Полный текст (7 603 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.
стр. 4096
٦٥ - (كِتَابُ الجِهَادِ والسيَرِ)
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الْجِهَاد، وَلم يَقع لفظ: كتاب، لأكْثر الروَاة، وَإِنَّمَا هُوَ فِي رِوَايَة ابْن شبويه والنسفي، وَلم تقع الْبَسْمَلَة إلَاّ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ مُقَدّمَة. وَالْجهَاد، بِكَسْر الْجِيم، أَصله فِي اللُّغَة الْجهد وَهُوَ الْمَشَقَّة، وَفِي الشَّرْع بذل الْجهد فِي قتال الْكفَّار لإعلاء كلمة الله تَعَالَى، وَالْجهَاد فِي الله بذل الْجهد فِي أَعمال النَّفس وتدليلها فِي سَبِيل الشَّرْع، وَالْحمل عَلَيْهَا مُخَالفَة النَّفس من الركون إِلَى الدعة وَاللَّذَّات وَاتِّبَاع الشَّهَوَات، وَهَذَا الْكتاب مَذْكُور هُنَا فِي جَمِيع النّسخ والشروح خلا ابْن بطال فَإِنَّهُ ذكره عقيب الْحَج وَالصَّوْم قبل الْبيُوع، وَلما وصل إِلَى هُنَا وصل بِكِتَاب الْأَحْكَام.
١ - (بابُ فَضْلِ الجِهَادِ والسِّيَرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْجِهَاد وَفِي بَيَان السّير، وَهُوَ بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف: جمع سيرة، وَهِي الطَّرِيقَة وَمِنْه: سيرة القمرين، أَي: طريقتهما، وَذكر السّير هُنَا لِأَنَّهُ يجمع سير النَّبِي، ﷺ وطرقه فِي مغازيه وسير أَصْحَابه وَمَا نقل عَنْهُم فِي ذَلِك.
وقَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿إنَّ الله اشْتَرَي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ وأمْوَالَهُمْ بأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْداً علَيْهِ حَقَّاً فِي التَّوْرَاةِ والإنْجِيلِ والْقُرآنِ ومَنْ أوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ الله فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ (التَّوْبَة: ١١١) . إلَى قَوْلِهِ ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ (التَّوْبَة: ٢١١) .
وَقَول الله، مجرور عطفا على فضل الْجِهَاد، وَهَاتَانِ آيتان من سُورَة بَرَاءَة أولاهما هُوَ قَوْله: ﴿إِن الله اشْترى﴾ إِلَى قَوْله: ﴿الْفَوْز الْعَظِيم﴾ (التَّوْبَة: ١١١) . وَالثَّانيَِة هُوَ قَوْله: ﴿التائبون العابدون﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَبشر الْمُؤمنِينَ﴾ (التَّوْبَة: ٢١١) . وَالْمَذْكُور هُنَا هَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَابْن شبويه وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة الْآيَتَانِ جَمِيعًا مذكورتان بتمامهما، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر الْمَذْكُور إِلَى قَوْله: ﴿وَعدا عَلَيْهِ حَقًا﴾ (التَّوْبَة: ١١١) . من الْآيَة الأولى ثمَّ قَالَ إِلَى قَوْله: ﴿والحافظون لحدود الله وَبشر الْمُؤمنِينَ﴾ (التَّوْبَة: ٢١) . قَوْله: ﴿إِن الله اشْترى. .﴾ (التَّوْبَة: ١١١) . إِلَى آخِره، قَالَ مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ وَغَيره: قَالَ عبد الله بن رَوَاحَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لرَسُول الله ﷺ ، يَعْنِي: لَيْلَة الْعقبَة: اشْترط لِرَبِّك وَلِنَفْسِك مَا شِئْت، فَقَالَ: اشْترط لرَبي أَن تُصَدِّقُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا، وَاشْترط لنَفْسي أَن تَمْنَعُونِي مِمَّا تمْنَعُونَ مِنْهُ أَنفسكُم وَأَمْوَالكُمْ. قَالُوا: فَمَا لنا إِذا فعلنَا ذَلِك؟ قَالَ: الْجنَّة. قَالُوا: ربح البيع، لَا نقِيل وَلَا نَسْتَقِيل، فَنزلت: ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ﴾ (التَّوْبَة: ١١١) . الْآيَة، وَالْمرَاد: أَن الله أَمرهم بِالْجِهَادِ بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم ليجازيهم بِالْجنَّةِ، فَعبر عَنهُ بِالشِّرَاءِ لما تضمن من عوض ومعوض، وَلما جوزوا بِالْجنَّةِ على ذَلِك عبر عَنهُ بِلَفْظ الشِّرَاء تجوزاً، وَالْبَاء فِي: بِأَن، للمقابلة وَالتَّقْدِير باستحقاقهم الْجنَّة. قَوْله: ﴿يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله﴾ (التَّوْبَة: ١١١) . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فِيهِ معنى الْأَمر. كَقَوْلِه: ﴿تجاهدون فِي سَبِيل الله بأموالكم وَأَنْفُسكُمْ﴾ (الصَّفّ: ١١) . قَوْله: ﴿فيقتلون وَيقْتلُونَ﴾ (التَّوْبَة: ١١١) . أَي: سَوَاء قَتَلُوا أوْ قُتِلوا أَو اجْتمع لَهُم هَذَا وَهَذَا، فقد وَجَبت لَهُم الْجنَّة. قَوْله: ﴿وَعدا عَلَيْهِ حَقًا﴾ (التَّوْبَة: ١١١) . وَعدا: مصدر مُؤَكد أخبر بِأَن هَذَا الْوَعْد الَّذِي وعده للمجاهدين فِي سَبِيل الله وعد ثَابت، وَقد أثْبته فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل كَمَا أثْبته فِي الْقُرْآن. قَوْله: ﴿وَمن أوفى بعهده من الله﴾ (التَّوْبَة: ٢١١) . أَي: لَا أحد أعظم وَفَاء بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ من الله، فَإِنَّهُ لَا يخلف الميعاد. قَوْله: ﴿فاستبشروا﴾ (التَّوْبَة: ١١١) . أَي: افرحوا بِهَذَا البيع، أَي: فليبشر من قَامَ بِمُقْتَضى هَذَا العقد، ووفى هَذَا الْعَهْد بالفوز الْعَظِيم وَالنَّعِيم الْمُقِيم. قَوْله: ﴿التائبون﴾ (التَّوْبَة: ٢١١) . رفع على الْمَدْح أَي: هم التائبون، وَهَذَا نعت للْمُؤْمِنين الْمَذْكُورين، يَعْنِي: التائبون من الذُّنُوب كلهَا، التاركون للفواحش، ﴿العابدون﴾ (التَّوْبَة: ٢١١) . أَي: القائمون بِعبَادة رَبهم، وَقيل: بطول الصَّلَاة، وَقيل: بِطَاعَة الله. قَوْله: ﴿الحامدون﴾ (التَّوْبَة: ٢١١) . أَي: على دين الْإِسْلَام. وَقيل: على السَّرَّاء وَالضَّرَّاء. قَوْله: ﴿السائحون﴾ (التَّوْبَة: ٢١١) . أَي: الصائمون، كَذَا قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ عَن عَاصِم عَن ذَر عَن عبد الله بن مَسْعُود، وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاك، وَقَالَ ابْن جرير: حَدثنَا أَحْمد بن إِسْحَاق حَدثنَا أَبُو أَحْمد حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن يزِيد عَن الْوَلِيد بن عبد الله عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، (قَالَت: سياحة هَذِه الْأمة الصّيام) . وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَسَعِيد بن جُبَير وَعَطَاء وَالضَّحَّاك وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَآخَرُونَ، (وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: السائحون الصائمون شهر رَمَضَان) .
стр. 4097
وَقَالَ أَبُو عَمْرو الْعَبْدي: السائحون الَّذين يديمون الصّيام من الْمُؤمنِينَ، وَقد ورد فِي حَدِيث مَرْفُوع نَحْو هَذَا، فَقَالَ ابْن جرير: حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الله بن بزيغ حَدثنَا حَكِيم بن حزَام حَدثنَا سُلَيْمَان عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : السائحون: هم الصائمون، وروى أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) من حَدِيث أبي أُمَامَة أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله! إئذن لي فِي السياحة. فَقَالَ النَّبِي، ﷺ : (سياحة أمتِي الْجِهَاد فِي سَبِيل الله) . وَعَن عِكْرِمَة أَنه قَالَ: (هم طلبة الْعلم) ، وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم: هم الْمُهَاجِرُونَ رَوَاهُمَا ابْن أبي حَاتِم، وَلَيْسَ المُرَاد من السياحة مَا قد يفهمهُ من تعبد بِمُجَرَّد السياحة فِي الأَرْض والتفرد فِي شَوَاهِق الْجبَال والكهوف والبراري، فَإِن هَذَا لَيْسَ بمشروع إلَاّ فِي أَيَّام الْفِتَن والزلازل فِي الدّين. قَوْله: ﴿الآمرون بِالْمَعْرُوفِ﴾ (التَّوْبَة: ٢١١) . وَهُوَ طَاعَة الله ﴿والناهون عَن الْمُنكر﴾ (التَّوْبَة: ٢١١) . وَهُوَ مَعْصِيّة الله، وَإِنَّمَا دخلت الْوَاو فِيهَا لِأَنَّهَا الصّفة الثَّامِنَة، وَالْعرب تعطف الْوَاو على السَّبْعَة، ذكره جمَاعَة من الْمُفَسّرين. وَقيل: إِن الْوَاو إِنَّمَا دخلت على الناهين لِأَن الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه تبعا وضمناً، لَا قصدا، فَلَو قَالَ الناهون بِغَيْر: وَاو، لأشبه أَن يُرِيد النَّهْي الَّذِي هُوَ تبع، فَلَمَّا ذكر الْوَاو بَين أَن المُرَاد: الآمرون قصدا والناهون عَن الْمُنكر قصدا، وَلذَلِك دخلت الْوَاو أَيْضا. فِي ﴿والحافظون لحدود الله﴾ (التَّوْبَة: ٢١١) . إِذْ لَو لم يذكر: الْوَاو، لأوهم أَن الْمَعْنى: يحفظون حُدُود الله من الْأَشْيَاء الَّتِي تقدم ذكرهَا، فَإِن فِي كل شَيْء حدا لله، ، فَقَالَ: والحافظون، ليَكُون إِخْبَارًا لحفظهم الْحُدُود فِي هَذِه الْأَشْيَاء وَغَيرهَا.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ الحُدُودُ الطَّاعَةُ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ، فِي قَوْله: ﴿تِلْكَ حُدُود الله﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١، ٩٢٢، ٠٣٢، النِّسَاء: ٣١٢، الطَّلَاق: ١) . يَعْنِي: طَاعَة الله، وَكَأَنَّهُ تَفْسِير باللازم، لِأَن من أطَاع الله وقف عِنْد امْتِثَال أمره وَاجْتنَاب نَهْيه.
٢٨٧٢ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ صَبَّاحٍ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سابِقٍ قَالَ حدَّثنا مالِكُ بنُ مِغوَلٍ قَالَ سَمِعْتُ الوَلِيدَ بنَ العَيْزَارِ ذَكَرَ عنْ أبِي عَمْرٍ والشَّيْبَانِيِّ قَالَ قَالَ عبدُ الله بنُ مَسْعُودٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ سألْتُ رسولَ الله ﷺ قُلْتُ يَا رسولَ الله أيُّ العَمَلِ أفْضَلُ قَالَ الصَّلاةُ عَلى مِيقاتِهَا قُلْتُ ثُمَّ أيُّ قَالَ ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ قُلْتُ ثُمَّ أَي قَالَ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله فسَكَتُّ عنْ رَسُولِ الله ﷺ ولَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (الْجِهَاد فِي سَبِيل الله) . والْحَدِيث مضى فِي أَوَائِل: مَوَاقِيت الصَّلَاة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن الْوَلِيد بن الْعيزَار. أَخْبرنِي، قَالَ: سَمِعت أَبَا عَمْرو الشَّيْبَانِيّ ... إِلَى آخِره، وَاسم أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ سعد بن إِيَاس وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ وَاخْتِلَاف الْأَحَادِيث فِي أفضل الْأَعْمَال لاخْتِلَاف السَّائِلين وَاخْتِلَاف مقاصدهم، أَو باخْتلَاف الْوَقْت أَو بِالنِّسْبَةِ إِلَى بعض الْأَشْيَاء. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: إِنَّمَا خص، ﷺ ، هَذِه الثَّلَاثَة بِالذكر لِأَنَّهَا عنوان على مَا سواهَا من الطَّاعَات، فَإِن من ضيع الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة حَتَّى خرج وَقتهَا من غير عذر مَعَ خفَّة مؤونتها وعظيم فَضلهَا فَهُوَ لما سواهَا أضيع، وَمن لم يبر وَالِديهِ مَعَ وفور حَقّهمَا عَلَيْهِ كَانَ لغَيْرِهِمَا أقل برا، وَمن ترك جِهَاد الْكفَّار مَعَ شدَّة عداوتهم للدّين كَانَ لجهاد غَيرهم من الْفُسَّاق أترك.
٣٨٧٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله قَالَ حدَّثنا يَحْيى بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا سفْيَانُ قَالَ حدَّثني مَنْصُورٌ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ طاوُوسٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ ولَكِنْ جِهَادٌ ونِيَّةٌ وإذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة) إِلَى آخِره، وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وَيحيى بن سعيد هُوَ الْقطَّان
стр. 4098
وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب لَا يحل الْقِتَال بِمَكَّة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بأتم مِنْهُ: عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير عَن مَنْصُور ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ولنتكلم أَيْضا بعض شَيْء.
فَقَوله: (لَا هِجْرَة) ، يَعْنِي: من مَكَّة، وَأما الْهِجْرَة عَن الْمَوَاضِع الَّتِي لَا يَتَأَتَّى فِيهَا أَمر الدّين فَهِيَ وَاجِبَة اتِّفَاقًا، وَقَالَ الْخطابِيّ: كَانَت الْهِجْرَة على مَعْنيين: أَحدهمَا: أنَّهُم إِذا أَسْلمُوا وَأَقَامُوا بَين قَومهمْ أَو ذَوا، فَأمروا بِالْهِجْرَةِ إِلَى دَار الْإِسْلَام ليسلم لَهُم دينهم وَيَزُول الْأَذَى عَنْهُم، وَالْآخر: الْهِجْرَة من مَكَّة، لِأَن أهل الدّين بِالْمَدِينَةِ كَانُوا قَلِيلا ضعيفين، وَكَانَ الْوَاجِب على من أسلم أَن يهاجروا إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، لَكِن إِن حدث حَادث اسْتَعَانَ بهم فِي ذَلِك، فَلَمَّا فتحت مَكَّة اسْتغنى عَن ذَلِك، إِذْ كَانَ مُعظم الْخَوْف من أَهلهَا، فَأمر الْمُسلمُونَ أَن يقيموا فِي أوطانهم ويكونوا على نِيَّة الْجِهَاد، مستعدين، لِأَن ينفروا إِذا استنفروا. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: كلمة: لَكِن، تَقْتَضِي مُخَالفَة مَا بعْدهَا لما قبلهَا، أَي: أَن الْمُفَارقَة عَن الأوطان الْمُسَمَّاة بِالْهِجْرَةِ الْمُطلقَة انْقَطَعت، لَكِن الْمُفَارقَة بِسَبَب الْجِهَاد بَاقِيَة مدى الدَّهْر، وَكَذَا الْمُفَارقَة بِسَبَب نِيَّة خَالِصَة لله، . كَطَلَب الْعلم والفرار لدينِهِ. انْتهى. وَذكر غير وَاحِد من الْعلمَاء أَن أَنْوَاع الْهِجْرَة خَمْسَة أَقسَام: الأول: الْهِجْرَة إِلَى أَرض الْحَبَشَة. الثَّانِي: الْهِجْرَة من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة. الثَّالِث: هِجْرَة الْقَبَائِل إِلَى رَسُول الله، ﷺ . الرَّابِع: هِجْرَة من أسلم من أهل مَكَّة. الْخَامِس: هِجْرَة مَا نهى الله عَنهُ، وَبَقِي من الْهِجْرَة ثَلَاثَة أَنْوَاع أخر، وَهِي: الْهِجْرَة الثَّانِيَة إِلَى أَرض الْحَبَشَة، وهجرة من كَانَ مُقيما بِبِلَاد الْكفْر وَلَا يقدر على إِظْهَار الدّين، فَتجب عَلَيْهِ الْهِجْرَة، وَالْهجْرَة إِلَى الشَّام فِي آخر الزَّمَان عِنْد ظُهُور الْفِتَن، على مَا رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) من رِوَايَة شهر قَالَ: سَمِعت عبد الله بن عمر، سَمِعت رَسُول الله، ﷺ ، يَقُول: (لتكونن هِجْرَة بعد هِجْرَة إِلَى مهَاجر أبيكم إِبْرَاهِيم، ﵊ الحَدِيث.
وَلما روى التِّرْمِذِيّ حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن أبي سعيد، وَعبد الله بن عَمْرو، وَعبد الله بن حبشِي. أما حَدِيث أبي سعيد فَأخْرجهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) من رِوَايَة أبي البخْترِي الطَّائِي عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن رَسُول الله، ﷺ أَنه قَالَ: لما نزلت هَذِه الْآيَة: ﴿إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح﴾ (الْفَتْح: ١) . قَرَأَهَا رَسُول الله، ﷺ حَتَّى خَتمهَا. (وَقَالَ: النَّاس حيّز، وَأَنا وأصحابي حيّز. وَقَالَ: لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح، وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة) . قلت: الحيز، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمَكْسُورَة، وَفِي آخِره زَاي، وَالْمعْنَى: النَّاس فِي نَاحيَة وَأَنا وأصحابي فِي نَاحيَة. وَأما حَدِيث عبد الله بن عَمْرو فَأخْرجهُ البُخَارِيّ على مَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ. وَأما حَدِيث عبد الله بن حبشِي فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة عبيد بن عُمَيْر عَن عبد الله بن حبشِي الْخَثْعَمِي: أَن النَّبِي، ﷺ سُئِلَ: أَي الْأَعْمَال أفضل؟ قَالَ: (طول الْقُنُوت) ، قيل: فَأَي صَدَقَة أفضل؟ قَالَ: (جهد الْمقل) قيل: فَأَي الْهِجْرَة أفضل؟) قَالَ: (من هجر مَا حرم الله عَلَيْهِ) الحَدِيث.
قلت: وَفِي الْبَاب عَن جمَاعَة آخَرين، وهم: عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، وفضالة بن عبيد، وَزيد ابْن ثَابت، وَرَافِع بن خديج، ومجاشع بن مَسْعُود، وغزية بنت الْحَارِث وَقيل: الْحَارِث بن غزيَّة وَعبد الله بن وقدان السَّعْدِيّ، وجنادة بن أبي أُميَّة، وَعبد الله بن عمر، وَجَابِر بن عبد الله، وثوبان، وَمُحَمّد بن حبيب النصري، وفديك، وواثلة بن الْأَسْقَع، وَصَفوَان بن أُميَّة، ويعلى بن مرّة، وَعمر بن الْخطاب، وَأَبُو هُرَيْرَة، وَابْن مَسْعُود، وَأَبُو مَالك الْأَشْعَرِيّ، وَعَائِشَة، وَأَبُو فَاطِمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
أما حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فَأخْرجهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة مَالك بن يخَامر عَن ابْن السَّعْدِيّ: أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: (لَا تَنْقَطِع الْهِجْرَة مَا دَامَ الْعَدو يُقَاتل) ، فَقَالَ مُعَاوِيَة وَعبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف وَعبد الله بن عَمْرو: إِن النَّبِي، ﷺ قَالَ: (الْهِجْرَة خصلتان: إِحْدَاهمَا تهجر السَّيِّئَات، وَالْأُخْرَى تهَاجر إِلَى الله وَرَسُوله، وَلَا تَنْقَطِع الْهِجْرَة مَا تقبلت التَّوْبَة) ، وَرَوَاهُ الْبَزَّار مُقْتَصرا على حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَمُعَاوِيَة وَحده، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بِلَفْظ: (لَا تَنْقَطِع الْهِجْرَة حَتَّى تَنْقَطِع التَّوْبَة، وَلَا تَنْقَطِع التَّوْبَة حَتَّى تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا) . وَأما حَدِيث فضَالة بن عبيد فَأخْرجهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة عَمْرو بن مَالك عَن فضَالة بن عبيد عَن النَّبِي، ﷺ : (المُهَاجر من هجر الْخَطَايَا والذنُوب) . وَأما حَدِيث زيد بن ثَابت وَرَافِع بن خديج فَأخْرجهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) من رِوَايَة أبي البخْترِي عَن أبي سعيد عَن النَّبِي، ﷺ بِحَدِيث فِيهِ: (لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة) . فَقَالَ لَهُ مَرْوَان: كذبت،
стр. 4099
وَعِنْده رَافع بن خديج وَزيد بن ثَابت، وهما قاعدان مَعَه على السرير، فَقَالَ أَبُو سعيد: لَو شَاءَ هَذَانِ لحدثاك، فَرفع عَلَيْهِ مَرْوَان الدرة ليضربه، فَلَمَّا رَأيا ذَلِك قَالَا: صدق. وَأما حَدِيث مجاشع بن مَسْعُود فَأخْرجهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) من رِوَايَة يحيى بن إِسْحَاق عَن مجاشع بن مَسْعُود: أَنه أَتَى النَّبِي ﷺ بِابْن أَخ لَهُ ليبايعه على الْهِجْرَة، (فَقَالَ النَّبِي، ﷺ : لَا بل على الْإِسْلَام، فَإِنَّهُ لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح) . وَأما حَدِيث غزيَّة بن الْحَارِث فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة عبد الله ابْن رَافع عَن غزيَّة بن الْحَارِث أَنه سمع النَّبِي، ﷺ ، يَقُول: (لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح، إِنَّمَا هِيَ ثَلَاث: الْجِهَاد وَالنِّيَّة والحشر) . وَأما حَدِيث عبد الله بن وقدان السَّعْدِيّ فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة بشر بن عبيد الله عَن عبد الله بن وقدان السَّعْدِيّ، قَالَ: وفدت على رَسُول الله، ﷺ ، كلنا نطلب حَاجَة، وَكنت آخِرهم دُخُولا على رَسُول الله، ﷺ ، فَقلت: يَا رَسُول الله، إِنِّي تركت مَن خَلْفي وهم يَقُولُونَ: إِن الْهِجْرَة قد انْقَطَعت. قَالَ: (لن تَنْقَطِع الْهِجْرَة مَا قوتل الْكفَّار) . وَأما حَدِيث جُنَادَة بن أُميَّة فَأخْرجهُ أَحْمد من رِوَايَة أبي الخيران جُنَادَة بن أبي أُميَّة، حَدثهُ: أرجلاً من أَصْحَاب النَّبِي، ﷺ قَالَ: قَالَ بَعضهم: إِن الْهِجْرَة قد انْقَطَعت، فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِك قَالَ: فَانْطَلَقت إِلَى رَسُول الله، ﷺ فَقلت: يَا رَسُول الله ﴿إِن نَاسا يَقُولُونَ: إِن الْهِجْرَة قد انْقَطَعت﴾ فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : إِن الْهِجْرَة لَا تَنْقَطِع مَا كَانَ الْجِهَاد) . وَأما حَدِيث عبد الله بن عمر فَأخْرجهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) فِي رِوَايَة شهر، قَالَ: سَمِعت عبد الله بن عمر سَمِعت رَسُول الله، ﷺ يَقُول: (لتكونن هِجْرَة بعد هِجْرَة إِلَى مهَاجر أبيكم إِبْرَاهِيم، ﵊ . وَأما حَدِيث جَابر بن عبد الله فَأخْرجهُ فِي مُسْنده عَن حجاج عَن أبي الزبير عَن جَابر ﵁ عَن النَّبِي ﷺ بِلَفْظ المُهَاجر من هجر مَا نهى الله عَنهُ وَأما حَدِيث ثَوْبَان فَأخْرجهُ الْبَزَّار فِي (مُسْنده) من رِوَايَة أبي الْأَشْعَث الصَّنْعَانِيّ عَن ابْن عُثْمَان عَن ثَوْبَان، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : لَا تَنْقَطِع الْهِجْرَة مَا قوتل الْكفَّار، وَأما حَدِيث مُحَمَّد بن حبيب النصري فَأخْرجهُ الْبَزَّار أَيْضا من رِوَايَة أبي إِدْرِيس الْخَولَانِيّ عَن ابْن السَّعْدِيّ عَن مُحَمَّد بن حبيب النصري، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ ، فَذكره بِلَفْظ الَّذِي قبله. وَأما حَدِيث فديك فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن صَالح بن بشير بن فديك: أَن جده فديكاً أَتَى النَّبِي، ﷺ فَقَالَ لَهُ النَّبِي، ﷺ : (أقِم الصَّلَاة وَآت الزَّكَاة واهجر السوء واسكن من أَرض قَوْمك حَيْثُ شِئْت) وَهَذَا مُرْسل، فَإِن صَالح بن بشير لم يسْندهُ إِلَى جده، وَإِنَّمَا روى الْقِصَّة من عِنْده مُرْسلَة. وَأما حَدِيث وَاثِلَة بن الْأَسْقَع فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من رِوَايَة عَمْرو بن عبد الله الْحَضْرَمِيّ عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع، قَالَ: خرجت مُهَاجرا إِلَى رَسُول الله، ﷺ ... الحَدِيث، وَفِيه أَن النَّبِي، ﷺ قَالَ لَهُ: مَا حَاجَتك؟ قلت: الْإِسْلَام. فَقَالَ: هُوَ خير لَك. قَالَ: وتهاجر؟ قلت: نعم. قَالَ: هِجْرَة الْبَادِيَة أَو هِجْرَة الباتة؟ قلت: أَيهمَا أفضل؟ قَالَ: هِجْرَة الباتة، وهجرة الباتة أَن تثبت مَعَ النَّبِي، ﷺ ، وهجرة الْبَادِيَة أَن ترجع إِلَى باديتك ... الحَدِيث. وَأما حَدِيث صَفْوَان بن أُميَّة فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة عبد الله بن طَاوُوس عَن أَبِيه عَن صَفْوَان بن أُميَّة، قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله ﴿إِنَّهُم يَقُولُونَ: إِن الْجنَّة لَا يدخلهَا إلَاّ من هَاجر. قَالَ: (لَا هِجْرَة بعد فتح مَكَّة، لَكِن جِهَاد وَنِيَّة وَإِذا استنفرتم فانفروا) . وَأما حَدِيث يعلى بن أُميَّة فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن أُميَّة عَن يعلى بن أُميَّة. قَالَ: جِئْت رَسُول الله، ﷺ بِأبي أُميَّة، فَقلت: يَا رَسُول الله﴾ بَايع أبي على الْهِجْرَة. فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : (أُبَايِعهُ على الْجِهَاد، وَقد انْقَطَعت الْهِجْرَة) . وَأما حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأخْرجهُ الْأَئِمَّة السِّتَّة، وَهُوَ حَدِيث: الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ ... الحَدِيث. وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَأخْرجهُ وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد رِجَاله ثِقَات. وَأما حَدِيث أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من رِوَايَة عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ: أَن رَسُول الله، ﷺ قَالَ: إِن الله أَمرنِي أَن آمركُم بِخمْس كَلِمَات: عَلَيْكُم بِالْجِهَادِ والسمع وَالطَّاعَة وَالْهجْرَة ... الحَدِيث. وَأما حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فَأخْرجهُ مُسلم من رِوَايَة عَطاء عَنْهَا، قَالَت: سُئِلَ رَسُول الله، ﷺ عَن الْهِجْرَة. فَقَالَ: (لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح) . وَأما حَدِيث أبي فَاطِمَة، فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة كثير بن مرّة أَن أَبَا فَاطِمَة حَدثهُ
стр. 4100
أَنه قَالَ: يَا رَسُول الله! حَدثنِي بِعَمَل أستقيم عَلَيْهِ وأعمله) . قَالَ لَهُ رَسُول الله، ﷺ : (عَلَيْك بِالْهِجْرَةِ فَإِنَّهُ لَا مثل لَهَا) .
٤٨٧٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ قَالَ حدَّثنا حَبيبُ بنُ أبِي عُمْرَةَ عنْ عائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّهَا قالتْ يَا رسولَ الله ترَى الجِهَادَ أفْضَلَ العَمَلِ أفَلَا نُجَاهِدُ قَالَ لَكِنَّ أفْضلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (ترى الْجِهَاد أفضل الْعَمَل) من حَيْثُ أَنه، ﷺ ، لم يرد عَلَيْهَا أَفضَلِيَّة الْجِهَاد من حَيْثُ هُوَ جِهَاد، وَلكنه جعل الْحَج المبرور من أفضل الْجِهَاد، وَمَعَ هَذَا كَون الْحَج أفضل الْجِهَاد فِي حقهن (لقَوْله ﷺ : جهادكن الْحَج) ، وخَالِد هُوَ ابْن عبد الله الطَّحَّان، وحبِيب ضد الْعَدو ابْن أبي عمْرَة الْأَسدي القصاب. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب فضل الْحَج المبرور، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الرَّحْمَن بن الْمُبَارك عَن خَالِد ... إِلَى آخِره، وَالْحج المبرور الَّذِي لَا إِثْم فِيهِ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٥٨٧٢ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ قَالَ أخبرنَا عَفَّانُ قَالَ حدَّثنَا هَمَّامٌ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جُحَادَةَ قَالَ أخْبَرنِي أَبُو حَصين أنَّ ذَكْوَانَ قَالَ حدَّثَهُ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حدَّثَهُ قَالَ جاءَ رجُلٌ إِلَى رسولِ الله، ﷺ فَقَالَ دُلَّنِي عَلى عمَلٍ يَعْدِلُ الجِهَادَ قَالَ لَا أجِدُهُ قَالَ هَلْ تَسْتَطِيعُ إذَا خَرَجَ المُجَاهِدُ أنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فتَقُومَ ولَا تَفْتُرَ وتَصُومَ وَلَا تَفْطِرَ قَالَ ومَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ. قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ إنَّ فَرَسَ الْمُجَاهِدِ لَيَسْتَنُّ فِي طِوَلِهِ فَيُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتٍ.
(الحَدِيث مر سَابِقًا) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَكَذَا وَقع مَنْسُوبا إِلَى أَبِيه فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَابْن عَسَاكِر، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين غير مَنْسُوب، وَقَالَ أَبُو عَليّ الجياني: لم أره مَنْسُوبا لأحد، وَهُوَ إِمَّا إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَإِمَّا إِسْحَاق ابْن مَنْصُور. الثَّانِي: عَفَّان، بتَشْديد الْفَاء: ابْن مُسلم الصفار الْأنْصَارِيّ. الثَّالِث: همام، بِالتَّشْدِيدِ: ابْن يحيى بن دِينَار العوذي الْأَزْدِيّ الشَّيْبَانِيّ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن جحادة، بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْحَاء الْمُهْملَة الأيامي، وَيُقَال: الْأَزْدِيّ. الْخَامِس: أَبُو حُصَيْن، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الصَّاد الْمُهْملَة: واسْمه عُثْمَان بن عَاصِم الْأَسدي. السَّادِس: ذكْوَان، بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة: أَبُو صَالح السمان الزيات. السَّابِع: أَبُو هُرَيْرَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه إِن كَانَ ابْن رَاهَوَيْه فَهُوَ مروزي، وَإِن كَانَ إِسْحَاق ابْن مَنْصُور فَهُوَ مروزي أَيْضا، وَأَن عَفَّان وَهَمَّام بصريان. وَأَن عُثْمَان وَمُحَمّد بن جحادة كوفيان، وَأَن ذكْوَان مدنِي.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجِهَاد أَيْضا عَن أبي قدامَة السَّرخسِيّ عَن عَفَّان.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يعدل الْجِهَاد) أَي: يُسَاوِيه ويماثله. قَوْله: (قَالَ: لَا أَجِدهُ) كَلَام النَّبِي، ﷺ ، أَي: قَالَ: لَا أجد عملا يعدل الْجِهَاد. قَوْله: (قَالَ: هَل تَسْتَطِيع) ، كَلَام مُسْتَأْنف من النَّبِي، ﷺ ، وَقَالَ مُسلم: حَدثنَا سعيد بن مَنْصُور حَدثنَا خَالِد بن عبد الله الوَاسِطِيّ عَن سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قيل للنَّبِي ﷺ : مَا يعدل الْجِهَاد فِي سَبِيل الله؟ قَالَ: لَا تستطيعوه، قَالَ: فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا، كل ذَلِك يَقُول: لَا تستطيعوه، قَالَ فِي الثَّالِثَة: (مثل الْمُجَاهِد فِي سَبِيل الله كَمثل الْقَائِل بآيَات الله لَا يفتر من صِيَام وَلَا صَلَاة حَتَّى يرجع الْمُجَاهِد فِي سَبِيل الله) . وَحذف النُّون فِي: لَا تستطيعونه، بِغَيْر جازم وَلَا ناصب لُغَة قَوْله: (فتقوم) ، بِالنّصب عطف على: أَن تدخل، قَوْله: (وَلَا تفتر، وتصوم وَلَا تفطر) ، كلهَا مَنْصُوبَة. قَوْله: (قَالَ: وَمن يَسْتَطِيع؟) كَلَام الرجل الْمَذْكُور. قَوْله: (ليستن) ، أَي: ليمرح بنشاط، وَأَصله من الاستنان، وَهُوَ الْعَدو. قَالَ الْجَوْهَرِي: الاستنان أَن يرفع رجلَيْهِ ويطرحهما مَعًا، وَيُقَال: أَن يلح فِي عدوه مُقبلا أَو مُدبرا، وَمن جملَة الْأَمْثَال: استنت الفصال حَتَّى القرعى،
стр. 4101
يضْرب لمن يتشبه بِمن هُوَ فَوْقه. قَوْله: (فِي طوله) ، بِكَسْر الطَّاء الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو، وَهُوَ: الْحَبل الَّذِي تشد بِهِ الدَّابَّة. ويمسك طرفه وَيُرْسل فِي المرعى. قَوْله: (فَيكْتب لَهُ حَسَنَات) أَي: يكْتب لَهُ الاستنان حَسَنَات، وحسنات مَنْصُوب على أَنه مفعول ثَان، وَهَذَا الْقدر ذكره أَبُو حُصَيْن عَن أبي صَالح، مَوْقُوفا، وَسَيَأْتِي فِي: بَاب الْخَيل ثَلَاثَة من طَرِيق زيد بن أسلم مَرْفُوعا.
٢ - (بابٌ أفْضَلُ النَّاسِ مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ بنَفْسِهِ ومالِهِ فِي سَبِيلِ الله)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أفضل النَّاس إِلَى آخِره قَوْله: (مُجَاهِد) صفة لقَوْله مُؤمن وَفِي رِوَايَة الْكشميهني يُجَاهد بِلَفْظ الْمُضَارع.
وقَوْلُهُ تعَالى ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكُمْ علَى تِجَارَةٍ تنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أليمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّه وَرَسُوله وتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بأمْوَالِكُمْ وأنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرُ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ويُدْخِلكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ومَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ (الصَّفّ: ٠١) .
وَقَوله، بِالرَّفْع عطف على قَوْله: أفضل النَّاس، لِأَنَّهُ مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وخيره قَوْله: مُؤمن، هَاتَانِ آيتان من سُورَة الصَّفّ فيهمَا إرشاد للْمُؤْمِنين إِلَى طَرِيق الْمَغْفِرَة. قَالُوا: النداء بقوله: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ (الصَّفّ: ٠١) . للمخلصين، وَقيل: عَام. قَوْله: ﴿هَل أدلكم﴾ (الصَّفّ: ٠١) . اسْتِفْهَام فِي اللَّفْظ إِيجَاب فِي الْمَعْنى. قَوْله: ﴿تنجيكم﴾ (الصَّفّ: ٠١) . أَي: تخلصكم وتبعدكم ﴿من عَذَاب إليم﴾ (الصَّفّ: ٠١) . قَرَأَ ابْن عَامر بِالتَّشْدِيدِ من: التنجية، وَالْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ من الإنجاء. قَوْله: ﴿تؤمنون﴾ (الصَّفّ: ٠١) . اسْتِئْنَاف كَأَنَّهُمْ قَالُوا: كَيفَ نعمل؟ فَبين مَا هِيَ؟ فَقَالَ: تؤمنون، وَهُوَ خبر فِي معنى الْأَمر، وَلِهَذَا أُجِيب بقوله: ﴿يغْفر لكم﴾ (الصَّفّ: ٠١) . قَوْله: ﴿وتجاهدون﴾ (الصَّفّ: ٠١) . عطف على: تؤمنون، وَإِنَّمَا جِيءَ على لفظ الْخَبَر للإيذان بِوُجُوب الِامْتِثَال، كَأَنَّهَا وجدت وحصلت. قَوْله: ﴿ذَلِكُم﴾ (الصَّفّ: ٠١) . أَي: مَا ذكر من الْإِيمَان وَالْجهَاد ﴿خير لكم﴾ من أَمْوَالكُم وَأَنْفُسكُمْ ﴿إِن كُنْتُم تعلمُونَ﴾ (الصَّفّ: ٠١) . أَنه خير لكم. قَوْله: ﴿يغْفر لكم﴾ قيل: إِنَّه جَوَاب لقَوْله: ﴿هَل أدلكم﴾ (الصَّفّ: ٠١) . وَوَجهه أَن مُتَعَلق الدّلَالَة هُوَ التِّجَارَة، وَهِي مفسرة بِالْإِيمَان وَالْجهَاد، فَكَأَنَّهُ قيل: هَل تَتَّجِرُونَ بِالْإِيمَان وَالْجهَاد يغْفر لكم؟ وَعَن ابْن عَبَّاس: أَنهم قَالُوا: لَو نعلم أحب الْأَعْمَال إِلَى الله تَعَالَى لعملناها، فَنزلت هَذِه الْآيَة، فَمَكَثُوا مَا شَاءَ الله يَقُولُونَ: ليتنا نعلم مَا هِيَ؟ فدلهم الله بقوله: تؤمنون، وَهَذَا يدل على أَن: تؤمنون، كَلَام مُسْتَأْنف. قَوْله: ﴿ويدخلكم﴾ (الصَّفّ: ٠١) . عطف على ﴿يغْفر لكم﴾ (الصَّفّ: ٠١) .
٦٨٧٢ - حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني عَطاءُ بنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ أنَّ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حدَّثَهُ قَالَ قِيلَ يَا رسولَ الله أيُّ النَّاسِ أفْضلُ فقالَ رسولُ الله ﷺ مُؤمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ الله بِنَفْسِهِ ومالِهِ قالُوا ثُمَّ مَنْ قالَ مُؤْمِنٌ فِي شعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي الله ويدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ.
(الحَدِيث ٦٨٧٢ طرفه فِي: ٤٩٤٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مُؤمن مُجَاهِد فِي سَبِيل الله بِنَفسِهِ وَمَاله) .
وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع الْحِمصِي، وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة الْحِمصِي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الرقَاق. وَأخرجه مُسلم فِي الْجِهَاد عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن وَعَن مَنْصُور بن أبي مُزَاحم وَعَن عبد بن حميد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أبي عمار الْحُسَيْن بن حُرَيْث، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن كثير بن عبيد. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْفِتَن عَن هِشَام بن عمار.
قَوْله: (مُؤمن مُجَاهِد) أَي: أفضل النَّاس مُؤمن مُجَاهِد، قَالُوا: هَذَا عَام مَخْصُوص تَقْدِيره: هَذَا من أفضل النَّاس، وإلَاّ فَالْعُلَمَاء أفضل، وَكَذَا الصديقون، كَمَا جَاءَت بِهِ الْأَحَادِيث، وَيدل على ذَلِك أَن فِي بعض طرق النَّسَائِيّ كَحَدِيث أبي سعيد: أَن من خير النَّاس رجلا عمل فِي سَبِيل الله على ظهر فرسه. قَوْله: (فِي شعب) ، بِكَسْر الشين المعجم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة، وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة هُوَ مَا انفرج بَين الجبلين، وَهُوَ خَارج على سَبِيل الْمِثَال لَا للقيد بِنَفس الشّعب، وَإِنَّمَا
стр. 4102
المُرَاد الْعُزْلَة والإنفراد عَن النَّاس، وَلما كَانَ الشعاب الْغَالِب عَلَيْهَا حلوها عَن النَّاس ذكرت مثلا، وَهَذَا كَقَوْلِه فِي الحَدِيث الآخر: وليسعك بَيْتك.
وَفِيه: فضل الْعُزْلَة والإنفراد عِنْد خوف الْفِتَن على المخالطة، وَأما عِنْد عدم الْفِتَن فَقَالَ النَّوَوِيّ مَذْهَب الشَّافِعِي وَأكْثر الْعلمَاء: أَن الِاخْتِلَاط أفضل بِشَرْط رَجَاء السَّلامَة من الْفِتَن، وَمذهب طوائف: أَن الاعتزال أفضل. قلت: يدل لقَوْل الْجُمْهُور (قَوْله ﷺ : الْمُؤمن الَّذِي يخالط النَّاس ويصبر على أذاهم أعظم أجرا من الْمُؤمن الَّذِي لَا يخالط النَّاس وَلَا يصبر على أذاهم) ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي أَبْوَاب الزّهْد، وَابْن مَاجَه.
٧٨٧٢ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخْبَرَنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخْبرني سَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ الله وَالله أعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ وتَوَكَّلَ الله لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ بِأنْ يَتَوَفَّاهُ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ أوْ يَرْجِعَهُ سالِمً مَعَ أجْرٍ أوْ غَنِيمَةٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجِهَاد عَن عَمْرو بن عُثْمَان بن سعيد عَن أَبِيه عَن شُعَيْب بِهِ.
قَوْله: (وَالله أعلم بِمن يُجَاهد فِي سَبيله) وَقع جملَة مُعْتَرضَة يَعْنِي: الله أعلم بِعقد نِيَّته إِن كَانَت خَالِصَة لإعلاء كَلمته، فَذَلِك الْمُجَاهِد فِي سَبِيل الله، وَإِن كَانَ فِي نِيَّته حب المَال وَالدُّنْيَا واكتساب الذّكر بهَا، فقد أشرك مَعَ سَبِيل الله سَبِيل الدُّنْيَا، وَفِي (الْمُسْتَدْرك) على شَرطهمَا، أَي: الْمُؤمن أكمل إِيمَانًا. قَالَ: الَّذِي يُجَاهد فِي سَبِيل الله بِمَالِه وَنَفسه. قَوْله: (كَمثل الصَّائِم الْقَائِم) زَاد النَّسَائِيّ من هَذَا الْوَجْه: الخاشع الرَّاكِع الساجد، وَفِي (الْمُوَطَّأ) وَابْن حبَان: كَمثل الصَّائِم الْقَائِم الدَّائِم الَّذِي لَا يفتر من صِيَام وَلَا صَلَاة حَتَّى يرجع، وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَالْبَزَّار من حَدِيث النُّعْمَان بن بشير مَرْفُوعا: مثل الْمُجَاهِد فِي سَبِيل الله كَمثل الصَّائِم نَهَاره الْقَائِم ليله، مثله بالصائم لِأَنَّهُ مُمْسك لنَفسِهِ عَن الْأكل وَالشرب وَاللَّذَّات، وَكَذَلِكَ الْمُجَاهِد مُمْسك لنَفسِهِ على محاربة الْعَدو وحابس نَفسه على من يقاتله. قَوْله: (وتوكل الله) ، أَي: ضمن الله بملابسة التوفي الْجنَّة وبملابسة عدم التوفي الرجع بِالْأَجْرِ أَو الْغَنِيمَة. قَالَ الْكرْمَانِي: يَعْنِي: لَا يَخْلُو من الشَّهَادَة أَو السَّلامَة، فعلى الأول: يدْخل الْجنَّة بعد الشَّهَادَة فِي الْحَال، وعَلى الثَّانِي: لَا يَنْفَكّ من أجر أَو غنيمَة مَعَ جَوَاز الِاجْتِمَاع بَينهمَا فَهِيَ قَضِيَّة مَانِعَة الْخُلُو لَا مَانِعَة الْجمع، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: (تضمن الله لمن خرج فِي سَبيله لَا يُخرجهُ إِلَّا إِيمَان بِي. .) وَفِي رِوَايَة لمُسلم من طَرِيق الْأَعْرَج، عَنهُ بِلَفْظ: تكفل الله لمن جَاهد فِي سَبيله لَا يُخرجهُ من بَيته إلَاّ جِهَاد فِي سَبيله وتصديق كَلمته، وَكَذَلِكَ أخرجه مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن أبي الزِّنَاد) . وَفِي رِوَايَة الدَّارمِيّ من وَجه آخر عَن أبي الزِّنَاد، بِلَفْظ: لَا يُخرجهُ إلَاّ الْجِهَاد فِي سَبِيل الله وتصديق كَلِمَاته، وَلَفظ: الضَّمَان والتكفل والتوكل والانتداب الَّذِي وَقع فِي الْأَحَادِيث كلهَا بِمَعْنى: تَحْقِيق الْوَعْد على وَجه الْفضل مِنْهُ، وعبَّر، ﷺ ، عَن الله بتفضيله بالثواب بِلَفْظ الضَّمَان وَنَحْوه بِمَا جرت بِهِ الْعَادة بَين النَّاس بِمَا تطمئِن بِهِ النُّفُوس، وتركن إِلَيْهِ الْقُلُوب. قَوْله: (بِأَن يتوفاه أَن يدْخلهُ الْجنَّة) ، أَي: بِأَن يدْخلهُ الْجنَّة، و: أَن، فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَصْدَرِيَّة، تَقْدِيره: ضمن الله بتوفيه بِدُخُول الْجنَّة، وَفِي رِوَايَة أبي زرْعَة الدِّمَشْقِي عَن أبي الْيَمَان: إِن توفاه، بِالشّرطِ وَالْفِعْل الْمَاضِي أخرجه الطَّبَرَانِيّ. قَوْله: (أَن يدْخلهُ الْجنَّة) أَي: بِغَيْر حِسَاب وَلَا عَذَاب، أَو، المُرَاد: يدْخلهُ الْجنَّة سَاعَة مَوته وَقَالَ ابْن التِّين: إِدْخَاله الْجنَّة يحْتَمل أَن يدخلهَا إِثْر وَفَاته تَخْصِيصًا للشهيد، أَو بعد الْبَعْث، وَيكون فَائِدَة تَخْصِيصه أَن ذَلِك كَفَّارَة لجَمِيع خَطَايَا الْمُجَاهِد، وَلَا توزن مَعَ حَسَنَاته، قَوْله: (أَو يرجعه) ، بِفَتْح الْيَاء تَقْدِيره: أَو أَن يرجعه، بِالنّصب عطفا على أَن يتوفاه. قَوْله: (سالما) حَال من الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي يرجعه. قَوْله: (مَعَ أجر أَو غنيمَة) ، إِنَّمَا أَدخل، وَهَهُنَا قيل: لِأَنَّهُ قد يرجع مرّة بغنيمة دون أجر، وَلَيْسَ كَذَلِك على مَا يَجِيء الْآن، بل أبدا يرجع بِالْأَجْرِ كَانَت غنيمَة أَو لم تكن، قَالَه ابْن بطال. وَقَالَ ابْن التِّين والقرطبي: إِن، أَو، هُنَا بِمَعْنى المواو الجامعة على مَذْهَب الْكُوفِيّين، وَقد سَقَطت فِي أبي دَاوُد وَفِي بعض رِوَايَات مُسلم، وَبِه جزم ابْن عبد الْبر، وَرجحه التوربشتي شَارِح (المصابيح) وَالتَّقْدِير: أَو يرجعه بِأَجْر وغنيمة، وَكَذَا وَقع عِنْد النَّسَائِيّ من طَرِيق الزُّهْرِيّ عَن سعيد ابْن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة، بِالْوَاو أَيْضا، وَذهب بَعضهم إِلَى أَن: أَو، على بَابهَا وَلَيْسَت بِمَعْنى: الْوَاو، أَي: أجر لمن لم يغنم أَو غنيمَة وَلَا أجر، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيح لحَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ مَرْفُوعا: (مَا من غَازِيَة تغزو فِي سَبِيل الله
стр. 4103
فيصيبون الْغَنِيمَة إلَاّ تعجلوا ثُلثي أجرهم من الْأُجْرَة، وَيبقى لَهُم الثُّلُث، فَإِن لم يُصِيبُوا غنيمَة تمّ لَهُم أجرهم) . فَبِهَذَا يدل على أَنه لَا يرجع أصلا بِدُونِ الْأجر، وَلكنه ينقص عِنْد الْغَنِيمَة. فَإِن قلت: ضعف هَذَا الحَدِيث لِأَن فِيهِ حميد بن هانىء وَهُوَ غير مَشْهُور. قلت: هَذَا كَلَام لَا يلْتَفت إِلَيْهِ لِأَنَّهُ ثِقَة مُحْتَج بِهِ عِنْد مُسلم، وَقد وَثَّقَهُ النَّسَائِيّ وَابْن يُونُس وَغَيرهمَا، وَلَا يعرف فِيهِ تجريح لأحد.
٣ - (بابُ الدُّعَاءِ بالجِهَادِ والشَّهَادَةِ لِلرِّجَالِ والنِّساءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الدُّعَاء بِالْجِهَادِ بِأَن يَقُول: أللهم ارزقني الْجِهَاد، أَو أللهم اجْعَلنِي من الْمُجَاهدين. قَوْله: (وَالشَّهَادَة) ، أَي: الدُّعَاء بِالشَّهَادَةِ، بِأَن يَقُول: أللهم ارزقني الشَّهَادَة فِي سَبِيلك. قَوْله: (للرِّجَال وَالنِّسَاء) ، مُتَعَلق بِالدُّعَاءِ، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَن هَذَا غير مَخْصُوص بِالرِّجَالِ، وَإِنَّمَا هم وَالنِّسَاء فِي ذَلِك سَوَاء.
وَقَالَ عُمَرُ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي بَلَدِ رسولِكَ
هَذَا التَّعْلِيق مُطَابق للدُّعَاء بِالشَّهَادَةِ فِي التَّرْجَمَة، وَقد مضى هَذَا مَوْصُولا فِي آخر الْحَج بأتم مِنْهُ، رَوَاهُ عَن يحيى ابْن بكير عَن اللَّيْث عَن خَالِد بن يزِيد عَن سعيد بن أبي هِلَال عَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أللهم ارزقني شَهَادَة فِي سَبِيلك وَاجعَل موتِي فِي بلد رَسُولك. وَأخرجه ابْن سعد فِي (الطَّبَقَات الْكَبِير) عَن حَفْصَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، زوج النَّبِي ﷺ أَنَّهَا سَمِعت أَبَاهَا يَقُول: أللهم ارزقني قتلا فِي سَبِيلك، ووفاةً فِي بَلْدَة نبيك، قَالَت: قلت: وأنَّى ذَاك؟ قَالَ: إِن الله يَأْتِي بأَمْره أنَّى شَاءَ.
٩٨٧٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ عنْ مالِكٍ عنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله ابنِ أبي طَلْحَةَ عنْ أنَسِ ابنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّهُ سَمِعَهُ يَقولُ كانَ رسولُ الله ﷺ يَدْخُلُ عَلى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحانَ فَتُطْعِمُهُ وكانَتْ أُمُّ حَرامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ فَدَخَلَ علَيْهَا رسولُ الله ﷺ فأطْعَمَتْهُ وجَعَلَتْ تَفْلِي رَأسَهُ فَنامَ رسولُ الله ﷺ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وهْوَ يَضْحَكُ قالَتْ فَقُلْتُ وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رسولَ الله قَالَ ناسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ الله يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا البَحْرِ مُلُوكاً علَى الأسِرَّةِ أَو مِثْلَ الْمُلُوكِ على الأسِرَّةِ شَكَّ إسْحَاقُ قالَتْ فَقُلْتُ يَا رسولَ الله ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فدَعَ لَهَا رسولُ الله ﷺ وضَعَ رأسَهُ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وهْوَ يَضْحَكُ فَقُلْتُ وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رسولَ الله قَالَ ناسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عليَّ غُزاةً فِي سَبِيلِ الله كَمَا قَالَ فِي الأوَّلِ قالَتْ فَقُلْتُ يَا رسولَ الله ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ أنْتِ مِنَ الأوَّلِينَ فرَكِبَتِ البَحْرَ فِي زَمانِ مُعَاوِيَةَ بنِ أبِي سُفْيَانَ فَصُرِعَتْ عنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ البَحْرِ فَهَلَكَتْ.
. .
قيل: لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة، لِأَن الحَدِيث لَيْسَ فِيهِ تمني الشَّهَادَة، وَإِنَّمَا فِيهِ تمني الْغَزْو. وَأجِيب: بِأَن الثَّمَرَة الْعُظْمَى من الْغَزْو هِيَ الشَّهَادَة، وَقيل: حَاصِل الدُّعَاء بِالشَّهَادَةِ أَن يَدْعُو الله أَن يُمكن مِنْهُ كَافِرًا يعْصى الله فيقتله، وَاعْترض بِأَن تمني مَعْصِيّة الله لَا تجوز إلَاّ لَهُ وَلَا لغيره، ووجَّه بَعضهم بِأَن الْقَصْد من الدُّعَاء نيل الدرجَة المرفوعة الْمعدة. للشهداء، وَأما قتل الْكَافِر فَلَيْسَ مَقْصُود الدَّاعِي، وَإِنَّمَا هُوَ من ضروريات الْوُجُود، لِأَن الله تَعَالَى أجْرى حكمه أَن لَا ينَال تِلْكَ الدرجَة إلَاّ شَهِيد.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الرُّؤْيَا عَن عبد الله بن يُوسُف أَيْضا وَفِي الاسْتِئْذَان عَن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي، وَأخرجه
стр. 4104
التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن مُوسَى عَن معن، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين، كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم ستتهم عَن مَالك بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حسن صَحِيح. وَأخرج التِّرْمِذِيّ أَيْضا هَذَا الحَدِيث من مُسْند أم حرَام من رِوَايَة عبد الله بن عبد الرَّحْمَن أبي طوالة عَن أنس عَن أم حرم، وَقد اخْتلف فِيهِ على أنس فَقيل: عَنهُ عَن النَّبِي، ﷺ وَقيل: عَن أنس عَن أم حرَام، وَاخْتلف فِيهِ أَيْضا على أبي طوالة، فَقَالَ زَائِدَة بن قدامَة: عَن أبي طوالة عَن أنس عَن أم حرَام عَن النَّبِي، ﷺ ، وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر: عَن أبي طوالة عَن أنس عَن النَّبِي، ﷺ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة عَطاء بن يسَار عَن أُخْت أم سليم الرميصاء قَالَت: نَام رَسُول الله ﷺ ... ثمَّ ذكر مَعْنَاهُ، وَالْحَاصِل أَن الْأَئِمَّة السِّتَّة، مَا خلا التِّرْمِذِيّ، أخرجُوا هَذَا الحَدِيث عَن أم حرَام من رِوَايَة مُحَمَّد بن يحيى بن حبَان عَن أنس بن مَالك عَن أم حرَام، وَهِي خَالَة أنس، قَالَت: أَتَانَا النَّبِي، ﷺ يَوْمًا ... الحَدِيث.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يدْخل على أم حرَام) ، حرَام ضد حَلَال بنت ملْحَان، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون اللَّام وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وَفِي آخِره نون: ابْن خَالِد بن زيد بن حرَام بن جُنْدُب بن عَامر بن غنم بن عدي بن النجار، زوج عبَادَة بن الصَّامِت وَأُخْت أم سليم، وَخَالَة أنس بن مَالك، وَقَالَ أَبُو عمر: وَلَا أَقف لَهَا على اسْم صَحِيح، وأظنها أرضعت النَّبِي، ﷺ وَأم سليم أَرْضَعَتْه أَيْضا، إِذْ لَا يشك مُسلم أَنَّهَا كَانَت مِنْهُ بِمحرم، وَقد أَنبأَنَا غير وَاحِد من شُيُوخنَا عَن أبي مُحَمَّد بن فطيس عَن يحيى بن إِبْرَاهِيم بن مزبن قَالَ: إِنَّمَا استجاز رَسُول الله ﷺ أَن تفلي أم حرَام رَأسه لِأَنَّهَا كَانَت مِنْهُ ذَات محرم من قبل خالاته، لِأَن أم عبد الْمطلب كَانَت من بني النجار، وَقَالَ يُونُس بن عبد الْأَعْلَى: قَالَ لنا وهب: أم حرَام إِحْدَى خالات النَّبِي ﷺ من الرضَاعَة، قَالَ أَبُو عمر: فَأَي ذَلِك كَانَ فَأم حرم محرم مِنْهُ. وَقَالَ ابْن بطال: قَالَ غَيره: إِنَّمَا كَانَت خَالَة لِأَبِيهِ أَو لجده، وَذكر ابْن الْعَرَبِيّ عَن بعض الْعلمَاء أَن هَذَا مَخْصُوص بسيدنا رَسُول الله، ﷺ أَو يحمل دُخُوله عَلَيْهَا: أَنه كَانَ قبل الْحجاب، إلَاّ أَن قَوْله: تفلي رَأسه، يضعف هَذَا. وَزعم ابْن الْجَوْزِيّ أَنه سمع بعض الْحفاظ يَقُول: كَانَت أم سليم أُخْت آمِنَة من الرضَاعَة وَقَالَ الْحَافِظ الدمياطي: لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على الْخلْوَة بهَا، فَلَعَلَّ ذَاك كَانَ مَعَ ولد أَو خَادِم أَو زوج أَو تَابع، وَالْعَادَة تَقْتَضِي المخالطة بَين المخدوم وَأهل الْخَادِم، سِيمَا إِذا كنَّ مسنَّات، مَعَ مَا ثَبت لَهُ عَلَيْهِ ﷺ من الْعِصْمَة، وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ قبل الْحجاب، لِأَنَّهُ كَانَ فِي سنة خمس، وَقتل أَخِيهَا حرَام الَّذِي كَانَ رَحمهَا لأَجله كَانَ سنة أَربع. وَقَالَ أَبُو عمر: حرَام ابْن ملْحَان قتل يَوْم بِئْر مَعُونَة، قَتله عَامر بن الطُّفَيْل. قَوْله: (تَحت عبَادَة بن الصَّامِت) أَي: كَانَت امْرَأَته، والصامت ابْن قيس بن أَصْرَم بن فهر بن ثَعْلَبَة بن غنم بن سَالم بن عَوْف بن الْخَزْرَج الْأنْصَارِيّ السالمي، يكنى: أَبَا الْوَلِيد، قَالَ الْأَوْزَاعِيّ: أول من ولي قَضَاء فلسطين عبَادَة بن الصَّامِت، مَاتَ عبَادَة سنة أَربع وَثَلَاثِينَ بالرملة، وَقيل: بِبَيْت الْمُقَدّس، وَهُوَ ابْن اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة. قَوْله: (تفلي رَأسه) ، بِفَتْح التَّاء وَإِسْكَان الْفَاء وَكسر اللَّام، يَعْنِي: تفتش الْقمل من رَأسه وتقتله، من: فلى يفلي من بَاب ضرب يضْرب، فلياً مصدرة، والفلي أَخذ الْقمل من الرَّأْس. قَوْله: (وَهُوَ يضْحك) ، جملَة وَقعت حَالا، وَكَذَا قَوْله: (غزَاة) ، وَهُوَ جمع غَازِي، كقضاة جمع قَاضِي. قَوْله: (ثبج هَذَا الْبَحْر) ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا جِيم، قَالَ الْخطابِيّ: ثبج الْبَحْر: مَتنه ومعظمه، وثبج كل شَيْء وَسطه، وَقيل: ثبج الْبَحْر ظَهره، يُوضحهُ بعض مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَات: يركبون ظهر هَذَا الْبَحْر، وَقيل: ثبج الْبَحْر: هوله، والثبج مَا بَين الْكَتِفَيْنِ. قَوْله: (ملوكاً) ، نصب بِنَزْع الْخَافِض أَي: مثل مُلُوك على الأسرة، وَهُوَ جمع سَرِير، قَالَ أَبُو عمر: أَرَادَ أَنه رأى الْغُزَاة فِي الْبَحْر على الأسرة فِي الْجنَّة، ورؤيا الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَحي يشْهد لَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿على الأرائك متكئون﴾ (ي س: ٦٥) . وَبِه جزم ابْن بطال حَيْثُ قَالَ: إِنَّمَا رَآهُمْ ملوكاً على الأسرة فِي الْجنَّة فِي رُؤْيَاهُ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يحْتَمل أَن يكون خَبرا عَن حَالهم فِي غزوهم أَيْضا. قَوْله: ﴿شكّ إِسْحَاق﴾ ، وَهُوَ إِسْحَاق بن عبد الله الرَّاوِي عَن أنس. قَوْله: (ثمَّ وضع رَأسه ثمَّ اسْتَيْقَظَ) ، قيل: رُؤْيَاهُ الثَّانِيَة كَانَت فِي شُهَدَاء الْبر، فوصف حَال الْبر وَالْبَحْر بِأَنَّهُم مُلُوك على الأسرة، حَكَاهُ ابْن التِّين وَغَيره، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون حالتهم فِي الدُّنْيَا كالملوك على الأسرة، وَلَا يبالون بِأحد. قَوْله: (أَنْت من الْأَوَّلين) ، خطاب لأم حرَام، وَأَرَادَ بالأولين: هم الَّذين عرضوا أَولا، وهم الَّذين يركبون ثبج الْبَحْر. قَوْله: (فِي زمن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان) ، وَكَانَت غزت مَعَ زَوجهَا فِي أول غَزْوَة كَانَت إِلَى الرّوم فِي الْبَحْر مَعَ مُعَاوِيَة زمن عُثْمَان بن عَفَّان
стр. 4105
سنة ثَمَان وَعشْرين، وَقَالَ ابْن زيد: سنة سبع وَعشْرين، وَقيل: بل كَانَ ذَلِك فِي خلَافَة مُعَاوِيَة على ظَاهره، وَالْأول أشهر، وَهُوَ مَا ذكره أهل السّير، وَفِيه: هَلَكت، وَقَالَ الْكرْمَانِي، رَحمَه الله تَعَالَى، وَاخْتلفُوا فِي أَنه مَتى جرت الْغَزْوَة الَّتِي توفيت فِيهَا أم حرَام؟ فَقَالَ البُخَارِيّ وَمُسلم: فِي زمن مُعَاوِيَة، وَقَالَ القَاضِي: أَكثر أهل السّير أَن ذَلِك كَانَ فِي خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فعلى هَذَا يكون معنى قَوْلهَا: فِي زمن مُعَاوِيَة، زمَان، غَزْوَة مُعَاوِيَة فِي الْبَحْر، لَا زمَان خِلَافَته، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: إِن مُعَاوِيَة غزا تِلْكَ الْغَزْوَة بِنَفسِهِ. انْتهى. قلت: كَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قد منع الْمُسلمين من الْغَزْو فِي الْبَحْر شَفَقَة عَلَيْهِم، واستأذنه مُعَاوِيَة فِي ذَلِك فَلم يَأْذَن لَهُ، فَلَمَّا ولي عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، استأذنه فَأذن لَهُ. وَقَالَ: لَا تكره أحدا، من غزاه طَائِعا فاحمله، فَسَار فِي جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم أَبُو ذَر وَعبادَة بن الصَّامِت وَمَعَهُ زَوجته أم حرَام بنت ملْحَان وَشَدَّاد بن أَوْس وَأَبُو الدَّرْدَاء فِي آخَرين، وَهُوَ أول من غزا الجزائر فِي الْبَحْر، وَصَالَحَهُ أهل قبرس على مَال، وَالأَصَح أَنَّهَا فتحت عنْوَة، وَلما أَرَادوا الْخُرُوج مِنْهَا قدمت لأم حرَام بغلة لتركبها فَسَقَطت عَنْهَا، فَمَاتَتْ. هُنَالك، فقبرها هُنَالك يعظمونه ويستسقون بِهِ، وَيَقُولُونَ: قبر الْمَرْأَة الصَّالِحَة. قَوْله: (حِين خرجت من الْبَحْر) ، أَرَادَ بِهِ حِين خُرُوجهَا من الْبَحْر إِلَى نَاحيَة الجزيرة، لِأَنَّهَا دفنت هُنَاكَ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: جَوَاز دُخُول الرجل على محرمه وملامسته إِيَّاهَا وَالْخلْوَة بهَا، وَالنَّوْم عِنْدهَا. وَفِيه: إِبَاحَة مَا قَدمته الْمَرْأَة إِلَى ضيفها من مَال زَوجهَا، لِأَن الْأَغْلَب أَن مَا فِي الْبَيْت من الطَّعَام هُوَ للرجل، قَالَ ابْن بطال: وَمن الْمَعْلُوم أَن عبَادَة وكل الْمُسلمين يسرهم وجود سيدنَا رَسُول الله، ﷺ فِي بَيته، وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يكون ذَلِك من مَال زَوجهَا لعلمه أَنه كَانَ يسر بذلك، وَيحْتَمل أَن يكون من مَالهَا، وَاعْتَرضهُ الْقُرْطُبِيّ فَقَالَ: حِين دُخُوله ﷺ على أم حرَام لم تكن زوجا لعبادة، كَمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهر اللَّفْظ، إِنَّمَا تزوجته بعد ذَلِك بِمدَّة، كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَة عِنْد مُسلم: فَتَزَوجهَا عبَادَة بعد. وَفِيه: جَوَاز فلي الرَّأْس وَقتل الْقمل، وَيُقَال قتل الْقمل وَغَيره من المؤذيات مُسْتَحبّ. وَفِيه: نوم القائلة، لِأَنَّهُ يعين الْبدن لقِيَام اللَّيْل. وَفِيه: جَوَاز الضحك عِنْد الْفَرح، لِأَنَّهُ ﷺ ضحك فَرحا وسروراً بِكَوْن أمته تبقى بعده متظاهرين، وَأُمُور الْإِسْلَام قَائِمَة بِالْجِهَادِ حَتَّى فِي الْبَحْر. وَفِيه: دلَالَة على ركُوب الْبَحْر للغزو، وَقَالَ سعيد بن الْمسيب: كَانَ أَصْحَاب النَّبِي، ﷺ يتجرون فِي الْبَحْر، مِنْهُم: طَلْحَة وَسَعِيد بن زيد، وَهُوَ قَول جُمْهُور الْعلمَاء إلَاّ عمر بن الْخطاب وَعمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَإِنَّهُمَا منعا من ركُوبه مُطلقًا. وَمِنْهُم من حمله على ركُوبه لطلب الدُّنْيَا لَا للآخرة، وَكره مَالك ركُوبه للنِّسَاء مُطلقًا، لما يخَاف عَلَيْهِنَّ من أَن يطلع مِنْهُنَّ أم يطلعن على عَورَة، وَخَصه بَعضهم بالسفن الصغار دون الْكِبَار، والْحَدِيث يخدش فِيهِ. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (لَا يركب الْبَحْر إلَاّ حَاجا أَو مُعْتَمِرًا أَو غازياً، فَإِن تَحت الْبَحْر نَارا، وَتَحْت النَّار بحراً) . قلت: هَذَا حَدِيث ضَعِيف، وَلما رَوَاهُ الْخلال فِي (علله) من حَدِيث لَيْث عَن مُجَاهِد عَن عبد الله بن عمر يرفعهُ، قَالَ: قَالَ ابْن معِين: هَذَا عَن النَّبِي، ﷺ ، مُنكر. وَفِيه: إِبَاحَة الْجِهَاد للنِّسَاء فِي الْبَحْر، وَقد ترْجم البُخَارِيّ لذَلِك، على مَا سَيَأْتِي. وَفِيه: أَن الْوَكِيل أَو المؤتمن إِذا علم أَنه يسر صَاحب الْمنزل فِيمَا يَفْعَله فِي مَاله جَازَ لَهُ فعل ذَلِك، وَاخْتلف الْعلمَاء فِي عَطِيَّة الْمَرْأَة من مَال زَوجهَا بِغَيْر إِذْنه، وَقد مر هَذَا فِي الْوكَالَة. وَفِيه: أَن الْجِهَاد تَحت راية كل إِمَام جَائِز ماضٍ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَفِيه: تمني الْغَزْو وَالشَّهَادَة حَيْثُ قَالَت أم حرَام: أُدْعُ الله أَن يَجْعَلنِي مِنْهُم. وَفِيه: أَنه من أَعْلَام نبوته وَذَلِكَ أَنه أخبر فِيهِ بضروب الْغَيْب قبل وُقُوعهَا، مِنْهَا: جِهَاد أمته فِي الْبَحْر، وضحكه دَال على أَن الله تَعَالَى يفتح لَهُم ويغنمهم. وَمِنْهَا الْإِخْبَار بِصفة أَحْوَالهم فِي جهادهم، وَهُوَ قَوْله: (يركبون ثبج هَذَا الْبَحْر) ، وَمِنْهَا قَوْله لأم حرَام: أَنْت من الْأَوَّلين، فَكَانَ كَذَلِك. وَمِنْهَا: الْإِخْبَار بِبَقَاء أمته من بعده، وَأَن يكون لَهُم شَوْكَة، وَأَن أم حرَام تبقى إِلَى ذَلِك الْوَقْت، وكل ذَلِك لَا يعلم إلَاّ بِوَحْي عَليّ أُوحِي بِهِ إِلَيْهِ فِي نَومه. وَفِيه: أَن رُؤْيا الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، حق. وَفِيه: الضحك المبشر إِذا بشر بِمَا يسر، كَمَا فعل الشَّارِع. قَالَ الْمُهلب: وَفِيه: فضل لمعاوية وَأَن الله قد بشر بِهِ نبيه ﷺ فِي النّوم، لِأَنَّهُ أول من غزا فِي الْبَحْر وَجعل من غزا تَحت رايته من الْأَوَّلين. وَفِيه: أَن الْمَوْت فِي سَبِيل الله شَهَادَة، وَقَالَ ابْن أبي (شيبَة) : حَدثنَا يزِيد
стр. 4106
ابْن هَارُون حَدثنَا أنس بن عون عَن ابْن سِيرِين عَن أبي الْعَجْفَاء السّلمِيّ، قَالَ: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: قَالَ مُحَمَّد ﷺ من قتل فِي سَبِيل الله أَو مَاتَ فَهُوَ فِي الْجنَّة. وَفِيه: دلَالَة على أَن من مَاتَ فِي طَرِيق الْجِهَاد من غير مُبَاشرَة ومشاهدة، لَهُ من الْأجر مثل مَا للمباشر، وَكَانَت النِّسَاء إِذا غزون يسقين المَاء ويداوين الكلمى ويصنعن لَهُم طعامهم وَمَا يصلحهم، فَهَذِهِ مُبَاشرَة. وَفِيه: أَن الْمَوْت فِي سَبِيل الله وَالْقَتْل سَوَاء، أَو قَرِيبا من السوَاء فِي الْفضل، قَالَه أَبُو عمر، قَالَ: وَإِنَّمَا قلت: أَو قَرِيبا من السوَاء، لاخْتِلَاف النَّاس فِي ذَلِك، فَمن أهل الْعلم من جعل الْمَيِّت فِي سَبِيل الله والمقتول سَوَاء، وَاحْتج بقوله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين هَاجرُوا فِي سَبِيل الله ثمَّ قتلوا أَو مَاتُوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا﴾ (الْحَج: ٨٥) . وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَمن يخرج من بَيته مُهَاجرا إِلَى الله وَرَسُوله ثمَّ يُدْرِكهُ الْمَوْت فقد وَقع أجره على الله﴾ (النِّسَاء: ٠٠١) . وَبِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيث عبد الله بن عتِيك: (من خرج مُجَاهدًا فِي سَبِيل الله فخرَّ عَن دَابَّته أَو لدغته حَيَّة أَو مَاتَ حتف أَنفه فقد وَقع أجره على الله) وَفِي مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة، يرفعهُ: من قتل فِي سَبِيل الله فَهُوَ شَهِيد، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث بَقِيَّة عَن عبد الرَّحْمَن بن ثَابت بن ثَوْبَان عَن أَبِيه عَن مَكْحُول عَن ابْن غنم عَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ عَن النَّبِي ﷺ من وقصه فرسه أَو بعيره أَو لدغته هَامة أَو مَاتَ على فرَاشه، على أَي حتف شَاءَ الله، فَهُوَ شَهِيد، وَأخرجه الْحَاكِم وَقَالَ: صَحِيح على شَرط مُسلم، وَذكر الْحلْوانِي فِي (كتاب الْمعرفَة) ، فَقَالَ: حَدثنَا أَبُو عَليّ الْحَنَفِيّ حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن مهَاجر عَن عبد الْملك بن عُمَيْر، قَالَ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: من حَبسه السُّلْطَان، وَهُوَ ظَالِم لَهُ، وَمَات فِي محبسه ذَلِك فَهُوَ شَهِيد، وَمن ضربه السُّلْطَان ظَالِما فَمَاتَ من ضربه ذَلِك فَهُوَ شَهِيد، وكل موت يَمُوت بِهِ الْمُسلم فَهُوَ شَهِيد، غير أَن الشَّهَادَة تتفاضل. وروى الْحَاكِم من حَدِيث كَعْب بن عجْرَة، قَالَ النَّبِي ﷺ لعمر يَوْم بدر، وَرَأى قَتِيلا: يَا عمر! إِن للشهداء سادة وأشرافاً وملوكاً، وَإِن هَذَا مِنْهُم. وَاخْتلفُوا فِي شَهِيد الْبَحْر: أهوَ أفضل أم شَهِيد الْبر؟ فَقَالَ قوم: شَهِيد الْبر، وَقَالَ قوم: شَهِيد الْبَحْر، قَالَ أَبُو عمر: وَلَا خلاف بَين أهل الْعلم أَن الْبَحْر إِذا ارتج لم يجز ركُوبه لأحد بِوَجْه من الْوَجْه، فِي حِين ارتجاجه، وَالَّذين رجحوا: شَهِيد الْبَحْر، احْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم فِي كتاب الْجِهَاد عَن الْحسن ابْن الصَّباح، حَدثنَا يحيى بن عباد حَدثنَا يحيى بن عبد الْعَزِيز عَن عبد الْعَزِيز بن يحيى حَدثنَا سعيد بن صَفْوَان عَن عبد الله ابْن الْمُغيرَة بن عبد الله بن أبي بردة: سَمِعت عبد الله بن عَمْرو قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : الشَّهَادَة تكفر كل شَيْء إلَاّ الدّين، والغزو فِي الْبَحْر يكفر ذَلِك كُله. وَمن حَدِيث عبد الله بن صَالح عَن يحيى بن أَيُّوب عَن يحيى بن سعيد عَن عَطاء بن يسَار عَن ابْن عَمْرو مَرْفُوعا: غَزْوَة فِي الْبَحْر خير من عشر غزوات فِي الْبر، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث يعلى بن شَدَّاد عَن أم حرَام عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: الْمَائِدَة فِي الْبَحْر الَّذِي يُصِيبهُ الْقَيْء وَله أجر شَهِيد، وَالْغَرق لَهُ أجر شهيدين. وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء أَن رَسُول الله، ﷺ قَالَ: غَزْوَة فِي الْبَحْر مثل عشر غزوات فِي الْبر، وَالَّذِي يسدر فِي الْبَحْر كالمتشحط فِي دَمه فِي سَبِيل الله. وروى ابْن مَاجَه أَيْضا من حَدِيث سليم بن عَامر، قَالَ: سَمِعت أَبَا أُمَامَة يَقُول: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ يَقُول: شَهِيد الْبَحْر مثل شهيدين فِي الْبر، والمائد فِي الْبَحْر كالمتشحط فِي دَمه فِي الْبر، وَمَا بَين الموجتين كقاطع الدِّينَا فِي طَاعَة الله تَعَالَى، فَإِن الله وكل ملك لمَوْت بِقَبض الْأَرْوَاح إلَاّ شَهِيد الْبَحْر، فَإِنَّهُ يتَوَلَّى قبض أَرْوَاحهم وَيغْفر لشهيد الْبر الذُّنُوب كلهَا إلَاّ الدَّين، ولشهيد الْبَحْر الذُّنُوب والدَّين. قَوْله: المائد هُوَ الَّذِي يدار بِرَأْسِهِ من ريح الْبَحْر واضطراب السَّفِينَة بالأمواج. قَوْله: (الْغَرق) ، بِكَسْر الرَّاء: الَّذِي يَمُوت بِالْغَرَقِ، وَقيل: هُوَ الَّذِي غَلبه المَاء وَلم يغرق: فَإِذا غرق فَهُوَ غريق. قَوْله: (الْغَرق) ، بِكَسْر الرَّاء: الَّذِي يَمُوت بِالْغَرَقِ، وَقيل: هُوَ الَّذِي غَلبه المَاء وَلم يغرق: فَإِذا غرق فَهُوَ غريق. قَوْله: (وَالَّذِي يسدر) ، من السدر، بِالتَّحْرِيكِ: كالدوار، وَكَثِيرًا مَا يعرض لراكب الْبَحْر، يُقَال: سدر يسدر سدراً. قَوْله: (كالمتشحط فِي دَمه) ، وَهُوَ الَّذِي يتمرغ ويضطرب ويتخبط فِي دَمه.
٤ - (بابُ دَرَجَاتِ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ الله)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان دَرَجَات الْمُجَاهدين فِي سَبِيل الله، والمجاهد فِي سَبِيل الله هُوَ الَّذِي يُجَاهد لإعلاء كلمة الله ونصرة الدّين من غير الْتِفَات إِلَى الدُّنْيَا.
стр. 4107
يُقالُ هَذِهِ سَبِيلِي وهاذَا سَبِيلِي
غَرَضه من هَذَا أَن السَّبِيل يذكر وَيُؤَنث، وَبِذَلِك جزم الْقُرَّاء فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ليضل عَن سَبِيل الله بِغَيْر علم ويتخذها هزوا﴾ (لُقْمَان: ٦) . وَالضَّمِير يعود إِلَى آيَات الْقُرْآن، وَإِن شِئْت جعلته للسبيل لِأَنَّهَا قد تؤنث. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قل هَذِه سبيلي﴾ (يُوسُف: ٨٠١) . وَفِي قِرَاءَة أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: ﴿وَإِن يرَوا سَبِيل الرشد لَا يتخذوها سَبِيلا﴾ (الْأَعْرَاف: ٦٤١) . وَقَالَ ابْن سَيّده: السَّبِيل الطَّرِيق وَمَا وضح مِنْهُ، وسبيل الله طَرِيق الْهدى الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ، وَيجمع على: سبل.
قَالَ أبُو عَبْدِ الله غُزَّاً واحِدُها غاز هُمْ دَرجاتٌ لَهُمْ درَجَاتٌ
هَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَأَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ. قَوْله: (غزى) ، بِضَم الْغَيْن وَتَشْديد الزَّاي جمع غاز أَصله غزى، كسبق جمع سَابق، وَجَاء مثل: حَاج وحجيج، وقاطن وقطين، وغزاء مثل فَاسق وفساق. قَوْله: (هم دَرَجَات لَهُم دَرَجَات) ، فسر قَوْله: هم دَرَجَات، بقوله: لَهُم دَرَجَات أَي: لَهُم منَازِل، وَقيل: تَقْدِيره ذووا دَرَجَات.
٠٩٧٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ صالِحٍ قَالَ حدَّثنا فُلَيْحٌ عنْ هِلَالِ بنَ عَلَيٍّ عنْ عَطاءِ بنِ يَسارٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ من آمَنَ بِاللَّه وبِرَسُولِهِ وأقامَ الصَّلاة وصامَ رمضَانَ كانَ حَقَّاً علَى الله أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ جاهَدَ فِي سَبِيلِ الله أوْ جَلَسَ فِي أرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا فقالُوا يَا رسولَ الله أفَلَا نُبَشِّرُ النَّاسَ قَالَ إنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أعَدَّهَا الله لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ الله مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ والأرْضِ فإذَا سألْتُمُ الله فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ فإنَّهُ أوْسَط الجَنَّةِ وأعْلاى الجَنَّةِ أُرَاهُ قَالَ وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمانِ تفَجَّرُ أنْهَارُ الجَنَّةِ.
(الحَدِيث ٠٩٧٢ طرفه فِي: ٣٢٤٧) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِن فِي الْجنَّة مائَة دَرَجَة) إِلَى قَوْله: (مَا بَين الدرجتين) .
وَيحيى بن صَالح الوحاظي أَبُو زَكَرِيَّاء الشَّامي الدِّمَشْقِي، وَيُقَال: الْحِمصِي، وَهُوَ من جملَة الْأَئِمَّة الْحَنَفِيَّة أَصْحَاب الإِمَام أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وفليح، بِضَم الْفَاء وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: ابْن سُلَيْمَان، وَكَانَ اسْمه عبد الْملك ولقبه فليح فغلب عَلَيْهِ واشتهر بِهِ، وهلال بن عَليّ هُوَ هِلَال بن أبي مَيْمُونَة، وَيُقَال: هِلَال بن أبي هِلَال الفِهري الْمدنِي، وَعَطَاء بن يسَار ضد الْيَمين.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن مُحَمَّد بن فليح عَن أَبِيه بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فَقَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة وَأحمد بن عَبدة الضَّبِّيّ، قَالَا: حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن معَاذ بن جبل: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (من صَامَ رَمَضَان وَصلى الصَّلَوَات وَحج الْبَيْت لَا أَدْرِي أذكر الزَّكَاة أم لَا إلَاّ كَانَ حَقًا على الله أَن يغْفر لَهُ إِن هَاجر فِي سَبِيل الله أَو مكث بأرضه الَّتِي ولد بهَا، قَالَ معَاذ: أَلا أخبر بهَا النَّاس؟ فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : ذَر النَّاس يعْملُونَ، فَإِن فِي الْجنَّة مائَة دَرَجَة مَا بَين كل دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض، والفردوس أَعلَى الْجنَّة وأوسطها، وَفَوق ذَلِك عرش الرَّحْمَن، وَمِنْهَا تفجر أَنهَار الْجنَّة فَإِذا سَأَلْتُم الله فَاسْأَلُوهُ الفردوس. قَوْله: (عَن عَطاء بن يسَار) كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَقَالَ أَبُو عَامر الْعَقدي: عَن فليح عَن هِلَال عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي عمْرَة، بدل: عَطاء بن يسَار، أخرجه أَحْمد وَإِسْحَاق فِي (مسنديهما) عَنهُ، وَهُوَ وهم من فليح فِي حَال تحديثه لأبي عَامر، وَعند فليح بِهَذَا الْإِسْنَاد حَدِيث غير هَذَا، وَهُوَ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ حَيْثُ قَالَ: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر حَدثنَا مُحَمَّد بن فليح، قَالَ: حَدثنِي أبي عَن هِلَال بن عَليّ عَن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي عمْرَة عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ ، الحَدِيث على مَا يَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قَوْله: (وَأقَام الصَّلَاة وَصَامَ رَمَضَان) ، وَقَالَ ابْن بطال: هَذَا الحَدِيث كَانَ قبل فرض الزَّكَاة وَالْحج، فَلذَلِك لم يذكر فِيهِ. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَفِيه نظر من حَيْثُ إِن الزَّكَاة فرضت قبل خَيْبَر، وَهَذَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة، وَلم يَأْتِ للنَّبِي ﷺ ، إلَاّ بِخَيْبَر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَعَلَّ الزَّكَاة وَالْحج لم يَكُونَا واجبين فِي ذَلِك الْوَقْت، أَو على التسامح. انْتهى. قلت: هَذَا أَيْضا تبع ابْن بطال، وَقد ثَبت
стр. 4108
الْحَج فِي التِّرْمِذِيّ فِي حَدِيث معَاذ بن جبل، وَقَالَ فِيهِ: لَا أَدْرِي أذكر الزَّكَاة أم لَا. قَوْله: أَو على التسامح، يُمكن أَن يكون جَوَابا لعدم ذكر الزَّكَاة وَالْحج، لِأَن الزَّكَاة لَا تجب إلَاّ على الْغَنِيّ بِشَرْطِهِ، وَالْحج يجب فِي الْعُمر مرّة على التَّرَاخِي. قَوْله: (كَانَ حَقًا على الله) قَالَ الْكرْمَانِي: أَي كالحق. قلت: مَعْنَاهُ حق بطرِيق الْفضل وَالْكَرم لَا بطرِيق الْوُجُوب. قَوْله: (أَو جلس فِي أرضه) ، وَفِي بعض النّسخ: أَو جلس فِي بَيته، فِيهِ تأنيس لمن حرم الْجِهَاد فِي سَبِيل الله، فَإِن لَهُ من الْإِيمَان بِاللَّه والتزام الْفَرَائِض مَا يوصله إِلَى الْجنَّة لِأَنَّهَا هِيَ غَايَة الطالبين، وَمن أجلهَا بذل النُّفُوس فِي الْجِهَاد خلافًا لما يَقُوله بعض جهلة المتصوفة. وَفِي (صَحِيح مُسلم) من حَدِيث أنس يرفعهُ: (من طلب الشَّهَادَة صَادِقا أعطيها وَلَو لم تصبه) ، وَعند الْحَاكِم (من سَأَلَ الْقَتْل صَادِقا ثمَّ مَاتَ أعطَاهُ الله أجر شَهِيد) ، وَعند النَّسَائِيّ بِسَنَد جيد عَن معَاذ يرفعهُ: من سَأَلَ الله من عِنْد نَفسه صَادِقا ثمَّ مَاتَ أَو قتل فَلهُ أجر شَهِيد) . قَوْله: (قَالُوا: يَا رَسُول الله) قيل: الَّذِي خاطبه بذلك معَاذ بن جبل، كَمَا فِي حَدِيث التِّرْمِذِيّ الَّذِي مضى، أَو أَبُو الدَّرْدَاء، كَمَا وَقع عِنْد الطَّبَرَانِيّ. قَوْله: (إِن فِي الْجنَّة مائَة دَرَجَة) ، قَالَ الْكرْمَانِي: قيل: لما سوى رَسُول الله، ﷺ بَين الْجِهَاد فِي سَبِيل الله وَعَدَمه فِي دُخُول الْجنَّة، وَرَأى استبشار السَّامع بذلك لسُقُوط مشاق الْجِهَاد عَنهُ استدرك. بقوله: (إِن فِي الْجنَّة مائَة دَرَجَة) ، كَذَا وَكَذَا، وَأما الْجَواب فَهُوَ من الأسلوب الْحَكِيم أَي: بشرهم بِدُخُول الْجنَّة بِالْإِيمَان، وَلَا تكتف بذلك، بل زد عَلَيْهَا بِشَارَة أُخْرَى، وَهُوَ الْفَوْز بدرجات الشُّهَدَاء، وبل بشرهم أَيْضا بالفردوس. قلت: قَوْله: وَأما الْجَواب ... إِلَى آخِره، من كَلَام الطَّيِّبِيّ، وَاعْترض عَلَيْهِ بَعضهم بقوله: لَو لم يرد الحَدِيث إلَاّ كَمَا وَقع هُنَا لَكَانَ مَا قَالَ متجهاً، لَكِن وَردت فِي الحَدِيث زِيَادَة دلّت على أَن قَوْله: فِي الْجنَّة مائَة دَرَجَة، تَعْلِيل لترك الْبشَارَة الْمَذْكُورَة، فَعِنْدَ التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة معَاذ الْمَذْكُورَة، قلت: يَا رَسُول الله أَلا أخبر النَّاس، قَالَ: ذَر النَّاس يعْملُونَ فَإِن فِي الْجنَّة مائَة دَرَجَة) ، فَظهر أَن المُرَاد: لَا تبشر النَّاس بِمَا ذكرته من دُخُول الْجنَّة لمن آمن وَعمل الْأَعْمَال الْمَفْرُوضَة عَلَيْهِ، فيقفوا عِنْد ذَلِك، وَلَا يتجاوزه إِلَى مَا هُوَ أفضل مِنْهُ من الدَّرَجَات الَّتِي تحصل بِالْجِهَادِ، وَهَذِه هِيَ النُّكْتَة فِي قَوْله: (أعدهَا للمجاهدين) . انْتهى. قلت: كَلَام الطَّيِّبِيّ مُتَّجه، والاعتراض عَلَيْهِ غير وَارِد أصلا، لِأَن قَوْله: لَكِن وَردت فِي الحَدِيث زِيَادَة ... إِلَى آخِره، غير مُسلم لِأَن الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث معَاذ بن جبل وَكَلَام الطَّيِّبِيّ وَغَيره فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وكل وَاحِد من الْحَدِيثين مُسْتَقل بِذَاتِهِ، والراوي مُخْتَلف فَكيف يكون مَا فِي حَدِيث معَاذ تعليلاً لما فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، على أَن حَدِيث معَاذ هَذَا لَا يعادل حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَلَا يدانيه، فَإِن عَطاء بن يسَار لم يدْرك معَاذًا، قَالَ التِّرْمِذِيّ: عَطاء لم يدْرك معَاذ بن جبل، معَاذ قديم الْمَوْت، مَاتَ فِي خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (كَمَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض) ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة شريك عَن مُحَمَّد بن جحادة عَن عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ فِي الْجنَّة مائَة دَرَجَة مَا بَين كل دَرَجَتَيْنِ مائَة عَام. وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من هَذَا الْوَجْه: خَمْسمِائَة عَام، وروى التِّرْمِذِيّ، قَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة، قَالَ: حَدثنَا ابْن لَهِيعَة عَن دراج عَن أبي الْهَيْثَم عَن أبي سعيد عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: إِن فِي الْجنَّة مائَة دَرَجَة لَو أَن الْعَالمين اجْتَمعُوا فِي إِحْدَاهُنَّ لوسعتهم. قَالَ: هَذَا حَدِيث غَرِيب. قَوْله: (الفردوس) ، قيل: هُوَ الْبُسْتَان الَّذِي يجمع مَا فِي الْبَسَاتِين كلهَا من شجر وزهر ونبات. وَقيل: هُوَ متنزه أهل الْجنَّة. وَفِي التِّرْمِذِيّ: هُوَ ربوة الْجنَّة. وَقيل: الَّذِي فِيهِ الْعِنَب، يُقَال: كرم مفردس، أَي: معرش، وَقيل: هُوَ الْبُسْتَان بالرومية، فَنقل إِلَى الْعَرَبيَّة، وَهُوَ مُذَكّر وَإِنَّمَا أنث فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَرِثُونَ الفردوس هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ١١) . قَالَ الجواليقي عَن أهل اللُّغَة: وَقَالَ الزّجاج: الفردوس الأودية الَّتِي تنْبت ضروباً من النَّبَات وَهُوَ لفظ سرياني، وَقيل: أَصله بالنبطية فرداساً وَقيل: الفردوس يعد بَابا من أَبْوَاب الْجنَّة. قَوْله: (أَوسط الْجنَّة) ، أَي: أفضلهَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾ (الْبَقَرَة: ٣٤١) . أَي: خياراً. وَقَالَ ابْن بطال: يحْتَمل أَن يُرِيد متوسط الْجنَّة، وَالْجنَّة قد حفت بهَا من كل جِهَة. قَوْله: (وَأَعْلَى الْجنَّة) يَعْنِي: أرفعها، لِأَن الله مدح الْجنان إِذا كَانَت فِي علو، وَقَالَ: ﴿كَمثل جنَّة بِرَبْوَةٍ﴾ (الْبَقَرَة: ٥٦٢) . وَقَالَ ابْن حبَان: المُرَاد بالأوسط السعَة، وبالأعلى الْفَوْقِيَّة، وَقيل: الْحِكْمَة فِي الْجمع بَين الْأَعْلَى والأوسط أَنه أَرَادَ بِأَحَدِهِمَا الْحسي وبالآخر الْمَعْنَوِيّ. وَقَالَ بَعضهم: المُرَاد بالأوسط هُنَا الأعدل، وَالْأَفْضَل كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾ (الْبَقَرَة: ٣٤١) . فعلى هَذَا فعطف الْأَعْلَى عَلَيْهِ للتَّأْكِيد. انْتهى. قلت: سُبْحَانَ الله، هَذَا كَلَام عَجِيب، وليت شعري هَل أَرَادَ بالتأكيد التَّأْكِيد اللَّفْظِيّ أَو التَّأْكِيد الْمَعْنَوِيّ، وَلَا يَصح أَن يُرَاد أَحدهمَا على المتأمل. قَوْله:
стр. 4109
(أرَاهُ) ، بِضَم الْهمزَة أَي: أَظُنهُ، وَهَذَا من كَلَام يحيى بن صَالح شيخ البُخَارِيّ، فِيهِ وَقد رَوَاهُ غَيره: عَن فليح بِغَيْر شكّ مِنْهُم: يُونُس بن مُحَمَّد عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيره. قَوْله: (وَمِنْه) أَي: من الفردوس، وَقد وهم من أعَاد الضَّمِير إِلَى الْعَرْش. قَوْله: (تفجر) أَصله: تتفجر بتاءين فحذفت إِحْدَاهمَا، أَي: تتشقق.
قَالَ مُحَمَّدُ بنُ فُلَيْحٍ عنْ أبِيهِ وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمانِ
أَشَارَ بِهَذَا التَّعْلِيق إِلَى أَن مُحَمَّد بن فليح روى هَذَا الحَدِيث عَن أَبِيه فليح بِإِسْنَادِهِ هَذَا، فَلم يشك كَمَا شكّ يحيى بن صَالح، بقوله: أرَاهُ فَوْقه عرش الرَّحْمَن، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي التَّوْحِيد عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن مُحَمَّد بن فليح عَن أَبِيه، وَقَالَ الجياني فِي نُسْخَة أبي الْحسن الْقَابِسِيّ: قَالَ البُخَارِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن فليح وَهُوَ وهم لِأَن البُخَارِيّ لم يدْرك مُحَمَّدًا هَذَا إِنَّمَا يروي عَن أبي الْمُنْذر وَمُحَمّد بن بشار عَنهُ، وَالصَّوَاب: قَالَ مُحَمَّد بن فليح مُعَلّق كَمَا روته الْجَمَاعَة.
١٩٧٢ - حدَّثنا مُوساى قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ قَالَ حدَّثنا أَبُو رجاءٍ عنْ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ رأيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أتَيَانِي فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ فأدْخَلاني دَارَاً هِيَ أحْسَنُ وأفْضَلُ لَمْ أرَ قَطُّ أحْسَنَ مِنْهَا قالَا أمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (هِيَ أحسن وَأفضل) إِلَى آخِره، ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل، وَجَرِير، بِفَتْح الْجِيم: هُوَ ابْن حَازِم، وَأَبُو رَجَاء اسْمه عمرَان بن ملْحَان العطاردي الْبَصْرِيّ أدْرك زمَان النَّبِي ﷺ وَعمر أَكثر من مائَة وَعشْرين سنة، مَاتَ سنة خمس وَمِائَة، وَهَذَا الحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب مَا قيل فِي أَوْلَاد الْمُشْركين، مطولا بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٥ - (بابُ الغَدْوَةِ والرَّوْحَةِ فِي سَبِيلِ الله)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الغدوة، وَهِي من طُلُوع الشَّمْس إِلَى الزَّوَال، وَهِي بِالْفَتْح: الْمرة الْوَاحِدَة من الْغَد، وَهُوَ الْخُرُوج فِي أَي وَقت كَانَ من أول النَّهَار إِلَى انتصافه، والروحة من الزَّوَال إِلَى اللَّيْل، وَهُوَ بِالْفَتْح. الْمرة الْوَاحِدَة من الرواح، وَهُوَ الْخُرُوج فِي أَي وَقت كَانَ من زَوَال الشَّمْس إِلَى غُرُوبهَا. قَوْله: (فِي سَبِيل الله) ، وَهُوَ الْجِهَاد.
وقابُ قَوْسِ أحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ
وقاب، بِالْجَرِّ عطفا على الغدوة الْمَجْرُور بِالْإِضَافَة تَقْدِيره: وَفِي بَيَان فضل قدر قَوس أحدكُم فِي الْجنَّة. قَالَ صَاحب (الْعين) : قاب الْقوس قدر طولهَا، وَقَالَ الْخطابِيّ: هُوَ مَا بَين السيَّة والمقبض، وَعَن مُجَاهِد: قدر ذِرَاع، والقوس الذِّرَاع: بلغَة أزدشنة، وَقيل: الْقوس ذِرَاع يُقَاس بِهِ. وَقَالَ الدَّاودِيّ: قاب الْقوس، مَا بَين الْوتر والقوس، وَفِي (الْمُخَصّص) : الْقوس أُنْثَى وتصغر بِغَيْر هَاء، وَالْجمع: أقواس، وَقِيَاس وقسي وقسى، وَيُقَال: لكل قَوس قابان، وَيُقَال: الْأَشْهر أَن القاب قدر، وَكَذَلِكَ: القيب والقاد، والقيد، وَعين القاب: وَاو.
٢٩٧٢ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ قالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ قَالَ حدَّثنا حُمَيْدٌ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ الله أوْ رَوْحَة خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيها.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، ووهيب تَصْغِير وهب هُوَ ابْن خَالِد الْبَصْرِيّ، وَحميد، بِضَم الْحَاء: هُوَ الطَّوِيل.
والْحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ من هَذَا الْوَجْه. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن نصر بن عَليّ وَمُحَمّد بن الْمثنى، كِلَاهُمَا عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن حميد. وَأخرجه مُسلم عَن القعْنبِي عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن أنس. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة مقسم عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: غدْوَة فِي سَبِيل الله أَو رَوْحَة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب. قلت: انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ التِّرْمِذِيّ. وَأخرج مُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي عبد الرَّحْمَن الحبلي، واسْمه: عبد الله بن
стр. 4110
يزِيد، قَالَ: سَمِعت أَبَا أَيُّوب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : غدْوَة فِي سَبِيل الله، أَو رَوْحَة خير مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس وغربت. وَأخرج الْبَزَّار وإبو يعلى الْموصِلِي فِي (مسنديهما) من رِوَايَة عَمْرو بن صَفْوَان عَن عُرْوَة بن الزبير عَن أَبِيه قَالَ قَالَ رَسُول الله، ﷺ : لغدوة فِي سَبِيل الله أَو رَوْحَة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: صَفْوَان بن عَمْرو لَا يعرف، وَأخرج الْبَزَّار فِي (مُسْنده) من رِوَايَة الْحسن عَن عمرَان بن حُصَيْن أَن رَسُول الله، ﷺ قَالَ ... فَذكره، وَفِي إِسْنَاده يُوسُف بن خَالِد السَّمْتِي وَهُوَ ضَعِيف. وَأخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث أبي أُمَامَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مطولا، وَفِيه: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لغدوة أَو رَوْحَة فِي سَبِيل الله خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، ولمقام أحدكُم فِي الصَّفّ خير من صلَاته سِتِّينَ سنة. وَإِسْنَاده ضَعِيف.
قَوْله: (لغدوة) مُبْتَدأ تخصص بِالصّفةِ وَهُوَ قَوْله: (فِي سَبِيل الله) ، وَالتَّقْدِير: لغدوة كائنة فِي سَبِيل الله. قَوْله: (أَو رَوْحَة) ، عطف عَلَيْهِ، وَكلمَة: أَو، للتقسيم لَا للشَّكّ. قَوْله: (خير) ، خبر الْمُبْتَدَأ وَاللَّام فِي: لغدوة، لَام التَّأْكِيد. وَقَالَ بَعضهم: للقسم، وَفِيه نظر. وَقَالَ الْمُهلب: معنى قَوْله: (خير من الدُّنْيَا) أَن ثَوَاب هَذَا الزَّمن الْقَلِيل فِي الْجنَّة خير من الدُّنْيَا كلهَا، وَكَذَا قَوْله: لَقَاب قَوس أحدكُم، أَي: مَوضِع سَوط فِي الْجنَّة، يُرِيد مَا صغر فِي الْجنَّة من الْمَوَاضِع كلهَا من بساتينها وأرضها، فَأخْبر أَن قصير الزَّمَان وصغير الْمَكَان فِي الْآخِرَة خير من طَوِيل الزَّمَان وكبير الْمَكَان فِي الدُّنْيَا تزهيداً وتصغيراً لَهَا وترغيباً فِي الْجِهَاد إِذا بِهَذَا الْقَلِيل يُعْطِيهِ الله فِي الْآخِرَة أفضل من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، فَمَا ظَنك بِمن أتعب فِيهِ نَفسه وَأنْفق مَاله. وَقَالَ غَيره: معنى (خير من الدُّنْيَا) ثَوَاب ذَلِك فِي الْجنَّة خير من الدُّنْيَا، وَقيل: خير من أَن يتَصَدَّق بِمَا فِي الدُّنْيَا إِذا ملكهَا، وَقيل: إِذا ملك مَا فِي الدُّنْيَا وأنفقها فِي وُجُوه الْبر وَالطَّاعَة غير الْجِهَاد، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: أَي الثَّوَاب الْحَاصِل على مشْيَة وَاحِدَة فِي الْجِهَاد خير لصَاحبه من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا لَو جمعت لَهُ بحذافيرها، وَالظَّاهِر أَنه لَا يخْتَص ذَلِك بِالْغُدُوِّ والرواح من بلدته، بل يحصل هَذَا حَتَّى بِكُل غدْوَة أَو روجة فِي طَرِيقه إِلَى الْغَد، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَكَذَا غدْوَة ورواحه فِي مَوضِع الْقِتَال، لِأَن الْجَمِيع يُسمى غدْوَة وروحة فِي سَبِيل الله.
٣٩٧٢ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ فُلَيْحٍ قَالَ حدَّثني أبي عنْ هِلَالِ بنِ عَلِيٍّ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبي عَمْرَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَقابُ قَوْس فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُهُ علَيْهِ الشَّمْسُ وتَغرُبُ. وَقَالَ لغدْوَةٌ أوْ رَوْحةُ فِي سبيلِ الله خَيْرٌ مَمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وتَغْرُبُ..
مطابقته للجزء الأول من التَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لغدوة أَو رَوْحَة فِي سَبِيل الله) وللجزء الثَّانِي فِي قَوْله: (لَقَاب قَوس فِي الْجنَّة خير مِمَّا تطلع عَلَيْهِ الشَّمْس وتغرب) ، وَمضى الْكَلَام فِي مُحَمَّد بن فليح وَأَبِيهِ هِلَال بن عَليّ عَن قريب فِي الْبَاب السَّابِق، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي عمْرَة الْأنْصَارِيّ النجاري قَاضِي أهل الْمَدِينَة، وَاسم أبي عمْرَة: عَمْرو بن مُحصن، وَرِجَال هَذَا الْإِسْنَاد كلهم مدنيون.
قَوْله: (لَقَاب قَوس) ، مُبْتَدأ. قَوْله: (فِي الْجنَّة) صفة قَوس. وَقَوله: (خير) خبر الْمُبْتَدَأ، وَاللَّام فِي: لَقَاب، للتَّأْكِيد، وَكَذَلِكَ فِي: لغدوة. قَوْله: (خير مِمَّا تطلع عَلَيْهِ الشَّمْس وتغرب) ، هُوَ معنى قَوْله: خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَهَذَا مِنْهُ، ﷺ ، إِنَّمَا هُوَ على مَا اسْتَقر فِي النُّفُوس من تَعْظِيم ملك الدُّنْيَا، وَأما التَّحْقِيق: فَلَا تدخل الْجنَّة مَعَ الدُّنْيَا تَحت أفعل إلَاّ كَمَا يُقَال: الْعَسَل أحلى من الْخلّ.
٤٩٧٢ - حدَّثنا قَبِيصةُ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ سهْلِ بنِ سَعْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ الرَّوْحَةُ والغَدْوَةُ فِي سَبيلِ الله أفْضَلُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيها.
(الحَدِيث ٣٩٧٢ طرفه فِي: ٣٥٢٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقبيصَة، بِفَتْح الْقَاف وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عقبَة، وَقد تكَرر ذكره، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَأَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي واسْمه: سَلمَة بن دِينَار الْمدنِي، وَأَبُو حَازِم الَّذِي روى عَن أبي هُرَيْرَة: سلمَان الْكُوفِي.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْجِهَاد أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن عَبدة بن عبد الله
стр. 4111
وَأخرجه ابْن ماجة من رِوَايَة زَكَرِيَّاء بن مَنْصُور عَن أبي حَازِم.
قَوْله: (الروحة والغدوة) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: غدْوَة أَو رَوْحَة، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق أبي غَسَّان عَن أبي حَازِم: لَرَوْحَة، بلام التَّأْكِيد قيل: الْأَفْضَل هُوَ الْأَكْثَر ثَوابًا، فَمَا مَعْنَاهُ هَهُنَا إِذْ لَا ثَوَاب فِي الدُّنْيَا؟ وَأجِيب: أَي: أفضل من صرف مَا فِي الدُّنْيَا كلهَا لَو ملكهَا إِنْسَان، لِأَنَّهُ زائل ونعيم الْآخِرَة باقٍ.
٦ - (بابُ الحُورِ العِينِ وصِفَتِهِنَّ يَحَارُ فِيهَا الطَّرْفُ شَدِيدَةُ سَوادِ العَيْنِ شَدِيدَةُ بَياضِ العَيْنِ وزَوَّجْنَاهُمْ أنْكَحْنَاهُمْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْحور الْعين وَبَيَان صفتهن، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: الْحور الْعين، بِغَيْر لفظ: بَاب، فعلى هَذَا يكون الْحور مَرْفُوع بِأَنَّهُ مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف، تَقْدِيره: الْحور الْعين وصفتهن مَا نذكرهُ، وَالْعين: مَرْفُوع أَيْضا على الوصفية. وَقَوله: (وصفتهن) أَيْضا مَرْفُوع عطف على الْحور، والحور بِضَم الْحَاء جمع الْحَوْرَاء، وَقَالَ ابْن سَيّده: الْحور: أَن يشْتَد بَيَاض بَيَاض الْعين وَسَوَاد سوادها. وتستدير حدقتها وترق جفونها ويبيض مَا حولهَا وَقيل: الْحور شدَّة سَواد المقلة فِي شدَّة بياضها فِي شدَّة بَيَاض الْجَسَد، وَقيل: الْحور أَن تسود الْعين كلهَا مثل الظباء وَالْبَقر، وَلَيْسَ فِي بني آدم حور، وَإِنَّمَا قيل للنِّسَاء: حور الْعُيُون لِأَنَّهُنَّ يشبهن بالظباء وَالْبَقر، وَقَالَ كرَاع: الْحور أَن يكون الْبيَاض محدقاً بِالسَّوَادِ كُله، وَإِنَّمَا يكون هَذَا فِي الْبَقر والظباء ثمَّ يستعار للنَّاس. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: لَا أَدْرِي مَا الْحور فِي الْعين، وَقد حور حوراً واحور، وَهُوَ أحور، وَامْرَأَة حوراء، وَعين حوراء، وَالْجمع حور، والأعراب تسمي نسَاء الْأَمْصَار: حواريات، لبياضهن وتباعدهن عَن قشف الأعرابيات بنظافتهن. قَوْله: (الْعين) ، بِكَسْر الْعين وَسُكُون الْيَاء: جمع عيناء، وَهِي: الواسعة الْعين، وَالرجل أعين، وأصل الْجمع بِضَم الْعين فَكسرت لأجل الْيَاء. قَوْله: (وصفتهن) ، يَأْتِي بَيَان بعض صفتهن فِي آخر حَدِيث الْبَاب. فَإِن قلت: مَا وَجه إِدْخَال هَذَا الْبَاب بَين هَذِه الْأَبْوَاب الْمَذْكُورَة هُنَا؟ قلت: لما ذكر دَرَجَات الْمُجَاهدين وَذكر أَن فِي الْجنَّة مائَة دَرَجَة، وَذكر أَيْضا أَن فِيهَا امْرَأَة لَو اطَّلَعت ... إِلَى آخِره، وَهِي من الْحور الْعين، ترْجم لَهَا بَابا بطرِيق الاستطراد. قَوْله: (يحار فِيهَا الطّرف) ، كَلَام مُسْتَأْنف، كَأَن قَائِلا يَقُول: مَا من صفتهن؟ فَقَالَ: يحار فِيهَا الطّرف، أَي: يتحير فِيهِنَّ الْبَصَر لحسنها، وَفِي (الْمغرب) : الطّرف تَحْرِيك الجفن بِالنّظرِ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الطّرف لَا يثنى وَلَا يجمع لِأَنَّهُ فِي الأَصْل مصدر، وَقيل: ظن البُخَارِيّ أَن اشتقاق الْحور من الْحيرَة، حَيْثُ قَالَ: يحار فِيهَا الطّرف، لِأَن أَصله: يحير، نقلت حَرَكَة الْيَاء إِلَى مَا قبلهَا، ثمَّ قلبت ألفا ومادته يائية، والحور من الْحور ومادته واوية، وَقَالَ بَعضهم: لَعَلَّ البُخَارِيّ لم يرد الِاشْتِقَاق الْأَصْغَر. قلت: لم يقل أحد الِاشْتِقَاق الْأَصْغَر، وَإِنَّمَا قَالُوا: الِاشْتِقَاق على ثَلَاثَة أَنْوَاع: اشتقاق صَغِير، واشتقاق كَبِير، واشتقاق أكبر، وَلَا يَصح أَن يكون الْحور مشتقاً من الْحيرَة على نوع من الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة، وَلَا يخفى ذَلِك على من لَهُ بعض يَد من علم الصّرْف. قَوْله: (شَدِيدَة سَواد الْعين) ، تَفْسِير الْعين بِالْكَسْرِ فِي قَوْله: بِالْكَسْرِ فِي قَوْله: الحورالعين، وَكَذَلِكَ قَوْله: (شَدِيدَة بَيَاض الْعين) وَالْعين فيهمَا بِالْفَتْح. قَوْله: (وزوجناهم: أنكحناهم) أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الدخن: ﴿كَذَلِك وزوجناهم بحور عين﴾ (الدُّخان: ٤٥) . مُنَاسبَة للتَّرْجَمَة لِأَنَّهَا فِي الْحور الْعين أَي كَمَا أكرمناهم بجنات وعيون ولباس كَذَلِك أكرمناهم بِأَن زوجناهم بحور عين وَتَفْسِيره بقوله: (أنكحناهم) ، قَول أبي عُبَيْدَة، وَفِي لفظ لَهُ: (زوجناهم: جعلناهم أَزْوَاجًا) أَي: اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، كَمَا تَقول: زوجت النَّعْل بالنعل.
٥٩٧٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا مُعاوِيَةُ بنُ عَمْرٍ وَقَالَ حدَّثنا أَبُو إسْحَاقَ عنْ حُمَيْدٍ قالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النبيِّ ﷺ قَالَ مَا منْ عَبْدٍ يَمُوتُ لَهُ عنْدَ الله خَيْرٌ يَسُرُّهُ أنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا وأنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إلَاّ الشَّهِيدَ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ فإنَّهُ يَسُرُّهُ أنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أخْرَى.
(الحَدِيث ٥٩٧٢ طرفه فِي: ٧١٨٢) .
٦٩٧٢ - قَالَ وسَمِعْتُ أنَسَ بنَ مَالِكٍ عنِ
стр. 4112
النَّبِيِّ ﷺ لَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ الله أوْ غَدْوةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ولقابُ قَوْسِ أحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ أوْ مَوْضِعُ قِيْدٍ يَعْنِي سَوْطَهُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ولَوْ أنَّ امْرَأةً مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ اطْلَعَتْ إلَى أهْلِ الأرْضِ لأضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا ولَمَلأتْهُ رِيحاً ولَنَصِيفُهَا على رأسِها خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيها.
(انْظُر الحَدِيث ٢٩٧٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَلَو أَن امْرَأَة) إِلَى آخر الحَدِيث، لِأَنَّهُ قَالَ فِي التَّرْجَمَة: الْحور الْعين وصفتهن، وَالْمَذْكُور فِيهِ صفتان عظيمتان من صِفَات الْحور الْعين إِحْدَاهمَا. قَوْله: (وَلَو أَن امْرَأَة من أهل الْجنَّة اطَّلَعت إِلَى أهل الدُّنْيَا لَأَضَاءَتْ) وَالْأُخْرَى قَوْله: (وَلنَصِيفهَا) إِلَى آخِره.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله أَبُو جَعْفَر الْجعْفِيّ البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي. الثَّانِي: مُعَاوِيَة بن عَمْرو الْأَزْدِيّ الْبَغْدَادِيّ، وَقد مر فِي الْجُمُعَة. الثَّالِث: أَبُو إِسْحَاق: اسْمه: إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْفَزارِيّ، سكن المصيصة من الشَّام. الرَّابِع: حميد الطَّوِيل. الْخَامِس: أنس بن مَالك.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو من شُيُوخ البُخَارِيّ يروي عَنهُ تَارَة بِوَاسِطَة كَمَا هُنَا وَتارَة بِلَا وَاسِطَة، فَأَنَّهُ روى عَنهُ فِي كتاب الْجُمُعَة بِلَا وَاسِطَة، وَمن اللطائف فِيهِ أَنه مُشْتَمل على أَرْبَعَة أَحَادِيث الأول: قَوْله: مَا من عبد يَمُوت ... إِلَى قَوْله: مرّة أُخْرَى. الثَّانِي: قَوْله: وَسمعت أنس بن مَالك ... إِلَى قَوْله: وَمَا فِيهَا. الثَّالِث: قَوْله: وَلَقَاب قَوس أحدكُم. الرَّابِع: قَوْله: وَلَو أَن امْرَأَة إِلَى آخِره.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يَمُوت) ، جملَة وَقعت صفة لعبد، وَكَذَلِكَ قَوْله: (لَهُ عِنْد الله خير) صفة أُخْرَى. قَوْله: خير، أَي: ثَوَاب. قَوْله: (يسره) جملَة وَقعت صفة لقَوْله: خير، قَوْله: (أَن يرجع) كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة، و: يرجع، لَازم. قَوْله: (وَأَن لَهُ الدُّنْيَا) ، بِفَتْح الْهمزَة عطف على: أَن يرجع، وَيجوز الْكسر على أَن يكون جملَة حَالية. قَوْله: (إلَاّ الشَّهِيد) ، مُسْتَثْنى من قَوْله: (يسره أَن يرجع) قَوْله: (لما يرى) بِكَسْر اللَّام التعليلية. قَوْله: (فَيقْتل) ، على صِيغَة الْمَجْهُول بِالنّصب عطفا على: أَن يرجع. قَوْله: (قَالَ: وَسمعت) ، أَي: قَالَ حميد الرَّاوِي: سَمِعت. قَوْله: (لَرَوْحَة) . وَقَوله: (وَلَقَاب قَوس) قد مر تفسيرهما عَن قريب. قَوْله: (أَو مَوضِع قيد) قَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ بَعضهم: وَقع فِي النّسخ: قيد، بِزِيَادَة الْيَاء، وَإِنَّمَا هُوَ بِكَسْر الْقَاف وَتَشْديد الدَّال لَا غير، وَهُوَ السَّوْط الْمُتَّخذ من الْجلد الَّذِي لم يدبغ، وَمن رَوَاهُ: قيد، بِزِيَادَة الْيَاء أَي: مِقْدَاره فقد صحف. قلت: لَا تَصْحِيف، إِذْ معنى الْكَلَام صَحِيح لَا ضَرُورَة إِلَيْهِ سلمنَا أَن المُرَاد: الْقد، غَايَة مَا فِي الْبَاب أَن يُقَال: قلبت إِحْدَى الدالين يَاء، وذكل كثير، وَفِي بَعْضهَا: قيد، بِدُونِ الْإِضَافَة إِلَى الضَّمِير مَعَ التَّنْوِين الَّذِي هُوَ عوض من الْمُضَاف إِلَيْهِ. انْتهى كَلَامه. وَقَالَ بَعضهم: قَوْله: يَعْنِي سَوْطه، تَفْسِير للقيد غير مَعْرُوف، وَلِهَذَا جزم بَعضهم أَنه تَصْحِيف، وَأَن الصَّوَاب: قد، بِكَسْر الْقَاف وَتَشْديد الدَّال وَهُوَ السَّوْط الْمُتَّخذ من الْجلد. ثمَّ قَالَ: قلت: وَدَعوى الْوَهم فِي التَّفْسِير أسهل من دَعْوَى التَّصْحِيف فِي الأَصْل، وَلَا سِيمَا والقيد بِمَعْنى القاب. انْتهى. قلت: قَول من قَالَ: إِن من رَوَاهُ: قيد، بِزِيَادَة الْيَاء أَي: مِقْدَاره، فقد صحف هُوَ الظَّاهِر، وَنفى الْكرْمَانِي التَّصْحِيف بقوله: غَايَة مَا فِي الْبَاب أَن يُقَال: قلبت إِحْدَى الدالين يَاء، وَذَلِكَ كثير، نَفْيه غير صَحِيح، لِأَن تَعْلِيله لدعواه تَعْلِيل من لَيْسَ لَهُ، وقُوف على علم الصّرْف، وَذَلِكَ أَن قلب أحد الحرفين المتماثلين يَاء إِنَّمَا يجوز إِذا أَمن اللّبْس، وَلَا لبس أَشد من الَّذِي يدعى أَن فِيهِ قلباً، فالقيد بِالْيَاءِ بعد الْقَاف هُوَ الْمِقْدَار، وَالْقد بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيد هُوَ السَّوْط الْمُتَّخذ من الْجلد، وَبَينهمَا بَون عَظِيم، وَأما قَول بَعضهم: دَعْوَى الْوَهم فِي التَّفْسِير ... إِلَى آخِره، فَغير مُتَّجه، لِأَن الْأَمر بِالْعَكْسِ، أَعنِي: دَعْوَى التَّصْحِيف فِي الأَصْل أسهل من دَعْوَى الْوَهم فِي التَّفْسِير، لِأَن التَّفْسِير مَبْنِيّ على صِحَة الأَصْل فَافْهَم، فَإِن فِيهِ دقة. قَوْله: (وَلَو أَن امْرَأَة من أهل الْجنَّة) ، ذكر الْعلمَاء أَن الْحور على أَصْنَاف مصنفة: صغَار وكبار، وعَلى مَا اشتهت نفس أهل الْجنَّة.
وَذكر ابْن وهب عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ أَنه قَالَ: وَالَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، لَو أَن امْرَأَة من الْحور أطلعت سواراً لَهَا لأطفأ نور سوارها نور الشَّمْس وَالْقَمَر، فَكيف الْمسور؟ وَإِن خلق الله شَيْئا يلْبسهُ إلَاّ عَلَيْهِ مثل مَا عَلَيْهَا من ثِيَاب وحلي. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: (إِن فِي الْجنَّة حوراء يُقَال لَهَا: العيناء، إِذا مشت
стр. 4113
مَشى حولهَا سَبْعُونَ ألف وصيفة عَن يَمِينهَا وَعَن يسارها، كَذَلِك، وَهِي تَقول: أَيْن الآمرون بِالْمَعْرُوفِ والناهون عَن الْمُنكر؟ وَقَالَ ابْن عَبَّاس: (فِي الْجنَّة حوراء يُقَال لَهَا العيناء، لَو بزقت فِي الْبَحْر لعذب مَاؤُهُ) . وَقَالَ ﷺ : (رَأَيْت لَيْلَة الْإِسْرَاء حوراء جبينها كالهلال، فِي رَأسهَا مائَة ضفيرة، مَا بَين الضفيرة والضفيرة سَبْعُونَ ألف ذؤابة، والذوائب أضوء من الْبَدْر وخلخالها مكلل بالدر، وصنوف الْجَوَاهِر وعَلى جبينها سطران مكتوبان بالدر والجوهر، فِي الأول: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، وَفِي الثَّانِي: من أَرَادَ مثلي فليعمل بِطَاعَة رَبِّي. فَقَالَ لي جِبْرِيل: هَذِه وأمثالها لأمتك) . وَقَالَ ابْن مَسْعُود: (إِن الْحَوْرَاء ليرى مخ سَاقهَا من وَرَاء اللَّحْم والعظم، وَمن تَحت سبعين حلَّة، كَمَا يرى الشَّرَاب فِي الزّجاج الْأَبْيَض) . وَرُوِيَ أَن سيدنَا رَسُول الله، ﷺ سُئِلَ عَن الْحور: من أَي شَيْء خُلِقْنَ؟ فَقَالَ: (من ثَلَاثَة أَشْيَاء: أسفلهن من الْمسك، وأوسطهن من العنبر، وأعلاهن من الكافور، وحواجبهن سَواد خطّ فِي نور) . وَفِي لفظ: سَأَلت جِبْرِيل، ﵊، عَن كَيْفيَّة خَلقهنَّ، فَقَالَ: يخلقهن رب الْعَالمين من قضبان العنبر والزعفران مضروبات عَلَيْهِنَّ الْخيام، أول مَا يخلق مِنْهُنَّ نهد من مسك إذفر أَبيض عَلَيْهِ يلتام الْبدن. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: خلقت الْحَوْرَاء من أَصَابِع رِجْلَيْهَا إِلَى ركبتيها من الزَّعْفَرَان، وَمن ركبتيها إِلَى ثدييها من الْمسك الإذفر، وَمن ثدييها إِلَى عُنُقهَا من العنبر الْأَشْهب، وعنقها من الكافور الْأَبْيَض، تلبس سَبْعُونَ ألف حلَّة مثل شقائق النُّعْمَان، إِذا أَقبلت يتلألأ وَجههَا ساطعاً كَمَا تتلألأ الشَّمْس لأهل الدُّنْيَا، وَإِذا أَقبلت ترى كَبِدهَا من رقة ثِيَابهَا وجلدها، فِي رَأسهَا سَبْعُونَ ألف ذؤابة من الْمسك، لكل ذؤابة مِنْهَا وصيفة ترفع ذيلها ... وَهَذِه الْأَحَادِيث كلهَا نقلتها من (التَّلْوِيح) وَمَا وقفت على أَصْلهَا فِيهِ.
قَوْله: (ريحًا) أَي: عطراً. قَوْله: (وَلنَصِيفهَا) ، بِفَتْح اللَّام الَّتِي هِيَ للتَّأْكِيد، وَفتح النُّون وَكسر الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره فَاء: وَهُوَ الْخمار، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْمِيم.
٧ - (بابُ تَمَنِّي الشَّهَادَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز تمني الشَّهَادَة.
٧٩٧٢ - حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ أخبرَنا شُعَيْبٌ عَن الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبرَنِي سَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقولُ والَّذيِ نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلا أنَّ رِجالاً مِنَ المُؤْمِنِينَ لَا تَطِيبُ أنْفُسُهُمْ أنْ يتَخَلَّفُوا عَنِّي ولَا أجِدُ مَا أحْمِلُهُم عَلَيْهِ مَا تَخَلَّفْتُ عنُ سريَّةٍ تَغْزو فِي سَبِيلِ الله والَّذي نَفْسي بِيَدِهِ لوَدَدْتُ أنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ الله ثُمَّ أحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث، فَإِن فِيهِ تمني الشَّهَادَة، وَهَذَا السَّنَد بِعَيْنِه قد مضى غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع. وَهَذَا الحَدِيث رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة من وَجه وَمضى فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب الْجِهَاد من الْإِيمَان.
قَوْله: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَن رجَالًا من الْمُؤمنِينَ لَا تطيب أنفسهم) ، وَفِي رِوَايَة أبي زرْعَة وَأبي صَالح: (لَوْلَا أَن أشق على أمتِي) ، وَرِوَايَة الْبَاب تفسر المُرَاد بالمشقة الْمَذْكُورَة، وَهِي أَن نُفُوسهم لَا تطيب بالتخلف، وَلَا يقدرُونَ على التأهب لعجزهم عَن آلَة السّفر من مركوب وَغَيره، وَتعذر وجوده عِنْد النَّبِي ﷺ ، وَصرح بذلك فِي رِوَايَة هما، وَلَفظه: (وَلَكِن لَا أجد سَعَة فأحملهم، وَلَا يَجدونَ سَعَة فيتبعوني، وَلَا تطيب أنفسهم أَن يقعدوا بعدِي) . قَوْله: (عَن سَرِيَّة) ، أَي: قِطْعَة من الْجَيْش يبلغ أقصاها أَرْبَعمِائَة تبْعَث إِلَى الْعَدو، وَجمعه: السَّرَايَا، سموا بذلك لأَنهم يكونُونَ خُلَاصَة الْعَسْكَر وخيارهم، من الشَّيْء السّري: النفيس. قَوْله: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْت) وَوَقع فِي رِوَايَة أبي زرْعَة بِلَفْظ: (ولددت أَنِّي أقتل) ، بِحَذْف الْقسم. قَوْله: (أَنِّي أقتل فِي سَبِيل الله) ، اسْتشْكل بَعضهم صُدُور هَذَا الْيَمين من النَّبِي، ﷺ ، مَعَ علمه بِأَنَّهُ لَا يقتل، وَأجَاب ابْن التِّين بِأَن ذَلِك لَعَلَّه كَانَ قبل نزُول قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله يَعْصِمك من النَّاس﴾ (الْمَائِدَة: ٧٦) . وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن نزُول هَذِه الْآيَة كَانَ فِي أَوَائِل مَا قدم الْمَدِينَة، وَقد صرح أَبُو هُرَيْرَة بِسَمَاعِهِ من النَّبِي، ﷺ ، وَكَانَ قدومه فِي أَوَائِل سنة سبع من
стр. 4114
الْهِجْرَة. وَأجَاب بَعضهم بِأَن تمني الْفضل وَالْخَيْر لَا يسْتَلْزم الْوُقُوع. قلت: أَو هُوَ ورد على الْمُبَالغَة فِي فضل الْجِهَاد وَالْقَتْل فِيهِ، وَسَيَجِيءُ عَن أنس فِي الشَّهِيد: (أَنه يتَمَنَّى أَن يرجع إِلَى الدُّنْيَا فَيقْتل عشر مَرَّات لما يرى من الْكَرَامَة) ، وروى الْحَاكِم بِسَنَد صَحِيح عَن جَابر: كَانَ النَّبِي، ﷺ إِذا ذكر أَصْحَاب أحد، قَالَ: (وَالله لَوَدِدْت أَنِّي غودرت مَعَ أَصْحَابِي بفحص الْجَبَل) ، وفحص الْجَبَل مَا بسط مِنْهُ وكشف من نواحيه.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَنه ﷺ كَانَ يتَمَنَّى من أَفعَال الْخَيْر مَا يعلم أَنه لَا يعطاه، حرصاً مِنْهُ على الْوُصُول إِلَى أَعلَى دَرَجَات الشَّاكِرِينَ، وبذلاً لنَفسِهِ فِي مرضاة ربه، وإعلاء كلمة دينه، ورغبته فِي الإزدياد من ثَوَاب ربه، ولتتأسي بِهِ أمته فِي ذَلِك، وَقد يُثَاب الْمَرْء على نِيَّته، وَسَيَأْتِي فِي كتاب التَّمَنِّي مَا يتمناه الصالحون مِمَّا لَا سَبِيل إِلَى كَونه. وَفِيه: إِبَاحَة الْقسم بِاللَّه على كل مَا يَعْتَقِدهُ الْمَرْء بِمَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى يَمِين وَمَا لَا يحْتَاج، وَكَذَا مَا كَانَ يَقُول فِي كَلَامه: (لَا ومقلب الْقُلُوب) ، لِأَن فِي الْيَمين بِاللَّه توحيداً وتعظيماً لَهُ تَعَالَى، وَإِنَّمَا يكره تعمد الْحِنْث. وَفِيه: أَن الْجِهَاد لَيْسَ بِفَرْض معِين على كل أحد، وَلَو كَانَ معينا مَا تخلف الشَّارِع وَلَا أَبَاحَ لغيره التَّخَلُّف عَنهُ، وَلَو شقّ على أمته إِذا كَانُوا يطيقُونَهُ، هَذَا إِذا كَانَ الْعَدو لم يفجأ الْمُسلمين فِي دَارهم وَلَا ظهر عَلَيْهِم وإلَاّ فَهُوَ فرض عين على كل من لَهُ قُوَّة. وَفِيه: أَن الإِمَام والعالم يجوز لَهما ترك فعل الطَّاعَة إِذا لم يطق أَصْحَابه ونصحاؤه على الْإِتْيَان بِمثل مَا يقدر عَلَيْهِ، هُوَ مِنْهَا إِلَى وَقت قدرَة الْجَمِيع عَلَيْهَا، وَذَلِكَ من كرم الصُّحْبَة وآداب الْأَخْلَاق. وَفِيه: عظم فضل الشَّهَادَة.
٨٩٧٢ - حدَّثنا يُوسُفُ بنُ يَعْقُوبَ الصَّفَارُ قل حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ علَيَّةَ عنْ أيُّوبَ عنْ حُمِيدِ بنِ هِلَالٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ خطَبَ النبيُّ ﷺ فَقَالَ أخذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فأصِيبَ ثُمَّ أخَذَهَا جَعْفَرٌ فأصِيبَ ثُمَّ أخَذَهَا عَبْدُ الله بنُ رَوَاحَةَ فأصِيبَ ثُمَّ أخَذَهَا خالِدُ بنُ الوَلِيدِ عنْ غَيْرِ إمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ وقالَ مَا يَسُرُّنَا أنَّهُمْ عنْدَنا قَالَ أيُّوبُ أوْ قالَ مَا يَسُرُّهُمْ أنَّهُمْ عِنْدَنا وعَيْنَاهُ تَذْرِفَانَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (مَا يسرهم أَنهم عندنَا) وَذَلِكَ أَنهم لما رَأَوْا من الْكَرَامَة بِالشَّهَادَةِ فَلَا يعجبهم أَن يعودوا إِلَى الدُّنْيَا، كَمَا كَانُوا من غير أَن يستشهدوا مرّة أُخْرَى، ويوسف بن يَعْقُوب الصفار، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَتَشْديد الْفَاء وبالراء: الْكُوفِي، مَاتَ فِي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَلم يخرج لَهُ البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَحميد بن بِلَال ابْن هُبَيْرَة الْعَدوي الْبَصْرِيّ.
وَهَذَا الحَدِيث قد مر فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب الرجل ينعى إِلَى أهل الْمَيِّت، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (زيد) ، هُوَ زيد بن حَارِثَة، وجعفر هُوَ ابْن أبي طَالب، وَعبد الله بن رَوَاحَة، بِفَتْح الرَّاء وَتَخْفِيف الْوَاو وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة. قَوْله: (عَن غير إمرة) بِكَسْر الْهمزَة، أَي: بِغَيْر أَن يَجعله أحد أَمِيرا لَهُم. قَوْله: (قَالَ أَيُّوب) هُوَ الرَّاوِي الْمَذْكُور. قَوْله: (أَو قَالَ) ، شكّ من أَيُّوب. قَوْله: (تَذْرِفَانِ) ، أَي: تسيلان دمعاً، وَالْجُمْلَة حَالية.
٨ - (بابُ فَضْلِ مَنْ يُصْرَعُ فِي سَبِيلِ الله فَمَاتَ فَهْوَ مِنْهُمْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من يصرع، وَكلمَة: من، مَوْصُولَة تَضَمَّنت معنى الشَّرْط فَلذَلِك دخلت الْفَاء فِي جوابها، وَهُوَ قَوْله: فَهُوَ مِنْهُم، أَي: من الْمُجَاهدين. قَوْله: (فَمَاتَ) ، عطف على قَوْله: يصرع، وَعطف الْمَاضِي على الْمُضَارع قَلِيل. وَقَوله: (فَمَاتَ) ، سقط من رِوَايَة النَّسَفِيّ.
وقَوْلِ الله تعَالَى ﴿ومنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرَاً إلَى الله ورسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ علَى الله﴾ (النِّسَاء: ٠٠١) . وَقَعَ وجبَ
وَقَول الله، مجرور عطفا على قَوْله: فضل من يصرع، وَقَالَ أَبُو عمر: روى هشيم عَن أبي بشر عَن سعيد بن جُبَير، فِي قَوْله:
стр. 4115
﴿وَمن يخرج من بَيته مُهَاجرا إِلَى الله وَرَسُوله﴾ (النِّسَاء: ٠٠١) . قَالَ: كَانَ رجل من خُزَاعَة يُقَال لَهُ ضَمرَة بن الْعيص بن ضَمرَة بن زنباع الْخُزَاعِيّ، لما أمروا بِالْهِجْرَةِ، وَكَانَ مَرِيضا، فَأمر أَهله أَن يفرشوا لَهُ على سَرِير ويحملوه إِلَى رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: فَفَعَلُوا، فَأَتَاهُ الْمَوْت وَهُوَ بِالتَّنْعِيمِ، فَنزلت هَذِه الْآيَة. وَقد قيل فِي ضَمرَة هَذَا: أَبُو ضَمرَة بن الْعيص، قَالَ أَبُو عمر: وَالصَّحِيح أَنه ضَمرَة لَا أَبُو ضَمرَة، روينَا عَن زيد بن حَكِيم عَن الحكم بن أبان قَالَ: سَمِعت عِكْرِمَة يَقُول: اسْم الَّذِي خرج من بَيته مُهَاجرا إِلَى الله وَرَسُوله ضَمرَة بن الْعيص، قَالَ عِكْرِمَة: طلبت اسْمه أَربع عشرَة سنة حَتَّى وقفت عَلَيْهِ. فَإِن قلت: مَا الْمُنَاسبَة بَين التَّرْجَمَة وَالْآيَة؟ قلت: يُدْرِكهُ الْمَوْت، أَعم من أَن يكون بقتل، أَو وُقُوع من دَابَّته أَو غير ذَلِك. قَوْله: (وَقع وَجب) ، لم يثبت هَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَثَبت لغيره، وَقد فسره أَبُو عُبَيْدَة هَكَذَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فقد وَقع أجره على الله﴾ (النِّسَاء: ٠٠١) . أَي: وَجب ثَوَابه.
٠٠٨٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يوسُفَ قَالَ حدَّثني اللَّيْثُ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ مُحَمَّدِ بنِ يَحْيَى بنِ حَبَّانَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ عَن خالَتِهِ أمِّ حرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ قالَتْ نامَ النبيُّ ﷺ يَوْماً قَرِيباً مِنِّي ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَتَبَسَّمُ فَقُلْتُ مَا أضْحَكَكَ قَالَ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا علَيَّ يَرْكَبُونَ هَذَا البَحْرَ الأخْضَرَ كالمُلُوكِ علَى الأسِرَّةِ قالَتْ فادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فدَعَا لَهَا ثُمَّ نامَ الْثَّانِيَةَ فَفَعَلَ مِثْلَهَا فقَالَتْ مِثْلَ قَوْلِهَا فأجابَهَا مِثْلَها فقالَتِ ادْعُ الله أنْ يَجْعَلنِي مِنْهُمْ فَقَالَ أنْتِ منَ الأوَّلِينَ فخَرَجَتْ معَ زَوْجِها عُبَادةَ بنِ الصَّامِتِ غازِياً أوَّلَ مَا رَكِبَ المسْلِمُونَ البَحْرَ معَ مُعَاوِيَةَ فلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ غَزْوِهِمْ قافِلِينَ فنَزَلُوا الشَّامَ فقُرِّبَتْ إلَيْهَا دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا فصَرَعَتْهَا فَماتَتْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فصرعتها فَمَاتَتْ) ، لِأَنَّهَا صرعت فِي سَبِيل الله تَعَالَى. وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَمُحَمّد بن يحيى ابْن حبَان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، مر فِي الْوضُوء، وَفِي الْإِسْنَاد تابعيان: يحيى وَمُحَمّد، وصحابيان: أنس وخالته، وَقد مر الحَدِيث عَن قريب فِي: بَاب الدُّعَاء بِالْجِهَادِ، وروى ابْن وهب من حَدِيث عقبَة بن عَامر مَرْفُوعا: (من صرع عَن دَابَّته فِي سَبِيل الله فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيد) ، وَلما لم يكن هَذَا الحَدِيث على شَرطه أَشَارَ إِلَيْهِ فِي التَّرْجَمَة وَلم يُخرجهُ. فَإِن قيل: قَالَ فِي: بَاب العاء بِالْجِهَادِ: فصرعت عَن دابتها، أَي: بعد الرّكُوب، وَهنا: فقربت دَابَّة لتركبها فصرعتها، أَي: قبل الرّكُوب. أُجِيب: بِأَن الْفَاء فصيحة، أَي: فركبتها فصرعتها. قَوْله: (فَلَمَّا انصرفوا من غزوهم قافلين) أَي: رَاجِعين من غزوهم. قَوْله: (فنزلوا الشَّام) أَي: متوجهين إِلَى نَاحيَة الشَّام.
٩ - (بابُ منْ يُنْكَبُ فِي سَبِيلِ الله)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من ينكب، وَهُوَ على الْمَجْهُول من الْمُضَارع من النكبة، وَهُوَ أَن يُصِيب الْعُضْو شَيْء فيدميه، كَذَا قَالَ بَعضهم. قلت: هَذَا التَّفْسِير غير صَحِيح، بل النكبة أَعم من ذَلِك، قَالَ ابْن الْأَثِير: النكبة مَا يُصِيب الْإِنْسَان من الْحَوَادِث، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: النكبة وَاحِدَة نكبات الدَّهْر،، تَقول: أَصَابَته نكبة، وَفِي بعض النّسخ: بَاب من تنكب، على وزن: تفعل من بَاب التفعل، وَفِي بَعْضهَا أَيْضا: أَو يطعن، بعد قَوْله: فِي سَبِيل الله.
١٠٨٢ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ الحَوْضِيُّ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ عنْ أسْحَاقَ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ بعَثَ النبيُّ ﷺ أَقْوَامًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ إِلَى بَنِي عامِرٍ فِي سَبْعِينَ رَجُلاً فلَمَّا قَدِمُوا قَالَ لَهُمْ خَالِي أتَقَدَّمُكُمْ فإنْ أمَّنُونِي حَتَّى أُبَلِّغُهُمْ عنْ رسولِ الله ﷺ وإلَاّ كُنْتُمْ مِنِّي قَرِيباً فتَقَدَّمَ فأمَّنُوهُ فبَيْنَمَا يُحَدِّثُهُمْ عنِ النبيِّ ﷺ إذْ أوْمؤا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَطَعَنَهُ فأنْفَذَهُ فَقَالَ الله أكبَرُ فُزْتَ ورَبِّ الكعْبَةِ ثُمَّ مالُو علَى بَقِيَّةِ أصْحَابِهِ فقَتَلُوهُمْ إلَاّ رَجُلٌ أعْرَجُ صَعِدَ
стр. 4116
الجَبَلَ قَالَ هَمَّامٌ فأُرَاهُ آخَرَ مَعَهُ فأخْبَرَ جِبْرِيلُ ﵇ النبيَّ ﷺ أنَّهُمْ قدْ لَقُوا رَبَّهُمْ فَرَضِيَ عَنْهُمْ وأرْضَاهُمْ فَكُنَّا نَقْرَأُ ﴿أنْ بَلِّغُوا قَوْمَنَا أنْ قَدْ لَقينا رَبَّنَا فرَضِيَ عنَّا وأرْضَانَا ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ فدَعا علَيْهِمْ أرْبَعِينَ صباحَاً علَى رِعْلٍ وذَكْوَانَ وبَنِي لِحْيَانَ وبَني عُصَيَّةَ الَّذِينَ عَصَوُا الله ورسُولَهُ ﷺ ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي كَون هَذَا الْبَعْث الْمَذْكُور قد نكبوا فِي سَبِيل الله بِالْقَتْلِ.
وَحَفْص بن عمر بن الْحَارِث أَبُو عمر الحوضي، والحوضي: نِسْبَة إِلَى حَوْض دَاوُد، وَهِي محلّة بِبَغْدَاد، وَحَفْص من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَهَمَّام، بِالتَّشْدِيدِ: ابْن يحيى الْبَصْرِيّ، وَإِسْحَاق هُوَ ابْن عبد الله بن أبي طَلْحَة.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل.
قَوْله: (من بني سليم) ، قَالَ الدمياطي: هُوَ وهم، فَإِن بني سليم مَبْعُوث إِلَيْهِم، والمبعوث هم الْقُرَّاء، وهم من الْأَنْصَار. وَقَالَ الْكرْمَانِي: بَنو سليم، بِضَم الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، قيل: إِنَّه وهم من الْمُؤلف، إِذْ الْمَبْعُوث إِلَيْهِم هم من بني سليم لِأَن رعلاً هُوَ ابْن مَالك بن عَوْف بن امرىء الْقَيْس بن بهثة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْهَاء وبالمثلثة: ابْن سليم بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن خصفة، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ثمَّ الصَّاد الْمُهْملَة وَالْفَاء المفتوحات. وذكوان هُوَ ابْن ثَعْلَبَة بن بهثة. وَعصيَّة هُوَ ابْن خفاف، بِضَم الْمُعْجَمَة وخفة الْفَاء الأولى: ابْن امرىء الْقَيْس بن بهثة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: رعل وذكوان قبيلتان من بني سليم، وَعصيَّة بطن من بني سليم. وَقَالَ بَعضهم: الْوَهم من حَفْص بن عمر شيخ البُخَارِيّ، فقد أخرجه هُوَ فِي الْمَغَازِي: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن همام، فَقَالَ: بعث أَخا لأم سليم فِي سبعين رَاكِبًا، وَكَانَ رَئِيس الْمُشْركين عَامر بن الطُّفَيْل، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الطُّفَيْل هُوَ ابْن مَالك بن خصفة، فَهُوَ إِذن هُوَ أَبُو سليم، وَأما بَنو عَامر فهم أَوْلَاد عَامر بن صعصعة، بالمهملات، ثمَّ قَالَ: إعلم أَنه لَا وهم فِي كَلَام البُخَارِيّ، إِذْ يجوز أَن يُقَال: إِن أَقْوَامًا، هُوَ مَنْصُوب بِإِسْقَاط الْخَافِض، أَي: إِلَى أَقوام من بني سليم منضمين إِلَى بني عَامر. فَإِن قلت: أَيْن مفعول بعث؟ قلت: اكْتفى بِصِيغَة الْمَفْعُول عَن الْمَفْعُول أَي بعث بعثاً أَو طَائِفَة، فِي جملَة سبعين أَو كلمة: فِي، تكون زَائِدَة، وَسبعين هُوَ الْمَفْعُول، وَمثله قَوْله:
(وَفِي الرَّحْمَن للضعفاء كافٍ)
أَي: الرَّحْمَن كافٍ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ (الْأَحْزَاب: ١٢) . وَأهل الْمعَانِي يسمونها: بفي، التجريدية. وَقد يُجَاب أَيْضا: بِأَن: من لَيْسَ بَيَانا بل ابتدائية، أَي: بعث من جهتهم، أَو بعث بعثاً يساويهم بَنو سليم. انْتهى. قلت: هَذَا كُله تعسف، أما النصب بِنَزْع الْخَافِض فَهُوَ خلاف الأَصْل، وَإِن كَانَ مَوْجُودا فِي الْكَلَام، وَأما حذف الْمَفْعُول فشائع ذائع، لَكِن لَا بُد من نُكْتَة فِيهِ، وَأما القَوْل بِزِيَادَة كلمة: فِي، فَغير صَحِيح، وَالَّذِي أجَازه خصّه بِالضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَة هَهُنَا، وَأما تمثيله بقول الشَّاعِر:
(وَفِي الرَّحْمَن للضعفاء كافٍ)
فَلَا يتم، لِأَنَّهُ من بَاب الضَّرُورَة، على أَنه يُمكن أَن يُقَال: إِن كافٍ بمعني: كِفَايَة، لِأَن وزن كافٍ فِي الأَصْل: فَاعل، وَيَأْتِي بِمَعْنى الْمصدر، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لوقعتها كَاذِبَة﴾ (الْوَاقِعَة: ٢) . أَي: تكذب، فَإِن كَاذِبَة على وزن فاعلة، وَهُوَ بِمَعْنى الْمصدر. قَوْله: (فِي سبعين رجلا) ، قَالَ التوربشتي: كَانُوا من أوراع النَّاس ينزلون الصّفة يتعلمون الْقُرْآن، وَكَانُوا ردأ للْمُسلمين إِذا نزلت بهم نازلة، بَعثهمْ رَسُول الله، ﷺ إِلَى أهل نجد لِيَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَام، فَلَمَّا نزلُوا بِئْر مَعُونَة، بِفَتْح الْمِيم وبالنون، قصدهم عَامر بن الطُّفَيْل فِي أَحيَاء من بني سليم، وهم: رعل وذكوان وَعصيَّة، فَقَتَلُوهُمْ. قلت: كَانَت سَرِيَّة بِئْر مَعُونَة فِي صفر من سنة أَربع من الْهِجْرَة، وَأغْرب محكول حَيْثُ قَالَ: إِنَّهَا كَانَت بعد الخَنْدَق. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: فَأَقَامَ رَسُول الله، ﷺ بعد أحد بَقِيَّة شَوَّال وَذُو الْقعدَة وَذُو الْحجَّة وَالْمحرم، ثمَّ بعث أَصْحَاب بِئْر مَعُونَة فِي صفر على رَأس أَرْبَعَة أشهر من أحد، قَالَ مُوسَى بن عقبَة. وَكَانَ أَمِير الْقَوْم الْمُنْذر بن عَمْرو، وَيُقَال: مرْثَد بن أبي مرْثَد. قَوْله: (خَالِي) ، هُوَ حرَام ضد حَلَال ابْن ملْحَان. قَوْله: (وإلَاّ) أَي: وَإِن لم يُؤمنُوا. قَوْله: (فَبَيْنَمَا يُحَدِّثهُمْ) أَي: يحدث بني سليم. قَوْله: (إِذْ) ، جَوَاب: بَيْنَمَا. قَوْله: (أومؤا) أَي: أشاروا. قَوْله: (فأنفذه) ، بِالْفَاءِ والذال الْمُعْجَمَة، من: نفذ السهْم من الرَّمية. قَوْله: (إِلَّا رجل أعرج) ، ويروى: رجلا، بِالنّصب. وَقَالَ الْكرْمَانِي وَفِي بعض الرِّوَايَات: كتب، بِدُونِ الْألف على اللُّغَة الربيعية. قَوْله: (قَالَ همام) ، وَهُوَ من رُوَاة الحَدِيث الْمَذْكُور فِي سَنَده. قَوْله: (فَأرَاهُ) ، أَي: أَظُنهُ و: يرى بِالْوَاو وَأرَاهُ. قَوْله: (فَكُنَّا نَقْرَأ: أَن بلغُوا)
стр. 4117
إِلَى آخِره، أنزل الله تَعَالَى على النَّبِي، ﷺ فِي حَقهم هَذَا ثمَّ نسخ بعد ذَلِك. قَوْله: (فَدَعَا) أَي: النَّبِي، ﷺ ، عَلَيْهِم أَرْبَعِينَ صباحاً فِي الْقُنُوت. قَوْله: (على رعل) ، بدل من: عَلَيْهِم، بِإِعَادَة الْعَامِل، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿للَّذين استضعفوا لمن آمن مِنْهُم﴾ (الْأَعْرَاف: ٥٧) . ورعل، بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة، وذكوان، بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الْكَاف، وَعصيَّة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: جَوَاز الدُّعَاء على أهل الْغدر وانتهاك الْمَحَارِم، والإعلان بإسمهم وَالتَّصْرِيح بذكرهم. وَجَاء من حَدِيث أنس فِي بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا﴾ (آل عمرَان: ٩٦١) . أَنه دَعَا عَلَيْهِم ثَلَاثِينَ صباحاً، وَهنا: فَدَعَا عَلَيْهِم أَرْبَعِينَ صباحاً، وَفِي (الْمُسْتَدْرك) : قنت رَسُول الله، ﷺ عشْرين يَوْمًا.
٢٠٨٢ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنِ الأسْوَدِ بنِ قَيْسٍ عنْ جُنْدَبِ ابنِ سُفْيَانَ أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ فِي بَعْضِ المَشَاهِدِ وقَدْ دَمِيَتْ إصْبَعُهُ فَقَالَ:
(هلْ أنْتِ إلَاّ إصْبَعٌ دَميتِ ... وفِي سَبِيلِ الله مَا لَقِيتِ)
(الحَدِيث ٢٠٨٢ طرفه فِي: ٦٤١٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَقد دميت إصبعه) ، لِأَنَّهُ نكب فِي إصبعه، وَأَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين: الوضاح الْيَشْكُرِي، وَالْأسود ابْن قيس أَخُو عَليّ بن قيس البَجلِيّ الْكُوفِي، وجندب، بِضَم الْجِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال وَضمّهَا: ابْن عبد الله بن سُفْيَان البَجلِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن أبي نعيم عَن الثَّوْريّ. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن يحيى وقتيبة، كِلَاهُمَا عَن أبي عوَانَة وَعَن أبي بكر وَإِسْحَاق كِلَاهُمَا عَن ابْن عُيَيْنَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير وَفِي الشَّمَائِل عَن ابْن أبي عمر عَن ابْن عُيَيْنَة وَفِي الشَّمَائِل عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن عَمْرو بن مَنْصُور.
قَوْله: (الْمشَاهد) ، أَي: الْمَغَازِي، وَسميت بهَا لِأَنَّهَا مَكَان الشَّهَادَة. قَوْله: (وَقد دميت أُصْبُعه) ، يُقَال: دمي الشَّيْء يدمى دَمًا، ودمياً، فَهُوَ دم، مثل: فرق يفرق فرقا فَهُوَ فرق، وَالْمعْنَى: أَن إصبعه جرحت فَظهر مِنْهَا الدَّم. قَوْله: (هَل أَنْت؟) مَعْنَاهُ: مَا أَنْت إلَاّ إِصْبَع دمِيتِ. قَالَ النَّوَوِيّ: الرِّوَايَة الْمَعْرُوفَة كسر التَّاء، وسكنها بَعضهم، والإصبع فِيهَا عشر لُغَات: تثليث الْهمزَة، مَعَ تثليث الْبَاء، والعاشرة: أصبوع. قَوْله: (دميت) ، بِفَتْح الدَّال: صفة للإصبغ، والمستثنى فِيهِ أَعم عَام الصّفة أَي: مَا أَنْت يَا إِصْبَع مَوْصُوفَة بِشَيْء إلَاّ بِأَن دميت، كَأَنَّهَا لما توجعت خاطبها على سَبِيل الِاسْتِعَارَة أَو الْحَقِيقَة معْجزَة تسلياً لَهَا، أَي: تثبتي فَإنَّك مَا ابْتليت بِشَيْء من الْهَلَاك وَالْقطع سوى أَنَّك دميت، وَلم يكن ذَلِك أَيْضا هدرا بل كَانَ فِي سَبِيل الله وَرضَاهُ. قيل: كَانَ ذَلِك فِي غَزْوَة أحد. وَفِي (صَحِيح مُسلم) : كَانَ النَّبِي، ﷺ فِي غَار فنكبت أُصْبُعه، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: قَالَ أَبُو الْوَلِيد: لَعَلَّه غازياً فتصحف، كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: فِي بعض الْمشَاهد، وكما جَاءَ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ: يمشي إِذا أَصَابَهُ حجر، فَقَالَ القَاضِي: قد يُرَاد بِالْغَارِ الْجمع والجيش لَا الْكَهْف، وَمِنْه قَول عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: مَا ظَنك بامرىء جمع بَين هذَيْن الغارين؟ أَي العسكرين قَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) هَذَا شعر وَقد نفى الله تَعَالَى عَنهُ أَن يكون شَاعِر أفلت أجابوا عَنهُ بِوُجُوه بِأَنَّهُ رجز، وَالرجز لَيْسَ بِشعر، كَمَا هُوَ مَذْهَب الْأَخْفَش، وَإِنَّمَا يُقَال لصانعه: فلَان الراجز، وَلَا يُقَال: الشَّاعِر، إِذْ الشّعْر لَا يكون إلَاّ بَيْتا تَاما مقفًى على أحد أَنْوَاع الْعرُوض الْمَشْهُورَة. وَبِأَن الشّعْر لَا بُد فِيهِ من قصد ذَلِك، فَمَا لم يكن مصدره عَن نِيَّة لَهُ وروية فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ على اتِّفَاق كَلَام يَقع مَوْزُونا بِلَا قصد إِلَيْهِ لَيْسَ مِنْهُ كَقَوْلِه: ﴿وجفان كالجواب وقدور راسيات﴾ (سبإ: ٣١) . وكما يحْكى عَن السُّؤَال: اختموا صَلَاتكُمْ بِالدُّعَاءِ وَالصَّدَََقَة، وَعَن بعض المرضى وَهُوَ يعالج الكي ويتضور: إذهبوا بِي إِلَى الطَّبِيب، وَقُولُوا: قد اكتوى. وَبِأَن الْبَيْت الْوَاحِد لَا يُسمى شعرًا، وَقَالَ بَعضهم: ﴿وَمَا علمناه الشّعْر﴾ (يس: ٩٦) . هُوَ رد على الْكفَّار الْمُشْركين فِي قَوْلهم: بل هُوَ شَاعِر، وَمَا يَقع على سَبِيل الندرة لَا يلْزمه هَذَا الإسم، إِنَّمَا الشَّاعِر هُوَ الَّذِي ينشد الشّعْر ويشبب، ويمدح ويذم ويتصرف فِي الأفانين وَقد برأَ الله تَعَالَى رَسُوله ﷺ عَن ذَلِك، وصان قدره عَنهُ، فَالْحَاصِل أَن الْمَنْفِيّ هُوَ صَنْعَة الشاعرية لَا غير، وَفِي (التَّوْضِيح) : هَل أنتِ إلَاّ اصبع ... إِلَى آخِره، رجز مَوْزُون، وَقد يَقع على لِسَانه ﷺ مِقْدَار الْبَيْت من الشّعْر أَو الْبَيْتَيْنِ من الرجز كَقَوْلِه:
(أَنا النَّبِي لَا كذِب ... أَنا ابنُ عبد المُطلب)
стр. 4118
فَلَو كَانَ هَذَا شعرًا لَكَانَ خلاف قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا علمناه الشّعْر وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ (يس: ٩٦) . وَالله يتعالى أَن يَقع شَيْء من خَبره أَن يُوجد على خلاف مَا أخبر بِهِ، وَوُقُوع الْكَلَام الْمَوْزُون فِي النَّادِر من غير قصد لَيْسَ بِشعر، لِأَن ذَلِك غير مُمْتَنع على أحد من الْعَامَّة، والباعة، أَن يَقع لَهُ كَلَام مَوْزُون، فَلَا يكون بذلك شَاعِرًا مثل قَوْلهم:
(إسقني فِي الكوزِ مَاء يَا فلَان ... واسرِجِ الْبَغْل وجئني بِالطَّعَامِ)
فَهَذَا الْقدر لَيْسَ بِشعر، وَالرجز لَيْسَ بِشعر، قَالَه القَاضِي أَبُو بكر بن الطّيب وَغَيره، وَقَالَ ابْن التِّين: هَذَا الشّعْر لِابْنِ رَوَاحَة، وَفِيه نظر، وَقيل: لما دَعَا النَّبِي ﷺ للوليد بن الْوَلِيد، بَاعَ مَاله بِالطَّائِف وَهَاجَر على رجلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَة، فَقَدمهَا وَقد تقطعت رجلَانِ وأصابعه، فَقَالَ:
(هَل أَنْت إلَاّ اصبع دميت ... وَفِي سَبِيل الله مَا لقِيت)
(يَا نفس إِن لَا تقتلي تموتي)
وَمَات فِي زمن النَّبِي ﷺ ، قلت: الْوَلِيد هَذَا أَخُو خَالِد بن الْوَلِيد، سيف الله، وَقَالَ أَبُو عمر: قَالَ مُصعب: شهد مَعَ رَسُول الله، ﷺ عمْرَة الْقَضِيَّة، وَكتب إِلَى أَخِيه خَالِد، وَكَانَ خَالِد خرج من مَكَّة فأراً لِئَلَّا يرى رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه بِمَكَّة، كَرَاهِيَة لِلْإِسْلَامِ وَأَهله، فَسَأَلَ رَسُول الله، ﷺ الْوَلِيد، وَقَالَ: لَو أَتَانَا خَالِد لأكرمناه، وَمَا مثله سقط عَلَيْهِ الْإِسْلَام فِي غَفلَة، فَكتب بذلك الْوَلِيد إِلَى أَخِيه خَالِد، فَوَقع الْإِسْلَام فِي قلب خَالِد، وَكَانَ سَبَب هجرته.
٠١ - (بابُ مَنْ يُجْرَحُ فِي سَبيلِ الله
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من يجرح فِي سَبِيل الله، ويجرح، على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمُضَارع.
٣٠٨٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبِي الزِّنَادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ والَّذِي نَفْسِي بِيدِهِ لَا يُكْلَمُ أحَدٌ فِي سَبِيلِ الله وَالله أعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ إلَاّ جاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ واللَّوْنُ لَوْنُ الدَمِ والرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ.
(انْظُر الحَدِيث ٧٣٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَا يكلم أحد) إِلَى آخِره، لِأَن الْكَلم هُوَ الجرخ على مَا نذكرهُ.
وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد مر غير مرّة، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، والْحَدِيث مضى فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب مَا يَقع من النَّجَاسَات فِي السّمن وَالْمَاء، وَلَكِن بِغَيْر هَذَا الْوَجْه، وَالْمعْنَى وَاحِد.
قَوْله: (لَا يكلم) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من الْكَلم وَهُوَ الْجرْح. قَوْله: (فِي سَبِيل الله) ، يُرِيد بِهِ الْجِهَاد وَيدخل فِيهِ كل من جرح فِي ذَات الله وكل مَا دَافع فِيهِ الْمَرْء بِحَق فأصيب، فَهُوَ مُجَاهِد. قَوْله: (وَالله أعلم بِمن يكلم فِي سَبيله) ، جملَة مُعْتَرضَة أَشَارَ بهَا إِلَى التَّنْبِيه على شَرْطِيَّة الْإِخْلَاص فِي نيل هَذَا الثَّوَاب. قَوْله: (واللون) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَكَذَا فِي قَوْله: وَالرِّيح.
وَفِيه: أَن الشَّهِيد يبْعَث فِي حَالَته وهيئته الَّتِي قبض عَلَيْهَا، وَالْحكمَة فِيهِ أَن يكون مَعَه شَاهد فضيلته ببذله نَفسه فِي طَاعَة الله تَعَالَى. وَفِيه: أَن الشَّهِيد يدْفن بدمائه وثيابه وَلَا يزَال عَنهُ الدَّم بِغسْل وَلَا غَيره ليجيء يَوْم الْقِيَامَة كَمَا وصف النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ لَا يلْزم من غسل الدَّم فِي الدُّنْيَا أَن لَا يبْعَث كَذَلِك. قلت: فِي نظره نظر، لِأَن أحدا مَا ادّعى الْمُلَازمَة، بل المُرَاد أَن لَا تَتَغَيَّر هَيئته الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا، وَفِيه: دلَالَة أَن الشَّيْء إِذا حَال عَن حَالَة إِلَى غَيرهَا كَانَ الحكم إِلَى الَّذِي حَال إِلَيْهِ، وَمِنْه المَاء تحل بِهِ نَجَاسَة، فغيرت أحد أَوْصَافه يُخرجهُ عَن المَاء الْمُطلق، وَمِنْه إِذا استحالت الْخمر إِلَى الْخلّ أَو بِالْعَكْسِ.
١١ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلَاّ إحْدَى الحسْنَيَيْنِ﴾ (التَّوْبَة: ٢٥) .)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله تَعَالَى، لِأَن فِيهِ معنى: الْحَرْب سِجَال، لِأَن المُرَاد من إِحْدَى الحسنيين إِمَّا الشَّهَادَة أَو الظفر بالكفار، قَالَه ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وقادة وَآخَرُونَ، وَذَلِكَ أَنا إِذا قابلنا الْكفَّار وَوَقع بَيْننَا وَبينهمْ حروب، فَإِن غلبنا وظفرنا بهم تكون لنا الْغَنِيمَة وَالْأَجْر، وَإِن كَانَ عَكسه تكون لنا الشَّهَادَة، وَهَذَا بِعَيْنِه، كَون الْحَرْب سجالاً. قَوْله: ﴿قل هَل تربصون﴾ (التَّوْبَة: ٢٥) . أَي: قل يَا مُحَمَّد! هَل تنتظرون بِنَا إلَاّ إِحْدَى الحسنيين؟ وهما: الظفر أَو الشَّهَادَة؟
стр. 4119
والحَرْبُ سِجَالٌ
مناسبته لِلْآيَةِ ظَاهِرَة لِأَنَّهَا تَتَضَمَّن مَعْنَاهُ كَمَا ذَكرْنَاهُ، وسجال، بِكَسْر السِّين، يَعْنِي: تَارَة لنا وَتارَة علينا، فَفِي غلبتنا يكون الْفَتْح، وَفِي غلبتهم تكون الشَّهَادَة، وَهَذَا مُطَابق لِمَعْنى الْآيَة، وكل فتح يَقع إِلَى يَوْم الْقِيَامَة أَو غنيمَة فَإِنَّهُ من إِحْدَى الحسنيين، وكل قَتِيل يقتل فِي سَبِيل الله إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَهُوَ من إِحْدَى الحسنيين، وَإِنَّمَا يَبْتَلِي الله الْأَنْبِيَاء، ﵈، ليعظم لَهُم الْأجر وَالثَّوَاب، وَلمن مَعَهم، وَلِئَلَّا تخرق الْعَادة الْجَارِيَة بَين الْخلق وَلَو أَرَادَ الله خرقها لأهْلك الْكفَّار كلهم بِغَيْر حَرْب، والسجال جمع: سجل، فِي الأَصْل وَهُوَ الدَّلْو إِذا كَانَ ملآن مَاء، وَلَا تكون الفارغة سجلاً، وسجال هُنَا من المساجلة، وَهِي: المناولة فِي الْأَمر، وَهُوَ أَن يفعل كل من المتساجلين مثل صَاحبه، فَتَارَة لَهُ وَتارَة لصَاحبه.
٤٠٨٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُبَيْدِ الله ابنِ عَبْدِ الله أنَّ عَبْدَ الله بنَ عَبَّاسٍ أخْبَرَهُ أنَّ أَبَا سُفْيانَ أخْبَرَهُ أنَّ هِرِقْلَ قَالَ لَهُ سألْتُكَ كَيْفَ كانَ قِتَالُكُمْ إيَّاهُ فزَعَمْتَ أنَّ الحَرْبَ سِجَالٌ ودُوَلٌ فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونِ لَهُمُ العَاقِبَةُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَزَعَمت أَن الْحَرْب بَيْنكُم سِجَال) ، وَقد ذكرنَا أَن فِي معنى: إِحْدَى الحسنيين معنى: الْحَرْب سِجَال، وكل وَاحِد مِنْهُمَا يتَضَمَّن معنى الآخر، فَتحصل الْمُطَابقَة، وَلَا يحْتَاج هَهُنَا إِلَى تَطْوِيل الشُّرَّاح الَّذِي يشوش على ذهن النَّاظر فِيهِ، وَهَذَا الَّذِي ذكره قِطْعَة من حَدِيث أبي سُفْيَان فِي قصَّة هِرقل، وَقد مر فِي أول الْكتاب مطولا، وَمر الْكَلَام فِيهِ مَبْسُوطا. قَوْله: (ودول) ، جمع دولة، وَمَعْنَاهُ: رُجُوع الشَّيْء إِلَيْك مرّة وَإِلَى صَاحبك أُخْرَى تتداولانه، وَقَالَ أَبُو عمر: وَهِي بِالْفَتْح الظفر فِي الْحَرْب، وبالضم: مَا يتداوله النَّاس من المَال، وَعَن الْكسَائي بِالضَّمِّ مثل الْعَارِية، يُقَال: اتخذوه دولة يتداولونه، وبالفتح من دَال عَلَيْهِم الدَّهْر دولة، ودالت الْحَرْب بهم، وَقيل: الدولة، بِالضَّمِّ: الإسم، وبالفتح: الْمصدر. وَقَالَ الْقَزاز: الْعَرَب تَقول: الْأَيَّام دوَل ودول ودول، ثَلَاث لُغَات، وَفِي (الباهر) لِابْنِ عديس عَن الْأَحْمَر: جَاءَ بالدولة والتؤلة، تهمز وَلَا تهمز، وَفِي (البارع) عَن أبي زيد: دولة، بِفَتْح الدَّال وَسُكُون الْوَاو، و: دوَل، بِفَتْح الدَّال، وَالْوَاو، وَبَعض الْعَرَب يَقُول: دوَل. قَوْله: (فَكَذَلِك تبتلى) أَي: تختبر. قَوْله: (ثمَّ تكون لَهُم الْعَاقِبَة) ، عَاقِبَة الشَّيْء آخر أمره.
٢١ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ومِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٢) .)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله ، وَإِنَّمَا ذكر هَذِه الْآيَة لِأَن الْمَذْكُور فِي الحَدِيث: (رجال صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ وَمَا بدلُوا تبديلاً) . وَالْآيَة الْمَذْكُورَة نزلت فيهم على مَا نذكرهُ عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: ﴿من الْمُؤمنِينَ رجال﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٢) . جملَة إسمية من الْمُبْتَدَأ، أَعنِي: رجال وَالْخَبَر أَعنِي من المؤمينين، وَذكر الواحدي من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن يحيى الْبَغْدَادِيّ عَن أبي سِنَان عَن الضَّحَّاك عَن النزال بن سُبْرَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالُوا لَهُ: حَدثنَا عَن طَلْحَة، فَقَالَ: ذَاك امْرُؤ نزلت فِيهِ آيَة من كتاب الله تَعَالَى: ﴿فَمنهمْ من قضى نحبه وَمِنْهُم من ينْتَظر﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٢) . طَلْحَة مِمَّن قضى نحبه لَا حِسَاب عَلَيْهِ فِيمَا يسْتَقْبل. وَمن حَدِيث عِيسَى بن طَلْحَة: أَن النَّبِي، ﷺ ، مر عَلَيْهِ طَلْحَة فَقَالَ: هَذَا مِمَّن قضى نحبه، وَقَالَ مقَاتل فِي تَفْسِيره: ﴿رجال صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٢) . لَيْلَة الْعقبَة، بِمَكَّة ﴿فَمنهمْ من قضى نحبه﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٢) . يَعْنِي: أَجله فَمَاتَ على الْوَفَاء يَعْنِي: حَمْزَة وَأَصْحَابه، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، المقتولين بِأحد ﴿وَمِنْهُم من ينْتَظر﴾ يَعْنِي: من الْمُؤمنِينَ من ينْتَظر أَجله، يَعْنِي: على الْوَفَاء بالعهد ﴿وَمَا بدلُوا﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٢) . كَمَا بدل المُنَافِقُونَ. وَفِي (تَفْسِير النَّفْسِيّ) : والنحب يَأْتِي على وُجُوه: النّذر، أَي: قضى نَذره، والخطر إِي: فرغ من خطر الْحَيَاة، لِأَن الْحَيّ على خطر مَا عَاشَ، وَالسير السَّرِيع أَي: سَار بِسُرْعَة إِلَى أَجله، والنوبة، أَي: قضى نوبَته، و: النَّفس، أَي: فرغ من أنفاسه، وَالنّصب أَي: فرغ من نصب الْعَيْش وجهده، وَهَذَا كُله يعود إِلَى مَعَاني الْمَوْت وانقضاء
стр. 4120
الْحَيَاة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: قَضَاء النحب عبارَة عَن الْمَوْت، لِأَن كل حَيّ لَا بُد لَهُ أَن يَمُوت، فَكَأَنَّهُ نذر لَازم فِي رقبته، فَإِذا مَاتَ فقد قضى نحبه، أَي: نَذره.
٥٠٨٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَعِيدٍ الخُزَاعِيُّ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الأعْلى عنْ حُمَيْدٍ قَالَ سألتُ أنَساً حَدثنَا عَمْرُو بنُ زُرَارَةَ قَالَ حدَّثنا زِيادٌ قَالَ حدَّثني حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ غابَ عَمِّي أنَسُ ابنُ النَّضْرِ عنْ قِتَالٍ بدر فَقَالَ يَا رَسُول الله غبت عَن أول قتال قاتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ لَئِنِ الله أشْهَدَنِي قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ الله مَا أصْنَعُ فَلَمَّا كانَ يَوْمُ أُحُدَ وانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ قَالَ أللَّهُمَّ إنِّي أعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هاؤُلاءِ يَعْنِي أصْحَابَهُ وأبْرَأُ إليْكَ مِمَّا صَنَعَ هاؤلاءِ يَعْنِي المُشْرِكِينَ ثُمَّ تَقَدَّمَ فاسْتَقْبَلَهُ سعدُ بنُ مُعاذٍ فَقَالَ يَا سَعْدُ بنَ مُعَاذٍ الجَنِّةَ ورَبِّ النَّضْرِ إنِّي أجِدُ رِيحَها مِنْ دُونِ أُحُدٍ قَالَ سَعْدٌ فَما اسْتَطَعْتُ يَا رسولَ الله مَا صنَعَ قَالَ أنَسٌ فوَجَدْنا بِهِ بِضْعاً وثَمانِينَ ضَرْبَةً بالسَّيْفِ أوْ طَعْنَةً بِرِمْحٍ أوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ ووَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وقَدْ مَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ فَما عَرَفَهُ أحَدٌ إلَاّ اخْتُهُ بِبِنَانهِ قَالَ أنَسٌ كُنَّا نُرَى أوْ نَظُنُّ أنَّ هاذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أشْبَاهِهِ مِنَ الْمؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا الله علَيْهِ إِلَى آخِرِ الْآيَة. وقالَ إنَّ أُخْتَهُ وهِيَ تُسَمَّى الرُّبَيِّعَ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ امْرَأةٍ فأمَرَ رسولُ الله ﷺ بالقِصَاصِ فَقَالَ أنَسٌ يَا رسولَ الله والَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيّتُها فرَضُوا بالأرَشِ وتَرَكُوا القِصَاص فَقَالَ رسولُ الله ﷺ إنَّ مِنْ عِبادِ الله مَنْ لَوْ أقْسَمَ علَى الله لأبَرَّهُ..
مطابقته لِلْآيَةِ الَّتِي هِيَ تَرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهَا نزلت فِي الْمَذْكُورين فِيهِ، وَهُوَ ظَاهر.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد ابْن سعيد بن الْوَلِيد أَبُو بكر الْخُزَاعِيّ، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الزَّاي وبالعين. الثَّانِي: عبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى السَّامِي، بِالسِّين الْمُهْملَة. الثَّالِث: حميد الطَّوِيل. الرَّابِع: عَمْرو بن زُرَارَة، بِضَم الزَّاي وَتَخْفِيف الراءين بَينهمَا ألف: ابْن وَاقد الْهِلَالِي. الْخَامِس: زِيَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن عبد الله العامري البكائي، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْكَاف وبالهمزة بعد الْألف. قَالَ ابْن معِين: لَا بَأْس بِهِ فِي الْمَغَازِي خَاصَّة، مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَة. السَّادِس: أنس بن مَالك.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السُّؤَال. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَفِيه: أَن شَيْخه مُحَمَّد بن سعيد يلقب بمردويه وَأَنه من أَفْرَاده وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَآخر فِي غَزْوَة خَيْبَر، وَهُوَ وَمُحَمّد بن سعيد وَحميد وَعبد الْأَعْلَى بصريون، وَزِيَاد كُوفِي وَعَمْرو بن زُرَارَة نيسابوري. وَفِيه: أَن زياداً لم يذكر مَنْسُوبا فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَهُوَ صَاحب ابْن إِسْحَاق وراوي الْمَغَازِي عَنهُ، وَلَيْسَ لَهُ ذكر فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الْموضع. وَفِيه: طَرِيقَانِ. الأول: فِيهِ رِوَايَة عبد الْأَعْلَى: بتصريح حميد لَهُ بِالسَّمَاعِ من أنس، فأمن من التَّدْلِيس. الثَّانِي: فِيهِ سِيَاق الحَدِيث. والْحَدِيث رَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة ثَابت عَن أنس قَالَ أنس: غَابَ عمي الَّذِي سُميت بِهِ لم يشْهد مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، بَدْرًا. قَالَ: فشق عَلَيْهِ، قَالَ: أول مشْهد شهده رَسُول الله، ﷺ ، غبت عَنهُ؟ وَإِن أَرَانِي الله مشهداً بعد مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، ليريني الله مَا أصنع. قَالَ: فهاب أَن يَقُول غَيرهَا قَالَ: فَشهد مَعَ رَسُول الله، ﷺ ،
стр. 4121
يَوْم أحد. قَالَ: فَاسْتقْبل سعد بن معَاذ، فَقَالَ لَهُ أنس: يَا أَبَا عَمْرو أَيْن؟ واها لريح الْجنَّة أَجِدهُ دون أحد. قَالَ: فَقَاتلهُمْ حَتَّى قتل، قَالَ: فَوجدَ فِي جسده بضع وَثَمَانُونَ من بَين ضَرْبَة وطعنة ورمية. قَالَ: فَقَالَت أُخْته، عَمَّتي الرّبيع بنت النَّضر، فَمَا عرفت أخي إلَاّ ببنانه، وَنزلت هَذِه الْآيَة ﴿رجال صدقُوا﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٢) . الْآيَة. قَالَ: وَكَانُوا يرَوْنَ أَنَّهَا نزلت فِيهِ وَفِي أَصْحَابه.
وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ أَيْضا.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (غَابَ عمي أنس بن النَّضر) ، قد مر فِي رِوَايَة مُسلم: قَالَ أنس: غَابَ عمي الَّذِي سميت بِهِ، وَالنضْر بالنُّون وَالضَّاد الْمُعْجَمَة. قَوْله: (أول قتال) ، لِأَن غَزْوَة بدر هِيَ أول غَزْوَة غزا فِيهَا رَسُول الله، ﷺ بِنَفسِهِ، وَهِي فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة. قَوْله: (لَئِن الله أشهدني) أَي: أحضرني، وَاللَّام فِي: لَئِن، مَفْتُوحَة دخلت على أَن الشّرطِيَّة لَا جَزَاء لَهُ، لفظا، وَحذف فعل الشَّرْط فِيهِ من الْوَاجِبَات، وَالتَّقْدِير: لَئِن أشهدني الله ... قَوْله: (قتال الْمُشْركين) ، مَنْصُوب بقوله: أشهدني، قَوْله: (ليرين الله) ، جَوَاب الْقسم الْمُقدر، لِأَن اللَّام للقسم وَنون التَّأْكِيد فِيهِ ثَقيلَة وَمَا قبلهَا مَفْتُوحَة، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (ليريني الله) كَمَا مر، وَفِي رِوَايَة: ليراني الله، بِالْألف. وَفِي (التلويج) : وَضبط أَيْضا بِضَم الْيَاء وَكسر الرَّاء، وَمَعْنَاهُ: ليرين الله النَّاس مَا أصنع ويبرزه لَهُم. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: كَأَنَّهُ ألزم نَفسه إلزاماً مؤكداً، وَلم يظهره مَخَافَة مَا يتَوَقَّع من التَّقْصِير فِي ذَلِك، وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي مُسلم فهاب أَن يَقُول غَيره، وَلذَلِك سَمَّاهُ الله عهدا، بقوله: ﴿صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٢) . وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ كَرِوَايَة البُخَارِيّ. قَوْله: (مَا أصنع) ، قَالَ بَعضهم: أعربه النَّوَوِيّ: بَدَلا من ضمير الْمُتَكَلّم. قلت: هَذَا لَا يَصح إلَاّ فِي رِوَايَة مُسلم، وَأما فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فَهُوَ مَنْصُوب على المفعولية، وَهَذَا الْقَائِل لم يُمَيّز بَين الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْإِعْرَاب، فَرُبمَا يضان النَّاظر فِي رِوَايَة البُخَارِيّ أَن مَا قَالَه النَّوَوِيّ فِيهَا، وَلَيْسَ ذَلِك إلَاّ فِي رِوَايَة مُسلم. فَافْهَم. قَوْله: (وانكشف الْمُسلمُونَ) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: وَانْهَزَمَ النَّاس. قَوْله: (أعْتَذر) أَي: من فرار الْمُسلمين. قَوْله: (وَأَبْرَأ) ، أَي: عَن قتال الْمُشْركين مَعَ رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (فَاسْتَقْبلهُ) ، أَي: فَاسْتقْبل أنس بن النَّضر سعد بن معَاذ سيد الْأَوْس، وَكَانَ ثَبت مَعَ رَسُول الله، ﷺ يَوْم أحد. قَوْله: (الْجنَّة) ، بِالنّصب، أَي: أُرِيد الْجنَّة، وبالرفع على تَقْدِير هِيَ مطلوبي. قَوْله: (وَرب النَّضر) ، أَرَادَ بِهِ وَالِده النَّضر، قيل: يحْتَمل أَن يُرِيد بِهِ ابْنه، فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ ابْن يُسمى النَّضر، وَكَانَ إِذْ ذَاك صَغِيرا، وَفِي رِوَايَة عبد الْوَهَّاب: فوَاللَّه، وَفِي رِوَايَة عبد الله بن بكر عَن حميد عِنْد الْحَارِث ابْن أبي أُسَامَة عَنهُ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ. قَوْله: (رِيحهَا) ، أَي: ريح الْجنَّة. قَوْله: (من دون أحد) أَي: عِنْد أحد. قَالَ ابْن بطال وَغَيره: يحْتَمل أَن يكون على الْحَقِيقَة، وَأَنه وجد ريح الْجنَّة حَقِيقَة، أَو وجد ريحًا طيبَة ذكره طيبها بِطيب الْجنَّة، وَيجوز أَن يكون أَرَادَ أَنه استحضر الْجنَّة الَّتِي أعدت للشهيد، فتصور أَنَّهَا فِي ذَلِك الْموضع الَّذِي يُقَاتل فِيهِ، فَيكون الْمَعْنى: إِنِّي لأعْلم أَن الْجنَّة تكتسب فِي هَذَا الْموضع فاشتاق لَهَا. قَوْله: (قَالَ سعد: فَمَا اسْتَطَعْت يَا رَسُول الله مَا صنع) قَالَ ابْن بطال: يُرِيد مَا اسْتَطَعْت أَن أصف مَا صنع من كَثْرَة مَا أبلى فِي الْمُشْركين. قَوْله: (فَوَجَدنَا بِهِ) وَفِي رِوَايَة عبد الله بن بكر، قَالَ أنس: فوجدناه بَين الْقَتْلَى وَبِه. قَوْله: (أَو طعنة) كلمة أَو فِي الْمَوْضِعَيْنِ للتنويع. قَوْله: (وَقد مثل) بتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة، من الْمثلَة وَهُوَ قطع الْأَعْضَاء من أنف وَأذن وَغَيرهمَا. قَوْله: (ببنانه) البنان الإصبع، وَقيل: طرف الإصبع، وَهُوَ الْأَشْهر. وَوَقع فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن طَلْحَة بِالشَّكِّ: ببنانه أَو بشامته، بالشين الْمُعْجَمَة وَالْأولَى أَكثر، وَالثَّانيَِة أوجه. قَوْله: (كُنَّا نرى) ، بِضَم النُّون وَفتح الرَّاء. قَوْله: (أَو نظن) من الرَّاوِي وهما بِمَعْنى وَاحِد. وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن يزِيد بن هَارُون عَن حميد: فَكُنَّا نقُول، وَفِي رِوَايَة أَحْمد بن سِنَان عَن يزِيد: فَكَانُوا يَقُولُونَ، والتردد فِيهِ من حميد، وَوَقع فِي رِوَايَة ثَابت: وأنزلت هَذِه الْآيَة بِالْجَزْمِ دون الشَّك. قَوْله: وَقَالَ: إِن أُخْته، أَي: أُخْت أنس بن النَّضر، وَهِي عمَّة أنس بن مَالك. قَوْله: (الرّبيع) بِضَم الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وقصة الرّبيع هَذِه مَضَت فِي كتاب الصُّلْح فِي: بَاب الصُّلْح فِي الدِّيَة. قَوْله: (لَأَبَره) أَي: لأبر قسمه، وَهُوَ ضد الْحِنْث.
وَفِي هَذَا الحَدِيث من الْفَوَائِد: جَوَاز بذل النَّفس فِي الْجِهَاد وَفضل الْوَفَاء بالعهد وَلَو شقّ على النَّفس حَتَّى يصل إِلَى إهلاكها، وَإِن طلب الشَّهَادَة لَا يتَنَاوَلهُ النَّهْي عَن الْإِلْقَاء إِلَى التَّهْلُكَة. وَفِيه: فَضِيلَة ظَاهِرَة لأنس بن النَّضر، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ من صِحَة الْإِيمَان وَكَثْرَة التوقي والتورع، وَقُوَّة الْيَقِين.
стр. 4122
٧٠٨٢ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني أخِي عَن سُلَيْمَانَ أُرَاهُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ أبِي عَتِيقٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ خارِجَةَ بنِ زَيْدٍ أنَّ زَيْدَ بنَ ثابِتٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ نَسَخْتُ الصُّحُف فِي المَصَاحِفِ فَفَقَدْتُ آيَةً مِنْ سُورَةِ الأحْزَابِ كُنْتُ أسْمعُ رسولَ الله ﷺ يَقْرَأُ بِها فَلَمْ أجِدْهَا إلَاّ مَعَ خُزَيْمَةَ بنِ ثابِتٍ الأنْصَارِيِّ الَّذِي جعَلَ رسولُ الله ﷺ شَهَادَتَهُ شَهادَةَ رجُلَيْنِ وهْوَ قَوْلُهُ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا الله علَيْهِ﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٢) ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأخرجه من طَرِيقين: الأول عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَهَذَا السَّنَد بِعَيْنِه قد مر غير مرّة. وَالثَّانِي: عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن أَخِيه أبي بكر عبد الحميد عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن مُحَمَّد بن أبي عَتيق ضد الْجَدِيد عَن ابْن شهَاب هُوَ الزُّهْرِيّ عَن خَارِجَة بن زيد بن ثَابت الْأنْصَارِيّ، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب، وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن بنْدَار عَن ابْن مهْدي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن الْهَيْثَم بن أَيُّوب.
قَوْله: (نسخت الصُّحُف فِي الْمَصَاحِف) الصُّحُف، بِضَمَّتَيْنِ جمع صحيفَة، والصحيفة قِطْعَة قرطاس مَكْتُوب والمصحف الكراسة وحقيتها: مجمع الصُّحُف، قَوْله: (فَلم أَجدهَا إلَاّ مَعَ خُزَيْمَة) لم يرد: أَن حفظهَا قد ذهب عَن جَمِيع النَّاس فَلم يكن عِنْدهم، لِأَن زيد بن ثَابت قد حفظهَا، وَلِهَذَا قَالَ: كنت أسمع رَسُول الله، ﷺ يقْرؤهَا. فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ إِثْبَات الْآيَة فِي الْمُصحف بقول وَاحِد أَو اثْنَيْنِ وَشرط كَونه قرانا التَّوَاتُر؟ قلت: كَانَ متواتراً عِنْدهم، وَلِهَذَا قَالَ: كنت أسمع رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (يقْرَأ بهَا) ، لكنه لم يجدهَا مَكْتُوبَة فِي الْمُصحف إلَاّ عِنْد خُزَيْمَة. وَيُقَال: التَّوَاتُر وَعَدَمه، إِنَّمَا يتَصَوَّر أَن فِيمَا بعد أَصْحَابه لأَنهم إِذا سمعُوا من الرَّسُول ﷺ أَنه قُرْآن، علمُوا قطعا قرآنيته. قلت: رُوِيَ أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: أشهد لسمعتها من رَسُول الله، ﷺ وَقد رُوِيَ عَن أبي بن كَعْب وهلال بن أُميَّة مثله، فَهَؤُلَاءِ جمَاعَة، وَخُزَيْمَة بن ثَابت بن الْفَاكِه بن ثَعْلَبَة بن سَاعِدَة بن عَامر بن عنان بن عَامر ابْن خطمة، واسْمه: عبد الله بن جشم بن مَالك بن الْأَوْس أَبُو عمَارَة الخطمي الْأنْصَارِيّ، يعرف بِذِي الشَّهَادَتَيْنِ، كَانَت مَعَه راية بني خطمة يَوْم الْفَتْح، شهد بَدْرًا وَمَا بعْدهَا من الْمشَاهد، وَكَانَ مَعَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بصفين فَلَمَّا قتل عمار جرد سَيْفه فقاتل حَتَّى قتل، وَكَانَت صفّين سنة سبع وَثَلَاثِينَ. وَقَالَ أَبُو عمر: لما قتل عمار بصفين قَالَ خُزَيْمَة: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ يَقُول: تقتل عماراً الفئة الباغية.
وَسبب كَون شَهَادَته بشهادتين أَنه ﷺ كلم رجلا فِي شَيْء فَأنكرهُ، فَقَالَ خُزَيْمَة أَنا أشهد، فَقَالَ ﷺ أَتَشهد وَلم تستشهد؟ فَقَالَ: نَحن نصدقك على خبر السَّمَاء، فَكيف بِهَذَا؟ فَأمْضى شَهَادَته وَجعلهَا بشهادتين. وَقَالَ لَهُ: لَا تعد، وَهَذَا من خَصَائِصه، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٣١ - (بابٌ عمَلٌ صالِحٌ قَبْلَ القِتالِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَقْدِيم عمل صَالح قبل الْقِتَال، هَذَا على تَقْدِير إِضَافَة الْبَاب إِلَى عمل، وَيجوز قطعه عَن الْإِضَافَة، وَيكون التَّقْدِير: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ عمل صَالح قبل الْقِتَال، يَعْنِي: كَون عمل صَالح قبله.
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: إنَّمَا تُقَاتِلُونَ بأعْمَالِكُمْ
أَبُو الدَّرْدَاء اسْمه عُوَيْمِر بن مَالك الخزرجي الْأنْصَارِيّ، وروى الدينَوَرِي هَذَا التَّعْلِيق من طَرِيق أبي إِسْحَاق الْفَزارِيّ عَن سعيد بن عبد الْعَزِيز عَن ربيعَة بن يزِيد أَن أَبَا الدَّرْدَاء قَالَ: أَيهَا النَّاس! عمل صَالح قبل الْغَزْو فَإِنَّمَا تقاتلون بأعمالكم، أَي: متلبسين بأعمالكم. فَإِن قلت: مَا وَجه تَقْسِيم البُخَارِيّ هَذَا حَيْثُ جعل الشّطْر الأول تَرْجَمَة والشطر الثَّانِي أصلا مُعَلّقا؟ . قلت: نظر البُخَارِيّ فِي هَذَا دَقِيق، وَذَلِكَ أَنه لما علم انْقِطَاع الطَّرِيق فِي الشّطْر الأول بَين ربيعَة بن يزِيد وَأبي الدَّرْدَاء جعله تَرْجَمَة، وَعلم
стр. 4123
اتِّصَال الطَّرِيق فِي الشّطْر الثَّانِي وَعَزاهُ إِلَى أبي الدَّرْدَاء بالجزمم فَإِن قلت: مَا وَجه الِاتِّصَال؟ قلت: روى عبد الله بن الْمُبَارك فِي كتاب الْجِهَاد عَن سعيد بن عبد الْعَزِيز عَن ربيعَة بن يزِيد عَن ابْن حَلبس عَن أبي الدَّرْدَاء. قَالَ: إِنَّمَا تقاتلون بأعمالكم، فاقتصر على هَذَا الْمِقْدَار، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام وَفتح الْبَاء وَفِي آخِره سين مُهْملَة. وَقَالَ ابْن مَاكُولَا، يزِيد بن ميسرَة بن حَلبس، يروي عَن أم الدَّرْدَاء عَن أبي الدَّرْدَاء، وَأَخُوهُ يُونُس بن ميسرَة بن حَلبس، يروي عَن مُعَاوِيَة ابْن أبي سُفْيَان وَأبي إِدْرِيس الْخَولَانِيّ وَغَيرهمَا، وأخوهما أَيُّوب بن ميسرَة بن حَلبس.
وقَوْلُهُ ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ الله أنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ إنَّ الله يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كأنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (الصَّفّ: ٢ ٤) .
وَقَوله تَعَالَى، يجوز بِالرَّفْع والجر بِحَسب عطفه على قَوْله: عمل صَالح قبل الْقِتَال، قيل: لَا مُنَاسبَة بَين التَّرْجَمَة وَالْآيَة. ورد بِأَنَّهَا مَوْجُودَة من حَيْثُ إِن الله عَاتب من قَالَ بِمَا لَا يفعل، وَأثْنى على من وفى وَثَبت عِنْد الْقِتَال، والثبات عِنْده من أصلح الْأَعْمَال. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَالْمَقْصُود من ذكر هَذِه الْآيَة ذكر: صفا أَي: صافين أنفسهم، أَو مصفوفين، إِذْ هُوَ عمل صَالح قبل الْقِتَال. وَقيل: يجوز أَن يُرَاد اسْتِوَاء بنيانهم فِي الْبناء حَتَّى يَكُونُوا فِي اجْتِمَاع الْكَلِمَة كالبنيان. وَقيل: مَفْهُومه مدح الَّذين قَالُوا وعزموا وقاتلوا، وَالْقَوْل فِيهِ والعزم عملان صالحان. قَوْله: ﴿يَا أَيهَا الَّذين﴾ (الصَّفّ: ٢ ٤) . إِلَى آخِره. قَالَ مقَاتل فِي (تَفْسِيره) قَوْله: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا. .﴾ (الصَّفّ: ٢ ٤) . إِلَى آخِره: يَعِظهُمْ بذلك، وَذَلِكَ أَن الْمُؤمنِينَ قَالُوا: لَو نعلم أَي الْأَعْمَال أحب إِلَى الله لعملنا، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿إِن الله يحب الَّذين يُقَاتلُون فِي سَبيله﴾ (الصَّفّ: ٢ ٤) . يَعْنِي: فِي طَاعَته ﴿صفا كَأَنَّهُمْ بُنيان مرصوص﴾ (الصَّفّ: ٢ ٤) . فَأخْبر الله تَعَالَى بِأحب الْأَعْمَال إِلَيْهِ بعد الْإِيمَان، فكرهوا الْقَتْل فوعظهم الله وأدبهم فَقَالَ: ﴿لم تَقولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصَّفّ: ٢ ٤) . وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : قيل: إِن الرجل كَانَ يَجِيء إِلَى النَّبِي ﷺ فَيَقُول: فعلت كَذَا وَكَذَا، وَمَا فعل فَنزلت: ﴿لم تَقولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصَّفّ: ٢ ٤) . وَقَالَ الضَّحَّاك: كَانَ الرجل يَقُول: قَاتَلت وَلم يُقَاتل، وطعنت وَلم يطعن، وَصَبَرت وَلم يصبر، فَنزلت هَذِه الْآيَة. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ نَاس من الْمُؤمنِينَ قبل أَن يفْرض الْجِهَاد يَقُولُونَ: وَدِدْنَا لَو أَن الله تَعَالَى دلنا على أحب الْأَعْمَال إِلَيْهِ فنعمل بِهِ، فَأخْبرهُم الله تَعَالَى: أَن أفضل الْأَعْمَال الْجِهَاد، وَكره ذَلِك نَاس مِنْهُم، وشق عَلَيْهِم الْجِهَاد وتباطؤا عَنهُ، فَنزلت هَذِه الْآيَة. وَقَالَ ابْن زيد: نزلت فِي الْمُنَافِقين، كَانُوا يُعِدون الْمُؤمنِينَ النَّصْر وَيَقُولُونَ: لَو خَرجْتُمْ خرجنَا مَعكُمْ ونصرناكم، فَلَمَّا خرج النَّبِي، ﷺ نكصوا عَنهُ، فَنزلت هَذِه الْآيَة. قَوْله: (لِمَ؟) هِيَ لَام الْإِضَافَة دَاخِلَة على: مَا، الاستفهامية، كَمَا دخل عَلَيْهَا غَيرهَا من حُرُوف الْجَرّ فِي قَوْلك: بِمَ وفيم وَعم وإلام وعلام، وَإِنَّمَا حذفت الْألف لِأَن مَا، والحرف كشيء وَاحِد، وَوَقع اسْتِعْمَالهَا كثيرا فِي كَلَام المستفهم. وَقَالَ الْحسن: إِنَّمَا بدأهم بِالْإِيمَان تهكماً بهم، لِأَن الْآيَة نزلت فِي الْمُنَافِقين وبإيمانهم. قَوْله: (كبر مقتاً) هَذَا من أفْصح الْكَلَام وأبلغه فِي مَعْنَاهُ، قصد فِي كبر التَّعَجُّب من غير لَفظه، وَمعنى التَّعَجُّب تَعْظِيم الْأَمر فِي قُلُوب السامعين، لِأَن التَّعَجُّب لَا يكون إلَاّ من شَيْء خَارج عَن نَظَائِره وأشكاله، وَأسْندَ: كبر، إِلَى: أَن تَقولُوا، وَنصب: مقتاً، على تَفْسِيره، دلَالَة على أَن قَوْلهم: مَا لَا يَفْعَلُونَ) ، مقت خَالص لَا شوب فِيهِ لفرط تمكن المقت مِنْهُ، واختير لفظ: المقت، لِأَنَّهُ أَشد البغض وأبلغه. قَوْله: (صفا) أَي: صافين أنفسهم أَو مصفوفين. قَوْله: (مرصوص) ، أَي: كَأَنَّهُمْ فِي تراصهم من غير فُرْجَة بُنيان رص بعضه إِلَى بعض.
٨٠٨٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ حدَّثنا شَبَابَةُ بنُ سَوَّارِ الفَزَارِيُّ قَالَ حدَّثنا إسْرَائيلُ عنْ أبِي إسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ البَرَاءَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ أتَى النبيَّ ﷺ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ بالحَدِيدِ فقالَ يَا رسولَ الله أُقَاتِلُ واسْلِمُ قَالَ أسْلِمْ ثُمَّ قاتِلْ فأسْلَمَ ثُمَّ قاتَلَ فقُتِلَ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ عَمِلَ قَلِيلاً وأُجِرَ كَثِيراً.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أسلم ثمَّ قَاتل) فَأسلم ثمَّ قَاتل وَقد أَتَى بِالْعَمَلِ الصَّالح بل بِأَفْضَل الْأَعْمَال وأقواها صلاحاً، وَهُوَ الْإِسْلَام، ثمَّ قَاتل بعد أَن أسلم. وَمُحَمّد بن عبد الرَّحِيم أَبُو يحيى كَانَ يُقَال لَهُ: صَاعِقَة.
وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وشبابة بِفَتْح
стр. 4124
الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف بَاء أُخْرَى: ابْن سوار، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْوَاو بعد الْألف رَاء: الْفَزارِيّ، بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الزَّاي، وَقد مر فِي كتاب الْحيض، وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي وَإِسْرَائِيل هَذَا يروي هُنَا عَن جده أبي إِسْحَاق. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (رجل) قَالَ الْكرْمَانِي: قيل: اسْمه الأصرم بِالْمُهْمَلَةِ عَمْرو بن ثَابت الأشْهَلِي وحاله من الغرائب لِأَنَّهُ دخل الْجنَّة وَلم يسْجد لله سَجْدَة قطّ. قلت: قَالَ الذَّهَبِيّ فِي: بَاب الْألف: أَصْرَم. وَيُقَال أصيرم بن ثَابت بن وقش الأشْهَلِي، اسْتشْهد يَوْم أحد وَقَالَ فِي بَاب الْعين: عَمْرو بن ثَابت بن وقش الأوسي الأشْهَلِي، ابْن عَم عباد بن بشر، اسْتشْهد بِأحد. وَقَالَ أَبُو عمر: وَفِي بَاب الْهمزَة: أَصْرَم الشقري، كَانَ فِي النَّفر الَّذين أَتَوا رَسُول الله، ﷺ من بني شقرة، فَقَالَ لَهُ: مَا اسْمك؟ فَقَالَ: أَصْرَم فَقَالَ: أَنْت زرْعَة. وَقَالَ فِي بَاب الْعين: عَمْرو بن ثَابت بن وقش بن رَغْبَة بن عبد الْأَشْهَل الْأنْصَارِيّ الأشْهَلِي اسْتشْهد يَوْم أحد، وَهُوَ الَّذِي قيل: إِنَّه دخل الْجنَّة وَلم يصل لله سَجْدَة، فِيمَا ذكره الطَّبَرِيّ. وَفِيه نظر. قَوْله: (مقنع) على صِيغَة الْمَفْعُول، أَي: منشى بالحديد. قَوْله: (وأُجِرَ) على صِيغَة الْمَجْهُول.
وَفِيه: أَن الله تَعَالَى يُعْطي الثَّوَاب الجزيل على الْعَمَل الْيَسِير تفضلاً مِنْهُ على عباده، فَاسْتحقَّ بِهَذَا نعيم الْأَبَد فِي الْجنَّة بِإِسْلَامِهِ، وَإِن كَانَ عمله قَلِيلا، لِأَنَّهُ اعْتقد أَنه لَو عَاشَ لَكِن مُؤمنا طول حَيَاته، فنفعته نِيَّته، وَإِن كَانَ قد تقدمها قَلِيل من الْعَمَل، وَكَذَلِكَ الْكَافِر إِذا مَاتَ سَاعَة كفره يجب عَلَيْهِ التخليد فِي النَّار، لِأَنَّهُ انضاف إِلَى كفره اعْتِقَاد أَنه يكون كَافِرًا طول حَيَاته لِأَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ.
٤١ - (بابُ منْ أتاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فقَتَلَهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر من أَتَاهُ سهم غرب، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة، وَهُوَ إِمَّا صفة لسهم أَو مُضَاف إِلَيْهِ، فَفِيهِ أَرْبَعَة أوجه. قَالَه الْكرْمَانِي: وَسكت عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: روى لنا سهم بِالتَّنْوِينِ وَغرب، بتسكين الرَّاء مَعَ التَّنْوِين، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: كَذَا تَقوله الْعَامَّة والأجود: سهم غرب، بِفَتْح الرَّاء، وَإِضَافَة الغرب إِلَى السهْم. وَقَالَ ابْن السّكيت: يُقَال: أَصَابَهُ سهم غرب إِذا لم يدر من أَي جِهَة رمى بِهِ، وَقد روى عَن أبي زيد: إِن جَاءَ من حَيْثُ لَا يعرف فَهُوَ سهم غرب، بِسُكُون الرَّاء، فَإِن رمى بِهِ إِنْسَان فَأصَاب غَيره فَهُوَ غرب، بِفَتْح الرَّاء، وَذكره الْأَزْهَرِي بِفَتْح الرَّاء لَا غير. وَقَالَ ابْن سَيّده: يُقَال أَصَابَهُ سهم غرب، وَغرب إِذا كَانَ لَا يدْرِي من رَمَاه. وَفِي (الْمُنْتَهى) : سهم غرب وَغرب بتسكين الرَّاء وَفتحهَا يُضَاف وَلَا يُضَاف إِذا أَصَابَهُ سهم لَا يعرف من رَمَاه وَمثله سهم عرض، فَإِن عرف فَلَيْسَ بغرب وَلَا عرض، وبنحوه ذكر الْقَزاز وَابْن دُرَيْد، فعلى هَذَا لَا يُقَال فِي السهْم الَّذِي أصَاب حَارِثَة: غرب، لِأَن راميه قد عرف. وَالله أعلم.
٩٠٨٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا حُسَيْنُ بنُ مُحَمَّدٍ أَبُو أحْمَدَ قَالَ حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ قَتَادَةَ قَالَ حدَّثنا أنَسُ بنُ مالِكٍ أنَّ أمَّ الرَّبِيعَ بِنٍّ البَرَاءِ وهْيَ أمُّ حَارِثَةَ بنِ سُرَاقَةَ أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فقالَتْ يَا نَبِيَّ الله ألَا تُحَدِّثُنِي عَن حارِثَةَ وكانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فإنْ كانَ فِي الجَنَّةِ صَبَرْتُ وإنْ كانَ غَيْرَ ذالِكَ اجْتَهَدْتُ علَيْهِ فِي البُكَاءِ قَالَ يَا أُمَّ حارِثَةَ إنَّهَا جِنانٌ فِي الجَنَّةِ وإنَّ ابْنَكِ أصَابَ الفِرْدَوْسَ الأعْلى..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمُحَمّد بن عبد الله، قَالَ الْكرْمَانِي: نسبه البُخَارِيّ إِلَى جده وَهُوَ مُحَمَّد بن يحيى بن عبد الله الذهلي بِضَم الذَّال الْمُعْجَمَة، قلت: كَذَا جزم بِهِ الكلاباذي، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي عَليّ بن السكن: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله ابْن الْمُبَارك المخرمي، بِضَم الْمِيم وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء. قلت: كِلَاهُمَا من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وحسين بن مُحَمَّد ابْن بهْرَام التَّمِيمِي الْمروزِي، سكن بَغْدَاد وَمَات سنة أَربع عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وشيبان، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة أَبُو مُعَاوِيَة النَّحْوِيّ، وَقد مر.
стр. 4125
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِن أم الرّبيع بنت الْبَراء) ، كَذَا وَقع لجَمِيع رُوَاة البُخَارِيّ، وَهَذَا وهم نبه عَلَيْهِ غير وَاحِد آخِرهم الْحَافِظ الدمياطي، وَالصَّوَاب أَنَّهَا أم حَارِثَة بن سراقَة بن الْحَارِث بن عدي بن مَالك بن عدي بن عَامر بن غنم بن عدي ابْن النجار، وَالربيع بنت النَّضر أُخْت أنس بن النَّضر بن ضَمْضَم بن زيد بن حرَام بن جُنْدُب بن عَامر بن غنم بن عدي وَهِي عمَّة أنس بن مَالك بن النَّضر بن ضَمْضَم، وَهِي الَّتِي كسرت ثنية امْرَأَة، وَقد مر بَيَانه. قَوْله: (وَهِي أم حَارِثَة بن سراقَة) ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد عَلَيْهِ. وَقد روى التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة فَقَالَ أنس: إِن الرّبيع بنت النَّضر أَتَت النَّبِي، ﷺ ، وَكَانَ ابْنهَا حَارِثَة بن سراقَة أُصِيب يَوْم بدر ... الحَدِيث، وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي (جَامع الْأُصُول) : الَّذِي وَقع فِي كتب النّسَب والمغازي وَأَسْمَاء الصَّحَابَة: أَن أم حَارِثَة هِيَ الرَّبيع بنت النَّضر، عمَّة أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قلت: وَكَذَا بَينه الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي (مستخرجه) وَأَبُو نعيم وَغَيرهمَا، وحارثة هُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ رَسُول الله، ﷺ : كَيفَ أَصبَحت يَا حَارِثَة؟ قَالَ: أَصبَحت مُؤمنا بِاللَّه حَقًا ... الحَدِيث، وَفِيه: يَا رَسُول الله أدع لي بِالشَّهَادَةِ. فجَاء يَوْم بدر ليشْرب من الْحَوْض فَرَمَاهُ حبَان، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عرقة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء لابعدها قَاف، بِسَهْم فَأصَاب حنجرته فَقتله. وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ: وَكَانَ خرج نظاراً وَهُوَ غُلَام، وَقَول ابْن مَنْدَه: شهد بَدْرًا وَاسْتشْهدَ بِأحد، رد عَلَيْهِ. وَقد تصدى الْكرْمَانِي للجواب عَن قَول من قَالَ بالوهم، فَقَالَ:؛ لَا وهم للْبُخَارِيّ، إِذْ لَيْسَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ إلَاّ هَكَذَا، قَالَ أنس: إِن أم حَارِثَة ابْن سراقَة أَتَت النَّبِي ﷺ وَهُوَ ظَاهر، وَكَأَنَّهُ كَانَ فِي رِوَايَة الْفربرِي حَاشِيَة غير صَحِيحَة لبَعض الروَاة، فألحقت بِالْمَتْنِ، ثمَّ إِنَّه على تَقْدِير وجوده وَصِحَّته عَن البُخَارِيّ يحْتَمل إحتمالات أَن يكون للربيّع ولد يُسمى بِالربيعِ بِالتَّخْفِيفِ من زوج آخر غير سراقَة اسْمه: الْبَراء، وَأَن تكون بنت الْبَراء خَبرا، لِأَن، وَضمير: هِيَ، رَاجع إِلَى الربيِّع، وَأَن تكون: بنت، صفة لأم الرّبيع، وَهِي المخاطبة لرَسُول الله، ﷺ ، فاطلق الْأُم على الْجدّة تجوزاً، وَإِن تكون إِضَافَة الْأُم إِلَى الرّبيع للْبَيَان أَي: الْأُم الَّتِي هِيَ الربيّع، وَبنت مصحف من عَمه، إِذْ الرّبيع هِيَ عمَّة الْبَراء بن مَالك وارتكاب بعض هَذِه التكلفات أولى من تخطئة الْعُدُول الثِّقَات. انْتهى. قلت: هَذِه تعسفات، والأنساب مَا تعرف بالاحتمالات، والعدول الثِّقَات غير معصومين من الْخَطَأ، وَدَعوى الْأَوْلَوِيَّة غير صَحِيحَة. قَوْله: (اجتهدت عَلَيْهِ فِي الْبكاء) ، قَالَ الْخطابِيّ: أقرها النَّبِي، ﷺ على هَذَا، يَعْنِي: يُؤْخَذ مِنْهُ الْجَوَاز. وَأجِيب بِأَن هَذَا كَانَ قبل تَحْرِيم النوح، فَلَا دلَالَة، فَإِن تَحْرِيمه كَانَ عقيب غَزْوَة أحد، وَهَذِه الْقِصَّة كَانَت عقيب غَزْوَة بدر، وَوَقع فِي رِوَايَة سعيد بن أبي عرُوبَة: (اجتهدت فِي الدُّعَاء) ، بدل قَوْله: (فِي الْبكاء) وَهُوَ خطأ. وَفِي رِوَايَة حميد الْآتِيَة فِي صفة الْجنَّة من الرقَاق: فَإِن كَانَ فِي الْجنَّة فَلم أبك عَلَيْهِ. قَوْله: (إِنَّهَا جنان فِي الْجنَّة) ، كَذَا هُنَا، وَفِي رِوَايَة سعيد بن أبي عرُوبَة: (إِنَّهَا جنان فِي جنَّة) وَفِي رِوَايَة أبان عِنْد أَحْمد: (إِنَّهَا جنان كَثِيرَة فِي جنَّة) ، وَفِي رِوَايَة حميد: (إِنَّهَا جنان كَثِيرَة) فَقَط وَالضَّمِير فِي: إِنَّهَا، ضمير مُبْهَم يفسره مَا بعده كَقَوْلِهِم: هِيَ الْعَرَب تَقول مَا تشَاء، وَلما قَالَ رَسُول الله، ﷺ لأمه مَا قَالَ، رجعت وَهِي تضحك، وَتقول: بخ، بخٍ لَك يَا حَارِثَة، وَهُوَ أول من قتل من الْأَنْصَار يَوْم بدر، وَعَن أبي نعيم كَانَ كثير الْبر بِأُمِّهِ. قَالَ ﷺ : دخلت الْجنَّة فَرَأَيْت حَارِثَة لذَلِك الْبر، قيل: فِيهِ نظر، لِأَن الْمَقْتُول فِيهِ هَذَا هُوَ حَارِثَة بن النُّعْمَان كَمَا بَينه أَحْمد فِي مُسْنده. قَوْله: (الفردوس) ، هُوَ الْبُسْتَان الَّذِي يجمع مَا فِي الْبَسَاتِين من شجر وزهر ونبات، وَقيل: هُوَ رُومِية معربة، وَالْجنَّة الْبُسْتَان، وَيُقَال: هِيَ النّخل الطوَال. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: كل شجر متكاثف يستر بعضه بَعْضًا فَهُوَ جنَّة، مُشْتَقّ من: جننته، إِذا سترته.
٥١ - (بابُ منْ قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ الله هِي العُلْيَا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من قَاتل ... إِلَى آخِره.
٠١٨٢ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرٍ وعنْ أبِي وائِل عنْ أبِي مُوسَى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ جاءَ رَجُلٌ إِلَى النبيِّ ﷺ فَقَالَ الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ والرَّجلُ يُقَاتِلُ
стр. 4126
لِلذِّكْرِ والرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكانُهُ فَمَنْ فِي سَبِيلِ الله قَالَ منْ قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ الله هِيَ العُلْيَا فَهْوَ فِي سَبِيلِ الله..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من قَاتل لتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا فَهُوَ فِي سَبِيل الله) .
وَعَمْرو: هُوَ ابْن مرّة، وَأَبُو وَائِل هُوَ شَقِيق ابْن سَلمَة، وَأَبُو مُوسَى اسْمه عبد الله بن قيس.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْخمس عَن مُحَمَّد بن كثير، وَفِي الْعلم عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب من سَأَلَ وَهُوَ قَائِم عَالما جَالِسا، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (جَاءَ رجل) ، فِي رِوَايَة غنْدر: (جَاءَ أَعْرَابِي) ، قيل: هَذَا يدل على وهم مَا وَقع عِنْد الطَّبَرَانِيّ من وَجه آخر عَن أبي مُوسَى أَنه قَالَ: يَا رَسُول الله ... فَذكره، فَإِن أَبَا مُوسَى، وَإِن جَازَ أَن يبهم نَفسه، لَكِن لَا يصفها بِكَوْنِهِ أَعْرَابِيًا، وَقيل: إِن هَذَا الْأَعرَابِي يصلح أَن يُفَسر بلاحق بن ضميرَة، وَحَدِيثه عِنْد أبي مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي الصَّحَابَة من طَرِيق عفير بن معدان: سَمِعت لَاحق ابْن ضميرَة الْبَاهِلِيّ، قَالَ: وفدت على النَّبِي ﷺ فَسَأَلته عَن الرجل يلْتَمس الْأجر وَالذكر؟ فَقَالَ: لَا شَيْء ... لَهُ الحَدِيث، وَفِي إِسْنَاده ضعف. قَوْله: (للذّكر) ، أَي: بَين النَّاس، يَعْنِي: الشُّهْرَة. قَوْله: (ليرى) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (مَكَانَهُ) ، أَي: مرتبته فِي الشجَاعَة. قَوْله: (كلمة الله) ، أَي: التَّوْحِيد، فَهُوَ الْمقَاتل فِي سَبِيل الله لَا طَالب الْغَنِيمَة والشهرة، وَلَا مظهر الشَّيْء عَنهُ.
٦١ - (بابُ منِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبيلِ الله)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من اغبرت قدماه واغبرار الْقَدَمَيْنِ عبارَة عَن الاقتحام فِي المعارك لقِتَال الْكفَّار، وَلَا شكّ أَن الْغُبَار يثور فِي المعركة حَال مصادمة الرِّجَال ويعم سَائِر الْأَعْضَاء، وَلَكِن تَخْصِيص الْقَدَمَيْنِ بِالذكر لِكَوْنِهِمَا عُمْدَة فِي سَائِر الحركات.
وقَوْلِ الله تَعَالَى ﴿مَا كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿إنَّ الله لَا يُضِيعُ أجْرَ الْمُحْسِنينَ﴾ (التَّوْبَة: ٠٢١) .
وَقَول الله، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: من اغبرت أَي: وَفِي بَيَان قَول الله : ﴿مَا كَانَ لأهل الْمَدِينَة وَمن حَولهمْ من الْأَعْرَاب أَن يتخلفوا عَن رَسُول الله، ﷺ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفسِهِم عَن نَفسه، ذَلِك بِأَنَّهُم لَا يصيبهم ظمأ وَلَا نصب وَلَا مَخْمَصَة فِي سَبِيل الله، وَلَا يطأون موطأ يغِيظ الْكفَّار وَلَا ينالون من عَدو نيلاً إلَاّ كتب لَهُم بِهِ عمل صَالح إِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾ وَقَالَ ابْن بطال: مُنَاسبَة الْآيَة للتَّرْجَمَة أَنه قَالَ فِي الْآيَة) : ﴿وَلَا يطأون موطأ يغِيظ الْكفَّار﴾ (التَّوْبَة: ٠٢١) . وَفِي الْآيَة: ﴿إلَاّ كتب لَهُم بِهِ عمل صَالح﴾ (التَّوْبَة: ٠٢١) . قَالَ: فسر النَّبِي، ﷺ الْعَمَل الصَّالح أَن النَّار لَا تمس من عمل بذلك. قَالَ: وَالْمرَاد بسبيل الله جَمِيع طاعاته. وَقيل: مُطَابقَة الْآيَة من جِهَة أَن الله أثابهم بخطواتهم وَإِن لم يباشروا قتالاً، وَكَذَلِكَ دلّ الحَدِيث على: أَن من اغبرت قدمه فِي سَبِيل الله حرمه الله على النَّار، سَوَاء بَاشر قتالاً أم لَا. وَفِي (تَفْسِير ابْن كثير) : عَاتب الله تَعَالَى المتخلفين عَن رَسُول الله، ﷺ فِي غَزْوَة تَبُوك من أهل الْمَدِينَة وَمن حولهَا من أَحيَاء الْعَرَب، وَنفى رغبتهم بِأَنْفسِهِم عَن مواساته فِيمَا حصل من الْمَشَقَّة، فَإِنَّهُم نَقَصُوا أنفسهم من الْأجر، لِأَنَّهُ لَا يصيبهم ظمأ وَهُوَ الْعَطش وَلَا نصب، وَهُوَ التَّعَب وَلَا مَخْمَصَة وَهِي المجاعة، وَلَا يطأن موطئاً يغِيظ الْكفَّار أَي: لَا ينزلون منزلا يرهب عدوهم، وَلَا ينالون مِنْهُ ظفراً وَغَلَبَة عَلَيْهِ، إِلَّا كتب الله لَهُم بِهَذِهِ الْأَعْمَال الَّتِي لَيست دَاخِلَة تَحت قدرهم، وَإِنَّمَا هِيَ ناشئة عَن أفعالهم أعمالاً صَالِحَة وثواباً جزيلاً إِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَا نضيع أجر من أحسن عملا﴾ (الْكَهْف: ٠٣) . وَفِي تَفْسِير الثَّعْلَبِيّ ظَاهر قَوْله: ﴿مَا كَانَ لأهل الْمَدِينَة﴾ (الْكَهْف: ٠٣) . خبر وَمَعْنَاهُ أَمر، والأعراب سكان الْبَوَادِي: مزينة وجهينة وَأَشْجَع وَأسلم وغفار، أَن يتخلفوا عَن رَسُول الله، ﷺ إِذا غزا، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: كتب لَهُم بِكُل روعة تنالهم فِي سَبِيل الله سبعين ألف حَسَنَة. وَقَالَ قَتَادَة: هَذَا خَاص بِالنَّبِيِّ ﷺ إِذا غزا بِنَفسِهِ فَلَيْسَ لأحد أَن يتَخَلَّف عَنهُ إلَاّ بِعُذْر، فَأَما غَيره من الْأَئِمَّة والولاة، فَمن شَاءَ أَن يتَخَلَّف تخلف. وَقَالَ الْوَلِيد بن مُسلم: سَمِعت الْأَوْزَاعِيّ، وَابْن الْمُبَارك والفزاري وَابْن جَابر وَسَعِيد بن عبد الْعَزِيز يَقُولُونَ فِي هَذِه الْآيَة: إِنَّهَا لأوّل هَذِه الْأمة وَآخِرهَا. وَقَالَ ابْن زيد: كَانَ هَذَا وَأهل الْإِسْلَام قَلِيل، فَلَمَّا كَثُرُوا نسخهَا الله ، وأباح التَّخَلُّف لمن شَاءَ، فَقَالَ:
стр. 4127
(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لينفروا كَافَّة) ، وَقَالَ النّحاس: ذهب غَيره أَنه لَيْسَ هُنَا نَاسخ وَلَا مَنْسُوخ، وَأَن الْآيَة الأولى توجب إِذا نفر النَّبِي، ﷺ أَو احْتِيجَ إِلَى الْمُسلمين واستنفروا لم يسع أحد التَّخَلُّف، وَإِذا بعث النَّبِي، ﷺ سَرِيَّة خلفت طَائِفَة.
١١٨٢ - حدَّثنا إسْحَاقُ قَالَ أخبرنَا مُحَمَّدُ بنُ الْمُبَارَكِ قَالَ حدَّثنا يَحيى ابنُ حَمْزَةَ قَالَ حدَّثني يَزِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ أخْبرَنا عبَايَةُ بنُ رافِعِ بنِ خَدِيجٍ قَالَ أَخْبرنِي أَبُو عَبْسٍ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ جَبْرٍ أنَّ رَسُول الله، ﷺ قَالَ مَا اغْبَرَّتْ قَدَما عَبْدٍ فِي سَبيلِ الله فَتَمَسَّهُ النَّارُ.
(انْظُر الحَدِيث ٧٠٩) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب صَلَاة الْجُمُعَة فِي: بَاب الْمَشْي إِلَى الْجُمُعَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن عبد الله عَن الْوَلِيد بن مُسلم عَن يزِيد بن أبي مَرْيَم عَن عبابة بن رِفَاعَة، قَالَ: أدركني أَبُو عبس، وَأَنا أذهب إِلَى الْجُمُعَة فَقَالَ: سَمِعت النَّبِي، ﷺ يَقُول: من اغبرت قدماه فِي سَبِيل الله حرمه الله على النَّار. وَأَبُو عبس كنية: عبد الرَّحْمَن ابْن جبر بن عَمْرو بن زيد الْأنْصَارِيّ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. وَإِسْحَاق هُوَ ابْن مَنْصُور، قَالَ الجياني: نسبه الْأصيلِيّ إِلَى ابْن مَنْصُور، وَيزِيد بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف، وعباية، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة، وَرِفَاعَة بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْفَاء ابْن رَافع بِالْفَاءِ وبالعين الْمُهْملَة وَأَبُو عبس بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره سين مُهْملَة وجبر بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون البارء الْمُوَحدَة. قَوْله: (من اغبرت) ، كَذَا هُوَ على الأَصْل فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي (مَا اغبرتا) ، وَهِي لُغَة.
٧١ - (بابُ مَسْحِ الغُبَارِ عنِ النَّاسِ فِي السَّبِيلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان عدم كَرَاهَة مسح الْغُبَار عَن رَأس النَّاس حَال كَونه فِي سَبِيل الله، نَحْو الْجِهَاد وَغَيره من أَبْوَاب الطَّاعَة. وَوَقع فِي بعض النّسخ: عَن النَّاس، قيل: هَذَا تَصْحِيف، وَالصَّوَاب: عَن الرَّأْس. قلت: لَا وَجه لدعوى التَّصْحِيف، لِأَنَّهُ إِذا كره مسح الْغُبَار عَن رَأس من كَانَ فِي سَبِيل الله فَكَذَلِك فِي مَسحه عَن غير الرَّأْس.
٢١٨٢ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قَالَ أخبرَنا عبْدُ الوهَّابِ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ عَن عِكْرِمَةَ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ قَالَ لَهُ ولِعَلِيِّ بنِ عَبْدِ الله ائْتِيَا أَبَا سَعِيدٍ فاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ فأتَيْنَاهُ وهْوَ وأخُوهُ فِي حائِطٍ لَهُمَا يَسْقِيَانِ فلَمَّا رآنَا جاءَ فاحْتَبَى وجَلَسَ فقالَ كُنَّا نَنْقُلُ لَبِنَ المَسْجِدِ لَبِنَةً لَبِنَةً وكانَ عَمَّارٌ يَنْقُلُ لَبِنَتَيْنِ فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ومَسَحَ عنْ رأْسِه الغُبَارَ وَقَالَ وَيْحُ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ عمَّارٌ يدْعُوهُمْ إِلَى الله ويَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ.
(انْظُر الحَدِيث ٣٤٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمسح عَن رَأسه الْغُبَار) وَإِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ، يعرف بالصغير وَعبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ، وخَالِد هُوَ الْحذاء.
والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب التعاون فِي بِنَاء الْمَسْجِد. قَوْله: (وَهُوَ وَأَخُوهُ) ، قَالَ الْحَافِظ الدمياطي: لم يكن لأبي سعيد أَخ بِالنّسَبِ إلَاّ قَتَادَة بن النُّعْمَان الظفري، فَإِنَّهُ كَانَ أَخَاهُ لأمه، وَقَتَادَة مَاتَ زمن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ عمر أبي سعيد أَيَّام بِنَاء الْمَسْجِد عشر سِنِين أَو دونهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: إِن صَحَّ ذَلِك فَالْمُرَاد بِهِ أَخُوهُ من الرضَاعَة، وَلَا أقل من أَخ فِي الْإِسْلَام: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ أخوة﴾ (الحجرات: ٠١) . قلت: بنى جَوَابه هَذَا على قَوْله: إِن صَحَّ ذَلِك وَلم يَصح ذَلِك فَلَا يَصح الْجَواب. قَوْله: (فاحتبى) ، يُقَال: احتبى الرجل إِذا جمع ظَهره وساقيه بعمامته، وَقد يحتبي بِيَدِهِ. قَوْله: (عَن رَأسه) ، ويروى على رَأسه، وَهُوَ مُتَعَلق بالغبار، أَي: الْغُبَار الَّذِي على رَأسه. قَوْله: (وَيْح) ، كلمة رَحْمَة مَنْصُوب بإضمار فعل. قَوْله: (يَدعُوهُم إِلَى الله) ، قَالَ ابْن بطال: يُرِيد وَالله أعلم أهل مَكَّة الَّذين أخرجُوا عماراً من دياره وعذبوه فِي ذَات الله، قَالَ: وَلَا يُمكن أَن يتَأَوَّل ذَلِك على الْمُسلمين، لأَنهم أجابوا دَعْوَة الله ، وَإِنَّمَا يدعى إِلَى الله من
стр. 4128
كَانَ خَارِجا عَن الْإِسْلَام. قَوْله: (ويدعونه إِلَى النَّار) ، تَأْكِيد للْأولِ، لِأَن الْمُشْركين إِذْ ذَاك طالبوه بِالرُّجُوعِ عَن دينه، قَالَ: فَإِن قيل: فتْنَة عمار كَانَت فِي أول الْإِسْلَام، وَهنا قَالَ ﷺ : يَدعُوهُم، بِلَفْظ الْمُسْتَقْبل وَمَا قبله لفظ الْمَاضِي، قيل لَهُ الْعَرَب تخبر بِالْفِعْلِ الْمُسْتَقْبل عَن الْمَاضِي، إِذا عرف الْمَعْنى كَمَا تخبر بالماضي عَن الْمُسْتَقْبل، فَمَعْنَى: يَدعُوهُم دعاهم إِلَى الله فَأَشَارَ ﷺ إِلَى ذكر هَذَا لما تطابقت شدته فِي نَقله لبنتين شدته فِي صبره، بِمَكَّة على الْعَذَاب تَنْبِيها على فضيلته وثباته فِي أَمر الله تَعَالَى، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويدعوهم، أَي: فِي الزَّمَان الْمُسْتَقْبل، وَقد وَقع ذَلِك يَوْم صفّين معْجزَة لرَسُول الله، ﷺ حَيْثُ دَعَا الفئة الباغية إِلَى الْحق وَكَانُوا يَدعُونَهُ إِلَى الْبَاطِل الْبَغي، انْتهى. قلت: ظَاهر الْكَلَام يساعد الْكرْمَانِي، وَلَكِن ابْن بطال تأدب حَيْثُ لم يتَعَرَّض إِلَى ذكر صفّين إبعاداً لأَهْلهَا عَن نِسْبَة الْبَغي إِلَيْهِم، وَالله أعلم.
٨١ - (بابُ الغَسْلِ بَعْدَ الحَرْبِ والغبارِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من غسل النَّبِي ﷺ بعد الْفَرَاغ من الْحَرْب، وَبَيَان كَون الْغُبَار على رَأس جِبْرِيل، ﵊، فِي تِلْكَ الْحَرْب، لِأَنَّهُ ﷺ لما فرغ يَوْم الخَنْدَق من الْحَرْب اغْتسل وَأَتَاهُ جِبْرِيل، وعَلى رَأسه الْغُبَار، وَأَشَارَ إِلَيْهِ أَن يذهب إِلَى بني قُرَيْظَة كَمَا يَجِيء الْآن بَيَانه فِي حَدِيث الْبَاب، والترجمة الْمَذْكُورَة مُشْتَمِلَة على شَيْئَيْنِ: على الْغسْل وعَلى الْغُبَار، فَلَا يَتَّضِح مَعْنَاهَا إلَاّ بِمَا ذكرنَا، وَبِذَلِك يحصل التطابق أَيْضا بَينهَا وَبَين حَدِيث الْبَاب.
٣١٨٢ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ أخبرنَا عبْدَةُ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ رسولَ الله ﷺ لَمَّا رَجَعَ يَوْمَ الخَنْدَقِ ووضَعَ السِّلَاحَ واغْتَسَلَ فأتاهُ جِبرِيلُ وقَدْ عَصَبَ رأسَهُ الغُبارُ فَقَالَ وَضَعْتَ السِّلاحَ فوَالله مَا وَضَعْتُهُ فقالَ رسولُ الله، ﷺ فأيْنَ قَالَ هاهُنَا وأوْمأ إِلَيّ بَنِي قُرَيْظَةَ قالَتْ فخَرَجَ إلَيْهِمْ رسولُ الله ﷺ ..
وَجه الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث قد مر الْآن. قَوْله: (مُحَمَّد) ، كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِغَيْر نِسْبَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام، وَعَبدَة ضد الْحرَّة هُوَ ابْن سُلَيْمَان. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (يَوْم الخَنْدَق) ، هُوَ خَنْدَق مَدِينَة رَسُول الله، ﷺ حفره الصَّحَابَة لما تحزبت عَلَيْهِم الْأَحْزَاب فَيوم الخَنْدَق هُوَ يَوْم الْأَحْزَاب، قَالَ مَالك: كَانَت غَزْوَة الخَنْدَق فِي سنة أَربع، وَقيل: سنة خمس. قَوْله: (وَقد عصب رَأسه) ، بِفَتْح الْعين وَالصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ جملَة حَالية أَي: ركب رَأسه الْغُبَار وعلق بِهِ كالعصابة. قَوْله: (بني قُرَيْظَة) ، بِضَم الْقَاف وَفتح الرَّاء وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وبالظاء الْمُعْجَمَة: قَبيلَة من الْيَهُود، وَفِيه قتال الْمَلَائِكَة بِالسِّلَاحِ ومصاحبتهم الْمُجَاهدين فِي سَبِيل الله تَعَالَى، وَأَنَّهُمْ فِي عونهم مَا استقاموا، فَإِن خانوا فَارَقْتهمْ، يدل على ذَلِك قَوْله ﷺ : مَعَ كل قَاض ملكان يسددانه مَا أَقَامَ الْحق، فَإِذا جَازَ تركاه. والمجاهد حَاكم بِأَمْر الله فِي أعوانه وَأَصْحَابه.
٩١ - (بابُ فَضْلِ قولِ الله تَعالَى ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله أمْوَاتاً بَلْ أحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ الله مِنْ فَضْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أنْ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ الله وفَضْلٍ وأنَّ الله لَا يُضيِعُ أجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمرَان: ٩٧١ ١٨١) .)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من ورد فِيهِ قَول الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا﴾ (آل عمرَان: ٩٧١ ١٨١) . الْآيَة، وَلَا بُد من هَذَا التَّقْدِير، لِأَن ظَاهره غير مُرَاد، وَلِهَذَا حذف الْإِسْمَاعِيلِيّ لفظ: فضل، من التَّرْجَمَة، ثمَّ إِن الْآيَتَيْنِ ساقهما بتمامهما الْأصيلِيّ وكريمة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ﴾ (آل عمرَان: ٩٧١ ١٨١) . إِلَى ﴿وَإِن الله لَا يضيع أجر الْمُؤمنِينَ﴾ (آل عمرَان: ٩٧١ ١٨١) . وَاخْتلفُوا فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَات، فَقَالَ الإِمَام أَحْمد: حَدثنَا يَعْقُوب حَدثنَا أبي عَن إِسْحَاق حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن أُميَّة بن عَمْرو
стр. 4129
ابْن سعيد عَن أبي الزبير الْمَكِّيّ عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : لما أُصِيب إخْوَانكُمْ بِأحد جعل الله أَرْوَاحهم فِي أَجْوَاف طير خضر ترد أَنهَار الْجنَّة وتأكل من أثمارها، وتأوي إِلَى قناديل من ذهب فِي ظلّ الْعَرْش، فَلَمَّا وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وَحسن مقيلهم، قَالُوا: يَا لَيْت إِخْوَاننَا يعلمُونَ مَا صنع الله لنا لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَاد، وَلَا ينكلُوا عَن الْحَرْب، فَقَالَ الله تَعَالَى: أَنا أبلغهم عَنْكُم، فَأنْزل الله : ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ﴾ (آل عمرَان: ٩٧١) . وَمَا بعْدهَا، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن جرير وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وروى الْحَاكِم أَيْضا فِي (مُسْتَدْركه) من حَدِيث أبي إِسْحَاق الْفَزارِيّ عَن سُفْيَان عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة فِي حَمْزَة وَأَصْحَابه ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا﴾ (آل عمرَان: ٩٧١) . الْآيَة، وَكَذَا قَالَ قَتَادَة وَالربيع وَالضَّحَّاك، وَقَالَ أَبُو بكر بن مرْدَوَيْه، بِإِسْنَادِهِ عَن عَليّ بن عبد الْمَدِينِيّ عَن مُوسَى بن إِبْرَاهِيم بن كثير بن بشر بن الْفَاكِه الْأنْصَارِيّ عَن طَلْحَة بن خرَاش بن عبد الرَّحْمَن بن خرَاش بن الصمَّة الْأنْصَارِيّ، قَالَ: سَمِعت جَابر بن عبد الله، قَالَ: نظر إِلَى رَسُول الله، ﷺ ذَات يَوْم فَقَالَ: يَا جَابر ﴿مَالِي أَرَاك مهتماً؟ قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله﴾ اسْتشْهد أبي وَترك عَلَيْهِ دينا وعيالاً. قَالَ: أَلا أخْبرك؟ مَا كلم الله أحدا قطّ إلَاّ من وَرَاء حجاب، وَإنَّهُ كلم أَبَاك كفاحاً. قَالَ عَليّ: الكفاح المواجهة، قَالَ: سلني أعطك. قَالَ: أَسأَلك أَن أُرد إِلَى الدُّنْيَا فأقتل فِيك ثَانِيَة. فَقَالَ الرب، : إِنَّه سبق مني أَنهم إِلَيْهَا لَا يرجعُونَ. قَالَ: أَي رب، فأبلغ من ورائي، فَأنْزل الله : ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا﴾ (آل عمرَان: ٩٧١) . حَتَّى أنفد الْآيَة. وَقَالَ ابْن جرير: حَدثنَا مُحَمَّد بن مَرْزُوق حَدثنَا عَمْرو بن يُونُس عَن عِكْرِمَة حَدثنَا إِسْحَاق بن أبي طَلْحَة حَدثنِي أنس بن مَالك فِي أَصْحَاب النَّبِي، ﷺ الَّذين أرسلهم النَّبِي، ﷺ إِلَى أهل بِئْر مَعُونَة الحَدِيث، مطولا. وَفِي آخِره: قَالَ إِسْحَاق: حَدثنِي أنس بن مَالك أَن الله أنزل فيهم قُرْآنًا بلغُوا عَنَّا قَومنَا أَنا قد لَقينَا رَبنَا، فَرضِي عَنَّا ورضينا عَنهُ، ثمَّ نسخت بعد مَا قرأناه زَمَانا، وَأنزل الله: ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله ... ﴾ (آل عمرَان: ٩٧١) . الْآيَة، وَقَالَ مقَاتل: نزلت فِي قَتْلَى بدر، وَكَانُوا أَرْبَعَة عشر شَهِيدا. قَوْله: (فرحين) ، بِمَعْنى: فارحين، وَيجوز أَن يكون حَالا من الضَّمِير فِي: يرْزقُونَ، وَأَن يكون صفة: لأحياء. قَوْله: (من فَضله) أَي: من رزقه. قَوْله: (ويستبشرون) ، عطف على فرحين من الاستبشار، وَهُوَ السرُور بالبشرة. قَوْله: ﴿بالذين لم يلْحقُوا بهم من خَلفهم﴾ (آل عمرَان: ٠٨١) . أَي: يفرحون بإخوانهم الَّذين فارقوهم أَحيَاء يرجون لَهُم الشَّهَادَة، يَقُولُونَ إِن قتلوا نالوا مَا نلنا من الْفضل. وَقَالَ السّديّ: يُؤْتى الشَّهِيد بِكِتَاب فِيهِ: يقدم عَلَيْك فلَان يَوْم كَذَا وَكَذَا، وَيقدم عَلَيْك فلَان يَوْم كَذَا وَكَذَا، فيسر بذلك كَمَا يسر أهل الدُّنْيَا بقدوم غائبهم. قَوْله: ﴿أَن لَا خوف عَلَيْهِم﴾ (آل عمرَان: ٠٨١) . بدل من الَّذِي يَعْنِي: لَا خوف عَلَيْهِم فِيمَن خلفوه من ذُرِّيتهمْ، ﴿وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ (آل عمرَان: ٠٨١) . على مَا خلفوا من أَمْوَالهم. وَقيل: لَا خوف فِيمَا يقدمُونَ عَلَيْهِ وَلَا يَحْزَنُونَ على مُفَارقَة الدُّنْيَا. قَوْله: ﴿يستبشرون﴾ كَلَام مُسْتَأْنف كرر للتوكيد وَالنعْمَة فضل من الله لَا أَنه وَاجِب عَلَيْهِ. قَوْله: (وَأَن الله) ، بِالْفَتْح عطفا على النِّعْمَة، وَالْفضل، وبالكسر على الِابْتِدَاء وعَلى أَن الْجُمْلَة اعتراضية، وَهِي قِرَاءَة الْكسَائي. وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم: هَذِه الْآيَة جمعت الْمُؤمنِينَ كلهم سَوَاء الشُّهَدَاء وَغَيرهم، وَقل مَا ذكر الله فضلا ذكر بِهِ الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام ثَوَاب مَا أَعْطَاهُم إلَاّ ذكر مَا أعْطى الْمُؤمنِينَ من بعدهمْ.
٤١٨٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ دَعَا رسولُ الله ﷺ علَى الَّذِينَ قَتَلُوا أصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ ثَلَاثِينَ غَدَاةً علَى رَعْلٍ وذكْوَانَ وعُصَيَّةَ عَصَتِ الله ورَسُولَهُ قَالَ أنَسٌ أُنْزِلَ فِي الَّذِينَ قُتِلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قُرْآنٌ قَرَأنَاهُ ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ بَلِّغُوا قَوْمَنا أنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا ورَضِينَا عَنْهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهَا هِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا ... ﴾ (آل عمرَان: ٩٧١) . إِلَى آخِره، نزلت فِي حق أَصْحَاب بِئْر مَعُونَة، كَمَا ذكره ابْن جرير أَيْضا، وَقد مر عَن قريب. وَذكره البُخَارِيّ هُنَا مُخْتَصرا، وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن بكير بأتم مِنْهُ. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى.
قَوْله: (مَعُونَة) ، بِفَتْح الْمِيم وَضم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وبالنون:
стр. 4130
وَهِي مَوضِع من جِهَة نجد بَين أَرض بني عَامر وحرة بني سليم، وَكَانَت غزوتُها سنة أَربع. قَوْله: (على رعل) ، بدل من الَّذين قتلوا بِإِعَادَة الْعَامِل. قَوْله: (ثمَّ نسخ) ، مَعْنَاهُ سقط ذكره لتقادم عَهده إلَاّ أَن يذكر بطرِيق الرِّوَايَة، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ النّسخ الَّذين بدل مَكَانَهُ خِلَافه، لِأَن الْخَبَر لَا يدْخلهُ نسخ، وَالْقُرْآن رُبمَا نسخ لَفظه، وَبَقِي حكمه مثل: (الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ) وَمعنى النّسخ هُنَا أَنه أسقط لَفظه من التِّلَاوَة. قَالَ السُّهيْلي: هَذَا الْمَذْكُور، أَعنِي: مَا نزل، نسخ وَلَيْسَ عَلَيْهِ رونق الإعجاز. قَوْله: (رَضِينَا عَنهُ) ، وَقد تقدم بِلَفْظ أرضانا، وَالْحَال لَا يَخْلُو من أَحدهمَا. وَأجِيب: بِأَن الْقُرْآن الْمَنْسُوخ يجوز نَقله بِالْمَعْنَى. وَقَالَ الْمُهلب: فِي الحَدِيث دلَالَة على أَن من قتل غدراً فَهُوَ شَهِيد، لِأَن أَصْحَاب بِئْر مَعُونَة قتلوا غدراً.
وَاخْتلف النَّاس فِي كَيْفيَّة حَيَاة الشَّهِيد، فَقَالَ ابْن بطال: إِن الْأَرْوَاح ترزق، وَكَذَا جَاءَ الْخَبَر فِي (صَحِيح ابْن حبَان) : إِنَّمَا نسمَة الْمُؤمن طَائِر تعلق فِي شجر الْجنَّة، قَالَ أهل اللُّغَة: يَعْنِي تَأْكُل مِنْهَا. قَالَ ابْن قرقول: بِضَم اللَاّم، أَي: تتناوله، وَقيل: تشمه. وَهَذَا الحَدِيث عَام وَقد خصّه الْقُرْآن الْعَزِيز بِاشْتِرَاط الشَّهَادَة. وَقَالَ الدَّاودِيّ: أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي حواصل طير، وَقَالَ ابْن التِّين: هَذَا لَا يَصح فِي الْعقل، وَلَا فِي الِاعْتِبَار، لِأَنَّهَا إِن كَانَت هِيَ أَرْوَاح الطير فَكيف تكون فِي الحواصل دون سَائِر الْجَسَد، وَإِن كَانَ لَهَا أَرْوَاح غَيرهَا فَكيف يكون لَهَا روحان فِي جَسَد؟ وَكَيف تصل لَهُم الأرزاق الَّتِي ذكر الله . انْتهى. وَفِيه نظر، لِأَن مُسلما أخرج فِي (صَحِيحه) : عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير أخبرنَا أَبُو مُعَاوِيَة حَدثنَا الْأَعْمَش عَن عبد الله بن مرّة عَن مَسْرُوق قَالَ: سَأَلنَا عبد الله عَن هَذِه الْآيَة: ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا ... ﴾ (آل عمرَان: ٩٧١) . الْآيَة، فَقَالَ: إِنَّا قد سَأَلنَا عَن ذَلِك، فَقَالَ: أَرْوَاحهم فِي جَوف طير خضر لَهَا قناديل معلقَة بالعرش تسرح من الْجنَّة حَيْثُ شَاءَت، ثمَّ تأوي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيل ... الحَدِيث، وروى الْحَاكِم على شَرط مُسلم من حَدِيث، قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (لما أُصِيب إخْوَانكُمْ بِأحد. .) الحَدِيث، ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وروى ابْن أبي عَاصِم من حَدِيث ابْن مَسْعُود: (أَن الثَّمَانِية عشر من أَصْحَاب رَسُول الله، ﷺ ، جعل الله أَرْوَاحهم فِي الْجنَّة فِي طير خضر) ، وَفِي لفظ: (أَرْوَاح الشُّهَدَاء عِنْد الله كطير خضر فِي قناديل تَحت الْعَرْش) . وَمن حَدِيث عَطِيَّة عَن أبي سعيد، قَالَ رَسُول الله، ﷺ : أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي طير خضر ترعى فِي رياض الْجنَّة ثمَّ تكون مأواها قناديل معلقَة بالعرش. وَمن حَدِيث مُوسَى بن عُبَيْدَة الربذي عَن عبيد الله بن يزِيد عَن أم قلَابَة، أظنها أم مُبشر، قَالَ رَسُول الله، ﷺ : إِن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ طير خضر فِي حجر من الْجنَّة، يَأْكُلُون من الْجنَّة وَيَشْرَبُونَ من الْجنَّة، وَبِسَنَد صَحِيح إِلَى كَعْب بن مَالك يرفعهُ أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي طير خضر) ، وَعند مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) : نسمَة الْمُؤمن طَائِر. وَتَأَول بعض الْعلمَاء لفظ: فِي، فِي قَوْله: فِي جَوف طير، بِمَعْنى: على، فَيكون الْمَعْنى: أَرْوَاحهم على جَوف طير خضر، كَمَا فِي قَوْله: ﴿ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾ (طه: ١٧) . أَي: على جُذُوع النّخل. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ، قَوْله: (أَرْوَاحهم فِي جَوف طير خضر) ، أَي: يخلق لأرواحهم بَعْدَمَا فَارَقت أبدانهم هياكل على تِلْكَ الْهَيْئَة تتَعَلَّق بهَا وَتَكون خلفا عَن أبدانهم، فيتوسلون بهَا إِلَى نيل مَا يشتهون من اللَّذَّات الحسية. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَاخْتلفُوا فِيهِ، فَقيل: لَيست للأقيسة والعقول فِي هَذَا حكم، فَإِذا أَرَادَ الله أَن يَجْعَل الرّوح، إِذا خرجت من الْمُؤمن أَو الشَّهِيد، فِي قناديل أَو جَوف طير أَو حَيْثُ شَاءَ كَانَ ذَلِك، وَوَقع وَلم يبعد، لَا سِيمَا على القَوْل بِأَن الْأَرْوَاح أجساد فَغير مُسْتَحِيل أَن يصور جُزْء من الْإِنْسَان طائراً، أَو يَجْعَل فِي جَوف طَائِر فِي قناديل تَحت الْعَرْش. وَقد اخْتلفُوا فِي الرّوح. فَقَالَ كثير من أَرْبَاب علم الْمعَانِي وَعلم الْبَاطِن والمتكلمين: لَا نَعْرِف حَقِيقَته وَلَا يَصح وَصفه. وَهُوَ مَا جهل الْعباد بِعِلْمِهِ، وَاسْتَدَلُّوا بقوله تَعَالَى: ﴿قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾ (الْإِسْرَاء: ٥٨) . وَقَالَ كَثِيرُونَ من شُيُوخنَا: هُوَ الْحَيَاة، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ أجسام لَطِيفَة مشاكلة للجسم يحيى بحياته، أجْرى الله الْعَادة بِمَوْت الْجِسْم عِنْد فِرَاقه، وَلِهَذَا وصف بِالْخرُوجِ وَالْقَبْض وبلوغ الْحُلْقُوم، قَالَ الشَّيْخ: هَذَا هُوَ الْمُخْتَار، وَقد تعلق بِهَذَا الحَدِيث وَأَمْثَاله بعض القائلي بالتناسخ وانتقال الْأَرْوَاح وتنعيمها فِي الصُّور الحسان المرفهة وتعذيبها فِي الصُّور القبيحة المسخرة، وَزَعَمُوا أَن هَذَا هُوَ الثَّوَاب وَالْعِقَاب، وَهَذَا بَاطِل مَرْدُود لإبطاله مَا جَاءَت الشَّرَائِع من إِثْبَات الْحَشْر والنشر وَالْجنَّة وَالنَّار.
стр. 4131
٥١٨٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حَدَّثَنا سُفْيَانُ عنْ عَبْدِ الله عنْ عَمْرَو سَمِعَ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما يَقولُ اصْطَبَحَ ناسٌ الخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ ثُمَّ قُتِلُوا شُهَدَاءَ فقِيلَ لِسُفْيَانَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ قَالَ لَيْسَ هَذَا فيهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (شُهَدَاء) ، وَالْخمر الَّتِي شَرِبُوهَا ذَلِك الْيَوْم لم تَضُرهُمْ لِأَنَّهَا كَانَت مُبَاحَة فِي وَقت شربهم، وَلِهَذَا أثنى الله عَلَيْهِم بعد مَوْتهمْ، وَرفع عَنْهُم الْخَوْف والحزن. وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار الْمَكِّيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن صَدَقَة بن الْفضل وَفِي الْمَغَازِي عَن عبد الله بن مُحَمَّد.
قَوْله: (اصطبح) ، أَي: شربوا الْخمر صَبُوحًا، والصبوح الشّرْب بِالْغَدَاةِ، وَهُوَ خلاف الغبوق، واصطبح الرجل: شرب صَبُوحًا. قَوْله: (فَقيل لِسُفْيَان: من آخر ذَلِك الْيَوْم) ، يَعْنِي: فِي الحَدِيث هَذَا اللَّفْظ مَوْجُود، وَهُوَ قَوْله: من آخر ذَلِك الْيَوْم. قَالَ سُفْيَان: لَيْسَ هَذَا فِيهِ، أَي: لَيْسَ هَذَا اللَّفْظ مرويا فِي الحَدِيث: فَإِن قلت: أخرج الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا الحَدِيث من طَرِيق القواريري عَن سُفْيَان بِهَذِهِ الزِّيَادَة، وَلَكِن بِلَفْظ: اصطبح قوم الْخمر أول النَّهَار وَقتلُوا آخر النَّهَار شُهَدَاء. قلت: لَعَلَّ سُفْيَان كَانَ نَسيَه ثمَّ تذكر، وَقد أخرجه البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن سُفْيَان، بِدُونِ الزِّيَادَة. وَأخرجه فِي تَفْسِير الْمَائِدَة عَن صَدَقَة بن الْفضل عَن سُفْيَان بإثباتها.
٠٢ - (بابُ ظِلِّ المَلَائِكَةِ عَلى الشَّهِيدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ظلّ الْمَلَائِكَة على الشَّهِيد.
٦١٨٢ - حدَّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ قَالَ أخْبرنَا ابنُ عُيَيْنَةَ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ الْمُنْكَدِرِ أنَّهُ سَمِعَ جَابِراً يَقُولُ جِيءَ بِأبِي إِلَى النبيِّ ﷺ وقدْ مُثِّلَ بِهِ ووُضِعَ بيْنَ يَدَيْهِ فذَهَبْتُ أكْشِفُ عنْ وَجْهِهِ فَنَهَانِي قَوْمِي فَسَمِعَ صَوْتَ صائِحَةٍ فَقيلَ ابْنَةُ عَمْرٍ وأو أخْتُ عَمْرٍ وفقال لِمَ تَبْكِي أوْ لَا تَبْكِي مَا زَالَتِ الْمَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأجْنِحَتِهَا قُلْتُ لِصَدَقَةَ أفِيهِ حَتَّى رُفِعَ قَالَ رُبَّمَا قالَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مَا زَالَت الْمَلَائِكَة تظله) ، وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجَنَائِز، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (قلت لصدقة) ، الْقَائِل هُوَ البُخَارِيّ، وَصدقَة بن الْفضل شَيْخه فِيهِ. قَوْله: (أفيه؟) الْهمزَة للاستفهام على وَجه الاستخبار، أَي أَفِي الحَدِيث لفظ حَتَّى رفع؟ قَوْله: (قَالَ: رُبمَا قَالَه) أَي: قَالَ سُفْيَان: رُبمَا قَالَه جَابر وَلم يجْزم بِهِ، وَجزم بِهِ فِي الْجَنَائِز حَيْثُ قَالَ فِي آخر الحَدِيث: حَتَّى رفع، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحميدِي وَجَمَاعَة عَن سُفْيَان.
١٢ - (بابُ تَمَنِّي الْمُجَاهِدِ أنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تمني الْمُجَاهِد أَن يرجع، كلمة: إِن، مَصْدَرِيَّة أَي: تمنى الْمُجَاهِد الَّذِي جَاهد فِي سَبِيل الله ثمَّ قتل رُجُوعه إِلَى الدُّنْيَا لما يرى من الكرامات للشهداء.
٧١٨٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدَرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتادَةَ قَالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَا أحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا ولَهُ مَا عَلى الأرْضِ مِنْ شَيْءٍ إلَاّ الشَّهِيدُ يَتَمَنَّى أنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنَ الكَرَامَةِ.
(انْظُر الحَدِيث ٥٩٧٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وغندر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة: هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر وَقد تكَرر ذكره.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي
стр. 4132
الْجِهَاد عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار، كِلَاهُمَا عَن غنْدر وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن بنْدَار بِهِ.
قَوْله: (مَا أحد) فِي رِوَايَة أبي خَالِد: مَا من نفس. قَوْله: (يدْخل الْجنَّة) ، فِي رِوَايَة أبي خَالِد لَهَا: عِنْد الله خير. قَوْله: (وَله مَا على الأَرْض من شَيْء) ، وَفِي رِوَايَة أبي خَالِد، وَأَن لَهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. قَوْله: (لما يرى من الْكَرَامَة) ، أَي: لأجل مَا يرَاهُ من الْكَرَامَة للشهداء، وَفِي رِوَايَة أبي خَالِد، لما يرى من فضل الشَّهَادَة، وَلم يقل: عشر مَرَّات. وَقَالَ ابْن بطال: هَذَا الحَدِيث أجل مَا جَاءَ فِي فضل الشَّهَادَة، وَالله أعلم.
٢٢ - (بابٌ الجَنَّةُ تَحْتَ بَارِقَةِ السُّيُوفِ)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: الْجنَّة تَحت بارقة السيوف، وَهَذَا من بَاب إِضَافَة الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف، يُقَال: برق السَّيْف بروقاً إِذا تلألأ. وَقد تطلق البارقة، وَيُرَاد بهَا نفس السيوف، وَالْإِضَافَة بَيَانِيَّة، نَحْو: شجر الْأَرَاك، وَقيل: كَأَن البُخَارِيّ أَرَادَ بالترجمة أَن السيوف لما كَانَت لَهَا بارقة شُعَاع كَانَ لَهَا أَيْضا ظلّ تحتهَا، وَترْجم: ببارقة، يُرِيد لمع السيوف من قَوْلهم: نَاقَة بروق إِذا لمعت بذنبها من غير لقاح، وَهُوَ مثل: الْجنَّة تَحت ظلال السيوف، وَقَالَ ابْن بطال: هُوَ من البريق، وَهُوَ مَعْرُوف. وَقَالَ الْخطابِيّ: يُقَال: أبرق الرجل بِسَيْفِهِ إِذا لمع بِهِ، وَسمي السَّيْف: إبريقاً، وَهُوَ إفعيل من البريق. وَأخرج الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عمار بن يَاسر بِإِسْنَاد صَحِيح أَنه قَالَ يَوْم صفّين: الْجنَّة تَحت الأبارقة. وَقَالَ بَعضهم: الصَّوَاب البارقة، وَهِي: السيوف اللامعة. قلت: قَالَ الْخطابِيّ: الأبارقة جمع إبريق، وَسمي السَّيْف إبريقاً كَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا، وَكَذَلِكَ فسر ابْن الْأَثِير كَلَام عمار: الْجنَّة تَحت الأبارقة، أَي: تَحت السيوف، فَلَا وَجه حِينَئِذٍ لدعوى الصَّوَاب.
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ قَالَ أخبرنَا نَبِيُّنَا ﷺ عنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا قَالَ مَنْ قُتِلَ مِنَّا صارَ إِلَى الجَنَّةِ
وَجه دُخُوله تَحت التَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن كَون الْمَقْتُول مِنْهُم إِلَى الْجنَّة دَاخل بارقة السيوف، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله فِي الْجِزْيَة بِتَمَامِهِ. قَوْله: (عَن رِسَالَة رَبنَا) ، ثَبت فِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده.
وَقَالَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ألَيْسَ قَتْلانَا فِي الجَنَّةِ وقَتْلاهُمْ فِي النَّارِ قَالَ بَلَى
وَجه هَذَا مثل وَجه الْمُعَلق السَّابِق، وَوَصله البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي من حَدِيث سهل بن حنيف، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على مَا يَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٨١٨٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا مُعَاوِيَةُ بنُ عَمْرٍ وحدَّثنا أبُو إسْحَاقَ عنْ مُوساى ابنِ عُقْبَةَ عنْ سالِمٍ أبي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بنِ عُبَيْدِ الله وكانَ كاتِبَهُ قَالَ كَتبَ إلَيْهِ عبدُ الله بنُ أبِي أوْفَى رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ واعْلَمُوا أنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن السيوف لما كَانَت لَهَا بارقة شُعَاع كَانَ لَهَا أَيْضا ظلّ تحتهَا، وَعبد الله بن مُحَمَّد أَبُو جَعْفَر البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي، وَمُعَاوِيَة بن عَمْرو بن الْمُهلب الْأَزْدِيّ الْبَغْدَادِيّ، وَأَصله كُوفِي، وروى عَنهُ البُخَارِيّ فِي الْجُمُعَة بِلَا وَاسِطَة. وَأَبُو إِسْحَاق، قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ السبيعِي، وَهَذَا سَهْو، وَلَيْسَ إلَاّ أَبَا إِسْحَاق الْفَزارِيّ، واسْمه: إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد، سكن المصيصة من الشَّام، مَاتَ سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ عَن عبد الله بن مُحَمَّد فِي الْجِهَاد فِي موضِعين. وَأخرجه فِي الْجِهَاد أَيْضا عَن يُوسُف بن مُوسَى. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن مُحَمَّد بن رَافع. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن أبي صَالح مَحْبُوب ابْن مُوسَى.
قَوْله: (وَكَانَ كَاتبه) أَي: كَانَ سَالم كَاتب عبد الله بن أبي أوفى، وَقد سَهَا الْكرْمَانِي سَهوا فَاحِشا حَيْثُ قَالَ: وَكَانَ سَالم كَاتب عمر بن عبيد الله، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل الصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (كتب إِلَيْهِ) أَي: إِلَى عمر بن عبيد الله بن معمر التَّيْمِيّ، وَكَانَ أَمِيرا على حَرْب الْخَوَارِج. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هَذَا الحَدِيث لَيْسَ من الْكِتَابَة فِي شَيْء لِأَنَّهُ لم يكْتب لسالم، إِنَّمَا
стр. 4133
كَانَت الْكِتَابَة لعمر بن عبيد الله، فَأخْبر بالواقع فَصَارَ وجادة فِيهَا شوب من الِاتِّصَال. قَوْله: (إِن الْجنَّة تَحت ظلال السيوف) أَي: إِن ثَوَاب الله وَالسَّبَب الْموصل إِلَى الْجنَّة عِنْد الضَّرْب بِالسُّيُوفِ فِي سَبِيل الله، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: المُرَاد أَن دُخُول الْجنَّة يكون بِالْجِهَادِ، والظلال جمع: ظلّ، فَإِذا دنى الشَّخْص من الشَّخْص صَار تَحت ظلّ سَيْفه، وَإِذا تدانى الخصمان صَار كل وَاحِد مِنْهُمَا تَحت ظلّ سيف الآخر، فالجنة تُنال بِهَذَا.
تَابَعَهُ الأُوَيْسِيُّ عنِ ابنِ أبِي الزِّنَادِ عنْ مُوساى بنِ عُقْبَةَ
يَعْنِي: الأويسي عبد الْعَزِيز بن عبد الله العامري تَابع مُعَاوِيَة بن عَمْرو الَّذِي رَوَاهُ عَن أبي إِسْحَاق عَن مُوسَى بن عقبَة، وَهَذِه الْمُتَابَعَة رَوَاهَا البُخَارِيّ فِي خَارج (الصَّحِيح) عَن الأويسي، وَرَوَاهُ عَنهُ ابْن أبي عَاصِم فِي كتاب الْجِهَاد. قلت: نسبته إِلَى أويس، بِضَم الْهمزَة وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر السِّين الْمُهْملَة: نِسْبَة إِلَى أويس بن سعد، أحد أجداد عبد الْعَزِيز الْمَذْكُور.
٣٢ - (بابُ مَنْ طَلَبَ الوَلَدَ لِلْجِهَادِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من نوى عِنْد المجامعة مَعَ أَهله حُصُول الْوَلَد ليجاهد فِي سَبِيل الله فَيحصل لَهُ بذلك أجر لأجل نِيَّته وَإِن لم يحصل لَهُ ولد.
٩١٨٢ - وَقَالَ اللَّيْثُ حدَّثني جعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ هُرْمُزَ قَالَ سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنْ رسُولِ الله ﷺ قَالَ قَالَ سُلَيْمَانُ بنُ داوُدَ ﵉ لأطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ علَى مِائَةِ امْرَأةٍ أوْ تِسْعٍ وتِسْعِينَ كُلُّهُنَّ يأتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ الله فَقَالَ لَهُ صاحِبُهُ قُلْ إنْ شَاءَ الله فَلَمْ يَقُلْ إنْ شاءَ الله فلَمْ يَحْمِلْ مِنْهُنَّ إلَاّ امْرَأةٌ واحِدَةٌ جاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ إنْ شاءَ الله لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله فرْسَاناً أجْمَعُونَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، كَذَا أخرجه البُخَارِيّ مُعَلّقا. وَأخرجه فِي سِتَّة مَوَاضِع مُسندَة: مِنْهَا فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور: عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج من طَرِيق اللَّيْث رَوَاهُ أَبُو نعيم من حَدِيث يحيى بن بكير عَن اللَّيْث، وَكَذَلِكَ أخرجه مُسلم من حَدِيثه.
قَوْله: (لأطوفن اللَّيْلَة) وَوَقع فِي رِوَايَة: لأطيفن. وَقَالَ الْمبرد: كِلَاهُمَا صَحِيح، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: الدوران حول الشَّيْء، وَهُوَ هَهُنَا كِنَايَة عَن الْجِمَاع، وَاللَّام فِيهِ للقسم، لِأَن هَذِه اللَّام هِيَ الَّتِي تدخل على جَوَاب الْقسم، وَكَثِيرًا مَا تحذف مَعهَا الْعَرَب الْمقسم بِهِ اكْتِفَاء بدلالتها على الْمقسم بِهِ، لَكِنَّهَا لَا تدل على مقسم بِهِ معِين. قَوْله: (أَو تسع وَتِسْعين) ، شكّ من الرَّاوِي وَفِي لفظ: سِتِّينَ امْرَأَة، وَفِي رِوَايَة (سبعين) ، وَفِي رِوَايَة: (مائَة) ، من غير شكّ وَفِي أُخْرَى: (تِسْعَة وَتِسْعين) ، من غير شكّ وَلَا مُنَافَاة بَين هَذِه الرِّوَايَات لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِك الْقَلِيل نفي الْكثير، وَهُوَ من مَفْهُوم الْعدَد، وَلَا يعْمل بِهِ جُمْهُور أهل الْأُصُول. قَوْله: (بِفَارِس) ، وَفِي رِوَايَة: بِغُلَام. قَوْله: (يُجَاهد) ، جملَة فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة فَارس. قَوْله: (فَقَالَ لَهُ صَاحبه) ، قيل: يُرِيد بِهِ وزيره من الْإِنْس وَالْجِنّ. وَقيل: الْملك، كَمَا ذكره فِي النِّكَاح، وَفِي مُسلم فَقَالَ لَهُ صَاحبه أَو الْملك، وَهُوَ شكّ من أحد رُوَاته، وَفِي رِوَايَة لَهُ: فَقَالَ لَهُ صَاحبه، بِالْجَزْمِ من غير تردد، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فَإِن كَانَ صَاحبه فيعني بِهِ وزيره من الْإِنْس أَو من الْجِنّ، وَإِن كَانَ الْملك فَهُوَ الَّذِي كَانَ يَأْتِيهِ بِالْوَحْي، قَالَ: وَقد أبعد من قَالَ هُوَ خاطره، وَقَالَ النَّوَوِيّ: قيل: المُرَاد بِصَاحِبِهِ هُوَ الْملك، وَهُوَ الظَّاهِر من لَفظه وَقيل: القرين. وَقيل: صَاحب لَهُ آدَمِيّ. قلت: الصَّوَاب أَنه هُوَ الْملك كَمَا ذكره فِي النِّكَاح كَمَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (فَلم يقل: إِن شَاءَ الله) ، فَلم يقل سُلَيْمَان ﷺ : إِن شَاءَ الله بِلِسَانِهِ، لَا أَنه غفل عَن التَّفْوِيض إِلَى الله تَعَالَى بِقَلْبِه، فَإِنَّهُ لَا يَلِيق بِمنْصب النُّبُوَّة، وَإِنَّمَا هَذَا كَمَا اتّفق لنبينا ﷺ لما سُئِلَ عَن الرّوح وَالْخضر وَذي القرنين، فَوَعَدَهُمْ أَن يَأْتِي بِالْجَوَابِ غَدا جَازِمًا بِمَا عِنْده من معرفَة الله تَعَالَى وَصدق وعده فِي تَصْدِيقه وَإِظْهَار كَلمته، لكنه ذهل عَن النُّطْق بهَا، لَا عَن التَّفْوِيض بِقَلْبِه
стр. 4134
فاتفق أَن يتَأَخَّر الْوَحْي عَنهُ، وَرمي بِمَا رمي بِهِ لأجل ذَلِك، ثمَّ علمه الله بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا، إلَاّ أَن يَشَاء الله﴾ (الْكَهْف: ٣٢) . فَكَانَ بعد ذَلِك يسْتَعْمل هَذِه الْكَلِمَة حَتَّى فِي الْوَاجِب. قَوْله: (فَلم تحمل مِنْهُم) ، أَي: من مائَة امْرَأَة. قَوْله: (إلَاّ امْرَأَة وَاحِدَة جَاءَت بشق رجل) وَفِي رِوَايَة: بشق غُلَام، فِي أُخْرَى: نصف إِنْسَان، وَفِي أُخْرَى: فَلم تحمل شَيْئا إلَاّ وَاحِدًا سقط أحدى شقيه. قَوْله: (فُرْسَانًا) حَال، وَهُوَ جمع فَارس. قَوْله: (أَجْمَعُونَ) ، بِالرَّفْع لتأكيد ضمير الْجمع الَّذِي فِي قَوْله: لَجَاهَدُوا، وَيجوز أَجْمَعِينَ بِالنّصب تَأْكِيدًا لقَوْله: فُرْسَانًا، إِن صحت الرِّوَايَة.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: الحض على طلب الْوَلَد لنِيَّة الْجِهَاد فِي سَبِيل الله، وَقد يكون الْوَلَد بِخِلَاف مَا أمله فِيهِ، وَلَكِن لَهُ الْأجر فِي نِيَّته وَعَمله. وَفِيه: أَن من قَالَ: إِن شَاءَ الله، وتبرأ من مَشِيئَته وَلم يُعْط الْحَظ لنَفسِهِ فِي أَعماله، فَهُوَ حري أَن يبلغ أمله، وَيُعْطى أمْنِيته، وَلَيْسَ كل من قَالَ قولا وَلم يسْتَثْن فِيهِ الْمَشِيئَة بِوَاجِب أَن لَا يبلغ أمله، بل مِنْهُم من شَاءَ الله بإتمام أمله، وَمِنْهُم من يَشَاء أَن لَا يتمه، بِمَا سبق فِي علمه، لَكِن هَذِه الَّتِي أخبر عَنْهَا سيدنَا رَسُول الله، ﷺ أَنَّهَا مِمَّا لَو اسْتثْنى لتم أمله، فَدلَّ هَذَا على أَن الأقدار فِي علم الله، ، على ضروب، فقد يقدر للْإنْسَان الرزق وَالْولد والمنزلة إِن فعل كَذَا، أَو قَالَ أَو دَعَا، فَإِن لم يفعل وَلَا قَالَ لم يقدر ذَلِك الشَّيْء. وأصل هَذَا فِي قصَّة يُونُس، ﵊، فلولا أَنه كَانَ من المسبحين للبث فِي بَطْنه، فَبَان بِهَذَا أَن تسبيحه كَانَ سَبَب خُرُوجه من بطن الْحُوت، وَلَو لم يسبح مَا خرج مِنْهُ. وَفِيه: أَن الِاسْتِثْنَاء ليمضي فِيهِ الْقدر السَّابِق كَمَا سبق وَفِيه أَن الِاسْتِثْنَاء يكون بأثر القَوْل، وَإِن كَانَ فِيهِ سكُوت يسير لم يَنْقَطِع بِهِ دونه فصَال الحائلة بَينه وَبَين الِاسْتِثْنَاء وَالْيَمِين. وَفِيه: مَا كَانَ الله تَعَالَى خص بِهِ الْأَنْبِيَاء من صِحَة البنية وَكَمَال الرجولية مَعَ مَا كَانُوا فِيهِ من المجاهدات فِي الْعِبَادَة، وَالْعَادَة فِي مثل هَذَا لغَيرهم الضعْف عَن الْجِمَاع، لَكِن خرق الله تَعَالَى لَهُم الْعَادة فِي أبدانهم، كَمَا خرقها لَهُم فِي معجزاتهم وأحوالهم، فَحصل لِسُلَيْمَان،
стр. 4135
عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من الإطاقة أَن يطَأ فِي لَيْلَة مائَة امْرَأَة ينزل فِي كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ مَاء، وَلَيْسَ فِي الْأَخْبَار مَا يحفظ فِيهِ صَرِيحًا غير هَذَا، إلَاّ مَا ثَبت عَن سيدنَا رَسُول الله، ﷺ ، أَنه أعطي قُوَّة ثَلَاثِينَ رجلا فِي الْجِمَاع. وَفِي (الطَّبَقَات) : أَرْبَعِينَ. وَقَالَ مُجَاهِد: أعطي قُوَّة أَرْبَعِينَ رجلا، كل رجل من أهل الْجنَّة. وَهِي قُوَّة أَكثر من قُوَّة سُلَيْمَان، ﵇، وَكَانَ إِذا صلى الْغَدَاة دخل على نِسَائِهِ فَطَافَ عَلَيْهِنَّ بِغسْل وَاحِد، ثمَّ يبيت عِنْد الَّتِي هِيَ لَيْلَتهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ قَادِرًا على تَوْفِيَة حُقُوق الْأزْوَاج، وَلَيْسَ يقدر على ذَلِك غَيره مَعَ قلَّة الْأكل. فَإِن قلت: قَالَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: يدْخل على كل نِسَائِهِ فيدنو من كل امْرَأَة مِنْهُنَّ يقبل ويلتمس من غير مَسِيس وَلَا مُبَاشرَة، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن أبي الزِّنَاد عَن هِشَام عَن أَبِيه. قلت: هَذَا ضَعِيف، وَسمعت بعض الْمَشَايِخ الْكِبَار الثِّقَات: أَن كل نَبِي، ﵊، من الْأَنْبِيَاء، ﵈، أعطي قُوَّة أَرْبَعِينَ رجلا، وَنَبِينَا، ﷺ ، أعطي قُوَّة أَرْبَعِينَ نَبيا فَيكون لَهُ قُوَّة ألف وسِتمِائَة رجل، فَاعْتبر من هَذَا صبره وزهده كَيفَ قنع بتسع نسْوَة. وَفِيه: أَنه لَو قَالَ: إِن شَاءَ الله، لم يَحْنَث. وَفِيه: دلَالَة على أَنه أقسم على شَيْئَيْنِ: الْوَطْء والولادة، وَفعل الْوَطْء حَقِيقَة وَالِاسْتِيلَاد لم يتم، إِذْ لَو تمّ لم يقل ذَلِك فِيهِ. وَفِيه: أَن هَذَا مَحْمُول على أَن نَبينَا ﷺ أُوحِي إِلَيْهِ بذلك، وَهَذَا من خَصَائِص نَبينَا ﷺ فِي اطِّلَاعه على أَخْبَار الْأَنْبِيَاء السالفة والأمم. وَفِيه: دلَالَة على جَوَاز قَوْله: لَو وَلَوْلَا، بعد وُقُوع الْمَقْدُور، وَقد جَاءَ فِي الْقُرْآن كثير من ذَلِك، وَفِي كَلَام الصَّحَابَة وَالسَّلَف، وَسَيَأْتِي تَرْجَمَة البُخَارِيّ: هَذَا بَاب مَا يجوز من اللو، وَأما النَّهْي عَن ذَلِك، وَأَنَّهَا تفتح عمل الشَّيْطَان فَمَحْمُول على من يَقُول ذَلِك مُعْتَمدًا على الْأَسْبَاب معرضًا عَن الْمَقْدُور أَو متضجراً مِنْهُ. وَفِيه: أَنه، ﵊، نبه هُنَا على آفَة التَّمَنِّي والإعراض عَن التقويض وَالتَّسْلِيم، وَمن آفته نِسْيَان سُلَيْمَان، ﵊، الِاسْتِثْنَاء لَا يكون إلَاّ بِاللَّفْظِ، وَلَا يَكْفِي فِيهِ النِّيَّة، وَهُوَ قَول الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَالْعُلَمَاء كَافَّة، وَادّعى بَعضهم أَن قِيَاس قَول مَالك: إِن الْيَمين تَنْعَقِد بِالنِّيَّةِ وَيصِح الِاسْتِثْنَاء بهَا من غير لفظ وَمنع ذَلِك. وَفِيه: جَوَاز الْإِخْبَار عَن الشَّيْء ووقوعه فِي الْمُسْتَقْبل بِنَاء على الظَّن، فَإِن هَذَا الْإِخْبَار رَاجع إِلَى ذَلِك. وَقَالَ بعض الشَّافِعِيَّة: أجَاز أَصْحَابنَا الْحلف على الظَّن الْمَاضِي، وَقَالُوا: يجوز أَن يحلف على خطّ مُوَرِثه إِذا وثق بِخَطِّهِ وأمانته، وجوزوا الْعَمَل بِهِ واعتماده. وَفِيه: اسْتِحْبَاب التَّعْبِير بِاللَّفْظِ الْحسن عَن غَيره، فَإِنَّهُ عبر عَن الْجِمَاع بِالطّوافِ، نعم، لَو دعت ضَرُورَة شَرْعِيَّة إِلَى التَّصْرِيح بِهِ لم يعدل عَنهُ. فَإِن قلت: من أَيْن لِسُلَيْمَان، ﵊، أَن الله تَعَالَى يخلق من مائَة فِي تِلْكَ اللَّيْلَة مائَة غُلَام؟ لَا جَائِز أَن يكون بِوَحْي، لِأَنَّهُ مَا وَقع وَلَا أَن يكون الْأَمر فِي ذَلِك إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يكون إلَاّ مَا يُرِيد. قلت: قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: إِنَّه من جنس التَّمَنِّي على الله وَالسُّؤَال لَهُ، ، أَن يفعل، وَالْقسم عَلَيْهِ كَقَوْل أنس بن النَّضر: وَالله لَا تكسر ثنية الرّبيع، قيل: قَول أنس لَيْسَ بتمنٍ، ألَا تَرَى أَن الشَّارِع سَمَّاهُ قسما، فَقَالَ: (إِن من عباد الله من لَو أقسم على الله لَأَبَره) ، فَسَماهُ قسما وَلم يسمه تمنياً.
٤٢ - (بابُ الشَّجَاعَةِ فِي الحَرْبِ والجبْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مدح الشجَاعَة فِي الْحَرْب، وَفِي بَيَان ذمّ الْجُبْن فِيهِ، وَهُوَ بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة، وَفِي آخِره نون: الْخَوْف، وَأما الْجُبْن الَّذِي يُؤْكَل فَهُوَ بتَشْديد النُّون.
٠٢٨٢ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بنِ واقِدٍ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ ثابِتٍ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كانَ النبِيُّ ﷺ أحْسَنَ النَّاسِ وأشْجَعَ النَّاسِ وأجْوَدَ النَّاسِ ولَقَدْ فَزِعَ أهْلُ المَدِينَةِ فكانَ النبِيُّ ﷺ سَبَقَهُمْ عَلى فَرَسٍ وَقَالَ وجَدْنَاهُ بَحْرَاً..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأَشْجَع النَّاس) أَي: فِي الْحَرْب، وَفسّر ذَلِك بقوله: وَلَقَد فزع أهل الْمَدِينَة ... إِلَى آخِره. وَأحمد بن عبد الْملك بن وَاقد، بِالْقَافِ وبالدال الْمُهْملَة: الْحَرَّانِي، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء وبالنون. مر فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الخدم لِلْمَسْجِدِ، إلَاّ أَنه نسبه ثمَّة إِلَى جده.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وقتيبة فرقهما فِي الْجِهَاد، وَأخرجه أَيْضا فِي الْأَدَب عَن عَمْرو بن مَيْمُون. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي ﷺ عَن يحيى بن يحيى وَسَعِيد وَابْن مَنْصُور وَأبي الرّبيع وَأبي كَامِل. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجِهَاد عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن قُتَيْبَة وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن أبي صَالح مُحَمَّد بن زنبور الْمَكِّيّ، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْجِهَاد عَن أَحْمد بن عَبدة الضَّبِّيّ.
قَوْله: (فزع) ، بِكَسْر الزَّاي، يُقَال: فزع يفزع فَزعًا. أَي: خَافَ أهل الْمَدِينَة، وَفِي رِوَايَة لَيْلًا. قَوْله: (سبقهمْ على فرس) يُقَال لَهُ مَنْدُوب، كَانَ لأبي طَلْحَة على مَا يَأْتِي بَيَانه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (وَجَدْنَاهُ بحراً) ، أَي: كالبحر وَاسع الجري.
وَفِيه: اسْتِعْمَال الْمجَاز حَيْثُ شبه الْفرس بالبحر، لِأَن الجري مِنْهُ لَا يَنْقَطِع كَمَا لَا يَنْقَطِع مَاء الْبَحْر، وَأول من تكلم بِهَذَا رَسُول الله ﷺ . وَفِيه: اسْتِعَارَة الدَّوَابّ للحرب وَغَيره، وركوب الدَّابَّة عُريَانا لاستعجال الْحَرَكَة، ثمَّ إِنَّه ذكر فِي الحَدِيث ثَلَاثَة أَشْيَاء من صِفَات النَّبِي، ﷺ ، وَهِي: الأحسنية والأشجعية والأجودية. قَالَ حكماء الْإِسْلَام: للْإنْسَان قوًى ثَلَاث: الْعَقْلِيَّة والغضبية والشهوية، وَكَمَال الْقُوَّة الغضبية الشجَاعَة، وَكَمَال الْقُوَّة الشهوية الْجُود، وَكَمَال الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة الْحِكْمَة. وَالْأَحْسَن إِشَارَة إِلَيْهِ لِأَن حسن الصُّورَة تَابع لاعتدال المزاج، واعتدال المزاج تَابع لصفاة النَّفس الَّذِي بِهِ جودة القريحة، وَهَذِه الثَّلَاث هِيَ أُمَّهَات الْأَخْلَاق.
١٢٨٢ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرَنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي عُمَرُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ جُبَيْرِ ابنِ مُطْعِمٍ أنَّ مُحَمَّدَ بنَ جُبَيْرِ قَالَ أَخْبرنِي جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ أنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ رسولِ الله ﷺ ومَعَهُ النَّاسُ مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْنٍ فَعَلِقَهُ النَّاسُ يَسْألُونَهِ حتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ فَوَقَفَ النبيُّ ﷺ فَقَالَ اعْطُونِي رِدَائي لَوْ كانَ لِي عَدَدُ هاذِهِ العِضَاهِ نَعَماً لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلاً ولَا كَذُوباً وَلَا جَبَاناً.
(الحَدِيث ١٢٨٢ طرفه فِي: ٨٤١٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ لَا تجدوني) إِلَى آخِره، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَعمر بن مُحَمَّد بن جُبَير، بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن مطعم، بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من الْإِطْعَام النَّوْفَلِي الْقرشِي، قَالَ الْكرْمَانِي: وَكَثِيرًا يروي
следующие страницы →