Полный текст (7 603 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.
стр. 4341
٦٩١ - (بابُ اسْتِقْبَالِ الغُزَاةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِقْبَال الْغُزَاة عِنْد رجوعهم من غزوتهم.
٢٨٠٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ أبِي الأسْوَدِ قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ وحُمَيْدُ بنُ الأسْوَدِ عنْ حَبِيبِ بنِ الشَّهِيدِ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ قَالَ ابنُ الزُّبَيْرِ لإبْنِ جَعْفَرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُم أتَذْكُرُ إذْ تَلَقَّيْنَا رَسُول الله، ﷺ أَنا وأنتَ وابنُ عَبَّاسٍ قَالَ نَعَمْ فحَمَلَنا وتَرَكَكَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إِذْ تلقينا رَسُول الله، ﷺ .
وَعبد الله بن أبي الْأسود هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد بن حميد بن أبي الْأسود أَبُو بكر، ابْن أُخْت عبد الرَّحْمَن بن مهْدي الْحَافِظ، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَحميد، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة: ابْن الْأسود أَبُو الْأسود الْبَصْرِيّ صَاحب الكرابيس، وَهُوَ من أَفْرَاده أَيْضا، وحبِيب بن الشَّهِيد أَبُو مُحَمَّد الْأَزْدِيّ الْأمَوِي الْبَصْرِيّ، وَابْن أبي مليكَة هُوَ عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة، واسْمه زُهَيْر أَبُو مُحَمَّد الْمَكِّيّ الْأَحول، كَانَ قَاضِيا لعبد الله بن الزبير ومؤذناً لَهُ، وَابْن الزبير هُوَ عبد الله بن الزبير بن الْعَوام، وَابْن جَعْفَر هُوَ أَيْضا عبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَكَانَ لجَعْفَر أَوْلَاد ثَلَاثَة: عبد الله وَمُحَمّد وَعون، وَالظَّاهِر أَنه هُوَ عبد الله. قلت: لم يجْزم بِهِ وَغَيره من الشُّرَّاح، جزم بِأَنَّهُ عبد الله.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن أبي الْأَشْعَث وَمُحَمّد بن عبد الله كِلَاهُمَا عَن يزِيد بن زُرَيْع.
قَوْله: (حَدثنَا عبد الله بن أبي الْأسود) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره عبد الله بن الْأسود وَهُوَ يروي عَن اثْنَيْنِ أَحدهمَا يزِيد بن زُرَيْع وَالْآخر حميد ابْن الْأسود، وَهُوَ جده، وقرَنه بِيَزِيد، وَمَا لحميد بن الْأسود فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث وَآخر فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة. قَوْله: (قَالَ ابْن الزبير لِابْنِ جَعْفَر) وَفِي رِوَايَة مُسلم، قَالَ عبد الله بن جَعْفَر لِابْنِ الزبير، وَهُوَ عكس مَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ، قَالَ بَعضهم: وَالَّذِي فِي البُخَارِيّ أصح، وَيُؤَيِّدهُ مَا تقدم فِي الْحَج عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لما قدم رَسُول الله، ﷺ مَكَّة اسْتقْبل أغيلمة بني عبد الْمطلب فَحمل وَاحِدًا بَين يَدَيْهِ وَآخر خَلفه، فَإِن ابْن جَعْفَر من بني عبد الْمطلب بِخِلَاف ابْن الزبير، وَإِن كَانَ عبد الْمطلب جد أَبِيه لكنه جده لأمه. قلت: التَّرْجِيح بِهَذَا الْوَجْه فِيهِ نظر، وَالزُّبَيْر: أمه صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب عمَّة رَسُول الله، ﷺ ، وَقَالَ أَبُو عمر: رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: الزبير ابْن عَمَّتي وَحَوَارِيي من أمتِي. فَإِن قلت: أخرج أَحْمد وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق خَالِد بن سارة عَن عبد الله بن جَعْفَر أَن النَّبِي ﷺ حمله خَلفه وَحمل قثم بن الْعَبَّاس بَين يَدَيْهِ. قلت: لَا يسْتَلْزم هَذَا أَن يكون حِين تلقى رَسُول الله، ﷺ عِنْد قدومه مَكَّة. قَوْله: (أَتَذكر؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (إِذْ تلقينا) أَي: حِين تلقينا. قَوْله: (فحملنا) ، بِفَتْح اللَاّم، وَالضَّمِير فِي، حمل، يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ فالمحمول ابْن الزبير وَابْن عَبَّاس، والمتروك عبد الله بن جَعْفَر، وعَلى رِوَايَة مُسلم الْمَتْرُوك ابْن الزبير.
وَفِيه من الْفَوَائِد إِن التلقي للمسافرين والقادمين من الْجِهَاد وَالْحج بالبشر وَالسُّرُور، أَمر مَعْرُوف وَوجه من وُجُوه الْبر. وَفِيه: الْفَخر بإكرام الشَّارِع. وَفِيه: رِوَايَة الصَّبِي ابْن سبع سِنِين وَإِثْبَات الصُّحْبَة لعبد الله بن الزبير لِأَنَّهُ ﷺ توفّي وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين. وَفِيه: ركُوب الثَّلَاثَة على الدَّابَّة.
٣٨٠٣ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ قَالَ السَّائِبُ بنُ يَزيدَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ ذَهَبْنَا نتَلَقَّى رسولَ الله ﷺ معَ الصِّبْيَانِ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَمَالك بن إِسْمَاعِيل بن زِيَاد أَبُو غَسَّان النَّهْدِيّ الْكُوفِي، وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، والسائب بِالسِّين الْمُهْملَة ابْن يزِيد الْكِنْدِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن عَليّ بن عبد الله وَعبد الله بن مُحَمَّد فرقهما. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن يحيى وَسَعِيد
стр. 4342
بن عبد الرَّحْمَن.
قَوْله: (إِلَى ثنية الْوَدَاع) ، المُرَاد من ثنية الْوَدَاع هُنَا هِيَ من جِهَة تَبُوك، لِأَن فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَن السَّائِب بن يزِيد قَالَ: لما قدم رَسُول الله، ﷺ ، من تَبُوك خرج النَّاس يتلقونه إِلَى ثنية الْوَدَاع، فَخرجت مَعَ النَّاس، وَأَنا غُلَام، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَفِي غير هَذَا يحْتَمل أَن يكون ثنية الْوَدَاع الَّتِي من كل جِهَة الَّتِي يصل إِلَيْهَا المشيعون يسمونها ثنية الْوَدَاع، والثنية طَرِيق الْعقبَة، وَحكى صَاحب (الْمُحكم) فِي الثَّنية أَرْبَعَة أَقْوَال: فَقَالَ: والثنية الطَّرِيق فِي الْجَبَل كالنقب. وَقيل: الطَّرِيقَة إِلَى الْجَبَل. وَقيل: هِيَ الْعقبَة. وَقيل: هِيَ الْجَبَل نَفسه، وَقَالَ الدَّاودِيّ ثنية الْوَدَاع من جِهَة مَكَّة وتبوك من الشَّام مقابلتها كالمشرق من الْمغرب، إِلَّا أَن يكون ثنية أُخْرَى فِي تِلْكَ الْجِهَة، قَالَ: والثنية الطَّرِيق فِي الْجَبَل، ورد عَلَيْهِ صَاحب (التَّوْضِيح) : بقوله: وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا الثَّنية مَا ارْتَفع من الأَرْض. قلت: كَانَ هَذَا مَا اطلع على مَا قَالَه صَاحب (الْمُحكم) فَلذَلِك أسْرع بِالرَّدِّ.
٧٩١ - (بابُ مَا يَقُولُ إذَا رَجَع مِنَ الغَزْوِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يَقُول الْغَازِي إِذا رَجَعَ من غَزوه.
٤٨٠٣ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا جُوِيْرِيَةُ عنْ نافِعٍ عنْ عبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذَا قَفَلَ كبَّرَ ثَلاثاً قالَ آيِبُونَ إنْ شاءَ الله تائِبُونَ عَابِدُونَ حامِدُونَ لِرَبِّنَا ساجِدُونَ صَدَقَ الله وعْدَهُ ونَصَرَ عَبْدَهُ وهَزَمَ الأحْزَابَ وحْدَهُ. .
وَجُوَيْرِية مصغر جَارِيَة بن أَسمَاء الضبعِي البشري، والْحَدِيث قد مر فِي الْجِهَاد فِي: بَاب التَّكْبِير إِذا علا شرفاً فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله عَن عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة عَن صَالح بن كيسَان عَن سَالم بن عبد الله عَن عبد الله بن عمر الحَدِيث وَمضى أَيْضا فِي أَوَاخِر الْحَج فِي بَاب مَا يَقُول إِذا رَجَعَ من الْحَج أَو الْعمرَة أَو الْغَزْو وَأَنه أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر إِلَى آخِره. قَوْله. قَوْله: (إِذا قفل) ، بِالْقَافِ ثمَّ بِالْفَاءِ: مَعْنَاهُ: إِذا رَجَعَ من غَزوه.
٥٨٠٣ - حدَّثنا أَبُو مَعْمَر قَالَ حدَّثنا عبْدُ الوَارِثِ قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ أبي إسْحَاقَ عنْ أنَس ابنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مقفلة من عسفان وَرَسُول الله ﷺ علَى رَاحِلَتِهِ وقَدْ أرْدَفَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ فعَثَرَتْ ناقَتُهُ فَصُرِعَا جَمِيعاً فاقْتَحَمَ أبُو طَلحَةَ فقالَ يَا رسولَ الله جعَلَنِي الله فِدَاءَكَ قَالَ عَلَيْكَ المَرْأةَ فقَلَبَ ثَوْباً علَى وجْهِهِ وأتاهَا فألقاَهُ علَيْهَا وأصْلَحَ لَهُمَا مَرْكَبَهُمَا فَرَكِبا فاكْتَنَفْنا رسولَ الله ﷺ فلَمَّا أشْرَفْنَا علَى المَدِينَةِ قَالَ آيِبُونَ تَائِبُونَ عابِدُونَ لِرَبِنا حامِدُونَ فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذالِكَ حتَّى دَخَلَ المَدِينَةَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: واسْمه عبد الله بن عَمْرو الْمنْقري المقعد الْبَصْرِيّ، وَعبد الْوَارِث هُوَ ابْن سعيد وَيحيى بن أبي إِسْحَاق مولى الحضارمة الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد وَفِي الْأَدَب عَن عَليّ عَن بشر بن الْمفضل وَفِي اللبَاس عَن مُحَمَّد عَن الْحسن بن مُحَمَّد بن الصَّباح، وَأخرجه مُسلم فِي الْمَنَاسِك عَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن حميد بن مسْعدَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن عمرَان بن مُوسَى.
قَوْله: (مقفله) ، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْقَاف وَفتح الْفَاء، أَي: مرجعه. قَوْله: (من عسفان) ، بِضَم الْعين وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة، وَقد مر غير مرّة أَنه مَوضِع على مرحلَتَيْنِ من مَكَّة. وَقَالَ الْحَافِظ الدمياطي: هَذَا وهم، وَإِنَّمَا هُوَ عِنْد مقفله من خَيْبَر، لِأَن غَزْوَة عسفان إِلَى بني لحيان كَانَت فِي سنة سِتّ وغزوة خَيْبَر كَانَت فِي سنة سبع، وإرداف رَسُول الله، ﷺ ، صَفِيَّة ووقوعهما كَانَ فِيهَا. قَوْله: (فصرعا) أَي: وَقعا. قَوْله: (فاقتحم) ، من قحم فِي الْأَمر إِذا رمى نَفسه فِيهِ من غير روية. قَوْله: (الْمَرْأَة) ، بِالنّصب
стр. 4343
أَي: إلزم الْمَرْأَة، ويروى: بِالْمَرْأَةِ وَهِي صَفِيَّة. قَوْله: (فَقلب) ، أَي: أَبُو طَلْحَة قلب ثَوْبه على وَجهه وأتاها أَي: وأتى صَفِيَّة. قَوْله: (وَأصْلح لَهما) أَي: للنَّبِي ﷺ ، وَصفِيَّة. قَوْله: (فاكتنفنا) ، أَي: احطنا بِهِ، يُقَال: كنفت الرجل أَي: حطته وصنته. قَوْله: (فَلَمَّا أَشْرَفنَا على الْمَدِينَة) ، من أشرفت على الشَّيْء إِذا اطَّلَعت عَلَيْهِ، وأشرفت الشَّيْء أَي: علوته.
وَفِي الحَدِيث فَوَائِد: فِيهِ: إرداف الْمَرْأَة خلف الرجل وسترها عَن النَّاس. وَفِيه: ستر من لَا تجوز رُؤْيَته وَستر الْوَجْه عَنهُ. وَفِيه: خدمَة الإِمَام والعالم وخدمة أهل الْعلم. وَفِيه: اكتناف الإِمَام والاجتماع حوله عِنْد دُخُول المدن. وَفِيه: حمد الله للْمُسَافِر عِنْد إِتْيَانه سالما إِلَى أَهله وسؤاله الله التَّوْبَة. وَفِيه: حجاب أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وَإِن كن كالأمهات.
٦٨٠٣ - حدَّثنا عَلِيٌّ قَالَ حدَّثنا بِشْرُ بنُ المُفَضَّلِ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ أبي إسحاقَ عنْ أنَسِ ابنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ أقْبَلَ هُوَ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ومَعَ النَّبيِّ ﷺ صَفِيَّةُ مُرْدِفَها علَى رَاحِلَتِهِ فلَمَّا كانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَثَرَتِ النَّاقَةُ فَصُرِعَ النَّبِيُّ ﷺ والمَرْأةُ وإنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَالَ أحْسِبُ قَالَ اقْتَحَمَ عنْ بَعِيرِهِ فَأتى رسولَ الله ﷺ فَقَالَ يَا نَبِيَّ الله جعَلَنِي الله فِدَاءَكَ هَلْ أصَابَكَ مِنْ شَيْءٍ قَالَ لَا ولَكِنْ عَلَيْكَ بالْمَرْأةِ فألْقَى أَبُو طَلْحَةَ ثَوْبَه علَى وَجْهِهِ فقَصَدَ قَصْدَها فألْقَى ثَوْبَهُ علَيْهَا فَقامَتِ الْمَرْأةُ فَشدَّ لَهُمَا علَى راحِلَتِهِما فرَكِبَا فسارُوا حتَّى إذَا كانوُا بِظَهْرِ الْمَدِينَةِ أوْ قالَ أشْرَفُوا علَى المَدِينَةِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ آيِبُونَ تائِبُونَ عابِدُونَ لِرَبِّنَا حامِدُون فلَمْ يَزَلْ يَقُولُها حتَّى دَخَلَ المَدِينَةَ. .
هَذَا وَجه آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، وَهُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده، وَعلي هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وَيحيى هُوَ ابْن أبي إِسْحَاق الْمَذْكُور. قَوْله: (وَأَبُو طَلْحَة) هُوَ: زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ.
قَوْله: (على رَاحِلَته) أَي: نَاقَته. قَوْله: (وَالْمَرْأَة) بِالرَّفْع عطفا على، النَّبِي ﷺ ، وَيجوز بِالنّصب على تَقْدِير: مَعَ الْمَرْأَة. قَوْله: (أَحسب) أَي: أَظن. قَوْله: (هَل أَصَابَك من شَيْء) كلمة: من، زَائِدَة. قَوْله: (عَلَيْك بِالْمَرْأَةِ) أَي: إلزم الْمَرْأَة وَانْظُر فِي أمرهَا. قَوْله: (فقصد قَصدهَا) أَي: نحا نَحْوهَا. قَوْله: (بِظهْر الْمَدِينَة) أَي: بظاهرها، قَوْله: (أَو قَالَ: أشرفوا) ، شكّ من الرَّاوِي.
٨٩١ - (بابُ الصَّلاةِ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصَّلَاة إِذا قدم الْغَازِي أَو الْمُسَافِر من سَفَره.
٨٨٠٣ - حدَّثنا أبُو عَاصِمٍ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عَن عَبْدِ الرَّحْمانِ بِنِ عبْدِ الله ابْن كَعْبٍ عنْ أبِيهِ وعَمِّهِ عُبَيْدِ الله بنِ كَعْبٍ عنْ كعْبٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النَّبِيَّ كانَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ ضُحًى دَخَلَ المَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أنْ يَجْلِسَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد النَّبِيل الْبَصْرِيّ، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج
стр. 4344
وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي مُوسَى عَن أبي عَاصِم بِهِ وَعَن مَحْمُود بن غيلَان عَن عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج بِهِ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن مُحَمَّد بن المتَوَكل الْعَسْقَلَانِي وَالْحسن بن عَليّ الْحَلَال وَعَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن عَمْرو بن عَليّ عَن أبي عَاصِم بِهِ وَعَن يُوسُف بن سعيد وَفِيه وَفِي الصَّلَاة عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد.
قَوْله: (ضحى) بِالضَّمِّ وَالْقصر، قَالَ ابْن الْأَثِير: الضحوة ارْتِفَاع أول النَّهَار، وَالضُّحَى هُوَ فَوْقه، وَبِه سميت صَلَاة الضُّحَى.
وَفِيه: أَن الصَّلَاة عِنْد الْقدوم من السّفر سنة وفضيلة فِيهَا معنى الْحَمد لله على السَّلامَة والتبرك بِالصَّلَاةِ أول مَا يبْدَأ فِي الْحَضَر، وَنعم الْمِفْتَاح إِلَى كل خير، وفيهَا يُنَاجِي العَبْد ربه، وَذَلِكَ هدي رَسُوله وسنته، وَلنَا فِيهِ الأسوة. وَفِيه: الِابْتِدَاء بِبَيْت الله تَعَالَى قبل بَيته، وجلوسه للنَّاس عِنْد قدومه ليسلموا عَلَيْهِ.
٩٩١ - (بابُ الطَّعامِ عنْدَ القُدُومِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة اتِّخَاذ الطَّعَام عِنْد الْقدوم من السّفر.
وكانَ ابنُ عُمَرَ يُفْطِرُ لِمَنْ يَغْشَاهُ
يفْطر من الْإِفْطَار لَا من التفطير. قَوْله: (لمن يَغْشَاهُ) أَي: لأجل من يقدم عَلَيْهِ وَينزل لَدَيْهِ، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ القَاضِي إِسْمَاعِيل فِي (أَحْكَامه) عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن نَافِع عَنهُ أَنه كَانَ: إِذا كَانَ مُقيما لم يفْطر، وَإِذا كَانَ مُسَافِرًا لم يصم، فَإِذا قدم أفطر أَيَّامًا لغاشيته ثمَّ يَصُوم.
٩٨٠٣ - ح دَّثني مُحَمَّدٌ أخبرَنا وَكِيعٌ عنْ شُعْبَةَ عنْ مُحَارِبِ بنِ دِثارٍ عنْ جَابِرِ بنِ عبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله ﷺ لَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ نَحَرَ جَزُوراً أوْ بَقَرَةً زَادَ مُعاذٌ عنْ شُعْبَةَ عنْ مُحَارِبٍ سَمِعَ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله اشْتَري مِنِّي النَّبِيُّ ﷺ بَعِيراً بِوَقِيَّتَيْنِ ودِرْهَمٍ أوْ دِرْهَمَيْنِ فلَمَّا قَدِمَ صَرَارَاً أمَرَ بِبَقَرةٍ فَذُبِحَتْ فأكلُوا مِنْها فلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ أمَرَنِي أَن آتِيَ الْمَسْجِدَ فأصلِّي رَكْعَتَيْنِ وَوَزَنَ لِي ثَمَنَ البَعِيرِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَطْعِمَة عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن وَكِيع.
قَوْله: (وجزوراً) أَي: نَاقَة أَو جملا، زَاد معَاذ، وَهُوَ معَاذ بن معَاذ الْعَنْبَري، وَقد وَصله مُسلم. قَوْله: (بوقيتين) ويروى: بأوقيتين. قَوْله: (أَو دِرْهَمَيْنِ) شكّ من الرَّاوِي، وَهَذَا الطَّعَام يُسمى النقيعة، بِفَتْح النُّون وَكسر الْقَاف: مُشْتَقّ من النَّقْع، وَهُوَ الْغُبَار لِأَن الْمُسَافِر يَأْتِي وَعَلِيهِ غُبَار السّفر. وَقَالَ فِي (الموعب) : النقيعة الْمَحْض من اللَّبن يبرد، وَقَالَ السّلمِيّ: طَعَام الرجل لَيْلَة يملك، وَعَن صَاحب (الْعين) : النقيعة العبيطة من الْإِبِل، وَهِي جزور توفر أعضاؤها وتنقع فِي أَشْيَاء على حيالها، وَقد نقعوا نقيعة، وَلَا يُقَال: انقعوا.
صِرَارٌ مَوْضِعٌ نَاحِيَةً بالمَدِينَةِ
صرار بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء الأولى: مَوضِع قريب من الْمَدِينَة على نَحْو ثَلَاثَة أَمْيَال من طَرِيق الْعرَاق، وَقَيده الدَّارَقُطْنِيّ بِالْمُهْمَلَةِ، وَعند الْحَمَوِيّ وَغَيره وَالْمُسْتَمْلِي وَابْن الْحذاء: ضرار، بالضاد الْمُعْجَمَة. وَقَالَ ابْن قرقول: وَهُوَ وهم، وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ، وَهِي بِئْر قديمَة تِلْقَاء حرَّة رَاقِم، وَالله تَعَالَى أعلم.
بِسْمِ الله الرَّحْمانِ الرَّحِيم
стр. 4345
٧٥ - (كتابُ الخُمُسِ)
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان حكم الْخمس، وَفِي بعض النّسخ: هَذَا متوج بالبسملة وَبعده.
١ - (بابُ فَرْضِ الخُمُسِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فرض الْخمس، وَفِي بعض النّسخ أَيْضا هَكَذَا فرض الْخمس بِدُونِ ذكر لفظ: بَاب.
١٩٠٣ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا يُونُسُ عنِ الْزُّهْرِيِّ قالَ أَخْبرنِي علِيُّ بنُ الحُسَيْنِ أنَّ حُسَيْنَ بنَ عَلِيٍّ ﵉ أخْبَرَهُ أنَّ علِيَّاً قالَ كانتُ لِي شارِفٌ مِنْ نَصِيبي مِنَ المَغْنَمُ يَوْمَ بَدْرٍ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أعْطاني شارِفاً منَ الخُمُسِ فلَمَّا أردْتُ أنْ أبْتَنِي بِفَاطِمَةَ بِنْتِ رسولِ الله ﷺ واعَدْتُ رَجُلاً صَوَّاغاً من بَني قَيْنُقَاعٍ أنْ يَرْتَحِلَ مَعِي فَنأتِيَ بإذْخِرٍ أرَدْتُ أنْ أبِيعَهُ الصَّوَّاغِينَ وأسْتَعِينَ بِهِ فِي ولَيمَةِ عُرْسِي فبَيْنَا أَنا أجمعُ لِشارِفَيَّ مَتاعاً منَ الأقْتَابِ والغَرَائِرِ والحِبَالِ وشارِفاي مُناخانِ إِلَى جَنْبِ حُجْرَةِ رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ رَجَعْتُ حِينَ جَمعْتُ مَا جَمَعْتُ فإذَا شارِفَايَ قَدِ أجبَّتْ أسْنِمَتُهُمَا وبُقِرَتْ خَواصِرُهُما وأُخِذَ مِنْ أكْبَادِهِما فلَمُ أمْلِكْ عَيْنيَّ حِينَ رأيْتُ ذَلِكَ المَنْظَرَ مِنْهُمَا فَقُلْتُ مَنْ فعَلَ هَذَا فَقالوا فعَل حَمْزَةُ بنُ عبْدِ المُطَّلِبِ وهْوَ فِي هَذا البَيْتِ فِي شَرْبٍ مِنَ الأنْصَارِ فانْطَلَقتُ حتَّى أدْخُلَ علَى النَّبِيِّ ﷺ وعِنْدَهُ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ فعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ فِي وَجْهِي الَّذِي لَقِيتُ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ مالَكَ فَقُلْتُ يَا رسولَ الله مَا رأيْتُ كالْيَوْمِ قَطُّ عدَا حَمْزَةُ علَى نَاقَتيَّ فأجَبَّ أسْنِمَتُهُما وبَقِرَ خَواصِرَهُمَا وَهَا هُوَ ذَا فِي بَيْتٍ معَهُ شَرْبٌ فدَعا النَّبِيُّ ﷺ بِرِدَائِهِ فارْتَدَى ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي واتَّبَعْتُهُ أَنا وزَيْدُ بنُ حَارِثَةَ حتَّى جاءَ الْبَيْتَ الَّذي فِيهِ حَمْزَةُ فاسْتأذَنَ فأذِنُوا لَهُمْ فإذَا هُمْ شَرْبٌ فَطَفِقَ رسولُ الله ﷺ يلُومُ حَمْزَةَ فِيما فَعَلَ فإذَا حَمْزَة قَدْ ثَمِلَ مُحْمَرَّةً عَيْنَاهُ فنَظَرَ حَمْزَةُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ثُمَّ صَمَّدَ النَّظَر فنَظَرَ إِلَى رُكْبَتِهِ ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فنَظَرَ إِلَى سُرَّتِهِ ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فنَظَرَ إلَى وَجْهِهِ ثُمَّ قالَ حَمْزَةُ هَلْ أنْتُمْ إلَاّ عَبِيدٌ لأِبِي فعَرَفَ رسولُ الله ﷺ أنَّهُ قَدْ ثَمِلَ فنَكَصَ رسُوُلُ الله ﷺ عَلَى عَقِبَيْهِ الْقَهْقَرى وخَرَجْنا معَهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: أَعْطَانِي شارفاً من الْخمس، وعبدان قد مر غير مرّة وَهُوَ لقب عبد الله بن عُثْمَان، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَعلي بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، يروي عَن أَبِيه الْحُسَيْن بن عَليّ أَخُو الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
والْحَدِيث مر فِي كتاب الشّرْب فِي: بَاب بيع الْحَطب والكلأ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى عَن هِشَام عَن ابْن جريج عَن ابْن شهَاب عَن عَليّ بن حُسَيْن بن عَليّ عَن أَبِيه حُسَيْن بن عَليّ عَن عَليّ ابْن أبي طَالب ... إِلَى آخِره، وَبَين المتنيين بعض تفَاوت بِزِيَادَة ونقصان.
قَوْله: (شَارف) بالشين الْمُعْجَمَة، وَهُوَ المسنة من النوق، قَوْله: (أَعْطَانِي شارفاً من الْخمس) يَعْنِي يَوْم بدر، ظَاهره أَن الْخمس كَانَ يَوْم بدر، قَالَ ابْن بطال: لم يخْتَلف أهل السّير أَن الْخمس لم يكن يَوْم بدر. قلت: فَحِينَئِذٍ يحْتَاج قَول عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِلَى تَأْوِيل لَا يُعَارض قَول أهل السّير، وَهُوَ أَن معنى قَول عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: وَكَانَ
стр. 4346
النَّبِي ﷺ أَعْطَانِي شارفاً من الْخمس، يَعْنِي من سَرِيَّة عبد الله بن جحش، وَكَانَت قبل بدر الأولى فِي رَجَب من السّنة الثَّانِيَة وَكَانَ ﷺ بعث عبد الله بن جحش وَمَعَهُ ثَمَانِيَة رَهْط من الْمُهَاجِرين إِلَى نَخْلَة بَين مَكَّة والطائف، فوجدوا بهَا غير قُرَيْش فَقَتَلُوهُمْ وَأخذُوا العير فَقَالَ عبد الله لأَصْحَابه: إِن لرَسُول الله ﷺ مِمَّا غنمنا الْخمس، وَذَلِكَ قبل أَن يفْرض الله الْخمس من الْمَغَانِم، فعزل لرَسُول الله، ﷺ خمس الْغَنِيمَة وَقسم الْبَاقِي بَين أَصْحَابه، وَقد روى أَبُو دَاوُد مَا يدل على هَذَا الْمَعْنى، قَالَ: كَانَ لي شَارف من نَصِيبي من الْمغنم يَوْم بدر، وَأَعْطَانِي رَسُول الله، ﷺ شارفاً من الْخمس يَوْمئِذٍ، يَعْنِي: يَوْم بدر، وَأَرَادَ بِهِ من الْخمس الَّذِي عَزله عبد الله بن جحش لرَسُول الله، ﷺ من العير الَّتِي أَخذهَا كَمَا ذكرنَا. وَقيل: أول يَوْم جعل فِيهِ الْخمس فِي غَزْوَة بني قُرَيْظَة حِين حكم سعد: بِأَن تقتل الْمُقَاتلَة وتسبى الذُّرِّيَّة، وَقيل: نزل بعد ذَلِك وَلم يأتِ فِي ذَلِك من الحَدِيث مَا فِيهِ بَيَان شافٍ، وَإِنَّمَا جَاءَ أَمر الْخمس يَقِينا فِي غَنَائِم حنين وَهِي آخر غنيمَة حضرها الشَّارِع. قَوْله: (إِن أبتني) : من الابتناء وَهُوَ الدُّخُول بِالزَّوْجَةِ، وَكَذَلِكَ الْبناء وَقد ذكرنَا أَن أصل ذَلِك: أَن الرجل كَانَ إِذا أَرَادَ تزوج امْرَأَة بنى عَلَيْهَا قبَّة ليدْخل بهَا فِيهَا، فَيُقَال: بنى الرجل على أَهله. قَوْله: (من بني قينقاع) ، بِفَتْح القافين وَضم النُّون وَفتحهَا وَكسرهَا منصرفاً وَغير منصرف. قَالَ الْكرْمَانِي: هم قَبيلَة من الْيَهُود، وَقَالَ الصَّاغَانِي: هم حَيّ من الْيَهُود. قلت: هُوَ مركب من: قين، الَّذِي هُوَ الْحداد، وقاع، اسْم أَطَم من آطام الْمَدِينَة. قَوْله: (بأذِخْر) ، بِكَسْر الْهمزَة: حشيشة طيبَة الرَّائِحَة يسقف بهَا الْبيُوت فَوق الْخشب، وهمزته زَائِدَة، وَقد مر فِي كتاب الْحَج. قَوْله: (وَلِيمَة عرسي) الْوَلِيمَة طَعَام الزفاف، وَقيل: اسْم لكل طَعَام، والعرس، بِالْكَسْرِ: امْرَأَة الرجل، وبالضم: طَعَام الْوَلِيمَة، وَيَنْبَغِي أَن يكون بِالْكَسْرِ وَألا يكون الْمَعْنى وَلِيمَة وليمتي، وَهَكَذَا لَا يُقَال. وَفِي (الْمغرب) : الْعرس بِالضَّمِّ: اسْم، وَمِنْه إِذا دعى أحدكُم إِلَى وَلِيمَة عرس فليُجب، أَي: إِلَى طَعَام عرس، وَطَعَام الْوَلِيمَة يُسمى: عرساً باسم سَببه. قَوْله: (من الأقتاب) ، جمع قتب وَهُوَ مَعْرُوف (والغرائر) : بالغين الْمُعْجَمَة وبالراء المكررة، ظرف التِّبْن وَنَحْوه، وَهُوَ جمع غرارة. قَالَ الْجَوْهَرِي: أَظُنهُ معرباً. قَوْله: (وشارفاي) ، مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (مناخان) ، أَي: مبروكان، ويروى: مناختان، فالتذكير بِاعْتِبَار لفظ: شَارف، والتأنيث بِاعْتِبَار مَعْنَاهُ. قَوْله: (فَإِذا) ، كلمة مفاجأة. قَوْله: (قد اجتبت) ، افتعل من: الْجب، بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، وَهُوَ الْقطع. قَوْله: (بقرت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من البَقْر بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْقَاف، وَهُوَ الشق. قَوْله: (وَلم أملك عَيْني) أَي: من الْبكاء، وَإِنَّمَا كَانَ بكاؤه، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، خوفًا من توهم تَقْصِيره فِي حق فَاطِمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَو فِي تَأْخِير الابتناء بِسَبَب مَا كَانَ مِنْهُ مَا يستعان بِهِ، لَا لأجل فواتهما، لِأَن مَتَاع الدُّنْيَا قَلِيل، لَا سِيمَا عِنْد أَمْثَاله. قَوْله: (فِي شرب) ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة جمع: شَارِب. قَوْله: (حَتَّى أَدخل) ، يجوز بِالرَّفْع وَالنّصب. قَوْله: (مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ قطّ) ، أَي: مَا رَأَيْت يَوْمًا أفظع كَالْيَوْمِ. قَوْله: (فَطَفِقَ) ، أَي: جعل. قَوْله: (قد ثمل) ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَكسر الْمِيم: أَي: سكر. قَوْله: (ثمَّ صعد) ، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَتَشْديد الْعين الْمُهْملَة الْمَفْتُوحَة أَي: جر النّظر. قَوْله: (إلَاّ عبيد) ، أَي: كعبيد، وغرضه أَن عبد الله وَأَبا طَالب كَانَا كَأَنَّهُمَا عَبْدَانِ لعبد الْمطلب فِي الخضوع لِحُرْمَتِهِ، وَأَنه أقرب إِلَيْهِ مِنْهُمَا. قَوْله: (فنكص رَسُول الله، ﷺ الْقَهْقَرَى) ، قَالَ الْأَخْفَش: يَعْنِي رَجَعَ وَرَاءه وَوَجهه إِلَيْهِ، والنكوص الرُّجُوع إِلَى وَرَاء، يُقَال: نكص يَنْكص فَهُوَ ناكص، قَالَ ابْن الْأَثِير: الْقَهْقَرَى مصدر، وَمِنْه قَوْلهم: رَجَعَ الْقَهْقَرَى، أَي: رَجَعَ الرُّجُوع الَّذِي يعرف بِهَذَا الأسم. قلت: يكون الْقَهْقَرَى مَنْصُوبًا على المصدرية من غير لَفظه. كَمَا فِي: قعدت جُلُوسًا، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الْقَهْقَرَى الارتداد عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَقد قهقر وتقهقر، وَقيل: إِنَّه مُشْتَقّ من الْقَهْر.
وَقَالَ الطَّبَرِيّ: وَفِي حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن الْمُسلمين كَانُوا يشربون الْخمر ويسمعون الْغناء فِي أول الْإِسْلَام حَتَّى نهى الله عَن ذَلِك بقوله: ﴿إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر﴾ (الْمَائِدَة: ٠٩) . الْآيَة، وَإِنَّمَا حرمت الْخمر بعد غَزْوَة أحد، احْتج بعض أهل الْعلم بِهَذَا الحَدِيث فِي إبِْطَال أَحْكَام السَّكْرَان، وَقَالُوا: لَو لزم السَّكْرَان مَا يكون مِنْهُ فِي حَال سكره كَمَا يلْزمه فِي حَال صحوه لَكَانَ الْمُخَاطب رَسُول الله، ﷺ ، بِمَا استقبله حَمْزَة كَافِرًا مُبَاح الدَّم، قَالَه الْخطابِيّ، ثمَّ قَالَ: وَقد ذهب على هَذَا الْقَائِل أَن ذَلِك مِنْهُ إِنَّمَا كَانَ قبل تَحْرِيم الْخمر. فَإِن قلت: إِلَى مَا آل إِلَيْهِ أَمر الناقتين؟ قلت: كَانَ ضمانهما لَازِما لِحَمْزَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لَو كن طَالبه عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَيُمكن أَن النَّبِي ﷺ ، عوضهما، إِذْ الْعلمَاء لَا يَخْتَلِفُونَ أَن جنايات الْأَمْوَال لَا تسْقط عَن المجانين وَغير الْمُكَلّفين، ويلزمهم ضَمَانهَا فِي كل حَال كالعقلاء. وَمن شرب لَبَنًا أَو أكل طَعَاما أَو تداوى
стр. 4347
بمباح فَسَكِرَ فَهُوَ كَالْمَجْنُونِ والمغمى عَلَيْهِ وَالصَّبِيّ يسْقط عَنْهُم حد الْقَذْف وَسَائِر الْحُدُود غير إِتْلَاف الْأَمْوَال لرفع الْقَلَم عَنْهُم، وَمن سكر من حَلَال فَحكمه حكم هَؤُلَاءِ، وَعَن أبي عبد الله النحال: أَن من سكر من ذَلِك لَا طَلَاق عَلَيْهِ. وَحكى الطَّحَاوِيّ: أَنه إِجْمَاع من الْعلمَاء، رَحِمهم الله تَعَالَى.
٢٩٠٣ - حدَّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عبْدِ الله قَالَ حدَّثنا إبرَاهِيمُ بنُ سَعْد عنْ صَالِحٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ أمَّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا أخْبَرَتْهُ أنَّ فَاطِمَةَ ﵍ ابْنَةَ رسولِ الله ﷺ سألَتْ أبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ بَعْدَ وفَاةِ رَسُولِ الله ﷺ أنْ يَقْسِمَ لَهَا مِيْرَاثَها مَا تَرَكَ رسُولُ الله ﷺ مَمَّا أفَاءَ الله علَيْهِ. فقالَ لَهَا أبُو بَكْرٍ إنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ فغَضِبَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ رسُولِ الله ﷺ فَهَجَرَتْ أبَا بَكْرٍ فَلَمْ تَزَلْ مُهَاجِرَتَهُ حتَّى تُوُفِّيَتْ وعاشَتْ بَعْدَ رسُولِ الله ﷺ سِتَّةَ أشْهُرٍ قالَتْ وكانَتْ فاطِمَةُ تَسْألُ أبَا بَكْرٍ نَصِيبَهَا مَمَّا تَرَكَ رَسُولُ الله ﷺ مِنْ خَيْبَرَ وفَدَكَ وصَدَقَتَهُ بالْمَدِينَةِ فأبَى أبُو بَكْرٍ عَلَيْهَا ذَلِكَ وَقَالَ لَسْتُ تارِكاً شَيْئاً كانَ رَسُولُ الله يَعْمَلُ بِهِ إلَاّ عَمِلْت بِهِ فإنِّي أخْشَى إنْ تَرَكْتُ شَيْئاً مِنْ أمْرِهِ أنْ أزِيغَ فأمَّا صَدَقَتُهُ بالمَدِينَةِ فَدَفَعَها عُمَرُ إِلَى عَلِيٍّ وعَبَّاسٍ فأمَّا خَيْبَرُ وفَدَكٌ فأمْسَكَهُمَا عُمَرُ وَقَالَ هُمَا صَدَقَةُ رسُولِ الله ﷺ كانَتا لِحُقُوقِهِ الَّتِي تَعْرُوهُ ونَوَائِبِهِ وأمْرُهُمَا إِلَى مَنْ ولِيَ الأمْرَ قَالَ فَهُمَا علَى ذَلِكَ إِلَى اليَوْمِ. .
قيل: لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذكر الْخمس، وَأجِيب: بِأَن من جملَة مَا سَأَلت فَاطِمَة مِيرَاثهَا من خَيْبَر، وَقد ذكر الزُّهْرِيّ أَن بعض خَيْبَر صلح وَبَعضهَا عنْوَة، فَجرى فِيهَا الْخمس، وَقد جَاءَ فِي بعض طرق الحَدِيث فِي كتاب الْمَغَازِي، وَقَالَت عَائِشَة: إِن فَاطِمَة جَاءَت تسْأَل نصِيبهَا مِمَّا ترك رَسُول الله، ﷺ ، مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وفدك، وَمَا بَقِي من خمس خَيْبَر، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ البُخَارِيّ، وَاسْتغْنى بشهرة الْأَمر عَن إِيرَاده مكشوفاً بِلَفْظ الْخمس فِي هَذَا الْبَاب.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى الْقرشِي العامري الأويسي الْمَدِينِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده. الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَبُو إِسْحَاق الْقرشِي الزُّهْرِيّ الْمَدِينِيّ. الثَّالِث: صَالح بن كيسَان أَبُو مُحَمَّد مؤدب ولد عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّادِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي: بَاب غَزْوَة خَيْبَر، عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة: أَن فَاطِمَة بنت النَّبِي ﷺ أرْسلت إِلَى أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ... الحَدِيث.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (سَأَلت أَبَا بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا) قَالَ عِيَاض: تَأَول قوم طلب فَاطِمَة مِيرَاثهَا من أَبِيهَا على أَنَّهَا تأولت الحَدِيث أَن كَانَ بلغَهَا، قَوْله، ﷺ : إِنَّا لَا نورث على الْأَمْوَال الَّتِي لَهَا بَال، فَهُوَ الَّذِي لَا يُورث لَا مَا يتركون من طَعَام وأثاث وَسلَاح، قَالَ: وَهَذَا التَّأْوِيل يردهُ قَوْله: مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْهِ، وَقَوله: (مِمَّا ترك من خَيْبَر وفدك وصدقته بِالْمَدِينَةِ) . وَقيل: إِن طلبَهَا لذَلِك كَانَ قبل أَن تسمع الحَدِيث الَّذِي دلّ على خُصُوصِيَّة سيدنَا رَسُول الله، ﷺ ، بذلك وَكَانَت متمسكة بِآيَة الْوَصِيَّة.: ﴿وَإِن كَانَت وَاحِدَة فلهَا النّصْف﴾ (النِّسَاء: ١١) . وَقَالَ ابْن التِّين: حكى ابْن بطال أَن طَائِفَة من الشِّيعَة تزْعم أَنه لَا يُورث، قَالُوا: وَلم تطالب فَاطِمَة بِالْمِيرَاثِ، وَإِنَّمَا طالبت بِأَن النَّبِي ﷺ نحلهَا من غير علم
стр. 4348
أبي بكر، وَأنكر هَذَا، وَقَالُوا: مَا ثَبت أَنه ﷺ نحلهَا شَيْئا وَلَا أَنَّهَا طالبت بِهِ. فَإِن قلت: رووا أَن فَاطِمَة طلبت فدك، وَذكرت أَن رَسُول الله، ﷺ أقطعها إِيَّاهَا وَشهد عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على ذَلِك فَلم يقبل أَبَا بكر شَهَادَته، لِأَنَّهُ زَوجهَا. قلت: هَذَا لَا أصل لَهُ وَلَا يثبت بِهِ رِوَايَة أَنَّهَا ادَّعَت ذَلِك، وَإِنَّمَا هُوَ أَمر مفتعل لَا يثبت. قَوْله: (مَا ترك) بَيَان أَو بدل لميراثها. قَوْله: (مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْهِ) من الْفَيْء، وَهُوَ مَا حصل لَهُ ﷺ من أَمْوَال الْكفَّار من غير حَرْب وَلَا جِهَاد. قَوْله: (لَا نورث) ، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: جَمِيع الرواه لهَذِهِ اللَّفْظَة يَقُولُونَهَا بالنُّون: لَا نورث، يَعْنِي جمَاعَة الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: نَحن معاشر الْأَنْبِيَاء لَا نورث. قَوْله: (مَا تركنَا) فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء. (وَصدقَة) بِالرَّفْع خَبره، وَقد صحف بعض الشِّيعَة هَذَا وَقَالَ: لَا يُورث، بياء آخر الْحُرُوف، وَمَا تركنَا صَدَقَة، بِالنّصب على أَن يَجْعَل: مَا، مَفْعُولا لما لم يسم فَاعله، و: صَدَقَة، تنصب على الْحَال، يكون معنى الْكَلَام: أَن مَا نَتْرُك صَدَقَة لَا يُورث، وَهَذَا مُخَالف لما وَقع فِي سَائِر الرِّوَايَات، وَإِنَّمَا فعل الشِّيعَة هَذَا واقتحموه لما يلْزمهُم على رِوَايَة الْجُمْهُور من فَسَاد مَذْهَبهم، لأَنهم يَقُولُونَ: إِن النَّبِي ﷺ يُورث كَمَا يُورث غَيره من الْمُسلمين مُتَمَسِّكِينَ بِعُمُوم الْآيَة الْكَرِيمَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَا نورث بِفَتْح الرَّاء، وَالْمعْنَى على الْكسر أَيْضا صَحِيح.
ثمَّ الْحِكْمَة فِي سَبَب عدم مِيرَاث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَنه لَا يظنّ بهم أَنهم جمعُوا المَال لورثتهم، وَقيل: لِئَلَّا يخْشَى على وارثهم أَن يتَمَنَّى لَهُم الْمَوْت فَيَقَع فِي مَحْذُور عَظِيم. وَقيل: لأَنهم كالآباء لأمتهم، فَمَا لَهُم لكل أَوْلَادهم، وَهُوَ معنى الصَّدَقَة. قَوْله: (فهجرت أَبَا بكر) قَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا كَانَ هجرها انقباضاً عَن لِقَائِه وَترك مواصلته، وَلَيْسَ هَذَا من الهجران الْمحرم، وَأما الْمحرم من ذَلِك أَن يلتقيا فَلَا يسلم أَحدهمَا على صَاحبه وَلم يرو أحد أَنَّهُمَا التقيا وامتنعا من التَّسْلِيم، وَلَو فعلا ذَلِك لم يَكُونَا متهاجرين إلَاّ أَن تكون النُّفُوس مظهرة للعداوة والهجران، وَإِنَّمَا لازمت بَيتهَا فَعبر الرَّاوِي عَن ذَلِك بالهجران. وَقد ذكر فِي كتاب (الْخمس) تأليف أبي حَفْص بن شاهين عَن الشّعبِيّ: أَن أَبَا بكر قَالَ لفاطمة: يَا بنت رَسُول الله، ﷺ مَا خير عَيْش حَيَاة أعيشها وَأَنت عليَّ ساخطة؟ فَإِن كَانَ عنْدك من رَسُول الله، ﷺ ، فِي ذَلِك عهد فَأَنت الصادقة المصدقة المأمونة على مَا قلت. قَالَ: فَمَا قَامَ أَبُو بكر حَتَّى رضيت وَرَضي. وروى الْبَيْهَقِيّ عَن الشّعبِيّ قَالَ: لما مَرضت فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَتَاهَا أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَاسْتَأْذن عَلَيْهَا فَقَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يَا فَاطِمَة هَذَا أَبُو بكر يسْتَأْذن عَلَيْك فَقَالَت: أَتُحِبُّ أَن آذن لَهُ؟ قَالَ: نعم، فَأَذنت لَهُ فَدخل عَلَيْهَا يَتَرَضَّاهَا، فَقَالَ: وَالله مَا تركت الدَّار وَالْمَال والأهل وَالْعشيرَة إلَاّ ابْتِغَاء مرضاة الله ومرضاة رَسُوله ومرضاتكم أهل الْبَيْت، ثمَّ ترضاها حَتَّى رضيت، وَهَذَا قوي جيد، وَالظَّاهِر أَن الشّعبِيّ سَمعه من عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَو مِمَّن سَمعه من عَليّ. فَإِن قلت: روى أَحْمد وَأَبُو دَاوُد عَن أبي الطُّفَيْل، قَالَ: لما قبض رَسُول الله، ﷺ أرْسلت فَاطِمَة إِلَى أبي بكر: لأَنْت ورثت رَسُول الله، ﷺ أم أَهله؟ فَقَالَ: لَا بل أَهله. قَالَت: فَأَيْنَ سهم رَسُول الله، ﷺ ؟ فَقَالَ أَبُو بكر: إِنِّي سَمِعت رَسُول الله، ﷺ يَقُول: إِن الله تَعَالَى إِذا أطْعم نَبيا طعمة ثمَّ قَبضه جعله للَّذي يقوم من بعده، فَرَأَيْت أَن أرده على الْمُسلمين. قَالَت: فَأَنت وَمَا سَمِعت من رَسُول الله، ﷺ . قلت: فِي لَفْظَة غرابة ونكارة، وَفِي إِسْنَاده من يتشيع، وَأحسن مَا فِيهِ قَوْلهَا: أَنْت وَمَا سَمِعت من رَسُول الله، ﷺ ، وَهَذَا هُوَ المظنون بهَا، واللائق بأمرها وسيادتها وَعلمهَا ودينها. قَوْله: (وفدك) بِالْفَاءِ وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ المفتوحتين منصرفاً وَغير منصرف، بَينهَا وَبَين مَدِينَة الرَّسُول ﷺ مرحلتان، وَقيل: ثَلَاث. قَوْله: (وصدقته بِالْمَدِينَةِ) أَي: أملاكه الَّتِي بِالْمَدِينَةِ الَّتِي صَارَت بعده ﷺ صَدَقَة، وَيُقَال: صدقته بِالْمَدِينَةِ أَمْوَال بني النَّضِير، وَكَانَت قريبَة من الْمَدِينَة. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وَهِي مِمَّا أَفَاء الله على رَسُوله ﷺ مِمَّا لم يوجف عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ بخيل وَلَا ركاب، وَقَالَ عِيَاض: الصَّدقَات الَّتِي صَارَت إِلَيْهِ ﷺ : أَحدهَا: من وَصِيَّة مخيريق يَوْم أحد، وَكَانَت سبع حَوَائِط فِي بني النَّضِير. قلت: مخيريق كَانَ يَهُودِيّا فَأعْطى تِلْكَ الحوائط لرَسُول الله، ﷺ عِنْد إِسْلَامه. الثَّانِي: مَا أعطَاهُ الْأَنْصَار من أَرضهم، وَهُوَ مِمَّا لَا يبلغهُ المَاء، وَكَانَ هَذَا ملكا لَهُ ﷺ ، وَمِنْهَا حَقه من الْفَيْء من أَمْوَال بني النَّضِير، كَانَت لَهُ خَاصَّة حِين أجلاهم، وَكَذَا نصف أَرض فدك، صَالح أَهلهَا بعد
стр. 4349
فتح خَيْبَر على نصف أرْضهَا فَكَانَت خَالِصَة لَهُ، وَكَذَا ثلث أَرض وَادي الْقرى، أَخذه فِي الصُّلْح حِين صَالح الْيَهُود، وَكَذَا حصنان من حصون خَيْبَر: الوطيح والسلالم أخذهما صلحا. وَمِنْهَا: سَهْمه من خمس خَيْبَر وَمَا افْتتح فِيهَا عنْوَة، فَكَانَت هَذِه كلهَا ملكا لسيدنا رَسُول الله، ﷺ خَاصَّة لَا حق لأحد فِيهَا، فَكَانَ يَأْخُذ مِنْهَا نَفَقَته وَنَفَقَة أَهله وَيصرف الْبَاقِي فِي مصَالح الْمُسلمين. وَقَالَ ﷺ : (مَا تركت بعد نَفَقَة نسَائِي ومؤونة عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَة) . وَكَانَ ابْن عُيَيْنَة يَقُول: أَزوَاج النَّبِي ﷺ فِي معنى المعتدَّات لِأَنَّهُنَّ لَا يجوز لَهُنَّ النِّكَاح أبدا، فجرت عَلَيْهِنَّ النَّفَقَة وَتركت لَهُنَّ حجرهن يسكنهَا، وَأَرَادَ بمؤونة الْعَامِل من يَلِي بعده. قَوْله: (لست تَارِكًا شَيْئا عمله رَسُول الله، ﷺ إِلَّا عملته) يَعْنِي: أَنه كَانَ مَعَ مَا كَانَ يعْمل يخبر أَنه لَا يُورث عَنهُ، قَالَه الدَّاودِيّ قَوْله: (أَن أزيغ) من الزيغ بالزاي والغين الْمُعْجَمَة، وَهُوَ الْميل يَعْنِي: أَن أميل عَن الْحق قَوْله: (فَأَما صدقته) إِلَى آخِره من كَلَام عَائِشَة أَيْضا. قَوْله: (فَدَفعهَا) أَي: دفع عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الصَّدَقَة الْمَذْكُورَة إِلَى عَليّ بن أبي طَالب وعباس عَمه، ﷺ ، ليتصرفا فِيهَا وينتفعا مِنْهَا بِقدر حَقّهمَا، كَمَا تصرف رَسُول الله، ﷺ ، لَا على جِهَة تَمْلِيكه لَهما. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لما ولي عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لم يُغير هَذِه الصَّدَقَة عَمَّا كَانَت فِي أَيَّام الشَّيْخَيْنِ، ثمَّ كَانَت بعده بيد الْحسن ثمَّ بيد الْحُسَيْن ثمَّ بيد عَليّ بن الْحُسَيْن ثمَّ بيد الْحسن بن الْحسن ثمَّ بيد زيد بن الْحسن ثمَّ بيد عبد الله بن حُسَيْن ثمَّ وَليهَا بَنو الْعَبَّاس على مَا ذكره البرقاني فِي (صَحِيحه) وَلم يرو عَن أحد من هَؤُلَاءِ أَنه تَملكهَا وَلَا ورثهَا وَلَا ورثت عَنهُ، فَلَو كَانَ مَا يَقُوله الشِّيعَة حَقًا لأخذها عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَو أحد من أهل بَيته لما ولوها. قَوْله: (الَّتِي تعروه) أَي: تنزل وتنتابه وتغشاه. قَوْله: (ونوائبه) النوائب جمع نائبة، وَهِي الْحَادِثَة الَّتِي تصيب الرجل.
قَالَ أَبُو عبْدِ الله اعْتَرَاكَ افْتَعَلْتَ مِنْ عَرَوْتُهُ فأصَبْتُهُ ومِنْهُ يَعْرُوهُ واعْتَرَانِي
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. قَوْله: (اعتراك) أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اعتراك بعض آلِهَتنَا بِسوء﴾ (هود: ٤٥) . قَوْله، افتعل،
أَرَادَ بِهِ أَنه من بَاب الافتعال، وَأَصله من: عروته إِذا أصبته. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: عراني هَذَا الْأَمر واعتراني إِذا غشيك، وعروت الرجل أعروه عرواً إِذا أَلممْت بِهِ وأتيته طَالبا فَهُوَ معرو، وَفُلَان تعروه الأضياف ويعتريه أَي: تغشاه.
قِصَّةُ فَدَك
٤٩٠٣ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ مُحَمَّدٍ الفَرَوِيُّ قَالَ حدَّثنا مالِكُ بنُ أنَسٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ مالِكِ بنِ أوْسِ بنِ الحدَثَانِ وكانَ مُحَمَّدُ بنُ جُبَيْرٍ ذَكَرَ لي ذِكْراً مِنْ حَدِيثِهِ ذَلِكَ فانْطَلَقْتُ حتَّى أدْخُلَ علَى مالِكٍ بنِ أوْسٍ فَسَألْتُهُ عَنْ ذَلِكَ الحَدِيثِ فقالَ مالِكٌ بَيْنا أنَا جالِسٌ فِي أهْلِي حِينَ متَعَ النَّهَارُ إذَا رسُولُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ يأتِينِي فَقَالَ أجِبْ أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ حَتَّى أدُخُلَ علَى عُمَرَ فإذَا هُوَ جالِسٌ علَى رِمَالِ سَرِيرٍ لَيْسَ بَيْنَه وبَيْنَهُ فِرَاشٌ مُتَّكِيءٌ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أدَمٍ فَسَلَّمْتُ علَيْهِ ثُمَّ جَلَسْتُ فَقَالَ يَا مالِ إنَّهُ قَدِمَ علَيْنَا مِنْ قَوْمِكَ أهْلُ أبْيَاتٍ وقَدْ أمَرْتُ فِيهِمْ بِرَضْخٍ فاقْبِضْهُ فاقْسِمْهُ بَيْنَهُمْ فَقُلْتُ يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لوْ أمَرْتَ بِهِ غَيْرِي قَالَ اقْبِضْهُ أيُّهَا الْمَرْء فَبَيْنا أَنا جَالِسٌ عنْدَهُ أتَاهُ حاجِبُهُ يَرْفا فَقَالَ هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ وعبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَوْفٍ والزُّبَيْرِ وسَعْدِ بنِ أبِي وقَّاصٍ يَسْتَأذِنُونَ قَالَ نَعَمْ فأذِنَ لَهُمْ فدَخَلُوا فَسَلَّمُوا وجَلَسُوا ثُمَّ جَلَسَ يَرْفا يَسِيرا ثُمَّ قَالَ هَلْ لَكَ فِي علِيٍّ وعَبَّاسٍ قَالَ نعَمْ فأذِنَ لَهُمَا فَدَخَلَا فَسَلَّمَا فجَلَسَا فَقَالَ عبَّاسٌ يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنينَ اقْضِ بَيْنِي
стр. 4350
وبَيْنَ هذَا وهُمَا يَخْتَصِمَانِ فِيما أفَاءَ الله علَى رَسولهِ ﷺ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ فَقَالَ الرَّهْطُ عُثْمَانُ وأصْحَابُهُ يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنينَ اقْضِ بَيْنَهُمَا وأرِحْ أحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ قَالَ عُمَرُ تَيْدَكُمْ أنْشُدُكُمْ بِاللَّه الَّذِي بإذْنِهِ تَقُومُ السَّماءُ والأرْضُ هلْ تَعْلَمُونَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنا صَدَقَةٌ يُرِيدُ رسُولُ الله ﷺ نَفْسَهُ قَالَ الرَّهْطُ قدْ قَالَ ذَلِكَ فأقْبَلَ عُمَرُ علَى عَلِيٍّ وعَبَّاسٍ فَقَالَ أنْشُدُكُمَا الله أتَعْلَمَانِ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَدْ قالَ ذَلِكَ قالَا قَدْ قالَ ذَلِكَ قَالَ عُمَرُ فإنِّي أُحَدِّثُكُمْ عنْ هَذَا الأمْرِ إنَّ الله قَدْ خَصَّ رسُولَهُ ﷺ فِي هَذَا الفَيْءِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أحَداً غَيْرَهُ ثُمَّ قرَأ ﴿وَمَا أفاءَ الله علَى رسُولهِ مِنْهُم﴾ (الْحَشْر: ٦) . إلَى قَوْلِهِ ﴿قَدِيرٌ﴾ فَكانَتْ هاذِهِ خالِصَةَ لِرَسُولِ الله ﷺ وَالله مَا احْتَازَها دُونَكُمْ ولَا اسْتَأثَرَ بِهَا علَيْكُمْ قَدْ أعْطَاكُمُوهَا وبَثَّهَا فِيكُمْ حتَّى بَقِيَ مِنْها هذَا المَالُ فَكانَ رسُولُ الله ﷺ يُنْفِقُ علَى أهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هاذَا المَالِ ثُمَّ يأخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مالٍ الله فَعَمِلَ رسولُ الله ﷺ بِذَلِكَ حَياتَهُ أنْشُدُكُمْ بِاللَّه هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ قَالُوا نَعَمْ ثُمَّ قَالَ لِعَلِيُ وعَبَّاسٍ أنْشُدُكُمَا بِاللَّه هَلْ تَعْلَمانِ ذَلِكَ قَالَ عُمَرُ ثُمَّ تَوَفَّى الله نِبِيَّهُ ﷺ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَنا ولِيُّ رسُولِ الله ﷺ فقَبَضَها أبُو بَكْرٍ فَعَمِلَ فِيهَا بِما عَمِلَ رسُولُ الله ﷺ وَالله يَعْلَمُ إنَّهُ فِيها لَصادِقٌ بارٌّ راشِدٌ تابِعٌ لِلْحَقِّ ثُمَّ تَوَفَّى الله أبَا بَكْرٍ فَكُنْتُ أنَا وَلِيَّ أبي بَكْرٍ فقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ مِنْ إمَارَتِي أعْمَلُ فِيها بِمَا عَمِلَ رسُولُ الله ﷺ ومَا عَمِلَ فِيِهَا أبُو بَكْرٍ وَالله يَعْلَمُ إنِّي فِيهَا لَصادِقٌ بارٌّ راشِدٌ تابِعٌ لِلْحَقِّ ثُمَّ جِئْتُمَاني تُكَلِّمَانِي وَكَلِمَتُكُما واحِدَةٌ وأمْرُكُمَا واحِدٌ جِئْتَنِي يَا عَبَّاسُ تَسْألُنِي نَصِيبَكَ مِنِ ابنِ أخِيكَ وجاءَنِي هذَا يُرِيدُ عَلِيّاً يُرِيدُ نَصِيبَ امْرَأتِهِ مِنْ أبِيهَا فَقُلْتُ لَكُمَا إنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ فَلَمَّا بَدَا لي أنْ أدْفَعَهُ إلَيْكُمَا قُلْتُ إنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهَا إلَيْكُمَا علَى أنَّ عَلَيُكُمَا عَهْدَ الله ومِيثَاقَهُ لَتَعْمَلان فِيها بِما عَمِلَ رسولُ الله ﷺ وبِمَا عَمِلَ فِيهَا أبُو بَكْرٍ وبِمَا عَمِلْتُ فِيهَا مُنْذُ وَلِيتُهَا فَقُلْتُمَا ادْفَعْهَا إلَيْنَا فَبِذَلِكَ دَفَعْتُها إلَيْكُما فأنْشُدُكُمْ بِاللَّه هَلْ دَفَعْتُها إلَيْهِمَا بِذَلِكَ قَالَ الرَّهْطُ نَعَمْ ثُمَّ أقْبَلَ عَلى عَلِيٍّ وعبَّاسٍ فقالَ أنْشُدُكُما بِاللَّه هَلْ دَفَعْتُها إلَيْكُمَا بِذَلِكَ قالَا نَعَمْ قَالَ فَتَلْتَمِسَانه مِنِّي قَضاءٍ غَيْرَ ذَلِكَ فَوَالله الَّذِي بإذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ والأرْضُ لَا أقْضِي فِيها قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ فإنْ عَجَزْتُمَا عَنْها فادْفَعَاها إلَيَّ فإنِّي أكْفِيكُمَاها. .
стр. 4351
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إِن الله قد خص رَسُوله) إِلَى قَوْله: (فَكَانَت هَذِه خَالِصَة لرَسُول الله، ﷺ لَا من جملَة مَا سَأَلت فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، مَا بَقِي من خمس خَيْبَر، وَكَانَ عَليّ وعباس يختصمان فِي الْفَيْء الَّذِي خص الله تَعَالَى نبيه بذلك كَمَا سَيَجِيءُ بَيَان ذَلِك أَن قي الْفَيْء خص رَسُول الله ﷺ بِشَيْء دون غَيره وَحقه فِي الْفَيْء من أَمْوَال بني النَّضِير كَانَت لَهُ خَاصَّة حِين أجلاهم، وَكَذَا نصف أَرض فدك، صَالح أَهلهَا بعد فتح خَيْبَر على نصف أرْضهَا فَكَانَت خَالِصَة لَهُ، وَكَذَا ثلث أَرض وَادي الْقرى، أَخذه فِي الصُّلْح حِين صَالح الْيَهُود، وَكَذَا حصنان من حصون خَيْبَر: الوطيح والسلالم، أخذهما صلحا، وَمِنْهَا: سَهْمه من خمس خَيْبَر وَمَا افْتتح مِنْهَا عنْوَة فَكَانَ هَذَا ملكا لَهُ خَاصَّة لَا حق لأحد فِيهَا.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: إِسْحَاق بن مُحَمَّد الْفَروِي، بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وبالواو. وَقَالَ الغساني: وَفِي بعض النّسخ: مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَهُوَ خطأ. الثَّانِي: مَالك بن أنس. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: مَالك ابْن أَوْس، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْوَاو وبالسين الْمُهْملَة: ابْن الْحدثَان، بالمهملتين المفتوحتين وبالثاء الْمُثَلَّثَة: ابْن عَوْف بن ربيعَة النصري من بني نصر بن مُعَاوِيَة، يكنى أَبَا سعيد، زعم أَحْمد بن صَالح الْمصْرِيّ وَكَانَ من جملَة أهل هَذَا الشان: أَن لَهُ صُحْبَة، وَقَالَ سَلمَة بن وردان: رَأَيْت جمَاعَة من أَصْحَاب رَسُول الله، ﷺ ، فَذكرهمْ وَذكر فيهم مَالك بن أَوْس بن الْحدثَان النصري، وَقَالَ أَبُو عمر: لَا أحفظ لَهُ صُحْبَة أَكثر مِمَّا ذكرت، وَلَا أعلم لَهُ رِوَايَة عَن النَّبِي ﷺ ، وَأما رِوَايَته عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأكْثر من أَن تذكر، وروى عَن الْعشْرَة الْمُهَاجِرين وَعَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب، روى عَنهُ مُحَمَّد بن جُبَير بن مطعم وَالزهْرِيّ وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر وَآخَرُونَ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَهُوَ ابْن أَربع وَتِسْعين سنة. الْخَامِس: مُحَمَّد بن جُبَير، بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مطعم بن عدي بن نَوْفَل بن عدي بن عبد منَاف الْقرشِي الْمَدِينِيّ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ زمن عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النَّفَقَات عَن سعيد بن عفير وَفِي الِاعْتِصَام عَن عبد الله بن يُوسُف وَفِي الْفَرَائِض عَن يحيى بن بكير، وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن عبد الله بن أَسمَاء وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَمُحَمّد بن رَافع وَعبد بن حميد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن الْحسن بن عَليّ الْخلال وَمُحَمّد بن يحيى بن فَارس وَعَن مُحَمَّد ابْن عبيد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي السّير عَن الْحسن بن عَليّ الْخلال بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْفَرَائِض عَن عَمْرو بن عَليّ وَفِي قسم الْفَيْء عَن عَليّ بن حجر وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حَتَّى أَدخل) ، يجوز فِيهِ ضم اللَّام وَفتحهَا، فَوجه الضَّم هُوَ أَن تكون: حَتَّى، عاطفة وَالْمعْنَى: انْطَلَقت فَدخلت، وَوجه الْفَتْح هُوَ أَن تكون: حَتَّى، بِمَعْنى: كي، وَمثله قَوْله تَعَالَى: ﴿وزلزلوا حَتَّى يَقُول الرَّسُول﴾ (الْبَقَرَة: ٤١٢) . قَوْله: (بَينا) ، قد مر غير مرّة أَن أَصله: بَين، فأشبعت فَتْحة النُّون بِالْألف وَرُبمَا تزاد فِيهِ الْمِيم، فَيُقَال: بَيْنَمَا، وهما ظرفا زمَان ويضافان إِلَى جملَة إسمية وفعلية ويحتاجان إِلَى جَوَاب يتم بِهِ الْمَعْنى، وَجَوَابه هُوَ قَوْله: إِذا رَسُول عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، والأفصح أَن لَا يكون فِي جوابهما إِذْ وَإِذا. قَوْله: (حِين متع النَّهَار) ، بِالْمِيم وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَالْعين الْمُهْملَة المفتوحات، وَمَعْنَاهُ: حِين ارْتَفع وَطَالَ ارتفاعه. وَقَالَ صَاحب (الْعين) : متع النَّهَار متوعاً، وَذَلِكَ قبل الزَّوَال، وَقيل: مَعْنَاهُ طَال وَعلا، وامتع الشَّيْء: طَالَتْ مدَّته، وَمِنْه فِي الدُّعَاء: أمتعني الله بك، وَقيل: مَعْنَاهُ نفعنى الله بك، وَقَالَ الدَّاودِيّ: متع صَار قرب نصف النَّهَار، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد أرسل عَليّ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حِين تَعَالَى النَّهَار، وَفِي رِوَايَة مُسلم: أرسل إِلَيّ عمر بن الْخطاب فَجِئْته حِين تَعَالَى النَّهَار. قَوْله: (على رمال سَرِير) ، الرمال بِكَسْر الرَّاء وَضمّهَا مَا ينسج من سعف النّخل ليضطجع عَلَيْهِ، وَيُقَال: رمل سَرِيره وأرمله إِذا رمل شريطاً أَو غَيره فَجعله ظهرا. وَقيل: رمال السرير: مَا مد على وَجهه من خيوط وشريط وَنَحْوهمَا، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد فَجِئْته فَوَجَدته فِي بَيته جَالِسا على سَرِير مفضياً إِلَى رماله، وَفِي رِوَايَة مُسلم: فَوَجَدته فِي بَيته جَالِسا على سَرِيره مفضياً إِلَى رماله مُتكئا على وسَادَة من أَدَم. قَوْله: (مفضياً إِلَى رماله) ، يَعْنِي: لَيْسَ بَينه وَبَين رماله شَيْء، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَن
стр. 4352
الْعَادة أَن يكون فَوق الرمال فرَاش أَو نَحوه، وَمعنى قَوْله: لَيْسَ بَينه وَبَينه أَي: لَيْسَ بَين عمر وَبَين الرمال فرَاش. قَوْله: (يَا مَال) أَي: يَا مَالك، فرخمه، بِحَذْف الْكَاف، وَيجوز ضم اللَّام وَكسرهَا على الْوَجْهَيْنِ فِي التَّرْخِيم. قَوْله: (إِنَّه قدم علينا من قَوْمك) وَفِي رِوَايَة مُسلم: أَنه قد دف أهل أَبْيَات من قَوْمك، وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي دَاوُد: دف من الدُّف وَهُوَ الْمَشْي بِسُرْعَة. قَوْله: (برضخ) ، بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره خاء مُعْجمَة وَهِي الْعَطِيَّة القليلة غير الْمقدرَة. قَوْله: (لَو أمرت بِهِ غَيْرِي) ، أَي: لَو أمرت بِدفع الرضخ إِلَيْهِم غَيْرِي، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: وَقد أمرت فيهم بِشَيْء فاقسم فيهم. قلت: لَو أمرت غَيْرِي بذلك؟ فَقَالَ: خُذْهُ وَفِي رِوَايَة مُسلم: لَو أمرت بِهَذَا غَيْرِي قَالَ: خُذْهُ يَا مَال. قَوْله: (إقبضه أَيهَا الْمَرْء) هُوَ عزم عَلَيْهِ فِي قَبضه. قَوْله: (يرفأ) هُوَ مولى عمر وحاجبه، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْفَاء مهموزاً وَغير مَهْمُوز، وَهُوَ الْأَشْهر، وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ: اليرفأ بِالْألف وَاللَّام. قَوْله: (هَل لَك فِي عُثْمَان؟) أَي: هَل لَك إِذن فِي عُثْمَان؟ وَقَالَ الْكرْمَانِي: هَل لَك رَغْبَة فِي دُخُولهمْ؟ قَوْله: (يستأذنون) جملَة حَالية. قَوْله: (إقضِ بيني وَبَين هَذَا؟) يَعْنِي: عَليّ بن أبي طَالب، وَفِي رِوَايَة مُسلم: إقض بيني وَبَين هَذَا الْكَاذِب الْإِثْم الغادر الخائن، يَعْنِي: الْكَاذِب إِن لم ينصف، فَحذف الْجَواب. وَزعم الْمَازرِيّ أَن هَذِه اللَّفْظَة ننزه الْقَائِل وَالْمقول فِيهِ عَنْهَا وننسبها إِلَى أَن بعض الروَاة وهم فِيهَا، وَقد أزالها بعض النَّاس من كِتَابه تورعاً، وَإِن لم يكن الْحمل فِيهَا على الروَاة فأجود مَا يحمل عَلَيْهِ أَن الْعَبَّاس قَالَهَا إدلالاً عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة وَالِده، وَلَعَلَّه أَرَادَ ردع عَليّ عَمَّا يعْتَقد أَنه مخطىء فِيهِ، وَأَن هَذِه الْأَوْصَاف يَتَّصِف بهَا لَو كَانَ يَفْعَله عَن قصد، وَإِن كَانَ عَليّ لَا يَرَاهَا مُوجبَة لذَلِك فِي اعْتِقَاده، وَهَذَا كَمَا يَقُول الْمَالِكِي شَارِب النَّبِيذ نَاقص الدّين والحنفي يعْتَقد أَنه لَيْسَ بناقص وكل وَاحِد محق فِي اعْتِقَاده وَلَا بُد من هَذَا التَّأْوِيل لِأَن هَذِه الْقَضِيَّة جرت بِحَضْرَة عمر وَالصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَلم يُنكر أحد مِنْهُم هَذَا الْكَلَام مَعَ تشددهم فِي إِنْكَار الْمُنكر، وَمَا ذَلِك إلَاّ أَنهم فَهموا بِقَرِينَة الْحَال أَنه تكلم بِمَا لَا يَعْتَقِدهُ. انْتهى. قلت: كل هَذَا لَا يُفِيد شَيْئا، بل يجب إِزَالَة هَذِه اللَّفْظَة عَن الْكتاب، وحاشا من عَبَّاس أَن يتَلَفَّظ بهَا وَلَا سِيمَا بِحَضْرَة عمر بن الْخطاب وَجَمَاعَة من الصَّحَابَة، وَلم يكن عمر مِمَّن يسكت عَن مثل هَذَا لصلابته فِي أُمُور الدّين وَعدم مبالاته من أحد، وَفِي مَا قَالَه نِسْبَة عمر إِلَى ترك الْمُنكر وعجزه عَن إِقَامَة الْحق، فاللائق لحَال الْكل إِزَالَة هَذِه من الْوسط، فَلَا يحْتَاج إِلَى تَأْوِيل غير طائل، فَافْهَم. قَوْله: (وهما يختصمان) أَي: الْعَبَّاس وَعلي يختصمان، أَي: يتجادلان ويتنازعان، وَالْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (فِيمَا أَفَاء الله على رَسُوله ﷺ ، من مَال بني النَّضِير) وَهُوَ مِمَّا لم يوجف عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ بخيل وَلَا ركاب، وَهُوَ المَال الَّذِي بِالْمَدِينَةِ وفدك وَمَا بَقِي من خمس خَيْبَر، وَفِي رِوَايَة عَن الزُّهْرِيّ: قرى غربية فدك، وَقَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: ﴿وَمَا أَفَاء الله على رَسُوله مِنْهُم﴾ (الْحَشْر: ٦) . الْآيَة هُوَ من أَمْوَال الْكفَّار وَأهل الْقرى، وهم قُرَيْظَة وَالنضير وهما بِالْمَدِينَةِ، وفدك وخيبر وقرى غربية وينبع، كَذَا فِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) . قَوْله: (فَقَالَ الرَّهْط) ، وهم المذكورون فِيمَا مضى، وهم عُثْمَان وَأَصْحَابه فَقَوله: عُثْمَان، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هم عُثْمَان وَأَصْحَابه المذكورون، وَيجوز أَن يكون بَيَانا أَو بَدَلا. قَوْله: (وأرح) ، أَمر من الإراحة، بالراء الْمُهْملَة. وَفِي رِوَايَة مُسلم: فَاقْض بَينهم وأرحهم، فَقَالَ مَالك بن أَوْس: يخيل إِلَيّ أَنهم كَانُوا قدموهم لذَلِك، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: فَقَالَ الْعَبَّاس: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إقضِ بيني وَبَين هَذَا! يَعْنِي: عليا، فَقَالَ بَعضهم: أجل يَا أَمِير المؤمِنين، فَاقْض بَينهمَا وأرحهما. قَوْله: (فَقَالَ عمر: تيدكم) بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسرهَا وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وَضمّهَا، وَهُوَ اسْم فعل: كرويد، أَي: اصْبِرُوا وأمهلوا وعَلى رسلكُمْ، وَقيل: إِنَّه مصدر تأد يتئد، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: هُوَ من التؤدة، كَأَنَّهُ قَالَ: إلزموا تؤدتكم، يُقَال: تأد تأداً كَأَنَّهُ أَرَادَ أَن يَقُول: تأدكم، فابدل من الْهمزَة يَاء يَعْنِي آخر الْحُرُوف، هَكَذَا ذكره أَبُو مُوسَى، وَفِي رِوَايَة مُسلم: اتئدوا، أَي: تأنوا واصبروا. قَوْله: (أنْشدكُمْ بِاللَّه) ، بِضَم الشين، أَي: أَسأَلكُم بِاللَّه، يُقَال: نشدتك الله وَبِاللَّهِ. قَوْله: (لَا نورث، مَا تركنَا صَدَقَة) قد مضى تَفْسِيره، وَأَن الرِّوَايَة بالنُّون. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: يَعْنِي جمَاعَة الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَمَا فِي رِوَايَة أُخْرَى: نَحن معاشر الْأَنْبِيَاء لَا نورث، روى أَبُو عمر فِي (التَّمْهِيد) من حَدِيث ابْن شهَاب عَن مَالك ابْن أَوْس عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِنَّا معشر الْأَنْبِيَاء مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة، وَهَذَا حجَّة على الْحسن الْبَصْرِيّ فِي ذَهَابه إِلَى أَن هَذَا خَاص بنبينا، مُحَمَّد ﷺ ، دون غَيره من الْأَنْبِيَاء، فاستدل بقوله تَعَالَى فِي قصَّة زَكَرِيَّاء، ﵇:
стр. 4353
﴿يَرِثنِي وَيَرِث من آل يَعْقُوب﴾ (مَرْيَم: ٦) . وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَورث سُلَيْمَان دَاوُد﴾ (النَّمْل: ٦١) . وَحمل جُمْهُور الْعلمَاء الْآيَتَيْنِ على مِيرَاث الْعلم والنبوة وَالْحكمَة ومنطق الطير فِي حق سُلَيْمَان ﵇. قَوْله: (قد قَالَ ذَلِك) أَي: قَوْله ﷺ : لَا نورث مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة، وَكَذَلِكَ معنى قَوْله: قد قَالَ ذَلِك، فِي الْمَوْضِعَيْنِ الآخرين. قَوْله: (وَلم يُعْطه أحدا غَيره) أَي: لم يُعْط الْفَيْء أحدا غير النَّبِي ﷺ ، لِأَنَّهُ خصص الْفَيْء كُله لَهُ، كَمَا هُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور، أَو جله، كَمَا هُوَ مَذْهَب الشافعة. وَقيل: أَي حَيْثُ حلل الْغَنِيمَة لَهُ وَلم تحل لسَائِر الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَقَالَ القَاضِي: تَخْصِيصه بالفيء إِمَّا كُله أَو بعضه،، وَهل فِي الْفَيْء خمس أم لَا؟ قَالَ ابْن الْمُنْذر: لَا نعلم أحدا قبل الشَّافِعِي قَالَ بالخمس. قَوْله: (ثمَّ قَرَأَ ﴿وَمَا أَفَاء الله على رَسُول مِنْهُم﴾ ) (الْحَشْر: ٦) . إِلَى قَوْله: ﴿قدير﴾ (الْحَشْر: ٦) . وَتَمام الْآيَة: ﴿فَمَا أَوجَفْتُمْ عَلَيْهِ من خيل وَلَا ركاب وَلَكِن الله يُسَلط رسله على من يَشَاء وَالله على كل شَيْء قدير﴾ (الْحَشْر: ٦) . أَي: وَمَا رد الله على رَسُوله وَرجع إِلَيْهِ، وَمِنْه فِي فَيْء الظل، والفيء كالعود وَالرُّجُوع يسْتَعْمل بِمَعْنى الْمصير، وَإِن لم يتَقَدَّم ذَلِك قَوْله: فَمَا أَوجَفْتُمْ، من الإيجاف من الوجيف، وَهُوَ السّير السَّرِيع وَالْمعْنَى: إِنَّمَا جعل الله لرَسُوله من أَمْوَال بني النَّضِير شَيْئا لم تحصلوه بِالْقِتَالِ وَالْغَلَبَة، وَلَكِن سلط الله رَسُوله عَلَيْهِم وعَلى أَمْوَالهم كَمَا كَانَ يُسَلط رسله على أعدائهم، فَالْأَمْر فِيهِ مفوض إِلَيْهِ يَضَعهُ حَيْثُ يَشَاء، وَهُوَ معنى قَوْله: فَكَانَت هَذِه خَالِصَة لرَسُول الله، ﷺ ، وَلَا حق لأحد فِيهَا، فَكَانَ يَأْخُذ مِنْهَا نَفَقَته وَنَفَقَة أَهله وَيصرف الْبَاقِي فِي مصَالح الْمُسلمين، وَفِي رِوَايَة مُسلم: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِن الله خص رَسُوله بِخَاصَّة لم يخصص بهَا أحدا غَيره. قَالَ: ﴿مَا أَفَاء الله على رَسُوله من أهل الْقرى فَللَّه وَلِلرَّسُولِ﴾ (الْحَشْر: ٧) . مَا أَدْرِي هَل قَرَأَ الْآيَة الَّتِي قبلهَا أم لَا. قَالَ: فقسم رَسُول الله، ﷺ ، بَيْنكُم أَمْوَال بني النَّضِير، فوَاللَّه مَا اسْتَأْثر عَلَيْكُم وَلَا أَخذهَا دونكم حَتَّى بَقِي هَذَا المَال، وَكَانَ رَسُول الله، ﷺ يَأْخُذ مِنْهُ نَفَقَته سنة ثمَّ يَجْعَل مَا بَقِي أُسْوَة المَال. انْتهى. وَهَذَا تَفْسِير لرِوَايَة البُخَارِيّ فِي نفس الْأَمر. فَقَوله: (وَالله مَا احتازها) أَي: مَا جمعهَا دونكم، وَهُوَ بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي. قَوْله: (وَلَا اسْتَأْثر بهَا) ، أَي: وَلَا استبد بهَا وتخصص بهَا عَلَيْكُم. قَوْله: (وبثها فِيكُم) ، أَي: فرقها عَلَيْكُم. قَوْله: قَوْله: (نَفَقَة سنتهمْ) ، فَإِن قلت: كَيفَ يجمع هَذَا مَعَ مَا ثَبت أَن درعه حِين وَفَاته كَانَت مَرْهُونَة على الشّعير استدانة لأَهله؟ قلت: كَانَ يعْزل مِقْدَار نَفَقَتهم مِنْهُ ثمَّ ينْفق ذَلِك أَيْضا فِي وُجُوه الْخَيْر إِلَى حِين انْقِضَاء السّنة عَلَيْهِم. قَوْله: (فَجعل مَال الله) ، بِفَتْح الْمِيم وَهُوَ مَوضِع الْجعل بِأَن يَجعله فِي السِّلَاح والكراع ومصالح الْمُسلمين. قَوْله: (فَلَمَّا بدا) ، أَي: ظهر وَصَحَّ لي. قَوْله: (من ابْن أَخِيك) ، وَهُوَ رَسُول الله، ﷺ لِأَن أَخَاهُ عبد الله وَالنَّبِيّ ﷺ ابْن عبد الله. قَوْله: (يُرِيد نصيب امْرَأَته من أَبِيهَا) أَي: يُرِيد عَليّ بن أبي طَالب نصيب زَوجته فَاطِمَة الَّذِي آل إِلَيْهَا من أَبِيهَا، وَهُوَ رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ الْكرْمَانِي: إِن كَانَ الدّفع إِلَيْهِمَا صَوَابا فَلم لم يَدْفَعهُ فِي أول الْحَال؟ وإلَاّ فَلم دَفعه فِي الآخر؟ وَأجَاب بِأَنَّهُ منع أَولا: على الْوَجْه الَّذِي كَانَا يطلبانه من التَّمَلُّك، وَثَانِيا: أعطاهما على وَجه التَّصَرُّف فِيهَا كَمَا تصرف رَسُول الله، ﷺ وصاحباه أَبُو بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذِه الْقِصَّة مشكلة جدا، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا إِذا كَانَا قد أخذا هَذِه الصَّدَقَة من عمر على الشريطة الَّتِي شَرطهَا عَلَيْهِم، وَقد اعترفا بِأَنَّهُ قَالَ ﷺ : مَا تركنَا صَدَقَة، وَقد شهد الْمُهَاجِرُونَ بذلك، فَمَا الَّذِي بدا لَهما بعد حَتَّى تخاصما، وَالْمعْنَى فِي ذَلِك أَنه كَانَ يشق عَلَيْهِمَا الشّركَة، فطلبا أَن يقسم بَينهمَا ليستبد كل وَاحِد مِنْهُمَا بِالتَّدْبِيرِ وَالتَّصَرُّف فِيمَا يصير إِلَيْهِ فمنعهما عمر الْقسم لِئَلَّا يجْرِي عَلَيْهِمَا اسْم الْملك، لِأَن الْقِسْمَة إِنَّمَا تقع فِي الْأَمْوَال ويتطاول الزَّمَان، فتظن بِهِ الملكية. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: وَلما صَارَت الْخلَافَة إِلَى عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لم يغيرها عَن كَونهَا صَدَقَة. قَوْله: (قَضَاء غير ذَلِك) ، أَي: غير الَّذِي قضى بِهِ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: وَالله لَا أَقْْضِي بَيْنكُمَا بِغَيْر ذَلِك حَتَّى تقوم السَّاعَة. قَوْله: (فادفعاها إليَّ) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: فَإِن عجزتما عَنْهَا فرداها إليَّ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن عليا وَالْعَبَّاس اخْتَصمَا فِي مَا أَفَاء الله على رَسُوله من مَال بني النَّضِير وَلم يتنازعا فِي الْخمس، وَإِنَّمَا تنَازعا فِيمَا كَانَ خَاصّا للنَّبِي ﷺ وَهُوَ الْفَيْء، فَتَركه صَدَقَة بعد وَفَاته. وَفِيه: أَنه يجب أَن يولي أَمر كل قَبيلَة سَيِّدهَا لِأَنَّهُ أعرف بِاسْتِحْقَاق كل رجل مِنْهُم لعلمه بهم. وَفِيه: التَّرْخِيم لَهُ، وَلَا عَار على المنادى بذلك وَلَا نقيصة. وَفِيه: استعفاؤه
стр. 4354
مِمَّا يوليه الإِمَام بألين الْكَلَام لقَوْل مَالك لعمر رَضِي الله تَعَالَى عنهُ حِين أمره بقسمة المَال بَين قومه: لَو أمرت بِهِ غَيْرِي. وَفِيه: الحجابة للْإِمَام وَأَن لَا يصل إِلَيْهِ شرِيف وَلَا غَيره إلَاّ بِإِذْنِهِ. وَفِيه: الْجُلُوس بَين يَدي السُّلْطَان بِغَيْر إِذْنه. وَفِيه: الشَّفَاعَة عِنْد الإِمَام فِي إِنْفَاذ الحكم إِذا تفاقمت الْأُمُور وخشي الْفساد بَين المتخاصمين، لقَوْل عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إقض بَينهمَا وأرح أَحدهمَا من الآخر، وَقد ذكر البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي: أَن عليا وَالْعَبَّاس استبَّا يَوْمئِذٍ. وَفِيه: تَعْزِير الإِمَام من يشْهد لَهُ على قَضَائِهِ وَحكمه. وَفِيه: أَنه لَا بَأْس أَن يمدح الرجل نَفسه ويطريها إِذا قَالَ الْحق. وَفِيه: جَوَاز إدخار الرجل لنَفسِهِ وَأَهله قوت سنة، وَهُوَ خلاف جهلة الصُّوفِيَّة المنكرين للإدخار، الزاعمين أَن من ادخر لغد فقد أَسَاءَ الظَّن بربه وَلم يتوكل عَلَيْهِ حق توكله. وَفِيه: إِبَاحَة اتِّخَاذ الْعقار الَّتِي يَبْتَغِي بهَا الْفضل والمعاش. وَفِيه: أَن الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قضى على الْعَبَّاس وَفَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، بِحَدِيث: (لَا نورث) وَلم يحاكمهما فِي ذَلِك إِلَى أحد غَيره، فَكَذَلِك الْوَاجِب أَن يكون للحكام وَالْأَئِمَّة الحكم بعلومهم، لأَنْفُسِهِمْ كَانَ ذَلِك أَو لغَيرهم، بعد أَن يكون مَا حكمُوا فِيهِ بعلومهم مِمَّا يعلم صِحَة أمره رعيتهم، قَالَه الطَّبَرِيّ. وَفِيه: قبُول خبر الْوَاحِد، فَإِن أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لم يستشهد بِأحد كَمَا اسْتشْهد عمر، بل أخبر بذلك عَنهُ ﷺ فَقبل ذَلِك مِنْهُ. وَفِيه: أَنه لَا يُنكر أَن يخفى على الْفَقِيه والعالم بعض الْأُمُور مِمَّا علمه غَيره، كَمَا خَفِي على فَاطِمَة التَّخْصِيص فِي ذَلِك، وَكَذَلِكَ يُقَال: إِنَّه خَفِي على عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ذَلِك وَكَذَلِكَ على الْعَبَّاس حَتَّى طلبا الْمِيرَاث، وَقد يُقَال: لم يخف ذَلِك عَلَيْهِمَا، وَإِنَّمَا كَانَا ذهلا ونسيا حَتَّى ذكرهمَا أَبُو بكر فَرَجَعَا إِلَيْهِ، بِدَلِيل أَن عمر نشدهما بِاللَّه: هَل تعلمان ذَلِك؟ فَقَالَا: نعم. وَفِيه: أَن فِي طلب فَاطِمَة مِيرَاثهَا من أَبِيهَا وَطلب الْعَبَّاس دَلِيلا على أَن الأَصْل فِي الْأَحْكَام الْعُمُوم وَعدم التَّخْصِيص حَتَّى يرد مَا يدل على التَّخْصِيص، وعَلى أَن الْمُتَكَلّم دَاخل فِي عُمُوم كَلَامه، حَيْثُ قَالَ ﷺ : من ترك مَالا فلأهله، وَهَذَا قَول أَكثر أهل الْأُصُول، خلافًا للحنابلة وَابْن خويز منداد، وَعند كثير من الْقَائِلين بِالْعُمُومِ: إِن هَذَا الْخطاب وَسَائِر العمومات لَا يدْخل فِيهَا سيدنَا رَسُول الله، ﷺ ، لِأَن الشَّرْع ورد بالتفرقة بَينه وَبَين أمته، وَلَو ثَبت الْعُمُوم لوَجَبَ تخصيصها، وَهَذَا الْخَبَر وَمَا فِي مَعْنَاهُ يُوجب تَخْصِيص الْآيَة: ﴿وَإِن كَانَت وَاحِدَة فلهَا النّصْف﴾ (النِّسَاء: ١١) . وَخبر الْآحَاد يخصص، فَكيف مَا كَانَ هَذَا سَبيله، وَهُوَ الْقطع بِصِحَّتِهِ؟ وَالله أعلم.
٢ - (بابٌ أدَاءُ الْخُمْسِ مِنَ الدِّينِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن أَدَاء الْخمس شُعْبَة من شعب الدّين، وَيجوز أَن يكون لفظ بَاب مُضَافا إِلَى لفظ أَدَاء الْخمس، وَيجوز أَن يقطع ويرتفع بَاب على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، كَمَا قُلْنَا، وَيكون أَدَاء الْخمس مُبْتَدأ، أَو من الدّين خَبره، وَقد ذكر فِي كتاب الْإِيمَان: بَاب أَدَاء الْخمس من الْإِيمَان، وَالْجمع بَين الترجمتين أَن الْإِيمَان إِن قدر أَنه قَول وَعمل دخل أَدَاء الْخمس فِي الْإِيمَان، وَإِن قدر أَنه تَصْدِيق دخل فِي الدّين وَالْخمس بِضَم الْخَاء من خمست الْقَوْم أخمسهم بِالضَّمِّ إِذا أخذت مِنْهُم خمس أَمْوَالهم، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً.
٥٩٠٣ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما يَقولُ قَدِمَ وفْدُ عَبْدِ القَيْسِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ الله إنَّ هذَا الحَيَّ مِنْ رَبِيعَةَ بَيْنَنا وبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ فلَسْنَا نَصِلُ إلَيْكَ إلَاّ فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ فمُرْنا بأمْرٍ نأخُذُ مِنْهُ ونَدْعُو إلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنا قَالَ آمُرُكُمْ بأرْبَعٍ وأنْهَاكُمْ عنْ أرْبَعٍ الإيمَانِ بِاللَّه شَهَادَةِ أنْ لَا إلاه إلَاّ الله وعَقَدَ بِيَدِهِ وإقَامِ الصَّلَاةِ وإيتَاءِ الزَّكَاةِ وصِيامِ رَمَضَانَ وأنْ تُؤَدُّوا لله خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ وأنْهَاكُمْ عنِ الدُّبَاءِ والنَّقِيرِ والحَنْتَمِ والمُزَفَّتِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَأَن تُؤَدُّوا لله خمس مَا غَنِمْتُم) وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي، وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وَأَبُو جَمْرَة بِالْجِيم وَالرَّاء واسْمه نصر بن عمرَان الضبعِي، بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: من بني ضبيعة، مُصَغرًا،
стр. 4355
وَهُوَ بطن من عبد الْقَيْس.
والْحَدِيث قد مر فِي: بَاب أَدَاء الْخمس من الْإِيمَان، فِي أَوَاخِر كتاب الْإِيمَان، وَقد استقصينا فِيهِ الْكَلَام، وَلَكِن نذْكر بعض شَيْء لطول الْعَهْد بِهِ.
قَوْله: (وَفد عبد الْقَيْس) الْوَفْد قوم يَجْتَمعُونَ فيردون إِلَى الْبِلَاد للقي الْمُلُوك وَغَيرهم، وَعبد الْقَيْس أَبُو قَبيلَة، وَرَبِيعَة هُوَ ابْن نزار بن معد بن عدنان، وَمُضر، بِضَم الْمِيم وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة غير منصرف: وَهُوَ مُضر بن نزار بن معد بن عدنان أَخُو ربيعَة. قَوْله: (عقد بِيَدِهِ) أَي: ثنى خِنْصره، قَالَه الدَّاودِيّ، فإذل ثنى خِنْصره وعد الْإِيمَان فَهُوَ خَمْسَة بِلَا شكّ. قَوْله: (الدُّبَّاء) ، بتَشْديد الْبَاء وَالْمدّ: القرع، الْوَاحِدَة دباءة، (والنقير) بِفَتْح النُّون وَكسر الْقَاف أصل النَّخْلَة ينقر جوفها وينبذ فِيهَا (والحنتم) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: هِيَ الجرار الْخضر، وَقَالَ ابْن عمر: هِيَ الجرار كلهَا، وَقَالَ أنس بن مَالك: جرار يُؤْتى بهَا من مصر مقيرات الأجواف: (والمزفت) بتَشْديد الْفَاء أَي: المطلي بالزفت.
٣ - (بابُ نَفَقَةِ نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ بعْدَ وفَاتِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نَفَقَة نسَاء النَّبِي ﷺ بعد مَوته.
٦٩٠٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخْبرَنَا مالِكٌ عَن أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ لَا تَقْتَسِمُ ورَثَتِي دِيناراً مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نفَقَةِ نِسَائِي ومَونَةِ عامِلِي فَهْوَ صَدَقَةٌ. (انْظُر الحَدِيث ٦٧٧٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الزِّنَاد عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْوَصَايَا عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك إِلَى آخِره نَحوه متْنا وسنداً، وَفِي الْفَرَائِض عَن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجراح عَن القعْنبِي. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن مُحَمَّد بن بشار عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة: لَا تقتسم ورثتي دِينَارا وَلَا درهما.
قَوْله: (لَا تقتسم) من الاقتسام من بَاب الافتعال، ويروى: لَا تقسم من الْقسم. قَوْله: (دِينَارا) التَّقْيِيد بِهِ هُوَ من بَاب التَّنْبِيه بالأدنى على الْأَعْلَى، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُم من إِن تأمنه بِدِينَار﴾ (آل عمرَان: ٥٧) . وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنى الْإِخْبَار، وَمَعْنَاهُ: لَا تقسمون شَيْئا لِأَنِّي لَا أورث وَلَا أخلف مَالا، وَإِنَّمَا اسْتثْنى نَفَقَة نِسَائِهِ بعد مَوته، لِأَنَّهُنَّ محبوسات عَلَيْهِ، أَو لعظم حقوقهن فِي بَيت المَال لفضلهن، وَقدم هجرتهن وكونهن أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ، وَلذَلِك اختصصن بمساكنهن وَلم يَرث ورثتهن.
وَاخْتلف فِي مؤونة الْعَامِل، فَقيل: حافر قَبره، ومتولى دَفنه، وَقيل: الْخَلِيفَة بعده، وَقيل: عُمَّال حوائطه، وَجزم ابْن بطال بِأَن المُرَاد بالعامل عَامل نخله فِيمَا خصّه الله بِهِ من الْفَيْء فِي فدك وَبني النَّضِير وسهمه بِخَيْبَر مَا لم يوجف عَلَيْهِ بخيل وَلَا ركاب، فَكَانَ لَهُ من ذَلِك نَفَقَته وَنَفَقَة أَهله، وَيجْعَل سائره فِي نفع الْمُسلمين، وَجَرت النَّفَقَة بعده من ذَلِك على أَزوَاجه وعَلى عُمَّال الحوائط إِلَى أَيَّام عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَخير عمر أَزوَاجه بَين أَن يتمادين على ذَلِك أَو يقطع لَهُنَّ قطائع، فَاخْتَارَتْ عَائِشَة وَحَفْصَة الثَّانِي، فَقطع لَهما بِالْغَابَةِ، وأخرجهما عَن حصتهما من ثَمَرَة تِلْكَ الْحِيطَان فملكتا مَا أقطعهما عمر من ذَلِك إِلَى أَن ماتتا وَورث عَنْهُمَا.
٧٩٠٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حدَّثنا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ قالَتْ تُوُفِيَ رسُولُ الله ﷺ وَمَا فِي بَيْتِي مِنْ شَيْءٍ يأكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إلَاّ شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لِي فأكَلْتُ مِنْهُ حتَّى طالَ عَلَيَّ فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ. (الحَدِيث ٧٩٠٣ طرفه فِي: ١٥٤٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَنَّهَا لم تذكر أَنَّهَا أَخَذته فِي نصِيبهَا، إِذْ لَو لم يكن لَهَا النَّفَقَة مُسْتَحقَّة لَكَانَ الشّعير الْمَوْجُود لبيت المَال أَو مقسوماً بَين الْوَرَثَة، وَهِي إِحْدَاهُنَّ، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير.
والْحَدِيث
стр. 4356
أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الرقَاق عَن عبد الله بن أبي شيبَة أَيْضا. وَأخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن أبي كريب. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَطْعِمَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ.
قَوْله: (ذُو كبد) ، أَي: حَيَوَان أَو إِنْسَان. قَوْله: (إلَاّ شطر شعير) ، قَالَ التِّرْمِذِيّ: الشّطْر، الشَّيْء. وَقَالَ عِيَاض: نصف وسق، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: أَي جُزْء من شعير. قَالَ: وَيُشبه أَن يكون نصف شَيْء كالصاع وَنَحْوه. قَوْله: (فِي رف) ، بِفَتْح الرَّاء وَتَشْديد الْفَاء: شبه الطاق، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الرف، خشب يرفع عَن الأَرْض إِلَى جنب الْجِدَار يوقى بِهِ مَا يوضع عَلَيْهِ، وَجمعه: رفوف ورفاف. قَوْله: (ففني) يَعْنِي: فرغ، وَقَالَ ابْن بطال: كَانَ الشّعير الَّذِي عِنْد عَائِشَة غير مَكِيل فَكَانَت الْبركَة فِيهِ من أجل جهلها بكيله، وَكَانَت تظن فِي كل يَوْم أَنه سيفنى لقلَّة كَانَت تتوهمها فِيهِ، فَلذَلِك طَال عَلَيْهَا، فَلَمَّا كالته علمت مُدَّة بَقَائِهِ، ففني عِنْد تَمام ذَلِك الأمد. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن الْمِقْدَام بن معدي كرب (كيلو طَعَامكُمْ يُبَارك لكم فِيهِ) قلت: المُرَاد بكيله أول تملكه إِيَّاه أَو عِنْد إِخْرَاج النَّفَقَة مِنْهُ بِشَرْط أَن يبْقى الْبَاقِي مَجْهُولا، ويكيل مَا يُخرجهُ لِئَلَّا يخرج أَكثر من الْحَاجة أَو أقل.
وَفِيه: أَن الْبركَة أَكثر مَا يكون فِي المجهولات والمبهمات.
٨٩٠٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ حدَّثني أبُو إسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ عَمْرَو بنَ الحَارِثِ قَالَ مَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ إلَاّ سِلَاحَهُ وبَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ وأرْضَاً تَرَكَهَا صَدَقَةً. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وأرضاً تَركهَا صَدَقَة) وَذَلِكَ لِأَن نَفَقَة نِسَائِهِ، ﷺ ، بعد مَوته كَانَت مِمَّا خصّه الله بِهِ من الْفَيْء، وَمِنْه فدك وسهمه من خَيْبَر، وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَقَالَ الجياني: وَقع عِنْد الْقَابِسِيّ: حَدثنَا يحيى عَن سُفْيَان وَهَذَا وهم، وَالصَّوَاب: حَدثنَا مُسَدّد حَدثنَا يحيى عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي، إِلَى آخِره، وَقد مر الحَدِيث فِي أول كتاب الْوَصَايَا بأتم مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٤ - (بابُ مَا جاءَ بُيُوتِ أزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا نُسِبَ مِنَ البُيُوتِ إلَيْهِنَّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من الْأَخْبَار فِي بيُوت زَوْجَات النَّبِي ﷺ ، وَفِي بَيَان مَا نسب من الْبيُوت إلَيْهِنَّ.
وقَوْلِ الله تعَالَى ﴿وقَرْنَ فِي بيُوتِكُنَّ﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٥) . (و) ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلَاّ أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٥) .
وَقَول الله، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: فِي بيُوت أَزوَاج النَّبِي ﷺ ، وَالتَّقْدِير: وَمَا جَاءَ فِي قَوْله تَعَالَى، وَذكر بعض شَيْء من آيَتَيْنِ من الْقُرْآن مطابقاً لما فِي التَّرْجَمَة.
الْآيَة الأولى: وَهِي قَوْله : ﴿وَقرن فِي بيوتكن وَلَا تبرجن تبرج الْجَاهِلِيَّة الأولى وأقمن الصَّلَاة وآتين الزَّكَاة وأطعن الله وَرَسُوله﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٣) . الْآيَة قَرَأَ نَافِع وَعَاصِم: قرن، بِفَتْح الْقَاف، وَالْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا، فالفتح أَصله: قررن، فحذفت الرَّاء الأولى وألقيت فتحتها على مَا قبلهَا، فَصَارَ قرن على وزن: فَلَنْ، وَقيل: من قار يقار إِذا اجْتمع، فعلى هَذَا أَصله: قورن، قلبت الْوَاو ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، فَصَارَ قَارن فَالتقى ساكنان فحذفت الْألف فَصَارَ قرن، فَالتقى ساكنان فحذفت الْألف فَصَارَ قرن، وَوجه كسر الْقَاف هُوَ أَنه من: وقر يقر وقاراً، وَالْأَمر مِنْهُ، قر، قراً قِرُّوا قرى، قرا قرن، وَأَصله: أوقرن، فحذفت الْوَاو لوقوعها بَين الكسرتين واستغنيت عَن الْهمزَة فحذفت فَصَارَ: قرن، على وزن: علن، وَقيل: من قر يقر وَأَصله على هَذَا: أقررن، نقلت حَرَكَة الرَّاء إِلَى الْقَاف ثمَّ حذفت واستغنيت عَن الْهمزَة فحذفت فَصَارَ: قرن، وَالْمعْنَى على الْوَجْهَيْنِ: لَا تخرجن من بيوتكن، وَلَا تبرجن من التبرج، قَالَ قَتَادَة: هُوَ التَّبَخْتُر والتكسر والتفتح، وَقيل: هُوَ إِظْهَار الزِّينَة وإبراز المحاسن للرِّجَال. قَوْله: (تبرج الْجَاهِلِيَّة الأولى) ، وَقَالَ الشَّافِعِي: هِيَ مَا بَين مُحَمَّد وَعِيسَى، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة: مَا بَين دَاوُد وَسليمَان، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: الْجَاهِلِيَّة الأولى هِيَ الزَّمَان الَّذِي ولد فِيهِ إِبْرَاهِيم، ﵊، وَكَانَت الْمَرْأَة من أهل ذَلِك الزَّمَان تتَّخذ الدرْع من اللُّؤْلُؤ فتلبسه ثمَّ تمشي وسط الطَّرِيق لَيْسَ عَلَيْهَا شَيْء غَيره وَتعرض نَفسهَا على الرِّجَال، فَكَانَ ذَلِك فِي زمن نمْرُود وَالنَّاس حِينَئِذٍ كلهم كفار.
الْآيَة الثَّانِيَة: هِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تدْخلُوا بيُوت النبيِّ إلَاّ أَن يُؤذن لكم إِلَى طَعَام غير ناظرين إناه﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٣) . الْآيَة، وفيهَا قَضِيَّة الْحجاب، الْمَعْنى: لَا تدْخلُوا بيُوت النَّبِي إلَاّ وَقت الْإِذْن، وَلَا تدخلوها إلَاّ غير ناظرين إناه، أَي: غير منتظرين وَقت إِدْرَاكه ونضجه. قَالَ ابْن عَبَّاس: نزلت فِي نَاس يتحينون طَعَام النَّبِي، صلى الله
стр. 4357
عَلَيْهِ وَسلم، فَيدْخلُونَ عَلَيْهِ قبل الطَّعَام إِلَى أَن يدْرك، ثمَّ يَأْكُلُون وَلَا يخرجُون، وَكَانَ النَّبِي ﷺ يتَأَذَّى من ذَلِك، فَنزلت ﴿وَلَكِن إِذا دعيتم﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٥) . الْآيَة.
٩٩٠٣ - ح دثنا حِبَّانُ بنُ مُوسَى ومُحَمَّدٌ قَالَا أخْبَرَنا عبْدُ الله أخْبرَنا مَعْمَرٌ ويُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبرَنِي عُبَيْدُ الله بن عبد الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قالَتْ لَمَّا ثقَلَ رسولُ الله ﷺ اسْتأذَنَ أزْوَاجَهُ أنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي فأذِنَّ لَهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْلهَا: (فِي بَيْتِي) ، حَيْثُ أسندت الْبَيْت إِلَى نَفسهَا، وَوجه ذَلِك أَن سُكْنى أَزوَاج النَّبِي ﷺ فِي بيُوت النَّبِي ﷺ من الخصائص، فَلَمَّا استحققن النَّفَقَة لحبسهن استحققن السُّكْنَى مَا بَقينَ، فنبه البُخَارِيّ بسوق أَحَادِيث هَذَا الْبَاب وَهِي سَبْعَة على أَن هَذِه النِّسْبَة تحقق دوَام اسْتِحْقَاق سكناهن للبيوت مَا بَقينَ.
وحبان، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مُوسَى أَبُو مُحَمَّد السّلمِيّ الْمروزِي، مَاتَ آخر سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَمُحَمّد الَّذِي قرنه بحبان وَذكره مُجَردا هُوَ مُحَمَّد بن مقَاتل الْمروزِي، مَاتَ سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، قَالَه البُخَارِيّ: وَكِلَاهُمَا من أَفْرَاده، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَمعمر هُوَ ابْن رَاشد، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي.
والْحَدِيث قد مر مطولا فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب حد الْمَرِيض أَن يشْهد الْجَمَاعَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى عَن هِشَام بن يُوسُف عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٠٠١٣ - حدَّثنا ابنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا نافِعٌ سَمِعْتُ ابنَ أبِي مُلَيْكَةَ قَالَ قالتْ عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِي وَفِي ثَوْبَتِي وبَيْنَ سَحْرِي ونَحْرِي وجَمَعَ الله بَيْنَ رِيقي وَرِيقِهِ قالَتْ دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمانِ بِسِوَاكٍ فَضَعُفَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ فأخَذْتُهُ فَمَضَغْتُهُ ثُمَّ سَنَنْتُهُ بِهِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَابْن أبي مَرْيَم هُوَ سعيد بن الحكم بن أبي مَرْيَم الجُمَحِي أَبُو مُحَمَّد الْمصْرِيّ، وَنَافِع هُوَ ابْن يزِيد الْمصْرِيّ، وَابْن أبي مليكَة هُوَ عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكَة، وَقد مر غير مرّة.
قَوْله: (وَفِي نوبتي) ، يَعْنِي: يَوْم نوبتي على حِسَاب الدّور الَّذِي كَانَ قبل الْمَرَض. قَوْله: (عبد الرَّحْمَن) ، هُوَ ابْن أبي بكر أَخُو عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. قَوْله: (سحرِي) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَهُوَ الرئة. وَقيل مَا لحق بالحلقوم والنحر بالنُّون الصَّدْر. قَوْله: (ثمَّ سننته بِهِ) أَي: ثمَّ سوكت النَّبِي ﷺ بسواك عبد الرَّحْمَن، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الاستنان اسْتِعْمَال السِّوَاك، وَهُوَ افتعال من الإسنان أَي: أَن يمره عَلَيْهَا، وأصل الحَدِيث فِي كتاب الْجُمُعَة فِي: بَاب من تسوك بسواك غَيره، فَليرْجع إِلَيْهِ.
١٠١٣ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ حدَّثنِي اللَّيْثُ قَالَ حدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ خَالِدٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عَلِيِّ بنِ حُسَيْنٍ أنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النبيَّ ﷺ أخْبَرَتْهُ أنَّهَا جاءَتْ رَسولَ الله ﷺ تَزُورُهُ وهْوَ مُعْتَكِفٌ فِي المَسْجِدِ فِي العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ قامَتْ تَنْقَلِبُ فَقامَ معَهَا رسولُ الله ﷺ حتَّى إذَا بلَغَ قَرِيباً مِنْ بابِ المَسْجِدِ عِنْدَ بابِ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ مَرَّ بِهِمَا رَجُلانِ مِنَ الأنْصَارِ فسَلَّمَا على رسُولِ الله ﷺ ثُمَّ نَفَذَا فقالَ لَهُمَا رسُولُ الله ﷺ علَى رِسْلِكُمَا قالَا سُبْحَانَ الله يَا رَسُولَ الله وكَبُرَ علَيْهِمَا ذَلِكَ فقالَ إنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الأنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ وإنِّي خَشِيتُ أنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئاً. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: عِنْد بَاب أم سَلمَة، وَذكر الْبَاب يسْتَلْزم ذكر الْبَيْت. والْحَدِيث بِعَين هَذَا الْمَتْن قد مر فِي الِاعْتِكَاف
стр. 4358
فِي: بَاب هَل يخرج الْمُعْتَكف لحوائجه إِلَى بَاب الْمَسْجِد، غير أَنه أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب إِلَى آخِره، وَهنا لَفْظَة زَائِدَة وَهِي قَوْله: ثمَّ نفذا، أَي: مضيا وتجاوزا. قَوْله: (تزوره) حَال من صَفِيَّة، وَهُوَ معتكف حَال من النَّبِي، ﷺ . قَوْله: (على رِسْلكُمَا) ، بِكَسْر الرَّاء أَي: تأنيا وَلَا تتجاوزا حَتَّى تعرفا أَنَّهَا صَفِيَّة زوج النَّبِي ﷺ .
٢٠١٣ - حدَّثنا إبْرَاهِيمْ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا أنَسُ بنُ عِيَاضٍ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ مُحَمَّدِ بنِ يَحْيَى بنِ حَبَّانَ عنْ واسِعِ بنِ حَبَّانَ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ ارْتَقَيْتُ فَوْقَ بَيْتِ حَفْصَةَ فرَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْضِي حاجَتَهُ مُسْتْدبِرَ الْقِبْلَةِ مُسْتَقْبِلَ الشَّاْمِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فِي بَيت حَفْصَة) وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ، وحبان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْوضُوء فِي: بَاب التبرز فِي الْبيُوت، وَفِيه لَفْظَة زَائِدَة وَهِي قَوْله: لبَعض حَاجَتي، بعد قَوْله: فَوق ظهر بَيت حَفْصَة، وَالْبَاقِي نَحْو حَدِيث الْبَاب متْنا وسنداً.
٣٠١٣ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا أنَسُ بنُ عِيَاضٍ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانَ رسولُ الله ﷺ يُصَلِّي الْعَصْرَ والشَّمْسُ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ حُجْرَتِهَا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من حُجْرَتهَا) ، لِأَن الْحُجْرَة بَيت، والْحَدِيث مضى بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب وَقت الْعَصْر.
٤٠١٣ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا جُوَيْرِيَةُ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ خَطِيباً فأشارَ نَحْوَ مَسْكَنِ عائِشَةَ فَقالَ هُنَا الْفِتْنَةُ ثَلاثاً مِنْ حَيْثُ يَطْلَعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (نَحْو مسكن عَائِشَة) ، لِأَن مَسْكَنهَا بَيتهَا، قيل: لَا مُطَابقَة هُنَا وَلَا دلَالَة على الْملك الَّذِي أَرَادَهُ البُخَارِيّ، لِأَن الْمُسْتَعِير وَالْمُسْتَأْجر وَالْمَالِك يستوون فِي الْمسكن. وَأجِيب: بِأَن طَائِفَة من الْعلمَاء قَالُوا: إِنَّه ﷺ إِنَّمَا جعل لكل امْرَأَة مِنْهُنَّ الْمسكن الَّذِي كَانَت سَاكِنة فِي حَيَاته وملكت ذَلِك فِي حَيَاته، فَتوفي حِين توفّي وَذَلِكَ لَهَا، يدل عَلَيْهِ أَن المساكن لَو لم تكن ملكهن كَانَت دخلت فِي الْمِيرَاث، وَلم تكن إلَاّ على وَجه الْمِيرَاث عَنهُ، وَكَانَ لكل وَاحِدَة مِنْهُنَّ مَا يَخُصهَا مشَاعا فِي جَمِيعهَا، وَأقوى من ذَلِك أَن الْعَبَّاس وَفَاطِمَة لم ينازعا مَعَهُنَّ فِيهَا، وَهَذَا دَلِيل وَاضح على أَن الْأَمر فِي ذكل كَانَ كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا تركهن فِي المساكن الَّتِي كن يسكنهَا فِي حَيَاته، ﷺ ، لِأَنَّهَا كَانَت مُسْتَثْنَاة لَهُنَّ مَا كَانَ بِيَدِهِ ﷺ ، أَيَّام حَيَاته كَمَا اسْتثْنى نفقاتهن، وَيدل على ذَلِك أَنَّهَا مَا ورثت بعدهن وَلَا طلبت ورثتهن، فَلَمَّا مضين لسبيلهن جعلت زِيَادَة فِي الْمَسْجِد النَّبَوِيّ، وَجُوَيْرِية بن أَسمَاء الضبعِي الْبَصْرِيّ، وَعبد الله هُوَ ابْن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. (هُنَا الْفِتْنَة) ، أَي: جَانب الْمشرق، وَهُوَ الْعرَاق، وَهَذَا مثار الْفِتْنَة. قَوْله: (قرن الشَّيْطَان) أَي: طرف رَأسه، أَي: يدني رَأسه إِلَى الشَّمْس فِي هَذَا الْوَقْت فَيكون الساجدون للشمس من الْكفَّار كالساجدين لَهُ. وَقيل: قرنه أمته وشيعته، ويروى: قرن الشَّمْس.
٥٠١٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرَنا مالِكٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي بَكْرٍ عنْ عَمْرَةَ ابْنَةِ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ عائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أخْبرتهَا أَن الرَّسُول ﷺ كانَ عِنْدَهَا وأنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ إنْسَان يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ فَقُلْتُ يَا رسولَ الله هذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ فَقالَ رَسولُ الله ﷺ أراهُ فُلاناً لِعَمِّ حفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ وأنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الولادَةُ. (انْظُر الحَدِيث ٦٤٦٢ وطرفه) .
стр. 4359
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فِي بَيت حَفْصَة) والْحَدِيث مضى فِي كتاب الشَّهَادَات فِي: بَاب الشَّهَادَة على الْأَنْسَاب وَالرّضَاع، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف أَيْضا إِلَى آخِره نَحوه، وَهُنَاكَ بعض زِيَادَة. قَوْله: (تحرم) من التَّحْرِيم. قَوْله: (مَا تحرم الْولادَة) ويروى: مَا يحرم من الْولادَة.
٥ - (بابُ مَا ذُكِرَ مِنْ دِرْعِ النَّبِيِّ ﷺ وعَصاهُ وسَيْفِهِ وقَدَحِهِ وخاتَمِهِ وَمَا اسْتَعْمَلَ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ مِنْ ذلِكَ مِمَّا لَمْ يُذْكَرُ قِسْمَتُهُ وَمن شَعَرِهِ ونَعْلِهِ وآنِيَتِهِ مِمَّا يتَبَرَّكُ أصْحَابُهُ وغَيْرُهُمْ بَعْدَ وفاتِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا ذكر من درع النَّبِي ﷺ ... إِلَى آخِره. قَوْله: (وَمَا اسْتعْمل) ، أَي: وَفِي بَيَان مَا اسْتَعْملهُ الْخُلَفَاء بعده ﷺ من ذَلِك، أَي: من الَّتِي ذكرهَا. قَوْله: مِمَّا لم تذكر قسمته، يَعْنِي على طَريقَة قسْمَة الصَّدقَات، إِذْ لَا خَفَاء أَن المُرَاد مِنْهَا هُوَ قسْمَة التركات قَوْله: (وَمن شعره) ، أَي: وَفِي بَين مَا ذكر من شعر النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ بِسُكُون الْعين وَفتحهَا. قَوْله: (مِمَّا يتبرك) ، من بَاب التفعل من الْبركَة.
وَاعْلَم أَن هَذِه التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على تِسْعَة أَجزَاء، وَفِي الْبَاب سِتَّة أَحَادِيث. الأول فِيهِ ذكر الْخَاتم. وَالثَّانِي: فِيهِ ذكر النَّعْل. وَالثَّالِث: فِيهِ ذكر الكساء الملبد. وَالرَّابِع: فِيهِ ذكر الْقدح. وَالْخَامِس: فِيهِ ذكر السَّيْف. وَالسَّادِس: فِيهِ ذكر الصَّدَقَة الَّتِي كَانَ ذكرهَا فِي الصَّحِيفَة وَلم يذكر فِيهِ مَا يُطَابق درعه وَلَا مَا يُطَابق عَصَاهُ وَلَا مَا يُطَابق شعره وَلَا مَا يُطَابق آنيته. أما الدرْع فقد ذكره فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب مَا قيل فِي درع النَّبِي ﷺ ، وَأما عَصَاهُ فقد ذكرُوا أَنه كَانَت لَهُ مخصرة تسمى العرجون، وَهِي كالقضيب يستعملها الْأَشْرَاف للتشاغل بهَا فِي أَيْديهم ويحكون بهَا مَا بعد من الْبدن عَن الْيَد، وَكَانَ لَهُ قضيب من شوحط يُسمى الممشوق، وَكَانَ لَهُ عسيب من جريد النّخل. وَأما شعره فَفِي مُسلم أَن الحلاق لما حلق النَّبِي ﷺ ، بمنى جعل يُعْطِيهِ النَّاس، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن أنس، قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله، ﷺ ، والحلاق يحلقه وَقد أطاف بِهِ أَصْحَابه مَا يُرِيدُونَ أَن تقع شَعْرَة إلَاّ فِي يَد رجل. وَأما آنيته فكثيرة ذكرهَا أَصْحَاب السّير، مِنْهَا: قدر من حِجَارَة يدعى المخضب يتَوَضَّأ فِيهِ، ومخضب آخر من شبه يكون فِيهِ الْحِنَّاء والكتم يضع على رَأسه إِذا وجد فِيهِ حرا، وَكَانَ لَهُ مغسل من صفر، وَكَانَت لَهُ ركوة تسمى الصادرة، وَكَانَ لَهُ طست من نُحَاس، وقدح من زجاج، وَكَانَت لَهُ جَفْنَة عَظِيمَة يطعم فِيهَا النَّاس يحملهَا أَرْبَعَة رجال تسمى الغراء، مَذْكُور فِي (سنَن أبي دَاوُد) وَغير ذَلِك.
٦٠١٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله الأنْصَارِيُّ قَالَ حدَّثني أبي عنْ ثُمَامَةَ عنْ أنَسٍ أنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ لَمَّا اسْتُخْلِفَ بَعثَهُ إِلَى البَحْرَيْنِ وكَتَبَ لَهُ هذَا الكِتابَ وخَتَمَهُ وكانَ نَقْشُ الخَاتَمِ ثَلاثَةَ أسْطُرٍ مُحَمَّدٌ سَطْرٌ ورسولُ سَطْرٌ وَالله سَطْرٌ. .
مطابقته لجزء من أَجزَاء التَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وخاتمه) . وَمُحَمّد بن عبد الله بن الْمثنى بن عبد الله بن أنس بن مَالك أَبُو عبد الله الْأنْصَارِيّ الْبَصْرِيّ وثمامة بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وبالميمين وَبَينهمَا ألف ابْن عبد الله بن أنس قَاضِي الْبَصْرَة سمع جده أنس بن مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
قَوْله: (لما اسْتخْلف) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (إِلَى الْبَحْرين) ، على تَثْنِيَة الْبَحْر: هُوَ بلد مَشْهُور بَين الْبَصْرَة وعمان، صَالح أَهله رَسُول الله، ﷺ ، وَأمر عَلَيْهِم الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ. قَوْله: (بَعثه) ، فِيهِ الْتِفَات من الْغَائِب إِلَى الْحَاضِر، وَأَصله: بَعَثَنِي. قَوْله: (هَذَا الْكتاب) ، أَي: كتاب فَرِيضَة الصَّدَقَة، وَصُورَة الْمَكْتُوب قد تقدّمت فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب زَكَاة الْغنم، ولشهرته فِيمَا بَينهم أطلق وَأَشَارَ إِلَيْهِ بِهَذَا الْكتاب، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن مُحَمَّد بن بشار وَمُحَمّد ابْن يحيى نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ، غير أَن فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن يحيى لم يقل: ثَلَاثَة أسطر، وروى ابْن عدي فِي (الْكَامِل) عَن ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي ﷺ ، أَرَادَ أَن يكْتب إِلَى الْعَجم كتابا ... فَذكر الحَدِيث، وَفِيه: فَأمر بِخَاتم آخر مصاغ من ورق فَجعله فِي إصبعه، فأقره جِبْرِيل، ﵊، وَأمر النَّبِي ﷺ ، أَن ينقش عَلَيْهِ: مُحَمَّد رَسُول الله.
стр. 4360
٧٠١٣ - حدَّثني عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله الأسَدِيُّ قَالَ حدَّثنا عِيسَى بنُ طَهْمَانَ قَالَ أخْرَجَ إلَيْنَا أنَسٌ نَعْلَيْنِ جَرْداوَيْنِ لَهُما قِبالَانِ فَحَدَّثَنِي ثابِتٌ البُنَانِيُّ بَعْدُ عنْ أنَسٍ أنَّهُمَا نَعْلَا النَّبِيِّ ﷺ .
مطابقته لجزء التَّرْجَمَة، وَهُوَ قَوْله: (وَنَعله) وَعبد الله بن مُحَمَّد هُوَ ابْن أبي شيبَة، وَمُحَمّد بن عبد الله الْأَسدي أَبُو أَحْمد الزبيرِي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي اللبَاس عَن مُحَمَّد عَن عبد الله. قلت: هُوَ مُحَمَّد بن مقَاتل وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن أَحْمد بن منيع عَن أبي أَحْمد الزبيرِي.
قَوْله: (جرداوين) ، بِالْجِيم تَثْنِيَة جرداء مؤنث أجرد، أَي: الْخلق بِحَيْثُ صَار مُجَردا عَن الشّعْر، وَهُوَ بِالْوَاو لَا غير نَحْو: الحمراوين، ويروى: جرداوتين، وَهُوَ مُشكل أللهم إلَاّ أَن يُقَال: التَّاء زَائِدَة للْمُبَالَغَة، قَالَه الْكرْمَانِي، وَفِيه نظر، قَوْله: (قبالان) ، بِكَسْر الْقَاف تَثْنِيَة: قبال، وَهُوَ مَا يشد فِيهِ الشسع، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هُوَ الزِّمَام الَّذِي يكون بَين الإصبع الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِيهَا. قَوْله: (بعد) ، أَي: بعد أَن كَانَ أنس أخرج إِلَيْنَا نَعْلَيْنِ.
٨٠١٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا عبدُ الوَهَّابِ قَالَ حدَّثَنَا أيُّوبُ عنْ حُمَيْدِ بنِ هِلالٍ عنْ أبِي بُرْدَةَ قَالَ أخْرَجَتْ إلَيْنَا عائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا كِساءً مُلَبَّدَاً وقالَتْ فِي هذَا نُزِعَ رُوحُ النَّبِيِّ ﷺ . (الحَدِيث ٨٠١٣ طرفه فِي: ٨١٨٥) .
مطابقته لجزء من التَّرْجَمَة يُمكن أَن تكون لقَوْله: وَمَا اسْتعْمل الْخُلَفَاء بعده، وَعبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ، وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ، وَأَبُو بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ واسْمه الْحَارِث، وَيُقَال: عَامر، وَيُقَال: اسْمه كنيته.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي اللبَاس أَيْضا عَن مُسَدّد وَمُحَمّد. وَأخرجه مُسلم فِي اللبَاس عَن شَيبَان بن فروخ وَعَن عَليّ بن حجر وَمُحَمّد بن حَاتِم وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَعَن مُحَمَّد بن رَافع، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُوسَى عَن حَمَّاد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
قَوْله: (كَسَاه ملبداً) الكساء مَعْرُوف لَكِن الظَّاهِر أَنه لَا يُطلق إلَاّ على مَا كَانَ من الصُّوف، والملبد اسْم مفعول المرقع، يُقَال: لبدت الْقَمِيص ألبّده، وَيُقَال للخرقة الَّتِي يرقع بهَا صدر الْقَمِيص: اللبدة، وَالَّتِي يرفع بهَا قبْلَة الْقَبِيلَة، قَالَه ابْن الْأَثِير: قَالَ: وَيُقَال الملبد الَّذِي ثخن وَسطه وصفق حَتَّى صَار يشبه اللبدة، وَيُقَال: الملبد الكساء الغليظ يركب بعضه على بعض، وَأما لبسه، ﷺ ، الملبد يحْتَمل أَن يكون للتواضع وَترك التنعم، وَيحْتَمل أَن يكون لعدم وجود مَا هُوَ أرفع مِنْهُ، وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك اتِّفَاقًا عَن قصد مِنْهُ، بل كَانَ يلبس مَا وجد، وَالْوَجْه الأول أقرب، وَكَانَ على مُوسَى، ﵊، يَوْم كَلمه ربه جُبَّة وَسَرَاويل وَكسَاء وقلنسوة.
وزَادَ سُلَيْمَانُ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أبِي بُرْدَةَ قَالَ أخْرَجَتْ إلَيْنَا عائِشَةُ إزَاراً غَلِيظاً مِمَّا يُصْنَعُ باليَمَنِ وكِساءً مِنْ هَذِهِ الَّتِي تَدْعُونَها المُلَبَّدَةَ
سُلَيْمَان هَذَا هُوَ ابْن الْمُغيرَة أَبُو سعيد الْقَيْسِي الْبَصْرِيّ، أَي: زَاد سُلَيْمَان على رِوَايَة أَيُّوب عَن حميد بن هِلَال عَن أبي بردة، قَالَ: أخرجت إِلَيْنَا عَائِشَة ... إِلَى آخِره، وأسنده مُسلم، وَقَالَ: حَدثنَا شَيبَان بن فروخ حَدثنَا سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة حَدثنَا حميد عَن أبي بردة، قَالَ: دخلت على عَائِشَة فأخرجت إِلَيْنَا إزاراً غليظاً مِمَّا يصنع بِالْيمن، وَكسَاء من الَّتِي تسمونها الملبدة، قَالَ: فأقسمت بِاللَّه أَن رَسُول الله، ﷺ ، قبض فِي هذَيْن الثَّوْبَيْنِ.
٩٠١٣ - حدَّثنا عبْدَانُ عنْ أبِي حَمْزَةَ عنْ عاصِمٍ عنِ ابنِ سِيرينَ عنْ أنَسَ بنِ مالِك رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أَن قَدَحَ النَّبيِّ ﷺ انْكَسَرَ فاتَّخَذَ مَكانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ قَالَ عاصِمٌ رأيْتُ القَدَحَ وشَرِبْتُ فِيهِ. (الحَدِيث ٩٠١٣ طرفه فِي: ٨٣٦٥) .
стр. 4361
مطابقته لجزء التَّرْجَمَة الَّذِي هُوَ قَوْله: (وقدحه) . وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان، وَقد مر غير مرّة، وَأَبُو حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: مُحَمَّد بن مَيْمُون الْيَشْكُرِي الْمروزِي، وَعَاصِم هُوَ ابْن سُلَيْمَان الْأَحول، وَابْن سِيرِين هُوَ مُحَمَّد بن سِيرِين. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هَذَا حَدِيث اخْتلف فِيهِ على عَاصِم الْأَحول فَرَوَاهُ أَبُو حَمْزَة مُحَمَّد بن مَيْمُون: عَن عَاصِم عَن ابْن سِيرِين عَن أنس، وَخَالفهُ غَيره فَرَوَاهُ: عَن عَاصِم عَن أنس، وَالصَّحِيح الأول، وَقَالَ الجياني: وَالَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا أَن بعض الحَدِيث رَوَاهُ عَاصِم عَن أنس، وروى بعضه عَن ابْن سِيرِين عَن أنس، وَهَذَا بيِّن فِي حَدِيث أبي عوَانَة عَن عَاصِم الْمَذْكُور عِنْد البُخَارِيّ، وَفِي آخِره، قَالَ: وَقَالَ عَاصِم: قَالَ ابْن سِيرِين: إِنَّه كَانَت فِيهِ حَلقَة من فضَّة، فَقَالَ لَهُ أَبُو طَلْحَة: لَا تغيرن فِيهِ شَيْئا صنعه رَسُول الله، ﷺ ، فَتَركه. قَالَ: كَذَا رَوَاهُ أَبُو عوَانَة، وجوده ذكر أَوله عَن عَاصِم عَن أنس وَآخره: عَن عَاصِم عَن مُحَمَّد عَن أنس.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَشْرِبَة عَن حسن بن مدرك.
قَوْله: (الشّعب) ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة: الصدع والشق وإصلاحه أَيْضا، الشّعب وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هُوَ قدح عريض من نضار، وروى أَحْمد من حَدِيث حجاج بن حسان، قَالَ: كُنَّا عِنْد أنس فَدَعَا بِإِنَاء فِيهِ ثَلَاث ضباب من حَدِيد وحلقته من حَدِيد، فَأخْرجهُ من غلاف أسود وَهُوَ دون الرّبع وَفَوق نصف الرّبع، وَأمر أنس فَجعلنَا فِيهِ مَاء فَأَتَانَا بِهِ فشربنا وصببنا على رؤوسنا ووجوهنا وصلينا على النَّبِي ﷺ .
٠١١٣ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ مُحَمَّدٍ الجَرْمِيُّ قَالَ حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا أبي أنَّ الوَلِيدَ بنَ كَثِيرٍ حدَّثَهُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَلْحَلَةَ الدُّؤَلِيِّ قَالَ حدَّثَهُ أنَّ ابنَ شِهَابٍ حدَّثَهُ أنَّ عَلِيَّ بنَ حُسَيْنٍ حدَّثَهُ أنَّهُمْ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ مِنْ عِنْدِ يَزِيدَ بنِ مُعَاوِيَةَ مَقْتَلَ حُسَيْنِ بنِ عَلِيٍّ رَحْمَةُ الله علَيْهِ لَقِيَهُ المِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَةَ فَقَالَ لَهُ هَلْ لَكَ إلَيَّ مِنْ حَاجَةٍ تأمُرُنِي بِهَا فَقُلْتُ لَهُ لَا فَقالَ لَهُ فَهَلْ أنْتَ مُعْطِيَّ سَيْفَ رسُولِ الله ﷺ فإنِّي أخافُ أنْ يَغْلِبَكَ القَوْمُ علَيْهِ وايْمُ الله لَئِنْ أعْطَيْتَنِيهِ لَا يُخْلَصُ إلَيْهِمْ أبَدَاً حتَّى تُبْلَغَ نَفْسِي إنَّ عَلِيَّ بنَ أبِي طالِبٍ خَطَبَ ابْنَةَ أبِي جَهْلٍ علَى فاطِمَةَ ﵍ فسَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَخْطُبُ النَاسَ فِي ذَلِكَ عَلَى مِنبَرِهِ هذَا وأنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ فَقَالَ إنَّ فاطِمَةَ مِنِّي وأنَا أتَخَوَّفُ أنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا ثُمَّ ذَكَرَ صِهْرَاً لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ فأثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إيَّاهُ قَالَ حدَّثَنِي فَصَدَقَني ووعَدَنِي فوَفَى لِي وإنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلالاً ولَا أُحِلُّ حَرَاماً ولَكِنْ وَالله لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ الله ﷺ وبِنْتُ عَدُوِّ الله أبَدَاً. .
مطابقته لجزء التَّرْجَمَة الَّذِي هُوَ قَوْله: (وسيفه) وَسَعِيد بن مُحَمَّد أَبُو عبد الله الْجرْمِي، بِفَتْح الْجِيم وَإِسْكَان الرَّاء الْكُوفِي وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْقرشِي الزُّهْرِيّ، يكنى أَبَا يُوسُف، أَصله مدنِي كَانَ بالعراق يروي عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم بن سعد، والوليد، بِفَتْح الْوَاو: ابْن كثير ضد الْقَلِيل المَخْزُومِي من أهل الْمَدِينَة، وَمُحَمّد بن عَمْرو ابْن حلحلة، بِفَتْح الحاءين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُون اللَّام الأولى: الدؤَلِي، بِضَم الدَّال وَفتح الْهمزَة، ويروى بِكَسْر الدَّال وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَعلي بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب زين العابدين، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
والْحَدِيث رَوَاهُ مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أَحْمد بن حَنْبَل، ﵀.
قَوْله: (الْمَدِينَة) ، أَي: الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة. قَوْله: (مقتل الْحُسَيْن) ، كَانَ ذَلِك فِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ يَوْم عَاشُورَاء، قَوْله: (الْمسور بن مخرمَة) بِكَسْر الْمِيم فِي الْمسور وَفتحهَا فِي مخرمَة وَلَهُمَا صُحْبَة. قَوْله: (معطي) بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْعين وَكسر الطَّاء وَتَشْديد الْيَاء يَعْنِي: هَل أَنْت معطي سيف رَسُول الله، ﷺ إيَّايَ، وَكَون السَّيْف عِنْد آل عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يحْتَمل أَن يكون النَّبِي ﷺ قد أعطَاهُ لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي حَيَاته انْتقل إِلَى زين العابدين أَو أعطَاهُ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ انْتقل إِلَى آله، وَالظَّاهِر أَن هَذَا السَّيْف هُوَ ذُو الفقار لِأَن سبط ابْن الْجَوْزِيّ ذكر فِي (تَارِيخه) وَلم يزل ذُو الفقار عِنْده ﷺ حَتَّى وهبه لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قبل مَوته، ثمَّ انْتقل إِلَى آله وَكَانَت لَهُ عشرَة أسياف مِنْهَا: ذُو الفقار، تنفله يَوْم بدر. قَوْله: (أَن يَغْلِبك الْقَوْم عَلَيْهِ) أَي: يأخذونه مِنْك بِالْقُوَّةِ والاستيلاء:
стр. 4362
قَوْله: (لَا يخلص) ، على صِيغَة الْمَجْهُول مَعْنَاهُ: لَا يصل إِلَيْهِ أحد أبدا. قَوْله: (حَتَّى تبلغ) بِلَفْظ الْمَجْهُول أَي: حَتَّى تقبض روحي. قَوْله: (أَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) إِلَى آخِره إِنَّمَا ذكر الْمسور قصَّة خطْبَة عَليّ بنت أبي جهل ليعلم عَليّ بن الْحُسَيْن زين العابدين بمحبته فِي فَاطِمَة وَفِي نسلها لما سمع من رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (خطب ابْنة أبي جهل) ، وَاسْمهَا جوَيْرِية تَصْغِير جَارِيَة بِالْجِيم، وَقيل: جميلَة، بِفَتْح الْمِيم. قَوْله: (فَاطِمَة مني) أَي: بضعَة مني. قَوْله: (أَن تفتن فِي دينهَا) ، يُرِيد أَنَّهَا لَا تصبر بِسَبَب الْغيرَة. قَوْله: (صهراً لَهُ) ، الصهر يُطلق على الزَّوْج وعَلى أَقَاربه، وأقارب الْمَرْأَة، وَأَرَادَ أَبَا الْعَاصِ بن الرّبيع بن عبد الْعُزَّى بن عبد شمس، كَانَ زوج زَيْنَب بنت النَّبِي ﷺ وَكَانَ مناصفاً لَهُ ومصافياً، مرت قصَّته فِي كتاب الشُّرُوط. قَوْله: (وَإِنِّي لست أحرم حَلَالا وَلَا أحل حَرَامًا) قد أعلم ﷺ بذلك بِإِبَاحَة نِكَاح بنت أبي جهل لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَكِن نهى عَن الْجمع بَينهَا وَبَين فَاطِمَة ابْنَته لعلتين منصوصتين: إِحْدَاهمَا: أَن ذَلِك يُؤْذِينِي، لِأَن إِيذَاء فَاطِمَة إيذاءًا لي. وَالْأُخْرَى: خوف الْفِتْنَة عَلَيْهَا بِسَبَب الْغيرَة.
وَقَالُوا: فِي هَذَا الحَدِيث: تَحْرِيم إِيذَاء النَّبِي ﷺ ، بِكُل حَال وعَلى كل وَجه، لِأَن تولد ذَلِك الْإِيذَاء مِمَّا كَانَ أَصله مُبَاحا وَهُوَ فِي هَذَا بِخِلَاف غَيره. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَيحْتَمل أَن المُرَاد تَحْرِيم جَمعهمَا، وَيكون معنى: لَا أحرم حَلَالا، أَي: لَا أَقُول شَيْئا يُخَالف حكم الله، فَإِذا أحل شَيْئا لم أحرمهُ، وَإِذا حرمه لم أحله وَلم أسكت على تَحْرِيمه، لِأَن سكوتي تَحْلِيل لَهُ، وَيكون من جملَة مُحرمَات النِّكَاح: الْجمع بَين بنت رَسُول الله، ﷺ وَبنت عَدو الله، وَالله أعلم.
١١١٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ سُوقَةَ عنْ مُنْذِرٍ عنْ ابنِ الحَنَفِيَّةِ قَالَ لَوْ كانَ عَلِيٌّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ذَاكِرَاً عُثْمَانَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ ذَكَرَهُ يَوْمَ جاءَهُ ناسٌ فَشَكَوْا سُعاةَ عُثْمان فَقَالَ لي عَلِيٌّ اذْهَبْ إِلَى عُثْمَانَ فأخْبِرْهُ أنَّهَا صَدَقةُ رسولِ الله، ﷺ فَمُرْ سُعَاتَكَ يَعْمَلُونَ فِيهَا فأتَيْتُهُ بِها فَقَالَ أغْنِها عنَّا فأتَيْتُ بِهَا علِيَّاً فأخْبَرْتُهُ فَقَالَ ضَعْهَا حَيْثُ أخَذْتَها. (الحَدِيث ١١١٣ طرفه فِي: ٢١١٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُؤْخَذ من قَوْله: فَأَخْبَرته أَنَّهَا صَدَقَة رَسُول الله، ﷺ ، وَأَرَادَ بِهِ الصَّحِيفَة الَّتِي كَانَت فِيهَا أَحْكَام الصَّدقَات، وَيكون هَذَا مطابقاً لقَوْله فِي التَّرْجَمَة. وَمَا اسْتعْمل الْخُلَفَاء بعده.
وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَمُحَمّد بن سوقة، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الْقَاف: أَبُو بكر الغنوي الْكُوفِي، وَمُنْذِر بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من الْإِنْذَار ابْن يعلى الثَّوْريّ الْكُوفِي، وَابْن الْحَنَفِيَّة هُوَ مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي طَالب، وَالْحَنَفِيَّة أمه، وَاسْمهَا خَوْلَة بنت جَعْفَر بن قيس بن يَرْبُوع بن مسلمة بن ثَعْلَبَة بن يَرْبُوع بن ثَعْلَبَة بن الدؤل بن حنيفَة، وَكَانَت من سبي الْيَمَامَة.
قَوْله: (وَلَو كَانَ عَليّ ذَاكِرًا عُثْمَان) أَي: بِمَا لَا يَلِيق وَلَا يحسن. قَوْله: (ذكره) ، جَوَاب لَو. قَوْله: (يَوْم جَاءَهُ) ، يَوْم، نصب على الظّرْف. قَوْله: (سعاة عُثْمَان) ، جمع ساع وَهُوَ الْعَامِل فِي الزَّكَاة. قَوْله: (إذهب إِلَى عُثْمَان وَأخْبرهُ أَنَّهَا صَدَقَة رَسُول الله، ﷺ الْمَعْنى: أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أرسل إِلَى عُثْمَان صحيفَة فِيهَا بَيَان أَحْكَام الصَّدقَات، وَقَالَ: مر سعاتك يعْملُونَ بهَا، أَي: بِهَذِهِ الصَّحِيفَة، ويروى: يعْملُونَ فِيهَا، أَي بِمَا فِيهَا. قَوْله: (فَأَتَيْته بهَا) أَي: قَالَ ابْن الْحَنَفِيَّة: أتيت عُثْمَان بِتِلْكَ الصَّحِيفَة. قَوْله: (فَقَالَ) ، أَي: عُثْمَان. قَوْله: (أغنها عَنَّا) بِقطع الْهمزَة أَي: إصرفها عَنَّا، وَقيل: كفها عَنَّا، وَقَالَ الْخطابِيّ: هِيَ كلمة مَعْنَاهَا التّرْك والإعراض، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وتولوا وَاسْتغْنى الله﴾ (التغابن: ٦) . الْمَعْنى: تَركهم، لِأَن كل من اسْتغنى عَن شَيْء تَركه، وَهُوَ من الثلاثي من قَوْلهم: غَنِي فلَان عَن كَذَا فَهُوَ غانٍ، مثل: علم فَهُوَ عَالم. وَقَالَ الدَّاودِيّ: وَيحْتَمل قَوْله: إغنها عَنَّا أَن يكون عِنْده علم من ذَلِك، وَأَنه أَمر بِهِ، وَقَالَ ابْن بطال: رد الصَّحِيفَة، وَيُقَال: كَانَ عِنْده نَظِير مِنْهَا وَلم يجهلها، لَا أَنه ردهَا، وَلَا يبعد ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يجوز على عُثْمَان غير هَذَا، وَأما فعل عُثْمَان فِي صَدَقَة النَّبِي ﷺ فَرَوَاهُ الطَّبَرِيّ عَن أبي حميد: حَدثنَا جرير عَن مُغيرَة، قَالَ: لما ولي عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، جمع بني أُميَّة فَقَالَ: إِن النَّبِي ﷺ كَانَت لَهُ فدك، وَكَانَ يَأْكُل مِنْهَا وَينْفق وَيعود على فُقَرَاء بني هَاشم ويزوج مِنْهَا أيمهم، وَأَن فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، سَأَلته أَن يَجْعَلهَا لَهَا فأبي، فَكَانَت كَذَلِك حَيَاة رَسُول الله، ﷺ حَتَّى قبض، ثمَّ ولي أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَكَانَت كَذَلِك
стр. 4363
فَعمل فِيهَا بِمَا عمل رَسُول الله، ﷺ حَيَاته حَتَّى مضى لسبيله، ثمَّ ولي عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَعمل فِيهَا مثل ذَلِك، ثمَّ ولي عُثْمَان فأقطعها مَرْوَان، فَجعل مَرْوَان ثلثهَا لعبد الْملك وثلثها لعبد الْعَزِيز، فَجعل عبد الْملك ثلثه ثلثا للوليد، وَثلثا لِسُلَيْمَان، وَجعل عبد الْعَزِيز ثلثه لي، ثمَّ ولى مَرْوَان فَجعل ثلثه لي، فَلم يكن لي مَال أَعُود وَلَا أَسد لحاجتي مِنْهَا، ثمَّ وليت أَنا فَرَأَيْت أَن أمرا مَنعه رَسُول الله، ﷺ ، فَاطِمَة ابْنَته أَنه لَيْسَ لي بِحَق، وَأَنا أشهدكم أَنِّي قد رَددتهَا على مَا كَانَت عَلَيْهِ فِي عهد رَسُول الله، ﷺ .
٢١١٣ - قَالَ الحُمَيْدِيُّ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سُوقَةَ قَالَ سَمِعْتُ مُنْذِراً الثَّوْرِيَّ عنِ ابنِ الحَنَفِيَّةِ قَالَ أرْسَلَنِي أبي خُذْ هَذا الكِتَابَ فاذْهَبْ بِهِ إلَى عُثْمانَ فإنَّ فِيه أمْرَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّدَقَةِ. (انْظُر الحَدِيث ١١١٣) .
الْحميدِي هُوَ عبد الله بن الزبير بن عِيسَى، ونسبته إِلَى أحد أجداده حميد، وَهَذَا تَعْلِيق مِنْهُ، وَهُوَ من مَشَايِخ البُخَارِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة. قَوْله: (فِي الصَّدَقَة) ، ويروى: بِالصَّدَقَةِ.
٦ - (بابُ الدَّلِيلِ علَى أنَّ الخُمُسَ لِنَوَائِبِ رسُولِ الله ﷺ وَالمَسَاكِينِ وإيثَارِ النَّبِيِّ ﷺ أهْلَ الصُّفَّةِ والأرَامِلَ حِينَ سألَتْهُ فاطِمَةُ وشَكَتْ إلَيْهِ الطَّحْنَ والرَّحَى أنْ يُخْدِمَهَا مِنَ السَّبْيِ فوَكَلَهَا إِلَى الله)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الدَّلِيل على أَن الْخمس من الْمغنم لنوائب رَسُول الله، ﷺ ، وَهُوَ جمع نائبة، وَهِي مَا كَانَت تنوبه أَي: تنزل بِهِ من الْمُهِمَّات والحوادث. قَوْله: (وَالْمَسَاكِين) ، أَي: وَلأَجل الْمَسَاكِين. قَوْله: (وإيثار النَّبِي ﷺ ، أَي: وَلأَجل إيثاره أَي: اخْتِيَاره. قَوْله: (أهل الصّفة) ، بِالنّصب لِأَنَّهُ مفعول الْمصدر الْمُضَاف إِلَى فَاعله، وهم الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين الَّذين كَانُوا يسكنون صفة مَسْجِد النَّبِي ﷺ . قَوْله: (والأرامل) بِالنّصب عطفا على: أهل الصّفة، وَهُوَ جمع أرمل، والأرمل هُوَ الرجل الَّذِي لَا امْرَأَة لَهُ، والأرملة الْمَرْأَة الَّتِي لَا زوج لَهَا، والأرامل الْمَسَاكِين من الرِّجَال وَالنِّسَاء. قَوْله: (حِين) ، ظرف للإيثار. قَوْله: (سَأَلته) أَي: سَأَلت النَّبِي ﷺ ، ابْنَته فَاطِمَة وَشَكتْ إِلَى النَّبِي مَا كَانَت تقاسيه من طحن الشّعير وَمن مقالبة الرَّحَى. قَوْله: (أَن يخدمها) ، بِفَتْح: أَن، لِأَنَّهُ مفعول ثَان لقَوْله: سؤلته، و: يخدمها، بِضَم الْيَاء من: الإخدام، أَي: يُعْطي لَهَا خَادِمًا من السَّبي الَّذِي حضر عِنْده، على مَا يَجِيء بَيَانه فِي حَدِيث الْبَاب. قَوْله: (فوكلها إِلَى الله تَعَالَى) ، أَي: فوض أمرهَا إِلَى الله تَعَالَى.
٣١١٣ - حدَّثنا بَدَلُ بنُ المُحَبَّرِ قَالَ أخبرنَا شُعْبَةُ قَالَ أخْبَرَني الحَكَمُ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ أبِي لَيْلَى قَالَ حدَّثنا علِيٌّ أنَّ فاطِمَةَ ﵍ اشْتَكَتْ مَا تَلْقَى مِنَ الرَّحَى مِمَّا تطْحَنُ فبَلَغَها أنَّ رسولَ الله، ﷺ أُتِيَ بِسَبْيٍ فأتَتْهُ تَسْألُهُ خادِماً فلَمْ تُوَافِقْهُ فذَكَرَتْ لِعَائِشَةَ فَجاءَ النَّبِي ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ عائِشَةُ لَهُ فَأَتَانَا وقَدْ دَخَلْنَا مَضاجِعَنا فَذَهَبْنَا لِنَقُومَ فَقال علَى مَكَانِكُمَا حتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ علَى صَدْري فَقال أَلا أدلُّكُما علَى خَيْرٍ مِمَّا سَألْتُما إذَا أخَذْتُما مَضَاجِعَكُمَا فَكَبِّرَا الله أرْبَعَاً وثَلَاثِينَ واحْمَدَا ثَلاثاً وثَلاثِينَ وسَبِّحَا ثَلَاثًا وثَلاثِينَ فإنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمَا مِمَّا سألْتُمَاهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه، ﷺ ، اخْتَار أهل الصّفة على فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَإِن لم يكن فِيهِ
стр. 4364
ذكر الْخمس، لكنه يفهم من معنى الحَدِيث، وروى إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق من حَدِيث ابْن عُيَيْنَة وَحَمَّاد بن سَلمَة عَن عَطاء ابْن السَّائِب عَن أَبِيه عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لعَلي وَفَاطِمَة: لَا أخدمكما وأدع أهل الصّفة يطوون جوعا لَا أجد مَا أنْفق عَلَيْهِم، لَكِن أبيعه فأنفقه عَلَيْهِم.
وَبدل، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وباللام: ابْن المحبر، بِضَم الْمِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: مر فِي الصَّلَاة، وَالْحكم: بِفتْحَتَيْنِ هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَابْن أبي ليلى هُوَ عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي (الْجَامِع) : إِذا أطلق المحدثون: ابْن أبي ليلى، يعنون: عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، وَإِذا أطلقهُ الْفُقَهَاء يُرِيدُونَ ابْنه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي فَضَائِل عَليّ عَن بنْدَار عَن غنْدر، وَفِي النَّفَقَات عَن مُسَدّد، وَفِي الدَّعْوَات عَن سُلَيْمَان بن حَرْب. وَأخرجه مُسلم فِي الدَّعْوَات عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَبُنْدَار وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن عبد الله بن معَاذ عَن أَبِيه وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن ابْن أبي عدي. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن مُسَدّد بِهِ وَعَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة بِهِ.
قَوْله: (مَا تلقى من الرَّحَى مِمَّا تطحن) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: مَا تلقى من الرَّحَى فِي يَدهَا. قَوْله: (أَتَى بسبي) السَّبي النهب، وَأخذ النَّاس عبيدا وإماء. قَوْله: (خَادِمًا) هُوَ يُطلق على العَبْد وَالْجَارِيَة. قَوْله: (فَلم توافقه) ، أَي: لم تصادفه وَلم تَجْتَمِع بِهِ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: فَلم تَجدهُ، وَلَقِيت عَائِشَة فَأَخْبَرتهَا، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِي ﷺ ، أخْبرته عَائِشَة بمجيء فَاطِمَة إِلَيْهَا. قَوْله: (فَأَتَانَا) أَي: النَّبِي ﷺ ، وَالْحَال أَنا قد أَخذنَا مضاجعنا. قَوْله: (فذهبنا لنقوم) ، أَي: لِأَن نقوم، وَفِي رِوَايَة مُسلم: فذهبنا نقوم. قَوْله: (على مَكَانكُمَا) ، أَي: لَا تفارقا عَن مَكَانكُمَا والزماه، وَفِي رِوَايَة مُسلم: على مَكَانكُمَا، فَقعدَ بَيْننَا. قَوْله: (حَتَّى وجدت برد قَدَمَيْهِ على صَدْرِي) وَكلمَة: حَتَّى، غَايَة لمقدر تَقْدِيره: فَدخل هُوَ فِي مضجعنا، ولظهوره ترك، وَفِي لفظ: وَكَانَت لَيْلَة بَارِدَة، وَقد دخلت هِيَ وَعلي فِي اللحاف، فأرادا أَن يلبسا الثِّيَاب، وَكَانَ ذَلِك لَيْلًا، وَفِي لفظ جَابر: من عِنْد رأسهما، وَأَنَّهَا أدخلت رَأسهَا فِي اللفاع يَعْنِي: اللحاف، حَيَاء من أَبِيهَا. قَالَ عَليّ: حَتَّى وجدت برد قَدَمَيْهِ على صَدْرِي فسخنتها، وروى مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: أَن فَاطِمَة أَتَت النَّبِي ﷺ تسأله خَادِمًا وَشَكتْ الْعَمَل، فَقَالَ: مَا ألفيته عندنَا؟ قَالَ: أَلا أدلك على خير ... ؟ الحَدِيث. وَفِي (علل) الدَّارَقُطْنِيّ: أَن أم سَلمَة هِيَ الَّتِي قَالَت لرَسُول الله، ﷺ : إِن ابْنَتي فَاطِمَة جاءتك تلتمسك ... الحَدِيث، وروى أَبُو دَاوُد، وَقَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن صَالح، قَالَ: حَدثنَا عبد الله ابْن وهب، قَالَ: حَدثنَا عَيَّاش بن عقبَة الْحَضْرَمِيّ عَن الْفضل بن حسن الضمرِي: أَن أم الحكم أَو ضباعة ابْنَتي الزبير حدثته عَن إِحْدَاهمَا. إِنَّهَا قَالَت: أصَاب رَسُول الله، ﷺ سبياً، فَذَهَبت أَنا وأختي فَاطِمَة بنت رَسُول الله، ﷺ فشكونا إِلَيْهِ مَا نَحن فِيهِ، وسألناه أَن يَأْمر لنا بِشَيْء من السَّبي، فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : سبقكن يتامى بدر، ثمَّ ذكر قصَّة التَّسْبِيح. قَوْله: (أَلا أدلكما على خير مِمَّا سألتما؟) ويروى: سألتماه؟ بالضمير، وَإِنَّمَا أسْند السُّؤَال إِلَيْهِمَا مَعَ أَن السَّائِل هِيَ فَاطِمَة فَقَط، لِأَن سؤالها كَانَ بِرِضَاهُ، فَإِن قلت: أَيْن وَجه الْخَيْرِيَّة فِي الدُّنْيَا أَو الْآخِرَة أَو فيهمَا؟ قلت: فَائِدَة الذّكر ثَوَاب الْآخِرَة، وَفَائِدَة الْجَارِيَة خدمَة الطَّحْن وَنَحْوه، وَالثَّوَاب أَكثر وَأبقى فَهُوَ خير.
٧ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿فإنَّ لله خُمُسَهُ ولِلْرَّسُولِ﴾ (الْأَنْفَال: ١٤) . يَعْنِي لِلرَّسُولِ قَسْمَ ذَلِكَ قَالَ رسوُلُ الله ﷺ : إنَّما أنَا قاسِمٌ وخازِنٌ وَالله يُعْطِي)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان معنى قَول الله تَعَالَى: ﴿فَإِن لله خمسه﴾ (الْأَنْفَال: ١٤) . إِلَى آخِره، هَذَا اللَّفْظ من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَإِن لله خمسه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل﴾ (الْأَنْفَال: ١٤) . الْآيَة، بَين الله تَعَالَى فِيهَا إحلال الْغَنَائِم لهَذِهِ الْأمة من بَين سَائِر الْأُمَم، وَالْغنيمَة هِيَ المَال الْمَأْخُوذ من الْكفَّار بِإِيجَاف الْخَيل والركاب، والفيء مَا أَخذ مِنْهُم بِغَيْر ذَلِك كالأموال الَّتِي يصالحون عَلَيْهَا، أَو يتوفون عَنْهَا وَلَا وَارِث لَهُم، والجزية وَالْخَرَاج وَنَحْو ذَلِك، قَوْله: (يَعْنِي للرسول قسم ذَلِك) هَذَا تَفْسِير البُخَارِيّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن لله خمسه وَلِلرَّسُولِ﴾ (الْأَنْفَال: ١٤) . قَالَ الْكرْمَانِي: يَعْنِي: للرسول قسمته، لَا أَن سَهْما مِنْهُ لَهُ، ثمَّ قَالَ: وَقَالَ شَارِح (التراجم) : مَقْصُود البُخَارِيّ تَرْجِيح قَول من قَالَ: إِن النَّبِي ﷺ لم يملك خمس الْخمس، وَإِنَّمَا كَانَ إِلَيْهِ قسمته فَقَط.
قلت: هَذَا الْبَاب فِيهِ اخْتِلَاف لِلْمُفَسِّرِينَ، فَقَالَ بَعضهم: لله نصيب يَجْعَل فِي الْكَعْبَة، فَعَن أبي عالية الريَاحي: كَانَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 4365
يُؤْتى بِالْغَنِيمَةِ فَيقسمهَا على خَمْسَة، يكون أَرْبَعَة أَخْمَاس لمن شَهِدَهَا، ثمَّ يَأْخُذ الْخمس فَيضْرب بِيَدِهِ فِيهِ، فَيَأْخُذ مِنْهُ الَّذِي قبض كَفه، فَيَجْعَلهُ للكعبة، وَهُوَ سهم لله تَعَالَى، ثمَّ يقسم مَا بَقِي على خَمْسَة أسْهم فَيكون: سهم للرسول، وَسَهْم لِذَوي الْقُرْبَى، وَسَهْم لِلْيَتَامَى، وَسَهْم للْمَسَاكِين، وَسَهْم لِابْنِ السَّبِيل. وَقَالَ آخَرُونَ: ذكر الله استفتاح كَلَام للتبرك وَسَهْم للرسول، وَعَن ابْن عَبَّاس: أَن سهم الله وَسَهْم الرَّسُول وَاحِد، وَهَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْحسن بن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالشعْبِيّ وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَقَتَادَة وَآخَرُونَ: إِن سهم الله وَرَسُوله وَاحِد. ثمَّ اخْتلف الْقَائِلُونَ لهَذَا القَوْل، فروى عَليّ عَن ابْن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: كَانَت الْغَنِيمَة تقسم على خَمْسَة أَقسَام فَأَرْبَعَة مِنْهَا بَين من قَاتل عَلَيْهَا، وَخمْس وَاحِد يقسم على أَرْبَعَة أَخْمَاس، فربع لله وَلِلرَّسُولِ، فَمَا كَانَ لله وَلِلرَّسُولِ فَهُوَ لقرابة رَسُول الله، ﷺ ، وَلم يَأْخُذ النَّبِي ﷺ ، من الْخمس شَيْئا، وروى ابْن أبي حَاتِم من حَدِيث عبد الله بن بُرَيْدَة فِي قَوْله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَإِن لله خمسه وَلِلرَّسُولِ﴾ (الْأَنْفَال: ١٤) . قَالَ: الَّذِي لله فلنبيه، وَالَّذِي للرسول فلأزواجه، وَعَن عَطاء بن أبي رَبَاح: خمس الله وَرَسُوله وَاحِد، يحمل مِنْهُ ويصنع فِيهِ مَا شَاءَ، يَعْنِي النَّبِي ﷺ . وَقَالَ آخَرُونَ: إِن الْخمس يتَصَرَّف فِيهِ الإِمَام بِالْمَصْلَحَةِ للْمُسلمين كَمَا يتَصَرَّف فِي مَال الْفَيْء، وَهَذَا قَول مَالك وَأكْثر السّلف.
وَقد اخْتلف أَيْضا فِي الَّذِي كَانَ يَنَالهُ النَّبِي ﷺ من الْخمس مَاذَا يصنع بِهِ من بعده؟ فَقَالَت طَائِفَة: يكون لمن يَلِي الْأَمر من بعده، رُوِيَ ذَلِك عَن أبي بكر وَعلي وَقَتَادَة وَجَمَاعَة، وَقَالَ آخَرُونَ: يصرف فِي مصَالح الْمُسلمين. وَقَالَ آخَرُونَ: بل هُوَ مَرْدُود على بَقِيَّة الْأَصْنَاف ذَوي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل، وَاخْتَارَهُ ابْن جرير، وَقيل: إِن الْخمس جَمِيعه لِذَوي الْقُرْبَى، وَقَالَ الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم، قَالَ: كَانَ أَبُو بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يجعلان سهم النَّبِي ﷺ فِي الكراع وَالسِّلَاح. قلت لإِبْرَاهِيم: مَا كَانَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول فِيهِ؟ قَالَ: كَانَ أَشَّدهم فِيهِ، وَهَذَا قَول طَائِفَة كَثِيرَة من الْعلمَاء، وَذكر ابْن المناصف فِي كتاب الْجِهَاد عَن مَالك: أَن الْفَيْء وَالْخمس سَوَاء يجعلان فِي بَيت المَال وَيُعْطِي الإِمَام أقَارِب سيدنَا رَسُول الله، ﷺ بِقدر اجْتِهَاده، وَلَا يُعْطون من الزَّكَاة لقَوْله ﷺ : لَا تحل الصَّدَقَة لآل مُحَمَّد وهم بَنو هَاشم، وَقَالَ فِي الْخمس والفيء: هُوَ حَلَال للأغنياء، وَيُوقف مِنْهُ لبيت المَال، بِخِلَاف الزَّكَاة. وَقَالَ عبد الْملك: المَال الَّذِي آسى الله، ، فِيهِ بَين الْأَغْنِيَاء والفقراء مَال الْفَيْء، وَمَا ضارع الْفَيْء من ذَلِك أَخْمَاس الْغَنَائِم وجزية أهل العنوة وَأهل الصُّلْح وخراج الأَرْض وَمَا صولح عَلَيْهِ أهل الشّرك فِي الْهُدْنَة وَمَا أَخذ عَلَيْهِ من تجار أهل الْحَرْب إِذا خَرجُوا لتجاراتهم إِلَى دَار الْإِسْلَام، وَمَا أَخذ من أهل ذمتنا إِذا أتجروا من بلد إِلَى بلد وَخمْس الرِّكَاز حَيْثُ مَا وجد يبْدَأ عِنْدهم فِي تَفْرِيق ذَلِك بالفقراء وَالْمَسَاكِين واليتامى وَابْن السَّبِيل، ثمَّ يُسَاوِي بَين النَّاس فِيمَا بَقِي شريفهم ووضيعهم، وَمِنْه يرْزق وَالِي الْمُسلمين وقاضيهم، وَيُعْطى غازيهم، ويسد ثغورهم ويبنى مَسَاجِدهمْ وقناطرهم ويفك أسيرهم، وَمَا كَانَ من كَافَّة الْمصَالح الَّتِي لَا تُوضَع فِيهَا الصَّدقَات فَهَذَا أَعم فِي الْمصرف من الصَّدقَات، لِأَنَّهُ يجْرِي فِي الْأَغْنِيَاء والفقراء، وَفِيمَا يكون فِيهِ مصرف الصَّدَقَة وَمَا لَا يكون، هَذَا قَول مَالك وَأَصْحَابه، وَمن ذهب مَذْهَبهم: أَن الْخمس والفيء مصرفهما وَاحِد، وَذهب الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة وأصحابهما وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد وَإِسْحَاق وَالنَّسَائِيّ وَعَامة أَصْحَاب الحَدِيث وَالْفِقْه إِلَى التَّفْرِيق بَين مصرف الْفَيْء وَالْخمس، فَقَالُوا: بالخمس مَوْضُوع فِيمَا عينه الله فِيهِ من الْأَصْنَاف المسمين فِي آيَة الْخمس من سُورَة الْأَنْفَال لَا يتَعَدَّى بِهِ إِلَى غَيرهم، وَلَهُم مَعَ ذَلِك فِي تَوْجِيه قسمه عَلَيْهِم بعد وَفَاة سيدنَا رَسُول الله، ﷺ خلاف، وَأما الْفَيْء فَهُوَ الَّذِي يرجع النّظر فِي مصرفه إِلَى الإِمَام بِحَسب الْمصلحَة وَالِاجْتِهَاد.
قَوْله: (قَالَ رَسُول الله، ﷺ إِنَّمَا أَنا قَاسم وخازن وَالله يُعْطي) ، احْتج البُخَارِيّ بِهَذَا التَّعْلِيق على مَا ذهب إِلَيْهِ من الرَّد على من جعل لرَسُول الله، ﷺ خمس الْخمس ملكا، وَأسْندَ أَبُو دَاوُد هَذَا التَّعْلِيق من حَدِيث عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن همام عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِلَفْظ: إِن أَنا إلَاّ خَازِن أَضَع حَيْثُ أمرت. وَالله أعلم.
٤١١٣ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سُلَيْمَانَ ومَنْصُورٍ وقَتادَةَ أنَّهُمْ سَمِعُوا سالِمَ بنَ أبِي
стр. 4366
الجَعْدِ عنْ جابِرِ بنِ عبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قالَ وُلِدَ لِرَجُلٍ منَّا مِنَ الأنْصَارِ غُلَامٌ فأرَادَ أنْ يُسَمِّيَهُ مُحَمَّدَاً قَالَ شُعْبَةُ فِي حَدِيثِ مَنْصُورٍ إنَّ الأَنْصَارِيَّ قَالَ حَمَلْتُهُ علَى عُنُقِي فأتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ وَفِي حدِيثِ سُلَيْمَانَ وُلِدَ لَهُ غُلَامٌ فأرَادَ أنْ يُسَمِّيَهُ مُحَمَّداً قَالَ سَمُّوا باسْمِي ولَا تَكَنَّوْا بكُنْيَتِي فإنِّي إنَّمَا جُعِلْتُ قاسِماً أقْسِمُ بَيْنَكُمْ. وَقَالَ حُصَيْنٌ بُعِثْتُ قاسِماً أقْسِمُ بَيْنَكُمْ. قالَ عَمْرٌ وأخْبرنَا شُعْبَةُ عنْ قَتَادَةَ قَالَ سَمِعْتُ سالِماً عنْ جابِرٍ أرَادَ أنْ يُسَمِّيَهُ القاسِمَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ سَمُّوا باسْمِي ولَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِنَّمَا جعلت قاسماً أقسم بَيْنكُم) . وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي صفة النَّبِي ﷺ عَن مُحَمَّد بن كثير وَفِي الْأَدَب عَن آدم. وَأخرجه مُسلم ﵀ فِي الاستيذان، كَذَا قَالَه الْمروزِي وَلم يُخرجهُ إلَاّ فِي الْأَدَب عَن جمَاعَة كَثِيرَة.
قَوْله: (قَالَ شُعْبَة فِي حَدِيث مَنْصُور) ، أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن شُعْبَة لما روى هَذَا الحَدِيث عَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة وهم: سُلَيْمَان وَمَنْصُور وَقَتَادَة، وهم سمعُوا جَابِرا، قَالَ: ولد لرجل منا من الْأَنْصَار غُلَام، فَأَرَادَ أَن يُسَمِّيه مُحَمَّدًا، قَالَ: فِي حَدِيث مَنْصُور أَن الْأنْصَارِيّ قَالَ: حَملته على عنقِي فأتيب بِهِ النَّبِي ﷺ ، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن مَنْصُور عَن سَالم بن أبي الْجَعْد عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: ولد لرجل منا غُلَام فَسَماهُ مُحَمَّدًا، فَقَالَ لَهُ قومه: لَا نَدعك تسمي باسم رَسُول الله، ﷺ ، فَانْطَلق بِابْنِهِ حامله على ظَهره، فَأتى بِهِ النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله ﴿ولد لي غُلَام فسميته مُحَمَّدًا فَقَالَ لي قومِي: لَا نَدعك تسمي باسم رَسُول الله، ﷺ ، فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ : تسموا بإسمي وَلَا تكتنوا بكنيتي، فَإنَّا أَنا قَاسم أقسم بَيْنكُم. وروى مُسلم أَيْضا من حَدِيث شُعْبَة عَن قَتَادَة وَمَنْصُور وَسليمَان وحصين بن عبد الرَّحْمَن، قَالُوا: سمعنَا سَالم بن أبي الْجَعْد عَن جَابر، فَزَاد هُنَا حُصَيْن بن عبد الرَّحْمَن على هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة الْمَذْكُورين. قَوْله: (فِي حَدِيث سُلَيْمَان) أَي: قَالَ شُعْبَة فِي حَدِيث سُلَيْمَان الْأَعْمَش: ولد لَهُ غُلَام ... إِلَى آخِره. قَوْله: (سموا) ، بِفَتْح السِّين وَضم الْمِيم الْمُشَدّدَة: أَمر من سمَّى يُسَمِّي. قَوْله: (وَلَا تكتنوا) ، من الاكتناء من بَاب الافتعال، ويروى: وَلَا تكنوا من: كنى يكني. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: اكتنى فلَان كَذَا وَفُلَان يكنى بِأبي عبد الله وَلَا تقل يكنى بِعَبْد الله وكنيته أَبَا زيد وبأبي يزِيد تكنية والكنية عِنْد أهل الْعَرَبيَّة كل مركب إضافي فِي صَدره أَب أَو أم كَأبي بكر وَأم كُلْثُوم، وَهِي من أَقسَام الْأَعْلَام. قَوْله: (إِنَّمَا جعلت قاسماً أقسم بَيْنكُم) أَي: أقسم الْأَمْوَال فِي الْمَوَارِيث والغنائم وَغَيرهمَا عَن الله تَعَالَى، وَلَيْسَ ذَلِك لأحد إلَاّ لَهُ، فَلَا يُطلق هَذَا الِاسْم بِالْحَقِيقَةِ إلَاّ عَلَيْهِ، وعَلى هَذَا فَيمْتَنع التكنية بذلك مُطلقًا، وَهُوَ مَذْهَب مُحَمَّد بن سِيرِين وَالشَّافِعِيّ وَأهل الظَّاهِر، سَوَاء كَانَ اسْمه أَحْمد أَو مُحَمَّدًا. وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: اخْتلف هَل النَّهْي عَام أَو خَاص؟ فَذَهَبت طَائِفَة من السّلف إِلَى أَن التكني وَحده بِأبي القاسمٍ مَمْنُوع كَيفَ كَانَ الِاسْم، وَذهب آخَرُونَ من السّلف إِلَى منع التكني بِأبي الْقَاسِم، وَكَذَلِكَ تَسْمِيَة الْوَلَد بالقاسم لِئَلَّا يكون سَببا للتكنية، لِأَن الشَّخْص إِذا سمي بالقاسم يلْزم مِنْهُ أَن يكون أَبوهُ أَبَا الْقَاسِم فَيصير الْأَب مكنى بكنية رَسُول الله، ﷺ . وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَن الْمَمْنُوع الْجمع بَين التكنية وَالِاسْم، وَأَنه لَا بَأْس بالتكني بِأبي الْقَاسِم مُجَردا مَا لم يكن الِاسْم مُحَمَّدًا أَو أَحْمد. وَذهب أخرون وشذوا إِلَى منع التَّسْمِيَة باسم النَّبِي ﷺ ، حَملَة كَيفَ مَا كَانَ يكنى. وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَن النَّهْي فِي ذَلِك مَنْسُوخ، وَحكى الْقُرْطُبِيّ عَن جُمْهُور السّلف وَالْخلف وفقهاء الْأَمْصَار جَوَاز كل ذَلِك، والْحَدِيث إِمَّا مَنْسُوخ وَإِمَّا خَاص بِهِ احتجاجاً بِحَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ، وَلَفظه: يَا رَسُول الله﴾ إِن ولد لي بعْدك غُلَام أُسَمِّيهِ بِاسْمِك وأكنيه بكنيتك؟ قَالَ: نعم. قَوْله: (وَقَالَ حُصَيْن) ، هُوَ حُصَيْن بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ: ابْن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ أَبُو الْهُذيْل الْكُوفِي، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ مُسلم، وَقَالَ: حَدثنَا هناد بن السّري حَدثنَا عَبْثَر عَن حُصَيْن عَن سَالم بن أبي الْجَعْد
стр. 4367
عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: ولد لرجل منا غُلَام فَسَماهُ مُحَمَّدًا، فَقُلْنَا: لَا نكنيك برَسُول الله، ﷺ حَتَّى تستأمره. قَالَ: فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّه ولد لي غُلَام فسميته برَسُول الله، ﷺ وَإِن قومِي أَبَوا أَن يكنوني بِهِ حَتَّى تستأذن النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: سموا باسمي وَلَا تكتنوا بكنيتي، فَإِنَّمَا بعثت قاسماً أقسم بَيْنكُم. قَوْله: (قَالَ عَمْرو) ، هُوَ عمر بن مَرْزُوق وَهَذَا تَعْلِيق رَوَاهُ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ عَن أبي الْعَبَّاس قَالَ حَدثنَا يُوسُف القَاضِي حَدثنَا عَمْرو بن مَرْزُوق أخبرنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة ... الحَدِيث.
٢٣ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن يُوسُف قَالَ حَدثنَا سُفْيَان عَن الْأَعْمَش عَن سَالم بن أبي الْجَعْد عَن جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ قَالَ ولد لرجل منا غُلَام فَسَماهُ الْقَاسِم فَقَالَت الْأَنْصَار لَا نكنيك أَبَا الْقَاسِم وَلَا ننعمك عينا فَأتى النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ يَا رَسُول الله ولد لي غُلَام فسميته الْقَاسِم فَقَالَت الْأَنْصَار لَا نكنيك أَبَا الْقَاسِم وَلَا ننعمك عينا فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ - أَحْسَنت الْأَنْصَار سموا باسمي وَلَا تكنوا بكنيتي فَإِنَّمَا أَنا قَاسم) هَذَا طَرِيق آخر من حَدِيث جَابر الْمَذْكُور رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن يُوسُف البُخَارِيّ البيكندي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش إِلَى آخِره قَوْله لَا نكنيك بِضَم النُّون وَفتح الْكَاف وَكسر النُّون من التكنية ويروى لَا نكنك بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْكَاف من كنى يكنى قَوْله " وَلَا ننعمك عينا " أَي لَا نقر عَيْنك بذلك وَلَا نكرمك تَقول الْعَرَب فِي الْكَرَامَة حسن الْقبُول نعم عين ونعمة عين ونعام عين أما النِّعْمَة فمعناها التنعم يُقَال كم من ذِي نعْمَة لَا نعْمَة لَهُ أَي لَا تنعم لَهُ بِمَالِه وَالنعْمَة بِفَتْح النُّون الْفَرح وَالسُّرُور ونعمة الْعين بِالضَّمِّ قرتها قَوْله " فسموا " ويروى تسموا بِفَتْح السِّين وَتَشْديد الْمِيم قَوْله " وَلَا تكنوا " من التكنية ويروى وَلَا تكتنوا من الاكتناء وَفِيه إِبَاحَة التسمي باسمه للبركة الْمَوْجُودَة مِنْهُ وَلما فِي اسْمه من الفال الْحسن من معنى الْحَمد ليَكُون مَحْمُودًا من يُسمى باسمه وَنَهْيه عَن التكني بكنيته لما رَوَاهُ أنس نَادَى رجل يَا أَبَا الْقَاسِم فَالْتَفت النَّبِي ﷺ َ - فَقَالَ الرجل لم أعنك وَنقل أَيْضا عَن الْيَهُود أَنَّهَا كَانَت تناديه بهَا فَإِذا الْتفت قَالُوا لم نعنك فحسم الذريعة بِالنَّهْي (فَإِن قلت) هَل يمْنَع التَّسْمِيَة بِمُحَمد قلت قد قيل بِهِ وَلم يكن أحد من الصَّحَابَة يجترىء أَن يُنَادي النَّبِي ﷺ َ - باسمه لِأَن النداء بِالِاسْمِ لَا توقير فِيهِ بِخِلَاف الكنية وَإِنَّمَا كَانَ يُنَادِيه باسمه الْأَعْرَاب مِمَّن لم يُؤمن مِنْهُم أَو لم يرسخ الْإِيمَان بِقَلْبِه وَقيل أَن النَّهْي مَخْصُوص بحياته وَقد ذهب إِلَيْهِ بعض أهل الْعلم وَكَانَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ كتب إِلَى أهل الْكُوفَة لَا تسموا أحدا باسم نَبِي وَأمر جمَاعَة بِالْمَدِينَةِ بتغيير أَسمَاء أبنائهم المسمين بِمُحَمد حَتَّى ذكر لَهُ جمَاعَة من الصَّحَابَة أَنه ﷺ َ - أذن لَهُم فِي ذَلِك فتركهم وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ حَدِيث النَّهْي غير مَعْرُوف عِنْد أهل النَّقْل وعَلى تَسْلِيمه فمقتضاه النَّهْي عَن لعن من تسمى بِمُحَمد وَقيل وَأَن سَبَب نهي عمر عَن ذَلِك أَنه سمع رجلا يَقُول لِابْنِ أَخِيه مُحَمَّد بن زيد بن الْخطاب فعل الله بك يَا مُحَمَّد فَقَالَ إِن سيدنَا رَسُول الله ﷺ َ - يسب بك وَالله لَا نَدْعُو مُحَمَّدًا مَا بقيت وَسَماهُ عبد الرَّحْمَن وَقد تقرر الْإِجْمَاع على إِبَاحَة التَّسْمِيَة بأسماء الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَتسَمى جمَاعَة من الصَّحَابَة بأسماء الْأَنْبِيَاء وَكره بعض الْعلمَاء فِيمَا حَكَاهُ عِيَاض التسمي بأسماء الْمَلَائِكَة وَهُوَ قَول الْحَارِث بن مِسْكين قَالَ وَكره مَالك التسمي بِجِبْرِيل وإسرافيل وَمِيكَائِيل وَنَحْوهَا من أَسمَاء الْمَلَائِكَة وَعَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه قَالَ مَا قنعتم بأسماء بني آدم حَتَّى سميتم بأسماء الْمَلَائِكَة
٢٤ - (حَدثنَا حبَان بن مُوسَى قَالَ أخبرنَا عبد الله عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن أَنه سمع مُعَاوِيَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - من يرد الله بِهِ خيرا يفقه فِي الدّين وَالله الْمُعْطِي وَأَنا الْقَاسِم وَلَا تزَال هَذِه الْأمة ظَاهِرين على من خالفهم حَتَّى يَأْتِي أَمر الله وهم ظاهرون)
стр. 4368
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله وَأَنا قَاسم وحبان بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن مُوسَى أَبُو مُحَمَّد الْمروزِي وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي وَيُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي والْحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي كتاب الْعلم فِي بَاب " من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين " عَن سعيد بن عفير عَن ابْن وهب عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب قَالَ قَالَ حميد بن عبد الرَّحْمَن سَمِعت مُعَاوِيَة خَطِيبًا يَقُول سَمِعت النَّبِي ﷺ َ - يَقُول " من يرد الله بِهِ خيرا " إِلَى آخِره نَحوه وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ -
٧١١٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنانٍ قَالَ حدَّثنا فُلَيْحٌ قَالَ حدَّثنا هِلالٌ عَن عبْدِ الرَّحمانِ بنِ أبِي عَمْرَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ مَا أعْطِيكُمْ ولَا أمْنَعُكُمْ أَنا قاسِمٌ أضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ. [/ نه
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِنَّمَا أَنا قَاسم) وَمُحَمّد بن سِنَان، بِكَسْر السِّين وبالنونين، وفليح، بِضَم الْفَاء وَفتح اللَّام: ابْن سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة، وَكَانَ اسْمه عبد الْملك ولقبه فليح، فغلب على اسْمه، وهلال هُوَ ابْن عَليّ الفِهري الْمَدِينِيّ. قَوْله: (مَا أُعْطِيكُم وَلَا أمنعكم) أَي: الله هُوَ الْمُعْطِي فِي الْحَقِيقَة وَهُوَ الْمَانِع، وَأَنا أُعْطِيكُم بِقدر مَا يلهمني الله مِنْهُ.
٨١١٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ قَالَ حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي أيُّوبَ قالَ حدَّثني أَبُو الأسْوَدِ عنِ ابنِ أبي عَيَّاشٍ واسْمُهُ نُعْمَانُ عنْ خَوْلَةَ الأنْصَارِيَّةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ إنَّ رِجالاً يتَخَوَّضُونَ فِي مالِ الله بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَهُمْ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ.
لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة بِحَسب الظَّاهِر، وَلَكِن قَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (بِغَيْر حق) أَي: بِغَيْر قسْمَة حق، وَاللَّفْظ وَإِن كَانَ أَعم من ذَلِك وَلَكِن خصصناه بِالْقِسْمَةِ ليفهم مِنْهُ التَّرْجَمَة صَرِيحًا.
وَعبد الله بن يزِيد من الزِّيَادَة أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمقري مولى آل عمر بن الْخطاب، وَأَصله من نَاحيَة الْبَصْرَة سكن مَكَّة، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي غير مَوضِع، وروى عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ عَنهُ فِي الْأَحْكَام، وَعَن مُحَمَّد غير مَنْسُوب عَنهُ فِي الْبيُوع، وَسَعِيد بن أبي أَيُّوب الْخُزَاعِيّ الْمصْرِيّ وَاسم أبي أَيُّوب: مِقْلَاص، وَأَبُو الْأسود مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن نَوْفَل، وَابْن أبي عَيَّاش اسْمه نعْمَان، وَأَبُو عَيَّاش، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْيَاء آخر الْحُرُوف الْمُشَدّدَة واسْمه: زيد بن الصَّلْت الزرقي الْأنْصَارِيّ الْمَدِينِيّ، وَخَوْلَة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة بنت قيس بن فَهد بن قيس بن ثَعْلَبَة الْأَنْصَارِيَّة وَيُقَال لَهَا: خُوَيْلَة أم مُحَمَّد، وَهِي امْرَأَة حَمْزَة بن عبد الْمطلب، وَقيل: إِن امْرَأَة حَمْزَة خَوْلَة بنت ثامر، بالثاء الْمُثَلَّثَة: الخولانية، وَقيل: إِن ثامر لقب لقيس بن فَهد، قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: خَوْلَة بنت قيس هِيَ خَوْلَة بنت ثامر وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا لَيْث عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي الْوَلِيد قَالَ سَمِعت خَوْلَة بنت قيس وَكَانَت تَحت حَمْزَة بن عبد الْمطلب، تَقول: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ يَقُول: (إِن هَذَا المَال خضرَة حلوة، من أَصَابَهُ بِحقِّهِ بورك لَهُ فِي، وَرب متخوض فِيمَا شَاءَت نَفسه من مَال الله وَرَسُوله لَيْسَ لَهُ يَوْم الْقِيَامَة إلَاّ النَّار) ، هَذَا الحَدِيث حسن صَحِيح، وَأَبُو الْوَلِيد اسْمه: عبيد سَنُوطا. قلت: وَكَذَا أخرجه الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث جمَاعَة عَن المَقْبُري، وَأخرج الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نعيم وَالطَّبَرَانِيّ والْحميدِي من حَدِيث أبي الْأسود عَن ابْن أبي عَيَّاش عَن خَوْلَة بنت ثامر، وَقد ذكرنَا أَن كنية خَوْلَة بنت قيس أم مُحَمَّد، وَقَالَ أَبُو نعيم: وَيُقَال أم حَبِيبَة، وصحف ابْن مَنْدَه: أم حَبِيبَة، بِأم صبية. وَتلك غير هَذِه، تِلْكَ جهينية وَهَذِه أنصارية من أنفسهم، وَوَقع للكلاباذي أَيْضا: أَن كنيتها أم صبية وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لم يرو عَن خَوْلَة بنت ثامر سوى النُّعْمَان بن أبي عَيَّاش الزرقي، وَذكر أَبُو عمر الحَدِيث فِي خَوْلَة بنت قيس عَن عبيد سَنُوطا، وَبنت ثامر عَن النُّعْمَان عَنْهَا. قَوْله: (يتخوضون) ، من الْخَوْض بالمعجمتين، وَهُوَ الْمَشْي فِي المَاء وتحريكه، ثمَّ اسْتعْمل فِي التَّلَبُّس بِالْأَمر وَالتَّصَرُّف فِيهِ، والتخوض تفعل مِنْهُ، وَقيل: هُوَ التَّخْلِيط فِي تَحْصِيله من غير وَجهه كَيفَ أمكن، وَبَاب التفعل فِيهِ التَّكَلُّف.
стр. 4369
٨ - (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ أُحِلَّتْ لَكُمُ الغَنَائِمُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول النَّبِي ﷺ : (أحلّت لكم الْغَنَائِم أَي وَلم تحل لأحد غَيْركُمْ) .
وَقَالَ الله تَعالى: ﴿وَعَدَكُمُ الله مَغَانِمَ كَثِيَرَةً تأخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ (الْفَتْح: ٠٢١) .
تَمام الْآيَة: ﴿وكف أَيدي النَّاس عَنْكُم ولتكون آيَة للْمُؤْمِنين وَيهْدِيكُمْ صراطاً مُسْتَقِيمًا﴾ (الْفَتْح: ٠٢) . قَوْله: ﴿وَعدكُم الله مَغَانِم كَثِيرَة﴾ (الْفَتْح: ٠٢) . هِيَ مَا أصابوها مَعَ النَّبِي ﷺ وَبعده إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (فَعجل لكم هَذِه) ، يَعْنِي غَنَائِم خَيْبَر. قَوْله: (وكف أَيدي النَّاس عَنْكُم) أَي: أَيدي قُرَيْش كفهم الله بِالصُّلْحِ، وَقَالَ قَتَادَة: أَيدي الْيَهُود، وَقَالَ مقَاتل: إِنَّهُم أَسد وغَطَفَان حلفاء أهل خَيْبَر جَاءُوا لينصروا أهل خَيْبَر، فقذف الله فِي قُلُوبهم الرعب فانصرفوا.
٩١١٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا خالِدٌ قَالَ حدَّثنا حُصَيْنٌ عنْ عامِرٍ عَن عُرْوَةَ البَارِقِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الخَيْلُ معْقُودٌ فِي نَوَاصِيها الخَيْرُ الأجْرُ والمَغْنَمُ إِلَى يَوْمِ القِيامَةِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (والمغنم) وخَالِد هُوَ ابْن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الطَّحَّان، وحصين، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة: ابْن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ، وعامر هُوَ الشّعبِيّ، وَعُرْوَة بن الْجَعْد، وَيُقَال: أبي الْجَعْد الْبَارِقي، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وبالراء وَالْقَاف: الْأَزْدِيّ. والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة عَن حُصَيْن وَابْن أبي سفر عَن الشّعبِيّ عَن عُرْوَة بن الْجَعْد عَن النَّبِي ﷺ ، وَلَيْسَ فِيهِ لَفْظَة: والمغنم، وَأخرجه أَيْضا فِي: بَاب الْجِهَاد ماضٍ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَفِيه: الْأجر والمغنم.
٠٢١٣ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرَنا شُعَيْبٌ قَالَ حدَّثنا أَبُو الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ إذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ وإذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ والَّذِي نفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفِقُنَّ كُنُوزَهُما فِي سَبِيلِ الله.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (لتنفقن كنوزهما فِي سَبِيل الله) لِأَن كنوزهما كَانَت مَغَانِم، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.
قَوْله: (فَلَا كسْرَى بعده) ، أَي: فِي الْعرَاق. (وَلَا قَيْصر) أَي: فِي الشَّام، وَكلمَة: لَا، هُنَا بِمَعْنى: لَيْسَ، فَلَا يلْزم التكرير، وَقَالَ الْخطابِيّ: أما كسْرَى فقد قطع الله دابره وانفقت كنوزه فِي سَبِيل الله، وَأما قَيْصر فَكَانَ الشَّام منشأه وَبهَا بَيت الْمُقَدّس، وَهُوَ الَّذِي لَا يتم لِلنَّصَارَى نسك إلَاّ فِيهِ، وَلَا يملك أحد على الرّوم من مُلُوكهمْ حَتَّى يكون قد دخله سرا أَو جَهرا، وَقد أجلى عَنْهَا وافتتحت خزائنه الَّتِي فِيهَا وَلم يخلفه أحد من القياصرة بعده إِلَى أَن ينجز الله تَمام وعده فِي فتح قسطنطينية فِي آخر الزَّمَان.
١٢١٣ - حدَّثنا إسْحَاقُ سَمِعَ جَرِيراً عنْ عَبْدِ المَلِكِ عنْ جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ إذَا هلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَي بَعْدَهُ وإذَا هَلَكَ قيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ والَّذِي نفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفِقَنَّ كُنُوزُهُما فِي سَبِيلِ الله.
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الَّذِي قبله. وَإِسْحَاق هَذَا قَالَ الجياني: لم أره مَنْسُوبا إِلَى أحد، وَنسبه أَبُو نعيم إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. قلت: ثَلَاثَة أنفس كل وَاحِد مِنْهُم يُسمى: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وروى البُخَارِيّ عَن كل وَاحِد مِنْهُم: فإسحاق بن إِبْرَاهِيم من هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة، وَجَرِير بن عبد الحميد، وَعبد الْملك هُوَ ابْن عُمَيْر الْكُوفِي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن قبيصَة بن عقبَة وَفِي الْإِيمَان وَالنُّذُور عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَأخرجه مُسلم فِي الْفِتَن عَن قُتَيْبَة عَن جرير بِهِ.
٢٢١٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنان قالَ حدَّثنا هُشَيْمٌ قَالَ أخبرَنَا سَيَّارٌ قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ الْفَقِير
стр. 4370
ُ قَالَ حدَّثنا جابِرُ بنُ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ رسوُلُ الله ﷺ أُحِلَّتْ لِي الغَنَائِمُ. (انْظُر الحَدِيث ٥٣٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وهشيم، بِضَم الْهَاء: ابْن بشير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف الوَاسِطِيّ، وسيار، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن أبي سيار، واسْمه وردان أَبُو الحكم الوَاسِطِيّ، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن صُهَيْب الْكُوفِي الْمَعْرُوف بالفقير، قَالَ الْكرْمَانِي: الْفَقِير ضد الْغَنِيّ. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا هُوَ من فقار الظّهْر لَا من المَال، وَهُوَ الَّذِي أُصِيب فِي فقار ظَهره، وَهُوَ خرزاته، الْوَاحِدَة فقارة.
والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب أول التَّيَمُّم، بأتم مِنْهُ عَن مُحَمَّد بن سِنَان عَن هشيم وَعَن سعيد بن النَّضر عَن هشيم عَن سيار عَن يزِيد الْفَقِير ... الحَدِيث، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (وَأحلت لي الْغَنَائِم) هِيَ من خَصَائِصه، فَلم تحل لأحد غَيره وَغير أمته، على مَا ذَكرْنَاهُ هُنَاكَ.
٣٢١٣ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسوُلَ الله ﷺ قَالَ تَكَفَّلَ الله لِمَنْ جاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إلَاّ الجهادُ فِي سَبِيلِه وتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ بِأنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ أوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ أجْرٍ أوْ غَنِيمَةٍ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَو غنيمَة) وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس ابْن أُخْت مَالك بن أنس، وَقد تكَرر ذكره، والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب الْجِهَاد من الْإِيمَان، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بأتم مِنْهُ عَن حرمي بن حَفْص عَن عبد الْوَاحِد إِلَى آخِره.
قَوْله: (أَو يرجعه) ، بِفَتْح الْيَاء، لِأَن رَجَعَ يتَعَدَّى بِنَفسِهِ. قَوْله: (أَو غنيمَة) ، يَعْنِي لَا يَخْلُو عَن أَحدهمَا مَعَ جَوَاز الِاجْتِمَاع بَينهمَا، بِخِلَاف: أَو: الَّتِي فِي: أَو، يرجعه فَإِنَّهَا تفِيد منع الْخُلُو وَمنع الْجمع كليهمَا.
٤٢١٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلَاءِ قَالَ حدَّثنا ابنُ المُبَارَكِ عنْ مَعْمَرٍ عنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ غَزَا نَبِي مِنَ الأَنْبِيَاءٍ فَقَالَ لِقَوْمِهِ لَا يَتْبَعْني رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأة وهْوَ يُرِيدُ أنْ يَبْنِيَ بِها ولَمَّا يَبْنِ بِهَا ولَا أحَدٌ بَنَى بُيُوتَاً ولَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا وَلَا أحَدٌ اشْتَرَى غَنَماً أوْ خَلِفَاتٍ وهْوَ يَنْتَظِرُ وِلَادَهَا فغَزَا فَدَنا مِنَ القَرْيَةِ صَلَاةَ العَصْرِ أوْ قَرِيباً مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِلْشَّمْسِ إنَّكِ مأمُورَةٌ وَأَنا مأمُورٌ اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا فَحُبِسَتْ حتَّى فتَحَ لله علَيْهِ فجَمَعَ الغَنَائِمَ فجاءَتْ يَعْنِي النَّارَ لِتأكُلَهَا فلَمُ تَطْعَمْهَا فَقَالَ إنَّ فِيكُمْ غُلُولاً فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ فلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ فَقَالَ فِيكُمُ الْغُلُولُ فَلْيُبايِعْنِي قَبِيلَتُكَ فلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أوْ ثَلَاثَةٍ بِيَدِهِ فَقَالَ فِيكُمْ الغُلُولُ فَجاؤا بِرَأسٍ مِثْلَ رأسِ بَقَرَةٍ مِنَ الذَّهَبِ فوَضَعُوهَا فَجاءَتِ النَّارُ فأكَلَتْهَا ثُمَّ أحَلَّ الله لَنا الغَنَائِمَ رأى ضَعْفَنا وعَجْزَنا فأحَلَّهَا لَنا. (الحَدِيث ٤٢١٣ طرفه فِي: ٧٥١٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ أحل لنا الْغَنَائِم) .
وَمُحَمّد بن الْعَلَاء أَبُو كريب الْهَمدَانِي الْكُوفِي: وَابْن الْمُبَارك هُوَ عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح، وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن أبي كريب أَيْضا عَن ابْن الْمُبَارك بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (غزا نَبِي من الْأَنْبِيَاء) قَالَ ابْن إِسْحَاق: هَذَا النَّبِي هُوَ يُوشَع بن نون، وَلم تحبس الشَّمْس، إلَاّ لَهُ ولنبينا مُحَمَّد ﷺ صَبِيحَة الْإِسْرَاء حِين انتظروا العير الَّتِي أخبر ﷺ بقدومها عِنْد شروق الشَّمْس فِي ذَلِك الْيَوْم. وأصل ذَلِك أَن النَّبِي ﷺ لما توجه من بَيت الْمُقَدّس بعد نُزُوله من الْإِسْرَاء لَقِي عير بني فلَان بضجنان، وَلما دخل مَكَّة أخبر بذلك
стр. 4371
وَقَالَ: الْآن تصوب عيرهم من ثنية التَّنْعِيم الْبَيْضَاء. يقدمهَا جمل أَوْرَق عَلَيْهِ غِرَارَتَانِ إِحْدَاهمَا سَوْدَاء وَالْأُخْرَى برقاء، قَالَ: فابتدر الْقَوْم الثَّنية فوجدوا مثل مَا أخبر، ﷺ . وَعَن السّديّ: أَن الشَّمْس كَادَت أَن تغرب قبل أَن يقدم ذَلِك العير فَدَعَا الله، ، فحبسها حَتَّى قدمُوا كَمَا وصف لَهُم قَالَ: فَلم تحبس الشَّمْس على أحد إلَاّ عَلَيْهِ ذَلِك الْيَوْم، وعَلى يُوشَع بن نون، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ. قلت: حبست أَيْضا فِي الخَنْدَق حِين شغل عَن صَلَاة الْعَصْر حَتَّى غَابَتْ الشَّمْس فَصلاهَا، ذكره عِيَاض فِي (إكماله) وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: رُوَاته ثِقَات، وَوَقع لمُوسَى، ﵊، تَأْخِير طُلُوع الْفجْر، روى إِبْنِ إِسْحَاق فِي الْمُبْتَدَأ من حَدِيث يحيى بن عُرْوَة عَن أَبِيه، أَن الله ، أَمر مُوسَى، ﵊، بِالْمَسِيرِ ببني إِسْرَائِيل، وَأمره بِحمْل تَابُوت يُوسُف وَلم يدل عَلَيْهِ حَتَّى كَاد الْفجْر يطلع، وَكَانَ وعد بني إِسْرَائِيل أَن يسير بهم إِذا طلع الْفجْر، فَدَعَا ربه أَن يُؤَخر طلوعه حَتَّى يفرغ من أَمر يُوسُف فَفعل الله، ، ذَلِك. وبنحوه ذكر الضَّحَّاك فِي (تَفْسِيره الْكَبِير) وَقد وَقع ذَلِك أَيْضا للْإِمَام عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه الْحَاكِم عَن أَسمَاء بنت عُمَيْس أَنه ﷺ نَام على فَخذ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَتَّى غَابَتْ الشَّمْس، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يَا رَسُول الله ﴿إِنِّي لم أصل الْعَصْر﴾ فَقَالَ ﷺ : أللهم إِن عَبدك عليا احْتبسَ بِنَفسِهِ على نبيك، فَرد عَلَيْهِ شرقها. قَالَت أَسمَاء: فطلعت الشَّمْس حَتَّى وَقعت على الْجبَال وعَلى الأَرْض، ثمَّ قَامَ عَليّ فَتَوَضَّأ وَصلى الْعَصْر، وَذَلِكَ بالصهباء، وَذكره الطَّحَاوِيّ فِي (مُشكل الْآثَار، قَالَ: وَكَانَ أَحْمد بن صَالح يَقُول: لَا يَنْبَغِي لمن سَبيله الْعلم أَن يتَخَلَّف عَن حفظ حَدِيث أَسمَاء لِأَنَّهُ من أجل عَلَامَات النُّبُوَّة. وَقَالَ: وَهُوَ حَدِيث مُتَّصِل، وَرُوَاته ثِقَات وإعلال ابْن الْجَوْزِيّ هَذَا الحَدِيث لَا يلْتَفت إِلَيْهِ. وَكَذَلِكَ وَقع لِسُلَيْمَان، ﵊، رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: سَأَلت عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن هَذِه الْآيَة ﴿إِنِّي أَحْبَبْت حب الْخَيْر عَن ذكر رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ (ص: ٢٣) . فَقَالَ: مَا بلغك فِي هَذَا يَا ابْن عَبَّاس؟ فَقلت لَهُ: سَمِعت كَعْب الْأَحْبَار يَقُول: إِن سُلَيْمَان، ﵊، اشْتغل ذَات يَوْم بِعرْض الأفراس وَالنَّظَر إِلَيْهَا حَتَّى تَوَارَتْ الشَّمْس بالحجاب ردوهَا عَليّ يَعْنِي الأفراس، وَكَانَت أَرْبَعَة عشر، فردوها عَلَيْهِ فَأمر بِضَرْب سوقها وأعناقها بِالسَّيْفِ، فَقَتلهَا، وَإِن الله تَعَالَى سلب ملكه أَرْبَعَة عشر يَوْمًا لِأَنَّهُ ظلم الْخَيل بقتلها، فَقَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: كذب كَعْب، لَكِن سُلَيْمَان اشْتغل بِعرْض الأفراس ذَات يَوْم لِأَنَّهُ أَرَادَ جِهَاد عَدو حَتَّى تَوَارَتْ بالحجاب، فَقَالَ يَأْمر الله للْمَلَائكَة الموكلين بالشمس، ردوهَا عَليّ، يَعْنِي الشَّمْس، فردوها عَلَيْهِ حَتَّى صلى الْعَصْر فِي وَقتهَا، وَأَن أَنْبيَاء الله لَا يظْلمُونَ وَلَا يأمرون بالظلم، وَلَا يرضون بالظلم لأَنهم معصومون مطهرون. قَوْله: (ملك بضع امْرَأَة) ، بِضَم الْبَاء، وَهُوَ النِّكَاح أَي ملك عقدَة نِكَاحهَا، وَهُوَ أَيْضا يَقع على الْجِمَاع وعَلى الْفرج. قَوْله: (وَهُوَ يُرِيد) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (أَن يَبْنِي بهَا) أَي: يدْخل عَلَيْهَا وتزف إِلَيْهِ، ويروى: أَن يبتني، من الابتناء من بَاب الافتعال. قَوْله: (وَلما يبن بهَا) أَي: وَالْحَال أَنه لم يدْخل عَلَيْهَا. قَوْله: (أَو: خلفات) ، جمع خلفة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر اللَّام وَفتح الْفَاء. وَقَالَ ابْن فَارس: هِيَ النَّاقة الْحَامِل، وَقيل: جمعهَا مَخَاض على غير قِيَاس، كَمَا يُقَال لوَاحِدَة النِّسَاء: امْرَأَة، وَقيل: هِيَ الَّتِي استكملت سنة بعد النِّتَاج، ثمَّ حمل عَلَيْهَا فلقحت، وَقيل: الخلفة الَّتِي توهم أَن بهَا حملا، ثمَّ لم تلقح. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: فَلَا تزَال خلفة حَتَّى تبلغ عشرَة أشهر، وَقَالَ الْجَوْهَرِي الخلفة، بِكَسْر اللَّام الْمَخَاض من النوق، الْوَاحِدَة خلفة. وَفِي (المغيث) : يُقَال: خلفت إِذا حملت، وَاخْتلفت إِذا حَالَتْ وَلم تحمل. قَوْله: (فَدَنَا من الْقرْيَة) قيل: هِيَ أرِيحَا. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: لما مَاتَ مُوسَى، ﵇، وَانْقَضَت الْأَرْبَعُونَ سنة بعث يُوشَع بن نون نَبيا، فَأخْبر بني إِسْرَائِيل أَنه نَبِي الله، وَأَن الله قد أمره بِقِتَال الجبارين فصدقوه وَبَايَعُوهُ، فَتوجه ببني إِسْرَائِيل إِلَى أرِيحَا وَمَعَهُ تَابُوت الْمِيثَاق، فأحاط بِمَدِينَة أرِيحَا سِتَّة أشهر فَلَمَّا كَانَ السَّابِع نفخوا فِي الْقُرُون ضج الشّعب ضجة وَاحِدَة، فَسقط سور الْمَدِينَة، فَدَخَلُوهَا وَقتلُوا الجبارين، وَكَانَ الْقِتَال يَوْم الْجُمُعَة، فَبَقيت مِنْهُم بَقِيَّة، وكادت الشَّمْس تغرب وَتدْخل لَيْلَة السبت فخشي يُوشَع أَن يعْجزُوا فَقَالَ: أللهم أردد الشَّمْس عَليّ، فَقَالَ لَهَا: إِنَّك فِي طَاعَة الله، وَأَنا فِي طَاعَة الله، وَهُوَ معنى قَوْله: إِنَّك مأمورة وَأَنا مَأْمُور، يَعْنِي: إِنَّك مأمورة بالغروب وَأَنا مَأْمُور بِالصَّلَاةِ أَو الْقِتَال قبل الْغُرُوب. قَوْله: (فَلم تطعمها) ، أَي: فَلم تطعم النَّار الْغَنَائِم، وَإِنَّمَا قَالَ: فَلم تطعمها وَلم يقل فَلم تأكلها للْمُبَالَغَة، إِذْ مَعْنَاهُ: لم تذق طعمها، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَمن لم يطعمهُ فَإِنَّهُ مني﴾ (الْبَقَرَة: ٩٤٢) . قَوْله: (إِن فِيكُم غلولاً) ، وَهُوَ الْخِيَانَة فِي الْمغنم، وَكَانَ من خَصَائِص الْأَنْبِيَاء الْمُتَقَدِّمين
стр. 4372
أَن يجمعوا الْغَنَائِم فِي مربد فتأتي نَار من السَّمَاء فتحرقها، فَإِن كَانَ فِيهَا غلُول أَو مَا لَا يحل لم تأكلها، وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي قرابينهم كَانَ المتقبل تَأْكُله النَّار، وَمَا لَا يتَقَبَّل يبْقى على حَاله وَلَا تَأْكُله، ففضل الله هَذِه الْأمة وَجعلهَا خير أمة أخرجت للنَّاس وَأَعْطَاهُمْ مَا لم يُعْط أحدا غَيرهم، وَأحل لَهُم الْغَنَائِم، ثمَّ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الحَدِيث بقوله: رأى ضعفنا وعجزنا، فأحلها لنا رَحْمَة من الله علينا، وَهِي من خَصَائِص النَّبِي ﷺ فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي أكل النَّار غنائمهم والتحليل لنا؟ قلت: جعل هَذَا فِي حَقهم حَتَّى لَا يكون قِتَالهمْ لأجل الْغَنِيمَة لقصورهم فِي الْإِخْلَاص، وَأما تحليلها فِي حق هَذِه الْأمة فلكون الْإِخْلَاص غَالِبا عَلَيْهِم، فَلم يحْتَج إِلَى باعث آخر.
٩ - (بَاب الْغَنِيمَة لمن شهد الْوَقْعَة)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَون الْغَنِيمَة لمن شهد، أَي: حضر الْوَقْعَة أَي: صدمة الْعَدو، وَهَذَا قَول عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَلِيهِ جمَاعَة الْفُقَهَاء. فَإِن قلت: قسم النَّبِي ﷺ لجَعْفَر بن أبي طَالب، وَلمن قدم فِي سفينة أبي مُوسَى من غَنَائِم خَيْبَر لمن لم يشهدها؟ قلت: إِنَّمَا فعل ذَلِك لشدَّة احتياجهم فِي بَدْء الْإِسْلَام فَإِنَّهُم كَانُوا للْأَنْصَار تَحت منح من النخيل والمواشي لحاجتهم، فضاقت بذلك أَحْوَال الْأَنْصَار، وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ فِي ذَلِك فِي شغل فَلَمَّا فتح الله خَيْبَر عوض الشَّارِع الْمُهَاجِرين ورد إِلَى الْأَنْصَار منائحهم، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: ﵀ أَنه ﷺ استطاب أنفس أهل الْغَنِيمَة، وَقد رُوِيَ ذَلِك عَن أبي هُرَيْرَة كَمَا يَجِيء عَن قريب.
٥٢١٣ - حدَّثنا صَدَقَةُ قَالَ أخبَرَنا عبْدُ الرَّحْمانِ عنْ مالِكٍ عنْ زَيْدٍ بنَ أسْلَمَ عنْ أبِيهِ قَالَ قَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إلَاّ قَسَمْتُهَا بَيْنَ أهْلِهَا كَما قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إلَاّ قسمتهَا بَين أَهلهَا) وَصدقَة بِلَفْظ أُخْت الزَّكَاة ابْن الْفضل أَبُو الْفضل الْمروزِي، وَهُوَ من أَفْرَاده وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن مهْدي الْبَصْرِيّ، وَأسلم مولى عمر بن الْخطاب يكنى أَبَا خَالِد كَانَ من سبي الْيمن.
قَوْله: (لَوْلَا آخر الْمُسلمين) ، الْمَعْنى: لَو قسمت كل قَرْيَة على الفاتحين لما بَقِي شَيْء لمن يَجِيء بعدهمْ من الْمُسلمين، قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ حَقهم لم لَا يقسم عَلَيْهِم، فَأجَاب بِأَنَّهُ يسترضيهم بِالْبيعِ وَنَحْوه ويوقفه على الْكل، كَمَا فعل بِأَرْض الْعرَاق وَغَيرهَا. قَوْله: (كَمَا قسم النَّبِي ﷺ خَيْبَر) ، وَلم يكن قسم خَيْبَر بكمالها، وَلكنه قسم مِنْهَا طَائِفَة وَترك طَائِفَة لم يقسمها، وَالَّذِي قسم، مِنْهَا هُوَ الشق والنطاءة، وَترك سائرها فللإمام أَن يفعل من ذَلِك مَا رَآهُ صلاحاً، وَاحْتج عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي ترك قسْمَة الأَرْض. بقوله تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاء الله على رَسُوله﴾ (الْحَشْر: ٧) . إِلَى قَوْله: ﴿وَالَّذين جاؤا من بعدهمْ﴾ (الْحَشْر: ٧) . الْآيَة، وَقَالَ عمر: هَذِه الْآيَة قد استوعبت النَّاس كلهم فَلم يبْق أحد مِنْهُم إلَاّ وَله فِي هَذَا المَال حق حَتَّى الرَّاعِي بعدِي، وَقَالَ أَبُو عبيد: وَإِلَى هَذِه الْآيَة ذهب عَليّ ومعاذ، رَضِي الله تَعَالَى عنهُما، وَأَشَارَ عمر بِإِقْرَار الأَرْض لمن يَأْتِي بعده.
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي حكم الأَرْض، فَقَالَ أَبُو عبيد: وجدنَا الْآثَار عَن رَسُول الله، ﷺ وَالْخُلَفَاء بعده قد جَاءَت فِي افْتِتَاح الأَرْض ثَلَاثَة أَحْكَام. أَرض أسلم أَهلهَا عَلَيْهَا فَهِيَ لَهُم ملك، وَهِي أَرض عشر لَا شَيْء فِيهَا غَيره. وَأَرْض افتتحت صلحا على خراج مَعْلُوم فهم على مَا صولحوا عَلَيْهِ لَا يلْزمهُم أَكثر مِنْهُ. وَأَرْض أخذت عنْوَة وَهِي الَّتِي أختلف فِيهَا الْمُسلمُونَ، فَقَالَ بَعضهم: سبيلهم سَبِيل الْغَنِيمَة فَيكون أَرْبَعَة أخماسها حصصاً بَين الَّذين افتتحوها خَاصَّة، وَالْخمس الْبَاقِي لمن سمى االله، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَهَذَا قَول الشَّافِعِي وَأبي ثَوْر، وَبِه أَشَارَ الزبير بن الْعَوام على عَمْرو بن الْعَاصِ حِين افْتتح مصر، قَالَ أَبُو عبيد: وَقَالَ بَعضهم: بل حكمهَا وَالنَّظَر فِيهَا إِلَى الإِمَام إِن رأى أَن يَجْعَلهَا غنيمَة فيخمسها ويقسمها، كَمَا فعل رَسُول الله، ﷺ فَذَلِك لَهُ، وَإِن رأى أَن يَجْعَلهَا مَوْقُوفَة على الْمُسلمين مَا بقوا كَمَا فعل عمر فِي السوَاد، فَذَلِك لَهُ، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وصاحبيه وَالثَّوْري فِيمَا حَكَاهُ الطَّحَاوِيّ وَقَالَ مَالك: يجْتَهد فِيهَا الإِمَام وَقَالَ فِي الْقنية: الْعَمَل فِي أَرض العنوة على فعل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن لَا تقسم وتقر بِحَالِهَا، وَقد ألح بِلَال، وَأَصْحَاب لَهُ على عمر فِي قسم الأَرْض بِالشَّام، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أكفنيهم فَمَا أَتَى الْحول وَقد بَقِي مِنْهُم أحد.
стр. 4373
٠١ - (بابُ مَنْ قَاتَلَ لِلْمَغْنَمِ هَلْ يَنْقُصُ مِنْ أجْرِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال من قَاتل لأجل حُصُول الْغَنِيمَة، هَل ينقص أجره وَجَوَابه أَنه لَيْسَ لَهُ أجر فضلا عَن النُّقْصَان، لِأَن الْمُجَاهِد الَّذِي يُجَاهد فِي سَبِيل الله هُوَ الَّذِي يُجَاهد لإعلاء كلمة الله.
٦٢١٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثنا غُنْدَرٌ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرٍ وَقَالَ سَمِعْتُ أَبَا وائِلٍ قَالَ حدَّثنا أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ أعْرَابِيٌّ لِلْنَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ والرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيَذْكُرَ ويُقَاتِلُ لِيُرَي مَكانُهُ مَنْ فِي سَبِيلِ الله فقالَ مَنْ قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ الله هِيَ العُلْيَا فَهْوَ فِي سَبِيلِ الله. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (الرجل يُقَاتل للمغنم) وغندر، بِضَم الْغَيْن وَسُكُون النُّون لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَعَمْرو، بِفَتْح الْعين: هُوَ ابْن مرّة، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار الْأَشْعَرِيّ. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب من قَاتل لتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة عَن عَمْرو، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِلَى آخِره نَحوه غير أَن هُنَاكَ: جَاءَ رجل، وَهنا: جَاءَ أَعْرَابِي. قَوْله: (ليذكر) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: ليذكر بالشجاعة عِنْد النَّاس. قَوْله: (ليرى) على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا. قَوْله: (مَكَانَهُ) أَي: مرتبته. قَوْله: (من فِي سَبِيل الله) كلمة: من، للاستفهام.
١١ - (بابُ قِسْمَةِ الإمامِ مَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ ويَخْبَاُ لِمَنْ لَمْ يَحْضُرْهُ أوْ يَغِيبُ عَنْهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قسْمَة الإِمَام مَا يقدم عَلَيْهِ من هَدَايَا الْمُشْركين بَين أَصْحَابه. قَوْله: (ويخبأ) ، من خبأت الشَّيْء أخبؤه خبأ إِذا أخفيته، والخبء والخبيء، والخبيئة الشَّيْء المخبوء. قَوْله: (لمن لم يحضرهُ) أَي: لأجل من لم يحضر مَجْلِسه أَو يغيب عَنهُ حَاصِل الْمَعْنى، يقسم مَا يقدم عَلَيْهِ بَين الْحَاضِرين والغائبين بِأَن يُعْطي شَيْئا للحاضرين ويخبأ شَيْئا للغائبين.
٣٥ - (حَدثنَا عبد الله بن عبد الْوَهَّاب قَالَ حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن عبد الله ابْن أبي مليكَة أَن النَّبِي ﷺ َ - أهديت لَهُ أقبية من ديباج مزررة بِالذَّهَب فَقَسمهَا فِي أنَاس من أَصْحَابه وعزل مِنْهَا وَاحِدًا لمخرمة بن نَوْفَل فجَاء وَمَعَهُ ابْنه الْمسور بن مخرمَة فَقَامَ على الْبَاب فَقَالَ ادْعُه لي فَسمع النَّبِي ﷺ َ - صَوته فَأخذ قبَاء فَتَلقاهُ بِهِ فَاسْتَقْبلهُ بأزراره فَقَالَ يَا أَبَا الْمسور خبأت هَذَا لَك يَا أَبَا الْمسور خبأت هَذَا لَك وَكَانَ فِي خلقه شدَّة) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعبد الله بن عبد الْوَهَّاب أَبُو مُحَمَّد الحَجبي الْبَصْرِيّ وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ وَعبد الله بن أبي مليكَة بِضَم الْمِيم التَّيْمِيّ الْأَحول القَاضِي على عهد ابْن الزبير وَهُوَ من التَّابِعين وَلَيْسَت لَهُ صُحْبَة وَحَدِيثه من مَرَاسِيل التَّابِعين وَهَذَا الحَدِيث قد مر مُسْندًا فِي كتاب الشَّهَادَات فِي بَاب شَهَادَة الْأَعْمَى أخرجه عَن زِيَاد بن يحيى عَن حَاتِم بن وردان عَن أَيُّوب عَن عبد الله بن أبي مليكَة عَن الْمسور بن مخرمَة قَالَ " قدمت على النَّبِي ﷺ َ - أقبية " الحَدِيث وَهَذَا مُسْند لِأَن الْمسور بِكَسْر الْمِيم وأباه مخرمَة بِفَتْح الميمين كليهمَا صَحَابِيّ والأقبية جمع قبَاء والديباج الثِّيَاب المتخذة من الأبريسم وَهُوَ مُعرب وَقد ذكر غير مرّة قَوْله " مزررة " من زررت الْقَمِيص إِذا اتَّخذت لَهُ أزرارا ويروى مزردة من الزرد وَهُوَ تدَاخل حلق الدروع بَعْضهَا فِي بعض قَوْله " فَقَالَ ادْعُه لي " أَي فَقَالَ مخرمَة لِابْنِهِ الْمسور ادْع النَّبِي ﷺ َ - مَعْنَاهُ عرفه أَنِّي حضرت فَلَمَّا سمع النَّبِي ﷺ َ - صَوته خرج فَتَلقاهُ بِهِ أَي بذلك الْوَاحِد من الأقبية وَفِي الحَدِيث الْمَاضِي
стр. 4374
فَخرج وَمَعَهُ قبَاء وَهُوَ يُرِيد محاسنه قَوْله " فَتَلقاهُ بِهِ " فَاسْتَقْبلهُ بأزراره وَإِنَّمَا استقبله بأزراره ليريه محاسنه كَمَا نَص عَلَيْهِ فِي الحَدِيث الْمَاضِي وَإِنَّمَا فعل هَذَا ليرضيه لِأَنَّهُ كَانَ شرس الْخلق وَأَشَارَ إِلَيْهِ فِي الحَدِيث بقوله وَكَانَ فِي خلقه شدَّة
(وَرَوَاهُ ابْن علية عَن أَيُّوب وَقَالَ حَاتِم بن وردان قَالَ حَدثنَا أَيُّوب عَن ابْن أبي مليكَة عَن الْمسور قَالَ قدمت على النَّبِي ﷺ َ - أقبية) أَي روى الحَدِيث الْمَذْكُور إِسْمَاعِيل بن علية بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الْأَسدي الْبَصْرِيّ وَعَلِيهِ أمه وَقد ذكر غير مرّة وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ وَأسْندَ البُخَارِيّ رِوَايَة أَيُّوب فِي بَاب شَهَادَة الْأَعْمَى حَيْثُ قَالَ حَدثنَا زِيَاد بن يحيى حَدثنَا حَاتِم بن وردان حَدثنَا أَيُّوب عَن عبد الله بن أبي مليكَة عَن الْمسور بن مخرمَة الحَدِيث
(تَابعه اللَّيْث عَن ابْن أبي مليكَة) أَي تَابع أَيُّوب اللَّيْث بن سعد عَن عبد الله ابْن أبي مليكَة وَقد أسْند البُخَارِيّ هَذِه الْمُتَابَعَة فِي كتاب الْهِبَة فِي بَاب كَيفَ يقبض الْمَتَاع وَقَالَ حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد حَدثنَا اللَّيْث عَن ابْن أبي مليكَة عَن الْمسور بن مخرمَة الحَدِيث
٢١ - (بابٌ كَيْفَ قسَمَ النَّبِيُّ ﷺ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرَ وَمَا أعْطَى مِنْ ذَلِكَ فِي نَوَائِبِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة قسْمَة النَّبِي ﷺ ، قُرَيْظَة، بِضَم الْقَاف، وَالنضير، بِفَتْح النُّون: وهما قبيلتان من الْيَهُود وَلم يبين كَيْفيَّة الْقِسْمَة، وَهِي التَّرْجَمَة طلبا للاختصار، وَفِي بَقِيَّة الحَدِيث مَا يدل عَلَيْهَا أَو يَجْعَل قَوْله: (وَمَا أعْطى من ذَلِك فِي نوائبه) كالعطف التفسيري لقَوْله: (كَيفَ قسم) وأصل ذَلِك أَن الْأَنْصَار كَانُوا يجْعَلُونَ لرَسُول الله، ﷺ ، من عقارهم نخلات لتصرف فِي نوائبه، وَهِي الْمُهِمَّات الْحَادِثَة، وَكَذَلِكَ لما قدم الْمُهَاجِرُونَ قاسمهم الْأَنْصَار أَمْوَالهم، فَلَمَّا وسع الله الْفتُوح عَلَيْهِ ﷺ كَانَ يرد عَلَيْهِم نخلاتهم.
٨٢١٣ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ أبِي الأسْوَدِ قَالَ حدَّثنا مُعْتَمِرٌ عنْ أبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ كانَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ النَّخْلَاتِ حِينَ افْتَتَحَ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرَ فكانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث، وَعبد الله بن أبي الْأسود اسْمه: حميد أَبُو بكر، ابْن أُخْت عبد الرَّحْمَن بن مهْدي الْبَصْرِيّ الْحَافِظ وَهُوَ من أَفْرَاده، ومعتمر، على وزن اسْم الْفَاعِل من الاعتمار: ابْن سُلَيْمَان بن طرخان التَّيْمِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن عبد الله بن أبي الْأسود، وَفِيه: حَدثنِي خَليفَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن أبي بكر وحامد بن عمر وَمُحَمّد بن عبد الْأَعْلَى.
قَوْله: (كَانَ الرجل) ، أَي: من الْأَنْصَار. قَوْله: (حِين افْتتح قُرَيْظَة) ، أَي: حِين افْتتح حصناً كَانَ لقريظة، وَحين أجلى بني النَّضِير، لِأَن الِافْتِتَاح لَا يصدق على القبيلتين. فَإِن قلت: بَنو النَّضِير أجلاهم رَسُول الله، ﷺ ، من الْمَدِينَة، فَمَا معنى الْفَتْح فِيهِ؟ قلت: هُوَ من بَاب:
(علفتها تبناً وَمَاء بَارِدًا)
بِأَن المُرَاد الْقدر الْمُشْتَرك بَين التعليف والسقي، وَهُوَ الْإِعْطَاء مثلا، أَو ثمَّة إِضْمَار أَي: وَأجلى بني النَّضِير، أَو الإجلاء مجَاز عَن الْفَتْح، وَهَذَا الَّذِي كَانُوا يجعلونه للنَّبِي ﷺ ، وَكَانَ من بَاب الْهَدِيَّة لَا من بَاب الصَّدَقَة، لِأَنَّهَا مُحرمَة عَلَيْهِ وعَلى آله، أما الْمُهَاجِرُونَ فَكَانُوا قد نزل كل وَاحِد مِنْهُم على رجل من الْأَنْصَار، فواساه وقاسمه، فَكَانُوا كَذَلِك إِلَى أَن فتح الله الْفتُوح على رَسُوله، فَرد عَلَيْهِم ثمارهم، فَأول ذَلِك النَّضِير كَانَت مِمَّا أَفَاء الله على رَسُوله، مِمَّا لم يوجف عَلَيْهِ بخيل وَلَا ركاب، وانجلى عَنْهَا أَهلهَا بِالرُّعْبِ فَكَانَت خَالِصَة لرَسُول الله، ﷺ ، دون سَائِر النَّاس، وَأنزل الله فيهم: ﴿مَا أَفَاء الله على رَسُوله﴾ (الْحَشْر: ٧) .
стр. 4375
الْآيَة، فحبس مِنْهَا رَسُول الله، ﷺ ، لنوائبه وَمَا يعروه وَقسم أَكْثَرهَا فِي الْمُهَاجِرين خَاصَّة دون الْأَنْصَار، وَذَلِكَ أَن رَسُول الله، ﷺ قَالَ للْأَنْصَار: إِن شِئْتُم قسمت أَمْوَال بني النَّضِير بَيْنكُم وَبينهمْ، وأقمتم على مواساتهم فِي ثماركم، وَإِن شِئْتُم أعطيتهَا الْمُهَاجِرين دونكم، وقطعتم عَنْهُم مَا كُنْتُم تعطونهم من ثماركم قَالُوا: بلَى تعطيهم دُوننَا وَنُقِيم على مواساتهم فَأعْطى رَسُول الله، ﷺ الْمُهَاجِرين دونهم، فاستغنى الْقَوْم جَمِيعًا اسْتغنى الْمُهَاجِرُونَ بِمَا أخذُوا، وَاسْتغْنى الْأَنْصَار بِمَا رَجَعَ إِلَيْهِم من ثمارهم.
٣١ - (بابُ بَرَكَةِ الغَازِي فِي مالِهِ حيَّاً ومَيِّتاً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ووُلَاةِ الأمْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان بركَة الْغَازِي ... إِلَى آخِره. الْبركَة، بِالْبَاء الْمُوَحدَة مَأْخُوذَة فِي الأَصْل من: برك الْبَعِير إِذا: ناخ فِي مَوضِع، فَلَزِمَهُ وَيُطلق أَيْضا على الزِّيَادَة وَفِي ديوَان الْأَدَب: الْبركَة الزياة والنمو، وتبرك بِهِ أَي: تيمن، وَقيل: صحفها بَعضهم فَقَالَ: تَرِكَة الْغَازِي، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق، قَالَ عِيَاض: وَهُوَ وَإِن كَانَ متجهاً بِاعْتِبَار أَن فِي الْقِصَّة ذكر مَا خَلفه الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لَكِن قَوْله: (حَيا وَمَيتًا مَعَ النَّبِي ﷺ وولاة الْأَمر) يدل على أَن الصَّوَاب مَا وَقع عِنْد الْجُمْهُور بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَقيل: هَذَا يشبه أَن يكون من بَاب الْقلب، لِأَن الَّذِي يَنْبَغِي أَن يُقَال: بَاب بركَة مَال الْغَازِي، قلت: لَا حَاجَة إِلَى هَذَا لِأَن الْمَعْنى: بَاب الْبركَة الْحَاصِلَة للغازي فِي مَاله. قَوْله: (حَيا) ، نصب على الْحَال أَي: فِي حَال كَونه حَيا. وَقَوله: (وَمَيتًا) عطف عَلَيْهِ أَي: وَفِي حَال مَوته قَوْله مَعَ النَّبِي ﷺ يتَعَلَّق بقوله: الْغَازِي، والولاة، بِالضَّمِّ جمع وَالِي.
٣٧ - (حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم قَالَ قلت لأبي أُسَامَة أحدثكُم هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عبد الله بن الزبير قَالَ لما وقف الزبير يَوْم الْجمل دَعَاني فَقُمْت إِلَى جنبه فَقَالَ يَا بني إِنَّه لَا يقتل الْيَوْم إِلَّا ظَالِم أَو مظلوم وَإِنِّي لَا أَرَانِي إِلَّا سأقتل الْيَوْم مَظْلُوما وَإِن من أكبر همي لديني أفترى يبقي ديننَا من مالنا شَيْئا فَقَالَ يَا بني بِعْ مَا لنا فَاقْض ديني وأوصي بِالثُّلثِ وَثلثه لِبَنِيهِ يَعْنِي عبد الله بن الزبير يَقُول ثلث الثُّلُث فَإِن فضل من مالنا فضل بعد قَضَاء الدّين شَيْء فثلثه لولدك قَالَ هِشَام وَكَانَ بعض ولد عبد الله قد وازى بعض بني الزبير خبيب وَعباد وَله يَوْمئِذٍ تِسْعَة بَنِينَ وتسع بَنَات قَالَ عبد الله فَجعل يوصيني بِدِينِهِ وَيَقُول يَا بني إِن عجزت عَنهُ فِي شَيْء فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ مولَايَ قَالَ فوَاللَّه مَا دَريت مَا أَرَادَ حَتَّى قلت يَا أَبَة من مَوْلَاك قَالَ الله قَالَ فوَاللَّه مَا وَقعت فِي كربَة من دينه إِلَّا قلت يَا مولى الزبير اقْضِ عَنهُ دينه فيقضيه فَقتل الزبير ﵁ وَلم يدع دِينَارا وَلَا درهما إِلَّا أَرضين مِنْهَا الغابة وَإِحْدَى عشرَة دَارا بِالْمَدِينَةِ ودارين بِالْبَصْرَةِ ودارا بِالْكُوفَةِ ودارا بِمصْر قَالَ وَإِنَّمَا كَانَ دينه الَّذِي عَلَيْهِ أَن الرجل كَانَ يَأْتِيهِ بِالْمَالِ فيستودعه إِيَّاه فَيَقُول الزبير لَا وَلكنه سلف فَإِنِّي أخْشَى عَلَيْهِ الضَّيْعَة وَمَا ولي إِمَارَة قطّ وَلَا جباية خراج وَلَا شَيْئا إِلَّا أَن يكون فِي غَزْوَة مَعَ النَّبِي ﷺ َ - أَو مَعَ أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃. قَالَ عبد الله بن الزبير فحسبت مَا عَلَيْهِ من الدّين فَوَجَدته ألفي ألف ومائتي ألف قَالَ فلقي حَكِيم بن حزَام عبد الله بن الزبير فَقَالَ يَا ابْن أخي كم على أخي من الدّين فكتمه فَقَالَ مائَة ألف فَقَالَ حَكِيم وَالله مَا أرى أَمْوَالكُم تسع
стр. 4376
لهَذِهِ فَقَالَ لَهُ عبد الله أفرأيتك إِن كَانَت ألفي ألف ومائتي ألف قَالَ مَا أَرَاكُم تطيقون هَذَا فَإِن عجزتم عَن شَيْء مِنْهُ فاستعينوا بِي قَالَ وَكَانَ الزبير اشْترى الغابة بسبعين وَمِائَة ألف فَبَاعَهَا عبد الله بِأَلف ألف وسِتمِائَة ألف ثمَّ قَامَ فَقَالَ من كَانَ لَهُ على الزبير حق فليوافنا بِالْغَابَةِ فَأَتَاهُ عبد الله بن جَعْفَر وَكَانَ لَهُ على الزبير أَرْبَعمِائَة ألف فَقَالَ لعبد الله إِن شِئْتُم تركتهَا لكم قَالَ عبد الله لَا قَالَ فَإِن شِئْتُم جعلتموها فِيمَا تؤخرون إِن أخرتم فَقَالَ عبد الله لَا قَالَ قَالَ فَاقْطَعُوا لي قِطْعَة فَقَالَ عبد الله لَك من هَهُنَا إِلَى هَهُنَا قَالَ فَبَاعَ مِنْهَا فَقضى دينه فأوفاه وَبَقِي مِنْهَا أَرْبَعَة أسْهم وَنصف فَقدم على مُعَاوِيَة وَعِنْده عَمْرو بن عُثْمَان وَالْمُنْذر بن الزبير وَابْن زَمعَة فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة كم قومت الغابة قَالَ كل سهم مائَة ألف قَالَ كم بَقِي قَالَ أَرْبَعَة أسْهم وَنصف قَالَ الْمُنْذر بن الزبير قد أخذت سَهْما بِمِائَة ألف قَالَ عَمْرو بن عُثْمَان قد أخذت سَهْما بِمِائَة ألف وَقَالَ ابْن زَمعَة قد أخذت سَهْما بِمِائَة ألف فَقَالَ مُعَاوِيَة كم بَقِي فَقَالَ سهم وَنصف قَالَ أَخَذته بِخَمْسِينَ وَمِائَة ألف قَالَ وَبَاعَ عبد الله بن جَعْفَر نصِيبه من مُعَاوِيَة بستمائة ألف فَلَمَّا فرغ ابْن الزبير من قَضَاء دينه قَالَ بَنو الزبير اقْسمْ بَيْننَا ميراثنا قَالَ لَا وَالله لَا أقسم بَيْنكُم حَتَّى أنادي بِالْمَوْسِمِ أَربع سِنِين أَلا من كَانَ لَهُ على الزبير دين فليأتنا فلنقضه قَالَ فَجعل كل سنة يُنَادي بِالْمَوْسِمِ فَلَمَّا مضى أَربع سِنِين قسم بَينهم قَالَ فَكَانَ للزبير أَربع نسْوَة وَرفع الثُّلُث فَأصَاب كل امْرَأَة ألف ألف وَمِائَتَا ألف فَجَمِيع مَاله خَمْسُونَ ألف ألف وَمِائَتَا ألف) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله وَمَا ولي إِمَارَة إِلَى قَوْله وَعُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَذَلِكَ أَن الْبركَة الَّتِي كَانَت فِي مَال الزبير من كَونه غازيا مَعَ النَّبِي ﷺ َ - وَمَعَ أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَكَون الْبركَة فِي حَيَاته وَبعد مَوته تظهر عِنْد التَّأَمُّل فِي قصَّته (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة الأول إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم بن مخلد يعرف بِابْن رَاهَوَيْه الْحَنْظَلِي الْمروزِي الثَّانِي أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة اللَّيْثِيّ الثَّالِث هِشَام بن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام الرَّابِع عُرْوَة بن الزبير الْخَامِس عبد الله بن الزبير السَّادِس الزبير بن الْعَوام أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ وحواري رَسُول الله ﷺ َ - وَابْن عمته صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب شهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - وَهَاجَر الهجرتين وَأسلم وَهُوَ ابْن سِتّ عشرَة سنة وَهُوَ أول من سل سَيْفا فِي سَبِيل الله وَفِيه التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع مَعَ الِاسْتِفْهَام وَهُوَ قَوْله أحدثكُم هِشَام وَفِيه رِوَايَة الابْن عَن الْأَب وَرِوَايَة الْأَخ عَن الْأَخ لِأَن عُرْوَة وَعبد الله أَخَوان ابْنا الزبير بن الْعَوام (ذكر رجال هَذَا الحَدِيث) هَذَا من أَفْرَاد البُخَارِيّ وَذكره أَصْحَاب الْأَطْرَاف فِي مُسْند الزبير وَالْأَشْبَه أَن يكون من مُسْند ابْنه عبد الله وَكله مَوْقُوف غير قَوْله وَمَا ولي إِمَارَة وَلَا جباية خراج وَلَا شَيْئا إِلَّا أَن يكون فِي غَزْوَة مَعَ النَّبِي ﷺ َ - فَهَذَا الْمِقْدَار فِي حكم الْمَرْفُوع وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن جوَيْرِية حَدثنَا أَبُو أُسَامَة حَدثنَا هِشَام عَن أَبِيه عَن عبد الله وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عُرْوَة قَالَ أوصى الزبير إِلَى ابْنه عبد الله صَبِيحَة الْجمل فَقَالَ مَا مني عُضْو إِلَّا وَقد جرح مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - حَتَّى انْتهى ذَلِك إِلَى فرجه وَرَوَاهُ ابْن سعد فِي طبقاته فِي قتل الزبير ووصيته بِدِينِهِ
стр. 4377
وَثلث مَاله عَن أبي أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة نَحْو حَدِيث البُخَارِيّ وَطوله غير أَنه خَالفه فِي مَوضِع وَاحِد وَهُوَ قَوْله أصَاب كل امْرَأَة من نِسَائِهِ ألف ألف وَمِائَة ألف لَا كَمَا فِي البُخَارِيّ مِائَتَا ألف وعَلى هَاتين الرِّوَايَتَيْنِ لَا يَصح قسْمَة خمسين ألف ألف ومائتي ألف على دينه ووصيته وورثته وَإِنَّمَا يَصح قسمتهَا أَن لَو كَانَ لكل امْرَأَة ألف ألف فَيكون الثّمن أَرْبَعَة آلَاف ألف فَتَصِح قسْمَة الْوَرَثَة من اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ ألف ألف ثمَّ يُضَاف إِلَيْهَا الثُّلُث سِتَّة عشرَة ألف ألف فَتَصِير الجملتان ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين ألف ألف ثمَّ يُضَاف إِلَيْهَا الدّين ألف ألف وَمِائَتَا ألف وَمِنْهَا تصح وَرِوَايَة ابْن سعد تصح من خَمْسَة وَخمسين ألف ألف وَرِوَايَة البُخَارِيّ تصح من تِسْعَة وَخمسين أَو اثْنَيْنِ وَخمسين ألف ألف ومائتي ألف فَهَذِهِ تركته عِنْد مَوته لَا مَا زَاد عَلَيْهَا بعد مَوته من غلَّة الْأَرْضين والدور فِي مُدَّة أَربع سِنِين قبل قسْمَة التَّرِكَة وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْوَاقِدِيّ عَن أبي بكر بن سُبْرَة عَن هِشَام عَن أَبِيه قَالَ كَانَ قيمَة مَا ترك الزبير أحدا وَخمسين أَو اثْنَيْنِ وَخمسين ألف ألف وروى ابْن سعد عَن القعْنبِي عَن ابْن عُيَيْنَة قَالَ قسم مِيرَاث الزبير على أَرْبَعِينَ ألف ألف وَذكر الزبير بن بكار عَن عبد الله بن مُصعب بن ثَابت بن عبد الله بن الزبير فِي بني عدي عَاتِكَة بنت زيد بن عَمْرو بن نفَيْل زوج الزبير أَن عبد الله بن الزبير أرسل إِلَيْهَا بِثَمَانِينَ ألف دِرْهَم وقبضتها وصالحت عَلَيْهَا قَالَ الدمياطي وَبَين قَول الزبير بن بكار هَذَا وَبَين قَول غَيره بون بعيد وَالْعجب من الزبير مَعَ سَعَة علمه فِيهِ وتنفيره عَنهُ كَيفَ خَفِي عَلَيْهِ وَمَا تصدى لتحرير ذَلِك كَمَا يَنْبَغِي (ذكر بَيَان قصَّة وقْعَة الْجمل) ملخصة مختصرة كَانَت وقْعَة الْجمل عَام سِتَّة وَثَلَاثِينَ من الْهِجْرَة وَكَانَ قتل عُثْمَان بن عَفَّان سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَكَانَت عَائِشَة بِمَكَّة وَكَذَلِكَ أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ قد خرجن إِلَى الْحَج فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ فِرَارًا من الْفِتْنَة وَلما بلغ أهل مَكَّة أَن عُثْمَان قد قتل أقمن بِمَكَّة ثمَّ لما بُويِعَ عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ كَانَ أحظى النَّاس عِنْده بِحكم الْحَال لَا عَن اخْتِيَار عَليّ لذَلِك رُؤْس أُولَئِكَ الَّذين قتلوا عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وفر جمَاعَة من بني أُميَّة وَغَيرهم إِلَى مَكَّة وَخرج طَلْحَة وَالزُّبَيْر فِي الاعتمار وتبعهم خلق كثير وجم غفير وَقدم إِلَى مَكَّة أَيْضا فِي هَذِه الْأَيَّام يعلى بن أُميَّة وَمَعَهُ سِتّمائَة ألف ألف دِرْهَم وسِتمِائَة بعير فَأَنَاخَ بِالْأَبْطح وَقيل كَانَ مَعَه سِتّمائَة ألف دِينَار وَقدم ابْن عَامر من الْبَصْرَة بِأَكْثَرَ من ذَلِك فَاجْتمع بَنو أُميَّة بِالْأَبْطح وَقَامَت عَائِشَة فِي النَّاس تحضهم على الْقيام بِطَلَب دم عُثْمَان وطاوعوها فِي ذَلِك وَخَرجُوا وتوجهوا نَحْو الْبَصْرَة وَكَانَت عَائِشَة تحمل فِي هودج على جمل اسْمه عَسْكَر اشْتَرَاهُ يعلى بن أُميَّة من رجل من عرينة بِمِائَتي دِينَار وَكَانَ هَذَا هُوَ الَّذِي يدلهم على الطَّرِيق وَكَانُوا لَا يَمرونَ على مَاء وَلَا وَاد إِلَّا سَأَلُوهُ عَنهُ حَتَّى وصلوا إِلَى مَوضِع يُسمى حوءب بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الْهمزَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة وَهُوَ مَاء قريب من الْبَصْرَة فنبحت كلابه فَقَالُوا أَي مَاء هَذَا قَالَ الدَّلِيل هَذَا مَاء الحوءب فحين سَمِعت عَائِشَة بذلك صرخت بِأَعْلَى صَوتهَا وَضربت عضد بَعِيرهَا فأناخته فَقَالَت أَنا وَالله صَاحِبَة الحوءب ردوني ردوني تَقول ذَلِك فأناخوا حولهَا وهم على ذَلِك وَهِي تأبى الْمسير حَتَّى إِذا كَانَت السَّاعَة الَّتِي أناخت فِيهَا من الْغَد جاءها عبد الله بن الزبير فَقَالَ النَّجَاء النَّجَاء فقد أدرككم عَليّ ابْن أبي طَالب فَعِنْدَ ذَلِك رحلوا وَأما حَدِيث الحوءب فَأخْرجهُ أَحْمد فِي مُسْنده عَن عَائِشَة قَالَت أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ لي ذَات يَوْم كَيفَ بإحداكن إِذا نبحتها كلاب الحوءب فَعرفت الْحَال عِنْد ذَلِك فَأَرَادَتْ الرُّجُوع وَأما عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَإِنَّهُ خرج فِي آخر شهر ربيع الآخر فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ من الْمَدِينَة فِي تِسْعمائَة مقَاتل وَقيل لما بلغ عليا مسير عَائِشَة وَطَلْحَة وزبير إِلَى الْبَصْرَة سَار نحوهم فِي أَرْبَعَة آلَاف من أهل الْمَدِينَة فيهم أَرْبَعمِائَة مِمَّن بَايعُوا تَحت الشَّجَرَة وَثَمَانمِائَة من الْأَنْصَار ورايته مَعَ ابْنه مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وعَلى ميمنته الْحسن بن عَليّ وعَلى ميسرته الْحُسَيْن بن عَليّ وعَلى الْخَيل عمار بن يَاسر وعَلى الرجالة مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق وعَلى مقدمته عبد الله بن عَبَّاس ثمَّ اجْتَمعُوا كلهم عِنْد قصر عبيد الله بن زِيَاد وَنزل النَّاس فِي كل نَاحيَة وَقد اجْتمع مَعَ عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عشرُون ألفا والتفت على عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وَمن مَعهَا نَحْو من ثَلَاثِينَ ألفا وَقَامَت الْحَرْب على سَاقهَا فتصافوا وتصاولوا وتجاولوا وَكَانَ من جملَة من يبارز الزبير وعمار فَحمل عمار نَحوه بِالرُّمْحِ
стр. 4378
وَالزُّبَيْر كَاف عَنهُ لقَوْل رَسُول الله ﷺ َ - تقتلك الفئة الباغية وَقتل نَاس كثير وَرجع الزبير عَن الْقِتَال وَقَالَ الْوَاقِدِيّ كَانَ زِمَام الْجمل بيد كَعْب بن سور وَمَا كَانَ يَأْخُذ زِمَام الْجمل إِلَّا من هُوَ مَعْرُوف بالشجاعة مَا أَخذه أحد إِلَّا قتل وَحمل عَلَيْهِ عدي بن حَاتِم وَلم يبْق إِلَّا عقره ففقئت عين عدي وَاجْتمعَ بَنو ضبة عِنْد الْجمل وقاتلوا دونه قتالا لم يسمع مثله فَقطعت عِنْده ألف يَد وَقتل عَلَيْهِ ألف رجل مِنْهُم وَقَالَ ابْن الزبير جرحت على زِمَام الْجمل سَبْعَة وَثَلَاثِينَ جِرَاحَة وَمَا أحد أَخذ بِرَأْسِهِ إِلَّا قتل أَخذه عبد الرَّحْمَن بن عتاب فَقتل ثمَّ أَخذه الْأسود بن البحتري فَقتل وعد جمَاعَة وَغلب ابْن الزبير من الْجِرَاحَات فَألْقى نَفسه بَين الْقَتْلَى ثمَّ وصلت النبال إِلَى هودج أم الْمُؤمنِينَ فَجعلت تنادي الله الله يَا بني اذْكروا يَوْم الْحساب وَرفعت يَديهَا تَدْعُو على أُولَئِكَ الْقَوْم من قتلة عُثْمَان فَضَجَّ النَّاس مَعهَا بِالدُّعَاءِ وَأُولَئِكَ النَّفر لَا يقلعون عَن رشق هودجها بالنبال حَتَّى بَقِي مثل الْقُنْفُذ فَجعلت الْحَرْب تَأْخُذ وَتُعْطِي فَتَارَة لأهل الْبَصْرَة وَتارَة لأهل الْكُوفَة وَقتل خلق كثير وَلم تَرَ وقْعَة أَكثر من قطع الْأَيْدِي والأرجل فِيهَا من هَذِه الْوَقْعَة ثمَّ حملت عَلَيْهِ السائبة وَالْأَشْتَر يقدمهَا وَحمل بجير بن ولجة الضَّبِّيّ الْكُوفِي وَقطع بطانه وعقره وَقطع ثَلَاث قَوَائِم من قوائمه فبرك وَوَقع الهودج على الأَرْض ووقف عَلَيْهَا عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا أُمَّاهُ فَقَالَت وَعَلَيْك السَّلَام يَا بني فَقَالَ يغْفر الله لَك فَقَالَت وَلَك وَانْهَزَمَ من كَانَ حوله من النَّاس وَأمر عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن يحملوا الهودج من بَين الْقَتْلَى وَأمر مُحَمَّد بن أبي بكر وعمار بن يَاسر أَن يضربا عَلَيْهِ قبَّة وَلما كَانَ آخر اللَّيْل خرج مُحَمَّد بعائشة فَأدْخلهَا الْبَصْرَة وأنزلها فِي دَار عبد الله بن خلف الْخُزَاعِيّ وبكت عَائِشَة بكاء شَدِيدا وَقَالَت وددت أَنِّي مت قبل هَذَا الْيَوْم بِعشْرين سنة وَجَاء وُجُوه النَّاس من الْأُمَرَاء والأعيان يسلمُونَ عَلَيْهَا ثمَّ أَن عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَقَامَ بِظَاهِر الْكُوفَة ثَلَاثَة أَيَّام وَصلى على الْقَتْلَى من الْفَرِيقَيْنِ وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ قتل من أَصْحَاب عَائِشَة ثَمَانِيَة آلَاف وَقيل ثَلَاثَة عشر ألفا وَمن أَصْحَاب عَليّ ألف وَقيل قتل من أهل الْبَصْرَة عشرَة آلَاف وَمن أهل الْكُوفَة خَمْسَة آلَاف وَكَانَ فِي جملَة الْقَتْلَى طَلْحَة بن عبيد الله أحد الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ ثمَّ دخل على الْبَصْرَة يَوْم الِاثْنَيْنِ ثمَّ جهز عَائِشَة أحسن الجهاز بِكُل شَيْء يَنْبَغِي لَهَا من مركب وَزَاد ومتاع وَأخرج مَعهَا كل من نجا من الْوَقْعَة مِمَّن خرج مَعهَا وَاخْتَارَ لَهَا أَرْبَعِينَ امْرَأَة من نسَاء أهل الْبَصْرَة المعروفات ووقف عَليّ مَعهَا حَتَّى ودعها وَكَانَ خُرُوجهَا يَوْم السبت غرَّة رَجَب سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وشيعها عَليّ أميالا وسرح بنيه مَعهَا يَوْمًا وَقَالَ الْوَاقِدِيّ أَمر عَليّ النِّسَاء اللَّاتِي خرجن مَعَ عَائِشَة بِلبْس العمائم وتقليد السيوف ثمَّ قَالَ لَهُنَّ لَا تعلمنها أنكن نسْوَة وتلثمن مثل الرِّجَال وَكن حولهَا من بعيد وَلَا تقربنها وسارت عَائِشَة على تِلْكَ الْحَالة حَتَّى دخلت مَكَّة وأقامت حَتَّى حجت وَاجْتمعَ إِلَيْهَا نسَاء أهل مَكَّة يبْكين وَهِي تبْكي وسئلت عَن مسيرها فَقَالَت لقد أعْطى عَليّ فَأكْثر وَبعث معي رجَالًا وَبلغ النِّسَاء فأتينها وكشفن عَن وجوههن وعرفنها الْحَال فسجدت وَقَالَت وَالله مَا يزْدَاد ابْن أبي طَالب إِلَّا كرما (ذكر مقتل الزبير وَبَيَان سيرته) لما انْفَصل الزبير رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ من عَسْكَر عَائِشَة كَمَا ذكرنَا تبعه عَمْرو بن جرموز وفضالة بن حَابِس من غواة بني تَمِيم وأدركوه وتعاونوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَيُقَال بل أدْركهُ عَمْرو بن جرموز فَقَالَ لَهُ إِن لي إِلَيْك حَاجَة فَقَالَ ادن فَقَالَ مولى الزبير واسْمه عَطِيَّة إِن مَعَه سِلَاحا فَقَالَ وَإِن كَانَ فَتقدم إِلَيْهِ فَجعل يحدثه وَكَانَ وَقت الصَّلَاة فَقَالَ لَهُ الزبير الصَّلَاة الصَّلَاة فَقَالَ الصَّلَاة فَتقدم الزبير ليُصَلِّي بهما فطعنه عَمْرو بن جرموز فَقتله وَيُقَال بل أدْركهُ عَمْرو بوادي السبَاع وَهُوَ نَائِم فِي القائلة فهجم عَلَيْهِ فَقتله وَهَذَا القَوْل هُوَ الْأَشْهر وَأخذ رَأسه وَذهب بِهِ إِلَى عَليّ فَقيل لعَلي هَذَا ابْن جرموز قد أَتَاك بِرَأْس الزبير فَقَالَ بشروا قَاتل الزبير بالنَّار فَقَالَ عَمْرو
(أتيت عليا بِرَأْس الزبير ... وَقد كنت أحسبها زلقتي)
(فبشر بالنَّار قبل العيان ... فبئس الْبشَارَة والتحفة)
(وسيان عِنْدِي قتل الزبير ... وضرطة عنزة بِذِي الْجحْفَة)
стр. 4379
وَأما سيرته فقد ذكرنَا عَن قريب أَنه أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ وَأَنه شهد جَمِيع مشَاهد النَّبِي ﷺ َ - وَكَانَ عَلَيْهِ يَوْم بدر ملاءة صفراء فَنزلت الْمَلَائِكَة على سيمائه وَثَبت مَعَ النَّبِي ﷺ َ - يَوْم أحد وَبَايَعَهُ على الْمَوْت وَقَالَ مُصعب بن الزبير قَاتل أبي مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - وعمره اثْنَا عشر سنة وَقَالَ الزبير بن بكار بِإِسْنَادِهِ عَن الْأَوْزَاعِيّ قَالَ كَانَ للزبير ألف مَمْلُوك يودون الضريبة لَا يدْخل بَيت مَاله مِنْهَا دِرْهَم بل يتَصَدَّق بهَا وَقَالَ الزبير بن بكار بِإِسْنَادِهِ عَن جوَيْرِية قَالَت بَاعَ الزبير دَارا بستمائة ألف فَقيل لَهُ غبنت فَقَالَ كلا وَالله لتعلمن أنني لم أغبن هِيَ فِي سَبِيل الله وَرُوِيَ عَن هِشَام بن عُرْوَة فَقَالَ أوصى إِلَى الزبير جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم عُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَابْن مَسْعُود والمقداد وَكَانَ يحفظ عَلَيْهِم أَمْوَالهم وَينْفق على أَوْلَادهم من مَاله وَكَانَ الزبير رجلا لَيْسَ بالقصير وَلَا بالطويل إِلَى الخفة مَا هُوَ فِي اللَّحْم ولحيته خَفِيفَة أسمر اللَّوْن أشعر وَحكى الْوَاقِدِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه قَالَ رُبمَا أخذت بالشعر على منْكب الزبير وَأَنا غُلَام فأتعلق بِهِ على ظَهره وَحكى أَبُو الْيَقظَان عَن هِشَام بن عُرْوَة قَالَ كَانَ جدي الزبير إِذا ركب تخط الأَرْض رِجْلَاهُ وَلَا يُغير شَيْبه. وَاخْتلفُوا فِي سنه حكى ابْن سعد عَن الْوَاقِدِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى عُرْوَة بن الزبير قَالَ قتل أبي يَوْم الْجمل وَقد زَاد على السِّتين بِأَرْبَع سِنِين وَحكى ابْن الْجَوْزِيّ فِي الصفوة ثَلَاثَة أَقْوَال. أَحدهَا أَنه قتل وَهُوَ ابْن بضع وَخمسين سنة. وَالثَّانِي ابْن سِتِّينَ سنة. وَالثَّالِث ابْن خَمْسَة وَسِتِّينَ (ذكر مَعَاني الحَدِيث) قَوْله " قلت لأبي أُسَامَة أحدثكُم هِشَام بن عُرْوَة " لم يذكر جَوَاب الِاسْتِفْهَام وَقد ذكره فِي مُسْنده إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم بن رَاهَوَيْه بِهَذَا الْإِسْنَاد وَقَالَ فِي آخِره نعم قَوْله (يَوْم الْجمل) يَعْنِي يَوْم وقْعَة كَانَت بَين عَليّ وَعَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَهِي فِي هودج على جمل كَمَا ذَكرْنَاهُ وَكَانَت الْوَقْعَة على بَاب الْبَصْرَة فِي جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَإِنَّمَا أضيفت الْوَقْعَة إِلَى الْجمل لكَون عَائِشَة عَلَيْهِ وَهَذَا الْحَرْب كَانَ أول حَرْب وَقعت بَين الْمُسلمين قَوْله " لَا يقتل الْيَوْم إِلَّا ظَالِم أَو مظلوم " قَالَ ابْن بطال مَعْنَاهُ ظَالِم عِنْد خَصمه مظلوم عِنْد نَفسه لِأَن كلا الْفَرِيقَيْنِ كَانَ يتَأَوَّل أَنه على الصَّوَاب وَقَالَ ابْن التِّين مَعْنَاهُ أَنهم إِمَّا صَحَابِيّ متأول فَهُوَ مظلوم وَإِمَّا غير صَحَابِيّ قَاتل لأجل الدُّنْيَا فَهُوَ ظَالِم وَقَالَ الْكرْمَانِي المُرَاد ظَالِم أهل الْإِسْلَام هَذَا لفظ الْكرْمَانِي فِي شَرحه وَقَالَ بَعضهم قَالَ الْكرْمَانِي أَن قيل جَمِيع الحروب كَذَلِك فَالْجَوَاب أَنَّهَا أول حَرْب وَقعت بَين الْمُسلمين ثمَّ قَالَ قلت وَيحْتَمل أَن يكون أَو للشَّكّ من الرَّاوِي وَأَن الزبير إِمَّا قَالَ لَا يقتل الْيَوْم إِلَّا ظَالِم بِمَعْنى أَنه ظن أَن الله يعجل للظالم مِنْهُم الْعقُوبَة أَو لَا يقتل الْيَوْم إِلَّا مظلوم بِمَعْنى أَنه ظن أَن يعجل لَهُ الشَّهَادَة وَظن على التَّقْدِيرَيْنِ أَنه كَانَ يقتل مَظْلُوما إِمَّا لاعْتِقَاده أَنه كَانَ مصيبا وَإِمَّا لِأَنَّهُ كَانَ سمع من النَّبِي ﷺ َ - مَا سمع عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَهُوَ قَوْله لما جَاءَهُ قَاتل الزبير بشر قَاتل ابْن صَفِيَّة بالنَّار وَرَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ َ - كَمَا رَوَاهُ أَحْمد وَغَيره من طَرِيق زرين حُبَيْش عَن عَليّ بِإِسْنَاد صَحِيح انْتهى قلت الأَصْل أَن لَا تكون أَو للشَّكّ وَالِاحْتِمَال لَا يثبت ذَلِك وَكلمَة أَو على مَعْنَاهُ للتقسيم هُنَا لِأَن الْمَقْتُول يَوْمئِذٍ لم يكن إِلَّا من أحد الْقسمَيْنِ على مَا ذكره ابْن بطال وَأَيْضًا إِنَّمَا أَرَادَ الزبير بقوله هَذَا أَن تقَاتل الصَّحَابَة لَيْسَ كتقاتل أهل الْبَغي والعصبية لِأَن الْقَاتِل والمقتول مِنْهُم ظَالِم لقَوْله ﷺ َ - " إِذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فِي النَّار " لِأَنَّهُ لَا تَأْوِيل لوَاحِد مِنْهُم يعْذر بِهِ عِنْد الله وَلَا شُبْهَة لَهُ من الْحق يتَعَلَّق بهَا فَلَيْسَ أحد مِنْهُم مَظْلُوما بل كلهم ظَالِم وَكَانَ الزبير وَطَلْحَة وَجَمَاعَة من كبار الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم خَرجُوا مَعَ عَائِشَة لطلب قتلة عُثْمَان وَإِقَامَة الْحَد عَلَيْهِم وَلم يخرجُوا لقِتَال عَليّ لِأَنَّهُ لَا خلاف بَين الْأمة أَن عليا كَانَ أَحَق بِالْإِمَامَةِ من جَمِيع أهل زَمَانه وَكَانَ قتلة عُثْمَان لجؤا إِلَى عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَرَأى عَليّ أَنه لَا يَنْبَغِي إسْلَامهمْ للْقَتْل على هَذَا الْوَجْه حَتَّى يسكن حَال الْأمة وتجري الْأَشْيَاء على وجوهها حَتَّى ينفذ الْأُمُور على مَا أوجب الله عَلَيْهِ فَهَذَا وَجه منع عَليّ ﵁ المطلوبين بِدَم عُثْمَان فَكَانَ مَا قدر الله مِمَّا جرى بِهِ الْقَلَم فِي الْأُمُور الَّتِي وَقعت وَقَالَ الزبير لِابْنِهِ مَا قَالَ لما رأى من شدَّة الْأَمر وَأَنَّهُمْ لَا ينفصلون إِلَّا عَن تقَاتل فَقَالَ لَا أَرَانِي إِلَّا سأقتل مَظْلُوما لِأَنَّهُ لم ينْو على قتال وَلَا عزم عَلَيْهِ وَلما التقى الْجَمْعَانِ فر فَتَبِعَهُ ابْن جرموز فَقتله فِي طَرِيقه كَمَا ذكرنَا قَوْله " وَإِنِّي لأراني " بِضَم الْهمزَة أَي لَا أَظن وَيجوز بِفَتْح الْهمزَة بِمَعْنى لَا أعتقد وَقد
стр. 4380
تحقق ظَنّه فَقتل مَظْلُوما قَوْله " لديني " اللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة للتَّأْكِيد وَهُوَ خبر أَن وَمَعْنَاهُ لَيْسَ عَليّ تبعة سوى ديني قَوْله " أفترى " على صِيغَة الْمَجْهُول بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام أَي أفتظن قَوْله " يبْقى " بِضَم الْيَاء من الْإِبْقَاء وَقَوله ديننَا بِالرَّفْع فَاعله وشيئا بِالنّصب مَفْعُوله قَوْله " وَأوصى بِالثُّلثِ " أَي بِثلث مَاله مُطلقًا لمن شَاءَ وَلما شَاءَ قَوْله " وَثلثه لِبَنِيهِ " أَي وبثلث الثُّلُث لبني عبد الله خَاصَّة وَقد فسره بقوله يَعْنِي بني عبد الله بن الزبير وهم حفدة الزبير قَوْله " فَإِن فضل من مالنا " فضل بعد قَضَاء الدّين شَيْء فثلثه لولدك " قَالَ الْمُهلب مَعْنَاهُ ثلث ذَلِك الْفضل الَّذِي أوصى بِهِ للْمَسَاكِين من الثُّلُث لِبَنِيهِ وَحكى الدمياطي عَن بعض الْعلمَاء أَن قَوْله فثلثه بتَشْديد اللَّام على صِيغَة الْأَمر من التَّثْلِيث يَعْنِي ثلث ذَلِك الْفضل الَّذِي أوصى بِهِ للْمَسَاكِين من الثُّلُث لِبَنِيهِ قَالَ بَعضهم هَذَا أقرب يَعْنِي من كَلَام الْمُهلب وَقَالَ الدمياطي فِيهِ نظر يَعْنِي فِيمَا حَكَاهُ عَن بعض الْعلمَاء قَوْله " قَالَ هِشَام " هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير قَوْله " قد وازى " بالزاي الْمُعْجَمَة أَي سَاوَى أَي حاذاهم فِي السن وَأنكر الْجَوْهَرِي اسْتِعْمَال هَذَا بِالْوَاو فَقَالَ يُقَال آزيته أَي حازيته وَلَا يُقَال وازيته وَالَّذِي جَاءَ هُنَا حجَّة عَلَيْهِ قَوْله " خبيب " بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره بَاء أُخْرَى رُوِيَ مَرْفُوعا على أَنه بدل أَو بَيَان لقَوْله للْبَعْض فِي قَوْله وَكَانَ بعض ولد عبد الله وَرُوِيَ مجرورا بِاعْتِبَار الْوَلَد وَقَالَ بَعضهم يجوز جَرّه على أَنه بَيَان للْبَعْض (قلت) هَذَا غلط لِأَن لفظ بعض فِي موضِعين أَحدهمَا وَهُوَ الأول مَرْفُوع لِأَنَّهُ اسْم كَانَ وَالْآخر مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول قَوْله وازى قَوْله " وَعباد " بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة قَوْله " وَله يَوْمئِذٍ " قَالَ الْكرْمَانِي أَي لعبد الله يَوْم وَصِيَّة الزبير تِسْعَة بَنِينَ أحدهم خبيب وَعباد (قلت) لَيْسَ كَذَلِك بل معنى قَوْله وَله أَي للزبير تِسْعَة بَنِينَ وتسع بَنَات وَلم يكن لعبد الله يَوْمئِذٍ إِلَّا خبيب وَعباد وهَاشِم وثابت وَأما سَائِر وَلَده فولدوا بعد ذَلِك أما تِسْعَة بَنِينَ فهم عبد الله وَعُرْوَة وَالْمُنْذر أمّهم أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَعَمْرو وخَالِد أمهما أم خَالِد بنت خَالِد بن سعيد وَمصْعَب وَحَمْزَة أمهما الربَاب بنت أنيف وَعبيدَة وجعفر أمهما زَيْنَب بنت بشر وَسَائِر ولد الزبير غير هَؤُلَاءِ مَاتُوا قبله وَأما التسع الْإِنَاث فهن خَدِيجَة الْكُبْرَى وَأم الْحسن وَعَائِشَة أمهن أَسمَاء بنت أبي بكر وحبيبة وَسَوْدَة وَهِنْد أمهن أم خَالِد ورملة أمهَا الربَاب وَحَفْصَة أمهَا زَيْنَب وَزَيْنَب أمهَا أم كُلْثُوم بنت عقبَة قَوْله " مِنْهَا الغابة " بالغين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة قَالَ الْكرْمَانِي اسْم مَوضِع بالحجاز (قلت) هَذَا لَيْسَ بتفسير وَاضح وتفسيرها أَرض عَظِيمَة شهيرة من عوالي الْمَدِينَة وَقَالَ ياقوت الغابة مَوضِع بَينه وَبَين الْمَدِينَة أَرْبَعَة أَمْيَال من نَاحيَة الشَّام والغابة أَيْضا قَرْيَة بِالْبَحْرَيْنِ وَقَالَ فِي كتاب الْأَمْكِنَة وَالْجِبَال للزمخشري الغابة بريد من الْمَدِينَة بطرِيق الشَّام وَقَالَ الْبكْرِيّ الغابة غابتان الْعليا والسفلى وَقَالَ الرشاطي الغابة مَوضِع عِنْد الْمَدِينَة والغابة أَيْضا فِي آخر الطَّرِيق من الْبَصْرَة إِلَى الْيَمَامَة وَفِي الْمطَالع الغابة مَال من أَمْوَال عوالي الْمَدِينَة وَفِي تَرِكَة الزبير كَانَ اشْتَرَاهَا بسبعين وَمِائَة ألف وبيعت فِي تركته بِأَلف ألف وسِتمِائَة ألف وَقد صحفه بعض النَّاس فَقَالَ الْغَايَة بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَذَلِكَ غلط فَاحش والغابة فِي اللُّغَة الشّجر الملتف والأجم من الشّجر وَشبههَا قَوْله " فَيَقُول الزبير لَا " أَي لَا يكون وَدِيعَة وَلكنه دين وَهُوَ معنى قَوْله سلف وَكَانَ غَرَضه بذلك أَنه كَانَ يخْشَى على المَال أَن يضيع فيظن بِهِ التَّقْصِير فِي حفظه فَرَأى أَن يَجعله مَضْمُونا وليكون أوثق لصَاحب المَال وَأبقى لمروءته وَقَالَ ابْن بطال وليطيب لَهُ ربح ذَلِك المَال قَوْله " وَمَا ولي إِمَارَة قطّ " بِكَسْر الْهمزَة قَوْله " وَلَا جباية خراج " أَي وَلَا ولي أَيْضا جباية خراج وَلَا شَيْئا أَي وَلَا ولي شَيْئا من الْأُمُور الَّتِي يتَعَلَّق بهَا تحصل المَال أَرَادَ أَن كَثْرَة مَاله لَيْسَ من هَذِه الْجِهَات الَّتِي يظنّ فِيهَا السوء بأصحابها وَإِنَّمَا كَانَ كَسبه من الْغَنَائِم مَعَ النَّبِي ﷺ َ - ثمَّ مَعَ أبي بكر ثمَّ مَعَ عمر ثمَّ مَعَ عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم فَبَارك الله لَهُ فِي مَاله لطيب أَصله وَربح أرباحا بلغت أُلُوف الألوف قَوْله " قَالَ عبد الله بن الزبير " هُوَ مُتَّصِل بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور قَوْله " فحسبت " بِفَتْح السِّين من حسبت الشَّيْء أَحْسبهُ بِالضَّمِّ حسابا وحسابة وحسبا وحسبانا بِالضَّمِّ أَي عددته وَأما حسبته بِالْكَسْرِ أَحْسبهُ بِالْفَتْح محسبة بِفَتْح السِّين ومحسبة بِكَسْر السِّين وحسبانا بِكَسْر الْحَاء أَي ظننته قَوْله " فلقي حَكِيم بن حزَام " بِالرَّفْع على أَنه فَاعل لَقِي وَعبد الله بن الزبير بِالنّصب مَفْعُوله قَوْله " يَا ابْن أخي " إِنَّمَا جعل الزبير أَخا لَهُ بِاعْتِبَار أخوة الدّين قَالَ
следующие страницы →