Полный текст (7 603 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.
стр. 4656
فَهُوَ أَن الرَّاوِي ذكره مَعَه كَمَا سَمعه مَعَه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: مُتَابعَة الْأَنْبِيَاء مُوجبَة للخلاص، كَمَا أَن فِي هَذَا التحاكم خلاص الْكُبْرَى من تلبسها بِالْبَاطِلِ ووباله فِي الْآخِرَة، وخلاص الصُّغْرَى من ألم فِرَاق وَلَدهَا، وخلاص الابْن من الْقَتْل، وَتَمام الحَدِيث الأول هُوَ قَوْله: فَجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فِيهَا فَذَلِك مثلي ومثلكم أَنا آخذ بِحُجزِكُمْ عَن النَّار فتغلبوني وتقتحمون فِيهَا. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن هُرْمُز الْأَعْرَج.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفَرَائِض عَن أبي الْيَمَان أَيْضا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقَضَاء عَن عمرَان بن بكار وَعَن الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مثلي وَمثل النَّاس) ، بِفَتْح الْمِيم أَي: صِفَتي وحالي وشأني فِي دُعَائِهِمْ إِلَى الْإِسْلَام المنقذ لَهُم من النَّار، وَمثل مَا تزين لَهُم أنفسهم من التَّمَادِي على الْبَاطِل كَمثل رجل. . إِلَى آخِره، وَهَذَا من تَمْثِيل الْجُمْلَة بِالْجُمْلَةِ، وَالْمرَاد من ضرب الْمثل الزِّيَادَة فِي الْكَشْف والتنبيه للْبَيَان. قَوْله: (استوقد نَارا) أَي: أوقد نَارا، يُؤَيّدهُ مَا وَقع فِي رِوَايَة مُسلم وَأحمد من حَدِيث جَابر: مثلي ومثلكم كَمثل رجل أوقد نَارا، وَقَالَ بَعضهم: زِيَادَة السِّين وَالتَّاء للْإِشَارَة إِلَى أَنه عالج إيقادها وسعى فِي تَحْصِيل آلاتها. قلت: معنى الاستفعال الطّلب، وَلَكِن قد يكون صَرِيحًا نَحْو: استكتبته، أَي: طلبت مِنْهُ الْكِتَابَة، وَقد يكون تَقْديرا نَحْو استخرجت الوتد من الْحَائِط، وَلَيْسَ فِيهِ طلب صَرِيح، واستوقد هَهُنَا من هَذَا الْقَبِيل، وَالنَّار جَوْهَر لطيف مضيء محرق حَار والنور ضوؤها. قَوْله: (الْفراش) ، بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الرَّاء وَفِي آخِره شين مُعْجمَة، قَالَ الْخَلِيل: يطير كالبعوض، وَقيل: هُوَ كصغار البق، وَقَالَ الْفراء: هُوَ غوغاء الْجَرَاد الَّذِي يتفرش ويتراكم ويتهافت فِي النَّار. قَوْله: (وَهَذِه الدَّوَابّ) ، عطف على الْفراش، وَهُوَ جمع دَابَّة، وَأَرَادَ بهَا هُنَا مثل البرغش والبعوض والجندب وَنَحْوهَا. قَوْله: (تقع فِي النَّار) خبر: جعل، لِأَن جعل، من أَفعَال المقاربة يعْمل عمل: كَانَ، فِي اقتضائه الِاسْم وَالْخَبَر. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّه ﷺ شبه الْمُخَالفين لَهُ بالفراش وتساقطهم فِي نَار الْآخِرَة بتساقط الْفراش فِي نَار الدُّنْيَا مَعَ حرصهم على الْوُقُوع فِي ذَلِك وَمنعه إيَّاهُم، وَالْجَامِع بَينهمَا اتِّبَاع الْهوى وَضعف التَّمْيِيز وحرص كل من الطَّائِفَتَيْنِ على هَلَاك نَفسه، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: هَذَا مثل كثير الْمعَانِي، وَالْمَقْصُود: أَن الْخلق لَا يأْتونَ مَا يجرهم إِلَى النَّار على قصد الهلكة، وَإِنَّمَا يأتونه على قصد الْمَنْفَعَة وَاتِّبَاع الشَّهْوَة، كَمَا أَن الْفراش يقتحم النَّار لَا ليهلك فِيهَا بل لما يَصْحَبهُ من الضياء، وَقد قيل: إِنَّهَا لَا تبصر بِحَال وَهُوَ بعيد جدا. قَوْله: (وَقَالَ كَانَت امْرَأَتَانِ) ، لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِرَفْعِهِ وَهُوَ مَرْفُوع فِي نُسْخَة شُعَيْب عِنْد الطَّبَرَانِيّ وَغَيره، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق عَليّ بن عَيَّاش عَن شُعَيْب: حَدثنِي أَبُو الزِّنَاد مِمَّا حَدثهُ عبد الرَّحْمَن الْأَعْرَج مِمَّا ذكر أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة يحدث عَن رَسُول الله، ﷺ ، قَالَ: بَينا امْرَأَتَانِ. قَوْله: (فتحاكما) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فتحاكمتا، وَفِي نُسْخَة شُعَيْب: فاختصما. قَوْله: (فَقضى بِهِ للكبرى) ، أَي: للْمَرْأَة الْكُبْرَى، قيل: إِن ذَلِك كَانَ على سَبِيل الْفتيا مِنْهُمَا لَا الحكم، فَلذَلِك سَاغَ لِسُلَيْمَان أَن ينْقضه، ورده الْقُرْطُبِيّ بِأَن فتيا النَّبِي ﷺ كحكمه وهما سَوَاء فِي التَّنْفِيذ. فَإِن قلت: إِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك، فَكيف جَازَ لِسُلَيْمَان نقض حكم دَاوُد؟ قلت: إِن كَانَ حكمهمَا بِالْوَحْي فَحكم سُلَيْمَان نَاسخ لحكم دَاوُد، وَإِن كَانَ بِالِاجْتِهَادِ فاجتهاده كَانَ أقوى لِأَنَّهُ بالحيلة اللطيفة أظهر مَا فِي نفس الْأَمر، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: إِنَّمَا كَانَ بَينهمَا على سَبِيل الْمُشَاورَة، فوضح لداود صِحَة رَأْي سُلَيْمَان فأمضاه، وَقيل: إِن من شرع دَاوُد، ﵊، الحكم للكبرى من حَيْثُ هِيَ كبرى. ورد بِأَن هَذَا غلط، لِأَن الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى وصف طردي مَحْض لَا يُوجب شَيْء من ذَلِك تَرْجِيحا لأحد المتداعيين حَتَّى يحكم لَهُ أَو عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الطول وَالْقصر والسواد وَالْبَيَاض، وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِن سُلَيْمَان فعل ذَلِك تحيلاً على إِظْهَار الْحق فَلَمَّا أقرَّت بِهِ الصُّغْرَى عمل بإقرارها وَإِن كَانَ الحكم قد نفذ، كَمَا لَو اعْترف الْمَحْكُوم لَهُ بعد الحكم أَن الْحق لخصمه، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَإِنَّمَا حكما بِالِاجْتِهَادِ إِذْ لَو كَانَ بِنَصّ لما سَاغَ خِلَافه، وَهُوَ دَال على أَن الفطنة والفهم موهبة من الله تَعَالَى وَلَا الْتِفَات لقَوْل من يَقُول: إِن الإجتهاد إِنَّمَا يسوغ عِنْد فقد النَّص، والأنبياء، ﵊، لَا يفقدون النَّص، فَإِنَّهُم متمكنون من استطلاع الْوَحْي وانتظاره، وَالْفرق بَينهم وَبَين غَيرهم قيام الْعِصْمَة بهم عَن الْخَطَأ وَعَن التَّقْصِير فِي الِاجْتِهَاد، بِخِلَاف غَيرهم. قَوْله: (لَا تفعل يَرْحَمك الله) ، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم والإسماعيلي من طَرِيق وَرْقَاء عَن أبي الزِّنَاد: لَا يَرْحَمك الله، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: يَنْبَغِي أَن يكون على هَذِه
стр. 4657
الرِّوَايَة أَن يقف على: لَا، دقيقة حَتَّى يتَبَيَّن للسامع أَن مَا بعده كَلَام مستأنمف، لِأَنَّهُ إِذا وصل بِمَا بعد: لَا يتَوَهَّم للسامع أَنه دُعَاء عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ دُعَاء لَهُ. قَوْله: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَة) صورته تَعْلِيق، لَكِن ادّعى بَعضهم أَنه مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الأول، وَفِيه تَأمل. قَوْله: (إِن سَمِعت) ، كلمة: إِن، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون النُّون كلمة نفي. أَي: وَالله مَا سَمِعت بِلَفْظ السكين إلَاّ يَوْمئِذٍ. قَوْله: (المدية) بِضَم الْمِيم، وَقيل: الْمِيم مُثَلّثَة، سمي السكين بهَا لِأَنَّهَا تقطع مدى حَيَاة الْحَيَوَان، وَسمي السكين سكيناً لِأَنَّهُ يسكن حَرَكَة الْحَيَوَان، وَهُوَ يذكر وَيُؤَنث.
١٤ - (بابُ قَوْلِ الله تعالَى ﴿ولَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ أنِ اشْكُرْ لله﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿إنَّ الله لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (لُقْمَان: ٢١ ٨١) .)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد آتَيْنَا لُقْمَان الْحِكْمَة أَن أشكر لله وَمن يشْكر فَإِنَّمَا يشْكر لنَفسِهِ وَمن كفر فَإِن الله غَنِي حميد﴾ (لُقْمَان: ٢١ ٨١) .) ، قَوْله: (إِلَى قَوْله) أَي: إقرأ إِلَى قَوْله: ﴿إِن الله لَا يحب كل مختال فخور﴾ (لُقْمَان: ٢١ ٨١) . وَمن قَوْله: ﴿غَنِي حميد﴾ إِلَى قَوْله: ﴿فخور﴾ سِتّ آيَات. قَوْله: (الْحِكْمَة) أَي: الْعقل وَالْعلم وَالْعَمَل بِهِ والإصابة فِي الْأُمُور. قَوْله: (أَن أشكر) ، قيل: لِأَن تشكر الله، وَيجوز أَن تكون: أَن، مفسرة أَي: أشكر الله، وَالتَّقْدِير: قُلْنَا لَهُ: اشكر الله. وَقيل: بدل من الْحِكْمَة. قَوْله: (مختال) ، من الاختيال وَهُوَ أَن يرى لنَفسِهِ طولا على غَيره فيشمخ بِأَنْفِهِ. قَوْله: (فخور) ، يعدد مناقبه تطاولاً.
ولقمان بن باعور بن ناخور بن تارخ وَهُوَ آزر أَب إِبْرَاهِيم، ﵊، كَذَا قَالَه ابْن إِسْحَاق، وَقَالَ مقَاتل: لُقْمَان بن عنقًا بن سدون. وَيُقَال: لُقْمَان بن ثاران، حَكَاهُ السُّهيْلي عَن ابْن جرير والقعنبي، وَقَالَ وهب بن مُنَبّه: لُقْمَان بن عبقر بن مرْثَد بن صَادِق بن التوت من أهل أَيْلَة، ولد على عشر سِنِين خلت من أَيَّام دَاوُد، ﵊، وَقَالَ مقَاتل: كَانَ ابْن أُخْت أَيُّوب، ﵊، وَقيل: ابْن خَاله، وَقَالَ إِبْنِ إِسْحَاق ثمَّ عَاشَ ألف سنة وَأدْركَ دَاوُد، ﵊، وَأخذ عَنهُ الْعلم. وَحكى الثَّعْلَبِيّ عَن ابْن الْمسيب: أَنه كَانَ عبدا أسود عَظِيم الشفتين مشقق الْقَدَمَيْنِ من سودان مصر ذَا مشافر، وَقَالَ الرّبيع: كَانَ عبدا نوبياً اشْتَرَاهُ رجل من بني إِسْرَائِيل بِثَلَاثِينَ دِينَارا وَنصف دِينَار، وَقَالَ السُّهيْلي: كَانَ نوبياً من أَيْلَة، وَعَن ابْن عَبَّاس: كَانَ عبدا حَبَشِيًّا نجاراً، وَقيل: كَانَ خياطاً، وَقيل: كَانَ رَاعيا، وَقيل: كَانَ يحتطب لمَوْلَاهُ حزمة حطب، وَرُوِيَ أَنه كَانَ عبدا لقصاب. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَ قَاضِيا لبني إِسْرَائِيل فَكَانَ يسكن ببلدة أَيْلَة ومدين، وَقَالَ مقَاتل: كَانَ اسْم أمه: تارات، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : وَاتفقَ الْعلمَاء أَنه كَانَ حكيماً وَلم يكن نَبيا إلَاّ عِكْرِمَة فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول: إِنَّه كَانَ نَبيا. قَالَ الْوَاقِدِيّ وَالسُّديّ: مَاتَ بأيلة، وَقَالَ قَتَادَة: بالرملة.
ولَا تُصَعِّرْ الإعْرَاضُ بالوَجْهِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تصعر خدك للنَّاس﴾ (لُقْمَان: ٨١) . وَفسّر: تصعر، بقوله: الْإِعْرَاض بِالْوَجْهِ، وَكَأَنَّهُ جعل الْإِعْرَاض بِمَعْنى التصغير الْمُسْتَفَاد من: لَا تصعر، وَهَكَذَا فسره عِكْرِمَة، أوردهُ عَنهُ الطَّبَرِيّ، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: أصل الصعر دَاء يَأْخُذ الْإِبِل فِي أعناقها حَتَّى تلفت أعناقها عَن رؤوسها فَيُشبه بِهِ الرجل المعرض عَن النَّاس المتكبر، وَقِرَاءَة عَاصِم وَابْن كثير: وَلَا تصعر، وَقِرَاءَة الْبَاقُونَ: وَلَا تصاغر، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: القراءتان مشهورتان ومعناهما صَحِيح.
٨٢٤٣ - حدَّثنا أَبُو الوَلِيدِ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ عنْ عَبْدِ الله قَالَ لَ مَّا نَزَلَتِ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيْمَانَهُمْ بِظُلْمٍ قَالَ أصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ إيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إيْمَانَهُ بِظُلْمٍ فنَزَلَتْ ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّه إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لُقْمَان: ٣١) . .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تشرك بِاللَّه ... ﴾ إِلَى آخِره، لِأَن الله تَعَالَى قَالَ حِكَايَة عَن لُقْمَان: ﴿وَإِذ قَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ وَهُوَ يعظه يَا بني لَا تشرك بِاللَّه إِن الشّرك لظلم عَظِيم﴾ (لُقْمَان: ٣١) . وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب ظلم دون ظلم، وَمر الْكَلَام فِيهِ.
стр. 4658
٩٢٤٣ - حدَّثني إسْحَاقُ أخبرَنا عِيسَى بنُ يُونُسَ حدَّثنا الأعمشُ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ لَمَّا نَزَلَتِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (الْأَنْعَام: ٢٨) . شَقَّ ذَلِكَ علَى المُسْلِمِينَ فَقَالُوا يَا رسوُلَ الله أيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ ألَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وهْوَ يَعِظُهُ ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّه إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَإِسْحَاق هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، وَهَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور.
قَوْله: (إِنَّمَا هُوَ الشّرك) ، أَي: الظُّلم الْمَذْكُور فِي تِلْكَ الْآيَة هُوَ الشّرك، وَالظُّلم لفظ عَام يعم الشّرك وَغَيره، وَقد خص فِي الْآيَة بالشرك. وَمعنى: اخْتِلَاط الْإِيمَان، هُوَ أَن الْإِيمَان التَّصْدِيق بِاللَّه وَهُوَ لَا يُنَافِي جعل الْأَصْنَام آلِهَة، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه إلَاّ وهم مشركون﴾ (يُوسُف: ٦٠١) . قَوْله: (مَا قَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ) قَالَ السُّهيْلي، اسْم ابْنه: باران، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وبالراء، وَكَذَا قَالَه الطَّبَرِيّ والعتبي، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: اسْمه أنعم، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: أشكم. قَوْله: (وَهُوَ يعظه) جملَة حَالية، وَالله أعلم.
٢٤ - (بابٌ ﴿واضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أصْحَابَ القَرْيَةِ﴾ (ي س: ٣١) . الْآيَة)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مثلا أَصْحَاب الْقرْيَة إِذْ جاءها المُرْسَلُونَ إِذْ أرسلنَا إِلَيْهِم اثْنَيْنِ فكذبوهما فعززنا بثالث فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مرسلون﴾ (ي س: ٣١) . قَوْله: (وَاضْرِبْ لَهُم مثلا) أَي: لأجلهم، وَقيل: وَاضْرِبْ لأجل نَفسك أَصْحَاب الْقرْيَة مثلا، وَحَاصِل الْمَعْنى: اذكر لَهُم قصَّة عَجِيبَة، يَعْنِي: قصَّة أَصْحَاب الْقرْيَة، وَهِي أنطاكية: ﴿إِذْ جاءها المُرْسَلُونَ﴾ (ي س: ٣١) . أَي: رسل عِيسَى، وَكلمَة إِذْ، بدل من أَصْحَاب الْقرْيَة، وَكَانَ إرْسَال عِيسَى، ﵊، رسله فِي أَيَّام مُلُوك الطوائف.
وَاخْتلفُوا فِي اسْم الرسولين اللَّذين أرسلا أَولا، فَقَالَ ابْن إِسْحَاق: قاروص وماروص، وَقَالَ وهب: يحيى وَيُونُس، وَقَالَ مقَاتل: تومان ومالوس، وَقَالَ كَعْب: صَادِق وصدوق، وَاسم الرَّسُول الثَّالِث: شَمْعُون الصَّفَا رَأس الحواريين، وَهُوَ قَول أَكثر الْمُفَسّرين، وَقَالَ كَعْب: اسْمه شلوم، وَقَالَ مقَاتل: سمْعَان، وَقيل: بولص، وَلم يذكر البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب حَدِيثا مَرْفُوعا، وَقد روى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: السَّبق ثَلَاثَة: يُوشَع إِلَى مُوسَى، وَصَاحب يس إِلَى عِيسَى، وَعلي إِلَى مُحَمَّد، ﷺ ، وَفِي إِسْنَاده حُسَيْن بن الْحسن الْأَشْقَر وَهُوَ ضَعِيف، وَاسم صَاحب يس: حبيب النجار، وَعَن السّديّ: كَانَ قصاراً، وَقيل: كَانَ إسكافاً، وَكَانَ اسْم ملك أنطاكية أنطيخس بن أنطيخس وَكَانَ يعبد الْأَصْنَام.
فَعَزَّزْنا. . قَالَ مُجَاهِدٌ شَدَّدْنَا
أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿فعززنا﴾ (ي س: ٣١) . وَحكي عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: مَعْنَاهُ: شددنا، يَعْنِي: قوينا الرسولين الْأَوَّلين برَسُول ثَالِث، وعَلى يَده كَانَ الْخَلَاص.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ طائِرُكُمْ مَصَائِبُكُمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا طائركم مَعكُمْ أئن ذكرْتُمْ بل أَنْتُم قوم مسرفون﴾ (ي س: ٩١) . وَوصل ابْن أبي حَاتِم قَول ابْن عَبَّاس من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ بِهِ. قَوْله: ﴿طائركم﴾ وَفَسرهُ ابْن عَبَّاس بقوله: مصائبكم، وَلما قَالُوا: ﴿إنَّا تطيرنا بكم﴾ (ي س: ٨١) . يَعْنِي: تشاءمنا بكم، قَالُوا: طائركم، أَي: شؤمكم مَعكُمْ، وَهُوَ كفرهم.
٣٤ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿كَهيَعَصَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّاءَ إذْ نادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيَّاً قَالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ إِلَى قولِهِ ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيَّاً﴾ (مَرْيَم: ٣ ٧) .)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الله تَعَالَى: ﴿كهيعص ذكر رَحْمَة رَبك عَبده زَكَرِيَّا﴾ (مَرْيَم: ٣ ٧) . إِلَى آخِره. قَوْله: (إِلَى قَوْله) ، أَي: إقرأ إِلَى قَوْله: ﴿لم نجْعَل لَهُ من قبل سميا﴾ (مَرْيَم: ٣ ٧) . وَهُوَ قَوْله: ﴿وَلم أكن بدعائك رب شقيا وَإِنِّي خفت الموالى من ورائي وَكَانَت امْرَأَتي عاقراً فَهَب لي
стр. 4659
من لَدُنْك وليا يَرِثنِي وَيَرِث من آل يَعْقُوب واجعله رب رَضِيا يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نبشرك بِغُلَام اسْمه يحيى لم نجْعَل لَهُ من قبل سميا﴾ (مَرْيَم: ٥ ٧) [/ ح.
قَوْله: (ذكر) ، مَرْفُوع بِأَنَّهُ خبر لقَوْله: ﴿كهيعص﴾ ، وَقيل: خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هَذَا القَوْل الَّذِي نتلو عَلَيْك ذكر رَحْمَة رَبك، وَقيل: مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر مُقَدّر تَقْدِيره، فِيمَا أُوحِي إِلَيْك ذكر رَحْمَة رَبك، و: ذكر مصدر مُضَاف إِلَى الرَّحْمَة، وَهِي فَاعله، و: عَبده، مفعولها. قَوْله: (خفِيا) أَي: خافياً يخفى ذَلِك فِي نَفسه لم يطلع عَلَيْهِ إلَاّ الله. قَوْله: (وَهن) ، يُقَال: وَهن يهن وَهنا، فَهُوَ واهن، وَقَالَ الْفراء: وَهن الْعظم، بِالْفَتْح وَالْكَسْر فِي الْهَاء: أَرَادَ أَن قُوَّة عِظَامه ذهبت لكبر سنه، وَإِنَّمَا خص الْعظم لِأَنَّهُ الأَصْل فِي التَّرْكِيب، وَقَالَ قَتَادَة: شكى ذهَاب أَضْرَاسه. قَوْله: (واشتعل الرَّأْس شيباً) أَي: من حَيْثُ الشيب شبه الشيب بشواظ النَّار فِي بياضه وإنارته وانتشاره فِي الشّعْر وفشوه فِيهِ وَأَخذه كل مَأْخَذ باشتعال النَّار، ثمَّ أخرجه مخرج الِاسْتِعَارَة، ثمَّ أسْند الاشتعال إِلَى مَكَان الشّعْر ومنبته وَهُوَ الرَّأْس، وَأخرج الشيب مُمَيّزا وَلم يضف الرَّأْس، يَعْنِي لم يقل: رَأْسِي، اكْتِفَاء بِعلم الْمُخَاطب أَنه رَأس زَكَرِيَّا ﷺ ، فَمن ثمَّ فَصحت هَذِه الْجُمْلَة وَشهد لَهَا بالبلاغة. قَوْله: (وَلم أكن بدعائك رب شقياً) أَي: بدعائي إياك شقياً أَي: خائباً. قَوْله: الموَالِي، وهم الَّذين يلونه فِي النّسَب، وهم: بَنو الْعم والعصبة، وَكَانَ عَمه وعصبته شرار بني إِسْرَائِيل فخافهم على الدّين أَن يغيروه ويبدلوه وَأَن لَا يحسنوا للخلافة على أمته، فَطلب عقباً من صلبه صَالحا يُقتدى بِهِ فِي إحْيَاء الدّين. قَوْله: (عاقراً) أَي: عقيماً لَا تَلد. قَوْله: (وليا) ، أَي: ولدا صَالحا يحمل أَمر الدّين بعدِي. قَوْله: (يَرِثنِي) ، أَي: يَرث النُّبُوَّة وَقيل: الْعلم، وَقيل: يرثهما. قَوْله: (وَيَرِث من آل يَعْقُوب) ، قَالَ ابْن عَبَّاس: يَرِثنِي مَالِي وَيَرِث من آل يَعْقُوب النُّبُوَّة، وَعنهُ: يَرِثنِي الْعلم وَيَرِث من آل يَعْقُوب الْملك، فَأَجَابَهُ الله إِلَى وراثة الْعلم دون الْملك. قَوْله: (لم نجْعَل لَهُ من قبل سمياً) ، يَعْنِي: لم يسم أحد قبله بِيَحْيَى. فَإِن قلت: مَا وَجه المدحة باسم لم يسم أحد قبله ونرى كثيرا من الْأَسْمَاء لم يسْبق إِلَيْهَا؟ قلت: لِأَن الله تَعَالَى تولى تَسْمِيَته وَلم يكل ذَلِك إِلَى أَبَوَيْهِ فَسَماهُ باسم لم يسْبق إِلَيْهِ.
وَاعْلَم أَن فِي زَكَرِيَّا أَربع لُغَات: الْمَدّ وَالْقصر وَحذف الْألف مَعَ إبْقَاء الْبَاء مُشَدّدَة وَتَخْفِيف الْيَاء، فَإِن مددت أَو قصرت لم تصرف، وَإِن حذفت الْألف مَعَ إبْقَاء الْيَاء مُشَدّدَة صرفته. وزَكَرِيا بن آدن بن مُسلم بن صَدُوق بن نخشان بن دَاوُد بن سُلَيْمَان بن مُسلم بن صديقَة بن ناخور بن شلوم بن بهفاشاط بن أسا بن أفيا بن رَحِيم بن سُلَيْمَان بن دَاوُد، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَذَا ذكره الثَّعْلَبِيّ، وَقَالَ ابْن عَسَاكِر فِي (تَارِيخه) : زَكَرِيَّا بن برخيا، وَيُقَال: زَكَرِيَّا بن دَان، وَيُقَال: ابْن آدن ... إِلَى آخِره، وَعَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : كَانَ زَكَرِيَّا نجاراً. انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ مُسلم وَابْنه يحيى من الْحَيَاة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: كَانَ يحيى أعجمياً وَهُوَ الظَّاهِر، فَمنع صرفه للتعريف والعجمة: كموسى وَعِيسَى، وَإِن كَانَ عَرَبيا فللتعريف وَوزن الْفِعْل، وَاخْتلفُوا فِيهِ لِمَ سمي يحيى؟ فَقَالَ ابْن عَبَّاس: لِأَن الله تَعَالَى أحيى بِهِ عقر أمه، وَقَالَ قَتَادَة: لِأَن الله تَعَالَى أحيى قلبه بِالْإِيمَان والنبوة، وَقيل: أَحْيَاهُ بِالطَّاعَةِ حَتَّى لم يعْص أصلا وَلم يهم بِمَعْصِيَة، وَاسم أم يحيى: أشياع بنت فاقوذا أُخْت حنة أم مَرْيَم، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِمَا وَسلم، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: كَانَ زَكَرِيَّا وَابْنه يحيى، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِم وَسلم، آخر من بعث فِي بني إِسْرَائِيل من أَنْبِيَائهمْ.
قَالَ ابنُ عبَّاسٍ مِثْلاً
أَي: قَالَ عبد الله بن عَبَّاس: معنى: سمياً، مثلا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿هَل تعلم لَهُ سمياً﴾ (مَرْيَم: ٥٦) .
يُقَالُ: رَضِيَّاً مَرْضِيَّاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير: رَضِيا فِي قَوْله: ﴿واجعله رب رَضِيا﴾ (مَرْيَم: ٦) . بِأَنَّهُ بِمَعْنى: مرضياً. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: مرضيا ترضاه أَنْت وعبادك.
عَتِيَّاً عَصِياً عَتَا يَعْتُو
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقد بلغت
стр. 4660
من الْكبر عتياً﴾ (مَرْيَم: ٨) . وَفَسرهُ بقوله: عصياً، وَذكره بالصَّاد الْمُهْملَة وَالصَّوَاب بِالسِّين الْمُهْملَة، وروى الطَّبَرِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: مَا أَدْرِي أَكَانَ رَسُول الله، ﷺ يقْرَأ عتياً أَو عسياً؟ يُقَال: قَرَأَ مُجَاهِد: عسياً بِالسِّين، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: عتا الشَّيْخ يعتو عتياً، بِضَم الْعين وَكسرهَا: كبر وَولى، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: عسا الشَّيْخ يعسو عسياً، ولى وَكبر مثل: عتا، وَقَالَ قَتَادَة: العتو نحول الْعظم، يُقَال: ملك عَاتٍ: إِذا كَانَ قاسي الْقلب غير لين، وَعَن أبي عُبَيْدَة: كل مبالغ فِي شَرّ أَو كفر فقد عتا وعسا، وَيُقَال: عتا الْعود وعسا من أجل الْكبر والطعن فِي السن الْعَالِيَة، وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ: ﴿وَقد بلغت من الْكبر عتياً﴾ (مَرْيَم: ٨) . بِكَسْر الْعين وَالْبَاقُونَ بضَمهَا. قَوْله: (عتا يعتو) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه من بَاب فعل يفعل، مثل: غزا يَغْزُو، من معتل اللَّام الواوي.
﴿قالَ رَبِّ أنَّى يَكُونَ لِي غُلَامٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيَّاً﴾ (مَرْيَم: ٨ ٠١) . ويُقَالُ صَحِيحاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب أَنى يكون لي غُلَام وَكَانَت امْرَأَتي عاقراً وَقد بلغت من الْكبر عتيا قَالَ كَذَلِك قَالَ رَبك هُوَ على هَين وَقد خلقتك من قبل وَلم تَكُ شَيْئا قَالَ رب اجْعَل لي آيَة قَالَ آيتك أَن لَا تكلم النَّاس ثَلَاث لَيَال سوياً﴾ (مَرْيَم: ٨ ٠١) . قَوْله: (قَالَ رب) أَي: قَالَ زَكَرِيَّا: يَا رب أنَّى يكون لي غُلَام؟ أَي: من أَيْن يكون لي غُلَام؟ وَكَيف يكون لي غُلَام وَالْحَال أَن امْرَأَتي عَاقِر وَأَنا قد بلغت من الْكبر عتياً؟ قَوْله: (قَالَ كَذَلِك) ، أَي: قَالَ جِبْرِيل ﷺ : إِن الْأَمر كَذَلِك كَمَا قيل لَك من هبة الْوَلَد على الْكبر. قَوْله: (هُوَ عليَّ هيِّن) ، أَي: خلقه عليّ هيّن بِأَن أرد عَلَيْك قوتك حَتَّى تقوى على الْجِمَاع، وأفتق رحم امْرَأَتك. قَوْله: (قد خلقتك من قبل) ، أَي: أوجدتك من قبل يحيى وَلم تَكُ شَيْئا، لِأَن الْمَعْدُوم لَيْسَ بِشَيْء أَو شَيْئا لَا يعْتد بِهِ. قَوْله: (قَالَ: رب) ، أَي: قَالَ زَكَرِيَّا: يَا رب إجعل لي آيَة أَي: عَلامَة على حمل امْرَأَتي. قَوْله: (قَالَ آيتك) أَي: قَالَ الله، : علامتك أَن لَا تكلم النَّاس ثَلَاث لَيَال سوياً مَنْصُوب على الْحَال، أَي: وَأَنت صَحِيح سليم الْجَوَارِح عَن سوء الْخلق مَا بك خرس وَلَا بكم، وَدلّ ذكر اللَّيَالِي هُنَا وَالْأَيَّام فِي آل عمرَان، على أَن الْمَنْع من الْكَلَام اسْتمرّ بِهِ ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن.
فخَرَجَ علَى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرَابِ فأوْحَى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيَّاً﴾ (مَرْيَم: ١١) . فأوْحَى فأشارَ
أَي: فَخرج زَكَرِيَّا وَكَانَ النَّاس من وَرَاء الْمِحْرَاب ينتظرون أَنه يفتح لَهُم الْبَاب فَيدْخلُونَ وَيصلونَ، إِذْ خرج إِلَيْهِم زَكَرِيَّا متغير اللَّوْن فأنكروه، فَقَالُوا لَهُ: يَا زَكَرِيَّا! مَالك؟ فَأوحى إِلَيْهِم، أَي: أَشَارَ إِلَيْهِم بِيَدِهِ وَرَأسه. قَالَه مُجَاهِد: وَعَن ابْن عَبَّاس: فَكتب إِلَيْهِم فِي كتاب، وَقيل: على الأَرْض. قَوْله: (أَن سبحوا) ، وَكلمَة: أَن، هِيَ المفسرة أَي: صلوا لله بكرَة وعشياً، وَهَذَا فِي صَبِيحَة اللَّيْلَة الَّتِي حملت امْرَأَته، فَلَمَّا حملت امْرَأَته أَمرهم بِالصَّلَاةِ إِشَارَة.
﴿يَا يَحْيَى خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيَّا﴾ (مَرْيَم: ٢١ ٥١) .
أَي: إقرأ الْآيَة إِلَى قَوْله: (وَيَوْم يبْعَث حَيا) . وَهُوَ: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبيا وَحَنَانًا من لدنا وَزَكَاة وَكَانَ تقياً وَبرا بِوَالِديهِ وَلم يكن جباراً عصيّاً وَسَلام عَلَيْهِ يَوْم ولد وَيَوْم يَمُوت وَيَوْم يبْعَث حَيا﴾ (مَرْيَم: ٢١ ٥١) . قَوْله: (يَا يحيى) ، التَّقْدِير: فوهبنا لَهُ يحيى وَقُلْنَا لَهُ: يَا يحيى خُذ الْكتاب، أَي: التَّوْرَاة، وَكَانَ مَأْمُورا بالتمسك بهَا. قَوْله: (الحكم) ، أَي: الْحِكْمَة وَهِي الْفَهم للتوراة وَالْفِقْه فِي الدّين، صَبيا، أَي: حَال كَونه صَبيا، وَعَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ : أَنه سبع سِنِين، وَعَن قَتَادَة وَمُقَاتِل: ثَلَاث سِنِين وَكَانَ ذَلِك معْجزَة بِهِ. قَوْله: (وَحَنَانًا) ، قَالَ الزّجاج: وَآتَيْنَاهُ حناناً، وَقيل: وجعلناه حناناً لأهل زَمَانه، أَي: رَحْمَة لِأَبَوَيْهِ وَغَيرهمَا، وتعطفاً وشفقة. قَوْله: (وَزَكَاة) ، أَي: زِيَادَة فِي الْخَيْر على مَا وصف، وَقيل: طَهَارَة من الذُّنُوب، وَقيل: عملا صَالحا. قَوْله: (تقياً) ، يَعْنِي: مُسلما مخلصاً مُطيعًا. قَوْله: (وبرّاً) أَي: وبارّاً بِوَالِديهِ، لطيفاً بهما، محسناً إِلَيْهِمَا، وَلم يكن جباراً متكبراً. قَوْله: (عصياً) أَي: عَاصِيا لرَبه. قَوْله: (وَسَلام عَلَيْهِ) أَي: سَلام من الله عَلَيْهِ فِي هَذِه الْأَيَّام، وَإِنَّمَا خص التَّسْلِيم وَالسَّلَام بِهَذِهِ الْأَحْوَال لِأَنَّهَا أصعب الْأَوْقَات وأوحشها.
حَفِيَّاً لَطِيفاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّه كَانَ بِي حفيّاً﴾ (مَرْيَم: ٧٤) . وَفسّر: حفياً، بقوله: لطيفاً، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَي محتفياً.
عاقِرَاً الذَّكَرُ والأنْثَى سَوَاءٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَانَت امْرَأَتي عاقراً﴾ (مَرْيَم: ٥ و ٨) . وَقَالَ: الذّكر وَالْأُنْثَى سَوَاء، يَعْنِي: يُقَال للرجل الَّذِي لَا يلد: عَاقِر، وللمرأة الَّتِي لَا تَلد: عَاقِر.
стр. 4661
٠٣٤٣ - حدَّثنا هُدْبَةُ بنُ خَالِدٍ حدَّثنا هَمَّامُ بنُ يَحْيَى حدَّثنا قَتادَةُ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ عنْ مالِكِ بنِ صَعْصَعَةَ أنَّ نَبِيَّ الله ﷺ حدَّثَهُمْ عنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ ثُمَّ صَعِدَ حتَّى أتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ فاسْتَفْتَحَ قِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ جِبْرِيلُ قِيلَ ومَنْ مَعَكَ قَالَ مُحَمَّدٌ قِيلَ وقَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ قَالَ نعَمْ فلَمَّا خَلَصْتُ فإذَا يَحْيَى وعِيسَى وهُمَا ابْنَا خالَةٍ قَالَ هذَا يَحْيَى وعيسَى فسَلَّم عَلَيْهِمَا فسَلَّمْتُ فَرَدَّا ثُمَّ قالَا مَرْحَباً بالأخِ الصَّالِحِ والنَّبيِّ الصَّالِحِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن يحيى مَذْكُور فِي قصَّة زَكَرِيَّا، وَهَذِه قِطْعَة من حَدِيث مطول قد مضى فِي: بَاب ذكر الْمَلَائِكَة، وَمر الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (فَلَمَّا خلصت) أَي: للصعود إِلَى السَّمَاء الثَّانِيَة ووصلت إِلَيْهَا. قَوْله: (وهما) أَي: يحيى وَعِيسَى، وَلَعَلَّ الْقَرَابَة الَّتِي كَانَت بَينهمَا كَانَت سَببا لِكَوْنِهِمَا فِي سَمَاء وَاحِد مُجْتَمعين.
٤٤ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿واذْكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أهْلِهَا مَكانَاً شَرْقِيّاً﴾ (مَرْيَم: ٦١) .)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُر ... ﴾ إِلَى آخِره، يَعْنِي: أذكر يَا مُحَمَّد فِي الْكتاب أَي: فِي الْقُرْآن مَرْيَم بنت عمرَان بن ماثان. قَوْله: (إِذا انتبذت) ، كلمة: إِذْ، بدل من: مَرْيَم، بدل الاشتمال، انتبذت أَي: اعتزلت وانفردت وَجَلَست وتخلت لِلْعِبَادَةِ من أَهلهَا مَكَانا أَي: فِي مَكَان شرقياً مِمَّا يَلِي شَرْقي الْمُقَدّس، أَو شرقياً من دارها، وَقيل: قعدت فِي مشرقة للاغتسال من الْحيض، وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ: اتَّخذت النَّصَارَى الْمشرق قبْلَة لِأَن مَرْيَم انتبذت مَكَانا شرقياً.
﴿إِذْ قالَتِ المَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ﴾ (آل عمرَان: ٥٤) .
قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: إِذْ قَالَت، بدل من ﴿وَإِذ قَالَت الْمَلَائِكَة يَا مَرْيَم إِن الله اصفاك وطهرك﴾ (آل عمرَان: ٢٤) . وَيجوز أَن يُبدل من: إِذْ، يختصمون، على أَن الِاعْتِصَام والبشارة وَقعا فِي زمَان. قَوْله: (بِكَلِمَة مِنْهُ) ، أَي: بِولد يكون وجوده بِكَلِمَة من الله، أَي: بقوله: كن فَيكون اسْمه الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم، يَعْنِي: يكون مَشْهُورا بِهَذَا فِي الدُّنْيَا يعرفهُ الْمُؤْمِنُونَ بذلك.
﴿إنَّ الله اصْطَفى آدَمَ ونُوحَاً وآلَ إبْرَاهِيمَ وآلَ عِمْرَانَ علَى العَالَمِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (آل عمرَان: ٣٣) .
يخبر تَعَالَى أَنه اصْطفى آدم أَي: اخْتَار آدم لِأَنَّهُ خلقه بِيَدِهِ وَنفخ فِيهِ من روحه وأسجد لَهُ مَلَائكَته وَعلمه أَسمَاء كل شَيْء وَأَسْكَنَهُ جنته وَاصْطفى نوحًا ﷺ وَجعله أول رَسُول بَعثه إِلَى أهل الأَرْض لما عبد النَّاس الْأَوْثَان، وَاصْطفى آل إِبْرَاهِيم وَمِنْهُم سيد الْبشر وَخَاتم الْأَنْبِيَاء مُحَمَّد ﷺ ، وَمِنْهُم آل عمرَان وَالِد مَرْيَم بنت عمرَان أم عِيسَى ابْن مَرْيَم، صلوَات الله عَلَيْهِم. قَوْله: (إِلَى قَوْله) أَي: إقرأ إِلَى قَوْله: (يرْزق من يَشَاء) ، وَهُوَ: ﴿ذُرِّيَّة بَعْضهَا من بعض وَالله سميع عليم﴾ ، وَبعده ثَلَاث آيَات أُخْرَى آخرهَا: ﴿بِغَيْر حِسَاب﴾ (آل عمرَان: ٣٣) .
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وآلُ عِمْرَانَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ آلِ إبْرَاهِيمَ وآلِ عِمْرَانَ وآلِ يَاسِينَ وآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَقُولُ ﴿إنَّ أوْلَى النَّاسُ بإبْرَاهِيمَ لِلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ (آل عمرَان: ٨٦) . وهم الْمُؤْمِنُونَ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآل إِبْرَاهِيم وَآل عمرَان﴾ ، عَام وَأُرِيد بِهِ الْخُصُوص، وَهُوَ أَن المُرَاد الْمُؤْمِنُونَ من آل إِبْرَاهِيم وَآل عمرَان، كَمَا قَالَ ابْن عَبَّاس. قَوْله: (وَآل ياسين) ، المُرَاد مِنْهُم الَّذين فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن إلْيَاس لمن الْمُرْسلين﴾ (آل عمرَان: ٨٦) . وَقيل: إِدْرِيس، وَقيل: غَيره. قَوْله: (يَقُول إِن أولى النَّاس بإبراهيم) إِلَى آخِره، أَي: يَقُول ابْن عَبَّاس: ﴿أَن أولى النَّاس بإبراهيم للَّذين اتَّبعُوهُ﴾ (آل عمرَان: ٨٦) . وهم الْمُؤْمِنُونَ وَالَّذين لم يتبعوه لَا يعدون من الْآل، وَحَاصِل هَذَا التَّأْكِيد بِأَن المُرَاد من هَذَا الْعُمُوم الْخُصُوص كَمَا ذكرنَا.
стр. 4662
ويُقَالُ آلَ يَعْقُوبَ أهْلُ يَعْقُوبَ فإذَا صَغَّرُوا آلَ ثُمَّ رَدُّوهُ إِلَى الأصْلِ قَالُوا أُهَيْلٌ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن أصل: آل، أهل، ألَا ترى أَنهم إِذا أَرَادوا أَن يصغروه يَقُولُونَ: أهيل، لِأَن التصغير يرد الإشياء إِلَى أُصُولهَا، وَلَكِن فِيهِ خلاف، وَالَّذِي ذَكرْنَاهُ هُوَ قَول سِيبَوَيْهٍ وَالْجُمْهُور، وَقيل: أصل آل: أول، من آل يؤول إِذا رَجَعَ، لِأَن الْإِنْسَان يرجع إِلَى آله فقلبت الْوَاو ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا.
١٣٤٣ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ أخبرَنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني سَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ قَالَ قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ سَمِعْتُ رسُولَ الله ﷺ يَقُولُ مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إلَاّ يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخاً مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ غَيْرَ مَرْيَمَ وابْنِهَا ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ ﴿وإنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (آل عمرَان: ٦٣) . (انْظُر الحَدِيث ٦٨٢٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأخرجه مُسلم أَيْضا عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الدَّارمِيّ عَن أبي الْيَمَان بِهِ، وَقد مضى نَحوه فِي: بَاب صفة إِبْلِيس، عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (ثمَّ يَقُول أَبُو هُرَيْرَة) إِلَى آخِره، مَوْقُوف عَلَيْهِ.
٥٤ - (بابٌ)
هُوَ كالفصل لما قبله، فَلذَلِك جرد عَن التَّرْجَمَة.
﴿وإِذْ قالَتِ المَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إنَّ الله اصْطَفَاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفَاكِ علَى نِسَاءِ العَالَمِينَ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ذَلِكَ مِنْ أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلَامَهُمْ أيُّهُمْ يَكْفَلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ (آل عمرَان: ٢٤) .
هَذَا إِخْبَار من الله بِمَا خاطبت بِهِ الْمَلَائِكَة مَرْيَم، ﵍، عَن أَمر الله لَهُم بذلك. قَوْله: (اصطفاك) أَي: اختارك وطهرك من الأكدار والوساوس واصطفاك ثَانِيًا مرّة بعد مرّة على نسَاء الْعَالمين. قَوْله: (اقنتي) أَمر من الْقُنُوت وَهُوَ الطَّاعَة، واسجدي واركعي، الْوَاو لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيب، وَقيل: مَعْنَاهُ استعملي السُّجُود فِي حَالَة وَالرُّكُوع فِي حَالَة، وَقيل: على حَالَة، وَكَانَ السُّجُود مقدما على الرُّكُوع فِي شرعهم. قَوْله: ﴿واركعي مَعَ الراكعين﴾ أَي: لتكن صَلَاتك مَعَ الْجَمَاعَة، وَقَالَ: مَعَ الراكعين، وَقَالَ: مَعَ الراكعين، لِأَنَّهُ أَعم من الراكعات لوُقُوعه على الرِّجَال وَالنِّسَاء. قَوْله: (ذَلِك) ، إِشَارَة إِلَى مَا سبق من نبأ زَكَرِيَّا وَيحيى وَمَرْيَم وَعِيسَى، يَعْنِي: أَن ذَلِك من الغيوب الَّتِي لم تعرفها إلَاّ بِالْوَحْي. قَوْله: (نوحيه إِلَيْك) أَي: نَقصه عَلَيْك. قَوْله: (وَمَا كنت لديهم) أَي: وَمَا كنت يَا مُحَمَّد عِنْدهم. قَوْله: (إِذْ يلقون أقلامهم) أَي: حِين يلقون، أَي: يطرحون أقلامهم وَهِي أقداحهم الَّتِي طرحوها فِي النَّهر مقترعين، وَقيل: هِيَ الأقلام الَّتِي كَانُوا يَكْتُبُونَ بهَا التَّوْرَاة، اختاروها للقرعة تبركاً بهَا. قَوْله: (إِذْ يختصمون) ، فِي شَأْنهَا تنافساً فِي التكفل بهَا لرغبتهم فِي الْأجر.
يُقالُ: يَكْفُلُ يَضُمُّ كَفَلَهَا ضَمَّهَا مُخَفَفَةً لَيْسَ مِنْ كَفالَةِ الدُّيُونِ وشَبْهِهَا
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إيهم يكفل مَرْيَم ... ﴾ إِلَى قَوْله ﴿وكفَّلها زَكَرِيَّا﴾ (آل عمرَان: ٧٣) . يَعْنِي: ضم مَرْيَم إِلَى نَفسه وَمَا ذَاك إلَاّ أَنَّهَا كَانَت يتيمة، قَالَه ابْن إِسْحَاق، وَقَالَ غَيره: إِن بني إِسْرَائِيل أَصَابَتْهُم سنة جَدب فكفل زَكَرِيَّا مَرْيَم لذَلِك، وَلَا مُنَافَاة بَين الْقَوْلَيْنِ. قَوْله: (مُخَفّفَة) ، أَي: حَال كَون كلمة: كفلها، بتَخْفِيف الْفَاء، وَفِي قَوْله: (لَيْسَ من كَفَالَة الدُّيُون) نظر، لِأَن فِي كَفَالَة الدُّيُون أَيْضا معنى الضَّم، لِأَن الْكفَالَة ضم الذِّمَّة إِلَى الذِّمَّة فِي الْمُطَالبَة، وَقِرَاءَة التَّخْفِيف قِرَاءَة الْجُمْهُور، وَقِرَاءَة الْكُوفِيّين عَاصِم وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ بالتثقيل، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ وهم: نَافِع وَابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَابْن عَامر بِالتَّخْفِيفِ فِي: كفلها، وعَلى التَّشْدِيد، فينتصب
стр. 4663
زَكَرِيَّا على المفعولية، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يُقَال فِي: كفلها زَكَرِيَّا، بِفَتْح الْفَاء وَكسرهَا، وبالكسر قَرَأَ بعض التَّابِعين.
٢٣٤٣ - حدَّثني أحْمَدُ بنُ أبِي رَجاءٍ حدَّثنا النَّضْرُ عنْ هِشَامٍ قَالَ أخبرَنِي أبي قَالَ سَمِعْتُ عبدَ الله ابنَ جَعْفَرٍ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيّاً رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ خَيْرُ نِسائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ وخَيْرُ نِسائِهَا خَدِيجَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. (الحَدِيث ٢٣٤٣ طرفه فِي: ٥١٨٣) .
مطابقته للباب المترجم فِي قَوْله: (ابْنة عمرَان) .
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: أَحْمد بن أبي رَجَاء بِالْجِيم واسْمه عبد الله بن أَيُّوب أَبُو الْوَلِيد الْحَنَفِيّ الْهَرَوِيّ. الثَّانِي: النَّضر بن شُمَيْل، وَقد مر غير مرّة. الثَّالِث: هِشَام ابْن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب. السَّادِس: عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: حَدثنِي أَحْمد، وَفِي بعض النّسخ: حَدثنَا، بِصِيغَة الْجمع. وَفِيه: التحديث أَيْضا بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: رَوَاهُ أَصْحَاب هِشَام بن عُرْوَة عَنهُ، هَكَذَا وَخَالفهُم ابْن جريج وَابْن إِسْحَاق فروياه عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عبد الله بن الزبير عَن عبد الله بن جَعْفَر، وَقد زَاد فِي الْإِسْنَاد: عبد الله بن الزبير، وَالصَّوَاب الأول.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي فضل خَدِيجَة وَصدقَة بن الْفضل. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن أبي كريب وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن إِسْحَاق ابْن هَارُون. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن حَرْب.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خير نسائها) ، أَي: خير نسَاء أهل الدُّنْيَا فِي زمانها، وَلَيْسَ المُرَاد أَن مَرْيَم خير نسائها، لِأَنَّهُ يصير كَقَوْلِهِم، يُوسُف أحسن إخْوَته، وَقد مَنعه النُّحَاة، وَعَن وَكِيع: أَي خير نسَاء الأَرْض فِي عصرها، وَقَالَ القَاضِي: أَي من خير نسَاء الأَرْض. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يُرَاد بقوله: خير نسائها مَرْيَم، نسَاء بني إِسْرَائِيل، وَبِقَوْلِهِ: خير نسائها خَدِيجَة، نسَاء الْعَرَب أَو تِلْكَ الْأمة، وَهَذِه الْأمة وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس: أفضل نسَاء أهل الْجنَّة خَدِيجَة بنت خويلد وَفَاطِمَة بنت مُحَمَّد وَمَرْيَم بنت عمرَان وآسية بنت مُزَاحم امْرَأَة فِرْعَوْن، وَرَوَاهُ أَبُو يعلى أَيْضا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مسقصىً فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وَضرب الله مثلا للَّذين آمنُوا امْرَأَة فِرْعَوْن﴾ (التَّحْرِيم: ١١) .
٦٤ - (بابُ قَوْلِهِ تعَالى ﴿إِذْ قالَتِ المَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ﴾ إِلَى قوْلِهِ ﴿فإنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ﴾ (آل عمرَان: ٥٤ ٨٤) .)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَت الْمَلَائِكَة ... ﴾ (آل عمرَان: ٥٤) . إِلَى آخِره، وَفِي بعض النّسخ: بَاب قَول الله تَعَالَى، وَلَيْسَ فِي بَعْضهَا إِلَى قَوْله إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِي هَذِه التَّرْجَمَة فِي الْبَاب الَّذِي قبل الْبَاب الْمُجَرّد الَّذِي قبل هَذَا الْبَاب. قَوْله: (إِلَى قَوْله) ، أَي: إقرأ إِلَى قَوْله: ﴿فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ (آل عمرَان: ٨٤) . وَهُوَ قَوْله: ﴿وجيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمن المقربين ويكلم النَّاس فِي المهد وكهلاً وَمن الصَّالِحين قَالَت رب أنَّى يكون لي ولد وَلم يمسسني بشر قَالَ كَذَلِك الله يخلق مَا يَشَاء إِذا قضى أمرا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ (٥٤ ٨٤) . قَوْله: (وجيهاً) ، أَي: شريفاً ذَا جاه وَقدر. قَوْله: (وَمن المقربين) ، أَي: عِنْد الله بالثواب والكرامة. قَوْله: (ويكلم النَّاس فِي المهد) ، يَعْنِي: صَغِيرا فِي حجر أمه، وَقيل: فِي الْموضع الَّذِي مهد للنوم، رُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَت: كنت إِذا خلوت بِهِ أحادثه ويحادثني فَإِذا شغلني عَنهُ إِنْسَان يسبح فِي بَطْني وَأَنا أسمع. وَاخْتلفُوا: هَل كَانَ نَبيا فِي وَقت كَلَامه؟ فَقيل: نعم لظُهُور المعجزة وَقيل: لَا، وَإِنَّمَا جعل ذَلِك تأسيساً لنبوته. قَوْله: (وكهلاً) ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فِي المهد، نصب على الْحَال، و: كهلاً، عطف عَلَيْهِ بمعني: ويكلم النَّاس طفْلا وكهلاً، يَعْنِي: يكلم فِي هَاتين الْحَالَتَيْنِ بِكَلَام الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَوْله: ﴿وَمن الصَّالِحين﴾ (آل عمرَان: ٥٤ ٨٤) . أَي:
стр. 4664
فِي قَوْله وَعَمله. قَوْله: ﴿وَلم يمسسني بشر﴾ أَي: لم يُصِبْنِي رجل. قَوْله: ﴿إِذا قضى أمرا﴾ أَي: إِذا أَرَادَ تكوينه ﴿فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ ، لَا يتَأَخَّر من وقته بل يُوجد عقيب الْأَمر بِلَا مهلة.
يُبَشِّرُكِ ويَبْشُرُكِ واحِدٌ
الأول: من بَاب نصر ينصر، وَهُوَ قِرَاءَة حَمْزَة وَالْكسَائِيّ، وَالثَّانِي: من بَاب التفعيل من التبشير، والبشير هُوَ الَّذِي يخبر الْمَرْء بِمَا يسره من خير وَلَا يسْتَعْمل فِي الشَّرّ إلَاّ تهكماً.
وجِيهاً شَرِيفاً
فسر وجيهاً الَّذِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وجيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ (آل عمرَان: ٥٤) . بقوله: شريفاً، وَقد مر تَفْسِيره عَن قريب، وانتصابه على الْحَال.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ المَسيحُ الصِّدِّيقُ
أَي: قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ الْمَسِيح الصّديق، وَكَذَا فسره سُفْيَان الثَّوْريّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى إِبْرَاهِيم، وَفِيه معَان أخر نذكرها الْآن، فَإِن قلت: الدَّجَّال أَيْضا سمى بالمسيح؟ قلت: أما مَعْنَاهُ فِي عِيسَى، ﵊، فَفِيهِ أَقْوَال تبلغ ثَلَاثَة وَعشْرين قولا ذَكرنَاهَا فِي كتَابنَا (زين الْمجَالِس) . مِنْهَا: مَا قيل إِن أَصله الْمَسِيح على وزن مفعل، فأسكنت الْيَاء ونقلت حركتها إِلَى السِّين طلبا للخفة، وَعَن ابْن عَبَّاس: كَانَ لَا يمسح ذَا عاهة إلَاّ برىء وَلَا مَيتا إلَاّ حيى، وَعنهُ: لِأَنَّهُ كَانَ أَمسَح الرجل لَيْسَ لَهَا أَخْمص، والأخمص من لَا يمس الأَرْض من بَاطِن الرجل، وَعَن أبي عُبَيْدَة: أَظن أَن هَذِه الْكَلِمَة: مشيخاً، بالشين الْمُعْجَمَة فعربت، وَكَذَا تنطق بِهِ الْيَهُود، وَقيل: لِأَنَّهُ خرج من بطن أمه كَأَنَّهُ مَمْسُوح بالدهن، وَقيل: لِأَن زَكَرِيَّا، ﵊، مَسحه. وَقيل: لحسن وَجهه إِذْ الْمَسِيح فِي اللُّغَة جميل الْوَجْه، لِأَنَّهُ كَانَ يمسح الأَرْض لِأَنَّهُ قد يكون تَارَة فِي الْبلدَانِ وَتارَة فِي المفاوز والفلوات، وَقَالَ الدَّاودِيّ: لِأَنَّهُ كَانَ يلبس المسوح. وَأما مَعْنَاهُ فِي الدَّجَّال، فَقيل: لِأَنَّهُ كَانَ يمسح الأَرْض أَي يقطعهَا. فَإِن قلت: قد ذكرت هَذَا الْمَعْنى فِي عِيسَى، ﵊؟ . قلت: إِنَّه كَانَ فِي هَذَا الْوَجْه اشْتِرَاك بِحَسب الظَّاهِر لِأَن الْمَسِيح فِي عِيسَى بِمَعْنى الْمَمْسُوح عَن الآثام وَعَن كل شَيْء فِيهِ قبح، فعيل بِمَعْنى مفعول، وَفِي الدَّجَّال: فعيل بِمَعْنى فَاعل، لِأَنَّهُ يمسح الأَرْض، وَقيل: لِأَنَّهُ لَا عين لَهُ وَلَا حَاجِب، وَقَالَ ابْن فَارس: مسيح أحد شقي وَجهه مَمْسُوح لَا عين لَهُ وَلَا حَاجِب، فَلذَلِك سمي بِهِ. وَقيل: الْمَسِيح الْكذَّاب وَهُوَ مُخْتَصّ بِهِ لِأَنَّهُ أكذب الْبشر، فَلذَلِك خصّه الله بالشوه والعور، وَقيل: الْمَسِيح المارد الْخَبيث وَهُوَ أَيْضا مُخْتَصّ بِهِ بِهَذَا الْمَعْنى، وَيُقَال فِيهِ: مسيخ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة لِأَنَّهُ مُشَوه مثل الممسوخ، وَيُقَال فِيهِ: مسيح بِكَسْر الْمِيم وَتَشْديد السِّين للْفرق بَينه وَبَين الْمَسِيح ابْن مَرْيَم، ﵊.
وقالَ مُجَاهِدٌ الْكَهْلُ الحَلِيمُ
كَذَا قَالَه مُجَاهِد فِي قَوْله: ﴿وكهلاً وَمن الصَّالِحين﴾ (آل عمرَان: ٦٤) . وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس: هَذَا لَا يعرف فِي اللُّغَة، وَإِنَّمَا الكهل عِنْدهم من ناهز الْأَرْبَعين أَو قاربها، وَقيل: من جَاوز الثَّلَاثِينَ، وَقيل: الكهل ابْن ثَلَاث وَثَلَاثِينَ.
والأكْمَهُ مَنْ يُبْصِرُ بالنَّهَارِ ولَا يُبْصِرُ باللَّيْلِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن عِيسَى، ﵊: ﴿وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيى الْمَوْتَى بِإِذن الله﴾ (آل عمرَان: ٩٤) . وَقيل بعكسه، وَقيل: هُوَ الْأَعْشَى، وَقيل: الْأَعْمَش.
وَقَالَ غَيْرُهُ مَنْ يُولَدُ أعْماى
أَي: قَالَ غير مُجَاهِد: الأكمه هُوَ الَّذِي يُولد أعمى، وَهُوَ الْأَشْبَه لِأَنَّهُ أبلغ فِي المعجزة وَأقوى فِي التحدي.
٣٣٤٣ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرِو بنِ مُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ مُرَّةَ الهَمْدَانِيَّ يُحَدِّثُ
стр. 4665
عنْ أبِي مُوساى الأشْعَرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَضْلُ عائِشَةَ علَى النِّساءِ كفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى سائِرِ الطَّعَامِ كَمَنْ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إلَاّ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ.
مضى هَذَا الحَدِيث عَن قريب فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وَضرب الله مثلا للَّذين آمنُوا﴾ (التَّحْرِيم: ١١) . فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن يحيى بن جَعْفَر عَن وَكِيع عَن شُعْبَة ... إِلَى آخِره.
٤٣٤٣ - وقالَ ابْنُ وَهْبٍ أخْبَرَني يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ حدَّثنِي سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سَمِعْتُ رسُولَ الله ﷺ يَقُولُ نِساءُ قُرَيْشٍ خَيْرُ نِساءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ أحْنَاهُ علَى طِفْلٍ وأرْعاهُ علَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ يقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ علَى إثْرِ ذالِكَ ولَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ بَعِيراً قَطُّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلم تركب مَرْيَم بنت عمرَان) . وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم عَن حَرْمَلَة عَن ابْن وهب إِلَى آخِره.
قَوْله: (نسَاء قُرَيْش) كَلَام إضافي مُبْتَدأ، وَقَوله: (خير نسَاء ركبن الْإِبِل) خَبره، وَهُوَ كِنَايَة عَن نسَاء الْعَرَب. قَوْله: (أحناه على طِفْل) يَعْنِي: أشفقه وأعطفه، وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: أحناهن، لَكِن قَالُوا: الْعَرَب لَا تَتَكَلَّم فِي مثله إلَاّ مُفردا. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: إِنَّمَا وحد الضَّمِير ذَهَابًا إِلَى الْمَعْنى تَقْدِيره: أحنى من وجد أَو خلق أَو من هُنَاكَ، وَمثله قَوْله: أحسن النَّاس وَجها وَأحسنه خلقا، يُرِيد: أحْسنهم خلقا، وَهُوَ كثير فِي الْعَرَبيَّة، وَمن أفْصح الْكَلَام: وأحنى على وزن أفعل التَّفْضِيل من: حَنى يحنو، إو حَنى يحني، وَمِنْه الحانية، وَهِي الَّتِي تقيم على وَلَدهَا وَلَا تتَزَوَّج شَفَقَة وعطفاً، وَيُقَال: حنت الْمَرْأَة على وَلَدهَا تحنو: إِذا لم تتَزَوَّج بعد أَبِيهِم. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَفِي بعض الْكتب: أحناه، بتَشْديد النُّون، وَقَالَ ابْن التِّين: وَلَعَلَّه مَأْخُوذ من الحنان وَهُوَ الرَّحْمَة، وَمِنْه: حنين الْمَرْأَة وَهُوَ نزاعها إِلَى وَلَدهَا وَإِن لم يكن لَهَا صَوت عِنْد ذَلِك، وَقد يكون حنينها صَوتهَا، على مَا جَاءَ فِي الحَدِيث من حنين الْجذع، وَالْأَصْل فِيهِ تَرْجِيع النَّاقة صَوتهَا على إِثْر وَلَدهَا. قَوْله: (وأرعاه) كَذَلِك، أفعل التَّفْضِيل من رعى يرْعَى رِعَايَة، وَالْكَلَام فِيهِ مثل الْكَلَام فِي: أحناه. قَوْله: (فِي ذَات يَده) ، أَي: فِي مَاله الْمُضَاف إِلَيْهِ. وَفِيه: فَضِيلَة نسَاء قُرَيْش، وَفضل هَذِه الْخِصَال وَهِي: الحنو على الْأَوْلَاد والشفقة عَلَيْهِم وَحسن تربيتهم ومراعاة حق الزَّوْج فِي مَاله وَحفظه وَالْأَمَانَة فِيهِ وَحسن تَدْبيره فِي النَّفَقَة. قَوْله: (على إِثْر ذَلِك) أَي: على عقبه: (وَلم تركب مَرْيَم بنت عمرَان بَعِيرًا قطّ) يُرِيد بِهِ: أَن مَرْيَم لم تدخل فِي النِّسَاء الْمَذْكُورَات بِمَا ذكرن، لِأَنَّهُ قَيده بركوب الْإِبِل وَمَرْيَم لم تكن مِمَّن يركب الْإِبِل. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : يُؤْخَذ من قَول أبي هُرَيْرَة هَذَا، ومِنْ ذكر البُخَارِيّ لَهُ فِي قصَّة مَرْيَم، تفضيلها على خَدِيجَة وَفَاطِمَة لِأَنَّهُمَا من الْعَرَب المخصوصين بركوب الْإِبِل.
تابَعَهُ ابنُ أخِي الزُّهْرِيِّ وإسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ عنِ الزُّهْرِيِّ
أَي: تَابع يُونُس ابْن أخي الزُّهْرِيّ هُوَ أَبُو عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُسلم بن عبيد الله الزُّهْرِيّ الْقرشِي الْمدنِي ابْن أخي مُحَمَّد ابْن مُسلم الزُّهْرِيّ، قَالَ الْوَاقِدِيّ: قَتله غلمانه بِأَمْر ابْنه، وَكَانَ سَفِيها شاطراً للميراث فِي آخر خلَافَة أبي جَعْفَر، فَوَثَبَ غلمانه بعد سِنِين فَقَتَلُوهُ أَيْضا. قَوْله: (وَإِسْحَاق) ، أَي: وَتَابعه أَيْضا إِسْحَاق بن يحيى الْكَلْبِيّ الْحِمصِي، روى لَهُ البُخَارِيّ مستشهداً فِي مَوَاضِع، أما مُتَابعَة ابْن أخي الزُّهْرِيّ فوصلها أَبُو أَحْمد بن عدي فِي (الْكَامِل) من طَرِيق الدَّرَاورْدِي عَنهُ.
وَأما مُتَابعَة اسحاق الْكَلْبِيّ فوصلها الذهلي فِي الزهريات عَن يحي بن صَالح الوحاظي عَنهُ.
٧٤
- (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿يَا أهْلَ الكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تقُولُوا علَى الله إلَاّ
стр. 4666
الحَقَّ إنَّمَا المَسِيحُ عِيساى بنُ مَرْيَمَ رسُولُ الله وكَلِمَتُهُ ألْقَاهَا إِلَى مرْيَمَ ورُوحٌ مِنْهُ فآمَنُوا بِاللَّه ورُسُلِهِ ولَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرَاً لَكُمْ إنَّمَا الله إلاهٌ واحِدٌ سُبْحَانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ مَا فِي السَّماوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وكَفاى بِاللَّه وَكِيلاً﴾ (النِّسَاء: ١٧١) .)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الله تَعَالَى: ﴿يَا أهل الْكتاب ... ﴾ إِلَى آخِره. وَقَالَ عِيَاض: وَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: ﴿قل يَا أهل الْكتاب﴾ وَلغيره بِحَذْف: قل، وَهُوَ الصَّوَاب قلت: نعم، الصَّوَاب حذف قل، هُنَا لِأَن الْقِرَاءَة قُرِئت بِلَفْظ: قل، فِي الْآيَة الْأُخْرَى أَعنِي فِي سُورَة الْمَائِدَة: ﴿قل يَا أهل الْكتاب لَا تغلوا فِي دينكُمْ غير الْحق﴾ (الْمَائِدَة: ٧٧) . الْآيَة، وَهنا من سُورَة النِّسَاء، وَلَيْسَ فِيهِ لفظ. قل: قَوْله: (لَا تغلوا) من الغلو وَهُوَ الإفراط ومجاوزة الْحَد، وَمِنْه: غلا السّعر، وغلو النَّصَارَى قَول بَعضهم فِي عِيسَى: هُوَ الله، وهم اليعقوبية إو: ابْن الله، وهم النسطورية، أَو ثَالِث ثَلَاثَة وهم المرقوسية، وغلو الْيَهُود فِيهِ قَوْلهم: إِنَّه لَيْسَ برشيد. قَوْله: (وَلَا تَقولُوا على الله إِلَّا الْحق) أَي إلَاّ القَوْل الْحق، أَي: لَا تفتروا عَلَيْهِ وتجعلوا لَهُ صَاحِبَة وَولدا، ثمَّ أخبر عَن عِيسَى، ﵊، فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله﴾ فَكيف يكون إل هَاً؟ قَوْله: (الْمَسِيح) ، مُبْتَدأ، و: (عِيسَى) بدل مِنْهُ أَو عطف بَيَان (رَسُول الله) خَبره. و (كَلمته) عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (أَلْقَاهَا) فِي مَوضِع الْحَال. قَوْله: (وروح مِنْهُ) أَي: عبد من عباد الله وَخلق من خلقه، قَالَ لَهُ: كن فَكَانَ، وَرَسُول من رسله وأضيف الرّوح إِلَيْهِ على وَجه التشريف، كَمَا أضيفت النَّاقة وَالْبَيْت إِلَى الله. قَوْله: (فآمنوا بِاللَّه وَرُسُله) أَي: آمنُوا بهم جَمِيعًا وَلَا تجْعَلُوا عِيسَى إل هَا وَلَا إبناً وَلَا ثَالِث ثَلَاثَة. قَوْله: (انْتَهوا) أَي: عَن هَذِه الْمقَالة الْفَاحِشَة. قَوْله: (خيرا لكم) ، أَي: اقصدوا خيرا لكم. قَوْله: (وَكفى بِاللَّه وَكيلا) أَي: مفوضاً إِلَيْهِ الْقيام بتدبير الْعَالم.
قَالَ أبُو عُبَيْدٍ كَلِمَتُهُ كُنْ فَكانَ
أَبُو عُبَيْدَة هُوَ الْقَاسِم بن سَلام أَرَادَ أَن أَبَا عبيد فسر قَوْله: وكلمته، بقوله: كن فَكَانَ، وَعَن قَتَادَة مثله رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَنهُ.
وَقَالَ غيْرُهُ ورُوحٌ مِنْهُ أحْيَاهُ فجَعَلَهُ رُوحاً
أَي: وَقَالَ غير أبي عبيد: الظَّاهِر أَنه أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى، يَعْنِي: معنى (وروح مِنْهُ) أَحْيَاهُ فَجعله روحاً، وَقَالَ مُجَاهِد: وروح مِنْهُ: أَي رَسُول مِنْهُ، وَقيل: محبَّة مِنْهُ.
ولَا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ
أَي: وَلَا تَقولُوا فِي حق الله وَعِيسَى وَأمه ثَلَاثَة آلِهَة، بل الله، إل هـ وَاحِد منزه عَن الْوَلَد والصاحبة، وَعِيسَى وَأمه مخلوقان مربوبان.
٥٣٤٣ - حدَّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ حدَّثنَا الوَلِيدُ عنِ الأوْزَاعِيِّ قَالَ حدَّثنِي عُمَيْرُ بنُ هانِىء قَالَ حدَّثني جُنَادَةُ بنُ أبِي أُمَيَّةَ عنْ عُبَادَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَنْ شَهِدَ أَن لَا إلاه إلَاّ الله وحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ وأنَّ عِيسَى عَبْدُ الله ورسُولُهُ وكَلِمَتُهُ ألْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنْهُ والجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّار حق أدْخَلَهُ الله الجَنَّةَ علَى مَا كانَ مِنَ العَمَلِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والوليد هُوَ ابْن مُسلم الدِّمَشْقِي، وَالْأَوْزَاعِيّ هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن دَاوُد بن رشيد عَن الْوَلِيد وَعَن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن مَحْمُود بن خَالِد وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن عمر بن عبد الْوَاحِد وَعَن عَمْرو بن مَنْصُور.
قَوْله: (عَن عبَادَة) ، وَفِي رِوَايَة ابْن الْمَدِينِيّ: حَدثنِي عبَادَة، وَفِي رِوَايَة مُسلم: عَن جُنَادَة حَدثنَا عبَادَة. قَوْله: (أدخلهُ الله الْجنَّة) ، جَوَاب: من، وَظَاهره يَقْتَضِي دُخُوله من أَي بَاب شَاءَ من أَبْوَاب الْجنَّة. فَإِن قلت: قد مضى حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي بَدْء الْخلق: أَن لكل دَاخل الْجنَّة بَابا معينا يدْخل مِنْهُ. قلت: إِنَّه فِي الأَصْل مُخَيّر بِظَاهِر حَدِيث الْبَاب، وَلكنه يرى أَن الَّذِي يخْتَص بِهِ أفضل فِي حَقه فيختاره فيدخله مُخْتَارًا لَا مجبوراً وَلَا مَمْنُوعًا من الدُّخُول من غَيره، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْمَقْصُود من هَذَا الحَدِيث التَّنْبِيه على مَا وَقع من النَّصَارَى من الضلال وَالْفساد فِي عِيسَى وَأمه، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام.
стр. 4667
قَالَ الوَلِيدُ حدَّثني ابنُ جَابِرٍ عنْ عُمَيْرٍ عنْ جُنادَةَ وزَادَ مِنَ أبْوابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ أيَّها شاءَ
الْوَلِيد هُوَ ابْن مُسلم الْمَذْكُور، وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور وَابْن جَابر هُوَ عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر الْأَزْدِيّ أَخُو يزِيد بن يزِيد، مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَة. وَعُمَيْر هُوَ ابْن هانىء الْمَذْكُور، وبهذه الزِّيَادَة أخرجه مُسلم، وَلَفظه: أدخلهُ الله تَعَالَى من أَي أَبْوَاب الْجنَّة الثَّمَانِية شَاءَ.
٨٤ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿واذْكْرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أهْلِهَا﴾ (مَرْيَم: ٦١) .)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال مَرْيَم، عَلَيْهَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُر فِي الْكتاب مَرْيَم ... ﴾ (مَرْيَم: ٦١) . الْآيَة، وَهَذِه التَّرْجَمَة بِعَينهَا قد تقدّمت قبل هَذَا الْبَاب ببابين، وَمضى الْكَلَام فِيهَا.
نبَذْنَاهُ ألْقَيْنَاهُ اعتَزَلَتْ شَرْقِيَّاً مِمَّا يَلِي الشَّرْقَ
لفظ: نبذناه، فِي قصَّة يُونُس، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فنبذناه بالعراء وَهُوَ سقيم﴾ (الصافات: ٥٤١) . وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ ابْن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فنبذناه﴾ قَالَ: ألقيناه، وَلَيْسَ لذكره هَهُنَا مُنَاسبَة، لِأَن الْمَذْكُور فِي قصَّة مَرْيَم، عَلَيْهَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، لفظ: انتبذت، وَمعنى: انتبذت، غير معنى: فنبذناه، على مَا لَا يخفى، وَأَشَارَ إِلَى معنى: انتبذت، بقوله: (فاعتزلت شرقياً مِمَّا يَلِي الشرق) أَي: اعتزلت وانفردت وتخلت لِلْعِبَادَةِ فِي مَكَان شَرْقي مِمَّا يَلِي شَرْقي بَيت الْمُقَدّس، أَو مَكَان شَرْقي من دارها، وَقد مر هَذَا التَّفْسِير عَن قريب.
فأجاءَهَا أفْعَلْتُ مِنْ جِئْتُ يُقَالُ ألْجَأَهَا اضْطَرَّهَا
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فإجاءها الْمَخَاض إِلَى جذع النَّخْلَة﴾ (مَرْيَم: ٣٢) . وَأَشَارَ بقوله: أفعلت من جِئْت، إِلَى أَن لفظ أجاء، مزِيد: جَاءَ، تَقول: جِئْت إِذا أخْبرت عَن نَفسك، ثمَّ إِذا أردْت أَن تعدى بِهِ إِلَى غَيْرك تَقول: أجأت زيدا، وَهنا كَذَلِك بالتعدية لِأَن الضَّمِير فِي أجاءها يرجع إِلَى مَرْيَم، وفاعل: أجاء، هُوَ قَوْله: الْمَخَاض، أَي: الطلق، إِلَى جذع النَّخْلَة أَي: سَاقهَا وَكَانَت نَخْلَة يابسة فِي الصَّحرَاء لَيْسَ لَهَا رَأس وَلَا ثَمَر وَلَا خضرَة، وقصتها مَشْهُورَة. قَوْله: (وَيُقَال ألجأها: اضطرها) إِشَارَة إِلَى أَن بَعضهم قَالَ: إِن معنى فأجاءها ألجأها، يَعْنِي: ألجأها الْمَخَاض إِلَى جذع النَّخْلَة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: إِن أجاء، مَنْقُول من: جَاءَ، إلَاّ أَن اسْتِعْمَاله تغير بعد النَّقْل إِلَى معنى الإلجاء.
تَسَاقَطُ تَسْقُطُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وهزي إِلَيْك بجذع النَّخْلَة تساقط عَلَيْك رطبا جنياً﴾ (مَرْيَم: ٥٢) . وَفسّر: تساقط، بقوله: تسْقط، قَرَأَ حَمْزَة بِفَتْح التَّاء وَتَخْفِيف السِّين، وَقَرَأَ حَفْص عَن عَاصِم بِضَم التَّاء وَكسر الْقَاف، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بتَشْديد السِّين، أَصله: تتساقط، أدغمت التَّاء فِي السِّين. قَوْله: (رطبا) ، تَمْيِيز جنياً غضاً طرياً.
قَصِيَاً قاصياً
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَحَملته فانتبذت بِهِ مَكَانا قصياً﴾ (مَرْيَم: ٢٢) . وَفسّر قصياً بقوله: قاصياً. وَهَكَذَا فسره مُجَاهِد، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: قصياً أَي بَعيدا. قَالَ ابْن عَبَّاس: أقْصَى وَادي بَيت لحم فِرَارًا من قَومهَا أَن يعيروا وِلَادَتهَا من غير زوج، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود وَابْن أبي عبلة: قاصياً. وَقَالَ الْفراء: القاصي والقصي بِمَعْنى. قلت: أَصله من القصو وَهُوَ الْبعد، والأقصى الْأَبْعَد.
فَرِياً عَظيمَاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا مَرْيَم لقد جِئْت شَيْئا فرياً﴾ (مَرْيَم: ٧٢) . وَفسّر: فريا، بقوله: عَظِيما، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : لقد جِئْت شَيْئا فرياً بديعاً، من فرى الْجلد وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كل فائق من عجب أَو عمل فَهُوَ فري وَقيل: الفري، من الْوَلَد من الزِّنَا كالشيء المفترى، وَقَالَ قطرب: الفري الْجلد الْجَدِيد من الأسقية، أَي: جِئْت بِأَمْر عَجِيب أَو أَمر جَدِيد لم تسبقي إِلَيْهِ.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ نِسْياً لَمْ أكُنْ شَيْئَاً وَقَالَ غَيْرُهُ النِّسْيُ الحَقِيرُ
стр. 4668
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن مَرْيَم: ﴿قَالَت يَا لَيْتَني مت قبل هَذَا وَكنت نسياً منسياً﴾ (مَرْيَم: ٣٢) . وَفسّر ابْن عَبَّاس قَوْله: نسياً، بقوله: لم أكن شَيْئا، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، فِي قَوْله: (نسياً منسياً) ، أَي: لم أخلق وَلم أك شَيْئا. قَوْله: (وَقَالَ غَيره) أَي: غير ابْن عَبَّاس: النسي، الحقير، وَهُوَ قَول السّديّ، وَقَرَأَ ابْن كثير وَنَافِع وَأَبُو عَمْرو وَابْن عَامر وَالْكسَائِيّ وَأَبُو بكر عَن عَاصِم: نسياً، بِكَسْر النُّون، وَقَرَأَ حَمْزَة وَحَفْص عَن عَاصِم بِفَتْح النُّون وهما لُغَتَانِ، وَقَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي: الْكسر أَعلَى اللغتين، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي من كسر النُّون، قَالَ النسي اسْم لما ينسى بِمَنْزِلَة الْبَعْض، اسْم لما يبعض، والنسي، بِالْفَتْح إسم لما ينسى أَيْضا على أَنه مصدر نَاب عَن الإسم، وَقيل: نسياً، لم أذكر فِيمَا بَقِي.
وَقَالَ أَبُو وائِلٍ عَلِمَتْ مَرْيَمَ أنَّ التَّقِيَّ ذُو نُهْيَةٍ حِينَ قالَتْ إنْ كُنْتَ تَقِيَّاً
أَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَذكر هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن مَرْيَم: ﴿قَالَت إِنِّي أعوذ بالرحمن مِنْك إِن كنت تقيَّاً﴾ (مَرْيَم: ٨١) . وَإِنَّمَا قَالَت مَرْيَم هَذَا حِين رَأَتْ جِبْرِيل، ﵊، يَعْنِي: إِن كنت تقياً فانته عني. وَعَن ابْن عَبَّاس: أَنه كَانَ فِي زمانها رجل، يُقَال لَهُ: تَقِيّ، وَكَانَ فَاجِرًا، فظنته أَيَّاهُ، وَقيل: كَانَ تَقِيّ رجلا من أمثل النَّاس فِي ذَلِك الزَّمَان، فَقَالَت: إِن كنت فِي الصّلاح مثل التقي، فَإِنِّي أعوذ بالرحمن مِنْك، كَيفَ يكون رجل أَجْنَبِي وَامْرَأَة أَجْنَبِيَّة فِي حجاب وَاحِد؟ قَوْله: (ذُو نهية) ، بِضَم النُّون وَسُكُون الْهَاء أَي: ذُو عقل وانتهاء عَن فعل الْقَبِيح.
قَالَ وكِيعُ عنْ إسرَائِيلَ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنِ البَرَاءِ سَرِيَّاً نَهَرٌ صَغيرٌ بالسُّرْيَانِيَّةِ
وَكِيع هُوَ ابْن الْجراح الرُّؤَاسِي الْكُوفِي، وَإِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق يروي عَن جده إِسْحَاق السبيعِي واسْمه عَمْرو، وَهُوَ يروي عَن الْبَراء بن عَازِب: أَن السّري فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فناداها من تحتهَا أَن لَا تحزني قد جعل رَبك تَحْتك سرياً﴾ (مَرْيَم: ٤٢) . هُوَ: النَّهر الصَّغِير بالسُّرْيَانيَّة، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق الثَّوْريّ، والطبري من طَرِيق شُعَيْب كِلَاهُمَا عَن أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء مَوْقُوفا، وَعَن ابْن جريج: هُوَ الْجَدْوَل بالسُّرْيَانيَّة، وَقيل: هُوَ نهر صَغِير.
٦٣٤٣ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي المَهْدِ إلَاّ ثَلاثَةٌ عِيسَى وكانَ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَالِ لَهُ جُرَيْجٌ كانَ يُصَلِّي جاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ فَقَالَ أُجِيبُهَا أوْ أُصَلِّي فقالَتْ أللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حتَّى تُرِيَهُ وجوهَ المُومِسَاتِ وكانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ فتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأةٌ وكلَّمَتْهُ فَأبى فأتَتْ رَاعِيَاً فأمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فوَلَدَتْ غُلاماً فقالَتْ مِنْ جُرَيْجٍ فأتَوْهُ فكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ وأنْزَلُوهُ وسَبُّوهُ فتَوَضَّأ وصلَّى ثُمَّ أتَى الغُلَامَ فَقَالَ منْ أبُوكَ يَا غُلَامُ قَالَ الرَّاعِي قَالُوا نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ لَا إلَاّ مِنْ طِينٍ وكانَتِ امْرَأةٌ تُرْضِعُ ابْنَاً لَهَا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ فمَرَّ بِهَا رَجُلٌ رَاكِبٌ ذُو شَارَةٍ فقالَتِ اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ فتَرَكَ ثَدْيَهَا وأقْبَلَ علَى الرَّاكِبِ فَقَالَ أللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ ثُمَّ أقْبَلَ على ثَدْيِهَا يَمَصُهُ قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ كأنِّي أنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَمَصُّ إصْبَعَهُ ثُمَّ مرَّ بأمَةٍ فقالَتِ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هذِهِ فتَرَكَ ثَدْيَهَا فَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا فقالَتْ لِمَ ذَاكَ فَقَالَ الرَّاكِبُ جَبَّارٌ مِنَ الجَبَابِرَةِ وهذِهِ الأمَةُ يَقُولُونَ سَرَقْتِ زَنَيْتِ ولَمْ تَفْعَلْ.
стр. 4669
مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُوجد من حَيْثُ إِن التَّرْجَمَة فِي قَضِيَّة مِيم وفيهَا التَّعَرُّض لميلاد عِيسَى ﷺ ، وَأَنه كَانَ يكلم النَّاس وَهُوَ فِي المهد صبي، وَالصَّبِيّ رَضِيع، وَالصَّبِيّ الَّذِي فِي قَضِيَّة جريج كَذَلِك، وَكَذَلِكَ كَانَ صبي الْمَرْأَة الْحرَّة، وَصبي الْأمة، وَصدر الحَدِيث الَّذِي يشْتَمل على قَضِيَّة جريج قد مر فِي الْمَظَالِم فِي: بَاب إِذا هدم حَائِطا فليبن مثله، بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم، وَمر أَيْضا فِي أَوَاخِر كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب إِذا دعت الْأُم وَلَدهَا فِي الصَّلَاة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ولنشرح الَّذِي مَا شرح، ونكرر مَا شرح أَيْضا فِي بعض الْمَوَاضِع لطول الْعَهْد بِهِ.
قَوْله: (لم يتَكَلَّم فِي المهد إلَاّ ثَلَاثَة) ، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِي هَذَا الْحصْر نظر. قلت: لَيْسَ من الْأَدَب أَن يُقَال: فِي كَلَام النَّبِي ﷺ ، نظر، بل الَّذِي يُقَال فِيهِ: أَنه ﷺ ، ذكر الثَّلَاثَة قبل أَن يعلم بِالزَّائِدِ عَلَيْهَا، فَكَانَ الْمَعْنى لم يتَكَلَّم إلَاّ ثَلَاثَة على مَا أُوحِي إِلَيْهِ، وإلَاّ فقد تكلم من الْأَطْفَال سَبْعَة. مِنْهُم: شَاهد يُوسُف ﷺ ، رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالْحَاكِم وَابْن حبَان من حَدِيث ابْن عَبَّاس: لم يتَكَلَّم فِي المهد إلَاّ أَرْبَعَة، فَذكر مِنْهَا شَاهد يُوسُف ﷺ . وَمِنْهُم: الصَّبِي الرَّضِيع الَّذِي قَالَ لأمه، وَهِي ماشطة بنت فِرْعَوْن، لما أَرَادَ فِرْعَوْن إِلْقَاء أمه فِي النَّار: إصبري يَا أُمَّاهُ فَأَنا على الْحق. أخرج الْحَاكِم نَحوه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة. وَمِنْهُم: الصَّبِي الرَّضِيع فِي قصَّة أَصْحَاب الْأُخْدُود: أَن امْرَأَة جِيءَ بهَا لتُلقى فِي النَّار، فَتَقَاعَسَتْ فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّاهُ إصبري فَإنَّك على الْحق. وَمِنْهُم: يحيى ﷺ ، أخرج الثَّعْلَبِيّ فِي (تَفْسِيره) : عَن الضَّحَّاك أَن يحيى ﷺ تكلم فِي المهد. قَوْله: (جَاءَتْهُ أمه) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني، فَجَاءَتْهُ أمه، وَفِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث أبي رَافع: كَانَ جريج يتعبد فِي صومعته فَأَتَتْهُ أمه، وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد: روى الحَدِيث عمرَان بن حُصَيْن مَعَ أبي هُرَيْرَة، وَلَفظه: كَانَت أمه تَأتيه فتناديه فيشرف عَلَيْهَا فيكلمها، فَأَتَتْهُ يَوْمًا وَهُوَ فِي صلَاته، وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد من حَدِيث أبي رَافع: فَأَتَتْهُ أمه ذَات يَوْم فنادته، فَقَالَت: أَي جريج أشرف عَليّ أُكَلِّمك أَنا أمك. . قَوْله: (أجيبها أَو أُصَلِّي) ، وَفِي رِوَايَة أبي رَافع، فصادفته يُصَلِّي فَوضعت يَدهَا على حاجبها فَقَالَ: يَا جريج. فَقَالَ: يَا رب أُمِّي وصلاتي فَاخْتَارَ صلَاته، وَرجعت ثمَّ أَتَتْهُ فصادفته يُصَلِّي، فَقَالَت: يَا جريج أَنا أمك فكلمني. وَفِي حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنَّهَا جَاءَتْهُ ثَلَاث مَرَّات تناديه فِي كل مرّة ثَلَاث مَرَّات، وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ: فَقَالَ: أُمِّي وصلاتي؟ لرَبي أوثر صَلَاتي على أُمِّي؟ فَإِن قلت: الْكَلَام فِي الصَّلَاة مُبْطل فَكيف هَذَا؟ قلت: كَانَ الْكَلَام مُبَاحا فِي الصَّلَاة فِي شرعهم، وَكَذَلِكَ كَانَ فِي صدر الْإِسْلَام، وَقيل: إِنَّه مَحْمُول على أَنه قَالَه فِي نَفسه، لَا أَنه نطق بِهِ. قَوْله: (حَتَّى تريه وُجُوه المومسات) ، وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج: حَتَّى تنظر فِي وُجُوه المياميس، وَفِي رِوَايَة أبي رَافع: حَتَّى تريه المومسة، بِالْإِفْرَادِ، وَفِي حَدِيث عمرَان: فَغضِبت فَقَالَت: أللهم لَا يموتن جريج حَتَّى ينظر فِي وُجُوه المومسات، وَهِي جمع مومسة وَهِي الزَّانِيَة، وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج: فَقَالَت: أَبيت أَن تطلع عَليّ وَجهك؟ لَا أماتك الله حَتَّى تنظر فِي وَجهك زواني الْمَدِينَة، فتعرضت لَهُ امْرَأَة فكلمته فَأبى، فَأَتَت رَاعيا فأمكنته من نَفسهَا. وَفِي رِوَايَة وهب بن جريج بن حَازِم عَن أَبِيه: فَذكر بَنو إِسْرَائِيل عبَادَة جريج، فَقَالَت بغي مِنْهُم: إِن شِئْتُم لأفتننه، قَالُوا: قد شِئْنَا، فَأَتَتْهُ فتعرضت لَهُ فَلم يلْتَفت إِلَيْهَا، فأمكنت نَفسهَا من رَاع كَانَ يؤوي غنمه إِلَى أصل صومعة جريج، وَفِي حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن: أَنَّهَا كَانَت بنت ملك الْقرْيَة، وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج: وَكَانَت تأوي إِلَى صومعته راعية ترعى الْغنم، وَفِي رِوَايَة أبي سَلمَة: وَكَانَ عِنْد صومعته راعي ضَأْن وراعية معزى فَولدت غُلَاما، فِيهِ حذف تَقْدِيره: فَحملت حَتَّى انْقَضتْ أَيَّامهَا فَولدت. قَوْله: (من جريج) فِيهِ حذف أَيْضا تَقْدِير: فَسُئِلت مِمَّن هَذَا؟ فَقَالَت: من جريج، وَفِي رِوَايَة أبي رَافع فَقيل لَهَا: مِمَّن هَذَا؟ فَقَالَت: هُوَ من صَاحب الدَّيْر، وَزَاد فِي رِوَايَة أَحْمد: فَأخذت وَكَانَ من زنا مِنْهُم قتل، فَقيل لَهَا: مِمَّن هَذَا؟ قَالَت: هُوَ من صَاحب الصومعة. وَزَاد الْأَعْرَج: نزل إِلَيّ فَأَصَابَنِي، وَزَاد أَبُو سَلمَة لي فِي رِوَايَته: فَذَهَبُوا إِلَى الْملك فأخبروه فَقَالَ أدركوه فائتوني بِهِ قَوْله وكسروا صومعته) . وَفِي رِوَايَة أبي رَافع فَأَقْبَلُوا بفؤسهم ومساحيهم إِلَى الدَّيْر فَنَادَوْهُ فَلم يكلمهم، فَأَقْبَلُوا يهدمون ديره، وَفِي حَدِيث عمرَان: فَمَا شعر حَتَّى سمع بالفؤوس فِي أصل صومعته، فَجعل يسألهم: وَيْلكُمْ مَا لكم؟ فَلم يُجِيبُوهُ، فَلَمَّا رأى ذَلِك أَخذ الْحَبل فَتَدَلَّى. قَوْله: (فسبوه) ، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن وهب بن جرير: وضربوه، فَقَالَ: مَا شَأْنكُمْ؟ قَالُوا: إِنَّك زَنَيْت بِهَذِهِ، وَفِي رِوَايَة أبي رَافع عَنهُ: فَقَالُوا: أَي جريج إنزل فَأبى وَأخذ يقبل على صلَاته، فَأخذُوا فِي هدم صومعته، فَلَمَّا رأى ذَلِك نزل، فَجعلُوا فِي عُنُقه وعنقها حبلاً فَجعلُوا يطوفون بهما فِي النَّاس، وَفِي رِوَايَة أبي سَلمَة: فَقَالَ لَهُ الْملك:
стр. 4670
وَيحك يَا جريج! كُنَّا نرَاك خير النَّاس فأحبلت هَذِه؟ اذْهَبُوا بِهِ فاصلبوه. وَفِي حَدِيث عمرَان: فَجعلُوا يضربونه وَيَقُولُونَ: مراءٍ تخادع النَّاس بعملك؟ وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج: فَلَمَّا مروا بِهِ نَحْو بَيت الزواني خرجن ينظرن، فَتَبَسَّمَ، فَقَالُوا: لم يضْحك حَتَّى مر بالزواني. قَوْله: (وَتَوَضَّأ وَصلى) ، وَفِي رِوَايَة وهب بن جرير: فَقَامَ وَصلى ودعا، وَفِي حَدِيث عمرَان: قَالَ: فتولوا عني، فتولوا عَنهُ، فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ أَتَى الْغُلَام، أَي: ثمَّ أَتَى جريج الْغُلَام، فَقَالَ لَهُ: من أَبوك يَا غُلَام؟ قَالَ أَنا ابْن الرَّاعِي، وَفِي رِوَايَة أبي رَافع: ثمَّ مسح رَأس الصَّبِي، فَقَالَ: من أَبوك؟ قَالَ: راعي الضَّأْن، وَفِي رِوَايَة عِنْد أَحْمد: فَوضع إصبعه على بَطنهَا، وَفِي رِوَايَة أبي سَلمَة: فَأتى بِالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيّ وفمه فِي ثديها، فَقَالَ لَهُ جريج: يَا غُلَام من أَبوك؟ فَنزع الْغُلَام فَاه من الثدي، وَقَالَ: أبي راعي الضَّأْن، وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج: فَلَمَّا أَدخل على ملكهم قَالَ جريج أَيْن الصَّبِي الَّذِي وَلدته؟ فَأتي بِهِ، فَقَالَ لَهُ: من أَبوك؟ قَالَ: فلَان، وسمى أَبَاهُ، وَقد مضى فِي أَوَاخِر الصَّلَاة بِلَفْظ: قَالَ: يابابوس ... ومرَّ شَرحه هُنَاكَ. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا اسْم الْغُلَام، وَفِي حَدِيث عمرَان: ثمَّ انْتهى إِلَى شَجَرَة فَأخذ مِنْهَا غصناً، ثمَّ أَتَى الْغُلَام وَهُوَ فِي مهده، فَضَربهُ بذلك الْغُصْن، فَقَالَ: من أَبوك؟ فَإِن قلت: مَا وَجه الْجمع بَين اخْتِلَاف هَذِه الرِّوَايَات؟ قلت: لَا مَانع من وُقُوع الْكل، فَكل روى بِمَا سمع وَمَا قيل بِتَعَدُّد الْقِصَّة فبعيد. قَوْله: (نَبْنِي صومعتك من ذهب، قَالَ: لَا إلَاّ من طين) . وَفِي رِوَايَة وهب بن جرير: (إبنوها من طين كَمَا كَانَت) ، وَفِي رِوَايَة أبي رَافع: (نَبْنِي مَا هدمناه من ديرك بِالذَّهَب وَالْفِضَّة قَالَ: لَا، وَلَكِن أعيدوه كَمَا كَانَ، فَفَعَلُوا) .
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ إِيثَار إِجَابَة الْأُم على صَلَاة التَّطَوُّع، لِأَن إِجَابَة الْأُم وَاجِبَة فَلَا تتْرك لأجل النَّافِلَة، وَقد جَاءَ فِي حَدِيث يزِيد بن حَوْشَب عَن أَبِيه: أَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: (لَو كَانَ جريج فَقِيها لعلم أَن إِجَابَة أمه أولى من عبَادَة ربه) ، أخرجه الْحسن بن سُفْيَان. قلت: قَالَ الذَّهَبِيّ: حَوْشَب بن يزِيد الفِهري مَجْهُول، روى عَنهُ ابْنه يزِيد فِي ذكر جريج الراهب، وَتمسك بعض الشَّافِعِيَّة بِظَاهِر الحَدِيث فِي جَوَاز قطع الصَّلَاة لإجابة الْأُم سَوَاء كَانَت فرضا أَو نفلا، وَالأَصَح عِنْدهم: أَنه على التَّفْصِيل، وَهُوَ أَن الصَّلَاة إِن كَانَت نفلا وَعلم تأذي الْوَالِد أَو الوالدة وَجَبت الْإِجَابَة، وَإِن كَانَت فرضا وضاق الْوَقْت لم تجب الْإِجَابَة، وَإِن لم يضق وَجَبت عِنْد إِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَخَالفهُ غَيره لِأَنَّهَا تلْزم بِالشُّرُوعِ، وَعند الْمَالِكِيَّة: إِن إِجَابَة الْوَالِد فِي النَّافِلَة أفضل من التَّمَادِي فِيهَا، وَحكى القَاضِي أَبُو الْوَلِيد: أَن ذَلِك يخْتَص بِالْأُمِّ دون الْأَب، وَبِه قَالَ مَكْحُول، وَقيل: لم يقل بِهِ من السّلف غَيره. وَفِيه: قُوَّة يَقِين جريج وَصِحَّة رجائه لِأَنَّهُ استنطق الْمَوْلُود مَعَ كَون الْعَادة أَنه لَا ينْطق، وَلَوْلَا صِحَة رجائه بنطقه لما استنطقه، وَقَالَ ابْن بطال: يحْتَمل أَن يكون جريج كَانَ نَبيا فَتكون معْجزَة. وَفِيه: عظم بر الْوَالِدين وَإجَابَة دعائهما، وَلَو كَانَ الْوَلَد مَعْذُورًا لَكِن يخْتَلف الْحَال فِي ذَلِك بِحَسب الْمَقَاصِد وَفِيه صَاحب الصدْق مَعَ الله تَعَالَى لَا تضره الْفِتَن وَفِيه اثبات الْكَرَامَة للأولياء وَوُقُوع الْكَرَامَة لَهُم بإختيارهم وطلبهم. وَفِيه: جَوَاز الْأَخْذ بالأشد فِي الْعِبَادَة لمن يعلم من نَفسه قُوَّة على ذَلِك. وَفِيه: أَن الْوضُوء لَا يخْتَص بِهَذِهِ الْأمة، خلافًا لمن زعم ذَلِك، وَإِنَّمَا الَّذِي يخْتَص بِهَذِهِ الْأمة الْغرَّة والتحجيل فِي الْآخِرَة. وَفِيه: أَن مرتكب الْفَاحِشَة لَا تبقى لَهُ حُرْمَة. وَفِيه: أَن الْفَزع فِي الْأُمُور المهمة إِلَى الله تَعَالَى يكون بالتوجه إِلَيْهِ فِي الصَّلَاة، وَاسْتدلَّ بَعضهم بِهَذَا الحَدِيث على أَن من شرع بني إِسْرَائِيل أَن الْمَرْأَة تصدق فِيمَا تدعيه على الرِّجَال من الْوَطْء، وَيلْحق بِهِ الْوَلَد، وَأَنه لَا ينفع الرجل جحد ذَلِك إلَاّ بِحجَّة تدفع قَوْلهَا.
قَوْله: (وَكَانَت امْرَأَة) إِلَى آخِره، قَضِيَّة أُخْرَى تشبه قَضِيَّة جريج (وَامْرَأَة) بِالرَّفْع فَاعل: كَانَت، وَهِي تَامَّة. قَوْله: (فَمر بهَا رجل) ويروى: إِذْ مر بهَا رَاكب جمل، وَفِي رِوَايَة أَحْمد من خلاس عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: فَارس متكبر. قَوْله: (ذُو شارة) ، بالشين الْمُعْجَمَة وبالراء المخففة أَي: ذُو حسن وجمال، وَقيل: صَاحب هَيْئَة وملبس حسن يتعجب مِنْهُ ويشار إِلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة خلاس: (ذُو شارة حَسَنَة) . قَوْله: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَة) ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور وَفِيه الْمُبَالغَة فِي إِيضَاح الْخَبَر بتمثيله بِالْفِعْلِ. قَوْله: (ثمَّ مر بِأمة) ، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء على بِنَاء الْمَجْهُول، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن وهب بن جرير: (بِأمة تضرب) ، وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة الْآتِيَة فِي ذكر بني إِسْرَائِيل: (تجرر ويلعب بهَا) ، وتجرر بجيم مَفْتُوحَة بعْدهَا رَاء مُشَدّدَة ثمَّ رَاء أُخْرَى، وَفِي رِوَايَة خلاس: (أَنَّهَا كَانَت حبشية أَو زنجية وَأَنَّهَا مَاتَت، فجروها حَتَّى
стр. 4671
ألقوها) . قَوْله: (فَقَالَت: لِمَ ذلِك؟) أَي: قَالَت الْأُم لابنها: لم قلت هَكَذَا؟ حَاصله أَنَّهَا سَأَلت مِنْهُ عَن سَبَب ذَلِك. قَوْله: (فَقَالَ) ، أَي: الإبن: (الرَّاكِب جَبَّار) وَفِي رِوَايَة أَحْمد، فَقَالَ: يَا أمتاه ﴿أما الرَّاكِب ذُو الشارة فجبار من الْجَبَابِرَة، وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج: فَإِنَّهُ كَانَ جباراً، قَوْله: (سرقتِ زنيتِ) ، يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ أَحدهمَا بِكَسْر التَّاء لخطاب الْمُؤَنَّث، وَالْآخر بسكونها على الْخَبَر، وَفِي رِوَايَة أَحْمد: (يَقُولُونَ سرقت وَلم تسرق، وزنيت وَلم تزنِ، وَهِي تَقول: حسبي الله) ، وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج: (يَقُولُونَ لَهَا: تَزني؟ وَتقول: حسبي الله، وَيَقُولُونَ لَهَا: تسرقي؟ وَتقول: حسبي الله) . قَوْله: (وَلم تفعل) ، جملَة حَالية أَي: وَالْحَال أَنَّهَا لم تسرق وَلم تزنِ.
٦٣٤٣ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي المَهْدِ إلَاّ ثَلاثَةٌ عِيسَى وكانَ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَالِ لَهُ جُرَيْجٌ كانَ يُصَلِّي جاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ فَقَالَ أُجِيبُهَا أوْ أُصَلِّي فقالَتْ أللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حتَّى تُرِيَهُ وجوهَ المُومِسَاتِ وكانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ فتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأةٌ وكلَّمَتْهُ فَأبى فأتَتْ رَاعِيَاً فأمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فوَلَدَتْ غُلاماً فقالَتْ مِنْ جُرَيْجٍ فأتَوْهُ فكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ وأنْزَلُوهُ وسَبُّوهُ فتَوَضَّأ وصلَّى ثُمَّ أتَى الغُلَامَ فَقَالَ منْ أبُوكَ يَا غُلَامُ قَالَ الرَّاعِي قَالُوا نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ لَا إلَاّ مِنْ طِينٍ وكانَتِ امْرَأةٌ تُرْضِعُ ابْنَاً لَهَا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ فمَرَّ بِهَا رَجُلٌ رَاكِبٌ ذُو شَارَةٍ فقالَتِ اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ فتَرَكَ ثَدْيَهَا وأقْبَلَ علَى الرَّاكِبِ فَقَالَ أللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ ثُمَّ أقْبَلَ على ثَدْيِهَا يَمَصُهُ قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ كأنِّي أنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَمَصُّ إصْبَعَهُ ثُمَّ مرَّ بأمَةٍ فقالَتِ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هذِهِ فتَرَكَ ثَدْيَهَا فَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا فقالَتْ لِمَ ذَاكَ فَقَالَ الرَّاكِبُ جَبَّارٌ مِنَ الجَبَابِرَةِ وهذِهِ الأمَةُ يَقُولُونَ سَرَقْتِ زَنَيْتِ ولَمْ تَفْعَلْ. مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُوجد من حَيْثُ إِن التَّرْجَمَة فِي قَضِيَّة مِيم وفيهَا التَّعَرُّض لميلاد عِيسَى ﷺ ، وَأَنه كَانَ يكلم النَّاس وَهُوَ فِي المهد صبي، وَالصَّبِيّ رَضِيع، وَالصَّبِيّ الَّذِي فِي قَضِيَّة جريج كَذَلِك، وَكَذَلِكَ كَانَ صبي الْمَرْأَة الْحرَّة، وَصبي الْأمة، وَصدر الحَدِيث الَّذِي يشْتَمل على قَضِيَّة جريج قد مر فِي الْمَظَالِم فِي: بَاب إِذا هدم حَائِطا فليبن مثله، بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم، وَمر أَيْضا فِي أَوَاخِر كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب إِذا دعت الْأُم وَلَدهَا فِي الصَّلَاة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ولنشرح الَّذِي مَا شرح، ونكرر مَا شرح أَيْضا فِي بعض الْمَوَاضِع لطول الْعَهْد بِهِ.
قَوْله: (لم يتَكَلَّم فِي المهد إلَاّ ثَلَاثَة) ، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِي هَذَا الْحصْر نظر. قلت: لَيْسَ من الْأَدَب أَن يُقَال: فِي كَلَام النَّبِي ﷺ ، نظر، بل الَّذِي يُقَال فِيهِ: أَنه ﷺ ، ذكر الثَّلَاثَة قبل أَن يعلم بِالزَّائِدِ عَلَيْهَا، فَكَانَ الْمَعْنى لم يتَكَلَّم إلَاّ ثَلَاثَة على مَا أُوحِي إِلَيْهِ، وإلَاّ فقد تكلم من الْأَطْفَال سَبْعَة. مِنْهُم: شَاهد يُوسُف ﷺ ، رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالْحَاكِم وَابْن حبَان من حَدِيث ابْن عَبَّاس: لم يتَكَلَّم فِي المهد إلَاّ أَرْبَعَة، فَذكر مِنْهَا شَاهد يُوسُف ﷺ . وَمِنْهُم: الصَّبِي الرَّضِيع الَّذِي قَالَ لأمه، وَهِي ماشطة بنت فِرْعَوْن، لما أَرَادَ فِرْعَوْن إِلْقَاء أمه فِي النَّار: إصبري يَا أُمَّاهُ فَأَنا على الْحق. أخرج الْحَاكِم نَحوه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة. وَمِنْهُم: الصَّبِي الرَّضِيع فِي قصَّة أَصْحَاب الْأُخْدُود: أَن امْرَأَة جِيءَ بهَا لتُلقى فِي النَّار، فَتَقَاعَسَتْ فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّاهُ إصبري فَإنَّك على الْحق. وَمِنْهُم: يحيى ﷺ ، أخرج الثَّعْلَبِيّ فِي (تَفْسِيره) : عَن الضَّحَّاك أَن يحيى ﷺ تكلم فِي المهد. قَوْله: (جَاءَتْهُ أمه) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني، فَجَاءَتْهُ أمه، وَفِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث أبي رَافع: كَانَ جريج يتعبد فِي صومعته فَأَتَتْهُ أمه، وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد: روى الحَدِيث عمرَان بن حُصَيْن مَعَ أبي هُرَيْرَة، وَلَفظه: كَانَت أمه تَأتيه فتناديه فيشرف عَلَيْهَا فيكلمها، فَأَتَتْهُ يَوْمًا وَهُوَ فِي صلَاته، وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد من حَدِيث أبي رَافع: فَأَتَتْهُ أمه ذَات يَوْم فنادته، فَقَالَت: أَي جريج أشرف عَليّ أُكَلِّمك أَنا أمك. . قَوْله: (أجيبها أَو أُصَلِّي) ، وَفِي رِوَايَة أبي رَافع، فصادفته يُصَلِّي فَوضعت يَدهَا على حاجبها فَقَالَ: يَا جريج. فَقَالَ: يَا رب أُمِّي وصلاتي فَاخْتَارَ صلَاته، وَرجعت ثمَّ أَتَتْهُ فصادفته يُصَلِّي، فَقَالَت: يَا جريج أَنا أمك فكلمني. وَفِي حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنَّهَا جَاءَتْهُ ثَلَاث مَرَّات تناديه فِي كل مرّة ثَلَاث مَرَّات، وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ: فَقَالَ: أُمِّي وصلاتي؟ لرَبي أوثر صَلَاتي على أُمِّي؟ فَإِن قلت: الْكَلَام فِي الصَّلَاة مُبْطل فَكيف هَذَا؟ قلت: كَانَ الْكَلَام مُبَاحا فِي الصَّلَاة فِي شرعهم، وَكَذَلِكَ كَانَ فِي صدر الْإِسْلَام، وَقيل: إِنَّه مَحْمُول على أَنه قَالَه فِي نَفسه، لَا أَنه نطق بِهِ. قَوْله: (حَتَّى تريه وُجُوه المومسات) ، وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج: حَتَّى تنظر فِي وُجُوه المياميس، وَفِي رِوَايَة أبي رَافع: حَتَّى تريه المومسة، بِالْإِفْرَادِ، وَفِي حَدِيث عمرَان: فَغضِبت فَقَالَت: أللهم لَا يموتن جريج حَتَّى ينظر فِي وُجُوه المومسات، وَهِي جمع مومسة وَهِي الزَّانِيَة، وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج: فَقَالَت: أَبيت أَن تطلع عَليّ وَجهك؟ لَا أماتك الله حَتَّى تنظر فِي وَجهك زواني الْمَدِينَة، فتعرضت لَهُ امْرَأَة فكلمته فَأبى، فَأَتَت رَاعيا فأمكنته من نَفسهَا. وَفِي رِوَايَة وهب بن جريج بن حَازِم عَن أَبِيه: فَذكر بَنو إِسْرَائِيل عبَادَة جريج، فَقَالَت بغي مِنْهُم: إِن شِئْتُم لأفتننه، قَالُوا: قد شِئْنَا، فَأَتَتْهُ فتعرضت لَهُ فَلم يلْتَفت إِلَيْهَا، فأمكنت نَفسهَا من رَاع كَانَ يؤوي غنمه إِلَى أصل صومعة جريج، وَفِي حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن: أَنَّهَا كَانَت بنت ملك الْقرْيَة، وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج: وَكَانَت تأوي إِلَى صومعته راعية ترعى الْغنم، وَفِي رِوَايَة أبي سَلمَة: وَكَانَ عِنْد صومعته راعي ضَأْن وراعية معزى فَولدت غُلَاما، فِيهِ حذف تَقْدِيره: فَحملت حَتَّى انْقَضتْ أَيَّامهَا فَولدت. قَوْله: (من جريج) فِيهِ حذف أَيْضا تَقْدِير: فَسُئِلت مِمَّن هَذَا؟ فَقَالَت: من جريج، وَفِي رِوَايَة أبي رَافع فَقيل لَهَا: مِمَّن هَذَا؟ فَقَالَت: هُوَ من صَاحب الدَّيْر، وَزَاد فِي رِوَايَة أَحْمد: فَأخذت وَكَانَ من زنا مِنْهُم قتل، فَقيل لَهَا: مِمَّن هَذَا؟ قَالَت: هُوَ من صَاحب الصومعة. وَزَاد الْأَعْرَج: نزل إِلَيّ فَأَصَابَنِي، وَزَاد أَبُو سَلمَة لي فِي رِوَايَته: فَذَهَبُوا إِلَى الْملك فأخبروه فَقَالَ أدركوه فائتوني بِهِ قَوْله وكسروا صومعته) . وَفِي رِوَايَة أبي رَافع فَأَقْبَلُوا بفؤسهم ومساحيهم إِلَى الدَّيْر فَنَادَوْهُ فَلم يكلمهم، فَأَقْبَلُوا يهدمون ديره، وَفِي حَدِيث عمرَان: فَمَا شعر حَتَّى سمع بالفؤوس فِي أصل صومعته، فَجعل يسألهم: وَيْلكُمْ مَا لكم؟ فَلم يُجِيبُوهُ، فَلَمَّا رأى ذَلِك أَخذ الْحَبل فَتَدَلَّى. قَوْله: (فسبوه) ، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن وهب بن جرير: وضربوه، فَقَالَ: مَا شَأْنكُمْ؟ قَالُوا: إِنَّك زَنَيْت بِهَذِهِ، وَفِي رِوَايَة أبي رَافع عَنهُ: فَقَالُوا: أَي جريج إنزل فَأبى وَأخذ يقبل على صلَاته، فَأخذُوا فِي هدم صومعته، فَلَمَّا رأى ذَلِك نزل، فَجعلُوا فِي عُنُقه وعنقها حبلاً فَجعلُوا يطوفون بهما فِي النَّاس، وَفِي رِوَايَة أبي سَلمَة: فَقَالَ لَهُ الْملك: وَيحك يَا جريج﴾ كُنَّا نرَاك خير النَّاس فأحبلت هَذِه؟ اذْهَبُوا بِهِ فاصلبوه. وَفِي حَدِيث عمرَان: فَجعلُوا يضربونه وَيَقُولُونَ: مراءٍ تخادع النَّاس بعملك؟ وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج: فَلَمَّا مروا بِهِ نَحْو بَيت الزواني خرجن ينظرن، فَتَبَسَّمَ، فَقَالُوا: لم يضْحك حَتَّى مر بالزواني. قَوْله: (وَتَوَضَّأ وَصلى) ، وَفِي رِوَايَة وهب بن جرير: فَقَامَ وَصلى ودعا، وَفِي حَدِيث عمرَان: قَالَ: فتولوا عني، فتولوا عَنهُ، فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ أَتَى الْغُلَام، أَي: ثمَّ أَتَى جريج الْغُلَام، فَقَالَ لَهُ: من أَبوك يَا غُلَام؟ قَالَ أَنا ابْن الرَّاعِي، وَفِي رِوَايَة أبي رَافع: ثمَّ مسح رَأس الصَّبِي، فَقَالَ: من أَبوك؟ قَالَ: راعي الضَّأْن، وَفِي رِوَايَة عِنْد أَحْمد: فَوضع إصبعه على بَطنهَا، وَفِي رِوَايَة أبي سَلمَة: فَأتى بِالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيّ وفمه فِي ثديها، فَقَالَ لَهُ جريج: يَا غُلَام من أَبوك؟ فَنزع الْغُلَام فَاه من الثدي، وَقَالَ: أبي راعي الضَّأْن، وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج: فَلَمَّا أَدخل على ملكهم قَالَ جريج أَيْن الصَّبِي الَّذِي وَلدته؟ فَأتي بِهِ، فَقَالَ لَهُ: من أَبوك؟ قَالَ: فلَان، وسمى أَبَاهُ، وَقد مضى فِي أَوَاخِر الصَّلَاة بِلَفْظ: قَالَ: يابابوس ... ومرَّ شَرحه هُنَاكَ. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا اسْم الْغُلَام، وَفِي حَدِيث عمرَان: ثمَّ انْتهى إِلَى شَجَرَة فَأخذ مِنْهَا غصناً، ثمَّ أَتَى الْغُلَام وَهُوَ فِي مهده، فَضَربهُ بذلك الْغُصْن، فَقَالَ: من أَبوك؟ فَإِن قلت: مَا وَجه الْجمع بَين اخْتِلَاف هَذِه الرِّوَايَات؟ قلت: لَا مَانع من وُقُوع الْكل، فَكل روى بِمَا سمع وَمَا قيل بِتَعَدُّد الْقِصَّة فبعيد. قَوْله: (نَبْنِي صومعتك من ذهب، قَالَ: لَا إلَاّ من طين) . وَفِي رِوَايَة وهب بن جرير: (إبنوها من طين كَمَا كَانَت) ، وَفِي رِوَايَة أبي رَافع: (نَبْنِي مَا هدمناه من ديرك بِالذَّهَب وَالْفِضَّة قَالَ: لَا، وَلَكِن أعيدوه كَمَا كَانَ، فَفَعَلُوا) .
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ إِيثَار إِجَابَة الْأُم على صَلَاة التَّطَوُّع، لِأَن إِجَابَة الْأُم وَاجِبَة فَلَا تتْرك لأجل النَّافِلَة، وَقد جَاءَ فِي حَدِيث يزِيد بن حَوْشَب عَن أَبِيه: أَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: (لَو كَانَ جريج فَقِيها لعلم أَن إِجَابَة أمه أولى من عبَادَة ربه) ، أخرجه الْحسن بن سُفْيَان. قلت: قَالَ الذَّهَبِيّ: حَوْشَب بن يزِيد الفِهري مَجْهُول، روى عَنهُ ابْنه يزِيد فِي ذكر جريج الراهب، وَتمسك بعض الشَّافِعِيَّة بِظَاهِر الحَدِيث فِي جَوَاز قطع الصَّلَاة لإجابة الْأُم سَوَاء كَانَت فرضا أَو نفلا، وَالأَصَح عِنْدهم: أَنه على التَّفْصِيل، وَهُوَ أَن الصَّلَاة إِن كَانَت نفلا وَعلم تأذي الْوَالِد أَو الوالدة وَجَبت الْإِجَابَة، وَإِن كَانَت فرضا وضاق الْوَقْت لم تجب الْإِجَابَة، وَإِن لم يضق وَجَبت عِنْد إِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَخَالفهُ غَيره لِأَنَّهَا تلْزم بِالشُّرُوعِ، وَعند الْمَالِكِيَّة: إِن إِجَابَة الْوَالِد فِي النَّافِلَة أفضل من التَّمَادِي فِيهَا، وَحكى القَاضِي أَبُو الْوَلِيد: أَن ذَلِك يخْتَص بِالْأُمِّ دون الْأَب، وَبِه قَالَ مَكْحُول، وَقيل: لم يقل بِهِ من السّلف غَيره. وَفِيه: قُوَّة يَقِين جريج وَصِحَّة رجائه لِأَنَّهُ استنطق الْمَوْلُود مَعَ كَون الْعَادة أَنه لَا ينْطق، وَلَوْلَا صِحَة رجائه بنطقه لما استنطقه، وَقَالَ ابْن بطال: يحْتَمل أَن يكون جريج كَانَ نَبيا فَتكون معْجزَة. وَفِيه: عظم بر الْوَالِدين وَإجَابَة دعائهما، وَلَو كَانَ الْوَلَد مَعْذُورًا لَكِن يخْتَلف الْحَال فِي ذَلِك بِحَسب الْمَقَاصِد وَفِيه صَاحب الصدْق مَعَ الله تَعَالَى لَا تضره الْفِتَن وَفِيه اثبات الْكَرَامَة للأولياء وَوُقُوع الْكَرَامَة لَهُم بإختيارهم وطلبهم. وَفِيه: جَوَاز الْأَخْذ بالأشد فِي الْعِبَادَة لمن يعلم من نَفسه قُوَّة على ذَلِك. وَفِيه: أَن الْوضُوء لَا يخْتَص بِهَذِهِ الْأمة، خلافًا لمن زعم ذَلِك، وَإِنَّمَا الَّذِي يخْتَص بِهَذِهِ الْأمة الْغرَّة والتحجيل فِي الْآخِرَة. وَفِيه: أَن مرتكب الْفَاحِشَة لَا تبقى لَهُ حُرْمَة. وَفِيه: أَن الْفَزع فِي الْأُمُور المهمة إِلَى الله تَعَالَى يكون بالتوجه إِلَيْهِ فِي الصَّلَاة، وَاسْتدلَّ بَعضهم بِهَذَا الحَدِيث على أَن من شرع بني إِسْرَائِيل أَن الْمَرْأَة تصدق فِيمَا تدعيه على الرِّجَال من الْوَطْء، وَيلْحق بِهِ الْوَلَد، وَأَنه لَا ينفع الرجل جحد ذَلِك إلَاّ بِحجَّة تدفع قَوْلهَا.
قَوْله: (وَكَانَت امْرَأَة) إِلَى آخِره، قَضِيَّة أُخْرَى تشبه قَضِيَّة جريج (وَامْرَأَة) بِالرَّفْع فَاعل: كَانَت، وَهِي تَامَّة. قَوْله: (فَمر بهَا رجل) ويروى: إِذْ مر بهَا رَاكب جمل، وَفِي رِوَايَة أَحْمد من خلاس عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: فَارس متكبر. قَوْله: (ذُو شارة) ، بالشين الْمُعْجَمَة وبالراء المخففة أَي: ذُو حسن وجمال، وَقيل: صَاحب هَيْئَة وملبس حسن يتعجب مِنْهُ ويشار إِلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة خلاس: (ذُو شارة حَسَنَة) . قَوْله: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَة) ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور وَفِيه الْمُبَالغَة فِي إِيضَاح الْخَبَر بتمثيله بِالْفِعْلِ. قَوْله: (ثمَّ مر بِأمة) ، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء على بِنَاء الْمَجْهُول، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن وهب بن جرير: (بِأمة تضرب) ، وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة الْآتِيَة فِي ذكر بني إِسْرَائِيل: (تجرر ويلعب بهَا) ، وتجرر بجيم مَفْتُوحَة بعْدهَا رَاء مُشَدّدَة ثمَّ رَاء أُخْرَى، وَفِي رِوَايَة خلاس: (أَنَّهَا كَانَت حبشية أَو زنجية وَأَنَّهَا مَاتَت، فجروها حَتَّى ألقوها) . قَوْله: (فَقَالَت: لِمَ ذلِك؟) أَي: قَالَت الْأُم لابنها: لم قلت هَكَذَا؟ حَاصله أَنَّهَا سَأَلت مِنْهُ عَن سَبَب ذَلِك. قَوْله: (فَقَالَ) ، أَي: الإبن: (الرَّاكِب جَبَّار) وَفِي رِوَايَة أَحْمد، فَقَالَ: يَا أمتاه! أما الرَّاكِب ذُو الشارة فجبار من الْجَبَابِرَة، وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج: فَإِنَّهُ كَانَ جباراً، قَوْله: (سرقتِ زنيتِ) ، يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ أَحدهمَا بِكَسْر التَّاء لخطاب الْمُؤَنَّث، وَالْآخر بسكونها على الْخَبَر، وَفِي رِوَايَة أَحْمد: (يَقُولُونَ سرقت وَلم تسرق، وزنيت وَلم تزنِ، وَهِي تَقول: حسبي الله) ، وَفِي رِوَايَة الْأَعْرَج: (يَقُولُونَ لَهَا: تَزني؟ وَتقول: حسبي الله، وَيَقُولُونَ لَهَا: تسرقي؟ وَتقول: حسبي الله) . قَوْله: (وَلم تفعل) ، جملَة حَالية أَي: وَالْحَال أَنَّهَا لم تسرق وَلم تزنِ.
٧٣٤٣ - حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخْبَرَنَا هِشامٌ عنْ مَعْمَرٍ. حدَّثني مَحْمودٌ حدَّثنا عبْدُ الرَّزَّاق أخبرَنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخْبرني سَعيدُ بنُ الْمُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ لَقِيتُ مُوسَى قَالَ فَنعَتَهُ فإذَا رَجُل حَسِبْتُهُ قَالَ مُضْطَرِبٌ رَجِلُ الرَّأسِ كأنَّهُ مِنْ رِجالِ شَنُوءَةَ قَالَ ولَقِيتُ عِيسَى فنَعَتَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ رَبْعَةٌ أحْمَرُ كأنَّمَا خَرَجَ مِن دِيماسٍ يَعْنِي الحَمَّامَ ورَأيْتُ إبْرَاهِيمَ وأنَا أشْبَهُ ولَدِهِ بِهِ قالَ وأُتِيتُ بإنَاءَيْنِ أحَدُهُمَا لَبَنٌ والآخَرُ فِيهِ خَمْرٌ فَقِيلَ لِي خُذْ أيُّهُمَا شِئْتَ فأخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ فَقِيلَ لِي هُدِيتَ الفِطْرَةَ أوْ أصَبْتَ الفِطْرَةَ أمَّا إنَّكَ لَوْ أخَذْتَ الخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهَا التَّعَرُّض لعيسى، ﵊، وَهنا صرح بِذكر عِيسَى، ﵊.
والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وَهل أَتَاك حَدِيث مُوسَى﴾ (طه: ٩، النازعات: ٥١) . فَإِنَّهُ إخرجه هُنَاكَ عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى أَيْضا. وَأخرجه هَهُنَا من طَرِيقين. أَحدهمَا: عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى عَن هِشَام بن يُوسُف عَن معمر. وَالْآخر: عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ ... إِلَى آخِره.
قَوْله: (فنعته) ، أَي: وَصفه. قَوْله: (حسبته) الْقَائِل حسبته هُوَ عبد الرَّزَّاق. قَوْله: (مُضْطَرب) ، أَي: طَوِيل غير الشَّديد، وَقيل: الْخَفِيف اللَّحْم، وَقد تقدم فِي رِوَايَة هِشَام بِلَفْظ: ضرب، وَفسّر بالخفيف وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا، وَقَالَ ابْن التِّين: هَذَا الْوَصْف مُغَاير لقَوْله بعد هَذَا: إِنَّه جسيم، قَالَ: وَالَّذِي وَقع نَعته بِأَنَّهُ جسيم إِنَّمَا هُوَ الدَّجَّال، وَقَالَ عِيَاض: رِوَايَة من قَالَ: ضرب، أصح من رِوَايَة من قَالَ: مُضْطَرب، لما فِيهَا من الشَّك، قَالَ: وَقد وَقع فِي رِوَايَة أُخْرَى على مَا يَأْتِي الْآن: جسيم، وَهُوَ ضد الضَّرْب إلَاّ أَن يُرَاد بالجسيم الزِّيَادَة فِي الطول، وَقَالَ التَّيْمِيّ: لَعَلَّ بعض لفظ هَذَا الحَدِيث دخل فِي بعض لِأَن الجسيم ورد فِي صفة الدَّجَّال لَا فِي صفة مُوسَى، ﵊. قَوْله: (ربعَة) ، بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة، وَيجوز فتحهَا، وَهُوَ المربوع وَالْمرَاد أَنه وسط لَا طَوِيل وَلَا قصير.
٨٣٤٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثيرٍ أخْبرَنا إسْرَائِيلُ أخبَرَنا عُثْمَانُ بنُ الْمُغِيرَةِ عنْ مُجَاهِدٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ الْنَّبِيُّ ﷺ رأيْتُ عِيساى ومُوسَى وإبْرَاهِيمَ فأمَّا عِيسَى فأحْمَرُ جَعْدٌ عَرِيضُ الصَّدْرِ وأمَّا مُوسَى فآدَمُ جَسِيمٌ سَبْطٌ كأنَّهُ مِنْ رِجَالِ الزُّطِّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي ذكر لفظ عِيسَى، ﵊، وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس ابْن أبي إِسْحَاق السبيعِي، وَعُثْمَان هُوَ ابْن الْمُغيرَة الثَّقَفِيّ الْكُوفِي الْأَعْشَى، وَيُقَال لَهُ: عُثْمَان بن أبي زرْعَة، وَأَبُو زرْعَة هُوَ كنية الْمُغيرَة، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ من صغَار التَّابِعين، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد، وَهُوَ يروي عَن مُجَاهِد عَن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقَالَ أَبُو مَسْعُود الْحَافِظ: أَخطَأ البُخَارِيّ فِي قَوْله: مُجَاهِد عَن ابْن عمر، وَإِنَّمَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن كثير وَإِسْحَاق فَإِنَّهُ قَالَ هَكَذَا وَقع فِي جَمِيع الرِّوَايَات المسموعة عَن مُجَاهِد عَن ابْن عمر قَالَ وَلَا ادري إِلَى آخر مَا قَالَه التَّيْمِيّ ثمَّ قَالَ ابو ذَر
стр. 4672
ابْن مَنْصُور السَّلُولي وَابْن أبي زَائِدَة وَيحيى بن آدم وَغَيرهم عَن إِسْرَائِيل عَن عُثْمَان عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَ الغساني: أَخطَأ البُخَارِيّ فِيمَا قَالَ: عَن مُجَاهِد عَن ابْن عمر، وَالصَّوَاب: عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَ التَّيْمِيّ: قَالَ بَعضهم: لَا أَدْرِي أهكذا حدث بِهِ البُخَارِيّ أَو غلط فِيهِ الْفربرِي، لِأَن الْمَحْفُوظ رِوَايَة ابْن كثير عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس. قلت: أَرَادَ التَّيْمِيّ من قَوْله: قَالَ بَعضهم، أَبَا ذَر: لِأَنِّي رَأَيْت فِي جَمِيع الطّرق عَن مُحَمَّد بن كثير وَغَيره عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، وَالَّذِي يظْهر من كَلَامهم أَن الصَّوَاب: مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، وَكَذَا قَالَ ابْن مَنْدَه بعد أَن أخرج الحَدِيث الْمَذْكُور، وَالصَّوَاب: عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَ بَعضهم: وَيَقَع فِي خاطري أَن الْوَهم فِيهِ من غير البُخَارِيّ فَإِن الْإِسْمَاعِيلِيّ أخرجه من طَرِيق نصر بن عَليّ عَن أبي أَحْمد، وَقَالَ فِيهِ: عَن ابْن عَبَّاس وَلم يُنَبه على أَن البُخَارِيّ قَالَ فِيهِ: عَن ابْن عمر، فَلَو كَانَ وَقع لَهُ كَذَلِك لنبه عَلَيْهِ كعادته. انْتهى. قلت: لَا يلْزم من عدم تنبيهه على هَذَا أَن يكون الْوَهم فِيهِ من غير البُخَارِيّ، إِذْ البُخَارِيّ غير مَعْصُوم. قَوْله: (جعد) ، أَي: جعد الشّعْر وَهُوَ ضد السبط لِأَن السبط أَكثر مَا فِي شُعُور الْعَجم. قَوْله: (آدم) أَي: أسمر. قَوْله: (جسيم) ، وَقد مر فِيمَا مضى: أَنه ضرب، أَي: خَفِيف اللَّحْم وَأَنه مُضْطَرب، فَهَذَا يضاد قَوْله: جسيم، وَلِهَذَا قَالَ التَّيْمِيّ: كَأَن بعض لفظ الحَدِيث دخل فِي بعض، لِأَن الجسيم إِنَّمَا ورد فِي صفة الدَّجَّال، وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن الجسامة كَمَا تكون فِي الشَّخْص بِاعْتِبَار السّمن تكون فِيهِ أَيْضا بِاعْتِبَار الطول، وَلِهَذَا قَالَ: (كَأَنَّهُ من رجال الزط) لِأَن الزط، بِضَم الزَّاي وَتَشْديد الطَّاء الْمُهْملَة: جنس من السودَان طوال.
٩٣٤٣ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ الْمُنْذِرِ حدَّثنا أبُو ضَمْرَةَ حدَّثنا مُوسَى عنْ نافِعٍ قَالَ عبْدُ الله ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَاً بَيْنَ ظَهْرَيِ النَّاسِ المَسيحَ الدَّجَّالَ فَقَالَ إنَّ الله لَيْسَ بِأعْوَرَ ألَا إنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالَ أعْوَرُ العَيْنِ الْيُمْنَى كأنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَة. وأرَاني اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فِي الْمَنامِ فإذَا رَجُلٌ آدَمُ كأحْسَنِ مَا يُرَى مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ رَجِلُ الشَّعْرِ يَقْطُرُ رأسُهُ مَاء واضِعَاً يَدَيْهِ علَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ وهْوَ يَطُوفُ بالْبَيْتِ فقُلْتُ مَنْ هَذَا فَقَالُوا هَذَا المَسِيحُ بنُ مَرْيَمَ ثُمَّ رَأيْتُ رجُلاً ورَاءَهُ جَعْدَاً قَطِطاً أعْوَرَ عَيْنِ الْيُمْنَى كأشْبَهِ مَنْ رَأيْتُ بابنِ قَطَنِ واضِعاً يَدَيْهِ علَى مَنْكِبَيْ رَجُلٍ يَطُوفُ بالْبَيْتِ فقُلْتُ مَنْ هاذَا قَالُوا المَسِيحُ الدَّجَّالُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة على مَا ذكرنَا. وَأَبُو ضَمرَة، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم: واسْمه أنس بن عِيَاض، ومُوسَى هُوَ ابْن عقبَة.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن الْمسَيبِي عَن أنس بن عِيَاض، وَفِي الْفِتَن عَن مُحَمَّد ابْن عماد.
قَوْله: (بَين ظري النَّاس) ، ويروى: ظهراني النَّاس بِزِيَادَة النُّون أَي: جَالِسا فِي وسط النَّاس، وَالْمرَاد أَنه جلس بَينهم مستظهراً لَا مستخفياً، وَقد مر تَفْسِير هَذَا غير مرّة، وَيُقَال: إِن هَذِه اللَّفْظَة زَائِدَة. قَوْله: (أَلا أَن الْمَسِيح) ، كلمة ألَا، للتّنْبِيه كَأَنَّهُ يُنَبه السامعين ليكونوا على ضبط من سَماع كَلَامه. قَوْله: (أَعور الْعين الْيُمْنَى) ، عين الجثة أَو الْجِهَة الْيُمْنَى، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه عَن حُذَيْفَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : الدَّجَّال أَعور عين الْيُسْرَى، وَالْجمع بَينهمَا أَن يقدر فِيهَا أَن إِحْدَى عَيْنَيْهِ ذَاهِبَة وَالْأُخْرَى مَعِيبَة، فَيصح أَن يُقَال لكل وَاحِدَة: عوراء، إِذْ الأَصْل فِي العور الْعَيْب. قَوْله: (كَأَن عينه عنبة طافية) ، الطافية الناتئة عَن حد أُخْتهَا من الطفو، وَهُوَ أَن يَعْلُو المَاء مَا وَقع فِيهِ وَيُقَال: طافئة، بِالْهَمْز أَي: ذَاهِب ضوؤها، وَبِدُون الْهَمْز: أَي ناتئة بارزة، وَقَالَ الْخطابِيّ: العنبة الطافية هِيَ الْحبَّة الْكَبِيرَة الَّتِي خرجت عَن حد أخواتها. قلت: طافية بِلَا همز من طفا الشَّيْء يطفو من بَاب معتل اللَّام الواوي وبالهمزة: من طفأ يطفأ من بَاب علم يعلم، يُقَال: طفئت النَّار تطفأ طفؤاً، وأطفأتها أَنا. فَإِن قلت: جَاءَ فِي رِوَايَة: أَنه جاحظ الْعين كَأَنَّهَا كَوْكَب، وَفِي
стр. 4673
أُخْرَى: أَنَّهَا لَيست بناتئة وَلَا حجراء، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم، قَالَ الْهَرَوِيّ: كَانَت اللَّفْظَة مَحْفُوظَة فمعناها أَنَّهَا لَيست بصلبة متحجرة، وَقد رويت: جحراء، بِتَقْدِيم الْجِيم، أَي: غائرة متجحرة فِي نقرتها، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: هِيَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة دون الْحَاء، وبالجيم فِي أَوله، وَمَعْنَاهَا: الضيقة الَّتِي لَهَا غمص ورمص، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ من حَدِيث أبي بن كَعْب: إِحْدَى عَيْنَيْهِ كَأَنَّهَا زجاجة خضراء، وَعَن ابْن عمر: إِحْدَى عَيْنَيْهِ مطموسة وَالْأُخْرَى ممزوجة بِالدَّمِ كَأَنَّهَا الزهرة. قلت: التَّوْفِيق بَينهمَا بِأَن يُقَال: إِن اخْتِلَاف الْأَوْصَاف بِحَسب اخْتِلَاف الْعَينَيْنِ. قَوْله: (وَأرَانِي) بِفَتْح الْهمزَة، أَي: أرى نَفسِي اللَّيْلَة، أَي: فِي اللَّيْلَة. قَوْله: (آدم) ، بِالْمدِّ لِأَنَّهُ أفعل من الأدمة، وَهِي السمرَة الشَّدِيدَة. قَوْله: (وَمن أَدَم الرِّجَال) ، بِضَم الْهمزَة جمع: أَدَم. قَوْله: (لمته) ، بِكَسْر اللَّام: وَهِي الشّعْر إِذا جَاوز شَحم الْأُذُنَيْنِ، سميت بذلك لِأَنَّهَا ألمت بالمنكبين فَإِذا بلغت الْمَنْكِبَيْنِ فَهِيَ جمة، وَإِذا قصرت عَنْهُمَا فَهِيَ وفرة. قَوْله: (رجل الشّعْر) ، بِكَسْر الْجِيم بِمَعْنى: منظف الشّعْر ومسرحه، ومحسنه، وَهُوَ من الترجيل وَهُوَ تَسْرِيح الشّعْر وتنظيفه، وَفِي رِوَايَة مَالك: لَهُ لمة قد رجلهَا فَهِيَ تقطر مَاء. قَوْله: (تقطر رَأسه مَاء) ، وَهُوَ المَاء الَّذِي رجلهَا بِهِ لقرب ترجيله، أَو هُوَ اسْتِعَارَة من نضارته وجماله. قَوْله: (جَعدًا) ، قد ذكرنَا أَن الجعودة تحْتَمل الذَّم والمدح بِحَسب الِاسْتِعْمَال، وَهُوَ فِي صفة عِيسَى مدح، وَفِي صفة الدَّجَّال ذمّ. قَوْله: (قططاً) ، بِفَتْح الْقَاف والطاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَقد تكسر الطَّاء الأولى، وَالْمرَاد بِهِ: شدَّة جعودة الشّعْر. قَوْله: (أَعور عين الْيُمْنَى) من بَاب إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى صفته، وَهُوَ عِنْد الْكُوفِيّين ظَاهر، وَعند الْبَصرِيين تَقْدِيره: عين صفحة وَجهه الْيُمْنَى. قَوْله: (كأشبه من رَأَيْت) ، بِضَم التَّاء وَفتحهَا. قَوْله: (بِابْن قطن) ، بِفَتْح الْقَاف والطاء: واسْمه عبد الْعُزَّى بن قطن بن عَمْرو الجاهلي الْخُزَاعِيّ، وَأمه هَالة بنت خويلد أُخْت خَدِيجَة بنت خويلد، وَكَانَت عِنْد الرّبيع بن عبد الْعُزَّى بن عبد شمس فَولدت لَهُ أَبَا الْعَاصِ، ثمَّ خلف عَلَيْهَا بعده أَخُوهُ ربيعَة بن عبد الْعُزَّى، ثمَّ خلف عَلَيْهَا وهب بن عبد فَولدت لَهُ أَوْلَادًا، ثمَّ خلف عَلَيْهَا قطن بن عَمْرو بن حبيب بن سعد بن عَائِذ بن مَالك بن جذيمة وَهُوَ المصطلق فَولدت لَهُ عبد الْعُزَّى بن قطن. قَوْله: (وَاضِعا يَدَيْهِ) ، نضب على الْحَال.
تابَعَهُ عُبَيْدُ الله عنْ نافِعٍ
أَي: تَابع مُوسَى بن عقبَة عبيد الله بن عمر الْعمريّ عَن نَافِع عَن ابْن عمر، وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة مُسلم من طَرِيق أبي أُسَامَة وَمُحَمّد بن بشر جَمِيعًا عَن عبيد الله بن عمر فِي ذكر الدَّجَّال فَقَط إِلَى قَوْله: عنبة طافية، وَلم يذكر مَا بعده.
١٤٤٣ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ المَكِّيُّ قَالَ سَمِعْتُ إبْرَاهِيمَ بنَ سَعْدٍ قَالَ حدَّثنِي الزُّهْرِيُّ عنْ سالِمٍ عنْ أبِيهِ قَالَ ل اَ وَالله مَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعِيسَى أحْمَرُ ولَكِنْ قَالَ بَيْنَما أنَا نائِمٌ أطُوفُ بالْكَعْبَةِ فإذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعْرِ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ يَنْطُفُ رأسُهُ مَاء أوْ يَهْرَاقُ رأسُهُ مَاء فقُلْتُ مَنْ هاذَا قالُوا ابنُ مَرْيَمَ فذَهَبْتُ ألْتَفِتُ فإذَا رَجُلٌ أحْمَرُ جَسِيمٌ جَعْدُ الرَّأسِ أعْوَرُ عَيْنِهِ اليُمْنَى كأنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ قُلْتُ مَنْ هاذَا قَالُوا هذَا الدَّجَّالُ وأقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهَاً ابنُ قَطَنٍ قَالَ الزُّهْرِيُّ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ هَلَكَ فِي الجَاهِلِيَّةِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ابْن مَرْيَم) . وَأحمد بن مُحَمَّد بن الْوَلِيد أَبُو مُحَمَّد الْأَزْرَقِيّ الْمَكِّيّ وَهُوَ من أَفْرَاده، وَإِبْرَاهِيم بن سعد إِبْنِ إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، يروي عَن أَبِيه عبد الله بن عمر. وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (قَالَ) ، أَي: قَالَ عبد الله بن عمر. قَوْله: (لَا وَالله مَا قَالَ النَّبِي ﷺ أَي: لَيْسَ الْأَمر كَمَا زعمتم أَنه، ﷺ ، قَالَ فِي صفة عِيسَى، ﵊: أَحْمَر، وَلَكِن قَالَ ... إِلَى آخِره. وَفِيه: جَوَاز الْيَمين على غَلَبَة الظَّن، لِأَن ابْن عمر ظن أَن الْوَصْف اشْتبهَ على الرَّاوِي، وَأَن الْمَوْصُوف بِكَوْنِهِ أَحْمَر إِنَّمَا هُوَ الدَّجَّال لَا عِيسَى،
стр. 4674
عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقرب ذَلِك أَن كلا مِنْهُمَا يُقَال لَهُ: الْمَسِيح، وَهِي صفة مدح فِي حق عِيسَى، ﵊، وَصفَة ذمّ فِي حق الدَّجَّال كَمَا ذكر، وَكَأن ابْن عمر قد تحقق سَمعه فِي وصف عِيسَى بِأَنَّهُ آدم فجوز الْحلف على غَلَبَة الظَّن، وَأَن من وَصفه بِأَنَّهُ أَحْمَر قد وهم فِيهِ. قَوْله: (بَينا أَنا نَائِم) ، قد ذكرنَا غير مرّة أَن أصل: بَينا، بَين فأشبعت الفتحة ألفا، وَأَنه ظرف مُضَاف إِلَى جملَة، وَهَذَا يدل على أَن رُؤْيَته، ﷺ ، فِي هَذِه الْمرة غير رُؤْيَته الَّتِي ذكر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي مضى عَن قريب فِي هَذَا الْبَاب، فَإِن تِلْكَ كَانَت لَيْلَة الْإِسْرَاء. فَإِن قلت: الَّتِي كَانَت فِي الْإِسْرَاء على الِاخْتِلَاف فِي الْإِسْرَاء: هَل كَانَ فِي النّوم أَو فِي الْيَقَظَة؟ قلت: قد قيل: إِنَّه كَانَ فِي الْمَنَام، وَلَكِن الصَّحِيح أَن الْإِسْرَاء كَانَ فِي الْيَقَظَة، وَأَن رُؤْيَته الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَت فِي لَيْلَة الْإِسْرَاء، كَانَت بالأشخاص، وَإِن زعم بَعضهم أَنَّهَا كَانَت بالأرواح. فَإِن قلت: إِذا كَانَت الرُّؤْيَة فِي الْمَنَام فَلَا إِشْكَال، وَإِذا كَانَت فِي الْيَقَظَة فَفِيهِ إِشْكَال، وَيزِيد الْإِشْكَال مَا رَوَاهُ مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس: (أما مُوسَى فَرجل آدم جعد على جمل أَحْمَر مَخْطُوم بخلبة كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ إِذا انحدر فِي الْوَادي) ، وَقد تقدم فِي الْحَج، وَكَذَلِكَ رُؤْيَته ﷺ ، مُوسَى لَيْلَة الْمِعْرَاج وَهُوَ يُصَلِّي فِي قَبره. قلت: لَا إِشْكَال فِي هَذَا أصلا، وَذَلِكَ أَن الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام أفضل من الشُّهَدَاء، وَالشُّهَدَاء أَحيَاء عِنْد رَبهم، فالأنبياء بِالطَّرِيقِ الأولى، وَلَا سِيمَا فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس عِنْد مُسلم، قَالَ ﷺ : كَأَنِّي أنظر إِلَى مُوسَى، وَكَأَنِّي أنظر إِلَى يُونُس، فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَلَا يبعد أَن يصلوا ويحجوا ويتقربوا إِلَى الله تَعَالَى بِمَا اسْتَطَاعُوا مَا دَامَت الدُّنْيَا وَهِي دَار التَّكْلِيف بَاقِيَة. قَوْله: (يهادَى بَين رجلَيْنِ) أَي: يمشي بَينهمَا مائلاً إِلَى أحد الطَّرفَيْنِ مُتكئا عَلَيْهِمَا. قَوْله: (ينطف) ، بِكَسْر الطَّاء وَضمّهَا أَي: يقطر (وَرَأسه) بِالرَّفْع فَاعل لَهُ، وَقَوله: (مَاء) ، يصب على التَّمْيِيز. قَوْله: (أَو يهراق) ، شكّ من الرَّاوِي، وَهُوَ بِضَم الْيَاء وَفتح الْهَاء وسكونها. قَوْله: (أَعور عينه الْيُمْنَى) ، بِإِضَافَة أَعور إِلَى عينه من إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى صفته، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وارتفاع: أَعور، على أَنه صفة لقَوْله: رجل بعد صفة، وروى الْأصيلِيّ بِرَفْع: عينه، بِقطع إِضَافَة أَعور عَنهُ، وَذكر بَعضهم وَجه ذَلِك بقوله: كَأَنَّهُ وقف على وَصفه بِأَنَّهُ أَعور، وابتدأ الْخَبَر عَن صفة عينه، فَقَالَ: عينه كَأَنَّهَا كَذَا، وأبرز الضَّمِير، وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ يصير كَأَنَّهُ قَالَ عينه كَانَ عينه انْتهى قلت لَا حَاجَة إِلَى هَذَا التخبيط حَيْثُ يذكر وَجها فِي إعرابه ثمَّ يَقُول وَفِيه نظروالذي يُقَال فِيهِ على مَا ذهب إِلَيْهِ الْأصيلِيّ أَن تكون: عينه، بِالرَّفْع بدل من قَوْله: أَعور، وَيجوز أَن يكون ارتفاعه على أَنه مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: عينه الْيُمْنَى عوراء، وَتَكون هَذِه الْجُمْلَة صفة كاشفة لقَوْله: أَعور. قَوْله: (كَأَن عينه عنبة طافية) ، هَذَا على رِوَايَة الْأَكْثَرين على أَن عينه مَنْصُوبَة على أَنه اسْم: كَانَ. وَقَوله: عنبة، خَبره، وَهُوَ بِكَسْر الْعين وَفتح النُّون وَالْبَاء الْمُوَحدَة، و: طافية، صفتهَا، أَي: مُرْتَفعَة، وَعند الْأصيلِيّ: كَأَن عينه طافية، ويروى: كَأَن عنبة طافية، بِالنّصب على أَنه اسْم: كَأَن، وَالْخَبَر مَحْذُوف تَقْدِيره: كَأَن فِي وَجهه عنبة طافية، وَالْخَبَر مقدم على الإسم. قَوْله: (هَذَا الدَّجَّال) . فَإِن قلت: كَيفَ هَذَا وَيحرم على الدَّجَّال دُخُول مَكَّة؟ قلت: ذَاك فِي زمن خُرُوجه على النَّاس، وَأَيْضًا لفظ الحَدِيث أَنه: لَا يدْخل مَكَّة، وَلَيْسَ فِيهِ نفي الدُّخُول فِي الْمَاضِي. قَوْله: (قَالَ الزُّهْرِيّ) ، هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم، وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (رجل) ، أَي: ابْن قطن رجل من خُزَاعَة هلك فِي الْجَاهِلِيَّة، و: خُزَاعَة، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الزَّاي وبالعين الْمُهْملَة هُوَ: ربيعَة، وَرَبِيعَة هُوَ لحي بن حَارِثَة بن عَمْرو بن مزيقيا بن عَامر مَاء السَّمَاء بن حَارِثَة الغطريف بن امرىء الْقَيْس بن ثَعْلَبَة ابْن مَازِن بن الأزد، وَقيل لَهُم: خُزَاعَة لأَنهم تخزعوا من بني مَازِن بن الأزد فِي إقبالهم مَعَهم من الْيمن، أَي: انْقَطَعُوا عَنْهُم. قَوْله: (جاهلي) ، نِسْبَة إِلَى الْجَاهِلِيَّة، وَهِي الْحَالة الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا الْعَرَب قبل الْإِسْلَام من الْجَهْل بِاللَّه وَرَسُوله وَشَرَائِع الدّين والمفاخرة بالأنساب وَالْكبر والتجبر وَغير ذَلِك.
٢٤٤٣ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ أخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي أَبُو سلَمَةَ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ أنَا أوْلَى النَّاسِ بابنِ مَرْيَمَ والأنْبِيَاءُ
стр. 4675
أوْلادُ عَلَاّتٍ لَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَهُ نَبِيٌّ. (الحَدِيث ٢٤٤٣ طرفه فِي: ٣٤٤٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (بِابْن مَرْيَم) . وَرِجَاله بِهَذَا النسق قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (أَنا أولى النَّاس بِابْن مَرْيَم) أَي: بِعِيسَى ابْن مَرْيَم، أَي: أخص النَّاس بِهِ وأقربهم إِلَيْهِ لِأَنَّهُ بشر بِأَنَّهُ يَأْتِي من بعدِي رَسُول اسْمه أَحْمد، وَقيل: لِأَنَّهُ لَا نَبِي بَينهمَا، فكأنهما كَانَا فِي زمن وَاحِد، وَفِيه نظر، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا التَّوْفِيق بَينه وَبَين قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن أولى النَّاس بإبراهيم للَّذين اتَّبعُوهُ وَهَذَا النَّبِي﴾ (آل عمرَان: ٨٦) . قلت: الحَدِيث وَارِد فِي كَونه ﷺ متبوعاً، وَالْقُرْآن فِي كَونه تَابعا، وَله الْفضل تَابعا ومتبوعاً. انْتهى. وَقَالَ بَعضهم: مساق الحَدِيث كمساق الْآيَة، فَلَا دَلِيل على هَذِه التَّفْرِقَة، وَالْحق أَنه لَا مُنَافَاة ليحتاج إِلَى الْجمع، فَكَمَا أَنه أولى النَّاس بإبراهيم، كَذَلِك هُوَ أولى النَّاس بِعِيسَى، وَذَلِكَ من جِهَة قُوَّة الِاقْتِدَاء بِهِ، وَهَذَا من جِهَة قرب الْعَهْد بِهِ. انْتهى. قلت:
. قَوْله: (علات) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد اللَّام وَفِي آخِره تَاء مثناة من فَوق وهم الْأُخوة لأَب من أُمَّهَات شَتَّى، كَمَا أَن الْأُخوة من الْأُم فَقَط أَوْلَاد أخياف، والأخوة من الْأَبَوَيْنِ أَوْلَاد أَعْيَان، وَمَعْنَاهُ: أَن أصولهم وَاحِدَة وفروعهم مُخْتَلفَة يَعْنِي: أَنهم متفقون فِيمَا يتَعَلَّق بالاعتقاديات الْمُسَمَّاة بأصول الديانَات كالتوحيد وَسَائِر مسَائِل علم الْكَلَام، مُخْتَلفُونَ فِيمَا يتَعَلَّق بالعمليات وَهِي الفقهيات، وَيُقَال: سميت أَوْلَاد الرجل من نسْوَة شَتَّى: أخوة علات، لأَنهم أَوْلَاد ضرائر، والعلات الضرائر، وَقيل: لِأَن الَّتِي تزَوجهَا على الأولى كَانَت قبلهَا ثمَّ عل من هَذِه، والعلل الشّرْب الثَّانِي، يُقَال: علل بعد نهل، وَفِي (التَّهْذِيب) : هما أَخَوان من عِلّة، وهما ابْنا عِلّة، وهم بَنو عِلّة، وهم من علات. وَفِي (الْمُحكم) : جمع الْعلَّة العلائل. قَوْله: (لَيْسَ بيني وَبَينه نَبِي) أَي: وَبَين ابْن مَرْيَم، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن آدم: وَأَنا أولى النَّاس بِعِيسَى، لِأَنَّهُ لم يكن بيني وَبَينه نَبِي، وَبِه اسْتدلَّ قوم على أَنه لم يَأْتِ نَبِي بعد عِيسَى، ﵊، إلَاّ نَبينَا ﷺ ، وَلَيْسَ الِاسْتِدْلَال بِهِ قَوِيا، لِأَنَّهُ قد جَاءَ بَين عِيسَى وَنَبِينَا ﷺ جرجيس وخَالِد بن سِنَان وَكَانَا نبيين، فعلى هَذَا معنى الحَدِيث: لَيْسَ بيني وَبَينه نَبِي بشريعة مُسْتَقلَّة، وَقيل: مَا ورد من خبر جرجيس وخَالِد لم يثبت، والْحَدِيث الصَّحِيح يردهُ.
٣٤٤٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنَانٍ حدَّثنا فُلَيْحُ بنُ سُلَيْمَانَ حدَّثنا هِلالُ بنُ عَلِيٍّ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبِي عَمْرَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ أَنا أوْلَى النَّاسُ بِعِيسَى بنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ والأنْبِيَاءُ إخْوَةٌ لِعَلَاّتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى ودِينُهُمْ واحِدٌ. (انْظُر الحَدِيث ٢٤٤٣) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة السَّابِق أخرجه عَن مُحَمَّد بن سِنَان بن أبي بكر الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ الْأَعْمَى عَن فليح، بِضَم الْفَاء: ابْن سُلَيْمَان، وفليح لقبه واسْمه: عبد الْملك عَن هِلَال بن عَليّ بن أُسَامَة عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي عمْرَة، وَاسم أبي عمْرَة: بشير بن عَمْرو بن مُحصن، قتل مَعَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَوْم صفّين وَله صُحْبَة.
قَوْله: (وَدينهمْ وَاحِد) ، أَي: التَّوْحِيد دون الْفُرُوع للِاخْتِلَاف فِيهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجاً﴾ (الْمَائِدَة: ٨٤) . وَيُقَال: دينهم أَي: أصُول الدّين وأصول الطَّاعَات وَاحِد، والكيفيات والكميات فِي الطَّاعَة مُخْتَلفَة.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ بنُ طَهْمَانَ عنْ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ عنْ صَفْوَانَ بنِ سُلَيْمٍ عنْ عَطاءِ بنِ يَسار عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ: قَالَ رسُولُ الله ﷺ
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَهُوَ مُعَلّق وَصله النَّسَائِيّ عَن أَحْمد بن حَفْص بن عبد الله النَّيْسَابُورِي أبي عبد الله عَن إِبْرَاهِيم بن طهْمَان، وَأحمد هَذَا من شُيُوخ البُخَارِيّ.
٤٤٤٣ - وحدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامٍ عنْ أبِي
стр. 4676
هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ رَأى عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ رَجُلاً يَسْرِقُ فَقَالَ لَهُ سَرَقْتَ قَالَ كَلَاّ وَالله الَّذِي لَا إلَهَ إلَاّ هُوَ فَقَالَ عِيسَى آمَنْتُ بِاللَّه وكَذَّبْتُ عَيْنِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي، وَهَمَّام، بتَشْديد الْمِيم: ابْن مُنَبّه.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن مُحَمَّد بن رَافع.
قَوْله: (سرقت) ، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: ظَاهر هَذَا أَنه خبر جازم عَمَّا فعل الرجل من السّرقَة، لِأَنَّهُ رَآهُ أَخذ مَالا من حرز فِي خُفْيَة، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون مستفهماً لَهُ عَن تَحْقِيق ذَلِك، فَحذف همزَة الِاسْتِفْهَام. قلت: رَأَيْت فِي بعض النّسخ الصَّحِيحَة: أسرقت؟ بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام، ورد بِأَنَّهُ بعيد مَعَ جزم النَّبِي ﷺ ، بِأَن عِيسَى رأى رجلا يسرق، وَقيل: يحْتَمل حل الْأَخْذ لهَذَا الرجل بِوَجْه من الْوُجُوه، ورد بِالْجَزْمِ الْمَذْكُور. قَوْله: (كلا) ، نفي للسرقة، ثمَّ أكده بقوله: (وَالله الَّذِي لَا إِلَه إلَاّ هُوَ) ، هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني: إلَاّ هُوَ، وَفِي رِوَايَة غَيره: إِلَّا الله، وَفِي رِوَايَة ابْن طهْمَان عِنْد النَّسَائِيّ، قَالَ: لَا وَالَّذِي لَا إِلَه إلَاّ هُوَ. قَوْله: (آمَنت بِاللَّه) أَي: صدقت من حلف بِاللَّه وكذبت مَا ظهر لي من كَون الْأَخْذ الْمَذْكُور سَرقَة، فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون الرجل أَخذ مَاله فِيهِ حق أَو مَا أذن لَهُ صَاحبه فِي أَخذه، أَو أَخذه ليقلبه وَينظر فِيهِ، وَلم يقْصد الْغَصْب والاستيلاء. قَوْله: (وكذبت عَيْني) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: وكذبت نَفسِي، وَفِي رِوَايَة ابْن طهْمَان: وكذبت بَصرِي، وَقَالَ ابْن التِّين: قَالَ عِيسَى ذَلِك على الْمُبَالغَة فِي تَصْدِيق الْحَالِف، وَقيل: أَرَادَ بالتصديق والتكذيب ظَاهر الحكم لَا بَاطِن الْأَمر، وإلَاّ فالمشاهدة أَعلَى الْيَقِين، فَكيف يصدق عينه أَو يكذب قَول الْمُدَّعِي؟ .
وَفِيه: دَلِيل على دَرْء الْحَد بِالشُّبْهَةِ، وعَلى منع الْقَضَاء بِالْعلمِ. وَالرَّاجِح عِنْد الْمَالِكِيَّة والحنابلة مَنعه مُطلقًا، وَعند الشَّافِعِيَّة جَوَازه إلَاّ فِي الْحُدُود.
٥٤٤٣ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ أخْبَرَنِي عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ سَمِعَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ عَلى المِنْبَرِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقولُ لَا تُطْرُونِي كَما أطْرَتِ النَّصارَى ابنَ مَرْيَمَ فإنَّمَا أنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ الله ورسُولُهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ابْن مَرْيَم) ﵉. والْحميدِي عبد الله بن الزبير بن عِيسَى ونسبته إِلَى أحد أجداده، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعبيد الله بن عتبَة بن مَسْعُود.
والْحَدِيث طرف من حَدِيث السَّقِيفَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن أَحْمد بن منيع وَسَعِيد بن عبد الرَّحْمَن وَغَيرهمَا، كلهم عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة.
قَوْله: (لَا تطروني) ، بِضَم التَّاء، من الإطراء وَهُوَ المديح بِالْبَاطِلِ، تَقول: أطريت فلَانا: مدحته فأفرطت فِي مدحه. وَقيل: الإطراء مُجَاوزَة الْحَد فِي الْمَدْح وَالْكذب فِيهِ. قَوْله: (كَمَا أطرت النَّصَارَى) ، أَي: فِي دَعوَاهُم فِي عِيسَى بالإل هِية وَغير ذَلِك. قَوْله: (فَإِنَّمَا أَنا عَبده) إِلَى آخِره من هضمه نَفسه وإظهاره التَّوَاضُع.
٦٤٤٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ أخْبَرَنَا عَبْدُ الله أخبرَنا صالِحُ بنُ حَيٍّ أنَّ رَجُلاً مِنْ أهْلِ خُرَاسانَ قَالَ لِ لشَّعْبِيِّ فَقَالَ الشَّعْبِيُّ أخْبرني أبُو بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ إذَا أدَّبَ الرَّجُلُ أمَتَهُ فأحْسَنَ تأدِيبَهَا وعَلَّمَهَا فأحْسَنَ تَعْلِيمَها ثُمَّ أَعْتَقَهَا فتَزَوَّجَهَا كانَ لَهُ أجْرَانِ وإذَا آمَنَ بِعِيسَى ثُمَّ آمَنَ بِي فلَهُ أجْرَانِ والعَبْدُ إذَا اتَّقى رَبَّهُ وأطَاعَ مَوَالِيَهُ فلَهُ أجْرَانِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَإِذا آمن بِعِيسَى) . وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك، وَصَالح بن حَيّ بن صَالح بن مُسلم الْهَمدَانِي، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل، وَأَبُو بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: اسْمه الْحَارِث، وَقيل غير ذَلِك، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عبد الله بن قيس.
والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب تَعْلِيم الرجل أمته وَفِي الْعتْق وَفِي الْجِهَاد، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
قَوْله: (من أهل
стр. 4677
خُرَاسَان) ، وَهُوَ الإقليم الْعَظِيم الْمَعْرُوف بموطن الْكثير من عُلَمَاء الْمُسلمين. قَوْله: (قَالَ لِلشَّعْبِيِّ، فَقَالَ الشّعبِيّ) فِيهِ السُّؤَال مَحْذُوف وَقد بَينه فِي رِوَايَة ابْن حبَان بن مُوسَى عَن ابْن الْمُبَارك، فَقَالَ: إِن رجلا من أهل خُرَاسَان قَالَ لِلشَّعْبِيِّ: إِنَّا نقُول عندنَا: إِن الرجل إِذا أعتق أم وَلَده ثمَّ تزَوجهَا فَهُوَ كالراكب بدنته، فَقَالَ الشّعبِيّ ... فَذكر الحَدِيث.
٧٤٤٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ المُغِيرَةِ بنِ النُّعْمَانِ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْر عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ تُحْشَرُونَ حُفاةً عُرَاةً غُرْلاً ثُمَّ قرَأ كَمَا بَدَأنَا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدَاً عَلَيْنَا إنَّا كُنَّا فاعِلِينَ فأوَّلُ مَنْ يُكْساى إبْرَاهِيمُ ثُمَّ يُؤخَذُ بِرِجَالٍ مِنْ أصْحَابِي ذاتَ اليَمِينِ وذَاتَ الشِّمالِ فأقُولُ أصْحَابِي فيُقَالُ إنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ علَى أعْقَابِهِمْ مُنْذُ فارَقْتَهُمْ فأقُولُ كَما قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ عِيساى بنُ مَرْيَمَ ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدَاً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وأنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . (الْمَائِدَة: ٦١١ ٨١١) . .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (عِيسَى ابْن مَرْيَم) . والْحَدِيث مر عَن قريب فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وَاتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا﴾ (النِّسَاء: ٥٢١) . فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان ... إِلَى آخِره نَحوه، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَالَ مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ الفِرَبْرِي ذُكِرَ عنْ أبِي عَبْدِ الله عنْ قَبِيصَةَ قَالَ: هُمُ الْمُرْتَدُّونَ الَّذِينَ ارْتَدُّوا علَى عَهْدِ أبِي بَكْرٍ فَقَاتَلَهُمْ أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
مُحَمَّد بن يُوسُف هُوَ الْفربرِي. وَأَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَقبيصَة هُوَ ابْن عقبَة أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ، وَهَذَا التَّعْلِيق أسْندهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى الْجِرْجَانِيّ عَن إِسْحَاق عَن قبيصَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن الْمُغيرَة عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس ... الحَدِيث، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
٩٤ - (بابُ نُزُولِ عِيساى بنِ مَرْيَم ﵉
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نزُول عِيسَى بن مَرْيَم، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، يَعْنِي: فِي آخر الزَّمَان، وَكَذَا هُوَ بِلَفْظ: بَاب، فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر بِغَيْر لفظ: بَاب.
٨٤٤٣ - حدَّثنا إسْحااقُ أخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثَنا أبِي عنْ صَالِحٍ عنِ ابنِ شِهاب أنَّ سَعيدَ بنَ المُسَيَّبِ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ والَّذِي نَفْسِي بِيدِهِ لَيُوشِكَنَّ أنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابنُ مَرْيَمَ حَكَمَاً عَدْلاً فيَكْسِرَ الصَّلِيبَ ويَقْتُلَ الخَنْزِيرَ ويَضَعَ الجِزْيَةَ ويَفِيضُ المَالُ حتَّى لَا يَقْبَلَهُ أحَدٌ حتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الوَاحِدَةُ خَيْرَاً مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ واقْرَؤا إنْ شِئْتُمْ ﴿وإنْ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ إلَاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ويَوْمَ القِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدَاً﴾ (النِّسَاء: ٩٥١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَإِسْحَاق هُوَ ابْن رَاهَوَيْه وَعَن أبي عَليّ الجياني: إِسْحَاق إِمَّا ابْن رَاهَوَيْه وَإِمَّا ابْن مَنْصُور، وَيَعْقُوب هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف يروي عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن سعد بن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور، وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان مؤدب ولد عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث مر فِي أَوَاخِر الْبيُوع فِي: بَاب قتل الْخِنْزِير ... إِلَى قَوْله: حَتَّى لَا يقبله أحد، وَمر الْكَلَام فِيهِ، ولنشرح مَا بَقِي مِنْهُ.
قَوْله: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ) ، فِيهِ الْحلف فِي الْخَبَر مُبَالغَة فِي تأكيده. قَوْله: (ليوشكن) ، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَهُوَ من أَفعَال المقاربة، وَمَعْنَاهُ: ليقربن سَرِيعا.
стр. 4678
قَوْله: (فِيكُم) ، خطاب لهَذِهِ الْأمة. قَوْله: (حكما) ، أَي: حَاكما بِهَذِهِ الشَّرِيعَة، فَإِن شَرِيعَة النَّبِي ﷺ لَا تنسخ، وَفِي رِوَايَة اللَّيْث ابْن سعد عِنْد مُسلم: حكما مقسطاً، وَله فِي رِوَايَة: إِمَامًا مقسطاً، أَي: عادلاً، والقاسط الجائر. قَوْله: (وَيقتل الْخِنْزِير) ، وَوَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ، وَيقتل الْخِنْزِير والقردة. قَوْله: (وَيَضَع الْجِزْيَة) ، هَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: وَيَضَع الْحَرْب، وَالْمعْنَى: أَن الدّين يصير وَاحِدًا، لِأَن عِيسَى، ﵊، لَا يقبل إلَاّ الْإِسْلَام. فَإِن قلت: وضع الْجِزْيَة مَشْرُوع فِي هَذِه الْأمة فَلم لَا يكون الْمَعْنى: تقرر الْجِزْيَة على الْكفَّار من غير مُحَابَاة، فَلذَلِك يكثر المَال؟ قلت: مَشْرُوعِيَّة الْجِزْيَة مُقَيّدَة بنزول عِيسَى، ﵊، وَقد قُلْنَا أَن عِيسَى ﵊ لَا يقبل إِلَّا الْإِسْلَام وَقَالَ ابْن بطال وَإِنَّمَا قبلناها قبل نزُول عِيسَى ﵊ للْحَاجة إِلَى المَال بِخِلَاف زمن عِيسَى، ﵊، فَإِنَّهُ لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى المَال، فَإِن المَال يكثر حَتَّى لَا يقبله أحد. قَوْله: (وَيفِيض المَال) ، بِفَتْح الْيَاء وَكسر الْفَاء وبالضاد الْمُعْجَمَة، أَي: يكثر، وَأَصله من فاض المَاء، وَفِي رِوَايَة عَطاء بن مينا: وليدعون إِلَى المَال فَلَا يقبله أحد، وَسَببه كَثْرَة المَال ونزول البركات وتوالي الْخيرَات بِسَبَب الْعدْل وَعدم الظُّلم، وَحِينَئِذٍ تخرج الأَرْض كنوزها وتقل الرغبات فِي اقتناء المَال لعلمهم بِقرب السَّاعَة. قَوْله: (حَتَّى تكون السَّجْدَة الْوَاحِدَة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) لأَنهم حِينَئِذٍ لَا يَتَقَرَّبُون إِلَى الله إلَاّ بالعبادات لَا بالتصدق بِالْمَالِ. فَإِن قلت: السَّجْدَة الْوَاحِدَة دَائِما خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، لِأَن الْآخِرَة خير وَأبقى. قلت: الْغَرَض أَنَّهَا خير من كل مَال الدُّنْيَا، إِذْ حِينَئِذٍ لَا يُمكن التَّقَرُّب إِلَى الله تَعَالَى بِالْمَالِ، وَقَالَ التوربشتي: يَعْنِي أَن النَّاس يرغبون عَن الدُّنْيَا حَتَّى تكون السَّجْدَة الْوَاحِدَة أحب إِلَيْهِم من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. قَوْله: (ثمَّ يَقُول أَبُو هُرَيْرَة) إِلَى آخِره، مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (واقرؤا إِن شِئْتُم) ، قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: إِنَّمَا أَتَى بِذكر هَذِه الْآيَة للْإِشَارَة إِلَى مناسبتها لقَوْله: (حَتَّى تكون السَّجْدَة الْوَاحِدَة خيرا من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) . فَإِنَّهُ يُشِير بذلك إِلَى صَلَاح النَّاس وَشدَّة إِيمَانهم وإقبالهم على الْخَيْر، فهم لذَلِك يؤثرون الرَّكْعَة الْوَاحِدَة على جَمِيع الدُّنْيَا، والسجدة تذكر وَيُرَاد بهَا الرَّكْعَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: معنى الحَدِيث أَن الصَّلَاة حِينَئِذٍ تكون أفضل من الصَّدَقَة لِكَثْرَة المَال إِذْ ذَاك، وَعدم الِانْتِفَاع بِهِ حَتَّى لَا يقبله أحد. قَوْله: (وَإِن من أهل الْكتاب) ، كلمة: إِن، نَافِيَة، يَعْنِي: مَا من أهل الْكتاب من الْيَهُود وَالنَّصَارَى إلَاّ ليُؤْمِنن بِهِ.
وَاخْتلف أهل التَّفْسِير فِي مرجع الضَّمِير فِي قَوْله تَعَالَى: بِهِ. فروى ابْن جرير من طَرِيق سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: إِنَّه يرجع إِلَى عِيسَى، ﵊، وَكَذَا رُوِيَ من طَرِيق أبي رَجَاء عَن الْحسن، قَالَ: قبل موت عِيسَى: وَالله إِنَّه لحي، وَلَكِن إِذا نزل آمنُوا بِهِ أَجْمَعُونَ، وَذهب إِلَيْهِ أَكثر أهل الْعلم، وَرجحه ابْن جرير وَأَبُو هُرَيْرَة أَيْضا صَار إِلَيْهِ فقراءته هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة تدل عَلَيْهِ، وَقيل: يعود الضَّمِير إِلَى الله، وَقيل: إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَالضَّمِير فِي قَوْله: (قبل مَوته) يرجع إِلَى أهل الْكتاب عِنْد الْأَكْثَرين لما روى ابْن جرير من طَرِيق عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: (لَا يَمُوت يَهُودِيّ وَلَا نَصْرَانِيّ حَتَّى يُؤمن بِعِيسَى) فَقَالَ لَهُ عِكْرِمَة: أَرَأَيْت إِن خر من بَيت أَو احْتَرَقَ أَو أكله السَّبع؟ قَالَ: لَا يَمُوت حَتَّى يُحَرك شَفَتَيْه بِالْإِيمَان بِعِيسَى، وَفِي إِسْنَاده: خصيف، وَفِيه ضعف، وَرجح جمَاعَة هَذَا الْمَذْهَب لقِرَاءَة أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إلَاّ ليُؤْمِنن بِهِ قبل مَوْتهمْ، أَي: قبل موت أهل الْكتاب، وَقيل: يرجع إِلَى عِيسَى، أَي: إلَاّ ليُؤْمِنن بِهِ قبل موت عِيسَى، ﵊، وَلَكِن لَا ينفع هَذَا الْإِيمَان فِي تِلْكَ الْحَالة.
فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي نزُول عِيسَى، ﵊، والخصوصية بِهِ؟ قلت: فِيهِ وُجُوه. الأول: للرَّدّ على الْيَهُود فِي زعمهم الْبَاطِل أَنهم قَتَلُوهُ وصلبوه، فبيَّن الله تَعَالَى كذبهمْ، وَأَنه هُوَ الَّذِي يقتلهُمْ. الثَّانِي: لأجل دنو أَجله ليدفن فِي الأَرْض، إِذْ لَيْسَ لمخلوق من التُّرَاب أَن يَمُوت فِي غير التُّرَاب. الثَّالِث: لِأَنَّهُ دَعَا الله تَعَالَى لما رأى صفة مُحَمَّد ﷺ وَأمته أَن يَجعله مِنْهُم فَاسْتَجَاب الله دعاءه وأبقاه حَيا حَتَّى ينزل فِي آخر الزَّمَان ويجدد أَمر الْإِسْلَام، فيوافق خُرُوج الدَّجَّال فيقتله. الرَّابِع: لتكذيب النَّصَارَى وَإِظْهَار زيفهم فِي دَعوَاهُم الأباطيل وَقَتله إيَّاهُم. الْخَامِس: أَن خصوصيته بالأمور الْمَذْكُورَة لقَوْله ﷺ : أَنا أولى النَّاس بِابْن مَرْيَم لَيْسَ بيني وَبَينه نَبِي، وَهُوَ أقرب إِلَيْهِ من غَيره فِي الزَّمَان، وَهُوَ أولى بذلك.
١٠٦ - (حَدثنَا ابْن بكير حَدثنَا اللَّيْث عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن نَافِع مولى أبي قَتَادَة
стр. 4679
الْأنْصَارِيّ أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - كَيفَ أَنْتُم إِذا نزل ابْن مَرْيَم فِيكُم وإمامكم مِنْكُم) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَابْن بكير هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير أَبُو زَكَرِيَّا المَخْزُومِي الْمصْرِيّ وَاللَّيْث بن سعد وَيُونُس بن يزِيد وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَنَافِع مولى أبي قَتَادَة الْأنْصَارِيّ هُوَ أَبُو مُحَمَّد بن عَيَّاش الْأَقْرَع قَالَ ابْن حبَان هُوَ مولى امْرَأَة من غفار وَقيل لَهُ مولى أبي قَتَادَة لملازمته لَهُ وَلَيْسَ لَهُ عَن أبي هُرَيْرَة فِي الصَّحِيح سوى هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن حَرْمَلَة وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم وَعَن زُهَيْر بن حَرْب قَوْله " إِذا نزل ابْن مَرْيَم " أَي عِيسَى بن مَرْيَم وَلَفظ فِيكُم سقط من رِوَايَة أبي ذَر وَكَيْفِيَّة نُزُوله أَنه ينزل وَعَلِيهِ ثَوْبَان مُمَصَّرَانِ كَذَا رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو ذَر عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا والممصر من الثِّيَاب الَّتِي فِيهَا صفرَة خَفِيفَة وَفِي كتاب الْفِتَن لأبي نعيم " ينزل عِنْد القنطرة الْبَيْضَاء على بَاب دمشق الشَّرْقِي تحمله غمامة وَاضِعا يَدَيْهِ على مَنْكِبي ملكَيْنِ عَلَيْهِ ريطتان إِذا كب رَأسه يقطر مِنْهُ كالجمان فيأتيه الْيَهُود فَيَقُولُونَ نَحن أَصْحَابك فَيَقُول كَذبْتُمْ وَالنَّصَارَى كَذَلِك إِنَّمَا أَصْحَابِي الْمُهَاجِرُونَ بَقِيَّة أَصْحَاب الملحمة فيجد خليفتهم يُصَلِّي بهم فَيتَأَخَّر فَيَقُول لَهُ صل فقد رَضِي الله عَنْك فَإِنِّي إِنَّمَا بعثت وزيرا وَلم أبْعث أَمِيرا " قَالَ وبخروجه تَنْقَطِع الْإِمَارَة وَفِيه أَيْضا عَن كَعْب " يحاصر الدَّجَّال الْمُؤمنِينَ بِبَيْت الْمُقَدّس فيصيبهم جوع شَدِيد حَتَّى يَأْكُلُوا أوتار قسيهم فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ سمعُوا صَوتا فِي الْغَلَس فَإِذا عِيسَى ﵊ وتقام الصَّلَاة فَيرجع إِمَام الْمُسلمين فَيَقُول عِيسَى ﵊ تقدم فلك أُقِيمَت الصَّلَاة فَيصَلي بهم ذَلِك الرجل تِلْكَ الصَّلَاة ثمَّ يكون عِيسَى الإِمَام بعد " وَفِيه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة " وَينزل بَين أذانين " وَعَن ابْن عمر مَرْفُوعا " المحاصرون بِبَيْت الْمُقَدّس إِذْ ذَاك مائَة ألف امْرَأَة وَاثْنَانِ وَعِشْرُونَ ألفا مُقَاتِلُونَ إِذْ غشيتهم ضَبَابَة من غمام إِذْ تنكشف عَنْهُم مَعَ الصُّبْح فَإِذا عِيسَى بَين ظهرانيهم " وروى مُسلم من حَدِيث ابْن عمر " فِي مُدَّة إِقَامَة عِيسَى ﵊ بِالْأَرْضِ بعد نُزُوله أَنَّهَا سبع سِنِين " وروى أَبُو نعيم فِي كتاب الْفِتَن من حَدِيث ابْن عَبَّاس " أَن عِيسَى إِذْ ذَاك يتَزَوَّج فِي الأَرْض فيقيم بهَا تسع عشرَة سنة " وبإسناده فِيهِ مِنْهُم عَن أبي هُرَيْرَة " يُقيم بهَا أَرْبَعِينَ سنة " وروى أَحْمد وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن آدم عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا مثله وَعَن كَعْب " يمْكث فيهم عِيسَى أَرْبعا وَعشْرين سنة مِنْهَا عشر حجج يبشر الْمُؤمنِينَ بدرجاتهم فِي الْجنَّة " وَفِي لفظ " أَرْبَعِينَ سنة " وَعَن ابْن عَبَّاس " يتَزَوَّج من قوم شُعَيْب " وَهُوَ ختن مُوسَى ﵇ وهم جذام فيولد لَهُ فيهم وَيُقِيم تسع عشرَة سنة لَا يكون أَمِيرا وَلَا شرطيا وَلَا ملكا " وَعَن يزِيد بن أبي حبيب " يتَزَوَّج امْرَأَة من الأزد ليعلم النَّاس أَنه لَيْسَ بإله " وَقيل يتَزَوَّج ويولد لَهُ وَيمْكث خمْسا وَأَرْبَعين سنة ويدفن مَعَ النَّبِي ﷺ َ - فِي قَبره وَقيل يدْفن فِي الأَرْض المقدسة وَهُوَ غَرِيب وَفِي حَدِيث عبد الله بن عمر يمْكث فِي الأَرْض سبعا ويولد لَهُ ولدان مُحَمَّد ومُوسَى وَلَيْسَ فِي أَيَّامه إِمَام وَلَا قَاض وَلَا مفت وَقد قبض الله الْعلم وخلا النَّاس عَنهُ فَينزل وَقد علم بِأَمْر الله فِي السَّمَاء مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من علم هَذِه الشَّرِيعَة للْحكم بَين النَّاس وَالْعَمَل فِيهِ فِي نَفسه فيجتمع الْمُؤْمِنُونَ ويحكمونه على أنفسهم إِذْ لَا يصلح لذَلِك غَيره وَقد ذهب قوم إِلَى أَن بنزوله يرْتَفع التَّكْلِيف لِئَلَّا يكون رَسُولا إِلَى أهل ذَلِك الزَّمَان يَأْمُرهُم وينهاهم وَهُوَ مَرْدُود لِأَنَّهُ لَا ينزل بشريعة متجددة بل ينزل على شَرِيعَة نَبينَا مُحَمَّد ﷺ َ - وَيكون من أَتْبَاعه قَوْله " وإمامكم مِنْكُم " يَعْنِي يحكم بَيْنكُم بِالْقُرْآنِ لَا بالإنجيل قَالَه الْكرْمَانِي (قلت) الْإِنْجِيل لَيْسَ فِيهِ حكم فَلَا حَاجَة إِلَى قَوْله لَا بالإنجيل وَقيل مَعْنَاهُ يُصَلِّي مَعكُمْ بِالْجَمَاعَة وَالْإِمَام من هَذِه الْأمة وَقيل وضع الْمظهر مَوضِع الْمُضمر تَعْظِيمًا لَهُ وتربية للمهابة يَعْنِي هُوَ مِنْكُم وَالْغَرَض أَنه خليفتكم وَهُوَ على دينكُمْ كَمَا تَقول لولد زيد والدك يَأْمُرك بِكَذَا وَلَا تَقول هُوَ أَو فلَان يَأْمُرك وَقَالَ الطَّيِّبِيّ أَي يؤمكم عِيسَى حَال كَونه فِي دينكُمْ قيل يُعَكر عَلَيْهِ قَوْله فِي حَدِيث مُسلم " فَيُقَال لَهُ صل لنا فَيَقُول لَا إِن بَعْضكُم على بعض أُمَرَاء " تكرمة لهَذِهِ الْأمة وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ لَو تقدم عِيسَى ﵇ إِمَامًا لوقع فِي النَّفس إِشْكَال ولقيل أتراه تقدم نَائِبا أَو مبتدئا شرعا فصلى مَأْمُوما لِئَلَّا يتدنس بغبار الشُّبْهَة وَجه قَوْله ﷺ َ - " لَا نَبِي بعدِي " انْتهى وَفِي صَلَاة عِيسَى ﵊ خلف رجل من هَذِه الْأمة مَعَ كَونه فِي آخر الزَّمَان وَقرب قيام السَّاعَة دلَالَة للصحيح من الْأَقْوَال أَنه الأَرْض لَا تَخْلُو عَن قَائِم لله بِحجَّة
стр. 4680
(تَابعه عقيل وَالْأَوْزَاعِيّ) أَي تَابع يُونُس عقيل بن خَالِد وَعبد الرَّحْمَن بن عمر وَالْأَوْزَاعِيّ كِلَاهُمَا عَن ابْن شهَاب فِي هَذَا الحَدِيث فمتابعة عقيل وَصلهَا ابْن مَنْدَه فِي كتاب الْإِيمَان من طَرِيق اللَّيْث عَنهُ وَلَفظه مثل رِوَايَة أبي ذَر. ومتابعة الْأَوْزَاعِيّ وَصلهَا ابْن مَنْدَه أَيْضا وَابْن حبَان وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْبَعْث وَابْن الْأَعرَابِي من طَرِيقه عَنهُ وَلَفظه مثل رِوَايَة يُونُس وَالله أعلم بِالصَّوَابِ -
٠٥ - (بابُ مَا ذُكِرَ عنْ بَنِي إسْرَائِيلَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا ذكر عَن بني إِسْرَائِيل، أَي: عَن ذُريَّته من الْعَجَائِب والغرائب. وَإِسْرَائِيل هُوَ يَعْقُوب، ﵊. وأصل سَبَب تَسْمِيَة يَعْقُوب بإسرائيل مَا ذكره السّديّ: أَن إِسْحَاق أَب يَعْقُوب كَانَ قد تزوج رفقا بنت بثويل بن ناحور بن آزر بن إِبْرَاهِيم، ﵊، فَولدت لإسحاق عيصو وَيَعْقُوب بَعْدَمَا مضى من عمره سِتُّونَ سنة، وَلها قصَّة عَجِيبَة، وَهِي أَنه: لما قربت ولادتهما اقتتلا فِي بطن أمهما، فَأَرَادَ يَعْقُوب أَن يخرج أَولا قبل عيصو، فَقَالَ عيصو: وَالله لَئِن خرجت قبلي لأعترضن فِي بطن أُمِّي لأقتلها، فَتَأَخر يَعْقُوب وَخرج عيصو قبله، فَسُمي عيصو لِأَنَّهُ عصى، وَسمي يَعْقُوب لِأَنَّهُ خرج آخرا بعقب عيصو، وَكَانَ يَعْقُوب أكبرهما فِي الْبَطن، وَلَكِن عيصو خرج قبله، فَلَمَّا كبرا كَانَ عيصو أحبهما إِلَى أَبِيه، وَكَانَ يَعْقُوب أحبهما إِلَى أمه، فَوَقع بَينهمَا مَا يَقع بَين الْأَخَوَيْنِ فِي مثل ذَلِك، فخافت أمه عَلَيْهِ من عيصو أَن يُوقع بِهِ فعلا، فَقَالَت: يَا ابْني إلحق بخالك فاكمن عِنْده، خشيَة أَن يقْتله عيصو، فَانْطَلق يَعْقُوب إِلَى خَاله فَكَانَ يسري بِاللَّيْلِ ويكمن بِالنَّهَارِ، فَلذَلِك سمي: إِسْرَائِيل، وَهُوَ أول من سرى بِاللَّيْلِ، فَأتى خَاله لابان بِبَابِل، وَقيل: بحران.
٠٥٤٣ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا أبُو عَوانَةَ حدَّثنا عَبْدُ المَلِكِ بنُ عُمَيْرٍ عنْ رِبْعِيِّ بنِ حِرَاشٍ قَالَ قَالَ عُقْبَةُ بنُ عَمْرِو لِحُذَيْفَةَ ألَا تُحَدِّثُنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ إنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ إنَّ مَعَ الدَّجَّالِ إذَا خَرَجَ مَاء ونارَاً فأمَّا الَّذي يراى النَّاسُ أنَّها النَّارُ فَماءٌ بارِدٌ وأمَّا الذِي يرَى النَّاسُ أنَّهُ ماءٌ بارِدٌ فَنارٌ تُحْرِقُ فَمَنْ أدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَقَعْ فِي الَّذِي يَراى أنَّهَا نارٌ فإنَّهُ عَذْبٌ بَارِدٌ. قالَ حُذَيْفَةُ وسَمِعْتُهُ يَقُولُ إنَّ رَجُلاً كانَ فِيمَنْ كانَ قَبْلَكُمْ أتاهُ المَلَكُ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ فَقِيلَ لَهُ هَلْ عَمِلْتَ مِنْ خَيْرٍ قَالَ مَا أعْلَمُ قِيلَ لَهُ انْظُرْ قَالَ مَا أعْلَمُ شَيْئاً غَيْرَ أنِّي كُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا فأُجَازِيهِمْ فأُنْظِرُ المُوسِرَ وأتَجاوَزُ عنِ المُعْسِرِ فأدْخَلَهُ الله الجَنَّةَ. فقَالَ وسَمِعْتُهُ يَقُولُ إنَّ رَجُلاً حَضَرَهُ المَوْتُ فلَمَّا يَئِسَ مِنَ الحَياةِ أوْصاى أهْلَهُ إذَا أَنا مُتُّ فاجْمَعُوا لِي حَطَبَاً كَثِيرَاً وأوْقِدُوا فِيهِ نَارَاً حَتَّى إذَا أكَلَتْ لَحْمِي وخَلَصَتْ إلَى عَظْمِي فامْتَحَشَتْ فَخُذُوهَا فاطْحَنُوهَا ثُمَّ انْظُرُوا يَوْماً رَاحا فاذْرُوهُ فِي اليَمِّ ففَعَلُوا فَجَمَعَهُ الله فَقَالَ لَهُ لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ قَالَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَغَفَرَ الله لَهُ: قَالَ عُقْبَةُ بنُ عَمْرُو وأنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ وكانَ نبَّاشَاً.
هَذَا الحَدِيث مُشْتَمل على ثَلَاثَة أَحَادِيث: الأول: حَدِيث الدَّجَّال. وَالثَّانِي وَالثَّالِث: فِي رجلَيْنِ كل وَاحِد فِي رجل، والمطابقة للتَّرْجَمَة فِي الثَّانِي وَالثَّالِث والْحَدِيث الثَّانِي قد مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب من أنظر مُوسِرًا، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أَحْمد بن يُونُس عَن زُهَيْر عَن مَنْصُور عَن ربعي بن خرَاش ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَهنا أخرج الثَّلَاثَة: عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري التَّبُوذَكِي عَن أبي عوَانَة الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي وَعَن عبد الْملك بن عُمَيْر الْكُوفِي عَن ربعي، بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْعين الْمُهْملَة: ابْن حِرَاش، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء وَفِي آخِره شين مُعْجمَة: الْغَطَفَانِي، وَكَانَ من العبّاد يُقَال: إِنَّه تكلم بعد الْمَوْت، وَعقبَة بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ المعروب بالبدري، وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، ثمَّ إِن البُخَارِيّ روى
стр. 4681
هَذَا الحَدِيث عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن أبي عوَانَة كَمَا رَأَيْته، وَهُوَ الصَّوَاب، كَمَا قَالَ أَبُو ذَر لَا كَمَا وَقع فِي بعض نسخه: حَدثنَا مُسَدّد، وَوَقع فِي كَلَام الجياني: أَنه سَاقه أَولا بِكَمَالِهِ عَن مُسَدّد، ثمَّ سَاق الْخلاف فِي لَفظه من الْمَتْن عَن مُوسَى، وَالَّذِي فِي الْأُصُول مَا ذكره سِيَاقَة وَاحِدَة، لَا كَمَا قَالَه، وَهَذَا الْموضع مَوضِع تنبه وتيقظ.
قَوْله: (مَاء) ، مَنْصُوب لِأَنَّهُ خبر: إِن، و: نَارا، عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (يرى) بِفَتْح الْيَاء وَضمّهَا، هَذَا من جملَة فتنته امتحن الله بهَا عباده فيحق الْحق وَيبْطل الْبَاطِل، ثمَّ يَفْضَحهُ وَيظْهر للنَّاس عَجزه. قَوْله: (قَالَ حُذَيْفَة) ، شُرُوع فِي الحَدِيث الثَّانِي. قَوْله: (وسمعته يَقُول) ، أَي: سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول. قَوْله: (فأجازيهم) ، أَي: أتقاضاهم الْحق، والمجازي المتقاضي، يُقَال: تجازيت ديني عَن فلَان إِذا تقاضيته، وَحَاصِله أَخذ مِنْهُم وَأعْطى، وَوَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: وأجازفهم، من المجازفة، وَوَقع فِي أُخْرَى: وأحاربهم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالرَّاء، وَكِلَاهُمَا تَصْحِيف. قَوْله: (فَقَالَ، وسمعته) ، شُرُوع فِي الحَدِيث الثَّالِث، ويروى: وَقَالَ، بِالْوَاو. قَوْله: (وخلصت) ، بِفَتْح اللَّام أَي: وصلت. قَوْله: (فامتحشت) ، أَي: احترقت، وَهُوَ على صِيغَة بِنَاء الْفَاعِل، كَذَا ضَبطه الْكرْمَانِي، وَضَبطه بَعضهم على بِنَاء صِيغَة الْمَجْهُول، وَله وَجه وَهُوَ من الامتحاش ومادته: مِيم وحاء مُهْملَة وشين مُعْجمَة، والمحش: احتراق الْجلد وَظُهُور الْعظم. قَوْله: (يَوْمًا رَاحا) أَي: يَوْمًا شَدِيد الرّيح، وَإِذا كَانَ طيب الرّيح يُقَال: يَوْم ريِّح، بِالتَّشْدِيدِ، وَقَالَ الْخطابِيّ: يَوْم رَاح أَي: ذُو ريح، كَمَا يُقَال: رجل مَال، أَي: ذُو مَال. قَوْله: (فاذروه) أَمر من الإذراء، يُقَال: ذرته الرّيح وأذرته تَذْرُوهُ وتذريه أَي: أطارته. قَوْله: (قَالَ عقبَة بن عَمْرو) ، وَهُوَ أَبُو مَسْعُود البدري (وَأَنا سمعته) يَعْنِي النَّبِي ﷺ وَظَاهر الْكَلَام يَقْتَضِي أَن الَّذِي سَمعه أَبُو مَسْعُود هُوَ الحَدِيث الْأَخير فَقَط، لَكِن رِوَايَة شُعْبَة عَن عبد الْملك بن عُمَيْر نبئت أَنه سمع الْجَمِيع، فَإِنَّهُ أوردهُ فِي الْفِتَن فِي قصَّة الَّذِي كَانَ يُبَايع النَّاس من حَدِيث حُذَيْفَة، وَقَالَ فِي آخِره: قَالَ أَبُو مَسْعُود وَأَنا سمعته، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث الَّذِي أوصى بنيه، كَمَا ستقف عَلَيْهِ فِي حَدِيث فِي أَوَاخِر هَذَا الْبَاب. قَوْله: (وَكَانَ نباشاً) ظَاهره أَنه من زِيَادَة أبي مَسْعُود فِي الحَدِيث، لَكِن أوردهُ ابْن حبَان من طَرِيق ربعي عَن حُذَيْفَة، قَالَ: توفّي رجل كَانَ نباشاً، فَقَالَ لأولاده: أحرقوني، فَدلَّ على أَن قَوْله: (وَكَانَ نباشاً) من رِوَايَة حُذَيْفَة وَأبي مَسْعُود، مَعًا وَالله أعلم.
٤٥٤٣ - حدَّثني بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ أخبرَنا عبْدُ الله أخْبَرَنِي مَعْمَرٌ ويُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبرَني عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله أنَّ عائِشَةَ وابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُم قالَا لَ مَّا نَزَلَ بِرَسُولِ الله ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً عَلى وجْهِهِ فإذَا اغْتَمَّ كشَفَهَا عنْ وَجْهِهِ فَقَالَ وهْوَ كذَلِكَ لَعْنَةُ الله علَى اليَهُودِ والنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُؤْخَذ من قَوْله: (لعنة الله على الْيَهُود) لأَنهم من بني إِسْرَائِيل، وهم أقدم من النَّصَارَى. وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن مُحَمَّد السّخْتِيَانِيّ الْمروزِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي بَاب مُجَرّد عقيب: بَاب الصَّلَاة فِي الْبيعَة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ قَوْله: (لما نزل برَسُول الله، ﷺ يَعْنِي: الْمَوْت.
٥٥٤٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ فُرَاتٍ القَزَّازِ قَالَ سَمِعْتُ أبَا حازِمٍ قَالَ قاعَدْتُ أبَا هُرَيْرَةً رَضِي الله تَعَالَى عنهُ خَمْسَ سِنِينَ فسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ كانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلفه نَبِي وإنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ قالُوا فَمَا تأمُرُنَا قَالَ فُوا بِبَيْعَةِ الأوَّلِ فالأوَّلِ أعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فإنَّ الله سائِلُهُم عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ.
стр. 4682
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَمُحَمّد بن بشار هُوَ بنْدَار، وَمُحَمّد بن جَعْفَر هُوَ غنْدر، وفرات، بِضَم الْفَاء وَتَخْفِيف الرَّاء وَفِي آخِره تَاء مثناة من فَوق: ابْن أبي عبد الرَّحْمَن الْقَزاز، بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد الزَّاي الأولى الْبَصْرِيّ ثمَّ الْكُوفِي، وَأَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: اسْمه سلمَان الْأَشْجَعِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن مُحَمَّد بن بشار بِهِ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعبد الله ابْن براد. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْجِهَاد عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
قَوْله: (قاعدت أَبَا هُرَيْرَة) إِنَّمَا ذكره بِبَاب المفاعلة ليدل على قعوده مُتَعَلقا بِأبي هُرَيْرَة وَلأَجل تعلقه بِالْآخرِ جَاءَ مُتَعَدِّيا، لِأَن أَصله لَازم كَمَا فِي قَوْلك: كارمت زيدا، فَإِن أَصله لَازم نَحوه، قَوْله: (تسوسهم الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام) أَي: تتولى أُمُورهم: كَمَا تفعل الْأُمَرَاء والولاة بالرعية، والسياسة الْقيام على الشَّيْء بِمَا يصلحه وَذَلِكَ لأَنهم كَانُوا إِذا أظهرُوا الْفساد بعث الله نَبيا يزِيل الْفساد عَنْهُم وَيُقِيم لَهُم أَمرهم ويزيل مَا غيروا من حكم التَّوْرَاة. قَوْله: (خَلفه نَبِي) ، بِفَتْح اللَّام المخففة، يَعْنِي: يقوم مقَام الأول، وَالْخلف، بِفَتْح اللَّام وسكونها: كل من يَجِيء بعد من مضى إلَاّ أَنه بِالتَّحْرِيكِ فِي الْخَيْر، وبالسكون فِي الشَّرّ. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فخلف من بعدهمْ خلف أضاعوا الصَّلَاة﴾ (الْأَعْرَاف: ٩٦١) . قَوْله: (لَا نَبِي بعدِي) ، يَعْنِي: لَا يَجِيء بعدِي نَبِي فيفعل مَا يَفْعَلُونَ. قَوْله: (خلفاء) ، جمع خَليفَة. قَوْله: (فيكثرون) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة من الْكَثْرَة، وَحكى عِيَاض عَن بَعضهم بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ تَصْحِيف، وَوجه بِأَن المُرَاد إكبار قبايح فعلهم. قَوْله: (فوا) بِالضَّمِّ أَمر لجَماعَة من: وفى يَفِي، وَالْأَمر مِنْهُ: فِ، فيا فوا، وَأَصله: أَوْفوا، وَأَصله أوفيوا، نقلت حَرَكَة الْيَاء إِلَى مَا قبلهَا، فَالتقى ساكنان فحذفت الْيَاء فَصَارَ أَوْفوا، ثمَّ حذفت الْوَاو اتبَاعا لحذفها فِي الْمُضَارع لوقوعها بَين الْيَاء والكسرة، فَصَارَ: أفوا، ثمَّ حذفت الْهمزَة للاستغناء عَنْهَا، فَصَارَ: فوا، على وزن: عوا. قَوْله: (بيعَة الأول فَالْأول) مَعْنَاهُ: إِذا بُويِعَ لخليفة بعد خَليفَة فبيعة الأول صَحِيحَة يجب الْوَفَاء بهَا، وبيعة الثَّانِي بَاطِلَة يحرم الْوَفَاء بهَا سَوَاء عقدوا للثَّانِي عَالمين بِعقد الأول أَو جاهلين، وَسَوَاء كَانَا فِي بلدين أَو أَكثر، وَسَوَاء كَانَ أَحدهمَا فِي بلد الإِمَام الْمُنْفَصِل أم لَا، وَلم يبين حكم الثَّانِي فِي هَذَا، وَهُوَ مُبين فِي رِوَايَة أُخْرَى: فاضربوا عُنُقه، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنا من كَانَ. قَوْله: (أعطوهم حَقهم) ، أَي: أطيعوهم وعاشروهم بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة، فَإِن الله يحاسبهم بِالْخَيرِ وَالشَّر عَن حَال رعيتهم.
٦٥٤٣ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ حدَّثنا أبُو غَسَّانَ قَالَ حدَّثني زَيْدُ بنُ أسْلَمَ عنْ عَطَاءِ بنِ يَسارٍ عنْ أبِي سَعيدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرَاً بِشِبْرٍ وذِرَاعاً بِذِراع حتَّى لَوْ سلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لسَلَكْتُمُوهُ قُلْنا يَا رسُولَ الله اليَهُودَ والنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ. (الحَدِيث ٦٥٤٣ طرفه فِي: ٠٢٣٧) .
وَجه الْمُطَابقَة بَين حَدِيث الْبَاب وَبَين التَّرْجَمَة يُمكن أَن تُؤْخَذ من قَوْله: (سنَن مَنْ قَبلَكم) لِأَنَّهُ يَشْمَل بني إِسْرَائِيل وَغَيرهم. وَسَعِيد بن أبي مَرْيَم هُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم بن أبي مَرْيَم الْمصْرِيّ، وَأَبُو غَسَّان، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة وبالنون: واسْمه مُحَمَّد بن مطرف، مر فِي الصَّلَاة، وَأَبُو سعيد سعد بن مَالك الْخُدْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الِاعْتِصَام: عَن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز. وَأخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن سُوَيْد بن سعيد، وَهَذَا من الْأَحَادِيث المقطوعة فِي مُسلم لِأَنَّهُ قَالَ فِي كتاب الْقدر: وحَدثني عدَّة من أَصْحَابنَا عَن سعيد بن أبي مَرْيَم الَّذِي أخرجه البُخَارِيّ عَنهُ، وَوَصله عَنهُ رَاوِي كِتَابه إِبْرَاهِيم بن سُفْيَان، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى حَدثنَا ابْن أبي مَرْيَم.
قَوْله: (لتتبعن) ، بِضَم الْعين وَتَشْديد النُّون. قَوْله: (سنَن من قبلكُمْ) ، أَي: طَرِيق الَّذين كَانُوا قبلكُمْ، وَالسّنَن بِفَتْح السِّين: السَّبِيل والمنهاج، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى بِالضَّمِّ. قَوْله: (شبْرًا بشبر) ، نصب بِنَزْع الْخَافِض تَقْدِيره: لتتبعن سنَن من قبلكُمْ اتبَاعا بشبر ملتبس بشبر وذراع ملتبس بِذِرَاع، وَهَذَا كِنَايَة عَن شدَّة الْمُوَافقَة لَهُم فِي المخالفات والمعاصي، لَا فِي الْكفْر، وَكَذَلِكَ قَوْله: (لَو سلكوا جُحر ضَب) ، بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْحَاء، والضب: دويبة تشبه الورن تَأْكُله الْأَعْرَاب، وَالْأُنْثَى ضبة، وَتقول الْعَرَب: هُوَ قَاضِي الطير والبهائم، يَقُولُونَ: اجْتمعت إِلَيْهِ أول مَا خلق الله الْإِنْسَان فوصفته لَهُ، فَقَالَ الضَّب: تَصِفِينَ خلقا ينزل الطير من السَّمَاء وَيخرج الْحُوت من المَاء، فَمن كَانَ لَهُ جنَاح فليطر، وَمن كَانَ ذَا
стр. 4683
مخلب فليحتفر، وَوجه التَّخْصِيص: بجحر الضَّب، لشدَّة ضيقه ورداءته، وَمَعَ ذَلِك فَإِنَّهُم لاقتفائهم آثَارهم واتباعهم طرائقهم لَو دخلُوا فِي مثل هَذَا الضّيق الرَّدِيء لوافقوهم. قَوْله: (الْيَهُود) ، يَعْنِي: قَالُوا: يَا رَسُول الله! هم الْيَهُود وَالنَّصَارَى. قَوْله: (قَالَ فَمن؟) أَي: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : فَمن غَيرهم، وَهَذَا اسْتِفْهَام على وَجه الْإِنْكَار، أَي: لَيْسَ المُرَاد غَيرهم.
٧٥٤٣ - حدَّثنا عِمْرَانُ بنُ مَيْسَرَةَ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ حدَّثنا خَالِدٌ عنْ أبِي قِلَابَةَ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ ذَكَرُوا النَّارَ والنَّاقُوسَ فذَكَرُوا اليَهُودَ والنَّصَارَى فَأمِرَ بِلالٌ أنْ يَشْفَعَ الأذَانَ وأنْ يُوتِرَ الإقَامَةَ. .
ذكر هَذَا الحَدِيث هُنَا يُمكن أَن يكون لأجل ذكر الْيَهُود فِيهِ، وهم من بني إِسْرَائِيل، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب بَدْء الْأَذَان بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن عَن عمرَان بن ميسرَة، وَكَذَلِكَ مضى مُخْتَصرا من غير هَذَا الطَّرِيق عَن أنس فِي: بَاب الآذان مثنى مثنى، وَبَاب الْإِقَامَة وَاحِدَة، و: عبد الْوَارِث الثَّقَفِيّ، وخَالِد هُوَ ابْن مهْرَان الْحذاء، وَأَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف عبد الله بن زيد.
٨٥٤٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبِي الضُّحَى عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّها كانَتْ تَكْرَهُ أنْ يَجْعَلَ يَدَهُ فِي خاصِرَتهِ وتَقُولُ إنَّ اليَهُودَ تَفْعَلُهُ.
وَجه ذكر هَذَا هُنَا هُوَ الْوَجْه الْمَذْكُور فِي الحَدِيث السَّابِق، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَالْأَعْمَش بن سُلَيْمَان وَأَبُو الضُّحَى، بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة مَقْصُور: هُوَ مُسلم بن صبيح.
قَوْله: (أَن يَجْعَل) ، أَي: الْمُصَلِّي، وَهَذَا مُطلق وَلكنه مُقَيّد بِحَال الصَّلَاة، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَبُو نعيم من طَرِيق أَحْمد بن الْفُرَات عَن مُحَمَّد بن يُوسُف شيخ البُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظ: أَنَّهَا كرهت الِاخْتِصَار فِي الصَّلَاة، وَقَالَت: إِنَّمَا يفعل ذَلِك الْيَهُود، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق يزِيد بن هَارُون عَن سُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ بِهَذَا الْإِسْنَاد، يَعْنِي: وضع الْيَد على الخاصرة، وَهُوَ فِي الصَّلَاة، والخاصرة الشاكلة، وَيُقَال هُوَ: فعل الْجَبَابِرَة، وَيُقَال: هُوَ استراحة أهل النَّار، وَيُقَال هُوَ فعل من دهته مُصِيبَة، وَيُقَال: لما طرد الشَّيْطَان نزل إِلَى الأَرْض مُخْتَصرا.
تابَعَهُ شُعْبَةُ عنِ الأعْمَشِ
أَي: تَابع سُفْيَان شُعْبَة فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش، وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة ابْن أبي شيبَة من طَرِيقه.
٩٥٤٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا لَ يْثٌ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ إنَّما أجَلُكُمْ فِي أجَلِ مَنْ خَلَا مِنَ الأممِ مَا بَيْنَ صَلَاةِ العَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ وإنَّما مَثَلُكُمْ ومَثَلُ اليَهُودِ والنَّصَارَى كرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالاً فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ علَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ فَعَمِلَتِ اليَهُودُ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ علَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إلَى صَلَاةٍ العَصْرِ علَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ فعَمِلَتِ النَّصَارَى مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إلَى صَلاةِ العَصْرِ علَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ ثُمَّ قالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ إلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ علَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ قَالَ ألَا فأنْتُمْ الَّذِينَ تَعْمَلُونَ مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ إلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ علَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ ألَا لَكُمْ الأجْرُ مَرَّتَيْنِ فغَضِبَتِ اليَهُودُ والنَّصَارى فقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ عَمَلاً وأقَلُّ عَطَاءً قَالَ الله هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئَاً قالُوا لَا قَالَ فإنَّهُ فَضْلِي أُعْطِيهِ مَنْ شِئْتُ. .
وَجه الْمُطَابقَة مَا ذكر فِيمَا قبله، وَمثل هَذَا الحَدِيث مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب من أدْرك رَكْعَة من الْعَصْر فَإِنَّهُ أخرجه
стр. 4684
هُنَاكَ عَن عبد الْعَزِيز بن سعد عَن ابْن شهَاب عَن مُسلم بن عبد الله عَن أَبِيه. قَوْله: (من خلا) أَي: من مضى. قَوْله: (عمالاً) ، بِضَم الْعين: جمع عَامل.
٠٦٤٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيانُ عنْ عَمْرٍ وعنْ طَاوُوسٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ قاتَلَ الله فُلاناً ألَمْ يَعْلَمْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَعَنَ الله اليَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَلُوها فَبَاعُوهَا. (انْظُر الحَدِيث ٣٢٢٢) .
وَجه الْمُطَابقَة فِي ذكر الْيَهُود. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب لَا يذاب شَحم الْميتَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن الْحميدِي عَن سُفْيَان ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (قَاتل الله) ، أَي: لعن الله. قَوْله: (فجملوها) ، بِالْجِيم أَي: أذابوها.
تابَعَهُ جابِرٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ
أَي: تَابع ابْن عَبَّاس جَابر بن عبد الله. وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة البُخَارِيّ أَيْضا فِي أَوَاخِر الْبيُوع فِي: بَاب بيع الْميتَة والأصنام. قَوْله: (وَأَبُو هُرَيْرَة) ، أَي: وَتَابعه أَبُو هُرَيْرَة أَيْضا، وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة البُخَارِيّ أَيْضا فِي: بَاب لَا يذاب شَحم الْميتَة، فَإِنَّهُ أخرجه عَن عَبْدَانِ عَن عبد الله بن يُونُس إِلَى آخِره.
١٦٤٣ - حدَّثنا أبُو عاصِمِ الضَّحَّاكُ بنُ مَخْلَدٍ أخبرَنا الأوْزَاعِيُّ حدَّثنا حَسَّانُ بنُ عَطِيَّةَ عنْ أبِي كَبْشَةَ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍ وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ بَلِّغُوا عَنِّي ولَوْ آيَةً وحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ ولَا حَرَجَ ومنْ كَذَبَ علَيَّ مُتَعَمِّدَاً فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّار.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَالْأَوْزَاعِيّ عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو، وَأَبُو كَبْشَة السَّلُولي اسْمه هُوَ كنيته.
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا فِي الْعلم عَن مُحَمَّد بن يُوسُف وَعَن عبد الرَّحْمَن بن ثَابت.
وَقَوله: (وَلَو آيَة) ، أَي: عَلامَة ظَاهِرَة فَهُوَ تتميم ومبالغة، أَي: وَلَو كَانَ الْمبلغ فعلا أَو إِشَارَة وَنَحْوهَا، قَالَ القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ: إِنَّمَا قَالَ: آيَة، أَي: من الْقُرْآن، وَلم يقل: حَدِيثا، فَإِن الْآيَات مَعَ تكفل الله بحفظها وَاجِبَة التَّبْلِيغ، فتبليغ الحَدِيث يفهم مِنْهُ بِالطَّرِيقِ الأولى، وَقيل: إِنَّمَا قَالَ: آيَة، ليسارع كل سامع إِلَى تَبْلِيغ مَا وَقع لَهُ من الْآي، وَلَو قل ليشْمل بذلك نقل جَمِيع مَا جَاءَ بِهِ ﷺ . قَوْله: (وَحَدثُوا عَن بني إِسْرَائِيل) يَعْنِي: مِمَّا وَقع لَهُم من الْأُمُور العجيبة والغريبة، وَقيل: المُرَاد ببني إِسْرَائِيل أَوْلَاد إِسْرَائِيل نَفسه، وهم أَوْلَاد يَعْقُوب، وَالْمرَاد: حدثوا عَنْهُم بقصتهم مَعَ أخيهم يُوسُف، وَهَذَا بعيد وَفِيه تضييق. وَقَالَ مَالك: المُرَاد جَوَاز التحديث عَنْهُم بِمَا كَانَ من أمرٍ حسن، وَأما مَا علم كذبه فَلَا. وَقيل: الْمَعْنى حدثوا عَنْهُم مثل مَا ورد فِي الْقُرْآن والْحَدِيث الصَّحِيح، وَقيل: المُرَاد جَوَاز التحدث عَنْهُم بِأَيّ صُورَة وَقعت من انْقِطَاع أَو بَلَاغ لتعذر الإتصال فِي التحديث عَنْهُم، بِخِلَاف الْأَحْكَام الإسلامية، فَإِن الأَصْل فِي التحديث بهَا الِاتِّصَال وَلَا يتَعَذَّر ذَلِك لقرب الْعَهْد. قَوْله: (وَلَا حرج) أَي: وَلَا ضيق عَلَيْكُم فِي الحَدِيث عَنْهُم، وَإِنَّمَا قَالَ: وَلَا حرج، لِأَنَّهُ كَانَ قد تقدم مِنْهُ ﷺ الزّجر عَن الْأَخْذ عَنْهُم وَالنَّظَر فِي كتبهمْ، ثمَّ حصل التَّوَسُّع فِي ذَلِك، وَكَانَ النَّهْي قبل اسْتِقْرَار الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَالْقَوَاعِد الدِّينِيَّة خشيَة الْفِتْنَة، ثمَّ لما زَالَ الْمَحْذُور وَقع الْإِذْن فِي ذَلِك لما فِي ذَلِك من الِاعْتِبَار عِنْد سَماع الْأَخْبَار الَّتِي وَقعت فِي زمانهم. وَقيل: لَا حرج أَي: لَا تضيق صدوركم بِمَا سمعتموه عَنْهُم من الْأَعَاجِيب فَإِن ذَلِك وَقع لَهُم كثيرا. وَقيل: لَا حرج فِي أَن لَا تحدثُوا عَنْهُم، لِأَن قَوْله أَولا: حدثوا، صِيغَة أَمر يَقْتَضِي الْوُجُوب، فَأَشَارَ إِلَى عدم الْوُجُوب، وَإِن الْأَمر فِيهِ للْإِبَاحَة، بقوله: وَلَا حرج، أَي: فِي ترك التحديث عَنْهُم. وَقيل: المُرَاد رفع الْحَرج عَن حاكي ذَلِك لما فِي أخبارهم من الْأَلْفَاظ المستبشعة، نَحْو قَوْلهم: ﴿إذهب أَنْت وَرَبك فَقَاتلا﴾ (الْمَائِدَة: ٤٢) . وَقَوْلهمْ: ﴿إجعل لنا إل هَا﴾ (الْأَعْرَاف: ٨٣١) . قَوْله: صِيغَة أَمر يَقْتَضِي الْوُجُوب، لَيْسَ ذَلِك على إِطْلَاقه، وَإِنَّمَا الْأَمر إِنَّمَا يَقْتَضِي الْوُجُوب بصيغته إِذا تجرد عَن الْقَرَائِن، وَهنا قَوْله: وَلَا حرج، قرينَة على أَنه
стр. 4685
لَيْسَ بِوَاجِب وَلَا هُوَ للنَّدْب، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْأَمر للْإِبَاحَة إِذْ لَا وجوب وَلَا ندب فِيهِ بِالْإِجْمَاع. قَوْله: (وَمن كذب عَليّ) إِلَى آخِره، قد مر نَحوه فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب إِثْم من كذب على النَّبِي ﷺ ، فَإِن البُخَارِيّ روى فِي هَذَا الْبَاب عَن خَمْسَة من الصَّحَابَة، وهم: عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَالزُّبَيْر بن الْعَوام، وَأنس بن مَالك، وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع، وَأَبُو هُرَيْرَة. وروى أَيْضا فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب مَا يكره من النِّيَاحَة عَن الْمُغيرَة، وروى أَيْضا هَهُنَا عَن عبد الله بن عَمْرو، وَقد تكلمنا هُنَاكَ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة. قَوْله: (فَليَتَبَوَّأ) بِكَسْر اللَّام هُوَ الأَصْل وبالسكون هُوَ الْمَشْهُور وَهُوَ أَمر من التبوء، وَهُوَ اتِّخَاذ المباءة، أَي: الْمنزل. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: تبوأت منزلا أَي: نزلته.
٢٦٤٣ - حدَّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ صالِحٍ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمان إنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ إنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ إنَّ اليَهُودَ والنَّصارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ. (الحَدِيث ٢٦٤٣ طرفه فِي: ٩٩٨٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (الْيَهُود) . وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن عبيد الله بن سعد بن إِبْرَاهِيم.
قَوْله: (لَا يصبغون) ، أَي: شيب الشّعْر، وَهُوَ مَنْدُوب إِلَيْهِ لِأَنَّهُ ﷺ أَمر بمخالفتهم. فَإِن قلت: ورد النَّهْي عَن إِزَالَة الشيب؟ قلت: لَا تعَارض بَينهمَا هُنَا لِأَن الصَّبْغ لَا يَقْتَضِي الْإِزَالَة. وَقيل: المُرَاد بالإزالة النتف، وَسُئِلَ مَالك عَن النتف؟ فَقَالَ: مَا أعلمهُ حَرَامًا وَتَركه أحب إِلَيّ، وَالْإِذْن فِيهِ مُقَيّد بِغَيْر السوَاد، لما روى مُسلم من حَدِيث جَابر أَنه ﷺ قَالَ: غيروه وجنبوه السوَاد. وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: (يكون قوم فِي آخر الزَّمَان يخضبون كحواصل الْحمام لَا يَجدونَ ريح الْجنَّة) . وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضا وَصَححهُ. والْحَدِيث صَحِيح، وَلَكِن الْكَلَام فِي رَفعه وَوَقفه وعَلى تَقْدِيره تَرْجِيح وَقفه، فَمثله لَا يدْرك بِالرَّأْيِ، فَحكمه الرّفْع وَلِهَذَا اخْتَار النَّوَوِيّ أَن الصَّبْغ بِالسَّوَادِ يكره كَرَاهَة تَحْرِيم. وَعَن الْحَلِيمِيّ: أَن الْكَرَاهَة خَاصَّة بِالرِّجَالِ دون النِّسَاء، فَيجوز ذَلِك للْمَرْأَة لأجل زَوجهَا. وَقَالَ مَالك: الْحِنَّاء والكتم وَاسع والصبغ بِغَيْر السوَاد أحب إِلَيّ، وَيسْتَثْنى من ذَلِك الْمُجَاهِد اتِّفَاقًا.
وَقد اخْتلف: هَل كَانَ، ﷺ ، يصْبغ؟ فَقَالَ ابْن عمر فِي الْمُوَطَّأ: أما الصُّفْرَة فَرَأَيْت رَسُول الله، ﷺ يصْبغ بهَا، وَأَنا أحب أَن أصبغ، وَقيل: كَانَ يصفر لحيته، وَقيل: أَرَادَ بالصفرة فِي حَدِيث ابْن عمر صفرَة الثِّيَاب، وَقيل: صبغ مرّة، وَقَالَ مَالك: لم يصْبغ، ﷺ ، وَلَا عَليّ وَلَا أبي بن كَعْب وَلَا ابْن الْمسيب، وَلَا السَّائِب بن يزِيد، وَلَا ابْن شهَاب. قَالَ: وَالدَّلِيل على أَنه ﷺ لم يصْبغ أَن عَائِشَة قَالَت: كَانَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يصْبغ، فَلَو كَانَ صبغ لبدأت بِهِ. وَقَالَ مَالك: والصبغ بِالسَّوَادِ مَا سَمِعت فِيهِ شَيْئا، وَغَيره من الصَّبْغ أحب إِلَيّ، والصبغ بِالْحِنَّاءِ والكتم وَاسع.
٣٦٤٣ - حدَّثني مُحَمَّدٌ قَالَ حدَّثني حَجَّاجٌ حدَّثنا جَرِيرٌ عنِ الحَسَنِ حدَّثنا جُنْدُبُ بنُ عَبْدِ الله فِي هاذَا المَسْجِدِ وَمَا نَسِينَا مُنْذُ حَدثنَا وَمَا نَخْشَى أنْ يَكُونَ جُنْدُبٌ كَذَبَ علَى رَسُولِ الله ﷺ قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ كانَ فِيمَنْ كانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْجٌ فجَزِعَ فأخَذَ سِكِّينَاً فَحَزَّ بِها يَدَهُ فَما رَقأ الدَّمُ حتَّى ماتَ قَالَ الله تَعَالَى بادرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ علَيْهِ الجَنَّةَ. (انْظُر الحَدِيث ٤٦٣١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (كَانَ فِيمَن كَانَ قبلكُمْ) ، لِأَنَّهُ أَعم من أَن يكون من بني إِسْرَائِيل أَو من غَيرهم، وَمُحَمّد شيخ البُخَارِيّ، قَالَ ابْن السكن: هُوَ مُحَمَّد بن معمر بن ربعي الْقَيْسِي الْبَصْرِيّ، وَعَلِيهِ الْأَكْثَر كَذَا نَقله عَن الْفربرِي، وَقَالَ أَبُو عبد الله الْحَاكِم: هُوَ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي، وحجاج هُوَ ابْن منهال، وَجَرِير هُوَ ابْن حَازِم، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي قَاتل نَفسه، بأتم مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (فِي هَذَا الْمَسْجِد) أَرَادَ بِهِ: مَسْجِد الْبَصْرَة. قَوْله: (مُنْذُ حَدثنَا)
стр. 4686
بِفَتْح الدَّال، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى تحَققه لما حدث بِهِ. قَوْله: (وَمَا نخشى أَن يكون جُنْدُب كذب) ، فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن الصَّحَابَة عدُول، وَأَن الْكَذِب مَأْمُون من قبلهم، وَلَا سِيمَا على النَّبِي ﷺ . قَوْله: (بِهِ جرح) ، بِضَم الْجِيم وَسُكُون الرَّاء، وَتقدم فِي الْجَنَائِز بِلَفْظ: بِهِ جراح، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: أَن رجلا خرجت بِهِ قرحَة، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الرَّاء، وَهِي: حَبَّة تخرج فِي الْبدن، وَكَأَنَّهُ كَانَ بِهِ جرح ثمَّ صَار قرحَة، أَو كَانَ كِلَاهُمَا، قَوْله: (فجزع) ، أَي: لم يصبر على الْأَلَم. قَوْله: (فحز) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الزَّاي، أَي: قطع. قَوْله: (فَمَا رقأ) ، بِالْقَافِ والهمز، أَي: لم يَنْقَطِع الدَّم، يُقَال: رقأ أَي: سكن وَانْقطع. قَوْله: (بادرني عَبدِي بِنَفسِهِ) كِنَايَة عَن استعجاله الْمَوْت. قَوْله: (حرمت عَلَيْهِ الْجنَّة) ، تَغْلِيظ، أَو كَانَ اسْتحلَّ فَكفر، أَو المُرَاد جنَّة مُعينَة كالفردوس مثلا، أَو الْمَعْنى: حرمت عَلَيْهِ الْجنَّة إِن شِئْت اسْتِمْرَار ذَلِك.
١٥ - (حدِيثُ أبْرَصَ وأقْرَعَ وأعْمَى فِي بَنِي إسْرَائِيلَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَدِيث أبرص وأقرع، وَهُوَ الَّذِي ذهب شعر رَأسه من آفَة. قَوْله: (فِي بني إِسْرَائِيل) ، أَي: الكائنين فِي بني إِسْرَائِيل، وَفِي بعض النّسخ: بَاب حَدِيث أبرص ... إِلَى آخِره.
٤٦٤٣ - حدَّثني أحْمَدُ بنُ إسْحَاقَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ عاصِمٍ حدَّثنا هَمَّامٌ حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ أبِي عَمْرَةَ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ حدَّثَهُ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وحدَّثنِي مُحَمَّدٌ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ رَجاءٍ أخبرَنَا هَمَّامٌ عنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله قَالَ أخبرَني عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ أبِي عَمْرَةَ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ حدَّثَهُ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ إنَّ ثَلاثَةً فِي بَنِي إسْرَائِيلَ أبْرَصَ وأقْرَعَ وأعْمَى بدَا لله أنْ يَبْتَلِيَهُمْ فبَعَثَ إلَيْهِمْ مَلَكَاً فأتَى الأبْرَص فَقَالَ أيُّ شَيءٍ أحَبُّ إلَيْكَ قَالَ لَوْنٌ حَسَنٌ وَجلد حسن قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ قَالَ فَمَسَحَهُ فذَهَبَ عَنْهُ فأعْطِيَ لَوْناً حَسَناً وجِلْدَاً حَسَنَاً فَقَالَ أيُّ المَالِ أحَبُّ إلَيْكَ قَالَ الإبِلُ أوْ قالَ البَقَرُ هُوَ شَكَّ فِي ذَلِكَ أنَّ الأبْرَصَ والأقْرَعَ قَالَ أحَدُهُمَا الإبِلُ وَقَالَ الآخَرُ البَقَرُ فأعْطَى ناقَةً عُشَرَاءَ فَقَالَ يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا وأتَى الأقْرَعَ فَقَالَ أيَّ شَيءٍ أحَبُّ إلَيْكَ قَالَ شَعْرٌ حَسَنٌ ويَذْهَبُ عَنِّي هذَا قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ قَالَ فَمَسَحَهُ فذَهَبَ وأُعْطِيَ شَعَرَاً حسَنَاً قَالَ فأيُّ المَالِ أحَبُّ إلَيْكَ قَالَ البَقَرُ قالَ فأعْطَاهُ بَقَرَةً حامِلاً وَقَالَ يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا وأتَى الأَعْمَى فَقَالَ أيُّ شَيْءٍ أحَبُّ إلَيُكَ قَالَ يَرُدُّ الله إلَيَّ بَصَرِي فأُبْصِرُ بِهِ النَّاسَ فمَسَحَهُ فرَدَّ الله إلَيْهِ بَصَرَهُ قَالَ فأيُّ المالِ أحَبُّ إلَيْكَ قَالَ قَالَ الغَنَمْ فأعْطَاهُ شَاة والِداً فانْتِجَ هاذَانِ وولَّدَ هَذا فَكانَ لِهَذَا وادٍ مِنْ إبِلٍ ولِهَذَا وَادٍ مِنْ بَقَرٍ ولِهَذَا وادٍ مِنَ الغَنَمِ ثُمَّ إنَّهُ أتَى الأبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وهَيْئَتِهِ فقالَ رَجُلٌ مِسْكِينٌ تَقَطَّعَتْ بِيَ الحِبَالُ فِي سَفَرِي فَلا بَلاغَ اليَوْمَ إلَاّ بِاللَّه ثُمَّ بِكَ أسْألُكَ بالَّذِي أعْطَاكَ اللَّوْنَ الحَسَنَ والجِلْدَ الحَسَنَ والمَالَ بَعِيراً أتَبَلَّغُ علَيْهِ فِي سَفَرِي فقَالَ لَهُ إنَّ الحُقوقَ كَثِيرَةٌ فَقَالَ لَهُ كأنِّي أعْرِفُكَ ألَمْ تَكُنْ أبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ فَقِيرَاً فأعْطَاكَ الله فَقَالَ لَقَدْ ورِثْتُ كابِرَاً عنْ كابِرٍ فَقَالَ إنَّ كُنْتَ كاذِبَاً فَصَيَّرَكَ الله إِلَى مَا كُنْت وأتى الأقْرَعَ فِي صُورَتِهِ وهَيْئَتِهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا فَردَّ علَيْهِ مِثْلَ
стр. 4687
مَا رَدَّ عَلَيْهِ هَذَا فقالَ إنْ كُنْتَ كاذِبَاً فَصَيَّرَكَ الله إِلَى مَا كُنْتَ وأتَى الأعْمَى فِي صُورَتِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِسْكِينٌ وابنُ سَبِيلٍ وتقَطَّعَتْ بِيَ الحِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بلَاغَ اليَوْمَ إلَاّ بِاللَّه ثُمَّ بِكَ أسْألُكَ بالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاة أتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي فقالَ قَدْ كُنْتُ أعْمَى فرَدَّ الله بَصَرِي وفَقِيرَاً فَقَدْ أغْنَانِي فَخُذْ مَا شِئْتَ فَوَالله لَا أجْهَدُكَ اليَوْمَ بِشَيْءٍ أخَذْتَهُ لله فقالَ أمْسِكْ مالَكَ فإنَّمَا ابْتُلِيتُمْ فَقَدْ رَضِي الله تَعَالَى عنكَ وسَخِطَ علَى صَاحِبَيْكَ. (الحَدِيث ٤٦٤٣ طرفه فِي: ٣٥٦٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من لفظ الحَدِيث. وَأخرجه من طَرِيقين.
ورجالهما ثَمَانِيَة الأول: أَحْمد بن إِسْحَاق بن الْحصين أَبُو إِسْحَاق السّلمِيّ السرماري، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء الْمَفْتُوحَة، وَقيل بسكونها نِسْبَة إِلَى: سرمارة، قَرْيَة من قرى بُخَارى، وَهُوَ من أَقْرَان البُخَارِيّ وأفراده، مَاتَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ لست ليالٍ بَقينَ من شهر ربيع الآخر سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، الثَّانِي: عَمْرو، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: ابْن عَاصِم بن عبيد الله الْقَيْسِي الْكلابِي الْبَصْرِيّ. الثَّالِث: همام بن يحيى العوذي الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ. الرَّابِع: إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة، واسْمه: زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ ابْن أخي أنس بن مَالك، مَاتَ سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي عمْرَة سوى هَذَا الحَدِيث وَآخر فِي التَّوْحِيد. الْخَامِس: عبد الرَّحْمَن بن أبي عمْرَة، واسْمه: عَمْرو بن مُحصن الْأنْصَارِيّ النجاري، قَاضِي أهل الْمَدِينَة. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. السَّابِع: فِي السَّنَد الثَّانِي: مُحَمَّد، كَذَا مُجَردا، قَالَ الجياني: لَعَلَّه مُحَمَّد بن يحيى الذهلي، وَيُقَال: إِنَّه البُخَارِيّ نَفسه، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه روى عَن عبد الله بن رَجَاء وَهُوَ أحد مشايخه، روى عَنهُ فِي اللّقطَة وَغَيرهَا بِلَا وَاسِطَة. الثَّامِن: عبد الله بن رَجَاء بن الْمثنى الْبَصْرِيّ أَبُو عمر، وَمَات سنة تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور وَقَالَ: عَن عَمْرو بن عَاصِم، وَأخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن شَيبَان بن فروخ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بدا لله) بتَخْفِيف الدَّال الْمُهْملَة بِغَيْر همزَة، كَذَا ضَبطه بَعضهم، ثمَّ قَالَ: أَي سبق فِي علم الله فَأَرَادَ إِظْهَاره، وَلَيْسَ المُرَاد أَنه ظهر لَهُ بعد أَن كَانَ خافياً، لِأَن ذَلِك محَال فِي حق الله تَعَالَى، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقد روى بَعضهم: بدا الله، وَهُوَ غلط، وَقَالَ صَاحب (الْمطَالع) : ضبطناه على متقني شُيُوخنَا بِالْهَمْزَةِ، أَي: ابْتَدَأَ الله أَن يبتليهم، قَالَ: وَرَوَاهُ كثير من الشُّيُوخ بِغَيْر همز وَهُوَ خطأ، وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ: قضى الله أَن يبتليهم، لِأَن الْقَضَاء سَابق، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن شَيبَان بن فروخ عَن همام بِهَذَا الْإِسْنَاد بِلَفْظ: أَرَادَ الله أَن يبتليهم، أَي: يختبرهم. ويروى: يبليهم بِإِسْقَاط التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق. قَوْله: (قد قذرني النَّاس) بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة أَي: كرهني النَّاس، ويروى: قذروني النَّاس من بَاب: أكلوني البراغيث، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي. قَوْله: (فمسحه) أَي: مسح على جِسْمه. قَوْله: (فَأعْطِي) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فَقَالَ واي المَال؟) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أَي المَال؟ بِلَا وَاو. قَوْله: (أَو قَالَ الْبَقر) شكّ فِي ذَلِك، وَصرح فِي رِوَايَة مُسلم أَن الَّذِي شكّ هُوَ إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة رَاوِي الحَدِيث. قَوْله: (فَأعْطى نَاقَة) أَي: الَّذِي تمنى الْإِبِل أعطي نَاقَة عشراء بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة ممدوداً، وَهِي: الْحَامِل الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا فِي حملهَا عشرَة أشهر من يَوْم طرقها الْفَحْل، وَقيل: يُقَال لَهَا ذَلِك إِلَى أَن تَلد، وَبَعْدَمَا تضع وَهِي من أنفس المَال. قَوْله: (يُبَارك لَك فِيهَا) ، كَذَا وَقع بِضَم الْيَاء وَفِي رِوَايَة شَيبَان: بَارك الله، بِلَفْظ الْفِعْل الْمَاضِي وَإِظْهَار الْفَاعِل، قَوْله: (فمسحة) أَي: فَمسح على عَيْنَيْهِ. قَوْله: (شَاة وَالِد) ، أَي: ذَات ولد، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: شَاة وَالِد، أَي: حَامِل، وَالشَّاة تذكر وتؤنث، وَفُلَان كثير الشَّاة وَهُوَ فِي معنى الْجمع. قَوْله: (فأنتج هَذَانِ) أَي: صَاحب الْإِبِل وَالْبَقر، كَذَا وَقع، أنتج، وَهِي لُغَة قَليلَة، والفصيح عِنْد أهل اللُّغَة: نتجت النَّاقة، بِضَم النُّون، ونتج الرجل النَّاقة، أَي: حمل عَلَيْهَا الْفَحْل، وَقد سمع: أنتجت الْفرس، أَي ولدت فَهِيَ نتوج، وَلَا يُقَال: منتج. قَوْله: (وَولد هَذَا) ، بتَشْديد اللَّام الْمَفْتُوحَة أَي: صَاحب الشَّاة، وراعي عرف الِاسْتِعْمَال حَيْثُ قَالَ فِي الْإِبِل وَالْبَقر: أنتج، وَفِي الْغنم: ولد. قَوْله: (من الْغنم) ، ويروى: من غنم. قَوْله: (فِي صورته) أَي: فِي الصُّورَة
стр. 4688
الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا لما اجْتمع بِهِ وَهُوَ أبرص، قَوْله: (رجل مِسْكين) زَاد شَيبَان: وَابْن سَبِيل، قَالَ ابْن التِّين: قَوْله: الْملك لَهُ رجل مِسْكين ... إِلَى آخِره، أَرَادَ: أَنَّك كنت هَكَذَا، وَهُوَ من المعاريض، وَالْمرَاد بِهِ ضرب الْمثل ليتيقظ الْمُخَاطب. قَوْله: (الحبال) بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَبعدهَا بَاء مُوَحدَة مُخَفّفَة: جمع حَبل، أَرَادَ بِهِ الْأَسْبَاب الَّتِي يقطعهَا فِي طلب الرزق وَقيل: العقبات، قَالَ الْكرْمَانِي: ويروى بِالْجِيم، وَقيل: هُوَ تَصْحِيف وَفِي (التَّوْضِيح) : ويروى الْحِيَل جمع حِيلَة، يَعْنِي: لم يبْق لي حِيلَة. قَوْله: (أتبلغ عَلَيْهِ) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أتبلغ بِهِ، وَهُوَ بالغين الْمُعْجَمَة من: الْبلْغَة، وَهِي الْكِفَايَة، وَالْمعْنَى: أتوصل بِهِ إِلَى مرادي، يُقَال: تبلغ بِكَذَا، أَي: اكْتفى بِهِ. قَوْله: (يقذرك النَّاس) بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة لِأَنَّهُ من بَاب علم يعلم. قَوْله: (فَقِيرا) ، نصب على الْحَال. قَوْله: (كَابِرًا عَن كَابر) ، هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: لكابر عَن كَابر، وَفِي رِوَايَة شَيبَان: إِنَّمَا ورثت هَذَا المَال كَابِرًا عَن كَابر، قَالَ بَعضهم: أَي: كَبِيرا عَن كَبِير فِي الْعِزّ والشرف. قلت: أَخذه من كَلَام الْكرْمَانِي، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا الْمَعْنى: ورثت هَذَا المَال عَن آبَائِي وأجدادي حَال كَون كل وَاحِد مِنْهُم كَابِرًا عَن كَابر، أَي: كَبِيرا ورث عَن كَبِير. قَوْله: (فصيرك الله) ، وَإِنَّمَا أوردهُ بِلَفْظ الْفِعْل الْمَاضِي لإِرَادَة الْمُبَالغَة فِي الدُّعَاء عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أدخلت الْفَاء فِيهِ لِأَنَّهُ دُعَاء. قَوْله: (فوَاللَّه لَا أجهدك الْيَوْم) بِالْجِيم وَالْهَاء، كَذَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَأكْثر رِوَايَات مُسلم أَي: لَا أشق عَلَيْك فِي رد شَيْء تطلبه مني أَو تَأْخُذهُ. وَقَالَ عِيَاض: رِوَايَة البُخَارِيّ لم تخْتَلف، أَنه: لَا أحمدك، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْمِيم، يَعْنِي: لَا أحمدك على ترك شَيْء تحْتَاج إِلَيْهِ من مَالِي. وَقَوله: رِوَايَة البُخَارِيّ لم تخْتَلف، لَيْسَ كَذَلِك، فَإِن رِوَايَة كَرِيمَة بِالْجِيم والحاء، كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَقَالَ عِيَاض: لم يَتَّضِح هَذَا الْمَعْنى لبَعض النَّاس، فَقَالَ: لَعَلَّه: لَا أحدك، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الدَّال بِغَيْر مِيم، أَي: لَا أمنعك. قَالَ: وَهَذَا تكلّف، وَقَالَ الْكرْمَانِي مَا حَاصله: إِنَّه يحْتَمل أَن يكون قَوْله: لَا أحمدك، بتَشْديد الْمِيم أَي: لَا أطلب مِنْك الْحَمد، فَيكون من قَوْلهم: فلَان يتحمد عَليّ، أَي: يمتن، وَيكون الْمَعْنى هُنَا: لَا أمتن عَلَيْك، يُقَال: من أنْفق مَاله على نَفسه فَلَا يتحمد بِهِ على النَّاس. قَوْله: (إِنَّمَا ابتليتم) أَي: إِنَّمَا امتحنتم. قَوْله: (فقد رضى الله عَنْك) إِلَى آخِره، ويروى: وَرَضي عَنْك، على بِنَاء الْمَجْهُول، وَكَذَلِكَ سخط مثله وَكَانَ الْأَعْمَى خير الثَّلَاثَة. قَالَ الْكرْمَانِي، ﵀: وَلَا شكّ أَن مزاجه كَانَ أقرب إِلَى السَّلامَة من مزاجهما، لِأَن البرص لَا يحصل إلَاّ من فَسَاد المزاج وخلل فِي الطبيعة، وَكَذَلِكَ ذهَاب الشّعْر أَيْضا، بِخِلَاف الْعَمى فَإِنَّهُ لَا يسْتَلْزم فَسَاده فقد يكون من أَمر خارجي.
٢٥ - (بابٌ ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحَابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ﴾ (الْكَهْف: ٩) .)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أم حسبت ... ﴾ إِلَى آخِره، وَلم يذكر فِي الْبَاب إلَاّ تَفْسِير بعض مَا وَقع فِي قصَّة أَصْحَاب الْكَهْف، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والكشميهني لفظ: بَاب، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ لَا بَاب وَلَا غَيره من التَّرْجَمَة، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب، لِأَن الْكتاب فِي الحَدِيث لَا فِي التَّفْسِير.
الكَهْفُ الفَتْحُ فِي الجَبَلِ
هُوَ قَول الضَّحَّاك أخرجه عَنهُ ابْن أبي حَاتِم، وَاخْتلف فِي مَكَان الْكَهْف، فَقيل: بَين أَيْلَة وفلسطين، وَقيل: بِالْقربِ من أَيْلَة، وَقيل: بِأَرْض نِينَوَى، وَقيل: بالبلقاء، وَالْأَخْبَار الَّتِي تكاثرت أَنه بِبِلَاد الرّوم، وَهُوَ الصَّحِيح، فَقيل: بِالْقربِ من طرسوس، وَقيل: بِالْقربِ من إيلستين، وَكَانَ اسْم مدينتهم إفسوس، وَاسم ملكهم: دقيانوس، وَقَالَ السُّهيْلي: مدينتهم يُقَال إِنَّهَا على سِتَّة فراسخ من الْقُسْطَنْطِينِيَّة، وَكَانَت قصتهم قبل غَلَبَة الرّوم على يونان، وَأَنَّهُمْ سيحجون الْبَيْت إِذا نزل عِيسَى ابْن مَرْيَم، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَذكر ابْن مرْدَوَيْه فِي (تَفْسِيره) : من حَدِيث حجاج بن أَرْطَأَة عَن الحكم بن عتيبة عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، مَرْفُوعا: أَصْحَاب الْكَهْف أعوان الْمهْدي، وَذكر مقَاتل فِي (تَفْسِيره) اسْم الْكَهْف: مانجلوس.
والرَّقِيمُ الكِتابُ مَرْقُومٌ مَكْتُوبٌ مِنَ الرَّقْمِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير الرقيم، فَالَّذِي فسره مَنْقُول عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث
стр. 4689
عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ. قَوْله: (من الرقم) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن اشتقاق الرقيم والمرقوم من الرقم، وَهُوَ الْكِتَابَة، وَفِي الرقيم أَقْوَال أُخر. فَعَن أبي عُبَيْدَة: الرقيم الْوَادي الَّذِي فِيهِ الْكَهْف، وَعَن كَعْب الْأَحْبَار: اسْم الْقرْيَة، رَوَاهُ الطَّبَرِيّ، وَعَن أنس: أَن الرقيم اسْم الْكَلْب، رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم، وَكَذَا روى عَن سعيد بن جُبَير، وَقيل: الرقيم اسْم الصَّخْرَة الَّتِي أطبقت على الْوَادي الَّذِي فِيهِ الْكَهْف، وَقيل: هُوَ الْغَار، وَعَن ابْن عَبَّاس: الرقيم لوح من رصاص كتبت فِيهِ أَسمَاء أَصْحَاب الْكَهْف لما توجهوا عَن قَومهمْ وَلم يدروا أَيْن توجهوا.
﴿رَبَطْنا علَى قُلُوبِهِم﴾ (الْكَهْف: ٤١) . ألهَمْنَاهُمْ صَبْرَاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وربطنا على قُلُوبهم إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبنَا رب السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ (الْكَهْف: ٤١) . وَفسّر: ربطنا، بقوله: ألهمناهم صبرا، وَهَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة.
شَطَطَاً إفْرَاطَاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لن نَدْعُو من دونه إل هَا لقد قُلْنَا إِذا شططاً﴾ (الْكَهْف:) . قَوْله: (شططا) ، مَنْصُوب على أَنه صفة مصدر مَحْذُوف تَقْدِيره: لقد قُلْنَا إِذا قولا شططاً، أَي: ذَا شطط، وَهُوَ الإفراط فِي الظُّلم والإبعاد، من شط إِذا بعد، وَعَن أبي عُبَيْدَة: شططاً أَي جوراً وغلواً.
الوَصِيدُ الفِناءُ وجَمْعُهُ وصائِدُ ووُصْدٌ ويُقالُ الوَصِيدُ البابُ مُؤْصَدَةٌ مُطْبَقَةٌ أصَدَ البابَ وأوْصَدَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وكلبهم باسط ذِرَاعَيْهِ بالوصيد﴾ (الْكَهْف: ٨١) . وَفسّر الوصيد بقوله: الفناء، بِكَسْر الْفَاء وَالْمدّ، وَهَكَذَا فسره ابْن عَبَّاس، وَكَذَا رُوِيَ عَن سعيد بن جُبَير، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الوصيد الفناء، وَقيل: العتبة، وَقيل: الْبَاب. قَوْله: (وَجمعه) أَي: وَجمع الوصيد وصائد ووصد، بِضَم الْوَاو وَسُكُون الصَّاد، وَيُقَال: الأصيد كالوصيد، روى ابْن جرير عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء أَن أهل الْيمن وتهامة يَقُولُونَ: الوصيد، وَأهل نجد يَقُولُونَ: الأصيد. قَوْله: (مؤصدة) إِشَارَة إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿نَار مؤصدة﴾ (الْبَلَد: ٠٢) . وَفَسرهُ بقوله: مطبقة، وَهَذَا ذكره اسْتِطْرَادًا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي سُورَة الْكَهْف، وَلكنه لما كَانَ الِاشْتِقَاق بَينهمَا من وادٍ واحدٍ ذكره هُنَا، وَالَّذِي ذكره هُوَ الْمَنْقُول عَن أبي عُبَيْدَة. قَوْله: (أصد الْبَاب) ، أَي: أغلقة، وَيُقَال فِيهِ: أوصد أَيْضا بِمَعْنى يُقَال بالثلاثي وبالمزيد.
بَعَثْنَاهُمْ أحْيَيْنَاهُمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ بعثناهم ليتساءلوا بَينهم﴾ (الْكَهْف: ٩١) . الْآيَة، وَفَسرهُ بقوله: أحييناهم، وَهَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة.
أزْكَى أكْثَرُ رَيْعاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلْينْظر أَيهَا أزكى طَعَاما فليأتكم برزق مِنْهُ﴾ (الْكَهْف: ٩١) . وَفسّر أزكى بقوله: أَكثر ريعاً، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أَيهَا، أَي أَي: أَهلهَا، كَمَا فِي قَوْله: ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ (يُوسُف: ٢٨) . أزكى طَعَاما أحل، وَأطيب، أَو أَكثر وأرخص.
فَضَرَبَ الله عَلَى آذَانِهِمْ فَنامُوا
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فضربنا على آذانهم فِي الْكَهْف سِنِين عددا﴾ (الْكَهْف: ١١) . وَفِي الْحَقِيقَة أَخذ لَازم الْقُرْآن، وَفَسرهُ بلازمه: إِذْ لَيْسَ الَّذِي ذكره لفظ الْقُرْآن وَلَا ذَلِك مَعْنَاهُ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أَي: ضربنا عَلَيْهَا حِجَابا من أَن تسمع، يَعْنِي: أنمناهم إنامة ثَقيلَة لَا تنبههم فِيهَا الْأَصْوَات.
﴿رِجْمَاً بالْغَيْبِ﴾ (الْكَهْف: ٢٢) . لَمْ يَسْتَبِنْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿سيقولون ثَلَاثَة رابعهم كلبهم وَيَقُولُونَ خَمْسَة سادسهم كلبهم رجماً بِالْغَيْبِ﴾ (الْكَهْف: ٢٢) . وَفسّر الرَّجْم بِالْغَيْبِ بقوله: لم يستبن، وَعَن قَتَادَة مَعْنَاهُ: قذفا بِالظَّنِّ، رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَنهُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الرَّجْم مَا لم تستيقنه من الظَّن.
стр. 4690
وَقَالَ مُجَاهِدٌ تَقْرِضُهُمْ تَتْرُكُهُمْ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: (تقرضهم) ، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَترى الشَّمْس إِذا طلعت تزاور عَن كهفهم ذَات الْيَمين وَإِذا غربت تقرضهم ذَات الشمَال ... ﴾ (الْكَهْف: ٧١) . الْآيَة، وَفسّر: تقرضهم، بقوله: تتركهم، وأصل الْقَرْض الْقطع والتفرقة من قَوْلك قرضته بالمقراض أَي: قطعته، وَالْمعْنَى هُنَا: تعدل عَنْهُم وتتركهم، قَالَه الْأَخْفَش والزجاج، وَقيل: تصيبهم يَسِيرا، مَأْخُوذ من قراضة الذَّهَب وَالْفِضَّة، وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْهَا بالمقراض أَي: تعطيهم الشَّمْس الْيَسِير من شعاعها، وَقيل: مَعْنَاهُ تحاذيهم، وَهُوَ قَول الْكسَائي وَالْفراء.
٣٥ - (بَاب حَدِيثُ الغَارِ)
أَي: هَذَا بَيَان حَدِيث الْغَار الَّذِي آوى إِلَيْهِ ثَلَاثَة نفر مِمَّن كَانُوا قبلنَا، قيل: وَجه الْمُنَاسبَة فِي ذكر حَدِيث الْغَار عقيب حَدِيث أبرص وأقرع وأعمى هُوَ أَنه ورد أَن الرقيم الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أم حسبت أَن أَصْحَاب الْكَهْف والرقيم﴾ (الْكَهْف: ٩) . هُوَ الْغَار الَّذِي آوى إِلَيْهِ الثَّلَاثَة المذكورون، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن عَن النُّعْمَان بن بشير أَنه سمع النَّبِي ﷺ يذكر الرقيم، قَالَ: إنطلق ثَلَاثَة فَكَانُوا فِي كَهْف فَوَقع الْحَبل على بَاب الْكَهْف فأوصد عَلَيْهِم ... الحَدِيث. قلت: يحْتَمل أَنه ذكر هَذَا عقيب ذَاك لِأَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة كَانُوا فِي زمن بني إِسْرَائِيل، يدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن عقبَة بن عَامر: أَن ثَلَاثَة نفر من بني إِسْرَائِيل، الحَدِيث، ذكره فِي الدُّعَاء.
٥٦٤٣ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ خَلِيلٍ أخْبرَنَا عليُّ بنُ مُسْهِرٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُمَا أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ بَيْنَمَا ثَلاثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكُمْ يَمْشُونَ إذْ أصَابَهُمْ مَطَرٌ فأوَوْا إلَى غَارٍ فانْطَبَقَ علَيْهِمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ إنَّهُ وَالله يَا هاؤُلاءِ لَا يُنْجِيكُمْ إلَاّ الصِّدْقُ فَلْيَدْعُ كلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَا يَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ صَدَقَ فِيهِ فَقَالَ واحِدٌ مِنْهُمْ أللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ كانَ لِي أجِيرٌ عمِلَ لِي عَلَى فَرَقٍ مِنْ أرُزٍّ فذَهَبَ وتَرَكَهُ وأنِّي عَمَدْتُ إِلَى ذَلِكَ الفَرَقِ فزَرَعْتُهُ فَصارَ مِنْ أمْرِهِ أنِّي اشْتَرَيْتُ مِنْهُ بَقَرَاً وأنَّهُ أتَانِي يَطْلُبُ أجْرَهُ فقُلْتُ لَهُ اعْمِدْ إلَى تِلْكَ البَقَرِ فسُقْهَا فَقالَ لِي إنَّمَا لِي عِنْدَكَ فَرَقٌ مِنْ أَرُزٍّ فَقُلْتُ لَهُ اعْمِدْ إلَى تِلْكَ البَقَرِ فإنَّهَا مِنْ ذَلِكَ الفَرَقِ فَساقَها فإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجُ عَنَّا فانْسَاخَتْ عنهُمُ الصَّخْرَةُ فقالَ الآخَرُ اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ كانَ لِي أبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ فَكُنْتُ آتِيهِما كُلَّ لَيْلَةٍ بِلَبَنِ غَنَمٍ لِي فأبْطَأتُ عَلَيْهِمَا فَجِئْتُ وقَدْ رَقَدَا وأهْلِي وعِيَالِي يتَضَاغَوْنَ مِنَ الجُوعِ فَكُنْتُ لَا أسْقِيهِمْ حتَّى يَشْرَبَ أبَوَايَ فكَرِهْتُ أنْ أوقِظَهُمَا وكَرِهْتُ أنْ أدَعَهُمَا فَيَسْتَكِنَّا لِشَرْبَتِهِمَا فلَمْ أزَلْ أنْتَظِرُ حتَّى طَلَعَ الفَجْرُ فإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي فعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا فانْسَاخَتْ عَنْهُمْ الصَّخْرَةُ حتَّى نَظَرُوا إلَى السَّماءِ فَقَالَ الآخَرُ اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ كانَ لِي ابْنَةُ عَمٍّ مِنْ أحَبِّ النَّاسِ إلَيَّ وإنِّي رَاوَدْتُهَا عنْ نَفْسِها فأبَتْ إلَاّ أنْ آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينارٍ فطَلَبْتُهَا حتَّى قَدَرْتُ فأتَيْتُهَا بِهَا فَدَفَعْتُها إلَيْهَا فأمْكَنَتْنِي مِنْ نَفْسِهَا فلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا فقالَتِ اتَّقِ الله ولَا تَفُضَّ الخَاتَمَ إلَاّ بِحَقِّهِ فَقُمْتُ وتَرَكْتُ المِائَةَ دِينارٍ فإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ
стр. 4691
فَفَرِّجْ عَنَّا ففَرَّجَ الله عَنْهُمْ فخَرَجُوا. .
وَجه الْمُطَابقَة قد ذكر الْآن. وَإِسْمَاعِيل بن خَلِيل أَبُو عبد الله الْخُزَاعِيّ الْكُوفِي، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي الْإِجَارَة فِي: بَاب من اسْتَأْجر أَجِيرا فَترك أجره، أخرجه عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله عَن عبد الله بن عمر، وَمضى أَيْضا فِي الْبيُوع فِي: بَاب إِذا اشْترى شَيْئا لغيره عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن أبي عَاصِم عَن ابْن جريج عَن مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع عَن ابْن عمر، وَمضى أَيْضا فِي الْبيُوع فِي: بَاب إِذا زرع بِمَال قوم عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن أبي ضَمرَة عَن مُوسَى ابْن عقبَة عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر، وَلم يخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث إلَاّ من رِوَايَة ابْن عمر، وَكَذَلِكَ مُسلم، وَفِي الْبَاب عَن أنس عِنْد الطَّبَرَانِيّ وَعَن أبي هُرَيْرَة عِنْد ابْن حبَان، وَعَن النُّعْمَان بن بشير عِنْد أَحْمد وَعَن عَليّ وَعقبَة بن عَامر وَعبد الله ابْن عَمْرو ابْن الْعَاصِ وَعبد الله بن أبي أوفى عِنْد الطَّبَرَانِيّ، وَقد ذكرنَا فِي كل مَوضِع بِمَا فتح الله تَعَالَى، وَنَذْكُر هُنَا بعض شَيْء وَمَا علينا إِن وَقع بعض تكْرَار، فَإِن التكرير يُفِيد تكْرَار الْمسك عِنْد التضوع.
قَوْله: (مِمَّن كَانَ قبلكُمْ) ، يَعْنِي من بني إِسْرَائِيل كَمَا فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ الَّتِي ذَكرنَاهَا آنِفا. قَوْله: (يَمْشُونَ) فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ، وَهُوَ قَوْله: ثَلَاثَة نفر، وأضيف: بَيْنَمَا إِلَى هَذِه الْجُمْلَة. وَقَوله: (إِذا أَصَابَهُم) جَوَاب: بَيْنَمَا. قَوْله: (فآووا إِلَى غَار) ، بقصر الْهمزَة، يُقَال: آوى بِنَفسِهِ مَقْصُور، وآويته أَنا بِالْمدِّ، وَقيل: يجوز هُنَا الْقصر وَالْمدّ، وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَأبي يعلى وَالْبَزَّار: فَدَخَلُوا غاراً فَسقط عَلَيْهِم حجر يتجافى حَتَّى مَا يرَوْنَ مِنْهُ، وَفِي رِوَايَة سَالم بن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه عِنْد البُخَارِيّ: حَتَّى أواهم الْمبيت، بِنصب الْمبيت على المفعولية، ووجهوه بِأَن دُخُول الْغَار من فعلهم فَحسن أَن ينْسب الإيواء إِلَيْهِم، وَفِي رِوَايَة مُسلم من هَذَا الْوَجْه: فآواهم المبيتُ بِرَفْع الْمبيت على الفاعلية. قَوْله: (فانطبق عَلَيْهِم) ، أَي: بَاب الْغَار، وَمضى فِي الْمُزَارعَة: فانحطت على فَم غارهم صَخْرَة من الْجَبَل فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِم، وَفِي رِوَايَة سَالم: فدخلوه فانحدرت صَخْرَة من الْجَبَل فَسدتْ عَلَيْهِم الْغَار، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث النُّعْمَان بن بشير: إِذْ وَقع الْحجر من الْجَبَل مِمَّا يهْبط من خشيَة الله حَتَّى سد فَم الْغَار. قَوْله: (إِنَّه) أَي: الشَّأْن. قَوْله: (فليدعُ كل رجل مِنْكُم) ، وَفِي رِوَايَة مُوسَى بن عقبَة: أنظروا أعمالاً عملتموها صَالِحَة لله، وَمثله فِي رِوَايَة مُسلم وَفِي الْبيُوع: أدعوا الله بِأَفْضَل عمل عملتموه، وَفِي رِوَايَة سَالم: أَنه لَا ينجيكم إلَاّ أَن تدعوا الله بِصَالح أَعمالكُم. وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَأنس جَمِيعًا، فَقَالَ بَعضهم: عفى الْأَثر وَوَقع الْحجر وَلَا يعلم بمكانكم إلَاّ الله، أدعوا الله بأوثق أَعمالكُم. وَفِي حَدِيث النُّعْمَان بن بشير إِنَّكُم لن تَجدوا شَيْئا خيرا لكم من أَن يَدْعُو كل امرىء مِنْكُم بِخَير عمل عمله قطّ. قَوْله: (فَقَالَ وَاحِد مِنْهُم) ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت والنسفي: وَقَالَ: أللهم، بِدُونِ ذكر لفظ: وَاحِد مِنْهُم. قَوْله: (إِن كنت تعلم) ، على خلاف مُقْتَضى الظَّاهِر، لأَنهم كَانُوا جازمين بِأَن الله عَالم بذلك فَلَا مجَال لحرف الشَّك فِيهِ، وَأجِيب: بِأَنَّهُم لم يَكُونُوا عَالمين بِأَن لأعمالهم اعْتِبَارا عِنْد الله، وَلَا جازمين، فَقَالُوا: إِن كنت تعلم لَهَا اعْتِبَارا ففرِّج عَنَّا. قَوْله: (على فرق) ، بِفَتْح الْفَاء وَالرَّاء بعْدهَا قَاف، وَقد تسكن الرَّاء و: هُوَ مكيال يسع ثَلَاثَة آصَع. قَوْله: (من أرز) فِيهِ سِتّ لُغَات، قد ذَكرنَاهَا فِيمَا مضى. قَوْله: (عَمَدت) أَي: قصدت. قَوْله: (اشْتريت مِنْهُ بقرًا) ، قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: فِيهِ صِحَة بيع الْفُضُولِيّ؟ قلت: هَذَا شرع من قبلنَا، ثمَّ لَيْسَ فِيهِ أَن الْفرق كَانَ معينا، وَلم يكن فِي الذِّمَّة وَقَبضه الْأَجِير وَدخل فِي ملكه، بل كَانَ هَذَا تَبَرعا مِنْهُ لَهُ. انْتهى. قلت: لَا حَاجَة أصلا إِلَى هَذَا السُّؤَال، لِأَن بيع الْفُضُولِيّ يجوز إِذا أجَازه صَاحب الْمَتَاع، فَلَا يُقَال من أول الْأَمر: إِن البيع غير صَحِيح. قَوْله: (فانساخت) أَي: انشقت، وَأنْكرهُ الْخطابِيّ لِأَن معنى: انساخ، بِالْمُعْجَمَةِ وَيُقَال: انصاخ، بالصَّاد الْمُهْملَة بدل السِّين أَي: انْشَقَّ من قبل نَفسه، قَالَ: وَالصَّوَاب: انساحت، بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي: اتسعت، وَمِنْه: ساحة الدَّار. قَالَ: وانصاح، بالصَّاد الْمُهْملَة بدل السِّين، أَي: تصدع يُقَال للبرق، قيل؛ الرِّوَايَة بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة صَحِيحَة، وَهِي بِمَعْنى: انشقت، وَإِن كَانَ أَصله بالصَّاد فالصاد قد قلبت سيناً، وَلَا سِيمَا مَعَ الْخَاء الْمُعْجَمَة: كالصخر والسخر، وَوَقع فِي حَدِيث سَالم: فانفرجت شَيْئا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوج، وَفِي حَدِيث النُّعْمَان بن بشير: فانصدع الْجَبَل حَتَّى رَأَوْا الضَّوْء، وَفِي حَدِيث عَليّ: فانصدع الْجَبَل حَتَّى طمعوا فِي الْخُرُوج وَلم يستطيعوا، وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَأنس فَزَالَ ثلث الْحجر، قَوْله: (أللهم إِن كنت تعلم أَنه كَانَ لي) ، كَذَا فِي
стр. 4692
رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة أبي ذَر بِحَذْف: أَنه، قَوْله: (أَبَوَانِ) ، من بَاب التغليب وَالْمرَاد الْأَب وَالأُم، وَصرح بذلك فِي حَدِيث ابْن أبي أوفى. قَوْله: (شَيْخَانِ كبيران) ، وَزَاد فِي رِوَايَة أبي ضَمرَة عَن مُوسَى بن عقبَة: ولي صبية صغَار فَكنت أرعى عَلَيْهِم، وَفِي حَدِيث عَليّ: أَبَوَانِ ضعيفان فقيران لَيْسَ لَهما خَادِم وَلَا رَاع وَلَا ولي غَيْرِي فَكنت أرعى لَهما بِالنَّهَارِ وآوي إِلَيْهِمَا بِاللَّيْلِ. قَوْله: (فأبطأت عَنْهُمَا لَيْلَة) ، وَفِي رِوَايَة سَالم: فنأي بِي طلب شَيْء يَوْمًا فَلم أرح عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا، وَالشَّيْء لم يُفَسر مَا هُوَ فِي هَذِه الرِّوَايَة، وَقد بَين فِي روايه مُسلم من طَرِيق أبي ضَمرَة، وَلَفظه: وَأَنه نأي بِي ذَات يَوْم الشّجر، وَالْمرَاد أَنه بعد عَن مَكَانَهُ الَّذِي يرْعَى فِيهِ على الْعَادة لأجل الْكلأ، فَذَلِك أَبْطَأَ، ويفسره أَيْضا حَدِيث عَليّ: فَإِن الْكلأ تناءى عَليّ: أَي: تبَاعد، والكلأ: العشب الَّذِي يرْعَى الْغنم مِنْهُ. قَوْله: (وَأَهلي) مُبْتَدأ (وعيالي) عطف عَلَيْهِ، وَخَبره: (يتضاغون) بضاد وغين معجمتين من الضغاء بِالْمدِّ وَهُوَ الصياح، وَقَالَ الدَّاودِيّ: يُرِيد بالأهل والعيال: الزَّوْجَة وَالْأَوْلَاد وَالرَّقِيق وَالدَّوَاب، وَاعْترض عَلَيْهِ ابْن التِّين، فَقَالَ: لَا معنى للدواب هُنَا. قلت: تدخل الدَّوَابّ فِي الْعِيَال بِالنّظرِ إِلَى الْمَعْنى اللّغَوِيّ، لِأَن معنى قَوْلهم: عَال فلَان، أَي: أنْفق عَلَيْهِ، وَجَاء فِي رِوَايَة سَالم: وَكنت لَا أغبق قبلهمَا أَهلا وَلَا مَالا. فَهَذَا يُقَوي مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (من الْجُوع) ، أَي: بِسَبَب الْجُوع. وَفِيه: رد على مَا قَالَ: لَعَلَّ صِيَاحهمْ كَانَ بِسَبَب آخر غير الْجُوع. قَوْله: (فَكرِهت أَن أوقظهما) ، وَفِي حَدِيث عَليّ: ثمَّ جَلَست عِنْد رؤوسهما بإنائي كَرَاهِيَة أَن أوقظهما أَو أؤذيهما، وَفِي حَدِيث أنس: كَرَاهِيَة أَن أرد وسنهما، وَفِي حَدِيث ابْن أبي أوفى: وكرهت أَن أوقظهما من نومهما، فَيشق ذَلِك عَلَيْهِمَا. قَوْله: (ليستكنا) من الاستكانة أَي: ليضعفا لِأَنَّهُ عشاؤهما وَترك الْعشَاء يهرم. قَوْله: (لشربتهما) ، أَي: لأجل عدم شربهما، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى: ليستكنا، يَعْنِي بتَشْديد النُّون، أَي: يلبثا فِي كنهما منتظرين لشربهما. قَوْله: (فَأَبت) ، أَي: امْتنعت، وَفِي رِوَايَة مُوسَى بن عقبَة: فَقَالَت: لَا تنَال ذَلِك مِنْهَا، حَتَّى قَوْله: (بِمِائَة دِينَار) وَفِي رِوَايَة سَالم: فأعطيتها عشْرين وَمِائَة دِينَار وَطلب الْمِائَة مِنْهَا وَالزِّيَادَة من قبل نَفسه أَو الرَّاوِي الَّذِي لم يذكر الزِّيَادَة طرحها، وَفِي حَدِيث ابْن أبي أوفى: مَالا ضخماً. قَوْله: (فَلَمَّا قعدت بَين رِجْلَيْهَا) ، وَفِي حَدِيث ابْن أبي أوفى: وَجَلَست مِنْهَا مجْلِس الرجل من الْمَرْأَة. قَوْله: (لَا تفض) ، بالفاى وَالضَّاد الْمُعْجَمَة أَي: لَا تكسر (والخاتم) كِنَايَة عَن عذرتها وَكَأَنَّهَا كَانَت بكرا. فَإِن قلت: فِي حَدِيث النُّعْمَان مَا يدل على أَنَّهَا لم تكن بكرا. قلت: يحمل على أَنَّهَا أَرَادَت بالخاتم الْفرج، وَالْألف واللَاّم فِي: الْخَاتم، عوض عَن الْيَاء أَي: خَاتمِي. قَوْله: (إلَاّ بِحقِّهِ) أَي: الْحَلَال، أَرَادَت أَنَّهَا لَا تحل لَهُ إلَاّ بتزويج صَحِيح، وَوَقع فِي حَدِيث عَليّ: فَقَالَت: أذكرك الله أَن لَا ترتكب مني مَا حرم الله عَلَيْك. قَالَ: أَنا أَحَق أَن أَخَاف رَبِّي، وَفِي حَدِيث النُّعْمَان بن بشير: فَلَمَّا أمكنتني من نَفسهَا، بَكت، فَقلت: مايبكيك؟ قَالَت: فعلت هَذَا من الْحَاجة، فَقلت: إنطلقي. وَفِي حَدِيث ابْن أبي أوفى: فَلَمَّا جَلَست مِنْهَا مجْلِس الرجل من الْمَرْأَة ذكرت النَّار، فَقُمْت عَنْهَا.
٤٥ - (بابٌ)
أَي: هَذَا بَاب، وَهُوَ كالفصل لما قبله، وَلَيْسَ فِي أَكثر النّسخ لفظ: بَاب.
٦٦٤٣ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ أخْبرنَا شُعَيْبٌ حدَّثنا أبُو الزِّنادِ عنْ عبدِ الرَّحْمانِ حدَّثَهُ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّهُ سَمِعَ رسُولَ الله ﷺ يَقولُ بَيْنَا امْرَأةٌ تُرْضِعُ ابْنَهَا إذْ مَرَّ بِهَا رَاكِبٌ وهْيَ تُرْضِعُهُ فقالَتِ اللَّهُمَّ لَا تُمِتْ ابْنِي حتَّى يَكُونَ مِثْلَ هذَا فَقَالَ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ ثُمَّ رَجعَ فِي الثَّدْيِ ومُرَّ بامْرَأةٍ تُجَرَّرُ ويُلْعَبُ بِهَا فقالَتْ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا فَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا فقالَ أمَّا الرَّاكِبُ فإنَّهُ كافِرٌ وأمَّا المَرْأةُ فإنَّهُمْ يَقُولُونَ لَهَا تَزْنِي وتَقولُ حَسْبِيَ الله ويَقُولونَ تَسْرِقُ وتَقولُ حَسْبِيَ الله.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن وَقع هَذَا كَانَ فِي أَيَّام بني إِسْرَائِيل، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن هُرْمُز
стр. 4693
الْأَعْرَج، وَمضى الحَدِيث فِي: بَاب ﴿وَاذْكُر فِي الْكتاب مَرْيَم﴾ (مَرْيَم: ٦١) . عَن قريب، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (مر) ، بِلَفْظ الْمَجْهُول. قَوْله: (تجرر) ، بالراء.
٧٦٤٣ - حدَّثنا سعَيدُ بنُ تَليدٍ حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ قَالَ أخبرَنِي جَرِيرُ ابنُ حازِمٍ عنْ أيُّوبَ عنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النَّبيُّ ﷺ بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ إذْ رأتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إسْرَائِيلَ فنزَعَتْ مُوقَها فسَقَتْهُ فنُفِرَ لَهَا بِهِ. (انْظُر الحَدِيث ١٢٣٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَسَعِيد هُوَ سعيد بن عِيسَى بن سعيد بن تليد، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر اللَّام: أَبُو عُثْمَان الرعيني الْمصْرِيّ وَهُوَ من أَفْرَاده، وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحَيَوَان
قَوْله: (يطِيف) بِضَم أَوله من أطاف يطِيف بعنى: طَاف يطوف طوفاً، وَهُوَ الدوران حول الشَّيْء. قَوْله: (بركية) بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْكَاف وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: وَهِي الْبِئْر مطوية كَانَت أَو غير مطوية، وَغير المطوية يُقَال لَهَا: جب، وقليب، وَقيل: الركي، الْبِئْر قبل أَن تطوى، فَإِذا طويت فَهِيَ الطوى. قَوْله: (بغي) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْيَاء: وَهِي الزَّانِيَة، وَتجمع على: بَغَايَا، قَوْله: (موقها) بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْوَاو وَفِي آخِره قَاف، قَالَ بَعضهم: هُوَ الْخُف. قلت: لَا بل الموق هُوَ الَّذِي يلبس فَوق الْخُف وَيُقَال لَهُ: الجرموق أَيْضا وَهُوَ فَارسي مُعرب (بِهِ) فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَلَيْسَ هُوَ فِي رِوَايَة غَيره، وَقد مضى فِي كتاب الشّرْب عَن أبي هُرَيْرَة نَحْو هَذَا، وَلَكِن الْقَضِيَّة للرجل، وَكَذَا وَقع فِي الطَّهَارَة فِي شَأْن الرجل. قَالَ بَعضهم: يحْتَمل تعدد الْقَضِيَّة. قلت: بل يقطع بِأَنَّهُ قضيتان: إِحْدَاهمَا للرجل، الْأُخْرَى: للْمَرْأَة، وَإِنَّمَا يُقَال: يحْتَمل تعدد الْقَضِيَّة أَن لَو كَانَت لوَاحِد، فَافْهَم.
٨٦٤٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عَن حُمَيْدِ ابنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّهُ سَمِعَ مُعاوِيَةَ بنِ أبِي سُفْيانَ عامَ حَجَّ علَى المِنْبَرِ فتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعَرٍ كانَتْ فِي يَدَيْ حَرَسِيٍّ فَقَالَ يَا أهْلَ المَدِينَةِ أيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَنْهَى عنْ مِثْلِ هَذِهِ ويَقُولُ إنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ حينَ اتَّخَذَهَا نَسَاؤُهُم. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِنَّمَا هَلَكت بَنو إِسْرَائِيل) .
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي اللبَاس عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك وَعَن ابْن أبي عَمْرو عَن حَرْمَلَة بن يحيى وَعَن عبد بن حميد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي التَّرَجُّل عَن القعْنبِي بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان عَن سُوَيْد بن نصر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن قُتَيْبَة عَن سُفْيَان بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَام حج) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ عَن سعيد بن الْمسيب: آخر قدمة قدامها، وَكَانَ ذَلِك فِي سنة إِحْدَى وَخمسين وَهِي آخر حجَّة حَجهَا مُعَاوِيَة فِي خِلَافَته. قَوْله: (على الْمِنْبَر) ، حَال من مُعَاوِيَة، وَالْمرَاد بِهِ: مِنْبَر رَسُول الله، ﷺ . قَوْله: (قُصة) ، بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الصَّاد الْمُهْملَة: وَهِي شعر الرَّأْس من جِهَة الناصية. وَهنا المُرَاد مِنْهُ قِطْعَة، من: قصصت الشّعْر أَي: قطعته. قَوْله: (حرسي) مَنْسُوب إِلَى الحراس أحد الحرس وهم الَّذين يَحْرُسُونَ السُّلْطَان. قَالَ الْكرْمَانِي: الْوَاحِد حرسي لِأَنَّهُ قد صَار اسْم جنس فنسب إِلَيْهِ، وَلَا تقل حارس إلَاّ أَن تذْهب بِهِ إِلَى معنى الحراسة دون الْجِنْس، وَيُطلق الحرسي وَيُرَاد بِهِ الجندي. قَوْله: (فَقَالَ: يَا أهل الْمَدِينَة) أَي: يَا أهل الْمَدِينَة. وَفِي أَكثر النّسخ لفظ: يَا، غير محذوفة. قَوْله: (أَيْن عُلَمَاؤُكُمْ؟) قَالَ بَعضهم: فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن الْعلمَاء إِذْ ذَاك فيهم كَانُوا قَلِيلا وَهُوَ كَذَلِك، لِأَن غَالب الصَّحَابَة يَوْمئِذٍ كَانُوا قد مَاتُوا وَكَانَ رَأْي جهال عوامهم صَنَعُوا ذَلِك، فَأَرَادَ أَن يذكر علماءهم ويؤنبهم بِمَا تَرَكُوهُ من الْإِنْكَار فِي ذَلِك. قلت: إِن كَانَ غَالب الصَّحَابَة مَاتُوا فِي ذَلِك الْوَقْت فقد قَامَ مقامهم أَكثر مِنْهُم جمَاعَة من التَّابِعين الْكِبَار
стр. 4694
وَالصغَار وأتباعهم، وَلم يكن مُعَاوِيَة قصد هَذَا الْمَعْنى الَّذِي ذكره هَذَا الْقَائِل، وَإِنَّمَا كَانَ قَصده الْإِنْكَار عَلَيْهِم بإهمالهم إِنْكَار مثل هَذَا الْمُنكر وغفلتهم عَن تَغْيِيره، وَفِي هَذَا اعتناء الْوُلَاة بِإِزَالَة الْمُنْكَرَات وتوبيخ من أهملها. قَوْله: (وَيَقُول) ، عطف على قَوْله: (وَينْهى) أَي: يَقُول النَّبِي ﷺ . قَوْله: (إِنَّمَا هَلَكت بَنو إِسْرَائِيل حِين اتخذها) أَي: حِين اتخذ الْقِصَّة نِسَاؤُهُم، وَكَانَ هَذَا سَببا لهلاكهم، فَدلَّ على أَن ذَلِك كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِم، فَلَمَّا فَعَلُوهُ مَعَ مَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِك مِمَّا ارتكبوا من الْمعاصِي هَلَكُوا. وَفِيه: معاقبة الْعَامَّة بِظُهُور الْمُنكر.
٩٦٤٣ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي سلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إنَّهُ قَدْ كانَ فِيمَا مَضَى قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ وإنَّهُ إنْ كانَ فِي أُمَّتِي هَذهِ مِنْهُمْ فإنَّهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ. (الحَدِيث ٩٦٤٣ طرفه فِي: ٩٨٦٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فِيمَا مضى قبلكُمْ من الْأُمَم) . وَعبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى الْقرشِي الأويسي الْمَدِينِيّ وَهُوَ من أَفْرَاده، وَإِبْرَاهِيم بن سعد يروي عَن أَبِيه سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَسعد يروي عَن عَمه أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي فضل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن يحيى بن قزعة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي المناقب عَن مُحَمَّد بن رَافع وَالْحسن بن مُحَمَّد.
قَوْله: (إِنَّه) أَي: إِن الشَّأْن قد كَانَ فِيمَا مضى قبلكُمْ من الْأُمَم، أَرَادَ: بني إِسْرَائِيل. قَوْله: (محدثون) ، بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة الْمُشَدّدَة جمع: مُحدث، قَالَ الْخطابِيّ: الْمُحدث الملهم الَّذِي يلقِي الشَّيْء فِي روعه فَكَأَنَّهُ قد حدث بِهِ يظنّ فَيُصِيب، ويخطر الشَّيْء بِبَالِهِ فَيكون، وَهِي منزلَة جليلة من منَازِل الْأَوْلِيَاء، وَقيل: الْمُحدث هُوَ من يجْرِي الصَّوَاب على لِسَانه، وَقيل: من تكَلمه الْمَلَائِكَة. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: أَخْبرنِي بعض أَصْحَاب أبي عُيَيْنَة، قَالَ: محدثون، يَعْنِي: مفهمون. وَقَالَ ابْن وهب: ملهمون، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: يصيبون إِذا ظنُّوا وَحَدثُوا. وَقَالَ ابْن التِّين: يَعْنِي متفرسون. وَقَالَ النَّوَوِيّ حاكياً عَن البُخَارِيّ: يجْرِي الصَّوَاب على ألسنتهم، وَهَذِه الْمعَانِي مُتَقَارِبَة. قَوْله: (وَإنَّهُ) أَي: وَإِن الشَّأْن أَن كَانَ فِي أمتِي مِنْهُم، أَي: من الْمُحدثين، فَإِنَّهُ عمر بن الْخطاب قَالَ ﷺ ذَلِك على سَبِيل التوقع، وَقد وَقع ذَلِك بِحَمْد الله تَعَالَى. وَفِيه منقبة عَظِيمَة لعمر بن الْخطاب ﵁
وَفِيه: كَرَامَة الْأَوْلِيَاء وَأَنَّهَا لَا تَنْقَطِع إِلَى يَوْم الدّين.
٠٧٤٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبي عَدِيٍّ عنْ شُعْبَةَ عنْ قَتَادَةَ عنْ أبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِي عنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ كانَ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ رجُلٌ قتَلَ تِسْعَةً وتِسْعِينَ إنْسَاناً ثُمَّ خَرَجَ يَسْألُ فأتَى رَاهِبَاً فسَألَهُ فَقَالَ لَهُ هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ قَالَ لَا فقَتَلَهُ فجَعَلَ يَسْألُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ ائْتِ قَرْيَةَ كَذَا وكَذَا فأدْرَكَهُ المَوْتُ فَناءَ بِصَدْرِهِ نَحْوَهَا فاخْتَصَمَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلَائِكَةُ العَذَابِ فأوْحَى الله إِلَى هاذِهِ أنْ تَقَرَّبِي وأوْحَى الله إلَى هَذِهِ أنْ تَبَاعَدِي وَقَالَ قِيسُوا مَا بَيْنَهُمَا فَوُجِدَ إلَى هَذِهِ أقْرَبَ بِشِبْرٍ فغُفِرَ لَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الصّديق، بِكَسْر الْمُهْمَلَتَيْنِ وَتَشْديد الثَّانِيَة: واسْمه بكر بن قيس، أَو: بكر بن عَمْرو النَّاجِي، بالنُّون وَتَخْفِيف الْجِيم وَتَشْديد الْيَاء نِسْبَة إِلَى: نَاجِية بنت غَزوَان أُخْت عتبَة بن لؤَي وَهِي قَبيلَة كَبِيرَة، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن بنْدَار بِهِ وَعَن عبيد الله بن معَاذ وَعَن أبي مُوسَى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الدِّيات عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
قَوْله: (ثمَّ خرج يسْأَل) ، أَي: عَن التَّوْبَة وَالِاسْتِغْفَار، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق هِشَام عَن قَتَادَة، يسْأَل عَن أعلم أهل الأَرْض؟ فَدلَّ على رَاهِب. قَوْله: (فَأتى رَاهِبًا) ، الراهب وَاحِد رُهْبَان النَّصَارَى وَهُوَ الْخَائِف والمتعبد. قيل: فِيهِ إِشْعَار بِأَن ذَلِك كَانَ بعد رفع عِيسَى، ﵊، لِأَن الرهبانية إِنَّمَا ابتدعها أَتْبَاعه
стр. 4695
كَمَا نَص عَلَيْهِ فِي الْقُرْآن. قَوْله: (فَقَالَ لَهُ: هَل من تَوْبَة؟) يَعْنِي: فَقَالَ للراهب: هَل من تَوْبَة لي؟ وَفِي بعض النّسخ فَقَالَ: لَهُ تَوْبَة؟ وَقَالَ بعض شراحه: حذف أَدَاة الإستفهام، وَفِيه تَجْرِيد لِأَن حق الْقيَاس أَن يَقُول: أَلِي تَوْبَة؟ قلت: لَيْسَ هَذَا بتجريد، وَإِنَّمَا هُوَ الْتِفَات. وَقَوله: لِأَن حق الْقيَاس، غير موجه لِأَنَّهُ لَا قِيَاس هُنَا، وَإِنَّمَا يُقَال فِي مثل هَذَا: لِأَن مُقْتَضى الظَّاهِر أَن يُقَال كَذَا. قَوْله: (فَقتله) أَي: قتل الراهب الَّذِي سَأَلَهُ وأجابه بِلَا. قَوْله: (فَجعل يسْأَل) أَي: من النَّاس ليدلوه على من يَأْتِي إِلَيْهِ فيسأله عَن التَّوْبَة. قَوْله: (فَقَالَ لَهُ رجل: ائتِ قَرْيَة كَذَا وَكَذَا) ، وَزَاد فِي رِوَايَة هِشَام فَإِن بهَا أُنَاسًا يعْبدُونَ الله فاعبد الله مَعَهم وَلَا ترجع إِلَى أَرْضك فَإِنَّهَا أَرض سوء، فَانْطَلق حَتَّى إِذا كَانَ نصف الطَّرِيق أَتَاهُ الْمَوْت. قَوْله: (فأدركه الْمَوْت) ، أَي: فِي الطَّرِيق، وَالْفَاء فِيهِ فصيحة تَقْدِيره: فَذهب إِلَى تِلْكَ الْقرْيَة فأدركه الْمَوْت، وَالْمرَاد إِدْرَاك أَمَارَات الْمَوْت. قَوْله: (فنَاء) بنُون وَمد وَبعد الْألف همزَة، أَي: مَال بصدره إِلَى نَاحيَة تِلْكَ الْقرْيَة الَّتِي توجه إِلَيْهَا للتَّوْبَة وَالْعِبَادَة، وَقيل: فنى، على وزن سعى بِغَيْر مد أَي بعد، فعلى هَذَا الْمَعْنى بَعُدَ عَن الأَرْض الَّتِي خرج مِنْهَا. وَقيل: قَوْله فنَاء بصدره مدرج، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه قَالَ فِي آخر الحَدِيث: قَالَ قَتَادَة: قَالَ الْحسن: ذكر لنا أَنه لما أَتَاهُ الْمَوْت ناء بصدره. قَوْله: (فاختصمت فِيهِ) ، وَزَاد فِي رِوَايَة هِشَام. فَقَالَت مَلَائِكَة الرَّحْمَة: جَاءَنَا تَائِبًا مُقبلا بِقَلْبِه إِلَى الله تَعَالَى. وَقَالَت مَلَائِكَة الْعَذَاب: إِنَّه لم يعْمل خيرا قطّ، فَأَتَاهُم ملك فِي صُورَة آدَمِيّ فجعلوه حكما بَينهم فَقَالَ: قيسوا مَا بَين الْأَرْضين، فَإلَى أَيهمَا كَانَ أدنى فَهُوَ لَهَا. قَوْله: (فَأوحى الله إِلَى هَذِه) أَي: إِلَى الْقرْيَة المتوجه إِلَيْهَا (أَن تقربي) كلمة أَن، تفسيرية. قَوْله: (وَأوحى إِلَى هَذِه) أَي: إِلَى الْقرْيَة المتوجه مِنْهَا: (أَن تباعدي) . قَوْله: (قيسوا مَا بَينهمَا) أَي: مَا بَين القريتين، وَقَالَ بَعضهم مُتَعَجِّبا: وَقعت لي تَسْمِيَة القريتين المذكورتين من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ فِي (الْكَبِير) للطبراني، قَالَ: فِيهِ أَن اسْم الْقرْيَة الصَّالِحَة نصْرَة وَاسم الْقرْيَة الْآخِرَة كفرة. قلت: هَذَا لَيْسَ مَحل التَّعَجُّب والاستغراب فَإِن اسْمهَا مَذْكُور فِي مَوَاضِع كَثِيرَة، وَقد ذكرهَا أَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي فِي (تَنْبِيه الغافلين) . قَوْله: (فَوجدَ إِلَى هَذِه) ، أَي: إِلَى الْقرْيَة الَّتِي توجه إِلَيْهَا. قَوْله: (فغفر لَهُ) أَي: غفر الله لَهُ. فَإِن قيل: حُقُوق الْآدَمِيّين لَا تسْقط بِالتَّوْبَةِ بل لَا بُد من الاسترضاء. وَأجِيب: بِأَن الله تَعَالَى إِذا قبل تَوْبَة عَبده يرضى خَصمه.
وَفِي الحَدِيث: مَشْرُوعِيَّة التَّوْبَة من جَمِيع الْكَبَائِر حَتَّى من قتل النَّفس، وَقَالَ القَاضِي: مَذْهَب أهل السّنة أَن التَّوْبَة تكفر الْقَتْل كَسَائِر الذُّنُوب، وَمَا رُوِيَ عَن بَعضهم من تَشْدِيد فِي الزّجر وتقنيط عَن التَّوْبَة، فَإِنَّمَا رُوِيَ ذَلِك لِئَلَّا تجترىء النَّاس على الدِّمَاء، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ (النِّسَاء: ٨٤ و ٦١١) . فَكل مَا دون الشّرك يجوز أَن يغْفر لَهُ. وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم﴾ (النِّسَاء: ٣٩) . فَمَعْنَاه: جَزَاؤُهُ أَن جازاه وَقد لَا يجازى بل يعْفُو عَنهُ، وَإِذا اسْتحلَّ قَتله بِغَيْر حق وَلَا تَأْوِيل فَهُوَ كَافِر يخلد فِي النَّار إِجْمَاعًا. وَفِيه: فضل الْعَالم على العابد، لِأَن الَّذِي أفتاه أَولا بِأَن لَا تَوْبَة لَهُ غلبت عَلَيْهِ الْعِبَادَة، فاستعظم وُقُوع مَا وَقع من ذَلِك الْقَاتِل من استجرائه على قتل هَذَا الْعدَد الْكثير، وَأما الثَّانِي فغلب عَلَيْهِ الْعلم فأفتاه بِالصَّوَابِ ودله على طَرِيق النجَاة. وَفِيه: حجَّة من أجَاز التَّحْكِيم، وَأَن المحكمان إِذا رَضِيا جَازَ عَلَيْهِمَا الحكم. وَفِيه: أَن للْحَاكِم، إِذا تَعَارَضَت عِنْده الْأَحْوَال وتعذرت الْبَينَات، أَن يسْتَدلّ بالقرائن على التَّرْجِيح. وَفِيه: من جَوَاز الِاسْتِدْلَال على أَن فِي بني آدم من يصلح للْحكم بَين الْمَلَائِكَة. وَفِيه: رَجَاء عَظِيم لأَصْحَاب العظائم.
١٧٤٣ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا أبُو الزِّنَادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي سلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أقْبَلَ علَى النَّاسِ فَقالَ بَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إذْ رَكِبَهَا فضَرَبَهَا فقالَتْ إنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهاذَا إنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ فقالَ النَّاسُ سُبْحَانَ الله بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ فإنِّي أُومِنُ بِهَذَا أنَا وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وَمَا هُما ثَمَّ وبَيْنَمَا رَجُلٌ فِي غَنَمِهِ إذْ عَدَا الذِّئْبُ فذَهَبَ مِنْهَا بِشاةٍ فطَلَبَ حتَّى كأنَّهُ اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ هَذَا
следующие страницы →