← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

فِي اليَتَامى﴾ (النِّسَاء: ٣) فَقَالَتْ يَا ابنَ أخْتِي هَذِهِ اليَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حجْرِ وَلِيَّها تُشْرِكُهُ فِي مَالِهِ وَيُعْجِبُهُ مَالُها وَجَمَالُها فَيُزِيدِ وَلِيُّها أنْ يَتَزَوَّجَها بِغَيْرِ أنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقَها فَيُعْطِيهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ فَنُهُوا عنْ أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلَاّ أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ وَيَبْلُغُوا لَهُنَّ أعْلَى سُنتِهنَّ فِي الصِّداقِ فَأُمِرُوا أنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّساءِ سِواهُنَّ قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ وَإنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ الله ﷺ بَعْدَ هاذِهِ الآيَةَ فَأُنْزِلَ الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ وَقَوْلُ الله تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿وَترْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةُ أحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المَالِ وَالجَمَالِ قَالَتْ فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوا عَمَّنْ رَغِبُوا فِي مَالِهِ وَجَمَالِهِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ إلَاّ بِالقِسْطِ مِنْ أجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إِذا كُنَّ قَلِيلاتِ المالِ وَالجَمَالِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى أَبُو الْقَاسِم الأويسي الْمدنِي، وَإِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الشّركَة فِي: بَاب شركَة الْيَتِيم وَأهل الْمِيرَاث فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الْعَزِيز الْمَذْكُور. وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (تكون فِي حجر وَليهَا) ، أَي: الَّذِي يَلِي مَالهَا. قَوْله: (بِغَيْر أَن يقسط) ، أَي: بِغَيْر أَن يجْبر عَلَيْهَا فِي صَدَاقهَا. وَقد مر أَن معنى: أقسط أعدل، وقسط جَار. قَوْله: (فيعطيها) بِالنّصب لِأَنَّهُ عطف على قَوْله: (أَن يقسط) قَوْله: (مثل مَا يُعْطِيهَا غَيره) أَي: مِمَّن يرغب فِي نِكَاحهَا سواهُ. قَوْله: (مثل مَا يُعْطِيهَا غَيره) أَي: مِمَّن يرغب فِي نِكَاحهَا سواهُ. قَوْله: (عَن ذَلِك) أَي: عَن ترك الإقساط. قَوْله: (ويبلغوا لَهُنَّ) ويروى: (ويبلغوا بِهن) ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (أَعلَى سنتهن) أَي: أَعلَى طريقتهن فِي الصَدَاق وعادتهن فِي ذَلِك. قَوْله: (مَا طَابَ لَهُم) أَي: مَا حل لكم. من قبيل قَوْله تَعَالَى: ﴿انفقوا من طَيّبَات مَا كسبتم﴾ (الْبَقَرَة: ٢٦٧) وَقيل: طَابَ بِمَعْنى الْمحبَّة والاشتهاء أَي: مَا كُنْتُم تحبون وتشتهون، وَكلمَة مَا فِي الأَصْل لما لَا يعقل، وَقد يُطلق على من يعقل كَمَا فِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة. قَوْله: (سواهن) أَي: سوى الْيَتَامَى من النِّسَاء. قَوْله: (قَالَ عُرْوَة. قَالَت عَائِشَة) ، هَذَا مُتَّصِل بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور وَترك حرف الْعَطف فِيهِ قَوْله: (بعد هَذِه الْآيَة) أَي: بعد نزُول هَذِه الْآيَة بِهَذِهِ الْقِصَّة، وَأَرَادَ بِهَذِهِ الْآيَة قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا﴾ فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿ويستفتونك فِي النِّسَاء قل الله يفتيكم فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُم فِي الْكتاب فِي يتامى النِّسَاء﴾ الْآيَة. قَالَت عَائِشَة: وَالَّتِي ذكر الله أَنه يُتْلَى عَلَيْهِم فِي الْكتاب الْآيَة الأولى الَّتِي هِيَ: ﴿وَأَن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا﴾ الْآيَة. قَوْله: (وَقَول الله تَعَالَى فِي آيَة أُخْرَى: وترغبون) . هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة صَالح بن كيسَان الْمَذْكُورَة فِي آيَة أُخْرَى، وَهُوَ خطأ. لِأَن قَوْله تَعَالَى: ﴿وترغبون أَن تنكحوهن﴾ الْآيَة فِي نفس الْآيَة الَّتِي هِيَ: ﴿ويستفتونك فِي النِّسَاء﴾ . قَوْله: (رَغْبَة أحدكُم عَن يتيمته) أَي: كرغبة أحدكُم، وَمعنى الرَّغْبَة هُنَا عدم الْإِرَادَة لِأَن لفظ رغب يسْتَعْمل بصلتين يُقَال: رغب عَنهُ إِذا لم يُرِدْهُ وَرغب فِيهِ إِذا أَرَادَهُ. قَوْله: (حِين تكون) أَي: الْيَتِيمَة قَليلَة المَال وَحَاصِل الْمَعْنى أَن الْيَتِيمَة اذا كَانَت فقيرة وذميمة يعرضون عَن نِكَاحهَا قَالَت عَائِشَة ﵂ فنهوا أَي: نهوا عَن نِكَاح المرغوب فِيهَا لمالها وجمالها لأجل زهدهم فِيهَا إِذا كَانَت قَليلَة المَال وَالْجمال فَيَنْبَغِي أَن يكون نِكَاح الغنية الجميلة وَنِكَاح الفقيرة الذميمة، على السوَاء فِي الْعدْل، وَكَانَ الرجل فِي الْجَاهِلِيَّة تكون عِنْده الْيَتِيمَة فيلقي عَلَيْهَا ثَوْبه فَإِذا فعل ذَلِك لم يقدر أحد أَن يَتَزَوَّجهَا أبدا فَإِن كَانَت جميلَة وهواها تزَوجهَا وَأكل مَالهَا، وَإِن كَانَت ذميمة منعهَا الرِّجَال حَتَّى تَمُوت فَإِذا مَاتَت ورثهَا فَحرم الله ذَلِك وَنهى عَنهُ. وَفِي الحَدِيث اعْتِبَار مهر الْمثل فِي المحجورات وَأَن غَيْرهنَّ يجوز نِكَاحهَا بِدُونِ ذَلِك. وَفِيه أَن للْوَلِيّ أَن يتَزَوَّج من هِيَ تَحت حجره. لَكِن يكون الْعَاقِد غَيره، وَفِيه خلاف مَذْكُور فِي الْفُرُوع: وَفِيه جَوَاز تَزْوِيج الْيَتَامَى قبل الْبلُوغ، لِأَن بعد الْبلُوغ لَا يتم على الْحَقِيقَة. ٢ - (بابٌ: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرا فَلْيَأْكُلُ بِالمَعْرُوفِ فَإذَا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوَالِهِمْ فَأَشْهَدُوا عَلَيْهِمْ﴾ (النِّسَاء: ٦)

стр. 5427

لَيْسَ فِي كثير من النّسخ لفظ بَاب وَقبل قَوْله: ﴿وَمن كَانَ فَقِيرا وَمن كَانَ غَنِيا فليستعفف وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دفعتم إِلَيْهِم أَمْوَالهم فَاشْهَدُوا عَلَيْهِم وَكفى بِاللَّه حسيبا﴾ (النِّسَاء: ٦) . وَفِي بعض النّسخ سَاقهَا بِتَمَامِهَا، وَفِي بَعْضهَا اقْتصر على قَوْله الْآيَة يجوز فِيهَا الرّفْع على تَقْدِير: الْآيَة بِتَمَامِهَا، وَيجوز النصب على تَقْدِير: اقْرَأ الْآيَة بِتَمَامِهَا. قَوْله: (وَمن كَانَ غَنِيا) أَي: وَمن كَانَ فِي غنية عَن مَال الْيَتِيم فليستعفف عَنهُ وَلَا يَأْكُل مِنْهُ شَيْئا. قَالَ الشّعبِيّ: هُوَ عَلَيْهِ كالميتة وَالدَّم، وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ، يَعْنِي: بِقدر قِيَامه عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس، منع جمَاعَة من أهل الْعلم الْوَصِيّ من أَخذ شَيْء من مَال الْيَتِيم، قَالَ أَبُو يُوسُف القَاضِي، لَا أَدْرِي: لَعَلَّ هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة. بقوله : ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ (النِّسَاء: ٢٩) فَلَا يحل لأحد أَن يَأْخُذ من مَال الْيَتِيم شَيْئا إِذا كَانَ مَعَه مُقيما فِي الْمصر، فَإِن احْتَاجَ أَن يُسَافر من أَجله فَلهُ أَن يَأْخُذ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَلَا يقتني شَيْئا، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة، وَمُحَمّد، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: (وَمن كَانَ غَنِيا فليستعفف وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ) قَالَ: نسخ الظُّلم والاعتداء، ونسخهما. (إِن الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى ظلما) . ثمَّ افترق الَّذين قَالُوا بِأَن الْآيَة محكمَة فرقا، فَقَالَ بَعضهم: إِن احْتَاجَ الْوَصِيّ فَلهُ أَن يقترض من مَال الْيَتِيم، فَإِن أيسر قَضَاهُ، وَهَذَا قَول عمر بن الْخطاب وَعبيدَة وَأبي الْعَالِيَة وَسَعِيد بن جُبَير، قَالَ أَبُو جَعْفَر: وَهُوَ قَول جمَاعَة من التَّابِعين وَغَيرهم، وفقهاء الْكُوفِيّين عَلَيْهِ أَيْضا. وَقَالَ أَبُو قلَابَة: (فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ) مِمَّا يجبي من الْغلَّة، فَأَما المَال الناض فَلَيْسَ لَهُ أَن يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا قرضا وَلَا غَيره، وَذهب قوم إِلَى ظَاهر الْآيَة، مِنْهُم: الْحسن الْبَصْرِيّ، فَقَالُوا: لَهُ أَن يَأْكُل مِنْهُ مِقْدَار قوته. وَقَالَ الْحسن: إِذا احْتَاجَ ولي الْيَتِيم أكل بِالْمَعْرُوفِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِذا أيسر قَضَاؤُهُ، وَالْمَعْرُوف قوته، وَهُوَ قَول النَّخعِيّ وَقَتَادَة. قَوْله: ﴿فَإِذا دفعتم إِلَيْهِم أَمْوَالهم فَاشْهَدُوا عَلَيْهِم﴾ اخْتلف الْعلمَاء فِي هَذَا الْأَمر. فَقَالَ قوم: هُوَ ندب، فَإِن القَوْل قَول الْوَصِيّ لِأَنَّهُ أَمِين. وَقَالَ آخَرُونَ: وَفرض على ظَاهر الْآيَة لِأَنَّهُ أَمِين الْأَب فَلَا يقبل قَوْله على غَيره أَلا يرى أَن الْوَكِيل إِذا ادّعى أَنه دفع إِلَى زيد مَا أَمر بِهِ لم يقبل قَوْله: إِلَّا بِبَيِّنَة فَكَذَلِك الْوَصِيّ. وَقَالَ عمر بن الْخطاب وَسَعِيد بن جُبَير: هَذَا الْإِشْهَاد إِنَّمَا هُوَ على دفع الْوَصِيّ مَا استقرضه من مَال الْيَتِيم حَال فقره. وَفِي الْإِشْهَاد مصَالح مِنْهَا: السَّلامَة من الضَّمَان وَالْغُرْم على تَقْدِير إِنْكَار الْيَتِيم. (وَمِنْهَا) : حسم مَادَّة تطرق سوء الظَّن بالولي. (وَمِنْهَا) : امْتِثَال أوَامِر الله فِي الْأَمر بِالْإِشْهَادِ. (وَمِنْهَا) : طيب قلب الْيَتِيم بِزَوَال مَا كَانَ يخشاه من فَوَات مَاله ودوامه تَحت الْحجر. وَبِدَارا مُبَادَرَةً أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِيهِ أول الْآيَة المترجم بهَا. وَهُوَ قَوْله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إسرافا بدارا أَن يكبروا﴾ وَفسّر: بدارا بقوله مبادرة، يَعْنِي: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَال الْيَتَامَى من غير حَاجَة إسرافا ومبادرة قبل بلوغهم، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: إسرافا وبدارا مسرفين ومبادرين كبرهم. أعْتَدْنَا أعْدَدنا أفْعَلْنَا مِنَ العَتادِ هَذَا مَحَله فِيمَا سَيَأْتِي قبل قَوْله: ﴿لَا يحل لكم أَن ترثوا النِّسَاء كرها﴾ (النِّسَاء: ١٩) وَقَالَ بَعضهم: وَقعت هَذِه الْكَلِمَة فِي هَذَا الْموضع سَهوا من بعض نساخ الْكتاب. (قلت) : فِيهِ بعد لَا يخفى، وَالظَّاهِر أَنه وَقع من المُصَنّف وَأَشَارَ بقوله: (أَعْتَدْنَا) إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُم عذَابا أَلِيمًا﴾ وَفَسرهُ بقوله: أعددنا، وَأَرَادَ أَن مَعْنَاهُمَا وَاحِد، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة فِي كِتَابه (الْمجَاز) (قلت) : اعتدنا من بَاب الافتعال، وأعددنا من بَاب الْأَفْعَال، وَلِهَذَا قَالَ: فعلنَا من العتاد، بِفَتْح الْعين، وَهُوَ مَا يصلح لكل مَا يَقع من الْأُمُور وَهَذَا الْمَذْكُور هُوَ رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني: اعتددنا افتعلنا، وَقَالَ بعهم: الأول هُوَ الصَّوَاب. (قلت) : يفهم مِنْهُ أَن رِوَايَة أبي ذَر غير صَوَاب، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل الصَّوَاب رِوَايَة أبي ذَر، يعرفهُ من لَهُ يَد فِي علم الصّرْف. ٩٧ - ح دَّثني إسْحَاقُ أخْبَرَنَا عَبْدُ الله بنُ نُمَيْرٍ حدَّثنا هِشَامٌ عَنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْها فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ كَانَ غَنِيّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ أنَّهَا نَزَلَتْ فِي مَالِ

стр. 5428

اليَتيمِ إذَا كَانَ فَقِيرا أنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ مَكَان قِيامِهِ عَلَيْهِ بِمَعْرُوفٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَإِسْحَاق هُوَ ابْن مَنْصُور، وَصرح بِهِ خلف وَأَبُو نعيم، وَقيل: هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث مر فِي الْبيُوع، وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي: حَدِيث وَمن كَانَ غَنِيا فِي الْبيُوع، وَفِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور نسبه فِي التَّفْسِير وَلم ينْسبهُ فِي الْبيُوع عَن عبد الله بن نمير بِهِ. قَوْله: (فِي مَال الْيَتِيم) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني، فِي وَالِي الْيَتِيم وَالْمرَاد بوالي الْيَتِيم الْمُتَصَرف فِي مَاله بِالْوَصِيَّةِ وَنَحْوهَا، وَالضَّمِير فِي كَانَ على رِوَايَة الْكشميهني يرجع إِلَى الْوَالِي ظَاهرا وعَلى رِوَايَة الْأَكْثَرين بِالْقَرِينَةِ اللفظية. وَهِي قَوْله: (يَأْكُل مِنْهُ) إِلَى آخِره وَالله أعلم. ٣ - (بابٌ: ﴿وَإذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينَ﴾ (النِّسَاء: ٨) الآيَةَ) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا حضر الْقِسْمَة﴾ . الْآيَة وَلَيْسَ لغير أبي ذَر لفظ. بَاب، وَتَمام الْآيَة ﴿فارزقوهم مِنْهُ وَقُولُوا لَهُم قولا مَعْرُوفا﴾ . قَوْله: (وَإِذا حضر الْقِسْمَة أولو الْقُرْبَى) ، أَي: وَإِذا حضر قسْمَة مَال الْمَيِّت أولو قربَة الْمَيِّت. (فارزقوهم مِنْهُ) أَي: من مَال الْمَيِّت. وَحَاصِل الْمَعْنى، إِذا حضر هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاء من الْقَرَابَة الَّذين لَا يَرِثُونَ واليتامى وَالْمَسَاكِين قسْمَة مَال جزيل فَإِن أنفسهم تتشوق إِلَى شَيْء مِنْهُ إِذا رَأَوْا هَذَا يَأْخُذ وَهَذَا يَأْخُذ وهم آيسون لَا شَيْء يُعْطون، فَأمر الله تَعَالَى، وَهُوَ الرؤوف الرَّحِيم أَن يرْضخ لَهُم شَيْء من الْوسط يكون برا بهم وَصدقَة عَلَيْهِم وإحسانهم إِلَيْهِم وجبرا لكسرهم. قَوْله: (وَقُولُوا لَهُم قولا مَعْرُوفا) ، القَوْل الْمَعْرُوف الْعدة الْحَسَنَة من الْبر والصلة. وَقيل: الرَّد الْجَمِيل، وَقيل: الدُّعَاء، كَقَوْلِك: عافاك الله وَبَارك الله فِيك. وَقيل: علموهم مَعَ إطعامهم وكسوتهم أَمر دينهم. ٤٥٧٦ - ح دَّثنا أحْمَدُ بنُ حُمَيْدٍ أخبرنَا عُبَيْدُ الله الأشْجَعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عِكْرَمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَإذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمسَاكِينَ﴾ قَالَ هِيَ مُحْكَمَةٌ وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأحمد بن حميد أَبُو الْحسن الْقرشِي الْكُوفِي ختن عبيد الله بن مُوسَى. يُقَال: لَهُ دَار أم سَلمَة لقب بذلك لجمعه حَدِيث أم سَلمَة وتتبعه لذَلِك. وَقَالَ ابْن عدي: كَانَ لَهُ اتِّصَال بِأم سَلمَة يَعْنِي: زوج السفاح الْخَلِيفَة. فلقب بذلك، وَقيل: وهم الْحَاكِم فَقَالَ: يلقب جَار أم سَلمَة وَثَّقَهُ مطين، وَقَالَ: كَانَ يعد فِي حفاظ أهل الْكُوفَة وَمَات سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد، وَعبيد الله هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن الْكُوفِي وَأَبوهُ فَرد فِي الْأَسْمَاء، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، والشيباني، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة، هُوَ أَبُو إِسْحَاق سُلَيْمَان بن أبي سُلَيْمَان فَيْرُوز الْكُوفِي، والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (هِيَ محكمَة) ، يَعْنِي: الْآيَة الْمَذْكُورَة محكمَة. قَوْله: (وَلَيْسَت بمنسوخة) ، تَفْسِير للمحكمة، وعَلى هَذَا الْأَمر فِي قَوْله: (وارزقوهم) للنَّدْب أَو الْوُجُوب، وَقيل: هِيَ مَنْسُوخَة بِآيَة الْمَوَارِيث، وَهُوَ قَول سعيد بن الْمسيب وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَآخَرين. وَهُوَ قَول الْأَئِمَّة وأصحابهم. تَابَعَهُ سَعِيدٌ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ أَي: تَابع عِكْرِمَة سعيد بن جُبَير فِي رِوَايَته هَذَا الحَدِيث عَن ابْن عَبَّاس، وَوصل البُخَارِيّ هَذِه التابعة فِي كتاب الْوَصَايَا فِي: بَاب قَوْله الله تَعَالَى: ﴿وَإِذا حضر الْقِسْمَة أولُوا الْقُرْبَى﴾ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن الْفضل عَن أبي عوَانَة عَن أبي بشر عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٤ - (بابٌ: ﴿يُوصِيكُمُ الله فِي أوْلادِكُمْ﴾ (النِّسَاء: ١١) سقط لفظ بَاب وَقَوله: ﴿فِي أَوْلَادكُم﴾ لغير أبي ذَر، وَالْمرَاد بِالْوَصِيَّةِ هُنَا بَيَان قسْمَة الْمِيرَاث.

стр. 5429

٤٥٧٧ - ح دَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى حدَّثنا هِشامٌ أنَّ ابنَ جُرَيْجٍ أخْبَرَهُمْ قَالَ أخْبَرَنِي ابنُ مُنْكَدِر عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ عَادَنِي النبيُّ ﷺ وَأبُو بَكْرٍ فِي بَنِي سَلَمَةَ مَاشِيَيْنِ فَوَجَدَنِي النبيُّ ﷺ لَا أعْقِلُ فَدَعا بِمَاءٍ فَتَوَضَأَ مِنْهُ ثُمَّ رَشَّ عَلَيَّ فَأفَقْتُ فَقُلْتُ مَا تَأْمُرُنِي أنْ أصْنَعَ فِي مَالِي يَا رَسُولَ الله فَنَزَلَتْ ﴿يُوصِيكُمْ الله فِي أوْدلاِكُمْ﴾ (النِّسَاء: ١١) . عين التَّرْجَمَة فِي حَدِيث الْبَاب. وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف، وَابْن جريج عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَابْن الْمُنْكَدر هُوَ مُحَمَّد. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب صب النَّبِي ﷺ ، وضوءه على الْمغمى عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (فِي بني سَلمَة) ، بِفَتْح السِّين وَكسر اللَّام، وهم قوم جَابر وهم بطن من الْخَزْرَج. قَوْله: (لَا أَعقل) ، زَاد الْكشميهني شَيْئا. قَوْله: (ثمَّ رش عَليّ) ، أَي: من نفس المَاء الَّذِي تَوَضَّأ بِهِ وَصرح بِهِ فِي الِاعْتِصَام. قَوْله: (فَنزلت ﴿يُوصِيكُم الله﴾ ) ، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة بن جُبَير، قيل: إِنَّه وهم فِي ذَلِك، وَالصَّوَاب أَن الْآيَة الَّتِي نزلت فِي قصَّة جَابر الْآيَة الَّتِي فِي آخر النِّسَاء. وَهِي: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم فِي الْكَلَالَة﴾ (النِّسَاء: ١٧٦) لِأَن جَابِرا يَوْمئِذٍ لم يكن لَهُ ولد وَلَا وَالِد، والكلالة من لَا ولد لَهُ وَلَا وَالِد، وَقد أخرجه مُسلم عَن عَمْرو النَّاقِد وَالنَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور كِلَاهُمَا عَن ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن الْمُنْكَدر فِي هَذَا الحَدِيث، حَتَّى نزلت عَلَيْهِ آيَة الْمِيرَاث: ﴿يستفتونك قل يفتيكم فِي الْكَلَالَة﴾ ، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث جَابر بن عبد الله. قَالَ: جَاءَت امْرَأَة سعد بن الرّبيع بابنتيها من سعد إِلَى رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَت: يَا رَسُول الله، هَاتَانِ ابنتا سعد، قتل أَبوهُمَا مَعَك يَوْم أحد شَهِيدا وَإِن عَمهمَا أَخذ مَالهمَا فَلم يدع لَهما مَالا وَلَا ينكحان إلَاّ وَلَهُمَا مَال. قَالَ: يقْضِي الله فِي ذَلِك، فنلزت آيَة الْمَوَارِيث، فَبعث رَسُول الله ﷺ إِلَى عَمهمَا فَقَالَ: اعط ابْنَتي سعد الثُّلثَيْنِ وَأعْطِ أمهما الثّمن، وَمَا بَقِي فَهُوَ لَك. ٥ - (بابٌ: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزْوَاجُكُمْ﴾ (النِّسَاء: ١٢) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلكم نصف مَا ترك أزواجكم﴾ وَلَيْسَ لفظ: بَاب، إِلَّا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلكم نصف مَا ترك أزواجكم﴾ . ٤٥٧٨ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ عَنْ وَرْقَاءَ عنِ ابنِ أبِي نَجِيحٍ عنْ عَطاءٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ كانَ المالُ لِلْوَلَدِ وَكَانَتِ الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ فَنَسَخَ الله مِنْ ذَلِكَ مَا أحَبَّ فَجَعَلَ لِلذكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ وَجَعَلَ لِلأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُما السُّدُسَ وَالثلُثَ وَجَعَلَ لِلْمَرَأَةِ الثمَنَ والرُّبُعَ وِلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَللزَّوْج الشّطْر) ، أَي: شطر المَال. وَذَلِكَ عِنْد عدم الْوَلَد، وَمُحَمّد بن يُوسُف بن وَاقد الْفرْيَابِيّ وَلَيْسَ هُوَ مُحَمَّد بن يُوسُف البُخَارِيّ البيكندي، وورقاء تَأْنِيث الأورق ابْن عمر الْيَشْكُرِي، وَيُقَال الشَّيْبَانِيّ، أَصله من خوارزم، وَيُقَال: من الْكُوفَة سكن الْمَدَائِن، وَابْن أبي نجيح هُوَ عبد الله، وَأَبُو نجيح، بِفَتْح النُّون وَكسر الْجِيم، اسْمه يسارّ ضد الْيَمين وَعَطَاء هُوَ ابْن رَبَاح. والْحَدِيث قد مر فِي الْوَصَايَا فِي: بَاب لَا وَصِيَّة لوَارث، بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٦ - (بابٌ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أنْ تَرْثُوا النِّسَاءَ كَرْها﴾ (النِّسَاء: ١٩) الآيَةَ) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يحل لكم﴾ الْآيَة، وَهَذَا الْمِقْدَار بِلَفْظ: بَاب، فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره هَكَذَا: ﴿لَا يحل لكم أَن ترثوا النِّسَاء كرها وَلَا تعضلوهن لتذهبوا بِبَعْض مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ الْآيَة. تَمام الْآيَة: ﴿إلَاّ أَن يَأْتِين بِفَاحِشَة مبينَة وعاشروهن

стр. 5430

بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كرهتموهن فَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَيجْعَل الله فِيهِ خيرا كثيرا﴾ وَأول الْآيَة: ﴿يأيها الَّذين آمنُوا لَا يحل لكم أَن ترثوا﴾ وَأَن مَصْدَرِيَّة. قَوْله: (كرها) مصدر فِي مَوضِع الْحَال، وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ بِضَم الْكَاف، وَمعنى العضل يَأْتِي عَن قريب. قَوْله: (بِفَاحِشَة) قَالَ ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس: هِيَ الزِّنَى، يَعْنِي: إِذا زنت فَللزَّوْج أَن يسترجع الصَدَاق الَّذِي أَعْطَاهَا ويضاجرها حَتَّى تتْرك لَهُ، وَبِه قَالَ سعيد بن الْمسيب وَالشعْبِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَسَعِيد بن جُبَير وَمُجاهد وَعِكْرِمَة وَالضَّحَّاك وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي وَأَبُو قلَابَة وَالسُّديّ وَزيد بن أسلم وَسَعِيد بن أبي هِلَال. وَعَن ابْن عَبَّاس: الْفَاحِشَة المبينة النُّشُوز والعصيان، وَحكي ذَلِك أَيْضا عَن الضَّحَّاك وَعِكْرِمَة، وَاخْتَارَ ابْن جرير أَنه أَعم من الزِّنَى والنشوز وبذاء اللِّسَان وَغير ذَلِك. ويُذْكَرُ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ لَا تَعْضُلُوهُنَّ لَا تَقْهَرُوهُنَّ هَذَا وَصله أَبُو مُحَمَّد الرَّازِيّ عَن أَبِيه. حَدثنَا أَبُو صَالح كَاتب اللَّيْث حَدثنِي مُعَاوِيَة بن صَالح عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني لَا تعضلوهن لَا تنهروهن من الِانْتِهَار، وَهِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ أَيْضا، وَقَالَ بَعضهم: هَذِه الرِّوَايَة وهم، وَالصَّوَاب مَا عِنْد الْجَمَاعَة. قلت: لَا يدْرِي مَا وَجه الصَّوَاب هُنَا وَمعنى الِانْتِهَار لَا يَخْلُو عَن معنى الْقَهْر على مَا لَا يخفى. حِوُبا إثْما أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهم إِلَى أَمْوَالكُم أَنه كَانَ حوبا كَبِيرا﴾ فسر حوبا بقوله: إِثْمًا وَوَصله ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَاد صَحِيح عَن دَاوُد بن هِنْد عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس. فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّه كَانَ حوبا كَبِيرا﴾ . قَالَ: إِثْمًا عَظِيما وَعَن مُجَاهِد وَالسُّديّ وَالْحسن وَقَتَادَة مثله، وَقَرَأَ الْحسن بِفَتْح الْحَاء وَالْجُمْهُور على الضَّم. تَعُولُوا تَمِيلُوا أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن خِفْتُمْ أَلا تعدلوا فَوَاحِدَة أَو مَا ملكت أَيْمَانكُم ذَلِك أدنى أَن لَا تعولُوا﴾ (النِّسَاء: ٣) وَفسّر قَوْله: ﴿أَن لَا تعولُوا﴾ بِحَذْف: أَن بقوله: تميلوا، وَفَسرهُ جمَاعَة نَحوه، وأسنده ابْن الْمُنْذر فِي تَفْسِيره عَن ابْن عَبَّاس وَذكر نَحوه مَرْفُوعا وَقَالَ: أَن مَعْنَاهُ تجور وَاو فسره الشَّافِعِي بقوله: لَا يكثر عيالكم، وَأنْكرهُ الْمبرد، وَوجه إِنْكَاره أَنه لَو كَانَ مَعْنَاهُ نَحْو مَا قَالَه الشَّافِعِي لَكَانَ قَالَ: أَن لَا تعيلوا من أعال وَهُوَ من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ، وَالَّذِي فِي الْآيَة من الثلاثي الْمُجَرّد. نحْلَةً النَّحْلَةُ المَهْرُ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتوا النِّسَاء صدقاتهن نحلة﴾ (النِّسَاء: ٤) وفسرها بقوله: الْمهْر، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، (فالنحلة الْمهْر) بِالْفَاءِ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: إِن كَانَ هَذَا التَّفْسِير من البُخَارِيّ فَفِيهِ نظر وَقد قيل فِيهِ غير ذَلِك، وَأقرب الْوُجُوه، أَن النحلة مَا يعطونه من غير عوض، ورد عَلَيْهِ بِأَن ابْن أبي حَاتِم والطبري قد رويا من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتوا النِّسَاء صدقاتهن نحلة﴾ قَالَ: النحلة الْمهْر، وَقَالَ: قَاتل وَقَتَادَة وَابْن جريج، نحلة أَي: فَرِيضَة مُسَمَّاة. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: النحلة فِي كَلَام الْعَرَب الْوَاجِب. تَقول لَا ينْكِحهَا إلَاّ بِشَيْء وَاجِب لَهَا، وَلَيْسَ يَنْبَغِي لأحد بعد النَّبِي ﷺ أَن ينْكح امْرَأَة إلَاّ بِصَدَاق وَاجِب، وَلَا يَنْبَغِي أَن يكون تَسْمِيَة الصَدَاق كذبا بِغَيْر حق. قَوْله: (وَآتوا النِّسَاء صدقاتهن) ، الْخطاب الناكحين. أَي: اعطوا النِّسَاء مهورهن، وَالصَّدقَات جمع صَدَقَة، بِفَتْح الصَّاد وَضم الدَّال. وَهِي لُغَة أهل الْحجاز وَتَمِيم تَقول: صَدَقَة، بِضَم الصَّاد وَسُكُون الدَّال فَإِذا جمعُوا يَقُولُونَ: صدقَات بِضَم الصَّاد وَسُكُون الدَّال ويضمها أَيْضا. مثل: ظلمات، وانتصاب نحلة على الْمصدر لِأَن النحلة الإيتاء بِمَعْنى الْإِعْطَاء أَو على الْحَال من المخاطبين أَي: آتوهم صدقاتهن ناحلين طيبي النُّفُوس بالإعطاء أَو من الصَّدقَات أَي: منحولة معطاة عَن طيب الْأَنْفس. ٤٥٧٩ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ حدَّثنا أسْباطُ بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا الشَّيْبَانِيُّ عنْ عِكْرَمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ الشَّيْبَانِيُّ وَذَكَرَهُ أبُو الحَسَنِ السُّوَائِيُّ وَلا أظُنُّهُ ذَكَرَهُ إلَاّ عَن ابنِ عَبَّاسٍ ﴿يَا أيُّهَا

стр. 5431

الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْها وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ (النِّسَاء: ١٩) قَالَ كَانُوا إذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أوْلِيَاؤُهُ أحَقَّ بَامْرَأَتِهِ إنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَها وَإنْ شَاؤُا زَوَّجُوهَا وَإنْ شَاؤُا لَمْ يُزَوِّجُوها فَهُمْ أحَقُّ بِهَا مِنْ أهْلِهَا فَنَزَلَتْ هاذِهِ الآيَةُ فِي ذَلِكَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن مقَاتل أَبُو الْحسن الْمروزِي، وأسباط، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وبالياء الْمُوَحدَة: ابْن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْقرشِي الْكُوفِي قَالَ الْوَاقِدِيّ: مَاتَ فِي أول سنة مِائَتَيْنِ وأدركه البُخَارِيّ بِالسِّنِّ وَعَن ابْن معِين. كَانَ يخطىء عَن سُفْيَان فَلذَلِك ذكره ابْن البرقي فِي الضُّعَفَاء، وَلَكِن قَالَ: كَانَ ثبتا فِيمَا يروي عَن الشيبانيُّ ومطرف، وَقَالَ الْعقيلِيّ، رُبمَا وهم فِي الشَّيْء وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث، والشيباني، بالشين الْمُعْجَمَة وَهُوَ سُلَيْمَان بن فَيْرُوز، وَأَبُو الْحسن اسْمه عَطاء. وَقَالَ الْكرْمَانِي: اسْمه مهَاجر، مر فِي بَاب الْإِيرَاد بِالظّهْرِ. (قلت) : قَالَ البُخَارِيّ فِي بَاب الْإِيرَاد بِالظّهْرِ: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا غنْدر قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة عَن مهَاجر أبي الْحسن سمع زيد بن وهب الحَدِيث. وَظن الْكرْمَانِي أَنَّهُمَا وَاحِد وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن الْمَذْكُور فِي: بَاب الْإِيرَاد بِالظّهْرِ التَّيْمِيّ، وَالْمَذْكُور هُنَا السوَائِي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو الممدودة وَكسر الْهمزَة. نِسْبَة إِلَى بني سواهُ بن عَامر بن صعصعة بن مُعَاوِيَة بن بكر بن هوَازن بطن كَبِير. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْإِكْرَاه عَن الْحُسَيْن بن مَنْصُور. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي النِّكَاح عَن أَحْمد بن منيع وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن حَرْب. قَوْله: (أخبرنَا أَسْبَاط) ، وَفِي بعض النّسخ: حَدثنَا. قَوْله: (وَذكره) ، أَي: الحَدِيث. قَوْله: (وَلَا أَظُنهُ) ، أَي: وَلَا أَحْسبهُ وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن للشيباني طَرِيقين. (أَحدهمَا) : مَوْصُول، وَهُوَ: عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس (وَالْآخر) : مَشْكُوك فِي وَصله وَهُوَ عَن أبي الْحسن السوَائِي عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: (قَالَ: كَانُوا) أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانُوا أَي: الْجَاهِلِيَّة. قَالَه السّديّ: وَقَالَ الضَّحَّاك: أَي: أهل الْمَدِينَة. قَوْله: (فهم) ويروى: وهم بِالْوَاو، وَقَوله: (فَنزلت هَذِه الْآيَة) ، يَعْنِي: الْآيَة الْمَذْكُورَة وَهِي قَوْله: (لَا يحل لكم أَن ترثوا النِّسَاء كرها) . ٧ - (بابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ (النِّسَاء: ٣٣) الآيَةَ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى هَكَذَا فِي رِوَايَة غير أبي ذَر وَفِي رِوَايَة أبي ذَر سَاق إِلَى قَوْله: (شَهِيدا) بعد قَوْله: (وَالْأَقْرَبُونَ) الْآيَة. ﴿وَالَّذين عاقدت أَيْمَانكُم فآتوهم نصِيبهم أَن الله كَانَ على كل شَيْء شَهِيدا﴾ قَوْله: ﴿وَلكُل جعلنَا موَالِي﴾ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أَي: وَلكُل شَيْء مِمَّا ترك الْوَالِدَان وَالْأَقْرَبُونَ من المَال جعلنَا موَالِي وراثا يلونه ويحرزونه أَو لكل قوم جعلناهم موَالِي نصيب. وَفِي (تَفْسِير ابْن كثير) قَالَ ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَسَعِيد بن جُبَير وَأَبُو صَالح وَقَتَادَة وَزيد بن أسلم وَالسُّديّ وَالضَّحَّاك وَمُقَاتِل بن حَيَّان وَغَيرهم فِي قَوْله: ﴿وَلكُل جعلنَا موَالِي﴾ أَي: وَرَثَة. وَفِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس: أَي عصبَة، وَقَالَ ابْن جرير: وَمعنى قَوْله: ﴿مِمَّا ترك الْولدَان وَالْأَقْرَبُونَ﴾ مَا تَركه وَالِديهِ وأقربيه من الْمِيرَاث. قَوْله: (وَالَّذين عاقدت أَيْمَانكُم) ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هَذَا مُبْتَدأ ضمن معنى الشَّرْط فَوَقع خَبره مَعَ الْفَاء، وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿فآتوهم نصِيبهم﴾ وَذكر وُجُوهًا أخر فَمن أَرَادَ أَن يقف عَلَيْهَا فَليرْجع إِلَى تَفْسِيره، وَقَالَ ابْن كثير: أَي وَالَّذين تحالفتم بالأيمان الْمُؤَكّدَة أَنْتُم وهم فآتوهم نصِيبهم من الْمِيرَاث كَمَا وعدتموهم فِي الْأَيْمَان الْمُغَلَّظَة إِن الله كَانَ شَاهدا بَيْنكُم فِي تِلْكَ العهود والمعاقدات، وَقد كَانَ هَذَا فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام ثمَّ نسخ بعد ذَلِك، وَأمرُوا أَن يؤتوا لمن عاقدوا وَلَا ينشئوا بعد نزُول هَذِه الْآيَة معاقدة. مَوَالِيَ أوْلِيَاءَ وَرَثَةَ فسر لفظ موَالِي: فِي الْآيَة الَّتِي ترْجم بهَا بقوله: أَوْلِيَاء وَرَثَة وَقد تقدم عَن ابْن عَبَّاس أَنه فسره موَالِي بالورثة. وَقَالَ مَعْمَرٌ أوْلِيَاءَ مَوَالِي أوْلِيَاءَ وَرَثَةَ لَيْسَ هَذَا بموجود فِي بعض النّسخ. قَالَ الْكرْمَانِي: معمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد الصَّنْعَانِيّ، وَقَالَ بَعضهم: وَكنت أَظن أَنه

стр. 5432

معمر بن رَاشد إِلَى أَن رَأَيْت الْكَلَام الْمَذْكُور فِي (الْمجَاز) لأبي عُبَيْدَة أَن اسْمه معمر بن الْمثنى وَلم أره عَن معمر بن رَاشد. (فَمَاتَ) عبد الرَّزَّاق أَيْضا يرْوى هَذَا عَن معمر بن رَاشد، وَلَا يلْزم من ذكر أبي عُبَيْدَة هَذَا فِي (الْمجَاز) أَي يكون الَّذِي ذكره البُخَارِيّ فِي هواياه، وَلَا يمْتَنع أَن يكون هَذَا مرويا عَن معمر بن جَمِيعًا. ثوله: (أَوْلِيَاء موَالِي) بِالْإِضَافَة نَحْو شجر الْأَرَاك، وَالْإِضَافَة فِيهِ للْبَيَان، وَكَذَلِكَ أَوْلِيَاء وَرَثَة، وَحَاصِل الْكَلَام أَن أَوْلِيَاء الْمَيِّت الَّذين يلون مِيرَاثه ويجوزونه على نَوْعَيْنِ: ولي بالموالاة وَعقد الْوَلَاء وهم الَّذين عاقدت أَيْمَانكُم، وَولى بِالْإِرْثِ أَي الْقَرَابَة وهم الْوَالِدَان وَالْأَقْرَبُونَ. ﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ هُوَ مَوْلَى اليَمِينِ وَهُوَ الحَلِيفُ فسر لفظ ﴿وَالَّذين عاقدت﴾ الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة الْمَذْكُور فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة بقوله: هُوَ مولى الْيَمين العاقدة بَين اثْنَيْنِ فَصَاعِدا والأيمان جمع يَمِين، وَمضى الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الْكفَالَة. (وَالمَوْلَى أيْضا ابنُ العَمِّ وَالمَوْلَى المُنْعِمْ المُعْتِقْ وَالمَوْلَى المُعَتَقُ وَالمَوْلَى المَلِيكُ وَالمَوْلَى مَوْلًى فِي الدِّينِ) . أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن لفظ الْمولى يَأْتِي لمعانٍ كَثِيرَة وَذكر مِنْهَا خَمْسَة معَان الأول: يُقَال لِابْنِ الْعم مولى، قَالَ الشَّاعِر: مهلا بني عمنَا مهلا موالينا الثَّانِي: الْمُنعم. أَي: الَّذِي ينعم على عَبده بِالْعِتْقِ وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ الْمولى الْأَعْلَى. الثَّالِث: الْمولى الْمُعْتق، بِفَتْح التَّاء، وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ الْمولى الْأَسْفَل. الرَّابِع: يُقَال للمليك الْمولى لِأَنَّهُ يَلِي أُمُور النَّاس. الْخَامِس: الْمولى مولى فِي الدّين، وَمِمَّا لم يذكرهُ النَّاصِر والمحب وَالتَّابِع وَالْجَار والحليف والعقيد والصهر والمنعم عَلَيْهِ وَالْوَلِيّ والموازي، وَقَالَ الزّجاج: كل من يليك أَو والاك فَهُوَ مولى. ٤٥٨٠ - ح دَّثنا الصَّلْتُ بنُ مُحَمَّد حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ عنْ إدْرِيسَ عَنْ طَلْحَةَ بنِ مُصَرِّفٍ عنْ سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ عَن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله تعَالى عَنْهُمَا وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِي قَالَ وَرَثَةَ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أيْمَانُكُمْ كَانَ المهاجِرُون لَمَا قَدِمُوا المَدِينَةَ يَرِثُ المُهَاجِرُ الأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحْمِهِ للأخُوَّةِ الَّتِي آخَى النبيُّ ﷺ بَيْنَهُم فَلَمَا نَزَلَتْ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ نُسِخَتْ ثُمَّ قَالَ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أيْمَانُكُمْ مِنَ النَّصْرِ وَالرِّفَادَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَقَدْ ذَهَبَ المِيرَاثُ وَيُوصِي لهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث بِعَيْنِه سندا ومتنا مضى فِي الْكَلِمَة فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين عاقدت أَيْمَانكُم﴾ وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة. إِدْرِيس هُوَ ابْن يزِيد الأودي، وَمَاله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث. قَوْله: (فَلَمَّا نزلت ﴿وَلكُل جعلنَا موَالِي﴾ نسخت) ، هَكَذَا وَقع فِي هَذِه الرِّوَايَة أَن نَاسخ مِيرَاث الحليف هَذِه الْآيَة، وَفِي رِوَايَة عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس أَن النّسخ بقوله تَعَالَى: ﴿وَأولُوا الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض﴾ وَبِه قَالَ الْحسن وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة، وَقَالَ ابْن الْمسيب: كَانَ الرجل يتبنى الرجل فيتوارثان على ذَلِك. فسخ قَوْله: ﴿والرفادة﴾ بِكَسْر الرَّاء بالإعانة والإعطاء. قَوْله: (ويوصي لَهُ) ، أَي: للحليف لِأَنَّهُ مِيرَاثه لما نسخ جَازَت الْوَصِيَّة. سَمِعَ أبُو أُسَامَةَ إدْرِيسَ وَسَمِعَ إدْرِيسُ طَلْحَةَ لم يَقع هَذَا إلَاّ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن كل وَاحِد من أبي أُسَامَة وَإِدْرِيس قد صرح بِالتَّحْدِيثِ فأسامة من إِدْرِيس، وَإِدْرِيس من طَلْحَة بن مصرف، وَصرح بذلك الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) فِي الحَدِيث ثمَّ قَالَ: صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ. ٨ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الله لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (٤٠) يَعْنِي زَنَةَ ذَرَّةٍ)

стр. 5433

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿إِن الله لَا يظلم مِثْقَال ذرة﴾ وَفسّر مِثْقَال ذرة بقوله: زنة ذرة، ومثقال الشَّيْء مِيزَانه من مثله، وَقَالَ الزّجاج، هُوَ مِثْقَال من الثّقل، وَقيل: لكل مَا يعْمل وزن ومثقال تمثيلاً لِأَن الصَّلَاة وَالصِّيَام والأعمال لَا وزن لَهَا، وَلَكِن النَّاس خوطبوا على مَا يَقع فِي قُلُوبهم بتمثيل مَا يدْرك بِأَبْصَارِهِمْ، وَقَالَ أَبُو مَنْصُور الجواليقي، يظنّ النَّاس أَن المثقال وزن الدُّنْيَا لَا غير، وَلَيْسَ كَذَلِك إِنَّمَا مِثْقَال كل شَيْء وَزنه وكل وزن يُسمى مِثْقَالا وَإِن كَانَ وزن ألف. قَالَ الشَّاعِر: وكلا يُوفيه الجزا بمثقال قَالَ الْهَرَوِيّ: أَي: يُوزن. قَوْله: (ذرة) ، الذّرة وَاحِدَة الذَّر وَهُوَ النَّمْل الْأَحْمَر الصَّغِير، وَسُئِلَ ثَعْلَب عَن الذّرة فَقَالَ: إِن مائَة نملة وزن حَبَّة. قَالَ ابْن الْأَثِير: وَقيل: إِن الذّرة لَا وزن لَهَا وَيُرَاد بهَا مَا يرى فِي شُعَاع الشَّمْس، وَزعم بعض الْحساب أَن زنة الشعيرة حَبَّة، وزنة الْحبَّة أَربع زرات وزنة الذّرة أَربع سمسمات، وزنة السمسمة أَربع خردلات، وزنة الخردلة أَربع وَرَقَات نخالة، وزنة الورقة من النخالة أَربع ذرات، فَعلمنَا من هَذَا أَن الذّرة أَرْبَعَة فِي أَرْبَعَة فَأَدْرَكنَا أَن الذّرة جُزْء من ألف وَأَرْبَعَة وَعشْرين حَبَّة، وَذَلِكَ أَن الْحبَّة ضربناها فِي أَربع ذرات جَاءَت سِتّ عشرَة سمسمة والست عشرَة ضربناها فِي أَربع جَاءَت مِائَتَيْنِ وست وَخمسين نخالة، فضربناها فِي أَربع جَاءَت ألفا وَعشْرين ذرة وَقيل: الذّرة رَأس النملة الْحَمْرَاء. وَقيل: الذّرة الخردلة، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ. قَالَ يزِيد بن هَارُون: زَعَمُوا أَن الذّرة لَيْسَ لَهَا وزن، ويحكى أَن رجلا وضع خبْزًا حَتَّى علاهُ الذَّر مِقْدَار مَا ستره ثمَّ وَزنه فَلم يزدْ على مِقْدَار الْخبز شَيْئا وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه أَدخل يَده فِي التُّرَاب ثمَّ نفخ فِيهِ. وَقَالَ: كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ ذرة وَعَن قَتَادَة: كَانَ بعض الْعلمَاء يَقُول: لِأَن تفضل حسناتي وزن ذرة أحب إِلَيّ من الدُّنْيَا جَمِيعًا. وَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود يرفعهُ يَا رب لم يبْق لعبدك إلَاّ وزن ذرة، فَيَقُول ، ضعفوها لَهُ وأدخلوه الْجنَّة. ٤٥٨١ - ح دَّثني مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حدَّثنا أبُو عُمَرَ حَفْصُ بنُ مَيْسَرَةَ عَنْ زَيْد بنِ أسْلَمَ عنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أنَّ أُناسا فِي زَمَنِ النبيِّ ﷺ قَالُوا يَا رَسُولَ الله هَلْ نَرَى رَبَّنا يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَال النبيُّ ﷺ : نَعَمْ هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ ضَوْءٍ لَيْسَ فِيهَا سَحابٌ قَالُوا لَا قَالَ: وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البدْرِ ضَوْءٍ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ قَالُوا لَا قَالَ النبيُّ ﷺ : مَا تُضارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَاّ كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أحَدِهِما إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ فَلا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ الله مِنَ الأصْنَامِ وَالأنْصَابِ إلَاّ يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ إلَاّ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الله بَرٌّ أوْ فَاجِرٌ وَغُبَّرَاتُ أهْلِ الكِتابِ فَيُدعَى اليَهُودُ فَيُقَالُ لَهُمْ مَنْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْز ابنَ الله فَيُقَالُ لَهُمْ كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ الله مِنْ صَاحِبَةٍ وَلا وَلَد فَمَاذا تَبْغُونَ فقالُوا عَطِشْنا رَبَّنا فَاسْقِنا فَيُشارُ أَلا تَرِدُونَ فَيُحْشَرُونَ إلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُها بَعْضا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ يُدْعَى النَّصارَى فَيُقَالُ لَهُمْ مَنْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ المَسِيحَ ابنَ الله فَيُقَالُ لَهُمْ كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ الله مِنْ صَاحِبَةٍ وَلا وَلَدٍ فَيُقَالُ لَهُمْ مَاذَا تَبْغُونَ فَكَذَلِكَ مِثْلَ الأوَّلِ حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ إلَاّ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الله مِنْ بِرٍ أوْ فَاجِرٍ أتاهُم رَبُّ العالَمِينَ فِي أَدْنَي صُورَةٍ مِنَ الَّتِي رأوْهُ فِيها فَيُقالُ تَنْتَظِرُونَ تَتَّبَعُ كلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ قَالُوا فارَقْنا النَّاسَ فِي الدُّنْيا عَلَى أفْقَرِ مَا كُنَّا إلَيْهِم وَلَمْ نُصَاحِبْهُم وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ رَبَّنا الَّذِي كُنَّا نَعْبُدُ فَيَقُولُ أنَا

стр. 5434

رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ لَا نُشْرِكُ بِالله شَيْئا مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلَاثًا. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمَفْهُوم من مَعْنَاهُ أَن الله تَعَالَى يحكم يَوْم الْقِيَامَة بَين عباده الْمُؤمنِينَ والكافرين بعدله الْعَظِيم وَلَا يظلم أحدا مِنْهُم مِثْقَال ذرة وَلم أر أحدا من الشُّرَّاح ذكر وَجه الْمُطَابقَة وَلَا انصف فِي شرح هَذَا الحَدِيث، فَمنهمْ من علقه بِشَيْء لم يمض، وَمِنْهُم من علقه بالمستقبل يذكر فِيهِ، وَمِنْهُم من شرح بَعْضًا دون بعض، فَنَقُول بعون الله ولطفه. إِن شَيْخه فِيهِ مُحَمَّد ابْن عبد الْعَزِيز أَبُو عبد الله الرَّمْلِيّ يعرف بِابْن الوَاسِطِيّ لِأَن أَصله من وَاسِط وَثَّقَهُ الْعجلِيّ وَلينه أَبُو زرْعَة، وَأَبُو حَاتِم، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث وَآخر فِي الِاعْتِصَام، وَحَفْص بن ميسرَة، ضد الميمنة، وَعَطَاء بن يسَار ضد الْيَمين، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ اسْمه سعد بن مَالك الْأنْصَارِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن يحيى بن بكير، وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن سُوَيْد بن سعيد وَغَيره. قَوْله: (نعم) أَي: نعم ترَوْنَ ربكُم يَوْم الْقِيَامَة وَهَذِه الرُّؤْيَة غير الرُّؤْيَة الَّتِي هِيَ ثَوَاب للأولياء وكرامة لَهُم فِي الْجنَّة إِذْ هَذِه للتمييز بَين من عبد الله وَبَين من عبد غَيره، وَفِيه رد على أهل الْبدع من الْمُعْتَزلَة والخوارج وَبَعض المرجئة فِي قَوْلهم: إِن الله لَا يرَاهُ أحد من خلقه، وَأَن رُؤْيَته مستحيلة عقلا وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ خطأ صَرِيح وَجَهل قَبِيح. وَقد تظاهرت أَدِلَّة الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الصَّحَابَة فَمن بعدهمْ من سلف الْأمة على إِثْبَات رُؤْيَة الله تَعَالَى فِي الآخر للْمُؤْمِنين. وَرَوَاهَا نَحْو من عشْرين صحابيا عَن رَسُول الله ﷺ وَالْكَلَام فِيهِ مستقصًى فِي كتب الْكَلَام. وَأما رُؤْيَة الله فِي الدُّنْيَا فممكنة وَلَكِن الْجُمْهُور من السّلف وَالْخلف من الْمُتَكَلِّمين. وَغَيرهم على أَنَّهَا لَا تقع فِي الدُّنْيَا، وَحكى الإِمَام الْقشيرِي فِي (رسَالَته) عَن الإِمَام أبي بكر بن فورك أَنه حُكيَ فِيهَا قَوْلَيْنِ للْإِمَام أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ: أَحدهمَا: وُقُوعهَا. وَالْآخر: أَنَّهَا لَا تقع قَوْله: (هَل تضَارونَ فِي ضَبطه رِوَايَات) الأولى: تضَارونَ بِضَم أَوله وَضم رائه من غير تَشْدِيد من الضير وَهُوَ الْمضرَّة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى. قَالُوا: (لَا ضير) أَي: لَا ضَرَر، وَمَعْنَاهُ: هَل يلحقكم فِي رُؤْيَته ضير أَي: ضَرَر. الثَّانِيَة: هَل تضَارونَ بِفَتْح التَّاء وَتَشْديد الضَّاد وَالرَّاء من الضَّرَر. وَمَعْنَاهُ هَل تضَارونَ غَيْركُمْ فِي حَال الرُّؤْيَة بزحمة وَمُخَالفَة فِي رُؤْيَة غَيرهَا أَو لخفائه كَمَا يَفْعَلُونَ أول لَيْلَة من الشَّهْر، وَقَالَ الْخطابِيّ: وَأَصله هَل تتضارون. أَي: تتزاحمون عِنْد رُؤْيَته حَتَّى يلحقكم الضَّرَر، ووزنه تتفاعلون، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ. الثَّالِثَة: تضَامون، بتَشْديد الْمِيم وَفتح أَوله: وَمَعْنَاهُ هَل تتضامون وتتوصلون إِلَى رُؤْيَته، وَأَصله من الانضمام. الرَّابِعَة: هَل تضَامون، بِضَم التَّاء وَتَخْفِيف الْمِيم من الضيم، وَهُوَ الْمَشَقَّة والتعب، وَأورد الثَّالِثَة وَالرَّابِعَة فِي غير هَذَا الْموضع. قَوْله: (بالظهيرة) ، وَهِي اشتداد حر الشَّمْس فِي نصف النَّهَار. وَلَا يُقَال ذَلِك فِي الشتَاء. قَوْله: (ضوء) ، بِالْجَرِّ بدل عَمَّا قبله فِي الْمَوْضِعَيْنِ. قَوْله: (إِلَّا كَمَا تضَارونَ) ، التَّشْبِيه إِنَّمَا وَقع فِي الوضوح وَزَوَال الشَّك وَالْمَشَقَّة وَالِاخْتِلَاف لَا فِي الْمُقَابلَة والجهة وَسَائِر الْأُمُور الَّتِي جرت الْعَادة بهَا عِنْد الرُّؤْيَة. قَوْله: (أذن مُؤذن) ، أَي: نَادَى منادٍ. قَوْله: (تتبع) ، بِالرَّفْع ويروى بِالْجَزْمِ بِتَقْدِير اللَّام كَمَا فِي قَوْله: تَعَالَى ﴿قل لعبادي الَّذين يقيموا الصَّلَاة﴾ قَوْله (من الْأَصْنَام والانصاب) والاصنام جمع صنم قَالَ ابْن الْأَثِير الصَّنَم اتخذ إلاها من دون الله، وَقيل: هُوَ مَا كَانَ لَهُ جسم أَو صُورَة فَإِن لم يكن لَهُ جسم أَو صُورَة فَهُوَ وثن، والأنصاب جمع نصب، بِضَم الصَّاد وسكونها، وَهُوَ حجر كَانُوا ينصبونه فِي الْجَاهِلِيَّة ويتخذونه صنما يعبدونه، وَقيل: هُوَ حجر كَانُوا ينصبونه ويذبحون عَلَيْهِ فيحمر بِالدَّمِ. قَوْله: (برا وفاجرا) ، أَي: هُوَ برا وَهُوَ فَاجر، وَالْبر هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِالْخَيرِ ويطيع ربه، يُقَال: فلَان يبر خالقه ويتبرره، أَي: يطيعه وَيجمع على أبرار، والبار يجمع على بررة، والفاجر المنبعث فِي الْمعاصِي والمحارم من فجر يفجر، من بَاب نصر ينصر فجورا قَوْله: (وغبرات أهل الْكتاب) بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الْمَفْتُوحَة بعْدهَا رَاء جمع غبر، وَهُوَ جمع غابر وَالْمعْنَى: بقايا أهل الْكتاب، من غبر الشَّيْء يغبر غبورا إِذا مكث وَبَقِي، والغابر هُوَ الْمَاضِي. قَالَ الْأَزْهَرِي: هُوَ من الأضداد ثمَّ قَالَ: وَالْمَعْرُوف الْكثير أَن الغابر هُوَ الْبَاقِي. قَوْله: (فَيُقَال لَهُم: كَذبْتُمْ) ، قَالَ الْكرْمَانِي: التَّصْدِيق والتكذيب راجعان إِلَى الحكم الْموقع لَا إِلَى الحكم الْمشَار إِلَيْهِ لِأَنَّهُ إِذا قيل: زيد بن عمر وَجَاء فكذبته فقد أنْكرت الْمَجِيء لَا كَونه ابْن عَمْرو، وَأجَاب بقوله: نفي اللَّازِم هُوَ كَونه ابْن الله تَعَالَى ليلزم نفي الْمَلْزُوم وَهُوَ عبَادَة ابْن الله، أَو نقُول: الرُّجُوع الْمَذْكُور هُوَ مُقْتَضى الظَّاهِر وَقد يتَوَجَّه

стр. 5435

بِحَسب الْمقَام إِلَيْهِمَا جَمِيعًا أَو إِلَى الْمشَار إِلَيْهِ فَقَط. قَوْله: (كَأَنَّهُ سراب يحطم بَعْضهَا بَعْضًا) أَي: بِكَسْر بَعْضهَا بَعْضًا، وَمِنْه سميت النَّار: الحطمة لِأَنَّهَا تحطم كل شَيْء أَي تكسره وَتَأْتِي عَلَيْهِ، والسراب هُوَ الَّذِي ترَاهُ نصف النَّهَار كَأَنَّهُ مَاء قَوْله: (أَتَاهُم) أَي: ظهر لَهُم، والإتيان مجَاز عَن الظُّهُور. وَقيل: الْإِتْيَان عبارَة عَن رُؤْيَتهمْ إِيَّاه، لِأَن الْعَادة أَن من غَابَ عَن غَيره لَا تمكنه رُؤْيَته إلَاّ بالإتيان، فَعبر بالإيتان هُنَا عَن الرُّؤْيَة مجَازًا وَقيل: فعل من أَفعَال الله تَعَالَى سَمَّاهُ إتيانا وَقيل المُرَاد بالإتيان إتْيَان بعض مَلَائكَته وَقَالَ عِيَاض: هَذَا الْوَجْه أشبه عِنْدِي فِي قَوْله: (فِي أدنى صُورَة) أَي: أقربها. قَالَ الْخطابِيّ: الصُّورَة الصّفة يُقَال: صُورَة هَذَا الْأَمر كَذَا أَي صفته، وَأطلق الصُّورَة على سَبِيل المشاكلة والمجانسة. قَوْله: (من الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا) ، أَي: من الصُّورَة الَّتِي عرفوه فِيهَا، والرؤية بِمَعْنى الْعلم لأَنهم لم يروه قبل ذَلِك، وَمَعْنَاهُ: يتجلى الله لَهُم بِالصّفةِ الَّتِي يعرفونه بهَا لِأَنَّهُ لَا يشبه شَيْئا من مخلوقاته فيعلمون أَنه رَبهم فَيَقُولُونَ: انت رَبنَا. قَوْله: (على أفقر مَا كُنَّا إِلَيْهِم) ، أَي: على أحْوج، يَعْنِي: لم نتبعهم فِي الدُّنْيَا مَعَ الِاحْتِيَاج إِلَيْهِم، فَفِي هَذَا الْيَوْم بِالطَّرِيقِ الأولى. قَوْله: (لَا نشْرك بِاللَّه شَيْئا) ، وَفَائِدَة قَوْلهم هَذَا مَعَ أَن يَوْم الْقِيَامَة لَيْسَ يَوْم التَّكْلِيف استلذاذا وافتخارا بِهِ وتذكارا بِسَبَب النِّعْمَة الَّتِي وجدوها. ٩ - (بابٌ: ﴿فَكَيْفَ إذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هاؤُلاءِ شَهِيدا﴾ (النِّسَاء: ٤١) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا جِئْنَا﴾ الْآيَة، أخبر الله تَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة عَن هول يَوْم الْقِيَامَة وَشدَّة أمره وشأنه فَكيف يكون الْأَمر وَالْحَال يَوْم الْقِيَامَة حِين يَجِيء من كل أمة بِشَهِيد يَعْنِي الْأَنْبِيَاء ﵈، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فَكيف يصنع هَؤُلَاءِ الْكَفَرَة من الْيَهُود وَغَيرهم إِذا جِئْنَا من كل أمة بِشَهِيد يشْهد عَلَيْهِم بِمَا فعلوا وَهُوَ نَبِيّهم كَقَوْلِه: ﴿وَكنت عَلَيْهِم شَهِيدا مَا دمت فيهم وَجِئْنَا بك على هَؤُلَاءِ﴾ (الْمَائِدَة: ١١٧) المكذبين ﴿شَهِيدا﴾ وَفِي (التَّلْوِيح) وَاخْتلف فِي الْمَعْنى بقوله: هَؤُلَاءِ من هم، فَعِنْدَ الزَّمَخْشَرِيّ: هم المكذبون، وَقَالَ مقَاتل: هم كفار أمة مُحَمَّد ﷺ ، وَفِي (تَفْسِير ابْن النَّقِيب) هم سَائِر أمته ﷺ ، وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَفِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه يشْهد عَلَيْهِم. وَالثَّانِي: أَنه يشْهد لَهُم، فعلى هَذَا يكون على: بِمَعْنى اللَّام، وَقيل: المُرَاد بهم أمة الْكفَّار، وَقيل: أَنهم الْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَقيل: هم كفار قُرَيْش دون غَيرهم، وَفِي الَّذِي يشْهد بِهِ أَقْوَال أَرْبَعَة: الأول: أَنه يشْهد أَن النَّبِي ﷺ قد بلغ أمته، قَالَه ابْن مَسْعُود وَابْن جريج وَالسُّديّ وَمُقَاتِل. الثَّانِي: أَنه يشْهد بإيمَانهمْ، قَالَه أَبُو الْعَالِيَة. الثَّالِث: إِنَّه يشْهد بأعمالهم. قَالَه مُجَاهِد وقادة. الرَّابِع: إِنَّه يشْهد لَهُم وَعَلَيْهِم، قَالَه الزّجاج. المُخْتال والخَتَالُ وَاحِدٍ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله لَا يحب من كَانَ مختالاً فخورا﴾ والمختال المتكبر: أَي: يتخيل فِي صُورَة من هُوَ أعظم مِنْهُ كبرا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هُوَ التياه والجهول الَّذِي يتكبر عَن إكرام أَقَاربه وَأَصْحَابه. قَوْله: (وَأحد) ، يَعْنِي: فِي الْمَعْنى، وَفِيه نظر، لِأَن المختال من الْخُيَلَاء، والختال: بتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق من الختل وَهُوَ الخديعة فَلَا يُنَاسب معنى الْكبر، وَهَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: المختال وَالْخَال وَاحِد وَالْخَال وَاحِد وَالْخَال بِدُونِ التَّاء وَصوب هَذَا جمَاعَة، وَكَذَا فِي كَلَام أبي عُبَيْدَة. (فَإِن قلت) : مَا وَجه التصويب فِيهِ؟ فَكيف هُنَا بِمَعْنى وَاحِد؟ قلت: الْخَال يَأْتِي لمعان كَثِيرَة: (مِنْهَا) : معنى الْكبر لِأَن الْخَال بِمَعْنى الخائل وَهُوَ المتكبر، وَقَالَ بَعضهم: الْخَال يُطلق على معَان كَثِيرَة نظمها بَعضهم فِي قصيدة تبلغ نَحوا من الْعشْرين بَيْتا قلت: كتبت قصيدة فِي مُؤَلَّفِي (رونق الْمجَالِس) تنْسب إِلَى ثَعْلَب تبلغ هَذِه اللَّفْظَة فِيهَا نَحوا من أَرْبَعِينَ. نَطْمِسَ وُجُوها نُسَوِّيها حَتَّى تَعُودَ كَأفْعَالِهِمْ طَمَسَ الكِتابَ مَحاهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿من قبل أَن

стр. 5436

نطمس وُجُوهًا﴾ وَفَسرهُ بقوله نسويها بقوله: (حَتَّى تعود كأفقائهم) وَأسْندَ الطَّبَرِيّ عَن قَتَادَة أَن المُرَاد أَن تعود الْأَوْجه فِي الأفقية، وَعَن قَتَادَة: تذْهب بالشفاه والأعين والحواجب فيردها أقفاء، وَقَالَ أبي بن كَعْب: هُوَ تَمْثِيل وَلَيْسَ المُرَاد حَقِيقَتهَا حسا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: نطمس مَنْصُوب على الْحِكَايَة من قَوْله: (من قبل أَن نطمس) وَأَشَارَ بقوله: طمس الْكتاب محاه إِلَى أَن الطمس يَجِيء بِمَعْنى المحو أَيْضا. سَعِيرا وُقُودا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿كفى بجهنم سعيرا﴾ (النِّسَاء: ٥٥) وَفسّر سعيرا بقوله: وقودا. لَو كَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ بَعضهم: هَذِه التفاسير لَيست لهَذِهِ الْآيَة وَكَأَنَّهَا من النساخ. قلت: هَذَا بعيد جدا لِأَن غَالب الْكتاب جهلة فَمن أَيْن لَهُم هَذِه التفاسير؟ وَبِأَيِّ وَجه يلحقون مثل هَذِه فِي مثل هَذَا الْكتاب الَّذِي لَا يحلق أساطين الْعلمَاء شاؤه؟ وَمن شَأْن النساخ التحريف والتصحيف والإسقاط وَلَيْسَ من دأبهم أَن يزِيدُوا فِي كتاب مُرَتّب منقح من عِنْدهم، وَلَو قَالَ: وَكَأَنَّهُ من بعض الروَاة المعتنين بالجامع لَكَانَ لَهُ وَجه، وَلَا يبعد أَن يكون هَذَا من نفس البُخَارِيّ من غير تفكر فِيهِ، فَإِن تنبه عَلَيْهِ فَلَعَلَّهُ مَا أدْرك إِلَى وضع هَذِه التفاسير فِي محلهَا ثمَّ استمرت على ذَلِك. ٤٥٨٢ - ح دَّثنا صَدْقَةُ أخْبرنا يَحْيَى عنْ سُفْيَانَ عنْ سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ عنْ عَبْدِ الله قَالَ يَحْيَى بَعْضُ الحَدِيثِ عَنْ عَمْرو بنِ مُرَّةَ قَالَ قَالَ لي النبيُّ ﷺ اقْرَأْ عَلَيَّ قُلْتُ اقْرَأ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قَالَ فَإِنِّي أُحِبُّ أنْ أسُمَعَهُ مِنْ غَيْرِي فَقَرَأتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّساءِ حَتَّى بَلغْتُ (فَكَيْفَ إذَا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هاؤُلاءِ شَهيدا) قَالَ أمْسِك فَإذَا عَيْناهُ تَذْرِفانِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَصدقَة هُوَ ابْن الْفضل أَبُو الْفضل الْمروزِي، وَيحيى بن سعيد الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَعبيدَة، بِفَتْح الْعين وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عَمْرو السَّلمَانِي. وَمن سُفْيَان إِلَى آخِره كلهم كوفيون، وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين على نسق وَاحِد وهم لِسُلَيْمَان وَإِبْرَاهِيم وَعبيدَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، وَعَمْرو بِفَتْح الْعين، ابْن مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء، الْجملِي بِفَتْح الْجِيم التَّابِعِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن مُحَمَّد بن يُوسُف وَعَن عمر بن حَفْص وَعَن مُسَدّد. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر وَغَيره، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْعلم عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مَحْمُود بن غيلَان وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هناد بن السّري بِهِ وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن سُوَيْد بن نصر بِهِ وَعَن غَيره. قَوْله: (قَالَ يحيى) هُوَ الْقطَّان، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قد ذكر البُخَارِيّ كَلَام يحيى للتقوية، وإلاّ فإسناد عَمْرو مَقْطُوع وَبَعض الحَدِيث مَجْهُول قلت: ظَاهره كَذَا، وَلكنه أوضحه فِي فَضَائِل الْقُرْآن فِي: بَاب الْبكاء عِنْد قِرَاءَة الْقُرْآن عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عُبَيْدَة عَن عبد الله. قَالَ الْأَعْمَش: وَبَعض الحَدِيث حَدثنِي عَمْرو بن مرّة عَن إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه عَن أبي الضُّحَى عَن عبد الله قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (اقْرَأ عليّ) الحَدِيث. قَوْله: (اقْرَأ عليّ) فِيهِ أَن الْقِرَاءَة من الْغَيْر أبلغ فِي التدبر والتفهم من قِرَاءَة الْإِنْسَان بِنَفسِهِ، وَفِيه فضل ظَاهر لعبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي (تَفْسِير عبد) لما قَرَأَ عبد الله هَذِه الْآيَة قَالَ سيدنَا رَسُول الله ﷺ : (من سره أَن يقْرَأ الْقُرْآن غضا كَمَا نزل فليقرأه على قِرَاءَة ابْن أم عبد) . قَوْله: (فَإِذا عَيناهُ) ، كلمة إِذا للمفاجأة. (وَعَيناهُ) مُبْتَدأ، وتذرفان، خَبره، أَي: عينا رَسُول الله ﷺ ، تطلقان دمعهما يُقَال: ذرف الدمع بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، وذرفت الْعين دمعها. وَفِي بكاء النَّبِي ﷺ ، وُجُوه: الأول: قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: بكاؤه ﷺ ، عِنْد هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة لِأَنَّهُ لَا بُد من أَدَاء الشَّهَادَة وَالْحكم على الْمَشْهُود عَلَيْهِ إِنَّمَا يكون يَقُول الشَّاهِد، فَلَمَّا كَانَ ﷺ ، هُوَ الشَّاهِد وَهُوَ الشافع بَكَى على المفرطين مِنْهُم. الثَّانِي: أَنه بَكَى لعظم مَا تضمنته هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة من هول المطلع وَشدَّة الْأَمر إِذْ يُؤْتِي بالأنبياء ﵈، شُهَدَاء على أممهم بالتصديق والتكذيب. الثَّالِث: أَنه بَكَى فَرحا لقبُول شَهَادَة أمته ﷺ ، يَوْم الْقِيَامَة وَقبُول تزكيته لَهُم فِي ذَلِك الْيَوْم الْعَظِيم.

стр. 5437

١٠ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أوْ عَلَى سَفَرٍ أوْ جَاءَ أحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ﴾ (النِّسَاء: ٤٣) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن كُنْتُم مرضى﴾ الْآيَة. قَوْله: (مرضى) ، جمع مَرِيض، وَأَرَادَ بِهِ مَرِيضا يضرّهُ المَاء كصاحب الجدري والجروح وَمن يتَضَرَّر بِاسْتِعْمَال المَاء هَذَا قَول جمَاعَة من الْفُقَهَاء إلَاّ مَا ذهب إِلَيْهِ عَطاء وَالْحسن أَنه لَا يتَيَمَّم مَعَ وجود المَاء احتجاجا بقوله تَعَالَى: ﴿فَإِن لم تَجدوا مَاء﴾ وَلم يُؤْخَذ بِهِ. قَوْله: (أَو على سفر) ، أَي: أَو كُنْتُم على سفر وَلَيْسَ السّفر شرطا لإباحة التَّيَمُّم، وَإِنَّمَا الشَّرْط عدم المَاء، وَإِنَّمَا ذكر السّفر لِأَن المَاء يعْدم فِيهِ غَالِبا. قَوْله: (أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط) ، وَهُوَ الْموضع المطمئن من الأَرْض، كَانُوا يتبرزون هُنَاكَ ليغيبوا عَن أعين النَّاس، فكنى عَن الْحَدث بمكانه، ثمَّ كثر الِاسْتِعْمَال حَتَّى صَار كالحقيقة، وَالْفِعْل مِنْهُ: غاط يغوط، مثل عَاد يعود. صَعِيدٌ أوْجهَ الأَرْضِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا﴾ وَفسّر صَعِيدا بقوله: وَجه الأَرْض، ذكره أَبُو بكر بن الْمُنْذر عَن أبي عُبَيْدَة. وَقَالَ جَابِرُ كَانَتِ الطَوَاغِيتُ الَّتِي يَتَحَاكَمُونَ إلَيْها فِي جُهَيْنَةَ وَاحِدٌ وَفِي أسْلَمَ وَاحِدٌ وَفِي كُلِّ حَيِّ وَاحِدٌ كُهَّانٌ يَنْزِلُ عَلَيْهِمِ الشَّيْطَانُ. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت﴾ (النِّسَاء: ٦٠) . قَوْله: (كَانَت الطواغيت) ، هُوَ جمع طاغوت، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: الطاغوت اسْم وَاحِد مؤنث، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يزِيد هُوَ عِنْدِي جمَاعَة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الطاغوت يكون جمعا وواحدا. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وطاغوت وَإِن كَانَ على وزن لاهوت، فَهُوَ مقلوب لِأَنَّهُ من طَغى ولاهوت غير مقلوب لِأَنَّهُ من لاه. لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الرغبوت والرهبوت انْتهى. قلت: أَصله طغبوت فَقدمت الْيَاء على الْغَيْن فَصَارَ طيغوت فقلبت الْيَاء ألفا لتحركهاوانفتاح مَا قبلهَا، والطاغوت والكاهن والشياطن وكل رَأس فِي الضلال فَهُوَ طاغوت. قَوْله: (فِي جُهَيْنَة وَاحِد) ، أَي: مُسَمّى بطاغوت، وجهينة قَبيلَة، وَكَذَلِكَ أسلم على وزن أفعل التَّفْصِيل. قَوْله: (كهان) ، بِالرَّفْع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ أَي: الطواغيت الْمَذْكُورَة فِي الْقَبَائِل كهان، بِضَم الْكَاف، جمع كَاهِن ينزل عَلَيْهِم الشَّيْطَان فَيلقى إِلَيْهِم الْأَخْبَار، والكاهن هُوَ الَّذِي يتعاطى الْخَبَر عَن الكائنات فِي مُسْتَقْبل الزَّمَان ويدعى معرفَة الْأَسْرَار، وَهَذَا الْأَثر ذكره ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه عَن الْحسن بن الصَّباح: حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عبد الْكَرِيم حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن عقيل عَن أَبِيه عقيل بن معقل عَن وهب بن مُنَبّه. قَالَ: سَأَلت جَابر ابْن عبد الله عَن الطواغيت الحَدِيث بِزِيَادَة، وَفِي هِلَال وَاحِد. وَقَالَ عُمَرُ الجِبْتُ السِّحْرُ وَالطَّاغُوتُ الشَّيْطَانُ وَقَال عِكْرَمَةُ الجِبْتُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ شَيْطَانٌ وَالطَاغُوتُ الكَاهِنُ. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يُؤمنُونَ بالجبت والطاغوت﴾ (النِّسَاء: ٥١) وَأثر عمر رَوَاهُ عبد بن حميد عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق عَن حسان بن قَائِد عَن عمر، وَأثر عِكْرِمَة رَوَاهُ عبد أَيْضا عَن أبي الْوَلِيد عَن أبي عوَانَة عَن أبي بشر عَنهُ، وَاخْتَارَ الطَّبَرِيّ أَن المُرَاد بالجبت والطاغوت جنس مَا كَانَ يعبد من دون الله سَوَاء كَانَ صنما أَو شَيْطَانا أَو آدَمِيًّا، فَيدْخل فِيهِ السَّاحر والكاهن، وَأخرج الطَّبَرِيّ أَيْضا بِإِسْنَاد صَحِيح عَن سعيد بن جُبَير. قَالَ: الجبت السَّاحر بِلِسَان الْحَبَشَة، والطاغوت الكاهن، وَهَذَا يدل على وُقُوع المعرب فِي الْقُرْآن. وَاخْتلف فِيهِ فَأنْكر الشَّافِعِي وَأَبُو عُبَيْدَة وُقُوع ذَلِك فِي الْقُرْآن وحملا مَا وجد من ذَلِك على توارد اللغتين، وَأَجَازَ ذَلِك قوم وَاخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب وَاحْتج لذَلِك بِوُقُوع إسماء الْإِعْلَام فِيهِ كإبراهيم وَغَيره، فَلَا مَانع من وُقُوع إسماء الْأَجْنَاس فِيهِ أَيْضا وَقد وَقع فِي البُخَارِيّ جملَة من ذَلِك، وَقيل: مَا وَقع من ذَلِك فِي الْقُرْآن سَبْعَة وَعِشْرُونَ وَهِي (السلسبيل) و (كورت) وَبيع (روم) و (طُوبَى) و (سجيل) و (كافور) و (زنجبيل) و (ومشكاة) و (وسرادق) و (استبرق) و (صلوَات) و (سندس) و (طور) و (قَرَاطِيس) و (ربانيين) و (غساق) و (دِينَار) و (قسطاس) و (قسورة) و (اليم) و (ناشئة) و (كِفْلَيْنِ)

стр. 5438

و (مقاليد) و (فردوس) و (تنور) . ٤٥٨٣ - ح دَّثنا مُحَمَّدٌ أخْبرنا عَبْدَةُ عنْ هِشامٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ هَلَكَتْ قِلادَةٌ لأَسْمَاءَ فَبَعَثَ النبيُّ ﷺ فِي طَلَبِها رِجالاً فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ وَلَيْسُوا عَلَى وُضوءَ وَلَمْ يَجِدُوا مَاءً فَصَلَّوْا وَهُمْ عَلَى غَيْرِ وُضوءٍ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى يَعْنِي آيَةَ التَّيَمُّمِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) قَوْله هَذَا حَدثنِي مُحَمَّد أخبرنَا عَبدة، يشبه أَن يكون البيكندي لِأَنَّهُ ذكر رِوَايَته فِي (جَامعه) فِي غير مَوضِع قلت: البيكندي هَذَا هُوَ مُحَمَّد بن سَلام بن الْفرج أَبُو عبد الله السّلمِيّ مَوْلَاهُم البُخَارِيّ البيكندي، سمع عَبدة بن سُلَيْمَان الْكلابِي وَمن مَشَايِخ البُخَارِيّ البيكندي أخرجه أَيْضا وَهُوَ مُحَمَّد بن يُوسُف أَبُو أَحْمد البُخَارِيّ البيكندي، وَلم يذكر فِي (الْجَامِع) أَنه سمع عَبدة. والْحَدِيث مر فِي التَّيَمُّم فِي: بَاب إِذا لم يجد مَاء وَلَا تُرَابا، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ١١ - (بابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أطِيعُوا الله وأطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولى الأمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النِّسَاء: ٥٩) ذَوِي الأمْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أطِيعُوا الله﴾ إِلَى آخِره هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر. وَفِي رِوَايَة غَيره وَقع كَذَا أولي الْأَمر مِنْكُم ذَوي الْأَمر وَقَالَ الواحدي: نزلت هَذِه الْآيَة فِي عمار لما أَجَارَ على خَالِد فَنَهَاهُ النَّبِي ﷺ أَن يجير على أَمِير إلَاّ بِإِذْنِهِ. قَوْله: (ذَوي الْأَمر) تَفْسِير لقَوْله: (وأولي الْأَمر) وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة. ٤٥٨٤ - ح دَّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ أخْبرنا حَجَّاجُ بنُ مُحَمَّدٍ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ عَنْ يَعْلَى بن مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿أطِيعُوا الله وَأطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوَلي الأمْرِ مِنْكُمْ﴾ قَالَ نَزَلَتْ فِي عَبْدِ الله بنِ حُذَافَةَ بنِ قَيْسِ بنِ عَدِيّ إذْ بَعَثَهُ النبيُّ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَصدقَة بن الْفضل أَبُو الْفضل الْمروزِي، وَقد تكَرر ذكره، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: صَدَقَة بن الْفضل، وَفِي رِوَايَة ابْن السكن عَن الفريري عَن البُخَارِيّ. حَدثنَا ستنيد، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره دَال مُهْملَة، وَهُوَ لقب، واسْمه الْحُسَيْن بن دَاوُد أَبُو عَليّ المصِّيصِي من حفاظ الحَدِيث وَله تَفْسِير مَشْهُور، وَلَكِن ضعفه أَبُو حَاتِم وَالنَّسَائِيّ وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ ذكر إلَاّ فِي هَذَا الْموضع، إِن كَانَ الْأَمر كَمَا ذكره ابْن السكن، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون البُخَارِيّ روى الحَدِيث عَنْهُمَا جَمِيعًا فاقتصر الْأَكْثَرُونَ على صَدَقَة بن الْفضل لاتفاقه، وَاقْتصر ابْن السكن على ذكر سنيد لكَونه صَاحب تَفْسِير، والْحَدِيث يتَعَلَّق بِهِ. قلت: كَلَام ابْن السكن أقرب لِأَن حجاج بن مُحَمَّد الَّذِي روى عَنهُ سنيد مصيصي أَيْضا وَإِن كَانَ أَصله ترمذيا لِأَنَّهُ سكن المصيصة، وحجاج، على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ ابْن مُحَمَّد الْأَعْوَر يروي عَن عبد مَالك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ، ويعلى، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام مَقْصُورا ابْن مُسلم بن هُرْمُز. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْجِهَاد عَن زُهَيْر بن حَرْب وَهَارُون بن عبد الله، وَأَبُو دَاوُد فِيهِ عَن هَارُون بن عبد الله وَالتِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الله وَالنَّسَائِيّ فِي الْبيعَة وَفِي السّير وَفِي التَّفْسِير عَن الْحسن بن مُحَمَّد الزَّعْفَرَانِي. قَوْله: (وَأولى الْأَمر مِنْكُم) ، فِي تَفْسِيره أحد عشر قولا: الأول: الْأُمَرَاء، قَالَه ابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة وَابْن زيد وَالسُّديّ. الثَّانِي: أَبُو بكر وَعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَه عِكْرِمَة. الثَّالِث: جَمِيع الصَّحَابَة، قَالَ مُجَاهِد. الرَّابِع: الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة قَالَه أَبُو بكر الْوراق فِيمَا قَالَه الثَّعْلَبِيّ. الْخَامِس: الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار، قَالَه عَطاء. السَّادِس: الصَّحَابَة والتابعون. السَّابِع: أَرْبَاب الْعقل الَّذين يسوسون أَمر النَّاس، قَالَه ابْن كيسَان. الثَّامِن: الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء، قَالَه جَابر بن عبد الله وَالْحسن وَأَبُو الْعَالِيَة. التَّاسِع: أُمَرَاء السَّرَايَا. قَالَه مَيْمُون بن مهْرَان وَمُقَاتِل والكلبي. الْعَاشِر: أهل الْعلم وَالْقُرْآن، قَالَه مُجَاهِد وَاخْتَارَهُ مَالك. الْحَادِي عشر: عَام فِي كل من ولي أَمر شَيْء، وَهُوَ الصَّحِيح، وإلي مَال البُخَارِيّ بقوله: (ذَوي الْأَمر) قَوْله: (نزلت فِي عبد الله بن حذافة) ، قد مرت تَرْجَمته

стр. 5439

مَعَ قصَّته فِي الْمَغَازِي وَاعْترض الدَّاودِيّ فَقَالَ قَول ابْن عَبَّاس: (نزلت فِي عبد الله بن حذافة) وهم من غَيره لِأَن فِيهِ حمل الشَّيْء على ضِدّه لِأَن الَّذِي هُنَا خلاف مَا قَالَه ﷺ هُنَاكَ، وَهُوَ قَوْله إِنَّمَا الطَّاعَة فِي الْمَعْرُوف، وَكَانَ قد خرج على جَيش فَغَضب وَلَو قدنا نَارا. وَقَالَ: اقتحمونا فَامْتنعَ بَعضهم وهمَّ بعض أَن يفعل. قَالَ: فَإِن كَانَت الْآيَة نزلت قبل فَكيف يخْتَص عبد الله بن حذافة بِالطَّاعَةِ دون غَيره؟ وَإِن كَانَت نزلت بعد فَإِنَّمَا قيل لَهُم: إِنَّمَا الطَّاعَة فِي الْمَعْرُوف، وَمَا قيل لَهُم لمَ لَمْ تطيعوه؟ وَأجِيب عَن هَذَا بِأَن المُرَاد من قصَّة عبد الله بن حذافة قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ وَذَلِكَ لِأَن السّريَّة الَّتِي عَلَيْهَا عبد الله بن حذافة لما تنازعوا فِي امْتِثَال أَمرهم بِهِ من دُخُول النَّار وَتَركه كَانَ عَلَيْهِم أَن يردوه فِي ذَلِك إِلَى الله وَرَسُوله لقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء﴾ أَي: فِي جَوَاز شَيْء وَعَدَمه. (فَردُّوهُ إِلَى الله وَرَسُوله) أَي: فَارْجِعُوا إِلَى الْكتاب وَالسّنة، قَالَه مُجَاهِد وَغَيره من السّلف، وَهَذَا أَمر من الله بِأَن كل شَيْء تنَازع النَّاس فِيهِ من أصُول الدّين وفروعه أَن يردوا الْمُتَنَازع فِي ذَلِك إِلَى الْكتاب وَالسّنة. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا اختلفتم فِيهِ من شَيْء فَحكمه إِلَى الله﴾ (الشورى: ١٠) فَمَا حكم بِهِ كتاب الله وَسنة رَسُول وَشهد لَهُ بِالصِّحَّةِ فَهُوَ الْحق فَمَاذَا بعد الْحق إلَاّ الضلال؟ . ١٢ - (بابٌ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (النِّسَاء: ٦٥) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ﴾ وَلم يُوجد لفظ بَاب إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر وَلَقَد أقسم الله تَعَالَى بِنَفسِهِ الْكَرِيمَة المقدسة أَنه لَا يُؤمن من أحد حَتَّى يحكم الرَّسُول ﷺ ، فِي جَمِيع الْأُمُور فَمَا حكم بِهِ فَهُوَ الْحق الَّذِي يجب الانقياد لَهُ ظَاهرا وَبَاطنا. ٤٥٨٥ - ح دَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ أخبرَنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ قَالَ خَاصَمَ الزُّبَيْرُ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ فَي شَرِيجٍ مِنَ الحَرَّةِ فَقَالَ النبيُّ ﷺ اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إِلَى جَارِكَ فَقَالَ الأنْصَارِيُّ يَا رَسُولَ اللهأنْ كَانَ ابنَ عَمَتِّكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ ثُمَّ قَالَ اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الماءَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى الجَدْرِ ثُمَّ أرْسِلِ المَاءَ إلَى جَارِكَ وَاسْتَوْعَى النبيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ حَقَهُ فِي صَرِيحِ الحُكْمِ حِينَ أحْفَظَهُ الأنْصارِيُّ وَكَانَ أشَارَ عَلَيْهِمَا بأمْرٍ لَهُمَا فَيهِ سَعَةٌ قَالَ الزُّبَيْرُ فَمَا أحْسِبُ هاذِهِ الآيَاتِ إلَاّ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلا وَرَبّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنُهُمْ﴾ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الشّرْب فِي ثَلَاثَة أَبْوَاب مُتَوَالِيَة: أَولهَا: بَاب كرى الْأَنْهَار. وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوْفِي. قَوْله: (فِي شريج) ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء وبالجيم، وَهُوَ مسيل المَاء. قَوْله: (إِن كَانَ ابْن عَمَّتك) ، بِفَتْح الْهمزَة وَكسرهَا. وَالْجَزَاء مَحْذُوف وَالتَّقْدِير: لَئِن كَانَ ابْن عَمَّتك حكمت لَهُ، وَكَانَ الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ابْن صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب عمَّة رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (فتلَّون وَجهه) ، أَي: تغير وَجه رَسُول الله ﷺ من كَلَام الْأنْصَارِيّ. قَوْله: (إِلَى الْجدر) ، بِفَتْح الْجِيم، وَهُوَ أصل الْحَائِط. قَوْله: (واستوعى) ، أَي: استوعب وَاسْتوْفى، وَهَذَا الْكَلَام لِلزهْرِيِّ ذكره إدراجا قَوْله: (حِين أحفظه) أَي: حِين أغضبهُ. وَهُوَ بِالْحَاء الْمُهْملَة. قَوْله: (وَكَانَ أَشَارَ عَلَيْهِمَا) أَي: كَانَ النَّبِي ﷺ أَشَارَ على الزبير والأنصاري فِي أول الْأَمر بِأَمْر لَهما فِيهِ سَعَة. أَي: توسع على سَبِيل الْمُصَالحَة. فَلَمَّا لم يقبل الْأنْصَارِيّ الصُّلْح حكم للزبير بِمَا هُوَ حَقه فِيهِ. ١٣ - (بابٌ: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ (النِّسَاء: ٦٩) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأُولَئِك﴾ وأوله: (وَمن يطع الله وَالرَّسُول فَأُولَئِك) الْآيَة. أَي: من عمل بِمَا أمره الله وَرَسُوله وَترك

стр. 5440

مَا نَهَاهُ الله عَنهُ وَرَسُوله فَأُولَئِك يكونُونَ مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم. وَقَالَ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن عَائِشَة ﵂، قَالَت: جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِنَّك لأحب إليّ من نَفسِي وَأَهلي، وَإِنِّي لأَكُون فِي الْبَيْت فَأَذْكرك فَمَا أَصْبِر حَتَّى آتِيك فَأنْظر إِلَيْك، وَإِذا ذكرت موتك عرفت أَنَّك ترفع مَعَ النَّبِيين، وَإِنِّي إِذا دخلت الْجنَّة خشيت أَن لَا أَرَاك، فَلم يرد عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ شَيْئا حَتَّى نزل جِبْرِيل ﵊، بِهَذِهِ الْآيَة انْتهى. قلت: هَذَا الرجل هُوَ ثَوْبَان، فَمَا ذكره الواحدي. ٤٥٨٦ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ حَوْشَبٍ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ أبِيهِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ مَا مِنْ نَبِيٍّ يَمْرَضُ إِلَّا خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ أخَذَتْهُ بُحَّةٌ شَدِيدَةٌ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِييِّنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ (النِّسَاء: ٦٩) فَعَلِمْتُ أنَّهُ خُيِّرَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِبْرَاهِيم بن سعد يروي عَن أَبِيه سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن عُرْوَة بن الزبير، وَمر الحَدِيث فِي: بَاب مرض النَّبِي ﷺ ووفاته، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر عَن شُعْبَة عَن سعد عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة إِلَى آخِره. قَوْله: (بحة) بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْحَاء الْمُهْملَة، وَهِي غلظ فِي الصَّوْت وخشونة فِي الْحلق. قَوْله: (خير) على صِيغَة الْمَجْهُول. أَي: خبر بَين الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَاخْتَارَ الْآخِرَة ﷺ . ١٤ - (بابُ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله﴾ إلَى ﴿الظَّالِمِ أهْلُها﴾ (النِّسَاء: ٧٥) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿لَا تقاتلون فِي سَبِيل الله﴾ إِلَى قَوْله: ﴿الظَّالِم أَهلهَا﴾ هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: ﴿وَمَا لكم لَا تقاتلون فِي سَبِيل الله وَالْمُسْتَضْعَفِينَ من الرِّجَال وَالنِّسَاء﴾ الْآيَة وتمامها (والولدان الَّذين يَقُولُونَ رَبنَا أخرجنَا من هَذِه الْقرْيَة الظَّالِم أَهلهَا وَاجعَل لنا من لَدُنْك وليا وَاجعَل لنا من لَدُنْك نَصِيرًا) قَوْله : ﴿وَمَا لكم لَا تقاتلون فِي سَبِيل الله﴾ تحريض لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ على الْجِهَاد فِي سَبيله وعَلى السَّعْي فِي استنقاذ الْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّة من الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالصبيان. قَوْله: (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ) ، مَنْصُوب عطفا على (سَبِيل الله) أَي: فِي سَبِيل الله وخالص الْمُسْتَضْعَفِينَ أَو مَنْصُوب على الِاخْتِصَاص، يَعْنِي: واختص فِي سَبِيل الله خلاص الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَالْمرَاد من الْقرْبَة مَكَّة. قَوْله: (وَاجعَل لنا من لَدُنْك وليا) ، أَي: سخر لنا من عنْدك وليا ناصرا.

стр. 5441

٤٥٨٨ - ح دَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ أيُّوبَ عَنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّ ابنَ عَبَاسٍ تَلا ﴿إلَاّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّسَاءِ وَالوِلْدَانِ﴾ (النِّسَاء: ٩٨) قَالَ كُنْتُ أنَا وَأُمِّي مِمَّنْ عَذَرَ الله. هَذَا طَرِيق آخر لحَدِيث ابْن عَبَّاس أخرجه عَن سُلَيْمَان بن حَرْب ضد الصُّلْح. عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن عبد الله عَن عبيد الله بن أبي مليكَة، بِضَم الْمِيم، واسْمه زُهَيْر الْأَحول القَاضِي الْمَكِّيّ. قَوْله: (أَن ابْن عَبَّاس تَلا) ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، عَن ابْن عَبَّاس أَنه تَلا يَعْنِي: قَرَأَ. قَوْله: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ) ، إِلَى آخِره. قَوْله: (مِمَّن عذر الله) أَي: مِمَّن جعلهم من المعذورين الْمُسْتَضْعَفِينَ. وَيُذْكَرُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ حَصِرَت ضَاقَتْ أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير: حصرت. فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حصرت وهم صُدُورهمْ﴾ (النِّسَاء: ٩٠) وَفَسرهُ بقوله: (ضَاقَتْ) . وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي حَاتِم فِي تَفْسِيره عَن حَدِيث عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَحكى الْفراء عَن الْحسن أَنه قَرَأَ: (أحصرت صُدُورهمْ) ، بِالرَّفْع وَقَالَ بَعضهم: على هَذَا خبر بعد خبر. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: أَو جاؤكم حصرت صُدُورهمْ، أَي: ضيقَة منقبضة وقرىء: حصرات، صدوهم، وحاصرت، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَجعله الْمبرد صفة الْمَحْذُوف. أَي: أَو جاؤكم قوما حصرت صُدُورهمْ وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق مُجَاهِد أَنَّهَا نزلت فِي هِلَال بن عُوَيْمِر الْأَسْلَمِيّ، وَكَانَ بَينه وَبَين الْمُسلمين عهد وقصده نَاس من قومه فكره أَن يُقَاتل الْمُسلمين وَكره أَن يُقَاتل قومه، وَفِي (تَفْسِير ابْن كثير) وَهَؤُلَاء قوم من المستثنين من الْأَمر بقتالهم، وهم الَّذين يجيئون إِلَى المصاف وهم حصرت صُدُورهمْ مبغضين أَن يُقَاتِلُوكُمْ وَلَا يهون عَلَيْهِم أَيْضا أَن يقاتلوهم مَعكُمْ، بل هم لَا لكم وَلَا عَلَيْكُم. تَلْوُوا ألْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَن تلووا أَو تعرضوا﴾ ، وَنقل هَذَا التَّفْسِير أَيْضا ابْن عَبَّاس. قَالَ ابْن الْمُنْذر، حَدثنَا زَكَرِيَّا حَدثنَا أَحْمد بن نصر حَدثنَا عبد الله بن صَالح حَدثنِي مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس بِلَفْظ: (وَأَن تلووا وتعرضوا) يَعْنِي: إِن تلووا أَلْسِنَتكُم بِالشَّهَادَةِ أَو تعرضوا عَنْهَا، وَقَرَأَ حَمْزَة وَابْن عَامر: وَإِن تلوا، بواو وَاحِدَة سَاكِنة وَيكون على هَذَا من الْولَايَة. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة، وَلَيْسَ للولاية هُنَا معنى، وَأجَاب الْفراء بِأَنَّهَا بِمَعْنى اللبي كَقِرَاءَة الْجَمَاعَة إِلَّا أَن الْوَاو المضمومة قلبت همزَة ثمَّ سهلت. وَقَالَ الْفَارِسِي: إِنَّهَا على بَابهَا من الْولَايَة، وَالْمرَاد، وَإِن وليتم إِقَامَة الشَّهَادَة. وَقَالَ غَيْرُهُ المُرَاغَمُ المُهَاجَرُ رَاغَمْتُ هَاجَرْتُ قَوْمِي أَي: وَقَالَ غير ابْن عَبَّاس لفظ المراغم فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يُهَاجر فِي سَبِيل الله يجد فِي الأَرْض مراغما كثيرا وسعة﴾ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْغَيْر: أَبَا عُبَيْدَة، فَإِن هَذَا لَفظه حَيْثُ قَالَ: المراغم وَالْمُهَاجِر وَاحِد. تَقول: هَاجَرت قومِي وراغمت قومِي، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: مراغما مُهَاجرا وطريقا يراغم بسلوكه قومه أَي: يفارقهم على رغم أنوفهم، والرغم الذل والهوان وَأَصله لصوق الْأنف بالرغام وَهُوَ التُّرَاب، يُقَال: راغمت الرجل إِذا فارقته وَهُوَ يكره مفارقتك، وَفِي (تَفْسِير ابْن كثير) المراغم مصدر تَقول الْعَرَب، راغم فلَان قومه مراغما ومرغمة، وَقَالَ ابْن عَبَّاس المراغم المتحول من أَرض إِلَى أَرض، وَكَذَا رُوِيَ عَن الضَّحَّاك وَالربيع بن أنس وَالثَّوْري، وَقَالَ مُجَاهِد: مراغما يَعْنِي متزحزحا عَمَّا يكره. مَوْقُوتا مُؤَقَّتا وَقَتَهُ عَلَيْهِمِ هَذَا لم يَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَهُوَ تَفْسِير أبي عُبَيْدَة أَيْضا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الصَّلَاة كَانَت على الْمُؤمنِينَ كتابا موقوتا﴾ قَوْله: (وقته) أَي: وقته الله عَلَيْهِم. وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: (موقوتا) قَالَ مَفْرُوضًا.

стр. 5442

١٥ - (بابٌ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَالله أرْكَسَهُمِ بِما كَسَبُوا﴾ (النِّسَاء: ٨٨) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا لكم فِي الْمُنَافِقين﴾ إِلَى آخِره. أَي: مالكم اختلفتم فِي شَأْن قوم نافقوا نفَاقًا ظَاهرا وتفرقتم فِيهِ فئتين أَي: فرْقَتَيْن، وَمَا لكم تبينوا القَوْل بكفرهم؟ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فئتين، نصب على الْحَال كَقَوْلِك: مَالك قَائِما. قَوْله: (وَالله أركسهم) أَي: ردهم فِي حكم الْمُشْركين كَمَا كَانُوا بِمَا كسبوا من ارتدادهم ولحوقهم بالمشركين. وَعَن قريب نذْكر من هَؤُلَاءِ المُنَافِقُونَ. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ بَدَّدَهُمْ أَرَادَ إِن ابْن عَبَّاس فسر قَوْله تَعَالَى: ﴿أركسهم﴾ بقوله بددهم، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: ﴿وَالله أركسهم بِمَا كسبوا﴾ قَالَ: بددهم انْتهى. يُقَال: بددهم تبديدا أَي: فرقهم ومزق شملهم، وَكَذَا بددت بدا. وَعَن ابْن عَبَّاس أوقعهم، وَعَن قَتَادَة. أهلكهم. فِئَةٌ جَمَاعَةٌ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن فئتين، فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة تَثْنِيَة فِئَة قَوْله: (جمَاعَة) أَي: مَعْنَاهَا جمَاعَة. وَكَذَا كل مَا ذكر فِي الْقُرْآن. نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿كم من فِئَة قَليلَة غلبت على فِئَة كَثِيرَة﴾ (الْبَقَرَة: ٢٤٩) وَقَوله: ﴿فِئَة تقَاتل فِي سَبِيل الله﴾ (آل عمرَان: ١٣) . ٤٥٨٩ - ح دَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا غُنْدَرٌ وَعَبْدُ الرَّحْمانِ قَالَا حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيٍّ عَنْ عَبْدِ الله بنِ يَزِيدَ عَنْ زَيْدٍ بنِ ثَابِتٍ ﵁ فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ رَجَعَ ناسٌ مِنْ أصْحَابِ النبيِّ ﷺ مِنْ أُحُدٍ وَكَانَ النَّاسُ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ فَرِيقٌ يَقُولُ اقْتُلْهُمْ وَفَرِيقٌ يَقُولُ لَا فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ وَقَالَ إنَّهَا طَيِّبَةُ تَنْفِي الخَبَثَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الفِضةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وغندر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون، لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن مهْدي، وعدي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الدَّال، ابْن ثَابت التَّابِعِيّ، وَعبد الله بن يزِيد الخطمي، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الطَّاء الْمُهْملَة، صَحَابِيّ صَغِير. والْحَدِيث مضى فِي: بَاب الْمَدِينَة تَنْفِي الْخبث، فِي أَوَاخِر الْحَج عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَفِي الْمَغَازِي عَن أبي الْوَلِيد، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (رَجَعَ نَاس) هم عبد الله بن أبي سلول وَمن تبعه. وكذر ابْن إِسْحَاق فِي وقْعَة أحد أَن عبد الله بن أبي سلول رَجَعَ يَوْمئِذٍ بِثلث الْجَيْش. وَرجع بثلاثمائة وَبَقِي النَّبِي ﷺ فِي سَبْعمِائة. قَوْله: (طيبَة) بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ اسْم من أَسمَاء مَدِينَة رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (الْخبث) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة، وخبث الْفضة وَالْحَدِيد مَا نقاه الْكِير، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: خبث الْحَدِيد، وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس: نزلت هَذِه الْآيَة فِي قوم كَانُوا بِمَكَّة قد تكلمُوا بِالْإِسْلَامِ وَكَانُوا يظاهرون الْمُشْركين، فَخَرجُوا من مَكَّة يطْلبُونَ حَاجَة لَهُم. فَقَالُوا: إِن لَقينَا أَصْحَاب مُحَمَّد فَلَيْسَ علينا مِنْهُم بَأْس، وَإِن الْمُؤمنِينَ لما أخبروا أَنهم قد خَرجُوا من مَكَّة. قَالَت فِئَة من الْمُؤمنِينَ اركبوا إِلَى الخبثاء فاقتلوهم فَإِنَّهُم يظاهرون عَلَيْكُم عَدوكُمْ. وَقَالَت فِئَة أُخرى من الْمُؤمنِينَ: سُبْحَانَ الله، أَو كَمَا قَالُوا: أَتقْتلونَ قوما قد تكلمُوا بِمثل مَا تكلمتم بِهِ من أجل أَنهم لم يهاجروا ويتركوا دِيَارهمْ أتستحل دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالهمْ؟ فَكَانُوا كَذَلِك فئتين وَالرَّسُول عِنْدهم لَا ينْهَى وَاحِدًا من الْفَرِيقَيْنِ عَن شَيْء. فَنزلت: ﴿فَمَا لكم فِي الْمُنَافِقين فئتين﴾ (النِّسَاء: ٨٨) رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم، وَقَالَ زيد بن أسلم عَن ابْن سعد ابْن معَاذ أَنَّهَا نزلت فِي تقاول الْأَوْس والخزرج فِي شَأْن عبد الله بن أبي حِين استعذر مِنْهُ رَسُول الله ﷺ على الْمِنْبَر فِي قَضِيَّة الْإِفْك، وَهَذَا غَرِيب، وَقيل غير ذَلِك.

стр. 5443

(بابٌ: ﴿وَإذَا جَاءَهُمْ أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذَاعُوا بِهِ﴾ (النِّسَاء: ٨٣) أيْ أفْشَوْهُ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا جَاءَهُم﴾ إِلَى آخِره. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَإِذا جَاءَهُم قوم من ضعفة الْمُسلمين الَّذين لم يكن فيهم خبْرَة الْأَحْوَال وَلَا استنباط الْأُمُور، كَانُوا إِذا بَلغهُمْ خبر عَن سَرَايَا رَسُول الله ﷺ من أَمن وسلامة أَو خوف وخلل إِذا عوابه، وَكَانَت إذاعتهم مفْسدَة، وَلَو ردوا ذَلِك الْخَبَر إِلَى رَسُول الله ﷺ وَإِلَى أولي الْأَمر وهم كبراء الصَّحَابَة البصراء بالأمور وَالَّذين كَانُوا يوقرون مِنْهُم (لعلمه الَّذين يستنبطونه) أَي: لعلم تَدْبِير مَا أخبروا بِهِ الَّذين يستنبطونه أَي: يستخرجون تَدْبيره بفطنتهم وتجاربهم ومعرفتهم بِأُمُور الْحَرْب ومكائدها. ثمَّ إِن تَفْسِير البُخَارِيّ. قَوْله: (أذاعوا بِهِ) بقوله: أَي: (أفشوه) نَقله ابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس. قَالَ: حَدثنَا زَكَرِيَّا حَدثنَا إِسْحَاق قَرَأت على أبي قُرَّة فِي تَفْسِير عَن ابْن جريج: أذاعوا بِهِ، أَي: أفشوه، أَي: أعلنوه، عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم، رُوِيَ عَن عِكْرِمَة وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك نَحوه. يَسْتَنْبِطُونَهُ يَسْتَخْرِجُونَهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن معنى قَوْله تَعَالَى فِي الْآيَة المترجم بهَا. يستنبطونه، يستخرجونه من الاستنباط، يُقَال: استنبط المَاء من الْبِئْر إِذا استخرجه. حَسِيبا كَافِيا أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن لفظ حسيبا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله كَانَ على كل شَيْء حسيبا﴾ (النِّسَاء: ٨٦) كَافِيا. إلَاّ إِنَاثًا يَعْنِي الَمَوَاتَ حَجَرا أوْ مَدَرَا وَمَا أشْبَهَهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَن يدعونَ من دون إلَاّ إِنَاثًا﴾ (النِّسَاء: ١١٧) وَفَسرهُ بقوله: (يَعْنِي الْموَات) وَالْمرَاد بالموات ضد الْحَيَوَان، وَلِهَذَا قَالَ: (حجرا أَو مدرا وَمَا أشبه ذَلِك) على طَرِيق عطف الْبَيَان أَو الْبَدَل، وَيُقَال: المُرَاد مِنْهُ اللات والعزى وَمَنَاة وَهِي أصنامهم، وَكَانُوا يَقُولُونَ: هِيَ بَنَات الله تَعَالَى عَن ذَلِك، وَقَالَ الْحسن: لم يكن حَيّ من أَحيَاء الْعَرَب إلَاّ وَلَهُم صنم يعبدونه يُسمى: أُنْثَى بني فلَان، وَهَذَا التَّفْسِير الَّذِي ذكره مَنْقُول عَن أبي عُبَيْدَة نَحوه. مَرِيدا مُتَمَرِّدا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَن يدعونَ إلَاّ شَيْطَانا مرِيدا﴾ وَفسّر قَوْله: (مرِيدا) بقوله: (متمردا) وَهُوَ تَفْسِير أبي عُبَيْدَة بِلَفْظِهِ. وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق قَتَادَة. قَالَ: متمردا على مَعْصِيّة الله تَعَالَى، وَهَذَا لم يَقع إلَاّ للمستملي وَحده. فَليُبَتِّكُنَّ بَتَّكَهُ قَطَّعَهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فليبتكن آذان الْأَنْعَام﴾ (النِّسَاء: ١١٩) وَقَالَ: إِنَّه من بتكه، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَفَسرهُ بِقطعِهِ، بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ تَفْسِير أبي عُبَيْدَة. وَقَالَ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة، كَانُوا يبتكون آذان الْأَنْعَام لطواغيتهم. قِيلاً وَقَوْلاً وَاحِدٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن أصدق من الله قِيلاً﴾ (النِّسَاء: ١٢٢) قَوْله: (قيلا وقولاً وَاحِد) ، يَعْنِي: كِلَاهُمَا مصدران بِمَعْنى وَاحِد، وأصل قيلاً قولا قلبت الْوَاو يَاء لوقوعها بعد الكسرة. طبِعَ خُتِمَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿طبع الله على قُلُوبهم﴾ (النِّسَاء: ١٥٥) فسر طبع بقوله: ختم، وَهَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة. ١٦ - (بابٌ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمِّدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمَ﴾ (النِّسَاء: ٩٣)

стр. 5444

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يقتل مُؤمنا﴾ (النِّسَاء: ٩٣) الْآيَة. قَالَ الواحدي عَن الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: إِن مقيس بن صبَابَة اللَّيْثِيّ وجد أَخَاهُ هِشَام بن صبَابَة قَتِيلا فِي بني النجار، وَكَانَ مُسلما فَأتى مقيس رَسُول الله ﷺ فَأخْبرهُ، فَأرْسل مَعَه رَسُولا من بني فهر إِلَى بني النجار يَأْمُرهُم إِن علمُوا قَاتله يَدْفَعُوهُ إِلَى أَخِيه فيقتص مِنْهُ، وَإِن لم يعلمُوا لَهُ قَاتلا أَن يدفعوا إِلَيْهِ الدِّيَة. فَقَالُوا: سمعا وَطَاعَة. وَالله مَا نعلم لَهُ قَاتلا وَلَكنَّا نُؤَدِّي إِلَيْهِ دِيَته، فَأَعْطوهُ مائَة من الْإِبِل فوسوس إِلَيْهِ الشَّيْطَان فَقتل الفِهري، وَرجع إِلَى مَكَّة كَافِرًا، فَنزلت فِيهِ هَذِه الْآيَة ثمَّ أهْدر النَّبِي ﷺ دَمه يَوْم الْفَتْح، فَقتل بأسياف الْمُسلمين بِالسوقِ. وَذكر مقَاتل أَن الفِهري اسْمه: عَمْرو، قلت: قيس، بِفَتْح الْمِيم وَكسرهَا وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة وصبابة، بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف بَاء أُخْرَى، وَقَالَ أَبُو عمر: وَهِشَام بن صبَابَة أَخُو مقيس بن صبَابَة قتل فِي غَزْوَة ذِي قرد مُسلما، وَذَلِكَ فِي سنة سِتّ من الْهِجْرَة أَصَابَهُ رجل من الْأَنْصَار من رَهْط عبَادَة بن الصَّامِت وَهُوَ يرى أَنه من الْعَدو فقالته خطأ، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: هِشَام بن صبَابَة الْكِنَانِي اللَّيْثِيّ أَخُو مقيس، أسلم وَوجد قَتِيلا فِي بني النجار، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق وَغَيره قتل فِي غَزْوَة الْمُريْسِيع قَتله أَنْصَارِي فَظَنهُ من الْعَدو. ٤٥٩٠ - ح دَّثنا آدَمُ بنُ إياسٍ حدَّثنا شُعْبَةُ حدَّثنا المُغِيرَةُ بنُ النُّعْمَانِ قَالَ سِمِعْتُ سَعِيدَ بن جُبَيْرٍ قَالَ آيَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا أهْلُ الكُوفَةِ فَدَخَلْتُ فِيهَا إلَى ابنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا فَقَالَ نَزَلَتْ هاذِهِ الآيَةَ ﴿وَمَنْ يَقْتُلُ مُؤْمِنا مُتَعَمِّدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمَ﴾ هِيَ آخِرُ مَا نَزَلَ وَمَا نَسَخَهَا شَيْءٌ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والمغيرة، بِضَم الْمِيم وَكسرهَا ابْن النُّعْمَان بِضَم النُّون النَّخعِيّ الْكُوفِي. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْفِتَن عَن أَحْمد بن حَنْبَل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقصاص وَفِي الْمُحَاربَة وَفِي التَّفْسِير عَن أَزْهَر بن جميل. قَوْله: (آيَة اخْتلف فِيهَا أهل الْكُوفَة فَدخلت فِيهَا) وَفِي تَفْسِير سُورَة الْفرْقَان عَن غنْدر عَن شُعْبَة بِلَفْظ: اخْتلف أهل الْكُوفَة فِي قتل الْمُؤمن، فَدخلت فِيهِ إِلَى ابْن عَبَّاس، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فرحلت، بالراء والحاء الْمُهْملَة، وَهَذِه أصوب، وَالْوَجْه فِي رِوَايَة، فَدخلت بِالدَّال وَالْخَاء الْمُعْجَمَة أَن يقدر شَيْء تَقْدِيره، فَدخلت بعد رحلتي إِلَى ابْن عَبَّاس، وَكلمَة إِلَى، يجوز أَن تكون بِمَعْنى: عِنْد، وعَلى أصل بَابهَا وَالْمعْنَى: انْتهى دخولي إِلَيْهِ. قَوْله: (فِيهَا) ، أَي: فِي حكمهَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي، ﵀ فِي قَوْله: اخْتلف فِيهَا أهل الْكُوفَة، ويروى: اخْتلف فِيهَا فُقَهَاء أهل الْكُوفَة، جمع فَقِيه، قَالَ: وَلَفظ، فِيهَا حِينَئِذٍ مُقَدّر قَوْله: (مُتَعَمدا) أَي: قَاصِدا قَتله بعمد، وَصُورَة الْعمد أَن يقْتله بِالسَّيْفِ، أَو بِغَيْرِهِ مِمَّا يفرق الْأَجْزَاء من الْآلَات الَّتِي يقْصد بهَا الْقَتْل. وانتصابه على الْحَال. قَوْله: (فَجَزَاؤُهُ) خبر قَوْله: (وَمن يقتل) وَدخلت الْفَاء لتضمن الْمُبْتَدَأ معنى الشَّرْط. قَوْله: (هِيَ آخر مَا نزل) أَي: الْآيَة الْمَذْكُورَة آخر مَا نزل فِي هَذَا الْبَاب (وَمَا نسخهَا شَيْء) أَي: من آخر مَا نزل وَذكر أَبُو جَعْفَر النّحاس أَن للْعُلَمَاء فِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة الْمَذْكُورَة أقوالاً الأول: لَا تَوْبَة لَهُ، رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَزيد بن ثَابت وَعبد الله بن عمر وَأبي هُرَيْرَة وَأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَعبيد بن عُمَيْر وَالْحسن الْبَصْرِيّ الضَّحَّاك. فَقَالُوا: الْآيَة محكمَة. الثَّانِي: أَنه لَهُ تَوْبَة، قَالَه جمَاعَة من الْعلمَاء، وَرُوِيَ أَيْضا عَن ابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَزيد بن ثَابت. الثَّالِث: أَن أمره إِلَى الله تَعَالَى تَابَ أَو لم يتب، وَعَلِيهِ الْفُقَهَاء: أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَمُحَمّد بن إِدْرِيس يَقُوله فِي كثير من هَذَا إلَاّ أَن يعْفُو الله تَعَالَى عَنهُ. أَو معنى هَذَا الرَّابِع: قَالَ أَبُو مجلز لَاحق بن حميد الْمَعْنى جَزَاؤُهُ إِن جازاه، وروى عَاصِم بن أبي النجُود عَن ابْن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، أَنه قَالَ: هُوَ جَزَاؤُهُ إِن جازاه، وروى ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ ، أَنه قَالَ فِي الْآيَة: (هُوَ جَزَاؤُهُ إِن جازاه) . وَذكر أَبُو عبد الله الْموصِلِي الْحَنْبَلِيّ فِي كِتَابه (النَّاسِخ والمنسوخ) ذهب كثير من الْعلمَاء إِلَى أَن آيَة النِّسَاء مَنْسُوخَة. ثمَّ اخْتلفُوا فِي النَّاسِخ. فَقَالَ بَعضهم: نسختها آيَة الْفرْقَان. لِأَنَّهُ قَالَ: (إلَاّ من تَابَ) بعد ذكر الشّرك والزنى وَالْقَتْل، وَقَالَ أَكْثَرهم: نسخت بقوله: ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ وَقد اخْتلف عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا فَروِيَ عَنهُ أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي أهل الشّرك وَعنهُ نسختها الَّتِي فِي النِّسَاء، وَقَالَ أَبُو الْحسن بن الْحصار فِي كِتَابه (النَّاسِخ والمنسوخ) الْآيَتَانِ لم يتواردا على حكم

стр. 5445

وَاحِد لِأَن الَّتِي فِي الْفرْقَان نزلت فِي الْكفَّار، وَالَّتِي فِي النِّسَاء نزلت فِيمَن عقل الْإِيمَان وَدخل فِيهِ، فَلَا تعَارض بَينهمَا أَو إِنَّمَا نزلت آيَة النِّسَاء فِيمَن قتل مُؤمنا مستحلاً لقَتله مُتَعَمدا للتكذيب من غير جَهَالَة فتكذيبه كتكذيب إِبْلِيس، وَلذَلِك قَالَ ابْن عَبَّاس لَا تَوْبَة لَهُ كَمَا لَا تَوْبَة لإبليس، وَكَيف يشكل حكم هَذِه الْآيَة على عَالم قد بَينه الله غَايَة الْبَيَان، وَأخْبر بِأَنَّهُ لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك؟ انْتهى. وَأما الَّذين قَالُوا: إِن هَذِه الْآيَة محكمَة فَاخْتَلَفُوا فِي وَجه أَحْكَامهَا، فَذهب عِكْرِمَة إِلَى أَن الْمَعْنى مستحلاً لقَتله فَيسْتَحق التخليد لاستحلاله، وَذهب بَعضهم إِلَى أَنَّهَا لم يلْحقهَا نَاسخ وَهِي بَاقِيَة على أَحْكَامهَا، وَقد روى عبد بن حميد وَابْن وَكِيع قَالَا حَدثنَا جرير عَن يحيى الجابري عَن سَالم بن أبي الْجَعْد قَالَ: (كُنَّا عِنْد ابْن عَبَّاس بَعْدَمَا كف بَصَره، فَأَتَاهُ رجل فناداه: يَا عبد الله بن عَبَّاس، مَا ترى فِي رجل قتل مُؤمنا مُتَعَمدا؟ فَقَالَ: جَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا، وَغَضب الله عَلَيْهِ، ولعنه وأعدَّ لَهُ عذَابا عَظِيما. قَالَ: أَفَرَأَيْت إِن تَابَ وَعمل صَالحا ثمَّ اهْتَدَى؟ قَالَ ابْن عَبَّاس: ثكلته أمه وأنَّى لَهُ التَّوْبَة وَالْهدى؟ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لقد سَمِعت نَبِيكُم ﷺ ، يَقُول: ثكلته أمه قَاتل مُؤمن مُتَعَمدا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة أَخذه بِيَمِينِهِ. أَو بِشمَالِهِ تشخب أوداجه دَمًا قبل عرش الرَّحْمَن يلْزمه قَاتله بِيَدِهِ الْأُخْرَى. يَقُول: سل هَذَا فيمَ قتلني؟ وأيم الَّذِي نفس عبد الله بِيَدِهِ لقد أنزلت هَذِه الْآيَة فَمَا نسختها من آيَة حَتَّى قبض نَبِيكُم ﷺ ، وَمَا نزل بعْدهَا من برهَان. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: قَالَت الْخَوَارِج والمعتزلة، الْمُؤمن إِذا قتل مُؤمنا إِن هَذَا الْوَعيد لَاحق بِهِ، وَقَالَت المرجئة: نزلت هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي كَافِر قتل مُؤمنا، فَأَما مُؤمن قتل مُؤمنا فَلَا يدْخل النَّار، وَقَالَت طَائِفَة من أَصْحَاب الحَدِيث: نزلت فِي مُؤمن قتل مُؤمنا والوعيد عَلَيْهِ ثَابت، إلَاّ أَن يَتُوب ويستغفر، وَقَالَت طَائِفَة: كل مُؤمن قتل مُؤمنا فَهُوَ خَالِد فِي النَّار غير مؤبد وَيخرج مِنْهَا بشفاعة الشافعين، وَعِنْدنَا. أَن الْمُؤمن إِذا قتل مُؤمنا لَا يكفر بِفِعْلِهِ وَلَا يخرج بِهِ من الْإِيمَان إلَاّ أَن يقْتله استحلالاً فَإِن أقيد بِمن قَتله فَذَلِك كَفَّارَة لَهُ، وَإِن كَانَ تَائِبًا من ذَلِك وَلم يكن مقادا بِمن قتل كَانَت التَّوْبَة أَيْضا كَفَّارَة لَهُ فَإِن خرج من الدُّنْيَا بِلَا تَوْبَة وَلَا قَود فَأمره إِلَى الله تَعَالَى، وَالْعَذَاب قد يكون نَارا وَقد يكون غَيرهَا فِي الدُّنْيَا أَلا ترى إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يعذبهم الله بأيدكم﴾ (التَّوْبَة: ١٤) يَعْنِي: بِالْقَتْلِ والأسر. وَيُجَاب عَن قَول الْخَوَارِج وَمن مَعَهم، بِأَن المُرَاد من التخليد الْمكْث بطول الْمدَّة، أَلا ترى إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جعلنَا لبشر من قبلك الْخلد﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٣٤) وَمن الْمَعْلُوم أَن الدُّنْيَا تفنى، وَعَن قَول المرجئة بِأَن كلمة من فِي الْآيَة عَامَّة، فَإِن قَالُوا: إِن الله لَا يغْضب إلَاّ على كَافِر أَو خَارج من الْإِيمَان، فَالْجَوَاب: أَن الْآيَة لَا توجب غَضبا عَلَيْهِ، لِأَن مَعْنَاهُ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم وجزاؤه أَن يغْضب عَلَيْهِ ويلعنه، مَا ذكر الله تَعَالَى من شَيْء وَجعله جَزَاء لشَيْء فَلَيْسَ ذَلِك وَاجِبا. كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله﴾ (الْمَائِدَة: ٣٣) وَرب محَارب لله وَرَسُوله لم يحل عَلَيْهِ شَيْء من هَذِه الْمعَانِي حَتَّى فَارق الدُّنْيَا، وَإِن قَالُوا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَغَضب الله عَلَيْهِ ولعنه﴾ (النِّسَاء: ٩٣) من الْأَفْعَال الْمَاضِيَة، فَالْجَوَاب أَنه قد يرد الْخطاب بِلَفْظ الْمَاضِي. وَالْمرَاد بِهِ الْمُسْتَقْبل. كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَنفخ فِي الصُّور﴾ (الْكَهْف: ٩٩) ﴿وحشرناهم﴾ (الْكَهْف: ٤٧) وَقد يرد الْمُسْتَقْبل بِمَعْنى الْمَاضِي كَقَوْلِه: ﴿وَمَا نقموا مِنْهُم إلَاّ أَن يُؤمنُوا بِاللَّه﴾ (البروج: ٨) أَي: إلَاّ أَن آمنُوا. فَإِن قلت: رويت أَخْبَار بِأَن الْقَاتِل لَا تَوْبَة لَهُ. قلت: إِن صحت فتأويلها إِذا لم ير الْقَتْل ذَنبا وَلم يسْتَغْفر الله تَعَالَى مِنْهُ. قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) . مَا رَوَاهُ أَبُو الدَّرْدَاء، سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول: كل ذَنْب عَسى الله أَن يغفره إلَاّ من مَاتَ مُشْركًا، أَو مُؤمن قتل مُؤمنا مُتَعَمدا. وَلم يتب وَقَالَ ابْن كثير فِي تَفْسِيره وَأما قَوْله مُعَاوِيَة كل ذَنْب عَسى الله أَن يغفره الا الرجل يَمُوت كَافِر أَو الرجل يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَعَسَى للترجي وَانْتِفَاء الترجي فِي هَاتين الصُّورَتَيْنِ لَا يَنْفِي وُقُوع ذَلِك فِي أَحدهمَا وَهُوَ الْقَتْل انْتهى. فَهَذَا كَمَا رَأَيْت ذكره عَن مُعَاوِيَة. وَلم يذكر لفظ لم يتب. وأوله بِهَذَا الْمَعْنى، وَالله أعلم، وَأجْمع الْمُسلمُونَ على صِحَة تَوْبَة الْقَاتِل عمدا وَكَيف لَا تصح تَوْبَته وَتَصِح تَوْبَة الْكَافِر وتوبة من ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَام ثمَّ قتل الْمُؤمن عمدا ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَام؟ وَقَالَ عبد الله بن عمر: كُنَّا معشر أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ لَا نشك فِي قَاتل الْمُؤمن وآكل مَال الْيَتِيم وَشَاهد الزُّور وقاطع الرَّحِم، يَعْنِي: لَا نشك فِي الشَّهَادَة لَهُم بالنَّار حَتَّى نزلت: ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك﴾ (النِّسَاء: ٤٨، ١١٦) فأمسكنا عَن الشَّهَادَة لَهُم. فَإِن قلت: مَا تَقول فِي الرجل الَّذِي سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَة وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس عَن قتل الْعمد، فكلهم قَالَ: هَل يَسْتَطِيع أَن يجِيبه؟ قلت: هَذَا على وَجه تَعْظِيم الْقَتْل والزجر، وَمَا أما مُطَالبَة الْمَقْتُول

стр. 5446

الْقَاتِل يَوْم الْقِيَامَة فَإِنَّهُ حق من حُقُوق الْآدَمِيّين وَهُوَ لَا يسْقط بِالتَّوْبَةِ فَلَا بُد من أَدَائِهِ وإلَاّ فَلَا بُد من الْمُطَالبَة يَوْم الْقِيَامَة، وَلَكِن لَا يلْزم من وُقُوع الْمُطَالبَة المجازاة، وَقد يكون للْقَاتِل أَعمال صَالِحَة تصرف إِلَى الْمَقْتُول أَو بَعْضهَا. ثمَّ يفضل لَهُ أجر يدْخل بِهِ الْجنَّة، أَو يعوض الله الْمَقْتُول من فَضله بِمَا يَشَاء من قُصُور الْجنَّة وَنَعِيمهَا وَرفع دَرَجَته وَنَحْو ذَلِك، وَالله أعلم. ١٧ - (بابٌ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ ألْقَى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتُ مُؤْمنا﴾ (النِّسَاء: ٩٤) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام﴾ وأوله: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل الله فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقولُوا﴾ الْآيَة قَوْله: (إِذا ضَرَبْتُمْ) أَي: سِرْتُمْ قَوْله: (فَتَبَيَّنُوا) أَي: الْأَمر قبل الْإِقْدَام عَلَيْهِ، وقرىء فتثبتوا من الثَّبَات وَترك الاستعجال، أَي: قفوا حَتَّى تعرفوا الْمُؤمن من الْكَافِر، وَيَجِيء الْآن تَفْسِير السّلم. قَوْله: (مُؤمنا) قَرَأَ الْجُمْهُور بِضَم الْمِيم الأولى وَكسر الثَّانِيَة. وَقَرَأَ عَليّ وَابْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة وَأَبُو الْعَالِيَة وَيحيى بن معمر وَأَبُو جَعْفَر بِفَتْح الْمِيم الثَّانِيَة وتشديدها، اسْم مفعول من أمته. السلْمُ والسَّلَمُ وَالسَّلامُ وَاحِدٌ السّلم بِكَسْر السِّين وَسُكُون اللَّام، وَالسّلم بِفَتْح السِّين. قَوْله: (وَاحِد) يَعْنِي فِي الْمَعْنى، وَقِرَاءَة نَافِع وَحَمْزَة السّلم بِغَيْر ألف، وَقِرَاءَة البَاقِينَ بثبوتها. ٤٥٩١ - ح دَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدَّثنا سفْيَانُ عَنْ عَمْروٍ عنْ عَطَاءٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَلا تَقُولُوا لِمَنْ ألْقَى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنا قَالَ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ كَانَ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ لهُ فَلَحِقَهُ المُسْلِمُونَ فَقَالَ السَّلامُ عَلَيْكُمْ فَقَتَلُوهُ وَأخَذُوا غُنَيْمَتَهُ فَأنْزَلَ الله فِي ذالِكَ إلَى قَوْلِهِ عَرَض الحَيَاةِ الدُّنْيَا تِلْكَ الغُنَيْمَةُ قَالَ قَرَأَ ابنُ عَبَاسٍ السلامَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحُرُوف عَن مُحَمَّد بن عِيسَى وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد. قَوْله: (فِي غنيمَة) ، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفتح النُّون تَصْغِير غنم، لِأَن الْغنم اسْم مؤنث مَوْضُوع للْجِنْس، يَقع على الذُّكُور وعَلى الْإِنَاث فَإِذا صغرتها ألحقتها الْهَاء فَقلت: غنيمَة، لِأَن أَسمَاء الجموع الَّتِي لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا إِذا كَانَت لغير الْآدَمِيّين فالتأنيث لَهَا لَازم، وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَمن طَرِيق عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس. قَالَ: مر رجل من بني سليم بِنَفر من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، وَهُوَ يَسُوق غنماله، فَسلم عَلَيْهِم فَقَالُوا: مَا سلم علينا إلَاّ ليعوذ منا، فعمدوا إِلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَأتوا بغنمه إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَنزلت الْآيَة: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل الله فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام لست مُؤمنا﴾ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن عبد بن حميد عَن عبد الْعَزِيز بن أبي رزمة عَن إِسْرَائِيل بِهِ. وَفِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة اخْتِلَاف، فَذكر الواحدي عَن سعيد بن جُبَير، أَن الْمِقْدَاد بن الْأسود خرج فِي سَرِيَّة فَمروا بِرَجُل فِي غنيمَة لَهُ، فأردوا قَتله فَقَالَ: لَا إلاه إلَاّ الله، فَقتله الْمِقْدَاد. وَعَن ابْن أبي حَدْرَد، قَالَ: بعثنَا رَسُول الله ﷺ ، فِي سَرِيَّة إِلَى أضم، قبل مخرجه إِلَى مَكَّة، فَمر بِنَا عَامر بن الأضبط الْأَشْجَعِيّ فحيانا بِتَحِيَّة الْإِسْلَام، فرعبنا مِنْهُ، فَحمل عَلَيْهِ محلم بن جثامة لشَيْء كَانَ بَينه وَبَينه فِي الْجَاهِلِيَّة فَقتله واستلبه، وانتهينا إِلَى رَسُول الله ﷺ ، فَأَخْبَرنَاهُ بِخَبَرِهِ، فَنزلت وَقَالَ الواحدي: وَذكر السّديّ أَن رَسُول الله ﷺ ، بعث أُسَامَة بن زيد على سَرِيَّة فلقي مرداس بن نهيك الضمرِي فقلته، وَكَانَ من أهل فدك وَلم يسلم من قومه غَيره، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : (هلا شققت عَن قلبه) ؟ فَنزلت وَقَالَ ابْن جرير: حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا جرير عَن ابْن إِسْحَاق عَن نَافِع عَن ابْن عمر

стр. 5447

قَالَ: بعث رَسُول الله ﷺ ، محلم بن جثامة مَعنا فَلَقِيَهُمْ عَامر بن الأضبط الحَدِيث، إِلَى أَن قَالَ: فَرَمَاهُ بِسَهْم فَقتله، فجَاء الْخَبَر إِلَى رَسُول الله ﷺ ، الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ: فجَاء محلم فِي بردين فَجَلَسَ بَين يَدي رَسُول الله ﷺ ليَسْتَغْفِر لَهُ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : (لأستغفر الله لَك) ، فَقَامَ وَهُوَ يتلَقَّى دموع ببرديه، فَمَا مَضَت لَهُ سَاعَة حَتَّى مَاتَ ودفنوه ولفظته الأَرْض، فجاؤوا النَّبِي ﷺ ، فَذكرُوا لَهُ ذَلِك فَقَالَ: إِن الأَرْض تقبل من هُوَ شَرّ من صَاحبكُم وَلَكِن الله أَرَادَ أَن يعظكم من جريمتكم. ثمَّ طرحوه فِي جبل وألقوا عَلَيْهِ من الْحِجَارَة، وَنزلت: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل الله﴾ (النِّسَاء: ٩٤) الْآيَة. وَقَالَ السُّهيْلي: ثمَّ مَاتَ محلم بإثر ذَلِك فَلم تقبله الأَرْض مرَارًا. فألقي بَين جبلين. قَالَ: وَكَانَ أَمِير السّريَّة أَبَا الدَّرْدَاء، وَقيل رجل اسْمه فديك، وَقَالَ أَبُو عمر: مرداس بن نهيك الْفَزارِيّ. فِيهِ نزلت: ﴿وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام لست مُؤمنا﴾ كَانَ يرْعَى غنما لَهُ، فهجمت عَلَيْهِ سَرِيَّة رَسُول الله ﷺ ، وفيهَا أُسَامَة بن زيد وأميرها سَلمَة بن الْأَكْوَع، فَلَقِيَهُ أُسَامَة فَألْقى إِلَيْهِ السَّلَام، وَقَالَ: السَّلَام عَلَيْك يَا مُؤمن، فَحسب أُسَامَة أَنه ألْقى إِلَيْهِ السَّلَام مُتَعَوِّذًا، فَقتله فَأنْزل الله تَعَالَى فِيهِ: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل الله فَتَبَيَّنُوا﴾ الْآيَة. وَقَالَ أَبُو عمر: الِاخْتِلَاف فِي المُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة كثير مُضْطَرب فِيهِ جدا، قيل: نزلت فِي الْمِقْدَاد، وَقيل: نزلت فِي أُسَامَة بن زيد، وَقيل: فِي محلم بن جثامة، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: نزلت فِي سَرِيَّة وَلم يسم أحدا، وَقيل: نزلت فِي غَالب اللَّيْثِيّ، وَقيل: نزلت فِي رجل من بني اللَّيْث يُقَال لَهُ: فليت كَانَ على السّريَّة، وَقيل: نزلت فِي أبي الدَّرْدَاء، وَهَذَا اضْطِرَاب شَدِيد جدا. وَمَعْلُوم أَن قَتله كَانَ خطأ لَا عمدا لِأَن قَاتله لم يصدقهُ فِي قَوْله: أَنا مُؤمن، وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ الْحَنَفِيّ ﵀، فِي هَذِه الْآيَة حكم الله تَعَالَى بِصِحَّة إِسْلَام من أظهر الْإِسْلَام وأمرنا بإجرائه على أَحْكَام الْمُسلمين وَإِن كَانَ فِي الْغَيْب بِخِلَافِهِ، وَهَذَا مِمَّا يحْتَج بِهِ على تَوْبَة الزنديق إِذا أظهر الْإِسْلَام فَهُوَ مُسلم. قَالَ: وَاقْتضى ذَلِك أَيْضا أَن من قَالَ: لَا إلاه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ ، أَو قَالَ أَنا مُسلم، يحكم لَهُ بِالْإِسْلَامِ. قَالَ قَرَأَ ابنُ عَبَّاسٍ السَّلامَ أَي: قَالَ عَطاء الْمَذْكُور فِي الحَدِيث. قَرَأَ ابْن عَبَّاس قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام﴾ وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وروى عبد بن حميد فِي (تَفْسِيره) عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن يحيى بن عبيد عَن مُحَمَّد عَن ابْن عَبَّاس: أَنه كَانَ يقْرَأ السَّلَام بِالْألف. ١٨ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله﴾ (النِّسَاء: ٩٥) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي﴾ إِلَى آخِره وَهَذَا الْمِقْدَار الْمَذْكُور من الْآيَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: بَاب (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ) الْآيَة. ٤٥٩٢ - ح دَّثنا إسُمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ بنِ كَيْسَانَ عنِ ابنِ شِهاب قَالَ حدَّثني سَهْلُ بنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ أنَّهُ رَأى مَرْوَانَ بنَ الحَكَمِ فِي المَسْجِدِ فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إلَى جَنْبِهِ فَأخْبَرَنَا أنَّ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ أخْبَرَهُ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ أمْلَى عَلَيْهِ ﴿لَا يَسْتَوِي

стр. 5448

القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ و ﴿المُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله﴾ فَجَاءَهُ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهُوَ يُمِلُّها عَلَيَّ قَالَ يَا رَسُولَ الله وَالله لَوْ أسْتَطِيعُ الجِهادَ لَجَاهَدْتُ وَكَانَ أعْمَى فَأنْزَلَ الله عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أنَّ تَرُضَّ فَخِذُي ثُمَّ سُرِّي عَنْهُ فَأنْزَلَ الله غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. والْحَدِيث قد مر فِي الْجِهَاد فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ﴾ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله عَن إِبْرَاهِيم بن سعد الزُّهْرِيّ عَن صَالح بن كيسَان إِلَى آخِره. وَفِيه رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ وَهُوَ صَالح بن كيسَان فَإِنَّهُ تَابِعِيّ رأى عبد الله بن عَمْرو أَنه يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ وَهُوَ يروي عَن سهل بن سعد وَهُوَ صَحَابِيّ، قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن التَّابِعِيّ لِأَن سهلاً صَحَابِيّ ومروان تَابِعِيّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ. فِي هَذَا الحَدِيث رِوَايَة رجل من الصَّحَابَة، وَهُوَ سهل بن سعد عَن رجل من التَّابِعين وَهُوَ مَرْوَان بن الحكم، وَلم يسمع من النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ بَعضهم: لَا يلْزم من عدم السماع عدم الصُّحْبَة. وَقد ذكره ابْن عبد الْبر فِي الصَّحَابَة انْتهى. قلت: وَلَو ذكره فِي كتاب (الِاسْتِيعَاب) فِي: بَاب مَرْوَان، وَلكنه قَالَ: لم ير النَّبِي ﷺ ، لِأَنَّهُ خرج إِلَى الطَّائِف طفْلا لَا يعقل، وَقد ثَبت عَنهُ أَنه قَالَ لما طلب الْخلَافَة فَذكرُوا لَهُ ابْن عمر، فَقَالَ: لَيْسَ ابْن عمر بأفقه مني، وَلكنه أسنّ مني، وَكَانَت لَهُ صُحْبَة. فَهَذَا اعْتِرَاف مِنْهُ بِعَدَمِ الصُّحْبَة. قَوْله: (ابْن أم مَكْتُوم) ، واسْمه عبد الله، وَقيل: عَمْرو، وَجَاء فِي رِوَايَة قبيصَة عَن زيد بن ثَابت، (فجَاء عبد الله بن أم مَكْتُوم) ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْبَراء (جَاءَ عَمْرو بن أم مَكْتُوم) . وَاسم أَبِيه: زَائِدَة، وَأم مَكْتُوم أمه وَاسْمهَا: عَاتِكَة. قَوْله: (وَهُوَ يملها) ، بِضَم الْيَاء وَكسر الْمِيم وَتَشْديد اللَّام، وَأَصلهَا يمللها كَمَا فِي قَوْله: ﴿وليملل الَّذِي عَلَيْهِ الْحق﴾ (الْبَقَرَة: ٣٨٢) فنقلت كسرة اللَّام إِلَى الْمِيم وأدغمت فِي اللَّام الثَّانِيَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَفِي حَدِيث زيد أَنه أمْلى عَلَيْهِ ﴿وَلَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ﴾ يُقَال: أمللت الْكتاب وأمليته إِذا أَلقيته على الْكَاتِب ليكتبه. قَوْله: (أَن ترض) ، بتَشْديد الضَّاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ الدق. قَوْله: (ثمَّ سري) بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة أَي: انْكَشَفَ عَنهُ. قَوْله: (غير أولي الضَّرَر) ، وَهُوَ الْعَمى، وَاخْتلف الْقُرَّاء فِي إِعْرَاب، غير، فَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَعَاصِم بِالرَّفْع على الْبَدَل من الْقَاعِدُونَ، وَقَرَأَ الْأَعْمَش بِالْجَرِّ على الصّفة للْمُؤْمِنين، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنّصب على الِاسْتِثْنَاء. ٤٥٩٣ - ح دَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي إسْحاقَ عنِ البَرَاءِ ﵁ قَالَ لَمَا نَزَلَتْ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنينَ﴾ دَعَا رَسُولُ الله ﷺ زَيْدا فَكَتَبَها فَجَاءَ ابنُ أُمِّ مَكّتُومٍ فَشَكَا ضَرَارَتَهُ فَأَنْزَلَ الله ﴿غَيْرَ أُولِي الضَرَرِ﴾ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي، والبراء بن عَازِب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب قَول الله ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ﴾ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن الْبَراء إِلَى آخِره نَحْو قَوْله (عَن أبي اسحاق عَن الْبَراء) وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن ابي اسحاق انه سمع الْبَراء أخرجه احْمَد عَنهُ وَوَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق أبي سِنَان الشَّيْبَانِيّ عَن أبي إِسْحَاق عَن زيد بن أَرقم، وَالْمَحْفُوظ عَن أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء فِي رِوَايَة الشَّيْخَيْنِ، وَأَبُو سِنَان اسْمه: ضرار بن مرّة، وَهُوَ أَيْضا ثِقَة. ٤٥٩٤ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ عنْ إسْرَائِيلَ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنِ البَرَاءِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُوَلِي الضَّرَرِ قَال النبيُّ ﷺ ادْعُوا فُلانا فَجَاءَهُ وَمَعَهُ الدَّوَاةُ وَاللَّوْحُ أوْ الكَتِفَ فَقَال اكْتُبْ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ و ﴿المُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله﴾ وَخَلْفَ النبيِّ ﷺ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَقَالَ يَا رَسُولِ اللهأنَا ضَرِيرٌ فَنَزَلَتْ مكَانَها ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنينَ غَيْرَ أُوَلِي الضَرَرِ وَالمجاهدُونَ فِي سَبِيلِ الله﴾ . هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث الْبَراء أخرجه عَن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ عَن إِسْرَائِيل بن يُونُس عَن جده أبي إِسْحَاق الْمَذْكُور فِيمَا قبله. قَوْله: (فلَانا) ، هُوَ زيد بن ثَابت، وَقد صرح بِهِ فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة. قَوْله: (أَو الْكَتف) ، شكّ من الرَّاوِي وَكَانُوا يَكْتُبُونَ على الألواح والأكتاف. قَوْله: (وَخلف النَّبِي ﷺ ، ابْن أم مَكْتُوم) مَعْنَاهُ: جلس خلف

стр. 5449

النَّبِي ﷺ ، أَو بِالْعَكْسِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الحَدِيث الأول: مشْعر بِأَن ابْن أم مَكْتُوم جَاءَ حَالَة الإملال، وَالثَّانِي: بِأَنَّهُ جَاءَ بعد الْكِتَابَة. وَالثَّالِث: بِأَنَّهُ كَانَ جَالِسا خلف النَّبِي ﷺ ، ثمَّ أجَاب بقوله: لَا مُنَافَاة إِذْ معنى كتبهَا، كتب بعض الْآيَة، وَهُوَ نَحْو: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ﴾ مثلا. وَأما جَاءَ يَعْنِي قَوْله: وَأما حَقِيقَة، وَالْمرَاد جَاءَ وَجلسَ خلف النَّبِي ﷺ أَو بِالْعَكْسِ، وَإِمَّا مجَاز عَن تكلم وَدخل فِي الْبَحْث. قَوْله: (فَنزلت مَكَانهَا) أَي: فِي مَكَان الْكِتَابَة، وَالْمَقْصُود نزلت فِي تِلْكَ الْحَالة (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ غير أولي الضَّرَر) وَقَالَ ابْن التِّين: يُقَال: إِن جِبْرِيل ﵇، هَبَط وَرجع قبل أَن يجِف الْقَلَم. ٤٥٩٥ - ح دَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخبرَنا هِشامٌ أنَّ ابنَ جُرَيْجٍ أخْبَرَهُمْ ح وحَدثني إسْحَاقُ أخبرَنا عَبْدُ الرَّزَاقِ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ أخبرَني عَبْدُ الكَرِيمِ أنَّ مَقْسَما مَوْلى عَبْدِ الله بن الحارِثِ أخبرَهُ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ ﵄ أخْبَرَهُ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ عَنْ بَدْرٍ والخَارِجُونَ إلَى بَدْرٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. غير أَن سَبَب النُّزُول هُنَا خلاف سَبَب النُّزُول فِي الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة. فَإِن قلت: مَا وَجه التَّوْفِيق بَين السببين؟ قلت: الْقُرْآن إِذا نزل فِي الشَّيْء يسْتَعْمل فِي معنى ذَلِك الشَّيْء وَأخرجه من طَرِيقين. الأول: عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء عَن هِشَام بن يُوسُف عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الثَّانِي: عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن عبد الرَّزَّاق بن همام عَن ابْن جريج عَن عبد الْكَرِيم بن مَالك الْجَزرِي، بِالْجِيم وَالزَّاي وَالرَّاء، عَن مقسم، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْقَاف وَفتح السِّين الْمُهْملَة مولى عبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل بن عبد الْمطلب، لِأَبِيهِ ولجده صُحْبَة، وَله رُؤْيَة، وَكَانَ يلقب بببه بياءين موحدتين مفتوحتين الثَّانِيَة مُشَدّدَة. والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا الْحسن بن مُحَمَّد الزَّعْفَرَانِي قَالَ: حَدثنَا الْحجَّاج بن مُحَمَّد عَن ابْن جريج قَالَ: أَخْبرنِي عبد الْكَرِيم سمع مقسمًا مولى عبد الله بن الْحَارِث يحدث عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ غير أولي الضَّرَر﴾ عَن بدر والخارجون إِلَى بدر. وَقَالَ عبد الله بن جحش وَابْن أم مَكْتُوم: إِنَّا أعميان يَا رَسُول الله! فَهَل لنا رخصَة؟ فَنزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ غير أُولي الضَّرَر﴾ ﴿وَفضل الله الْمُجَاهدين على القاعدين ... دَرَجه﴾ فَهَؤُلَاءِ الْقَاعِدُونَ غير أُولي الضَّرَر ﴿فضل الله الْمُجَاهدين على القاعدين أجرا عَظِيما﴾ دَرَجَات مِنْهُ على القاعدين من الْمُؤمنِينَ غير أولى الضَّرَر. وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب من هَذَا من الْوَجْه حَدِيث ابْن عَبَّاس. قَوْله: (عبد الله بن جحش) ، قيل: أَبُو أَحْمد بن جحش، كَمَا ذكره الطَّبَرِيّ فِي رِوَايَته من طَرِيق الْحجَّاج نَحْو مَا أخرجه التِّرْمِذِيّ وَذَلِكَ لِأَن عبد الله بن جحش هُوَ أَخُو أبي أَحْمد بن جحش وَاسم أبي أَحْمد عبد بِدُونِ إِضَافَة، وَهُوَ مَشْهُور بكنيته وَأَيْضًا إِن عبد الله بن جحش لم ينْقل أَن لَهُ عذرا إِنَّمَا الْمَعْذُور أَخُوهُ أَبُو أَحْمد بن جحش، وَذكره الثَّعْلَبِيّ عَن الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس أَنه ابْن جحش وَلَيْسَ بالأسدي، وَكَانَ أعمى، وَأَنه جَاءَ هُوَ وَابْن أم مَكْتُوم فذكرا رغبتهما فِي الْجِهَاد مَعَ ضررهما، فَنزلت: ﴿غير أُولي الضَّرَر﴾ فَجعل لَهما من الْأجر مَا للمجاهدين. ١٩ - (بابٌ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفْاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ (النِّسَاء: ٩٧) الآيَةَ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين توفيهم الْمَلَائِكَة﴾ الْآيَة، وَلَيْسَ عِنْد جَمِيع الروَاة لفظ: بَاب إلَاّ أَنه وَقع فِي بعض النّسخ وَعند الْأَكْثَرين: ﴿وَأَن الَّذين توفيهم الْمَلَائِكَة﴾ إِلَى قَوْله: ﴿فتهاجروا فِيهَا﴾ كَمَا هُوَ هُنَا كَذَلِك، وَعند أبي ذَر إِلَى ﴿فيمَ كُنْتُم﴾ الْآيَة. وَقَالَ الواحدي: نزلت هَذِه الْآيَة فِي نَاس من أهل مَكَّة تكلمُوا بِالْإِسْلَامِ وَلم يهاجروا، وأظهروا الْإِيمَان وأسرُّوا النِّفَاق، فَلَمَّا كَانَ يَوْم بدر خَرجُوا مَعَ الْمُشْركين إِلَى حَرْب الْمُسلمين فَقتلُوا فَضربت الْمَلَائِكَة وُجُوههم وأدبارهم. وَقَالَ مقَاتل: كَانُوا نَفرا

стр. 5450

أَسْلمُوا بِمَكَّة مِنْهُم: الْوَلِيد بن الْمُغيرَة وَقيس بن الْوَلِيد بن الْمُغيرَة وَأَبُو قيس بن الْفَاكِه بن الْمُغيرَة والوليد بن عتبَة بن ربيعَة وَعَمْرو بن أُميَّة بن سُفْيَان بن أُميَّة بن عبد شمس والْعَلَاء بن أُميَّة بن خلف ثمَّ إِنَّهُم أَقَامُوا عَن الْهِجْرَة وَخَرجُوا مَعَ الْمُشْركين إِلَى بدر، قَلما رَأَوْا قلَّة الْمُؤمنِينَ شكوا إِلَى سيدنَا رَسُول الله ﷺ ، فَقَالُوا غر هَؤُلَاءِ دينهم وَكَانَ بَعضهم نَافق بِمَكَّة، فَلَمَّا قتلوا ببدر قَالَت لَهُم الْمَلَائِكَة وَهُوَ ملك الْمَوْت وَحده فيمَ كُنْتُم؟ يَقُول: فِي أَي شَيْء كُنْتُم؟ قَالُوا: كُنَّا مستضعفين فِي الأَرْض يَعْنِي: كُنَّا مقهورين بِأَرْض مَكَّة لَا نطيق أَن نظهر الْإِيمَان، فَقَالَ ملك الْمَوْت: ألم تكون أَرض وَاسِعَة؟ يَعْنِي الْمَدِينَة، فتهاجروا فِيهَا؟ يَعْنِي: إِلَيْهَا قَوْله: (إِن الَّذين توفيهم الْمَلَائِكَة) ذكر فِي (تَفْسِير ابْن النَّقِيب) التوفي هُنَا بِمَعْنى قبض الرّوح، وَقَالَ الْحسن: هُوَ الْحَشْر إِلَى النَّار، وَالْمَلَائِكَة هُنَا ملك الْمَوْت وأعوانه وهم سِتَّة: ثَلَاثَة لأرواح الْمُؤمنِينَ، وَثَلَاثَة لأرواح الْكَافرين، وظلم النَّفس هُنَا ترك الْهِجْرَة وخروجهم مَعَ قَومهمْ إِلَى بدر، وَقيل: ظلمُوا أنفسهم برجوعهم إِلَى الْكفْر، وَقيل: ظلمُوا أنفسهم بِالشَّكِّ الَّذِي حصل فِي قُلُوبهم حِين رَأَوْا قلَّة الْمُسلمين، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: الْمَلَائِكَة هُنَا ملك الْمَوْت وَحده لِأَنَّهُ مُجمل يحْتَمل أَن يُرَاد هُوَ وَيحْتَمل غَيره فِي قُلُوبهم حِين رَأَوْا قلَّة الْمُسلمين، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: الْمَلَائِكَة هُنَا ملك الْمَوْت وَحده، لِأَنَّهُ مُجمل يحْتَمل أَن يُرَاد هُوَ وَيحْتَمل غَيره فَحمل الْمُجْمل على الْمُفَسّر، وَهُوَ قَول تَعَالَى: ﴿قل يتوفاكم ملك الْمَوْت﴾ (النِّسَاء: ٩٧) وَجمع كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحن نحيي ونميت﴾ (ق: ٤٣) وَالله تَعَالَى وَاحِد. قَوْله: (ظالمي أنفسهم) نصب على الْحَال. قَوْله: (قَالُوا: فيمَ كُنْتُم) ؟ سُؤال توبيخ وتفريع أَي: أَكُنْتُم فِي أَصْحَاب مُحَمَّد أم كُنْتُم مُشْرِكين؟ قَوْله: (كُنَّا مستضعفين) ، أَي: كُنَّا لَا نقدر على الْخُرُوج من الْبَلَد وَلَا الذّهاب فِي الأَرْض. قَوْله: (فِي الأَرْض) أَرَادوا بهَا مَكَّة، وَالْأَرْض اسْم لبلد الرجل وموضعه. قَوْله: (قَالُوا) أَي: الْمَلَائِكَة (ألم تكن أَرض الله وَاسِعَة) ؟ محاججة الْمَلَائِكَة. قَوْله: (فتهاجروا فِيهَا) أَي: إِلَيْهَا. أَي: الْمَدِينَة مَعَ الْمُسلمين؟ . ٤٥٩٦ - ح دَّثنا عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ المُقْرِىءُ حدَّثنا حَيْوَةُ وَغَيْرُهُ قَالا حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ أبُو الأسْوَدِ قَالَ قُطِعَ عَلَى أهْلِ المَدِينَةِ بَعْثٌ فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ فَلَقِيتُ عِكْرَمَةَ مَوْلَى ابنِ عباسٍ فأخْبَرْتُهُ فَنَهانِي عَنْ ذَلِكَ أشَدَّ النَّهْيِ ثُمَّ قَالَ أخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أنَّ نَاسا مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ المُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ يَأتِي السَّهمُ فَيُرْمَى بِهِ فَيُصِيبُ أحَدَهُمْ فَيقْتُلُهُ أوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ فَأنْزَلَ الله ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ . الْآيَة. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله بن يزِيد من الزِّيَادَة المقرىء من الإفراء، وحيوة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن شُرَيْح، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبحاء مُهْملَة يكنى بِأبي زرْعَة التجِيبِي، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الْجِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالياء الْمُوَحدَة. قَوْله: (وَغَيره) أَي: حَدثنِي غير حَيْوَة وَهُوَ عبد الله بن لَهِيعَة الْمصْرِيّ وَأَبُو الْأسود ضد الْأَبْيَض، الْأَسدي الْمدنِي. والْحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن عبد الله بن يزِيد الْمَذْكُور. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن زَكَرِيَّا بن يحيى عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن المقرىء عَن حَيْوَة بِهِ، وَرِوَايَة ابْن لَهِيعَة أخرجهَا الطَّبَرَانِيّ وَابْن أبي حَاتِم رَوَاهُ عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، أَن عبد الله بن وهب أَخْبرنِي ابْن لَهِيعَة عَن أبي الْأسود فَذكره. قَوْله: (قطع) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (بعث) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وبالتاء الْمُثَلَّثَة وَهُوَ الْجَيْش، وَالْمعْنَى أَنهم ألزموا بِإِخْرَاج جَيش لقِتَال أهل الشَّام، وَكَانَ ذَلِك فِي خلَافَة عبد الله بن الزبير على مَكَّة. قَوْله: (فاكتتبت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من الاكتتاب، وَهُوَ من بَاب الافتعال. قَوْله: (أَن نَاسا من الْمُسلمين) ، وهم الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ عَن مقَاتل عَن قريب. قَوْله: (يكثرون) من التكثير. قَوْله: (فَيُصِيب) عطف على قَوْله: (يَأْتِي السهْم) وَكَانَ غَرَض عِكْرِمَة من نَهْيه أَبَا الْأسود أَن الله تَعَالَى ذمهم بتكثير سوادهم مَعَ أَنهم كَانُوا لَا يُرِيدُونَ بقلوبهم موافقتهم، فَكَذَلِك أَنْت لِأَنَّك تكْثر سَواد هَذَا الْجَيْش الْمَأْمُور بذهابهم لقِتَال أهل الشَّام وَلَا تُرِيدُ موافقتهم لأَنهم لَا يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله. قَوْله: (فَأنْزل الله تَعَالَى) هَكَذَا جَاءَ هُنَا فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة، وَقد ذكرنَا عَن قريب وُجُوهًا أُخْرَى فِي ذَلِك مَعَ تَفْسِير الْآيَة.

стр. 5451

رَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ أبِي الأسْوَدِ أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور اللَّيْث بن سعد عَن أبي الْأسود الْمَذْكُور، وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن أَحْمد بن مَنْصُور الرَّمَادِي. قَالَ: حَدثنَا أَبُو صَالح. قَالَ: حَدثنِي اللَّيْث عَن أبي الْأسود، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط، وَقَالَ: وَلم يروه عَن أبي الْأسود إلَاّ اللَّيْث وَابْن لَهِيعَة انْتهى، وَرِوَايَة البُخَارِيّ من طَرِيق حَيْوَة بن شُرَيْح ترد عَلَيْهِ. ٢٠ - (بابُ: ﴿إلَاّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ (النِّسَاء: ٩٨) فِي بعض النّسخ: بَاب ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ الْآيَة. فَإِن صَحَّ هَذَا عَن أحد من رُوَاة البُخَارِيّ فالتقدير: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ الْآيَة وَهَذَا الِاسْتِثْنَاء من أهل الْوَعيد، الْمَذْكُور قبله وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأُولَئِك مأواهم جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾ (النِّسَاء: ٩٧) وَهَذَا عذر من الله تَعَالَى لهَؤُلَاء فِي ترك الْهِجْرَة، وَذَلِكَ لأَنهم لَا يقدرُونَ على التَّخَلُّص من أَيدي الْمُشْركين، وَلَو قدرُوا مَا عرفُوا يسلكون الطَّرِيق وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ وَقَالَ عِكْرِمَة: فِي قَوْله: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ يَعْنِي: نهوضا إِلَى الْمَدِينَة، وَقَالَ السّديّ: يَعْنِي مَالا. وَقَالَ مُجَاهِد: يَعْنِي طَرِيقا. ٢١ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿فَأُوْلَئِكَ عَسَى الله أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ الله عَفُوّا غَفُورا﴾ (النِّسَاء: ٩٩) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأُولَئِك﴾ الْآيَة. كَذَا وَقع فِي كثير من النّسخ على لفظ الْقُرْآن، وَوَقع بِلَفْظ: فَعَسَى الله أَن يعْفُو عَنْهُم وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما، فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَالصَّوَاب مَا وَقع بِلَفْظ الْقُرْآن، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: فَأُولَئِك عَسى الله أَن يعْفُو عَنْهُم، الْآيَة وَوَقع فِي جمع بعض من عاصرناه مِمَّن تصدى لشرح البُخَارِيّ، وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما، وَهُوَ أَيْضا غير صَوَاب على مَا لَا يخفى. قَوْله: (فَأُولَئِك) ، إِشَارَة إِلَى قوم أَسْلمُوا وَلَكِن تباطؤا فِي الْهِجْرَة، وَهَذَا بِخِلَاف قَوْله: (فَأُولَئِك مأواهم جَهَنَّم) قَوْله: (عَسى الله أَن يعْفُو عَنْهُم) ، يَعْنِي: لَا يستقصي عَلَيْهِم فِي المحاسبة، وَفِي (تَفْسِير ابْن كثير) أَي: يتَجَاوَز عَنْهُم ترك الْهِجْرَة، وَعَسَى من الله مُوجبَة، وَفِي (تَفْسِير ابْن الْجَوْزِيّ) قَالَ مُجَاهِد: هم قوم أَسْلمُوا وثبتوا على الْإِسْلَام وَلم يكن لَهُم عجلة فِي الْهِجْرَة، فعذرهم الله تَعَالَى بقوله: ﴿عَسى الله أَن يعْفُو عَنْهُم﴾ . ٤٥٩٨ - ح دَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ يَحْيَى عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ بَيْنا النبيُّ ﷺ يُصَلِّي العِشاءَ إذْ قَالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمْدِهِ ثُمَّ قَالَ قَبْلَ أنْ يَسْجُدَ اللَّهُمَّ نَجِّ عَيَّاشَ بنَ أبِي رَبِيعَةَ اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بنَ هِشامٍ اللَّهُمَّ نَجِّ الوَلِيدَ بنَ الوَلِيدِ اللَّهُمَّ نَجِّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ اللَّهُمَّ اجْعَلْها سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الَّذين عذرهمْ الله فِي الْآيَة المترجم بهَا هم المستضعفون، وَقد دَعَا لَهُم النَّبِي ﷺ فِي هَذَا الحَدِيث، ودعا على من عوقهم عَن الْهِجْرَة، وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وشيبان هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ، وَيحيى بن أبي كثير، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الاسْتِسْقَاء فِي: با دُعَاء النَّبِي ﷺ ، وَلَكِن أخرجه من حَدِيث أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (وطأتك) الْوَطْأَة الدوسة والضغطة. يَعْنِي: الأخذة

стр. 5452

الشَّدِيدَة. قَوْله: (اجْعَلْهَا سِنِين) ، أَي: اجْعَل وطأتك أعواما مُجْدِبَة كَسِنِي يُوسُف، وَهِي الَّتِي ذكرهَا الله تَعَالَى فِي كِتَابه: ﴿ثمَّ يَأْتِي من بعد ذَلِك سبع شَدَّاد﴾ (يُوسُف: ٤٨) أَي: سبع سِنِين فِيهَا قحط وجدب. وَقَوله: (سِنِين) جمع سنة وَهِي الجدب، يُقَال: أخذتهم السّنة إِذا أجدبوا وأقحطوا، وَهِي من الْأَسْمَاء الْغَالِبَة نَحْو: الدَّابَّة فِي الْفرس، وَالْمَال فِي الْإِبِل، وأصل السّنة: سنهة، بِوَزْن: جبهة، فحذفت لامها ونقلت حركتها إِلَى النُّون، وَقيل: أَصْلهَا سنوة بِالْوَاو فحذفت، وَتجمع على: سنهات، فَإِذا جمعتها جمع الصِّحَّة كسرت السِّين، فَقلت: سنُون وسنين، وَبَعْضهمْ يضمها، وَمِنْهُم من يَقُول: سنُون على كل حَال فِي الرّفْع وَالنّصب والجر، وَتجْعَل الْإِعْرَاب على النُّون الْأَخِيرَة فَإِذا أضفتها على الأول حذفت نون الْجمع للإضافة، وعَلى الثَّانِي لَا تحذفها فَتَقول: سني زيد وسنين زيد. ٢٢ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إنْ كانَ بِكُمْ أَذَى مِنْ مَطَرٍ أوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتَكُمْ﴾ (النِّسَاء: ١٠٢) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا جنَاح عَلَيْكُم﴾ وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي لفظ: بَاب، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: ﴿وَلَا جنَاح عَلَيْكُم إِن كَانَ بكم أَذَى من مطر﴾ الْآيَة وَقبل قَوْله: ﴿وَلَا جنَاح عَلَيْكُم﴾ أول الْآيَة قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا كنت فيهم فأقمت لَهُم الصَّلَاة﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَلَا جنَاح﴾ وَتَمام الْآيَة بعد قَوْله أسلحتكم ﴿وخذوا حذركُمْ إِن الله أعد للْكَافِرِينَ عذَابا مهينا﴾ وَهَذِه الْآيَة الطَّوِيلَة نزلت فِي صَلَاة الْخَوْف، وأنواعها كَثِيرَة، وَمحل ذكرهَا فِي الْفُرُوع، وَسبب نُزُولهَا مَا ذكره ابْن جرير بِإِسْنَادِهِ عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَالَ: سَأَلَ قوم من بني النجار رَسُول الله ﷺ . فَقَالُوا: يَا رَسُول الله! إِنَّا نضرب فِي الأَرْض، فَكيف نصلي؟ فَأنْزل الله أَولا: ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا من الصَّلَاة﴾ (النِّسَاء: ١٠١) الحَدِيث. ثمَّ بَين صفتهَا بقوله: ﴿وَإِذا كنت فيهم فأقمت لَهُم الصَّلَاة﴾ إِلَى قَوْله: ﴿عذَابا مهينا﴾ . قَوْله: (وَلَا جنَاح عَلَيْكُم) أَي: لَا إِثْم عَلَيْكُم (إِن كَانَ بكم أَذَى من مطر) أَي: بِسَبَب مَا يبلكم من مطر أَو يضعفكم من جِهَة مرض. قَوْله: (أَن تضعوا) أَي: تضعوا. أَي: بِوَضْع الأسلحة لثقلها، وَأمرهمْ مَعَ ذَلِك بِأخذ الحذر لِئَلَّا يغفلوا فيهجم عَلَيْهِم الْعَدو. ٤٥٩٩ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ أبُو الحَسَنِ أخبرنَا حَجَّاجٌ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ قَالَ أخْبَرَنِي يَعْلَى عَنْ سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُمَا ﴿إنْ كانَ بِكُمْ أَذَى مِنْ مَطَرٍ أوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَوْفٍ كَانَ جَرِيحا. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وحجاج هُوَ ابْن مُحَمَّد الْأَعْوَر أَصله مدنِي سكن المصيصة، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز ابْن جريج، ويعلى، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة. وَفتح اللَّام مَقْصُورا. ابْن مسلمُ بن هُرْمُز. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن الْخَلِيل العباسي، ابْن مُحَمَّد، وَلم يقل كَانَ جريحا. قَوْله: (عَن ابْن عَبَّاس: إِن كَانَ بكم) يَعْنِي: ذكر ابْن عَبَّاس قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن كَانَ بكم أَذَى من مطر أَو كُنْتُم مرضى﴾ قَالَ: عبد الرَّحْمَن بن عَوْف كَانَ جريحا فَنزلت الْآيَة فِيهِ، وفاعل: قَالَ: هُوَ ابْن عَبَّاس، وَقَوله: عبد الرَّحْمَن، مُبْتَدأ وَخَبره هُوَ قَوْله: كَانَ جريحا. وَالْجُمْلَة مقول ابْن عَبَّاس، وَلَا قَول فِيهِ لعبد الرَّحْمَن، وَقد غمض أَكثر الشُّرَّاح أَعينهم فِي هَذَا الْموضع، وَفِيمَا ذكرنَا كِفَايَة وَللَّه الْحَمد. ٢٣ - (بابٌ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ فِي يَتَامَى النِّساء﴾ (النِّسَاء: ١٢٧) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ويستفتونك فِي النِّسَاء قل الله يفتيكم﴾ الَّذِي ذكر هُنَا إِلَى قَوْله: (فِي يتامى النِّسَاء) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَته عَن غير الْمُسْتَمْلِي. ذكر لفظ بَاب، وَلَيْسَ لغيره لفظ: بَاب. قَوْله: (ويستفتونك) أَي: يطْلبُونَ مِنْك الْفَتْوَى فِي النِّسَاء. أَي: فِي أَمر النِّسَاء، والفتيا وَالْفَتْوَى بِمَعْنى وَاحِد، وَهُوَ جَوَاب الْحَادِثَة، وَقيل: تَبْيِين الْمُشكل من الْكَلَام، وَأَصله من فتي

стр. 5453

وَهُوَ الشَّاب الْقوي، فالمفتي يُقَوي كَلَامه فِيمَا أشكل فِيهِ فَيصير فتيا قَوِيا. قَوْله: ﴿قل الله يفتيكم فِيهِنَّ﴾ (النِّسَاء: ١٢٧) ، أَي: فِي توريثهن، وَكَانَت الْعَرَب لَا تورث النِّسَاء وَالصبيان. قَوْله: (وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُم فِي الْكتاب) ، أُرِيد بِهِ مَا ذكر قبل هَذِه الْآيَة وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا فِي الْيَتَامَى فأنكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء﴾ (النِّسَاء: ٣) الْآيَة. وَالَّذِي كتب فِي النِّسَاء هُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فِي يتامى النِّسَاء الرتي لَا تؤتونهن مَا كتب لَهُنَّ﴾ الْآيَة. ٢٤ - (بَاب: ﴿وَإنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلَها نُشُوزا أوْ إعْراضا﴾ (النِّسَاء: ١٢٨) كَذَا وَقع عِنْد جَمِيع الروَاة بِغَيْر ذكر لفظ: بَاب، وَوَقع فِي بعض النّسخ، فَالظَّاهِر أَنه من بعض النّسخ. قَوْله: (وَإِن امْرَأَة خَافت) أَي: إِن خَافت امْرَأَة من بَعْلهَا أَي: من زَوجهَا. قَوْله: (نُشُوزًا) وَهُوَ الترفع عَنْهَا وَمنع النَّفَقَة وَترك الْمَوَدَّة الَّتِي بَين الرجل وَالْمَرْأَة وإيذاؤها بسب أَو ضرب أَو نَحْو ذَلِك، قَوْله: (وإعراضا) أَي: وخافت إعْرَاضًا، وَهُوَ أَن يعرض عَنْهَا بِأَن يقل محادثتها ومؤانستها وَذَلِكَ لبَعض الْأَسْبَاب من طعن فِي سنّ أَو سيء فِي خلق أَو خلق أَو دمامة أَو ملال أَو طموح عين إِلَى أُخْرَى أَو غير ذَلِك، وَجَوَابه قَوْله: (فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا أَن يصالحا بَينهمَا صلحا) وَالصُّلْح بَينهمَا أَن يتصالحا على أَن تطيب لَهُ نفسا عَن الْقِسْمَة أَو عَن بَعْضهَا كَمَا فعلت سَوْدَة بنت زَمعَة حِين كرهت أَن يفارقها رَسُول الله ﷺ ، وَعرفت مَكَان عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، عِنْده، فَوهبت لَهَا يَوْمهَا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وقرىء: (تصالحا) وتصالحا، بِمَعْنى يتصالحا ويصطلحا. ثمَّ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالصُّلْح خير﴾ أَي: من الْفِرَاق. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ شِقاقٌ تَفَاسُدٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن خِفْتُمْ شقَاق بَينهمَا﴾ (النِّسَاء: ٣٥) أَي: بَين الزَّوْجَيْنِ، وَذكر عَن ابْن عَبَّاس بِالتَّعْلِيقِ أَنه فسر الشقاق الْمَذْكُور فِي الْآيَة بالمفاسد، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: الشقاق الْعَدَاوَة لِأَن كلاًّ من المتعاديين فِي شقّ خلاف صَاحبه، وَكَانَ مَوضِع ذكر هَذَا فِيمَا قبل، على مَا لَا يخفى. وَأَحْضِرَتِ الأَنْفَسُ الشُحِّ هَوَاهُ فِي الشَيْءِ يَحْرِصُ عَلَيْهِ كَالمُعَلَقَةِ لَا هِيَ أيْمٌ وَلا ذَاتَ زَوْجٍ. أَشَارَ بقوله: (وأحضرت الْأَنْفس الشُّح) إِلَى أَنه هُوَ الْمَذْكُور بعد قَوْله تَعَالَى: ﴿الصُّلْح خبر﴾ ثمَّ فسره بقوله: هَوَاهُ، فِي الشَّيْء يحرص عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَرْوِيّ أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس رَوَاهُ عَنهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق مُعَاوِيَة بن صَالح عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة وَيُقَال: الشُّح الْبُخْل مَعَ الْحِرْص، وَقيل: الإفراط فِي الْحِرْص. قَوْله: (كالمعلقة) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فنذروها كالمعلقة﴾ (النِّسَاء: ٢٩) أَي: كَالْمَرْأَةِ الْمُعَلقَة

стр. 5454

ثمَّ فسره بقوله: (لَا هِيَ أيم) الأيم، بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمَكْسُورَة. وَهِي امْرَأَة لَا زوج لَهَا بكرا كَانَت أَو ثَيِّبًا وَيُقَال أَيْضا رجل أيم، وَوصل هَذَا ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَاد صَحِيح من طَرِيق يزِيد النَّحْوِيّ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فتذروها كالمعلقة﴾ (النِّسَاء: ١٢٩) قَالَ: لَا هِيَ أيم وَلَا ذَات زوج. نُشُوزا بُغْضا أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن امْرَأَة خَافت من بَعْلهَا نُشُوزًا﴾ وَفَسرهُ بقوله: (بغضا) وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم، من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَ فِيهِ: يَعْنِي بغضا. وَقَالَ الْفراء: النُّشُوز يكون من قبل الْمَرْأَة وَالرجل، وَهُوَ هُنَا من قبل الرجل. ٤٦٠١ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ أخْبَرنا عَبْدُ الله أخبرنَا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ وَإن امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاضا قَالَتِ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ المَرْأَةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْها يُرِيدُ أنْ يُفَارِقَها فَتَقُولُ أجْعَلُكَ مِنْ شأنِي فِي حِلت فَنَزَلَتْ هاذِهِ الآيَةُ فِي ذَلِك. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك، وَعُرْوَة وَابْن الزبير بن الْعَوام. والْحَدِيث مضى فِي الصُّلْح عَن مُحَمَّد وَلم ينْسبهُ عَن ابْن الْمُبَارك بِهِ، وَفِيه أَيْضا عَن قُتَيْبَة عَن سُفْيَان بِهِ. قَوْله: (لَيْسَ بمستكثر مِنْهَا) أَي: من الْمَرْأَة فِي الْمحبَّة والمعاشرة والملازمة. قَوْله: (يُرِيد) أَي: الرجل. قَوْله: (فَتَقول) أَي: الْمَرْأَة. قَوْله: (من شأني) أَي: مِمَّا يتَعَلَّق بأَمْري من النَّفَقَة وَالْكِسْوَة وَالصَّدَاق تَجْعَلهُ فِي حل ليفارقها. قَوْله: (فَنزلت الْآيَة) أَي: الْمَذْكُورَة، وَزَاد أَبُو ذَر عَن غير الْمُسْتَمْلِي: (وَإِن امْرَأَة خَافت من بَعْلهَا نُشُوزًا أَو إعْرَاضًا) الْآيَة. وَعَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، نزلت فِي الْمَرْأَة تكون عِنْد الرجل تكره مُفَارقَته فيصطلحان على أَن يجيئها كل ثَلَاثَة أَيَّام أَو أَرْبَعَة، وَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بأطول مِنْهُ، وروى الْحَاكِم من طَرِيق ابْن الْمسيب عَن رَافع بن خديج أَنه كَانَت تَحْتَهُ امْرَأَة فَتزَوج عَلَيْهَا شَابة فآثر الْبكر عَلَيْهَا فنازعته وَطَلقهَا، ثمَّ قَالَ لَهَا: إِن شِئْت رَاجَعتك وَصَبَرت. فَقَالَت: راجعني، فَرَاجعهَا ثمَّ لم تصبر فَطلقهَا. قَالَ: فَذَلِك الصُّلْح الَّذِي بلغنَا أَن الله تَعَالَى أنزل فِيهِ هَذِه الْآيَة، وروى التِّرْمِذِيّ من طَرِيق سماك عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: خشيت سَوْدَة أَن يطلقهَا رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَت: يَا رَسُول الله: لَا تُطَلِّقنِي وَاجعَل يومي لعَائِشَة، فَفعل وَنزلت هَذِه الْآيَة. وَقَالَ: حسن غَرِيب. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الدغولي فِي أول مُعْجَمه، حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا الدستوَائي حَدثنَا الْقَاسِم بن أبي بردة. قَالَ: بعث النَّبِي ﷺ إِلَى سَوْدَة بنت زَمعَة بِطَلَاقِهَا، فَلَمَّا أَتَاهَا جَلَست لَهُ على طَرِيق عَائِشَة، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَت لَهُ: أنْشدك بِالَّذِي أنزل عَلَيْك كِتَابه واصطفاك على خلقه لما راجعتني، فَإِنِّي قد كَبرت وَلَا حَاجَة لي فِي الرِّجَال، ابْعَثْ مَعَ نِسَائِك يَوْم الْقِيَامَة، فَرَاجعهَا، فَقَالَت: إِنِّي قد جعلت يومي وليلتي لحبة رَسُول الله ﷺ ، قلت: هَذَا غَرِيب ومرسل. ٢٥ - (بابٌ: ﴿إنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (النِّسَاء: ١٤٥) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار﴾ وَلَيْسَ لغير أبي ذَر لَفْظَة: بَاب. قَوْله: ﴿إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار﴾ يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة جَزَاء على كفرهم الغليظ. وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ عَن عَاصِم عَن ذكوات أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة ﴿إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار﴾ قَالَ: فِي توابيت ترتج عَلَيْهِم كَذَا رَوَاهُ ابْن جرير عَن وَكِيع عَن يحيى ابْن يمَان عَن سُفْيَان بِهِ، وَيُقَال: النَّار دركات كَمَا أَن الْجنَّة دَرَجَات، والدرك بِفَتْح الرَّاء وإسكانها لُغَتَانِ، وَقَرَأَ حَمْزَة بِالسُّكُونِ. وَاخْتَارَ الزّجاج الْفَتْح، قَالَ: وَعَلِيهِ المحدثون، والدركات للنار والدرجات للجنة، وَالنَّار سَبْعَة أطباق فَوق طبق، وَيُقَال معنى: فِي الدَّرك الْأَسْفَل، أَسْفَل درج جَهَنَّم، وَعبارَة مقَاتل يَعْنِي: الهاوية. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ أسْفَلِ النَّارِ

стр. 5455

هَذَا تَعْلِيق وَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. قَالَ: الدَّرك الْأَسْفَل النَّار، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: يجْعَلُونَ فِي توابيت من حَدِيد تغلق عَلَيْهِم، وَرُوِيَ من نَار تطبق عَلَيْهِم، وَعَن إِسْرَائِيل: الدَّرك الْأَسْفَل بيُوت لَهَا أَبْوَاب تطبق عَلَيْهَا فتوقد من تَحْتهم وَمن فَوْقهم. نَفَقَا سَرَبا أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله : ﴿إِن اسْتَطَعْت أَن تبتغي نفقا﴾ (الْأَنْعَام: ٣٥) وَهَذَا فِي سُورَة الْأَنْعَام وَلَا مُنَاسبَة لذكره هُنَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: غَرَضه بَيَان اشتقاق الْمُنَافِقين، وَفِيه نظر لَا يخفى. قَوْله: (سربا) أَي: فِي الأَرْض، وَهُوَ صفة نفقا، ونفقا مَنْصُوب بقوله: أَن تبتغي، وَفِي (الْمغرب) السرب بِالْفَتْح الطَّرِيق، وَيُقَال: السرب الْبَيْت فِي الأَرْض، وَيُقَال للْمَاء الَّذِي يسيل من الْقرْبَة: سرب، والسرب المسلك وَلَا يُقَال: نفق إلَاّ إِذا كَانَ لَهُ منفذ. ٤٦٠٢ - ح دَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حدَّثنا أبِي حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ حدَّثني إبْرَاهِيمُ عَنْ الأسْوَدِ قَالَ كُنّا فِي حَلْقَةِ عَبْدِ الله فَجَاءَ حُذَيْفَةُ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفاقُ عَلَى قَومٍ خَيْرٍ مِنْكُمْ قَالَ الأسوَدُ سُبْحَانَ الله إنَّ الله يَقُولُ: ﴿إنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (النِّسَاء: ١٤٥) فَتَبَسَّمَ عَبْدُ الله وَجَلَسَ حُذَيْفَةُ فِي نَاحِيَةِ المَسْجِدِ فَقَامَ عَبْدُ الله فَتَفَرَّقَ أصْحابُهُ فَرَمَانِي بالحَصا فَجِئْتُهُ فَقَالَ حُذَيْفَةُ عَجِبْتُ مِنْ ضَحِكِهِ وَقَدْ عَرَفَ مَا قُلْتُ لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ كَانُوا خَيْرا مِنْكُمْ ثُمَّ تَابُوا فَتَابَ الله عَلَيْهِمْ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث النَّخعِيّ الْكُوفِي قاضيها عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن خَاله الْأسود بن يزِيد النَّخعِيّ، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، وَحُذَيْفَة هُوَ ابْن الْيَمَان. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن عَمْرو بن عَليّ وَغَيره. قَوْله: (لقد أنزل النِّفَاق على قوم خير مِنْكُم) ، أَي: ابتلوا بِهِ، وَأما الْخَيْرِيَّة فلأنهم كَانُوا طبقَة الصَّحَابَة فهم خير منطبقة التَّابِعين، لَكِن الله ابْتَلَاهُم فَارْتَدُّوا ونافقوا فَذَهَبت الْخَيْرِيَّة عَنْهُم، وَمِنْهُم من تَابَ فَعَادَت إِلَيْهِ الْخَيْرِيَّة. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: مَقْصُود حُذَيْفَة أَن جمَاعَة من الْمُنَافِقين صلحوا واستقاموا فَكَانُوا خيرا من أُولَئِكَ التَّابِعين لمَكَان الصُّحْبَة وَالصَّلَاح كمجمع وَيزِيد بن حَارِثَة بن عَامر كَانَا منافقين فصلحت حَالهمَا واستقامت، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِالْحَدِيثِ إِلَى تقلب الْقُلُوب، وَقَالَ ابْن التِّين: كَانَ حُذَيْفَة حذرهم أَن ينْزع مِنْهُم الْإِيمَان لِأَن الْأَعْمَال بالخواتيم. قَوْله: (قَالَ الْأسود) ، هُوَ الرَّاوِي (سُبْحَانَ الله تَعَجبا) من كَلَام حُذَيْفَة. قَوْله: (فَتَبَسَّمَ عبد الله) ، أَي: ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. إِنَّمَا كَانَ تبسمه تَعَجبا بحذيفة وَبِمَا قَامَ بِهِ من قَول الْحق وَمَا حذر مِنْهُ. قَوْله: (فَرَمَانِي) ، أَي: قَالَ الْأسود رماني حُذَيْفَة بن الْيَمَان يستدعيه إِلَيْهِ. قَوْله: (قَالَ فَجِئْته) ، أَي: فَجئْت إِلَى حُذَيْفَة. فَقَالَ: (عجبت من ضحكه) أَي: من ضحك عبد الله بن مَسْعُود، يَعْنِي من اقْتِصَاره على الضحك، وَالْحَال أَنه قد عرف مَا قلته من الْحق. قَوْله: (لقد أنزل النِّفَاق) ، أَي: لقد أنزل الله النِّفَاق على قوم: هَذَا يدل على أَن النِّفَاق وَالْكفْر وَالْإِيمَان وَالْإِخْلَاص بِخلق الله تَعَالَى وَتَقْدِيره وإرادته وَلَا يخرج شَيْء من إِرَادَته، وَالْمُنَافِق من أبطن الْكفْر وَأظْهر الْإِسْلَام، وَيُقَال: النِّفَاق إِظْهَار خلاف مَا بطن، مَأْخُوذ من النافقاء وَهُوَ الْموضع الَّذِي يدْخل مِنْهُ اليربوع، فَإِذا طلبه الصياد مِنْهُ خرج من القاصعاء، فَيُشبه الْمُنَافِق بِهِ لِخُرُوجِهِ من الْإِيمَان، وَسمي الْفَاسِق منافقا تَغْلِيظًا، كَمَا يُسمى كَافِرًا فِي قَوْله: من ترك الصَّلَاة فقد كفر، قَوْله: (ثمَّ تَابُوا فَتَابَ الله عَلَيْهِم) أَي: ثمَّ رجعُوا عَن النِّفَاق فتابوا فَتَابَ الله عَلَيْهِم. (وَيُسْتَفَاد مِنْهُ) قبُول تَوْبَة الزنديق وصحتها على مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور، وَمن هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِذا أتيت بزنديق فاستتبه. فَإِن تَابَ قبلت تَوْبَته، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إلَاّ الَّذين تَابُوا أصلحوا واعتصموا بِاللَّه وأخلصو دينهم لله فَأُولَئِك مَعَ الْمُؤمنِينَ﴾ (النِّسَاء: ١٤٦) الْآيَة تدل على صِحَة تَوْبَة الزنديق وقبولها. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: قَوْله: ﴿فَأُولَئِك مَعَ الْمُؤمنِينَ﴾ وَلم يقل: فَأُولَئِك هم الْمُؤْمِنُونَ، حاد عَن كَلَامهم تَغْلِيظًا عَلَيْهِم.

стр. 5456

٢٦ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿إنّا أوْحَيْنَا إلَيْكَ﴾ إلَى قَوْل ﴿وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ﴾ (النِّسَاء: ١٦٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى إِلَى آخِره، وَلم يذكر لفظ: بَاب، إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَذكر الْمَذْكُور إِلَى ﴿وَسليمَان﴾ فِي رِوَايَة أبي ذَر. وَفِي رِوَايَة أبي الْوَقْت إِلَى (نوح والنبيين من بعده) وَتَمام الْآيَة. (إِنَّا أَوْحَينَا إِلَيْك كَمَا أَوْحَينَا إِلَى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط وَعِيسَى وَأَيوب وَيُونُس وَهَارُون وَسليمَان وآتينا دَاوُد زبورا) قَوْله: (أَنا أَوْحَينَا إِلَيْك) ، أَي: إِنَّا أَوْحَينَا إِلَيْك يَا مُحَمَّد كَمَا أَوْحَينَا إِلَى نوح، وَقدم نوحًا ﵇، لِأَنَّهُ أول أَنْبيَاء الشَّرَائِع وأكبرهم سنا وَلِأَنَّهُ لم يُبَالغ أحد من الْأَنْبِيَاء ﵈، فِي الدعْوَة مثل مَا بَالغ هُوَ ﵇، وَجعله الله ثَانِي الْمُصْطَفى فِي موضِعين من كِتَابه، فَقَالَ: ﴿ومنك وَمن نوح﴾ (الْأَحْزَاب: ٧) وَفِي هَذِه الْآيَة، وَهُوَ أول من تَنْشَق عَنهُ الأَرْض بعد النَّبِي ﷺ ، ثمَّ ذكر جَمِيع الْأَنْبِيَاء. بقوله: ﴿والنبيين من بعده﴾ وَخص مِنْهُم جمَاعَة بِالذكر صَرِيحًا تَشْرِيفًا لَهُم. ثمَّ قَالَ: ﴿والأسباط﴾ وهم أَوْلَاد يَعْقُوب و ﴿عِيسَى وَأَيوب﴾ وَقدم عِيسَى على من قبله لِأَن الْوَاو لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيب، وَفِي تَخْصِيصه أَيْضا رد على الْيَهُود. قَوْله: (زبورا) وَهُوَ اسْم الْكتاب الَّذِي أنزل الله تَعَالَى على دَاوُد. ٤٦٠٣ - ح دَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيَى عنْ سُفْيَانَ قَالَ حدَّثني الأعْمَشُ عَنْ أبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ الله عَن النبيِّ ﷺ قَالَ مَا يَنْبَغي لأحَدٍ أنْ يَقُولَ أَنا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بنِ مَتَّى. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ﴿يُونُس﴾ وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل هُوَ شَقِيق بن سَلمَة، وَعبد الله ابْن مَسْعُود. والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الْأَنْبِيَاء فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وَإِن يُونُس لمن الْمُرْسلين﴾ (الصافات: ١٣٩) بِهَذَا الْإِسْنَاد. قَوْله: (مَا يَنْبَغِي لأحد) وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: (مَا يَنْبَغِي لعبد) . قَوْله: (أَنا) قَالَ الْكرْمَانِي: أَنا أَي: العَبْد أَو رَسُول الله ﷺ ، قلت: إِن كَانَ المُرَاد من لفظ: أَنا هُوَ العَبْد فَمَعْنَاه أَن العَبْد الْقَائِل بِهِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يَقُول: أَنا خير من يُونُس، وَإِن كَانَ المُرَاد رَسُول الله ﷺ فَيكون الْمَعْنى: قَالَ ذَلِك تواضعا وهضما للنَّفس. قَوْله: (مَتى) ، بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد الْمُثَنَّاة من فَوق مَقْصُورا وَالصَّحِيح أَنه اسْم أَبِيه. ٤٦٠٤ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سنانٍ حدَّثنا فُلَيْحٌ حدَّثنا هِلالٌ عنْ عَطاءٍ بنِ يَسارٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَن النبيِّ ﷺ قَالَ مَنْ قَالَ أَنا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ. مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث الَّذِي مضى قبله. وَمُحَمّد بن سِنَان، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون وَبعد الْألف نون أُخْرَى، وفليح، بِضَم الْفَاء: ابْن سُلَيْمَان، وهلال بن عَليّ، وَعَطَاء بن يسَار ضد الْيَمين. قَوْله: (من قَالَ) إِلَى آخِره، قَالَ الدَّاودِيّ: يُرِيد لَا يَقُول أحد ذَلِك. وَلَو أَرَادَ النَّبِي ﷺ نَفسه لَكَانَ نَهْيه قبل أَن يعلم أَنه خير الْبشر، فَيَقُول: كذب من قَالَ مَا لم يعلم. ٢٧ - (بابٌ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ إِن امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدُ وَلهُ أُختٌ فَلَها نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ (النِّسَاء: ١٧٦) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يستفتونك﴾ إِلَى آخِره. وَلم يذكر لفظ: بَاب إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر قَوْله: ﴿يستفتونك﴾ . أَي: يطْلبُونَ مِنْك الْفَتْوَى، تَقْدِيره يستفتونك فِي الْكَلَالَة، فَحذف لفظ. الْكَلَالَة لدلَالَة لفظ الْكَلَالَة الْمَذْكُور عَلَيْهِ. قَوْله: (إِن امْرُؤ هلك) أَي: أهلك امْرُؤ فَلفظ هلك، الْمَذْكُور دلّ على الْمَحْذُوف أَي: مَاتَ. قَوْله: (لَيْسَ لَهُ ولد) مَرْفُوع محلا لِأَنَّهُ صفة لامرىء وَلَيْسَ هُوَ مَنْصُوبًا على الْحَال وَهُوَ تَفْسِير الْكَلَالَة، وَاخْتلف فِي اشتقاقها. فَقيل: اشْتقت من الإكليل لِأَنَّهُ مُحِيط بِالرَّأْسِ من جوانبه دون أَعْلَاهُ وأسفله، فَلَمَّا أحَاط بِهِ النّسَب من جوانبه سمى كَلَالَة، والوالدان والمولودون محيطون بِهِ من أَعْلَاهُ

стр. 5457

وأسفله. وَقيل: مُشْتَقّ من كل يكل، يُقَال: كلت الرَّحِم: إِذا تَبَاعَدت وَطَالَ انتسابها. وَمِنْه كل فِي مَشْيه إِذا انْقَطع لبعد الْمسَافَة. وَقَالَ الْمُنْذر: وَاخْتلف فِي مُسَمّى الْكَلَالَة، فَقيل: إِنَّه اسْم للْوَرَثَة من غير الْوَالِدين والمولودين. قَالَ غير وَاحِد. وَقيل: هُوَ اسْم للْمَيت، قَالَه السّديّ، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: سمي الْمَيِّت الَّذِي لَا ولد لَهُ وَلَا وَالِد كَلَالَة، وَيُسمى وَارثه كَلَالَة، وَقيل: هُوَ المَال الْمَوْرُوث، قَالَه عَطاء وَغَيره، وَقيل: الْفَرِيضَة، وَقيل: المَال وَالْوَرَثَة، وَقَالَ ابْن دُرَيْد هم بَنو الْعم، وَمن أشبههم، وَقيل: هم الْعَصَبَات كلهم وَإِن بعدوا. قَوْله: (وَله أُخْت) أَي: من أَبِيه وَأمه. أَو من أَبِيه. لِأَن ذكر أَوْلَاد الْأُم قد سبق فِي أول السُّورَة. قَوْله: (فلهَا نصف مَا ترك) هَذَا بَيَان فَرضهَا عِنْد الِانْفِرَاد. قَوْله: (وَهُوَ يَرِثهَا) يَعْنِي: أَخُوهَا يَرِثهَا يَعْنِي: يسْتَغْرق مِيرَاث الْأُخْت إِذا لم يكن لَهَا ولد وَلَا وَالِد، وَهَذَا فِي الْأَخ من الْأَبَوَيْنِ، أَو الْأَب. قَوْله: (إِن لم يكن لَهَا ولد) أَي: ابْن لِأَن الابْن يسْقط الْأَخ دون الْبِنْت. وَأما سَبَب نزُول الْآيَة الْمَذْكُورَة فَمَا رُوِيَ عَن جَابر بن عبد الله قَالَ لرَسُول الله ﷺ فِي طَرِيق مَكَّة عَام حجَّة الْوَدَاع: إِن لي أُخْتا فكم آخذ من مِيرَاثهَا؟ فَنزلت: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم﴾ (النِّسَاء: ١٧٦) الْآيَة قَالَه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَسْكَر المالقي وَقيل أَنَّهَا آخر مَا نزل من الْقُرْآن، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) . وَالكَلالَةُ مَنْ لَمْ يَرِثْهُ أبٌ أوْ ابنٌ وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير الْكَلَالَة، وَهَذَا قَول أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه ابْن أبي شيبَة عَنهُ، وَهُوَ قَول جُمْهُور الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ، وَقد ذكرنَا فِيهِ أقوالاً أخر عَن قريب. قَوْله: (وَهُوَ) أَي: لفظ الْكَلَالَة مصدر من قَوْلهم، تكلله النّسَب. قَالَ بَعضهم: هُوَ قَول أبي عُبَيْدَة. قلت: فِيهِ نظر لِأَن تكلل على وزن تفعل ومصدره تفعل، وَهُوَ لَيْسَ بمصدر بل هُوَ اسْم، وَقد ذكرنَا فِيهِ وُجُوهًا أخر عَن قريب، وَمعنى تكلله النّسَب تطرفه، كَأَنَّهُ أَخذ طَرفَيْهِ من جِهَة الْوَالِد وَالْولد وَلَيْسَ لَهُ مِنْهُمَا أحد. ٤٦٠٥ - ح دَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنا شُعْبَةَ عَنْ أبِي إسْحَاقَ سَمِعْتُ البَرَاءَ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ قَالَ آخِرُ سُورَةٍ نَزِلَتْ بَرَاءَةٌ وَآخِرُ آيَةِ نَزَلَتْ يَسْتَفْتُونَكَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَرَائِض عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم، وَأخرجه النَّسَائِيّ فيهمَا عَن بنْدَار وَغَيره، قيل: تقدم فِي سُورَة الْبَقَرَة أَن آخر آيَة نزلت هِيَ آيَة الرِّبَا. وَأجِيب: بِأَن الرَّاوِي هُنَا الْبَراء بن عَازِب، وَالَّذِي هُنَاكَ قَول ابْن عَبَّاس. قلت: هَذَا لَيْسَ بِجَوَاب مقنع، بلَى إِن قيل: إِن هَذَا آخر آيَة نزلت فِي أَحْكَام الرِّبَا فَلهُ وَجه غير بعيد. لم تذكر التَّسْمِيَة فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَلَقَد أحسن من ذكرهَا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٥ - ( ﴿بابُ تَفْسِيرِ سُورَةِ المَائِدَةِ﴾ ) أَي: هَذَا بَيَان تَفْسِير بعض شَيْء من سُورَة الْمَائِدَة، وَهِي على وزن فاعلة. بِمَعْنى: مفعولة. أَي: ميد بهَا صَاحبهَا، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: مَا دهم يميدهم، لُغَة فِي مارهم من الْميرَة، وَمِنْه الْمَائِدَة، وَهِي خوان عَلَيْهِ طَعَام فَإِذا لم يكن عَلَيْهِ طَعَام فَلَيْسَ بمائدة، وَإِنَّمَا هُوَ خوان، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة مائدة. فاعلة بِمَعْنى مفعولة، مثل: ﴿عيشة راضية﴾ (الحاقة: ٢١) بِمَعْنى: مرضية. وَقَالَ مقَاتل: هِيَ مَدَنِيَّة كلهَا نزلت بِالنَّهَارِ. وَقَالَ عَطاء بن أبي مُسلم: نزلت سُورَة الْمَائِدَة ثمَّ سُورَة التَّوْبَة، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس فِي (مقامات التَّنْزِيل) هِيَ آخر مَا نزل وفيهَا اخْتِلَاف فِي سِتّ آيَات آيَة مِنْهَا نزلت فِي عَرَفَات لم أسمع أحدا اخْتلف فِيهَا. وَهِي: ﴿الْيَوْم أكلمت لكم دينكُمْ﴾ (الْمَائِدَة: ٣) وَآيَة التَّيَمُّم نزلت بالأبواء، وَآيَة: ﴿وَالله يَعْصِمك﴾ (الْمَائِدَة: ٦٧) نزلت بِذَات الرّقاع وآيتان فيهمَا دلَالَة على أقاويل، بَعضهم: أَنَّهَا نزلت قبل الْهِجْرَة وَهِي: ﴿ذَلِك بِأَن مِنْهُم قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ (الْمَائِدَة: ٨٢) إِلَى قَوْله: ﴿مَعَ الشَّاهِدين﴾ وَآيَة اخْتلفُوا فِيهَا، فَقيل: إِنَّهَا نزلت بنخلة فِي الْغَزْوَة السَّابِعَة. وَقيل: إِنَّهَا نزلت بِالْمَدِينَةِ فِي شَأْن كَعْب بن

стр. 5458

الْأَشْرَف وَهِي: ﴿اذْكروا نعْمَة الله عَلَيْكُم﴾ (الْمَائِدَة: ٧) وَذكر أَبُو عُبَيْدَة عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ. قَالَ: نزلت سُورَة الْمَائِدَة على سيدنَا رَسُول الله ﷺ فِي حجَّة الْوَدَاع فِيمَا بَين مَكَّة وَالْمَدينَة وَهُوَ على نَاقَته، فابتدر ركبتها فَنزل عَنْهَا ﷺ ، وَقَالَ السخاوي: ذهب جمَاعَة إِلَى أَن الْمَائِدَة لَيْسَ فِيهَا مَنْسُوخ لِأَنَّهَا مُتَأَخِّرَة النُّزُول، وَقَالَ آخَرُونَ: فِيهَا من الْمَنْسُوخ عشرَة مَوَاضِع. وَقَالَ النّحاس: قَالَ بَعضهم: فِيهَا آيَة وَاحِدَة مَنْسُوخَة ذكرهَا الشّعبِيّ، ثمَّ ذكر سِتَّة أُخْرَى لتكملة سبع آيَات، وَهِي: أحد عشر ألفا وَسَبْعمائة وَثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ حرفا وَأَلْفَانِ وَثَمَانمِائَة كلمة، وَأَرْبع كَلِمَات، وَمِائَة وَعِشْرُونَ آيَة. كُوفِي وَاثْنَانِ وَعِشْرُونَ مدنِي وشامي ومكي، وَعِشْرُونَ وَثَلَاث بَصرِي. ١ - (بابٌ: ﴿حُرُمٌ وَاحِدُها حَرَامٌ﴾ ) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله فِي أول السُّورَة: ﴿غير محلى الصَّيْد وَأَنْتُم حرم﴾ (الْمَائِدَة: ١) ثمَّ ذكر أَن وَاحِد حرم حرَام، وَمعنى: وَأَنْتُم حرم. وَأَنْتُم محرمون، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يَعْنِي: حرَام محرم، وَقَرَأَ الْجُمْهُور بصنم أَيْضا الرَّاء، وَقَرَأَ يحيى بن وثاب: حرم، بِإِسْكَان الرَّاء وَهِي لُغَة: كرسل ورسل. (بابُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ (الْمَائِدَة: ١٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فبمَا نقضهم﴾ وَفِي بعض النّسخ: بَاب فِيمَا نقضهم، وَلَيْسَ لفظ بَاب فِي كثير من النّسخ، وَهُوَ الظَّاهِر لِأَنَّهُ لم يرو عَن أحد هُنَا لفظ: بَاب. فَبِنَقْضِهِمْ هَذَا تَفْسِير قَوْله: ﴿فبمَا نقضهم﴾ وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَن كلمة مَا زَائِدَة، رُوِيَ كَذَا عَن قَتَادَة رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن أَحْمد، حَدثنَا يزِيد عَن سعيد عَن قَتَادَة، وَقَالَ الزّجاج: مَا لغووا الْمَعْنى: فبنقضهم ميثاقهم، وَمعنى: مَا الملغاة فِي الْعَمَل توكيد الْقِصَّة، وَعَن الْكسَائي: مَا صلَة كَقَوْلِه ﴿عَمَّا قَلِيل﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٤٠) وَكَقَوْلِه: ﴿فبمَا رَحْمَة من الله لنت لَهُم﴾ (النِّسَاء: ١٢) وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: إِنَّمَا دخلت فِيهِ مَا للمصدر وَكَذَلِكَ كل ماأشبهه. قلت: أول هَذِه الْكَلِمَة الْآيَة الطَّوِيلَة الَّتِي هِيَ: ﴿وَلَقَد أَخذ الله مِيثَاق بني إِسْرَائِيل﴾ الْآيَة وَبعدهَا ﴿فبمَا نقضهم ميثاقهم لعناهم وَجَعَلنَا قُلُوبهم قاسية﴾ إِلَى قَوْله: ﴿إِن الله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ وَلَقَد أخبر الله تَعَالَى عَمَّا أحل بالذين نقضوا الْمِيثَاق بعد عقده وتوكيده وشده من الْعقُوبَة. بقوله: ﴿فبمَا نقضهم﴾ أَي: بِسَبَب نقضهم ميثاقهم لعناهم أَي: بعدناهم عَن الْحق وطردناهم عَن الْهدى وَجَعَلنَا قُلُوبهم قاسية، أَي: لَا تنْتَفع بموعظة لغلظها وقساوتها. الَّتِي كَتَبَ الله جَعَلَ الله أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ادخُلُوا الأَرْض المقدسة الَّتِي كتب الله لكم﴾ (الْمَائِدَة: ٢١) وَفَسرهُ بقوله: جعل الله وَعَن ابْن إِسْحَاق. كتب لكم، أَي: وهب لكم أخرجه الطَّبَرِيّ وَأخرج غَيره من طَرِيق السّديّ أَن مَعْنَاهُ أَمر، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: معنى كتب الله: قسمهَا وسماها، أَو خطّ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ أَنَّهَا لكم، وَالْأَرْض المقدسة بَيت الْمُقَدّس أَو أرِيحَا أَو فلسطين أَو دمشق أَو الشَّام، وَكَانَ إِبْرَاهِيم ﵊، صعد جبل لبنان فَقيل لَهُ انْظُر فَمَا أدْركهُ بَصرك فَهُوَ مقدس وميراث لذريتك من بعْدك. تَبُوءُ تَحْمِلُ أَشَارَ بِهِ فِي قصَّة قابيل بن آدم إِلَى قَول هابيل يَقُول، لقابيل: ﴿إِنِّي أُرِيد أَن تبوء بإثمي وأثمك﴾ (الْمَائِدَة: ٢٩) تحمل. ثمَّ فسر: تبوء، بقوله: تحمل، هَكَذَا فسره مُجَاهِد رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن مُوسَى: حَدثنَا أَبُو بكر حَدثنَا شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ وَعَن ابْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَمُجاهد. أَي: قَتْلَى وإثمك الَّذِي عملته قبل ذَلِك، وَقَالَ ابْن جرير: قَالَ آخَرُونَ: معنى ذَلِك، إِنِّي أُرِيد أَن تبوء بإثمي، أَي: بخطيئتي فَتحمل أَوزَارهَا وإثمك فِي قَتلك إيَّايَ، وَقَالَ هَذَا قَول وجدته عَن مُجَاهِد وأخشى أَن يكون غَلطا لِأَن الرِّوَايَة الصَّحِيحَة عَنهُ خلاف هَذَا يَعْنِي: مَا رَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد إِنِّي أُرِيد أَن تبوء بإثمي. قَالَ: بقتلك إيَّايَ وإثمك. قَالَ: بِمَا كَانَ قبل ذَلِك؟ قلت: هَذَا هُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ عَنهُ مَعَ ابْن عَبَّاس الَّذِي نَص عَلَيْهَا بِالصِّحَّةِ فَإِن قلت: قد روى مَا ترك الْقَاتِل

стр. 5459

على الْمَقْتُول من ذَنْب؟ قلت: هَذَا الحَدِيث لَا أصل لَهُ. قَالَه الْخطابِيّ من الْمُحدثين. فَإِن قلت: روى الْبَزَّار بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث عُرْوَة ابْن الزبير عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ قتل الصَّبْر لَا يمر بذنب إلَاّ محاه. قلت: هَذَا لَا يَصح، وَلَئِن صَحَّ فَمَعْنَاه أَن الله يكفر عَن الْمَقْتُول بإثم الْقَتْل ذنُوبه فإمَّا أَنه يحمل على الْقَاتِل فَلَا. دَائِرَةٌ دَوْلَةٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ نخشى أَن تصيبنا دَائِرَة﴾ (الْمَائِدَة: ٥٢) ثمَّ فَسرهَا بقوله: دولة، وَهَكَذَا فسره السّديّ: رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن أَحْمد بن عُثْمَان بن حَكِيم عَن أَحْمد بن مفضل حَدثنَا أَسْبَاط عَن السّديّ بِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ الإغْرَاءُ التَّسْلِيطُ أَشَارَ بِلَفْظ الإغراء إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فاغرينا بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء إِلَى يَوْم الْقِيَامَة﴾ (الْمَائِدَة: ١٤) وَفسّر الإغراء بالتسليط، وَفِي التَّفْسِير قَوْله: فأغرينا. أَي: القينا وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فاغرينا. الصقنا وألزمنا، من غرى بالشَّيْء إِذا لزمَه فلصق بِهِ، وأغراه بِهِ غَيره وَمِنْه الغرى الَّذِي يلصق بِهِ. فَإِن قلت: مَا أَرَادَ بقوله. وَقَالَ غَيره؟ وَمن هُوَ هَذَا الْغَيْر؟ وَإِلَى أَي شَيْء يرجع الضَّمِير؟ قلت: قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) لَعَلَّه يَعْنِي: لَعَلَّ البُخَارِيّ يَعْنِي بِالْغَيْر من فسر مَا قبله، وَقد نَقَلْنَاهُ عَن قَتَادَة. انْتهى قلت: قَتَادَة لم يذكر صَرِيحًا فِيمَا قبله حَتَّى يرجع الضَّمِير إِلَيْهِ. وَلَا ذكر فِيمَا قبله مَا يصلح أَن يرجع إِلَيْهِ الضَّمِير، وَالظَّاهِر أَن هُنَا شَيْئا سقط من النساخ، وَالصَّوَاب: أَن هَذَا لَيْسَ من البُخَارِيّ، وَلِهَذَا لم يذكر فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَلَا فِي بعض النّسخ، وَيحْتَمل أَن يكون قَوْله عقيب هَذَا، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: مَخْمَصَة مجاعَة، مَذْكُورا قبل قَوْله، وَقَالَ غَيره: أَي: قَالَ غير ابْن عَبَّاس: الإغراء التسليط، وَوَقع من النَّاسِخ أَنه أخر هَذَا وَقدم ذَاك، وَيُقَوِّي هَذَا الِاحْتِمَال مَا وَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن الْفربرِي بِالْإِجَازَةِ. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: مَخْمَصَة مجاعَة. وَقَالَ غَيره الإغراء التسليط، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب لَا مرية فِيهِ. أُجُورَهُنَّ مُهُورَهُنَّ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورهنَّ محصنين غير مسافحين﴾ (الْمَائِدَة: ٥) وَفسّر الأجور بالمهور، وَهَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن غيلَان: حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنِي مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. المُهَيْمِنُ الأمِينُ القُرْآنُ أمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتابٍ قَبْلَهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ومهيمنا عَلَيْهِ﴾ (الْمَائِدَة: ٤٨٤) وَفَسرهُ بقوله الْأمين. وَقَالَ فِي (فَضَائِل الْقُرْآن) قَالَ قَالَ ابْن عَبَّاس الْمُهَيْمِن الْأمين. وَقَالَ عبد بن حميد حَدثنَا سُلَيْمَان بن دَاوُد عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق سَمِعت التَّيْمِيّ سَمِعت ابْن عَبَّاس، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنَا مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس قَوْله : ﴿ومهيمنا عَلَيْهِ﴾ قَالَ الْمُهَيْمِن الْأمين، الْقُرْآن أَمِين على كل كتاب قبله، وَقَالَ الْخطابِيّ: أَصله مؤيمن، فقلبت الْهمزَة هَاء لِأَن الْهَاء أخف من الْهمزَة وَهُوَ على وزن مسيطر ومبيطر، قَالَ ابْن قُتَيْبَة وَآخَرُونَ، مهيمن مفيعل يَعْنِي بِالتَّصْغِيرِ من أَمِين، قلبت همزته هَاء وَقد أنكر ذَلِك ثَعْلَب فَبَالغ حَتَّى نسب قَائِله إِلَى الْكفْر لِأَن الْمُهَيْمِن من الْأَسْمَاء الْحسنى وَأَسْمَاء الله تَعَالَى لَا تصغر، وَالْحق أَنه أصل بِنَفسِهِ لَيْسَ مبدلاً من شَيْء وأصل الهيمنة الْحِفْظ والارتقاب، يُقَال: هيمن فلَان على فلَان إِذا صَار رقيبا عَلَيْهِ فَهُوَ مهيمن، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة لم يَجِيء فِي كَلَام الْعَرَب على هَذَا الْبناء إلَاّ أَرْبَعَة أَلْفَاظ: مبيطر ومسيطر ومهيمن ومبيقر، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الْمُهَيْمِن من صِفَات الله تَعَالَى، وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين: الْمُهَيْمِن الشَّهِيد وَالشَّاهِد، وَقيل: الرَّقِيب، وَقيل: الحفيظ. قَالَ سُفْيَانُ مَا فِي الْقُرْآنِ آيَّةٌ أشَدُّ عَلَيَّ مِنْ ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (الْمَائِدَة: ٦٨) [/ ح. إِنَّمَا كَانَ أَشد عَلَيْهِ لما فِيهِ من تكلّف الْعلم بِأَحْكَام التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْعَمَل بهَا، وَأول الْآيَة: ﴿قل يَا أهل الْكتاب لَسْتُم

стр. 5460

على شَيْء﴾ الْآيَة. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: يَقُول الله تَعَالَى: قل يَا مُحَمَّد ﴿يَا أهل الْكتاب لَسْتُم على شَيْء أَي من الدّين، حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل. أَي: حَتَّى تؤمنوا بِجَمِيعِ مَا فِي أَيْدِيكُم من الْكتب الْمنزلَة من الله على الْأَنْبِيَاء وتعملوا بِمَا فِيهَا من الْأَمر من اتِّبَاع مُحَمَّد ﷺ وَالْإِيمَان بمبعثه والاقتداء بِشَرِيعَتِهِ، وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة مَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق سعيد ابْن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: جَاءَ مَالك بن الضَّيْف وَجَمَاعَة من الْأَحْبَار فَقَالُوا يَا مُحَمَّد: أَلَسْت تزْعم أَنَّك على مِلَّة إِبْرَاهِيم وتؤمن بِمَا فِي التَّوْرَاة وَتشهد أَنَّهَا حق؟ قَالَ: بلَى. وَلَكِنَّكُمْ كتمتم مِنْهَا مَا أمرْتُم ببيانه فَأَنا أَبْرَأ مِمَّا أحدثتموه. وَقَالُوا: إِنَّا نتمسك بِمَا فِي أَيْدِينَا من الْهدى وَالْحق وَلَا نؤمن بك وَلَا بِمَا جِئْت بِهِ، فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة. ﴿مَنْ أحْيَاهَا يَعْنِي مَنْ حَرَّمَ قَتْلَها إلَاّ بِحَقِّ حَييَ النَّاسُ مِنْهُ جَمِيعا﴾ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أحيى النَّاس جَمِيعًا﴾ (الْمَائِدَة: ٣٢) وَفَسرهُ بقوله: يَعْنِي من حرم إِلَى آخِره، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. وَقَالَ مُجَاهِد: من لم يقتل أحدا فقد حيى النَّاس مِنْهُ، وَعنهُ فِي رِوَايَة: وَمن أَحْيَاهَا. أَي: أنجاها من غرق أَو حرق أَو هلكة. شِرْعةً وَمِنْهاجا سَبِيلاً وَسُنَّةً أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا﴾ (الْمَائِدَة: ٤٨) وَفسّر شرعة. بقوله: سَبِيلا ومنهاجا. بقوله: سنة قَالَ الْكرْمَانِي: مَا يفهم مِنْهُ أَن قَوْله: سَبِيلا تَفْسِير قَوْله: منهاجا. وَقَوله: وَسنة تَفْسِير قَوْله: شرعة، حَيْثُ قَالَ: وَفِيه لف وَنشر غير مُرَتّب. قلت: روى ابْن أبي حَاتِم بِمَا فِيهِ لف وَنشر مُرَتّب مثل ظَاهر تَفْسِير البُخَارِيّ حَيْثُ قَالَ: سَبِيلا وَسنة فَقَوله سَبِيلا تَفْسِير شرعة. وَقَوله: منهاجا تَفْسِير قَوْله: وَسنة، وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ ابْن أبي حَاتِم، حَدثنَا أَبُو سعيد الْأَشَج حَدثنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر عَن يُوسُف بن أبي إِسْحَاق عَن التَّيْمِيّ عَن ابْن عَبَّاس، الْكل جعلنَا مِنْكُم شرعة قَالَ سَبِيلا وَحدثنَا ابو سعيد حَدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان عَن ابي اسحاق عَن التَّيْمِيّ عَن ابْن عَبَّاس ومنهاجا سنة وَكَذَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَالسُّديّ وَأبي إِسْحَاق السبيعِي أَنهم قَالُوا فِي قَوْله شرعة ومنهاجا أَي: سَبِيلا وَسنة، وَهَذَا كَمَا هُوَ لفظ البُخَارِيّ، وَفِيه لف وَنشر مُرَتّب، وَقَالَ ابْن كثير: وَعَن ابْن عَبَّاس أَيْضا وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي، شرعة ومنهاجا أَي: سنة وسبيلاً، ثمَّ قَالَ: وَالْأول أنسب، فَإِن الشرعة وَهِي الشَّرِيعَة أَيْضا هِيَ مِمَّا يبْدَأ فِيهِ إِلَى الشَّيْء، وَمِنْه يُقَال: شرع فِي كَذَا أَي: ابْتَدَأَ وَكَذَا الشَّرِيعَة وَهِي مَا يشرع مِنْهَا إِلَى المَاء، وَأما الْمِنْهَاج فَهُوَ الطَّرِيق الْوَاضِح السهل، وَتَفْسِير قَوْله: شرعة ومنهاجا بالسبيل وَالسّنة أظهر فِي الْمُنَاسبَة من الْعَكْس. فَإنْ عَثُرَ ظَهَرَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن عثر على أَنَّهُمَا استحقا إِثْمًا﴾ وَفسّر عثر بقوله: ظهر، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَي فَإِن اشْتهر وَظهر وَتحقّق من شَاهِدي الْوَصِيَّة أَنَّهُمَا خَانا أَو غلا شَيْئا من المَال الْمُوصى بِهِ بنسبته إِلَيْهِمَا وَظهر عَلَيْهِمَا بذلك فآخران يقومان مقامهما، وتوضيح هَذَا يظْهر من تَفْسِير الْآيَة الَّتِي هَذِه اللَّفْظَة فِيهَا وَمَا قبلهَا، وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا شَهَادَة بَيْنكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْفَاسِقين﴾ (الْمَائِدَة: ١٠٧) . الأوْلَيانِ وَاحِدُها أوْلَى أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿من الَّذين اسْتحق عَلَيْهِم الأوليان فيقسمان بِاللَّه﴾ (الْمَائِدَة: ١٠٦) الْآيَة وَأَشَارَ إِلَى أَن مَا ذكر من قَوْله: الأوليان تَثْنِيَة أولى، والأوليان مَرْفُوع، بقوله اسْتحق من الَّذين اسْتحق عَلَيْهِم انتداب الْأَوليين مِنْهُم للشَّهَادَة، وقرىء الْأَوَّلين على أَنه وصف للَّذين، وقرىء الْأَوَّلين على التَّثْنِيَة وانتصابه على الْمَدْح، وَقَرَأَ الْحسن الْأَوَّلَانِ، وَأكْثر هَذِه الْأَلْفَاظ الْمَذْكُورَة هَاهُنَا لم تقع فِي كثير، من النّسخ، وَفِي النّسخ الَّتِي وَقعت فِيهَا بالتقديم وَالتَّأْخِير، وَالله أعلم. ١ - (بابٌ: ﴿حُرُمٌ وَاحِدُها حَرَامٌ﴾ ) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله فِي أول السُّورَة: ﴿غير محلى الصَّيْد وَأَنْتُم حرم﴾ (الْمَائِدَة: ١) ثمَّ ذكر أَن وَاحِد حرم حرَام، وَمعنى: وَأَنْتُم حرم. وَأَنْتُم محرمون، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يَعْنِي: حرَام محرم، وَقَرَأَ الْجُمْهُور بصنم أَيْضا الرَّاء، وَقَرَأَ يحيى بن وثاب: حرم، بِإِسْكَان الرَّاء وَهِي لُغَة: كرسل ورسل. (بابُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ (الْمَائِدَة: ١٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فبمَا نقضهم﴾ وَفِي بعض النّسخ: بَاب فِيمَا نقضهم، وَلَيْسَ لفظ بَاب فِي كثير من النّسخ، وَهُوَ الظَّاهِر لِأَنَّهُ لم يرو عَن أحد هُنَا لفظ: بَاب. فَبِنَقْضِهِمْ هَذَا تَفْسِير قَوْله: ﴿فبمَا نقضهم﴾ وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَن كلمة مَا زَائِدَة، رُوِيَ كَذَا عَن قَتَادَة رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن أَحْمد، حَدثنَا يزِيد عَن سعيد عَن قَتَادَة، وَقَالَ الزّجاج: مَا لغووا الْمَعْنى: فبنقضهم ميثاقهم، وَمعنى: مَا الملغاة فِي الْعَمَل توكيد الْقِصَّة، وَعَن الْكسَائي: مَا صلَة كَقَوْلِه ﴿عَمَّا قَلِيل﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٤٠) وَكَقَوْلِه: ﴿فبمَا رَحْمَة من الله لنت لَهُم﴾ (النِّسَاء: ١٢) وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: إِنَّمَا دخلت فِيهِ مَا للمصدر وَكَذَلِكَ كل ماأشبهه. قلت: أول هَذِه الْكَلِمَة الْآيَة الطَّوِيلَة الَّتِي هِيَ: ﴿وَلَقَد أَخذ الله مِيثَاق بني إِسْرَائِيل﴾ الْآيَة وَبعدهَا ﴿فبمَا نقضهم ميثاقهم لعناهم وَجَعَلنَا قُلُوبهم قاسية﴾ إِلَى قَوْله: ﴿إِن الله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ وَلَقَد أخبر الله تَعَالَى عَمَّا أحل بالذين نقضوا الْمِيثَاق بعد عقده وتوكيده وشده من الْعقُوبَة. بقوله: ﴿فبمَا نقضهم﴾ أَي: بِسَبَب نقضهم ميثاقهم لعناهم أَي: بعدناهم عَن الْحق وطردناهم عَن الْهدى وَجَعَلنَا قُلُوبهم قاسية، أَي: لَا تنْتَفع بموعظة لغلظها وقساوتها. الَّتِي كَتَبَ الله جَعَلَ الله أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ادخُلُوا الأَرْض المقدسة الَّتِي كتب الله لكم﴾ (الْمَائِدَة: ٢١) وَفَسرهُ بقوله: جعل الله وَعَن ابْن إِسْحَاق. كتب لكم، أَي: وهب لكم أخرجه الطَّبَرِيّ وَأخرج غَيره من طَرِيق السّديّ أَن مَعْنَاهُ أَمر، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: معنى كتب الله: قسمهَا وسماها، أَو خطّ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ أَنَّهَا لكم، وَالْأَرْض المقدسة بَيت الْمُقَدّس أَو أرِيحَا أَو فلسطين أَو دمشق أَو الشَّام، وَكَانَ إِبْرَاهِيم ﵊، صعد جبل لبنان فَقيل لَهُ انْظُر فَمَا أدْركهُ بَصرك فَهُوَ مقدس وميراث لذريتك من بعْدك. تَبُوءُ تَحْمِلُ أَشَارَ بِهِ فِي قصَّة قابيل بن آدم إِلَى قَول هابيل يَقُول، لقابيل: ﴿إِنِّي أُرِيد أَن تبوء بإثمي وأثمك﴾ (الْمَائِدَة: ٢٩) تحمل. ثمَّ فسر: تبوء، بقوله: تحمل، هَكَذَا فسره مُجَاهِد رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن مُوسَى: حَدثنَا أَبُو بكر حَدثنَا شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ وَعَن ابْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَمُجاهد. أَي: قَتْلَى وإثمك الَّذِي عملته قبل ذَلِك، وَقَالَ ابْن جرير: قَالَ آخَرُونَ: معنى ذَلِك، إِنِّي أُرِيد أَن تبوء بإثمي، أَي: بخطيئتي فَتحمل أَوزَارهَا وإثمك فِي قَتلك إيَّايَ، وَقَالَ هَذَا قَول وجدته عَن مُجَاهِد وأخشى أَن يكون غَلطا لِأَن الرِّوَايَة الصَّحِيحَة عَنهُ خلاف هَذَا يَعْنِي: مَا رَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد إِنِّي أُرِيد أَن تبوء بإثمي. قَالَ: بقتلك إيَّايَ وإثمك. قَالَ: بِمَا كَانَ قبل ذَلِك؟ قلت: هَذَا هُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ عَنهُ مَعَ ابْن عَبَّاس الَّذِي نَص عَلَيْهَا بِالصِّحَّةِ فَإِن قلت: قد روى مَا ترك الْقَاتِل على الْمَقْتُول من ذَنْب؟ قلت: هَذَا الحَدِيث لَا أصل لَهُ. قَالَه الْخطابِيّ من الْمُحدثين. فَإِن قلت: روى الْبَزَّار بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث عُرْوَة ابْن الزبير عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ قتل الصَّبْر لَا يمر بذنب إلَاّ محاه. قلت: هَذَا لَا يَصح، وَلَئِن صَحَّ فَمَعْنَاه أَن الله يكفر عَن الْمَقْتُول بإثم الْقَتْل ذنُوبه فإمَّا أَنه يحمل على الْقَاتِل فَلَا. دَائِرَةٌ دَوْلَةٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ نخشى أَن تصيبنا دَائِرَة﴾ (الْمَائِدَة: ٥٢) ثمَّ فَسرهَا بقوله: دولة، وَهَكَذَا فسره السّديّ: رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن أَحْمد بن عُثْمَان بن حَكِيم عَن أَحْمد بن مفضل حَدثنَا أَسْبَاط عَن السّديّ بِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ الإغْرَاءُ التَّسْلِيطُ أَشَارَ بِلَفْظ الإغراء إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فاغرينا بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء إِلَى يَوْم الْقِيَامَة﴾ (الْمَائِدَة: ١٤) وَفسّر الإغراء بالتسليط، وَفِي التَّفْسِير قَوْله: فأغرينا. أَي: القينا وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فاغرينا. الصقنا وألزمنا، من غرى بالشَّيْء إِذا لزمَه فلصق بِهِ، وأغراه بِهِ غَيره وَمِنْه الغرى الَّذِي يلصق بِهِ. فَإِن قلت: مَا أَرَادَ بقوله. وَقَالَ غَيره؟ وَمن هُوَ هَذَا الْغَيْر؟ وَإِلَى أَي شَيْء يرجع الضَّمِير؟ قلت: قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) لَعَلَّه يَعْنِي: لَعَلَّ البُخَارِيّ يَعْنِي بِالْغَيْر من فسر مَا قبله، وَقد نَقَلْنَاهُ عَن قَتَادَة. انْتهى قلت: قَتَادَة لم يذكر صَرِيحًا فِيمَا قبله حَتَّى يرجع الضَّمِير إِلَيْهِ. وَلَا ذكر فِيمَا قبله مَا يصلح أَن يرجع إِلَيْهِ الضَّمِير، وَالظَّاهِر أَن هُنَا شَيْئا سقط من النساخ، وَالصَّوَاب: أَن هَذَا لَيْسَ من البُخَارِيّ، وَلِهَذَا لم يذكر فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَلَا فِي بعض النّسخ، وَيحْتَمل أَن يكون قَوْله عقيب هَذَا، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: مَخْمَصَة مجاعَة، مَذْكُورا قبل قَوْله، وَقَالَ غَيره: أَي: قَالَ غير ابْن عَبَّاس: الإغراء التسليط، وَوَقع من النَّاسِخ أَنه أخر هَذَا وَقدم ذَاك، وَيُقَوِّي هَذَا الِاحْتِمَال مَا وَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن الْفربرِي بِالْإِجَازَةِ. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: مَخْمَصَة مجاعَة. وَقَالَ غَيره الإغراء التسليط، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب لَا مرية فِيهِ. أُجُورَهُنَّ مُهُورَهُنَّ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورهنَّ محصنين غير مسافحين﴾ (الْمَائِدَة: ٥) وَفسّر الأجور بالمهور، وَهَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن غيلَان: حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنِي مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. المُهَيْمِنُ الأمِينُ القُرْآنُ أمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتابٍ قَبْلَهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ومهيمنا عَلَيْهِ﴾ (الْمَائِدَة: ٤٨٤) وَفَسرهُ بقوله الْأمين. وَقَالَ فِي (فَضَائِل الْقُرْآن) قَالَ قَالَ ابْن عَبَّاس الْمُهَيْمِن الْأمين. وَقَالَ عبد بن حميد حَدثنَا سُلَيْمَان بن دَاوُد عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق سَمِعت التَّيْمِيّ سَمِعت ابْن عَبَّاس، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنَا مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس قَوْله : ﴿ومهيمنا عَلَيْهِ﴾ قَالَ الْمُهَيْمِن الْأمين، الْقُرْآن أَمِين على كل كتاب قبله، وَقَالَ الْخطابِيّ: أَصله مؤيمن، فقلبت الْهمزَة هَاء لِأَن الْهَاء أخف من الْهمزَة وَهُوَ على وزن مسيطر ومبيطر، قَالَ ابْن قُتَيْبَة وَآخَرُونَ، مهيمن مفيعل يَعْنِي بِالتَّصْغِيرِ من أَمِين، قلبت همزته هَاء وَقد أنكر ذَلِك ثَعْلَب فَبَالغ حَتَّى نسب قَائِله إِلَى الْكفْر لِأَن الْمُهَيْمِن من الْأَسْمَاء الْحسنى وَأَسْمَاء الله تَعَالَى لَا تصغر، وَالْحق أَنه أصل بِنَفسِهِ لَيْسَ مبدلاً من شَيْء وأصل الهيمنة الْحِفْظ والارتقاب، يُقَال: هيمن فلَان على فلَان إِذا صَار رقيبا عَلَيْهِ فَهُوَ مهيمن، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة لم يَجِيء فِي كَلَام الْعَرَب على هَذَا الْبناء إلَاّ أَرْبَعَة أَلْفَاظ: مبيطر ومسيطر ومهيمن ومبيقر، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الْمُهَيْمِن من صِفَات الله تَعَالَى، وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين: الْمُهَيْمِن الشَّهِيد وَالشَّاهِد، وَقيل: الرَّقِيب، وَقيل: الحفيظ. قَالَ سُفْيَانُ مَا فِي الْقُرْآنِ آيَّةٌ أشَدُّ عَلَيَّ مِنْ ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (الْمَائِدَة: ٦٨) [/ ح. إِنَّمَا كَانَ أَشد عَلَيْهِ لما فِيهِ من تكلّف الْعلم بِأَحْكَام التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْعَمَل بهَا، وَأول الْآيَة: ﴿قل يَا أهل الْكتاب لَسْتُم على شَيْء﴾ الْآيَة. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: يَقُول الله تَعَالَى: قل يَا مُحَمَّد﴾ يَا أهل الْكتاب لَسْتُم على شَيْء أَي من الدّين، حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل. أَي: حَتَّى تؤمنوا بِجَمِيعِ مَا فِي أَيْدِيكُم من الْكتب الْمنزلَة من الله على الْأَنْبِيَاء وتعملوا بِمَا فِيهَا من الْأَمر من اتِّبَاع مُحَمَّد ﷺ وَالْإِيمَان بمبعثه والاقتداء بِشَرِيعَتِهِ، وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة مَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق سعيد ابْن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: جَاءَ مَالك بن الضَّيْف وَجَمَاعَة من الْأَحْبَار فَقَالُوا يَا مُحَمَّد: أَلَسْت تزْعم أَنَّك على مِلَّة إِبْرَاهِيم وتؤمن بِمَا فِي التَّوْرَاة وَتشهد أَنَّهَا حق؟ قَالَ: بلَى. وَلَكِنَّكُمْ كتمتم مِنْهَا مَا أمرْتُم ببيانه فَأَنا أَبْرَأ مِمَّا أحدثتموه. وَقَالُوا: إِنَّا نتمسك بِمَا فِي أَيْدِينَا من الْهدى وَالْحق وَلَا نؤمن بك وَلَا بِمَا جِئْت بِهِ، فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة. ﴿مَنْ أحْيَاهَا يَعْنِي مَنْ حَرَّمَ قَتْلَها إلَاّ بِحَقِّ حَييَ النَّاسُ مِنْهُ جَمِيعا﴾ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أحيى النَّاس جَمِيعًا﴾ (الْمَائِدَة: ٣٢) وَفَسرهُ بقوله: يَعْنِي من حرم إِلَى آخِره، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. وَقَالَ مُجَاهِد: من لم يقتل أحدا فقد حيى النَّاس مِنْهُ، وَعنهُ فِي رِوَايَة: وَمن أَحْيَاهَا. أَي: أنجاها من غرق أَو حرق أَو هلكة. شِرْعةً وَمِنْهاجا سَبِيلاً وَسُنَّةً أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا﴾ (الْمَائِدَة: ٤٨) وَفسّر شرعة. بقوله: سَبِيلا ومنهاجا. بقوله: سنة قَالَ الْكرْمَانِي: مَا يفهم مِنْهُ أَن قَوْله: سَبِيلا تَفْسِير قَوْله: منهاجا. وَقَوله: وَسنة تَفْسِير قَوْله: شرعة، حَيْثُ قَالَ: وَفِيه لف وَنشر غير مُرَتّب. قلت: روى ابْن أبي حَاتِم بِمَا فِيهِ لف وَنشر مُرَتّب مثل ظَاهر تَفْسِير البُخَارِيّ حَيْثُ قَالَ: سَبِيلا وَسنة فَقَوله سَبِيلا تَفْسِير شرعة. وَقَوله: منهاجا تَفْسِير قَوْله: وَسنة، وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ ابْن أبي حَاتِم، حَدثنَا أَبُو سعيد الْأَشَج حَدثنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر عَن يُوسُف بن أبي إِسْحَاق عَن التَّيْمِيّ عَن ابْن عَبَّاس، الْكل جعلنَا مِنْكُم شرعة قَالَ سَبِيلا وَحدثنَا ابو سعيد حَدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان عَن ابي اسحاق عَن التَّيْمِيّ عَن ابْن عَبَّاس ومنهاجا سنة وَكَذَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَالسُّديّ وَأبي إِسْحَاق السبيعِي أَنهم قَالُوا فِي قَوْله شرعة ومنهاجا أَي: سَبِيلا وَسنة، وَهَذَا كَمَا هُوَ لفظ البُخَارِيّ، وَفِيه لف وَنشر مُرَتّب، وَقَالَ ابْن كثير: وَعَن ابْن عَبَّاس أَيْضا وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي، شرعة ومنهاجا أَي: سنة وسبيلاً، ثمَّ قَالَ: وَالْأول أنسب، فَإِن الشرعة وَهِي الشَّرِيعَة أَيْضا هِيَ مِمَّا يبْدَأ فِيهِ إِلَى الشَّيْء، وَمِنْه يُقَال: شرع فِي كَذَا أَي: ابْتَدَأَ وَكَذَا الشَّرِيعَة وَهِي مَا يشرع مِنْهَا إِلَى المَاء، وَأما الْمِنْهَاج فَهُوَ الطَّرِيق الْوَاضِح السهل، وَتَفْسِير قَوْله: شرعة ومنهاجا بالسبيل وَالسّنة أظهر فِي الْمُنَاسبَة من الْعَكْس. فَإنْ عَثُرَ ظَهَرَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن عثر على أَنَّهُمَا استحقا إِثْمًا﴾ وَفسّر عثر بقوله: ظهر، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَي فَإِن اشْتهر وَظهر وَتحقّق من شَاهِدي الْوَصِيَّة أَنَّهُمَا خَانا أَو غلا شَيْئا من المَال الْمُوصى بِهِ بنسبته إِلَيْهِمَا وَظهر عَلَيْهِمَا بذلك فآخران يقومان مقامهما، وتوضيح هَذَا يظْهر من تَفْسِير الْآيَة الَّتِي هَذِه اللَّفْظَة فِيهَا وَمَا قبلهَا، وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا شَهَادَة بَيْنكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْفَاسِقين﴾ (الْمَائِدَة: ١٠٧) . الأوْلَيانِ وَاحِدُها أوْلَى أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿من الَّذين اسْتحق عَلَيْهِم الأوليان فيقسمان بِاللَّه﴾ (الْمَائِدَة: ١٠٦) الْآيَة وَأَشَارَ إِلَى أَن مَا ذكر من قَوْله: الأوليان تَثْنِيَة أولى، والأوليان مَرْفُوع، بقوله اسْتحق من الَّذين اسْتحق عَلَيْهِم انتداب الْأَوليين مِنْهُم للشَّهَادَة، وقرىء الْأَوَّلين على أَنه وصف للَّذين، وقرىء الْأَوَّلين على التَّثْنِيَة وانتصابه على الْمَدْح، وَقَرَأَ الْحسن الْأَوَّلَانِ، وَأكْثر هَذِه الْأَلْفَاظ الْمَذْكُورَة هَاهُنَا لم تقع فِي كثير، من النّسخ، وَفِي النّسخ الَّتِي وَقعت فِيهَا بالتقديم وَالتَّأْخِير، وَالله أعلم. ٢ - (بابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (الْمَائِدَة: ٣)

стр. 5461

لم يذكر لفظ بَاب إِلَّا فِي رِوَايَة أبي ذَر وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هَذِه أكبر نعم الله على هَذِه الْأمة حَيْثُ أكمل لَهُم دينهم فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى دين غَيره وَلَا إِلَى نَبِي غير نَبِيّهم، وَلِهَذَا جعله الله خَاتم الْأَنْبِيَاء وَبَعثه إِلَى الْإِنْس وَالْجِنّ، فَلَا حَلَال إلَاّ مَا أحله الله، وَلَا حرَام إلَاّ مَا حرمه الله، وَلَا دين إلَاّ مَا شَرعه وكل شَيْء أخبر بِهِ فَهُوَ حق وَصدق لَا كذب فِيهِ وَلَا خلف. قَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة. عَن ابْن عَبَّاس ﴿كملت لكم دينكُمْ﴾ (الْمَائِدَة: ٣) وَهُوَ الْإِسْلَام، وَالْمرَاد بِالْيَوْمِ: يَوْم عَرَفَة. قَالَ أَسْبَاط عَن السّديّ: نزلت هَذِه الْآيَة يَوْم عَرَفَة فَلم ينزل بعْدهَا حَلَال وَلَا حرَام، وَرجع رَسُول الله ﷺ وَمَات. وَقَالَ ابْن جريج وَغير وَاحِد: مَاتَ رَسُول الله ﷺ بعد يَوْم عَرَفَة بِأحد وَثَمَانِينَ يَوْمًا. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ مَخْمَصَةٌ مَجَاعَةٌ هَذَا لم يثبت إِلَّا لغير أبي ذَر، وَقد ذكرنَا عِنْد قَوْله: (وَقَالَ غَيره) الإغراء التسليط، أَن الْمُنَاسبَة كَانَت تَقْتَضِي أَن يذكر هَذِه اللَّفْظَة قبل قَوْله: وَقَالَ ابْن عَبَّاس: فَليرْجع إِلَيْهِ هُنَاكَ يظْهر لَك مَا فِيهِ الْكِفَايَة. وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن اضْطر فِي مَخْمَصَة غير متجانف لإثم﴾ وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنِي مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. ٤٦٠٦ - ح دَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ قَيْسٍ عَنْ طَارِقِ بنِ شِهابٍ قَالَتِ اليَهُودُ لِعُمَرَ إنكُمْ تَقْرؤُونَ آيَةً لَوْ نَزِلَتْ فِينا لاتَخَذْناها عِيدا فَقَال عُمَرُ إنِّي لأَعْلَمُ حَيْثُ أُنْزِلَتْ وأيْنَ أُنْزِلَتْ وَأيْنَ رَسُولُ الله ﷺ حِينَ أُنْزِلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ وَإنَّا وَالله بِعَرَفَةَ. قَالَ سُفْيَانُ وأشُكُّ كَانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ أمْ لَا ﴿الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن مهْدي، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَقيس هُوَ ابْن مُسلم، وطارق هُوَ ابْن شهَاب بن عبد شمس البَجلِيّ الأحمسي الْكُوفِي، رأى النَّبِي ﷺ وغزا فِي خلَافَة أبي بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ أَو ثَلَاثًا وَأَرْبَعين غَزْوَة، وَمَات سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ. والْحَدِيث مر فِي كتاب الْإِيمَان من طَرِيق آخر عَن الْحسن بن الصَّباح عَن حَفْص بن عون عَن أبي العميس عَن قيس بن مُسلم عَن طَارق إِلَى آخِره. قَوْله: (قَالَت الْيَهُود) ، وَفِي كتاب الْإِيمَان أَن رجلا من الْيَهُود، وَإِنَّمَا جمع هُنَا بِاعْتِبَار السَّائِل وَمن كَانَ مَعَه، وَكَانَ هَذَا الرجل كَعْب الْأَحْبَار، وَكَانَ سُؤَاله قبل إِسْلَامه، وَأَنه أسلم فِي خلَافَة عمر، على الْمَشْهُور، أَو أطلق عَلَيْهِ ذَلِك بِاعْتِبَار مَا مضى. قَوْله: (حَيْثُ أنزلت وَأَيْنَ أنزلت) أعلم أَن حَيْثُ للمكان اتِّفَاقًا وَقَالَ الْأَخْفَش، وَقد ترد للزمان، وَهنا للمكان خَاصَّة، وَأَيْنَ، للزمان فَلَا تكْرَار وَحِينَئِذٍ، وَالْغَالِب كَون، حَيْثُ فِي مَحل نصب على الظَّرْفِيَّة، أَو خفض: بِمن، ويلزمها الْإِضَافَة إِلَى الْجُمْلَة إسمية كَانَت أَو فعلية، وَإِلَى الفعلية أَكثر، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن مهْدي: (حَيْثُ أنزلت، وَأي يَوْم أنزلت) وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى: (حِين أنزلت وَأَيْنَ أنزلت) قلت: فَحِينَئِذٍ يلْزم التّكْرَار. قَوْله: (وَأَيْنَ رَسُول الله ﷺ حِين أنزلت) . كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (حَيْثُ أنزلت) . قَوْله: (يَوْم عَرَفَة) بِالرَّفْع أَي: يَوْم النُّزُول يَوْم عَرَفَة ويروى بِالنّصب أَي أنزلت فِي يَوْم عَرَفَة. قَوْله: (وَأَنا وَالله بِعَرَفَة) إِشَارَة إِلَى الْمَكَان إِذْ عَرَفَة تطلق على عَرَفَات، وَكَذَا هُوَ فِي وَرَايَة الْجَمِيع، وَعند أَحْمد: (وَرَسُول الله وَاقِف بِعَرَفَة) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان: وَأَنا أَشك) وَقد تقدم فِي كتاب الْإِيمَان عَن قيس بن مُسلم الْجَزْم بِأَن ذَلِك كَانَ يَوْم الْجُمُعَة، وَسَيَجِيءُ الْجَزْم أَيْضا فِي كتاب الِاعْتِصَام من رِوَايَة مسعر عَن قيس. ٣ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طَيِّبا﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن كُنْتُم مرضى أَو على سفر أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط أَو لامستم النِّسَاء فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا﴾ (الْمَائِدَة: ٦) قيل: وَقع هُنَا. فَإِن لم تَجدوا. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، فالقرآن ﴿فَلم تَجدوا﴾ وَفِي الْأُصُول كَذَلِك.

стр. 5462

تَيَمَّمُوا تَعَمَّدُوا أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ تعمدوا الْآن معنى التَّيَمُّم فِي اللُّغَة الْقَصْد، والعمد هُوَ الْقَصْد، وَكَذَا رُوِيَ عَن سُفْيَان رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن زَكَرِيَّا حَدثنَا أَحْمد بن خَلِيل حَدثنَا مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَاق عَنهُ. آمِّينَ قَاصِدينَ أمَّمْتُ وَيَمَّمْتُ وَاحِدٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا الْهَدْي وَلَا القلائد وَلَا آمين الْبَيْت الْحَرَام﴾ (الْمَائِدَة: ٢) وَفسّر آمين بقوله: قَاصِدين، لِأَنَّهُ من الأمّ وَهُوَ الْقَصْد، أَي: وَلَا تستحلوا قتال آمين الْبَيْت أَي: القاصدين إِلَى بَيت الله الْحَرَام الَّذِي من دخله كَانَ آمنا. قَوْله: (أممت ويممت وَاحِد) ، أَي: فِي الْمَعْنى قَالَ الشَّاعِر: وَلَا أَدْرِي إِذا يممت أَرضًا وَقَرَأَ الْأَعْمَش: وَلَا آمي الْبَيْت، بِإِسْقَاط النُّون للإضافة. وَقَال ابنُ عَبَّاسٍ لَمَسْتُمْ وَتَمَسُّوهُنَّ وَاللاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ والإفْضاءُ النِّكاحُ أَشَارَ بقول ابْن عَبَّاس هَذَا إِلَى أَن معنى أَرْبَعَة أَلْفَاظ فِي الْقُرْآن بِمَعْنى وَاحِد، وَهُوَ: النِّكَاح أَي: الْوَطْء. وَقَوله: لمستم، فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء بِتَقْدِير قَوْله: لمستم، وَمَا بعده عطف عَلَيْهِ، وَقَوله: النِّكَاح، على أَنه خَبره، وَقد ذكر هَذَا عَن ابْن عَبَّاس بطرِيق التَّعْلِيق. أما اللَّفْظ الأول: فقد وَصله إِسْمَاعِيل القَاضِي فِي (أَحْكَام الْقُرْآن) من طَرِيق مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لمستم النِّسَاء﴾ قَالَ هُوَ الْجِمَاع، وروى ابْن الْمُنْذر حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ حَدثنَا سعيد حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن أبي بشر عَن ابْن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس أَن اللَّمْس والمس والمباشرة الْجِمَاع، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي (تَفْسِيره) . وَرُوِيَ عَن عَليّ ابْن أبي طَالب وَأبي بن كَعْب وَمُجاهد وَالْحسن وَطَاوُس وَعبيد بن عُمَيْر وَسَعِيد بن جُبَير وَالشعْبِيّ وَقَتَادَة وَمُقَاتِل نَحْو ذَلِك، وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَالْأَعْمَش وَيحيى بن وثاب (لمستم) وَقَرَأَ عَاصِم وَأَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء وَأهل الْحجاز (لامستم) بِالْألف (وَأما اللَّفْظ الثَّانِي) : فوصله ابْن الْمُنْذر وَقد مر الْآن (وَأما اللَّفْظ الثَّالِث) : فَرَوَاهُ عَليّ بن أبي حَاتِم من طَرِيق وَابْن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن﴾ (النِّسَاء: ٢٣) قَالَ الدُّخُول النِّكَاح (وَأما اللَّفْظ الرَّابِع) : فَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقد أفْضى بَعْضكُم إِلَى بعض﴾ (النِّسَاء: ٢١) قَالَ: الْإِفْضَاء الْجِمَاع، وروى ابْن الْمُنْذر عَن عَليّ بن عبد الْعَزِيز حَدثنَا حجاج حَدثنَا حَمَّاد أخبرنَا عَاصِم الْأَحول عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: الْمُلَامسَة والمباشرة والإفضاء والرفث وَالْجِمَاع نِكَاح وَلَكِن الله يكني. ٤٦٠٧ - ح دَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ القاسِمِ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النبيِّ ﷺ قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي بَعْضِ أسْفَارِهِ حَتَّى إذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أوْ بِذَاتِ الجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأقَامَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى التِماسِهِ وأقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَأَتَى النَّاسُ إلَى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا أَلا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أقامَتْ بِرَسُولِ الله ﷺ وَبِالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَجَاءَ أبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ الله ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذَي قَدْ نَامَ فَقَالَ حَبَسْتِ رَسُولَ الله ﷺ وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ قَالَتْ عَائِشَةُ فَعَاتَبَنِي أبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ الله أنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي وَلا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إلَاّ مَكَانُ رَسُولِ الله ﷺ على فَخِذِي فَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى أصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَأنْزَلَ الله آيَةَ التَيَمُّمِ فَقَالَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ مَا هِيِ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ

стр. 5463

يَا أبي آلِ بَكْرٍ قَالَتْ فَبَعَثْنا البَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَإذَا العِقْدُ تَحْتَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ وَإِسْمَاعِيل بن أبي أويس عبد الله الْمدنِي يروي عَن خَاله مَالك بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث قد مر فِي أول كتاب التَّيَمُّم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (بِالْبَيْدَاءِ) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف. (وَذَات الْجَيْش) بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة. وهما اسمان لموضعين بَين مَكَّة وَالْمَدينَة. قَوْله: (عقد) بِكَسْر الْعين. القلادة، وَكَانَت لأسماء أُخْت عَائِشَة فاستعارتها عَائِشَة مِنْهَا وأضافتها إِلَى نَفسهَا بملابسة الْعَارِية. ٤ - (بابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فاذهَبْ أنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلاً إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ (الْمَائِدَة: ٢٤) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاذْهَبْ﴾ الْآيَة هَكَذَا وَقع للمستملي وَفِي رِوَايَة غَيره فَاذْهَبْ إِلَى آخِره وَقَبله قَوْله: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لن ندْخلهَا أبدا مَا داموا فِيهَا فَاذْهَبْ﴾ الْآيَة. وَاصل هَذَا أَن مُوسَى عَلَيْهِ

стр. 5464

السَّلَام، أَمر قومه أَن يجاهدوا ويدخلوا بَيت الْمُقَدّس الَّذِي كَانَ بِأَيْدِيهِم فِي زمن أَبِيهِم يَعْقُوب ﵇، كَمَا أخبر الله عَن ذَلِك قبل هَذِه الْآيَة. بقوله: ﴿يَا قوم ادخُلُوا الأَرْض المقدسة الَّتِي كتب الله لكم﴾ (الْمَائِدَة: ٢١) الْآيَة، فَكَانَ جوابهم (إِن فِيهَا قوما جبارين وَإِنَّا لن ندْخلهَا) الْآيَة ﴿فَاذْهَبْ أَنْت وَرَبك﴾ الْآيَة. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أبي قَالَ حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنِي مُعَاوِيَة بن صَالح عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن بَان عَبَّاس. قَالَ: لما نزل مُوسَى ﵇، وَقَومه الأَرْض المقدسة وجدوا فِيهَا مَدِينَة فِيهَا قوم جبارون خَلْقهم خَلْقِ مُنكر، بعث اثْنَي عشر رجلا وهم النُّقَبَاء الَّذين ذكرهم الله ليأتوا بخبرهم، فَلَقِيَهُمْ رجل من الجبارين فجعلهم فِي كسائه وَحَملهمْ حَتَّى أَتَى بهم الْمَدِينَة، ونادى فِي قومه فَاجْتمعُوا إِلَيْهِ ثمَّ قَالُوا لَهُم: اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى وَقَومه فَأَخْبرُوهُمْ بِمَا رَأَيْتُمْ. فَقَالَ لَهُم مُوسَى ﵇: اكتموا هَذَا فَلم يكتم إلَاّ رجلَانِ، يُوشَع وكالب، وهما الْمَذْكُورَان فِي قَوْله : ﴿قَالَ رجلَانِ من الَّذين يخَافُونَ﴾ (الْمَائِدَة: ٢٣) الْآيَة. قيل: اسْم هَذِه الْمَدِينَة أرِيحَا، وَقَالَ الْبكْرِيّ: يُقَال لَهَا أَيْضا: أُرِيح، وَفِي حَدِيث عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: دخل مِنْهُم رجلَانِ حَائِطا لرجل من الجبارين فَأَخذهُمَا فجعلهما فِي كمه، وَفِي (تَفْسِير مقَاتل) كَانَ فِي أرِيحَا ألف قَرْيَة فِي كل قَرْيَة ألف بُسْتَان، فَلَمَّا دَخلهَا النُّقَبَاء خرج إِلَيْهِم عوج بن عنق فاحتملهم ومتاعهم بِيَدِهِ حَتَّى وضعهم بَين يَدي ملكهم واسْمه: مَا نوس بن ششورة، فَلَمَّا نظر إِلَيْهِم أَمر بِقَتْلِهِم، فَقَالَت امْرَأَته: أنعم على هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِين ودعهم فليرجعوا وليأخذوا طَرِيقا غير الَّذِي جاؤوا مِنْهَا. فأرسلهم فَأخذُوا عنقودا من كرومهم فَحَمَلُوهُ على عَمُود بَين رجلَيْنِ فعجزوا عَن حمله، وحملوا رمانتين على بعض دوابهم فعجزت الدَّابَّة عَن حملهَا، فقدموا على مُوسَى ﵇، وَذكروا حَالهم، وَأَن طول كل رجل مِنْهُم سَبْعَة أَذْرع وَنصف، وَكَانُوا من بقايا قوم عاذ يُقَال لَهُم: العماليق، وَعَن مُجَاهِد كَانَ لَا يُقلُّ عنقود عنبهم إلَاّ خَمْسَة رجال أَو أَرْبَعَة، وَفِي رِوَايَة عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، فاعطوهم حَبَّة عِنَب تَكْفِي الرجل. قلت: المُرَاد بِالْأَرْضِ المقدسة الْمَذْكُورَة دمشق وفلسطين وَبَعض الْأُرْدُن، وَقَالَ قَتَادَة: هِيَ الشَّام كلهَا، وَقَالَ السُّهيْلي: الأَرْض المقدسة هِيَ بَيت الْمُقَدّس وَمَا حولهَا، وَيُقَال: لَهَا إيليا، وتفسر بَيت الله، وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ عَن الْأَعْمَش عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، الأَرْض المقدسة هِيَ الطّور وَمَا حوله. قَوْله: (فَاذْهَبْ أَنْت وَرَبك) ، يُقَال: الظَّاهِر أَنهم أَرَادوا حَقِيقَة الذّهاب كفرا واستهانة بِدَلِيل مُقَابلَة ذهابهم بقعودهم، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: يحْتَمل أَن يعبر بالذهاب هُنَا عَن الْقَصْد والإرادة، كَمَا تَقول: كَلمته ذهب يجيبني أَي: قصدا اجابتي. وَقَالَ الداوردي: المُرَاد بقوله، وَرَبك هَارُون ﵇، لِأَنَّهُ كَانَ أكبر سنا من مُوسَى ﵇، ورد عَلَيْهِ ابْن التِّين بقوله: هَذَا خلاف قَول أهل التَّفْسِير وَمَا أَرَادوا إلَاّ الرب، ، وَلأَجل هَذَا عوقبوا. ٤٦٠٩ - ح دَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا إسْرَائِيلُ عَنْ مُخارِقٍ عَنْ طَارِقٍ بنِ شِهابٍ سَمِعْتُ ابنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ شَهَدْتُ مِنَ المِقْدَادِ ح وحدَّثني حَمْدَانُ بنُ عُمَرَ حدَّثنا أبُو النِّضْرِ حدَّثنا الأشْجَعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُخارِقٍ عَنْ طارِقٍ عَنْ عَبْدِ الله قَالَ قَالَ المُقدَادُ يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولِ الله إنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُوا إسْرَائِيلَ لِمُوسَى ﴿فَاذْهَبْ أنْتَ وَرَبكَ فَقَاتِلا إنَا هاهُنا قَاعِدُونَ﴾ وَلاكِنِ امْضِ ونحنُ مَعَكَ فَكأنَّهُ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأخرجه من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن أبي نعيم، بِضَم النُّون الْفضل بن ديكن عَن إِسْرَائِيل بن يُونُس السبيعِي عَن مُخَارق، بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء وبالقاف: ابْن عبد الله الأحمسي الْكُوفِي عَن طَارق بن شهَاب الأحمسي البَجلِيّ الْكُوفِي وَعَن عبد الله بن مَسْعُود، وَمر فِي غَزْوَة بدر فِي بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿إِذا تَسْتَغِيثُونَ ربكُم﴾ (الْأَنْفَال: ٩) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد عَن أبي نعيم إِلَى آخِره وَمر الْكَلَام فِيهِ (الطَّرِيق الآخر) عَن حمدَان بن عمر أبي جَعْفَر الْبَغْدَادِيّ واسْمه أَحْمد وحمدان لقبه وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الْموضع، وَهُوَ من صغَار شُيُوخ البُخَارِيّ وعاش بعد البُخَارِيّ سنتَيْن، يروي عَن أبي النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة هَاشم بن الْقَاسِم التَّمِيمِي، وَيُقَال: اللَّيْثِيّ الْكِنَانِي خراساني سكن بَغْدَاد توفّي بهَا سنة سبع وَمِائَتَيْنِ، يروي عَن عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن الْأَشْجَعِيّ الْكُوفِي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ إِلَى آخر. قَوْله: (يَوْم بدر) ، وَعَن قَتَادَة فِيمَا ذكره الطَّبَرِيّ أَنه كَانَ فِي الْحُدَيْبِيَة حِين صد. قَوْله: (فَكَأَنَّهُ سري عَن رَسُول الله ﷺ ، أَي: أزيل عَنهُ المكروهات كلهَا. وَرَوَاهُ وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُخارِقٍ عَنْ طَارِق أنَّ المِقْدَادَ قَالَ ذَلِكَ للنبيِّ ﷺ .

стр. 5465

أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور وَكِيع بن الْجراح عَن سُفْيَان الثَّوْريّ إِلَى آخِره، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث سُفْيَان بن وَكِيع بن الْجراح عَن أَبِيه. قَوْله: (أَن الْمِقْدَاد) ، أَي ابْن الْأسود الْكِنْدِيّ الْمَذْكُور. قَوْله: (قَالَ ذَلِك) ، إِشَارَة إِلَى قَوْله يَوْم بدر: يَا رَسُول الله! إِنَّا لَا نقُول إِلَى آخر مَا مر من الحَدِيث، وَجَاء أَن سعد بن معَاذ قَالَه أَيْضا، فَيجوز أَن يكون قَالَاه. ٥ - (بابٌ: ﴿إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَه وَيَسْعُونَ فِي الأرْضِ فَسَادا أنْ يُقْتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ (الْمَائِدَة: ٣٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله﴾ إِلَى آخِره وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ بَاب، وَوَقع فِي رِوَايَة: أبي ذَر: بَاب ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا﴾ الْآيَة، وَغَيره سَاق الْآيَة. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: اخْتلف أهل التَّأْوِيل فِيمَن نزلت هَذِه الْآيَة، فروى عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: أَنَّهَا نزلت فِي قوم من أهل الْكتاب كَانُوا أهل موادعة لسيدنا رَسُول الله ﷺ فنقضوا الْعَهْد وأفسدوا فِي الأَرْض، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس نزلت فِي الْمُشْركين فَمن تَابَ مِنْهُم قبل أَن يقدر عَلَيْهِ لم يمنعهُ ذَلِك أَن يُقَام فِيهِ الْحَد الَّذِي أَصَابَهُ، وَعَن السّديّ: نزلت فِي سودان عرينة أَتَوا رَسُول الله ﷺ وبهم المَاء الْأَصْفَر فشكوا ذَلِك إِلَيْهِ الحَدِيث، وَذكر الثَّعْلَبِيّ عَن الْكَلْبِيّ أَنَّهَا نزلت فِي قوم من بني هِلَال، كَانَ أَبُو بَرزَة الْأَسْلَمِيّ عَاهَدَ النَّبِي ﷺ أَن لَا يُعينهُ وَلَا يعين عَلَيْهِ وَمن أَتَاهُ من الْمُسلمين فَهُوَ آمن فَمر قوم من بني كنَانَة يُرِيدُونَ الْإِسْلَام بناسٍ مِمَّن أسلم من قوم أبي بَرزَة قَالَ: وَلم يكن أَبُو بَرزَة يَوْمئِذٍ شَاهدا، فَقَتَلُوهُمْ وَأخذُوا أَمْوَالهم، فَنزلت هَذِه الْآيَة. المُحَارَبَةُ لله الْكُفْرُ بِهِ رُوِيَ هَذَا عَن سعيد بن جُبَير، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم، حَدثنَا أَبُو زرْعَة حَدثنَا يحيى بن عبد الله بن بكير حَدثنِي ابْن لَهِيعَة حَدثنِي عَطاء بن دِينَار عَن سعيد فِي قَوْله: : ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله﴾ ، قَالَ: يَعْنِي بالمحاربة الْكفْر بعد الْإِسْلَام. ٤٦١٠ - ح دَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا مُحَمَّد بنُ عَبْدِ الله الأنْصَارِيُّ حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ قَالَ حدَّثني سَلْمانُ أبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أبِي قِلابَةَ عَنْ أبِي قِلابَةَ أنَّهُ كَانَ جَالِسا خَلْفَ عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ فَذَكَرُوا وَذَكَرُوا فَقَالُوا وَقَالُوا قَدْ أقادَتْ بِهَا الخُلَفَاءُ فَالْتَفَتَ إلَى أبِي قَلابَةَ وَهُوَ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَقَالَ مَا تَقُولُ يَا عَبْدَ الله بنَ زَيْدٍ أوْ قَالَ مَا تَقُولُ يَا أبَا قِلابَةَ قُلْتُ مَا عَلِمْتُ نَفْسا حَلٍّ قتْلُها فِي الإسْلامِ إلَاّ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إحْصَانٍ أوْ قَتَلَ نَفْسا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ ﷺ فَقَالَ عَنْبَسَةُ حدَّثنا أنَسٌ بِكَذَا وَكَذَا قُلْتُ إيايَ حَدَّثَ أنَسٌ قَالَ قَدِمَ قَوْمٌ عَلَى النبيِّ ﷺ فَكَلموهُ فَقَالُوا قَدِ اسْتَوْخَمْنا هاذِهِ الأَرْضَ فَقَالَ هاذِهِ نَعَمٌ لَنَا تَخْرُجُ فَاخْرُجُوا فِيها فَاشْرَبُوا مِنْ ألْبَانِها وَأبْوَالِها فَخَرَجُوا فِيهَا فَشَرِبُوا مِنْ أبْوَالِها وَألْبَانِها وَاسْتَصَحُّوا وَمَالُوا عَلَى الرَّاعِي فَقَتَلُوهُ وَاطَّرَدُوا النِّعَمَ فَمَا يَسْتَنْبطا مِنْ هاؤُلاءِ قَتَلُوا النَّفْسَ وَحَارَبُوا الله وَرَسُولَهُ وَخَوَّفُوا رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ سُبْحَانَ الله فِقُلْتُ تَتَّهِمُنِي قَالَ حدَّثنا بِهاذا أنَسٌ قَالَ وَقَالَ يَا أهْلَ كَذا إنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا أبْقَى هاذَا فِيكُمْ أَو مِثْلُ هَذا.
следующие страницы →