Полный текст (7 603 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.
стр. 4306
للْمُسلمِ أَن يشهر نَفسه فِي الْخَيْر وَلَا فِي الشَّرّ، قَالُوا: وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لِلْمُؤمنِ إِذا فعل شَيْئا لله تَعَالَى أَن يخفيه عَن النَّاس: ﴿إِن الله لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء﴾ (آل عمرَان: ٥) . رُوِيَ هَذَا عَن بُرَيْدَة الْأَسْلَمِيّ.
وَالصَّوَاب مَعَ الْفَرِيق الأول: أَنه لَا بَأْس بالتسويم والأعلام فِي الْحَرْب إِذا فعله من هُوَ من أهل الْبَأْس والشدة والنجدة، وَهُوَ قَاصد بذلك حث النَّاس على الثَّبَات وَالصَّبْر لِلْعَدو فِي الملاقاة، وَفِيه ترهيب الْعَدو إِذا عرفُوا مَكَانَهُ، وَأما إِذا لم يقْصد ذَلِك بل قصد بِهِ الافتخار فَهُوَ مَكْرُوه، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّن يُقَاتل لتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا، وَإِنَّمَا يُقَاتل للذّكر.
٨٦١ - (بابٌ إذَا نَزَلَ العَدُوُّ علَى حُكْمِ رَجُلٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا إِذا نزل الْعَدو من الْمُشْركين على حكم رجل من الْمُسلمين، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف، تَقْدِيره: ينفذ إِذا أجَازه الإِمَام.
٣٤٠٣ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سَعْدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عنْ أبِي أمَامَةَ هوَ ابنُ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ عنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ بَنو قُرَيْظَةَ علَى حُكْمِ سَعْدٍ هوَ ابنُ معاذٍ بَعَثَ رَسُول الله، ﷺ وكانَ قَرِيباً مِنْهُ فَجاءَ علَى حِمارٍ فلَمَّا دَنا قَالَ رسولُ الله ﷺ قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ فَجاءَ فَجَلَسَ إِلَى رسولِ الله ﷺ فَقَالَ لَهُ إنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا علَى حُكْمِكَ قَالَ فإنِّي أحْكُمُ أنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ وأنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ قَالَ لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ المَلِكِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم من معنى الحَدِيث. وَسعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ الْقرشِي الْمدنِي، وَأَبُو أُمَامَة، بِضَم الْهمزَة وبالميمين: اسْمه أسعد بن سهل بن حنيف، يروي عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ واسْمه: سعد بن مَالك بن سِنَان الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي فضل سعد عَن مُحَمَّد بن عرْعرة وَفِي الاسْتِئْذَان عَن أبي الْوَلِيد وَفِي الْمَغَازِي عَن بنْدَار عَن غنْدر. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي مُوسَى وَبُنْدَار وَعَن زُهَيْر بن حَرْب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن بنْدَار بِهِ وَعَن حَفْص بن عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب عَن عَمْرو بن عَليّ عَن غنْدر بِهِ وَفِي السّير وَفِي الْفَضَائِل عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بَنو قُرَيْظَة) ، بِضَم الْقَاف وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالظاء الْمُعْجَمَة، وهم قَبيلَة من الْيَهُود كَانُوا فِي قلعة فنزلوا على حكم سعد بن معَاذ. قَوْله: (بعث) ، جَوَاب: لما، أَي: بعث رَسُول الله، ﷺ يَطْلُبهُ. قَوْله: (أَن تقتل الْمُقَاتلَة) ، أَي: الطَّائِفَة الْمُقَاتلَة مِنْهُم، أَي: البالغون (والذرية) : النِّسَاء وَالصبيان. قَوْله: (بِحكم الْملك) ، بِكَسْر اللَّام وَهُوَ: الله تَعَالَى، وَفِي بعض الرِّوَايَات: بِحكم الله تَعَالَى، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض، ضبط بَعضهم فِي (صَحِيح البُخَارِيّ) كسرهَا وَفتحهَا، فَإِن صَحَّ الْفَتْح فَالْمُرَاد بِهِ جِبْرِيل، ﵊، وَتَقْدِيره: بالحكم الَّذِي جَاءَ بِهِ الْملك عَن الله تَعَالَى، ورد هَذَا عَن ابْن الْجَوْزِيّ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: مَا نقل أَن ملكا نزل من السَّمَاء فِي شَأْنهمْ بِشَيْء، وَلَو نزل بِشَيْء أتبع وَترك اجْتِهَاد سعد. وَالثَّانِي: فِي بعض أَلْفَاظ الصَّحِيح، كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعه: قضيت بِحكم الله، وَقَالَ ابْن التِّين: الْمَعْنى كُله وَاحِد على الْكسر وَالْفَتْح، وَقيل: فِي الْوَجْه الأول نظر، لِأَن فِي غير رِوَايَة البُخَارِيّ: قَالَ فِي حكم سعد بذلك: طرقني الْملك سحرًا.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: لُزُوم حكم الْمُحكم برضى الْخَصْمَيْنِ، سَوَاء كَانَ فِي أُمُور الْحَرْب أَو غَيرهَا، وَهُوَ رد على الْخَوَارِج الَّذين أَنْكَرُوا التَّحْكِيم على عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِيه: أَن النُّزُول على حكم الإِمَام أَو غَيره جَائِز، وَلَهُم الرُّجُوع عَنهُ مَا لم يحكم، فَإِذا حكم فَلَا رُجُوع، وَلَهُم أَن ينقلوا من حكم رجل إِلَى غَيره. وَفِيه: أَن التحاكم إِلَى رجل مَعْلُوم الصّلاح وَالْخَيْر لَازم للمتحاكمين، فَكيف بَيْننَا وَبَين عدونا فِي الدّين وَالْمَال أخف مؤونة من النَّفس والأهل؟ وَفِيه: أَمر السُّلْطَان وَالْحَاكِم
стр. 4307
بإكرام السَّيِّد من الْمُسلمين وإكرام أهل الْفضل فِي مجْلِس السُّلْطَان الْأَكْبَر وَالْقِيَام فِيهِ لغيره من أَصْحَابه وسَادَة أَتْبَاعه، وإلزام النَّاس كَافَّة بِالْقيامِ إِلَى سيدهم، وَلَا يُعَارض هَذَا حَدِيث مُعَاوِيَة: من سره أَن يتَمَثَّل لَهُ الرِّجَال فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار، لِأَن هَذَا الْوَعيد إِنَّمَا توجه للمتكبرين وَإِلَى من يغْضب أَو يسْخط أَن لَا يُقَام لَهُ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: إِنَّمَا الْمَكْرُوه الْقيام للمرء وَهُوَ جَالس، قَالَ: وَتَأَول بعض أَصْحَابنَا. قَوْله: (قومُوا إِلَى سيدكم) على أَن ذَلِك مَخْصُوص بِسَعْد، وَقَالَ بَعضهم: أَمرهم بِالْقيامِ لينزلوه عَن الْحمار لمرضه، وَفِيه بعد، وَقَالَ السُّهيْلي: وَقَامَ رَسُول الله، ﷺ ، لِصَفْوَان بن أُميَّة ولعدي بن حَاتِم حِين قدما عَلَيْهِ وَقَامَ لمَوْلَاهُ زيد بن حَارِثَة وَلغيره أَيْضا، وَكَانَ يقوم لابنته فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، إِذا دخلت عَلَيْهِ، وَتقوم لَهُ إِذا قدم عَلَيْهَا، وَقَامَ لجَعْفَر ابْن عَمه. وَفِيه: جَوَاز قَول الرجل للْآخر: يَا سَيِّدي، إِذا علم مِنْهُ خيرا أَو فضلا، وَإِنَّمَا جَاءَت الْكَرَاهَة فِي تسويد الرجل الْفَاجِر. وَفِيه: أَن للْإِمَام إِذا ظهر من قوم من أهل الْحَرْب الَّذِي بَينه وَبينهمْ هدنة على خِيَانَة وغدر أَن ينبد إِلَيْهِم على سَوَاء، وَأَن يحاربهم، وَذَلِكَ أَن بني قُرَيْظَة كَانُوا أهل موادعة من رَسُول الله، ﷺ ، قبل الخَنْدَق، فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْأَحْزَاب ظاهروا قُريْشًا وَأَبا سُفْيَان على رَسُول الله، ﷺ ، وراسلوهم: إِنَّا مَعكُمْ فاثبتوا مَكَانكُمْ، فأحل الله بذلك من فعلهم قِتَالهمْ ومنابذتهم على سَوَاء، وَفِيهِمْ أنزلت: ﴿وَإِمَّا نخافنَّ من قوم خِيَانَة فانبذ إِلَيْهِم على سَوَاء. .﴾ (الْأَنْفَال: ٨٥) . الْآيَة، فَحَاصَرَهُمْ والمسلمون مَعَه حَتَّى نزلُوا على حكم سعد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٩٦١ - (بابُ قَتْلِ الأسِيرِ صَبْرَاً وقَتْلِ الصَّبْر)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم قتل الْأَسير صبرا، أَي: من حَيْثُ الصَّبْر، وَالصَّبْر فِي اللُّغَة: الْحَبْس، وَيُقَال للرجل، إِذا شدت يَدَاهُ وَرجلَاهُ وَرجل يمسِكهُ حَتَّى يضْرب عُنُقه: قتل صبرا، وَفِي الحَدِيث أَنه نهى عَن قتل شَيْء من الدَّوَابّ صبرا، هُوَ أَن يمسك من ذَوَات الرّوح شَيْء حَيا ثمَّ يَرْمِي بِشَيْء حَتَّى يَمُوت، وَهُوَ معنى قَوْله: وَقتل الصَّبْر، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بَاب قتل الأصير صبرا، وَلَيْسَ فِي رِوَايَته: وَقتل الصَّبْر، وَهَذَا اللَّفْظ زَائِد لَا طائل تَحْتَهُ.
٤٤٠٣ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ دَخَلَ عامَ الفَتْحِ وعَلى رَأسِهِ المِغْفَرُ فلَمَّا نَزَعَهُ جاءَ رَجُلٌ فَقَالَ إنَّ ابنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ فَقَالَ اقْتُلُوهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ أَمر بقتل عبد الله بن خطل صبرا، وٌّ هـ حاد الله وَرَسُوله وارتد عَن الْإِسْلَام وَقتل مُسلما كَانَ يَخْدمه، وَكَانَ يهجو رَسُول الله، ﷺ ، وَكَانَت لَهُ قينتان تُغنيَانِ بِهِجَاء الْمُسلمين. والْحَدِيث قد مر بِعَيْنِه فِي أَوَاخِر كتاب الْحَج فِي: بَاب دُخُول الْحرم وَمَكَّة بِغَيْر إِحْرَام، وَمر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى، والمغفر، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفتح الْفَاء وَفِي آخِره رَاء: زرد ينسج من الدروع على قدر الرَّأْس يلبس تَحت القلنسوة.
٠٧١ - (بابٌ هَلْ يَسْتَأسِر الرَّجُلُ ومَنْ لَمْ يَسْتأثِرْ ومنْ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ القَتْلِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يستأسر الرجل؟ أَي: هَل يطْلب أَن يَجْعَل نَفسه أَسِيرًا؟ يَعْنِي: هَل يسلم نَفسه للأسر أم لَا؟ وَهَذِه التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على ثَلَاثَة أَشْيَاء: الأول: هُوَ قَوْله: (هَل يستأسر الرجل؟) . وَالثَّانِي: هُوَ قَوْله: (وَمن لم يستأسر) ، أَي: وَفِي بَيَان من لم يسلم نَفسه للأسر. وَالثَّالِث: هُوَ قَوْله: (من ركع رَكْعَتَيْنِ عِنْد الْقَتْل) أَي: وَفِي بَيَان من صلى رَكْعَتَيْنِ عِنْد الْقَتْل.
٥٤٠٣ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ قَالَ أخبرَنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبرَني عَمْرُو بنُ أبي سُفْيَانَ بنِ أسِيدِ بنِ جارِيَةَ الثَّقَفِي وهْوَ حَلِيفُ لِبَنِي زُهْرَةَ وكانَ مِنْ أصْحَابِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قالَ بَعَثَ رسولُ الله ﷺ عَشَرَةَ رَهْطٍ سَرِيَّةً عَيْنَاً وأمَّرَ عَلَيْهِمْ عاصِمَ بنَ
стр. 4308
ثابِتٍ الأنْصَارِيَّ جَدَّ عاصِمِ بنِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ فانْطَلَقُوا حتَّى إذَا كانُوا بالْهدْأةِ وهْوَ بَيْنَ عُسْفَانَ ومَكَّةَ ذُكِرُوا الِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقالُ لَهُمْ بَنُو لِحْيَانَ فنَفَّرُوا لَهُمْ قَرِيباً مِنْ مِائَتَيْ رَجُلٍ كُلُّهُمْ رامٍ فاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ حتَّى وجَدُوا مأكَلَهُمْ تَمْراً تَزَوَّدُوهُ مِنَ المَدِينَةِ فقالُوا هَذا تَمْرُ يَثْرِبَ فاقْتَصُّوا آثارَهُمْ فلَمَّا رآهُمْ عاصِمٌ وأصْحَابُهُ لَجؤا إِلَى فَدْفَدٍ وأحاطَ بِهمُ القَوْمُ فَقَالُوا لَهُمُ انْزِلُوا وأعْطُونا بأيْدِيكُمْ ولَكُمْ العَهْدُ والمِيثَاقُ ولَا نَقْتُلُ مِنْكُمْ أحَداً قَالَ عاصِمُ بنُ ثابِتٍ أمِيرُ السَّرِيَّةِ أمَّا أَنا فوَالله لَا أنْزِلُ اليَوْمَ فِي ذِمَّةِ كافِرٍ أللَّهُمَّ أخْبِرْ عنَّا نَبِيَّكَ فرَمَوْهُمْ بالنَّبْلِ فقَتَلُوا عاصِماً فِي سَبْعَةٍ فنَزَلَ إلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ بالعَهْدِ والمِيثاقِ مِنْهُمْ خُبَيْبٌ الأنْصَارِيُّ وابنُ دَثِنَةَ ورَجُلٌ آخَرُ فلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أطْلَقُوا أوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فأوْثَقُوهُمْ فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ هذَا أوَّلُ الغَدْرِ وَالله لَا أصْحَبُكُمْ إنَّ لِي فِي هَؤلَاءِ لأُسْوَةً يُرِيدُ القَتْلَى فَجَرُّوهُ وعالَجُوهُ علَى أنْ يَصْحَبَهُمْ فَأبى فَقَتَلُوهُ فانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وابنِ دَثِنَة حتَّى باعُوهُمَا بِمَكَّةَ بعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ فابْتَاعَ خُبَيْبَاً بَنُو الحَارِثِ بنِ عامِرِ ابنِ نَوْفَلِ بنِ عَبْدِ منافٍ وكانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتْلَ الحَارِثِ بنَ عامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ فلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أسِيراً فأخْبرَنِي عُبَيْدُ الله بنُ عِياضٍ أنَّ بِنْتَ الحَارِثِ أخْبَرَتْهُ أنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا اسْتعارَ مِنْهَا مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا فأعارَتْهُ فأخَذَ ابْناً لِي وأنَا غَافِلَةٌ حِينَ أتاهُ قالَتْ فوَجَدْتُهُ مُجْلِسَهُ علَى فَخْذِهِ والمُوسَى بِيَدِهِ ففَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَها خُبَيْبٌ فِي وجْهِي فَقَالَ تَخْشَيْنَ أنْ أقْتُلَهُ مَا كُنْتُ لأَفْعَلَ ذالِكَ وَالله مَا رَأيْتُ أسِيراً قَطُّ خَيْراً مِنْ خُبَيْبً وَالله لَقَدْ وجَدْتُهُ يَوْماً يَأكُلُ مِنْ قِطَفِ عِنَبٍ فِي يدِهِ وإنَّهُ لَمُوثَقٌ فِي الحَدِيدِ ومَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرٍ وكانَتْ تَقُولُ إنَّهُ لَرِزْقٌ مِنَ الله رَزَقَهُ خُبَيْبَاً فلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الحِلِّ قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ ذَرُوني أرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ فتَرَكُوهُ فرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قالَ لَوْلَا أنْ تَظُنُّوا أنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَطَوَّلْتُها أللَّهُمَّ أحْصِهِمْ عَدَدَاً
(مَا أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِماً ... علَى أيِّ شِقٍّ كانَ لله مَصْرَعِي)
(وذالِكَ فِي ذَاتِ الإلاهِ وإنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ)
فَقَتَلَهُ ابنُ الحَارِثِ فَكانَ خُبَيْبٌ هوَ سنَّ الرَّكْعَتَيْنِ لِكُلِّ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْراً فاسْتَجَابَ الله لِعَاصِمِ بنِ ثابِتٍ يَوْمَ أُصِيبَ فأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ وَمَا أُصِيبُوا وبَعثَ ناسٌ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ إِلَى عاصِمٍ حِينَ حُدِّثُوا أنَّهُ قُتِلَ لِيُؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ وكانَ قَدْ قَتَلَ رَجُلاً مِنْ عُظَمَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ فبُعِثَ عَلَى عاصِمً مِثْلُ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ فَحَمَتْهُ مِنْ رَسُولِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا علَى أنْ يَقْطَعُوا مِنْ لَحْمِهِ شَيْئاً..
الْمُطَابقَة من الحَدِيث للجزى الأول وَهُوَ قَوْله: هَل يستأسر الرجل فِي قَوْله: (فَنزل إِلَيْهِم ثَلَاثَة رَهْط بالعهد والميثاق) وللجزء الثَّانِي، وَهُوَ قَوْله: وَمن لم يستأسر، فِي قَوْله: (قَالَ عَاصِم بن ثَابت أَمِير السِّيرَة: أما أَنا فوَاللَّه لَا أنزل الْيَوْم
стр. 4309
فِي ذمَّة كَافِر) ، وللجزء الثَّالِث، وَهُوَ قَوْله: وَمن صلى رَكْعَتَيْنِ عِنْد الْقَتْل. فِي قَوْله: (قَالَ لَهُم خبيب: ذروني أركع رَكْعَتَيْنِ فَتَرَكُوهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ) .
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع. الثَّانِي: شُعَيْب بن أبي حَمْزَة. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: عَمْرو، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة، وَقَالَ بعض أَصْحَاب الزُّهْرِيّ: عمر، بِضَم الْعين، وَقَالَ يُونُس من رِوَايَة أبي صَالح عَن اللَّيْث عَن يُونُس وَابْن أخي الزُّهْرِيّ وَإِبْرَاهِيم بن سعد، عمر، بِضَم الْعين، غير أَن إِبْرَاهِيم نسبه إِلَى جده، فَقَالَ: عمر بن أسيد. قَالَ البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه) : الصَّحِيح: عَمْرو بن أبي سُفْيَان بن أسيد، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر السِّين الْمُهْملَة: ابْن جَارِيَة بِالْجِيم الثَّقَفِيّ حَلِيف لبني زهرَة، بِضَم الزَّاي وَسُكُون الْهَاء. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن أبي الْيَمَان أَيْضا وَفِي الْمَغَازِي عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَن مُحَمَّد بن عَوْف عَن أبي الْيَمَان، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن عمرَان بن بكار، وَفِيه الشّعْر دون الدُّعَاء.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عشرَة رَهْط) ، الرَّهْط من الرِّجَال مَا دون الْعشْرَة، وَقيل: إِلَى أَرْبَعِينَ، وَلَا يكون فيهم امْرَأَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه. وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: حَدثنَا عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة. قَالَ: (قدم على رَسُول الله، ﷺ ، رَهْط من عضل والقارة، وَقَالُوا: يَا رَسُول الله! إِن فِينَا إسلاماً فَابْعَثْ مَعنا نَفرا من أَصْحَابك يفقهوننا فِي الدّين ويقرئوننا الْقُرْآن ويعلموننا شرائع الْإِسْلَام، فَبعث مَعَهم رَسُول الله، ﷺ ، نَفرا سِتَّة من أَصْحَابه، وهم: مرْثَد بن أبي مرْثَد الغنوي حَلِيف حَمْزَة بن عبد الْمطلب وَهُوَ أَمِير الْقَوْم، وخَالِد بن بكير اللَّيْثِيّ حَلِيف بني عدي أَخُو بني حججبي، وثابت بن أبي الْأَفْلَح، وخبيب بن عدي، وَزيد بن الدثنة، وَعبد الله بن طَارق، وَالأَصَح مَا قَالَه البُخَارِيّ: عشرَة رَهْط وأميرهم عَاصِم بن ثَابت، على مَا مر. قَوْله: (سَرِيَّة) ، نصب على الْبَيَان، والسرية: طَائِفَة من الْجَيْش يبلغ أقصاها أَرْبَعمِائَة تبْعَث إِلَى الْعَدو، وَجَمعهَا السَّرَايَا: سموا بذلك لأَنهم يكونُونَ خُلَاصَة الْعَسْكَر وخيارهم من الشَّيْء السّري النفيس، وَقيل: سموا بذلك لأَنهم ينفذون سرا وخفية وَلَيْسَ بِوَجْه، لِأَن لَام السِّرّ: رَاء، وَهَذِه: يَاء، وَهَذِه السّريَّة تسمى: سَرِيَّة الرجيع، وَهِي غَزْوَة الرجيع. قَالَ ابْن سعد: كَانَت فِي صفر على رَأس سِتَّة وَثَلَاثِينَ شهرا، وَذكرهَا ابْن إِسْحَاق: فِي صفر سنة أَربع من الْهِجْرَة، والرجيع على ثَمَانِيَة أَمْيَال من عسفان. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: سَبْعَة أَمْيَال. وَقَالَ الْبكْرِيّ: الرجيع، بِفَتْح أَوله وبالعين الْمُهْملَة فِي آخِره: مَاء لهذيل لبني لحيان مِنْهُم بَين مَكَّة وَعُسْفَان بِنَاحِيَة الْحجاز، وَعُسْفَان قَرْيَة جَامِعَة مِنْهَا إِلَى كرَاع الغميم ثَمَانِيَة أَمْيَال، والغميم، بالغين الْمُعْجَمَة: وادٍ، والكراع: جبل أسود عَن يسَار الطَّرِيق شَبيه بِالْكُرَاعِ، وَمن كرَاع الغميم إِلَى بطن مر خَمْسَة عشر ميلًا، وَمن مر إِلَى سرف سَبْعَة أَمْيَال، وَمن سرف إِلَى مَكَّة سِتَّة أَمْيَال. قَوْله: (عينا) ، أَي: جاسوساً، وانتصابه على أَنه بدل من: سَرِيَّة. قَوْله: (وأمَّر) ، بتَشْديد الْمِيم من التأمير، أَي: جعل عَاصِم بن ثَابت أَمِيرا على الرَّهْط الْمَذْكُور، وَعَاصِم بن ثَابت بن أبي الْأَفْلَح، واسْمه قيس بن عصمَة بن النُّعْمَان بن مَالك بن أُميَّة بن ضبيعة بن زيد بن مَالك، بن عَوْف ابْن عَمْرو بن عَوْف بن مَالك بن الْأَوْس الْأنْصَارِيّ، يكنى أَبَا سُلَيْمَان شهد بَدْرًا، وَهُوَ جد عَاصِم بن عمر بن الْخطاب لأمه، لِأَن أم عَاصِم جميلَة بنت ثَابت بن أبي الْأَفْلَح، أُخْت عَاصِم بن ثَابت، وَكَانَ اسْمهَا: عاصية، فسماها رَسُول الله، ﷺ جميلَة، وَقيل: هُوَ خَاله لَا جده. قَوْله: (بالهداة) ، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَفتح الْهمزَة، وَهُوَ: مَوضِع بَين عسفان وَمَكَّة. قَوْله: (ذكرُوا) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (من هُذَيْل) ، هُوَ ابْن مدركة بن الياس بن مُضر، قَالَ ابْن دُرَيْد: من الهذل، وَهُوَ الِاضْطِرَاب. قَوْله: (بَنو لحيان) ، بِكَسْر اللَّام، وَحكى صَاحب (الْمطَالع) فتحهَا، ولحيان من هُذَيْل، وَقَالَ الرشاطي: إِنَّهُم من بقايا جرهم دخلُوا فِي هُذَيْل، وَعَن ابْن دُرَيْد: اشتقاقه من اللحى، واللحي من قَوْلهم: لحيت الْعود ولحوته: إِذا قشرته. قَوْله: (فنفروا لَهُم) ، بتَشْديد الْفَاء أَي: استنجدوا لأجلهم قَرِيبا من مِائَتي رجل. وَفِي رِوَايَة: (فنفر إِلَيْهِم قريب من مائَة رجل) ، بتَخْفِيف الْفَاء أَي: خرج إِلَيْهِم، فَكَأَنَّهُ قَالَ: نفَّروا مِائَتي رجل، وَلَكِن مَا تَبِعَهُمْ إلَاّ مائَة. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: (فنفذوا) ، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة.
стр. 4310
قَوْله: (فَاقْتَصُّوا آثَارهم) ، أَي: اتبعوها، وَقَالَ ابْن التِّين: وَيجوز بِالسِّين. قَوْله: (مَأْكَلهمْ) اسْم مَكَان مَنْصُوب بِتَقْدِير الْجَار، وَذَلِكَ جَائِز، نَحْو: رميت مرمَى زيد. قَوْله: (تزودوه) ، جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا صفة لتمر. قَوْله: (فَلَمَّا رَآهُمْ عَاصِم) كَذَا هُوَ فِي (الصَّحِيح) و (شرح ابْن بطال) وَذكره بعض الشُّرَّاح بِلَفْظ: فَلَمَّا أحس بهم، ثمَّ قَالَ: أَي: علم. قَالَ تَعَالَى: ﴿هَل تحس مِنْهُم من أحد﴾ (مَرْيَم: ٨٩) . وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) : حس بِغَيْر ألف. قَوْله: (لجأوا) أَي: استندوا (إِلَى فدفد) بفاءين مفتوحتين بَينهمَا دَال مُهْملَة سَاكِنة، وَهُوَ الْموضع الْمُرْتَفع الَّذِي فِيهِ غلظ وارتفاع، وَقَالَ ابْن فَارس: إِنَّه الأَرْض المستوية، وَظَاهر الحَدِيث أَنه مَكَان مشرف تحَصَّنُوا فِيهِ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد) : (إِلَى قردد) ، بقاف مَفْتُوحَة وَرَاء سَاكِنة ثمَّ بدالين مهملتين وهما سَوَاء. قَوْله: (الْعَهْد) ، أَي: الذِّمَّة. قَوْله: (بِالنَّبلِ) ، أَي: السِّهَام الْعَرَبيَّة. قَوْله: (فِي سَبْعَة) ، أَي: فِي جملَة سَبْعَة، وَالْحَاصِل أَن السَّبْعَة من الْعشْرَة قتلوا، وَعَن إِبْنِ إِسْحَاق: الَّذين قتلوا ثَلَاثَة، لأَنا قد ذكرنَا عَنهُ عَن قريب أَن الَّذين أرسلهم النَّبِي ﷺ كَانُوا سِتَّة، وَقد ذَكَرْنَاهُمْ، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: غدروا بهم على الرجيع فاستصرخوا عَلَيْهِم هذيلا فل يرع الْقَوْم وهم فِي رحالهم إلَاّ الرِّجَال بِأَيْدِيهِم السيوف قد غشوهم، فَأخذُوا أسيافهم وَقَاتلهمْ أَصْحَاب رَسُول الله، ﷺ فَقتل مِنْهُم ثَلَاثَة وَأسر مِنْهُم ثَلَاثَة، وهم: زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي وَعبد الله بن طَارق، وَعند البُخَارِيّ: الْقَتْلَى سَبْعَة، وَالَّذين أَسرُّوا ثَلَاثَة، وَهُوَ قَوْله: (فَنزل إِلَيْهِم ثَلَاثَة رَهْط بالعهد) أَي: بِالذِّمةِ. قَوْله: (وَمِنْهُم) أَي: من هَؤُلَاءِ (خبيب) بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا بَاء مُوَحدَة أُخْرَى: ابْن عدي الْأنْصَارِيّ الأوسي من بني حججبي بن كلفة بن عَمْرو بن عَوْف من الْبَدْرِيِّينَ. قَوْله: (وَابْن الدثنة) ، وَهُوَ زيد بن الدثنة بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَكسر الثَّاء الْمُثَلَّثَة وسكونها وَالنُّون: ابْن مُعَاوِيَة بن عبيد بن عَامر بن بياضة الْأنْصَارِيّ البياضي، شهد بَدْرًا وأحداً. قَوْله: (وَرجل آخر) ، هُوَ عبد الله بن طَارق بَينه ابْن إِسْحَاق فِي رِوَايَته وَهُوَ عبد الله بن طَارق بن عَمْرو بن مَالك البلوي حَلِيف لبني ظفر من الْأَنْصَار، شهد بَدْرًا وأحداً. قَوْله: (فَقَالَ الرجل الثَّالِث) : هُوَ عبد الله بن طَارق. قَوْله: (هَذَا أول الْغدر) ، ويروى: هَذَا أَوَان الْغدر. قَوْله: (فجروه) ، ويروى: فجروه، بِالْفَاءِ، ويروى بِالْوَاو. قَوْله: (فَأبى) ، أَي: فَامْتنعَ من الرواح مَعَهم فَقَتَلُوهُ، وقبره بِمَ الظهْرَان. قَالَ أَبُو عمر: لما أَسرُّوا الثَّلَاثَة خَرجُوا بهم إِلَى مَكَّة حَتَّى إِذا كَانُوا بالظهران انتزع عبد الله بن طَارق يَده من الوثاق وَأخذ سَيْفه واستأخر عَنهُ الْقَوْم فَرَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ فَقَتَلُوهُ. قَوْله: (فَابْتَاعَ) ، أَي: اشْترى خبيباً بَنو الْحَارِث بن عَامر. قَوْله: (وَكَانَ خبيب هُوَ قتل الْحَارِث بن عَامر يَوْم بدر) ، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: ابْتَاعَ خبيباً حُجَيْر بن أبي إهَاب التَّمِيمِي حليفاً لَهُم، وَكَانَ جحير أَخا الْحَارِث بن عَامر لأمه فابتاعه لعقبة بن الْحَارِث ليَقْتُلهُ بِأَبِيهِ، وَقيل: اشْترك فِي ابتياعه أَبُو إهَاب بن عَزِيز، وَعِكْرِمَة بن أبي جهل، والأخنس بن أبي شريق، وَعبيدَة بن حَكِيم بن الأوقص، وَأُميَّة بن أبي عتبَة، وَبَنُو الْحَضْرَمِيّ، وَصَفوَان بن أُميَّة، وهم أَبنَاء من قتل من الْمُشْركين ببدر، ودفعوه إِلَى عقبَة فسجنه حَتَّى انْقَضتْ الْأَشْهر الْحرم فصلبوه بِالتَّنْعِيمِ، فَأَخْبرنِي عبيد الله بن عِيَاض: الْقَائِل بِهَذَا هُوَ ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَعبيد الله، بِضَم الْعين مصغر ابْن عِيَاض، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره ضاض مُعْجمَة: ابْن عَمْرو الْقَارِي، من القارة، حجازي، وَسمع عبيد الله هَذَا عَن عَائِشَة وَغَيرهَا، قَالَه الْمُنْذِرِيّ وَلم يذكرهُ أحد فِي رجال البُخَارِيّ، كَمَا ادَّعَاهُ الدمياطي، نعم ذكره الْمزي، وَهُوَ وَالِد مُحَمَّد. قَوْله: (إِن بنت الْحَارِث أخْبرته) قَالَ إِبْنِ إِسْحَاق: اسْمهَا مَارِيَة، وَقيل: ماوية، وَهِي مولاة حُجَيْر بن أبي إهَاب، وَكَانَت زوج عقبَة بن الْحَارِث وسماها ابْن بطال: جويرة، وَفِي (مُعْجم الْبَغَوِيّ) : مَارِيَة بنت حُجَيْر بن أبي إهَاب. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: هِيَ مولاة بني عبد منَاف. وَقَالَ الْحميدِي فِي (جمعه) رِوَايَة عبيد الله عَنْهَا هُنَا إِلَى قَوْله: فَلَمَّا خَرجُوا من الْحرم. قَوْله: (اسْتعَار مِنْهَا مُوسَى) ، وَجَاز صرفه لِأَنَّهُ مفعل، وَعدم صرفه لِأَنَّهُ على خلاف بَين الصرفيين. قَوْله: (يستحد بهَا) ، من الاستحداد، وَهُوَ حلق شعر الْعَانَة، وَهُوَ استفعال من الْحَدِيد، اسْتعْمل على طَرِيق الْكِنَايَة والتورية، وَذَلِكَ لِئَلَّا يظْهر شعر عانته عِنْد قَتله. قَوْله: (فَأخذ إبناً لي) أَي: فَأخذ خبيب ابْنا لي، وَالْحَال أَنا غافلة حِين أَتَاهُ، ويروى: حَتَّى أَتَاهُ، وَاسم الابْن: أَبُو الْحُسَيْن ابْن الْحَارِث بن عَامر بن نَوْفَل، وَهُوَ جد عبد الله بن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي حُسَيْن الْمَكِّيّ شيخ مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (فَوَجَدته) ، أَي: وجدت خبيباً (مَجْلِسه) أَي: مجْلِس ابْني، بِضَم الْمِيم وَسُكُون
стр. 4311
الْجِيم وَكسر اللَّام: من الإجلاس، وَالْوَاو وَفِي: (الموسى بِيَدِهِ) للْحَال. قَوْله: (فَفَزِعت فزعة) أَي: خفت خوفًا. قَوْله: (من قطف عِنَب) ، بِكَسْر الْقَاف وَهُوَ العنقود. قَوْله: (وَإنَّهُ لموثق) أَي: المربوط فِي الْحَدِيد، وَالْوَاو فِيهِ للْحَال، وَكَذَا الْوَاو فِي: قَوْله: (وَمَا بِمَكَّة من ثَمَر) بالثاء الْمُثَلَّثَة وَفتح الْمِيم. قَوْله: (ذروني) ، أَي: اتركوني. قَوْله: (فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ) أَي: صلى رَكْعَتَيْنِ، وَهُوَ أول من صلى رَكْعَتَيْنِ عِنْد الْقَتْل. قَوْله: (جزع) ، بِفَتْح الْجِيم وَالزَّاي، وَهُوَ نقيض الصَّبْر. قَوْله: (أللهم إحصهم عددا) دُعَاء عَلَيْهِم بِالْهَلَاكِ استئصالاً أَي: لَا تبْق مِنْهُم أحدا، ويروى بعده: واقتلهم بدداً، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة، والبدد: التَّفَرُّق. قَالَ السُّهيْلي: وَمن رَوَاهُ بِكَسْر الْبَاء فَهُوَ جمع بدة، وَهِي: الْفرْقَة والقطعة من الشَّيْء المتبدد، ونصبه على الْحَال من الْمَدْعُو، وبالفتح مصدر. قَوْله: (مَا أُبَالِي) إِلَى آخِره. بيتان أنشدهما بعد الْفَرَاغ من دُعَائِهِ عَلَيْهِم، وهما من بَحر الطَّوِيل، وَالصَّحِيح: وَلست أُبَالِي، وعَلى الرِّوَايَة الأولى فِيهِ: وهما من قصيدة أَولهَا هُوَ قَوْله:
(لقد جمع الْأَحْزَاب حَولي وألبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمعِ)
(وَقد قربوا أَبْنَاءَهُم ونساءهم ... وَقربت من جزع طَوِيل ممنعِ)
(وَكلهمْ يُبْدِي الْعَدَاوَة جاهداً ... عَليّ لِأَنِّي فِي وثاق بمضيعِ)
(إِلَى الله أَشْكُو غربتي بعد كربتي ... وَمَا جمع الْأَحْزَاب لي عِنْد مصرعِ)
(يذا الْعَرْش صبّرني على مَا أصابني ... وَقد بضعوا لحمي وَقد قل مطمعِ)
(وَذَلِكَ فِي ذَات الْإِلَه وَإِن يَشَأْ ... يُبَارك على أوصال شلو ممزعِ)
(وَقد عرضوا بالْكفْر وَالْمَوْت دونه ... وَقد ذرفت عَيْنَايَ من غير مدمعِ)
(وَمَا بِي حذار الْمَوْت، إِنِّي لمَيت ... وَلَكِن حذَارِي حر نَار تلفعِ)
(فلست بمبدٍ لِلْعَدو تخشعاً ... وَلَا جزَعاً إِنِّي إِلَى الله مرجعِ)
(وَلست أُبَالِي حِين أقتل مُسلما ... على أَي شقّ كَانَ لله مضجعِ)
وَقَالَ ابْن هِشَام: أَكثر أهل الْعلم بالشعر ينكرها لَهُ. قَوْله: الْأَحْزَاب، الْجمع من طوائف مخلفة. قَوْله: وألبوا، أَي: جمعُوا قبائلهم، قَالَ الْجَوْهَرِي: ألبت الْجَيْش: إِذا جمعته، وتألبوا تجمعُوا. قَوْله: بمضيع، مَوضِع الضّيَاع أَي: الْهَلَاك. قَوْله: يذا الْعَرْش، أَصله: يَا ذَا الْعَرْش، حذفت الْألف للضَّرُورَة. قَوْله: (بضعوا) ، أَي: قطعُوا قطعا قطعا. قَوْله: (فِي ذَات الْإِلَه) ، أَي: فِي وَجه الله وَطلب ثَوَابه. قَوْله: (أوصال) ، جمع وصل. قَوْله: شلو، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّام: الْعُضْو. قَوْله: ممزع، أَي: مقطع والمزعة: الْقطعَة. قَوْله: تلفع، من لفعته النَّار إِذْ شملته من نواحيه وأصابه لهيبها. قَوْله: فلست بمبدٍ: أَي: بمظهر. قَوْله: وَلَا جزعاً: الْجزع قلَّة الصَّبْر. قَوْله: (فَقتله ابْن الْحَارِث) وَهُوَ: عقبَة بن الْحَارِث، وَقيل: أَخُوهُ، وَكِلَاهُمَا أسلم بعد ذَلِك، وَقَالَ أَبُو عمر: روى سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر أَنه سَمعه يَقُول: الَّذِي قتل خبيباً أَبُو سروعة عقبَة بن الْحَارِث بن عَامر بن نَوْفَل، وَكَانَ الْقَتْل بِالتَّنْعِيمِ، وَأَبُو سروعة، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة، وَقيل: بِفَتْحِهَا وَفتح الرَّاء، وَقيل: بِفَتْح السِّين وَضم الرَّاء. قَوْله: (حِين حدثوا) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: حِين أخبروا بقتل عَاصِم بن ثَابت. قَوْله: (ليؤتوا) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (بِشَيْء مِنْهُ) ، أَي: من عَاصِم، يَعْنِي بِقِطْعَة مِنْهُ يعرف بهَا. قَوْله: (وَكَانَ قد قتل) ، أَي: وَكَانَ عَاصِم قد قتل رجلا من عظمائهم، أَي: من أَشْرَافهم وأكابرهم يَوْم بدر، وَهُوَ عقبَة بن أبي معيط بن أبي عَمْرو بن أبي أُميَّة بن عبد شمس، وَكَانَ عَاصِم قتل يَوْم أحد فَتبين من عبد الدَّار أَخَوَيْنِ أمهما سلاقة بنت سعد بن شَهِيد، وَهِي الَّتِي نذرت إِن قدرت على قحف عَاصِم لتشربن فِيهِ الْخمر. قَوْله: (مثل الظلة) ، بِضَم الظَّاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام: وَهِي السحابة المظلة كَهَيئَةِ الصّفة. قَوْله: (من الدبر) ، بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره رَاء، وَهِي: ذُكُور النَّحْل، وَقَالَ الْقَزاز: الدبر الزنابير وَاحِدهَا: دبرة، وَقَالَ ابْن فَارس: هِيَ النَّحْل جمعه: دبور، وَقَالَ ابْن بطال: الدبر جمَاعَة النَّحْل لَا وَاحِد لَهَا. قَوْله: (فحمته) ، أَي: حفظته، وَيُقَال: حمته، أَي: عصمته، وَلِهَذَا سمي عَاصِم محمي الدبر، فعيل بِمَعْنى مفعول، وَيُقَال: لما عجزوا قَالُوا: إِن الدبر يذهب بِاللَّيْلِ، فَلَمَّا جَاءَ اللَّيْل أرسل الله سيلاً فاحتمله فَلم يجدوه، وَقيل: إِن الأَرْض
стр. 4312
ابتلعته، وَالْحكمَة فِيهِ: أَن الله حماه من قطع شَيْء من جسده، وَمَا حماه من الْقَتْل، إِذا الْقَتْل مُوجب للشَّهَادَة، وَلَا ثَوَاب فِي الْقطع مَعَ مَا فِيهِ من هتك حرمته.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِي نزُول خبيب وَصَاحبه جَوَاز أَن يستأسر الرجل، قَالَ الْمُهلب: إِذا أَرَادَ أَن يَأْخُذ بِالرُّخْصَةِ فِي إحْيَاء نَفسه فعل كَفعل هَؤُلَاءِ، وَعَن الْحسن: لَا بَأْس أَن يستأسر الرجل إِذا خَافَ أَن يغلب. وَقَالَ الثَّوْريّ: أكره للأسير الْمُسلم أَن يُمكن من نَفسه إلَاّ مجبوراً، وَعَن الْأَوْزَاعِيّ: لَا بَأْس للأسير الْمُسلم أَن يَأْبَى أَن يُمكن من نَفسه، بل يَأْخُذ بالشدة والإباء من الْأسر والأنفة من أَن يجْرِي عَلَيْهِ ملك كَافِر، كَمَا فعل عَاصِم. وَفِيه: استيثار الاستحداد لمن أسر وَلمن يقتل، والتنظيف لمن يصنع بعد الْقَتْل لِئَلَّا يطلع مِنْهُ على قبح عَورَة. وَفِيه: أَدَاء الْأَمَانَة إِلَى الْمُشرك وَغَيره. وَفِيه: التورع من قتل أَطْفَال الْمُشْركين رَجَاء أَن يَكُونُوا مُؤمنين. وَفِيه: الامتداح بالشعر حِين ينزل بِالْمَرْءِ هُوَ أَن فِي دين أَو ذلة الْقَتْل يرغم بذلك أنف عدوه ويحدد فِي نَفسه صبرا وأنفة. وَفِيه: كَرَامَة كَبِيرَة لخبيب فِي أكله من قطف عِنَب فِي غير أَوَانه، وَقَالَ ابْن بطال: هَذَا مُمكن أَن يكون آيَة لله على الْكفَّار وتصحيحاً لرسالة نبيه مُحَمَّد ﷺ ، عِنْد الْكفَّار من أجل مَا كَانُوا عَلَيْهِ من تَكْذِيب رَسُول الله، ﷺ . وَفِيه: عَلامَة من عَلَامَات نبوته بإجابة دَعْوَة عَاصِم بِأَن أخبر الله نبيه مُحَمَّدًا، ﷺ ، بالْخبر قبل بُلُوغه على أَلْسِنَة المخلوقين.
٢٦١ - (بابُ فَكاكِ الأسِيرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب فكاك الْأَسير من أَيدي الْعَدو بِمَال أَو غَيره، والفكاك، بِفَتْح الْفَاء أَي التخليص، وَيجوز بِالْكَسْرِ.
فِيهِ عنْ أبِي مُوسَى عنِ النَّبِيِّ ﷺ
أَي: فِي الْبَاب: روى عَن أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ. وَأخرج البُخَارِيّ حَدِيثه هُنَا عَن قُتَيْبَة، وَفِي الْأَطْعِمَة وَفِي النِّكَاح وَفِي الْأَحْكَام: عَن مُسَدّد، وَفِي الطِّبّ: عَن قُتَيْبَة أَيْضا. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن كثير. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير وَفِي الطِّبّ عَن قُتَيْبَة وَفِي الطِّبّ أَيْضا عَن مَحْمُود بن غيلَان.
٦٤٠٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ أبِي وَائِلٍ عنْ أبِي مُوسَى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ فُكُّوا العَانِيَّ يَعْنِي الأسِيرَ وأطْعِمُوا الجَائِعَ وعُودُوا المَرِيضَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فكوا العاني) وَهُوَ: الْأَسير، وَجَرِير بن عبد الحميد، وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة.
قَوْله: (العاني) ، بِالْعينِ الْمُهْملَة وبالنون: مثل القَاضِي، من: عَنَّا يعنو فَهُوَ عانٍ، وَالْجمع: عناة، وَالْمَرْأَة عانية، وَالْجمع: عوان، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: والعاني الْأَسير وكل من ذل واستكان وخضع فقد عَنَّا، وَقد فسره، إِمَّا قُتَيْبَة أَو جرير، بقوله: يَعْنِي الْأَسير، وفكاك الْأَسير فرض على الْكِفَايَة، قَالَ ابْن بطال: على هَذَا كَافَّة الْعلمَاء، وَعَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فكاك أسرى الْمُسلمين من بَيت المَال، وَبِه قَالَ إِسْحَاق، وَعَن الْحسن بن عَليّ: هُوَ على أهل الأَرْض الَّتِي يُقَاتل عَلَيْهَا، وَعَن أَحْمد يفادون بالرؤوس، وَأما بِالْمَالِ فَلَا أعرفهُ. والْحَدِيث عَام، فَلَا معنى لقَوْل أَحْمد: وَقد قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز، إِذا خرج الذِّمِّيّ بالأسير من الْمُسلمين فَلَا يحل للْمُسلمين أَن يردوه إِلَى الْكفْر فيفادوه بِمَا اسْتَطَاعُوا. قَوْله: (وأطعموا الجائع) ، عَام يتَنَاوَل كل جَائِع من بني آدم وَغَيرهم، وإطعام الجائع فرض على الْكِفَايَة، فَلَو أَن رجلا يَمُوت جوعا وَعند آخر مَا يحييه بِهِ بِحَيْثُ لَا يكون فِي ذَلِك الْموضع أحد غَيره، فَفرض عَلَيْهِ إحْيَاء نَفسه وَإِذا ارْتَفَعت حَالَة الضَّرُورَة كَانَ ذَلِك ندبا. قَوْله: (وعودوا الْمَرِيض) ، و: عودوا، أَمر من العيادة، وعيادة الْمَرِيض فرض كِفَايَة أَيْضا، وَقيل: سنة مُؤَكدَة.
стр. 4313
٧٤٠٣ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قَالَ حدَّثنا زُهَيْرٌ قَالَ حدَّثنا مُطَرِّفٌ أنَّ عامِرَاً حدَّثَهُمْ عنْ أبِي جُحَيْفَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قُلْتُ لِعَلِيٍّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ إلَاّ مَا فِي كِتابِ الله قَالَ لَا والَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ مَا أعْلَمُهُ إلَاّ فَهْماً يُعْطَيهِ الله رَجُلاً فِي القُرْآنِ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قُلْتُ وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ قَالَ العَقْلُ وفَكَاكُ الأسِيرِ وأنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وفكاك الْأَسير) . وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس أَبُو عبد الله التَّمِيمِي الْيَرْبُوعي الْكُوفِي، وَزُهَيْر هُوَ ابْن مُعَاوِيَة أَبُو خَيْثَمَة الْجعْفِيّ الْكُوفِي، سكن الجزيرة، ومطرف، بِضَم الْمِيم وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وبالفاء: ابْن طريف الْحَارِثِيّ أَبُو بكر الْكُوفِي، وعامر هُوَ الشّعبِيّ، وَأَبُو جُحَيْفَة، بِضَم الْجِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْفَاء: واسْمه وهب بن عبد الله السوَائِي.
والْحَدِيث مر فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب كِتَابَة الْعلم فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن وَكِيع عَن سُفْيَان عَن مطرف عَن الشّعبِيّ عَن أبي جُحَيْفَة ... إِلَى آخِره نَحوه، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (وَالَّذِي فلق الْحبَّة) ، من أَيْمَان الْعَرَب، وَمعنى: فلق الْحبَّة: شقها فِي الأَرْض حَتَّى تنبث ثمَّ أثمرت، فَكَانَ مِنْهَا حب كثير، وكل شَيْء شققته فقد فلقته. قَوْله: (وبرأ) أَي: خلق. (والنسمة) الْإِنْسَان وَالنَّفس. قَوْله: (فهما) ، بِسُكُون الْهَاء وَفتحهَا. قَوْله: (الْعقل) الدِّيَة.
٢٧١ - (بابُ فِدَاءِ المُشْرِكِينَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فدَاء الْمُشْركين بِمَال يُؤْخَذ مِنْهُم.
٨٤٠٣ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ أبِي أوَيْسٍ قَالَ حدَّثَنا إسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ ابنِ عُقْبَةَ عنْ مُوسَى ابنِ عُقْبَةَ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ حدَّثني أنَسُ بنُ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رِجَالاً مِنَ الأنْصَارِ اسْتَأذَنُوا رسولَ لله ﷺ فَقَالُوا يَا رسولَ الله ﷺ ائْذَنْ فَلْنَتْرُكْ لاِبْنِ أخْتِنَا عبَّاسٍ فِدَاءَهُ فَقالَ لَا تَدَعونَ مِنْهُ دِرْهَمَاً..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إيذن لنا. .) إِلَى آخر الحَدِيث. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْعتْق فِي: بَاب إِذا أسر أَخُو الرجل، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لم يسمع مُوسَى بن عقبَة من ابْن شهَاب، قلت: الْإِثْبَات أولى من النَّفْي. قَوْله: (لَا تدعون) ، أَي: لَا تتركون، ويروى: لَا تدعوا على صِيغَة الْأَمر. قَوْله: (مِنْهُ) ، ويروى: مِنْهَا.
٩٤٠٣ - وقَالَ إبْرَاهِيمُ عنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ صُهَيْبٍ عنْ أنَسٍ قَالَ أُتِيَ النبِيُّ ﷺ بِمالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ فَجاءَهُ الْعَبَّاسُ فَقَالَ يَا رسولَ الله أعْطِنِي فإنِّي فادَيْتُ نَفْسِي وفادَيْتُ عَقِيلاً فَقال خُذْ فأعْطَاهُ فِي ثَوْبِهِ.
(انْظُر الحَدِيث ١٢٤ وأطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه فِي ذكر الْفِدَاء، وَهَذَا تَعْلِيق أوردهُ مُخْتَصرا، وَذكره مُعَلّقا أَيْضا بأتم مِنْهُ فِي الصَّلَاة فِي أَبْوَاب الْمَسَاجِد فِي: بَاب الْقِسْمَة وَتَعْلِيق القنو فِي الْمَسْجِد، وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن طهْمَان، صرح بِذكرِهِ هُنَاكَ، وَهنا ذكره مُجَردا وَلم ينْسبهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٠٥٠٣ - حدَّثني مَحْمُودٌ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ مُحَمَّدِ ابنِ جُبَيْرٍ عنْ أبِيهِ وكانَ جاءَ فِي أَسَارَي بَدْرٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بالطّورِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكَانَ جَاءَ فِي أُسَارَى بدر) أَي: جَاءَ فِي طلب فدَاء أُسَارَى بدر، ومحمود هُوَ ابْن غيلَان الْمروزِي
стр. 4314
وَجبير مصغر ضد كسير ابْن مطعم، بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من الْإِطْعَام، كَانَ من سَادَات قُرَيْش، أسلم يَوْم الْفَتْح، وَكَانَ حِين جَاءَ فِي فدَاء أُسَارَى بدر وفكاكهم كَافِرًا، قَالَ: أتيت النَّبِي ﷺ لأكلمه فِي أُسَارَى بدر، فوافيته وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ الْمغرب، فَسَمعته وَهُوَ يقْرَأ، وَقد خرج صَوته من الْمَسْجِد: ﴿إِن عَذَاب رَبك لوَاقِع مَا لَهُ من دَافع﴾ (الطّور: ٧ ٨) . قَالَ: فَكَأَنَّمَا صدع قلبِي، فَلَمَّا فرغ من صلَاته كَلمته فِي الْأُسَارَى، فَقَالَ: لَو كَانَ أَبوك حَيا فَأَتَانَا فيهم لقبلنا شَفَاعَته. وَذَلِكَ أَنه كَانَت لَهُ عِنْد رَسُول الله، ﷺ يَد. قَوْله: (يقْرَأ فِي الْمغرب بِالطورِ) أَي: يقْرَأ فِي صَلَاة الْمغرب بِسُورَة الطّور، وَقد مضى هَذَا فِي كتاب الصَّلَاة، فِي: بَاب الْجَهْر فِي الْمغرب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
٣٧١ - (بابُ الحَرْبيِّ إذَا دَخَلَ دارَ الإسْلَامِ بِغَيْرِ أمَانٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْحَرْبِيّ من أهل دَار الْحَرْب إِذا دخل دَار الْإِسْلَام بِغَيْر أَمَان مَا يكون أمره؟ هَل يجوز قَتله أم لَا؟ لم يذكر الْجَواب لأجل الِاخْتِلَاف فِيهِ، فَقَالَ مَالك: يتَخَيَّر فِيهِ الإِمَام وَحكمه حكم أهل الْحَرْب. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ: إِن ادّعى أَنه رَسُول قبل مِنْهُ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَأحمد: لَا يقبل ذَلِك مِنْهُ، وَهُوَ فَيْء للْمُسلمين. وَقَالَ مُحَمَّد: هُوَ لمن وجده.
١٥٠٣ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا أبُو العُمَيْسِ عنْ إيَاسِ بنِ سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ عنْ أبِيهِ قالَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ عَيْنٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَهْوَ فِي سَفَرٍ فجَلَسَ عِنْدَ أصْحَابِهِ يتَحَدَّثُ ثُمَّ انْفَتَلَ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ اطْلُبُوهُ واقْتُلُوهُ فقَتَلَهُ فنَفَّلَهُ سَلَبَهُ.
قيل: لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة، لِأَن الحَدِيث فِي عين الْمُشْركين وَهُوَ جاسوسهم، والترجمة فِي الْحَرْبِيّ الْمُطلق الَّذِي يدْخل بِغَيْر أَمَان. وَأجِيب: بِأَن الْعين الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث أوهم أَنه مِمَّن لَهُ أَمَان، فَلَمَّا قضى حَاجته من التَّجَسُّس انْفَتَلَ مسرعاً، فَعَلمُوا أَنه حَرْبِيّ دخل بِغَيْر أَمَان، فَلهَذَا قتل.
وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وَأَبُو العميس، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة: واسْمه عتبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: ابْن عبد الله الْهِلَالِي مر فِي كتاب الْإِيمَان، وَإيَاس، بِكَسْر الْهمزَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالسين الْمُهْملَة: ابْن سَلمَة، بِفَتْح اللَّام: ابْن الْأَكْوَع.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد أَيْضا عَن الْحسن بن عَليّ عَن أبي نعيم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان.
قَوْله: (عين) ، أَي: جاسوس. قَوْله: (فِي سفر) ، بَينه مُسلم فَإِنَّهُ أخرج الحَدِيث فِي الْمَغَازِي عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن عمر ابْن يُونُس عَن عِكْرِمَة بن عمار عَن إِيَاس بن سَلمَة بن الْأَكْوَع عَن أَبِيه: غزونا مَعَ رَسُول الله، ﷺ هوَازن يَعْنِي: حنيناً فَبينا نَحن نتضحى مَعَ رَسُول الله، ﷺ إِذْ جَاءَ رجل على جمل أَحْمَر فأناخه ثمَّ انتزع طلقاً من جعبته فقيد بِهِ الْجمل، ثمَّ تقدم فتغدى مَعَ الْقَوْم، وَجعل ينظر وَفينَا ضعفة ورقة من الظّهْر، وبعضنا مشَاة، إِذْ خرج يشْتَد فَأتى جمله فَأطلق قَيده ثمَّ قعد عَلَيْهِ فَاشْتَدَّ بِهِ الْجمل، فَاتبعهُ رجل على نَاقَة وَرْقَاء، قَالَ سَلمَة: وَخرجت اشْتَدَّ فَكنت عِنْد ورك النَّاقة، ثمَّ أخذت بِخِطَام الْجمل فأنخته، فَلَمَّا وضع رُكْبَتَيْهِ على الأَرْض ضربت رَأسه، فبدر ثمَّ جِئْت بالجمل أقوده عَلَيْهِ رَحْله وسلاحه، فاستقبلني رَسُول الله، ﷺ وَالنَّاس مَعَه، فَقَالَ: من قتل الرجل؟ قَالُوا: ابْن الْأَكْوَع. قَالَ: لَهُ سلبه أجمع. وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ ﷺ : عَليّ بِالرجلِ، اقْتُلُوهُ، فَابْتَدَرَهُ الْقَوْم، وَفِي رِوَايَة: قَامَ رجل من عِنْد النَّبِي ﷺ فَأخْبر أَنه عين من الْمُشْركين، فَقَالَ: من قَتله فَلهُ سلبه. قَوْله: (ثمَّ انْفَتَلَ) أَي: ثمَّ انْصَرف. قَوْله: (اطلبوه واقتلوه) وَفِي رِوَايَة أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق يحيى الْحمانِي عَن أبي العميس: أدركوه فَإِنَّهُ عين، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: فسبقتهم إِلَيْهِ فَقتلته، وفاعل: اسبقتهم، سَلمَة بن الْأَكْوَع، وَكَذَلِكَ فَاعل: فَقتلته. قَوْله: (فَقتله) ، أَي: فَقتله سَلمَة. وَفِيه الْتِفَات من الْمُتَكَلّم إِلَى الْغَائِب، وَالْقِيَاس: فَقتلته، بالإخبار عَن نَفسه كَمَا فِي رِوَايَة أبي دَاوُد، وَهَكَذَا روى أَيْضا هُنَا. قَوْله: (فنفله) ، أَي: فنفل رَسُول الله، ﷺ ، سلب هَذَا الْعين سَلمَة، وَفِيه الْتِفَات أَيْضا، وَالْقِيَاس فَقتلته ونفلني سلبه، أَي: أعطَاهُ مَا سلب مِنْهُ، وَأما النَّفْل فِي اصْطِلَاح الْفُقَهَاء مَا شَرطه الْأَمِير لمتعاطي خطر، وَالسَّلب
стр. 4315
بِفَتْح اللَّام: مركب الْمَقْتُول وثيابه وسلاحه وَمَا مَعَه على الدَّابَّة من مَاله فِي حقيبته أَو فِي وَسطه، وَمَا عدا ذَلِك فَلَيْسَ بسلب، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مَعَ غُلَامه على دَابَّة أُخْرَى.
وَفِيه: قتل الجاسوس الْحَرْبِيّ، وَعَلِيهِ الْإِجْمَاع. وَأما الجاسوس الْمعَاهد أَو الذِّمِّيّ فَقَالَ مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ: يصير ناقضاً للْعهد، فَإِن رأى الإِمَام استرقاقه أرقه، وَيجوز قَتله، وَعند الْجُمْهُور: لَا ينْتَقض عَهده بذلك إِلَّا أَن يشْتَرط عَلَيْهِ انتقاضه بِهِ، وَأما الجاسوس الْمُسلم فَعِنْدَ أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَبَعض الْمَالِكِيَّة: يُعَزّر بِمَا يرَاهُ الإِمَام إلَاّ الْقَتْل. وَقَالَ مَالك: يجْتَهد فِيهِ الإِمَام. وَقَالَ عِيَاض: قَالَ كبار أَصْحَابه: يقتل. وَاخْتلفُوا فِي تَركه بِالتَّوْبَةِ، فَقَالَ ابْن الْمَاجشون: إِن عرف بذلك قتل، وإلَاّ عزّر، وَالله أعلم.
٤٧١ - (بابٌ يُقاتَلُ عنْ أهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا يُسْتَرَقُّونَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ يُقَاتل عَن أهل الذِّمَّة أَي: عَن أهل الْكتاب لأَنهم إِنَّمَا بذلوا الْجِزْيَة على أَن يأمنوا فِي أنفسهم وَأَمْوَالهمْ وأهليهم فَيُقَاتل عَنْهُم، كَمَا يُقَاتل عَن الْمُسلمين. قَوْله: (وَلَا يسْتَرقونَ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَمَا ذكر من الاسترقاق فَلَيْسَ فِي الْخَبَر. قلت: هَذَا من كَلَام ابْن التِّين: وَأجِيب: بِأَنَّهُ أَخذه من قَوْله فِي الحَدِيث: (وأوصيه بِذِمَّة الله) فَإِن مُقْتَضى الْوَصِيَّة بالإشفاق أَن لَا يدخلُوا فِي الاسترقاق. قلت: يحْتَمل أَنه ذكره لمَكَان الْخلاف فِيهِ، فَإِن مَذْهَب ابْن الْقَاسِم: أَنهم يسْتَرقونَ إِذا نقضوا الْعَهْد، وَخَالفهُ أَشهب، وَقيل: أغرب ابْن قدامَة فَحكى الْإِجْمَاع، فَكَأَنَّهُ لم يطلع على خلاف ابْن الْقَاسِم. قلت: يحْتَمل أَنه أَرَادَ بِهِ إِجْمَاع الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة.
٢٥٠٣ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ حُصَيْنٍ عنْ عَمْرِو بنِ مَيْمُونٍ عنْ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ وأُوصِيهِ بِذِمَّةِ الله وذِمَّةِ رَسُولهِ ﷺ أنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وأنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَلَا يُكَلَّفُوا إلَاّ طَاقَتَهُمْ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأَن يُقَاتل من ورائهم) ، وَأَبُو عوَانَة، الوضاح الْيَشْكُرِي، وحصين، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ: ابْن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ. والْحَدِيث قد مر مطولا فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب قبر النَّبِي ﷺ ، وَأبي بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (بِذِمَّة الله) أَي: عهد الله. قَوْله: (وَأَن يُقَاتل من ورائهم) أَرَادَ بِهِ دفع الْكَافِر الْحَرْبِيّ، وَنَحْوه عَنْهُم. قَوْله: (وَلَا يكلفوا) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من التَّكْلِيف، وَمَعْنَاهُ: أَن لَا يزِيدُوا على مِقْدَار الْجِزْيَة.
٥٧١ - (بابُ جَوَائِزِ الوَفْدِ)
٦٧١ - (بابٌ هَلْ يُسْتَشْفَعُ إِلَى أهْلِ الذِّمَّةِ ومُعامَلَتِهِمْ)
أَقُول: هَكَذَا وَقع هَذَانِ البابان، وَلَيْسَ بَينهمَا شَيْء فِي جَمِيع النّسخ من طَرِيق الْفربرِي، إلَاّ أَن فِي رِوَايَة أبي عَليّ بن بن شبويه عَن الْفربرِي وَقع: بَاب جوائز الْوَفْد، بعد: بَاب هَل يستشفع، وَكَذَا وَقع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَهَذَا أصوب لِأَن حَدِيث الْبَاب مُطَابق لترجمة جوائز الْوَفْد، لقَوْله فِيهِ: وأجيزوا الْوَفْد، بِخِلَاف التَّرْجَمَة الْأُخْرَى، وَكَانَ البُخَارِيّ وضع هَاتين الترجمتين وأخلى بَينهمَا بَيَاضًا ليجد حَدِيثا يناسبهما، فَلم يتَّفق ذَلِك، ثمَّ إِن النساخ أبطلوا الْبيَاض وقرنوا بَينهمَا، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: بَاب جوائز الْوَفْد، بل الَّذِي وَقع عِنْده: بَاب هَل يستشفع إِلَى أهل الذِّمَّة، وَأورد فِيهِ حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَفِي طلب الْمُطَابقَة بَينهمَا تعسف، وَلَقَد تكلّف بَعضهم فِي تَوْجِيه الْمُطَابقَة، فَقَالَ: وَلَعَلَّه من جِهَة أَن الْإِخْرَاج يَعْنِي فِي قَوْله ﷺ : أخرجُوا الْمُشْركين من جَزِيرَة الْعَرَب، يَقْتَضِي رفع الاستشفاع، والحض على إجَازَة الْوَفْد يَقْتَضِي حسن الْمُعَامَلَة. أَو لَعَلَّ: إِلَى، فِي التَّرْجَمَة بِمَعْنى: اللَّام، أَي: هَل يستشفع لَهُم عِنْد الإِمَام وَهل يعاملون ... ؟ انْتهى. قلت: قَوْله يَقْتَضِي رفع الاستشفاع، يَقْتَضِي الْعَمَل بِرَفْع الاستشفاع وَالْعَمَل بالاقتضاء يكون عِنْد الضَّرُورَة وَلَا ضَرُورَة هَهُنَا، والإخراج مَعْنَاهُ مَعْلُوم وَلَيْسَ فِيهِ معنى الِاقْتِضَاء.
стр. 4316
والوفد أَعم من أَن يكون من الْمُسلمين أَو من الْمُشْركين، والمواضع الَّتِي تذكر فِيهَا أَن إِلَى بِمَعْنى اللَّام إِنَّمَا معنى: إِلَى، فِيهَا على أَصْلهَا بِمَعْنى الِانْتِهَاء، فَافْهَم، وَهَهُنَا لَا يتأتي هَذَا الْمَعْنى، ثمَّ التَّقْدِير فِي: بَاب جوائز الْوَفْد، أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جوائز الْوَفْد؟ والجوائز جمع جَائِزَة، وَهِي الْعَطِيَّة، يُقَال: أجَازه يُجِيزهُ إِذا أعطَاهُ، والوفد: هم الْقَوْم يَجْتَمعُونَ ويردون الْبِلَاد، واحدهم وَافد. وَكَذَلِكَ الَّذين يقصدون الْأُمَرَاء لزيارة واسترفاد وانتجاع وَغير ذَلِك، يُقَال: وَفد يفد فَهُوَ وَافد، وأوفدته فوفد وأوفد على الشَّيْء فَهُوَ موفد إِذا أشرف، وَالتَّقْدِير فِي: بَاب هَل يستشفع، أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ هَل يستشفع. قَوْله: (ومعاملتهم) ، بِالْجَرِّ عطفا على الْمُضَاف إِلَيْهَا لفظ الْبَاب.
٣٥٠٣ - حدَّثنا قَبِيصَةُ قَالَ حدَّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ سُلَيْمَانَ الأحْوَلِ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّهُ قَالَ يَوْمَ الخَمِيسِ ومَا يَوْمُ الخَمِيسِ ثُمَّ بَكَى حَتَّى خَضَبَ دَمْعُهُ الحَصْبَاءَ فَقَالَ اشْتَدَّ بِرَسُولِ الله ﷺ وجَعُهُ يَوْمَ الخَمِيسِ فَقال ائْتُونِي بِكِتَابٍ أكْتُبْ لَكُمْ كِتَابَاً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أبَدَاً فتَنَازَعُوا ولَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنازُعَ فَقَالُوا أهَجَرَ رسولُ الله ﷺ قَالَ دَعُونِي فالَّذِي أَنا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إلَيْهِ وأوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلاثٍ أخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ وأجِيزُوا الوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ ونَسِيتُ الثَّالِثَةَ..
وَجه الْمُطَابقَة قد ذكر الْآن، وَقبيصَة بِفَتْح الْقَاف وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عقبَة، قَالَ الجياني: لَا أحفظ لقبيصة عَن ابْن عُيَيْنَة شَيْئا فِي (الْجَامِع) ، وَرِوَايَة ابْن السكن: قُتَيْبَة، بدل: قبيصَة. قلت: وَقع هَكَذَا: قبيصَة حَدثنَا ابْن عُيَيْنَة عِنْد أَكثر الروَاة عَن الْفربرِي، وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَلم يَقع فِي البُخَارِيّ لقبيصة رِوَايَة عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة إلَاّ هَذِه الرِّوَايَة، وَرِوَايَته فِيهِ عَن سُفْيَان الثَّوْريّ كَثِيرَة جدا. وَقيل: لَعَلَّ البُخَارِيّ سمع هَذَا الحَدِيث مِنْهُمَا، غير أَنه لَا يحفظ لقبيصة عَن ابْن عُيَيْنَة شَيْء فِي (الْجَامِع) وَلَا ذكره أَبُو نصر فِيمَن روى فِي (الْجَامِع) عَن غير الثَّوْريّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي عَن قُتَيْبَة وَفِي الْجِزْيَة عَن مُحَمَّد. وَأخرجه مُسلم فِي الْوَصَايَا عَن سعيد بن مَنْصُور وقتيبة وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد، الْكل عَن ابْن عُيَيْنَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن سعيد بن مَنْصُور بِبَعْضِه. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان مثل الأول.
قَوْله: (يَوْم الْخَمِيس) ، خبر الْمُبْتَدَأ الْمَحْذُوف، أَو بِالْعَكْسِ نَحْو: يَوْم الْخَمِيس يَوْم الْخَمِيس، نَحْو: أَنا أَنا، وَالْغَرَض مِنْهُ تفخيم أمره فِي الشدَّة وَالْمَكْرُوه. قَوْله: (وَمَا يَوْم الْخَمِيس؟) أَي: أَي يَوْم يَوْم الْخَمِيس؟ وَهَذَا أَيْضا لتعظيم أمره فِي الَّذِي وَقع فِيهِ. قَوْله: (حَتَّى خضب) ، أَي: رطب وبلل. قَوْله: (فتنازعوا) ، وَقد مر فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب كِتَابَة الْعلم بعض هَذَا الحَدِيث عَن ابْن عَبَّاس. . وَفِيه: (ائْتُونِي بِكِتَاب أكتب لكم كتابا لَا تضلوا بعده، قَالَ عمر: إِن النَّبِي ﷺ غَلبه الوجع، وَعِنْدنَا كتاب الله حَسبنَا، فَاخْتَلَفُوا وَكثر اللغظ، قَالَ: قومُوا عني وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُع) الحَدِيث وَهَذَا يُوضح معنى قَوْله: فتنازعوا. قَوْله: (وَلَا يَنْبَغِي عِنْد نَبِي تنَازع) ، قَالَ الْكرْمَانِي: لفظ: وَلَا يَنْبَغِي، إِمَّا قَول رَسُول الله، ﷺ وَإِمَّا قَول ابْن عَبَّاس، والسياق يحتملهما، والموافق لسَائِر الرِّوَايَات الأولى. قلت: لَا حَاجَة إِلَى هَذَا الترديد لِأَنَّهُ ﷺ صرح فِي الحَدِيث الَّذِي سبق فِي كتاب الْعلم بقوله: (وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُع) ، وَالْعجب مِنْهُ ذَلِك مَعَ أَنه قَالَ: وَمر شرح الحَدِيث فِي: بَاب كِتَابَة الْعلم. قَوْله: (أَهجر) ، ويروى: هجر، بِدُونِ الْهمزَة، أطلق بِلَفْظ الْمَاضِي، لما رَأَوْا فِيهِ من عَلَامَات الْهِجْرَة عَن دَار الفناء، وَقَالَ ابْن بطال: قَالُوا: هجر رَسُول الله، ﷺ ، أَي: اخْتَلَط، وأهجر إِذا أفحش. وَقَالَ ابْن التِّين: يُقَال: هجر العليل إِذا هذى يهجر هجراً بِالْفَتْح، والهجر بِالضَّمِّ الإفحاش. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: يُقَال: هجر الرجل فِي الْمنطق إِذا تكلم بِمَا لَا معنى لَهُ، وأهجر إِذا أفحش. قلت: هَذِه الْعبارَات كلهَا فِيهَا ترك الْأَدَب وَالذكر بِمَا لَا يَلِيق بِحَق النَّبِي ﷺ ، وَلَقَد أفحش من أَتَى بِهَذِهِ الْعبارَة، فَانْظُر إِلَى مَا قَالَ النَّوَوِيّ: أَهجر؟ بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام الإنكاري، أَي: أَنْكَرُوا على من قَالَ: لَا تكْتبُوا، أَي: لَا تجعلوه كأمر من هذي فِي كَلَامه، وَإِن صَحَّ بِدُونِ الْهمزَة فَهُوَ أَنه لما أَصَابَته الْحيرَة والدهشة لعظم مَا شَاهد من هَذِه الْحَالة الدَّالَّة
стр. 4317
على وَفَاته وَعظم الْمُصِيبَة، أجْرى الهجر مجْرى شدَّة الوجع، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَأَقُول: هُوَ مجَاز لِأَن الهذيان الَّذِي للْمَرِيض مُسْتَلْزم لشدَّة وَجَعه، فَأطلق الْمَلْزُوم وَأُرِيد اللَّازِم. قلت: لَو كَانَ بتحسين الْعبارَة لَكَانَ أولى. قَوْله: (دَعونِي) ، أَي: اتركوني وَلَا تنازعوا عِنْدِي، فَإِن الَّذِي أَن فِيهِ من المراقبة وَالتَّأَهُّب للقاء الله تَعَالَى والفكر فِي ذَلِك وَنَحْوه أفضل مِمَّا تَدعُونِي إِلَيْهِ من الْكِتَابَة وَنَحْوهَا. قَوْله: (أخرجُوا الْمُشْركين من جَزِيرَة الْعَرَب) ، أخرجُوا: أَمر من الْإِخْرَاج، وَلم يتفرغ أَبُو بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لذَلِك، فأجلاهم عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قيل: كَانُوا أَرْبَعِينَ ألفا وَلم ينْقل عَن أحد من الْخُلَفَاء أَنه أجلاهم من الْيمن، مَعَ أَنَّهَا من جَزِيرَة الْعَرَب.
وروى أَحْمد من حَدِيث أبي عُبَيْدَة بن الْجراح، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أخرجُوا يهود الْحجاز، وَأهل نَجْرَان من جَزِيرَة الْعَرَب) ، وَإِنَّمَا أخرج أهل نَجْرَان من الجزيرة، وَإِن لم تكن من الْحجاز، لِأَنَّهُ ﷺ صَالحهمْ على أَن لَا يَأْكُلُوا الرِّبَا فأكلوه، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من طَرِيق ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. وَقَالَ أَحْمد بن الْمعدل: حَدثنِي يَعْقُوب بن مُحَمَّد بن عِيسَى عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: قَالَ مَالك بن أنس: جَزِيرَة الْعَرَب: الْمَدِينَة وَمَكَّة واليمامة واليمن، وَفِي رِوَايَة ابْن وهب عَنهُ: مَكَّة وَالْمَدينَة واليمن، وَعَن الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن: مَكَّة وَالْمَدينَة واليمن وقرياتها، وَعَن الْأَصْمَعِي: هِيَ مَا لم يبلغهُ ملك فَارس من أقْصَى عدن إِلَى أَطْرَاف الشَّام، هَذَا الطول وَالْعرض من جدة إِلَى ريف الْعرَاق. وَفِي رِوَايَة أبي عبيد عَنهُ: الطول من أقْصَى عدن إِلَى ريف الْعرَاق طولا، وعرضها من جَزِيرَة جدة وَمَا والاها من سَاحل الْبَحْر إِلَى أَطْرَاف الشَّام، وَقَالَ الشّعبِيّ: هِيَ مَا بَين قادسية الْكُوفَة إِلَى حَضرمَوْت، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هِيَ مَا بَين حفر أبي مُوسَى بطوارة من أَرض الْعرَاق إِلَى أقْصَى الْيمن فِي الطول، وَأما فِي الْعرض فَمَا بَين رمل بيرين إِلَى مُنْقَطع السماوة. وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ: قَالَ الْخَلِيل: سميت جَزِيرَة الْعَرَب لِأَن بَحر فَارس وبحر الْحَبَش والفرات ودجلة أحاطت بهَا، وَهِي أَرض الْعَرَب ومعدنها. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الْحَرْبِيّ: أَخْبرنِي عبد الله بن شبيب عَن زبير عَن مُحَمَّد بن فضَالة: إِنَّمَا سميت جَزِيرَة لإحاطة الْبَحْر بهَا والأنهار من أقطارها وأطرافها، وَذَلِكَ أَن الْفُرَات أقبل من بِلَاد الرّوم فَظهر بِنَاحِيَة قنسرين ثمَّ انحط عَن الجزيرة وَهِي مَا بَين الْفُرَات ودجلة وَعَن سَواد الْعرَاق حَتَّى دفع فِي الْبَحْر من نَاحيَة الْبَصْرَة والأيلة، وامتد الْبَحْر من ذَلِك الْموضع مغرباً مطبقاً بِبِلَاد الْعَرَب مُنْقَطِعًا عَلَيْهَا، فَأتى مِنْهَا على سفوان وكاظمة وَنفذ إِلَى القطيف وهجروا أسياف عمان والشحر، وسال مِنْهُ عنق إِلَى حَضرمَوْت إِلَى أبين وعدن ودهلك، واستطال ذَلِك الْعُنُق فطعن فِي تهايم الْيمن بِلَاد حكم والأشعريين وعك، وَمضى إِلَى جدة سَاحل مَكَّة، وَإِلَى الجاد سَاحل الْمَدِينَة وَإِلَى سَاحل تيما وإيلة حَتَّى بلغ إِلَى قلزم مصر وخالط بلادها، وَأَقْبل النّيل فِي غربي هَذَا الْعُنُق من أَعلَى بِلَاد السودَان مستطيلاً مُعَارضا للبحر حَتَّى دفع فِي بَحر مصر وَالشَّام، ثمَّ أقبل ذَلِك الْبَحْر من مصر حَتَّى بلغ بِلَاد فلسطين وَمر بعسقلان وسواحلها وأتى على صور بساحل الْأُرْدُن وعَلى بيروت وذواتها من سواحل دمشق، ثمَّ نفذ إِلَى سواحل حمص وسواحل قنسرين حَتَّى خالط النَّاحِيَة الَّتِي أقبل مِنْهَا الْفُرَات منحطاً على أَطْرَاف قنسرين والجزيرة إِلَى سوار الْعرَاق، فَصَارَت بِلَاد الْعَرَب من هَذِه الجزيرة الَّتِي نزلوها على خَمْسَة أَقسَام: تهَامَة، والحجاز، ونجد وَالْعرُوض، واليمن.
قَوْله: (وأجيزوا الْوَفْد) ، وأجيزوا من الْإِجَازَة، يُقَال: أجَازه بجوائز أَي: أعطَاهُ عطايا، قد مر تَفْسِير الْجَائِزَة، والوفد، وَيُقَال: الْجَائِزَة قدر مَا يجوز بِهِ الْمُسَافِر من منهل إِلَى منهل، وجائزته يَوْم وَلَيْلَة. قَوْله: (ونسيت الثَّالِثَة) ، قَالَ ابْن التِّين: ورد فِي رِوَايَة أَنَّهَا الْقُرْآن، وَقَالَ الْمُهلب: هِيَ تجهيز جَيش أُسَامَة بن زيد، وَقَالَ ابْن بطال: كَانَ الْمُسلمُونَ اخْتلفُوا فِي ذَلِك على الصّديق فأعلمهم أَنه ﷺ ، عهذ بذلك عِنْد مَوته، وَقَالَ عِيَاض: يحْتَمل أَنَّهَا قَوْله: لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وثناً، فقد ذكر مَالك مَعْنَاهُ مَعَ إجلاء الْيَهُود.
وَهَهُنَا فرع ذكره فِي (التَّوْضِيح) : وَهُوَ يمْنَع كل كَافِر عندنَا وَعند مَالك من استيطان الْحجاز، وَلَا يمْنَعُونَ من ركُوب بحره وَلَو دخل بِغَيْر إِذن الإِمَام أخرجه وعزره إِن علم أَنه مَمْنُوع، فَإِن اسْتَأْذن فِي دُخُوله أذن الإِمَام أَو نَائِبه فِيهِ إِن كَانَ مصلحَة للْمُسلمين، كرسالة وَحمل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ. وَعَن أبي حنيفَة: جَوَاز سكناهم فِي الْحرم وَيمْنَع دُخُول حرم مَكَّة. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ (التَّوْبَة: ٨٢) . وَالْمرَاد بِهِ هُنَا جَمِيع الْحرم. وَقَالَ ﷺ : إِن الشَّيْطَان إيس أَن يعبد فِي جَزِيرَة الْعَرَب، فَلَو دخله وَمَات لم يدْفن فِيهِ، وَإِن مَاتَ فِي غير الْحرم من الْحجاز
стр. 4318
وَتعذر نَقله دفن هُنَاكَ، وَحرم الْمَدِينَة لَا يلْحق بحرم مَكَّة فِيمَا ذكر، لَكِن اسْتحْسنَ الرَّوْيَانِيّ أَن يخرج مِنْهُ إِذا لم يتَعَذَّر الْإِخْرَاج ويدفن خَارجه. قلت: مَذْهَب أبي حنيفَة: أَنه لَا بَأْس بِأَن يدْخل أهل الذِّمَّة الْمَسْجِد الْحَرَام، لِأَن النَّبِي ﷺ أنزل وَفد ثَقِيف فِي مَسْجده وهم كفار، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْآيَة مَحْمُولَة على مَنعهم أَن يدخلوها مستولين عَلَيْهَا ومستعلين على أهل الْإِسْلَام من حَيْثُ التَّدْبِير وَالْقِيَام بعمارة الْمَسْجِد، فَإِن قبل الْفَتْح كَانَت الْولَايَة والاستعلاء لَهُم وَلم يبْق ذَلِك لَهُم بعد الْفَتْح. أَو هِيَ مَحْمُولَة على كَونهم طائفين الْكَعْبَة حَال كَونهم عُرَاة، كَمَا كَانَت عَادَتهم فِي الْجَاهِلِيَّة.
وَقَالَ يَعْقُوبُ بنُ مُحَمَّدٍ سألْتُ الْمُغِيرَةَ بنَ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ فَقالَ مَكَّةُ والمَدِينَةُ واليَمَامَةُ واليَمَنُ وَقَالَ يَعْقُوبُ والعَرْجُ أوَّلُ تِهَامَةَ
يَعْقُوب بن مُحَمَّد بن عِيسَى الزُّهْرِيّ، والمغيرة بن عبد الرَّحْمَن، وَهَذَا الْأَثر الْمُعَلق وَصله إِسْمَاعِيل القَاضِي فِي كتاب (أَحْكَام الْقُرْآن) : عَن أَحْمد بن الْمعدل عَن يَعْقُوب بن مُحَمَّد عَن مَالك بن أنس مثله. قَوْله: (وَالْعَرج) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَفِي آخِره جِيم: وَهُوَ منزل بَين طَرِيق مَكَّة وتهامة، وَهِي بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: اسْم لكل مَا نزل عَن نجد من بِلَاد الْحجاز، وَقَالَ الْبكْرِيّ: العرج قَرْيَة جَامِعَة على طَرِيق مَكَّة من الْمَدِينَة، بَينهَا وَبَين الرُّوَيْثَة أَرْبَعَة عشر ميلًا، وَبَينهَا وَبَين الْمَدِينَة أحد وَعِشْرُونَ فرسخاً.
٧٧١ - (بابُ التَّجَمُّلِ لِلْوُفُودِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التجمل باللبس لأجل الْوُفُود، وَهُوَ جمع وَفد، وَقد مر تَفْسِيره عَن قريب.
٤٥٠٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سالِمِ بنِ عبْدِ الله أنَّ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ وَجَدَ عُمَرُ حُلَّةَ إسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ فأتَى بِها رسولَ الله ﷺ فَقَالَ يَا رسُولَ الله ابْتَعْ هاذِهِ الحُلَّة فتَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ ولِلْوُفُودِ فَقَالَ رسوُلُ الله ﷺ إنَّمَا هاذِهِ لِباسُ مَنْ لَا خَلاقَ لَهُ أوْ إنَّمَا يَلْبَسُ هِذِهِ منْ لَا خَلَاقَ لَهُ فَلَبِثَ مَا شاءَ الله ثُمَّ أرْسَلَ إلَيْهِ النبِيُّ ﷺ بِجُبَّةِ دِيبَاجَ فأقْبَلَ بِهَا عُمَرُ حتَّى أتَى رسولَ الله ﷺ فَقَالَ يَا رسولَ الله قُلْتَ إنَّمَا هاذِهِ لِباسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ أوْ إنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلاقَ لَهُ ثُمَّ أرْسَلْتَ إلَيَّ بِهاذِهِ فَقَالَ تَبِيعُهَا أوْ تُصِيبُ بِهَا بَعْضَ حَاجَتِكَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ابتع هَذِه الْحلَّة فتجمل بهَا للعيد وللوفود) . وَأخرج البُخَارِيّ نَحوه فِي كتاب الْجُمُعَة فِي: بَاب يلبس أحسن مَا يجد، عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر أَن: عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رأى حلَّة سيراء عِنْد بَاب الْمَسْجِد ... الحَدِيث، وَفِي آخِره: فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : إِنِّي لم أكسكها لتلبسها، فكساها عمر بن الْخطاب أَخا لَهُ بِمَكَّة مُشْركًا.
قَوْله: (استبرق) ، هُوَ مُعرب استبر، فزيدت عَلَيْهِ: الْقَاف. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الإستبرق، مَا غلظ من الْحَرِير، وَهِي لَفْظَة أَعْجَمِيَّة معربة أَصْلهَا: استبره، وَقد ذكرهَا الْجَوْهَرِي فِي فصل الْبَاء من الْقَاف، على أَن الْهمزَة وَالسِّين وَالتَّاء زَوَائِد، وَذكرهَا الْأَزْهَرِي فِي خماسي الْقَاف، على أَن همزتها وَحدهَا زَائِدَة. قَوْله: (ابتع) ، أَمر من الإبتياع أَي: شتر، والحلة وَاحِدَة الْحلَل، وَلَا تسمى حلَّة إلَاّ أَن تكون ثَوْبَيْنِ من جنس وَاحِد. قَوْله: (فتجمل) ، أَمر من: التجمل، وَهُوَ التزين. قَوْله: (من لَا خلاق لَهُ) ، أَي: من لَا نصيب لَهُ. قَوْله: (ديباج) ، وَهِي الثِّيَاب المتخذة من الإبريسم، فَارسي مُعرب، وَقد تفتح داله وَيجمع على دباييج ودبابيج بِالْبَاء وَالْيَاء، لِأَن أَصله دباج، بِالتَّشْدِيدِ قَوْله: (أَو إِنَّمَا) شكّ من الرَّاوِي، وَقد مرت الأبحاث فِيهِ فِي كتاب الْجُمُعَة.
стр. 4319
٨٧١ - (بابٌ كَيْفَ يُعْرَضُ الإسْلَامُ علَى الصَّبِيِّ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ كَيفَ يعرض الْإِسْلَام على الصَّبِي.
٥٥٠٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا هِشَامً قالَ أخبرَنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قالَ أخْبرَني سالِمُ بنُ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّهُ أخْبَرَهُ أنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ فِي رَهْطٍ مِنْ أصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ النَّبيِّ ﷺ قِبَلَ ابنِ صَيَّادٍ حَتَّى وجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مغالَةَ وقَدْ قَارَبَ يَوْمَئِذٍ ابنُ صَيَّادٍ يَحْتَلِمُ فلَمْ يَشْعُرْ حتَّى ضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ قالَ النَّبِيُّ ﷺ أتَشْهَدُ أنِّي رسولُ الله ﷺ فنَظَرَ إلَيْهِ ابنُ صَيَّادٍ فَقَالَ أشْهَدُ أنَّكَ رَسولْ الأمِّيِّينَ فَقَالَ ابنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ أتَشْهَدُ أنِّي رسُولُ الله قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ آمَنْتُ بِاللَّه ورُسُلِهِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ماذَا تَرَى قَالَ ابنُ صَيَّادٍ يأتِيني صادِقٌ وكاذِبٌ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ خُلِطَ عَلَيْكَ الأمْرُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ إنِّي قَدْ خَبأتُ لَكَ خَبِيئَاً قَالَ ابنُ صَيَّادٍ هُوَ الدُّخُّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ اخْسَأ فلَنْ تَعْدُو قَدْرَكَ قَالَ عُمَرُ يَا رسولَ الله ائْذَنْ لِي فيهِ أضْرِبْ عُنُقَهُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ إنْ يَكُنْهُ فلَنْ تُسَلَّطَ علَيْهِ وإنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ. قالَ ابنُ عُمَرَ انْطَلَقَ النَّبِيُّ وأُبَيُّ بنُ كعْبٍ يأتِيَانِ النَّخْلَ الَّذِي فِيهِ ابنُ صَيَّادٍ حتَّى إذَا دَخَلَ النَّخْلَ طَفِقَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ وهْوَ يَخْتِلُ أنْ يَسْمَعَ منِ ابنِ صَيَّادٍ شَيْئاً قَبْلَ أنْ يَرَاهُ وابنُ صَيَّادٍ مُضْطَجِع عَلى فِرَاشِهِ فِي قَطيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْزَةٌ فرَأتْ أُمُّ ابنِ صَيَّادٍ النَّبِيَّ ﷺ وهْوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ فقالَتْ لإِبْنِ صَيَّادٍ أَي صافِ وهْوَ اسْمُهُ فَثارَ ابنُ صَيَّادٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَوْ تَرَكْتُهُ بَيَّن.
وقَالَ سالِمٌ قَالَ ابنُ عُمَرَ ثُمَّ قامَ النَّبِيُّ ﷺ فِي النَّاسِ فأثْنَى على الله بِمَا هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ إنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إلَاّ قَدْ أنْذَرَهُ قَوْمَهُ لَقَدْ أنْذَرَهُ نُوحٌ قَوْمَهُ ولاكِنْ سأقُوُلُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلاً لَمْ يَقُلْهُ نَبي لِقَوْمِهِ تَعْلَمُونَ أنَّهُ أعْوَرُ وأنَّ الله لَيسَ بِأعْوَرَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَتَشهد أَنِّي رَسُول الله؟) وَهُوَ عرض الْإِسْلَام على الصَّبِي، لِأَن ابْن صياد إِذْ ذَاك لم يحْتَمل، وَقد ترْجم فِي كتاب الْجَنَائِز: بَاب إِذا أسلم الصَّبِي فَمَاتَ، هَل يصلى عَلَيْهِ؟ وَهل يعرض على الصَّبِي الْإِسْلَام؟ وَذكر فِيهِ حَدِيث ابْن صياد، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى، ولنذكر هُنَا بعض شَيْء. وَفِي هَذَا الحَدِيث ثَلَاث قصَص ذكرهَا البُخَارِيّ بِتَمَامِهَا فِي الْجَنَائِز من طَرِيق يُونُس، وَذكر هُنَا من طَرِيق معمر بن رَاشد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله عَن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، وَذكر فِي الْأَدَب من طَرِيق شُعَيْب، وَاقْتصر فِي الشَّهَادَات على الثَّانِيَة، وَذكرهَا أَيْضا فِيمَا مضى من الْجِهَاد من وَجه آخر، وَاقْتصر فِي الْفِتَن على الثَّالِثَة.
قَوْله: (قبل ابْن صياد) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، أَي: ناحيته وجهته. قَوْله: (عِنْد أَطَم بني مغالة) ، بِضَم الْهمزَة، وَهُوَ الْبناء الْمُرْتَفع، وَيجمع على: آطام، وآطام الْمَدِينَة: أبنيتها المرتفعة كالحصون، (ومغالة) : بِفَتْح الْمِيم وَتَخْفِيف الْغَيْن الْمُعْجَمَة وباللام، قَالَ النَّوَوِيّ: كَذَا فِي بعض النّسخ: بني مغالة، وَفِي بَعْضهَا: ابْن مغالة، وَالْأول هُوَ الْمَشْهُور. وَذكره مُسلم فِي رِوَايَة الْحسن الْحلْوانِي أَنه أَطَم بني مُعَاوِيَة، بِضَم الْمِيم وبالعين الْمُهْملَة، قَالَ الْعلمَاء: الْمَشْهُور
стр. 4320
الْمَعْرُوف هُوَ الأول، وَقد ذكرنَا فِي كتاب الْجَنَائِز أَن بني مغالة بطن من الْأَنْصَار، وَقيل: حَيّ من قضاعة. قَوْله: (الْأُمِّيين) ، أَي: الْعَرَب. وَمَا ذكره، وَإِن كَانَ حَقًا من جِهَة الْمَنْطُوق، بَاطِل من جِهَة الْمَفْهُوم، وَهُوَ أَنه لَيْسَ مَبْعُوثًا إِلَى الْعَجم كَمَا زَعمه الْيَهُود. قَوْله: (آمَنت بِاللَّه وَرُسُله) ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (وَرَسُوله) ، بِالْإِفْرَادِ، وَفِي حَدِيث أبي سعيد: (آمَنت بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر. قيل: كَيفَ طابق: آمَنت بِاللَّه وَرُسُله الِاسْتِفْهَام؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لما أَرَادَ أَن يظْهر للْقَوْم حَاله أرْخى الْعَنَان حَتَّى يُبينهُ عِنْد المغتر بِهِ، فَلهَذَا قَالَ آخرا: إخسأ. وَقيل: إِنَّمَا عرض النَّبِي ﷺ ، الْإِسْلَام على ابْن صياد بِنَاء على أَنه لَيْسَ الدَّجَّال المحذر مِنْهُ، ورد بِأَن أمره كَانَ مُحْتملا فَأَرَادَ اختباره بذلك. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: كَانَ ابْن صياد على طَرِيق الكهنة يخبر بالْخبر فَيصح تَارَة وَيفْسد أُخْرَى، وَلم ينزل فِي شَأْنه وَحي، فَأَرَادَ النَّبِي ﷺ ، سلوك طَرِيقَته يختبر بهَا حَاله، وَهَذَا هُوَ السَّبَب أَيْضا فِي انطلاقه إِلَيْهِ، وَقد روى أَحْمد من حَدِيث جَابر. قَالَ: (ولدت امْرَأَة من الْيَهُود غُلَاما ممسوحة إِحْدَى عَيْنَيْهِ، وَالْأُخْرَى طالعة ناتئة، فأشفق النَّبِي ﷺ أَن يكون هُوَ الدَّجَّال. قَوْله: (مَاذَا ترى؟) قَالَ ابْن صياد: يأتيني صَادِق وكاذب، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي سعيد. قَالَ: لَقِي رَسُول الله، ﷺ ابْن صياد فِي بعض طرق الْمَدِينَة، فاحتبسه وَهُوَ غُلَام يَهُودِيّ وَله ذؤابة وَمَعَهُ أَبُو بكر، وَعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله، ﷺ : (تشهد أَنِّي رَسُول الله؟) فَقَالَ: أَتَشهد أَنِّي رَسُول الله؟ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : آمَنت بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : مَا ترى؟ قَالَ: أرى عرشاً فَوق المَاء. قَالَ النَّبِي ﷺ : ترى عرش إِبْلِيس فَوق الْبَحْر، قَالَ: مَا ترى؟ قَالَ: أرى صَادِقا وكاذبين، أَو صَادِقين وكاذباً، قَالَ النَّبِي ﷺ : لَيْسَ عَلَيْهِ فَدَعَاهُ) . انْتهى. قَوْله: (فَدَعَاهُ) أَي: اتركاه، يُخَاطب أَبَا بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. وَكَذَا رَوَاهُ مُسلم، وَفِي آخِره: (فَدَعوهُ) ، بِصِيغَة الْجمع: وَفِي رِوَايَة أَحْمد: أرى عرشاً على المَاء وَحَوله الْحيتَان. قَوْله: (خلط عَلَيْك الْأَمر) ، بِضَم الْخَاء وَكسر اللَّام المخففة، وَمَعْنَاهُ: لبس، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة، بِضَم اللَّام وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة المخففة بعْدهَا سين مُهْملَة. وَفِي حَدِيث أبي الطُّفَيْل عِنْد أَحْمد، فَقَالَ: (تعوذوا بِاللَّه من شَرّ هَذَا) . قَوْله: (إِنِّي خبأت) ، أَي: ضمرت (لَك خبيئاً) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ثمَّ همزَة، ويروى: (خبأ) بِكَسْر الْخَاء وَسُكُون الْبَاء وبالهمزة، يَعْنِي: أضمرت لَك اسْم الدُّخان، وَقيل: آيَة الدُّخان، وَهِي ﴿فَارْتَقِبْ يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين﴾ (الدُّخان: ٠١) . قَوْله: (هُوَ الدخ) ، بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وبالخاء الْمُعْجَمَة، وَحكى صَاحب (الْمُحكم) الْفَتْح، وَوَقع عِنْد الْحَاكِم: الزخ، بِفَتْح الزَّاي بدل الدَّال، وَفَسرهُ: بِالْجِمَاعِ، وَاتفقَ الْأَئِمَّة على تغليطه فِي ذَلِك، وَيَردهُ مَا وَقع فِي حَدِيث أبي ذَر وَأخرجه أَحْمد وَالْبَزَّار، فَأَرَادَ أَن يَقُول: الدُّخان فَلم يسْتَطع، فَقَالَ: الدخ، وَفِي رِوَايَة الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث زيد بن حَارِثَة، قَالَ: كَانَ النَّبِي ﷺ خبأ لَهُ سُورَة الدُّخان، وَكَأَنَّهُ أطلق السُّورَة وَأَرَادَ بَعْضهَا، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن أَحْمد روى عَن عبد الرَّزَّاق فِي حَدِيث الْبَاب، وخبأ لَهُ: ﴿يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين﴾ (الدُّخان: ٠١) . وَأما جَوَاب ابْن صياد: بالدخ، فَإِنَّهُ اندهش وَلم يَقع من لفظ الدُّخان إلَاّ على بعضه، وَحكى الْخطابِيّ: أَن الْآيَة كَانَت حِينَئِذٍ مَكْتُوبَة فِي يَد النَّبِي ﷺ فَلم يهتد ابْن صياد مِنْهَا إلَاّ لهَذَا الْقدر النَّاقِص على طَرِيق الكهنة، وَلِهَذَا قَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : (لن تعدو قدرك) أَي: قدر مثلك من الْكُهَّان الَّذِي يحفظون من إِلْقَاء شياطينهم مَا يختطفونه مختلطاً صدقه بكذبه، وَحكى أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ: أَن السِّرّ فِي امتحان النَّبِي ﷺ ، لَهُ بِهَذِهِ الْآيَة. الْإِشَارَة إِلَى أَن عِيسَى بن مَرْيَم، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، يقتل الدَّجَّال بجبل الدُّخان، فَأَرَادَ التَّعْرِيض لِابْنِ صياد بذلك. قَوْله: (إخسأ) ، كلمة زجر واستهانة، أَي: اسْكُتْ صاغراً ذليلاً. قَوْله: (فَلَنْ تعدو قدرك) ، قد مر تَفْسِيره الْآن ويروى بِحَذْف الْوَاو، وَقَالَ ابْن مَالك: الْجَزْم، بلن، لُغَة حَكَاهَا الْكسَائي. قَوْله: (إِن يكنه) ، الْقيَاس: إِن يكن إِيَّاه لِأَن الْمُخْتَار فِي خبر: كَانَ الإنفصال، وَلَكِن يَقع الْمَرْفُوع الْمُنْفَصِل مَوضِع الْمَنْصُوب، وَيحْتَمل أَن يكون تَأْكِيدًا للمتصل، وَكَانَ تلامة، أَو الْخَبَر مَحْذُوف، أَي: إِن يكن هُوَ هَذَا وَإِن يكون ضمير فصل، والدجال الْمَحْذُوف خَبره وَإِنَّمَا لم يَأْذَن رَسُول الله، ﷺ يضْرب عُنُقه لِأَنَّهُ كَانَ غير بَالغ، أَو هُوَ من أهل مهادنة رَسُول الله، ﷺ مَعَهم. قَوْله: (فَلَنْ تسلط عَلَيْهِ) ، وَفِي حَدِيث جَابر: فلست بِصَاحِبِهِ، وَإِنَّمَا صَاحبه عِيسَى بن مَرْيَم، ﵉. قَوْله: (فَلَا خير لَك فِي قَتله) ، وَفِي
стр. 4321
مُرْسل عُرْوَة: فَلَا يحل لَك قَتله. قَوْله: (قَالَ ابْن عمر) ، هَذَا مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الأول، وشروع فِي الْقِصَّة الثَّانِيَة، وَفِي حَدِيث جَابر: ثمَّ جَاءَ النَّبِي ﷺ وَمَعَهُ أَبُو بكر وَعمر وَنَفر من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَأَنا مَعَهم. قَوْله: (طفق النَّبِي ﷺ ، أَي: جعل، قَوْله: (وَيَتَّقِي) ، أَي: يستر. قَوْله: (ويختل) أَي: يسمع فِي خُفْيَة وَفِي حَدِيث جَابر: رَجَاء أَن يسمع من كَلَامه شَيْئا ليعلم أَنه صَادِق أم كَاذِب، وَيُقَال: يخْتل بِسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، أَي: يخدعه ليعلم الصَّحَابَة حَاله فِي أَنه كَاهِن حَيْثُ يسمعُونَ مِنْهُ شَيْئا يدل على كهانته. قَوْله: (رمزة) ، بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْمِيم وَفتح الزَّاي، وَفِي (الْمطَالع) قَوْله: (فِيهَا رمرمة) ، أَو رمزة، كَذَا فِي البُخَارِيّ فِي كتاب الشَّهَادَات بِغَيْر خلاف، وَفِي الْجَنَائِز مثله فِي الأول، وَفِي الآخر: رمزة لأبي ذَر خَاصَّة، وَعند النَّسَفِيّ: وَقَالَ عقيل: رمزة، وَفِي كتاب (كَيفَ يعرض الْإِسْلَام على الصَّبِي) : رمزة، وَعند البُخَارِيّ فِي حَدِيث أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب. رمرمة أَو زمزمة، وَكَذَا للنسفي فِي الْجَنَائِز، قَالَ: وَمعنى هَذِه الْأَلْفَاظ كلهَا مُتَقَارب، و: الزمزمة، بالزايين: تَحْرِيك الشفتين بالْكلَام، قَالَه الْخطابِيّ، وَقَالَ غَيره: هُوَ كَلَام العلوج، وَهُوَ سكُوت بِصَوْت يدار من الخواشيم وَالْحلق لَا يَتَحَرَّك فِيهِ السان وَلَا الشفتان، و: الرمرمة، بالراءين: صَوت خَفِي بتحريك الشفتين بِكَلَام لَا يفهم، وَأما الزمرة بِتَقْدِيم الزَّاي من دَاخل الْفَم. قَوْله: (أَي: صَاف) ، بالصَّاد الْمُهْملَة وَالْفَاء وَزَاد فِي رِوَايَة يُونُس: أَي صَاف ﴿هَذَا مُحَمَّد، وَفِي حَدِيث جَابر، فَقَالَت: يَا عبد الله﴾ هَذَا أَبُو الْقَاسِم قد جَاءَ، وَكَانَ الرَّاوِي عبر باسمه الَّذِي يُسمى بِهِ فِي الْإِسْلَام، وَأما اسْمه الأول فَهُوَ: صَاف. قَوْله: (لَو تركته) أَي: لَو تركت أم ابْن صياد ابْنهَا بيَّن هُو، أَي: أظهر لنا من حَاله مَا نطلع بِهِ على حَقِيقَة حَاله. قَوْله: (وَقَالَ سَالم) ، أَي: ابْن عمر، هَذَا أَيْضا مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الأول وشروع فِي الْقِصَّة الثَّالِثَة، وَالله أعلم.
٩٧١ - (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ لله لِلْيَهُودِ أسْلِمُوا تَسْلَمُوا)
أَي: هَذَا بَاب فِيمَا ذكر من قَول النَّبِي ﷺ للْيَهُود: أَسْلمُوا، بِفَتْح الْهمزَة من الْإِسْلَام. قَوْله: (تسلموا) ، بِفَتْح التَّاء من السَّلامَة أَي: تسلموا فِي الدُّنْيَا من الْقَتْل والجزية، وَفِي الْآخِرَة من الْعقَاب وَالْخُلُود فِي النَّار.
قالَهُ المَقْبُرِيُّ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ
هُوَ سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْقَاف وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة نِسْبَة إِلَى الْمقْبرَة، واشتهر بهَا سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري لسكناه بِالْقربِ من الْمقْبرَة، وَأَبُو سعيد اسْمه كيسن، وَسَيَأْتِي حَدِيثه فِي الْجِزْيَة، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٠٨١ - (بابٌ إذَا أسْلَمَ قَوْمٌ فِي دَارِ الحَرْبِ ولَهُمْ مالٌ وأرْضُون فَهْيَ لَهُمْ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذْ أسلم قوم من أهل الْحَرْب فِي دَار الْحَرْب، وَالْحَال أَن لَهُم مَالا وأرضين، فَهِيَ لَهُم، يَعْنِي: إِذا غلب الْمُسلمُونَ عَلَيْهَا فَهُوَ أَحَق بِمَالِه وأرضه، وَفِيه خلاف، فَقَالَ الشَّافِعِي وَأَشْهَب وَسَحْنُون: إِن الَّذِي أسلم فِي دَار الْحَرْب وَبَقِي فِيهَا مَاله وَولده، ثمَّ خرج إِلَيْنَا مُسلما، ثمَّ غزا مَعَ الْمُسلمين بَلَده أَنه قد يحرز مَاله وعقاره حَيْثُ كَانَ وَولده الصغار لأَنهم تبع لَهُ فِي الْإِسْلَام. وَقَالَ مَالك وَاللَّيْث: أَهله وَمَاله وَولده فِيهَا فَيْء على حكم الْبَلَد، وَفرق أَبُو حنيفَة بَين حكمهَا إِذا أسلم فِي بَلَده ثمَّ خرج إِلَيْنَا فأولاده الصغار أَحْرَار مُسلمُونَ، وَمَا أودعهُ مُسلما أَو ذِمِّيا فَهُوَ لَهُ، وَمَا أودعهُ حَرْبِيّا، فَهُوَ وَسَائِر عقاره هُنَالك فَيْء، وَإِذا أسلم فِي بلد الْإِسْلَام ثمَّ ظهر الْمُسلمُونَ على بَلَده فَكل مَا لَهُ فِيهِ فَيْء لاخْتِلَاف حكم الدَّاريْنِ عِنْده، وَلم يفرق مَالك وَالشَّافِعِيّ بَين إِسْلَامه فِي دَاره أَو فِي دَار الْإِسْلَام.
٨٥٠٣ - حدَّثنا مَحْمُودٌ أخبرَنا عبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ علِيِّ بنِ حُسَيْنٍ عنْ عَمْرو بنِ عُثْمَانَ بنِ عَفَّان عنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ قُلْتُ يَا رسولَ الله الله أيْنَ تَنْزِلُ غَدا فِي حجَّتِهِ قالَ وهَلْ تَرَكَ لَنا عَقِيلٌ مَنْزِلاً ثُمَّ قالَ نَحْنُ نازِلُونع غَداً بخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ المُحَصَّبَ حَيْثُ قاسَمتُ قُرَيْشٌ علىَ الكْفْرِ وذَلِكَ أنَّ بَنِي كِنانَةَ حالَفَتْ قُرَيْشاً على بَنِي هاشِم أنْ لَا يُبَايِعُوهُمْ ولَا
стр. 4322
يُؤْووهُم قَالَ الزُّهْرِيُّ والخَيْفُ الوادِي..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي ﷺ قَالَ لعقيل: تصرفه قبل إِسْلَامه فَمَا بعد الْإِسْلَام بِالطَّرِيقِ الأولى، ومحمود هُوَ ابْن غيلَان، بالغين الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة، ومحمود بن عبد الرَّزَّاق هُوَ رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: حَدثنَا مَحْمُود حَدثنَا عبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك، وَعلي بن الْحُسَيْن بن عَليّ زين العابدين، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَعَمْرو بن عُثْمَان بن عَفَّان الْقرشِي الْأمَوِي الْمدنِي.
والْحَدِيث مر فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب تَوْرِيث دور مَكَّة وَبَيْعهَا وشرائها.
قَوْله: (عقيل) ، بِفَتْح الْعين: ابْن أبي طَالب. قَوْله: (بخيف بني كنَانَة) ، الْخيف مَا ارْتَفع عَن مجْرى السَّيْل وَانْحَدَرَ عَن غلظ الْجَبَل، وَمَسْجِد منى يُسمى: مَسْجِد الْخيف، لِأَنَّهُ فِي سفح جبلها، وَقد فسر الزُّهْرِيّ الْخيف بالوادي. قَوْله: (المحصب) بِلَفْظ الْمَفْعُول من التحصيب، عطف بَيَان أَو بدل من الْخيف. قَوْله: (حَيْثُ قاسمت) ، أَي: حَيْثُ حالفت قُرَيْش. قَوْله: (ذَلِك أَن بني كنَانَة. .) إِلَى آخِره هَكَذَا وَقع هَذَا الْقدر مَعْطُوفًا على حَدِيث أُسَامَة، وَذكر الْخَطِيب: أَن هَذَا مدرج فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن عَمْرو بن عُثْمَان عَن أُسَامَة، وَإِنَّمَا هُوَ عِنْد الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَذَلِكَ أَن ابْن وهب رَوَاهُ عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ، ففصل بَين الْحَدِيثين، وروى عَن مُحَمَّد بن أبي حَفْصَة عَن الزُّهْرِيّ الحَدِيث الأول فَقَط، وروى شُعَيْب والنعمان بن رَاشد وَإِبْرَاهِيم بن سعد وَالْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ الحَدِيث الثَّانِي فَقَط، لَكِن عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة. وَأجِيب: إِن أَحَادِيث الْجمع عَنهُ وَطَرِيق ابْن وهب عِنْده لحَدِيث أُسَامَة فِي الْحَج، وَلِحَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي التَّوْحِيد، وأخرجهما مُسلم مَعًا فِي الْحَج.
٩٥٠٣ - حدَّثنا إسْماعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ أبيهِ أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ اسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ يُدْعَى هُنَيا علَى الحِمَى فَقال يَا هُنَيَّ اضْمُمْ جَنَاحَكَ عنِ الْمُسْلِمِينَ واتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ فإنَّ دَعْوَةَ المَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ وأدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرب الغُنَيْمَةِ وإيَّايَ ونَعَمَ ابنِ عَوْفٍ ونعَمَ ابنِ عَفَّانَ فإنَّهُمَا إنْ تَهْلِكَ ماشِيَتُهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى نَخْلٍ وزَرْعٍ وإنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ ورَبَّ الغُنَيْمَةِ إنْ تَهْلِكْ ماشِيَتُهُمَا يأتِني بِبَنِيهِ فيَقُولُ يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أفَتَارِكُهُمْ أنَا لَا أبالَكَ فالمَاءُ والكَلأُ أيْسَرُ علَيَّ منَ الذَّهَبِ والوَرِقِ وايْمُ الله إنَّهُمْ لَيَرَوْنَ أنِّي قدْ ظَلَمْتُهُمْ إنَّها لَبِلَادُهُمْ فَقاتَلُوا علَيْها فِي الجَاهِلِيَّةِ وأسْلَمُوا عَلَيْهَا فِي الإسْلَامُ والَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا المَالُ الَّذي أحْمِلُ علَيْهِ فِي سَبِيلِ الله مَا حَمَيْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ بِلادِهِمْ شِبْراً.
مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُؤْخَذ من قَوْله: (إِنَّهَا لبلادهم فَقَاتلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّة، وَأَسْلمُوا عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَام) ، وَذَلِكَ لِأَن أهل الْمَدِينَة أَسْلمُوا لَو لم يَكُونُوا من أهل العنوة، فهم أَحَق، وَمن أسلم من أهل العنوة فارضه فَيْء للْمُسلمين، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أويس، واسْمه عبد الله وَهُوَ ابْن أُخْت مَالك، وَأسلم مولى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَهَذَا الْأَثر تفرد بِهِ البُخَارِيّ عَن الْجَمَاعَة. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ، فِيهِ: غَرِيب صَحِيح.
قَوْله: (هنياً) بِضَم الْهَاء وَفتح النُّون وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَقد يهمز: أدْرك أَيَّام النَّبِي ﷺ وَلَكِن لم يذكرهُ أحد فِي الصَّحَابَة، وروى عَن أبي بكر وَعمر وَعَمْرو بن الْعَاصِ، وروى عَنهُ ابْنه عُمَيْر وَشَيخ من الْأَنْصَار وَغَيرهمَا، وَشهد صفّين مَعَ مُعَاوِيَة، وَلما قتل عمار تحول إِلَى عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَوْلَا هُوَ من أهل الْفضل والثقة لما ولاه عمر على مَوضِع. قَوْله: (على الْحمى) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم مَقْصُورا، وَهُوَ مَوضِع يُعينهُ الإِمَام لأجل نعم الصَّدَقَة مَمْنُوعًا عَن الْغَيْر، وَبَين ابْن سعد من طَرِيق عُمَيْر بن عَليّ عَن أَبِيه: أَنه كَانَ على حمى الربذَة. قَوْله: (أضمم جناحك) ، ضم الْجنَاح كِنَايَة عَن الرَّحْمَة والشفقة، وَحَاصِل الْمَعْنى: كف يدك عَن ظلم الْمُسلمين، وَفِي رِوَايَة معن بن عِيسَى عَن مَالك عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ فِي (الغرائب) : (أضمم جناحك للنَّاس) ، وَفِي (التَّلْوِيح) : (اضمم جناحك على الْمُسلمين) يُرِيد استرهم بجناحك، وَفِي بعض الرِّوَايَات: (على الْمُسلمين) ، أَي: لَا تحمل ثقلك عَلَيْهِم، وكف يدك عَن ظلمهم. قَوْله: (وَاتَّقِ دَعْوَة الْمَظْلُوم) ، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ
стр. 4323
وَالدَّارَقُطْنِيّ وَأبي نعيم، ويروى: (وَاتَّقِ دَعْوَة الْمُسلمين) . قَوْله: (وَأدْخل) ، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْخَاء الْمُعْجَمَة: أَمر من الإدخال، يَعْنِي: أَدخل فِي المرعى رب الصريمة، بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء مصغر الصرمة وَهِي القطيعة من الْإِبِل بِقدر الثَّلَاثِينَ، وَالْغنيمَة مصغر الْغنم وَالْمعْنَى: صَاحب القطيعة القليلة من الْإِبِل وَالْغنم، وَلِهَذَا صغر اللَّفْظَيْنِ. قَوْله: (وإياي) ، وَكَانَ الْقيَاس أَن يَقُول: وَإِيَّاك، لِأَن هَذِه اللَّفْظَة للتحذير، وتحذير الْمُتَكَلّم نَفسه شَاذ عِنْد النُّحَاة، وَلكنه بَالغ فِيهِ من حَيْثُ إِنَّه حذر نَفسه، وَمرَاده تحذير الْمُخَاطب، وَهُوَ أبلغ، لِأَنَّهُ ينْهَى نَفسه، وَمرَاده نهي من يخاطبه، قَوْله: (نعم ابْن عَوْف) ، وَهُوَ عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف، وَنعم ابْن عَفَّان، وَهُوَ عُثْمَان بن عَفَّان، وَإِنَّمَا خصهما بِالذكر على طَرِيق الْمِثَال لِكَثْرَة نعمهما، لِأَنَّهُمَا كَانَا من مياسير الصَّحَابَة، وَلم يرد بذلك منعهما الْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه إِذا لم يسع المرعى إلَاّ نعم الْفَرِيقَيْنِ فَنعم المقلين أولى، فَنَهَاهُ عَن إيثارهما على غَيرهمَا، وتقديمهما على غَيرهمَا، وَقد بيَّن وَجه ذَلِك فِي الحَدِيث. بقوله: (فَإِنَّهُمَا) أَي: فَإِن ابْن عَوْف وَابْن عَفَّان (إِن تهْلك ماشيتهما يرجعان إِلَى نخل وَزرع أَرَادَ أَن ماشيتهما إِذا هَلَكت كَانَ لَهما عوض ذَلِك من أموالها من النّخل وَالزَّرْع وَغَيرهمَا يعيشان فِيهَا وَمن لَيْسَ لَهُ إِلَّا الصريمة القليلة أَو الْغَنِيمَة القليلة إِن تهْلك ماشيتهما يستغيث عمر وَيَقُول انفق عَليّ وعَلى بني من بَيت المَال، وَهُوَ معنى قَوْله: (يأتني ببنيه) ، أَي: بأولاده، فَيَقُول: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: نَحن فُقَرَاء محتاجون، وَهَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني هَكَذَا ببنيه، جمع ابْن، وَفِي رِوَايَة غَيره: (ببيته) ، بِلَفْظ:؛ الْبَيْت الَّذِي هُوَ عبارَة عَن زَوجته. قَوْله: (يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ!) هَكَذَا هُوَ بالتكرار. قَوْله: (أفتاركهم أَنا؟) الْهمزَة فِيهِ للإستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار، وَالْمعْنَى: أَنا لَا أتركهم مُحْتَاجين، وَلَا أجوز ذَلِك فَلَا بُد لي من إِعْطَاء الذَّهَب وَالْفِضَّة إيَّاهُم بدل المَاء والكلأ. قَوْله: (لَا أبالك) ، هُوَ حَقِيقَة فِي الدُّعَاء عَلَيْهِ، لَكِن الْحَقِيقَة مهجورة، وَهِي بِلَا تَنْوِين، لِأَنَّهُ صَار شَبِيها بالمضاف، وإلَاّ فَالْأَصْل لَا أَب لَك. قَوْله: (وأيم الله) من أَلْفَاظ الْقسم كَقَوْلِك: لعمر الله وعهد الله، وَفِيه لُغَات كَثِيرَة، وتفتح همزتها وتكسر، وهمزتها همزَة وصل، وَقد تقطع. وَأهل الْكُوفَة من النُّحَاة يَزْعمُونَ أَنَّهَا جمع يَمِين، وَغَيرهم يَقُول: هُوَ اسْم مَوْضُوع للقسم. قَوْله: (إِنَّهُم لَيرَوْنَ) ، بِضَم الْيَاء أَي: ليظنون (أَنِّي قد ظلمتهم) وَيجوز بِفَتْح الْيَاء أَي: ليعتقدون. قَوْله: (قد ظلمتهم) ، قَالَ ابْن التِّين: يُرِيد أَرْبَاب المواضي الْكَثِيرَة، وَالظَّاهِر أَنه أَرَادَ أَرْبَاب الْمَوَاشِي القليلة، لأَنهم الْأَكْثَرُونَ، وهم أهل تِلْكَ الْبِلَاد من بوادي الْمَدِينَة، يدل عَلَيْهِ قَوْله: (إِنَّهَا) أَي: إِن هَذِه الْأَرَاضِي (لبلادهم، فَقَاتلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّة) وَالْمرَاد عُمُوم أهل الْمَدِينَة، وَلم يدْخل فِي ذَلِك ابْن عَوْف وَلَا ابْن عَفَّان. قَوْله: (لَوْلَا المَال الَّذِي أحمل عَلَيْهِ فِي سَبِيل الله) أَي: من الْإِبِل الَّتِي كَانَ يحمل عَلَيْهَا من لَا يجد مَا يركب، وَجَاء عَن مَالك: أَن عدَّة مَا كَانَ فِي الْحمى فِي زمن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بلغ أَرْبَعِينَ ألفا من إبل وخيل وَغَيرهمَا.
وَفِيه: دَلِيل على أَن مشارع الْقرى وعوامرها الَّتِي ترعى فِيهَا مواشي أَهلهَا من حُقُوق أهل الْقرْيَة وَلَيْسَ للسُّلْطَان بَيْعه إلَاّ إِذا فضل مِنْهُ فضلَة. فَإِن قلت: قد مضى: (لَا حمى إلَاّ لله وَلِرَسُولِهِ) ، قلت: مَعْنَاهُ: لَا حمى لأحد يخص بِهِ نَفسه، وَإِنَّمَا هُوَ لله وَلِرَسُولِهِ وَلمن ورث ذَلِك عَنهُ ﷺ من الْخُلَفَاء للْمصْلحَة الشاملة للْمُسلمين، وَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَى حمايته.
١٨١ - (بابُ كِتَابَةِ الإمامِ لِلنَّاسَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كِتَابَة الإِمَام لأجل النَّاس من الْمُقَاتلَة وَغَيرهم. قَوْله: (كِتَابَة الإِمَام) ، أَعم من كِتَابَته بِنَفسِهِ أَو بأَمْره، وَفِي بعض النّسخ: كِتَابَة الإِمَام النَّاس، بِنصب النَّاس على أَنه مفعول للمصدر الْمُضَاف إِلَى فَاعله، وَفِي الأول يكون الْمَفْعُول محذوفاً. فَافْهَم.
٠٦٠٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبِي وائِلٍ عنْ حُذَيْفَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ اكْتُبُوا لِي مَنْ تَلَفَّظَ بالإسْلَامِ مِنَ النَّاسِ فَكتَبْنا لهُ ألْفاً وخَمْسْمِائَةِ رَجُلٍ فَقُلْنَا نَخَافُ ونَحْنُ ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ فَلَقَدْ رأيْتُنَا ابْتُلِينا حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي وحْدَهُ وهْوَ خَائِفٌ.
стр. 4324
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمُحَمّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل هُوَ شَقِيق بن سَلمَة.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عَبْدَانِ عَن أبي حَمْزَة فِي هَذَا الْبَاب. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر وَابْن نمير، وَأبي كريب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن هناد. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْفِتَن عَن ابْن نمير. وَعلي بن مُحَمَّد. قَوْله: (أكتبوا) وَفِي رِوَايَة مُسلم: احصوا، بدل: أكتبوا، وَهِي أَعم من: أكتبوا، وَقد يُفَسر: احصوا باكتبوا، وَقَالَ الْمُهلب كِتَابَة الإِمَام النَّاس سنة عِنْد الْحَاجة إِلَى الدّفع عَن الْمُسلمين حِينَئِذٍ فرض الْجِهَاد على كل إِنْسَان يطبق المدافعة إِذا أنزل: بِأَهْل ذَلِك الْبَلَد مَخَافَة. قَوْله: (فَقُلْنَا نَخَاف؟) تَقْدِيره: هَل نَخَاف، وَهُوَ اسْتِفْهَام تعجب، يَعْنِي: كَيفَ نَخَاف وَنحن ألف وَخَمْسمِائة رجل؟ وَكَانَ هَذَا القَوْل عِنْد حفر الخَنْدَق، جزم بذلك ابْن التِّين، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون ذَلِك عِنْد خُرُوجهمْ إِلَى د، وَعَن الدَّاودِيّ: بِالْحُدَيْبِية. قَوْله: (فَلَقَد رَأينَا) بِضَم التَّاء التَّاء الَّتِي للمتكلم أَي: فَلَقَد رَأَيْت نفسنا، ويروى: فَلَقَد رَأينَا. قَوْله: (ابتُلِينا) على صِيغَة الْمَجْهُول من الإبتلاء، وَحَاصِل الْكَلَام: يَقُول حُذَيْفَة: كُنَّا نتعجب من خوفنا وَالْحَال أَنا نَحن ألف وَخَمْسمِائة رجل، فَصَارَ أمرنَا بعد رَسُول الله، ﷺ إِلَى أَن الرجل يُصَلِّي وَحده وَهُوَ خَائِف مَعَ كَثْرَة الْمُسلمين، وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَعَلَّه أَرَادَ أَنه كَانَ فِي بعض الْفِتَن الَّتِي جرت بعد رَسُول الله، ﷺ ، وَكَانَ بَعضهم يخفي نَفسه وَيُصلي سرا يخَاف من الظُّهُور والمشاركة فِي الدُّخُول فِي الْفِتْنَة وَالْحَرب.
حدَّثنا عَبْدَانُ عنْ أبِي حَمْزَةَ عنِ الأعْمَشِ فَوَجَدْناهُمْ خَمْسَمِائَةٍ قَالَ أبُو مُعَاوِيَةَ مَا بَيْنَ سِتِّمِائَةٍ إِلَى سَبْعِمائَةٍ
عبد الله هُوَ عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة، وعبدان لقبه، وَقد مر غير مرّة. وَأَبُو حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: هُوَ مُحَمَّد بن مَيْمُون الْيَشْكُرِي، وَأَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. وَأَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذَا إِلَى أَن كل وَاحِد من أبي حَمْزَة وَأبي مُعَاوِيَة خَالف سُفْيَان الثَّوْريّ الْمَذْكُور فِي السَّنَد الَّذِي قبله فِي رِوَايَته عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش. أما أَبُو حَمْزَة فَإِنَّهُ روى عَن الْأَعْمَش خَمْسمِائَة وَلم يذكر الْألف وَقد كَانَ سُفْيَان رُوِيَ عَن الْأَعْمَش ألفا وهمسامائة أما أَبُو مُعَاوِيَة فَإِنَّهُ روى عَن الْأَعْمَش: مَا بَين سِتّمائَة إِلَى سَبْعمِائة، فَالْبُخَارِي اعْتمد على رِوَايَة سُفْيَان لكَونه أحفظهم مُطلقًا، وَزَاد على أبي حَمْزَة وَأبي مُعَاوِيَة، وَزِيَادَة الثِّقَة الْحَافِظ مَقْبُولَة مُقَدّمَة، وَإِن كَانَ أَبُو مُعَاوِيَة أحفظ أَصْحَاب الْأَعْمَش بِخُصُوصِهِ. فَإِن قلت: طَرِيق أبي مُعَاوِيَة وَصله مُسلم فَقَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة وَمُحَمّد بن عبد الله بن نمير وَأَبُو كريب، وَاللَّفْظ لأبي بكر، قَالُوا: حَدثنَا مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش عَن شَقِيق عَن حُذَيْفَة، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، فَقَالَ: إحصوا لي كم مَنْ تلفظ بِالْإِسْلَامِ؟ قَالَ: فَقُلْنَا يَا رَسُول الله أتخاف علينا وَنحن مَا بَين الستمائة إِلَى السبعمائة؟ قَالَ: إِنَّكُم لَا تَدْرُونَ، لَعَلَّكُمْ أَن تبتلوا. قَالَ: فابتلينا حَتَّى جعل الرجل منا لَا يُصَلِّي إلَاّ سرا. قلت: إِنَّمَا اخْتَار مُسلم طَرِيق أبي مُعَاوِيَة لما ذكرنَا أَنه كَانَ أحفظ أَصْحَاب الْأَعْمَش بِخُصُوصِهِ، وَالْبُخَارِيّ رجح رِوَايَة الثَّوْريّ عَن الْأَعْمَش لكَون الثَّوْريّ أحفظ من الْكل مُطلقًا. فَإِن قلت: مَا وَجه التَّوْفِيق بَين الرِّوَايَات؟ قلت: قَالَ الدَّاودِيّ: لَعَلَّهُم كتبُوا مَرَّات فِي مَوَاطِن، وَقيل: المُرَاد بِالْألف والخمسمائة جَمِيع من أسلم من رجل وَامْرَأَة وَعبد وَصبي، وَبِمَا بَين الستمائة إِلَى السبعمائة: الرِّجَال خَاصَّة، وبالخمسمائة الْمُقَاتلَة خَاصَّة، قَالَ النَّوَوِيّ: قَالُوا: وَجه الْجمع بَين هَذِه الرِّوَايَات الثَّلَاث، فَذكر مَا ذَكرْنَاهُ، وَقيل: المُرَاد بِالْألف ... إِلَى آخِره، ثمَّ قَالَ: وَهَذَا بَاطِل، للتصريح بِأَن الْكل رجال فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى، حَيْثُ قَالَ: فكتبنا لَهُ ألفا وَخَمْسمِائة رجل، بل الصَّحِيح مَا بَين الستمائة إِلَى السبعمائة رجل من الْمَدِينَة خَاصَّة، وبالألف والخمسمائة هم مَعَ الْمُسلمين الَّذين حَولهمْ. قلت: الحكم بِبُطْلَان الْوَجْه الْمَذْكُور لَا يَخْلُو عَن نظر، لِأَن العبيد وَالصبيان يدْخلُونَ فِي لفظ: الرجل، فَتَأمل، وَالله أعلم.
١٦٠٣ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ عَن عَمْرِو بنِ دِينار عنْ أبِي مَعْبَد عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رسولَ الله إنِّي كُتِبْتُ
стр. 4325
فِي غَزْوَةِ كَذَا وكَذَا وامْرَأتِي حاجَّةٌ قَالَ ارْجِعْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأتِكَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِنِّي كتبت فِي غَزْوَة كَذَا وَكَذَا) وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وَابْن جريج عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَأَبُو معبد، بِفَتْح الْمِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة: واسْمه نَافِذ، بالنُّون وَالْفَاء وَفِي آخِره ذال مُعْجمَة. والْحَدِيث قد مر فِيمَا قبل فِي: بَاب، من اكتتب فِي جَيش، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن قُتَيْبَة عَن سُفْيَان عَن عَمْرو عَن أبي معبد عَن ابْن عَبَّاس إِلَى آخِره، وَفِيه زِيَادَة على هَذَا.
٢٨١ - (بابٌ إنَّ الله يُؤيِّدُ الدِّينَ بالرَّجُلِ الفاجِرِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن الله ... إِلَى آخِره، والفاجر من الْفُجُور، وَهُوَ الانبعاث فِي الْمعاصِي والمحارم، وَيَأْتِي بِمَعْنى: الذَّنب، كَمَا فِي قَوْلهم: الْعمرَة فِي أشهر الْحَج من أفجر الْفُجُور، أَي: الذُّنُوب، وَبِمَعْنى الْعِصْيَان كَمَا فِي قَوْله: ونترك من يفجرك، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: فجر فجوراً، أَي: فسق، وفجر، أَي: كذب وَأَصله: الْميل، والفاجر: المائل.
٢٦٠٣ - حدَّثنا أَبُو اليَمانِ قَالَ أخْبَرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْريِّ ح وحدَّثني مَحْمُودُ بنُ غَيْلَانَ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنِ ابنِ المُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ شَهِدْنَا مَعَ رسُولِ الله ﷺ فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَدَّعِي الإسْلَامَ هَذَا منْ أهْلِ النَّارِ فَلَمَّا حَضرَ القِتالُ قاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالاً شَدِيداً فأصابَتْهُ جِرَاحَةٌ فَقِيلَ يَا رسولَ الله الَّذِي قُلْتَ إنَّهُ مِنْ أهْلِ النَّارِ فإنَّهُ قَدْ قاتَلَ اليَوْمَ قِتَالاً شَدِيداً وقدْ ماتَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى النَّارِ قالَ فَكانَ بعْضَ النَّاسِ أرَادَ أنْ يَرْتَابَ فَبَيْنَما هُمْ علَى ذَلِكَ إِذْ قِيلَ إنَّهُ لَمْ يَمُتْ ولَكِنَّ بِهِ جِرَاحاً شَديدَاً فلَمَّا كانَ مِنَ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ علَى الجِرَاحِ فقَتَلَ نَفْسَهُ فأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ فَقَالَ الله أكْبَرُ أشْهَدُ أنِّي عَبْدُ الله ورسُولُهُ ثُمَّ أمَرَ بِلَالاً فَنادَى بالنَّاسِ إنَّهُ لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلَاّ نَفْسٌ مُسلِمةٌ وإنَّ الله لَيُؤيِّدُ هذَا الدِّينَ بالرَّجُلِ الفَاجِرِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة.
وَأخرجه من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن أبي الْيَمَان الحكم ابْن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. وَالْآخر: عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن عبد الرَّزَّاق بن همام عَن معمر ابْن رَاشد عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْقدر عَن حبَان عَن ابْن الْمُبَارك، وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن رَافع وَعبد بن حميد، وَنَظِير هَذَا الحَدِيث عَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ قد مر فِيمَا قبل فِي: بَاب لَا يُقَال فلَان شَهِيد.
قَوْله: (شَهِدنَا مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، لم يعين المشهد، فَزعم ابْن إِسْحَاق والواقدي وَآخَرُونَ: أَن هَذَا كَانَ بِأحد، وَاسم الرجل: قزمان، وَهُوَ مَعْدُود فِي جملَة الْمُنَافِقين، وَكَانَ تخلف عَن أحد فَعَيَّرْته النِّسَاء، فَلَمَّا احفضنه خرج وَقتل سَبْعَة ثمَّ جرح فَقتل نَفسه، ورد عَلَيْهِم بِأَن قصَّة قزمان كَانَت بِأحد، وَقد سلف ذكرهَا فِيمَا قبل. وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا فَكَانَ بِخَيْبَر، كَمَا ذكره البُخَارِيّ، وَلِهَذَا ذكر فِي بعض النّسخ: شَهِدنَا مَعَ رَسُول الله، ﷺ خَيْبَر، فَقَالَ لرجل ... إِلَى آخِره، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح، لِأَنَّهُمَا قصتان. قَوْله: (فَلَمَّا حضر الْقِتَال) قَالَ الْكرْمَانِي: بِالرَّفْع وَالنّصب. قلت: وَجه الرّفْع على أَنه فَاعل حضر، وَوجه النصب على المفعولية على التَّوَسُّع، وَفِي: حضر، ضمير يرجع إِلَى الرجل، وَهُوَ فَاعله. قَوْله: (الَّذِي قلت: إِنَّه من أهل النَّار) ويروى الَّذِي قلت لَهُ: إِنَّه، أَي: الَّذِي قلت فِيهِ، وَاللَّام بِمَعْنى: فِي قَوْله: (فَكَأَن بعض النَّاس أَرَادَ) ويروى: فكاد بعض النَّاس، من أَفعَال المقاربة. قَوْله: (أَن يرتاب) كَذَا فِي الأَصْل بِإِثْبَات: أَن، وإثباتها مَعَ: كَاد، قَلِيل. قَالَ الْكرْمَانِي: ويرتاب أَي: يشك فِي صدق رَسُول الله، ﷺ أَي: يرْتَد عَن دينه. قَوْله: (فَأخْبر النَّبِي ﷺ على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (إلَاّ نفس مسلمة) يدل على أَن الرجل قد ارتاب وَشك حِين أَصَابَته الْجراحَة، وَقيل: هَذَا رجل ظَاهر الْإِسْلَام قتل نَفسه، وَظَاهر النداء عَلَيْهِ يدل على أَنه
стр. 4326
كَانَ لَيْسَ مُسلما، وَالْمُسلم لَا يُخرجهُ قتل نَفسه عَن كَونه مُسلما فَلَا يحكم بِكُفْرِهِ، وَيصلى عَلَيْهِ. وَأجِيب: عَن ذَلِك بِأَنَّهُ ﷺ اطلع من أمره على سره: فَعلم بِكُفْرِهِ لِأَن الْوَحْي عِنْده عتيد. قَوْله: ﴿إِن الله ليؤيد﴾ (آل عمرَان: ٣١) . ويروى: يأيد، بِدُونِ: اللَّام، وَيجوز فِي: إِن، هَذِه الْفَتْح وَالْكَسْر وَقد قرىء فِي السَّبْعَة: ﴿إِن الله يبشرك﴾ (آل عمرَان: ٩٣ و ٥٤) . فَإِن قلت: يُعَارض هَذَا قَوْله، ﷺ : إِنَّا لَا نستعين بمشرك، رَوَاهُ مُسلم. قلت: لَا تعَارض، لِأَن الْمُشرك غير الْمُسلم الْفَاجِر، رُوِيَ هَذَا أَيْضا عَن الشَّافِعِي، أَو يُقَال: إِنَّه خَاص بذلك الْوَقْت، وَقد اسْتَعَانَ، ﷺ ، بِصَفْوَان بن أُميَّة فِي هوَازن، واستعار مِنْهُ مائَة درع بأداتها، وَخرج مَعَه صَفْوَان حَتَّى قَالَت لَهُ هوَازن: تقَاتل مَعَ مُحَمَّد وَلست على دينه؟ فَقَالَ: رب من قُرَيْش خير من رب من هوَازن، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: قتال صَفْوَان مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، بِاخْتِيَارِهِ فَلَا يُعَارض قَوْله: (إِنَّا لَا نستعين بمشرك) وَقَالَ بَعضهم: هِيَ تَفْرِقَة لَا دَلِيل عَلَيْهَا، وَلَا أثر. قلت: كَانَ النَّبِي ﷺ ، قد علم بِالْوَحْي أَنه لَا بُد من إِسْلَامه، وَلِهَذَا أعْطى لَهُ من الْغَنَائِم يَوْم حنين شَيْئا كثيرا، ثمَّ أسلم وَالله أعلم. وَمن قَوْله ﷺ : إِن الله ليؤيد ... الحَدِيث، اسْتحْسنَ الْعلمَاء الدُّعَاء للسلاطين بالتأييد، وَشبهه من أهل الْخَيْر من حَيْثُ تأييدهم للدّين لَا من أَحْوَالهم الْخَارِجَة.
٣٨١ - (بابُ مَنْ تَأمَّرَ فِي الحَرْبِ مِنْ غَيْرِ إمْرَةٍ إذَا خافَ العَدُوَّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من تَأمر، أَي: جعل نَفسه أَمِيرا على قوم فِي الْحَرْب من غير تأمير الإِمَام أَو نَائِبه، وَجَوَاب: مَن، مَحْذُوف أَي: جَازَ ذَلِك.
٣٦٠٣ - حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ عنْ أيُّوبَ عنْ حُمَيْدِ بنِ هِلَالٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قالَ خطَبَ رسولُ الله ﷺ فَقالَ أخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فأُصِيبَ ثُمَّ أخَذَهَا جَعْفَرٌ فأصِيبَ ثُمَّ أخَذَها عبْدُ الله بنُ رَواحَةَ فأُصِيبَ ثُمَّ أخَذَها خالِدُ بنُ الوَلِيدِ منْ غَيْرِ إمْرَةٍ فَفُتِحَ علَيْهِ وَمَا يَسُرُّني أَو قالَ مَا يَسُرهُمْ أنَّهُمْ عندَنا وقالَ وإنَّ عَيْنَيْهِ لَتَذْرِفانِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ أخدها خَالِد بن الْوَلِيد من غير إمرة) . وَيَعْقُوب ابْن إِبْرَاهِيم بن كثير الدَّوْرَقِي وَابْن علية، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، هُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الْبَصْرِيّ، وَعليَّة أمه مولاة لبني أَسد، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَمضى هَذَا الحَدِيث فِي أَوَائِل الْجِهَاد فِي: بَاب تمني الشَّهَادَة.
وَهَذَا الحَدِيث فِي غَزْوَة مُؤْتَة، وَسَيَأْتِي بأتم مِنْهُ فِي الْمَغَازِي، وَكَانَت فِي السّنة الثَّامِنَة من الْهِجْرَة فِي جمادي الأوى. وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك مَا قَالَه الْوَاقِدِيّ عَن الزُّهْرِيّ: بعث رَسُول الله ﷺ ، كَعْب بن عُمَيْر الْغِفَارِيّ فِي خَمْسَة عشر رجلا حَتَّى انْتَهوا إِلَى ذَات أطلاح من الشَّام، وَهُوَ مَوضِع على لَيْلَة من البلقاء، وَقيل: مَوضِع من وَرَاء وَادي الْقرى، فوجدوا جمعا كثيرا من بني قضاعة فدعوهم إِلَى الْإِسْلَام فَلم يَسْتَجِيبُوا أورشقوهم بِالنَّبلِ، فَلَمَّا رَآهُمْ أَصْحَاب رَسُول الله، ﷺ قاتلوهم أَشد الْقِتَال، فَقتلُوا، فَأَفلَت مِنْهُم رجل جريح فِي الْقَتْلَى، فَلَمَّا أَن برد عَلَيْهِ اللَّيْل تحامل حَتَّى أَتَى رَسُول الله، ﷺ فَأخْبر بذلك، وَبعث سَرِيَّة عَلَيْهَا زيد بن حَارِثَة فِي نَحْو من ثَلَاثَة آلَاف إِلَى أَرض البلقاء لأجل هَؤُلَاءِ الَّذين قتلوا، وَقَالَ: إِن أُصِيب زيد فجعفر على النَّاس، وَإِن أُصِيب جَعْفَر فعبد الله بن رَوَاحَة، فَخَرجُوا حَتَّى نزلُوا معَان من أَرض الشَّام، فَبَلغهُمْ أَن هِرقل قد نزل مآب من أَرض البلقاء فِي مائَة ألف من الرّوم، وانضم إِلَيْهِ من لخم وجذام والقين وبهرام وبلي مائَة ألف مِنْهُم، عَلَيْهِم رجل من بلي، ثمَّ أحد أراشه يُقَال لَهُ: مَالك بن نَافِلَة، فَلَمَّا بلغ ذَلِك لمسلمين أَقَامُوا على معَان لَيْلَتَيْنِ ينظرُونَ فِي أَمرهم، وَقَالُوا: نكتب إِلَى رَسُول الله، ﷺ نخبره بِعَدَد عدونا، فإمَّا أَن يمدنا بِالرِّجَالِ، وَإِمَّا أَن يَأْمُرنَا بِأَمْر فنمضي لَهُ، قَالَ: فشجع النَّاس عبد الله بن رَوَاحَة، وَقَالَ: يَا قوم إِن الَّذِي تَكْرَهُونَ للَّتِي خَرجْتُمْ تطلبون الشَّهَادَة، وَمَا نُقَاتِل بِعَدَد وَلَا قُوَّة وَلَا نُقَاتِل إلَاّ لهَذَا الدّين، فانطلِقوا فإحدى الحسنيين: إِمَّا ظُهُور وَإِمَّا شَهَادَة، فصدقوه فَمَضَوْا حَتَّى إِذا كَانُوا بتخوم البلقاء لَقِيَهُمْ جموع هِرقل من الرّوم وَالْعرب بقرية من قرى البلقاء يُقَال
стр. 4327
لَهَا: مشارف، وَلما دناالعدو انحاز الْمُسلمُونَ، إِلَى قَرْيَة يُقَال لَهَا: مُؤْتَة، فتلاقوا عِنْدهَا فَاقْتَتلُوا، فَقتل زيد بن حَارِثَة، ثمَّ أَخذ الرَّايَة جَعْفَر فقاتل بهَا حَتَّى قتل. قَالَ ابْن هِشَام: إِن جَعْفَر أَخذ اللِّوَاء بِيَمِينِهِ فَقطعت، فَأَخذهَا بِشمَالِهِ فَقطعت، فاحتضنها بعضديه حَتَّى قتل، وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة، فأثابه الله بذلك جناحين فِي الْجنَّة يطير بهما حَيْثُ شَاءَ، ثمَّ أَخذ الرَّايَة عبد الله بن رَوَاحَة فقاتل حَتَّى قتل، ثمَّ أَخذهَا ثَابت بن أقرم فَقَالَ: يَا معشر الْمُسلمين اصْطَلحُوا على رجل مِنْكُم، قَالُوا: أَنْت! قَالَ مَا أَنا بفاعل، فَاصْطَلَحَ النَّاس على خَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ الْوَاقِدِيّ: لما أَخذ خَالِد الرَّايَة قَالَ رَسُول الله، ﷺ : الْآن حمى الْوَطِيس، فَهزمَ الله الْعَدو وَظهر الْمُسلمُونَ، وَقتلُوا مِنْهُم مقتلة عَظِيمَة. قَوْله: (خطب رَسُول الله، ﷺ قَالَ الْوَاقِدِيّ: حَدثنِي عبد الْجَبَّار بن عمَارَة بن غزيَّة عَن عبد الله بن أبي بكر بن عَمْرو بن حزم، قَالَ: لما التقى النَّاس بمؤتة جلس رَسُول الله، ﷺ على الْمِنْبَر، وكشف لَهُ مَا بَينه وَبَين الشَّام، فَهُوَ ينظر إِلَى معركتهم، فَقَالَ: أَخذ الرَّايَة زيد، وَهُوَ زيد بن حَارِثَة ابْن شرَاحِيل بن كَعْب الْكَلْبِيّ الْقُضَاعِي، مولى رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (فأصيب) أَي قتل. قَوْله: (ثمَّ أَخذهَا) ، أَي: الرَّايَة جَعْفَر، وَهُوَ ابْن أبي طَالب عَم النَّبِي ﷺ . قَوْله: (ثمَّ أَخذهَا عبد الله بن رَوَاحَة) ، بن ثَعْلَبَة بن امرىء الْقَيْس الْأنْصَارِيّ الخزرجي. قَوْله: (من غير إمرة) ، بِلَفْظ الْمصدر النوعي، أَي: صَار أَمِيرا بِنَفسِهِ من غير أَن يُفَوض إِلَيْهِ الإِمَام. قَوْله: (فَفتح عَلَيْهِ) ، أَي: على خَالِد. قَوْله: (وَمَا يسرني) ، أَو قَالَ: مَا يسرهم أَنهم عندنَا لِأَن حَالهم فِيمَا هم فِيهِ أفضل مِمَّا لَو كَانُوا عندنَا. قَوْله: (قَالَ) أَي: قَالَ أنس: وَإِن عَيْنَيْهِ لتذرفان، بِكَسْر الرَّاء، يَعْنِي: تسيلان دمعاً. وَقَالَ الدَّاودِيّ: أَي: تدفعان وَقيل: تدمعان الدمع.
٤٨١ - (بابُ العَوْنِ بِالْمَدَدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان عون الْجَيْش بالمدد، وَهُوَ فِي اللُّغَة مَا يمد بِهِ الشَّيْء، أَي: يُزَاد وَيكثر، وَمِنْه أمد الْجَيْش بمدد إِذا أرسل إِلَيْهِ زِيَادَة، وَيجمع على أَمْدَاد. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: هم الأعوان وَالْأَنْصَار الَّذين كَانُوا يمدون الْمُسلمين فِي الْجِهَاد.
٤٦٠٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ وسَهْلُ بنُ يُوسُفَ عنْ سَعِيدٍ عنْ قَتادَةَ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أتَاهُ رَعْلٌ وذَكْوَانُ وعُصَيَّةُ وبَنُو لِحْيَانَ فزَعَمُوا أنَّهُمْ قَدْ أسْلَمُوا واسْتَمَدُّوهُ على قَوْمِهِمْ فأمَدَّهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعِينَ مِنَ الأنْصَارِ قَالَ أنَسٌ كُنَّا نُسَمِّيهِم القرَّاءَ يَحْطِبُونَ بالنَّهارِ ويُصَلُّونَ باللَّيْلِ فانْطَلَقُوا بِهِمْ حتَّى بلَغُوا بِئْرَ مَعُونَةَ غَدَرُوا بِهِمْ وقَتلُوهُمْ فَقَنتَ شَهْرَاً يَدْعُو علَى رِعْلٍ وذَكْوَانَ وبَنِي لِحْيَانَ قَالَ قَتادَةُ وحدَّثنا أنَسٌ أنَّهُمْ قَرَؤوا بِهِم قُرْآناً ألَا بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنا قَدْ لَقِينا رَبَّنا فَرَضِيَ عَنَّا وأرْضَانَا ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ بَعْدُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (واستمدوه على قَومهمْ فَأَمَدَّهُمْ النَّبِي ﷺ بسبعين من الْأَنْصَار) وَابْن أبي عدي: هُوَ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم أَبُو عَمْرو السّلمِيّ الْبَصْرِيّ، وَسَهل بن يُوسُف أَبُو عبد الله الْأنمَاطِي الْبَصْرِيّ، وَسَعِيد هُوَ بن أبي عرُوبَة الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ وَفِي الْمَغَازِي عَن عبد الْأَعْلَى بن حَمَّاد. وَأخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن أبي مُوسَى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة وَفِي الْحُدُود وَفِي الطِّبّ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَفِي الْمُحَاربَة عَن أبي مُوسَى بِهِ.
قَوْله: (رعل) ، بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة: ابْن خَالِد بن عَوْف بن امرىء الْقَيْس بن بهثة بن سليم قَالَ ابْن دُرَيْد: رعل من الرَّعْلَة وَهِي النَّخْلَة الطَّوِيلَة، وَالْجمع: رعال (وذكوان) بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة: ابْن ثَعْلَبَة بن بهثة بن سليم. (وَعصيَّة) : بِضَم الْعين الْمُهْملَة مصغر عَصا: ابْن خفاف بن امرىء الْقَيْس بن بهثة بن سليم، وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة قبائل فِي سليم. قَوْله: (وَبَنُو لحيان) بِكَسْر اللَّام: حَيّ من هُذَيْل، وَقَالَ الْحَافِظ الدمياطي: قَوْله فِي هَذِه الطَّرِيق: أَتَاهُ رعل وذكوان وَعصيَّة وَبَنُو لحيان، وهم: لِأَن هَؤُلَاءِ
стр. 4328
لَيْسُوا أَصْحَاب بِئْر مَعُونَة، وَإِنَّمَا هم أَصْحَاب الرجيع الَّذين قتلوا عَاصِم بن أبي الْأَفْلَح وَأَصْحَابه، وأسروا خبيباً وَابْن الدثنة، وَإِنَّمَا الَّذِي أَتَاهُ أَبُو برَاء من بني كلاب، وأجار أَصْحَاب رَسُول الله، ﷺ فأخفر جواره عَامر بن الطُّفَيْل وَجمع عَلَيْهِ هَذِه الْقَبَائِل من سليم. قَوْله: (واستمدوه) أَي: طلبُوا مِنْهُ المدد. قَوْله: (بسبعين من الْأَنْصَار) ، قَالَ مُوسَى بن عقبَة: وَكَانَ أَمِير الْقَوْم الْمُنْذر بن عَمْرو، وَيُقَال: مرْثَد بن أبي مرْثَد. قَوْله: (كُنَّا نسميهم الْقُرَّاء) جمع القاريء، وَسموا بذلك لِكَثْرَة قراءتهم. قَوْله: (يحطبون) ، أَي: يجمعُونَ الْحَطب. قَوْله: (بِئْر مَعُونَة) بِفَتْح الْمِيم وَضم الْعين الْمُهْملَة وبالنون، وَهُوَ بَين مَكَّة وَعُسْفَان وَأَرْض هُذَيْل حَيْثُ قتل الْقُرَّاء، وَكَانَت سَرِيَّة بِئْر مَعُونَة فِي صفر من السّنة الرَّابِعَة من الْهِجْرَة، وَأغْرب مَكْحُول حَيْثُ قَالَ: إِنَّهَا كَانَت بعد الخَنْدَق، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: كَانَت فِي صفر على رَأس أَرْبَعَة أشهر من أحد. قَوْله: (ثمَّ رفع بعد ذَلِك) أَي: نسخت تِلَاوَته.
وَفِي (التَّوْضِيح) : وَفِيه: أَنه يجوز النّسخ فِي الْإِخْبَار على صفة وَلَا يكون نسخه تَكْذِيبًا، إِنَّمَا يكون نسخه رفع تِلَاوَته فَقَط، كَمَا أَن نسخ الْأَحْكَام ترك الْعَمَل بهَا، فَرُبمَا عوض من الْمَنْسُوخ من الْأَحْكَام حكم غَيره، وَرُبمَا لم يعوض عَنهُ، وَكَذَلِكَ الْإِخْبَار نسخهَا من الْقُرْآن رفع ذكرهَا وَترك تلاوتها، لَا أَن تكذب بِخَبَر آخر مضاد لَهَا، وَمثله مِمَّا نسخ من الْأَخْبَار مَا كَانَ يقرؤ فِي الْقُرْآن: لَو أَن لِابْنِ آدم واديين من ذهب لابتغى لَهما ثَالِثا.
٥٨١ - (بابُ مَنْ غَلَبَ العَدُوَّ فأقَامَ عَلَى عَرْصَتِها ثَلَاثاً)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر من غلب على الْعَدو، فَأَقَامَ على عرصتها، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة: وَهِي الْبقْعَة الواسعة بِغَيْر بِنَاء من دَار وَغَيرهَا.
٥٦٠٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ حدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبادَةَ قَالَ حدَّثنا سَعيدٌ عنْ قَتادَةَ قَالَ ذَكَرَ لَنا أنَسُ بنُ مالِكٍ عنْ أبِي طَلْحَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ إذَا ظَهَرَ علَى قَوْمٍ أقامَ بالعَرْصَةِ ثَلاثَ لَيالٍ.
(الحَدِيث ٥٦٠٣ طرفه فِي: ٧٦٩٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحِيم أَبُو يحيى الَّذِي يُقَال لَهُ: صَاعِقَة، وروح، بِفَتْح الرَّاء: ابْن عبَادَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة، وَسَعِيد هُوَ ابْن أبي عرُوبَة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي فِي غَزْوَة بدر عَن شيخ آخر عَن روح بأتم من هَذَا السِّيَاق.
قَوْله: (إِذا ظهر) أَي: إِذا غلب. قَوْله: (ثَلَاث لَيَال) وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: كَانَت إِقَامَته ليظْهر تَأْثِير الْغَلَبَة وتنفيذ الْأَحْكَام وترتيب الثَّوَاب ولقلة احتفاله بهم، كَأَنَّهُ يَقُول: نَحن مقيمون، فَإِن كَانَت لكم قُوَّة فَهَلُمُّوا إِلَيْنَا، وَقَالَ غَيره: كَانَ هَذَا مِنْهُ لِأَن الثَّلَاث أَكثر مَا يرِيح الْمُسَافِر، لِأَن الْأَرْبَعَة إِقَامَة، لحَدِيث: لَا يبْقين مُتَأَخّر بِمَكَّة بعد قَضَاء نُسكه فَوق ثَلَاث، وَلِأَن الْغَنِيمَة فِيمَا تقسم، وَلِأَن الظَّهر أَيْضا يستريح، هَذَا كُله إِذا كَانَ فِي أَمن من عدوه.
تابَعَهُ معاذٌ وعبْدُ الأعْلَى قَالَ حدَّثنا سَعيدٌ عنْ قَتادَةَ عنْ أنَسٍ عنْ أبِي طَلْحَةَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ
معَاذ هُوَ ابْن عبد الْأَعْلَى الْعَنْبَري، أخرج مُتَابَعَته الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن أبي يعلى عَن أبي بكر بن أبي شيبَة: حَدثنَا معَاذ بن معَاذ الْعَنْبَري وَعبد الْأَعْلَى، قَالَا: حَدثنَا سعيد عَن قَتَادَة، فَذكره، وَعبد الْأَعْلَى هُوَ ابْن عبد الْأَعْلَى السَّامِي، بِالسِّين الْمُهْملَة، ومتابعتهما أخرجهَا مُسلم عَن يُوسُف بن حَمَّاد عَن عبد الْأَعْلَى عَن سعيد عَن قَتَادَة عَن أنس، وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن روح بن عبَادَة عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة، قَالَ: ذكر لنا أنس بن مَالك عَن أبي طَلْحَة، قَالَ: لما كَانَ يَوْم بدر وَظهر عَلَيْهِم نَبِي الله ... الحَدِيث، وَقَالَ فِي آخِره: يَعْنِي: حَدِيث أنس، وَحَدِيث أنس هُوَ الَّذِي رَوَاهُ قبله، وَلَفظه: إِن رَسُول الله، ﷺ ، ترك قَتْلَى بدر ثَلَاثًا، ثمَّ أَتَاهُم ... الحَدِيث، مَعْنَاهُ: أَنه، ﷺ ، لما ظهر على الْمُشْركين يَوْم بدر أَقَامَ هُنَاكَ ثَلَاث لَيَال ثمَّ أَتَاهُم.
стр. 4329
(بابُ منْ قَسَمَ الْغَنِيمَةَ فِي غَزْوِهِ وسَفَرِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر من قسم الْغَنِيمَة. قَالَ بَعضهم: أَشَارَ بذلك إِلَى الرَّد على قَول الْكُوفِيّين: إِن الْغَنَائِم لَا تقسم فِي دَار الْحَرْب، واعتلو بِأَن الْملك لَا يتم عَلَيْهَا إلَاّ بالإستيلاء وَلَا يتم الإستيلاء إلَاّ بإحرازها فِي دَار الْإِسْلَام. قلت: هَذَا الرَّد مَرْدُود، لِأَن الْبَاب فِيهِ حديثان، وَلَيْسَ وَاحِد مِنْهُمَا يدل على أَن قسْمَة الْغَنِيمَة كَانَت فِي دَار الْحَرْب، أما حَدِيث رَافع فَيدل على أَنَّهَا كَانَت بِذِي الحليفة، وَأما حَدِيث أنس فَيدل على أَنَّهَا كَانَت فِي الْجِعِرَّانَة، وكل من ذِي الحليفة والجعرانة من دَار الْإِسْلَام، فَفِي الْحَقِيقَة: الحديثان حجَّة للكوفيين، لِأَنَّهُ لم يقسم إلَاّ فِي دَار الْإِسْلَام.
وقالَ رَافِعٌ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِذي الحُلَيْفَةِ فأصَبْنَا غنَماً وإبلاً فعَدَلَ عَشَرَةً منَ الغَنَمُ بِبَعِيرٍ
هُوَ رَافع بن خديج، ومطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا التَّعْلِيق مضى مُسْندًا مطولا فِي كتاب الشّركَة فِي: بَاب قسْمَة الْغنم، وَقَالَ الْمُهلب: هَذَا إِلَى نظر الإِمَام واجتهاده يقسم حَيْثُ رأى الْحَاجة وَيُؤَخر إِذا رأى فِي الْمُسلمين قُوَّة. وومن أجَاز قسْمَة الْغَنَائِم فِي دَار الْحَرْب: مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر، وَقَالَ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَا تقسم حَتَّى يُخرجهَا إِلَى دَار الْإِسْلَام، لما ذكرنَا فِي أول الْبَاب فِي قَول الْكُوفِيّين، على أَنهم قَالُوا: رُوِيَ أَنه ﷺ نهى عَن بيع الْغَنِيمَة فِي دَار الْحَرْب، وَالْبيع فِي معنى الْقِسْمَة، فَكَمَا لَا يجوز البيع كَذَلِك لَا تجوز الْقِسْمَة.
٦٦٠٣ - حدَّثنا هُدْبَةُ بنُ خَالِدٍ قَالَ حدَّثنا هَمَّامٌ عنْ قَتَادَةَ أنَّ أنَساً أخْبَرَهُ قَالَ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الجِعْرَانَةِ حَيْثُ قسَمَ غَنائِمَ حُنَيْنٍ..
مُطَابقَة هَذَا أَيْضا ظَاهِرَة، وهدبة، بِضَم الْهَاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن خَالِد بن الْأسود الْقَيْسِي الْبَصْرِيّ، وَيُقَال: هداب، وَهَمَّام، بتَشْديد الْمِيم: ابْن يحيى الشَّيْبَانِيّ الْبَصْرِيّ، وَقد مضى الحَدِيث فِي الْحَج فِي: بَاب كم اعْتَمر النَّبِي ﷺ .
стр. 4330
٧٨١ - (بابٌ إذَا غَنِمَ الْمُشْرِكُونَ مالَ الْمُسْلِمُ ثُمَّ وجَدَهُ المُسْلِمُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا غنم أهل الْحَرْب مَال مُسلم ثمَّ إِذا استولى الْمُسلمُونَ عَلَيْهِم وَوجد ذَلِك الْمُسلم عين مَاله، هَل يَأْخُذهُ وَهُوَ أَحَق بِهِ؟ أَو يكون من الْغَنِيمَة؟ فَفِيهِ خلاف نذكرهُ الْآن، فَلذَلِك لم يذكر البُخَارِيّ جَوَاب: إِذا.
٧٦٠٣ - قَالَ ابنُ نُمَيْرٍ حدَّثنا عُبَيْدُ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ ذَهَبَ فَرَسٌ لَهُ فأخَذَهُ العَدُوُّ فَظَهَرَ علَيْهِ المُسْلِمُون فَرُدَّ علَيْهِ فِي زَمَنِ رسُولِ الله ﷺ وأبَقَ عَبْدٌ لَهُ فَلَحِقَ بالرُّومِ فظَهَرَ علَيْهِمْ المُسْلِمُونِ فرَدَّهُ علَيْهِ خالِدُ بنُ الوَلِيدِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه جَوَاب لَهَا، وَابْن نمير، بِضَم النُّون وَفتح الْمِيم مصغر نمر الْحَيَوَان الْمَشْهُور هُوَ عبيد الله بن نمير الْهَمدَانِي الْكُوفِي وَعبيد الله عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب الْقرشِي الْعَدوي الْمدنِي وَهَذَا تَعْلِيق من البُخَارِيّ لِأَنَّهُ لم يسمع من ابْن نمير، فَإِنَّهُ مَاتَ سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَة.
وَوَصله أَبُو دَاوُد، وَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْأَنْبَارِي وَالْحسن بن عَليّ قَالَا: حَدثنَا ابْن نمير عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: ذهب فرس لَهُ إِلَى آخِره نَحوه. وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا. قَوْله: (وَذهب فرس لَهُ) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني ذهبت، لِأَن الْفرس تذكر وتؤنث، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَته: فَأَخذهَا، قَوْله: (فِي زمن رَسُول الله، ﷺ كَذَا وَقع فِي رِوَايَة ابْن نمير: أَن قصَّة الْفرس فِي زمن النَّبِي، ﷺ ، وقصة العَبْد بعد النَّبِي ﷺ ، وَخَالفهُ يحي الْقطَّان عَن عبيد الله الْعمريّ كَمَا هِيَ الرِّوَايَة الثَّانِيَة فِي الْبَاب فَجَعلهَا مِمَّا بعد النَّبِي ﷺ وَكَذَلِكَ وَقع فِي رِوَايَة مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع، وَهِي الرِّوَايَة الثَّالِثَة فِي الْبَاب، فَصرحَ بِأَن قصَّة الْفرس كَانَت فِي زمن أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قلت: فِي وُقُوع ذَلِك فِي زمن أبي بكر وَالصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، متوافرون من غير إِنْكَار مِنْهُم كِفَايَة للاحتجاج بِهِ. قَوْله: (فَأَخذه الْعَدو) ، أَي: الْكَافِر من أهل الْحَرْب قَوْله (فَظهر عَلَيْهِ) أَي غلب عَلَيْهِ قَوْله (وأبق) أَي هرب وَاحْتج بِهَذَا الحَدِيث الشَّافِعِي وَجَمَاعَة أَن أهل الْحَرْب لَا يملكُونَ بالغلبة شَيْئا من مَال الْمُسلمين ولصاحبه أَخذه قبل الْقِسْمَة وَبعدهَا، وَعَن عَليّ وَالزهْرِيّ وَالْحسن وَعَمْرو بن دِينَار: لَا ترد إِلَى صَاحبهَا قبل الْقِسْمَة وَلَا بعْدهَا وَعَن عَليّ وَالزهْرِيّ وَالْحسن وَعَمْرو بن دِينَار لَا ترد الى صَاحبهَا قبل الْقِسْمَة وَلَا بعْدهَا وَهِي للجيش، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَالك: إِن صَاحبه، إِن علم بِهِ قبل الْقِسْمَة أَخذه بِغَيْر شَيْء، وَإِن أَصَابَهُ بعد الْقِسْمَة يَأْخُذهُ بِقِيمَتِه، وَهُوَ قَول عمر وَزيد بن ثَابت وَابْن الْمسيب وَعَطَاء وَالقَاسِم وَعُرْوَة، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث الْحسن بن عمَارَة عَن عبد الْملك ابْن ميسرَة عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس أَن رجلا وجد بَعِيرًا لَهُ كَانَ الْمُشْركُونَ أَصَابُوهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : إِن أصبته
стр. 4331
قبل أَن يقسم فَهُوَ لَك، وَإِن أصبته بَعْدَمَا قسم أَخَذته بِالْقيمَةِ. فَإِن قلت: قَالَ أَحْمد فِيهِ: مَتْرُوك، وَقَالَ ابْن معِين: لَيْسَ بِشَيْء،، وَقَالَ الْجوزجَاني: سَاقِط. قلت: قَالَ أَحْمد: وَقد روى مسعر عَن عبد الْملك، وَقَالَ يحيى بن سعيد: سَأَلت مسعراً عَنهُ فَقَالَ: هُوَ من حَدِيث عبد الْملك، وَلَكِن لَا أحفظه. وَقَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: روى عَن يحيى بن سعيد أَنه سَأَلَ مسعراً عَنهُ فَقَالَ: هُوَ من رِوَايَة عبد الْملك عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس، فَدلَّ على أَنه قد رَوَاهُ غير الْحسن بن عمَارَة، فاستغنى عَن رِوَايَته لشهرته عَن عبد الْملك، على أَنا نقُول: قَالَ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا أَحْمد بن عبد الْمُؤمن الْمروزِي، قَالَ: سَمِعت عَليّ بن يُونُس الْمروزِي يَقُول: سَمِعت جرير بن عبد الحميد، يَقُول: مَا ظَنَنْت أَنِّي أعيش إِلَى دهر يحدث فِيهِ عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق ويسكت فِيهِ عَن الْحسن بن عمَارَة، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقد رُوِيَ عَن جمَاعَة من الْمُتَقَدِّمين نَحْو مَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة وَمن مَعَه، فمما رُوِيَ عَنْهُم فِي ذَلِك مَا حَدثنَا مُحَمَّد بن خُزَيْمَة قَالَ: حَدثنَا يُوسُف بن عدي قَالَ: حَدثنَا ابْن الْمُبَارك عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة عَن رَجَاء بن حَيْوَة عَن قبيصَة بن ذُؤَيْب: أَن عمر ابْن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: فِيمَا أحرز الْمُشْركُونَ وأصابه الْمُسلمُونَ فَعرفهُ صَاحبه، قَالَ: إِن أدْركهُ قبل أَن يقسم فَهُوَ لَهُ، فَإِن جرت فِيهِ السِّهَام فَلَا شَيْء لَهُ. فَإِن قلت: قبيصَة بن ذُؤَيْب لم يدْرك عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قلت: يكون مُرْسلا فَيعْمل بِهِ، على أَن رَجَاء بن حَيْوَة روى أَن ابْن عُبَيْدَة كتب إِلَى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي هَذَا فَقَالَ: من وجد مَاله بِعَيْنِه فَهُوَ أَحَق بِهِ بِالثّمن الَّذِي حسب على من أَخذه، وَكَذَلِكَ إِن بيع ثمَّ قسم مِنْهُ فَهُوَ أَحَق بِالثّمن، وَالله أعلم.
٨٦٠٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا يَحْيى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ أَخْبرنِي نافِعٌ أنَّ عبْداً لابنِ عُمَرَ أبَقَ فَلَحِقَ بالرُّومُ فظَهَرَ عَلَيْهِ خالِدُ بنُ الوَلِيدَ فرَدَّهُ علَى عَبْدِ الله وأنَّ فرَسَاً لابنِ عُمَرَ عارَ فَلَحِقَ بالرُّومِ فظَهَرَ عَلَيْهِ فرَدُّوهُ على عَبْدِ الله. (انْظُر الحَدِيث ٧٦٠٣ وطرفه) .
هَذَا طَرِيق آخر، وَفِيه خَالف يحيى الْقطَّان عَن عبيد الله الْمَذْكُور حَيْثُ جعل رد العَبْد وَالْفرس كِلَاهُمَا بعد النَّبِي ﷺ . قَوْله: (عَار) ، بِالْعينِ يَأْتِي تَفْسِيره عَن البُخَارِيّ حَيْثُ يَقُول:
قالَ أبُو عَبْدِ الله: عَارَ مُشتق مِنَ العَيْرِ وهْوَ حِمارُ وَحْشٍ أيْ هَرَب
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. قَوْله: (من العير) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء: وَهُوَ الْحمار الوحشي، ثمَّ فسر: عَار، بقوله: أَي: هرب. وَقَالَ ابْن التِّين: أَرَادَ أَنه فعل فعله فِي النفار، وَقَالَ الْخَلِيل: يُقَال عَار الْفرس وَالْكَلب عياراً، أَي: أفلت، وَذهب، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: يُقَال ذَاك للْفرس إِذا فعله مرّة بعد مرّة، وَمِنْه للبطال من الرِّجَال الَّذِي لَا يثبت على طَريقَة عيار، وَمِنْه سهم عائر إِذا كَانَ لَا يدْرِي من أَيْن أَتَى.
٩٦٠٣ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يونُسَ قَالَ حدَّثنا زُهَيْرٌ عَنْ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّهُ كانَ علَى فرَس يوْمَ لَقِيَ الْمُسْلِمُونَ وأمِيرُ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ خالِدُ بنُ الوَلِيدِ بعَثَهُ أبُو بَكْرٍ فأخَذَهُ العَدُوُّ فلَمَّا هُزِمَ العَدُو رَدَّ خالِدٌ فرَسَهُ. (انْظُر الحَدِيث ٧٦٠٣ وطرفه) .
هَذَا طَرِيق آخر على خلاف الطَّرِيقَيْنِ الْمَذْكُورين حَيْثُ صرح بِأَن قصَّة الْفرس كَانَت فِي أَيَّام أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَوْله: (يَوْم لَقِي الْمُسلمُونَ) أَي: كفار الرّوم.
٨٨١ - (بابُ مَنْ تَكَلَّمَ بالْفَارِسِيَّةِ والرَّطَانَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من تكلم بِالْفَارِسِيَّةِ أَي: باللغة الفارسية نِسْبَة إِلَى فَارس بن عامور بن يافث بن نوح، ﵊، كَذَا قَالَه عَليّ بن كيسَان النسابة، وَحكى الْهَمدَانِي قَالَ: فَارس الْكُبْرَى ابْن كومرث، وَمَعْنَاهُ: الْحَيّ النَّاطِق، وأليت بن أميم ابْن لاوذ بن سَام بن نوح، وَقَالَ: المَسْعُودِيّ: من النَّاس من رأى أَن فَارس ابْن لامور بن سَام بن نوح، وَمِنْهُم من قَالَ: إِنَّهُم من ولد هذرام بن أرفخشذ بن سَام بن نوح، وَأَنه ولد بضعَة عشر ولدا رجَالًا كلهم، كَانَ فَارِسًا شجاعاً فسموا الْفرس بالفروسية، وَكَانَ
стр. 4332
دينهم الصابئة ثمَّ تمجسوا وبنوا بيُوت النيرَان، وَكَانُوا أهل رياسة وسياسة وَحسن مملكة وتدبير للحرب وَوضع الْأَشْيَاء موَاضعهَا، وَلَهُم الترسل والخطابة والنظافة وتأليف الطَّعَام وَالطّيب واللباس، وَمن كتبهمْ استملى النَّاس رسوم الْملك. قَوْله: (والرطانة) بِفَتْح الرَّاء، وَقيل: يجوز بِكَسْرِهَا وَهُوَ كَلَام غير الْعَرَبِيّ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْكَلَام بالأعجمية، وَقَالَ صَاحب (الْأَفْعَال) : يُقَال: رطن رطانة إِذا تكلم بِكَلَام الْعَجم، وَقَالَ ابْن التِّين: هِيَ كَلَام لَا يفهم، ويخص بذلك كَلَام الْعَجم.
وقَوْلِهِ تَعالى ﴿واخْتِلَافُ ألْسِنَتِكُمْ وألْوَانِكُمْ﴾ (الرّوم: ٢٢) . ﴿وَمَا أرسَلْنَا من رَسُول إلَاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ (إِبْرَاهِيم: ٤) .
ويروى: وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاخْتِلَاف أَلْسِنَتكُم﴾ (الرّوم: ٢٢) . وَقَبله: ﴿وَمن آيَاته خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف أَلْسِنَتكُم وألوانكم إِن فِي ذَلِك لآيَات للْعَالمين﴾ (الرّوم: ٢٢) . هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي سُورَة الرّوم، أَي: وَمن آيَات الله تَعَالَى خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف أَلْسِنَتكُم أَي: لغاتكم وأجناس النُّطْق وأشكاله، خَالف تَعَالَى بَين هَذِه حَتَّى لَا تكَاد تسمع منطقين متفقين فِي هَمس وَاحِد، وَلَا جهارة وَلَا حِدة وَلَا رخاوة وَلَا فصاحة وَلَا لكنة وَلَا نظم وَلَا أسلوب وَلَا غير ذَلِك من صِفَات النُّطْق وأحواله، وَكَانَ أصل اخْتِلَاف اللُّغَات من هود، ألْقى الله على أَلْسِنَة كل فريق اللِّسَان الَّذِي يَتَكَلَّمُونَ بِهِ لَيْلًا، فَأَصْبحُوا لَا يحسنون غَيره. قَوْله: (وألوانكم) ، أَي: وَاخْتِلَاف ألوانكم فِي تخطيطها وتنويعها، ولاختلاف ذَلِك وَقع التعارف وَإِلَّا فَلَو اتّفقت وتشاكلت وَكَانَت ضربا وَاحِدًا لوقع التجاهل والالتباس، ولتعطلت مصَالح كَثِيرَة، وَرُبمَا رَأَيْت توأمين مشتبهين فِي الْحِلْية ويعروك الْخَطَأ فِي التَّمْيِيز بَينهمَا، وتعرف حِكْمَة الله فِي الْمُخَالفَة بَين الحلى. قَوْله: ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إلَاّ بِلِسَان قومه﴾ (إِبْرَاهِيم: ٤) . وَتَمام الْآيَة: ﴿ليبين لَهُم فيضل الله من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ (إِبْرَاهِيم: ٤) . وَهَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي سُورَة إِبْرَاهِيم، ﵊، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: ليبين لَهُم: أَي ليفقهوا عَنهُ مَا يَدعُوهُم إِلَيْهِ فَلَا تكون لَهُم حجَّة على الله، وَلَا يَقُولُوا: لم نفهم مَا خوطبنا بِهِ. انْتهى. وَكَانَ البُخَارِيّ أَشَارَ إِلَى أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يعرف الْأَلْسِنَة لِأَنَّهُ أرسل إِلَى الْأُمَم كلهَا على اخْتِلَاف ألسنتهم، فَجَمِيع الْأُمَم قومه بِالنِّسْبَةِ إِلَى عُمُوم رسَالَته، فَاقْتضى أَن يعرف ألسنتهم ليفهم عَنْهُم ويفهموا عَنهُ وَالدَّلِيل على عُمُوم رسَالَته قَوْله تَعَالَى: ﴿قل يَا أَيهَا النَّاس إِنِّي رَسُول الله إِلَيْكُم جَمِيعًا﴾ (الْأَعْرَاف: ٨٥١) . بل إِلَى الثقلَيْن، وهم على أَلْسِنَة مُخْتَلفَة.
٠٧٠٣ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ قَالَ حدَّثنا أَبُو عاصِمٍ قَالَ أخبرَنا حَنْظَلَةُ بنُ أبي سُفْيانَ قَالَ أخبرنَا سَعيدُ بنُ مِيناءَ قَالَ سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قُلْتُ يَا رسولَ الله ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنا وطحَنْتُ صَاعا مِنْ شَعِيرٍ فتَعالَ أنْتَ ونَفَرٌ فصاحَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ يَا أهْلَ الخَنْدَقِ إنَّ جابِراً قَدْ صَنَعَ سُؤْراً فَحَيَّ هَلاً بِكُمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِن جَابِرا قد صنع سوراً) وَهُوَ بِضَم السِّين وَسُكُون الْوَاو، وَهُوَ الطَّعَام الَّذِي يدعى إِلَيْهِ، وَقيل: الطَّعَام مُطلقًا وَهِي لَفْظَة فارسية، وَقيل: السؤر الْوَلِيمَة، بِالْفَارِسِيَّةِ، وَقيل: السُّور بلغَة الْحَبَشَة: الطَّعَام، لَكِن الْعَرَب تَكَلَّمت بهَا فَصَارَت من كَلَامهَا، وَأما السؤر بِالْهَمْزَةِ فَهُوَ: بَقِيَّة من مَاء أَو طَعَام أَو غير ذَلِك، وَلَيْسَ المُرَاد هَهُنَا إلَاّ الأول.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عَمْرو بن عَليّ بن بَحر أَبُو حَفْص الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ الصَّيْرَفِي. الثَّانِي: أَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد النَّبِيل الْبَصْرِيّ. الثَّالِث: حَنْظَلَة بن سُفْيَان الجُمَحِي الْقرشِي، من أهل مَكَّة وَاسم أبي حَنْظَلَة: الْأسود بن عبد الرَّحْمَن. الرَّابِع: سعيد بن ميناء، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون مَقْصُورا وممدوداً، أَبُو الْوَلِيد الْمَكِّيّ. الْخَامِس: جَابر بن عبد الله.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن عَمْرو بن عَليّ أَيْضا، وَأخرجه مُسلم فِي الْأَطْعِمَة عَن حجاج بن الشَّاعِر.
قَوْله: (ذبحنا بَهِيمَة) ، قَالَ الدَّاودِيّ: الْبَهِيمَة من الْأَنْعَام، وَقَالَ ابْن فَارس: البهم صغَار الْغنم. قلت: البهم، بِفَتْح الْبَاء جمع بهمة، وَهِي ولد الضان الذّكر وَالْأُنْثَى، وَجمع البهم: بهام. قَوْله: (فتعال) ، صِيغَة أَمر يُخَاطب بِهِ جَابر النَّبِي ﷺ . قَوْله: (وَنَفر) أَي: مَعَ نفر. قَوْله: (فحي هلا بكم) ، مركب من: حَيّ وَهل، وَقد يبْنى على الْفَتْح، وَقد يُقَال: حيهلا، بِالتَّنْوِينِ، وحيهلا بِلَا تَنْوِين، وَعَلَيْهَا الرِّوَايَة أَي: عَلَيْكُم بِكَذَا، أَو ادعوكم، أَو اقْبَلُوا، أَو أَسْرعُوا بِأَنْفُسِكُمْ. وَجَاء: حيهل بِسُكُون اللَّام، وحيهل بِسُكُون الْهَاء وَفتح اللَّام مَعَ الْألف وَبِدُون الْألف، وحيهلا بِسُكُون الْهَاء وبالتنوين، وَجَاء معدياً بِنَفسِهِ، وبالباء، وبالى
стр. 4333
وبعلى. وَيسْتَعْمل: حَيّ، وَحده بِمَعْنى: أقبل، و: هلا، وَحده بِمَعْنى: أسكن. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: معنى قَوْله: إِذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر، أَي: أدع عمر، وَقيل: مَعْنَاهُ: اقْبَلُوا على ذكر عمر، وَقَالَ صَاحب (الْمطَالع) : تَقول: حَيّ على كَذَا، أَي: هَلُمَّ وَأَقْبل، وَيُقَال: حَيّ علا، وَقيل: حَيّ هَلُمَّ، وَقَالَ الدَّاودِيّ، قَوْله: فَحَيَّهَلا بكم، أَي: أَقبلُوا أَهلا بكم أتيتم أهلكم.
١٧٠٣ - حدَّثنا حِبَّانُ بنُ مُوساى قَالَ أخْبَرَنا عبدُ الله عنْ خَالِد بنَ سَعِيدٍ عنْ أبِيهِ عنْ أُمِّ خالِدٍ بِنْتِ خالِدِ بنِ سعيدٍ قالَتْ أتَيْتُ رسولَ الله ﷺ مَعَ أبي وعَلَيَّ قَمِيصٌ أصْغَرُ قَالَ رسوُلُ الله ﷺ سِنَهْ سَنَهْ قالَ عَبْدُ الله وهْيَ بالحَبَشِيَّةِ حَسَنةٌ قالَتْ فذَهَبْتُ ألْعَبُ بِخاتَمِ النُّبُوَّةِ فزَبَرَنِي أبي قَالَ رسولُ الله ﷺ دَعْهَا ثُمَّ قَالَ رسولُ الله ﷺ أبْلِي وأخْلِقِي ثُمَّ أبْلِي وأخْلِقِي ثُمَّ أبْلِي وأخْلِقِي قَالَ عَبْدُ الله فبَقِيَتْ حتَّى ذكِرَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (سنه سنه) بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْهَاء، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: سناه سناه، بِزِيَادَة الْألف وَالْهَاء فيهمَا للسكت، وَقد يحذف. وَفِي (الْمطَالع) : هُوَ بِفَتْح النُّون الْخَفِيفَة عِنْد أبي ذَر، وَشَدَّدَهَا الْبَاقُونَ، وَهِي: بِفَتْح أَوله للْجَمِيع إلَاّ الْقَابِسِيّ فَكَسرهُ، ويروى: سناه وسناه، مَعْنَاهُ بالحبشية: حَسَنَة، كَمَا فسره فِي الحَدِيث، وَهُوَ الرطانة بِغَيْر الْعَرَبِيّ.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: حبَان، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنون: ابْن مُوسَى أَبُو مُحَمَّد السّلمِيّ الْمروزِي. الثَّانِي: عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي. الثَّالِث: خَالِد بن سعيد بن عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ، أَخُو إِسْحَاق بن سعيد الْقرشِي الْأمَوِي، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد، وَقد ذكره عَنهُ مرَارًا، يرْوى عَن أَبِيه وَهُوَ الرَّابِع. الْخَامِس: أم خَالِد، اسْمهَا: أمة بِفَتْح الْهمزَة بنت خَالِد، مر فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب التَّعَوُّذ من عَذَاب الْقَبْر، قَالَ الذَّهَبِيّ: أمة أم خَالِد بنت خَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ الأموية، ولدت بِالْحَبَشَةِ، تزَوجهَا الزبير فَولدت لَهُ خَالِدا وعمراً، وَقَالَ بَعضهم: فِي طبقَة خَالِد بن سعيد بن عمر وخَالِد بن سعيد بن أبي مَرْيَم الْمدنِي، لَكِن لم يخرج لَهُ البُخَارِيّ، وَلَا لِابْنِ الْمُبَارك عَنهُ رِوَايَة، وَزعم الْكرْمَانِي أَن شيخ ابْن الْمُبَارك هُنَا هُوَ خَالِد بن الزبير بن الْعَوام، وَلَا أَدْرِي من أَيْن لَهُ ذَلِك؟ قلت: عبارَة الْكرْمَانِي هَكَذَا، وَاعْلَم أَن لفظ: خَالِد، مَذْكُور هُنَا ثَلَاث مَرَّات، وَالثَّانِي غير الأول، وَهُوَ خَالِد بن الزبير بن الْعَوام، وَالثَّالِث غَيرهمَا، وَهُوَ خَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ. انْتهى. قلت: لم يقل الْكرْمَانِي: إِن شيخ ابْن الْمُبَارك هُنَا هُوَ خَالِد ابْن الزبير بن الْعَوام، بل قَالَ الثَّانِي غير الأول، وَأَرَادَ بِهِ خَالِدا فِي قَوْله: أم خَالِد، وَلَا شكّ أَن خَالِدا هَذَا هُوَ ابْن الزبير بن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على مَا قَالَه الذَّهَبِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن أبي نعيم وَعَن أبي الْوَلِيد، وَفِي هِجْرَة الْحَبَشَة عَن الْحميدِي وَفِي الْأَدَب عَن حبَان عَن عبد الله أَيْضا. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي اللبَاس عَن إِسْحَاق بن الْجراح الأذني.
قَوْله: (بِخَاتم النُّبُوَّة) وَهُوَ مَا كَانَ مثل زر الحجلة بَين كَتِفي النَّبِي ﷺ ، قَوْله: (فزبرني) بالزاي وبالباء الْمُوَحدَة وَالرَّاء: من الزبر، وَهُوَ النَّهْي عَن الْإِقْدَام على مَا لَا يَنْبَغِي. قَوْله: (دعها) ، أَي: اتركها. قَوْله: (أبلي) من أبليت الثَّوْب إِذا جعلته عتيقاً، وَيُقَال: الْبلَاء للخير وَالشَّر، لِأَن أَصله الاختبار، وَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِي الْخَيْر مُقَيّدا. قَوْله: (واخلقي) ، من بَاب الْأَفْعَال بِمَعْنى: أبلى، وَيجوز أَن يكون كِلَاهُمَا من الثلاثي إِذا خلق بِالضَّمِّ، وأخلق بِمَعْنى، وَكَذَلِكَ: بلَى وأبلى، وَلَيْسَ ذَلِك من عطف الشَّيْء على نَفسه، لِأَن فِي الْمَعْطُوف تَأْكِيدًا وتقوية لَيْسَ فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ، كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿كلا سيعلمون ثمَّ كلا سيعلمون﴾ (النبأ: ٤ و ٥) . وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: أخلفي، بِالْفَاءِ، وَالْمَشْهُور: بِالْقَافِ، من إخلاق الثَّوْب، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : معنى: أبل وأخلق، أَي: عش فخرق ثِيَابك وارقعها. قَوْله: (قَالَ عبد الله) هُوَ ابْن الْمُبَارك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بَعْضهَا أَبُو عبد الله أَي: البُخَارِيّ قَوْله: (فَبَقيت) ، أَي: أم خَالِد. قَوْله: (حَتَّى ذكر) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الْقَمِيص، ويروى: على صِيغَة بِنَاء الْفَاعِل وَالضَّمِير للقميص أَيْضا، أَي: حَتَّى ذكر دهراً وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَو يكون الضَّمِير للراوي وَنَحْوه، أَي: حَتَّى ذكر الرَّاوِي مَا نسي طول مدَّته، ويروى: حَتَّى ذكرت، بِلَفْظ بِنَاء الْمَعْلُوم أَي: بقيت حَتَّى ذكرت دهراً طَويلا. قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بَعْضهَا بِلَفْظ الْمَجْهُول أَي: حَتَّى صَارَت مَذْكُورَة عِنْد النَّاس لخروجها عَن الْعَادة، وَرِوَايَة أبي الْهَيْثَم: حَتَّى دكن، بدال مُهْملَة وَنون فِي آخِره من: الدكنة، وَهِي غبرة من طول مَا لبس فاسودَّ لَونه، وَرجحه أَبُو ذَر
стр. 4334
وَفِي بعض النّسخ: فَذكر دهراً، وَلَفظ: دهراً، مَحْذُوف فِي كتاب ابْن بطال، وَذكره ابْن السكن، وَهُوَ تَفْسِير لهَذِهِ الرِّوَايَة، كَأَنَّهُ أَرَادَ: بَقِي هَذَا الْقَمِيص مُدَّة طَوِيلَة من الزَّمَان فنسيها الرَّاوِي، فَعبر عَنْهَا بقوله: ذكر دهراً، أَي: زَمَانا بِحَسب تحديده.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز لبس الْقَمِيص الْأَصْفَر، لِأَن النَّبِي ﷺ لم يُنكر على وَالِد أم خَالِد. وَفِيه: الْمُسَامحَة للأطفال فِي اللّعب بِحَضْرَة آبَائِهِم وَغَيرهم، وَكَانَ ﷺ على خلق عَظِيم. وَفِيه: الدُّعَاء لمن يلبس جَدِيدا بقوله: إبلي واخلقي، أَو إبلِ وأخلق للابس. وَفِيه: جَوَاز الرطانة بِغَيْر الْعَرَبيَّة، لِأَن الْكَلَام بِغَيْر الْعَرَبيَّة يحْتَاج الْمُسلمُونَ إِلَيْهِ للتكلم مَعَ رسل الْعَجم، وَقد أمَّر الشَّارِع زيد بن ثَابت بِكَلَام الْعَجم، وَقَالَ ابْن التِّين: إِنَّمَا يكره أَن يتَكَلَّم بالعجمية إِذا كَانَ بعض من حضر لَا يفهمها، فَيكون كمناجي الْقَوْم دون الثَّالِث، قَالَ الدَّاودِيّ: إِذا لم يعرفهَا اثْنَان فَأكْثر يلْزم أَن يجوز ذَلِك.
٢٧٠٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدَرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ زِيادٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ الحَسَنَ بنَ عَلِيٍّ أخَذَ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فجَعَلَها فِي فِيهِ فَقَالَ لَهُ النبيُّ ﷺ بالفَارِسِيَّةِ كَخْ كَخْ أما تَعْرِفُ أنَّا لَا نَأكُلُ الصَّدَقَةَ. (انْظُر الحَدِيث ٥٨٤١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كخ كخ) ، وَهُوَ بِفَتْح الْكَاف وَكسرهَا وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسرهَا وبالتنوين مَعَ الْكسر وَبِغير تَنْوِين، وَهِي كلمة يزْجر بهَا الصّبيان من المستقذرات، يُقَال لَهُ: كخ، أَي: اتركها وارمِ بهَا. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: يُقَال: كخ بكخ كخا، إِذا نَام فَقَط. وَقَالَ الدَّاودِيّ: كلمة أَعْجَمِيَّة عربت، وغندر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَقد مر غير مرّة.
والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب مَا يذكر فِي الصَّدَقَة، فَإِنَّهُ رُوِيَ هُنَاكَ: عَن آدم عَن شُعْبَة، وَهنا بَينه وَبَين شُعْبَة اثْنَان. قَالَ الْكرْمَانِي: وللمنازع أَن يُنَازع فِي كَون هَذِه الْأَلْفَاظ أَعْجَمِيَّة. أما السُّور فلاحتمال أَن يكون من بَاب توَافق اللغتين كالصابون. وَأما: سنه، فَيحْتَمل أَن يكون أَصله حَسَنَة، فَحذف من أَوله الْحَاء كَمَا حذف، هدفي قَوْلهم: كفى بِالسَّيْفِ شا، أَي: شَاهدا. وَأما كخ فَهُوَ من بَاب الْأَصْوَات قلت: الْكل لَا يَخْلُو عَن نظر. أما الأول: فاحتمال وَبِه لَا تثبت اللُّغَة. وَأما الثَّانِي: فَلَا يجوز التَّرْخِيم فِي أول الْكَلِمَة، وَأما الثَّالِث: فَلِأَنَّهُ من أَسمَاء الْأَفْعَال. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا مُنَاسبَة هَذِه الْأَحَادِيث لكتاب الْجِهَاد؟ فَقَالَ: أما الحَدِيث الأول فَظَاهر لِأَنَّهُ كَانَ فِي يَوْم الخَنْدَق، وَأما الْآخرَانِ فبالتبعية. قلت: كَونه فِي الخَنْدَق لَا يسْتَلْزم أَن يكون مُتَعَلقا بِأُمُور الْجِهَاد. أَقُول: يُمكن أَن يُقَال: إِن للتَّرْجَمَة تعلقاً مَا بِكِتَاب الْجِهَاد، وَهُوَ أَن الإِمَام إِذا أَمن أهل الْحَرْب بلسانهم ولغتهم يكون ذَلِك أَمَانًا، لِأَن الله يعلم الْأَلْسِنَة كلهَا. فَافْهَم.
٩٨١ - (بابُ الغُلُولِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حُرْمَة الْغلُول، نقل النَّوَوِيّ الْإِجْمَاع على أَنه من الْكَبَائِر، وَهُوَ من غل فِي الْمغنم يغل غلولاً، فَهُوَ غالٍ. قَالَ ابْن الْأَثِير: الْغلُول هُوَ الْخِيَانَة فِي الْمغنم وَالسَّرِقَة فِي الْغَنِيمَة قبل الْقِسْمَة، وكل من خَان فِي شَيْء خُفْيَة فقد غل وَسميت غلولاً لِأَن الْأَيْدِي فِيهَا مغلولة، أَي: مَمْنُوعَة مجعول فِيهَا غل، وَهُوَ الحديدة الَّتِي تجمع يَد الْأَسير إِلَى عُنُقه، وَيُقَال لَهَا الجامعة أَيْضا.
وقَوْلِ الله تَعَالَى ﴿ومَنْ يَغْلُلْ يَأتِ بِمَا غَلَّ﴾ (آل عمرَان: ١٦١) .
وَقَول الله، بِالْجَرِّ عطفا على الْغلُول، وأوله: ﴿وَمَا كَانَ لنَبِيّ أَن يغل وَمن يغلل يَأْتِ بِمَا غل يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ توفَّى كل نفس مَا كسبت وهم لَا يظْلمُونَ﴾ (آل عمرَان: ١٦١) . وَهَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي سُورَة آل عمرَان. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا الْمسيب بن وَاضح حَدثنَا أَبُو إِسْحَاق الْفَزارِيّ عَن سُفْيَان عَن خصيف عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: فقدوا قطيفة يَوْم بدر، فَقَالُوا: لَعَلَّ رَسُول الله، ﷺ ، أَخذهَا، فَأنْزل الله ﴿وَمَا كَانَ لنَبِيّ أَن يغل﴾ (آل عمرَان: ١٦١) . أَي: يخون، هَذِه تَنْزِيه لَهُ ﷺ من جَمِيع وُجُوه الْخِيَانَة فِي أَدَاء الْأَمَانَة، وَقسم الْغَنِيمَة وَغير ذَلِك، وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس: ﴿وَمَا كَانَ لنَبِيّ أَن يغل﴾ (آل عمرَان: ١٦١) . أَي:
стр. 4335
بِأَن يقسم لبَعض السَّرَايَا وَيتْرك أبعضاً. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاك وَقَرَأَ الْحسن الْبَصْرِيّ وطاووس وَمُجاهد وَالضَّحَّاك: أَن يغل، بِضَم الْيَاء أَي: يخان، وروى ابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق أبي عَمْرو بن الْعَلَاء عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (اتهمَ المُنَافِقُونَ رَسُول الله، ﷺ بِشَيْء، فقد فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لنَبِيّ أَن يغل﴾ (آل عمرَان: ١٦١) . قَوْله: (وَمن يغلل. .) إِلَى آخِره، تهديد شَدِيد ووعيد أكيد، وَعَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (ردوا الْخياط والمخيط فَإِن الْغلُول عَار ونار وشنار على أَهله يَوْم الْقِيَامَة) .
٣٧٠٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ أبي حَيَّانَ قَالَ حدَّثني أَبُو زُرْعَةَ قَالَ حدَّثني أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قامَ فِينا النَّبِيُّ ﷺ فَذَكَرَ الغُلُولَ فعَظَّمَهُ وعَظَّمَ أمْرَهُ قَالَ لَا أُلْفِيَنَّ أحَدَكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ علَى رَقَبَتهِ شاةٌ لَها ثُغاءٌ علَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ يَقُولُ يَا رسولَ الله أغِثْنِي فأقُولُ لَا أمْلِكُ لَكَ شَيْئاً قَدْ أبْلَغْتُكَ وعلَى رَقَبَتِهِ بَعيرٌ لِ رُغَاءٌ يَقُولُ يَا رسولَ الله أغِثْنِي فَأَقُول لَا أمْلِكُ لَكَ شَيْئاً قَدْ أبْلَغْتُكَ وعلَى رَقَبتِهِ صامِتٌ فيَقُولُ يَا رسولَ الله أغِثْني فأقولُ لَا أمْلِكُ لَكَ شَيْئاً قَدْ أبْلَغتُكَ أوْ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ فَيَقولُ يَا رسولَ الله أغِثْنِي فأقُولُ لَا أمْلِكُ لَكَ شَيْئاً قَدْ أبْلَغْتُكَ. وَقَالَ أيُّوبُ عنْ أبي حَيَّنَ فرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ. (انْظُر الحَدِيث ٢٠٤١ وأطرفيه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَأَبُو حَيَّان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: اسْمه يحيى بن سعيد التَّيْمِيّ، وَأَبُو زرْعَة اسْمه هرم بن عَمْرو بن جرير بن عبد الله البَجلِيّ الْكُوفِي.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب إِثْم مَانع الزَّكَاة.
قَوْله: (لَا أَلفَيْنِ) ، بِضَم الْهمزَة وبالفاء الْمَكْسُورَة أَي: لَا أجدن، هَكَذَا الرِّوَايَة للأكثرين بِلَفْظ النَّفْي الْمُؤَكّد بالنُّون، وَالْمرَاد بِهِ النَّهْي، وَرَوَاهُ الْهَرَوِيّ بِفَتْح الْهمزَة وَالْقَاف من اللِّقَاء، وَكَذَا فِي بعض رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (على رقبته) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: وعَلى رقبته، بِالْوَاو للْحَال. قَوْله: (ثُغَاء) ، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الْغَيْن الْمُعْجَمَة، وَهُوَ صَوت الشَّاة يُقَال: ثغا ثغواً. قَوْله: (حَمْحَمَة) ، بِفَتْح الْمُهْمَلَتَيْنِ: صَوت الْفرس إِذا طلب الْعلف. قَوْله: (لَا أملك لَك شَيْئا) ، أَي: من الْمَغْفِرَة لِأَن الشَّفَاعَة أمرهَا إِلَى الله. قَوْله: (قد أبلغتك) ، ويروى: بلغتك، أَي: لَا عذر لَك بعد الإبلاغ، وَهَذَا مُبَالغَة فِي الزّجر وتغليظ فِي الْوَعيد، وإلَاّ فَهُوَ صَاحب الشَّفَاعَة فِي مذنبي هَذِه الْأمة يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (رُغَاء) ، بِضَم الرَّاء وَتَخْفِيف الْغَيْن الْمُعْجَمَة وبالمد: صَوت الْبَعِير. قَوْله: (صَامت) ، وَهُوَ الذَّهَب وَالْفِضَّة. قَوْله: (رقاع) ، جمع رقْعَة وَهِي الْخِرْقَة. قَوْله: (تخفق) ، أَي: تتحرك وتضطرب، وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ الْخِرْقَة بِعَينهَا، بل تَعْمِيم الْأَجْنَاس من الْحَيَوَان والنقود وَالثيَاب وَغَيرهَا. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: المُرَاد بالرقاع الثِّيَاب. وَقَالَ الْحميدِي: المُرَاد بهَا مَا عَلَيْهِ من الْحُقُوق الْمَكْتُوبَة فِي الرّقاع، ورد عَلَيْهِ ابْن الْجَوْزِيّ: بِأَن الحَدِيث سيق لذكر الْغلُول الْحسي، فَحَمله على الثِّيَاب أنسب. قَوْله: (وَقَالَ أَيُّوب) ، أَي: السّخْتِيَانِيّ عَن أبي حَيَّان الْمَذْكُور فِيهِ: (فرس لَهُ حَمْحَمَة) ، كَذَا للأكثرين فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني فِي الرِّوَايَة الأولى على رقبته لَهُ حَمْحَمَة، بِحَذْف لفظ: فرس، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَأبي عَليّ بن شبويه، فعلى هَذَا ذكر طَرِيق أَيُّوب للتنصيص على ذكر الْفرس فِي موضِعين.
وَمِمَّا يُنَبه عَلَيْهِ هُنَا مَا قَالَه ابْن الْمُنْذر: أجمع الْعلمَاء إِن الغال عَلَيْهِ أَن يرد مَا غل إِلَى صَاحب المقاسم مَا لم يفْتَرق النَّاس، وَاخْتلفُوا فِيمَا يفعل بعد ذَلِك إِذا افترق النَّاس، فَقَالَت طَائِفَة: يدْفع إِلَى الإِمَام خَمْسَة وَيتَصَدَّق بِالْبَاقِي، وَهُوَ قَول الْحسن وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَالزهْرِيّ وَالثَّوْري وَأحمد، وَرُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَمُعَاوِيَة، وَقَالَ الشَّافِعِي، وَطَائِفَة: يجب تَسْلِيمه إِلَى الإِمَام أَو الْحَاكِم كَسَائِر الْأَمْوَال الضائعة وَلَيْسَ لَهُ الصَّدَقَة، بِمَال غَيره، وَعَن ابْن مَسْعُود أَنه رأى أَن يتَصَدَّق بِالْمَالِ الَّذِي لَا يعرف صَاحبه. وَاخْتلفُوا فِي عُقُوبَة الغال، فَقَالَ الْجُمْهُور: يُعَزّر بِقدر حَاله، على مَا يرَاهُ
стр. 4336
الإِمَام وَلَا يحرق مَتَاعه، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَمَالك وَجَمَاعَة كَثِيرَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمن بعدهمْ، وَقَالَ الْحسن وَأحمد وَإِسْحَاق وَمَكْحُول وَالْأَوْزَاعِيّ: يحرق رَحْله ومتاعه كُله، قَالَ الْأَوْزَاعِيّ إلَاّ سلاحه وثيابه الَّتِي عَلَيْهِ، قَالَ الْحسن: إِلَّا الْحَيَوَان والمصحف. وَقَالَ: أما حَدِيث ابْن عمر عَن عَمْرو، رَضِي الله تَعَالَى عنهُ مَرْفُوعا فِي تحريق رَحل الغال فَهُوَ حَدِيث تفرد بِهِ صَالح بن مُحَمَّد وَهُوَ ضَعِيف عَن سَالم، وَلِأَن النَّبِي ﷺ لم يحرق رَحل الَّذِي وجد عِنْده الخرز والعباءة، قيل: إِنَّمَا لم يحرق رَحل الرجل الْمَذْكُور لِأَنَّهُ كَانَ مَيتا فَخرج مَاله إِلَى ورثته قلت: قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَلَو صَحَّ حمل على أَنه كَانَ إِذْ كَانَت الْعُقُوبَات فِي الْأَمْوَال كأخذ شطر المَال من مَانع الزَّكَاة وضالة الْإِبِل وسارق التَّمْر وَكله مَنْسُوخ.
٠٩١ - (بابُ القَلِيلِ مِنَ الغُلُولِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْقَلِيل من الْغلُول، هَل هُوَ مثل حكم الْكثير أم لَا؟ وَحكمه أَنه مثله.
ولَمْ يَذْكُرْ عبدُ الله بنُ عَمْرٍ وعنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ حَرَّقَ مَتاعَهُ وهَذا أصَحُّ
أَي: لم يذكر عبد الله بن عَمْرو فِي حَدِيثه الَّذِي يَأْتِي فِي هَذَا الْبَاب الَّذِي رَوَاهُ عَن النَّبِي ﷺ أَنه حرق مَتَاعه، أَي: مَتَاع الرجل الَّذِي يُقَال لَهُ كركرة الَّذِي وجد عِنْده عباءة وَقد غلها، وَالْحَاصِل من هَذَا أَن البُخَارِيّ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن حرق مَتَاع الغال ورحله لَا يجوز، وَأَن الْعَمَل على مَنعه، وَأَنه هُوَ الصَّحِيح، أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله. وَهَذَا أصح. قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: عدم ذكر التحريق أصح من ذكره. قلت: لما روى عَن عبد الله بن عَمْرو حديثان. أَحدهمَا: حَدِيث الْبَاب، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر التحريق. وَالْآخر: رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من طَرِيق صَالح بن مُحَمَّد بن زَائِدَة اللَّيْثِيّ الْمدنِي. قَالَ: دخلت مَعَ مسلمة بن عبد الْملك أَرض الرّوم. فَأتي بِرَجُل قد غل، فَسَأَلَ سالما، أَي: ابْن عبد الله بن عمر، عَنهُ، قَالَ: سَمِعت أبي يحدث عَن عَمْرو، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: إِذا وجدْتُم الرجل غل فأحرقوا مَتَاعه، وَفِيه صَالح بن مُحَمَّد الْمَذْكُور وَهُوَ ضَعِيف، ضعفه يحيى وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ البُخَارِيّ: يحتجون بِهَذَا الحَدِيث فِي إحراق رَحل الغال، وَهُوَ بَاطِل لَيْسَ لَهُ أصل، وَرُوَاته لَا يعْتَمد عَلَيْهِم، وَأَن الصَّحِيح هُوَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ ذكر التحريق، أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: وَهَذَا أصح. وَقيل: حُكيَ عَن الْأصيلِيّ أَن الْمَذْكُور هُنَا: وَيذكر عَن عبد الله بن عَمْرو، بِصِيغَة بِنَاء الْمَجْهُول بدل قَوْله: وَلم يذكر عبد الله بن عَمْرو، فَإِن صَحَّ هَذَا يكون قَوْله: وَهَذَا أصح، إِشَارَة إِلَى أَن حَدِيث الْبَاب الَّذِي لم يذكر فِيهِ التحريق أصح من الرِّوَايَة الَّتِي ذكرهَا بِصِيغَة التمريض، وَهِي قَوْله: وَيذكر، على بِنَاء الْمَجْهُول. وَأما حَدِيث عبد الله بن عَمْرو فقد أخرجه أَبُو دَاوُد عَن مُحَمَّد بن عَوْف عَن مُوسَى بن أَيُّوب عَن وليد بن مُسلم عَن زُهَيْر بن مُحَمَّد عَن عمر بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: أَن رَسُول الله، ﷺ ، وَأَبا بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، حرقوا مَتَاع الغال وضربوه.
٤٧٠٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ عَمْرٍ وعنْ سالِمِ بنِ أبي الجَعْدِ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍ وَقَالَ كانَ علَى ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ كِرْكِرَةُ فَماتَ فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ هُوَ فِي النَّارِ فذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ فوَجَدُوا عَباءَةً قدْ غَلَّها.
مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُؤْخَذ من قَوْله: (فوجدوا عباءة) لِأَنَّهَا قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيرهَا من الْأَمْتِعَة والنقدين، وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَعَمْرو هُوَ بن دِينَار.
قَوْله: (على ثقل النَّبِي ﷺ ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَالْقَاف: وهوالعيال، وَمَا يثقل حمله من الْأَمْتِعَة، وَيُقَال: الثّقل مَتَاع الْمُسَافِر. قَوْله: (هُوَ فِي النَّار) ، قَالَ ابْن التِّين عَن الدَّاودِيّ يحْتَمل أَن يكون هَذَا جَزَاؤُهُ إلَاّ أَن يعْفُو الله، وَيحْتَمل أَن يُصِيبهُ فِي الْقَبْر، ثمَّ ينجو من جَهَنَّم، وَيحْتَمل أَن يكون وَجَبت لَهُ النَّار من نفاق كَانَ يسره أَو بذنب مَاتَ عَلَيْهِ مَعَ غلوله أَو بِمَا غل، فَإِن مَاتَ مُسلما فقد قَالَ النَّبِي ﷺ : يخرج من النَّار من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان.
стр. 4337
قَالَ أبُو عَبْدِ الله قَالَ ابنُ سَلامٍ كَرْكَرَةُ يَعْنِي بِفَتْحِ الكَافِ وهْوَ مَضْبُوط كَذَا
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَابْن سَلام هُوَ مُحَمَّد بن سَلام، بتَخْفِيف اللَاّم شيخ البُخَارِيّ، ﵀. وَاخْتلف فِي ضبط كركرة، فَذكر عِيَاض أَنه بِفَتْح الكافين وكسرهما، وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّمَا اخْتلف فِي كافه الأولى، وَأما الثَّانِيَة فمكسورة اتِّفَاقًا. وَنقل البُخَارِيّ عَن شَيْخه مُحَمَّد بن سَلام أَنه رَوَاهُ عَن ابْن عُيَيْنَة: كركرة، بِفَتْح الْكَاف، وَصرح بذلك الْأصيلِيّ فِي رِوَايَته أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: وَهُوَ مضبوط كَذَا، يَعْنِي: بِفَتْح الْكَاف، وَقَالَ عِيَاض: هُوَ عِنْد الْأَكْثَرين بِالْفَتْح فِي رِوَايَة عَليّ بن عبد الله، وبالكسر فِي رِوَايَة ابْن سَلام، وَعند الْأصيلِيّ بِالْكَسْرِ فِي الأول، وَقَالَ الْقَابِسِيّ: لم يكن عِنْد الْمروزِي فِيهِ ضبط، إلَاّ أَنِّي أعلم أَن الأول خلاف الثَّانِي.
١٩١ - (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ ذَبْحِ الإبِلِ والغَنَمِ فِي المَغَانِمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يكره ... إِلَى آخِره.
٥٧٠٣ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ سَعِيدِ بن مَسْرُوقٍ عنْ عَبايَةَ بنَ رِفَاعَةَ عنْ جَدِّهِ رَافِعٍ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبيِّ ﷺ بِذِي الحُلَيْفَةِ فأصابَ النَّاسَ جُوعٌ وأصَبْنَا إبِلاً وغَنَماً وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ فعَجِلُوا فنَصَبُوا القُدُورَ فأمَرَ بالقُدُورِ فأُكْفِئَتْ ثُمَّ قَسَمَ فعَدَلَ عَشرَةً مِنَ الغَنمِ بِبَعِيرٍ فنَدَّ مِنْهَا بعِيرٌ وَفِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَة فطَلَبُوهُ فأعْيَاهُمْ فأهْوَي إليْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحبسَهُ الله فَقال هَذِهِ البَهَائِمُ لَهَا أوَابِدُ كأوابِدِ الوُحُشِ فَما نَدَّ علَيْكْمْ فاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا فَقالَ جَدِّي إنَّا نَرْجُو أوْ نَخَافُ أنْ نَلْقَى العَدُوَّ غَداً ولَيْسَ مَعَنا مُدي أفَنَذْبَحُ بالْقَصَبِ فقالَ مَا أنْهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسْمُ الله فَكُلْ لَيسَ السِّنَّ والظُّفُرَ وسَأُحَدِّثُكُمْ عنْ ذالِكَ أما السِّنُّ فَعَظْمٌ وَأما الظّفُرُ فَمُدَي الحَبَشَةِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من أمره ﷺ ، بإكفاء الْقُدُور، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي كَرَاهَة مَا ذَبَحُوا بِغَيْر أَمر. وَأَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين: الوضاح الْيَشْكُرِي، وَسَعِيد بن مَسْرُوق الثَّوْريّ الْكُوفِي وَالِد سُفْيَان الثَّوْريّ، وعباية، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف يَاء آخر الْحُرُوف: ابْن رِفَاعَة بِكَسْر الرَّاء وبالفاء وبالعين الْمُهْملَة: ابْن رَافع بن خديج الْأنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ، سمع جده رَافعا.
والْحَدِيث مر فِي كتاب الشّركَة فِي بَاب قسْمَة الْمغنم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن الحكم الْأنْصَارِيّ عَن أبي عوَانَة عَن سعيد بن مَسْرُوق إِلَى آخِره.
قَوْله: (بِذِي الحليفة) هِيَ: مِيقَات أهل الْمَدِينَة. قَوْله: (فأكفئت) ، أَي: قلبت أَو نكست. قَوْله: (فند) أَي: نفر. قَوْله: (فأعياهم) ، أَي: أعجزهم. قَوْله: (فَأَهوى إِلَيْهِ) أَي: مد يَده إِلَيْهِ بِسَهْم. قَوْله: (أوابد) جمع آبدة، وَهِي الَّتِي قد تأبدت أَي توحشت ونفرت من الْإِنْس، وَقد أبدت تأبد وتأبد بِكَسْر عين الْفِعْل وَضمّهَا. قَوْله: (قَالَ جدي) أَي: قَالَ عبابة، قَالَ جدي، وَهُوَ رَافع بن خديج. قَوْله: (إِنَّا نرجو) ، أَي: نَخَاف، والرجاء يَأْتِي بِمَعْنى الْخَوْف. قَوْله: (أَو نَخَاف) ، شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (مدى) ، جمع المدية: وَهِي السكين. قَوْله: (مَا أنهر الدَّم) ، أَي: مَا أساله وأجراه، وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا أَمر بإكفائها لأَنهم ذبحوها بِذِي الحليفة، وَهِي أَرض الْإِسْلَام، وَلَيْسَ لأهل الْإِسْلَام إِن يَأْخُذُوا فِي أَرض الْإِسْلَام إلَاّ مَا قسم لَهُم، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْمَأْمُور بإراقته إِنَّمَا هُوَ إِتْلَاف لنَفس المرق، وَأما اللَّحْم فَلم يتلفوه، وَيحمل على أَنه جمع ورد إِلَى الْمغنم، وَلَا يظنّ بِهِ أَنه أَمر بإتلافه، لِأَنَّهُ مَال الْغَانِمين، وَقد نهى ﷺ عَن إِضَاعَة المَال، فَإِن قيل: لم ينْقل أَنهم حملُوا ذَلِك اللَّحْم إِلَى الْمغنم؟ قُلْنَا: وَلَا نقل أَنهم أحرقوه وَلَا أتلفوه، كَمَا فعل بلحوم الْحمر الْأَهْلِيَّة، لِأَنَّهَا نَجِسَة، قَالَه، ﷺ ، أَو قَالَ: إِنَّهَا رِجْس.
стр. 4338
٢٩١ - (بابُ الْبِشَارَةِ فِي الْفُتُوحِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة الْبشَارَة، بِكَسْر الْبَاء من: بشرت الرجل أُبَشِّرهُ بِالضَّمِّ بشرا وبشوراً من الْبُشْرَى، وَكَذَلِكَ الإبشار والتبشير، ثَلَاث لُغَات، وَهُوَ إِدْخَال السرُور فِي قلبه، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْبشَارَة بِالْكَسْرِ وَالضَّم الإسم، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْبشَارَة بِالضَّمِّ: مَا يعْطى البشير كالعمالة لِلْعَامِلِ وبالكسر الإسم لِأَنَّهَا تظهر طلاقة الْإِنْسَان وفرحه. قَوْله: (فِي الْفتُوح) ، جمع فتح فِي الْغَزْوَة، وَفِي مَعْنَاهُ: كل مَا فِيهِ ظُهُور الْإِسْلَام وَأَهله ليسر الْمُسلمين بإعلاء الدّين ويبتهلوا إِلَى الله تَعَالَى بالشكر على مَا وهبهم من نعمه ومنَّ عَلَيْهِم من إحسانه، فقد أَمر الله تَعَالَى عبَادَة بالشكر وَوَعدهمْ الْمَزِيد بقوله: ﴿لَئِن شكرتم لأزيدنكم﴾ (إِبْرَاهِيم: ٧) .
٦٧٠٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَّى قَالَ حدَّثنا يَحْيى قالَ حدَّثني إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني قَيْسٌ قَالَ قَالَ لِي جَرِيرُ بنُ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ لي رسُولُ الله ﷺ ألَا تُرِيحُنِي منْ ذِي الخَلَصَةِ وكانَ بَيْتاً فِيهِ خَثْعَمُ يُسَمَّى كَعْبَةَ الْيَمَانِيَّةِ فانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ ومِائَةٍ منْ أحْمَسَ وكانُوا أصْحَابَ خَبْلٍ فأخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ أنِّي لَا أثْبُتُ عَلَى الخَيْلَ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي حتَّى رَأيْتُ أثَرَ أصَابِعِهِ فِي صَدْرِي فَقالَ اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ واجْعَلْهُ هادِياً مَهْدِياً فانْطَلقَ إلَيْهَا فكَسَرَها وحرَّقَها فأرْسَلَ إِلَى النَّبيِّ ﷺ يُبَشِّرُهُ فَقال رسوُلُ جَرِيرٍ يَا رسُولَ الله والَّذِي بعَثَكَ بالحَقِّ مَا جِئْتُكَ حتَّى تَرَكْتُهَا كأنَّهَا جَمَلٌ أجْرَبُ فبارَكَ علَى خَيْلِ أحْمَسَ ورِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ. قَالَ مُسَدَّدٌ بَيْتٌ فِي خَثْعَمَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأرْسل إِلَى النَّبِي ﷺ يبشره) وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد الأحمسي البَجلِيّ الْكُوفِي، وَقيس هُوَ ابْن أبي حَازِم. والْحَدِيث مر فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب حرق الدّور والنخيل، عَن مُسَدّد عَن يحيى إِلَى آخِره، وَأخرج بعضه أَيْضا فِي: بَاب من لَا يثبت على الْخَيل.
قَوْله: (أجرب) ، وَفِي رِوَايَة مُسَدّد فِيمَا مضى: أجوف. قَوْله: (قَالَ مُسَدّد: بَيت فِي خثعم) أَرَادَ بِهَذَا أَن مُسَددًا رَوَاهُ عَن يحيى الْقطَّان بِالْإِسْنَادِ الَّذِي سَاقه البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى، فَقَالَ: بدل قَوْله: وَكَانَ بَيْتا فِيهِ خثعم: وَهَذِه الرِّوَايَة هِيَ الصَّوَاب.
٣٩١ - (بابُ مَا يُعْطَى لِلْبَشِيرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يعْطى للبشير، وَقد ذكرنَا أَن الَّذِي يعْطى للبشير يُسمى بِشَارَة، بِضَم الْبَاء.
وأعْطَى كَعْبُ بنُ مَالِكٍ ثَوْبَيْنِ حِينَ بُشِّرَ بالتَّوْبَةِ
كَعْب بن مَالك بن أبي كَعْب، واسْمه عَمْرو السّلمِيّ الْمدنِي الشَّاعِر، وَهُوَ أحد الثَّلَاثَة الَّذين تَابَ الله عَلَيْهِم، وَأنزل فيهم: ﴿وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا﴾ (التَّوْبَة: ٨١١) . وَهُوَ أحد السّبْعين الَّذين شهدُوا الْعقبَة. قَوْله: (حِين بشر بِالتَّوْبَةِ) ، أَي: بشر بِقبُول تَوْبَته لأجل تخلفه عَن غَزْوَة تَبُوك، وَكَانَ المبشر هُوَ سَلمَة بن الْأَكْوَع، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد مضى هَذَا.
٤٩١ - (بابٌ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا هِجْرَة بعد فتح مَكَّة، وَيجوز أَن يكون المُرَاد أَعم من ذَلِك.
٧٧٠٣ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبِي إياسٍ قَالَ حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ مُجَاهِدٍ عنْ طاوُوسٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ لَا هِجْرَةَ ولَكِنْ جِهَادٌ ونِيَّةٌ وإذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفُرُوا. .
стр. 4339
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وشيبان بن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر والْحَدِيث مر فِي أول كتاب الْجِهَاد.
٩٧٠٣ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوساى أخْبرنَا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ عَنْ خَالِد عنْ أبِي عُثمانَ النَّهْدِري عنْ مُجَاشِعِ بنِ مسْعُودٍ قَالَ جاءَ مُجَاشِعٌ بِأخِيهِ مُجالدِ بنِ مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقَالَ هَذَا مُجَالِدٌ يُبَايِعُكَ علَى الهِجْرَةِ فَقالَ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ ولَكِنْ أبَايِعُهُ علَى الإسْلَامِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَإِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ: يعرف بالصغير، وخَالِد هُوَ ابْن مهْرَان الْحذاء الْبَصْرِيّ، وَأَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ، بِفَتْح النُّون، ومجاشع بن مَسْعُود بن ثَعْلَبَة بن وهب السّلمِيّ، قتل يَوْم الْجمل، وَأَخُوهُ مجَالد، بِالْجِيم أَيْضا لَهُ صُحْبَة. قَالَ أَبُو عمر: وَلَا أعلم لَهُ رِوَايَة، كَانَ إِسْلَامه بعد إِسْلَام أَخِيه بعد الْفَتْح، قَالَ أَبُو حَاتِم: قتل يَوْم الْجمل، والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب الْبيعَة فِي الْحَرْب.
٠٨٠٣ - حدَّثنا علِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثَنا سُفْيانُ قالَ عَمْرٌ ووابنُ جُرَيْجٍ سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ ذَهَبْتُ معَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ إِلَى عائِشةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وهْي مُجَاوِرةٌ بِثَبِيرِ فَقالَتْ لَنا انْقَطَعَتِ الهِجْرَةُ مُنْذُ فتَحَ الله علَى نَبِيِّهِ ﷺ مَكَّةَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح وَعبيد بن عمر بِالتَّصْغِيرِ فيهمَا ابْن قَتَادَة اللَّيْثِيّ قَاضِي أهل مَكَّة.
قَوْله: (بثبير) ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء: وَهُوَ جبل عَظِيم بِالْمُزْدَلِفَةِ على يسَار الذَّاهِب مِنْهَا إِلَى منى، قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن وللعرب أَرْبَعَة جبال اسْم كل وَاحِد ثبير، وَكلهَا حجازية، وَالْهجْرَة انْقَطَعت بعد فتح مَكَّة لِأَن الْمُؤمنِينَ كَانُوا يفرون بدينهم إِلَى الله وَإِلَى رَسُوله مَخَافَة أَن يفتنوا، وَأما الْيَوْم فقد أظهر الله الْإِسْلَام وَالْمُؤمن يعبد ربه حَيْثُ شَاءَ وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة، كَمَا مر فِي الحَدِيث فِيمَا مضى.
٥٩١ - (بابٌ إذَا اضْطُرَّ الرَّجُلُ إِلَى النَّظَرِ فِي شُعُورِ أهْلِ الذِّمَّةِ والْمؤْمِناتِ إِذا عَصَيْنَ الله وتَجْرِيدِهِنَّ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا اضْطر الرجل إِلَى النّظر فِي شُعُور أهل الذِّمَّة، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: يجوز للضَّرُورَة. قَوْله: (وَالْمُؤْمِنَات) ، بِالْجَرِّ عطف على مَا قبله، وَتَقْدِيره: وَإِذا اضْطر الرجل إِلَى النّظر فِي الْمُؤْمِنَات إِذا عصين الله. قَوْله: (تجريدهن) أَي: وَإِذا اضْطر أَيْضا إِلَى تجريدهن من الثِّيَاب، لِأَن الْمعْصِيَة تبيح حرمتهَا، أَلا ترى أَن عليا وَالزُّبَيْر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَرَادَا كشف المرأ فِي قَضِيَّة كتاب حَاطِب، وَقد أَجمعُوا أَن الْمُؤْمِنَات والكافرات فِي تَحْرِيم الزِّنَا بِهن سَوَاء، وَكَذَلِكَ تَحْرِيم النّظر إلَيْهِنَّ، وَلَكِن الضرورات تبيح الْمَحْظُورَات، وَلم أر أحدا تعرض لشرح هَذِه التَّرْجَمَة.
١٨٠٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ حَوْشَبٍ الطَّائِفِيُّ قالَ حدَّثنا هُشَيْمٌ قَالَ أخبرنَا حُصَيْنٌ عنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمانِ وكانَ عُثْمَانِياً فَقال لاِبنِ عطِيَّةَ وكانَ علَوَيَّاً إنِّي لأعْلَمُ مَا الَّذِي جَرَّأ صاحِبَكَ علَى الدِّماءِ وسَمِعْتُهُ يَقولُ بعَثَني النَّبِيُّ ﷺ والزُّبَيْرُ فَقالَ ائْتُوا رَوْضَةَ كذَا وتَجِدُونَ بِهَا امْرَأةً أعْطاهَا حاطِبٌ كِتابَاً فأتَيْنَا الرَّوْضَةَ فَقُلْنَا الكِتابَ قالَتْ لَمْ يُعْطِني فقُلْنَا لَتُخْرِجنَّ أوْ لأُجَرِّدَنَّكِ فأخرجَتْ مِنْ حُجْزَتِهَا فأرْسَلَ إِلَى حاطِبٍ فَقالَ لَا تَعْجَلْ وَالله مَا كَفَرْتُ ولَا ازْدَدْتُ لِلإسْلَامِ إلَاّ حُبَّاً ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنْ أصُحابِكَ إلَاّ ولَهُ بِمَكَّةَ مَنْ يَدْفَعُ الله بِهِ عنْ أهْلِهِ ومالِهِ ولَمْ يَكُنْ لِي أحَدٌ فأحْبَبْتُ أنْ أتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَداً فَصَدَّقَهُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ عُمَرُ دَعْنِي أضْرِبْ عنُقَهُ
стр. 4340
فإنَّهُ قدْ نافَقَ فَقالَ مَا يُدْرِيك لَعَلَّ الله اطَّلَعَ عَلَى أهْلِ بَدْرً فَقالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فهَذَا الَّذي جرَّأهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة كلهَا مَا تتأتى، لِأَن حَدِيث الْبَاب لَيْسَ فِيهِ النّظر إِلَى الْمُؤْمِنَات إِذا عصين الله، نعم يُطَابق التَّرْجَمَة قَوْله: (فأخرجت من حجزَتهَا) وَفِي الحَدِيث الَّذِي مضى فِي: بَاب الجاسوس، فَأَخْرَجته من عقاصها، وَعَن قريب نذْكر التَّوْفِيق بَينهمَا. وعقاصها ذوائبها المضفورة فَلم يكن إلَاّ وَقد كشفت شعرهَا لإِخْرَاج الْكتاب، فبالضرورة حِينَئِذٍ نظرُوا إِلَيْهِ للضَّرُورَة، وَقَوله أَيْضا: (أَو لأجردَنَّكِ) يُطَابق فِي التَّرْجَمَة قَوْله: وتجريدهن، وَقيل: لَيْسَ فِي الحَدِيث بَيَان هَل كَانَت الْمَرْأَة مسلمة أَو ذِمِّيَّة لَكِن لما اسْتَوَى حكمهمَا فِي تَحْرِيم النّظر لغير حَاجَة شملهما الدَّلِيل، وَقَالَ ابْن التِّين: إِن كَانَت مُشركَة لم يُوَافق التَّرْجَمَة، وَأجِيب: بِأَنَّهَا كَانَت ذَات عهد، فَحكمهَا حكم أهل الذِّمَّة.
ذكر رِجَاله وهم: مُحَمَّد بن عبد الله بن حَوْشَب، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: الطَّائِفِي، وهشيم بن بشير الوَاسِطِيّ، وحصين، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ: ابْن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ وَسعد بن عُبَيْدَة، بِضَم الْعين وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: أَبُو حَمْزَة السّلمِيّ الْكُوفِي ختن أبي عبد الرَّحْمَن عبد الله السّلمِيّ، وكل هَؤُلَاءِ قد مروا.
والْحَدِيث قد مر من وَجه آخر فِي الْجِهَاد فِي: بَاب الجاسوس، عَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
قَوْله: (وَكَانَ عثمانياً) أَي: وَكَانَ عبد الرَّحْمَن يقدم عُثْمَان بن عَفَّان على عَليّ بن أبي طَالب، وَهُوَ قَول أَكثر أهل السّنة. قَوْله: (فَقَالَ لِابْنِ عَطِيَّة) هُوَ حبَان، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (وَكَانَ علوياً) أَي: بِفضل عَليّ بن أبي طَالب على عُثْمَان، وَهُوَ قَول جمَاعَة من أهل السّنة من أهل الْكُوفَة. قَوْله: (إِنِّي لأعْلم) مقول قَوْله: قَالَ، أَي: قَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن لِابْنِ عَطِيَّة: إِنِّي لأعْلم مَا الَّذِي جرأ، أَي: أَي شَيْء جرأ صَاحبك، وَقَوله: وَكَانَ علوياً، جملَة مُعْتَرضَة بَين القَوْل ومقوله. قَوْله: (جرأ) بتَشْديد الرَّاء، من الجراءة وَهِي الجسارة، وَأَرَادَ بقوله: صَاحبك، عَليّ بن أبي طَالب، قَالَ الْكرْمَانِي: كَيفَ جَازَ نِسْبَة الجراءة على الْقَتْل إِلَى عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ؟ وَأجَاب بقوله: غَرَضه أَنه لما كَانَ جَازِمًا أَنه من أهل الْجنَّة عرف أَنه إِن وَقع مِنْهُ خطأ فِيمَا اجْتهد فِيهِ عفى عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة قطعا انْتهى. قلت: قَول أبي عبد الرَّحْمَن ظن مِنْهُ، لِأَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على مكانته من الْفضل وَالْعلم لَا يقتل أحدا، إلَاّ بِالْوَاجِبِ، وَإِن كَانَ قد ضمن لَهُ بِالْجنَّةِ لشهوده بَدْرًا وَغَيرهَا، وَمَعَ هَذَا قَالَ الدَّاودِيّ: بئس مَا قَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن. قَوْله: (وسمعته يَقُول) أَي: سَمِعت عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: بَعَثَنِي النَّبِي ﷺ وَالزُّبَيْر بن الْعَوام رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (رَوْضَة كَذَا) أَي: رَوْضَة خَاخ، كَمَا ذكر هَكَذَا فِي: بَاب الجاسوس. قَوْله: (امْرَأَة) ، وَهِي سارة، بِالسِّين الْمُهْملَة وَالرَّاء، قَوْله: (حَاطِب) ، وَهُوَ حَاطِب بن أبي بلتعة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون اللَاّم وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبالعين الْمُهْملَة. قَوْله: (الْكتاب) ، مَنْصُوب بمقدر أَي: هَات الْكتاب وَنَحْوه. قَوْله: (لم يُعْطِنِي) ، أَي: لم يُعْطِنِي حَاطِب الْكتاب، أَو لم يُعْطِنِي أحد الْكتاب. قَوْله: (لتخْرجن) ، بِاللَّامِ الْمَفْتُوحَة وبالنون الْمُشَدّدَة أَي: لتخْرجن الْكتاب أَو (لأجردنَّك) من الثِّيَاب، يُقَال: جردت الثَّوْب عَنهُ، أَي: نَزَعته وكشفت عَنهُ، وَكلمَة: أَو، هُنَا بِمَعْنى إلَاّ فِي الِاسْتِثْنَاء، ولأجردنك، مَنْصُوب بِأَن الْمقدرَة، وَالْمعْنَى: لتخْرجن الْكتاب إلَاّ أَن تجردي كَمَا فِي قَوْلك: لأَقْتُلَنك أَو تسلم، أَي: إلَاّ أَن تسلم، وَقَرِيب مِنْهُ أَن يكون بِمَعْنى: إِلَى، كَمَا فِي قَوْلك: لألزمنك أَو تعطينيحقي، أَي: إِلَى أَن تُعْطِينِي حَقي. قَوْله: (فأخرجت) ، ويروى فَأَخْرَجته، أَي: فأخرجت الْكتاب من حجزَتهَا، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم وبالزاي، وَهِي معقد الْإِزَار، وحجزة السَّرَاوِيل الَّتِي فِيهَا التكة، وَوَقع فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ: من حزتها، بِحَذْف الْجِيم، وَهِي لُغَة عامية، وَقد مضى فِي: بَاب الجاسوس أَنَّهَا أخرجته من عقاصها، وَهِي شعورها المضفورة، والتوفيق بَينهمَا بِأَنَّهُ لَعَلَّهَا أخرجته من الحجزة أَولا، ثمَّ أخفته فِي عقاصها ثمَّ اضطرت إِلَى الْإِخْرَاج عَنْهَا، أَو المُرَاد من الحجزة المعقد مُطلقًا، أَو الْحَبل، إِذْ الْحجاز حَبل يشد بوسطه يَد الْبَعِير ثمَّ يُخَالف فيعقد بِهِ رِجْلَاهُ، ثمَّ يشد طرفاه إِلَى حقْوَيْهِ، أَو عقاصها كَانَت تصل إِلَى مَوضِع الحجزة فباعتباره صَحَّ الإطلاقان أَو كَانَ ثُمَّ كِتَابَانِ، وَإِن كَانَ مضمونهما وَاحِدًا، كَمَا أَن الْقَضِيَّة وَاحِدَة. قَوْله: (فَقَالَ: لَا تعجل) ، أَي: فَقَالَ حَاطِب: لَا تعجل يَا رَسُول الله. قَوْله: (فَهَذَا الَّذِي جرأه) أَي: قَوْله: إعملوا مَا شِئْتُم، لأهل بدر، هُوَ الَّذِي جرأ حَاطِبًا، وَبَقِيَّة الْبَحْث مرت فِي: بَاب الجاسوس.
стр. 4341
٦٩١ - (بابُ اسْتِقْبَالِ الغُزَاةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِقْبَال الْغُزَاة عِنْد رجوعهم من غزوتهم.
٢٨٠٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ أبِي الأسْوَدِ قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ وحُمَيْدُ بنُ الأسْوَدِ عنْ حَبِيبِ بنِ الشَّهِيدِ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ قَالَ ابنُ الزُّبَيْرِ لإبْنِ جَعْفَرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُم أتَذْكُرُ إذْ تَلَقَّيْنَا رَسُول الله، ﷺ أَنا وأنتَ وابنُ عَبَّاسٍ قَالَ نَعَمْ فحَمَلَنا وتَرَكَكَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إِذْ تلقينا رَسُول الله، ﷺ .
وَعبد الله بن أبي الْأسود هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد بن حميد بن أبي الْأسود أَبُو بكر، ابْن أُخْت عبد الرَّحْمَن بن مهْدي الْحَافِظ، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَحميد، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة: ابْن الْأسود أَبُو الْأسود الْبَصْرِيّ صَاحب الكرابيس، وَهُوَ من أَفْرَاده أَيْضا، وحبِيب بن الشَّهِيد أَبُو مُحَمَّد الْأَزْدِيّ الْأمَوِي الْبَصْرِيّ، وَابْن أبي مليكَة هُوَ عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة، واسْمه زُهَيْر أَبُو مُحَمَّد الْمَكِّيّ الْأَحول، كَانَ قَاضِيا لعبد الله بن الزبير ومؤذناً لَهُ، وَابْن الزبير هُوَ عبد الله بن الزبير بن الْعَوام، وَابْن جَعْفَر هُوَ أَيْضا عبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَكَانَ لجَعْفَر أَوْلَاد ثَلَاثَة: عبد الله وَمُحَمّد وَعون، وَالظَّاهِر أَنه هُوَ عبد الله. قلت: لم يجْزم بِهِ وَغَيره من الشُّرَّاح، جزم بِأَنَّهُ عبد الله.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن أبي الْأَشْعَث وَمُحَمّد بن عبد الله كِلَاهُمَا عَن يزِيد بن زُرَيْع.
قَوْله: (حَدثنَا عبد الله بن أبي الْأسود) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره عبد الله بن الْأسود وَهُوَ يروي عَن اثْنَيْنِ أَحدهمَا يزِيد بن زُرَيْع وَالْآخر حميد ابْن الْأسود، وَهُوَ جده، وقرَنه بِيَزِيد، وَمَا لحميد بن الْأسود فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث وَآخر فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة. قَوْله: (قَالَ ابْن الزبير لِابْنِ جَعْفَر) وَفِي رِوَايَة مُسلم، قَالَ عبد الله بن جَعْفَر لِابْنِ الزبير، وَهُوَ عكس مَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ، قَالَ بَعضهم: وَالَّذِي فِي البُخَارِيّ أصح، وَيُؤَيِّدهُ مَا تقدم فِي الْحَج عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لما قدم رَسُول الله، ﷺ مَكَّة اسْتقْبل أغيلمة بني عبد الْمطلب فَحمل وَاحِدًا بَين يَدَيْهِ وَآخر خَلفه، فَإِن ابْن جَعْفَر من بني عبد الْمطلب بِخِلَاف ابْن الزبير، وَإِن كَانَ عبد الْمطلب جد أَبِيه لكنه جده لأمه. قلت: التَّرْجِيح بِهَذَا الْوَجْه فِيهِ نظر، وَالزُّبَيْر: أمه صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب عمَّة رَسُول الله، ﷺ ، وَقَالَ أَبُو عمر: رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: الزبير ابْن عَمَّتي وَحَوَارِيي من أمتِي. فَإِن قلت: أخرج أَحْمد وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق خَالِد بن سارة عَن عبد الله بن جَعْفَر أَن النَّبِي ﷺ حمله خَلفه وَحمل قثم بن الْعَبَّاس بَين يَدَيْهِ. قلت: لَا يسْتَلْزم هَذَا أَن يكون حِين تلقى رَسُول الله، ﷺ عِنْد قدومه مَكَّة. قَوْله: (أَتَذكر؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (إِذْ تلقينا) أَي: حِين تلقينا. قَوْله: (فحملنا) ، بِفَتْح اللَاّم، وَالضَّمِير فِي، حمل، يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ فالمحمول ابْن الزبير وَابْن عَبَّاس، والمتروك عبد الله بن جَعْفَر، وعَلى رِوَايَة مُسلم الْمَتْرُوك ابْن الزبير.
وَفِيه من الْفَوَائِد إِن التلقي للمسافرين والقادمين من الْجِهَاد وَالْحج بالبشر وَالسُّرُور، أَمر مَعْرُوف وَوجه من وُجُوه الْبر. وَفِيه: الْفَخر بإكرام الشَّارِع. وَفِيه: رِوَايَة الصَّبِي ابْن سبع سِنِين وَإِثْبَات الصُّحْبَة لعبد الله بن الزبير لِأَنَّهُ ﷺ توفّي وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين. وَفِيه: ركُوب الثَّلَاثَة على الدَّابَّة.
٣٨٠٣ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ قَالَ السَّائِبُ بنُ يَزيدَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ ذَهَبْنَا نتَلَقَّى رسولَ الله ﷺ معَ الصِّبْيَانِ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَمَالك بن إِسْمَاعِيل بن زِيَاد أَبُو غَسَّان النَّهْدِيّ الْكُوفِي، وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، والسائب بِالسِّين الْمُهْملَة ابْن يزِيد الْكِنْدِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن عَليّ بن عبد الله وَعبد الله بن مُحَمَّد فرقهما. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن يحيى وَسَعِيد
стр. 4342
بن عبد الرَّحْمَن.
قَوْله: (إِلَى ثنية الْوَدَاع) ، المُرَاد من ثنية الْوَدَاع هُنَا هِيَ من جِهَة تَبُوك، لِأَن فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَن السَّائِب بن يزِيد قَالَ: لما قدم رَسُول الله، ﷺ ، من تَبُوك خرج النَّاس يتلقونه إِلَى ثنية الْوَدَاع، فَخرجت مَعَ النَّاس، وَأَنا غُلَام، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَفِي غير هَذَا يحْتَمل أَن يكون ثنية الْوَدَاع الَّتِي من كل جِهَة الَّتِي يصل إِلَيْهَا المشيعون يسمونها ثنية الْوَدَاع، والثنية طَرِيق الْعقبَة، وَحكى صَاحب (الْمُحكم) فِي الثَّنية أَرْبَعَة أَقْوَال: فَقَالَ: والثنية الطَّرِيق فِي الْجَبَل كالنقب. وَقيل: الطَّرِيقَة إِلَى الْجَبَل. وَقيل: هِيَ الْعقبَة. وَقيل: هِيَ الْجَبَل نَفسه، وَقَالَ الدَّاودِيّ ثنية الْوَدَاع من جِهَة مَكَّة وتبوك من الشَّام مقابلتها كالمشرق من الْمغرب، إِلَّا أَن يكون ثنية أُخْرَى فِي تِلْكَ الْجِهَة، قَالَ: والثنية الطَّرِيق فِي الْجَبَل، ورد عَلَيْهِ صَاحب (التَّوْضِيح) : بقوله: وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا الثَّنية مَا ارْتَفع من الأَرْض. قلت: كَانَ هَذَا مَا اطلع على مَا قَالَه صَاحب (الْمُحكم) فَلذَلِك أسْرع بِالرَّدِّ.
٧٩١ - (بابُ مَا يَقُولُ إذَا رَجَع مِنَ الغَزْوِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يَقُول الْغَازِي إِذا رَجَعَ من غَزوه.
٤٨٠٣ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا جُوِيْرِيَةُ عنْ نافِعٍ عنْ عبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذَا قَفَلَ كبَّرَ ثَلاثاً قالَ آيِبُونَ إنْ شاءَ الله تائِبُونَ عَابِدُونَ حامِدُونَ لِرَبِّنَا ساجِدُونَ صَدَقَ الله وعْدَهُ ونَصَرَ عَبْدَهُ وهَزَمَ الأحْزَابَ وحْدَهُ. .
وَجُوَيْرِية مصغر جَارِيَة بن أَسمَاء الضبعِي البشري، والْحَدِيث قد مر فِي الْجِهَاد فِي: بَاب التَّكْبِير إِذا علا شرفاً فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله عَن عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة عَن صَالح بن كيسَان عَن سَالم بن عبد الله عَن عبد الله بن عمر الحَدِيث وَمضى أَيْضا فِي أَوَاخِر الْحَج فِي بَاب مَا يَقُول إِذا رَجَعَ من الْحَج أَو الْعمرَة أَو الْغَزْو وَأَنه أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر إِلَى آخِره. قَوْله. قَوْله: (إِذا قفل) ، بِالْقَافِ ثمَّ بِالْفَاءِ: مَعْنَاهُ: إِذا رَجَعَ من غَزوه.
٥٨٠٣ - حدَّثنا أَبُو مَعْمَر قَالَ حدَّثنا عبْدُ الوَارِثِ قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ أبي إسْحَاقَ عنْ أنَس ابنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مقفلة من عسفان وَرَسُول الله ﷺ علَى رَاحِلَتِهِ وقَدْ أرْدَفَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ فعَثَرَتْ ناقَتُهُ فَصُرِعَا جَمِيعاً فاقْتَحَمَ أبُو طَلحَةَ فقالَ يَا رسولَ الله جعَلَنِي الله فِدَاءَكَ قَالَ عَلَيْكَ المَرْأةَ فقَلَبَ ثَوْباً علَى وجْهِهِ وأتاهَا فألقاَهُ علَيْهَا وأصْلَحَ لَهُمَا مَرْكَبَهُمَا فَرَكِبا فاكْتَنَفْنا رسولَ الله ﷺ فلَمَّا أشْرَفْنَا علَى المَدِينَةِ قَالَ آيِبُونَ تَائِبُونَ عابِدُونَ لِرَبِنا حامِدُونَ فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذالِكَ حتَّى دَخَلَ المَدِينَةَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: واسْمه عبد الله بن عَمْرو الْمنْقري المقعد الْبَصْرِيّ، وَعبد الْوَارِث هُوَ ابْن سعيد وَيحيى بن أبي إِسْحَاق مولى الحضارمة الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد وَفِي الْأَدَب عَن عَليّ عَن بشر بن الْمفضل وَفِي اللبَاس عَن مُحَمَّد عَن الْحسن بن مُحَمَّد بن الصَّباح، وَأخرجه مُسلم فِي الْمَنَاسِك عَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن حميد بن مسْعدَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن عمرَان بن مُوسَى.
قَوْله: (مقفله) ، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْقَاف وَفتح الْفَاء، أَي: مرجعه. قَوْله: (من عسفان) ، بِضَم الْعين وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة، وَقد مر غير مرّة أَنه مَوضِع على مرحلَتَيْنِ من مَكَّة. وَقَالَ الْحَافِظ الدمياطي: هَذَا وهم، وَإِنَّمَا هُوَ عِنْد مقفله من خَيْبَر، لِأَن غَزْوَة عسفان إِلَى بني لحيان كَانَت فِي سنة سِتّ وغزوة خَيْبَر كَانَت فِي سنة سبع، وإرداف رَسُول الله، ﷺ ، صَفِيَّة ووقوعهما كَانَ فِيهَا. قَوْله: (فصرعا) أَي: وَقعا. قَوْله: (فاقتحم) ، من قحم فِي الْأَمر إِذا رمى نَفسه فِيهِ من غير روية. قَوْله: (الْمَرْأَة) ، بِالنّصب
стр. 4343
أَي: إلزم الْمَرْأَة، ويروى: بِالْمَرْأَةِ وَهِي صَفِيَّة. قَوْله: (فَقلب) ، أَي: أَبُو طَلْحَة قلب ثَوْبه على وَجهه وأتاها أَي: وأتى صَفِيَّة. قَوْله: (وَأصْلح لَهما) أَي: للنَّبِي ﷺ ، وَصفِيَّة. قَوْله: (فاكتنفنا) ، أَي: احطنا بِهِ، يُقَال: كنفت الرجل أَي: حطته وصنته. قَوْله: (فَلَمَّا أَشْرَفنَا على الْمَدِينَة) ، من أشرفت على الشَّيْء إِذا اطَّلَعت عَلَيْهِ، وأشرفت الشَّيْء أَي: علوته.
وَفِي الحَدِيث فَوَائِد: فِيهِ: إرداف الْمَرْأَة خلف الرجل وسترها عَن النَّاس. وَفِيه: ستر من لَا تجوز رُؤْيَته وَستر الْوَجْه عَنهُ. وَفِيه: خدمَة الإِمَام والعالم وخدمة أهل الْعلم. وَفِيه: اكتناف الإِمَام والاجتماع حوله عِنْد دُخُول المدن. وَفِيه: حمد الله للْمُسَافِر عِنْد إِتْيَانه سالما إِلَى أَهله وسؤاله الله التَّوْبَة. وَفِيه: حجاب أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وَإِن كن كالأمهات.
٦٨٠٣ - حدَّثنا عَلِيٌّ قَالَ حدَّثنا بِشْرُ بنُ المُفَضَّلِ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ أبي إسحاقَ عنْ أنَسِ ابنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ أقْبَلَ هُوَ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ومَعَ النَّبيِّ ﷺ صَفِيَّةُ مُرْدِفَها علَى رَاحِلَتِهِ فلَمَّا كانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَثَرَتِ النَّاقَةُ فَصُرِعَ النَّبِيُّ ﷺ والمَرْأةُ وإنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَالَ أحْسِبُ قَالَ اقْتَحَمَ عنْ بَعِيرِهِ فَأتى رسولَ الله ﷺ فَقَالَ يَا نَبِيَّ الله جعَلَنِي الله فِدَاءَكَ هَلْ أصَابَكَ مِنْ شَيْءٍ قَالَ لَا ولَكِنْ عَلَيْكَ بالْمَرْأةِ فألْقَى أَبُو طَلْحَةَ ثَوْبَه علَى وَجْهِهِ فقَصَدَ قَصْدَها فألْقَى ثَوْبَهُ علَيْهَا فَقامَتِ الْمَرْأةُ فَشدَّ لَهُمَا علَى راحِلَتِهِما فرَكِبَا فسارُوا حتَّى إذَا كانوُا بِظَهْرِ الْمَدِينَةِ أوْ قالَ أشْرَفُوا علَى المَدِينَةِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ آيِبُونَ تائِبُونَ عابِدُونَ لِرَبِّنَا حامِدُون فلَمْ يَزَلْ يَقُولُها حتَّى دَخَلَ المَدِينَةَ. .
هَذَا وَجه آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، وَهُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده، وَعلي هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وَيحيى هُوَ ابْن أبي إِسْحَاق الْمَذْكُور. قَوْله: (وَأَبُو طَلْحَة) هُوَ: زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ.
قَوْله: (على رَاحِلَته) أَي: نَاقَته. قَوْله: (وَالْمَرْأَة) بِالرَّفْع عطفا على، النَّبِي ﷺ ، وَيجوز بِالنّصب على تَقْدِير: مَعَ الْمَرْأَة. قَوْله: (أَحسب) أَي: أَظن. قَوْله: (هَل أَصَابَك من شَيْء) كلمة: من، زَائِدَة. قَوْله: (عَلَيْك بِالْمَرْأَةِ) أَي: إلزم الْمَرْأَة وَانْظُر فِي أمرهَا. قَوْله: (فقصد قَصدهَا) أَي: نحا نَحْوهَا. قَوْله: (بِظهْر الْمَدِينَة) أَي: بظاهرها، قَوْله: (أَو قَالَ: أشرفوا) ، شكّ من الرَّاوِي.
٨٩١ - (بابُ الصَّلاةِ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصَّلَاة إِذا قدم الْغَازِي أَو الْمُسَافِر من سَفَره.
٨٨٠٣ - حدَّثنا أبُو عَاصِمٍ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عَن عَبْدِ الرَّحْمانِ بِنِ عبْدِ الله ابْن كَعْبٍ عنْ أبِيهِ وعَمِّهِ عُبَيْدِ الله بنِ كَعْبٍ عنْ كعْبٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النَّبِيَّ كانَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ ضُحًى دَخَلَ المَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أنْ يَجْلِسَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد النَّبِيل الْبَصْرِيّ، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج
стр. 4344
وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي مُوسَى عَن أبي عَاصِم بِهِ وَعَن مَحْمُود بن غيلَان عَن عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج بِهِ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن مُحَمَّد بن المتَوَكل الْعَسْقَلَانِي وَالْحسن بن عَليّ الْحَلَال وَعَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن عَمْرو بن عَليّ عَن أبي عَاصِم بِهِ وَعَن يُوسُف بن سعيد وَفِيه وَفِي الصَّلَاة عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد.
قَوْله: (ضحى) بِالضَّمِّ وَالْقصر، قَالَ ابْن الْأَثِير: الضحوة ارْتِفَاع أول النَّهَار، وَالضُّحَى هُوَ فَوْقه، وَبِه سميت صَلَاة الضُّحَى.
وَفِيه: أَن الصَّلَاة عِنْد الْقدوم من السّفر سنة وفضيلة فِيهَا معنى الْحَمد لله على السَّلامَة والتبرك بِالصَّلَاةِ أول مَا يبْدَأ فِي الْحَضَر، وَنعم الْمِفْتَاح إِلَى كل خير، وفيهَا يُنَاجِي العَبْد ربه، وَذَلِكَ هدي رَسُوله وسنته، وَلنَا فِيهِ الأسوة. وَفِيه: الِابْتِدَاء بِبَيْت الله تَعَالَى قبل بَيته، وجلوسه للنَّاس عِنْد قدومه ليسلموا عَلَيْهِ.
٩٩١ - (بابُ الطَّعامِ عنْدَ القُدُومِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة اتِّخَاذ الطَّعَام عِنْد الْقدوم من السّفر.
وكانَ ابنُ عُمَرَ يُفْطِرُ لِمَنْ يَغْشَاهُ
يفْطر من الْإِفْطَار لَا من التفطير. قَوْله: (لمن يَغْشَاهُ) أَي: لأجل من يقدم عَلَيْهِ وَينزل لَدَيْهِ، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ القَاضِي إِسْمَاعِيل فِي (أَحْكَامه) عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن نَافِع عَنهُ أَنه كَانَ: إِذا كَانَ مُقيما لم يفْطر، وَإِذا كَانَ مُسَافِرًا لم يصم، فَإِذا قدم أفطر أَيَّامًا لغاشيته ثمَّ يَصُوم.
٩٨٠٣ - ح دَّثني مُحَمَّدٌ أخبرَنا وَكِيعٌ عنْ شُعْبَةَ عنْ مُحَارِبِ بنِ دِثارٍ عنْ جَابِرِ بنِ عبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ لَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ نَحَرَ جَزُوراً أوْ بَقَرَةً زَادَ مُعاذٌ عنْ شُعْبَةَ عنْ مُحَارِبٍ سَمِعَ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله اشْتَري مِنِّي النَّبِيُّ ﷺ بَعِيراً بِوَقِيَّتَيْنِ ودِرْهَمٍ أوْ دِرْهَمَيْنِ فلَمَّا قَدِمَ صَرَارَاً أمَرَ بِبَقَرةٍ فَذُبِحَتْ فأكلُوا مِنْها فلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ أمَرَنِي أَن آتِيَ الْمَسْجِدَ فأصلِّي رَكْعَتَيْنِ وَوَزَنَ لِي ثَمَنَ البَعِيرِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَطْعِمَة عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن وَكِيع.
قَوْله: (وجزوراً) أَي: نَاقَة أَو جملا، زَاد معَاذ، وَهُوَ معَاذ بن معَاذ الْعَنْبَري، وَقد وَصله مُسلم. قَوْله: (بوقيتين) ويروى: بأوقيتين. قَوْله: (أَو دِرْهَمَيْنِ) شكّ من الرَّاوِي، وَهَذَا الطَّعَام يُسمى النقيعة، بِفَتْح النُّون وَكسر الْقَاف: مُشْتَقّ من النَّقْع، وَهُوَ الْغُبَار لِأَن الْمُسَافِر يَأْتِي وَعَلِيهِ غُبَار السّفر. وَقَالَ فِي (الموعب) : النقيعة الْمَحْض من اللَّبن يبرد، وَقَالَ السّلمِيّ: طَعَام الرجل لَيْلَة يملك، وَعَن صَاحب (الْعين) : النقيعة العبيطة من الْإِبِل، وَهِي جزور توفر أعضاؤها وتنقع فِي أَشْيَاء على حيالها، وَقد نقعوا نقيعة، وَلَا يُقَال: انقعوا.
صِرَارٌ مَوْضِعٌ نَاحِيَةً بالمَدِينَةِ
صرار بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء الأولى: مَوضِع قريب من الْمَدِينَة على نَحْو ثَلَاثَة أَمْيَال من طَرِيق الْعرَاق، وَقَيده الدَّارَقُطْنِيّ بِالْمُهْمَلَةِ، وَعند الْحَمَوِيّ وَغَيره وَالْمُسْتَمْلِي وَابْن الْحذاء: ضرار، بالضاد الْمُعْجَمَة. وَقَالَ ابْن قرقول: وَهُوَ وهم، وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ، وَهِي بِئْر قديمَة تِلْقَاء حرَّة رَاقِم، وَالله تَعَالَى أعلم.
بِسْمِ الله الرَّحْمانِ الرَّحِيم
стр. 4345
٧٥ - (كتابُ الخُمُسِ)
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان حكم الْخمس، وَفِي بعض النّسخ: هَذَا متوج بالبسملة وَبعده.
١ - (بابُ فَرْضِ الخُمُسِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فرض الْخمس، وَفِي بعض النّسخ أَيْضا هَكَذَا فرض الْخمس بِدُونِ ذكر لفظ: بَاب.
١٩٠٣ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا يُونُسُ عنِ الْزُّهْرِيِّ قالَ أَخْبرنِي علِيُّ بنُ الحُسَيْنِ أنَّ حُسَيْنَ بنَ عَلِيٍّ ﵉ أخْبَرَهُ أنَّ علِيَّاً قالَ كانتُ لِي شارِفٌ مِنْ نَصِيبي مِنَ المَغْنَمُ يَوْمَ بَدْرٍ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أعْطاني شارِفاً منَ الخُمُسِ فلَمَّا أردْتُ أنْ أبْتَنِي بِفَاطِمَةَ بِنْتِ رسولِ الله ﷺ واعَدْتُ رَجُلاً صَوَّاغاً من بَني قَيْنُقَاعٍ أنْ يَرْتَحِلَ مَعِي فَنأتِيَ بإذْخِرٍ أرَدْتُ أنْ أبِيعَهُ الصَّوَّاغِينَ وأسْتَعِينَ بِهِ فِي ولَيمَةِ عُرْسِي فبَيْنَا أَنا أجمعُ لِشارِفَيَّ مَتاعاً منَ الأقْتَابِ والغَرَائِرِ والحِبَالِ وشارِفاي مُناخانِ إِلَى جَنْبِ حُجْرَةِ رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ رَجَعْتُ حِينَ جَمعْتُ مَا جَمَعْتُ فإذَا شارِفَايَ قَدِ أجبَّتْ أسْنِمَتُهُمَا وبُقِرَتْ خَواصِرُهُما وأُخِذَ مِنْ أكْبَادِهِما فلَمُ أمْلِكْ عَيْنيَّ حِينَ رأيْتُ ذَلِكَ المَنْظَرَ مِنْهُمَا فَقُلْتُ مَنْ فعَلَ هَذَا فَقالوا فعَل حَمْزَةُ بنُ عبْدِ المُطَّلِبِ وهْوَ فِي هَذا البَيْتِ فِي شَرْبٍ مِنَ الأنْصَارِ فانْطَلَقتُ حتَّى أدْخُلَ علَى النَّبِيِّ ﷺ وعِنْدَهُ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ فعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ فِي وَجْهِي الَّذِي لَقِيتُ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ مالَكَ فَقُلْتُ يَا رسولَ الله مَا رأيْتُ كالْيَوْمِ قَطُّ عدَا حَمْزَةُ علَى نَاقَتيَّ فأجَبَّ أسْنِمَتُهُما وبَقِرَ خَواصِرَهُمَا وَهَا هُوَ ذَا فِي بَيْتٍ معَهُ شَرْبٌ فدَعا النَّبِيُّ ﷺ بِرِدَائِهِ فارْتَدَى ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي واتَّبَعْتُهُ أَنا وزَيْدُ بنُ حَارِثَةَ حتَّى جاءَ الْبَيْتَ الَّذي فِيهِ حَمْزَةُ فاسْتأذَنَ فأذِنُوا لَهُمْ فإذَا هُمْ شَرْبٌ فَطَفِقَ رسولُ الله ﷺ يلُومُ حَمْزَةَ فِيما فَعَلَ فإذَا حَمْزَة قَدْ ثَمِلَ مُحْمَرَّةً عَيْنَاهُ فنَظَرَ حَمْزَةُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ثُمَّ صَمَّدَ النَّظَر فنَظَرَ إِلَى رُكْبَتِهِ ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فنَظَرَ إِلَى سُرَّتِهِ ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فنَظَرَ إلَى وَجْهِهِ ثُمَّ قالَ حَمْزَةُ هَلْ أنْتُمْ إلَاّ عَبِيدٌ لأِبِي فعَرَفَ رسولُ الله ﷺ أنَّهُ قَدْ ثَمِلَ فنَكَصَ رسُوُلُ الله ﷺ عَلَى عَقِبَيْهِ الْقَهْقَرى وخَرَجْنا معَهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: أَعْطَانِي شارفاً من الْخمس، وعبدان قد مر غير مرّة وَهُوَ لقب عبد الله بن عُثْمَان، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَعلي بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، يروي عَن أَبِيه الْحُسَيْن بن عَليّ أَخُو الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
والْحَدِيث مر فِي كتاب الشّرْب فِي: بَاب بيع الْحَطب والكلأ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى عَن هِشَام عَن ابْن جريج عَن ابْن شهَاب عَن عَليّ بن حُسَيْن بن عَليّ عَن أَبِيه حُسَيْن بن عَليّ عَن عَليّ ابْن أبي طَالب ... إِلَى آخِره، وَبَين المتنيين بعض تفَاوت بِزِيَادَة ونقصان.
قَوْله: (شَارف) بالشين الْمُعْجَمَة، وَهُوَ المسنة من النوق، قَوْله: (أَعْطَانِي شارفاً من الْخمس) يَعْنِي يَوْم بدر، ظَاهره أَن الْخمس كَانَ يَوْم بدر، قَالَ ابْن بطال: لم يخْتَلف أهل السّير أَن الْخمس لم يكن يَوْم بدر. قلت: فَحِينَئِذٍ يحْتَاج قَول عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِلَى تَأْوِيل لَا يُعَارض قَول أهل السّير، وَهُوَ أَن معنى قَول عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: وَكَانَ
следующие страницы →