Полный текст (7 603 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.
стр. 3991
تَعَالَى عَنْهَا، مَا بعث رَسُول الله، ﷺ ، زيد بن حَارِثَة فِي سَرِيَّة إلَاّ أمَّره عَلَيْهِم، وَلَو بَقِي لاستخلفه، قتل بمؤتة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٧ - (بابُ الصُّلْحِ مَعَ المُشْرِكِينَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصُّلْح مَعَ الْمُشْركين.
فِيهِ عنْ أبي سُفْيَانَ
أَي: فِي هَذَا الْبَاب شَيْء يرْوى عَن أبي سُفْيَان، يَعْنِي: فِي، بَاب الصُّلْح مَعَ الْمُشْركين مثل الَّذِي مر فِي شَأْن هِرقل، وَهُوَ أَن هِرقل أرسل إِلَيْهِ فِي ركب من قُرَيْش فِي الْمدَّة الَّتِي ماد فِيهَا رَسُول الله، ﷺ كفار قُرَيْش ... الحَدِيث مطولا فِي أول الْكتاب، وَفِيه: وَنحن فِي مُدَّة لَا نَدْرِي مَا هُوَ صانع فِيهَا، وَهِي مُدَّة الصُّلْح بَينهم.
وَقَالَ عَوْفُ بنُ مالِكٍ عنِ النَّبِي، ﷺ ثُمَّ تَكُونُ هُدْنة بَيْنَكُمْ وبيْنَ بَنِي الأصْفَرِ
هَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث وَصله البُخَارِيّ بِتَمَامِهِ فِي الْجِزْيَة من طَرِيق أبي إِدْرِيس الْخَولَانِيّ، وعَوْف بن مَالك ابْن أبي عَوْف الْأَشْجَعِيّ الْغَطَفَانِي أَبُو عبد الله، شهد فتح مَكَّة مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، ثمَّ نزل الشَّام وَسكن دمشق وَمَات بحمص سنة اثْنَيْنِ وَسبعين. قَوْله: (ثمَّ تكون هدنة) ، بِضَم الْهَاء وَهُوَ الصُّلْح، وَفِيه الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة. وَبَنُو الْأَصْفَر: الرّوم، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: سموا بِهِ لِأَن جَيْشًا من الْحَبَشَة غلب على بِلَادهمْ فِي وَقت، فوطىء نِسَاءَهُمْ فَولدت أَوْلَادًا صفراً بَين سَواد الْحَبَشَة وَبَيَاض الرّوم.
وفيهِ عنْ سَهْلُ بنُ حُنَيْفٍ
أَي: وَفِي الْبَاب رُوِيَ عَن سهل بن حنيف بن واهب الْأنْصَارِيّ الأوسي أَبُو ثَابت، ويروى: وَفِيه سهل بن حنيف، بِدُونِ كلمة: عَن، وَهَذَا التَّعْلِيق أَيْضا طرف من حَدِيث وَصله البُخَارِيّ فِي آخر الْجِزْيَة، قَالَ: حَدثنَا عَبْدَانِ أخبرنَا أَبُو حَمْزَة، قَالَ: سَمِعت الْأَعْمَش، قَالَ: سَأَلت أَبُو وَائِل: شهِدت صفّين؟ قَالَ: نعم، فَسمِعت سهل بن حنيف يَقُول: (أتهموا رَأْيكُمْ، رَأَيْتنِي يَوْم أبي جندل، فَلَو استطيع أَن أرد أَمر النَّبِي، ﷺ ، لرددته) الحَدِيث. وَسَهل بن حنيف شهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله، ﷺ مَاتَ بِالْكُوفَةِ سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ، وَصلى عَلَيْهِ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وكبَّر سِتَّاً. وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر والأصيلي: كَذَا، وَفِيه عَن سهل بن حنيف (لقد رَأَيْتنَا يَوْم أبي جندل) . وَلم يَقع هَذَا فِي رِوَايَة غَيرهمَا. وَأَبُو جندل: اسْمه الْعَاصِ بن سُهَيْل بن عَمْرو، قتل مَعَ أَبِيه بِالشَّام، وَقَالَ الْمَدَائِنِي: ثتل سُهَيْل بن عَمْرو باليرموك، وَقيل: مَاتَ فِي طاعون عمواس. قَوْله: (أتهموا رَأْيكُمْ) ، يُخَاطب بِهِ سهل بن حنيف أَبَا وَائِل، وَمَعْنَاهُ: أَنْتُم أفسدتم رَأْيكُمْ حَيْثُ تركم رَأْي عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَوْم صفّين حَتَّى جرى مَا جرى. قَوْله: (رَأَيْتنِي) أَي: رَأَيْت نَفسِي يَوْم أبي جندل، وَهُوَ الْيَوْم الَّذِي حضر أَبُو جندل إِلَى النَّبِي ﷺ فِي يَوْم كَانَ يكْتب هُوَ وَسُهيْل بن عَمْرو كتاب الصُّلْح. وَكَانَ قد حضر أَبُو جندل، وَهُوَ يرسف فِي الْحَدِيد، وَكَانَ قد أسلم بِمَكَّة وَأَبوهُ حَبسه وَقَيده، فهرب فجَاء إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو سُهَيْل أَخذ بتلبيبه ويجره ليَرُدهُ إِلَى قُرَيْش، وَجعل أَبُو جندل يصْرخ بِأَعْلَى صَوته، يَا معشر الْمُسلمين ﴿أأرَدُّ إِلَى الْمُشْركين يفتنوني فِي ديني؟ فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : (يَا أَبَا جندل﴾ إصبر واحتسب، فَأن الله جَاعل لَك وَلمن مَعَك من الْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّة فرجا ومخرجاً، وَإِنَّا قد عَقدنَا بَيْننَا وَبينهمْ صلحا وعهداً، فَإنَّا لَا نغدر بهم) ، وَقيل: إِنَّمَا رد أَبَا جندل لِأَنَّهُ كَانَ يَأْمَن عَلَيْهِ الْقَتْل لحُرْمَة أَبِيه سُهَيْل بن عَمْرو، وَمعنى قَول سهل بن حنيف: فَلَو فَلَو استطيع إِلَى آخِره يَعْنِي مَا كنت يَوْمئِذٍ عَن قتال الْمُشْركين وَلَكِن مَا كنت استطيع أَن أَرَادَ أَمر النَّبِي ﷺ اسْتَطَعْت لرددتَه، وَأَرَادَ بأَمْره هَذَا هُوَ عقده الصُّلْح مَعَهم، وَلما وَقع الصُّلْح تَأَخّر كل من كَانَ فِي قلبه الْقِتَال امتثالاً لأمر النَّبِي ﷺ .
وأسُمَاءُ والمِسْوَرُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 3992
أَي: وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق، وَعَن الْمسور بن مخرمَة، وَيجوز فِي أَسمَاء والمسور الرّفْع على أَن يكون عطفا على قَوْله: وَفِيه سهلُ بنُ حنيف على رِوَايَة سهل بِالرَّفْع بِدُونِ كلمة: عَن، على مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (عَن النَّبِي، ﷺ ، أَي: فِي ذكر الصُّلْح. أما حَدِيث أَسمَاء فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى حَدِيثهَا الَّذِي مضى فِي الْهِبَة فِي: بَاب هَدِيَّة الْمُشْركين: حَدثنَا عبيد بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن أَسمَاء بنت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَت: (وقدمت على أُمِّي وَهِي مُشركَة) والْحَدِيث، فَإِن فِيهِ معنى الصُّلْح، على مَا لَا يخفى. وَأما حَدِيث الْمسور بن مخرمَة فَسَيَأْتِي فِي أول كتاب الشُّرُوط بعد سَبْعَة أَبْوَاب.
٠٠٧٢ - وَقَالَ موساى بنُ مَسْعُودٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ بنُ سَعِيدٍ عنْ أبِي إسُحَاقٍ عنِ البَرَاءِ بنِ عازِبٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ صالَحَ النَّبيُّ ﷺ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ على ثَلاثَةِ أشْيَاءَ على أنَّ منْ أتاهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ رَدَّهُ إلَيْهِمْ ومنْ أتاهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَرُدُّوهُ وعَلى أنْ يَدْخُلَها مِنْ قابِل ويقيمَ بهَا ثَلاثَةَ أيَّامٍ وَلَا يَدْخُلَها إلَاّ بجُلُبَّانِ السِّلاحِ السِّيْفِ والقَوْسِ ونحْوِهِ فَجاءَ أبُو جُنْدَلٍ يحْجُلُ فِي قُيُودِهِ فَرَدَّهُ إلَيْهِمْ.
. مُوسَى بن مَسْعُود أَبُو حُذَيْفَة النَّهْدِيّ، مر فِي: بَاب الْعتْق وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ السبيعِي، وَقد مر عَن قريب، وَهَذِه الطَّرِيقَة أخرجهَا الْبَيْهَقِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَغَيره. قَوْله: (من قَابل) أَي: من عَام قَابل. قَوْله: (يحجل) ، بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَضم الْجِيم، أَي: يمشي مشي الحجلة، الطير الْمَعْرُوف، وَقيل: أَي يمشي مشْيَة الْمُقَيد، وَالْأَصْل فِيهِ أَن يرفع رجلا وَيقوم على أُخْرَى، وَذَلِكَ أَن الْمُقَيد لَا يُمكنهُ أَن ينْقل رجلَيْهِ مَعًا، وَقيل: هُوَ أَن يُقَارب خطوه، وَهُوَ مشْيَة الْمُقَيد، وَقيل: فلَان يحجل فِي مشيته أَي: يتبختر، وَرُوِيَ يجلجل فِي قيوده. قَوْله: (فَرده إِلَيْهِم) ، يُرِيد رده إِلَى أَبِيه سُهَيْل بن عَمْرو.
قَالَ أَبُو عَبْدُ الله لَمْ يَذْكُرْ مؤمَّلٌ عنْ سُفْيَانَ أبَا جَنْدَلٍ وَقَالَ إلَاّ بجُلُبِّ السِّلاحِ
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه أَرَادَ أَن مُؤَمل بن إِسْمَاعِيل تَابع مُوسَى بن مَسْعُود فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، لكنه لم يذكر قصَّة أبي جندل. وَقَالَ: ﴿إلَاّ بجلبِّ السِّلَاح) بدل قَوْله: (إلَاّ بجلبَّان السِّلَاح) ، والجلبّ، بِضَم الْجِيم وَاللَّام وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَقَالَ الْخطابِيّ بتَخْفِيف الْيَاء، جمع: جلبة، وَطَرِيق مُؤَمل هَذَا أخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) مَوْصُولا عَنهُ.
١٠٧٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ رافِعٍ قَالَ حدَّثنا سُرَيْجُ بنُ النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا فُلَيْحٌ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسُولَ الله ﷺ خَرَجَ مُعْتَمِراً فَحال كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ البَيْتِ فنَحَرَ هَدْيَهُ وحلَقَ رأسَهُ بالحُدَيْبِيَّةِ وقاضاهُمْ على أنْ يعْتَمِرَ الْعَامَ الْمُقْبِلَ وَلَا يَحْمِلَ سِلاحاً عَلَيْهِمْ إلَاّ سُيُوفاً وَلَا يُقيمُ بِهَا إلَاّ مَا أحَبُّوا فاعْتَمَرَ مِنَ العَامِ الْمُقْبِلِ فدَخَلَهَا كَمَا كانَ صالَحَهُمُ فلَمَّا أقامَ بِهَا ثَلاثاً أمَرُوهُ أنْ يَخْرُجَ فَخَرَجَ.
(الحَدِيث ١٠٧٢ طراه فِي: ٢٥٢٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَقَاضَاهُمْ) لِأَن فِي المقاضاة معنى الصُّلْح، وَمُحَمّد بن رَافع، بِالْفَاءِ وَالْعين الْمُهْملَة: ابْن أبي زيد الْقشيرِي النَّيْسَابُورِي، وَمَات سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وسريج، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وبالجيم: أَبُو الْحُسَيْن الْبَغْدَادِيّ الْجَوْهَرِي روى عَنهُ البُخَارِيّ، وروى عَن مُحَمَّد بن رَافع عَنهُ هُنَا، وروى عَن مُحَمَّد غير مَنْسُوب عَنهُ فِي الْحَج، وفليح، بِضَم الْفَاء وَفتح اللَّام وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: ابْن سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة، وَكَانَ اسْمه: عبد الْملك، ولقبه: فليح، فاشتهر بِهِ، يكنى أَبَا يحيى الْخُزَاعِيّ.
стр. 3993
قَوْله: (مُعْتَمِرًا) حَال. قَوْله: (فحال كفار قُرَيْش) ، أَي: منعُوا بَينه وَبَين الْبَيْت. قَوْله: (وَقَاضَاهُمْ) ، أَي: صَالحهمْ، وَهَذِه الْمُصَالحَة ترتبت عَلَيْهَا الْمصلحَة الْعَظِيمَة، وَهِي مَا ظهر من ثمراتها: فتح مَكَّة، وَدخُول النَّاس فِي الدّين أَفْوَاجًا، وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا قبل الصُّلْح لم يَكُونُوا يختلطون بِالْمُسْلِمين وَلَا يعْرفُونَ طَريقَة الرَّسُول ﷺ مفصلة، فَلَمَّا حصل الصُّلْح واختلطوا بهم وَعرفُوا أَحْوَاله من المعجزات الباهرة وَحسن السِّيرَة وَجَمِيل الطَّرِيقَة، تألفت نُفُوسهم إِلَى الْإِسْلَام فأسلموا قبل الْفَتْح كثيرا، وَيَوْم الْفَتْح كلهم، وَكَانَت الْعَرَب فِي الْبَوَادِي ينتظرون إِسْلَام أهل مَكَّة، فَلَمَّا أَسْلمُوا أسلم الْعَرَب كلهم، وَالْحَمْد لله.
٢٠٧٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا بِشْرٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيى عنْ بُشَيْرِ بنِ يَسارٍ عنُ سهْلِ بنِ أبِي حَثْمَةَ قَالَ انْطَلَقَ عبْدُ الله بنُ سَهْل ومُحيِّصةُ بنُ مسْعُودِ بنِ زَيْدٍ إِلَى خَيْبَرَ وهْيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَهِي يَوْمئِذٍ صلح) يَعْنِي: مصالحة أَهلهَا الْيَهُود مَعَ الْمُسلمين، وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن الْمفضل، وَقد مر فِي الْعلم، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَبشير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة مصغر بشر: ابْن يسَار ضد الْيَمين الْمدنِي مولى الْأَنْصَار، وَسَهل بن أبي حثْمَة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة، وَاسم أبي حثْمَة: عَامر ابْن سَاعِدَة أَبُو يحيى الْأنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ الْمدنِي الصَّحَابِيّ، وَعبد الله بن سهل الْأنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ، الَّذِي قَتله الْيَهُود بِخَيْبَر ابْن أخي محيصة، بِضَم الْمِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف مَكْسُورَة وتخفيفها وبالصاد الْمُهْملَة: ابْن مَسْعُود بن كَعْب بن عَامر بن عدي الْحَارِثِيّ، وَوَقع هُنَا عِنْد البُخَارِيّ: مَسْعُود بن زيد، وَعند جَمِيع أَصْحَاب الْكتب كَابْن عبد الْبر وَابْن الْأَثِير وَغَيرهمَا لم يذكرُوا إلَاّ مَسْعُود بن كَعْب.
وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِزْيَة عَن مُسَدّد أَيْضا، وَفِي الْأَدَب عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَفِي الدِّيات عَن أبي نعيم وَفِي الْأَحْكَام عَن عبد الله بن يُوسُف وَإِسْمَاعِيل بن أبي أويس، كِلَاهُمَا عَن مَالك. وَأخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن عبد الله بن عمر القواريري عَن حَمَّاد وَعَن القواريري عَن بشر بن الْمفضل بِهِ، وَعَن عَمْرو بن النَّاقِد وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن قُتَيْبَة عَن لَيْث وَعَن يحيى بن يحيى وَعَن القعْنبِي عَن سُلَيْمَان بن بِلَال وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الدِّيات عَن القواريري وَمُحَمّد بن عبيد وَعَن الْحسن بن عَليّ وَعَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وَعَن الْحسن بن مُحَمَّد بن الصَّباح، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقَضَاء وَفِي الْقسَامَة عَن قُتَيْبَة وَعَن أبي الطَّاهِر وَعَن أَحْمد بن عَبدة وَعَن مُحَمَّد بن مَنْصُور وَعَن مُحَمَّد بن بشار وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن أَحْمد بن سُلَيْمَان وَعَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَعَن الْحَارِث بن مِسْكين، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الدِّيات عَن يحيى بن حَكِيم.
قَوْله: (وَهِي يَوْمئِذٍ صلح) ، ويروى: وهم يَوْمئِذٍ صلح، أَي: أهل خَيْبَر يَوْمئِذٍ فِي صلح مَعَ الْمُسلمين.
٨ - (بابُ الصُّلْحِ فِي الدِّيَّةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَحْكَام الصُّلْح فِي الدِّيَة بِأَن وَجب قصاص وَوَقع على مَال معِين، وَالدية أَصْلهَا: ودية، لِأَنَّهُ من: ودى يَدي، يُقَال: وديت الْقَتِيل أديه دِيَة: إِذا أَعْطَيْت دِيَته، واتديت إِذا أخذت دِيَته، وَالْهَاء فِيهِ عوض عَن الْوَاو المحذوفة.
٣٠٧٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله الأنْصَارِيُّ قَالَ حدَّثني حُمَيْدٌ أنَّ أنَساً حدَّثَهُمْ أنَّ الرُّبَيِّعَ وهْيَ ابنَةُ الَّنضْرِ كَسَرَتْ ثَنيَّةَ جارِيَةٍ فطَلَبُوا الأرْشَ وطلَبُوا العَفْوَ فأبَوْا فأتَوْا النَّبيَّ ﷺ فأمرَهُمْ بالقِصاصِ فَقَالَ أنسُ بنُ النَّضْرِ أتُكْسَرَ ثَنيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رسولَ الله لَا والَّذِي بعَثَكَ بالحَقِّ لَا تكْسَرُ ثَنيَّتُهَا فَقَالَ يَا أنسُ كِتابُ الله القِصاصُ فَرضيَ القَوْم وعَفوْا فَقَالَ النبيُّ ﷺ إنَّ منْ عِبَادِ الله منْ لَوْ أقْسَمَ على الله لأبَرَّهُ زادَ الفَزَارِيُّ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنسٍ ثُمَّ رَضيَ القَوْمُ وقَبِلُوا الأرْشَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ رَضِي الْقَوْم وقبلوا الْأَرْش) لِأَن قبُول الْأَرْش عوض الْقصاص لم يكن إلَاّ بِالصُّلْحِ، فَإِن قلت: قَوْله:
стр. 3994
(فرضيب الْقَوْم وعفوا) يدل على أَن لَا صلح فِيهِ، فَمن أَيْن الْمُطَابقَة؟ قلت: رِوَايَة الْفَزارِيّ تدل على أَن معنى: عفوا، يَعْنِي: عَن الْقصاص، وَفِيه الْجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ فَافْهَم. والْحَدِيث من ثلاثيات البُخَارِيّ، وَهِي الْعَاشِرَة مِنْهَا.
وَمُحَمّد بن عبد الله بن الْمثنى بن عبد الله بن أنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ، ولي قَضَاء الْبَصْرَة ثمَّ قصاء بَغْدَاد أَيَّام الرشيد، وَولد سنة ثَمَانِي عشرَة وَمِائَة، وَمَات سنة خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَحميد هُوَ الطَّوِيل، وَقد تكَرر ذكره.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير وَفِي الدِّيات عَن الْأنْصَارِيّ تَارَة مطولا وَتارَة مُخْتَصرا، وَفِي (صَحِيح مُسلم) من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن أنس: أَن أُخْت الرّبيع أم حَارِثَة جرحت إنْسَانا، وَفِيه: فَقَالَت أم الرّبيع: وَالله لَا تكسر ثنيتها، وَكَذَا هُوَ فِي (سنَن النَّسَائِيّ) فرجح جمَاعَة من الْعلمَاء رِوَايَة البُخَارِيّ، وَقرر النَّوَوِيّ فجعلهما قضيتين، فَينْظر، لِأَن الأول رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن أبي شيبَة فِي آخَرين.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن الرُّبَيْعَ) ، بِضَم الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمَكْسُورَة وَفِي آخِره عين مُهْملَة: بنت النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: ابْن ضَمْضَم بن زيد بن حرَام بن حبيب بن عَامر بن غنم بن عدي بن النجار الْأَنْصَارِيَّة، وَهِي عمَّة أنس بن مَالك، خَادِم رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (ثنية جَارِيَة) ، الثَّنية مقدم الْأَسْنَان، وَالْجَارِيَة الْمَرْأَة الشَّابَّة لَا الْأمة هُنَا، ليتصور الْقصاص بَينهمَا. قَوْله: (فطلبوا الْأَرْش) ، أَي: فَطلب قوم الربيّع من قوم الْجَارِيَة أَخذ الْأَرْش. قَوْله: (وطلبوا الْعَفو) ، يَعْنِي: قَالُوا: خُذُوا الْأَرْش أَو اعْفُوا عَن هَذِه، فَأَبَوا، يَعْنِي: قوم الْجَارِيَة امْتَنعُوا فَلَا رَضوا بِأخذ الْأَرْش وَلَا بِالْعَفو، فَعِنْدَ ذَلِك أَتَوا النَّبِي ﷺ وتخاصموا بَين يَدَيْهِ، فَأَمرهمْ النَّبِي، ﷺ بِالْقصاصِ. قَوْله: فَقَالَ أنس بن النَّضر، وَهُوَ عَم أنس بن مَالك، قتل يَوْم أحد شَهِيدا وَوجد بِهِ بضعَة وَثَمَانُونَ من ضَرْبَة بِسيف وطعنة بِرُمْح ورمية بِسَهْم، وَفِيه نزلت: ﴿رجال صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَمنهمْ من قضى نحبه﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٢) . قَوْله: (أتُكسر؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام، وتكسر على صِيغَة الْمَجْهُول، وَلم يُنكر أنس حكم الشَّرْع، وَالظَّاهِر أَن ذَلِك كَانَ مِنْهُ قبل أَن يعرف أَن (كتاب الله الْقصاص) وَظن التَّخْيِير لَهُم بَين الْقصاص وَالدية، أَو كَانَ مُرَاده الاستشفاع من رَسُول الله، ﷺ ، أَو قَالَ ذَلِك توقعاً ورجاء من فضل الله تَعَالَى أَن يُرْضِي خصمها ويلقي فِي قلبه أَن يعْفُو عَنْهَا. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: كلمة: لَا، فِي قَوْله: (لَا وَالله) ، لَيْسَ ردا للْحكم بل نفي لوُقُوعه. وَلَفظ: (لَا تُكسر) إِخْبَار عَن عدم الْوُقُوع، وَذَلِكَ بِمَا كَانَ لَهُ عِنْد الله من الثِّقَة بِفضل الله ولطفه فِي حَقه أَنه لَا يخيبه، بل يلهمهم الْعَفو، وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (إِن من عباد الله من لَو أقسم على الله لأبرّه) ، حَيْثُ يُعلمهُ من جملَة عباد الله المخلصين. قَوْله: (كتاب الله الْقصاص) ، أَي: حكم كتاب الله الْقصاص على حذف مُضَاف، وَهُوَ إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿والجروح قصاص﴾ (الْمَائِدَة: ٥٤) . أَو إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسّن بِالسِّنِّ﴾ (الْمَائِدَة: ٥٤) . أَو إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمثل مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (النَّحْل: ٦٢١) . أَو الْكتاب بِمَعْنى الْفَرْض والإيجاب. قَوْله: (لَأَبَره) أَي: صدقه، يُقَال بر الله قسمه وأبره. قَوْله: (زَاد الْفَزارِيّ) ، بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الزَّاي وَالرَّاء، وَهُوَ مَرْوَان بن مُعَاوِيَة بن الْحَارِث الْكُوفِي سكن مَكَّة. شرفها الله، والفزاري ينْسب إِلَى فَزَارَة بن ذبيان بن بغيص بن ريث بن غطفان، وَتَعْلِيق الْفَزارِيّ أسْندهُ البُخَارِيّ فِي تَفْسِير سُورَة الْمَائِدَة، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام عَن مَرْوَان بن مُعَاوِيَة الْفَزارِيّ، فَذكره، وَالله أعلم.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: وجوب الْقصاص فِي السن، قَالَ النَّوَوِيّ: وَهُوَ مجمع عَلَيْهِ إِذا قلعهَا كلهَا، وَفِي كسر بَعْضهَا، وَفِي كسر الْعِظَام خلاف مَشْهُور بَين الْعلمَاء، وَالْأَكْثَرُونَ على أَنه: لَا قصاص قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَذهب مَالك إِلَى أَن الْقصاص فِي ذَلِك كُله إِذا أمكنت الْمُمَاثلَة، وَمَا لم يكن مخوفا كعظم الْفَخْذ والصلب أخذا بقوله تَعَالَى: ﴿فَمن اعْتدي عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ بِمثل مَا اعْتدى عَلَيْكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٤٩١) . وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسّن بِالسِّنِّ﴾ (الْبَقَرَة: ٤٩١) . وَذهب الْكُوفِيُّونَ وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ إِلَى أَنه: لَا قَوَدَ فِي كسر الْعِظَام مَا خلا السن لعدم الثِّقَة بالمماثلة، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: قيل لِأَحْمَد: كَيفَ يقْتَصّ من السن؟ قَالَ يبرد. وَذكر ابْن رشد فِي (الْقَوَاعِد) أَن ابْن عَبَّاس روى عَنهُ (أَن لَا قصاص فِي عظم) ، وَكَذَا عَن ابْن عمر، قَالَ: وَرُوِيَ عَن رَسُول الله، ﷺ : (لم يقد من الْعظم الْمَقْطُوع فِي غير الْمفصل) إِلَّا أَنه لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَفِيه: جَوَاز الْحلف فِيمَا يَظُنّهُ الْإِنْسَان. وَفِيه: جَوَاز الثَّنَاء على من لَا يخَاف عَلَيْهِ الْفِتْنَة بذلك. وَفِيه: دلَالَة على كرامات الْأَوْلِيَاء. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الْعَفو عَن الْقصاص والشفاعة فِيهِ. وَفِيه: إِثْبَات الْقصاص بَين النِّسَاء وَفِي الْأَسْنَان. وَفِيه: فَضِيلَة أنس. وَفِيه: أَن الْخيرَة فِي الْقصاص وَالدية إِلَى مُسْتَحقّه لَا إِلَى الْمُسْتَحق عَلَيْهِ.
стр. 3995
٩ - (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا ابْني هذَا سيد ولَعَلَّ الله أنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول االنبي، ﷺ لِلْحسنِ بن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا إِلَى آخِره، قَوْله: (ابْني هَذَا) جملَة إسمية. لِأَن قَوْله: ابْني، خبر عَن قَوْله: هَذَا، قَوْله: (سيد) ، خبر بعد خبر، وَالسَّيِّد الرئيس، قَالَ كرَاع: وَجمعه سادة، قيل: سادة جمع: سائد، وَهُوَ من السؤدد، وَهُوَ الشّرف، وَقَالَ ابْن سَيّده: وَقد يهمز السؤدد وتضم، وَقد سادهم سُودًا وسودداً وسيادة وسيدودة، واستادهم كسادهم، وسوده هُوَ، وَذكر الزبيدِيّ فِي كِتَابه (طَبَقَات النَّحْوِيين) : أَن أَبَا مُحَمَّد الْأَعرَابِي قَالَ لإِبْرَاهِيم بن الْحجَّاج الثائر بأشبيلية: بِاللَّه أَيهَا الْأَمِير مَا سيَّدتْكَ الْعَرَب إلَاّ بحقك، يَقُولهَا بِالْيَاءِ، فَلَمَّا أنكر عَلَيْهِ، قَالَ: السوَاد السخام، وأصر على أَن الصَّوَاب مَعَه، ومالأه على ذَلِك الْأَمِير لعظم مَنْزِلَته فِي الْعلم. وَقيل: اشتقاق السَّيِّد من السوَاد، أَي: الَّذِي يَلِي السوَاد الْعَظِيم من النَّاس. قَوْله: (وَلَعَلَّ الله) ، اسْتعْمل: لَعَلَّ، اسْتِعْمَال: عَسى، لاشْتِرَاكهمَا فِي الرَّجَاء. قَوْله: (فئتين عظيمتين) ووصفهما بالعظيمتين لِأَن الْمُسلمين كَانُوا يَوْمئِذٍ فرْقَتَيْن: فرقة مَعَ الْحسن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفرْقَة مَعَ مُعَاوِيَة، وَهَذِه معْجزَة عَظِيمَة من النَّبِي، ﷺ ، حَيْثُ أخبر بِهَذَا فَوَقع مثل مَا أخبر.
وأصل الْقَضِيَّة أَن عَليّ بن أبي طَالب، لما ضربه عبد الرَّحْمَن بن ملجم الْمرَادِي يَوْم الْجُمُعَة لثلاث عشرَة بقيت من رَمَضَان من سنة أَرْبَعِينَ من الْهِجْرَة، قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ. وَقَالَ ابْن الْهَيْثَم: ضربه فِي لَيْلَة سَبْعَة وَعشْرين من رَمَضَان، وَقَالَ أَبُو الْيَقظَان: فِي اللَّيْلَة السَّابِعَة عشر من رَمَضَان، وَقَالَ الْحسن: كَانَت لَيْلَة الْقدر، اللَّيْلَة الَّتِي عرج فِيهَا بِعِيسَى، ﵊، ونبىء فِيهَا رَسُول الله، ﷺ ، وَمَات فِيهَا مُوسَى ويوشع بن نون، ﵉، مكث يَوْم الْجُمُعَة وَلَيْلَة السبت وَتُوفِّي لَيْلَة الْأَحَد لإحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من رَمَضَان سنة أَرْبَعِينَ من الْهِجْرَة، وبويع لِابْنِهِ الْحسن بالخلافة فِي شهر رَمَضَان من هَذِه السّنة، فَقيل: فِي الْيَوْم الَّذِي اسْتشْهد فِيهِ عَليّ، قَالَه الْوَاقِدِيّ، وَقيل: فِي اللَّيْلَة الَّتِي دفن فِيهَا، وَقيل: بعد وَفَاته بيومين، وَقَالَ هِشَام: وَأقَام الْحسن أَيَّامًا مفكراً فِي أمره ثمَّ رأى اخْتِلَاف النَّاس فرقة من جِهَته وَفرْقَة من جِهَة مُعَاوِيَة، وَلَا يَسْتَقِيم الْأَمر، وَرَأى النّظر فِي إصْلَاح الْمُسلمين وحقن دِمَائِهِمْ أولى من النّظر فِي حَقه، سلَّم الْخلَافَة لمعاوية فِي الْخَامِس من ربيع الأول من سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين، وَقيل: من ربيع الْأُخَر، وَقيل: فِي غرَّة جمادي الأولى، وَكَانَت خِلَافَته سِتَّة أشهر إلَاّ أَيَّامًا. وَسمي هَذَا الْعَام عَام الْجَمَاعَة. وَهَذَا الَّذِي أخبر بِهِ النَّبِي، ﷺ : (لَعَلَّ الله أَن يصلح بِهِ بَين فئتين عظيمتين) .
وقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿فأصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (الحجرات: ٩) .
وَقَوله، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: قَول النَّبِي ﷺ ، وَأَشَارَ بِذكر هَذِه الْقطعَة من الْآيَة الْكَرِيمَة: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَينهمَا﴾ (الحجرات: ٩) . إِلَى أَن الصُّلْح أَمر مَشْرُوع ومندوب إِلَيْهِ.
٤٠٧٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ أبِي مُوسَى قَالَ سَمِعْتُ الحسَنَ يَقُولُ اسْتَقْبَلَ وَالله الحَسَنُ بنُ علِيٍّ مُعاوِيَةَ بِكَتائِبَ أمْثَالِ الجبالِ فَقَالَ عَمْرُو بنُ العَاصِ إنّى لأرى كَتَائِبَ لَا تولِّي حتَّى تَقْتُلَ أقْرَانَها فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ وكانَ وَالله خَيْرُ الرُّجُلَيْنِ أيْ عَمْرُو إنْ قَتَلَ هَؤُلاءِ هَؤلاءِ وهَؤلاءِ هؤُلاءِ مَن لِي بأمُورِ النَّاس مَنْ لِي بِنِسائِهِمْ منْ لي بِضَيْعَتِهِمْ فبَعَثَ إلَيْهِ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ مِن بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ عَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ سَمُرَةَ وعَبْدَ الله بنَ عامِرِ بنِ كرَيْز فَقَالَ اذْهَبَا إلَى هَذَا الرَّجُلِ فاعْرِضَا عَلَيْهِ وقُولَا لَهُ واطْلُبَا إلَيْهِ فأتَياهُ فَدَخَلا عَلَيْهِ فتَكَلَّمَا وَقَالا لَهُ فطَلَبا إلَيْهِ فَقَالَ لَهُمَا الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ إنَّا بَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ قدْ أصَبْنَا مِنَ المَالِ وإنَّ هذِهِ الأمَّةَ قدْ عاثَتْ فِي دِمائِهَا قَالَا فإنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْكَ كذَا وكَذَا ويَطْلُبُ إلَيْكَ ويَسْألُكَ قَالَ فَمَنْ لِي بهَذا قَالَا نَحْنُ
стр. 3996
لكَ بِهِ فَما سَألَهُما شَيْئاً إلَاّ قالَا نَحْنُ لَكَ بِهِ فصَالَحَهُ فَقَالَ الحَسنُ ولَقَدْ سَمِعْتُ أبَا بَكْرَةَ يَقُولُ رأيْتُ رسولَ الله، ﷺ عَلى المِنْبَرِ والحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ إِلَى جنْبِهِ وهْوَ يُقْبِلُ عَلى النَّاسِ مَرَّةً وَعلَيْهِ أُخْرَى ويَقُول إنَّ ابْنِي هَذا سَيِّدٌ ولَعلَّ الله أنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهَا مَأْخُوذَة من الحَدِيث، وَعبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله أَبُو جَعْفَر البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَأَبُو مُوسَى هُوَ إِسْرَائِيل بن مُوسَى الْبَصْرِيّ، نزل الْهِنْد، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي فضل الْحسن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن صَدَقَة بن الْفضل وَفِي الْفِتَن عَن عَليّ بن عبد الله وَفِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن عبد الله بن مُحَمَّد، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن مُسَدّد وَمُسلم بن إِبْرَاهِيم وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن بنْدَار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أبي قدامَة السَّرخسِيّ وَفِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن قُتَيْبَة بن سعيد وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَعَن أَحْمد بن سُلَيْمَان مُرْسل.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (الْحسن بن عَليّ) فَاعل قَوْله: اسْتقْبل، وَلَفْظَة: وَالله، مُعْتَرضَة بَينهمَا، وَمُعَاوِيَة، بِالنّصب مَفْعُوله. قَوْله: (بكتائب) جمع كَتِيبَة، وَهِي: الْجَيْش، وَيُقَال: الكتبية مَا جمع بَعْضهَا إِلَى بعض، وَمِنْه قيل للقطعة المجتمعة من الْجَيْش: كَتِيبَة، قَالَ الدَّاودِيّ: سميت بذلك لِأَنَّهُ كتب اسْم كل طَائِفَة من كتاب فلزمها هَذَا الإسم. قَوْله: (أَمْثَال الْجبَال) أَي: لَا يرى لَهَا طرف لكثرتها، كَمَا لَا يرى من قَابل الْجَبَل طَرفَيْهِ، وَكَانَت ملاقاة الْحسن مَعَ مُعَاوِيَة بِمَنْزِلَة من أَرض الْكُوفَة، وَكَانَ الْحسن لما مَاتَ عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بَايعه أهل الْكُوفَة، وَبَايع أهل الشَّام مُعَاوِيَة، فَالْتَقَيَا فِي الْموضع الْمَذْكُور، وَبعد كَلَام طَوِيل ومحاورات جرت بَينهمَا سلم الْحسن الْأَمر إِلَى مُعَاوِيَة وَصَالَحَهُ وَبَايَعَهُ على الْأَمر وَالطَّاعَة على إِقَامَة كتاب الله وَسنة نبيه ﷺ ، ثمَّ رَحل الْحسن إِلَى الْكُوفَة فَأخذ مُعَاوِيَة الْبيعَة لنَفسِهِ على أهل العراقين، فَكَانَت تِلْكَ السّنة سنة الْجَمَاعَة لِاجْتِمَاع النَّاس واتفاقهم، وَانْقِطَاع الْحَرْب، وَبَايع مُعَاوِيَة كل من كَانَ مُعْتَزِلا عَنهُ، وَبَايَعَهُ سعد بن أبي وَقاص وَعبد الله بن عمر وَمُحَمّد بن مسلمة، وتباشر النَّاس بذلك، وَأَجَازَ مُعَاوِيَة الْحسن بن عَليّ بثلاثمائة ألف وَألف ثوب وَثَلَاثِينَ عبدا، وَمِائَة جمل، ثمَّ انْصَرف الْحسن إِلَى الْمَدِينَة وَولى مُعَاوِيَة الكوفةَ الْمُغيرَة بن شُعْبَة، وَولى الْبَصْرَة عبد الله بن عَامر، وَانْصَرف إِلَى دمشق واتخذها دَار مَمْلَكَته. قَوْله: (فَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ: إِنِّي لأرى كتائب لَا تولي) ، أَرَادَ عَمْرو بِهَذَا الْكَلَام تحريض مُعَاوِيَة على الْقِتَال مَعَ الْحسن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، و: لَا تولي، من التَّوْلِيَة، وَهِي الإدبار أَي: إِن تولت بِغَيْر حَملَة غلبت لكثرتها. قَوْله: (أقرانها) ، بِفَتْح الْهمزَة جمع: قرن، بِكَسْر الْقَاف وَهُوَ الكفؤ والنظير فِي الشجَاعَة وَالْحَرب. قَوْله: (فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة) أَي: قَالَ لعَمْرو بن الْعَاصِ مُعَاوِيَة جَوَابا عَن قَوْله: (إنى لأرى كتائب) إِلَى آخِره. قَوْله: (أَي عَمْرو!) مقول قَول مُعَاوِيَة، أَي: يَا عَمْرو (وَإِن قتل هَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ) إِلَى آخِره. قَوْله: (وَكَانَ وَالله خير الرجلَيْن) ، من كَلَام الْحسن الْبَصْرِيّ، وَقع مُعْتَرضًا بَين قَوْله: (قَالَ لَهُ مُعَاوِيَة) ، وَبَين قَوْله: (أَي عَمْرو) . وَقَوله: (وَالله أَيْضا) معترض بَين: كَانَ وَخَبره، وَأَرَادَ بِالرجلَيْنِ: مُعَاوِيَة وعمراً، وَأَرَادَ بخيرهما مُعَاوِيَة، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ يعلم أَن خلاف عَمْرو على الْحسن بن عَليّ كَانَ أَشد من خلاف مُعَاوِيَة إِيَّاه، لِأَنَّهُ كَانَ يحرض مُعَاوِيَة على الْقِتَال مَعَه وَمُعَاوِيَة كَانَ يتَوَقَّع الصُّلْح وَيُرِيد أَن يرد الْحسن بِدُونِ الْقِتَال، وَأَنه يبايعه وَيَأْخُذ مِنْهُ مَا يُريدهُ، وَيذْهب إِلَى الْمَدِينَة وَهَكَذَا وَقع فِي آخر الْأَمر. وَإِثْبَات الْحسن الْبَصْرِيّ الْخَيْرِيَّة، لمعاوية بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَمْرو لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيره، لِأَنَّهُ لم يشك هُوَ وَلَا غَيره أَن الْحسن بن عَليّ كَانَ خير النَّاس كلهم فِي ذَلِك الزَّمَان. قَوْله: (إِن قتل هَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ) ، أَي: إِن قتل عَسْكَر الْحسن عسكرنا أَو عسكرنا عسكره، فَهَؤُلَاءِ الأول فِي مَحل الرّفْع على الفاعلية، وَالثَّانِي النصب على المفعولية فِي الْمَوْضِعَيْنِ. قَوْله: (من لي؟) جَوَاب الشَّرْط، أَعنِي. قَوْله: (إِن قتل) ، أَي: من يتكفل لي بِأُمُور النَّاس؟ يَعْنِي: على كلا التَّقْدِيرَيْنِ أَنا المطالب عِنْد الله، فَإِذا وَقع الصُّلْح فَأَكُون أَنا أول من يسلم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَهَذَا يدل على نظر مُعَاوِيَة فِي العواقب ورغبته فِي دفع الْحَرْب. قَوْله: (من لي بضيعتهم) ، هَكَذَا هُوَ فِي كثير من النّسخ، والضيعة، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالعين الْمُهْملَة: وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا: الْعقار، ويروى: (بصبيتهم) ، وعَلى هَذِه الرِّوَايَة فَسرهَا الْكرْمَانِي بقوله: (والصبية) ، المُرَاد بهَا الْأَطْفَال
стр. 3997
والضعفاء لأَنهم لَو تركُوا بحالهم لضاعوا لعدم استقلالهم بالمعاش. قَوْله: (عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة بن حبيب) ، ضد الْعَدو ابْن عبد شمس الْقرشِي أسلم يَوْم الْفَتْح، وَهُوَ الَّذِي فتح سجستان وَمَات بِالْبَصْرَةِ أَو بمرو سنة إِحْدَى وَخمسين، وَعبد الله بن عَامر ابْن كريز، بِضَم الْكَاف وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالزاي، مَاتَ رَسُول الله، ﷺ ، وَهُوَ ابْن ثَلَاث عشرَة سنة، وَقد افْتتح خُرَاسَان وأصبهان وكرمان، وَقتل كسْرَى فِي ولَايَته، وَقيل: أحرم من نيسابور شكرا الله تَعَالَى، وَمَات سنة تسع وَخمسين. قَوْله: (واطلبا إِلَيْهِ) ، أَي: يكون مطلوبكما مفوضاً إِلَيْهِ وطلبكما منتهياً إِلَيْهِ، أَي: التزما مطالبه. قَوْله: (إِنَّا بَنو عبد الْمطلب قد أصبْنَا من هَذَا المَال) ، مَعْنَاهُ إِنَّا بَنو عبد الْمطلب المجبولون على الْكَرم والتوسع لمن حوالينا من الْأَهْل والموالي، وَقد أصبْنَا من هَذَا المَال بالخلافة مَا صَارَت لنا بِهِ عَادَة إِنْفَاق وأفضال على الْأَهْل والحاشية، فَإِن تخليت من هَذَا الْأَمر قَطعنَا الْعَادة، وَإِن هَذِه الْأمة قد عاثت فِي دمائها، قتل بَعْضهَا بَعْضًا، فَلَا يكفون إلَاّ بِالْمَالِ، فَأَرَادَ أَن يسكن الْفِتْنَة وَيفرق المَال فِيمَا لَا يرضيه غير المَال، فَقَالَ عبد الرَّحْمَن وَعبد الله: نفرض لَك من المَال فِي كل عَام كَذَا، وَمن الأقوات وَالثيَاب مَا تحْتَاج إِلَيْهِ لكل مَا ذكرت، فصالحاه على ذَلِك، فَقبل مِنْهُمَا لعلمه أَن مُعَاوِيَة لَا يخالفهما، وَاشْترط شُرُوطًا، وَسلم الْأَمر إِلَى مُعَاوِيَة. قَوْله: (قَالَا: فَإِنَّهُ يعرض عَلَيْك) أَي: قَالَ عبد الرَّحْمَن وَعبد الله: فَإِن مُعَاوِيَة يعرض عَلَيْك. قَوْله: (قَالَ: فَمن لي بِهَذَا؟) أَي: قَالَ الْحسن: فَمن يكفل لي بِالَّذِي تذكر أَنه؟ (قَالَا: نَحن لَك بِهِ) أَي: نَحن نكفل لَك بِالَّذِي ذكرنَا. قَوْله: (فَمَا سَأَلَهُمَا شَيْئا) أَي: فَمَا سَأَلَ الْحسن عبد الرَّحْمَن وَعبد الله شَيْئا من الْأَشْيَاء. (إلَاّ قَالَا: نَحن لَك بِهِ) أَي: نَحن نكفل لَك بِهِ. قَوْله: (فَصَالحه) أَي: فَلَمَّا فرغت هَذِه المحاورات بَينهمَا وَبَين الْحسن صَالح الْحسن مُعَاوِيَة. قَوْله: (فَقَالَ الْحسن) أَي: الْحسن الْبَصْرِيّ. قَوْله: (أَبَا بكرَة) ، هُوَ نفيع بن الْحَارِث الثَّقَفِيّ، وَالْوَاو فِي قَوْله: (وَالْحسن) وَفِي قَوْله: (وَهُوَ يقبل) للْحَال. قَوْله: (فئتين) ، تَثْنِيَة فِئَة، الفئة: الْفرْقَة مَأْخُوذَة من: فأوت رَأسه بِالسَّيْفِ، وفأيت: إِذا شققته، وَجمع الفئة فئات وفئون، وَقَالَ ابْن الْأَثِير، رَحمَه الله تَعَالَى: الفئة الْجَمَاعَة من النَّاس فِي الأَصْل، والطائفة الَّتِي تقيم وَرَاء الْجَيْش، فَإِن كَانَ عَلَيْهِم خوف أَو هزيمَة التجئوا إِلَيْهِم، وَمعنى: عظيمتين، قد مر فِي أول الْبَاب.
وَفِيه: فَضِيلَة الْحسن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، دَعَاهُ ورعه إِلَى ترك الْملك وَالدُّنْيَا رَغْبَة فِيمَا عِنْد الله تَعَالَى، وَلم يكن ذَلِك لعِلَّة وَلَا لذلة وَلَا لقلَّة، وَقد بَايعه على الْمَوْت أَرْبَعُونَ ألفا، فَصَالحه رِعَايَة لمصْلحَة دينه ومصلحة الْأمة، وَكفى بِهِ شرفاً وفضلاً، فَلَا أسيَد مِمَّن سَمَّاهُ رَسُول الله، ﷺ ، سيداً. وَفِيه: وَفِيه أَن الرُّسُل يسمع قَوْلهم وَلَا يتَعَرَّض إِلَيْهِ. وَفِيه ولَايَة الْمَفْضُول على الْفَاضِل لِأَن مُعَاوِيَة ولى وَسعد وَسَعِيد حَيَّان وهما يدريان أَن قتال الْمُسلم الْمُسلم لَا يُخرجهُ عَن الْإِسْلَام إِذا كَانَ على تَأْوِيل. وَقَوله ﷺ : (إِذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول فِي النَّار) ، المُرَاد بِهِ تَأْكِيد الْوَعيد عَلَيْهِم، وَقَالَ الْمُهلب: الحَدِيث يدل على أَن السِّيَادَة إِنَّمَا يَسْتَحِقهَا من ينْتَفع بِهِ النَّاس، لِأَنَّهُ، ﷺ ، علق السِّيَادَة بالإصلاح بَين النَّاس.
وَقَالَ أَبُو عَبْدُ الله قَالَ لِي عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله إنَّما ثَبَتَ لَنا سَماعُ الْحَسَنِ مِنْ أبِي بَكْرَةَ بِهَذَا الحَدِيثِ
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ، وَعلي بن عبد الله هُوَ الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. قَوْله: (سَماع الْحسن) ، أَي: الْبَصْرِيّ من أبي بكرَة نفيع الْمَذْكُور، لِأَنَّهُ صرح بِالسَّمَاعِ مِنْهُ والْحَدِيث الْمَذْكُور رُوِيَ عَن جَابر أَيْضا، قَالَ الْبَزَّار: وَحَدِيث أبي بكرَة أشهر وَأحسن إِسْنَادًا، وَحَدِيث جَابر أعرف، وَذكر ابْن بطال أَنه روى أَيْضا عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة، وَزعم الدَّارَقُطْنِيّ أَن الْحسن رَوَاهُ أَيْضا عَن أم سَلمَة. قَالَ: وَهَذِه الرِّوَايَة وهم، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن ابْن أَزْهَر وعَوْف الْأَعرَابِي عَن الْحسن مُرْسلا، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال، وَإِلَيْهِ الْمرجع والمآل.
٠١ - (بابٌ هَلْ يُشيرُ الإمَامُ بالصُّلْحِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ هَل يُشِير الإِمَام لأحد الْخَصْمَيْنِ، أَولهمَا جَمِيعًا، بِالصُّلْحِ، وَإِن اتجه الْحق لأَحَدهمَا، وَفِيه خلاف، فَلذَلِك لم يذكر جَوَاب الِاسْتِفْهَام، فالجمهور استحبوا ذَلِك وَمنعه الْمَالِكِيَّة، وَقَالَ ابْن التِّين: لَيْسَ فِي حَدِيثي الْبَاب مَا ترْجم بِهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ ا
стр. 3998
الحض على ترك بعض الْحق، ورد عَلَيْهِ بِأَن أشارته ﷺ بحط بعض الْحق بِمَعْنى الصُّلْح.
٥٠٧٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ أبِي أوَيْسٍ قَالَ حدَّثني أخِي عنْ سُلَيْمَانَ عنْ يَحْيى بنِ سَعِيدٍ عَن أبي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ أُمَّهُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمانِ قالتْ سَمِعْتُ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا تقولُ سَمِعَ رسُولُ الله ﷺ صَوْتَ خُصُومٍ بالبابِ عالِيَةٍ أصْوَاتُهُمَا وإذَا أحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ ويَسْتَرْفِقُهُ فِي شَيْءٍ وهْوَ يَقُولُ وَالله لَا أفْعَلُ فخَرَجَ عَلَيْهِمَا رسوُلُ الله ﷺ فَقَالَ أيْنَ المُتألَّى على الله لَا يَفْعَلُ المَعْرُوفَ فَقَالَ أنَا يَا رسولَ الله ولهُ أيُّ ذالِكَ أحَبَّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِي قَوْله: (وَله أَي ذَلِك أحب) معنى الصُّلْح، وأخو إِسْمَاعِيل هُوَ عبد الحميد بن أبي أويس واسْمه عبد الله بن أبي بكر الأصبحي الْمدنِي، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال أَبُو أَيُّوب، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَأَبُو الرِّجَال مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْأنْصَارِيّ وكنى بِأبي الرِّجَال لما كَانَ لَهُ أَوْلَاد عشرَة كلهم صَارُوا رجَالًا كَامِلين، وَأمه عمْرَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: بنت عبد الرَّحْمَن بن سعد بن زُرَارَة الْأَنْصَارِيَّة، مَاتَت سنة سِتّ وَمِائَة.
وَرِجَال هَذَا الْإِسْنَاد كلهم مدنيون. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين فِي نسق وَاحِد.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الشّركَة، وَقَالَ: حَدثنَا غير وَاحِد عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، قَالَ عِيَاض: إِن قَول الرَّاوِي: حَدثنَا غير وَاحِد، أَو حَدثنَا الثِّقَة، أَو بعض أَصْحَابنَا، لَيْسَ من الْمَقْطُوع وَلَا من الْمُرْسل وَلَا من المعضل عِنْد أهل هَذَا الْفَنّ، بل هُوَ من بَاب الرِّوَايَة عَن الْمَجْهُول، قَالَ: وَلَعَلَّ مُسلما أَرَادَ بقوله: غير وَاحِد، البُخَارِيّ وَغَيره، وَأَبُو دَاوُد عد هَذَا النَّوْع مُرْسلا وَعند أبي عمر والخطيب هُوَ مُنْقَطع.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (صَوت خصوم) ، الْخُصُوم، بِضَم الْخَاء: جمع خصم، قَالَ الْجَوْهَرِي: الْخصم يَسْتَوِي فِيهِ الْجمع والمؤنث لِأَنَّهُ فِي الأَصْل مصدر، وَمن الْعَرَب من يثنيه ويجمعه فَيَقُول: خصمان وخصوم، والخصم، بِفَتْح الْخَاء وَكسر الصَّاد أَيْضا: الْخصم، وَالْجمع: خصماء، وَيُقَال: الْخصم، بِكَسْر الصَّاد: شَدِيد الْخُصُومَة وَالْخُصُومَة الإسم. قَوْله: (عالية أصواتهما) ، ويروى (أَصْوَاتهم) ، أَي: أصوات الْخُصُوم، وَهُوَ ظَاهر، لِأَن الْخُصُوم جمع، وَأما وَجه: أصواتهما، بتثنية الضَّمِير فباعتبار الْخَصْمَيْنِ المتنازعين. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا على قَول من قَالَ: أقل الْجمع اثْنَان، وَقَالَ بَعضهم: وَلَيْسَ فِيهِ حجَّة لمن يجوز صِيغَة الْجمع بالإثنين، كَمَا زعم بعض الشُّرَّاح، قلت: إِن كَانَ مُرَاده من بعض الشُّرَّاح الْكرْمَانِي: فَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ لم يزْعم ذَلِك، بل ذكر أَنه: على قَول من قَالَ أقل الْجمع إثنان، ويروى: أصواتها، بإفراد الضَّمِير للمؤنث، وَوَجهه أَن يكون بِالنّظرِ إِلَى لفظ الْخُصُوم الَّذِي يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث، كَمَا قُلْنَا. قَوْله: (عالية) ، يجوز فِيهِ الْجَرّ وَالنّصب، أما الْجَرّ فعلى أَنه صفة، وَأما النصب فعلى الْحَال. وَقَوله: (أصواتهما) ، بِالرَّفْع بقوله: عالية، لِأَن اسْم الْفَاعِل يعْمل عمل فعله. قَوْله: (وَإِذا أَحدهمَا) ، كلمة: إِذا، للمفاجأة و: أَحدهمَا، مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ. (ويستوضع) خَبره، وَإِنَّمَا قَالَ: أَحدهمَا، بتثنية الضَّمِير لما قُلْنَا: إِنَّه بِاعْتِبَار الْخَصْمَيْنِ، وَمعنى: يستوضع، يطْلب أَن يضع من دينه شَيْئا. قَوْله: (ويسترفقه) ، أَي: يطْلب مِنْهُ أَن يرفق بِهِ فِي الِاسْتِيفَاء والمطالبة، قَوْله: (فِي شَيْء) ، أَي من الدّين وَحَاصِله فِي حط شَيْء مِنْهُ قَوْله (وَهُوَ يَقُول) أَي وَالْحَال أَن الآخر وَهُوَ الطَّالِب يَقُول (وَالله لَا أفعل) أَي: لَا أحط شَيْئا. قَوْله: (فَخرج عَلَيْهِمَا) ، أَي: على المتخاصمين اللَّذين بِالْبَابِ. قَوْله: (أَيْن المتألي؟) ، بِضَم الْمِيم وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق والهمزة وَتَشْديد اللَّام الْمَكْسُورَة، أَي: الْحَالِف المبالغ فِي الْيَمين، مَأْخُوذ من: الألية، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر اللَّام وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهِي الْيَمين. قَوْله: (فَلهُ أَي ذَلِك أحب) ، أَي: فلخصمي أَي شَيْء من الْحَط أَو الرِّفْق أحب، وَفِي روايلاة ابْن حبَان: دخلت امْرَأَة على النَّبِي، ﷺ ، فَقَالَت: (إِنِّي ابتعت أَنا وَابْني من فلَان تَمرا، فأحصيناه. لَا وَالَّذِي أكرمك بِالْحَقِّ مَا أحصينا مِنْهُ إلَاّ مَا نأكله فِي بطوننا، أَو نطعمه مِسْكينا، وَجِئْنَا نستوضعه مَا نقصنا، فَقَالَ: إِن شِئْت وضعت مَا نَقَصُوا وَإِن شِئْت من رَأس المَال) . فَوضع مَا نَقَصُوا، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا يشْعر بِأَن المُرَاد بِالْوَضْعِ: الْحَط من رَأس المَال، وبالرفق: الِاقْتِصَار عَلَيْهِ، وَترك الزِّيَادَة، لَا كَمَا زعم بعض الشُّرَّاح: أَنه يُرِيد بالرفق الْإِمْهَال. قلت: قد فسر الشَّيْخ مُحي الدّين
стр. 3999
الرِّفْق: بالرفق فِي الْمُطَالبَة وَهُوَ الْإِمْهَال.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الحض على الرِّفْق بالغريم وَالْإِحْسَان إِلَيْهِ بِالْوَضْعِ عَنهُ. وَفِيه: الزّجر عَن الْحلف على ترك فعل الْخَيْر، وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِنَّمَا كره ذَلِك لكَونه حلف على ترك أَمر عَسى أَن يكون قد قدر الله وُقُوعه، وَاعْترض عَلَيْهِ ابْن التِّين بِأَنَّهُ: لَو كَانَ كَذَلِك لكره الْحلف لمن حلف: ليفعلن خيرا، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل الَّذِي يظْهر أَنه كره لَهُ قطع نَفسه عَن فعل الْخَيْر، قَالَ: وَيشكل على هَذَا قَوْله ﷺ للأعرابي الَّذِي قَالَ: وَالله لَا أَزِيد على هَذَا وَلَا أنقص، فَقَالَ: أَفْلح إِن صدق، وَلم يُنكر عَلَيْهِ حلفه على ترك الزِّيَادَة، وَهِي من فعل الْخَيْر. وَأجِيب: بِأَن فِي قصَّة الْأَعرَابِي كَانَ فِي مقَام الدُّعَاء إِلَى الْإِسْلَام والاستمالة إِلَى الدُّخُول فِيهِ، بِخِلَاف من تمكن فِي الْإِسْلَام، فيحضه على الازدياد من نوافل الْخَيْر. وَفِيه: سرعَة فهم الصَّحَابَة لمراد الشَّارِع وطواعيتهم لما يُشِير إِلَيْهِ وحرصهم على فعل الْخَيْر. وَفِيه: الصفح عَمَّا يجْرِي بَين المتخاصمين من اللغظ وَرفع الصَّوْت عِنْد الْحَاكِم. وَفِيه: جَوَاز سُؤال الْمَدْيُون الحطيطة من صَاحب الدّين، خلافًا لمن كرهه من الْمَالِكِيَّة، واعتل بِمَا فِيهِ من تحمل الْمِنَّة، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَعَلَّ من أطلق كَرَاهَته أَنه أَرَادَ أَنه خلاف الأولى. قلت: يَنْبَغِي أَن يكون مَذْهَب أبي حنيفَة أَيْضا هَكَذَا لِأَنَّهُ علل فِي جَوَاز تيَمّم الْمُسَافِر الَّذِي عدم المَاء، وَمَعَ رَفِيقه مَاء، بقوله: لِأَن فِي السُّؤَال ذلاً. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَفِيه: أَنه لَا بَأْس بالسؤال بِالْوَضْعِ والرفق لَكِن بِشَرْط أَن لَا يَنْتَهِي إِلَى الإلحاح وإهانة النَّفس أَو الْإِيذَاء، وَنَحْو ذَلِك إلَاّ من ضَرُورَة. وَفِيه: الشَّفَاعَة إِلَى أَصْحَاب الْحُقُوق وَقبُول الشَّفَاعَة فِي الْخَيْر. فَإِن قلت: هَل كَانَت فِي يَمِين المتألي الْمَذْكُور كَفَّارَة أم لَا؟ قلت: قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : إِن كَانَت يَمِينه بعد نزُول الْكَفَّارَة فَفِيهَا الْكَفَّارَة، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَيسْتَحب لمن حلف أَن لَا يفعل خيرا أَن يَحْنَث فيكفر عَن يَمِينه.
٦٠٧٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ جَعْفَرِ بنِ رَبِيعَةَ عنِ الأعْرَجِ قَالَ حَدثنِي عبْدُ الله بنُ كعْبٍ بنِ مالِكٍ عنْ كعْبِ بنِ مالِكٍ أنَّهُ كانَ لَهُ على عَبْدِ الله بنِ أبِي حَدْرَدٍ الأسْلَمِيّ مالٌ فَلَقِيَهُ فلَزِمَهُ حَتَّى ارْتَفَعَتْ أصْواتُهُمَا فَمَرَّ بهِمَا النبيُّ ﷺ فَقَالَ يَا كعْبُ فأشارَ بِيَدِهِ كأنَّهُ يقولُ النَّصفَ فأخذَ نِصْفَ مالَهُ علَيْهِ وتَرَكَ نِصْفَاً..
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب التقاضي والملازمة فِي الْمَسْجِد عَن عبد الله بن مُحَمَّد ... إِلَى آخِره. والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، وروى ابْن أبي شيبَة أَن الدّين الْمَذْكُور كَانَ أوقيتين. وَقَالَ ابْن بطال: هَذَا الحَدِيث أصل لقَوْل النَّاس: (خير الصُّلْح على الشّطْر) . قَوْله: (النّصْف) ، مَنْصُوب بِتَقْدِير: ارتك النّصْف، أَو نَحوه.
١١ - (بابُ فَضْلِ الإصْلاحِ بَيْنَ النَّاسِ والعَدْلِ بَيْنَهُمْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فَضِيلَة الْإِصْلَاح إِلَى آخِره.
٧٠٧٢ - حدَّثنا إسْحَاقُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخْبرنَا معْمَرٌ عنْ هَمَّامٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله، ﷺ كلُّ سُلاماى مِنَ النَّاسِ علَيْهِ صَدَقةٌ كلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ صَدَقةٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يعدل بَين اثْنَيْنِ صَدَقَة) وَفِيه الْإِصْلَاح أَيْضا على مَا لَا يخفى، وَعطف الْعدْل على الْإِصْلَاح من عطف الْعَام على الْخَاص، وَإِسْحَاق هُوَ ابْن مَنْصُور، وَهَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: وَوَقع فِي جَمِيع الرِّوَايَات غير رِوَايَته غير مَنْسُوب. وَمعمر، بِفَتْح الميمين: ابْن رَاشد، وَهَمَّام، بِالتَّشْدِيدِ: ابْن مُنَبّه.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن إِسْحَاق بن نصر، وَفِي مَوضِع آخر مِنْهُ عَن إِسْحَاق: وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن مُحَمَّد بن رَافع.
قَوْله: (كل سلامى) بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف
стр. 4000
اللَّام وَفتح الْمِيم مَقْصُورا، أَي: كل مفصل. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: هِيَ عِظَام أَصَابِع الْيَد والقدم، وسلامى الْبَعِير عِظَام فرسنه. قَالَ: وَهِي عِظَام صغَار على طول الإصبع أَو قريب مِنْهَا، فِي كل يَد وَرجل أَربع سلاميات أَو ثَلَاث، وَفِي (الْجَامِع) : هِيَ عِظَام الْأَصَابِع والأشاجع والأكارع، كَأَنَّهَا كعاب، وَالْجمع: السلاميات. يُقَال: آخر مَا يبْقى فِي المخ فِي السلامى وَالْعين، وَقيل: السلاميات فصوص على الْقَدَمَيْنِ، وَهِي من الْإِبِل فِي دَاخل الأخفاف، وَمن الْخَيل فِي الحوافر. وَفِي (الصِّحَاح) واحده وَجمعه سَوَاء. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَرُبمَا شدده إِحْدَاث طلبة الحَدِيث لقلَّة علمهمْ، وَمعنى هَذَا الحَدِيث: أَن عِظَام الْإِنْسَان هِيَ من أصل وجوده، وَبهَا حُصُول مَنَافِعه، إِذْ لَا يَتَأَتَّى الْحَرَكَة والسكون إلَاّ بهَا، فَهِيَ من أعظم نعم الله تَعَالَى على الْإِنْسَان، وَحقّ الْمُنعم عَلَيْهِ أَن يُقَابل كل نعْمَة مِنْهَا بشكر يَخُصهَا، فيعطي صَدَقَة كَمَا أعْطى مَنْفَعَة. لَكِن الله، ، لطف وخفف بِأَن جعل الْعدْل بَين النَّاس وَشبهه صَدَقَة. وَفِي مُسلم: السلامى مفاصل الْإِنْسَان، وَهِي ثَلَاثمِائَة وَسِتُّونَ مفصلا، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: ظَاهر هَذَا يَقْتَضِي الْوُجُوب، وَلَكِن خففه الله تَعَالَى حَيْثُ جعل مَا خَفِي من المندوبات مسْقطًا لَهُ. قَوْله: (كل يَوْم) ، بِالنّصب ظرف لما قبله، وبالرفع مُبْتَدأ، وَالْجُمْلَة بعده خَبره، والعائد يجوز حذفه. فَافْهَم. قَوْله: (يعدل بَين اثْنَيْنِ) ، فَاعل: يعدل، الشَّخْص أَو الْمُكَلف، وَهُوَ مُبْتَدأ على تَقْدِير: أَن يعدل، أَي: عدله، وَخَبره: صَدَقَة. وَهَذَا كَقَوْلِهِم: تسمع بالمعيدي خير من أَن ترَاهُ، وَالتَّقْدِير: أَن تسمع، أَي: سماعك.
٢١ - (بابٌ إذَا أشارَ الإمامُ بالصُّلْحِ فأباى حَكَمَ عَلَيْهِ بالحُكْمِ البَيّنِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: إِذا أَشَارَ الإِمَام إِلَى آخِره. قَوْله: (فَأبى) ، أَي: الْخصم امْتنع من الصُّلْح. قَوْله: (بالحكم الْبَين) ، أَي: الظَّاهِر، أَرَادَ الحكم عَلَيْهِ بِمَا ظهر لَهُ من الْحق البيّن.
٨٠٧٢ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ الزُّبَيْرَ كانَ يُحَدِّثُ أنَّهُ خاصَمَ رجُلاً مِنَ الأنْصارِ قدْ شَهِدَ بدْراً إِلَى رَسُول الله، ﷺ فِي شِرَاجٍ منَ الحَرَّةِ كانَا يَسْقِيَانِ بِهِ كِلاهُمَا فَقَالَ رسولُ الله، ﷺ لِلزُّبَيْرِ اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أرْسِلْ إِلَى جارِكَ فغَضِبَ الأنْصَارِيُّ فقالَ يَا رسولَ الله أنْ كانَ ابنَ عَمَّتِكَ فتَلَوَّنَ وجْهُ رسولِ الله ﷺ ثمَّ قالَ اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَبْلُغَ الجَدْرَ فاسْتَوْعاى رسولُ الله ﷺ حِينَئِذٍ حَقَّهُ للزُّبَيْرِ وكانَ رسولُ الله، ﷺ قَبْلَ ذالِكَ أشارَ على الزُّبَيْرِ بِرَأي سَعَةً لَهُ ولِلْأَنْصَارِيِّ فلَمَّا أحْفَظَ الأنْصَارِيُّ رسولَ الله، ﷺ اسْتَوْعَى للزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الحُكْمِ قَالَ عُرْوَةُ قَالَ الزُّبَيرُ وَالله مَا أحْسِبُ هاذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ إلَاّ فِي ذالِكَ ﴿فَلا ورَبُّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (النِّسَاء: ٥٦) . الْآيَة..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث. وَهَذَا الْإِسْنَاد بهؤلاء الرِّجَال على نسق، قد مر غير مرّة. وَأَبُو الْيَمَان: الحكم ابْن نَافِع الْحِمصِي، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، والْحَدِيث قد مضى فِي الشّرْب فِي ثَلَاثَة أَبْوَاب مُتَوَالِيَة.
قَوْله: (فِي شراج) بالشين الْمُعْجَمَة وبالجيم: وَهُوَ مسيل المَاء. قَوْله: (من الْحرَّة) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء: أَرض ذَات حِجَارَة سود. قَوْله: (كِلَاهُمَا) تَأْكِيد، ويروى: كِلَاهُمَا، بِفَتْح الْكَاف وَاللَّام. قَوْله: (أَن كَانَ) بِفَتْح الْهمزَة وَكسرهَا. قَوْله: (الْجدر) بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الدَّال: أَي: الْجِدَار. قَوْله: (فاستوعى) أَي: استوفى. قَوْله: (سَعَة لَهُ) بِالنّصب أَي: للسعة، يَعْنِي مُسَامَحَة لَهما، وتوسيعاً عَلَيْهِمَا على سَبِيل الصُّلْح والمجاملة. قَوْله: (احفظ) أَي: أغضب، ومادته: حاء مُهْملَة وَفَاء وظاء مُعْجمَة، وَقَالَ الْخطابِيّ: يشبه أَن يكون قَوْله: (فَلَمَّا أحفظ) إِلَى آخِره، من كَلَام الزُّهْرِيّ. وَقد كَانَ من عَادَته أَن يصل بعض كَلَامه بِالْحَدِيثِ إِذا رَوَاهُ، فَلذَلِك قَالَ لَهُ مُوسَى بن عقبَة: ميَّز بَين قَوْلك وَقَول رَسُول الله، ﷺ .
стр. 4001
٣١ - (بابُ الصُّلْحِ بَيْنَ الغُرَمَاءِ وأصْحَابِ المِيِرَاثِ والْمُجَازَفَةِ فِي ذَلِكَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصُّلْح بَين الْغُرَمَاء وَأَصْحَاب الْمِيرَاث، وهم الوارثة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لفظ: بَين، يَقْتَضِي طرفين: الْغُرَمَاء وَأَصْحَاب الْمِيرَاث. قلت: كَلَامه يشْعر أَن الصُّلْح بَين الْغُرَمَاء وَبَين أَصْحَاب الْمِيرَاث، فَقَط، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل كَلَامه أَعم من أَن يكون بَينهم وَبينهمْ، وَمن أَيْن يكون بَين كل من الْغُرَمَاء وَأَصْحَاب الْمِيرَاث. قَوْله: والمجازفة فِي ذَلِك، يَعْنِي عِنْد الْمُعَاوضَة، أَرَادَ أَن المجازفة فِي الِاعْتِيَاض عَن الدّين جَائِزَة.
وَقَالَ ابنُ عبَّاسٍ لَا بَأْس أنْ يَتَخَارَجَ الشَّرِيكَانِ فيَأْخُذَ هَذَا دَيْناً وهَذَا عَيْناً فإنْ تَوِيَ لأحَدِهِمَا لَمْ يَرْجِعْ علَى صاحِبِهِ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة، وَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ، فَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: إِذا اقتسم الشريكان الْغُرَمَاء فَأخذ هَذَا بَعضهم وَهَذَا بَعضهم، فَتْوَى نصيب أَحدهمَا وَخرج نصيب آخر، قَالَ: إِذا أَبرَأَهُ مِنْهُ فَهُوَ جَائِز، وَقَالَ النَّخعِيّ: لَيْسَ بِشَيْء وَمَا توى أَو خرج فَهُوَ بَينهمَا نِصْفَانِ، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ والكوفيين، وَقَالَ سَحْنُون: إِذا قبض أحد الشَّرِيكَيْنِ من دينه عرضا، فَإِن صَاحبه بِالْخِيَارِ، إِن شَاءَ جوز لَهُ مَا أَخذ وَاتبع الْغَرِيم بِنَصِيبِهِ، وَأَن شَاءَ رَجَعَ على شَرِيكه بِنصْف مَا قبض واتبعا الْغَرِيم جَمِيعًا بِنصْف الدّين فاقتسماه بَينهمَا نِصْفَيْنِ، وَهَذَا قَول ابْن الْقَاسِم. قَوْله: (فَإِن توي) بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَالْوَاو: أَي هلك واضمحل، وَضَبطه بَعضهم بِكَسْر الْوَاو على وزن: علم، قَالَ ابْن التِّين: وَلَيْسَ هَذَا ببين، واللغة هُوَ الأول.
٩٠٧٢ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا عبدُ الوهَّابِ قَالَ حدَّثنا عُبَيْدُ الله عنِ وهْبِ بنِ كَيْسَانَ عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ تُوُفِّيَ أبي وعَلَيْهِ دَيْنٌ فَعَرَضْتُ عَلى غُرَمَائِهِ أنْ يَأْخُذُوا التَّمْرَ بِمَا عَلَيْهِ فأبَوْا ولَمْ يَرَوْا أنَّ فِيهِ وَفَاء فأتَيْتُ النبيِّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذالِكَ لَهُ فقالَ إذَا جَدَدْتَهُ فَوَضَعْتَهُ فِي المِرْبَدِ آذَنْتُ رسولَ الله، ﷺ فَجاءَ ومعَهُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فجَلَسَ عَلَيْهِ ودَعَا بالْبَرَكَةِ ثُمَّ قالَ ادْعُ غُرَمَاءَكَ فأوْفِهِمْ فَمَا تَرَكْتُ أحَدَاً لَهُ على أبِي دَيْنٌ إلَاّ قَضَيْتُهُ وفَضَلَ ثلاثَةَ عَشَرَ وسْقاً سَبْعَةٌ عَجْوَةٌ وسِتَّة لَوْنٌ أوْ سِتَّةٌ عَجْوَةٌ وسَبْعَة لَوْنٌ فَوَافَيْتُ معَ رسولِ الله، ﷺ المَغْرِبَ فَذَكرْتُ ذالِكَ لَهُ فَضَحِكَ فَقَالَ ائْتِ أبَا بَكْرٍ وعُمَرَ فأخْبِرْهُمَا فَقالَا لَقَدْ عَلِمْنَا أذْ صَنَعَ رسولُ الله، ﷺ مَا صنَعَ أنْ سَيَكُونُ ذَلِكَ. وَقَالَ هِشَامٌ عنْ وهْبٍ عنْ جابِرِ صلاةَ العَصْرِ ولَمْ يَذْكُرْ أَبَا بَكْرٍ ولَا ضَحِكَ وَقَالَ وَتَرَكَ أبي عَلَيْهِ ثَلاثِينَ وسْقاً دَيْناً وَقَالَ ابنُ إسْحَاقَ عنْ وَهْبٍ عنْ جابِرٍ صلاةَ الظُّهْرِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن فِيهِ صلح الْوَارِث مَعَ الْغُرَمَاء يشْعر بذلك. قَوْله: (فَمَا تركت أحدا لَهُ على أبي دين إلَاّ قَضيته) لِأَن فيهم من لَا يَخْلُو عَن الصُّلْح فِي قبض دينه.
وَعبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ، وَعبيد الله بن عمر، وَقد مضى الحَدِيث فِي الاستقراض فِي: بَاب إِذا قاص أَو جازفه فِي الدي. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى، ولنتكلم هُنَا بعض شَيْء.
قَوْله: (إِذا جددته) ، بِالدَّال الْمُهْملَة والمعجمة أَي: إِذا قطعته. قَوْله: (فِي المربد) ، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالدال الْمُهْملَة. وَهُوَ الْموضع الَّذِي يحبس فِيهِ الْإِبِل وَغَيره، وَأهل الْمَدِينَة يسمون الْموضع الَّذِي يجفف فِيهِ التَّمْر مربداً، والجرين فِي لُغَة أهل نجد. قَوْله: (آذَنت) ، أَي: أعلمت، وضع الْمظهر مَوضِع الْمُضمر لتقوية الدَّاعِي وللإشعار بِطَلَب الْبركَة مِنْهُ، أَو نَحوه. قَوْله: (وَفضل) ، من بَاب دخل يدْخل، وَجَاء من بَاب حذر يحذر، وَمن بَاب فضل بِالْكَسْرِ يفضل بِالضَّمِّ، وَهُوَ شَاذ. قَوْله: (عَجْوَة) ، وَهُوَ ضرب من أَجود تمور الْمَدِينَة. قَوْله: (لون) ، قَالَ ابْن الْأَثِير: اللَّوْن نوع من النّخل، وَقيل: هُوَ الدقل، وَقيل: النّخل كُله
стр. 4002
مَا خلا البرني، والعجوة يُسَمِّيه أهل الْمَدِينَة الألوان، واحدته لينَة، وَأَصله: لونة، قلبت الواء يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا. قَوْله: (إِذْ صنع) ، أَي: حِين صنع. قَوْله: (أَن سَيكون) ، بِفَتْح الْهمزَة، لِأَنَّهُ مفعول لقَوْله: علمنَا، قَوْله: (وَقَالَ هِشَام) ، أَي: ابْن عُرْوَة، وَرِوَايَة هِشَام هَذِه قد تقدّمت مَوْصُولَة فِي الاستقراض. قَوْله: (وَقَالَ ابْن إِسْحَاق) أَي: روى مُحَمَّد ابْن إِسْحَاق عَن وهب بن كيسَان عَن جَابر صَلَاة الظّهْر.
وَاعْلَم أَن هَذَا الِاخْتِلَاف، فِي رِوَايَة عبيد الله بن عمر: (صَلَاة الْمغرب، وَفِي رِوَايَة هِشَام، صَلَاة الْعَصْر) ، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: (صَلَاة الظّهْر) غير قَادِح فِي صِحَة أصل الحَدِيث، لِأَن تعْيين الصَّلَاة بِعَينهَا لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ كَبِير معنى.
٤١ - (بابُ الصُّلْحِ بالدَّيْنِ والْعَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصُّلْح بِالدّينِ وَالْعين، وَقَالَ ابْن بطال: اتّفق الْعلمَاء على أَنه إِن صَالح غريمة عَن دَرَاهِمه بِدَرَاهِم أقل مِنْهَا أَنه جَائِز إِذا حل الْأَجَل، فَإِذا لم يحل الْأَجَل لم يجز أَن يحط عَنهُ شَيْئا، وَإِذا صَالحه بُد حُلُول الْأَجَل عَن دَرَاهِم بِدَنَانِير أَو عَكسه لم يجز إلَاّ بِالْقَبْضِ، لِأَنَّهُ صرف، فَإِن قبض بَعْضًا وَبَقِي بَعْضًا جَازَ فِيمَا قبض وانتقض فِيمَا لم يقبض.
٠١٧٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ عُمَرَ قَالَ أخبرَنَا يونُسُ. وَقَالَ اللَّيْثُ حدَّثني يُونُسُ عنْ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبرنِي عبدُ الله بنُ كَعْبٍ أنَّ كَعْبَ بنَ مالِكٍ أخبرَهُ أنَّهُ تَقَاضَى ابنَ أبِي حَدْرَدٍ دَيْناً كانَ لَهُ علَيْهِ فِي عَهْدِ رسولِ الله ﷺ فِي الْمَسْجِدِ فارْتَفَعَتْ أصْوَاتُهُما حتَّى سَمِعَهَا رسولُ الله ﷺ وهْوَ فِي بَيْتٍ فخَرَجَ رسولُ الله ﷺ إلَيْهِمَا حتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فنَادَى كَعْبَ بنَ مالِكٍ فَقَالَ يَا كَعْبُ فَقَالَ لَبَّيْكَ يَا رسولَ الله فأشارَ بِيَدِهِ أَن ضَعِ الشَّطْرَ فَقَالَ كَعْبٌ قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ الله فَقَالَ رسولُ الله ﷺ قُمْ فاقْضِهِ..
قَالَ ابْن التِّين: لَيْسَ فِيهِ مَا ترْجم بِهِ. وَأجِيب: بِأَن فِيهِ الصُّلْح فِيمَا يتَعَلَّق بِالدّينِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي. فَإِن قلت: لَيْسَ فِي الحَدِيث ذكر الْعين، فَكيف دلّ على التَّرْجَمَة؟ قلت: بِالْقِيَاسِ على الدّين، وَهَذَا الحَدِيث قد تقدم قبل ثَلَاثَة أَبْوَاب، وَفِي كتاب الصَّلَاة كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَأخرجه هُنَا من طَرِيقين: الثَّانِي مُعَلّق وَهُوَ قَوْله: وَقَالَ اللَّيْث، وَوَصله الذهلي فِي الزهريات.
بِسم الله الرحْمان الرَّحِيمِ
٤٥ - (كِتابُ الشُّرُوطِ)
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الشُّرُوط، وَهُوَ جمع شَرط، وَهُوَ الْعَلامَة. وَفِي الِاصْطِلَاح: الشَّرْط مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ وجود الشَّيْء وَلم يكن دَاخِلا فِيهِ. وَقيل: مَا يلْزم من انتفائه انْتِفَاء الْمَشْرُوط، وَلَا يلْزم من وجوده وجود الْمَشْرُوط، وَالْمرَاد هُنَا بَيَان مَا يَصح من الشُّرُوط وَمَا لَا يَصح.
١ - (بابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الشُّرُوطِ فِي الإسْلامِ والأحْكَامِ والمُبَايَعَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يجوز من الشُّرُوط فِي الْإِسْلَام، يَعْنِي الدُّخُول فِيهِ، وَهَذَا كَمَا اشْترط النَّبِي، ﷺ ، على جرير حِين بَايعه على الْإِسْلَام: (النصح لكل مُسلم) ، وَفِي لفظ: (على إِقَامَة الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة والنصح لكل مُسلم) ، وَلَا يجوز أَن يشْتَرط من يدْخل فِي الْإِسْلَام أَن لَا يُصَلِّي أَو لَا يُزكي عِنْد الْقُدْرَة. وَنَحْو ذَلِك. قَوْله: (وَالْأَحْكَام) ، أَي: الْعُقُود والفسوخ والمعاملات. قَوْله: (والمبايعة) ، من عطف الْخَاص على الْعَام، وَهَذَا الْبَاب، وَقَبله: كتاب الشُّرُوط، رِوَايَة أبي ذَر، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة غَيره لفظ: كتاب الشُّرُوط.
стр. 4003
٢١٧٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْر قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَمِعَ مَرْوَانَ والمِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما يُخْبِرَانِ عنْ أصْحَابِ رسولِ الله، ﷺ قَالَ لَمَّا كاتَبَ سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍ ويَوْمَئِذٍ كانَ فِيما اشْتَرَطَ سُهَيْلُ بنُ عَمْرو عَلى النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا أحَدٌ وإنْ كانَ على دِينِكَ إلَاّ رَدَدْتَهُ إلَيْنَا وخَلَّيْتَ بَيْنَنَا وبَيْنَهُ فَكَرِهَ الْمُؤْمِنُونَ ذَلِكَ وامْتَعَضُوا مِنْهُ وأبى سُهَيْلٌ إلَاّ ذلِكَ فَكاتَبَهُ النبيُّ ﷺ علَى ذَلِكَ فرَدَّ يَوْمَئِذٍ أبَا جَنْدَلٍ إِلَى أبِيهِ سُهَيْلِ ابنِ عَمْرٍ وولَمْ يأتِهِ أحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ إلَاّ رَدَّهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وإنْ كانَ مُسْلِماً وجاءَ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ وكانَتْ أُمُّ كَلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بنِ أبِي مُعَيْطٍ مِمَّنْ خَرَجَ إلَى رَسُولِ الله ﷺ يَوْمَئِذٍ وهْيَ عاتِقٌ فَجاءَ أهْلُهَا يَسْأَلُونَ النبيَّ ﷺ أنْ يَرْجِعَهَا ألَيْهِمْ فَلَمْ يَرْجِعْهَا إلَيْهِمْ لِمَا أنْزَلَ الله فِيهِنَّ ﴿إذَا جاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مِهَاجِرَاتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ الله أعْلَمُ بِإيمَانِهِنَّ﴾ (الممتحنة: ٠١) . إِلَى قَوْله: ﴿ولَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (الممتحنة: ٠١) . قَالَ عُرْوَةُ فأخْبَرَتْنِي عائِشَةُ أنَّ رسوُلَ الله ﷺ كانَ يَمْتَحِنُهُنَّ بِهَذِهِ الآيةَ ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا جاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ (الممتحنة: ٠١) . إِلَى ﴿غَفُورٌ رَحيِمٌ﴾ (الممتحنة: ٢١) . قالَ عُرْوَةُ قالَتْ عائِشَةُ فَمَنْ أقَرَّ بِهاذَا الشَّرْطِ مِنْهُنَّ قَالَ لَهَا رسولُ الله ﷺ قَدْ بايَعْتُكَ كَلَاماً يُكَلِّمُها بِهِ وَالله مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأةٍ قَطُّ فِي الْمُبَايَعَةِ وَمَا بَايَعَهُنَّ إلَاّ بِقَوْلِهِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (كَانَ فِيمَا اشْترط سُهَيْل بن عَمْرو) إِلَى قَوْله: (وَجَاء الْمُؤْمِنَات) . وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّلَاق، ومروان هُوَ ابْن الحكم والمسور، بِكَسْر الْمِيم: ابْن مخرمَة، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة، لَهُ ولأبيه صُحْبَة.
قَوْله: (يخبران عَن أَصْحَاب النَّبِي ﷺ هَكَذَا قَالَ عقيل عَن الزُّهْرِيّ، وَهُوَ مُرْسل عَنْهُمَا لِأَنَّهُمَا لم يحضرا الْقِصَّة، فعلى هَذَا فَالْحَدِيث من مُسْند من لم يسم من الصَّحَابَة، وَلم يصب من أخرجه من أَصْحَاب الْأَطْرَاف فِي مُسْند الْمسور أَو مَرْوَان، أما مَرْوَان، فَإِنَّهُ لَا يَصح لَهُ سَماع من النَّبِي ﷺ وَلَا صُحْبَة لإنه خرج إِلَى الطَّائِف طفْلا لَا يعقل لما نفى النَّبِي، ﷺ أَبَاهُ الحكم، وَكَانَ مَعَ أَبِيه بِالطَّائِف حَتَّى اسْتخْلف عُثْمَان فردهما، وَقد روى حَدِيث الْحُدَيْبِيَة بِطُولِهِ عَن النَّبِي ﷺ . وَأما الْمسور فصح سَمَاعه من النَّبِي ﷺ لكنه إِنَّمَا قدم مَعَ أَبِيه وَهُوَ صَغِير بعد الْفَتْح، وَكَانَت هَذِه الْقِصَّة قبل ذَلِك بِسنتَيْنِ، وَلَا يُقَال: إِنَّه رِوَايَة عَن الْمَجْهُول، لِأَن الصَّحَابَة كلهم عدُول فَلَا قدح فِيهِ بِسَبَب عدم معرفَة أسمائهم. قَوْله: (لما كَاتب سُهَيْل بن عَمْرو) ، قد ذكرنَا تَرْجَمته فِيمَا مضى عَن قريب، وَكَانَ أحد أَشْرَاف قُرَيْش وخطيبهم، أسر يَوْم بدر، فَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (انْزعْ ثنيته فَلَا يقوم عَلَيْك خَطِيبًا) ، فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : (دَعه، فَعَسَى أَن يقوم مقَاما تحمده) . أسلم يَوْم الْفَتْح وَكَانَ رَقِيقا كثير الْبكاء عِنْد قِرَاءَة الْقُرْآن، فَمَاتَ رَسُول الله، ﷺ ، وَاخْتلف النَّاس بِمَكَّة، وارتد كَثِيرُونَ، فَقَامَ سُهَيْل خَطِيبًا. وَسكن النَّاس ومنعهم من الِاخْتِلَاف، وَهَذَا هُوَ الْمقَام الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (يَوْمئِذٍ) أَي: يَوْم صلح الْحُدَيْبِيَة. قَوْله: (فامتعضوا مِنْهُ) ، بِعَين مُهْملَة وضاد مُعْجمَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: مَعْنَاهُ: شقّ عَلَيْهِم وَعظم، يُقَال: معض من شَيْء سَمعه وامتعض إِذا غضب وشق عَلَيْهِ، وَقَالَ القَاضِي: لَا أصل لهَذَا من كَلَام الْعَرَب، وَأَحْسبهُ: فكرهوا ذَلِك وامتعضوا مِنْهُ أَي: شقّ عَلَيْهِم. وَقَالَ ابْن قرقول: (امتعظوا) ، كَذَا للأصيلي والهمداني، وفسروه: كرهوه، وَهُوَ غير صَحِيح، وَفِي الْخط والهجاء وَإِنَّمَا يَصح لَو كَانَ امتعضوا بضاد غير مشالة، كَمَا عِنْد أبي ذَر هُنَا وعبدوس، بِمَعْنى: (كَرهُوا وانفوا) وَقد وَقع مُفَسرًا كَذَلِك فِي بعض الرِّوَايَات فِي (الْأُم) وَعند الْقَابِسِيّ أَيْضا فِي (الْمَغَازِي) : (امَّعظوا) بتَشْديد الْمِيم وبالظاء الْمُعْجَمَة، وَكَذَا لعبدوس، وَعند بَعضهم: (اتغظوا) ، من الغيظ، وَعند بَعضهم عَن النَّسَفِيّ، واتغضوا، بغين
стр. 4004
مُعْجمَة وضاد مُعْجمَة غير مشالة، قَالَ: وكل هَذِه الرِّوَايَات إحالات وتغييرات، وَلَا وَجه لشَيْء من ذَلِك إلَاّ: امتعضوا، وَمعنى: انغضوا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: تفَرقُوا من الإنغاض، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فسينغضون إِلَيْك﴾ (الْإِسْرَاء: ١٥) . قَوْله: (مهاجرات) نصب على الْحَال من ﴿الْمُؤْمِنَات) . قَوْله: (أم كُلْثُوم) ، بِضَم الْكَاف وَسُكُون اللَّام وَضم الثَّاء الْمُثَلَّثَة بنت عقبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن أبي معيط، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره طاء مُهْملَة: أم حميد بن عبد الرَّحْمَن. قَوْله: (وَهِي عاتق) ، جملَة حَالية، والعاتق بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق: الْجَارِيَة الشَّابَّة أول مَا أدْركْت. قَوْله: (أَن يرجعها) ، بِفَتْح الْيَاء، وَرجع يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى. قَوْله: ﴿إِذا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَات﴾ وأولها قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَات مهاجرات فامتحنوهن، الله أعلم بإيمانهن فَإِن علمتموهم مؤمنات فَلَا ترجعوهن إِلَى الْكفَّار، لَا هن حل لَهُم وَلَا هم يحلونَ لَهُنَّ، وَآتُوهُمْ مَا أَنْفقُوا وَلَا جنَاح عَلَيْكُم أَن تنكحوهن إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورهنَّ، وَلَا تمسكوا بعصم الكوفر، واسألوا مَا أنفقتم وليسألوا مَا أَنْفقُوا ذَلِكُم حكم الله يحكم بَيْنكُم وَالله عليم حَكِيم، وَإِن فاتكم شَيْء من أزواجكم إِلَى الْكفَّار فعاقبتم فآتوا الَّذين ذهبت أَزوَاجهم مثل مَا أَنْفقُوا وَاتَّقوا الله الَّذِي أَنْتُم بِهِ مُؤمنُونَ، يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات يبايعنك على أَن لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا وَلَا يَسْرِقن وَلَا يَزْنِين وَلَا يقتلن أَوْلَادهنَّ وَلَا يَأْتِين بِبُهْتَان يَفْتَرِينَهُ بَين أَيْدِيهنَّ وَأَرْجُلهنَّ وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف فبايعهن واستغفر لَهُنَّ الله إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ (الممتحنة: ٠١ ٢١) . قَوْله: ﴿إذَا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَات﴾ سماهن: مؤمنات لتصديقهن بألسنتهن ونطقهن بِكَلِمَة الشَّهَادَة، وَلم يظْهر مِنْهُنَّ مَا يُنَافِي ذَلِك. قَوْله: (مهاجرات) يَعْنِي: من دَار الْكفْر إِلَى دَار الْإِسْلَام. قَوْله: ﴿فامتحنوهن﴾ أَي: فاختبروهن بِالْحلف وَالنَّظَر فِي الأمارات ليغلب على ظنونكم صدق إيمانهن. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: معنى امتحانهن أَن يستحلفن مَا خرجن من بغض زوج وَمَا خرجن عَن أَرض إِلَى أَرض، وَمَا خرجن التمَاس دنيا، وَمَا خرجن إلَاّ حبا لله وَرَسُوله. قَوْله: ﴿الله أعلم بإيمانهن﴾ أَي: أعلم مِنْكُم لأنكم تكسبون فِيهِ علما يطمئن مَعَه نفوسكم إِذا استحلفتموهن، وَعند الله حَقِيقَة الْعلم بِهِ ﴿فَإِن علمتموهن مؤمنات﴾ الْعلم الَّذِي تبلغه طاقتكم، وَهُوَ الظَّن الْغَالِب بِالْحلف وَظُهُور الأمارات. ﴿فَلَا ترجعوهن إِلَى الْكفَّار﴾ وَلَا تردوهن مؤمنات﴾ الْعلم الَّذِي تبلغه طاقتكم، وَهُوَ الظَّن الْغَالِب بِالْحلف وَظُهُور الأمارات ﴿فَلَا ترجعوهن إِلَى الْكفَّار﴾ وَلَا تردوهن إِلَى أَزوَاجهنَّ الْمُشْركين ﴿لَا هن حل لَهُم وَلَا هم يحلونَ لَهُنَّ﴾ لِأَنَّهُ لَا حل بَين المؤمنة والمشرك. قَوْله: ﴿وَآتُوهُمْ﴾ أَي: أعْطوا أَزوَاجهنَّ الْكفَّار مَا أَنْفقُوا مثل مَا دفعُوا إلَيْهِنَّ من الْمهْر، سمي الظَّن الْغَالِب علما فِي قَوْله: ﴿فَإِن علمتموهن مؤمنات﴾ إِيذَانًا بِأَن الظَّن الْغَالِب وَمَا يُفْضِي إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد وَالْقِيَاس بشرائطها جَار مجْرى الْعلم، وَأَن صَاحبه غير دَاخل فِي قَوْله: ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ (الْإِسْرَاء: ٦٣) . قَوْله: ﴿وَلَا جنَاح عَلَيْكُم﴾ يَعْنِي: ﴿أَن تنكحوهن إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورهنَّ﴾ وَإِن كَانَ لَهُنَّ أَزوَاج كفار لِأَنَّهُ فرق بَينهمَا الْإِسْلَام إِذا استبرئت أرحامهن بِالْحيضِ، وَالْمرَاد من الأجور: مهورهن، لِأَن الْمهْر أجر الْبضْع. قَوْله: ﴿وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ العصم: جمع الْعِصْمَة، وَهِي مَا يعتصم بِهِ من عقد وَسبب، والكوافر جمع كَافِرَة، وَنهى الله تَعَالَى الْمُؤمنِينَ عَن الْمقَام على نِكَاح المشركات، وأمرهن بفراقهن، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: يَقُول: لَا نَأْخُذ بِعقد الكوافر، فَمن كَانَت لَهُ امْرَأَة كَافِرَة بِمَكَّة فَلَا يتقيدن بهَا، فقد انْقَطَعت عصمتها مِنْهُ. قَالَ الزُّهْرِيّ: فَلَمَّا نزلت هَذِه الْآيَة طلق عمر بن الْخطاب امْرَأتَيْنِ كَانَتَا لَهُ بِمَكَّة مشركتين: قريبَة بنت أبي أُميَّة بن الْمُغيرَة، فَتَزَوجهَا بعده مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، وهما على شركهما بِمَكَّة. وَالْأُخْرَى أم كُلْثُوم بنت عَمْرو الْخُزَاعِيَّة أم عبد الله بن عمر، فَتَزَوجهَا أَبُو جهم بن حذافة، رجل من قَومهَا وهما على شركهما. قَوْله: ﴿واسألوا مَا أنفقتم﴾ أَي: اسألوا أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ ﴿الَّذين ذهبت أَزوَاجهم﴾ فلحقن بالمشركين مَا أنفقتم عَلَيْهِنَّ من الصَدَاق من تزوجهن مِنْهُم ﴿وليسألوا﴾ يَعْنِي الْمُشْركين الَّذين لحقت أَزوَاجهم بكم مؤمنات إِذا تَزَوَّجن مِنْكُم من تزَوجهَا مِنْكُم مَا أَنْفقُوا أَي: أَزوَاجهنَّ الْمُشْركين من الْمهْر. قَوْله: ﴿ذَلِكُم﴾ إِشَارَة إِلَى جَمِيع مَا ذكر فِي هَذِه الْآيَة. قَوْله: ﴿حكم الله يحكم بَيْنكُم﴾ إِشَارَة إِلَى جَمِيع مَا ذكر فِي هَذِه الْآيَة. قَوْله: ﴿حكم الله يحكم بَيْنكُم﴾ كَلَام مُسْتَأْنف، وَقيل: حَال من حكم الله على حذف الضَّمِير، أَي: يحكم الله بَيْنكُم ﴿وَالله عليم حَكِيم﴾ . قَوْله: ﴿وَإِن فاتكم شَيْء من أزواجكم﴾ أَي: وَإِن سبقكم وانفلت مِنْكُم من أزواجكم ﴿إِلَى الْكفَّار فعاقبتم﴾ يَعْنِي: فظفرتم وأصبتم من الْكفَّار عُقبى، وَهِي الْغَنِيمَة، وظفرتم وَكَانَت الْعَاقِبَة لكم ﴿فآتوا الَّذين ذهبت أَزوَاجهم﴾ إِلَى الْكفَّار مِنْكُم ﴿مثل مَا أَنْفقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ من الْغَنِيمَة الَّتِي صَارَت فِي أَيْدِيكُم من أَمْوَال الْكفَّار. وَقَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: وَكَانَ جَمِيع من لحق بالمشركين من نسَاء الْمُؤمنِينَ الْمُهَاجِرين رَاجِعَة عَن الْإِسْلَام سِتّ نسْوَة: أم الْحَكِيم بنت أبي سُفْيَان، كَانَت تَحت عِيَاض بن شَدَّاد الفِهري.
стр. 4005
وَفَاطِمَة بنت أبي أُميَّة بن الْمُغيرَة، أُخْت أم سَلمَة، كَانَت تَحت عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَلَمَّا أَرَادَ عمر أَن يُهَاجر أَبَت وارتدت. وَبرْوَع بنت عقبَة، كَانَت تَحت شماس بن عُثْمَان، وَعَبدَة بنت عبد الْعُزَّى، وَزوجهَا عَمْرو بن ود. وَهِنْد بنت أبي جهل بن هِشَام، وَكَانَت تَحت هِشَام بن الْعَاصِ. وكلثوم بنت جَرْوَل، كَانَت تَحت عمر بن الْخطاب، فَأَعْطَاهُمْ رَسُول الله، ﷺ مُهُور نِسَائِهِم من الْغَنِيمَة. قَوْله: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات ... ﴾ (الممتحنة: ٠١) . الْآيَة، لما فتح رَسُول الله، ﷺ ، وَفرغ من بيعَة الرِّجَال جَاءَت النِّسَاء يبايعنه. فَنزلت هَذِه الْآيَة. قَوْله: (يَفْتَرِينَهُ بَين أَيْدِيهنَّ وَأَرْجُلهنَّ) يَعْنِي: لَا يَأْتِين بِولد لَيْسَ من أَزوَاجهنَّ، فينسبنه إِلَيْهِم، وَقيل ﴿بَين أَيْدِيهنَّ﴾ ألسنتهن ﴿وَبَين أرجلهن﴾ فروجهن، وَقيل: هُوَ توكيد. مثل ﴿مَا كسبت أَيْدِيكُم﴾ (الشورى: ٠٣) . قَوْله: ﴿وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف﴾ قيل: هَذَا فِي النوح. وَقيل: (لَا يخلون بِغَيْر ذِي محرم) وَقيل: (فِي كل حق مَعْرُوف لله تَعَالَى) . قَوْله: (عُرْوَة فأخبرتني عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا) ، هُوَ مُتَّصِل بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور أَو لَا، قَوْله: (كلَاما) : هُوَ كَلَام عَائِشَة، وَقع حَالا. قَوْله: (وَالله مَا مست يَده) إِلَى آخِره، وَكَانَت عَائِشَة تَقول: كَانَ ﷺ يُبَايع النِّسَاء بالْكلَام بِهَذِهِ الْآيَة وَمَا مس يَد رَسُول الله، ﷺ يَد امْرَأَة قطّ، إلَاّ يَد امْرَأَة يملكهَا. وَعَن الشّعبِيّ: كَانَ رَسُول الله، ﷺ يُبَايع النِّسَاء وعَلى يَده ثوب قطري، وَعَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي، ﷺ ، كَانَ إِذا بَايع النِّسَاء دَعَا بقدح من مَاء، فَغمسَ يَده فِيهِ ثمَّ غمس أَيْدِيهنَّ فِيهِ.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي صلح الْمُشْركين على أَن يرد إِلَيْهِم من جَاءَ مِنْهُم مُسلما، فَقَالَ قوم: لَا يجوز هَذَا، وَهُوَ مَنْسُوخ بقوله، ﵇: أَنا بَرِيء من كل مُسلم أَقَامَ مَعَ مُشْرك فِي دَار الْحَرْب، وَقد أجمع الْمُسلمُونَ أَن هِجْرَة دَار الْحَرْب فَرِيضَة على الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَذَلِكَ الَّذِي بَقِي من فرض الْهِجْرَة، هَذَا قَول الْكُوفِيّين، وَقَول أَصْحَاب مَالك وَقَالَ الشَّافِعِي: هَذَا الحكم فِي الرِّجَال غير مَنْسُوخ، وَلَيْسَ لأحد هَذَا العقد إلَاّ للخليفة أَو لرجل يَأْمُرهُ، فَمن عقد غير الْخَلِيفَة فَهُوَ مَرْدُود، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَقَول الشَّافِعِي، وَهَذَا الحكم فِي الرِّجَال غير مَنْسُوخ يدل أَن مذْهبه أَنه فِي النِّسَاء مَنْسُوخ.
٤١٧٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ زِيَادِ بنِ عِلَاقَةَ قَالَ سَمِعْتُ جَرِيراً رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُولُ بايَعْتُ رسولَ الله، ﷺ فاشْتَرَطَ علَيَّ والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، والْحَدِيث مضى فِي آخر كتاب الْإِيمَان بأتم مِنْهُ. قَوْله: والنصح لكل مُسلم عطف على مُقَدّر يعلم من الحَدِيث الَّذِي بعده.
٥١٧٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثني قيْسُ بنُ أبِي حازِمٍ عنْ جَرِيرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ بايَعْتُ رسولَ الله، ﷺ علَى إقَامِ الصَّلاةِ وإيتَاءِ الزَّكاةِ والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ..
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد البَجلِيّ عَن قيس ابْن أبي حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: واسْمه عبد عَوْف، وَإِسْمَاعِيل وَقيس وَجَرِير ثَلَاثَتهمْ بجليون كوفيون مَكْنُون بِأبي عبد الله، قَوْله: (على إقَام الصَّلَاة) أَصله: إِقَامَة الصَّلَاة، وَإِنَّمَا جَازَ حذف التَّاء فِيهَا لِأَن الْمُضَاف إِلَيْهِ عوض عَنْهَا. وَقد مر الْكَلَام فِي الْحَدِيثين الْمَذْكُورين فِي آخر كتاب الْإِيمَان مُسْتَوفى.
٢ - (بابٌ إذَا باعَ نَخْلاً قَدْ أُبِّرَتْ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا بَاعَ شخص نخلا حَال كَونهَا قد أبرت، على صِيغَة الْمَجْهُول، من التَّأْبِير، وَهُوَ تلقيح النّخل وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني بعد قَوْله: (أبرت وَلم يشْتَرط الثَّمر) ، أَي: وَالْحَال أَيْضا أَن المُشْتَرِي لم يشْتَرط الثَّمر وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف، وَهُوَ قَوْله: (فالثمرة للْبَائِع) إلَاّ أَن يشْتَرط المُشْتَرِي، وَلم يذكرهُ لدلَالَة مَا فِي الحَدِيث عَلَيْهِ.
стр. 4006
٦١٧٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عبدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ مَنْ باعَ نَخْلاً قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَاّ أَن يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب من بَاعَ نخلا قد أبرت، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (الْمُبْتَاع) أَي: المُشْتَرِي.
٣ - (بابُ الشُّرُوطِ فِي البَيْعِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشُّرُوط فِي البيع.
٧١٧٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا أخْبَرَتْهُ أنَّ بَرِيرَةَ جاءَتْ عائِشَةَ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِها ولَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئاً قالَتْ لَهَا عائِشَةُ إرْجِعِي إِلَى أهلِكِ فإنْ أحَبوا أنْ أقْضِي عَنْكِ كِتَابَتَكِ ويَكُونَ ولَاؤكِ لِي فَعَلْتُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ إِلَى أهْلِهَا فأبَوْا وَقَالُوا إنْ شاءَتْ أنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكَ فَلْتَفْعَلْ ويَكُونَ لَنا وَلاؤُكِ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ لَهَا ابْتَاعِي فأعْتِقي فإنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن هَذَا الحَدِيث رُوِيَ بِوُجُوه مُخْتَلفَة: مِنْهَا مَا رَوَاهُ ابْن أبي ليلى عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة: أَن رَسُول الله، ﷺ (قَالَ: إشترى بَرِيرَة واشترطي لَهُم الْوَلَاء) . فَهَذَا فِيهِ عِنْد البيع، وَفِيه شَرط. وَفِيه وَجه الْمُطَابقَة، وَبِهَذَا اسْتدلَّ ابْن أبي ليلى: أَن من اشْترى شَيْئا وَأَشْتَرِط شرطا فَالْبيع جَائِز وَالشّرط بَاطِل، وَفِيه مَذْهَب أبي حنيفَة: أَن البيع وَالشّرط كِلَاهُمَا باطلان، وَمذهب ابْن شبْرمَة كِلَاهُمَا جائزان، وَقد ذكرنَا هَذَا فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب إِذا اشْترط شُرُوطًا فِي البيع لَا تحل، وَمضى الحَدِيث أَيْضا فِيهِ، وَفِي كتاب الْعتْق أَيْضا وَغَيره، والترجمة الْمَذْكُورَة مُطلقَة يحْتَمل جَوَاز الِاشْتِرَاط فِي الْبيُوع، وَيحْتَمل عدم جَوَازهَا، وَلم يُوضحهُ البُخَارِيّ لمَكَان الِاخْتِلَاف فِيهِ، وَلم أرَ أحدا من الشُّرَّاح ذكر هُنَا شَيْئا حَتَّى إِن مِنْهُم من لم يذكر الْبَاب وَلَا التَّرْجَمَة، وَمِنْهُم من ذكر التَّرْجَمَة، وَقَالَ: فِيهِ حَدِيث عَائِشَة، وأحاله إِلَى مَا سبق، وَهَذَا مِمَّا لَا يُفِيد الناظرين، وَالشَّارِح إِن لم يتبع كَلَام المُصَنّف كلمة كلمة، وَلم يذكر الْمَقْصُود فِيهِ، فَلَيْسَ بشرح.
٤ - (بابٌ إِذا اشتَرَطَ الْبَائِعُ ظَهْرَ الدَّابَّةِ إِلَى مكانٍ مُسَمَّى جازَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا اشْترط البَائِع ظهر الدَّابَّة الَّتِي بَاعهَا يَعْنِي: اشْترط ركُوبهَا إِلَى مَكَان مُسَمّى معِين جَازَ هَذَا البيع، وَإِنَّمَا أطلقهُ مَعَ أَن فِيهِ الْخلاف، لِأَنَّهُ يرى بِصِحَّة هَذَا البيع لصِحَّة الدَّلِيل وقوته عِنْده، وَبِه قَالَ أَيْضا جمَاعَة وهم: الْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذر، فَإِنَّهُم قَالُوا: (إِذا بَاعَ من رجل دَابَّة بِثمن مَعْلُوم على أَن يركبهَا البَائِع. أَن البيع جَائِز، وَالشّرط جَائِز، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث جَابر، هَذَا وَقَالَ: فرقة: (البيع جَائِز وَالشّرط بَاطِل) وهم: ابْن أبي ليلى وَأحمد فِي رِوَايَة وَأَشْهَب من الْمَالِكِيَّة، وَقَالَ آخَرُونَ: البيع فَاسد، وهم: أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الْبيُوع.
٨١٧٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ قَالَ سَمِعْتُ عامِرَاً يَقُولُ حدَّثني جابِرٌ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّهُ كانَ يَسِيرُ علَى جَمَلٍ لهُ قَدْ أعْيَا فمَرَّ النبيُّ ﷺ فَضَرَبَهُ فَدَعَا لَهُ فَسارَ بِسَيْر لَيْسَ يَسِيِرُ مِثْلَهُ ثُمَّ قالَ بِعْنِيهِ بِوَقِيَّةَ قلْتُ لَا ثُمَّ قَالَ بِعْنِيهِ بِوَقِيَّةٍ فَبِعْتُهُ فاسْتَثْنَيْتُ حُمْلانَهُ إِلَى أهْلِي فلَمَّا قَدِمْنَا أتَيْتُهُ بالجَمَلِ ونَقَدَنِي ثَمَنَهُ ثمَّ انْصَرَفْتُ فأرْسَلَ عَلَى إثْرِي قَالَ مَا كُنْتُ لِآخُذَ جَمَلَكَ فَخُذْ جَمَلَكَ ذالِكَ فَهْوَ مالُكَ.
.
стр. 4007
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَبِعْته فاستثنيت حملانه إِلَى أَهلِي، فَإِنَّهُ بيع فِيهِ شَرط ركُوب الدَّابَّة إِلَى مَكَان مُسَمّى، وَهُوَ الْمَدِينَة، وَكَانَ بَينه وَبَين الْمَدِينَة ثَلَاثَة أَيَّام، وَمن هَذَا قَالَ مَالك: إِن كَانَ الِاشْتِرَاط فِي الرّكُوب إِلَى مَكَان قريب: كَالْيَوْمِ واليومين وَالثَّلَاثَة، فَالْبيع جَائِز، وَإِن كَانَ أَكثر من ذَلِك فَلَا يجوز.
وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، وزكرياء هُوَ ابْن أبي زَائِدَة الْكُوفِي، وعامر هُوَ الشّعبِيّ. والْحَدِيث مضى فِي الاستقراض وَغَيره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ولنتكلم أَيْضا لزِيَادَة الْفَائِدَة، وَإِن وَقع مكرراً.
قَوْله: (قد أعيى) أَي: تَعب. قَوْله: (فَضَربهُ فَدَعَا لَهُ) كَذَا بِالْفَاءِ فيهمَا، كَأَنَّهُ عقب الدُّعَاء لَهُ بضربه، وَفِي رِوَايَة مُسلم وَأحمد من هَذَا الْوَجْه: فَضَربهُ بِرجلِهِ ودعا لَهُ، وَفِي رِوَايَة يُونُس بن بكير عَن زَكَرِيَّاء عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، فَضَربهُ ودعا لَهُ فَمشى مشْيَة مَا مَشى قبل ذَلِك مثلهَا وَفِي رِوَايَة مُغيرَة: فزجره ودعا لَهُ، وَفِي رِوَايَة عَطاء وَغَيره عَن جَابر الَّتِي تقدّمت فِي الْوكَالَة: فَمر بِي النَّبِي، ﷺ فَقَالَ: من هَذَا؟ قلت: جَابر بن عبد الله. قَالَ: مَالك؟ قلت: إِنِّي على جمل ثقال، فَقَالَ: أَمَعَك قضيب؟ قلت: نعم. قَالَ: أعطنيه. فأعطيته فَضَربهُ فزجره، فَكَانَ من ذَلِك الْمَكَان من أول الْقَوْم. وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ، من هَذَا الْوَجْه: فأزحف، فزجره النَّبِي، ﷺ ، فانبسط حَتَّى كَانَ أَمَام الْجَيْش، وَفِي رِوَايَة وهب بن كيسَان عَن جَابر الَّتِي تقدّمت فِي الْبيُوع: (فَتخلف فَنزل فحجنه بِمِحْجَنِهِ) ، ثمَّ قَالَ لي: إركب، فركبته فقد رَأَيْته أكفه عَن رَسُول الله، ﷺ ، وَعند أَحْمد، من هَذَا الْوَجْه: قلت: يَا رَسُول الله أَبْطَأَ بِي جملي هَذَا. قَالَ: أنخه، وأناخ رَسُول الله، ﷺ ، ثمَّ قَالَ: أَعْطِنِي هَذِه الْعَصَا، أَو إقطع لي عَصا من هَذِه الشَّجَرَة، فَقطعت، فَأَخذهَا فنخسه بهَا نخسات، ثمَّ قَالَ: إركب، فركبت. وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث زيد ابْن أسلم عَن جَابر: فَأَبْطَأَ عَليّ جملي حَتَّى ذهب النَّاس، فَجعلت أرقبه ويهمني شَأْنه، فَإِذا النَّبِي، ﷺ ، فَقَالَ: أجابر؟ قلت: نعم. قَالَ: مَا شَأْنك؟ قلت: أَبْطَأَ عَليّ جملي، فنفث فِيهَا، أَي: فِي الْعَصَا. ثمَّ مج من المَاء فِي نَحره، ثمَّ ضربه بالعصا، فانبعث فَمَا كدت أمْسكهُ، وَفِي رِوَايَة أبي الزبير عَن جَابر عِنْد مُسلم، فَكنت بعد ذَلِك أحبس خطامه لأسْمع حَدِيثه، وَله من طَرِيق أبي نَضرة عَن جَابر: فنخسه ثمَّ قَالَ: إركب بِسم الله، زَاد فِي رِوَايَة مُغيرَة، فَقَالَ: كَيفَ ترى بعيرك؟ قلت: بِخَير، قد أَصَابَته بركتك. قَوْله: (فَسَار بسير) ، سَار ماضٍ، وبسير: جَار ومجرور، ومصدر لَيْسَ يسير بِلَفْظ فعل الْمُضَارع. قَوْله: (بعنيه بوقية) ، بِفَتْح الْوَاو وَحذف الْألف فِيهِ، لُغَة، قَالَ الْجَوْهَرِي: وَهِي أَرْبَعُونَ درهما. قلت: كَانَ هَذَا فِي عرفهم فِي ذَلِك الزَّمَان، وَفِي عرف النَّاس بعد ذَلِك عشرَة دَرَاهِم، وَفِي عرف أهل مصر الْيَوْم اثْنَي عشر درهما، وَفِي عرف أهل الشَّام: خَمْسُونَ درهما، وَفِي عرف أهل حلب: سِتُّونَ درهما، وَفِي عرف أهل عينتاب: مائَة دِرْهَم، وَفِي عرض بعض أهل الرّوم: مائَة وَخَمْسُونَ درهما، وَفِي مَوَاضِع أَكثر من ذَلِك، حَتَّى إِن موضعا فِيهِ الوقية ألف دِرْهَم. قَوْله: (قلت: لَا) أَي: لَا أبيعه. قَالَ ابْن التِّين: قَوْله: لَا، لَيْسَ بِمَحْفُوظ إلَاّ أَن يُرِيد: لَا أبيعكه، هُوَ لَك بِغَيْر ثمن. قلت: كَأَن ابْن التِّين نزه جَابِرا عَن قَوْله: لَا، لسؤال النَّبِي، ﷺ ، وَلكنه ثَبت قَوْله لَا وَلَكِن مَعْنَاهُ لَا أبيع بل أهبه لَك وَالنَّفْي يوتوجه لترك البيع لَا الْكَلَام رَسُول الله ﷺ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ رِوَايَة وهب بن كيسَان عَن جَابر عِنْد أَحْمد: أتبيعني جملك هَذَا يَا جَابر؟ قلت: بل أهبه لَك. فَإِن قلت: جَاءَ فِي رِوَايَة أَحْمد: فَكرِهت أَن أبيعه. قلت: كَرَاهَته لوُقُوع صُورَة البيع بَينه وَبَين رَسُول الله، ﷺ . لِأَن قَصده كَانَ صُورَة الْهِبَة فالكراهة لَا ترجع إِلَى سُؤال الرَّسُول ﵊ وَلكنه لما سَأَلَهُ ثَانِيًا أجَاب بِالْبيعِ امتثالاً لكَلَامه، وَمَعَ هَذَا أَخذ الثّمن، والجمل على مَا دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث. قَوْله: (فاستثنيت حملانه) بِضَم الْحَاء أَي: حمله، أَي: اشْترطت أَن يكون لي حق الْحمل عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَة، كَأَنَّهُ اسْتثْنى هَذَا الْحق من حُقُوق البيع، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظ: واستثنيت ظَهره إِلَى أَن تقدم. قَوْله: (فَلَمَّا قدمنَا) أَي: الْمَدِينَة، وَفِي رِوَايَة مُغيرَة عَن الشّعبِيّ الْمُتَقَدّمَة فِي الاستقراض: فَلَمَّا دنونا من الْمَدِينَة استأذنته، فَقَالَ: تزوجت بكرا أم ثَيِّبًا. وَسَيَأْتِي فِي النِّكَاح، فَقدمت الْمَدِينَة فَأخْبرت خَالِي بِبيع الْجمل، فلامني، وَفِي رِوَايَة أَحْمد من رِوَايَة نُبيح: أتيت عَمَّتي بِالْمَدِينَةِ فَقلت لَهَا: ألم تري أَنِّي بِعْت ناضحنا؟ فَمَا رَأَيْتهَا أعجبها. قلت: نُبيح، بِضَم النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: وَاسم خَال جَابر، جد، بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الدَّال. ابْن قيس، وَاسم عمته. هِنْد بنت عمر. وَقَوله: (على إثري) بِكَسْر الْهمزَة أَي: ورائي. قَوْله: (مَا كنت لآخذ
стр. 4008
جملك) وَوَقع فِي رِوَايَة أبي نعيم، شيخ البُخَارِيّ بِلَفْظ: أَترَانِي إِنَّمَا ماكستك لآخذ جملك ودراهمك؟ همالك. قَوْله: (ماكستك) من المماكسة أَي: المناقصة فِي الثّمن، وَوَقع فِي رواي الْبَزَّار، من طَرِيق أبي المتَوَكل عَن جَابر: أَن الْجمل كَانَ أَحْمَر.
قَالَ شُعْبَةُ عنْ مُغِيرَةَ عنْ عامِرِ عنْ جابِرٍ أفْقَرني رسولُ الله، ﷺ ظَهْرَهُ إِلَى المَدِينَةِ
أَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذَا، وَبِمَا بعده إِلَى اخْتِلَاف أَلْفَاظ جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مُغيرَة هُوَ ابْن مقسم الْكُوفِي، وعامر هُوَ الشّعبِيّ وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق يحيى بن كثير عَنهُ. قَوْله: أفقرني، بِتَقْدِيم الْفَاء على الْقَاف، أَي: حَملَنِي على فقاره، وَهُوَ عِظَام الظّهْر.
وَقَالَ إسْحَاقُ عنْ جَرِيرٍ عنْ مُغيرَةَ فَبِعْتُهُ علَى أنَّ لي فَقارَ ظَهْرِهِ حتَّى أبْلُغَ المَدِينَةَ
أسْحَاق هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه، وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَهُوَ التَّعْلِيق يَأْتِي مَوْصُولا فِي الْجِهَاد.
وَقَالَ عَطَاءٌ وغيْرُهُ لَكَ ظَهْرُهُ إِلَى المَدِينَةِ
عَطاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح يَعْنِي: روى عَطاء عَن جَابر وَغَيره أَيْضا بِهَذَا اللَّفْظ، وَهَذَا التَّعْلِيق تقدم مَوْصُولا فِي الْوكَالَة.
وقالَ مُحَمَّدُ بنُ الْمُنْكَدِرِ عنْ جابِرٍ شَرَطَ ظَهْرَهُ إِلَى المَدِينَةِ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الْمُنْكَدر عَن أَبِيه بِهِ، وَوَصله الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق عُثْمَان بن مُحَمَّد الأخنسي عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، بن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر بِلَفْظ: فَبِعْته إِيَّاه وشرطت إِلَى ركُوبه إِلَى الْمَدِينَة.
وقالَ زَيْدُ بنُ أسْلَمَ عنْ جابِرٍ ولَكَ ظَهْرُهُ حتَّى تَرْجِعَ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق عبد الله بن زيد بن أسلم عَن أَبِيه بِتَمَامِهِ.
وَقَالَ أبُو الزُّبَيْرِ عنْ جابِرٍ أفْقرْنَاكَ ظَهْرَهُ إلَى المَدِينَةِ
أَبُو الزبير مُحَمَّد بن مُسلم بن تدرس، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن أبي الزبير بِهِ، وَهُوَ عِنْد مُسلم من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ: فَبِعْته مِنْهُ بِخمْس أَوَاقٍ. قلت: على أَن لي ظَهره إِلَى الْمَدِينَة. قَالَ: وَلَك ظَهره إِلَى الْمَدِينَة. وللنسائي من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة عَن أَيُّوب. قَالَ: أَخَذته بِكَذَا وَكَذَا، وَقد أعرتك ظَهره إِلَى الْمَدِينَة.
وَقَالَ الأعْمَشُ عنْ سالِمٍ عنْ جابِرٍ تبَلَّغَ علَيْهِ إِلَى أهْلِكَ
الْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان. وَسَالم هُوَ ابْن أبي الْجَعْد، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَحْمد وَمُسلم وَعبد بن حميد من طَرِيق الْأَعْمَش. فَلفظ أَحْمد: قد أَخَذته بوقية أركبه فَإِذا قدمت فأتنا بِهِ، وَلَفظ مُسلم: فتبلغ عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَة، وَلَفظ عبد بن حميد: تبلغ عَلَيْهِ إِلَى إهلك، وَكَذَا لفظ ابْن سعد وَالْبَيْهَقِيّ.
قَالَ أبُو عُبَيْدِ الله الاشتراطُ أكْثَرُ وأصَحُّ عِنْدِي
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، أَشَارَ بذلك إِلَى أَن الروَاة اخْتلفُوا فِي قَضِيَّة جَابر هَذِه: هَل وَقع الشَّرْط فِي العقد عِنْد البيع أَو كَانَ ركُوبه للجمل بعد بَيْعه إِبَاحَة من النَّبِي، ﷺ بعد شِرَائِهِ على طَرِيق الْعَارِية؟ وَقَالَ: وُقُوع الإشتراط فِيهِ أَكثر طرقاً وَأَصَح عِنْدِي مخرجا، وَهَذَا وَجه من وُجُوه التَّرْجِيح، وَمن جملَة من صحّح الِاشْتِرَاط الإِمَام الْحَافِظ الطَّحَاوِيّ، ﵀، وَلكنه تَأَول بِأَن البيع الْمَذْكُور لم يكن على الْحَقِيقَة، لقَوْله فِي آخِره: (أَترَانِي ماكستك) إِلَى آخِره، قَالَ: إِنَّه يشْعر بِأَن القَوْل الْمُتَقَدّم لم يكن على التبايع حَقِيقَة. قيل: رده الْقُرْطُبِيّ، (بِأَنَّهُ دَعْوَى مُجَرّدَة وتغيير وتجريف) ، لَا تَأْوِيل، (وَكَيف يصنع قَائِله فِي قَوْله: بِعته مِنْك بأوقية بعد المساومة) . وَقَوله: (قد أَخَذته) ، وَغير ذَلِك من الْأَلْفَاظ المنصوصة فِي ذَلِك، انْتهى. قلت: لَا تسلم أَنه دَعْوَى مُجَرّدَة، بل أثبت مَا قَالَه بقوله: (أَترَانِي ماكستك؟) وَبِقَوْلِهِ أَيْضا لجَابِر: (ترى إِنِّي إِنَّمَا حبستك لأذهب ببعيرك، يَا بِلَال! أعْطه أُوقِيَّة، وَخذ بعيرك، فهما، لَك) . فَهَذَا صَرِيح أَنه: لَمْ يكن ثمَّة عقد حَقِيقَة؟ فضلا عَن أَن يكون فِيهِ شَرط، وَقَالَ ابْن حزم: أخبر
стр. 4009
عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (أَنه لم يماكسه ليَأْخُذ جمله) ، فصح أَن البيع لم يتم فِيهِ، فَقَط، فَإِنَّمَا اشْترط جَابر ركُوب جمل نَفسه فَقَط، وَقَول الْقُرْطُبِيّ، وَكَيف يصنع قَائِله فِي قَوْله: (بِعته مِنْك) ، لَا يرد على الطَّحَاوِيّ، لِأَنَّهُ لَا يُنكر صُورَة البيع، وَإِنَّمَا يُنكر حَقِيقَة البيع لما ذكرنَا، والقرطبي كَيفَ يصنع بقوله: (ترى أَنِّي حبستك لأذهب ببعيرك؟) فَإِذا تَأمل من لَهُ قريحة حادة، يعلم أَن التَّغْيِير والتحريف مِنْهُ لَا من الطَّحَاوِيّ، وَقد ذكر الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضا أَن النُّكْتَة فِي ذكر البيع أَنه، ﵊، أَرَادَ أَن يبر جَابر على وَجه لَا يحصل لغيره طمع فِي مثله، فَبَايعهُ فِي جمله على اسْم البيع: ليتوفر عَلَيْهِ بره، وَيبقى الْجمل قَائِما على ملك فَيكون ذَلِك أهنأ لمعروفه. وَقيل: حَاصله أَن الشَّرْط لم يَقع فِي نفس العقد، وَإِنَّمَا وَقع سَابِقًا ولاحقاً، فتبرع بمنفعته أَولا، كَمَا تبرع بِرَقَبَتِهِ آخرا. فَإِن قلت: وَقع فِي كَلَام القَاضِي أبي الطّيب الطَّبَرِيّ من الشَّافِعِيَّة إِن فِي بعض طرق هَذَا الْخَبَر: (فَلَمَّا نقدني الثّمن شرطت حملاني إِلَى الْمَدِينَة) ، وَاسْتدلَّ بهَا على أَن الشَّرْط تَأَخّر عَن العقد. قلت: هَذِه مُجَرّد دَعْوَى تحْتَاج إِلَى بَيَان ذَلِك، على أَنا، وَإِن سلمنَا ثُبُوت ذَلِك، يحْتَاج إِلَى أَن يؤول على أَن معنى: نقدني الثّمن، أَي: قَرَّرَهُ لي، واتفقنا على تَعْيِينه، لِأَن الرِّوَايَات الصَّحِيحَة صَرِيحَة فِي أَن قَبضه الثّمن إِنَّمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ.
وَقَالَ عُبَيْدُ الله وابنُ إسْحَاقَ عنْ وهْبٍ عنْ جابِرٍ اشْتَرَاهُ النبِيُّ ﷺ بِوَقِيَّةٍ
عبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ، وَابْن إِسْحَاق هُوَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق، ووهب هُوَ ابْن كيسَان. أما تَعْلِيق عبيد الله فوصله البُخَارِيّ فِي الْبيُوع، وَلَفظه: (قَالَ: أتبيع جملك؟ قلت: نعم، فَاشْتَرَاهُ مني بأوقية) . وَأما تَعْلِيق ابْن إِسْحَاق فوصله أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالْبَزَّار بِطُولِهِ وَفِي حَدِيثهمْ: (قَالَ: قد أَخَذته بدرهم، قلت: إِذا تغبنني يَا رَسُول الله! قَالَ: فبدرهمين؟ قلت: لَا، فَلم يزل يرفع لي حَتَّى بلغ أُوقِيَّة ... الحَدِيث.
وتابَعَهُ زَيْدُ بنُ أسْلَمَ عنْ جابِرٍ
أَي: تَابع وهباً زيد بن أسلم عَن جَابر فِي ذكر الْأُوقِيَّة، وَوصل الْبَيْهَقِيّ هَذِه الْمُتَابَعَة.
وقالَ ابنُ جُرَيْجٍ عنْ عَطَاءٍ وغَيْرِهِ عنْ جَابِرٍ أخَذْتُهُ بِأرْبَعَةِ دَنانِيرَ وهاذا يَكُونُ وَقِيَّةً علَى حِسَابَ الدِّينَارِ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ
ابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي الْوكَالَة. قَوْله: (وَهَذَا يكون) إِلَى آخِره، قيل: إِنَّه من كَلَام البُخَارِيّ، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : هَذَا من كَلَام عَطاء. قلت: يحْتَمل هَذَا، وَهَذَا، وَالْأَقْرَب أَن يكون من كَلَام عَطاء، وَقل بَعضهم: (الدِّينَار) مُبْتَدأ، وَقَوله: (بِعشْرَة) ، خَبره أَي: دِينَار ذهب بِعشر دَرَاهِم فضَّة. قلت: هَذَا تصرف عَجِيب لَيْسَ لَهُ وَجه أصلا، لِأَن لفظ (الدِّينَار) ، وَقع مُضافاً إِلَيْهِ، وَهُوَ مجرور بِالْإِضَافَة، وَلَا وَجه لقطع لفظ حِسَاب عَن الْإِضَافَة، وَلَا ضَرُورَة إِلَيْهِ، وَالْمعْنَى أصبح مَا يكون لِأَن معنى قَوْله: (وَهَذَا يكون وقية) ، يَعْنِي: أَرْبَعَة دَنَانِير، يكون وقية على حِسَاب الدِّينَار أَي: الدِّينَار الْوَاحِد بِعشْرَة دَرَاهِم، وَلَقَد تعسف فِي تَفْسِير الدِّينَار بِالذَّهَب وَالدَّرَاهِم بِالْفِضَّةِ، لِأَن الدِّينَار لَا يكون إلَاّ من الذَّهَب، وَالدَّرَاهِم لَا تكون إلَاّ من الْفضة، وَلَا خَفَاء فِي ذَلِك.
ولَمْ يُبَيِّنِ الثَّمَنَ مُغِيرَةَ عنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرٍ وابنُ المُنْكَدِرِ وأبُو الزُّبَيْرِ عنْ جَابِرٍ
أشارَ بِهَذَا إِلَى أَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة: الشّعبِيّ وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر وَأَبُو الزبير مُحَمَّد بن مُسلم لم يذكرُوا كمية الثّمن فِي روايتهم عَن جَابر. قَوْله: (وَابْن الْمُنْكَدر) ، بِالرَّفْع مَعْطُوف على الْمُغيرَة الَّذِي هُوَ مَرْفُوع بقوله: (لم يبين) و (الثّمن) ، بِالنّصب مَفْعُوله، أما رِوَايَة الْمُغيرَة عَن الشّعبِيّ فتقدمت مَوْصُولَة فِي الاستقراض، وَسَتَأْتِي مُطَوَّلَة فِي الْجِهَاد، وَلَيْسَ فِيهَا ذكر تعْيين الثّمن، وَكَذَا أخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهمَا بِلَا ذكر الثّمن. وَأما رِوَايَة ابْن الْمُنْكَدر فوصلها الطَّبَرَانِيّ، وَلَيْسَ فِيهَا التَّعْيِين أَيْضا. وَأما رِوَايَة أبي الزبير فوصلها النَّسَائِيّ وَلم يعين الثّمن، وَلَكِن مُسلما أخرجه من طَرِيقه وَعين فِيهِ الثّمن. وَلَفظه: (فَبِعْته مِنْهُ بِخمْس أَوَاقٍ على أَن لي ظَهره إِلَى الْمَدِينَة) .
стр. 4010
وَقَالَ الأعْمَشُ عنْ سالِمٍ عنْ جابرٍ وَقِيَّة ذَهَبٍ
أَي: قَالَ سُلَيْمَان الْأَعْمَش فِي رِوَايَة عَن سَالم ابْن أبي الْجَعْد عَن جَابر وقية ذهب، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم وَأحمد وَغَيرهمَا هَكَذَا.
وَقَالَ أبُو إسْحَاقَ عنْ سالِمٍ عَنْ جابِرِ بمائَتَيْ دِرْهَمٍ
أَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي، وَسَالم مر الْآن، وَلم تخْتَلف نسخ البُخَارِيّ أَنه قَالَ: (بِمِائَتي دِرْهَم) ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي بعض الرِّوَايَات للْبُخَارِيّ: (ثَمَان مائَة دِرْهَم) ، وَالظَّاهِر أَنه تَصْحِيف.
وَقَالَ داوُدُ بنُ قَيْسٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ مِقسَمٍ عنْ جابرٍ اشْتَراهُ بِطَرِيقِ تَبُوكَ أحْسِبُهُ قَالَ بأرْبَعِ أوَاقٍ
دَاوُد بن قيس الْفراء الدّباغ الْمَدِينِيّ أَبُو سُلَيْمَان وَعبيد الله بن مقسم، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْقَاف الْقرشِي الْمدنِي، وَهَذِه الرِّوَايَات تصرح بِأَن قصَّة جَابر وَقعت فِي طَرِيق تَبُوك، فوافقه على ذَلِك عَليّ بن زيد بن جدعَان عَن أبي المتَوَكل عَن جَابر أَن رَسُول الله، ﷺ : (مر بجابر فِي غَزْوَة تَبُوك) ، فَذكر الحَدِيث، وَقد أخرجه البُخَارِيّ من وَجه آخر عَن أبي المتَوَكل عَن جَابر فَقَالَ: فِي بعض أَسْفَاره، وَلم يُعينهُ، وَكَذَا أبهمه أَكثر الروَاة عَن جَابر، وَمِنْهُم من قَالَ: كنت فِي سفر، وَمِنْهُم من قَالَ: كنت فِي غَزْوَة، وَلَا مُنَافَاة بَين هَاتين الرِّوَايَتَيْنِ وَجزم ابْن إِسْحَاق عَن وهب بن كيسَان فِي رِوَايَته أَن ذَلِك كَانَ فِي غَزْوَة ذَات الرّقاع، وَكَذَلِكَ أخرجه الْوَاقِدِيّ من طَرِيق عَطِيَّة بن عبد الله بن أنيس عَن جَابر، وَيُؤَيّد هَذِه رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: أَن ذَلِك وَقع فِي رجوعهم من طَرِيق مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة، وَلَيْسَت طَرِيق تَبُوك ملاقية لطريق مَكَّة: بِخِلَاف غَزْوَة ذَات الرّقاع، وَجزم السُّهيْلي أَيْضا بِمَا قَالَه ابْن إِسْحَاق قَوْله: (بِأَرْبَع أَوَاقٍ) ، بِالتَّنْوِينِ، ويروى: بِأَرْبَع أواقي، بِالْيَاءِ الْمُشَدّدَة على الأَصْل فَخفف بِحَذْف أَحدهمَا ثمَّ أعل إعلال قاضٍ.
وَقَالَ أبُو نَضْرَةَ عَن جَابر اشْتَرَاهُ بِعِشْرِينَ دِيناراً
أَبُو نَضرة، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: واسْمه الْمُنْذر بن مَالك الْعَبْدي، مَاتَ سنة ثَمَان وَمِائَة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن مَاجَه من طَرِيق الْجريرِي عَنهُ بِلَفْظ: فَمَا زَالَ يزيدني دِينَارا دِينَارا حَتَّى بلغ عشْرين دِينَارا، وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق أبي نَضرة، وَلم يعين الثّمن.
وقَوْلُ الشَّعْبِيِّ بِوَقِيَّةٍ أكْثَرُ الإشْتِرَاطُ أكْثرُ وأصَحُّ عِنْدِي قالَهُ أبُو عَبْدِ الله
هَذَا كَلَام البُخَارِيّ، أَي: قَول عَامر الشّعبِيّ: بوقية، أَكثر من غَيره فِي الرِّوَايَات، وَوَقع فِي بعض النّسخ: بعد هَذَا الِاشْتِرَاط، أَكثر، وَأَصَح عِنْدِي قَالَه أَبُو عبد الله، وَقد مر هَذَا فِيمَا مضى عَن قريب، وَأَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ وَاعْلَم أَنَّك رَأَيْت فِي قصَّة جَابر هَذَا الِاخْتِلَاف فِي ثمن الْجمل الْمَذْكُور فِيهَا: فروى أُوقِيَّة وَرُوِيَ: (أَرْبَعَة دَنَانِير) ، وَرُوِيَ: أُوقِيَّة ذهب، وَرُوِيَ أَربع أَوَاقٍ، وَرُوِيَ: خمس أَوَاقٍ، وَرُوِيَ: مِائَتَا دِرْهَم، وروى: (عشرُون دِينَارا) هَذَا كُله فِي رِوَايَة البُخَارِيّ، وروى أَحْمد وَالْبَزَّار من حَدِيث أبي المتَوَكل عَن جَابر: (ثَلَاثَة عشر دِينَارا) ، وَهَذَا اخْتِلَاف عَظِيم، وَالثمن فِي نفس الْأَمر وَاحِد مِنْهَا، والرواة كلهم عدُول، فَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَيْسَ اخْتلَافهمْ فِي قدر الثّمن بضائر، لِأَن الْغَرَض الَّذِي سيق الحَدِيث لأَجله بَيَان كرمه ﷺ وتواضعه وحنوه على أَصْحَابه وبركة دُعَائِهِ وَغير ذَلِك، وَلَا يلْزم من وهم بَعضهم فِي قدر الثّمن توهين لأصل الحَدِيث.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: اخْتلفُوا فِي ثمن الْجمل اخْتِلَافا لَا يقبل التلفيق، وتكلَّف ذَلِك بعيد عَن التَّحْقِيق، وَهُوَ مَبْنِيّ على أَمر لم يَصح نَقله، وَلَا استقام ضَبطه، مَعَ أَنه لَا يتَعَلَّق بتحقيق ذَلِك حكم، وَإِنَّمَا يحصل من مَجْمُوع الرِّوَايَات أَنه بَاعه الْبَعِير بِثمن مَعْلُوم، بَينهمَا، وَزَاد عِنْد الْوَفَاء زِيَادَة مَعْلُومَة، وَلَا يضر عدم الْعلم بتحقيق ذَلِك. وَقَالَ الْكرْمَانِي فِي وَجه التَّوْفِيق: وقية الذَّهَب قد تَسَاوِي مِائَتي دِرْهَم المساوية لعشرين دِينَارا على حِسَاب الدِّينَار بِعشْرَة، وَأما وقية الْفضة فَهِيَ أَرْبَعُونَ درهما المساوية لأربعة دَنَانِير، وَأما أَرْبَعَة أَوَاقٍ فَلَعَلَّهُ اعْتبر اصْطِلَاح أَن كل وقية عشرَة دَرَاهِم، فَهِيَ أَيْضا وقية بالاصطلاح الأول، وَالْكل رَاجع
стр. 4011
إِلَى وقية، وَوَقع الِاخْتِلَاف فِي اعْتِبَارهَا كَمَا وكيفاً. وَقَالَ عِيَاض: قَالَ أَبُو جَعْفَر الدَّاودِيّ: لَيْسَ لوقية الذَّهَب وزن مَعْلُوم وأوقية الْفضة أَرْبَعُونَ درهما. قَالَ: وَسبب اخْتِلَاف هَذِه الرِّوَايَات أَنهم رووا بِالْمَعْنَى، وَهُوَ جَائِز، وَالْمرَاد: أُوقِيَّة الذَّهَب كَمَا وَقع بِهِ العقد، وعنى: أواقي الْفضة، كَمَا حصل بِهِ إِنْفَاذه، وَيحْتَمل هَذَا كُله زِيَادَة على الْأُوقِيَّة، كَمَا ثَبت فِي الرِّوَايَات أَنه قَالَ: وَزَادَنِي.، وَأما رِوَايَة: أَرْبَعَة دَنَانِير، فموافقة أَيْضا لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون أُوقِيَّة الذَّهَب حِينَئِذٍ وزن أَرْبَعَة دَنَانِير، وَرِوَايَة عشْرين دِينَارا مَحْمُولَة على دَنَانِير صغَار كَانَت لَهُم، وَأما رِوَايَة: أَربع أَوَاقٍ شكّ فِيهِ الرَّاوِي، فَلَا اعْتِبَار بهَا، وفوائد الحَدِيث مر ذكرهَا فِي الاستقراض.
٥ - (بابُ الشُّرُوطِ فِي المُعَامَلَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَحْكَام الشُّرُوط فِي الْمُعَامَلَة، أَي: الْمُزَارعَة وَغَيرهَا.
٩١٧٢ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ قَالَ حدَّثنا أبُو الزِّنَادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قالَتِ الأنْصَارُ للنَّبِيِّ ﷺ اقسِمْ بَيْنَنا وبيْنَ إخْوَانِنَا النَّخِيلَ قَالَ لَا فَقَالَ الأنْصَارُ تَكْفُونا المؤنةَ ونُشْرِكُكُمْ فِي الثَّمَرَةِ قَالُوا سَمِعْنَا وأطَعْنَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (تكفونا المؤونة ونشرككم فِي الثَّمَرَة) ، لِأَن فِيهِ شرطا على مَا لَا يخفى، وَرِجَال هَذَا الحَدِيث قد تكَرر ذكرهم، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان الزيات، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. والْحَدِيث مضى فِي الْمُزَارعَة فِي: بَاب إِذا قَالَ: إكفني مؤونة النّخل، بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن، وَإِنَّمَا أَعَادَهُ هُنَا لأجل التَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة.
قَوْله: (إِخْوَاننَا) ، أَرَادَ بهم الْمُهَاجِرين. قَوْله: (قَالَ: لَا) أَي: قَالَ للْأَنْصَار: لَا، وأفرد نظرا إِلَى أَنه صَار علما لَهُم، ويروى. قَالُوا. قَوْله: (تكفُونا) ويروى: (وتكفوننا) ، والمؤونة تهمز وَلَا تهمز، وَهِي: التَّعَب والشدة، وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا السَّقْي والجداد، وَنَحْو ذَلِك. قَوْله: (ونشرككم) ، بِفَتْح الرَّاء، وَهَذَا يُسَمِّي بِعقد الْمُسَاقَاة. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: أَيْن الشَّرْط؟ وَإِن كَانَ فَأَي شَرط هُوَ من الْأَقْسَام الثَّلَاثَة؟ قلت: تَقْدِيره: إِن تكفوننا المؤونة نقسم أَو نشرككم، وَهَذَا شَرط لغَوِيّ اعْتَبرهُ الشَّارِع.
٠٢٧٢ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْمَاعِيل قَالَ حدَّثنا جُوَيْرِيَةُ بنُ أسْمَاءَ عنْ نافِعٍ عنْ عبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ أعْطَى رسولُ الله ﷺ خَيْبَرَ اليَهُودَ أنْ يَعْمَلُوها ويَزْرَعُوها ولَهُمْ شَطْرُ مَا يخْرُجُ مِنْها..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ، ﷺ (مَا أعْطى خيبَر اليَهودَ إلَاّ بِشرْط أَن يعملوها ويزرعوها) وَهَذَا هُوَ عقد الْمُزَارعَة، ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة الْبَصْرِيّ الْمَعْرُوف بالتبوذكي، والْحَدِيث مضى فِي الْمُزَارعَة، فِي: بَاب الْمُزَارعَة مَعَ الْيَهُود، وَالله أعلم.
٦ - (بابُ الشُّروطِ فِي المهْرِ عنْدَ عُقْدَةِ النِّكَاحِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشُّرُوط فِي الْمهْر عِنْد عقدَة النِّكَاح، بِضَم الْعين، أَي: عِنْد عقد النِّكَاح.
وَقَالَ عُمَرُ إنَّ مَقَاطِعَ الحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ ولَكَ مَا شرَطْتَ
عمر هُوَ ابْن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهَذَا التَّعْلِيق ذكره ابْن أبي شيبَة عَن ابْن عُيَيْنَة عَن يزِيد بن جَابر عَن إِسْمَاعِيل بن عبيد الله عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: لَهَا شَرطهَا، قَالَ: رجل إِذا يطلقنا. فَقَالَ عمر: إِن مقاطع الْحُقُوق عِنْد الشُّرُوط. قَوْله: (مقاطع الْحُقُوق) ، المقاطع جمع مقطع، وَهُوَ مَوضِع الْقطع فِي الأَصْل، وَأَرَادَ بمقاطع الْحُقُوق مواقفه الَّتِي يَنْتَهِي إِلَيْهَا.
стр. 4012
وقالَ الْمِسْوَرُ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ ذَكَرَ صِهْرَاً لَهُ فأثناى علَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ فأحْسَنَ قَالَ حدَّثني وصدَّقَنِي ووَعَدَنِي فَوفاى لي
الْمسور، بِكَسْر الْمِيم: ابْن مخرمَة، وَهَذَا التَّعْلِيق مضى عَن قريب فِي بَاب: (من أَمر بإنجاز الْوَعْد) ، وَأَرَادَ بصهره، أَبَا الْعَاصِ ابْن الرّبيع زوج بنته زَيْنَب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أسر يَوْم بدر فمنَّ عَلَيْهِ بِلَا فدَاء كَرَامَة لرَسُول الله، ﷺ ، وَكَانَ قد أَبى أَن يُطلق بنته، إِذْ مَشى إِلَيْهِ الْمُشْركُونَ فِي ذَلِك، فَشكر لَهُ رَسُول الله، ﷺ مصاهرته، وَأثْنى عَلَيْهِ، ورد زَيْنَب إِلَى رَسُول الله، ﷺ بعد بدر بقريب حِين طلبَهَا مِنْهُ، وَأسلم قبل الْفَتْح.
٩ - (حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف قَالَ حَدثنَا اللَّيْث قَالَ حَدثنِي يزِيد بن أبي حبيب عَن أبي الْخَيْر عَن عقبَة بن عَامر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - أَحَق الشُّرُوط أَن توفوا بِهِ مَا استحللتم بِهِ الْفروج) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث وَهُوَ أَن أَحَق الشُّرُوط بِالْوَفَاءِ مَا يسْتَحل بِهِ الرجل فرج الْمَرْأَة وَهُوَ الْمهْر والترجمة الشُّرُوط فِي الْمهْر عِنْد عقد النِّكَاح من تَعْيِينه وَبَيَان كميته وَكَونه حَالا أَو منجما كُله أَو بعضه وَغير ذَلِك وَأَبُو الْخَيْر ضد الشَّرّ واسْمه مرْثَد بن عبد الله الْيَزنِي والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن أبي الْوَلِيد وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن يحيى بن أَيُّوب وَعَن ابْن نمير وَعَن ابْن أبي شيبَة وَعَن أبي مُوسَى وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عِيسَى بن حَمَّاد عَن اللَّيْث بِهِ وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أبي مُوسَى مُحَمَّد بن الْمثنى بِهِ وَعَن يُوسُف بن عِيسَى وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عِيسَى بن حَمَّاد بِهِ وَعَن عبد الله بن مُحَمَّد وَفِي الشُّرُوط عَن عبيد الله بن سعيد وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي النِّكَاح عَن عَمْرو بن عبد الله وَمُحَمّد بن إِسْمَاعِيل (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " أَحَق الشُّرُوط " وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ " أَن أَحَق الشُّرُوط " هَل المُرَاد بقوله أَحَق الْحُقُوق اللَّازِمَة أَو هُوَ من بَاب الْأَوْلَوِيَّة قَالَ صَاحب الأكمال أَحَق هُنَا بِمَعْنى أولى لَا بِمَعْنى الْإِلْزَام عِنْد كَافَّة الْعلمَاء قَالَ وَحمله بَعضهم على الْوُجُوب وَالْمرَاد بِالشُّرُوطِ الَّتِي هِيَ أَحَق بِالْوَفَاءِ هَل هُوَ عَام فِي الشُّرُوط كلهَا أَو الشُّرُوط الْمُبَاحَة أَو مَا يتَعَلَّق بِالنِّكَاحِ من الْمهْر والنحلة وَالْعدة أَو المُرَاد بِهِ وجوب الْمهْر فَقَط وَلَا شكّ فِي أَن الشُّرُوط الَّتِي لَا تجوز خَارِجَة عَن هَذَا وَأَنَّهَا لَا يُوفي بهَا وَكَذَلِكَ الشُّرُوط الَّتِي تنَافِي مُوجب العقد كاشتراط أَن يطلقهَا أَو أَن لَا ينْفق عَلَيْهَا أَو نَحْو ذَلِك ثمَّ اخْتلفُوا هَل تلْزم الشُّرُوط الْجَائِزَة كلهَا أَو مَا يتَعَلَّق بِالنِّكَاحِ من الْمهْر وَنَحْوه فروى ابْن أبي شيبَة فِي المُصَنّف عَن أبي الشعْثَاء عَن الشّعبِيّ قَالَ إِذا شَرط لَهَا دارها فَهُوَ بِمَا اسْتحلَّ من فرجهَا وَقَالَ النَّوَوِيّ قَالَ الشَّافِعِي وَأكْثر الْعلمَاء هَذَا مَحْمُول على شُرُوط لَا تنَافِي مُقْتَضى النِّكَاح بل تكون من مُقْتَضَاهُ ومقاصده كاشتراط الْعشْرَة بِالْمَعْرُوفِ والإنفاق عَلَيْهَا وكسوتها وسكناها بِالْمَعْرُوفِ وَأَنه لَا يقصر فِي شَيْء من حُقُوقهَا وَيقسم لَهَا كَغَيْرِهَا وَأما شَرط يُخَالف مُقْتَضَاهُ كَشَرط أَن لَا يقسم لَهَا وَلَا يتسرى عَلَيْهَا وَلَا ينْفق عَلَيْهَا وَلَا يُسَافر بهَا وَنَحْو ذَلِك فَلَا يجب الْوَفَاء بِهِ بل يَلْغُو الشَّرْط وَيصِح النِّكَاح بِمهْر الْمثل وَاسْتدلَّ بَعضهم على أَنه إِذا اشْترط الْوَلِيّ لنَفسِهِ شَيْئا غير الصَدَاق أَنه يجب على الزَّوْج الْقيام بِهِ لِأَنَّهُ من الشُّرُوط الَّتِي اسْتحلَّ بِهِ فرج الْمَرْأَة فَذهب عَطاء وَطَاوُس وَالزهْرِيّ أَنه للْمَرْأَة وَبِه قضى عمر بن عبد الْعَزِيز وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَأبي عبيد وَذهب عَليّ بن الْحُسَيْن ومسروق إِلَى أَنه للْوَلِيّ وَقَالَ عِكْرِمَة إِن كَانَ هُوَ الَّذِي ينْكح فَهُوَ لَهُ وَخص بَعضهم ذَلِك بِالْأَبِ خَاصَّة لتبسطه فِي مَال الْوَلَد وَذهب سعيد بن الْمسيب وَعُرْوَة بن الزبير إِلَى التَّفْرِقَة بَين أَن يشْتَرط ذَلِك قبل عصمَة النِّكَاح أَو بعده فَقَالَا أَيّمَا امْرَأَة أنكحت على صدَاق أَو عدَّة لأَهْلهَا فَإِن كَانَ قبل عصمَة النِّكَاح فَهُوَ لَهَا وَمَا كَانَ من حباء لأَهْلهَا فَهُوَ لَهُم فَقَالَ مَالك إِن كَانَ هَذَا الِاشْتِرَاط فِي حَال العقد فَهُوَ للْمَرْأَة وَإِن كَانَ بعده فَهُوَ لمن وهب لَهُ وَاحْتج لذَلِك بِمَا روى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة ابْن جريج عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ
стр. 4013
" أَيّمَا امْرَأَة نكحت على صدَاق أَو حباء أَو عدَّة قبل عصمَة النِّكَاح فَهُوَ لَهَا وَمَا كَانَ بعد عصمَة النِّكَاح فَهُوَ لمن أعْطِيه وأحق مَا أكْرم عَلَيْهِ الرجل ابْنَته أَو أُخْته " وَبقول مَالك أجَاب الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم وَنَصّ عَلَيْهِ فِي الْإِمْلَاء رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة ثمَّ قَالَ فِي آخر الْبَاب وَقد قَالَ الشَّافِعِي فِي كتاب الصَدَاق الصَدَاق فَاسد وَلها مهر مثلهَا وَقَالَ شَيخنَا هَذَا مَا صَححهُ أَصْحَاب الشَّافِعِي قَالَ الرَّافِعِيّ وَالظَّاهِر من الْخلاف القَوْل بِالْفَسَادِ وَوُجُوب مهر الْمثل وَقَالَ النَّوَوِيّ أَنه الْمَذْهَب وَقَالَ التِّرْمِذِيّ الْعَمَل على حَدِيث عقبَة عِنْد بعض أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ - مِنْهُم عمر بن الْخطاب قَالَ إِذا تزوج رجل امْرَأَة وَشرط لَهَا أَن لَا يُخرجهَا من مصرها فَلَيْسَ لَهُ أَن يُخرجهَا وَهُوَ قَول بعض أهل الْعلم وَبِه يَقُول الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق وَرُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه قَالَ شَرط الله قبل شَرطهَا كَأَنَّهُ رأى للزَّوْج أَن يُخرجهَا وَإِن كَانَت اشْترطت على زَوجهَا أَن لَا يُخرجهَا وَذهب بعض أهل الْعلم إِلَى هَذَا وَهُوَ قَول سُفْيَان الثَّوْريّ وَبَعض أهل الْكُوفَة -
٧ - (بابُ الشُّرُوطِ فِي المُزَارَعَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشُّرُوط فِي الْمُزَارعَة. وَالْبَاب الَّذِي قبل هَذَا الْبَاب أَعنِي: بَاب الشُّرُوط فِي الْمُعَامَلَة أَعم من هَذَا الْبَاب، لِأَن ذَلِك يَشْمَل الْمُزَارعَة وَالْمُسَاقَاة، وَهَذَا مَخْصُوص بالمزارعة.
٢٢٧٢ - حدَّثنا مَالِكُ بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ قَالَ حدَّثنا يَحْيى بنُ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ حَنْظَلَةَ الزُّرَقِيَّ قَالَ سَمِعْتُ رافِعَ بنَ خَدِيج رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يقولُ كُنَّا أكْثَرَ الأنْصَارِ حقْلاً فكُنَّا نُكْرِي الأرْضَ فَرُبَّمَا أخْرَجَتْ هَذِهِ ولَمْ تُخْرِجْ ذِهِ فَنُهِينَا عنْ ذالِكَ وَلم نُنْهَ عنِ الورِقِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ شرطا، بيَّنَ ذَلِك رَافع فِي حَدِيثه الَّذِي مضى فِي الْمُزَارعَة فِي: بَاب مَا يكره من الشُّرُوط فِي الْمُزَارعَة، وَلَفظه: وَكَانَ أَحَدنَا يكْرِي أرضه، فَيَقُول: هَذِه الْقطعَة لي وَهَذِه لَك، فَرُبمَا أخرجت ذه وَلم تخرج ذه، فنهاهم النَّبِي، ﷺ .
وَأخرجه البُخَارِيّ هُنَاكَ عَن صَدَقَة بن الْفضل: أخبرنَا ابْن عُيَيْنَة عَن يحيى سمع حَنْظَلَة الزرقي عَن رَافع. . إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (حقلاً) ، نصب على التَّمْيِيز، والحقل: الزَّرْع والقراح وَغير ذَلِك. قَوْله: (وَلم ننه) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (عَن الورِق) ، أَي: لم ينهنا النَّبِي، ﷺ عَن الاكتراء بالورق، بِكَسْر الرَّاء، أَي: بِالدَّرَاهِمِ.
٨ - (بابُ مَا لَا يجُوزُ مِنَ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا لَا يجوز فعله من الشُّرُوط فِي عقد النِّكَاح.
٣٢٧٢ - حدَّثنا حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَزيدُ بنُ زُرَيْعَ قَالَ حدَّثنا مَعْمرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عَن سعيدٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ لَا يَبِيعُ حاضِرٌ لِبَادٍ وَلَا تَناجشُوا وَلَا يَزيدَنَّ على بَيْعِ أخيهِ وَلَا يَخْطُبَنَّ على خِطْبَتِهِ وَلَا تَسألِ المرأةُ طلاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَكْفِيءَ إنَاءَهَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَلَا تسْأَل الْمَرْأَة. .) إِلَى آخِره، وَلَكِن بتعسف يَجِيء على قَول من يَقُول: إِن معنى قَوْله: (وَلَا تسْأَل الْمَرْأَة. .) إِلَى آخِره: وَهُوَ أَن تسْأَل الْأَجْنَبِيَّة طَلَاق زَوْجَة الرجل على أَن ينْكِحهَا وَيصير إِلَيْهَا مَا كَانَ من نَفَقَته ومعروفه: كَأَن فِيهِ شرطا وَهُوَ طَلَاق الأولى بِنِكَاح الثَّانِيَة، وَمعمر هُوَ ابْن رَاشد، وَسَعِيد هُوَ ابْن الْمسيب، والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب لَا يَبِيع على بيع أَخِيه، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (اختها) ، أَي: ضَرَّتهَا، وَقيل: أُخْتهَا فِي الْإِسْلَام، وَيدخل فِي هَذَا الحكم الْكَافِرَة. قَوْله: (لتستكفيء) ، من الاستكفاء، يُقَال: كفأت الْإِنَاء أَي: كببته وقلبته، وأكفأته أَي: أملته، والإناء الظّرْف.
стр. 4014
٩ - (بابُ الشُّرُوطِ الَّتِي لَا تَحِلُّ فِي الحُدُودِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشُّرُوط الَّتِي لَا تحل فِي الْحُدُود.
٥٢٧٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا لَ يْثٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله ابنِ عَتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ عنْ أبِي هُرَيَرَةَ وزَيْدِ بنِ خالِدٍ الجُهْنَيِّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّهُما قَالَا أنَّ رجُلاً من الأعْرَابِ أتاى رَسُول الله، ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله أنْشُدُكَ الله إلَاّ قَضَيْتَ لي بِكِتَابِ الله فَقَالَ الخَصْمُ الآخَرُ وهْوَ أفْقَرُ منْهُ نعَمْ فاقْضِ بَيْنَنا بِكِتَابَ الله وائْذِنْ لي فَقَالَ رسولُ الله ﷺ قُلْ قَالَ إنَّ ابْني كانَ عَسِيفاً على هذَا فَزَناى بامْرَأتِهِ وإنِّي أُخْبِرْتُ أنَّ علَى ابْنِي الرَّجْمَ فافْتَدَيْتُ منْهُ بِمِائَةِ شاةَ وولِيدَةٍ فسَألْتُ أهْلَ العِلْمِ فأخبرُوني إنَّما علَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ وأنَّ على امْرأةِ هاذَا الرَّجْمَ فَقَالَ رسولُ الله، ﷺ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأقْضِيَنَّ بيْنَكُمَا بِكِتَابِ الله الوَلِيدَةُ والْغنَمُ رَدُّ عَلَيْكَ وعلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ اغْدُ يَا انَيْسُ إِلَى امْرَأةِ هذَا فإنْ اعْتَرَفَتْ فارْجُمْهَا قَالَ فَغَدَا علَيْهَا فاعْتَرَفَتْ فأمَرَ بِها رسولُ الله، ﷺ فَرُجِمَتْ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَافْتَدَيْت مِنْهُ بِمِائَة شَاة ووليدة) لِأَن ابْن هَذَا كَانَ عَلَيْهِ جلد مائَة وتغريب عَام، وعَلى الْمَرْأَة الرَّجْم، فَجعلُوا فِي الْحَد الْفِدَاء بِمِائَة شَاة ووليدة، كَأَنَّهُمَا وَقعا شرطا لسُقُوط الْحَد عَنْهُمَا، فَلَا يحل هَذَا فِي الْحُدُود، وَفِيه تعسف لَا يخفى، لِأَن الَّذِي وَقع فِيهِ صلح، وَلِهَذَا ذكر الحَدِيث الْمَذْكُور فِي: بَاب إِذا اصْطَلحُوا على صلح جوز، وَهنا بيَّن التَّرْجَمَة، والْحَدِيث بعد لَا يخفى، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
قَوْله: (أنْشدك الله إلَاّ قضيتَ) أَي: مَا أطلب مِنْك إلَاّ قضاءَكَ بِكِتَاب الله. قَوْله: (وائذن لي) عطف على قَوْله: (إقض) إِذْ المستأذن هُوَ الرجل الْأَعرَابِي لَا خَصمه.
٠١ - (بابُ مَا يَجُوزُ منْ شُرُوطِ الْمُكَاتَبِ إذَا رَضِيَ بالبَيْعِ على أَن يُعْتَقَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يجوز شُرُوط الْمكَاتب إِلَى آخِره، وَكلمَة: على، هُنَا للتَّعْلِيل، وَالتَّقْدِير: إِذا رَضِي بِالْبيعِ لأجل عتقه، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ولتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ٥٨١ وَالْحج: ٧٣) . أَي: لهدايته إيَّاكُمْ.
٦٢٧٢ - حدَّثنا خَلَاّدُ بنُ يَحْيَى قَالَ حدَّثنا عبْدُ الوَاحِدِ بنُ أيْمَنَ المَكِّي عنْ أبِيهِ قَالَ دخَلْتُ على عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالتْ دَخَلتْ علَيَّ بَرِيرَةُ وهْيَ مُكَاتَبَةٌ فقالَتْ يَا أمَّ المُؤْمِنِينَ اشْتَرِيني فإنَّ أهْلِي يَبِيعُونِي فأعْتقِينِي قالَتْ نَعَمْ قالَتْ إنَّ أهْلِي لَا يَبِيعُونِي حتَّى يَشْتَرِطُوا وَلَائِي قالتْ لَا حاجَةَ لي فيكِ فَسَمِعَ ذالِكَ النبيُّ ﷺ أوْ بلَغَهُ فَقَالَ مَا شَأنُ بَريرَةَ فَقَالَ اشْتِرِيها فأعْتَقِيهَا ولْيَشْتَرِطُوا مَا شاؤا قالتْ فاشْتَرَيْتُهَا فأعْتَقْتُهَا واشْتَرَطُ أهْلُهَا ولَاءَهَا فَقَالَ النبيُّ ﷺ الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ وإنِ اشْتَرَطُوا مائةَ شَرْطٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم من معنى الحَدِيث، لِأَن بَرِيرَة قَالَت لعَائِشَة: إشتريني فأعتقيني، وَالْحَال أَنَّهَا كَانَت مُكَاتبَة، فَكَأَنَّهَا شرطت عَلَيْهَا أَن تعتقها إِذا اشترتها. والْحَدِيث قد مر فِيمَا مضى فِي مَوَاضِع، وَهَذَا هُوَ الثَّالِث عشر مِنْهَا، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى، وخلاد بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام، أَيمن ضد الْأَيْسَر الحبشي مولى ابْن أبي عَمْرو المَخْزُومِي الْقرشِي الْمَكِّيّ، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَدخُول أَيمن على عَائِشَة، إِمَّا أَنه كَانَ قبل آيَة الْحجاب، أَو من وَرَاء الْحجاب. قَوْله: (فَإِن أَهلِي يبيعوني) ، ويروى: يبيعونني على الأَصْل، وَكَذَا فِي قَوْله: لَا يبيعوني.
стр. 4015
١١ - (بابُ الشُّرُوطِ فِي الطَّلاقِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشُّرُوط فِي تَعْلِيق الطَّلَاق.
وَقَالَ ابنُ الْمُسَيَّبِ والحَسَنُ وعَطاءٌ إنْ بدَأ بالطَّلاقِ أوْ أخَّرَ فَهْوَ أحَقُّ بِشَرْطِهِ
ابْن الْمسيب هُوَ سعيد بن الْمسيب، وَالْحسن الْبَصْرِيّ، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح. قَوْله: (إِن بَدَأَ بِالطَّلَاق) يَعْنِي: فِي التَّعْلِيق. (أَو أخَّر) أَي: أَوَاخِر لفظ الطَّلَاق بِأَن قَالَ: أنتِ طَالِق إِن دخلتِ الدَّار، أَو قَالَ: إِن دخلت الدَّار فأنتِ طالقٍ، فَلَا تفَاوت بَينهمَا فِي الحكم، وروى ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا عباد بن الْعَوام عَن سعيد عَن قَتَادَة عَن سعيد بن الْمسيب، وَالْحسن فِي الرجل يحلف بِالطَّلَاق فَيبْدَأ بِهِ، قَالَا: لَهُ ثنياه، قدم الطَّلَاق أَو أَخّرهُ. قَوْله: ثنياه أَي: لَهُ مَا شَرطه فِي ذَلِك شرطا أَو علقه على شَيْء، فَلهُ مَا شَرط مِنْهُ أَو اسْتثْنى مِنْهُ، وَمذهب شُرَيْح وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: إِذا بَدَأَ بِالطَّلَاق قبل يَمِينه، وَقع الطَّلَاق، بِخِلَاف مَا إِذا أَخّرهُ، وَقد خالفهما الْجُمْهُور فِي ذَلِك.
٧٢٧٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَدِيِّ بنِ ثابتٍ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ نَهاى رسولُ الله، ﷺ عنِ التَّلَقِّي وأنْ يَبْتَاعَ الْمُهَاجِرُ للأعْرَابِيِّ وأنْ تَشْتَرِطَ المَرْأةُ طَلاقَ أُخْتِها وأنْ يَسْتام الرَّجُلُ على سَوْمِ أخِيهِ وَنهى عنِ النَّجْشِ وعنِ التَّصْرِيَةِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأَن تشْتَرط الْمَرْأَة طَلَاق أُخْتهَا) ، لِأَن مَفْهُومه أَنه إِذا اشْترطت ذَلِك فَطلق أُخْتهَا، لِأَنَّهُ لَو لم يَقع لم يكن للنَّهْي عَنهُ معنى. قَالَه ابْن بطال وَمُحَمّد بن عرْعرة، بِفَتْح الْعَينَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُون الرَّاء الأولى: النَّاجِي السَّامِي الْبَصْرِيّ، وَأَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي: اسْمه سُلَيْمَان الْأَشْجَعِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن عبيد الله بن معَاذ وَعَن أبي بكر بن نَافِع وَعَن ابْن الْمثنى وَعَن عبد الْوَارِث بن عبد الصَّمد، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن تَمِيم.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن التلقي) ، أَي: تلقي الركْبَان بشرَاء مَتَاعهمْ قبل معرفَة سعر الْبَلَد. قَوْله: (وَأَن يبْتَاع) أَي: يَشْتَرِي (المُهَاجر) أَي: الْمُقِيم (للأعرابي) الَّذِي يسكن الْبَادِيَة. وَفِيه بَيَان أَن النَّهْي فِي بيع الْحَاضِر للبادي يتَنَاوَل الشِّرَاء قَوْله: (وَعَن التصرية) ، أَي: تصرية ضرع الْحَيَوَان ليخدع المُشْتَرِي بِكَثْرَة اللَّبن، وَقد مر الْكَلَام فِي الْأَحْكَام الَّتِي فِي هَذَا الحَدِيث مفرقاً فِي موَاضعه.
تابَعَهُ مُعاذٌ وعبْدُ الصَّمَدِ عنْ شُعْبَةَ
أَي: تَابع محمدُ بن عرْعرة معاذَ بن معَاذ بن نصر الْعَنْبَري التَّمِيمِي، قَاضِي الْبَصْرَة، وَعبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث كِلَاهُمَا تَابعا مُحَمَّد بن عرْعرة فِي تصريحه بِرَفْع الحَدِيث إِلَى النَّبِي، ﷺ ، وَإسْنَاد النَّهْي إِلَيْهِ صَرِيحًا، فرواية معَاذ وَصلهَا مُسلم، وَلَفظه: أَن رَسُول الله، ﷺ : نهى عَن التلقي ... الحَدِيث، وَرِوَايَة عبد الصَّمد وَصلهَا مُسلم أَيْضا بِمثل حَدِيث معَاذ.
وَقَالَ غُنْدَرٌ وعبْدُ الرَّحْمانِ نُهِيَ
غنْدر مُحَمَّد بن جَعْفَر وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي، يَعْنِي: كِلَاهُمَا روياه أَيْضا عَن شُعْبَة. وَقَالا: (نُهِيَ) ، بِضَم النُّون وَكسر الْهَاء على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمَاضِي الْمُفْرد، وَرِوَايَة غنْدر وَصلهَا مُسلم عَن أبي بكر بن نَافِع عَن غنْدر.
وَقَالَ آدمُ نُهِينَا
أَي: قَالَ آدم بن أبي إِيَاس عَن شُعْبَة. (نُهِينا) ، على صِيغَة الْمَجْهُول للمتكلم مَعَ الْغَيْر.
стр. 4016
وَقَالَ النَّضْرُ وحَجَّاجُ بنُ مِنْهَال نَهى
النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة، وحجاج. كِلَاهُمَا أَيْضا رويا عَن شُعْبَة: (نَهى) ، بِفَتْح النُّون على الْمَعْلُوم من الْمَاضِي الْمُفْرد، وَلم يعينا الْفَاعِل، وَرِوَايَة النَّضر وَصلهَا إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي (مُسْنده) عَنهُ، وَرِوَايَة حجاج وَصلهَا الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق إِسْمَاعِيل القَاضِي.
٢١ - (بابُ الشُّرُوطِ معَ النَّاسِ بالقَوْلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الشُّرُوط مَعَ النَّاس بالْقَوْل دون الْإِشْهَاد وَالْكِتَابَة.
٨٢٧٢ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوساى قَالَ أخبرنَا هشامٌ أنَّ ابْنَ جُرَيْج أخبرَهُ قَالَ أَخْبرنِي يَعْلاى بنُ مُسْلِمٍ وعَمْرُو بنُ دِينارٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ يَزيدُ أحَدُهُمَا علَى صاحِبِهِ وغيْرُهُمَا قدْ سَمِعْتُهُ يحدِّثُهُ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ إنَّا لَعِنْدَ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ حدَّثني أبيُّ بنُ كعْبٍ قَالَ قَالَ رسولُ الله، ﷺ مُوساى رسولُ الله فذَكَرَ الحَدِيثَ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ (الْكَهْف: ٢٧ و ٥٧) . كانَتِ الأُولى نِسْيَاناً والوُسْطاى شَرْطاً والثَّالِثَةُ عَمْداً قَالَ ﴿لَا تُؤاخِذْني بِمَا نَسيتُ وَلَا تَرْهِقْني منْ أمْرِي عُسْراً﴾ (الْكَهْف: ٣٧) . لقِيَا غُلاماً فقَتَلَهُ فانْطَلَقَا ﴿فوَجَدَا جِدَاراً يُريدُ أنْ يَنْقَضَّ فأقَامَهُ﴾ (الْكَهْف: ٧٧) . قرَأهَا ابنُ عَبَّاسٍ أمَامَهُمْ مَلِكٌ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَالْوُسْطَى شرطا) ، لِأَن المُرَاد بِهِ هُوَ قَوْله: ﴿إِن سَأَلتك عَن شَيْء بعْدهَا فَلَا تُصَاحِبنِي﴾ (الْكَهْف ٦٧) . وَالْتزم مُوسَى، ﵊، بذلك وَلم يَقع بَينه وَبَين الْخضر، ﵊، فِي ذَلِك لَا إِشْهَاد، وَلَا كِتَابَة، وَإِنَّمَا وَقع ذَلِك شرطا بالْقَوْل، والترجمة الشَّرْط مَعَ النَّاس بالْقَوْل، وَإِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ، وَقد مر غير مرّة، وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف أَبُو عبد الرَّحْمَن الصَّنْعَانِيّ الْيَمَانِيّ قاضيها. وَابْن جريج عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، ويعلى على وزن: يرضى ابْن مُسلم بن هُرْمُز.
قَوْله: (وَغَيرهمَا) ، بِالرَّفْع عطفا على فَاعل: أَخْبرنِي. قَوْله: (سمعته) ، الضَّمِير الْمَرْفُوع الَّذِي فِيهِ هُوَ جريج، والمنصوب يرجع إِلَى الْغَيْر. قَوْله: (إنَّا لعِنْدَ ابْن عَبَّاس) ، اللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة، لَام التوكيد. قَوْله: (قَالَ مُوسَى رَسُول الله) مُبْتَدأ وَخبر أَي: صَاحب الْخضر هُوَ مُوسَى بن عمرَان كليم الله وَرَسُوله، ﵇، لَا مُوسَى آخر، كَمَا زعم نوف الْبكالِي. قَوْله: (كَانَت الأولى) ، أَي: الْمَسْأَلَة الأولى، اعتذر هَهُنَا بقوله: (لَا تؤاخذني بِمَا نسيت) قَوْله: (وَالْوُسْطَى شرطا) ، أَي: كَانَت المسؤلة الْوُسْطَى شرطا، يَعْنِي: كَانَت بِالشّرطِ، بالْقَوْل كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَهُوَ قَوْله: ﴿ان سَأَلتك عَن شَيْء بعْدهَا فَلَا تُصَاحِبنِي﴾ قَوْله وَالثَّالِثَة (عمدا) أَي وَكَانَت الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة عمدا أَي قصدا وَهُوَ قَوْله ﴿لَو شِئْت لاتخذت عَلَيْهِ أجرا﴾ (الْكَهْف: ٧٧) . قَوْله: ﴿وَلَا ترهقني من أَمر عسراً﴾ (الْكَهْف: ٣٧) . أَي: لَا تلْحق بِي عسراً. وَقَالَ الْفراء: لَا تعجلني، وَقيل: لَا تضيق عَليّ. قَوْله: (لقيا غُلَاما) إِلَى آخِره، إِشَارَة إِلَى مَا ذكر من كل من الْقَصَص بِحَدِيث يحصل الْمَقْصُود، وَإِن لم يكن على تَرْتِيب الْقُرْآن أَي: لَقِي مُوسَى وَالْخضر، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، غُلَاما يُسمى حيسوناً، وَقيل: حيسوراً، قَالَ ابْن وهب: كن اسْم أَبِيه: ملاس، وَاسم أمه رحمى. قَوْله: (فَقتله) اخْتلفُوا فِي كَيْفيَّة قَتله، فَقَالَ سعيد بن جُبَير، أضجعه ثمَّ ذبحه بالسكين، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: صرعه ثمَّ نزع رَأسه من جسده، وَقيل: رفصه بِرجلِهِ فَقتله، وَقيل: ضرب رَأسه بالجدار فَقتله، وَقيل: أَدخل إصبعه فِي سرته فاقتلعها فَمَاتَ. قَوْله: (أَن ينْقض) ، وقرىء: ينقاص، بصاد مُهْملَة قَوْله: قَرَأَ ابْن عَبَّاس: (أمامهم ملك) أَي: قدامهم.
وَاخْتلف فِيهِ: هَل هُوَ من الأضداد؟ فَزعم أَبُو عُبَيْدَة وقطرب والأزهري فِي آخَرين: أَنه مِنْهَا. وَقَالَ الْفراء وثعلب: أَمَام ضد وَرَاء، وَإِنَّمَا يصلح أَن يكون من الأضداد فِي الْأَمَاكِن والأوقات، يَقُول الرجل: إِذا وعد وَعدا فِي رَجَب لرمضان. ثمَّ قَالَ: من ورائك شعْبَان، يجوز، وَإِن كَانَ أَمَامه لِأَنَّهُ يخلفه إِلَى وَقت وعده، وَكَذَلِكَ: وَرَاءَهُمْ
стр. 4017
ملك يجوز لِأَنَّهُ يكون أمامهم، وطلبتهم خَلفه فَهُوَ من وَرَاء طلبتهم، وَكَانَ اسْم الْملك جلندي، وَكَانَ كَافِرًا، وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق منوه بن حلندي الْأَزْدِيّ. وَقَالَ شُعَيْب: هدد بن بدد، وَقَالَ مقَاتل: كَانَ من ثَقِيف وَهُوَ جد الْحجَّاج ابْن يُوسُف الثَّقَفِيّ.
وَقَالَ الْمُهلب: وَفِيه: النسْيَان عذر لَا مُؤَاخذَة فِيهِ. وَفِيه: أَن الرِّفْق بالعلماء أولى من الهجوم عَلَيْهِم بالسؤال عَن مَعَاني أَقْوَالهم فِي كل وَقت إلَاّ عِنْد انبساط نُفُوسهم، لَا سِيمَا إِذا اشْترط ذَلِك الْعَالم على المتعلم. وَفِيه: جَوَاز سُؤال الْعَالم عَن مَعَاني أَقْوَاله وأفعاله.
٣١ - (بابُ الشُّرُوطِ فِي الْوَلاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشُّرُوط فِي الْوَلَاء.
٩٢٧٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثنا مالِكٌ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ قالَتْ جاءَتْنِي بَرِيرَةُ فقالَتْ كاتَبْتُ أهْلِي على تِسْعِ أوَاقٍ فِي كلِّ عامٍ أوقِيَّةٌ فأعينيني فقالَتْ إنْ أحَبُّوا أنْ أعُدَّها لَهُمْ ويَكُونَ ولَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ فذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أهْلِهَا فقالَتْ لَهُمْ فأبَوْا عَلَيْها فجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ ورسولُ الله ﷺ جالِسٌ فقالَتْ إنِّي قد عَرَضْتُ ذلِكَ علَيْهِمْ فأبَوْا إلَاّ أَن يكُونَ الوَلاءُ لَهُمْ فسَمِعَ النبيُّ ﷺ فأخْبَرَتْ عائِشةُ النبيَّ ﷺ فَقَالَ خُذِيهَا واشْتَرِطي لَهُمُ الوَلاءَ فإنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ فَفَعَلَتْ عائِشَةُ ثُمَّ قامَ رسولُ الله، ﷺ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ الله وأثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ مَا بالُ رِجالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَابِ الله مَا كانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ الله فهْوَ باطِلٌ وإنْ كانَ مِائَةَ شَرْط قَضاءُ الله أحقُّ وشَرْطُ الله أوْثَقُ وإنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِيهِ من حَيْثُ اشْتِرَاط أهل بَرِيرَة الْوَلَاء لَهُم، وَأمره، ﵊، عَائِشَة بِأَن تشْتَرط الْوَلَاء لَهُم مَعَ قَوْله: (وَإِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق) ، وَقد مضى هَذَا فِي مَوَاضِع مُتعَدِّدَة، وَهَذَا هُوَ الْموضع الرَّابِع عشر الَّذِي يذكر فِيهِ خبر بَرِيرَة.
٤١ - (بابٌ إذَا اشْتَرَطَ فِي المُزَارَعَةَ إذَا شِئْتُ أخْرَجْتُك)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا اشْترط رب الأَرْض فِي عقد الْمُزَارعَة إِذا شِئْت أخرجتك، وَترْجم لحَدِيث هَذَا الْبَاب بِهَذِهِ التَّرْجَمَة وَقد ترْجم لهَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي كتاب الْمُزَارعَة، بقوله: إِذا قَالَ: (رب الأَرْض أقرك مَا أقرك الله) ، وَلم يذكر أحلاً مَعْلُوما، فهما على تراضيهما، وَقَالَ هُنَاكَ فِي قصَّة يهود خَيْبَر بِلَفْظ: نقركم على ذَلِك مَا شِئْنَا. وَفِي حَدِيث الْبَاب: (نقركم مَا أقركم الله) ، وَالْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا، فَعلم أَن المُرَاد بقوله: (مَا أقركم الله) ، مَا قدر الله أَنا نترككم، فَإِذا شِئْنَا أخرجناكم.
٠٣٧٢ - حدَّثنا أَبُو أحمَدَ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ الكِنَانِيُّ قَالَ أخبرَنا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ لما فَدَعَ أهْلُ خَيْبَرَ عبدَ الله بنَ عُمرَ قامَ عُمَرُ خَطِيباً فقالَ إنَّ رسولَ الله، ﷺ كانَ عاملَ يَهُودَ خَيْبَرَ على أمْوَالِهِمْ وَقَالَ نُقِرُّكُمْ مَا أقَرَّكُمْ الله وإنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ خرَجَ إِلَيّ مَاله هُناكَ فعُدِيَ علَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ ففُدِعَتْ يَدَاهُ
стр. 4018
ورِجْلَاهُ وليْسَ هُنَاكَ عَدُوٌّ غَيْرُهُمْ هُمْ عَدُوَّنا وتَهَمَتنا وقَدْ رَأيْتُ إجْلَاءَهُمْ فلَمَّا أجْمَعَ عُمَرُ علَى ذَلِكَ أتاهُ أحَدُ بَنِي أبي الحُقَيْقِ فَقَالَ يَا أمِيرَ الْمُؤمِنِينَ أتُخْرِجُنا وقَدْ أقَرَّنا مُحَمَّدٌ ﷺ وعامَلنا علَى الأمْوَال وشَرَطَ ذَلِكَ لَنَا فَقَالَ عُمَرُ أظَنَنْتَ أنِّي نَسِيتُ قَوْلَ رسولِ الله ﷺ كَيْفَ بِكَ إذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيْبرَ تَعْدُو بِكَ قلُوصُكَ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ فَقَالَ كانَتْ هَذِهِ هُزَيْلَةً مِنْ أبِي القَاسِمِ قَالَ كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ الله فأجْلاهُمْ عُمَرُ وأعْطَاهُمْ قِيمَةَ مَا كانَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرِ مالَا وإبِلاً وَعُرُوضاً مِنْ أقْتَابٍ وحِبالٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (نقركم مَا أقركم الله) ، وَقد قُلْنَا: إِن مَعْنَاهُ: مَا قدر الله أَنا نترككم فَإِذا شِئْنَا أخرجناكم، وَأَبُو أَحْمد. اخْتلفُوا فِيهِ، فَذكر الْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب الدَّلَائِل) وَأَبُو مَسْعُود وَأَبُو نعيم الْأَصْفَهَانِي: أَنه المرار، بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء: ابْن حمويه، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمِيم: الْهَمدَانِي، بِفَتْح الْمِيم، وَهُوَ ثِقَة مَشْهُور، وَكَذَا سَمَّاهُ ابْن السكن فِي رِوَايَته، وَأَبُو ذَر الْهَرَوِيّ، وَقَالَ الْحَاكِم: أهل بُخَارى يَزْعمُونَ أَن أَبَا أَحْمد هَذَا هُوَ مُحَمَّد بن يُوسُف البيكندي، وَوَقع فِي البُخَارِيّ للأكثرين كَذَا: أَبُو أَحْمد، غير مُسَمّى وَلَا مَنْسُوب، وَلابْن السكن فِي رِوَايَته عَن الْفربرِي: حَدثنَا أَبُو أَحْمد مرار بن حمويه، وَوَافَقَهُ أَبُو ذَر، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث، وَكَذَا شَيْخه وَهُوَ وَمن فَوْقه مدنيون.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لما فَدَعَ أهل خَيْبَر عبد الله) ، فدع بِالْفَاءِ وَالدَّال وَالْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ، فعل ماضٍ، وَأهل خَيْبَر بِالرَّفْع فَاعله، وَعبد الله بِالنّصب مَفْعُوله. وَزعم الْهَرَوِيّ وَعبد الغافر فِي (مُعْجَمه) : أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أرسل عبد الله ابْنه إِلَى أهل خَيْبَر ليقاسمهم التَّمْر (ففدع) ، الفدع: ميل فِي المفاصل كلهَا، كَأَن المفاصل قد زَالَت عَن موَاضعهَا، وَأكْثر مَا يكون فِي الأرساغ. قَالَ: وكل ظليم أفدع لِأَن فِي أَصَابِعه اعوجاجاً، قَالَه الْأَزْهَرِي فِي (التَّهْذِيب) : وَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل: الفدع فِي الْيَد أَن ترَاهُ يَعْنِي: الْبَعِير يطَأ على أم قرانه، فأشخص شخص خفه، وَلَا يكون إلَاّ فِي الرسغ. وَقَالَ غَيره: أَن يصطك كعباه ويتباعد قدماه يَمِينا وَشمَالًا. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الأفدع الَّذِي يمشي على ظهر قدمه، وَعَن الْأَصْمَعِي: هُوَ الَّذِي ارْتَفع أَخْمص رجله ارتفاعاً، لَو وطىء صَاحبهَا على عُصْفُور مَا آذاه، وَفِي (خلق الْإِنْسَان) لِثَابِت: إِذا زاغت الْقدَم من أَصْلهَا من الكعب وطرف السَّاق فَذَاك الفدع، رجل أفدع وَامْرَأَة فدعاء، وَقد فدع فَدَعَا. وَفِي (الْمُخَصّص) : هُوَ عوج فِي المفاصل، أَو دَاء، وَأكْثر مَا يكون فِي الرسغ فَلَا يُسْتَطَاع بَسطه، وَعَن ابْن السّكيت: الفدعة مَوضِع الفدع، وَقَالَ ابْن قرقول: فِي بعض تعاليق البُخَارِيّ: فدع يَعْنِي: كسر، وَالْمَعْرُوف مَا قَالَه أهل اللُّغَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فدع بِالْفَاءِ والمهملة الْمُشَدّدَة ثمَّ الْمُعْجَمَة المفتوحات من: الفدغ، وَهُوَ كسر الشَّيْء المجوف. وَقَالَ بَعضهم: وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن، بالغين الْمُعْجَمَة أَي: شدخ، وَجزم بِهِ الْكرْمَانِي، وَهُوَ وهم قلت: لَيْسَ الْكرْمَانِي بِأول قَائِل بِهِ حَتَّى ينْسب الْوَهم إِلَيْهِ، مَعَ أَنه جنح فِي أثْنَاء كَلَامه إِلَى أَنه بِالْعينِ الْمُهْملَة. قَوْله: (كَانَ عَامل يهود خَيْبَر على أَمْوَالهم) ، يَعْنِي: الَّتِي كَانَت لَهُم قبل أَن يفيئها الله على الْمُسلمين. قَوْله: (نقركم مَا أقركم الله) ، أَي: إِذا أمرنَا فِي حقكم بِغَيْر ذَلِك فَعَلْنَاهُ، قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ، قَوْله: (فعُدي عَلَيْهِ من اللَّيْل) ، بِضَم الْعين وَكسر الدَّال، أَي: أظلم عَلَيْهِ، وَقَالَ الْخطابِيّ: كَانَ الْيَهُود سحروا عبد الله بن عمر فالتوت يَدَاهُ وَرجلَاهُ، قيل: يحْتَمل أَن يَكُونُوا ضربوه، وَيُؤَيِّدهُ تَقْيِيده بِاللَّيْلِ، وَوَقع فِي رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة الَّتِي علق البُخَارِيّ إسنادها آخر الْبَاب، بِلَفْظ: فَلَمَّا كَانَ زمَان عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، غشوا الْمُسلمين وألقوا ابْن عمر من فَوق بَيت ففدعوا يَدَيْهِ. . الحَدِيث، قَوْله: (وتهمتنا) بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْهَاء وَقد تسكن، أَي: الَّذين نتهمهم بذلك، وَأَصله: وهمتنا، قلبت الْوَاو تَاء كَمَا فِي: التكلان، أَصله: وكلان. قَوْله: (وَقد رَأَيْت إجلاءهم) ، أَي: إخراجهم من أوطانهم، يُقَال: جلا الْقَوْم عَن مواضعهم جلاء، وأجليتهم أَنا إجلاءً، وجلوتهم. قَالَه ابْن فَارس، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: جلا وَأجلى بِمَعْنى، والإجلاء: الْإِخْرَاج من الوطن على وَجه الإزعاج وَالْكَرَاهَة. قَوْله: (فَلَمَّا أجمع عمر على ذَلِك) أَي: عزم، يُقَال: أجمع على الْأَمر إِجْمَاعًا إِذا عزم. قَالَه ابْن عَرَفَة. وَابْن فَارس، وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم: أجمع أمره أَي: جعله جَمِيعًا بَعْدَمَا كَانَ مُتَفَرقًا. قَوْله: (أحد بني الْحقيق) بِضَم
стр. 4019
الْحَاء الْمُهْملَة وبقافين بَينهمَا يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة، وَبَنُو الْحقيق، رُؤَسَاء الْيَهُود. قَوْله: (أتخرجنا؟) من الْإِخْرَاج، والهمزة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار، وَالْوَاو فِي: (وَقد أقرنا) للْحَال. قَوْله: (وَقد عاملنا) بِفَتْح اللَّام. قَوْله: (وَشرط ذَلِك) أَي: إقرارنا فِي أوطاننا. قَوْله: (أظننت؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار، وَالْخطاب فِيهِ لأحد بني حقيق. قَوْله: (إِذا أخرجت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (تعدو بك قلوصك) أَي: تجْرِي بك قلوصك، والقلوض بِفَتْح الْقَاف وبالصاد: النَّاقة الصابرة على السّير، وَقيل: الشَّابَّة، وَقيل: أول مَا يركب من إناث الْإِبِل. وَقيل: الطَّوِيل القوائم. قَوْله: (كَانَت هَذِه) ، هَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: كَانَ ذَلِك. قَوْله: (هزيلة) ، بِضَم الْهَاء تَصْغِير: هزلة، والهزل ضد الْجد. قَوْله: (وَأَعْطَاهُمْ قيمَة مَا كَانَ لَهُم) ، أَي: بعد أَن أجلاهم وَأَعْطَاهُمْ. قَوْله: (مَالا تَمْيِيز للقيمة) ، فَإِن قلت: الْإِبِل، وَالْعرُوض أَيْضا: مَال قلت: قد يُرَاد بِالْمَالِ النَّقْد خَاصَّة، والمزروعات خَاصَّة.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أجلى يهود خَيْبَر عَنْهَا، لقَوْله، ﷺ : (لَا يبْقين دينان بِأَرْض الْعَرَب) ، وَإِنَّمَا كَانَ ﷺ أقرهم على أَن سالمهم فِي أنفسهم، وَلَا حق لَهُم فِي الأَرْض، واستأجرهم على الْمُسَاقَاة وَلَهُم شطر الثَّمر، فَلذَلِك أَعْطَاهُم عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قيمَة شطر الثَّمر من إبل وأقتاب، وحبال يستقلون بهَا، إِذا لم يكن لَهُم فِي رَقَبَة الأَرْض شَيْء. وَفِيه: دلَالَة أَن الْعَدَاوَة توجب الْمُطَالبَة بالجنايات، كَمَا طالبهم عمر بفدعهم ابْنه، وَرشح ذَلِك بِأَن قَالَ: لَيْسَ لنا عَدو غَيرهم، فعلق الْمُطَالبَة بِشَاهِد الْعَدَاوَة، وَإِنَّمَا ترك مطالبتهم بِالْقصاصِ، لِأَنَّهُ فدع لَيْلًا وَهُوَ نَائِم، فَلم يعرف عبد الله أشخاص من فَدَعْهُ، فأشكل الْأَمر كَمَا أشكلت قَضِيَّة عبد الله بن سهل حِين وداه النَّبِي ﷺ من عِنْد نَفسه. وَفِيه: من اسْتدلَّ أَن الْمزَارِع إِذا كرهه رب الأَرْض لجناية بَدَت مِنْهُ أَن لَهُ أَن يُخرجهُ بعد أَن يبتديء فِي الْعَمَل، وَيُعْطِيه فِيمَا عمله ونصيبه، كَمَا فعل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ لَهُ إِخْرَاجه إلَاّ عِنْد رَأس الْعَام، وَتَمام الْحَصاد والجداد. وَفِيه: جَوَاز العقد مشاهرة ومسانهة ومياومة، خلافًا للشَّافِعِيّ، وَاخْتلف أَصْحَاب مَالك: هَل يلْزمه وَاحِد مِمَّا سمى أَولا يلْزمه شَيْء، وَيكون كل وَاحِد مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ، كَذَا فِي (الْمُدَوَّنَة) ، وَالْأول قَول عبد الْملك. وَفِيه: أَن أَفعَال النَّبِي، ﷺ وأقواله مَحْمُولَة على الْحَقِيقَة على وَجههَا من غير عدُول، حَتَّى يقوم دَلِيل الْمجَاز والتعريض.
رَوَاهُ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ عنْ عُبَيْدِ الله أحْسِبُهُ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ عنْ عُمَرَ عنِ النبيِّ ﷺ اخْتَصَرَهُ
أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور حَمَّاد بن سَلمَة عَن عبيد الله بن عمر بن حَفْص الْعمريّ. قَوْله: (أَحْسبهُ) ، كَلَام حَمَّاد، أَرَادَ أَنه: يشكه فِي وَصله، وَذكره الْحميدِي بِلَفْظ: قَالَ حَمَّاد: (وَأَحْسبهُ) ، عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: أَتَى رَسُول الله ﷺ (أهل خَيْبَر فَقَاتلهُمْ حَتَّى ألجاهم إِلَى قصورهم، وَعَلَيْهِم على الأَرْض) . الحَدِيث وَرَوَاهُ الْوَلِيد بن صَالح عَن حَمَّاد بِغَيْر شكّ. قَوْله: (اخْتَصَرَهُ) أَي: اختصر حَمَّاد الحَدِيث الْمَذْكُور، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: إِن حماداً كَانَ يطوله تَارَة، وَيَرْوِيه تَارَة مُخْتَصرا.
стр. 4020
بِسْمِ الله الرحْمان الرَّحِيمِ
٥١ - (بابُ الشُّرُوطِ فِي الجِهَادِ والمصالحَةِ مَعَ أهْلِ الحَرْبِ وكِتَابَةِ الشُّرُوطِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشُّرُوط فِي الْجِهَاد وَفِي بَيَان الْمُصَالحَة مَعَ أهل الْحَرْب، وَفِي بَيَان كِتَابَة الشُّرُوط، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي زِيَادَة وَهِي قَوْله بعد كِتَابَة الشُّرُوط: مَعَ النَّاس بالْقَوْل.
٢٣٧٢ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ قَالَ أخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ قَالَ أخْبَرَنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ عنِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ ومَرْوَانَ يُصَدِّقُ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صاحِبِهِ قالَا خرَجَ رسولُ الله، ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ حتَّى إذَا كانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَالَ النبيُّ ﷺ إنَّ خالِدَ بنَ الوَلِيدِ بالغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعةً فَخُذُوا ذَاتَ اليَمِينِ فَوَالله مَا شَعَرَ بِهِمْ خالِدٌ حتَّى إذَا هُمْ بِقَتَرةِ الجَيْشِ فانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيراً لِقُرَيْشٍ وسارَ النبيُّ ﷺ حتَّى إذَا كانَ بالثَّنِيَّةِ الَّتِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ فَقَالَ النَّاسُ حَلْ حَلْ فألَحَّتْ فَقالُوا خلأتِ الْقَصْواءُ خَلأتِ الْقَصْوَاءُ فَقَالَ النبيُّ ﷺ مَا خَلأتِ القَصْوَاءُ وَمَا ذاكَ لَهَا بِخُلُقٍ ولاكِنْ حبَسَهَا حابِسُ الفِيلِ ثُمَّ قَالَ والَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ لَا يَسْألُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ الله إلَاّ أعْطَيْتُهُمْ إيَّاهَا ثُمَّ زَجَرَهَا فوَثَبَتْ قَالَ فعدَلَ عنْهُمْ حتَّى نَزَلَ بأقْصاى الحُدَيْبِيِّةِ علَى ثَمَدٍ قَلِيل المَاءِ يتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تَبُرُّضاً فلَمْ يُلَبِّثْهُ النَّاسُ حتَّى نَزَحُوهُ وشُكِي إِلَى رسولِ الله ﷺ العَطَشُ فانْتَزَعَ سَهْماً مِنْ كِنانَتِهِ ثُمَّ إمَرَهُمْ أنْ يَجْعَلُوهُ فيهِ فَوالله مَا زَالَ يَجيشُ لَهُمْ بالرِّيِّ حتَّى صَدَرُوا عنْهُ فَبَيْنَما هُمْ كَذَلِكَ إذْ جاءَ بُدَيْلُ بْنُ ورْقَاءَ الخُزَاعِيُّ فِي نَفَر منْ قَومِهِ منْ خُزَاعَةَ وكانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رسولِ الله ﷺ منْ أهْلِ تِهَامَةَ فَقَالَ إنِّي تَرَكْتُ كعْبَ بنَ لُؤَيٍّ وعامِرَ بنَ لُؤيٍّ نَزَلُوا أعْدَادَ مِياهِ الحُدَيْبِيَةِ ومعَهُمُ العُوذُ المَطَافِيلُ وهُمْ مقَاتِلُوكَ وصادُّوكَ عنِ البَيْتِ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ إنَّا لَمْ نَجيءْ لِقِتَالِ أحَد ولاكِنَّا جِئْنَا
стр. 4021
مُعْتَمِرِينَ وإنَّ قُرَيْشاً قدْ نَهِكَتْهُمُ الحَرْبُ وأضَرَّتْ بِهِمْ فإنْ شاؤا مادَدْتُهُمْ مُدَّةً ويُخَلُّوا بَيْنِي وبيْن النَّاسِ فإنْ أظْهَرْ فإنْ شَاؤا أنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخلَ فيهِ النَّاسُ فَعلُوا وإلَاّ فَقَدْ جَمُّوا وَإِن هُمْ أبَوْا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأُقَاتِلَنَّهُمْ على أمْري هاذا حتَّى تَنْفَرِدَ سالِفَتِي ولَيُنْفِذَنَّ الله أمْرَهُ فَقَالَ بُدَيْلٌ سأُبَلِّغُهُمْ مَا تقُولُ قَالَ فانْطَلَقَ حتَّى أتاى قُرَيْشاً قَالَ إنَّا قدْ جِئْنَاكُمْ منْ هَذَا الرَّجُلِ وسَمِعْناهُ يَقُولُ قوْلاً فإنْ شِئْتُمْ أنْ نَعْرِضَهُ علَيْكُمْ فعَلْنا فَقَالَ سُفَهَاؤهُمْ لَا حاجَةَ لَنَا أنْ تُخْبِرَنَا عنْهُ بِشَيْءٍ وَقَالَ ذَوُو الرَّأي مِنْهُمْ هاتِ مَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ قَالَ سَمِعْتُهُ يقُول كَذَا وكذَا فحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ النبيُّ ﷺ فقامَ عُرْوَةُ بنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ أيْ قَوْمِ ألَسْتُمْ بالوالِدِ قالُوا بلَى قَالَ أوَ لَسْتُ بالوَلدِ قالُوا بَلى قَالَ فَهَلْ تتَّهِمُوني قالُوا لَا قَالَ ألسْتُمْ تعْلَمُونَ أنِّي اسْتَنْفَرْتُ أهْلَ عُكَاظٍ فلَمَّا بَلَّحُوا عَلَيَّ جِئْتُكُمْ بِأهْلِي وَوَلَدِي ومَنْ أطَاعَنِي قالُوا بَلى قَالَ فإنَّ هذَا قدْ عرَضَ لَكُمْ خُطَّةَ رُشّدٍ اقْبَلُوهَا ودَعُونِي آتِيهِ قالوُا ائْتِهِ فأتاهُ فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ نحْواً منْ قَوْلِهِ لِبُدَيْل فَقَالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ أيْ مُحَمَّدُ أرَأيْتَ إنِ اسْتَأصَلْتَ أمْرَ قَوْمِكَ هلْ سَمِعْتَ بِأحَدٍ مِنَ العَرَبِ اجْتَاحَ أهْلَهُ قَبْلَكَ وإنْ تَكُنِ الأُخْراى فإنِّي وَالله لأراى وُجُوهاً وإنِّي لأراى أشْواباً مِنَ النَّاسِ خَلِيقاً أنْ يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ فَقَالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ امْصَصْ بِبَظْرِ الْلَاّتِ أنَحْنُ نَفِرُّ عنْهُ ونَدَعُهُ فَقَالَ منْ ذَا قالُوا أبُو بَكْر قَالَ أمَّا والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لوْلا يَدٌ كانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أجْزِكَ بِها لأجَبْتُكَ قَالَ وجعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ أخَذِ بِلِحْيَتِهِ والْمُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ قائِمٌ علَى رَأسِ النبيِّ ﷺ ومعَهُ السَّيْفُ وعَلَيْهِ المِغْفَرُ فَكُلَّمَا أهْواى عُرُوةُ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ضَرَبَ يدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ وَقَالَ لهُ أخِّرْ يدَكَ عنْ لِحْيَةِ رسولِ الله ﷺ فرَفَعَ عُرْوَةُ رَأسَهُ فَقَالَ منْ هَذا قالُوا المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ فَقَالَ أَي: غُدرُ ألَسْتُ أسْعَى فِي غَدْرَتِكَ وكانَ الْمُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْماً فِي الجَاهِلِيَّةِ فقَتَلَهُمْ وأخَذَ أمْوَالَهُمْ ثُمَّ جاءَ فأسْلَمَ فَقَالَ النبيُّ ﷺ أما الْإِسْلَام فَأقبل، وَأما المَال فلست مِنْهُ فِي شَيْء ثمَّ إِن عُرْوَة جعل يرمق أَصْحَاب النَّبِي ﷺ بِعَيْنَيْهِ قَالَ فَوَالله مَا تَنخَّمَ رسولُ الله ﷺ نُخَامَةً إلَاّ وقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وجِلْدَهُ وَإِذا أمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أمْرَهُ وإذَا توَضَّأ كادُوا يَقْتَتِلُونَ على وَضُوئِهِ وإذَا تكَلَّمَ خَفَضُوا أصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ
стр. 4022
وَمَا يُحِدُّونَ إليْهِ النَّظَرَ تعْظِيماً لَهُ فرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أصْحَابِهِ فَقَالَ أيْ قَوْم وَالله لَقدْ وفَدْتُ على الْمُلُوكِ ووفَدْتُ على قَيْصَرَ وكِسْراى والنَّجَاشِيِّ وَالله إنْ رأيْتُ مَلِكَاً قَطُّ يُعَظِّمُهُ أصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أصْحَابُ مُحَمَّدٍ مُحَمَّداً ﷺ إنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إلَاّ وقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِها وجْهَهُ وجِلْدَهُ وَإِذا أمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أمْرَهُ وإذَا تَوَضَّأ كادُوا يَقْتَتِلُونَ على وَضُوئِهِ وإذَا تَكَلَّمَ خفَضُوا أصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ ومَا يُحِدُّونَ إلَيْهِ النَّظَرَ تعْظِيماً لَهُ وإنَّهُ قدْ عرَضَ علَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فأقْبلُوها فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنانةَ دَعُونِي آتِيهِ فقالُوا ائْتِهِ فلَمَّا أشْرَف على النبِيِّ ﷺ وأصْحَابِهِ قَالَ رسولُ الله، ﷺ هَذَا فُلَانٌ وهْوَ منْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ الْبُدْنَ فابْعَثُوهَا فبُعِثَتْ لَهُ واسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ يُلَبُّونَ فلَمَّا رأى ذالِكَ قَالَ سُبْحَانَ الله مَا يَنْبَغِي لِهاؤلَاءِ أَن يُصَدُّوا عنِ البَيْتِ فلَمَّا رجعَ إلَى أصْحَابِهِ قَالَ رأيْتُ البُدْنَ قد قُلِّدَتْ وأُشْعِرَتْ فمَا أراى أنْ يُصَدُّوا عنِ البَيْتِ فقَامَ رجُلٌ مِنْهُمْ يُقالُ لَهُ مِكرَزُ بنُ حَفْصً فَقَالَ دَعُونِي آتِيهِ فَقَالُوا ائْتِهِ فلَمَّا أشْرَفَ علَيْهِمْ قَالَ النبيُّ ﷺ هَذَا مِكْرزٌ وهْوَ رجُلٌ فاجِرٌ فجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ ﷺ فبَيْنَما هُوَ يُكَلِّمُهُ إذْ جاءَ سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍ وَقَالَ مَعْمَرٌ فأخْبَرَنِي أيُّوبُ عنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ لَمَّا جاءَ سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍ وَقَالَ النبيُّ ﷺ لَقدْ سَهلَ لَكُمْ مِنْ أمْرِكُمْ قَالَ مَعْمَرٌ قَالَ الزُّهْرِيُ فِي حَدِيثِهِ فجَاءَ سُهَيْلُ بنُ عَمْرو فَقَالَ هاتِ اكْتُبْ بَيْنَنا وبيْنَكُمْ كِتاباً فَدَعا النبيُّ ﷺ الْكاتِبَ فَقَالَ النبيُّ ﷺ اكْتُبْ بسْمِ الله الرَّحْمانِ الرَّحِيمِ قَالَ سُهَيْلً أمَّا الرَّحْمانُ فَوالله مَا أدْرِي مَا هُوَ ولَكِنْ اكْتُبُ باسْمِكَ اللَّهُمَّ كَما كُنْتَ تَكْتُبُ فَقَالَ المُسْلِمُونَ وَالله لَا نَكْتُبُهَا إلَاّ بِسْم الله الرَّحْمانِ الرَّحِيم فَقَالَ النبيُّ ﷺ اكْتُبْ باسْمِكَ اللَّهُمَّ ثُمَّ قالَ هَذَا مَا قاضاى علَيْهِ مُحَمَّدٌ رسولُ الله فَقَالَ سُهَيْلٌ وَالله لَوْ كُنَّا نعْلَمُ أنَّكَ رسولُ الله مَا صَدَدْنَاكَ عنِ البَيْتِ وَلَا قاتَلْنَاكَ ولاكِنْ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله فَقَالَ النبِيُّ ﷺ وَالله إنِّي لرَسولُ الله وإنْ كَذَّبْتُمُونِي اكْتُبْ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ الزُّهْرِيُّ وذَلِكَ لِقَوْلِهِ لَا يَسْألُوني خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ الله إلَاّ أعْطيْتُهُمْ إيَّاهَا فَقَالَ لهُ النبيُّ ﷺ على أنْ تُخَلُّوا بَيْنَنا وبَيْنَ البَيْتِ فنَطُوفَ بِهِ فَقَالَ سُهَيْلٌ وَالله لَا تتَحَدَّثُ العَرَبُ أنَّا اخِذْنَا ضُغْطَةً ولَكِنْ ذَلِكَ مِنَ العامِ الْمُقْبِلِ فَكَتَبَ فَقَالَ سُهَيْلٌ وعَلى أنَّهُ لَا يأتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ وإنْ كانَ على دِينِكَ إلَاّ رَدَدْتَهُ إلَيْنَا قَالَ الْمُسْلِمُونَ سُبْحَانَ الله كيْفَ يُرَدُّ إِلَى المُشْرِكِينَ وقدْ جاءَ مُسْلِماً فَبَيْنَمَا هُمْ كذَلِكَ إذْ دَخَلَ أبُو جَنْدَلِ بنُ سُهَيْلِ بنِ عَمْرو يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ وقدْ خَرَجَ مِنْ أسْفَلِ مَكَّةَ حتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ سُهَيْلٌ هَذَا يَا مُحَمَّدُ أوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ علَيْهِ أنْ ترُده إلَيَّ فَقَالَ النبيُّ ﷺ إنَّا لَمْ نَقْضِ الكِتَابَ بعْدُ قَالَ فَوالله إذَاً لَمْ أُصَالِحْكَ على شَيْءٍ أبدا قَالَ النبِيُّ ﷺ فأجِزْهُ لي قالَ مَا أنَا بِمُجِيزِهِ لَكَ قَالَ بَلى فافْعَلْ قَالَ مَا أنَا بِفاعِلٍ قَالَ مِكْرَزٌ بلَى قَدْ أجَزْنَاهُ لَكَ قَالَ أبُو جَنْدَلٍ أيْ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وقدْ جِئْتُ مُسْلِمَاً ألَا تَرَوْنَ مَا قدْ لَقِيتُ وكانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَاباً شَدِيداً فِي الله قَالَ فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ فأتَيْتُ نبيَّ الله ﷺ فقلْتُ ألَسْتَ نَبِيَّ الله حَقَّاً قَالَ بَلى قُلْتُ ألَسْنَا على الحَقِّ وعَدُوُّنَا على الْبَاطِلِ قَالَ بَلَى قُلْتُ نُعْطِي الدَّنيَّةَ فِي دِينِنَا إِذا قَالَ إنِّي رسولُ الله ولَسْتُ أعْصِيهِ وهْوَ ناصِرِي قُلْتُ
стр. 4023
أوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أنَّا سَنَأتِي البيْتَ فنَطُوفُ بِهِ قَالَ بَلى فأخْبَرْتُكَ أنَّا نأتِيهِ العامَ قالَ قُلْتُ لَا قَالَ فإنَّكَ آتِيهِ ومُطَّوِّفٌ بِهِ قَالَ فأتَيْتُ أبَا بكر فقُلْتُ يَا أَبَا بَكْرٍ ألَيْسَ هذَا نَبيَّ الله حقَّاً قَالَ بَلَى قلْتُ ألَسْنَا على الحَقِّ قَالَ بَلَى وعَدُوُّنَا على الباطِلِ قُلْتُ فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إذَا قَالَ أيُّها الرَّجُل إنَّهُ لَرَسُولُ الله ﷺ وليْسَ يَعْصِي رَبَّهُ وهْوَ ناصِرُهُ فاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ فَوَالله إنَّهُ على الحَقِّ قُلْتُ ألَيْسَ كَانَ يُحَدَّثُنَا أنَّا سَنَأتِي البَيْتَ ونَطُوفُ بهِ قَالَ بَلى أفَأخْبرَكَ أنَّكَ تأتِيهِ العامَ قلْتُ لَا قَالَ فإنَّكَ آتِيهِ ومُطَّوِّفٌ بِهِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ قَالَ عُمَرُ فَعَمِلْتُ لذلكَ أعْمالاً قَالَ فلَمَّا فرَغَ منْ قَضِيَّةِ الكِتابِ قَالَ رسولُ الله، ﷺ لأِصْحَابِهِ قُوُمُوا فانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا قَالَ فَوَالله مَا قامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حتَّى قَالَ ذَلِكَ ثلاثَ مرَّاتَ فلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أحَدٌ دَخَلَ على أُمِّ سلَمَةَ فَذَكَرَ لهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ فقالتْ أُمُّ سَلَمَةَ يَا نَبِيَّ الله أتُحِبّ ذَلِكَ اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أحَدَاً مِنْهُمْ كلِمَةً حتَّى تُنحَرَ بُدْنَكَ وتدْعُوَ حالقَكَ فيَحْلِقَك فخَرَجَ فلَمْ يُكَلَّمْ أحَداً مِنْهُمْ حتَّى فعَلَ ذلِكَ نحَرَ بُدْنَهُ ودَعا حالِقَهُ فحَلَقَهُ فلَمَّا رَأوْا ذَلِكَ قامُوا فَنحَرُوا وجعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضاً حتَّى كَاد بَعْضُهُم يَقْتُلْ بعْضاً غَمَّا ثُمَّ جاءَهُ نُسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ فأنْزَلَ الله تَعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ (الممتحنة: ٠١) . حتَّى بلَغَ ﴿بِعِصَمِ الكَوَافِرَ﴾ (الممتحنة: ٠١) . فَطَلَّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ امْرَأتَيْنِ كانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ فتَزَوَّجَ إحْدَاهُمَا مُعاوِيَةُ ابنُ أبِي سُفْيَانَ والأُخْرَى صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ ثُمَّ رَجَعَ النبِيُّ ﷺ إلَى المَدِينَةِ فَجاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وهْوَ مُسْلِمُ فأرْسَلُوا فِي طَلَبهِ رَجُلَيْنِ فَقَالُوا الْعَهْدُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنا فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ فَخَرَجَا بِهِ حتَّى بَلَغَا ذَا الحُلَيْفَةِ فنَزَلُوا يأكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ فقَالَ أبُو بَصِيرٍ لأِحَدِ الرَّجُلَيْنِ وَالله إنِّي لأرَى سَيْفَكَ هذَا يَا فُلَانُ جَيِّدَاً فاسْتَلَّهُ الآخَرُ فَقَالَ أجَلْ وَالله إنَّهُ لَجَيِّدٌ لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْهِ فأمْكَنَهُ مِنْهُ فَضَرَبَهُ حَتَّى بَردَ وفَرَّ الآخَرُ حتَّى أتَى المَدِينَةَ فدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو فَقَالَ رسولُ لله ﷺ حِينَ رآهُ لَقَدْ رأى هَذَا ذُعْرَاً فلَمَّا انْتَهى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ قُتِلَ وَالله صاحِبِي وإنِّي لَمَقْتُولٌ فَجاءَ أبُو بَصِيرٍ فَقَالَ يَا نَبِيَّ الله قَدْ وَالله أوْفَى الله ذِمَّتَكَ قدْ رَدَدْتَنِي إلَيْهِمْ ثُمَّ أنْجَانِي الله مِنْهُمْ قَالَ النبيُّ ﷺ ﴿وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ لَو كانَ لَهُ أحَدٌ﴾ فلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عرَفَ أنَّهُ سَيَرُدُّهُ إلَيْهِمْ فخَرَجَ حتَّى أتَى سِيفَ البَحْرِ قَالَ ويَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أبُو جَنْدَلٍ بنُ سُهَيْلٍ فلَحِقَ بِأبِي بَصِير فجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أسْلَمَ إلَاّ لَحِقَ بأبِي بَصِيرٍ حتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ فَوَالله مَا يَسْمَعُونَ بِعيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّأمِ إلَاّ اعْتَرَضُوا لَهَا فَقَتَلُوهُمْ وأخَذُوا أمْوَالَهُمْ فأرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تُنَاشِدُهُ بِاللَّه والرَّحِم لَمَّا أرْسَلَ فَمَنْ أتَاهُ فَهْوَ آمِنٌ فأرْسَلَ النبيُّ ﷺ إلَيْهِمْ فأنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿وهْوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وأيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أنْ
стр. 4024
أظْفَرَكُمْ علَيْهِمْ﴾ (الْفَتْح: ٤٢، ٦٢) . حتَّى بلَغَ ﴿الحميَّة حَمِيَّةُ الجَاهِلِيَّةِ﴾ (الْفَتْح: ٤٢، ٦٢) . وكانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أنَّهُ نَبيُّ الله ولَمْ يُقِرُّوا بِبِسْمِ الله الرحْمانِ الرَّحِيمِ وحالُوا بَيْنَهُمْ وبَيْنَ الْبَيْتِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن فِيهِ الْمُصَالحَة مَعَ أهل الْحَرْب وَكِتَابَة الشُّرُوط، وَذَلِكَ أَن النَّبِي، ﷺ صَالح مَعَ أهل مَكَّة فِي هَذِه السفرة، وهم أهل الْحَرْب لِأَن مَكَّة كَانَت دَار الْحَرْب حِينَئِذٍ، وَكتب بَينه وَبينهمْ شُرُوطًا.
وَعبد الله بن مُحَمَّد هُوَ أَبُو جَعْفَر البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي، وَعبد الرَّزَّاق بن همام الْيَمَانِيّ، وَمعمر بن رَاشد، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم قد مر ذكر الْمسور بن مخرمَة ومروان بن الحكم فِي أول كتاب الشُّرُوط فَإِنَّهُ أخرج عَنْهُمَا قِطْعَة من هَذَا الحَدِيث هُنَاكَ، وَهَهُنَا ذكره مطولا، وَهَذَا الحَدِيث بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَرْوَان مُرْسل لِأَنَّهُ لَا صُحْبَة لَهُ، وَكَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمسور لِأَنَّهُ: وَإِن كَانَت لَهُ صُحْبَة، وَلكنه لم يحضر الْقِصَّة ولكنهما سمعا جمَاعَة من الصَّحَابَة شهدُوا هَذِه الْقِصَّة، كعمر وَعُثْمَان وَعلي والمغيرة بن شُعْبَة وَسَهل بن حنيف وَأم سَلمَة وَآخَرين، وَقد روى مَرْوَان والمسور عَن أَصْحَاب رَسُول الله، ﷺ ، هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ مُحَمَّد بن طَاهِر: الحَدِيث الْمَرْوِيّ هُنَا مَعْلُول.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يصدق كل وَاحِد مِنْهُمَا) أَي: من الْمسور ومروان، وَالْجُمْلَة محلهَا النصب على الْحَال. قَوْله: (زمن الْحُدَيْبِيَة) ، قد مر ضَبطهَا فِي كتاب الْحَج، وَهِي: بِئْر سمي الْمَكَان بهَا، وَقيل: شَجَرَة حدباء صغرت، وَسمي المكن بهَا. وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: الْحُدَيْبِيَة قَرْيَة قريبَة من مَكَّة أَكْثَرهَا فِي الْحرم، وَكَانَ خُرُوجه ﷺ من الْمَدِينَة يَوْم الْإِثْنَيْنِ لهِلَال ذِي الْقعدَة سنة سِتّ بِلَا خلاف، وَمِمَّنْ نَص على ذَلِك الزُّهْرِيّ وَنَافِع مولى ابْن عمر وَقَتَادَة ومُوسَى بن عقبَة وَمُحَمّد بن إِسْحَاق. وَقَالَ يَعْقُوب بن سُفْيَان: حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن الْخَلِيل عَن عَليّ بن مسْهر أَخْبرنِي هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه قَالَ: خرج رَسُول الله، ﷺ إِلَى الْحُدَيْبِيَة فِي رَمَضَان، وَكَانَت الْحُدَيْبِيَة فِي شَوَّال، وَهَذَا غَرِيب جدا عَن عُرْوَة. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: خرج فِي ذِي الْقعدَة مُعْتَمِرًا لَا يُرِيد حَربًا، قَالَ ابْن هِشَام: وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة نميلَة بن عبد الله اللَّيْثِيّ، وَقَالَ إِبْنِ إِسْحَاق: واستنفر الْعَرَب وَمن حوله من أهل الْبَوَادِي من الْأَعْرَاب لِيخْرجُوا مَعَه، وَهُوَ يخْشَى من قُرَيْش أَن يعرضُوا لَهُ بِحَرب ويصدوه عَن الْبَيْت، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ كثير من الْأَعْرَاب وَخرج رَسُول الله، ﷺ بِمن مَعَه من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَمن لحق بِهِ من الْعَرَب، وسَاق مَعَه الْهَدْي وَأحرم بِالْعُمْرَةِ ليأمن النَّاس من حربه، وليعلموا أَنه إِنَّمَا خرج زَائِرًا للبيت ومعظماً لَهُ. قَالَ: وَكَانَ الْهَدْي سبعين بَدَنَة وَالنَّاس سَبْعمِائة رجل، فَكَانَت كل بَدَنَة عَن عشرَة أنفس. وَقَالَ ابْن عقبَة، عَن جَابر: عَن كل سَبْعَة بَدَنَة، وَكَانَ جَابر يَقُول: فِيمَا بَلغنِي، كُنَّا أَصْحَاب الْحُدَيْبِيَة أَربع عشرَة مائَة، وَعَن الزُّهْرِيّ فِي رِوَايَة ابْن أبي شيبَة: خرج فِي ألف وَثَمَانمِائَة. وَبعث عينا لَهُ من خُزَاعَة يدعى نَاجِية يَأْتِيهِ بِخَبَر قُرَيْش، كَذَا سَمَّاهُ نَاجِية، وَالْمَعْرُوف أَن نَاجِية اسْم الَّذِي بعث مَعَه الْهَدْي، نَص عَلَيْهِ ابْن إِسْحَاق وَغَيره، وَأما الَّذِي بَعثه عينا لخَبر قُرَيْش فاسمه بسر بن سُفْيَان، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: خرج رَسُول الله، ﷺ حَتَّى إِذا كَانَ بعسفان لقِيه بسر بن سُفْيَان الكعبي، فَقَالَ: يَا رَسُول الله هَذِه قُرَيْش قد سَمِعت بمسيرك فَخَرجُوا وَقد نزلُوا بِذِي طوى. وَهَذَا خَالِد بن الْوَلِيد فِي خيلهم قدموها إِلَى كرَاع الغميم، وَهَذَا معنى قَوْله ﷺ : إِن خَالِد بن الْوَلِيد بالغميم. والغميم، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَكسر الْمِيم وبضم الْغَيْن وَفتح الْمِيم أَيْضا، قَالَه ابْن قرقول، ورد ذَلِك الْحِمْيَرِي فِي كِتَابه (تثقيف اللِّسَان) بقوله: يَقُولُونَ لموْضِع بِقرب مَكَّة: الغميم، على التصغير، وَالصَّوَاب: الغميم، يَعْنِي بِالْفَتْح وَهُوَ وَاد بَينه وَبَين مَكَّة مرحلتان، وَذكر الْحَازِمِي فِي (كتاب الْبلدَانِ) : أَن الَّذِي بِالضَّمِّ وادٍ فِي ديار حَنْظَلَة من بني تَمِيم. قَوْله: (طَلِيعَة) ، نصب على الْحَال من قَوْله: (فِي خيل لقريش) ، وَهِي مُقَدّمَة الْجَيْش. قَوْله: (فَخُذُوا ذَات الْيَمين) ، وَهِي بَين ظَهْري الحمض فِي طَرِيق تخرجه على ثنية المرار مهبط الْحُدَيْبِيَة من أَسْفَل مَكَّة. قَالَ ابْن هِشَام: فسلك الْجَيْش ذَلِك الطَّرِيق، فَلَمَّا رَأَتْ خيل قُرَيْش قترة الْجَيْش قد خالفوا عَن طريقهم ركضوا رَاجِعين إِلَى قُرَيْش، وَهُوَ معنى قَوْله: (فوَاللَّه مَا شعر بهم خَالِد حَتَّى إِذا هم بقترة الْجَيْش) . القترة: بِفَتْح الْقَاف وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: الْغُبَار الْأسود. قَوْله: (فَانْطَلق) ، أَي: خَالِد. قَوْله: (يرْكض) ، جملَة حَالية من خَالِد من الركض، وَهُوَ الضَّرْب بِالرجلِ على الدَّابَّة لأجل استعجاله فِي السّير. قَوْله: (نذيراً) نصب على الْحَال من
стр. 4025
الْأَحْوَال المترادفة أَو المتداخلة، أَي: منذراً لقريش بمجيء رَسُول الله، ﷺ ، على ثنية المرار. الثَّنية، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَكسر النُّون وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: وَهِي فِي الْجَبَل كالعقبة فِيهِ وَقيل: هُوَ الطَّرِيق التَّالِي فِيهِ، وَقيل: أَعلَى المسيل فِي رَأسه، والمرار، بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الرَّاء. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: هُوَ مَوضِع بَين مَكَّة وَالْمَدينَة من طَرِيق الْحُدَيْبِيَة، وَبَعْضهمْ يَقُوله بِفَتْح الْمِيم. وَيُقَال: هُوَ طَرِيق فِي الْجَبَل تشرف على الْحُدَيْبِيَة. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هِيَ الثَّنية الَّتِي أَسْفَل مَكَّة، ورد عَلَيْهِ ذَلِك، وَقَالَ ابْن سعد الَّذِي سلك بهم حَمْزَة بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ. قَوْله: (بَركت رَاحِلَته) الرَّاحِلَة من الْإِبِل: الْبَعِير الْقوي على الْأَسْفَار والأحمال، وَالذكر وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاء، وَالْهَاء فِيهَا للْمُبَالَغَة، وَهِي الَّتِي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة وَتَمام الْخلق وَحسن المنظر، فَإِذا كَانَت فِي جمَاعَة الْإِبِل عرفت. قَوْله: (حل حل) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام فيهمَا، وَهُوَ زجر للناقة إِذا حملهَا على السّير، وَقَالَ الْخطابِيّ: فَإِن قلت: حل، وَاحِدَة فبالسكون وَإِن أعدتها نونت فِي الأولى وسكنت فِي الثَّانِيَة، وَحكى غَيره السّكُون فيهمَا والتنوين كَقَوْلِهِم: بخ بخ وصه صه، وَقَالَ ابْن سَيّده: هُوَ زجر لإناث الْإِبِل خَاصَّة، وَيُقَال: حلا وحلى لَا حليت، وَقد اشتق مِنْهُ اسْم فَقيل: الحلحال. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: جوب زجر للبعير. قَوْله: (فألحت) بحاء مُهْملَة مُشَدّدَة، أَي: لَزِمت مَكَانهَا وَلم تنبعث، من الإلحاح. قَوْله: (خلأت) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، فَهُوَ كالحران فِي الْخَيل، يُقَال: خلأت خلاءً بِالْمدِّ، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: لَا يكون الْخَلَاء إلَاّ للنوق خَاصَّة، وَقَالَ ابْن فَارس: لَا يُقَال للجمل خلاء، لَكِن ألح (والقصواء) بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وبالمد: اسْم نَاقَة رَسُول الله، ﷺ قيل: سميت بذلك لِأَنَّهُ كَانَ طرف أذنها مَقْطُوعًا من القصو، وَهُوَ: قطع طرف الْأذن. يُقَال: بعير أقْصَى، وناقة قصواء. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: وَلَا يُقَال: بعير أقْصَى، وَقيل: وَكَانَ الْقيَاس أَن يكون بِالْقصرِ، وَقد وَقع ذَلِك فِي بعض نسخ أبي ذَر. وَفِي (أدب الْكَاتِب) : القصوى، بِالضَّمِّ وَالْقصر، شَذَّ من بَين نَظَائِره، وَحقه أَن يكون بِالْيَاءِ مثل: الدُّنْيَا والعليا، لِأَن الدُّنْيَا من دَنَوْت، والعليا من عَلَوْت، وَقَالَ الدَّاودِيّ: سميت بذلك لِأَنَّهَا كَانَت لَا تكَاد أَن تسبق، فَقيل لَهَا: الْقَصْوَاء، لِأَنَّهَا بلغت من السَّبق أقصاه. وَهِي الَّتِي ابتاعها أَبُو بكر، وَأُخْرَى مَعهَا من بني قُشَيْر بثمانمائة دِرْهَم، وَهِي الَّتِي هَاجر عَلَيْهَا رَسُول الله، ﷺ ، وَكَانَت إِذْ ذَاك ربَاعِية، وَكَانَ لَا يحملهُ غَيرهَا إِذا نزل عَلَيْهِ الْوَحْي، وَهِي الَّتِي تسمى: العضباء، والجدعاء: وَهِي الَّتِي سبقت فشق ذَلِك على الْمُسلمين. فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من قدر الله أَن لَا يرفع شَيْئا فِي هَذِه الدُّنْيَا إلَاّ وَضعه) ، وَقيل: المسبوقة هِيَ العضباء، وَهِي غير الْقَصْوَاء. قَوْله: (وماذاك لَهَا بِخلق) أَي: لَيْسَ الْخَلَاء لَهَا بعادة، وَكَانُوا ظنُّوا أَن ذَلِك من خلقهَا. فَقَالَ: وَمَا ذَاك لَهَا بِخلق، بِضَم الْخَاء. قَوْله: (وَلَكِن حَبسهَا حَابِس الْفِيل عَن دُخُولهَا) ، وَفِي رِوَايَة إِبْنِ إِسْحَاق: (حَابِس الْفِيل عَن مَكَّة) ، أَي: حَبسهَا الله عَن دُخُول مَكَّة كَمَا حبس الْفِيل عَن دُخُولهَا حِين جِيءَ بِهِ لهدم الْكَعْبَة. قَالَ الْخطابِيّ: الْمَعْنى فِي ذَلِك، وَالله أعلم، أَنهم لَو استباحوا مَكَّة لأبي الْفِيل على قوم سبق فِي علم الله أَنهم سيسلمون وَيخرج من أصلابهم ذُرِّيَّة مُؤمنُونَ، فَهَذَا مَوضِع التَّشْبِيه لحبسها. وَقَالَ الدَّاودِيّ: لما رأى النَّبِي، ﷺ ، بروك الْقَصْوَاء، علم أَن الله أَرَادَ صرفهم عَن الْقِتَال ﴿ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا﴾ (الْأَنْفَال: ٢٤ و ٤٤) . قَوْله: (خطة) ، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الطَّاء: أَي حَالَة، وَقَالَ الدَّاودِيّ: خصْلَة. وَقَالَ ابْن قرقول: قَضِيَّة وأمراً. قَوْله: (يعظمون فِيهَا حرمات الله) ، قَالَ ابْن التِّين: أَي: يكفون عَن الْقِتَال تَعْظِيمًا للحرم. وَقَالَ ابْن بطال يُرِيد بذلك مُوَافقَة الله فِي تَعْظِيم الحرمات، لِأَنَّهُ فهم عَن الله وإبلاغ الْأَعْذَار إِلَى أهل مَكَّة، فأبقى عَلَيْهِم لما سبق فِي علمه من دُخُولهمْ فِي دين الله أَفْوَاجًا. قَوْله: (إلَاّ أَعطيتهم إِيَّاهَا) ، أَي: أَجَبْتهم إِلَيْهَا. قَالَ السُّهيْلي: لم يَقع فِي شَيْء من طرق الحَدِيث، إلَاّ أَنه قَالَ: إِن شَاءَ الله، مَعَ أَنه مَأْمُور بهَا فِي كل حَالَة. وَأجِيب: بِأَنَّهُ كَانَ أمرا وَاجِبا حتما، فَلَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى الِاسْتِثْنَاء، وَاعْترض فِيهِ بِأَن الله تَعَالَى قَالَ فِي هَذِه الْقِصَّة ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله آمِنين﴾ (الْفَتْح: ٨٢) . فَقَالَ: إِن شَاءَ الله، مَعَ تحقق وُقُوع ذَلِك، تَعْلِيما وإرشاداً، فَالْأولى أَن يحمل على أَن الِاسْتِثْنَاء من الرَّاوِي، وَقيل: يحْتَمل أَن تكون الْقِصَّة قبل نزُول الْأَمر بذلك. فَإِن قلت: سُورَة الْكَهْف مَكِّيَّة؟ قلت: قيل: لَا مَانع أَن يتَأَخَّر نزُول بعض السُّورَة. قَوْله: (ثمَّ زجرها) ، أَي: ثمَّ زجر رَسُول الله، ﷺ ، النَّاقة فَوَثَبت أَي: انتهضت قَائِمَة. قَوْله: (فَعدل عَنْهُم) ، وَفِي رِوَايَة ابْن سعد: (فولى رَاجعا) . قَوْله: (على ثَمد) ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَالْمِيم: أَي: حُفْرَة فِيهَا مَاء قَلِيل، وَيُقَال: الثمد المَاء الْقَلِيل الَّذِي لَا مَادَّة لَهُ. وَقيل
стр. 4026
هُوَ مَا يظْهر من المَاء زمن الشتَاء وَيذْهب فِي الصَّيف، وَقيل: لَا يكون إلَاّ فِيمَا غلظ من الأَرْض. قَوْله: (قَلِيل المَاء) ، تَأْكِيد لَهُ، قَالَ بَعضهم، تَأْكِيد لدفع توهم أَن ترَاد لُغَة من يَقُول إِن الثمد المَاء الْكثير. قلت: إِنَّمَا يتَوَجَّه هَذَا الْكَلَام أَن لَو ثَبت فِي اللُّغَة: أَن الثمد المَاء الْكثير أَيْضا، فَإِذا ثَبت يكون من الأضداد، فَيحْتَاج إِلَى ثُبُوت هَذَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الثمد، ذكر مَعْنَاهُ فِيمَا بعده على سَبِيل التَّفْسِير. قَوْله: (يتبرضه النَّاس) ،، أَي: يأخذونه قَلِيلا قَلِيلا، ومادته بَاء مُوَحدَة وَرَاء وضاد مُعْجمَة، والبرض: هُوَ الْيَسِير من الْعَطاء. قَوْله: (تبرضاً) مصدر من بَاب التفعل الَّذِي يَجِيء للتكلف وانتصابه على أَنه مفعول مُطلق. قَوْله: (فَلم يلبثه) بِضَم الْيَاء وَسُكُون اللَّام من الْإِثْبَات، وَقَالَ ابْن التِّين، بِفَتْح اللَّام وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة المثقلة: من التلبيث أَي: لم يَتْرُكُوهُ يثبت أَي: يُقيم. قَوْله: (وشكى) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فَانْتزع سَهْما من كِنَانَته) أَي: أخرج نشابة من جعبته. قَوْله: (ثمَّ أَمرهم أَن يَجْعَلُوهُ فِيهِ) أَي: ثمَّ أَمرهم رَسُول الله، ﷺ أَن يجْعَلُوا السهْم فِي الثمد الْمَذْكُور، وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ: (فَأخْرج سَهْما من كِنَانَته فَأعْطَاهُ رجلا من أَصْحَابه، فَنزل قليباً من تِلْكَ الْقلب فغرزه من جَوْفه، فَجَاشَ بِالرَّوَاءِ) . وَقَالَ إِبْنِ إِسْحَاق: إِن الَّذِي نزل فِي القليب بِسَهْم رَسُول الله، ﷺ نَاجِية بن جُنْدُب سائق بدن رَسُول الله، ﷺ : قَالَ: وَقد زعم بعض أهل الْعلم: كَانَ الْبَراء بن عَازِب، يَقُول: أَنا الَّذِي نزلت بِسَهْم رَسُول الله، ﷺ . وروى الْوَاقِدِيّ من طَرِيق خَالِد بن عبَادَة الْغِفَارِيّ، قَالَ: (أَنا الَّذِي نزلت بِالسَّهْمِ) ، والتوفيق بَين هَذِه الرِّوَايَات أَن يُقَال: إِن هَؤُلَاءِ تعاونوا فِي النُّزُول فِي القليب. قَوْله: (يَجِيش لَهُم بِالريِّ) ، أَي: يفور، ومادته: جِيم وياء آخر الْحُرُوف وشين مُعْجمَة، قَالَ ابْن سَيّده: جَاشَتْ تجيش جَيْشًا وجيوشاً وجيشاناً، وَكَانَ الْأَصْمَعِي يَقُول: جَاشَتْ بِغَيْر همزَة، فارت، وبهمزة: ارْتَفَعت، والري بِكَسْر الرَّاء وَفتحهَا، مَا يرويهم. فَإِن قلت: سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب فِي قصَّة الْحُدَيْبِيَة: أَنه، ﵊، جلس على الْبِئْر ثمَّ دَعَا بِإِنَاء فَتَمَضْمَض، ودعا وصبه فِيهَا، ثمَّ قَالَ: دَعُوهَا سَاعَة، ثمَّ إِنَّهُم ارتووا وَبعد ذَلِك قلت: لَا مَانع من كَون وُقُوع الْأَمريْنِ مَعًا، وَقد روى الْوَاقِدِيّ من طَرِيق أَوْس بن خولي أَنه، ﷺ ، تَوَضَّأ فِي الدَّلْو ثمَّ أفرغه فِيهَا وانتزع السهْم فَوَضعه فِيهَا، وَهَكَذَا ذكر أَبُو الْأسود فِي رِوَايَته عَن عُرْوَة أَنه ﷺ تمضمض فِي دلو وصبه فِي الْبِئْر وَنزع سَهْما من كِنَانَته فَأَلْقَاهُ فِيهَا، ودعا ففارت، وَهَذِه الْقِصَّة غير الْقِصَّة الْآتِيَة فِي الْمَغَازِي أَيْضا من حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: عَطش النَّاس بِالْحُدَيْبِية وَبَين يَدي رَسُول الله، ﷺ ، ركوة، فَتَوَضَّأ مِنْهَا فَوضع يَده فِيهَا، فَجعل المَاء يفور من بَين أَصَابِعه ... الحَدِيث، وَكَأن ذَلِك كَانَ قبل قصَّة الْبِئْر. قَوْله: فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فَبينا هم كَذَلِك، بِدُونِ الْمِيم. قَوْله: (بديل بن وَرْقَاء) بديل، بِضَم الْبَاء وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وورقاء بِالْقَافِ، مؤنث الأورق الْخُزَاعِيّ، قَالَ أَبُو عمر: أسلم يَوْم الْفَتْح بمر الظهْرَان وَشهد حنيناً والطائف وتبوك، وَكَانَ من كبار مسلمة الْفَتْح، وَقيل: أسلم قبل ذَلِك وَتُوفِّي فِي حَيَاة سيدنَا رَسُول الله، ﷺ . وَقَالَ ابْن حبَان: وَكَانَ سيد قومه، وَكَانَ من دهاة الْعَرَب. قَوْله: (فِي نفر من قومه) ، ذكر الْوَاقِدِيّ مِنْهُم عَمْرو بن سَالم وخراش بن أُميَّة فِي رِوَايَة الْأسود عَن عُرْوَة مِنْهُم خَارِجَة بن كرز وَيزِيد بن أُميَّة. قَوْله: (وَكَانُوا عَيْبَة نصح رَسُول الله، ﷺ العيبة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَهِي فِي الأَصْل مَا يوضع فِيهِ الثِّيَاب لحفظها، وَالْمرَاد بهَا هُنَا: مَوضِع سره وأمانته، شبه الْإِنْسَان الَّذِي هُوَ مستودع سره بالعيبة الَّتِي هِيَ مستودع الثِّيَاب، أَي: مَحل نصحه وَمَوْضِع أسراره، والنصح بِضَم النُّون، وَحكى ابْن التِّين فتحهَا على أَنه مصدر من نصخ ينصح نصحاً بِالْفَتْح. قلت: هُوَ بِالضَّمِّ اسْم، وَأَصله فِي اللُّغَة الخلوص، يُقَال: نَصَحته وَنَصَحْت لَهُ ونصح رَسُول الله، ﷺ ، عبارَة عَن التَّصْدِيق بنبوته ورسالته والانقياد لما أَمر بِهِ وَنهى عَنهُ. قَوْله: (من أهل تهَامَة) لبَيَان الْجِنْس، لِأَن خُزَاعَة كَانُوا من جملَة أهل تهَامَة، وتهامة، بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: وَهِي مَكَّة وَمَا حولهَا من الْبلدَانِ. وحدَّها من جِهَة الْمَدِينَة، العرج، ومنتهاها إِلَى أقْصَى الْيمن، وَيُقَال: تهَامَة إسم لكل مَا نزل من نجد، واشتقاقه من التهم وَهُوَ شدَّة الْحر وركود الرّيح، يُقَال: أتهم إِذا أَتَى تهَامَة. كَمَا يُقَال: أنجد إِذا أَتَى نجداً. قَوْله: (كَعْب بن لؤَي وعامر بن لؤَي) بِضَم اللَّام وَفتح الْهمزَة وَشدَّة الْيَاء، إِنَّمَا اقْتصر على ذكر هذَيْن لكَون قُرَيْش الَّذين كَانُوا بِمَكَّة أجمع يرجع أنسابهم إِلَيْهِمَا، وَلم يكن بِمَكَّة مِنْهُم أحد، وَكَذَلِكَ قُرَيْش
стр. 4027
الظَّوَاهِر الَّذين مِنْهُم بَنو تَمِيم بن غَالب ومحارب بن فهر. قَوْله: (على أعداد مياه الْحُدَيْبِيَة) الْأَعْدَاد، بِالْفَتْح جمع: عد، بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيد، وَهُوَ المَاء الَّذِي لَا انْقِطَاع لَهُ، يُقَال: مَاء عد، ومياه أعداد، قَالَ ابْن قرقول مثل: ند وأنداد، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ مَوضِع بِمَكَّة، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَهُوَ ذُهُول مِنْهُ. قَوْله: (وَمَعَهُمْ العوذ المطافيل) ، العوذ بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو، وَفِي آخِره ذال مُعْجمَة: جمع عَائِذ، وَهِي النَّاقة الَّتِي مَعهَا وَلَدهَا، والمطافيل: الْأُمَّهَات اللَّاتِي مَعهَا أطفالها. قَالَ السُّهيْلي: يُرِيد أَنهم خَرجُوا بذوات الألبان ويتزودون بألبانها وَلَا يرجعُونَ حَتَّى يناجزوا رَسُول الله، ﷺ فِي زعمهم، وَإِنَّمَا قيل للناقة: عَائِذ، وَإِن كَانَ الْوَلَد هُوَ الَّذِي يعوذ بهَا لِأَنَّهَا عاطف عَلَيْهِ، كَمَا قَالُوا: تِجَارَة رابحة، وَإِن كَانَت مربوحاً فِيهَا، لِأَنَّهَا فِي معنى نامية زاكية. وَقَالَ الْخطابِيّ: العوذ الحديثات النِّتَاج، وَقَالَ ابْن التِّين: يجمع أَيْضا على عيذان. مثل: رَاع ورعيان. قلت: هَذَا التَّمْثِيل غير صَحِيح لِأَن: عائذاً، أجوف واوي، و: الرَّاعِي، نَاقص يائي. وَقَالَ الدَّاودِيّ: العوذ: سراة الرِّجَال، قَالَ ابْن التِّين: وَهُوَ ذُهُول، وَقيل: هِيَ النَّاقة الَّتِي لَهَا سبع لَيَال مُنْذُ ولدت، وَقيل: عشرَة، وَقيل: خمس عشرَة ثمَّ هِيَ مطفل بعد ذَلِك، وَقيل: النِّسَاء مَعَ الْأَوْلَاد، وَقيل: النوق مَعَ فصلائها، وَهَذَا هُوَ أَصْلهَا وَقَالَ ابْن الْأَثِير: جاؤا بالعوذ المطافيل أَي: الْإِبِل مَعَ أَوْلَادهَا. المطفل: النَّاقة الْقَرِيبَة الْعَهْد بالنتاج مَعهَا طفلها، يُقَال: أطفلت فَهِيَ مطفل ومطفلة، وَالْجمع: مطافل ومطافيل، بالإشباع يُرِيد أَنهم جاؤا بأجمعهم كبارهم وصغارهم وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن سعد: مَعَهم العوذ المطافيل وَالنِّسَاء وَالصبيان. قَوْله: (وصادُّوكَ) ، أَي: مانعوك، أَصله صادون: فَلَمَّا أضيف إِلَى كَاف الْخطاب حذفت النُّون، وَأَصله: صادٍ دُون، فأدغمت الدَّال فِي الدَّال. قَوْله: (قد نهكتهم الْحَرْب) ، بِفَتْح النُّون وَكسر الْهَاء وَفتحهَا: أَي بلغت فيهم الْحَرْب وأضرت بهم وهزلتهم. قَوْله: (ماددتهم، أَي: ضربت مَعَهم مُدَّة للصلح. قَوْله: (ويخلوا بيني وَبَين النَّاس) ، أَي: من كفار الْعَرَب وَغَيرهم. قَوْله: (فَإِن أظهر) ، قَالَ ابْن التِّين وَقع فِي بعض الْكتب بِالْوَاو وَهُوَ بِالْجَزْمِ أَي: إِن غلبت عَلَيْهِم. قَوْله: (فَإِن شاؤا) ، شَرط مَعْطُوف على الشَّرْط الأول، وَجَوَاب الشَّرْطَيْنِ. قَوْله: (فعلوا) . قَوْله: (وإلَاّ) ، أَي: وَإِن لم أظهر، أَي: وَإِن لم أغلب عَلَيْهِم (فقد جموا) بِالْجِيم الْمَفْتُوحَة وَضم الْمِيم الْمُشَدّدَة، أَي: استراحوا من جهد الْحَرْب، وَقد فسر بَعضهم هَذَا الْكَلَام: بقوله: إِن ظهر غَيرهم عَليّ كفاهم المؤونة، وَإِن أظهر أَنا فَإِن شاؤا أطاعوني وإلَاّ فَلَا تَنْقَضِي مُدَّة الصُّلْح إلَاّ وَقد جموا. انْتهى. قلت: من لَهُ إِدْرَاك فِي حل التراكيب ينظر فِيهِ: هَل هَذَا التَّفْسِير الَّذِي فسره يُطَابق هَذَا الْكَلَام أم لَا؟ فَإِن قلت: مَا معنى ترديده ﷺ فِي هَذَا مَعَ أَنه جازم بِأَن الله تَعَالَى سينصره ويظهره عَلَيْهِم. قلت: هَذَا على طَرِيق التنزل مَعَ الْخصم، وعَلى سَبِيل الْفَرْض، ولمجاراة مَعَهم بزعمهم. وَقَالَ بَعضهم: ولهذه النُّكْتَة حذف القسيم الأول وَهُوَ التَّصْرِيح بِظُهُور غَيره عَلَيْهِ. قلت: وَقع التَّصْرِيح بِهِ فِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق وَلَفظه: فَإِن أصابوني كَانَ الَّذِي أَرَادوا. قَوْله: (حَتَّى تنفرد سالفتي) بِالسِّين الْمُهْملَة وَكسر اللَّام أَي: حَتَّى ينْفَصل مقدم عنقِي، أَي: حَتَّى أقتل. وَقَالَ الْخطابِيّ: أَي: حَتَّى يبين عنقِي، والسالفة مقدم الْعُنُق، وَقيل: صفحة الْعُنُق. وَفِي (الْمُحكم) : السالفة أَعلَى الْعُنُق. وَقَالَ الدَّاودِيّ: المُرَاد الْمَوْت، أَي: حَتَّى أَمُوت وَأبقى مُنْفَردا فِي قَبْرِي. قَوْله: (ولينفذن الله) بِضَم الْيَاء وَكسر الْفَاء أَي: ليمضين الله أمره فِي نصر دينه ويظهره وَإِن كَرهُوا. قَوْله: (فَقَالَ سفهاؤهم) ، سمى الْوَاقِدِيّ مِنْهُم: عِكْرِمَة بن أبي جهل وَالْحكم بن أبي الْعَاصِ. قَوْله: (فَقَامَ عُرْوَة بن مَسْعُود) أَي: ابْن معتب، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة الثَّقَفِيّ، أسلم بعد ذَلِك وَرجع إِلَى قومه ودعاهم إِلَى الْإِسْلَام فَقَتَلُوهُ، فَقَالَ وَمِنْهَا:: مثله كَمثل صَاحب يَس فِي قومه، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: إِن مَجِيء عُرْوَة قبل قصَّة مَجِيء سُهَيْل بن عَمْرو، وَالله أعلم. قَوْله: (أَي قوم) أَي: يَا قومِي. قَوْله: (ألستم بالوالد؟) أَي: بِمثل الْوَالِد فِي الشَّفَقَة والمحبة. قَوْله: (أَو لَسْتُم بِالْوَلَدِ؟) أَي: مثل الْوَلَد فِي النصح لوالده، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: ألستم بِالْوَلَدِ وألست بالوالد؟ (قَالُوا: بلَى) وَالصَّوَاب هُوَ الأول. وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق وَأحمد وَغَيرهمَا، وَزَاد إِبْنِ إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ: إِن أم عُرْوَة هِيَ سبيعة بنت عبد شمس بن عبد منَاف. قَوْله: (فَهَل تتهموني؟) أَي: قَالَ عُرْوَة: تنسبوني إِلَى التُّهْمَة؟ قَالُوا: لَا، لِأَنَّهُ كَانَ سيداً مُطَاعًا لَيْسَ بمتهم. قَوْله: (إِنِّي استنفرت أهل عكاظ) ، أَي: دعوتهم إِلَى نصركم وعكاظ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْكَاف وبالظاء الْمُعْجَمَة: وَهُوَ اسْم سوق بِنَاحِيَة مَكَّة كَانَت الْعَرَب تَجْتَمِع بهَا فِي كل سنة مرّة. قَوْله: (فلمَّا بلَّحُوا عَليّ) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد اللَاّم وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة أَي: عجزوا، يُقَال: بلَّح الْفرس إِذا أعيى ووقف، وَقَالَ ابْن قرقول: وَتَخْفِيف اللَّام، قَالَ لُغَة الأغشى، واشتكى الأوصال مِنْهُ وبلح. وَقَالَ الْخطابِيّ:
стр. 4028
بلّحوا: امْتَنعُوا، يُقَال: بلَّح الْغَرِيم إِذا قَامَ عَلَيْك فَلم يؤد حَقك، وبلَّحْت الْبركَة إِذا انْقَطع مَاؤُهَا. قَوْله: (قد عرض لكم) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: قد عرض عَلَيْكُم. قَوْله: (خطة رشد) بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الطَّاء الْمُهْملَة، والرشد، بِضَم الرَّاء وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَبِفَتْحِهَا أَي: خصْلَة خير وَصَلَاح، وإنصاف، وَيُقَال: خُذ خطة الْإِنْصَاف أَي: انتصف. قَوْله: (آتيه) ، بِالْيَاءِ على الِاسْتِئْنَاف أَي: أَنا آتيه، وَيجوز: أته، بِالْجَزْمِ جَوَابا لِلْأَمْرِ. قَوْله: (قَالُوا: ائته) هَذَا أَمر من: أَتَى يَأْتِي، وَالْأَمر مِنْهُ يَأْتِي بهمزتين أحداهما همزَة الْكَلِمَة وَالْأُخْرَى همزَة الْوَصْل فحذفت همزَة الْكَلِمَة للتَّخْفِيف، وَقَالَ بَعضهم: قَالُوا: ائته، بِأَلف وصل بعْدهَا همزَة سَاكِنة ثمَّ مثناة مَكْسُورَة ثمَّ هَاء سَاكِنة، وَيجوز كسرهَا. قلت: لَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ لَا يُقَال ألف الْوَصْل، وَإِنَّمَا يُقَال: همزَة الْوَصْل، لِأَن الْألف لَا تقبل الْحَرَكَة، وَلَا يجوز تسكين الْهَاء إلَاّ عِنْد الْوَقْف لِأَنَّهَا هَاء الضَّمِير وَلَيْسَت بهاء السكت حَتَّى تكون سَاكِنة، وَكَيف يَقُول: وَيجوز كسرهَا؟ بل كسرهَا مُتَعَيّن فِي الأَصْل. قَوْله: (نَحوا من قَوْله لبديل) . وَزَاد ابْن إِسْحَاق: وَأخْبرهُ أَنه لم يَأْتِ، يُرِيد حَربًا. قَوْله: (فَقَالَ عُرْوَة عِنْد ذَلِك) أَي: عِنْد قَوْله: لأقاتلنهم. قَوْله: (أَي مُحَمَّد) أَي: يَا مُحَمَّد. قَوْله: (أَرَأَيْت؟) أَي: أَخْبرنِي. قَوْله: (إِن استأصلت أَمر قَوْمك) من الاستئصال وَهُوَ الِاسْتِهْلَاك بِالْكُلِّيَّةِ. قَوْله: (اجتاح) بجيم وَفِي آخِره حاء مُهْملَة، وَمَعْنَاهُ: استأصل. قَوْله: (وَإِن تكن الْأُخْرَى) جَزَاؤُهُ مَحْذُوف تَقْدِيره: وَإِن تكن الدولة لقَوْمك فَلَا يخفى مَا يَفْعَلُونَ بكم، وَفِيه رِعَايَة الْأَدَب مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، حَيْثُ لم يُصَرح إلَاّ بشق غالبيته، وَلَفظ، فَأَنِّي، كالتعليل لظُهُور شقّ المغلوبية. قَوْله: (وُجُوهًا) ، أَي: أَعْيَان النَّاس. قَوْله: (أشواباً) بِتَقْدِيم الشين الْمُعْجَمَة على الْوَاو. قَالَ الْخطابِيّ: يُرِيد الأخلاط من النَّاس. قَالَ: والشوب الْخَلْط، ويروى: أوشاباً، بِتَقْدِيم الْوَاو على الشين، وَهُوَ مثله يُقَال: هم أوشاب وأشابات: إِذا كَانُوا من قبائل شَتَّى مُخْتَلفين، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني: أوباشاً، وهم الأخلاط من السفلة. وَقَالَ الدَّاودِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى: الأوشاب: أرذل النَّاس، وَعَن الْقَزاز مثل الأوباش. قَوْله: (خليقاً) ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالْقَاف، أَي: حَقِيقا وزنا وَمعنى، يُقَال: خليق للْوَاحِد وَالْجمع، فَلذَلِك وَقع صفة لأشواب ويروى: خلقاء، بِالْجمعِ. قَوْله: (أَن يَفروا) ، أَي: بِأَن يَفروا ويدعوك: أَي يتركوك، بِفَتْح الدَّال وَهُوَ من الْأَفْعَال الَّتِي أمات الْعَرَب ماضيها، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن الْعَادة جرت أَن الجيوش المجتمعة من أخلاط النَّاس لَا يُؤمن عَلَيْهِم الْفِرَار، بِخِلَاف من كَانَ من قَبيلَة وَاحِدَة، فَإِنَّهُم يأنفون الْفِرَار فِي الْعَادة، وَفَاتَ عُرْوَة الْعلم بِأَن مَوَدَّة الْإِسْلَام أعظم من مَوَدَّة الْقَرَابَة. قَوْله: (فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: وَأَبُو بكر الصّديق خلف رَسُول الله، ﷺ ، قَاعد، فَقَالَ لَهُ، أَي: لعروة: (امصص بظر اللات) ويروى عَن الزُّهْرِيّ: وَهِي طاغيته، أَي: اللات طاغية عُرْوَة الَّتِي تعبد، وامصص: بِفَتْح الصَّاد الأولى، أَمر من: مصص يمصص، من بَاب: علم يعلم، كَذَا قَيده الْأصيلِيّ، وَقَالَ ابْن قرقول: هُوَ الصَّوَاب من مص يمص، وَهُوَ أصل مطرد فِي المضاعف مَفْتُوح الثَّانِي، وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ: ضم الصَّاد الأولى حكى عَنهُ ابْن التِّين وخطأها. والبظر، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الظَّاء الْمُعْجَمَة: قِطْعَة تبقى بعد الْخِتَان فِي فرج الْمَرْأَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هِيَ عنة عِنْد شفري الْفرج لم تخْفض. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: هِيَ الهنة الَّتِي تقطعها الخافضة من فرج الْمَرْأَة عِنْد الْخِتَان. قلت: قَول الْكرْمَانِي: عِنْد شفري الْفرج، لَيْسَ كَذَلِك، بل البظر بَين شفريها، وَكَذَا قَالَ فِي (الْمغرب) : بظر الْمَرْأَة هنة بَين شفري رَحمهَا، وَقَالَ أَبُو عبيد: البظارة مَا بَين الأسكتين، وهما جانبا الْحيَاء، وَقَالَ أَبُو زيد: هُوَ البظر، وَقَالَ ابْن مَالك: هُوَ البنظر، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: البيظرة مَا تقطعه الخاتنة من الْجَارِيَة ذكره فِي (الْمُخَصّص) وَفِي (الْمُحكم) : البظر مَا بَين الأسكتين، وَالْجمع: بظور، وَهُوَ البيظر والبيظارة، وَامْرَأَة بظراء: طَوِيلَة البظر، وَالِاسْم: البظر، وَلَا فعل لَهُ، والبظر: الخاتن كَأَنَّهُ على السَّلب، وَرجل أبظر لم يختتن. وَقَالَ ابْن التِّين: هِيَ كلمة تَقُولهَا الْعَرَب عِنْد الذَّم والمشاتمة، لَكِن تَقول: بظر أمه، واستعار أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ذَلِك فِي اللات لتعظيمهم إِيَّاهَا، وَحمل أَبَا بكر على ذَلِك مَا أغضبهُ بِهِ من نِسْبَة الْمُسلمين إِلَى الْفِرَار. قَوْله: (أَنَحْنُ نفر؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار. قَوْله: (من ذَا؟) قَالُوا: أَبُو بكر. وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: فَقَالَ: من هَذَا يَا مُحَمَّد؟ قَالَ: ابْن أبي قُحَافَة. قَوْله: (إِمَّا هُوَ) حرف استفتاح. قَوْله: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ) ، يدل على أَن الْقسم بِذَاكَ كَانَ عَادَة الْعَرَب. قَوْله: (لَوْلَا يَد) ، أَي: نعْمَة ومنة. قَوْله: (لم أجزك بهَا) أَي: لم أكافِكَ، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: وَلَكِن هَذِه بهَا، أَي: جازاه بِعَدَمِ
стр. 4029
إجَابَته عَن شَتمه بِيَدِهِ الَّتِي كَانَ أحسن إِلَيْهِ بهَا، وَجَاء عَن الزُّهْرِيّ بَيَان الْيَد الْمَذْكُورَة، وَهُوَ أَن عُرْوَة كَانَ تحمل بدية فأعانه فِيهَا أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بعون حسن، وَفِي رِوَايَة الْوَاقِدِيّ: عشر قَلَائِص. قَوْله: (فَكلما تكلم) ، وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ والكشميهني: فَكلما كَلمه أَخذ بلحيته، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: فَجعل يتَنَاوَل لحية النَّبِي، ﷺ وَهُوَ يكلمهُ. قَوْله: (والمغيرة بن شُعْبَة قَائِم) ، وَفِي رِوَايَة أبي الْأسود عَن عُرْوَة: أَن الْمُغيرَة، لما رأى عُرْوَة بن مَسْعُود مُقبلا، لبس لأمته وَجعل على رَأسه المغفر ليستخفي من عُرْوَة عَمه. قَوْله: (بنعل السَّيْف) ، وَهُوَ مَا يكون أَسْفَل القراب من فضَّة أَو غَيرهَا. قَوْله: (أخر) أَمر من التَّأْخِير، وَزَاد ابْن إِسْحَاق فِي رِوَايَته: قبل أَن لَا تصل إِلَيْك، وَفِي رِوَايَة عُرْوَة بن الزبير: فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِمُشْرِكٍ أَن يمسهُ، وَفِي رِوَايَة إِبْنِ إِسْحَاق، فَيَقُول عُرْوَة: وَيحك مَا أفظك وأغلظك؟ وَكَانَت عَادَة الْعَرَب أَن يتَنَاوَل الرجل لحية من يكلمهُ، وَلَا سِيمَا عِنْد الملاطفة، وَيُقَال: عَادَة الْعَرَب أَنهم يستعملونه كثيرا، يُرِيدُونَ بذلك التحبب والتواصل، وَحكي عَن بعض الْعَجم فعل ذَلِك أَيْضا، وَأكْثر الْعَرَب فعلا لذَلِك أهل الْيمن، وَإِنَّمَا كَانَ الْمُغيرَة يمنعهُ من ذَلِك إعظاماً لسيدنا رَسُول الله، ﷺ وإكباراً لقدره، إِذْ كَانَ إِنَّمَا يفعل ذَلِك الرجل بنظيره دون الرؤساء، وَكَانَ النَّبِي، ﷺ لم يمنعهُ من ذَلِك تألفاً لَهُ واستمالة لِقَلْبِهِ وقلب أَصْحَابه. قَوْله: (فَقَالَ: من هَذَا؟ قَالُوا: الْمُغيرَة) وَفِي رِوَايَة أبي الْأسود عَن عُرْوَة بن الزبير: فَلَمَّا أَكثر الْمُغيرَة مِمَّا يقرع يَده غضب، وَقَالَ: (لَيْت شعري من هَذَا الَّذِي قد آذَانِي من بَين أَصْحَابك، وَالله لَا أَحسب فِيكُم ألأم مِنْهُ وَلَا أشر منزلَة؟) وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: فَتَبَسَّمَ رَسُول الله، ﷺ . فَقَالَ لَهُ عُرْوَة: (من هَذَا يَا مُحَمَّد؟) قَالَ: هَذَا ابْن أَخِيك الْمُغيرَة بن شُعْبَة. قَوْله: (فَقَالَ: أَي غدر) أَي: فَقَالَ عُرْوَة مُخَاطبا للْمُغِيرَة: يَا غدر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة على وزن: عمر، معدول عَن: غادر، مُبَالغَة فِي وَصفه بالغدر. قَوْله: (أَلَسْت أسعى فِي غدرتك) ، أَي: أَلَسْت أسعى فِي دفع شَرّ جنايتك ببذل المَال وَنَحْوه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَكَانَ بَينهمَا قرَابَة. قلت: قد ذكرنَا أَنه كَانَ ابْن أخي عُرْوَة، وَكَأن الْكرْمَانِي لم يطلع على هَذَا، فَلهَذَا أبهمه. وَفِي الْمَغَازِي: عُرْوَة؟ وَالله مَا غسلت يَدي من غدرتك، وَلَقَد أورثتنا الْعَدَاوَة فِي ثَقِيف. وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: وَهل غسلت سوأتك إلَاّ بالْأَمْس؟ قَوْله: (وَكَانَ الْمُغيرَة صحب قوما فِي الْجَاهِلِيَّة فَقَتلهُمْ) . وَبَيَانه مَا ذكره ابْن هِشَام، وَهُوَ: أَنه خرج مَعَ ثَلَاثَة عشر نَفرا من ثَقِيف من بني مَالك، فغدر بهم فَقَتلهُمْ وَأخذ أَمْوَالهم، فتهايج الْفَرِيقَانِ: بَنو مَالك والأحلاف رَهْط الْمُغيرَة، فسعى عُرْوَة بن مَسْعُود عَم الْمُغيرَة حَتَّى أخذُوا مِنْهُ دِيَة ثَلَاثَة عشر نفسا واصطلحوا، وَذكر الْوَاقِدِيّ الْقِصَّة، وحاصلها: أَنهم كَانُوا خَرجُوا زائرين الْمُقَوْقس بِمصْر فَأحْسن إِلَيْهِم وَأَعْطَاهُمْ وَقصر بالمغيرة، فحصلت لَهُ الْغيرَة مِنْهُم، فَلَمَّا كَانُوا بِالطَّرِيقِ شربوا الْخمر، فَلَمَّا سَكِرُوا وناموا وثب الْمُغيرَة فَقَتلهُمْ وَلحق بِالْمَدِينَةِ فَأسلم. قَوْله: (أما الْإِسْلَام فَأقبل) ، بِلَفْظ الْمُتَكَلّم أَي: أقبله. قَوْله: (وَأما المَال فلست مِنْهُ فِي شَيْء) ، أَي: لَا أتعرض إِلَيْهِ لكَونه أَخذه غدراً، وَلما قدم الْمُغيرَة على رَسُول الله، ﷺ وَأسلم قَالَ لَهُ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (مَا فعل المالكيون الَّذين كَانُوا مَعَك؟) قَالَ: قَتلتهمْ وَجئْت بأسلابهم إِلَى رَسُول الله، ﷺ ليخمس، أَو ليرى فِيهَا رَأْيه، فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : أما المَال فلست مِنْهُ فِي شَيْء، يُرِيد: فِي حل، لِأَنَّهُ علم أَن أَصله غصب، وأموال الْمُشْركين، وَإِن كَانَت مغنومة عِنْد الْقَهْر، فَلَا يحل أَخذهَا عِنْد الْأَمْن، فَإِذا كَانَ الْإِنْسَان مصاحباً لَهُم فقد أَمن كل وَاحِد مِنْهُم صَاحبه، فسفك الدِّمَاء وَأخذ الْأَمْوَال عِنْد ذَلِك غدر، والغدر بالكفار وَغَيرهم مَحْظُور. قَوْله: (فَجعل يرمق) بِضَم الْمِيم، أَي: يلحظ. قَوْله: (مَا تنخم رَسُول الله، ﷺ نخامة) ويروى: إِن تنخم رَسُول الله، ﷺ نخامة، وَهِي: أَن النافية مثل: مَا، و: النخامة، بِضَم النُّون الَّتِي تخرج من أقْصَى الْحلق وَمن مخرج الْخَاء الْمُعْجَمَة. قَوْله: (فدلك بهَا) أَي: بالنخامة (وَجهه وَجلده) وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق أَيْضا: وَلَا يسْقط من شعره شَيْء إلَاّ أَخَذُوهُ. قَوْله: (ابتدروا) أَمر من الإبتدار، فِي الْأَمر وَهُوَ الْإِسْرَاع فِيهِ. قَوْله: (وضوءه) بِفَتْح الْوَاو وَهُوَ: المَاء الَّذِي يتوضؤ بِهِ. قَوْله: (وَمَا يحدون إِلَيْهِ النّظر) بِضَم الْيَاء وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة من: الْإِحْدَاد وَهُوَ شدَّة النّظر. قَوْله: (ووفدت على قَيْصر وكسرى وَالنَّجَاشِي) هَذَا من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام مثل قَوْله: (وفدت على الْمُلُوك) يتَنَاوَل هَؤُلَاءِ فقيصر، غير منصرف للعجمة والعلمية: وَهُوَ لقب لكل من ملك الرّوم، وكسرى، بِكَسْر الْكَاف وَفتحهَا: اسْم لكل من ملك الْفرس، وَالنَّجَاشِي: بتَخْفِيف الْجِيم وَتَشْديد الْيَاء وتخفيفها:
стр. 4030
اسْم لكل من ملك الْحَبَشَة. قَوْله: (إِن رَأَيْت ملكا) أَي: مَا رَأَيْت ملكا، وَكلمَة: إِن، نَافِيَة. قَوْله: (فَقَالَ رجل من بني كنَانَة) وَهُوَ الْحُلَيْس، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة: ابْن عَلْقَمَة الْحَارِثِيّ. قَالَ ابْن مَاكُولَا: رَئِيس الْأَحَابِيش يَوْم أحد، وَقَالَ الزبير بن بكار: سيد الْأَحَابِيش. قَوْله: (وَهُوَ من قوم يعظمون الْبدن) أَي: لَيْسُوا مِمَّن يستحلها، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تحلوا شَعَائِر الله﴾ (الْمَائِدَة: ٥) . وَكَانُوا يعظمون شَأْنهَا وَلَا يصدون من أم الْبَيْت الْحَرَام، فَأمر رَسُول الله، ﷺ بإقامتها لَهُ من أجل علمه بتعظيمه لَهَا ليخبر بذلك قومه فيخلوا بَينه وَبَين الْبَيْت، وَالْبدن: بِضَم الْبَاء جمع بَدَنَة، وَهِي من الْإِبِل وَالْبَقر. قَوْله: (فابعثوها لَهُ) أَي: للرجل الَّذِي من كنَانَة. قَوْله: (فَبعثت) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فَاسْتَقْبلهُ النَّاس) أَي: اسْتقْبل الرجل الْكِنَانِي. قَوْله: (يلبون) ، جملَة حَالية أَي: يَقُولُونَ: لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك إِلَى آخِره. قَوْله: (فَلَمَّا رأى ذَلِك) أَي: الْمَذْكُور من الْبدن، واستقبال النَّاس بِالتَّلْبِيَةِ قَالَ تَعَجبا: سُبْحَانَ الله. وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: فَلَمَّا رأى الْهَدْي يسيل عَلَيْهِ من عرض الْوَادي بقلائده قد حبس عَن مَحَله رَجَعَ وَلم يصل إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، وَفِي رِوَايَة الْحَاكِم: فَصَالح الْحُلَيْس، فَقَالَ: هَلَكت قُرَيْش وَرب الْكَعْبَة إِن الْقَوْم إِنَّمَا أَتَوا عماراً. فَقَالَ النَّبِي، ﷺ أجل يَا أَخا بني كنَانَة، فأعلمهم بذلك. فَإِن قلت: بَين هَذَا وَبَين مَا رَوَاهُ ابْن إِسْحَاق مُنَافَاة؟ قلت: قيل: يحْتَمل أَن يكون خاطبه على بعد، وَالله أعلم. قَوْله: (أَن يصدوا) على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: يمنعوا. قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَغَضب وَقَالَ: يَا معشر قُرَيْش! مَا على هَذَا عاقدناكم أيصد عَن بَيت الله من جَاءَ مُعظما لَهُ؟ فَقَالُوا: كف عَنَّا يَا حليس حَتَّى نَأْخُذ لأنفسنا مَا نرضى. قَوْله: (فَقَامَ رجل مِنْهُم يُقَال لَهُ مكرز) بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْكَاف وَفتح الرَّاء بعْدهَا زَاي: ابْن حَفْص، وَحَفْص بن الأخيف بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالْيَاء آخر الْحُرُوف ثمَّ الْفَاء، وَهُوَ من بني عَامر بن لؤَي. قَوْله: (وَهُوَ رجل فَاجر) وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: غادر، وَهَذَا أرجح لِأَنَّهُ كَانَ مَشْهُورا بالغدر وَلم يصدر مِنْهُ فِي قصَّة الْحُدَيْبِيَة فجور ظَاهر، بل الَّذِي صدر مِنْهُ خلاف ذَلِك، يظْهر ذَلِك فِي قصَّة أبي جندل. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: أَرَادَ أَن يبيت المسلميين بِالْحُدَيْبِية فَخرج فِي خمسين رجلا، فَأَخذهُم مُحَمَّد بن مسلمة وَهُوَ على الحرس، فَانْقَلَبَ مِنْهُم مكرز. قَوْله: (فَبَيْنَمَا هُوَ يكلمهُ) أَي: بَيْنَمَا يكلم مكرز النَّبِي ﷺ : (إِذْ جَاءَ سُهَيْل بن عَمْرو) وَكلمَة: إِذْ، للمفاجأة، وَفِي رِوَايَة إِبْنِ إِسْحَاق: دعت قُرَيْش سُهَيْل بن عَمْرو فَقَالُوا: إذهب إِلَى هَذَا الرجل فَصَالحه. قَالَ: فَقَالَ النَّبِي ﷺ : قد أَرَادَت قُرَيْش الصُّلْح حِين بعثت هَذَا. قَوْله: (قَالَ معمر: فَأَخْبرنِي أَيُّوب عَن عِكْرِمَة) إِلَى آخِره، هَذَا مَوْصُول إِلَى معمر بن رَاشد بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور أَولا، وَهُوَ مُرْسل، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَعِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس. قَوْله: (لقد سهل لكم من أَمركُم) ، تفاءل النَّبِي، ﷺ ، باسم سُهَيْل بن عَمْرو على أَن أَمرهم قد سهل لَهُم. قَوْله: (قَالَ معمر: قَالَ الزُّهْرِيّ) هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَهُوَ أَيْضا مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الأول إِلَى معمر، وَهُوَ بَقِيَّة الحَدِيث، وَإِنَّمَا اعْترض حَدِيث عِكْرِمَة فِي أَثْنَائِهِ. قَوْله: (هَات) أَمر للمفرد الْمُذكر تَقول: هاتِ يَا رجل بِكَسْر التَّاء أَي: أَعْطِنِي، وللأثنين: هاتيا، مثل: إتيا، وللجمع: هاتوا، وللمرأة: هَاتِي، بِالْيَاءِ وللمرأتين: هاتيا، وللنساء: هَاتين، مثل: عاطين. قَالَ الْخَلِيل: أصل هَات من: أَتَى يُؤْتِي، فقلبت الْألف: هَاء. قَوْله: (أكتب بَيْننَا وَبَيْنكُم كتابا) وَفِي رِوَايَة إِبْنِ إِسْحَاق: فَلَمَّا انْتهى، أَي: سُهَيْل، إِلَى النَّبِي، ﷺ ، جرى بَينهمَا القَوْل حَتَّى وَقع بَينهمَا الصُّلْح على أَن تُوضَع الْحَرْب بَينهم عشر سِنِين، وَأَن يَأْمَن النَّاس بَعضهم بَعْضًا، وَأَن يرجع عَنْهُم عَامهمْ هَذَا، وَهَذَا الْقدر من مُدَّة الصُّلْح الَّتِي ذكرهَا ابْن إِسْحَاق هُوَ الْمُتَعَمد عَلَيْهَا، وَكَذَا جزم بِهِ ابْن سعد، وَأخرجه الْحَاكِم. فَإِن قلت: وَقع عِنْد مُوسَى بن عقبَة وَغَيره أَن الْمدَّة كَانَت سنتَيْن. قلت: قد وفْق بَينهمَا بِأَن الَّذِي قَالَه ابْن إِسْحَاق هِيَ الْمدَّة الَّتِي وَقع الصُّلْح علهيا، وَالَّذِي ذكره مُوسَى وَغَيره هِيَ الْمدَّة الَّتِي انْتهى أَمر الصُّلْح فِيهَا، حَتَّى وَقع نقضه على يَد قُرَيْش، كَمَا سَيَأْتِي بَيَان ذَلِك فِي غَزْوَة الْفَتْح، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. فَإِن قلت: وَقع عِنْد ابْن عدي فِي (الْكَامِل) و (الْأَوْسَط) للطبراني من حَدِيث ابْن عمر: (أَن مُدَّة الصُّلْح كَانَت أَربع سِنِين) ؟ قلت: هَذَا ضَعِيف ومنكر ومخالف للصحيح، وَالله أعلم. قَوْله: (فَدَعَا النَّبِي ﷺ الْكَاتِب) ، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: ثمَّ دَعَا رَسُول الله ﷺ ، عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، (فَقَالَ: (أكتب: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) قَالَ سُهَيْل: (أما الرَّحْمَن فوَاللَّه مَا أَدْرِي مَا هُوَ) وَفِي رِوَايَة إِبْنِ إِسْحَاق: قَالَ سُهَيْل: (لَا أعرف هَذَا وَلَكِن أكتب بِاسْمِك أللهم) ، وَإِنَّمَا أنكر سُهَيْل الْبَسْمَلَة
следующие страницы →