Полный текст (7 603 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.
стр. 5391
أَن يُجَاب عَمَّا سَأَلَهُ الْكرْمَانِي، لم كَانَ رَسُول الله ﷺ أَحَق وَهُوَ أفضل؟ بل هُوَ أَحَق بِعَدَمِ الشَّك؟ وَجَوَابه: أَنه قَالَ ذَلِك: تواضعا وهضما لنَفسِهِ بِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَن نَظِير.
٤٧ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿أيَوَدُّ أحَدُكُمْ أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٦٦)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَوْله: (أيود أحدكُم) . الْآيَة، هَذَا الْمِقْدَار من الْآيَة وَقع عِنْد جَمِيع الروَاة. قَوْله: (أيود) الْهمزَة فِيهِ للإنكار. قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ: وَقيل: هُوَ مُتَّصِل بقوله: (وَلَا تُبْطِلُوا) ، وَهَذِه الْآيَة مثل لعمل من أحسن الْعَمَل أَو لَا ثمَّ بعد ذَلِك انعكس سيره فبدل الْحَسَنَات بالسيئات فَأبْطل بِعَمَلِهِ الثَّانِي مَا أسلفه فِيمَا تقدم من الصَّالح، وَاحْتَاجَ إِلَى شَيْء من الأول فِي أضيق الْأَحْوَال فَلم يحصل مِنْهُ شَيْء وخانه أحْوج مَا كَانَ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ: (وأصابه الْكبر) الْآيَة. قَوْله: (جنَّة) ، أَي: بُسْتَان. قَوْله: (من نخيل) ، وَهُوَ إِمَّا جمع نَادرا أَو اسْم جنس، وَإِنَّمَا خص هذَيْن بِالذكر لِأَنَّهُمَا من أكْرم الشّجر وَأكْثر الْمَنَافِع. قَوْله: (لَهُ فِيهَا من كل الثمرات) ، أَي: لأحدكم فِي الْجنَّة من كل الثمرات، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا بعد ذكر النخيل وَالْأَعْنَاب تَغْلِيبًا لَهما على غَيرهمَا، ثمَّ أدرفهما بِذكر الثمرات. قيل: يجوز أَن يُرِيد بالثمرات الْمَنَافِع الَّتِي كَانَت تحصل لَهُ فِيهَا. قَوْله: (وأصابه الْكبر) ، أَي: وَالْحَال أَنه أَصَابَهُ الْكبر. وَقيل: عطف ماضٍ على مُسْتَقْبل قَالَ الْفراء: هُوَ جَائِز لِأَنَّهُ يَقع مَعهَا لَو تَقول: وددت لَو ذهبت عَنَّا. وودت أَن يذهب عَنَّا. قَوْله: (وَله ذُرِّيَّة ضعفاء) ، وقرىء: ضِعَاف. قَوْله: (فأصابها) ، أَي الْجنَّة الْمَذْكُورَة. قَوْله: (إعصار) ، وَهِي الرّيح الشَّدِيدَة، وَقد مر تَفْسِيره عَن قريب، وَيجمع على أعاصير. قَوْله: (فِيهِ نَار) أَي: فِي الإعصار نَار من السمُوم الحارة القتالة. قَوْله: (وَكَذَلِكَ) أَي: كَمَا بَين الأقاصيص والأمثال (يبين الله لكم الْآيَات) أَي: العلامات (لَعَلَّكُمْ تتفكرون) أَي: تعتبرون وتفهمون الْأَمْثَال والمعاني وتنزلونها على المُرَاد مِنْهَا.
٤٥٣٨ - ح دَّثنا إبْرَاهِيمُ أخبرنَا هِشَامُ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ أبِي مُلَيْكَةَ يُحَدِّثُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ وَسَمِعْتُ أخاهُ أَبَا بَكْرٍ بنَ أبِي مُلَيْكَةَ يُحَدِّثُ عنْ عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ قَالَ قَالَ عُمَرُ ﵁ يَوْمَا لأصْحَابِ النَّبيِّ ﷺ فِيمَ تُرَوْنَ هاذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ أيَوَدُّ أحَدُكُمْ أنْ تَكُونَ لهُ جَنَّةٌ قَالُوا الله أعْلَمُ فَغَضِبَ عُمَرُ فَقَالَ قُولُوا نَعْلَمُ أوْ لَا نَعْلَمُ فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْءٌ يَا أمِيرَ المُؤْمِنينَ قَال عُمَرُ يَا ابنَ أخِي قُلْ وَلا تَحْقِرْ نَفْسَكَ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ضُرِبَتْ مَثلاً لِعَمَلٍ قَالَ عُمَرُ أيُّ عَمَلٍ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ لِعَمَلٍ قَالَ عُمَرُ لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ بِطاعَةِ الله ثُمَّ بعَثَ الله لهُ الشَّيْطَانَ فَعَمِلَ بِالمَعَاصِي حَتَّى أغْرَقَ أعْمَالهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن مُوسَى الْفراء، وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ، وَابْن جريج هُوَ عبد الْعَزِيز بن عبد الْملك ابْن جريج. وَأَبُو بكر بن أبي مليكَة لَا يعرف اسْمه. . قَالَه بَعضهم: وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَأَخُوهُ عبد الله أَيْضا يكنى بِأبي بكر تَارَة وَتارَة بِأبي مُحَمَّد، وَعبيد بن عُمَيْر كِلَاهُمَا مصغران أَبُو عَاصِم اللَّيْثِيّ الْمَكِّيّ ولد فِي زمن النَّبِي ﷺ ، وسماعه من عمر صَحِيح قَوْله: (وَسمعت أَخَاهُ) هُوَ مقول ابْن جريج والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: فيمَ، بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف أَي فِي أَي شَيْء قَوْله: (ترَوْنَ) بِضَم أَوله. قَوْله: (شَيْء) أَي: من الْعلم بِهِ. قَوْله: (مثلا) بِفتْحَتَيْنِ قَالَ أهل البلاغة: التَّشْبِيه التمثيلي مَتى فشى اسْتِعْمَاله على سَبِيل الِاسْتِعَارَة يُسمى مثلا قَوْله: غَنِي اسْم فِي مُقَابل الْفَقِير ويروى عني. من الْعِنَايَة على لفظ الْمَجْهُول. قَوْله: (أغرق) بالغين الْمُعْجَمَة. أَي: أضاع أَعماله الصَّالِحَة بِمَا ارْتكب من الْمعاصِي. قيل: فِيهِ دَلِيل للمعتزلة فِي مَسْأَلَة إحباط الطَّاعَة بالمعصية، ورد بِأَن الْكفْر محبط للأعمال والأغراق. لَا يسْتَلْزم الإحباط.
٤٨ - (بابٌ: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحافا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٧٣)
.
стр. 5392
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يسْأَلُون النَّاس إلحافا﴾ وَله ﴿للْفُقَرَاء الَّذين أحْصرُوا فِي سَبِيل الله لَا يَسْتَطِيعُونَ ضربا فِي الأَرْض يَحْسبهُم الْجَاهِل أَغْنِيَاء من التعفف تعرفهم بِسِيمَاهُمْ لَا يسْأَلُون النَّاس إلحافا وَمَا تنفقوا من خير فَإِن الله بِهِ عليم﴾ هَذِه الْآيَة نزلت فِي أَصْحَاب الصّفة وَهِي سَقِيفَة كَانَت فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ . وَكَانُوا أَرْبَعمِائَة رجل من مُهَاجِرِي قُرَيْش لم يكن لَهُم مسَاكِن فِي الْمَدِينَة وَلَا عشائر، يتعلمون الْقُرْآن بِاللَّيْلِ يرضخون النَّوَى بِالنَّهَارِ، وَكَانُوا يخرجُون فِي كل سَرِيَّة بعثها رَسُول الله ﷺ ، فَمن كَانَ بِهِ فضل أَتَى بِهِ إِلَيْهِم إِذا أَمْسَى. قَوْله: (للْفُقَرَاء) أَي: اجعلوا مَا تنفقون (للْفُقَرَاء الَّذين أحْصرُوا فِي سَبِيل الله) أَي: الْجِهَاد (لَا يَسْتَطِيعُونَ) لاشتغالهم بِهِ (ضربا فِي الأَرْض) يَعْنِي سفرا للتسبب فِي المعاش. قَوْله: (يسبهم الْجَاهِل) أَي: الْجَاهِل بحالهم (أَغْنِيَاء من التعفف) أَي: من أجل تعففهم عَن الْمَسْأَلَة. قَوْله: (تعرفهم) الْخطاب للنَّبِي ﷺ ، وَقيل: لكل رَاغِب فِي معرفَة حَالهم قَوْله: (بِسِيمَاهُمْ) أَي: بِمَا يظْهر لِذَوي الْأَلْبَاب من صفاتهم. صفرَة الْوَجْه ورثاثة الْحَال. قَوْله: (لَا يسْأَلُون النَّاس) أَي: من صفاتهم أَن لَا يسْأَلُون النَّاس (إلحافا) أَي: إلحاحا وَهُوَ اللُّزُوم، وَأَن لَا يُفَارق إلَاّ بِشَيْء يعطاه، وانتصابه على أَنه صفة مصدر مَحْذُوف أَي: سؤالاً لحاحا بِمَعْنى: ملحا وَقَالَ بَعضهم: وانتصاب: الحافا، على أَنه مصدر فِي مَوضِع الْحَال أَي: لَا يسْأَلُون فِي حَال الإلحاف، أَو: مفعول لأَجله أَي: لَا يسْأَلُون لأجل الإلحاف انْتهى. (قلت) : لَيْسَ فِيمَا قَالَه صَوَاب إلاّ قَوْله: على أَنه مصدر، فَقَط يفهمهُ من لَهُ ذوق من التَّصَرُّف فِي الْكَلَام. (فَإِن قلت) هَذِه الصّفة تَقْتَضِي السُّؤَال بالتلطف دون الإلحاح. وَقَوله: (يَحْسبهُم الْجَاهِل أَغْنِيَاء من التعفف) يَقْتَضِي نفي السُّؤَال مُطلقًا. (قلت) : الْجَواب المرضي أَن يُقَال: لَو فرض السُّؤَال مِنْهُم لَكَانَ على وَجه التلطف فَلَا يَقْتَضِي وجوده لِأَن الْمحَال يفْرض كثيرا وَلَا يلْزم من فَرْضه وجوده.
يُقَالُ الْحَفَ عَلَيَّ وَأَلَحَّ عَلَيَّ وَأَحْفَانِي بِالْمَسْأَلَةِ فَيُحْفِكُمْ يُجْهِدْكُمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن قَوْله الحف عليّ وألح عَليّ وأحفاني بِالْمَسْأَلَة بِمَعْنى وَاحِد، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، والإلحاف من قَوْلهم: ألحفني من فضل لِحَافه. أَي: غطاني من فضل مَا عِنْده، وَقيل: اشتقاقه من اللحاف لاشْتِمَاله على وجود الطّلب فِي الْمَسْأَلَة كاشتمال اللحاف فِي الغطية. قَوْله: (وأحفاني) ، من قَوْلهم: أحفى فلَان بِصَاحِبِهِ وحفى بِهِ وحفي لَهُ إِذا بَالغ فِي السُّؤَال. قَوْله: (فيحفكم) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يسألكم أَمْوَالكُم إِن يسألوكموها فيحفكم تبخلوا﴾ (مُحَمَّد: ٣٧) وَفسّر قَوْله فيحفكم بقوله: يجهدكم يَعْنِي: يجهدكم فِي السُّؤَال بالإلحاح.
٤٥٣٩ - ح دَّثنا ابنُ أبِي مَرْيَم حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قَالَ حدَّثني شَرِيك بنُ أبِي نِمَرٍ أنَّ عَطَاءَ ابنَ يسارٍ وَعَبْدَ الرَّحْمانِ بن أبِي عَمْرَةَ الأَنْصَارِيَّ قَالا سَمِعْنَا أبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ قَالَ النبيُّ ﷺ لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرْدُّهُ الثَمْرَةُ وَالثَّمْرَتَانِ وَلا اللُّقْمَةُ وَلَا اللُّقْمَتانِ إنَّمَا المِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَفُ وَاقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاس إلُحَافا﴾ .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَابْن أبي مَرْيَم هُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم بن أبي مَرْيَم أَبُو مُحَمَّد الْمصْرِيّ، وَمُحَمّد بن جَعْفَر بن أبي كثير أَخُو إِسْمَاعِيل، وَشريك بن أبي نمرّ بِلَفْظ الْحَيَوَان الْمَشْهُور مر فِي الْعلم، وَعَطَاء بن يسَار ضد الْيَمين.
والْحَدِيث مر فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿لَا يسْأَلُون النَّاس إلحافا﴾ عَن أبي هُرَيْرَة من وَجْهَيْن (الأول) : عَن حجاج بن منهال عَن شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة (وَالثَّانِي) : عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (يتعفف) ، أَي: يحْتَرز عَن السُّؤَال ويحسب الْجَاهِل غَنِيا. قَوْله: (واقرؤوا إِن شِئْتُم) ، يَعْنِي: قَوْله: (لَا يسْأَلُون النَّاس إلحافا) قَائِل قَوْله: يَعْنِي، هُوَ سعيد بن أبي مَرْيَم شيخ البُخَارِيّ، وَذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته فَإِنَّهُ أخرجه عَن الْحسن بن سُفْيَان عَن حميد بن زَنْجوَيْه عَن سعيد بن أبي مَرْيَم بِسَنَدِهِ، وَقَالَ فِي آخِره: (قلت) : لسَعِيد بن أبي مَرْيَم
стр. 5393
مَا يقْرَأ؟ يَعْنِي فِي قَوْله: (واقرؤوا إِن شِئْتُم) ؟ قَالَ: ﴿للْفُقَرَاء الَّذين أحْصرُوا فِي سَبِيل الله﴾ (الْبَقَرَة: ٢٧٣) الْآيَة.
٤٩ - (بابٌ: ﴿وَأحَلَّ الله البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٧٥)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأحل الله البيع وَحرم الرِّبَا﴾ وأوله: ﴿وَالَّذين يَأْكُلُون الرِّبَا لَا يقومُونَ﴾ إِلَى آخر الْآيَة، وَلما ذكر الله تَعَالَى قبل هَذِه الْآيَة الْأَبْرَار المؤدين النَّفَقَات المخرجين الزكوات، شرع فِي ذكر أَكلَة الرِّبَا وأموال النَّاس بِالْبَاطِلِ وأنواع الشُّبُهَات ووصفهم بِمَا وَصفهم فِي الْآيَة الْكَرِيمَة. وَلما قَالُوا: (إِنَّمَا البيع مثل الرِّبَا) أنكر الله عَلَيْهِم تسويتهم بَين البيع والربا فَقَالَ: ﴿وَأحل الله البيع وَحرم الرِّبَا﴾ . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فِيهِ دلَالَة على أَن الْقيَاس يهدمه النَّص لِأَنَّهُ جعل الدَّلِيل على بطلَان قياسهما إحلال الله وتحريمه.
المَسُّ الجُنونُ
فسر الْمس الْمَذْكُور فِي الْآيَة وَهُوَ قَوْله: ﴿ويتخطبه الشَّيْطَان من الْمس﴾ بالجنون. وَهَكَذَا فسره الْفراء وَمُجاهد وَالضَّحَّاك وَابْن أبي نجيح وَابْن زيد.
٤٥٤٠ - ح دَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ بنِ غَياثٍ حدَّثنا أبِي حدَّثنا الأعْمَشُ حدَّثنا مُسْلِمٌ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَةَ ﵂ قَالَتْ لَمَا نَزَلَتِ الآياتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي الرِّبا قَرَأها رسُولُ الله ﷺ عَلَى النَّاس ثُمَّ حَرَّم التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَمُسلم هُوَ ابْن صبيح أَبُو الضُّحَى الْكُوفِي. والْحَدِيث قد مر فِي كتاب البيع فِي: بَاب أكل الرِّبَا، فَإِنَّهُ أخرجه عَن غنْدر عَن شُعْبَة عَن مَنْصُور عَن أبي الضُّحَى عَن مَسْرُوق عَن عَائِشَة. قَوْله: (قَرَأَهَا) أَي الْآيَات.
٥٠ - (بابٌ: ﴿يَمْحَقُ الله الرِّبا﴾ يُذْهِبُهُ (الْبَقَرَة: ٢٧٦)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله: ﴿يمحق الله الرِّبَا﴾ وَفسّر يمحق بقوله يذهبه. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: يذهب ببركته وَيهْلك المَال الَّذِي يدْخل فِيهِ، وَعَن ابْن مَسْعُود: الرِّبَا وَإِن كثر إلاّ وَقل. قلت: هَذَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَأحمد وَصَححهُ الْحَاكِم مَرْفُوعا.
٤٥٤١ - ح دَّثنا بِشْرُ بنُ خَالِدٍ أخْبَرنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ أَبَا الضُّحَى يُحَدِّثُ عَنْ مَسْرُوقٍ عنْ عَائِشَةَ أنَّها قَالَتْ لَمَّا أُنْزِلَتِ الآيَاتُ الأوَاخِرُ مِنْ سِورَةِ البَقَرَةِ خَرَجَ رَسُولُ الله فَتَلاهُنَّ فِي المَسْجِدِ فَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الخَمْرِ.
هَذَا الحَدِيث هُوَ الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق من وَجه آخر، وَفِيه بعض زِيَادَة كَمَا نرى أخرجه عَن بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة، ابْن خَالِد أبي مُحَمَّد العسكري الْفَرَائِضِي عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر غنْدر عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي الضُّحَى مُسلم بن صبيح إِلَى آخِره، وَمضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب تَحْرِيم تِجَارَة الْخمر فِي الْمَسْجِد، أخرجه عَن عَبْدَانِ عَن أبي حَمْزَة عَن الْأَعْمَش عَن مُسلم عَن مَسْرُوق عَن عَائِشَة إِلَى آخِره.
٥١ - (بابٌ: ﴿فَأُذِنُوا بِحَرْبٍ﴾ فَاعْلَمُو (الْبَقَرَة: ٢٧٩)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فاذنوا﴾ وأوله: (فَإِن لم تَفعلُوا فاذنوا بِحَرب من الله وَرَسُوله) وَله: فاذنوا أَي: فاعلموا بهَا. من آذن بالشَّيْء إِذا أعلم بِهِ. وقرىء فآذنوا بِالْمدِّ أَي: فاعملوا بهَا غَيْركُمْ. وَهُوَ من الْإِذْن، بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ الِاسْتِمَاع لِأَنَّهُ من طَرِيق الْعلم، وَقَرَأَ الْحسن. ﵀: فَأَيْقنُوا. قَالَ ابْن عَبَّاس: فاستيقنوا بِحَرب من الله وَرَسُوله. وَعَن سعيد بن جُبَير: يُقَال يَوْم الْقِيَامَة لآكل الرِّبَا: خُذ سِلَاحك للحرب، وَهَذَا تهديد شَدِيد ووعيد أكيد، وروى ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ عَن الْحسن وَابْن سِيرِين أَنَّهُمَا قَالَا إِن هَؤُلَاءِ الصيارفة قد أكلُوا الرِّبَا وَأَنَّهُمْ أذنوا بِحَرب من الله وَرَسُوله، وَلَو كَانَ على النَّاس إِمَام عَادل لاستتابهم، فَإِن تَابُوا وَإِلَّا وضع فيهم السِّلَاح.
стр. 5394
٥٢ - (بابٌ: ﴿وَإنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظْرَةٌ إلَى مَيْسَرةٍ﴾ الآيَةِ (الْبَقَرَة: ٢٨٠)
هَذَا الْمِقْدَار وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَغَيره، سَاق الْآيَة كلهَا أَي: وَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ دين الرِّبَا مُعسرا فنظرة أَي: فَالْحكم أَو الْأَمر نظرة. أَي: انْتِظَار إِلَى ميسرَة. أَي: يسَار، وَذكر الواحدي أَن بني عَمْرو قَالُوا لبني الْمُغيرَة: هاتوا رُؤُوس أَمْوَالنَا فَقَالَت بَنو الْمُغيرَة: نَحن الْيَوْم أهل عسرة. فأخرونا إِلَى أَن تدْرك الثَّمَرَة فَأَبَوا أَن يؤخروا. فَنزلت وَزعم ابْن عَبَّاس وَشُرَيْح. أَن الأنظار فِي دين الرِّبَا خَاصَّة وَاجِب، وَيُقَال: هَذِه الْآيَة ناسخة لما كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة من بيع من أعْسر فِيمَا عَلَيْهِ من الدُّيُون، وَإِن كَانَ حرا، وَقد قيل: إِنَّه كَانَ يُبَاع فِيهِ فِي أول الْإِسْلَام ثمَّ نسخ، وَذهب اللَّيْث بن سعد إِلَى أَنه يُؤجر وَيقْضى دينه من أجرته وَهُوَ قَول الزُّهْرِيّ وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَرِوَايَة عَن أَحْمد، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَا وَجه لدُخُول هَذِه الْآيَة فِي هَذَا الْبَاب، وَأجِيب: بِأَن هَذِه الْآيَة مُتَعَلقَة بآيَات الرِّبَا فَلذَلِك ذكرهَا مَعهَا.
وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
أَي: وَأَن تتصدقوا برؤوس أَمْوَالكُم على من أعْسر غرمائكم خير لكم لَا كَمَا كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة. يَقُول أحدهم لمدينة إِذا دخل عَلَيْهِ الدّين: إِمَّا أَن تَقْتَضِي وَإِمَّا أَن تربي.
٤٥٤٣ - وَقَالَ لَنَا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ عنْ سُفْيَانَ عنْ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ عَنْ أبِي الضُّحَى عنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمَا أُنْزِلَتِ الآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ قَامَ رَسُولُ الله ﷺ فَقَرَأَهُنَّ عَلَيْنَا ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الخَمْرِ.
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، وَهُوَ مُعَلّق قَوْله: قَالَ مُحَمَّد بن يُوسُف هَكَذَا رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة غَيره قَالَ لنا مُحَمَّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ هُوَ الثَّوْريّ، والبقية ذكرُوا عَن قريب.
٥٣ - (بابٌ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْما تُرْجَعُونَ فِيهِ إلَى الله﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨١)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: (وَاتَّقوا يَوْمًا ترجعون فِيهِ إِلَى الله) قرىء: ترجعون، على الْبناء للْفَاعِل وَالْمَفْعُول وقرىء: يرجعُونَ بِالْيَاءِ على طَريقَة الِالْتِفَات، وَقَرَأَ عبد الله تردون وَقَرَأَ أبي تصيرون، وَالْجُمْهُور على أَن المُرَاد من الْيَوْم المحذر مِنْهُ هُوَ يَوْم الْقِيَامَة، وَقَالَ بَعضهم يَوْم الْمَوْت.
٤٥٤٤ - ح دَّثنا قَبِيصَةُ بنُ عُقْبَةَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ عَاصِم عنِ الشَّعْبِيِّ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبيِّ ﷺ آيَةُ الرِّبا.
قيل: لَا مُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث على مَا لَا يخفى، وَأجِيب بِأَنَّهُ رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا من وَجه آخر: أَن آخر آيَة نزلت على النَّبِي ﷺ : ﴿وَاتَّقوا يَوْمًا ترجعون فِيهِ إِلَى الله﴾ أخرجه الطَّبَرِيّ من طرق عَنهُ، وَلَعَلَّه أَرَادَ أَن يجمع بَين قولي ابْن عَبَّاس. قلت: يَعْنِي بِالْإِشَارَةِ فَافْهَم.
وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَعَاصِم هُوَ ابْن سُلَيْمَان الْأَحول وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل.
قَوْله عَن ابْن عَبَّاس، كَذَا قَالَ عَاصِم عَن الشّعبِيّ، وَخَالفهُ دَاوُد بن أبي هِنْد عَن الشّعبِيّ. قَالَ: عَن عمر أخرجه الطَّبَرِيّ بِلَفْظ كَانَ من آخر مَا نزل من الْقُرْآن آيَات الرِّبَا، وَهُوَ مُنْقَطع لِأَن الشّعبِيّ لم يلق عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (آخر آيَة نزلت على النبيِّ ﷺ آيَة الرِّبَا) وَفِي (تَفْسِير عبد بن حميد) عَن الضَّحَّاك آخر آيَة نزلت ﴿وَاتَّقوا يَوْمًا ترجعون فِيهِ إِلَى الله﴾ فِي رِوَايَة أبي صَالح عَنهُ: نزلت بِمَكَّة وَتُوفِّي النَّبِي ﷺ ، بعْدهَا بِأحد وَثَمَانِينَ يَوْمًا وَقيل: نزلت يَوْم النَّحْر بمنى فِي حجَّة الْوَدَاع، وَفِي (تَفْسِير ابْن أبي حَاتِم) من حَدِيث ابْن لَهِيعَة حَدثنِي عَطاء بن دِينَار عَن سعيد بن جُبَير. قَالَ: عَاشَ رَسُول الله ﷺ بعد نزُول هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة تسع لَيَال، وَعند مقَاتل: سبع لَيَال، وَهِي آخر آيَة نزلت، وَعند الْقُرْطُبِيّ: ثَلَاث
стр. 5395
لَيَال، وَقيل: ثَلَاث سَاعَات، وَقَالَ ﷺ : اجْعَلُوهَا بَين آيَة الرِّبَا وَآيَة الدّين، وَقيل: أَنه ﷺ ، عَاشَ بعْدهَا أحد وَعشْرين يَوْمًا. فَإِن قلت: مَا التَّوْفِيق بَين قولي ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، الْمَذْكُورين؟ قلت: طَرِيق الْجمع بَينهمَا أَن هَذِه الْآيَة هِيَ ختام الْآيَات الْمنزلَة فِي الرِّبَا لِأَنَّهَا معطوفة عَلَيْهَا فَتدخل فِي حكمهَا. فَإِن قلت: روى عَن البراءان آخر آيَة نزلت: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم فِي الْكَلَالَة﴾ (النِّسَاء: ١٧٦) على مَا سَيَأْتِي فِي آخر سُورَة النِّسَاء، فَمَا الْجمع بَينهمَا؟ قلت: قيل بِأَن الْآيَتَيْنِ نزلتا جَمِيعًا فَيصدق أَن كلاًّ مِنْهُمَا آخر بِالنِّسْبَةِ لما عداهما. وَفِيه تَأمل. قلت: إِن الآخرية أَمر نسبي كالأولية فَلَا يخفى صدق الآخرية على شَيْء بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا قبله. وَكَذَا يُجَاب عَمَّا قَالَ أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، آخر آيَة نزلت ﴿لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم﴾ (التَّوْبَة: ١٢٨) .
٥٤
- (بابٌ: ﴿وَإنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله فَيغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٤) ٢.
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن تبدوا مَا فِي إنفسكم﴾ إِلَى آخِره هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين أَن الْآيَة الْمَذْكُورَة سبقت إِلَى آخرهَا وَفِي رِوَايَة أبي ذَر إِلَى قَوْله: (أَو تُخْفُوهُ) فِي (تَفْسِير ابْن الْمُنْذر) عَن ابْن عَبَّاس ومولاه نزلت هَذِه الْآيَة فِي كتمان الشَّهَادَة. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم وروى عَن الشّعبِيّ ومقسم مثله وَفِي (صَحِيح مُسلم) عَن أبي هُرَيْرَة: لما نزلت هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة قَالَت الصحابية يَا رَسُول الله، كافنا من الْأَعْمَال مَا نطيق الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالْجهَاد وَالصَّدَََقَة. وَقد أنزلت هَذِه الْآيَة لانطيقها. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : لَا أتريدون أَن تَقولُوا كَمَا قَالَ أهل الْكتاب من قبلكُمْ سمعنَا وعصينا؟ بل قُولُوا: ﴿سمعنَا وأطعنا غفرانك رَبنَا وَإِلَيْك الْمصير﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٥) فَلَمَّا أقرأها الْقَوْم زلت ألسنتهم فَأنْزل الله : ﴿آمن الرَّسُول﴾ إِلَى ﴿وَإِلَيْك الْمصير﴾ فَلَمَّا فعلوا ذَلِك نسخهَا الله تَعَالَى فَأنْزل ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٦) إِلَى قَوْله: ﴿أَخْطَأنَا﴾ وَعند الواحدي الصَّحَابَة الَّذين قَالُوا ذَلِك أَبُو بكر وَعمر وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف ومعاذ بن جبل وناس من الْأَنْصَار، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فَقَالُوا: مَا نزلت آيَة أَشد علينا من هَذِه الْآيَة، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : هَكَذَا أنزلت. فَقولُوا: سمعنَا وأطعنا. فَمَكَثُوا بذلك حولا فَأنْزل الله عزل وَجل الْفرج والراحة بقوله: ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ فنسخت هَذِه الْآيَة مَا قبلهَا. وَقَالَ ﷺ : إِن الله تجَاوز لأمتي مَا حدثت بِهِ أَنْفسهَا مَا لم يعملوا أَو يتكلموا بِهِ، وَعند النّحاس، قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: هَذِه الْآيَة لم تنسخ، وَوجه مَا قَالَه بِأَن هَذِه الْآيَة خبر، وَالْأَخْبَار لَا يلْحقهَا نَاسخ وَلَا مَنْسُوخ. قيل: وَمن زعم أَن من الْأَخْبَار نَاسِخا هَذِه الْآيَة لم تنسخ، وَوجه مَا قَالَه بِأَن هَذِه الْآيَة خبر، وَالْأَخْبَار لَا يلْحقهَا نَاسخ وَلَا مَنْسُوخ قيل: وَمن زعم أَن من الأبخار نَاسِخا ومنسوخا فقد ألحد وأجهل. وَأجِيب بِأَنَّهُ وَإِن كَانَ خَبرا لكنه يتَضَمَّن حكما وَمهما كَانَ من الْأَخْبَار مَا يتَضَمَّن حكما أمكن دُخُول النّسخ فِيهِ كَسَائِر الْأَحْكَام وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يدْخلهُ النّسخ من الْأَخْبَار وَمَا كَانَ خَبرا مَحْضا لَا يتَضَمَّن حكما كالأخبار عَمَّا مضى من أَحَادِيث الْأُمَم وَنَحْو ذَلِك: وَقيل: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بالنسخ فِي الحَدِيث التَّخْصِيص، فَإِن الْمُتَقَدِّمين يطلقون لفظ النّسخ عَلَيْهِ كثيرا وَفِي (تَفْسِير ابْن أبي حَاتِم) من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: هَذِه الْآيَة لم تنسخ، وَلَكِن إِذا جمع الله الْخَلَائق يَقُول إِنِّي أخْبركُم مَا أخفيتم فِي أَنفسكُم مِمَّا لم يطلع عَلَيْهِ ملائكتي، فَأَما الْمُؤْمِنُونَ فيخبرهم ثمَّ يغْفر لَهُم، وَأما أهل الريب فيخبرهم بِمَا أخفوا من التَّكْذِيب فَذَلِك قَوْله: ﴿يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء﴾ .
٤٥٤٥ - ح دَّثنا مُحَمَّدٌ حدَّثنا النُّفَيْلِيُّ حدَّثنا مِسْكِينٌ عنْ شُعْبَةَ عنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ عَنْ مَرْوَانَ الأَصْفَرِ عنْ رَجُلٍ مِنْ أصْحَابِ النبيِّ ﷺ وَهُوَ ابنُ عُمَرَ أَنَّهَا قَدْ نُسِخَتْ ﴿وإنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ﴾ الآيَةَ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَمُحَمّد شيخ البُخَارِيّ الَّذِي ذكره مُجَردا هُوَ ابْن يحيى الذهلي قَالَ الكلاباذي وَقَالَ الْحَاكِم هُوَ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم البوشنجي وَقيل كَلَام أبي نعيم يقتضى أَنه مُحَمَّد بن إِدْرِيس أبي حَاتِم الرَّازِيّ فَإِنَّهُ أخرجه من طَرِيقه ثمَّ قَالَ أخرجه البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد عَن النُّفَيْلِي وَقَالَهُ الجياني كَذَا هُوَ فِي أَكثر النّسخ يَعْنِي حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا النُّفَيْلِي وَسقط من كتاب ابْن السكن -.
стр. 5396
ذكر مُحَمَّد، وَإِنَّمَا فِيهِ حدَّثنا النُّفَيْلِي وَهُوَ عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن نفَيْل البُخَارِيّ، وَالصَّوَاب ثُبُوته، وَزعم ابْن السكن أَن مُحَمَّدًا هُوَ البُخَارِيّ فَحَذفهُ، وَلَيْسَ كَذَلِك، ومسكين أَخُو الْفَقِير بن بكير مصغر بكر أَبُو عبد الرَّحْمَن الْحَرَّانِي، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء وبالنون نِسْبَة إِلَى حران مَدِينَة بالشرق وَالْيَوْم خرابة، مَاتَ سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا ومروان الْأَصْفَر، وَيُقَال لَهُ الْأَحْمَر أَيْضا وَقد تقدم فِي الْحَج وَلَيْسَ لَهُ إلَاّ هَذَا الحَدِيث وَآخر فِي الْحَج.
قَوْله: (عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ ابْن عمر، أبهم أَولا ثمَّ أوضح ثَانِيًا بِأَنَّهُ عبد الله بن عمر، قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا التَّوْضِيح من الرَّاوِي عَن مَرْوَان، أَو تذكر بعد نسيانه، وَقَالَ بَعضهم: لم يَتَّضِح لي من هُوَ الْجَازِم بِأَنَّهُ ابْن عمر. فَإِن الرِّوَايَة الْآتِيَة بعد هَذِه بِلَفْظ: أَحْسبهُ ابْن عمر. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى إِيضَاح الْجَازِم إِيَّاه لِأَنَّهُ أحد رَوَاهُ الحَدِيث على كل حَال. وهم ثِقَات، وَقد جزم فِي هَذِه الرِّوَايَة بِأَنَّهُ ابْن عمر. وَقَوله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: أَحْسبهُ يحْتَمل أَن يكون قبل جزمه بِأَنَّهُ ابْن عمر فَلَمَّا تحقق ابْن عمر ذكره بِالْجَزْمِ. وَقَالَ ابْن التِّين إِن ثَبت هَذَا عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَمَعْنَى النّسخ هُنَا الْعَفو والوضع. قَوْله: (أَنَّهَا نسخت) ، ويروى أَنه قَالَ أَنَّهَا نسخت، أَي: أَن قَوْله: ﴿وَإِن تبدوا مَا فِي أَنفسكُم أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ الله﴾ وَقَوله: (وَإِن تبدوا) إِلَى آخِره بَيَان لما قبله، وَهُوَ أَن الْمَنْسُوخ هُوَ قَوْله: ﴿وَإِن تبدوا مَا فِي أَنفسكُم أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ الله﴾ فَإِن قلت: روى أَحْمد من طَرِيق مُجَاهِد. قَالَ: دخلت على ابْن عَبَّاس. فَقلت: عبد الله بن عمر، فَقَرَأَ ﴿وَإِن تبدوا مَا فِي أَنفسكُم يُحَاسِبكُمْ بِهِ الله﴾ فَبكى. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: إِن هَذِه الْآيَة لما نزلت غمت أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، غما شَدِيدا. وَقَالُوا: يَا رَسُول الله! هلكنا، فَإِن قُلُوبنَا لَيست بِأَيْدِينَا فَقَالَ: قُولُوا سمعنَا وأطعنا. فَقَالُوا: فنسختها هَذِه الْآيَة: ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إلَاّ وسعهَا﴾ انْتهى. فَهَذَا يدل على أَن ابْن عمر لم يطلع على كَون هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة. قلت: أُجِيب بِأَنَّهُ يُمكن أَن ابْن عمر لم يكن عرف الْقِصَّة أَولا. ثمَّ لما تحقق ذَلِك جزم بالنسخ، فَيكون مُرْسل صَحَابِيّ.
٥٥ - (بابٌ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٤)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿آمن الرَّسُول بِمَا أنزل إِلَيْهِ من ربه﴾ إِلَى آخر السُّورَة. قَوْله: (آمن الرَّسُول بِمَا أنزل إِلَيْهِ من ربه) ، إِخْبَار من الله عَن النَّبِي ﷺ بذلك (فَإِن قلت) قَالَ: آمن الرَّسُول بِمَا أنزل إِلَيْهِ، وَلم يقل: آمن الرَّسُول بِاللَّه، وَقَالَ: ﴿والمؤمنون كل آمن بِاللَّه﴾ (قلت) : الْكفْر مُمْتَنع فِي حق الرَّسُول وَغير مُمْتَنع فِي حق الْمُؤمنِينَ. قَوْله: (والمؤمنون) ، عطف على الرَّسُول. قَوْله: (كل آمن بِاللَّه) إِخْبَار عَن الْجَمِيع، وَالتَّقْدِير: والمؤمنون كلهم آمنُوا بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتب الْمنزلَة، وَإِن كَانَ بَعضهم نسخ شَرِيعَة بعض بِإِذن الله تَعَالَى. قَوْله: ﴿لَا نفرق﴾ أَي: تَقولُونَ لَا نفرق، وَعَن أبي عمر: لَا يفرق، بِالْيَاءِ، على أَن الْفِعْل لكل وَاحِد، وَقَرَأَ عبد الله، لَا يفرقون. قَوْله: ﴿وَقَالُوا سمعنَا﴾ أَي: أجبنا قَوْله: ﴿غفرانك﴾ مَنْصُوب بإضمار فعله فَقَالَ: غفرانك لَا كُفْرَانك. أَي: نستغفرك وَلَا نكفرك. قَوْله: (نفسا إِلَّا وسعهَا) الوسع مَا يسع الْإِنْسَان وَلَا يضيق عَلَيْهِ، وَالنَّفس يعم الْملك وَالْجِنّ وَالْإِنْس، قَالَه ابْن الْحصار. قَوْله: (لَهَا مَا كسبت) خص الْخَيْر بِالْكَسْبِ. وَالشَّر بالاكتساب لِأَن فِي الِاكْتِسَاب اعتمالاً وقصدا وجهدا. قَوْله: (إِن نَسِينَا) المُرَاد بِالنِّسْيَانِ الَّذِي هُوَ السَّهْو. وَقيل: التّرْك والإغفال. قَالَ الْكَلْبِيّ: كَانَت بَنو إِسْرَائِيل إِذا نسوا شَيْئا مِمَّا أَمرهم الله بِهِ أَو أخطأوا أعجلت لَهُم الْعقُوبَة فَيحرم عَلَيْهِم شَيْء من الْمطعم وَالْمشْرَب على حسب ذَلِك الذَّنب، فَأمر الله تَعَالَى نبيه وَالْمُؤمنِينَ أَن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك. قَوْله: (وأخطأنا) قيل: من الْقَصْد والعمد. وَقيل: من الْخَطَأ الَّذِي هُوَ الْجَهْل والسهو، وَقَالَ ابْن زيد: إِن نَسِينَا شَيْئا مِمَّا افترضته علينا. أَو أَخْطَأنَا شَيْئا مِمَّا حرمته علينا. (فَإِن قلت) : النسْيَان وَالْخَطَأ متجاوز عَنْهُمَا. فَمَا فَائِدَة الدُّعَاء بترك الْمُؤَاخَذَة بهما؟ (قلت) : المُرَاد استدامته والثبات عَلَيْهِ كَمَا فِي قَوْله: ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم﴾ (الْفَاتِحَة: ٦) وَتَفْسِير: الإصر. يَأْتِي الْآن. قَوْله: (على الَّذين من قبلنَا) وهم الْيَهُود، وَهُوَ الشَّيْء الَّذِي يشق، وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى فرض عَلَيْهِم خمسين صَلَاة وَأمره بأدائهم ربع أَمْوَالهم فِي الزَّكَاة وَمن أصَاب ثَوْبه نَجَاسَة قطعهَا وَمن أصَاب مِنْهُم ذَنبا أصبح وذنبه مَكْتُوب على بَابه وَنَحْوه من الأثقال والأغلال الَّتِي كَانَت عَلَيْهِم. قَوْله: ﴿لَا تحملنا مَا لَا طَاقَة لنا بِهِ﴾ فِيهِ
стр. 5397
سَبْعَة أَقْوَال: (الأول) : مَا لَا يُطَاق ويشق من الْأَعْمَال. (الثَّانِي) : الْعَذَاب. (الثَّالِث) : حَدِيث النَّفس والوسوسة. (الرَّابِع) : الغلمة وَهِي شدَّة شَهْوَة الْجِمَاع، لِأَنَّهَا رُبمَا جرت إِلَى جَهَنَّم. (الْخَامِس) : الْمحبَّة حُكيَ أَن ذَا النُّون تكلم فِي الْمحبَّة فَمَاتَ أحد عشر نفسا فِي الْمجْلس. (السَّادِس) : شماتة الْأَعْدَاء. قَالَ الله تَعَالَى إِخْبَارًا عَن مُوسَى وَهَارُون ﵉: وَلَا تشمت بِي الْأَعْدَاء. (السَّابِع) : الْفرْقَة والقطيعة. قَوْله: ﴿واعف عَنَّا﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٦) أَي: تجَاوز عَنَّا (واغفر لنا) أَي: اسْتُرْ علينا (وارحمنا) أَي: لَا توقعنا بتوفيقك فِي الذُّنُوب (أَنْت مَوْلَانَا) أَي: ناصرنا وولينا ﴿وَانْصُرْنَا على الْقَوْم الْكَافرين﴾ الَّذين جَحَدُوا دينك وأنكروا وحدانيتك وعبدوا غَيْرك.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ إصْرا عَهْدا
هَذَا وَصله الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: ﴿وَلَا تحمل علينا إصرا﴾ أَي: عهدا قلت: المُرَاد بالعهد الْمِيثَاق الَّذِي لَا نطيقه وَلَا نستطيع الْقيام بِهِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الإصر العبء الَّذِي يأصر حامله أَي يحْبسهُ مَكَانَهُ لَا يسْتَقلّ لثقله. وَعَن ابْن عَبَّاس (لَا تحمل علينا إصرا) لَا تمسخنا قردة وَلَا خنازير، وَقيل: ذَنبا لي فِيهِ تَوْبَة وَلَا كَفَّارَة وقرىء آصار، على الْجمع.
وَيُقالُ: غُفْرَانَكَ مَغْفِرَتَكَ فاغْفِرْ لَنَا
هَذَا تَفْسِير أبي عُبَيْدَة. قلت: كل وَاحِد من الغفران وَالْمَغْفِرَة مصدر: وَقد مضى الْآن وَجه النصب.
٤٥٤٦ - ح دَّثني إسْحَاقُ أخْبَرنا رَوْحٌ أخْبَرنَا شُعْبَةُ عنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ عَنْ مَرْوَانِ الأصْفَرِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ أحْسبُهُ ابنَ عُمَرَ ﴿وَإنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ﴾ قَالَ نَسَخَتْها الآيَةَ الَّتِي بَعْدَها.
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث السَّابِق، قبل هَذَا الْبَاب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ، وَإِسْحَاق هُوَ ابْن مَنْصُور، ذكره أَبُو نعيم وَأَبُو مَسْعُود وَخلف وروح بن عبَادَة. قَوْله: (الْآيَة) الَّتِي بعْدهَا هِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلف نفسا إلَاّ وسعهَا﴾ .
٣ - ( ﴿سُورَةُ آل عِمْرَانَ﴾ )
أَي: هَذَا تَفْسِير سُورَة آل عمرَان.
كَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر دون غَيره. وَهُوَ حسن لِأَن ابْتِدَاء الْأَمر بِبسْم الله الرحمان الرَّحِيم يتبارك فِيهِ: وَلما فرغ من بَيَان سُورَة الْبَقَرَة شرع فِي تَفْسِير سُورَة آل عمرَان، وابتدأ بالبسملة لما ذكرنَا، وَلقَوْله ﷺ : كل أَمر ذِي بَال الحَدِيث وَهُوَ مَشْهُور.
(بابٌ: تُقاةُ وتقيَّةٌ واحدَة)
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَن تتقوا مِنْهُم تقاة ويحذركم الله نَفسه وَإِلَى الله الْمصير﴾ (آل عمرَان: ٢٨) وَالْمعْنَى مُرْتَبِط بِمَا قبله. وَهُوَ أول الْآيَة: ﴿لَا يتَّخذ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافرين أَوْلِيَاء من دون الْمُؤمنِينَ وَمن يفعل ذَلِك﴾ يَعْنِي: وَمن يوالي الْكفَّار. (فَلَيْسَ من الله فِي شَيْء) يَقع عَلَيْهِ اسْم الْوُلَاة. (إِلَّا أَن تتقوا مِنْهُم تقاة) . يَعْنِي: إِلَّا أَن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه، وانتصاب: تقاة. على أَنه مفعول تتقوا، وَيجوز أَن يكون، تتقوا، متضمنا معنى: تخافوا، كَمَا ذكرنَا وَيكون: تقاة. نصبا على التَّعْلِيل، وَمعنى قَول البُخَارِيّ: تقاة وتقية وَاحِدَة، يَعْنِي: كِلَاهُمَا مصدر بِمَعْنى وَاحِد. قرىء فِي مَوضِع تقاة تقية، وَالْعرب إِذا كَانَ معنى الْكَلِمَتَيْنِ وَاحِدًا، وَاخْتلف اللَّفْظ يخرجُون مصدر أحد اللَّفْظَيْنِ على مصدر اللَّفْظ الآخر، وَكَانَ الأَصْل هُنَا أَن يُقَال: إِلَّا أَن تتقوا مِنْهُم اتقاء، وَهنا أخرج كَذَلِك لِأَن تقاة مصدر: تقيت فلَانا، وَلم يخرج على مصدر: اتَّقَيْت، لِأَن مصدر اتَّقَيْت إتقاء وتقاة وتقية وتقى وتقوى، كلهَا مصَادر تقيته،
стр. 5398
بِمَعْنى وَاحِد، يُقَال: تقى يَتَّقِي. مثل رمى يرْمى، وأصل التَّاء الْوَاو لِأَنَّهَا فِي الأَصْل من الْوِقَايَة، وَمن كَثْرَة اسْتِعْمَالهَا بِالتَّاءِ يتَوَهَّم أَن التَّاء من نفس الْحُرُوف.
صِرٌّ بَرْدٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مثل مَا يُنْفقُونَ فِي هَذِه الحيواة الدُّنْيَا كَمثل ريح فِيهَا صر أَصَابَت حرث قوم ظلمُوا﴾ (آل عمرَان: ١١٧) الْآيَة وَفسّر الصَّبْر بقوله برد، والصر بِكَسْر الصَّاد وَتَشْديد الرَّاء وَهُوَ الرّيح الْبَارِدَة نَحْو الصرصر.
شفَا حُفْرَةٍ مِثْلُ شَفا الرَّكِيَّةِ وَهُوَ حَرْفُها
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وكنتم على شفا حُفْرَة من النَّار فأنقذكم مِنْهَا﴾ (آل عمرَان: ١٠٣) . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: مَعْنَاهُ. وكنتم مشفين على أَن تقعوا فِي نَار جَهَنَّم لما كُنْتُم عَلَيْهِ من الْكفْر فأنقذكم مِنْهَا بِالْإِسْلَامِ قَوْله: (مثل شفا الرَّكية) بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْكَاف وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف. وَهِي الْبِئْر، والشفا، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْفَاء الْحَرْف وَهُوَ معنى قَوْله: (وَهُوَ حرفها) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء، وَهَكَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ بِضَم الْجِيم وَالرَّاء.
تُبوِّيءُ تَتَّخِذُ مُعَسْكَرا
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ غَدَوْت من أهلك تبوىء الْمُؤمنِينَ مقاعد لِلْقِتَالِ﴾ (آل عمرَان: ١٢١) وَفَسرهُ بقوله: تتَّخذ معسكرا. وَفَسرهُ أَبُو عُبَيْدَة كَذَلِك، والمقاعد جمع مقْعد وَهُوَ مَوْضُوع القعد.
المُسَوِّمُ الَّذِي لهُ سِيما بِعَلامَةٍ أوْ بِصُوفَةٍ أوْ بِمَا كَان
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْل المسومة والأنعام والحرث﴾ (آل عمرَان: ١٤١) . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الْخَيل المسومة المعلمة من السومة وَهِي الْعَلامَة أَو المطهمة أَو المرعية من أسام الدَّابَّة وسومها وَعَن ابْن عَبَّاس: المسومة الراعية المطهمة الحسان، وَكَذَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَسَعِيد بن جُبَير وَعبد الله بن أَبْزَى وَالسُّديّ وَالربيع بن أنس وَأبي سِنَان وَغَيرهم، وَقَالَ مَكْحُول: المسومة الْغرَّة والتحجيل. قَوْله: (المسوم الَّذِي لَهُ سِيمَا) ، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالميم المخففة هُوَ الْعَلامَة قَوْله: (أَو بِمَا كَانَ) أَي: أَو بِأَيّ شَيْء كَانَ من العلامات.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالخَيْلُ المُسَوَّمَةُ المُطَهَّمَةُ الحِسانُ
هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ عبد بن حميد عَن روح عَن شبْل عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد. قَالَ الْأَصْمَعِي المطهم التَّام كل شَيْء مِنْهُ على حِدته فَهُوَ رباع الْجمال، يُقَال: رجل مطهم وَفرس مطهم.
رِيِّبُّونَ الجمِيعُ وَالوَاحدُ رِبيٌّ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وكأين من نَبِي قَاتل مَعَه ربيون﴾ (آل عمرَان: ١٤٦) قَالَ الْمُفَسِّرُونَ الربيون الربانيون، وقرىء بالحركات الثَّلَاث الْفَتْح، على الْقيَاس، وَالضَّم وَالْكَسْر من تغييرات النّسَب. قَوْله: (الْجَمِيع) ويروى الْجمع أَي جمع الربيون ربى، وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ عَن عَاصِم عَن زر عَن ابْن مَسْعُود، ربيون كثير أَي: أُلُوف وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَعِكْرِمَة وَسَعِيد بن جُبَير وَالْحسن وَقَتَادَة وَالسُّديّ وَالربيع وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي: الربيون الجموع الْكَثِيرَة، وَقَالَ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الْحسن ربيون كثير أَي: عُلَمَاء كَثِيرُونَ، وَعنهُ أَيْضا: عُلَمَاء صبراء أبرار أتقياء، وَحكى ابْن جرير عَن بعض نحاة الْبَصْرَة أَن الربيين هم الَّذين يعْبدُونَ الرب، قَالَ: وَقد رد بَعضهم عَلَيْهِ فَقَالَ: لَو كَانَ كَذَلِك لقيل، ربيون، بِالْفَتْح انْتهى. قلت: لَا وَجه للرَّدّ لأَنا قُلْنَا: إِن الكسرة من تغييرات النّسَب.
تحُسُّونَهَمْ تَسْتَأْصِلُونَهُمْ قَتْلاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد صدقكُم الله وعده إِذْ تحسونهم بِإِذْنِهِ﴾ (آل عمرَان: ١٥٦) وَفسّر: تحسونهم بقوله: تستأصلونهم: من الاستئصال وَهُوَ الْقلع من الأَصْل، وَفِي التَّفْسِير: إِذْ تحسونهم أَي: تقتلونهم قتلا ذريعا.
غُزّا وَاحِدُها غَازٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لإخوانهم إِذا ضربوا فِي الأَرْض أَو كَانُوا غزا لَو كَانُوا عندنَا مَا مَاتُوا﴾ (آل عمرَان: ١٥٦) الْآيَة. وغزّا، بِضَم الْغَيْن وَتَشْديد الزَّاي جمع غاز كعفى جمع عاف. وَقَالَ بَعضهم: غزا وَاحِدهَا غاز. تَفْسِير أبي عُبَيْدَة. قلت: مثل هَذَا لَا يُسمى تَفْسِيرا فِي اصْطِلَاح أهل التَّفْسِير، غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه قَالَ جمع غاز. وأصل غاز غازى فأعل إعلال قَاض. وَقَرَأَ الْحسن غزا بِالتَّخْفِيفِ. وَقيل: أَصله غزَاة فَحذف الْهَاء، وَفِيه نظر.
سَنَكْتُبُ سَنَحْفَظُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد سمع الله قَول الَّذين قَالُوا إِن الله فَقير وَنحن أَغْنِيَاء سنكتب مَا قَالُوا﴾ (آل عمرَان: ١٨١) الْآيَة. وَفسّر: سنكتب، بقوله سنحفظ. أَي: سنحفظه وتثبته فِي علمنَا، وَفِي التَّفْسِير: (سنكتب مَا قَالُوا) فِي صَحَائِف الْحفظَة، وَقَرَأَ حَمْزَة: (سيكتب) . بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف على الْبناء للْمَجْهُول، وَتَفْسِير البُخَارِيّ تَفْسِير باللازم لِأَن الْكِتَابَة تَسْتَلْزِم الْحِفْظ.
نُزُلاً ثَوَابا وَيَجُوزُ وَمُنَزّلٌ مِنْ عِنْدِ الله كَقَوْلِكَ أنْزَلْتُهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَكِن الَّذين اتَّقوا رَبهم لَهُم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا نزلا من عِنْد الله وَمَا عِنْد الله خير للأبرار﴾ (آل عمرَان: ١٩٨) وَفسّر: نزلا، بقوله: ثَوابًا. وَفَسرهُ فِي التَّفْسِير. بقوله: أَي ضِيَافَة من الله، والنزل: بِسُكُون الزَّاي وَضمّهَا مَا يقدم للنازل. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وانتصابه إِمَّا على الْحَال من: جنَّات، لتخصصها بِالْوَصْفِ، وَالْعَامِل اللَّام، وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى مصدر مُؤَكد كَأَنَّهُ قيل: رزقا أَو عَطاء، من عِنْد الله. قَوْله: (وَيجوز: ومنزل من عِنْد الله) أَرَادَ بِهِ أَن نزلا الَّذِي هُوَ الْمصدر يكون بِمَعْنى منزلا على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول من قَوْلك: أنزلته. وَيكون الْمَعْنى: لَهُم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا منزلَة، يَعْنِي: معطى لَهُم منزلا من عِنْد الله كَمَا يعْطى الضَّيْف النزل وَقت قدومه.
وَقَالَ ابنُ جُبَيْرٍ: وَحَصُورا لَا يَأْتِي النِّسَاءَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله يبشرك بِيَحْيَى مُصدقا بِكَلِمَة من الله وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا من الصَّالِحين﴾ (آل عمرَان: ٣٩) وَقَالَ سعيد ابْن جُبَير معنى حصورا لَا يَأْتِي النِّسَاء، وَوصل هَذَا الْمُعَلق عبد فَقَالَ: حَدثنَا جَعْفَر بن عبد الله السّلمِيّ عَن أبي بكر الْهُذلِيّ عَن الْحسن وَسَعِيد بن جُبَير وَعَطَاء وَأبي الشعْثَاء أَنهم قَالُوا: السَّيِّد الَّذِي يغلب غَضَبه، والحصور الَّذِي لَا يغشى النِّسَاء، وأصل الْحصْر الْحَبْس وَالْمَنْع يُقَال لمن لَا يَأْتِي النِّسَاء وَهُوَ أَعم من أَن يكون بطبعه كالعنين أَو المجاهدة نَفسه وَهُوَ الممدوح وَهُوَ المُرَاد فِي وصف السَّيِّد يحيى، ﵊.
وَقَالَ عِكْرَمَةُ مِنْ فَوْرِهِمْ مِنْ غَضَبِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿بلَى أَن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هَذَا﴾ (آل عمرَان: ١٢٥) الْآيَة، وَفسّر عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس: من فوره، بقوله: من غضبهم، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الطَّبَرِيّ من طَرِيق دَاوُد بن أبي هِنْد عَن عِكْرِمَة، قَالَ: فورهم، ذَلِك كَانَ يَوْم أحد غضبوا ليَوْم بدر مِمَّا لقوا.
وَقَال مُجَاهدٌ يُخْرِجُ الحَيَّ النُّطْفَةُ تَخْرُجُ مَيِّتَةً وَيُخْرِجُ مِنْها الحَيُّ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتخرج الْحَيّ من الْمَيِّت وَتخرج الْمَيِّت من الْحَيّ وترزق من تشَاء بِغَيْر حِسَاب﴾ (آل عمرَان: ٢٧) قَالَ مُجَاهِد: تخرج الْحَيّ، مَعْنَاهُ النُّطْفَة تخرج حَال كَونهَا ميتَة. وَيخرج من تِلْكَ الْميتَة الْحَيّ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُحَمَّد بن جرير عَن الْقَاسِم. حَدثنَا حجاج عَن ابْن جريج عَن مُجَاهِد، وَحَكَاهُ أَيْضا عَن ابْن مَسْعُود وَالضَّحَّاك وَالسُّديّ وَإِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد وَقَتَادَة وَسَعِيد بن جُبَير، وَفِي (تَفْسِير ابْن كثير) يخرج الْحبَّة من الزَّرْع وَالزَّرْع من الْحبَّة والنخلة من النواة والنواة من النَّخْلَة وَالْمُؤمن من الْكَافِر وَالْكَافِر من الْمُؤمن والدجاجة من الْبَيْضَة والبيضة من الدَّجَاجَة. وَقَالَ الْحسن: يخرج الْمُؤمن الْحَيّ من الْكَافِر الْمَيِّت. قَوْله: (النُّطْفَة) مُبْتَدأ وَتخرج، جملَة فِي مَحل الرّفْع خَبره، وميتة نصب على الْحَال من الضَّمِير الَّذِي فِي تخرج.
الإبْكَارُ أوَّلُ الفَجْرِ وَالعَشِيُّ مَيْلُ الشَّمْسِ أُرَاهُ إلَى أنْ تَغْرُبَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: ﴿وَاذْكُر رَبك كثيرا وَسبح بالْعَشي والأبكار﴾ (آل عمرَان: ٤١) . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: العشى من حِين تَزُول الشَّمْس إِلَى أَن تغيب والأبكار من طُلُوع الْفجْر إِلَى وَقت الضُّحَى وقرىء والأبكار بِفَتْح الْهمزَة جمع بكر كشجر وأشجار.
٣ - ( ﴿سُورَةُ آل عِمْرَانَ﴾ )
أَي: هَذَا تَفْسِير سُورَة آل عمرَان.
كَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر دون غَيره. وَهُوَ حسن لِأَن ابْتِدَاء الْأَمر بِبسْم الله الرحمان الرَّحِيم يتبارك فِيهِ: وَلما فرغ من بَيَان سُورَة الْبَقَرَة شرع فِي تَفْسِير سُورَة آل عمرَان، وابتدأ بالبسملة لما ذكرنَا، وَلقَوْله ﷺ : كل أَمر ذِي بَال الحَدِيث وَهُوَ مَشْهُور.
(بابٌ: تُقاةُ وتقيَّةٌ واحدَة)
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَن تتقوا مِنْهُم تقاة ويحذركم الله نَفسه وَإِلَى الله الْمصير﴾ (آل عمرَان: ٢٨) وَالْمعْنَى مُرْتَبِط بِمَا قبله. وَهُوَ أول الْآيَة: ﴿لَا يتَّخذ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافرين أَوْلِيَاء من دون الْمُؤمنِينَ وَمن يفعل ذَلِك﴾ يَعْنِي: وَمن يوالي الْكفَّار. (فَلَيْسَ من الله فِي شَيْء) يَقع عَلَيْهِ اسْم الْوُلَاة. (إِلَّا أَن تتقوا مِنْهُم تقاة) . يَعْنِي: إِلَّا أَن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه، وانتصاب: تقاة. على أَنه مفعول تتقوا، وَيجوز أَن يكون، تتقوا، متضمنا معنى: تخافوا، كَمَا ذكرنَا وَيكون: تقاة. نصبا على التَّعْلِيل، وَمعنى قَول البُخَارِيّ: تقاة وتقية وَاحِدَة، يَعْنِي: كِلَاهُمَا مصدر بِمَعْنى وَاحِد. قرىء فِي مَوضِع تقاة تقية، وَالْعرب إِذا كَانَ معنى الْكَلِمَتَيْنِ وَاحِدًا، وَاخْتلف اللَّفْظ يخرجُون مصدر أحد اللَّفْظَيْنِ على مصدر اللَّفْظ الآخر، وَكَانَ الأَصْل هُنَا أَن يُقَال: إِلَّا أَن تتقوا مِنْهُم اتقاء، وَهنا أخرج كَذَلِك لِأَن تقاة مصدر: تقيت فلَانا، وَلم يخرج على مصدر: اتَّقَيْت، لِأَن مصدر اتَّقَيْت إتقاء وتقاة وتقية وتقى وتقوى، كلهَا مصَادر تقيته، بِمَعْنى وَاحِد، يُقَال: تقى يَتَّقِي. مثل رمى يرْمى، وأصل التَّاء الْوَاو لِأَنَّهَا فِي الأَصْل من الْوِقَايَة، وَمن كَثْرَة اسْتِعْمَالهَا بِالتَّاءِ يتَوَهَّم أَن التَّاء من نفس الْحُرُوف.
صِرٌّ بَرْدٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مثل مَا يُنْفقُونَ فِي هَذِه الحيواة الدُّنْيَا كَمثل ريح فِيهَا صر أَصَابَت حرث قوم ظلمُوا﴾ (آل عمرَان: ١١٧) الْآيَة وَفسّر الصَّبْر بقوله برد، والصر بِكَسْر الصَّاد وَتَشْديد الرَّاء وَهُوَ الرّيح الْبَارِدَة نَحْو الصرصر.
شفَا حُفْرَةٍ مِثْلُ شَفا الرَّكِيَّةِ وَهُوَ حَرْفُها
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وكنتم على شفا حُفْرَة من النَّار فأنقذكم مِنْهَا﴾ (آل عمرَان: ١٠٣) . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: مَعْنَاهُ. وكنتم مشفين على أَن تقعوا فِي نَار جَهَنَّم لما كُنْتُم عَلَيْهِ من الْكفْر فأنقذكم مِنْهَا بِالْإِسْلَامِ قَوْله: (مثل شفا الرَّكية) بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْكَاف وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف. وَهِي الْبِئْر، والشفا، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْفَاء الْحَرْف وَهُوَ معنى قَوْله: (وَهُوَ حرفها) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء، وَهَكَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ بِضَم الْجِيم وَالرَّاء.
تُبوِّيءُ تَتَّخِذُ مُعَسْكَرا
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ غَدَوْت من أهلك تبوىء الْمُؤمنِينَ مقاعد لِلْقِتَالِ﴾ (آل عمرَان: ١٢١) وَفَسرهُ بقوله: تتَّخذ معسكرا. وَفَسرهُ أَبُو عُبَيْدَة كَذَلِك، والمقاعد جمع مقْعد وَهُوَ مَوْضُوع القعد.
المُسَوِّمُ الَّذِي لهُ سِيما بِعَلامَةٍ أوْ بِصُوفَةٍ أوْ بِمَا كَان
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْل المسومة والأنعام والحرث﴾ (آل عمرَان: ١٤١) . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الْخَيل المسومة المعلمة من السومة وَهِي الْعَلامَة أَو المطهمة أَو المرعية من أسام الدَّابَّة وسومها وَعَن ابْن عَبَّاس: المسومة الراعية المطهمة الحسان، وَكَذَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَسَعِيد بن جُبَير وَعبد الله بن أَبْزَى وَالسُّديّ وَالربيع بن أنس وَأبي سِنَان وَغَيرهم، وَقَالَ مَكْحُول: المسومة الْغرَّة والتحجيل. قَوْله: (المسوم الَّذِي لَهُ سِيمَا) ، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالميم المخففة هُوَ الْعَلامَة قَوْله: (أَو بِمَا كَانَ) أَي: أَو بِأَيّ شَيْء كَانَ من العلامات.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالخَيْلُ المُسَوَّمَةُ المُطَهَّمَةُ الحِسانُ
هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ عبد بن حميد عَن روح عَن شبْل عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد. قَالَ الْأَصْمَعِي المطهم التَّام كل شَيْء مِنْهُ على حِدته فَهُوَ رباع الْجمال، يُقَال: رجل مطهم وَفرس مطهم.
رِيِّبُّونَ الجمِيعُ وَالوَاحدُ رِبيٌّ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وكأين من نَبِي قَاتل مَعَه ربيون﴾ (آل عمرَان: ١٤٦) قَالَ الْمُفَسِّرُونَ الربيون الربانيون، وقرىء بالحركات الثَّلَاث الْفَتْح، على الْقيَاس، وَالضَّم وَالْكَسْر من تغييرات النّسَب. قَوْله: (الْجَمِيع) ويروى الْجمع أَي جمع الربيون ربى، وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ عَن عَاصِم عَن زر عَن ابْن مَسْعُود، ربيون كثير أَي: أُلُوف وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَعِكْرِمَة وَسَعِيد بن جُبَير وَالْحسن وَقَتَادَة وَالسُّديّ وَالربيع وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي: الربيون الجموع الْكَثِيرَة، وَقَالَ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الْحسن ربيون كثير أَي: عُلَمَاء كَثِيرُونَ، وَعنهُ أَيْضا: عُلَمَاء صبراء أبرار أتقياء، وَحكى ابْن جرير عَن بعض نحاة الْبَصْرَة أَن الربيين هم الَّذين يعْبدُونَ الرب، قَالَ: وَقد رد بَعضهم عَلَيْهِ فَقَالَ: لَو كَانَ كَذَلِك لقيل، ربيون، بِالْفَتْح انْتهى. قلت: لَا وَجه للرَّدّ لأَنا قُلْنَا: إِن الكسرة من تغييرات النّسَب.
تحُسُّونَهَمْ تَسْتَأْصِلُونَهُمْ قَتْلاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد صدقكُم الله وعده إِذْ تحسونهم بِإِذْنِهِ﴾ (آل عمرَان: ١٥٦) وَفسّر: تحسونهم بقوله: تستأصلونهم: من الاستئصال وَهُوَ الْقلع من الأَصْل، وَفِي التَّفْسِير: إِذْ تحسونهم أَي: تقتلونهم قتلا ذريعا.
стр. 5399
غُزّا وَاحِدُها غَازٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لإخوانهم إِذا ضربوا فِي الأَرْض أَو كَانُوا غزا لَو كَانُوا عندنَا مَا مَاتُوا﴾ (آل عمرَان: ١٥٦) الْآيَة. وغزّا، بِضَم الْغَيْن وَتَشْديد الزَّاي جمع غاز كعفى جمع عاف. وَقَالَ بَعضهم: غزا وَاحِدهَا غاز. تَفْسِير أبي عُبَيْدَة. قلت: مثل هَذَا لَا يُسمى تَفْسِيرا فِي اصْطِلَاح أهل التَّفْسِير، غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه قَالَ جمع غاز. وأصل غاز غازى فأعل إعلال قَاض. وَقَرَأَ الْحسن غزا بِالتَّخْفِيفِ. وَقيل: أَصله غزَاة فَحذف الْهَاء، وَفِيه نظر.
سَنَكْتُبُ سَنَحْفَظُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد سمع الله قَول الَّذين قَالُوا إِن الله فَقير وَنحن أَغْنِيَاء سنكتب مَا قَالُوا﴾ (آل عمرَان: ١٨١) الْآيَة. وَفسّر: سنكتب، بقوله سنحفظ. أَي: سنحفظه وتثبته فِي علمنَا، وَفِي التَّفْسِير: (سنكتب مَا قَالُوا) فِي صَحَائِف الْحفظَة، وَقَرَأَ حَمْزَة: (سيكتب) . بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف على الْبناء للْمَجْهُول، وَتَفْسِير البُخَارِيّ تَفْسِير باللازم لِأَن الْكِتَابَة تَسْتَلْزِم الْحِفْظ.
نُزُلاً ثَوَابا وَيَجُوزُ وَمُنَزّلٌ مِنْ عِنْدِ الله كَقَوْلِكَ أنْزَلْتُهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَكِن الَّذين اتَّقوا رَبهم لَهُم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا نزلا من عِنْد الله وَمَا عِنْد الله خير للأبرار﴾ (آل عمرَان: ١٩٨) وَفسّر: نزلا، بقوله: ثَوابًا. وَفَسرهُ فِي التَّفْسِير. بقوله: أَي ضِيَافَة من الله، والنزل: بِسُكُون الزَّاي وَضمّهَا مَا يقدم للنازل. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وانتصابه إِمَّا على الْحَال من: جنَّات، لتخصصها بِالْوَصْفِ، وَالْعَامِل اللَّام، وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى مصدر مُؤَكد كَأَنَّهُ قيل: رزقا أَو عَطاء، من عِنْد الله. قَوْله: (وَيجوز: ومنزل من عِنْد الله) أَرَادَ بِهِ أَن نزلا الَّذِي هُوَ الْمصدر يكون بِمَعْنى منزلا على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول من قَوْلك: أنزلته. وَيكون الْمَعْنى: لَهُم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا منزلَة، يَعْنِي: معطى لَهُم منزلا من عِنْد الله كَمَا يعْطى الضَّيْف النزل وَقت قدومه.
وَقَالَ ابنُ جُبَيْرٍ: وَحَصُورا لَا يَأْتِي النِّسَاءَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله يبشرك بِيَحْيَى مُصدقا بِكَلِمَة من الله وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا من الصَّالِحين﴾ (آل عمرَان: ٣٩) وَقَالَ سعيد ابْن جُبَير معنى حصورا لَا يَأْتِي النِّسَاء، وَوصل هَذَا الْمُعَلق عبد فَقَالَ: حَدثنَا جَعْفَر بن عبد الله السّلمِيّ عَن أبي بكر الْهُذلِيّ عَن الْحسن وَسَعِيد بن جُبَير وَعَطَاء وَأبي الشعْثَاء أَنهم قَالُوا: السَّيِّد الَّذِي يغلب غَضَبه، والحصور الَّذِي لَا يغشى النِّسَاء، وأصل الْحصْر الْحَبْس وَالْمَنْع يُقَال لمن لَا يَأْتِي النِّسَاء وَهُوَ أَعم من أَن يكون بطبعه كالعنين أَو المجاهدة نَفسه وَهُوَ الممدوح وَهُوَ المُرَاد فِي وصف السَّيِّد يحيى، ﵊.
وَقَالَ عِكْرَمَةُ مِنْ فَوْرِهِمْ مِنْ غَضَبِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿بلَى أَن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هَذَا﴾ (آل عمرَان: ١٢٥) الْآيَة، وَفسّر عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس: من فوره، بقوله: من غضبهم، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الطَّبَرِيّ من طَرِيق دَاوُد بن أبي هِنْد عَن عِكْرِمَة، قَالَ: فورهم، ذَلِك كَانَ يَوْم أحد غضبوا ليَوْم بدر مِمَّا لقوا.
وَقَال مُجَاهدٌ يُخْرِجُ الحَيَّ النُّطْفَةُ تَخْرُجُ مَيِّتَةً وَيُخْرِجُ مِنْها الحَيُّ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتخرج الْحَيّ من الْمَيِّت وَتخرج الْمَيِّت من الْحَيّ وترزق من تشَاء بِغَيْر حِسَاب﴾ (آل عمرَان: ٢٧) قَالَ مُجَاهِد: تخرج الْحَيّ، مَعْنَاهُ النُّطْفَة تخرج حَال كَونهَا ميتَة. وَيخرج من تِلْكَ الْميتَة الْحَيّ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُحَمَّد بن جرير عَن الْقَاسِم. حَدثنَا حجاج عَن ابْن جريج عَن مُجَاهِد، وَحَكَاهُ أَيْضا عَن ابْن مَسْعُود وَالضَّحَّاك وَالسُّديّ وَإِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد وَقَتَادَة وَسَعِيد بن جُبَير، وَفِي (تَفْسِير ابْن كثير) يخرج الْحبَّة من الزَّرْع وَالزَّرْع من الْحبَّة والنخلة من النواة والنواة من النَّخْلَة وَالْمُؤمن من الْكَافِر وَالْكَافِر من الْمُؤمن والدجاجة من الْبَيْضَة والبيضة من الدَّجَاجَة. وَقَالَ الْحسن: يخرج الْمُؤمن الْحَيّ من الْكَافِر الْمَيِّت. قَوْله: (النُّطْفَة) مُبْتَدأ وَتخرج، جملَة فِي مَحل الرّفْع خَبره، وميتة نصب على الْحَال من الضَّمِير الَّذِي فِي تخرج.
стр. 5400
الإبْكَارُ أوَّلُ الفَجْرِ وَالعَشِيُّ مَيْلُ الشَّمْسِ أُرَاهُ إلَى أنْ تَغْرُبَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: ﴿وَاذْكُر رَبك كثيرا وَسبح بالْعَشي والأبكار﴾ (آل عمرَان: ٤١) . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: العشى من حِين تَزُول الشَّمْس إِلَى أَن تغيب والأبكار من طُلُوع الْفجْر إِلَى وَقت الضُّحَى وقرىء والأبكار بِفَتْح الْهمزَة جمع بكر كشجر وأشجار.
١ - (بابٌ: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ الحَلالُ وَالحَرَامُ: وَأُخَرُ مُتشابِهاتٌ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضا كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلَاّ الفَاسِفِينَ وَكَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ وَيَجْعل الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلونَ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ
هَذَا الْكَلَام كُله كَلَام مُجَاهِد رَوَاهُ عبد بن حميد عَن روح عَن شبْل عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ: رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن عَليّ بن الْمُبَارك عَن زيد بن الْمُبَارك عَن مُحَمَّد بن ثَوْر عَن ابْن جريج عَنهُ قَوْله: (مِنْهُ) . أَي: من الْكتاب، يَعْنِي: الْقُرْآن قَالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أنزل عَلَيْك الْكتاب مِنْهُ آيَات محكمات هن أم الْكتاب وَأخر متشابهات﴾ (آل عمرَان: ٧) قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: محكمات أحكمت عبارتها بِأَن حفظت من الِاحْتِمَال والاشتباه. هن أم الْكتاب أَي: أصل الْكتاب. متشابهات مُشْتَبهَات محتملات وَقَالَ الْكرْمَانِي: أما اصْطِلَاح الْأُصُولِيِّينَ فَالْحكم هُوَ الْمُشْتَرك بَين النَّص وَالظَّاهِر الْمُتَشَابه هُوَ الْمُشْتَرك بَين الْمُجْمل والمؤول وَقَالَ الْخطابِيّ الْمُحكم هُوَ الَّذِي يعرف بِظَاهِر بَيَانه تَأْوِيله وبواضح أدلته بَاطِن مَعْنَاهُ، والمتشابه مَا اشْتبهَ مِنْهَا فَلم يتلق مَعْنَاهُ من لَفظه وَلم يدْرك حكمه من تِلَاوَته، وَهُوَ على ضَرْبَيْنِ: أَحدهمَا: مَا إِذا رد إِلَى الْمُحكم وَاعْتبر بِهِ علم مَعْنَاهُ. وَالْآخر: مَا لَا سَبِيل إِلَى الْوُقُوف على حَقِيقَته وَهُوَ الَّذِي يتبعهُ أهل الزبغ فيبطلون تَأْوِيله وَلَا يبلغون فيرتابون فِيهِ فيفتنون بِهِ، وَذَلِكَ كالإيمان بِالْقدرِ وَنَحْوه، وَيُقَال: الْمُحكم مَا اتضحت دلَالَته، والمتشابه مَا يحْتَاج إِلَى نظر وَتَخْرِيج، وَقيل: الْمُحكم مَا لم ينْسَخ، والمتشابه مَا نسخ، وَقيل: الْمُحكم آيَات الْحَلَال وَالْحرَام، والمتشابه آيَات الصِّفَات وَالْقدر، وَقيل: الْمُحكم آيَات الْأَحْكَام، والمتشابه الْحُرُوف الْمُقطعَة. قَوْله: (وَأخر) جمع أُخْرَى، وَاخْتلف فِي عدم صرفهَا. فَقيل: لِأَنَّهَا نعت، كَمَا لَا تصرف كتع وَجمع لِأَنَّهُنَّ نعوت، وَقيل: لم تصرف لزِيَادَة الْيَاء فِي واحدتها وَأَن جمعهَا مبْنى على وَاحِدهَا فِي ترك الصّرْف: كحمراء وبيضاء فِي النكرَة والمعرفة لزِيَادَة الْمدَّة والهمزة فيهمَا. قَوْله: (يصدق) تَفْسِير للمتشابه. قَوْله: كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين﴾ (الْبَقَرَة: ٢٦) إِشَارَة إِلَى أَن الْمَفْهُوم مِنْهُ أَن الْفَاسِقين أَي الضَّالّين إِنَّمَا ضلالتهم من جِهَة اتباعهم الْمُتَشَابه بِمَا لَا يُطَابق الْمُحكم طلب افتتان النَّاس عَن دينهم وَإِرَادَة إضلالهم. قَوْله: وَكَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَيجْعَل الرجس على الَّذين لَا يعْقلُونَ﴾ (يُونُس: ١٠٠) إِنَّمَا ذكر هَذَا تَصْدِيقًا لما تتضمنه الْآيَة الَّتِي قبلهَا حَيْثُ يَجْعَل الرجس على الَّذين لَا يعْقلُونَ، وَقيل: الرجس السخط. وَقيل: الْإِثْم، وَقيل: الْعَذَاب. وَقيل: الْفِتَن والنجاسة، أَي: يحكم عَلَيْهِم بِأَنَّهُم أنجاس غير طَاهِرَة، وَقَرَأَ الْأَعْمَش: الرجز: بالزاي وَبِه فسر الرجس أَيْضا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الرجل الخذلان وَهُوَ الْعَذَاب وَهُوَ شَبيه قَوْله: ﴿على الَّذين لَا يعْقلُونَ﴾ أَي أَمر الله وَلَا أَمر رَسُوله لأَنهم مصرون على الْكفْر. وَهَذَا أَيْضا رَاجع إِلَى معنى الَّذين يتبعُون مَا تشابه بِمَا لَا يُطَابق علم الراسخين. قَوْله: وَكَقَوْلِه: ﴿وَالَّذين اهتدوا﴾ (مُحَمَّد: ١٧) إِلَى آخِره، رَاجع فِي الْحَقِيقَة إِلَى معنى الَّذين صدرهم مُجَاهِد فِي كَلَامه الْمَذْكُور لِأَن مُرَاده من ذَلِك فِي نفسر الْأَمر الراسخون فِي الْعلم الَّذين اهتدوا وَزَادَهُمْ الله هدى، فَافْهَم، فَإِنِّي لم أر أحدا من الشُّرَّاح أُتِي سَاحل هَذَا فضلا أَن يغوص فِيهِ. وَالله أعلم.
زَيْغٌ شَكٌّ. ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ﴾ وَفسّر الزيغ بِالشَّكِّ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هم أهل الْبدع، ﴿فيتبعون مَا تشابه مِنْهُ﴾ أَي: من الْكتاب الَّذِي هُوَ الْقُرْآن، وَيُقَال: هم أهل الضلال وَالْبَاطِل وَالْخُرُوج عَن الْحق (يتبعُون مَا تشابه مِنْهُ) الَّذِي يُمكنهُم أَن يحرفوه إِلَى مقاصدهم الْفَاسِدَة وينزلوه عَلَيْهَا. قَوْله: (ابْتِغَاء الْفِتْنَة) ، أَي: طلبا أَن يفتنوا النَّاس عَن دينهم.
والراسِخُونَ يَعْلَمُونَ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
стр. 5401
قَالَ ابْن نجيح عَن مُجَاهِد: ﴿الراسخون فِي الْعلم يعلمُونَ تَأْوِيله يَقُولُونَ آمنا بِهِ﴾ (آل عمرَان: ٧) وَكَذَا قَالَ الرّبيع بن أنس. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الراسخون فِي الْعلم الَّذين رسخوا أَي: ثبتوا فِيهِ وتمكنوا، وَيَقُولُونَ كَلَام مُسْتَأْنف يُوضح حَال الراسخين، يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الْعَالمُونَ بالتأويل يَقُولُونَ: آمنا بِهِ أَي: بالتشابه كل من عِنْد رَبنَا أَي كل وَاحِد من الْمُتَشَابه والمحكم من عِنْد الله، وَيجوز أَن يكون: يَقُولُونَ، حَالا من الراسخين. وَقَرَأَ عبد الله أَن تَأْوِيله إلَاّ عِنْد الله، وَقَرَأَ أبي: وَيَقُول الراسخون.
٤٥٤٧ - ح دَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ إبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ عنِ القاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ عنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ تَلا رَسُولُ الله ﷺ هاذِهِ الآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكتابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكتابِ وَأُخَرُ مُتشابهاتٌ فَأمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿أُولُوا الألْبَابِ﴾ قَالَتْ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : فَإذَا رَأيْتَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولائِكَ الَّذِينَ سَمَّى الله فَاحْذَرُوهُمْ.
عبد الله بن مسلمة، بِفَتْح الميمين: ابْن قعنب القعْنبِي شيخ مُسلم أَيْضا وَيزِيد من الزِّيَادَة. ابْن إِبْرَاهِيم أَبُو سعيد التسترِي، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح التَّاء الْأُخْرَى وبالراء نِسْبَة إِلَى تستر مَدِينَة من كور الأهواز وَبهَا قبر الْبَراء بن مَالك، وتسميها الْعَامَّة ششتر، بشينين معجمتين الأولى مَضْمُومَة وَالثَّانيَِة سَاكِنة، وَابْن أبي مليكَة هُوَ عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة، واسْمه زُهَيْر، وَالقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن القعْنبِي أَيْضا وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن القعْنبِي فِي السّنة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير. وَقَالَ: روى هَذَا الحَدِيث غير وَاحِد عَن ابْن أبي مليكَة عَن عَائِشَة. وَلم يذكر وَالقَاسِم، وَإِنَّمَا ذكره يزِيد بن إِبْرَاهِيم عَن الْقَاسِم فِي هَذَا الحَدِيث، وَعبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة سمع من عَائِشَة أَيْضا انْتهى. وَفِيه نظر لِأَن غير يزِيد ذكر فِيهِ الْقَاسِم وَهُوَ حَمَّاد بن سَلمَة قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَنبأَنَا الْحسن بن عَليّ الشطوي حَدثنَا ابْن الْمَدِينِيّ حَدثنَا عَفَّان حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن ابْن أبي مليكَة. قَالَ: حَدثنِي الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن عَائِشَة، فَذكره. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ ذكر حَمَّاد فِي هَذَا الحَدِيث للاستشهاد على مُوَافَقَته يزِيد بن إِبْرَاهِيم فِي الْإِسْنَاد. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ حَدثنَا يزِيد بن إِبْرَاهِيم وَحَمَّاد بن سَلمَة عَن ابْن أبي مليكَة عَن الْقَاسِم، وَرَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة أَيْضا عِنْد الطَّبَرِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن عَائِشَة.
قَوْله: (تَلا رَسُول الله ﷺ ، أَي: قَرَأَ رَسُول الله ﷺ هَذِه الْآيَة: وَهِي قَوْله: (هُوَ الَّذِي أنزل عَلَيْك الْكتاب) الْآيَة. قَوْله: (فَإِذا رَأَيْت الَّذين يتبعُون مَا تشابه مِنْهُ) ، قَالَ الطَّبَرِيّ: قيل: إِن هَذِه الْآيَة نزلت فِي الَّذين جادلوا رَسُول الله ﷺ فِي أَمر عِيسَى، ﵇، وَقيل: فِي أَمر هَذِه الْأمة. وَهَذَا أقرب لِأَن أمرى عِيسَى ﵇، أعلمهُ الله نبيه مُحَمَّدًا ﷺ وَأمته وَبَينه لَهُم بِخِلَاف أَمر هَذِه الْأمة فَإِن علم أَمرهم خَفِي على الْعباد. قَوْله: (فَأُولَئِك الَّذين سمى الله) ، قَالَ ابْن عَبَّاس: هم الْخَوَارِج، قيل: أول بِدعَة وَقعت فِي الْإِسْلَام بِدعَة الْخَوَارِج، ثمَّ كَانَ ظُهُورهمْ فِي أَيَّام عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ تشعبت مِنْهُم شعوب وقبائل وآراء وَأَهْوَاء وَنحل كَثِيرَة منتشرة، ثمَّ نبعت الْقَدَرِيَّة ثمَّ الْمُعْتَزلَة ثمَّ الْجَهْمِية وَغَيرهم من أهل الْبدع الَّتِي أخبر عَنْهَا الصَّادِق المصدوق فِي قَوْله: وَسَتَفْتَرِقُ هَذِه الْأمة على ثَلَاث وَسبعين فرقة كلهَا فِي النَّار إلَاّ وَاحِدَة. قَالُوا: وَمن هم يَا رَسُول الله؟ قَالَ: مَا أَنا عَلَيْهِ وأصحابي: أخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) . قَوْله: (فاحذروهم) ، بِصِيغَة الْجمع وَالْخطاب للْأمة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني فَاحْذَرْهُمْ، بِالْإِفْرَادِ أَي: احذرهم أَيهَا الْمُخَاطب.
٢ - (بابٌ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَتَها مِنَ الشّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (آل عمرَان: ٣٦)
стр. 5402
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي أُعِيذهَا﴾ الْآيَة هَذَا إِخْبَار من الله عَن امْرَأَة عمرَان أم مَرْيَم، ﵍، وَهِي حنة بنت فاقوذا أَنَّهَا قَالَت: إِنِّي أُعِيذهَا. أَي: عوذتها بِاللَّه وعوذت ذريتها وَهُوَ وَلَدهَا عِيسَى، ﵇، فَاسْتَجَاب الله لَهَا ذَلِك، كَمَا يَأْتِي الْآن فِي حَدِيث الْبَاب.
٤٥٤٨ - ح دَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا عَبْدُ الرزَّاقِ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سَعِيدِ ابنِ المُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إلاّ وَالشَّيْطَانُ يَمّسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إيَّا إلاّ مَرْيَمَ وَابْنَها ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ وافْرَؤُا إنْ شِئْتُمْ ﴿وَإنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَتَها مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ .
عبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي. والْحَدِيث قد مر فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، ﵈ فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُر فِي الْكتاب مَرْيَم﴾ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٣ - (بابٌ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأيْمَانِهِمْ ثَمَنا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَا خَلاقَ لَهُمْ﴾ لَا خَيْرَ (آل عمرَان: ٧٧)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ﴾ الْآيَة. أَي: يستبدلون (بِعَهْد الله) بِمَا عاهدوه عَلَيْهِ من الْإِيمَان بالرسول الْمُصدق لما مَعَهم. قَوْله: (أَيْمَانهم) أَي: بِمَا حلفوا بِهِ من قَوْلهم، وَالله لنؤمنن بِهِ ولننصرنه. قَوْله: (ثمنا قَلِيلا) هُوَ عرض هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا الزائلة الفانية. قَوْله: (لَا خلاق لَهُم) فسره البُخَارِيّ قَوْله: لَا خير لَهُم فِي الْآخِرَة، وَيُقَال: لَا نصيب لَهُم.
ألِيمٌ مُؤْلِمٌ مُوجِعٌ مِنَ الأَلَمِ وَهُوَ فِي مَوْضِعِ مُفْعِلٍ
أَشَارَ بِأَن لفظ الْمِيم الَّذِي وَزنه فعيل بِمَعْنى مؤلم على وزن مفعل. وَهُوَ معنى قَوْله: هُوَ فِي مَوضِع مفعل بِكَسْر الْعين، كَقَوْل الشَّاعِر:
أَمن رَيْحَانَة الدَّاعِي السَّمِيع
فَإِن السَّمِيع بِمَعْنى المسمع. وَقَوله: موجع، تَفْسِير قَوْله مؤلم.
٤٥٥٠ - ح دَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنِ الأَعْمَشِ عنْ أبِي وَائِلٍ عنْ عَبْدِ الله ابنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ مَنِ حَلَفَ يَمِينَ صَبْرٍ لِيَقْتَطِعَ بِها مَالَ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ فَأُنْزَلَ الله تَصْدِيقَ ذَلِكَ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأيْمَانِهِمْ ثَمَنا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ إلَى آخِرِ الآيَةِ قَالَ فَدَخَلَ الأشْعَثُ ابنُ قَيْسٍ وَقَالَ مَا يُحَدِّثُكُمْ أبُو عَبْدِ الرَّحْمانِ قُلْنا كَذَا وَكَذَا قَالَ فِيَّ أُنْزِلَتْ كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أرْض ابنِ عَمٍّ لِي قَالَ النبيُّ ﷺ بَيِّنَتُكَ أوْ يَمِينُهُ فَقُلْتُ إِذا يَحْلِفَ يَا رَسُولَ الله فَقَالَ النبيُّ ﷺ مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو عوَانَة الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة.
والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الشَّهَادَات فِي بَاب مُجَرّد بعد: بَاب الْيَمين على الْمُدَّعِي عَلَيْهِ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير عَن مَنْصُور عَن أبي وَائِل إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً.
قَوْله: (من حلف يَمِين صَبر) بِإِضَافَة يَمِين إِلَى صَبر، وَفِي آخر الحَدِيث على يَمِين صَبر ويروى، من حلف يَمِينا صبرا، أَي: يَمِينا ألزم بهَا وَحبس عَلَيْهَا، وأصل الصَّبْر الْحَبْس أَو يحبس نَفسه ليحلف. قَوْله: (غَضْبَان) إِطْلَاق الْغَضَب على الله مجَاز، وَالْمرَاد لَازمه وَهُوَ إِيصَال الْعقَاب. قَوْله: (فَدخل الْأَشْعَث) بالشين الْمُعْجَمَة وَالتَّاء الْمُثَلَّثَة ابْن قيس الْكِنْدِيّ. قَوْله: (مَا يُحَدثكُمْ) أَي: أَي شَيْء يُحَدثكُمْ أَبُو عبد الرَّحْمَن، وَهُوَ كنية عبد الله بن مَسْعُود. قَوْله: فِي (بِكَسْر الْفَاء
стр. 5403
وَتَشْديد الْيَاء) قَوْله: (فَاجر) أَي: كَاذِب.
٤٥٥١ - ح دَّثنا عَلِيٌّ هُوَ ابنُ أبِي هَاشِمٍ سَمِعَ هُشَيْما أخْبَرَنَا العَوَّامُ بنُ حَوْشَبٍ عنْ إبْرَاهِيمَ ابنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي أوْفَى ﵄ أنَّ رَجُلاً أقَامَ سِلْعَةً فِي السُّوقِ فَحَلَفَ فِيهَا لَقَدْ أعْطِيَ بهَا مَا لَمْ يُعْطَهُ لِيُوقِعَ فِيها رَجُلاً مِنَ المُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأيْمَانِهِمْ ثَمَنا قَلِيلاً﴾ (آل عمرَان: ٧٧) إلَى آخِرِ الآيَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعلي بن أبي هَاشم الْبَغْدَادِيّ من أَفْرَاده: وهشيم: مصغر هشيم بن بشير مصغر بشرّ الوَاسِطِيّ والعوام. بتَشْديد الْوَاو بن حَوْشَب: بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة. والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب مَا يكره من الْحلف فِي البيع.
قَوْله: (لقد أعْطى) على صِيغَة الْمَجْهُول وَكَذَا قَوْله: (مَا لم يُعْطه) وَلَا مُنَافَاة بَين هَذَا الحَدِيث والْحَدِيث السَّابِق من حَيْثُ أَن ذَاك فِي الْبِئْر وَهَذَا فِي السّلْعَة لِأَن الْآيَة نزلت بالسببين جَمِيعًا. وَلَفظ الْآيَة عَام يتناولهما وَغَيرهمَا، وَقيل: لَعَلَّ الْآيَة لم تبلغ عبد الله بن أبي أوفى، إِلَّا عِنْد إِقَامَة السّلْعَة. فَظن أَنَّهَا نزلت فِي ذَلِك.
٧٣ - (حَدثنَا نصر بن عَليّ بن نصر حَدثنَا عبد الله بن دَاوُد عَن ابْن جريج عَن ابْن أبي مليكَة أَن امْرَأتَيْنِ كَانَتَا تخرزان فِي بَيت أَو فِي حجرَة فَخرجت إِحْدَاهمَا وَقد أنفذ بإشفى فِي كفها فادعت على الْأُخْرَى فَرفع إِلَى ابْن عَبَّاس فَقَالَ ابْن عَبَّاس قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - لَو يعْطى النَّاس بدعواهم لذهب دِمَاء قوم وَأَمْوَالهمْ ذكروها بِاللَّه واقرؤا عَلَيْهَا إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله فذكروها فَاعْترفت فَقَالَ ابْن عَبَّاس قَالَ النَّبِي ﷺ َ - الْيَمين على الْمُدعى عَلَيْهِ) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَنصر بن عَليّ الْجَهْضَمِي وَعبد الله بن دَاوُد بن عَامر الْمَعْرُوف بالخريبي كُوفِي الأَصْل سكن الخريبة محلّة بِالْبَصْرَةِ وَهُوَ من أَصْحَاب أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَكَانَ ثِقَة زاهدا يروي عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج وَهُوَ يروي عَن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة والْحَدِيث مضى مُخْتَصرا فِي الرَّهْن وَالشَّرِكَة عَن أبي نعيم وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة وَقد ذَكرْنَاهُ قَوْله أَن امْرَأتَيْنِ كَانَتَا تخرزان من خرز الْخُف وَنَحْوه يخرز بِضَم الرَّاء وَكسرهَا قَوْله فِي بَيت أَو فِي حجرَة كَذَا بِالشَّكِّ فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَحده والحجرة بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم وبالراء قَالَ ابْن الْأَثِير وَهِي الْموضع الْمُنْفَرد وَفِي الْمطَالع وكل مَوضِع حجر عَلَيْهِ بِالْحِجَارَةِ فَهُوَ حجرَة وَقَالَ الْجَوْهَرِي الْحُجْرَة حَظِيرَة الْإِبِل وَمِنْه حجرَة الدَّار تَقول أحجرت حجرَة أَي اتخذتها وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين فِي بَيت وَفِي حجرَة بِالْوَاو دون أَو الَّتِي للتشكيك قَالَ بَعضهم وَالْأول هُوَ الصَّوَاب يَعْنِي الَّذِي بِالْوَاو وَإِنَّمَا قَالَ الأول لِأَن الَّذِي فِي نسخته ذكر بِالْوَاو أَولا ثمَّ ذكر بِأَو وَنسب رِوَايَة أَو الَّتِي للشَّكّ إِلَى الْخَطَأ ثمَّ قَالَ وَسبب الْخَطَأ أَن فِي السِّيَاق حذفا بَينه ابْن السكن فِي رِوَايَته جَاءَ فِيهَا فِي بَيت وَفِي حجرَة حداث فالواو عاطفة لَكِن الْمُبْتَدَأ مَحْذُوف وحداث بِضَم الْمُهْملَة وَالتَّشْدِيد وَآخره مُثَلّثَة أَي يتحدثون وَحَاصِله أَن الْمَرْأَتَيْنِ كَانَتَا فِي الْبَيْت وَكَانَ فِي الْحُجْرَة الْمُجَاورَة للبيت نَاس يتحدثون فَسقط الْمُبْتَدَأ من الرِّوَايَة فَصَارَ مُشكلا فَعدل الرَّاوِي عَن الْوَاو إِلَى أَو الَّتِي للشَّكّ فِرَارًا من اسْتِحَالَة كَون الْمَرْأَتَيْنِ فِي الْبَيْت وَفِي الْحُجْرَة مَعًا انْتهى قلت هَذَا تصرف عَجِيب وَفِيه تعسف من وُجُوه لَا يحْتَاج إِلَى ارتكابها (الأول) أَن نسبته رِوَايَة أَو للشَّكّ إِلَى الْخَطَأ خطأ لِأَن كَون أَو للشَّكّ مَشْهُور فِي كَلَام الْعَرَب وَلَيْسَ فِيهِ مَانع هُنَا لَا من جِهَة اللَّفْظ وَلَا من جِهَة الْمَعْنى (الثَّانِي) أَن قَوْله فالواو للْعَطْف غير مُسلم هُنَا لفساد الْمَعْنى (الثَّالِث) دَعْوَاهُ أَن الْمُبْتَدَأ مَحْذُوف لَا دَلِيل عَلَيْهِ لِأَن حذف الْمُبْتَدَأ إِنَّمَا يكون وجوبا أَو جَوَازًا فَلَا مُقْتَضى
стр. 5404
لوَاحِد مِنْهُمَا هُنَا يعرفهُ من لَهُ يَد فِي الْعَرَبيَّة (الرَّابِع) أَنه ادّعى أَن الْوَاو للْعَطْف ثمَّ قَالَ وَحَاصِله أَن الْمَرْأَتَيْنِ كَانَتَا فِي الْبَيْت وَكَانَ فِي الْحُجْرَة الْمُجَاورَة للبيت نَاس يتحدثون فَهَذَا يُنَادي بِأَعْلَى صَوته أَن الْوَاو هُنَا لَيست للْعَطْف بل هِيَ وَاو الْحَال (الْخَامِس) أَن قَوْله الْحُجْرَة الْمُجَاورَة للبيت يحْتَاج إِلَى بَيَان أَن تِلْكَ الْحُجْرَة كَانَت مجاورة للبيت فَلم لَا يجوز أَن تكون الْحُجْرَة نفس الْبَيْت لأَنا قد ذكرنَا أَن الْحُجْرَة مَوضِع مُنْفَرد فَلَا مَانع من أَن يكون فِي الْبَيْت مَوضِع مُنْفَرد (السَّادِس) أَنه ادّعى اسْتِحَالَة كَون الْمَرْأَتَيْنِ فِي الْبَيْت وَفِي الْحُجْرَة فَلَا اسْتِحَالَة هُنَا لجَوَاز كَون من كَانَ فِي الْحُجْرَة وَهِي فِي الْبَيْت كَونه فِي الْحُجْرَة وَالْبَيْت وَدَعوى اسْتِحَالَة مثل هَذَا هُوَ الْمحَال قَوْله " وَقد أنفذ بإشفى " الْوَاو فِيهِ للْحَال وَقد للتحقيق وأنفذ من النَّفاذ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة على صِيغَة الْمَجْهُول والإشفى بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وبالفاء مَقْصُورا وَهُوَ مثل المسلة لَهُ مقبض يخرز بهَا الإسكاف قَوْله " فَرفع " أَي أَمر الْمَرْأَتَيْنِ المذكورتين وَرفع على صِيغَة الْمَجْهُول قَوْله " لَو يعْطى " على صِيغَة الْمَجْهُول قَوْله " فذكروها " الضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى لفظ الْأُخْرَى وَهِي الْمُدعى عَلَيْهَا وَهُوَ بِصِيغَة الْأَمر للْجَمَاعَة وَأَرَادَ بالتذكير تخويفها من الْيَمين لِأَن فِيهَا هتك حُرْمَة اسْم الله عِنْد الْحلف الْبَاطِل وَكَذَلِكَ الضَّمِير فِي قَوْله عَلَيْهَا وَفِي قَوْله فذكروها وَهُوَ بِفَتْح الْكَاف لِأَنَّهُ جملَة مَاضِيَة قَوْله " الْيَمين على الْمُدعى عَلَيْهِ " يَعْنِي عِنْد عدم بَيِّنَة الْمُدَّعِي وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح قَوْله " الْيَمين على الْمُدعى عَلَيْهِ " أَي فَإِن نكل حلف الْمُدَّعِي قلت هَذَا الَّذِي قَالَه لَيْسَ معنى قَول ابْن عَبَّاس بل الْمَعْنى فِيهِ أَن الْمُدعى عَلَيْهِ إِذا رد الْيَمين على الْمُدَّعِي لَا يَصح لِأَن الْيَمين وَظِيفَة الْمُدعى عَلَيْهِ فَإِذا نكل عَن الْيَمين يلْزمه مَا يَدعِيهِ الْمُدَّعِي -
٤ - (بابٌ: ﴿قُلْ يَا أهْل الكِتابِ تَعَالَوْ إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا الله﴾ (آل عمرَان: ٦٤)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿قل يَا أهل الْكتاب﴾ الْآيَة. وَهَذَا الْمِقْدَار وَقع من الْآيَة الْمَذْكُورَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر هَكَذَا ﴿قل يَا أهل الْكتاب تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم﴾ الْآيَة. قَوْله: (قل) أَي: يَا مُحَمَّد (يَا أهل الْكتاب) قيل: هم أهل الْكِتَابَيْنِ، وَقيل: وَفد نَجْرَان، وَقيل: يهود الْمَدِينَة. قَوْله: (إِلَى كلمة) أَرَادَ بهَا الْجُمْلَة المفيدة ثمَّ وصفهَا بقوله: (سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم) نستوي نَحن وَأَنْتُم فِيهَا وفسرها بقوله: (أَن لَا نعْبد إِلَّا الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا) لَا وثنا وَلَا صنما وَلَا صليبا وَلَا طاغوتا وَلَا نَارا بل نعْبد الله وَحده لَا شريك لَهُ. وَلَا يتَّخذ بَعْضنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دون الله، فَلَا نقُول عُزَيْر ابْن الله. وَلَا الْمَسِيح ابْن، لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا بشر مثلنَا (فَإِن توَلّوا فَقولُوا أشهدوا بِأَنا مُسلمُونَ) .
سَوَاءٌ قَصْدا
هَكَذَا وَقع بِالنّصب فِي رِوَايَة أبي، وَفِي رِوَايَة غَيره بِالْجَرِّ فيهمَا على الْحِكَايَة، وَالنّصب قِرَاءَة الْحسن الْبَصْرِيّ. وَقيل: وَجه النصب على أَنه مصدر تَقْدِيره: اسْتَوَت اسْتِوَاء. قَوْله: (قصدا) ، تَفْسِير اسْتِوَاء أَي: عدلا. وَكَذَا فسر أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله: سَوَاء. أَي: عدل، وَكَذَا أخرجه الطَّبَرِيّ وَابْن أبي حَاتِم من طَرِيق الرّبيع بن أنس وَأخرج الطَّبَرِيّ أَيْضا عَن قَتَادَة نَحوه.
٤٥٥٣ - ح دَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى عنْ هِشَامِ عنْ مَعْمَرٍ وحدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيَّ قَال أخْبَرَنِي عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله بنِ عُتَيْبَةَ قَالَ حدَّثني ابنُ عَبَّاسٍ قَالَ حدَّثني أبُو سُفْيَانَ مِنْ فِيهِ إلَى فِيَّ قَالَ انْطَلَقْتُ فِي المُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ الله ﷺ قَال فَبَيْنَا أنَا بِالشَّامِ إذْ جِيءَ بكتابٍ مِنَ النبيِّ ﷺ إلَى هَرْقَلَ قَالَ وَكَانَ دَحْيَةُ الْكَلْبِيُّ جَاءَ بِهِ إلَى عَظِيمِ بُصْرَى فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بَصْرَى إلَى هَرْقَلَ قَال فَقَال هِرَقْلُ هَلْ هاهُنَا أحدٌ مِنْ قَوْمِ هاذا الرَّجُلِ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ فَقَالُوا
стр. 5405
نَعَمْ قَالَ فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ فَأُجْلِسْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ أيُّكُمْ أقْرَبُ نَسَبا مِنْ هاذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعَمُ أنَّهُ نَبِيٌّ فَقَالَ أبُو سُفْيَانَ فَقُلْتُ أنَا فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَجْلَسُوا أصْحَابِي خَلْفِي ثُمّ دَعَا بِتَرْجُمانِهِ فَقَالَ قُلْ لَهُمْ إنِّي سَائِلٌ هاذا عَنْ هاذا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ فَإنْ كَذَبَنِي فَكَذَّبُوهُ قَالَ أبُو سُفْيَانَ وايْمُ الله لَوْلا أنْ يُؤْثِرُوا عَلَيَّ الْكَذِبَ لَكَذَبْتُ ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ سَلْه كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ قَال قُلْتُ هُوَ فِينا ذُو حَسَبٍ قَالَ فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ قَال قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكِذِبِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ مَا قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ أيَتَّبِعُهُ أشَرَافُ النَّاسِ أمْ ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ قُلْتُ بلْ ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ يَزِيدُونَ أوْ يَنْقُصُونَ قَال قُلْتُ لَا بَلْ يَزِيدُونَ قَال هَلْ يَرْتَدُّ أحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ قَال قُلْتُ نَعَمْ قَال فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إيَّاهُ قَالَ قُلْتُ تَكُونُ الحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجالاً يُصِيبُ مِنا وَنُصِيبُ مِنْهُ قَالَ فَهَلْ يَغْدِرُ قَالَ قُلْتُ لَا وَنَحْنُ مِنْهُ فِي هاذِهِ المُدَّةِ لَا نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِيهَا قَالَ وَالله مَا أمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيها شَيْئا غَيْرَ هاذِهِ قَالَ فَهَلَ قَالَ هاذَا القَوْلَ أحَدٌ قَبْلُهُ قُلْتُ لَا ثُمَّ قَالَ لَتَرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُ إنِّي سَألْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ فِيكُمْ فَزَعَمْتَ أنَّهُ فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أحْسَابِ قَوْمِها وَسألْتُكَ هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ فَزَعَمْتَ أنْ لَا فَقُلْتُ لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ وَسألْتُكَ عنْ أتْبَاعِهِ أضُعَفَاؤهُمْ أمْ أشْرَافُهُمْ فَقُلْت بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ وَهُمْ أتْبَاعُ الرُّسُلِ وَسألْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ مَا قَالَ فَزَعَمْتَ أنْ لَا فَعَرَفْتُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ يَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلَى الله وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ فَزَعَمْتَ أنْ لَا وَكَذَلِكَ الإيمانُ إذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ القُلُوبِ وَسألْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أمْ يَنْقُصُونَ فَزَعَمْتَ أنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذَلِكَ الإيمانُ حَتَّى يَتِمَّ وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ فَزَعَمْتَ أنَّكُمْ قَاتَلْتُمُوهُ فَتَكُونُ الحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجالاً يَنَالُ مِنْكُم وَتَنَالُونَ مِنهُ وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمْ العاقِبَةُ وَسألْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ فَزَعَمْتَ أنَّهُ لَا يَغْدِرُ وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ وَسألَتُكَ هَلْ قَال أحَدٌ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ فَزَعَمْتَ أنْ لَا فَقُلْتُ لَوْ كَانَ قَال هَذَا الْقَوْل أحَدٌ قَبْلَهُ قُلْتُ رَجُلٌ ائْتَمَّ بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ قَال ثُمَّ قَالَ بِمَ يَأْمُرُكُمْ قَال قُلْتُ يَأْمُرُنَا بِالصَّلاةِ وَالزكاةِ وَالصِّلَةِ وَالعَفَافِ قَالَ إنْ يَك مَا تَقول فِيه حَقا فَإنَّهُ نَبي وَقَدْ كُنْتُ أعْلَمُ أنَّهُ خَارِجٌ وَلَمْ أكُ أظُنَّهُ مِنْكُمْ وَلَوْ أنِّي أعْلَمُ أنِّي أخْلُصُ إلَيْهِ لأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ وَليَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ قَالَ ثُمَّ دَعا بِكتابِ رَسُولِ الله ﷺ فَقَرَأَهُ فَإذَا فِيهِ بِسْمِ الله الرَّحمانِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ الله إلَى هَرِقَلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى أما بَعْدُ فَإنِّي أدعُوكَ
стр. 5406
بِدِعَايَةِ الإسْلامِ أسْلِمْ تَسْلَمْ وَأسْلِمْ يُؤْتِكَ الله أجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإنْ تَوَلَيْتَ فَإنَّ عَلَيْكَ إثْمَ الأرِيسيِّينَ وَيَا أهْلَ الكِتَابِ تَعَالوا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أنْ لَا نَعْبُدَ إلَاّ الله إلَى قَوْلِهِ اشْهَدُوا بأنَّا مُسْلِمُونَ فَلَمَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الكِتَابِ ارْتَفَعَتِ الأصْوَاتُ عِنْدَهُ وَكَثُرَ اللَّفْظُ وَأُمِرَ بِنا فَأُخْرِجْنَا قَال فَقُلْتُ لأصْحَابِي حِينَ خَرَجْنَا لَقَدْ أُمِرَ أمْرُ ابنُ أبِي كَبْشَةَ أنَّهُ لَيخافُهُ مَلِكُ بَنِي الأصْفَرِ فَمَا زِلْتُ مُوقِنا بأمْرِ رَسُولِ الله ﷺ سَيَظْهَرُ حَتَّى أدْخَلَ الله عَلَيَّ الإسْلامَ. قَالَ الزُّهْرِيُّ فَدَعَا هرَقْلُ عُظَمَاءَ الرُّومِ فَجَمَعَهُمْ فِي دَارٍ لهُ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الرُّومِ هَلْ لَكُمْ فِي الفَلاحِ وَالرُّشْدِ آخِرَ الأبَدِ وأنْ يَثبُتَ لَكُمْ مُلْكُكُمْ قَالَ فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إلَى الأبوَابِ فَوَجَدُوها قَدْ غُلِقَتْ فَقَال عَلَيَّ بِهِمْ فَدَعَا بِهِمْ فَقال إنِّي إِنَّمَا اخْتَبَرْتُ شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ فَقَدْ رَأيْتُ مِنْكُمْ الَّذِي أحْبَبْتُ فَسَجَدُوا لهُ وَرَضُوا عَنْهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأخرجه من طَرِيقين. (الأول) : عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى أَبُو إِسْحَاق الْفراء عَن هِشَام بن يُوسُف عَن معمر بن رَاشد عَن الزُّهْرِيّ. الخ (وَالْآخر) : عَن عبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره، وَقد مر الحَدِيث فِي أول الْكتاب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بأتم مِنْهُ عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مطولا ولنذكر بعض شَيْء لطول الْمسَافَة.
قَوْله: (من فِيهِ إِلَى فِي) أَي: حَدثنِي حَال كَونه من فَمه إِلَى فمي وَأَرَادَ بِهِ شدَّة تمكنه من الإصغاء إِلَيْهِ. وَغَايَة قربه من تحديثه، وإلاّ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة أَن يُقَال إِلَى أُذُنِي. قَوْله: (فِي الْمدَّة) أَي: فِي مُدَّة الْمُصَالحَة. قَوْله: (فَدُعِيت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فِي نفر) كلمة فِي بِمَعْنى: مَعَ نَحْو ادخُلُوا فِي أُمَم أَي: مَعَهم، وَيجوز أَن يكون التَّقْدِير: فَدُعِيت فِي جملَة نفر، والنفر اسْم جمع يَقع على جمَاعَة من الرِّجَال خَاصَّة مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه. قَوْله: (فَدَخَلْنَا) الْفَاء فِيهِ تسمى فَاء الفصيحة لِأَنَّهَا تفصح عَن مَحْذُوف قبلهَا لِأَن التَّقْدِير: فجاءنا رَسُول هِرقل فطلبنا فتوجهنا مَعَه حَتَّى وصلنا إِلَيْهِ فَاسْتَأْذن لنا فَأذن فَدَخَلْنَا. قَوْله: (فأجلسنا) بِفَتْح اللَّام جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول. قَوْله: (إِنِّي سَائل هَذَا) أَي: أَبَا سُفْيَان. قَوْله: (بترجمانه) هُوَ الَّذِي يترجم لُغَة بلغَة ويفسرها. قيل إِنَّه عَرَبِيّ. وَقيل: مُعرب وَهُوَ الْأَشْهر فعلى الأول النُّون زَائِدَة. قَوْله: (فَإِن كَذبَنِي) بتَخْفِيف الذَّال (فَكَذبُوهُ) بِالتَّشْدِيدِ. وَيُقَال: كذب. بِالتَّخْفِيفِ يتَعَدَّى إِلَى مفعولين مثل: صدق تَقول كَذبَنِي الحَدِيث وصدقني الحَدِيث. قَالَ الله: ﴿لقد صدق الله رَسُوله الرُّؤْيَا﴾ (الْفَتْح: ٢٧) وَكذب بِالتَّشْدِيدِ يتَعَدَّى إِلَى مفعول وَاحِد، وَهَذَا من الغرائب قَوْله: (لَوْلَا أَن يؤثروا عَليّ) ، بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْمَعْلُوم، ويروي: ويؤثر، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة بِصِيغَة الْإِفْرَاد على بِنَاء الْمَجْهُول. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: لَوْلَا أَن يؤثروا عني. أَي: لَوْلَا أَن يؤثروا عني ويحكوا قَوْله: (كَيفَ حَسبه) ؟ والحسب مَا يعده الْمَرْء من مفاخر آبَائِهِ. فَإِن قلت: ذكر فِي كتاب الْوَحْي، كَيفَ نسبه؟ قلت: الْحسب مُسْتَلْزم للنسب الَّذِي يحصل بِهِ الإدلاء إِلَى جِهَة الْآبَاء قَوْله: (فَهَل كَانَ من آبَائِهِ ملك) وَفِي رِوَايَة غير الْكشميهني (فِي آبَائِهِ ملك) ؟ . قَوْله: (يزِيدُونَ أَو ينقصُونَ) ؟ كَذَا فِيهِ بِإِسْقَاط همزَة الِاسْتِفْهَام. وَأَصله أيزيدون أَو ينقصُونَ، ويروى: (أم ينقصُونَ) . وَقَالَ ابْن مَالك: يجوز حذف همزَة الِاسْتِفْهَام مُطلقًا. وَقَالَ بَعضهم: لَا يجوز إِلَّا فِي الشّعْر. قَوْله: (هَل يرْتَد) ؟ إِلَى آخِره. فَإِن قلت:؟ لَم لمْ يسْتَغْن هِرقل عَن هَذَا السُّؤَال بقول أبي سُفْيَان: بل يزِيدُونَ؟ قلت: لَا مُلَازمَة بَين الارتداد وَالنَّقْص. فقد يرْتَد بَعضهم وَلَا يظْهر فيهم النَّقْص بِاعْتِبَار كَثْرَة من يدْخل وَقلة من يرْتَد، مثلا. قَوْله: (سخطَة لَهُ) ، يُرِيد أَن من دخل فِي الشَّيْء على بَصِيرَة يبعد رُجُوعه عَنهُ بِخِلَاف من لم يكن ذَلِك من صميم قلبه فَإِنَّهُ يتزلزل سرعَة، وعَلى هَذَا يحمل حَال من ارْتَدَّ من قُرَيْش، وَلِهَذَا لم يعرج أَبُو سُفْيَان على ذكرهم وَفِيهِمْ صهره زوج ابْنَته أم حَبِيبَة وَهُوَ عبد الله بن جحش فَإِنَّهُ كَانَ أسلم وَهَاجَر إِلَى الْحَبَشَة وَمَات على
стр. 5407
نصرانيته وَتزَوج النَّبِي ﷺ أم حَبِيبَة بعده، وَكَأَنَّهُ لم يكن دخل فِي الْإِسْلَام على بَصِيرَة. وَكَانَ أَبُو سُفْيَان وَغَيره من قُرَيْش يعْرفُونَ ذَلِك مِنْهُ فَلذَلِك لم يعرج عَلَيْهِ خشيَة أَن يكذبوه قَوْله: (قَالَ: فَهَل قاتلتموه) ؟ إِنَّمَا نسب ابْتِدَاء الْقِتَال إِلَيْهِم وَلم يقل هَل قاتلكم؟ لاطلاعه على أَن النَّبِي لَا يبْدَأ قومه حَتَّى يبدؤا. قَوْله: (يُصِيب منا وَنصِيب مِنْهُ) ، الأول بِالْيَاءِ بِالْإِفْرَادِ وَالثَّانِي بالنُّون عَلامَة الْجمع. قَوْله: (إِنِّي سَأَلتك عَن حَسبه فِيكُم) ذكر الأسئلة والأجوبة المذكورتين على تَرْتِيب مَا وَقعت وَحَاصِل الْجَمِيع ثُبُوت عَلَامَات النُّبُوَّة فِي الْكل فالبعض مَا تلقفه من الْكتب وَالْبَعْض مِمَّا استقرأه بِالْعَادَةِ وَلم تقع فِي كتاب بَدْء الْوَحْي الْأَجْوِبَة بترتيب. وَالظَّاهِر أَنه من الرَّاوِي بِدَلِيل أَنه حذف مِنْهَا وَاحِدَة. وَهِي قَوْله: (هَل قاتلتموه) ؟ وَوَقع فِي رِوَايَة الْجِهَاد مُخَالفَة فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَإِنَّهُ أضَاف قَوْله: بِمَ يَأْمُركُمْ؟ إِلَى بَقِيَّة الأسئلة، فكملت بهَا عشرَة. وَأما هُنَا فَإِنَّهُ أخر قَوْله: بِمَ يَأْمُركُمْ؟ إِلَى مَا بعد إِعَادَة الأسئلة والأجوبة وَمَا رتب عَلَيْهَا. قَوْله: (وَقَالَ لِترْجُمَانِهِ: قل لَهُ) ، أَي: قَالَ هِرقل لِترْجُمَانِهِ: قل لأبي سُفْيَان. قَوْله: (فَإِنَّهُ نَبِي) ، وَوَقع فِي رِوَايَة الْجِهَاد (وَهَذِه صفة نَبِي) وَفِي مُرْسل سعيد بن الْمسيب عِنْد ابْن أبي شيبَة فَقَالَ: (هُوَ نَبِي) . قَوْله: (لأحببت لقاءه) ، وَفِي كتاب الْوَحْي: (لتشجشمت) . أَي: لتكلفت، وَرجح عِيَاض هَذِه لَكِن نَسَبهَا إِلَى مُسلم خَاصَّة وَهِي عِنْد البُخَارِيّ أَيْضا. قَوْله: (ثمَّ دَعَا بِكِتَاب رَسُول الله ﷺ ، فقرأه) ، قيل: ظَاهره أَن هِرقل هُوَ الَّذِي قَرَأَ الْكتاب، وَيحْتَمل أَن يكون الترجمان قَرَأَهُ فنسبت إِلَى هِرقل مجَازًا لكَونه آمرا بهَا. قلت: ظَاهر الْعبارَة يَقْتَضِي أَن يكون فَاعل: دَعَا، هُوَ هِرقل، وَيحْتَمل أَن يكون الْفَاعِل الترجمان لكَون هِرقل آمرا بِطَلَبِهِ وقراءته فَلَا يرتكب فِيهِ الْمجَاز. وَعند ابْن أبي شيبَة فِي مُرْسل سعيد بن الْمسيب: أَن هِرقل لما قَرَأَ الْكتاب قَالَ: هَذَا لم أسمعهُ بعد سُلَيْمَان. ﵇، فَكَأَنَّهُ يُرِيد الِابْتِدَاء: بِبسْم الله الرحمان الرَّحِيم، وَهَذَا يدل على أَن هِرقل كَانَ عَالما بأخبار أهل الْكتاب. قَوْله: (من مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ ذكر المدايني أَن القارىء لما قَرَأَ بِسم الله الرحمان الرَّحِيم. من مُحَمَّد رَسُول الله، غضب أَخُو هِرقل واجتذب الْكتاب. فَقَالَ هِرقل: مَالك؟ فَقَالَ: بَدَأَ بِنَفسِهِ وَسماك صَاحب الرّوم. قَالَ: إِنَّك لضعيف الرَّأْي، أَتُرِيدُ أَن أرمي بِكِتَاب قبل أَن أعلم مَا فِيهِ؟ لَئِن كَانَ رَسُول الله فَهُوَ حق أَن يبْدَأ بِنَفسِهِ. وَلَقَد صدق أَنا صَاحب الرّوم، وَالله مالكي ومالكهم. قَوْله: (عَظِيم الرّوم) بِالْحرِّ على أَنه بدل من هِرقل، وَيجوز بِالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَيجوز بِالنّصب أَيْضا على الِاخْتِصَاص وَمَعْنَاهُ: من تعظمه الرّوم، وتقدمه للرياسة. قَوْله: (ثمَّ الأريسين) ، قد مضى ضَبطه مشروحا وَجزم ابْن التِّين أَن المُرَاد هُنَا بالأريسيين أَتبَاع عبد الله بن أريس كَانَ فِي الزَّمن الأول بعث إِلَيْهِم نَبِي فاتفقواكلهم على مُخَالفَة نَبِيّهم. فَكَأَنَّهُ قَالَ: عَلَيْك إِن خَالَفت إِثْم الَّذين خالفوا نَبِيّهم، وَقيل: الأريسيون الْمُلُوك وَقيل: الْعلمَاء، وَقَالَ ابْن فَارس: الزراعون، وَهِي شامية الْوَاحِد أويس وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً فِي أول الْكتاب. قَوْله: (فَلَمَّا فرغ) أَي: قارىء الْكتاب. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون هِرقل وَنسب إِلَيْهِ ذَلِك مجَازًا لكَونه الْآمِر بِهِ. قلت: الَّذِي يظْهر أَن الضَّمِير فِي: فرغ، يرجع إِلَى هِرقل وَيُؤَيّد. قَوْله: عِنْده بعد قَوْله: فَلَمَّا فرغ من قِرَاءَة الْكتاب ارْتَفَعت الْأَصْوَات عِنْده. أَي: عِنْدهم هِرقل، فَحِينَئِذٍ يكون حَقِيقَة لَا مجَازًا. قَوْله: (لقد أُمِرَ أَمْرُ ابْن أبِي كَبْشَة) بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْمِيم وَفتح الرَّاء على وزن علم وَمَعْنَاهُ، عظم وقوى أَمر ابْن أبي كَبْشَة، وَهَذَا يكون الْمِيم وَضم الرَّاء لِأَنَّهُ فَاعل أَمر الأول. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ابْن أبي كَبْشَة كِتَابَة عَن رَسُول الله ﷺ ، شبهوه بِهِ فِي مُخَالفَته دين آبَائِهِ. قلت: هَذَا تَوْجِيه بعيد. وَقد مر فِي بَدْء الْوَحْي بَيَان ذَلِك مَبْسُوطا. قَوْله: (قَالَ الزُّهْرِيّ) أَي: أحد الروَاة الْمَذْكُورين فِي الحَدِيث: هَذِه قِطْعَة من الرِّوَايَة الَّتِي وَقعت فِي يَده الْوَحْي عقيب الْقِصَّة الَّتِي حَكَاهَا ابْن الناطور، وَقد بَين هُنَاكَ أَن هِرقل دعاهم فِي دسكرة لَهُ بحمص وَذَلِكَ بعد أَن رَجَعَ من بَيت الْمُقَدّس، فَعَاد جَوَابه يُوَافقهُ على خُرُوج النَّبِي ﷺ ، وعَلى هَذَا فالفاء فِي قَوْله: فَدَعَا فَاء فصيحة، وَالتَّقْدِير: قَالَ الزُّهْرِيّ: فَسَار هِرقل إِلَى حمص فَكتب إِلَى صَاحبه ضغاطر الأسقف برومية فَجَاءَهُ جَوَابه، فَدَعَا الرّوم. قَوْله: (آخر الْأَبَد) أَي: إِلَى آخر الزَّمَان. قَوْله: (فحاصوا) بالمهملتين أَي: نفروا قَوْله: (فَقَالَ: عليّ بهم) أَي: هاتوهم لي، يُقَال: عَليّ يزِيد. أَي: احضروه لي. قَوْله: (اختبرت) أَي: جربت. قَوْله: (الَّذِي أَحْبَبْت) أَي: الشَّيْء الَّذِي أحببته.
стр. 5408
٥ - (بابٌ: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ إلَى ﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾ (آل عمرَان: ٩٢)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لن تنالوا الْبر﴾ إِلَى آخر الْآيَة قَوْله: إِلَى (بِهِ عليم) هَكَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة ابي ذَر لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون. الْآيَة قَوْله: (لن تنالوا الْبر) أَي: لن تبلغوا حَقِيقَة الْبر وَلنْ تَكُونُوا أبرارا (حَتَّى تنفقوا) أَي: حَتَّى تكون نفقتكم من أَمْوَالكُم الَّتِي تحبونها. فَإِن الله عليم بِكُل شَيْء تنفقونه فيجازيكم بِحَسبِهِ.
٤٥٥٤ - ح دَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مَالِكٌ عَنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنِ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ كانَ أبُو طَلْحَةَ أكْثَرَ أنْصَارِيٍّ بِالمَدِينَةِ نَخْلاً وَكَانَ أحَبَّ أمْوَالِهِ إلَيْهِ بِيْرَحاءِ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَدْخلُها وَيَشْرَبُ مِنْ ماءٍ فِيها طَيْبٍ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَامَ أبُو طَلْحَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ الله إنَّ الله يَقُولُ لنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَإنَّ أحَبَّ أمْوَالِي إلَّى بَيْرَحَاءَ وَإنَّهَا صَدَقَةُ لله أرْجُو برَّها وَذُخْرَها عِنْدَ الله فَضَعْها يَا رَسُولَ الله حَيْثُ أرَاكَ الله قَالَ رَسُولُ الله ﷺ بَخٍّ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ وَقَدْ سَمِعْت مَا قُلْت وَإنّي أرَى أنْ تَجْعَلَها فِي الأقْرَبِينَ قَالَ أبُو طَلْحَةَ أفْعلُ يَا رَسُولَ الله فَقَسَمَها أبُو طَلْحَةَ فِي أقارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. قَالَ عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ وَرَوْحُ بنُ عُبادَةَ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس ابْن أُخْت مَالك بن أنس والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الزَّكَاة: بَاب الزَّكَاة على الْأَقَارِب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (أَبُو طَلْحَة) اسْمه زيد بن سهل زوج أم أنس بن مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (بيرحاء) أشهر الْوُجُوه فِيهِ فتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْبَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الرَّاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة مَقْصُورا وَهُوَ بُسْتَان بِالْمَدِينَةِ فِيهِ مَاء. قَوْله: (طيب) بِالْجَرِّ لِأَنَّهُ صفة من مَاء قَوْله: (بخ) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهِي كلمة تقال عِنْد الْمَدْح وَالرِّضَا بالشَّيْء، والتكرار وللمبالغة. قَوْله: (رابح) بِالْبَاء الْمُوَحدَة. أَي: يربح صَاحبه فِيهِ فِي الْآخِرَة. قَوْله: (قَالَ عبد الله بن يُوسُف) هُوَ أحد رُوَاة الحَدِيث عَن مَالك، وروح، بِفَتْح الرَّاء ابْن عبَادَة: بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة أَرَادَ أَن الْمَذْكُورين رويا الحَدِيث الْمَذْكُور عَن مَالك بإسناديهما فوافقا فِيهِ إلَاّ فِي هَذِه اللَّفْظَة يَعْنِي: (رَايِح) أَنَّهَا بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف من الرواح، أَي: من شَأْنه الذّهاب والفوات، فَإِذا ذهب فِي الْخَيْر فَهُوَ أولى.
حدَّثني يَحْيَى بنُ يَحْيَى قَالَ قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ مالٌ رَابِحٌ
ذكره هُنَا مُخْتَصرا، وَسَاقه بِتَمَامِهِ من هَذَا الْوَجْه فِي كتاب الْوكَالَة فِي: بَاب إِذا قَالَ الرجل لوَكِيله: ضَعْهُ حَيْثُ أَرَاك الله.
٤٥٥٥ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله الأَنْصَارِيُّ قَالَ حدَّثني أبِي عَنْ تُمامَةَ عنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ فَجَعَلَها لِحَسَّانَ وَأُبيّ وَأنا أقْرَبُ إلَيْهِ وَلَمْ يَجْعَلَ لِي مِنْها شَيْئا.
هَذَا لم يَقع لأبي ذَر، وَهَذَا قِطْعَة من حَدِيث أخرجه بِتَمَامِهِ فِي كتاب الْوَقْف فِي: بَاب إِذا وقف أَو أوصى لأقاربه، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ حَيْثُ قَالَ: وَقَالَ الْأنْصَارِيّ، وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ: حَدثنِي أبي وَهُوَ عبد الله بن الْمثنى بن عبد الله بن أنس بن مَالك عَن ثُمَامَة، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الْمِيم: ابْن عبد الله بن أنس قَاضِي الْبَصْرَة، وَهُوَ يروي عَن جده أنس بن مَالك.
قَوْله:
стр. 5409
(فَجَعلهَا) أَي: فَجعل أَبُو طَلْحَة بيرحاء الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث السَّابِق لحسا بن ثَابت وَأبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (وَأَنا أقرب إِلَيْهِ، مِنْهُمَا) (وَلم يَجْعَل لي مِنْهَا شَيْئا) .
٦ - (بابٌ: ﴿قُلْ فَأَتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (آل عمرَان: ٩٣)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قل فَأتوا﴾ الْآيَة. وَقبلهَا ﴿كل الطَّعَام كَانَ حلا لبني إِسْرَائِيل إلَاّ مَا حرم إِسْرَائِيل على نَفسه من قبل أَن تنزل التَّوْرَاة قل فاتوا بِالتَّوْرَاةِ فاتلوها إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ (آل عمرَان: ٩٣) قَوْله: (كل الطَّعَام) أَي: كل المطعومات (كَانَ حلا لبني إِسْرَائِيل) وَهُوَ يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام (إِلَّا مَا حرم إِسْرَائِيل على نَفسه) وَهُوَ لُحُوم الْإِبِل وَأَلْبَانهَا. وَقيل: الْعُرُوق، وَكَانَ بِهِ عرق النِّسَاء فَنَذر إِن شفي أَن يحرم على نَفسه أحب الطَّعَام إِلَيْهِ وَكَانَ ذَلِك أحب إِلَيْهِ فحرمه، وَأنكر الْيَهُود ذَلِك فَأنْزل الله (قل فاتوا) أَي: قل يَا مُحَمَّد للْيَهُود: (قاتلوها إِن كُنْتُم صَادِقين) فِيمَا تنكرون من ذَلِك.
٤٥٥٦ - ح دَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ حدَّثنا أبُو ضَمَرَةَ حدَّثنا مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عنْ نافعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ الْيَهُودَ جاؤُا إلَى النبيِّ ﷺ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرأةٍ قَدْ زَنَيَا فَقَالَ لَهُمْ كَيْفَ تَفْعَلُونَ بِمَنْ زَنَا مِنْكُمْ نحَمِّمُهُما وَنَضْرِبُهُما فَقَالَ لَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة الرَّجْمَ فقالُوا لَا نَجِدُ فِيهَا شَيْئا فَقَال لَهُمْ عَبْدُ الله بنُ سَلامٍ كَذَبْتُمْ فأتُوا بِالتَوْرَةِ فَاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَوَضَعَ مِدْرَاسُها الَّذِي يُدَرِّسُها مِنْهُمْ كَفَّهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَطَفِقَ يقْرَأ مَا دون يَده وَمَا وَرَاءَهَا وَلَا يقْرَأ آيَة الرَّجْم فَنزع يَده عَن آيَة الرَّجْم فَقَال مَا هاذِهِ فَلَما رَأوْا ذَلِكَ قَالُوا هِيَ آيَةُ الرَّجْمِ فَأمَرَ بِهِما فَرُجِمَا قَرِيبا مِنْ حَيْثُ مَوْضِعُ الجَنِائِزِ عِنْدَ المَسْجِدِ فَرَأيْتُ صَاحِبها يَجْنَأُ عَلَيْهَا يَقِيها الحِجَارَةَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَذبْتُمْ فاتوا بِالتَّوْرَاةِ فاتلوها إِن كُنْتُم صَادِقين) وَإِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر أَبُو إِسْحَاق الْحزَامِي الْمَدِينِيّ، وَأَبُو ضَمرَة، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم واسْمه أنس بن عِيَاض اللَّيْثِيّ والْحَدِيث قد مضى مُخْتَصرا فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب الصَّلَاة على الْجِنَازَة فِي الْمصلى وَالْمَسْجِد.
قَوْله: (إِن الْيَهُود جاؤوا إِلَى النَّبِي ﷺ بِرَجُل وَامْرَأَة زَنَيَا) قَالَ ابْن بطال: قيل: إنَّهُمَا لم يَكُونَا أهل ذمَّة وَإِنَّمَا كَانَا أهل حَرْب، ذكره الطَّبَرِيّ، وَفِي رِوَايَة عِيسَى عَن ابْن الْقَاسِم: كَانَا من أهل فدك وخيبر حَربًا لرَسُول الله ﷺ يَوْم ذَاك، وَعَن أبي هُرَيْرَة: كَانَ هَذَا حِين قدم سيدنَا رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة. وَقَالَ مَالك إِنَّمَا كَانَا أهل حَرْب وَلَو كَانَا أهل ذمَّة لم يسألهم كَيفَ الحكم فيهم؟ وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَعند مَالك لَا يَصح إِحْصَان الْكَافِر وَإِنَّمَا رجمهما لِأَنَّهُمَا لم يَكُونَا أهل ذمَّة. قيل: هَذَا غير جيد لِأَنَّهُمَا كَانَا من أهل الْعَهْد، وَلِأَنَّهُ رجم الْمَرْأَة وَالنِّسَاء الحربيات لَا يجوز قتلهن مُطلقًا. وَقَالَ السُّهيْلي: اسْم الْمَرْأَة المرجومة: بسرة. قَوْله: (كَيفَ تَفْعَلُونَ) ؟ لم يرد بِهِ ﷺ تقليدهم وَلَا معرفَة الحكم بِهِ مِنْهُم، وَإِنَّمَا أَرَادَ إلزامهم بِمَا يعتقدونه فِي كِتَابهمْ، وَلَعَلَّه ﷺ قد أوحى إِلَيْهِ أَن الرَّجْم فِي التَّوْرَاة الْمَوْجُودَة فِي أَيْديهم لم يغيروه كَمَا غيروا غَيره، أَو أَنه أخبرهُ من أسلم مِنْهُم. قَوْله: (نحممهما) من التحميم يَعْنِي: نسود وُجُوههمَا بالحمم، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم، وَهُوَ الفحم، وَفِي رِوَايَة تحملهما: بِالْحَاء الْمُهْملَة وَاللَّام يَعْنِي: تحملهما على شَيْء ليظهرا. وَفِي رِوَايَة: تحملهما: بِالْجِيم وَاللَّام أَي: نجعلهما جَمِيعًا على شَيْء ليظهرا قَوْله: (فَوضع مدراسها) ، بِكَسْر الْمِيم يُرِيد بِهِ صَاحب دراسة كتبهمْ، والمفعال من أبنية الْمُبَالغَة، وَهُوَ عبد الله بن صوريا، بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَكسر الرَّاء وَفتحهَا. وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: ائْتُونِي بِأَعْلَم رجلَيْنِ مِنْك، فَأتوهُ يَا بني صوريا، قَالَ الْمُنْذِرِيّ: لَعَلَّه عبد الله بن صوريا وكنانة بن صوريا، وَكَانَ عبد الله أعلم من بَقِي من الْأَحْبَار بِالتَّوْرَاةِ ثمَّ كفر بعد ذَلِك، وَزعم السُّهيْلي أَنه أسلم. قَوْله: (فَطَفِقَ) أَي: فَجعل (يقْرَأ مَا دون يَده) أَي: مَا قبلهَا. قَوْله: (فَنزع يَده) أَي: نزع
стр. 5410
عبد الله بن سَلام يَد الْمِدْرَاس عَن آيَة الرَّجْم. قَوْله: (فَرُجِمَا) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) أَنه ﷺ رجمهما بِالْبَيِّنَةِ وَقَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا رجمهما رَسُول الله ﷺ بِمَا أوحى إِلَيْهِ من أمره، وَإِنَّمَا احْتج عَلَيْهِم بِالتَّوْرَاةِ استظهارا للحجة وإحياءً لحكم الله تَعَالَى الَّذِي كَانُوا يكتمونه. قَوْله: (من حَيْثُ مَوضِع الْجَنَائِز عِنْد الْمَسْجِد) ، وَفِي رِوَايَة: عِنْد البلاط، وهما متقاربان. قَوْله: (يحنأ) بِالْجِيم. قَالَ ابْن الْأَثِير: يَعْنِي أكب عَلَيْهَا. وَقيل: هُوَ مَهْمُوز. وَقيل: الأَصْل فِيهِ الْهَمْز من جنأ يجنأ إِذا مَال عَلَيْهِ وَعطف ثمَّ خفف وَهُوَ لُغَة، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: ياؤه مَفْتُوحَة وجيمه سَاكِنة، يُقَال: جنى الرجل على الشَّيْء إِذا أكب عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ بَعضهم بِضَم الْيَاء، وَرُوِيَ: يجاني من جانى يجاني. وَقيل: رُوِيَ بجيم ثمَّ بَاء مُوَحدَة ثمَّ همزَة، أَي: يرْكَع. وَقَالَ الْخطابِيّ: الْمَحْفُوظ بِالْحَاء وَالنُّون، يُقَال: حنا يحنو وحنوا وَرُوِيَ بِالْحَاء وَتَشْديد النُّون، وَقَالَ يحيى بن يحيى: بحاء وَنون مَكْسُورَة بِغَيْر همزَة وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: عِنْد أهل الحَدِيث يجني بِالْحَاء، وَعند أهل اللُّغَة بِالْجِيم. قَوْله: (يَقِيهَا) أَي: يحفظها من وقى يقي وقاية، وَفِي الحَدِيث الحكم بَين أهل الذِّمَّة، وَفِي (التَّوْضِيح) الْأَصَح عندنَا وُجُوبه وفَاقا لأبي حنيفَة. وَهُوَ قَول الزُّهْرِيّ وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَالثَّوْري وَالْحكم. وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس: وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: إِن كَانَ مَا رَفَعُوهُ إِلَى الإِمَام ظلما كَالْقَتْلِ وَالْغَصْب بَينهم فَلَا خلاف فِي مَنعهم مِنْهُ، وَنقل عَن مَالك وَالشَّافِعِيّ أَنه بِالْخِيَارِ بَين الحكم بَينهم وَتَركه غير أَن مَالِكًا يرى الْإِعْرَاض أولى، وَنقل عَن الشَّافِعِي أَنه لَا يحكم بَينهم فِي الْحُدُود، وَفِيه أَن أنكحة الْكفَّار صَحِيحَة وَلذَلِك رجمهما وَهُوَ الْأَصَح عِنْد الشَّافِعِيَّة وَفِيه دَلِيل على أَنه لَا يحْفر لمن رجم إِذْ لَو حفر لَهُ لما اسْتَطَاعَ أَن يجنا عَلَيْهَا، لَكِن فِي (صَحِيح مُسلم) من حَدِيث بُرَيْدَة أَنه حفر لما عز والغامدية إِلَى صدرها. وَقيل: يحْفر لمن قَامَت عَلَيْهِ الْبَيِّنَة دون الْمقر.
٧ - (بابٌ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمرَان: ١١٠)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: (كُنْتُم خير أمة) أَي: وجدْتُم خير أمة وَقيل: كُنْتُم فِي علم الله خير أمة. وَقيل: كُنْتُم فِي الْأُمَم قبلكُمْ مذكورين بأنكم خير أمة موصوفين بِهِ وروى عبد بن حميد عَن ابْن عَبَّاس: هم الَّذين هَاجرُوا مَعَ النَّبِي ﷺ . وروى الطَّبَرِيّ عَن السّديّ، قَالَ عمر بن الْخطاب ﵁: لَو شَاءَ الله لقَالَ: أَنْتُم خير أمة، وَلَو قَالَ لَكنا كلنا وَلَكِن هَذَا خَاص بالصحابة وَمن صنع مثل مَا صَنَعُوا كَانُوا خير أمة وَقَالَ الواحدي: إِن رُؤُوس الْيَهُود، وَعدد مِنْهُم جمَاعَة مِنْهُم ابْن صوريا، عَمدُوا إِلَى مؤمنيهم، عبد الله بن سَلام وَأَصْحَابه، فآذوهم لإسلامهم، فَنزلت وَقَالَ مقَاتل: نزلت فِي أبي ومعاذ وَابْن مَسْعُود وَسَالم مولى أبي حُذَيْفَة وَذَلِكَ أَن مَالك بن الضَّيْف ووهب بن يهودا قَالَا للْمُسلمين ديننَا خير مِمَّا تدعوننا إِلَيْهِ وَنحن خير، وأوصل مِنْكُم فَنزلت. وَيُقَال: هَذَا الْخطاب للصحابة وَهُوَ يعم سَائِر الْأمة قَوْله: (أخرجت) قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ أَي: أظهرت. قَوْله: (للنَّاس) يَعْنِي: خير النَّاس للنَّاس، وَالْمعْنَى أَنهم خير الْأُمَم وأنفع النَّاس للنَّاس، وَلِهَذَا قَالَ: (تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر) وَهَذَا هُوَ الشَّرْط فِي هَذِه الْخَيْرِيَّة وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: تأمرون، كَلَام مُسْتَأْنف بيَّن بِهِ كَونهم خير أمة.
٤٥٥٧ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ عنْ سُفْيَانَ عنْ مَيْسَرَةَ عنْ أبِي حَازِمٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قَالَ خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَلاسِلِ فِي أعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الإسْلامِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن يُوسُف أَبُو أَحْمد البُخَارِيّ البيكندي، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وميسرة ضد الميمنة ابْن عمار الْأَشْجَعِيّ الْكُوفِي، وَمَاله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَآخر تقدم فِي بَدْء الْخلق، وَأَبُو حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي هُوَ سلمَان الْأَشْجَعِيّ. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الله المَخْزُومِي.
قَوْله: (خير النَّاس) ، أَي: خير بعض النَّاس لبَعْضهِم وأنفعهم لَهُم من يَأْتِي بأسير مُقَيّد فِي السلسلة إِلَى دَار الْإِسْلَام فَيسلم، وَإِنَّمَا كَانَ خيرا لِأَنَّهُ بِسَبَبِهِ صَار مُسلما، وَحصل أَصله جَمِيع السعادات الدنياوية والأخراوية.
стр. 5411
٨ - (بابٌ: ﴿إذْ هَمَّتْ طَائِفَتانِ مِنْكُمْ أنْ تَفْشَلا﴾ (آل عمرَان: ١٢٢)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ هَمت طَائِفَتَانِ مِنْكُم أَن تَفْشَلَا﴾ قَوْله: (إِذْ هَمت) بدل من قَوْله: إِذْ غَدَوْت. وَالْعَامِل فِيهِ. قَوْله: (وَالله سميع عليم) والطائفتان حَيَّان من الْأَنْصَار بَنو سَلمَة من الْخَزْرَج وَبَنُو حَارِثَة من الْأَوْس وهما الجناحان، خرج رَسُول الله ﷺ فِي غَزْوَة أحد فِي ألف، وَقيل: فِي تِسْعمائَة وَخمسين، وَالْمُشْرِكُونَ فِي ثَلَاثَة آلَاف وَوَعدهمْ الْفَتْح إِن صَبَرُوا فانخذل عبد الله بن أبي بِثلث النَّاس، وَقَالَ: يَا قوم علام نقْتل أَنْفُسنَا وَأَوْلَادنَا؟ فَتَبِعهُمْ عَمْرو بن حزم الْأنْصَارِيّ. فَقَالَ: أنْشدكُمْ الله فِي نَبِيكُم وَأَنْفُسكُمْ. فَقَالَ عبد الله: لَو نعلم قتالاً لَاتَّبَعْنَاكُمْ، فهمَّ الْحَيَّانِ بِاتِّبَاع عبد الله فَعَصَمَهُمْ الله فَمَضَوْا مَعَ رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (أَن تَفْشَلَا) ، كلمة أَن مَصْدَرِيَّة، والفشل الْجُبْن والخور.
٤٥٥٨ - ح دَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ عَمْرٌ وسَمِعْتُ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله ﵄ يَقُولُ فِينَا نَزَلتْ ﴿إذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أنْ تَفْشَلا وَالله وَلِيُّهُما﴾ : قَالَ نَحْنُ الطَّائِفَتَانِ بنُو حَارِثَةَ وَبَنُو سَلِمَة وَمَا نُحب: وَقَالَ سُفْيَانَّ مَرَّةً وَمَا يَسُرُّنِي أنَّها لَمْ تُنْزَلْ لِقَوْلِ الله وَالله وَلِيَّهُما.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار. والْحَدِيث مضى بِعَيْنِه متْنا وإسنادا فِي الْمَغَازِي فِي: بَاب: ﴿إِذْ هَمت طَائِفَتَانِ مِنْكُم أَن تَفْشَلَا﴾ مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (وَالله وليهما) ، قَرَأَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَالله وليهم.
٩ - (بابٌ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ (آل عمرَان: ١٢٨)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء﴾ وَلم يذكر لفظ: بَاب هُنَا إلاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق. أَي: لَيْسَ لَك من الحكم شَيْء فِي عبَادي إلَاّ مَا أَمرتك بِهِ فيهم، وَيُقَال: لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء بل الْأَمر كُله إليّ كَمَا قَالَ: فإنماعليك الْبَلَاغ وعلينا الْحساب.
٤٥٥٩ - ح دَّثنا حِبَّانُ بنُ مُوسَى أخْبَرَنا عَبْدُ الله أخبرَنا مَعْمَرٌ عَن الزُّهْرِيَّ قَالَ حدَّثَنَي سَالِمٌ عنْ أبِيهِ أنّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ إذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنَ الفَجْرِ يَقُولُ اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلانا وَفُلانا بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمْدَهُ رَبَّنا وَلَكَ الحَمْدُ فَأنْزَلَ الله لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ إلَى قَوْلِهِ فَإنَّهُمْ ظَالِمُونَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وحبان، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء: ابْن مُوسَى أَبُو مُحَمَّد السّلمِيّ الْمروزِي، روى عَنهُ مُسلم أَيْضا وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي: والْحَدِيث قد مر بترجمته فِي غَزْوَة أحد فِي: بَاب (لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء أَو يَتُوب عَلَيْهِم) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن يحيى بن عبد الله السّلمِيّ عَن عبد الله عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
رَوَاهُ إسْحَاقُ بنُ رَاشِدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ
أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور إِسْحَاق بن رَاشد الْحَرَّانِي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَوَصله الطَّبَرَانِيّ فِي (المعجم الْكَبِير) من طَرِيق إِسْحَاق.
٨١ - (حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعد حَدثنَا ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب وَأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ -
стр. 5412
كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يَدْعُو على أحد أَو يَدْعُو لأحد قنت بعد الرُّكُوع فَرُبمَا قَالَ إِذا قَالَ سمع الله لمن حَمده اللَّهُمَّ رَبنَا لَك الْحَمد اللَّهُمَّ أَنْج الْوَلِيد بن الْوَلِيد وَسَلَمَة بن هِشَام وَعَيَّاش بن أبي ربيعَة اللَّهُمَّ اشْدُد وطأتك على مُضر وَاجْعَلْهَا سِنِين كَسِنِي يُوسُف يجْهر بذلك وَكَانَ يَقُول فِي بعض صلَاته فِي صَلَاة الْفجْر اللَّهُمَّ الْعَن فلَانا وَفُلَانًا لأحياء من الْعَرَب حَتَّى أنزل الله لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء الْآيَة) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري الْبَصْرِيّ الْمَعْرُوف بالتبوذكي وَإِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ والْحَدِيث من أَفْرَاده وَزَاد ابْن حبَان " وَأصْبح ذَات يَوْم فَلم يدع لَهُم " وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث عبد الله بن الْمُبَارك وَعبد الرَّزَّاق بإسنادهما عَن معمر مثل الحَدِيث السَّابِق قَوْله " كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يَدْعُو على أحد أَو يَدْعُو لأحد " أَي فِي الصَّلَاة قَوْله " الْوَلِيد بن الْوَلِيد " أَي ابْن الْمُغيرَة وَهُوَ أَخُو خَالِد بن الْوَلِيد رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَكَانَ مِمَّن شهد بَدْرًا مَعَ الْمُشْركين وَأسر وأفدى نَفسه ثمَّ أسلم فحبس بِمَكَّة ثمَّ تواعد هُوَ وَسَلَمَة وَعَيَّاش المذكورون وهربوا من الْمُشْركين فَعلم النَّبِي ﷺ َ - بمخرجهم فَدَعَا لَهُم أخرجه عبد الرَّزَّاق بِسَنَد مُرْسل وَمَات الْوَلِيد فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ َ - قَوْله " وَسَلَمَة بن هِشَام " أَي ابْن الْمُغيرَة وَهُوَ ابْن عَم الَّذِي قبله وَهُوَ أَخُو أبي جهل وَكَانَ من السَّابِقين إِلَى الْإِسْلَام وَاسْتشْهدَ فِي خلَافَة أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بِالشَّام سنة أَربع عشرَة قَوْله " وَعَيَّاش " بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف الْمُشَدّدَة بالشين الْمُعْجَمَة وَأَبوهُ أَبُو ربيعَة اسْمه عَمْرو بن الْمُغيرَة وَهُوَ ابْن عَم الَّذِي قبله وَكَانَ من السَّابِقين إِلَى الْإِسْلَام أَيْضا ثمَّ خدعه أَبُو جهل فَرجع إِلَى مَكَّة فحبس بهَا ثمَّ فر مَعَ رفيقيه الْمَذْكُورين وعاش إِلَى خلَافَة عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَمَاتَ سنة خمس عشرَة وَقيل قبل ذَلِك قَوْله " وطأتك " الْوَطْأَة كالضغطة لفظا وَمعنى وَقيل هِيَ الأخذة والبأس وَقيل مَعْنَاهُ خذهم أخذا شَدِيدا قَوْله " كَسِنِي يُوسُف " بنُون وَاحِدَة وَهُوَ الْأَصَح وروى " كسنين " بنونين وَهِي لُغَة قلية أَرَادَ سبعا شدادا ذَات قحط وَغَلَاء قَوْله " الْآيَة " بِالنّصب أَي اقْرَأ الْآيَة وَيجوز الرّفْع على تَقْدِير الْآيَة بِتَمَامِهَا وَيجوز النصب أَي خُذ الْآيَة أَو كملها -
١٠ - (بابٌ: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ (آل عمرَان: ١٥٣)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالرَّسُول يدعوكم﴾ وَفِي بعض النّسخ بَاب قَوْله: ﴿وَالرَّسُول يدعوكم﴾ وَأول الْآيَة. (إِذْ تصعدون وَلَا تلوون على أحد وَالرَّسُول يدعوكم فِي أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على مَا فاتكم وَلَا مَا أَصَابَكُم وَالله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ) قَوْله: (إِذْ تصعدون) يَعْنِي: أذكر يَا مُحَمَّد حِين تصعدون من الإصعاد، وَهُوَ الذّهاب فِي الأَرْض، وَقَرَأَ الْحسن: تصعدون بِفَتْح التَّاء يَعْنِي فِي الْجَبَل. قَوْله: (وَلَا تلوون على أحد) . أَي: وَالْحَال أَنكُمْ لَا تلوون على أحد من الدهش وَالْخَوْف والرعب، وَقَرَأَ الْحسن: وَلَا تلؤون أَي: لَا تعطفون وَلما نبذ الْمُشْركُونَ على الْمُسلمين يَوْم أحد فهزموهم دخل بَعضهم الْمَدِينَة وَانْطَلق بَعضهم فَوق الْجَبَل إِلَى الصَّخْرَة فَقَامُوا عَلَيْهَا، وَجعل رَسُول الله ﷺ يَدْعُو النَّاس (إِلَى عباد الله إِلَى عباد الله) ، وَهُوَ معنى قَوْله: (الرَّسُول يدعوكم فِي أخراكم) يَعْنِي: فِي ساقتكم وجماعتكم الْأُخْرَى وَهِي الْمُتَأَخِّرَة. قَوْله: (فأثابكم) أَي: فجازاكم (غما بغم) أَي: بِسَبَب غم اذقتموه رَسُول الله ﷺ وَيُقَال غما على غم، قَالَ ابْن عَبَّاس: الْغم (الأول) : بِسَبَب الْهَزِيمَة، وَحين قيل: قتل مُحَمَّد ﷺ . (وَالثَّانِي) : حِين علاهم الْمُشْركُونَ فَوق الْجَبَل، وَعَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْغم (الأول) : بِسَبَب الْهَزِيمَة. (وَالثَّانِي) : حِين قيل: قتل مُحَمَّد، ﵇، وَكَانَ ذَلِك عِنْدهم أعظم من الْهَزِيمَة. رَوَاهُمَا ابْن مرْدَوَيْه، وروى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ نَحْو ذَلِك، وروى ابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة ذَلِك أَيْضا. وَقَالَ السّديّ: الْغم (الأول) : بِسَبَب مَا فاتهم من الْغَنِيمَة وَالْفَتْح. (وَالثَّانِي) : إشراف الْعَدو عَلَيْهِم، وَقَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة: الْغم. (الأول) : سماعهم قتل مُحَمَّد ﷺ . (وَالثَّانِي) : مَا أَصَابَهُم من الْقَتْل وَالْجرْح. قَوْله:
стр. 5413
(لكيلا تحزنوا على مَا فاتكم) أَي: من الْغَنِيمَة وَالظفر بعدوكم. قَوْله: (وَلَا مَا أَصَابَكُم) من الْقَتْل وَالْجرْح. قَالَه ابْن عَبَّاس وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف. وَالْحسن وَقَتَادَة وَالسُّديّ.
وَهُوَ تأنيثُ آخرِكُمْ
أَي: (أُخْراكم) الَّذِي فِي الْآيَة، وَهُوَ: ﴿وَالرَّسُول يدعوكم﴾ (آل عمرَان: ١٥٣) فِي اخراكم تَأْنِيث آخركم بِكَسْر الرَّاء وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا آخركم بِالْكَسْرِ ضد الأول، وَأما الْأُخْرَى فَهُوَ تَأْنِيث الآخر، بِفَتْح الْخَاء لَا بِكَسْرِهَا، وَالْبُخَارِيّ تبع فِي هَذَا أَبَا عُبَيْدَة فَإِنَّهُ قَالَ أخراكم آخركم، وَذهل فِيهِ، وَقد حكى الْفراء أَن من الْعَرَب من يَقُول: فِي أخراتكم، بِزِيَادَة التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: إحْدَى الحُسْنَيَيْنِ فَتْحا أوْ شَهَادَةً
لَيْسَ لذكر هَذَا هُنَا وَجه، وَمحله فِي سُورَة بَرَاءَة، وَقَالَ بَعضهم، وَلَعَلَّه أوردهُ هُنَا للْإِشَارَة إِلَى أَن إِحْدَى الحسنيين وَقعت فِي أحد. (قلت) : هَذَا اعتذار فِيهِ بعد لَا يخفى، وَأما هَذَا التَّعْلِيق فقد وَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس.
٤٥٦١ - ح دَّثنا عَمْرُو بنُ خَالِدٍ حدَّثنا زُهَيْرٌ حَدَّثنا أبُو إسْحَاقَ قَال سَمِعْتُ البَرَاءَ بن عَازِبٍ ﵄ قَال جَعَلَ النبيُّ ﷺ عَلَى الرَّجَّالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ عَبْدَ الله بنَ جُبَيْرٍ وَأقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ فَذَاكَ إذْ يَدْعُوكُمْ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاكُمْ وَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبيِّ ﷺ غَيْرُ اثنَيْ عَشَرَ رَجُلاً.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعَمْرو، بِفَتْح الْعين ابْن خَالِد بن فروخ الْحَرَّانِي الْجَزرِي سكن مصر، وَزُهَيْر بن مُعَاوِيَة وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي. والْحَدِيث قد مضى فِي غَزْوَة أُحد فِي: بَاب (إِذْ تصعدون وَلَا تلوون) بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن غير أَن هُنَا بعض زِيَادَة وَهِي قَوْله: (وَلم يبْق مَعَ النَّبِي ﷺ إِلَى آخِره.
١١ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿أمَنَةً نُعاسا﴾ (آل عمرَان: ١٥٤)
أَي: هَذَا بَاب وسَاق الْآيَة إِلَى آخرهَا، وَذكرنَا هُنَاكَ مَا فِيهَا من التَّفْسِير.
١٢ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لله وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أصَابُهُمْ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمرَان: ١٧٢)
стр. 5414
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين اسْتَجَابُوا لله وَالرَّسُول﴾ الْآيَة. قَوْله: (الَّذين اسْتَجَابُوا) مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (للَّذين أَحْسنُوا مِنْهُم) واستجابوا بِمَعْنى أجابوا، كَمَا فِي قَول الشَّاعِر:
(وداع دعايا من يُجيب إِلَى الندافل يستجبه عِنْد ذَاك مُجيب)
وَتقول الْعَرَب: استجبتك، بِمَعْنى: أَجَبْتُك، فَإِن قلت: مَا فَائِدَة هَذِه السِّين هُنَا؟ قلت: فائدتها أَنَّهَا تدل على أَن الْفِعْل الَّذِي تدخل عَلَيْهِ هَذِه السِّين وَاقع لَا محَالة، وَسَوَاء كَانَ فِي فعل مَحْبُوب أَو مَكْرُوه، وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة مَا رَوَاهُ أبي حَاتِم: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو عَن عِكْرِمَة. قَالَ: لما رَجَعَ الْمُشْركُونَ من أُحد قَالُوا: لَا مُحَمَّدًا قتلتم وَلَا الكواعب أردفتم بئس مَا صَنَعْتُم ارْجعُوا فَسمع رَسُول الله ﷺ ، بذلك فندب الْمُسلمين فانتدبوا حَتَّى بلغ حَمْرَاء الْأسد أَو بِئْر أبي عتبَة الشَّك من سُفْيَان، فَقَالَ الْمُشْركُونَ: نرْجِع من قَلِيل، فَرجع رَسُول الله ﷺ . فَكَانَت تعد غَزْوَة، وَأنزل الله : ﴿الَّذين اسْتَجَابُوا لله وَالرَّسُول﴾ الْآيَة. وَرَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه أَيْضا من حَدِيث مُحَمَّد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، فَذكره وَقَالَ: مُحَمَّد بن إِسْحَاق، حَدثنِي عبد الله بن خَارِجَة ابْن زيد بن ثَابت عَن أبي السَّائِب مولى عَائِشَة بنت عُثْمَان أَن رجلا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، من بني عبد الْأَشْهَل كَانَ شهد أحدا قَالَ: شهِدت أحدا مَعَ رَسُول الله ﷺ ، أَنا وَأَخ لي فرجعنا جريحين، فَلَمَّا أذن مُؤذن رَسُول الله ﷺ ، بِالْخرُوجِ فِي طلب الْعَدو. قلت لأخي وَقَالَ لي: أتفوتنا غَزْوَة مَعَ رَسُول الله ﷺ ؟ وَالله مَا لنا من دَابَّة نركبها وَمَا منا إلَاّ جريح ثقيل، فخرجنا مَعَ رَسُول الله ﷺ ، وَكنت أيسر جرحات، فَكَانَ إِذا غلب حَملته عقبَة حَتَّى انتهينا إِلَى مَا انْتهى إِلَيْهِ الْمُسلمُونَ (فَإِن قلت) : لم لم يسْبق فِي هَذَا الْبَاب حَدِيثا؟ قلت: كَأَنَّهُ لم يظفر بِحَدِيث يطابقه فبيض لَهُ ثمَّ لم يدْرك تسويده، وَالَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن عَن ابْن أبي حَاتِم مُطَابق للباب لِأَن رِجَاله رجال الصَّحِيح، وَلكنه مُرْسل عَن عِكْرِمَة. فَإِن قلت: فِيهِ عَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة كَمَا فِي رِوَايَة ابْن مرْدَوَيْه. قلت: الْمَحْفُوظ عَن عِكْرِمَة لَيْسَ فِيهِ ابْن عَبَّاس، كَذَا قيل: وَفِيه مَوضِع التَّأَمُّل.
القَرْحُ الجِرَاحُ. اسْتَجَابُوا أجابُوا يَسْتَجيبُ يجَيبُ
أَشَارَ بقوله: الْقرح إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَن يمسسكم قرح فقد مس الْقَوْم قرح مثله﴾ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الْقرح، بِفَتْح الْقَاف وَضمّهَا لُغَتَانِ كالضغف والضعف، وَقيل هُوَ بِالْفَتْح: الْجراح وبالضم المها وروى سعيد بن مَنْصُور بِإِسْنَاد جيد عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَرَأَ الْقرح، بِالضَّمِّ وَهِي قِرَاءَة أهل الْكُوفَة، وَذكر أَبُو عبيد عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: اقرؤها بِالْفَتْح لَا بِالضَّمِّ، وَقَرَأَ أَبُو السمال: قرح، بِفتْحَتَيْنِ وَالْمعْنَى: إِن نالوا مِنْكُم يَوْم أحد فقد نلتم مثله يَوْم بدر. قَوْله: (اسْتَجَابُوا أجابوا) أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الاستفعال بِمَعْنى الْأَفْعَال، وَقد ذكرنَا الْآن فَائِدَة السِّين. قَوْله: (يستجيب: يُجيب) ، أَرَادَ أَن يستجيب الَّذِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ويستجيب الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ (الشورى: ٢٦) أَي: يُجيب الَّذين آمنُوا، وَإِنَّمَا ذكر هَذَا هُنَا وَهُوَ فِي سُورَة الشورى استشهاد لِلْآيَةِ الْمُتَقَدّمَة.
١٣ - (بابٌ: ﴿إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ (آل عمرَان: ١٧٣) الآيَةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن النَّاس قد جمعُوا لكم وأوله وَالَّذين قَالَ لَهُم النَّاس إِن النَّاس قد جمعُوا لكم فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُم إِيمَانًا وَقَالُوا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل﴾ وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: بَاب: ﴿إِن النَّاس قد جمعُوا لكم فَاخْشَوْهُمْ﴾ وَزَاد غَيره لفظ: الْآيَة، وَالْمرَاد بِالنَّاسِ الأول نعيم بن مَسْعُود الْأَشْجَعِيّ، وَقيل: المُنَافِقُونَ وَالْمرَاد بِالنَّاسِ الثَّانِي: أَبُو سُفْيَان وَأَصْحَابه، وَأَبُو نعيم أسلم بعد ذَلِك. فَإِن قلت: مَا وَجه إِطْلَاق الْجمع على الْوَاحِد فِي قَول من قَالَ إِن المُرَاد بِالنَّاسِ الأول هُوَ أَبُو نعيم؟ قلت: قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: لِأَنَّهُ من جنس النَّاس كَمَا يُقَال: فلَان يركب الْخَيل ويلبس البرود وَمَاله إلَاّ فرس وَاحِد وَبرد وَاحِد. قَوْله: (فَزَادَهُم) الْفَاعِل فِيهِ هُوَ الضَّمِير الَّذِي يرجع إِلَى مَا دلّ عَلَيْهِ قَوْله: (فَاخْشَوْهُمْ) أَي: ذَلِك التخويف زادهم إِيمَانًا أَي: تَصْدِيقًا وثبوتا
стр. 5415
وَإِقَامَة على نصْرَة نَبِيّهم. قَوْله: (حَسبنَا الله) أَي: كافينا قَوْله: (وَنعم الْوَكِيل) أَي: نعم الموكول إِلَيْهِ.
٤٥٦٣ - ح دَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ أُرَاهُ قَالَ حدَّثَنا أبُو بَكْرٍ عَنْ أبِي حَصينٍ عَنْ أبِي الضُّحَى عنِ ابنِ عَبَّاس حَسْبُنا الله وَنِعْمَ الوَكِيلُ قَالَها إبْرَاهِيمُ ﵇ أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَقَالَها مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَ قَالُوا: ﴿إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنا الله وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾ .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأحمد بن يُونُس هُوَ: أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس التَّمِيمِي الْيَرْبُوعي الْكُوفِي، وَأَبُو بكر هُوَ ابْن عَيَّاش، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف. وبالشين الْمُعْجَمَة المقرىء الْمُحدث، قيل: اسْمه شُعْبَة وَأَبُو حُصَيْن، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة واسْمه عُثْمَان بن عَاصِم، وَأَبُو الضُّحَى اسْمه مُسلم بن صبيح.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير أَيْضا عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل، وَفِيه وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن هَارُون بن عبد الله.
قَوْله: (أرَاهُ) بِضَم الْهمزَة. أَي: أَظُنهُ، وَالْقَائِل بِهَذِهِ اللَّفْظَة البُخَارِيّ فَكَأَنَّهُ شكّ فِي شيخ شَيْخه وَفِي كَون مثل هَذِه الرِّوَايَة حجَّة خلاف. قَوْله: (وَقَالَهَا مُحَمَّد ﷺ ذكر القَاضِي إِسْحَاق البستي فِي (تَفْسِيره) عَن قُتَيْبَة: حَدثنَا حجاج عَن ابْن جريج عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: (الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس) قَالَ أَبُو سُفْيَان: يَوْم أحد مَوْعدكُمْ بدر حَيْثُ قتلتم أَصْحَابنَا فَانْطَلق النَّبِي ﷺ ، لموعده حَتَّى نزل بَدْرًا وَزعم بَعضهم، أَنه قَالَ ذَلِك فِي غَزْوَة حَمْرَاء الْأسد، وَفِي (تَفْسِير الطَّبَرِيّ) ، مر بِأبي سُفْيَان ركب من عبد الْقَيْس، فَقَالَ: إِذا جئْتُمْ مُحَمَّدًا فأخبروه. أَنا قد أجمعنا السّير إِلَيْهِ، فَلَمَّا أخبر النَّبِي ﷺ ، قَالَ: حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل، ذكره عَن ابْن إِسْحَاق وَعَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَقَتَادَة وَعِكْرِمَة نَحْو.
٤٥٦٤ - ح دَّثنا مَالِك بنُ إسْماعِيل حدَّثنا إسْرَائِيل عَنْ أبي حَصِينٍ عنْ أبِي الضُّحَى عنِ ابنِ عبَّاسٍ قَال كَانَ آخِرَ قَوْلِ إبْرَاهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ ﴿حَسْبِيَ الله وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾ .
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن مَالك بن إِسْمَاعِيل بن زِيَاد، أَبُو غَسَّان النَّهْدِيّ الْكُوفِي، وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي الْكُوفِي، وروى النَّسَائِيّ كَمَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ. كَانَ آخر قَول إِبْرَاهِيم، ﵇، وَوَقع عِنْد أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق عبيد الله بن مُوسَى عَن إِسْرَائِيل بِهَذَا الْإِسْنَاد أَنَّهَا أول مَا قَالَ، والتوفيق بَينهمَا أَنه يحمل على أَنه يكون أول شَيْء قَالَ، وَآخر شَيْء قَالَ.
١٤ - (بابٌ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ﴾ (آل عمرَان: ١٨٠) الآيَةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تحسبن الَّذين يَبْخلُونَ بِمَا آتَاهُم الله من فَضله﴾ الْآيَة هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره سيقت الْآيَة إِلَى آخرهَا قَالَ الواحدي: أجمع الْمُفَسِّرُونَ على أَنَّهَا نزلت فِي مانعي الزَّكَاة، وروى عَطِيَّة الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَنَّهَا نزلت فِي أَحْبَار الْيَهُود الَّذين كتموا صفة مُحَمَّد ﷺ ، ونبوته وَأَرَادَ بالبخل كتمان الْعلم الَّذِي آتَاهُم الله ، وَذكره الزّجاج أَيْضا عَن ابْن جريج وَاخْتَارَهُ، وَفِي (تَفْسِير أبي عبد الله بن النَّقِيب) أَن هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة نزلت فِي الْبَخِيل بِنَفَقَة الْجِهَاد حَيْثُ كَانَت النَّفَقَة فِيهِ وَاجِبَة. وَقيل: نزلت فِي النَّفَقَة على الْعِيَال وَذَوي الْأَرْحَام إِذا كَانُوا مُحْتَاجين. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ، وَلَا تحسبن من قَرَأَ بِالتَّاءِ قدر مُضَافا محذوفا أَي: وَلَا تحسبن بخل الَّذين يَبْخلُونَ هُوَ خيرا لَهُم، وَكَذَلِكَ من قَرَأَ بِالْيَاءِ وَجعل فَاعل: يَحسبن، ضمير رَسُول الله ﷺ ، أَو ضمير أحد، وَمن جعل فَاعله الَّذين يَبْخلُونَ كَانَ الْمَفْعُول الأول عِنْده محذوفا، تَقْدِيره، وَلَا تحسبن الَّذين يَبْخلُونَ بخلهم هُوَ خيرا لَهُم، وَالَّذِي سوغ حذفه دلَالَة، يَبْخلُونَ، عَلَيْهِ قَوْله: (هُوَ خيرا لَهُم) كلمة هُوَ فصل وَقَرَأَ الْأَعْمَش بِغَيْر هُوَ. قَوْله: (سيطوقون) تَفْسِير لقَوْله: (بل هُوَ شَرّ لَهُم) أَي: سيلزمون وبال مَا يَخْلُو بِهِ إِلْزَام الطوق، وروى عبد الرَّزَّاق وَسَعِيد بن مَنْصُور من طَرِيق إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ بِإِسْنَاد جيد فِي هَذِه الْآيَة سيطوقون، قَالَ: بطوق من النَّار.
стр. 5416
سَيُطَوَّقُونَ كَقَوْلِكَ طَوَّقْتُهُ بِطَوْقٍ
أَرَادَ بِهَذَا تَفْسِير قَوْله: ﴿سيطوقون مَا بخلوا بِهِ﴾ حَاصِل الْمَعْنى: أَن مَا بخلوا بِهِ فِي الدُّنْيَا يَجْعَل أطواقا يَوْم الْقِيَامَة فيطوقون بهَا فَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا سيحملون يَوْم الْقِيَامَة مَا بخلوا بِهِ، وَعَن مُجَاهِد: يكلفون أَن يَأْتُوا بِمَا بخلوا بِهِ، وَعَن أبي مَالك الْعَبْدي: يخرج لَهُم مَا بخلوا بِهِ شجاعا أَقرع من النَّار فيطوقونه، وَعَن ابْن مَسْعُود ثعبانا يلتوي بِهِ رَأس أحدهم. قَوْله: (كَقَوْلِك: طوقته) ، يَعْنِي الَّذِي بخلوا بِهِ يصير أطواقا فِي أَعْنَاقهم فيصيرون مطوقين. كَمَا فِي قَوْلك إِذا قلت: طوقت فلَانا، يَعْنِي: جعلت فِي عُنُقه طوقا حَتَّى صَار مطوقا.
٤٥٦٥ - ح دَّثني عَبْدُ الله بنُ مُنِيرٍ سَمِع أبَا النَّضْرِ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحمانِ هُوَ ابنُ عَبْدِ الله بنِ دِينارٍ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي صَالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ مَنْ آتَاهُ الله مَالا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثْلَ لَهُ مَالُهُ شُجاعا أقْرَعَ لهُ زَبيبتَانِ يُطَوِّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ يَقُولُ أنَا مَالِكَ أنَا كَنْزُكَ ثُمَّ تَلا هاذِهِ الآيَةَ ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ الله مِنْ فَضْلِهِ﴾ إلَى آخِرِ الآيَةَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعبد الله بن مُنِير، بِضَم الْمِيم وَكسر النُّون على وزن اسْم فَاعل من الإنارة، أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمروزِي الزَّاهِد، وَأَبُو النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة، هَاشم بن الْقَاسِم ولقبه قَيْصر التَّمِيمِي، وَيُقَال: الْكِنَانِي الْحَافِظ الْخُرَاسَانِي، سكن بَغْدَاد، وَأَبُو صَالح السمان واسْمه ذكْوَان. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب إِثْم مَانع الزَّكَاة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن عبد الله عَن هَاشم بن الْقَاسِم عَن عبد الرَّحْمَن بن دِينَار إِلَى آخِره نَحوه: وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (مثل) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: صور لَهُ مَاله (شجاعا) أَي: حَيَّة (أَقرع) أَي: منحسر شعر الرَّأْس لِكَثْرَة سمه. والزبيبة، بِفَتْح الزَّاي وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى: النقطة السَّوْدَاء فَوق الْعين، واللهزمة: بِكَسْر اللَّام وَسُكُون الْهَاء وبالزاي: وَهِي الشدق.
١٥ - (بابٌ: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذَى كَثِيرا﴾ (آل عمرَان: ١٨٦)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ولتسمعن من الَّذين أُوتُوا الْكتاب﴾ الْآيَة. قَالَ الواحدي؟ عَن كَعْب بن مَالك: إِن سَبَب نزلوها هُوَ أَن كَعْب بن الْأَشْرَف كَانَ يهجو سيدنَا رَسُول الله ﷺ ويحرض عَلَيْهِ كفار قُرَيْش، فَلَمَّا قدم رَسُول الله ﷺ ، الْمَدِينَة وَبهَا، أخلاط مِنْهُم الْمُسلمُونَ وَمِنْهُم الْمُشْركُونَ وَمِنْهُم الْيَهُود أَرَادَ أَن يستصلحهم، فَكَانَ الْمُشْركُونَ وَالْيَهُود يؤذونه ويؤذون أَصْحَابه أَشد الإذاء فَأمر الله نبيه ﷺ ، بِالصبرِ على ذَلِك، وَقَالَ عِكْرِمَة: نزلت فِي سيدنَا رَسُول الله ﷺ ، إِذْ بعث أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِلَى فنحَاص بن عازورا يستمده، فَقَالَ فنحَاص: قد احْتَاجَ ربكُم أَن نمده وَأول الْآيَة. ﴿لتبلون فِي أَمْوَالكُم وَأَنْفُسكُمْ ولتسمعن من الَّذين أُوتُوا الْكتاب﴾ يَعْنِي: الْيَهُود فِي قَوْلهم: إِن الله فَقير وَنحن أَغْنِيَاء، وَقَوْلهمْ: يَد الله مغلولة، وَمَا أشبه ذَلِك من افترائهم على الله. قَوْله: (وَمن الَّذين أشركوا) ، يَعْنِي: النَّصَارَى فِي قَوْلهم: الْمَسِيح ابْن الله، وَمَا أشبهه. قَوْله: (أَذَى كثيرا) ، قَالَ الزّجاج: مَقْصُور يكْتب بِالْيَاءِ يُقَال: قد أَذَى فلَان يأذى، إِذا سمع مَا يسوؤه، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أَذَاهُ يُؤْذِيه أذاءة وأذية.
٨٧ - (حَدثنَا أَبُو الْيَمَان أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَة بن الزبير أَن أُسَامَة بن زيد ﵄ أخبرهُ أَن رَسُول الله ﷺ َ - ركب على حمَار على قطيفة فَدَكِيَّة وَأَرْدَفَ أُسَامَة بن زيد وَرَاءه يعود سعد بن عبَادَة فِي بني الْحَارِث بن الْخَزْرَج قبل وقْعَة بدر قَالَ حَتَّى مر بِمَجْلِس فِيهِ عبد الله بن أبي بن سلول وَذَلِكَ قبل أَن يسلم عبد الله بن أبي فَإِذا فِي الْمجْلس أخلاط من الْمُسلمين وَالْمُشْرِكين عَبدة الْأَوْثَان وَالْيَهُود وَالْمُسْلِمين وَفِي الْمجْلس
стр. 5417
عبد الله بن رَوَاحَة فَلَمَّا غشيت الْمجْلس عجاجة الدَّابَّة خمر عبد الله بن أبي أَنفه بردائه ثمَّ قَالَ لَا تغبروا علينا فَسلم رَسُول الله ﷺ َ - عَلَيْهِم ثمَّ وقف فَنزل فَدَعَاهُمْ إِلَى الله وَقَرَأَ عَلَيْهِم الْقُرْآن فَقَالَ عبد الله بن أبي ابْن سلول أَيهَا الْمَرْء إِنَّه لَا أحسن مِمَّا تَقول إِن كَانَ حَقًا فَلَا تؤذينا بِهِ فِي مَجْلِسنَا ارْجع إِلَى رحلك فَمن جَاءَك فاقصص عَلَيْهِ فَقَالَ عبد الله بن رَوَاحَة بلَى يَا رَسُول الله فاغشنا بِهِ فِي مجالسنا فَإنَّا نحب ذَلِك فاستب الْمُسلمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُود حَتَّى كَادُوا يتثاورون فَلم يزل النَّبِي ﷺ َ - يخفضهم حَتَّى سكنوا ثمَّ ركب النَّبِي ﷺ َ - دَابَّته فَسَار حَتَّى دخل على سعد بن عبَادَة فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ َ - يَا سعد ألم تسمع مَا قَالَ أَبُو حباب يُرِيد عبد الله بن أبي قَالَ كَذَا وَكَذَا قَالَ سعد بن عبَادَة يَا رَسُول الله اعْفُ عَنهُ وَاصْفَحْ عَنهُ فو الَّذِي أنزل عَلَيْك الْكتاب لقد جَاءَ الله بِالْحَقِّ الَّذِي أنزل عَلَيْك وَلَقَد اصْطلحَ أهل هَذِه الْبحيرَة على أَن يُتَوِّجُوهُ فيعصبوه بِالْعِصَابَةِ فَلَمَّا أَبى الله ذَلِك بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاك الله شَرق بذلك فَذَلِك فعل بِهِ مَا رَأَيْت فَعَفَا عَنهُ رَسُول الله ﷺ َ - وَكَانَ النَّبِي ﷺ َ - وَأَصْحَابه يعفون عَن الْمُشْركين وَأهل الْكتاب كَمَا أَمرهم الله ويصبرون على الْأَذَى قَالَ الله ﴿ولتسمعن من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَمن الَّذين أشركوا أَذَى كثيرا﴾ الْآيَة وَقَالَ الله ﴿ود كثير من أهل الْكتاب لَو يردونكم من بعد إيمَانكُمْ كفَّارًا حسدا من عِنْد أنفسهم﴾ إِلَى آخر الْآيَة وَكَانَ النَّبِي ﷺ َ - يتَأَوَّل الْعَفو مَا أمره الله بِهِ حَتَّى أذن الله فيهم فَلَمَّا غزا رَسُول الله ﷺ َ - بَدْرًا فَقتل الله بِهِ صَنَادِيد كفار قُرَيْش قَالَ ابْن أبي ابْن سلول وَمن مَعَه من الْمُشْركين وَعَبدَة الْأَوْثَان هَذَا أَمر قد توجه فَبَايعُوا الرَّسُول ﷺ َ - على الْإِسْلَام فأسلموا) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع الْحِمصِي وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي وَأخرج هَذَا الحَدِيث هُنَا بأتم الطّرق وأكملها وَأخرجه فِي الْجِهَاد مُخْتَصرا جدا مُقْتَصرا على أرداف أُسَامَة من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن أُسَامَة وَأخرجه أَيْضا فِي اللبَاس عَن قُتَيْبَة وَفِي الْأَدَب عَن أبي الْيَمَان أَيْضا وَعَن إِسْمَاعِيل وَفِي الطِّبّ عَن يحيى بن بكير وَفِي الاسْتِئْذَان عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي وَالنَّسَائِيّ فِي الطِّبّ قَوْله " على قطيفة " بِفَتْح الْقَاف وَكسر الطَّاء الْمُهْملَة وَهِي كسَاء غليظ قَوْله " فَدَكِيَّة " صفتهَا أَي منسوبة إِلَى فدك بِفَتْح الْفَاء وَالدَّال وَهِي بَلْدَة مَشْهُورَة على مرحلَتَيْنِ أَو ثَلَاث من الْمَدِينَة قَوْله " يعود " جملَة حَالية قَوْله " فِي بني الْحَارِث " أَي فِي منَازِل بني الْحَارِث وهم قوم سعد بن عبَادَة وَفِيه أَحْكَام (جَوَاز الأرداف) وعيادة الْكَبِير الصَّغِير وَعدم امْتنَاع الْكَبِير عَن ركُوب الْحمير وَإِظْهَار التَّوَاضُع وَجَوَاز العيادة رَاكِبًا وَقَالَ الْمُهلب فِي هَذَا أَنْوَاع من التَّوَاضُع وَقد ذكر ابْن مَنْدَه أَسمَاء الأرداف فَبلغ نيفا وَثَلَاثِينَ شخصا قَوْله " ابْن سلول " بِرَفْع ابْن لِأَنَّهُ صفة عبد الله لَا صفة أبي لِأَن سلول اسْم أم عبد الله بن أبي وَهُوَ بِالْفَتْح لِأَنَّهُ لَا ينْصَرف قَوْله " وَذَلِكَ قبل أَن يسلم عبد الله بن أبي " أَي قبل أَن يظْهر الْإِسْلَام وَإِلَّا فَهُوَ لم يسلم قطّ قَوْله " فَإِذا فِي الْمجْلس " كلمة إِذا للمفاجأة قَوْله " أخلاط " بِفَتْح الْهمزَة جمع خلط بِالْكَسْرِ وَأُرِيد بِهِ الْأَنْوَاع قَوْله " عَبدة الْأَوْثَان " بِالْجَرِّ بدل من الْمُشْركين وَيجوز
стр. 5418
أَن يكون عطف بَيَان قَوْله " وَالْيَهُود " بِالْجَرِّ عطف على عَبدة الْأَوْثَان وَقَالَ بَعضهم يجوز أَن يكون الْيَهُود عطفا على الْبَدَل أَو الْمُبدل مِنْهُ وَهُوَ الْأَظْهر (قلت) الْأَظْهر أَن يكون عطفا على الْبَدَل لِأَن الْمُبدل مِنْهُ فِي حكم السُّقُوط قَوْله " وَالْمُسْلِمين " مُكَرر فَلَا مَحل لَهُ هَهُنَا لِأَنَّهُ ذكر أَولا فَلَا فَائِدَة لذكره ثَانِيًا قَالَ الْكرْمَانِي لَعَلَّ فِي بعض النّسخ كَانَ أَولا وَفِي بَعْضهَا آخرا فَجمع الْكَاتِب بَينهمَا وَالله أعلم وَقَالَ بَعضهم الأولى حذف أَحدهمَا وَلم يبين أَيهمَا أولى بالحذف فَجعل الثَّانِي أولى على مَا لَا يخفى قَوْله " فَلَمَّا غشيت الْمجْلس " فعل ومفعول وعجاجة الدَّابَّة بِالرَّفْع فَاعله والعجاجة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الجيمين الْغُبَار قَوْله " خمر " بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْمِيم أَي غطى قَوْله " فَسلم رَسُول الله ﷺ َ - عَلَيْهِم " قَالَ صَاحب التَّوْضِيح لَعَلَّه نوى بِهِ الْمُسلمين فَلَا بَأْس بِهِ إِذا (قلت) إِذا كَانَ فِي مجْلِس مُسلمُونَ وكفار يجوز السَّلَام عَلَيْهِم وَيَنْوِي بِهِ الْمُسلمين قَوْله " ثمَّ وقف فَنزل " فِيهِ جَوَاز اسْتِمْرَار الْوُقُوف الْيَسِير على الدَّابَّة فَإِن طَال نزل كَفِعْلِهِ ﷺ َ - وَقيل لبَعض التَّابِعين أَنه نهى عَن الْوُقُوف على متن الدَّابَّة قَالَ أَرَأَيْت لَو صيرتها سانية أما كَانَ يجوز لي ذَلِك قيل لَهُ نعم قَالَ فَأَي فرق بَينهمَا أَرَادَ لَا فرق بَينهمَا قَوْله " لَا أحسن مِمَّا تَقول " بِفَتْح الْهمزَة على وزن أفعل التَّفْضِيل وَهُوَ اسْم لَا وخبرها مَحْذُوف أَي لَا أحسن كَائِن مِمَّا تَقول قيل وَيجوز رفع أحسن على أَنه خبر لَا وَالِاسْم مَحْذُوف أَي لَا شَيْء أحسن مِمَّا تَقول وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بِضَم أَوله وَكسر السِّين وَضم النُّون من أحسن يحسن وَفِي رِوَايَة أُخْرَى وَلَا حسن بِحَذْف الْألف وَفتح السِّين وَضم النُّون قَالَ بَعضهم على أَنَّهَا لَام الْقسم كَأَنَّهُ قَالَ لَا حسن من هَذَا أَن تقعد فِي بَيْتك وَلَا تَأْتِينَا (قلت) هَذَا غلط صَرِيح وَاللَّام فِيهِ لَام الِابْتِدَاء دخلت على أحسن الَّذِي هُوَ أفعل التَّفْضِيل وَلَيْسَ للام الْقسم فِيهِ مجَال وَلم يكتف هَذَا الغالط بِهَذَا الْغَلَط الْفَاحِش حَتَّى نسبه إِلَى عِيَاض وَحكى ابْن الْجَوْزِيّ ضم الْهمزَة وَتَشْديد السِّين بِغَيْر نون من الْحس يَعْنِي لَا أعلم شَيْئا قَوْله " إِن كَانَ حَقًا " شَرط وجزاؤه مقدما قَوْله " لَا أحسن مِمَّا تَقول " قَوْله " فَلَا تؤذينا " ويروى " فَلَا تؤذنا " على الأَصْل قَوْله " رحلك " أَي مَنْزِلك قَوْله " وَالْيَهُود " عطف على الْمُشْركين وَإِنَّمَا اختصوا بِالذكر وَإِن كَانُوا داخلين فِي الْمُشْركين تَنْبِيها على زِيَادَة شرهم قَوْله " كَادُوا يتثاورون " أَي قربوا أَن يتثاوروا بِقِتَال وَهُوَ من ثار بالثاء الْمُثَلَّثَة يثور إِذا قَامَ بِسُرْعَة وإزعاج وَعبارَة ابْن التِّين يتبادرون قَوْله " يخفضهم " أَي يسكنهم قَوْله حَتَّى سكنوا بالنُّون من السّكُون هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني حَتَّى سكتوا بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق من السُّكُوت قَوْله " مَا قَالَ أَبُو حباب " بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة أُخْرَى وَهِي كنية عبد الله بن أبي وَلَيْسَت الكنية للتكرمة مُطلقًا بل قد تكون للشهرة وَغَيرهَا قَوْله " وَلَقَد اصْطلحَ " بِالْوَاو ويروى بِغَيْر الْوَاو وَوَجهه أَن يكون بَدَلا أَو عطف بَيَان وتوضيح أَو تكون الْوَاو محذوفة قَوْله " الْبحيرَة " بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة مصغرة وَقَالَ عِيَاض فِي غير صَحِيح مُسلم بِفَتْح الْبَاء وَكسر الْحَاء مكبرة وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى وَاحِد يُرِيد أهل الْمَدِينَة والبحرة بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْحَاء الأَرْض والبلد والبحار والقرى قَالَ بعض الْمُفَسّرين المُرَاد بقوله (ظهر الْفساد فِي الْبر وَالْبَحْر) الْقرى والأمصار وَقَالَ الطَّبَرِيّ كل قَرْيَة لَهَا نهر جَار فالعرب تسميها بحرة وَقَالَ ياقوت بحرة على لفظ تَأْنِيث الْبَحْر من أَسمَاء مَدِينَة سيدنَا رَسُول الله ﷺ َ - وبالبحرين قَرْيَة لعبد الْقَيْس يُقَال لَهَا بحرة وبحرة مَوضِع لية من الطَّائِف وَقَالَ الْبكْرِيّ لية بِكَسْر أَوله وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَهِي أَرض من الطَّائِف على أَمْيَال يسيرَة وَهِي على لَيْلَة من قرن وَلما سَار رَسُول الله ﷺ َ - بعد حنين إِلَى الطَّائِف سلك على نَخْلَة الْيَمَامَة ثمَّ على قرن ثمَّ على الْمليح ثمَّ على بحرة الرعاء من لية فابتنى فِي بحرة مَسْجِدا وَصلى فِيهِ وَقَالَ ياقوت الْبحيرَة تَصْغِير بحرة يُرَاد بِهِ كل مجمع مَاء مستنقع لَا اتِّصَال لَهُ بالبحر الْأَعْظَم غَالِبا ثمَّ ذكر بحيرات عديدة ثمَّ قَالَ فِي آخرهَا والبحيرة كورة بِمصْر قرب اسكندرية قَوْله على أَن يُتَوِّجُوهُ أَي على أَن يَجْعَلُوهُ ملكا وَكَانَ من عَادَتهم إِذا ملكوا إنْسَانا توجوه أَي جعلُوا على رَأسه تاجا قَوْله فيعصبوه بِالْعِصَابَةِ أَي فيعمموه بعمامة الْمُلُوك وَوَقع فِي أَكثر نسخ البُخَارِيّ يعصبوه بِدُونِ الْفَاء وَوَجهه أَن يكون بَدَلا من قَوْله " على أَن يُتَوِّجُوهُ " ويروى فَيعصبُونَهُ بِالْفَاءِ وبالنون على تَقْدِير فهم يعصبونه قَالَ الْكرْمَانِي أَي يَجْعَلُوهُ رَئِيسا لَهُم ويسودوه عَلَيْهِم وَكَانَ الرئيس معصبا لما يعصب بِرَأْيهِ من الْأَمر وَقيل بل كَانَ الرؤساء يعصبون رُؤْسهمْ بعصابة يعْرفُونَ بهَا قَوْله شرف بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة
стр. 5419
وَكسر الرَّاء وبالقاف يَعْنِي غص لِأَنَّهُ حسد رَسُول الله ﷺ َ - فَكَانَ سَبَب نفَاقه يُقَال غص الرجل بِالطَّعَامِ وشرق بِالْمَاءِ وشجي بالعظم إِذا اعْترض شَيْء فِي الْحلق فَمنع الإساغة قَوْله " بذلك " أَي بِمَا أَتَى بِهِ النَّبِي ﷺ َ - قَوْله " فَذَلِك فعل بِهِ مَا رَأَيْت " أَي الَّذِي أَتَى الله بِهِ من الْحق فعل بِهِ مَا رَأَيْت مِنْهُ من قَوْله وَفعله القبيحين وَمَا رَأَيْت فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ مفعول فعل وَمَا مَوْصُولَة وصلتها محذوفة وَالتَّقْدِير الَّذِي رَأَيْته قَوْله " فَعَفَا عَنهُ رَسُول الله ﷺ َ - " وَكَانَ الْعَفو مِنْهُ قبل أَن يُؤذن لَهُ فِي الْقِتَال كَمَا يذكرهُ فِي الحَدِيث قَوْله قَالَ الله تَعَالَى ﴿ولتسمعن﴾ الْآيَة ولتسمعن خطاب للْمُؤْمِنين خوطبوا بذلك ليوطنوا أنفسهم على احْتِمَال مَا سيلقون من الْأَذَى والشدائد وَالصَّبْر عَلَيْهَا وَقَالَ ابْن كثير يَقُول الله تَعَالَى للْمُؤْمِنين عِنْد مقدمهم الْمَدِينَة قبل وقْعَة بدر مسليا لَهُم عَمَّا ينالهم من الْأَذَى من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين وَأمرهمْ بِالصبرِ والصفح حَتَّى يفرج الله تَعَالَى عَنْهُم قَوْله ﴿فَإِن ذَلِك﴾ أَي فَإِن الصَّبْر وَالتَّقوى قَوْله ﴿من عزم الْأُمُور﴾ أَي مِمَّا عزم الله أَن يكون ذَلِك عَزمَة من عَزمَات الله لَا بُد لكم أَن تصبروا وتتقوا قَوْله " حَتَّى أذن الله فيهم " أَي فِي قِتَالهمْ وَترك الْعَفو عَنْهُم وَلَيْسَ المُرَاد أَنه ترك الْعَفو أصلا بل بِالنِّسْبَةِ إِلَى ترك الْقِتَال وَلَا ووقوعه أخيرا وَإِلَّا فعفوه ﷺ َ - عَن كثير من الْمُشْركين وَالْيَهُود بالمن وَالْفِدَاء وصفحه عَن الْمُنَافِقين مَشْهُور فِي الْأَحَادِيث وَالسير قَوْله " صَنَادِيد " جمع صنديد وَهُوَ السَّيِّد الْكَبِير فِي الْقَوْم قَوْله " وَعَبدَة الْأَوْثَان " من عطف الْخَاص على الْعَام وَفَائِدَته الإيذان بِأَن إِيمَانهم كَانَ أبعد وضلالهم أَشد قَوْله " قد توجه " أَي ظهر وَجهه قَوْله " فَبَايعُوا " بِصُورَة الْجُمْلَة الْمَاضِيَة وَيحْتَمل أَن يكون بِصِيغَة الْأَمر -
١٦ - (بابٌ: ﴿لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ (آل عمرَان: ١٨٨)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله: ﴿لَا يَحسبن الَّذين يفرحون بِمَا أَتَوا﴾ وَلَفظ بَاب مَا ذكره إلاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر. قَوْله: (لَا يَحسبن) بِالْيَاءِ وبالباء الْمُوَحدَة الْمَفْتُوحَة. وَقَوله: (الَّذين يفرحون) فَاعله، وقرىء بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق خطاب لرَسُول الله ﷺ ، وقرىء بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة على أَنه خطاب للْمُؤْمِنين. قَوْله: (بِمَا أَتَوا) أَي: بِمَا فعلوا وَلَفظ: أُتِي وَجَاء، يجيئان بِمَعْنى: فعل. قَالَ الله : ﴿أَنه كَانَ وعده مأتيا﴾ (مَرْيَم: ٦١) ﴿لقد جِئْت شَيْئا فريا﴾ (مَرْيَم: ٢٧) .
٤٥٦٧ - ح دَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بُن جَعْفَرٍ قَالَ حدَّثني زَيْدُ بنُ أسْلَ عنْ عَطَاءِ ابنِ يَسَارٍ عَنْ أبِي سَعِيد الخُدْرِيِّ ﵁ أنَّ رِجالاً مِنَ المُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ كَانَ إذَا خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ إلَى الغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خلافَ رَسُولِ الله ﷺ فَإذَا قَدِمَ رَسولُ الله ﷺ اعْتَذَرُوا إلَيْهِ وَحَلَفُوا وَأَحَبُّوا أنْ يَفْعَلُوا فَنَزَلَتْ ﴿لَا تَحْسَبن الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ الآيَةَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهِي: أَيْضا فِي بَيَان سَبَب نزُول الْآيَة الْمَذْكُورَة وَمُحَمّد بن جَعْفَر بن أبي كثير الْمدنِي، وَعَطَاء ابْن يسَار ضد الْيَمين.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن الْحسن بن عَليّ الْحلْوانِي وَمُحَمّد بن سهل، كِلَاهُمَا عَن سعيد بن أبي مَرْيَم.
قَوْله: (بِمَقْعَدِهِمْ) ، أَي: بقعودهم، وَهُوَ مصدر ميمي. قَوْله: (فَنزلت) ، يَعْنِي هَذِه الْآيَة. وَهِي: ﴿أَلا تحسبن الَّذين يفرحون﴾ الْآيَة. هَكَذَا ذكر أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ أَن سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة هُوَ مَا ذكره، وَذكر أَحْمد عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: إِنَّمَا نزلت فِي أهل الْكتاب على مَا يَجِيء الْآن، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: نزلت فِي الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا. وَذكر الْفراء أَنَّهَا نزلت فِي قَول الْيَهُود: نَحن أهل الْكتاب الأول وَالصَّلَاة وَالطَّاعَة، وَمَعَ ذَلِك لَا يقرونَ بِمُحَمد، فَنزلت: ﴿وَيُحِبُّونَ أَن يحْمَدُوا بِمَا لم يَفْعَلُوا﴾ وَعُمُوم اللَّفْظ يتَنَاوَل كل من أَتَى بحسنة ففرح بهَا فَرح إعجاب واحب أَن يحمده النَّاس ويثنوا عَلَيْهِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ.
٤٥٦٨ - حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخْبَرنا هِشامٌ أنَّ ابنُ جُرَيْجٍ أخبَرهُمْ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّ عَلْقَمَةَ بنَ وَقَّاصٍ أخْبَرَهُ أنَّ مَرْوَانَ قَالَ لِبَوَّابِهِ اذْهَبْ يَا رَافِعُ إلَى ابنِ عَبَّاسٍ فَقُلْ لَئِنْ كَانَ كلُّ امْرِىءٍ فَرِحَ بِمَا أُوْتِيَ وَأَحَبَّ أنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذّبا لَنُعَذِّبَنَّ أجْمَعُونَ فَقَالَ ابنُ
стр. 5420
عَبَّاسٍ وَمَا لَكُمْ وَلِهاذِهِ إنِما دَعا النبيُّ ﷺ يَهُودَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ إياهُ وَأخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ فَأرَوُهُ قَدِ اسْتَحْمَدُوا إلَيْهِ بِمَا أخْبَرُوهُ عَنْهُ فِيما سَأَلَهُمْ وَفَرِحُوا بِما أُوتُوا مِنْ كِتْمَانِهِمْ ثُمَّ قَرَأَ ابنُ عَبَّاسٍ ﴿وَإذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ (آل عمرَان: ١٨٧) كَذَلِكَ حَتَّى قَوْلِهِ: ﴿يفرحون بِمَا أُوْتُوا وَيُحِبُّونَ أنْ يَحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ (آل عمرَان: ١٨٨) .
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى وَجه آخر فِي سَبَب نزُول الْآيَة الْمَذْكُورَة أخرجه عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى أبي إِسْحَاق الْفراء الرَّازِيّ عَن هِشَام بن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج عَن عبد الله بن أبي مليكَة عَن عَلْقَمَة بن وَقاص اللَّيْثِيّ من كبار التَّابِعين، وَقيل: لَهُ صُحْبَة.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا من حَدِيث حجاج عَن ابْن جريج بِهِ.
قَوْله: (أَن مَرْوَان) هُوَ ابْن الحكم بن أبي الْعَاصِ، ولي الْخلَافَة وَكَانَ يَوْمئِذٍ أَمِير الْمَدِينَة من جِهَة مُعَاوِيَة. قَوْله: (يَا رَافع) هُوَ بواب مَرْوَان بن الحكم وَهُوَ مَجْهُول فَلذَلِك توقف جمَاعَة عَن القَوْل بِصِحَّة الحَدِيث حَتَّى إِن الْإِسْمَاعِيلِيّ قَالَ: يرحم الله البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث فِي (الصَّحِيح) مَعَ الِاخْتِلَاف على ابْن جريج ومرجع الحَدِيث إِلَى بواب مَرْوَان عَن ابْن عَبَّاس ومروان وبوابه بِمَنْزِلَة وَاحِدَة وَلم يذكر حَدِيث عُرْوَة عَن مَرْوَان وَحرب عَن يسرة فِي مس الذّكر وَذكر هَذَا وَلَا فرق بَينهمَا إلَاّ أَن البواب مسمّى ثمَّ لَا يعرف إلَاّ هَكَذَا والحرسي غير مُسَمّى وَالله يغْفر لنا وَله. قلت: إِنْكَار الْإِسْمَاعِيلِيّ على البُخَارِيّ فِي هَذَا من وُجُوه: الأول: الِاخْتِلَاف على ابْن جريج فَإِنَّهُ أخرجه من حَدِيث حجاج عَن ابْن أبي مليكَة عَن حميد، وَأخرجه أَيْضا من حَدِيث هِشَام عَن ابْن جريج عَن ابْن أبي مليكَة عَن عَلْقَمَة الحَدِيث بِعَيْنِه. وَقد اخْتلفَا (وَالثَّانِي) : أَن بواب مَرْوَان الَّذِي اسْمه رَافع مَجْهُول الْحَال وَلم يذكر إلَاّ فِي هَذَا الحَدِيث (فَإِن قلت) : إِن مَرْوَان لَو لم يعْتَمد عَلَيْهِ لم يقنع برسالته. قلت: قد سَمِعت أَن الْإِسْمَاعِيلِيّ قَالَ: مَرْوَان وبوابه بِمَنْزِلَة وَاحِدَة، وَقد انْفَرد بروايته البُخَارِيّ دون مُسلم. (وَالثَّالِث) : أَن البُخَارِيّ لم يُورد فِي (صَحِيحه) حَدِيث يسرة بنت صَفْوَان الصحابية فِي مس الذّكر وَلَا فرق بَينه وَبَين حَدِيث الْبَاب لما ذكرنَا. وَقد ساعد بَعضهم البُخَارِيّ فِيهِ بقوله: وَيحْتَمل أَن يكون عَلْقَمَة بن وَقاص كَانَ حَاضرا عِنْد ابْن عَبَّاس لما أجَاب. (قلت) : لَو كَانَ حَاضرا عِنْد ابْن عَبَّاس عِنْد جَوَابه لَكَانَ أخبر ابْن أبي مليكَة أَنه سمع ابْن عَبَّاس أَنه أجَاب لرافع بواب مَرْوَان بِالَّذِي سَمعه، ومقام عَلْقَمَة أجل من أَن يخبر عَن رجل مَجْهُول الْحَال بِخَبَر قد سَمعه عَن ابْن عَبَّاس وَترك ابْن عَبَّاس وَأخْبرهُ عَن غَيره بذلك. قَوْله: (فَقل) أَمر لرافع الْمَذْكُور. قَوْله: (بِمَا أُوتِيَ) يروي: (فَقل لَئِن كَانَ كل امرىء منا فَرح بدنيا وَأحب أَن يحمد) بِضَم الْبَاء على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (معذبا) مَنْصُوب لِأَنَّهُ خبر: كَانَ. قَوْله: (لَنُعَذَّبَنَّ) جَوَاب قَوْله: (لَئِن) وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أَجْمَعُونَ) وَفِي رِوَايَة حجاج بن مُحَمَّد (أَجْمَعِينَ) على الأَصْل. قَوْله: (وَمَا لكم ولهذه) إِنْكَار من ابْن عَبَّاس على السُّؤَال بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة على الْوَجْه الْمَذْكُور وَأَن أصل هَذَا أَن النَّبِي ﷺ دَعَا يهود إِلَى آخِره وَفِي رِوَايَة حجاج بن مُحَمَّد انما نزلت هَذِه الْآيَة فِي أهل الْكتاب. قَوْله: (فَسَأَلَهُمْ عَن شَيْء) ، قَالَ الْكرْمَانِي: قيل: هَذَا الشَّيْء هُوَ نعت رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (فَكَتَمُوهُ إِيَّاه) ، أَي: كُنْتُم يهود الشَّيْء الَّذِي سَأَلَهُمْ ﷺ عَنهُ وَأَخْبرُوهُ بِغَيْر ذَلِك. قَوْله: (فأروه) أَي: فأرو النَّبِي ﷺ بِأَنَّهُم قد استحمدوا إِلَيْهِ، وَاسْتحْمدُوا على صِيغَة الْمَجْهُول من استحمد فلَان عِنْد فلَان أَي: صَار مَحْمُودًا عِنْده، وَالسِّين فِيهِ للصيرورة. قَوْله: (بِمَا أُوتُوا) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: بِضَم الْهمزَة بعْدهَا وَاو أَي: أعْطوا من الْعلم الَّذِي كتموه، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين (بِمَا أُوتُوا) بِدُونِ الْوَاو بعد الْهمزَة أَي: بِمَا جاؤوا قَوْله: (أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب لتبيننه للنَّاس وَلَا تكتمونه) يَعْنِي: اذكر وَقت أَخذ الله مِيثَاق الْكتاب. قَوْله: (كَذَلِك) إِشَارَة إِلَى أَن الَّذين أخبر الله عَنْهُم فِي الْآيَة المسؤول عَنْهَا وهم المذكورون فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تحسبن الَّذين يفرحون بِمَا أُوتُوا وَيُحِبُّونَ أَن يحْمَدُوا بِمَا لم يَفْعَلُوا﴾ كَمَا فِي الْآيَة الَّتِي قبلهَا أَي: قبل هَذِه الْآيَة وَهِي قَوْله تَعَالَى: (وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب) الْآيَة.
تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَاقِ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ
стр. 5421
أَي: تَابع هِشَام بن يُوسُف عبد الرَّزَّاق على رِوَايَته عَن ابْن جريج، وَوصل الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذِه الْمُتَابَعَة فَقَالَ: حَدثنَا ابْن زَنْجوَيْه وَأَبُو سُفْيَان قَالَا: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق أَنبأَنَا ابْن جريج عَن ابْن أبي مليكَة عَن عَلْقَمَة، فَذكره.
١٦ - ح دَّثنا ابنُ مُقَاتِلِ أخْبَرَنَا الحَجاجُ عنِ ابنِ جُرَيْجٌ أخْبَرَنِي بنُ أبِي مُلَيْكَةَ عنْ حُمَيْدٍ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَوْفٍ أنَّهُ أخْبَرَهُ أنَّ مَرْوَانَ بِهَذَا.
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. أخرجه عَن مُحَمَّد بن مقَاتل الْمروزِي عَن حجاج الْأَعْوَر المصِّيصِي عَن ابْن جريج إِلَى آخِره، وَفِي الطَّرِيق الآخر السَّابِق أخرجه عَن هِشَام عَن ابْن جريج، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (كتاب التتبع) أخرج مُحَمَّد. يَعْنِي: البُخَارِيّ حَدِيث ابْن جريج يَعْنِي هَذَا من حَدِيث حجاج عَنهُ عَن أبي مليكَة عَن حميد، وَأخرجه أَيْضا من حَدِيث هِشَام عَن ابْن جريج عَن ابْن أبي مليكَة عَن عَلْقَمَة الحَدِيث بِعَيْنِه، وَقد اخْتلفَا فَينْظر من يُتَابع أَحدهمَا. انْتهى (قلت) : أخرج مُسلم حَدِيث حجاج دون حَدِيث هِشَام، وَأخرج البُخَارِيّ مُتَابعَة هِشَام عبد الرَّزَّاق كَمَا ذكر الْآن، وَأخرجه ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق مُحَمَّد بن ثَوْر عَن ابْن جريج كَمَا قَالَ عبد الرَّزَّاق.
قَوْله: (أَن مَرْوَان بِهَذَا) ، أَي: حَدثنَا بِهَذَا، وَلم يسق البُخَارِيّ الْمَتْن لهَذَا، وَسَاقه مُسلم والإسماعيلي من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ أَن مَرْوَان قَالَ لِبَوَّابِهِ: اذْهَبْ يَا رَافع إِلَى ابْن عَبَّاس فَقَالَ لَهُ فَذكر نَحْو حَدِيث هِشَام عَن ابْن حريج الْمَذْكُور أَولا.
١٧ - (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ﴾ (آل عمرَان: ١٩٠) الآيَةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار لآيَات لأولي الْأَلْبَاب﴾ (آل عمرَان: ١٩٠) ويروى: بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ وسَاق إِلَى (الْأَلْبَاب) وَقَالَ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس. قَالَ: أَتَت قُرَيْش الْيَهُود فَقَالُوا: بِمَا جَاءَكُم مُوسَى، ﵇؟ قَالُوا: عَصَاهُ وَيَده الْبَيْضَاء للناظرين، وَأتوا النَّصَارَى فَقَالُوا: كَيفَ كَانَ عِيسَى، ﵇؟ قَالُوا: كَانَ يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الْمَوْتَى، فَأتوا النَّبِي ﷺ فَقَالُوا: ادْع لنا أَن يَجْعَل لنا الصَّفَا ذَهَبا. فَدَعَا بِهِ فَنزلت هَذِه الْآيَة: ﴿إِن فِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ الْآيَة. فليتفكروا فِيهَا انْتهى قلت: هَذَا مُشكل لِأَن هَذِه الْآيَة مَدَنِيَّة وسؤالهم أَن يكون الصَّفَا ذَهَبا كَانَ بِمَكَّة، وَالله أعلم. قَوْله: (أَن فِي خلق السَّمَوَات) ، أَي: فِي ارتفاعها واتساعها وَالْأَرْض فِي انخفاضها وكثافتها واتضاعها وَمَا فِيهَا من الْآيَات الْعَظِيمَة الْمُشَاهدَة من كواكب سيارات وثوابت وبحار وجبال وقفار وأشجار ونبات وزروع وثمار وحيوان ومعادن وَمَنَافع مُخْتَلفَة الألوان والطعوم والروائح والخواص، (وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار) أَي: تعاقبهما وتعارضهما بالطول وَالْقصر (لآيَات) أَي: لأدلة وَاضِحَة على الصَّانِع وَعظم قدرته وباهر حكمته وعَلى وحدانيته (لأولي الْأَلْبَاب) أَي: لأَصْحَاب الْعُقُول التَّامَّة الذكية الَّتِي تدْرك الْأَشْيَاء بحقائقها على مَا هِيَ عَلَيْهِ.
٤٥٦٩ - ح دَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ أخبرنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قَالَ أخْبَرَنِي شَرِيكُ بنُ عَبْدِ الله بنِ أبِي نَمِرٍ عَنْ كُرَيْبٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةً فَتَحَدَّثَ رَسُولُ الله ﷺ مَعَ أهْلِهِ سَاعَةٌ ثُمَّ رَقَدَ فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ قَعَدَ فَنَظَرَ إلَى السَّمَاءِ فَقَالَ ﴿إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوَلِي الألْبَابِ﴾ ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَأَ وَاسْتَنَّ فَصَلَى إحْدَى عَشَرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ أذَّنَ بِلالٌ فَصَلَّى رِكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمُحَمّد بن جَعْفَر هُوَ ابْن أبي كثير. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْوتر فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بأتم مِنْهُ عَن عبد الله بن سَلمَة عَن مَالك عَن مخرمَة بن سُلَيْمَان عَن كريب عَن ابْن عَبَّاس إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَفِيه مِمَّا لم يذكر هُنَاكَ مَا ذكره الصيدلاني من رِوَايَة المخلص عَنهُ عَن عبد الله أردْت أَن أعرف صَلَاة رَسُول الله ﷺ ، من اللَّيْل، فَسَأَلت عَن ليلته فَقيل لزوجته مَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فأتيتها فَقلت: إِنِّي تنحيت عَن السخ، ففرشت لَهُ فِي
стр. 5422
جَانب الْحُجْرَة، فَلَمَّا صلى ﷺ ، بِأَصْحَابِهِ دخل إِلَى بَيته فحس بِي. فَقَالَ: من هَذَا؟ فَقَالَت مَيْمُونَة: ابْن عمك، وَذكر فِيهِ، فَلَمَّا كَانَ فِي جَوف اللَّيْل خرج إِلَى الْحُجْرَة فَقلب وَجهه إِلَى السَّمَاء ثمَّ عَاد إِلَى مضجعه فَلَمَّا كَانَ ثلث اللَّيْل الآخر خرج إِلَى الْحُجْرَة فَقلب وَجهه فِي أفق السَّمَاء ثمَّ عمد إِلَى قربَة الحَدِيث. وَذكر أَبُو الشَّيْخ ابْن حبَان عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: تضيفت لَيْلَة خَالَتِي مَيْمُونَة، وَهِي حِينَئِذٍ لَا تصلي. انْتهى. وَهَذَا يمْنَع تخرص من قَالَ: لَعَلَّهَا كَانَت حَائِضًا ليلتئذ. قَوْله: (الآخر) مَرْفُوع لِأَنَّهُ صفة للثلث فِي قَوْله: (فَلَمَّا كَانَ ثلث اللَّيْل) فَإِن قلت: جَاءَ فِي لفظ نَام حَتَّى انتصف اللَّيْل أَو بعده، بِقَلِيل أَو قبله: بِقَلِيل، وَفِي لفظ: فَقَامَ من آخر اللَّيْل. قلت: طَرِيق الْجمع أَنه قَامَ قومتين وَتَوَضَّأ.
١٨ - (بَابُ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ الله قِياما وَقُعُودا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ﴾ (آل عمرَان: ١٩١)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين يذكرُونَ الله﴾ إِلَى آخِره. قَوْله: ﴿الَّذين يذكرُونَ الله﴾ مدح لأولي الْأَلْبَاب وقياما جمع قَائِم أَي: حَال كَونهم قَائِمين وَحَال كَونهم قَاعِدين وعَلى جنُوبهم حَال أَيْضا عطفا على مَا قبله، كَأَنَّهُ قَالَ: قيَاما وقعودا مضطجعين.
٤٥٧٠ - ح دَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا عَبْدِ الرَّحْمانِ بنُ مَهْدِيّ عنْ مَالِكِ بنِ أنَسٍ عنْ مَخْرَمَةَ بن سُلَيْمَانَ عنْ كُرَيْبٍ عنْ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَقُلْتُ لأَنْظُرَنَّ إلَى صَلاةَ رَسُولِ الله ﷺ فَطُرِحَتْ لِرَسُولِ الله ﷺ وسَادَة فَنَامَ رسولُ الله ﷺ فِي طُولِها فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ قَرَأَ الآيَاتِ العَشْرَ الأوَاخِرَ مِنْ آلِ عِمْرَانَ حَتَّى خَتَمَ ثُمَّ أتَى شِنّا مُعَلَّقا فَأَخَذَهُ فَتَوَضَأَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ إلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي ثُمَّ أخَذَ بِأُذُنِي فَجَعَلَ يُقْتِلُها ثُمَّ صَلَّى رِكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى رِكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى رِكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى رِكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى رِكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى رِكْعَتَيْنِ ثُمَّ أوْتَرَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (ثمَّ قَرَأَ الْآيَات الْعشْر الْأَوَاخِر من آل عمرَان) ، وَهَذَا الحَدِيث قد مر فِي أَبْوَاب الْوتر كَمَا ذكرنَا فِي الْبَاب الَّذِي قبله. قَوْله: (شنا) ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد النُّون: وَهُوَ الْقرْبَة الَّتِي يَبِسَتْ وعتقت من الِاسْتِعْمَال. قَوْله: (ثمَّ أوتر) أَي: بالركعة الْأَخِيرَة فَصَارَت هِيَ وَمَا قبلهَا رَكْعَتَانِ وترا.
١٩ - (بابٌ: ﴿رَبَّنَا إنَّكَ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أنْصَارٍ﴾ (آل عمرَان: ١٩٢)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبنَا إِنَّك من تدخل النَّار﴾ إِلَى آخِره، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب. قَوْله: (رَبنَا) ، أَي: يَقُولُونَ رَبنَا يَعْنِي: يتفكرون حَال كَونهم قائلين ﴿رَبنَا إِنَّك من تدخل النَّار فقد أخزيته﴾ أَي: أذللته وأهنته وَالْأَنْصَار جمع نَاصِر كالأصحاب جمع صَاحب.
٤٥٧١ - ح دَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا مَعْنُ بنُ عِيساى حدَّثنا مَالك عنْ مَخْرَمَةَ بنِ سُلَيْمَانَ عنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى عَبْدِ الله بنِ عَبَّاسٍ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عَبَّاسٍ أخْبَرَهُ أنّهُ باتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ وَهِيَ خَالَتُهُ قَالَ فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الوسادَةِ وَاضْطَجَعَ رَسُولُ الله ﷺ وَأهْلُهُ فِي طُولِها فَنَامَ رَسولُ الله ﷺ حَتَّى انْتَصَفَ
стр. 5423
اللَّيْلُ أوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ الله ﷺ فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجِهِهِ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ العَشْرَ الآيَاتِ الخَوَّاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانِ ثُمَّ قَامَ إلَى شَنِّ مُعَلَّقَةِ فَتَوَضَأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْت إلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ رَسُولُ الله ﷺ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى رَأْسِي وَأخَذَ بِأذُنِي بِيَدِهِ يَقْتِلُها فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَرَ ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ المُؤَذِّنُ فَقَامَ فَصَلَّى رِكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ.
هَذَا الحَدِيث مثل الحَدِيث الَّذِي فِي الْبَاب السَّابِق، وَشَيْخه فيهمَا وَاحِد، وَهُوَ: عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، غير أَن شَيْخه هُنَاكَ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن مَالك، وَهنا عَن معن بن عِيسَى، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفِي آخِره نون ابْن يحيى الفزار الْمَدِينِيّ عَن مَالك، وَفِي ألفاظهما بعض اخْتِلَاف بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان يظْهر بِالتَّأَمُّلِ وَالنَّظَر.
قَوْله: (الْخَوَاتِم) ، جمع خَاتِمَة، وَفِي الحَدِيث السَّابِق، ومعناهما فِي الْحَقِيقَة وَاحِد. قَوْله: (شن معلقَة) ، وَفِي الحَدِيث السَّابِق شنا مُعَلّقا بالتذكير فالتذكير بِالنّظرِ إِلَى اللَّفْظ والتأنيث بِالنّظرِ إِلَى معنى الْقرْبَة. قَوْله: (مَوضِع رَسُول الله ﷺ ، يَده الْيُمْنَى على رَأْسِي وَأخذ بأذني) ، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: وَأخذ بيَدي الْيُمْنَى، وَهُوَ وهم، وَالصَّوَاب: بأذني. كَمَا فِي سَائِر الرِّوَايَات. قَوْله: (يَقْتُلهَا) ، جملَة حَالية من الْأَحْوَال الْمقدرَة.
٢٠ - (بابٌ: ﴿ربَّنَا إنَّنا مُناديا يُنادي للْإيمَان﴾ الْآيَة (آل عمرَان: ١٩٣)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبنَا أننا سمعنَا مناديا﴾ إِلَى آخر الْآيَة. قَوْله: (مناديا) ، المُرَاد بِهِ رَسُول الله ﷺ . كَمَا فِي قَوْله: ﴿ادْع إِلَى سَبِيل رَبك﴾ قَوْله: (أَن آمنُوا) ، أَي: بِأَن آمنُوا.
стр. 5424
٤ - ( ﴿سُورَةُ النِّساء﴾ )
أَي: هَذَا تَفْسِير سُورَة النِّسَاء، قَالَ الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس: نزلت سُورَة النِّسَاء بِالْمَدِينَةِ وَكَذَا روى ابْن مرْدَوَيْه عَن عبد الله بن الزبير وَزيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقَالَ ابْن النَّقِيب: جُمْهُور الْعلمَاء على أَنَّهَا مَدَنِيَّة وفيهَا آيَة وَاحِدَة نزلت بِمَكَّة عَام الْفَتْح فِي عُثْمَان بن أبي طَلْحَة وَهِي: ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا﴾ (النِّسَاء: ٥٨) وَعدد حروفها سِتَّة عشر ألف حرف وَثَلَاثُونَ حرفا، وَثَلَاث آلَاف وَسَبْعمائة وَخمْس وَأَرْبَعُونَ كلمة، وَمِائَة وست وَسَبْعُونَ آيَة.
﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾
الْبَسْمَلَة لم تثبت إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ يَسْتَنْكِفُ يَسْتَكْبِرُ
لم يَقع هَذَا إلَاّ فِي رِوَايَة الْكشميهني وَالْمُسْتَمْلِي، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يستنكف عَن عِبَادَته﴾ (النِّسَاء: ١٧٢) وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَاد صَحِيح من طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يستنكف عَن عِبَادَته﴾ قَالَ: يستكبر. فَإِن قلت: مَا وَجه ذَلِك وَقد عطف يستكبر على يستنكف فِي الْآيَة حَيْثُ قَالَ: ﴿وَمن يستنكف عَن عِبَادَته ويستكبر﴾ والمعطوف غير الْمَعْطُوف عَلَيْهِ؟ قلت: يجوز أَن يكون عطفا تفسيريا. وَقد تعجب بَعضهم من صُدُور هَذَا عَن ابْن عَبَّاس بطرِيق الاستبعاد. ثمَّ قَالَ: وَيُمكن أَن يحمل على التوكيد. قلت: الصَّوَاب مَا قلته، وَمثل هَذَا لَا يُسمى توكيدا يفهمهُ من لَهُ إِلْمَام بِالْعَرَبِيَّةِ. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: يَعْنِي يستنكف يأنف، وَقَالَ الزّجاج: هُوَ استنكاف من النكف، وَهُوَ الأنفة.
قِواما قوامُكُمْ مِنْ مَعَايِشِكُمْ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قِرَاءَة ابْن عمر فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُم الَّتِي جعل الله لكم قيَاما﴾ حَيْثُ قَرَأَ: قواما ثمَّ فسره بقوله: قوامكم معايشكم، يَعْنِي الْقيام مَعًا يُقيم بِهِ النَّاس مَعَايشهمْ، وَكَذَلِكَ القوام، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنِي مُعَاوِيَة بن صَالح عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس.
لَهُنَّ سَبِيلاً يَعْنِي الرَّجْمَ لِلثَّيِّب وَالجَلْدَ لِلْبكْرِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن شهدُوا فأمسكوهن فِي الْبيُوت حَتَّى يتوفيهن الْمَوْت أَو يَجْعَل الله لَهُنَّ سَبِيلا﴾ (النِّسَاء: ١٥) كَانَ الحكم فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام أَن الْمَرْأَة إِذا زنت فَثَبت زنَاهَا بِالْبَيِّنَةِ العادلة حبست فِي بَيت فَلَا تمكن من الْخُرُوج إِلَى أَن تَمُوت. وَقَوله: ﴿أَو يَجْعَل الله لَهُنَّ سَبِيلا﴾ نسخ ذَلِك، وَاسْتقر الْأَمر على الرَّجْم للثيب وَالْجَلد للبكر، وَقد روى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ لما نزلت سُورَة النِّسَاء قَالَ رَسُول الله ﷺ : لَا حبس بعد سُورَة النِّسَاء. قَوْله: ﴿لَهُنَّ سَبِيلا﴾ يَعْنِي: (الرَّجْم للثيب وَالْجَلد بالبكر) لم يثبت إلَاّ فِي رِوَايَة الْكشميهني وَالْمُسْتَمْلِي. وَفسّر قَوْله: ﴿لَهُنَّ سَبِيلا﴾ بقوله: (يَعْنِي الرَّجْم للثيب وَالْجَلد للبكر) يَعْنِي: أَن المُرَاد بقوله سَبِيلا هُوَ الرَّجْم وَالْجَلد وَهُوَ قد نسخ الْحَبْس إِلَى الْمَوْت، وروى مُسلم وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت. رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: خُذُوا عني قد جعل الله لَهُنَّ سَبِيلا الْبكر بالبكر جلد مائَة وتغريب عَام، وَالثَّيِّب بِالثَّيِّبِ جلد مائَة وَالرَّجم.
وَقَالَ غَيْرُهُ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاع يَعْنِي اثْنَتَيْنِ وَثَلاثا وَأرْبَعا وَلا تُجَاوِزُ العَرَبُ رُباعَ.
أَي: قَالَ: غير ابْن عَبَّاس، وَوَقع هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَالصَّوَاب وُقُوعه لِأَن على رِوَايَة أبي ذَر يُوهم أَن قَوْله: مثنى إِلَى آخِره روى عَن ابْن عَبَّاس وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِنَّهُ لم يرو عَن ابْن عَبَّاس، وَإِنَّمَا هُوَ قَول أبي عُبَيْدَة وَتَفْسِيره قَوْله: يَعْنِي اثْنَتَيْنِ يرجع إِلَى قَوْله: مثنى، وَقَوله: وَثَلَاثًا يرجع إِلَى قَوْله: وَثَلَاث، وَقَوله: وأربعا، يرجع إِلَى قَوْله: ورباعا، وَلَيْسَ الْمَعْنى على مَا ذكره، بل مَعْنَاهُ المكرر نَحْو اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، وَالظَّاهِر أَنه تَركه اعْتِمَادًا على الشُّهْرَة أَو عِنْده لَيْسَ بِمَعْنى التّكْرَار، وَلَيْسَ فِيهَا الِانْصِرَاف للعدل وَالْوَصْف. وَقَالَ
стр. 5425
الزَّمَخْشَرِيّ لما فِيهَا من العدلين عدلها عَن صيغتها، وعدلها عَن تكررها. قَوْله: وَلَا تجَاوز الْعَرَب رباع إِشَارَة إِلَى أَن هَذَا اخْتِيَاره، وَفِيه خلاف لِأَنَّهُ ابْن الْحَاجِب هَل يُقَال: خماس ومخمس إِلَى عشار ومعشر، قَالَ فِيهِ خلاف وَالأَصَح أَنه لم يثبت، وَذكر الطَّبَرِيّ أَن الْعشْرَة يُقَال فِيهَا إعشار، وَلم يسمع فِي غير بَيت للكميت، وَهُوَ قَوْله.
(فَلم يستر بثوبك حَتَّى رميت. فَوق الرِّجَال خِصَالًا عشارا) .
يُرِيد عشرا، وَذكر النُّحَاة أَن خلفا الْأَحْمَر أنْشد أبياتا غَرِيبَة فِيهَا من خماس إِلَى عشار.
١ - (بابٌ: ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ لَا تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى﴾ (النِّسَاء: ٣)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن خِفْتُمْ﴾ الْآيَة. وَلم تثبت هَذِه التَّرْجَمَة إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر قَوْله: (إِن خِفْتُمْ) أَي: فزعتم وفرقتم، وَهُوَ ضد الْأَمْن، ثمَّ قد يكون الْمخوف مِنْهُ مَعْلُوم الْوُقُوع وَقد يكون مظنونا فَلذَلِك اخْتلف الْعلمَاء فِي تَفْسِير هَذَا الْخَوْف، هَل هُوَ بِمَعْنى الْعلم أَو بِمَعْنى الظَّن؟ قَوْله: (أَن لَا تقسطوا) أَي: أَن لَا تعدلوا. يُقَال: قسط إِذا جَار، وأقسط إِذا عدل، وَقيل: الْهمزَة فِيهِ للسلب، أَي: أَزَال الْقسْط، وَرجحه ابْن التِّين لقَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِكُم أقسط عِنْد الله﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) لِأَن أفعل فِي أبنية الْمُبَالغَة لَا يكون فِي الْمَشْهُور إلَاّ من الثلاثي، وَقيل: قسط من الأضداد، وَحَاصِل معنى الْآيَة، إِذا كَانَت تَحت حجر أحدكُم يتيمة وَخَافَ أَن لَا يُعْطِيهَا مهر مثلهَا فليعدل إِلَى مَا سواهَا من النِّسَاء فَإِنَّهُنَّ كثير، وَلم يضيق الله عَلَيْهِ.
٤٥٧٣ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسى أخبرنَا هِشَامٌ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ قَالَ أخْبَرَنِي هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّ رَجُلاً كَانَتْ لَهُ يَتِيمَة فَنَكَحَهَا وَكَانَ لَهَا عَذْقٌ وَكَانَ يُمْسِكُها عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ نَفْسِهِ شَيْءٌ فَنَزَلَتْ فِيهِ ﴿وَإنْ خِفْتُمْ أنْ لَا تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى﴾ أحْسبُهُ قَالَ كَانَتْ شَرِيكَتَهُ فِي ذَلِكَ العَذْقِ وَفِي مَالِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ، يروي عَن عبد الْملك عبد الْعَزِيز بن جريج عَن هِشَام بن عُرْوَة، يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام عَن عَائِشَة الصديقية.
وَمن لطائف هَذَا الْإِسْنَاد أَن ابْن جريج وَقع بَين هشامين. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (أَن رجلا كَانَت لَهُ يتيمة) أَي: كَانَت عِنْده، وَاللَّام تَأتي بِمَعْنى عِنْد. كَقَوْلِهِم: كتبته لخمس خلون ثمَّ إِن رِوَايَة هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة هُنَا توهم أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي شخص معِين، وَالْمَعْرُوف عَن هِشَام الرِّوَايَة من غير تعْيين كَمَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق حجاج عَن ابْن جريج، أَخْبرنِي هِشَام عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَت: (وَإِن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا فِي الْيَتَامَى) نزلت فِي الرجل يكون عِنْده الْيَتِيمَة. وَهِي ذَات مَال، فَلَعَلَّهُ ينْكِحهَا على مَالهَا وَهُوَ لَا يُعجبهُ شَيْء من أمورها ثمَّ يضْربهَا ويسيء صحبتهَا، فوعظ فِي ذَلِك وروى الطَّبَرِيّ من حَدِيث عِكْرِمَة، كَانَ الرجل من قُرَيْش تكون عِنْده النسْوَة وَيكون عِنْده الْأَيْتَام، فَيذْهب مَاله فيميل على مَال الْأَيْتَام. فَنزلت: ﴿وَإِن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا الْيَتَامَى﴾ وروى من حَدِيث ابْن عَبَّاس. قَالَ: كَانَ الرجل يتَزَوَّج بِمَال الْيَتِيم مَا شَاءَ فَنهى الله عَن ذَلِك. وَعَن سعيد بن جُبَير. قَالَ: كَانَ النَّاس على جاهليتهم إلَاّ أَن يؤمروا بِشَيْء وينهوا عَنهُ. قَالَ: فَذكرُوا الْيَتَامَى فَنزلت هَذِه الْآيَة. قَالَ: فَكَمَا خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا فِي الْيَتَامَى فَكَذَلِك خَافُوا أَن لَا تقسطوا فِي النِّسَاء. قَوْله: (عذق) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره قَاف وَهِي النَّخْلَة، وبكسر الْعين الكباسة، والقنو وَهُوَ من النّخل كالعنقود من الْعِنَب. قَوْله: (وَكَانَ يمْسِكهَا عَلَيْهِ) أَي: وَكَانَ الرجل يمسك تِلْكَ الْيَتِيمَة عَلَيْهِ أَي: على العذق، أَي: لأَجله وَكلمَة على، تَأتي للتَّعْلِيل كَمَا فِي قَوْله: (ولتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ) أَي: لأجل هدايته إيَّاكُمْ. قَوْله: (احسبه. قَالَ) أَي: قَالَ هِشَام، قَالَ بَعضهم: هُوَ شكّ من هِشَام بن يُوسُف. قلت: يحْتَمل أَن يكون الشَّك من هِشَام بن عُرْوَة. أَي: أَظن عُرْوَة أَنه قَالَ قَوْله: (كَانَت شريكته) أَي: كَانَت تِلْكَ الْيَتِيمَة شريكة الرجل.
٤٥٧٣ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسى أخبرنَا هِشَامٌ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ قَالَ أخْبَرَنِي هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّ رَجُلاً كَانَتْ لَهُ يَتِيمَة فَنَكَحَهَا وَكَانَ لَهَا عَذْقٌ وَكَانَ يُمْسِكُها عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ نَفْسِهِ شَيْءٌ فَنَزَلَتْ فِيهِ ﴿وَإنْ خِفْتُمْ أنْ لَا تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى﴾ أحْسبُهُ قَالَ كَانَتْ شَرِيكَتَهُ فِي ذَلِكَ العَذْقِ وَفِي مَالِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ، يروي عَن عبد الْملك عبد الْعَزِيز بن جريج عَن هِشَام بن عُرْوَة، يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام عَن عَائِشَة الصديقية.
وَمن لطائف هَذَا الْإِسْنَاد أَن ابْن جريج وَقع بَين هشامين. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (أَن رجلا كَانَت لَهُ يتيمة) أَي: كَانَت عِنْده، وَاللَّام تَأتي بِمَعْنى عِنْد. كَقَوْلِهِم: كتبته لخمس خلون ثمَّ إِن رِوَايَة هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة هُنَا توهم أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي شخص معِين، وَالْمَعْرُوف عَن هِشَام الرِّوَايَة من غير تعْيين كَمَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق حجاج عَن ابْن جريج، أَخْبرنِي هِشَام عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَت: (وَإِن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا فِي الْيَتَامَى) نزلت فِي الرجل يكون عِنْده الْيَتِيمَة. وَهِي ذَات مَال، فَلَعَلَّهُ ينْكِحهَا على مَالهَا وَهُوَ لَا يُعجبهُ شَيْء من أمورها ثمَّ يضْربهَا ويسيء صحبتهَا، فوعظ فِي ذَلِك وروى الطَّبَرِيّ من حَدِيث عِكْرِمَة، كَانَ الرجل من قُرَيْش تكون عِنْده النسْوَة وَيكون عِنْده الْأَيْتَام، فَيذْهب مَاله فيميل على مَال الْأَيْتَام. فَنزلت: ﴿وَإِن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا الْيَتَامَى﴾ وروى من حَدِيث ابْن عَبَّاس. قَالَ: كَانَ الرجل يتَزَوَّج بِمَال الْيَتِيم مَا شَاءَ فَنهى الله عَن ذَلِك. وَعَن سعيد بن جُبَير. قَالَ: كَانَ النَّاس على جاهليتهم إلَاّ أَن يؤمروا بِشَيْء وينهوا عَنهُ. قَالَ: فَذكرُوا الْيَتَامَى فَنزلت هَذِه الْآيَة. قَالَ: فَكَمَا خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا فِي الْيَتَامَى فَكَذَلِك خَافُوا أَن لَا تقسطوا فِي النِّسَاء. قَوْله: (عذق) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره قَاف وَهِي النَّخْلَة، وبكسر الْعين الكباسة، والقنو وَهُوَ من النّخل كالعنقود من الْعِنَب. قَوْله: (وَكَانَ يمْسِكهَا عَلَيْهِ) أَي: وَكَانَ الرجل يمسك تِلْكَ الْيَتِيمَة عَلَيْهِ أَي: على العذق، أَي: لأَجله وَكلمَة على، تَأتي للتَّعْلِيل كَمَا فِي قَوْله: (ولتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ) أَي: لأجل هدايته إيَّاكُمْ. قَوْله: (احسبه. قَالَ) أَي: قَالَ هِشَام، قَالَ بَعضهم: هُوَ شكّ من هِشَام بن يُوسُف. قلت: يحْتَمل أَن يكون الشَّك من هِشَام بن عُرْوَة. أَي: أَظن عُرْوَة أَنه قَالَ قَوْله: (كَانَت شريكته) أَي: كَانَت تِلْكَ الْيَتِيمَة شريكة الرجل.
٤٥٧٤ - ح دَّثنا عَبْدُ العَزِيزُ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ صَالح بن كَيْسَانَ عَن ابنِ شهابٍ قَالَ أخْبَرَنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَألَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿وَإنْ خِفْتُمْ أنْ لَا تُقْسِطُوا
стр. 5426
فِي اليَتَامى﴾ (النِّسَاء: ٣) فَقَالَتْ يَا ابنَ أخْتِي هَذِهِ اليَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حجْرِ وَلِيَّها تُشْرِكُهُ فِي مَالِهِ وَيُعْجِبُهُ مَالُها وَجَمَالُها فَيُزِيدِ وَلِيُّها أنْ يَتَزَوَّجَها بِغَيْرِ أنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقَها فَيُعْطِيهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ فَنُهُوا عنْ أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلَاّ أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ وَيَبْلُغُوا لَهُنَّ أعْلَى سُنتِهنَّ فِي الصِّداقِ فَأُمِرُوا أنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّساءِ سِواهُنَّ قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ وَإنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ الله ﷺ بَعْدَ هاذِهِ الآيَةَ فَأُنْزِلَ الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ وَقَوْلُ الله تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿وَترْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةُ أحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المَالِ وَالجَمَالِ قَالَتْ فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوا عَمَّنْ رَغِبُوا فِي مَالِهِ وَجَمَالِهِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ إلَاّ بِالقِسْطِ مِنْ أجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إِذا كُنَّ قَلِيلاتِ المالِ وَالجَمَالِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى أَبُو الْقَاسِم الأويسي الْمدنِي، وَإِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الشّركَة فِي: بَاب شركَة الْيَتِيم وَأهل الْمِيرَاث فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الْعَزِيز الْمَذْكُور. وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (تكون فِي حجر وَليهَا) ، أَي: الَّذِي يَلِي مَالهَا. قَوْله: (بِغَيْر أَن يقسط) ، أَي: بِغَيْر أَن يجْبر عَلَيْهَا فِي صَدَاقهَا. وَقد مر أَن معنى: أقسط أعدل، وقسط جَار. قَوْله: (فيعطيها) بِالنّصب لِأَنَّهُ عطف على قَوْله: (أَن يقسط) قَوْله: (مثل مَا يُعْطِيهَا غَيره) أَي: مِمَّن يرغب فِي نِكَاحهَا سواهُ. قَوْله: (مثل مَا يُعْطِيهَا غَيره) أَي: مِمَّن يرغب فِي نِكَاحهَا سواهُ. قَوْله: (عَن ذَلِك) أَي: عَن ترك الإقساط. قَوْله: (ويبلغوا لَهُنَّ) ويروى: (ويبلغوا بِهن) ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (أَعلَى سنتهن) أَي: أَعلَى طريقتهن فِي الصَدَاق وعادتهن فِي ذَلِك. قَوْله: (مَا طَابَ لَهُم) أَي: مَا حل لكم. من قبيل قَوْله تَعَالَى: ﴿انفقوا من طَيّبَات مَا كسبتم﴾ (الْبَقَرَة: ٢٦٧) وَقيل: طَابَ بِمَعْنى الْمحبَّة والاشتهاء أَي: مَا كُنْتُم تحبون وتشتهون، وَكلمَة مَا فِي الأَصْل لما لَا يعقل، وَقد يُطلق على من يعقل كَمَا فِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة. قَوْله: (سواهن) أَي: سوى الْيَتَامَى من النِّسَاء. قَوْله: (قَالَ عُرْوَة. قَالَت عَائِشَة) ، هَذَا مُتَّصِل بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور وَترك حرف الْعَطف فِيهِ قَوْله: (بعد هَذِه الْآيَة) أَي: بعد نزُول هَذِه الْآيَة بِهَذِهِ الْقِصَّة، وَأَرَادَ بِهَذِهِ الْآيَة قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا﴾ فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿ويستفتونك فِي النِّسَاء قل الله يفتيكم فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُم فِي الْكتاب فِي يتامى النِّسَاء﴾ الْآيَة. قَالَت عَائِشَة: وَالَّتِي ذكر الله أَنه يُتْلَى عَلَيْهِم فِي الْكتاب الْآيَة الأولى الَّتِي هِيَ: ﴿وَأَن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا﴾ الْآيَة. قَوْله: (وَقَول الله تَعَالَى فِي آيَة أُخْرَى: وترغبون) . هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة صَالح بن كيسَان الْمَذْكُورَة فِي آيَة أُخْرَى، وَهُوَ خطأ. لِأَن قَوْله تَعَالَى: ﴿وترغبون أَن تنكحوهن﴾ الْآيَة فِي نفس الْآيَة الَّتِي هِيَ: ﴿ويستفتونك فِي النِّسَاء﴾ . قَوْله: (رَغْبَة أحدكُم عَن يتيمته) أَي: كرغبة أحدكُم، وَمعنى الرَّغْبَة هُنَا عدم الْإِرَادَة لِأَن لفظ رغب يسْتَعْمل بصلتين يُقَال: رغب عَنهُ إِذا لم يُرِدْهُ وَرغب فِيهِ إِذا أَرَادَهُ. قَوْله: (حِين تكون) أَي: الْيَتِيمَة قَليلَة المَال وَحَاصِل الْمَعْنى أَن الْيَتِيمَة اذا كَانَت فقيرة وذميمة يعرضون عَن نِكَاحهَا قَالَت عَائِشَة ﵂ فنهوا أَي: نهوا عَن نِكَاح المرغوب فِيهَا لمالها وجمالها لأجل زهدهم فِيهَا إِذا كَانَت قَليلَة المَال وَالْجمال فَيَنْبَغِي أَن يكون نِكَاح الغنية الجميلة وَنِكَاح الفقيرة الذميمة، على السوَاء فِي الْعدْل، وَكَانَ الرجل فِي الْجَاهِلِيَّة تكون عِنْده الْيَتِيمَة فيلقي عَلَيْهَا ثَوْبه فَإِذا فعل ذَلِك لم يقدر أحد أَن يَتَزَوَّجهَا أبدا فَإِن كَانَت جميلَة وهواها تزَوجهَا وَأكل مَالهَا، وَإِن كَانَت ذميمة منعهَا الرِّجَال حَتَّى تَمُوت فَإِذا مَاتَت ورثهَا فَحرم الله ذَلِك وَنهى عَنهُ. وَفِي الحَدِيث اعْتِبَار مهر الْمثل فِي المحجورات وَأَن غَيْرهنَّ يجوز نِكَاحهَا بِدُونِ ذَلِك. وَفِيه أَن للْوَلِيّ أَن يتَزَوَّج من هِيَ تَحت حجره. لَكِن يكون الْعَاقِد غَيره، وَفِيه خلاف مَذْكُور فِي الْفُرُوع: وَفِيه جَوَاز تَزْوِيج الْيَتَامَى قبل الْبلُوغ، لِأَن بعد الْبلُوغ لَا يتم على الْحَقِيقَة.
٢ - (بابٌ: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرا فَلْيَأْكُلُ بِالمَعْرُوفِ فَإذَا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوَالِهِمْ فَأَشْهَدُوا عَلَيْهِمْ﴾ (النِّسَاء: ٦)
стр. 5427
لَيْسَ فِي كثير من النّسخ لفظ بَاب وَقبل قَوْله: ﴿وَمن كَانَ فَقِيرا وَمن كَانَ غَنِيا فليستعفف وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دفعتم إِلَيْهِم أَمْوَالهم فَاشْهَدُوا عَلَيْهِم وَكفى بِاللَّه حسيبا﴾ (النِّسَاء: ٦) . وَفِي بعض النّسخ سَاقهَا بِتَمَامِهَا، وَفِي بَعْضهَا اقْتصر على قَوْله الْآيَة يجوز فِيهَا الرّفْع على تَقْدِير: الْآيَة بِتَمَامِهَا، وَيجوز النصب على تَقْدِير: اقْرَأ الْآيَة بِتَمَامِهَا. قَوْله: (وَمن كَانَ غَنِيا) أَي: وَمن كَانَ فِي غنية عَن مَال الْيَتِيم فليستعفف عَنهُ وَلَا يَأْكُل مِنْهُ شَيْئا. قَالَ الشّعبِيّ: هُوَ عَلَيْهِ كالميتة وَالدَّم، وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ، يَعْنِي: بِقدر قِيَامه عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس، منع جمَاعَة من أهل الْعلم الْوَصِيّ من أَخذ شَيْء من مَال الْيَتِيم، قَالَ أَبُو يُوسُف القَاضِي، لَا أَدْرِي: لَعَلَّ هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة. بقوله : ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ (النِّسَاء: ٢٩) فَلَا يحل لأحد أَن يَأْخُذ من مَال الْيَتِيم شَيْئا إِذا كَانَ مَعَه مُقيما فِي الْمصر، فَإِن احْتَاجَ أَن يُسَافر من أَجله فَلهُ أَن يَأْخُذ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَلَا يقتني شَيْئا، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة، وَمُحَمّد، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: (وَمن كَانَ غَنِيا فليستعفف وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ) قَالَ: نسخ الظُّلم والاعتداء، ونسخهما. (إِن الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى ظلما) . ثمَّ افترق الَّذين قَالُوا بِأَن الْآيَة محكمَة فرقا، فَقَالَ بَعضهم: إِن احْتَاجَ الْوَصِيّ فَلهُ أَن يقترض من مَال الْيَتِيم، فَإِن أيسر قَضَاهُ، وَهَذَا قَول عمر بن الْخطاب وَعبيدَة وَأبي الْعَالِيَة وَسَعِيد بن جُبَير، قَالَ أَبُو جَعْفَر: وَهُوَ قَول جمَاعَة من التَّابِعين وَغَيرهم، وفقهاء الْكُوفِيّين عَلَيْهِ أَيْضا. وَقَالَ أَبُو قلَابَة: (فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ) مِمَّا يجبي من الْغلَّة، فَأَما المَال الناض فَلَيْسَ لَهُ أَن يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا قرضا وَلَا غَيره، وَذهب قوم إِلَى ظَاهر الْآيَة، مِنْهُم: الْحسن الْبَصْرِيّ، فَقَالُوا: لَهُ أَن يَأْكُل مِنْهُ مِقْدَار قوته. وَقَالَ الْحسن: إِذا احْتَاجَ ولي الْيَتِيم أكل بِالْمَعْرُوفِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِذا أيسر قَضَاؤُهُ، وَالْمَعْرُوف قوته، وَهُوَ قَول النَّخعِيّ وَقَتَادَة. قَوْله: ﴿فَإِذا دفعتم إِلَيْهِم أَمْوَالهم فَاشْهَدُوا عَلَيْهِم﴾ اخْتلف الْعلمَاء فِي هَذَا الْأَمر. فَقَالَ قوم: هُوَ ندب، فَإِن القَوْل قَول الْوَصِيّ لِأَنَّهُ أَمِين. وَقَالَ آخَرُونَ: وَفرض على ظَاهر الْآيَة لِأَنَّهُ أَمِين الْأَب فَلَا يقبل قَوْله على غَيره أَلا يرى أَن الْوَكِيل إِذا ادّعى أَنه دفع إِلَى زيد مَا أَمر بِهِ لم يقبل قَوْله: إِلَّا بِبَيِّنَة فَكَذَلِك الْوَصِيّ. وَقَالَ عمر بن الْخطاب وَسَعِيد بن جُبَير: هَذَا الْإِشْهَاد إِنَّمَا هُوَ على دفع الْوَصِيّ مَا استقرضه من مَال الْيَتِيم حَال فقره.
وَفِي الْإِشْهَاد مصَالح مِنْهَا: السَّلامَة من الضَّمَان وَالْغُرْم على تَقْدِير إِنْكَار الْيَتِيم. (وَمِنْهَا) : حسم مَادَّة تطرق سوء الظَّن بالولي. (وَمِنْهَا) : امْتِثَال أوَامِر الله فِي الْأَمر بِالْإِشْهَادِ. (وَمِنْهَا) : طيب قلب الْيَتِيم بِزَوَال مَا كَانَ يخشاه من فَوَات مَاله ودوامه تَحت الْحجر.
وَبِدَارا مُبَادَرَةً
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِيهِ أول الْآيَة المترجم بهَا. وَهُوَ قَوْله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إسرافا بدارا أَن يكبروا﴾ وَفسّر: بدارا بقوله مبادرة، يَعْنِي: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَال الْيَتَامَى من غير حَاجَة إسرافا ومبادرة قبل بلوغهم، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: إسرافا وبدارا مسرفين ومبادرين كبرهم.
أعْتَدْنَا أعْدَدنا أفْعَلْنَا مِنَ العَتادِ
هَذَا مَحَله فِيمَا سَيَأْتِي قبل قَوْله: ﴿لَا يحل لكم أَن ترثوا النِّسَاء كرها﴾ (النِّسَاء: ١٩) وَقَالَ بَعضهم: وَقعت هَذِه الْكَلِمَة فِي هَذَا الْموضع سَهوا من بعض نساخ الْكتاب. (قلت) : فِيهِ بعد لَا يخفى، وَالظَّاهِر أَنه وَقع من المُصَنّف وَأَشَارَ بقوله: (أَعْتَدْنَا) إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُم عذَابا أَلِيمًا﴾ وَفَسرهُ بقوله: أعددنا، وَأَرَادَ أَن مَعْنَاهُمَا وَاحِد، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة فِي كِتَابه (الْمجَاز) (قلت) : اعتدنا من بَاب الافتعال، وأعددنا من بَاب الْأَفْعَال، وَلِهَذَا قَالَ: فعلنَا من العتاد، بِفَتْح الْعين، وَهُوَ مَا يصلح لكل مَا يَقع من الْأُمُور وَهَذَا الْمَذْكُور هُوَ رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني: اعتددنا افتعلنا، وَقَالَ بعهم: الأول هُوَ الصَّوَاب. (قلت) : يفهم مِنْهُ أَن رِوَايَة أبي ذَر غير صَوَاب، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل الصَّوَاب رِوَايَة أبي ذَر، يعرفهُ من لَهُ يَد فِي علم الصّرْف.
٩٧ - ح دَّثني إسْحَاقُ أخْبَرَنَا عَبْدُ الله بنُ نُمَيْرٍ حدَّثنا هِشَامٌ عَنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْها فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ كَانَ غَنِيّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ أنَّهَا نَزَلَتْ فِي مَالِ
стр. 5428
اليَتيمِ إذَا كَانَ فَقِيرا أنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ مَكَان قِيامِهِ عَلَيْهِ بِمَعْرُوفٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَإِسْحَاق هُوَ ابْن مَنْصُور، وَصرح بِهِ خلف وَأَبُو نعيم، وَقيل: هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث مر فِي الْبيُوع، وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي: حَدِيث وَمن كَانَ غَنِيا فِي الْبيُوع، وَفِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور نسبه فِي التَّفْسِير وَلم ينْسبهُ فِي الْبيُوع عَن عبد الله بن نمير بِهِ.
قَوْله: (فِي مَال الْيَتِيم) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني، فِي وَالِي الْيَتِيم وَالْمرَاد بوالي الْيَتِيم الْمُتَصَرف فِي مَاله بِالْوَصِيَّةِ وَنَحْوهَا، وَالضَّمِير فِي كَانَ على رِوَايَة الْكشميهني يرجع إِلَى الْوَالِي ظَاهرا وعَلى رِوَايَة الْأَكْثَرين بِالْقَرِينَةِ اللفظية. وَهِي قَوْله: (يَأْكُل مِنْهُ) إِلَى آخِره وَالله أعلم.
٣ - (بابٌ: ﴿وَإذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينَ﴾ (النِّسَاء: ٨) الآيَةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا حضر الْقِسْمَة﴾ . الْآيَة وَلَيْسَ لغير أبي ذَر لفظ. بَاب، وَتَمام الْآيَة ﴿فارزقوهم مِنْهُ وَقُولُوا لَهُم قولا مَعْرُوفا﴾ . قَوْله: (وَإِذا حضر الْقِسْمَة أولو الْقُرْبَى) ، أَي: وَإِذا حضر قسْمَة مَال الْمَيِّت أولو قربَة الْمَيِّت. (فارزقوهم مِنْهُ) أَي: من مَال الْمَيِّت. وَحَاصِل الْمَعْنى، إِذا حضر هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاء من الْقَرَابَة الَّذين لَا يَرِثُونَ واليتامى وَالْمَسَاكِين قسْمَة مَال جزيل فَإِن أنفسهم تتشوق إِلَى شَيْء مِنْهُ إِذا رَأَوْا هَذَا يَأْخُذ وَهَذَا يَأْخُذ وهم آيسون لَا شَيْء يُعْطون، فَأمر الله تَعَالَى، وَهُوَ الرؤوف الرَّحِيم أَن يرْضخ لَهُم شَيْء من الْوسط يكون برا بهم وَصدقَة عَلَيْهِم وإحسانهم إِلَيْهِم وجبرا لكسرهم. قَوْله: (وَقُولُوا لَهُم قولا مَعْرُوفا) ، القَوْل الْمَعْرُوف الْعدة الْحَسَنَة من الْبر والصلة. وَقيل: الرَّد الْجَمِيل، وَقيل: الدُّعَاء، كَقَوْلِك: عافاك الله وَبَارك الله فِيك. وَقيل: علموهم مَعَ إطعامهم وكسوتهم أَمر دينهم.
٤٥٧٦ - ح دَّثنا أحْمَدُ بنُ حُمَيْدٍ أخبرنَا عُبَيْدُ الله الأشْجَعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عِكْرَمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَإذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمسَاكِينَ﴾ قَالَ هِيَ مُحْكَمَةٌ وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأحمد بن حميد أَبُو الْحسن الْقرشِي الْكُوفِي ختن عبيد الله بن مُوسَى. يُقَال: لَهُ دَار أم سَلمَة لقب بذلك لجمعه حَدِيث أم سَلمَة وتتبعه لذَلِك. وَقَالَ ابْن عدي: كَانَ لَهُ اتِّصَال بِأم سَلمَة يَعْنِي: زوج السفاح الْخَلِيفَة. فلقب بذلك، وَقيل: وهم الْحَاكِم فَقَالَ: يلقب جَار أم سَلمَة وَثَّقَهُ مطين، وَقَالَ: كَانَ يعد فِي حفاظ أهل الْكُوفَة وَمَات سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد، وَعبيد الله هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن الْكُوفِي وَأَبوهُ فَرد فِي الْأَسْمَاء، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، والشيباني، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة، هُوَ أَبُو إِسْحَاق سُلَيْمَان بن أبي سُلَيْمَان فَيْرُوز الْكُوفِي، والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (هِيَ محكمَة) ، يَعْنِي: الْآيَة الْمَذْكُورَة محكمَة. قَوْله: (وَلَيْسَت بمنسوخة) ، تَفْسِير للمحكمة، وعَلى هَذَا الْأَمر فِي قَوْله: (وارزقوهم) للنَّدْب أَو الْوُجُوب، وَقيل: هِيَ مَنْسُوخَة بِآيَة الْمَوَارِيث، وَهُوَ قَول سعيد بن الْمسيب وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَآخَرين. وَهُوَ قَول الْأَئِمَّة وأصحابهم.
تَابَعَهُ سَعِيدٌ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ
أَي: تَابع عِكْرِمَة سعيد بن جُبَير فِي رِوَايَته هَذَا الحَدِيث عَن ابْن عَبَّاس، وَوصل البُخَارِيّ هَذِه التابعة فِي كتاب الْوَصَايَا فِي: بَاب قَوْله الله تَعَالَى: ﴿وَإِذا حضر الْقِسْمَة أولُوا الْقُرْبَى﴾ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن الْفضل عَن أبي عوَانَة عَن أبي بشر عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٤ - (بابٌ: ﴿يُوصِيكُمُ الله فِي أوْلادِكُمْ﴾ (النِّسَاء: ١١)
سقط لفظ بَاب وَقَوله: ﴿فِي أَوْلَادكُم﴾ لغير أبي ذَر، وَالْمرَاد بِالْوَصِيَّةِ هُنَا بَيَان قسْمَة الْمِيرَاث.
стр. 5429
٤٥٧٧ - ح دَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى حدَّثنا هِشامٌ أنَّ ابنَ جُرَيْجٍ أخْبَرَهُمْ قَالَ أخْبَرَنِي ابنُ مُنْكَدِر عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ عَادَنِي النبيُّ ﷺ وَأبُو بَكْرٍ فِي بَنِي سَلَمَةَ مَاشِيَيْنِ فَوَجَدَنِي النبيُّ ﷺ لَا أعْقِلُ فَدَعا بِمَاءٍ فَتَوَضَأَ مِنْهُ ثُمَّ رَشَّ عَلَيَّ فَأفَقْتُ فَقُلْتُ مَا تَأْمُرُنِي أنْ أصْنَعَ فِي مَالِي يَا رَسُولَ الله فَنَزَلَتْ ﴿يُوصِيكُمْ الله فِي أوْدلاِكُمْ﴾ (النِّسَاء: ١١) .
عين التَّرْجَمَة فِي حَدِيث الْبَاب. وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف، وَابْن جريج عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَابْن الْمُنْكَدر هُوَ مُحَمَّد.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب صب النَّبِي ﷺ ، وضوءه على الْمغمى عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (فِي بني سَلمَة) ، بِفَتْح السِّين وَكسر اللَّام، وهم قوم جَابر وهم بطن من الْخَزْرَج. قَوْله: (لَا أَعقل) ، زَاد الْكشميهني شَيْئا. قَوْله: (ثمَّ رش عَليّ) ، أَي: من نفس المَاء الَّذِي تَوَضَّأ بِهِ وَصرح بِهِ فِي الِاعْتِصَام. قَوْله: (فَنزلت ﴿يُوصِيكُم الله﴾ ) ، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة بن جُبَير، قيل: إِنَّه وهم فِي ذَلِك، وَالصَّوَاب أَن الْآيَة الَّتِي نزلت فِي قصَّة جَابر الْآيَة الَّتِي فِي آخر النِّسَاء. وَهِي: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم فِي الْكَلَالَة﴾ (النِّسَاء: ١٧٦) لِأَن جَابِرا يَوْمئِذٍ لم يكن لَهُ ولد وَلَا وَالِد، والكلالة من لَا ولد لَهُ وَلَا وَالِد، وَقد أخرجه مُسلم عَن عَمْرو النَّاقِد وَالنَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور كِلَاهُمَا عَن ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن الْمُنْكَدر فِي هَذَا الحَدِيث، حَتَّى نزلت عَلَيْهِ آيَة الْمِيرَاث: ﴿يستفتونك قل يفتيكم فِي الْكَلَالَة﴾ ، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث جَابر بن عبد الله. قَالَ: جَاءَت امْرَأَة سعد بن الرّبيع بابنتيها من سعد إِلَى رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَت: يَا رَسُول الله، هَاتَانِ ابنتا سعد، قتل أَبوهُمَا مَعَك يَوْم أحد شَهِيدا وَإِن عَمهمَا أَخذ مَالهمَا فَلم يدع لَهما مَالا وَلَا ينكحان إلَاّ وَلَهُمَا مَال. قَالَ: يقْضِي الله فِي ذَلِك، فنلزت آيَة الْمَوَارِيث، فَبعث رَسُول الله ﷺ إِلَى عَمهمَا فَقَالَ: اعط ابْنَتي سعد الثُّلثَيْنِ وَأعْطِ أمهما الثّمن، وَمَا بَقِي فَهُوَ لَك.
٥ - (بابٌ: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزْوَاجُكُمْ﴾ (النِّسَاء: ١٢)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلكم نصف مَا ترك أزواجكم﴾ وَلَيْسَ لفظ: بَاب، إِلَّا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلكم نصف مَا ترك أزواجكم﴾ .
٤٥٧٨ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ عَنْ وَرْقَاءَ عنِ ابنِ أبِي نَجِيحٍ عنْ عَطاءٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ كانَ المالُ لِلْوَلَدِ وَكَانَتِ الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ فَنَسَخَ الله مِنْ ذَلِكَ مَا أحَبَّ فَجَعَلَ لِلذكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ وَجَعَلَ لِلأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُما السُّدُسَ وَالثلُثَ وَجَعَلَ لِلْمَرَأَةِ الثمَنَ والرُّبُعَ وِلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَللزَّوْج الشّطْر) ، أَي: شطر المَال. وَذَلِكَ عِنْد عدم الْوَلَد، وَمُحَمّد بن يُوسُف بن وَاقد الْفرْيَابِيّ وَلَيْسَ هُوَ مُحَمَّد بن يُوسُف البُخَارِيّ البيكندي، وورقاء تَأْنِيث الأورق ابْن عمر الْيَشْكُرِي، وَيُقَال الشَّيْبَانِيّ، أَصله من خوارزم، وَيُقَال: من الْكُوفَة سكن الْمَدَائِن، وَابْن أبي نجيح هُوَ عبد الله، وَأَبُو نجيح، بِفَتْح النُّون وَكسر الْجِيم، اسْمه يسارّ ضد الْيَمين وَعَطَاء هُوَ ابْن رَبَاح. والْحَدِيث قد مر فِي الْوَصَايَا فِي: بَاب لَا وَصِيَّة لوَارث، بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٦ - (بابٌ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أنْ تَرْثُوا النِّسَاءَ كَرْها﴾ (النِّسَاء: ١٩) الآيَةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يحل لكم﴾ الْآيَة، وَهَذَا الْمِقْدَار بِلَفْظ: بَاب، فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره هَكَذَا: ﴿لَا يحل لكم أَن ترثوا النِّسَاء كرها وَلَا تعضلوهن لتذهبوا بِبَعْض مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ الْآيَة. تَمام الْآيَة: ﴿إلَاّ أَن يَأْتِين بِفَاحِشَة مبينَة وعاشروهن
стр. 5430
بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كرهتموهن فَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَيجْعَل الله فِيهِ خيرا كثيرا﴾ وَأول الْآيَة: ﴿يأيها الَّذين آمنُوا لَا يحل لكم أَن ترثوا﴾ وَأَن مَصْدَرِيَّة. قَوْله: (كرها) مصدر فِي مَوضِع الْحَال، وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ بِضَم الْكَاف، وَمعنى العضل يَأْتِي عَن قريب. قَوْله: (بِفَاحِشَة) قَالَ ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس: هِيَ الزِّنَى، يَعْنِي: إِذا زنت فَللزَّوْج أَن يسترجع الصَدَاق الَّذِي أَعْطَاهَا ويضاجرها حَتَّى تتْرك لَهُ، وَبِه قَالَ سعيد بن الْمسيب وَالشعْبِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَسَعِيد بن جُبَير وَمُجاهد وَعِكْرِمَة وَالضَّحَّاك وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي وَأَبُو قلَابَة وَالسُّديّ وَزيد بن أسلم وَسَعِيد بن أبي هِلَال. وَعَن ابْن عَبَّاس: الْفَاحِشَة المبينة النُّشُوز والعصيان، وَحكي ذَلِك أَيْضا عَن الضَّحَّاك وَعِكْرِمَة، وَاخْتَارَ ابْن جرير أَنه أَعم من الزِّنَى والنشوز وبذاء اللِّسَان وَغير ذَلِك.
ويُذْكَرُ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ لَا تَعْضُلُوهُنَّ لَا تَقْهَرُوهُنَّ
هَذَا وَصله أَبُو مُحَمَّد الرَّازِيّ عَن أَبِيه. حَدثنَا أَبُو صَالح كَاتب اللَّيْث حَدثنِي مُعَاوِيَة بن صَالح عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني لَا تعضلوهن لَا تنهروهن من الِانْتِهَار، وَهِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ أَيْضا، وَقَالَ بَعضهم: هَذِه الرِّوَايَة وهم، وَالصَّوَاب مَا عِنْد الْجَمَاعَة. قلت: لَا يدْرِي مَا وَجه الصَّوَاب هُنَا وَمعنى الِانْتِهَار لَا يَخْلُو عَن معنى الْقَهْر على مَا لَا يخفى.
حِوُبا إثْما
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهم إِلَى أَمْوَالكُم أَنه كَانَ حوبا كَبِيرا﴾ فسر حوبا بقوله: إِثْمًا وَوَصله ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَاد صَحِيح عَن دَاوُد بن هِنْد عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس. فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّه كَانَ حوبا كَبِيرا﴾ . قَالَ: إِثْمًا عَظِيما وَعَن مُجَاهِد وَالسُّديّ وَالْحسن وَقَتَادَة مثله، وَقَرَأَ الْحسن بِفَتْح الْحَاء وَالْجُمْهُور على الضَّم.
تَعُولُوا تَمِيلُوا
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن خِفْتُمْ أَلا تعدلوا فَوَاحِدَة أَو مَا ملكت أَيْمَانكُم ذَلِك أدنى أَن لَا تعولُوا﴾ (النِّسَاء: ٣) وَفسّر قَوْله: ﴿أَن لَا تعولُوا﴾ بِحَذْف: أَن بقوله: تميلوا، وَفَسرهُ جمَاعَة نَحوه، وأسنده ابْن الْمُنْذر فِي تَفْسِيره عَن ابْن عَبَّاس وَذكر نَحوه مَرْفُوعا وَقَالَ: أَن مَعْنَاهُ تجور وَاو فسره الشَّافِعِي بقوله: لَا يكثر عيالكم، وَأنْكرهُ الْمبرد، وَوجه إِنْكَاره أَنه لَو كَانَ مَعْنَاهُ نَحْو مَا قَالَه الشَّافِعِي لَكَانَ قَالَ: أَن لَا تعيلوا من أعال وَهُوَ من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ، وَالَّذِي فِي الْآيَة من الثلاثي الْمُجَرّد.
نحْلَةً النَّحْلَةُ المَهْرُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتوا النِّسَاء صدقاتهن نحلة﴾ (النِّسَاء: ٤) وفسرها بقوله: الْمهْر، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، (فالنحلة الْمهْر) بِالْفَاءِ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: إِن كَانَ هَذَا التَّفْسِير من البُخَارِيّ فَفِيهِ نظر وَقد قيل فِيهِ غير ذَلِك، وَأقرب الْوُجُوه، أَن النحلة مَا يعطونه من غير عوض، ورد عَلَيْهِ بِأَن ابْن أبي حَاتِم والطبري قد رويا من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتوا النِّسَاء صدقاتهن نحلة﴾ قَالَ: النحلة الْمهْر، وَقَالَ: قَاتل وَقَتَادَة وَابْن جريج، نحلة أَي: فَرِيضَة مُسَمَّاة. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: النحلة فِي كَلَام الْعَرَب الْوَاجِب. تَقول لَا ينْكِحهَا إلَاّ بِشَيْء وَاجِب لَهَا، وَلَيْسَ يَنْبَغِي لأحد بعد النَّبِي ﷺ أَن ينْكح امْرَأَة إلَاّ بِصَدَاق وَاجِب، وَلَا يَنْبَغِي أَن يكون تَسْمِيَة الصَدَاق كذبا بِغَيْر حق. قَوْله: (وَآتوا النِّسَاء صدقاتهن) ، الْخطاب الناكحين. أَي: اعطوا النِّسَاء مهورهن، وَالصَّدقَات جمع صَدَقَة، بِفَتْح الصَّاد وَضم الدَّال. وَهِي لُغَة أهل الْحجاز وَتَمِيم تَقول: صَدَقَة، بِضَم الصَّاد وَسُكُون الدَّال فَإِذا جمعُوا يَقُولُونَ: صدقَات بِضَم الصَّاد وَسُكُون الدَّال ويضمها أَيْضا. مثل: ظلمات، وانتصاب نحلة على الْمصدر لِأَن النحلة الإيتاء بِمَعْنى الْإِعْطَاء أَو على الْحَال من المخاطبين أَي: آتوهم صدقاتهن ناحلين طيبي النُّفُوس بالإعطاء أَو من الصَّدقَات أَي: منحولة معطاة عَن طيب الْأَنْفس.
٤٥٧٩ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ حدَّثنا أسْباطُ بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا الشَّيْبَانِيُّ عنْ عِكْرَمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ الشَّيْبَانِيُّ وَذَكَرَهُ أبُو الحَسَنِ السُّوَائِيُّ وَلا أظُنُّهُ ذَكَرَهُ إلَاّ عَن ابنِ عَبَّاسٍ ﴿يَا أيُّهَا
следующие страницы →