← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

أبي إِسْحَاق الْهَمدَانِي عَن الْحَارِث عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن النَّبِي، ﷺ : (قضى بِالدّينِ قبل الْوَصِيَّة وَأَنْتُم تقرأون الْوَصِيَّة قبل الدّين) ، وَأخرجه أَحْمد أَيْضا وَلَفظه: عَن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ: قضى مُحَمَّد ﷺ (أَن الدّين قبل الْوَصِيَّة) الحَدِيث، وَهَذَا إِسْنَاده ضَعِيف لِأَن الْحَارِث هُوَ ابْن عبد الله الْأَعْوَر، قَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة: سَمِعت أبي يَقُول: الْحَارِث الْأَعْوَر كَذَّاب، وَقَالَ أَبُو زرْعَة: لَا يحْتَج بحَديثه، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: الْحَارِث كَذَّاب. فَإِن قلت: لَيست من عَادَة البُخَارِيّ أَن يُورد الضَّعِيف فِي مقَام الِاحْتِجَاج بِهِ. قلت: بلَى، وَلَكِن لما رأى أَن الْعلمَاء عمِلُوا بِهِ، كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيّ عقيب الحَدِيث الْمَذْكُور، وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد أهل الْعلم، اعْتمد عَلَيْهِ لاعتضاده بالِاتِّفَاقِ على مُقْتَضَاهُ. وقَوْلِهِ ﴿إنَّ الله يأمُرُكُمْ أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إِلَى أهْلِهَا﴾ (النِّسَاء: ٨٥) . فأدَاءُ الأمانَةِ أحَقُّ مِنْ تَطَوُّعِ الوَصِيَّةِ وَقَوله، بِالْجَرِّ عطفا على: قَول الله تَعَالَى، الْمَجْرُور بِإِضَافَة التَّأْوِيل إِلَيْهِ، وَذكر هَذِه الْآيَة فِي معرض الِاحْتِجَاج فِي جَوَاز إِقْرَار الْمَرِيض للْوَارِث، وَهَذَا بمعزل عَن ذَلِك على مَا لَا يخفى على أحد، وَالْآيَة نزلت فِي عُثْمَان بن طَلْحَة، قبض النَّبِي، ﷺ ، مِفْتَاح الْكَعْبَة فَدخل الْكَعْبَة يَوْم الْفَتْح، فَخرج وَهُوَ يَتْلُو هَذِه الْآيَة، فَدفع إِلَيْهِ الْمِفْتَاح. ذكره الواحدي فِي (أَسبَاب النُّزُول) عَن مُجَاهِد. وَقَالَ النبيُّ ﷺ لَا صَدَقَةَ إلَاّ عنْ ظَهْرِ غِنًى أورد هَذَا أَيْضا فِي معرض الِاحْتِجَاج فِي جَوَاز الْإِقْرَار للْوَارِث. قَالَ الْكرْمَانِي: والمديون لَيْسَ بغني فَالْوَصِيَّة الَّتِي لَهَا حكم الصَّدَقَة تعْتَبر بعد الدّين، وَأَرَادَ بِتَأْوِيل الْآيَة مثله. انْتهى. قلت: قَوْله: الْمَدْيُون لَيْسَ بغني، على إِطْلَاقه لَا يَصح، والمديون الَّذِي لَيْسَ بغني هُوَ الْمَدْيُون الْمُسْتَغْرق، وَجعل مُطلق الْمَدْيُون أصلا، ثمَّ بِنَاء الحكم عَلَيْهِ فِيمَا ذهب إِلَيْهِ غير صَحِيح، وَهَذَا التَّعْلِيق مضى مُسْندًا فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب لَا صَدَقَة إلَاّ عَن ظهر غنى، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَا يُوصِي العَبْدُ إلأ بإذْنِ أهْلِهِ ذكر هَذَا أَيْضا فِي معرض الِاحْتِجَاج، وَفِيه نظر. قَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (بِإِذن أَهله وَأَدَاء الدّين الْوَاجِب عَلَيْهِ) ، قلت: يَنْبَغِي أَن تكون هَذِه الْمَسْأَلَة على التَّفْصِيل، وَهُوَ أَن العَبْد لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون مَأْذُونا لَهُ فِي التَّصَرُّفَات أَو لَا، فَإِن لم يكن فَلَا تصح وَصيته بِلَا خلاف، لِأَنَّهُ لَا يملك شَيْئا، فبماذا يُوصي؟ وَإِن كَانَ مَأْذُونا لَهُ تصح وَصيته بِإِذن الْوَلِيّ إِذا لم يكن مُسْتَغْرقا بِالدّينِ وعَلى كل حَال الِاسْتِدْلَال بأثر ابْن عَبَّاس فِيمَا ذهب إِلَيْهِ لَا يتم، وَفِيه نظر لَا يخفى، وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن أبي الْأَحْوَص عَن شبيب بن فرقد عَن جُنْدُب، قَالَ: سَأَلَ طهْمَان ابْن عَبَّاس: أيوصي العَبْد؟ قَالَ: لَا، إلَاّ بِإِذن أَهله. وَقَالَ النبِيُّ ﷺ العَبْدُ رَاعٍ فِي مالِ سَيِّدِهِ قيل: لما تعَارض فِي مَال العَبْد حَقه وَحقّ سَيّده قدم الْأَقْوَى، وَهُوَ حق السَّيِّد، وَجعل العَبْد مولى عَنهُ، وَهُوَ أحد الْحفظَة فِيهِ، فَكَذَلِك حق الدّين لما عَارضه حق الْوَصِيَّة وَالدّين وَاجِب وَالْوَصِيَّة تطوع وَجب تَقْدِيم الدّين فَهَذَا وَجه مُنَاسبَة هَذَا الْأَثر، والْحَدِيث للتَّرْجَمَة. انْتهى. قلت: العَبْد لَا يملك شَيْئا أصلا فَكيف يثبت لَهُ المَال؟ ثمَّ كَيفَ تثبت الْمُعَارضَة بَين حَقه وَحقّ سَيّده وَلَا ثمَّة حق للْعَبد؟ وَقَوله: فَكَذَلِك حق الدّين لما عَارضه حق الْوَصِيَّة ... إِلَى آخِره، مَمْنُوع لِأَنَّهُ هُوَ يمْنَع كَلَامه بقوله: وَالدّين وَاجِب وَالْوَصِيَّة تطوع فَكيف تتَوَجَّه الْمُعَارضَة بَين الْوَاجِب والتطوع؟ وَمَعَ هَذَا فَإِن كَانَ مُرَاد البُخَارِيّ بِهَذَا وجوب تَقْدِيم الدّين على الْوَصِيَّة فَهَذَا لَا نزاع فِيهِ، وَإِن كَانَ مُرَاده جَوَاز إِقْرَار الْمَرِيض للْوَارِث فَلَا يساعده شَيْء مِمَّا ذكره فِي هَذَا الْبَاب، والْحَدِيث الَّذِي علقه ذكره مُسْندًا فِي كتاب الْعتْق فِي: بَاب كَرَاهِيَة التطاول على الرَّقِيق. ٠٥٧٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا الأوزَاعِيُّ عنِ الزُّهْرِيَّ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ وعُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ أنَّ حَكِيمَ بنَ حِزَامٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سألْتُ رسولَ الله ﷺ فأعْطَانِي

стр. 4062

ثُمَّ سألْتُهُ فَأعْطَانِي ثُمَّ قَالَ لي يَا حَكِيمُ إنَّ هذَا المَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ فَمَنْ أخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفِسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ ومَنْ أخَذَهُ بإشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبارَكْ لَهُ فِيهِ وكانَ كالَّذِي يأكُلُ ولَا يَشْبَعُ والْيدُ العُلْيَا خيرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى قَالَ حَكيمً فَقُلْتُ يَا رسولَ الله والَّذِي بعَثَكَ بالحَقِّ لَا أرْزَأُ أحَدَاً بَعْدَكَ شَيْئاً حَتَّى أُفَارِقُ الدُّنْيَا فَكانَ أبُو بَكْرٍ يَدْعُو حَكيماً لِيُعْطِيَهُ العَطاءَ فيَأْبَى أنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئاً ثُمَّ إنَّ عُمَرَ دَعاهُ لِيُعْطِيَهُ فيَأبَى أنْ يَقْبَلَهُ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ المُسْلِمينَ إنِّي أعْرِضُ علَيْهِ حَقَّهُ الَّذي قَسَمَ الله لَهُ مِنْ هَذَا الفَيْءِ فَيأبَى أنْ يأخُذَهُ فلَمْ يَرْزَأ حَكِيمٌ أحَداً مِنَ النَّاسِ بَعْدَ النبيِّ ﷺ حتَّى تُوُفِّيَ ﵀. قيل: وَجه دُخُول هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب من جِهَة أَنه ﷺ زهَّده فِي قبُول الْعَطِيَّة وَجعل يَد الْآخِذ سفلى تنفيراً عَن قبُولهَا، وَلم يَقع مثل ذَلِك فِي تقاضي الدّين، لِأَن يَد آخذ الدّين لَيست سفلى، لاسْتِحْقَاق أَخذه جبرا، فالدين أقوى، فَيجب تَقْدِيمه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَوجه آخر، وَهُوَ أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَلا تهد فِي توفيته حَقه من بَيت المَال وخلاصه مِنْهُ، وَشبهه بِالدّينِ لكَونه حَقًا بِالْجُمْلَةِ، فَكيف إِذا كَانَ دينا مُتَعَيّنا؟ فَإِنَّهُ يجب تَقْدِيمه على التَّبَرُّعَات قلت وَلَو تكلفوا غَايَة مَا يكون بإن يذكرُوا وَجه الْمُطَابقَة بَين أَحَادِيث هَذَا الْبَاب وَبَين التَّرْجَمَة فَإِن فِيهِ تعسفاً شَدِيدا يظْهر ذَلِك لمن يتأمله كَمَا يَنْبَغِي. والْحَدِيث تقدم فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب الاستعفاف فِي الْمَسْأَلَة. قَوْله: (لَا أرزأ) بِتَقْدِيم الرَّاء على الزَّاي، أَي: لَا أَخذ من أحد شَيْئا بعْدك. ١٥٧٢ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ السَّخْتِيَانِيُّ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي سالِمٌ عنِ ابنِ عُمَرَ عنْ أبِيهِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقُولُ كُلُّكُمْ راعٍ ومَسْئولٌ عنْ رعِيَّتهِ والإمامُ راعٍ ومَسْئُولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ والرَّجُلُ راعٍ فِي أهْلِهِ ومَسْئولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ والمَرْأةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا راعِيَةٌ ومَسئُولَةٌ عنْ رَعِيَّتِها والخادِمُ فِي مالِ سَيِّدِهِ راعٍ ومسْئُولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ قَالَ وحَسِبْتُ أنْ قَدْ قالَ والرَّجُلُ راعٍ فِي مَال أبِيهِ.. لم يذكر أحد من الشُّرَّاح وَجه دُخُول هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب، وَيُمكن أَن يكون الْوَجْه فِي ذَلِك مثل الَّذِي ذكر فِي قَوْله: وَقَالَ، ﵊: (العَبْد رَاع فِي مَال سَيّده) يتناولا العَبْد. وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد السّخْتِيَانِيّ الْمروزِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجُمُعَة فِي: بَاب الْجُمُعَة فِي الْقرى، بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد وَمضى الْكَلَام فِيهِ. ٠١ - (بابٌ إِذا وقفَ أوْ أوْصَى لأقَارِبِهِ ومَنِ الأقَارِبُ ؟) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: إِذا وقف شخص، وَفِي بعض النّسخ: إِذا أوقف، بِزِيَادَة ألف فِي أَوله، وَهِي لُغَة قَليلَة، وَيُقَال: لُغَة رَدِيئَة. قَوْله: (وَمن الْأَقَارِب؟) ، كلمة: من، استفهامية، وَلم يذكر جَوَاب إِذا لمَكَان الْخلاف فِيهِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى: اخْتلف النَّاس فِي الرجل يُوصي بِثلث مَاله لقرابة فلَان، من الْقَرَابَة الَّذين يسْتَحقُّونَ تِلْكَ الْوَصِيَّة؟ فَقَالَ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: هم كل ذِي رحم محرم من فلَان من قبل أَبِيه أَو من قبل أمه. قلت: وَلَا يدْخل الْوَالِدَان وَالْولد. قَالَ الطَّحَاوِيّ: غير أَنه يبدؤ فِي ذَلِك من كَانَت قرَابَته مِنْهُ من قبل أَبِيه على من كَانَت قرَابَته من قبل أمه، أما اعْتِبَار الْأَقْرَب فَلِأَن الْوَصِيَّة أُخْت الْمِيرَاث، وَفِيه يعْتَبر الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب، حَتَّى لَو كَانَ لفُلَان عمان وخالان فَالْوَصِيَّة للعمين، وَلَو كَانَ لَهُ عَم وخالان فللعم النّصْف وللخالين النّصْف، وَأما اعْتِبَار عدم دُخُول الْوَالِدين وَالْولد، فَلِأَن الله تَعَالَى عطف الْأَقْرَبين على الْوَالِدين، والمعطوف

стр. 4063

يغاير الْمَعْطُوف عَلَيْهِ. فَإِن قلت: إِذا لم يدْخل الْوَالِد وَالْولد، فَهَل يدْخل الْجد وَولد الْوَلَد؟ قلت: ذكر فِي الزِّيَادَات أَنَّهُمَا يدخلَانِ وَلم يذكر فِيهِ خلافًا، وَذكر الْحسن بن زِيَاد عَن أبي حنيفَة: أَنَّهُمَا لَا يدخلَانِ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَن أبي يُوسُف، وَهُوَ الصَّحِيح وَقَالَ زفر: الْوَصِيَّة لكل من قرب مِنْهُ من قِبَلِ أَبِيه أَو من قِبَل أمه دون من كَانَ أبعد مِنْهُم، وَسَوَاء فِي هَذَا بَين من كَانَ مِنْهُم ذَا رحم محرم وَبَين من كَانَ ذَا رحم غير محرم، وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: الْوَصِيَّة فِي ذَلِك لكل من جمعه، وَفُلَانًا أبٌ وَاحِد مُنْذُ كَانَت الْهِجْرَة من قِبَل أَبِيه أَو من قِبَلِ أمه. وَقَالَ قوم من أهل الحَدِيث وَجَمَاعَة من الظَّاهِرِيَّة: الْوَصِيَّة لكل من جمعه وَفُلَانًا أَبوهُ الرَّابِع إِلَى مَا هُوَ أَسْفَل من ذَلِك، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: الْوَصِيَّة فِي ذَلِك لكل من جمعه وَفُلَانًا أَب وَاحِد فِي الْإِسْلَام أَو فِي الْجَاهِلِيَّة، وَتَحْقِيق مَذْهَب الشَّافِعِي مَا ذكره النَّوَوِيّ فِي (الرَّوْضَة) : أوصى لأقارب زيد، دخل فِيهِ الذّكر وَالْأُنْثَى وَالْفَقِير والغني وَالْوَارِث وَغَيره وَالْمحرم وَغَيره والقريب والبعيد وَالْمُسلم وَالْكَافِر لشمُول الِاسْم، وَلَو أوصى لأقارب نَفسه فَفِي دُخُول ورثته وَجْهَان: أَحدهمَا: الْمَنْع، لِأَن الْوَارِث لَا يوصى لَهُ، فعلى هَذَا يخْتَص بالباقين، وَبِهَذَا قطع الْمُتَوَلِي وَرجحه الْغَزالِيّ، وَهُوَ محكي عَن الصيدلاني. وَالثَّانِي: الدُّخُول، لوُقُوع الِاسْم. ثمَّ يبطل نصِيبهم وَيصِح الْبَاقِي لغير الْوَرَثَة. وَهل يدْخل فِي الْوَصِيَّة لأقارب زيد. أُصُوله وفروعه؟ فِيهِ أوجه. أَصَحهَا: عِنْد الْأَكْثَرين: لَا يدْخل الْوَالِدَان وَالْأَوْلَاد، وَيدخل الأجداد والاحفاد. وَالثَّانِي: لَا يدْخل أحد من الْأُصُول وَالْفُرُوع. وَالثَّالِث: يدْخل الْجَمِيع، وَبِه قطع الْمُتَوَلِي، قلت: أَمر الْوَقْف فِي هَذَا كأمر الْوَصِيَّة، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: تجوز الْوَصِيَّة لكل من جَازَ الْوَقْف عَلَيْهِ من صَغِير وكبير وعاقل وَمَجْنُون وموجود ومعدوم إِذا لم يكن وَارِثا وَلَا قَاتلا. وَقَالَ ثابِتٌ عنْ أنَسٍ قَالَ النبيُّ ﷺ لأبي طَلْحَةَ اجْعَلْهَا لِفُقَرَاءِ أقَارِبَكَ فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ وأُبَيِّ بنِ كَعبٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهُوَ طرف من حَدِيث أخرجه مُسلم: حَدثنِي مُحَمَّد بن حَاتِم، قَالَ: حَدثنَا بهز، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة. قَالَ: حَدثنَا ثَابت عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: لما نزلت هَذِه الْآيَة: ﴿لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون﴾ (آل عمرَان: ٢٩) . قَالَ أَبُو طَلْحَة: أرى رَبنَا يسألنا من أَمْوَالنَا، فأشهدك يَا رَسُول الله أَنِّي جعلت أرضي بيرحاء لله. قَالَ: فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : (إجعلها فِي قرابتك) . قَالَ: فَجَعلهَا فِي حسان بن ثَابت وَأبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (إجعلها) ، الضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى أرضي بيرحاء، وَقد بَينه كَذَلِك مُسلم فِي (صَحِيحه) لِأَن الْمُعَلق الْمَذْكُور قِطْعَة من حَدِيث مُسلم، كَمَا ذكرنَا. وَأَبُو طَلْحَة: اسْمه زيد بن سهل بن الْأسود بن حرَام ابْن عَمْرو بن زيد مَنَاة بن عدي بن عَمْرو بن مَالك بن النجار النجاري الْأنْصَارِيّ وَحسان بن ثَابت بن الْمُنْذر بن حرَام بن عَمْرو الى النجار، وَاسم النجار: تيم اللات بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الْخَزْرَج الخزرجي الْأنْصَارِيّ، وَأبي بن كَعْب بن الْمُنْذر، وَيُقَال: كَعْب بن قيس بن عبيد بن زيد بن مُعَاوِيَة بن عَمْرو بن

стр. 4064

مَالك بن النجار، فيجتمع أَبُو طَلْحَة وَحسان وَأبي بن كَعْب فِي عَمْرو بن مَالك بن النجار، ويجتمع أَبُو طَلْحَة وَحسان فِي حرَام بن عَمْرو وجد أَبِيهِمَا، على مَا يَجِيء الْآن، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَقَالَ الأنْصَارِيُّ حدَّثني أبي عنْ ثُمَامَةَ عنْ أنَسٍ مثْلَ حَديثِ ثابِتٍ قَالَ اجْعَلْهَا لِفُقَرَاءِ قَرَابَتِكَ قَالَ أنسٌ فجَعَلَهَا لِحَسَّانَ وأُبَيِّ بنِ كعْبٍ وكانَا أقْرَبَ إلَيْهِ مِنِّي وكانَ قَرَابَةُ حَسَّانٍ وأُبَيٍّ منْ أبي طَلْحَةَ واسْمُهُ زَيْدُ بنُ سَهْلِ بنِ الأسْوَدِ بنِ حَرَامِ بنِ عَمْرِو بن زَيْدِ مَناةَ بنِ عَدِيٍّ بنِ عَمْرِو بنِ مالِكِ بنِ النَّجَّارِ وحسَّانُ بنُ ثابتِ بنِ المُنْذِرِ بنِ حَرامٍ فَيَجْتَمِعَانِ إِلَى حَرامٍ وهْوَ الأبُ الثَّالِثُ وحَرامُ بنُ عَمْرُو بنِ زَيْدِ بنِ عَدِيِّ بنِ عَمْرِو بنِ مالِكِ بنِ النَّجَّارِ فَهْوَ يُجَامِعُ حَسَّانَ وأبَا طَلْحَةَ وأبَيَّا إِلَى ستَّةِ آباءٍ إِلَى عَمْرو بنِ مالِكِ وهْوَ أُبَيُّ بنُ كَعْبِ بنِ قَيْسِ بنُ عُبَيْدِ بنِ زَيْدِ بنُ مُعَاوِيَةَ بنَ عَمْرِو بن مالِكِ بنِ النَّجَّارِ فَعَمْرُو بنُ مالِكٍ يَجْمَعُ حَسَّانَ وأبَا طَلْحَةَ وأُبَيَّا الْأنْصَارِيّ: هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن الْمثنى، بِضَم الْمِيم وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح النُّون الْمُشَدّدَة: ابْن عبد الله بن أنس ابْن مَالك، هُوَ يروي عَن أَبِيه عبد الله الْمَذْكُور، وَعبد الله يروي عَن عَمه ثُمَامَة، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الْمِيم: ابْن عبد الله ابْن أنس، وَهُوَ يروي عَن جده أنس بن مَالك، وَهَذَا الْإِسْنَاد كُله بصريون وأنسيون، وَالْبُخَارِيّ روى عَن الْأنْصَارِيّ كثيرا. قَوْله: (مثل حَدِيث ثَابت) ، وَهُوَ الْمَذْكُور الْآن، اخْتَصَرَهُ البُخَارِيّ هُنَا وَوَصله فِي تَفْسِير آل عمرَان مُخْتَصرا. أَيْضا عقيب رِوَايَة إِسْحَاق بن أبي طَلْحَة عَن أنس فِي هَذِه الْقِصَّة، قَالَ: حَدثنَا الْأنْصَارِيّ، فَذكر هَذَا الْإِسْنَاد. قَالَ: فَجَعلهَا لحسان وَأبي، وَكَانَا أقرب إِلَيْهِ، وَلم يَجْعَل لي مِنْهَا شَيْئا. وَسقط هَذَا الْقدر من رِوَايَة أبي ذَر. وَقد أخرجه الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا ابْن مَرْزُوق، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، قَالَ: حَدثنَا حميد عَن أنس، قَالَ: لما نزلت هَذِه الْآيَة: ﴿لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون﴾ (آل عمرَان: ٢٩) . قَالَ أَو قَالَ: ﴿من ذَا الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا﴾ (الْبَقَرَة: ٥٤٢، وَالْحَدِيد: ١١) . جَاءَ أَبُو طَلْحَة فَقَالَ: يَا رَسُول الله! حائطي الَّذِي بمَكَان كَذَا وَكَذَا لله تَعَالَى، وَلَو اسْتَطَعْت أَن أسره لم أعلنه. فَقَالَ: (إجعله فِي فُقَرَاء قرابتك أَو فُقَرَاء أهلك) . حَدثنَا ابْن مَرْزُوق، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله، قَالَ: حَدثنِي أبي عَن ثُمَامَة، قَالَ: قَالَ أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: كَانَت لأبي طَلْحَة أَرض فَجَعلهَا لله ، فَأتى النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَهُ: (اجْعَلْهَا فِي فُقَرَاء قرابتك) ، فَجَعلهَا لحسان. وَأبي. قَالَ أبي: عَن ثُمَامَة عَن أنس قَالَ: وَكَانَا أقرب إِلَيْهِ مني. انْتهى. أَي: كَانَ حسان وَأبي بن كَعْب إقرب إِلَى أبي طَلْحَة من أنس بن مَالك، لِأَنَّهُمَا يبلغان إِلَى عَمْرو بِوَاسِطَة سِتَّة أنفس، وَأنس يبلغ إِلَيْهِ بِوَاسِطَة اثْنَي عشر نفسا، لِأَن أنس بن مَالك بن النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: ابْن ضَمْضَم، بِفَتْح الضادين المعجمتين: ابْن زيد بن حرَام ضد حَلَال ابْن جُنْدُب بن عَامر بن غنم، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون: ابْن عدي بن عَمْرو بن مَالك بن النجار. قَوْله: (وَكَانَ قرَابَة حسان) إِلَى آخِره من كَلَام البُخَارِيّ، أَو من كَلَام شَيْخه، وَلَيْسَ من الحَدِيث. قَوْله: (واسْمه) أَي: اسْم أبي طَلْحَة. قَوْله: (حرَام) ضد حَلَال كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (زيد مَنَاة) ، بِالْإِضَافَة. قَالَ الْكرْمَانِي: لَيْسَ بَين زيد وَبَين مَنَاة ابْن، لِأَنَّهُ اسْم مركب مِنْهُمَا. قَوْله: (ابْن النجار) وَقد ذكرنَا أَن اسْمه: تيم اللات، وَإِنَّمَا سمي النجار لِأَنَّهُ اختتن بالقدوم، وَقيل: ضرب وَجه رجل بقدوم فنجره، فَقيل لَهُ: النجار. قَوْله: (إِلَى حرَام) ، وَهُوَ الْأَب الثَّالِث يَعْنِي: لأبي طَلْحَة، وَوَقع هُنَا وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وَحرَام بن عَمْرو، وسَاق النّسَب ثَانِيًا إِلَى النجار، وَهُوَ زِيَادَة لَا معنى لَهَا. قَوْله: (فَهُوَ يُجَامع حسان) أَي: الشَّأْن أَن حسان وأبياً يُجَامع أَبَا طَلْحَة، قَالَه الْكرْمَانِي، وَلَيْسَ بِشَيْء، وَالصَّوَاب: أَن لفظ: هُوَ يرجع إِلَى عَمْرو بن مَالك، وَالْمعْنَى: أَن عَمْرو بن مَالك يجمع حسان وَأَبا طَلْحَة وأبياً، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد فِي (السّنَن) وَقَالَ: بَلغنِي عَن مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ أَنه قَالَ: أَبُو طَلْحَة هُوَ زيد بن سهل، فساق نسبه وَنسب حسان بن ثَابت وَأبي بن كَعْب كَمَا تقدم، ثمَّ قَالَ: قَالَ الْأنْصَارِيّ: فَبين أبي طَلْحَة وَأبي بن كَعْب سِتَّة أباء، قَالَ: وَعَمْرو بن مَالك يجمع حسانا وأبياً وَأَبا طَلْحَة، وَالله أعلم، وَكَذَا قَالَ البُخَارِيّ، فعمرو بن مَالك يجمع حسانا وَأَبا طَلْحَة وأبياً، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَقَالَ بَعْضُهُمْ إذَا أوْصاى لِقَرَابَتِهِ فَهْوَ إِلَى آبائِهِ فِي الإسْلَامِ أَرَادَ بِهِ: أَبَا يُوسُف صَاحب أبي حنيفَة. قَوْله: (إِلَى آبَائِهِ فِي الْإِسْلَام) أَي: إِلَى آبَائِهِ الَّذين كَانُوا فِي الْإِسْلَام، وَقد مر فِي أول الْبَاب اخْتِلَاف الْعلمَاء فِيهِ، وَمُحَمّد بن الْحسن مَعَ أبي يُوسُف. ٢٥٧٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالكٌ عنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ أنَّهُ سَمِعَ أنَساً رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ لأبي طَلْحَةَ أراى أنْ تَجْعَلَهَا فِي الأقْرَبِينَ قَالَ أبُو طَلْحَةَ أفعلُ يَا رسولَ الله فقَسَمَهَا أبُو طَلْحةَ فِي أقارِبِهِ وبَنِي عَمِّهِ.. هَذَا الحَدِيث قد مضى مطولا فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب الزَّكَاة على الْأَقَارِب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى، وَالضَّمِير فِي: (أَن

стр. 4065

تجعلها) ، يرجع إِلَى: بيرحاء، وَمضى تَفْسِيره هُنَاكَ. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ (الشُّعَرَاء: ٤١٢) . وَقَالَ النبيُّ ﷺ يَا معْشَرَ قُرَيْشٍ ذكر هَذَا مُخْتَصرا مُعَلّقا، وَوَصله فِي مَنَاقِب قُرَيْش، وَتَفْسِير سُورَة الشُّعَرَاء، بِتَمَامِهِ من طَرِيق عَمْرو بن مرّة عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، وَأورد فِي آخر الْجَنَائِز طرفا مِنْهُ فِي قصَّة أبي لَهب، مَوْصُولَة وَسَيَأْتِي تَفْسِيره، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ١١ - (بابٌ هلْ يَدْخُلُ النِّساءُ والوَلَدُ فِي الأقارِبِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يدْخل ... إِلَى آخِره، وَإِنَّمَا ذكره بِكَلِمَة الِاسْتِفْهَام لمَكَان الِاخْتِلَاف فِيهِ. قَوْله: (فِي الْأَقَارِب) ، أَي: فِي وَصيته للأقارب. ٣٥٧٢ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي سعيدُ بنُ الْمُسَيَّبِ وأبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قامَ رسولُ الله، ﷺ حينَ أنْزَلَ الله ﴿وأنْذِرْ عشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ (الشُّعَرَاء: ٤١٢) . قَالَ يَا معْشَرَ قُرَيْشٍ أوْ كَلِمَةً نحْوَهَا اشْتَرُوا أنْفِسَكُمْ لَا أُغْنِي عنكُمْ مِنَ الله شَيْئاً يَا بَنِي عبْدِ مَنافٍ لَا أُغْنِي عنْكُمْ منَ الله شَيْئاً يَا عبَّاسُ بنَ عبْدِ المُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عنْكَ منَ الله شَيْئا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رسولِ الله لَا أُغنِي عنْكِ منَ الله شَيْئاً وَيَا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مالِي لَا أُغْنِي عنْكِ مِنَ الله شَيْئاً. قيل: لَا مُطَابقَة هُنَا بَين الحَدِيث والترجمة لِأَن الْآيَة فِي إنذار الْعَشِيرَة، وَقد أَنْذرهُمْ النَّبِي ﷺ ، وَلَا تعلق لَهُ فِي دُخُول النِّسَاء وَالْولد فِي الْأَقَارِب. وَقَالَ بَعضهم: مَوضِع الشَّاهِد مِنْهُ يَعْنِي: مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: يَا صَفِيَّة وَيَا فَاطِمَة، فَإِنَّهُ سوى فِي ذَلِك بَين عشيرته، فعمهم أَولا، ثمَّ خص بعض الْبُطُون، ثمَّ ذكر عَمه الْعَبَّاس وَعَمَّته صَفِيَّة وبنته فَاطِمَة، فَدلَّ على دُخُول النِّسَاء فِي الْأَقَارِب، وعَلى دُخُول الْفُرُوع أَيْضا، وعَلى عدم التَّخْصِيص بِمن يَرث وَلَا بِمن كَانَ مُسلما، وَيحْتَمل أَن يكون لفظ الْأَقْرَبين صفة لَازمه للعشيرة، وَالْمرَاد بعشيرته قومه، وهم قُرَيْش، وَفِيه نظر: لَا يخفى لِأَن الدّلَالَة الَّتِي ذكرهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ، أَي: لَا دلَالَة من أَنْوَاع الدلالات. وَكَذَلِكَ قَوْله: (وعَلى عدم التَّخْصِيص) وَكَيف وَجه هَذِه الدّلَالَة؟ فَلَا دلَالَة هُنَا أصلا على مَا ذكره، يعرف ذَلِك بِالتَّأَمُّلِ. وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي موضِعين من التَّفْسِير بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَصَايَا عَن مُحَمَّد بن خَالِد بن خلي عَن بشر بن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن أَبِيه بِهِ، كَذَلِك، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: حَدثنَا سَلامَة بن روح، قَالَ: حَدثنَا عقيل حَدثنِي الزُّهْرِيّ، قَالَ: قَالَ سعيد وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن: أَن أَبَا هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ حِين أنزل عَلَيْهِ: ﴿وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين﴾ (الشُّعَرَاء: ٤١٢) . يَا معشر قُرَيْش اشْتَروا أَنفسكُم من الله لَا أُغني عَنْكُم من الله شَيْئا يَا بني عبد منَاف اشْتَروا أَنفسكُم من الله لَا أُغني عَنْكُم من الله شَيْئا يَا عَبَّاس بن عبد الْمطلب لَا أُغني عَنْك من الله شَيْئا؟) الحَدِيث، قَالَ الطَّحَاوِيّ: فِي هَذَا الحَدِيث أَن رَسُول الله، ﷺ لما أمره الله أَن ينذر عشيرته الْأَقْرَبين، دَعَا عشائر قُرَيْش، وَفِيهِمْ من يلقاه عِنْد أَبِيه الثَّانِي، وَفِيهِمْ من يلقاه عِنْد أَبِيه الثَّالِث، وَفِيهِمْ من يلقاه عِنْد أَبِيه الرَّابِع، وَفِيهِمْ من يلقاه عِنْد أَبِيه الْخَامِس، وَفِيهِمْ من يلقاه عِنْد أَبِيه السَّادِس، وَفِيهِمْ من يلقاه عِنْد آبَائِهِ الَّذين فَوق ذَلِك، إلَاّ أَنه مِمَّن جمعته وإياه قُرَيْش وَقد ذكرنَا عَن الطَّحَاوِيّ فِي أول الْبَاب، أَنه ذكر فِي هَذَا الْبَاب خَمْسَة أَقْوَال، وسَاق دَلِيل كل وَاحِد مِنْهُم، ثمَّ ذكر أَن الصَّحِيح من ذَلِك كُله القَوْل الَّذِي ذهب إِلَيْهِ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وأبطل بَقِيَّة الْأَقْوَال، وَصرح بِبُطْلَان مَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد، فَهَذَا الَّذِي سلكه هُوَ طَرِيق الْمُجْتَهدين المستنبطين للْأَحْكَام من الْكتاب وَالسّنة، فَلذَلِك ترك تَقْلِيده لأبي حنيفَة وصاحبيه فِي هَذِه الْمَسْأَلَة

стр. 4066

وَنقل صَاحب (التَّلْوِيح) : عَن الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنه قَالَ: حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا وَابْن عَبَّاس أَيْضا مرسلان، لِأَن الْآيَة نزلت بِمَكَّة، وَابْن عَبَّاس كَانَ صَغِيرا، وَأَبُو هُرَيْرَة أسلم بِالْمَدِينَةِ. وَأجِيب عَنهُ بِأَنَّهُ يُمكن أَن يَكُونَا سمعا ذَلِك من النَّبِي ﷺ أَو من صَحَابِيّ آخر. ثمَّ إِن الْإِجْمَاع قَامَ على أَن اسْم الْوَلَد يَقع على الْبَنِينَ وَالْبَنَات، وَأَن النِّسَاء الَّتِي من صلبه وعصبته كالابنة وَالْأُخْت والعمة يدخلن فِي الْأَقَارِب إِذا وقف على أَقَاربه، أَلا ترى أَنه ﷺ خص عمته بالنذارة كَمَا خص ابْنَته، وَكَذَلِكَ من كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا مِمَّن يجمعه مَعَه أَب وَاحِد، وروى أَشهب عَن مَالك: أَن الْأُم لَا تدخل. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: تدخل الْأُم فِي ذَلِك وَلَا تدخل الْأَخَوَات لأم. وَاخْتلفُوا فِي ولد الْبَنَات وَولد العمات مِمَّن لَا يجْتَمع مَعَ الْمُوصى والمحبس فِي أَب وَاحِد، هَل يدْخلُونَ بِالْقَرَابَةِ أم لَا؟ فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: إِذا وقف وقف على وَلَده دخل فِيهِ ولد وَلَده وَولد بَنَاته مَا تَنَاسَلُوا، وَكَذَلِكَ إِذا أوصى لِقَرَابَتِهِ يدْخل فِيهِ ولد الْبَنَات، والقرابة عِنْد أبي حنيفَة: كل ذِي رحم، فَسقط عِنْده ابْن الْعم والعمة وَابْن الْخَال وَالْخَالَة، لأَنهم لَيْسُوا بمحرمين، والقرابة عِنْد الشَّافِعِي: كل ذِي رحم محرم وَغَيره، وَلم يسْقط عِنْده ابْن الْعم وَلَا غَيره، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : صحّح أَصْحَابه أَنه لَا يدْخل فِي الْقَرَابَة الْأُصُول وَالْفُرُوع وَيدخل كل قرَابَة وَإِن بعد. وَقَالَ مَالك: لَا يدْخل فِي ذَلِك ولد الْبَنَات وَقَوله: لقرابتي وعقبي، كَقَوْلِه: لوَلَدي، وَقَوله: وَلَدي، يدْخل فِيهِ: ولد الْبَنِينَ. وَمن يرجع إِلَى عصبَة الْأَب وصلبه، وَلَا يدْخل ولد الْبَنَات. وَحجَّة من أَدخل ولد الْبِنْت قَوْله ﷺ : (إِن ابْني هَذَا سيد فِي الْحسن بن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا) . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّا خَلَقْنَاكُمْ من ذكر وَأُنْثَى﴾ (الحجرات: ٣١) . والتولد من جِهَة الْأُم كالتولد من جِهَة الْأَب، وَقد دلّ الْقُرْآن على ذَلِك قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن ذُريَّته دَاوُد﴾ إِلَى أَن قَالَ: ﴿وَعِيسَى﴾ (الْأَنْعَام: ٤٨) . فَجعل عِيسَى من ذُريَّته وَهُوَ ابْن بنته، وَلم يفرق فِي الِاسْم بَين ابْنه وَبَين بنته. وَأجِيب بِأَنَّهُ ﷺ : إِنَّمَا سمى الْحسن ابْنا على وَجه التخنن، وَأَبوهُ فِي الْحَقِيقَة عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِلَيْهِ نسبه، وَقد قَالَ ﷺ فِي الْعَبَّاس: (أتركوا لي أبي) ، وَهُوَ عَمه وَإِن كَانَ الْأَب حَقِيقَة خِلَافه وَعِيسَى، ﵊، جرى عَلَيْهِ اسْم الذُّرِّيَّة على طَرِيق الاتساع. قَوْله: (سليني مَا شِئْت) ، فِيهِ أَن الائتلاف للْمُسلمين وَغَيرهم بِالْمَالِ جَائِز، وَفِي الْكَافِر آكِد. تابَعَهُ أصْبَغُ عنِ ابنِ وهْبٍ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ هَذِه الْمُتَابَعَة أخرجهَا مُسلم عَن حَرْمَلَة عَن عبد الله بن وهب عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن ابْن الْمسيب، وَأبي سَلمَة ابْن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ ، حِين أنزل الله عَلَيْهِ ﴿وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين ... ﴾ (الشُّعَرَاء: ٤١٢) . الحَدِيث. ٢١ - (بابٌ هَلْ يَنْتَفعُ الوَاقِفُ بِوَقْفِهِ ؟) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل ينْتَفع الْوَاقِف بوقفه الَّذِي وَقفه؟ وَإِنَّمَا ذكره بِكَلِمَة: هَل، الاستفهامية لمَكَان الْخلاف فِيهِ، وانتفاع الْوَاقِف بوقفه أَعم من أَن يكون الْوَقْف على نَفسه أَو أَن يَجْعَل جُزْءا كم ريعه على نَفسه، أَو أَن يَجْعَل النّظر عَلَيْهِ لنَفسِهِ. وقدِ اشتَرَطَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَا جناحَ على مَنْ وَليَهُ أنْ يأكُلَ هَذِه قِطْعَة من قصَّة وقف عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد مضى مَوْصُولا فِي آخر الشُّرُوط. قيل: ذكره لاشْتِرَاط عمر، لَا حجَّة فِيهِ، لِأَن عمر أخرجهَا عَن يَده ووليها غَيره، فَجعل لمن وَليهَا أَن يَأْكُل على شَرطه. قَوْله: (أَن يَأْكُل) ويروى: (أَن يَأْكُل مِنْهَا) . وَقَالَ ابْن بطال: لَا يجوز للْوَاقِف أَن ينْتَفع بوقفه. لِأَنَّهُ أخرجه لله تَعَالَى، وقطعه عَن ملكه، فانتفاعه بِشَيْء مِنْهُ رُجُوع فِي صدقته، وَقد نهى الشَّارِع عَن ذَلِك، وَإِنَّمَا يجوز لَهُ الِانْتِفَاع بِهِ إِن شَرط ذَلِك فِي الْوَقْف أَو إِن يفْتَقر الْمحبس أَو ورثته فَيجوز لَهُم الْأكل مِنْهُ. وَقَالَ ابْن الْقصار: من حبس دَارا أَو سِلَاحا أَو عبدا فِي سَبِيل الله، فأنفذ ذَلِك فِي وجوهه زَمَانا، ثمَّ أَرَادَ أَن ينْتَفع بِهِ مَعَ النَّاس، فَإِن كَانَ من حَاجَة فَلَا بَأْس، وَذكر ابْن حبيب عَن مالكٍ قَالَ: من حبس أصلا يجْرِي

стр. 4067

غَلَّته على الْمَسَاكِين فَإِن وَلَده يُعْطون مِنْهُ إِذا افتقروا، كَانُوا يَوْم مَاتَ أَو حبس فُقَرَاء أَو أَغْنِيَاء، غير أَنهم لَا يُعْطون جَمِيع الْغلَّة مَخَافَة أَن يندرس الْحَبْس، وَيكْتب على الْوَلَد كتاب: أَنهم إِنَّمَا يُعْطون مِنْهُ مَا أعْطوا على المسكنة، وَلَيْسَ لَهُم على حق فِيهِ، دون الْمَسَاكِين، وَاخْتلفُوا: إِذا أوصى بِشَيْء للْمَسَاكِين فَغَفَلَ عَن قسمته حَتَّى افْتقر بعض ورثته، وَكَانُوا يَوْم أوصى أَغْنِيَاء أَو مَسَاكِين، فَقَالَ مطرف: أرى أَن يُعْطوا من ذَلِك على المسكنة، وهم أولى من الأباعد. وَقَالَ ابْن الْمَاجشون: إِن كَانُوا يَوْم أوصى أَغْنِيَاء ثمَّ افتقروا أعْطوا مِنْهُ، وَإِن كَانُوا مَسَاكِين لم يُعْطوا مِنْهُ، لِأَنَّهُ أوصى وَهُوَ يعرف حَاجتهم، فَكَأَنَّهُ أزاحهم عَنهُ. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: لَا يُعْطوا مِنْهُ شَيْئا مَسَاكِين كَانُوا أَو أَغْنِيَاء يَوْم أوصى. وقَدْ يَلِي الوَاقِفُ أوْ غَيْرُهُ هَذَا من تفقه البُخَارِيّ، يَعْنِي: قد يَلِي الْوَاقِف أَمر وَقفه أَو يَلِي غَيره، وَكَلَامه هَذَا يشْعر أَن الْوَاقِف إِذا شَرط ولَايَة النّظر لَهُ جَازَ، وَقَالَ ابْن بطال: ذكر ابْن الْمَوَّاز عَن مَالك أَنه: إِن اشْترط فِي حَبسه أَن يَلِيهِ هُوَ لم يجز، وَعَن ابْن عبد الحكم، قَالَ مَالك: إِن جعل الْوَاقِف الْوَقْف بيد غَيره يجوزه وَيجمع غَلَّته ويدفعها إِلَى الَّذِي حَبسه يَلِي تفرقته، وعَلى ذَلِك حبس، أَن ذَلِك جَائِز. وَقَالَ ابْن كنَانَة: من حبس نَاقَة فِي سَبِيل الله فَلَا ينْتَفع بِشَيْء مِنْهَا، وَله أَن ينْتَفع بلبنها لقِيَامه عَلَيْهَا فَمن أجَاز للْوَاقِف أَن يَلِيهِ فَإِنَّمَا يجوز لَهُ الْأكل مِنْهُ بِسَبَب ولَايَته عَلَيْهِ، كَمَا يَأْكُل الْوَصِيّ من مَال يتيمه بِالْمَعْرُوفِ من أجل ولَايَته وَعَمله، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى أَشَارَ البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب، وَلم يجز مَالك للْوَاقِف أَن يَلِي وَقفه، قطعا للذريعة إِلَى الإنفراد بغلته، فَيكون ذَلِك رُجُوعا فِيهِ. وكَذَلِكَ مَنْ جَعَلَ بَدَنَةٍ أوْ شَيْئاً لله فلَهُ أنْ يَنْتَفِعَ بِها كَما يَنْتَفِعُ غَيْرُهُ وإنْ لَمْ يَشْتَرِطْ أَشَارَ بِهَذَا أَيْضا إِلَى جَوَاز انْتِفَاع الْوَاقِف بوقفه مَا لم يضرّهُ، وَإِن لم يشْتَرط ذَلِك فِي أصل الْوَقْف. وَقَالَ الدَّاودِيّ: لَيْسَ فِيهِ حجَّة لما بوب لَهُ، لِأَن مهديها إِنَّمَا جعلهَا لله ، إِذا بلغت محلهَا، وَأبقى ملكه عَلَيْهَا مَعَ مَا عَلَيْهِ من الْخدمَة من السَّوق والعلف، ألَا تَرى أَنَّهَا: إِن كَانَت وَاجِبَة، أَن عَلَيْهِ بدلهَا إِن عطبت قبل محلهَا، وَإِنَّمَا أمره، ﷺ ، بركوبها لمَشَقَّة السّفر، وَلِأَنَّهُ لم ير لَهُ مركبا غَيرهَا، وَإِذا كَانَ ركُوبهَا مهْلكا لَهَا لم يجز لَهُ ذَلِك، كَمَا لَا يجوز لَهُ أكل شَيْء من لَحمهَا. ٤٥٧٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةَ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا أَبُو عَوَانَةَ عنْ قَتَادَةَ عنْ أنَس رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ رأى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ لَهُ ارْكَبْها فَقَالَ يَا رسولَ الله إنَّها بَدَنةٌ فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَو الرَّابِعَةِ ارْكَبْها ويْلَكَ أوْ وَيْحَكَ. (انْظُر الحَدِيث ٠٩٧١ وطرفه) . أَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة اسْمه الوضاح الْيَشْكُرِي، والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب ركُوب الْبدن، فَإِنَّهُ رَوَاهُ هُنَاكَ: عَن أبي هُرَيْرَة وَعَن أنس، مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٥٥٧٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثنا مالِكُ عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ رأى رجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ ارْكَبْهَا قَالَ يَا رسُولَ الله إنَّهَا بَدَنَةٌ قَالَ ارْكَبْهَا ويْلَكَ فِي الثَّانِيَةِ أوْ فِي الثَّالِثَةِ.. إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، وَأَبُو الزِّنَاد عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. والْحَدِيث مضى فِي الْحَج كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن. ٣١ - (بابٌ إذَا وقَفَ شَيْئاً فلَمْ يَدْفَعُهُ إِلَى غَيْرِهِ فَهْوَ جائِزٌ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: إِذا وقف شخص وَقفا فَلم يَدْفَعهُ إِلَى غَيره بِأَن لم يُخرجهُ من يَده، فَهُوَ جَائِز، يَعْنِي: صَحِيح

стр. 4068

لَا يحْتَاج إِلَى قبض الْغَيْر، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور مِنْهُم الشَّافِعِي وَأَبُو يُوسُف. وَقَالَت طَائِفَة: لَا يَصح الْوَقْف حَتَّى يُخرجهُ عَن يَده، ويقبضه غَيره وَبِه قَالَ ابْن أبي ليلى وَمُحَمّد بن الْحسن وَحجَّة الْجُمْهُور أَن عمر وعلياً وَفَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، أوقفوا أوقافاً وأمسكوها بِأَيْدِيهِم، وَكَانُوا يصرفون الِانْتِفَاع مِنْهَا فِي وُجُوه الصَّدَقَة، فَلم تبطل. وَاحْتج الطَّحَاوِيّ أَيْضا بِأَن الْوَقْف شَبيه بِالْعِتْقِ، لإشتراكهما فِي أَنَّهُمَا تمْلِيك لله تَعَالَى، فَينفذ بالْقَوْل الْمُجَرّد عَن الْقَبْض، وَيُفَارق الْهِبَة، فَإِنَّهَا تمْلِيك لآدَمِيّ، فَلَا يتمَّ إلَاّ بِالْقَبْضِ. لأنَّ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أوْقَفَ وَقَالَ لَا جُنَاحَ علَى منْ ولِيَهُ أنْ يأكُلَ ولَمْ يخُصَّ إنْ ولِيَهُ عُمرُ أوْ غَيْرُهُ هَذَا تَعْلِيل لقَوْله: فَهُوَ جَائِز، قيل: فِيهِ نظر، لِأَن غَايَة مَا ذكر عَن عمر هُوَ أَن كل من ولي الْوَقْف أُبِيح لَهُ التَّنَاوُل، وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن كل أحد يسوغ لَهُ أَن يتَوَلَّى الْوَقْف الْمَذْكُور، بل الْوَقْف لَا بُد لَهُ من متولٍ. وَأجِيب: بِأَن عمر لما وقف ثمَّ شَرط لم يَأْمُرهُ النَّبِي، ﷺ ، أَن يُخرجهُ من يَده، فَكَانَ سُكُوته عَن ذَلِك دَالا على صِحَة الْوَقْف وَإِن لم يقبضهُ الْمَوْقُوف عَلَيْهِ. قَالَ النبيُّ، ﷺ لأبي طَلْحَةَ أراى أنْ تَجْعَلَها فِي الأقْرَبِينَ فَقَالَ أفْعَلُ فقَسَمَها فِي أقَارِبِهِ وبَني عَمِّهِ أَرَادَ بِهَذَا أَيْضا الِاحْتِجَاج على عدم اشْتِرَاط الْقَبْض فِي جَوَاز الْوَقْف، وَهَذَا قد تقدم مَوْصُولا قَرِيبا. قَالَ الدَّاودِيّ: مَا اسْتدلَّ بِهِ البُخَارِيّ على صِحَة الْوَقْف قبل الْقَبْض من قصَّة عمر وَأبي طَلْحَة حمل للشَّيْء على ضِدّه وتمثيله بِغَيْر جنسه وَدفع للظَّاهِر عَن وَجهه، لِأَنَّهُ هُوَ روى أَن عمر دفع الْوَقْف لابنته، وَأَن أَبَا طَلْحَة دفع صدقته إِلَى أبي بن كَعْب وَحسان. وَأجِيب بِأَن البُخَارِيّ: إِنَّمَا أَرَادَ أَنه، ﵊، أخرج عَن أبي طَلْحَة ملكه بِمُجَرَّد قَوْله: (هِيَ لله صَدَقَة) ، وَبِهَذَا يَقُول مَالك: إِن الصَّدَقَة تلْزم بالْقَوْل، وَإِن كَانَ يَقُول: إِنَّهَا لَا تتمّ إلَاّ بِالْقَبْضِ، ونوزع فِي ذَلِك بِاحْتِمَال أَنَّهَا خرجت من يَد أبي طَلْحَة، وَاحْتِمَال أَنَّهَا استمرت فَلَا دلَالَة فِيهَا، وَدفع بِأَن أَبَا طَلْحَة أطلق صَدَقَة أرضه وفوض إِلَى النَّبِي، ﷺ ، مصرفها فَلَمَّا قَالَ لَهُ: (أرى أَن تجعلها فِي الْأَقْرَبين) ففوض لَهُ قسمتهَا بَينهم، صَار كَأَنَّهُ أقرها فِي يَده بعد أَن مَضَت الصَّدَقَة. قلت: وَفِي نفس الحَدِيث: أَن الَّذِي تولى قسمتهَا هُوَ أَبُو طَلْحَة بِنَفسِهِ، وَالنَّبِيّ، ﷺ عين لَهُ جِهَة الْمصرف، لكنه أجمل لِأَنَّهُ قَالَ: (فِي الْأَقْرَبين) ، وَهَذَا مُجمل، وَلما لم يُمكن لَهُ أَن يقسمها على الْأَقْرَبين كلهم لكثرتهم وانتشارهم فَقَسمهَا على بَعضهم مِمَّن اخْتَار مِنْهُم. ٤١ - (بابٌ إذَا قَالَ دارِي صَدَقَةٌ لله ولَمْ يُبَيِّنْ لِلْفُقَرَاءِ أوْ غَيْرِهِمْ فَهْوَ جائزٌ ويَضَعُها فِي الأقرَبِينَ أوْ حيْثُ أرادَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: إِذا قَالَ شخص: دَاري هَذِه صَدَقَة لله، وَالْحَال أَنه لم يبين، يَعْنِي: هَل هِيَ على الْفُقَرَاء أَو غَيرهم، فَهُوَ جَائِز يَعْنِي: يتم وَقفه، فَإِن شَاءَ يَضَعهَا فِي أَقَاربه أَو حَيْثُ شَاءَ من الْجِهَات. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا قَالَ الرجل: أرضي هَذِه صَدَقَة، وَلم يزدْ على هَذَا شَيْئا أَنه يَنْبَغِي لَهُ أَن يتَصَدَّق بأصلها على الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين، أَو يَبِيعهَا وَيتَصَدَّق بِثمنِهَا على الْمَسَاكِين، وَلَا يكون وَقفا، وَلَو مَاتَ كَانَ جَمِيع ذَلِك مِيرَاثا بَين ورثته على كتاب الله تَعَالَى، وكل صَدَقَة لَا تُضَاف إِلَى أحد فَهِيَ للْمَسَاكِين. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأبي طَلْحَةَ حينَ قَالَ أحَبُّ أمْوَالِي إلَيَّ بِيرُحاءَ وأنَّها صدَقَةٌ لله فأجازَ النبيُّ ﷺ ذالِكَ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الِاحْتِجَاج فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من جَوَاز وقف من قَالَ: دَاري هَذِه صَدَقَة، وَسكت عَلَيْهِ، وَلم يبين مصرفاً

стр. 4069

من الْجِهَات، وَقد مر هَذَا الحَدِيث غير مرّة، وَمر أَيْضا تَفْسِير بيرحاء فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب الزَّكَاة على الْأَقَارِب. قَوْله: (فَأجَاز النَّبِي ﷺ ذَلِك) من كَلَام البُخَارِيّ أَي: أجَاز النَّبِي ﷺ قَول أبي طَلْحَة. حَيْثُ قَالَ فِي الحَدِيث الْمَذْكُور: (إِن أحب أَمْوَالِي إليَّ بيرحاء وَإِنَّهَا صَدَقَة لله) ، الحَدِيث. وَقَالَ بعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ حتَّى يُبينَ لِمَنْ والأوَّلُ أصَحُّ أَي: قَالَ بعض الْعلمَاء: لَا يجوز مَا ذكر من الصَّدَقَة على الْوَجْه الْمَذْكُور حَتَّى يبين، أَي: حَتَّى يعين لمن هِيَ، وَأَرَادَ بذلك الإِمَام الشَّافِعِي، فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَول: إِن الْوَقْف لَا يَصح حَتَّى يعين جِهَة مصرفه، وإلَاّ فَهُوَ باقٍ على ملكه. وَقَالَ فِي قَول آخر: يَصح الْوَقْف، وَإِن لم يعين مصرفه، وَهُوَ قَول مَالك وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد، ﵏. قيل: إِن المُرَاد بقوله: قَالَ بَعضهم الْحَنَفِيَّة، وَهُوَ غير صَحِيح، لِأَن مَذْهَب أبي حنيفَة قد ذَكرْنَاهُ الْآن، وَمذهب أبي يُوسُف وَمُحَمّد: الْجَوَاز مُطلقًا. قَوْله: (وَالْأول) ، أَي: الَّذِي ذكره أَولا، وَهُوَ الْجَوَاز هُوَ الْأَصَح. ٥١ - (بابٌ إذَا قَالَ أرْضِي أوْ بُسْتَانِي صَدَقَةٌ عنْ أُمِّي فهْوَ جائزٌ وإنْ لَمْ يُبَيِّنْ لِمَنْ ذالِكَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا قَالَ ... إِلَى آخِره. قَوْله: (وَإِن لم يبين لمن ذَلِك) ، يُفِيد زِيَادَة فَائِدَة، لِأَنَّهُ بَين بقوله: (عَن أُمِّي) أَن الصَّدَقَة عَنْهَا جَائِزَة، وَلكنه لم يبين لمن تِلْكَ الصَّدَقَة، فَلَا يضرّهُ ذَلِك، وَقد ذكرنَا الْخلاف فِيهِ فِي الْبَاب السَّابِق. ٦٥٧٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سلامٍ قَالَ أخبرنَا مخْلدُ بنُ يَزِيدَ قَالَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبرنِي يَعْلاى أنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ يقُولُ أنْبَأنا ابنُ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ سعْد بنَ عُبَادَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وهْوَ غائِبٌ عنْها فَقَالَ يَا رسولَ الله إنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنا غائبٌ عَنْهَا أيَنْفَعُهَا شَيْءٌ إنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عنْها قَالَ نعمْ قَالَ فإنِّي أُشْهِدُكَ أنَّ حائِطِي المِخْرَافَ صدقَةٌ علَيْهَا. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد، كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِغَيْر نِسْبَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر وَابْن شبويه: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام، وَقَالَ الجياني: نسبه شُيُوخنَا إِلَى سَلام. الثَّانِي: مخلد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح اللَّام: ابْن يزِيد من الزِّيَادَة، مر فِي الْجُمُعَة. الثَّالِث: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الرَّابِع: يعلى، على وزن يرضى: ابْن حَكِيم، قَالَه الْكرْمَانِي أخذا من قَول الطرقي، قيل: إِنَّه وهم فِيهِ، وَهُوَ يعلى بن مُسلم بن هُرْمُز. الْخَامِس: عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس. السَّادِس: عبد الله بن عَبَّاس. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، والإخبار كَذَلِك فِي موضِعين. وَفِيه: الإنباء فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه بخاري بيكندي، وَهُوَ من أَفْرَاده وَأَن شيخ شَيْخه حراني جزري، وَأَن ابْن جريج مكي، وَأَن يعلى أَيْضا يعد فِي المكيين، وَأَصله من الْبَصْرَة وَلَيْسَ لَهُ عَن عِكْرِمَة فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع، وَأَن عِكْرِمَة مدنِي. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْوَصَايَا عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى عَن هِشَام. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن سعد بن عبَادَة) هُوَ الْأنْصَارِيّ الخزرجي سيد الْخَزْرَج. قَوْله: (أمه) هِيَ: عمْرَة بنت مَسْعُود، وَقيل: سعد بن قيس بن عمر، وأنصارية خزرجية، وَذكر ابْن سعد أَنَّهَا أسلمت وبايعت وَمَاتَتْ سنة خمس، وَالنَّبِيّ ﷺ فِي غَزْوَة دومة الجندل، وَابْنهَا سعد بن عبَادَة مَعَه قَالَ: فَلَمَّا رجعُوا جَاءَ النَّبِي، ﷺ فصلى على قبرها، قيل: فعلى هَذَا يكون هَذَا الحَدِيث مُرْسل صَحَابِيّ، لَان ابْن عَبَّاس كَانَ حِينَئِذٍ مَعَ أَبَوَيْهِ بِمَكَّة. قَوْله: (وَهُوَ غَائِب) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (عَنْهَا) ، أَي: عَن أمه فِي الْمَوْضِعَيْنِ. قَوْله: (أينفعها؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (بِهِ) يرجع إِلَى قَوْله: بِشَيْء. قَوْله: (نعم) ، أَي: قَالَ النَّبِي، ﷺ : ينفعها عِنْد الله. قَوْله: (إِن حائطي) ، الْحَائِط الْبُسْتَان من النّخل إِذا كَانَ عَلَيْهِ حَائِط أَي: جِدَار، وَيجمع على: حَوَائِط. قَوْله: (المخراف) ، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره فَاء، وَهُوَ اسْم للحائط، فَلذَلِك انتصب على أَنه عطف بَيَان، وَوَقع فِي

стр. 4070

رِوَايَة عبد الرَّزَّاق: (مخرف) بِدُونِ ألف. قَالَ الْقَزاز: (المخراف) جمَاعَة النّخل، بِفَتْح الْمِيم وبكسرها: الزنبيل الَّذِي يخْتَرف فِيهِ الثِّمَار. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: (المخرف) ، بِالْفَتْح يَقع على النّخل، وعَلى الرطب، وَقَالَ الْخطابِيّ: (المخراف) الثَّمَرَة سميت مخرافاً لما يجتني من ثمارها، كَمَا يُقَال: امْرَأَة مذكار. قَالَ: وَقد يَسْتَوِي هَذَا فِي نعت الذُّكُور وَالْإِنَاث، وَيُقَال: (المخراف) ، الشَّجَرَة وَهُوَ الصَّوَاب، وَتَكَلَّمُوا فِيهِ كثيرا، وَالْحَاصِل أَن المخراف هُنَا اسْم حَائِط سعد ابْن عبَادَة كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (صَدَقَة عَلَيْهَا) ، ويروى: عَنْهَا، وَهَذِه هِيَ الْأَصَح، لَا مَا قَالَه صَاحب (التَّوْضِيح) : إِن كليهمَا بِمَعْنى وَاحِد. فَافْهَم. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: أَن ثَوَاب الصَّدَقَة عَن الْمَيِّت يصل إِلَى الْمَيِّت وينفعه. قَالَ الْكرْمَانِي: وَهُوَ مُخَصص لعُمُوم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَن لَيْسَ للانسان إلَاّ مَا سعى﴾ (النَّجْم: ٩٣) . قلت: يلْزمه أَن يَقُول أَيْضا بوصول ثَوَاب الْقِرَاءَة إِلَى الْمَيِّت. ٦١ - (بابٌ إذَا تَصَدَّقَ أوْ وقَفَ بَعْضَ مالِهِ أوْ بَعْضَ رَقِيقِه أوْ دَوَابِّهِ فَهْوَ جائزٌ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا تصدق شخص مَاله ووقف إِلَى آخِره، أما إِذا تصدق بِبَعْض مَاله فَلَا خلاف فِيهِ أَنه يجوز، وَكَذَا إِذا تصدق بِكُل مَاله فَإِنَّهُ يجوز، وَقَالَ ابْن بطال: وَاتفقَ مَالك والكوفيون وَالشَّافِعِيّ وَأكْثر الْعلمَاء على: أَنه يجوز للصحيح أَن يتَصَدَّق بِكُل مَاله فِي صِحَّته، إلَاّ أَنهم استحبوا أَن يبقي لنَفسِهِ مِنْهُ مَا يعِيش بِهِ خوف الْحَاجة، وَمَا يَتَّقِي من الْآفَات مثل الْفقر وَغَيره، فَإِن آفَات الدُّنْيَا كَثِيرَة، وَرُبمَا يطول عمره وَيحصل لَهُ الْعَمى أَو الزمانة مَعَ الْفقر. لقَوْله ﷺ : (أمسك عَلَيْك بعض مَالك فَهُوَ خير لَك) ، ويروى: (أمسك عَلَيْك ثلث مَالك) ، فحض على الْأَفْضَل، وَقَالَ ابْن التِّين: وَمذهب مَالك أَنه يجوز إِذا كَانَ لَهُ صناعَة أَو حِرْفَة يعود بهَا على نَفسه وَعِيَاله، وإلَاّ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِك، وَأما إِذا وقف بعض مَاله فَهُوَ وقف الْمشَاع، فَإِنَّهُ يجوز عِنْد أبي يُوسُف وَالشَّافِعِيّ وَمَالك، لِأَن الْقَبْض لَيْسَ بِشَرْط عِنْدهم، عِنْد مُحَمَّد: لَا يجوز وقف الْمشَاع فِيمَا يقبل الْقِسْمَة، لِأَن الْقَبْض شَرط عِنْده، وَأما وقف بعض رَقِيقه فَإِن فِيهِ حكمين. أَحدهمَا: أَنه مشَاع، وَالْحكم فِيهِ مَا ذكرنَا. وَالْآخر: أَنه وقف الْمَنْقُول، فَإِنَّهُ يجوز عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، وَبِه قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن فِيمَا يتعارف وَقفه للتعامل بهَا. قَوْله: (أَو بعض رَقِيقه) إِلَى آخِره، من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام. وَقَالَ بَعضهم: هَذِه التَّرْجَمَة معقودة لجَوَاز وقف الْمَنْقُول والمخالف فِيهِ أَبُو حنيفَة. انْتهى. قلت: الْمَذْهَب فِيهِ تَفْصِيل فَلَا يُقَال: الْمُخَالف فِيهِ أَبُو حنيفَة، كَذَا جزَافا. أما مَذْهَب أبي حنيفَة فَإِنَّهُ لَا يرى بِالْوَقْفِ أصلا، فضلا عَن صِحَة وقف الْمَنْقُول، وَأما مَذْهَب أبي يُوسُف وَمُحَمّد فَإِنَّهُمَا يريان وقف الْمَنْقُول بطرِيق التّبعِيَّة، كآلات الْحَرْث والثيران، وَعبيد الأكرة تبعا للضيعة كالبناء يَصح وَقفه تبعا للْأَرْض لَا وَحده، وَأما الْمَنْقُول بِغَيْر التّبعِيَّة كوقف الْقدر والفأس والطست وَنَحْو ذَلِك، فَإِنَّهُ يجوز عِنْد مُحَمَّد للتعارف كَمَا ذكرنَا. ٧٥٧٢ - حدَّثنا يَحْيى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبرنِي عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَبْدِ الله بنِ كَعْبٍ أنَّ عَبْدَ الله بنَ كَعْبٍ قَالَ سَمِعْتُ كَعْبَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قُلْتُ يَا رسولَ الله إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِنْ مالِي صَدَقةً إِلَى الله وإلَى رَسولِ الله ﷺ قَالَ أمْسِكُ عَلَيْكَ بعْضَ مالِكَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ قُلْتُ فإنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أمسك عَلَيْك بعض مَالك) فَإِن فِيهِ دلَالَة على جَوَاز إِخْرَاج بعض مَاله، وَالْمَال أَعم من أَن يكون من النُّقُود وَمن الْعقار. وَرِجَال هَذَا الحَدِيث قد ذكرُوا غير مرّة، وَعقيل، بِضَم الْعين، وَهَذَا قِطْعَة من حَدِيث كَعْب بن مَالك فِي قصَّة تخلفه عَن غَزْوَة تَبُوك، وَسَيَأْتِي الحَدِيث بِطُولِهِ فِي كتاب الْمَغَازِي، وَهَذَا الْمِقْدَار قد مضى فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب لَا صَدَقَة إلَاّ عَن ظهر غنى، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٧١ - (بابُ مَنْ تَصَدَّقَ إلَى وَكِيلِهِ ثُمَّ رَدَّ الوَكِيلُ إلَيْهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من تصدق إِلَى وَكيله، ثمَّ رد الْوَكِيل الصَّدَقَة إِلَيْهِ. قيل: هَذِه التَّرْجَمَة وحديثها

стр. 4071

غير موجودين فِي أَكثر الْأُصُول، وَلِهَذَا لم يشرحه ابْن بطال وثبتا فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني خَاصَّة، لَكِن وَقع فِي رِوَايَته على وَكيله، وَثبتت التَّرْجَمَة وَبَعض الحَدِيث فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ، وَقد اعْترض بَعضهم على البُخَارِيّ فِي انتزاع هَذِه التَّرْجَمَة من قصَّة أبي طَلْحَة. وَأجِيب: بِأَن مُرَاد البُخَارِيّ أَن أَبَا طَلْحَة لما أطلق أَنه تصدق وفوض إِلَى النَّبِي ﷺ تعْيين الْمصرف، فَصَارَ كَأَنَّهُ وَكله ثمَّ رد، ﵊، عَلَيْهِ بِأَن قَالَ لَهُ: (دعها فِي الْأَقْرَبين) ، فَبِهَذَا الْمُقْتَضى صدق وضع هَذِه التَّرْجَمَة بِهَذِهِ الصُّورَة.

стр. 4072

٨١ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وإذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القُرْبَى واليَتَامَى والمَسَاكِينُ فارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ (النِّسَاء: ٨) .) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم قَول الله تَعَالَى: ﴿وَإِذا حضر الْقِسْمَة﴾ (النِّسَاء: ٨) . الْآيَة وتمامها ﴿وَقُولُوا لَهُم قولا مَعْرُوفا﴾ (النِّسَاء: ٨) . قَوْله: ﴿الْقِسْمَة﴾ (النِّسَاء: ٨) . أَي: الْقِسْمَة: الْمِيرَاث. قَوْله: ﴿أولُوا الْقُرْبَى﴾ (النِّسَاء: ٨) . أَي: ذَوُو الْقُرْبَى مِمَّن لَيْسَ بوارث ﴿واليتامى وَالْمَسَاكِين فارزقوهم مِنْهُ﴾ (النِّسَاء: ٨) . أَي: فارضخوا لَهُم من التَّرِكَة نَصِيبا، وَكَانَ ذَلِك وَاجِبا فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام، وَقيل: كَانَ مُسْتَحبا. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَالضَّمِير فِي: مِنْهُ، لما ترك الْوَالِدَان وَالْأَقْرَبُونَ. ثمَّ اخْتلفُوا: هَل هُوَ مَنْسُوخ أم لَا؟ على قَوْلَيْنِ: فَقَالَت طَائِفَة: وَلَيْسَت بمنسوخة، مِنْهُم: مُجَاهِد وَأَبُو الْعَالِيَة وَالشعْبِيّ وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَسَعِيد بن جُبَير وَمَكْحُول وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَالزهْرِيّ وَيحيى بن يعمر قَالُوا: إِنَّهَا وَاجِبَة. وَقَالَ الثَّوْريّ: عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي هَذِه الْآيَة، قَالَ: هِيَ وَاجِبَة على أهل الْمِيرَاث مَا طابت بِهِ أنفسهم، وَهَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود وَأبي مُوسَى وَعبد الرَّحْمَن بن أبي بكر، وَقَالَ ابْن جرير: حَدثنَا الْقَاسِم حَدثنَا الْحُسَيْن حَدثنَا عباد بن الْعَوام عَن الْحجَّاج عَن الحكم عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: هِيَ قَائِمَة يعْمل بهَا. قَالَ الزُّهْرِيّ: وَهِي محكمَة. وَقَالَت طَائِفَة هِيَ مَنْسُوخَة، وَبِه قَالَ سعيد بن الْمسيب، وروى ابْن مرْدَوَيْه، وَقَالَ: حَدثنَا أسيد بن عَاصِم حَدثنَا سعيد بن عَامر عَن همام حَدثنَا قَتَادَة عَن سعيد بن الْمسيب أَنه قَالَ: إِنَّهَا مَنْسُوخَة، كَانَت قبل الْفَرَائِض كل مَا ترك الرجل من مَال أعطي مِنْهُ الْيَتِيم وَالْفَقِير والمسكين وذوو الْقُرْبَى إِذا حَضَرُوا الْقِسْمَة، ثمَّ نسخ بعد ذَلِك، نسختها الْمَوَارِيث، فَألْحق الله بِكُل ذِي حق حَقه، وَصَارَت الْوَصِيَّة من مَاله يُوصي بهَا لِذَوي قرَابَته حَيْثُ يَشَاء، وَهَكَذَا رُوِيَ عَن عِكْرِمَة وَأبي الشعْثَاء وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَأبي صَالح وَأبي مَالك وَزيد بن أسلم وَالضَّحَّاك وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي وَمُقَاتِل بن حَيَّان وَرَبِيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن، وَهَذَا مَذْهَب جُمْهُور الْفُقَهَاء الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وأصحابهم. قَوْله: ﴿وَقُولُوا لَهُم قولا مَعْرُوفا﴾ (النِّسَاء: ٨) . المُرَاد بِالْمَعْرُوفِ هُنَا، أَن يَقُول: خُذ بَارك الله لَك، هَذَا عِنْد من يَقُول: إِنَّهَا محكمَة، وَأما عِنْد من يَقُول: إِنَّهَا مَنْسُوخَة، فَهُوَ أَن يَقُول: إِنَّه مَال يَتِيم وَمَالِي فِيهِ شَيْء، أَو: لست أملكهُ، إِنَّمَا هُوَ للصغار. ٩٥٧٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الفَضْلِ أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا أَبُو عَوَانَةَ عنْ أبِي بِشْرٍ عنْ سَعِيدِ ابنِ جُبَيْرِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ إنَّ نَاسا يَزْعَمُونَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نُسِخَتْ وَلَا وَالله مَا نُسِخَتْ ولَكِنَّهَا مِمَّا تَهَاوَنَ النَّاسُ هُمَا والِيَانِ والٍ يرِثُ وذَاكَ الَّذِي يَرْزُقُ ووَالٍ لَا يَرِثُ فَذَاكَ الَّذِي يَقولُ بالمَعْرُوفِ يَقولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ أنْ أُعْطِيكَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن حَدِيث الْبَاب لِابْنِ عَبَّاس، وَالْآيَة الَّتِي هِيَ التَّرْجَمَة غير مَنْسُوخَة عِنْده، وَأَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: الوضاح الْيَشْكُرِي، وَأَبُو بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: واسْمه جَعْفَر بن أبي وحشية، واسْمه: إِيَاس الْيَشْكُرِي الْبَصْرِيّ. وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده، وَذكره فِي التَّفْسِير من حَدِيث عِكْرِمَة، ثمَّ قَالَ: تَابعه سعيد عَن ابْن عَبَّاس يَعْنِي هَذَا بِزِيَادَة، قَالَ: هِيَ محكمَة، وَلَيْسَت بمنسوخة، وَادّعى أَبُو مَسْعُود فِي أَطْرَافه إرْسَاله يُرِيد: مُرْسل صَحَابِيّ، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوف على صَحَابِيّ لَا مُرْسل، لِأَن الْإِرْسَال لَا بُد فِيهِ من ذكر سيدنَا رَسُول الله، ﷺ قَوْله: وَالله مَا نسخت، يَقْتَضِي إِعْطَاء شَيْء من التَّرِكَة للحاضرين فِي قَوْله: ﴿وَإِذا حضر الْقِسْمَة أولو الْقُرْبَى﴾ . قَوْله (وَلكنهَا) أَي وَلَكِن قَضِيَّة الْآيَة مِمَّا تهاون النَّاس فِيهَا وَلم يعملوا بِمَا فِيهَا قَوْله (هما) أَي المتصرفان فِي التَّرِكَة والمتوليان أمرهَا قِسْمَانِ أَحدهمَا وَال متصرف يَرث المَال كالعصبة مثلا وَالْآخر وَال يتَصَرَّف لَا يَرث كولي الْيَتِيم. قَوْله: (وَذَاكَ الَّذِي يرْزق) ، إِشَارَة إِلَى الْوَالِي الَّذِي يتَصَرَّف وَيَرِث هُوَ الَّذِي يرْزق الْحَاضِرين الْقِسْمَة من أولي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين، وَمعنى: يرْزق، يرْضخ لَهُم مَا طابت أنفسهم وَلم يعين فِيهِ شَيْئا مُقَدرا. قَوْله: (فَذَاك الَّذِي يَقُول) إِلَى آخِره، إِشَارَة إِلَى الْوَالِي الَّذِي يتَصَرَّف وَلَا يَرث، فَإِنَّهُ يَقُول: لَا أملك لَك أَن أُعْطِيك شَيْئا. وَهُوَ الَّذِي خُوطِبَ بقوله: ﴿وَقُولُوا لَهُم قولا مَعْرُوفا﴾ (النِّسَاء: ٨) . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الْخطاب للْوَرَثَة

стр. 4073

وحدهم بِأَن يجمعوا بَين الْأَمريْنِ: الْإِعْطَاء والاعتذار عَنْهُم عَن الْقلَّة، وَنَحْوهَا. وروى قَتَادَة عَن يحيى بن يعمر قَالَ: ثَلَاث آيَات فِي كتاب الله تَعَالَى محكمات مبينات قد ضيعهن النَّاس، فَذكر هَذِه الْآيَة، وَآيَة الاسْتِئْذَان ﴿وَالَّذين لم يبلغُوا الْحلم مِنْكُم﴾ (النُّور: ٨٥) . فِي العورات الثَّلَاث، وَهَذِه الْآيَة: ﴿يَا أَيهَا النَّاس إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ من ذكر وَأُنْثَى﴾ (الحجرات: ٣١) . ٩١ - (بابُ مَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ يُتَوَفَّى فَجْأةً أنْ يَتَصَدَّقُوا عنْهُ وقَضاءِ النُّذُورِ عنِ المَيِّتِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يسْتَحبّ لمن يَمُوت فجاءة، أَي: بَغْتَة، وَهُوَ بِضَم الْفَاء وَتَخْفِيف الْجِيم ممدودة، وَيجوز فتح الْفَاء وَسُكُون الْجِيم بِغَيْر مد. قَوْله: (أَن يتصدقوا) كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة وَالضَّمِير فِي: أَن يتصدقوا، لأهل الْمَيِّت، أَو لأَصْحَابه بِقَرِينَة الْحَال. قَوْله: (وَقَضَاء النذور) ، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: (لمن يتوفى) ، وَالتَّقْدِير: وَفِي بَيَان اسْتِحْبَاب قَضَاء النذور عَن الْمَيِّت الَّذِي مَاتَ وَعَلِيهِ نذر. ٠٦٧٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالكٌ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ رَجُلاً قَالَ للنبيِّ ﷺ أنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسَها وأُرَاها لوْ تَكلَّمَتْ تَصَدَّقتْ أفَأتَصَدَّقُ عنْهَا قَالَ: نَعَمْ تَصَدَّقْ عَنْها. (انْظُر الحَدِيث ٨٨٣١) . مطابقته للجزء الأول للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الْوَصَايَا عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ. قَوْله: (أفتلتت) ، بِلَفْظ الْمَجْهُول من الافتلات، أَي: مَاتَت بَغْتَة، وكل شَيْء عوجل مبادرة فَهُوَ فلتة. قَوْله: (نَفسهَا) ، بِالنّصب على أَنه مفعول ثَان، وبالرفع على أَنه مفعول أقيم مقَام الْفَاعِل، وَالنَّفس مُؤَنّثَة، وَهِي هُنَا: الرّوح، وَقد تكون النَّفس بِمَعْنى الذَّات. وَقَالَ بَعضهم: كَأَن البُخَارِيّ رمز إِلَى أَن الْمُبْهم فِي حَدِيث عَائِشَة هُوَ سعد بن عبَادَة الَّذِي تقدم فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس فِي قصَّة سعد بن عبَادَة بِلَفْظ آخر، وَلَا تنَافِي بَين قَوْله: إِن أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا نذر، وَبَين قَوْله: إِن أُمِّي توفيت وَأَنا غَائِب عَنْهَا، فَهَل ينفعها شَيْء إِن تَصَدَّقت بِهِ عَنْهَا؟ لاحْتِمَال أَن يكون سَأَلَ عَن النّذر وَعَن الصَّدَقَة عَنْهَا. انْتهى. قلت: الْمُنَافَاة بَين حَدِيث عَائِشَة وَبَين حَدِيث ابْن عَبَّاس ظَاهِرَة بِلَا شكّ إِن قرىء قَوْله: أَرَاهَا، بِفَتْح الْهمزَة، وَإِن قرىء بضَمهَا فَكَذَلِك، لِأَن الرجل يخبر عَن حَال أمه مُشَاهدَة. فَإِن قلت: يحْتَمل أَن الرجل سَأَلَ عَن النّذر وَعَن الصَّدَقَة جَمِيعًا. قلت: هَذَا هُنَا احْتِمَال، وَمثل هَذَا الِاحْتِمَال لَا يقطع بِهِ فالمنافاة حَاصِلَة. فَإِن قلت: الحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب موت الْفُجَاءَة، وَلَفظه: (إِن أُمِّي افتلتت نَفسهَا، وأظنها لَو تَكَلَّمت تَصَدَّقت. .) الحَدِيث، فَهَذَا يدل قطعا على أَن الْهمزَة فِي أَرَاهَا مَضْمُومَة وَأَنه بِمَعْنى: وأظنها، لَو تَكَلَّمت فَهَذَا بِوَجْه دَعْوَى عدم الْمُنَافَاة. قلت: فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك بِلَفْظ: (وَأَنَّهَا لَو تَكَلَّمت تَصَدَّقت) ، فَهَذَا صَرِيح فِي أَن هَذَا الرجل فِي حَدِيث عَائِشَة غير سعد بن عبَادَة، وَأَنه سَأَلَ عَن الصَّدَقَة عَن أمه، وَأَن سَعْدا سَأَلَ عَن الصَّدَقَة، فِي رِوَايَة ابْن عَبَّاس، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَنهُ: أَنه سَأَلَ عَن النّذر، وَعدم الْمُنَافَاة يَتَأَتَّى فِي رِوَايَة سعد فَقَط، وَأما الْمُنَافَاة بَين حَدِيث عَائِشَة هُنَا وَبَين حَدِيث ابْن عَبَّاس فَظَاهره بِرِوَايَة النَّسَائِيّ. وَالله أعلم. قَوْله: (أفأتصدق عَنْهَا؟) ، قَالَ: وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي مرت فِي الْجَنَائِز: (فَهَل لَهَا أجر إِن تَصَدَّقت عَنْهَا؟ قَالَ: نعم) . قَوْله: (نعم) ، يدل على أَن الصَّدَقَة تَنْفَع الْمَيِّت، وَكَذَلِكَ قَوْله، ﷺ : (إِذا مَاتَ ابْن آدم انْقَطع عمله إلَاّ من ثَلَاث: صَدَقَة جَارِيَة) الحَدِيث يدل على ذَلِك. وَحَدِيث سعد بن عبَادَة، لما أمره، وَمِنْهَا:، بالتصدق عَن أمه، قَالَ: (أَي الصَّدَقَة أفضل؟ قَالَ: سقِِي المَاء) ، فَهَذِهِ الْأَحَادِيث عَن رَسُول الله، ﷺ ، دلّت على أَن تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إلَاّ مَا سعى﴾ (النَّجْم: ٩٣) . على الْخُصُوص. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أما الْعتْق عَن الْمَيِّت فَلَا أعلم فِيهِ خَبرا ثَبت عَن رَسُول الله، ﷺ ، وَقد ثَبت عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا أعتقت عبدا عَن أَخِيهَا عبد الرَّحْمَن، وَكَانَ مَاتَ وَلم يوص، وَأَجَازَ ذَلِك الشَّافِعِي، قَالَ بعض أَصْحَابه: لما جَازَ أَن يتَطَوَّع

стр. 4074

بِالنَّفَقَةِ، وَهِي مَال، فَكَذَا الْعتْق. وَفرق غَيره بَينهمَا، فَقَالَ: إِنَّمَا أجزناها للْأَخْبَار الثَّابِتَة، وَالْعِتْق لَا خير فِيهِ، بل فِي قَوْله: (الْوَلَاء لمن أعتق) ، دلَالَة على مَنعه، لِأَن الْحَيّ هُوَ الْمُعْتق بِغَيْر أَمر الْمَيِّت، فَلهُ الْوَلَاء إِذا ثَبت لَهُ الْوَلَاء، فَلَيْسَ للْمَيت مِنْهُ شَيْء، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيح، لِأَنَّهُ قد رُوِيَ فِي حَدِيث سعد بن عبَادَة أَنه قَالَ للنَّبِي ﷺ : (إِن أُمِّي هَلَكت فَهَل ينفعها أَن أعتق عَنْهَا؟ قَالَ: نعم) . فَدلَّ على أَن الْعتْق ينفع الْمَيِّت، وَيشْهد لذَلِك فعل عَائِشَة الَّذِي سبق. ١٦٧٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخْبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عبْدِ الله عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ اسْتَفْتَى رسولَ الله ﷺ فَقَالَ إنَّ أمِّي ماتَتْ وعلَيْهَا نَذْرٌ فقَالَ اقْضهِ عَنْها. مطابقته للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبيد الله بن عبد الله الْعمريّ. قَوْله: (عَن ابْن عَبَّاس ان سعد بن عبَادَة) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة مَالك، وَتَابعه اللَّيْث وَبكر بن وَائِل وَغَيرهمَا عَن الزُّهْرِيّ، وَقَالَ سُلَيْمَان بن كثير عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله عَن ابْن عَبَّاس عَن سعد بن عبَادَة: أَنه استفتى، فَجعله من مُسْند سعد، أخرجه النَّسَائِيّ قيل: هَذَا أرجح، لِأَن ابْن عَبَّاس لم يدْرك الْقِصَّة. كَمَا ذكرا عَن قريب، وَيكون ابْن عَبَّاس قد أَخذه عَنهُ. قلت: يحْتَمل أَن يكون أَخذه عَن غَيره، كَمَا هُوَ عَادَته فِي أَحَادِيث كَثِيرَة. قَوْله: (وَعَلَيْهَا نذر) ، قد اخْتلفت الْآثَار فِي النّذر الَّذِي على أم سعد، فَقيل: كَانَ الْعتْق، وَقد مر الْآن، وَقيل: كَانَ الصّيام. فروى فِي ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس أَن رجلا، قَالَ: يَا رَسُول الله: (إِن أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْم) ، وَقيل: كَانَ النّذر بِالصَّدَقَةِ. وَالله أعلم. ٠٢ - (بابُ الإشْهَادِ فِي الوَقْفِ والصَّدَقَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم شَهَادَة الْإِشْهَاد فِي الْوَقْف وَالصَّدَََقَة. ٢٦٧٢ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قَالَ أخْبرنا هِشامُ بنُ يُوسُفَ أنَّ ابنَ جُرَيْجٍ أخْبَرَهُمْ قَالَ أخْبَرَنِي يَعْلَى أنَّهُ سَمِعَ عِكْرَمَةَ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ أنْبَأَنَا ابنُ عَبَّاسٍ أنَّ سَعْدَ بنَ عُبَادَة رَضِي الله تَعَالَى عنهُمْ أخَا بَنِي ساعِدَةَ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وهْوَ غائِبٌ فأتَى النبيَّ ﷺ فَقَالَ يَا رسولَ الله إنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنا غَائِبٌ عَنْهَا فَهَلْ يَنْفَعُها إنْ تَصَدَّقْتُ بهِ عَنْهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فإنِّي أُشْهِدُكَ أنَّ حائِطِي المِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا. (انْظُر الحَدِيث ٦٥٧٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ قَوْله: وَالصَّدَََقَة ظَاهِرَة (صُورَة) ، وَكَذَلِكَ يُطَابق قَوْله فِي الْوَقْف معنى، لِأَن الصَّدَقَة عَلَيْهَا تكون بطرِيق الْوَقْف، وَقد تكلم الشُّرَّاح فِيهِ بالتعسف مَا لَا يُفِيد. والْحَدِيث مضى قبله بِثَلَاثَة أَبْوَاب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (أخابني سَاعِدَة) أَي: وَاحِدًا مِنْهُم، وَالْغَرَض أَنه أَيْضا أَنْصَارِي ساعدي. وَفِيه: مطلوبية الْإِشْهَاد، وَإِذا أَمر بِالْإِشْهَادِ فِي البيع وَهُوَ خُرُوج ملك من ملك بعوَض، فالوقف أولى بذلك، لِأَن الْخُرُوج عَنهُ بِغَيْر عوض. وَقَالَ ابْن بطال الْإِشْهَاد وَاجِب فِي الْوَقْف، وَلَا يتم إلَاّ بِهِ، وَقَالَ الْمُهلب: إِذا لم يبين الْحُدُود فِي الْوَقْف، إِنَّمَا يجوز إِذا كَانَت الأَرْض مَعْلُومَة يَقع عَلَيْهَا، وَيتَعَيَّن بِهِ كَمَا كَانَ بيرحاء وكالمخراف معينا عِنْد من أشهده، وعَلى هَذَا الْوَجْه تصح التَّرْجَمَة، وَأما إِذا لم يكن الْوَقْف معينا، وَكَانَت لَهُ مخاريف وأموال كَثِيرَة فَلَا يجوز الْوَقْف إلَاّ بالتحديد وَالتَّعْيِين، وَلَا خلاف فِي هَذَا.

стр. 4075

١٢ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وآتُوا اليَتَامَى أمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بالطَّيِّبِ وَلَا تأكُلُوا أمْوَالَهُمْ إِلَى أمْوَالِكُمْ إنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً وإنْ خِفْتُمْ أنْ لَا تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى فانْكِكُوا مَا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ (النِّسَاء: ٢١، ٣١) هَذَا الْبَاب، وَثَلَاثَة أَبْوَاب بعده مترجمة بآيَات من الْقُرْآن أدخلها بَين أَبْوَاب الْوَقْف الْمَذْكُورَة فِي كتاب الْوَصَايَا، وَلَيْسَ لذكرها فِيهَا وَجه كَمَا يَنْبَغِي، وَلَكِن من حَيْثُ إِن الْأَمر فِي الْأَوْقَاف وَالنَّظَر فِيهَا جعل إِلَى من يَليهَا، كَمَا جعل أَمْوَال الْيَتَامَى إِلَى من يَلِي أَمرهم وَينظر فيهم، فالنظر فِي الْأَوْقَاف كالنظر لِلْيَتَامَى فِي رِعَايَة الْمصَالح، والمباشرة بالأمانات، وَإِبَاحَة تنَاول الْجعَالَة للنظار بِالْمَعْرُوفِ كإباحتها للأوصياء بِالْمَعْرُوفِ، وَهَذَا مِمَّا فتح لي من الْقَبْض الإلهي زادنا الله بَصِيرَة فِي الْأُمُور الدِّينِيَّة والدنيوية. قَوْله: ﴿وَآتوا الْيَتَامَى﴾ (النِّسَاء: ٢١ ٣١) . أَي: أعْطوا أَمْوَال الْيَتَامَى إِلَيْهِم إِذا بلغُوا الْحلم كَامِلَة موفرة. قَوْله: ﴿وَلَا تتبدلوا الْخَبيث بالطيب﴾ (النِّسَاء: ٢١ ٣١) . أَي: الْحَرَام بالحلال، وَلَا تجْعَلُوا الزيف بدل الْجيد والمهزول بدل السمين، وَقَالَ سعيد بن جُبَير وَالزهْرِيّ: لَا تعط مهزولاً وَلَا تَأْخُذ سميناً. وَقَالَ السّديّ: كَانَ أحدهم يَأْخُذ الشَّاة السمينة من غنم الْيَتِيم وَيجْعَل فِيهَا مَكَانهَا الشَّاة المهزولة، يَقُول: شَاة بِشَاة، وَيَأْخُذ الدِّرْهَم الْجيد ويطرح مَكَانَهُ الزيف، وَيَقُول: دِرْهَم بدرهم. وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ، عَن أبي صَالح: لَا تعجل بالرزق الْحَرَام قبل أَن يَأْتِيك الرزق الْحَلَال. وَقَالَ سعيد بن جُبَير: لَا تبدل الْحَرَام من أَمْوَال النَّاس بالحلال من أَمْوَالكُم. قَوْله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهم إِلَى أَمْوَالكُم﴾ (النِّسَاء: ٢١ ٣١) . قَالَ سعيد بن جُبَير وَمُجاهد وَمُقَاتِل بن حَيَّان وَالسُّديّ وسُفْيَان بن حُسَيْن، أَي: لَا تخلطوها فتأكلوها جَمِيعًا. وَقيل: إِلَى، بِمَعْنى: مَعَ، والأجود أَن يكون موضعهَا، وَيكون الْمَعْنى: وَلَا تضموا أَمْوَالهم إِلَى أَمْوَالكُم. قَوْله: إِنَّه كَانَ حوباً كَبِيرا﴾ (النِّسَاء: ٢١ ٣١) . قَالَ ابْن عَبَّاس أَي: إِثْمًا كَبِيرا عَظِيما. وَهَكَذَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَسَعِيد بن جُبَير وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَآخَرين، وروى ابْن مرْدَوَيْه بِإِسْنَادِهِ إِلَى وَاصل مولى ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن سِيرِين عَن ابْن عَبَّاس أَن أَبَا أَيُّوب طلق امْرَأَته، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ (يَا أَبَا أَيُّوب! إِن طَلَاق أم أَيُّوب كَانَ حوباً) . وَقَالَ ابْن سِيرِين: الْحُوب الْإِثْم. قَوْله: ﴿وَإِن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا﴾ (النِّسَاء: ٢١ ٣١) . أَي: إِن خِفْتُمْ أَن لَا تعدلوا فِي نِكَاح الْيَتَامَى، فَحذف لفظ: النِّكَاح، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: كَمَا خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا فِي الْيَتَامَى فخافوا مثل ذَلِك فِي سَائِر النِّسَاء، وَانْكِحُوا مَا طَابَ لكم مِنْهُنَّ، وَقيل: مَعْنَاهُ: إِذا كَانَت تَحت حجر أحدكُم يتيمة وَخَافَ أَن لَا يُعْطِيهَا مهر مثلهَا فليعدل إِلَى مَا سواهَا من النِّسَاء فَإِنَّهُنَّ كثير، وَلم يضيق الله عَلَيْهِ، وَقيل: كَانَت قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة يكثرون التَّزْوِيج بِلَا حصر، فَإِذا كثرت عَلَيْهِم الْمُؤَن وَقل مَا بِأَيْدِيهِم أكلُوا مَا عِنْدهم من أَمْوَال الْيَتَامَى، فَقيل لَهُم: إِن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا فِي الْيَتَامَى فانكحوا إِلَى الْأَرْبَع. قَوْله: ﴿مَا طَابَ لكم﴾ أَي: من طَابَ لكم. ٣٦٧٢ - حدَّثنا أبُو اليَمان قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ كانَ عُرْوةُ بنُ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ أنَّهُ سألَ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا ﴿وإنْ خِفْتُمْ أنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (النِّسَاء: ٢١ ٣١) . قَالَ هِيَ لِلْيَتِيمَة فِي حجْرِ ولِيِّها فيَرْغَبُ فِي جَمالِهَا ومالِها ويُرِيدُ أنْ يَتَزَوَّجَهَا بأدْنى مِنْ سُنَّةِ نِسائِها فنُهُوا عنْ نِكَاحِهِنَّ إلَاّ أنْ يُقُسِطُوا لَهُنَّ فِي إكْمَالِ الصَّدَّاق وأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنَ النِّساءِ قالَتْ عائِشَةُ ثُمَّ اسْتَفْتَى الناسُ رسولَ الله، ﷺ بعْدُ فأنْزَلَ الله ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ (النِّسَاء: ٧٢١) . قالَتْ فبَيَّنَ الله فِي هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اليَتِيمَةَ إذَا كانَتْ ذَاتَ جَمالٍ ومالٍ رغِبُوا فِي نِكَاحِهَا ولَمْ يُلْحِقُوها بِسُنَّتِها بإكْمَالِ الصَّدَّاقِ فإذَا كانَتْ مَرْغُوبَةً عنْها فِي قِلَّةِ المالِ والجَمالِ تَرَكُوهَا والْتَمَسُوا غَيْرَهَا منَ النِّسَاءِ قَالَ فَكَمَا يَتْرُكونها حِينَ يَرْغَبُونَ عَنْها فَلَيْسَ لَهُمْ أنْ يَنْكِحُوها إذَا رَغِبُوا فيهَا إلَاّ أنْ يُقُسِطُوا لَها الأوْفى مِنَ الصَّدَاقِ ويُعْطُوهَا حَقَّها. .

стр. 4076

هَذَا السَّنَد بِعَين هَؤُلَاءِ الرِّجَال قد مر غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع. والْحَدِيث مضى فِي: بَاب شركَة الْيَتِيم وَأهل الْمِيرَاث بأتم مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (بِأَدْنَى من سنة نسائها) أَي: بِأَقَلّ من مهر مثلهَا من قراباتها. قَوْله: (ثمَّ استفتى النَّاس، رَسُول الله، ﷺ ، بعد) ، أَي: بعد نزُول قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا فِي الْيَتَامَى فأنكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء﴾ (النِّسَاء: ٣١) . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: قَرَأت على مُحَمَّد بن عبد الحكم: أخبرنَا ابْن وهب أَخْبرنِي يُونُس عَن ابْن شهَاب اخبرني عُرْوَة بن الزبير، قَالَت عَائِشَة: ثمَّ إِن النَّاس استفتوا رَسُول الله، ﷺ ، بعد هَذِه الْآيَة فِيهِنَّ، فَأنْزل الله: ﴿ويستفتونك فِي النِّسَاء قل الله يفتيكم فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُم فِي الْكتاب﴾ (النِّسَاء: ٧٢١) . الْآيَة. قَالَت: وَالَّذِي ذكر الله أَنه يُتْلَى عَلَيْهِم فِي الْكتاب الْآيَة الأولى الَّتِي هِيَ قَول الله تَعَالَى ﴿وَإِن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا فِي الْيَتَامَى فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء﴾ (النِّسَاء: ٧٢١) . قَوْله: (بإكمال الصَدَاق) بَيَان للإلحاق بسنتها. ٢٢ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿وابتلُوا اليَتَاماى حَتَّى إِذا بلَغُوا النِّكَاحَ فإنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوَالَهُمْ وَلَا تأكُلُوهَا إِسْرَافاً وبِداراً أَن يَكْبَرُوا ومنْ كانَ غَنيَّاً فَلْيَسْتَعْفِفِ ومنْ كانَ فَقِيراً فلْيَأْكُلْ بالمَعْرُوفِ فإذَا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوَالَهُمْ فأشْهِدُوا علَيْهِمْ وكفاى بِاللَّه حسيباً للرِّجَالِ نَصِيبٌ مَمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والأقْرَبُونَ وللنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والأقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ﴿حَسِيباً يَعْنِي كافِياً﴾ (النِّسَاء: ٦ ٧) فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة سبق من قَوْله: ﴿وابتلوا الْيَتَامَى﴾ إِلَى قَوْله: ﴿نَصِيبا مَفْرُوضًا﴾ (النِّسَاء: ٦ ٧) . وَفِي رِوَايَة أبي ذَر من قَوْله: ﴿فَإِن آنستم مِنْهُم رشدا. .﴾ إِلَى آخرهَا، أَعنِي: إِلَى قَوْله: ﴿نَصِيبا مَفْرُوضًا﴾ (النِّسَاء: ٦ ٧) . قَوْله: ﴿وابتلوا الْيَتَامَى﴾ (النِّسَاء: ٦ ٧) . أَي: اختبروهم. قَالَه ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَالْحسن وَالسُّديّ وَمُقَاتِل بن حَيَّان. قَوْله: ﴿حَتَّى إِذا بلغُوا النِّكَاح﴾ (النِّسَاء: ٣١) . قَالَ مُجَاهِد، يَعْنِي: الْحلم، وَقَالَ الْجُمْهُور من الْعلمَاء: الْبلُوغ فِي الْغُلَام تَارَة يكون بالحلم، وَهُوَ أَن يرى فِي مَنَامه مَا ينزل بِهِ المَاء الدافق الَّذِي يكون مِنْهُ الْوَلَد، وَقد روى أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) عَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: حفظت من رَسُول الله، ﷺ لَا يتم بعد احْتِلَام وَلَا صمَات يَوْم إِلَى اللَّيْل أَو يستكمل خمس عشرَة سنة، وَأخذُوا ذَلِك من حَدِيث عبد الله بن عمر: عرضت على النَّبِي، ﷺ يَوْم أحد وَأَنا ابْن أَربع عشرَة، فَلم يجزني، وَعرضت عَلَيْهِ يَوْم الخَنْدَق، وَأَنا ابْن خمس عشرَة فأجازني. قَوْله: (رشدا) أَي: صلاحاً فِي دينهم وحفظاً لأموالهم، كَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَغير وَاحِد من الْأَئِمَّة. قَوْله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إسرافاً وبداراً﴾ (النِّسَاء: ٦ ٧) . يَعْنِي: من غير حَاجَة ضَرُورِيَّة إسرافاً ومبادرة قبل بلوغهم، وَالْخطاب للأولياء والأوصياء، فانتصاب: إسرافاً وبداراً، على الْحَال، أَي: مسرفين ومبادرين. قَوْله: ﴿أَن يكبروا﴾ (النِّسَاء: ٢١ ٣١) . أَي: حذرا من أَن يكبروا، أَي: يبلغُوا ويلزموكم بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِم. قَوْله: ﴿فليستعفف﴾ (النِّسَاء: ٢١ ٣١) . أَي: بِمَالِه عَن مَال الْيَتِيم، يُقَال: استعفف وعف: إِذا امْتنع، وَيُقَال: مَعْنَاهُ من كَانَ فِي غنية عَن مَال الْيَتِيم فليتعفف عَنهُ، وَقَالَ الشّعبِيّ: هُوَ عَلَيْهِ كالميتة وَالدَّم. قَوْله: ﴿وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ﴾ (النِّسَاء: ٢١ ٣١) . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أبي حَدثنَا مُحَمَّد ابْن سعيد الْأَصْبَهَانِيّ حَدثنَا عَليّ بن مسْهر عَن هِشَام عَن عَائِشَة، قَالَت: أنزلت هَذِه الْآيَة فِي وَالِي الْيَتِيم: ﴿من كَانَ غَنِيا فليستعفف وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ﴾ (النِّسَاء: ٢١ ٣١) . بِقدر قِيَامه عَلَيْهِ، وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: حَدثنَا عبد الْوَهَّاب حَدثنَا حُسَيْن عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله، ﷺ ، فَقَالَ: لَيْسَ لي مَال ولي يَتِيم. (فَقَالَ: كل من مَال يَتِيمك غير مُسْرِف وَلَا مبذر وَلَا متأثل مَالا، وَمن غير أَن تَقِيّ مَالك، أَو قَالَ: تفدي مَالك) ، وَفِي كَيْفيَّة الْأكل بِالْمَعْرُوفِ أَن يَأْكُل بأطراف أَصَابِعه وَلَا يسرف وَلَا يلبس من ذَلِك، قَالَه السّديّ. وَقَالَ النَّخعِيّ: لَا يلبس الْكَتَّان وَلَا الْحلَل وَلَكِن مَا يستر الْعَوْرَة وَيَأْكُل مَا يسد الجوعة. وَقيل: هُوَ أَن يَأْكُل من ثَمَر نخله وَلبن مواشيه، وَلَا قَضَاء عَلَيْهِ، فَأَما الذَّهَب وَالْفِضَّة فَلَا، فَإِن أَخذ مِنْهُ شَيْئا فَلَا بُد أَن يردهُ عَلَيْهِ، قَالَه الْحسن وَجَمَاعَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: إِن كَانَ غَنِيا فَأَجره على الله، وَإِن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ وَينزل نَفسه منزلَة الْأَجِير فِيمَا لَا بُد لَهُ مِنْهُ، وَقَالَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: نزلت نَفسِي من مَال الله تَعَالَى بِمَنْزِلَة

стр. 4077

مَال الْيَتِيم، فَإِن اسْتَغْنَيْت اسْتَعْفَفْت، وَإِن افْتَقَرت أكلت بِالْمَعْرُوفِ، وَإِذا إيسرت قضيت. وَقَالَ الْفُقَهَاء: لَهُ أَن يَأْكُل أقل الْأَمريْنِ أُجْرَة مثله، أَو قدر حَاجته. وَاخْتلفُوا: هَل يرد إِذا أيسر؟ على قَوْلَيْنِ، عِنْد الشَّافِعِيَّة: أَحدهمَا: لَا، لِأَنَّهُ أكل بِأُجْرَة عمله، وَكَانَ فَقِيرا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْدهم، لِأَن الْآيَة أَبَاحَتْ الْأكل من غير بدل، وَقَالَ ابْن وهب: حَدثنِي نَافِع بن أبي نعيم الْقَارِي: قَالَ: سَأَلت يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَرَبِيعَة عَن قَول الله تَعَالَى: ﴿وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ﴾ (النِّسَاء: ٦) . قَالَا: ذَلِك فِي الْيَتِيم إِن كَانَ فَقِيرا أنْفق عَلَيْهِ بِقدر فقره، وَلم يكن للْوَلِيّ مِنْهُ شَيْء، وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ أَن هَذِه الْآيَة محكمَة، وَقيل: مَنْسُوخَة بقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ (الْبَقَرَة: ٨٨١) . وَلَا يَصح ذَلِك، قلت: الْقَائِل بِأَنَّهَا مَنْسُوخَة زيد بن أسلم. قَوْله: ﴿فأشهدوا عَلَيْهِم﴾ (النِّسَاء: ٦) . يَعْنِي: بعد بلوغهم الْحلم وإيناس الرشد، وَالْإِشْهَاد من بَاب النّدب خوف الْإِنْكَار مِنْهُم، وَقيل: إِن الْإِشْهَاد من بَاب النّدب خوف الْإِنْكَار مِنْهُم، وَقيل: إِن الْإِشْهَاد مَنْسُوخ بقوله: ﴿وَكفى بِاللَّه حسيباً﴾ (النِّسَاء: ٦) . أَي: شَهِيدا أَو كَافِيا من الشُّهُود، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة: إِن القَوْل قَول الْوَصِيّ فِي الدّفع، وَقيل: مَعْنَاهُ: عَالما، وَقيل: محاسباً، وَقيل: مجازياً وَالْبَاء فِي: كفى بِاللَّه، صلَة، و: حسيباً، مَنْصُوب على الْحَال. وَقيل: على التَّمْيِيز. قَوْله: ﴿للرِّجَال نصيب﴾ (النِّسَاء: ٧) . قَالَ سعيد بن جُبَير وَقَتَادَة: كَانَ الْمُشْركُونَ يجْعَلُونَ المَال للرِّجَال الْكِبَار وَلَا يورثون النِّسَاء وَلَا الْأَطْفَال شَيْئا، فَأنْزل الله: ﴿للرِّجَال نصيب﴾ (النِّسَاء: ٧) . وَفِي (خُلَاصَة الْبَيَان) : مَاتَ أَوْس بن ثَابت الْأنْصَارِيّ وَترك ثَلَاث بَنَات وَامْرَأَة، فَقَامَ رجلَانِ من بني عَمه، فأخذا مَاله وَلم يعطيا امْرَأَته وَلَا بَنَاته شَيْئا، فَجَاءَت امْرَأَته إِلَى النَّبِي، ﷺ ، فَذكرت لَهُ ذَلِك، فَنزلت هَذِه الْآيَة، وَكَانُوا يورثون الرِّجَال مِمَّن طَاعن بِالرُّمْحِ وَحَازَ الْغَنِيمَة، فَأبْطل الله ذَلِك، فَأرْسل النَّبِي، ﷺ إِلَيْهِمَا، (وَقَالَ: لَا تفَرقا من مَال أَوْس شَيْئا. فَإِن الله جعل لبنَاته نَصِيبا) . وَلم يبين كم هُوَ: حَتَّى أنظر مَا ينزل فِيهِنَّ، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُم الله﴾ (النِّسَاء: ١١) . الْآيَة، قَالَ الذَّهَبِيّ: أم كجة زَوْجَة أَوْس بن ثَابت، فِيهَا نزلت آيَة الْمَوَارِيث، وَقَالَ أَيْضا: قتل أَوْس يَوْم أحد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَوْله: ﴿مِمَّا قل مِنْهُ أَو كثر﴾ (النِّسَاء: ٦) . أَي: الْجَمِيع فِيهِ سَوَاء فِي حكم الله تَعَالَى، يستوون فِي أصل الوراثة إِن تفاوتوا بِحَسب مَا فرض الله لكل وَاحِد مِنْهُم بِمَا يُدْلِي بِهِ إِلَى الْمَيِّت من قرَابَة أَو زَوْجَة أَو وَلَاء، فَإِنَّهُ لحْمَة كلحمة النّسَب. قَوْله: (مَفْرُوضًا) أَي: مُقَدرا، قَوْله: (حسيباً) يَعْنِي: كَافِيا، كَذَا وَقع فِي الْأَكْثَرين، وَسقط لفظ: يَعْنِي، فِي رِوَايَة أبي ذَر. (بَاب وَمَا لِلْوَصيِّ أنْ يَعْمَلَ فِي مَال اليَتِيمِ وَمَا يأكُلُ مِنْهُ بِقَدْرِ عُمالَتِهِ) فِي بعض النّسخ بَاب مَا للْوَصِيّ ... إِلَى آخِره، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: وَمَا للْوَصِيّ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وللوصي أَن يعْمل ... إِلَى آخِره، بِدُونِ كلمة: مَا، وَرِوَايَة أبي ذَر تدل على أَن: مَا، غير نَافِيَة، لِأَن الْوَصِيّ لَهُ البيع وَالشِّرَاء فِي مَال الْيَتِيم بِمَال يتَغَابَن النَّاس فِي مثله، وَلَا يجوز بِمَا لَا يتَغَابَن النَّاس، لِأَن الْولَايَة نظرية وَلَا نظر فِيهِ، وَلَا يتجر فِي مَال الْيَتِيم، لِأَن الْمُفَوض إِلَيْهِ الْحِفْظ دون التِّجَارَة. قَوْله: (بِقدر عمالته) ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم، وَهِي رزق الْعَامِل، أَي: بِقدر حق سَعْيه وَأجر مثله. ٤٦٧٢ - حدَّثنا هارُونُ قَالَ حدَّثنا أبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هاشِمٍ قَالَ حدَّثنا صَخْرُ بنُ جُوَيْرِيَةَ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ عُمَرَ تَصَدَّقَ بِمالٍ لَهُ على عَهْدِ رسولِ الله، ﷺ وكانَ يُقالُ لَهُ ثَمْغٌ وكانَ نَخْلاً فقالَ عُمَرُ يَا رسولَ الله إنِّي اسْتَفَدْتُ مَالا وهْوَ عِنْدِي نَفيسٌ فأرَدْتُ أنْ أتَصَدَّقَ بِهِ فَقَالَ النبيُّ ﷺ تَصَدَّقَ بأصْلِهِ لَا يُباعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ ولاكِنْ يُنْفَقُ ثَمرُهُ فتَصَدَّقَ بِهِ عُمَرُ فَصَدَقتُهُ ذالِكَ فِي سَبِيلِ الله وفِي الرِّقَابِ والمَسَاكِينِ والضِّيْفِ وابنِ السَّبِيلِ ولِذِي القُرْباى وَلَا جُنَاحَ عَليّ مَنْ ولِيَهُ أنْ يأكُلَ منْهُ بالمَعْرُوفِ أَو يُوكِلَ صَدِيقَهُ غيْرُ مُتَمَوِّل بِهِ.. قيل: وَجه مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن البُخَارِيّ شبه الْوَصِيّ بناظر الْوَقْف، وَوجه الشّبَه أَن النّظر للْمَوْقُوف عَلَيْهِم من الْفُقَرَاء وَغَيرهم كالنظر لِلْيَتَامَى، ورد عَلَيْهِ بِأَن حَدِيث ابْن عمر هَذَا غير مُطَابق للتَّرْجَمَة، لِأَن عمر،

стр. 4078

رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هُوَ الْمَالِك لمنافع وَقفه، وَلَا كَذَلِك الْوَصِيّ على أَوْلَاده، فَإِنَّهُم إِنَّمَا يملكُونَ المَال بقسمة الله ، وتمليكه، وَلَا حق لمَالِكه فِيهِ بعد مَوته، فَلذَلِك كَانَ الْمُخْتَار أَن وَصِيّ الْيَتِيم لَيْسَ لَهُ الْأكل من مَاله إلَاّ أَن يكون فَقِيرا فيأكل. وَاخْتلف فِي قَضَائِهِ إِذا أيسر. انْتهى. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَجه مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من جِهَة أَن الْمَقْصُود جَوَاز أَخذ الْأجر من مَال الْيَتِيم، لقَوْل عمر: لَا جنَاح على من وليه أَن يَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ. انْتهى. قلت: هَذَا أوجه من غَيره، والْحَدِيث قد مضى عَن قريب فِي بَاب الشُّرُوط فِي الْوَقْف، وَهنا ذكره بأتم من ذَاك. وَهَارُون هُوَ ابْن الْأَشْعَث، بالشين الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة والثاء الْمُثَلَّثَة: أَبُو عمر الْهَمدَانِي، بِسُكُون الْمِيم، أَصله من الْكُوفَة ثمَّ سكن بُخَارى، وَلم يخرج عَنهُ البُخَارِيّ فِي هَذَا الْكتاب سوى هَذَا الْموضع، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: حَدثنَا هَارُون، كَذَا بِغَيْر نِسْبَة، وَوَقع عِنْد أبي ذَر وَغَيره: حَدثنَا هَارُون ابْن الْأَشْعَث، وَزعم ابْن عدي أَنه: هَارُون بن يحيى الْمَكِّيّ الزبيرِي، وَلم يعرف من حَاله بِشَيْء، قيل: الْعُمْدَة على رِوَايَة أبي ذَر وَغَيره مَنْسُوبا، وَأَبُو سعيد هُوَ: عبد الرَّحْمَن بن عبد الله الْحَافِظ، مَاتَ سنة سبع وَسبعين وَمِائَة، وصخر، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة: ابْن جوَيْرِية مصغر جَارِيَة، بِالْجِيم، وَهُوَ من الْأَعْلَام الْمُشْتَركَة الْبَصْرِيّ. قَوْله: (ثمغ) ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْمِيم وبالغين الْمُعْجَمَة، وَحكى الْمُنْذِرِيّ فتح الْمِيم. وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ: هِيَ أَرض تِلْقَاء الْمَدِينَة كَانَت لعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (فصدقته ذَلِك) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فصدقته تِلْكَ، فَوجه التَّأْنِيث ظَاهر وَوجه التَّذْكِير بِاعْتِبَار الْمَذْكُور. قَوْله: (أَو يُوكل صديقه) ، بِضَم الْيَاء وَكسر الْكَاف، وَصديقه، مَنْصُوب بِهِ. قَوْله: (غير مُتَمَوّل بِهِ) ، حَال، وَالضَّمِير فِي: بِهِ، يرجع إِلَى المَال الَّذِي تصدق بِهِ عمر، ذكر المَال وَأَرَادَ بِهِ الأَرْض الَّتِي تسمى: (ثمغ) . ٥٦٧٢ - حدَّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا ومنْ كانَ غَنِيَّاً فلْيَسْتَعْفِفْ ومنْ كانَ فَقِيراً فلْيَأْكُلْ بالمَعْرُوفِ قالتْ أُنْزِلت فِي والِي اليَتِيمَ أنْ يُصِيبَ مِنْ مالِهِ إذَا كانَ مُحْتَاجاً بِقَدْرِ مالِهِ بالمَعْرُوف.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبيد مصغر عبد ابْن إِسْمَاعِيل، واسْمه فِي الأَصْل: عبد الله، يكنى أَبَا مُحَمَّد الْهَبَّاري الْقرشِي الْكُوفِي، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَقد مر غير مرّة يروي عَن هِشَام بن عُرْوَة وَهِشَام يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي آخر الْكتاب. قَوْله: (فِي وَالِي الْيَتِيم) ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (فِي وَالِي مَال الْيَتِيم) إِلَى آخِره. قَوْله: (بِقدر مَاله) ، أَي: إِذا كَانَ وليا لِلْيَتَامَى يَأْخُذ من كل وَاحِد مِنْهُم بِالْقِسْطِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى: مَاله، بِفَتْح اللَّام، أَي: بِقدر الَّذِي لَهُ من العمالة. قَوْله: (بِالْمَعْرُوفِ) ، بَيَان لَهُ. ٣٢ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يأكُلُونَ أمْوالَ اليَتَامَى ظُلْماً إنَّمَا يأكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارا وسَيَصْلَوْنَ سعَيراً﴾ (النِّسَاء: ٠١) .) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال أَكلَة أَمْوَال الْيَتَامَى فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذِينَ يَأْكُلُون﴾ (النِّسَاء: ٠١) . الْآيَة، وَهَذَا تهديد فِي أكل أَمْوَال الْيَتَامَى ظلما، وَالْمعْنَى: الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى من حَيْثُ الظُّلم إِنَّمَا يَأْكُلُون فِي بطونهم نَارا تتأجج فِيهَا يَوْم الْقِيَامَة، وتملأ بهَا بطونها عيَانًا. قَالَ الدَّاودِيّ: وَهَذِه الْآيَة أَشد مَا فِي الْقُرْآن على الْمُؤمنِينَ، لِأَنَّهَا خَبرا لَا أَن يُرِيد: مستحلين بهَا، قَوْله: ﴿وسيصلون سعيراً﴾ (النِّسَاء: ٠١) . مَأْخُوذ من الصلا، وَالصَّلَا والاصطلاء بالنَّار، وَذَلِكَ التسخن بهَا، ثمَّ اسْتعْمل فِي كل من بَاشر شدَّة أَمر من الْأُمُور من حَرْب أَو قتال أَو غير ذَلِك، وَقِرَاءَة عَامَّة أهل الْمَدِينَة وَالْعراق: سيصلون، على بِنَاء الْمَعْلُوم. وَقَرَأَ بعض الْكُوفِيّين وَبَعض المكيين على بِنَاء الْمَجْهُول، يَعْنِي: يحرقون من قَوْلهم شَاة مصلية يَعْنِي: مشوية، والسعير: شدَّة حر جَهَنَّم، وَتَقْدِير الْكَلَام: وسيصلون نَارا مسعورة، أَي: موقدة مشعلة شَدِيدا حرهَا. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أبي حَدثنَا عَبدة أخبرنَا أَبُو عبد الصَّمد عبد الْعَزِيز ابْن عبد الصَّمد الْعمي، حَدثنَا أَبُو هَارُون الْعَبْدي عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُول الله! مَا رَأَيْت لَيْلَة أسرى بك؟ قَالَ:

стр. 4079

انْطلق بِي إِلَى خلق من خلق الله كثير) رجال، كل رجل لَهُ مشفران كمشفر الْبَعِير، وَهُوَ مُوكل بهم رجال يفكون لحي أحدهم ثمَّ يجاء بصخرة من نَار، فيقذف فِي فِي أحدهم حَتَّى يخرج من أَسْفَله، وَله جؤار وصراخ. قلت: يَا جِبْرَائِيل! من هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ: ﴿الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى ظلما ... ﴾ (النِّسَاء: ٠١) . الْآيَة. وَقَالَ السّديّ: يبْعَث آكل مَال الْيَتِيم، يَوْم الْقِيَامَة وَلَهَب النَّار يخرج من فِيهِ وَمن مسامعه وَأَنْفه وَعَيْنَيْهِ يعرفهُ من رأه يَأْكُل مَال الْيَتِيم وَعَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه، قَالَ: هَذِه لأهل الشّرك حِين كَانُوا لَا يورثونهم، ويأكلون أَمْوَالهم. ٦٦٧٢ - حدَّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني سُلَيْمَانُ بنُ بِلَالٍ عنْ ثَوْرِ بنِ زَيْدٍ المدَنِيِّ عنْ أبِي الغَيْثِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ قَالُوا يَا رسولَ الله وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّه والسَّحْرُ وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ الله إلَاّ بالحَقِّ وأكْلُ الرِّبا وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وقَذْفِ المُحْصَناتِ الْمُؤْمِنَاتِ الغَافِلاتِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأكل مَال الْيَتِيم) . ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى أَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري الأوسي. الثَّانِي: سُلَيْمَان بن بِلَال أَبُو أَيُّوب الْقرشِي التَّيْمِيّ. الثَّالِث: ثَوْر، بِلَفْظ الْحَيَوَان الْمَشْهُور: ابْن زيد الديلِي. الرَّابِع: أَبُو الْغَيْث، مرادف الْمَطَر واسْمه: سَالم مولى أبي مُطِيع الْقرشِي. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن رِجَاله كلهم مدنيون. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ وَفِي الْمُحَاربين عَن عبد الْعَزِيز الْمَذْكُور. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن هَارُون ابْن سعيد الْأَيْلِي. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْوَصَايَا عَن أَحْمد بن سعيد الْهَمدَانِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي التَّفْسِير عَن الرّبيع بن سُلَيْمَان. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (اجتنبوا) ، أَي: ابتعدوا، من الإجتناب من بَاب الافتعال من الْجنب، وَهُوَ أبلغ من: أبعدوا واحذروا، وَنَحْو ذَلِك. قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تقربُوا الزِّنَا﴾ (الْإِسْرَاء: ٢٣) . لِأَن نهي القربان أبلغ من نهي الْمُبَاشرَة. قَوْله: (الموبقات) أَي: المهلكات، وَهُوَ جمع موبقة، من أوبق وثلاثيه: وبق يبْق وبوقاً إِذا هلك من، بَاب: ضرب يضْرب، وَجَاء أَيْضا: وبق يوبق وبقاً، من بَاب: علم يعلم، وَجَاء من بَاب: فعل يفعل بِالْكَسْرِ فيهمَا، قَوْله: (الشّرك بِاللَّه) ، أَي: أَحدهَا: الشّرك بِاللَّه، الشّرك جعل أحد شَرِيكا لآخر، وَالْمرَاد هُنَا: اتِّخَاذ إلَه غير الله. قَوْله: (وَالسحر) أَي: الثَّانِي: السحر، وَهُوَ فِي اللُّغَة: صرف الشَّيْء عَن وَجهه، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: السحر الأخذة، وكل مَا لطف مأخذه ورق فَهُوَ سحر، وَقد سحره سحرًا، والساحر الْعَالم، وسحره أَيْضا بِمَعْنى: خدعة، وَذكر أَبُو عبد الله الرَّازِيّ أَنْوَاع السحر ثَمَانِيَة. الأول: سحر الْكَذَّابين والكشدانيين الَّذين كَانُوا يعْبدُونَ الْكَوَاكِب السَّبْعَة الْمُتَحَيِّرَة، وَهِي السيارة، وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا مُدبرَة للْعَالم، وَأَنَّهَا تَأتي بِالْخَيرِ وَالشَّر، وهم الَّذين بعث الله إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﷺ مُبْطلًا لمقالتهم، وردا لمذاهبهم. الثَّانِي: سحر أَصْحَاب الأوهام والنفوس القوية. الثَّالِث: الِاسْتِعَانَة بالأرواح الأرضية وهم الْجِنّ، خلافًا للفلاسفة والمعتزلة، وهم على قسمَيْنِ: مُؤمنُونَ وكفار، وهم الشَّيَاطِين، وَهَذَا النَّوْع يحصل بأعمال من الرقي والدخن، وَهَذَا النَّوْع الْمُسَمّى بالعزائم وَعمل تسخير. الرَّابِع: التخيلات وَالْأَخْذ بالعيون والشعبذة، وَقد قَالَ بعض الْمُفَسّرين: إِن سحر السَّحَرَة بَين يَدي فِرْعَوْن إِنَّمَا كَانَ من بَاب الشعبذة. الْخَامِس: الْأَعْمَال العجيبة الَّتِي تظهر من تركيب الْآلَات المركبة. السَّادِس: الِاسْتِعَانَة بخواص الْأَدْوِيَة، يَعْنِي: فِي الْأَطْعِمَة والدهانات. السَّابِع: تعلق الْقلب، وَهُوَ أَن يدعى السَّاحر أَنه عرف الإسم الْأَعْظَم، وَأَن الْجِنّ يطيعونه وينقادون لَهُ فِي أَكثر الْأُمُور. الثَّامِن: من السحر: السَّعْي بالنميمة بالتصريف من وُجُوه خُفْيَة لَطِيفَة، وَذَلِكَ شَائِع فِي النَّاس، وَإِنَّمَا أَدخل كثير من هَذِه الْأَنْوَاع الْمَذْكُورَة فِي فن السحر للطافة مداركها، لِأَن السحر فِي اللُّغَة عبارَة عَمَّا لطف وخفي سَببه، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الحَدِيث: (إِن من الْبَيَان لسحراً) . وَسمي السّحُور لكَونه يَقع خفِيا آخر اللَّيْل، وَالسحر الرية، وَهِي مَحل الْغَدَاء، وَسميت بذلك لخفائها ولطف مجاريها إِلَى أَجزَاء

стр. 4080

الْبدن. وغصونه. قَوْله: (وَقتل النَّفس) أَي: الثَّالِث: من السَّبع الموبقات: قتل النَّفس. قَوْله: (وَأكل الرِّبَا) أَي: الرَّابِع: أكل الرِّبَا، وَهُوَ فضل مَال بِلَا عوض فِي مُعَاوضَة مَال بِمَال، كَمَا عرف فِي الْفِقْه. قَوْله: (وَأكل مَال الْيَتِيم) ، أَي: الْخَامِس: أكل مَال الْيَتِيم، وَهُوَ الْمُنْفَرد فِي اللُّغَة، وَهُوَ: من مَاتَ أَبوهُ وَهُوَ مَا دون الْبلُوغ، وَفِي الْبَهَائِم: مَا مَاتَت أمه. قَوْله: (والتولي يَوْم الزَّحْف) أَي: السَّادِس: الْفِرَار عَن الْقِتَال يَوْم ازدحام الطَّائِفَتَيْنِ، وَيُقَال: التولي الْإِعْرَاض عَن الْحَرْب والفرار من الْكفَّار إِذا كَانَ بِإِزَاءِ كل مُسلم كَافِرَانِ، وَإِن كَانَ بِإِزَاءِ كل مُسلم أَكثر من كَافِرين يجوز الْفِرَار، والزحف الْجَمَاعَة الَّذين يزحفون إِلَى الْعَدو أَي يمسون إِلَيْهِم بِمَشَقَّة، من زحف الصَّبِي إِذا دب على أسته. قَوْله: (وَقذف الْمُحْصنَات) ، أَي: السَّابِع: قذف الْمُحْصنَات، الْقَذْف الرَّمْي الْبعيد، استعير للشتم وَالْعَيْب والبهتان كَمَا استعير للرمي، وَالْمُحصنَات جمع مُحصنَة، بِفَتْح الصَّاد، اسْم مفعول أَي: الَّتِي أحصنها الله تَعَالَى وحفظها من الزِّنَا، وبكسرها، اسْم فَاعل أَي: الَّتِي حفظت فرجهَا من الزِّنَا. قَوْله: (الْمُؤْمِنَات) ، احْتَرز بِهِ عَن قذف الكافرات فَإِن قذفهن لَيْسَ من الْكَبَائِر وَإِن كَانَت ذِمِّيَّة فقذفها من الصَّغَائِر لَا يُوجب الْحَد وَفِي قذفه الْأمة الْمسلمَة التَّعْزِير دون الْحَد. قَوْله: (الْغَافِلَات) ، كِنَايَة عَن البريئات لِأَن البرىء غافل عَمَّا بهت بِهِ من الزِّنَا. ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: ذكر السَّبع، وَلَا يُنَافِي أَن لَا تكون كَبِيرَة إلَاّ هَذِه، فقد ذكر فِي غير هَذَا الْموضع: قَول الزُّور، وزنا الرجل بحليلة جَاره وعقوق الْوَالِدين، وَالْيَمِين الْغمُوس، وَاسْتِحْلَال بَيت الله، ومسك امْرَأَة مُحصنَة لمن يَزْنِي بهَا، ومسك مُسلم لمن يقْتله، وَدلّ الْكفَّار على عورات الْمُسلمين مَعَ علمه أَنهم يستأصلون بدلالته ويُسبون ويغنمون، وَالْحكم بِغَيْر حق، والإصرار على الصَّغِيرَة. وَقَالَ الشَّافِعِي: وأكبرها بعد الْإِشْرَاك: الْقَتْل، وَادّعى بَعضهم أَن الْكَبَائِر سبع، كَأَنَّهُ أَخذ ذَلِك من هَذَا الحَدِيث. وَقَالَ بَعضهم: إِحْدَى عشرَة، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: إِلَى السّبْعين أقرب، وروى عَنهُ أَن سَبْعمِائة، وَالتَّحْقِيق هُنَا أَن التَّنْصِيص على عدد لَا يُنَافِي أَكثر من ذَلِك، وَأما تعْيين السَّبع هُنَا فلاحتمال أَن يكون أعلم الشَّارِع بهَا فِي ذَلِك الْوَقْت، ثمَّ أوحى إِلَيْهِ بعد ذَلِك غَيرهَا، أَو يكون السَّبع هِيَ الَّتِي دعت إِلَيْهَا الْحَاجة فِي ذَلِك الْوَقْت، ثمَّ أوحى إِلَيْهِ بعد ذَلِك غَيرهَا، أَو يكون السَّبع هِيَ الَّتِي دعت إِلَيْهَا الْحَاجة فِي ذَلِك الْوَقْت، وَكَذَلِكَ القَوْل فِي كل حَدِيث خص عددا من الْكَبَائِر. وَفِيه: أَن الموبقات الَّتِي هِيَ الْكَبَائِر لَا بُد فِي مقابلتها الصَّغَائِر، فَلَا بُد من الْفرق بَينهمَا، فَقَالَ الشَّيْخ عز الدّين ابْن عبد السَّلَام: إِذا أردْت معرفَة الْفرق بَين الصَّغِيرَة والكبيرة فاعرض مفْسدَة الذَّنب على مفاسد الْكَبَائِر الْمَنْصُوص عَلَيْهَا، فَإِذا نقصت عَن أقل مفاسد الْكَبَائِر فَهِيَ من الصَّغَائِر، وَإِن ساوت أدنى مفاسد الْكَبَائِر أَو أربت عَلَيْهِ فَهِيَ من الْكَبَائِر، فَمن شتم الرب، ، أَو رَسُوله، ﷺ ، أَو استهان بالرسل أَو كذب وَاحِدًا مِنْهُم أَو ضمح الْكَعْبَة المشرفة بالعذرة أَو ألْقى الْمُصحف فِي القاذورات فَهِيَ من أكبر الْكَبَائِر، وَلم يُصَرح الشَّرْع بذكرها، وَقَالَ بَعضهم: كل ذَنْب قرن بِهِ وَبِه لأعيد أَو حد أَو لعن فَهُوَ كَبِيرَة، وَرُوِيَ هَذَا عَن الْحسن أَيْضا، وَقيل: الْكَبِيرَة مَا يشْعر بتهاون مرتكبها فِي دينه. وَعَن ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: الْكَبَائِر جَمِيع مَا نهى الله عَنهُ من أول سُورَة النِّسَاء إِلَى قَوْله: ﴿إِن تجتنبوا كباشر مَا تنهون عَنهُ﴾ (النِّسَاء:) . وَعَن ابْن عَبَّاس: كل مَا نهى الله عَنهُ فَهِيَ كَبِيرَة، وَبِه قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الإسفرايني وَغَيره، وَعَن عِيَاض: هَذَا مَذْهَب الْمُحَقِّقين، لِأَن كل مُخَالفَة فَهِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جلال الله تَعَالَى كَبِيرَة. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَمَا أَظُنهُ صَحِيحا عَنهُ، أَي: عَن ابْن عَبَّاس، يَعْنِي: عدم التَّفْرِقَة بَين الصَّغِيرَة والكبيرة، فَإِنَّهُ قد فرق بَينهمَا فِي قَوْله: ﴿أَن تجتنبوا كَبَائِر﴾ (النِّسَاء: ١٣) . ﴿وَالَّذين يجتنبون كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إلَاّ اللمم﴾ (النَّجْم: ٢٣) . فَجعل من المنهيات كَبَائِر وصغائر، وَفرق بَينهمَا فِي الحكم لما جعل تَكْفِير السَّيِّئَات فِي الْآيَة، مَشْرُوطًا باجتناب الْكَبَائِر، وَاسْتثنى اللمم من الْكَبَائِر وَالْفَوَاحِش، فَكيف يخفي مثل هَذَا الْفرق على حَبر الْقُرْآن؟ فَالرِّوَايَة عَنهُ لَا تصح، أَو: هِيَ ضَعِيفَة، وَالْمَشْهُور انقسام الْمعاصِي إِلَى صغائر وكبائر، وَادّعى بَعضهم أَنَّهَا كلهَا كَبَائِر. وَفِيه: السحر، وَالْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع: الأول: إِن السحر لَهُ حَقِيقَة، وَذكر الْوَزير أَبُو المظفر يحيى بن مُحَمَّد بن هُبَيْرَة فِي كِتَابه (الْأَشْرَاف على مَذَاهِب الْأَشْرَاف) : أَجمعُوا على أَن السحر لَهُ حَقِيقَة إلَاّ أَبَا حنيفَة. فَإِنَّهُ قَالَ: لَا حَقِيقَة لَهُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَعِنْدنَا أَن السحر حق، وَله حَقِيقَة يخلق الله تَعَالَى عِنْده مَا شَاءَ، خلافًا للمعتزلة وَأبي إِسْحَاق الإسفرايني من الشَّافِعِيَّة، حَيْثُ قَالُوا: إِنَّه تمويه وتخيل. قَالَ: وَمن السحر

стр. 4081

مَا يكون بخفة الْيَد كالشعوذة، والشعوذي الْبَرِيد لخفة سيره، وَقَالَ ابْن فَارس: وَلَيْسَت هَذِه الْكَلِمَة من كَلَام أهل الْبَادِيَة. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَمِنْه مَا يكون كلَاما يحفظ، ورقى من أَسمَاء الله تَعَالَى، وَقد يكون من عهود الشَّيَاطِين، وَيكون أدوية وأدخنة وَغير ذَلِك. وَقَالَ الرَّازِيّ فِي (تَفْسِيره) عَن الْمُعْتَزلَة: إِنَّهُم أَنْكَرُوا وجود السحر. قَالَ: وَرُبمَا كفَّروا من اعْتقد وجوده. قَالَ: وَأما أهل السّنة فقد جوزوا أَن يقدر السَّاحر أَن يطير فِي الْهَوَاء، وَأَن يقلب الْإِنْسَان حمارا وَالْحمار إنْسَانا، إلَاّ أَنهم قَالُوا: إِن الله يخلق الْأَشْيَاء عِنْدَمَا يَقُول السَّاحر تِلْكَ الرقى والكلمات الْمعينَة، فَأَما أَن يكون الْمُؤثر فِي ذَلِك هُوَ الْفلك والنجوم، فَلَا خلافًا للفلاسفة والمنجمين والصابئة. ثمَّ اسْتدلَّ على وُقُوع السحر، وَأَنه بِخلق الله بقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا هم بضارين بِهِ من أحد إلَاّ بِإِذن الله﴾ (الْبَقَرَة: ٢٠١) . وَمن الْأَخْبَار أَن رَسُول الله، ﷺ سحر، وَأَن السحر عمل فِيهِ. النَّوْع الثَّانِي: هَل يجوز تعلم السحر أم لَا؟ فَقَالَ الرَّازِيّ: إِن الْعلم بِالسحرِ لَيْسَ بقبيح وَلَا مَحْظُور، اتّفق الْمُحَقِّقُونَ على ذَلِك، فَإِن الْعلم لذاته شرِيف، وَلِأَنَّهُ لَو لم يعلم مَا أمكن الْفرق بَينه وَبَين المعجزة، وَالْعلم بِكَوْن المعجز معجزاً وَاجِب، وَمَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْوَاجِب فَهُوَ وَاجِب، فَهَذَا يَقْتَضِي أَن يكون تَحْصِيل الْعلم بِالسحرِ وَاجِبا، كَيفَ: يكون حَرَامًا وقبيحاً، هَذَا لَفظه بِحُرُوفِهِ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، وَفِيه نظر من وُجُوه. الأول: قَوْله: الْعلم بِالسحرِ لَيْسَ بقبيح، إِن عَنى بِهِ لَيْسَ بقبيح عقلا فمخالفوه من الْمُعْتَزلَة يمْنَعُونَ ذَلِك، وَإِن عَنى لَيْسَ بقبيح شرعا فَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتبعُوا مَا تتلوا الشَّيَاطِين ... ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٠١) . الْآيَة تبشيع لتعلم السحر. وَفِي (الصَّحِيح) : (من أَتَى عرافاً أَو كَاهِنًا فقد كفر بِمَا أنزل على مُحَمَّد ﷺ . وَفِي السّنَن: (من عقد عقدَة وَنَفث فِيهَا فقد سحر) . الثَّانِي: قَوْله: وَلَا مَحْظُورًا، اتّفق الْمُحَقِّقُونَ على ذَلِك، وَكَيف لَا يكون مَحْظُورًا مَعَ مَا ذكرنَا من الْآيَة والْحَدِيث، والمحققون هم عُلَمَاء الشَّرِيعَة، وَأَيْنَ نصوصهم على ذَلِك؟ الثَّالِث: قَوْله: وَلِأَنَّهُ لَو لم يعلم ... إِلَى آخِره، كَلَام فَاسد، لِأَن أعظم معجزات رَسُولنَا ﷺ : الْقرَان الْعَظِيم، الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه: ﴿تَنْزِيل من حَكِيم حميد﴾ (فصلت: ٢٤) . الرَّابِع: قَوْله: وَالْعلم بِكَوْنِهِ معجزاً، وَهَذَا الْعلم لَا يتَوَقَّف على علم السحر أصلا، ثمَّ من الْمَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ أَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأئمة الْمُسلمين وعامتهم كَانُوا يعلمُونَ المعجز ويفرقون بَينه وَبَين غَيره، وَلم يَكُونُوا يعلمُونَ السحر وَلَا تعلموه وَلَا علموه، وَالَّذِي نَص عَلَيْهِ الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء أَن تعلم السحر وتعليمه من الْكَبَائِر. وَفِي (التَّلْوِيح) : وَقَالَ بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي: تعلمه لَيْسَ بِحرَام، بل يجوز ليعرف وَيرد على فَاعله ويميز عَن الْكَرَامَة للأولياء. قلت: الظَّاهِر أَن مُرَاده من بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي الرَّازِيّ، وَقد ردينا عَلَيْهِ، وَمِنْهُم الْغَزالِيّ. النَّوْع الثَّالِث: اخْتلفُوا فِيمَن يتَعَلَّم السحر ويستعمله. فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد: يكفر بذلك، وَعَن بعض الْحَنَفِيَّة: إِن تعلمه ليتقيه أَو ليجتنبه فَلَا يكفر، وَمن تعلمه مُعْتَقدًا جَوَازه أَو أَن يَنْفَعهُ، كفر وَكَذَا من اعْتقد أَن الشَّيَاطِين تفعل لَهُ مَا يَشَاء فَهُوَ كَافِر. وَقَالَ الشَّافِعِي: إِذا تعلم السحر، قُلْنَا لَهُ: صف لنا سحرك، فَإِن وصف مَا يُوجب الْكفْر مثل مَا اعتقده أهل بابل من التَّقَرُّب إِلَى الْكَوَاكِب السَّبْعَة، وَأَنَّهَا تفعل مَا يلْتَمس مِنْهَا، فَهُوَ كَافِر، وَإِن كَانَ لَا يُوجب الْكفْر فَإِن اعْتقد إِبَاحَته فَهُوَ كَافِر. النَّوْع الرَّابِع: فِي قتل السَّاحر. قَالَ ابْن هُبَيْرَة: هَل يقتل بِمُجَرَّد فعله واستعماله؟ فَقَالَ مَالك وَأحمد: نعم. وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة: لَا يقتل حَتَّى يتَكَرَّر مِنْهُ الْفِعْل أَو يقر بذلك فِي شخص معِين، فَإِذا قتل فَإِنَّهُ يقتل حدا عِنْدهم إلَاّ الشَّافِعِي، فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْحَالة هَذِه قصاصا، وَأما سَاحر أهل الْكتاب فَإِنَّهُ يقتل عِنْد أبي حنيفَة، كَمَا يقتل السَّاحر الْمُسلم. وَقَالَ الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد: لَا يقتل لقصة لبيد بن أعصم. وَاخْتلفُوا فِي الْمسلمَة الساحرة، فَعِنْدَ أبي حنيفَة: أَنَّهَا لَا تقتل، وَلَكِن تحبس. وَقَالَت الثَّلَاثَة: حكمهَا حكم الرجل. وَقَالَ أَبُو بكر الْخلال: أخبرنَا أَبُو بكر الْمروزِي، قَالَ: قرىء على أبي عبد الله يَعْنِي: أَحْمد بن حَنْبَل حَدثنَا عمر بن هَارُون حَدثنَا يُونُس عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: يقتل سَاحر الْمُسلمين. وَلَا يقتل سَاحر الْمُشْركين، لِأَن رَسُول الله، ﷺ سحرته امْرَأَة من الْيَهُود فَلم يَقْتُلهَا. وَحكى ابْن خويز منداد عَن مَالك رِوَايَتَيْنِ فِي الذِّمِّيّ إِذا سحر: أَحدهمَا: يُسْتَتَاب، فَإِن أسلم وإلاقتل، وَالثَّانيَِة: أَنه يقتل، وَإِن أسلم. النَّوْع الْخَامِس: هَل تقبل تَوْبَة السَّاحر؟ فَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة وَأحمد فِي الْمَشْهُور عَنْهُمَا: لَا تقبل. وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد

стр. 4082

فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: تقبل. وَعَن مَالك: إِذا ظهر عَلَيْهِ لم تقبل تَوْبَته، كالزنديق، فَإِن تَابَ قبل أَن يظْهر عَلَيْهِ وَجَاء تَائِبًا قبلناه، وَلم نَقْتُلهُ فَإِن قتل بسحره قتل. وَقَالَ الشَّافِعِي: فَإِن قَالَ: لم أتعمد الْقَتْل فَهُوَ مخطىء تجب عَلَيْهِ الدِّيَة. النَّوْع السَّادِس: هَل يسْأَل السَّاحر حل سحره؟ فَأَجَازَهُ سعيد بن الْمسيب فِيمَا نَقله عَنهُ البُخَارِيّ، وَقَالَ عَامر الشّعبِيّ: لَا بَأْس بالنشرة، وَكره ذَلِك الْحسن الْبَصْرِيّ. وَفِي (الصَّحِيح) عَن عَائِشَة، قَالَت: يَا رَسُول الله! هلا تنشرت؟ فَقَالَ: الله فقد شفاني وخشيت أَن أفتح على النَّاس شرا. وَحكى الْقُرْطُبِيّ عَن وهب، قَالَ: يُؤْخَذ سبع وَرَقَات من سدر فتدق بَين حجرين ثمَّ يضْرب بِالْمَاءِ، وَيقْرَأ عَلَيْهَا آيَة الْكُرْسِيّ، وَيشْرب مِنْهَا المسحور ثَلَاث حسوات، ثمَّ يغْتَسل بباقيه، فَإِنَّهُ يذهب مَا بِهِ، وَهُوَ جيد للرجل الَّذِي يُؤْخَذ عَن امْرَأَته. قلت: النشرة، بِضَم النُّون: ضرب من الرّقية، والعلاج يعالج بِهِ من كَانَ يظنّ أَن بِهِ مساس الْجِنّ، سميت نشرة لِأَنَّهُ ينشر بهَا عَنهُ مَا خامره من الدَّاء، أَي: يكْشف ويزال. وَفِيه: التولي يَوْم الزَّحْف، وَهُوَ حجَّة على الْحسن الْبَصْرِيّ فِي قَوْله: كَانَ الْفِرَار كَبِيرَة يَوْم بدر، لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره﴾ (الْأَنْفَال: ٦١) . وَفِيه: قذف الْمُحْصنَات، وَقد ورد الْإِحْصَان فِي الشَّرْع على خَمْسَة أَقسَام: الْإِسْلَام والعفة وَالتَّزْوِيج وَالْحريَّة وَالنِّكَاح. وَقَالَ أَصْحَابنَا: إِحْصَان الْمَقْذُوف بِكَوْنِهِ مُكَلّفا أَي عَاقِلا بَالغا حرا مُسلما عفيفاً عَن زنا، فَهَذِهِ خمس شَرَائِط يدْخل تَحت قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات﴾ (النُّور: ٤) . فَإِذا فُقد وَاحِد مِنْهَا لَا يكون مُحصنا. ٤٢ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿ويَسْألُونَكَ عنِ اليَتَامَى قُلْ إصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وإنْ تخالِطُوهُم فاخْوَانكُمْ وَالله يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ ولَوْ شاءَ الله لأعْنَتَكُمْ إنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الْبَقَرَة: ٠٢٢) .) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله تَعَالَى: ﴿ويسألونك﴾ (الْبَقَرَة: ٠٢٢) . وَقَالَ ابْن جرير: حَدثنَا سُفْيَان بن وَكِيع حَدثنَا جرير عَن عَطاء ابْن السَّائِب عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لما نزلت: ﴿لَا تقربُوا مَال الْيَتِيم إلَاّ بِالَّتِي هِيَ أحسن وَإِن الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى ظلما ... ﴾ (النِّسَاء: ٠١) . الْآيَة، انْطلق من كَانَ عِنْده يَتِيم يعْزل طعامة من طَعَامه وَشَرَابه من شرابه، فَجعل يفضل لَهُ الشَّيْء من طَعَامه فَيحْبس لَهُ حَتَّى يَأْكُلهُ أَو يفْسد، فَاشْتَدَّ ذَلِك عَلَيْهِم، فَذكرُوا ذَلِك لرَسُول الله ﷺ ، فَأنْزل الله: ﴿ويسألونك عَن الْيَتَامَى؟ قل: إصْلَاح لَهُم خير وَإِن تخالطوهم فإخوانكم﴾ (الْبَقَرَة: ٠٢٢) . فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم، وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) من طرق عَن عَطاء بن السَّائِب بِهِ، وَكَذَا رَوَاهُ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَكَذَا رَوَاهُ السّديّ عَن أبي مَالك وَعَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس وَعَن مرّة عَن ابْن مَسْعُود بِمثلِهِ، وَكَذَا رَوَاهُ غير وَاحِد فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة، كمجاهد وَعَطَاء وَالشعْبِيّ وَابْن أبي ليلى وَقَتَادَة وَغير وَاحِد من السّلف وَالْخلف. قَوْله: ﴿قل إصْلَاح لَهُم خير﴾ (الْبَقَرَة: ٠٢٢) . أَي: على حِدة: ﴿وَإِن تخالطوهم فإخوانكم﴾ (الْبَقَرَة: ٠٢٢) . أَي: وَإِن خلطتم طَعَامكُمْ بطعامهم وشرابكم بشرابهم فَلَا بَأْس عَلَيْكُم، لأَنهم إخْوَانكُمْ فِي الدّين، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَالله يعلم الْمُفْسد من المصلح﴾ (الْبَقَرَة: ٠٢٢) . أَي: يعلم من قَصده وَنِيَّته الْإِفْسَاد أَو الْإِصْلَاح. وَيُقَال: وَإِن تخالطوهم أَي: فِي الطَّعَام وَالشرَاب وَالسُّكْنَى واستخدام العبيد فإخوانكم. وَقَالُوا لرَسُول الله: بقيت الْغنم لَا راعي لَهَا، وَالطَّعَام لَيْسَ لَهُ صانع، فَنزلت، وَنسخ ذَلِك. قَوْله: ﴿وَلَو شَاءَ الله لأعنتكم﴾ (الْبَقَرَة: ٠٢٢) . أَي: لَو شَاءَ لضيق عَلَيْكُم وأحرجكم، وَلكنه وسع عَلَيْكُم وخفف عَنْكُم وأباح لكم مخالطتهم بِالَّتِي هِيَ أحسن، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : وعَلى هَذَا اجْتِمَاع الرّفْقَة فِي السّفر على خلط المَال، ثمَّ اتِّخَاذ الْأَطْعِمَة بِهِ، وَتَنَاول الْكل مِنْهَا مَعَ وهم التَّفَاوُت، فَرخص لَهُم اسْتِدْلَالا بِهَذِهِ الْآيَة. لأعْنَتَكُمْ لأحْرَجَكُمْ وضَيَّقَ علَيْكُمْ. وعَنَتْ خَضَعَتْ هَذَا تَفْسِير ابْن عَبَّاس أخرجه ابْن الْمُنْذر من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ، وَزَاد بعد قَوْله: ضيق عَلَيْكُم، وَلكنه وسع وَيسر. قَوْله: (لأعنتكم) من الإعنات، واشتقاقه من: الْعَنَت، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالنُّون وَفِي آخِره تَاء مثناة من فَوق والهمزة فِيهِ للتعدية أَي: لأوقعكم فِي الْعَنَت، وَهُوَ: الْمَشَقَّة، وَيَجِيء بِمَعْنى الْفساد والهلاك وَالْإِثْم والغلط وَالْخَطَأ وَالزِّنَا، كل ذَلِك قد جَاءَ، وَيسْتَعْمل كل وَاحِد بِحَسب مَا يَقْتَضِيهِ الْكَلَام. قَوْله: (وعنت: خضعت) ، لَيْسَ لَهُ دخل هُنَا، لِأَن التَّاء فِيهِ للتأنيث، ومذكره

стр. 4083

عَنَّا، إِذا خضع، وكل من ذل وخضع واستكان فقد عَنَّا يعنو، وَهُوَ عانٍ، وَالْمَرْأَة عانية، وَجَمعهَا: عوان، وَكَأَنَّهُ ظن أَن التَّاء فِي عنت أَصْلِيَّة، فَلذَلِك ذكره هُنَا عقيب. قَوْله: (لأعنتكم) ، وَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَن التَّاء فِي: لأعنتكم، أَصْلِيَّة، وَقيل: لَعَلَّه ذكره اسْتِطْرَادًا، وَلَا يَخْلُو عَن تعسف. ٧٦٧٢ - وَقَالَ لَنا سُلَيْمَانُ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أيُّوبَ عنْ نافِعٍ قَالَ مَا رَدَّ ابنُ عُمَرَ عَلِيِّ على أحَدٍ وصِيَّةً. سُلَيْمَان هُوَ ابْن حَرْب أَبُو أَيُّوب الواشجي قَاضِي مَكَّة، وَهُوَ من شُيُوخ البُخَارِيّ، قَالَ الْكرْمَانِي: وَإِنَّمَا قَالَ بِلَفْظ: قَالَ، لِأَنَّهُ لم يذكرهُ على سَبِيل النَّقْل والتحميل، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ مَوْصُول، وَجَرت عَادَته الْإِتْيَان بِهَذِهِ الصِّيغَة فِي الْمَوْقُوفَات غَالِبا، وَفِي المتابعات نَادرا، وَلم يصب من قَالَ: إِنَّه لَا يَأْتِي بهَا إلَاّ فِي المذاكرة، وَأبْعد من قَالَ: إِنَّهَا للإجازة. انْتهى. قلت: كَيفَ يَقُول: هُوَ مَوْصُول وَلَيْسَ فِيهِ لفظ من الْأَلْفَاظ الَّتِي تدل على الِاتِّصَال؟ نَحْو: التحديث والإخبار وَالسَّمَاع والعنعنة؟ وَالَّذِي قَالَه الْكرْمَانِي هُوَ الْأَظْهر. قَوْله: (مَا ردَّ ابْن عمر على أحد وَصِيَّة) يَعْنِي: أَنه كَانَ يقبل وَصِيَّة من يُوصي إِلَيْهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: كَأَنَّهُ كَانَ يَبْتَغِي الْأجر بذلك، لحَدِيث: (أَنا وكافل الْيَتِيم كهاتين) الحَدِيث. وكانَ ابنُ سِيرينَ أحَبَّ الأشْياءِ إلَيْهِ فِي مالِ الْيَتِيمِ أنْ يَجْتَمِعَ إلَيْهِ نُصَحَاؤُهُ وأوْلِيَاؤُهُ فَيَنْظُرُوا الَّذِي هُوَ خَيْرٌ لَهُ ابْن سِيرِين هُوَ مُحَمَّد. قَوْله: (أحب الْأَشْيَاء) ، بِالرَّفْع على أَنه مُبْتَدأ وَخَبره هُوَ قَوْله: (أَن يجْتَمع) ، و: كَانَ، بِمَعْنى: وجد، قَوْله: (أَن يجْتَمع إِلَيْهِ) ، ويروى أَن يخرج إِلَيْهِ. قَوْله: (نصحاؤه) ، بِضَم النُّون: جمع نصيح بِمَعْنى نَاصح. قَوْله: (فينظروا، ويروى: فَيَنْظُرُونَ، على الأَصْل. وكانَ طَاوُوسٌ إذَا سُئِلَ عنْ شَيْءٍ مِنْ أمْرِ اليَتَامَى قَرَأ ﴿وَالله يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ (الْبَقَرَة: ٠٢٢) . طَاوُوس بن كيسَان الْيَمَانِيّ، وَهَذَا وَصله سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي (تَفْسِيره) عَن هِشَام بن حُجَيْر، بحاء مُهْملَة ثمَّ جِيم مصغر، عَن طَاوُوس أَنه كَانَ، إِذا سُئِلَ عَن مَال الْيَتِيم يقْرَأ: ﴿ويسألونك عَن الْيَتَامَى قل إصْلَاح لم خير، وَالله يعلم الْمُفْسد من المصلح﴾ (الْبَقَرَة: ٠٢٢) . وَقَالَ عَطاءٌ فِي يَتَامَى الصَّغِيرُ والْكَبِيرُ يُنْفِقُ الوَلِيُّ علَى كُلِّ إنْسَانٍ بِقَدْرِهِ مِنْ حِصَّتِهِ عَطاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح، وَهَذَا وَصله ابْن أبي شيبَة من رِوَايَة عبد الْملك بن سُلَيْمَان، عَنهُ أَنه سُئِلَ عَن الرجل يَلِي أَمْوَال أَيْتَام وَفِيهِمْ الصَّغِير وَالْكَبِير، وَمَا لَهُم جَمِيع لم يقسم. قَالَ: ينْفق على كل إِنْسَان مِنْهُم من مَاله على قدره، وَهَذَا يُفَسر مَا ذكره من قَول عَطاء. قَوْله: (فِي يتامى) ، وَفِي بعض النّسخ: فِي الْيَتَامَى، قَوْله: (الصَّغِير وَالْكَبِير) أَي: الوضيع والشريف مِنْهُم. قَوْله: (بِقَدرِهِ) ، أَي: بِقدر الْإِنْسَان، أَي: اللَّائِق حَاله، ويروى: بِقدر حِصَّته. ٥٢ - (بابُ اسْتِخْدَامِ الْيَتِيمِ فِي السَّفَرِ والحَضَرِ إذَا كانَ صَلَاحاً لَهُ ونَظَرِ الأمِّ أوْ زَوْجِهَا لِلْيَتِيمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم اسْتِخْدَام الْيَتِيم. قَوْله: (إِذا كَانَ صلاحاً لَهُ) أَي: إِذا كَانَ خيرا ونفعاً للْيَتِيم فِي السّفر، قيل: هَذَا قيد للسَّفر، لِأَن السّفر مشقة وَقطعَة من الْعَذَاب، وَرُبمَا يتَضَرَّر الْيَتِيم فِيهِ، وَالظَّاهِر أَن هَذَا قيد للحضر وَالسّفر جَمِيعًا، لِأَن الْيَتِيم مَحل الرَّحْمَة، وَفِي خدمَة النَّاس مَا لَا يصلح للكبير فضلا عَن الْيَتِيم. قَوْله: (وَنظر الْأُم) بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: (اسْتِخْدَام الْيَتِيم) وَقَالَ ابْن التِّين: أَكثر أَصْحَاب مَالك على أَن الْأُم وَغَيرهَا لَهُم التَّصَرُّف فِي مصَالح من هم فِي كفالتهم، ويعقدون لَهُ وَعَلِيهِ وَإِن لم يَكُونُوا أوصياء، وَيكون حكمهم حكم الأوصياء، وَقيل: حَتَّى يكون بَينه وَبَين الطِّفْل قرَابَة، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: لَا يفعل ذَلِك إلَاّ إِن يكون وَصِيّا، وَوَافَقَهُمْ ابْن الْقَاسِم فِي اللَّقِيط. قَوْله: (أَو زَوجهَا) أَي: أَو نظر زوج الْأُم، يَعْنِي: لَهُ النّظر فِي ربيبه إِذا كَانَ عِنْده.

стр. 4084

٨٦٧٢ - حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ كَثيرٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ عَلِيَّةَ قَالَ حدَّثنا عبْدُ العَزِيزِ عنْ أنْسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَدِمَ رَسُول الله، ﷺ المَدِينَةَ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فأخذَ أبُو طَلْحَةَ بِيَدِي فانْطَلَقَ بِي إلَى رسولِ الله ﷺ فَقَالَ يَا رسولَ الله إنَّ أنَساً غُلَامٌ كَيِّسٌ فَلْيَخْدُمْكَ قَالَ فَخَدَمْتُهُ فِي السَّفَرِ والحَضَرِ مَا قَالَ لي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَ هذَا هكَذَا ولَا لِشَيْءٍ لَمْ أصْنَعْهُ لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا. مطابقته لجَمِيع أَجزَاء التَّرْجَمَة ظَاهِرَة. أما الْجُزْء الأول: وَهُوَ قَوْله: (فِي السّفر والحضر) فَفِي قَوْله: (فخدمته فِي السّفر والحضر) . وَأما الْجُزْء الثَّانِي: وَهُوَ قَوْله: وَنظر الْأُم. فَلَا شكّ أَن أَبَا طَلْحَة مَا ودى أنسا إِلَى النَّبِي، ﷺ إلَاّ بمشاورة أمه. وَأما الْجُزْء الثَّالِث: وَهُوَ قَوْله: أَو زَوجهَا، فَفِي قَوْله: (فَأخذ أَبُو طَلْحَة بيَدي) إِلَى آخِره، وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن كثير ضد الْقَلِيل الدَّوْرَقِي، مر فِي الْإِيمَان، وَابْن علية هُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، وَأمه علية مولاة لبني أَسد، وَقد تكَرر ذكره، وَعبد الْعَزِيز هُوَ ابْن صُهَيْب أَبُو حَمْزَة. وَقَالَ بَعضهم: والإسناد كُله بصريون. قلت: شهرة شَيْخه بالدورقي، وَهُوَ شيخ الْجَمَاعَة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الدِّيات عَن عَمْرو بن زُرَارَة. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي، ﷺ عَن أَحْمد بن حَنْبَل وَزُهَيْر بن حَرْب. قَوْله: (أَبُو طَلْحَة) ، هُوَ زوج أم سليم، وَالِدَة أنس، واسْمه: زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ. قَوْله: (غُلَام) ، قَالَ أنس: فخدمته وَأَنا ابْن عشرَة، وَتُوفِّي وَأَنا ابْن عشْرين، وَمَات أنس سنة ثَلَاث وَتِسْعين أَو اثْنَتَيْنِ، وَقد زَاد على الْمِائَة وَهُوَ آخر من مَاتَ بِالْبَصْرَةِ من الصَّحَابَة، وَكَانَ فِي كبره ضعف عَن الصَّوْم، وَكَانَ يفْطر وَيطْعم. قَوْله: (كيس) ، بِفَتْح الْكَاف وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمَكْسُورَة وَفِي آخِره سين مُهْملَة، وَهُوَ ضد الأحمق وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْكيس الْعَاقِل، وَقد كاس يكيس كيساً، والكَيْس: الْعقل. وَفِيه: السّفر باليتيم إِذا كَانَ ذَلِك من الصّلاح. وَفِيه: الثَّنَاء على الْمَرْء بِحَضْرَتِهِ إِذا أَمن عَلَيْهِ الْفِتْنَة. وَفِيه: جَوَاز اسْتِخْدَام الْحر الصَّغِير الَّذِي لَا يجوز أمره. وَفِيه: أَن خدمَة الإِمَام والعالم وَاجِبَة على الْمُسلمين. وَأَن ذَلِك شرف لمن خدمهم لما يُرْجَى من بركَة ذَلِك. ٦٢ - (بابٌ إذَا وقَفَ أرْضاً ولَمْ يُبَيِّنِ الحُدُودِ فَهْوَ جائِزٌ وكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا وقف شخص أَرضًا، وَالْحَال أَنه لم يبين حُدُود تِلْكَ الأَرْض فَهُوَ جَائِز، وَهَذَا غير مُطلق بل المُرَاد مِنْهُ أَن الأَرْض إِذا كَانَت مَشْهُورَة لَا يحْتَاج إِلَى ذكر حُدُودهَا، وإلَاّ فَلَا بُد من التَّحْدِيد لِئَلَّا يلتبس بحدود الْغَيْر فَيحصل الضَّرَر. قَوْله: (وَكَذَلِكَ الصَّدَقَة) ، أَي: وَكَذَلِكَ الْوَقْف بِلَفْظ الصَّدَقَة بِأَن جعل أرْضهَا صَدَقَة لله تَعَالَى، وتعظم كَمَا جعل أَبُو طَلْحَة حَائِطه صَدَقَة لله تَعَالَى، وَلم يذكر شَيْئا غير ذَلِك. ٩٦٧٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله ابنِ أبِي طَلْحَةَ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ كانَ أَبُو طَلْحَةَ أكْثَرَ أنْصَارِيٍّ بالمَدِينَةِ مَالا مِنْ نَخْلٍ وكانَ أحَبُّ مالِهِ إلَيْهُ بِيرُحَاءَ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ وكانَ النبيُّ ﷺ يَدْخُلُها ويَشْرَبُ مِنْ ماءٍ فِيهَا طيِّبٍ قَالَ أنَسٌ فَلَمَّا نَزَلَتْ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ قامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ يَا رسولَ الله أنَّ الله يَقُولُ لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وإنَّ أحَبَّ أمْوَالِي إلَيَّ بَيرُحَاءَ وإنَّها صَدَقَةٌ لله أرْجُو بِرَّهَا وذُخْرَها عِنْدَ الله فَضَعْها حَيْثُ أرَاكَ الله فقَال بَخْ ذَلِكَ مالٌ رابِحٌ أوْ رايِحٌ شَكَّ ابنُ مسْلَمَةَ وقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ وإنِّي أرَى أنْ تَجْعَلَها فِي الأقْرَبِينَ قَالَ أبُو طَلْحَةَ أفْعَلُ ذَلِكَ يَا رسولَ الله فقَسَمَها أبُو طَلْحَةَ فِي أقَارِبِهِ وَفِي بَنِي عَمِّهِ. .

стр. 4085

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: وَكَذَلِكَ الصَّدَقَة ظَاهِرَة، ومطابقته للجزء الأول من التَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن لفظ الْوَقْف وَلَفظ الصَّدَقَة فِي الْمَعْنى متقاربان، حكمهمَا وَاحِد. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب الزَّكَاة على الْأَقَارِب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (أَكثر أَنْصَارِي) ، رِوَايَة الْكشميهني، وَقَالَ الْكرْمَانِي: إِذا أُرِيد التَّفْضِيل أضيف إِلَى الْمُفْرد النكرَة، أَي: أَكثر كل وَاحِد وَاحِد من الْأَنْصَار، وَفِي رِوَايَة غَيره أَكثر الْأَنْصَار. قَوْله: (مَالا) ، نصب على التَّمْيِيز، وَكلمَة: من، فِي قَوْله: من نخل، للْبَيَان، وَتقدم الْكَلَام فِي تَفْسِير: بيرحاء، بِوُجُوه. قَوْله: (وَكَانَ النَّبِي ﷺ يدخلهَا) وَزَاد فِي رِوَايَة عبد الْعَزِيز: ويستظل فِيهَا. قَوْله: (شكّ ابْن مسلمة) ، هُوَ القعْنبِي شيخ البُخَارِيّ، وراوي الحَدِيث عَن مَالك، وَالشَّكّ فِيهِ بَين الْبَاء الْمُوَحدَة وَالْيَاء آخر الْحُرُوف. قَوْله: (أفعل) ، على صِيغَة الْمُتَكَلّم من الْمُضَارع، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى أبي طَلْحَة. قَوْله: (فِي أَقَاربه) ، وهم أبي بن كَعْب وَحسان بن ثَابت وَأَخُوهُ وَابْن أَخِيه شَدَّاد بن أَوْس ونبيط بن جَابر، فتقاوموه، فَبَاعَ حسان حِصَّته من مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان بِمِائَة ألف دِرْهَم، وَقد مر فِيمَا مضى. وَقَالَ إسْمَاعِيلُ وعَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ ويَحْيَى بنُ يَحْيَى عنْ مالِكٍ رايِحٌ هَؤُلَاءِ الروَاة عَن مَالك، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَعبد الله بن يُوسُف التينسي أَصله من دمشق، وَيحيى بن يحيى بن بكير أَبُو زَكَرِيَّاء التَّمِيمِي الْحَنْظَلِي، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي عمْرَة الْحُدَيْبِيَة يَعْنِي: روى هَؤُلَاءِ الحَدِيث الْمَذْكُور بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور عَن مَالك، بِلَفْظ: رَايِح، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف. ٠٧٧٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ أخبرَنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ قَالَ زَكَرِيَّاءُ بنُ إسْحَاقَ قَالَ حدَّثني عَمْرُو بنُ دِينارٍ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رَجلاً قَالَ لِرَسُولِ الله ﷺ إنَّ أُمَّهُ تُوُفِّيَتْ أيَنْفَعُهَا إنْ تَصَدَّقْتُ عنْها قَالَ نَعَمْ قَالَ فإنَّ لِي مِخْرَافاً وأُشْهِدُكَ أنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ عَنْها. (انْظُر الحَدِيث ٦٥٧٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحِيم أَبُو يحيى الَّذِي يُقَال لَهُ: صَاعِقَة، وَهُوَ من مَشَايِخ البُخَارِيّ. وأفراده، وروح بِفَتْح الرَّاء، وَعبادَة، بِضَم الْعين. والْحَدِيث قد مر فِي: بَاب إِذا قَالَ أرضي أَو بستاني صَدَقَة، وَفِي: بَاب الْإِشْهَاد فِي الْوَقْف. ٧٢ - (بابٌ إذَا أوْقَفَ جَماعَةٌ أرْضاً مُشاعاً فَهْوَ جائِزٌ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا وقف جمَاعَة أَرضًا مُشْتَركَة مشَاعا فَهُوَ جَائِز. قيل: احْتَرز بقوله: جمَاعَة، عَمَّا إِذا وقف وَاحِد مشَاعا فَإِن مَالِكًا لَا يُجِيزهُ لِئَلَّا يدْخل الضَّرَر على شَرِيكه، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أَرَادَ أَن وقف الْمشَاع جَائِز مُطلقًا، وَقد سبق بَيَان الْخلاف فِيهِ فِي: بَاب إِذا تصدق، أَو وقف، بعض مَاله فَهُوَ جَائِز. ١٧٧٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الوارِثِ عنْ أبي التَّيَّاحِ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ أمَرَ النبيُّ ﷺ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ فَقَالَ يَا بَنِي النَّجَّارِ ثامِنُونِي بِحَائِطِكُم هَذَا قَالُوا لَا وَالله لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلَاّ إِلَى الله.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن ظَاهره أَنهم تصدقوا بحائطهم لله ، فقبلها النَّبِي ﷺ مِنْهُم، وَهَذَا وقف الْمشَاع من جمَاعَة. فَإِن قلت: ذكر الْوَاقِدِيّ أَن أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ دفع ثمن الأَرْض لمَالِكهَا مِنْهُم، وَقدره عشرَة دَنَانِير، فَصَارَ ملكا لأبي بكر وَتصدق بِهِ أَبُو بكر، فَلَا يكون وقف مشَاع. قلت: قَالَ بَعضهم: فَإِن ثَبت ذَلِك كَانَت الْحجَّة للتَّرْجَمَة من جِهَة تَقْرِير النَّبِي، ﷺ على ذَلِك، وَلم يُنكر قَوْلهم ذَلِك، فَلَو كَانَ وقف الْمشَاع لَا يجوز لأنكر عَلَيْهِم، وَفِيه نظر لِأَن معنى قَوْله ﷺ (ثامنوني بحائطكم) ، قرِّروا ثمنه معي وبيعونيه بِالثّمن، فَهَذَا يكون بيعا عِنْد دفع الثّمن، وَقد دَفعه أَبُو بكر، فَصَارَ بَينه وَبينهمْ

стр. 4086

بيع الثّمن الَّذِي دَفعه إِلَيْهِم ثمَّ إِن الظَّاهِر أَن أَبَا بكر هُوَ الَّذِي تصدق بِهِ إِلَى الله تَعَالَى، وَلَيْسَ فِيهِ صُورَة وقف مشَاع، وَعبد الْوَارِث هُوَ ابْن سعيد وَأَبُو التياح، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره حاء مُهْملَة واسْمه يزِيد بن حميد الضبيعي، وَرِجَال الحَدِيث كلهم بصريون، وَقد مضى بِهَذَا الْإِسْنَاد مطولا فِي أَوَائِل كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب هَل تنبش قُبُور مُشْركي الْجَاهِلِيَّة؟ قَوْله: (لَا نطلب ثمنه إلَاّ إِلَى الله) أَي: لَا نطلب ثمنه من أحد، لكنه مَصْرُوف إِلَى الله، فالاستثناء مُنْقَطع أَو مَعْنَاهُ: لَا نطلب ثمنه مصروفاً، إلَاّ إِلَى الله، فالاستثناء مُتَّصِل. ٨٢ - (بابُ الوَقْفِ كَيْفَ يُكْتَبُ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْوَقْف كَيفَ يكْتب، فعلى هَذَا التَّقْدِير الْوَقْف مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ مَقْطُوع عَمَّا قبله، وَخَبره قَوْله: كَيفَ يكْتب، وَيجوز بِإِضَافَة لفظ الْبَاب إِلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ يكون لفظ الْوَقْف مجروراً بِالْإِضَافَة. ٢٧٧٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ عنُ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ أصابَ عُمَرَ بِخَيْبَرَ أرْضاً فَأتى النبِيُّ ﷺ فَقَالَ أصَبْتُ أرْضاً لَمْ أُصِبْ مَالا قَطُّ أنْفَسَ مِنْهُ فَكَيْفَ تأمُرُنِي بِهِ قَالَ إنْ شِئْتَ حبَّسْتَ أصْلَهَا وتَصَدَّقْتَ بِهَا فتَصَدَّقَ عُمَرُ أنَّهُ لَا يُباعُ أصْلُها ولَا يُوهَبُ ولَا يُورَثُ فِي الفُقَرَاءِ والْقُرْبَى والرِّقَابِ وفِي سَبِيلِ الله والضَّيْفِ وابنِ السَّبِيلِ لَا جُنَاحَ على منْ ولِيهَا أنْ يأكُلَ مِنْها بالمَعْرُوفِ أوْ يُطْعِمَ صَدِيقاً غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فيهِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إِن شِئْت حبست أَصْلهَا) إِلَى آخر الحَدِيث، وَيُؤْخَذ من هَذِه الْأَلْفَاظ شُرُوط، وَهِي تكْتب كلهَا فِي كتاب الْوَقْف، وَقد كتب عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كتاب وَقفه، كتبه معيقيب، وَكَانَ كَاتبه، وَشهد عبد الله بن الأرقم، وَكَانَ هَذَا فِي زمن خِلَافَته، لِأَن معيقيباً كَانَ يكْتب لَهُ فِي خِلَافَته، وَقد وَصفه بأمير الْمُؤمنِينَ، وَكَانَ وَقفه فِي أَيَّام النَّبِي ﷺ على مَا يشْهد لَهُ حَدِيث الْبَاب، وَقد روى أَبُو دَاوُد: حَدثنَا سُلَيْمَان بن دَاوُد الْمهرِي قَالَ: أخبرنَا ابْن وهب قَالَ: أَخْبرنِي اللَّيْث عَن يحيى بن سعيد عَن صَدَقَة عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: نسخهَا لي عبد الحميد بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب: (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) هَذَا مَا كتب عبد الله بن عمر فِي ثمغ، فَقص من خَبره نَحْو حَدِيث نَافِع قَالَ: غير متأثل مَالا، فَمَا عفى عَنهُ من ثمره فَهُوَ للسَّائِل والمحروم، وسَاق الْقِصَّة، قَالَ: فَإِن شَاءَ: ولي ثمغ اشْترِي من ثمره رَقِيقا يعمله، وَكتب معيقيب: وَشهد عبد الله بن الأرقم. وَابْن عون فِي السَّنَد هُوَ عبد الله ابْن عون، وَقد تقدم فِي آخر الشُّرُوط: عَن ابْن عون أنبأني نَافِع، والإنباء بِمَعْنى الْإِخْبَار عِنْد الْمُتَقَدِّمين، جزما، وَوَقع عِنْد الطَّحَاوِيّ من وَجه آخر: عَن ابْن عون أَخْبرنِي نَافِع. قَوْله: (عَن ابْن عمر قَالَ: أصَاب عمر) ، كَذَا لأكْثر الروَاة عَن نَافِع، ثمَّ عَن ابْن عون جَعَلُوهُ من مُسْند ابْن عمر. لَكِن أخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْريّ وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي إِسْحَاق الْفَزارِيّ، كِلَاهُمَا عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن عمر، جَعَلُوهُ من مُسْند عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَالْمَشْهُور الأول. والْحَدِيث مضى فِي: بَاب الشُّرُوط فِي الْوَقْف فِي آخر كتاب الشُّرُوط، وَمضى أَيْضا فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وابتلوا الْيَتَامَى﴾ (النِّسَاء: ٦) . وَمضى قِطْعَة مِنْهُ فِي: بَاب إِذا وقف شَيْئا فَلم يَدْفَعهُ إِلَى غَيره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: (أصَاب عمر بِخَيْبَر أَرضًا) هِيَ الَّتِي تدعى (ثمغ) ، وَقد مر بَيَانه. قَوْله: (وَتصدق بهَا عمر) أَي: تصدق بغلَّتها، وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ بعد قَوْله: وَلَا يُورث، من طَرِيق عبيد الله بن عمر عَن نَافِع: (حبيس مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض) ، وَهَذَا يدل على أَن التَّأْبِيد شَرط. قَوْله: (أَو يطعم) ، وَقد مر فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة: أَن يُوكل بِضَم الْيَاء. وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من طَرِيق مَالك عَن ابْن شهَاب، قَالَ: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (لَوْلَا أَنِّي ذكرت، صدقني لرَسُول الله، ﷺ ، لرددتها) . وَاسْتدلَّ بِهِ لأبي حنيفَة وَزفر فِي أَن إيقاف الأَرْض لَا يمْنَع من الرُّجُوع فِيهَا، وَأَن الَّذِي منع عمر من الرُّجُوع كَونه ذكره للنَّبِي، ﷺ ، فكره أَن يُفَارِقهُ على أَمر ثمَّ يُخَالِفهُ إِلَى غَيره. وَقَالَ بَعضهم: لَا حجَّة فِيمَا ذكره من وَجْهَيْن. أَحدهمَا: أَنه مُنْقَطع لِأَن ابْن شهَاب لم يدْرك عمر، رَضِي

стр. 4087

الله تَعَالَى عَنهُ. ثَانِيهمَا: أَنه يحْتَمل أَن يكون عمر كَانَ يرى بِصِحَّة الْوَقْف ولزومه، إلَاّ أَن شَرط الْوَاقِف الرُّجُوع فَلهُ أَن يرجع، انْتهى. قلت: الْجَواب عَن الأول: أَن الْمُنْقَطع فِي مثل رِوَايَة الزُّهْرِيّ لَا يضر، لِأَن الِانْقِطَاع إِنَّمَا يمْنَع لنُقْصَان فِي الرَّاوِي بِفَوَات شَرط من شَرَائِطه الْمَذْكُورَة فِي موضعهَا، وَالزهْرِيّ إِمَام جليل الْقدر لَا يتهم فِي رِوَايَته، وَقد روى عَنهُ مثل الإِمَام مَالك، فِي هَذِه، وَلَوْلَا اعْتِمَاده عَلَيْهِ لما رَوَاهُ عَنهُ. وَعَن الثَّانِي: بِأَن الِاحْتِمَال الناشيء عَن غير دَلِيل لَا يُعمل بِهِ، وَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ. ٩٢ - (بابُ الوَقْفِ لِلْغَنِيِّ والْفَقِيرِ والضَّيْفِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الْوَقْف للغني والغقير والضيف. ٣٧٧٢ - حدَّثنا أبُو عاصِمٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ عوْنٍ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ أنَّ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وجدَ مالَا بِخَيْبَرَ فأتَى النبيَّ ﷺ فأخْبَرَهُ قَالَ إنْ شِئْتَ تَصَدَّقْتَ بِهَا فتَصَدَّقَ بِهَا فِي الفُقَرَاءِ والمَسَاكِينِ وذِي الْقُرْبى والضَّيْفِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، فَفِي قَوْله: (للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين) صَرِيح، وَكَذَا فِي قَوْله: (والضيف) ، وَأما الْمُطَابقَة فِي الْغَنِيّ فتؤخذ من قَوْله: (وَذَوي الْقُرْبَى) لأَنهم أَعم من أَن يَكُونُوا أَغْنِيَاء أَو فُقَرَاء، أَو بَعضهم أَغْنِيَاء وَبَعْضهمْ فُقَرَاء، والْحَدِيث مضى عَن قريب. وَأَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد الْمَعْرُوف بالنبيل. ٠٣ - (بابُ وَقْفِ الأرْضِ لِلْمَسْجِدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز وقف الأَرْض لأجل أَن يبْنى عَلَيْهِ مَسْجِد. ٤٧٧٢ - حدَّثنا إسْحَاقُ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الصَّمدِ قَالَ سَمِعْتُ أبي قَالَ حدَّثنا أَبُو التَّيَّاحِ قَالَ حدَّثني أنَسُ بنُ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لَمَّا قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المَدِينَةَ أمَرَ بالمَسْجِدِ وَقَالَ يَا بَنِي النَّجَّارِ ثامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا قَالُوا لَا وَالله لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلَاّ إِلَى الله.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث قد مر عَن قريب. وَإِسْحَاق، هَكَذَا وَقع غير مَنْسُوب فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين إلَاّ فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ. وَقع مَنْسُوبا، فَقَالَ: حَدثنَا إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ الكلاباذي: إِسْحَاق إِمَّا الْحَنْظَلِي وَإِمَّا الكوسج. قلت: الْحَنْظَلِي هُوَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، والكوسج هُوَ: إِسْحَاق بن مَنْصُور بن بهْرَام الكوسج، وَعبد الصَّمد هُوَ ابْن عبد الْوَارِث، وَقد مر غير مرّة. قَوْله: (أَمر بِالْمَسْجِدِ) ، ويروى أَمر بِبِنَاء الْمَسْجِد قيل: هُوَ رِوَايَة الْكشميهني. ١٣ - (بابُ وَقْفِ الدَّوَابِّ والكرَاعِ والعُرُوضِ والصَّامِتِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وقف الدَّوَابّ إِلَى آخِره، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى جَوَاز وقف المنقولات، والكراع بِضَم الْكَاف وَتَخْفِيف الرَّاء اسْم للخيل، وَعطفه على الدَّوَابّ من عطف الْخَاص على الْعَام، وَالْعرُوض، بِضَم الْعين: جمع عرض، بِسُكُون الرَّاء وَهُوَ الْمَتَاع لَا نقد فِيهِ، والصامت ضد النَّاطِق، وَأُرِيد بِهِ النَّقْد من المَال. قَالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ جعَلَ ألْفَ دِينارٍ فِي سَبِيلَ الله ودفَعَهَا إِلَى غُلامٍ لَهُ تاجِرِ يَتْجُرُ بِها وجعَلَ رِبْحَهُ صَدَقَةً لِلْمَسَاكِينِ والأقْرَبِينَ هَلْ لِلرَّجُلِ أنْ يأكُلَ مِنْ رِبْحِ ذَلِكَ الألْفِ شَيْئاً وإنْ لَمْ يَكُنْ جعَلَ رِبْحَهَا صَدَقَةً فِي المَسَاكِينَ قالَ لَيْسَ لَهُ أنْ يأكُلَ مِنْها مُطَابقَة هَذَا فِي التَّرْجَمَة، لقَوْله: (والصامت) ، وَهَذَا التَّعْلِيق عَن الزُّهْرِيّ أخرجه ابْن وهب فِي (موطئِهِ)

стр. 4088

عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ. قَوْله: (ذَلِك الْألف) ، ويروى: (تِلْكَ الْألف) ، وَجه التَّأْنِيث ظَاهر، وَوجه التَّذْكِير بِاعْتِبَار اللَّفْظ. قَوْله: (وَإِن لم يكن) شَرط على سَبِيل الْمُبَالغَة أَي: هَل لَهُ أَن يَأْكُل، وَإِن لم يَجْعَل ربحها صَدَقَة! فَقَالَ الزُّهْرِيّ: لَيْسَ لَهُ وَإِن لم يَجْعَل، وَيُقَال: إِنَّمَا لَا يَأْكُل مِنْهَا إِذا كَانَ فِي غنى عَنْهَا، وَإِمَّا إِن احْتَاجَ، وافتقر فمباح لَهُ الْأكل مِنْهَا وَيكون كَأحد الْمَسَاكِين. وَقَالَ ابْن حبيب: وَهَذَا مَذْهَب مَالك وَجَمِيع أَصْحَابنَا يَقُولُونَ: إِنَّه ينْفق على ولد الرجل وَولد وَلَده من حَبسه إِذا احتاجوا، وَإِن لم يكن لَهُم فِي ذَلِك أَسمَاء فَإِذا استغنوا فَلَا حق لَهُم، وَاسْتحْسن مَالك أَن لَا يوعبوها، إِذا احتاجوا، وَأَن يكون سهم مِنْهَا جَارِيا على الْفُقَرَاء لِئَلَّا يدرس، قَالَه ربيعَة وَيحيى بن سعيد. ٥٧٧٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيى قَالَ حدَّثنا عُبَيْدُ الله قَالَ حدَّثني نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ عُمَرَ حَمَلَ علَى فرَسٍ لَهُ فِي سَبِيلِ الله أعْطَاهَا رسولَ الله ﷺ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا رجُلاً فأخْبَرَ عُمَرَ أنَّهُ قَدْ وقفَهَا يَبِيعُها فَسألَ رسولَ الله ﷺ أنْ يَبْتَاعَهَا فَقَالَ لَا تَبْتَعْهَا ولَا تَرْجِعَنَّ فِي صَدَقَتِكَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حمل على فرس لَهُ فِي سَبِيل الله) وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ، وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الْهِبَة فِي: بَاب لَا يحل لأحد أَن يرجع فِي هِبته. قَوْله: (فَأخْبر عمر) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أَن يبتاعها) ، أَي: يَشْتَرِيهَا. قَوْله: (وَلَا ترجعن) ، بنُون التَّأْكِيد الثَّقِيلَة. ٢٣ - (بابُ نَفَقَةِ الْقَيِّمِ لِلْوَقْفِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نَفَقَة الْقيم، أَي: الْعَامِل على الْوَقْف، وَيدخل فِيهِ الْأَجِير والناظر وَالْوَكِيل. ٦٧٧٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرَنا مالِكٌ عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله، ﷺ قَالَ لَا يَقْتَسِمْ ورَثَتِي دِيناراً مَا تَرَكْتُ بَعْدُ نَفَقَةِ نِسَائِي ومَؤُونَةِ عَامِلِي فَهْوَ صَدَقَةٌ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ومؤونة عَامِلِي) ، وَالْعَامِل هُوَ الْقيم، وَقَالَ ابْن بطال: أَرَادَ البُخَارِيّ بتبويبه أَن يبين أَن المُرَاد بقوله (مؤونة عَامِلِي) أَنه عَامل أرضه الَّتِي أفاءها الله عَلَيْهِ من بني النَّضِير، وفدك وسهمه من خَيْبَر، وَفِي (التَّلْوِيح) : وَفِي حَوَاشِي (السّنَن) قيل: أَرَادَ حافر قَبره، واستبعد لأَنهم لم يَكُونُوا يحفرون بِأُجْرَة، فَكيف لَهُ، ﷺ ؟ وَقيل: أَرَادَ الْخَلِيفَة بعده، قَالَ الْكرْمَانِي: عَامِلِي، أَي: خليفتي، وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفَرَائِض عَن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن القعْنبِي كلهم عَن مَالك. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَلَا تقتسم) ، قَالَ ابْن عبد الْبر: لَا تقتسم، بِرَفْع الْمِيم على الْخَبَر، أَي: لَيْسَ تقتسم. وَقَالَ الطَّبَرِيّ فِي (التَّهْذِيب) : لَا تقتسم ورثتي، بِمَعْنى النَّهْي، لِأَنَّهُ لم يتْرك دِينَارا وَلَا درهما، فَلَا يجوز النَّهْي عَمَّا لَا سَبِيل إِلَى فعله، وَمعنى الْخَبَر: لَيْسَ تقتسم ورثتي. وَقيل: يجوز بِإِسْكَان الْمِيم على النَّهْي. قلت: الضَّم أشهر، وَبِه يَسْتَقِيم الْمَعْنى حَتَّى لَا عَارض مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة وَغَيرهَا: أَنه لم يتْرك، ﷺ ، مَالا يُورث عَنهُ. فَإِن قلت: مَا وَجه النَّهْي؟ قلت: هُوَ أَنه لم يقطع بِأَنَّهُ لَا يخلف شَيْئا، بل كَانَ ذَلِك مُحْتملا، فنهاهم عَن قسْمَة مَا يخلف إِن اتّفق أَنه خلف. قَوْله: (ورثني) ، سماهم وَرَثَة بِاعْتِبَار أَنهم كَذَلِك بِالْقُوَّةِ، وَلَكِن مَنعهم من الْمِيرَاث الدَّلِيل الشَّرْعِيّ، وَهُوَ قَوْله: (وَلَا نورث مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة) قَوْله: (دِينَارا) ، وَفِي رِوَايَة يحيى بن يحيى الأندلسي (دَنَانِير) ، وَتَابعه ابْن كنَانَة، وَسَائِر الروَاة يَقُولُونَ: دِينَارا؟ قَالَ أَبُو عمر: هُوَ الصَّوَاب، لِأَن الْوَاحِد هُنَا أَعم عِنْد أهل اللُّغَة. قَوْله: (بعد نَفَقَة نسَائِي) ، قَالَ الْخطابِيّ: بَلغنِي عَن ابْن عُيَيْنَة أَنه كَانَ يَقُول: أَزوَاج سيدنَا رَسُول الله، ﷺ فِي معنى المعتدات لِأَنَّهُنَّ لَا يجوز لَهُنَّ أَن ينكحن أبدا، فجرت لَهُنَّ النَّفَقَة تركت حجرهن لَهُنَّ يسكنَّها.

стр. 4089

٧٧٧٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أيُّوبَ عنْ نافِعٍ عنْ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ عُمَرَ اشْتَرَطَ فِي وقْفِهِ أنْ يأكُلَ مَنْ ولِيهُ ويُوكِلَ صَدِيقَهُ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالا.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (اشْترط) إِلَى آخِره، والْحَدِيث مر عَن قريب بأتم مِنْهُ، وَقد اعْترض الْإِسْمَاعِيلِيّ عَلَيْهِ بِأَن الْمَحْفُوظ عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن نَافِع: أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَيْسَ فِيهِ: ابْن عمر، ثمَّ أوردهُ كَذَلِك من طَرِيق سُلَيْمَان بن حَرْب وَغير وَاحِد عَن حَمَّاد عَن أَيُّوب عَن نَافِع: وَرُوِيَ أَيْضا عَن أبي يعلى عَن أبي الرّبيع عَن حَمَّاد عَن أَيُّوب: أَن عمر، لم يذكر نَافِعًا، وَلَا ابْن عمر، ثمَّ قَالَ: وَصله يزِيد بن زُرَيْع وَابْن علية: حَدثنَا ابْن صاعد حَدثنَا الْحُسَيْن بن الْحسن الْمروزِي حَدثنَا ابْن زُرَيْع حَدثنَا أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: أصَاب عمر أَرضًا ... الحَدِيث وَقَول الْحميدِي: لم أَقف على طَرِيق قُتَيْبَة فِي (صَحِيح البُخَارِيّ) ذُهُول شَدِيد مِنْهُ، فَإِنَّهُ ثَابت فِي جَمِيع النّسخ، وَالله أعلم. ٣٣ - (بَاب إذَا وَقَفَ أرْضَاً أوْ بِئراً واشْتَرَطَ لِنَفْسهِ مِثْلَ دِلاءِ المُسْلِمِينَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا وقف شخص أَرضًا أَو بِئْرا، قَالَ الْكرْمَانِي: وَكلمَة: أَو، للإشعار بِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يصلح للتَّرْجَمَة، وَإِن كَانَ بِالْوَاو فَمَعْنَاه: إِذا وقف بِئْرا وَاشْترط، ومقصوده من هَذِه التَّرْجَمَة الْإِشَارَة إِلَى جَوَاز شَرط الْوَاقِف لنَفسِهِ مَنْفَعَة من وَقفه. وَقَالَ ابْن بطال: لَا خلاف بَين الْعلمَاء أَن من شَرط لنَفسِهِ ولورثته نَصِيبا فِي وَقفه أَن ذَلِك جَائِز، وَقد مضى هَذَا الْمَعْنى فِي: بَاب هَل ينْتَفع الْوَاقِف بوقفه؟ وأوْقَفَ أنَسٌ دَارا فَكانَ إذَا قَدِمَها نَزَلَهَا أنس هُوَ ابْن مَالك. قَوْله: (دَارا) ، أَي: بِالْمَدِينَةِ. قَوْله: (إِذا قدِمَها) أَي: الْمَدِينَة نزلها، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَيْهَقِيّ عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ: أخبرنَا أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن مَحْمُود الْمروزِي حَدثنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ الْحَافِظ حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى حَدثنَا الْأنْصَارِيّ حَدثنِي أبي عَن ثُمَامَة عَن أنس، أَنه وقف دَارا بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَ إِذا حج مر بِالْمَدِينَةِ فَنزل دَاره. وتَصَدَّقَ الزُّبَيْرُ بِدوْرِهِ وَقَالَ لِلْمَرّدُودَةِ مِنْ بَناتِهِ أنْ تَسْكُنَ غَيرَ مُضِرَّةٍ ولَا مُضَرٍّ بِهَا فإنْ اسْتَغْنَتْ بَزَوْجٍ فلَيْسَ لَهَا حَقٌّ الزبير هُوَ ابْن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (للمردودة) أَي: الْمُطلقَة من بَنَاته، وَوَقع فِي بعض النّسخ: (من نِسَائِهِ) ، قيل: صوَّبه بعض الْمُتَأَخِّرين فَوَهم، فَإِن الْوَاقِع خلَافهَا. قلت: من أَيْن علم أَن الْوَاقِع خلَافهَا؟ فَلم لَا يجوز أَن يكون الْوَاقِع خلاف الْبَنَات؟ وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الدَّارمِيّ فِي (مُسْنده) من طَرِيق هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه: أَن الزبير جعل دوره صَدَقَة على بنيه لَا تبَاع وَلَا توهب وللمردودة من بَنَاته، فَذكر نَحوه، وَوَصله الْبَيْهَقِيّ أَيْضا. قَوْله: (أَن تسكن) بِفَتْح الْهمزَة، وَالتَّقْدِير: لِأَن تسكن. قَوْله: (غير مضرَّة) ، بِضَم الْمِيم وَكسر الضَّاد: اسْم فَاعل للمؤنث من الضَّرَر. قَوْله: (وَلَا مُضر بهَا) ، بِضَم الْمِيم وَفتح الضَّاد على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول بالصلة. وجعَلَ ابنُ عُمَرَ نَصِيبَهُ مِنْ دَارِ عُمَرَ سُكْنَى لِذَوِي الحَاجَةِ مِنْ آلِ عَبْدِ الله أَي: جعل عبد الله بن عمر الَّذِي خصّه من دَار عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، سُكْنى لِذَوي الْحَاجة من آل عبد الله بن عمر، يَعْنِي: من كَانَ مُحْتَاجا إِلَى السُّكْنَى من أَهله يسكن فِيمَا خصّه من دَار عمر الَّتِي تصدق بهَا وَقَالَ: لَا تبَاع، وَلَا توهب، كَذَا ذكره ابْن سعد. ٨٧٧٢ - وَقَالَ عبْدَانُ أخْبَرَنِي عنْ شُعْبَةَ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ عُثْمَانَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ حَيْثُ حُوصِرَ أشْرَفَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ أنْشُدُكُم وَلَا أنْشُدُ إلَاّ أصْحَابَ النبيِّ صلى الله

стр. 4090

عَلَيْهِ وَسلم ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رسولَ الله، ﷺ قَالَ مَنْ حَفَرَ رُومَةَ فلَهُ الجَنَّةُ فَحَفَرْتَها ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ قَالَ منْ جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فلَهُ الجَنَّةُ فَجَهَّزْتُهُمْ قَالَ فَصَدَّقُوهُ بِما قالَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فحفرتها) أَي: حفرت رومة، قَالَ ابْن بطال: ذكر الْحفر وهم من بعض الروَاة، وَالْمَعْرُوف أَن عُثْمَان اشْتَرَاهَا لَا أَنه حفرهَا. قلت: حفرهَا أَو اشْتَرَاهَا، وَهِي صَدَقَة عَنهُ، فتطابق قَوْله: أَو بِئْرا، وَتَمام دلَالَته على التَّرْجَمَة من جِهَة تَمام الْقِصَّة، وَهُوَ أَنه قَالَ: دلوي فِيهَا كدلاء الْمُسلمين. قَوْله: (عَبْدَانِ) ، هُوَ عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة الْمروزِي، وعبدان لقبه، يروي عَن أَبِيه عُثْمَان بن جبلة بن أبي رواد، واسْمه: مَيْمُون، وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ عَمْرو بن عبد الله السبيعِي، وَأَبُو عبد الرَّحْمَن اسْمه: عبد الله بن حبيب السّلمِيّ الْكُوفِي الْقَارِي، لَهُ ولأبيه صُحْبَة. وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الدَّارَقُطْنِيّ والإسماعيلي وَغَيرهمَا من طَرِيق الْقَاسِم بن مُحَمَّد الْمروزِي عَن عَبْدَانِ بِتَمَامِهِ، وروى التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا عبد الله بن عبد الرَّحْمَن وعباس بن مُحَمَّد الدوري وَغير وَاحِد، الْمَعْنى وَاحِد، قَالُوا: حَدثنَا سعيد بن عَامر، قَالَ عبد الله: أخبرنَا سعيد بن عَامر عَن يحيى بن أبي الْحجَّاج الْمنْقري عَن أبي مَسْعُود الْجريرِي عَن ثُمَامَة بن حزن الْقشيرِي، قَالَ: شهِدت الدَّار حِين أشرف عَلَيْهِم عُثْمَان. فَقَالَ: ائْتُونِي بصاحبيكم اللَّذين ألَّباكم عليَّ، قَالَ: فجيء بهما كَأَنَّهُمَا جملان أَو كَأَنَّهُمَا حماران قَالَ: فَأَشْرَف عَلَيْهِم عُثْمَان، فَقَالَ: أنْشدكُمْ بِاللَّه وَالْإِسْلَام، هَل تعلمُونَ أَن رَسُول الله، ﷺ قدم الْمَدِينَة وَلَيْسَ بهَا مَاء يستعذب غير بِئْر رومة؟ فَقَالَ: (من يَشْتَرِي بِئْر رومة يَجْعَل دلوه مَعَ دلاء الْمُسلمين بِخَير لَهُ مِنْهَا فِي الْجنَّة، فاشتريتها من صلب مَالِي، فَأنْتم الْيَوْم تَمْنَعُونِي أَن أشْرب مِنْهَا حَتَّى أشْرب من مَاء الْبَحْر؟ فَقَالُوا: أللهم نعم، فَقَالَ: أنْشدكُمْ بِاللَّه وَالْإِسْلَام هَل تعلمُونَ أَن الْمَسْجِد ضَاقَ بأَهْله، فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : (من يَشْتَرِي بقْعَة آل فلَان فيزيدها فِي الْمَسْجِد بِخَير لَهُ مِنْهَا فِي الْجنَّة، فاشتريتها من صلب مَالِي، فَأنْتم الْيَوْم تَمْنَعُونِي أَن أُصَلِّي فِيهَا رَكْعَتَيْنِ؟) قَالُوا أللهم نعم، قَالَ: أنْشدكُمْ بِاللَّه وَالْإِسْلَام، هَل تعلمُونَ أَنِّي جهزت جَيش الْعسرَة من مَالِي؟ قَالُوا أللهم نعم: أنْشدكُمْ بِاللَّه وَالْإِسْلَام، هَل تعلمُونَ أَن رَسُول الله، ﷺ كَانَ على ثبير مَكَّة وَمَعَهُ أَبُو بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَأَنا، فَتحَرك الْجَبَل حَتَّى تساقطت حجارته بالحضيض، فركضه بِرجلِهِ، فَقَالَ: إسكن ثبير، فَإِنَّمَا عَلَيْك نَبِي وصديق وشهيدان؟ قَالُوا: أللهم نعم. قَالَ: الله أكبر شهدُوا وَرب الْكَعْبَة إِنِّي شَهِيد ثَلَاثَة) . هَذَا حَدِيث حسن، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا وَزَاد من رِوَايَة الْأَحْنَف عَن عُثْمَان، فَقَالَ: (لأجعلها سِقَايَة للْمُسلمين وأجرها لَك) ، وَعَن النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة الْأَحْنَف: (أَن عُثْمَان اشْتَرَاهَا بِعشْرين ألفا أَو بِخَمْسَة وَعشْرين ألفا، وَزَاد فِي جَيش الْعسرَة، فجهزتهم حَتَّى لم يفقدوا عقَالًا وَلَا خطاماً) . وللترمذي من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن حباب السّلمِيّ: أَنه جهزهم بثلاثمائة بعير، وَفِي رِوَايَة أَحْمد من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة: أَنه جَاءَ بِأَلف دِينَار فِي ثَوْبه، فصبها فِي حجر النَّبِي ﷺ حِين جهز جَيش الْعسرَة، فَقَالَ: (مَا على عُثْمَان مَا عمل بعد الْيَوْم) ، وروى الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق ثُمَامَة بن حزن عَن عُثْمَان، قَالَ: (هَل تعلمُونَ أَن رَسُول الله، ﷺ زَوجنِي إِحْدَى ابْنَتَيْهِ وَاحِدَة بعد أُخْرَى، رَضِي بِي وَرَضي عني؟ قَالُوا: أللهم نعم) . قَوْله: (حَيْثُ حوصر) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: حِين حوصر، وَذَلِكَ حِين حاصره المصريون الَّذين أَنْكَرُوا عَلَيْهِ تَوْلِيَة عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وقصته مَشْهُورَة. قَوْله: (أنْشدكُمْ) ، يُقَال نشدت فلَانا أنْشدهُ إِذا قلت لَهُ: نشدتك الله، أَي: سَأَلتك بِاللَّه، كَأَنَّك ذكرته إِيَّاه. قَوْله: (من حفر رومة) ، قد ذكرنَا عَن ابْن بطال أَنه قَالَ ذكر الْحفر وهم، وَالَّذِي يعلم فِي الْأَخْبَار والسِّير أَنه اشْتَرَاهَا، وَلَا يُوجد: أَن عُثْمَان حفرهَا، إلَاّ فِي حَدِيث شُعْبَة، وروى الْبَغَوِيّ فِي (مُعْجم الصَّحَابَة) من طَرِيق بشر بن بشير الْأَسْلَمِيّ عَن أَبِيه، قَالَ: لما قدم الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَة استنكروا المَاء، وَكَانَت لرجل من بني غفار عين يُقَال لَهَا: رومة، وَكَانَ يَبِيع مِنْهَا الْقرْبَة بِمد، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : (تبيعنيها بِعَين فِي الْجنَّة؟) فَقَالَ: يَا رَسُول الله! لَيْسَ لي وَلَا لِعِيَالِي غَيرهَا، فَبلغ ذَلِك عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فاشتراها بِخَمْسَة وَثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم، ثمَّ أَتَى النَّبِي ﷺ (فَقَالَ: أَتجْعَلُ لي مَا جعلته لَهُ؟) قَالَ: نعم. قَالَ: قد جَعلتهَا للْمُسلمين. انْتهى. وَإِذا كَانَت عينا فَلَا مَانع أَن يحْفر فِيهَا عُثْمَان بِئْرا، وَيحْتَمل أَن الْعين الْمَذْكُورَة كَانَت تجْرِي إِلَى بِئْر فوسعها عُثْمَان أَو طواها، فنسب حفرهَا إِلَيْهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: رومة، بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْوَاو: كَانَ ركية ليهودي يَبِيع الْمُسلمين ماءها، فاشتراها مِنْهُ عُثْمَان بِعشْرين ألف دِرْهَم، وَذكر الْكَلْبِيّ: أَنه كَانَ يَشْتَرِي مِنْهَا قربَة بدرهم قبل أَن يَشْتَرِيهَا عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (فصدقوه بِمَا قَالَ) أَي: بِالَّذِي قَالَ عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي رِوَايَة

стр. 4091

النَّسَائِيّ من طَرِيق الْأَحْنَف بن قيس: (أَن الَّذين صدقوه بذلك هم: عَليّ بن أبي طَالب وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَسعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَقَالَ عُمَرُ فِي وقفهِ لَا جُناحَ علَى مَنْ وَلِيَه أنْ يأكُلَ مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله فِي وَقفه، وَكَانَ وَقفه أَرضًا، وَقد مر عَن قريب فِي: بَاب الْوَقْف للغني وَالْفَقِير. وقدْ يَلِيهِ الوَاقِفُ وغَيْرَهُ فَهْوَ واسِعٌ لِكُلٍّ هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن قَوْله: (على من وليه) ، أَعم من أَن يكون الْوَاقِف أَو غَيره، وَقَالَ الدَّاودِيّ: اسْتِدْلَال البُخَارِيّ من قَول عمر قَوْله: (وَقد يَلِيهِ الْوَاقِف أَو غَيره) ، غلط، لِأَن عمر جعل الْولَايَة إِلَى غَيره، فَكيف يَلِيهِ الْوَاقِف؟ ٤٣ - (بابُ إذَا قَالَ الوَاقِفُ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلَاّ إِلَى الله فَهْوَ جائِزٌ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا قَالَ الْوَاقِف ... إِلَى آخِره. ٩٧٧٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا عبدُ الوَارِثِ عنْ أبِي التَّيَّاحِ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ النبيُّ ﷺ يَا بَنِي النَّجَّارِ ثامِنُونِي بِحائِطِكُمْ قالُوا لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلَاّ إِلَى الله.. التَّرْجَمَة من نفس الحَدِيث، وَقد مر هَذَا غير مرّة، غير أَنه ذكره بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه عَن قريب فِي: بَاب إِذا أوقف جمَاعَة أَرضًا مشَاعا، وَلَيْسَ فِيهِ زِيَادَة فَائِدَة غير تَغْيِير التَّرْجَمَة، قيل: فَائِدَته أَنه يُشِير بِهِ إِلَى أَن الْوَقْف يَصح بِأَيّ لفظ دلّ عَلَيْهِ، إِمَّا بِمُجَرَّدِهِ أَو بِقَرِينَة. ٥٣ - (بابُ قَوْلِ الله تعالَى ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنَكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمْ المَوْتُ حينَ الوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فأصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ المَوْتِ تِحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فيُقْسِمَانِ بِاللَّه إنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنَاً ولوْ كانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ الله إنَّا إذَاً لَمِنَ الآثِمِينَ فإنْ عُثِرَ علَى أنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إثْماً فآخَرَانِ يَقُومَانِ مقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ علَيْهِمُ الأوْلَيانِ فيُقْسِمانِ بِاللَّه لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إنَّا إذَاً لَمِنَ الظَّالِمِيٌّ ذَلِكَ أدْنَى أنْ يَأتُوا بالشَّهَادَةِ علَى وَجْهِهَا أوْ يَخَافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بعْدَ أيْمَانِهِمْ واتَّقُوا الله واسْمَعُوا وَالله لَا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ (الْمَائِدَة: ٦٠١، ٧٠١) .) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان سَبَب نزُول قَول الله : ﴿يَا أيُّهَا الَّذين آمنُوا﴾ إِلَى قَوْله: ﴿الْفَاسِقين﴾ (الْمَائِدَة: ٦٠١، ٧٠١) . وَإِنَّمَا قُلْنَا كَذَلِك لِأَن فِي حَدِيث الْبَاب صرح بقوله: وَفِيهِمْ نزلت هَذِه الْآيَة: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا شَهَادَة بَيْنكُم﴾ (الْمَائِدَة: ٦٠١ ٧٠١) . على مَا يَجِيء بَيَانه عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وسيقت هَذِه الْآيَات الثَّلَاث فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر سيق من أول ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ (الْمَائِدَة: ٦٠١ ٧٠١) . إِلَى قَوْله: ﴿وآخران من غَيْركُمْ﴾ (الْمَائِدَة: ٦٠١ ٧٠١) . ثمَّ قَالَ: إِلَى قَوْله: ﴿وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْفَاسِقين﴾ (الْمَائِدَة: ٦٠١ ٧٠١) . قَوْله: ﴿شَهَادَة بَيْنكُم﴾ (الْمَائِدَة: ٦٠١ ٧٠١) . كَلَام إضافي مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: ﴿اثْنَان﴾ (الْمَائِدَة: ٦٠١ ٧٠١) . تَقْدِيره: شَهَادَة بَيْنكُم شَهَادَة، اثْنَيْنِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أَو على أَن قَوْله: إثنان، فَاعل شَهَادَة بَيْنكُم على معنى: فِيمَا فرض عَلَيْكُم أَن يشْهد اثْنَان، وَقَرَأَ الشّعبِيّ: ﴿شَهَادَة بَيْنكُم﴾ وَقَرَأَ الْحسن: ﴿شَهَادَة﴾ ، بِالنّصب، والتنوين على: ليقمْ شَهَادَة، إثنان. قَوْله: ﴿ذَوا عدل مِنْكُم﴾ وصف الِاثْنَيْنِ بِأَن يَكُونَا عَدْلَيْنِ. قَوْله: ﴿إِذا حضر﴾ ظرف للشَّهَادَة. قَوْله: (حِين الْوَصِيَّة) ، بدل مِنْهُ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَفِي إِبْدَاله مِنْهُ دَلِيل على وجوب الْوَصِيَّة، وَأَنَّهَا من الْأُمُور اللَّازِمَة الَّتِي مَا يَنْبَغِي أَن

стр. 4092

يتهاون بهَا الْمُسلم وَيذْهل عَنْهَا، وَحُضُور الْمَوْت وَظُهُور أَمَارَات بُلُوغ الْأَجَل: مشارفته. قَوْله: (مِنْكُم) أَي: من أقاربكم قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ، وَفِي تَفْسِير ابْن كثير: ﴿مِنْكُم﴾ أَي: من الْمُسلمين، قَالَه الْجُمْهُور. وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة: عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: (ذَوا عدل) من الْمُسلمين رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم، قَالَ: وروى عَن عُبَيْدَة وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْحسن وَمُجاهد وَيحيى بن يعمر وَالسُّديّ وَقَتَادَة وَمُقَاتِل بن حَيَّان وَعبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم نَحْو ذَلِك، وَقَالَ ابْن جرير: وَقَالَ آخَرُونَ: عَنى بذلك (ذَوا عدل مِنْكُم) من وَحي الْمُوصي، وَذَلِكَ قَول: رُوِيَ عَن عِكْرِمَة وَعبيدَة وعدة غَيرهمَا. قَوْله: (أَو آخرَانِ من غَيْركُمْ) ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: من الْأَجَانِب. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أبي أخبرنَا سعيد بن عون حَدثنَا عبد الْوَاحِد بن زِيَاد حَدثنَا حبيب بن أبي عمْرَة عَن سعيد بن جُبَير، قَالَ: قَالَ ابْن عَبَّاس، فِي قَوْله: (أَو آخرَانِ من غَيْركُمْ) قَالَ: من غير الْمُسلمين يَعْنِي: أهل الْكتاب، ثمَّ قَالَ: وروى عَن عُبَيْدَة وَشُرَيْح وَسَعِيد بن الْمسيب وَمُحَمّد بن سِيرِين وَيحيى بن يعمر وَعِكْرِمَة وَمُجاهد وَسَعِيد بن جُبَير وَالشعْبِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَقَتَادَة وَأبي مجلز وَمُقَاتِل بن حَيَّان وَعبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم نَحْو ذَلِك. قَوْله: (إِن أَنْتُم ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض) قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: يَعْنِي: إِن وَقع الْمَوْت فِي السّفر وَلم يكن مَعكُمْ أحد من عشيرتكم فاستشهدوا أجنبين على الْوَصِيَّة، وَجعل الْأَقَارِب أولى لأَنهم أعلم بأحوال الْمَيِّت، وَبِمَا هُوَ أصلح، وهم لَهُ أنصح، وَفِي (تَفْسِير ابْن كثير) قَوْله: (إِن أَنْتُم ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض) أَي: سافرتم فأصابتكم مُصِيبَة الْمَوْت، وَهَذَانِ شَرْطَانِ لجَوَاز استشهاد الذميين عِنْد فقد الْمُؤمنِينَ أَن يكون ذَلِك فِي سفر، وَأَن يكون فِي وَصِيَّة، كَمَا صرح بذلك القَاضِي شُرَيْح. وَقَالَ ابْن جرير: حَدثنَا عَمْرو بن عَليّ حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة ووكيع قَالَ: حَدثنَا الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن شُرَيْح قَالَ: لَا تجوز شَهَادَة الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ إلَاّ فِي سفر، وَلَا تجوز فِي سفر إلَاّ فِي وَصِيَّة. وَقد روى مثله عَن الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل، ﵀، وَهَذَا من أَفْرَاده، وَخَالفهُ الثَّلَاثَة فَقَالُوا: لَا تجوز شَهَادَة أهل الذِّمَّة على الْمُسلمين. وَقَالَ ابْن جرير: حَدثنَا عَمْرو بن عَليّ حَدثنَا أَبُو دَاوُد حَدثنَا صَالح بن أبي الْأَخْضَر عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: مَضَت السّنة أَن لَا تجوز شَهَادَة كَافِر فِي حضر وَلَا فِي سفر إِنَّمَا هِيَ فِي الْمُسلمين، وَذكر الطَّحَاوِيّ حَدِيث أبي دَاوُد: أَن رجلا من الْمُسلمين توفّي بدقوقاً وَلم يجد أحدا من الْمُسلمين يشهده على وَصيته، فَأشْهد رجلَيْنِ من أهل الْكتاب نَصْرَانِيين، فَقدما الْكُوفَة على أبي مُوسَى، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: هَذَا أَمر لم يكن بعد الَّذِي كَانَ فِي عهد النَّبِي، ﷺ ، فَأَحْلفهُمَا بعد الْعَصْر: مَا خَانا وَلَا كذبا وَلَا بَدَلا، فَأمْضى شَهَادَتهمَا. قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَهَذَا يدل على أَن الْآيَة محكمَة عِنْد أبي مُوسَى وَابْن عَبَّاس، وَلَا أعلم لَهما مُخَالفا من الصَّحَابَة فِي ذَلِك، وعَلى ذَلِك أَكثر التَّابِعين، وَذكر النّحاس: أَن الْقَائِلين بِأَن الْآيَة الْكَرِيمَة مَنْسُوخَة وَأَنه لَا تجوز شَهَادَة كَافِر بِحَال، كَمَا لَا تجوز شَهَادَة فَاسق، زيد بن أسلم وَالشَّافِعِيّ وَمَالك والنعمان، غير أَنه أجَاز شَهَادَة الْكفَّار بَعضهم على بعض، وَأما الزُّهْرِيّ وَالْحسن فزعما أَن الْآيَة كلهَا فِي الْمُسلمين، وَذهب غَيرهمَا إِلَى أَن الشَّهَادَة هُنَا بِمَعْنى الْحُضُور، وَقَالَ آخَرُونَ: الشَّهَادَة بِمَعْنى الْيَمين، وَتَكَلَّمُوا فِي معنى استحلاف الشَّاهِدين هُنَا، فَمنهمْ من قَالَ: لِأَنَّهُمَا ادّعَيَا وَصِيَّة من الْمَوْت، وَهَذَا قَول يحيى بن يعمر، قَالَ النّحاس: وَهَذَا لَا يعرف فِي حكم الْإِسْلَام أَن يَدعِي رجل وَصِيَّة فَيحلف ويأخذها. وَمِنْهُم من قَالَ: يحلفان إِذا شَهدا أَن الْمَيِّت أوصى بِمَا لَا يجوز أَو بِمَالِه كُله، وَهَذَا أَيْضا لَا يعرف فِي الْأَحْكَام. وَمِنْهُم من قَالَ: يحلفان إِذا اتهما، ثمَّ ينْقل الْيَمين عَنْهُمَا إِذا اطلع على الْخِيَانَة، وَزعم ابْن زيد أَن ذَلِك كَانَ فِي أول الْإِسْلَام، كَانَ النَّاس يتوارثون بِالْوَصِيَّةِ، ثمَّ نسخت الْوَصِيَّة وفرضت الْفَرَائِض. وَقَالَ الْخطابِيّ: ذهبت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، إِلَى أَن هَذِه الْآيَة ثَابِتَة غير مَنْسُوخَة، وَرُوِيَ ذَلِك عَن الْحسن وَالنَّخَعِيّ، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ، قَالَ: وَكَانَ تيم وعدي وصيين لَا شَاهِدين، وَالشُّهُود لَا يحلفُونَ، وَإِنَّمَا عبر بِالشَّهَادَةِ عَن الْأَمَانَة الَّتِي تحملاها فِي قبُول الْوَصِيَّة. قَوْله: ﴿من بعد الصَّلَاة﴾ اخْتلف فِيهَا، فَقَالَ النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ وَابْن جُبَير وَقَتَادَة من بعد صَلَاة الْعَصْر، قَالَ النّحاس: ويروى عَن ابْن عَبَّاس: من بعد صَلَاة أهل دينهما، قَالَ: فَدَعَا النَّبِي ﷺ تميماً وعدياً بعد الْعَصْر فَاسْتَحْلَفَهُمَا عِنْد الْمِنْبَر، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: يَعْنِي: صَلَاة الْمُسلمين، وَالْمَقْصُود أَن يُقَام هَذَانِ الشَّاهِدَانِ بعد صَلَاة اجْتمع فِيهَا بحضرتهم ﴿فيقسمان بِاللَّه﴾ أَي: فيحلفان بِاللَّه ﴿إِن ارتبتم﴾ أَي: ظَهرت لكم رِيبَة مِنْهُمَا أَنَّهُمَا خَانا أَو غلَاّ، فيحلفان حِينَئِذٍ بِاللَّه: لَا نشتري بِهِ، أَي: بالقسم، ثمنا، أَي: لَا نعتاض عَنهُ بعوض قَلِيل من الدُّنْيَا الفانية الزائلة. قَوْله: ﴿وَلَو كَانَ ذَا قربى﴾ أَي: وَلَو كَانَ الْمَشْهُود عَلَيْهِ قَرِيبا إِلَيْنَا لَا نحابيه وَلَا نكتم شَهَادَة

стр. 4093

الله، أضافها إِلَى الله تَشْرِيفًا لَهَا وتعظيماً لأمرها. وَقَرَأَ بَعضهم: وَلَا نكتم بِشَهَادَة الله، مجروراً على الْقسم، رَوَاهَا ابْن جرير عَن الشّعبِيّ. قَوْله: ﴿إِنَّا إِذا لمن الآثمين﴾ أَي: إِن فعلنَا شَيْئا من ذَلِك من تَحْرِيف الشَّهَادَة أَو تبديلها أَو تغييرها أَو كتمها بِالْكُلِّيَّةِ قَوْله: ﴿فَإِن عثر﴾ أَي: فَإِن اطلع، وَظهر، واشتهر وَتحقّق من الشَّاهِدين الْوَصِيّين أَنَّهُمَا خَانا أَو غلَاّ شَيْئا من المَال الْمُوصى بِهِ إِلَيْهِمَا، أَو ظهر عَلَيْهِمَا بذلك ﴿فآخران يقومان مقامهما﴾ أَي: فشاهدان آخرَانِ من الَّذين اسْتحق عَلَيْهِم الْإِثْم، وَمَعْنَاهُ: من الَّذين جنى عَلَيْهِم، وهم أهل الْمَيِّت وعشيرته. قَوْله: (الأوليان) الأحقان بِالشَّهَادَةِ لقرابتهما ومعرفتهما وارتفاعهما على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: هما الأوليان، كَأَنَّهُ قيل: وَمن هما؟ فَقيل: هما الأوليان. وَقيل: هُوَ بدل من الضَّمِير فِي: يقومان، أَو من: آخرَانِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَيجوز أَن يرتفعا: باستحق، أَو: من الَّذين اسْتحق عَلَيْهِم انتداب الْأَوليين مِنْهُم للشَّهَادَة لاطلاعهم على حَقِيقَة المَال. وقرىء الْأَوَّلين، على أَنه وصف للَّذين اسْتحق عَلَيْهِم مجرورا ومنصوب على الْمَدْح، وَمعنى الأولية: التَّقَدُّم على الْأَجَانِب فِي الشَّهَادَة لكَوْنهم أَحَق بهَا، وقرىء: الْأَوليين، بالتثنية، وانتصابه على الْمَدْح، وَقَرَأَ الْحسن: الْأَوَّلَانِ، ويحتج بِهِ من يرى رد الْيَمين على الْمُدَّعِي، وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه لَا يرَوْنَ بذلك، فوجهه عِنْدهم: أَن الْوَرَثَة قد ادعوا على النصرانيين أَنَّهُمَا خَانا فَحَلفا، فَلَمَّا ظهر كذبهما ادّعَيَا الشِّرَاء فِيمَا كتما، فَأنْكر الْوَرَثَة، وَكَانَت الْيَمين على الْوَرَثَة لإنكارهم الشِّرَاء. قَوْله: ﴿وَمَا اعتدينا﴾ أَي: فينل قُلْنَا فيهمَا من الْخِيَانَة. ﴿إِنَّا إِذا لَمِنَ الظَّالمين﴾ أَي: إِن كُنَّا قد كذبنَا عَلَيْهِمَا، فَنحْن حِينَئِذٍ من الظَّالِمين. قَوْله: ﴿ذَلِك﴾ أَي: الَّذِي تقدم من بَيَان الحكم ﴿أدنى﴾ أَي: أقرب أَن يَأْتِي الشُّهَدَاء على نَحْو تِلْكَ الْحَادِثَة ﴿بِالشَّهَادَةِ على وَجههَا أَو يخَافُوا إِن ترد إِيمَان﴾ أَي: تكَرر إِيمَان بِشُهُود آخَرين بعد إِيمَانهم، فيفتضحوا بِظُهُور كذبهمْ، وَاتَّقوا الله أَن تحلفُوا كاذبين أَو تخونوا أَمَانَة، وسامعوا الموعظة. قَوْله: ﴿وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْفَاسِقين﴾ وَعِيد لَهُم بحرمان الْهِدَايَة. ٠٨٧٢ - وَقَالَ لي عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله حدَّثنا يَحْيَى بنُ آدَمَ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبِي زائِدَةَ عنْ مُحَمَّدِ بنِ أبي القَاسِمِ عنْ عبْدِ المَلِكِ بنِ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ خرَجَ رجُلٌ منْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمِ الدَّارِيِّ وعَدِيَّ بنِ بِدَّاءٍ فَماتَ السَّهْمِيُّ بِأرْضٍ لَيْسَ بِها مُسْلِمٌ فلَمَّا قدِمَا بِتَرِكَتِهِ فقَدُوا جَاما مِنْ فِضَّةٍ مُخوَّصاً مِنْ ذَهَبٍ فأحْلَفَهُمَا رسولُ الله ﷺ ثُمَّ وجِدَ الجَامُ بِمَكَّةَ فقالوُا ابْتَعْنَاهُ منْ تَمِيمٍ وعَدِيٍّ فَقامَ رَجلانِ مِنْ أوْلِيَائِهِ فَحَلَفَا لَشَهَادَتنا أحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وإنَّ الجَامَ لِصَاحِبِهِمْ قَالَ وفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةٌ بَيْنَكُمْ﴾ (الْمَائِدَة: ٦٠١) . مطابقته للآيات الْمَذْكُورَة ظَاهِرَة، لِأَنَّهُ يبين أَنَّهَا نزلت فِيمَن ذكرُوا فِيهِ. ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. الثَّانِي: يحيى بن آدم بن سُلَيْمَان المَخْزُومِي. الثَّالِث: يحيى بن زَكَرِيَّاء بن أبي زَائِدَة، واسْمه: مَيْمُون أَبُو سعيد الْهَمدَانِي القَاضِي. الرَّابِع: مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم الَّذِي يُقَال لَهُ الطَّوِيل، وَلَا يعرف اسْم أَبِيه. الْخَامِس: عبد الْملك بن سعيد بن جُبَير. السَّادِس: أَبوهُ سعيد بن جُبَير. السَّابِع: عبد الله بن عَبَّاس. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: القَوْل فِي أول الْإِسْنَاد وَفِي آخِره، أَنه ذكر الحَدِيث عَن ابْن الْمَدِينِيّ، كَذَا بِغَيْر سَماع، فَأَما أَن يكون أَخذه مذاكرة أَو عرضا، أَو يكون مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم لَيْسَ بمرضي عِنْده، وَكَأَنَّهُ أشبه لِأَن مُحَمَّد بن بَحر ذكر عَنهُ أَنه قَالَ ابْن أبي الْقَاسِم: لَا أعرفهُ كَمَا أشتهي، قيل لَهُ: فَرَوَاهُ غَيره؟ قَالَ: لَا، قَالَ: وَكَانَ ابْن الْمَدِينِيّ يستحسن هَذَا الحَدِيث، حَدِيث مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم؟ قَالَ: وَقد رَوَاهُ عَنهُ أَبُو أُسَامَة إلَاّ أَنه غير مَشْهُور. وَقيل: عَادَته أَنه إِذا كَانَ فِي إِسْنَاد الحَدِيث نظر أَو كَانَ مَوْقُوفا يعبر بقوله: قَالَ لي: وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي والبقية كوفيون. وَفِيه: مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم، وَقد أخرج لَهُ البُخَارِيّ هُنَا مَعَ أَنه توقف فِيهِ، وَوَثَّقَهُ يحيى وَأَبُو حَاتِم وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ وَلَا لشيخه عبد الْملك بن سعيد غير هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد فِي القضايا عَن الْحسن بن عَليّ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن سُفْيَان بن وَكِيع، كِلَاهُمَا عَن يحيى بن آدم بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث غَرِيب.

стр. 4094

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خرج رج من بني سهم) ، وَهُوَ: بزيل، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الزَّاي وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَآخره لَام، كَذَا ضَبطه ابْن مَاكُولَا، وَوَقع عِنْد التِّرْمِذِيّ والطبري: بديل، بدال مُهْملَة عوض الزَّاي، وَفِي رِوَايَة ابْن مَنْدَه من طَرِيق السّديّ عَن الْكَلْبِيّ: بديل بن أبي مَارِيَة، وَلَيْسَ هَذَا بديل بن وَرْقَاء، فَإِنَّهُ خزاعي، وَهَذَا سهمي، وَوهم من ضَبطه بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن جريج أَنه كَانَ مُسلما. قَوْله: (مَعَ تَمِيم الدَّارِيّ) ، وَهُوَ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور، ونسبته إِلَى الدَّار، وهُم بطن من لخم، وَيُقَال: الدَّارِيّ: للعطار، ولرب الْغنم، وَكَانَ نَصْرَانِيّا، وَكَانَت قَضيته قبل أَن يسلم، وَأسلم سنة تسع وَسكن الْمَدِينَة، وَبعد قَضِيَّة عُثْمَان انْتقل إِلَى الشَّام وَكَانَ يخْتم الْقُرْآن فِي رَكْعَة، وروى الشّعبِيّ عَن فَاطِمَة بنت قيس أَنَّهَا سَمِعت النَّبِي، ﷺ فِي خطْبَة خطبهَا، وَقد قَالَ: حَدثنِي تَمِيم، فَذكر خبر الْجَسَّاسَة فِي قصَّة الدَّجَّال. فَإِن قلت: إِذا كَانَت قَضِيَّة تَمِيم قبل إِسْلَامه يكون الحَدِيث من مُرْسل الصَّحَابِيّ، لَان ابْن عَبَّاس لم يحضر هَذِه الْقَضِيَّة. قلت: نعم، وَلَكِن جَاءَ فِي بعض الطّرق: قد رَوَاهُ عَن تَمِيم الدَّارِيّ. أخرجه التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا الْحسن بن أَحْمد بن أبي شُعَيْب الْحَرَّانِي، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلمَة الْحَرَّانِي، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن أبي النَّضر عَن باذان، مولى أم هانىء عَن ابْن عَبَّاس عَن تَمِيم الدَّارِيّ فِي هَذِه الْآيَة: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا شَهَادَة بَيْنكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت﴾ (الْمَائِدَة: ٦٠١) . قَالَ برىء النَّاس من هَذِه الْآيَة غَيْرِي وَغير عدي بن بداء، وَكَانَا نَصْرَانِيين يَخْتَلِفَانِ إِلَى الشَّام قبل الْإِسْلَام، فَأتيَا الشَّام فِي تجارتهما، وَقدم عَلَيْهِمَا مولى لبني سهم ... الحَدِيث، فَإِذا كَانَ كَذَلِك تكون الْقِصَّة قبل الْإِسْلَام، والتحاكم بعد إِسْلَام الْكل، فَيحْتَمل أَنه كَانَ بِمَكَّة سنة الْفَتْح. قَوْله: (وعدي) ، بِفَتْح الْعين وَكسر الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ وَتَشْديد الْيَاء: ابْن بداء، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الدَّال الْمُهْملَة مَعَ الْمَدّ، قَالَ الذَّهَبِيّ: عدي بن بداء، مَذْكُور فِي تَفْسِير: ﴿شَهَادَة بَيْنكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت﴾ (الْمَائِدَة: ٦٠١) . وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: وَالصَّحِيح أَن عديا نَصْرَانِيّ لم يبلغنَا إِسْلَامه، وَفِي كتاب الْقَضَاء للكرابيسي: سَمَّاهُ البداء بن عَاصِم. وَأخرجه عَن مُعلى بن مَنْصُور عَن يحيى بن أبي زَائِدَة، وَوَقع عِنْد الْوَاقِدِيّ: أَن عدي بن بداء كَانَ أَخا تَمِيم الدَّارِيّ، فَإِن ثَبت فَلَعَلَّهُ أَخُوهُ لأمه، أَو من الرضَاعَة. وَفِي تَفْسِير مقَاتل: خرج بديل بن أبي مَارِيَة، مولى الْعَاصِ بن وَائِل، مُسَافِرًا فِي الْبَحْر إِلَى النَّجَاشِيّ، فَمَاتَ بديل فِي السَّفِينَة، وَكَانَ كتب وَصيته وَجعلهَا فِي مَتَاعه، ثمَّ دَفعه إِلَى تَمِيم وَصَاحبه عدي، فأخذا مِنْهُ مَا أعجبهما، وَكَانَ فِيمَا أخذا إِنَاء مِن فضَّة فِيهِ ثَلَاثمِائَة مِثْقَال منقوش مموه بِالذَّهَب، فَلَمَّا ردا بَقِيَّة الْمَتَاع إِلَى ورثته ونظروا فِي الْوَصِيَّة فقدوا بعض مَتَاعه، فَكَلَّمُوا تميماً وعدياً، فَقَالَا: مَا لنا بِهِ علم، وَفِيه: فَقَامَ عَمْرو بن الْعَاصِ وَالْمطلب بن أبي ودَاعَة السهمياني فَحَلفا، فاعترف تَمِيم بالخيانة، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : (يَا تَمِيم أسلم يتَجَاوَز الله عَنْك مَا كَانَ فِي شركك) . فَأسلم وَحسن إِسْلَامه، وَمَات عدي بن بداء نَصْرَانِيّا. وَفِي (تَفْسِير الثَّعْلَبِيّ) : كَانَ بديل بن أبي مَارِيَة وَقيل: ابْن أبي مَرْيَم وَمولى عَمْرو ابْن الْعَاصِ، وَكَانَ بديل مُسلما وَمَات بِالشَّام. قَوْله: (جَاما) بِالْجِيم، قَالَ بَعضهم: قَوْله: (جَاما) بِالْجِيم، وَالتَّخْفِيف: إِنَاء. قلت: هَذَا تَفْسِير الْخَاص بِالْعَام، وَهَذَا لَا يجوز لِأَن الْإِنَاء أَعم من الْجَام، والجام هُوَ الكأس. قَوْله: (مخوصاً) ، بِضَم الْمِيم وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْوَاو الْمُشَدّدَة وَفِي آخِره صَاد مُهْملَة، قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: صيغت فِيهِ صَفَائِح مثل الخوص من الذَّهَب، مَعْنَاهُ: مَنْقُوشًا فِيهِ خطوط دقاق طوال كالخوص، وَهُوَ ورق النّخل، وَوَقع فِي بعض نسخ أبي دَاوُد: (مخوضًا) ، بالضاد الْمُعْجَمَة أَي: مموهاً، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن جريج عَن عِكْرِمَة: (إِنَاء من فضَّة منقوش بِذَهَب) . قَوْله: (فَقَامَ رجلَانِ من أوليائه) ، أَي: من أَوْلِيَاء السَّهْمِي الْمَذْكُور الَّذِي مَاتَ، وَالرجلَانِ: عَمْرو بن الْعَاصِ وَرجل آخر مِنْهُم، كَذَا فِي رِوَايَة الْكَلْبِيّ وسمى الآخر مقَاتل فِي تَفْسِيره بِأَنَّهُ: الْمطلب بن أبي ودَاعَة. قَوْله: (وَفِيهِمْ نزلت هَذِه الْآيَة) وَقَالَ ابْن زيد: نزلت هَذِه الْآيَة فِي رجل توفّي وَلَيْسَ عِنْده أحد من أهل الْإِسْلَام، وَذَلِكَ فِي أول الْإِسْلَام، وَالْأَرْض حَرْب وَالنَّاس كفار، وَكَانُوا يتوارثون بِالْوَصِيَّةِ، ثمَّ نسخت الْوَصِيَّة وفرضت الْفَرَائِض، وَعمل الْمُسلمُونَ بهَا، رَوَاهُ ابْن جرير. وَقَالَ ابْن التِّين: انتزع ابْن شُرَيْح من هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة الشَّاهِد وَالْيَمِين، قَالَ: قَوْله: ﴿فَإِن عُثرَ﴾ (الْمَائِدَة: ٦٠١) . لَا يَخْلُو من أَرْبَعَة أوجه، إماأن يقْرَأ، أَو يشْهد عَلَيْهِمَا شَاهِدَانِ أَو شَاهدا وَامْرَأَتَانِ، أَو شَاهد وَاحِد، قَالَ: وأجمعنا أَن الْإِقْرَار بعد الْإِنْكَار لَا يُوجب يَمِينا على الطَّالِب، وَكَذَلِكَ مَعَ الشَّاهِدين، وَالشَّاهِد

стр. 4095

والمرأتين، فَلم يبْق إلَاّ شَاهد وَاحِد، فَلذَلِك اسْتحق الطالبان بيمينهما مَعَ الشَّاهِد الْوَاحِد. انْتهى. ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْء من طرق الحَدِيث أَنه كَانَ هُنَاكَ شَاهد أصلا، بل فِي رِوَايَة الْكَلْبِيّ: (وسألهم الْبَيِّنَة فَلم يَجدوا، فَأَمرهمْ أَن يستحلفوا عديا بِمَا يعظم على أهل دينه) . وَالله أعلم. ٦٣ - (بابُ قَضاءِ الوَصِيِّ دَيْنَ المَيِّتِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنَ الوَرَثَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز قَضَاء الْوَصِيّ دين الْمَيِّت، وَفِي بعض النّسخ: دُيُون الْمَيِّت بِغَيْر حُضُور الْوَرَثَة، وَلَا خلاف بَين الْعلمَاء فِي جَوَاز ذَلِك. ١٨٧٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سابِقٍ أوِ الْفَضْلُ بنُ يَعْقُوبَ عنهُ قالَ حدَّثنا شَيْبانُ أبُو مُعاوِيَةَ عنْ فِرَاسٍ قَالَ قَالَ الشَّعْبِيُّ حدَّثني جابِرُ بنُ عبدِ الله الأنْصَارِي رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ أبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وتَرَكَ سِتَّ بَناتٍ وتَرَكَ علَيْهِ دَيْناً فلَمَّا حَضَرَ جَدَادُ النَّخْلِ أتَيْتُ رسولَ الله، ﷺ فَقُلْتُ يَا رسولَ الله قَدْ عَلِمْتُ أنَّ والِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وتَرَكَ عليْهِ دَيْناً كَثِيراً وإنِّي أُحِبُّ أنْ يَرَاكَ الغُرَماءُ قَالَ اذْهَبْ فَبَيْدِرْ كُلَّ ثَمْرٍ علَى ناحِيَتِهِ فَفَعَلْتُ ثُمَّ دَعَوْتُ فلَمَّا نَظَرُوا إلَيْهِ أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ فلَمَّا رَأى مَا يَصْنَعُونَ أطَافَ حَوْلَ أعْظَمِهَا بَيْدَرَاً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ ادْعُ أصْحَابَكَ فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حتَّى أدَّى الله أمانَةَ والِدِي وأنَا وَالله رَاضٍ أنْ يُؤدِّيَ الله أمانَةَ والِدِي ولَا أرْجِعَ إِلَى فَسَلِمَ وَالله البَيادِرُ كُلُّهَا أخوَاتِي بِتَمْرَةٍ حتَّى أنِّي أنْظُرُ إِلَى البيْدَرِ الَّذِي علَيْهِ رسولُ الله ﷺ كأنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ تَمْرَةً واحِدَةً.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن جَابر بن عبد الله أوفى دين وَالِده بِغَيْر حُضُور أخواته اللَّاتِي هن من الْوَرَثَة، وَمُحَمّد بن سَابق أَبُو جَعْفَر التَّمِيمِي مَوْلَاهُم الْبَغْدَادِيّ الْبَزَّاز، وَأَصله فَارسي، كَانَ بِالْكُوفَةِ، روى عَنهُ البُخَارِيّ هُنَا فَقَط بِلَا وَاسِطَة، مَاتَ سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وروى عَنهُ بِوَاسِطَة فِي الْجِهَاد وَفِي الْمَغَازِي وَالنِّكَاح والأشربة، وَمَعَ هَذَا تردد البُخَارِيّ هُنَا حَيْثُ قَالَ: مُحَمَّد بن سَابق أَو الْفضل بن يَعْقُوب الرخامي الْبَغْدَادِيّ، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي الْبيُوع والتوحيد والجزية وَعمرَة الْحُدَيْبِيَة، وَهُوَ من أَفْرَاده، وشيبان هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ أَبُو مُعَاوِيَة، سكن الْكُوفَة، أَصله بَصرِي، وفراس، بِكَسْر الْفَاء وَتَخْفِيف الرَّاء وبالسين الْمُهْملَة: ابْن يحيى الْهَمدَانِي أَبُو يحيى الْحَارِثِيّ الْكُوفِي الْمكتب، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر بن شراحبيل من شعب هَمدَان الْكُوفِي. والْحَدِيث مضى فِي مَوَاضِع فِي الاستقراض وَالصُّلْح وَالْهِبَة وَغَيرهَا، وَسَيَأْتِي أَيْضا، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ غير مرّة. قَوْله: (حضر جدَاد النّخل) بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا، وَهُوَ: صرام النّخل، وَهُوَ قطع ثَمَرَتهَا يُقَال: جد الثَّمَرَة يجدهَا جدا. قَوْله: (فبيدر) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر الدَّال الْمُهْملَة، أَمر من: بَيْدَرَ أَي: اجْعَل كل صنف فِي بيدر، أَي: جرين يَخُصُّهُ، والبيدر الْمَكَان الَّذِي يداس فِيهِ الطَّعَام وَهنا الْمَكَان الَّذِي يَجْعَل فِيهِ التَّمْر المجدود. قَوْله: (أغروا بِي) ، مُشْتَقّ من الإغراء، وَهُوَ فعل مَا لم يسم فَاعله، أَي: لهجوا، يُقَال: أغرى بِكَذَا، إِذا لهج بِهِ وأولع بِهِ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَفِي حَدِيث جَابر: (فَلَمَّا رَأَوْهُ أغروا بِي تِلْكَ السَّاعَة) . أَي: لجوا فِي مطالبتي، وألحوا. قَوْله: (وَلَا أرجع إِلَى أخواتي بتمرة؟) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (تَمْرَة) ، بِنَزْع الْخَافِض. قَالَ أبُو عَبْدِ الله أغْرُوا بِي يَعْنِي هِيجُوا بِي فأغْرَيْنا بَيْنَهُمْ العدَاوَةَ والبغْضَاءَ أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، فسر معنى (أغروا بِي) بقوله: يَعْنِي: هيجوا بِي، وَالْمعْنَى أَن الإغراء هُوَ التهييج، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي (الْمجَاز) فِي قَوْله: ﴿فأغرينا بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء﴾ (الْمَائِدَة: ٤١) . الإغراء: التهييج والإفساد. بسْمِ الله الرَّحْمانِ الرَّحِيمِ

стр. 4096

٦٥ - (كِتَابُ الجِهَادِ والسيَرِ) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الْجِهَاد، وَلم يَقع لفظ: كتاب، لأكْثر الروَاة، وَإِنَّمَا هُوَ فِي رِوَايَة ابْن شبويه والنسفي، وَلم تقع الْبَسْمَلَة إلَاّ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ مُقَدّمَة. وَالْجهَاد، بِكَسْر الْجِيم، أَصله فِي اللُّغَة الْجهد وَهُوَ الْمَشَقَّة، وَفِي الشَّرْع بذل الْجهد فِي قتال الْكفَّار لإعلاء كلمة الله تَعَالَى، وَالْجهَاد فِي الله بذل الْجهد فِي أَعمال النَّفس وتدليلها فِي سَبِيل الشَّرْع، وَالْحمل عَلَيْهَا مُخَالفَة النَّفس من الركون إِلَى الدعة وَاللَّذَّات وَاتِّبَاع الشَّهَوَات، وَهَذَا الْكتاب مَذْكُور هُنَا فِي جَمِيع النّسخ والشروح خلا ابْن بطال فَإِنَّهُ ذكره عقيب الْحَج وَالصَّوْم قبل الْبيُوع، وَلما وصل إِلَى هُنَا وصل بِكِتَاب الْأَحْكَام. ١ - (بابُ فَضْلِ الجِهَادِ والسِّيَرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْجِهَاد وَفِي بَيَان السّير، وَهُوَ بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف: جمع سيرة، وَهِي الطَّرِيقَة وَمِنْه: سيرة القمرين، أَي: طريقتهما، وَذكر السّير هُنَا لِأَنَّهُ يجمع سير النَّبِي، ﷺ وطرقه فِي مغازيه وسير أَصْحَابه وَمَا نقل عَنْهُم فِي ذَلِك. وقَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿إنَّ الله اشْتَرَي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ وأمْوَالَهُمْ بأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْداً علَيْهِ حَقَّاً فِي التَّوْرَاةِ والإنْجِيلِ والْقُرآنِ ومَنْ أوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ الله فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ (التَّوْبَة: ١١١) . إلَى قَوْلِهِ ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ (التَّوْبَة: ٢١١) . وَقَول الله، مجرور عطفا على فضل الْجِهَاد، وَهَاتَانِ آيتان من سُورَة بَرَاءَة أولاهما هُوَ قَوْله: ﴿إِن الله اشْترى﴾ إِلَى قَوْله: ﴿الْفَوْز الْعَظِيم﴾ (التَّوْبَة: ١١١) . وَالثَّانيَِة هُوَ قَوْله: ﴿التائبون العابدون﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَبشر الْمُؤمنِينَ﴾ (التَّوْبَة: ٢١١) . وَالْمَذْكُور هُنَا هَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَابْن شبويه وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة الْآيَتَانِ جَمِيعًا مذكورتان بتمامهما، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر الْمَذْكُور إِلَى قَوْله: ﴿وَعدا عَلَيْهِ حَقًا﴾ (التَّوْبَة: ١١١) . من الْآيَة الأولى ثمَّ قَالَ إِلَى قَوْله: ﴿والحافظون لحدود الله وَبشر الْمُؤمنِينَ﴾ (التَّوْبَة: ٢١) . قَوْله: ﴿إِن الله اشْترى. .﴾ (التَّوْبَة: ١١١) . إِلَى آخِره، قَالَ مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ وَغَيره: قَالَ عبد الله بن رَوَاحَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لرَسُول الله ﷺ ، يَعْنِي: لَيْلَة الْعقبَة: اشْترط لِرَبِّك وَلِنَفْسِك مَا شِئْت، فَقَالَ: اشْترط لرَبي أَن تُصَدِّقُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا، وَاشْترط لنَفْسي أَن تَمْنَعُونِي مِمَّا تمْنَعُونَ مِنْهُ أَنفسكُم وَأَمْوَالكُمْ. قَالُوا: فَمَا لنا إِذا فعلنَا ذَلِك؟ قَالَ: الْجنَّة. قَالُوا: ربح البيع، لَا نقِيل وَلَا نَسْتَقِيل، فَنزلت: ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ﴾ (التَّوْبَة: ١١١) . الْآيَة، وَالْمرَاد: أَن الله أَمرهم بِالْجِهَادِ بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم ليجازيهم بِالْجنَّةِ، فَعبر عَنهُ بِالشِّرَاءِ لما تضمن من عوض ومعوض، وَلما جوزوا بِالْجنَّةِ على ذَلِك عبر عَنهُ بِلَفْظ الشِّرَاء تجوزاً، وَالْبَاء فِي: بِأَن، للمقابلة وَالتَّقْدِير باستحقاقهم الْجنَّة. قَوْله: ﴿يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله﴾ (التَّوْبَة: ١١١) . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فِيهِ معنى الْأَمر. كَقَوْلِه: ﴿تجاهدون فِي سَبِيل الله بأموالكم وَأَنْفُسكُمْ﴾ (الصَّفّ: ١١) . قَوْله: ﴿فيقتلون وَيقْتلُونَ﴾ (التَّوْبَة: ١١١) . أَي: سَوَاء قَتَلُوا أوْ قُتِلوا أَو اجْتمع لَهُم هَذَا وَهَذَا، فقد وَجَبت لَهُم الْجنَّة. قَوْله: ﴿وَعدا عَلَيْهِ حَقًا﴾ (التَّوْبَة: ١١١) . وَعدا: مصدر مُؤَكد أخبر بِأَن هَذَا الْوَعْد الَّذِي وعده للمجاهدين فِي سَبِيل الله وعد ثَابت، وَقد أثْبته فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل كَمَا أثْبته فِي الْقُرْآن. قَوْله: ﴿وَمن أوفى بعهده من الله﴾ (التَّوْبَة: ٢١١) . أَي: لَا أحد أعظم وَفَاء بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ من الله، فَإِنَّهُ لَا يخلف الميعاد. قَوْله: ﴿فاستبشروا﴾ (التَّوْبَة: ١١١) . أَي: افرحوا بِهَذَا البيع، أَي: فليبشر من قَامَ بِمُقْتَضى هَذَا العقد، ووفى هَذَا الْعَهْد بالفوز الْعَظِيم وَالنَّعِيم الْمُقِيم. قَوْله: ﴿التائبون﴾ (التَّوْبَة: ٢١١) . رفع على الْمَدْح أَي: هم التائبون، وَهَذَا نعت للْمُؤْمِنين الْمَذْكُورين، يَعْنِي: التائبون من الذُّنُوب كلهَا، التاركون للفواحش، ﴿العابدون﴾ (التَّوْبَة: ٢١١) . أَي: القائمون بِعبَادة رَبهم، وَقيل: بطول الصَّلَاة، وَقيل: بِطَاعَة الله. قَوْله: ﴿الحامدون﴾ (التَّوْبَة: ٢١١) . أَي: على دين الْإِسْلَام. وَقيل: على السَّرَّاء وَالضَّرَّاء. قَوْله: ﴿السائحون﴾ (التَّوْبَة: ٢١١) . أَي: الصائمون، كَذَا قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ عَن عَاصِم عَن ذَر عَن عبد الله بن مَسْعُود، وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاك، وَقَالَ ابْن جرير: حَدثنَا أَحْمد بن إِسْحَاق حَدثنَا أَبُو أَحْمد حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن يزِيد عَن الْوَلِيد بن عبد الله عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، (قَالَت: سياحة هَذِه الْأمة الصّيام) . وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَسَعِيد بن جُبَير وَعَطَاء وَالضَّحَّاك وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَآخَرُونَ، (وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: السائحون الصائمون شهر رَمَضَان) .

стр. 4097

وَقَالَ أَبُو عَمْرو الْعَبْدي: السائحون الَّذين يديمون الصّيام من الْمُؤمنِينَ، وَقد ورد فِي حَدِيث مَرْفُوع نَحْو هَذَا، فَقَالَ ابْن جرير: حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الله بن بزيغ حَدثنَا حَكِيم بن حزَام حَدثنَا سُلَيْمَان عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : السائحون: هم الصائمون، وروى أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) من حَدِيث أبي أُمَامَة أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله! إئذن لي فِي السياحة. فَقَالَ النَّبِي، ﷺ : (سياحة أمتِي الْجِهَاد فِي سَبِيل الله) . وَعَن عِكْرِمَة أَنه قَالَ: (هم طلبة الْعلم) ، وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم: هم الْمُهَاجِرُونَ رَوَاهُمَا ابْن أبي حَاتِم، وَلَيْسَ المُرَاد من السياحة مَا قد يفهمهُ من تعبد بِمُجَرَّد السياحة فِي الأَرْض والتفرد فِي شَوَاهِق الْجبَال والكهوف والبراري، فَإِن هَذَا لَيْسَ بمشروع إلَاّ فِي أَيَّام الْفِتَن والزلازل فِي الدّين. قَوْله: ﴿الآمرون بِالْمَعْرُوفِ﴾ (التَّوْبَة: ٢١١) . وَهُوَ طَاعَة الله ﴿والناهون عَن الْمُنكر﴾ (التَّوْبَة: ٢١١) . وَهُوَ مَعْصِيّة الله، وَإِنَّمَا دخلت الْوَاو فِيهَا لِأَنَّهَا الصّفة الثَّامِنَة، وَالْعرب تعطف الْوَاو على السَّبْعَة، ذكره جمَاعَة من الْمُفَسّرين. وَقيل: إِن الْوَاو إِنَّمَا دخلت على الناهين لِأَن الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه تبعا وضمناً، لَا قصدا، فَلَو قَالَ الناهون بِغَيْر: وَاو، لأشبه أَن يُرِيد النَّهْي الَّذِي هُوَ تبع، فَلَمَّا ذكر الْوَاو بَين أَن المُرَاد: الآمرون قصدا والناهون عَن الْمُنكر قصدا، وَلذَلِك دخلت الْوَاو أَيْضا. فِي ﴿والحافظون لحدود الله﴾ (التَّوْبَة: ٢١١) . إِذْ لَو لم يذكر: الْوَاو، لأوهم أَن الْمَعْنى: يحفظون حُدُود الله من الْأَشْيَاء الَّتِي تقدم ذكرهَا، فَإِن فِي كل شَيْء حدا لله، ، فَقَالَ: والحافظون، ليَكُون إِخْبَارًا لحفظهم الْحُدُود فِي هَذِه الْأَشْيَاء وَغَيرهَا. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ الحُدُودُ الطَّاعَةُ هَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ، فِي قَوْله: ﴿تِلْكَ حُدُود الله﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١، ٩٢٢، ٠٣٢، النِّسَاء: ٣١٢، الطَّلَاق: ١) . يَعْنِي: طَاعَة الله، وَكَأَنَّهُ تَفْسِير باللازم، لِأَن من أطَاع الله وقف عِنْد امْتِثَال أمره وَاجْتنَاب نَهْيه. ٢٨٧٢ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ صَبَّاحٍ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سابِقٍ قَالَ حدَّثنا مالِكُ بنُ مِغوَلٍ قَالَ سَمِعْتُ الوَلِيدَ بنَ العَيْزَارِ ذَكَرَ عنْ أبِي عَمْرٍ والشَّيْبَانِيِّ قَالَ قَالَ عبدُ الله بنُ مَسْعُودٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ سألْتُ رسولَ الله ﷺ قُلْتُ يَا رسولَ الله أيُّ العَمَلِ أفْضَلُ قَالَ الصَّلاةُ عَلى مِيقاتِهَا قُلْتُ ثُمَّ أيُّ قَالَ ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ قُلْتُ ثُمَّ أَي قَالَ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله فسَكَتُّ عنْ رَسُولِ الله ﷺ ولَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (الْجِهَاد فِي سَبِيل الله) . والْحَدِيث مضى فِي أَوَائِل: مَوَاقِيت الصَّلَاة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن الْوَلِيد بن الْعيزَار. أَخْبرنِي، قَالَ: سَمِعت أَبَا عَمْرو الشَّيْبَانِيّ ... إِلَى آخِره، وَاسم أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ سعد بن إِيَاس وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ وَاخْتِلَاف الْأَحَادِيث فِي أفضل الْأَعْمَال لاخْتِلَاف السَّائِلين وَاخْتِلَاف مقاصدهم، أَو باخْتلَاف الْوَقْت أَو بِالنِّسْبَةِ إِلَى بعض الْأَشْيَاء. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: إِنَّمَا خص، ﷺ ، هَذِه الثَّلَاثَة بِالذكر لِأَنَّهَا عنوان على مَا سواهَا من الطَّاعَات، فَإِن من ضيع الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة حَتَّى خرج وَقتهَا من غير عذر مَعَ خفَّة مؤونتها وعظيم فَضلهَا فَهُوَ لما سواهَا أضيع، وَمن لم يبر وَالِديهِ مَعَ وفور حَقّهمَا عَلَيْهِ كَانَ لغَيْرِهِمَا أقل برا، وَمن ترك جِهَاد الْكفَّار مَعَ شدَّة عداوتهم للدّين كَانَ لجهاد غَيرهم من الْفُسَّاق أترك. ٣٨٧٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله قَالَ حدَّثنا يَحْيى بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا سفْيَانُ قَالَ حدَّثني مَنْصُورٌ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ طاوُوسٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ ولَكِنْ جِهَادٌ ونِيَّةٌ وإذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة) إِلَى آخِره، وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وَيحيى بن سعيد هُوَ الْقطَّان

стр. 4098

وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب لَا يحل الْقِتَال بِمَكَّة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بأتم مِنْهُ: عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير عَن مَنْصُور ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ولنتكلم أَيْضا بعض شَيْء. فَقَوله: (لَا هِجْرَة) ، يَعْنِي: من مَكَّة، وَأما الْهِجْرَة عَن الْمَوَاضِع الَّتِي لَا يَتَأَتَّى فِيهَا أَمر الدّين فَهِيَ وَاجِبَة اتِّفَاقًا، وَقَالَ الْخطابِيّ: كَانَت الْهِجْرَة على مَعْنيين: أَحدهمَا: أنَّهُم إِذا أَسْلمُوا وَأَقَامُوا بَين قَومهمْ أَو ذَوا، فَأمروا بِالْهِجْرَةِ إِلَى دَار الْإِسْلَام ليسلم لَهُم دينهم وَيَزُول الْأَذَى عَنْهُم، وَالْآخر: الْهِجْرَة من مَكَّة، لِأَن أهل الدّين بِالْمَدِينَةِ كَانُوا قَلِيلا ضعيفين، وَكَانَ الْوَاجِب على من أسلم أَن يهاجروا إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، لَكِن إِن حدث حَادث اسْتَعَانَ بهم فِي ذَلِك، فَلَمَّا فتحت مَكَّة اسْتغنى عَن ذَلِك، إِذْ كَانَ مُعظم الْخَوْف من أَهلهَا، فَأمر الْمُسلمُونَ أَن يقيموا فِي أوطانهم ويكونوا على نِيَّة الْجِهَاد، مستعدين، لِأَن ينفروا إِذا استنفروا. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: كلمة: لَكِن، تَقْتَضِي مُخَالفَة مَا بعْدهَا لما قبلهَا، أَي: أَن الْمُفَارقَة عَن الأوطان الْمُسَمَّاة بِالْهِجْرَةِ الْمُطلقَة انْقَطَعت، لَكِن الْمُفَارقَة بِسَبَب الْجِهَاد بَاقِيَة مدى الدَّهْر، وَكَذَا الْمُفَارقَة بِسَبَب نِيَّة خَالِصَة لله، . كَطَلَب الْعلم والفرار لدينِهِ. انْتهى. وَذكر غير وَاحِد من الْعلمَاء أَن أَنْوَاع الْهِجْرَة خَمْسَة أَقسَام: الأول: الْهِجْرَة إِلَى أَرض الْحَبَشَة. الثَّانِي: الْهِجْرَة من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة. الثَّالِث: هِجْرَة الْقَبَائِل إِلَى رَسُول الله، ﷺ . الرَّابِع: هِجْرَة من أسلم من أهل مَكَّة. الْخَامِس: هِجْرَة مَا نهى الله عَنهُ، وَبَقِي من الْهِجْرَة ثَلَاثَة أَنْوَاع أخر، وَهِي: الْهِجْرَة الثَّانِيَة إِلَى أَرض الْحَبَشَة، وهجرة من كَانَ مُقيما بِبِلَاد الْكفْر وَلَا يقدر على إِظْهَار الدّين، فَتجب عَلَيْهِ الْهِجْرَة، وَالْهجْرَة إِلَى الشَّام فِي آخر الزَّمَان عِنْد ظُهُور الْفِتَن، على مَا رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) من رِوَايَة شهر قَالَ: سَمِعت عبد الله بن عمر، سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، يَقُول: (لتكونن هِجْرَة بعد هِجْرَة إِلَى مهَاجر أبيكم إِبْرَاهِيم، ﵊ الحَدِيث. وَلما روى التِّرْمِذِيّ حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن أبي سعيد، وَعبد الله بن عَمْرو، وَعبد الله بن حبشِي. أما حَدِيث أبي سعيد فَأخْرجهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) من رِوَايَة أبي البخْترِي الطَّائِي عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن رَسُول الله، ﷺ أَنه قَالَ: لما نزلت هَذِه الْآيَة: ﴿إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح﴾ (الْفَتْح: ١) . قَرَأَهَا رَسُول الله، ﷺ حَتَّى خَتمهَا. (وَقَالَ: النَّاس حيّز، وَأَنا وأصحابي حيّز. وَقَالَ: لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح، وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة) . قلت: الحيز، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمَكْسُورَة، وَفِي آخِره زَاي، وَالْمعْنَى: النَّاس فِي نَاحيَة وَأَنا وأصحابي فِي نَاحيَة. وَأما حَدِيث عبد الله بن عَمْرو فَأخْرجهُ البُخَارِيّ على مَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ. وَأما حَدِيث عبد الله بن حبشِي فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة عبيد بن عُمَيْر عَن عبد الله بن حبشِي الْخَثْعَمِي: أَن النَّبِي، ﷺ سُئِلَ: أَي الْأَعْمَال أفضل؟ قَالَ: (طول الْقُنُوت) ، قيل: فَأَي صَدَقَة أفضل؟ قَالَ: (جهد الْمقل) قيل: فَأَي الْهِجْرَة أفضل؟) قَالَ: (من هجر مَا حرم الله عَلَيْهِ) الحَدِيث. قلت: وَفِي الْبَاب عَن جمَاعَة آخَرين، وهم: عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، وفضالة بن عبيد، وَزيد ابْن ثَابت، وَرَافِع بن خديج، ومجاشع بن مَسْعُود، وغزية بنت الْحَارِث وَقيل: الْحَارِث بن غزيَّة وَعبد الله بن وقدان السَّعْدِيّ، وجنادة بن أبي أُميَّة، وَعبد الله بن عمر، وَجَابِر بن عبد الله، وثوبان، وَمُحَمّد بن حبيب النصري، وفديك، وواثلة بن الْأَسْقَع، وَصَفوَان بن أُميَّة، ويعلى بن مرّة، وَعمر بن الْخطاب، وَأَبُو هُرَيْرَة، وَابْن مَسْعُود، وَأَبُو مَالك الْأَشْعَرِيّ، وَعَائِشَة، وَأَبُو فَاطِمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. أما حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فَأخْرجهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة مَالك بن يخَامر عَن ابْن السَّعْدِيّ: أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: (لَا تَنْقَطِع الْهِجْرَة مَا دَامَ الْعَدو يُقَاتل) ، فَقَالَ مُعَاوِيَة وَعبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف وَعبد الله بن عَمْرو: إِن النَّبِي، ﷺ قَالَ: (الْهِجْرَة خصلتان: إِحْدَاهمَا تهجر السَّيِّئَات، وَالْأُخْرَى تهَاجر إِلَى الله وَرَسُوله، وَلَا تَنْقَطِع الْهِجْرَة مَا تقبلت التَّوْبَة) ، وَرَوَاهُ الْبَزَّار مُقْتَصرا على حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَمُعَاوِيَة وَحده، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بِلَفْظ: (لَا تَنْقَطِع الْهِجْرَة حَتَّى تَنْقَطِع التَّوْبَة، وَلَا تَنْقَطِع التَّوْبَة حَتَّى تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا) . وَأما حَدِيث فضَالة بن عبيد فَأخْرجهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة عَمْرو بن مَالك عَن فضَالة بن عبيد عَن النَّبِي، ﷺ : (المُهَاجر من هجر الْخَطَايَا والذنُوب) . وَأما حَدِيث زيد بن ثَابت وَرَافِع بن خديج فَأخْرجهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) من رِوَايَة أبي البخْترِي عَن أبي سعيد عَن النَّبِي، ﷺ بِحَدِيث فِيهِ: (لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة) . فَقَالَ لَهُ مَرْوَان: كذبت،

стр. 4099

وَعِنْده رَافع بن خديج وَزيد بن ثَابت، وهما قاعدان مَعَه على السرير، فَقَالَ أَبُو سعيد: لَو شَاءَ هَذَانِ لحدثاك، فَرفع عَلَيْهِ مَرْوَان الدرة ليضربه، فَلَمَّا رَأيا ذَلِك قَالَا: صدق. وَأما حَدِيث مجاشع بن مَسْعُود فَأخْرجهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) من رِوَايَة يحيى بن إِسْحَاق عَن مجاشع بن مَسْعُود: أَنه أَتَى النَّبِي ﷺ بِابْن أَخ لَهُ ليبايعه على الْهِجْرَة، (فَقَالَ النَّبِي، ﷺ : لَا بل على الْإِسْلَام، فَإِنَّهُ لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح) . وَأما حَدِيث غزيَّة بن الْحَارِث فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة عبد الله ابْن رَافع عَن غزيَّة بن الْحَارِث أَنه سمع النَّبِي، ﷺ ، يَقُول: (لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح، إِنَّمَا هِيَ ثَلَاث: الْجِهَاد وَالنِّيَّة والحشر) . وَأما حَدِيث عبد الله بن وقدان السَّعْدِيّ فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة بشر بن عبيد الله عَن عبد الله بن وقدان السَّعْدِيّ، قَالَ: وفدت على رَسُول الله، ﷺ ، كلنا نطلب حَاجَة، وَكنت آخِرهم دُخُولا على رَسُول الله، ﷺ ، فَقلت: يَا رَسُول الله، إِنِّي تركت مَن خَلْفي وهم يَقُولُونَ: إِن الْهِجْرَة قد انْقَطَعت. قَالَ: (لن تَنْقَطِع الْهِجْرَة مَا قوتل الْكفَّار) . وَأما حَدِيث جُنَادَة بن أُميَّة فَأخْرجهُ أَحْمد من رِوَايَة أبي الخيران جُنَادَة بن أبي أُميَّة، حَدثهُ: أرجلاً من أَصْحَاب النَّبِي، ﷺ قَالَ: قَالَ بَعضهم: إِن الْهِجْرَة قد انْقَطَعت، فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِك قَالَ: فَانْطَلَقت إِلَى رَسُول الله، ﷺ فَقلت: يَا رَسُول الله ﴿إِن نَاسا يَقُولُونَ: إِن الْهِجْرَة قد انْقَطَعت﴾ فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : إِن الْهِجْرَة لَا تَنْقَطِع مَا كَانَ الْجِهَاد) . وَأما حَدِيث عبد الله بن عمر فَأخْرجهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) فِي رِوَايَة شهر، قَالَ: سَمِعت عبد الله بن عمر سَمِعت رَسُول الله، ﷺ يَقُول: (لتكونن هِجْرَة بعد هِجْرَة إِلَى مهَاجر أبيكم إِبْرَاهِيم، ﵊ . وَأما حَدِيث جَابر بن عبد الله فَأخْرجهُ فِي مُسْنده عَن حجاج عَن أبي الزبير عَن جَابر ﵁ عَن النَّبِي ﷺ بِلَفْظ المُهَاجر من هجر مَا نهى الله عَنهُ وَأما حَدِيث ثَوْبَان فَأخْرجهُ الْبَزَّار فِي (مُسْنده) من رِوَايَة أبي الْأَشْعَث الصَّنْعَانِيّ عَن ابْن عُثْمَان عَن ثَوْبَان، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : لَا تَنْقَطِع الْهِجْرَة مَا قوتل الْكفَّار، وَأما حَدِيث مُحَمَّد بن حبيب النصري فَأخْرجهُ الْبَزَّار أَيْضا من رِوَايَة أبي إِدْرِيس الْخَولَانِيّ عَن ابْن السَّعْدِيّ عَن مُحَمَّد بن حبيب النصري، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ ، فَذكره بِلَفْظ الَّذِي قبله. وَأما حَدِيث فديك فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن صَالح بن بشير بن فديك: أَن جده فديكاً أَتَى النَّبِي، ﷺ فَقَالَ لَهُ النَّبِي، ﷺ : (أقِم الصَّلَاة وَآت الزَّكَاة واهجر السوء واسكن من أَرض قَوْمك حَيْثُ شِئْت) وَهَذَا مُرْسل، فَإِن صَالح بن بشير لم يسْندهُ إِلَى جده، وَإِنَّمَا روى الْقِصَّة من عِنْده مُرْسلَة. وَأما حَدِيث وَاثِلَة بن الْأَسْقَع فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من رِوَايَة عَمْرو بن عبد الله الْحَضْرَمِيّ عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع، قَالَ: خرجت مُهَاجرا إِلَى رَسُول الله، ﷺ ... الحَدِيث، وَفِيه أَن النَّبِي، ﷺ قَالَ لَهُ: مَا حَاجَتك؟ قلت: الْإِسْلَام. فَقَالَ: هُوَ خير لَك. قَالَ: وتهاجر؟ قلت: نعم. قَالَ: هِجْرَة الْبَادِيَة أَو هِجْرَة الباتة؟ قلت: أَيهمَا أفضل؟ قَالَ: هِجْرَة الباتة، وهجرة الباتة أَن تثبت مَعَ النَّبِي، ﷺ ، وهجرة الْبَادِيَة أَن ترجع إِلَى باديتك ... الحَدِيث. وَأما حَدِيث صَفْوَان بن أُميَّة فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة عبد الله بن طَاوُوس عَن أَبِيه عَن صَفْوَان بن أُميَّة، قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله ﴿إِنَّهُم يَقُولُونَ: إِن الْجنَّة لَا يدخلهَا إلَاّ من هَاجر. قَالَ: (لَا هِجْرَة بعد فتح مَكَّة، لَكِن جِهَاد وَنِيَّة وَإِذا استنفرتم فانفروا) . وَأما حَدِيث يعلى بن أُميَّة فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن أُميَّة عَن يعلى بن أُميَّة. قَالَ: جِئْت رَسُول الله، ﷺ بِأبي أُميَّة، فَقلت: يَا رَسُول الله﴾ بَايع أبي على الْهِجْرَة. فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : (أُبَايِعهُ على الْجِهَاد، وَقد انْقَطَعت الْهِجْرَة) . وَأما حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأخْرجهُ الْأَئِمَّة السِّتَّة، وَهُوَ حَدِيث: الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ ... الحَدِيث. وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَأخْرجهُ وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد رِجَاله ثِقَات. وَأما حَدِيث أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من رِوَايَة عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ: أَن رَسُول الله، ﷺ قَالَ: إِن الله أَمرنِي أَن آمركُم بِخمْس كَلِمَات: عَلَيْكُم بِالْجِهَادِ والسمع وَالطَّاعَة وَالْهجْرَة ... الحَدِيث. وَأما حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فَأخْرجهُ مُسلم من رِوَايَة عَطاء عَنْهَا، قَالَت: سُئِلَ رَسُول الله، ﷺ عَن الْهِجْرَة. فَقَالَ: (لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح) . وَأما حَدِيث أبي فَاطِمَة، فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة كثير بن مرّة أَن أَبَا فَاطِمَة حَدثهُ

стр. 4100

أَنه قَالَ: يَا رَسُول الله! حَدثنِي بِعَمَل أستقيم عَلَيْهِ وأعمله) . قَالَ لَهُ رَسُول الله، ﷺ : (عَلَيْك بِالْهِجْرَةِ فَإِنَّهُ لَا مثل لَهَا) . ٤٨٧٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ قَالَ حدَّثنا حَبيبُ بنُ أبِي عُمْرَةَ عنْ عائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّهَا قالتْ يَا رسولَ الله ترَى الجِهَادَ أفْضَلَ العَمَلِ أفَلَا نُجَاهِدُ قَالَ لَكِنَّ أفْضلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (ترى الْجِهَاد أفضل الْعَمَل) من حَيْثُ أَنه، ﷺ ، لم يرد عَلَيْهَا أَفضَلِيَّة الْجِهَاد من حَيْثُ هُوَ جِهَاد، وَلكنه جعل الْحَج المبرور من أفضل الْجِهَاد، وَمَعَ هَذَا كَون الْحَج أفضل الْجِهَاد فِي حقهن (لقَوْله ﷺ : جهادكن الْحَج) ، وخَالِد هُوَ ابْن عبد الله الطَّحَّان، وحبِيب ضد الْعَدو ابْن أبي عمْرَة الْأَسدي القصاب. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب فضل الْحَج المبرور، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الرَّحْمَن بن الْمُبَارك عَن خَالِد ... إِلَى آخِره، وَالْحج المبرور الَّذِي لَا إِثْم فِيهِ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٥٨٧٢ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ قَالَ أخبرنَا عَفَّانُ قَالَ حدَّثنَا هَمَّامٌ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جُحَادَةَ قَالَ أخْبَرنِي أَبُو حَصين أنَّ ذَكْوَانَ قَالَ حدَّثَهُ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حدَّثَهُ قَالَ جاءَ رجُلٌ إِلَى رسولِ الله، ﷺ فَقَالَ دُلَّنِي عَلى عمَلٍ يَعْدِلُ الجِهَادَ قَالَ لَا أجِدُهُ قَالَ هَلْ تَسْتَطِيعُ إذَا خَرَجَ المُجَاهِدُ أنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فتَقُومَ ولَا تَفْتُرَ وتَصُومَ وَلَا تَفْطِرَ قَالَ ومَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ. قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ إنَّ فَرَسَ الْمُجَاهِدِ لَيَسْتَنُّ فِي طِوَلِهِ فَيُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتٍ. (الحَدِيث مر سَابِقًا) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَكَذَا وَقع مَنْسُوبا إِلَى أَبِيه فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَابْن عَسَاكِر، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين غير مَنْسُوب، وَقَالَ أَبُو عَليّ الجياني: لم أره مَنْسُوبا لأحد، وَهُوَ إِمَّا إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَإِمَّا إِسْحَاق ابْن مَنْصُور. الثَّانِي: عَفَّان، بتَشْديد الْفَاء: ابْن مُسلم الصفار الْأنْصَارِيّ. الثَّالِث: همام، بِالتَّشْدِيدِ: ابْن يحيى بن دِينَار العوذي الْأَزْدِيّ الشَّيْبَانِيّ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن جحادة، بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْحَاء الْمُهْملَة الأيامي، وَيُقَال: الْأَزْدِيّ. الْخَامِس: أَبُو حُصَيْن، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الصَّاد الْمُهْملَة: واسْمه عُثْمَان بن عَاصِم الْأَسدي. السَّادِس: ذكْوَان، بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة: أَبُو صَالح السمان الزيات. السَّابِع: أَبُو هُرَيْرَة. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه إِن كَانَ ابْن رَاهَوَيْه فَهُوَ مروزي، وَإِن كَانَ إِسْحَاق ابْن مَنْصُور فَهُوَ مروزي أَيْضا، وَأَن عَفَّان وَهَمَّام بصريان. وَأَن عُثْمَان وَمُحَمّد بن جحادة كوفيان، وَأَن ذكْوَان مدنِي. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجِهَاد أَيْضا عَن أبي قدامَة السَّرخسِيّ عَن عَفَّان. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يعدل الْجِهَاد) أَي: يُسَاوِيه ويماثله. قَوْله: (قَالَ: لَا أَجِدهُ) كَلَام النَّبِي، ﷺ ، أَي: قَالَ: لَا أجد عملا يعدل الْجِهَاد. قَوْله: (قَالَ: هَل تَسْتَطِيع) ، كَلَام مُسْتَأْنف من النَّبِي، ﷺ ، وَقَالَ مُسلم: حَدثنَا سعيد بن مَنْصُور حَدثنَا خَالِد بن عبد الله الوَاسِطِيّ عَن سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قيل للنَّبِي ﷺ : مَا يعدل الْجِهَاد فِي سَبِيل الله؟ قَالَ: لَا تستطيعوه، قَالَ: فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا، كل ذَلِك يَقُول: لَا تستطيعوه، قَالَ فِي الثَّالِثَة: (مثل الْمُجَاهِد فِي سَبِيل الله كَمثل الْقَائِل بآيَات الله لَا يفتر من صِيَام وَلَا صَلَاة حَتَّى يرجع الْمُجَاهِد فِي سَبِيل الله) . وَحذف النُّون فِي: لَا تستطيعونه، بِغَيْر جازم وَلَا ناصب لُغَة قَوْله: (فتقوم) ، بِالنّصب عطف على: أَن تدخل، قَوْله: (وَلَا تفتر، وتصوم وَلَا تفطر) ، كلهَا مَنْصُوبَة. قَوْله: (قَالَ: وَمن يَسْتَطِيع؟) كَلَام الرجل الْمَذْكُور. قَوْله: (ليستن) ، أَي: ليمرح بنشاط، وَأَصله من الاستنان، وَهُوَ الْعَدو. قَالَ الْجَوْهَرِي: الاستنان أَن يرفع رجلَيْهِ ويطرحهما مَعًا، وَيُقَال: أَن يلح فِي عدوه مُقبلا أَو مُدبرا، وَمن جملَة الْأَمْثَال: استنت الفصال حَتَّى القرعى،
следующие страницы →