سيد ولَعَلَّ الله أنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول االنبي، ﷺ لِلْحسنِ بن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا إِلَى آخِره، قَوْله: (ابْني هَذَا) جملَة إسمية. لِأَن قَوْله: ابْني، خبر عَن قَوْله: هَذَا، قَوْله: (سيد) ، خبر بعد خبر، وَالسَّيِّد الرئيس، قَالَ كرَاع: وَجمعه سادة، قيل: سادة جمع: سائد، وَهُوَ من السؤدد، وَهُوَ الشّرف، وَقَالَ ابْن سَيّده: وَقد يهمز السؤدد وتضم، وَقد سادهم سُودًا وسودداً وسيادة وسيدودة، واستادهم كسادهم، وسوده هُوَ، وَذكر الزبيدِيّ فِي كِتَابه (طَبَقَات النَّحْوِيين) : أَن أَبَا مُحَمَّد الْأَعرَابِي قَالَ لإِبْرَاهِيم بن الْحجَّاج الثائر بأشبيلية: بِاللَّه أَيهَا الْأَمِير مَا سيَّدتْكَ الْعَرَب إلَاّ بحقك، يَقُولهَا بِالْيَاءِ، فَلَمَّا أنكر عَلَيْهِ، قَالَ: السوَاد السخام، وأصر على أَن الصَّوَاب مَعَه، ومالأه على ذَلِك الْأَمِير لعظم مَنْزِلَته فِي الْعلم. وَقيل: اشتقاق السَّيِّد من السوَاد، أَي: الَّذِي يَلِي السوَاد الْعَظِيم من النَّاس. قَوْله: (وَلَعَلَّ الله) ، اسْتعْمل: لَعَلَّ، اسْتِعْمَال: عَسى، لاشْتِرَاكهمَا فِي الرَّجَاء. قَوْله: (فئتين عظيمتين) ووصفهما بالعظيمتين لِأَن الْمُسلمين كَانُوا يَوْمئِذٍ فرْقَتَيْن: فرقة مَعَ الْحسن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفرْقَة مَعَ مُعَاوِيَة، وَهَذِه معْجزَة عَظِيمَة من النَّبِي، ﷺ ، حَيْثُ أخبر بِهَذَا فَوَقع مثل مَا أخبر.
وأصل الْقَضِيَّة أَن عَليّ بن أبي طَالب، لما ضربه عبد الرَّحْمَن بن ملجم الْمرَادِي يَوْم الْجُمُعَة لثلاث عشرَة بقيت من رَمَضَان من سنة أَرْبَعِينَ من الْهِجْرَة، قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ. وَقَالَ ابْن الْهَيْثَم: ضربه فِي لَيْلَة سَبْعَة وَعشْرين من رَمَضَان، وَقَالَ أَبُو الْيَقظَان: فِي اللَّيْلَة السَّابِعَة عشر من رَمَضَان، وَقَالَ الْحسن: كَانَت لَيْلَة الْقدر، اللَّيْلَة الَّتِي عرج فِيهَا بِعِيسَى، ﵊، ونبىء فِيهَا رَسُول الله، ﷺ ، وَمَات فِيهَا مُوسَى ويوشع بن نون، ﵉، مكث يَوْم الْجُمُعَة وَلَيْلَة السبت وَتُوفِّي لَيْلَة الْأَحَد لإحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من رَمَضَان سنة أَرْبَعِينَ من الْهِجْرَة، وبويع لِابْنِهِ الْحسن بالخلافة فِي شهر رَمَضَان من هَذِه السّنة، فَقيل: فِي الْيَوْم الَّذِي اسْتشْهد فِيهِ عَليّ، قَالَه الْوَاقِدِيّ، وَقيل: فِي اللَّيْلَة الَّتِي دفن فِيهَا، وَقيل: بعد وَفَاته بيومين، وَقَالَ هِشَام: وَأقَام الْحسن أَيَّامًا مفكراً فِي أمره ثمَّ رأى اخْتِلَاف النَّاس فرقة من جِهَته وَفرْقَة من جِهَة مُعَاوِيَة، وَلَا يَسْتَقِيم الْأَمر، وَرَأى النّظر فِي إصْلَاح الْمُسلمين وحقن دِمَائِهِمْ أولى من النّظر فِي حَقه، سلَّم الْخلَافَة لمعاوية فِي الْخَامِس من ربيع الأول من سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين، وَقيل: من ربيع الْأُخَر، وَقيل: فِي غرَّة جمادي الأولى، وَكَانَت خِلَافَته سِتَّة أشهر إلَاّ أَيَّامًا. وَسمي هَذَا الْعَام عَام الْجَمَاعَة. وَهَذَا الَّذِي أخبر بِهِ النَّبِي، ﷺ : (لَعَلَّ الله أَن يصلح بِهِ بَين فئتين عظيمتين) .
وقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿فأصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (الحجرات: ٩) .
وَقَوله، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: قَول النَّبِي ﷺ ، وَأَشَارَ بِذكر هَذِه الْقطعَة من الْآيَة الْكَرِيمَة: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَينهمَا﴾ (الحجرات: ٩) . إِلَى أَن الصُّلْح أَمر مَشْرُوع ومندوب إِلَيْهِ.
٤٠٧٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ أبِي مُوسَى قَالَ سَمِعْتُ الحسَنَ يَقُولُ اسْتَقْبَلَ وَالله الحَسَنُ بنُ علِيٍّ مُعاوِيَةَ بِكَتائِبَ أمْثَالِ الجبالِ فَقَالَ عَمْرُو بنُ العَاصِ إنّى لأرى كَتَائِبَ لَا تولِّي حتَّى تَقْتُلَ أقْرَانَها فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ وكانَ وَالله خَيْرُ الرُّجُلَيْنِ أيْ عَمْرُو إنْ قَتَلَ هَؤُلاءِ هَؤلاءِ وهَؤلاءِ هؤُلاءِ مَن لِي بأمُورِ النَّاس مَنْ لِي بِنِسائِهِمْ منْ لي بِضَيْعَتِهِمْ فبَعَثَ إلَيْهِ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ مِن بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ عَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ سَمُرَةَ وعَبْدَ الله بنَ عامِرِ بنِ كرَيْز فَقَالَ اذْهَبَا إلَى هَذَا الرَّجُلِ فاعْرِضَا عَلَيْهِ وقُولَا لَهُ واطْلُبَا إلَيْهِ فأتَياهُ فَدَخَلا عَلَيْهِ فتَكَلَّمَا وَقَالا لَهُ فطَلَبا إلَيْهِ فَقَالَ لَهُمَا الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ إنَّا بَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ قدْ أصَبْنَا مِنَ المَالِ وإنَّ هذِهِ الأمَّةَ قدْ عاثَتْ فِي دِمائِهَا قَالَا فإنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْكَ كذَا وكَذَا ويَطْلُبُ إلَيْكَ ويَسْألُكَ قَالَ فَمَنْ لِي بهَذا قَالَا نَحْنُ
следующие страницы →