← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

لم يذكر لفظ بَاب إِلَّا فِي رِوَايَة أبي ذَر وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هَذِه أكبر نعم الله على هَذِه الْأمة حَيْثُ أكمل لَهُم دينهم فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى دين غَيره وَلَا إِلَى نَبِي غير نَبِيّهم، وَلِهَذَا جعله الله خَاتم الْأَنْبِيَاء وَبَعثه إِلَى الْإِنْس وَالْجِنّ، فَلَا حَلَال إلَاّ مَا أحله الله، وَلَا حرَام إلَاّ مَا حرمه الله، وَلَا دين إلَاّ مَا شَرعه وكل شَيْء أخبر بِهِ فَهُوَ حق وَصدق لَا كذب فِيهِ وَلَا خلف. قَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة. عَن ابْن عَبَّاس ﴿كملت لكم دينكُمْ﴾ (الْمَائِدَة: ٣) وَهُوَ الْإِسْلَام، وَالْمرَاد بِالْيَوْمِ: يَوْم عَرَفَة. قَالَ أَسْبَاط عَن السّديّ: نزلت هَذِه الْآيَة يَوْم عَرَفَة فَلم ينزل بعْدهَا حَلَال وَلَا حرَام، وَرجع رَسُول الله ﷺ وَمَات. وَقَالَ ابْن جريج وَغير وَاحِد: مَاتَ رَسُول الله ﷺ بعد يَوْم عَرَفَة بِأحد وَثَمَانِينَ يَوْمًا. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ مَخْمَصَةٌ مَجَاعَةٌ هَذَا لم يثبت إِلَّا لغير أبي ذَر، وَقد ذكرنَا عِنْد قَوْله: (وَقَالَ غَيره) الإغراء التسليط، أَن الْمُنَاسبَة كَانَت تَقْتَضِي أَن يذكر هَذِه اللَّفْظَة قبل قَوْله: وَقَالَ ابْن عَبَّاس: فَليرْجع إِلَيْهِ هُنَاكَ يظْهر لَك مَا فِيهِ الْكِفَايَة. وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن اضْطر فِي مَخْمَصَة غير متجانف لإثم﴾ وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنِي مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. ٤٦٠٦ - ح دَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ قَيْسٍ عَنْ طَارِقِ بنِ شِهابٍ قَالَتِ اليَهُودُ لِعُمَرَ إنكُمْ تَقْرؤُونَ آيَةً لَوْ نَزِلَتْ فِينا لاتَخَذْناها عِيدا فَقَال عُمَرُ إنِّي لأَعْلَمُ حَيْثُ أُنْزِلَتْ وأيْنَ أُنْزِلَتْ وَأيْنَ رَسُولُ الله ﷺ حِينَ أُنْزِلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ وَإنَّا وَالله بِعَرَفَةَ. قَالَ سُفْيَانُ وأشُكُّ كَانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ أمْ لَا ﴿الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن مهْدي، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَقيس هُوَ ابْن مُسلم، وطارق هُوَ ابْن شهَاب بن عبد شمس البَجلِيّ الأحمسي الْكُوفِي، رأى النَّبِي ﷺ وغزا فِي خلَافَة أبي بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ أَو ثَلَاثًا وَأَرْبَعين غَزْوَة، وَمَات سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ. والْحَدِيث مر فِي كتاب الْإِيمَان من طَرِيق آخر عَن الْحسن بن الصَّباح عَن حَفْص بن عون عَن أبي العميس عَن قيس بن مُسلم عَن طَارق إِلَى آخِره. قَوْله: (قَالَت الْيَهُود) ، وَفِي كتاب الْإِيمَان أَن رجلا من الْيَهُود، وَإِنَّمَا جمع هُنَا بِاعْتِبَار السَّائِل وَمن كَانَ مَعَه، وَكَانَ هَذَا الرجل كَعْب الْأَحْبَار، وَكَانَ سُؤَاله قبل إِسْلَامه، وَأَنه أسلم فِي خلَافَة عمر، على الْمَشْهُور، أَو أطلق عَلَيْهِ ذَلِك بِاعْتِبَار مَا مضى. قَوْله: (حَيْثُ أنزلت وَأَيْنَ أنزلت) أعلم أَن حَيْثُ للمكان اتِّفَاقًا وَقَالَ الْأَخْفَش، وَقد ترد للزمان، وَهنا للمكان خَاصَّة، وَأَيْنَ، للزمان فَلَا تكْرَار وَحِينَئِذٍ، وَالْغَالِب كَون، حَيْثُ فِي مَحل نصب على الظَّرْفِيَّة، أَو خفض: بِمن، ويلزمها الْإِضَافَة إِلَى الْجُمْلَة إسمية كَانَت أَو فعلية، وَإِلَى الفعلية أَكثر، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن مهْدي: (حَيْثُ أنزلت، وَأي يَوْم أنزلت) وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى: (حِين أنزلت وَأَيْنَ أنزلت) قلت: فَحِينَئِذٍ يلْزم التّكْرَار. قَوْله: (وَأَيْنَ رَسُول الله ﷺ حِين أنزلت) . كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (حَيْثُ أنزلت) . قَوْله: (يَوْم عَرَفَة) بِالرَّفْع أَي: يَوْم النُّزُول يَوْم عَرَفَة ويروى بِالنّصب أَي أنزلت فِي يَوْم عَرَفَة. قَوْله: (وَأَنا وَالله بِعَرَفَة) إِشَارَة إِلَى الْمَكَان إِذْ عَرَفَة تطلق على عَرَفَات، وَكَذَا هُوَ فِي وَرَايَة الْجَمِيع، وَعند أَحْمد: (وَرَسُول الله وَاقِف بِعَرَفَة) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان: وَأَنا أَشك) وَقد تقدم فِي كتاب الْإِيمَان عَن قيس بن مُسلم الْجَزْم بِأَن ذَلِك كَانَ يَوْم الْجُمُعَة، وَسَيَجِيءُ الْجَزْم أَيْضا فِي كتاب الِاعْتِصَام من رِوَايَة مسعر عَن قيس. ٣ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طَيِّبا﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن كُنْتُم مرضى أَو على سفر أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط أَو لامستم النِّسَاء فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا﴾ (الْمَائِدَة: ٦) قيل: وَقع هُنَا. فَإِن لم تَجدوا. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، فالقرآن ﴿فَلم تَجدوا﴾ وَفِي الْأُصُول كَذَلِك.

стр. 5462

تَيَمَّمُوا تَعَمَّدُوا أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ تعمدوا الْآن معنى التَّيَمُّم فِي اللُّغَة الْقَصْد، والعمد هُوَ الْقَصْد، وَكَذَا رُوِيَ عَن سُفْيَان رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن زَكَرِيَّا حَدثنَا أَحْمد بن خَلِيل حَدثنَا مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَاق عَنهُ. آمِّينَ قَاصِدينَ أمَّمْتُ وَيَمَّمْتُ وَاحِدٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا الْهَدْي وَلَا القلائد وَلَا آمين الْبَيْت الْحَرَام﴾ (الْمَائِدَة: ٢) وَفسّر آمين بقوله: قَاصِدين، لِأَنَّهُ من الأمّ وَهُوَ الْقَصْد، أَي: وَلَا تستحلوا قتال آمين الْبَيْت أَي: القاصدين إِلَى بَيت الله الْحَرَام الَّذِي من دخله كَانَ آمنا. قَوْله: (أممت ويممت وَاحِد) ، أَي: فِي الْمَعْنى قَالَ الشَّاعِر: وَلَا أَدْرِي إِذا يممت أَرضًا وَقَرَأَ الْأَعْمَش: وَلَا آمي الْبَيْت، بِإِسْقَاط النُّون للإضافة. وَقَال ابنُ عَبَّاسٍ لَمَسْتُمْ وَتَمَسُّوهُنَّ وَاللاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ والإفْضاءُ النِّكاحُ أَشَارَ بقول ابْن عَبَّاس هَذَا إِلَى أَن معنى أَرْبَعَة أَلْفَاظ فِي الْقُرْآن بِمَعْنى وَاحِد، وَهُوَ: النِّكَاح أَي: الْوَطْء. وَقَوله: لمستم، فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء بِتَقْدِير قَوْله: لمستم، وَمَا بعده عطف عَلَيْهِ، وَقَوله: النِّكَاح، على أَنه خَبره، وَقد ذكر هَذَا عَن ابْن عَبَّاس بطرِيق التَّعْلِيق. أما اللَّفْظ الأول: فقد وَصله إِسْمَاعِيل القَاضِي فِي (أَحْكَام الْقُرْآن) من طَرِيق مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لمستم النِّسَاء﴾ قَالَ هُوَ الْجِمَاع، وروى ابْن الْمُنْذر حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ حَدثنَا سعيد حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن أبي بشر عَن ابْن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس أَن اللَّمْس والمس والمباشرة الْجِمَاع، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي (تَفْسِيره) . وَرُوِيَ عَن عَليّ ابْن أبي طَالب وَأبي بن كَعْب وَمُجاهد وَالْحسن وَطَاوُس وَعبيد بن عُمَيْر وَسَعِيد بن جُبَير وَالشعْبِيّ وَقَتَادَة وَمُقَاتِل نَحْو ذَلِك، وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَالْأَعْمَش وَيحيى بن وثاب (لمستم) وَقَرَأَ عَاصِم وَأَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء وَأهل الْحجاز (لامستم) بِالْألف (وَأما اللَّفْظ الثَّانِي) : فوصله ابْن الْمُنْذر وَقد مر الْآن (وَأما اللَّفْظ الثَّالِث) : فَرَوَاهُ عَليّ بن أبي حَاتِم من طَرِيق وَابْن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن﴾ (النِّسَاء: ٢٣) قَالَ الدُّخُول النِّكَاح (وَأما اللَّفْظ الرَّابِع) : فَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقد أفْضى بَعْضكُم إِلَى بعض﴾ (النِّسَاء: ٢١) قَالَ: الْإِفْضَاء الْجِمَاع، وروى ابْن الْمُنْذر عَن عَليّ بن عبد الْعَزِيز حَدثنَا حجاج حَدثنَا حَمَّاد أخبرنَا عَاصِم الْأَحول عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: الْمُلَامسَة والمباشرة والإفضاء والرفث وَالْجِمَاع نِكَاح وَلَكِن الله يكني. ٤٦٠٧ - ح دَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ القاسِمِ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النبيِّ ﷺ قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي بَعْضِ أسْفَارِهِ حَتَّى إذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أوْ بِذَاتِ الجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأقَامَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى التِماسِهِ وأقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَأَتَى النَّاسُ إلَى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا أَلا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أقامَتْ بِرَسُولِ الله ﷺ وَبِالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَجَاءَ أبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ الله ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذَي قَدْ نَامَ فَقَالَ حَبَسْتِ رَسُولَ الله ﷺ وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ قَالَتْ عَائِشَةُ فَعَاتَبَنِي أبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ الله أنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي وَلا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إلَاّ مَكَانُ رَسُولِ الله ﷺ على فَخِذِي فَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى أصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَأنْزَلَ الله آيَةَ التَيَمُّمِ فَقَالَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ مَا هِيِ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ

стр. 5463

يَا أبي آلِ بَكْرٍ قَالَتْ فَبَعَثْنا البَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَإذَا العِقْدُ تَحْتَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ وَإِسْمَاعِيل بن أبي أويس عبد الله الْمدنِي يروي عَن خَاله مَالك بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث قد مر فِي أول كتاب التَّيَمُّم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (بِالْبَيْدَاءِ) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف. (وَذَات الْجَيْش) بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة. وهما اسمان لموضعين بَين مَكَّة وَالْمَدينَة. قَوْله: (عقد) بِكَسْر الْعين. القلادة، وَكَانَت لأسماء أُخْت عَائِشَة فاستعارتها عَائِشَة مِنْهَا وأضافتها إِلَى نَفسهَا بملابسة الْعَارِية. ٤ - (بابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فاذهَبْ أنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلاً إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ (الْمَائِدَة: ٢٤) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاذْهَبْ﴾ الْآيَة هَكَذَا وَقع للمستملي وَفِي رِوَايَة غَيره فَاذْهَبْ إِلَى آخِره وَقَبله قَوْله: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لن ندْخلهَا أبدا مَا داموا فِيهَا فَاذْهَبْ﴾ الْآيَة. وَاصل هَذَا أَن مُوسَى عَلَيْهِ

стр. 5464

السَّلَام، أَمر قومه أَن يجاهدوا ويدخلوا بَيت الْمُقَدّس الَّذِي كَانَ بِأَيْدِيهِم فِي زمن أَبِيهِم يَعْقُوب ﵇، كَمَا أخبر الله عَن ذَلِك قبل هَذِه الْآيَة. بقوله: ﴿يَا قوم ادخُلُوا الأَرْض المقدسة الَّتِي كتب الله لكم﴾ (الْمَائِدَة: ٢١) الْآيَة، فَكَانَ جوابهم (إِن فِيهَا قوما جبارين وَإِنَّا لن ندْخلهَا) الْآيَة ﴿فَاذْهَبْ أَنْت وَرَبك﴾ الْآيَة. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أبي قَالَ حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنِي مُعَاوِيَة بن صَالح عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن بَان عَبَّاس. قَالَ: لما نزل مُوسَى ﵇، وَقَومه الأَرْض المقدسة وجدوا فِيهَا مَدِينَة فِيهَا قوم جبارون خَلْقهم خَلْقِ مُنكر، بعث اثْنَي عشر رجلا وهم النُّقَبَاء الَّذين ذكرهم الله ليأتوا بخبرهم، فَلَقِيَهُمْ رجل من الجبارين فجعلهم فِي كسائه وَحَملهمْ حَتَّى أَتَى بهم الْمَدِينَة، ونادى فِي قومه فَاجْتمعُوا إِلَيْهِ ثمَّ قَالُوا لَهُم: اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى وَقَومه فَأَخْبرُوهُمْ بِمَا رَأَيْتُمْ. فَقَالَ لَهُم مُوسَى ﵇: اكتموا هَذَا فَلم يكتم إلَاّ رجلَانِ، يُوشَع وكالب، وهما الْمَذْكُورَان فِي قَوْله : ﴿قَالَ رجلَانِ من الَّذين يخَافُونَ﴾ (الْمَائِدَة: ٢٣) الْآيَة. قيل: اسْم هَذِه الْمَدِينَة أرِيحَا، وَقَالَ الْبكْرِيّ: يُقَال لَهَا أَيْضا: أُرِيح، وَفِي حَدِيث عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: دخل مِنْهُم رجلَانِ حَائِطا لرجل من الجبارين فَأَخذهُمَا فجعلهما فِي كمه، وَفِي (تَفْسِير مقَاتل) كَانَ فِي أرِيحَا ألف قَرْيَة فِي كل قَرْيَة ألف بُسْتَان، فَلَمَّا دَخلهَا النُّقَبَاء خرج إِلَيْهِم عوج بن عنق فاحتملهم ومتاعهم بِيَدِهِ حَتَّى وضعهم بَين يَدي ملكهم واسْمه: مَا نوس بن ششورة، فَلَمَّا نظر إِلَيْهِم أَمر بِقَتْلِهِم، فَقَالَت امْرَأَته: أنعم على هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِين ودعهم فليرجعوا وليأخذوا طَرِيقا غير الَّذِي جاؤوا مِنْهَا. فأرسلهم فَأخذُوا عنقودا من كرومهم فَحَمَلُوهُ على عَمُود بَين رجلَيْنِ فعجزوا عَن حمله، وحملوا رمانتين على بعض دوابهم فعجزت الدَّابَّة عَن حملهَا، فقدموا على مُوسَى ﵇، وَذكروا حَالهم، وَأَن طول كل رجل مِنْهُم سَبْعَة أَذْرع وَنصف، وَكَانُوا من بقايا قوم عاذ يُقَال لَهُم: العماليق، وَعَن مُجَاهِد كَانَ لَا يُقلُّ عنقود عنبهم إلَاّ خَمْسَة رجال أَو أَرْبَعَة، وَفِي رِوَايَة عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، فاعطوهم حَبَّة عِنَب تَكْفِي الرجل. قلت: المُرَاد بِالْأَرْضِ المقدسة الْمَذْكُورَة دمشق وفلسطين وَبَعض الْأُرْدُن، وَقَالَ قَتَادَة: هِيَ الشَّام كلهَا، وَقَالَ السُّهيْلي: الأَرْض المقدسة هِيَ بَيت الْمُقَدّس وَمَا حولهَا، وَيُقَال: لَهَا إيليا، وتفسر بَيت الله، وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ عَن الْأَعْمَش عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، الأَرْض المقدسة هِيَ الطّور وَمَا حوله. قَوْله: (فَاذْهَبْ أَنْت وَرَبك) ، يُقَال: الظَّاهِر أَنهم أَرَادوا حَقِيقَة الذّهاب كفرا واستهانة بِدَلِيل مُقَابلَة ذهابهم بقعودهم، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: يحْتَمل أَن يعبر بالذهاب هُنَا عَن الْقَصْد والإرادة، كَمَا تَقول: كَلمته ذهب يجيبني أَي: قصدا اجابتي. وَقَالَ الداوردي: المُرَاد بقوله، وَرَبك هَارُون ﵇، لِأَنَّهُ كَانَ أكبر سنا من مُوسَى ﵇، ورد عَلَيْهِ ابْن التِّين بقوله: هَذَا خلاف قَول أهل التَّفْسِير وَمَا أَرَادوا إلَاّ الرب، ، وَلأَجل هَذَا عوقبوا. ٤٦٠٩ - ح دَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا إسْرَائِيلُ عَنْ مُخارِقٍ عَنْ طَارِقٍ بنِ شِهابٍ سَمِعْتُ ابنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ شَهَدْتُ مِنَ المِقْدَادِ ح وحدَّثني حَمْدَانُ بنُ عُمَرَ حدَّثنا أبُو النِّضْرِ حدَّثنا الأشْجَعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُخارِقٍ عَنْ طارِقٍ عَنْ عَبْدِ الله قَالَ قَالَ المُقدَادُ يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولِ الله إنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُوا إسْرَائِيلَ لِمُوسَى ﴿فَاذْهَبْ أنْتَ وَرَبكَ فَقَاتِلا إنَا هاهُنا قَاعِدُونَ﴾ وَلاكِنِ امْضِ ونحنُ مَعَكَ فَكأنَّهُ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأخرجه من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن أبي نعيم، بِضَم النُّون الْفضل بن ديكن عَن إِسْرَائِيل بن يُونُس السبيعِي عَن مُخَارق، بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء وبالقاف: ابْن عبد الله الأحمسي الْكُوفِي عَن طَارق بن شهَاب الأحمسي البَجلِيّ الْكُوفِي وَعَن عبد الله بن مَسْعُود، وَمر فِي غَزْوَة بدر فِي بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿إِذا تَسْتَغِيثُونَ ربكُم﴾ (الْأَنْفَال: ٩) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد عَن أبي نعيم إِلَى آخِره وَمر الْكَلَام فِيهِ (الطَّرِيق الآخر) عَن حمدَان بن عمر أبي جَعْفَر الْبَغْدَادِيّ واسْمه أَحْمد وحمدان لقبه وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الْموضع، وَهُوَ من صغَار شُيُوخ البُخَارِيّ وعاش بعد البُخَارِيّ سنتَيْن، يروي عَن أبي النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة هَاشم بن الْقَاسِم التَّمِيمِي، وَيُقَال: اللَّيْثِيّ الْكِنَانِي خراساني سكن بَغْدَاد توفّي بهَا سنة سبع وَمِائَتَيْنِ، يروي عَن عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن الْأَشْجَعِيّ الْكُوفِي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ إِلَى آخر. قَوْله: (يَوْم بدر) ، وَعَن قَتَادَة فِيمَا ذكره الطَّبَرِيّ أَنه كَانَ فِي الْحُدَيْبِيَة حِين صد. قَوْله: (فَكَأَنَّهُ سري عَن رَسُول الله ﷺ ، أَي: أزيل عَنهُ المكروهات كلهَا. وَرَوَاهُ وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُخارِقٍ عَنْ طَارِق أنَّ المِقْدَادَ قَالَ ذَلِكَ للنبيِّ ﷺ .

стр. 5465

أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور وَكِيع بن الْجراح عَن سُفْيَان الثَّوْريّ إِلَى آخِره، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث سُفْيَان بن وَكِيع بن الْجراح عَن أَبِيه. قَوْله: (أَن الْمِقْدَاد) ، أَي ابْن الْأسود الْكِنْدِيّ الْمَذْكُور. قَوْله: (قَالَ ذَلِك) ، إِشَارَة إِلَى قَوْله يَوْم بدر: يَا رَسُول الله! إِنَّا لَا نقُول إِلَى آخر مَا مر من الحَدِيث، وَجَاء أَن سعد بن معَاذ قَالَه أَيْضا، فَيجوز أَن يكون قَالَاه. ٥ - (بابٌ: ﴿إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَه وَيَسْعُونَ فِي الأرْضِ فَسَادا أنْ يُقْتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ (الْمَائِدَة: ٣٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله﴾ إِلَى آخِره وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ بَاب، وَوَقع فِي رِوَايَة: أبي ذَر: بَاب ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا﴾ الْآيَة، وَغَيره سَاق الْآيَة. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: اخْتلف أهل التَّأْوِيل فِيمَن نزلت هَذِه الْآيَة، فروى عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: أَنَّهَا نزلت فِي قوم من أهل الْكتاب كَانُوا أهل موادعة لسيدنا رَسُول الله ﷺ فنقضوا الْعَهْد وأفسدوا فِي الأَرْض، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس نزلت فِي الْمُشْركين فَمن تَابَ مِنْهُم قبل أَن يقدر عَلَيْهِ لم يمنعهُ ذَلِك أَن يُقَام فِيهِ الْحَد الَّذِي أَصَابَهُ، وَعَن السّديّ: نزلت فِي سودان عرينة أَتَوا رَسُول الله ﷺ وبهم المَاء الْأَصْفَر فشكوا ذَلِك إِلَيْهِ الحَدِيث، وَذكر الثَّعْلَبِيّ عَن الْكَلْبِيّ أَنَّهَا نزلت فِي قوم من بني هِلَال، كَانَ أَبُو بَرزَة الْأَسْلَمِيّ عَاهَدَ النَّبِي ﷺ أَن لَا يُعينهُ وَلَا يعين عَلَيْهِ وَمن أَتَاهُ من الْمُسلمين فَهُوَ آمن فَمر قوم من بني كنَانَة يُرِيدُونَ الْإِسْلَام بناسٍ مِمَّن أسلم من قوم أبي بَرزَة قَالَ: وَلم يكن أَبُو بَرزَة يَوْمئِذٍ شَاهدا، فَقَتَلُوهُمْ وَأخذُوا أَمْوَالهم، فَنزلت هَذِه الْآيَة. المُحَارَبَةُ لله الْكُفْرُ بِهِ رُوِيَ هَذَا عَن سعيد بن جُبَير، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم، حَدثنَا أَبُو زرْعَة حَدثنَا يحيى بن عبد الله بن بكير حَدثنِي ابْن لَهِيعَة حَدثنِي عَطاء بن دِينَار عَن سعيد فِي قَوْله: : ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله﴾ ، قَالَ: يَعْنِي بالمحاربة الْكفْر بعد الْإِسْلَام. ٤٦١٠ - ح دَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا مُحَمَّد بنُ عَبْدِ الله الأنْصَارِيُّ حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ قَالَ حدَّثني سَلْمانُ أبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أبِي قِلابَةَ عَنْ أبِي قِلابَةَ أنَّهُ كَانَ جَالِسا خَلْفَ عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ فَذَكَرُوا وَذَكَرُوا فَقَالُوا وَقَالُوا قَدْ أقادَتْ بِهَا الخُلَفَاءُ فَالْتَفَتَ إلَى أبِي قَلابَةَ وَهُوَ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَقَالَ مَا تَقُولُ يَا عَبْدَ الله بنَ زَيْدٍ أوْ قَالَ مَا تَقُولُ يَا أبَا قِلابَةَ قُلْتُ مَا عَلِمْتُ نَفْسا حَلٍّ قتْلُها فِي الإسْلامِ إلَاّ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إحْصَانٍ أوْ قَتَلَ نَفْسا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ ﷺ فَقَالَ عَنْبَسَةُ حدَّثنا أنَسٌ بِكَذَا وَكَذَا قُلْتُ إيايَ حَدَّثَ أنَسٌ قَالَ قَدِمَ قَوْمٌ عَلَى النبيِّ ﷺ فَكَلموهُ فَقَالُوا قَدِ اسْتَوْخَمْنا هاذِهِ الأَرْضَ فَقَالَ هاذِهِ نَعَمٌ لَنَا تَخْرُجُ فَاخْرُجُوا فِيها فَاشْرَبُوا مِنْ ألْبَانِها وَأبْوَالِها فَخَرَجُوا فِيهَا فَشَرِبُوا مِنْ أبْوَالِها وَألْبَانِها وَاسْتَصَحُّوا وَمَالُوا عَلَى الرَّاعِي فَقَتَلُوهُ وَاطَّرَدُوا النِّعَمَ فَمَا يَسْتَنْبطا مِنْ هاؤُلاءِ قَتَلُوا النَّفْسَ وَحَارَبُوا الله وَرَسُولَهُ وَخَوَّفُوا رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ سُبْحَانَ الله فِقُلْتُ تَتَّهِمُنِي قَالَ حدَّثنا بِهاذا أنَسٌ قَالَ وَقَالَ يَا أهْلَ كَذا إنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا أبْقَى هاذَا فِيكُمْ أَو مِثْلُ هَذا.

стр. 5466

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ، وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وَمُحَمّد هُوَ ابْن عبد الله الْأنْصَارِيّ من شُيُوخ البُخَارِيّ روى عَنهُ هُنَا بِوَاسِطَة، وَابْن عون هُوَ عبد الله بن عون بن أرطبان الْمُزنِيّ الْبَصْرِيّ، وسلمان، بِفَتْح السِّين وَسُكُون اللَّام. أَبُو رَجَاء مولى أبي قلَابَة الْجرْمِي الْبَصْرِيّ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني، سُلَيْمَان، بِضَم السِّين وَفتح اللَّام وَالْأول هُوَ الصَّوَاب، وَأَبُو قلَابَة بِكَسْر الْقَاف عبد الله بن زيد. وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع عديدة، فقطعة من ذَلِك مَضَت فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب أَبْوَاب الْإِبِل وَالدَّوَاب وَالْغنم، فَإِنَّهُ أخرج فِيهَا حَدِيث العرنيين عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَقطعَة مُشْتَمِلَة على مَا فِي حَدِيث الْبَاب أخرجهَا فِي كتاب الْمَغَازِي فِي: بَاب قصَّة عكل وعرينة أخرجهَا عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم عَن حَفْص بن عمر عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب وَالْحجاج الصَّواف عَن أبي رَجَاء مولى أبي قلَابَة الحَدِيث. قَوْله: (خلف عمر بن عبد الْعَزِيز) وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة فِي الْمَغَازِي، قَالَ: يَعْنِي أَبُو رَجَاء وَأَبُو قلَابَة خلف سَرِيره. قَوْله: (فَذكرُوا ذكرُوا) أَي: الْقسَامَة، وَقد بَين البُخَارِيّ هَذَا فِي مَكَان آخر أَعنِي فِي كتاب الدِّيات، وَهُوَ: أَن عمر بن عبد الْعَزِيز أبرز سَرِيره يَوْمًا للنَّاس ثمَّ أذن لَهُم فَدَخَلُوا. فَقَالَ لَهُم: مَا تَقولُونَ فِي الْقسَامَة؟ قَالُوا: نقُول فِي الْقسَامَة الْقود بهَا حق وَقد أقادت بهَا الْخُلَفَاء، فَقَالَ لي: مَا تَقول يَا أَبَا قلَابَة ونصبني للنَّاس؟ فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، عنْدك رُؤُوس الأجناد وأشراف الْعَرَب، أَرَأَيْت لَو أَن خمسين رجلا مِنْهُم شهدُوا على رجل مُحصن بِدِمَشْق أَنه قَدرنَا وَلم يروه أَكنت تَرْجَمَة؟ قَالَ: لَا. قلت: أَرَأَيْت لَو أَن خمسين مِنْهُم شهدُوا على رجل بحمص أَنه قد سرق أَكنت تقطعه وَلم يروه؟ قَالَ: لَا. قلت: فوَاللَّه مَا قتل رَسُول الله ﷺ قطّ إلَاّ فِي إِحْدَى ثَلَاث خِصَال: رجل قتل بحديدة نفسا فَقتل، وَرجل زنى بعد إِحْصَان، وَرجل حَارب الله وَرَسُوله وارتد عَن الْإِسْلَام. فَقَالَ الْقَوْم: أَو لَيْسَ قد حدث أنس بن مَالك أَن نَفرا من عكل؟ الحَدِيث. قَوْله: (فَقَالُوا وَقَالُوا) ، مقول القَوْل الأول مَحْذُوف، وَهُوَ الَّذِي ذكره البُخَارِيّ فِي مَكَان آخر، ومقول القَوْل الثَّانِي هُوَ قَوْله: قد أقادت بهَا الْخُلَفَاء. يُقَال: أقاد الْقَاتِل بالقتيل إِذا قَتله بِهِ، وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة فِي الْمَغَازِي: أَن عمر ابْن عبد الْعَزِيز اسْتَشَارَ النَّاس يَوْمًا فَقَالَ: مَا تَقولُونَ فِي هَذِه الْقسَامَة؟ فَقَالُوا: حق قضى بهَا رَسُول الله ﷺ وقضت بهَا الْخُلَفَاء قبلك. قَوْله: (فالتف) ، أَي: عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى أبي قلَابَة، وَالْحَال أَنه خلف ظهر. قَوْله: (فَقَالَ) ، أَي: عمر بن عبد الْعَزِيز. قَوْله: (يَا عبد الله بن زيد) ، هُوَ المكنى بِأبي قلَابَة. قَوْله: (أَو مَا تَقول يَا أَبَا قلَابَة) ؟ شكّ من الرَّاوِي هَل سَمَّاهُ باسمه أَو خاطبه بكنيته. قَوْله: قلت: الْقَائِل هُوَ أَبُو قلَابَة. قَوْله: (فَقَالَ عَنْبَسَة) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالسِّين الْمُهْملَة ابْن سعيد بن الْعَاصِ بن أُميَّة أَبُو خَالِد الْقرشِي الْأمَوِي أَخُو يحيى وَعَمْرو الْأَشْدَق، سمع أَبَا هُرَيْرَة، روى عَنهُ الزُّهْرِيّ فِي غَزْوَة خَيْبَر عَن البُخَارِيّ، وَسمع أنسا فِي الْحُدُود، روى عَنهُ أَبُو قلَابَة حَدِيث العرنيين عِنْد مُسلم. قَوْله: (حَدثنَا أنس بِكَذَا وَكَذَا) أَي: قَالَ عَنْبَسَة: حَدثنَا أنس بن مَالك بِقصَّة الْقسَامَة، وَحَدِيث العرنيين. قَوْله: (قلت) : الْقَائِل أَبُو قلَابَة ويروى: (فَقلت) ، وَفِي رِوَايَة كتاب الدِّيات، (فَقلت: أَنا أحدثكُم بِحَدِيث أنس، حَدثنِي أنس أَن نَفرا من عكل ثَمَانِيَة قدمُوا على رَسُول الله ﷺ فَبَايعُوهُ على الْإِسْلَام فاستوخموا الأَرْض) الحَدِيث. قَوْله: (قدم قوم) هم نفر من عكل (فكلموه) أَي: فَكَلَّمُوا النَّبِي ﷺ أُرِيد بِهِ الْمُبَايعَة على الْإِسْلَام كَمَا صرح بِهِ فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة الْآن. قَوْله: (قد استوخمنا) من استوخمت الْبَلَد إِذا لم يُوَافق بدنك، وَأَصله من الوخم وَهُوَ ثقالة الطَّعَام فِي الْمعدة، يُقَال: وخم الطَّعَام إِذا ثقل فَلم يستمرىء فَهُوَ وخيم، قَالَ ابْن الْأَثِير فِي حَدِيث العرنيين: واستوخموا الْمَدِينَة أَي: استثقلوها وَلم يُوَافق هواؤها أبدانهم. قَوْله: (هَذِه نعم لنا) المُرَاد بِالنعَم الْإِبِل، فَإِن قلت: قد قَالَ فِي رِوَايَة أُخْرَى: أخرجُوا إِلَى إبل الصَّدَقَة. قلت: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك بِاعْتِبَار أَنه كَانَ حَاكما عَلَيْهَا أَو كَانَت لَهُ نعم ترعى مَعَ إبل الصَّدَقَة. قَوْله: (تخرج) فِي مَحل النصب على الْحَال. قَوْله: (واستصحوا) أَي: حصلت لَهُم الصِّحَّة، وَالسِّين فِيهِ للصيرورة. قَوْله: (واطَّردوا النعم) ، أَي: ساقوها سوقا شَدِيدا. وَأَصله من طرد فَنقل إِلَى بَاب الافتعال فَصَارَ: اتطرد، ثمَّ قلبت التَّاء طاء وأدغمت الطَّاء فِي الطَّاء. قَوْله: (فَمَا يستبطأ من هَؤُلَاءِ) على صِيغَة الْمَجْهُول من بَاب الاستفعال، من البطء بِالْهَمْزَةِ فِي آخِره وَهُوَ نقيض السرعة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَمَا يستبطأ. اسْتِفْهَام. قلت: مَعْنَاهُ على قَوْله أَي شَيْء يستبطأ من هَؤُلَاءِ الَّذين قتلوا راعي النَّبِي ﷺ ، وَاسْتَاقُوا الْإِبِل؟ وَفِيه معنى التَّعَجُّب أَيْضا فَافْهَم، وَيُؤَيّد

стр. 5467

مَا ذَكرْنَاهُ مَا جَاءَ فِي كتاب الدِّيات فِي هَذَا الحَدِيث. قلت: وَأي شَيْء أَشد مِمَّا صنع هَؤُلَاءِ؟ ارْتَدُّوا عَن الْإِسْلَام وَقتلُوا وسرقوا؟ ! وَفِي رِوَايَة بِالْقَافِ بدل الطَّاء، وَمَعْنَاهُ: مَا يتْرك من هَؤُلَاءِ، وَهُوَ اسْتِفْهَام أَيْضا فِيهِ معنى التَّعَجُّب، وَأَصله من استبقيت الشَّيْء أَي: تركت بعضه. قَوْله: (فَقَالَ: سُبْحَانَ الله) الْقَائِل عَنْبَسَة مُتَعَجِّبا من قَول أبي قلَابَة. قَوْله: (فَقلت تتهمني) ؟ الْقَائِل أَبُو قلَابَة يَقُول لعنبسة تتهمني فِيمَا رويته من حَدِيث أنس؟ ويوضح هَذَا مَا جَاءَ فِي كتاب الدِّيات فِيهِ، فَقَالَ عَنْبَسَة بن سعيد يَعْنِي: عِنْد رِوَايَة أبي قلَابَة الحَدِيث، وَالله إِن سَمِعت كَالْيَوْمِ قطّ؟ فَقلت: أترد على حَدِيثي يَا عَنْبَسَة؟ قَالَ لَا وَلَكِن جِئْت بِالْحَدِيثِ على وَجهه. قَوْله: (قَالَ: حَدثنَا بِهَذَا أنس) أَي: قَالَ أَبُو قلَابَة، حَدثنَا بِهَذَا الحَدِيث أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (قَالَ: وَقَالَ يَا أهل كَذَا) أَي: قَالَ الرَّاوِي وَقَالَ عَنْبَسَة يَا أهل كَذَا مُرَاده يَا أهل الشَّام وَقَالَ بَعضهم وَفِي الرِّوَايَة الْآتِيَة فِي الدِّيات يَا أهل الشَّام قلت هَذَا لَيْسَ بمذكور فِي كتاب الدِّيات، وَلَكِن المُرَاد بخطاب عَنْبَسَة بقوله: (يَا أهل كَذَا) هُوَ أهل الشَّام لِأَن هَذَا كُله وَقع فِي دمشق. قَوْله: (مَا أبقى هَذَا فِيكُم) بِضَم الْهمزَة وَكسر الْقَاف على صِيغَة الْمَجْهُول، وَأَشَارَ عَنْبَسَة بقوله هَذَا إِلَى أبي قلَابَة، وَفِي رِوَايَة كتاب الدِّيات: وَالله لَا يزَال هَذَا الْجند بِخَير مَا عَاشَ هَذَا الشَّيْخ بَين أظهرهم، ويروى: مَا أبقى الله مثل هَذَا. قَوْله: (أَو مثل هَذَا) ، شكّ من الرَّاوِي، أَي: أَو قَالَ عَنْبَسَة مثل مَا ذكر من قَوْله: (مَا أبقى هَذَا فِيكُم) ؟ وَمثله مَا ذكر فِي الدِّيات فَافْهَم فَإِنِّي مَا رَأَيْت شارحا أَتَى بِحَق شرح هَذَا الحَدِيث. ٦ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَالْجُرُوحُ قِصَاصٌ﴾ (الْمَائِدَة: ٤٥) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿والجروح قصاص﴾ هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيره: بَاب والجروح قصاص، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب وَهَذَا اللَّفْظ فِي قَوْله: (وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا أَن النَّفس بِالنَّفسِ وَالْعين بِالْعينِ وَالْأنف بالأنف وَالْأُذن بالأذن وَالسّن بِالسِّنِّ والجروح قصاص) ، هَذَا تَعْمِيم بعد التَّخْصِيص لِأَنَّهُ ذكر الْعين بِالْعينِ وَنَحْوهَا، وَالْقصاص فِي الْجرْح إِنَّمَا يثبت فِيمَا يُمكن أَن يقْتَصّ فِيهِ مثل الشفتين وَالذكر وَالْيَدَيْنِ وَمَا أشبه ذَلِك، وَمَا عدا ذَلِك من كسر عظم أَو جِرَاحَة فِي الْبَطن فَفِيهِ أرش، وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء وَابْن عَامر وَالْكسَائِيّ بِرَفْع الْحَاء، وَالْبَاقُونَ: ينصبها، وَالْقصاص من: قصّ الْأَثر أَي: اتبعهُ فَكَانَ المحني عَلَيْهِ يقص أَثَره وَيتبع ليقْتل. ٤٦١١ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلامٍ أخْبَرَنا الفَزَارِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ كَسَرَتِ الرُّبَيِّعُ وَهِيَ عَمَّةُ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ ثَنِيَّةَ جَارِيَةَ مِنَ الأَنْصَارِ فَطَلَبَ القَوْمُ القِصاصَ فأتَوُا النبيِّ ﷺ فأمَرَ النبيُّ ﷺ بالقِصاصِ فَقَالَ أنَسُ بنُ النَّضْرِ عَمُّ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ لَا وَالله لَا تَكْسَرْ سِنها يَا رَسُول الله فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ يَا أنَسُ كتابُ الله القِصاصُ فَرَضِيَ القَوْمُ وَقَبُلُوا الأرْشَ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ إنَّ مِنْ عِبادِ الله مَنْ لَوْ أقْسَمَ عَلَى الله لأبَرَّهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والفزاري، بِفَتْح الْفَاء وَالزَّاي المخففة وبالراء، واسْمه: مَرْوَان بن مُعَاوِيَة والْحَدِيث مضى فِي كتاب الصُّلْح فِي: بَاب الصُّلْح فِي الدِّيَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ عَن حميد عَن أنس، وَأخرجه هُنَا عَن الْفَزارِيّ مُعَلّقا وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (الرّبيع) ، بِضَم الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمَكْسُورَة، وَالْجَارِيَة الشَّابَّة، وَالنضْر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة. قَوْله: (وقبلوا الْأَرْش) قَالَ ابْن الْأَثِير: الْأَرْش الْمَشْرُوع فِي الحكومات وَهُوَ الَّذِي يَأْخُذهُ المُشْتَرِي من البَائِع إِذا اطلع على عيب فِي الْمَبِيع، وَأرش الْجِنَايَات والجراحات من ذَلِك لِأَنَّهَا جابرة لَهَا عَمَّا حصل فِيهَا من النَّقْص. قَوْله: (لَا بره) من إبرار الْقسم وَهُوَ امضاؤه على الصدْق.

стр. 5468

٧ - (بابٌ: ﴿يَا أيُّها الرَّسولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (الْمَائِدَة: ٦٧) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الرَّسُول﴾ الْآيَة، ذكر الواحدي من حَدِيث الْحسن بن مُحَمَّد قَالَ: حَدثنَا عَليّ بن عَبَّاس عَن الْأَعْمَش وَأبي الحجاف عَن عَطِيَّة عَن أبي سعيد، قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة: ﴿يَا أَيهَا الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك﴾ يَوْم غَدِير خم فِي عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ مقَاتل: قَوْله: ﴿بلغ مَا أنزل إِلَيْك﴾ وَذَلِكَ أَن النَّبِي ﷺ دَعَا الْيَهُود إِلَى الْإِسْلَام فَأكْثر الدُّعَاء فَجعلُوا يستهزؤن بِهِ وَيَقُولُونَ: أَتُرِيدُ يَا مُحَمَّد أَن نتخذك حنانا كَمَا اتَّخذت النَّصَارَى عِيسَى ﵊، حنانا؟ فَلَمَّا رأى رَسُول الله ﷺ ذَلِك سكت عَنْهُم، فحرض الله تَعَالَى نبيه ﷺ على الدُّعَاء إِلَى دينه لَا يمنعهُ تكذيبهم إِيَّاه واستهزاؤهم بِهِ عَن الدُّعَاء، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: نزلت هَذِه الْآيَة بعد أحد، وَذكر الثَّعْلَبِيّ عَن الْحسن: قَالَ سيدنَا رَسُول الله ﷺ : لما بَعَثَنِي الله برسالته ضقت بهَا ذرعا وَعرفت أَن من النَّاس من يكذبنِي، وَكَانَ يهاب قُريْشًا وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى، فَنزلت، وَقيل: نزلت فِي عُيَيْنَة بن حُصَيْن وفقراء أهل الصّفة، وَقيل: فِي الْجِهَاد، وَذَلِكَ أَن الْمُنَافِقين كرهوه وَكَرِهَهُ أَيْضا بعض الْمُؤمنِينَ، فَكَانَ النَّبِي ﷺ ، يمسك فِي بعض الْأَحَايِين عَن الْحَث على الْجِهَاد لما يعرف من كَرَاهِيَة الْقَوْم لَهُ، فَنزلت: وَقيل: ﴿بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك﴾ فِي أَمر زَيْنَب بنت جحش، وَهُوَ مَذْكُور فِي البُخَارِيّ. وَقيل: ﴿بلغ مَا أنزل إِلَيْك﴾ أَي: فِي أَمر نِسَائِك، وَقَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن حُسَيْن مَعْنَاهُ بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك فِي فضل عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَلَمَّا نزلت هَذِه الْآيَة أَخذ بيد عَليّ، وَقَالَ: من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ، وَقيل: بلغ مَا أنزل إِلَيْك من حُقُوق الْمُسلمين، فَلَمَّا نزلت هَذِه الْآيَة خطب ﷺ فِي حجَّة الْوَدَاع ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَل بلغت؟ وَعند الْجَوْزِيّ: بلغ مَا أنزل إِلَيْك من الرَّجْم وَالْقصاص. ٤٦١٢ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنَ يُوسُفَ حدَّثنا سُفْيانُ عَنْ إسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوق عَنْ عَائِشةَ ﵂ قَالَتْ مَنْ حَدَّثَكَ أنَّ مُحَمَّدا ﷺ كَتَمَ شَيْئا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ وَالله يَقولُ: ﴿يَا أيُّها الرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الْآيَة. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ صرح بِهِ أَبُو نعيم وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد البَجلِيّ الْكُوفِي، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر، ومسروق هُوَ ابْن الأجدع. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ مطولا ومختصرا وَأخرجه فِي التَّوْحِيد مقطعا. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن ابْن نمير وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن منيع وَعَن ابْن أبي عَمْرو. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى مطولا. وَفِيه الزِّيَادَة، وَأخرجه عَن آخَرين أَيْضا. ٨ - (بابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمْ الله بِاللَّغْوِ فِي أيْمَانِكُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٢٥) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم﴾ وَلَيْسَ لفظ: بَاب، إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر واللغو فِي الْيَمين هُوَ قَوْلك: لَا وَالله، ويلي وَالله، وَقيل: معنى اللَّغْو الْإِثْم، وَالْمعْنَى لَا يُؤَاخِذكُم الله بالإثم فِي الْحلف إِذا كَفرْتُمْ، وَقَالَ ابْن جُبَير: هُوَ الرجل يحلف على الْمعْصِيَة، وَقَالَ إِبْرَاهِيم: هُوَ أَن ينسى، وَقَالَ زيد بن أسلم: هُوَ قَول الرجل: أعمى الله بَصرِي إِن لم أفعل كَذَا وَكَذَا وَنَحْوه، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ أَن يحرم مَا أحل الله لَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ كَفَّارَة، وَقَالَ طَاوس وَالْقَاضِي إِسْمَاعِيل: هُوَ أَن يحلف وَهُوَ غَضْبَان، وَعند الشَّافِعِي، هُوَ سبق اللِّسَان من غير قصد، وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد بن رشيد، ذهب مَالك وَأَبُو حنيفَة إِلَى أَنَّهَا الْيَمين على شَيْء يظنّ الرجل أَنه على يَقِين مِنْهُ فَيخرج الشَّيْء على خلاف مَا حلف عَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَغْو الْيَمين مَا لم تَنْعَقِد النِّيَّة عَلَيْهِ مثل مَا جرت بِهِ الْعَادة من قَول الرجل فِي أثْنَاء المخاطبة، لَا وَالله وبلى وَالله من غير أَن يعْتَقد لُزُومه انْتهى، يُقَال: لَغَا فِي القَوْل يَلْغُو ويلغى لَغوا ولغى لَغَا ولغاة، اخطأ، وَكلمَة لاغية فَاحِشَة، ولغا يَلْغُو لَغوا، تكلم، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: لَغَا يَلْغُو، لَغوا: أَي قَالَ بَاطِلا يُقَال: لغوت بِالْيَمِينِ، ونباح الْكَلْب لَغْو أَيْضا، ولغى: بِالْكَسْرِ يلغى لغى مثله، واللغي الصَّوْت مثل الوغي، وَيُقَال أَيْضا: لغى بِهِ يلغى لَغَا أَي: لهج بِهِ، واللغة

стр. 5469

أَصْلهَا لغى ولغو، وَالْهَاء عوض وَجَمعهَا ولغات، وَفِي (تَفْسِير الْجَوْزِيّ) لما نزلت: ﴿لَا تحرموا طَيّبَات مَا أحل الله لكم﴾ (الْمَائِدَة: ٨٧) قَالُوا: يَا رَسُول الله! كَيفَ نصْنَع بأيماننا؟ يَعْنِي: حلفهم على مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ. فَنزلت: ﴿لَا يُؤَاخِذكُم الله﴾ الْآيَة. قَالَ الثَّعْلَبِيّ: قَالَ ابْن عَبَّاس: اتِّفَاقهم كَانَ على الصَّوْم نَهَارا وَالْقِيَام لَيْلًا. وَقَالَ مقَاتل: كَانُوا عشرَة حلفوا على ذَلِك أَبُو بكر وَعمر وَعلي والمقداد وَعُثْمَان بن مَظْعُون وَأَبُو ذَر وسلمان وَابْن مَسْعُود وعمار وَحُذَيْفَة، وَزَاد بَعضهم سالما مولى أبي حُذَيْفَة وَقُدَامَة، وَزَاد أَبُو أَحْمد إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم البستي عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. ٤٦١٣ - ح دَّثنا عَلِيُّ بنُ سَلَمَةَ حدَّثنا مَالِكُ بنُ سُعَيْرٍ حدَّثنا هِشامٌ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أُنْزِلَتْ هاذِهِ الآيَةَ ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمْ الله بِاللَّغْوِ فِي أيْمَانِكُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٢٥) فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لَا وَالله وَبَلى وَالله. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن سَلمَة هُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ اللبقي، بِكَسْر اللَّام وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وبالقاف، النَّيْسَابُورِي من صغَار مَشَايِخ البُخَارِيّ وَلم يَقع لَهُ ذكر عِنْد البُخَارِيّ إلَاّ فِي هَذَا الْموضع وَآخر فِي الشُّفْعَة وَآخر فِي الدَّعْوَات، وَهَكَذَا فِي الْأُصُول عَليّ بن سَلمَة، وَبِه صرح أَبُو مَسْعُود وَغَيره، وَبِه صرح أَبُو ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي، حدثَّنا عَليّ بن سَلمَة، وَرُوِيَ عَن الْكشميهني والحموي، حَدثنَا عَليّ بن عبد الله، قيل: إِنَّه خطأ، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: حَدثنَا عَليّ، وَلم ينْسبهُ، وَقَالَ الكلاباذي، هُوَ غير مَنْسُوب، وَمَالك بن سعير، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء التَّيْمِيّ الْكُوفِي، ضعفه أَبُو دَاوُد، وَقَالَ أَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة وَالدَّارَقُطْنِيّ: صَدُوق وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث وَآخر فِي الدَّعْوَات، وَاسم جده الْحسن، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم وسين مُهْملَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير. والْحَدِيث من أَفْرَاده، وَأخرجه أَبُو دَاوُد مَرْفُوعا وَصَححهُ ابْن حبَان. ٤٦١٤ - ح دَّثنا أحْمَدُ بنُ أبِي رَجَاءِ حدَّثنا النضْرُ عنْ هشامٍ قَالَ أخْبَرَنِي أبِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّ أَبَاهَا كَانَ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينٍ حَتَّى أنْزَلَ الله كَفَّارَةَ اليَمِينِ قَالَ أبُو بَكْرٍ لَا أرَى يَمِينا أُرِيَ غَيْرُها خَيْرا مِنْهَا إلاّ قَبِلْتُ رُخْصَة الله وَفَعَلْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ. هَذَا أَيْضا عَن عَائِشَة نَفسهَا، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا الحَدِيث تَفْسِير للْحَدِيث الأول، وَقَالَ ابْن التِّين: الْحق أَن الحَدِيث الأول فِي تَفْسِير لَغْو الْيَمين، وَالثَّانِي: فِي تَفْسِير عقد الْيَمين وَأخرجه عَن أَحْمد بن أبي رَجَاء بِالْجِيم ضد الْخَوْف، واسْمه عبد الله بن أَيُّوب أبي الْوَلِيد الْحَنَفِيّ الْهَرَوِيّ، عَن النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن شُمَيْل الْمَازِني عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة عَن أَبِيهَا أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأخرجه ابْن حبَان من طَرِيق مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، قَالَت: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا حلف على يَمِين لم يَحْنَث إِلَى آخِره، قيل: الْمَحْفُوظ مَا وَقع فِي (الصَّحِيح) أَن ذَلِك فعل أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ٩ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أحَلَّ الله لَكُمْ﴾ (الْمَائِدَة: ٨٧) أَي: هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تحرموا﴾ وَلَيْسَ لغير أبي ذَر، بَاب قَوْله: وَإِنَّمَا الْمَرْوِيّ عَن غَيره. ﴿لَا تحرموا طَيّبَات مَا أحل الله لكم﴾ بِدُونِ لفظ: بَاب قَوْله: وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، نزلت هَذِه الْآيَة فِي رَهْط من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ قَالُوا: نقطع مذاكيرنا ونترك شهوات الدُّنْيَا ونسيح فِي الأَرْض كَمَا يفعل الرهبان، فَبلغ ذَلِك النَّبِي ﷺ ، فَأرْسل إِلَيْهِم فَذكر لَهُم ذَلِك، فَقَالُوا: نعم فَقَالَ النَّبِي ﷺ ، لكني أَصوم وَأفْطر وأصلي وأنام وأنكح النِّسَاء، فَمن أَخذ بِسنتي فَهُوَ مني، وَمن لم يَأْخُذ بِسنتي فَلَيْسَ مني، وروى ابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس نَحْو ذَلِك.

стр. 5470

٤٦١٥ - ح دَّثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ حدَّثنا خَالِدٌ عنْ إسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ عَنْ عَبْدِ الله رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ قَالَ كُنَّا نَغْزُوا مَعَ النبيِّ ﷺ وَلَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ فَقُلْنا أَلا نَخْتَصِي فَنهانا عَنِ ذَلِكَ فَرَخَّصَ لَنَا بَعْدَ ذَلِكَ أنْ نَتَزَوَّجَ المَرْأَةَ بِالثَّوْبِ ثُمَّ قَرَأ: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أحَلَّ الله لَكُمْ﴾ (الْمَائِدَة: ٨٧) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعَمْرو بن عون بن أَوْس السّلمِيّ الوَاسِطِيّ نزل الْبَصْرَة، وخَالِد هُوَ ابْن عبد الله الطَّحَّان، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد، وَقيس هُوَ ابْن أبي حَازِم، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن المثني وَعَن قُتَيْبَة وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَغَيره. قَوْله: (أَلا نختصي) ، من خصاه إِذا نزع خصيته يخصيه خصاءً. قَوْله: (فنهانا عَن ذَلِك) ، يَعْنِي: عَن الاختصاء، وَفِيه تَحْرِيم الاختصاء لما فِيهِ من تَغْيِير خلق الله تَعَالَى، وَلما فِيهِ من قطع النَّسْل وتعذيب الْحَيَوَان. قَوْله: (بِالثَّوْبِ) لَيْسَ بِقَيْد أَي: بِالثَّوْبِ وَغَيره مِمَّا يتراضيان بِهِ. قَوْله: (ثمَّ قَرَأَ) أَي: عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ النوري: فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن عبد الله كَانَ يعْتَقد إِبَاحَة الْمُتْعَة، كَقَوْل ابْن عَبَّاس، وَأَنه لم يبلغهما نسخهَا وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: روى حَدِيث إِبَاحَة الْمُتْعَة جمَاعَة من الصَّحَابَة، فَذكره مُسلم فِي رِوَايَة ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس، وَجَابِر وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع وسبرة بن معبد الْجُهَنِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَلَيْسَ فِي أَحَادِيثهم أَنَّهَا كَانَت فِي الْحَضَر، وَإِنَّمَا كَانَت فِي أسفارهم فِي الْغَزْو وَعند ضرورتهم وَعدم النِّسَاء مَعَ أَن بِلَادهمْ حارة وصبرهم عَنْهُن قَلِيل، وَقد ذكر فِي حَدِيث ابْن عمر: أَنَّهَا كَانَت رخصَة فِي أول الْإِسْلَام إِن اضطروا إِلَيْهَا كالميتة وَنَحْوهَا، وَعَن ابْن عَبَّاس نَحوه، وَقَالَ الْمَازرِيّ: ثَبت أَن نِكَاح الْمُتْعَة كَانَ جَائِزا فِي أول الْإِسْلَام ثمَّ ثَبت بالأحاديث الصَّحِيحَة أَنه نسخ وانعقد الْإِجْمَاع على تَحْرِيمه وَلم يُخَالف فِيهِ إلَاّ طَائِفَة من المبتدعة، وتعلقوا بالأحاديث المنسوخة فَلَا دلَالَة لَهُم فِيهَا، وتعلقوا بقوله تَعَالَى: ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فأتوهن أُجُورهنَّ﴾ (النِّسَاء: ٢٤) وَفِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود: فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أجل. وَقِرَاءَة ابْن مَسْعُود هَذِه شَاذَّة لَا يحْتَج بهَا قُرْآنًا وَلَا خَبرا. ١٠ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما الخَمْرُ وَالمَيْسَرُ وَالأنْصابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (الْمَائِدَة: ٩٠) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخمر﴾ الْآيَة لم يَقع لفظ بَاب إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة نهى الله عباده الْمُؤمنِينَ عَن تعَاطِي الْخمر وَالْميسر وَهُوَ الْقمَار، وروى ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه عَن عبس بن مَرْحُوم عَن حَاتِم عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ: الشطرنج من الْقمَار، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم، حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الأحمسي حَدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان أَن اللَّيْث وَعَطَاء ومجاهدا وَطَاوُس، قَالُوا: كل شَيْء من الْقمَار فَهُوَ الميسر حَتَّى لعب الصّبيان بالجوز، وروى عَن رَاشد بن سعد وَحَمْزَة بن حبيب مثله، قَالَا: حَتَّى الكعاب والجوز وَالْبيض الَّتِي يلْعَب بهَا الصّبيان، وَقَالَ ابْن كثير فِي (تَفْسِيره) وَأما الشطرنج فقد قَالَ عبد الله بن عمر: أَنه شَرّ من النَّرْد، وَنَصّ على تَحْرِيمه مَالك وَأَبُو حنيفَة وَأحمد، وَكَرِهَهُ الشَّافِعِي. قلت: إِذا كَانَ الشطرنج شرا من النَّرْد فَانْظُر مَا قَالَ رَسُول الله ﷺ ، فِي النَّرْد، رَوَاهُ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) وَأحمد فِي (مُسْنده) وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه فِي (سنَنَيْهِمَا عَن) أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من لعب بالنرد فقد عصى الله وَرَسُوله) ، وروى مُسلم عَن بُرَيْدَة بن الْحصيب الْأَسْلَمِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من لعب بالنرد شير فَكَأَنَّمَا صبغ يَده بِلَحْم خِنْزِير وَدَمه) . وَقَالَ ابنُ عَبَّاس الأزْلامُ القِدَاحُ يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا فِي الأُمورِ هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو بكر بن الْمُنْذر عَن عَلان بن الْمُغيرَة حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنَا مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَرَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد بن أبي حَاتِم بِسَنَد صَحِيح نَحوه، قَالَ: وروى عَن الْحسن وَمُجاهد وَإِبْرَاهِيم وَعَطَاء وَمُقَاتِل نَحْو ذَلِك. قَوْله:

стр. 5471

(الأزلام) ، جمع زلم، بِفَتْح الزَّاي وَاللَّام، وَجَاء فِيهِ ضم الزَّاي. قَوْله: (القداح) ، جمع قدح، بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الدَّال، وَهُوَ السهْم الَّذِي كَانُوا يستقسمون بِهِ أَو الَّذِي يرْمى بِهِ عَن الْقوس، يُقَال للسهم أول مَا يقطع قطع، ثمَّ ينحت ويبرى فيسمى: بريا ثمَّ يقوم فيسمى، قدحا، ثمَّ يراش ويركب نصله فيسمى سَهْما. قَوْله: (يستقسمون بهَا) من الاستسقام وَهُوَ طلب الْقسم الَّذِي قسم لَهُ وَقدر مِمَّا لم يقدر، وَهُوَ استفعال مِنْهُ، وَكَانُوا إِذا أَرَادَ أحدهم سفرا أَو تزويجا أَو نَحْو ذَلِك من الْمُهِمَّات ضرب بالأزلام، وَهِي القداح، وَكَانَ على بَعْضهَا مَكْتُوب أَمرنِي رَبِّي، وعَلى الآخر: نهاني رَبِّي، وعَلى الآخر: غفل، فَإِن خرج أَمرنِي رَبِّي، مضى لشأنه، وَإِن خرج: نهاني أمسك، وَإِن خرج الغفل عادا أحالها وَضرب بهَا أُخْرَى إِلَى أَن يخرج الْأَمر أَو النَّهْي قلت: الغفل، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْفَاء، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: هُوَ الَّذِي لَا يُرْجَى خَيره وَلَا شَره، وَالْمرَاد هُنَا الْخَالِي عَن شَيْء، وَذكر ابْن إِسْحَاق، أَن أعظم أصنام قُرَيْش كَانَ هُبل، وَكَانَ فِي جَوف الْكَعْبَة وَكَانَت الأزلام عِنْده يتحاكمون فِيمَا أشكل عَلَيْهِم فِيمَا خرج مِنْهَا رجعُوا إِلَيْهِ. وَالنُّصُبُ أنْصابٌ يَذْبَحُونَ عَلَيْها هَذَا أَيْضا من قَول ابْن عَبَّاس، وَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَطاء عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: (وَالنّصب) ، بِضَم النُّون وَالصَّاد وسكونها: مُفْرد جمعه أنصاب. وَقَالَ ابْن الْأَثِير النصب حجر كَانُوا ينصبونه ويذبحون عَلَيْهِ فيحمر بِالدَّمِ، وَيُقَال: الأنصاب أَيْضا جمع نصب، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الصَّاد، وَهِي الْأَصْنَام. وَقَالَ غَيْرُهُ الزَّلَمُ القِدحُ لَا رِيشَ لَهُ وَهُوَ وَاحِدُ الأزْلامِ أَي: قَالَ غير ابْن عَبَّاس: (الزلم) بِفتْحَتَيْنِ هُوَ (الْقدح الَّذِي لَا ريش لَهُ) وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب قَوْله: (وأحدِ الأزلام) أَي: الزلم مُفْرد وَجمعه أزلام، وَفِي الْحَقِيقَة لَا فرق بَين هَذَا القَوْل وَبَين قَول ابْن عَبَّاس الَّذِي مضى، غير أَن ابْن عَبَّاس لم يذكر فِي كَلَامه مُفْرد؟ الأزلام، وَفِي القَوْل ذكر الْمُفْرد ثمَّ الْجمع. وَالاسْتِسْقَامُ أنْ يُجيلَ القِدَاحَ فَإنْ نَهَتْهُ انْتَهَى وإنْ أمَرْتُهُ فَعَلَ مَا تأمُرُهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير قَول ابْن عَبَّاس: يستقسمون بهَا فِي الْأُمُور، وَهُوَ مُشْتَقّ من الاستقسام، وَهُوَ أَن يجيل القداح فَإِن طلع الْقدح الَّذِي عَلَيْهِ النَّهْي انْتهى وَترك، وَإِن طلع الَّذِي عَلَيْهِ الْأَمر ائتمر وَفعل، وَقد مر بَيَانه عَن قريب. يُجِيلُ يُدِيرُ أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن معنى قَوْله: يجيل يُدِير من الإجالة بِالْجِيم وَهِي الإدارة، وَهَذَا مَا ثَبت إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر. وَقَدْ أعْلَمُوا القِدَاحَ أعْلاما بِضُرُوبٍ يَسْتَسْقُمونَ بِهَا أَي: الْجَاهِلِيَّة أعلمُوا القداح لضروب أَي: لأنواع من الْأُمُور يطْلبُونَ بذلك بَيَان قسمهم من الْأَمر أَو النَّهْي. وَفَعَلْتُ مِنْهُ قَسَمْتُ وَالقُسُومُ المَصْدَرُ أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن من أَرَادَ أَن يخبر عَن نَفسه من لفظ الاستسقام يَقُول: قسمت، بِضَم التَّاء، وَأَشَارَ بقوله والقسوم الْمصدر إِلَى أَن مصدر قسمت الَّذِي هُوَ إِخْبَار عَن نَفسه من الثلاثي الْمُجَرّد يَأْتِي قسوما على وزن فعولًا، وَقد جَاءَ لفظ القسوم فِي قَول الشاعرة: وَلم أقسم فتحبسني القسوم وَلَكِن الِاحْتِجَاج بِهَذَا على أَن لفظ القسوم مصدر فِيهِ نظر لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون جمع قسم، بِكَسْر الْقَاف. ١٣٨ - (حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم أخبرنَا مُحَمَّد بن بشر حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن عمر ابْن عبد الْعَزِيز قَالَ حَدثنِي نَافِع عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ نزل تَحْرِيم الْخمر وَإِن

стр. 5472

فِي الْمَدِينَة يَوْمئِذٍ لخمسة أشربة مَا فِيهَا شراب الْعِنَب) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة واسحق بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه وَمُحَمّد بن بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة ابْن الفرافصة أَبُو عبد الله الْعَبْدي الْكُوفِي وَعبد الْعَزِيز بن عمر بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان بن الحكم الْقرشِي الْأمَوِي الْمدنِي وَقَالَ الْحميدِي لَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيح عَن نَافِع إِلَّا هَذَا الحَدِيث والْحَدِيث من أَفْرَاده قَوْله " لخمسة أشربة " وَهِي شراب التَّمْر وَالْعَسَل وَالْحِنْطَة وَالشعِير والذرة فَإِن قلت روى أَحْمد من رِوَايَة الْمُخْتَار بن فلفل قَالَ سَأَلت أنسا عَن الأوعية الحَدِيث وَفِيه الْخمر من الْعِنَب وَالتَّمْر وَالْعَسَل وَالْحِنْطَة وَالشعِير والذرة وَفِي رِوَايَة أبي يعلى الْموصِلِي وَحرمت الْخمر وَهِي من الْعِنَب وَالتَّمْر وَالْعَسَل وَالْحِنْطَة وَالشعِير والذرة وَفِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ َ - الْخمر من هَاتين الشجرتين النَّخْلَة وَالْعِنَب رَوَاهُ مُسلم قلت لَا تعَارض بَين هَذِه الْأَحَادِيث لِأَن كل وَاحِد من الروَاة روى مَا حفظه من الْأَصْنَاف وَأَيْضًا أَن مَفْهُوم الْعدَد لَيْسَ بِحجَّة على الصَّحِيح وَعَلِيهِ الْجُمْهُور فَإِن قلت حَدِيث أبي هُرَيْرَة يدل على الْحصْر قلت لَا نسلم ذَلِك لِأَن الْحصْر إِنَّمَا يكون إِذا كَانَ الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر معرفتين كَقَوْلِك الله رَبنَا وَنَحْوه - ٤٦١٧ - ح دَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ صُهَيْبٍ قَالَ قَالَ أنَسُ بنُ مَالِكٍ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنهُ مَا كانَ لَنَا خَمْرٌ غَيْرُ فَضِيخِكُمْ هَذا الَّذي تُسَمُّونَهُ الْفَضِيخَ فَإنِّي لَقَائِمٌ أسْقِي أبَا طَلْحَةَ وَفُلانا وَفُلانا إذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ وَهَلْ بَلَغَكُمُ الخَبَرُ فَقَالُوا وَمَا ذَاكَ قَالَ حُرِّمَتِ الخَمْرُ قَالُوا أهْرِقْ هاذِهِ القِلالَ يَا أنَسُ قَالَ فَمَا سَألُوا عَنْهَا وَلا رَاجَعُوها خَبِر الرَّجُلِ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: حرمت الْخمر، وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدورق وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَابْن علية هُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم وَعليَّة أمه، والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَشْرِبَة عَن يحيى بن أَيُّوب. قَوْله: (غير فضيخكم) ، الفضيخ، بِفَتْح الْفَاء وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره خاء مُعْجمَة، وَهُوَ شراب يتَّخذ من الْبُسْر وَحده من غير أَن تمسه النَّار، واشتقاقه من الفضخ وَهُوَ الْكسر، وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ: الفضيخ أَن يكسر الْيُسْر وَيصب عَلَيْهِ المَاء وَيتْرك حَتَّى يغلي، وَقَالَ أَبُو عبيد: هُوَ مَا فضخ من الْبُسْر من غير أَن تمسه نَار، فَإِن كَانَ تَمرا فَهُوَ خليط. قَوْله: (أَبَا طَلْحَة) ، هُوَ زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ زوج أم أنس. قَوْله: (وَفُلَانًا وَفُلَانًا) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب: إِنِّي لقائم أسقيهاأبا طَلْحَة وَأَبا أَيُّوب ورجالاً من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فِي بيتنا إِذْ جَاءَ رجل الحَدِيث، وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث قَتَادَة عَن أنس، قَالَ: كنت أَسْقِي أَبَا دُجَانَة ومعاذ بن جبل فِي رَهْط من الْأَنْصَار، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ من حَدِيث سُلَيْمَان التَّيْمِيّ: حَدثنَا أنس بن مَالك قَالَ: إِنِّي لقائم على الْحَيّ على عمومتي أسقيهم من قضيخ لَهُم وَأَنا أَصْغَرهم سنا لحَدِيث، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَن قَتَادَة عَن أنس قَالَ: إِنِّي لأسقي أَبَا طَلْحَة وَأَبا دُجَانَة وَسُهيْل بن بَيْضَاء من مزادة الحَدِيث، وَسَيَأْتِي فِي كتاب الأشرية من حَدِيث أنس قَالَ: كنت أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَة وَأَبا طَلْحَة وَأبي بن كَعْب من فضيخ الحَدِيث. قَوْله: (إِذْ جَاءَ رجل) ، كلمة إِذا انْظُر فِيهِ معنى المفاجأة وَالرجل لم يسم. قَوْله: (أهرق) ، أَمر من إهراق، وَقيل: الصَّوَاب أرق لِأَن الْهَاء بدل من الْهمزَة فَلَا يجمع بَينهمَا، ورد عَلَيْهِ بِأَن أهل اللُّغَة أثبتته كَذَلِك. قَوْله: (القلال) ، بِالْكَسْرِ جمع قلَّة وَهِي الجرة الَّتِي يقلها الْقوي من الرِّجَال، والكوز اللَّطِيف الَّذِي تقله الْيَد وَلَا يثقل عَلَيْهَا، وَفِي الحَدِيث جَوَاز الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد، وَفِيه أَن الْخمر كَانَت مُبَاحَة قبل التَّحْرِيم. ٤٦١٨ - ح دَّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ أخْبَرنا ابنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرو عَنْ جَابِرٍ قَالَ صَبَّحَ أُناسٌ غَدَاةَ أُحُدٍ الخَمْرَ فَقُتِلُوا مِنْ يَوْمِهِمْ جَمِيعا شُهَدَاءً وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِها. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَذَلِكَ قبل تَحْرِيمهَا) وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، والْحَدِيث مضى فِي

стр. 5473

الْجِهَاد فِي: بَاب فضل قَول الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله﴾ (آل عمرَان: ١٦٩) الْآيَة. فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان عَن عَمْرو عَن جَابر إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَمر فِي الْمَغَازِي أَيْضا عَن عبد الله بن مُحَمَّد. والْحَدِيث أخرجه الْبَزَّار فِي (مُسْنده) حَدثنَا أَحْمد بن عَبدة حَدثنَا سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار سمع جَابر بن عبد الله يَقُول: اصطبح نَاس الْخمر من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، ثمَّ قتلوا شُهَدَاء يَوْم أُحد. فَقَالَت الْيَهُود: فقد مَاتَ بعض الَّذين قتلوا وَهِي فِي بطونهم، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ على الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَاح فِيمَا طعموا﴾ (الْمَائِدَة: ٩٣) ثمَّ قَالَ: وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح، وَهُوَ كَمَا قَالَ: وَلَكِن فِي سِيَاقه غرابة، وَهَذَا الحَدِيث يدل على أَن تَحْرِيم الْخمر كَانَ بعد غَزْوَة أحد فِي شَوَّال سنة ثَلَاث من الْهِجْرَة. ٤٦١٩ - ح دَّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ أخْبَرَنَا عِيسَى وَابْنُ إدْرِيسَ عَنْ أبي حَيَّانَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ ﵁ عَلَى مِنْبَرِ النبيِّ ﷺ يَقُولُ أمَّا بَعْدُ أيُّها النَّاسُ إنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ مِنَ العِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالعَسَلِ والحِنْطَةِ والشَّعِيرِ وَالخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، وَعِيسَى هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، وَابْن إِدْرِيس هُوَ عبد الله بن إِدْرِيس الأودي الْكُوفِي، وَأَبُو حَيَّان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: يحيى بن سعيد التَّيْمِيّ، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل. والْحَدِيث أخرجه أَيْضا فِي الِاعْتِصَام عَن إِسْحَاق أَيْضا وَفِي الْأَشْرِبَة أَيْضا عَن أَحْمد بن أبي رَجَاء، وَأخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَغَيره، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَشْرِبَة عَن أَحْمد بن حَنْبَل. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الْوَلِيمَة عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَعَن آخَرين، وَهَذَا الحَدِيث مَوْقُوف على عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة وَمُحَمّد بن قيس كِلَاهُمَا عَن الشّعبِيّ، وَمن رِوَايَة أبي حُصَيْن عَن الشّعبِيّ عَن ابْن عمْرَة (وَلم يذكر عمر) . قَوْله: (وَالْخمر مَا خمرالعقل) أَي: ستره وغطاه وَسَار عَلَيْهِ كالخمار، وَهُوَ بِعُمُومِهِ يتَنَاوَل كل مَا أَزَال الْعقل سَوَاء كَانَ متخذا من الْعِنَب وَالزَّبِيب والحبوب بأنواعها أَو نباتا كجوز الْهِنْد والحشيش وَلبن الخشخاش وكل ذَلِك إِذا أسكر حرم، وَلَا تعَارض بَين حَدِيث عمر هَذَا وَبَين حَدِيث ابْنه عبد الله الْمَذْكُور فِي أول الْبَاب لما ذكرنَا من الْجَواب عَنهُ هُنَاكَ. ١١ - (بابٌ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُناحٌ فِيمَا طعِمُوا﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالله يُحِبُّ المُحْسِنينَ﴾ (الْمَائِدَة: ٩٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿لَيْسَ على الَّذين آمنُوا﴾ الْآيَة. هَذَا الْمِقْدَار الْمَذْكُور رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: بَاب ﴿لَيْسَ على الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَاح فِيمَا طعموا﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ لَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ بَاب، وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: حَدثنَا أسود بن عَامر أَنبأَنَا إِسْرَائِيل عَن سماك عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس. قَالَ: لما حرمت الْخمر قَالَ أنَاس: يَا رَسُول الله أَصْحَابنَا الَّذين مَاتُوا وهم يشربونها؟ فَأنْزل الله : ﴿لَيْسَ على الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَاح فِيمَا طعموا﴾ قَالَ: وَلما حولت الْقبْلَة قَالَ أنَاس: يَا رَسُول الله! أَصْحَابنَا الَّذين مَاتُوا وهم يصلونَ إِلَى بَيت الْمُقَدّس، فَأنْزل الله: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ١١٣) قَوْله: (جنَاح) أَي: إِثْم. قَوْله: (إِذا مَا اتَّقوا) ، يَعْنِي الْمعاصِي والشرك. قَوْله: (وآمنوا) قيل بِاللَّه وَرَسُوله، وَقيل بِتَحْرِيم الْخمر. قَوْله: (وَعمِلُوا الصَّالِحَات) يَعْنِي: أَقَامُوا على الْفَرَائِض. قَوْله: (ثمَّ اتَّقوا) هَذِه الثَّانِيَة المُرَاد بهَا اجتنبوا الْعود إِلَى الْخمر بعد التَّحْرِيم، وَقيل: ظلم الْعباد، وَقيل: ثمَّ اتَّقوا الشُّبُهَات، وَقيل: جَمِيع الْمَحَارِم. قَوْله: (وأحسنوا) أَي الْعَمَل. ٤٦٢٠ - ح دَّثنا أبُو النُّعْمَانِ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ حدَّثنا ثابِتٌ عَنْ أنَسٍ ﵁ أنَّ

стр. 5474

الخَمْرَ الَّتِي أُهْرِيقَتِ الفَضِيخُ وَزَادَنِي مُحَمَّدٌ عَنْ أبِي النُّعْمَانِ قَالَ كُنْتُ ساقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أبِي طَلْحَةَ فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرَ فَأمَرَ مُناديا فَنادَى فَقَالَ أبُو طَلْحَةَ اخْرُجْ فَانْظُرْ مَا هَذَا الصَّوْتُ قَالَ فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ هَذَا منادٍ يُنادي أَلا إنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ فَقَالَ لي اذْهَبْ فأهْرِقْها قَالَ فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ قَالَ وَكَانَتْ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الفَضِيخَ فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ قُتِلَ قَوْمٌ وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ قَال فأنْزَلَ الله لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي ولقبه عَارِم، والْحَدِيث مضى فِي الْمَظَالِم فِي: بَاب صب الْخمر فِي الطَّرِيق، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن عَن عَفَّان عَن حَمَّاد بن زيد عَن ثَابت عَن أنس. قَوْله: (الفضيخ) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ خبر: إِن قَوْله: (وَزَادَنِي مُحَمَّد) ، أَي: قَالَ البُخَارِيّ: أَي زادني مُحَمَّد فِيهِ، وَهُوَ مُحَمَّد بن سَلام البيكندي، وَلم يَقع لفظ البيكندي إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر وَهُوَ يعلم أَن المُرَاد بِمُحَمد الْمَذْكُور مُجَردا عَن النِّسْبَة هُوَ البيكندي، وَلم يقف الْكرْمَانِي على هَذَا، فَقَالَ: مُحَمَّد. قَالَ الغساني: هُوَ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي، وَكَذَا لم يقف عَلَيْهِ بعض من كتب على مَوَاضِع من البُخَارِيّ مِمَّن عاصرناه، فَقَالَ الْقَائِل: وَزَادَنِي هُوَ الْفربرِي، وَمُحَمّد هُوَ البُخَارِيّ، وَهُوَ ذُهُول جدا، وَحَاصِل الْكَلَام: أَن البُخَارِيّ سمع هَذَا الحَدِيث من أبي النُّعْمَان مُخْتَصرا. وَمن مُحَمَّد بن سَلام عَن أبي النُّعْمَان مطولا. قَوْله: (فَأمر) أَي النَّبِي ﷺ . قَوْله: (فجرت) أَي سَالَتْ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث تعْيين وَقت التَّحْرِيم، وَقد روى أَحْمد وَأَبُو يعلى من حَدِيث تَمِيم الدَّارِيّ أَنه كَانَ يهدي لرَسُول الله ﷺ كل عَام راوية خمر. فَلَمَّا كَانَ عَام حرمت جَاءَ براوية فَقَالَ: أشعرت أَنَّهَا قد حرمت بعْدك؟ قَالَ أَفلا أبيعها وانتفع بِثمنِهَا؟ فَنَهَاهُ. انْتهى. وَكَانَ إِسْلَام تَمِيم بعد الْفَتْح. ١٢ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤُكُمْ﴾ (الْمَائِدَة: ١٠١) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تسألوا عَن أَشْيَاء﴾ هَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة غَيره لفظ: بَاب قَوْله: وَإِنَّمَا هُوَ (لَا تسألوا) إِلَى آخِره. قَوْله: (لَا تسألوا) الْآيَة تَأْدِيب من الله تَعَالَى عباده الْمُؤمنِينَ، وَنهي لَهُم عَن أَن يسْأَلُوا عَن أَشْيَاء مِمَّا لَا فَائِدَة لَهُم فِي السُّؤَال والنقيب عَنْهَا لِأَنَّهَا إِن ظَهرت تِلْكَ الْأُمُور رُبمَا ساءتهم وشق عَلَيْهِم سماعهَا، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (لَا يبلغنِي أحد عَن أحد شَيْئا آني أحب أَن أخرج إِلَيْكُم وَأَنا سليم الصَّدْر) . ٤٦٢١ - ح دَّثنا مُنْذِرُ بنُ الوَلِيدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ الجَارُودِيُّ حدَّثنا أبي حَدِيثا شُعْبَةُ عَنْ مُوسَى بنِ أنَسٍ عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ خَطَبَ رَسُولُ الله ﷺ خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطَّ قَالَ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرا قَالَ فَغَطَى أصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ وُجُوهَهُمْ لَهُمْ حَنِينٌ فَقَالَ رَجُلٌ مَنْ أبَى قَالَ فُلانٌ فَنَزَلَتْ هاذِهِ الآيَةُ لَا تَسْأَلُوا عَنْ أشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤَكُمْ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُنْذِر، على وزن اسْم الْفَاعِل من الْإِنْذَار ابْن الْوَلِيد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي حبيب ابْن علْبَاء بن حبيب بن الْجَارُود الْعَبْدي الْبَصْرِيّ الجارودي، نِسْبَة إِلَى جده الْأَعْلَى، وَهُوَ ثِقَة وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث وَآخر فِي كفارت الْأَيْمَان، وَأَبوهُ مَاله ذكر إلَاّ فِي هَذَا الْموضع، ومُوسَى بن أنس هُوَ ابْن أنس بن مَالك يروي عَن أَبِيه هَذَا الحَدِيث. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الرقَاق وَفِي الِاعْتِصَام عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي ﷺ عَن مُحَمَّد بن معمر وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن معمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرقَاق عَن مَحْمُود بن غيلَان مُخْتَصرا. قَوْله: (لَهُم حنين) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة،

стр. 5475

قَالَ النَّوَوِيّ: فِي مُعظم النّسخ، ولمعظم الروَاة يَعْنِي بِالْمُعْجَمَةِ، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَهُوَ الْمَشْهُور، وَهُوَ خُرُوج الصَّوْت من الْأنف بغنة وَفِي (التَّوْضِيح) وَعند العذري بحاء مُهْملَة، وَمِمَّنْ ذكرهَا القَاضِي وَصَاحب (التَّحْرِير) ، وَذكر الْقَزاز أَنه قد يكون الحنين والخنين وَاحِدًا إِلَّا أَن الَّذِي بِالْمُهْمَلَةِ من الصَّدْر وبالمعجمة من الْأنف، وَقَالَ ابْن سَيّده الحنين من بكاء النِّسَاء دون الانتحاب، وَقيل: هُوَ تردد الْبكاء حَتَّى يصير فِي الصَّوْت غنة، وَقيل: هُوَ رفع الصَّوْت بالبكاء، وَقيل: هُوَ صَوت يخرج من الْأنف حَتَّى يخن، والخنين أَيْضا الضحك إِذا أظهره الْإِنْسَان فَخرج خافيا. وَقَالَ فِي الْحَاء الْمُهْملَة، الحنين الشَّديد من الْبكاء والطرب، وَقيل: هُوَ صَوت الطَّرب كَانَ ذَلِك عَن حزن أَو فَرح، وَقَالَ الْخطابِيّ: الحنين بكاء دون الانتحاب. قلت: وَأَصله من حنين الْمَرْأَة وَهُوَ نزاعها إِلَى وَلَدهَا وَإِن لم يكن لَهَا صَوت عِنْد ذَلِك، وَقَالَ ابْن فَارس، وَقد يكون حنينها صَوتهَا، وَيدل عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي الحَدِيث من حنين الْجذع قَوْله: (فَقَالَ رجل: من أبي) قَالَ بَعضهم: تقدم فِي الْعلم أَنه عبد الله بن حذافة. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى لِأَن الَّذِي فِي الْعلم من رِوَايَة شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس وَهَذَا من رِوَايَة شُعْبَة عَن مُوسَى بن أنس عَن أنس فَمن أَيْن التَّعْيِين؟ على أَن فِي رِوَايَة العسكري نزلت فِي قيس بن حذافة وَفِي رِوَايَة: خَارِجَة بن حذافة، وكل هَؤُلَاءِ صحابة. رَوَاهُ النَّضْرُ وَرَوْحُ بنُ عُبَادَةَ عَنْ شُعْبَةَ أَي: روى هَذَا الحَدِيث النَّضر بن شُمَيْل، وروح بن عبَادَة عَن شُعْبَة بِإِسْنَادِهِ: أما رِوَايَة النَّضر فوصلها مُسلم، قَالَ: حَدثنَا مَحْمُود ابْن غيلَان وَمُحَمّد بن قدامَة السّلمِيّ وَيحيى بن مُحَمَّد اللؤْلُؤِي، وَأَلْفَاظهمْ مُتَقَارِبَة. قَالَ مَحْمُود: حَدثنَا النَّضر بن شُمَيْل، وَقَالَ الْآخرَانِ أخبرنَا النَّضر أخبرنَا شُعْبَة حَدثنَا مُوسَى بن أنس عَن أنس بن مَالك. قَالَ: بلغ رَسُول الله ﷺ ، عَن أَصْحَابه شَيْء، فَخَطب فَقَالَ: عرضت عَليّ الْجنَّة وَالنَّار الحَدِيث، وَفِي آخِره. فَنزلت هَذِه الْآيَة: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تسألوا عَن أَشْيَاء إِن تبدُ لكم تَسُؤْكُمْ﴾ (الْمَائِدَة: ١٠١) وَأما رِوَايَة روح بن عبَادَة فوصلها البُخَارِيّ فِي كتاب الِاعْتِصَام، وَرَوَاهَا مُسلم أَيْضا. وَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد ابْن معمر بن ربعي الْقَيْسِي حَدثنَا روح بن عبَادَة حَدثنَا شُعْبَة. قَالَ رجل: يَا رَسُول الله، من أبي؟ قَالَ: أَبوك فلَان، فَنزلت: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تسألوا عَن أَشْيَاء﴾ الْآيَة بِتَمَامِهَا.

стр. 5476

١٣ - (بابُ: ﴿مَا جَعَلَ الله مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ﴾ (الْمَائِدَة: ١٠٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا جعل الله﴾ إِلَى آخِره. قَوْله: (مَا جعل الله) ، أَي: مَا أوجبهَا، وَلَا أَمر بهَا وَلم يرد حَقِيقَة الْجعل لِأَن الْكل خلقه وتدبيره، وَلَكِن المُرَاد بَيَان ابتداعهم فِيمَا صنعوه من ذَلِك، والآن يَأْتِي تَفْسِير هَذِه الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة. وَإذْ قَالَ الله يَقُولُ قَالَ الله وَإذْ هاهُنَا صِلَةٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا قَالَ الله يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم﴾ (الْمَائِدَة: ١١٠) وَأَن لفظ. قَالَ الَّذِي هُوَ مَاض بِمَعْنى يَقُول الْمُضَارع لِأَن الله تَعَالَى إِنَّمَا يَقُول هَذَا القَوْل يَوْم الْقِيَامَة وَإِن كلمة إِذْ صلَة أَي: زَائِدَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لِأَن للماضي وَهَاهُنَا المُرَاد بِهِ الْمُسْتَقْبل. قلت: اخْتلف الْمُفَسِّرُونَ هُنَا. فَقَالَ قَتَادَة: هَذَا خطاب الله تَعَالَى لعَبْدِهِ وَرَسُوله عِيسَى ابْن مَرْيَم، ﵉، يَوْم الْقِيَامَة توبيخا وتقريعا لِلنَّصَارَى، وَقَالَ السّديّ: هَذَا الْخطاب وَالْجَوَاب فِي الدُّنْيَا، وَقَالَ ابْن جرير: هَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَكَانَ ذَلِك حِين رَفعه إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، وَاحْتج فِي ذَلِك بشيئين: أَحدهمَا: أَن لفظ الْكَلَام لفظ الْمَاضِي. وَالثَّانِي: قَوْله: ﴿إِن تُعَذبهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادك وَإِن تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ قلت: فعلى هَذَا لَا يتَوَجَّه مَا قَالَه من أَن قَالَ: بِمَعْنى يَقُول وَلَا أَن كلمة إِذْ صلَة على أَنه لَا يُقَال: إِن فِي كَلَام الله شَيْئا زَائِدا، وَلَئِن سلمنَا وُقُوع ذَلِك يَوْم الْقِيَامَة فَلَا يلْزم من ذَلِك ذكره بِلَفْظ الْمُضَارع لِأَن كل مَا ذكر الله من وُقُوع شَيْء فِي الْمُسْتَقْبل فَهُوَ كالواقع جزما لِأَنَّهُ مُحَقّق الْوُقُوع فَكَأَنَّهُ قد وَقع وَأخْبر بالماضي، ونظائر هَذَا فِي الْقُرْآن كَثِيرَة. وَقَالَ بَعضهم قَوْله: (وَإِذ قَالَ الله يَقُول، قَالَ الله وَإِذ هَاهُنَا صلَة) كَذَا ثَبت هَذَا وَمَا بعده هُنَا، وَلَيْسَ بخاص بِهِ، وَهُوَ على قدمْنَاهُ من تَرْتِيب بعض الروَاة انْتهى. قلت: كَيفَ رَضِي أَكثر الروَاة بِهَذَا التَّرْتِيب الَّذِي مَا رتبه الْمُؤلف؟ وَالْحَال أَنه نقح مُؤَلفه كَمَا يَنْبَغِي وقرىء عَلَيْهِ مرَارًا عديدة، والقرائن تدل على أَن هَذَا وَأَمْثَاله من وضع الْمُؤلف، وَغَيره مِمَّن هُوَ دونه لَا يستجرىء أَن يزِيد شَيْئا فِي نفس مَا وَضعه هُوَ، وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ ذَلِك بِغَيْر مُنَاسبَة أَو بتعسف فِيهِ. المَائِدَةُ أصْلُها مَفْعُولَةٌ كَعِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَتَطْلِيقَةٍ بَائِنَةٍ وَالمَعْنَى مِيدَ بِها صَاحبُها مِنْ خَيْرٍ يُقَالُ مَادَنِي يَمِيدُنِي. أَشَارَ بِهِ إِلَى بَيَان لفظ مائدة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ الحواريون يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم هَل يَسْتَطِيع رَبك أَن ينزل علينا مائدة من السَّمَاء﴾ (الْمَائِدَة: ١١٢) فَقَوله: (الْمَائِدَة أَصْلهَا مفعولة) لَيْسَ على طَرِيق أهل الْفَنّ فِي هَذَا الْبَاب لِأَن أصل كل كلمة حروفها وَلَيْسَ المُرَاد هُنَا بَيَان الْحُرُوف الْأُصُول، وَإِنَّمَا المُرَاد أَن لفظ الْمَائِدَة، وَإِن كَانَ على لفظ فاعلة، فَهُوَ بِمَعْنى مفعولة يَعْنِي: مميودة، لِأَن ماد أَصله ميد. قلبت الْيَاء ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، وَالْمَفْعُول مِنْهَا للمؤنث. مميودة، وَلَكِن تنقل حَرَكَة الْيَاء إِلَى مَا قبلهَا فتحذف الْوَاو فَتبقى مميدة، فيفعل فِي إعلال هَذَا كَمَا يفعل فِي إعلال مبيعة، لِأَن أَصْلهَا مبيوعة فأعل بِمَا ذكرنَا وَلَا يسْتَعْمل إلَاّ هَكَذَا على أَن فِي بعض اللُّغَات اسْتعْمل على الأَصْل حَيْثُ قَالُوا: تفاحة مطيوبة على الأَصْل ثمَّ إِن تَمْثِيل البُخَارِيّ بقوله: كعيشة راضية صَحِيح لِأَن لفظ راضية. وَإِن كَانَ وَزنهَا فاعلة، فِي الظَّاهِر وَلكنهَا بِمَعْنى المرضية، لِامْتِنَاع وصف العيشة بِكَوْنِهَا راضية، وَإِنَّمَا الرِّضَا وصف صَاحبهَا، وتمثيله بقوله وتطليقة بَائِنَة غير صَحِيح لِأَن لفظ بَائِنَة هُنَا على أَصله بِمَعْنى قَاطِعَة لِأَن التطليقة البائنة تقطع حكم العقد حَيْثُ لَا يبْقى للمطلق بِالطَّلَاق الْبَائِن رُجُوع إِلَى الْمَرْأَة إلَاّ بِعقد جَدِيد بِرِضَاهَا، بِخِلَاف حكم الطَّلَاق الْغَيْر الْبَائِن كَمَا علم فِي مَوْضِعه. قَوْله: (وَالْمعْنَى) ، إِلَى آخِره، إِشَارَة إِلَى بَيَان معنى الْمَائِدَة من حَيْثُ اللُّغَة، وَإِلَى بَيَان اشتقاقها، أما مَعْنَاهَا، فميد بهَا صَاحبهَا يَعْنِي: امتير بهَا، لِأَن معنى ماده يميده لُغَة فِي ماره يميره من الْميرَة، وَأما اشتقاقها فَمن ماد يميد من بَاب: فعل يفعل، بِفَتْح الْعين فِي الْمَاضِي وَكسرهَا فِي الْمُسْتَقْبل، وَهُوَ اجوف يائي، كباع يَبِيع، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الممتار مفعتل من الْميرَة، وَمِنْه الْمَائِدَة، وَهُوَ خوان عَلَيْهِ طَعَام فَإِذا لم يكن عَلَيْهِ طَعَام فَلَيْسَ بمائدة وَإِنَّمَا هُوَ خوان. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ مُتَوَفِّيكَ مُمِيتُكَ

стр. 5477

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا قَالَ الله يَا عِيسَى إِنِّي متوفيك ورافعك إليّ﴾ (آل عمرَان: ٥٥) وَلَكِن هَذَا فِي سُورَة آل عمرَان، وَكَانَ الْمُنَاسب أَن يذكر هُنَاكَ، وَقَالَ بَعضهم: كَأَن بعض الروَاة ظَنّهَا من سُورَة الْمَائِدَة فكتبها فِيهَا وَقَالَ الْكرْمَانِي: ذكر هَذِه الْكَلِمَة هَاهُنَا وَإِن كَانَت من سُورَة آل عمرَان لمناسبة قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا توفيتني كنت أَنْت الرَّقِيب عَلَيْهِم﴾ (الْمَائِدَة: ١١٧) وَكِلَاهُمَا من قصَّة عِيسَى ﵊، قلت: هَذَا بعيد لَا يخفى بعده، وَالَّذِي قَالَه بَعضهم أبعد مِنْهُ فَلْيتَأَمَّل، ثمَّ إِن تَعْلِيق ابْن عَبَّاس هَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه: حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنَا مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. ٤٦٢٣ - ح دَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ بنِ كَيْسَانَ عَنْ ابنِ شِهاب عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ قَالَ البَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّها لِلطَّواغِيتِ فَلا يَحْلُبُها أحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَالسَّائِبَةُ كَانُوا يُسَيِّبُونَها لآلِهَتِهِمْ لَا يُحْمَلُ عَلَيْها شَيْءٌ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة خُصُوصا على هَذَا النسق. وَهَذَا أخرجه مُسلم فِي صفة أهل النَّار عَن عَمْرو النَّاقِد وَغَيره، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الله الْمَرْفُوع مِنْهُ دون الْمَوْقُوف. قَوْله: (الْبحيرَة) على وزن فعيلة مفعولة واشتقاقها من بَحر إِذا شقّ، وَقيل هَذَا من الاتساع فِي الشَّيْء. قَوْله: (درها) ، بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء، وَهُوَ اللَّبن. قَوْله: (للطواغيت) ، أَي: لأجل الطواغيت وَهِي الْأَصْنَام، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: كَانُوا إِذا ولدت إبلهم سبعا بحروا أذنها. أَي: شقوها. وَقَالُوا: اللَّهُمَّ إِن عَاشَ ففتى وَإِن مَاتَ فذكى، فَإِذا مَاتَ أكلوه وسموه الْبحيرَة. وَقيل: الْبحيرَة هِيَ بنت السائبة، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة جعلهَا قوم من الشَّاء خَاصَّة إِذا ولدت خَمْسَة أبطن بحروا أذنها أَي: شقوها وَتركت وَلَا يَمَسهَا أحد، وَقَالَ آخَرُونَ: بل الْبحيرَة النَّاقة كَذَلِك يخلوا عَنْهَا فَلم تركب وَلم يضْربهَا فَحل، وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة الْبحيرَة هِيَ النَّاقة إِذا انتجت خَمْسَة أبطن نظرُوا إِلَى الْخَامِس، فَإِن كَانَ ذكرا ذبحوه وَأكله الرِّجَال دون النِّسَاء، وَإِن كَانَ أُنْثَى جذعوا أذنها فَقَالُوا هَذِه بحيرة، وَعَن السّديّ مثله. قَوْله: (فَلَا يحلبها أحد من النَّاس) ، أطلق نفي الْحَلب، وَكَلَام أَتَى عُبَيْدَة يدل على أَن الْمَنْفِيّ هُوَ الشّرْب الْخَاص. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كَانُوا يحرمُونَ وبرها ولحمها وظهرها ولبنها على النِّسَاء وَيحلونَ ذَلِك للرِّجَال، وَمَا ولدت فَهُوَ بمنزلتها وَإِن مَاتَت اشْترك الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي أكل لَحمهَا. قَوْله: (والسائبة) ، على وزن فاعلة بِمَعْنى مسيبة، وَهِي المخلاة تذْهب حَيْثُ شَاءَت وَكَانُوا يسيبونها لآلهتهم فَلَا يحمل عَلَيْهَا شَيْء، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كَانَت السائبة من جَمِيع الْأَنْعَام وَتَكون من النذور للأصنام فتسيب فَلَا تحبس عَن مرعى وَلَا عَن مَاء وَلَا يركبهَا أحد، قَالَ: وَقيل: السائبة لَا تكون إلَاّ من الْإِبِل كَانَ الرجل ينذر إِن برىء من مَرضه أَو قدم من سَفَره ليسيبن بَعِيرًا. وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق السائبة هِيَ النَّاقة إِذا ولدت عشرَة إناث من الْوَلَد لَيْسَ بَينهُنَّ ذكر سيبت فَلم تركب وَلم يجز وبرها وَلم يجلب لبها إِلَّا لضيف. قَالَ وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ رأيْتُ عُمَرو بنَ عَامرِ الخُزَاعِيَّ يَجْرُّ قُصْبَةُ فِي النَّارِ كانَ أوَّلَ مَنْ سيِّبَ السَّوائِبَ. أَي: قَالَ سعيد بن الْمسيب: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة، قَالَ رَسُول الله ﷺ إِلَى آخِره. هَذَا حَدِيث مَرْفُوع أوردهُ فِي أثْنَاء الْمَوْقُوف. قَوْله: (عَمْرو بن عَامر) ، قَالَ الْكرْمَانِي: تقدم فِي: بَاب إِذا انفلتت الدَّابَّة فِي الصَّلَاة وَرَأَيْت فِيهَا عَمْرو بن لحي، بِضَم اللَّام وَفتح الْمُهْملَة، وَهُوَ الَّذِي سيب السوائب. ثمَّ قَالَ: لَعَلَّ عَامر اسْم ولحي لقب أَو بِالْعَكْسِ أَو أَحدهمَا اسْم الْجد. قلت: ذكر فِي (التَّوْضِيح) إِنَّمَا هُوَ عَمْرو بن لحي، ولحي اسْمه: ربيعَة بن حَارِثَة بن عَمْرو مزيقيا بن عَامر مَاء السَّمَاء، وَقيل: لحي بن قمعة ابْن الياس بن مُضر، نبه عَلَيْهِ الدمياطي، وَفِي (تَفْسِير ابْن كثير) وَعمر وَهَذَا هُوَ ابْن لحي بن قمعة أحد رُؤَسَاء خُزَاعَة الَّذين ولوا الْبَيْت بعد جرهم، وَكَانَ أول من غير دين إِبْرَاهِيم الْخَلِيل، ﵇، فَأدْخل الْأَصْنَام إِلَى الْحجاز ودعا الرعاع من النَّاس إِلَى عبادتها والتقرب بهَا، وَشرع لَهُم هَذِه الشَّرَائِع الْجَاهِلِيَّة فِي الْأَنْعَام وَغَيرهَا. قَوْله: (قصبه) ، بِضَم الْقَاف، وَاحِدَة الأقصاب.

стр. 5478

وَالوَصِيلَةُ النَّاقَةُ البِكْرُ تُبْكَّرُ فِي أوَّلِ نِتاجِ الإبلِ ثُمَّ تُثَنَّى بَعْدُ بِأُثْنَى وَكَانُوا يُسَيِّبُونَهُمْ لِطَواغِيتِهِمْ إنْ وَصَلَتْ إحْدَاهُما بالأُخرى لَيْسَ بَيْنَهُما ذَكَرٌ. هَذَا أَيْضا من تَفْسِير سعيد بن الْمسيب الْمَوْقُوف وَلَيْسَ بِمُتَّصِل بالمرفوع. قَوْله: (الوصيلة) ، من الْوَصْل بِالْغَيْر فِي اللُّغَة وَالَّتِي فِي الْآيَة الَّتِي فَسرهَا ابْن الْمسيب بقوله: النَّاقة الْبكر تبكر أَي: تبتدىء وكل من بكر إِلَى الشَّيْء فقد بَادر إِلَيْهِ. قَوْله: (بأنثى) ، يتَعَلَّق بقوله: تبكر قَوْله: (ثمَّ تثنى) من التَّثْنِيَة أَي: تَأتي فِي الْمرة الثَّانِيَة بعد الْأُنْثَى الأولى بأنثى أُخْرَى، وَالضَّمِير فِي: يسيبونها، يرجع إِلَى الوصيلة. قَوْله: (إِن وصلت) ، أَي: من أجل أَن وصلت (إِحْدَاهمَا) : أَي: إِحْدَى الْأُنْثَيَيْنِ بِالْأُنْثَى الْأُخْرَى، وَالْحَال أَن لَيْسَ بَينهمَا ذكر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: إِن وصلت، بِفَتْح الْهمزَة وَكسرهَا. قلت: الْأَظْهر أَن يكون بِالْفَتْح على مَا لَا يخفى، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الوصيلة الشَّاة إِذا ولدت سِتَّة أبطن أُنثيين أُنثيين وَولدت فِي السَّابِعَة ذكرا، وَأُنْثَى. قَالُوا: وصلت أخاها فأحلوا لَبنهَا للرِّجَال وحرموه على النِّسَاء، وَقيل: إِن كَانَ السَّابِع ذكرا ذبح وَأكل مِنْهُ الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَإِن كَانَ أُنْثَى تركت فِي الْغنم، إِن كَانَ ذكر أَو أنث قَالُوا: وصلت أخاها وَلم تذبح، وَكَانَ لَبنهَا حَرَامًا على النِّسَاء وَقَالَ ابْن اسحاق الوصيلة الشَّاة تنْتج عشر أناث مُتَتَابِعَات فِي خَمْسَة أبطن فيدعونها الوصيلة وَمَا ولدت بعد ذَلِك فللذكور دون الْإِنَاث، وَتَفْسِير ابْن الْمسيب رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَنهُ، وَكَذَا روى عَن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَالحَامُ فَحْلُ الإبِلِ يَضْرِبُ الضِّرَاب المَعْدُودَ فَإذَا قَضَى ضِرَابَهُ وَدَعُوهُ للطَوَاغِيتِ وأعْفُوهُ مِنَ الحمْلِ فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَسَمَّوْهُ الحَامِيَ. هَذَا أَيْضا من تَفْسِير ابْن الْمسيب. قَوْله: (يضْرب) أَي: ينزو، يُقَال: ضرب الْحمل النَّاقة يضْربهَا إِذا نزا عَلَيْهَا، وأضرب فلَان نَاقَته إِذا أنزى الْفَحْل عَلَيْهَا، وضراب الْفَحْل نزوه على النَّاقة، والضراب الْمَعْدُود هُوَ أَن ينْتج من صلبه بطن بعد بطن إِلَى أَن يصير عشرَة أبطن، فَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ: قد حمى ظَهره. قَوْله: (وَدعوهُ) أَي: تَرَكُوهُ لأجل الطواغيت وَهِي الْأَصْنَام. قَوْله: (وسموه الحامي) لِأَنَّهُ حمى ظَهره، فَلذَلِك يُقَال لَهُ: حام، مَعَ أَنه فِي الأَصْل محمي، وَهَذَا التَّفْسِير مَنْقُول عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس، وَقيل: الحام هُوَ الْفَحْل يُولد لوَلَده فَيَقُولُونَ حمى ظَهره فَلَا يجزون وبره وَلَا يمنعونه مَاء وَلَا مرعى، وَقيل: هُوَ الَّذِي ينْتج لَهُ سبع إناث مُتَوَالِيَات قَالَه ابْن دُرَيْد، وَقيل: هُوَ الْفَحْل يضْرب فِي إبل الرجل عشر سِنِين فيخلى، وَيُقَال فِيهِ: قد حمى ظَهره. وَقَالَ لِيَ أبُو اليَمانِ أخبَرَنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ سَمِعْتُ سَعِيدا قَال يُخْبِرُهُ بِهاذا قَالَ وقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ النبيِّ ﷺ نَحْوَهُ. قَوْله: (وَقَالَ لي أَبُو الْيَمَان) رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره، قَالَ أَبُو الْيَمَان: بِغَيْر لَفْظَة لي، وَأَبُو الْيَمَان، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف: الحكم بن نَافِع يروي عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَقد تكَرر هَذَا الْإِسْنَاد على هَذَا النمط قَوْله: (يُخبرهُ) بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة من الْفِعْل الْمُضَارع من الْإِخْبَار، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع فِيهِ يرجع إِلَى سعيد بن الْمسيب، والمنصوب يرجع إِلَى الزُّهْرِيّ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: بحيرة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير الْبحيرَة وَغَيرهَا كَمَا فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن سعد عَن صَالح بن كيسَان عَن الزُّهْرِيّ. قَوْله: (قَالَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة) أَي: قَالَ سعيد بن الْمسيب. قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: سَمِعت النَّبِي ﷺ ، قَوْله: (نَحوه) أَي: نَحْو مَا رَوَاهُ فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة، وَهُوَ قَوْله: (الْبحيرَة) الَّتِي يمْنَع درها للطواغيت. وَقد تقدم فِي مَنَاقِب قُرَيْش قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْيَمَان أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ سَمِعت

стр. 5479

ابْن الْمسيب قَالَ: الْبحيرَة الَّتِي يمْنَع درها إِلَى آخِره. ثمَّ قَالَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ : رَأَيْت عَمْرو بن عَامر الْخُزَاعِيّ إِلَى آخِره. وَرَوَاهُ ابنُ الهادِ عنِ ابنِ شهابٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ سَمِعْتُ النَّبِي ﷺ . أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور يزِيد بن عبد الله بن أُسَامَة بن الْهَاد اللَّيْثِيّ عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب، وَقَالَ الْحَاكِم: أَرَادَ البُخَارِيّ أَن يزِيد بن عبد الله بن الْهَاد رَوَاهُ عَن عبد الْوَهَّاب بن بخت عَن الزُّهْرِيّ كَذَا حَكَاهُ الْحَافِظ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) وَسكت وَلم يُنَبه عَلَيْهِ، وَفِيمَا قَالَ الْحَاكِم نظر لِأَن الإِمَام أَحْمد وَابْن جرير روياه من حَدِيث اللَّيْث ابْن سعد عَن ابْن الْهَاد عَن الزُّهْرِيّ نَفسه، وَالله أعلم. ٤٦٢٤ - ح دَّثني مُحَمَّدُ بنُ أبِي يَعْقُوبَ أبُو عَبدِ الله الكِرْمَانِيُّ حدَّثنا حسَّانُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ أنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ رَأيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُها بَعْضا وَرَأيْتُ عَمْرا يَجُرُّ قُصْبَهُ وَهُوَ أوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: ﴿وَهُوَ أول من سَبَب السوائب﴾ وَمُحَمّد بن أبي يَعْقُوب واسْمه إِسْحَاق أَبُو عبد الله الْكرْمَانِي، قَالَ البُخَارِيّ: كتبت عَنهُ بِالْبَصْرَةِ قدم علينا، وَقَالَ: مَاتَ سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْكرْمَانِي، بِفَتْح الْكَاف. وَقَالَ الْكرْمَانِي الشَّارِح: أَقُول بِكَسْرِهَا، وَهِي بَلْدَتنَا وَأهل مَكَّة أعرف بشعابها، وَحسان إِمَّا من الْحسن أَو من الْحس وَهُوَ كرماني أَيْضا تقدما فِي أَوَائِل البيع، وَيُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي. والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (يحطم) من الحطم وَهُوَ الْكسر. قَوْله: (عمرا) هُوَ عَمْرو بن عَامر الْخُزَاعِيّ. قَوْله: (قصبه) وَاحِد الأقصاب وَهِي الأمعاء. ١٤ - (بابٌ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدا مَا دُمْتُ فِيهمْ فَلمَّا تَوَفَيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأنْتَ عَلَى كُلُّ شَيْءٍ شَهِيدا﴾ (الْمَائِدَة: ١١٧) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكنت عَلَيْهِم شَهِيدا﴾ الْآيَة هَذِه والآيات الَّتِي قبلهَا من قَوْله: ﴿وَإِذا قَالَ الله يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم أَأَنْت قلت للنَّاس﴾ (الْمَائِدَة: ١١٦) إِلَى آخر السُّورَة، مِمَّا يُخَاطب الله بِهِ عَبده وَرَسُوله عِيسَى ابْن مَرْيَم ﵉ قَائِلا لَهُ يَوْم الْقِيَامَة بِحَضْرَة من اتَّخذهُ وَأمه إلاهين من دون الله تهديدا لِلنَّصَارَى وتوبيخا وتقريعا على رُؤُوس الأشهاد، وَهَكَذَا قَالَ قَتَادَة وَغَيره.) ٤٦٢٥ - ح دَّثنا أبُو الوَلِيدِ حدَّثنا شُعْبَةُ أخْبَرنا المُغِيرَةُ بنُ النُّعْمَانِ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بن جُبَيْرٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال خَطَبَ رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ يَا أيُّها النَّاسُ إنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إلَى الله حُفاةً عُرَاةً غُرلاً ثُمَّ قَالَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أولَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدا عَلَيْنَا إنّا كُنّا فَاعِلِينَ﴾ (الْأَنْبِيَاء: ١٠٤) إلَى آخِرِ الآيَةِ ثُمَّ قَالَ أَلا وَإنَّ أوَّلَ الخَلائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إبْرَاهِيمُ أَلا وَإنَّهُ يُجاءُ بِرِجالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فأقُولُ يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي فَيُقال إنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَيْتَنِي كُنْتُ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ فَيُقَالُ إنَّ هاؤُلاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِينَ عَلَى أعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، والْحَدِيث قد مضى فِي مَنَاقِب إِبْرَاهِيم ﵇، وَأخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان عَن الْمُغيرَة بن النُّعْمَان عَن سعيد بن جُبَير عَن النَّبِي ﷺ ، إِلَى آخِره. قَوْله: (غرلًا) بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة جمع أغرل وَهُوَ الَّذِي لم يختن وَبقيت مِنْهُ غرلته وَهِي مَا يقطعهُ

стр. 5480

الْخِتَان من ذكر الصَّبِي. قَوْله: (ذَات الشمَال) ، جِهَة النَّار. قَوْله: (أصيحابي) ، مصغر الْأَصْحَاب، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِالتَّصْغِيرِ يدل على تقليل عَددهمْ وَلم يرد بِهِ خَواص أَصْحَابه الَّذين لزموه وَعرفُوا بِصُحْبَتِهِ أُولَئِكَ صانهم الله وعصمهم من التبديل، وَالَّذِي وَقع من تَأْخِير بعض الْحُقُوق إِنَّمَا كَانَ من جُفَاة الْأَعْرَاف وَكَذَلِكَ الَّذِي ارْتَدَّ مَا كَانَ إلَاّ مِنْهُم مِمَّن لَا بَصِيرَة لَهُ فِي الدّين وَذَلِكَ لَا يُوجب قدحا فِي الصَّحَابَة الْمَشْهُورين، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ. قَوْله: (العَبْد الصَّالح) ، هُوَ عِيسَى ابْن مَرْيَم، ﵉. ١٥ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ (الْمَائِدَة: ١١٨) ( أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿أَن تُعَذبهُمْ﴾ الْآيَة. هَذَا حِكَايَة عَن كَلَام عِيسَى ﵇، ذكر ذَلِك على وَجه الاستعطاف وَالتَّسْلِيم لأَمره ، وَالْمعْنَى: إِن تعذب هَؤُلَاءِ فَذَلِك بإقامتهم على كفرهم، وَإِن تغْفر لَهُم فبتوبة كَانَت مِنْهُم لأَنهم عِبَادك وَأَنت الْعَادِل فيهم وَأَنت فِي مغفرتك عَزِيز لَا يمْتَنع عَلَيْك مَا تُرِيدُ حَكِيم فِي ذَلِك. ١٥ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ (الْمَائِدَة: ١١٨) ( أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿أَن تُعَذبهُمْ﴾ الْآيَة. هَذَا حِكَايَة عَن كَلَام عِيسَى ﵇، ذكر ذَلِك على وَجه الاستعطاف وَالتَّسْلِيم لأَمره ، وَالْمعْنَى: إِن تعذب هَؤُلَاءِ فَذَلِك بإقامتهم على كفرهم، وَإِن تغْفر لَهُم فبتوبة كَانَت مِنْهُم لأَنهم عِبَادك وَأَنت الْعَادِل فيهم وَأَنت فِي مغفرتك عَزِيز لَا يمْتَنع عَلَيْك مَا تُرِيدُ حَكِيم فِي ذَلِك. ٤٦٢٦ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا المُغِيرَةُ بنُ النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثني سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ إنَّكُمْ مَحْشُورُونَ وَإنَّ نَاسا يُؤْخَذْ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ. وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدا مَا دُمْتُ فِيهِمْ إلَى قَوْلِهِ العَزِيزُ الحَكيمُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، والْحَدِيث أخرجه أَيْضا فِي الرقَاق عَن بنْدَار عَن غنْدر، وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَن مُحَمَّد بن يُوسُف، وَأخرجه مُسلم فِي صفة الْقِيَامَة عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار وَغَيرهمَا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن أبي مُوسَى وَغَيره، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن غيلَان وَغَيره، وَفِي التَّفْسِير عَن سُلَيْمَان بن عبد الله. قَوْله: (مَحْشُورُونَ) ، يَعْنِي: مجموعون يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (وَأَن نَاسا) ويروى، وَأَن رجَالًا. ٦ - ( ﴿سُورَةُ الأنْعامِ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْعَام، ذكر ابْن الْمُنْذر بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: نزلت سُورَة الْأَنْعَام بِمَكَّة شرفها الله لَيْلًا جملَة، وحولها سَبْعُونَ ألف ملك يجأرون بالتسبيح، وَذكر نَحوه عَن أبي جُحَيْفَة، وَعَن مُجَاهِد، نزل مَعهَا خَمْسمِائَة ملك يزفونها ويحفونها. وَفِي تَفْسِير أبي مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم البستي خَمْسمِائَة ألف ملك، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَعَطَاء والكلبي: نزلت الْأَنْعَام بِمَكَّة إلَاّ ثَلَاث آيَات فَإِنَّهَا نزلت بِالْمَدِينَةِ وَهِي من قَوْله تَعَالَى: ﴿قل تَعَالَوْا﴾ إِلَى قَوْله: ﴿تَتَّقُون﴾ (الْأَنْعَام: ١٥١، ١٥٣) وَفِي أُخْرَى عَن الْكَلْبِيّ: هِيَ مَكِّيَّة إلَاّ قَوْله: ﴿مَا أنزل الله على بشر﴾ (الْأَنْعَام: ٩١) الْآيَتَيْنِ، وَقَالَ قَتَادَة: هما قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا قدرُوا الله حق قدره﴾ الْآيَة الْأُخْرَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أنشأ جنَّات معروشات﴾ (الْأَنْعَام: ١٤١) وَذكر ابْن الْعَرَبِيّ أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿قل لَا أجد﴾ (الْمَائِدَة: ١٤٥) نزلت بِمَكَّة يَوْم عَرَفَة. وَقَالَ السخاوي نزلت بعد الْحجر، وَقبل: الصافات، وَفِي (كتاب الْفَضَائِل) لأبي الْقَاسِم مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد الغافقي، قَالَ: قَالَ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ سور الْأَنْعَام تدعى فِي ملكوت الله، وَفِي رِوَايَة تدعى فِي التَّوْرَاة. المرضية، سَمِعت سيدنَا رَسُول الله ﷺ ، يَقُول: من قَرَأَهَا فقد انْتهى، وَفِي الْكتاب (الْفَائِق فِي اللَّفْظ الرَّائِق) لأبي الْقَاسِم عبد المحسن الْقَيْسِي قَالَ ﷺ : (من قَرَأَ سُورَة الْأَنْعَام جملَة وَلم يقطعهَا بِكَلَام غفر لَهُ مَا أسلف من عمل لِأَنَّهَا نزلت جملَة وَمَعَهَا موكب من الْمَلَائِكَة سد مَا بَين الْخَافِقين، لَهُم زجل بالتسبيح وَالْأَرْض بهم ترتج) ، وَهِي مائَة وَخمْس وَسِتُّونَ آيَة وَثَلَاث آلَاف وَاثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ كلمة وَاثنا عشر ألف حرف وَأَرْبَعمِائَة وَاثْنَانِ وَعِشْرُونَ حرفا.

стр. 5481

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ثَبت الْبَسْمَلَة فِي رِوَايَة أبي ذَر لَيْسَ إِلَّا. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ مَعْذِرَتُهُمْ أَشَارَ بِهِ إِلَى بَيَان تَفْسِير قَوْله : ﴿وَيَوْم نحشرهم جَمِيعًا ثمَّ نقُول للَّذي أشروا أَيْن شركاؤكم الَّذين كُنْتُم تَزْعُمُونَ ثمَّ لم تكن فتنتهم إلَاّ أَن قَالُوا وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين﴾ (الْمَائِدَة: ٢٢) وفسرها ابْن عَبَّاس بقوله معذرتهم، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى حَدثنَا هِشَام بن يُوسُف عَن ابْن جريج عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقَالَ معمر عَن قَتَادَة: فتنتهم مقالتهم، وَعَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس أَي: حجتهم. مَعْرُوشَاتٍ مَا يُعْرَش مِنَ الكَرْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لم يَقع هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أنشأ جنَّات معروشات وَغير معروشات﴾ (الْأَنْعَام: ١٤) وَفسّر معروشات بقوله: مَا يعرش من الْكَرم، وَغير ذَلِك، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أنشأ جنَّات معروشات﴾ قَالَ: مَا يعرش من الكروم، وَغير معروشات مَا لَا يعرش، وَفِي التَّفْسِير، وَقَالَ عَليّ ابْن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: المعروشات مَا عرش النَّاس، وَغير معروشات مَا خرج فِي الْبر وَالْجِبَال من الثمرات وَعَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: معروشات مسموكات، وَقيل: معروشات مَا يقوم على العراش، وَفِي (الْمغرب) : الْعَرْش السّقف فِي قَوْله: (وَكَانَ عرش الْمَسْجِد من جريد النّخل) أَي: من أفنانه وأغصانه، وعريش الْكَرم مَا يهيأ ليرتفع عَلَيْهِ، وَالْجمع عراش. حَمُولَةَ مَا يُحْمَلُ عَلَيْها أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن الْأَنْعَام حمولة وفرشا﴾ (الْأَنْعَام: ١٤٢) وَفسّر الحمولة بقوله: مَا يحمل عَلَيْهَا، وَعَن الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي الْأَحْوَص عَن عبد الله فِي قَوْله حمولة، مَا حمل من الْإِبِل وفرشا. قَالَ: الصغار من الْإِبِل رَوَاهُ الْحَاكِم، وَقَالَ: صَحِيح وَلم يخرجَاهُ، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: الحمولة هِيَ الْكِبَار، والفرش الصغار من الْإِبِل، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد، وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: الحمولة الْإِبِل وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحمير وكل شَيْء يحمل عَلَيْهِ، والفرش الْغنم، وَاخْتَارَهُ ابْن جرير، قَالَ، وَأَحْسبهُ إِنَّمَا سمى فرشا لدنوه من الأَرْض، وَقَالَ الرّبيع بن أنس وَالْحسن وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة، الحمولة الْإِبِل وَالْبَقر، والفرش الْغنم، وَقَالَ السّديّ: أما الحمولة فالإبل، وَأما الْفرش فالفصلان والعجاجيل وَالْغنم وَمَا حمل عَلَيْهِ فَهُوَ حمولة وَقَالَ عبد الرَّحْمَن ابْن زيد بن أسلم: الحمولة تَرْكَبُونَ، والفرش مَا تَأْكُلُونَ وتحلبون، الشَّاة لَا تحمل ويؤكل لَحمهَا وتتخذون من صوفها لحافا وفرشا. وَلَلَبَسْنا لَشَبَّهْنَا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وللبسنا عَلَيْهِم مَا يلبسُونَ﴾ (الْأَنْعَام: ٩) وَفسّر: للبسنا، بقوله: لشبهنا، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، فِي قَوْله: ﴿وللبسنا عَلَيْهِم مَا يلبسُونَ﴾ بقوله لشبهنا عَلَيْهِم، وَأَصله من اللّبْس بِفَتْح اللَّام وَهُوَ الْخَلْط، تَقول: لبس يلبس من بَاب ضرب يضْرب لبسا بِالْفَتْح، وَلبس الثَّوْب يلبس من بَاب علم يعلم لبسا بِالضَّمِّ. وَيَنْأَوْنَ يَتَبَاعَدُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وهم ينهون عَنهُ وينأون﴾ وَفسّر: ينأون بقوله: يتباعدون، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، وَالْمعْنَى: أَن كفار مَكَّة ينهون النَّاس عَن اتِّبَاع الْحق ويتباعدون عَنهُ، وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة: ينهون النَّاس عَن مُحَمَّد ويتباعدون أَن يُؤمنُوا.

стр. 5482

تُبْسلُ تُفْضَحُ أُبْسِلُوا: افْضِحُوا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَذكر أَن تبسل نفس بِمَا كسبت﴾ وَفسّر لفظ: تبسل بقوله: تفضح، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. وَقَالَ الضَّحَّاك: عَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَعِكْرِمَة وَالْحسن وَالسُّديّ، إِن تبسل: أَن تفضح، وَقَالَ قَتَادَة: تحبس، وَقَالَ أبي زيد: تؤاخذ، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: تجزي، وَفِي التَّفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَذكر بِهِ﴾ (الْأَنْعَام: ٧٠) أَي: ذكر النَّاس بِالْقُرْآنِ وحذرهم نعْمَة الله وعذابه الْأَلِيم يَوْم الْقِيَامَة ﴿أَن تبسل نفس بِمَا كسبت﴾ أَي لِئَلَّا تبسل. قَوْله: (أبسلوا) ، إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذين أبسلوا بِمَا كسبوا﴾ أَي: أفضِحوا بِسَبَب كسبهم، ويروى: فضحوا من الثلاثي على صِيغَة الْمَجْهُول. باسِطو أيْدِيهِمْ: البَسْطُ الضَّرْبُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمَلَائِكَة باسطو أَيْديهم﴾ (الْأَنْعَام: ٩٣) وَقَبله: ﴿وَلَو ترى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت وَالْمَلَائِكَة باسطو أَيْديهم أخرجُوا أَنفسكُم﴾ وَجَوَاب: لَو. مَحْذُوف تَقْدِيره لرأيت عجيبا. قَوْله: (باسطو أَيْديهم) ، أَي: بِالضَّرْبِ، وَقيل: بِالْعَذَابِ، وَقيل: بِقَبض الْأَرْوَاح من الأجساد وَيكون هَذَا وَقت الْمَوْت، وَقيل: يَوْم الْقِيَامَة، وَقيل: فِي النَّار، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: باسطو أَيْديهم يبسطون إِلَيْهِم أَيْديهم يَقُولُونَ أخرجُوا أرواحكم إِلَيْنَا من أجسادكم، وَهَذَا عبارَة عَن العنف والإلحاح فِي الإزهاق. قَوْله: (الْبسط الضَّرْب) ، تَفْسِير الْبسط بِالضَّرْبِ غير موجه لِأَن الْمَعْنى الْبسط بِالضَّرْبِ يَعْنِي: الْمَلَائِكَة يبسطون أَيْديهم بِالضَّرْبِ، كَمَا ذكرنَا. اسْتَكْثَرْتُمْ أضْلَلْتُمْ كَثِيرا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا معشر الْجِنّ قد استكثرتم من الْإِنْس﴾ (الْأَنْعَام: ١٢٨) وَفَسرهُ بقوله: أضللتم كثيرا. وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: قد استكثرتم من الْإِنْس بِمَعْنى أضللتم مِنْهُم كثيرا. وَكَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِد وَالْحسن وَقَتَادَة، وعجبي من شرَّاح هَذَا الْكتاب كَيفَ أهملوا تَحْقِيق هَذَا الْموضع وَأَمْثَاله، فَمنهمْ من قَالَ هُنَا قَوْله استكثرتم أضللتم كثيرا وَوَصله ابْن أبي حَاتِم كَذَلِك، وَمِنْهُم من قَالَ: هُوَ كَمَا قَالَ: وَمِنْهُم من لم يذكرهُ أصلا، فَإِذا وصل قارىء البُخَارِيّ إِلَى هَذَا الْموضع ووقف على قَوْله: استكثرتم أضللتم، وَلم يكن الْقُرْآن فِي حفظه حَتَّى يقف عَلَيْهِ وَلم يعلم أَوله وَلَا آخِره، تحير فِي ذَلِك، فَإِذا رَجَعَ إِلَى شرح من شُرُوح هَؤُلَاءِ يزْدَاد تحيرا. وَشرح البُخَارِيّ لَا يظْهر بِقُوَّة الْحِفْظ فِي الحَدِيث أَو بعلوا السَّنَد أَو بِكَثْرَة النَّقْل، ولايخرج من حَقه إلَاّ من لَهُ يَد فِي الْفُنُون وَلَا سِيمَا فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول مَعَ تتبع مَعَاني أَلْفَاظه كلمة كلمة، وَبَيَان المُرَاد مِنْهُ والتأمل فِيهِ والغوص فِي تيار تحقيقاته والبروز مِنْهُ بمكنونات تدقيقاته. ذَرَأ مِنَ الحِرْثِ جَعَلُوا لله مِنْ ثَمَرَاتِهِمْ وَمَا لَهُمْ نَصِيبا وَلِلْشَّيْطَانِ وَالأوْثَانِ نَصِيبا. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿وَجعلُوا لله مِمَّا ذَرأ من الْحَرْث والأنعام نَصِيبا﴾ وَفسّر قَوْله: ذَرأ من الْحَرْث، بقوله: جعلُوا لله إِلَى آخِره، وَهَكَذَا رَوَاهُ بن الْمُنْذر بِسَنَدِهِ عَن ابْن عَبَّاس، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس، وَزَاد فَإِن سقط من ثمره مَا جعلُوا لله فِي نصيب الشَّيْطَان تَرَكُوهُ، وَإِن سقط مِمَّا جَعَلُوهُ للشَّيْطَان فِي نصيب الله لفظوه. أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحَامُ الأُنْثَييْنِ يَعْنِي هَلْ تَشْتَمِلُ إلَاّ عَلَى ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى فلِمَ تحرِّمونَ بَعْضا وتحلونَ بَعْضا. هَذَا وَقع لغير أبي ذَر، وَلم أنظر نُسْخَة إلَاّ وَهَذِه التفاسير فِيهَا بَعْضهَا مُتَقَدم وَبَعضهَا مُتَأَخّر وَبَعضهَا غير مَوْجُود، وَفِي النُّسْخَة الَّتِي اعتمادي عَلَيْهَا وَقع هُنَا وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قل آلذكرين حرم أم الأُنثيين أما اشْتَمَلت عَلَيْهِ أَرْحَام الأُنثيين﴾ (الْأَنْعَام: ١٤٤) ثمَّ فسره قَوْله: يَعْنِي هَل تشْتَمل يَعْنِي: الْأَرْحَام إلَاّ على ذكر أَو أُنْثَى، وَكَانَ الْمُشْركُونَ يحرمُونَ أجناسا من النعم بَعْضهَا على الرِّجَال وَالنِّسَاء وَبَعضهَا على النِّسَاء دون الرِّجَال، فاحتج الله عَلَيْهِم. قَوْله: ﴿قَالَ آلذاكرين من حرم أم الأُنثيين﴾ الْآيَة.

стр. 5483

فَالَّذِي حرمتم بِأَمْر مَعْلُوم من جِهَة الله يدل عَلَيْهِ أم فَعلْتُمْ ذَلِك كذبا على الله تَعَالَى؟ وَقَالَ الْفراء: جَاءَكُم التَّحْرِيم فِيمَا حرمتم من السائبة والبحيرة والوصيلة والحام من قبل الذكرين أم الأُنثيين؟ فَإِن قَالُوا: من قبل الذّكر لزم تَحْرِيم كل ذكر أم من قبل الْأُنْثَى، فَكَذَلِك وَإِن قَالُوا: من قبل مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ الرَّحِم لزم تَحْرِيم الْجَمِيع لِأَن الرَّحِم لَا يشْتَمل إلَاّ على ذكر أَو أُنْثَى. أكِنَّةً وَاحِدُها كِنَانٌ هَذَا ثَبت لأبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي، وَهُوَ مُتَقَدم فِي بعض النّسخ، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أكنة أَن يفقهوه﴾ (الْأَنْعَام: ٢٥) وَقَبله ﴿وَمِنْهُم من يستمع إِلَيْك وَجَعَلنَا على قُلُوبهم أكنة أَن يفقهوه وَفِي آذانهم وَقَرَأَ﴾ الْآيَة، ثمَّ قَالَ: وَاحِدهَا أَي: أحد أكنة كنان على وزن فعال مثل: أَعِنَّة جمع عنان وأسنة جمع سِنَان وَفِي التَّفْسِير: أكنة أَي أغطية لِئَلَّا يفهموا الْقُرْآن ﴿وَجَعَلنَا فِي آذانهم وَقَرَأَ﴾ أَي: صمما من السماع النافع لَهُم. مَسْفُوحا مُهْراقا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قل لَا أجد فِيمَا أوحى إِلَى محرما على طاعم يطعمهُ إِلَّا أَن يكون ميتَة أَو دَمًا مسفوحا﴾ (الْأَنْعَام: ١٤٥ وَفسّر مسفوحا بقوله مهراقا. أَي: مصبوبا وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَو دَمًا مسفوحا يَعْنِي مهراقا. صَدَفَ أعْرَضَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: ﴿فَمن أظلم مِمَّن كذب بآيَات الله وصدف عَنْهَا﴾ (الْأَنْعَام: ١٥٧) الْآيَة. وَفسّر: صدف. بقوله أعرض، وَعَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَقَتَادَة، صدف عَنْهَا أعرض عَنْهَا. أَي: عَن آيَات الله تَعَالَى، وَقَالَ السّديّ: أَي صدف عَن اتِّبَاع آيَات الله أَي: صرف النَّاس وصدهم عَن ذَلِك، وَقَالَ بَعضهم: قَوْله: (صدف) أعرض قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ هم يصدقون﴾ (الْأَنْعَام: ٤٦) أَي يعرضون قلت البُخَارِيّ لم يذكر إلاّ لفظ صدف وَإِن كَانَ معنى يصدقون كَذَلِك فَلَا بِلَاد من رِعَايَة الْمُنَاسبَة. أُبْلِسُوا أُوبِسُوا وَأُبْسِلُوا أُسْلِمُوا أَشَارَ بقوله أبلسوا أوبسوا إِلَى أَن معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا هم مبلسون﴾ (الْأَنْعَام: ٤٤) من ذَلِك. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِيهِ: المبلس الحزين النادم، وَقَالَ الْفراء: المبلس الْمُنْقَطع رجاؤه. قَوْله: (أُوبسوا) على صِيغَة الْمَجْهُول كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره أيسوا على صِيغَة الْمَعْلُوم من أيس إِذا انْقَطع رجاؤه قَوْله: أبسلوا بِتَقْدِيم السِّين على اللَّام وَفَسرهُ بقوله أَسْلمُوا أَي: إِلَى الْهَلَاك وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذين أبسلو بِمَا كسبوا﴾ (الْأَنْعَام: ٧٠) وَقد مر هَذَا عَن قريب بِغَيْر هَذَا التَّفْسِير. سَرْمدا دَائما لَا مُنَاسبَة لذكر هَذَا هَاهُنَا لِأَنَّهُ لم يَقع هَذَا إلَاّ فِي سُورَة الْقَصَص فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قل أَرَأَيْتُم أَن جعل الله عَلَيْكُم اللَّيْل سرمدا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة﴾ (الْقَصَص: ٧١) سرمدا أَي: دَائِما. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ذكره هُنَا لمناسبة فالق الإصباح وجاعل اللَّيْل سكنا. قلت: لم يذكر وَجه أَكثر هَذِه الْأَلْفَاظ الْمَذْكُورَة وَلَا تعرض إِلَى تَفْسِيرهَا وَإِنَّمَا ذكر هَذَا مَعَ بَيَان مُنَاسبَة بعيدَة على مَا لَا يخفى. اسْتَهْوَتْهُ أضَلَّتْهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿كَالَّذي استهوته الشَّيَاطِين﴾ (الْأَنْعَام: ٧١) وَفَسرهُ بقوله أضلته وَكَذَا فسره قَتَادَة. تَمْتَرُونَ تَشُكُّونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أَنْتُم تمترون﴾ (الْأَنْعَام: ٢٠) وَفَسرهُ بقوله: تشكون وَكَذَا فسره السّديّ. وَقْرٌ صَمْمٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفِي آذانهم وقر﴾ وَفَسرهُ بقوله: صمم هَذَا بِفَتْح الْوَاو عِنْد الْجُمْهُور، وَقَرَأَ طَلْحَة بن مصرف بِكَسْر الْوَاو.

стр. 5484

وأمْا الوِقْرُ الحِمْلُ أَي: وَأما الوقر، بِكَسْر الْوَاو فَمَعْنَاه الْحمل، ذكره مُتَّصِلا بِمَا قبله لبَيَان الْفرق بَين مَفْتُوح الْوَاو وَبَين مكسورها. فَإنَّهُ أسَاطِيرُ وَاحِدُها أُسْطُورَةٌ وَإسْطَارَةٌ وَهِيَ التُّرَّهاتُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إلَاّ أساطير الْأَوَّلين﴾ وَذكر أَن الأساطير وَاحِدهَا أسطورة، بِضَم الْهمزَة وأسطارة أَيْضا بِكَسْر الْهمزَة ثمَّ فَسرهَا بقوله وَهِي الترهات، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الرَّاء وَهِي الأباطيل، قَالَ أَبُو زيد هِيَ جمع ترهة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير، وَهِي فِي الأَصْل الطّرق الصغار المتشعبة عَن الطَّرِيق الْأَعْظَم، وَهِي كِنَايَة عَن الأباطيل، وَقَالَ الْأَصْمَعِي الترهات الطّرق الصغار، وَهِي فارسية معربة ثمَّ استعيرت فِي الأباطيل، فَقيل: الترهات السباسب والترهات الصحاصح، وَهِي من أَسمَاء الْبَاطِل وَرُبمَا جَاءَت مُضَافَة، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وناس يَقُولُونَ ترة، وَالْجمع: ترارية. البَأْسَاءُ مِنَ البَأْسِ وَيَكُونُ مِن البُؤْسِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فأخذناهم بالبأساء﴾ وَأَشَارَ إِلَى أَنه يجوز أَن يكون من الْبَأْس هُوَ الشدَّة، وَيجوز، أَن يكون من الْبُؤْس بِالضَّمِّ وَهُوَ الضّر، وَقيل: هُوَ الْفقر وَسُوء الْحَال، وَقَالَ الدَّاودِيّ الْبَأْس الْقِتَال. جَهْرَةً مُعَايَنَةً أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قل أَرَأَيْتُم إِن أَتَاكُم عَذَاب الله بَغْتَة أَو جهرة وهم يَشْعُرُونَ هَل يُهلك إلَاّ الْقَوْم الظَّالِمُونَ﴾ (الْأَنْعَام: ٤٧) البغتة الْفجأَة، والجهرة المعاينة وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة. الصُّوَرُ جَماعَةُ صُورةٍ كَقَوْلِهِ صُورَةٌ وَسُوَرٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم ينْفخ فِي الصُّدُور﴾ (الْأَنْعَام: ٣٣) وَذكر أَن الصُّور جمع صُورَة كَمَا أَن السُّور جمع سُورَة، وَاخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله: ﴿يَوْم ينْفخ فِي الصُّور﴾ فَقَالَ بَعضهم: المُرَاد بالصور هُنَا جمع سُورَة أَي: يَوْم ينْفخ فِيهَا ضحى، قَالَ ابْن جرير: كَمَا يُقَال سور لسور الْبَلَد وَهُوَ جمع سُورَة، وَالصَّحِيح أَن المُرَاد بالصور، الْقرن الَّذِي ينْفخ فِيهِ إسْرَافيل، ﵇، وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: حَدثنَا إِسْمَاعِيل حَدثنَا سُلَيْمَان التَّمِيمِي عَن أسلم الْعجلِيّ عَن بشر بن سعاف عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ: قَالَ أَعْرَابِي: يَا رَسُول الله مَا الصُّور؟ قَالَ: قرن ينْفخ فِيهِ انْتهى، وَهُوَ وَاحِد لَا اسْم جمع. مَلكُوتٌ مُلْكٌ مِثْلُ رَهَبُوتٍ خَبَرٌ مِنْ رَحَمُوتٍ وَتقُولُ تُرْهَبُ خَيْرٌ مِنْ أنْ تُرْحَمَ. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيم ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ وَفسّر ملكوت بقوله: ملك، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الملكوت من الْملك كالرهبوت من الرهبة، وَيُقَال: الْوَاو وَالتَّاء فِيهَا زائدتان، وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: ملكوت كل شَيْء مَعْنَاهُ ملك كل شَيْء أَي: هُوَ مَالك كل شَيْء والمتصرف فِيهِ على حسب مَشِيئَته وَمُقْتَضى إِرَادَته، وَقيل: الملكوت الْملك مَا بلغ الْأَلْفَاظ، وَقيل: الملكوت عَالم الْغَيْب كَمَا أَن الْملك عَالم الشَّهَادَة. قَوْله: ﴿مثل رهبوت خير من رحموت﴾ أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن وزن ملكوت مثل وزن رهبوت ورحموت، وَهَذَا مثل يُقَال: رهبوت خير من رحموت، أَي: رهبة خير من رَحْمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر هَكَذَا ملكوت وَملك رهبوت رحموت، وَتقول: ترهب خير من أَن ترحم، وَفِيه تعسف وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين الَّذِي ذكر أَولا هُوَ الصَّوَاب. جَنَّ أظْلَمَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جن عَلَيْهِ اللَّيْل﴾ (الْأَنْعَام: ٧٦) وَفَسرهُ بقوله: أظلم، وَعَن أبي عُبَيْدَة أَي: غطى عَلَيْهِ وأظلم، وَهَذَا فِي قصَّة إِبْرَاهِيم، ﵇. تَعَالَى عَلا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يصفونَ﴾ وَفسّر تَعَالَى بقوله: علا ورقع فِي (مستخرج) أبي نعيم تَعَالَى الله علا الله

стр. 5485

وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَفِي التَّفْسِير: سُبْحَانَ الله. أَي: تقدس وتنزه وتعاظم عَمَّا يصفه الجهلة الضالون من الأنداد والنظراء والشركاء. وَإنْ تَعْدِلْ تُقْسِطْ: لَا يُقْبَلْ مِنْها فِي ذَلِكَ اليَوْمِ هَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَحده، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن تعدل كل عدل لَا يُؤْخَذ مِنْهَا﴾ (الْأَنْعَام: ٧٠) وَفسّر تعدل بقوله: تقسط، بِضَم التَّاء من الإقساط، وَهُوَ الْعدْل وَالضَّمِير فِي: وَإِن تعدل. يرجع إِلَى النَّفس الْكَافِرَة الْمَذْكُورَة فِيمَا قبله، وَفسّر أَبُو عُبَيْدَة الْعدْل بِالتَّوْبَةِ. قَوْله: ﴿لَا يقبل مِنْهَا فِي ذَلِك الْيَوْم﴾ يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة لِأَن التَّوْبَة إِنَّمَا كَانَت تَنْفَع فِي حَال الْحَيَاة قبل الْمَوْت كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين كفرُوا وماتوا وهم كفار فَلَنْ يقبل من أحدهم ملْء الأَرْض ذَهَبا وَلَو اقْتدى بِهِ﴾ (آل عمرَان: ٩١) الْآيَة. يُقَالُ عَلَى الله حُسْبَانُهُ أَي حِسابُهُ وَيُقالُ حُسْبانا مَرَامِيَ. وَرُجُوما لِلشَّياطِينِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْس وَالْقَمَر حسبانا﴾ (الْأَنْعَام: ٩٦) وَقَالَ: هُوَ جمع حِسَاب، وَفِي التَّفْسِير: ﴿وَالشَّمْس وَالْقَمَر حسبانا﴾ أَي: يجريان بِحِسَاب مقنن مُقَدّر لَا يتَغَيَّر وَلَا يضطرب. قَوْله: (على الله حسبانه) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن حسبانا كَمَا يَجِيء جمع حِسَاب يَجِيء أَيْضا، بِمَعْنى حِسَاب مثل شهبان وشهاب، وَكَذَا فسره بقوله: أَي حسابه. قَوْله: (وَيُقَال: حسبانا مرامي ورجوما للشياطين) ، مضى الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب بَدْء الْخلق فِي: بَاب صفة الشَّمْس وَالْقَمَر. مُسْتَقِرٌ فِي الصُّلْبِ وَمُسْتَوْدَعٌ فِي الرَّحِمِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أنشأكم من نفس وَاحِدَة فمستقر ومستودع﴾ (الْأَنْعَام: ٩٨) وَقد فسر قَوْله مُسْتَقر. بقوله مُسْتَقر فِي الصلب، وَقَوله: مستودع، بقوله مستودع فِي الرَّحِم، وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود وَطَائِفَة، وَعَن ابْن عَبَّاس وَأبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ وَقيس بن أبي حَازِم وَمُجاهد وَعَطَاء وَالنَّخَعِيّ وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة وَالسُّديّ وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي، مُسْتَقر فِي الْأَرْحَام مستودع فِي الأصلاب، وَعَن ابْن مَسْعُود أَيْضا فمستقر فِي الدُّنْيَا ومستودع حَيْثُ يَمُوت، وَعَن الْحسن، والمستقر الَّذِي قد مَاتَ فاستقر بِهِ عمله، وَعَن ابْن مَسْعُود أَيْضا مستودع فِي الدَّار الْآخِرَة، وَعَن الطَّبَرَانِيّ فِي حَدِيثه المستقر الرَّحِم والمستودع الأَرْض، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَابْن كثير، فمستقر، بِكَسْر الْقَاف وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا وَقَرَأَ الْجَمِيع مستودع، بِفَتْح الدَّال إلَاّ رِوَايَة عَن أبي عَمْرو فبكسرها. الْقِنُوا العِذْقُ وَالإثْنانِ قِنْوَانِ وَالجَماعَةُ أَيْضا قِنْوانٌ مِثْلُ صِنْوٍ وَصِنْوَانٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن النّخل من طلعها قنوان دانية﴾ (الْأَنْعَام: ٩٩) قَوْله الغدق بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره قَاف، وَهُوَ العرجون، بِمَا فِيهِ من الشماريخ، وَيجمع على عذاق، والعذق بِالْفَتْح النَّخْلَة. قَوْله: ﴿والاثنان قنوان﴾ يَعْنِي: تَثْنِيَة القنو قنوان، وَكَذَلِكَ جمع القنو قنوان فيستوي فِيهِ التَّثْنِيَة وَالْجمع فِي اللَّفْظ وَيَقَع الْفرق بَينهمَا بِأَن نون التَّثْنِيَة مَكْسُورَة وَنون الْجمع تجْرِي عَلَيْهِ أَنْوَاع الْإِعْرَاب، تَقول فِي التَّثْنِيَة، هَذَانِ قنوان بِالْكَسْرِ، وَأخذت قنوين فِي النصب وَضربت بقنوين فِي الْجَرّ، فألف التَّثْنِيَة تنْقَلب يَاء فيهمَا، وَتقول فِي الْجمع: هَذِه قنوان بِالرَّفْع لِأَنَّهُ لَا يتَغَيَّر فِي حَالَة الرّفْع، وَأخذت قنوانا بِالنّصب وَضربت بقنوان بِالْجَرِّ، وَلَا يتَغَيَّر فِيهِ الْألف أصلا وَالْإِعْرَاب يجْرِي على النُّون، وَكَذَا يَقع الْفرق فِي حَالَة الْإِضَافَة فَإِن نون التَّثْنِيَة تحذف فِي الْإِضَافَة دون نون الْجمع قَوْله: ﴿مثل صنْوَان﴾ يَعْنِي: أَن تَثْنِيَة صنو وَجمعه كَذَلِك على لفظ وَاحِد، وَالْفرق بِمَا ذكرنَا وَهُوَ بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون، وَهُوَ الْمثل وَأَصله أَن تطلع نخلتان من عرق وَاحِد. وَقَرَأَ الْجُمْهُور: قنوان بِكَسْر أَوله وَقَرَأَ الْأَعْمَش والأعرج بضَمهَا، وَهِي رِوَايَة عَن أبي عَمْرو، وَهِي لُغَة قيس. ١ - (بابٌ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لَا يَعْلَمُها إلاّ هُوَ﴾ (الْأَنْعَام: ٥٩) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَعِنْده مفاتح الْغَيْب لَا يعلمهَا إلاّ هُوَ﴾ أَي: وَفِي علم الله مفاتح مَا لَا يعلم من الْأُمُور، والمفاتح جمع

стр. 5486

مفتح، بِكَسْر الْمِيم لِأَن اسْم للآلة الَّتِي يفتح بهَا، وَاسم الْآلَة مفعل ومفعال ومفعلة كلهَا بِكَسْر الْمِيم، وقرىء (مَفَاتِيح الْغَيْب) جمع مِفْتَاح، وَقيل: المفاتح هُنَا جمع مفتح بِفَتْح الْمِيم أَي: مَكَان الْفَتْح، وَقيل: هُوَ مصدر ميمي على معنى: وَعِنْده فتح الْغَيْب وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: جعل للغيب مفاتح على طَرِيق الِاسْتِعَارَة لِأَن المفاتح يتَوَصَّل بهَا إِلَى مَا فِي المخازن المتوثق مِنْهَا بالإغلاق والأقفال وَمن علم مفاتحها وَكَيف تفتح توصل إِلَيْهَا فَأَرَادَ أَنه هُوَ المتوصل إِلَى علم المغيبات وَحده لَا يتَوَصَّل إِلَيْهَا غَيره، كمن عِنْده مفاتح أقفال المخازن يعلم فتحهَا فَهُوَ المتوصل إِلَى مَا فِي المخازن، وَذكر ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ (وَعِنْده مفاتح الْغَيْب) قَالَ: خَزَائِن الْغَيْب. وَقَالَ مقَاتل: عِنْده خَزَائِن غيب الْعَذَاب مَتى ينزله بكم، وَقَالَ الْجَوْزِيّ: مفاتح الْغَيْب هُوَ مَا غَابَ عَن بني آدم من الرزق والمطر وَالثَّوَاب، وَقيل: مفاتح الْغَيْب السَّعَادَة والشقاوة، وَقيل: الْغَيْب عواقب الْأَعْمَار وخواتيم الْأَعْمَال. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: مفاتح الْغَيْب خَزَائِن الأَرْض، وَقيل: هُوَ مَا لم يكن بعد أَنه يكون لم لَا يكون وَمَا يكون وَكَيف يكون. ٤٦٢٧ - ح دَّثنا عَبْدِ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سَالِم بنِ عَبْد الله عَنْ أبِيهِ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ: إنَّ الله عَنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ أيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْعَزِيز هُوَ ابْن عبد الله بن يحيى أَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري الأوسي والمديني من أَفْرَاد البُخَارِيّ يروي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه عبد الله بن عمر بن الْخطاب. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي النعوت عَن عبيد الله بن فضَالة وَمر فِي الاسْتِسْقَاء من حَدِيث عبد الله بن دِينَار عَن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٢ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿قلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ (الْأَنْعَام: ٦٥) الآيَةَ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قل هُوَ الْقَادِر﴾ الْآيَة. أَي: قل يَا مُحَمَّد الله الْقَادِر على بعث الْعَذَاب عَلَيْكُم من فَوْقكُم كالحجارة الَّتِي أرْسلت على قوم لوط وكالماء المنهمر الَّذِي نزل لإغراق قوم نوح ﵊، وكالحجارة الَّتِي أرْسلت على أَصْحَاب الْفِيل، وَمن تَحت أَرْجُلكُم كالخسف بقارون وإغراق آل فِرْعَوْن. وَقيل: من فَوْقكُم من أكابركم وسلاطينكم وَمن تَحت أَرْجُلكُم من سفلتكم وعبيدكم، وَقيل: من فَوْقكُم حبس الْمَطَر وَمن تَحت أَرْجُلكُم منع النَّبَات. يَلْبِسَكُمْ يَخْلِطَكُمْ مِنَ الالْتِبَاسِ يَلْبِسُوا يَخْلِطُوا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو يلْبِسكُمْ شيعًا وَيُذِيق بَعْضكُم بَأْس بعض﴾ وَفسّر يلْبِسكُمْ بقوله يخلطكم، وَنبهَ على أَن مادته من مَادَّة الالتباس، لِأَن ثلاثيه من لبس يلبس من بَاب علم يعلم. شِيعا فِرَقا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: ﴿أَو يلْبِسكُمْ شيعًا﴾ وَفسّر الشيع بِالْفرقِ جمع فرقة، وَفِي التَّفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو يلْبِسكُمْ شيعًا﴾ أَي ليجعلكم ملتبسين شيعًا فرقا متخالفين. وَقَالَ الْوَالِي عَن ابْن عَبَّاس: يَعْنِي الْأَهْوَاء وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَغير وَاحِد، وَقد ورد فِي الحَدِيث الْمَرْوِيّ من طرق عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ: (سَتَفْتَرِقُ أمتِي على ثَلَاث وَسبعين فرقة كلهَا فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة) . ٤٦٢٨ - ح دَّثنا أبُو النُّعْمَانِ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ عَمْرو بنِ دِينارٍ عنْ جابِرٍ ﵁ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هاذِهِ الآيَةُ قُلْ هُوَ القادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابا مِنْ فَوْقِكُمْ قَالَ رسولُ الله

стр. 5487

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أعُوذُ بِوَجْهِكَ قَالَ أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجِلكُمْ قَال أعُوذُ بِوَجْهِكَ أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأسَ بَعْضٍ قَالَ رسُول الله ﷺ هاذَا أهْوَنُ أوْ هاذَا أيْسَرُ) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو النُّعْمَان، بِضَم النُّون اسْمه مُحَمَّد بن الْفضل الملقب بعارم، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة وَغَيره. قَوْله: (أعوذ بِوَجْهِك) ، أَي: بذاتك. قَوْله: (وَيُذِيق بَعْضكُم بَأْس بعض) ، قَالَ ابْن عَبَّاس وَغير وَاحِد يَعْنِي يُسَلط بَعْضكُم على بعض بِالْعَذَابِ وَالْقَتْل. قَوْله: (هَذَا أَهْون) ، لِأَن الْفِتَن من المخلوقين وعذابهم أَهْون من عَذَاب الله وبالفتن ابْتليت هَذِه الْأمة. قَوْله: (أَو هَذَا أيسر) ، شكّ من الرَّاوِي وَوَقع فِي (الِاعْتِصَام) هَاتَانِ أَهْون أَو أيسر، أَي: خصْلَة الإلباس وخصلة إذاقة بَعضهم بَأْس بعض. ٣ - (بابٌ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم﴾ قبله: ﴿الَّذين آمنُوا وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم أُولَئِكَ لَهُم الْأَمْن وهم مهتدون﴾ (الْأَنْعَام: ٨٢) أُرِيد بِهِ الشّرك. ٤٦٢٩ - ح دَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا ابنُ أبِي عَدِيّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ لَمَا نَزَلَتْ وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهُمْ بِظُلْمٍ قَالَ أصْحابُهُ وأيُّنا لَمْ يَظْلِمْ فَنَزَلَتْ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَابْن أبي عدي هُوَ مُحَمَّد وَاسم أبي عدي إِبْرَاهِيم الْبَصْرِيّ وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وعلقمة هُوَ ابْن يزِيد وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب ظلم دون ظلم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة. قَوْله: (قَالَ أَصْحَابه) ، أَي: أَصْحَاب النَّبِي ﷺ . ٤ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَيُونُسَ وَلُوطا وَكُلاًّ فَضَلْنا عَلَى العَالَمِينَ﴾ (الْأَنْعَام: ٨٦) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُونُس﴾ إِلَى آخِره. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب﴾ إِلَى أَن قَالَ ﴿وَإِسْمَاعِيل وَالْيَسع وَيُونُس ولوطا﴾ الْآيَة. قَوْله: (وَيُونُس) ، عطف على قَوْله: وَإِسْمَاعِيل وَالْيَسع، وهما معطوفان على مَا قبله من قَوْله: ﴿وزَكَرِيا وَيحيى﴾ وَهَذَا مَعْطُوف على قَوْله: (وَمن ذُريَّته دَاوُد وَسليمَان) ، وَالضَّمِير فِي: ذُريَّته، يرجع إِلَى نوح ﵇، لِأَنَّهُ أقرب الْمَذْكُورين وَهُوَ اخْتِيَار ابْن جرير، وَلَا إِشْكَال عَلَيْهِ فِي عوده إِلَى إِبْرَاهِيم فِي قَوْله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق﴾ أَي: وهبنا لإِبْرَاهِيم إِسْحَاق ولدا لصلبه، وَيَعْقُوب ولدا لإسحاق. فَإِن قلت: يشكل على ذَلِك لوط فَإِنَّهُ لَيْسَ من ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم بل هُوَ ابْن أَخِيه هاران. قلت: دخل فِي الذُّرِّيَّة هاران تَغْلِيبًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا أنعبد إلاهك وإلاه آبَائِك إِبْرَاهِيم﴾ الْآيَة. فإسماعيل ﵇، عَم يَعْقُوب ﵇، وَدخل فِي آبَائِهِ تَغْلِيبًا. ٤٦٣٠ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنِ بَشَّارٍ حدَّثنا ابنُ مَهْدِي حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أبِي العالِيةَ قَالَ حدَّثني ابنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ يَعْنِي ابنَ عَبَّاسٍ ﵄ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: (مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أنْ يَقُولَ أَنا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بنِ مَتَّى) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَابْن مهْدي هُوَ عبد الرَّحْمَن، وَأَبُو الْعَالِيَة ضد السافلة اسْمه رفيع، بِضَم الرَّاء وَفتح الْفَاء ابْن مهْرَان الريَاحي، والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْأَنْبِيَاء فِي: بَاب قَوْله : ﴿وَإِن يُونُس لمن الْمُرْسلين﴾ (الْأَنْعَام: ١٣٩) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أبي الْعَالِيَة عَن ابْن عَبَّاس، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

стр. 5488

٤٦٣١ - ح دَّثنا آدَمُ بنُ أبِي إياسٍ حدَّثنا شُعْبَةُ أخْبَرَنَا سَعْدُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ سَمِعْتُ حُمَيْدَ ابنِ عبدِ الرحمانِ بنِ عَوْفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أنْ يَقُولَ أَنا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بنِ مَتَّى. مضى هَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي كتاب الْأَنْبِيَاء فِي الْبَاب الْمَذْكُور فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة إِلَى آخِره. ٥ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (الْأَنْعَام: ٩٠) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذين هدى الله﴾ الْآيَة. قَوْله: (أُولَئِكَ) ، أَي: الْأَنْبِيَاء المذكورون. قيل هَذِه الْآيَة هم أهل الْهِدَايَة لَا غَيرهم. قَوْله: (اقتده) ، أَي: اقتد يَا مُحَمَّد بِهَدي هَؤُلَاءِ وَاتبع، وَالْهَدْي هُنَا السّنة وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: اقتد بطريقتهم فِي التَّوْحِيد وَالْأُصُول دون الْفُرُوع، وَفِيه دلَالَة على أَن شَرِيعَة من قبلنَا شرع لنا مَا لم ينْسَخ، أجمع الْقُرَّاء على إِثْبَات الْهَاء فِي الْوَقْف، وَأما فِي الْوَصْل فَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ اقتد، بِحَذْف الْهَاء وَالْبَاقُونَ بإثباتها سَاكِنة وَابْن عَامر من بَينهم كسرهَا. وروى هِشَام عَنهُ مدها وقصرها. ٤٦٣٢ - ح دَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخبرَنا هِشامٌ أنَّ ابْن جُرَيْجٍ أخْبَرَهُمْ قَالَ أخبرَنِي سُلَيْمَانُ الأحْوَلُ أنَّ مُجاهدا أخْبَرَهُ أنَّهُ سَألَ ابنَ عَبَّاسٍ أفِي ص سَجْدَةٌ فَقَالَ: نَعَمْ ثُمَّ تَلا وَوَهَبْنَا لَهُ إسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ إلَى قَوْلِهِ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ ثُمَّ قَالَ هُوَ مِنْهُمْ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث وَإِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ يعرف بالصغير، وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ الْيَمَانِيّ، وَابْن جريج عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (أَفِي ص) ؟ أَي: فِي سُورَة (ص سَجْدَة) ؟ والهمزة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (هُوَ مِنْهُم) ، أَي: دَاوُد ﵇ من الْأَنْبِيَاء الْمَذْكُورين. فِي قَوْله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق﴾ وَالنَّبِيّ ﷺ ، أَمر أَن يقْتَدى بِدَاوُد فِي سَجْدَة. (ص) لِأَنَّهُ سجدها وسجدها النَّبِي ﷺ ، أَيْضا. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: وَكَانَ دَاوُد مِمَّن أَمر نَبِيكُم ﵊ أَن يقْتَدى بِهِ فسجدها. فَسجدَ رَسُول الله ﷺ . زَادَ يَزِيدُ بنُ هَارُونَ وَمُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدٍ وَسَهْلُ بنُ يُوسُفَ عَنِ العَوَّامِ عَنْ مُجَاهِدٍ قُلْتُ لابنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ نَبِيُّكُمْ ﷺ مِمَّنْ أُمِرَ أنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ. أَي: زَاد على الرِّوَايَة الْمَاضِيَة يزِيد بن هَارُون الوَاسِطِيّ، وَمُحَمّد بن عبيد الطنافسي الْكُوفِي، وَسَهل بن يُوسُف الْأنمَاطِي ثَلَاثَتهمْ عَن الْعَوام، بتَشْديد الْوَاو، ابْن حَوْشَب، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وبالياء الْمُوَحدَة أما طَرِيق يزِيد فوصله الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَأما طَرِيق مُحَمَّد بن عبيد فوصله البُخَارِيّ فِي تَفْسِير (ص) قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الله الطنافسي عَن الْعَوام. قَالَ: سَأَلت مُجَاهدًا الحَدِيث وَأما طَرِيق سهل بن يُوسُف فوصله البُخَارِيّ أَيْضا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي: بَاب (وَاذْكُر عَبدنَا دَاوُد الْأَيْدِي) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن سهل بن يُوسُف عَن الْعَوام إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. ٦ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كلَّ ذِي ظُفْرٍ وَمِنَ البَقَرِ وَالغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ (الْأَنْعَام: ٣٤٦) الآيَةَ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وعَلى الَّذين هادوا﴾ الْآيَة. وَزَاد أَبُو ذَر فِي رِوَايَته إِلَى قَوْله: ﴿إِنَّا لصادقون﴾ قَوْله: ﴿وعَلى الَّذين هادوا﴾ أَي: حرمنا على الْيَهُود كل ذِي ظفر، وَقَالَ ابْن جرير: هُوَ الْبَهَائِم وَالطير مَا لم يكن مشقوق الْأَصَابِع كَالْإِبِلِ والأنعام

стр. 5489

والأوز والبط، وَقَالَ سعيد بن جُبَير: هُوَ الَّذِي لَيْسَ بمنفرج الْأَصَابِع، وَفِي رِوَايَة عَنهُ: كل شَيْء مفرق الْأَصَابِع وَمِنْه الديك، وَقَالَ قَتَادَة: كَانَ يُقَال الْبَعِير وَأَشْيَاء من الطير وَالْحِيتَان، وَقيل: ذَوَات الظلْف كَالْإِبِلِ، وَمَا لَيْسَ بِذِي أَصَابِع كالأوز والبط، وَهُوَ اخْتِيَار الزّجاج، وَقَالَ ابْن دُرَيْد، ذُو الظفر الْإِبِل فَقَط، وَقَالَ القتبي: هُوَ كل ذِي مخلب من الطير وحافر من الدَّوَابّ، قَالَ: وَيُسمى الْحَافِر ظفرا على الِاسْتِعَارَة، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: قَرَأَ الْحسن: ظفر، بِكَسْر الظَّاء وَسُكُون الْفَاء، وَقَرَأَ أَبُو السماك بِكَسْر الظَّاء وَالْفَاء، وَهِي لُغَة. قَوْله: (شحومهما) ، جمع شَحم، والشحوم الْمُحرمَة الثروب، قيل: هُوَ الَّذِي لم يخْتَلط بِعظم وَلَا لحم، وَقيل: شحوم الْكُلِّي. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ كلُّ ذِي ظُفُرٍ البَعِيرُ وَالنّعَامَةُ هَذَا التَّعْلِيق وَصله ابنن جريج من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وروى من طَرِيق آخر ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد مثله. الحَوَايَا المَبْعَرُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو الحوايا أَو مَا اخْتَلَط بِعظم﴾ ، وَهُوَ تَفْسِير ابْن عَبَّاس أَيْضا والمبعر هُوَ المعا. وَفِي رِوَايَة أبي الْوَقْت المباعر جمع مبعر، وَوَصله ابْن جرير من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: الحوايا هُوَ المبعر، وَأخرجه عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة مثله، وَقَالَ سعيد بن جُبَير: الحوايا المباعر، أخرجه ابْن جرير، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الحوايا الأمعاء، وَقَالَ ابْن جرير: وَهُوَ جمع وَاحِدهَا حاوية وحوية، وَهِي مَا حوى وَاجْتمعَ واستدار من الْبَطن، وَهِي بَنَات اللَّبن وَهِي المباعر وَتسَمى المرابض وفيهَا الأمعاء. وَقَالَ غَيْرُهُ هَادُوا صَارُوا يَهُودا وَأمَا قَوْلُهُ عُدْنا تُبْنا هَائِدٌ تَائِبٌ أَي: قَالَ غير ابْن عَبَّاس فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وعَلى الَّذين هادوا﴾ (الْأَنْعَام: ١٤٦) صَارُوا يهودا. قَوْله: (هدنا) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفِي الْآخِرَة إِنَّا هدنا إِلَيْك﴾ (الْأَعْرَاف: ١٥٦) فِي سُورَة الْأَعْرَاف، وَفِي التَّفْسِير: أَي تبنا ورجعنا إِلَيْك. قَالَ ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَسَعِيد بن جُبَير وَأَبُو الْعَالِيَة وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة، وَالسُّديّ وَغير وَاحِد، وَهُوَ من هاد يهود هودا تَابَ وَرجع إِلَى الْحق، فَهُوَ هائد وَيجمع على هود، يُقَال: قوم هود، مثل حَائِل وحول، وَقَالَ أَبُو عبيد: التهود التَّوْبَة وَالْعَمَل الصَّالح.

стр. 5490

٧ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَمَا بَطَنَ﴾ (الْأَنْعَام: ١٥١) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تقربُوا الْفَوَاحِش﴾ الْآيَة اخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذِه الْآيَة، فَعَن ابْن عَبَّاس وَالْحسن وَالسُّديّ: أَنهم قَالُوا: كَانُوا يستقبحون فعل الزِّنَى عَلَانيَة ويفعلونه سرا فنهاهم الله عَنْهُمَا. وَقيل: مَا ظهر الْخمر وَمَا بطن الزِّنَا. قَالَه الضَّحَّاك وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: الظَّاهِر فعل الْجَوَارِح، وَالْبَاطِن اعْتِقَاد الْقلب، وَقيل: هِيَ عَامَّة فِي الْفَوَاحِش مَا أعلن مِنْهَا مَا ظهر وَمَا بطن فعل سرا. وَقيل: مَا ظهر مَا بَينهم وَبَين الْخلق، وَمَا بطن مَا بَينهم وَبَين الله تَعَالَى، وَقيل: مَا ظهر العناق والقبلة، وَمَا بطن النِّيَّة. ٤٦٣٤ - ح دَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرو عَنْ أبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ لَا أحَدَ أغْيَرُ مِنَ الله وَلِذَلِكَ حَرَمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَمَا بَطَنَ وَلا شَيْءَ أحبُّ إلَيْهِ المَدْحُ مِنَ الله وَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ قُلْتُ سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ الله قَالَ نَعَمْ قُلْتُ وَرَفَعَهُ قَالَ نَعَمْ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعَمْرو هُوَ ابْن مرّة الْمرَادِي الْكُوفِي الْأَعْمَى، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة وَعبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَمُحَمّد بن يسَار، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الدَّعْوَات عَن مُحَمَّد بن يسَار، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن بشار وَمُحَمّد بن الْمثنى. قَوْله: (أغير) ، أفعل التَّفْضِيل من الْغيرَة بِفَتْح الْغَيْن وَهِي: الأنفة وَالْحمية. وَقَالَ النّحاس: هُوَ أَن يحمي الرجل زَوجته وَغَيرهَا من قرَابَته وَيمْنَع أَن يدْخل عَلَيْهِنَّ أَو يراهن غير ذِي محرم، والغيور ضد الديوث، والقندع، بِضَم الدَّال وَفتحهَا: الديوث وَفِي (الموعب) لِابْنِ التياني، رجل غيران من قوم غيارى، وغيارى بِفَتْح الْغَيْن وَضمّهَا وَقَالَ ابْن سَيّده غَار الرجل غيرَة وغيرا وغارا وغيارا وَحكى الْبكْرِيّ عَن أبي جَعْفَر الْبَصْرِيّ: غيرَة، بِكَسْر الْغَيْن، والمغيار الشَّديد الْغيرَة، وَفُلَان لَا يتَغَيَّر على أَهله أَي: لَا يغار. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أغار الرجل امْرَأَته إِذا حملهَا على الْغيرَة، يُقَال رجل غيور وَامْرَأَة غيور هَذَا كُله فِي حق الْآدَمِيّين وَأما فِي حق الله فقد جَاءَ مُفَسرًا فِي الحَدِيث، وغيرة الله تَعَالَى أَن يَأْتِي الْمُؤمن مَا حرم الله عَلَيْهِ أَي: إِن غيرته مَنعه وتحريمه، وَلما حرم الله الْفَوَاحِش، وتواعد عَلَيْهَا وَصفه ﷺ ، بالغيرة. وَقَالَ ﷺ : من غيرته أَن حرم الْفَوَاحِش. قَوْله: (وَلذَلِك) ، أَي: وَلأَجل غيرته. قَوْله: (وَلَا شَيْء أحب إِلَيْهِ الْمَدْح) ، يجوز فِي: أحب، الرّفْع وَالنّصب، وَهُوَ أفعل التَّفْضِيل بِمَعْنى الْمَفْعُول. وَقَوله: الْمَدْح، بِالرَّفْع فَاعله، وَهُوَ كَقَوْلِهِم: مَا رَأَيْت رجلا أحسن فِي عينه الْكحل من عين زيد، وَحب الله الْمَدْح لَيْسَ من جنس مَا يعقل من حب الْمَدْح، وَإِنَّمَا الرب أحب الطَّاعَات وَمن جُمْلَتهَا مدحه ليثيب على ذَلِك، فينتفع الْمُكَلف لَا لينْتَفع هُوَ بالمدح، وَنحن نحب الْمَدْح لننتفع ويرتفع قَدرنَا فِي قَومنَا فَظهر من غلط الْعَامَّة قَوْلهم: إِذا أحب الله الْمَدْح فَكيف لَا نحبه نَحن؟ فَافْهَم. قَوْله: (قلت سمعته) ، الْقَائِل هُوَ عَمْرو بن مرّة يَقُول لأبي وَائِل: هَل سَمِعت هَذَا الحَدِيث من عبد الله بن مَسْعُود؟ وَرَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ . قَالَ أَبُو وَائِل: نعم سمعته مِنْهُ، وَرَفعه. ٨ - (بابٌ: ﴿وَكِيلٌ حَفِيظٌ وَمُحِيطٌ بِهِ﴾ ) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ على كل شَيْء وَكيل﴾ (الْأَنْعَام: ١٠٢) وَفسّر لفظ: وَكيل: بقوله: حفيظ ومحيط بِهِ، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَفِي بعض الشُّرُوح قَوْله: (وَكيل) ، يُرِيد ﴿لست عَلَيْكُم بوكيل﴾ (الْأَنْعَام: ٦٦) وَنزلت هَذِه الْآيَة قبل الْأَمر بِالْقِتَالِ، وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿تَتَّخِذُوا من دوني وَكيلا﴾ (الْإِسْرَاء: ٢) فَقيل: يكون شَرِيكا. أَي: تكون أُمُوركُم إِلَيْهِ، وَقيل: كَفِيل وقبيل: كَاف قلت: جَاءَ وَمَا أَنْت عَلَيْهِم بوكيل. أَي: بوكيل على أَرْزَاقهم وأمورهم وَمَا عَلَيْك إِلَّا الْبَلَاغ. كَمَا فِي قَوْله: ﴿لست عَلَيْهِم بمسيطر﴾ (الغاشية: ٢٢) وَقَالَ: فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلَاغ وعلينا الْحساب. قُبُلاً جَمْعُ قَبِيلٍ وَالمَعْنَى أنَّهُ ضُرُوبٌ لِلْعَذَابِ كلُّ ضَرْبٍ مِنْهَا قَبِيلٌ

стр. 5491

قبلا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وحشرنا عَلَيْهِم كل شَيْء قبلا﴾ ثمَّ قَالَ قبلا جمع قبيل، وَفِي التَّفْسِير: قبلا جمع قَبيلَة، يَعْنِي: فوجا فوجا وَصِنْفًا صنفا. وَقَالَ الْأَخْفَش: أَي قبيلاً قبيلاً. والقبيل فِي غير هَذَا الْموضع بِمَعْنى الْكَفِيل، وَبِمَعْنى العريف وَبِمَعْنى الْجَمَاعَة يكون من الثَّلَاثَة فَصَاعِدا من قوم شَتَّى مثل الرّوم والزنج وَالْعرب، وَالْجمع: قبل، بِضَمَّتَيْنِ قَوْله: وَالْمعْنَى أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن معنى قبيل ضروب يَعْنِي أنواعا للعذاب كل ضرب أَي كل نوع من تِلْكَ الضروب، قبيل: أَي نوع، وَقَرَأَ بَعضهم: قبلا بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء من الْمُقَابلَة والمعاينة. وَقَرَأَ آخَرُونَ قبلا بضمهما بِمَعْنى عيَانًا قَالَه عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَبِه قَالَ قَتَادَة وَعبد الرَّحْمَن ابْن أبي زيد بن أسلم. وَقَالَ مُجَاهِد: قبلا أَفْوَاجًا قبيلاً قبيلاً. زُخْرُفَ الْقَوْلِ كلُّ شَيْءٍ حَسَّنْتَهُ وَوَشَّيْتَهُ وَهُوَ بَاطِلٌ فَهُوَ زُخْرُفٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوحى بَعضهم إِلَى بعض زخرف القَوْل﴾ ثمَّ فسر، زخرف القَوْل بقوله: كل شَيْء إِلَى آخِره، فَقَوله: كل شَيْء مُبْتَدأ وحسنته صفة لشَيْء ووشيته عطف عَلَيْهِ من التوشية وَهُوَ التزيين، وروى: زينته. قَوْله: وَهُوَ بَاطِل جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: فَهُوَ زخرف خبر الْمُبْتَدَأ وَدخلت الْفَاء فِيهِ لتضمن الْمُبْتَدَأ معنى الشَّرْط، وأصل الزخرف التزيين والتحسين وَمِنْه سمى الذَّهَب زخرفا. وَقَالَ ابْن جرير: قَالَ مُجَاهِد فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة إِن كفار الْجِنّ شياطين يوحون إِلَى شياطين الْإِنْس زخرف القَوْل غرُورًا وَعَن ابي ذران رَسُول الله ﷺ قَالَ يَا أَبَا ذَر هَل تعوذت بِاللَّه من شَرّ شياطين الانس؟ قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله! هَل للإنس من شياطين؟ قَالَ: نعم. رَوَاهُ ابْن جرير بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي ذَر. وَحَرْثٌ حِجْرٌ حَرَامٌ وَكِلُّ مَمْنُوعٍ فَهُوَ حجر مَحْجُورٌ: وَالحِجْرُ كُلُّ بِنَاءٍ بَنَيْتَهُ وَيُقَالُ لِلأُنْثَى مِنَ الخَيْلِ حِجْرٌ وَيُقالُ لِلْعَقْلِ حِجرٌ وَحَجَى: وأمَّا الْحِجْرُ فَمَوْضِعُ ثَمُودَ وَمَا حَجَّرْتَ عَلَيْهِ مِنَ الأَرْضِ فَهُوَ حَجْرٌ وَمِنْهُ سُمِّيَ حَطِيمُ كأنَّهُ مُشْتَقٌ مِنْ مَحْطُومٍ مِثْلُ قَتِيلٍ مِنْ مَقْتُولٍ وَأمَّا حَجْرُ اليَمَامَةِ فَهُوَ مَنْزِلٌ. هَذَا مُكَرر بِلَا فَائِدَة جَدِيدَة لِأَنَّهُ ذكره فِي قصَّة ثَمُود فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وَإِلَى ثَمُود أَخَاهُم صَالحا﴾ (الْأَعْرَاف: ٧٣) ﴿كذب أَصْحَاب الْحجر﴾ (الْحجر: ٨٠) الْحجر مَوضِع ثَمُود، وَأما حرث حجر حرَام إِلَى آخِره مثل مَا ذكره هُنَا وَلِهَذَا لم يذكرهُ أَبُو ذَر والنسفي هُنَا. وَهَذَا أولى. ٩ - (بابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ نَفْسا إيمانُها﴾ (الْأَنْعَام: ١٥٨) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم لَا ينفع نفسا إيمَانهَا﴾ وَقَبله: ﴿يَوْم يَأْتِي بعض آيَات رَبك لَا ينفع نفسا إيمَانهَا لم تكن آمَنت من قبل﴾ الْآيَة مَعْنَاهُ: إِذا أنشأ الْكَافِر إِيمَانًا يَوْمئِذٍ لَا يقبل مِنْهُ، وَأما من كَانَ مُؤمنا قبل ذَلِك فَإِن كَانَ مصلحا فِي عمله فَهُوَ بِخَير عَظِيم، وَإِن كَانَ مخلطا فاحدث تَوْبَة لم تقبل تَوْبَته. ٠١ - (بابٌ: ﴿هَلُمْ شُهَدَاءَكُمْ لُغَةُ أهْلِ الْحِجازِ هَلُمَّ لِلْوَاحِدِ وَالاثْنَيْنِ وَالجَمِيعِ﴾ ) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قل هَلُمَّ شهداءكم الَّذين يشْهدُونَ أَن الله حرم هَذَا﴾ (الْأَنْعَام: ١٥٠) الْآيَة. أَي: قل يَا مُحَمَّد: أحضروا شهداءكم الَّذين يشْهدُونَ أَن الله حرم هَذَا أَي: هَذَا الَّذِي حرمتموه وكذبتم واقتربتم على الله فِيهِ قَوْله هَلُمَّ، فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء بِتَقْدِير لفظ هَلُمَّ وَقَوله لُغَة أهل الْحجاز، خَبره قَوْله: (هَلُمَّ للْوَاحِد) ، يَعْنِي لفظ هَلُمَّ يصلح للْوَاحِد وللاثنين وللجماعة، هَذَا عِنْد أهل الْحجاز، وَأهل نجد يَقُولُونَ للْوَاحِد: هَلُمَّ، وللمرأة هَلُمِّي، وللاثنين: هلما وللجماعة الذُّكُور: هلموا، وللنساء هلممن. وعَلى اللُّغَة الأولى يكون أسما للْفِعْل وَبني لوُقُوعه موقع الْأَمر الْمَبْنِيّ، وعَلى اللُّغَة الثَّانِيَة يكون فعلا. ٤٦٣٥ - ح دَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ حدَّثنا عمارَةُ حدَّثنا أبْو زُرْعَةَ

стр. 5492

حدَّثنا أبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَال قَالَ رَسُولُ الله ﷺ لَا تَقُومُ الساعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها فَإذَا رَآها النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْها فَذَاكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْبَصْرِيّ التَّبُوذَكِي، وَعبد الْوَاحِد بن زِيَاد، وَعمارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم بن الْقَعْقَاع الضَّبِّيّ الْكُوفِي، وَأَبُو زرْعَة هرم بن عمر والبجلي الْكُوفِي. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْمَلَاحِم عَن أَحْمد بن شُعَيْب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَصَايَا عَن أَحْمد بن حَرْب. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْفِتَن عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. قَوْله: (حَتَّى تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا) وعلامة طُلُوع الشَّمْس من مغْرِبهَا مَا رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه بِإِسْنَادِهِ عَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان قَالَ: سَأَلت النَّبِي ﷺ ، فَقلت: يَا رَسُول الله! مَا آيَة طُلُوع الشَّمْس من مغْرِبهَا؟ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : (تطول تِلْكَ اللَّيْلَة حَتَّى تكون قدر لَيْلَتَيْنِ، فينتبه الَّذين كَانُوا يصلونَ فِيهَا فيعملون كَمَا كَانُوا يصلونَ قبلهَا، ثمَّ يرقدون ثمَّ يقومُونَ فيصلون ثمَّ يرقدون ثمَّ يقومُونَ، فيظل عَلَيْهِم جُنُونه حَتَّى يَتَطَاوَل عَلَيْهِم اللَّيْل فَيفزع النَّاس وَلَا يُصْبِحُونَ، فَبَيْنَمَا هم ينتظرون طُلُوع الشَّمْس من مستقرها إِذْ طلعت من مغْرِبهَا، فَإِذا رَآهَا النَّاس آمنُوا. فَلَا يَنْفَعهُمْ إِيمَانهم) ، وَفِي مُسلم: ثَلَاثَة إِذا خرجن لَا ينفع نفسا إيمَانهَا لم تكن آمَنت من قبل أَو كسبت فِي إيمَانهَا خيرا طُلُوع الشَّمْس من مغْرِبهَا والدجال ودابة الأَرْض. قَوْله: (آمن من عَلَيْهَا) أَي: على الأَرْض، والسياق يدل عَلَيْهِ. ٤٦٣٦ - ح دَّثنا إسْحَاقُ أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزَاقِ أخبرنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها فَإذَا طَلَعتْ وَرَآها النَّاسُ آمَنُوا أجْمَعُونَ وَذالِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسا إيمَانهَا ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ. هَذَا طَرِيق آخر عَن أبي هُرَيْرَة أخرجه عَن إِسْحَاق ذكر أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي وَأَبُو نعيم الحافظان أَنه ابْن مَنْصُور الكوسج أَبُو يَعْقُوب الْمروزِي، وَفِي نُسْخَة من كتاب خلف الوَاسِطِيّ، رَوَاهُ، يَعْنِي البُخَارِيّ عَن إِسْحَاق بن نصر يَعْنِي السَّعْدِيّ قلت: إِسْحَاق هَذَا هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم بن نصر أَبُو إِبْرَاهِيم السَّعْدِيّ البُخَارِيّ، كَانَ ينزل بِالْمَدِينَةِ بِبَاب بني سعد يروي عَن عبد الرَّزَّاق بن همام الصَّنْعَانِيّ الْيَمَانِيّ عَن معمر بن رَاشد عَن همام، بتَشْديد الْمِيم، ابْن مُنَبّه الْأَنْبَارِي الصَّنْعَانِيّ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن رَافع، وَاخْتلف فِي أول الْآيَات فَفِي مُسلم عَن ابْن عمرَان أول الْآيَات خُرُوجًا طُلُوع الشَّمْس وَخُرُوج الدَّابَّة وَأيهمَا كَانَت قبل صاحبتها فالأخرى على إثْرهَا قَرِيبا مِنْهَا. وروى نعيم بن حَمَّاد من حَدِيث إِسْحَاق بن أبي فَرْوَة عَن يزِيد بن أبي غياث، سمع أَبَا هُرَيْرَة مَرْفُوعا خمس لَا يدْرِي أيتهن أول الْآيَات وأيتهن جَاءَت. لَا ينفع نفسا إيمَانهَا لم تكن آمَنت من قبل طُلُوع الشَّمْس من مغْرِبهَا، والدجال، ويأجوج وَمَأْجُوج وَالدُّخَان، وَالدَّابَّة. وَقيل: خُرُوج الدَّجَّال، ويرجحه قَوْله ﷺ : إِن الدَّجَّال خَارج فِيكُم لَا محَالة، فَلَو كَانَت الشَّمْس طلعت قبل ذَلِك من مغْرِبهَا لم ينفع الْيَهُود إِيمَانهم أَيَّام عِيسَى ﵇، وَلَو لم يَنْفَعهُمْ لما صَار الدّين وَاحِدًا بِإِسْلَام من أسلم مِنْهُم، فَإِذا قبض عِيسَى ﵇، وَمن مَعَه من الْمُؤمنِينَ يبْقى النَّاس حيارى سكارى فَيرجع أَكْثَرهم إِلَى الْكفْر والضلالة ويستولى أهل الْكفْر على من بَقِي من أهل الْإِسْلَام فَعِنْدَ ذَلِك تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا وَعند ذَلِك يرفع الْكتاب الْعَزِيز ثمَّ يَأْتِي الْحَبَش إِلَى الْكَعْبَة المشرفة فيهدمونها. ثمَّ تخرج الدَّابَّة ثمَّ الدُّخان ثمَّ الرّيح ثمَّ الرِّيَاح تلقي الْكفَّار فِي الْبَحْر ثمَّ النَّار الَّتِي تَسوق النَّاس إِلَى الْمَحْشَر ثمَّ الهدة قلت: الهدة صَوت يَقع من السَّمَاء، وَقيل: الْخَسْف، وروى ابْن خالويه فِي (أَمَالِيهِ) من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن أبي حميد الْحِمْيَرِي عَن ابْن عمر مَرْفُوعا يبْقى النَّاس بعد طُلُوع الشَّمْس من مغْرِبهَا عشْرين وَمِائَة سنة وَرَوَاهُ نعيم

стр. 5493

ابْن حَمَّاد فِي كِتَابه عَن وَكِيع عَن إِسْمَاعِيل مَوْقُوفا، وَذكر نَحوه ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا فِيمَا ذكره ابْن النَّقِيب، وروى نعيم بن حَمَّاد من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة بن زيد عَن الْعُرْيَان بن الْهَيْثَم سمع عبد الله بن عمر قَالَ: لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تعبد الْعَرَب مَا كَانَ يعبد آباؤها عشْرين وَمِائَة عَام بعد نزُول عِيسَى وَبعد الدَّجَّال، وَمن حَدِيث ابْن لَهِيعَة إِلَى ابْن عمر: أَن الشَّمْس وَالْقَمَر يَجْتَمِعَانِ فِي السَّمَاء فِي منزله وَاحِدَة بالْعَشي، فَيكون النَّهَار سرمدا عشْرين سنة وَعَن وهب: طُلُوع الشَّمْس الْآيَة الْعَاشِرَة وَهِي آخر الْآيَات، ثمَّ تذهل كل مُرْضِعَة عَمَّا أرضعت وَعَن ابْن لَهِيعَة إِلَى عبد الله مَرْفُوعا: لَا يلبثُونَ بعد يَأْجُوج وَمَأْجُوج إلَاّ قَلِيلا حَتَّى تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا، فَيَقُول من لَا خلاق لَهُ: مَا نبالي إِذا رد الله عَلَيْهَا ضوءها من حَيْثُ مَا طلعت من مشرقها أَو مغْرِبهَا الحَدِيث، وَفِي آخِره. ويخر إِبْلِيس سَاجِدا وَيَقُول لأعوانه، هَذِه الشَّمْس قد طلعت من مغْرِبهَا وَهُوَ الْوَقْت الْمَعْلُوم، وَلَا عمل بعد الْيَوْم، وَيصير الشَّيَاطِين ظَاهِرين فِي الأَرْض حَتَّى يَقُول الرجل: هَذَا قريني الَّذِي كَانَ يغويني، الْحَمد لله الَّذِي أَخْزَاهُ وأراحني مِنْهُ فَلَا يزَال إِبْلِيس عَلَيْهِ اللَّعْنَة سَاجِدا باكيا حَتَّى تخرج دَابَّة الأَرْض فتقتله. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي عدم نفع الْإِيمَان عِنْد طُلُوع الشَّمْس من مغْرِبهَا. قلت: لوُقُوع الْفَزع فِي قُلُوبهم بِمَا يخمد بِهِ كل شَهْوَة من شهوات النَّفس، وفتور كل قُوَّة من قوى الْبدن، فيصيرون فِي حَالَة من حَضَره الْمَوْت لانْقِطَاع الدَّوَاعِي إِلَى أَنْوَاع الْمعاصِي، فَمن تَابَ فِي مثل هَذِه الْحَالة كمن تَابَ عِنْد الغرغرة فَفِي ذَلِك الْوَقْت كَأَنَّهُمْ شاهدوا مَقَاعِدهمْ من النَّار أَو الْجنَّة فَلم يَنْفَعهُمْ إِيمَانهم لأَنا مكلفون بِالْإِيمَان بِالْغَيْبِ فَلَا ينفع الْإِيمَان عِنْد الْمُشَاهدَة. فَإِن قلت: مَا الحكم فِي طُلُوعهَا من الْمغرب؟ قلت: الْحِكْمَة فِيهِ إبِْطَال قَول الْمَلَاحِدَة والمنجمين لما قَالَ إِبْرَاهِيم ﵇، لنمرود: ﴿إِن الله يَأْتِي بالشمس من الْمشرق فأت بهَا من الْمغرب﴾ (الْبَقَرَة: ٢٥٨) حَيْثُ أَنْكَرُوا ذَلِك وَادعوا أَنه لَا يَقع وَلَا يتَصَوَّر. ٧ - ( ﴿سُورَةُ الأعْرَاف﴾ ) أَي: هَذَا بَيَان تَفْسِير بعض سُورَة الْأَعْرَاف، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس فِي كِتَابه فِي (مقامات التَّنْزِيل) هِيَ مَكِّيَّة، وفيهَا اخْتِلَاف، وَذكر الْكَلْبِيّ أَن فِيهَا خمس عشر آيَة مدنيات من قَوْله: ﴿إِن الَّذين اتَّخذُوا الْعجل﴾ (الْأَعْرَاف: ١٥٢) إِلَى قَوْله: ﴿وَاتبعُوا النُّور الَّذِي أنزل مَعَه﴾ وَمن قَوْله: ﴿واسألهم عَن الْقرْيَة الَّتِي كَانَت حَاضِرَة الْبَحْر﴾ (الْأَعْرَاف: ١٥٧) إِلَى قَوْله: ﴿ودرسوا مَا فِيهِ﴾ قَالَ: وَلم يبلغنَا هَذَا عَن غير الْكَلْبِيّ، وفيهَا آيَة أُخْرَى: ﴿وَإِذا قرىء الْقُرْآن﴾ الْآيَة. ذكر جمَاعَة أَنَّهَا نزلت فِي الْخطْبَة يَوْم الْجُمُعَة، وَالْجُمُعَة إِنَّمَا كَانَت بِالْمَدِينَةِ وَهِي مِائَتَان وست آيَات كُوفِي ومكي ومائتان وَخمْس بَصرِي وشامي، وَأَرْبَعَة عشر ألفا وثلاثمائة وَعشرَة أحرف، وَثَلَاث آلَاف وثلاثمائة وَخمْس وَعِشْرُونَ كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لم تُوجد الْبَسْمَلَة إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وَرياشا المَالُ لَيْسَ فِي كثير من النّسخ لفظ: بَاب، وَأَشَارَ بقوله: ورياشا إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قد أنزل عَلَيْكُم لباسا يواري سوآتكم ورياشا﴾ (الْأَعْرَاف: ٢٦) قَرَأَ الْجُمْهُور وريشا وَقَرَأَ الْحسن وذر بن حُبَيْش وَعَاصِم فِيمَا رُوِيَ عَنهُ وَابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَأَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ وَأَبُو رَجَاء ورياشا وَهِي قِرَاءَة النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: رَوَاهَا عَنهُ عُثْمَان. ثمَّ إِن البُخَارِيّ فسره بِالْمَالِ، رَوَاهُ هَكَذَا أَبُو مُحَمَّد عَن مُحَمَّد بن إِدْرِيس حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنَا مُعَاوِيَة حَدثنَا عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الريش الْأكل، والرياش المَال الْمُسْتَفَاد، وَقَالَ ابْن درير الريش الْجمال، وَقيل: هُوَ اللبَاس، حكى أَبُو عَمْرو أَن الْعَرَب تَقول: كساني فلَان ريشة أَي كسْوَة، وَقَالَ قطرب الريش والرياش وَاحِد مثل حل وحلال وَحرم وَحرَام، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: يجوز أَن يكون مصدرا من قَول الْقَائِل: راشه الله يريشه رياشا. والرياش فِي كَلَام الْعَرَب الأثاث وَمَا ظهر من الْمَتَاع وَالثيَاب والفرش وَغَيرهَا، وَعَن ابْن عَبَّاس الرياش اللبَاس والعيش وَالنَّعِيم، وَقَالَ الْأَخْفَش: هُوَ الخصب والمعاش، وَقَالَ القتبي: الريش والرياش مَا ظهر من اللبَاس.

стр. 5494

إنَّهُ لَا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ فِي الدُّعاءِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أدعوا ربكُم تضرعا وخفية أَنه لَا يحب الْمُعْتَدِينَ﴾ (الْأَنْعَام: ٥٥) هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين (إِنَّه لَا يحب الْمُعْتَدِينَ فِي الدُّعَاء) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني والحموي (فِي الدُّعَاء وَفِي غَيره) وَقَالَ الطَّبَرِيّ: حَدثنَا الْقَاسِم حَدثنَا الْحُسَيْن حَدثنِي حجاج عَن ابْن جريج عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: (إِنَّه لَا يحب الْمُعْتَدِينَ فِي الدُّعَاء وَلَا فِي غَيره) ، والاعتداء فِي الدُّعَاء بِزِيَادَة السُّؤَال فَوق الْحَاجة وَيطْلب مَا يَسْتَحِيل حُصُوله شرعا وَيطْلب مَعْصِيّة. وبالاعتناء بالأدعية الَّتِي لم تُؤثر خُصُوصا إِذا كَانَ بالسجع الْمُتَكَلف وبرفع الصَّوْت والنداء والصياح لقَوْله تَعَالَى: ﴿ادعوا ربكُم تضرعا وخفية﴾ وأمرنا بِأَن نَدْعُو بالتضرع والاستكانة والخفية أَلا ترى أَن الله تَعَالَى ذكر عبدا صَالحا وَرَضي فعله فَقَالَ: ﴿إِذْ نَادَى ربه نِدَاء خفِيا﴾ (مَرْيَم: ٣) وَفِي (التَّلْوِيح) (إِنَّه لَا يحب الْمُعْتَدِينَ) إِلَى قَوْله، قَالَ غَيره: يشبه وَالله أعلم أَنه من قَول ابْن عَبَّاس، وَقد ذكره من غير عطف لذَلِك. عَفَوا كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أمْوَالُهُمْ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ بدلنا مَكَان السَّيئَة الْحَسَنَة حَتَّى عفوا﴾ (الْأَعْرَاف: ٩٥) الْآيَة. وَفسّر لفظ عفوا. الَّذِي هُوَ صِيغَة جمع بقوله: كَثُرُوا من عَفا الشَّيْء إِذا كثر، وَقَوله كثرت أَمْوَالهم إِنَّمَا وَقع فِي رِوَايَة غير أبي ذَر، وَفِي التَّفْسِير قَوْله: حَتَّى عفوا أَي كَثُرُوا وَكَثُرت أَمْوَالهم وَأَوْلَادهمْ. الفَتَّاحُ القَاضِي افْتَحْ بَيْنَنا اقْضِ بَيْنَنَا لفظ الفتاح لم يَقع فِي هَذِه السُّورَة، وَإِنَّمَا هُوَ فِي سُورَة سبأ قيل: كَأَنَّهُ ذكره هُنَا تَوْطِئَة لتفسير قَوْله فِي هَذِه السُّورَة: ﴿رَبنَا افْتَحْ بَيْننَا وَبَين قَومنَا بِالْحَقِّ﴾ (الْأَعْرَاف: ٨٩) انْتهى. وَفسّر الفتاح بقوله القَاضِي، وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة إِن الفتاح القَاضِي، وَقَالَ الْفراء: وَأهل عمان يسمون القَاضِي الفاتح والفتاح، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ، وَذكر غَيره أَنه لُغَة مُرَاد، وروى ابْن جرير من طرق عَن قَتَادَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: مَا كنت أَدْرِي مَا معنى قَوْله: افْتَحْ بَيْننَا حَتَّى سَمِعت بنت ذِي يزن تَقول لزَوجهَا: انْطلق أفاتحك، وَمن طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: افْتَحْ بَيْننَا. أَي: اقْضِ بَيْننَا. نَتقْنا رَفَعنا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا نتقنا الْجَبَل فَوْقهم كَأَنَّهُ ظله﴾ (الْأَعْرَاف: ١٧١) وَفسّر: نتقنا، بقوله رفعنَا وَكَذَا فسره وَكَذَا فسره ابْن عَبَّاس. قَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله وَإِذ نتقنا الْجَبَل: رفعناه. انْبَجَسَتْ انْفَجَرَتْ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَن أضْرب بعصاك الْحجر فانبجست مِنْهُ اثْنَتَيْ عشرَة عينا﴾ (الْأَعْرَاف: ١٦٠) ثمَّ فسر: انبجست، بقوله: انفجرت، وَكَذَا جَاءَ فِي سُورَة الْبَقَرَة حَيْثُ قَالَ: ﴿فَقُلْنَا اضْرِب بعضاك الْحجر فانفجرت مِنْهُ اثْنَتَيْ عشرَة عينا﴾ أَي: انشقت، وَكَانَ ذَلِك الْحجر من الطّور يحمل مَعَ مُوسَى ﵇، فَإِذا نزلُوا فِي مَوضِع ضربه مُوسَى بعصاه فَيخرج مِنْهُ المَاء فِي اثْنَتَيْ عشرَة عينا لكل سبط عين. مُتَبَّرٌ خُسْرَانٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن هَؤُلَاءِ متبر مَا هم فِيهِ وباطل مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ وَفسّر متبر بقوله خسران واشتقاقه من التبار، وَهُوَ الْهَلَاك وَهُوَ من التتبير، يُقَال: تبره تتبيرا أَي كَسره وأهلكه. آسي أحْزَنُ تأس تَحْزَنْ ذكر هُنَا لفظتين: الأولى: قَوْله: آسي، وَهُوَ فِي سُورَة الْأَعْرَاف. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكيف آسي على قوم كَافِرين﴾ (الْأَعْرَاف: ٩٣) وَفَسرهُ بقوله: احزن وَهُوَ حِكَايَة عَن قَول شُعَيْب. ﵇، حَيْثُ قَالَ بعد هَلَاك قومه، فَكيف آسي، أَي: فَكيف أَحْزَن على الْقَوْم الَّذين هَلَكُوا على الْكفْر؟ واللفظة الثَّانِيَة: قَوْله: تأسى، وَهُوَ فِي سُورَة الْمَائِدَة وَقد ذكرت هُنَاكَ، وَإِنَّمَا ذكر هَاهُنَا أَيْضا اسْتِطْرَادًا.

стр. 5495

وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مَا مَنَعَكَ أنْ لَا تَسْجُدَ﴾ (الْأَعْرَاف: ١٢) يُقالُ مَا مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ أَي: قَالَ غير ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا مَنعك أَن لَا تسْجد إِذْ أَمرتك﴾ ، ثمَّ أَشَارَ بقوله: يُقَال: مَا مَنعك أَن تسْجد، وَنبهَ بِهَذَا على أَن كلمة لَا صلَة. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: لَا فِي: أَن لَا تسْجد، صلَة بِدَلِيل قَوْله: ﴿مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي﴾ (ص: ٧٥) ثمَّ قَالَ: فَائِدَة زيادتها توكيد معنى الْفِعْل الَّذِي يدْخل عَلَيْهِ، وتحقيقه كَأَنَّهُ قيل: مَا مَنعك أَن تحقق السُّجُود وَتلْزَمهُ نَفسك إِذا أَمرتك؟ وَذكر ابْن جرير عَن بعض الْكُوفِيّين أَن الْمَنْع هَاهُنَا بِمَعْنى القَوْل، وَالتَّقْدِير: من قَالَ لَك لَا تسْجد؟ قلت: يجوز أَن تكون كلمة أَن مَصْدَرِيَّة وَكلمَة لَا، على أَصْلهَا، وَيكون فِيهِ حذف، وَالتَّقْدِير: مَا مَنعك وحملك على أَن لَا تسْجد أَي على عدم السُّجُود. يَخْصِفانِ أخَذا الخِصافَ مِنْ ورَقِ الجَنَّةِ. يُؤَلِّفانِ الوَرَقَ يَخْصِفان الوَرَقَ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وطفقا يخصفان عَلَيْهِمَا من ورق الْجنَّة﴾ (الْأَعْرَاف: ٢٢) وَفسّر (يخصفان) بقوله: أخذا الْخصاف، وَهُوَ بِكَسْر الْخَاء جمع خصفة وَهِي الجلة الَّتِي يكنز فِيهَا التَّمْر. قَوْله: (وطفقا) ، من أَفعَال المقاربة أَي: جعلا أَي: آدم وحواء، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، يخصفان عَلَيْهِمَا من ورق الْجنَّة، قيل: ورق التِّين يَعْنِي يجعلان ورقة فَوق ورقة على عوراتهما ليستترا بهَا كَمَا يخصف النَّعْل بِأَن تجْعَل طرفَة على طرْقَة وتوثق بالسبور، وَقَرَأَ الْحسن: يخصفان، بِكَسْر الْخَاء وَتَشْديد الصَّاد، وَأَصله يختصفان. وَقَرَأَ الزُّهْرِيّ: يخصفان، من أخصف، أَي: يخصفان أَنفسهمَا. وقرىء: يخصفان، من خصف بِالتَّشْدِيدِ. سَوْآتِهِما كِنَايةٌ عَنْ فَرْجَيْهِما أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فلماذا قاالشجرة بَدَت لَهما سوآتهما﴾ وَقَالَ. قَوْله: سوآتهما، كِنَايَة عَن فرجيهما. أَي: فَرجي آدم وحواء، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَفِي التَّفْسِير: سقط عَنْهُمَا اللبَاس وَظَهَرت لَهما عوراتهما وَكَانَا لَا يريان من أَنفسهمَا وَلَا أَحدهمَا من الآخر، وَعَن وهب كَانَ لباسهما فَوْرًا يحول بَينهمَا وَبَين النّظر، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: السوأة الْعَوْرَة، وَفِي قَول البُخَارِيّ: كِنَايَة نظر لَا يخفى. وَمَتاعٌ إلَى حِينٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالحِينُ عِنْدَ العَرَبِ مِنْ سَاعَةٍ إلَى مَا لَا يُحْصِي عَدَدُها. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلكم فِي الأَرْض مُسْتَقر ومتاع إِلَى حِين﴾ (الْأَعْرَاف: ٢٤) وَنبهَ على أَن المُرَاد من الْحِين، هُنَا هُوَ: إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَفِي بعض النّسخ، ومتاع إِلَى حِين، هُوَ هَاهُنَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، ثمَّ أَشَارَ بقوله: والحين عِنْد الْعَرَب إِلَى الْحِين يسْتَعْمل لأعداد كَثِيرَة، وَأَدْنَاهُ سَاعَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْحِين الْوَقْت، وَفِي (الْمغرب) الْحِين كالوقت لِأَنَّهُ بهم يَقع على الْقَلِيل وَالْكثير وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ فِي بَدْء الْخلق. قبَيلُهُ جِيلهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنه يراكم هُوَ وقبيله﴾ (الْأَعْرَاف: ٢٧) وَالضَّمِير فِي (إِنَّه) يرجع إِلَى الشَّيْطَان، وَفسّر الْقَبِيل بالجيل، بِكَسْر الْجِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الصِّنْف من النَّاس التّرْك جيل، والصين جيل، وَالْمرَاد هُنَا جيل الشَّيْطَان يَعْنِي قبيله، وَيُؤَيِّدهُ فِي الْمَعْنى مَا رَوَاهُ ابْن جرير من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله قبيله قَالَ الْجِنّ وَالشَّيَاطِين، وَقيل: قبيله خيله وَرجله. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿بخيلك ورجلك﴾ (الْإِسْرَاء: ٦٤) وَقيل: ذُريَّته قَالَ تَعَالَى: ﴿أفتتخذونه وَذريته﴾ (الْكَهْف: ٥٠) وَقيل أَصْحَابه: وَقيل: وَلَده ونسله. قَالَ الْأَزْهَرِي: الْقَبِيل جمَاعَة لَيْسُوا من أَب وَاحِد وَجمعه قبل فَإِذا كَانُوا من أَب وَاحِد فهم قَبيلَة. ادَّارَكُوا اجْتَمَعُوا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿كلما دخلت أمة لعنت أُخْتهَا حَتَّى إِذا داركوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ وَفسّر لفظ أداركوا بقوله: اجْتَمعُوا وَقَالَ مقَاتل: كلما دخل أهل مِلَّة النَّار لعنُوا أهل ملتهم فيلعن الْيَهُود الْيَهُود وَالنَّصَارَى النَّصَارَى وَالْمَجُوس الْمَجُوس، وَالْمرَاد بالأخت أخوة الدّين وَالْملَّة لَا أخوة النّسَب. قَوْله: (حَتَّى إِذا أداركوا فِيهَا) ، أَي: حَتَّى إِذا اتداركوا فِيهَا وتلاحقوا بِهِ واجتمعوا

стр. 5496

فِيهَا. أَي: فِي النَّار. قلت: أصل اداركوا اتداركوا فقلبت التَّاء دَالا وأدغمت الدَّال فِي الدَّال وَقَرَأَ الْأَعْمَش حَتَّى إِذا تداركوا رُوِيَ عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء كَذَلِك. مَشَاقُّ الإنْسَانِ وَالدَّابَةِ كلُّهُمْ يُسَمَّى سُمُوما وَاحِدُها سَمٌّ وَهِيَ عَيْناهُ وَمَنْخِرَاهُ وَفَمُهُ وَاذُنَاهُ وَدُبُرُهُ وَإحْلِيلُهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير لفظ سم، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يدْخلُونَ الْجنَّة حَتَّى يلج الْجمل فِي سم الْخياط﴾ (الْأَعْرَاف: ٤٠) قَوْله: (مشاق الْإِنْسَان) ، وَفِي بعض النّسخ مسام الْإِنْسَان، وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى وَاحِد وَهِي سموم الْإِنْسَان جمع سم، وَهِي عَيناهُ إِلَى آخر مَا ذكر قَالَ الْجَوْهَرِي: السم الثقب وَمِنْه سم الْخياط ومسام الْجَسَد ثقبه، وَفِي (الْمغرب) المسام المنافذ من عِبَارَات الْأَطِبَّاء، وَفِي السم ثَلَاث لُغَات فتح السِّين وَهِي قِرَاءَة الْأَكْثَرين، وَضمّهَا وَبِه قَرَأَ ابْن مَسْعُود وَقَتَادَة، وَكسرهَا وَبِه قَرَأَ بو عمرَان الْجونِي، والخياط مَا يخاط بِهِ وَيُقَال: مخيط أَيْضا وَبِه قَرَأَ ابْن مَسْعُود وَأَبُو رزين. غَوَاشٍ مَا غُشُوا بِهِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَهُم من جَهَنَّم مهاد وَمن فَوْقهم غواش﴾ (الْأَعْرَاف: ٤١) وَفسّر لفظ غواش، بقوله: مَا غشوا بِهِ. أَي: مَا غطوا بِهِ وَهُوَ جمع غاشية وَهِي كل مَا يغشاك أَي يسترك من اللحف، وَقيل: من اللبَاس، وَالْمرَاد بذلك أَن النَّار من فَوْقهم وَمن تَحْتهم بالمهاد وعماد فَوْقهم بالغواشي، وروى ابْن جرير من طَرِيق مُحَمَّد بن كَعْب قَالَ: المهاد الْفرش. وَقَالَ: وَمن فَوْقهم غواش اللحف. نُشُرا مُتَفَرِّقَةً أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسل الرِّيَاح نشرا﴾ (الْأَعْرَاف: ٥٧) وَفسّر نشرا بقوله: مُتَفَرِّقَة وفن التَّفْسِير: النشر جمع نشور وَهِي الرّيح الطّيبَة الهبوب تهب من كل نَاحيَة وجانب، وَقيل: النشور بِمَعْنى المنشور كالركوب بِمَعْنى المركوب، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: النشر المنتشرة الواسعة الهبوب أرسلها الله منشورة بعد انطوائها. نَكِدا قَلِيلاً أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي خبث لَا يخرج إلَاّ نكدا﴾ (الْأَعْرَاف: ٥٨) وَفسّر قَوْله: نكدا بقوله: قَلِيلا وَفَسرهُ أَبُو عُبَيْدَة بقوله: قَلِيلا عسرا فِي شدَّة، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق السّديّ. قَالَ: النكد الشَّيْء الْقَلِيل الَّذِي لَا ينفع. يَغْنَوْا يَعِيشُوا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين كذبُوا شعيبا كَأَن لم يغنوا فِيهَا﴾ (الْأَعْرَاف: ٩٢) وَفسّر: يغنوا بقوله: يعيشوا، وَترك ذكر الْجَازِم. وَقَالَ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة كَأَن لم يغنوا فِيهَا أَي: كَأَن لم يعيشوا أَو كَأَن لم ينعموا ومادته من غنى أَي عَاشَ وغنى بِهِ عَنهُ غنية، وغنيت الْمَرْأَة بزوجها غنيانا وغني بِالْمَكَانِ أَقَامَ، والغناء بِالْفَتْح النَّفْع وبالكسر من السماع والغنى مَقْصُورا الْيَسَار. حَقِيقٌ حَقٌّ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْن إِنِّي رَسُول من رب الْعَالمين حقيق على أَن لَا أَقُول على الله إلَاّ الْحق﴾ (الْأَعْرَاف: ١٠٤ وَفسّر قَوْله حقيق، بقوله حق أَي: جدير بذلك حري بِهِ. استَرْهَبُوهُمْ مِنَ الرَّهْبَةِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا القوا سحروا أعين النَّاس واسترهبوهم﴾ (الْأَعْرَاف: ١٤٦) وَقَالَ: استرهبوهم من الرهبة. أَي: الْخَوْف، وَالْمعْنَى: أَن سحرة فِرْعَوْن سحروا أعين النَّاس أَي خيلوا إِلَى الْأَبْصَار أَن مَا فَعَلُوهُ لَهُ حَقِيقَة فِي الْخَارِج، واسترهبوا النَّاس بذلك وخوفوهم وَخَافَ مُوسَى ﵇ أَيْضا من ذَلِك وَقَالَ الله : ﴿لَا تخف إِنَّك أَنْت الْأَعْلَى والق مَا فِي يَمِينك تلقف مَا صَنَعُوا﴾ (طه: ٦٨، ٦٩) الْقِصَّة بِتَمَامِهَا فِي التَّفْسِير.

стр. 5497

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا هِيَ تلقف مَا يأفكون﴾ وَفسّر لفظ تلقف، بِلَفْظ تلقم أَي: تَأْكُل مَا يأفكون أَي: مَا يلقونه ويوهمون أَنه حق وَهُوَ بَاطِل. طائِرُهُمْ حَظهُمْ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إلَاّ إِنَّمَا طائرهم عِنْد الله وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ﴾ (الْأَعْرَاف: ١١٧) وَفسّر طَائِر هم بقوله حظهم، وَكَذَا قَالَ: أَبُو عُبَيْدَة: طائرهم حظهم ونصيبهم. طُوفانٌ مِنَ السَّيْلِ وَيُقالُ لِلْمَوْتِ الكَثِيرِ الطُّوفانُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم الطوفان وَالْجَرَاد وَالْقمل﴾ وَفسّر الطوفان بِأَنَّهُ من السَّيْل، وَاخْتلفُوا فِي مَعْنَاهُ فَعَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِي رِوَايَة الطوفان كَثْرَة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع وَالثِّمَار. وَبِه قَالَ الضَّحَّاك: وَعَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة كَثْرَة الْمَوْت، وَهُوَ معنى قَوْله: وَيُقَال للْمَوْت الْكثير الطوفان، وَبِه قَالَ عَطاء، وَقَالَ مُجَاهِد: الطوفان المَاء والطاعون على كل حَال، وَعَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أُخْرَى هُوَ أَمر من الله طَاف بهم ثمَّ قَرَأَ: ﴿فَطَافَ عَلَيْهِم طائف من رَبك وهم نائمون﴾ (الْقَلَم: ١٩) . وَقَالَ الْأَخْفَش الطوفان واحده طوفانة وَقيل: هُوَ مصدر كالرجحان وَالنُّقْصَان. قلت: هُوَ اسْم للمصدر، فاقهم. القُمَّلُ الحُمْنانُ يُشْبِهُ صِغارَ الحَلَمِ أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير الْقمل الْمَذْكُور فِي الْآيَة الَّتِي مَضَت الْآن، وَفَسرهُ بقوله الحمنان، بِضَم الْحَاء وَسُكُون الْمِيم. قَوْله: (يشبه صغَار الْحلم) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَاللَّام. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الْقمل عِنْد الْعَرَب ضرب من القردان وَاحِدهَا حمنانة وَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، الْقمل السوس الَّذِي يخرج من الْحِنْطَة، وَعنهُ أَنه الدُّبَّاء وَهُوَ الْجَرَاد الصغار الَّذِي لَا أَجْنِحَة لَهُ، وَبِه قَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة، وَعَن الْحسن وَسَعِيد بن جُبَير: الْقمل دَوَاب سود صغَار، وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم: الْقمل البراغيث، وَقَالَ ابْن جرير: الْقمل جمع قلمة وَهِي دَابَّة تشبه الْقمل تَأْكُل الْإِبِل، والحلم جمع حلمة والحلمة تتقفي من ظهرهَا فَيخرج مِنْهَا القمقامة وَهِي أَصْغَر مِمَّا رَأَيْته مِمَّا يمشي وَيتَعَلَّق بِالْإِبِلِ فَإِذا امْتَلَأَ سقط على الأَرْض وَقد عظم ثمَّ يضمر حَتَّى يذهب دَمه فَيكون قرادا فَيتَعَلَّق بِالْإِبِلِ ثَانِيَة فَيكون حمْنَة، قَالَ أَبُو الْعَالِيَة: أرسل الله تَعَالَى الحمنان على دوابهم فأكلنها حَتَّى لم يقدروا على الْمسير، وَقَرَأَ الْحسن: الْقمل، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْمِيم، وَفِي (الْمُحكم) : الْقمل صغَار الذَّر والدباء، وَفِي (الْجَامِع) : هُوَ شَيْء أَصْغَر من الظفر لَهُ جنَاح أَحْمَر وأكدر، قَالَ أَبُو يُوسُف: هُوَ شَيْء يَقع فِي الزَّرْع لَيْسَ بجراد فيأكل السنبلة وَهِي غضة قبل أَن تخرج فَيطول الزَّرْع وَلَا سنبل فِيهِ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة هُوَ شَيْء يشبه الْحلم وَهُوَ لَا يَأْكُل أكل الْجَرَاد وَلَكِن يمص الْحبّ إِذا وَقع فِيهِ الدَّقِيق وَهُوَ رطب وَتذهب قوته وخيره وَهُوَ خَبِيث الرَّائِحَة. رقم ٢ كتاب ج ٨١ من ص ٢٣٥ عُرُوشٌ وعَرِيشٌ بِناءٌ قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : قَول البُخَارِيّ: عروش وعريش، بِنَاء وَجَدْنَاهُ مروياً عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ الطَّبَرِيّ: حَدثنَا الْمثنى حَدثنَا عبد الله بن صَالح حَدثنِي مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁: ﴿وَمَا كَانُوا يعرشون﴾ (الْأَعْرَاف: ١٣٧) أَي: يبنون، وَقَالَ مُجَاهِد: يبنون الْبيُوت والمساكن. وَقَالَ بَعضهم: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانُوا يعرشون﴾ أَي: يبنون. انْتهى. قلت: أما قَول صَاحب (التَّلْوِيح) : قَول البُخَارِيّ إِلَى آخِره، فَلَا وَجه لَهُ أصلا لِأَن قَول ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله: ﴿وَمَا كَانُوا يعرشون﴾ يبنون، فَكيف يُطَابق تَفْسِير عروش وعريش؟ وَكَذَا قَول بَعضهم مثله، وَأما تَفْسِير البُخَارِيّ: العروش والعريش بِالْبِنَاءِ فَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن العروش جمع عرش وَالْعرش سَرِير الْملك وسقف الْبَيْت وَالْعرش مصدر، قَالَ الْجَوْهَرِي: عرش يعرش عرشاً أَي: بنى بِنَاء من خشب، والعريش مَا يستظل بِهِ، قَالَه الْجَوْهَرِي. وَقَالَ أَيْضا: الْعَرْش الْكَرم والعريش شبه الهودج الْعَريش وخيمة من خشب وَتَمام الْجمع عرش مثل قليب وقلب، وَمِنْه قيل لبيوت مَكَّة: الْعَرْش لِأَنَّهَا عيدَان تنصب وتظلل عَلَيْهَا، وَهَذَا الَّذِي ذكره

стр. 5498

مُخَالف لقاعدته فِي تَفْسِير بعض الْأَلْفَاظ فِي بعض السُّور وَفِي بعض الْمَوَاضِع، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنِّي يَقُول: يعرشون يبنون إِشَارَة لما وَقع فِي الْآيَة من قَوْله: ﴿ودمرنا مَا كَانَ يصنع فِرْعَوْن وَقَومه وَمَا كَانُوا يعرشون﴾ (الْأَعْرَاف: ١٣٧) . سُقِطَ كلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما سقط فِي أَيْديهم﴾ (الْأَعْرَاف: ١٤٩) وَفسّر قَوْله: (سقط) بقوله: (كل من نَدم فقد سقط فِي يَده) وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَسقط فِي يَدَيْهِ أَي: نَدم: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلما سقط فِي أَيْديهم﴾ ، قَالَ الْأَخْفَش: وَقَرَأَ بَعضهم سقط كَأَنَّهُ أضمر النَّدَم وَجوز أسقط فِي يَدَيْهِ، وَقَالَ أَبُو عمر وَلَا يُقَال أسقط بِالْألف على مَا لم يسم فَاعله، وَهَذِه فِي قصَّة قوم مُوسَى الَّذين اتَّخذُوا من حليهم عجلاً وَأخْبر الله تَعَالَى عَنْهُم: ﴿وَلما سقط فِي أَيْديهم وَرَأَوا أَنهم قد ضلوا﴾ الْآيَة أَرَادَ أَنهم ندموا على مَا فعلوا ﴿وَرَأَوا أَنهم قد ضلوا قَالُوا: لَئِن لم يَرْحَمنَا رَبنَا﴾ الْآيَة. الأسْباطُ قَبائِلُ بَني إِسْرائِيلَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وقطعناهم اثْنَتَيْ عشرَة أسباطاً أمماً﴾ (الْأَعْرَاف: ١٦٠) وَفسّر الأسباط بِأَنَّهُم قبائل بني إِسْرَائِيل، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَزَاد: واحدهم سبط، تَقول: من أَي سبط أَنْت، أَي: من أَي قَبيلَة وجنس؟ وَيُقَال: الأسباط فِي ولد يَعْقُوب كالقبائل فِي ولد إِسْمَاعِيل ﵇، واشتقاقه من السبط وَهُوَ التَّتَابُع، من السبط بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ الشّجر الملتف، وَقيل لِلْحسنِ وَالْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: سبطا رَسُول الله ﷺ ، لانتشار ذريتهما، ثمَّ قيل لكل ابْن بنت: سبط. يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ يَتَعَدَّوْنَ ثُمَّ يَتَجَاوَزُونَ تَعَدَّى تَجاوَزَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿واسألهم عَن الْقرْيَة الَّتِي كَانَت حَاضِرَة الْبَحْر إِذْ يعدون فِي السبت﴾ (الْأَعْرَاف: ١٦٣) وَفسّر: يعدون، بقوله: يتعدون ثمَّ يتجاوزن، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: إِذْ يعدون إِذْ يتجاوزون حد الله فِيهِ وَهُوَ اصطيادهم يَوْم السبت وَقد نهوا عَنهُ، وقرىء يعدون، بِمَعْنى يعتدون وَإِذ يعدون من الإعداد وَكَانُوا يعدون آلَات الصَّيْد يَوْم السبت وهم مأمورون بِأَن لَا يشتغلوا فِيهِ بِغَيْر الْعِبَادَة. قَوْله: (تعدى تجَاوز) نبه بِهِ على أَن معنى هَذِه الْكَلِمَة التجاوز فَإِذا تجَاوز أحد أمرا من الْأُمُور المحدودة يُقَال لَهُ: تعدى. شُرَّعاً شَوَارعَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿إِذْ تأتيهم حيتانهم يَوْم سبتهم شرعا﴾ وَذكر أَن شرّعاً جمع شوارع وشوارع جمع شَارِع وَهُوَ الظَّاهِر على وَجه المَاء، وروى الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس: شرعا، أَي ظَاهِرَة على المَاء، وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنهُ: شرعا على كل مَكَان. بئِيسٍ شَدِيدٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وأخذنا الَّذين ظلمُوا بِعَذَاب بئيس﴾ (الْأَعْرَاف: ١٦٥) وَفَسرهُ بقوله: شَدِيد، وَعَن مُجَاهِد مَعْنَاهُ: أَلِيم، وَعَن قَتَادَة: موجع، وَفِي بئيس قراءات كَثِيرَة وَالْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة بِفَتْح أَوله وَكسر الْهمزَة. أخْلَدَ إِلَى الأرْضِ أقْعَدَ وتَقاعَسَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلكنه أخلد إِلَى الأَرْض وَاتبع هَوَاهُ﴾ (الْأَعْرَاف: ١٧٦) وَفسّر قَوْله: أخلد بقوله: أقعد من الإقعاد وَهُوَ أَن يلازم الْقعُود إِلَى الأَرْض وَهُوَ كِنَايَة عَن شدَّة ميله إِلَى الدُّنْيَا، وَقد فسر أَبُو عُبَيْدَة قَوْله: أخلد إِلَى الأَرْض بقوله: لَزِمَهَا، وأصل الإخلاد للُزُوم، وَيُقَال مَعْنَاهُ: مَال إِلَى زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا وزهراتها وَأَقْبل على لذاتها وَنَعِيمهَا وغرته مَا غرت غَيره، قَوْله: وتقاعس، أَي: تَأَخّر وَأَبْطَأ، وَالضَّمِير فِي قَوْله: وَلكنه، يرجع إِلَى بلعام بن باعورا من عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل وَكَانَ مجاب الدعْوَة وَلكنه اتبع هَوَاهُ فانسلخ من الْإِيمَان وَاتبعهُ الشَّيْطَان، وقصته مَشْهُورَة، وَقيل: المُرَاد بِهِ أُميَّة بن أبي الصَّلْت أدْرك زمن النَّبِي ﷺ وَلم يتبعهُ وَصَارَ إِلَى مُوالَاة الْمُشْركين، وَقد جَاءَ فِي بعض الْأَحَادِيث أَنه آمن بِلِسَانِهِ وَلم يُؤمن بِقَلْبِه وَله أشعار ربانية وَحكم

стр. 5499

وفصاحة وَلكنه لم يشْرَح الله صَدره لِلْإِسْلَامِ. (سنَسْتَدْرِجُهُمْ) أيْ نأتِيهِمْ مِنْ مأمَنِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فأتاهُمُ الله منْ حَيْث لمْ يَحْتَسِبُوا﴾ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا سنستدرجهم من حَيْثُ لَا يعلمُونَ﴾ (الْأَعْرَاف: ١٨٢) وَفسّر قَوْله: سنستدرجهم، بقوله: نأتيهم من مَا مِنْهُم، أَي: من مَوضِع أَمنهم، وأصل الاستدراج التَّقْرِيب منزلَة من الدرج لِأَن الصاعد يترقى دَرَجَة دَرَجَة. قَوْله: كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَأَتَاهُم الله من حَيْثُ لم يحتسبوا﴾ (الْحَشْر: ٢) وَجه التَّشْبِيه فِيهِ هُوَ أَخذ الله إيَّاهُم بَغْتَة، كَمَا قَالَ فِي آيَة أُخْرَى: ﴿حَتَّى إِذا فرحوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَة﴾ (الْأَنْعَام: ٤٤) . مِنْ جِنَّةٍ مِنْ جُنُونٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم يتفكروا مَا بِصَاحِبِهِمْ من جنَّة﴾ (الْأَعْرَاف: ١٨٤) ثمَّ قَالَ: من جُنُون، وَكَانُوا يَقُولُونَ: مُحَمَّد شَاعِر أَو مَجْنُون، وَالْمرَاد بالصاحب هُوَ مُحَمَّد ﵊. فمَرَّتْ بِهِ فاسْتَمَرَّ بهَا الحمْلُ فأتَمَّتْهُ لم يَقع هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَتقدم هَذَا فِي أول كتاب الْأَنْبِيَاء، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تغشاها حملت حملا خَفِيفا فمرت بِهِ﴾ (الْأَعْرَاف: ١٨٩) وَفسّر قَوْله: فمرت بِهِ، بقوله: فاستمر بهَا الْحمل فأتمته، وَالضَّمِير فِي قَوْله: فمرت، يرجع إِلَى حَوَّاء ﵍، لِأَن قبل هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة وَجعل مِنْهَا زَوجهَا﴾ الْآيَة. وَأَرَادَ بِالنَّفسِ الْوَاحِدَة آدم ﵇، وَأَرَادَ بقوله: زَوجهَا، حَوَّاء ﵍، وَفِي التَّفْسِير: اخْتلفُوا فِي معنى قَوْله: فمرت، فَقَالَ مُجَاهِد: استمرت بِحمْلِهِ، وَكَذَا رُوِيَ عَن الْحسن وَالنَّخَعِيّ وَالسُّديّ، وَقَالَ مَيْمُون بن مهْرَان عَن أَبِيه: استخفته، وَقَالَ قَتَادَة: استبان حملهَا، وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس: استمرت بِهِ فشكَّت أحبلت أم لَا. يَنْزَغَنَّكَ يَسْتَخِفنَّكَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأما يَنْزغَنك من الشَّيْطَان نَزغ﴾ (الْأَعْرَاف: ٢٠٠) الْآيَة. وَفسّر يَنْزغَنك بقوله: يستخفنك، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ ابْن جرير فِي معنى هَذَا: وَأما يغضبنك من الشَّيْطَان غضب يصدك عَن الْإِعْرَاض عَن الْجَاهِل ويحملك على مجازاته فاستعذ بِاللَّه، أَي: فاستجر بِاللَّه. طَيْفٌ مُلِمٌّ بِهِ لَمَمٌ ويُقالُ طائِفٌ وهْوَ واحِدٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين اتَّقوا إِذا مسهم طيف من الشَّيْطَان﴾ وَفسّر قَوْله: طيف بقوله: ملم بِهِ لمَم، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: طيف أَي لمَم، واللمم يُطلق على ضرب من الْجُنُون وعَلى صغَار الذُّنُوب، وَفِي التَّفْسِير: مِنْهُم من فسر ذَلِك بِالْغَضَبِ، وَمِنْهُم من فسره بِمَسّ الشَّيْطَان بالصرع وَنَحْوه، وَمِنْهُم من فسره بالهم بالذنب، وَمِنْهُم من فسره بِإِصَابَة الذَّنب. قَوْله: (وَيُقَال طائف) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن طيفاً وطائفاً وَاحِد فِي الْمَعْنى، وهما قراءتان مشهورتان. يَمُدُّونَهُمْ يُزَيِّنُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وإخوانهم يمدونهم فِي الغي ثمَّ لَا يقصرون﴾ (الْأَعْرَاف: ٢٠٢) وَفسّر يمدونهم بقوله: (يزينون) ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَي يزينون لَهُم الغي وَالْكفْر. وخِيفَةً خَوْفاً وخُفْيَةً مِنَ الإِخْفاءِ أَشَارَ بقوله خيفة إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُر رَبك فِي نَفسك تضرعاً وخيفة﴾ (الْأَعْرَاف: ٢٠٥) وَفسّر قَوْله: (خيفة) ، بقوله: (خوفًا) ، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَيُقَال: ﴿اذكر رَبك فِي نَفسك تضرعاً وخيفة﴾ أَي: رَغْبَة وَرَهْبَة وَأَشَارَ بقوله وخيفة إِلَى قَوْله: (وَاذْكُر رَبك فِي نَفسك تضرعاً وخيفة) وَأي: سرا. قَوْله: (من الْإخْفَاء) أَرَادَ بِهِ أَن الْخفية مَأْخُوذَة من الْإخْفَاء وَفِيه تَأمل، لِأَن الْقَاعِدَة أَن الْمَزِيد فِيهِ يكون مشتقاً من الثلاثي دون الْعَكْس، وَلَكِن يُمكن أَن يُوَجه كَلَامه بِاعْتِبَار انتظام اشتقاق الصيغتين فِي معنى وَاحِد.

стр. 5500

والآصالُ واحِدُها أصِيلٌ مَا بَيْنَ العَصْرِ إِلَى المَغْرِبِ كَقَوْلِكَ بُكْرَةً وأصِيلاً أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَدون الْجَهْر من القَوْل بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال﴾ وَذكر أَن وَاحِد الآصال أصيل، كَذَا قَالَه أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ ابْن فَارس الْأَصِيل: بعد الْعشَاء وَجمعه أصل وَجمع أصل وَجمع أصل آصال فَيكون الأصائل جمع الْجمع، وَقَالَ الأصال لَعَلَّه أَن يكون جمع أصيلة. قَوْله: (كَقَوْلِك بكرَة وَأَصِيلا) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن الْأَصِيل وَاحِد الآصال. ١ - (بابُ قوْلِهِ : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَمَا بَطَنَ﴾ (الْأَعْرَاف: ٣٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله : ﴿قل إِنَّمَا﴾ الْآيَة. وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب. وَاخْتلف فِي المُرَاد بالفواحش: فَمنهمْ من حملهَا على الْعُمُوم، فَعَن قَتَادَة: المُرَاد سر الْفَوَاحِش وعلانيتها، وَمِنْهُم من حملهَا على نوع خَاص، فَعَن ابْن عَبَّاس ﵄، قَالَ: كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة لَا يرَوْنَ بِالزِّنَا بَأْسا فِي السِّرّ ويستقبحونه فِي الْعَلَانِيَة فَحرم الله الزِّنَا فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة، وَعَن سعيد بن جُبَير وَمُجاهد: مَا ظهر نِكَاح الْأُمَّهَات وَمَا بطن الزِّنَا. ٤٦٣٧ - ح دَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ حَدثنَا شعْبَةُ عنْ عَمْروِ بنِ مُرَّةَ عنْ أبي وائِلٍ عنْ عبْدِ الله ﵁ قَالَ قُلْتُ أنْتَ سَمِعْتَ هاذَا مِنْ عَبْدِ الله قَالَ نَعَمْ ورَفَعَهُ قَالَ لَا أحَدَ أغْيَرُ مِنَ الله فلِذالِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَمَا بَطَنَ ولَا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ المِدْحَةُ مِنَ الله فَلِذالِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب ﴿لَا تقربُوا الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن﴾ (الْأَنْعَام: ١٥١) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (قَالَ: قلت) ، الْقَائِل هُوَ عَمْرو بن مرّة، والمخاطب أَبُو وَائِل. قَوْله: (وَرَفعه) ، أَي: رفع الحَدِيث إِلَى النَّبِي ﷺ . ٢ - (بابٌ: ﴿وَلما جاءَ مُوسَى لمِياقتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَاني ولاكِنِ انْظُرْ إِلَى الجَبَلِ فإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فسَوْفَ تَرَاني فَلمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوساى صَعِقاً فَلَمَّا أفاقَ قَالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وَأَنا أولُ المُؤْمِنِينَ﴾ (الْأَعْرَاف: ١٤٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَلما جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ إِلَى آخِره. قَوْله: (الْآيَة) ، أَي: الْآيَة بِتَمَامِهَا، وَقد سَاق فِي بعض النّسخ بِتَمَامِهَا: (قَالَ لن تراني وَلَكِن انْظُر إِلَى الْجَبَل فَإِن اسْتَقر مَكَانَهُ فَسَوف تراني فَلَمَّا تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر مُوسَى صعقاً فَلَمَّا أَفَاق قَالَ سُبْحَانَكَ تبت إِلَيْك وَأَنا أول الْمُؤمنِينَ) . قَوْله: (لِمِيقَاتِنَا) ، قَالَ الثَّعْلَبِيّ: الْمِيقَات مفعال من الْوَقْت كالميعاد والميلاد انقلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا. قلت: أَصله: موقات، لِأَنَّهُ من الْوَقْت وَإِنَّمَا انقلبت يَاء لِأَن الْيَاء أُخْت الكسرة. قَوْله: (وَكلمَة ربه) ، حَتَّى سمع صرير الأقلام، وَكَانَ على طور سيناء وَلما ادناه ربه وناجاه اشتاق إِلَى رُؤْيَته، وَقَالَ: ﴿رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك﴾ فَقَالَ الله : ﴿لن تراني﴾ يَعْنِي: لَيْسَ لبشر أَن يُطيق النّظر إِلَيّ فِي الدُّنْيَا (من نظر إِلَيّ فِي الدُّنْيَا مَاتَ) ، قَالَ مُوسَى: إلهي قد سَمِعت كلامك فاشتقت إِلَى النّظر إِلَيْك فأرني أنظر إِلَيْك، فَلِأَن أنظر إِلَيْك ثمَّ أَمُوت أحب إِلَى من أَن أعيش فَلَا أَرَاك، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أنظر إِلَى الْجَبَل﴾ وَهُوَ أعظم جبل بمدين يُقَال لَهُ: زبير ﴿فَإِن اسْتَقر﴾ أَي: ثَبت بمكانه ﴿فَسَوف تراني بحلى ربه﴾ ، قَالَ ابْن عَبَّاس: تجليه ظُهُور نوره، وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار وَعبد الله بن سَلام: مَا تجلى من عَظمَة الله إِلَّا مثل سم الْخياط، وَقَالَ السّديّ: قدر الْخِنْصر، وروى أَحْمد فِي (مُسْنده) عَن أنس ﵁، عَن النَّبِي ﷺ ، فِي قَوْله: ﴿فَلَمَّا تجلى ربه للجبل﴾ قَالَ: هَكَذَا، يَعْنِي أَنه أخرج طرف الْخِنْصر الحَدِيث، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا، وَقَالَ:
следующие страницы →