← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

هُوَ مَا يظْهر من المَاء زمن الشتَاء وَيذْهب فِي الصَّيف، وَقيل: لَا يكون إلَاّ فِيمَا غلظ من الأَرْض. قَوْله: (قَلِيل المَاء) ، تَأْكِيد لَهُ، قَالَ بَعضهم، تَأْكِيد لدفع توهم أَن ترَاد لُغَة من يَقُول إِن الثمد المَاء الْكثير. قلت: إِنَّمَا يتَوَجَّه هَذَا الْكَلَام أَن لَو ثَبت فِي اللُّغَة: أَن الثمد المَاء الْكثير أَيْضا، فَإِذا ثَبت يكون من الأضداد، فَيحْتَاج إِلَى ثُبُوت هَذَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الثمد، ذكر مَعْنَاهُ فِيمَا بعده على سَبِيل التَّفْسِير. قَوْله: (يتبرضه النَّاس) ،، أَي: يأخذونه قَلِيلا قَلِيلا، ومادته بَاء مُوَحدَة وَرَاء وضاد مُعْجمَة، والبرض: هُوَ الْيَسِير من الْعَطاء. قَوْله: (تبرضاً) مصدر من بَاب التفعل الَّذِي يَجِيء للتكلف وانتصابه على أَنه مفعول مُطلق. قَوْله: (فَلم يلبثه) بِضَم الْيَاء وَسُكُون اللَّام من الْإِثْبَات، وَقَالَ ابْن التِّين، بِفَتْح اللَّام وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة المثقلة: من التلبيث أَي: لم يَتْرُكُوهُ يثبت أَي: يُقيم. قَوْله: (وشكى) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فَانْتزع سَهْما من كِنَانَته) أَي: أخرج نشابة من جعبته. قَوْله: (ثمَّ أَمرهم أَن يَجْعَلُوهُ فِيهِ) أَي: ثمَّ أَمرهم رَسُول الله، ﷺ أَن يجْعَلُوا السهْم فِي الثمد الْمَذْكُور، وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ: (فَأخْرج سَهْما من كِنَانَته فَأعْطَاهُ رجلا من أَصْحَابه، فَنزل قليباً من تِلْكَ الْقلب فغرزه من جَوْفه، فَجَاشَ بِالرَّوَاءِ) . وَقَالَ إِبْنِ إِسْحَاق: إِن الَّذِي نزل فِي القليب بِسَهْم رَسُول الله، ﷺ نَاجِية بن جُنْدُب سائق بدن رَسُول الله، ﷺ : قَالَ: وَقد زعم بعض أهل الْعلم: كَانَ الْبَراء بن عَازِب، يَقُول: أَنا الَّذِي نزلت بِسَهْم رَسُول الله، ﷺ . وروى الْوَاقِدِيّ من طَرِيق خَالِد بن عبَادَة الْغِفَارِيّ، قَالَ: (أَنا الَّذِي نزلت بِالسَّهْمِ) ، والتوفيق بَين هَذِه الرِّوَايَات أَن يُقَال: إِن هَؤُلَاءِ تعاونوا فِي النُّزُول فِي القليب. قَوْله: (يَجِيش لَهُم بِالريِّ) ، أَي: يفور، ومادته: جِيم وياء آخر الْحُرُوف وشين مُعْجمَة، قَالَ ابْن سَيّده: جَاشَتْ تجيش جَيْشًا وجيوشاً وجيشاناً، وَكَانَ الْأَصْمَعِي يَقُول: جَاشَتْ بِغَيْر همزَة، فارت، وبهمزة: ارْتَفَعت، والري بِكَسْر الرَّاء وَفتحهَا، مَا يرويهم. فَإِن قلت: سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب فِي قصَّة الْحُدَيْبِيَة: أَنه، ﵊، جلس على الْبِئْر ثمَّ دَعَا بِإِنَاء فَتَمَضْمَض، ودعا وصبه فِيهَا، ثمَّ قَالَ: دَعُوهَا سَاعَة، ثمَّ إِنَّهُم ارتووا وَبعد ذَلِك قلت: لَا مَانع من كَون وُقُوع الْأَمريْنِ مَعًا، وَقد روى الْوَاقِدِيّ من طَرِيق أَوْس بن خولي أَنه، ﷺ ، تَوَضَّأ فِي الدَّلْو ثمَّ أفرغه فِيهَا وانتزع السهْم فَوَضعه فِيهَا، وَهَكَذَا ذكر أَبُو الْأسود فِي رِوَايَته عَن عُرْوَة أَنه ﷺ تمضمض فِي دلو وصبه فِي الْبِئْر وَنزع سَهْما من كِنَانَته فَأَلْقَاهُ فِيهَا، ودعا ففارت، وَهَذِه الْقِصَّة غير الْقِصَّة الْآتِيَة فِي الْمَغَازِي أَيْضا من حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: عَطش النَّاس بِالْحُدَيْبِية وَبَين يَدي رَسُول الله، ﷺ ، ركوة، فَتَوَضَّأ مِنْهَا فَوضع يَده فِيهَا، فَجعل المَاء يفور من بَين أَصَابِعه ... الحَدِيث، وَكَأن ذَلِك كَانَ قبل قصَّة الْبِئْر. قَوْله: فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فَبينا هم كَذَلِك، بِدُونِ الْمِيم. قَوْله: (بديل بن وَرْقَاء) بديل، بِضَم الْبَاء وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وورقاء بِالْقَافِ، مؤنث الأورق الْخُزَاعِيّ، قَالَ أَبُو عمر: أسلم يَوْم الْفَتْح بمر الظهْرَان وَشهد حنيناً والطائف وتبوك، وَكَانَ من كبار مسلمة الْفَتْح، وَقيل: أسلم قبل ذَلِك وَتُوفِّي فِي حَيَاة سيدنَا رَسُول الله، ﷺ . وَقَالَ ابْن حبَان: وَكَانَ سيد قومه، وَكَانَ من دهاة الْعَرَب. قَوْله: (فِي نفر من قومه) ، ذكر الْوَاقِدِيّ مِنْهُم عَمْرو بن سَالم وخراش بن أُميَّة فِي رِوَايَة الْأسود عَن عُرْوَة مِنْهُم خَارِجَة بن كرز وَيزِيد بن أُميَّة. قَوْله: (وَكَانُوا عَيْبَة نصح رَسُول الله، ﷺ العيبة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَهِي فِي الأَصْل مَا يوضع فِيهِ الثِّيَاب لحفظها، وَالْمرَاد بهَا هُنَا: مَوضِع سره وأمانته، شبه الْإِنْسَان الَّذِي هُوَ مستودع سره بالعيبة الَّتِي هِيَ مستودع الثِّيَاب، أَي: مَحل نصحه وَمَوْضِع أسراره، والنصح بِضَم النُّون، وَحكى ابْن التِّين فتحهَا على أَنه مصدر من نصخ ينصح نصحاً بِالْفَتْح. قلت: هُوَ بِالضَّمِّ اسْم، وَأَصله فِي اللُّغَة الخلوص، يُقَال: نَصَحته وَنَصَحْت لَهُ ونصح رَسُول الله، ﷺ ، عبارَة عَن التَّصْدِيق بنبوته ورسالته والانقياد لما أَمر بِهِ وَنهى عَنهُ. قَوْله: (من أهل تهَامَة) لبَيَان الْجِنْس، لِأَن خُزَاعَة كَانُوا من جملَة أهل تهَامَة، وتهامة، بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: وَهِي مَكَّة وَمَا حولهَا من الْبلدَانِ. وحدَّها من جِهَة الْمَدِينَة، العرج، ومنتهاها إِلَى أقْصَى الْيمن، وَيُقَال: تهَامَة إسم لكل مَا نزل من نجد، واشتقاقه من التهم وَهُوَ شدَّة الْحر وركود الرّيح، يُقَال: أتهم إِذا أَتَى تهَامَة. كَمَا يُقَال: أنجد إِذا أَتَى نجداً. قَوْله: (كَعْب بن لؤَي وعامر بن لؤَي) بِضَم اللَّام وَفتح الْهمزَة وَشدَّة الْيَاء، إِنَّمَا اقْتصر على ذكر هذَيْن لكَون قُرَيْش الَّذين كَانُوا بِمَكَّة أجمع يرجع أنسابهم إِلَيْهِمَا، وَلم يكن بِمَكَّة مِنْهُم أحد، وَكَذَلِكَ قُرَيْش

стр. 4027

الظَّوَاهِر الَّذين مِنْهُم بَنو تَمِيم بن غَالب ومحارب بن فهر. قَوْله: (على أعداد مياه الْحُدَيْبِيَة) الْأَعْدَاد، بِالْفَتْح جمع: عد، بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيد، وَهُوَ المَاء الَّذِي لَا انْقِطَاع لَهُ، يُقَال: مَاء عد، ومياه أعداد، قَالَ ابْن قرقول مثل: ند وأنداد، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ مَوضِع بِمَكَّة، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَهُوَ ذُهُول مِنْهُ. قَوْله: (وَمَعَهُمْ العوذ المطافيل) ، العوذ بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو، وَفِي آخِره ذال مُعْجمَة: جمع عَائِذ، وَهِي النَّاقة الَّتِي مَعهَا وَلَدهَا، والمطافيل: الْأُمَّهَات اللَّاتِي مَعهَا أطفالها. قَالَ السُّهيْلي: يُرِيد أَنهم خَرجُوا بذوات الألبان ويتزودون بألبانها وَلَا يرجعُونَ حَتَّى يناجزوا رَسُول الله، ﷺ فِي زعمهم، وَإِنَّمَا قيل للناقة: عَائِذ، وَإِن كَانَ الْوَلَد هُوَ الَّذِي يعوذ بهَا لِأَنَّهَا عاطف عَلَيْهِ، كَمَا قَالُوا: تِجَارَة رابحة، وَإِن كَانَت مربوحاً فِيهَا، لِأَنَّهَا فِي معنى نامية زاكية. وَقَالَ الْخطابِيّ: العوذ الحديثات النِّتَاج، وَقَالَ ابْن التِّين: يجمع أَيْضا على عيذان. مثل: رَاع ورعيان. قلت: هَذَا التَّمْثِيل غير صَحِيح لِأَن: عائذاً، أجوف واوي، و: الرَّاعِي، نَاقص يائي. وَقَالَ الدَّاودِيّ: العوذ: سراة الرِّجَال، قَالَ ابْن التِّين: وَهُوَ ذُهُول، وَقيل: هِيَ النَّاقة الَّتِي لَهَا سبع لَيَال مُنْذُ ولدت، وَقيل: عشرَة، وَقيل: خمس عشرَة ثمَّ هِيَ مطفل بعد ذَلِك، وَقيل: النِّسَاء مَعَ الْأَوْلَاد، وَقيل: النوق مَعَ فصلائها، وَهَذَا هُوَ أَصْلهَا وَقَالَ ابْن الْأَثِير: جاؤا بالعوذ المطافيل أَي: الْإِبِل مَعَ أَوْلَادهَا. المطفل: النَّاقة الْقَرِيبَة الْعَهْد بالنتاج مَعهَا طفلها، يُقَال: أطفلت فَهِيَ مطفل ومطفلة، وَالْجمع: مطافل ومطافيل، بالإشباع يُرِيد أَنهم جاؤا بأجمعهم كبارهم وصغارهم وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن سعد: مَعَهم العوذ المطافيل وَالنِّسَاء وَالصبيان. قَوْله: (وصادُّوكَ) ، أَي: مانعوك، أَصله صادون: فَلَمَّا أضيف إِلَى كَاف الْخطاب حذفت النُّون، وَأَصله: صادٍ دُون، فأدغمت الدَّال فِي الدَّال. قَوْله: (قد نهكتهم الْحَرْب) ، بِفَتْح النُّون وَكسر الْهَاء وَفتحهَا: أَي بلغت فيهم الْحَرْب وأضرت بهم وهزلتهم. قَوْله: (ماددتهم، أَي: ضربت مَعَهم مُدَّة للصلح. قَوْله: (ويخلوا بيني وَبَين النَّاس) ، أَي: من كفار الْعَرَب وَغَيرهم. قَوْله: (فَإِن أظهر) ، قَالَ ابْن التِّين وَقع فِي بعض الْكتب بِالْوَاو وَهُوَ بِالْجَزْمِ أَي: إِن غلبت عَلَيْهِم. قَوْله: (فَإِن شاؤا) ، شَرط مَعْطُوف على الشَّرْط الأول، وَجَوَاب الشَّرْطَيْنِ. قَوْله: (فعلوا) . قَوْله: (وإلَاّ) ، أَي: وَإِن لم أظهر، أَي: وَإِن لم أغلب عَلَيْهِم (فقد جموا) بِالْجِيم الْمَفْتُوحَة وَضم الْمِيم الْمُشَدّدَة، أَي: استراحوا من جهد الْحَرْب، وَقد فسر بَعضهم هَذَا الْكَلَام: بقوله: إِن ظهر غَيرهم عَليّ كفاهم المؤونة، وَإِن أظهر أَنا فَإِن شاؤا أطاعوني وإلَاّ فَلَا تَنْقَضِي مُدَّة الصُّلْح إلَاّ وَقد جموا. انْتهى. قلت: من لَهُ إِدْرَاك فِي حل التراكيب ينظر فِيهِ: هَل هَذَا التَّفْسِير الَّذِي فسره يُطَابق هَذَا الْكَلَام أم لَا؟ فَإِن قلت: مَا معنى ترديده ﷺ فِي هَذَا مَعَ أَنه جازم بِأَن الله تَعَالَى سينصره ويظهره عَلَيْهِم. قلت: هَذَا على طَرِيق التنزل مَعَ الْخصم، وعَلى سَبِيل الْفَرْض، ولمجاراة مَعَهم بزعمهم. وَقَالَ بَعضهم: ولهذه النُّكْتَة حذف القسيم الأول وَهُوَ التَّصْرِيح بِظُهُور غَيره عَلَيْهِ. قلت: وَقع التَّصْرِيح بِهِ فِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق وَلَفظه: فَإِن أصابوني كَانَ الَّذِي أَرَادوا. قَوْله: (حَتَّى تنفرد سالفتي) بِالسِّين الْمُهْملَة وَكسر اللَّام أَي: حَتَّى ينْفَصل مقدم عنقِي، أَي: حَتَّى أقتل. وَقَالَ الْخطابِيّ: أَي: حَتَّى يبين عنقِي، والسالفة مقدم الْعُنُق، وَقيل: صفحة الْعُنُق. وَفِي (الْمُحكم) : السالفة أَعلَى الْعُنُق. وَقَالَ الدَّاودِيّ: المُرَاد الْمَوْت، أَي: حَتَّى أَمُوت وَأبقى مُنْفَردا فِي قَبْرِي. قَوْله: (ولينفذن الله) بِضَم الْيَاء وَكسر الْفَاء أَي: ليمضين الله أمره فِي نصر دينه ويظهره وَإِن كَرهُوا. قَوْله: (فَقَالَ سفهاؤهم) ، سمى الْوَاقِدِيّ مِنْهُم: عِكْرِمَة بن أبي جهل وَالْحكم بن أبي الْعَاصِ. قَوْله: (فَقَامَ عُرْوَة بن مَسْعُود) أَي: ابْن معتب، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة الثَّقَفِيّ، أسلم بعد ذَلِك وَرجع إِلَى قومه ودعاهم إِلَى الْإِسْلَام فَقَتَلُوهُ، فَقَالَ وَمِنْهَا:: مثله كَمثل صَاحب يَس فِي قومه، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: إِن مَجِيء عُرْوَة قبل قصَّة مَجِيء سُهَيْل بن عَمْرو، وَالله أعلم. قَوْله: (أَي قوم) أَي: يَا قومِي. قَوْله: (ألستم بالوالد؟) أَي: بِمثل الْوَالِد فِي الشَّفَقَة والمحبة. قَوْله: (أَو لَسْتُم بِالْوَلَدِ؟) أَي: مثل الْوَلَد فِي النصح لوالده، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: ألستم بِالْوَلَدِ وألست بالوالد؟ (قَالُوا: بلَى) وَالصَّوَاب هُوَ الأول. وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق وَأحمد وَغَيرهمَا، وَزَاد إِبْنِ إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ: إِن أم عُرْوَة هِيَ سبيعة بنت عبد شمس بن عبد منَاف. قَوْله: (فَهَل تتهموني؟) أَي: قَالَ عُرْوَة: تنسبوني إِلَى التُّهْمَة؟ قَالُوا: لَا، لِأَنَّهُ كَانَ سيداً مُطَاعًا لَيْسَ بمتهم. قَوْله: (إِنِّي استنفرت أهل عكاظ) ، أَي: دعوتهم إِلَى نصركم وعكاظ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْكَاف وبالظاء الْمُعْجَمَة: وَهُوَ اسْم سوق بِنَاحِيَة مَكَّة كَانَت الْعَرَب تَجْتَمِع بهَا فِي كل سنة مرّة. قَوْله: (فلمَّا بلَّحُوا عَليّ) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد اللَاّم وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة أَي: عجزوا، يُقَال: بلَّح الْفرس إِذا أعيى ووقف، وَقَالَ ابْن قرقول: وَتَخْفِيف اللَّام، قَالَ لُغَة الأغشى، واشتكى الأوصال مِنْهُ وبلح. وَقَالَ الْخطابِيّ:

стр. 4028

بلّحوا: امْتَنعُوا، يُقَال: بلَّح الْغَرِيم إِذا قَامَ عَلَيْك فَلم يؤد حَقك، وبلَّحْت الْبركَة إِذا انْقَطع مَاؤُهَا. قَوْله: (قد عرض لكم) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: قد عرض عَلَيْكُم. قَوْله: (خطة رشد) بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الطَّاء الْمُهْملَة، والرشد، بِضَم الرَّاء وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَبِفَتْحِهَا أَي: خصْلَة خير وَصَلَاح، وإنصاف، وَيُقَال: خُذ خطة الْإِنْصَاف أَي: انتصف. قَوْله: (آتيه) ، بِالْيَاءِ على الِاسْتِئْنَاف أَي: أَنا آتيه، وَيجوز: أته، بِالْجَزْمِ جَوَابا لِلْأَمْرِ. قَوْله: (قَالُوا: ائته) هَذَا أَمر من: أَتَى يَأْتِي، وَالْأَمر مِنْهُ يَأْتِي بهمزتين أحداهما همزَة الْكَلِمَة وَالْأُخْرَى همزَة الْوَصْل فحذفت همزَة الْكَلِمَة للتَّخْفِيف، وَقَالَ بَعضهم: قَالُوا: ائته، بِأَلف وصل بعْدهَا همزَة سَاكِنة ثمَّ مثناة مَكْسُورَة ثمَّ هَاء سَاكِنة، وَيجوز كسرهَا. قلت: لَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ لَا يُقَال ألف الْوَصْل، وَإِنَّمَا يُقَال: همزَة الْوَصْل، لِأَن الْألف لَا تقبل الْحَرَكَة، وَلَا يجوز تسكين الْهَاء إلَاّ عِنْد الْوَقْف لِأَنَّهَا هَاء الضَّمِير وَلَيْسَت بهاء السكت حَتَّى تكون سَاكِنة، وَكَيف يَقُول: وَيجوز كسرهَا؟ بل كسرهَا مُتَعَيّن فِي الأَصْل. قَوْله: (نَحوا من قَوْله لبديل) . وَزَاد ابْن إِسْحَاق: وَأخْبرهُ أَنه لم يَأْتِ، يُرِيد حَربًا. قَوْله: (فَقَالَ عُرْوَة عِنْد ذَلِك) أَي: عِنْد قَوْله: لأقاتلنهم. قَوْله: (أَي مُحَمَّد) أَي: يَا مُحَمَّد. قَوْله: (أَرَأَيْت؟) أَي: أَخْبرنِي. قَوْله: (إِن استأصلت أَمر قَوْمك) من الاستئصال وَهُوَ الِاسْتِهْلَاك بِالْكُلِّيَّةِ. قَوْله: (اجتاح) بجيم وَفِي آخِره حاء مُهْملَة، وَمَعْنَاهُ: استأصل. قَوْله: (وَإِن تكن الْأُخْرَى) جَزَاؤُهُ مَحْذُوف تَقْدِيره: وَإِن تكن الدولة لقَوْمك فَلَا يخفى مَا يَفْعَلُونَ بكم، وَفِيه رِعَايَة الْأَدَب مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، حَيْثُ لم يُصَرح إلَاّ بشق غالبيته، وَلَفظ، فَأَنِّي، كالتعليل لظُهُور شقّ المغلوبية. قَوْله: (وُجُوهًا) ، أَي: أَعْيَان النَّاس. قَوْله: (أشواباً) بِتَقْدِيم الشين الْمُعْجَمَة على الْوَاو. قَالَ الْخطابِيّ: يُرِيد الأخلاط من النَّاس. قَالَ: والشوب الْخَلْط، ويروى: أوشاباً، بِتَقْدِيم الْوَاو على الشين، وَهُوَ مثله يُقَال: هم أوشاب وأشابات: إِذا كَانُوا من قبائل شَتَّى مُخْتَلفين، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني: أوباشاً، وهم الأخلاط من السفلة. وَقَالَ الدَّاودِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى: الأوشاب: أرذل النَّاس، وَعَن الْقَزاز مثل الأوباش. قَوْله: (خليقاً) ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالْقَاف، أَي: حَقِيقا وزنا وَمعنى، يُقَال: خليق للْوَاحِد وَالْجمع، فَلذَلِك وَقع صفة لأشواب ويروى: خلقاء، بِالْجمعِ. قَوْله: (أَن يَفروا) ، أَي: بِأَن يَفروا ويدعوك: أَي يتركوك، بِفَتْح الدَّال وَهُوَ من الْأَفْعَال الَّتِي أمات الْعَرَب ماضيها، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن الْعَادة جرت أَن الجيوش المجتمعة من أخلاط النَّاس لَا يُؤمن عَلَيْهِم الْفِرَار، بِخِلَاف من كَانَ من قَبيلَة وَاحِدَة، فَإِنَّهُم يأنفون الْفِرَار فِي الْعَادة، وَفَاتَ عُرْوَة الْعلم بِأَن مَوَدَّة الْإِسْلَام أعظم من مَوَدَّة الْقَرَابَة. قَوْله: (فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: وَأَبُو بكر الصّديق خلف رَسُول الله، ﷺ ، قَاعد، فَقَالَ لَهُ، أَي: لعروة: (امصص بظر اللات) ويروى عَن الزُّهْرِيّ: وَهِي طاغيته، أَي: اللات طاغية عُرْوَة الَّتِي تعبد، وامصص: بِفَتْح الصَّاد الأولى، أَمر من: مصص يمصص، من بَاب: علم يعلم، كَذَا قَيده الْأصيلِيّ، وَقَالَ ابْن قرقول: هُوَ الصَّوَاب من مص يمص، وَهُوَ أصل مطرد فِي المضاعف مَفْتُوح الثَّانِي، وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ: ضم الصَّاد الأولى حكى عَنهُ ابْن التِّين وخطأها. والبظر، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الظَّاء الْمُعْجَمَة: قِطْعَة تبقى بعد الْخِتَان فِي فرج الْمَرْأَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هِيَ عنة عِنْد شفري الْفرج لم تخْفض. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: هِيَ الهنة الَّتِي تقطعها الخافضة من فرج الْمَرْأَة عِنْد الْخِتَان. قلت: قَول الْكرْمَانِي: عِنْد شفري الْفرج، لَيْسَ كَذَلِك، بل البظر بَين شفريها، وَكَذَا قَالَ فِي (الْمغرب) : بظر الْمَرْأَة هنة بَين شفري رَحمهَا، وَقَالَ أَبُو عبيد: البظارة مَا بَين الأسكتين، وهما جانبا الْحيَاء، وَقَالَ أَبُو زيد: هُوَ البظر، وَقَالَ ابْن مَالك: هُوَ البنظر، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: البيظرة مَا تقطعه الخاتنة من الْجَارِيَة ذكره فِي (الْمُخَصّص) وَفِي (الْمُحكم) : البظر مَا بَين الأسكتين، وَالْجمع: بظور، وَهُوَ البيظر والبيظارة، وَامْرَأَة بظراء: طَوِيلَة البظر، وَالِاسْم: البظر، وَلَا فعل لَهُ، والبظر: الخاتن كَأَنَّهُ على السَّلب، وَرجل أبظر لم يختتن. وَقَالَ ابْن التِّين: هِيَ كلمة تَقُولهَا الْعَرَب عِنْد الذَّم والمشاتمة، لَكِن تَقول: بظر أمه، واستعار أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ذَلِك فِي اللات لتعظيمهم إِيَّاهَا، وَحمل أَبَا بكر على ذَلِك مَا أغضبهُ بِهِ من نِسْبَة الْمُسلمين إِلَى الْفِرَار. قَوْله: (أَنَحْنُ نفر؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار. قَوْله: (من ذَا؟) قَالُوا: أَبُو بكر. وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: فَقَالَ: من هَذَا يَا مُحَمَّد؟ قَالَ: ابْن أبي قُحَافَة. قَوْله: (إِمَّا هُوَ) حرف استفتاح. قَوْله: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ) ، يدل على أَن الْقسم بِذَاكَ كَانَ عَادَة الْعَرَب. قَوْله: (لَوْلَا يَد) ، أَي: نعْمَة ومنة. قَوْله: (لم أجزك بهَا) أَي: لم أكافِكَ، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: وَلَكِن هَذِه بهَا، أَي: جازاه بِعَدَمِ

стр. 4029

إجَابَته عَن شَتمه بِيَدِهِ الَّتِي كَانَ أحسن إِلَيْهِ بهَا، وَجَاء عَن الزُّهْرِيّ بَيَان الْيَد الْمَذْكُورَة، وَهُوَ أَن عُرْوَة كَانَ تحمل بدية فأعانه فِيهَا أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بعون حسن، وَفِي رِوَايَة الْوَاقِدِيّ: عشر قَلَائِص. قَوْله: (فَكلما تكلم) ، وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ والكشميهني: فَكلما كَلمه أَخذ بلحيته، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: فَجعل يتَنَاوَل لحية النَّبِي، ﷺ وَهُوَ يكلمهُ. قَوْله: (والمغيرة بن شُعْبَة قَائِم) ، وَفِي رِوَايَة أبي الْأسود عَن عُرْوَة: أَن الْمُغيرَة، لما رأى عُرْوَة بن مَسْعُود مُقبلا، لبس لأمته وَجعل على رَأسه المغفر ليستخفي من عُرْوَة عَمه. قَوْله: (بنعل السَّيْف) ، وَهُوَ مَا يكون أَسْفَل القراب من فضَّة أَو غَيرهَا. قَوْله: (أخر) أَمر من التَّأْخِير، وَزَاد ابْن إِسْحَاق فِي رِوَايَته: قبل أَن لَا تصل إِلَيْك، وَفِي رِوَايَة عُرْوَة بن الزبير: فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِمُشْرِكٍ أَن يمسهُ، وَفِي رِوَايَة إِبْنِ إِسْحَاق، فَيَقُول عُرْوَة: وَيحك مَا أفظك وأغلظك؟ وَكَانَت عَادَة الْعَرَب أَن يتَنَاوَل الرجل لحية من يكلمهُ، وَلَا سِيمَا عِنْد الملاطفة، وَيُقَال: عَادَة الْعَرَب أَنهم يستعملونه كثيرا، يُرِيدُونَ بذلك التحبب والتواصل، وَحكي عَن بعض الْعَجم فعل ذَلِك أَيْضا، وَأكْثر الْعَرَب فعلا لذَلِك أهل الْيمن، وَإِنَّمَا كَانَ الْمُغيرَة يمنعهُ من ذَلِك إعظاماً لسيدنا رَسُول الله، ﷺ وإكباراً لقدره، إِذْ كَانَ إِنَّمَا يفعل ذَلِك الرجل بنظيره دون الرؤساء، وَكَانَ النَّبِي، ﷺ لم يمنعهُ من ذَلِك تألفاً لَهُ واستمالة لِقَلْبِهِ وقلب أَصْحَابه. قَوْله: (فَقَالَ: من هَذَا؟ قَالُوا: الْمُغيرَة) وَفِي رِوَايَة أبي الْأسود عَن عُرْوَة بن الزبير: فَلَمَّا أَكثر الْمُغيرَة مِمَّا يقرع يَده غضب، وَقَالَ: (لَيْت شعري من هَذَا الَّذِي قد آذَانِي من بَين أَصْحَابك، وَالله لَا أَحسب فِيكُم ألأم مِنْهُ وَلَا أشر منزلَة؟) وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: فَتَبَسَّمَ رَسُول الله، ﷺ . فَقَالَ لَهُ عُرْوَة: (من هَذَا يَا مُحَمَّد؟) قَالَ: هَذَا ابْن أَخِيك الْمُغيرَة بن شُعْبَة. قَوْله: (فَقَالَ: أَي غدر) أَي: فَقَالَ عُرْوَة مُخَاطبا للْمُغِيرَة: يَا غدر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة على وزن: عمر، معدول عَن: غادر، مُبَالغَة فِي وَصفه بالغدر. قَوْله: (أَلَسْت أسعى فِي غدرتك) ، أَي: أَلَسْت أسعى فِي دفع شَرّ جنايتك ببذل المَال وَنَحْوه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَكَانَ بَينهمَا قرَابَة. قلت: قد ذكرنَا أَنه كَانَ ابْن أخي عُرْوَة، وَكَأن الْكرْمَانِي لم يطلع على هَذَا، فَلهَذَا أبهمه. وَفِي الْمَغَازِي: عُرْوَة؟ وَالله مَا غسلت يَدي من غدرتك، وَلَقَد أورثتنا الْعَدَاوَة فِي ثَقِيف. وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: وَهل غسلت سوأتك إلَاّ بالْأَمْس؟ قَوْله: (وَكَانَ الْمُغيرَة صحب قوما فِي الْجَاهِلِيَّة فَقَتلهُمْ) . وَبَيَانه مَا ذكره ابْن هِشَام، وَهُوَ: أَنه خرج مَعَ ثَلَاثَة عشر نَفرا من ثَقِيف من بني مَالك، فغدر بهم فَقَتلهُمْ وَأخذ أَمْوَالهم، فتهايج الْفَرِيقَانِ: بَنو مَالك والأحلاف رَهْط الْمُغيرَة، فسعى عُرْوَة بن مَسْعُود عَم الْمُغيرَة حَتَّى أخذُوا مِنْهُ دِيَة ثَلَاثَة عشر نفسا واصطلحوا، وَذكر الْوَاقِدِيّ الْقِصَّة، وحاصلها: أَنهم كَانُوا خَرجُوا زائرين الْمُقَوْقس بِمصْر فَأحْسن إِلَيْهِم وَأَعْطَاهُمْ وَقصر بالمغيرة، فحصلت لَهُ الْغيرَة مِنْهُم، فَلَمَّا كَانُوا بِالطَّرِيقِ شربوا الْخمر، فَلَمَّا سَكِرُوا وناموا وثب الْمُغيرَة فَقَتلهُمْ وَلحق بِالْمَدِينَةِ فَأسلم. قَوْله: (أما الْإِسْلَام فَأقبل) ، بِلَفْظ الْمُتَكَلّم أَي: أقبله. قَوْله: (وَأما المَال فلست مِنْهُ فِي شَيْء) ، أَي: لَا أتعرض إِلَيْهِ لكَونه أَخذه غدراً، وَلما قدم الْمُغيرَة على رَسُول الله، ﷺ وَأسلم قَالَ لَهُ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (مَا فعل المالكيون الَّذين كَانُوا مَعَك؟) قَالَ: قَتلتهمْ وَجئْت بأسلابهم إِلَى رَسُول الله، ﷺ ليخمس، أَو ليرى فِيهَا رَأْيه، فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : أما المَال فلست مِنْهُ فِي شَيْء، يُرِيد: فِي حل، لِأَنَّهُ علم أَن أَصله غصب، وأموال الْمُشْركين، وَإِن كَانَت مغنومة عِنْد الْقَهْر، فَلَا يحل أَخذهَا عِنْد الْأَمْن، فَإِذا كَانَ الْإِنْسَان مصاحباً لَهُم فقد أَمن كل وَاحِد مِنْهُم صَاحبه، فسفك الدِّمَاء وَأخذ الْأَمْوَال عِنْد ذَلِك غدر، والغدر بالكفار وَغَيرهم مَحْظُور. قَوْله: (فَجعل يرمق) بِضَم الْمِيم، أَي: يلحظ. قَوْله: (مَا تنخم رَسُول الله، ﷺ نخامة) ويروى: إِن تنخم رَسُول الله، ﷺ نخامة، وَهِي: أَن النافية مثل: مَا، و: النخامة، بِضَم النُّون الَّتِي تخرج من أقْصَى الْحلق وَمن مخرج الْخَاء الْمُعْجَمَة. قَوْله: (فدلك بهَا) أَي: بالنخامة (وَجهه وَجلده) وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق أَيْضا: وَلَا يسْقط من شعره شَيْء إلَاّ أَخَذُوهُ. قَوْله: (ابتدروا) أَمر من الإبتدار، فِي الْأَمر وَهُوَ الْإِسْرَاع فِيهِ. قَوْله: (وضوءه) بِفَتْح الْوَاو وَهُوَ: المَاء الَّذِي يتوضؤ بِهِ. قَوْله: (وَمَا يحدون إِلَيْهِ النّظر) بِضَم الْيَاء وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة من: الْإِحْدَاد وَهُوَ شدَّة النّظر. قَوْله: (ووفدت على قَيْصر وكسرى وَالنَّجَاشِي) هَذَا من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام مثل قَوْله: (وفدت على الْمُلُوك) يتَنَاوَل هَؤُلَاءِ فقيصر، غير منصرف للعجمة والعلمية: وَهُوَ لقب لكل من ملك الرّوم، وكسرى، بِكَسْر الْكَاف وَفتحهَا: اسْم لكل من ملك الْفرس، وَالنَّجَاشِي: بتَخْفِيف الْجِيم وَتَشْديد الْيَاء وتخفيفها:

стр. 4030

اسْم لكل من ملك الْحَبَشَة. قَوْله: (إِن رَأَيْت ملكا) أَي: مَا رَأَيْت ملكا، وَكلمَة: إِن، نَافِيَة. قَوْله: (فَقَالَ رجل من بني كنَانَة) وَهُوَ الْحُلَيْس، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة: ابْن عَلْقَمَة الْحَارِثِيّ. قَالَ ابْن مَاكُولَا: رَئِيس الْأَحَابِيش يَوْم أحد، وَقَالَ الزبير بن بكار: سيد الْأَحَابِيش. قَوْله: (وَهُوَ من قوم يعظمون الْبدن) أَي: لَيْسُوا مِمَّن يستحلها، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تحلوا شَعَائِر الله﴾ (الْمَائِدَة: ٥) . وَكَانُوا يعظمون شَأْنهَا وَلَا يصدون من أم الْبَيْت الْحَرَام، فَأمر رَسُول الله، ﷺ بإقامتها لَهُ من أجل علمه بتعظيمه لَهَا ليخبر بذلك قومه فيخلوا بَينه وَبَين الْبَيْت، وَالْبدن: بِضَم الْبَاء جمع بَدَنَة، وَهِي من الْإِبِل وَالْبَقر. قَوْله: (فابعثوها لَهُ) أَي: للرجل الَّذِي من كنَانَة. قَوْله: (فَبعثت) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فَاسْتَقْبلهُ النَّاس) أَي: اسْتقْبل الرجل الْكِنَانِي. قَوْله: (يلبون) ، جملَة حَالية أَي: يَقُولُونَ: لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك إِلَى آخِره. قَوْله: (فَلَمَّا رأى ذَلِك) أَي: الْمَذْكُور من الْبدن، واستقبال النَّاس بِالتَّلْبِيَةِ قَالَ تَعَجبا: سُبْحَانَ الله. وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: فَلَمَّا رأى الْهَدْي يسيل عَلَيْهِ من عرض الْوَادي بقلائده قد حبس عَن مَحَله رَجَعَ وَلم يصل إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، وَفِي رِوَايَة الْحَاكِم: فَصَالح الْحُلَيْس، فَقَالَ: هَلَكت قُرَيْش وَرب الْكَعْبَة إِن الْقَوْم إِنَّمَا أَتَوا عماراً. فَقَالَ النَّبِي، ﷺ أجل يَا أَخا بني كنَانَة، فأعلمهم بذلك. فَإِن قلت: بَين هَذَا وَبَين مَا رَوَاهُ ابْن إِسْحَاق مُنَافَاة؟ قلت: قيل: يحْتَمل أَن يكون خاطبه على بعد، وَالله أعلم. قَوْله: (أَن يصدوا) على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: يمنعوا. قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَغَضب وَقَالَ: يَا معشر قُرَيْش! مَا على هَذَا عاقدناكم أيصد عَن بَيت الله من جَاءَ مُعظما لَهُ؟ فَقَالُوا: كف عَنَّا يَا حليس حَتَّى نَأْخُذ لأنفسنا مَا نرضى. قَوْله: (فَقَامَ رجل مِنْهُم يُقَال لَهُ مكرز) بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْكَاف وَفتح الرَّاء بعْدهَا زَاي: ابْن حَفْص، وَحَفْص بن الأخيف بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالْيَاء آخر الْحُرُوف ثمَّ الْفَاء، وَهُوَ من بني عَامر بن لؤَي. قَوْله: (وَهُوَ رجل فَاجر) وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: غادر، وَهَذَا أرجح لِأَنَّهُ كَانَ مَشْهُورا بالغدر وَلم يصدر مِنْهُ فِي قصَّة الْحُدَيْبِيَة فجور ظَاهر، بل الَّذِي صدر مِنْهُ خلاف ذَلِك، يظْهر ذَلِك فِي قصَّة أبي جندل. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: أَرَادَ أَن يبيت المسلميين بِالْحُدَيْبِية فَخرج فِي خمسين رجلا، فَأَخذهُم مُحَمَّد بن مسلمة وَهُوَ على الحرس، فَانْقَلَبَ مِنْهُم مكرز. قَوْله: (فَبَيْنَمَا هُوَ يكلمهُ) أَي: بَيْنَمَا يكلم مكرز النَّبِي ﷺ : (إِذْ جَاءَ سُهَيْل بن عَمْرو) وَكلمَة: إِذْ، للمفاجأة، وَفِي رِوَايَة إِبْنِ إِسْحَاق: دعت قُرَيْش سُهَيْل بن عَمْرو فَقَالُوا: إذهب إِلَى هَذَا الرجل فَصَالحه. قَالَ: فَقَالَ النَّبِي ﷺ : قد أَرَادَت قُرَيْش الصُّلْح حِين بعثت هَذَا. قَوْله: (قَالَ معمر: فَأَخْبرنِي أَيُّوب عَن عِكْرِمَة) إِلَى آخِره، هَذَا مَوْصُول إِلَى معمر بن رَاشد بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور أَولا، وَهُوَ مُرْسل، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَعِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس. قَوْله: (لقد سهل لكم من أَمركُم) ، تفاءل النَّبِي، ﷺ ، باسم سُهَيْل بن عَمْرو على أَن أَمرهم قد سهل لَهُم. قَوْله: (قَالَ معمر: قَالَ الزُّهْرِيّ) هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَهُوَ أَيْضا مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الأول إِلَى معمر، وَهُوَ بَقِيَّة الحَدِيث، وَإِنَّمَا اعْترض حَدِيث عِكْرِمَة فِي أَثْنَائِهِ. قَوْله: (هَات) أَمر للمفرد الْمُذكر تَقول: هاتِ يَا رجل بِكَسْر التَّاء أَي: أَعْطِنِي، وللأثنين: هاتيا، مثل: إتيا، وللجمع: هاتوا، وللمرأة: هَاتِي، بِالْيَاءِ وللمرأتين: هاتيا، وللنساء: هَاتين، مثل: عاطين. قَالَ الْخَلِيل: أصل هَات من: أَتَى يُؤْتِي، فقلبت الْألف: هَاء. قَوْله: (أكتب بَيْننَا وَبَيْنكُم كتابا) وَفِي رِوَايَة إِبْنِ إِسْحَاق: فَلَمَّا انْتهى، أَي: سُهَيْل، إِلَى النَّبِي، ﷺ ، جرى بَينهمَا القَوْل حَتَّى وَقع بَينهمَا الصُّلْح على أَن تُوضَع الْحَرْب بَينهم عشر سِنِين، وَأَن يَأْمَن النَّاس بَعضهم بَعْضًا، وَأَن يرجع عَنْهُم عَامهمْ هَذَا، وَهَذَا الْقدر من مُدَّة الصُّلْح الَّتِي ذكرهَا ابْن إِسْحَاق هُوَ الْمُتَعَمد عَلَيْهَا، وَكَذَا جزم بِهِ ابْن سعد، وَأخرجه الْحَاكِم. فَإِن قلت: وَقع عِنْد مُوسَى بن عقبَة وَغَيره أَن الْمدَّة كَانَت سنتَيْن. قلت: قد وفْق بَينهمَا بِأَن الَّذِي قَالَه ابْن إِسْحَاق هِيَ الْمدَّة الَّتِي وَقع الصُّلْح علهيا، وَالَّذِي ذكره مُوسَى وَغَيره هِيَ الْمدَّة الَّتِي انْتهى أَمر الصُّلْح فِيهَا، حَتَّى وَقع نقضه على يَد قُرَيْش، كَمَا سَيَأْتِي بَيَان ذَلِك فِي غَزْوَة الْفَتْح، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. فَإِن قلت: وَقع عِنْد ابْن عدي فِي (الْكَامِل) و (الْأَوْسَط) للطبراني من حَدِيث ابْن عمر: (أَن مُدَّة الصُّلْح كَانَت أَربع سِنِين) ؟ قلت: هَذَا ضَعِيف ومنكر ومخالف للصحيح، وَالله أعلم. قَوْله: (فَدَعَا النَّبِي ﷺ الْكَاتِب) ، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: ثمَّ دَعَا رَسُول الله ﷺ ، عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، (فَقَالَ: (أكتب: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) قَالَ سُهَيْل: (أما الرَّحْمَن فوَاللَّه مَا أَدْرِي مَا هُوَ) وَفِي رِوَايَة إِبْنِ إِسْحَاق: قَالَ سُهَيْل: (لَا أعرف هَذَا وَلَكِن أكتب بِاسْمِك أللهم) ، وَإِنَّمَا أنكر سُهَيْل الْبَسْمَلَة

стр. 4031

لأَنهم كَانُوا يَكْتُبُونَ فِي الْجَاهِلِيَّة: بِاسْمِك أللهم، وَكَانَ النَّبِي، ﷺ ، فِي بَدْء الْإِسْلَام يكْتب كَذَلِك، وَهُوَ معنى قَوْله: (وَلَكِن أكتب بِاسْمِك اللَّهُمَّ) كَمَا كنت تكْتب، فَلَمَّا نزلت: ﴿بِسم الله مجريها﴾ (هود: ١١) . كتب ﴿بِسم الله﴾ وَلما نزل: ﴿ادعوا الرَّحْمَن﴾ (الْإِسْرَاء: ٧١) . كتب ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ (النَّمْل: ٠٣) . وَلما نزل ﴿إِنَّه من سُلَيْمَان وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ (النَّمْل: ٠٣) . كتب كَذَلِك فأدركتهم حمية الْجَاهِلِيَّة. قَوْله: (هَذَا مَا قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُول الله، ﷺ وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي أَوَائِل الصُّلْح فِي: بَاب كَيفَ يكْتب هَذَا مَا صَالح فلَان، وَكَذَلِكَ مضى الْكَلَام هُنَاكَ فِي سُهَيْل بن عَمْرو وَابْنه أبي جندل. قَوْله: (نطوف بِهِ) بتَشْديد الطَّاء وَالْوَاو وَأَصله نتطوف بِهِ. قَوْله: (فَقَالَ سُهَيْل (وَالله لَا) أَي: لَا يخلى بَيْنك وَبَين الْبَيْت. وَقَوله: (تَتَحَدَّث الْعَرَب) جملَة استثنافية وَلَيْسَت مدخولة: لَا، ومدخولة: لَا، محذوفة وَهِي الَّتِي قدرناها، وَبَعْضهمْ ظن أَن: لَا، دخلت على قَوْله: (تَتَحَدَّث الْعَرَب) حَتَّى قَالَ عِنْد شرح هَذَا: قَوْله: (لَا تَتَحَدَّث الْعَرَب) وَهَذَا ظن فَاسد، فَافْهَم، فَإِنَّهُ مَوضِع قَلِيل من يدْرك ذَلِك. قَوْله: (إِنَّا أَخذنَا ضغطة) أَي: قهرا. وَقَالَ الدَّاودِيّ: مفاجأة، وَهُوَ مَنْصُوب على التَّمْيِيز، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: يُقَال: ضغطه يضغطه ضغطاً: إِذا عصره وضيق عَلَيْهِ وقهره، وَمِنْه حَدِيث الْحُدَيْبِيَة: (إِنَّا أَخذنَا ضغطة) أَي: قهرا، يُقَال: أخذت فلَانا ضغضة، بِالضَّمِّ: إِذا ضيقت عَلَيْهِ لتكرهه على الشَّيْء. قَوْله: (فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ دخل أَبُو جندل) وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: فَإِن الصَّحِيفَة تكْتب إِذْ طلع أَبُو جندل، بِالْجِيم وَالنُّون على وزن جَعْفَر، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي الصُّلْح وَله أَخ اسْمه: عبد الله أسلم قَدِيما وَحضر مَعَ الْمُشْركين بَدْرًا ففر مِنْهُم إِلَى الْمُسلمين، ثمَّ كَانَ مَعَهم بِالْحُدَيْبِية، وَقد اسْتشْهد بِالْيَمَامَةِ قبل أبي جندل بِمدَّة، وَوهم من جَعلهمَا وَاحِدًا. قَوْله: (يرسف فِي قيوده) أَي: يمشي مشياً بطيئاً بِسَبَب الْقَيْد، ومادته: رَاء وسين مُهْملَة وَفَاء. قَوْله: (إِنَّا لم نقض الْكتاب بعد) أَي: لم نفرغ من كِتَابَته بعد، وَهُوَ من: الْقَضَاء، بِمَعْنى: الْفَرَاغ، ويروى: لم نفض، بِالْفَاءِ وَالضَّاد من: فض ختم الْكتاب، وَهُوَ كَسره وفتحه. قَوْله: (فأجزه لي) بِصِيغَة الْأَمر من الْإِجَازَة أَي: أمض فعلي فِيهِ، وَلَا أرده إِلَيْك وَفِي (الْجمع) للحميدي: فأجزه، بالراء وَرجح ابْن الْجَوْزِيّ الزَّاي. قَوْله: (مَا أَنا بمجيزه لَك) من الْإِجَازَة أَيْضا ويروى: بمجيز ذَلِك. قَوْله: (قَالَ مكرز: بلَى قد أجزنا ذَلِك) هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني بِلَفْظ: بلَى، وَفِي رِوَايَة غَيره: قَالَ مكرز بل بِحرف الإضراب. وَقَالَ بَعضهم: وَلَا يخفى مَا فِيهِ من النّظر، وَلم يذكر هُنَا مَا أجَاب بِهِ سُهَيْل مكرزاً فِي ذَلِك، قيل: لِأَن مكرزاً لم يكن مِمَّن جعل لَهُ أَمر عقد الصُّلْح، بِخِلَاف سُهَيْل، ورد على قَائِل هَذَا بِمَا رَوَاهُ الْوَاقِدِيّ: أَن مكرزاً مِمَّن جَاءَ فِي الصُّلْح مَعَ سُهَيْل، وَكَانَ مَعَهُمَا حويطب بن عبد الْعُزَّى، وَذكر أَيْضا أَن مكرزاً وحويطباً أخذا أَبَا جندل فأدخلاه فسطاطاً وَكَفاهُ أَبَاهُ عَنهُ. قَوْله: (فَقَالَ أَبُو جندل: أَي معشر الْمُسلمين) أَي: يَا معشر الْمُسلمين. قَوْله: (وَقد جِئْت مُسلما) أَي: حَال كوني مُسلما، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق. فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : يَا أَبَا جندل: إصبر واحتسب فَأَنا لَا نغدر، وَإِن الله جَاعل لَك فرجا ومخرجاً. قَالَ: فَوَثَبَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَعَ أبي جندل يمشي إِلَى جنبه، وَيَقُول: اصبر فَإِنَّمَا هم الْمُشْركُونَ، وَإِنَّمَا دم أحدهم كَدم كلب. قَالَ: ويدني قَائِم السَّيْف مِنْهُ، يَقُول عمر: رَجَوْت أَن يَأْخُذهُ مني فَيضْرب بِهِ أَبَاهُ، فضن الرجل أَي: بخل بِأَبِيهِ ونفذت الْقَضِيَّة، وَقَالَ الْخطابِيّ: تَأَول الْعلمَاء مَا وَقع فِي قصَّة أبي جندل على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الله تَعَالَى قد أَبَاحَ التقية إِذا خَافَ الْهَلَاك، وَرخّص لَهُ أَن يتَكَلَّم بالْكفْر مَعَ إِضْمَار الْإِيمَان مَعَ وجود السَّبِيل إِلَى الْخَلَاص من الْمَوْت بالتقية. وَالْوَجْه الثَّانِي: أَنه إِنَّمَا رده إِلَى أَبِيه، وَالْغَالِب أَن أَبَاهُ لَا يبلغ بِهِ للهلاك، وَإِن عذبه أَو سجنه فَلهُ مندوحة بالتقية أَيْضا، وَأما مَا يخَاف عَلَيْهِ من الْفِتْنَة فَإِن ذَلِك امتحان من الله يَبْتَلِي بِهِ صَبر عباده الْمُؤمنِينَ، وَقَالَت طَائِفَة: إِنَّمَا جَازَ رد الْمُسلمين إِلَيْهِم فِي الصُّلْح لقَوْله، ﷺ : لَا تَدعُونِي قُرَيْش إِلَى خطة يعظمون بهَا الْحرم إِلَّا أَجَبْتهم، وَفِي رد الْمُسلم إِلَى مَكَّة عمَارَة للبيت وَزِيَادَة خير من صلَاته بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام وطوافه بِالْبَيْتِ، فَكَانَ هَذَا من تَعْظِيم حرمات الله تَعَالَى، فعلى هَذَا يكون حكما مَخْصُوصًا بِمَكَّة وبسيدنا رَسُول الله، ﷺ ، وَغير جَائِز لمن بعده، كَمَا قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ. قَوْله: (فَقَالَ عمر بن الْخطاب: فَأتيت نَبِي الله) إِلَى آخر الْكَلَام، وَفِي رِوَايَة الْوَاقِدِيّ من حَدِيث أبي سعيد، قَالَ: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لقد دخلني أَمر عَظِيم، وراجعت النَّبِي، ﷺ مُرَاجعَة مَا راجعته مثلهَا قطّ، وَفِي سُورَة الْفَتْح، (فَقَالَ عمر: أَلسنا على الْحق وهم على الْبَاطِل؟ أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجنَّة وقتلاهم فِي النَّار؟ فعلى مَا نعطي الدنية فِي ديننَا وَنَرْجِع وَلم يحكم الله بَيْننَا؟) فَقَالَ: يَا ابْن الْخطاب

стр. 4032

(إِنِّي رَسُول الله وَلنْ يضيعني الله، فَرجع متغيظاً وَلم يصبر جتى جَاءَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) وَأخرجه الْبَزَّار من حَدِيث عمر نَفسه مُخْتَصرا، وَلَفظه: (قَالَ عمر: اتهموا الرَّأْي على الدّين، فَلَقَد رَأَيْتنِي أرد أَمر رَسُول الله، ﷺ ، برأيي وَمَا آلوت عَن الْحق) . وَفِيه: قَالَ: فَرضِي رَسُول الله، ﷺ ، وأبيت حَتَّى قَالَ: (يَا عمر! تراني رضيت وتأبى؟) قَوْله: (فَلِمَ نعطي الدنية؟) بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَكسر النُّون وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَهِي: النقيصة والخصلة الخسيسة. قَوْله: (إِذا) أَي: حِينَئِذٍ. قَوْله: (قَالَ: إِنِّي رَسُول الله وَلست أعصيه) تَنْبِيه لعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَي: إِنَّمَا أفعل هَذَا من أجل مَا اطلعني الله عَلَيْهِ من حبس النَّاقة، وَإِنِّي لست أفعل ذَلِك برأيي وَإِنَّمَا هُوَ بِوَحْي. قَوْله: (قَالَ: أَيهَا الرجل) يُخَاطب بِهِ أَبَا بكر عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَوْله: (إِنَّه لرَسُول الله ﷺ أَي: إِن مُحَمَّدًا لَرَسول الله، ويروى: إِنَّه رَسُول الله، بِلَا لَام. قَوْله: (فَاسْتَمْسك بغرزه) ، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء، وبالزاي وَهُوَ فِي الأَصْل لِلْإِبِلِ بِمَنْزِلَة الركاب للسرج، أَي: صَاحبه، وَلَا تخَالفه. قَوْله: (قَالَ الزُّهْرِيّ) ، هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الرَّاوِي وَهُوَ مَوْصُول إِلَى الزُّهْرِيّ بالسند الْمَذْكُور، وَهُوَ مُنْقَطع بَين الزُّهْرِيّ وَعمر قَوْله: (فَعمِلت لذَلِك أعمالاً) قَالَ الْكرْمَانِي: أَي من الْمَجِيء والذهاب وَالسُّؤَال وَالْجَوَاب، ورد عَلَيْهِ هَذَا التَّفْسِير، بل المُرَاد مِنْهُ الْأَعْمَال الصَّالِحَة ليكفر عَنهُ مَا مضى من التَّوَقُّف فِي الِامْتِثَال ابْتِدَاء، وَالدَّلِيل على صِحَة هَذَا مَا رُوِيَ عَنهُ التَّصْرِيح بمراده، بقوله: أعمالاً، فَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق (فَكَانَ عمر يَقُول: مَا زلت أَتصدق وَأَصُوم وأصلي وَأعْتق من الَّذِي صنعت يَوْمئِذٍ مَخَافَة كَلَامي الَّذِي تَكَلَّمت بِهِ) . وَرُوِيَ الْوَاقِدِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لقد أعتقت بِسَبَب ذَلِك رقاباً وَصمت دهراً. قَوْله: (فوَاللَّه مَا قَامَ مِنْهُم رجل) هَذَا لم يكن مِنْهُم مُخَالفَة لأَمره ﷺ ، وَإِنَّمَا كَانُوا ينتظرون إِحْدَاث الله تَعَالَى لرَسُوله ﷺ خلاف ذَلِك، فَيتم لَهُم قَضَاء نسكهم، فَلَمَّا رَأَوْهُ جَازِمًا قد فعل النَّحْر وَالْحلق علمُوا أَنه لَيْسَ وَرَاء ذَلِك غَايَة تنْتَظر، فبادروا إِلَى الإيتمار بقوله والإيتساء بِفِعْلِهِ، وظنوا أَن أمره، ﵊، بذلك للنَّدْب. قَوْله: (فَقَالَت أم سَلمَة: يَا نَبِي الله أخرج فَلَا تكلم أحدا مِنْهُم) ، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: قَالَت أم سَلمَة: يَا رَسُول الله: لَا تلمهم فَإِنَّهُم قد دخلهم أَمر عَظِيم مِمَّا أدخلت على نَفسك من الْمَشَقَّة فِي أَمر الصُّلْح، ورجوعهم بِغَيْر فتح، وَيحْتَمل أَنَّهَا فهمت عَن الصَّحَابَة أَنه احْتمل عِنْدهم أَن يكون النَّبِي، ﷺ أَمرهم بالتحلل أخذا بِالرُّخْصَةِ فِي حَقهم، وَأَنه هُوَ يسْتَمر على الْإِحْرَام أخذا بالعزيمة فِي حق نَفسه، فَأَشَارَتْ عَلَيْهِ أَن يتَحَلَّل لينتفي عَنْهُم هَذَا الِاحْتِمَال، وَعرف النَّبِي، ﷺ صَوَاب مَا أشارت بِهِ فَفعله، فَلَمَّا رأى الصَّحَابَة ذَلِك بَادرُوا إِلَى فعل مَا أَمرهم بِهِ، إِذْ لم يبْق بعد ذَلِك غَايَة تنْتَظر. قَوْله: (نحر بدنه) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: هَدْيه، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ سبعين بَدَنَة، كَانَ فِيهَا جمل لأبي جهل فِي رَأسه برة من فضَّة، وليغيظ بِهِ الْمُشْركين، وَكَانَ غنمه فِي غَزْوَة بدر. قَوْله: (ودعا حالقه) ، قَالَ إِبْنِ إِسْحَاق: بَلغنِي أَن الَّذِي حلقه فِي ذَلِك الْيَوْم هُوَ خرَاش بن أُميَّة بن الْفضل الْخُزَاعِيّ، وخراش، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره شين مُعْجمَة. قَوْله: (غما) أَي: ازدحاماً. قَوْله: (ثمَّ جَاءَهُ نسْوَة مؤمنات) ، قيل: ظَاهره أَنَّهُنَّ جئن إِلَيْهِ وَهُوَ بِالْحُدَيْبِية، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا جئن إِلَيْهِ بعد فِي أثْنَاء مُدَّة الصُّلْح (فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَات﴾ (الممتحنة: ٠١) . قَالَ ابْن كثير: وَفِي سِيَاق البُخَارِيّ: ثمَّ جَاءَ نسْوَة مؤمنات، يَعْنِي: بعد أَن حلق رَسُول الله، ﷺ ، فَأنْزل الله : ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَات مهاجرات﴾ حَتَّى بلغ: ﴿بعصم الكوافر﴾ (الممتحنة: ٠١) . وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي الصُّلْح فِي: بَاب مَا يجوز من الشُّرُوط فِي الْإِسْلَام. قَوْله: (فَجَاءَهُ أَبُو بَصِير) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الصَّاد الْمُهْملَة. قَوْله: (رجل من قُرَيْش) يَعْنِي: هُوَ رجل من قُرَيْش، أَي: بِالْحلف، واسْمه: عتبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقيل فِيهِ: عبيد مصغر عبد وَهُوَ وهم: ابْن أسيد، بِفَتْح الْهمزَة على الصَّحِيح: ابْن جَارِيَة، بِالْجِيم: الثَّقَفِيّ قَوْله: (وَهُوَ مُسلم) جملَة حَالية. قَوْله: (فأرسلوا فِي طلبه رجلَيْنِ) هما: خُنَيْس، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة: ابْن جَابر، وَمولى لَهُ يُقَال لَهُ: كوثر، وَسَيَأْتِي فِي آخر الْبَاب أَن الْأَخْنَس بن شريق هُوَ الَّذِي أرسل فِي طلبه، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: كتب

стр. 4033

الأحنس بن شريق والأزهر بن عبد عَوْف إِلَى رَسُول الله ﷺ كتابا وبعثا بِهِ مَعَ مولى لَهما وَرجل من بني عَامر استأجراه ببكرين. قَوْله: (فاستله الآخر) أَي: صَاحب السَّيْف، أخرجه من غمده. قَوْله: (فأمكنه مِنْهُ) ، هَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: فأمكنه بِهِ، أَي: بِيَدِهِ. قَوْله: (حَتَّى برد) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء أَي: مَاتَ، وَهُوَ كِنَايَة لِأَن الْبُرُودَة لَازم الْمَوْت، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: فعلاه حَتَّى قَتله. قَوْله: (وفر الآخر) ، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: وَخرج الْمولى يشْتَد هرباً. قَوْله: (ذعراً) ، بِضَم الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة أَي: فَزعًا وخوفاً. قَوْله: (قُتِلَ وَالله صَاحِبي) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي رِوَايَة إِبْنِ إِسْحَاق: قتل صَاحبكُم صَاحِبي. قَوْله: (وَإِنِّي لمقتول) ، يَعْنِي: إِن لم تردوه عني. وَوَقع فِي رِوَايَة أبي الْأسود عَن عُرْوَة: فَرده رَسُول الله، ﷺ إِلَيْهِمَا، فَأَوْثَقَاهُ حَتَّى إِذا كَانَا بِبَعْض الطَّرِيق نَامَا، فَتَنَاول السَّيْف بِفِيهِ، فأمَّره على الإسار فَقَطعه وَضرب أَحدهمَا بِالسَّيْفِ وَطلب الآخر فهرب. وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ عِنْد ابْن عَائِذ فِي (الْمَغَازِي) : وجمز الآخر واتبَّعه أَبُو بَصِير حَتَّى دفع إِلَى رَسُول الله، ﷺ فِي أَصْحَابه وَهُوَ عاض على أَسْفَل ثَوْبه وَقد بدا طرف ذكره، والحصى يطن من تَحت قَدَمَيْهِ من شدَّة عدوه، وَأَبُو بَصِير يتبعهُ. قَوْله: (قد وَالله أوفى الله ذِمَّتك) أَي: لَيْسَ عَلَيْك عتاب مِنْهُم فِيمَا صنعت أَنا، وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: وَالله قد أوفى الله، وَلَكِن الْقسم مَحْذُوف، وَالْمَذْكُور مُؤَكد لَهُ. قَوْله: (ويل أمه) ، بِضَم اللَّام وَقطع الْهمزَة وَكسر الْمِيم الْمُشَدّدَة، وَهِي كلمة: أَصْلهَا دُعَاء عَلَيْهِ، وَاسْتعْمل هُنَا للتعجب من إقدامه فِي الْحَرْب، والإيقاد لنارها وَسُرْعَة النهوض لَهَا) يرْوى: (ويلمه) ، بِحَذْف الْهمزَة تَخْفِيفًا، وَهُوَ مَنْصُوب على أَنه مفعول مُطلق، أَو هُوَ مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ ويل لأمه. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: إِذا أضفته فَلَيْسَ فِيهِ إلَاّ النصب، وَالْوَيْل يُطلق على الْعَذَاب وَالْحَرب والزجر. وَقَالَ الْفراء: وأصل قَوْلهم: ويل فلَان: وي لفُلَان، أَي: حزن لَهُ، فَكثر الإستعمال فألحقوا بهَا اللَّام فَصَارَت كَأَنَّهَا مِنْهَا، وأعربوها. وَقَالَ الْخَلِيل: إِن: وي، كلمة تعجب، وَهِي من أَسمَاء الْأَفْعَال، وَاللَّام بعْدهَا مَكْسُورَة، وَيجوز ضمهَا اتبَاعا للهمزة، وحذفت الْهمزَة تَخْفِيفًا. قَوْله: (مسعر حَرْب، بِكَسْر الْمِيم على لفظ الْآلَة، من الإسعار، وانتصابه على التَّمْيِيز، وَأَصله: من مسعر حَرْب، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: (محش حَرْب) ، بحاء مُهْملَة وشين مُعْجمَة وَهُوَ بِمَعْنى: مسعر، وَهُوَ الْعود الَّذِي تحرّك بِهِ النَّار. قَوْله: (لَو كَانَ لَهُ أحد) ، جَوَاب: لَو، مَحْذُوف أَي: لَو فرض لَهُ أحد ينصره ويعاضده. قَوْله: (سيف الْبَحْر) ، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا فَاء أَي: ساحله وَعين ابْن إِسْحَاق الْمَكَان فَقَالَ: حَتَّى نزل الْعيص، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا صَاد مُهْملَة، وَكَانَ طَرِيق أهل مَكَّة إِذا قصدُوا الشَّام. قَوْله: (وينفلت مِنْهُم أَبُو جندل) ، أَي: من أَبِيه وَأَهله، وَهُوَ من الإنفلات، بِالْفَاءِ وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: وَهُوَ التَّخَلُّص. فَإِن قلت: مَا النُّكْتَة فِي تَعْبِيره الْمُسْتَقْبل؟ قلت: إِرَادَة مُشَاهدَة الْحَال كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الله الَّذِي أرسل الرِّيَاح فتثير سحاباً﴾ (فاطر: ٩) . وَفِي رِوَايَة أبي الْأسود عَن عُرْوَة: (وانفلت أَبُو جندل فِي سبعين رَاكِبًا مُسلمين، فَلَحقُوا بِأبي بَصِير، فنزلوا قَرِيبا من ذِي الْمَرْوَة على طَرِيق عير قُرَيْش، فَقطعُوا مارَّتهم) . قَوْله: (حَتَّى اجْتمعت مِنْهُم عِصَابَة) أَي: جمَاعَة وَلَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا، وَهِي تطلق على أَرْبَعِينَ فَمَا دونهَا، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: أَنهم بلغُوا نَحوا من سبعين نفسا، وَجزم عُرْوَة فِي (الْمَغَازِي) : بِأَنَّهُم بلغُوا سبعين، وَزعم السُّهيْلي: أَنهم بلغُوا ثَلَاثمِائَة رجل، وَزَاد عُرْوَة: فَلَحقُوا بِأبي بَصِير وكرهوا أَن يقدموا الْمَدِينَة فِي مُدَّة الْهُدْنَة خشيَة أَن يعادوا إِلَى الْمُشْركين، وسمى الْوَاقِدِيّ مِنْهُم: الْوَلِيد بن الْوَلِيد بن الْمُغيرَة وَهَذَا كُله يدل على أَن الْعِصَابَة تطلق على أَكثر من أَرْبَعِينَ. قَوْله: (لَا يسمعُونَ بعير) ، أَي: بِخَبَر عِير، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة: وَهِي الْقَافِلَة. قَوْله: (فَأرْسلت قُرَيْش) وَفِي رِوَايَة أبي الْأسود عَن عُرْوَة: فأرسلوا أَبَا سُفْيَان بن حَرْب إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، يسألونه ويتضرعون إِلَيْهِ أَن يبْعَث إِلَى أبي جندل وَمن مَعَه، قَالُوا: وَمن خرج منا إِلَيْك فَهُوَ لَك. قَوْله: (يناشده) أَي: يناشد رَسُول الله، ﷺ (بِاللَّه وَالرحم) أَي: يسألونه بِاللَّه وبحق الْقَرَابَة. قَوْله: (لما أرسل) كلمة: لما، بتَشْديد الْمِيم هُنَا بِمَعْنى إلَاّ، أَي: إلَاّ أرسل، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِن كل نفس لمَّا عَلَيْهَا حَافظ﴾ (الطارق: ٤) . أَي: إلَاّ عَلَيْهَا حَافظ، وَالْمعْنَى هُنَا: لم تسْأَل قُرَيْش من رَسُول الله، ﷺ إلَاّ إرْسَاله إِلَى أبي بَصِير وَأَصْحَابه بالامتناع عَن إِيذَاء قُرَيْش. قَوْله: (فَمن

стр. 4034

أَتَاهُ) أَي: من أَتَى الْكفَّار مُسلما إِلَى رَسُول الله، ﷺ (فَهُوَ آمن) من الرَّد إِلَى قُرَيْش، فَكتب رَسُول الله، ﷺ إِلَى أبي بَصِير أَن يقدم عَلَيْهِ، فَقدم الْكتاب وَأَبُو بَصِير فِي النزع، فَمَاتَ وَكتاب رَسُول الله، ﷺ ، فِي يَده: يَقْرَؤُهُ، فدفنه أَبُو جندل مَكَانَهُ، وَجعل عِنْد قَبره مَسْجِدا. قَوْله: (فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي كف أَيْديهم عَنْكُم وَأَيْدِيكُمْ عَنْهُم بِبَطن مَكَّة بعد أَن أَظْفَرَكُم عَلَيْهِم﴾ (الْفَتْح: ٤٢) . حَتَّى بلغ: ﴿الحمية حمية الْجَاهِلِيَّة﴾ (الْفَتْح: ٦٢) . وَتَمام الْآيَة الْمَذْكُورَة ﴿وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصيرًا﴾ (الْفَتْح: ٤٢) . وَبعد هَذِه الْآيَة هُوَ قَوْله: ﴿هم الَّذين كفرُوا وصدوكم عَن الْمَسْجِد الْحَرَام وَالْهَدْي معكوفاً أَن يبلغ مَحَله وَلَوْلَا رجال مُؤمنُونَ وَنسَاء مؤمنات لم تعلموهم أَن تطؤهم فتصيبكم مِنْهُم معرة بِغَيْر علم ليدْخل الله فِي رَحمته من يَشَاء لَو تزيلوا لعذبنا الَّذين كفرُوا مِنْهُم عذَابا أَلِيمًا﴾ (الْفَتْح: ٥٢) . وَبعد هَذِه الْآيَة هُوَ قَوْله: ﴿إِذْ جعل الَّذين كفرُوا فِي قُلُوبهم الحمية حمية الْجَاهِلِيَّة﴾ (الْفَتْح: ٦٢) . وَهُوَ معنى قَوْله حَتَّى بلغ ﴿الحمية حمية الْجَاهِلِيَّة﴾ (الْفَتْح: ٦٢) . وَتَمام هَذِه الْآيَة هُوَ قَوْله: ﴿فَأنْزل الله سكينته على رَسُوله وعَلى الْمُؤمنِينَ وألزمهم كلمة التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَق بهَا وَأَهْلهَا وَكَانَ الله بِكُل شَيْء عليماً﴾ (الْفَتْح: ٦٢) . قَوْله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كف أَيْديهم﴾ أَي: أَيدي أهل مَكَّة، أَي: قضى بَينهم وَبَيْنكُم الْمُكَافَأَة والمحاجزة بعد مَا خولكم الظفر عَلَيْهِم وَالْغَلَبَة، وَظَاهره: أَنَّهَا نزلت فِي شَأْن أبي بَصِير، وَفِيه نظر، لِأَن نُزُولهَا فِي غَيرهَا، وَعَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَن ثَمَانِينَ رجلا من أهل مَكَّة هَبَطُوا على النَّبِي ﷺ من جبل التَّنْعِيم متسلحين يُرِيدُونَ غرَّة النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه، فَأَخذهُم واستحباهم، فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة. وَعَن عبد الله بن مُغفل الْمُزنِيّ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله، ﷺ فِي الْحُدَيْبِيَة فِي أصل الشَّجَرَة الَّتِي ذكر الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن، فَبينا نَحن كَذَلِك إِذْ خرج علينا ثَلَاثُونَ شَابًّا عَلَيْهِم السِّلَاح، فثاروا فِي وُجُوهنَا، فَدَعَا رَسُول الله، ﷺ فَأخذ الله بِأَبْصَارِهِمْ، فقمنا إِلَيْهِم فأخذناهم، فَقَالَ لَهُم رَسُول الله، ﷺ : (هَل كُنْتُم فِي عهد أحد؟ أَو جعل لكم أحد أَمَانًا؟) فَقَالُوا: (أللهم لَا) ، فخلى سبيلهم، فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة. وَقيل: (كف أَيْدِيكُم) ، بِأَن أَمركُم أَن لَا تَحَارَبُوا الْمُشْركين، وكف أَيْديهم عَنْكُم بإلقاء الرعب فِي قُلُوبهم، وَقيل: بِالصُّلْحِ من الْجَانِبَيْنِ، وَعَن ابْن عَبَّاس: أظهر الله الْمُسلمين عَلَيْهِم بِالْحِجَارَةِ حَتَّى أدخلوهم الْبيُوت (بِبَطن مَكَّة من بعد أَن أَظْفَرَكُم عَلَيْهِم﴾ (الْفَتْح: ٤٢) . أَي: كف أَيْدِيكُم عَن الْقِتَال بِبَطن مَكَّة فَهُوَ ظرف لِلْقِتَالِ، وبطن مَكَّة هُوَ الْحُدَيْبِيَة لِأَنَّهَا من أَرض الْحرم، وَقيل: إظفاره دُخُوله بِلَادهمْ بِغَيْر إذْنهمْ بِهِ، وَقيل: أَظْفَرَكُم عَلَيْهِم بِفَتْح مَكَّة، وَقيل: بِقَضَاء الْعمرَة، وَقيل: نزلت هَذِه الْآيَة بعد فتح مَكَّة. قَوْله: ﴿هم الَّذين كفرُوا﴾ (الْفَتْح: ٥٢) . يَعْنِي: قُريْشًا، وصدوكم عَام الْحُدَيْبِيَة عَن الْمَسْجِد الْحَرَام أَن تطوفوا بِهِ للْعُمْرَة. قَوْله: ﴿وَالْهَدْي﴾ (الْفَتْح: ٥٢) . أَي: وصدوا الْهَدْي. قَوْله: ﴿معكوفاً﴾ (الْفَتْح: ٥٢) . حَال أَي: مَمْنُوعًا: وَقيل: مَوْقُوفا ﴿أَن يبلغ مَحَله﴾ (الْفَتْح: ٥٢) . أَي: منحره، وَهَذَا دَلِيل لأبي حنيفَة على أَن الْمحصر مَحل هَدْيه الْحرم. فَإِن قلت: كَيفَ حل لرَسُول الله، ﷺ وَمن مَعَه أَن ينحروا هديهم بِالْحُدَيْبِية؟ قلت: بعض الْحُدَيْبِيَة من الْحرم، وَرُوِيَ: أَن مضَارب رَسُول الله، ﷺ كَانَت فِي الْحل وَمُصَلَّاهُ فِي الْحرم. فَإِن قلت: قد نحر فِي الْحرم، فَلم قيل: ﴿معكوفاً أَن يبلغ مَحَله﴾ (الْفَتْح: ٥٢) . قلت: المُرَاد: الْمحل الْمَعْهُود وَهُوَ منى. قَوْله: ﴿لم تعلموهم﴾ صفة للرِّجَال وَالنِّسَاء جَمِيعًا، أَي: لم تعرفوهم بأعيانهم أَنهم مُؤمنُونَ. قَوْله: ﴿أَن تطؤهم﴾ بدل اشْتِمَال من الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَقيل: من الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي ﴿تعلموهم﴾ أَي: أَن توقعوا بهم وتقتلوهم، وَالْوَطْء، والدوس عبارَة عَن الْإِيقَاع والإبادة. قَوْله: ﴿معرة﴾ (الْفَتْح: ٥٢) . أَي: عيب، مفعلة من: عره إِذا دهاه مَا يكرههُ ويشق عَلَيْهِ، وَعَن ابْن زيد: إِثْم، وَعَن ابْن إِسْحَاق: غرم الدِّيَة، وَقيل: الْكَفَّارَة. قَوْله: ﴿ليدْخل الله﴾ (الْفَتْح: ٥٢) . تَعْلِيل لما دلّت عَلَيْهِ الْآيَة من كف الْأَيْدِي عَن أهل مَكَّة وَالْمَنْع من قَتلهمْ صونا لمن بَين أظهرهم من الْمُؤمنِينَ. قَوْله: ﴿لَو تزيلوا﴾ (الْفَتْح: ٥٢) . تميزوا أَي: تميز بَعضهم من بعض، من زاله يُزِيلهُ، وَقيل: تفَرقُوا: ﴿لعذبنا الَّذين كفرُوا﴾ (الْفَتْح: ٥٢) . من أهل مَكَّة، فَيكون: من، للتَّبْعِيض وَقيل: هم الصادقون، فَيكون: من، زَائِدَة. قَوْله: ﴿عذَابا أَلِيمًا﴾ (الْفَتْح: ٥٢) . أَي: بِالْقَتْلِ وَالسيف، وَيجوز: أَن يكون ﴿لوتزيلوا﴾ (الْفَتْح: ٥٢) . كالتكرير: للولا رجال مُؤمنُونَ، لمرجعهما إِلَى معنى وَاحِد، وَيكون: لعذبنا، جَوَابا لَهما. قَوْله: ﴿إِذْ جعل الَّذين كفرُوا﴾ أَي: أذكر حِين ﴿جعل الَّذين كفرُوا فِي قُلُوبهم الحمية﴾ (الْفَتْح: ٦٢) . أَي: الأنفة حمية الْجَاهِلِيَّة حِين صدوا رَسُول الله، ﷺ وَأَصْحَابه عَن الْبَيْت، وَلم يقرُّوا ﴿بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ وَلَا برسالة النَّبِي، ﷺ ، وَالْحمية على وزن: فعيلة من قَول الْقَائِل: فلَان أَنَفَة يحمي حمية ومحمية، أَي: يمْتَنع. قَوْله: ﴿فَأنْزل الله سكينته﴾ (الْفَتْح: ٦٢) . أَي: وقاره ﴿على رَسُوله وعَلى

стр. 4035

الْمُؤمنِينَ﴾ (الْفَتْح: ٥٢) . فتوقروا وصبروا. قَوْله: ﴿وألزمهم كلمة التَّقْوَى﴾ (الْفَتْح: ٥٢) . أَي: الْإِخْلَاص، وَقيل: كلمة التَّقْوَى: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، وَمُحَمّد رَسُول الله) . وَقيل: (لَا إِلَه إلَاّ الله، وَقيل: لَا إِلَه إلَاّ الله مُحَمَّد رَسُول الله) . وَعَن الْحسن: الْوَفَاء بالعهد، وَمعنى: (لَزِمَهُم: أوجب عَلَيْهِم) ، وَقيل: ألزمهم الثَّبَات عَلَيْهَا، وَكَانُوا أَحَق بهَا وَأَهْلهَا من غَيرهم. قَالَ أبُو عَبْدِ الله مَعَرَّةٌ الْعُرُّ الجَرَبُ تَزَيَّلُوا إنْمازُوا الحَمِيَّةُ حَمَيْتُ أنْفي حَمِيَّةً ومَحْمِيَّةً وحَمَيْتُ المَرِيضَ حِمْيَةً وحَمَيْتُ القَوْمَ مَنَعْتُهُمْ حِمايَةً وأحْمَيْتُ الْحِمَى جَعَلْتُهُ حمى لَا يُدْخَلُ وأحْمَيْتُ الحَدِيدَ وأحْمَيْتُ الرَّجُلَ إذَا أغْضَبْتَهُ إحْمَاءً أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ، هَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده، وَقد فسر هُنَا ثَلَاثَة أَلْفَاظ الَّتِي وَقعت فِي الْآيَات الْمَذْكُورَة، أَحدهَا: هُوَ قَوْله: (العر) أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن لفظ: المعرة، الَّتِي فِي الْآيَة الْكَرِيمَة مُشْتَقَّة من: العر، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة. وَتَشْديد الرَّاء، ثمَّ فسر: العر، بالجرب، بِالْجِيم: وَقَالَ ابْن الْأَثِير: (المعرة الْأَمر الْقَبِيح الْمَكْرُوه، والأذى، وَهِي مفعلة من العر) . وَقَالَ الْجَوْهَرِي: (العر، بِالْفَتْح: الجرب، تَقول مِنْهُ: عرت الْإِبِل تعر فَهِيَ عارة، والعر، بِالضَّمِّ: قُرُوح مثل القوباء تخرج بِالْإِبِلِ مُتَفَرِّقَة فِي مشافرها وقوائمها، يسيل مِنْهَا مثل المَاء الْأَصْفَر، فتكوى الصِّحَاح لِئَلَّا تعديها المراض، تَقول مِنْهُ: عرَّت الْإِبِل فَهِيَ معرورة) . الثَّانِي: هُوَ قَوْله: (تزيلوا) ، وَفَسرهُ بقوله: إنمازوا وَهُوَ من: الميز، يُقَال: مزت الشَّيْء من الشَّيْء: إِذا فرقت بَينهمَا فانماز، وامتاز وميزته فتميز. الثَّالِث: هُوَ قَوْله: (الحمية) إِلَى آخِره، وَقد ذكر فِيهِ سِتَّة مَعَاني. الأول: حميت أنفي حمية، وَهَذَا يسْتَعْمل فِي شَيْء تأنف مِنْهُ، وداخلك عَار ومصدره حمية ومحمية. فَالْأول بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، يُقَال: حمى من ذَلِك أنفًا أَي: أَخَذته الحمية، وَهِي الأنفة والغيرة. الثَّانِي: حميت الْمَرِيض أَي: الطَّعَام، ومصدره: حمية، بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون الْمِيم وَفتح الْيَاء وَجَاء: حموه، أَيْضا. وَالثَّالِث: حميت الْقَوْم: منعتهم من حُصُول الشَّرّ والأذى إِلَيْهِم، ومصدره: حماية، على وزن فعالة بِالْكَسْرِ. وَالرَّابِع: أحميت الْحمى، بِكَسْر الْحَاء وَفتح الْمِيم مَقْصُور لَا يدْخل فِيهِ وَلَا يقرب مِنْهُ، وَهَذَا حمى على وزن فعل، بِكَسْر الْفَاء وَفتح الْعين أَي: مَحْظُور لَا يقرب. وَالْخَامِس: أحميت الْحَدِيد فِي النَّار، فَهُوَ محمي وَلَا يُقَال: حميته. وَالسَّادِس: أحميت الرجل إِذا أغضبته، وحميت عَلَيْهِ غضِبت ومصدر الأول إحماء بِكَسْر الْهمزَة. وَله معنى سَابِع: حمى النَّهَار بِالْكَسْرِ، وَحمى التَّنور حمياً، فيهمَا أَي: اشْتَدَّ حره. وَحكى الْكسَائي: اشْتَدَّ حمى الشَّمْس وحموها بِمَعْنى. وَمعنى ثامن: حاميت على ضَيْفِي إِذا احتفلت لَهُ. وَمعنى تَاسِع: احتميت من الطَّعَام احتماء. ٣٣٧٢ - وقالَ عُقَيْلٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ عُرْوَةُ فأخْبَرَتْنِي عائِشَةُ أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يَمْتَحِنُهُنَّ وبَلَغَنا أنَّهُ لَمَّا أنزَلَ الله تَعَالى ﴿أنْ يَرُدُّوا إِلَى الْمُشْرِكِينَ مَا أنفَقُوا عَلى منْ هاجَرَ مِنْ أزْواجِهِمْ﴾ وحَكَمَ عَلى الْمُسْلِمِينَ أنْ لَا يُمَسِّكُوا بِعِصَم الْكَوَافِرِ أنَّ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأتَيْنِ قَرِيبَةَ بِنْتَ أبي أُمَيَّةَ وابْنَةَ جَرْوَلٍ الخُزَاعِيِّ فتَزَوَّجَ قَرِيبَة مُعَاوِيَةُ وتَزَوَّجَ الأخْرَى أبُو جَهْمٍ فلَمَّا أبَى الكُفَّارُ أنْ يُقِرُّوا بِأدَاء مَا أنْفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أزْواجِهِمْ أنْزَلَ الله تَعَالَى ﴿وإنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أزْوَاجِكُمْ إلَى الكُفَّارِ فَعاقَبْتُم﴾ (الممتحنة: ١١) . والعَقْبُ مَا يُؤَدِّي الْمُسْلِمُونَ إِلَى منْ هاجَرَتِ امْرَأتُهُ مِنَ الكُفَّارِ فأمَرَ أنْ يُعْطَى مَنْ ذَهَبَ لَهُ زَوْجٌ مِنَ المُسْلِمِينَ مَا أنْفَقَ مِنْ صَدَاقِ نِساءِ الْكُفَّارِ الَّلاتي هاجَرْنَ وَمَا نَعْلَمُ أحَداً مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ ارْتَدَّتْ بَعْدَ إيمانِهَا وبَلَغَنا أنَّ أَبَا بَصِيرِ بنَ أسِيدٍ الثَّقَفِيَّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مُؤْمِنَاً مُهَاجِراً فِي الْمُدَّةِ فكَتَبَ الأخْنَسُ بنُ شرِيق إِلَى النَّبيّ ﷺ يَسْألُهُ أبَا بَصِيرٍ فذَكَرَ الحَدِيثَ.. قَوْله: قَالَ عقيل، بِضَم الْعين عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ ... إِلَى آخِره تقدم مَوْصُولا بِتَمَامِهِ فِي أول الشُّرُوط، وَمضى

стр. 4036

الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى، وَإِنَّمَا أوردهُ هُنَا لبَيَان مَا وَقع فِي رِوَايَة معمر بن رَاشد من الإدراج. قَوْله: (كَانَ يمتحنهن) أَي: يختبرهن بِالْحلف وَالنَّظَر فِي الأمارات. قَوْله: (وبلغنا) هُوَ مقول الزُّهْرِيّ، وَكَذَا قَوْله: (وبلغنا أَن أَبَا بَصِير) إِلَى آخِره، وَالْمرَاد بِهِ: أَن قصَّة أبي بَصِير فِي رِوَايَة عقيل من مُرْسل الزُّهْرِيّ، وَفِي رِوَايَة معمر مَوْصُولَة إِلَى الْمسور، لَكِن قد تَابع معمراً على وَصلهَا ابْن إِسْحَاق، وتابع عقيلاً الْأَوْزَاعِيّ على إرسالها، وَالظَّاهِر أَن الزُّهْرِيّ كَانَ يرسلها تَارَة ويوصلها أُخْرَى. قَوْله: (من أَزوَاجهم) ويروى من أَزوَاجهنَّ، وتأويله: أَن الْإِضَافَة بَيَانِيَّة أَي: أَزوَاج هِيَ هن، وَفِيه تعسف. وَضبط (قريبَة) قد تقدم فِي الشُّرُوط، وَابْنَة جَرْوَل، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْوَاو وباللام الْخُزَاعِيّ أم عبد الله بن عمر، قيل: إسمها كُلْثُوم، وَأَبُو جهم، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْهَاء: عَامر بن حُذَيْفَة الْأمَوِي، وَقد تقدم أَن ابْنة جَرْوَل تزَوجهَا صَفْوَان بن أُميَّة، وَهنا يَقُول: تزَوجهَا أَبُو جهم، وَوَجهه: أَن الأول رِوَايَة عقيل عَن الزُّهْرِيّ، وَالثَّانِي رِوَايَة معمر عَنهُ. قَوْله: (وَإِن فاتكم) أَي: سبقكم. قَوْله: ﴿فعاقبتم﴾ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: من الْعقبَة وَهِي النّوبَة، شبه مَا حكم بِهِ على الْمُسلمين وَالْمُشْرِكين من أَدَاء المهور بِأَمْر يتعاقبون فِيهِ، وَمَعْنَاهُ: فَجَاءَت عقبتكم من أَدَاء المهور. قَوْله: (أَن يعْطى) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَقَوله: (من صدَاق) يتَعَلَّق بِهِ. وَقَوله: (وَمن ذهب) هُوَ مفعول مَا لم يسم فَاعله. وَقَوله: (وَمَا أنْفق) هُوَ الْمَفْعُول. قَوْله: (مُؤمنا) حَال، وَوَقع فِي رِوَايَة السَّرخسِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: قدم من منى، وَهُوَ تَصْحِيف، قَوْله: (مُهَاجرا) حَال، إِمَّا من الْأَحْوَال المترادفة أَو من المتداخلة. قَوْله: (فِي الْمدَّة) ، أَي: فِي مُدَّة الْمُصَالحَة. قَوْله: (يسْأَله) جملَة وَقعت حَالا. ذكر مَا يُسْتَفَاد من هَذَا الحَدِيث: الَّذِي مَا وَقع فِي البُخَارِيّ حَدِيث أطول مِنْهُ. فِيهِ: الْمُصَالحَة مَعَ أهل الْحَرْب على مُدَّة مُعينَة وَاخْتلفُوا فِي الْمدَّة. فَقيل: لَا تجَاوز عشر سِنِين، على مَا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَالْجُمْهُور، وَقيل: تجوز الزِّيَادَة، وَقيل: لَا تجَاوز أَربع سِنِين، وَقيل: ثَلَاث سِنِين، وَقيل: سنتَيْن. وَقَالَ أَصْحَابنَا يجوز الصُّلْح مَعَ الْكفَّار بِمَال يُؤْخَذ مِنْهُم أَو يدْفع إِلَيْهِم إِذا كَانَ الصُّلْح خيرا فِي حق الْمُسلمين، وَالَّذِي يُؤْخَذ مِنْهُم بِالصُّلْحِ يصرف مصارف الْجِزْيَة. وَفِيه: كِتَابَة الشُّرُوط الَّتِي تَنْعَقِد بَين الْمُسلمين وَالْمُشْرِكين وَالْإِشْهَاد عَلَيْهَا ليَكُون ذَلِك شَاهدا على من رام نقض ذَلِك وَالرُّجُوع مِنْهُ. وَفِيه: الاستتار عَن طلائع الْمُشْركين ومفاجأتهم بالجيش وَطلب غرتهم إِذا بلغتهم الدعْوَة. وَفِيه: جَوَاز التنكب عَن الطَّرِيق بالجيوش، وَإِن كَانَ فِي ذَلِك مشقة. وَفِيه: بركَة التَّيَامُن فِي الْأُمُور كلهَا. وَفِيه: أَن مَا عرض للسُّلْطَان وقواد الجيوش وَجَمِيع النَّاس مِمَّا هُوَ خَارج عَن الْعَادة يجب عَلَيْهِم أَن يتأملوه وينظروا السّنة فِي قَضَاء الله تَعَالَى فِي الْأُمَم الخالية، ويمتثلوا ويعلموا أَن ذَلِك مثل ضرب لَهُم، ونبهوا عَلَيْهِ، كَمَا امتثله الشَّارِع ﷺ فِي أَمر نَاقَته وبروكها فِي قصَّة الْفِيل، لِأَنَّهَا كَانَت إِذا وجهت إِلَى مَكَّة بَركت، وَإِذا صرفت عَنْهَا مشت، كَمَا كَانَ دأب الْفِيل، وَهَذَا خَارج عَن الْعَادة، فَعلم أَن الله صرفهَا عَن مَكَّة كالفيل. وَفِيه: عَلَامَات النُّبُوَّة وبركته ﷺ . وَفِيه: بركَة السِّلَاح المحمولة فِي سَبِيل الله. وَفِيه: التفاؤل من الِاسْم كَمَا سلف. وَفِيه: أَن أَصْحَاب السُّلْطَان يجب عَلَيْهِم مُرَاعَاة أمره وعونه. وَفِيه: أَن من صَالح أَو عَاقد على شَيْء بالْكلَام ثمَّ لم يوف لَهُ بِهِ أَنه بِالْخِيَارِ فِي النَّقْض. وَفِيه: جَوَاز الْمُعَارضَة فِي الْعلم حَتَّى تتبين الْمعَانِي. وَفِيه: أَن الْكَلَام مَحْمُول على الْعُمُوم حَتَّى يقوم عَلَيْهِ دَلِيل الْخُصُوص، أَلا يرى أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، جمل كَلَامه على الْخُصُوص، لِأَنَّهُ طَالبه بِدُخُول الْبَيْت فِي ذَلِك الْعَام، فَأخْبرهُ أَنه لم يعده بذلك فِي ذَلِك الْعَام، بل وعده وَعدا مُطلقًا فِي الدَّهْر، حَتَّى وَقع ذَلِك، فَدلَّ على أَن الْكَلَام مَحْمُول على الْعُمُوم، حَتَّى يَأْتِي دَلِيل الْخُصُوص. وَفِيه: أَن من حلف على فعل وَلم يُوَقت وقتا أَن وقته أَيَّام حَيَاته. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: فَإِن حلف بِالطَّلَاق على فعل وَلم يُوَقت وقتا. أَن وقته أَيَّام حَيَاته، وَإِن حلف بِالطَّلَاق ليفعلن كَذَا إِلَى وَقت غير مَعْلُوم، فَقَالَت طَائِفَة: لَا يَطَأهَا حَتَّى يفعل الَّذِي حلف عَلَيْهِ، فَأَيّهمَا مَاتَ لم يَرِثهُ صَاحبه، هَذَا قَول سعيد بن الْمسيب وَالْحسن وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَأبي عبيد. وَقَالَت طَائِفَة: إِن مَاتَ ورثته وَله وَطْؤُهَا، رُوِيَ هَذَا عَن عَطاء، وَقَالَ يحيى بن سعيد: تَرثه إِن مَاتَ، وَقَالَ مَالك: إِن مَاتَت امْرَأَته يَرِثهَا. وَقَالَ الثَّوْريّ: إِنَّمَا يَقع الْحِنْث بعد الْمَوْت، وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر، وَقَالَ أَبُو ثَوْر أَيْضا: إِذا حلف وَلم يُوَقت فَهُوَ على يَمِينه حَتَّى يَمُوت، وَلَا يَقع حنث بعد الْمَوْت، فَإِذا مَاتَ لم يكن عَلَيْهِ شَيْء. وَقَالَت طَائِفَة: يضْرب لَهما أجل الْمولى: أَرْبَعَة أشهر، رُوِيَ هَذَا عَن الْقَاسِم وَسَالم، وَهُوَ قَول ربيعَة وَالْأَوْزَاعِيّ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن قَالَ: أَنْت طَالِق إِن لم آتٍ الْبَصْرَة، فَمَاتَتْ امْرَأَته قبل أَن يَأْتِي الْبَصْرَة فَلهُ الْمِيرَاث، وَلَا يضرّهُ أَن لَا يَأْتِي الْبَصْرَة بعد، لِأَن

стр. 4037

امْرَأَته مَاتَت قبل أَن يَحْنَث، وَلَو مَاتَ قبلهَا حنث وَكَانَ لَهَا الْمِيرَاث، لِأَنَّهُ فار، وَلَو قَالَ لَهَا: أَنْت طَالِق إِن لم تأت الْبَصْرَة، فَمَاتَ، فَلَيْسَ لَهَا مِيرَاث، وَإِن مَاتَ قبلهَا حنث، وَكَانَ لَهَا الْمِيرَاث لِأَنَّهُ فار. وَفِيه قَول سادس: حَكَاهُ أَبُو عبيد عَن بعض أهل النّظر، قَالَ: إِن أَخذ الْحَالِف فِي التأهب لما خلف عَلَيْهِ وَالسَّعْي فِيهِ حِين تكلم بِالْيَمِينِ حَتَّى يكون مُتَّصِلا بِالْبرِّ وإلَاّ فَهُوَ حانث عِنْد ترك ذَلِك. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: فِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على أَن من لم يحدَّ ليمينه أَََجَلًا أَنه على يَمِينه، وَلَا يَحْنَث إِن وقف عَن الْفِعْل الَّذِي حلف بِفِعْلِهِ. وَفِيه: جَوَاز مُشَاورَة النِّسَاء ذَوَات الْفضل والرأي. وَفِيه: أَن من جَاءَ إِلَى غير بلد الإِمَام لَيْسَ على الإِمَام رده. وَفِيه: جَوَاز قيام النَّاس على رَأس الإِمَام بِالسَّيْفِ مَخَافَة الْعَدو، وَأَن الإِمَام إِذا جَفا عَلَيْهِ أحد لزم ذَلِك الْقَائِم تَغْيِيره بِمَا أمكنه. وَفِيه: فضل أبي بكر على عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي جَوَابه لَهُ بِمَا أجَاب بِهِ سيدنَا رَسُول الله، ﷺ سَوَاء. وَفِيه: جَوَاز السّفر وَحده للْحَاجة. وَفِيه: جَوَاز الحكم على الشَّيْء بِمَا عرف من عَادَته. وَفِيه: جَوَاز التَّصَرُّف فِي ملك الْغَيْر بِالْمَصْلَحَةِ بِغَيْر إِذْنه الصَّرِيح إِذا كَانَ سبق مِنْهُ مَا يدل على الرِّضَا بذلك. وَفِيه: تَأْكِيد القَوْل بِالْيَمِينِ ليَكُون أدعى إِلَى الْقبُول. وَقَالَ ابْن الْقيم فِي (الْهَدْي) : وَقد حفظ عَن النَّبِي، ﷺ (الْحلف فِي أَكثر من ثَمَانِينَ موضعا) . وَفِيه: استنصاح بعض المعاهدين وَأهل الذِّمَّة إِذا دلّت الْقَرَائِن على نصحهمْ وَشهِدت التجربة بإيثارهم أهل الْإِسْلَام على غَيرهم، وَلَو كَانُوا من أهل دينهم. وَفِيه: جَوَاز استنصاح بعض مُلُوك الْعَدو استظهاراً على غَيرهم، وَلَا يعد ذَلِك من مُوالَاة الْكفَّار وَلَا من موادة أَعدَاء الله تَعَالَى. بل من قبيل استخدامهم وتقليل شَوْكَة جمعهم وإنكار بَعضهم بِبَعْض، وَلَا يلْزم من ذَلِك جَوَاز الِاسْتِعَانَة بالمشركين على الْإِطْلَاق. وَفِيه: أَن الْحَرْبِيّ إِذا أتلف مَال الْحَرْبِيّ لم يكن عَلَيْهِ ضَمَانه، وَهُوَ وَجه للشَّافِعِيَّة. وَفِيه: طَهَارَة النخامة وَالشعر الْمُنْفَصِل، وَالشَّافِعِيَّة يحكمون بِنَجَاسَة الشّعْر الْمُنْفَصِل، وَمِنْهُم من بَالغ حَتَّى كَاد أَن يخرج من الْإِسْلَام، فَقَالَ: وَفِي شعر النَّبِي ﷺ وَجْهَان، نَعُوذ بِاللَّه تَعَالَى من هَذَا الضلال. وَفِيه: التَّبَرُّك بآثار الصَّالِحين من الْأَشْيَاء الطاهرة. وَفِيه: جَوَاز المخادعة فِي الْحَرْب وَإِظْهَار إِرَادَة الشَّيْء وَالْمَقْصُود غَيره. وَفِيه: أَن كثيرا من الْمُشْركين كَانُوا يعظمون حرمات الْإِحْرَام وَالْحرم، وَيُنْكِرُونَ من يصد عَن ذَلِك، تمسكاً مِنْهُم ببقايا من دين إِبْرَاهِيم، ﷺ . وَفِيه: فضل المشورة، وَأَن الْفِعْل إِذا انْضَمَّ إِلَى القَوْل كَانَ أبلغ من القَوْل الْمُجَرّد، وَلَيْسَ فِيهِ أَن الْفِعْل مُطلقًا أبلغ من القَوْل. وَفِيه: أَن للْمُسلمِ الَّذِي يَجِيء من دَار الْحَرْب فِي زمن الْهُدْنَة قتل من جَاءَ فِي طلب رده إِذا شَرط لَهُم ذَلِك، لِأَن النَّبِي ﷺ لم يُنكر على أبي بَصِير قَتله العامري، وَلَا أَمر فِيهِ بقود وَلَا دِيَة. ٦١ - (بابُ الشُّرُوطِ فِي الْقَرْضِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشُّرُوط فِي القروض. ٤٣٧٢ - وَقَالَ اللَّيْثُ حدَّثني جعْفَرُ بنُ رَبيعَةَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ هُرْمُزَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنْ رَسُولِ الله ﷺ أنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاٍ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إسْرَائِيلَ أنْ يُسْلِفَهُ ألْفَ دِينار فدَفَعَهَا إلَيْهِ إِلَى أجَلٍ مُسَمَّى.. مضى هَذَا الحَدِيث بِتَمَامِهِ فِي: بَاب الْكفَالَة فِي الْقَرْض، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَذكر هُنَا طرفا مِنْهُ لأجل التَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة، وَسقط جَمِيع ذَلِك فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَلَكِن زَاد فِي التَّرْجَمَة الَّتِي تليه: بَاب الشُّرُوط فِي الْقَرْض وَالْمكَاتب ... إِلَى آخِره. وَقَالَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما وعَطاءٌ إذَا أجَلَهُ فِي القَرْضِ جازَ مضى هَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي الْقَرْض فِي: بَاب إِذا أقْرضهُ إِلَى أجل مُسَمّى، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مَعَ بَيَان الْخلاف فِيهِ.

стр. 4038

٧١ - (بابُ المَكاتب وَمَا لَا يحِلُّ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي تُخَالِفُ كِتَابَ الله تعَالى) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْمكَاتب، وَقد تقدم فِي كتاب الشُّرُوط: بَاب مَا يجوز من شُرُوط الْمكَاتب، وَقَوله هُنَا: بَاب الْمكَاتب، أَعم من ذَلِك، وَقد تقدم أَيْضا فِي كتاب الْعتْق: بَاب مَا يجوز من شُرُوط الْمكَاتب، وَمن اشْترط شرطا لَيْسَ فِي كتاب الله. وَحَدِيث الْأَبْوَاب الثَّلَاثَة وَاحِد، وتكرار التراجم لَا يدل على زِيَادَة فَائِدَة إلَاّ فِي شَيْء وَاحِد، وَهُوَ أَنه فسر قَوْله: لَيْسَ فِي كتاب الله، بقوله: (الَّتِي تخَالف كتاب الله) لِأَن المُرَاد بِكِتَاب الله حكمه، وَحكمه تَارَة يكون بطرِيق النَّص وَتارَة يكون بطرِيق الإستنباط مِنْهُ، وكل مَا لم يكن من ذَلِك فَهُوَ مُخَالف لما فِي كتاب الله. وَقَالَ جابِرُ بنُ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِي المُكَاتَبِ شُرُوطُهُمْ بَيْنَهُمْ هَذَا التَّعْلِيق وَصله سُفْيَان الثَّوْريّ فِي كتاب الْفَرَائِض لَهُ من طَرِيق مُجَاهِد عَن جَابر، وَالْمعْنَى: شُرُوط المكاتبين وساداتهم مُعْتَبرَة بَينهم. وَقَالَ ابنُ عُمَرَ أوْ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما كُلُّ شَرْطٍ خالَفَ كِتابَ الله فَهْوَ باطلٌ وإنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ هَكَذَا وَقع لأكْثر الروَاة، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: وَقَالَ ابْن عمر، فَقَط. وَلم يقل: أَو عمر، وَوَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله يُقالُ عنْ كِلَيْهِمَا عنْ عُمَرَ وابنِ عُمَرَ أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ. قَوْله: (عَن كليهمَا) أَي: عَن عمر وَعَن ابْنه عبد الله، وَقد تقدم فِيمَا مضى فِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي قصَّة بَرِيرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (كل شَرط لَيْسَ فِي كتاب الله فَهُوَ بَاطِل وَإِن كَانَ مائَة شَرط، قَضَاء الله أَحَق، وَشرط الله أوثق) . وَيَأْتِي الْآن أَيْضا فِي حَدِيث الْبَاب، وَالْمعْنَى: كل شَرط لَيْسَ فِي حكم الله وقضائه فِي كِتَابه أَو سنة رَسُوله، ﷺ ، فَهُوَ بَاطِل. ٥٣٧٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ يَحْيى عنْ عَمْرَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ أتَتْهَا بَرِيرَةُ تَسْألُهَا فِي كِتَابَتِهَا فقالَتْ إنْ شِئْتِ أعْطَيْتُ أهْلَكِ ويَكُونُ الوَلاءُ لي فلَمَّا جاءَ رسولُ الله ﷺ ذَكَّرْتُهُ ذلِكَ قَالَ النبيُّ ﷺ ابْتاعِيهَا فأعْتِقِيهَا فإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ ثُمَّ قامَ رسولُ الله ﷺ علَى المِنْبَرِ فَقَالَ مَا بالُ أقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَابِ الله مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطاً لَيْسَ فِي كِتَابِ الله فلَيْسَ لَهُ وإنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ.. قد تقدم هَذَا الحَدِيث غير مرّة، وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَآخر مَا ذكر فِي أَوَاخِر كتاب الْعتْق. ٨١ - (بابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الإشْتِرَاطَ والثُّنْيا فِي الإقْرَارِ والشُّرُوطِ الَّتِي يتَعَارَفها النَّاسُ بَيْنَهُمْ وإذَا قَالَ مائَةً إلَاّ واحِدَةً أوْ ثِنْتَيْنِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يجوز من الِاشْتِرَاط. وَقَالَ ابْن بطال: وَقع فِي بعض النّسخ: بَاب مَا لَا يجوز فِي الِاشْتِرَاط والثنيا، قَالَ: وَهُوَ خطأ، وَالصَّوَاب: بَاب مَا يجوز، والْحَدِيث الَّذِي ذكره البُخَارِيّ بعد يدل على صِحَّته. قَوْله: (والثنيا) ، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون النُّون بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف مَقْصُور أَي: الِاسْتِثْنَاء فِي الْإِقْرَار سَوَاء كَانَ اسْتثِْنَاء قليلٍ من كثير، أَو بِالْعَكْسِ، فَالْأول لَا خلاف فِيهِ أَنه يجوز، وَالثَّانِي مُخْتَلف فِيهِ. وَحَدِيث الْبَاب يدل على جَوَاز اسْتثِْنَاء الْقَلِيل من الْكثير، وَهَذَا جَائِز عِنْد أهل اللُّغَة وَالْفِقْه والْحَدِيث قَالَ الدَّاودِيّ: أَجمعُوا على من اسْتثْنى فِي إِقْرَاره مَا بَقِي بعده بَقِيَّة مَا أقرّ بِهِ أَن لَهُ ثنياه، فَإِذا

стр. 4039

قَالَ لَهُ: عَليّ ألف إلَاّ تِسْعمائَة وَتِسْعَة وتسعية، صَحَّ وَلَزِمَه وَاحِد. قَالَ: وَكَذَلِكَ لَو قَالَ: أَنْت طَالِق ثَلَاثَة إلَاّ ثِنْتَيْنِ، لقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلبث فيهم ألف سنة إلَاّ خمسين عَاما﴾ (العنكبوت: ٤١) . قَالَ ابْن التِّين: وَهَذَا الَّذِي ذكره الدَّاودِيّ أَنه إِجْمَاع لَيْسَ كَذَلِك، وَلَكِن هُوَ مَشْهُور مَذْهَب مَالك، وَذكر الشَّيْخ أَبُو الْحسن قولا ثَالِثا فِي قَوْله: أَنْت طَالِق ثَلَاثًا إلَاّ ثِنْتَيْنِ، أَنه يلْزمه ثَلَاث، وَذكر القَاضِي فِي معونته عَن عبد الْملك وَغَيره أَنه يَقُول: لَا يَصح اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر، واحتجاج الدَّاودِيّ بِهَذِهِ الْآيَة غير بَين، وَإِنَّمَا الْحجَّة فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿إلَاّ من اتبعك من الغاوين﴾ (الْحجر: ٢٤) . وَقَوله: ﴿إلَاّ عِبَادك مِنْهُم المخلصين﴾ (الْحجر: ٥١، وص: ٣٨) . فَإِن جعلت: المخلصين، الْأَكْثَر فقد استثناهم، وَإِن جعلت: الغاوين الْأَكْثَر فقد استثناهم أَيْضا، وَلِأَن الِاسْتِثْنَاء إِخْرَاج، فَإِذا جَازَ إِخْرَاج الْأَقَل جَازَ إِخْرَاج الْأَكْثَر، وَمذهب الْبَصرِيين من أهل اللُّغَة وَابْن الْمَاجشون: الْمَنْع، وَإِلَيْهِ ذهب البُخَارِيّ حَيْثُ أَدخل هَذَا الحَدِيث هُنَا باستثناء الْقَلِيل من الْكثير. قَوْله: (والشروط) ، أَي: وَفِي بَيَان الشُّرُوط الَّتِي يتعارفها النَّاس بَينهم، نَحْو: أَن يَشْتَرِي نعلا أَو شراكاً بِشَرْط أَن يحذوه البَائِع، أَو اشْترى أديماً بِشَرْط أَن يخرز لَهُ خفاً، أَو اشْترى قلنسوة بِشَرْط أَن يبطنه البَائِع، فَإِن هَذِه الشُّرُوط كلهَا جَائِزَة، لِأَنَّهُ مُتَعَارَف متعامل بَين النَّاس، وَفِيه خلاف زفر، وَكَذَا لَو اشْترى شَيْئا وَشرط أَن يرهنه بِالثّمن رهنا، وَسَماهُ أَو يُعْطِيهِ كَفِيلا وَسَماهُ وَالْكَفِيل حَاضر وَقَبله، وَكَذَلِكَ: الْحِوَالَة، جَازَ اسْتِحْسَانًا خلافًا لزفَر، وَأما الشُّرُوط الَّتِي لَا يتعارفها النَّاس فباطلة، نَحْو مَا إِذا اشْترى حِنْطَة وَشرط على البَائِع طحنها أَو حملانها إِلَى منزله، أَو اشْترى دَارا على أَن يسكنهَا شهرا، فَإِن ذَلِك كُله لَا يَصح لعدم التعارف والتعامل. قَوْله: (وَإِذا قَالَ مائَة إلَاّ وَاحِدَة أَو اثْنَتَيْنِ) ، أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن اخْتِيَاره جَوَاز اسْتثِْنَاء الْقَلِيل من الْكثير، وَعدم جَوَاز عَكسه، وَذكر بِهَذَا صُورَة اسْتثِْنَاء الْقَلِيل من الْكثير، نَحْو مَا إِذا قَالَ: لفُلَان عَليّ مائَة دِرْهَم، مثلا، إلَاّ وَاحِدَة أَو الإثنتين، فَإِنَّهُ يَصح، وَيلْزمهُ فِي قَوْله: إلَاّ وَاحِدَة، تِسْعَة وَتسْعُونَ درهما. وَفِي قَوْله إِلَّا اثْنَتَيْنِ: يلْزمه ثَمَانِيَة وَتسْعُونَ درهما. وَقَالَ ابنُ عَوْنٍ عنِ ابنِ سِيرينَ قَالَ: قَالَ رجُلٌ لَكَرِيِّهِ أدْخِلْ رِكَابَكَ فإنْ لَمْ أرْحَلْ معَكَ يَوْمَ كَذَا وكَذَا فَلَكَ مائَةُ دِرْهَمٍ فَلَمْ يَخْرُجْ فَقَالَ شُرَيْحٌ منْ شَرَطَ علَى نَفْسِهِ طائِعاً غَيْرَ مُكْرَهٍ فَهْوَ عَلَيْهِ ابْن عون هُوَ: عبد الله بن عون بن أرطبان الْبَصْرِيّ، وَابْن سِيرِين هُوَ مُحَمَّد بن سِيرِين، وَشُرَيْح هُوَ القَاضِي. قَوْله: (لكريه) بِفَتْح الْكَاف وَكسر الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، على وزن فعيل هُوَ المكاري، قَوْله: (ادخل) من الإدخال وركابك مَنْصُوب بِهِ، والركاب، بِكَسْر الرَّاء: الْإِبِل الَّتِي يسَار عَلَيْهَا والواحدة: رَاحِلَة وَلَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا. قَوْله: (فَلم يخرج) ، أَي: لم يرحل مَعَه، يلْزمه مائَة دِرْهَم عِنْد شُرَيْح، وَهُوَ معنى قَوْله: قَالَ شُرَيْح: من شَرط على نَفسه طَائِعا، أيَّ حَال كَونه طَائِعا مُخْتَارًا غير مكره عَلَيْهِ، فَهُوَ أَي الشَّرْط الَّذِي شَرط عَلَيْهِ أَي يلْزمه، وَفِي هَذَا خَالف النَّاس شريحاً، يَعْنِي: لَا يلْزمه شَيْء، لِأَنَّهُ عدَّة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن هشيم عَن ابْن عون ... إِلَى آخِره. وَقَالَ أيُّوبُ عنِ ابنِ سِيرينَ إنَّ رجُلاً باعَ طعَاماً وَقَالَ إنْ لَمْ آتِكَ الأرْبِعاءَ فَلَيْسَ بَيْنِي وبيْنَكَ بَيْعٌ فلَمْ يَجيءْ فَقَالَ شُرَيْحٌ لِلْمُشْتَرِي أنْتَ أخْلَفْتَ فَقضَى علَيْهِ أَيُّوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ. قَوْله: (الْأَرْبَعَاء) أَي: يَوْم الْأَرْبَعَاء، وَهَذَا الشَّرْط جَائِز أَيْضا عِنْد شُرَيْح لِأَنَّهُ قَالَ للْمُشْتَرِي عِنْد التحاكم إِلَيْهِ: أَنْت أخلفت الميعاد، فقضي عَلَيْهِ بِرَفْع البيع، وَهَذَا أَيْضا مَذْهَب أبي حنيفَة وَأحمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَآخَرُونَ: يَصح البيع وَيبْطل الشَّرْط، وَهَذَا التَّعْلِيق أَيْضا وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين فَذكره. ٦٣٧٢ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ قَالَ حدَّثنا أبُو الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله، ﷺ قَالَ إنَّ لله تَسْعَةً وتِسْعِينَ إسْماً مائَةً إلَاّ واحِداً مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ.

стр. 4040

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي موضِعين. أَحدهمَا: فِي قَوْله: (والثنيا) من غير قيد بِالْإِقْرَارِ، لِأَن الثنيا فِي نَفسه أَعم من أَن يكون فِي الْإِقْرَار أَو فِي غَيره، كَمَا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. وَالْآخر: فِي قَوْله: (مائَة إلَاّ وَاحِدَة) . وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع الْحِمصِي، وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن أبي الْيَمَان أَيْضا وَقَالَ الْمُزنِيّ: وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الدَّعْوَات عَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النعوت عَن عمرَان بن بكار. قلت: أخرجه ابْن مَاجَه من حَدِيث مُوسَى بن عقبَة: حَدثنِي الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله، ﷺ قَالَ: (إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين إسماً، مائَة إلَاّ وَاحِدًا، إِنَّه وتر يحب الْوتر، من حفظهَا دخل الْجنَّة) فَذكرهَا مفصلة إسماً بعد إسم. وَقَالَ فِي آخِره، قَالَ زُهَيْر: فَبَلغنَا عَن غير وَاحِد من أهل الْعلم أَن أَولهَا يفْتَتح بقوله: (لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، لَهُ الْملك وَله الْحَمد بِيَدِهِ الْخَيْر وَهُوَ على كل شَيْء قدير، لَا إِلَه إلَاّ الله لَهُ الْأَسْمَاء الْحسنى) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقد روى هَذَا الحَدِيث من غير وَجه عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ ، وَلَا يعلم فِي كثير شَيْء من الرِّوَايَات ذكر الْأَسْمَاء إلَاّ فِي هَذَا الحَدِيث. وَقد روى آدم بن أبي إِيَاس هَذَا الحَدِيث بِإِسْنَاد غير هَذَا عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي، ﷺ ، وَذكر فِيهِ الْأَسْمَاء، وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَاد صَحِيح. وَأخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) : وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح قد خرجاه فِي الصَّحِيحَيْنِ بأسانيد صَحِيحَة، دون ذكر الْأَسَامِي فِيهِ، وَالْعلَّة فِيهِ عِنْدهمَا أَن الْوَلِيد بن مُسلم تفرد بسياقه بِطُولِهِ وَذكر الْأَسَامِي فِيهِ وَلم يطكر غَيره وَلَيْسَ هَذَا بعلة فَإِنِّي لَا أعلم خلافًا بَين أَئِمَّة الحَدِيث أَن الْوَلِيد بن مُسلم أوثق وأحفظ وَأعلم وَأجل من أبي الْيَمَان وَبشر بن شُعَيْب وَعلي بن عَيَّاش وأقرانهم من أَصْحَاب شُعَيْب. وَأخرجه ابْن حبَان أَيْضا فِي (صَحِيحه) . ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين إسماً) لَيْسَ فِيهِ نفي غَيرهَا، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ حَدِيث ابْن مَسْعُود يرفعهُ: (أَسأَلك بِكُل اسْم هُوَ لَك سميت بِهِ نَفسك أَو أنزلته فِي كتبك أَو عَلمته أحدا من خلقك أَو استأثرت بِهِ فِي علم الْغَيْب عنْدك) . . الحَدِيث، وَحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (أللهم إِنِّي أَسأَلك بِجَمِيعِ أسمائك الْحسنى كلهَا، مَا علمنَا مِنْهَا وَمَا لم نعلم، وَأَسْأَلك بِاسْمِك الْعَظِيم الْأَعْظَم الْكَبِير الْأَكْبَر من دعَاك بِهِ أَجَبْته) . قَالَت: فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ أصبتيه أصبتيه) . وَأما وَجه التَّخْصِيص بذكرها فَلِأَنَّهَا أشهر الْأَسْمَاء وأبينها مَعَاني. قَوْله: (مائَة إِلَّا وَاحِدًا) أَي: إلَاّ إسماً وَاحِدًا. ويروى: (وَاحِدَة) أنثها ذَهَابًا إِلَى معنى التَّسْمِيَة أَو الصّفة أَو الْكَلِمَة. فَإِن قلت: مَا فَائِدَة هَذَا التَّأْكِيد. قلت: قيل: إِن معرفَة أَسمَاء الله تَعَالَى وَصِفَاته توقيفية تعلم من طَرِيق الْوَحْي وَالسّنة، وَلم يكن لنا أَن نتصرف فِيهَا بِمَا لم يهتد إِلَيْهِ مبلغ علمنَا ومنتهى عقولنا، وَقد منعنَا عَن إِطْلَاق مَا لم يرد بِهِ التَّوْقِيف فِي ذَلِك، وَإِن جوزه الْعقل وَحكم بِهِ الْقيَاس كَانَ الْخَطَأ فِي ذَلِك غير هَين، والمخطيء فِيهِ غير مَعْذُور، وَالنُّقْصَان عَنهُ كالزيادة فِيهِ غير مرضِي، وَكَانَ الِاحْتِمَال فِي رسم الْخط وَاقعا باشتباه تِسْعَة وَتِسْعين فِي زلَّة الْكَاتِب وهفوة الْقَلَم بسبعة وَتِسْعين أَو سَبْعَة وَسبعين أَو تِسْعَة وَسبعين، فينشأ الِاخْتِلَاف فِي المسموع من المسطور، فأكده بِهِ حسماً لمادة الْخلاف، وإرشاداً إِلَى الِاحْتِيَاط فِي هَذَا الْبَاب. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي الِاسْتِثْنَاء؟ قلت: قيل: الْفَرد أفضل من الزَّوْج، وَلذَلِك (جَاءَ: أَن الله وتر يحب الْوتر) ، ومنتهى الْإِفْرَاد من الْمَرَاتِب من غير تكْرَار تِسْعَة وَتسْعُونَ، لِأَن مائَة وَوَاحِدَة يتَكَرَّر فِيهِ الْوَاحِد، وَقيل: الْكَمَال فِي الْعدَد من الْمِائَة، لِأَن الْأَعْدَاد كلهَا ثَلَاثَة أَجنَاس: آحَاد وعشران ومآت، لِأَن الألوف ابْتِدَاء آحَاد آخر بدل عشرات الألوف وآحادها، فأسماء الله تَعَالَى مائَة، وَقد اسْتَأْثر الله مِنْهَا بِوَاحِد، وَهُوَ الِاسْم الْأَعْظَم لم يطلع عَلَيْهِ غَيره، فَكَأَنَّهُ قَالَ: مائَة، لَكِن وَاحِد مِنْهَا عِنْد الله. قَوْله: (من أحصاها) ، قَالَ الْخطابِيّ: الإحصاء يحْتَمل وُجُوهًا: أظهرها: العدّ لَهَا حَتَّى يستوفيها، أَي: لَا يقْتَصر على بَعْضهَا، بل يثني على الله تَعَالَى بجميعها. وَثَانِيها: الإطاقة، أَي: من أطَاق الْقيام بِحَقِّهَا وَالْعَمَل بمقتضاها، وَهُوَ أَن يعْتَبر مَعَانِيهَا وَيلْزم نَفسه بواجبها، فَإِذا قَالَ: الرَّزَّاق ألزم ووثق بالرزق، وهلم جراً. وَثَالِثهَا: الْعقل، أَي: من عقلهَا وأحاط علما بمعانيها من قَوْلهم: فلَان ذُو حَصَاة، أَي: ذُو عقل، وَقيل: أحصاها، أَي: عرفهَا، لِأَن الْعَارِف بهَا لَا يكون إلَاّ مُؤمنا، وَالْمُؤمن يدْخل الْجنَّة لَا محَالة. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: لَعَلَّه يكون المُرَاد بقوله: (من أحصاها) من قَرَأَ الْقُرْآن حَتَّى يختمه فيستوفي، أَي: من حفظ الْقُرْآن الْعَزِيز دخل الْجنَّة، لِأَن جَمِيع الْأَسْمَاء فِيهِ. وَقيل: من أحصاها، أَي: حفظهَا، هَكَذَا فسره البُخَارِيّ

стр. 4041

وَالْأَكْثَرُونَ، وَيُؤَيِّدهُ أَنه ورد فِي رِوَايَة فِي (الصَّحِيح) : من حفظهَا دخل الْجنَّة. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: أَرَادَ بِالْحِفْظِ: الْقِرَاءَة بِظهْر الْقلب، فَيكون كِنَايَة، لِأَن الْحِفْظ يسْتَلْزم التّكْرَار، فَالْمُرَاد بالإحصاء تكْرَار مجموعها. فَإِن قلت: لم ذكر الْجَزَاء بِلَفْظ الْمَاضِي؟ قلت: تَحْقِيقا لوُقُوعه كَأَنَّهُ قد وجد. فَوَائِد: أَسمَاء الله تَعَالَى مَا يَصح أَن يُطلق عَلَيْهِ، ، بِالنّظرِ إِلَى ذَاته: كالله، أَو بِاعْتِبَار صفة من صِفَاته السلبية: كالقدوس وَالْأول، أَو الْحَقِيقِيَّة: كالعليم والقادر، أَو الإضافية: كالحميد وَالْملك؛ أَو بِاعْتِبَار فعل من أَفعاله: كالخالق والرزاق وَقَالَت الْمُعْتَزلَة: الِاسْم هُوَ التَّسْمِيَة دون الْمُسَمّى، وَقَالَ الْغَزالِيّ: الِاسْم هُوَ اللَّفْظ الدَّال على الْمَعْنى بِالْوَضْعِ لُغَة، والمسمى هُوَ الْمَعْنى الْمَوْضُوع لَهُ الِاسْم، وَالتَّسْمِيَة وضع اللَّفْظ لَهُ أَو إِطْلَاقه عَلَيْهِ. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: قَالَ مَشَايِخنَا: التَّسْمِيَة هُوَ اللَّفْظ الدَّال على الْمُسَمّى، وَالِاسْم هُوَ الْمَعْنى الْمُسَمّى بِهِ، كَمَا أَن الْوَصْف هُوَ لفظ الواصف، وَالصّفة مَدْلُوله، وَهُوَ الْمَعْنى الْقَائِم بالموصوف، وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ اللَّفْظ، كَمَا تطلق الصّفة وَيُرَاد الْوَصْف إطلاقاً لاسم الْمَدْلُول على الدَّال، وَعَلِيهِ اصطلحت النُّحَاة. وَقيل: الْفرق بَين الِاسْم والمسمى إِنَّمَا يظْهر من قَوْلك: رَأَيْت زيدا، فَإِن المُرَاد بِالِاسْمِ الْمُسَمّى لِأَن المرئي لَيْسَ (ز ي د) فَإِذا قلت: سميته زيدا، فَالْمُرَاد غير الْمُسَمّى، لِأَن مَعْنَاهُ سميته بِمَا يتركب من هَذِه الْحُرُوف، وَفِي قَوْلك: زيد حسن، لفظ مُشْتَرك أَن تَعْنِي بِهِ هَذَا اللَّفْظ حسن، وَأَن تَعْنِي بِهِ الْمُسَمّى حسن، وَأما قَول من قَالَ: لَو كَانَ الِاسْم هُوَ الْمُسَمّى لَكَانَ من قَالَ: نَار، احْتَرَقَ فَمه، فَهُوَ بعيد. لِأَن الْعَاقِل لَا يَقُول إِن زيدا الَّذِي هُوَ: زَاي وياء ودال، هُوَ الشَّخْص. وَقَالَ محيي السّنة فِي (معالم التَّنْزِيل) : الْإِلْحَاد فِي أَسْمَائِهِ تَسْمِيَته بِمَا لَا ينْطق بِهِ كتاب وَلَا سنة. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي فِي كِتَابه (مَفَاتِيح الْحجَج) : أَسمَاء الله تُؤْخَذ توقيفاً ويراعى فِيهَا الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع، فَكل اسْم ورد فِي هَذِه الْأُصُول وَجب إِطْلَاقه فِي وَصفه تَعَالَى، وَمَا لم يرد فِيهِ لَا يجوز إِطْلَاقه فِي وَصفه، وَإِن صَحَّ مَعْنَاهُ. وَقَالَ الرَّاغِب: ذهبت الْمُعْتَزلَة إِلَى أَنه يَصح أَن يُطلق على الله تَعَالَى كل اسْم يَصح مَعْنَاهُ فِيهِ، والأفهام الصَّحِيحَة البشرية لَهَا سَعَة ومجال فِي اخْتِيَار الصِّفَات. قَالَ: وَمَا ذهب إِلَيْهِ أهل الحَدِيث هُوَ الصَّحِيح، وَلَو ترك الْإِنْسَان وعقله لما جسر أَن يُطلق عَلَيْهِ عَامَّة هَذِه الْأَسْمَاء الَّتِي ورد الشَّرْع بهَا، إِذْ كَانَ أَكْثَرهَا على حسب تعارفنا يَقْتَضِي أعراضاً، إِمَّا كمية نَحْو: الْعَظِيم وَالْكَبِير، وَإِمَّا كَيْفيَّة نَحْو الْحَيّ والقادر، أَو زَمَانا نَحْو: الْقَدِيم وَالْبَاقِي، أَو مَكَانا نَحْو: الْعلي والمتعالي، أَو أنفعالاً نَحْو: الرَّحِيم والودود، وَهَذِه معانٍ لَا تصح عَلَيْهِ على حسب مَا هُوَ مُتَعَارَف بَيْننَا، وَإِن كَانَ لَهَا معانٍ معقولة عِنْد أهل الْحَقَائِق، من أجلهَا صَحَّ إِطْلَاقهَا عَلَيْهِ، . وَقَالَ الزّجاج: لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يَدعُوهُ لما لم يصف بِهِ نَفسه، فَيَقُول: يَا رَحِيم لَا يَا رَقِيق، وَيَقُول: يَا قوي لَا يَا خَلِيل، وَذكر الْحَاكِم أَبُو عبد الله الْحسن ابْن الْحسن الْحَلِيمِيّ: أَن أَسمَاء الله الَّتِي ورد بهَا الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْعلمَاء على تَسْمِيَته بهَا منقسمة بَين عقائد خمس: الأول: إِثْبَات الْبَارِي لتقع بِهِ مُفَارقَة التعطيل. الثَّانِي: إِثْبَات وحدانيته لتقع بِهِ الْبَرَاءَة من الشّرك. الثَّالِث: إِثْبَات أَنه لَيْسَ بجوهر وَلَا عرض لتقع بِهِ الْبَرَاءَة من التَّشْبِيه. الرَّابِع: إِثْبَات إِن وجود كل مَا سواهُ كَانَ من قبل إبداعه واختراعه إِيَّاه لتقع الْبَرَاءَة من قَول من يَقُول بِالْعِلَّةِ والمعلول. الْخَامِس: إِثْبَات أَنه مُدبر مَا أبدع ومصرفه على مَا يَشَاء، لتقع بِهِ الْبَرَاءَة من قَول الْقَائِلين بالطبائع أَو بتدبير الْكَوَاكِب، أَو بتدبير الْمَلَائِكَة، ﵈. وَزعم ابْن حزم أَن من زَاد شَيْئا فِي الْأَسْمَاء على التِّسْعَة وَالتسْعين من عِنْد نَفسه فقد ألحد فِي أَسْمَائِهِ، لِأَنَّهُ، ﵊، قَالَ: مائَة إلَاّ وَاحِدًا، فَلَو جَازَ أَن يكون لَهُ إسم زَائِد لكَانَتْ مائَة. ٩١ - (بابُ الشُّرُوطِ فِي الوَقْفِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشُّرُوط فِي الْوَقْف. ٧٣٧٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عبْدِ الله الأنْصَارِيُّ قَالَ حدَّثنا ابنُ عَوْنِ قَالَ أنْبَأنِي نافِعٌ عَن ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ أصابَ أرْضاً بِخَيْبَرَ فَأتى النبيَّ صلى

стр. 4042

الله عَلَيْهِ وَسلم يَسْتَأْمِرُهُ فِيها فَقَالَ يَا رسولَ الله إنِّي أصَبْتُ أرْضاً بِخَيْبَرَ لَمْ أُصَبْ مَالا قَطُّ أنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ فَما تَأْمُرُنِي بِهِ قَالَ إنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أصْلَهَا وتَصَدَّقْتَ بِهَا قَالَ فتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أنَّهُ لَا يُبَاعُ ولَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ وتَصَدَّقَ بِهَا فِي الفُقَرَاءِ وَفِي القُرْبى وَفِي الرَّقَابِ وَفِي سَبِيلِ الله وابنِ السَّبِيلِ والضَّيْفِ لَا جُنَاحَ علَى مَنْ وَلِيهَا أنْ يَأكُلَ مِنْها بِالْمَعْرُوفِ ويُطْعمَ غَيْرَ مُتَمَوِّل قَالَ فَحَدَّثْتُ بِهِ ابنِ سِيرِينَ فَقَالَ غَيْرَ مُتأثِّل مَالا.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَول عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَنه لَا يُبَاع) إِلَى آخِره. وَمُحَمّد بن عبد الله وَابْن عون هُوَ عبد الله بن عون الْبَصْرِيّ. قَوْله: (أنبأني نَافِع) ، أَي: أَخْبرنِي، وَقيل: الإنباء يُطلق على الْإِجَازَة أَيْضا. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الْوَصَايَا أَيْضا عَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد، وَأخرجه مُسلم فِي الْوَصَايَا عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الأحباس عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بِهِ، وَعَن هَارُون بن عبد الله وَعَن مُحَمَّد بن الْمُصَفّى بن بهْلُول. قَوْله: (يستأمره) ، أَي: يستشيره. قَوْله: (أصبت أَرضًا بِخَيْبَر) ، وَاسم تِلْكَ الأَرْض: ثمغ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْمِيم وبالغين الْمُعْجَمَة. قَوْله: (أنفس عِنْدِي مِنْهُ) أَي: أَجود وأعجب مِنْهُ. قَوْله: (وَفِي الْقُرْبَى) ، الْقَرَابَة فِي الرَّحِم. وَهُوَ فِي الأَصْل مصدر تَقول: بيني وَبَينه قرَابَة وَقرب وقربى ومقربة وقربة وقربة، بِضَم الرَّاء وسكونها. قَوْله: (وَفِي الرّقاب) ، أَي: فِي فك الرّقاب، وهم المكاتبون يدْفع إِلَيْهِم شَيْء من الْوَقْف تفك بِهِ رقابهم، وَكَذَلِكَ لَهُم نصيب فِي الزَّكَاة. قَوْله: (وَفِي سَبِيل الله) ، هُوَ مُنْقَطع الْحَاج ومنقطع الْغُزَاة. قَوْله: (وَابْن السَّبِيل) ، وَهُوَ الَّذِي لَهُ مَال فِي بلد لَا يصل إِلَيْهَا وَهُوَ فَقير. قَوْله: (والضيف) ، من عطف الْخَاص على الْعَام، قَوْله: (لَا جُناح) أَي: لَا إِثْم. (على من وَليهَا) ، أَي: من ولي التحدث على تِلْكَ الأَرْض (أَن يَأْكُل مِنْهَا) أَي: من ريعها (بِالْمَعْرُوفِ) أَي: بِحَسب مَا يحْتَمل ريع الْوَقْف على الْوَجْه الْمُعْتَاد. قَوْله: (وَيطْعم) بِالنّصب عطف على: أَن يَأْكُل. قَوْله: (غير مُتَمَوّل) حَال من قَوْله: من وَليهَا، أَي: أكله وإطعامه لَا يكون على وَجه التمول، بل لَا يتَجَاوَز الْمُعْتَاد. قَوْله: (فَحدثت بِهِ ابْن سِيرِين) . أَي: قَالَ ابْن عون: فَحدثت بِهَذَا الحَدِيث مُحَمَّد بن سِيرِين: (فَقَالَ: غير متأثل مَالا) أَي: غير جَامع مَالا، يُقَال: مَال مؤثل، بالثاء الْمُثَلَّثَة الْمُشَدّدَة، أَي: مَجْمُوع ذُو أصل، وأثلة الشَّيْء: أَصله. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهِ الْجُمْهُور وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد على جَوَاز الْوَقْف، وَلَا خلاف بَينهم فِي جَوَاز الْوَقْف فِي حق وجوب التَّصَدُّق بِمَا يحصل من الْوَقْف مَا دَامَ الْوَاقِف حَيا، حَتَّى أَن من وقف دَاره أَو أرضه يلْزمه التَّصَدُّق بغلَّة الدَّار وَالْأَرْض، وَيكون ذَلِك بِمَنْزِلَة النّذر بالغلة، وَلَا خلاف أَيْضا فِي جَوَازه فِي حق زَوَال ملك الرَّقَبَة إِذا إتصل بِهِ قَضَاء القَاضِي، أَو أَضَافَهُ إِلَى مَا بعد الْمَوْت بِأَن قَالَ: إِذا مت فقد جعلت دَاري أَو أرضي وفقاً على كَذَا، أَو قَالَ: هُوَ وقف فِي حَياتِي، صَدَقَة بعد وفاتي. وَاخْتلفُوا فِي جَوَازه مزيلاً لملك الرَّقَبَة إِذا لم تُوجد الْإِضَافَة إِلَى مَا بعد الْمَوْت، وَلَا اتَّصل بِهِ حكم حَاكم، فَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجوز حَتَّى كَانَ للْوَاقِف بيع الْمَوْقُوف وهبته، وَإِذا مَاتَ يصير مِيرَاثا لوَرثَته. وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالْجُمْهُور: يجوز حَتَّى لَا يُبَاع وَلَا يُوهب وَلَا يُورث. وَفِيه: أَن الْوَقْف مَشْرُوع خلافًا للْقَاضِي شُرَيْح. وَفِيه: أَن الْوَقْف لَا يجوز بَيْعه وَلَا هِبته وَلَا يصير مِيرَاثا، لِأَنَّهُ صَار لله تَعَالَى، وَخرج عَن ملك الْوَاقِف: وَاخْتلفُوا، هَل يدْخل فِي ملك الْمَوْقُوف عَلَيْهِ أم لَا؟ فَقَالَ أَصْحَابنَا: لَا يدْخل، لكنه ينتقع بغلته بالتصدق عَلَيْهِ، لِأَن الْوَقْف حبس الأَصْل وَتصدق بالفرع، وَالْحَبْس لَا يُوجب ملك الْمَحْبُوس، وَعَن الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد: ينْتَقل إِلَى ملك الْمَوْقُوف عَلَيْهِ لَو كَانَ أَهلا لَهُ. وَعَن الشَّافِعِي، فِي قَول: ينْتَقل إِلَى الله تَعَالَى، وَهُوَ رِوَايَة عَن أَصْحَابنَا، وَعَن الشَّافِعِي: أَن الْملك فِي رَقَبَة الْوَقْف لله تَعَالَى، وَذكر صَاحب (التَّحْرِير) : أَنه إِذا كَانَ الْوَقْف على شخص، وَقُلْنَا: الْملك للْمَوْقُوف عَلَيْهِ، افْتقر إِلَى قَبضه كَالْهِبَةِ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (الرَّوْضَة) : هَذَا غلط ظَاهر. وَفِيه: أَن الْوَقْف بِلَفْظ: حبست، بل الأَصْل هَذِه اللَّفْظَة، لِأَن الْوَقْف فِي اللُّغَة: الْحَبْس، وَفِي (الرَّوْضَة) : لَا يَصح الْوَقْف إِلَّا بِلَفْظ،

стр. 4043

فَلَو بني على هَيْئَة الْمَسَاجِد أَو على غير هيئتها، وَأذن فِي الصَّلَاة فِيهِ لم يصر مَسْجِدا، وَأَلْفَاظه على مَرَاتِب: إِحْدَاهَا قَوْله: وقفت كَذَا، أَو حبست، أَو سبلت، أَو أرضي مَوْقُوفَة أَو محبسة أَو مسبلة. فَكل لفظ من هَذَا صَرِيح، هَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور، وَفِي وَجه هَذَا كُله كِنَايَة، وَفِي وَجه الوقفُ صريحٌ وَالْبَاقِي كِنَايَة. الثَّانِيَة: قَوْله: حرمت هَذِه الْبقْعَة للْمَسَاكِين. أَو أبَّدتها أَو دَاري مُحرمَة، أَو مؤبَّدة، كِنَايَة على الْمَذْهَب. الثَّالِثَة: تَصَدَّقت بِهَذِهِ الْبقْعَة لَيْسَ بِصَرِيح، فَإِن زَاد مَعَه: صَدَقَة مُحرمَة أَو محبسة أَو مَوْقُوفَة الْتحق بِالصَّرِيحِ، وَقيل: لَا بُد من التَّقْيِيد بِأَنَّهُ: لَا يُبَاع وَلَا يُوهب. وَقَالَت الْحَنَابِلَة: يَصح الْوَقْف بالْقَوْل، وَفِي الْفِعْل الدَّال عَلَيْهِ رِوَايَتَانِ، وَإِن كَانَ الْوَقْف على آدَمِيّ معِين افْتقر إِلَى قبُوله كَالْوَصِيَّةِ وَالْهِبَة، وَقَالَ القَاضِي مِنْهُم: لَا يفْتَقر إِلَى قبُوله كَالْعِتْقِ. وَفِيه: أَن قيم الْوَقْف لَهُ أَن يتَنَاوَل من غلَّة الْوَقْف بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَأْخُذ أَكثر من حَاجته، هَذَا إِذا لم يعين الْوَاقِف لَهُ شَيْئا معينا. فَإِذا عينه، لَهُ أَن يَأْخُذ ذَلِك قَلِيلا أَو كثيرا. وَفِيه: صِحَة شُرُوط الْوَقْف. وَفِيه: فَضِيلَة ظَاهِرَة لعمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِيه: مُشَاورَة أهل الْفضل وَالصَّلَاح فِي الْأُمُور وطرق الْخَيْر. وَفِيه: أَن خَيْبَر فتحت عنْوَة، وَأَن الْغَانِمين ملكوها واقتسموها واستقرت أملاكهم على حصصهم ونفذت تصرفاتهم فِيهَا. وَفِيه: فَضِيلَة صلَة الْأَرْحَام وَالْوَقْف عَلَيْهِم. وَفِيه: أَن الْوَاقِف إِذا أخرجه من يَده إِلَى مُتَوَلِّي النّظر فِيهِ يَجعله فِي صنف أَو أَصْنَاف مُخْتَلفَة، إلَاّ إِذا عين الْوَاقِف الْأَصْنَاف. وَفِيه: مَا كَانَ نَظِير الأَرْض الَّتِي حَبسهَا عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كالدور والعقارات يجوز وَقفهَا، وَاحْتج أَبُو حنيفَة فِيمَا ذهب إِلَيْهِ بقول شُرَيْح: لَا حبس عَن فَرَائض الله تَعَالَى، أخرجه الطَّحَاوِيّ عَن سُلَيْمَان بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن أبي يُوسُف عَن عَطاء ابْن السَّائِب عَنهُ، وَرِجَاله ثِقَات، وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) بأتم مِنْهُ، وَمَعْنَاهُ: لَا يُوقف مَال وَلَا يزوى عَن ورثته وَلَا يمْنَع عَن الْقِسْمَة بَينهم، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ يَقُول: بَعْدَمَا أنزلت سُورَة النِّسَاء وَأنزل فِيهَا الْفَرَائِض، نهى عَن الْحَبْس. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا، وَقَالَ: وَفِي سَنَده ابْن لَهِيعَة وَأَخُوهُ عِيسَى وهما ضعيفان. قلت: مَا لِابْنِ لَهِيعَة؟ وَقد قَالَ ابْن وهب: كَانَ ابْن لَهِيعَة صَادِقا، وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: وحَدثني الصَّادِق الْبَار وَالله ابْن لَهِيعَة؟ وَقَالَ أَبُو دَاوُد: سَمِعت أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول: مَا كَانَ مُحدث مصر إلَاّ ابْن لَهِيعَة؟ وَعنهُ: مَن مثل ابْن لَهِيعَة بِمصْر فِي كَثْرَة حَدِيثه وَضَبطه وإتقانه؟ وَلِهَذَا حدث عَنهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) بِحَدِيث كثير. وَأما أَخُوهُ عِيسَى فَإِن ابْن حبَان ذكره فِي (الثِّقَات) ، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: هَذَا شُرَيْح، وَهُوَ قَاضِي عمر وَعُثْمَان وَعلي الْخُلَفَاء الرَّاشِدين، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قد روى عَنهُ هَذَا، وَوَافَقَ أَبَا حنيفَة فِي هَذَا عَطاء بن السَّائِب وَأَبُو بكر بن مُحَمَّد وَزفر بن الْهُذيْل. فَإِن قلت: مَا تَقول فِي وقف رَسُول الله، ﷺ وَفِي أوقاف الصَّحَابَة بعد موت رَسُول الله، ﷺ ؟ قلت: أما وقف رَسُول الله، ﷺ فَإِنَّمَا جَازَ، لِأَن الْمَانِع وُقُوعه حبسا عَن فَرَائض الله، وَوَقفه، ﵊، لم يَقع حبسا عَن فَرَائض الله تَعَالَى، لقَوْله ﷺ : (إِنَّا معشر الْأَنْبِيَاء لَا نورث، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة) . وَأما أوقاف الصَّحَابَة بعد مَوته ﷺ فَاحْتمل أَن ورثتهم أمضوها بِالْإِجَازَةِ، هَذَا هُوَ الظَّاهِر. فَإِن قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَلَو صَحَّ هَذَا الْخَبَر لَكَانَ مَنْسُوخا. قلت: النّسخ لَا يثبت إلَاّ بِدَلِيل، وَلم يبين دَلِيله فِي ذَلِك، فمجرد الدَّعْوَى غير صَحِيح. وَالْجَوَاب عَن حَدِيث الْبَاب: أَن قَوْله ﷺ : (إِن شِئْت حبست أَصْلهَا وتصدقت بهَا) ، لَا يسْتَلْزم إخْرَاجهَا عَن ملكه، وَلكنهَا تكون جَارِيَة على مَا أجراها عَلَيْهِ من ذَلِك مَا تَركهَا، وَيكون لَهُ فسخ ذَلِك مَتى شَاءَ، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ. وَقَالَ: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: أخبرنَا ابْن وهب أَن مَالِكًا أخبرهُ عَن زِيَاد بن سعد عَن ابْن شهَاب: أَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، (قَالَ: إِنِّي لَوْلَا ذكرت صدقتي لرَسُول الله، ﷺ أَو نَحْو هَذَا لرددتها) ، فَلَمَّا قَالَ عمر هَذَا دلّ أَن نفس الإيقاف للْأَرْض لم يكن يمنعهُ من الرُّجُوع فِيهَا، وَإِنَّمَا مَنعه من الرُّجُوع فِيهَا أَن رَسُول الله، ﷺ أمره فِيهَا بِشَيْء وفارقه على الْوَفَاء بِهِ، فكره أَن يرجع عَن ذَلِك، كَمَا كره عبد الله بن عَمْرو أَن يرجع بعد موت رَسُول الله، ﷺ عَن الصَّوْم الَّذِي كَانَ فَارقه عَلَيْهِ أَنه يَفْعَله، وَقد كَانَ لَهُ أَن لَا يَصُوم. فَإِن قلت: قَالَ ابْن حزم: هَذَا الْخَبَر مُنكر وبلية من البلايا وَكذب بِلَا شكّ. قلت: قَوْله: هَذَا بلية وَكذب وتهافت عَظِيم، وَكَيف يَقُول هَذَا القَوْل السخيف، وَالْحَال أَن رِجَاله عُلَمَاء ثِقَات، فيونس من رجال مُسلم، والبقية من رجال (الصَّحِيح) على مَا لَا يخفى، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال. بسْمِ الله الرَّحْمانِ الرَّحِيمِ

стр. 4044

٥٥ - (كِتَابُ الوَصَايا) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الْوَصَايَا، وَهُوَ جمع وَصِيَّة من: أوصى يُوصي إيصاء، وَوَصِيَّة ووصى يُوصي توصية، وَذَلِكَ موصى إِلَيْهِ، وَأوصى لفُلَان بِكَذَا أَي: جعل لَهُ من مَاله، وَذَلِكَ موصى لَهُ، والوصاية، بِفَتْح الْوَاو بِمَعْنى الْوَصِيَّة، وبكسرها مصدر وَأوصى إِلَى فلَان بِكَذَا أَي جعله وَصِيّا وَذَلِكَ موصى إِلَيْهِ. قَالَ الْجَوْهَرِي: أوصيت لَهُ بِشَيْء وأوصيت إِلَيْهِ إِذا جعلته وصيك. وَالِاسْم الْوِصَايَة بِفَتْح الْوَاو وَكسرهَا، وإوصيته ووصيته إيصاء وَوَصِيَّة وتوصية بِمَعْنى، والإسم الوصاءة. قلت: الْوَصِيَّة فِي الشَّرْع تمْلِيك مُضَاف إِلَى مَا بعد الْمَوْت. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الْوَصِيَّة من وصيت الشَّيْء بِالتَّخْفِيفِ أصيه، إِذا وصلته، وَسميت: وَصِيَّة لِأَن الْمَيِّت يصل بهَا مَا كَانَ فِي حَيَاته بِمَا بعد مماته، وَيُقَال: وصَّاه ووصَاه بِالتَّخْفِيفِ بِغَيْر همز، وَيُطلق شرعا أَيْضا على مَا يَقع بِهِ الزّجر عَن المنهيات، والحث على المأمورات. ١ - (بَاب الوَصايَا وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وصِيَّةُ الرَّجُلِ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا ورد من قَول النَّبِي ﷺ : (وَصِيَّة الرجل مَكْتُوبَة عِنْده) ، وَوَقع فِي بعض النّسخ، هَكَذَا: كتاب الْوَصَايَا: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم: (بَاب الْوَصَايَا وَقَول النَّبِي، ﷺ وَصِيَّة الرجل مَكْتُوبَة عِنْده) ، وَوَقع للنسفي: (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم كتاب الْوَصَايَا) ، وَلم يَقع فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب، وَوَقع كَذَا: (كتاب الْوَصَايَا، وَقَول النَّبِي ﷺ ، وَصِيَّة الرجل مَكْتُوبَة عِنْده، وَهَذَا تَعْلِيق أسْندهُ بعد، وَهُوَ قَوْله: (مَا حق امرىء مُسلم لَهُ شَيْء يُوصي فِيهِ يبيت لَيْلَتَيْنِ إلَاّ ووصيته مَكْتُوبَة عِنْده) ، فَكَأَنَّهُ نَقله مُعَلّقا بِالْمَعْنَى. وَقَوله: (وَصِيَّة الرجل) مُبْتَدأ، وَقَوله: (مَكْتُوبَة عِنْده) ، خَبره، وَالْمعْنَى: وَصِيَّة الرجل يَنْبَغِي أَن تكون مَكْتُوبَة عِنْده، وَإِنَّمَا ذكره بِهَذِهِ الصُّورَة قصدا للْمُبَالَغَة وحثاً على كِتَابَة الْوَصِيَّة. وقَوْلِ الله تعَالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خيْراً الوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بالمَعْرُوفِ حقَّاً علَى المُتَّقِينَ فمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فإنَّمَا إثْمُهُ على الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهِ إنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جِنْفاً أوْ إثْماً فأصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الْبَقَرَة: ٠٨١، ٢٨١) . وَقَول الله، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: قَول النَّبِي، ﷺ ، وَفِي بعض النّسخ: (وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿كتب عَلَيْكُم. .﴾ (الْبَقَرَة: ٠٨١، ٢٨١) . إِلَى آخِره، وَهَذِه الْآيَات الثَّلَاث مَذْكُورَة هَكَذَا عِنْد الْأَكْثَرين، وَعند النَّسَفِيّ الْآيَة الأولى. فَقَط. وَقَوله: ﴿كتب عَلَيْكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٠٨١، ٢٨١) . الْآيَة، اشْتَمَلت على الْأَمر بِالْوَصِيَّةِ للْوَالِدين والأقربين، وَقد كَانَ ذَلِك وَاجِبا على أصح الْقَوْلَيْنِ قبل نزُول آيَة الْمَوَارِيث، فَلَمَّا نزلت آيَة الْمَوَارِيث نسخت هَذِه وَصَارَت الْمَوَارِيث المقررة فَرِيضَة من الله تَعَالَى يَأْخُذهَا أهلوها حتما من غير وَصِيَّة، وَلَا تحمل أَمَانَة الْوَصِيّ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الحَدِيث فِي (السّنَن) وَغَيرهَا، عَن عَمْرو بن خَارِجَة، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، يخْطب وَهُوَ يَقُول: (إِن الله قد أعْطى كل ذِي حق حَقه، فَلَا وَصِيَّة لوَارث) . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا الْحسن بن مُحَمَّد بن الصَّباح، حَدثنَا حجاج بن مُحَمَّد أخبرنَا ابْن جريج وَعُثْمَان بن عَطاء عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: الْوَصِيَّة للْوَالِدين والأقربين، نسختها هَذِه الْآيَة: ﴿للرِّجَال نصيب مِمَّا ترك الْوَالِدَان وَالْأَقْرَبُونَ وللنساء نصيب مِمَّا ترك الْوَالِدَان وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قل مِنْهُ أَو كثر نَصِيبا مَفْرُوضًا﴾ (النِّسَاء: ٧) . ثمَّ قَالَ ابْن أبي حَاتِم: وَرُوِيَ عَن ابْن عَمْرو وَأبي مُوسَى وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْحسن وَمُجاهد وَعَطَاء وَسَعِيد بن جُبَير وَمُحَمّد بن سِيرِين وَعِكْرِمَة وَزيد بن أسلم وَالربيع بن أنس وَقَتَادَة وَالسُّديّ وَمُقَاتِل بن حَيَّان وطاووس وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَشُرَيْح وَالضَّحَّاك وَالزهْرِيّ: أَن هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة، نسختها آيَة الْمَوَارِيث، وَالْعجب من الرَّازِيّ كَيفَ حكى فِي (تَفْسِيره الْكَبِير) عَن أبي مُسلم الْأَصْفَهَانِي: أَن هَذِه الْآيَة غير مَنْسُوخَة، وَإِنَّمَا هِيَ مفسرة بِآيَة الْمَوَارِيث، وَمَعْنَاهُ: كتب عَلَيْكُم مَا أوصى الله بِهِ من تَوْرِيث الْوَالِدين والأقربين، من قَوْله: ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم﴾ (النِّسَاء: ١١) . قَالَ:

стр. 4045

وَهُوَ قَول أَكثر الْمُفَسّرين والمعتبرين من الْفُقَهَاء، قَالَ: وَمِنْهُم من قَالَ: إِنَّهَا مَنْسُوخَة فِيمَن يَرث، ثَابِتَة فِيمَن لَا يَرث، وَهُوَ مَذْهَب ابْن عَبَّاس وَالْحسن ومسروق وَالضَّحَّاك وَمُسلم بن يسَار والْعَلَاء بن زِيَاد، قَالَ ابْن كثير: وَبِه قَالَ أَيْضا سعيد بن جُبَير وَالربيع بن أنس وَمُقَاتِل بن حَيَّان، وَلَكِن على قَول هَؤُلَاءِ لَا يُسمى نسخا فِي اصطلاحنا الْمُتَأَخر، لِأَن آيَة الْمَوَارِيث إِنَّمَا رفعت حكم بعض أَفْرَاد مَا دلّ عَلَيْهِ عُمُوم آيَة الْوَصِيَّة، لِأَن الْأَقْرَبين أَعم مِمَّن يَرث وَمن لَا يَرث، فَرفع حكم من يَرث بِمَا عين لَهُ وَبَقِي الآخر على مَا دلّت عَلَيْهِ الْآيَة الأولى، وَهَذَا إِنَّمَا يَتَأَتَّى على قَول بَعضهم: إِن الْوِصَايَة فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام إِنَّمَا كَانَت ندبا حَتَّى نسخت، فَأَما من قَالَ: إِنَّهَا كَانَت وَاجِبَة، وَهُوَ الظَّاهِر من سِيَاق الْآيَة فَتعين أَن تكون مَنْسُوخَة بِآيَة الْمِيرَاث، كَمَا قَالَه أَكثر الْمُفَسّرين، والمعتبرون من الْفُقَهَاء، فَإِن وجوب الْوَصِيَّة للْوَالِدين والأقربين الْوَارِثين مَنْسُوخ بِالْإِجْمَاع، بل مَنْهِيّ عَنهُ للْحَدِيث الْمُتَقَدّم: (إِن الله أعْطى كل ذِي حق حَقه فَلَا وَصِيَّة لوَارث) ، فآية الْمَوَارِيث حكم مُسْتَقل، وَوُجُوب من عِنْد الله لأهل الْفُرُوض والعصبات، رفع بهَا حكم هَذِه بِالْكُلِّيَّةِ بَقِي الْأَقَارِب الَّذين لَا مِيرَاث لَهُم، يسْتَحبّ لَهُ أَن يُوصي لَهُم من الثُّلُث استئناساً بِآيَة الْوَصِيَّة وشمولها، والآيات وَالْأَحَادِيث بِالْأَمر ببر الْأَقَارِب وَالْإِحْسَان إِلَيْهِم كَثِيرَة جدا. قَوْله: ﴿إِن ترك خيرا﴾ (الْبَقَرَة: ٠٨١) . أَي: مَالا، قَالَه ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَعَطَاء وَسَعِيد بن جُبَير وَأَبُو الْعَالِيَة وعطية الْعَوْفِيّ وَالضَّحَّاك وَالسُّديّ وَالربيع بن أنس وَمُقَاتِل بن حَيَّان وَقَتَادَة وَغَيرهم، ثمَّ مِنْهُم من قَالَ: الْوَصِيَّة مَشْرُوعَة، سَوَاء قل المَال أَو كثر، كالوراثة. وَمِنْهُم من قَالَ: إِنَّمَا يُوصي إِذا ترك مَالا جزيلاً ثمَّ اخْتلفُوا فِي مِقْدَاره، فَقَالَ ابْن أبي حَاتِم، بِإِسْنَادِهِ إِلَى عُرْوَة، قَالَ: قيل لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِن رجلا من قُرَيْش قد مَاتَ وَترك ثَلَاثمِائَة دِينَارا، أَو أَرْبَعمِائَة دِينَار، وَلم يوصِ! قَالَ: لَيْسَ بِشَيْء، إِنَّمَا قَالَ الله: ﴿إِن ترك خيرا﴾ (الْبَقَرَة: ٠٨١) . وَقَالَ الْحَاكِم بن أبان: حَدثنِي عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: إِن ترك خيرا، قَالَ ابْن عَبَّاس: من لم يتْرك سِتِّينَ دِينَارا لم يتْرك خيرا. وَقَالَ الحكم: قَالَ طَاوُوس: لم يتْرك خيرا من لم يتْرك ثَمَانِينَ دِينَارا. وَقَالَ قَتَادَة: كَانَ يُقَال: ألفا، فَمَا فَوْقهَا. قَوْله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ (الْبَقَرَة: ٠٨١) . أَي: بالرفق وَالْإِحْسَان، وَقَالَ الْحسن: الْمَعْرُوف أَن يُوصي لأقربائه وَصِيَّة لَا يجحف ورثته من غير إِسْرَاف وَلَا تقتير. قَوْله: ﴿حَقًا﴾ (الْبَقَرَة: ٠٨١) . أَي: وَاجِبا على الْمُتَّقِينَ الَّذِي يَتَّقُونَ الشّرك. قَوْله: ﴿فَمن بدله﴾ (الْبَقَرَة: ١٨١) . أَي: فَمن بدل مَا ذكر من الْوَصِيَّة بَعْدَمَا سَمعه، والتبديل يكون بالتحريف وتغيير الحكم، وبالزيادة وبالنقصان أَو بِالْكِتْمَانِ. وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَغير وَاحِد: قد وَقع أجر الْمَيِّت على الله وَتعلق الْإِثْم بالذين بدلُوا ﴿إِن الله سميع عليم﴾ (الْبَقَرَة: ١٨١) . أَي: قد اطلع على مَا أوصى بِهِ الْمَيِّت، وَهُوَ عليم بذلك، وَمِمَّا بدله الْمُوصى إِلَيْهِم. قَوْله: ﴿فَمن خَافَ من موص﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨١) . أَي: فَمن خشِي، وَقيل: علم، لِأَن الْخَوْف يسْتَعْمل بِمَعْنى الْعلم، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وانذر بِهِ الَّذين يخَافُونَ﴾ (الْأَنْعَام: ١٥) . ﴿إلَاّ أَن يخافا أَن لَا يُقِيمَا حُدُود الله﴾ (الْبَقَرَة: ٩٢٢) . ﴿وَإِن خِفْتُمْ شقَاق بَينهمَا﴾ (النِّسَاء: ٥٣) . قرىء بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف، والجنف الْميل على مَا نذكرهُ عَن قريب، وَقَرَأَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (حيفاً) بِالْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف. قَوْله: ﴿فَأصْلح بَينهم﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨١) . أَي: بَين الْوَرَثَة والمختلفين فِي الْوَصِيَّة. ﴿فَلَا إِثْم عَلَيْهِ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨١) . لِأَنَّهُ متوسط، وَلَيْسَ بمبدل ﴿إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨١) . حَيْثُ لم يَجْعَل على عباده حرجاً فِي الدّين. جَنَفَاً مَيْلاً مُتَجانِفٌ مائِلٌ هَذَا من تَفْسِير البُخَارِيّ، وَهُوَ مَنْقُول عَن عَطاء، رَوَاهُ الطَّبَرِيّ عَنهُ كَذَا بِإِسْنَاد صَحِيح. قَوْله: (متجانف مائل) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: متمايل، وَقَالَ أَبُو عبيد: غير متجانف لإثم أَي: غير متعوج مائل: للإثم، وَنقل الطَّبَرِيّ عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره أَن مَعْنَاهُ غير متعمد لإثم. ٨٣٧٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ مَا حقُّ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَاّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة بَاب قَول النَّبِي، ﷺ ظَاهِرَة، والْحَدِيث رَوَاهُ عبد الله بن نمير وَعبيدَة بن سُلَيْمَان عَن عبيد الله بن عمر

стр. 4046

عَن نَافِع، كَمَا رَوَاهُ مَالك. وَرَوَاهُ يُونُس بن يزِيد عَن نَافِع أَيْضا كَذَلِك، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن وهب عَن عَمْرو بن الْحَارِث عَن سَالم ابْن عبد الله عَن أَبِيه. وَرَوَاهُ مُسلم من حَدِيث عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: (مَا حق امرىء مُسلم لَهُ شَيْء يُرِيد أَن يُوصي فِيهِ يبيت لَيْلَتَيْنِ إلَاّ ووصيته مَكْتُوبَة عِنْده) ، وَرَوَاهُ من حَدِيث ابْن شهَاب عَن سَالم عَن أَبِيه أَنه سمع رَسُول الله، ﷺ قَالَ: (مَا حق امرىء مُسلم لَهُ شَيْء يُوصي فِيهِ يبيت ثَلَاث لَيَال إلَاّ ووصيته عِنْده مَكْتُوبَة) . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: قَالَ النَّبِي، ﷺ : (مَا حق امرىء مُسلم يبيت لَيْلَتَيْنِ وَله مَا يُوصي فِيهِ إلَاّ ووصيته عِنْده مَكْتُوبَة) ، وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن أبي الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه من حَدِيث عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر نَحْو رِوَايَة مُسلم. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مَا حق امرىء مُسلم) كلمة: مَا، بِمَعْنى: لَيْسَ، هَكَذَا وَقع فِي أَكثر الرِّوَايَات بِلَفْظ مُسلم، وَلَيْسَت هَذِه اللَّفْظَة فِي رِوَايَة أَحْمد عَن إِسْحَاق بن عِيسَى عَن مَالك، وَالْوَصْف بِالْمُسلمِ هُنَا خرج مخرج الْغَالِب فَلَا مَفْهُوم لَهُ، وَذكر للتهييج لتقع الْمُبَادرَة لامتثاله لما يشْعر بِهِ من نفي الْإِسْلَام عَن تَارِك ذَلِك، وَعَن قريب نحرر ذَلِك. قَوْله: (لَهُ شَيْء) . جملَة وَقعت صفة. لامرىء. قَوْله: (يُوصي فِيهِ) جملَة فعلية وَقعت صفة لقَوْله: شَيْء. قَوْله: (يبيت لَيْلَتَيْنِ) ، جملَة فعلية وَقعت صفة أُخْرَى لامرىء، وَقَالَ بَعضهم: يبيت، كَانَ فِيهِ حذفا، تَقْدِيره: أَن يبيت، وَهُوَ كَقَوْلِه: ﴿وَمن آيَاته يريكم الْبَرْق﴾ (الرّوم: ٤٢) . انْتهى. قلت: وَهَذَا قِيَاس فَاسد وَفِيه تَغْيِير الْمَعْنى أَيْضا، وَإِنَّمَا قدر أَن فِي قَوْله: يريكم، لِأَنَّهُ فِي مَوضِع الِابْتِدَاء، لِأَن قَوْله: وَمن آيَاته، فِي مَوضِع الْخَبَر، وَالْفِعْل لَا يَقع مُبْتَدأ فَيقدر: أَن، فِيهِ حَتَّى يكون فِي معنى الْمصدر فَيصح حِينَئِذٍ وُقُوعه مُبْتَدأ، فَمن لَهُ ذوق من الْعَرَبيَّة يفهم هَذَا وَيعلم تَغْيِير الْمَعْنى فِيمَا قَالَ. قَوْله: (إلَاّ ووصيته) ، مُسْتَثْنى، وَهُوَ خبر: لَيْسَ، وَالْوَاو فِيهِ للْحَال. وَقَالَ صَاحب (الْمظهر) : قيد لَيْلَتَيْنِ تَأْكِيد وَلَيْسَ بتحديد، يَعْنِي لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يمْضِي عَلَيْهِ زمَان وَإِن كَانَ قَلِيلا إلَاّ ووصيته مَكْتُوبَة، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: فِي تَخْصِيص لَيْلَتَيْنِ تسَامح فِي إِرَادَة الْمُبَالغَة، أَي: لَا يَنْبَغِي أَن يبيت لَيْلَة، وَقد سامحناه فِي هَذَا الْمِقْدَار، فَلَا يَنْبَغِي أَن يتَجَاوَز عَنهُ. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) : وَفِي رِوَايَة: ثَلَاث لَيَال. قلت: هُوَ رِوَايَة مُسلم وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه: يبيت ثَلَاث لَيَال، وَالْحَاصِل أَن ذكر الليلتين أَو الثَّلَاث لرفع الْحَرج لتزاحم أشغال الْمَرْء الَّتِي يحْتَاج إِلَى ذكرهَا، ففسح لَهُ هَذَا الْمِقْدَار ليتذكر مَا يحْتَاج إِلَيْهِ، وَاعْلَم أَن لفظ مَالك فِي هَذَا الحَدِيث لم تخْتَلف الروَاة فِيهِ عَنهُ، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن سُفْيَان عَن أَيُّوب بِلَفْظ: (حق على كل مُسلم أَن لَا يبيت لَيْلَتَيْنِ وَله مَا يُوصي فِيهِ. .) الحَدِيث وَرَوَاهُ الشَّافِعِي، ﵀، عَن سُفْيَان بِلَفْظ: ((مَا حق امرىء يُؤمن بِالْوَصِيَّةِ) الحَدِيث، قَالَ ابْن عبد الْبر: فسره ابْن عُيَيْنَة: أَي يُؤمن بِأَنَّهَا حق. وَأخرجه أَبُو عوَانَة من طَرِيق هِشَام بن الْغَاز عَن نَافِع بِلَفْظ: (لَا يَنْبَغِي لمُسلم أَن يبيت لَيْلَتَيْنِ) الحَدِيث، وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق روح بن عبَادَة عَن مَالك وَابْن عون جَمِيعًا عَن نَافِع بِلَفْظ: (مَا حق امرىء مُسلم لَهُ مَال يُرِيد أَن يُوصي فِيهِ) وَذكره ابْن عبد الْبر من طَرِيق ابْن عَوْف بِلَفْظ: (لَا يحل لامرىء مُسلم لَهُ مَال) وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا، وَالله أعلم. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: حث على الْوَصِيَّة، واحتجت بِهِ الظَّاهِرِيَّة أَنَّهَا وَاجِبَة، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: جعل الله الْوَصِيَّة حَقًا مِمَّا قل أَو كثر، قيل لأبي مجلز: على كل مثر وَصِيَّة؟ قَالَ: كل من ترك خيرا، وَقَالَ ابْن حزم: وروينا من طَرِيق عبد الرَّزَّاق عَن الْحسن بن عبد الله، قَالَ: كَانَ طَلْحَة بن عبيد الله وَالزُّبَيْر يشددان فِي الْوَصِيَّة، وَهُوَ قَول عبد الله بن أبي أوفى وَطَلْحَة بن مصرف وَالشعْبِيّ وطاووس وَغَيرهم. قَالَ: وَهُوَ قَول أبي سُلَيْمَان وَجَمِيع أَصْحَابنَا، وَقَالَت: طَائِفَة لَيست الْوَصِيَّة بواجبة. كَانَ الْمُوصى مُوسِرًا أَو فَقِيرا، وَهُوَ قَول النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ وَالثَّوْري وَمَالك وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: أما السّلف الأول فَلَا نعلم أحدا قَالَ بِوُجُوبِهَا. وَقَالَ النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ: الْوَصِيَّة للْوَالِدين والأقربين على النّدب، وَقَالَ الضَّحَّاك وطاووس: الْوَصِيَّة للْوَالِدين والأقربين وَاجِبَة بِنَصّ الْقُرْآن إِذا كَانُوا لَا يَرِثُونَ: وَقَالَ طَاوُوس: من أوصى لأجانب وَله أقرباء انتزعت الْوَصِيَّة فَردَّتْ للأقرباء. وَقَالَ الضَّحَّاك: من مَاتَ وَله شَيْء وَلم يوصِ لأقربائه فقد مَاتَ عَن مَعْصِيّة لله، ، وَقَالَ الْحسن وَجَابِر بن زيد وَعبد الْملك بن يعلى، فِيمَا ذكره الطَّبَرِيّ: إِذا أوصى رجل لقوم غرباء بِثُلثِهِ وَله أقرباء، أعطي الغرباء ثلث المَال

стр. 4047

ورد الْبَاقِي على الأقرباء. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: وَحكي عَن طَاوُوس أَن جَمِيع ذَلِك ينتزع من الْمُوصى لَهُم، وَيدْفَع لِقَرَابَتِهِ لِأَن آيَة الْبَقَرَة عِنْدهم محكمَة. وَقَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: الْوَصِيَّة مُسْتَحبَّة لِأَنَّهَا إِثْبَات حق فِي مَاله فَلم تكن وَاجِبَة كَالْهِبَةِ وَالْعَارِية، وَلَيْسَ الِاسْتِدْلَال على وجوب الْوَصِيَّة بِحَدِيث الْبَاب بِصَحِيح، لِأَن ابْن عمر رَاوِي الحَدِيث لم يوصِ، ومحال أَن يُخَالف مَا رَوَاهُ لَو كَانَ وَاجِبا، وردَّ ذَلِك بِأَنَّهُ إِن ثَبت فَالْعِبْرَة لما رُوِيَ لَا بِمَا رأى. وَأجِيب عَنهُ: بِأَن فِي ذَلِك نسبته إِلَى مُخَالفَة النَّبِي، ﷺ ، وحاشاه من ذَلِك، فَإِذا رُوِيَ عَنهُ أَنه لم يوصِ على أَن الحَدِيث لم يدل على الْوُجُوب لمَانع عَن ذَلِك ظهر عِنْده لِأَن أُمُور الْمُسلمين مَحْمُولَة على الصّلاح والسداد، وَلَا سِيمَا مثل هَذَا الصَّحَابِيّ الْجَلِيل الْمِقْدَار. فَإِن قلت: ثَبت فِي (صَحِيح مُسلم) أَنه قَالَ: (لم أَبَت لَيْلَة إلَاّ ووصيتي مَكْتُوبَة عِنْدِي) . قلت: يُعَارضهُ مَا أخرجه ابْن الْمُنْذر وَغَيره: عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن نَافِع، قَالَ: قيل لِابْنِ عمر فِي مرض مَوته: أَلا توصي؟ قَالَ: أما مَا لي فَالله يعلم مَا كنت أصنع فِيهِ، وَأما رباعي فَلَا أحب أَن يُشَارك وَلَدي فِيهَا أحد، فَإِذا جَمعنَا بَينهمَا بِالْحملِ على أَنه كَانَ يكْتب وصيبته ويتعاهدها، ثمَّ صَار ينجز مَا كَانَ يُوصي بِهِ مُعَلّقا، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله: الله يعلم مَا كنت أصنع فِي مَالِي، وَلَعَلَّ الْحَامِل لَهُ على ذَلِك حَدِيث: (إِذا أمسيت فَلَا تنْتَظر الصَّباح) الحَدِيث، سَيَأْتِي فِي الرقَاق، فَصَارَ ينجز مَا يُرِيد التَّصَدُّق بِهِ، فَلم يحْتَج إِلَى تَعْلِيق. وَنقل ابْن الْمُنْذر عَن أبي ثَوْر أَن المُرَاد بِوُجُوب الْوَصِيَّة فِي الْآيَة والْحَدِيث يخْتَص بِمن عَلَيْهِ حق شَرْعِي يخْشَى أَن يضيع على صَاحبه إِن لم يوصِ بِهِ: كوديعة وَدين لله أَو لآدَمِيّ، قَالَ: وَيدل على ذَلِك تَقْيِيده بقوله: لَهُ شَيْء يُرِيد أَن يُوصي فِيهِ، لِأَن فِيهِ إِشَارَة إِلَى قدرته على تنجيزه، وَلَو كَانَ مُؤَجّلا فَإِنَّهُ إِذا أَرَادَ ذَلِك سَاغَ لَهُ، وَإِن أَرَادَ أَن يُوصي بِهِ سَاغَ لَهُ. وَفِيه: جَوَاز الِاعْتِمَاد على الْكِتَابَة والخط وَلَو لم تقترن ذَلِك بِالشَّهَادَةِ، وَبِه قَالَ أَحْمد وَمُحَمّد بن نصر من الشَّافِعِيَّة وَقَالَ الشَّافِعِي: معنى هَذَا الحَدِيث مَا الحزم وَالِاحْتِيَاط للْمُسلمِ إلَاّ أَن تكون وَصيته مَكْتُوبَة عِنْده، فَيُسْتَحَب تَعْجِيلهَا، وَأَن يَكْتُبهَا فِي صِحَّته ويُشْهِد على مَا فِيهَا وَيكْتب فِيهَا مَا يحْتَاج إِلَيْهِ، فَإِن تجدّد أَمر يحْتَاج إِلَى الْوَصِيَّة بِهِ ألحقهُ با. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالُوا: لَا يكلَّف أَن يكْتب كل يَوْم محقرات الْمُعَامَلَات وجريان الْأُمُور المتكررة، وَلَا يقْتَصر على الْكِتَابَة بل لَا يعْمل بهَا وَلَا ينْتَفع إلَاّ إِذا كَانَ أشهد عَلَيْهِ بهَا، هَذَا مَذْهَبنَا، وَمذهب الْجُمْهُور. فَإِن قلت: من أَيْن اشْتِرَاط الْإِشْهَاد وإضمار الْإِشْهَاد فِيهِ بعد؟ قلت: اسْتدلَّ على اشْتِرَاط الْإِشْهَاد بِأَمْر خَارج لقَوْله تَعَالَى: ﴿شَهَادَة بَيْنكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت حِين الْوَصِيَّة﴾ (الْمَائِدَة: ٦٠١) . فَإِنَّهُ يدل على اشْتِرَاط الْإِشْهَاد فِي الْوَصِيَّة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْكِتَابَة مُبَالغَة فِي زِيَادَة التوثيق، وإلَاّ فَالْوَصِيَّة الْمَشْهُود بهَا مُتَّفق عَلَيْهَا، وَلَو لم تكن مَكْتُوبَة. وَفِيه: النّدب إِلَى التأهب للْمَوْت والإحتراز قبل الْفَوْت لِأَن الْإِنْسَان لَا يدْرِي مَتى يفجأه الْمَوْت. وَفِيه: يسْتَدلّ بقوله: لَهُ شَيْء. أَو: لَهُ مَال، على صِحَة الْوَصِيَّة بالمنافع، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، وَمنعه ابْن أبي ليلى، وَابْن شبْرمَة، وَدَاوُد الظَّاهِرِيّ وَأَتْبَاعه، وَاخْتَارَهُ ابْن عبد الْبر، وَالله أعلم. تابَعَهُ مُحَمَّدُ بنُ مُسْلِمٍ عنْ عَمْرٍ وعنِ ابنِ عُمَرَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أَي: تَابع مَالِكًا فِي أصل الحَدِيث: مُحَمَّد بن مُسلم الطَّائِفِي عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وروى هَذِه الْمُتَابَعَة الدَّارَقُطْنِيّ فِي (الْأَفْرَاد) من طَرِيقه. وَقَالَ: تفرد بن عمرَان بن أبان الوَاسِطِيّ عَن مُحَمَّد بن مُسلم، وَعمْرَان أخرج لَهُ النَّسَائِيّ وَضَعفه، وَقَالَ ابْن عدي: لَهُ غرائب عَن مُحَمَّد بن مُسلم، وَلَا أعلم بِهِ بَأْسا، وَلَفظه عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ: (لَا يحل لمُسلم أَن يبيت لَيْلَتَيْنِ إلَاّ ووصيته مَكْتُوبَة عِنْده) . وَمُحَمّد بن مُسلم بن سوسن، وَيُقَال ابْن سوسن، وَيُقَال: ابْن سس، وَيُقَال: ابْن سِنِين، وَيُقَال: ابْن شونيز الطَّائِفِي يعد فِي المكيين، وَعَن أَحْمد: مَا أَضْعَف حَدِيثه، وَعَن يحيى: ثِقَة، وَعنهُ: لَا بَأْس بِهِ، وَذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات. اسْتشْهد بِهِ البُخَارِيّ فِي (الصَّحِيح) وروى لَهُ فِي الْأَدَب، وروى لَهُ الْبَاقُونَ، مَاتَ سنة سبع وَسبعين وَمِائَة بِمَكَّة. ٩٣٧٢ - حدَّثنا إبراهِيمُ بنُ الحَارِثِ قَالَ حدَّثنا يَحْيى بنُ أبِي بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا زُهَيْرُ بنُ مُعَاوِيَةَ الجُعْفِيُّ قَالَ حدَّثنا أبُو إسحَاقَ عنْ عَمْرِو بنِ الحَارِثِ خَتَنِ رسولِ الله، ﷺ أخُو جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ قَالَ مَا تَرَكَ رسولُ الله، ﷺ عنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمَاً وَلَا دِينارَاً وَلَا عَبْداً وَلَا أمَةً وَلَا شَيْئاً

стр. 4048

إِلَّا بَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ وسِلَاحَهُ وأرْضَاً جعَلَهَا صَدَقَةً. مطابقته للتَّرْجَمَة لَا تتأتى من حَيْثُ الْوَصِيَّة، لِأَنَّهُ لَا ذكر لَهَا فِيهِ، وَلَكِن من حَيْثُ إِن فِيهِ: التَّصَدُّق بِمَنْفَعَة الأَرْض وَحكمهَا حكم الْوَقْف، وَهُوَ فِي معنى الْوَصِيَّة لبقائها بعد الْمَوْت، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه تعلقه بِبَاب الْوَصِيَّة؟ قلت: حَيْثُ لَا مَال لَا وَصِيَّة بِهِ. انْتهى. قلت: إِذا لم تكن وَصيته لعدم المَال فَكيف يُطَابق التَّرْجَمَة؟ وَالْوَجْه مَا ذَكرْنَاهُ. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث الْبَغْدَادِيّ سكن نيسابور وَمَات سنة خمس وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: يحيى بن أبي بكير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْكَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: الْعَبْدي الْكُوفِي قَاضِي كرمان، بِفَتْح الْكَاف وَكسرهَا وَسُكُون الرَّاء، مَاتَ سنة ثَمَان وَمِائَتَيْنِ. الثَّالِث: زُهَيْر مصغر الزهر ابْن مُعَاوِيَة، وَقد مر فِي الْوضُوء. الرَّابِع: أَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي الْكُوفِي. الْخَامِس: عَمْرو بن الْحَارِث بن أبي ضرار بن عَائِذ بن مَالك بن خُزَيْمَة، وَهُوَ المصطلق بن سعد بن كَعْب بن عَمْرو وَهُوَ خُزَاعَة المصطلقي الْخُزَاعِيّ أَخُو جوَيْرِية بنت الْحَارِث بن أبي ضرار زوج النَّبِي ﷺ . ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث، وَذكر فِي (رجال الصَّحِيحَيْنِ) الْمُشْتَمل على كتابي أبي نصر الكلاباذي وَأبي بكر الْأَصْبَهَانِيّ: أَن البُخَارِيّ روى عَن إِبْرَاهِيم هَذَا حديثين فِي تَفْسِير سُورَة الْحَج حَدِيثا، وَفِي الْوَصَايَا حَدِيثا. وَفِيه: أَبُو إِسْحَاق روى عَن عَمْرو بن الْحَارِث بالعنعنة، وَوَقع التَّصْرِيح بِسَمَاعِهِ مِنْهُ فِي الْخمس من هَذَا الْكتاب، وَفِيه: يحيى بن أبي بكير، رُبمَا يلتبس بِيَحْيَى بن بكير فيرتفع الالتباس بِأَن يحيى بن بكير مصري صَاحب اللَّيْث، وَأَبوهُ بكير غير مكني، وَيحيى بن أبي بكير أَبوهُ مكني، وَهُوَ كرماني كَمَا ذكرنَا. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْخمس عَن مُسَدّد، وَفِي الْجِهَاد عَن عَمْرو بن عَليّ وَفِيه عَن عَمْرو بن الْعَبَّاس وَفِي الْمَغَازِي عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن أَحْمد بن منيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْأَجْنَاس عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن عَمْرو بن عَليّ. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ختن رَسُول الله، ﷺ ، هَذَا أَي: كَونه ختن رَسُول الله، ﷺ على قَول ابْن الْأَعرَابِي، وَابْن فَارس والأصمعي لِأَن الختن عِنْدهم من قبل الْمَرْأَة مثل الْأَخ، وَالْأَب وكل من كَانَ من قبلهَا. وَأما عِنْد الْعَامَّة فختن الرجل زوج ابْنَته والصهر من قبل الزَّوْج، وَقيل: الختن الزَّوْج وَمن كَانَ ذَوي رَحمَه، والصهر من قبل الْمَرْأَة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْأخْتَان من قبل الْمَرْأَة. والأحماء من قبل الرجل، والصهر يجمعهما. قَوْله: (أَخُو جوَيْرِية) ويروى: أخي جوَيْرِية، وَجه الأول أَنه مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هُوَ أَخُو جوَيْرِية، وَوجه الثَّانِي أَنه عطف بَيَان، لِأَن لفظ: ختن، مجرور على أَنه وصف عَمْرو بن الْحَارِث، أَو عطف بَيَان، أَو بدل. قَوْله: (وَلَا عبدا وَلَا أمة) ، أَي: فِي الرّقية، لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ عبيد وإماء، وَقد ذكرنَا فِي (تاريخنا الْكَبِير) : أَنه كَانَ لَهُ عبيد مَا ينيف على سِتِّينَ، وَكَانَت لَهُ عشرُون أمة، فَهَذَا يدل على أَن مِنْهُم من مَاتَ فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ ، وَمِنْهُم من أعتقهم وَلم يبْق بعده عبد وَلَا أمة، وَهُوَ فِي الرّقية. قَوْله: (وَلَا شَيْئا) من عطف الْعَام على الْخَاص، هَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وَلَا شَاة، وَهِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضا، وَفِي رِوَايَة مُسلم وَأبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَآخَرين من رِوَايَة مَسْرُوق عَن عَائِشَة، قَالَت: (مَا ترك رَسُول الله، ﷺ ، درهما وَلَا دِينَارا وَلَا شَاة وَلَا بَعِيرًا وَلَا أوصى بِشَيْء) . قَوْله: (إلَاّ بغلته الْبَيْضَاء) ، إعلم أَنه كَانَت لَهُ، ﷺ ، سِتّ بغال: بغلة شهباء: يُقَال لَهَا الدلْدل، أهداها لَهُ الْمُقَوْقس. وَبغلة يُقَال لَهَا فضَّة، أهداها لَهُ فَرْوَة بن عَمْرو الجذامي، فَوَهَبَهَا لأبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَبغلة بعثها صَاحب دومة الجندل. وَبغلة أهداها لَهُ ابْن الْعلمَاء ملك أَيْلَة، وَيُقَال لَهَا: إيلية، وَقَالَ مُسلم: كَانَت بَيْضَاء. وَبغلة أهداها لَهُ النَّجَاشِيّ. وَبغلة أهداها لَهُ كسْرَى، وَلَا يثبت ذَلِك، وَلم يكن فِيهَا بَيْضَاء، إلَاّ الأيلية، وَلم يذكر أهل السّير بغلة بقيت بعده، ﵊، إلَاّ الدلْدل. قَالُوا: إِنَّهَا عمرت بعده ﷺ حَتَّى كَانَت عِنْد عَليّ بن أبي طَالب، وتأخرت أَيَّامهَا حَتَّى كَانَت بعد عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد عبد الله بن جَعْفَر، وَكَانَ يحش لَهَا الشّعير لتأكله لِضعْفِهَا، وَفِي (الْمرْآة) وَبقيت إِلَى أَيَّام مُعَاوِيَة، فَمَاتَتْ بينبع، وَالظَّاهِر أَن الَّتِي فِي الحَدِيث هِيَ إِيَّاهَا، لِأَن الشهبة غَلَبَة الْبيَاض على السوَاد، وَمِنْه تسمى: الشَّهْبَاء بَيْضَاء. قَوْله: (وسلاحه)

стр. 4049

وَقَالَ ابْن الْأَثِير: السِّلَاح مَا أعددته للحرب من آلَة الْحَدِيد. مِمَّا يُقَاتل بِهِ، وَالسيف وَحده يُسمى سِلَاحا. قلت: فعلى هَذَا، المُرَاد من قَوْله: وسلاحه، هُوَ سيوفه وأرماحه، وَكَانَت لَهُ عشرَة أسياف، وَالْمَشْهُور مِنْهَا: ذُو الفقار، الَّذِي تنفله يَوْم بدر، وَهُوَ الَّذِي تَأَخّر بعده، وَفِي (الْمرْآة) : لم يزل ذُو الفقار عِنْده، ﷺ ، حَتَّى وهبه لعَلي بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قبل مَوته، ثمَّ انْتقل إِلَى مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة، ثمَّ إِلَى مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحسن بن الْحُسَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَكَانَت لَهُ خَمْسَة من الأرماح. قَوْله: (وأرضاً جعلهَا صَدَقَة) ، وَفِي الْمَغَازِي من رِوَايَة أبي إِسْحَاق: (وأرضاً جعلهَا لِابْنِ السَّبِيل صَدَقَة) ، وَقَالَ ابْن التِّين: وَهِي فدك، وَالَّتِي بِخَيْبَر، إِنَّمَا تصدق بهَا فِي صِحَّته، وَأخْبر بالحكم بعد وَفَاته، وَإِلَيْهِ أشارت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي حَدِيثهَا الَّذِي رَوَاهُ مُسلم وَغَيره، وَلَا أوصى بِشَيْء. ٠٤٧٢ - حدَّثنا خَلَاّدُ بنُ يَحْيى قَالَ حدَّثنا مالِكٌ قَالَ حدَّثنا طَلْحَةُ بنُ مُصَرِّفٍ قَالَ سألْتُ عَبْدَ الله بنَ أبِي أوْفَى رَضِي الله تَعَالَى عنهُما هَلْ كانَ النبيُّ ﷺ أوْصاى فَقَالَ لَا فقُلْتُ كَيْفَ كُتِبَ علَى النَّاسِ الوَصِيَّةُ أوْ أُمِرُوا بالوَصِيَّةِ قَالَ أوْصَى بِكِتَابِ الله. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (كَيفَ كتب على النَّاس) إِلَى آخِره، وخلاد، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام: ابْن يحيى بن صَفْوَان أَبُو مُحَمَّد السّلمِيّ الْكُوفِي، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَمَالك هُوَ ابْن مغول، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفتح الْوَاو وباللام: البَجلِيّ الْكُوفِي، مَاتَ سنة تسع وَخمسين وَمِائَة، وَفِي بعض النّسخ: حَدثنَا مَالك هُوَ ابْن مغول، فَالظَّاهِر على هَذِه النُّسْخَة أَن شيخ البُخَارِيّ لم ينْسبهُ، فَلذَلِك قَالَ: هُوَ ابْن مغول، وَهَذَا من جملَة احْتِيَاط البُخَارِيّ، ومغول: هُوَ ابْن عَاصِم البَجلِيّ الْكُوفِي مَاتَ سنة تسع وَخمسين وَمِائَة، فِي أَولهَا، وَطَلْحَة بن مصرف، بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من التصريف: ابْن عَمْرو بن كَعْب اليامي، من بني يام من هَمدَان مَاتَ سنة ثِنْتَيْ عشرَة وَمِائَة، وَعبد الله بن أبي أوفى واسْمه عَلْقَمَة بن خَالِد الْأَسْلَمِيّ، لَهُ ولأبيه صُحْبَة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن أبي نعيم، وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن مُحَمَّد بن يُوسُف، وَأخرجه مُسلم فِي الْوَصَايَا عَن يحيى بن يحيى وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أَبِيه. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد ابْن منيع، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد. قَوْله: (فَقَالَ: لَا) ، أَي: مَا أوصى، أَرَادَ بِهِ مَا أوصى بِالْمَالِ، لِأَنَّهُ لم يتْرك مَالا، ثمَّ إِن ابْن أبي أوفى لما فهم أَن النَّفْي عَام بِحَسب الظَّاهِر عَاد وَسَأَلَ، فَقَالَ: (كَيفَ كتب على النَّاس الْوَصِيَّة؟ فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ فِي جَوَابه: بِكِتَاب الله) ، أَي: أوصى بِكِتَاب الله، أَي: بِالْعَمَلِ بِهِ، وَيُقَال أَرَادَ بِالنَّفْيِ أَولا الْوَصِيَّة الَّتِي زعم بعض الشِّيعَة أَنه أوصى بِالْأَمر إِلَى عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد تَبرأ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من ذَلِك حِين قيل: (أَعهد إِلَيْك رَسُول الله، ﷺ بِشَيْء لم يعهده إِلَى النَّاس؟ فَقَالَ: لَا، وَالَّذِي فلق الْحبَّة وبرأ النَّسمَة مَا عندنَا إلَاّ كتاب الله وَمَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة) وَهُوَ يرد لما أَكْثَره الشِّيعَة من الْكَذِب على أَنه أوصى لَهُ بالخلافة، وَأما أرضه وسلاحه وَبغلته فَلم يوصِ فِيهَا على جِهَة مَا يُوصي النَّاس فِي أَمْوَالهم، لِأَنَّهُ قَالَ: (لَا نورث مَا تركنَا صَدَقَة) ، فَكَانَ جَمِيع مَا خَلفه صَدَقَة، فَلم يبْق بعد ذَلِك مَا يُوصي بِهِ من الْجِهَة الْمَالِيَّة. قَوْله: (أوَ أُمِروا بِالْوَصِيَّةِ؟) شكّ من الرَّاوِي: وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول، وروى ابْن حبَان هَذَا الحَدِيث بِلَفْظ يُوضح مَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ من الْمُنَافَاة الظَّاهِرَة، أخرجه من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة عَن مَالك بن مغول بِلَفْظ: (سُئِلَ ابْن أبي أوفى: هَل أوصى رَسُول الله، ﷺ ؟ قَالَ: مَا ترك شَيْئا يُوصي فِيهِ، فَقيل: فَكيف أَمر النَّاس بِالْوَصِيَّةِ وَلم يوصِ؟ قَالَ: أوصى بِكِتَاب الله. ١٤٧٢ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ زُرَارَةَ قَالَ أخبرَنا إسْمَاعِيلُ عنِ ابنِ عوْنٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ قَالَ ذَكرُوا عِنْدَ عائِشَةَ أنَّ علِيَّاً رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا كانَ وصِيَّاً فقالَتْ مَتاى أوْصاى إلَيْهِ وقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إلَى صَدْرِي أوْ قالَتْ حَجْرِي فَدَعَا بالطَّسْتِ فلَقَدِ انْخَنَثَ فِي حَجْرِي فَمَا شَعَرْتُ أنَّهُ قَدْ ماتَ فَمَتاى أوْصاى إلَيْهِ. (الحَدِيث ١٤٧٢ طرفه فِي: ٩٥٤٤) .

стр. 4050

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ أَمر الْوَصِيَّة وإنكار عَائِشَة إِيَّاهَا، وَعَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن زُرَارَة، بِضَم الزَّاي وَتَخْفِيف الرَّاء الأولى: ابْن وَاقد الْكلابِي النَّيْسَابُورِي، روى عَنهُ مُسلم أَيْضا وَإِسْمَاعِيل هُوَ الْمَعْرُوف بِابْن علية، وَقد مر غير مرّة، وَابْن عون هُوَ عبد الله بن عون، وَقد مر عَن قريب، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، والأوسود هُوَ ابْن يزِيد خَال إِبْرَاهِيم. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن عبد الله بن مُحَمَّد. وَأخرجه مُسلم فِي الْوَصَايَا عَن يحيى بن يحيى وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة كِلَاهُمَا عَن إِسْمَاعِيل وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن حميد بن مسْعدَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة وَفِي الْوَصَايَا عَن عَمْرو ابْن عَليّ وَفِي الْوَصَايَا أَيْضا عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْجَنَائِز عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. قَوْله: (ذكرُوا عِنْد عَائِشَة) ، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: الشِّيعَة قد وضعُوا أَحَادِيث فِي أَن النَّبِي، ﷺ أوصى بالخلافة لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَرد عَلَيْهِم جمَاعَة من الصَّحَابَة ذَلِك، وَكَذَا من بعدهمْ، فَمن ذَلِك مَا قالته عَائِشَة من إِنْكَار ذَلِك حَيْثُ قَالَت: (قد كنت مسندته) إِلَى آخِره. وَقيل: الَّذِي يظْهر أَنهم ذكرُوا عِنْدهَا أَنه أوصى لَهُ بالخلافة فِي مرض مَوته فَلذَلِك سَاغَ لَهَا إِنْكَار ذَلِك، وأسندت إِلَى ملازمتها لَهُ فِي مرض مَوته إِلَى أَن مَاتَ فِي حجرها فَلم يَقع شَيْء من ذَلِك، فَلذَلِك أنكرتها. فَإِن قلت: هَذَا لَا يَنْفِي وُقُوع ذَلِك قبل مرض مَوته؟ قلت: حَدِيث عَليّ الَّذِي مضى عَن قريب يرد وُقُوعه أصلا. قَوْله: (مسندته) ، بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من الْإِسْنَاد. قَوْله: (حجري) ، بِفَتْح الْحَاء وَكسرهَا، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْحجر، بِالْفَتْح وَالْكَسْر: الثَّوْب والحضن، والمصدر بِالْفَتْح لَا غير. قَوْله: (انخنث) ، أَي: انثنى وَمَال إِلَى السُّقُوط، ومادته: خاء مُعْجمَة وَنون وثاء مُثَلّثَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: (انخنث) أَي: انْكَسَرَ وانثنى لاسترخاء أَعْضَائِهِ عِنْد الْمَوْت، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : انحنث السقاء وخنث إِذا مَال، وَمِنْه المخنث للينه وتكسر أَعْضَائِهِ. ٢ - (بابٌ أَن يَتْرُكَ ورَثَتَهُ أغْنِياءً خيْرٌ مِنْ أنْ يتَكَفَّفُوا النَّاسَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن يتْرك ... إِلَى آخِره، وَأخذ هَذِه التَّرْجَمَة من لفظ الحَدِيث مَعَ بعض تغير فِي اللَّفْظ، فَإِن لفظ الحَدِيث: (إِنَّك إِن تدع وَرثتك أَغْنِيَاء خير من أَن تَدعهُمْ عَالَة يَتَكَفَّفُونَ النَّاس) ، وَكلمَة: أَن، يجوز فِيهَا فتح الْهمزَة وَكسرهَا، فَفِي الْفَتْح يكون: أَن، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: بِأَن يتْرك، أَي: تَركه ورثته أَغْنِيَاء. فَقَوله أَن يتْرك فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء بالتقدير الْمَذْكُور، وَقَوله: خير، خَبره، وَفِي الْكسر تكون: إِن شَرْطِيَّة وجزاؤها مَحْذُوف تَقْدِيره: إِن يتْرك ورثته أَغْنِيَاء فَهُوَ خير، وَقَالَ ابْن مَالك: من خص هَذَا الحكم بالشعر فقد ضيق الْوَاسِع، والتكفف بسط الْكَفّ للسؤال، أَو يسْأَل النَّاس كفافاً من الطَّعَام أَو مَا يكف الجوعة، أَو بِمَعْنى: يسْأَلُون بالكف. ٢٤٧٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ سَعْدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عنْ عامِرِ بنِ سَعدٍ عنْ سَعْدِ ابنِ أبِي وقَّاصٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ جاءَ النبيُ، ﷺ يَعُودُنِي وأنَا بِمَكَّةَ وهْوَ يَكْرَهُ أنْ يَمُوتَ بالأرْضِ الَّتِي هاجَرَ مِنْهَا قَالَ يَرْحَمُ الله ابنَ عَفْرَاءَ قُلْتُ يَا رسولَ الله أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ قَالَ لَا قُلْتُ فالشَّطْرِ قَالَ لَا قلْتُ الثُّلْثُ قَالَ فالثُّلْثِ والثُّلْثُ كَثيرٌ إنَّكَ أنْ تدَعَ ورَثَتَكَ أغْنِيَاءَ خيْرٌ مِنْ أنْ تَدَعَهُمْ عالَةً يَتكَفُّفُونَ النَّاسَ فِي أيْدِيهِمْ وإنَّكَ مَهْمَا أنْفَقْتَ مِنْ نَفَقةٍ فإنَّهَا صَدَقَةٌ حَتَّى اللُّقْمَةُ الَّتِي تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأتِكَ وعَساى الله أنْ يَرْفَعَكَ فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسً ويُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إلَاّ ابْنةٌ.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهَا مِنْهُ كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب. وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَسعد ابْن إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وعامر بن سعد يروي عَن أَبِيه سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: (بَاب رثاء النَّبِي، ﷺ ، سعد بن خَوْلَة) ، وَقد مضى بعض الْكَلَام فِيهِ، ولنتكلم أَيْضا زِيَادَة للفائدة. قَوْله: (يعودنِي) ، جملَة وَقعت حَالا، وَكَذَلِكَ قَوْله: (وَأَنا بِمَكَّة) ، حَال، وَزَاد الزُّهْرِيّ فِي رِوَايَته فِي حجَّة الْوَدَاع: من

стр. 4051

وجع اشْتَدَّ بِي، وَله فِي الْهِجْرَة: من وجع أشفيت مِنْهُ على الْمَوْت. وَاتفقَ أَصْحَاب الزُّهْرِيّ على أَن ذَلِك كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع إلَاّ ابْن عُيَيْنَة، قَالَ: فِي فتح مَكَّة، أخرجه التِّرْمِذِيّ وَغَيره من طَرِيقه وَاتفقَ الْحفاظ على أَنه وهم فِيهِ، وَقد أخرجه البُخَارِيّ فِي الْفَرَائِض من طَرِيقه، فَقَالَ: (بِمَكَّة) ، وَلم يذكر الْفَتْح، وَيُؤَيّد كَلَام ابْن عُيَيْنَة مَا رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبُخَارِيّ فِي (التَّارِيخ) وَابْن سعد من حَدِيث عَمْرو بن الْقَارِي: أَن رَسُول الله، ﷺ ، قدم فخلف سَعْدا مَرِيضا حَيْثُ خرج إِلَى حنين، فَلَمَّا قدم من الْجِعِرَّانَة مُعْتَمِرًا دخل عَلَيْهِ وَهُوَ مغلوب، فَقَالَ: يَا رَسُول الله ﴿إِن لي مَالا وَإِنِّي أورث كَلَالَة، أفأوصي بِمَا لي ... الحَدِيث، وَفِيه: قلت: يَا رَسُول الله﴾ أميّت أَنا بِالدَّار الَّتِي خرجت مِنْهَا مُهَاجرا؟ قَالَ: إِنِّي لأرجو أَن يرفعك الله حَتَّى ينْتَفع بك أَقوام ... الحَدِيث. فَإِن قلت: بَين الرِّوَايَتَيْنِ فيهمَا مَا فِيهِ؟ قلت: يُمكن التَّوْفِيق بَينهمَا بِأَن يكون ذَلِك وَقع مرَّتَيْنِ: مرّة عَام الْفَتْح، وَمرَّة عَام حجَّة الْوَدَاع فَفِي الأولى: لم يكن لَهُ وَارِث من الْأَوْلَاد أصلا. وَفِي الثَّانِيَة: كَانَت لَهُ بنت فَقَط. قَوْله: (وَهُوَ يكره أَن يَمُوت بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجر مِنْهَا) ، قَالَ الْكرْمَانِي: وَهُوَ يكره، أَي: رَسُول الله، ﷺ ، وَهُوَ كَلَام سعد يَحْكِي كَلَام رَسُول الله، ﷺ ، أَو هُوَ كَلَام عَام يَحْكِي حَال وَلَده، وَقَالَ بَعضهم: قَوْله: (وَهُوَ يكره أَن يَمُوت بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجر مِنْهَا) ، يحْتَمل أَن تكون الْجُمْلَة حَالا من الْمَفْعُول وَهُوَ سعد فَفِيهِ الْتِفَات، لِأَن السِّيَاق يَقْتَضِي أَن يَقُول: وَأَنا أكره ... انْتهى. قلت: هَذَا لَا يَخْلُو من التعسف، وَالظَّاهِر من التَّرْكِيب أَن الْجُمْلَة حَال من النَّبِي، ﷺ ، وَالضَّمِير فِي: يكره، يرجع إِلَيْهِ، وَالَّذِي فِي: يَمُوت، يرجع إِلَى سعد، وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن لَا يكون سعد كَارِهًا أَيْضا، لِأَن النَّبِي، ﷺ ، إِذا كَانَ كَارِهًا لذَلِك فكراهة سعد بِالطَّرِيقِ الأولى، وَدلّ على كَرَاهَته مَا رَوَاهُ مُسلم من طَرِيق حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن ثَلَاثَة من ولد سعد عَن سعد، بِلَفْظ: (فَقَالَ: يَا رَسُول الله ﴿خشيت أَن أَمُوت بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرت مِنْهَا، كَمَا مَاتَ سعد بن خَوْلَة) . قَوْله: (قَالَ: يرحم الله ابْن عفراء) ، كَذَا وَقع فِي هَذِه الرِّوَايَة، وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن سُفْيَان، فَقَالَ النَّبِي، ﷺ : (يرحم الله سعد بن عفراء، ثَلَاث مَرَّات) . قَالَ الدَّاودِيّ: قَوْله: (ابْن عفراء) غير مَحْفُوظ، وَقَالَ الْحَافِظ الدمياطي: هُوَ وهم، وَالْمَعْرُوف: ابْن خَوْلَة. قَالَ: وَلَعَلَّ الْوَهم من سعد بن إِبْرَاهِيم، فَإِن الزُّهْرِيّ أحفظ مِنْهُ. وَقَالَ فِيهِ: سعد ابْن خَوْلَة، يُشِير بذلك إِلَى مَا وَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق جرير بن يزِيد عَن عَامر بن سعد: لَكِن البائس سعد بن خَوْلَة مَاتَ فِي الأَرْض الَّتِي هَاجر مِنْهَا. قلت: البائس اسْم من بئس يبأس بؤساً وبأساً: إِذا خضع وافتقر واشتدت حَاجته، وَقَالَ التَّيْمِيّ: يحْتَمل أَن يكون لأمه إسمان: خَوْلَة وعفراء، وَقَالَ غَيره: وَيحْتَمل أَن يكون أَحدهمَا إسماً وَالْآخر لقباً، أَو أَحدهمَا اسْم أمه وَالْآخر اسْم أَبِيه أَو اسْم جدة لَهُ، وَقيل فِي خَوْلَة: خوليّ، بِكَسْر اللَّام وَتَشْديد الْيَاء وَالْوَاو سَاكِنة بِلَا خلاف، وَأغْرب ابْن التِّين فَحكى عَن الْقَابِسِيّ فتحهَا، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة فِي الْفَرَائِض، قَالَ سُفْيَان: وَسعد بن خَوْلَة رجل من بني عَامر بن لؤَي، وَذكر ابْن إِسْحَاق: أَنه كَانَ حليفاً لَهُم، وَقيل: كَانَ من الْفرس الَّذين نزلُوا الْيمن. قَوْله: (قلت: يَا رَسُول الله﴾ أوصِي بِمَالي كُله؟) وَفِي رِوَايَة عَائِشَة بنت سعد عَن أَبِيهَا فِي الطِّبّ: أفأتصدق بِثُلثي مَالِي؟ وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ. فَإِن قلت: لفظ: أَتصدق، يحْتَمل التَّنْجِيز وَالتَّعْلِيق بِخِلَاف لفظ: أوصِي. قلت: لما كَانَ متحداً حمل لفظ: أَتصدق، على التَّعْلِيق جمعا بَين الرِّوَايَتَيْنِ، فَإِن قلت: مَا وَجه الِاخْتِلَاف فِي السُّؤَال؟ قلت: كَأَنَّهُ سَأَلَ أَولا عَن الْكل، ثمَّ سَأَلَ عَن الثُّلثَيْنِ، ثمَّ سَأَلَ عَن النّصْف، ثمَّ سَأَلَ عَن الثُّلُث، وَقد وَقع مَجْمُوع ذَلِك فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث عبيد الله بن عِيَاض عَن أَبِيه عَن جده عَمْرو ابْن عبد الْقَارِي: أَن رَسُول الله، ﷺ دخل على سعد بن مَالك يَوْم الْفَتْح ... الحَدِيث، وَفِيه: فَقَالَ سعد: يَا رَسُول الله! (إِن مَالِي كثير وإنني أورث كَلَالَة، أفأتصدق بِمَالي كُله؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أفأتصدق بثلثيه؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أفأتصدق بشطره؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أفأتصدق بِثُلثِهِ؟ قَالَ: نعم، وَذَلِكَ كثير) ، قَوْله: (قلت فَالشَّطْر) ، أَي: النّصْف، قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ بِالْجَرِّ أَو الرّفْع؟ قلت: وَجه الْجَرّ أَن يكون مَعْطُوفًا على قَوْله: بِمَالي كُله، وَوجه الرّفْع على تَقْدِير حذف الرافع، تَقْدِيره: أفيجوز الشّطْر؟ وَنسب إِلَى الزَّمَخْشَرِيّ جَوَاز النصب على تَقْدِير: أعيَّن الشطرَ أَو أسمي أَو نَحْو ذَلِك. قَوْله: (قلت: الثُّلُث؟) يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب، وَفِي بعض النّسخ: فَالثُّلُث،

стр. 4052

بِالْفَاءِ، فَإِن صحت هَذِه فَيجوز فِيهِ الْجَرّ أَيْضا، وَلَا يخفى ذَلِك على من يتَأَمَّل فِيهِ. قَوْله: (قَالَ: فَالثُّلُث؟) نصب على الإغراء، وَيجوز الرّفْع على الْفَاعِل، أَي: يَكْفِيك الثُّلُث؟ أَو على تَقْدِير الِابْتِدَاء وَالْخَبَر مَحْذُوف أَو على الْعَكْس. قَوْله: (وَالثلث كثير) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة أَو بِالْبَاء الْمُوَحدَة. وَقَوله: (قلت: فَالثُّلُث؟ قَالَ: الثُّلُث، وَالثلث كثير) ، كَذَا هُوَ فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ فِي الْهِجْرَة: (قَالَ: الثُّلُث يَا سعد، وَالثلث كثير، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن مُصعب بن سعد عَن أَبِيه: (قلت: فَالثُّلُث؟ قَالَ: نعم، وَالثلث كثير) . وَفِي رِوَايَة عَائِشَة بنت سعد عَن أَبِيهَا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ: (قَالَ: الثُّلُث، وَالثلث كثير أَو كَبِير) . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ عَن سعد بِلَفْظ: (فَقَالَ: أوصيت؟ قلت: نعم، قَالَ: بكم؟ قلت: بِمَالي كُله. قَالَ: فَمَا تركت لولدك؟ وَفِيه: أوصِ بالعشر؟ قَالَ: فَمَا زَالَ يَقُول وَأَقُول حَتَّى قَالَ: أوص بِالثُّلثِ، وَالثلث كثير أَو كَبِير) يَعْنِي: بِالْمُثَلثَةِ أَو بِالْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ شكّ من الرَّاوِي، وَالْمَحْفُوظ فِي أَكثر الرِّوَايَات بِالْمُثَلثَةِ، وَمَعْنَاهُ كثير بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا دونه. قَوْله: (إِنَّك إِن تدع) ، قد مر الْكَلَام فِيهِ فِي أول الْبَاب وَقَالَ النَّوَوِيّ: فتح: (إِن) وَكسرهَا صَحِيحَانِ، يَعْنِي: بِالْفَتْح تكون للتَّعْلِيل، وبالكسر تكون للشّرط. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا معنى للشّرط هُنَا لِأَنَّهُ يصير لَا جَوَاب لَهُ وَيبقى: خير، لَا رَافع لَهُ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: سمعناه من رُوَاة الحَدِيث بِالْكَسْرِ، وَأنْكرهُ شَيخنَا عبد الله بن أَحْمد، يَعْنِي: ابْن الخشاب، وَقَالَ: لَا يجوز الْكسر، لِأَنَّهُ لَا جَوَاب لَهُ لخلو لفظ: خير، من الْفَاء، انْتهى. قلت: هَذَا كَلَام سَاقِط من رجل ضَابِط، وَقد قُلْنَا: إِن الْفَاء حذفت وَتَقْدِيره: فَهُوَ خير، وَحذف الْفَاء من الْجَزَاء سَائِغ شَائِع غير مُخْتَصّ بِالضَّرُورَةِ. قَوْله: (وَرثتك) ، قيل: إِنَّمَا عبر بِلَفْظ: الْوَرَثَة، وَلم يقل: أَن تدع بنتك، مَعَ أَنه لم يكن لَهُ يَوْمئِذٍ إلَاّ ابْنة وَاحِدَة لكَون الْوَارِث حِينَئِذٍ لم يتَحَقَّق، لِأَن سَعْدا إِنَّمَا قَالَ ذَلِك بِنَاء على مَوته فِي ذَلِك الْمَرَض وبقائها بعده حَتَّى تَرثه، فَأَجَابَهُ ﷺ بِكَلَام كلي مُطَابق لكل حَاله، وَهُوَ قَوْله: (وَرثتك) ، وَلم يخص بِنْتا من غَيرهَا. وَقيل: إِنَّمَا عبر: بالورثة، لِأَنَّهُ اطلع على أَن سَعْدا سيعيش ويأتيه أَوْلَاد غير الْبِنْت الْمَذْكُورَة، فَكَانَ ذَلِك، وَولد لَهُ بعد ذَلِك أَرْبَعَة بَنِينَ، وَلَا أعرف أَسْمَاءَهُم، وَلَعَلَّ الله أَن يفتح بذلك، وَهَذَا ذُهُول شَدِيد مِنْهُ، فَإِن ثَلَاثَة من أَوْلَاده مذكورون فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عِنْد مُسلم من طَرِيق عَامر وَمصْعَب وَمُحَمّد ثَلَاثَتهمْ عَن سعد، وَالرَّابِع وَهُوَ عمر ابْن سعد فِي مَوضِع آخر، وَله غير هَؤُلَاءِ من الذُّكُور: إِبْرَاهِيم وَيحيى وَإِسْحَاق وَعبد الله وَعبد الرَّحْمَن وَعَمْرو وَعمْرَان وَصَالح وَعُثْمَان وَإِسْحَاق الْأَصْغَر وَعمر الْأَصْغَر وَعُمَيْر مُصَغرًا وَغَيرهم، وَمن الْبَنَات: ثنتا عشرَة بِنْتا، وَقيل: لِأَن مِيرَاثه لم يكن منحصراً فِي بنته، وَقد كَانَ لِأَخِيهِ عتبَة بن أبي وَقاص أَوْلَاد إِذْ ذَاك مِنْهُم: هَاشم بن عتبَة الصَّحَابِيّ الَّذِي قتل بصفين. قَوْله: (عَالَة) أَي: فُقَرَاء، وَهُوَ جمع: عائل، وَهُوَ الْفَقِير من: عَال يعيل إِذا افْتقر وَمر تَفْسِيره: يَتَكَفَّفُونَ، فِي أول الْبَاب. قَوْله: (فِي أَيْديهم) أَي: بِأَيْدِيهِم، أَو الْمَعْنى: يسْأَلُون بالكف اللِّقَاء فِي أَيْديهم. قَوْله: (وَإنَّك) ، عطف على قَوْله: (إِن تدع) وَهَذَا كَأَنَّهُ عِلّة للنَّهْي عَن الْوَصِيَّة بِأَكْثَرَ من الثُّلُث، فينحل التَّرْكِيب إِلَى قَوْله: لَا تفعل، لِأَنَّك إِن مت تركت وَرثتك أَغْنِيَاء، وَإِن عِشْت تَصَدَّقت وانفقت، فالأجر حَاصِل لَك حَيا وَمَيتًا. قَوْله: (فَإِنَّهَا صَدَقَة) أَي: فَإِن النَّفَقَة صَدَقَة، وَأطلق الصَّدَقَة فِي هَذِه الرِّوَايَة وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ: (فَإنَّك لن تنْفق نَفَقَة تبتغي بهَا وَجه الله إلَاّ أجرت بهَا) ، وَفِيه ذكرهَا مُقَيّدَة بابتغاء وَجه الله وعلق حُصُول الْأجر بذلك وَهُوَ الْمُعْتَبر. وَفِيه دلَالَة على أَن أجر الْوَاجِب يزْدَاد بِالنِّيَّةِ، لِأَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ. قَوْله: (حَتَّى اللُّقْمَة) ، حَتَّى هَذِه ابتدائية، يَعْنِي: حرف ابْتِدَاء ابْتَدَأَ بعده إِمَّا جملَة إسمية، كَمَا فِي قَوْله: حَتَّى مَاء دجلة، أشكل، أَو فعلية، كَمَا فِي قَوْله: حَتَّى عفوا، وَهنا الْجُمْلَة إسمية من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر، وَقَالَ بَعضهم: حَتَّى اللُّقْمَة، بِالنّصب عطفا على نَفَقَة، وَفِيه نظر، قَوْله: (إِلَى فِي امْرَأَتك) أَي: إِلَى فَم امْرَأَتك. فَإِن قلت: مَا وَجه تعلق النَّفَقَة بِقصَّة الْوَصِيَّة؟ قلت: لما كَانَ سُؤال سعد مشعراً برغبته فِي تَكْثِير الْأجر وَمنعه ﷺ من الزِّيَادَة على الثُّلُث، قَالَ لَهُ مسلياً: إِن جَمِيع مَا تَفْعَلهُ فِي مَالك من صَدَقَة ناجزة، وَمن نَفَقَة، وَلَو كَانَت وَاجِبَة توجر بهَا إِذا ابْتَغَيْت بذلك وَجه الله تَعَالَى. فَإِن قلت: مَا وَجه تَخْصِيص الْمَرْأَة بالذّكر؟ قلت: لِأَن نَفَقَتهَا مستمرة بِخِلَاف غَيرهَا. قَوْله: (عَسى الله أَن يرفعك) ، أَي: يُطِيل عمرك، وَكَذَلِكَ اتّفق فَإِنَّهُ عَاشَ بعد ذَلِك أَزِيد من أَرْبَعِينَ سنة، لِأَنَّهُ مَاتَ سنة خمس وَخمسين من الْهِجْرَة. وَقيل: سنة ثَمَان وَخمسين، فَيكون عَاشَ بعد حجَّة الْوَدَاع خمْسا وَأَرْبَعين أَو ثمانياً وَأَرْبَعين سنة. قَوْله: (فينتفع بك نَاس) أَي: ينْتَفع بك الْمُسلمُونَ بالغنائم مِمَّا سيفتح الله على يَديك من بِلَاد الشّرك، ويضرّ بك الْمُشْركُونَ الَّذين يهْلكُونَ على يَديك، وَزعم ابْن التِّين أَن المُرَاد بالنفع بِهِ مَا وَقع من الْفتُوح على يَدَيْهِ: كالقادسية وَغَيرهَا، وبالضرر مَا وَقع من تأمير

стр. 4053

وَلَده عمر بن سعد على الْجَيْش الَّذين قتلوا الْحُسَيْن بن عَليّ وَمن مَعَه، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ مَرْدُود لتكلفه بِغَيْر ضَرُورَة تحمل على إِرَادَة الضَّرَر الصَّادِر من وَلَده. قلت: لَا ينظر فِيهِ من هَذَا الْوَجْه، بل فِيهِ معْجزَة من معجزات النَّبِي ﷺ حَيْثُ أخبر بذلك بِالْإِشَارَةِ قبل وُقُوعه. وَعَن الطَّحَاوِيّ فِي ذَلِك وَجه آخر، وَهُوَ أَنه روى من طَرِيق بكير بن عبد الله بن الْأَشَج عَن أَبِيه: أَنه سَأَلَ عَامر بن سعد عَن معنى قَول النَّبِي ﷺ هَذَا، فَقَالَ: لما أَمر سعدٌ على الْعرَاق أَتَى بِقوم ارْتَدُّوا فاستتابهم، فَتَابَ بَعضهم وَامْتنع بَعضهم، فَانْتَفع بِهِ من تَابَ وَحصل الضَّرَر للآخرين. قَوْله: (وَلم يكن لَهُ يَوْمئِذٍ إلَاّ ابْنة) ، وَفِي رِوَايَة عَائِشَة بنت سعد أَن سَعْدا قَالَ: (وَلَا يَرِثنِي إلَاّ ابْنة وَاحِدَة) . قَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ لَا يَرِثنِي من الْوَلَد. أَو من خَواص الْوَرَثَة أَو من النِّسَاء، وإلَاّ فقد كَانَ لسعد عصبات، لِأَنَّهُ من بني زهرَة وَكَانُوا كثيرين. وَقيل: مَعْنَاهُ لَا يَرِثنِي من أَصْحَاب الْفُرُوض. وَقيل: خصها بِالذكر على تَقْدِير: لَا يَرِثنِي مِمَّن أَخَاف عَلَيْهِ الضّيَاع وَالْعجز إلَاّ هِيَ. وَقيل: ظن أَنَّهَا تَرث جَمِيع المَال، وَقيل: استكثر لَهَا نصف التَّرِكَة. فَإِن قلت: هَل ذكر أحد من الشُّرَّاح اسْم هَذِه الْبِنْت؟ قلت: ذكر بَعضهم عَن بعض الْمُتَأَخِّرين أَن اسْمهَا: عَائِشَة، ثمَّ قَالَ: فَإِن كَانَ هَذَا مَحْفُوظًا فَهِيَ غير عَائِشَة بنت سعد الَّتِي رَوَت هَذَا الحَدِيث عِنْد البُخَارِيّ، فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ، وَفِي الطِّبّ وَهِي تابعية عمرت حَتَّى أدْركهَا مَالك، وروى عَنْهَا، وَمَاتَتْ سنة سبع عشرَة وَمِائَة، لَكِن لم يذكر أحد من النسابين لسعد بِنْتا تسمى عَائِشَة غير هَذِه، وَذكروا أَن أكبر بَنَاته: أم الحكم الْكُبْرَى، وَأمّهَا بنت شهَاب بن عبد الله بن الْحَارِث بن زهرَة، وَذكروا لَهُ بَنَات أُخْرَى أمهاتهن متأخرات الْإِسْلَام بعد الْوَفَاة النَّبَوِيَّة، فَالظَّاهِر أَن الْبِنْت الْمَذْكُورَة هِيَ: أم الحكم، الْمَذْكُورَة لتقدم تَزْوِيج سعد بأمها. انْتهى، وَهَذَا أَيْضا تخمين، وَالله أعلم. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قد ذكرنَا أَكثر ذَلِك فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب رثاء النَّبِي، ﷺ سعد بن خَوْلَة، ولنذكر بعض شَيْء. وَفِيه: زِيَارَة الْمَرِيض للْإِمَام فَمن دونه. وَفِيه: دُعَاء الزائر للْمَرِيض بطول الْعُمر. وَفِيه: الْحَث على صلَة الرَّحِم وَالْإِحْسَان إِلَى الْأَقَارِب، وَأَن صلَة الْأَقْرَب أفضل من صلَة الْأَبْعَد. وَفِيه: الْإِنْفَاق فِي وُجُوه الْخَيْر، لِأَن الْمُبَاح إِذا قصد بِهِ وَجه الله، صَار طَاعَة، وَقد نبه على ذَلِك بِأَقَلّ الحظوظ الدُّنْيَوِيَّة العادية، وَهُوَ وضع اللُّقْمَة فِي فَم الزَّوْجَة إِذْ لَا يكون ذَلِك غَالِبا إلَاّ عِنْد الملاعبة والممازحة، وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ يُؤجر عَلَيْهِ إِذا قصد بِهِ قصدا صَحِيحا، فَكيف بِمَا هُوَ فَوق ذَلِك؟ وَفِيه: أَن من لَا وَارِث لَهُ يجوز لَهُ الْوَصِيَّة بِأَكْثَرَ من الثُّلُث، لقَوْله ﷺ : (أَن تذر وَرثتك أَغْنِيَاء) ، فمفهومه أَن من لَا وَارِث لَهُ لَا يُبَالِي بِالْوَصِيَّةِ بِمَا زَاد على الثُّلُث) . وَفِيه: اسْتِدْلَال من يرى بِالرَّدِّ بقوله: وَلَا يَرِثنِي إلَاّ ابْنة لي، للحصر. وَاعْترض عَلَيْهِ بَعضهم بِأَن المُرَاد من ذَوي الْفُرُوض، وَمن قَالَ بِالرَّدِّ لَا يَقُول بِظَاهِرِهِ، لأَنهم يعطونها فَرضهَا ثمَّ يردون عَلَيْهَا الْبَاقِي. وَظَاهر الحَدِيث: أَنَّهَا تَرث الْجَمِيع ابْتِدَاء. انْتهى. قلت: هَذَا عِنْد ظَنّه أَنَّهَا تَرث الْجَمِيع، وَالْبِنْت الْوَاحِدَة لَيْسَ لَهَا إلَاّ النّصْف وَالْبَاقِي يكون بِالرَّدِّ بِنَصّ آخر، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأولُوا الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض﴾ (الْأَنْفَال: ٥٧) . يَعْنِي: بَعضهم أولى بِالْمِيرَاثِ بِسَبَب الرَّحِم، وَالله أعلم. ٣ - (بابُ الوَصِيَّةِ بالثُّلْثِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الْوَصِيَّة بِالثُّلثِ. وقالَ الحَسَنُ لَا يَجُوزُ للذِّمِّيِّ وصِيَّةٌ إلَاّ الثُّلُثَ الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ أَرَادَ أَن الذِّمِّيّ إِذا أوصى بِأَكْثَرَ من ثلث مَاله لَا يجوز، وَأما الْمُسلم إِذا أوصى بِأَكْثَرَ من ثلث مَاله، فَإِن لم يكن لَهُ وَرَثَة جَازَ، وَإِن كَانَت لَهُ وَرَثَة فَإِن جازوا جَازَت الْوَصِيَّة، وَإِن ردوا بطلت الْوَصِيَّة. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: لَا يجوز إلَاّ فِي الثُّلُث. وَيُوضَع الثُّلُثَانِ لبيت المَال. وَقَالَ ابْن بطال: أَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا الرَّد على من قَالَ كالحنفية بِجَوَاز الْوَصِيَّة بِالزِّيَادَةِ على الثُّلُث لمن لَا وَارِث لَهُ، وَلذَلِك احْتج بقوله تَعَالَى: ﴿وَأَن أحكم بَينهم بِمَا أنزل الله﴾ (الْمَائِدَة: ٩٤) . وَالَّذِي حكم بِهِ النَّبِي، ﷺ من الثُّلُث هُوَ الحكم بِمَا أنزل الله، فَمن تجَاوز مَا حَده فقد أَتَى مَا نهى عَنهُ، ورد عَلَيْهِ بِأَن البُخَارِيّ لم يرد هَذَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ الاستشهاد بِالْآيَةِ على أَن الذِّمِّيّ إِذا تحاكم إِلَيْنَا ورثته لَا تنفذ من وَصيته إلَاّ الثُّلُث، لأَنا لَا نحكم فيهم إلَاّ بِحكم

стр. 4054

الْإِسْلَام، لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن أحكم بَينهم بِمَا أنزل الله ... ﴾ (الْمَائِدَة: ٩٤) . الْآيَة. قلت: الْعجب من البُخَارِيّ أَنه ذكر عَن الْحسن أَنه لَا يرى للذِّمِّيّ بِالْوَصِيَّةِ بِأَكْثَرَ من الثُّلُث، فليت شعري مَا وَجه ذكر هَذَا، وَالْحَال أَن حكم الْمُسلم كَذَلِك عِنْده، وَعند غير الْحَنَفِيَّة. وأعجب مِنْهُ كَلَام ابْن بطال الَّذِي تمحل فِي كَلَامه بالمحال وَاسْتحق الرَّد على كل حَال، وَأبْعد من هَذَا وَأكْثر استحقاقاً بِالرَّدِّ هُوَ صَاحب (التَّوْضِيح) حَيْثُ يَقُول: وعَلى قَول ابْن حنيفَة رد البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب، وَلذَلِك صدر بقول الْحسن، ثمَّ بِالْآيَةِ، فسبحان الله كَيفَ يرد على أبي حنيفَة بقول الْحسن، فَمَا وَجه ذَلِك؟ لَا يُدرى. وَقَالَ الله تعَالى ﴿وأنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أنْزَلَ الله﴾ (الْمَائِدَة: ٩٤) . ٤٤٧٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ بنُ عَدِيٍّ قَالَ حدَّثنا مَرْوَانُ عنْ هاشِمِ بنِ هاشِمٍ عنْ عامِرِ بنِ سعْدٍ عنْ أبيِهِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ مَرِضْتُ فعَادَنِي النبيُّ ﷺ فقُلْتُ يَا رسولَ الله ادْعُ الله (أنْ لَا يَرُدَّنِي علَى عَقِبي قَالَ لعَلَّ الله أنْ يرْفَعَكَ ويَنْفَعَ بِكَ نَاسا قُلْتُ أُرِيدُ أنْ أُوصِي وإنَّمَا لي ابْنَةٌ قُلْتُ أُوصِي بالنِّصْفِ قَالَ النِّصفُ كَثيرٌ قلْتُ فالثُّلْثُ قَالَ الثُّلْثُ والثُّلْثُ كَثير أوْ كَبِيرٌ قَالَ فأوْصاى النَّاسُ بالثُّلْثِ وجازَ ذالِكَ لَهُمْ. .

стр. 4055

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحِيم هُوَ الْحَافِظ الْمَعْرُوف بصاعقه، وَهُوَ من أَقْرَان البُخَارِيّ وأكبر مِنْهُ قَلِيلا، مَاتَ فِي سنة خمس وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَسمي صَاعِقَة لِأَنَّهُ كَانَ جيدا لحفظ، وزكرياء بن عدي أَبُو يحيى الْكُوفِي، مَاتَ سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَمِائَتَيْنِ، ومروان هُوَ ابْن مُعَاوِيَة الْفَزارِيّ، وهَاشِم بن هَاشم بن عتبَة بن أبي وَقاص الزُّهْرِيّ يعد فِي أهل الْمَدِينَة. والْحَدِيث مر عَن قريب. قَوْله: (أَن لَا يردني على عَقبي) ، بتَشْديد الْيَاء أَي: لَا يميتني فِي الدَّار الَّتِي هَاجَرت مِنْهَا، وَهِي مَكَّة. قَوْله: (لَعَلَّ الله أَن يرفعك) ، أَي: يقيمك من مرضك، وَكلمَة: لَعَلَّ، للْإِيجَاب فِي حق الله تَعَالَى. قَوْله: (قَالَ: وَأوصى النَّاس) إِلَى آخِره، من كَلَام سعد ظَاهرا، وَيحْتَمل أَن يكون من قَول من دونه. ٤ - (بابُ قوْلِ الْمُوصِي لِوَصِيِّهِ تَعاهَدْ ولَدِي وَمَا يجُوزُ لِلْوَصِيِّ منَ الدَّعْواى) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الْمُوصي، بِضَم الْمِيم وَكسر الصَّاد، لوصيه الَّذِي أوصى إِلَيْهِ: تعاهد وَلَدي، يَعْنِي: أنظر فِي أمره وافتقد حَاله. قَوْله: (وَمَا يجوز) أَي: وَفِي بَيَان مَا يجوز للْوَصِيّ من الدَّعْوَى إِذا ادّعى. ٥٤٧٢ - عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّها قالَتْ كانَ عُتْبَةُ بنُ أبِي وقَّاصٍ عَهِدَ إلَى أخِيهِ سعْدِ بنِ أبِي وقَّاص أنَّ ابنَ ولِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي فاقْبِضْهُ إلَيْكَ فلَمَّا كانَ عامُ الفَتْحِ أخَذَهُ سعْدٌ فَقَالَ ابنُ أخِي قدْ كانَ عَهِدَ إلَيَّ فِيهِ فقامَ عبْدُ بنُ زَمْعَةَ فَقَالَ أخِي وابنُ أمَة أبَى وُلِدَ على فِرَاشِهِ فَتَسَاوَقا إِلَى رسولِ الله، ﷺ فَقَالَ سعْدٌ يَا رسولَ الله ابنُ أخي كانَ عَهِدَ إليَّ فِيهِ فَقَالَ عبْدُ بنُ زَمْعَةَ أخِي وابنِ ولِيدَةِ أبي وَقَالَ رسولُ الله، ﷺ هُوَ لَك يَا عَبْدُ بنَ زَمْعَةَ الوَلدُ لِلْفِرَاشِ وللْعَاهِرِ الحَجرُ ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ احْتَجِبِي منْهُ لِمَا رَأى مِنْ شَبهِهِ بِعُتْبَةَ فَما رآهَا حتَّى لَقِيَ الله تَعَالَى.. التَّرْجَمَة مركبة من شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: هُوَ قَوْله: قَول الْمُوصي لوصيه: تعاهد وَلَدي، وَبَينه وَبَين قَوْله فِي الحَدِيث: (كَانَ عتبَة عهد إِلَى أَخِيه سعد) مُطَابقَة ظَاهِرَة. وَالثَّانِي: هُوَ قَوْله: وَمَا يجوز للْوَصِيّ من الدَّعْوَى بَينه وَبَين قَوْله: (فَقَامَ عبد بن زَمعَة) مُطَابقَة لِأَنَّهُ ادّعى وَصحت دَعْوَاهُ حَتَّى حكم لَهُ رَسُول الله، ﷺ . والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الْعتْق وَغَيره. قَوْله: (فتساوقا) أَي: تماشيا. ٥ - (بَاب إذَا أوْمأ المَرِيضُ بِرَأسِهِ إِشارَةً بَيِّنَةً جازَتْ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أَوْمَأ ... إِلَى آخِره. قَوْله: (جَازَت) ، جَوَاب: إِذا، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ قَوْله: جَازَت، وَيقدر بعد قَوْله: بَيِّنَة، هَل يحكم بهَا؟ وَنَحْو ذَلِك. قَوْله: (بَيِّنَة) أَي: ظَاهِرَة. ٦٤٧٢ - حدَّثنا حَسَّانُ بنُ أبِي عَبَّادٍ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ عنْ قَتَادَةَ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ يَهُودِيَّاً رضَّ رأسَ جارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَقيلَ لَهَا مَنْ فَعَلَ بِكِ أفُلانٌ أوْ فُلانٌ حتَّى سُمِّي اليَهُودِيُّ فأوْمَأتْ بِرَأسِهًّا فَجيءَ بِهِ فلَمْ يَزَلْ حتَّى اعتَرَفَ فأمرَ النبيُّ ﷺ فَرُضَّ رأسُهُ بالْحِجَارَةِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فأومأت برأسها حِين سمى الْيَهُودِيّ) ، إِشَارَة ظَاهِرَة، وَحسان، بتَشْديد السِّين، وَعباد، بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، مر فِي الْعمرَة، وَهَمَّام بن يحيى العودي، بِفَتْح الْعين. والْحَدِيث مر فِي الْأَشْخَاص وَمر الْكَلَام فِيهِ. ٦ - (بابٌ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: (لَا وَصِيَّة لوَارث) ، وَهَذِه التَّرْجَمَة لفظ حَدِيث مَرْفُوع أخرجه جمَاعَة وَلَيْسَ فِي الْبَاب ذَلِك، لِأَنَّهُ

стр. 4056

كَأَنَّهُ لما لم يكن على شَرطه لم يذكرهُ هُنَا. مِنْهُم: أَبُو دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا عبد الْوَهَّاب بن نجدة: قَالَ: حَدثنَا ابْن عَيَّاش من شُرَحْبِيل ابْن مُسلم، قَالَ: سَمِعت أَبَا أُمَامَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ يَقُول،: (إِن الله أعْطى كل ذِي حق حَقه فَلَا وَصِيَّة لوَارث) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا هناد وَعلي بن حجر، قَالَ: حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، قَالَ: حَدثنَا شُرَحْبِيل بن مُسلم الْخَولَانِيّ عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ يَقُول فِي خطبَته عَام حجَّة الْوَدَاع: (إِن الله ﵎ قد أعْطى كل ذِي حق حَقه، فَلَا وَصِيَّة لوَارث) الحَدِيث، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن، ثمَّ قَالَ: وَرِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن أهل الْعرَاق وَأهل الْحجاز لَيْسَ بِذَاكَ فِيمَا ينْفَرد بِهِ، لِأَنَّهُ روى عَنْهُم مَنَاكِير، وَرِوَايَته عَن أهل الشَّام أصح، وَهَكَذَا قَالَ مُحَمَّد ابْن إِسْمَاعِيل. انْتهى. قلت: هَذَا رِوَايَته عَن شُرَحْبِيل بن مُسلم وَهُوَ شَامي ثِقَة، وَصرح فِي رِوَايَته بِالتَّحْدِيثِ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ. وَمِنْهُم: عَمْرو بن خَارِجَة، روى حَدِيثه التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا قُتَيْبَة، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن قَتَادَة عَن شهر بن حَوْشَب عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم عَن عَمْرو بن خَارِجَة: أَن النَّبِي، ﷺ خطب على نَاقَته وَأَنا تَحت جِرَانهَا وَهِي تَقْصَعُ بجرتها، وَأَن لُعَابهَا يسيل بَين كتفيَّ فَسَمعته يَقُول: (إِن الله ، أعْطى كل ذِي حق حَقه، فَلَا وَصِيَّة لوَارث، وَالْولد للْفراش وللعاهر الْحجر) هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَمِنْهُم: جَابر، أخرج حَدِيثه الدَّارَقُطْنِيّ عَنهُ مثله قَالَ: وَالصَّوَاب أَنه مُرْسل. وَمِنْهُم: ابْن عَبَّاس أخرج حَدِيثه الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث حجاج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (لَا تجوز الْوَصِيَّة لوَارث، إِلَّا أَن يَشَاء الْوَرَثَة) . وَمِنْهُم: عبد الله بن عمر وَأخرج حَدِيثه الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن جده يرفعهُ: (إِن الله قسم لكل إِنْسَان نصِيبه من الْمِيرَاث فَلَا يجوز لوَارث إلَاّ من الثُّلُث، وَذَلِكَ بمنى) . وَمِنْهُم: أنس بن مَالك أخرج حَدِيثه ابْن مَاجَه: حَدثنَا هِشَام بن عمار، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن شُعَيْب بن شَابُور، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر عَن سعيد بن أبي سعيد أَنه حَدثهُ عَن أنس بن مَالك قَالَ: إِنِّي لتَحْت نَاقَة رَسُول الله، ﷺ يسيل عليَّ لُعَابهَا فَسَمعته، يَقُول: (إِن الله قد أعْطى كل ذِي حق حَقه ألَا لَا وَصِيَّة لوَارث) . وَمِنْهُم: عَليّ بن أبي طَالب أخرج حَدِيثه ابْن أبي شيبَة من حَدِيث أبي إِسْحَاق عَن الْحَارِث عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (لَيْسَ للْوَارِث وَصِيَّة) ، وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أبان بن تغلب عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه، قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (لَا وَصِيَّة لوَارث وَلَا إِقْرَار بدين) . ٧٤٧٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يوسُفَ عنْ وَرْقَاءَ عنِ ابنِ أبِي نَجيحٍ عنْ عَطاءٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ كانَ المَالُ لِلْوَلدِ وكانَتِ الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ فنَسَخَ الله مِنْ ذالِكَ مَا أحَبَّ فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ وجعَلَ للأبَوَيْنِ لكُلِّ واحدٍ منْهُمَا السُّدْسَ وجَعلَ لِلْمَرأةِ الثُّمْن والرُّبْعَ ولِلزَّوْجِ الشَّطْرَ والرُّبْعَ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْوَصِيَّة للْوَالِدين لما نسخت وَأثبت الْمِيرَاث لَهما بَدَلا من الْوَصِيَّة علم أَنه لَا يجمع لَهما بَين الْوَصِيَّة وَالْمِيرَاث، وَإِذا كَانَ لَهما كَذَلِك فَمن دونهمَا أولى بِأَن لَا يجمع لَهُ بَينهمَا، فيؤول حَاصِل الْمَعْنى: لَا وَصِيَّة للْوَارِث. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ، بَينه أَبُو نعيم الْحَافِظ. الثَّانِي: وَرْقَاء، مؤنث الأورق، ابْن عمر بن كُلَيْب أَبُو بشر الْيَشْكُرِي، وَيُقَال: الشَّيْبَانِيّ، أَصله من خوارزم، وَيُقَال من الْكُوفَة سكن الْمَدَائِن: الثَّالِث عبد الله بن أبي نجيح، بِفَتْح النُّون وَكسر الْجِيم وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة، وَقد مر غير مرّة. الرَّابِع: عَطاء بن أبي رَبَاح. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَهُوَ مَوْقُوف على ابْن عَبَّاس. وَهَذَا أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير وَفِي الْوَصَايَا عَن مُحَمَّد بن يُوسُف. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كَانَ المَال للْوَلَد) ، أَي: كَانَ مَال الشَّخْص إِذا مَاتَ للْوَلَد. قَوْله: (وَكَانَت الْوَصِيَّة للْوَالِدين) ، أَي: كَانَت الْوَصِيَّة فِي الْإِسْلَام لوالدي الْمَيِّت دون الْأَوْلَاد، على مَا يرَاهُ من الْمُسَاوَاة والتفضيل. قَوْله: (نسخ الله فِي ذَلِك مَا أحب)

стр. 4057

أَي: مَا أَرَادَ، يَعْنِي: كَانَت الْوَصِيَّة للْوَالِدين والأقربين ثمَّ نسخ مِنْهَا من كَانَ وَارِثا بِآيَة الْفَرَائِض. وَبِقَوْلِهِ: (لَا وَصِيَّة لوَارث) وَأبقى حق من لَا يَرث من الْأَقْرَبين بِالْوَصِيَّةِ على حَاله، قَالَه طَاوُوس وَغَيره. قَوْله: (وَجعل للْمَرْأَة الثّمن) ، يَعْنِي: عِنْد وجود الْوَلَد، وَجعل (الرّبع) عِنْد عَدمه. قَوْله: (والشطر) أَي: وَجعل للزَّوْج الشّطْر أَي: النّصْف، أَي: نصف المَال عِنْد عدم الْوَلَد، وَجعل (الرّبع) عِنْد وجود الْوَلَد، ثمَّ الحَدِيث دلّ على أَن: لَا وَصِيَّة للْوَارِث. وَاخْتلفُوا إِذا أوصى لبَعض ورثته، فَأَجَازَهُ بَعضهم فِي حَيَاته، ثمَّ بدا لَهُم بعد وَفَاته. فَقَالَت طَائِفَة: ذَلِك جَائِز عَلَيْهِم وَلَيْسَ لَهُم الرُّجُوع فِيهِ، هَذَا قَول عَطاء وَالْحسن وَابْن أبي ليلى وَالزهْرِيّ وَرَبِيعَة وَالْأَوْزَاعِيّ. وَقَالَت طَائِفَة: لَهُم الرُّجُوع فِي ذَلِك إِن أَحبُّوا، هَذَا قَول ابْن مَسْعُود وَشُرَيْح وَالْحكم وطاووس، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأبي ثَوْر. وَقَالَ مَالك: إِذا أذنوا لَهُ فِي صِحَّته فَلهم أَن يرجِعوا، وَإِن أذنوا فِي مَرضه وَحين يحجب عَن مَاله فَذَلِك جَائِز عَلَيْهِم، وَهُوَ قَول إِسْحَاق، وَعَن مَالك أَيْضا: لَا رُجُوع لَهُم إلَاّ أَن يَكُونُوا فِي كفَالَته فيرجعوا. وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: إِنَّمَا يبطل الْوَصِيَّة للْوَارِث فِي قَول أَكثر أهل الْعلم من أجل حُقُوق سَائِر الْوَرَثَة، فَإِذا أجازوها جَازَت كَمَا إِذا أَجَازُوا الزِّيَادَة على الثُّلُث، وَذهب بَعضهم إِلَى أَنَّهَا لَا تجوز، وَإِن أجازوها، لِأَن الْمَنْع لحق الشَّرْع فَلَو جوزناها كُنَّا قد استعملنا الحكم الْمَنْسُوخ، وَذَلِكَ غير جَائِز، وَهَذَا قَول أهل الظَّاهِر، وَقَالَ أَبُو عمر: وَهُوَ قَول عبد الرَّحْمَن بن كيسَان والمزني، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَاتفقَ مَالك وَالثَّوْري والكوفيون وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر أَنه إِذا أَجَازُوا ذَلِك بعد وَفَاته لَزِمَهُم. وَهل هُوَ ابْتِدَاء عَطِيَّة مِنْهُم أم لَا؟ فِيهِ خلاف، وَاتَّفَقُوا على اعْتِبَار كَون الْمُوصي لَهُ وَارِثا بِيَوْم الْمَوْت حَتَّى لَو أوصى لِأَخِيهِ الْوَارِث، حَيْثُ لَا يكون لَهُ ابْن يحجب الْأَخ الْمَذْكُور، فولد لَهُ ابْن قبل مَوته يحجب الْأَخ، فَالْوَصِيَّة للْأَخ الْمَذْكُور صَحِيحَة، وَلَو أوصى لِأَخِيهِ وَله ابْن فَمَاتَ الإبن قبل موت الْمُوصي فَهِيَ وَصِيَّة لوَارِثه. ٧ - (بابُ الصَّدَقَةِ عِنْدَ المَوْتِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الصَّدَقَة عِنْد الْمَوْت، وَإِن كَانَ فِي حَال الصِّحَّة أفضل. ٨٤٧٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاءِ قَالَ حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ عنْ سُفْيَانَ عنْ عُمَارَةَ عنْ أبِي زُرْعَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رجُلٌ للنبيِّ ﷺ يَا رَسُولَ الله أيُّ الصَّدَقةِ أفْضلُ قَالَ أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحيحٌ حَرِيصٌ تأمَلَ الغِناى وتَخْشاى الفَقْرَ وَلَا تمْهِلْ حتَّى إذَا بَلَغَتِ الحلْقُومَ قلْتَ لِفُلانِ كذَا ولِفُلانٍ كَذَا وقَدْ كانَ لِفُلانٍ.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (حَتَّى إِذا بلغت الْحُلْقُوم) إِلَى آخِره، وَمُحَمّد بن الْعَلَاء بن كريب الْهَمدَانِي الْكُوفِي وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَعمارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم: ابْن الْقَعْقَاع بن شبْرمَة الضَّبِّيّ الْكُوفِي، وَأَبُو زرْعَة ابْن جرير بن عبد الله البَجلِيّ الْكُوفِي، قيل: اسْمه هرم، وَقيل: عبد الله، وَقيل عبد الرَّحْمَن، وَقيل: جرير، وَقيل: عَمْرو. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب أَي الصَّدَقَة أفضل؟ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْوَاحِد عَن عمَارَة، وَلَكِن الْإِسْنَاد هُنَاكَ كُله بِالتَّحْدِيثِ وَهنا بِالتَّحْدِيثِ فِي موضِعين وَالْبَاقِي بالعنعنة. قَوْله: (قَالَ رجل للنَّبِي، ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله) ، وَهُنَاكَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي، ﷺ ، فَقَالَ. قَوْله: (أَي الصَّدَقَة أفضل؟) وَهُنَاكَ: أَي الصَّدَقَة أعظم أجرا؟ قَوْله: (وَأَنت صَحِيح حَرِيص) ، وَهُنَاكَ: (وَأَنت صَحِيح شحيح) ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (وَلَا تمهل) بِالْجَزْمِ، لِأَنَّهُ نهي، ويروى بِالرَّفْع على أَنه نفي، وَيجوز النصب على تَقْدِير: وَأَن لَا تمهل. قَوْله: (قلت لفُلَان كَذَا) إِلَى آخِره، قَالَ الْخطابِيّ: فلَان الأول وَالثَّانِي الْمُوصى لَهُ، وَفُلَان الْأَخير الْوَارِث، لِأَنَّهُ إِن شَاءَ أبْطلهُ، وَإِن شَاءَ أجَازه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قد كَانَ لفُلَان أَي: للْوَارِث، وَالثَّانِي للمورث، وَالثَّالِث للْمُوصى لَهُ. ٨ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿مِنْ بعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها أوْ دَيْنٍ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان المُرَاد من قَول الله تَعَالَى: ﴿من بعد وَصِيَّة﴾ (النِّسَاء: ٢٢) . وَكَأن غَرَض البُخَارِيّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة الِاحْتِجَاج إِلَى جَوَاز

стр. 4058

إِقْرَار الْمَرِيض بِالدّينِ مُطلقًا، سَوَاء كَانَ الْمقر لَهُ وَارِثا أَو جنبياً. وَقَالَ بَعضهم: وَجه الدّلَالَة أَنه، ، سوَّى بَين الْوَصِيَّة وَالدّين فِي تقديمهما على الْمِيرَاث، وَلم يفصل فَخرجت الْوَصِيَّة للْوَارِث بِالدَّلِيلِ وَبَقِي الْإِقْرَار بِالدّينِ على حَاله. انْتهى. قلت: كَمَا خرجت الْوَصِيَّة للْوَارِث للدليل، وَهُوَ قَوْله ﷺ : (لَا وَصِيَّة لوَارث) ، فَكَذَلِك خرج الْإِقْرَار بِالدّينِ للْوَارِث بقوله (وَلَا إِقْرَار لَهُ بدين) ، وَقد تقدم. وَقَوله: ﴿من بعد وَصِيَّة يُوصي بهَا أَو دين﴾ (النِّسَاء: ٢٢) . قِطْعَة من قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم﴾ إِلَى قَوْله: ﴿إِن الله كَانَ عليماً حكيماً﴾ (النِّسَاء: ٢٢) . هَذِه الْآيَة وَالَّتِي بعْدهَا، وَهُوَ قَوْله: ﴿وَلكم نصف مَا ترك أزواجكم﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَالله عليم حَكِيم﴾ (النِّسَاء: ٦٢) . وَالْآيَة الَّتِي هِيَ خَاتِمَة هَذِه السُّورَة، أَعنِي: سُورَة النِّسَاء. وَهُوَ قَوْله: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم ... ﴾ (النِّسَاء: ٦٧١) . إِلَى آخر الْآيَة، آيَات علم الْفَرَائِض، وَهُوَ مستنبط من هَذِه الْآيَات وَمن الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِك مِمَّا هِيَ كالتفسير لذَلِك. ويُذْكَرُ أنَّ شُرَيْحَاً وعُمَرَ بنَ عَبْدِ العَزِيزِ وطاوُوساً وعَطَاءٍ وابنَ أُذَيْنَةَ أجَازُوا إقْرَارَ المَرِيضِ بِدَيْنٍ ذكر عَنْهُم مَا ذكره بِصِيغَة التمريض، لِأَنَّهُ لم يجْزم بِصِحَّة النَّقْل عَنْهُم لضعف الْإِسْنَاد إِلَى بَعضهم. بَيَانه أَن أثر شُرَيْح ذكره ابْن أبي شيبَة عَنهُ بِلَفْظ: إِذا أقرّ فِي مرض لوَارث بدين لم يجز إلَاّ بِبَيِّنَة، وَإِذا أقرّ لوَارث جَازَ. وَفِي إِسْنَاده جَابر الْجعْفِيّ وَهُوَ ضَعِيف، وَكَذَلِكَ أخرج أثر طَاوُوس بِلَفْظ: إِذا أقرّ لوَارث جَازَ، وَفِي إِسْنَاده لَيْث بن أبي سليم وَهُوَ ضَعِيف، وَكَذَلِكَ أثر عَطاء أخرجه ابْن أبي شيبَة بِمثلِهِ، وَكَذَلِكَ أثر ابْن أذينة أخرجه ابْن أبي شيبَة من طَرِيق قَتَادَة عَنهُ بِلَفْظ: فِي الرجل يقرَّ لوَارث بدين، قَالَ: يجوز. وَابْن أذينة، بِضَم الْهمزَة وَفتح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون: واسْمه عبد الرَّحْمَن، قَاضِي الْبَصْرَة، من التَّابِعين الثِّقَات، مَاتَ سنة خمس وَتِسْعين من الْهِجْرَة. وقالَ الحَسَنُ أحَقُّ مَا يَصَدَّقُ بِهِ الرَّجُلُ آخِرَ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا وأوَّلَ يَوْمٍ مِنَ الآخِرَةِ الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وأثره رَوَاهُ الدَّارمِيّ فِي (مُسْنده) من طَرِيق قَتَادَة، قَالَ: قَالَ ابْن سِيرِين: لَا يجوز إِقْرَار لوَارث. قَالَ: وَقَالَ الْحسن: أَحَق مَا جَازَ عَلَيْهِ عِنْد مَوته أول يَوْم من أَيَّام الْآخِرَة وَآخر يَوْم من أَيَّام الدُّنْيَا. قَوْله: مَا يصدق على صِيغَة الْمَجْهُول من التَّصْدِيق، ويروى: مَا تصدق على وزن تفعل على صِيغَة الْمَاضِي من التَّصَدُّق. وَقَالَ الْكرْمَانِي: آخر، بِالنّصب وبالرفع أَي أَحَق زمَان يصدق فِيهِ الرجل فِي أَحْوَاله آخر عمره، وَالْمَقْصُود: أَن إِقْرَار الْمَرِيض فِي مرض مَوته حقيق بِأَن يصدق بِهِ وَيحكم بإنفاذه قلت: وَجه النصب بِتَقْدِير: فِي آخر يَوْم، وَوجه الرّفْع على أَنه خبر لقَوْله: أَحَق. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ والحَكَمُ إذَا أبْرَأ الوَارِثَ مِنَ الدَّيْنِ بَرِىءَ إِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَالْحكم، بِفتْحَتَيْنِ: ابْن عُيَيْنَة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق الثَّوْريّ عَن ابْن أبي ليلى عَن الحكم عَن إِبْرَاهِيم فِي الْمَرِيض: إِذا أَبْرَأ الْوَارِث من الدّين برىء، وَعَن مطرف عَن الحكم قَالَ مثله. قَوْله: (إِذا أَبْرَأ) ، أَي: المريضُ مرض الْمَوْت وارثَه من الدّين الَّذِي عَلَيْهِ بَرِىءَ الوارثُ. وأوْصاى رافِعُ بنُ خَدِيجٍ أنْ لَا تُكْشَفَ أمرَأتُهُ الفَزَارِيَّةُ عَمَّا أُغْلِقَ علَيْهِ بابُها رَافع ابْن خديج بن رَافع الأوسي الْأنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ أَبُو عبد الله، شهد أحدا وَالْخَنْدَق، وخديج، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره جِيم. قَوْله: (الفزارية) ، بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الزَّاي وبالراء. قَوْله: (عَمَّا أُغلق عَلَيْهِ بَابهَا) وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي: عَن مَال أغلق عَلَيْهِ بَابهَا. ويروى: (أغلق عَلَيْهَا) ، ويروى: أغلقت عَلَيْهِ بَابهَا. و: أغلقت، على صِيغَة الْمَبْنِيّ للْفَاعِل، وَلم أرَ أحدا من الشُّرَّاح حرر هَذَا الْموضع وَلَا ذكر مَا الْمَقْصُود مِنْهُ، وَالظَّاهِر أَن المُرَاد مِنْهُ أَن الْمَرْأَة بعد موت زَوجهَا لَا يتعَرَّضُ لَهَا، فَإِن جَمِيع مَا فِي بَيته لَهَا، وَإِن لم يشْهد لَهَا زَوجهَا بذلك، وَإِنَّمَا احْتَاجَ إِلَى الْإِشْهَاد وَالْإِقْرَار إِذا علم أَنه تزَوجهَا فقيرة وَأَن مَا فِي بَيتهَا من مَتَاع الرِّجَال، وَبِه قَالَ مَالك.

стр. 4059

وَقَالَ الحَسَنُ إذَا قَالَ لِمَمْلُوكِهِ عِنْدَ المَوْتِ قَدْ كنْتُ أعْتَقْتُكِ جازَ الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَهَذَا على أَصله أَن إِقْرَار الْمَرِيض نَافِذ مُطلقًا، فَهَذَا على إِطْلَاقه يتَنَاوَل أَن يكون من جَمِيع مَاله، وَيُخَالِفهُ غَيره فَلَا يعْتق إلَاّ من الثُّلُث. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ إذَا قالَتِ المَرْأةُ عِنْدَ مَوْتِها إنَّ زَوْجِي قَضانِي وقَبَضْتُ مِنْهُ جازَ الشّعبِيّ هُوَ عَامر. قَوْله: (قضاني) ، يَعْنِي: أداني حَقي، جَازَ إِقْرَارهَا. قَالَ ابْن التِّين: لِأَنَّهَا لَا تتهم بالميل إِلَى زَوجهَا فِي تِلْكَ الْحَالة، وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ لَهَا ولد من غَيره. وقالَ بَعْضُ الناسِ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ لِسُوءِ الظَّنِّ بِهِ لِلْوَرَثَةِ ثُمَّ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ يَجُوزُ إقْرَارُهُ بالْوَدِيعَةِ والبِضَاعَةِ والْمُضَارَبَةِ قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : المُرَاد بِبَعْض النَّاس أَبُو حنيفَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي. قَوْله: (وَقَالَ بعض النَّاس) أَي، كالحنفية. قلت: هَذَا كُله تشنيع على أبي حنيفَة أَو على الْحَنَفِيَّة مُطلقًا، مَعَ أَن فِيهِ سوء الْأَدَب على مَا لَا يخفى. قَوْله: (لَا يجوز إِقْرَاره) ، أَي: إِقْرَار الْمَرِيض لبَعض الْوَرَثَة. قَوْله: (لسوء الظَّن بِهِ) ، أَي: بِهَذَا الْإِقْرَار، أَي: مَظَنَّة أَن يُرِيد الْإِسَاءَة بِالْبَعْضِ الآخر مِنْهُم، وَهَذَا لَا يُطلق عَلَيْهِ سوء الظَّن، وَلم يُعلل الْحَنَفِيَّة عدم جَوَاز إِقْرَار الْمَرِيض لبَعض الْوَرَثَة بِهَذِهِ الْعبارَة، بل قَالُوا: لَا يجوز ذَلِك لِأَنَّهُ ضَرَر لبَقيَّة الْوَرَثَة مَعَ وُرُود قَوْله، ﷺ : (لَا وَصِيَّة لوَارث وَلَا إِقْرَار لَهُ بدين) ، وَمذهب مَالك كمذهب أبي حنيفَة: إِذا اتهمَ وَهُوَ اخْتِيَار الرَّوْيَانِيّ من الشَّافِعِيَّة، وَعَن شُرَيْح وَالْحسن بن صَالح: لَا يجوز إِقْرَار الْمَرِيض لوَارث إلَاّ لزوجته بصداقها، وَعَن الْقَاسِم وَسَالم وَالثَّوْري: لَا يجوز إِقْرَار الْمَرِيض لوَارِثه مُطلقًا، وَزعم ابْن الْمُنْذر: أَن الشَّافِعِي رَجَعَ إِلَى قَول هَؤُلَاءِ، وَبِه قَالَ أَحْمد، وَالْعجب من البُخَارِيّ أَنه خصص الْحَنَفِيَّة بالتشنيع عَلَيْهِم وهم مَا هم منفردون فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، وَلَكِن لَيْسَ هَذَا إلَاّ بِسَبَب أَمر سبق فِيمَا بَينهم، وَالله أعلم. قَوْله: (ثمَّ اسْتحْسنَ) ، أَي: بعض النَّاس، هَذَا، أَي: رأى بالاستحسان، فَقَالَ ... إِلَى آخِره وَالْفرق بَين الْإِقْرَار بِالدّينِ وَبَين الْإِقْرَار بالوديعة والبضاعة وَالْمُضَاربَة ظَاهر، لِأَن مبْنى الْإِقْرَار بِالدّينِ على اللُّزُوم، ومبنى الْإِقْرَار بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة على الْأَمَانَة، وَبَين اللُّزُوم وَالْأَمَانَة فرق عَظِيم. وقدْ قالَ النبيُّ ﷺ : إيَّاكُمْ والظَّنَّ فَإِن الظَّن أكْذَبُ الحَدِيثِ احْتج البُخَارِيّ بِهَذَا القَوْل نقلا عَن الْحَنَفِيَّة لسوء الظَّن بِهِ للْوَرَثَة، وَذَلِكَ لِأَن الظَّن محذر عَنهُ لقَوْله ﷺ : (إيَّاكُمْ وَالظَّن) ، وَإِنَّمَا يَصح هَذَا الِاحْتِجَاج إِذا ثَبت أَن الْحَنَفِيَّة عللوا بِسوء الظَّن بِهِ للْوَرَثَة، وَقد منعنَا هَذَا عَن قريب، وَلَئِن سلمنَا أَن هَذَا ظن فَلَا نسلم أَنه ظن فَاسد، والمحذر عَنهُ الظَّن الْفَاسِد، ثمَّ هَذَا الحَدِيث الَّذِي ذكره مُعَلّقا طرف من حَدِيث سَيَأْتِي فِي الْأَدَب مَوْصُولا من وَجْهَيْن عَن أبي هُرَيْرَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الصدْق وَالْكذب صفتان لِلْقَوْلِ لَا للظن، ثمَّ إنَّهُمَا لَا يقبلان الزِّيَادَة وَالنَّقْص، فَكيف يبْنى مِنْهُ أفعل التَّفْضِيل؟ قلت: جعل الظَّن للمتكلم فوصف بهما كَمَا وصف الْمُتَكَلّم، فَيُقَال مُتَكَلم صَادِق وكاذب، والمتكلم يقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فِي الصدْق وَالْكذب، فَيُقَال: زيد أصدق من عَمْرو، فَمَعْنَاه: الظَّن أكذب فِي الحَدِيث من غَيره. ولَا يَحِلُّ مالُ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : آيَةُ المُنَافِقِ إذَا ائْتُمِنَ خانَ هَذَا احتجاج آخر لما ادَّعَاهُ البُخَارِيّ، وَلَكِن لَا يَسْتَقِيم لِأَن فِيهِ تعسفاً شَدِيدا، لِأَن الْكرْمَانِي وَجهه بِالْجَرِّ الثقيل على مَا لَا يخفى، وَهُوَ أَنه إِذا وَجب ترك الْخِيَانَة وَجب الْإِقْرَار بِمَا عَلَيْهِ، وَإِذا أقرّ لَا بُد من اعْتِبَار إِقْرَاره، وإلَاّ لم يكن لإِيجَاب الْإِقْرَار فَائِدَة. انْتهى. قلت: سلمنَا وجوب ترك الْخِيَانَة، وَلَكِن لَا نسلم وجوب الْإِقْرَار بِمَا عَلَيْهِ إلَاّ فِي مَوضِع لَيْسَ فِيهِ تُهْمَة وَلَا أَذَى للْغَيْر، كَمَا فِي الْإِقْرَار للْأَجْنَبِيّ، وَأما الْإِقْرَار لوَارِثه فَفِيهِ تُهْمَة ظَاهِرَة، وأذًى ظَاهر لبَقيَّة الْوَرَثَة، وَهَذَا ظَاهر لَا يدْفع. فَإِن قلت: هَذَا

стр. 4060

الْمقر فِي حَالَة يرد فِيهَا على الله، فَهِيَ الْحَالة الَّتِي يجْتَنب فِيهَا الْمعْصِيَة وَالظُّلم، قلت: هَذَا أَمر مبطن وَنحن لَا نحكم إلَاّ بِالظَّاهِرِ، وَأما الحَدِيث الَّذِي علقه فَهُوَ طرف من حَدِيث مضى فِي كتاب الْإِيمَان. وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّ الله يأمُرُكُمْ أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إِلَى أهْلِهَا﴾ (النِّسَاء: ٨٥) . فلَمْ يَخُصَّ وَارِثاً ولَا غَيْرَهُ هَذَا احتجاج آخر فِيمَا ذهب إِلَيْهِ وَهُوَ بعيد جدا، وَجهه الْكرْمَانِي بقوله: فَلم يخص، أَي: لم يفرق بَين الْوَارِث وَغَيره فِي ترك الْخِيَانَة وَوُجُوب أَدَاء الْأَمَانَة إِلَيْهِ فَيصح الْإِقْرَار سَوَاء كَانَ للْوَارِث أَو لغيره. أما وَجه الْبعد. فَهُوَ أَن يُقَال: من أَيْن علم أَن ذمَّة الْمقر للْوَارِث كَانَت مَشْغُولَة حَتَّى إِذا لم يقر كَانَ خائناً؟ فَإِن قيل: إِقْرَاره عِنْد توجهه إِلَى الْآخِرَة يدل على ذَلِك، يُقَال: مَعَ هَذَا يحْتَمل تَخْصِيصه بذلك بعض الْوَرَثَة أَنه فعل ذَلِك قصدا لنفعه، وَفِي ذَلِك ضَرَر لغيره، وَالضَّرَر مَدْفُوع شرعا، وَلَئِن سلمنَا اشْتِغَال ذمَّته فِي نفس الْأَمر بِمَا أقرّ بِهِ فَهَذَا لَا يكون إلَاّ دينا مَضْمُونا فَلَا يُطلق عَلَيْهِ الْأَمَانَة، فَلَا يَصح الِاسْتِدْلَال بِالْآيَةِ الْكَرِيمَة على ذَلِك، على أَن كَون الدّين فِي ذمَّته مظنون بِحَسب الظَّاهِر، وَالضَّرَر لباقي الْوَرَثَة عِنْد ذَلِك مُحَقّق، فَكيف يتْرك الْعَمَل بالمحقق وَيعْمل بالمظنون؟ . فِيهِ عبْدُ الله بنُ عَمْرُو عنِ النَّبِيِّ ﷺ أَي: فِي قَوْله: (آيَة الْمُنَافِق إِذا اؤتمن خَان) ، روى عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن النَّبِي، ﷺ ، وَقد ذكره فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب عَلامَة الْمُنَافِق، أخرجه عَن قبيصَة عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش عَن عبد الله بن مرّة عَن مَسْرُوق عَن عَمْرو بن الْعَاصِ. ٩٤٧٢ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ قَالَ حدَّثنا نافِعُ بنُ مالِكِ بنِ أبِي عامِرِ أَبُو سُهَيْلٍ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ آيةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذا حدَّثَ كَذَبَ وإذَا ائْتُمِنَ خانَ وإذَا وعَدَ أخْلَفَ.. ذكر هَذَا الحَدِيث بطرِيق التّبعِيَّة وَالْبَيَان لقَوْله: (آيَة الْمُنَافِق إِذا اؤتمن خَان) ، وَلقَوْله: فِيهِ عبد الله بن عَمْرو، وإلَاّ لَيْسَ لذكره وَجه فِي هَذَا الْبَاب، وَهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه إِسْنَادًا ومتناً قد مر فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب عَلامَة الْمُنَافِق. ٩ - (بابُ تَأْوِيلِ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أوْ دَيْنٍ﴾ (النِّسَاء: ٢١) .) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَأْوِيل قَول الله، ، فِي أَنه قدم الْوَصِيَّة فِي الذّكر على الدّين، مَعَ أَن الدّين مقدم على الْوَصِيَّة وَغَيرهَا، هَكَذَا قَالُوا، حَتَّى قَالَ بَعضهم: وَبِهَذَا يظْهر السِّرّ فِي تكْرَار هَذِه التَّرْجَمَة. قلت: قدم الله تَعَالَى الْوَصِيَّة على الدّين فِي قَوْله: ﴿وَلكم نصف مَا ترك أزواجكم﴾ (النِّسَاء: ٢١) . الْآيَة فِي موضِعين، وقدمها أَيْضا فِي الْآيَة الَّتِي قبلهَا وَهُوَ قَوْله: ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم﴾ (النِّسَاء: ١١) . وَيَنْبَغِي أَن يسْأَل عَن وَجه تَقْدِيم الْوَصِيَّة على الدّين فِي هَذِه الْمَوَاضِع، وَلَا يتَّجه هَذَا إلَاّ بترجمة غير هَذَا، وَلَا وَجه لذكر التَّأْوِيل هُنَا، لِأَن حد التَّأْوِيل لَا يصدق عَلَيْهِ، لِأَن التَّأْوِيل مَا يسْتَخْرج بِحَسب الْقَوَاعِد الْعَرَبيَّة، وَبَعض الْآيَة الَّتِي هِيَ تَرْجَمَة مفسرة، وَهَذَا ظَاهر لَا يحْتَاج إِلَى تَأْوِيل غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه يسْأَل عَمَّا ذَكرْنَاهُ الْآن وَذكروا فِيهِ وُجُوهًا، فَقَالَ السُّهيْلي: قدمت الْوَصِيَّة على الدّين فِي الذّكر لِأَنَّهَا إِنَّمَا تقع على سَبِيل الْبر والصلة، بِخِلَاف الدّين، لِأَنَّهُ يَقع قهرا فَكَانَت الْوَصِيَّة أفضل، فاستحقت الْبِدَايَة. وَقيل: الْوَصِيَّة تُؤْخَذ بِغَيْر عوض، بِخِلَاف الدّين فَكَانَت أشق على الْوَرَثَة من الدّين، وفيهَا مَظَنَّة التَّفْرِيط، فَكَانَت أهم فقدَّمت. وَقيل: هِيَ إنْشَاء الْمُوصي من قبل نَفسه، فَقدمت تحريضاً على الْعَمَل بهَا. وَقيل: هِيَ حَظّ فَقير ومسكين غَالِبا، وَالدّين حَظّ غَرِيم يَطْلُبهُ بِقُوَّة، وَله مقَال. ويُذْكَرُ أنَّ النبيَّ ﷺ قَضَى بالدَّيْنِ قَبْلَ الوَصِيَّةِ هَذَا الَّذِي ذكره بِصِيغَة التمريض طرف من حَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا ابْن أبي عمر، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن

стр. 4061

أبي إِسْحَاق الْهَمدَانِي عَن الْحَارِث عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن النَّبِي، ﷺ : (قضى بِالدّينِ قبل الْوَصِيَّة وَأَنْتُم تقرأون الْوَصِيَّة قبل الدّين) ، وَأخرجه أَحْمد أَيْضا وَلَفظه: عَن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ: قضى مُحَمَّد ﷺ (أَن الدّين قبل الْوَصِيَّة) الحَدِيث، وَهَذَا إِسْنَاده ضَعِيف لِأَن الْحَارِث هُوَ ابْن عبد الله الْأَعْوَر، قَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة: سَمِعت أبي يَقُول: الْحَارِث الْأَعْوَر كَذَّاب، وَقَالَ أَبُو زرْعَة: لَا يحْتَج بحَديثه، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: الْحَارِث كَذَّاب. فَإِن قلت: لَيست من عَادَة البُخَارِيّ أَن يُورد الضَّعِيف فِي مقَام الِاحْتِجَاج بِهِ. قلت: بلَى، وَلَكِن لما رأى أَن الْعلمَاء عمِلُوا بِهِ، كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيّ عقيب الحَدِيث الْمَذْكُور، وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد أهل الْعلم، اعْتمد عَلَيْهِ لاعتضاده بالِاتِّفَاقِ على مُقْتَضَاهُ. وقَوْلِهِ ﴿إنَّ الله يأمُرُكُمْ أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إِلَى أهْلِهَا﴾ (النِّسَاء: ٨٥) . فأدَاءُ الأمانَةِ أحَقُّ مِنْ تَطَوُّعِ الوَصِيَّةِ وَقَوله، بِالْجَرِّ عطفا على: قَول الله تَعَالَى، الْمَجْرُور بِإِضَافَة التَّأْوِيل إِلَيْهِ، وَذكر هَذِه الْآيَة فِي معرض الِاحْتِجَاج فِي جَوَاز إِقْرَار الْمَرِيض للْوَارِث، وَهَذَا بمعزل عَن ذَلِك على مَا لَا يخفى على أحد، وَالْآيَة نزلت فِي عُثْمَان بن طَلْحَة، قبض النَّبِي، ﷺ ، مِفْتَاح الْكَعْبَة فَدخل الْكَعْبَة يَوْم الْفَتْح، فَخرج وَهُوَ يَتْلُو هَذِه الْآيَة، فَدفع إِلَيْهِ الْمِفْتَاح. ذكره الواحدي فِي (أَسبَاب النُّزُول) عَن مُجَاهِد. وَقَالَ النبيُّ ﷺ لَا صَدَقَةَ إلَاّ عنْ ظَهْرِ غِنًى أورد هَذَا أَيْضا فِي معرض الِاحْتِجَاج فِي جَوَاز الْإِقْرَار للْوَارِث. قَالَ الْكرْمَانِي: والمديون لَيْسَ بغني فَالْوَصِيَّة الَّتِي لَهَا حكم الصَّدَقَة تعْتَبر بعد الدّين، وَأَرَادَ بِتَأْوِيل الْآيَة مثله. انْتهى. قلت: قَوْله: الْمَدْيُون لَيْسَ بغني، على إِطْلَاقه لَا يَصح، والمديون الَّذِي لَيْسَ بغني هُوَ الْمَدْيُون الْمُسْتَغْرق، وَجعل مُطلق الْمَدْيُون أصلا، ثمَّ بِنَاء الحكم عَلَيْهِ فِيمَا ذهب إِلَيْهِ غير صَحِيح، وَهَذَا التَّعْلِيق مضى مُسْندًا فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب لَا صَدَقَة إلَاّ عَن ظهر غنى، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَا يُوصِي العَبْدُ إلأ بإذْنِ أهْلِهِ ذكر هَذَا أَيْضا فِي معرض الِاحْتِجَاج، وَفِيه نظر. قَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (بِإِذن أَهله وَأَدَاء الدّين الْوَاجِب عَلَيْهِ) ، قلت: يَنْبَغِي أَن تكون هَذِه الْمَسْأَلَة على التَّفْصِيل، وَهُوَ أَن العَبْد لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون مَأْذُونا لَهُ فِي التَّصَرُّفَات أَو لَا، فَإِن لم يكن فَلَا تصح وَصيته بِلَا خلاف، لِأَنَّهُ لَا يملك شَيْئا، فبماذا يُوصي؟ وَإِن كَانَ مَأْذُونا لَهُ تصح وَصيته بِإِذن الْوَلِيّ إِذا لم يكن مُسْتَغْرقا بِالدّينِ وعَلى كل حَال الِاسْتِدْلَال بأثر ابْن عَبَّاس فِيمَا ذهب إِلَيْهِ لَا يتم، وَفِيه نظر لَا يخفى، وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن أبي الْأَحْوَص عَن شبيب بن فرقد عَن جُنْدُب، قَالَ: سَأَلَ طهْمَان ابْن عَبَّاس: أيوصي العَبْد؟ قَالَ: لَا، إلَاّ بِإِذن أَهله. وَقَالَ النبِيُّ ﷺ العَبْدُ رَاعٍ فِي مالِ سَيِّدِهِ قيل: لما تعَارض فِي مَال العَبْد حَقه وَحقّ سَيّده قدم الْأَقْوَى، وَهُوَ حق السَّيِّد، وَجعل العَبْد مولى عَنهُ، وَهُوَ أحد الْحفظَة فِيهِ، فَكَذَلِك حق الدّين لما عَارضه حق الْوَصِيَّة وَالدّين وَاجِب وَالْوَصِيَّة تطوع وَجب تَقْدِيم الدّين فَهَذَا وَجه مُنَاسبَة هَذَا الْأَثر، والْحَدِيث للتَّرْجَمَة. انْتهى. قلت: العَبْد لَا يملك شَيْئا أصلا فَكيف يثبت لَهُ المَال؟ ثمَّ كَيفَ تثبت الْمُعَارضَة بَين حَقه وَحقّ سَيّده وَلَا ثمَّة حق للْعَبد؟ وَقَوله: فَكَذَلِك حق الدّين لما عَارضه حق الْوَصِيَّة ... إِلَى آخِره، مَمْنُوع لِأَنَّهُ هُوَ يمْنَع كَلَامه بقوله: وَالدّين وَاجِب وَالْوَصِيَّة تطوع فَكيف تتَوَجَّه الْمُعَارضَة بَين الْوَاجِب والتطوع؟ وَمَعَ هَذَا فَإِن كَانَ مُرَاد البُخَارِيّ بِهَذَا وجوب تَقْدِيم الدّين على الْوَصِيَّة فَهَذَا لَا نزاع فِيهِ، وَإِن كَانَ مُرَاده جَوَاز إِقْرَار الْمَرِيض للْوَارِث فَلَا يساعده شَيْء مِمَّا ذكره فِي هَذَا الْبَاب، والْحَدِيث الَّذِي علقه ذكره مُسْندًا فِي كتاب الْعتْق فِي: بَاب كَرَاهِيَة التطاول على الرَّقِيق. ٠٥٧٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا الأوزَاعِيُّ عنِ الزُّهْرِيَّ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ وعُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ أنَّ حَكِيمَ بنَ حِزَامٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سألْتُ رسولَ الله ﷺ فأعْطَانِي

стр. 4062

ثُمَّ سألْتُهُ فَأعْطَانِي ثُمَّ قَالَ لي يَا حَكِيمُ إنَّ هذَا المَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ فَمَنْ أخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفِسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ ومَنْ أخَذَهُ بإشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبارَكْ لَهُ فِيهِ وكانَ كالَّذِي يأكُلُ ولَا يَشْبَعُ والْيدُ العُلْيَا خيرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى قَالَ حَكيمً فَقُلْتُ يَا رسولَ الله والَّذِي بعَثَكَ بالحَقِّ لَا أرْزَأُ أحَدَاً بَعْدَكَ شَيْئاً حَتَّى أُفَارِقُ الدُّنْيَا فَكانَ أبُو بَكْرٍ يَدْعُو حَكيماً لِيُعْطِيَهُ العَطاءَ فيَأْبَى أنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئاً ثُمَّ إنَّ عُمَرَ دَعاهُ لِيُعْطِيَهُ فيَأبَى أنْ يَقْبَلَهُ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ المُسْلِمينَ إنِّي أعْرِضُ علَيْهِ حَقَّهُ الَّذي قَسَمَ الله لَهُ مِنْ هَذَا الفَيْءِ فَيأبَى أنْ يأخُذَهُ فلَمْ يَرْزَأ حَكِيمٌ أحَداً مِنَ النَّاسِ بَعْدَ النبيِّ ﷺ حتَّى تُوُفِّيَ ﵀. قيل: وَجه دُخُول هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب من جِهَة أَنه ﷺ زهَّده فِي قبُول الْعَطِيَّة وَجعل يَد الْآخِذ سفلى تنفيراً عَن قبُولهَا، وَلم يَقع مثل ذَلِك فِي تقاضي الدّين، لِأَن يَد آخذ الدّين لَيست سفلى، لاسْتِحْقَاق أَخذه جبرا، فالدين أقوى، فَيجب تَقْدِيمه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَوجه آخر، وَهُوَ أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَلا تهد فِي توفيته حَقه من بَيت المَال وخلاصه مِنْهُ، وَشبهه بِالدّينِ لكَونه حَقًا بِالْجُمْلَةِ، فَكيف إِذا كَانَ دينا مُتَعَيّنا؟ فَإِنَّهُ يجب تَقْدِيمه على التَّبَرُّعَات قلت وَلَو تكلفوا غَايَة مَا يكون بإن يذكرُوا وَجه الْمُطَابقَة بَين أَحَادِيث هَذَا الْبَاب وَبَين التَّرْجَمَة فَإِن فِيهِ تعسفاً شَدِيدا يظْهر ذَلِك لمن يتأمله كَمَا يَنْبَغِي. والْحَدِيث تقدم فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب الاستعفاف فِي الْمَسْأَلَة. قَوْله: (لَا أرزأ) بِتَقْدِيم الرَّاء على الزَّاي، أَي: لَا أَخذ من أحد شَيْئا بعْدك. ١٥٧٢ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ السَّخْتِيَانِيُّ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي سالِمٌ عنِ ابنِ عُمَرَ عنْ أبِيهِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقُولُ كُلُّكُمْ راعٍ ومَسْئولٌ عنْ رعِيَّتهِ والإمامُ راعٍ ومَسْئُولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ والرَّجُلُ راعٍ فِي أهْلِهِ ومَسْئولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ والمَرْأةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا راعِيَةٌ ومَسئُولَةٌ عنْ رَعِيَّتِها والخادِمُ فِي مالِ سَيِّدِهِ راعٍ ومسْئُولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ قَالَ وحَسِبْتُ أنْ قَدْ قالَ والرَّجُلُ راعٍ فِي مَال أبِيهِ.. لم يذكر أحد من الشُّرَّاح وَجه دُخُول هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب، وَيُمكن أَن يكون الْوَجْه فِي ذَلِك مثل الَّذِي ذكر فِي قَوْله: وَقَالَ، ﵊: (العَبْد رَاع فِي مَال سَيّده) يتناولا العَبْد. وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد السّخْتِيَانِيّ الْمروزِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجُمُعَة فِي: بَاب الْجُمُعَة فِي الْقرى، بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد وَمضى الْكَلَام فِيهِ. ٠١ - (بابٌ إِذا وقفَ أوْ أوْصَى لأقَارِبِهِ ومَنِ الأقَارِبُ ؟) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: إِذا وقف شخص، وَفِي بعض النّسخ: إِذا أوقف، بِزِيَادَة ألف فِي أَوله، وَهِي لُغَة قَليلَة، وَيُقَال: لُغَة رَدِيئَة. قَوْله: (وَمن الْأَقَارِب؟) ، كلمة: من، استفهامية، وَلم يذكر جَوَاب إِذا لمَكَان الْخلاف فِيهِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى: اخْتلف النَّاس فِي الرجل يُوصي بِثلث مَاله لقرابة فلَان، من الْقَرَابَة الَّذين يسْتَحقُّونَ تِلْكَ الْوَصِيَّة؟ فَقَالَ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: هم كل ذِي رحم محرم من فلَان من قبل أَبِيه أَو من قبل أمه. قلت: وَلَا يدْخل الْوَالِدَان وَالْولد. قَالَ الطَّحَاوِيّ: غير أَنه يبدؤ فِي ذَلِك من كَانَت قرَابَته مِنْهُ من قبل أَبِيه على من كَانَت قرَابَته من قبل أمه، أما اعْتِبَار الْأَقْرَب فَلِأَن الْوَصِيَّة أُخْت الْمِيرَاث، وَفِيه يعْتَبر الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب، حَتَّى لَو كَانَ لفُلَان عمان وخالان فَالْوَصِيَّة للعمين، وَلَو كَانَ لَهُ عَم وخالان فللعم النّصْف وللخالين النّصْف، وَأما اعْتِبَار عدم دُخُول الْوَالِدين وَالْولد، فَلِأَن الله تَعَالَى عطف الْأَقْرَبين على الْوَالِدين، والمعطوف

стр. 4063

يغاير الْمَعْطُوف عَلَيْهِ. فَإِن قلت: إِذا لم يدْخل الْوَالِد وَالْولد، فَهَل يدْخل الْجد وَولد الْوَلَد؟ قلت: ذكر فِي الزِّيَادَات أَنَّهُمَا يدخلَانِ وَلم يذكر فِيهِ خلافًا، وَذكر الْحسن بن زِيَاد عَن أبي حنيفَة: أَنَّهُمَا لَا يدخلَانِ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَن أبي يُوسُف، وَهُوَ الصَّحِيح وَقَالَ زفر: الْوَصِيَّة لكل من قرب مِنْهُ من قِبَلِ أَبِيه أَو من قِبَل أمه دون من كَانَ أبعد مِنْهُم، وَسَوَاء فِي هَذَا بَين من كَانَ مِنْهُم ذَا رحم محرم وَبَين من كَانَ ذَا رحم غير محرم، وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: الْوَصِيَّة فِي ذَلِك لكل من جمعه، وَفُلَانًا أبٌ وَاحِد مُنْذُ كَانَت الْهِجْرَة من قِبَل أَبِيه أَو من قِبَلِ أمه. وَقَالَ قوم من أهل الحَدِيث وَجَمَاعَة من الظَّاهِرِيَّة: الْوَصِيَّة لكل من جمعه وَفُلَانًا أَبوهُ الرَّابِع إِلَى مَا هُوَ أَسْفَل من ذَلِك، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: الْوَصِيَّة فِي ذَلِك لكل من جمعه وَفُلَانًا أَب وَاحِد فِي الْإِسْلَام أَو فِي الْجَاهِلِيَّة، وَتَحْقِيق مَذْهَب الشَّافِعِي مَا ذكره النَّوَوِيّ فِي (الرَّوْضَة) : أوصى لأقارب زيد، دخل فِيهِ الذّكر وَالْأُنْثَى وَالْفَقِير والغني وَالْوَارِث وَغَيره وَالْمحرم وَغَيره والقريب والبعيد وَالْمُسلم وَالْكَافِر لشمُول الِاسْم، وَلَو أوصى لأقارب نَفسه فَفِي دُخُول ورثته وَجْهَان: أَحدهمَا: الْمَنْع، لِأَن الْوَارِث لَا يوصى لَهُ، فعلى هَذَا يخْتَص بالباقين، وَبِهَذَا قطع الْمُتَوَلِي وَرجحه الْغَزالِيّ، وَهُوَ محكي عَن الصيدلاني. وَالثَّانِي: الدُّخُول، لوُقُوع الِاسْم. ثمَّ يبطل نصِيبهم وَيصِح الْبَاقِي لغير الْوَرَثَة. وَهل يدْخل فِي الْوَصِيَّة لأقارب زيد. أُصُوله وفروعه؟ فِيهِ أوجه. أَصَحهَا: عِنْد الْأَكْثَرين: لَا يدْخل الْوَالِدَان وَالْأَوْلَاد، وَيدخل الأجداد والاحفاد. وَالثَّانِي: لَا يدْخل أحد من الْأُصُول وَالْفُرُوع. وَالثَّالِث: يدْخل الْجَمِيع، وَبِه قطع الْمُتَوَلِي، قلت: أَمر الْوَقْف فِي هَذَا كأمر الْوَصِيَّة، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: تجوز الْوَصِيَّة لكل من جَازَ الْوَقْف عَلَيْهِ من صَغِير وكبير وعاقل وَمَجْنُون وموجود ومعدوم إِذا لم يكن وَارِثا وَلَا قَاتلا. وَقَالَ ثابِتٌ عنْ أنَسٍ قَالَ النبيُّ ﷺ لأبي طَلْحَةَ اجْعَلْهَا لِفُقَرَاءِ أقَارِبَكَ فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ وأُبَيِّ بنِ كَعبٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهُوَ طرف من حَدِيث أخرجه مُسلم: حَدثنِي مُحَمَّد بن حَاتِم، قَالَ: حَدثنَا بهز، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة. قَالَ: حَدثنَا ثَابت عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: لما نزلت هَذِه الْآيَة: ﴿لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون﴾ (آل عمرَان: ٢٩) . قَالَ أَبُو طَلْحَة: أرى رَبنَا يسألنا من أَمْوَالنَا، فأشهدك يَا رَسُول الله أَنِّي جعلت أرضي بيرحاء لله. قَالَ: فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : (إجعلها فِي قرابتك) . قَالَ: فَجَعلهَا فِي حسان بن ثَابت وَأبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (إجعلها) ، الضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى أرضي بيرحاء، وَقد بَينه كَذَلِك مُسلم فِي (صَحِيحه) لِأَن الْمُعَلق الْمَذْكُور قِطْعَة من حَدِيث مُسلم، كَمَا ذكرنَا. وَأَبُو طَلْحَة: اسْمه زيد بن سهل بن الْأسود بن حرَام ابْن عَمْرو بن زيد مَنَاة بن عدي بن عَمْرو بن مَالك بن النجار النجاري الْأنْصَارِيّ وَحسان بن ثَابت بن الْمُنْذر بن حرَام بن عَمْرو الى النجار، وَاسم النجار: تيم اللات بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الْخَزْرَج الخزرجي الْأنْصَارِيّ، وَأبي بن كَعْب بن الْمُنْذر، وَيُقَال: كَعْب بن قيس بن عبيد بن زيد بن مُعَاوِيَة بن عَمْرو بن

стр. 4064

مَالك بن النجار، فيجتمع أَبُو طَلْحَة وَحسان وَأبي بن كَعْب فِي عَمْرو بن مَالك بن النجار، ويجتمع أَبُو طَلْحَة وَحسان فِي حرَام بن عَمْرو وجد أَبِيهِمَا، على مَا يَجِيء الْآن، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَقَالَ الأنْصَارِيُّ حدَّثني أبي عنْ ثُمَامَةَ عنْ أنَسٍ مثْلَ حَديثِ ثابِتٍ قَالَ اجْعَلْهَا لِفُقَرَاءِ قَرَابَتِكَ قَالَ أنسٌ فجَعَلَهَا لِحَسَّانَ وأُبَيِّ بنِ كعْبٍ وكانَا أقْرَبَ إلَيْهِ مِنِّي وكانَ قَرَابَةُ حَسَّانٍ وأُبَيٍّ منْ أبي طَلْحَةَ واسْمُهُ زَيْدُ بنُ سَهْلِ بنِ الأسْوَدِ بنِ حَرَامِ بنِ عَمْرِو بن زَيْدِ مَناةَ بنِ عَدِيٍّ بنِ عَمْرِو بنِ مالِكِ بنِ النَّجَّارِ وحسَّانُ بنُ ثابتِ بنِ المُنْذِرِ بنِ حَرامٍ فَيَجْتَمِعَانِ إِلَى حَرامٍ وهْوَ الأبُ الثَّالِثُ وحَرامُ بنُ عَمْرُو بنِ زَيْدِ بنِ عَدِيِّ بنِ عَمْرِو بنِ مالِكِ بنِ النَّجَّارِ فَهْوَ يُجَامِعُ حَسَّانَ وأبَا طَلْحَةَ وأبَيَّا إِلَى ستَّةِ آباءٍ إِلَى عَمْرو بنِ مالِكِ وهْوَ أُبَيُّ بنُ كَعْبِ بنِ قَيْسِ بنُ عُبَيْدِ بنِ زَيْدِ بنُ مُعَاوِيَةَ بنَ عَمْرِو بن مالِكِ بنِ النَّجَّارِ فَعَمْرُو بنُ مالِكٍ يَجْمَعُ حَسَّانَ وأبَا طَلْحَةَ وأُبَيَّا الْأنْصَارِيّ: هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن الْمثنى، بِضَم الْمِيم وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح النُّون الْمُشَدّدَة: ابْن عبد الله بن أنس ابْن مَالك، هُوَ يروي عَن أَبِيه عبد الله الْمَذْكُور، وَعبد الله يروي عَن عَمه ثُمَامَة، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الْمِيم: ابْن عبد الله ابْن أنس، وَهُوَ يروي عَن جده أنس بن مَالك، وَهَذَا الْإِسْنَاد كُله بصريون وأنسيون، وَالْبُخَارِيّ روى عَن الْأنْصَارِيّ كثيرا. قَوْله: (مثل حَدِيث ثَابت) ، وَهُوَ الْمَذْكُور الْآن، اخْتَصَرَهُ البُخَارِيّ هُنَا وَوَصله فِي تَفْسِير آل عمرَان مُخْتَصرا. أَيْضا عقيب رِوَايَة إِسْحَاق بن أبي طَلْحَة عَن أنس فِي هَذِه الْقِصَّة، قَالَ: حَدثنَا الْأنْصَارِيّ، فَذكر هَذَا الْإِسْنَاد. قَالَ: فَجَعلهَا لحسان وَأبي، وَكَانَا أقرب إِلَيْهِ، وَلم يَجْعَل لي مِنْهَا شَيْئا. وَسقط هَذَا الْقدر من رِوَايَة أبي ذَر. وَقد أخرجه الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا ابْن مَرْزُوق، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، قَالَ: حَدثنَا حميد عَن أنس، قَالَ: لما نزلت هَذِه الْآيَة: ﴿لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون﴾ (آل عمرَان: ٢٩) . قَالَ أَو قَالَ: ﴿من ذَا الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا﴾ (الْبَقَرَة: ٥٤٢، وَالْحَدِيد: ١١) . جَاءَ أَبُو طَلْحَة فَقَالَ: يَا رَسُول الله! حائطي الَّذِي بمَكَان كَذَا وَكَذَا لله تَعَالَى، وَلَو اسْتَطَعْت أَن أسره لم أعلنه. فَقَالَ: (إجعله فِي فُقَرَاء قرابتك أَو فُقَرَاء أهلك) . حَدثنَا ابْن مَرْزُوق، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله، قَالَ: حَدثنِي أبي عَن ثُمَامَة، قَالَ: قَالَ أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: كَانَت لأبي طَلْحَة أَرض فَجَعلهَا لله ، فَأتى النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَهُ: (اجْعَلْهَا فِي فُقَرَاء قرابتك) ، فَجَعلهَا لحسان. وَأبي. قَالَ أبي: عَن ثُمَامَة عَن أنس قَالَ: وَكَانَا أقرب إِلَيْهِ مني. انْتهى. أَي: كَانَ حسان وَأبي بن كَعْب إقرب إِلَى أبي طَلْحَة من أنس بن مَالك، لِأَنَّهُمَا يبلغان إِلَى عَمْرو بِوَاسِطَة سِتَّة أنفس، وَأنس يبلغ إِلَيْهِ بِوَاسِطَة اثْنَي عشر نفسا، لِأَن أنس بن مَالك بن النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: ابْن ضَمْضَم، بِفَتْح الضادين المعجمتين: ابْن زيد بن حرَام ضد حَلَال ابْن جُنْدُب بن عَامر بن غنم، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون: ابْن عدي بن عَمْرو بن مَالك بن النجار. قَوْله: (وَكَانَ قرَابَة حسان) إِلَى آخِره من كَلَام البُخَارِيّ، أَو من كَلَام شَيْخه، وَلَيْسَ من الحَدِيث. قَوْله: (واسْمه) أَي: اسْم أبي طَلْحَة. قَوْله: (حرَام) ضد حَلَال كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (زيد مَنَاة) ، بِالْإِضَافَة. قَالَ الْكرْمَانِي: لَيْسَ بَين زيد وَبَين مَنَاة ابْن، لِأَنَّهُ اسْم مركب مِنْهُمَا. قَوْله: (ابْن النجار) وَقد ذكرنَا أَن اسْمه: تيم اللات، وَإِنَّمَا سمي النجار لِأَنَّهُ اختتن بالقدوم، وَقيل: ضرب وَجه رجل بقدوم فنجره، فَقيل لَهُ: النجار. قَوْله: (إِلَى حرَام) ، وَهُوَ الْأَب الثَّالِث يَعْنِي: لأبي طَلْحَة، وَوَقع هُنَا وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وَحرَام بن عَمْرو، وسَاق النّسَب ثَانِيًا إِلَى النجار، وَهُوَ زِيَادَة لَا معنى لَهَا. قَوْله: (فَهُوَ يُجَامع حسان) أَي: الشَّأْن أَن حسان وأبياً يُجَامع أَبَا طَلْحَة، قَالَه الْكرْمَانِي، وَلَيْسَ بِشَيْء، وَالصَّوَاب: أَن لفظ: هُوَ يرجع إِلَى عَمْرو بن مَالك، وَالْمعْنَى: أَن عَمْرو بن مَالك يجمع حسان وَأَبا طَلْحَة وأبياً، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد فِي (السّنَن) وَقَالَ: بَلغنِي عَن مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ أَنه قَالَ: أَبُو طَلْحَة هُوَ زيد بن سهل، فساق نسبه وَنسب حسان بن ثَابت وَأبي بن كَعْب كَمَا تقدم، ثمَّ قَالَ: قَالَ الْأنْصَارِيّ: فَبين أبي طَلْحَة وَأبي بن كَعْب سِتَّة أباء، قَالَ: وَعَمْرو بن مَالك يجمع حسانا وأبياً وَأَبا طَلْحَة، وَالله أعلم، وَكَذَا قَالَ البُخَارِيّ، فعمرو بن مَالك يجمع حسانا وَأَبا طَلْحَة وأبياً، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَقَالَ بَعْضُهُمْ إذَا أوْصاى لِقَرَابَتِهِ فَهْوَ إِلَى آبائِهِ فِي الإسْلَامِ أَرَادَ بِهِ: أَبَا يُوسُف صَاحب أبي حنيفَة. قَوْله: (إِلَى آبَائِهِ فِي الْإِسْلَام) أَي: إِلَى آبَائِهِ الَّذين كَانُوا فِي الْإِسْلَام، وَقد مر فِي أول الْبَاب اخْتِلَاف الْعلمَاء فِيهِ، وَمُحَمّد بن الْحسن مَعَ أبي يُوسُف. ٢٥٧٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالكٌ عنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ أنَّهُ سَمِعَ أنَساً رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ لأبي طَلْحَةَ أراى أنْ تَجْعَلَهَا فِي الأقْرَبِينَ قَالَ أبُو طَلْحَةَ أفعلُ يَا رسولَ الله فقَسَمَهَا أبُو طَلْحةَ فِي أقارِبِهِ وبَنِي عَمِّهِ.. هَذَا الحَدِيث قد مضى مطولا فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب الزَّكَاة على الْأَقَارِب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى، وَالضَّمِير فِي: (أَن

стр. 4065

تجعلها) ، يرجع إِلَى: بيرحاء، وَمضى تَفْسِيره هُنَاكَ. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ (الشُّعَرَاء: ٤١٢) . وَقَالَ النبيُّ ﷺ يَا معْشَرَ قُرَيْشٍ ذكر هَذَا مُخْتَصرا مُعَلّقا، وَوَصله فِي مَنَاقِب قُرَيْش، وَتَفْسِير سُورَة الشُّعَرَاء، بِتَمَامِهِ من طَرِيق عَمْرو بن مرّة عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، وَأورد فِي آخر الْجَنَائِز طرفا مِنْهُ فِي قصَّة أبي لَهب، مَوْصُولَة وَسَيَأْتِي تَفْسِيره، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ١١ - (بابٌ هلْ يَدْخُلُ النِّساءُ والوَلَدُ فِي الأقارِبِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يدْخل ... إِلَى آخِره، وَإِنَّمَا ذكره بِكَلِمَة الِاسْتِفْهَام لمَكَان الِاخْتِلَاف فِيهِ. قَوْله: (فِي الْأَقَارِب) ، أَي: فِي وَصيته للأقارب. ٣٥٧٢ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي سعيدُ بنُ الْمُسَيَّبِ وأبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قامَ رسولُ الله، ﷺ حينَ أنْزَلَ الله ﴿وأنْذِرْ عشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ (الشُّعَرَاء: ٤١٢) . قَالَ يَا معْشَرَ قُرَيْشٍ أوْ كَلِمَةً نحْوَهَا اشْتَرُوا أنْفِسَكُمْ لَا أُغْنِي عنكُمْ مِنَ الله شَيْئاً يَا بَنِي عبْدِ مَنافٍ لَا أُغْنِي عنْكُمْ منَ الله شَيْئاً يَا عبَّاسُ بنَ عبْدِ المُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عنْكَ منَ الله شَيْئا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رسولِ الله لَا أُغنِي عنْكِ منَ الله شَيْئاً وَيَا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مالِي لَا أُغْنِي عنْكِ مِنَ الله شَيْئاً. قيل: لَا مُطَابقَة هُنَا بَين الحَدِيث والترجمة لِأَن الْآيَة فِي إنذار الْعَشِيرَة، وَقد أَنْذرهُمْ النَّبِي ﷺ ، وَلَا تعلق لَهُ فِي دُخُول النِّسَاء وَالْولد فِي الْأَقَارِب. وَقَالَ بَعضهم: مَوضِع الشَّاهِد مِنْهُ يَعْنِي: مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: يَا صَفِيَّة وَيَا فَاطِمَة، فَإِنَّهُ سوى فِي ذَلِك بَين عشيرته، فعمهم أَولا، ثمَّ خص بعض الْبُطُون، ثمَّ ذكر عَمه الْعَبَّاس وَعَمَّته صَفِيَّة وبنته فَاطِمَة، فَدلَّ على دُخُول النِّسَاء فِي الْأَقَارِب، وعَلى دُخُول الْفُرُوع أَيْضا، وعَلى عدم التَّخْصِيص بِمن يَرث وَلَا بِمن كَانَ مُسلما، وَيحْتَمل أَن يكون لفظ الْأَقْرَبين صفة لَازمه للعشيرة، وَالْمرَاد بعشيرته قومه، وهم قُرَيْش، وَفِيه نظر: لَا يخفى لِأَن الدّلَالَة الَّتِي ذكرهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ، أَي: لَا دلَالَة من أَنْوَاع الدلالات. وَكَذَلِكَ قَوْله: (وعَلى عدم التَّخْصِيص) وَكَيف وَجه هَذِه الدّلَالَة؟ فَلَا دلَالَة هُنَا أصلا على مَا ذكره، يعرف ذَلِك بِالتَّأَمُّلِ. وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي موضِعين من التَّفْسِير بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَصَايَا عَن مُحَمَّد بن خَالِد بن خلي عَن بشر بن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن أَبِيه بِهِ، كَذَلِك، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: حَدثنَا سَلامَة بن روح، قَالَ: حَدثنَا عقيل حَدثنِي الزُّهْرِيّ، قَالَ: قَالَ سعيد وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن: أَن أَبَا هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ حِين أنزل عَلَيْهِ: ﴿وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين﴾ (الشُّعَرَاء: ٤١٢) . يَا معشر قُرَيْش اشْتَروا أَنفسكُم من الله لَا أُغني عَنْكُم من الله شَيْئا يَا بني عبد منَاف اشْتَروا أَنفسكُم من الله لَا أُغني عَنْكُم من الله شَيْئا يَا عَبَّاس بن عبد الْمطلب لَا أُغني عَنْك من الله شَيْئا؟) الحَدِيث، قَالَ الطَّحَاوِيّ: فِي هَذَا الحَدِيث أَن رَسُول الله، ﷺ لما أمره الله أَن ينذر عشيرته الْأَقْرَبين، دَعَا عشائر قُرَيْش، وَفِيهِمْ من يلقاه عِنْد أَبِيه الثَّانِي، وَفِيهِمْ من يلقاه عِنْد أَبِيه الثَّالِث، وَفِيهِمْ من يلقاه عِنْد أَبِيه الرَّابِع، وَفِيهِمْ من يلقاه عِنْد أَبِيه الْخَامِس، وَفِيهِمْ من يلقاه عِنْد أَبِيه السَّادِس، وَفِيهِمْ من يلقاه عِنْد آبَائِهِ الَّذين فَوق ذَلِك، إلَاّ أَنه مِمَّن جمعته وإياه قُرَيْش وَقد ذكرنَا عَن الطَّحَاوِيّ فِي أول الْبَاب، أَنه ذكر فِي هَذَا الْبَاب خَمْسَة أَقْوَال، وسَاق دَلِيل كل وَاحِد مِنْهُم، ثمَّ ذكر أَن الصَّحِيح من ذَلِك كُله القَوْل الَّذِي ذهب إِلَيْهِ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وأبطل بَقِيَّة الْأَقْوَال، وَصرح بِبُطْلَان مَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد، فَهَذَا الَّذِي سلكه هُوَ طَرِيق الْمُجْتَهدين المستنبطين للْأَحْكَام من الْكتاب وَالسّنة، فَلذَلِك ترك تَقْلِيده لأبي حنيفَة وصاحبيه فِي هَذِه الْمَسْأَلَة
следующие страницы →