Полный текст (7 603 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.
стр. 4376
لهَذِهِ فَقَالَ لَهُ عبد الله أفرأيتك إِن كَانَت ألفي ألف ومائتي ألف قَالَ مَا أَرَاكُم تطيقون هَذَا فَإِن عجزتم عَن شَيْء مِنْهُ فاستعينوا بِي قَالَ وَكَانَ الزبير اشْترى الغابة بسبعين وَمِائَة ألف فَبَاعَهَا عبد الله بِأَلف ألف وسِتمِائَة ألف ثمَّ قَامَ فَقَالَ من كَانَ لَهُ على الزبير حق فليوافنا بِالْغَابَةِ فَأَتَاهُ عبد الله بن جَعْفَر وَكَانَ لَهُ على الزبير أَرْبَعمِائَة ألف فَقَالَ لعبد الله إِن شِئْتُم تركتهَا لكم قَالَ عبد الله لَا قَالَ فَإِن شِئْتُم جعلتموها فِيمَا تؤخرون إِن أخرتم فَقَالَ عبد الله لَا قَالَ قَالَ فَاقْطَعُوا لي قِطْعَة فَقَالَ عبد الله لَك من هَهُنَا إِلَى هَهُنَا قَالَ فَبَاعَ مِنْهَا فَقضى دينه فأوفاه وَبَقِي مِنْهَا أَرْبَعَة أسْهم وَنصف فَقدم على مُعَاوِيَة وَعِنْده عَمْرو بن عُثْمَان وَالْمُنْذر بن الزبير وَابْن زَمعَة فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة كم قومت الغابة قَالَ كل سهم مائَة ألف قَالَ كم بَقِي قَالَ أَرْبَعَة أسْهم وَنصف قَالَ الْمُنْذر بن الزبير قد أخذت سَهْما بِمِائَة ألف قَالَ عَمْرو بن عُثْمَان قد أخذت سَهْما بِمِائَة ألف وَقَالَ ابْن زَمعَة قد أخذت سَهْما بِمِائَة ألف فَقَالَ مُعَاوِيَة كم بَقِي فَقَالَ سهم وَنصف قَالَ أَخَذته بِخَمْسِينَ وَمِائَة ألف قَالَ وَبَاعَ عبد الله بن جَعْفَر نصِيبه من مُعَاوِيَة بستمائة ألف فَلَمَّا فرغ ابْن الزبير من قَضَاء دينه قَالَ بَنو الزبير اقْسمْ بَيْننَا ميراثنا قَالَ لَا وَالله لَا أقسم بَيْنكُم حَتَّى أنادي بِالْمَوْسِمِ أَربع سِنِين أَلا من كَانَ لَهُ على الزبير دين فليأتنا فلنقضه قَالَ فَجعل كل سنة يُنَادي بِالْمَوْسِمِ فَلَمَّا مضى أَربع سِنِين قسم بَينهم قَالَ فَكَانَ للزبير أَربع نسْوَة وَرفع الثُّلُث فَأصَاب كل امْرَأَة ألف ألف وَمِائَتَا ألف فَجَمِيع مَاله خَمْسُونَ ألف ألف وَمِائَتَا ألف) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله وَمَا ولي إِمَارَة إِلَى قَوْله وَعُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَذَلِكَ أَن الْبركَة الَّتِي كَانَت فِي مَال الزبير من كَونه غازيا مَعَ النَّبِي ﷺ َ - وَمَعَ أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَكَون الْبركَة فِي حَيَاته وَبعد مَوته تظهر عِنْد التَّأَمُّل فِي قصَّته (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة الأول إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم بن مخلد يعرف بِابْن رَاهَوَيْه الْحَنْظَلِي الْمروزِي الثَّانِي أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة اللَّيْثِيّ الثَّالِث هِشَام بن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام الرَّابِع عُرْوَة بن الزبير الْخَامِس عبد الله بن الزبير السَّادِس الزبير بن الْعَوام أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ وحواري رَسُول الله ﷺ َ - وَابْن عمته صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب شهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - وَهَاجَر الهجرتين وَأسلم وَهُوَ ابْن سِتّ عشرَة سنة وَهُوَ أول من سل سَيْفا فِي سَبِيل الله وَفِيه التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع مَعَ الِاسْتِفْهَام وَهُوَ قَوْله أحدثكُم هِشَام وَفِيه رِوَايَة الابْن عَن الْأَب وَرِوَايَة الْأَخ عَن الْأَخ لِأَن عُرْوَة وَعبد الله أَخَوان ابْنا الزبير بن الْعَوام (ذكر رجال هَذَا الحَدِيث) هَذَا من أَفْرَاد البُخَارِيّ وَذكره أَصْحَاب الْأَطْرَاف فِي مُسْند الزبير وَالْأَشْبَه أَن يكون من مُسْند ابْنه عبد الله وَكله مَوْقُوف غير قَوْله وَمَا ولي إِمَارَة وَلَا جباية خراج وَلَا شَيْئا إِلَّا أَن يكون فِي غَزْوَة مَعَ النَّبِي ﷺ َ - فَهَذَا الْمِقْدَار فِي حكم الْمَرْفُوع وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن جوَيْرِية حَدثنَا أَبُو أُسَامَة حَدثنَا هِشَام عَن أَبِيه عَن عبد الله وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عُرْوَة قَالَ أوصى الزبير إِلَى ابْنه عبد الله صَبِيحَة الْجمل فَقَالَ مَا مني عُضْو إِلَّا وَقد جرح مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - حَتَّى انْتهى ذَلِك إِلَى فرجه وَرَوَاهُ ابْن سعد فِي طبقاته فِي قتل الزبير ووصيته بِدِينِهِ
стр. 4377
وَثلث مَاله عَن أبي أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة نَحْو حَدِيث البُخَارِيّ وَطوله غير أَنه خَالفه فِي مَوضِع وَاحِد وَهُوَ قَوْله أصَاب كل امْرَأَة من نِسَائِهِ ألف ألف وَمِائَة ألف لَا كَمَا فِي البُخَارِيّ مِائَتَا ألف وعَلى هَاتين الرِّوَايَتَيْنِ لَا يَصح قسْمَة خمسين ألف ألف ومائتي ألف على دينه ووصيته وورثته وَإِنَّمَا يَصح قسمتهَا أَن لَو كَانَ لكل امْرَأَة ألف ألف فَيكون الثّمن أَرْبَعَة آلَاف ألف فَتَصِح قسْمَة الْوَرَثَة من اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ ألف ألف ثمَّ يُضَاف إِلَيْهَا الثُّلُث سِتَّة عشرَة ألف ألف فَتَصِير الجملتان ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين ألف ألف ثمَّ يُضَاف إِلَيْهَا الدّين ألف ألف وَمِائَتَا ألف وَمِنْهَا تصح وَرِوَايَة ابْن سعد تصح من خَمْسَة وَخمسين ألف ألف وَرِوَايَة البُخَارِيّ تصح من تِسْعَة وَخمسين أَو اثْنَيْنِ وَخمسين ألف ألف ومائتي ألف فَهَذِهِ تركته عِنْد مَوته لَا مَا زَاد عَلَيْهَا بعد مَوته من غلَّة الْأَرْضين والدور فِي مُدَّة أَربع سِنِين قبل قسْمَة التَّرِكَة وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْوَاقِدِيّ عَن أبي بكر بن سُبْرَة عَن هِشَام عَن أَبِيه قَالَ كَانَ قيمَة مَا ترك الزبير أحدا وَخمسين أَو اثْنَيْنِ وَخمسين ألف ألف وروى ابْن سعد عَن القعْنبِي عَن ابْن عُيَيْنَة قَالَ قسم مِيرَاث الزبير على أَرْبَعِينَ ألف ألف وَذكر الزبير بن بكار عَن عبد الله بن مُصعب بن ثَابت بن عبد الله بن الزبير فِي بني عدي عَاتِكَة بنت زيد بن عَمْرو بن نفَيْل زوج الزبير أَن عبد الله بن الزبير أرسل إِلَيْهَا بِثَمَانِينَ ألف دِرْهَم وقبضتها وصالحت عَلَيْهَا قَالَ الدمياطي وَبَين قَول الزبير بن بكار هَذَا وَبَين قَول غَيره بون بعيد وَالْعجب من الزبير مَعَ سَعَة علمه فِيهِ وتنفيره عَنهُ كَيفَ خَفِي عَلَيْهِ وَمَا تصدى لتحرير ذَلِك كَمَا يَنْبَغِي (ذكر بَيَان قصَّة وقْعَة الْجمل) ملخصة مختصرة كَانَت وقْعَة الْجمل عَام سِتَّة وَثَلَاثِينَ من الْهِجْرَة وَكَانَ قتل عُثْمَان بن عَفَّان سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَكَانَت عَائِشَة بِمَكَّة وَكَذَلِكَ أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ قد خرجن إِلَى الْحَج فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ فِرَارًا من الْفِتْنَة وَلما بلغ أهل مَكَّة أَن عُثْمَان قد قتل أقمن بِمَكَّة ثمَّ لما بُويِعَ عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ كَانَ أحظى النَّاس عِنْده بِحكم الْحَال لَا عَن اخْتِيَار عَليّ لذَلِك رُؤْس أُولَئِكَ الَّذين قتلوا عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وفر جمَاعَة من بني أُميَّة وَغَيرهم إِلَى مَكَّة وَخرج طَلْحَة وَالزُّبَيْر فِي الاعتمار وتبعهم خلق كثير وجم غفير وَقدم إِلَى مَكَّة أَيْضا فِي هَذِه الْأَيَّام يعلى بن أُميَّة وَمَعَهُ سِتّمائَة ألف ألف دِرْهَم وسِتمِائَة بعير فَأَنَاخَ بِالْأَبْطح وَقيل كَانَ مَعَه سِتّمائَة ألف دِينَار وَقدم ابْن عَامر من الْبَصْرَة بِأَكْثَرَ من ذَلِك فَاجْتمع بَنو أُميَّة بِالْأَبْطح وَقَامَت عَائِشَة فِي النَّاس تحضهم على الْقيام بِطَلَب دم عُثْمَان وطاوعوها فِي ذَلِك وَخَرجُوا وتوجهوا نَحْو الْبَصْرَة وَكَانَت عَائِشَة تحمل فِي هودج على جمل اسْمه عَسْكَر اشْتَرَاهُ يعلى بن أُميَّة من رجل من عرينة بِمِائَتي دِينَار وَكَانَ هَذَا هُوَ الَّذِي يدلهم على الطَّرِيق وَكَانُوا لَا يَمرونَ على مَاء وَلَا وَاد إِلَّا سَأَلُوهُ عَنهُ حَتَّى وصلوا إِلَى مَوضِع يُسمى حوءب بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الْهمزَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة وَهُوَ مَاء قريب من الْبَصْرَة فنبحت كلابه فَقَالُوا أَي مَاء هَذَا قَالَ الدَّلِيل هَذَا مَاء الحوءب فحين سَمِعت عَائِشَة بذلك صرخت بِأَعْلَى صَوتهَا وَضربت عضد بَعِيرهَا فأناخته فَقَالَت أَنا وَالله صَاحِبَة الحوءب ردوني ردوني تَقول ذَلِك فأناخوا حولهَا وهم على ذَلِك وَهِي تأبى الْمسير حَتَّى إِذا كَانَت السَّاعَة الَّتِي أناخت فِيهَا من الْغَد جاءها عبد الله بن الزبير فَقَالَ النَّجَاء النَّجَاء فقد أدرككم عَليّ ابْن أبي طَالب فَعِنْدَ ذَلِك رحلوا وَأما حَدِيث الحوءب فَأخْرجهُ أَحْمد فِي مُسْنده عَن عَائِشَة قَالَت أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ لي ذَات يَوْم كَيفَ بإحداكن إِذا نبحتها كلاب الحوءب فَعرفت الْحَال عِنْد ذَلِك فَأَرَادَتْ الرُّجُوع وَأما عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَإِنَّهُ خرج فِي آخر شهر ربيع الآخر فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ من الْمَدِينَة فِي تِسْعمائَة مقَاتل وَقيل لما بلغ عليا مسير عَائِشَة وَطَلْحَة وزبير إِلَى الْبَصْرَة سَار نحوهم فِي أَرْبَعَة آلَاف من أهل الْمَدِينَة فيهم أَرْبَعمِائَة مِمَّن بَايعُوا تَحت الشَّجَرَة وَثَمَانمِائَة من الْأَنْصَار ورايته مَعَ ابْنه مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وعَلى ميمنته الْحسن بن عَليّ وعَلى ميسرته الْحُسَيْن بن عَليّ وعَلى الْخَيل عمار بن يَاسر وعَلى الرجالة مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق وعَلى مقدمته عبد الله بن عَبَّاس ثمَّ اجْتَمعُوا كلهم عِنْد قصر عبيد الله بن زِيَاد وَنزل النَّاس فِي كل نَاحيَة وَقد اجْتمع مَعَ عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عشرُون ألفا والتفت على عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وَمن مَعهَا نَحْو من ثَلَاثِينَ ألفا وَقَامَت الْحَرْب على سَاقهَا فتصافوا وتصاولوا وتجاولوا وَكَانَ من جملَة من يبارز الزبير وعمار فَحمل عمار نَحوه بِالرُّمْحِ
стр. 4378
وَالزُّبَيْر كَاف عَنهُ لقَوْل رَسُول الله ﷺ َ - تقتلك الفئة الباغية وَقتل نَاس كثير وَرجع الزبير عَن الْقِتَال وَقَالَ الْوَاقِدِيّ كَانَ زِمَام الْجمل بيد كَعْب بن سور وَمَا كَانَ يَأْخُذ زِمَام الْجمل إِلَّا من هُوَ مَعْرُوف بالشجاعة مَا أَخذه أحد إِلَّا قتل وَحمل عَلَيْهِ عدي بن حَاتِم وَلم يبْق إِلَّا عقره ففقئت عين عدي وَاجْتمعَ بَنو ضبة عِنْد الْجمل وقاتلوا دونه قتالا لم يسمع مثله فَقطعت عِنْده ألف يَد وَقتل عَلَيْهِ ألف رجل مِنْهُم وَقَالَ ابْن الزبير جرحت على زِمَام الْجمل سَبْعَة وَثَلَاثِينَ جِرَاحَة وَمَا أحد أَخذ بِرَأْسِهِ إِلَّا قتل أَخذه عبد الرَّحْمَن بن عتاب فَقتل ثمَّ أَخذه الْأسود بن البحتري فَقتل وعد جمَاعَة وَغلب ابْن الزبير من الْجِرَاحَات فَألْقى نَفسه بَين الْقَتْلَى ثمَّ وصلت النبال إِلَى هودج أم الْمُؤمنِينَ فَجعلت تنادي الله الله يَا بني اذْكروا يَوْم الْحساب وَرفعت يَديهَا تَدْعُو على أُولَئِكَ الْقَوْم من قتلة عُثْمَان فَضَجَّ النَّاس مَعهَا بِالدُّعَاءِ وَأُولَئِكَ النَّفر لَا يقلعون عَن رشق هودجها بالنبال حَتَّى بَقِي مثل الْقُنْفُذ فَجعلت الْحَرْب تَأْخُذ وَتُعْطِي فَتَارَة لأهل الْبَصْرَة وَتارَة لأهل الْكُوفَة وَقتل خلق كثير وَلم تَرَ وقْعَة أَكثر من قطع الْأَيْدِي والأرجل فِيهَا من هَذِه الْوَقْعَة ثمَّ حملت عَلَيْهِ السائبة وَالْأَشْتَر يقدمهَا وَحمل بجير بن ولجة الضَّبِّيّ الْكُوفِي وَقطع بطانه وعقره وَقطع ثَلَاث قَوَائِم من قوائمه فبرك وَوَقع الهودج على الأَرْض ووقف عَلَيْهَا عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا أُمَّاهُ فَقَالَت وَعَلَيْك السَّلَام يَا بني فَقَالَ يغْفر الله لَك فَقَالَت وَلَك وَانْهَزَمَ من كَانَ حوله من النَّاس وَأمر عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن يحملوا الهودج من بَين الْقَتْلَى وَأمر مُحَمَّد بن أبي بكر وعمار بن يَاسر أَن يضربا عَلَيْهِ قبَّة وَلما كَانَ آخر اللَّيْل خرج مُحَمَّد بعائشة فَأدْخلهَا الْبَصْرَة وأنزلها فِي دَار عبد الله بن خلف الْخُزَاعِيّ وبكت عَائِشَة بكاء شَدِيدا وَقَالَت وددت أَنِّي مت قبل هَذَا الْيَوْم بِعشْرين سنة وَجَاء وُجُوه النَّاس من الْأُمَرَاء والأعيان يسلمُونَ عَلَيْهَا ثمَّ أَن عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَقَامَ بِظَاهِر الْكُوفَة ثَلَاثَة أَيَّام وَصلى على الْقَتْلَى من الْفَرِيقَيْنِ وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ قتل من أَصْحَاب عَائِشَة ثَمَانِيَة آلَاف وَقيل ثَلَاثَة عشر ألفا وَمن أَصْحَاب عَليّ ألف وَقيل قتل من أهل الْبَصْرَة عشرَة آلَاف وَمن أهل الْكُوفَة خَمْسَة آلَاف وَكَانَ فِي جملَة الْقَتْلَى طَلْحَة بن عبيد الله أحد الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ ثمَّ دخل على الْبَصْرَة يَوْم الِاثْنَيْنِ ثمَّ جهز عَائِشَة أحسن الجهاز بِكُل شَيْء يَنْبَغِي لَهَا من مركب وَزَاد ومتاع وَأخرج مَعهَا كل من نجا من الْوَقْعَة مِمَّن خرج مَعهَا وَاخْتَارَ لَهَا أَرْبَعِينَ امْرَأَة من نسَاء أهل الْبَصْرَة المعروفات ووقف عَليّ مَعهَا حَتَّى ودعها وَكَانَ خُرُوجهَا يَوْم السبت غرَّة رَجَب سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وشيعها عَليّ أميالا وسرح بنيه مَعهَا يَوْمًا وَقَالَ الْوَاقِدِيّ أَمر عَليّ النِّسَاء اللَّاتِي خرجن مَعَ عَائِشَة بِلبْس العمائم وتقليد السيوف ثمَّ قَالَ لَهُنَّ لَا تعلمنها أنكن نسْوَة وتلثمن مثل الرِّجَال وَكن حولهَا من بعيد وَلَا تقربنها وسارت عَائِشَة على تِلْكَ الْحَالة حَتَّى دخلت مَكَّة وأقامت حَتَّى حجت وَاجْتمعَ إِلَيْهَا نسَاء أهل مَكَّة يبْكين وَهِي تبْكي وسئلت عَن مسيرها فَقَالَت لقد أعْطى عَليّ فَأكْثر وَبعث معي رجَالًا وَبلغ النِّسَاء فأتينها وكشفن عَن وجوههن وعرفنها الْحَال فسجدت وَقَالَت وَالله مَا يزْدَاد ابْن أبي طَالب إِلَّا كرما (ذكر مقتل الزبير وَبَيَان سيرته) لما انْفَصل الزبير رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ من عَسْكَر عَائِشَة كَمَا ذكرنَا تبعه عَمْرو بن جرموز وفضالة بن حَابِس من غواة بني تَمِيم وأدركوه وتعاونوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَيُقَال بل أدْركهُ عَمْرو بن جرموز فَقَالَ لَهُ إِن لي إِلَيْك حَاجَة فَقَالَ ادن فَقَالَ مولى الزبير واسْمه عَطِيَّة إِن مَعَه سِلَاحا فَقَالَ وَإِن كَانَ فَتقدم إِلَيْهِ فَجعل يحدثه وَكَانَ وَقت الصَّلَاة فَقَالَ لَهُ الزبير الصَّلَاة الصَّلَاة فَقَالَ الصَّلَاة فَتقدم الزبير ليُصَلِّي بهما فطعنه عَمْرو بن جرموز فَقتله وَيُقَال بل أدْركهُ عَمْرو بوادي السبَاع وَهُوَ نَائِم فِي القائلة فهجم عَلَيْهِ فَقتله وَهَذَا القَوْل هُوَ الْأَشْهر وَأخذ رَأسه وَذهب بِهِ إِلَى عَليّ فَقيل لعَلي هَذَا ابْن جرموز قد أَتَاك بِرَأْس الزبير فَقَالَ بشروا قَاتل الزبير بالنَّار فَقَالَ عَمْرو
(أتيت عليا بِرَأْس الزبير ... وَقد كنت أحسبها زلقتي)
(فبشر بالنَّار قبل العيان ... فبئس الْبشَارَة والتحفة)
(وسيان عِنْدِي قتل الزبير ... وضرطة عنزة بِذِي الْجحْفَة)
стр. 4379
وَأما سيرته فقد ذكرنَا عَن قريب أَنه أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ وَأَنه شهد جَمِيع مشَاهد النَّبِي ﷺ َ - وَكَانَ عَلَيْهِ يَوْم بدر ملاءة صفراء فَنزلت الْمَلَائِكَة على سيمائه وَثَبت مَعَ النَّبِي ﷺ َ - يَوْم أحد وَبَايَعَهُ على الْمَوْت وَقَالَ مُصعب بن الزبير قَاتل أبي مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - وعمره اثْنَا عشر سنة وَقَالَ الزبير بن بكار بِإِسْنَادِهِ عَن الْأَوْزَاعِيّ قَالَ كَانَ للزبير ألف مَمْلُوك يودون الضريبة لَا يدْخل بَيت مَاله مِنْهَا دِرْهَم بل يتَصَدَّق بهَا وَقَالَ الزبير بن بكار بِإِسْنَادِهِ عَن جوَيْرِية قَالَت بَاعَ الزبير دَارا بستمائة ألف فَقيل لَهُ غبنت فَقَالَ كلا وَالله لتعلمن أنني لم أغبن هِيَ فِي سَبِيل الله وَرُوِيَ عَن هِشَام بن عُرْوَة فَقَالَ أوصى إِلَى الزبير جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم عُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَابْن مَسْعُود والمقداد وَكَانَ يحفظ عَلَيْهِم أَمْوَالهم وَينْفق على أَوْلَادهم من مَاله وَكَانَ الزبير رجلا لَيْسَ بالقصير وَلَا بالطويل إِلَى الخفة مَا هُوَ فِي اللَّحْم ولحيته خَفِيفَة أسمر اللَّوْن أشعر وَحكى الْوَاقِدِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه قَالَ رُبمَا أخذت بالشعر على منْكب الزبير وَأَنا غُلَام فأتعلق بِهِ على ظَهره وَحكى أَبُو الْيَقظَان عَن هِشَام بن عُرْوَة قَالَ كَانَ جدي الزبير إِذا ركب تخط الأَرْض رِجْلَاهُ وَلَا يُغير شَيْبه. وَاخْتلفُوا فِي سنه حكى ابْن سعد عَن الْوَاقِدِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى عُرْوَة بن الزبير قَالَ قتل أبي يَوْم الْجمل وَقد زَاد على السِّتين بِأَرْبَع سِنِين وَحكى ابْن الْجَوْزِيّ فِي الصفوة ثَلَاثَة أَقْوَال. أَحدهَا أَنه قتل وَهُوَ ابْن بضع وَخمسين سنة. وَالثَّانِي ابْن سِتِّينَ سنة. وَالثَّالِث ابْن خَمْسَة وَسِتِّينَ (ذكر مَعَاني الحَدِيث) قَوْله " قلت لأبي أُسَامَة أحدثكُم هِشَام بن عُرْوَة " لم يذكر جَوَاب الِاسْتِفْهَام وَقد ذكره فِي مُسْنده إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم بن رَاهَوَيْه بِهَذَا الْإِسْنَاد وَقَالَ فِي آخِره نعم قَوْله (يَوْم الْجمل) يَعْنِي يَوْم وقْعَة كَانَت بَين عَليّ وَعَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَهِي فِي هودج على جمل كَمَا ذَكرْنَاهُ وَكَانَت الْوَقْعَة على بَاب الْبَصْرَة فِي جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَإِنَّمَا أضيفت الْوَقْعَة إِلَى الْجمل لكَون عَائِشَة عَلَيْهِ وَهَذَا الْحَرْب كَانَ أول حَرْب وَقعت بَين الْمُسلمين قَوْله " لَا يقتل الْيَوْم إِلَّا ظَالِم أَو مظلوم " قَالَ ابْن بطال مَعْنَاهُ ظَالِم عِنْد خَصمه مظلوم عِنْد نَفسه لِأَن كلا الْفَرِيقَيْنِ كَانَ يتَأَوَّل أَنه على الصَّوَاب وَقَالَ ابْن التِّين مَعْنَاهُ أَنهم إِمَّا صَحَابِيّ متأول فَهُوَ مظلوم وَإِمَّا غير صَحَابِيّ قَاتل لأجل الدُّنْيَا فَهُوَ ظَالِم وَقَالَ الْكرْمَانِي المُرَاد ظَالِم أهل الْإِسْلَام هَذَا لفظ الْكرْمَانِي فِي شَرحه وَقَالَ بَعضهم قَالَ الْكرْمَانِي أَن قيل جَمِيع الحروب كَذَلِك فَالْجَوَاب أَنَّهَا أول حَرْب وَقعت بَين الْمُسلمين ثمَّ قَالَ قلت وَيحْتَمل أَن يكون أَو للشَّكّ من الرَّاوِي وَأَن الزبير إِمَّا قَالَ لَا يقتل الْيَوْم إِلَّا ظَالِم بِمَعْنى أَنه ظن أَن الله يعجل للظالم مِنْهُم الْعقُوبَة أَو لَا يقتل الْيَوْم إِلَّا مظلوم بِمَعْنى أَنه ظن أَن يعجل لَهُ الشَّهَادَة وَظن على التَّقْدِيرَيْنِ أَنه كَانَ يقتل مَظْلُوما إِمَّا لاعْتِقَاده أَنه كَانَ مصيبا وَإِمَّا لِأَنَّهُ كَانَ سمع من النَّبِي ﷺ َ - مَا سمع عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَهُوَ قَوْله لما جَاءَهُ قَاتل الزبير بشر قَاتل ابْن صَفِيَّة بالنَّار وَرَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ َ - كَمَا رَوَاهُ أَحْمد وَغَيره من طَرِيق زرين حُبَيْش عَن عَليّ بِإِسْنَاد صَحِيح انْتهى قلت الأَصْل أَن لَا تكون أَو للشَّكّ وَالِاحْتِمَال لَا يثبت ذَلِك وَكلمَة أَو على مَعْنَاهُ للتقسيم هُنَا لِأَن الْمَقْتُول يَوْمئِذٍ لم يكن إِلَّا من أحد الْقسمَيْنِ على مَا ذكره ابْن بطال وَأَيْضًا إِنَّمَا أَرَادَ الزبير بقوله هَذَا أَن تقَاتل الصَّحَابَة لَيْسَ كتقاتل أهل الْبَغي والعصبية لِأَن الْقَاتِل والمقتول مِنْهُم ظَالِم لقَوْله ﷺ َ - " إِذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فِي النَّار " لِأَنَّهُ لَا تَأْوِيل لوَاحِد مِنْهُم يعْذر بِهِ عِنْد الله وَلَا شُبْهَة لَهُ من الْحق يتَعَلَّق بهَا فَلَيْسَ أحد مِنْهُم مَظْلُوما بل كلهم ظَالِم وَكَانَ الزبير وَطَلْحَة وَجَمَاعَة من كبار الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم خَرجُوا مَعَ عَائِشَة لطلب قتلة عُثْمَان وَإِقَامَة الْحَد عَلَيْهِم وَلم يخرجُوا لقِتَال عَليّ لِأَنَّهُ لَا خلاف بَين الْأمة أَن عليا كَانَ أَحَق بِالْإِمَامَةِ من جَمِيع أهل زَمَانه وَكَانَ قتلة عُثْمَان لجؤا إِلَى عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَرَأى عَليّ أَنه لَا يَنْبَغِي إسْلَامهمْ للْقَتْل على هَذَا الْوَجْه حَتَّى يسكن حَال الْأمة وتجري الْأَشْيَاء على وجوهها حَتَّى ينفذ الْأُمُور على مَا أوجب الله عَلَيْهِ فَهَذَا وَجه منع عَليّ ﵁ المطلوبين بِدَم عُثْمَان فَكَانَ مَا قدر الله مِمَّا جرى بِهِ الْقَلَم فِي الْأُمُور الَّتِي وَقعت وَقَالَ الزبير لِابْنِهِ مَا قَالَ لما رأى من شدَّة الْأَمر وَأَنَّهُمْ لَا ينفصلون إِلَّا عَن تقَاتل فَقَالَ لَا أَرَانِي إِلَّا سأقتل مَظْلُوما لِأَنَّهُ لم ينْو على قتال وَلَا عزم عَلَيْهِ وَلما التقى الْجَمْعَانِ فر فَتَبِعَهُ ابْن جرموز فَقتله فِي طَرِيقه كَمَا ذكرنَا قَوْله " وَإِنِّي لأراني " بِضَم الْهمزَة أَي لَا أَظن وَيجوز بِفَتْح الْهمزَة بِمَعْنى لَا أعتقد وَقد
стр. 4380
تحقق ظَنّه فَقتل مَظْلُوما قَوْله " لديني " اللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة للتَّأْكِيد وَهُوَ خبر أَن وَمَعْنَاهُ لَيْسَ عَليّ تبعة سوى ديني قَوْله " أفترى " على صِيغَة الْمَجْهُول بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام أَي أفتظن قَوْله " يبْقى " بِضَم الْيَاء من الْإِبْقَاء وَقَوله ديننَا بِالرَّفْع فَاعله وشيئا بِالنّصب مَفْعُوله قَوْله " وَأوصى بِالثُّلثِ " أَي بِثلث مَاله مُطلقًا لمن شَاءَ وَلما شَاءَ قَوْله " وَثلثه لِبَنِيهِ " أَي وبثلث الثُّلُث لبني عبد الله خَاصَّة وَقد فسره بقوله يَعْنِي بني عبد الله بن الزبير وهم حفدة الزبير قَوْله " فَإِن فضل من مالنا " فضل بعد قَضَاء الدّين شَيْء فثلثه لولدك " قَالَ الْمُهلب مَعْنَاهُ ثلث ذَلِك الْفضل الَّذِي أوصى بِهِ للْمَسَاكِين من الثُّلُث لِبَنِيهِ وَحكى الدمياطي عَن بعض الْعلمَاء أَن قَوْله فثلثه بتَشْديد اللَّام على صِيغَة الْأَمر من التَّثْلِيث يَعْنِي ثلث ذَلِك الْفضل الَّذِي أوصى بِهِ للْمَسَاكِين من الثُّلُث لِبَنِيهِ قَالَ بَعضهم هَذَا أقرب يَعْنِي من كَلَام الْمُهلب وَقَالَ الدمياطي فِيهِ نظر يَعْنِي فِيمَا حَكَاهُ عَن بعض الْعلمَاء قَوْله " قَالَ هِشَام " هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير قَوْله " قد وازى " بالزاي الْمُعْجَمَة أَي سَاوَى أَي حاذاهم فِي السن وَأنكر الْجَوْهَرِي اسْتِعْمَال هَذَا بِالْوَاو فَقَالَ يُقَال آزيته أَي حازيته وَلَا يُقَال وازيته وَالَّذِي جَاءَ هُنَا حجَّة عَلَيْهِ قَوْله " خبيب " بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره بَاء أُخْرَى رُوِيَ مَرْفُوعا على أَنه بدل أَو بَيَان لقَوْله للْبَعْض فِي قَوْله وَكَانَ بعض ولد عبد الله وَرُوِيَ مجرورا بِاعْتِبَار الْوَلَد وَقَالَ بَعضهم يجوز جَرّه على أَنه بَيَان للْبَعْض (قلت) هَذَا غلط لِأَن لفظ بعض فِي موضِعين أَحدهمَا وَهُوَ الأول مَرْفُوع لِأَنَّهُ اسْم كَانَ وَالْآخر مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول قَوْله وازى قَوْله " وَعباد " بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة قَوْله " وَله يَوْمئِذٍ " قَالَ الْكرْمَانِي أَي لعبد الله يَوْم وَصِيَّة الزبير تِسْعَة بَنِينَ أحدهم خبيب وَعباد (قلت) لَيْسَ كَذَلِك بل معنى قَوْله وَله أَي للزبير تِسْعَة بَنِينَ وتسع بَنَات وَلم يكن لعبد الله يَوْمئِذٍ إِلَّا خبيب وَعباد وهَاشِم وثابت وَأما سَائِر وَلَده فولدوا بعد ذَلِك أما تِسْعَة بَنِينَ فهم عبد الله وَعُرْوَة وَالْمُنْذر أمّهم أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَعَمْرو وخَالِد أمهما أم خَالِد بنت خَالِد بن سعيد وَمصْعَب وَحَمْزَة أمهما الربَاب بنت أنيف وَعبيدَة وجعفر أمهما زَيْنَب بنت بشر وَسَائِر ولد الزبير غير هَؤُلَاءِ مَاتُوا قبله وَأما التسع الْإِنَاث فهن خَدِيجَة الْكُبْرَى وَأم الْحسن وَعَائِشَة أمهن أَسمَاء بنت أبي بكر وحبيبة وَسَوْدَة وَهِنْد أمهن أم خَالِد ورملة أمهَا الربَاب وَحَفْصَة أمهَا زَيْنَب وَزَيْنَب أمهَا أم كُلْثُوم بنت عقبَة قَوْله " مِنْهَا الغابة " بالغين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة قَالَ الْكرْمَانِي اسْم مَوضِع بالحجاز (قلت) هَذَا لَيْسَ بتفسير وَاضح وتفسيرها أَرض عَظِيمَة شهيرة من عوالي الْمَدِينَة وَقَالَ ياقوت الغابة مَوضِع بَينه وَبَين الْمَدِينَة أَرْبَعَة أَمْيَال من نَاحيَة الشَّام والغابة أَيْضا قَرْيَة بِالْبَحْرَيْنِ وَقَالَ فِي كتاب الْأَمْكِنَة وَالْجِبَال للزمخشري الغابة بريد من الْمَدِينَة بطرِيق الشَّام وَقَالَ الْبكْرِيّ الغابة غابتان الْعليا والسفلى وَقَالَ الرشاطي الغابة مَوضِع عِنْد الْمَدِينَة والغابة أَيْضا فِي آخر الطَّرِيق من الْبَصْرَة إِلَى الْيَمَامَة وَفِي الْمطَالع الغابة مَال من أَمْوَال عوالي الْمَدِينَة وَفِي تَرِكَة الزبير كَانَ اشْتَرَاهَا بسبعين وَمِائَة ألف وبيعت فِي تركته بِأَلف ألف وسِتمِائَة ألف وَقد صحفه بعض النَّاس فَقَالَ الْغَايَة بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَذَلِكَ غلط فَاحش والغابة فِي اللُّغَة الشّجر الملتف والأجم من الشّجر وَشبههَا قَوْله " فَيَقُول الزبير لَا " أَي لَا يكون وَدِيعَة وَلكنه دين وَهُوَ معنى قَوْله سلف وَكَانَ غَرَضه بذلك أَنه كَانَ يخْشَى على المَال أَن يضيع فيظن بِهِ التَّقْصِير فِي حفظه فَرَأى أَن يَجعله مَضْمُونا وليكون أوثق لصَاحب المَال وَأبقى لمروءته وَقَالَ ابْن بطال وليطيب لَهُ ربح ذَلِك المَال قَوْله " وَمَا ولي إِمَارَة قطّ " بِكَسْر الْهمزَة قَوْله " وَلَا جباية خراج " أَي وَلَا ولي أَيْضا جباية خراج وَلَا شَيْئا أَي وَلَا ولي شَيْئا من الْأُمُور الَّتِي يتَعَلَّق بهَا تحصل المَال أَرَادَ أَن كَثْرَة مَاله لَيْسَ من هَذِه الْجِهَات الَّتِي يظنّ فِيهَا السوء بأصحابها وَإِنَّمَا كَانَ كَسبه من الْغَنَائِم مَعَ النَّبِي ﷺ َ - ثمَّ مَعَ أبي بكر ثمَّ مَعَ عمر ثمَّ مَعَ عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم فَبَارك الله لَهُ فِي مَاله لطيب أَصله وَربح أرباحا بلغت أُلُوف الألوف قَوْله " قَالَ عبد الله بن الزبير " هُوَ مُتَّصِل بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور قَوْله " فحسبت " بِفَتْح السِّين من حسبت الشَّيْء أَحْسبهُ بِالضَّمِّ حسابا وحسابة وحسبا وحسبانا بِالضَّمِّ أَي عددته وَأما حسبته بِالْكَسْرِ أَحْسبهُ بِالْفَتْح محسبة بِفَتْح السِّين ومحسبة بِكَسْر السِّين وحسبانا بِكَسْر الْحَاء أَي ظننته قَوْله " فلقي حَكِيم بن حزَام " بِالرَّفْع على أَنه فَاعل لَقِي وَعبد الله بن الزبير بِالنّصب مَفْعُوله قَوْله " يَا ابْن أخي " إِنَّمَا جعل الزبير أَخا لَهُ بِاعْتِبَار أخوة الدّين قَالَ
стр. 4381
الْكرْمَانِي أَو بِاعْتِبَار قرَابَة بَينهمَا لِأَن الزبير بن الْعَوام بن خويلد ابْن عَم حَكِيم قلت حَكِيم بن حزَام بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الزَّاي ابْن خويلد بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي الْقرشِي الْأَسدي يكنى أَبَا خَالِد وَهُوَ ابْن أخي خَدِيجَة بنت خويلد زوج النَّبِي ﷺ َ - وَهُوَ من مسلمة الْفَتْح وعاش فِي الْجَاهِلِيَّة سِتِّينَ سنة وَفِي الْإِسْلَام سِتِّينَ سنة وَتُوفِّي بِالْمَدِينَةِ فِي خلَافَة مُعَاوِيَة سنة أَربع وَخمسين وَهُوَ ابْن مائَة وَعشْرين سنة وَالزُّبَيْر بن الْعَوام بن خويلد بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي الْقرشِي الْأَسدي فعلى هَذَا فالعوام يكون أَخا حزَام فَيكون الزبير ابْن عَم حَكِيم قَوْله " فكتمه " يَعْنِي كتم أصل الدّين فَقَالَ مائَة ألف وَالْأَصْل ألفا ألف وَمِائَتَا ألف قَالَ الْكرْمَانِي مَا كذب إِذْ لم ينف الزَّائِد على الْمِائَة وَمَفْهُوم الْعدَد لَا اعْتِبَار لَهُ وَفِي التَّوْضِيح هَذَا لَيْسَ بكذب لِأَنَّهُ صدق فِي الْبَعْض وكتم بَعْضًا وللإنسان إِذا سُئِلَ عَن خبر أَن يخبر عَنهُ بِمَا شَاءَ وَله أَن لَا يخبر بِشَيْء مِنْهُ أصلا وَقَالَ ابْن بطال إِنَّمَا قَالَ لَهُ مائَة ألف وكتم الْبَاقِي لِئَلَّا يستعظم حَكِيم مَا استدانه فيظن بِهِ عدم الحزم وَبِعَبْد الله عدم الْوَفَاء بذلك فَينْظر إِلَيْهِ بِعَين الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ فَلَمَّا استعظم حَكِيم أمره بِمِائَة ألف احْتَاجَ عبد الله أَن يذكر لَهُ الْجَمِيع ويعرفه أَنه قَادر على وفائه قَوْله " تسع لهَذِهِ " أَي تَكْفِي لوفاء مائَة ألف قَوْله " فَقَالَ لَهُ عبد الله " أَي فَقَالَ لحكيم عبد الله بن الزبير أفرأيتك إِن كَانَت ألفي ألف ومائتي ألف قَوْله " فليوافنا " أَي فليأتنا يُقَال وافى فلَان إِذا أَتَى قَوْله " عبد الله بن جَعْفَر " أَي عبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب بَحر الْجُود وَالْكَرم قَوْله فَقَالَ لعبد الله أَي فَقَالَ عبد الله بن جَعْفَر لعبد الله بن الزبير قَوْله " قَالَ عبد الله لَا " أَي قَالَ عبد الله بن الزبير لعبد الله بن جَعْفَر لَا نَتْرُك دينك فَإِنَّهُ ترك بِهِ وَفَاء قَوْله " قَالَ قَالَ " أَي قَالَ عبد الله بن الزبير قَالَ عبد الله بن جَعْفَر قَوْله فَقدم على مُعَاوِيَة أَي فَقدم عبد الله بن الزبير على مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَهُوَ فِي دمشق وَقَالَ بَعضهم فَقدم على مُعَاوِيَة أَي فِي خِلَافَته وَهَذَا فِيهِ نظر لِأَنَّهُ ذكر أَنه أخر الْقِسْمَة أَربع سِنِين اسْتِبْرَاء للدّين كَمَا سَيَأْتِي فَيكون آخر الْأَرْبَع فِي سنة أَرْبَعِينَ وَذَلِكَ قبل أَن يجْتَمع النَّاس على مُعَاوِيَة انْتهى قلت هَذَا النّظر إِنَّمَا يتَوَجَّه بقوله أَي فِي خِلَافَته فَلَا يحْتَاج إِلَى هَذَا لِأَنَّهُ قيد الْمُطلق بِغَيْر وَجه على أَنه يجوز أَن يكون قدومه عَلَيْهِ قبل اجْتِمَاع كل النَّاس عَلَيْهِ قَوْله " عَمْرو بن عُثْمَان " بِفَتْح الْعين فِي عَمْرو وَهُوَ عَمْرو بن عُثْمَان بن عَفَّان وَالْمُنْذر بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من الْإِنْذَار وَهُوَ التخويف ابْن الزبير بن الْعَوام أَخُو عبد الله بن الزبير قَوْله " وَابْن زَمعَة " وَهُوَ عبد الله بن زَمعَة بالزاي وَالْمِيم وَالْعين الْمُهْملَة المفتوحات وَقيل بِسُكُون الْمِيم وَهُوَ عبد الله بن زَمعَة بن قيس بن عبد شمس وَهُوَ أَخُو سَوْدَة زوج النَّبِي ﷺ َ - لأَبِيهَا قَوْله " كل سهم مائَة ألف " بِنصب الْمِائَة بِنَزْع الْخَافِض أَي قومت الغابة وَجَاء كل سهم بِمِائَة ألف قَوْله " قَالَ لَا " أَي لَا أقسم وَالله وَقَوله لَا أقسم بعد ذَلِك تَفْسِير لما قبله وَلَيْسَ فِيهِ منع الْمُسْتَحق من حَقه وَهُوَ الْقِسْمَة وَالتَّصَرُّف فِي نصِيبه لِأَنَّهُ كَانَ وَصِيّا وَلَعَلَّه ظن بَقَاء الدّين فالقسمة لَا تكون إِلَّا بعد وَفَاء الدّين جَمِيعه قَوْله " بِالْمَوْسِمِ " أَي موسم الْحَج وسمى بِهِ لِأَنَّهُ معلم يجْتَمع النَّاس لَهُ والوسمة الْعَلامَة قَوْله " أَربع سِنِين " فَائِدَة تَخْصِيص المناداة بِأَرْبَع سِنِين هِيَ أَن الْغَالِب أَن الْمسَافَة الَّتِي بَين مَكَّة وأقطار الأَرْض تقطع بِسنتَيْنِ فَأَرَادَ أَن تصل الْأَخْبَار إِلَى الأقطار ثمَّ تعود إِلَيْهِ أَو لِأَن الْأَرْبَع هِيَ الْغَايَة فِي الْآحَاد بِحَسب مَا يُمكن أَن يتركب مِنْهُ العشرات لِأَنَّهُ يتَضَمَّن وَاحِدًا واثنين وَثَلَاثَة وَأَرْبَعَة وَهِي عشرَة قَوْله " أَربع نسْوَة " أَي مَاتَ عَنْهُن وَهن أم خَالِد والرباب وَزَيْنَب وعاتكة بنت زيد أُخْت سعيد بن زيد أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ وَأما أَسمَاء وَأم كُلْثُوم فَكَانَ قد طلقهما قَوْله " وَدفع الثُّلُث " أَي الَّذِي أوصى بِهِ قَوْله " فَجَمِيع مَاله خَمْسُونَ ألف ألف وَمِائَتَا ألف ألف " قد مر فِي أول الحَدِيث الْكَلَام فِيهِ وَلَكِن الْكرْمَانِي ذكر هُنَا مَا يرفع الخباط فِي الْحساب فَقَالَ فَإِن قلت إِذا كَانَ الثّمن أَرْبَعَة آلَاف ألف وَثَمَانمِائَة ألف فالجميع ثَمَانِيَة وَثَلَاثُونَ ألف ألف وَأَرْبَعمِائَة ألف وَإِن أضفت إِلَيْهِ الثُّلُث وَهُوَ خَمْسُونَ ألف ألف وَتِسْعَة آلَاف ألف وَثَمَانمِائَة ألف فعلى التقادير الْحساب غير صَحِيح قلت لَعَلَّ الْجَمِيع كَانَ قبل وفائه هَذَا الْمِقْدَار فَزَاد من غلات أَمْوَاله فِي هَذِه الْأَرْبَع سِنِين إِلَى سِتِّينَ ألف ألف إِلَّا مِائَتي ألف فَيصح مِنْهُ إِخْرَاج الدّين وَالثلث وَيبقى الْمبلغ الَّذِي مِنْهَا لكل امْرَأَة مِنْهُ ألف ألف وَمِائَتَا ألف
стр. 4382
(ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ الْوَصِيَّة عِنْد الْحَرْب لِأَنَّهُ سَبَب مخوف كركوب الْبَحْر وَاخْتلف لَو تصدق حِينَئِذٍ أَو حرر هَل يكون من الثُّلُث أَو من رَأس المَال وَفِيه أَن للْوَصِيّ تَأْخِير قسْمَة الْمِيرَاث حَتَّى يُوفي دُيُون الْمَيِّت وَينفذ وَصَايَاهُ إِن كَانَ لَهُ ثلث وَيُؤَخر الْقِسْمَة بِحَسب مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ اجْتِهَاده وَلَكِن إِذا وَقع الْعلم بوفاء الدّين وصمم الْوَرَثَة على الْقِسْمَة أُجِيب إِلَيْهَا فَلَا يتربص إِلَى أَمر موهوم فَإِذا ثَبت بعد ذَلِك شَيْء يُؤْخَذ مِنْهُم وَفِيه جَوَاز الْوَصِيَّة للأحفاد إِذا كَانَ من يحجبهم وَفِيه جَوَاز شِرَاء الْوَارِث من التَّرِكَة وَكَذَلِكَ شِرَاء الْوَصِيّ إِذا كَانَ بِالْقيمَةِ وَفِيه أَن الْهِبَة لَا تملك إِلَّا بِالْقَبْضِ وَفِيه بَيَان جود عبد الله بن جَعْفَر فَلذَلِك سمي بَحر الْكَرم وَفِيه إِطْلَاق اللَّفْظ الْمُشْتَرك لمن يظنّ بِهِ معرفَة المُرَاد والاستفهام لمن لم يتَبَيَّن لَهُ لِأَن الزبير قَالَ لِابْنِهِ اسْتَعِنْ عَلَيْهِ بمولاي وَلَفظ الْمولى مُشْتَرك بَين معَان كَثِيرَة فَظن عبد الله أَنه يُرِيد بعض عتقائه فاستفهم فَعرف مُرَاده وَفِيه منزلَة الزبير عِنْد نَفسه وَأَنه فِي تِلْكَ الْحَالة كَانَ فِي غَايَة الوثوق بِاللَّه والإقبال عَلَيْهِ وَالرِّضَا بِحكمِهِ والاستعانة بِهِ وَفِيه قُوَّة نفس عبد الله بن الزبير لعدم قبُوله مَا سَأَلَهُ حَكِيم بن حزَام من المعاونة وَفِيه كرم حَكِيم أَيْضا وسماحة نَفسه وَفِيه أَن الدّين إِنَّمَا يكره لمن لَا وَفَاء لَهُ أَو لمن يصرفهُ إِلَى غير وَجهه وَفِيه النداء فِي دُيُون من يعرف بِالدّينِ وَفِيه النداء فِي المواسم لِأَنَّهَا مجمع النَّاس وَفِيه طَاعَة بني الزبير لأخيهم فِي تَأْخِير الْقِسْمَة لأجل الدّين المتوهم وَفِيه مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة من اتِّخَاذ النِّسَاء وَفِيه أَن أجل الْمَفْقُود وَالْغَائِب أَربع سِنِين وَبِه احْتج مَالك وَفِيه نظر لَا يخفى -
٤١ - (بابٌ إِذا بَعَثَ الإمامُ رسولاٍ فِي حاجَةٍ أوْ أمَرَهُ بالْمُقَامِ هَلْ يُسْهَم لَهُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا بعث ... إِلَى آخِره. قَوْله: (بالْمقَام) ، أَي: بِالْإِقَامَةِ. قَوْله: (هَل يُسهم لَهُ) ، أَي: من الْغَنِيمَة، أَو لَا يُسهم وَجَوَاب إِذا يفهم من حَدِيث الْبَاب، وَفِيه خلاف ذكره فِي بَاب الْغَنِيمَة لمن شهد الْوَقْعَة.
٠٣١٣ - حدَّثنا مُوسَى قَالَ حدَّثنا أَبُو عَوَانِةَ قالَ حدَّثَنا عُثْمانُ بنُ مَوْهَب عنِ ابنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ إنَّمَا تَغَيَّبَ عُثْمَانُ عنْ بَدْرٍ فإنَّهُ كانَتْ تَحْتَهُ بِنْتُ رسولِ الله ﷺ وكانَتْ مَرِيضَةً فَقَالَ لَهُ النبيُّ ﷺ إنَّ لَكَ أجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرَاً وسَهْمَهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إِن لَك أجر رجل) إِلَى آخِره، وَبِه يحصل الْجَواب للتَّرْجَمَة، ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل الْمنْقري الْمَعْرُوف بالتبوذكي، وَأَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين: اسْمه الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي، وَعُثْمَان بن موهب على وزن جَعْفَر هُوَ عُثْمَان بن عبد الله بن موهب الْأَعْرَج الطليحي التَّيْمِيّ الْقرشِي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ مطولا فِي الْمَغَازِي عَن عَبْدَانِ، وَفِي فضل عُثْمَان أَيْضا عَن مُوسَى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن صَالح بن عبد الله التِّرْمِذِيّ عَن أبي عوَانَة.
قَوْله: (عُثْمَان بن موهب عَن ابْن عمر) قَالَ أَبُو عَليّ الجياني: وَقع فِي نُسْخَة أبي مُحَمَّد عَن أبي أَحْمد يَعْنِي: الْأصيلِيّ عَن الْجِرْجَانِيّ عَمْرو ابْن عبد الله، وَهُوَ غلط وَصَوَابه: عُثْمَان بن موهب. قَوْله: (إِنَّمَا تغيب عُثْمَان) أَي: تكلّف الْغَيْبَة، لأجل تمريض بنت رَسُول الله، ﷺ ، وَعُثْمَان ﵁ لم يحضر بَدْرًا لأجل ذَلِك وعد ابْن اسحاق الَّذين غَابُوا عَن بدر ثَمَانِيَة أَو تِسْعَة وهم عُثْمَان بن عَفَّان تخلف لذَلِك، وَطَلْحَة بن عبيد الله كَانَ بِالشَّام فَضرب لَهُ سَهْمه وأجره، وَسَعِيد بن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل كَانَ بِالشَّام أَيْضا، وَأَبُو لبَابَة بشير بن عبد الْمُنْذر رده رَسُول الله، ﷺ من الروحاء حِين بلغه خُرُوج النفير من مَكَّة فَاسْتَعْملهُ على الْمَدِينَة، والْحَارث بن حَاطِب بن عبيد رده أَيْضا من الطَّرِيق، والْحَارث بن الصمَّة انْكَسَرَ بِالرَّوْحَاءِ فَرجع، وخوات ابْن جُبَير لم يحضر الْوَقْعَة، وَأَبُو الصَّباح بن ثَابت خرج مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، فَأصَاب سَاقه نصل حجر فَرجع، وَسعد بن مَالك تجهز ليخرج فَمَاتَ، وَقيل: إِنَّه مَاتَ فِي الروحاء فَضرب لكل وَاحِد مِنْهُم سَهْمه وأجره. قَوْله: (كَانَت تَحْتَهُ) أَي: تَحت عُثْمَان بنت رَسُول الله، ﷺ وَهِي رقية، توفيت وَرَسُول الله، ﷺ فِي بدر، ثمَّ زوجه أم كُلْثُوم فَتُوُفِّيَتْ تَحْتَهُ سنة تسع، وَهِي الَّتِي غسلتها أم عَطِيَّة. وَاحْتج أَبُو حنيفَة بِهَذَا الحَدِيث أَن من بَعثه الإِمَام لحَاجَة حَتَّى غنم الإِمَام أَنه يُسهم لَهُ، وَكَذَلِكَ
стр. 4383
المدد يلحقون أَرض الْحَرْب، وَهُوَ قَول الشّعبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري، وَالْحكم بن عتيبة وَالْأَوْزَاعِيّ، والْحَدِيث حجَّة على اللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَمَالك وَأحمد حَيْثُ قَالُوا: لَا يُسهم من الْغَنِيمَة إلَاّ لمن حضر الْوَقْعَة. وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه الطَّحَاوِيّ وَأَبُو دَاوُد أَنه ﷺ بعث أبان بن سعيد على سَرِيَّة من الْمَدِينَة قبل نجد، فَقدم أبان وَرَسُول الله، ﷺ بِخَيْبَر بَعْدَمَا فتحهَا ... الحَدِيث، وَفِيه: أَجْلِس يَا أبان، فَلم يقسم لَهُم شَيْئا، وَأجَاب الطَّحَاوِيّ عَنهُ بقوله: إِنَّه ﷺ وَجه أبان إِلَى نجد قبل أَن يتهيأ خُرُوجه إِلَى خَيْبَر، فَتوجه أبان فِي ذَلِك ثمَّ حدث من خُرُوج النَّبِي ﷺ إِلَى خَيْبَر مَا حدث، فَكَانَ مَا غَابَ فِيهِ أبان من ذَلِك عَن حُضُور خَيْبَر لَيْسَ هُوَ شغل شغله النَّبِي ﷺ عَن حُضُورهَا، وَقَالَ الْجَصَّاص: لَا حجَّة فِيهِ لِأَن خَيْبَر صَارَت دَار الْإِسْلَام لظُهُور النَّبِي ﷺ عَلَيْهَا، وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ، وَقيل: كَانَت خَيْبَر لأهل الْحُدَيْبِيَة خَاصَّة شهدوها أَو لم يشهدوها دون من سواهُم، لِأَن الله تَعَالَى كَانَ وعدهم إِيَّاهَا بقوله: ﴿وَأُخْرَى لم تقدروا عَلَيْهَا قد أحَاط الله بهَا﴾ (الْفَتْح: ٠٢) . بعد قَوْله: ﴿وَعدكُم الله مَغَانِم كَثِيرَة تأخذونها فَعجل لكم هَذِه﴾ (الْفَتْح: ٠٢) . فَإِن قَالُوا: إِن أعطَاهُ رَسُول الله ﷺ لعُثْمَان وَهُوَ لم يحضر بَدْرًا خُصُوص لَهُ، قُلْنَا: يحْتَاج إِلَى دَلِيل الْخُصُوص، فَإِن قَالُوا: أعْطى عُثْمَان من سَهْمه، ﷺ ، من الْخمس. قُلْنَا: كَانَ ذَلِك يَوْم حنين حَيْثُ قَالَ: مَا لي مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْكُم إِلَّا الْخمس، وَهُوَ مَرْدُود فِيكُم. قُلْنَا: يحْتَاج إِلَى ذليل على أَن إِعْطَاء عُثْمَان وَمن غَابَ أَيْضا من بدر أَنه كَانَ من سَهْمه بعد حنين.
٥١ - (بابٌ ومِنَ الدَّلِيلِ علَى أنَّ الخُمُسَ لِنَوائِبِ المُسْلِمِينَ مَا سَأَلَ هَوازِنُ النبيَّ ﷺ بِرَضَاعِهِ فِيهِم فتَحَلَّلَ مِنَ المُسْلِمِينَ وَمَا كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعِدُ النَّاسَ أنْ يُعْطِيهُمْ مِنَ الفَيْءِ والأنْفَالِ مِنَ الخُمُسِ وَمَا أعْطَى الأنْصَارَ وَمَا أعْطَى جابِرَ بنَ عَبْدِ الله مِنْ تَمْرَ خَيْبَرَ)
بَاب، مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ، وَمن الدَّلِيل ... إِلَى آخِره. وَقَالَ بَعضهم: وَمن الدَّلِيل، عطف على التَّرْجَمَة الَّتِي قبل ثَمَانِيَة أَبْوَاب حَيْثُ قَالَ: الدَّلِيل على أَن الْخمس لنوائب رَسُول الله، ﷺ . وَقَالَ هُنَا: لنوائب الْمُسلمين، وَقَالَ بعد بَاب: وَمن الدَّلِيل على أَن الْخمس للْإِمَام. انْتهى. قلت: لَا وَجه لدعوى هَذَا الْعَطف الْبعيد المتخلل بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ أَبْوَاب بأحديثها، فَإِن اضْطر إِلَى القَوْل بِهَذَا لأجل الْوَاو، فَيُقَال لَهُ: هَذِه لَيْسَ بواو الْعَطف، وَإِنَّمَا مثل هَذَا يَأْتِي كثيرا بِدُونِ أَن يكون مَعْطُوفًا على شَيْء، فَيُقَال: هَذِه وَاو الاستفتاح، وَهُوَ المسموع من الأساتذة الْكِبَار، وَلما ذكر أَولا الْخمس لنوائب رَسُول الله، ﷺ ، ثمَّ ذكر لنوائب الْمُسلمين، ثمَّ ذكر أَن الْخمس للْإِمَام فطريق التَّوْفِيق بَينهَا أَن الْخمس لرَسُول الله ﷺ ثمَّ للْإِمَام بعده يَتَوَلَّاهُ مثل مَا كَانَ ﷺ يَتَوَلَّاهُ، وَأما قَوْله هُنَا: لنوائب الْمُسلمين، هُوَ أَنه لَا يكون إلَاّ مَعَ تولى النَّبِي ﷺ قسمته، وَله أَن يَأْخُذ مِنْهُ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ بِقدر كِفَايَته، وَكَذَلِكَ من يتَوَلَّى بعده، وَقَالَ بَعضهم: وَجوز الْكرْمَانِي أَن يكون كل تَرْجَمَة على وفْق مَذْهَب من الْمذَاهب، وَفِيه بعد، لِأَن أحدا لم يقل: إِن الْخمس للْمُسلمين دون النَّبِي ﷺ وَدون الإِمَام وَلَا للنَّبِي ﷺ دون الْمُسلمين، وَكَذَا للْإِمَام. انْتهى. قلت: عبارَة الْكرْمَانِي هَكَذَا. فَإِن قلت: ترْجم هَذِه الْمَسْأَلَة أَولا بقوله: وَمن الدَّلِيل على أَن الْخمس لنوائب رَسُول الله، ﷺ ، وَثَانِيا: بقوله: وَمن الدَّلِيل على أَن الْخمس لنوائب الْمُسلمين. وثالثاً: إِن الْخمس للْإِمَام، فَمَا التلفيق بَينهَا؟ قلت: الْمذَاهب فِيهِ مُخْتَلفَة، فبوب لكل مَذْهَب بَابا وَترْجم لَهُ، وَلَا تفَاوت فِي الْمَعْنى إِذْ نَوَائِب رَسُول الله، ﷺ هِيَ نَوَائِب الْمُسلمين، وَلَا شكّ أَن التَّصَرُّف فِيهِ لَهُ وَلمن يقوم مقَامه. انْتهى. قلت: قَوْله: وَلَا تفَاوت فِي الْمَعْنى، ينبىء عَن وَجه التَّوْفِيق مثل مَا ذَكرْنَاهُ، غير أَنه قَالَ: لكل مَذْهَب بَابا بِحَسب النّظر إِلَى الظَّاهِر، وَأما بِالنّظرِ إِلَى الْمَعْنى فَمَا قَالَه، على أَنا نقُول: فِي هَذَا الْبَاب مَذَاهِب. وَذكر الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَإِن لله خمسه وَلِلرَّسُولِ﴾ (الْأَنْفَال: ١٤) . قَالَ أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ: عَن الرّبيع عَن أبي الْعَالِيَة الريَاحي، قَالَ: (كَانَ رَسُول الله، ﷺ ، يُؤْتى بِالْغَنِيمَةِ فَيقسمهَا على خَمْسَة يكون أَرْبَعَة أخماسها لمن شَهِدَهَا، ثمَّ يَأْخُذ الْخمس فَيضْرب بِيَدِهِ فِيهِ، فَيَأْخُذ مِنْهُ الَّذِي قبض كَفه فَيَجْعَلهُ للكعبة، وَهُوَ سهم الله، ثمَّ يقسم مَا بَقِي على خَمْسَة أسْهم، فَيكون سهم للرسول، وَسَهْم لِذَوي الْقُرْبَى، وَسَهْم لِلْيَتَامَى
стр. 4384
وَسَهْم للْمَسَاكِين، وَسَهْم لِابْنِ السَّبِيل. وروى عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (كَانَت الْغَنِيمَة تقسم على خَمْسَة أَخْمَاس فَأَرْبَعَة مِنْهَا بَين من قَاتل عَلَيْهَا، وَخمْس وَاحِد على أَرْبَعَة أَخْمَاس: فربع لله وَلِلرَّسُولِ، فَمَا كَانَ لله وَلِلرَّسُولِ فَهُوَ لقرابة رَسُول الله، ﷺ ، وَلم يَأْخُذ النَّبِي، ﷺ ، من الْخمس شَيْئا. وروى ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ عَن عبد الله ابْن بُرَيْدَة فِي قَوْله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم﴾ (الْأَنْفَال: ١٤) . الْآيَة، قَالَ: الَّذِي لله فلنبيه، وَالَّذِي للرسول فلأزواجه. وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث عَمْرو ببن عَنْبَسَة: أَن رَسُول الله، ﷺ صلى بهم إِلَى بعير من الْمغنم، فَلَمَّا سلم أَخذ وبرة من ذَلِك الْبَعِير، ثمَّ قَالَ: وَلَا يحل لي من غنائمكم مثل هَذَا إلَاّ الْخمس، وَالْخمس مَرْدُود فِيكُم. وَقَالَ جمَاعَة: إِن الْخمس يتَصَرَّف فِيهِ الإِمَام بِالْمَصْلَحَةِ للْمُسلمين، كَمَا يتَصَرَّف فِي مَال الْفَيْء. وَقَالَت طَائِفَة: يصرف فِي مصَالح الْمُسلمين. وَقَالَت طَائِفَة: بل هُوَ مَرْدُود على بَقِيَّة الْأَصْنَاف: ذَوي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل، وَقَالَ ابْن جرير: وَهُوَ قَول جمَاعَة من أهل الْعرَاق، وَقيل: إِن الْخمس جَمِيعه لِذَوي الْقُرْبَى، كَمَا رَوَاهُ ابْن جرير: حَدثنَا الْحَارِث بن عبد الْعَزِيز حَدثنَا عبد الْغفار حَدثنَا الْمنْهَال بن عمر سَأَلت عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ وَعلي بن الْحُسَيْن عَن الْخمس، فَقَالَا: هُوَ لنا. فَقلت لعباس: إِن الله يَقُول: ﴿واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل﴾ (الْأَنْفَال: ١٤) . فَقَالَ: يتامانا ومساكيننا. قَوْله: (لنوائب الْمُسلمين) ، النوائب جمع نائبة، وَقد فسرناها بِأَنَّهَا مَا يَنُوب الْإِنْسَان من الْحَوَادِث. قَوْله: (مَا سَأَلَ) فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء وَخَبره، قَوْله: وَمن الدَّلِيل. قَوْله: (هوَازن) ، مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل سَأَلَ، وَهُوَ أَبُو قَبيلَة، وَهُوَ هوَازن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن قيس غيلَان. قَالَ الرشاطي: فِي هوَازن بطُون كَثِيرَة وأفخاذ، وَفِي خُزَاعَة أَيْضا هوَازن بن أسلم بن أفصى. قَوْله: (النَّبِي) ، مَنْصُوب بقوله: سَأَلَ. قَوْله: (برضاعة فيهم) ، أَي: بِسَبَب رضاعه ﷺ فيهم، ويروى: برضاعة، بِلَفْظ الْمصدر والتنوين، وَذَلِكَ أَن حليمة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة: السعدية الَّتِي أرضعت النَّبِي ﷺ مِنْهُم إِذْ هِيَ بنت أبي ذُؤَيْب، بِضَم الذَّال الْمُعْجَمَة: عبد الله بن الْحَارِث بن شجنة، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْجِيم وَفتح النُّون: ابْن صابر بن رزام، بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الزَّاي: ابْن ناضرة، بالنُّون وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وَالرَّاء: ابْن سعد بن بكر بن هوَازن. قَوْله: (فتحلل من الْمُسلمين) ، أَي: اسْتحلَّ من الْغَانِمين أقسامهم من هوَازن، أَو طلب النُّزُول عَن حَقهم، وَقد مر تَحْقِيقه فِي كتاب الْعتْق فِي: بَاب من ملك من الْعَرَب رَقِيقا. قَوْله: (وَمَا كَانَ) ، عطف على قَوْله: مَا سَأَلَ. قَوْله: (من الْفَيْء والأنفال) ، الْفَيْء: مَا يحصل من الْكفَّار بِغَيْر قتال، والأنفال: جمع نفل بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ مَا شَرط الْأَمِير المتعاطي خطر من مَال الْمصَالح وَهُوَ الْغَنِيمَة، هَذَا فِي اصْطِلَاح الْفُقَهَاء، وَأما فِي اللُّغَة فَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْفَيْء الْخراج وَالْغنيمَة، وَالنَّفْل الْغَنِيمَة. يُقَال: نفلته تنفيلاً أَي أَعْطيته نفلا. قَوْله: (مَا أعْطى الْأَنْصَار) عطف على قَوْله: وَمَا كَانَ. وَقَوله: (وَمَا أعْطى جَابر بن عبد الله) ، عطف على مَا قبله. قَوْله: (من تمر خَيْبَر) ، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق أَو بالثاء الْمُثَلَّثَة.
٢٣١٣ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرِ قَالَ حدَّثني اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ وزَعَمَ عُرْوَةُ أنَّ مَرْوَانَ بنَ الحَكَمِ ومِسْوَر بنَ مَخْرَمَةَ أخْبَرَاهُ أنَّ رسولَ الله، ﷺ قَالَ حِينَ جاءَهُ وفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ فَسألُوهُ أنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ أمْوَالَهُمْ وسَبْيَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ رسولُ لله ﷺ أحَبُّ الحَدِيثِ إلَيَّ أصْدَقُهُ فاخْتَارُوا إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إمَّا السَّبْيَ وإمَّا المالَ وقَدْ كُنْتُ اسْتَأنَيْتُ بِهِمْ وقَدْ كانَ رسولُ الله ﷺ انْتَظَرَ آخِرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ فلَمَّا تبَيَّنَ لَهُمْ أنَّ رسوُلَ الله ﷺ غَيْرُ رَادٍ إلَيْهِمْ إلَاّ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا فإنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنا فقامَ رسولُ الله ﷺ فِي المُسْلِمِينَ فأثْنَى على الله بِمَا هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ قالَ أمَّا بَعْدُ فإنَّ إخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ قَدْ جاؤُنا تائِبِينَ وإنِّي قَدْ رأيْتُ أنْ أرُد إلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ مَنْ أحَبَّ أنْ يُطَيِّبَ فَلْيَفْعَلْ ومَنْ أحَبَّ مِنْكُمْ أنْ يَكُونَ علَى حَظِّهِ حتَّى نُعْطِيَهُ
стр. 4385
إيَّاهُ مِنْ أوَّلِ مَا يُفِيءُ الله علَيْنَا فَلْيَفْعَلْ فقالَ النَّاسُ قد طَيَّبْنا ذَلِكَ يَا رسولَ الله لَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ رسولُ الله ﷺ إنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أذِنَ مِنْكُمْ فِي ذلِكَ مِمَّنْ لَمْ يأذَنْ فارْجَعُوا حتَّى يَرْفَعَ إلَيْنَا عُرَفَاؤكُمْ أمْرَكُمْ فرَجَعَ النَّاسُ فكَلَّمَهُمْ عُرَفَاءُهُم ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رسولِ الله ﷺ فأخْبَرُوهُ أنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا فأذِنُوا فَهَذَا الَّذِي بلَغَنا عنْ سَبْيِ هَوَازِنَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: وَمن الدَّلِيل، إِلَى قَوْله: فتحلل من الْمُسلمين.
والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الْعتْق فِي: بَاب من ملك من الْعَرَب رَقِيقا، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن ابْن أبي مَرْيَم عَن اللَّيْث ... إِلَى آخِره نَحوه، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً.
قَوْله: (اسْتَأْنَيْت) أَي: انتظرت، والعرفاء جمع عريف وَهُوَ الْقَائِم بِأُمُور الْقَوْم المتعرف لأحوالهم. قَوْله: (فَهَذَا الَّذِي بلغنَا) من كَلَام ابْن شهَاب، وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
٣٣١٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ قَالَ حدَّثنا أيُّوبُ عنْ أبِي قِلَابَةَ قالَ وحدَّثني القاسِمُ بنُ عاصِمٍ الكُلَيْبِيُّ وَأَنا لِحَدِيثِ القاسِمِ أحْفَظُ عنْ زَهْدَمٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ أبِي مُوسَى فأتَى ذِكْرُ دَجاجَةٍ وعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ الله أحْمَرُ كأنَّهُ مِنَ المَوَالِي فَدَعَاهُ للطَّعَامِ فَقَالَ إنِّي رأيْتُهُ يأكُلُ شَيْئاً فَقَذِرْتُهُ فحَلَفْتُ لَا آكُلُ فقالَ هَلُمَّ فَلأُحَدِّثْكُمْ عنْ ذَاكَ إنِّي أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ فَقالَ وَالله لَا أحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي مَا أحْمِلُكُمْ وأتِيَ رسولُ الله ﷺ بِنَهْبِ إبِلٍ فَسألَ عَنَّا فَقَالَ أيْنَ النَّفَر الأشْعَرِيُّونَ فأمَرَ لَنا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى فلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا مَا صَنَعْنَا لَا يُبَارَكُ لَنَا فرَجَعْنَا إلَيْهِ فَقُلْنَا إنَّا سألْنَاكَ أنْ تَحْمِلَنَا فَحَلَفْتَ أنْ لَا تَحْمِلَنَا أفَنَسِيتَ قَالَ لَسْتُ أَنا حَمَلْتُكُمْ ولَكِنَّ الله حَمَلَكُمْ وإنِّي وَالله إنْ شاءَ الله لَا أحْلِفُ علَى يَمِينٍ فأرَى غَيْرَهَا خَيْرَاً مِنْهَا إلَاّ أتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وتَحَلَّلْتُهَا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة وَهِي قَوْله: وَمَا كَانَ النَّبِي ... إِلَى قَوْله: (من الْخمس) تُؤْخَذ من قَوْله: (وأتى رَسُول الله، ﷺ بِنَهْب إبل) إِلَى آخِره.
وَعبد الله بن عبد الْوَهَّاب أَبُو مُحَمَّد الحَجبي الْبَصْرِيّ، وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ، وَأَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف: عبد الله ابْن زيد الْجرْمِي الْبَصْرِيّ، وَالقَاسِم بن عَاصِم التَّمِيمِي الكليبي مَنْسُوب إِلَى مصغر الْكَلْب الْبَصْرِيّ، وزهدم، بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْهَاء وَفتح الدَّال الْمُهْملَة: ابْن مضرب من التضريب بالضاد الْمُعْجَمَة الْجرْمِي الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، وَهَؤُلَاء كلهم بصريون وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عبد الله بن قيس.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي التَّوْحِيد عَن عبد الله بن عبد الْوَهَّاب أَيْضا وَفِي النذور عَن قُتَيْبَة وَفِي الذَّبَائِح وَفِي النذور أَيْضا عَن أبي معمر وَفِي كَفَّارَات الْأَيْمَان عَن عَليّ بن حجر وَفِي الْمَغَازِي عَن أبي نعيم وَفِي الذَّبَائِح عَن يحيى عَن وَكِيع. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي وَعَن ابْن أبي عمر وَعَن عَليّ بن حجر وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَمُحَمّد بن عبد الله بن نمير وَعَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان وَعَن شَيبَان ابْن فروخ، وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَطْعِمَة عَن هناد بِبَعْضِه وَعَن زيد بن أحرم فِي الشَّمَائِل عَن عَليّ بن حجر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّيْد عَن عَليّ بن حجر وَعَن مُحَمَّد بن مَنْصُور وَفِي النذور عَن قُتَيْبَة.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وحَدثني الْقَاسِم) ، الْقَائِل هُوَ أَيُّوب، بَين ذَلِك عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَيْمَان
стр. 4386
وَالنُّذُور. وَقَوله: (أحفظ) ، يَعْنِي من أبي قلَابَة، وَقَالَ الكلاباذي: الْقَاسِم وَأَبُو قلَابَة كِلَاهُمَا حَدثا عَن زَهْدَم، وروى أَيُّوب عَن الْقَاسِم مَقْرُونا بِأبي قلَابَة فِي الْخمس. قَوْله: (فَأتى ذكر دجَاجَة) ، كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، فَأتى، بِصِيغَة الْمَاضِي من الْإِتْيَان، وَلَفظ: ذكر، بِكَسْر الذَّال وَسُكُون الْكَاف، ودجاجة بِالْجَرِّ والتنوين على الْإِضَافَة، وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، فَأتي، بِصِيغَة الْمَجْهُول و: ذكر، بِفتْحَتَيْنِ على صِيغَة الْمَاضِي، و: دجَاجَة بِالنّصب والتنوين على المفعولية. وَفِي النذور، فَأتى بِطَعَام فِيهِ دَجَاج، وَفِي رِوَايَة مُسلم: فدعي بمائدة وَعَلَيْهَا لحم دَجَاج، وَفِي لفظ عَن زَهْدَم الْجرْمِي: دخلت على أبي مُوسَى وَهُوَ يَأْكُل لحم دَجَاج، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَن زَهْدَم، قَالَ: دخلت على أبي مُوسَى وَهُوَ يَأْكُل دجَاجَة، فَقَالَ: أدنُ فكُلْ فَإِنِّي رَأَيْت رَسُول الله، ﷺ يَأْكُلهُ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن. والدجاجة، بِفَتْح الدَّال وَكسرهَا، وهما لُغَتَانِ مشهورتان، وَحكى فِيهِ أَيْضا ضمهَا، وَهِي لُغَة ضَعِيفَة. قَالَ الدَّاودِيّ: اسْم الدَّجَاجَة يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَلَا أَدْرِي من أَيْن أَخذه. قلت: قَالَه أهل اللُّغَة، وَالتَّاء فِيهِ للْفرق بَين الْجِنْس ومفرده. قَوْله: (وَعِنْده رجل من بني تيم الله) وَالرجل، وتيم الله، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: وَهُوَ نِسْبَة إِلَى بطن من بني بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة، وَمعنى: تيم الله: عبد الله. قَوْله: (أَحْمَر) ، مُقَابل الْأسود وَهُوَ صفة لرجل. قَوْله: (كَأَنَّهُ من الموالى) ، يَعْنِي: من سبي الرّوم. قَوْله: (فقذرته) ، بِالْقَافِ والذال الْمُعْجَمَة وَالرَّاء، قَالَ ابْن فَارس: قذرت الشَّيْء: أَي كرهته. قَوْله: (هَلُمَّ) أَي: تعال، وَفِيه لُغَتَانِ فَأهل الْحجاز يطلقونه على الْوَاحِد والإثنين وَالْجمع والمؤنث بِلَفْظ وَاحِد مَبْنِيّ على الْفَتْح، وَبَنُو تَمِيم تثنى وَتجمع وتؤنث، فَتَقول: هَلُمَّ هلما هلموا، هَلُمِّي هلما هلمن. قَوْله: (فلأحدثكم عَن ذَلِك) يَعْنِي عَن الْحلف. قَوْله: (فِي نفر) ، النَّفر: رَهْط الْإِنْسَان وعشيرته وَهُوَ اسْم جمع يَقع على جمَاعَة من الرِّجَال خَاصَّة مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، والرهط عشيرة الرجل وَأَهله، والرهط من الرِّجَال مَا دون الْعشْرَة، وَقيل: إِلَى الْأَرْبَعين وَلَا يكون فيهم امْرَأَة، وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَيجمع على: أرهط وأرهاط وأراهط، جمع الْجمع قَوْله: (من الْأَشْعَرِيين) جمع أشعري نِسْبَة إِلَى الْأَشْعر، وَهُوَ نبت بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان. قَوْله: (نستحمله) ، أَي: نسْأَل مِنْهُ أَن يحملنا، يَعْنِي أَرَادوا مَا يركبون عَلَيْهِ من الْإِبِل ويحملون عَلَيْهَا. قَوْله: (وَأتي رَسُول الله، ﷺ أَي: على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (بِنَهْب إبل) النهب الْغَنِيمَة. قَوْله: (ذود) بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو وَفِي آخِره دَال مُهْملَة، وَهُوَ من الْإِبِل مَا بَين الثَّلَاث إِلَى الْعشْرَة. قَوْله: (غر الذرى) الغر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء: جمع أغر، وَهُوَ الْأَبْيَض، و: الذرى، بِضَم الذَّال الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء مَقْصُورا، جمع ذرْوَة، وذروة كل شَيْء أَعْلَاهُ يُرِيد: أَنَّهَا ذَوُو الأسنمة الْبيض من سمنهن وَكَثْرَة شحومهن. قَوْله: (أفنسيت؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (وَلَكِن الله حملكم) ، قَالَ الْخطابِيّ: هَذَا يحْتَمل وُجُوهًا: أَن يُرِيد بِهِ إِزَالَة الْمِنَّة عَلَيْهِم وَإِضَافَة النِّعْمَة فِيهَا إِلَى الله تَعَالَى، أَو أَنه نسي، وَالنَّاسِي بِمَنْزِلَة الْمُضْطَر، وَفعله قد يُضَاف إِلَى الله تَعَالَى، كَمَا فِي الصَّائِم إِذا أكل نَاسِيا فَإِن الله أطْعمهُ وسقاه، أَو أَن الله حملكم حِين سَاق هَذَا النهب ورزق هَذِه الْغَنِيمَة، أَو أَنه نوى فِي ضَمِيره إلَاّ أَن يرِدَ عَلَيْهِ مَال فِي ثَانِي الْحَال فيحملهم عَلَيْهِ. قَوْله: (وتحللتها) من التَّحَلُّل، وَهُوَ التفضي من عُهْدَة الْيَمين وَالْخُرُوج من حرمتهَا إِلَى مَا يحل لَهُ مِنْهَا، وَهُوَ: إِمَّا بِالِاسْتِثْنَاءِ مَعَ الِاعْتِقَاد، وَإِمَّا بِالْكَفَّارَةِ.
وَفِي هَذَا الحَدِيث: دلَالَة على أَن من حلف على فعل شَيْء أَو تَركه وَكَانَ الْحِنْث خيرا من التَّمَادِي على الْيَمين اسْتحبَّ لَهُ الْحِنْث، وَتلْزَمهُ الْكَفَّارَة وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ. وَأَجْمعُوا على أَنه: لَا تجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة قبل الْحِنْث، وعَلى أَنه يجوز تَأْخِيرهَا عَن الْحِنْث، وعَلى أَنه لَا يجوز تَقْدِيمهَا قبل الْيَمين. وَاخْتلفُوا فِي جَوَازهَا بعد الْيَمين، وَقبل الْحِنْث، فجوزها مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ، وَاسْتثنى الشَّافِعِي التَّكْفِير بِالصَّوْمِ، فَقَالَ: لَا يجوز قبل الْحِنْث، وَأما التَّكْفِير بِالْمَالِ فَيجوز، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَأَشْهَب الْمَالِكِي: لَا يجوز تَقْدِيم الْكَفَّارَة على الْحِنْث بِكُل حَال. وَفِيه: أَنه لَا بَأْس بِدُخُول الرجل على الرجل فِي حَال أكله، لَكِن إِنَّمَا يحسن ذَلِك إِذا كَانَ بَينهمَا صداقة مُؤَكدَة. وَفِيه: استدناء صَاحب الطَّعَام للداخل عَلَيْهِ فِي حَال أكله ودعوته للطعام، وَهُوَ مَشْرُوع متأكد سَوَاء كَانَ الطَّعَام قَلِيلا أَو كثيرا، وَطَعَام الْوَاحِد يَكْفِي الْإِثْنَيْنِ، وَطَعَام الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَة، وَطَعَام الْأَرْبَعَة يَكْفِي الثَّمَانِية، واجتماع الْجَمَاعَة على الطَّعَام مُقْتَض لحُصُول الْبركَة فِيهِ. وَفِيه: جَوَاز
стр. 4387
أكل الدَّجَاج، وَهُوَ مجمع عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي الْجَلالَة مِنْهُ: هَل يكره أكلهَا أَو يحرم؟ وروى ابْن عدي فِي (الْكَامِل) من حَدِيث نَافِع عَن ابْن عمر: أَن رَسُول الله، ﷺ ، كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يَأْكُل دجَاجَة أَمر بهَا فَربطت أَيَّامًا، ثمَّ يأكلها بعد ذَلِك.
٤٣١٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِك عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسولَ الله ﷺ بعَثَ سَرِيَّةً فِيها عَبْدُ الله ابنُ عُمَرَ قِبَلَ نَجْدٍ فغَنِمُوا إبِلاً كَثِيراً فَكانَتْ سِهَامُهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيراً أوْ أحَدَ عشَرَ بَعِيراً ونُفِّلُوا بَعِيراً بَعِيراً. (الحَدِيث ٤٣١٣ طرفه فِي: ٨٣٣٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ونُفِّلُوا) على صِيغَة الْمَجْهُول من التَّنْفِيل وَهُوَ الْإِعْطَاء لُغَة، وَقَالَ الْخطابِيّ: التَّنْفِيل عَطِيَّة يخص بهَا الإِمَام من أبلى بلَاء حسنا، وسعى سعياً جميلاً كالسلب، إِنَّمَا يعْطى للْقَاتِل كالقتالة وكفايته. قَوْله: (بعث سَرِيَّة) وَهِي طَائِفَة من الْجَيْش يبلغ أقصاها أَرْبَعمِائَة تبْعَث إِلَى الْعَدو. قَوْله: (فِيهَا عبد الله) ، وَهُوَ عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَصرح بذلك مُسلم فِي رِوَايَته فَإِنَّهُ أخرجه فِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن يحيى. قَالَ: قَرَأت على مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر، (قَالَ: بعث النَّبِي ﷺ سَرِيَّة وَأَنا فيهم قِبَلَ نجدٍ، فغنموا إبِلا كَثِيرَة، فَكَانَت سِهَامهمْ اثْنَي عشر بَعِيرًا، أَو أحد عشر بَعِيرًا، ونفلوا بَعِيرًا بَعِيرًا) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن القعْنبِي عَن مَالك وَعَن القعْنبِي وَابْن موهب كِلَاهُمَا عَن اللَّيْث عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر: أَن رَسُول الله، ﷺ بعث سَرِيَّة فِيهَا عبد الله بن عمر قِبَل نجد ... الحَدِيث. وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ عَن مُحَمَّد بن خُزَيْمَة عَن يُوسُف بن عدي عَن ابْن الْمُبَارك عَن عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن رَسُول الله، ﷺ بعث سَرِيَّة فِيهَا ابْن عمر فغنموا غَنَائِم كَثِيرَة، فَكَانَت غنائمهم لكل إِنْسَان اثْنَي عشر بَعِيرًا، أَو نفل كل إِنْسَان مِنْهُم بَعِيرًا بَعِيرًا سوى ذَلِك.
قَوْله: (قبل نجد) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: أَي نَاحيَة نجد وجهتها، والنجد، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْجِيم: وَهُوَ اسْم خَاص لما دون الْحجاز مِمَّا يَلِي الْعرَاق، وَرُوِيَ أَن هَذِه السّريَّة كَانُوا عشرَة فغنموا مائَة وَخمسين بَعِيرًا، فَأخذ رَسُول الله، ﷺ مِنْهَا ثَلَاثِينَ، وَأخذُوا هم عشْرين وَمِائَة، وَأخذ كل وَاحِد مِنْهَا اثْنَي عشر بَعِيرًا وَنفل بَعِيرًا. قَوْله: (فغنموا إبِلا كَثِيرَة) وَفِي رِوَايَة لمُسلم: فأصبنا إبِلا وَغنما. قَوْله: (فَكَانَت سِهَامهمْ) ، أَي: أنصباؤهم اثْنَي عشر بَعِيرًا وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ أسْهم لكل وَاحِد مِنْهُم، وَقد قيل: مَعْنَاهُ سَهْمَان جَمِيع الْغَانِمين إثني عشر بَعِيرًا، وَهَذَا غلط، وَقد جَاءَ فِي بعض رِوَايَات أبي دَاوُد وَغَيره: أَن الإثني عشر بَعِيرًا كَانَت سَهْمَان كل وَاحِد من الْجَيْش والسرية، وَنفل السّريَّة سوى هَذَا بَعِيرًا. قَوْله: (أَو أحد عشر) قَالَ ابْن عبد الْبر: اتّفق جمَاعَة رُوَاة (الْمُوَطَّأ) على أَن رِوَايَته بِالشَّكِّ إلَاّ الْوَلِيد بن مُسلم، فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَن شُعَيْب وَمَالك فَلم يشك، وَكَأَنَّهُ حمل رِوَايَة مَالك على رِوَايَة شُعَيْب، وَكَذَا أخرج أَبُو دَاوُد عَن القعْنبِي عَن مَالك وَاللَّيْث بِغَيْر شكّ، وَقَالَ أَبُو عمر: قَالَ سَائِر أَصْحَاب نَافِع: إثني عشر بَعِيرًا، بِغَيْر شكّ، وَلم يَقع الشَّك فِيهِ. قَوْله: (ونُفِّلوا) ، على صِيغَة الْمَجْهُول كَمَا ذكرنَا، وَفِي رِوَايَة: فنفلوا بَعِيرًا، فَلم يُغَيِّرهُ رَسُول الله، ﷺ ، وَفِي رِوَايَة: ونفلنا رَسُول الله، ﷺ ، وَالْجمع بَين هَذِه الرِّوَايَات: أَن أَمِير السّريَّة نفلهم فَأَجَازَهُ رَسُول الله، ﷺ فَيجوز نسبته إِلَى كل مِنْهُمَا.
وَاحْتج بِهَذَا الحَدِيث سعيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق فِي جَوَاز التَّنْفِيل بعد سِهَامهمْ، قَالُوا: هَذَا ابْن عمر يخبر أَنهم قد نفلوا بعد سِهَامهمْ بَعِيرًا بَعِيرًا، فَلم يُنكر ذَلِك النَّبِي ﷺ . وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَاخْتلفُوا فِي مَحل النَّفْل، هَل هُوَ من أصل الْغَنِيمَة؟ أَو من أَرْبَعَة أخماسها؟ أم من خمس الْخمس؟ وَهِي ثَلَاثَة أَقْوَال للشَّافِعِيّ، وَبِكُل مِنْهَا قَالَ جمَاعَة من الْعلمَاء، وَالأَصَح عندنَا أَنه من خمس الْخمس، وَبِه قَالَ ابْن الْمسيب وَمَالك وَأَبُو حنيفَة وَآخَرُونَ. وَمِمَّنْ قَالَ: إِنَّه من أصل الْغَنِيمَة الْحسن الْبَصْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَأَبُو ثَوْر وَآخَرُونَ، وَأَجَازَ النَّخعِيّ أَن تنفل السّريَّة جَمِيع مَا غنمت دون بَاقِي الْجَيْش، وَهُوَ خلاف مَا قَالَه الْعلمَاء كَافَّة.
٥٣١٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ أخْبَرَنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سالِمٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسُولَ الله ﷺ كانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يبْعَثُ مِنْ
стр. 4388
السَّرَايَا لأِنْفُسِهِمْ خاصَّةٌ سِوَى قِسْمِ عامَّةِ الجَيْشِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن عبد الْملك عَن شُعَيْب ابْن اللَّيْث عَن أَبِيه عَن جده بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن عبد الْملك بِهِ وَعَن حجاج بن أبي يَعْقُوب عَن حُصَيْن بن الْمثنى عَن اللَّيْث بِهِ.
وَفِيه: دَلِيل على أَن لَا نفل إِلَّا بعد الْخمس، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من حَدِيث معن بن يزِيد السّلمِيّ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله، ﷺ يَقُول لَا نفل إلَاّ بعد الْخمس، قَالَ الطَّحَاوِيّ: مَعْنَاهُ حَتَّى يقسم الْخمس، فَإِذا قسم الْخمس انْفَرد حق الْمُقَاتلَة وَهِي أَرْبَعَة أَخْمَاس، فَكَانَ ذَلِك النَّفْل الَّذِي ينفلهُ الإِمَام من بعد أَن آثر أَن يفعل ذَلِك من الْخمس لَا من الْأَرْبَعَة الْأَخْمَاس الَّتِي هِيَ حق الْمُقَاتلَة.
٦٣١٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلَاءِ قَالَ حدَّثنا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ حدَّثنا بُرَيْدُ ابنُ عَبْدِ الله عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوسَى رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ بلَغَنَا مَخْرَجُ النَّبِيِّ ﷺ ونَحْنُ بالْيَمَنِ فَخَرَجْنَا مُهَاجِرِينَ إلَيْهِ أَنا وأخَوَانِ لِي أَنا أصْغَرُهُمْ أحَدُهُمَا أَبُو بُرْدَةَ والآخرُ أَبُو رُهْمٍ إمَّا قالَ فِي بِضْعٍ وإمَّا قالَ فِي ثَلاثَةٍ وخَمْسِينَ أوِ اثْنَيْنِ وخَمْسِينَ رَجُلاً مِنْ قَوْمِي فرَكِبْنَا سَفِينَةً فألْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ بالحَبَشَةِ ووَافَقْنَا جَعْفَرَ بنَ أبِي طالِبٍ وأصْحَابَهُ عِنْدَهُ فَقَالَ جَعْفَرٌ إنَّ رَسُولَ الله ﷺ بَعَثَنَا هاهُنا وأمَرَنا بالإقَامَةِ فأقِيمُوا مَعَنا فأقَمْنا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا جَمِيعاً فَوَافَقْنا النبِيَّ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ خَبِير فأسْهَمَ لَنَا أوْ قَالَ فأعْطَانا مِنْها وَمَا قَسَمَ لأحَدٍ غابَ عنْ فَتْحِ خَيْبَرَ مِنْها شَيْئاً إلَاّ لِمَنْ شَهِدَ مَعَهُ إلَاّ أصْحَابَ سَفِينَتِنَا مَعَ جَعْفَرٍ وأصْحَابِهِ قَسَمَ لَهُمْ مَعَهُمْ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَأَسْهم لنا) إِلَى آخِره، وبريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله بن أبي بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، يكنى أَبَا بردة الْكُوفِي يروي عَن جده أبي بردة واسْمه عَامر، وَقيل: الْحَارِث وَهُوَ يروي عَن أَبِيه أبي مُوسَى عبد الله بن قيس.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ مقطعاً فِي الْخمس، وَفِي هِجْرَة الْحَبَشَة وَفِي الْمَغَازِي عَن أبي كريب. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي كريب وَأبي عَامر عبد الله بن براد، كِلَاهُمَا عَن أبي أُسَامَة عَنهُ بِهِ.
قَوْله: (مخرج النَّبِي ﷺ ، لفظ مخرج مصدر ميمي بِمَعْنى الْخُرُوج مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل بلغنَا، وَهُوَ بِفَتْح الْغَيْن، وَالْوَاو فِي (وَنحن بِالْيمن) للْحَال. قَوْله: (مُهَاجِرين) ، نصب على الْحَال. قَوْله: (أَبُو بردة) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة واسْمه عَامر بن قيس الْأَشْعَرِيّ، وَقَالَ أَبُو عمر: حَدِيثه عَن النَّبِي ﷺ : أللهم إجعل فنَاء أمتِي بالطعن والطاعون. قَوْله: (أَبُو رهم) ، بِضَم الرَّاء ابْن قيس الْأَشْعَرِيّ، وَقَالَ أَبُو عمر: كَانُوا أَربع إخْوَة: أَبُو مُوسَى وَأَبُو بردة وَأَبُو رهم ومجدي، وَقيل: أَبُو رهم اسْمه مجدي بَنو قيس ابْن سليم بن حضار بن حَرْب بن غنم بن عدي بن وَائِل بن نَاجِية بن جماهر بن الْأَشْعر بن أدد بن زيد.
قَالَت الْعلمَاء: فِي معنى هَذَا الحَدِيث تأويلات: أَحدهَا: مَا روى عَن مُوسَى بن عقبَة أَن رَسُول الله، ﷺ ، استطاب قُلُوب الْغَانِمين بِمَا أَعْطَاهُم، كَمَا فعل فِي سبي هوَازن. الثَّانِي: إِنَّمَا أَعْطَاهُم مِمَّا لم يفتح بِقِتَال. الثَّالِث: إِنَّمَا أَعْطَاهُم من الْخمس الَّذِي حكمه حكم الْفَيْء، وَله أَن يَضَعهُ بِاجْتِهَادِهِ حَيْثُ شَاءَ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ميل البُخَارِيّ إِلَى الْأَخير بِدَلِيل التَّرْجَمَة، وبدليل أَنه لم ينْقل أَنه اسْتَأْذن من المقاتلين.
٧٣١٣ - حدَّثنا عَلِيٌّ قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْمُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعَ جابِراً رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ لَوْ قدْ جاءَنِي مالُ الْبَحْرَيْنِ لَقَدْ أعْطَيْتُكَ هاكَذَا وهاكَذَا وهاكَذَا فَلَمْ يَجِىءْ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ فلَمَّا جاءَ مالُ البَحْرَيْنِ أمَرَ أَبُو
стр. 4389
بَكْرٍ مُنَادِيَاً فَنادَى مَنْ كانَ لَهُ عِنْدَ رسُولِ الله ﷺ دَيْنٌ أوْ عدَةٌ فلْيَأْتِنَا فأتَيْتُهُ فقُلْتُ إنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ لي كَذَا وكذَا فَحَثا لِي ثَلاثاً وجعَلَ سُفْيَانُ يَحْثُو بِكَفَّيْهِ جَمِيعاً ثُمَّ قَالَ لَنَا هَكَذَا قَالَ لَنَا ابنُ الْمُنْكَدِرِ وَقَالَ مَرَّةً فأتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَسَألْتُ فلَمْ تُعْطِنِي أَتَيْته فَلم يُعْطِنِي ثمَّ أَتَيْته الثَّالِثَة فَقلت سَأَلتك فَلم تعطني ثُمَّ سألْتُكَ فَلَمْ تُعْطِنِي فإمَّا أنْ تُعْطِينِي وإمَّا أنْ تَبْخَلَ عَنِّي قَالَ قُلْتُ تَبْخَلُ علَيَّ مَا مَنَعْتُكِ مِنْ مَرَّةٍ إلَاّ وَأَنا أُرِيدُ أنْ أُعْطِيَكَ. قَالَ سُفْيَانُ وحدَّثنا عَمْرٌ وعنْ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ عنْ جابِرٍ فَحَثَا لي حَثْيَةً وَقَالَ عُدَّهَا فوَجَدْتُهَا خَمْسَمِائَةٍ قَالَ فَخُذْ مِثْلَهَا مَرَّتَيْنِ وَقَالَ يَعْنِي ابنُ الْمُنْكَدِرِ وأيُّ داءٍ أدُوأا مِنَ البُخْلِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (من كَانَ لَهُ عِنْد رَسُول الله، ﷺ دين أَو عدَّة) وَقد مر فِي التَّرْجَمَة، وَمَا كَانَ النَّبِي ﷺ ، يعد النَّاس أَن يعطيهم من الْفَيْء والأنفال من الْخمس.
وَعلي شَيْخه هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة.
والْحَدِيث مر بالسند الأول بِعَيْنِه فِي كتاب الْهِبَة فِي: بَاب إِذا واهب هبة أَو وعد ثمَّ مَاتَ، إِلَى قَوْله: فَحثى لي ثَلَاثًا، بِدُونِ الزِّيَادَة الَّتِي بعده، وَتَقَدَّمت رِوَايَة سُفْيَان عَن عَمْرو هُوَ ابْن دِينَار عَن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ فِي كتاب الْكفَالَة فِي: بَاب من تكفل عَن ميت دينا، وَفِي كتاب الشَّهَادَات فِي: بَاب من أَمر بإنجاز الْوَعْد، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى عَن هِشَام عَن ابْن جريج عَن عَمْرو بن دِينَار عَن مُحَمَّد بن عَليّ عَن جَابر ... الحَدِيث.
قَوْله: (فَلَمَّا جَاءَ مَال الْبَحْرين) أرْسلهُ الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ. قَوْله: (أَو عدَّة) ، أَي: وعد. قَوْله: (منادياً) قيل: يحْتَمل أَن يكون بِلَالًا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (فَحثى لي ثَلَاثًا) ، أَي: ثَلَاث حثيات، من حثى يحثي، وَمن حثا يحثو، لُغَتَانِ، الحثية مَا يمْلَأ الْكَفّ، والحفنة مَا يمْلَأ الْكَفَّيْنِ، وَذكر أَبُو عبيد أَنَّهُمَا بِمَعْنى. قَوْله: (تبخل) ، بِفَتْح الْخَاء ويروى: تبخل، بتَشْديد الْخَاء أَي: تنْسب إِلَى الْبُخْل. قَوْله: (عني) أَي: من جهتي. قَوْله: (مَا منعتك من مرّة إلَاّ وَأَنا أُرِيد أَن أُعْطِيك) ، فَإِن قلت: إِذا كَانَ يُرِيد أَن يُعْطِيهِ فلِمَ مَنعه؟ قلت: لَعَلَّه منع الْإِعْطَاء فِي الْحَال لمَانع أَو لأمر أهم من ذَلِك، أَو لِئَلَّا يحرص على الطّلب، أَو لِئَلَّا يزدحم النَّاس عَلَيْهِ، وَلم يرد بِهِ الْمَنْع الْكُلِّي على الْإِطْلَاق. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) ، هُوَ مُتَّصِل بالسند الْمَذْكُور. قَوْله: (أَدّوا) ، قَالَ القَاضِي عِيَاض: رَوَاهُ المحدثون غير مَهْمُوز من: دوى الرجل، إِذا كَانَ بِهِ مرض فِي جَوْفه، وَالصَّوَاب الْهَمْز لِأَنَّهُ من الدَّاء.
٨٣١٣ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا قُرَّةَ بنُ خَالِدٍ قَالَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ دِينارٍ عنْ جابرِ بنِ عبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ بَيْنَما رسولُ الله ﷺ يَقْسِمُ غَنِيمَةً بالجِعْرَانَةِ إذْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ اعْدِلْ فقَالَ لَهُ شَقِيتَ إنْ لَمْ أعْدِلْ.
لَا يُمكن تَوْجِيه وَجه الْمُطَابقَة بَين حَدِيث الْبَاب وَبَين التَّرْجَمَة إلَاّ بِأَن يُقَال: لما كَانَ التَّصَرُّف فِي الْفَيْء والأنفال والغنائم والأخماس للنَّبِي ﷺ ، وَفِي الحَدِيث ذكر قسْمَة الْغَنِيمَة، وَفِي التَّرْجَمَة مَا يدل على هَذَا، حصلت الْمُطَابقَة من هَذَا الْوَجْه، وَإِن كَانَ فِيهِ بعض التعسف.
وقرة، بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الرَّاء: هُوَ ابْن خَالِد أَبُو مُحَمَّد السدُوسِي الْبَصْرِيّ، وَقد مر تَفْسِير الْجِعِرَّانَة، غير مرّة أَنه مَوضِع قريب من مَكَّة، وَهِي فِي الْحل وميقات الْإِحْرَام، وَهِي بتسكين الْعين وَالتَّخْفِيف وَقد تكسر وتشدد الرَّاء، وَكَانَت الْقِسْمَة بالجعرانة قسْمَة غَنَائِم هوَازن، وَكَانَت الْغَنِيمَة سِتَّة آلَاف من الذَّرَارِي وَالنِّسَاء وَمن الْإِبِل وَالشَّاء مَا لَا يدرى عدته، وَيُقَال: عدَّة الْإِبِل أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألف بعير، وعدة الْغنم أَكثر من أَرْبَعِينَ ألف شَاة، وَمن الْفضة أَرْبَعَة آلَاف أُوقِيَّة، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: أصَاب كلَّ راجل أربعٌ مِن الْإِبِل وَأَرْبَعُونَ شَاة، وَعَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن
стр. 4390
رَافع بن خديج أَن رَسُول الله، ﷺ أعْطى الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم من سبي حنين مائَة من الْإِبِل، فَأعْطى أَبَا سُفْيَان بن حَرْب مائَة، وَصَفوَان بن أُميَّة مائَة وعيينة بن حُصَيْن مائَة، والأقرع بن حَابِس مائَة، وعلقمة بن غلاثة مائَة، وَمَالك بن عَوْف مائَة، وَالْعَبَّاس ابْن مرادس دون الْمِائَة، وقصتهم مَشْهُورَة.
قَوْله: (إِذْ قَالَ) ، جَوَاب: بَينا، وَالرجل الَّذِي قَالَ لَهُ: إعدل، دو الْخوَيْصِرَة التَّمِيمِي كَمَا ذكره ابْن إِسْحَاق، رجل من بني تَمِيم، وَفِي رِوَايَة قَالَ: هَذِه قسْمَة مَا أُرِيد بهَا وَجه الله، وَسَيَأْتِي حَدِيث أبي سعيد مطولا قَالَ: بَيْنَمَا نَحن عِنْد رَسُول الله، ﷺ وَهُوَ يقسم إِذا أَتَاهُ ذُو الْخوَيْصِرَة، رجل من بني تَمِيم، فَقَالَ: يَا رَسُول الله إعدل. . الحَدِيث. قَوْله: (فَقَالَ لَهُ) ، أَي: فَقَالَ رَسُول الله، ﷺ للرجل: شقيت إِن لم أعدل، وشقيت، بِضَم التَّاء فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَمَعْنَاهُ ظَاهر وَلَا مَحْذُور فِيهِ، وَالشّرط لَا يسْتَلْزم الْوُقُوع لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّن لَا يعدل حَتَّى يحصل لَهُ الشَّقَاء، بل هُوَ عَادل فَلَا يشقى، وَحكى القَاضِي عِيَاض فتح التَّاء على الْخطاب، وَرجحه النَّوَوِيّ، وَالْمعْنَى على هَذَا: لقد ضللت أَنْت أَيهَا التَّابِع حَيْثُ تقتدي بِمن لَا يعدل، أَو حَيْثُ تعتقد ذَلِك فِي نبيك هَذَا القَوْل الَّذِي لَا يصدر عَن مُؤمن، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: ذُو الْخوَيْصِرَة الْقَائِل، فَقَالَ: يَا رَسُول الله إعدل، يُقَال هُوَ: حرقوص بن زُهَيْر رَأس الْخَوَارِج، قتل فِي الْخَوَارِج يَوْم النَّهر.
٦١ - (بابُ مَا مَنَّ النَّبِيُّ ﷺ علَى الأُسَارَى مِنْ غَيْرِ أنْ يُخَمِّسَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا مِنْهُ النَّبِي ﷺ ، على الْأُسَارَى من غير تخميس، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَنه، ﷺ ، لَهُ أَن يتَصَرَّف فِي الْغَنِيمَة بِمَا يرَاهُ مصلحَة، فَتَارَة ينفل من رَأس الْغَنِيمَة، وَتارَة من الْخمس، وَتارَة يمن بِلَا تخميس، يَعْنِي بِغَيْر فدَاء.
٩٣١٣ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ مُحَمَّدِ ابنِ جُبَيْرٍ عنْ أبِيهِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي أُسَارى بَدْرٍ لَوْ كانَ المطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ حيَّاً ثُمَّ كلَّمَنِي فِي هاؤلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم من معنى الحَدِيث. وَإِسْحَاق بن مَنْصُور شيخ البُخَارِيّ صرح أَصْحَاب الْأَطْرَاف إِنَّه إِسْحَاق ابْن مَنْصُور بن بهْرَام الكوسج أَبُو يَعْقُوب الْمروزِي، وَكَذَا ذكره فِي الْمَغَازِي، فَقَالَ: حَدثنِي إِسْحَاق بن مَنْصُور حَدثنَا عبد الرَّزَّاق وَرَوَاهُ أَبُو نعيم عَن الطَّبَرَانِيّ حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم أخبرنَا عبد الرَّزَّاق، وَلما رَوَاهُ فِي الْمَغَازِي، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد ابْن مكي حَدثنَا الْفربرِي حَدثنَا البُخَارِيّ حَدثنَا إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن عبد الرَّزَّاق، وَكَذَا هُوَ فِي بعض نسخ المغاربة أَنه ابْن مَنْصُور، وَجبير، بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة مصغر الْجَبْر أسلم قبل الْفَتْح وَمَات بِالْمَدِينَةِ، وَأَبوهُ مطعم بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من الْإِطْعَام ابْن عدي بن نَوْفَل بن عبد منَاف الْقرشِي، مَاتَ كَافِرًا فِي صفر قبل بدر بِنَحْوِ سَبْعَة أشهر، وَكَانَ قد أحسن السَّعْي فِي نقض الصَّحِيفَة الَّتِي كتبهَا قُرَيْش فِي أَن لَا يبايعوا الهاشمية والمطلبية، وَلَا يناكحوهم وحصروهم فِي الشّعب ثَلَاث سِنِين، فَأَرَادَ النَّبِي ﷺ ، أَن يكافيه، وَقيل: لما مَاتَ أَبُو طَالب وَخَدِيجَة خرج رَسُول الله، ﷺ ، إِلَى الطَّائِف فَلم يلق عِنْدهم خيرا، وَرجع إِلَى مَكَّة فِي جوَار الْمطعم.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَقَالَ الْمزي: أخرجه فِي الْخمس عَن إِسْحَاق وَلم ينْسبهُ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن عبد الرَّزَّاق بِهِ.
قَوْله: (فِي هَؤُلَاءِ النتنى) قَالَ الْخطابِيّ: النتنى، جمع النتن مثل الزمنى والزمن، يُقَال: أنتن الشَّيْء فَهُوَ منتن ونتن.
وَفِيه: دلَالَة على أَن للْإِمَام أَن يمن على الْأُسَارَى بِغَيْر فدَاء خلافًا للْبَعْض. وَفِيه: حجَّة لأبي حنيفَة وَمَالك على أَن الْغَنَائِم لَا تَسْتَقِر ملكا للغانميم إلَاّ بعد الْقِسْمَة. وَقَالَ الشَّافِعِي: يملكُونَ بِنَفس الْغَنِيمَة، وَقَالَ بَعضهم: الْجَواب عَن الحَدِيث أَنه مَحْمُول على أَنه كَانَ يَسْتَطِيب أنفس الْغَانِمين، وَلَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يمْنَع ذَلِك، فَلَا يصلح للاحتجاج. قلت: رد هَذَا بِأَن طيب قُلُوب الغانميم بذلك من الْعُقُود الاختيارية، فَيحْتَمل أَن لَا يذعن بَعضهم. قَوْله: وَلَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يمْنَع ذَلِك، فَنَقُول كَذَلِك: لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يَقْتَضِي ذَلِك، وَقَالَ ابْن قصار: لَو ملكوا بِنَفس العقد لَكَانَ من لَهُ أَب أَو ولد أَو مِمَّن يعْتق عَلَيْهِ إِذا
стр. 4391
ملكه يجب أَن يعْتق عَلَيْهِ وَيُحَاسب بِهِ من سَهْمه، وَكَانَ يجب لَو تَأَخَّرت الْقِسْمَة فِي الْعين وَالْوَرق، ثمَّ إِن قسمت يكون حول الزَّكَاة على الْغَانِمين يَوْم غنموا، إِذْ فِي اتِّفَاقهم أَنه لَا يعْتق عَلَيْهِم من يلْزم عتقه إلَاّ بعد الْقِسْمَة، وَلَا يكون حول الزَّكَاة إلَاّ من يَوْم حَاز نصِيبه بِالْقِسْمَةِ، فَدلَّ هَذَا كُله على أَنَّهَا لَا تملك بِنَفس الْغَنِيمَة، إِذْ لَو ملكت بِنَفس الْغَنِيمَة لم يجب عَلَيْهِ الْحَد إِذا وطىء جَارِيَة من الْمغنم. وَقد أنكر الدَّاودِيّ دُخُول التخميس فِي أُسَارَى بدر، فَقَالَ: لم يَقع فيهم غير أَمريْن: أما الْمَنّ بِغَيْر فدَاء، وَأما الْفِدَاء بِمَال، وَمن لم يكن مَال لَهُ علم أَوْلَاد الْأَنْصَار الْكِتَابَة، ورد بِأَنَّهُ لَا يلْزم من وُقُوع شَيْء أَو شَيْئَيْنِ مِمَّا خير فِيهِ رفع التَّخْيِير، فَافْهَم.
٧١ - (بابٌ ومِنَ الدَّلِيلِ علَى أنَّ الخُمُسَ لِلإمَامِ وأنَّهُ يُعْطِي بعض قَرَابَتَه دُونَ بَعْضٍ مَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ لِبَنِي المُطَّلِبِ وبَني هاشِمٍ مِنْ خَمْسِ خَيْبَرَ)
هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: وَمن الدَّلِيل، وَقد مر تَوْجِيه هَذَا عِنْد قَوْله: بَاب وَمن الدَّلِيل على أَن الْخمس لنوائب الْمُسلمين. قَوْله: (للْإِمَام) أَرَادَ بِهِ من كَانَ نَائِب رَسُول الله، ﷺ ، لِأَن التَّصَرُّف فِيهِ لَهُ، ﷺ ، وَلمن يقوم مقَامه. قَوْله: (وَأَنه يُعْطي) ، عطف على: أَن الْخمس، أَي: وعَلى أَنه يُعْطي بعض قرَابَته دون بعض. قَوْله: (مَا قسم) ، فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء، و: مَا، مَوْصُولَة وَخَبره قَوْله: وَمن الدَّلِيل، مقدما. قَوْله: (لبني الْمطلب) ، هَذَا الْمطلب هُوَ عَم عبد الْمطلب جد رَسُول الله، ﷺ . وَكَانَ الْمطلب وهَاشِم وَنَوْفَل وَعبد شمس كلهم أَوْلَاد عبد منَاف، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: عبد شمس وهَاشِم وَالْمطلب أخوة لأم، وأمهم عَاتِكَة بنت مرّة، وَكَانَ نَوْفَل أَخَاهُم لأبيهم، فقسم رَسُول الله، ﷺ ، لبني الْمطلب وَبني هَاشم وَترك بِي نَوْفَل وَبني عبد شمس، فَهَذَا يدل على أَن الْخمس لَهُ، وَله فِيهِ الْخِيَار يَضَعهُ حَيْثُ شَاءَ.
قَالَ عُمَرُ بنُ عبْدِ العَزِيزِ لَمُ يَعُمَّهُمْ بِذَلِكَ ولَمْ يَخُصَّ قَرِيباً دُونَ مَنْ أحْوَجُ إلَيْهِ وإنْ كانَ الَّذِي أعْطَى لِمَا يَشْكُوا إلَيْهِ مِنَ الحَاجَةِ ولِمَا مستْهُمْ فِي جَنْبِهِ مِنْ قَوْمِهِمْ وحُلَفَائِهِمْ
قَوْله: (لم يعمهم) أَي: لم يعم قُريْشًا بذلك، أَي: بِمَا قسمه. قَوْله: (من أحْوج إِلَيْهِ) أَي: من أحْوج هُوَ إِلَيْهِ، قَالَ ابْن مَالك: فِيهِ حذف الْعَائِد على الْمَوْصُول، وَهُوَ قَلِيل، وَمِنْه قِرَاءَة يحيى بن يعمر.
(تَمامًا عليَّ الَّذِي أحسن) ، بِضَم النُّون أَي: الَّذِي هُوَ أحسن، قَالَ: وَإِذا طَال الْكَلَام فَلَا ضعف وَمِنْه: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَه وَفِي الأَرْض إِلَه﴾ (الزخرف: ٤٨) . أَي: وَفِي الأَرْض هُوَ إِلَه وَاحِد. قلت: وَفِي بعض النّسخ: دون من هُوَ أحْوج إِلَيْهِ، فعلى هَذَا لَا يحْتَاج إِلَى التَّكَلُّف الْمَذْكُور، وأحوج من أحوجه إِلَيْهِ غَيره، وأحوج أَيْضا بِمَعْنى احْتَاجَ. قَوْله: (وَإِن كَانَ) ، شَرط على سَبِيل الْمُبَالغَة، ويروى بِفَتْح: أَن، قَالَه الْكرْمَانِي. قَوْله: (أعطيَ) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَحَاصِل الْمَعْنى: وَإِن كَانَ الَّذِي أعطي أبعد قرَابَة مِمَّن لم يُعط. قَوْله: (لما تَشْكُو) تَعْلِيل لعطية الْأَبْعَد قرَابَة، وتشكو بتَشْديد الْكَاف من التشكي من بَاب التفعل، ويروى لما يشكو من شكا يشكو شكاية. قَوْله: (وَلما مستهم) عطف على: لما، الأولى، ويروى: مسهم، بِدُونِ تَاء التَّأْنِيث. قَوْله: (فِي جنبه) ، أَي: فِي جَانِبه. قَوْله: (وحلفائهم) بِالْحَاء الْمُهْملَة، أَي: حلفاء قَومهمْ بِسَبَب الْإِسْلَام، وَأَشَارَ بذلك إِلَى مَا لَقِي النَّبِي ﷺ ، وَأَصْحَابه بِمَكَّة من قُرَيْش بِسَبَب الْإِسْلَام.
٠٤١٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنِ ابنِ المُسَيَّبِ عنْ جُبَيْرِ بنِ مُطعمٍ قَالَ مَشَيْتُ أَنا وعُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ إِلَى رَسُول الله، ﷺ فقُلْنَا يَا رسولَ الله أعْطَيْتَ بَني المُطَّلِبِ وتَرَكْتَنَا ونَحْنُ وهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ واحِدَةٍ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ إنَّما بَنُو المُطَّلِبِ وبَنُو هاشِمٍ شَيْءٌ واحِدٌ.
стр. 4392
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي مَنَاقِب قُرَيْش عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن عقيل وَفِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن يُونُس. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن القواريري عَن ابْن الْمهْدي وَعَن القواريري عَن عُثْمَان بن عمر، وَعَن مُسَدّد عَن هشيم وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي قسم الْفَيْء عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْجِهَاد عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن ابْن الْمسيب) ، فِي رِوَايَة أبي دَاوُد: أَخْبرنِي سعيد بن الْمسيب. قَوْله: (عَن جُبَير بن مطعم) ، فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي من رِوَايَة يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب: أَن جُبَير بن مطعم أخبرهُ. قَوْله: (مشيت أَنا وَعُثْمَان) ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد، قَالَ: أَخْبرنِي جُبَير بن مطعم أَنه جَاءَ هُوَ وَعُثْمَان بن عَفَّان يكلمان رَسُول الله، ﷺ فِيمَا قسم من الْخمس فِي بني الْمطلب، فَقلت: يَا رَسُول الله قسمت لإِخْوَانِنَا فِي بني الْمطلب وَلم تُعْطِنَا شَيْئا، وقرابتنا وقرابتهم مِنْك وَاحِدَة؟ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : إِنَّمَا بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب شَيْء وَاحِد قَوْله: (بِمَنْزِلَة وَاحِدَة) لِأَن عُثْمَان ابْن عَفَّان بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف، وَجبير هُوَ ابْن مطعم بن عدي بن نَوْفَل بن عبد منَاف، فهما وَبَنُو الْمطلب كلهم أَوْلَاد عَم جده ﷺ . قَوْله: (شَيْء وَاحِد) ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره همزَة، قَالَ عِيَاض: روينَا فِي البُخَارِيّ هَكَذَا بِلَا خلاف، وَقَالَ الْخطابِيّ: روى بَعضهم: سي، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَمَعْنَاهُ: سَوَاء وَمثل. قيل: هَذَا رِوَايَة الْكشميهني هُنَا، وَرِوَايَة الْمُسْتَمْلِي فِي الْمَغَازِي ومناقب قُرَيْش، وَكَذَا رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَيحيى بن معِين وَحده، وَقَالَ الْخطابِيّ: هُوَ أَجود فِي الْمَعْنى، وَقَالَ عِيَاض: الصَّوَاب رِوَايَة الْعَامَّة لرِوَايَة أبي دَاوُد: إِنَّا وَبَنُو الْمطلب لَا نفترق فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام، وَإِنَّمَا نَحن وهم شَيْء وَاحِد، وَشَبك بَين أَصَابِعه. انْتهى. وَهَذَا دَلِيل على الِاخْتِلَاط والامتزاج كالشيء الْوَاحِد، لَا على التَّمْثِيل والتنظير. قيل: وَقع فِي رِوَايَة أبي زيد الْمروزِي: شَيْء أحد، بِغَيْر الْوَاو، فَقيل: الْوَاحِد والأحد بِمَعْنى وَاحِد، وَقيل: الْأَحَد الْمُنْفَرد بِالْمَعْنَى، وَالْوَاحد الْمُنْفَرد بِالذَّاتِ، وَقيل: الْأَحَد لنفي مَا يذكر مَعَه من الْعدَد، وَالْوَاحد اسْم لمفتاح الْعدَد، وَقيل: لَا يُقَال: أحد، إِلَّا لله تَعَالَى.
حدَّثَنِي يُونس وزَادَ قَالَ. قَالَ اللَّيْثُ جُبَيْرٌ ولَمْ يَقْسِمِ النَّبِيُّ ﷺ لِبَنِي عبْدِ شَمْسٍ ولَا لِبَنِي نَوْفَلٍ
هَذَا التَّعْلِيق أسْندهُ البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن يُونُس بِتَمَامِهِ.
وقالَ ابْنُ إسْحَاقَ عَبْدُ شَمْسٍ وهاشِمٌ والمُطَّلِبُ إخْوَةٌ لاُِمٍّ وأمُّهُمْ عاتِكَةُ بِنْتُ مُرَّةَ وكانَ نَوْفَلٌ أخاهُمْ لأِبِيهِمْ
ابْن إِسْحَاق هُوَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق صَاحب (الْمَغَازِي) ، وَهَذَا التَّعْلِيق ذكره ابْن جرير وَالزُّبَيْر بن بكار وَمُحَمّد بن إِسْحَاق، وَقَالَ ابْن جرير: وَكَانَ هَاشم توأم أَخِيه عبد شمس وَأَن هاشماً خرج وَرجله ملتصقة بِرَأْس عبد شمس، فَمَا تخلصت حَتَّى سَالَ بَينهمَا، دم، فتفاءل النَّاس بذلك أَن يكون بَين أولادهما حروب، فَكَانَت وقْعَة بني الْعَبَّاس مَعَ بني أُميَّة بن عبد شمس سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة من الْهِجْرَة. قَوْله: (وَكَانَ نَوْفَل أَخَاهُم لأبيهم) وَلم يذكر أمه، وَهِي: واقدة، بِالْقَافِ: بنت عَمْرو المازنية، وَكَانَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة قد سادوا قَومهمْ بعد أَبِيهِم وَصَارَت إِلَيْهِم الرياسة، فَكَأَن يُقَال لَهُم: المجيرون، وَذَلِكَ لأَنهم أخذُوا لقومهم قُرَيْش الْأمان من مُلُوك الأقاليم ليدخلوا فِي التِّجَارَات إِلَى بلدانهم، فَكَانَ هَاشم قد أَخذ أَمَانًا من مُلُوك الشَّام وَالروم وغسان، وَأخذ لَهُم عبد شمس من النَّجَاشِيّ الْأَكْبَر ملك الْحَبَشَة، وَأخذ لَهُم نَوْفَل من الأكاسرة، وَأخذ لَهُم الْمطلب أَمَانًا من مُلُوك حمير، وَكَانَت إِلَى هَاشم السِّقَايَة والرفادة بعد أَبِيه، وَإِلَيْهِ وَإِلَى أَخِيه الْمطلب نسب ذَوي الْقُرْبَى، وَقد كَانُوا شَيْئا وَاحِدًا، وَقَالَ ابْن كثير فِي (تَفْسِيره) :
стр. 4393
بَنو الْمطلب وازروا بني هَاشم فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام ودخلوا مَعَهم فِي الشّعب غَضبا لرَسُول الله، ﷺ ، وحماية لَهُ مسلمهم طَاعَة لله وَلِرَسُولِهِ، وكافرهم حمية للعشيرة وأنفة وَطَاعَة لأبي طَالب، عَم رَسُول الله، ﷺ ، وَأما بَنو عبد شمس وَبَنُو نَوْفَل، وَإِن كَانُوا أَبنَاء عَم، فَلم يوافقوهم على ذَلِك، بل حاربوهم ونابذوهم، وأمالوا بطُون قُرَيْش على حَرْب الرَّسُول، وَلِهَذَا كَانَ ذمّ أبي طَالب لَهُم فِي قصيدته اللَاّمية.
(جزى الله عَنَّا عبد شمس ونوفلاً ... عُقُوبَة شرٍّ عاجلٍ غير أجلِ)
(بميزان قسط لَا يفِيض شعيرَة ... لَهُ شَاهد من نَفسه حقُّ عادلِ)
(لقد سفهت أَخْلَاق قوم تبدَّلُوا ... بني خلفٍ قيضاً بِنَا والغياطلِ)
(وَنحن الصميم من ذؤابة هَاشم ... وَآل قصي فِي الخطوب الْأَوَائِل)
وَهَذِه قصيدة طَوِيلَة مائَة وَعشرَة أَبْيَات، قد ذَكرنَاهَا فِي (تاريخنا الْكَبِير) وفسرنا لغاتها. قَوْله: (بني خلف) ، أَرَادَ رَهْط أُميَّة بن خلف الجُمَحِي. قَوْله: (قيضاً) أَي: مقايضة، وَهُوَ الِاسْتِبْدَال، والغياطل: جمع غيطلة، وَهِي الشَّجَرَة.
٨١ - (بابُ منْ لَم يُخَمِّسِ الأسْلَابَ)
هَذَا بَاب يذكر فِيهِ من لم ير بتخميس الأسلاب، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى خلاف فِيهِ، فَقَالَ الشَّافِعِي: كل شَيْء من الْغَنِيمَة يُخَمّس إلَاّ السَّلب فَإِنَّهُ لَا يُخَمّس، وَبِه قَالَ أَحْمد وَابْن جرير. وَجَمَاعَة من أهل الحَدِيث، وَعَن مَالك: أَن الإِمَام مُخَيّر فِيهِ إِن شَاءَ خمسه وَإِن شَاءَ لم يخمسه، وَاخْتَارَهُ القَاضِي إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق، وَفِيه قَول ثَالِث: أَنَّهَا تخمس، إِذا كثرت وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَبِه قَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَقَالَ الثَّوْريّ وَمَكْحُول وَالْأَوْزَاعِيّ يُخَمّس، وَهُوَ قَول مَالك، وَرِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَ الزُّهْرِيّ عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن ابْن عَبَّاس: السَّلب من النَّفْل، وَالنَّفْل يُخَمّس، وَقَالَ ابْن قدامَة: السَّلب للْقَاتِل إِذا قتل فِي كل حَال إلأ أَن ينهزم الْعَدو، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو ثَوْر، وَدَاوُد وَابْن الْمُنْذر، وَقَالَ مَسْرُوق: إِذا التقى الزحفان فَلَا سلب لَهُ، إِنَّمَا النَّفْل قبله أَو بعده، وَنَحْوه قَول نَافِع. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَسَعِيد بن عبد الْعَزِيز وَأَبُو بكر بن أبي مَرْيَم: السَّلب للْقَاتِل مَا لم تمتد الصُّفُوف بَعْضهَا إِلَى بعض، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا سلب لأحد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: السَّلب من غنيمَة الْجَيْش حكمه حكم سَائِر الْغَنِيمَة إِلَّا أَن يَقُول الإِمَام: من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه، فَحِينَئِذٍ يكون لَهُ، وَقَالَ ابْن قدامَة: وَبِه قَالَ مَالك، وَقَالَ أَحْمد: لَا يُعجبنِي أَن يَأْخُذ السَّلب إلَاّ بِإِذن الإِمَام، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر وَالشَّافِعِيّ: لَهُ أَخذه بِغَيْر إِذْنه. قَوْله: (الأسلاب) ، جمع سلب بِفتْحَتَيْنِ على وزن فعل بِمَعْنى مفعول، أَي: مسلوب، وَهُوَ مَا يَأْخُذهُ أحد القرنين فِي الْحَرْب من قرنه مِمَّا يكون عَلَيْهِ وَمَعَهُ من سلَاح وَثيَاب ودابة وَغَيرهَا، وَعَن أَحْمد: لَا تدخل الدَّابَّة، وَعَن الشَّافِعِي: يخْتَص بأداة الْحَرْب.
ومنْ قَتَلَ قَتِيلاً فلَهُ سَلَبُهُ مِنْ غَيْرِ أنْ يُخَمِّسَ وحُكْمَ الإمامِ فيهِ
قَوْله: (وَمن قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه) هَذَا الْمِقْدَار أخرجه الطَّحَاوِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا أَبُو بكرَة وَابْن مَرْزُوق، قَالَا: حَدثنَا أَبُو دَاوُد عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة عَن أنس: أَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ يَوْم حنين: من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه، فَقتل أَبُو طَلْحَة يَوْمئِذٍ عشْرين رجلا فَأخذ أسلابهم. وَأَبُو بكرَة: بكار القَاضِي، وَأَبُو دَاوُد سُلَيْمَان بن دَاوُد الطَّيَالِسِيّ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي (سنَنه) وَلَكِن لَفظه: من قتل كَافِرًا فَلهُ سلبه. قَوْله: (قَتِيلا) يَعْنِي: مشارفاً للْقَتْل، لِأَن قتل الْقَتِيل لَا يتَصَوَّر. قَوْله: (من غير أَن يُخَمّس) ، لَيْسَ من لفظ الحَدِيث، وَأَرَادَ بِهِ أَن السَّلب لَا يُخَمّس، ويروى: من غير خمس بِضَمَّتَيْنِ، وَخمْس بِسُكُون الْمِيم. قَوْله: (وَحكم الإِمَام فِيهِ) ، عطف على قَوْله: من لم يُخَمّس، فَافْهَم.
١٤١٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يُوسُفُ بنُ الماجِشُونِ عنْ صالِحِ بنِ إبْرَاهِيمَ بنِ عَبْدِ
стр. 4394
الرَّحْمانِ بنِ عَوْفٍ عنْ أبِيهِ عنْ جَدِّهِ قَالَ بَيْنَا أَنا واقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ فنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وشِمَالِي فإذَا أَنا بِغُلامَيْنِ مِنَ الأنْصَارِ حدِيثَةٍ أسْنَانُهُمَا تَمَنَّيْتُ أنْ أكُونَ بَيْنَ أضْلَعَ مِنْهُمَا فغَمَزَنِي أحَدُهُمَا فَقَالَ يَا عَمِّ هَلْ تَعْرِفُ أبَا جَهْلٍ قُلْتُ نَعَمْ مَا حاجَتُكَ إلَيْهِ يَا ابنَ أخِي قَالَ أُخْبِرْت أنَّهُ يَسُبُّ رسولَ الله ﷺ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رأيْتُهُ لَا يُفارِقُ سَوَادِي سَوادَهُ حتَّى يَمُوتَ الأعْجَلُ مِنَّا فتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ فَغَمَزَنِي الآخَرُ فَقَالَ لِي مِثْلَها فلَمْ أنْشَبْ أنْ نَظَرْتُ إِلَى أبِي جَهْلٍ يَجُولُ فِي النَّاسِ قُلْتُ أَلا أَن هذَا صاحِبُكُمَا الَّذِي سألْتُمَانِي فابْتَدَراهُ بِسَيْفَيْهِما فضَرَباهُ حتَّى قتَلاهُ ثُمَّ انْصَرَفا إِلَى رسُولِ الله ﷺ فأخْبَراهُ فقالَ أيُّكُمَا قتَلَهُ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنا قتَلْتُهُ فَقَالَ هَلْ مَسَحْتُما سَيْفَيْكُما قَالَا لافنَظَر فِي السَّيْفَيْنِ فَقَالَ كِلاكُما قتَلَهُ سلَبُهُ لِمُعاذِ بنِ عَمْرِو ابنِ الجَمُوحِ وَكَانَا مُعَاذَ بنَ عَفْرَاءَ ومُعاذَ بنَ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي ﷺ ، لم يُخَمّس سلب أبي جهل.
ويوسف هُوَ ابْن يَعْقُوب بن عبد الله بن أبي سَلمَة، واسْمه دِينَار التَّيْمِيّ الْقرشِي، والماجشون هُوَ يَعْقُوب، وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ، تَفْسِيره: المورد، وَهُوَ بِكَسْر الْجِيم وَفتحهَا وَضم الشين الْمُعْجَمَة، وَصَالح بن إِبْرَاهِيم يروي عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن، وَإِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن سمع أَبَاهُ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن عَليّ بن عبد الله وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن يحيى عَن يُوسُف بن الْمَاجشون.
قَوْله: (بَينا أَنا) قد مر غير مرّة أَن أَصله: بَين، فأشبعت الفتحة فَصَارَ: بَينا، ويضاف إِلَى جملَة وَيحْتَاج إِلَى جَوَاب، فَجَوَابه هُوَ قَوْله: فَإِذا أَنا بغلامين، وهما: معَاذ بن عَمْرو ومعاذ بن عفراء، وَيَجِيء ذكرهمَا عَن قريب. قَوْله: (حَدِيثَة أسنانهما) ، صفة الغلامين، فَلذَلِك جر لفظ: حَدِيثَة، و: أسنانهما، بِالرَّفْع لِأَنَّهُ فَاعل: حَدِيثَة. قَوْله: (بَين أضلع) ، بالضاد الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة أَي: بَين أَشد وَأقوى مِنْهُمَا، أَي: من الغلامين الْمَذْكُورين وَهُوَ على وزن أفعل من الضلاعة، وَهِي: الْقُوَّة. يُقَال: اضطلع بِحمْلِهِ: أَي: قوي عَلَيْهِ ونهض بِهِ، وَهَذَا هَكَذَا رُوَاة الْأَكْثَرين، وَوَقع فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَحده: بَين أصلح مِنْهُمَا، بالصَّاد والحاء الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَنسب ابْن بطال هَذِه الرِّوَايَة لمسدد شيخ البُخَارِيّ، وَقَالَ: خَالفه إِبْرَاهِيم بن حَمْزَة عِنْد الطَّحَاوِيّ، ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل عِنْد ابْن سنجر، وَعَفَّان عِنْد ابْن أبي شيبَة، فكلهم رووا: أضلع، بالضاد الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة، وَرِوَايَة ثَلَاثَة حفاظ أولى من رِوَايَة وَاحِد خالفهم، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الَّذِي فِي مُسلم: أضلع، وَوَقع فِي بعض رواياته: أصلح، وَالْأول الصَّوَاب. قَوْله: (هَل تعرف أَبَا جهل؟) هُوَ عَمْرو بن هِشَام بن الْمُغيرَة المَخْزُومِي الْقرشِي فِرْعَوْن هَذِه الْأمة. قَوْله: (أخْبرت) ، بِضَم الْهمزَة على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (لَا يُفَارق سوَادِي سوَاده) ، يَعْنِي: لَا يُفَارق شخصي شخصه، وَأَصله أَن الشَّخْص يرى على الْبعد أسود. قَوْله: (الأعجل منا) أَي: الْأَقْرَب أَََجَلًا، وَهُوَ كَلَام مُسْتَعْمل يفهم مِنْهُ أَن يلازمه وَلَا يتْركهُ إِلَى وُقُوع الْمَوْت بِأَحَدِهِمَا، وصدور هَذَا الْكَلَام فِي حَال الْغَضَب والانزعاج يدل على صِحَة الْعقل الوافر وَالنَّظَر فِي العواقب، فَإِن مُقْتَضى الْغَضَب أَن يَقُول: حَتَّى أَقتلهُ، لَكِن الْعَاقِبَة مَجْهُولَة. قَوْله: (فَلم أنشب) ، فَلم ألبث، يُقَال: نشب بَعضهم فِي بعض، أَي: دخل وَتعلق، ونشب فِي الشَّيْء إِذا وَقع فِيمَا لَا مخلص لَهُ مِنْهُ، وَلم ينشب أَن فعل كَذَا، أَي: لم يلبث، وَحَقِيقَته لم يتَعَلَّق بِشَيْء غَيره، وَلَا بسواه، ومادته: نون وشين مُعْجمَة وباء مُوَحدَة. قَوْله: (يجول فِي النَّاس) ، بِالْجِيم، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (يَزُول) ، هُوَ بِمَعْنَاهُ، أَي: يضطرب فِي الْمَوَاضِع وَلَا يسْتَقرّ على حَال. قَوْله: (أَلا) ، للتحضيض والتنبيه. قَوْله: (فابتداره) ، أَي: سبقاه مُسْرِعين. قَوْله: (فَنظر فِي السيفين) ليستدل بهما على حَقِيقَة كَيْفيَّة قَتلهمَا، فَعلم أَن الجموح هُوَ المثخن، وَقَالَ الْمُهلب: نظره، ﷺ ، فِي السيفين ليرى مَا بلغ الدَّم من سيفيهما، وَمِقْدَار عمق دخولهما فِي جسم الْمَقْتُول ليحكم بِالسَّيْفِ لمن كَانَ فِي ذَلِك أبلغ، وَلذَلِك سَأَلَهُمَا أَولا: هَل مسحتما سيفيكما؟ لِأَنَّهُمَا لَو مسحاهما لما بَين المُرَاد من ذَلِك. قَوْله: (فَقَالَ: كلاكما قَتله) ، إِنَّمَا قَالَ ذَلِك، وَإِن كَانَ أَحدهمَا أَو الَّذِي
стр. 4395
أثخنه تطييباً لقلب الآخر من حَيْثُ إِن لَهُ مُشَاركَة فِي الْقَتْل. قَوْله: (سلبه) أَي: سلب أبي جهل لِمعَاذ بن عَمْرو بن الجموح، وَإِنَّمَا حكم لَهُ مَعَ أَنَّهُمَا اشْتَركَا فِي الْقَتْل لِأَن الْقَتْل الشَّرْعِيّ الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ اسْتِحْقَاق السَّلب هُوَ الْإِثْخَان، وَهُوَ إِنَّمَا وجد مِنْهُ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: إِن الأنصاريين ضرباه فأثخناه وبلغا بِهِ الْمبلغ الَّذِي يعلم أَنه لَا يجوز بَقَاؤُهُ على تِلْكَ الْحَال إلَاّ قدر مَا يطفأ، فَدلَّ قَوْله: كلاكما قَتله، على أَن كلاًّ مِنْهُمَا وصل إِلَى قطع الحشوة وإبانتها، وَبِه يعلم أَن عمل كل من سيفيهما كعمل الآخر، غير أَن أَحدهمَا سبق بِالضَّرْبِ فَصَارَ فِي حكم الْمُثبت لجراحه حَتَّى وَقعت بِهِ ضَرْبَة الثَّانِي فاشتركا فِي الْقَتْل، إلَاّ أَن أَحدهمَا قَتله وَهُوَ مُمْتَنع وَالْآخر قَتله وَهُوَ مُثبت، فَلذَلِك قضى بالسلب للسابق إِلَى إثخانه. وَلما روى الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث قَالَ فِيهِ: دَلِيل على أَن السَّلب لَو كَانَ وَاجِبا للْقَاتِل بقتْله إِيَّاه لَكَانَ وَجب سلبه لَهما، وَلم يكن النَّبِي ﷺ ، ينتزعه من أَحدهمَا فيدفعه إِلَى الآخر إلَاّ يرى أَن الإِمَام لَو قَالَ: من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه، وَقتل رجلَانِ قَتِيلا إِن سلبه لَهما، نِصْفَانِ، وَأَنه لَيْسَ للْإِمَام أَن يحرم أَحدهمَا ويدفعه إِلَى الآخر، لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا لَهُ فِيهِ من الْحق مثل مَا لصَاحبه، وهما أولى بِهِ من الإِمَام، فَلَمَّا كَانَ للنَّبِي ﷺ ، فِي سلب أبي جهل أَن يَجعله لأَحَدهمَا دون الآخر دلّ ذَلِك أَنه كَانَ أولى بِهِ مِنْهُمَا، لِأَنَّهُ لم يكن قَالَ يَوْمئِذٍ: من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه. وَقَالَ أَيْضا: إِن سلب الْمَقْتُول لَا يجب للْقَاتِل بقتْله صَاحبه إلَاّ أَن يَجْعَل الإِمَام إِيَّاه لَهُ على مَا فِيهِ صَلَاح الْمُسلمين من التحريض على قتال عدوهم.
قَوْله: (وَكَانَا) أَي: الغلامان الْمَذْكُورَان من الْأَنْصَار: معَاذ بن عفراء ومعاذ عَمْرو بن الجموح. أما معَاذ بن عفراء، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْفَاء وبالراء وبالمد: وَهِي أمه عفراء بنت عبيد بن ثَعْلَبَة ابْن غنم بن مَالك بن النجار، وَهُوَ معَاذ بن الْحَارِث بن رِفَاعَة بن سَواد، وَهَكَذَا قَالَه مُحَمَّد بن إِسْحَاق، وَقَالَ ابْن هِشَام: هُوَ معَاذ ابْن الْحَارِث بن عفراء بن سَواد بن مَالك بن النجار، وَقَالَ مُوسَى بن عقبَة: معَاذ بن الْحَارِث بن رِفَاعَة بن الْحَارِث، شهد بَدْرًا هُوَ وأخواه عَوْف ومعوذ بَنو عفراء، وهم بَنو الْحَارِث بن رِفَاعَة، وَقَالَ أَبُو عمر: ولمعاذ بن عفراء رِوَايَة عَن النَّبِي ﷺ ، فِي النَّهْي عَن الصَّلَاة بعد الصُّبْح وَبعد الْعَصْر، مَاتَ فِي خلَافَة عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأما معَاذ: بن عَمْرو بن الجموح، فالجموح ابْن زيد بن حرَام بن كَعْب بن غنم بن كَعْب بن سَلمَة بن سعيد بن عَليّ بن أَسد بن ساردة بن يزِيد بن جشم بن الْخَزْرَج السّلمِيّ الخزرجي الْأنْصَارِيّ، شهد الْعقبَة وبدراً هُوَ وَأَبوهُ عَمْرو، وَقتل عَمْرو بن الجموح، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَوْم أحد، وَذكر ابْن هِشَام عَن زِيَاد عَن ابْن إِسْحَاق: أَنه الَّذِي قطع رجل أبي جهل بن هِشَام وصرعه، وَقَالَ: وَضرب ابْنه عِكْرِمَة بن أبي جهل يَد معَاذ فطرحها، ثمَّ ضربه معوذ بن عفراء حَتَّى أثْبته وَتَركه وَبِه رَمق، ثمَّ وقف عَلَيْهِ عبد الله بن مَسْعُود واحتز رَأسه حِين أمره رَسُول الله، ﷺ ، أَن يلتمسه فِي الْقَتْلَى، وَفِي (صَحِيح مُسلم) ابْن ابْني عفراء ضرباه حَتَّى برد، بِالدَّال: أَي مَاتَ. وَفِي رِوَايَة: (حَتَّى برك) ، بِالْكَاف أَي: سقط على الأَرْض، وَكَذَا فِي البُخَارِيّ فِي: بَاب قتل أبي جهل، وَادّعى الْقُرْطُبِيّ أَنه وهم، الْتبس على بعض الروَاة معَاذ بن الجموح بمعاذ بن عفراء، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: ابْن الجموح لَيْسَ من ولد عفراء، ومعاذ بن عفراء مِمَّن بَاشر قتل أبي جهل، فَلَعَلَّ بعض إخْوَته حَضَره أَو أَعْمَامه، أَو يكون الحَدِيث: ابْن عفراء، فغلط الرَّاوِي فَقَالَ: ابْنا عفراء، وَقَالَ أَبُو عمر: أصح من هَذَا حَدِيث أنس بن مَالك: أَن ابْن عفراء قَتله، وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يَكُونَا أَخَوَيْنِ لأم، أَو يكون بَينهمَا رضَاع، وَقَالَ الدَّاودِيّ: ابْنا عفراء: سهل وَسُهيْل، وَيُقَال: معوذ ومعاذ، وروى الْحَاكِم فِي (إكليله) من حَدِيث الشّعبِيّ عَن عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف حمل: رجل كَانَ مَعَ أبي جهل على ابْن عفراء فَقتله، فَحمل ابْن عفراء الآخر على الَّذِي قتل أَخَاهُ فَقتله، وَمر ابْن مَسْعُود على أبي جهل، فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي أعز الْإِسْلَام، فَقَالَ أَبُو جهل: تَشْتمنِي يَا رويعي هُذَيْل؟ فَقَالَ: نعم وَالله، وأقتلك فَحَذفهُ أَبُو جهل بِسَيْفِهِ، وَقَالَ: دُونك هَذَا إِذا، فَأَخذه عبد الله فَضَربهُ حَتَّى قَتله، وقاال: يَا رَسُول الله ﴿قتلت أَبَا جهل﴾ فَقَالَ: الله الَّذِي لَا إل هـ إلَاّ هُوَ، فَحلف لَهُ، فَأَخذه النَّبِي ﷺ بِيَدِهِ ثمَّ انْطلق مَعَه حَتَّى أرَاهُ إِيَّاه، فَقَامَ عِنْده، وَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي أعز الْإِسْلَام وَأَهله، ثَلَاث مَرَّات، والتوفيق بَين هَذِه الرِّوَايَات: إِثْبَات الِاشْتِرَاك فِي قتل أبي جهل، وَلَكِن السَّلب مَا ثَبت إلَاّ لِلَّذِي أثخنه، على مَا مر، فَافْهَم.
стр. 4396
قَالَ مُحَمَّدٌ سَمِ يُوسُفَ صالِحاً وإبْرَاهِيمَ أباهُ
مُحَمَّد هُوَ البُخَارِيّ: أَي سمع يُوسُف بن الْمَاجشون صَالح بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد، وَسمع إِبْرَاهِيم أَبَاهُ، وَهَذِه الزِّيَادَة هُنَا لأبي ذَر، وَأبي الْوَقْت، وَأَرَادَ بِهَذِهِ دفع قَول من يَقُول: إِن بَين يُوسُف وَبَين صَالح بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن رجل هُوَ عبد الْوَاحِد بن أبي عون، وَهُوَ رجل مَشْهُور ثِقَة، فَيكون الحَدِيث مُنْقَطِعًا، وَقد ذكره الْبَزَّار فِي رِوَايَته عَن مُحَمَّد بن عبد الْملك القريشي، وَعلي بن مُسلم قَالَا: حَدثنَا يُوسُف بن أبي سَلمَة حَدثنَا عبد الْوَاحِد بن أبي عون حَدثنِي صَالح بن إِبْرَاهِيم بِهِ، ثمَّ قَالَ: هَذَا الحَدِيث لَا نعلمهُ يروي عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن رَسُول الله، ﷺ إلَاّ من هَذَا الْوَجْه بِهَذَا الْإِسْنَاد، ووثق عبد الْوَاحِد فَأَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذِهِ الزِّيَادَة أَن سَماع يُوسُف عَن صَالح وَسَمَاع إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه ثَابت، فَالْحَدِيث مُتَّصِل.
٢٤١٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عنِ ابنِ أفْلَحَ عنْ أبِي محَمَّدٍ مَوْلَى أبي قَتَادَة عنْ أبِي قتَادَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ خَرَجْنَا مَع رسولِ الله ﷺ عامَ حُنَيْنٍ فلَمَّا الْتَقَيْنَا كانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلةٌ فرَأيْتُ رَجُلاً مِنَ المُشْرِكِينَ عَلا رَجُلاً مِنَ المُسْلِمِينَ فاسْتَدَرْتُ حتَّى أتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ حتَّى ضَرَبْتُهُ بالسَّيْفِ علَى حَبْلِ عاتِقِهِ فأقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وجَدْتُ مِنْها رِيحَ المَوْتِ ثُمَّ أدْرَكَهُ المَوْتُ فأرْسَلَنِي فَلَحِقْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ فقُلْتُ مَا بالُ النَّاسِ قَالَ أمْرُ الله ثُمَّ إنَّ النَّاسَ رَجَعُوا وجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ مَنْ قَتَلَ قَتيلاً لَهُ علَيْهِ بَيِّنَةٌ فلَهُ سَلَبُهُ فَقُمْتُ فَقُلْتُ مَنْ يَشْهَدُ لي ثُمَّ جَلَسْتُ ثُمَّ قالَ مَنْ قتَلَ قَتِيلاً لَهُ عليهِ بَيِّنَةٌ فلَهُ سَلْبُهُ فقلْتُ منْ يَشْهَدُ لي ثُمَّ جَلَسْتُ ثمَّ قالَ الثَّالِثَةَ مِثلَهُ فقالَ رَجُلٌ صَدَقَ يَا رسولَ الله وسَلَبُهُ عِنْدِي فأرْضِه عنِّي فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ لَا الله إِذا يَعْمِدُ إِلَى أسَدٍ منْ أُسْدِ الله يقاتِلُ عنِ الله ورَسُولِهِ ﷺ يُعْطِيكَ سلَبَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ صَدَقَ فأعْطَاهُ فبعْتُ الدِّرْعَ فابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفاً فِي بَنِي سلَمَةَ فإنَّهُ لأوَّلُ مالٍ تأثَّلْتُهُ فِي الإسْلامِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن السَّلب الَّذِي أَخذه أَبُو قَتَادَة لم يُخَمّس، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد ذكر فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب بيع السِّلَاح فِي الْفِتْنَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ مُخْتَصرا.
وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَابْن أَفْلح هُوَ عمر بن كثير بن أَفْلح، وَأَبُو مُحَمَّد هُوَ نَافِع مولى أبي قَتَادَة، وَأَبُو قَتَادَة الْحَارِث بن ربعي الْأنْصَارِيّ.
وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَمن أخرجه غَيره، ولطائف إِسْنَاده.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَام حنين) ، وَكَانَ فِي السّنة الثَّامِنَة من الْهِجْرَة، وحنين وادٍ بَينه وَبَين مَكَّة ثَلَاثَة أَمْيَال، وَهُوَ منصرف. قَوْله: (جَوْلَة) ، أَي: بِالْجِيم أَي: دوران واضطراب، من جال يجول إِذا دَار. قَوْله: (فاستدرت) ، من الدوران، هَذِه رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: فاستدبرت من الاستدبار. قَوْله: (على حَبل عَاتِقه) ، وَهُوَ مَوضِع الرِّدَاء من الْعُنُق، وَقيل: مَا بَين الْعُنُق والمنكب، وَقيل: هُوَ عرق أَو عصب هُنَاكَ. قَوْله: (مَا بَال النَّاس؟) أَي: مَا حَال النَّاس منهزمين. قَوْله: (قَالَ: أَمر الله) ، أَي: قَالَ عمر: جَاءَ أَمر الله تَعَالَى، وَيُقَال: مَعْنَاهُ مَا حَالهم بعد الانهزام؟ فَقَالَ: أَمر الله غَالب وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين. قَوْله: (رجعُوا) أَي: بعد الانهزام. قَوْله: (لَاها الله إِذا) ، كَذَا الرِّوَايَة بِالتَّنْوِينِ، قَالَ الْخطابِيّ: وَالصَّوَاب فِيهِ: لَاها الله ذَا، بِغَيْر ألف قبل الذَّال، وَمَعْنَاهُ: لَا وَالله يجْعَلُونَ الْهَاء مَكَان الْوَاو، بِمَعْنى: وَالله لَا يكون ذَا. وَقَالَ الْمَازرِيّ: مَعْنَاهُ: لَاها الله ذَا يَمِيني أَو قسمي، وَقَالَ أَبُو زيد: ذَا، زَائِدَة، وَفِي هَذَا لُغَتَانِ: الْمَدّ وَالْقصر، قَالُوا: وَيلْزم الْجَرّ بعْدهَا كَمَا يلْزم بعد الْوَاو، وَقَالُوا: وَلَا يجوز الْجمع بَينهمَا، فَلَا يُقَال: لَاها وَالله. وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الْمَازِني:
стр. 4397
من قَالَ: لَاها الله إِذا، فقد أَخطَأ، إِنَّمَا هُوَ: لَاها الله ذَا، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هَا، للتّنْبِيه، وَقد يقسم بهَا يُقَال: لَاها الله مَا فعلت، وَقَوْلهمْ: لَاها الله ذَا، أَن أَصله: لَا وَالله هَذَا، ففرقت بَين: هَا وَذَا، وَتَقْدِيره: لَا وَالله مَا فعلت هَذَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي الْمَعْنى صَحِيح على لفظ: إِذا، يَعْنِي بِالتَّنْوِينِ جَوَابا وَجَزَاء، وَتَقْدِيره: لَا وَالله إِذا صدق لَا يكون أَو لَا يعمد، ويروى بِرَفْع: الله، مُبْتَدأ و: هَا، للتّنْبِيه، و: لَا يعمد، خَبره، قَوْله: (يعمد) بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وبالنون أَيْضا، وَكَذَلِكَ (يعطيك) بِالْيَاءِ وَالنُّون أَي: لَا يقْصد رَسُول الله، ﷺ إِلَى رجل كالأسد يُقَاتل عَن جِهَة الله وَرَسُوله نصْرَة فِي الدّين فَيَأْخُذ حَقه. قَوْله: (يعطيك) أَي: لَا يعطيك أَيهَا الرجل المسترضي حق أبي قَتَادَة لَا وَالله كَيفَ وَهُوَ أَسد الله؟ قَوْله: (إِلَى أسَدٍ مِن أُسْدِ الله) ، الأول بِفتْحَتَيْنِ مُفْرد، وَالثَّانِي، بِضَم الْهمزَة وَسُكُون السِّين جمع أَسد، (فَقَالَ النَّبِي ﷺ : صدق) . أَي: أَبُو بكر. قَوْله: (فَأعْطَاهُ) أَي: فَأعْطى النَّبِي ﷺ أَبَا قَتَادَة الدرْع، وَمُقْتَضى الظَّاهِر أَن يَقُول: فَأَعْطَانِي، فَعدل إِلَى الْغَيْبَة التفاتاً أَو تجريداً، وَهُوَ مفعول ثَان، وَالْأول مَحْذُوف، وَإِنَّمَا أعطَاهُ بِلَا بَيِّنَة لِأَنَّهُ، ﷺ ، لَعَلَّه علم أَنه الْقَاتِل بطرِيق من الطّرق، وَلَا يُقَال: إِن أَبَا قَتَادَة اسْتحق السَّلب بِإِقْرَار من هُوَ فِي يَده، لِأَن المَال كَانَ مَنْسُوبا إِلَى الْجَيْش جَمِيعهم، فَلَا اعْتِبَار لإِقْرَاره. قَوْله: (فابتعت بِهِ مخرفاً) ، أَي: اشْتريت بالدرع، أَي: بِثمنِهِ إِن كَانَ بَاعه، والمخرف، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء بعْدهَا فَاء، وَهُوَ الْبُسْتَان، وَقيل: الْحَائِط من النّخل يخرف فِيهِ الرطب، أَي: يجتنى. قَوْله: (فِي بني سَلمَة) بِكَسْر اللَّام. قَوْله: (تأثلته) ، أَي: جمعته، وَهُوَ من بَاب التفعل، فِيهِ معنى التَّكَلُّف مَأْخُوذ من الأثلة، وَهُوَ الأَصْل، أَي: اتخذته أصلا لِلْمَالِ، ومادته: همزَة وثاء مُثَلّثَة وَلَام، يُقَال: مَال مؤثل ومجد مؤثل، أَي: مَجْمُوع ذُو أصل.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهِ من قَالَ: إِن السَّلب من رَأس الْغَنِيمَة لَا من الْخمس، لِأَن إعطاءه ﷺ أَبَا قَتَادَة كَانَ قبل الْقِسْمَة لِأَنَّهُ نقل حِين برد الْقِتَال، وَأجَاب أَصْحَابنَا وَمَالك عَنهُ، فَقَالَ: هَذَا حجَّة لنا لِأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ ذَلِك بعد تقضي الْحَرْب، وَقد حيزت الْغَنَائِم، وَهَذِه حَالَة قد سبق فِيهَا مِقْدَار حق الْغَانِمين، وَهُوَ الْأَرْبَعَة الْأَخْمَاس على مَا أوجبهَا الله لَهُم، فَيَنْبَغِي أَن يكون من الْخمس. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: هَذَا الحَدِيث أدل دَلِيل على صِحَة مَذْهَب مَالك وَأبي حنيفَة، وَزعم من خَالَفنَا أَن هَذَا الحَدِيث مَنْسُوخ بِمَا قَالَه يَوْم حنين، وَهُوَ فَاسد لوَجْهَيْنِ. الأول: أَن الْجمع بَينهمَا مُمكن، فَلَا نسخ. الثَّانِي: روى أهل السّير وَغَيرهم أَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ يَوْم بدر: من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه، كَمَا قَالَه يَوْم حنين، وغايته أَن يكون من بَاب تَخْصِيص الْعُمُوم. وَفِيه: أَن (لَاها الله) ، يَمِين، وَلَكنهُمْ قَالُوا: إِنَّه كِنَايَة، إِن نوى بهَا الْيَمين كَانَت يَمِينا، وإلَاّ فَلَا. قلت: ظَاهر الحَدِيث يدل على أَنه يَمِين. وَفِيه: جَوَاز كَلَام الْوَزير ورد مسَائِل الْأَمِير قبل أَن يعلم جَوَاب الْأَمِير، كَمَا فعله أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حِين قَالَ: (لَاها الله) . وَفِيه: إِذا ادّعى رجل أَنه قتل رجلا بِعَيْنِه، وَادّعى سلبه هَل يعْطى لَهُ؟ فَقَالَت طَائِفَة: لَا بُد من الْبَيِّنَة، فَإِن أصَاب أحدا فَلَا بُد أَن يحلف مَعَه وَيَأْخُذهُ، وَاحْتَجُّوا بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث، وَبِه قَالَ اللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَجَمَاعَة من أهل الحَدِيث، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: لَا يحْتَاج إِلَيْهَا وَيُعْطى بقوله. وَفِيه: من اسْتدلَّ بِهِ على دُخُول من لَا سهم لَهُ فِي عُمُوم قَوْله: من قتل قَتِيلا، وَعَن الشَّافِعِي: لَا يسْتَحق السَّلب إلَاّ من اسْتحق السهْم، وَبِه قَالَ مَالك، لِأَنَّهُ إِذا لم يسْتَحق السهْم فَلِأَن لَا يسْتَحق السَّلب بِالطَّرِيقِ الأولى، ورد بِأَن السهْم علق على المظنة، وَالسَّلب يسْتَحق بِالْفِعْلِ فَهُوَ أولى، وَهَذَا هُوَ الْأَصَح. وَفِيه: أَن السَّلب مُسْتَحقّ للْقَاتِل الَّذِي أثخنه بِالْقَتْلِ دون من وقف عَلَيْهِ. وَفِيه: أَن السَّلب مُسْتَحقّ للْقَاتِل من كل مقتول حَتَّى لَو كَانَ الْمَقْتُول امْرَأَة، وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذر، وَقَالَ الْجُمْهُور: شَرطه أَن يكون الْمَقْتُول من الْمُقَاتلَة، وَقَالَ ابْن قدامَة: وَيجوز أَن يسلب الْقَتْلَى ويتركهم عُرَاة، قَالَه الْأَوْزَاعِيّ، وَكَرِهَهُ الثَّوْريّ وَابْن الْمُنْذر.
٩١ - (بابُ مَا كانَ النَّبيُّ ﷺ يُعْطِي المُؤلَّفَةَ قُلوبُهُمْ وغَيْرَهُمْ مِنَ الخُمْسِ ونَحْوهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا كَانَ النَّبِي ﷺ يُعْطي الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم وهم ضعفاء النِّيَّة فِي الْإِسْلَام وشرفاء يتَوَقَّع بِإِسْلَامِهِمْ إِسْلَام نظرائهم. قَوْله: (وَغَيرهم) ، أَي: الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم مِمَّن يظْهر لَهُ الْمصلحَة فِي إِعْطَائِهِ. قَوْله: (وَنَحْوه) ، أَي: وَنَحْو الْخمس، وَهُوَ مَال الْخراج والجزية والفيء.
стр. 4398
(رَوَاهُ عبد الله بن زيد عَن النَّبِي ﷺ َ -) أَي روى مَا ذكر فِي التَّرْجَمَة عبد الله بن زيد بن عَاصِم الْأنْصَارِيّ الْمَازِني الْمدنِي وَسَيَأْتِي حَدِيثه الطَّوِيل مَوْصُولا فِي قصَّة حنين إِن شَاءَ الله تَعَالَى
٥٠ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن يُوسُف قَالَ حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب وَعُرْوَة بن الزبير أَن حَكِيم بن حزَام ﵁ قَالَ سَأَلت رَسُول الله ﷺ َ - فَأَعْطَانِي ثمَّ سَأَلته فَأَعْطَانِي ثمَّ قَالَ لي يَا حَكِيم إِن هَذَا المَال خضر حُلْو فَمن أَخذه بسخاوة نفس بورك لَهُ فِيهِ وَمن أَخذه بإشراف نفس لم يُبَارك لَهُ فِيهِ وَكَانَ كَالَّذي يَأْكُل وَلَا يشْبع وَالْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى قَالَ حَكِيم فَقلت يَا رَسُول الله وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لَا أرزأ أحدا بعْدك شَيْئا حَتَّى أُفَارِق الدُّنْيَا فَكَانَ أَبُو بكر يَدْعُو حكيما ليعطيه الْعَطاء فيأبى أَن يقبل مِنْهُ شَيْئا ثمَّ إِن عمر دَعَاهُ ليعطيه فَأبى أَن يقبل فَقَالَ يَا معشر الْمُسلمين إِنِّي أعرض عَلَيْهِ حَقه الَّذِي قسم الله لَهُ من هَذَا الْفَيْء فيأبى أَن يَأْخُذهُ فَلم يرزأ حَكِيم أحدا من النَّاس بعد النَّبِي ﷺ َ - حَتَّى توفّي) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله سَأَلت رَسُول الله ﷺ َ - فَأَعْطَانِي ثمَّ سَأَلت فَأَعْطَانِي وَحَكِيم بن حزَام كَانَ من الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم وَهُوَ بِفَتْح الْحَاء وَكسر الْكَاف وحزام بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الزَّاي والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الزَّكَاة فِي بَاب الاستعفاف فِي الْمَسْأَلَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَبْدَانِ عَن عبد الله عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره نَحوه وَتقدم الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى قَوْله " لَا أرزأ " بِتَقْدِيم الرَّاء على الزَّاي أَي لَا آخذ من أحد شَيْئا بعْدك وَأَصله النَّقْص
٥١ - (حَدثنَا أَبُو النُّعْمَان قَالَ حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن نَافِع أَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ يَا رَسُول الله إِنَّه كَانَ على اعْتِكَاف يَوْم فِي الْجَاهِلِيَّة فَأمره أَن يَفِي بِهِ قَالَ وَأصَاب عمر جاريتين من سبي حنين فوضعهما فِي بعض بيُوت مَكَّة قَالَ فَمن رَسُول الله ﷺ َ - على سبي حنين فَجعلُوا يسعون فِي السكَك فَقَالَ عمر يَا عبد الله انْظُر مَا هَذَا فَقَالَ من رَسُول الله ﷺ َ - على السَّبي قَالَ اذْهَبْ فَأرْسل الجاريتين قَالَ نَافِع وَلم يعْتَمر رَسُول الله ﷺ َ - من الْجِعِرَّانَة وَلَو اعْتَمر لم يخف على عبد الله) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله وَأصَاب عمر جاريتين من سبي حنين وَأَبُو النُّعْمَان هُوَ مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي وَهَذَا الحَدِيث يشْتَمل على ثَلَاثَة أَحْكَام الأول فِي الِاعْتِكَاف أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب الِاعْتِكَاف فِي بَاب إِذا نذر فِي الْجَاهِلِيَّة أَن يعْتَكف ثمَّ أسلم فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبيد بن إِسْمَاعِيل إِلَى آخِره لَكِن رَوَاهُ نَافِع هُنَاكَ عَن ابْن عمر أَن عمر وَهنا عَن نَافِع أَن عمر هَذَا مُرْسل لِأَنَّهُ لم يدْرك رَسُول الله ﷺ َ - وَلَا عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَكل مَا رَوَاهُ عَنْهُمَا فَهُوَ مُرْسل وَقد مر الْكَلَام فِيهِ. الثَّانِي فِي الْمَنّ على السَّبي وَهُوَ قَوْله قَالَ وَأصَاب عمر جاريتين وَهُوَ أَيْضا مُرْسل وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ روى سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن أَيُّوب حَدِيث الجاريتين فوصله عَنهُ قوم وأرسله عَنهُ آخَرُونَ. الثَّالِث فِي الْعمرَة وَهُوَ أَيْضا مُرْسل وَوَصله مُسلم قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن عَبدة الضَّبِّيّ حَدثنَا حَمَّاد بن زيد حَدثنَا أَيُّوب عَن نَافِع قَالَ ذكر عِنْد ابْن عمر عمْرَة رَسُول الله
стр. 4399
- ﷺ َ - من الْجِعِرَّانَة فَقَالَ لم يعْتَمر مِنْهَا وَلَيْسَ فِي قَول نَافِع حجَّة لِأَن ابْن عمر لَيْسَ كل مَا علمه حدث بِهِ نَافِعًا وَلَا كل مَا حدث بِهِ حفظه نَافِع وَلَا كل مَا علم ابْن عمر لَا ينساه وَالْعمْرَة من الْجِعِرَّانَة أشهر من هَذَا وَأظْهر أَن يشك فِيهَا
(وَزَاد جرير بن حَازِم عَن أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ من الْخمس) أَرَادَ بِهَذَا أَن حَدِيث السَّبي فِي رِوَايَة جرير بن حَازِم مَوْصُول وَأَن الَّذِي أصَاب عمر جاريتين كَانَ من الْخمس قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ حَدِيث جرير مَوْصُول وَحَمَّاد أثبت فِي أَيُّوب من جرير
(وَرَوَاهُ معمر عَن أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر فِي النّذر وَلم يقل يَوْم) أَي روى حَدِيث الِاعْتِكَاف معمر بِفَتْح الميمين قيل اتّفقت الرِّوَايَات كلهَا على أَنه بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد وَقَالَ بَعضهم وَحكى بعض الشُّرَّاح أَنه مُعْتَمر بِفَتْح الْمِيم وَبعد الْعين تَاء مثناة من فَوق وَهُوَ تَصْحِيف قلت إِن أَرَادَ بِهِ الْكرْمَانِي فَهُوَ لم يقل هَكَذَا وَإِنَّمَا عِبَارَته معمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد وَفِي بَعْضهَا مُعْتَمر بِلَفْظ الْفَاعِل من الاعتمار وَكِلَاهُمَا أدْركَا أَيُّوب وسمعا مِنْهُ وَالْأول أشهر قَوْله " فِي النّذر " أَي فِي حَدِيث النّذر قَوْله " وَلم يقل يَوْم " يَعْنِي لم يذكر لفظ يَوْم فِي قَوْله على اعْتِكَاف يَوْم وَيجوز فِي يَوْم الْجَرّ بِالتَّنْوِينِ على طَرِيق الْحِكَايَة وَيجوز النصب على الظَّرْفِيَّة
٥٢ - (حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنَا جرير بن حَازِم حَدثنَا الْحسن قَالَ حَدثنِي عَمْرو بن تغلب ﵁ قَالَ أعْطى رَسُول الله ﷺ َ - قوما وَمنع آخَرين فكأنهم عتبوا عَلَيْهِ فَقَالَ إِنِّي أعطي قوما أَخَاف ظلعهم وجزعهم وَأكل أَقْوَامًا إِلَيّ مَا جعل الله فِي قُلُوبهم من الْخَيْر والغنى مِنْهُم عَمْرو بن تغلب فَقَالَ عَمْرو بن تغلب مَا أحب أَن لي بِكَلِمَة رَسُول الله ﷺ َ - حمر النعم) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله أعْطى رَسُول الله ﷺ َ - قوما. وَالْحسن هَذَا هُوَ الْبَصْرِيّ وَعَمْرو بِالْوَاو بن تغلب بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَكسر اللَّام وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الْجُمُعَة فِي بَاب من قَالَ فِي الْخطْبَة بعد الثَّنَاء أما بعد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن معمر قَالَ حَدثنَا أَبُو عَاصِم عَن جرير بن حَازِم إِلَى آخِره قَوْله " كَأَنَّهُمْ عتبوا عَلَيْهِ " أَي لاموا قَالَ الْخَلِيل حَقِيقَة العتاب مُخَاطبَة الادلال ومذاكرة الموجدة قَوْله " ظلعهم لَيْسَ هُنَاكَ " وَإِنَّمَا هُنَاكَ لما رأى فِي قُلُوبهم من الْجزع والهلع والظلع بِفَتْح الظَّاء الْمُعْجَمَة وَاللَّام وبالعين الْمُهْملَة وَهُوَ الاعوجاج وأصل الظلع الْميل وَأطلق هَهُنَا على مرض الْقلب وَضعف الْيَقِين قَوْله " وجزعهم " بِالْجِيم وَالزَّاي قَوْله " وَأكل " أَي أفوض قَوْله " من الْغنى " بِالْكَسْرِ وَالْقصر بِلَفْظ ضد الْفقر فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره من الْغناء بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة ثمَّ نون ممدودة وَهُوَ الْكِفَايَة قَوْله " بِكَلِمَة رَسُول الله ﷺ َ - " أَي الَّتِي قَالَهَا فِي حَقه وَهِي إِدْخَاله فِي أهل الْخَيْر والغناء وَيُقَال المُرَاد الْكَلِمَة الَّتِي قَالَهَا فِي حق غَيره فَالْمَعْنى لَا أحب أَن يكون لي حمر النعم بَدَلا من الْكَلِمَة الْمَذْكُورَة الَّتِي لي أَو أَن يكون لي ذَلِك وتقال تِلْكَ الْكَلِمَة فِي حق غَيْرِي قَوْله " حمر النعم " قَالَ الْجَوْهَرِي النعم وَاحِد الانعام وَهُوَ المَال الراعية وَأكْثر مَا يَقع هَذَا الِاسْم على الْإِبِل والحمر بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم
(وَزَاد أَبُو عَاصِم عَن جرير قَالَ سَمِعت الْحسن يَقُول حَدثنَا عَمْرو بن تغلب أَن رَسُول الله ﷺ َ - أُتِي بِمَال أَو بسبي فَقَسمهُ بِهَذَا) أَبُو عَاصِم هُوَ الضَّحَّاك الْمَشْهُور بالنبيل أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ وَهَذَا من الْمَوَاضِع الَّتِي علق البُخَارِيّ عَن بعض شُيُوخه مَا بَينه وَبَينه وَاسِطَة وَسَاقه مَوْصُولا فِي أَوَاخِر الْجُمُعَة وَأدْخل بَينه وَبَين أبي عَاصِم وَاسِطَة حَيْثُ قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن معمر قَالَ حَدثنَا أَبُو عَاصِم عَن جرير بن حَازِم وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن وَهنا روى عَنهُ بِوَاسِطَة وَتارَة يرْوى بِلَا وَاسِطَة قَوْله أَو بسبي
стр. 4400
بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بِشَيْء بالشين الْمُعْجَمَة وَهُوَ أشمل وأعم من ذَلِك قَوْله " بِهَذَا " أَي بِهَذَا الَّذِي ذكر فِي الحَدِيث
٣٣ - (حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ َ - إِنِّي أعطي قُريْشًا أتألفهم لأَنهم حَدِيث عهد بجاهلية) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث مطولا ومختصرا فَأخْرجهُ فِي مَنَاقِب قُرَيْش عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَفِي الْمَغَازِي عَن بنْدَار عَن غنْدر وَفرق عَن أبي الْوَلِيد وآدَم على مَا يَجِيء قَوْله " أتألفهم " أَي أطلب ألفهم قَوْله " لأَنهم حَدِيث عهد " أَي قريب الْعَهْد بالْكفْر ويروى حديثوا عهد بِصِيغَة الْجمع والْحَدِيث على وزن فعيل يستوى فِيهِ الْمُذكر والمؤنث والمثنى وَالْجمع وَإِن كَانَ بِمَعْنى الْفَاعِل
٥٤ - (حَدثنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ أخبرنَا شُعَيْب قَالَ حَدثنَا الزُّهْرِيّ قَالَ أَخْبرنِي أنس بن مَالك أَن نَاسا من الْأَنْصَار قَالُوا لرَسُول الله ﷺ َ - حِين أَفَاء الله على رَسُوله ﷺ َ - من أَمْوَال هوَازن مَا أَفَاء فَطَفِقَ يُعْطي رجَالًا من قُرَيْش الْمِائَة من الْإِبِل فَقَالُوا يغْفر الله لرَسُول الله ﷺ َ - يُعْطي قُريْشًا ويدعنا وسيوفنا تقطر من دِمَائِهِمْ قَالَ أنس فَحدث رَسُول الله ﷺ َ - بمقالتهم فَأرْسل إِلَى الْأَنْصَار فَجَمعهُمْ فِي قبَّة من أَدَم وَلم يدع مَعَهم أحدا غَيرهم فَلَمَّا اجْتَمعُوا جَاءَهُم رَسُول الله ﷺ َ - فَقَالَ مَا كَانَ حَدِيث بَلغنِي عَنْكُم قَالَ لَهُ فقهاؤهم أما ذَوُو رَأينَا يَا رَسُول الله فَلم يَقُولُوا شَيْئا وَأما أنَاس منا حَدِيثَة أسنانهم فَقَالُوا يغْفر الله لرَسُول الله ﷺ َ - يُعْطي قُريْشًا وَيتْرك الْأَنْصَار وسيوفنا تقطر من دِمَائِهِمْ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - إِنِّي أعطي رجَالًا حَدِيث عَهدهم بِكفْر أما ترْضونَ أَن يذهب النَّاس بالأموال وترجعون إِلَى رحالكُمْ برَسُول الله ﷺ َ - فو الله مَا تنقلبون بِهِ خير مِمَّا يَنْقَلِبُون بِهِ قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله قد رَضِينَا فَقَالَ لَهُم إِنَّكُم سَتَرَوْنَ بعدِي أَثَرَة شَدِيدَة فَاصْبِرُوا حَتَّى تلقوا الله وَرَسُوله ﷺ َ - على الْحَوْض قَالَ أنس فَلم نصبر) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع قَوْله " فَطَفِقَ " بِمَعْنى أَخذ فِي الْفِعْل وَجعل يفعل وَهُوَ من أَفعَال المقاربة قَوْله " الْمِائَة من الْإِبِل " ذكر ابْن إِسْحَاق الَّذين أَعْطَاهُم رَسُول الله ﷺ َ - يَوْمئِذٍ مائَة من الْإِبِل يتألفهم ويتألف بهم قَومهمْ هم أَبُو سُفْيَان صَخْر بن حَرْب وَابْنه مُعَاوِيَة وَحَكِيم بن حزَام والْحَارث بن الْحَارِث بن كلدة والْحَارث بن هِشَام وَسَهل بن عَمْرو وَحُوَيْطِب بن عبد الْعُزَّى والْعَلَاء بن حَارِثَة الثَّقَفِيّ وعيينة بن حصن وَصَفوَان بن أُميَّة والأقرع بن حَابِس وَمَالك بن عَوْف النصري فَهَؤُلَاءِ أَصْحَاب المئين وَأعْطى دون الْمِائَة رجَالًا من قُرَيْش مِنْهُم مخرمَة بن نَوْفَل الزُّهْرِيّ وَعُمَيْر بن وهب الجُمَحِي وَهِشَام بن عمر وأخو بني عَامر قَالَ ابْن اسحاق لَا أحفظ مَا أَعْطَاهُم وَقد عرفت أَنَّهَا دون الْمِائَة وَأعْطى سعد بن يَرْبُوع بن عنكثة بن عَامر بن مَخْزُوم خمسين من الْإِبِل والسهمي كَذَلِك وَقَالَ ابْن هِشَام واسْمه عدي بن قيس وَأعْطى عَبَّاس بن مرداس أباعر قَليلَة وَقَالَ ابْن التِّين أَنهم فَوق الْأَرْبَعين وعد مِنْهُم عِكْرِمَة بن أبي جهل قَوْله " فَحدث رَسُول الله ﷺ َ - " على صِيغَة الْمَجْهُول أَي أخبر رَسُول الله ﷺ َ - مَا قَالَه أنَاس من الْأَنْصَار قَوْله " فقهاؤهم " أَي أَصْحَاب الْفَهم وَالْعلم واشتقاق الْفِقْه فِي الأَصْل من الْفَهم وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ مَا جعله الْعرف خَاصّا بِعلم الشَّرِيعَة وتخصيصا بِعلم -
стр. 4401
الْفُرُوع مِنْهَا. قَوْله: (أما ذَوُو رَأينَا) أَي: أما أَصْحَاب رَأينَا الَّذين ترجع إِلَيْهِم الْأُمُور فَلم يَقُولُوا شَيْئا من ذَلِك. قَوْله: (حَدِيثَة أسنانهم) أَرَادوا بهم الشبَّان الْجُهَّال الَّذين مَا تمكنوا من القَوْل بِالصَّوَابِ. وَقَوله: (أسنانهم) مَرْفُوع: بحَديثه. قَوْله: (إِلَى رجالكم) ، هُوَ جمع الرحل، وَهُوَ مسكن الرجل وَمَا يستصحبه من الْمَتَاع. قَوْله: (خير) أَي: رَسُول الله، ﷺ خير من المَال، قَوْله: (أَثَرَة) بِفَتْح الْهمزَة والثاء الْمُثَلَّثَة: وَهُوَ اسْم من آثر يُؤثر إيثاراً إِذا أعْطى يُقَال: اسْتَأْثر فلَان بالشَّيْء أَي: استبد بِهِ، وَأَرَادَ اسْتِقْلَال الْأُمَرَاء بالأموال وحرمانكم مِنْهَا، وَهَذَا مر فِي كتاب الشّرْب.
٨٤١٣ - حدَّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله الأوَيْسِيُّ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ صالِحٍ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ أخبرَني عُمَرُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ أنَّ مُحَمَّدَ بنَ جُبَيْرٍ قَالَ أخْبَرَني جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ أنَّهُ بَيْنا هُوَ مَعَ رسولِ الله ﷺ ومَعَهُ النَّاسُ مُقْبِلاً مِنْ حُنَيْنٍ علِقَتْ رسولَ الله ﷺ الأعْرَابُ يَسْألُونَهُ حتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ فوَقَفَ رسولُ الله ﷺ الأعْرابُ يَسْألُونَهُ حتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ فوَقَفَ رسولُ الله ﷺ فَقَالَ أعْطُونِي رِدَائي فَلَوْ كانَ عَدَدُ هَذِهِ العِضَاهِ نَعَماً لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوني بَخِيلاً ولَا كذُوباً وَلا جبَانَاً. (انْظُر الحَدِيث ١٢٨٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تستأنس من قَوْله: (لقسمتُه بَيْنكُم) وَإِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان.
والْحَدِيث مر فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب الشجَاعَة فِي الْحَرْب والجبن فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن عمر بن مُحَمَّد ... إِلَى آخِره.
قَوْله: (مُقبلا) ، نصب على الْحَال، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: مقفله أَي: مرجعه. قَوْله: (إِلَى سَمُرَة) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَضم الْمِيم: وَهِي شَجَرَة طَوِيل مُتَفَرِّقَة الرَّأْس قَليلَة الظل صَغِيرَة الْوَرق والشوك صلب الْخشب. قَوْله: (فخطفت رِدَاءَهُ) أَي: خطفت السمرَة على سَبِيل الْمجَاز أَو خطفت الْأَعْرَاب. قَوْله: (العضاه) هُوَ شجر الشوك كالطلح والعوسج والسدر، واحدتها: عضة، كشفة وشفاه، وَأَصلهَا عضهة وشفهة، فحذفت الْهَاء وَقيل: وَاحِدهَا عضاهة، وَقد مر تَحْقِيق الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٩٤١٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا مالِكٌ عنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كُنْتُ أمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ فأدْرَكَهُ أعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً حتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عاتِقِ النَّبيِّ ﷺ قَدْ أثَرْتَ بِهِ حاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جذْبَتِهِ ثُمَّ قالَ مُرْ لِي مِنْ مالِ الله الَّذِي عِنْدَكَ فالْتَفَتَ إلَيْهِ فضَحِكَ ثُمَّ أمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ ﷺ أعْطى لهَذَا الْأَعرَابِي مَعَ إساءته فِي حَقه ﷺ تألفاً لَهُ، وَإِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة أَبُو يحيى الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس وَفِي الْأَدَب عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله الأويسي. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن عَمْرو بن مُحَمَّد النَّاقِد وَعَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي اللبَاس عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى بِهِ مُخْتَصرا.
قَوْله: (وَعَلِيهِ برد نجراني) الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَالْبرد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهُوَ نوع من الثِّيَاب مَعْرُوف، وَالْجمع أبراد وبرود، ونجراني: بالنُّون الْمَفْتُوحَة وَسُكُون الْجِيم وبالراء: نِسْبَة إِلَى نَجْرَان، بلد بِالْيمن. قَوْله: (إِلَى صفحة عاتق النَّبِي ﷺ ، صفح كل شَيْء وَجهه وناحيته، والعاتق مَا بَين الْمنْكب والعنق. قَوْله: (جذبة) ، الجذبة والجبذة بِمَعْنى وَاحِد.
وَفِيه: لطف رَسُول الله، ﷺ وحلمه وَكَرمه، وَأَنه لعلى خلق عَظِيم.
٠٥١٣ - حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ أبِي وَائِلٍ عنْ عَبْدِ الله
стр. 4402
رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ لَمَّا كانَ يَوْمَ حُنَيْنٍ آثَرَ النَّبِيُّ ﷺ أُناساً فِي القِسْمَةِ فأعْطَى الأقْرعَ بنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الإبلِ وأعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ وأعْطَى أُنَاساً مِنْ أشْرَافِ العَرَبِ فآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي القِسْمَةِ قَالَ رَجُلٌ وَالله إنَّ هَذِهِ القِسْمَةَ مَا عُدِلَ فِيها وَمَا أُرِيدَ بِهَا وجْهُ الله فَقُلْتُ وَالله لأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فأتَيْتُهُ فأخْبَرْتُهُ فَقَالَ فَمَنْ يَعْدِلُ إذَا لَمْ يَعْدِلِ الله ورسُولُهُ رَحِمَ الله مُوساى قدْ أُوذِيَ بِأكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَجَرِير بِفَتْح الْجِيم ابْن عبد الحميد، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي عَن قُتَيْبَة، وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن زُهَيْر بن حَرْب.
قَوْله: (آثر) بِالْمدِّ أَي: اخْتَار أُنَاسًا فِي الْقِسْمَة بِالزِّيَادَةِ، والأقرع بن حَابِس، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره سين مُهْملَة: ابْن عقال بن مُحَمَّد بن سُفْيَان بن مجاشع التَّمِيمِي الْمُجَاشِعِي الدَّارمِيّ، أحد الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم، وَكَانَ الْأَقْرَع وعيينة بن حصن شَهدا مَعَ رَسُول الله، ﷺ فتح مَكَّة وحنيناً والطائف، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: قَالَ ابْن دُرَيْد: اسْمه فرَاش، ولقبه الْأَقْرَع لقرع بِرَأْسِهِ، وَكَانَ أحد الْأَشْرَاف وَاسْتَعْملهُ عبد الله بن عَامر على جَيش سيَّره إِلَى خُرَاسَان فأصيب هُوَ والجيش بجوزجان، وعيينة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف الأولى وَسُكُون الثَّانِيَة أَبُو حصن بن حُذَيْفَة بن بدر الْفَزارِيّ من الْمُؤَلّفَة، قَالَ الذَّهَبِيّ: وَكَانَ أَحمَق مُطَاعًا، دخل على النَّبِي ﷺ بِغَيْر إِذن وأساء الْأَدَب، فَصَبر النَّبِي ﷺ على جفوته وأعرابيته، وَقد ارْتَدَّ وآمن بطليحة ثمَّ أسر فمنَّ عَلَيْهِ الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ لم يزل مظْهرا لِلْإِسْلَامِ، واسْمه حُذَيْفَة ولقبه عُيَيْنَة لشتر عينه. قَوْله: (فَقَالَ رجل)
. قَوْله: (أَو مَا أُرِيد فِيهَا) أَي: فِي هَذِه الْقِسْمَة، وَكلمَة: أَو، شكّ من الرَّاوِي وَفِي مُسلم بِالْوَاو من غير شكّ. قَوْله: (فَأَخْبَرته) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم بعده: بِمَا قَالَ، قَالَ: فَتغير وَجهه حَتَّى كَانَ كالصرف، بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَفِي آخِره فَاء، وَهُوَ صبغ أَحْمَر يصْبغ بِهِ الْجُلُود، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: وَقد يُسمى الدَّم صرفا، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ: قَالَ: فَأتيت النَّبِي ﷺ فساررته فَغَضب من ذَلِك غَضبا شَدِيدا واحمرَّ وَجهه حَتَّى تمنيت أَنِّي لم أذكر لَهُ، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: حكم الشَّرْع أَن من سبّ النَّبِي ﷺ كفر وَقتل، وَلم يذكر فِي هَذَا الحَدِيث أَن الرجل قتل، وَقَالَ الْمَازرِيّ: يحْتَمل أَن يكون لم يفهم مِنْهُ الطعْن فِي النُّبُوَّة، وَإِنَّمَا نسبه إِلَى ترك الْعدْل فِي الْقِسْمَة فَلَعَلَّهُ، ﷺ ، لم يُعَاقب هَذَا الرجل لِأَنَّهُ لم يثبت عَلَيْهِ ذَلِك، وَإِنَّمَا نَقله عَنهُ وَاحِد، وبشهادة الْوَاحِد لَا يراق الدَّم. قَوْله: (أوذي) ، على صِيغَة الْمَجْهُول.
١٥١٣ - حدَّثنا مَحْمُودُ بنُ غَيْلَانِ قالَ حدَّثنا أبُو أسَامَةَ قَالَ حدَّثنا هِشامٌ قَالَ أخْبَرَنِي أبي عنْ أسْمَاءَ ابْنَةِ أبي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قالَتْ كُنْتُ أنْقُلُ النَّوَى مِنْ أرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أقْطَعَهُ رسُولُ الله ﷺ علَى رَأسِي وهْيَ مِنِّي علَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ. (الحَدِيث ١٥١٣ طرفه فِي: ٤٢٢٥) .
وَجه الْمُطَابقَة بَينه وَبَين قَوْله فِي التَّرْجَمَة: وَغَيرهم، أَي: وَغير الْمُؤَلّفَة، وَفِي قَوْله: وَغَيره، أَي: وَغير الْخمس يُؤْخَذ من هَذَا وَفِيه دقة.
وغيلان، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة ابْن الزبير بن الْعَوام.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ مطولا فِي النِّكَاح وَلم يذكر هُنَا إلَاّ قصَّة النَّوَوِيّ. وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَفِي الاسْتِئْذَان عَن أبي كريب، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن مُحَمَّد بن عبد الله
стр. 4403
ابْن الْمُبَارك.
قَوْله: (أقطعه) أَي: أعطَاهُ قِطْعَة من الْأَرَاضِي الَّتِي جعلت الْأَنْصَار لرَسُول الله، ﷺ ، حِين قدم الْمَدِينَة، أَو من أَرَاضِي بني النَّضِير، كَمَا فِي الحَدِيث بعده. قَوْله: (على رَأْسِي) ، يتَعَلَّق بقوله: انقل. قَوْله: (وَهِي) ، أَي الأَرْض الَّتِي أقطعه.
وَقَالَ أبُو ضَمْرَةَ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أقْطَعَ الزُّبَيْرَ أرْضَاً مِنْ أمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ
أَبُو ضَمرَة، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم وبالراء: اسْمه أنس بن عِيَاض، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. وَأَشَارَ بِهَذَا التَّعْلِيق إِلَى أَن أَبَا ضَمرَة خَالف أُسَامَة فِي وَصله فَأرْسلهُ كَمَا نرى، وَأَيْضًا فِيهِ تعْيين الأَرْض الْمَذْكُورَة وَأَنَّهَا كَانَت مِمَّا أَفَاء الله تَعَالَى على رَسُوله، ﷺ ، من أَمْوَال بني النَّضِير، فأقطع الزبير مِنْهَا، وَبِهَذَا يُجَاب عَن إِشْكَال الْخطابِيّ حَيْثُ قَالَ: لَا أَدْرِي كَيفَ أقطع النَّبِي ﷺ ، أَرض الْمَدِينَة وَأَهْلهَا قد أَسْلمُوا راغبين فِي الدّين إلَاّ أَن يكون المُرَاد مَا وَقع من الْأَنْصَار أَنهم جعلُوا للنَّبِي، ﷺ ، مَا لَا يبلغهُ المَاء من أَرضهم فأقطع النَّبِي ﷺ لمن شَاءَ مِنْهُ.
٢٥١٣ - حدَّثني أحْمَدُ بنُ الْمِقْدَامِ قَالَ حدَّثنا الْفُضَيْلُ بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثنا مُوسى بنُ عُقْبَةَ قَالَ أخبرَنِي نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ أجْلَى الْيَهُودَ والنَّصارى مِنْ أرْضِ الحِجَازِ وكانَ رسولُ الله ﷺ لَمَّا ظَهرَ على أهْلِ خَيْبَرَ أرادَ أنْ يُخْرِجَ اليَهُودَ مِنها وكانَتِ الأرْضُ لَمَّا ظَهَرَ علَيْهَا لِلْيَهُودَ ولِلْرَّسُولِ ولِلْمُسْلِمِينَ فَسأل الْيَهُودُ رسولَ الله ﷺ أَن يَتْرُكَهُمْ علَى أنْ يَكفُوا العَملَ ولَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ فَقالَ رسولُ الله ﷺ نُقِرُّكُمْ على ذَلِكَ مَا شِئْنَا فأُقِرُّوا حَتَّى أجْلاهُمْ عُمَرُ فِي إمارَتِهِ إِلَى تَيْماءَ وأرِيحا. .
قيل: لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة هُنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ للعطاء فِيهِ ذكر. وَأجِيب: بِأَن فِيهِ جِهَات قد علم من مَكَان آخر أَنَّهَا كَانَت جِهَات عَطاء، فَبِهَذَا الطَّرِيق يدْخل تَحت التَّرْجَمَة.
وَأحمد بن الْمِقْدَام بن سُلَيْمَان الْعجلِيّ الْبَصْرِيّ، والفضيل مصغر فضل النميري الْبَصْرِيّ.
وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الْمُزَارعَة فِي: بَاب إِذا قَالَ رب الأَرْض أقرك بِمَا أقرك الله، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ مطولا عَن أَحْمد بن الْمِقْدَام عَن فُضَيْل بن سُلَيْمَان عَن مُوسَى عَن نَافِع عَن ابْن عمر ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (أجلى الْيَهُود وَالنَّصَارَى) ، أَي: أخرجهم من وطنهم، يُقَال: أجليت الْقَوْم عَن وطنهم وجلوتهم، وجلى الْقَوْم وأجلوا وجلوا، وَإِنَّمَا فعل هَذَا عمر لقَوْله ﷺ : لَا يبْقين دينان بِجَزِيرَة الْعَرَب، وَالصديق اشْتغل عَنهُ بِقِتَال أهل الرِّدَّة، أَو لم يبلغهُ الْخَبَر، وَالله أعلم. قَوْله: (للْيَهُود وَلِلرَّسُولِ وللمسلمين) هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة ابْن السكن: لما ظهر عَلَيْهَا لله وَلِلرَّسُولِ، قيل: هَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَقَالَ ابْن أبي صفرَة: وَالَّذِي فِي الأَصْل صَحِيح أَيْضا، قَالَ: وَالْمرَاد بقوله: (لما ظهر عَلَيْهَا) ، أَي: لما ظهر على فتح أَكْثَرهَا قبل أَن يسْأَله الْيَهُود أَن يصالحوه فَكَانَت للْيَهُود، فَلَمَّا صَالحهمْ على أَن يسلمُوا لَهُ الأَرْض كَانَت لله وَلِلرَّسُولِ، وَيحْتَمل أَن يكون على حذف مُضَاف أَي: ثَمَرَة الأَرْض، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِالْأَرْضِ مَا هِيَ أَعم من المفتتحة وَغير المفتتحة، وَالْمرَاد بظهوره عَلَيْهَا: غلبته لَهُم، فَكَانَت حِينَئِذٍ بعض الأَرْض للْيَهُود وَبَعضهَا للرسول وللمسلمين. قَوْله: (نقرَّكم) من التَّقْرِير، هَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: نترككم. قَوْله: (تيماء) ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالمد، قَالَ ابْن قرقول هِيَ من أُمَّهَات الْقرى على الْبَحْر من بِلَاد طَيء، مِنْهَا يخرج إِلَى الشَّام. وَقَالَ الْبكْرِيّ: قَالَ السكونِي: ترتحل من الْمَدِينَة وَأَنت تُرِيدُ تيماء فتنزل الصَّهْبَاء لأشجع، ثمَّ تنزل الثمدى لأشجع، ثمَّ تنزل الْعين ثمَّ سلاج لبني عذرة، ثمَّ تسير ثَلَاث لَيَال فِي الجناب ثمَّ تنزل تيماء، وَهُوَ لطي، قَوْله: (وأريحاء) ، بِفَتْح
стр. 4404
الْهمزَة وَكسر الرَّاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة، قَالَ الْبكْرِيّ: أرِيحَا قَرْيَة بِالشَّام وَهِي أَرض سميت بأريحا بن لمك بن أرفخشذ بن سَام ابْن نوح، ﵇، وَالله تَعَالَى أعلم.
٠٢ - (بابُ مَا يُصِيبُ مِنَ الطَّعامِ فِي أرْضِ الحَرْبِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم مَا يُصِيب الْمُجَاهِد من الطَّعَام فِي دَار الْحَرْب هَل يُؤْخَذ مِنْهُ الْخمس أَو هَل يُبَاح أكله للغزاة؟ وَفِيه خلاف، فَعِنْدَ الْجُمْهُور: لَا بَأْس بِأَكْل الطَّعَام فِي دَار الْحَرْب بِغَيْر إِذن الإِمَام مَا داموا فِيهَا فَيَأْكُلُونَ مِنْهُ قدر حَاجتهم، وَلَا بَأْس بِذبح الْبَقر وَالْغنم قبل أَن يَقع فِي المقاسم، هَذَا قَول اللَّيْث وَالْأَرْبَعَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق، وَاتَّفَقُوا أَيْضا على جَوَاز ركُوب دوابهم وَلبس ثِيَابهمْ وَاسْتِعْمَال سِلَاحهمْ حَال الْحَرْب، ورده بعد انْقِضَاء الْحَرْب، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: لَا يَأْخُذ شَيْئا من الطَّعَام وَغَيره إلَاّ بِإِذن الإِمَام، وَقَالَ سُلَيْمَان بن مُوسَى: يَأْخُذ إلَاّ أَن ينْهَى الإِمَام.
٣٥١٣ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ حُمَيْدِ بنِ هِلالٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ مُغَفَّلٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كُنَّا مُحَاصِرِينَ قَصْرَ خَيْبَرَ فرَمَى إنْسَانٌ بِجِرَابٍ فِيهِ شَحْمٌ فنَزَوْت لآِخُذَهُ فالْتَفَتُّ فإذَا النَّبِيُّ ﷺ فاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي ﷺ رَآهُ وَلم يُنكر عَلَيْهِ. فَإِن قلت: قَالَ: (فنزوت لآخذه) وَلَيْسَ فِيهِ أَنه أَخذه حَتَّى يَتَأَتَّى عدم الأنكار. قلت: جَاءَ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة عَن حميد بن هِلَال عَن عبد الله بن مُغفل، قَالَ: أصبت جراباً من شَحم يَوْم خَيْبَر، قَالَ: فالتزمته فَقلت: لَا أعطي الْيَوْم أحدا من هَذَا شَيْئا. رَوَاهُ مُسلم عَن شَيبَان بن فروخ عَن سُلَيْمَان ابْن الْمُغيرَة.
وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَعبد الله بن مُغفل بالغين الْمُعْجَمَة وَالْفَاء.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي وَفِي الذَّبَائِح عَن أبي الْوَلِيد وَفِي الْمَغَازِي أَيْضا عَن عبد الله بن مُحَمَّد. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن بنْدَار عَن سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل والقعنبي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الذَّبَائِح عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم.
قَوْله: (بجراب) ، هُوَ: المزود، وَقَالَ الْقَزاز: هُوَ بِفَتْح الْجِيم وَهُوَ وعَاء من جُلُود، وَفِي (غرائب الْمُدَوَّنَة) : هُوَ بِكَسْر الْجِيم وَفتحهَا. وَقَالَ صَاحب (الْمُنْتَهى) : الجراب، بِالْكَسْرِ والعامة تفتحه، وَجمعه: أجربة وجُرب بِإِسْكَان الرَّاء وَفتحهَا. قَوْله: (فنزوت) ، بالنُّون وَالزَّاي أَي: وَثَبت مسرعاً. قَوْله: (فَإِذا النَّبِي، ﷺ أَي: هُنَاكَ وَنَحْوه، لِأَن كلمة: إِذا، الَّتِي للمفاجأة تقع بعْدهَا الْجُمْلَة. قَوْله: (فَاسْتَحْيَيْت مِنْهُ) ، أَي: من النَّبِي ﷺ ، إراد أَنه استحيى مِنْهُ من فعل ذَلِك.
وَفِيه: إِشَارَة إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ من توقير النَّبِي ﷺ ، وَمن الْإِعْرَاض عَن خوارم الْمُرُوءَة. وَفِيه: جَوَاز أكل الشحوم الَّتِي تُوجد عِنْد الْيَهُود، وكات مُحرمَة عَلَيْهِم وكرهها مَالك وَعنهُ تَحْرِيمهَا، وَكَذَا عَن أَحْمد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٤٥١٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أيُّوبَ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ كُنَّا نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا العَسَلَ والعِنَبَ فنَأكُلُهُ وَلَا نَرْفَعُهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. قَوْله: (الْعَسَل) بِالنّصب مفعول: نصيب، وَعند أبي نعيم من رِوَايَة يُونُس بن مُحَمَّد، وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة أَحْمد بن إِبْرَاهِيم، كِلَاهُمَا عَن حَمَّاد بن زيد فَزَاد فِيهِ: والفواكه، وروى الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضا من طَرِيق ابْن الْمُبَارك عَن حَمَّاد بن زيد بِلَفْظ: كُنَّا نصيب الْعَسَل وَالسمن فِي الْمَغَازِي فنأكله، وَمن طَرِيق جرير بن حَازِم عَن أَيُّوب، بِلَفْظ: أصبْنَا طَعَاما وأغناماً يَوْم اليرموك، وَهَذَا مَوْقُوف يُوَافق الْمَرْفُوع، لِأَن يَوْم اليرموك كَانَ بعد النَّبِي ﷺ ، قَوْله: (وَلَا نرفعه) ، أَي: وَلَا نحمله للادخار. قيل: وَيحْتَمل أَن يُرِيد، وَلَا نرفعه إِلَى مُتَوَلِّي الْقِسْمَة أَو إِلَى النَّبِي ﷺ لأجل الاسْتِئْذَان، وَفِيه مَا فِيهِ.
٤٥١٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أيُّوبَ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ كُنَّا نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا العَسَلَ والعِنَبَ فنَأكُلُهُ وَلَا نَرْفَعُهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. قَوْله: (الْعَسَل) بِالنّصب مفعول: نصيب، وَعند أبي نعيم من رِوَايَة يُونُس بن مُحَمَّد، وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة أَحْمد بن إِبْرَاهِيم، كِلَاهُمَا عَن حَمَّاد بن زيد فَزَاد فِيهِ: والفواكه، وروى الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضا من طَرِيق ابْن الْمُبَارك عَن حَمَّاد بن زيد بِلَفْظ: كُنَّا نصيب الْعَسَل وَالسمن فِي الْمَغَازِي فنأكله، وَمن طَرِيق جرير بن حَازِم عَن أَيُّوب، بِلَفْظ: أصبْنَا طَعَاما وأغناماً يَوْم اليرموك، وَهَذَا مَوْقُوف يُوَافق الْمَرْفُوع، لِأَن يَوْم اليرموك كَانَ بعد النَّبِي ﷺ ، قَوْله: (وَلَا نرفعه) ، أَي: وَلَا نحمله للادخار. قيل: وَيحْتَمل أَن يُرِيد، وَلَا نرفعه إِلَى مُتَوَلِّي الْقِسْمَة أَو إِلَى النَّبِي ﷺ لأجل الاسْتِئْذَان، وَفِيه مَا فِيهِ.
стр. 4405
٥٥١٣ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حدَّثنا الشَّيْبَانِي قَالَ سَمِعْتُ ابنَ أبِي أوْفَى رَضِي الله تَعَالَى عنهُما يَقُولُ أصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ لَيَالِيَ خَيْبَرَ فلَمَّا كانَ يَوْمُ خَيْبَرَ وقَعْنَا فِي الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ فانْتَحَرْنَاهَا فلَمَّا غَلَتِ القُدُورُ نادَى مُنادي رَسُول الله، ﷺ اكْفِؤُوا القُدُورَ فَلا تَطْعَمُوا مِنْ لُحُومِ الحُمْرِ شَيْئاً: قَالَ عَبْدُ الله فَقُلْنَا إنَّما نَهَى النَّبِيُّ ﷺ لأِنَّهَا لَمْ تُخَمَّسْ قَالَ وَقَالَ آخَرُونع حَرَّمَهَا البَتَّةَ وسألْتُ سَعِيدَ بنَ جُبَيْرٍ فَقَالَ حَرَّمَهَا البَتَّةَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن عَادَتهم جرت بالإسراع إِلَى المأكولات، وَلَوْلَا ذَلِك مَا أقدموا بِحَضْرَة النَّبِي ﷺ على ذَلِك، فَلَمَّا أمروا بالإراقة كفوا.
وَعبد الْوَاحِد بن زِيَاد الْعَبْدي الْبَصْرِيّ، والشيباني، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالباء الْمُوَحدَة وَالنُّون: هُوَ سُلَيْمَان بن أبي سُلَيْمَان، واسْمه فَيْرُوز الْكُوفِي وَابْن أبي أوفى هُوَ عبد الله بن أبي أوفى، وَاسم أبي أوفى: عَلْقَمَة.
وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن سعيد بن سُلَيْمَان. وَأخرجه مُسلم فِي الذَّبَائِح عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن أبي كَامِل الجحدري، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّيْد عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد الْمقري. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الذَّبَائِح عَن سُوَيْد بن سعيد.
قَوْله: (مجاعَة) أَي: جوع شَدِيد. قَوْله: (اكفوا) ، أَي: إقلبوا، من: كفأت الْقدر إِذا كببتها لتفرغ مَا فِيهَا، وكفأت الْإِنَاء وأكفأته إِذا كببته وَإِذا أملته. قَوْله: (وَلَا تطعموا) أَي: وَلَا تذوقوا. قَوْله: (قَالَ عبد الله) ، هُوَ عبد الله بن أبي أوفى الصَّحَابِيّ رَاوِي الحَدِيث، وَبَين ذَلِك فِي الْمَغَازِي من وَجه آخر عَن الشَّيْبَانِيّ، بِلَفْظ: قَالَ ابْن أبي أوفى: فتحدثنا ... فَذكر نَحوه، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق عَليّ بن مسْهر عَن الشَّيْبَانِيّ، قَالَ: فتحدثنا بَيْننَا ... أَي: الصَّحَابَة، وَهَذِه إِشَارَة إِلَى أَن الصَّحَابَة اخْتلفُوا فِي عِلّة النَّهْي عَن لُحُوم الْحمر: هَل هُوَ لذاتها أَو لعَارض؟ فَقَالَ عبد الله: إِنَّمَا نهى النَّبِي ﷺ لِأَنَّهَا لم تخمس، فَهَذَا يدل على أَنَّهَا إِذا خمست تُؤْكَل. وَقَالَ بَعضهم: لِأَنَّهَا كَانَت تَأْكُل القذر، وَفِي (كتاب الْأَطْعِمَة) لعُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ، بِإِسْنَادِهِ عَن سعيد بن جُبَير، قَالَ: إِنَّمَا نهى عَنْهَا لِأَنَّهَا كَانَت تَأْكُل القذر، وَقَالَ آخَرُونَ، مِنْهُم عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، قَالَ: إِنَّمَا كرهت ابقاء على الظّهْر وخشية أَن يفنى. قَوْله: (وَقَالَ آخَرُونَ: حرمهَا أَلْبَتَّة) ، أَي: قَالَ جمَاعَة آخَرُونَ من الصَّحَابَة: حرمهَا الْبَتَّةَ، يَعْنِي قطعا، وَهُوَ مَنْصُوب على المصدرية، يُقَال: بته الْبَتَّةَ من الْبَتّ، وَهُوَ الْقطع. قَوْله: (وَسَأَلت سعيد ابْن جُبَير) ، السَّائِل هُوَ الشَّيْبَانِيّ، وللشيباني رِوَايَة عَن سعيد بن جُبَير من غير هَذَا الحَدِيث عِنْد النَّسَائِيّ. فَإِن قلت: روى ابْن شاهين فِي (ناسخه) اسْتِدْلَالا على نسخ التَّحْرِيم بأسناد جيد عَن الْبَراء بن عَازِب، قَالَ: أمرنَا رَسُول الله، ﷺ يَوْم خَيْبَر أَن نكفيء الْحمر الْأَهْلِيَّة نيئة ونضيجة، ثمَّ أَمر ...
. . بعد ذَلِك، وروى أَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث غَالب بن أبجر أَنه قَالَ: يَا رَسُول الله ﴿لم يبْق فِي مَالِي شيى أطْعم أَهلِي إلَاّ حمر لي﴾ فَقَالَ: أطْعم أهلك من سمين مَالك. قلت: الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الثَّابِتَة ترد ذَلِك كُله، وَقَالَ الْخطابِيّ: حَدِيث غَالب مُخْتَلف فِي إِسْنَاده فَلَا يثبت، وَالنَّهْي ثَابت، وَقَالَ عبد الْحق: لَيْسَ هُوَ بِمُتَّصِل الْإِسْنَاد، وَقَالَ السُّهيْلي: ضَعِيف لَا يُعَارض بِمثلِهِ حَدِيث النَّهْي.
بِسم الله الرحمان الرَّحِيم
٨٥ - (كِتَابُ الْجِزْيَةِ والْمُوَادَعَةِ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ والحَرْبِ)
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الْجِزْيَة إِلَى آخِره، وَلَفظ: الْكتاب، إِنَّمَا وَقع عِنْد أبي نعيم وَابْن بطال وَعند الْأَكْثَرين: بَاب الْجِزْيَة، وَأما الْبَسْمَلَة فموجودة عِنْد الْكل إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر، والجزية من الْجَزَاء: لِأَنَّهَا مَال يُؤْخَذ من أهل الْكتاب جَزَاء الإسكان فِي دَار الْإِسْلَام، وَقيل: من جزأت الشَّيْء إِذا قسمته، ثمَّ سهلت الْهمزَة، وَهِي عبارَة عَن المَال الَّذِي يعْقد للكتابي عَلَيْهِ الذِّمَّة، وَهِي فعيلة من الْجَزَاء، كَأَنَّهَا جزت عَن قَتله، وَالْمُوَادَعَة المتاركة، وَالْمرَاد بهَا متاركة أهل الْحَرْب مُدَّة مُعينَة لمصْلحَة، قيل: فِيهِ لف وَنشر مُرَتّب لِأَن الْجِزْيَة مَعَ أهل الذِّمَّة وَالْمُوَادَعَة مَعَ أهل الْحَرْب.
стр. 4406
وقَوْلِ الله تعَالى ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّه وَلَا بالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله ورسُولَهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ منَ الَّذِينَ أوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عنْ يَد وهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التَّوْبَة: ٩٢) .
وَقَول الله، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: الْجِزْيَة، أَي: وَفِي بَيَان قَول الله . ومطابقة الْآيَة الْكَرِيمَة للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ﴿حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون﴾ (التَّوْبَة: ٩٢) . وَهَذِه الْآيَة أول الْأَمر بِقِتَال أهل الْكتاب بَعْدَمَا تمهدت أُمُور الْمُشْركين وَدخل النَّاس فِي دين الله أَفْوَاجًا واستقامت جَزِيرَة الْعَرَب، أَمر الله وَرَسُوله بِقِتَال أهل الْكِتَابَيْنِ: الْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَكَانَ ذَلِك فِي سنة تسع، وَلِهَذَا جهز رَسُول الله، ﷺ لقِتَال الرّوم ودعا النَّاس إِلَى ذَلِك، وَبعث إِلَى أَحيَاء الْعَرَب حول الْمَدِينَة فندبهم فأوعبوا مَعَه، وَاجْتمعَ من الْمُقَاتلَة نَحْو من ثَلَاثِينَ ألفا، وتخلف بعض النَّاس من أهل الْمَدِينَة وَمن حولهَا من الْمُنَافِقين وَغَيرهم، وَكَانَ ذَلِك فِي عَام جَدب وَوقت قيظ وحر، وَخرج رَسُول الله، ﷺ يُرِيد الشَّام لقِتَال الرّوم، فَبلغ تَبُوك فَنزل بهَا وَأقَام على مَائِهَا قَرِيبا من عشْرين يَوْمًا، ثمَّ استخار الله تَعَالَى فِي الرُّجُوع فَرجع لضيق الْحَال وَضعف النَّاس. قَوْله: ﴿حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة﴾ (التَّوْبَة: ٩٢) . أَي: إِن لم يسلمُوا. قَوْله: ﴿عَن يَد﴾ (التَّوْبَة: ٩٢) . أَي: عَن قهر وَغَلَبَة. ﴿وهم صاغرون﴾ (التَّوْبَة: ٩٢) . أَي: ذليلون حقيرون مهانون، فَلهَذَا لَا يجوز إعزازهم لَا رفعهم على الْمُسلمين، بل أذلاء أشقياء.
أذِلَاّءُ
هَذَا تَفْسِير البُخَارِيّ لقَوْله تَعَالَى: ﴿وهم صاغرون﴾ (التَّوْبَة: ٩٢) . وَذكر أَبُو عبيد فِي (الْمجَاز) : الصاغر الذَّلِيل الحقير.
والْمَسْكَنَةُ مَصْدَر المِسْكِينُ يُقال: أسْكُنُ مِنْ فُلانٍ أحْوَجُ مِنْهُ ولَمْ يَذْهَبْ إِلَى السُّكونِ
وَجه ذكر البُخَارِيّ لفظ المسكنة هُنَا هُوَ أَن عَادَته أَنه يذكر أَلْفَاظ الْقُرْآن الَّتِي لَهَا أدنى مُنَاسبَة بَينهَا وَبَين مَا هُوَ الْمَقْصُود فِي الْبَاب، ويفسرها. وَقد ورد فِي حق أهل الْكتاب قَوْله تَعَالَى: ﴿وَضربت عَلَيْهِم الذلة والمسكنة﴾ (الْبَقَرَة: ١٦) . فَقَالَ: والمسكنة مصدر الْمِسْكِين. قلت: المسكنة الْفقر المدقع، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: المسكنة فقر النَّفس، فَإِن كَانَ مُرَاد البُخَارِيّ من الْمصدر الاصطلاحي فَلَا يَصح على مَا لَا يخفى، وَإِن كَانَ مُرَاده الْموضع فَكَذَلِك، لِأَنَّهُ لَا يُقَال: المسكنة مَوضِع صُدُور الْمِسْكِين. قَوْله: (أسكن من فلَان أحْوج مِنْهُ) ، إِشَارَة إِلَى أَن الْمِسْكِين يُؤْخَذ من قَوْلهم: فلَان أسكن من فلَان، أَي: أحْوج، وَلَيْسَ من السّكُون الَّذِي هُوَ قلَّة الْحَرَكَة، وَهَذَا الْكَلَام فِيهِ مَا فِيهِ أَيْضا، لِأَن المسكنة والمسكين وَمَا يشتق من ذَلِك فِي هَذَا الْبَاب كلهَا من السّكُون، وَقَالَ بَعضهم: وَالْقَائِل: وَلم يذهب إِلَى الكسون، قيل: هُوَ الْفربرِي الرَّاوِي عَن البُخَارِيّ. قلت: من قَالَ مِمَّن تصدى شرح البُخَارِيّ أَو من غَيرهم إِن قَائِل هَذَا هُوَ الْفربرِي، وَهَذَا تخمين وحدس، وَلَئِن سلمنَا أَن أحدا مِنْهُم ذكر هَذَا الْإِبْهَام فَلَا يُفِيد شَيْئا، لِأَن الْمُتَصَرف فِي مَادَّة خَارِجا عَن الْقَاعِدَة لَا يُؤْخَذ مِنْهُ، وَهَذَا مِمَّا لَا نزاع فِيهِ وَلَا مُكَابَرَة.
ومَا جاءَ فِي أخْذِ الجِزْيَةِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارَى والمَجُوسِ والعَجَمِ
أَي: وَفِي بَيَان مَا جَاءَ فِي أَخذ الْجِزْيَة ... إِلَى آخِره، وَهَذَا من بَقِيَّة التَّرْجَمَة. قَوْله: (والعجم) ، أَعم من الْمَعْطُوف عَلَيْهِ من وَجه وأخص من وَجه آخر، وَهَذَا الَّذِي ذكره هُوَ قَول أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِن عِنْده تُؤْخَذ الْجِزْيَة من جَمِيع الْأَعَاجِم، سَوَاء كَانُوا من أهل الْكتاب أَو من الْمُشْركين. وَعند الشَّافِعِي وَأحمد: لَا يُؤْخَذ إلَاّ من أهل الْكتاب، وَعند مَالك: يجوز أَن تضرب الْجِزْيَة على جَمِيع الْكفَّار من كتابي ومجوسي ووثني وَغير ذَلِك، إلَاّ من ارْتَدَّ، وَبِه قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وفقهاء الشَّام.
وقالَ ابنُ عُيَيْنَةَ عنِ ابنِ أبِي نَجِيحٍ قُلْتُ لِمُجَاهِدٍ مَا شأنُ أهْلِ الشَّامِ علَيْهِمْ أرْبَعَةُ دَنَانِيرَ وأهلُ اليَمَنِ علَيْهِمْ دِينَار قالَ جُعِلِ ذالِكَ مِنْ قِبَلِ الْيَسارِ
стр. 4407
ابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان، وَابْن أبي نجيح هُوَ عبد الله، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق عَنهُ بِهِ، وَزَاد بعد قَوْله: أهل الشَّام من أهل الْكتاب تُؤْخَذ مِنْهُم الْجِزْيَة. قَوْله: (من قبل الْيَسَار) ، أَي: من جِهَة الْغنى، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى جَوَاز التَّفَاوُت فِي الْجِزْيَة، وَقد عرف ذَلِك فِي الْفُرُوع.
٦٥١٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ قَالَ سَمِعْتُ عَمْراً قَالَ كُنْتُ جالِساً معَ جَابِرِ ابنِ زَيْدٍ وعَمْرُو بنُ أوْسٍ فحَدَّثَهُما بَجَالَةُ سَنة سَبْعِينَ عامَ حَجَّ مُصْعَبُ بنُ الزُّبَيْرِ بِأهْلِ البَصْرَةِ عِنْدَ درَجِ زَمْزَمَ قَالَ كُنْتُ كاتِباً لِجزْءٍ بنِ مُعاوِيَةَ عَمِّ الأحْنَفِ فَأَتَانَا كِتابُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ فَرِّقُوا بَيْنَ كلِّ ذِي مَحْرَمٍ مِنَ الْمَجُوسِ ولَمْ يَكُنْ عُمَرُ أخَذَ الجِزْيَةَ مِنَ المَجُوسِ حَتَّى شهد عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَن رَسُول الله ﷺ َ - أَخذهَا من مجوس هجر) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله وَالْمَجُوس. (ذكر رِجَاله) الرِّجَال المذكورون فِيهِ أحد عشر نفسا الأول عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ الثَّانِي سُفْيَان بن عُيَيْنَة الثَّالِث عَمْرو بن دِينَار الرَّابِع جَابر بن زيد أَبُو الشعْثَاء الْبَصْرِيّ الْخَامِس عَمْرو بن أَوْس بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْوَاو وَفِي آخِره سين مُهْملَة الثَّقَفِيّ الْمَكِّيّ السَّادِس بجالة بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْجِيم بِاللَّامِ ابْن عَبدة بالمهملتين وَالْبَاء الْمُوَحدَة المفتوحات التَّمِيمِي وَقد يُقَال بجالة بن عبد بِسُكُون الْبَاء بِلَا هَاء وَهُوَ من التَّابِعين الْكِبَار الْمَشْهُورين من أهل الْبَصْرَة السَّابِع مُصعب بن الزبير بن الْعَوام أَبُو عبد الله من الطَّبَقَة الثَّانِيَة من التَّابِعين من أهل الْمَدِينَة وَكَانَ يُجَالس أَبَا هُرَيْرَة وَحكى عَن عمر بن الْخطاب وروى عَن أَبِيه الزبير بن الْعَوام وَسعد وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَكَانَ يُقَال لَهُ النَّحْل لجوده وَكَانَ جميلا وسيما شجاعا وَولي الْعرَاق خمس سِنِين فَأصَاب ألف ألف وَألف ألف وَألف ألف ففرقها فِي النَّاس قتل يَوْم الْخَمِيس النّصْف من جُمَادَى الْأُخْرَى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَسنة خمس وَثَلَاثُونَ سنة وَقيل تسع وَثَلَاثُونَ وَقيل أَرْبَعُونَ وَقيل خمس وَأَرْبَعُونَ وَكَانَ قَتله عِنْد دير الجاثليق على شاطيء نهر يُقَال لَهُ دجيل وقبره مَعْرُوف هُنَاكَ وَكَانَ عبد الْملك بن مَرْوَان سَار فِي جنود هائلة من الشَّام فَالتقى مصعبا فِي السّنة الْمَذْكُورَة وَعبد الْملك فِي خمسين ألفا وَمصْعَب فِي ثَلَاثِينَ ألفا فَانْهَزَمَ جَيش مُصعب لنفاق جمَاعَة من عسكره وَقتل مِنْهُم خلق كثير وَقتل مُصعب قَتله زَائِدَة بن قدامَة وَقيل يزِيد بن الهبار الْقَابِسِيّ وَكَانَ من أَصْحَاب مُصعب وَنزل إِلَيْهِ عبيد الله بن ظبْيَان فَخر رَأسه وأتى بِهِ عبد الْملك فَأعْطَاهُ ألف دِينَار وَكَانَ فِي هَذِه الْأَيَّام عبد الله بن الزبير يدعى لَهُ بالخلافة فِي أَرض الْحجاز وَأَخُوهُ مُصعب كَانَ عَامله على الْبَصْرَة والكوفة الثَّامِن جُزْء بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الزَّاي وَفِي آخِره همزَة ابْن مُعَاوِيَة بن حُصَيْن بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة التَّمِيمِي السَّعْدِيّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ بِكَسْر الْجِيم وَسُكُون الزَّاي وبالياء آخر الْحُرُوف وَقَالَ ابْن مَاكُولَا بِفَتْح الْجِيم وَكسر الزَّاي وبالياء وَقيل بِضَم الْجِيم وَفتح الزَّاي وَتَشْديد الْيَاء وَقيل هَذَا تَصْحِيف وَقَالَ بَعضهم وَهُوَ مَعْدُود فِي الصَّحَابَة وَكَانَ عَامل عمر على الأهواز وَقَالَ أَبُو عمر فِي الِاسْتِيعَاب لَا يَصح لَهُ صُحْبَة التَّاسِع الْأَحْنَف بن قيس واسْمه الضَّحَّاك بن قيس وَقيل صَخْر بن قيس بن مُعَاوِيَة بن حُصَيْن بن عبَادَة بن النزال بن مرّة ابْن عبيد بن الْحَارِث بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن زيد مَنَاة التَّمِيمِي السَّعْدِيّ قَالَ أَبُو عمر أدْرك النَّبِي ﷺ َ - وَلم يره وَأسلم على عهد النَّبِي ﷺ َ - وَكَانَ أحد الأجلة الْحُكَمَاء الدهاة الحلماء الْعُقَلَاء يعد من كبار التَّابِعين بِالْبَصْرَةِ وَمَات بِالْكُوفَةِ فِي إِمَارَة مُصعب بن الزبير سنة سبع وَسِتِّينَ وَمَشى مُصعب فِي جنَازَته وَقَالَ الذَّهَبِيّ هُوَ مخضرم الْعَاشِر عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الْحَادِي عشر عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أحد المبشرة بِالْجنَّةِ (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَفِيه السماع فِي مَوضِع وَفِيه القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه عَمْرو بن دِينَار وَلَيْسَ لَهُ هُنَا رِوَايَة لِأَن بجالة لم يَقْصِدهُ بِالتَّحْدِيثِ وَإِنَّمَا حدث غَيره
стр. 4408
فَسَمعهُ هَذَا وَهَذَا من وُجُوه التَّحَمُّل بالِاتِّفَاقِ وَلَكِن اخْتلفُوا هَل يسوغ أَن يَقُول حَدثنَا وَالْجُمْهُور على الْجَوَاز وَمنع مِنْهُ النَّسَائِيّ وَطَائِفَة قَليلَة وَقَالَ البرقاني يَقُول سَمِعت فلَانا وَفِيه بجالة وَمَا لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع وَذكر الْمزي هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند عبد الرَّحْمَن بن عَوْف رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (ذكر من أخرجه غَيره) أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الْخراج عَن مُسَدّد عَن سُفْيَان بأتم مِنْهُ وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي السّير عَن أَحْمد بن منيع بِقصَّة الْجِزْيَة مختصرة وَعَن ابْن أبي عمر وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن رَاهَوَيْه عَن سُفْيَان بِهِ مُخْتَصرا (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " سنة سبعين " فِيهَا حج مُصعب بن الزبير وَأَخُوهُ يَدعِي لَهُ بالخلافة بالحجاز وَالْعراق وَقدم بأموال عَظِيمَة ودواب وَظهر فَفرق الْجَمِيع فِي قومه وَغَيرهم وَنحر عِنْد الْكَعْبَة ألف بَدَنَة وَعشْرين ألف شَاة وأغنى سَاكِني مَكَّة وَعَاد إِلَى الْكُوفَة قَوْله " عِنْد درج زَمْزَم " الدرج بِفتْحَتَيْنِ جمع دَرَجَة وَهِي الْمرقاة قَالَه الْجَوْهَرِي وَفِي الْمغرب درج السّلم رُتْبَة الْوَاحِدَة دَرَجَة قَوْله " قبل مَوته " أَي قبل موت عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَوْله " فرقوا بَين كل ذِي محرم من الْمَجُوس " قَالَ الْخطابِيّ أَمر عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بالتفرقة أَي بَين الزَّوْجَيْنِ المُرَاد مِنْهُ أَن يمنعوا من إِظْهَاره للْمُسلمين وَالْإِشَارَة بِهِ فِي مجَالِسهمْ الَّتِي يَجْتَمعُونَ بهَا للأملاك وَإِلَّا فَالسنة أَن لَا يكشفوا عَن بواطن أُمُورهم وَعَما يسْتَحلُّونَ بِهِ من مذاهبهم فِي الْأَنْكِحَة وَغَيرهَا وَذَلِكَ كَمَا يشْتَرط على النَّصَارَى أَن لَا يظهروا صليبهم وَلَا يفشوا عقائدهم لِئَلَّا يفتتن بِهِ ضعفة الْمُسلمين ثمَّ لَا يكْشف لَهُم عَن شَيْء مِمَّا اسْتَحَلُّوهُ من بواطن الْأُمُور وَفِي رِوَايَة مُسَدّد وَأبي يعلى بعد قَوْله فرقوا بَين كل زَوْجَيْنِ من الْمَجُوس اقْتُلُوا كل سَاحر قَالَ فَقَتَلْنَا فِي يَوْم ثَلَاث سواحر وفرقنا بَين الْمَحَارِم مِنْهُم وصنع طَعَاما فَدَعَاهُ وَعرض السَّيْف على فَخذيهِ فَأَكَلُوا بِغَيْر رمرمة قَوْله " وَلم يكن عمر أَخذ الْجِزْيَة من الْمَجُوس " لِأَنَّهُ كَانَ يرى فِي زَمَانه أَن الْجِزْيَة لَا تقبل إِلَّا من أهل الْكتاب إِذْ لَو كَانَ عَاما لما كَانَ فِي توقفه فِي ذَلِك معنى قَوْله " حَتَّى شهد عبد الرَّحْمَن بن عَوْف " يَعْنِي إِلَى أَن شهد فَلَمَّا شهد بذلك رَجَعَ إِلَيْهِ وَفِي الْمُوَطَّأ عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه أَن عمر قَالَ لَا أَدْرِي مَا أصنع بالمجوس فَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أشهد لقد سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول سنوا بهم سنة أهل الْكتاب وَهَذَا مُنْقَطع وَرِجَاله ثقاة وَرَوَاهُ ابْن الْمُنْذر وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي الغرائب من طَرِيق أبي عَليّ الْحَنَفِيّ عَن مَالك فَزَاد فِيهِ عَن جده وَهَذَا ايضا مُنْقَطع لِأَن جده عَليّ بن الْحُسَيْن لم يلْحق عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَلَا عمر وَقَالَ أَبُو عمر هَذَا من الْعَام الَّذِي أُرِيد بِهِ الْخَاص لِأَن المُرَاد مِنْهُ أهل الْكتاب وَأخذ الْجِزْيَة فَقَط وَاسْتدلَّ بقوله سنة أهل الْكتاب على أَنهم لَيْسُوا أهل الْكتاب ورد هَذَا بِأَن قَوْله ﷺ َ - سنوا بهم سنة أهل الْكتاب يَعْنِي فِي أَخذ الْجِزْيَة مِنْهُم وَمن ادّعى الْخُصُوص فَعَلَيهِ الدَّلِيل وَأَيْضًا فَإِنَّهُ ﷺ َ - كَانَ يبْعَث أُمَرَاء السَّرَايَا فَيَقُول لَهُم إِذا لَقِيتُم الْعَدو فادعوهم إِلَى الْإِسْلَام فَإِن أجابوا وَإِلَّا فالجزية فَإِن أعْطوا وَإِلَّا قاتلوهم وَلم ينص على مُشْرك دون مُشْرك بل عَم جَمِيعهم لِأَن الْكفْر يجمعهُمْ وَلما جَازَ أَن يسترقهم جَازَ أَن تُؤْخَذ مِنْهُم الْجِزْيَة عَكسه الْمُرْتَد لما لم يجز أَن يسترق لم يجز أَخذ الْجِزْيَة مِنْهُ (فَإِن قلت) تدل الْآيَة الْمَذْكُورَة على أَن الْجِزْيَة لَا تُؤْخَذ إِلَّا من أهل الْكتاب قلت لَا نسلم لِأَن الله تَعَالَى لم ينْه أَن تُؤْخَذ من غَيرهم وللشارع أَن يزِيد فِي الْبَيَان ويفرض مَا لَيْسَ بموجود ذكره فِي الْكتاب على أَن الشَّافِعِي وَعبد الرَّزَّاق وَغَيرهمَا رووا بِإِسْنَاد حسن عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ كَانَ الْمَجُوس أهل كتاب يقرؤنه وَعلم يدرسونه فَشرب أَمِيرهمْ الْخمر فَوَقع على أُخْته فَلَمَّا أصبح دَعَا أهل الطمع فَأَعْطَاهُمْ وَقَالَ إِن آدم ﵊ كَانَ ينْكح أَوْلَاده بَنَاته فأطاعوه فَقتل من خَالفه فَأسْرى على كِتَابهمْ وعَلى مَا فِي قُلُوبهم فَلم يبْق عِنْدهم شَيْء قَوْله " هجر " بِفتْحَتَيْنِ قَالُوا المُرَاد مِنْهُ هجر الْبَحْرين قَالَ الْجَوْهَرِي هُوَ اسْم بلد مُذَكّر مَصْرُوف وَقَالَ الزجاجي يذكر وَيُؤَنث وَقَالَ الْبكْرِيّ لَا يدْخلهُ الْألف وَاللَّام وَفِي الحَدِيث قبُول خبر الْوَاحِد
стр. 4409
٨٥١٣ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ قَالَ أخْبَرَنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِي قَالَ حدَّثني عُرْوَةُ بنُ الزَّبَيْرِ عنِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ أنَّهُ أخبرَهُ أنَّ عَمْرَو بنَ عَوْفٍ الأنْصَارِيَّ وهْوَ حَلِيفٌ لِبَني عامِرِ بنِ لُؤيٍّ وكانَ شَهِدَ بَدْرَاً أخْبَرَهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ بعَثَ أبَا عُبَيْدَةَ بنَ الجَرَّاحِ إِلَى البَحْرَيْنِ يأتِي بِجزْيَتَها وكانَ رسولُ الله ﷺ هوَ صالَحَ أهْلَ الْبَحْرَيْنِ وأمَّرَ عَلَيْهِمْ العَلاءَ بنَ الحَضْرَمِيِّ فَقَدِمَ أبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ فسَمِعَتِ الأنْصَارُ بقُدُومِ أبي عُبَيْدَةَ فَوافَتْ صَلاةَ الصُّبْحِ معَ النَّبِيِّ ﷺ فلَمَّا صلَّى بِهِمُ الفَجْرَ انْصَرَفَ فتَعَرَّضُوا لهُ فتَبَسَّمَ رسوُلُ الله ﷺ حِينَ رآهُمْ وَقَالَ أظُنُّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ أنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قدْ جاءَ بِشَيْءٍ قَالُوا أجَلْ يَا رسولَ الله قَالَ فأبْشِرُوا وأمِّلُوا مَا يَسُرّكُمْ فَوالله لَا الفقْرَ أخْشَى علَيْكُمْ ولَكِنْ أخْشَى علَيْكُمْ أنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ علَى منْ كانَ قَبْلَكُمْ فَتَنافَسُوها كَمَا تَنافَسُوا هَا وتُهْلكَكُمْ كمَا أهْلَكَتْهُمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (بعث أَبَا عُبَيْدَة إِلَى الْبَحْرين) إِلَى قَوْله: (فَقدم أَبُو عُبَيْدَة بمالٍ من الْبَحْرين) وَكَانَ أهل الْبَحْرين إِذْ ذَاك مجوساً.
وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم، وكل هَؤُلَاءِ قد ذكرُوا، وَعَمْرو بن عَوْف بِالْفَاءِ فِي آخِره الْأنْصَارِيّ، قَالَ أَبُو عمر: عَمْرو بن عَوْف الْأنْصَارِيّ، حَلِيف لبني عَامر بن لؤَي، شهد بَدْرًا، يُقَال لَهُ: عُمَيْر، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: هُوَ مولى سُهَيْل بن عَمْرو العامري، سكن الْمَدِينَة، لَا عقب لَهُ، روى عَنهُ الْمسور بن مخرمَة حَدِيثا وَاحِدًا: أَن رَسُول الله، ﷺ أَخذ الْجِزْيَة من مجوس الْبَحْرين، قَالَ بَعضهم: الْمَعْرُوف عِنْد أهل الْمَغَازِي أَنه من الْمُهَاجِرين، لِأَن قَوْله: وَهُوَ حَلِيف لبني عَامر يشْعر بِكَوْنِهِ من أهل مَكَّة. قلت: لَا يقطع بِهِ أَنه من الْمُهَاجِرين، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: ثمَّ ظهر لي أَن لَفْظَة الْأنْصَارِيّ وهم، وَقد تفرد بهَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ، وَرَوَاهُ أَصْحَاب الزُّهْرِيّ كلهم عَنهُ بِدُونِهَا فِي (الصَّحِيحَيْنِ) وَغَيرهمَا. قلت: هَذَا أَيْضا لَا يجْزم بِهِ أَنه من الْمُهَاجِرين، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة ثِقَة لَا يضر تفرده بِمثل هَذَا، على أَنه يحْتَمل أَن يكون أَصله من الْأَوْس أَو من الْخَزْرَج، وَنزل مَكَّة وحالف بعض أَهلهَا، فَبِهَذَا الِاعْتِبَار يُطلق عَلَيْهِ أَنه أَنْصَارِي مُهَاجِرِي بِاعْتِبَار الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورين، وَوَقع عِنْد مُوسَى بن عقبَة فِي الْمَغَازِي أَنه: عُمَيْر بن عَوْف، بِالتَّصْغِيرِ، وَقد ذكرنَا عَن قريب عَن أبي عمر أَنه يُقَال لَهُ: عمر، وَقد فرق العسكري بَين عَمْرو بن عَوْف وَعُمَيْر بن عَوْف، وَالصَّوَاب مَا قَالَه أَبُو عمر: إنَّهُمَا وَاحِد.
قَوْله: (أَبَا عُبَيْدَة) ، واسْمه عَامر بن عبد الله بن الْجراح أَمِين هَذِه الْأمة. قَوْله: (وَكَانَ رَسُول الله، ﷺ ، هُوَ صَالح أهل الْبَحْرين) ، وَكَانَ ذَلِك فِي سنة الْوُفُود سنة تسع من الْهِجْرَة. قَوْله: (وأمَّر عَلَيْهِم الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ) ، وَهُوَ صَحَابِيّ مَشْهُور، وَاسم الْحَضْرَمِيّ: عبد الله بن مَالك بن ربيعَة، وَكَانَ من أهل حَضرمَوْت، فَقدم مَكَّة فَخَالف بهَا بني مَخْزُوم وَأسلم الْعَلَاء قَدِيما، وَمَات أَبُو عُبَيْدَة والْعَلَاء بِالْيمن وَعَمْرو بن عَوْف فِي خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قَوْله: (أملوا) ، من التأميل. قَوْله: (لَا الْفقر) ، مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول أخْشَى. قَوْله: (أَن تبسط) ، كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة فِي مَحل النصب على أَنه مفعولٌ وَلَكِن أخْشَى. قَوْله: (فتنافسوها) ، من التنافس، وَهُوَ الرَّغْبَة فِي الشَّيْء والانفراد بِهِ، وَهُوَ من الشَّيْء النفيس الْجيد فِي نَوعه ونافست فِي الشَّيْء مُنَافَسَة ونفاساً: إِذا رغبت فِيهِ.
وَفِي الحَدِيث: أَن طلب الْعَطاء من الإِمَام لَا غَضَاضَة فِيهِ. وَفِيه: الْبُشْرَى من الإِمَام لاتباعه وتوسيع أملهم مِنْهُ. وَفِيه: من إِعْلَام النُّبُوَّة أخباره ﷺ بِمَا يفتح عَلَيْهِم. وَفِيه: أَن المنافسة فِي الدُّنْيَا قد تجر إِلَى هَلَاك الدّين.
٩٥١٣ - حدَّثنا الفَضْلُ بنُ يَعْقُوبَ قَالَ حدَّثنا عبدُ الله بنُ جَعْفَرٍ الرَّقِيُّ قَالَ حدَّثنا الْمُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُبَيْدِ الله الثَّقَفِيُّ قالَ حدَّثنا بَكْرُ بنُ عَبْدِ الله المُزَنِيُّ وزِيادُ
стр. 4410
ابنُ جُبَيْرٍ عنْ جُبَيْرِ عنْ جُبَيْرِ بنِ حَيَّةَ قَالَ بَعَثَ عُمَرُ النَّاسَ فِي أفْناءِ الأمْصَارِ يُقَاتِلُونَ الْمُشْرِكِينَ فأسْلَمَ الْهُرْمُزَانَ فَقال إنِّي مُسْتَشِيرُكَ فِي مَغَازِيَّ هذِهِ قالَ نَعَمْ مَثَلُها ومَثلُ منْ فِيهَا مِنَ النَّاسِ منْ عَدُوِّ المُسْلِمِينَ مثَلُ طائِرٍ لَهُ رأسٌ ولَهُ جَناحَانِ ولَهُ رِجْلانِ فإنْ كُسِرَ أحَدُ الجَنَاحَيْنِ نَهَضَتِ الرِّجْلانِ بِجَناح والرَّأسُ فإنْ كُسِرَ الجَناحُ الآخَرُ نَهَضَتِ الرِّجْلَانِ والرَّأسُ وإنْ شُدِخُ الرَّأسُ ذَهَبَتِ الرِّجْلانِ والجَنَاحانِ والرَّأسُ فالرَّأسُ كِسْرَى والجَناحُ قَيْصَرُ والجَنَاحُ الآخَرُ فارِسُ فَمُرِ المُسْلِمِينَ فَلْيَنْفِرُوا إِلَى كِسْرَى. وَقَالَ بَكْرٌ وزِيادٌ جَمِيعاً عنْ جُبَيْرِ بنِ حَيَّةَ قالَ فنَدَبَنا عُمَرُ واسْتَعْمَلَ علَيْنَا النُّعْمانَ بنَ مُقَرِّنٍ حتَّى إذَا كُنَّا بأرْضِ العَدُوِّ وخَرَجَ علَيْنَا عامِلُ كِسْرَى فِي أرْبَعِينَ ألْفاً فَقامَ تَرْجُمانٌ فَقَالَ لِيُكَلِّمْنِي رجُلٌ مِنْكُمْ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ سَلْ عَمَّا شِئْتَ قَالَ مَا أنْتُمْ قَالَ نَحْنُ أُناسٌ مِنَ العَرَبِ كُنَّا فِي شَقَاءٍ شَدِيدٍ وبَلَاءٍ شَدِيدٍ نَمَصُّ الجِلْدَ والنَّوَى مِنَ الجُوعِ ونَلْبَسُ الْوَبَرَ والشَّعْرَ ونَعْبُدُ الشَّجَرَ والحجَرَ فَبَيْنَا نَحْنُ كذَلِكَ إذْ بَعثَ رَبُّ السَّماواتِ وربُّ الأرَضِين تَعَالَى ذِكْرُهُ وجَلَّتْ عَظَمَتُهُ إلَيْنَا نَبِيَّاً مِنْ أنْفُسِنَا نَعْرِفُ أبَاهُ وأُمُّهُ فأمَرَنا نَبِيُّنَا رسولُ الله ﷺ أنْ نُقَاتِلَكُمْ حتَّى تَعْبُدُوا الله وحْدَهُ أَو تُؤدُّوا الجِزْيَةَ وأخْبَرَنا نَبِيُّنَا ﷺ عنْ رِسالَةِ رَبِّنَا أنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا صارَ إلَى الجَنَّةِ فِي نَعِيمٍ لَمْ يَرَ مِثْلَها قَطُّ ومنْ بَقِيَ مِنَّا ملَكَ رِقَابَكُمْ. فقَالَ النُّعْمَانُ رُبَّما أشْهَدَكَ الله مِثْلَهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فلَمْ يُندِّمْكَ ولَمْ يُخْزِكَ ولكنِّي شَهِدْتُ القِتَالَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ كانَ إذَا لَمْ يُقاتِلْ فِي أوَّلِ النَّهارِ انْتَظَرَ حَتَّى تَهُبَّ الأرْوَاحُ وتَحْضُرَ الصَّلَوَاتُ. (الحَدِيث ٩٥١٣ طرفه فِي: ٠٣٥٧) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي تَأْخِير النُّعْمَان بن مقرن عَن مقاتلة الْعَدو وانتظاره هبوب الرِّيَاح وَزَوَال الشَّمْس، وَهُوَ معنى قَوْله فِي آخر الحَدِيث: (أنْتَظر حَتَّى تهب الْأَرْوَاح وتحضر الصَّلَوَات) وَفِي رِوَايَة ابْن أبي شيبَة: حَتَّى تَزُول الشَّمْس، على مَا نذكرهُ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَهَذِه موادعة فِي هَذَا الزَّمَان مَعَ الْإِمْكَان للْمصْلحَة، والترجمة هِيَ المواعدة مَعَ أهل الْحَرْب، وَهِي ترك قِتَالهمْ مَعَ إِمْكَانه قبل الظفر بهم.
ذكر رِجَاله وهم ثَمَانِيَة: الأول: الْفضل بن يَعْقُوب الرخامي الْبَغْدَادِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده، مر فِي البيع. الثَّانِي: عبد الله ابْن جَعْفَر بن غيلَان أَبُو عبد الرَّحْمَن الرقي، بِفَتْح الرَّاء الْمُشَدّدَة وَكسر الْقَاف الْمُشَدّدَة: نِسْبَة إِلَى الرقة، وَكَانَت مَدِينَة مَشْهُورَة على شَرْقي ضفة الْفُرَات، وَيُقَال لَهَا: الرقة الْبَيْضَاء، وَهِي الرافقة أما الرقة فخربت وَغلب اسْم الرقة على الرافقة. الثَّالِث: الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان، كَذَا وَقع فِي جَمِيع النّسخ: بِسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الْمِيم، وَكَذَا وَقع فِي (مستخرج) الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيره فِي هَذَا الحَدِيث، وَزعم الدمياطي: أَن الصَّوَاب: المعمر، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمِيم الْمَفْتُوحَة وبالراء، قَالَ: لِأَن عبد الله ابْن جَعْفَر لَا يروي عَن الْمُعْتَمِر الْبَصْرِيّ، ورد بِأَن ذَلِك لَيْسَ بكافٍ فِي رد الرِّوَايَات الصَّحِيحَة، لِأَن عدم دُخُول أَحدهمَا بلد الآخر لَا يسْتَلْزم عدم ملاقاتهما فِي سفر الْحَج وَنَحْوه، وَقَالَ بَعضهم: وَأغْرب الْكرْمَانِي، فَحكى أَنه قيل: الصَّوَاب فِي هَذَا: معمر ابْن رَاشد، يَعْنِي: شيخ عبد الرَّزَّاق، ثمَّ قَالَ: قلت: وَهَذَا هُوَ الْخَطَأ بِعَيْنِه، فَلَيْسَتْ لعبد الله بن جَعْفَر الرقي عَن معمر بن رَاشد رِوَايَة أصلا. انْتهى. قلت: الْكرْمَانِي لم يجْزم فِيهِ، بل حكى عَن بَعضهم، وَلمن حكى عَنهُ أَن يَقُول: الدَّعْوَى بِعَدَمِ رِوَايَة عبد الله بن جَعْفَر الرقي عَن معمر بن رَاشد يحْتَاج إِلَى دَلِيل، فمجرد النَّفْي غير كَاف. الرَّابِع: سعيد بن عبيد الله الثَّقَفِيّ، هُوَ ابْن جُبَير بن حَيَّة الَّذِي
стр. 4411
يَأْتِي الْآن. الْخَامِس: بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ الْبَصْرِيّ. السَّادِس: زِيَاد بن جُبَير بن حَيَّة الثَّقَفِيّ، روى عَن أَبِيه جُبَير بن حَيَّة، وروى عَنهُ سعيد بن عبيد الله الثَّقَفِيّ الْمَذْكُور آنِفا. السَّابِع: جُبَير بن حَيَّة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن مَسْعُود، ابْن معتب بن مَالك بن عَمْرو بن سعد بن عَوْف بن ثَقِيف الثَّقَفِيّ، ولاه زِيَاد أَصْبَهَان، وَمَات أَيَّام عبد الْملك بن مَرْوَان، وَقَالَ ابْن مَاكُولَا: جُبَير بن حَيَّة الثَّقَفِيّ روى عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة، هُوَ وَالِد الجبيرين بِالْبَصْرَةِ، وَابْنه زِيَاد بن جُبَير. قلت: روى جُبَير بن حَيَّة أَيْضا عَن عمر بن الْخطاب، والنعمان بن بشير. الثَّامِن: عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَأخرج البُخَارِيّ بعض هَذَا الحَدِيث فِي التَّوْحِيد عَن الْفضل بن يَعْقُوب أَيْضا.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي أفناء الْأَمْصَار) ، قَالَ صَاحب (الْمطَالع) : قَوْله، فِي أفناء النَّاس، أَي: جماعاتهم، وَالْوَاحد فنو، وَقيل: أفناء النَّاس أخلاطهم، يُقَال للرجل إِذا لم يعلم من أَي قَبيلَة: هُوَ من أفناء الْقَبَائِل، وَقيل: الأفناء أنزاع من الْقَبَائِل من هَهُنَا وَمن هَهُنَا، حكى أَبُو حَاتِم أَنه لَا يُقَال فِي الْوَاحِد: هَذَا من أفناء النَّاس، إِنَّمَا يُقَال فِي الْجَمَاعَة هَؤُلَاءِ من أفناء النَّاس، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: هُوَ من أفناء النَّاس، إِذا لم يعلم مِمَّن هُوَ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَفِي الحَدِيث: رجل من أفناء النَّاس أَي: لم يعلم مِمَّن هُوَ، الْوَاحِد فنو، وَقيل: هُوَ من الفناء، وَهُوَ المتسع أَمَام الدَّار، وَيجمع الفناء على أفنية، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: أفناء الْأَمْصَار، يُقَال: هُوَ من أفناء النَّاس إِذا لم يعلم مِمَّن هُوَ، وَفِي بَعْضهَا: الْأَمْصَار، بِالْمِيم، وَقَالَ بَعضهم (فِي أفناء الْأَمْصَار) : إِنَّه فِي مَجْمُوع الْبِلَاد الْكِبَار. قلت: هَذَا التَّفْسِير لَيْسَ على قانون اللُّغَة، وَالَّذِي ذَكرْنَاهُ هُوَ التَّفْسِير. قَوْله: (فَأسلم الهرمزان) ، بِضَم الْهَاء وَسُكُون الرَّاء وَضم الْمِيم وَتَخْفِيف الزَّاي، وَفِي آخِره نون و: هَذَا الْموضع يَقْتَضِي بعض بسط الْكَلَام حَتَّى ينشرح صدر النَّاظر فِيهِ، لِأَن الرَّاوِي هُنَا أخل شَيْئا كثيرا، فَنَقُول: وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق: أما الهرمزان فَكَانَ ملكا كَبِيرا من مُلُوك الْعَجم، وَكَانَت تَحت يَده كورة الأهواز، وكورة جندي سَابُور، وكورة السوس، وكورة السرق، وكورة نهر بَين، وكورة نهر تيري، ومناذر، بِفَتْح الْمِيم وَالنُّون وَبعد الْألف ذال مُعْجمَة وَفِي آخِره رَاء، وَكَانَ الهرمزان فِي الْجَيْش الَّذين أرسلهم يزدجر إِلَى قتال الْمُسلمين وهم على الْقَادِسِيَّة، وَهِي قَرْيَة على طَرِيق الْحَاج على مرحلة من الْكُوفَة، وأمير الْمُسلمين يَوْمئِذٍ سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ رَأس جَيش الْعَجم رستم فِي مائَة ألف وَعشْرين ألفا يتبعهَا ثَمَانُون ألفا، وَمَعَهُمْ ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ فيلاً، وَكَانَ الهرمزان رَأس الميمنة، وَزعم ابْن إِسْحَاق أَن الْمُسلمين كَانُوا مَا بَين السَّبْعَة آلَاف إِلَى الثَّمَانِية آلَاف، وَوَقع بَينهم قتال عَظِيم لم يعْهَد مثله، وأبلى فِي ذَلِك الْيَوْم جمَاعَة من الشجعان مثل طليحة الْأَسدي وَعَمْرو بن معدي كرب والقعقاع بن عَمْرو وَجَرِير بن عبد الله البَجلِيّ وَضِرَار بن الْخطاب وخَالِد بن عرفطة وأمثالهم، وَكَانَت الْوَقْعَة بَينهم يَوْم الِاثْنَيْنِ مستهل الْمحرم عَام أَربع عشرَة، وَأرْسل الله تَعَالَى فِي ذَلِك الْيَوْم ريحًا شَدِيدَة أرمت خيام الْفرس من أماكنها، وَأَلْقَتْ سَرِير رستم مقدم الْجَيْش، فَركب بغلة وهرب، وأدركه الْمُسلمُونَ وقتلوه، وانهزمت الْفرس وَقتل الْمُسلمُونَ مِنْهُم خلقا كثيرا، وَكَانَ فيهم المسلسلون ثَلَاثِينَ ألف فَقتلُوا بكمالهم، وَقتل فِي المعركة عشرَة آلَاف، وَقيل: قريب من ذَلِك، وَلم يزل الْمُسلمُونَ وَرَاءَهُمْ إِلَى أَن دخلُوا مَدِينَة الْملك، وَهِي الْمَدَائِن الَّتِي فِيهَا إيوَان كسْرَى، وَكَانَ الهرمزان من جملَة الهاربين، ثمَّ وَقعت بَينه وَبَين الْمُسلمين وقْعَة، ثمَّ وَقع الصُّلْح بَينه وَبَين الْمُسلمين، ثمَّ نقض الصُّلْح ثمَّ: جمع أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْجَيْش وحاصروا هرمزان فِي مَدِينَة تستر، وَلما اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْأَمر بعث إِلَى أبي مُوسَى فَسَأَلَ الْأمان إِلَى أَن يحملهُ إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وَوجه مَعَه الْخمس من غَنَائِم الْمُسلمين، فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ وَوَقع نظره عَلَيْهِ سجد لله تَعَالَى، وَجرى بَينه وَبَين عمر محاورات، ثمَّ بعد ذَلِك أسلم طَائِعا غير مكره، وَأسلم من كَانَ مَعَه من أَهله وَولده وخدمه، ثمَّ قربه عمر وَفَرح بِإِسْلَامِهِ، فَهَذِهِ قصَّة إِسْلَام هرمزان الَّذِي قَالَ فِي حَدِيث الْبَاب: فَأسلم الهرمزان، وَكَانَ لَا يُفَارق عمر حَتَّى قتل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فاتهمه بعض النَّاس بممالأة أبي لؤلؤه فَقتله عبيد الله بن عمر. قَوْله: (فَقَالَ: إِنِّي مستشيرك) ، أَي: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، للهرمزان. قَوْله: (فِي مغازي) ، بتَشْديد الْبَاء، وَقد بيَّن ابْن أبي شيبَة مَا قَصده من ذَلِك، فروى من طَرِيق معقل بن يسَار أَن عمر شاور الهرمزان فِي فَارس وأصبهان وأذربيجن أَن بأيها يبْدَأ، وَإِنَّمَا شاوره عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ أعلم بأحوال تِلْكَ الْبِلَاد. قَوْله: (قَالَ: نعم)
стр. 4412
أَي: قَالَ الهرمزان: نعم، وَهُوَ حرف إِيجَاب، وَقَالَ الْكرْمَانِي: إِن صحت الرِّوَايَة بِلَفْظ فعل الْمَدْح فتقديره: نعم الْمثل مثلهَا، وَالضَّمِير فِي مثلهَا يرجع إِلَى الأَرْض الَّتِي يدل عَلَيْهَا السِّيَاق، وارتفاع: مثلهَا، على الِابْتِدَاء وَخَبره قَوْله: مثل طَائِر. قَوْله: (والجناج قَيْصر) ، هُوَ ملك الرّوم، قيل: فِيهِ نظر لِأَن كسْرَى لم يكن رَأْسا للروم، ونوزع فِي هَذَا بِأَن كسْرَى رَأس الْكل لِأَنَّهُ لم يكن فِي زَمَانه ملك أكبر مِنْهُ، لِأَن سَائِر مُلُوك الْبِلَاد كَانُوا يهابونه ويهادونه. قَوْله: (فلينفروا إِلَى كسْرَى) ، إِنَّمَا أَشَارَ بالنفير أَولا إِلَى كسْرَى لكَونه رَأْسا، فَإِذا فَاتَ الرَّأْس فَاتَ الْكل. وَأَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَعْنى بقوله: (وَإِن شدخ الرَّأْس) أَي: وَإِن كسر، من الشدخ بالشين الْمُعْجَمَة وَالدَّال الْمُهْملَة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة، قَالَ ابْن الْأَثِير: الشدخ كسر الشَّيْء الأجوف، تَقول: شدخت رَأسه فانشدخ، فَإِن قلت: قَالَ: فالرأس كسْرَى والجناح قَيْصر والجناح الآخر فَارس، وَمَا الرّجلَانِ؟ قلت: لقيصر الفربخ مثلا، ولكسرى الْهِنْد مثلا، وَلَا شكّ أَن الفربخ كَانَت فِي طرف من قَيْصر متصلين بِهِ، والهند كَانَت فِي طرف من كسْرَى متصلين بِهِ، وَإِنَّمَا لم يقل: وَإِن كسر الرّجلَانِ فَكَذَا، اكْتِفَاء للْعلم بِحَالهِ قِيَاسا على الْجنَاح، لَا سِيمَا وَأَنه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الظَّاهِر أسهل حَالا من الْجنَاح. فَإِن قلت: إِذا انْكَسَرَ الجناحان وَالرجلَانِ جَمِيعًا لَا ينْهض أَيْضا؟ قلت: الْغَرَض أَن الْعُضْو الشريف هُوَ الأَصْل فَإِذا صلح صلح الْجَسَد كُله، وَإِذا فسد فسد، بِخِلَاف الْعَكْس. قَوْله: (وَقَالَ بكر) ، هُوَ بكر بن عبد الله الْمَذْكُور. (وَزِيَاد) ، هُوَ زِيَاد بن جُبَير الْمَذْكُور. قَوْله: (فندبنا) ، بِفَتْح الدَّال وَالْبَاء على صِيغَة الْمَاضِي، أَي: طلبنا ودعانا وعزم علينا أَن نَجْتَمِع للْجِهَاد. قَوْله: (وَاسْتعْمل علينا النُّعْمَان بن مقرن) أَي: جعله أَمِيرا علينا، وَكَانَ النُّعْمَان قدم على عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِفَتْح الْقَادِسِيَّة الَّتِي ذَكرنَاهَا عَن قريب، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي شيبَة: فَدخل عمر الْمَسْجِد فَإِذا هُوَ بالنعمان يُصَلِّي، فَقعدَ فَلَمَّا فرغ قَالَ: إِنِّي مستعملك! قَالَ: أما جابياً فَلَا، وَلَكِن غازياً. قَالَ: فَإنَّك غازٍ، فَخرج وَمَعَهُ الزبير وَحُذَيْفَة وَابْن عمر والأشعث وَعَمْرو بن معدي كرب، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ: فَأَرَادَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن يسير بِنَفسِهِ ثمَّ بعث النُّعْمَان وَمَعَهُ ابْن عمر وَجَمَاعَة، وَكتب إِلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَن يسير بِأَهْل الْبَصْرَة، وَإِلَى حُذَيْفَة أَن يسير بِأَهْل الْكُوفَة حَتَّى يجتمعوا بنهاوند، وَإِذا التقيتم فأميركم النُّعْمَان بن مقرن، بِضَم الْمِيم وَفتح الْقَاف وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة وبالنون: ابْن عَائِذ بن منجي بن هجير بن نصر بن حبشية بن كَعْب بن عبد بن تور بن هدمة بن الأطم بن عُثْمَان. وَهُوَ مزينة بن عَمْرو بن أد بن طابخة الْمُزنِيّ، قَالَ أَبُو عمر: وَيُقَال: النُّعْمَان بن عَمْرو بن مقرن، يكنى أَبَا عَمْرو، وَيُقَال: أَبَا حَكِيم. قَالَ مُصعب: هَاجر النُّعْمَان بن مقرن وَمَعَهُ سَبْعَة أخوة، وروى عَنهُ أَنه قَالَ: قدمنَا على رَسُول الله، ﷺ فِي أَربع مائَة من مزينة، ثمَّ سكن الْبَصْرَة وتحول عَنْهَا إِلَى الْكُوفَة. قَوْله: (حَتَّى إِذا كُنَّا بِأَرْض الْعَدو) وَهِي نهاوند، بِضَم النُّون وَتَخْفِيف الْهَاء وَفتح الْوَاو وَسُكُون النُّون، وَفِي آخِره دَال مُهْملَة، وَضبط بَعضهم: بِفَتْح النُّون وَلَيْسَ كَذَلِك، بل بِالضَّمِّ لِأَن الَّذِي بناها نوح، ﵊، وَكَانَت تسمى: نوح أوند، يَعْنِي: عمرها نوح، ﵊، فأبدلوا الْحَاء هَاء، وَهِي مَدِينَة جنوبي هَمدَان وَلها أَنهَار وبساتين، وَهِي كَثِيرَة الْفَوَاكِه وَتحمل فواكهها إِلَى الْعرَاق لجودتها، مِنْهَا إِلَى هَمدَان أَرْبَعَة عشر فرسخاً، وَهِي من بِلَاد عراق الْعَجم فِي حد بِلَاد الجيل. قَوْله: (وَخرج علينا عَامل كسْرَى فِي أَرْبَعِينَ ألفا) ، كَانَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعُونَ ألفا من أهل فَارس وكرمان، وَكَانَ من أهل نهاوند عشرُون ألفا وَمن أهل أَصْبَهَان عشرُون، وَمن أهل قُم وقاشان عشرُون وَمن أهل أذربيجان ثَلَاثُونَ ألفا وَمن بِلَاد أُخْرَى عشرُون ألفا فالجملة مائَة ألف وَخَمْسُونَ ألفا فُرْسَانًا، وَكَانَ عَامل كسْرَى الَّذِي على هَؤُلَاءِ الْجَيْش الغيرزان، وَيُقَال: بنْدَار، وَيُقَال: ذُو الحاجبين، وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي (كتاب الأذواء) : ذُو الحاجبين هُوَ خرزاد بن هُرْمُز من الْفرس أحد الْأُمَرَاء الْأَرْبَعَة الَّذين أَمرتهم الْأَعَاجِم على كورة نهاوند، وَكَانَت هَذِه الْوَقْعَة الَّتِي وَقعت على نهاوند وقْعَة عَظِيمَة، وَكَانَ الْمُسلمُونَ يسمونها فتح الْفتُوح، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق والواقدي: كَانَت وقْعَة نهاوند فِي سنة إِحْدَى وَعشْرين، وَقَالَ سيف: كَانَت فِي سنة سبع عشرَة، وَقيل: فِي سنة تسع عشرَة، وَكَانَت هَذِه الْوَاقِعَة أَربع وقعات، وَفِي الْوَقْعَة الثَّانِيَة قتل النُّعْمَان ابْن مقرن أَمِير الْجَيْش وَقَامَ مقَامه حُذَيْفَة بن الْيَمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَوْله: (فَقَامَ ترجمان) ، بِفَتْح التَّاء وَضمّهَا وَضم الْجِيم وَالْوَجْه الثَّالِث فتحهما نَحْو: الزَّعْفَرَان. قَوْله: (فَقَالَ الْمُغيرَة) ، وَهُوَ الْمُغيرَة بن شُعْبَة، وَكَانَ هُوَ الترجمان، وَكَذَلِكَ كَانَ هُوَ الترجمان بَين الهرمزان وَعمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي الْمَدِينَة لما قدم الهرمزان إِلَيْهِ كَمَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (قَالَ: مَا أَنْتُم؟)
стр. 4413
هَكَذَا خَاطب عَامل كسْرَى الَّذِي هُوَ عينه على جَيْشه بِصِيغَة من لَا يعقل احتقاراً لَهُ. قَوْله: (قَالَ: نَاس من الْعَرَب) أَي: قَالَ الْمُغيرَة: نَحن نَاس من الْعَرَب ... إِلَى آخر مَا ذكره، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي شيبَة، فَقَالَ: إِنَّكُم معشر الْعَرَب، أَصَابَكُم جوع وَجهد فجئتم، فَإِن شِئْتُم مرناكم، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الرَّاء أَي: أعطيناكم الْميرَة، أَي الزَّاد وَرَجَعْتُمْ، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ: إِنَّكُم معشر الْعَرَب أطول النَّاس جوعا وَأبْعد النَّاس من كل خير، وَمَا مَنَعَنِي أَن أَمر هَؤُلَاءِ الأساورة أَن ينتظموكم بالنشاب إلَاّ تقذراً لجيفكم. قَالَ الْمُغيرَة: فحمدت لله وأثنيت عَلَيْهِ، ثمَّ قلت: مَا أَخْطَأت شَيْئا من صفتنا، كَذَلِك كُنَّا حَتَّى بعث الله إِلَيْنَا رَسُوله. قَوْله: (نَعْرِف أَبَاهُ وَأمه) ، وَزَاد فِي رِوَايَة ابْن أبي شيبَة: فِي شرف منا أوسطنا حسباً وأصدقنا حَدِيثا. قَوْله: (فَقَالَ النُّعْمَان) يَعْنِي للْمُغِيرَة: رُبمَا أشهدك الله أَي أحضرك الله مثلهَا، أَي: مثل هَذِه الشدَّة مَعَ رَسُول الله، ﷺ قَوْله: (فَلم يندمك) بِضَم الْيَاء من الإندام، يُقَال: أندمه الله فندم، وَالْمعْنَى: لم يندمك فِيمَا لقِيت مَعَه من الشدَّة. قَوْله: (وَلم يخزك) من الإخزاء، يُقَال: خزي، بِالْكَسْرِ: إِذا ذل وَهَان، ويروى: فَلم يحزنك، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالنُّون، وَهِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَالْأولَى رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَهِي أوجه لوفاق مَا قبله، كَمَا فِي حَدِيث وَفد عبد الْقَيْس: غير خزايا وَلَا ندامى، وَهَذِه المحاورة الَّتِي وَقعت بَين النُّعْمَان بن مقرن والمغيرة بن شُعْبَة بِسَبَب تَأْخِير النُّعْمَان الْقِتَال، فَاعْتَذر النُّعْمَان بقوله: (وَلَكِنِّي شهِدت الْقِتَال مَعَ رَسُول الله، ﷺ إِلَى آخِره، وَقَالَ الْكرْمَانِي مَا معنى الِاسْتِدْرَاك؟ وَأَيْنَ توسطه بَين كلامين متغايرين؟ قلت: كَانَ الْمُغيرَة قصد الِاشْتِغَال بِالْقِتَالِ أول النَّهَار بعد الْفَرَاغ من المكالمة مَعَ الترجمان فَقَالَ النُّعْمَان: إِنَّك شهِدت الْقِتَال مَعَ رَسُول الله، ﷺ لكنك مَا ضبطت انْتِظَاره للهبوب، وَقَالَ ابْن بطال: قَوْله: (وَلَكِنِّي شهِدت) إِلَى آخِره كَلَام مُسْتَأْنف وَابْتِدَاء قصَّة أُخْرَى. قلت: الَّذِي قَالَه الْكرْمَانِي هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِيَاق الْكَلَام، وسياقه على مَا لَا يخفى على المتأمل، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ: قد كَانَ الله أشهدك أَمْثَالهَا، وَالله مَا مَنَعَنِي أَن أناجزهم إلَاّ شَيْء شهدته من رَسُول الله، ﷺ ، وَهُوَ قَوْله: كَانَ إِذا لم يُقَاتل أول النَّهَار إِلَى آخِره. قَوْله: (حَتَّى تهب الْأَرْوَاح) جمع ريح، وَأَصله: روح، قلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا، والتصغير والتكسير يردان الْأَشْيَاء إِلَى أُصُولهَا. وَقد حكى ابْن جني جمع ريح على: أرياح. قَوْله: (وتحضر الصَّلَوَات) يَعْنِي: بعد زَوَال الشَّمْس، تدل عَلَيْهِ رِوَايَة ابْن أبي شيبَة: وتزول الشَّمْس، وَزَاد فِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ: ويطيب الْقِتَال، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي شيبَة: وَينزل النَّصْر.
وَفِي الحَدِيث من الْفَوَائِد منقبة النُّعْمَان وَمَعْرِفَة الْمُغيرَة بن شُعْبَة بِالْحَرْبِ وَقُوَّة نَفسه وشهامته وفصاحته وبلاغته واشتمال كَلَامه على بَيَان أَحْوَالهم الدِّينِيَّة والدنياوية، وعَلى بَيَان معجزات الرَّسُول ﷺ وأخباره عَن المغيبات ووقوعها كَمَا أخبر. وَفِيه: فضل المشورة وَأَن الْكَبِير لَا نقص عَلَيْهِ فِي مُشَاورَة من هُوَ دونه، وَأَن الْمَفْضُول قد يكون أَمِيرا على الْأَفْضَل، لِأَن الزبير ابْن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ فِي جَيش عَلَيْهِ النُّعْمَان بن مقرن، وَالزُّبَيْر أفضل مِنْهُ اتِّفَاقًا وَفِيه: ضرب الْمثل. وَفِيه: جودة تصور الهرمزان، وَكَذَلِكَ استشارة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِيه: الْإِرْسَال إِلَى الإِمَام بالبشارة. وَفِيه: فضل الْقِتَال بعد زَوَال الشَّمْس على مَا قبله.
٢ - (بابٌ إذَا وادَعَ الإمَامُ مَلِكَ القَرْيَةِ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ لِبَقِيَّتِهِمْ ؟)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا وادع الإِمَام، من الْمُوَادَعَة، وَهِي: الْمُصَالحَة والمسالمة على ترك الْحَرْب والأذى، وَحَقِيقَة الْمُوَادَعَة المتاركة أَي: يدع كل وَاحِد مِنْهُمَا مَا هُوَ فِيهِ. قَوْله: (هَل يكون ذَلِك؟) جَوَاب: إِذا، أَي: هَل يكون مَا ذكر من الْمُوَادَعَة الَّتِي يدل عَلَيْهِ قَوْله: وادعُ. قَوْله: (لبقيتهم) أَي: لبَقيَّة أهل الْقرْيَة، وَجَوَاب الِاسْتِفْهَام مَحْذُوف تَقْدِيره: يكون.
١٦١٣ - حدَّثنا سَهْلُ بنُ بَكَّارٍ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ عنْ عَمْرِو بنِ يَحْيَى عنْ عَبَّاس السَّاعِدِيِّ عنْ أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ غَزوْنَا معَ النَّبِيِّ ﷺ تَبُوكَ وأهْدَى مَلِكُ أيْلَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ وكَساهُ بُرْداً وكَت لَهُ بِبَحْرِهِمْ. .
стр. 4414
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن قبُول هديته مُؤذن بموادعته وكتابته ببحرهم مُؤذن بدخولهم فِي الْمُوَادَعَة، لِأَن موادعة الْملك موادعة لرعيته، لِأَن قوتهم بِهِ ومصالحهم إِلَيْهِ، فَلَا معنى لانفراده دونهم وانفرادهم دونه عِنْد الْإِطْلَاق. وَقَالَ بَعضهم: هَذَا الْقدر لَا يَكْفِي فِي مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة، لِأَن الْعَادة بذلك مَعْرُوفَة من غير الحَدِيث، وَإِنَّمَا جرى البُخَارِيّ على عَادَته فِي الْإِشَارَة إِلَى بعض طرق الحَدِيث الَّذِي يُورِدهُ، وَقد ذكر ذَلِك ابْن إِسْحَاق فِي (السِّيرَة) فَقَالَ: لما انْتهى النَّبِي ﷺ ، إِلَى تَبُوك أَتَاهُ بحنة بن روبة صَاحب أَيْلَة فَصَالحه وَأَعْطَاهُ الْجِزْيَة، وَكتب إِلَيْهِ رَسُول الله، ﷺ ، كتابا فَهُوَ عِنْدهم بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم! هَذِه أَمَنَة من الله وَمُحَمّد النَّبِي رَسُول الله لبحنة بن روبة وَأهل أَيْلَة) فَذكره. قلت: هَذَا الْقَائِل ذكر الِاكْتِفَاء فِي مَوَاضِع عديدة فِي الْمُطَابقَة بِوَجْه أدنى من الَّذِي ذَكرْنَاهُ، فَمَا لَهُ يدعى هُنَا عدم الْكِفَايَة؟ وَإِثْبَات الْمُطَابقَة بِالْوَجْهِ الَّذِي ذَكرْنَاهُ أقوى وأوجه من الَّذِي ذكره، لِأَن الَّذِي ذَكرْنَاهُ من الدَّاخِل، وَالَّذِي ذكره من الْخَارِج؟ وَهل علم أَنه قصد ذَلِك أم لَا؟
وَسَهل بن بكار أَبُو بشر الدَّارمِيّ الْبَصْرِيّ، ووهيب مصغر وهب بن خَالِد بن عجلَان أَبُو بكر الْبَصْرِيّ صَاحب الكرابيس، وَعَمْرو بن يحيى بن عمَارَة الْمَازِني، وعباس ابْن سهل السَّاعِدِيّ، وَأَبُو حميد السَّاعِدِيّ اسْمه عبد الرَّحْمَن، وَقيل: الْمُنْذر، وَيُقَال: إِنَّه عَم عَبَّاس السَّاعِدِيّ.
وَهَذَا طرف حَدِيث مضى فِي كتاب الزَّكَاة مطولا بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد فِي: بَاب خرص التَّمْر، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (أَيْلَة) بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح اللَّام وَفِي آخِره هَاء، وَقَالَ ابْن قرقول: هِيَ مَدِينَة بِالشَّام على النّصْف مَا بَين طَرِيق مصر وَمَكَّة على شاطىء الْبَحْر من بِلَاد الشَّام. قَوْله: (وكساه) كَذَا هُوَ بِالْوَاو: وَفِي رِوَايَة أبي ذَر بِالْفَاءِ، قَوْله: (ببحرهم) أَي: بقريتهم.
٣ - (بابُ الوَصاةِ بأهْلِ ذِمَّةِ رسولِ الله ﷺ
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْوَصِيَّة بِأَهْل الذِّمَّة وَإِنَّمَا أضَاف الذِّمَّة إِلَى رَسُول الله، ﷺ لِأَن الذِّمَّة الَّتِي هِيَ الْعَهْد عهد بَينهم وَبَين رَسُول الله، ﷺ ، والوصاة اسْم بِمَعْنى الْوِصَايَة، بِفَتْح الْوَاو وَتَخْفِيف الصَّاد بِمَعْنى: الْوَصِيَّة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أوصيت لَهُ بِشَيْء وأوصيت إِلَيْهِ: إِذا جعلته وصيّك، وَالِاسْم: الْوِصَايَة، بِكَسْر الْوَاو وَفتحهَا، وأوصيته ووصيته توصية، وَالِاسْم: الوصاة، وَفِي بعض النّسخ: بَاب الْوَصَايَا.
والذِّمَّةُ العَهْدُ والإلُّ القَرَابَةُ
فسر البُخَارِيّ الذِّمَّة بالعهد، والذمة تَجِيء بِمَعْنى الْعَهْد والأمان وَالضَّمان وَالْحُرْمَة وَالْحق، وسمى أهل الذِّمَّة لدخولهم فِي عهد الْمُسلمين وأمانهم. قَوْله: (والألّ) بِكَسْر الْهمزَة وَتَشْديد اللَّام، وَقد فسره بِالْقَرَابَةِ، والإلّ أَيْضا الله تَعَالَى، قَالَه مُجَاهِد، وأنكروا عَلَيْهِ، وَقيل: الإل الأَصْل الْجيد، والأل بِالْفَتْح: الشدَّة، وَالله تَعَالَى أعلم.
٤ - (بابُ مَا أقْطَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ البَحْرَيْنِ وَمَا وعَدَ مِنْ مالِ البَحْرَيْنِ والجِزْيَةِ ولِمَنْ يُقْسَمُ الفَيْءُ والجِزْيَةُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا أقطع النَّبِي ﷺ وأقطع من الإقطاع، بِكَسْر الْهمزَة: وَهُوَ تسويغ الإِمَام شَيْئا من مَال الله لمن يرَاهُ أَهلا لذَلِك، وَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِي إقطاع الأَرْض، وَهُوَ أَن يخرج مِنْهَا شَيْئا لَهُ يحوزه إِمَّا أَن يملكهُ إِيَّاه فيعمره، أَو يَجْعَل لَهُ عَلَيْهِ مُدَّة. والإقطاع قد يكون تَمْلِيكًا وَغير تمْلِيك، والأجناد يسمون مقطعين، بِفَتْح الطَّاء، وَيُقَال: مقتطعين أَيْضا (من الْبَحْرين) أَرَادَ بِهِ: من، مَال الْبَحْرين، لِأَنَّهَا كَانَت صلحا، فَلم يكن فِي أرْضهَا شَيْء. قَوْله: (وَمَا وعد) على: مَا أقطع. قَوْله: (والجزية) من عطف الْخَاص على الْعَام. قَوْله: (وَلمن يقسم الْفَيْء) وَقد مر أَن الْفَيْء مَا حصل للْمُسلمين من أَمْوَال الْكفَّار من غير حَرْب وَلَا جِهَاد.
стр. 4415
٣٦١٣ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قَالَ حدَّثنا زُهَيْرٌ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ أنَساً رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ دَعا النَّبِيُّ ﷺ الأنْصَارَ لِيَكْتُبَ لَهُمْ بالْبَحْرَيْنِ فقالُوا لَا وَالله حتَّى تَكْتُبَ لإخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشٍ بِمِثْلِهَا فَقَالَ ذَاكَ لَهُمْ مَا شاءَ الله علَى ذَلِكَ يَقُولُونَ لَهُ قَالَ فإنَّكُمْ ستَرَوْنَ بَعْدَي أُثْرَةً فاصْبِرُوا حتَّى تَلْقَونِي.
مطابقته للجزء الأول من التَّرْجَمَة، لِأَن لَهَا ثَلَاثَة أَجزَاء: فَفِي الْبَاب ثَلَاثَة أَحَادِيث فَلِكُل جُزْء حَدِيث يطابقه على التَّرْتِيب، فَحَدِيث أنس هَذَا يدل على أَنه ﷺ قد أَشَارَ بذلك على الْأَنْصَار فَلم يقبلُوا فَتَركه ﷺ فَنزل البُخَارِيّ مَا بِالْقُوَّةِ منزلَة مَا بِالْفِعْلِ، وَهُوَ فِي حَقه ﷺ وَاضح، لِأَنَّهُ لَا يَأْمر إلَاّ بِمَا يجوز فعله.
وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس ابْن عبد الله بن قيس التَّمِيمِي الْيَرْبُوعي الْكُوفِي، وَزُهَيْر بن مُعَاوِيَة بن خديج أَبُو خَيْثَمَة الْجعْفِيّ الْكُوفِي، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ قَاضِي الْمَدِينَة.
والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الشّرْب فِي: بَاب كِتَابَة القطائع، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ مُعَلّقا، فَقَالَ: قَالَ اللَّيْث: عَن يحيى بن سعيد ... إِلَى آخِره، وَهُنَاكَ لَفْظَة: ليقطع لَهُم بِالْبَحْرَيْنِ، وَهنا ليكتب لَهُم بِالْبَحْرَيْنِ أَي: ليعين لكل مِنْهُم مِنْهَا حِصَّة على سَبِيل الإقطاع، وَالْمرَاد بِالْحِصَّةِ الْحصَّة من الْجِزْيَة وَالْخَرَاج لِأَن رقبَتهَا لَا تملك لِأَن أَرض الصُّلْح لَا تقسم.
قَوْله: (وَذَاكَ لَهُم) أَي: ذَاك المَال للمهاجرين مَا شَاءَ الله على ذَلِك. قَوْله: (يَقُولُونَ لَهُ) أَي: الْأَنْصَار يَقُولُونَ لرَسُول الله، ﷺ فِي شَأْنهمْ مصرين على ذَلِك حَتَّى قَالَ رَسُول الله، ﷺ : إِنَّكُم سَتَرَوْنَ أَثَرَة وَهِي بِفَتْح الْهمزَة والثاء الْمُثَلَّثَة، الإسم من آثر إيثاراً إِذا أعْطى. قَالَه ابْن الْأَثِير: وَفِي (الْمطَالع) بِضَم الْهمزَة وَإِسْكَان الثَّاء، ويروى: أَثَرَة، بفتحهما، وبالوجهين قَيده الجياني، وَيُقَال أَيْضا: إثرة بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الثَّاء، قَالَ الْأَزْهَرِي، وَهُوَ الاستيثار أَي: يستأثر عَلَيْكُم بِأُمُور الدُّنْيَا ويفضل غَيْركُمْ عَلَيْكُم، وَلَا يَجْعَل لكم فِي الْأَمر نَصِيبا وَعَن أبي عَليّ القالي: إِن الإثرة الشدَّة، وَبِه كَانَ يتَأَوَّل الحَدِيث، وَالتَّفْسِير الأول أظهر وَعَلِيهِ الْأَكْثَر وَسَببه يشْهد لَهُ وَهُوَ إِيثَار الْأَنْصَار الْمُهَاجِرين على أنفسهم، فأجابهم، ﷺ ، بِهَذَا. قَوْله: (حَتَّى تَلْقَوْنِي) ، ويروى: (على الْحَوْض) .
٤٦١٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ أخبرَنِي رَوْحُ بنُ القَاسِمِ عنْ مُحَمَّدِ بنِ الْمُنْكَدِرِ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ كانَ رسولُ الله ﷺ قَالَ لي لَوْ قَدْ جاءَنا مالُ البَحْرَيْنِ قدْ أعْطَيْتُكَ هَكَذَا وهاكَذَا وهاكَذَا فلَمَّا قُبِضَ رَسُول الله، ﷺ وجاءَ مالُ البَحْرَيْنِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مَنْ كانَتْ لَهُ عِنْدَ رسولِ الله ﷺ عِدَّةٌ فَلْيَأْتِني فأتَيْتُهُ فقُلْتُ إنَّ رَسُول الله، ﷺ قَدْ كانَ قَالَ لِي لَوُ قَدْ جاءَنا مالُ البَحْرَيْنِ لأعْطَيْتُكَ هاكَذَا وهاكذَا وهاكَذَا فَقَالَ لي إحْثِهِ فَحَثَوْتُ حَثْيَةً فَقَالَ لِي عُدَّها فَعَدَدْتُهَا فإذَا هِي خَمْسُمِائَةٍ فأعْطَانِي ألْفاً وخَمْسَمِائَةٍ. .
مطابقته للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة، وَقد بَيناهُ عَن قريب، وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن معمر الْهُذلِيّ الْهَرَوِيّ، سكن بَغْدَاد. وروح بِفَتْح الرَّاء ابْن قَاسم الْعَنْبَري التَّمِيمِي الْبَصْرِيّ. والْحَدِيث مر فِي الْخمس فِي: بَاب وَمن الدَّلِيل على أَن الْخمس لنوائب الْمُسلمين. قَوْله: (عدَّة) أَي: وعد. قَوْله: (أحثه) بِضَم الْهمزَة وَكسرهَا، من: حثا يحثو حثوا، وحثى يحثي حثياً، وَقيل: الْهَاء فِيهِ للسكت.
٥٦١٣ - وقالَ إبْرَاهِيمُ بنُ طَهْمَانَ عنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ صُهَيْبٍ عنْ أنَسٍ قَالَ أتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ
следующие страницы →