← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.

стр. 5496

فِيهَا. أَي: فِي النَّار. قلت: أصل اداركوا اتداركوا فقلبت التَّاء دَالا وأدغمت الدَّال فِي الدَّال وَقَرَأَ الْأَعْمَش حَتَّى إِذا تداركوا رُوِيَ عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء كَذَلِك. مَشَاقُّ الإنْسَانِ وَالدَّابَةِ كلُّهُمْ يُسَمَّى سُمُوما وَاحِدُها سَمٌّ وَهِيَ عَيْناهُ وَمَنْخِرَاهُ وَفَمُهُ وَاذُنَاهُ وَدُبُرُهُ وَإحْلِيلُهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير لفظ سم، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يدْخلُونَ الْجنَّة حَتَّى يلج الْجمل فِي سم الْخياط﴾ (الْأَعْرَاف: ٤٠) قَوْله: (مشاق الْإِنْسَان) ، وَفِي بعض النّسخ مسام الْإِنْسَان، وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى وَاحِد وَهِي سموم الْإِنْسَان جمع سم، وَهِي عَيناهُ إِلَى آخر مَا ذكر قَالَ الْجَوْهَرِي: السم الثقب وَمِنْه سم الْخياط ومسام الْجَسَد ثقبه، وَفِي (الْمغرب) المسام المنافذ من عِبَارَات الْأَطِبَّاء، وَفِي السم ثَلَاث لُغَات فتح السِّين وَهِي قِرَاءَة الْأَكْثَرين، وَضمّهَا وَبِه قَرَأَ ابْن مَسْعُود وَقَتَادَة، وَكسرهَا وَبِه قَرَأَ بو عمرَان الْجونِي، والخياط مَا يخاط بِهِ وَيُقَال: مخيط أَيْضا وَبِه قَرَأَ ابْن مَسْعُود وَأَبُو رزين. غَوَاشٍ مَا غُشُوا بِهِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَهُم من جَهَنَّم مهاد وَمن فَوْقهم غواش﴾ (الْأَعْرَاف: ٤١) وَفسّر لفظ غواش، بقوله: مَا غشوا بِهِ. أَي: مَا غطوا بِهِ وَهُوَ جمع غاشية وَهِي كل مَا يغشاك أَي يسترك من اللحف، وَقيل: من اللبَاس، وَالْمرَاد بذلك أَن النَّار من فَوْقهم وَمن تَحْتهم بالمهاد وعماد فَوْقهم بالغواشي، وروى ابْن جرير من طَرِيق مُحَمَّد بن كَعْب قَالَ: المهاد الْفرش. وَقَالَ: وَمن فَوْقهم غواش اللحف. نُشُرا مُتَفَرِّقَةً أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسل الرِّيَاح نشرا﴾ (الْأَعْرَاف: ٥٧) وَفسّر نشرا بقوله: مُتَفَرِّقَة وفن التَّفْسِير: النشر جمع نشور وَهِي الرّيح الطّيبَة الهبوب تهب من كل نَاحيَة وجانب، وَقيل: النشور بِمَعْنى المنشور كالركوب بِمَعْنى المركوب، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: النشر المنتشرة الواسعة الهبوب أرسلها الله منشورة بعد انطوائها. نَكِدا قَلِيلاً أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي خبث لَا يخرج إلَاّ نكدا﴾ (الْأَعْرَاف: ٥٨) وَفسّر قَوْله: نكدا بقوله: قَلِيلا وَفَسرهُ أَبُو عُبَيْدَة بقوله: قَلِيلا عسرا فِي شدَّة، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق السّديّ. قَالَ: النكد الشَّيْء الْقَلِيل الَّذِي لَا ينفع. يَغْنَوْا يَعِيشُوا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين كذبُوا شعيبا كَأَن لم يغنوا فِيهَا﴾ (الْأَعْرَاف: ٩٢) وَفسّر: يغنوا بقوله: يعيشوا، وَترك ذكر الْجَازِم. وَقَالَ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة كَأَن لم يغنوا فِيهَا أَي: كَأَن لم يعيشوا أَو كَأَن لم ينعموا ومادته من غنى أَي عَاشَ وغنى بِهِ عَنهُ غنية، وغنيت الْمَرْأَة بزوجها غنيانا وغني بِالْمَكَانِ أَقَامَ، والغناء بِالْفَتْح النَّفْع وبالكسر من السماع والغنى مَقْصُورا الْيَسَار. حَقِيقٌ حَقٌّ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْن إِنِّي رَسُول من رب الْعَالمين حقيق على أَن لَا أَقُول على الله إلَاّ الْحق﴾ (الْأَعْرَاف: ١٠٤ وَفسّر قَوْله حقيق، بقوله حق أَي: جدير بذلك حري بِهِ. استَرْهَبُوهُمْ مِنَ الرَّهْبَةِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا القوا سحروا أعين النَّاس واسترهبوهم﴾ (الْأَعْرَاف: ١٤٦) وَقَالَ: استرهبوهم من الرهبة. أَي: الْخَوْف، وَالْمعْنَى: أَن سحرة فِرْعَوْن سحروا أعين النَّاس أَي خيلوا إِلَى الْأَبْصَار أَن مَا فَعَلُوهُ لَهُ حَقِيقَة فِي الْخَارِج، واسترهبوا النَّاس بذلك وخوفوهم وَخَافَ مُوسَى ﵇ أَيْضا من ذَلِك وَقَالَ الله : ﴿لَا تخف إِنَّك أَنْت الْأَعْلَى والق مَا فِي يَمِينك تلقف مَا صَنَعُوا﴾ (طه: ٦٨، ٦٩) الْقِصَّة بِتَمَامِهَا فِي التَّفْسِير.

стр. 5497

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا هِيَ تلقف مَا يأفكون﴾ وَفسّر لفظ تلقف، بِلَفْظ تلقم أَي: تَأْكُل مَا يأفكون أَي: مَا يلقونه ويوهمون أَنه حق وَهُوَ بَاطِل. طائِرُهُمْ حَظهُمْ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إلَاّ إِنَّمَا طائرهم عِنْد الله وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ﴾ (الْأَعْرَاف: ١١٧) وَفسّر طَائِر هم بقوله حظهم، وَكَذَا قَالَ: أَبُو عُبَيْدَة: طائرهم حظهم ونصيبهم. طُوفانٌ مِنَ السَّيْلِ وَيُقالُ لِلْمَوْتِ الكَثِيرِ الطُّوفانُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم الطوفان وَالْجَرَاد وَالْقمل﴾ وَفسّر الطوفان بِأَنَّهُ من السَّيْل، وَاخْتلفُوا فِي مَعْنَاهُ فَعَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِي رِوَايَة الطوفان كَثْرَة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع وَالثِّمَار. وَبِه قَالَ الضَّحَّاك: وَعَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة كَثْرَة الْمَوْت، وَهُوَ معنى قَوْله: وَيُقَال للْمَوْت الْكثير الطوفان، وَبِه قَالَ عَطاء، وَقَالَ مُجَاهِد: الطوفان المَاء والطاعون على كل حَال، وَعَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أُخْرَى هُوَ أَمر من الله طَاف بهم ثمَّ قَرَأَ: ﴿فَطَافَ عَلَيْهِم طائف من رَبك وهم نائمون﴾ (الْقَلَم: ١٩) . وَقَالَ الْأَخْفَش الطوفان واحده طوفانة وَقيل: هُوَ مصدر كالرجحان وَالنُّقْصَان. قلت: هُوَ اسْم للمصدر، فاقهم. القُمَّلُ الحُمْنانُ يُشْبِهُ صِغارَ الحَلَمِ أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير الْقمل الْمَذْكُور فِي الْآيَة الَّتِي مَضَت الْآن، وَفَسرهُ بقوله الحمنان، بِضَم الْحَاء وَسُكُون الْمِيم. قَوْله: (يشبه صغَار الْحلم) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَاللَّام. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الْقمل عِنْد الْعَرَب ضرب من القردان وَاحِدهَا حمنانة وَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، الْقمل السوس الَّذِي يخرج من الْحِنْطَة، وَعنهُ أَنه الدُّبَّاء وَهُوَ الْجَرَاد الصغار الَّذِي لَا أَجْنِحَة لَهُ، وَبِه قَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة، وَعَن الْحسن وَسَعِيد بن جُبَير: الْقمل دَوَاب سود صغَار، وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم: الْقمل البراغيث، وَقَالَ ابْن جرير: الْقمل جمع قلمة وَهِي دَابَّة تشبه الْقمل تَأْكُل الْإِبِل، والحلم جمع حلمة والحلمة تتقفي من ظهرهَا فَيخرج مِنْهَا القمقامة وَهِي أَصْغَر مِمَّا رَأَيْته مِمَّا يمشي وَيتَعَلَّق بِالْإِبِلِ فَإِذا امْتَلَأَ سقط على الأَرْض وَقد عظم ثمَّ يضمر حَتَّى يذهب دَمه فَيكون قرادا فَيتَعَلَّق بِالْإِبِلِ ثَانِيَة فَيكون حمْنَة، قَالَ أَبُو الْعَالِيَة: أرسل الله تَعَالَى الحمنان على دوابهم فأكلنها حَتَّى لم يقدروا على الْمسير، وَقَرَأَ الْحسن: الْقمل، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْمِيم، وَفِي (الْمُحكم) : الْقمل صغَار الذَّر والدباء، وَفِي (الْجَامِع) : هُوَ شَيْء أَصْغَر من الظفر لَهُ جنَاح أَحْمَر وأكدر، قَالَ أَبُو يُوسُف: هُوَ شَيْء يَقع فِي الزَّرْع لَيْسَ بجراد فيأكل السنبلة وَهِي غضة قبل أَن تخرج فَيطول الزَّرْع وَلَا سنبل فِيهِ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة هُوَ شَيْء يشبه الْحلم وَهُوَ لَا يَأْكُل أكل الْجَرَاد وَلَكِن يمص الْحبّ إِذا وَقع فِيهِ الدَّقِيق وَهُوَ رطب وَتذهب قوته وخيره وَهُوَ خَبِيث الرَّائِحَة. رقم ٢ كتاب ج ٨١ من ص ٢٣٥ عُرُوشٌ وعَرِيشٌ بِناءٌ قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : قَول البُخَارِيّ: عروش وعريش، بِنَاء وَجَدْنَاهُ مروياً عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ الطَّبَرِيّ: حَدثنَا الْمثنى حَدثنَا عبد الله بن صَالح حَدثنِي مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁: ﴿وَمَا كَانُوا يعرشون﴾ (الْأَعْرَاف: ١٣٧) أَي: يبنون، وَقَالَ مُجَاهِد: يبنون الْبيُوت والمساكن. وَقَالَ بَعضهم: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانُوا يعرشون﴾ أَي: يبنون. انْتهى. قلت: أما قَول صَاحب (التَّلْوِيح) : قَول البُخَارِيّ إِلَى آخِره، فَلَا وَجه لَهُ أصلا لِأَن قَول ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله: ﴿وَمَا كَانُوا يعرشون﴾ يبنون، فَكيف يُطَابق تَفْسِير عروش وعريش؟ وَكَذَا قَول بَعضهم مثله، وَأما تَفْسِير البُخَارِيّ: العروش والعريش بِالْبِنَاءِ فَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن العروش جمع عرش وَالْعرش سَرِير الْملك وسقف الْبَيْت وَالْعرش مصدر، قَالَ الْجَوْهَرِي: عرش يعرش عرشاً أَي: بنى بِنَاء من خشب، والعريش مَا يستظل بِهِ، قَالَه الْجَوْهَرِي. وَقَالَ أَيْضا: الْعَرْش الْكَرم والعريش شبه الهودج الْعَريش وخيمة من خشب وَتَمام الْجمع عرش مثل قليب وقلب، وَمِنْه قيل لبيوت مَكَّة: الْعَرْش لِأَنَّهَا عيدَان تنصب وتظلل عَلَيْهَا، وَهَذَا الَّذِي ذكره

стр. 5498

مُخَالف لقاعدته فِي تَفْسِير بعض الْأَلْفَاظ فِي بعض السُّور وَفِي بعض الْمَوَاضِع، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنِّي يَقُول: يعرشون يبنون إِشَارَة لما وَقع فِي الْآيَة من قَوْله: ﴿ودمرنا مَا كَانَ يصنع فِرْعَوْن وَقَومه وَمَا كَانُوا يعرشون﴾ (الْأَعْرَاف: ١٣٧) . سُقِطَ كلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما سقط فِي أَيْديهم﴾ (الْأَعْرَاف: ١٤٩) وَفسّر قَوْله: (سقط) بقوله: (كل من نَدم فقد سقط فِي يَده) وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَسقط فِي يَدَيْهِ أَي: نَدم: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلما سقط فِي أَيْديهم﴾ ، قَالَ الْأَخْفَش: وَقَرَأَ بَعضهم سقط كَأَنَّهُ أضمر النَّدَم وَجوز أسقط فِي يَدَيْهِ، وَقَالَ أَبُو عمر وَلَا يُقَال أسقط بِالْألف على مَا لم يسم فَاعله، وَهَذِه فِي قصَّة قوم مُوسَى الَّذين اتَّخذُوا من حليهم عجلاً وَأخْبر الله تَعَالَى عَنْهُم: ﴿وَلما سقط فِي أَيْديهم وَرَأَوا أَنهم قد ضلوا﴾ الْآيَة أَرَادَ أَنهم ندموا على مَا فعلوا ﴿وَرَأَوا أَنهم قد ضلوا قَالُوا: لَئِن لم يَرْحَمنَا رَبنَا﴾ الْآيَة. الأسْباطُ قَبائِلُ بَني إِسْرائِيلَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وقطعناهم اثْنَتَيْ عشرَة أسباطاً أمماً﴾ (الْأَعْرَاف: ١٦٠) وَفسّر الأسباط بِأَنَّهُم قبائل بني إِسْرَائِيل، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَزَاد: واحدهم سبط، تَقول: من أَي سبط أَنْت، أَي: من أَي قَبيلَة وجنس؟ وَيُقَال: الأسباط فِي ولد يَعْقُوب كالقبائل فِي ولد إِسْمَاعِيل ﵇، واشتقاقه من السبط وَهُوَ التَّتَابُع، من السبط بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ الشّجر الملتف، وَقيل لِلْحسنِ وَالْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: سبطا رَسُول الله ﷺ ، لانتشار ذريتهما، ثمَّ قيل لكل ابْن بنت: سبط. يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ يَتَعَدَّوْنَ ثُمَّ يَتَجَاوَزُونَ تَعَدَّى تَجاوَزَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿واسألهم عَن الْقرْيَة الَّتِي كَانَت حَاضِرَة الْبَحْر إِذْ يعدون فِي السبت﴾ (الْأَعْرَاف: ١٦٣) وَفسّر: يعدون، بقوله: يتعدون ثمَّ يتجاوزن، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: إِذْ يعدون إِذْ يتجاوزون حد الله فِيهِ وَهُوَ اصطيادهم يَوْم السبت وَقد نهوا عَنهُ، وقرىء يعدون، بِمَعْنى يعتدون وَإِذ يعدون من الإعداد وَكَانُوا يعدون آلَات الصَّيْد يَوْم السبت وهم مأمورون بِأَن لَا يشتغلوا فِيهِ بِغَيْر الْعِبَادَة. قَوْله: (تعدى تجَاوز) نبه بِهِ على أَن معنى هَذِه الْكَلِمَة التجاوز فَإِذا تجَاوز أحد أمرا من الْأُمُور المحدودة يُقَال لَهُ: تعدى. شُرَّعاً شَوَارعَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿إِذْ تأتيهم حيتانهم يَوْم سبتهم شرعا﴾ وَذكر أَن شرّعاً جمع شوارع وشوارع جمع شَارِع وَهُوَ الظَّاهِر على وَجه المَاء، وروى الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس: شرعا، أَي ظَاهِرَة على المَاء، وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنهُ: شرعا على كل مَكَان. بئِيسٍ شَدِيدٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وأخذنا الَّذين ظلمُوا بِعَذَاب بئيس﴾ (الْأَعْرَاف: ١٦٥) وَفَسرهُ بقوله: شَدِيد، وَعَن مُجَاهِد مَعْنَاهُ: أَلِيم، وَعَن قَتَادَة: موجع، وَفِي بئيس قراءات كَثِيرَة وَالْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة بِفَتْح أَوله وَكسر الْهمزَة. أخْلَدَ إِلَى الأرْضِ أقْعَدَ وتَقاعَسَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلكنه أخلد إِلَى الأَرْض وَاتبع هَوَاهُ﴾ (الْأَعْرَاف: ١٧٦) وَفسّر قَوْله: أخلد بقوله: أقعد من الإقعاد وَهُوَ أَن يلازم الْقعُود إِلَى الأَرْض وَهُوَ كِنَايَة عَن شدَّة ميله إِلَى الدُّنْيَا، وَقد فسر أَبُو عُبَيْدَة قَوْله: أخلد إِلَى الأَرْض بقوله: لَزِمَهَا، وأصل الإخلاد للُزُوم، وَيُقَال مَعْنَاهُ: مَال إِلَى زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا وزهراتها وَأَقْبل على لذاتها وَنَعِيمهَا وغرته مَا غرت غَيره، قَوْله: وتقاعس، أَي: تَأَخّر وَأَبْطَأ، وَالضَّمِير فِي قَوْله: وَلكنه، يرجع إِلَى بلعام بن باعورا من عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل وَكَانَ مجاب الدعْوَة وَلكنه اتبع هَوَاهُ فانسلخ من الْإِيمَان وَاتبعهُ الشَّيْطَان، وقصته مَشْهُورَة، وَقيل: المُرَاد بِهِ أُميَّة بن أبي الصَّلْت أدْرك زمن النَّبِي ﷺ وَلم يتبعهُ وَصَارَ إِلَى مُوالَاة الْمُشْركين، وَقد جَاءَ فِي بعض الْأَحَادِيث أَنه آمن بِلِسَانِهِ وَلم يُؤمن بِقَلْبِه وَله أشعار ربانية وَحكم

стр. 5499

وفصاحة وَلكنه لم يشْرَح الله صَدره لِلْإِسْلَامِ. (سنَسْتَدْرِجُهُمْ) أيْ نأتِيهِمْ مِنْ مأمَنِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فأتاهُمُ الله منْ حَيْث لمْ يَحْتَسِبُوا﴾ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا سنستدرجهم من حَيْثُ لَا يعلمُونَ﴾ (الْأَعْرَاف: ١٨٢) وَفسّر قَوْله: سنستدرجهم، بقوله: نأتيهم من مَا مِنْهُم، أَي: من مَوضِع أَمنهم، وأصل الاستدراج التَّقْرِيب منزلَة من الدرج لِأَن الصاعد يترقى دَرَجَة دَرَجَة. قَوْله: كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَأَتَاهُم الله من حَيْثُ لم يحتسبوا﴾ (الْحَشْر: ٢) وَجه التَّشْبِيه فِيهِ هُوَ أَخذ الله إيَّاهُم بَغْتَة، كَمَا قَالَ فِي آيَة أُخْرَى: ﴿حَتَّى إِذا فرحوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَة﴾ (الْأَنْعَام: ٤٤) . مِنْ جِنَّةٍ مِنْ جُنُونٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم يتفكروا مَا بِصَاحِبِهِمْ من جنَّة﴾ (الْأَعْرَاف: ١٨٤) ثمَّ قَالَ: من جُنُون، وَكَانُوا يَقُولُونَ: مُحَمَّد شَاعِر أَو مَجْنُون، وَالْمرَاد بالصاحب هُوَ مُحَمَّد ﵊. فمَرَّتْ بِهِ فاسْتَمَرَّ بهَا الحمْلُ فأتَمَّتْهُ لم يَقع هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَتقدم هَذَا فِي أول كتاب الْأَنْبِيَاء، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تغشاها حملت حملا خَفِيفا فمرت بِهِ﴾ (الْأَعْرَاف: ١٨٩) وَفسّر قَوْله: فمرت بِهِ، بقوله: فاستمر بهَا الْحمل فأتمته، وَالضَّمِير فِي قَوْله: فمرت، يرجع إِلَى حَوَّاء ﵍، لِأَن قبل هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة وَجعل مِنْهَا زَوجهَا﴾ الْآيَة. وَأَرَادَ بِالنَّفسِ الْوَاحِدَة آدم ﵇، وَأَرَادَ بقوله: زَوجهَا، حَوَّاء ﵍، وَفِي التَّفْسِير: اخْتلفُوا فِي معنى قَوْله: فمرت، فَقَالَ مُجَاهِد: استمرت بِحمْلِهِ، وَكَذَا رُوِيَ عَن الْحسن وَالنَّخَعِيّ وَالسُّديّ، وَقَالَ مَيْمُون بن مهْرَان عَن أَبِيه: استخفته، وَقَالَ قَتَادَة: استبان حملهَا، وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس: استمرت بِهِ فشكَّت أحبلت أم لَا. يَنْزَغَنَّكَ يَسْتَخِفنَّكَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأما يَنْزغَنك من الشَّيْطَان نَزغ﴾ (الْأَعْرَاف: ٢٠٠) الْآيَة. وَفسّر يَنْزغَنك بقوله: يستخفنك، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ ابْن جرير فِي معنى هَذَا: وَأما يغضبنك من الشَّيْطَان غضب يصدك عَن الْإِعْرَاض عَن الْجَاهِل ويحملك على مجازاته فاستعذ بِاللَّه، أَي: فاستجر بِاللَّه. طَيْفٌ مُلِمٌّ بِهِ لَمَمٌ ويُقالُ طائِفٌ وهْوَ واحِدٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين اتَّقوا إِذا مسهم طيف من الشَّيْطَان﴾ وَفسّر قَوْله: طيف بقوله: ملم بِهِ لمَم، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: طيف أَي لمَم، واللمم يُطلق على ضرب من الْجُنُون وعَلى صغَار الذُّنُوب، وَفِي التَّفْسِير: مِنْهُم من فسر ذَلِك بِالْغَضَبِ، وَمِنْهُم من فسره بِمَسّ الشَّيْطَان بالصرع وَنَحْوه، وَمِنْهُم من فسره بالهم بالذنب، وَمِنْهُم من فسره بِإِصَابَة الذَّنب. قَوْله: (وَيُقَال طائف) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن طيفاً وطائفاً وَاحِد فِي الْمَعْنى، وهما قراءتان مشهورتان. يَمُدُّونَهُمْ يُزَيِّنُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وإخوانهم يمدونهم فِي الغي ثمَّ لَا يقصرون﴾ (الْأَعْرَاف: ٢٠٢) وَفسّر يمدونهم بقوله: (يزينون) ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَي يزينون لَهُم الغي وَالْكفْر. وخِيفَةً خَوْفاً وخُفْيَةً مِنَ الإِخْفاءِ أَشَارَ بقوله خيفة إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُر رَبك فِي نَفسك تضرعاً وخيفة﴾ (الْأَعْرَاف: ٢٠٥) وَفسّر قَوْله: (خيفة) ، بقوله: (خوفًا) ، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَيُقَال: ﴿اذكر رَبك فِي نَفسك تضرعاً وخيفة﴾ أَي: رَغْبَة وَرَهْبَة وَأَشَارَ بقوله وخيفة إِلَى قَوْله: (وَاذْكُر رَبك فِي نَفسك تضرعاً وخيفة) وَأي: سرا. قَوْله: (من الْإخْفَاء) أَرَادَ بِهِ أَن الْخفية مَأْخُوذَة من الْإخْفَاء وَفِيه تَأمل، لِأَن الْقَاعِدَة أَن الْمَزِيد فِيهِ يكون مشتقاً من الثلاثي دون الْعَكْس، وَلَكِن يُمكن أَن يُوَجه كَلَامه بِاعْتِبَار انتظام اشتقاق الصيغتين فِي معنى وَاحِد.

стр. 5500

والآصالُ واحِدُها أصِيلٌ مَا بَيْنَ العَصْرِ إِلَى المَغْرِبِ كَقَوْلِكَ بُكْرَةً وأصِيلاً أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَدون الْجَهْر من القَوْل بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال﴾ وَذكر أَن وَاحِد الآصال أصيل، كَذَا قَالَه أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ ابْن فَارس الْأَصِيل: بعد الْعشَاء وَجمعه أصل وَجمع أصل وَجمع أصل آصال فَيكون الأصائل جمع الْجمع، وَقَالَ الأصال لَعَلَّه أَن يكون جمع أصيلة. قَوْله: (كَقَوْلِك بكرَة وَأَصِيلا) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن الْأَصِيل وَاحِد الآصال. ١ - (بابُ قوْلِهِ : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَمَا بَطَنَ﴾ (الْأَعْرَاف: ٣٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله : ﴿قل إِنَّمَا﴾ الْآيَة. وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب. وَاخْتلف فِي المُرَاد بالفواحش: فَمنهمْ من حملهَا على الْعُمُوم، فَعَن قَتَادَة: المُرَاد سر الْفَوَاحِش وعلانيتها، وَمِنْهُم من حملهَا على نوع خَاص، فَعَن ابْن عَبَّاس ﵄، قَالَ: كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة لَا يرَوْنَ بِالزِّنَا بَأْسا فِي السِّرّ ويستقبحونه فِي الْعَلَانِيَة فَحرم الله الزِّنَا فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة، وَعَن سعيد بن جُبَير وَمُجاهد: مَا ظهر نِكَاح الْأُمَّهَات وَمَا بطن الزِّنَا. ٤٦٣٧ - ح دَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ حَدثنَا شعْبَةُ عنْ عَمْروِ بنِ مُرَّةَ عنْ أبي وائِلٍ عنْ عبْدِ الله ﵁ قَالَ قُلْتُ أنْتَ سَمِعْتَ هاذَا مِنْ عَبْدِ الله قَالَ نَعَمْ ورَفَعَهُ قَالَ لَا أحَدَ أغْيَرُ مِنَ الله فلِذالِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَمَا بَطَنَ ولَا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ المِدْحَةُ مِنَ الله فَلِذالِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب ﴿لَا تقربُوا الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن﴾ (الْأَنْعَام: ١٥١) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (قَالَ: قلت) ، الْقَائِل هُوَ عَمْرو بن مرّة، والمخاطب أَبُو وَائِل. قَوْله: (وَرَفعه) ، أَي: رفع الحَدِيث إِلَى النَّبِي ﷺ . ٢ - (بابٌ: ﴿وَلما جاءَ مُوسَى لمِياقتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَاني ولاكِنِ انْظُرْ إِلَى الجَبَلِ فإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فسَوْفَ تَرَاني فَلمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوساى صَعِقاً فَلَمَّا أفاقَ قَالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وَأَنا أولُ المُؤْمِنِينَ﴾ (الْأَعْرَاف: ١٤٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَلما جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ إِلَى آخِره. قَوْله: (الْآيَة) ، أَي: الْآيَة بِتَمَامِهَا، وَقد سَاق فِي بعض النّسخ بِتَمَامِهَا: (قَالَ لن تراني وَلَكِن انْظُر إِلَى الْجَبَل فَإِن اسْتَقر مَكَانَهُ فَسَوف تراني فَلَمَّا تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر مُوسَى صعقاً فَلَمَّا أَفَاق قَالَ سُبْحَانَكَ تبت إِلَيْك وَأَنا أول الْمُؤمنِينَ) . قَوْله: (لِمِيقَاتِنَا) ، قَالَ الثَّعْلَبِيّ: الْمِيقَات مفعال من الْوَقْت كالميعاد والميلاد انقلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا. قلت: أَصله: موقات، لِأَنَّهُ من الْوَقْت وَإِنَّمَا انقلبت يَاء لِأَن الْيَاء أُخْت الكسرة. قَوْله: (وَكلمَة ربه) ، حَتَّى سمع صرير الأقلام، وَكَانَ على طور سيناء وَلما ادناه ربه وناجاه اشتاق إِلَى رُؤْيَته، وَقَالَ: ﴿رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك﴾ فَقَالَ الله : ﴿لن تراني﴾ يَعْنِي: لَيْسَ لبشر أَن يُطيق النّظر إِلَيّ فِي الدُّنْيَا (من نظر إِلَيّ فِي الدُّنْيَا مَاتَ) ، قَالَ مُوسَى: إلهي قد سَمِعت كلامك فاشتقت إِلَى النّظر إِلَيْك فأرني أنظر إِلَيْك، فَلِأَن أنظر إِلَيْك ثمَّ أَمُوت أحب إِلَى من أَن أعيش فَلَا أَرَاك، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أنظر إِلَى الْجَبَل﴾ وَهُوَ أعظم جبل بمدين يُقَال لَهُ: زبير ﴿فَإِن اسْتَقر﴾ أَي: ثَبت بمكانه ﴿فَسَوف تراني بحلى ربه﴾ ، قَالَ ابْن عَبَّاس: تجليه ظُهُور نوره، وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار وَعبد الله بن سَلام: مَا تجلى من عَظمَة الله إِلَّا مثل سم الْخياط، وَقَالَ السّديّ: قدر الْخِنْصر، وروى أَحْمد فِي (مُسْنده) عَن أنس ﵁، عَن النَّبِي ﷺ ، فِي قَوْله: ﴿فَلَمَّا تجلى ربه للجبل﴾ قَالَ: هَكَذَا، يَعْنِي أَنه أخرج طرف الْخِنْصر الحَدِيث، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا، وَقَالَ:

стр. 5501

حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب، وَعَن سهل بن سعد: أَن الله تَعَالَى أظهر من سبعين ألف حجاب نورا قدر الدِّرْهَم فَجعل الْجَبَل كأقواله (جعله دكا) قَالَ ابْن عَبَّاس: تُرَابا، وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: ساخ الْجَبَل فِي الأَرْض حَتَّى وَقع فِي الْبَحْر فَهُوَ يذهب مَعَه، وَعَن أبي بكر الْهُذلِيّ: دكا انقعر فَدخل تَحت الأَرْض فَلَا يظْهر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ عَن أبي مَالك عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (لما تجلى الله للجبل طارت لعظمته سِتَّة أجبل فَوَقَعت ثَلَاثَة بِالْمَدِينَةِ وَثَلَاثَة بِمَكَّة، بِالْمَدِينَةِ: أحد وورقان ورضوى، وبمكة حراء وثبير وثور) . قَالَ ابْن كثير: هَذَا حَدِيث غَرِيب بل مُنكر، وَقَالَ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ: دكاً صَار رملاً هائلاً، وَاخْتلف الْقُرَّاء فِي دكاً فَقَرَأَ أهل الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة بِالْقصرِ والتنوين وَهُوَ اخْتِيَار أبي حَاتِم وَأبي عبيد الْقَاسِم بن سَلام، وَقَرَأَ أهل الْكُوفَة بِالْمدِّ أَي جعله مثل الأَرْض وَهِي الناتئة لَا تبلغ أَن تكون جبلا. قَوْله: (وخر مُوسَى صعقاً) أَي: خر مغشياً عَلَيْهِ يَوْم الْخَمِيس وَكَانَ يَوْم عَرَفَة وَأعْطِي التَّوْرَاة يَوْم الْجُمُعَة، وَهُوَ يَوْم النَّحْر، وَفِي (التَّلْوِيح) : وصعق مُوسَى مَوته، نظيرها قَوْله فِي سُورَة النِّسَاء: ﴿فَأَخَذتهم الصاعقة﴾ (النِّسَاء: ١٥٣) يَعْنِي: الْمَوْت، وَفِي الزمر: ﴿فَصعِقَ من فِي السَّمَوَات﴾ يَعْنِي: مَاتَ، وَفِي تَفْسِير ابْن كثير: وَالْمَعْرُوف أَن الصَّعق هُوَ الغشي هَهُنَا كَمَا فسره ابْن عَبَّاس وَغَيره لَا كَمَا فسره قَتَادَة بِالْمَوْتِ وَإِن كَانَ ذَلِك صَحِيحا فِي اللُّغَة. قَوْله: (فَلَمَّا أَفَاق) أَي: من الغشي، قَالَ مُحَمَّد بن جَعْفَر: شغله الْجَبَل حِين تجلى وَلَوْلَا ذَلِك لمات صعقاً بِلَا إفاقة. قَوْله: (قَالَ سُبْحَانَكَ) تَنْزِيها وتعظيماً وإجلالاً أَن يرَاهُ أحد فِي الدُّنْيَا إلَاّ مَاتَ. قَوْله: (تبت إِلَيْك) يَعْنِي عَن سُؤال الرُّؤْيَة فِي الدُّنْيَا، وَقيل: تبت إِلَيْك من الْإِقْدَام على الْمَسْأَلَة قبل الْإِذْن فِيهَا، وَقيل: من اعْتِقَاد جَوَاز الرُّؤْيَة فِي الدُّنْيَا، وَقيل: المُرَاد بِالتَّوْبَةِ هُنَا الرُّجُوع إِلَى الله تَعَالَى لَا على ذَنْب سبق، وَقيل: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك على جِهَة التَّسْبِيح وَهُوَ عَادَة الْمُؤمنِينَ عِنْد ظُهُور الْآيَات الدَّالَّة على عظم قدرته. قَوْله: (وَأَنا أول الْمُؤمنِينَ) ، أَي: بأنك لَا ترى فِي الدُّنْيَا، قَالَ مُجَاهِد: وَأَنا أول الْمُؤمنِينَ من بني إِسْرَائِيل، وَاخْتَارَهُ ابْن جرير، وَعَن ابْن عَبَّاس: وَأَنا أول الْمُؤمنِينَ أَنه لَا يراك أحد، وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَة. وتعلقت نفاة رُوَاة الرُّؤْيَة بِهَذِهِ الْآيَة، فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: لن، لتأكيد النَّفْي الَّذِي تعطيه: لَا، وَذَلِكَ أَن: لَا تَنْفِي الْمُسْتَقْبل، تَقول: لَا أفعل غَدا، فَإِن أكدت نَفيهَا قلت: لن أفعل غَدا، وَقَالَ ابْن كثير: وَقد أشكل حرف: لن، هَهُنَا على كثير لِأَنَّهَا مَوْضُوعَة للنَّفْي للتأبيد، فاستدلت بِهِ الْمُعْتَزلَة على نفي الرُّؤْيَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وَأجِيب: بِأَن الْأَحَادِيث قد تَوَاتَرَتْ عَن رَسُول الله ﷺ ، بِأَن الْمُؤمنِينَ يرَوْنَ الله فِي الدَّار الْآخِرَة. وَقيل إِنَّهَا لنفي التَّأْبِيد فِي الدُّنْيَا جمعا بَين هَذِه وَبَين الدَّلِيل الْقَاطِع على صِحَة الرُّؤْيَة فِي الْآخِرَة، وَقيل: إِن لن لَا توجب التَّأْبِيد لَكِن توجب التَّوْقِيت، كَقَوْلِه : ﴿وَلنْ يَتَمَنَّوْهُ أبدا﴾ (الْبَقَرَة: ٩٥) يَعْنِي: الْمَوْت، وَقَالَ عَليّ بن مهْدي: لَو كَانَ سُؤال مُوسَى ﵇، مستحيلاً لما أقدم عَلَيْهِ مَعَ كَمَال مَعْرفَته بِاللَّه ، وَقَالَ المتكلمون من أهل السّنة: لما علق الله الرُّؤْيَة باستقرار الْجَبَل دلّ على جَوَاز الرُّؤْيَة لِأَن استقراره غير مُسْتَحِيل، أَلا ترى أَن دُخُول الْكفَّار الْجنَّة لما كَانَ مستحيلاً علقه بِشَيْء مُسْتَحِيل فَقَالَ: ﴿لَا يدْخلُونَ الْجنَّة حَتَّى يلج الْجمل فِي سم الْخياط﴾ (الْأَعْرَاف: ٤٠) أَي: فِي خرق الإبرة. قَالَ ابنُ عبَّاسٍ أرِني أعْطِني هَذَا التَّعْلِيق وَصله الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: ﴿رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك﴾ (الْأَعْرَاف: ١٤٣) قَالَ أَعْطِنِي. ٤٦٣٨ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ عَمْروِ بنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ عنْ أبِيهِ عنْ أبي سَعيد الخدْرِيِّ ﵁ قَالَ جاءَ رَجُلٌ منَ اليَهُودِ إِلَى النبيِّ ﷺ قَدْ لُطِمَ وجْهُهُ وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إنَّ رجُلاً منْ أصْحابِكَ منَ الأنْصارِ لَطَمَ فِي وَجْهِي قَالَ ادْعُوهُ فَدَعَوْهُ قَالَ لِم لَطَمْتَ وجْهَهُ قَالَ يَا رسُولَ الله إنِّي مَرَرْتُ بالْيَهُودِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ والَّذِي اصْطَفَى موساى عَلَى البَشَرِ فقُلْتُ وعَلَى مُحَمَّدٍ فَقَالَ وعَلَى مُحَمَّدٍ فأخذَتْني غضْبَةٌ فَلَطَمْتهُ قَالَ: لَا تُخَيِّرُوني مِنْ بَيْنِ الأنْبِياءِ فإنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ فأكونُ أوَّلَ مَنْ يُفُيقُ فإِذَا أَنا بمُوسى آخِذٌ بِقائِمَةٍ منْ قوَائِم العَرْشِ

стр. 5502

فَلا أدْرِي أفاقَ قَبْلِي أمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطورِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: أم جوزي بصعقة الطّور، والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب الْأَشْخَاص فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن وهيب عَن عَمْرو بن يحيى عَن أَبِيه عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (لَا تخيروني) ، أَي: لَا تفضلُونِي بِحَيْثُ يلْزم نقص أَو غَضَاضَة على غَيره أَو يُؤَدِّي إِلَى الْخُصُومَة، أَو قَالَه تواضعاً، وَقيل: قَالَ ذَلِك قبل أَن يعلم تفضيله على الْكل، وَقد روى الْحَافِظ أَبُو بكر بن أبي الدُّنْيَا: أَن الَّذِي لطم الْيَهُودِيّ فِي هَذِه الْقِصَّة هُوَ أَبُو بكر الصّديق ﵁، وَمَا ذكره البُخَارِيّ هُوَ الْأَصَح. قَوْله: (فَإِن النَّاس يصعقون يَوْم الْقِيَامَة) الظَّاهِر أَن هَذَا الصَّعق يكون يَوْم الْقِيَامَة حِين يَأْتِي الرب لفصل الْقَضَاء ويتجلى فيصعقون حينئذٍ أَي: يغشى عَلَيْهِم، وَلَيْسَ المُرَاد من الصَّعق الْمَوْت. قَوْله: (أم جوزى) كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: جزى، وَالْأول هُوَ الْمَشْهُور فِي غير هَذَا الْموضع. المَنُّ والسَّلْوَى أَي: هَذَا فِي ذكر الْمَنّ والسلوى وَلَيْسَ فِي الحَدِيث ذكر السلوى، وَإِنَّمَا ذكره رِعَايَة للفظ الْقُرْآن، وَفِي بعض النّسخ: ﴿وأنزلنا عَلَيْهِم الْمَنّ والسلوى﴾ (الْبَقَرَة: ٥٧) قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وظللنا عَلَيْهِم الْغَمَام وأنزلنا عَلَيْهِم الْمَنّ والسلوى﴾ (الْأَعْرَاف: ١٦٠) وَقد مر تَفْسِير ذَلِك فِي سُورَة الْبَقَرَة. ٣ - (بابٌ: ﴿قُلْ يَا أيُّها النَّاسُ إنِّي رسولُ الله إلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لهُ لهُ مُلْكُ السَّماوَاتِ والأرْضِ لَا إلاهَ إلَاّ هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ فآمِنُوا بِاللَّه ورسُولِهِ النبيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمنُ بِاللَّه وكَلِماتِهِ واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الْأَعْرَاف: ١٥٨) أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله : ﴿قل يَا أَيهَا النَّاس﴾ قَوْله: (الْآيَة) ، أَي الْآيَة بِتَمَامِهَا، وَهُوَ قَوْله: ﴿لَا إِلَه إلَاّ هُوَ يحيي وَيُمِيت فآمنوا بِاللَّه وَرَسُوله النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي يُؤمن بِاللَّه وكلماته واتبعوه لَعَلَّكُمْ تهتدون﴾ وَفِي بعض النّسخ جَمِيع هَذِه مَذْكُور. قَوْله: (قل يَا أَيهَا النَّاس) ، يَقُول الله لنَبيه وَرَسُوله مُحَمَّد ﷺ : قل يَا مُحَمَّد: يَا أَيهَا النَّاس وَهَذَا خطاب للأحمر وَالْأسود والعربي والعجمي: (إِنِّي رَسُول الله إِلَيْكُم جَمِيعًا) أَي: جميعكم. قَوْله: (الَّذِي لَهُ ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض) ، صفة الله فِي قَوْله: (إِنِّي رَسُول الله) أَي الَّذِي أَرْسلنِي هُوَ خَالق كل شَيْء وربه ومليكه الَّذِي بِيَدِهِ الْملك والإحياء والإماتة. قَوْله: (فآمنوا بِاللَّه) لما أخْبرهُم بِأَنَّهُ رَسُول الله ﷺ ، أَمرهم بِالْإِيمَان بِهِ وباتباع رَسُوله النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي

стр. 5503

وعدتم بِهِ وبشرتم بِهِ فِي الْكتب الْقَدِيمَة فَإِنَّهُ منعوت بذلك فِي كتبهمْ. قَوْله: (واتبعوه) أَي: اسلكوا طَرِيقه واقتفوا أَثَره (لَعَلَّكُمْ تهتدون) إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم. ٤٦٤٠ - ح دَّثنا عبْدُ الله حَدثنَا سُلَيْمانُ بنُ عبْدِ الرحْمانِ ومُوساى بنُ هارُونَ قالَا حَدثنَا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ حَدثنَا عبْدُ الله بنُ العَلَاءِ بنِ زَبْرٍ قَالَ حدّثني بُسْرُ بنُ عُبَيْدِ الله قَالَ حدّثني أبُو إدْرِيسَ الخَوْلَانِيُّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ كانَتْ بَيْنَ أبي بَكْرٍ وعُمَرَ مُحاوَرَةٌ فأغْضَبَ أبُو بَكْرٍ عُمَرَ فانْصَرَفَ عنهُ عُمَرُ مُغْضَباً فاتَّبَعَهُ أبُو بَكْرٍ يَسْألُهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتّى أغْلَقَ بابَهُ فِي وَجْهِهِ فأقْبَلَ أبُو بَكْرٍ إِلَى رسُولِ الله ﷺ فَقَالَ أبُو الدَّرْدَاءِ ونَحْنُ عِنْدَهُ فَقَالَ رسُولُ الله ﷺ أمّا صاحِبُكُمْ هاذَا فَقَدْ غامَرَ قَالَ ونَدِمَ عُمَرُ عَلَى مَا كانَ مِنْهُ فأقْبَلَ حَتَّى سَلَّمَ وجَلَسَ إِلَى النبيِّ ﷺ وقَصَّ عَلَى رسولِ الله ﷺ الخَبَرَ قَالَ أبُو الدَّرْدَاءِ وغَضِبَ رسُولُ الله ﷺ وجَعَلَ أبُو بَكْرٍ يَقُولُ وَالله يَا رسُولَ الله لَانا كُنْتُ أظْلَمَ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ هَلْ أنْتُمْ تارِكُو لِي صاحبِي هَلْ أنْتُمْ تارِكُو لي صاحبِي إنِّي قُلْتُ يَا أيُّها النَّاسُ إنِّي رسُولُ الله إلَيْكُمْ جَمِيعاً فقُلْتُمْ كذَبْتَ وَقَالَ أبُو بَكْرٍ صَدَقْتَ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ﴿يَا أَيهَا النَّاس إِنِّي رَسُول الله إِلَيْكُم جَمِيعًا﴾ (الْأَعْرَاف: ١٥٨) وَعبد الله وَقع كَذَا غير مَنْسُوب فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَوَقع عِنْد ابْن السكن عَن الْفربرِي عَن البُخَارِيّ: حَدثنِي عبد الله بن حَمَّاد، وَبِذَلِك جزم الكلاباذي وَطَائِفَة وَهُوَ عبد الله بن حَمَّاد بن الطُّفَيْل أَبُو عبد الرَّحْمَن الآملي، بِالْمدِّ وَضم الْمِيم الْخَفِيفَة، آمل جيحون. قَالَ الْأصيلِيّ: هُوَ من تلامذة البُخَارِيّ، وَكَانَ يورق بَين يَدَيْهِ، وَقيل: شَارك البُخَارِيّ فِي كثير من شُيُوخه وَكَانَ من الْحفاظ، قَالَ الْمُنْذِرِيّ: ذكر ابْن يُونُس أَنه مَاتَ يَوْم الْأَرْبَعَاء لتسْع خلون من الْمحرم سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَقيل: مَاتَ بآمل حِين خرج من سَمَرْقَنْد، وَسليمَان بن عبد الرَّحْمَن ابْن إبنة شُرَحْبِيل بن أَيُّوب الدِّمَشْقِي، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع، مَاتَ سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، ومُوسَى بن هَارُون البني، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد النُّون، من أَفْرَاد البُخَارِيّ، والوليد بن مُسلم الدِّمَشْقِي أَبُو الْعَبَّاس، مَاتَ سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَة، وَعبد الله بن الْعَلَاء بن زبر، بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وبالراء الربعِي بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالعين الْمُهْملَة وَبسر، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وبالراء: ابْن عبيد الله الْحَضْرَمِيّ الشَّامي، وَأَبُو إِدْرِيس عَائِذ الله إسم فَاعل من العوذ، بِالْعينِ الْمُهْملَة والذال الْمُعْجَمَة: الْخَولَانِيّ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو وبالنون. وَأَبُو الدَّرْدَاء عُوَيْمِر الْأنْصَارِيّ، وَهَؤُلَاء الْخَمْسَة كلهم شَامِيُّونَ. والْحَدِيث مضى فِي: بَاب مَنَاقِب أبي بكر ﵁، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن هِشَام بن عمار عَن صَدَقَة بن خَالِد عَن زيد بن وَاقد عَن بسر بن عبيد الله إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (غامر) بالغين الْمُعْجَمَة من بَاب المفاعلة، أَي: سبق بِالْخَيرِ أَو وَقع فِي أَمر أَو زاحم وَخَاصم والمغامر الَّذِي يَرْمِي نَفسه فِي الْأُمُور الْمهْلكَة، وَقيل: هُوَ من الْغمر بِالْكَسْرِ، وَهُوَ الحقد الَّذِي حاقد غَيره. قَوْله: (تاركو لي صَاحِبي) بِحَذْف النُّون من: تاركون لِأَنَّهُ مُضَاف إِلَى قَوْله: صَاحِبي، لَكِن وَقع الْجَار وَالْمَجْرُور أَعنِي قَوْله: (لي) فاصلاً بَين الْمُضَاف. والمضاف إِلَيْهِ وَذَلِكَ جَائِز وَقد وَقع فِي كَلَام الْعَرَب كثيرا ويروى تاركون بالنُّون على الأَصْل. قَالَ أبُو عَبْدِ الله غامَرَ سَبَقَ بالخَيْرِ هَذَا لَيْسَ بموجود فِي بعض النّسخ. وَأَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، فسر قَوْله: (غامر) بقوله: سبق بِالْخَيرِ، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن.

стр. 5504

٤ - (بابٌ قوْلِهِ وقُولُو حِطَّةٌ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقُولُوا حطة وادخلوا الْبَاب سجدا﴾ (الْأَعْرَاف: ١٦١) وَلَيْسَ لفظ: بَاب، مَذْكُورا فِي بعض النّسخ. ٤٦٤١ - ح دَّثنا إسْحاقُ أخبَرَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخْبرنا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ قَالَ رسُولُ الله ﷺ قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ادْخُلُوا البابَ سُجَّداً وقُولوا حِطَّةٌ تٍ غْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ فَبَدَّلُوا فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أسْتاهِهِمْ وقالُوا حبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ. (انْظُر الحَدِيث ٣٤٠٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْحَاق هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي بن رَاهَوَيْه، وَمعمر، بِفَتْح الميمين: ابْن رَاشد، وَهَمَّام بتَشْديد الْمِيم الأولى ابْن مُنَبّه على وزن اسْم الْفَاعِل من التَّنْبِيه. والْحَدِيث مضى فِي أَوَائِل تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن ابْن الْمُبَارك عَن معمر إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (فبدلوا) ، أَي، غيروا. قَوْله: (فِي شَعْرَة) ، بِفتْحَتَيْنِ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فِي شعيرَة، بِكَسْر الْعين وَسُكُون الْيَاء آخرِ الْحُرُوف. ٥ - (بابٌ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأمُرْ بالْعُرْفِ وأعْرضْ عنِ الجاهِلِينَ﴾ (الْأَعْرَاف: ١٩٩) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذ الْعَفو﴾ وَقد أَمر الله نبيه ﷺ بِثَلَاثَة أَشْيَاء: الْأَخْذ بِالْعَفو وَالْأَمر بِالْعرْفِ والإعراض عَن الْجَاهِلين، وَرُوِيَ الطَّبَرِيّ عَن مُجَاهِد: خُذ الْعَفو من أَخْلَاق النَّاس وأعمالهم من غير تجسيس عَلَيْهِم، وَقَالَ ابْن الزبير: مَا أنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة إلَاّ فِي أَخْلَاق النَّاس، وَعَن ابْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك وَالسُّديّ: خُذ الْعَفو من أَمْوَال الْمُسلمين وَهُوَ الْفضل، وَقَالَ ابْن جرير: أَمر بذلك قبل نزُول الزَّكَاة، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: صَدَقَة كَانَت تُؤْخَذ قبل الزَّكَاة ثمَّ نسخت بهَا، وَقيل: هَذَا أَمر من الله تَعَالَى لنَبيه ﷺ بِالْعَفو عَن الْمُشْركين وَترك الغلظة عَلَيْهِم، وَذَلِكَ قبل فرض الْقِتَال. وَتَفْسِير الْعرف يَأْتِي الْآن. قَوْله: (وأغرض عَن الْجَاهِلين) أَي: عَن أبي جهل وَأَصْحَابه، وَقَالَ ابْن زيد: نسختها آيَة السَّيْف، وَقيل: لَيست بمنسوخة إِنَّمَا أَمر بِاحْتِمَال من ظلم. العُرْفُ المَعْرُوفُ أَرَادَ أَن الْعرف، الْمَأْمُور بِهِ فِي الْآيَة الْكَرِيمَة هُوَ الْمَعْرُوف، وَوَصله عبد الرَّزَّاق من طَرِيق همام بن عُرْوَة عَن أَبِيه، وَكَذَا أخرجه الطَّبَرِيّ من طَرِيق السّديّ وَقَتَادَة، وَفِي الْمَعْرُوف صلَة الرَّحِم وَإِعْطَاء من حرم وَالْعَفو عَمَّن ظلم، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: الْعرف وَالْمَعْرُوف مَا عرف من طَاعَة الله ، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: الْعرف وَالْمَعْرُوف والعارفة كل خصْلَة حميدة، وَقَالَ عَطاء: الْأَمر بِالْعرْفِ بِلَا إِلَه إلَاّ الله. ١٦٤ - (حَدثنَا أَبُو الْيَمَان أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ قَالَ أَخْبرنِي عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة أَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قدم عُيَيْنَة بن حصن بن حُذَيْفَة فَنزل على ابْن أَخِيه الْحر بن قيس وَكَانَ من النَّفر الَّذين يدنيهم عمر وَكَانَ الْقُرَّاء أَصْحَاب مجَالِس عمر ومشاورته كهولا كَانُوا أَو شبانا فَقَالَ عُيَيْنَة لِابْنِ أَخِيه يَا ابْن أخي لَك وَجه عِنْد هَذَا الْأَمِير فَاسْتَأْذن لي عَلَيْهِ قَالَ سأستأذن لَك عَلَيْهِ قَالَ ابْن عَبَّاس فَاسْتَأْذن الْحر لعيينة فَأذن لَهُ عمر فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ هِيَ يَا ابْن الْخطاب فوَاللَّه مَا تُعْطِينَا الجزل وَلَا تحكم بَيْننَا بِالْعَدْلِ فَغَضب

стр. 5505

عمر حَتَّى هم بِهِ فَقَالَ لَهُ الْحر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الله تَعَالَى قَالَ لنَبيه ﷺ َ - خُذ الْعَفو وَأمر بِالْمَعْرُوفِ وَأعْرض عَن الْجَاهِلين وَإِن هَذَا من الْجَاهِلين وَالله مَا جاوزنا عمر حِين تَلَاهَا عَلَيْهِ وَكَانَ وقافا عِنْد كتاب الله) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَهَذَا الْإِسْنَاد على هَذَا النمط قد سبق كثيرا والْحَدِيث من أَفْرَاده وَأخرجه أَيْضا فِي الِاعْتِصَام عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس قَوْله " مشاورته " بِلَفْظ الْمصدر عطفا على مجَالِس وبلفظ الْمَفْعُول وَالْفَاعِل عطفا على أَصْحَاب قَوْله " كهولا " بِضَم الْكَاف جمع كهل وَهُوَ الَّذِي وخطه الشيب قَالَه ابْن فَارس وَقَالَ الْمبرد هُوَ ابْن ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة قَوْله " أَو شبانا " بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة جمع شَاب هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني شبَابًا بِفَتْح الشين وبالباءين الموحدتين أولاهما مُخَفّفَة قَوْله " هِيَ " بِكَسْر الْهَاء وَسُكُون الْيَاء كلمة التهديد وَيُقَال هُوَ ضمير وثمة مَحْذُوف أَي هِيَ داهية أَو الْقِصَّة هَذِه ويروى هيه بهاء أُخْرَى فِي آخِره ويروى إيه من أَسمَاء الْأَفْعَال تَقول للرجل إِذا استزدته هن حَدِيث أَو عمل إيه بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء وَكسر الْهَاء قَوْله " مَا تُعْطِينَا الجزل " بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الزَّاي أَي مَا تُعْطِينَا الْعَطاء الْكثير وأصل الجزل مَا عظم من الْحَطب ثمَّ استعير مِنْهُ أجزل لَهُ فِي الْعَطاء أَي أَكْثَره قَوْله " مَا جاوزها " أَي مَا جَاوز الْآيَة الْمَذْكُورَة يَعْنِي لم يَتَعَدَّ عَن الْعَمَل بهَا قَوْله " وَكَانَ " أَي عمر وقافا مُبَالغَة فِي وَاقِف وَمَعْنَاهُ أَنه إِذا سمع كتاب الله يقف عِنْده وَلَا يتَجَاوَز عَن حكمه - ٤٦٤٣ - ح دَّثنا يَحْيَى حدّثنا وكِيعٌ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عبْدِ الله بنِ الزُّبَيْرِ خُذِ العَفْوِ وأْمُرْ بالْعُرْفِ قَالَ مَا أنْزَلَ الله إلَاّ فِي أخْلَاقِ النَّاسِ مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: ﴿خُذ الْعَفو وَأمر بِالْعرْفِ﴾ وَيحيى شيخ البُخَارِيّ مُخْتَلف فِيهِ، فَقَالَ أَبُو عَليّ بن السكن: هُوَ يحيى بن مُوسَى بن عبد ربه أَبُو زَكَرِيَّا السّخْتِيَانِيّ الْبَلْخِي، يُقَال لَهُ خت، وَقَالَ الْمُسْتَمْلِي: هُوَ يحيى بن جَعْفَر بن أعين أَبُو زَكَرِيَّا البُخَارِيّ البيكندي، ﵀، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يرْوى عَن أَبِيه عُرْوَة وَعُرْوَة يروي عَن أَخِيه عبد الله بن الزبير، وَهَذَا مَوْقُوف. قَوْله: (خُذ الْعَفو) ، يَعْنِي هَذِه الْآيَة مَا أنزلهَا الله إلَاّ فِي أَخْلَاق النَّاس. وَقَوله: (قَالَ) معترض بَين الجملتين، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب مُقَدّر فِي مَا أنزل كَمَا قدرناه، وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن جرير عَن ابْن وَكِيع عَن أَبِيه بِلَفْظ: مَا أنزل الله هَذِه الْآيَة إلَاّ فِي أَخْلَاق النَّاس، والأخلاق جمع خلق بِالضَّمِّ وَهُوَ ملكة تصدر بهَا الْأَفْعَال بِلَا روية، وَقَالَ جَعْفَر الصَّادِق: لَيْسَ فِي الْقُرْآن آيَة أجمع لمكارم الْأَخْلَاق مِنْهَا، وَلَعَلَّ ذَلِك لِأَن الْمُعَامَلَة إِمَّا مَعَ نَفسه أَو مَعَ غَيره، والغير إِمَّا عَالم أَو جَاهِل أَو لِأَن أُمَّهَات الْأَخْلَاق ثَلَاث لِأَن القوى الإنسانية ثَلَاث: الْعَقْلِيَّة والشهوية والغضبية، وَلكُل قُوَّة فَضِيلَة هِيَ وَسطهَا، للعقلية الْحِكْمَة وَبهَا الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ، وللشهوية الْعِفَّة وَمِنْهَا أَخذ الْعَفو، وللغضبية الشجَاعَة وَمِنْهَا: الْإِعْرَاض عَن الْجُهَّال. (وَقَالَ عبد الله بن براد حَدثنَا أَبُو أُسَامَة حَدثنَا هِشَام عَن أَبِيه عَن عبد الله بن الزبير قَالَ أَمر الله نبيه ﷺ َ - أَن يَأْخُذ الْعَفو من أَخْلَاق النَّاس أَو كَمَا قَالَ) هَذَا تَعْلِيق أخرجه عَن عبد الله بن براد وَفِي التَّوْضِيح لم يرو عَنهُ غير هَذَا التَّعْلِيق وَلَعَلَّه أَخذه عَنهُ مذاكرة وَأكْثر عَنهُ مُسلم مَاتَ سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ بِالْكُوفَةِ وبراد بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الرَّاء وَهُوَ اسْم جده وَهُوَ عبد الله بن عَامر بن براد بن يُوسُف بن أبي بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة وَقد تكَرر ذكره قيل اخْتلف فِي هَذَا عَن هِشَام فَمنهمْ من وَصله مِنْهُم الْإِسْمَاعِيلِيّ رَوَاهُ من حَدِيث الطفَاوِي عَن هِشَام وَمِنْهُم من وَقفه مِنْهُم معمر وَابْن أبي الزِّنَاد وَحَمَّاد بن سَلمَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه من قَوْله مَوْقُوفا -

стр. 5506

٨ - (سورَةُ الأنْفالِ) أَي: هَذَا بعض تَفْسِير سُورَة الْأَنْفَال وَهِي مَدَنِيَّة إلَاّ خمس آيَات مَكِّيَّة، وَهِي قَوْله: ﴿إِن شَرّ الدَّوَابّ عِنْد الله﴾ (الْأَنْفَال: ٢٢ و ٥٥) إِلَى آخر الْآيَتَيْنِ، وَقَوله: ﴿وَإِذ يمكر بك الَّذين كفرُوا﴾ إِلَى قَوْله: ﴿بِعَذَاب أَلِيم﴾ (الْأَنْفَال: ٣٣) ، وفيهَا آيَة أُخْرَى اخْتلف فِيهَا، وَهِي قَوْله: ﴿وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم وَمَا كَانَ الله معذبهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الْأَنْفَال: ٣٠) وَقَالَ الْحصار فِي كِتَابه: ﴿النَّاسِخ والمنسوخ﴾ : مَدَنِيَّة بِاتِّفَاق، وَحكى الْقُرْطُبِيّ عَن ابْن عَبَّاس: مَدَنِيَّة إلَاّ سبع آيَات من قَوْله: ﴿وَإِذ يمكر بك الَّذين كفرُوا﴾ إِلَى آخر سبع آيَات، وَقَالَ مقَاتل: مَدَنِيَّة وفيهَا من الْمَكِّيّ: ﴿وَإِذ يمكر بك الَّذين كفرُوا﴾ إِلَى آخر الْآيَة، وَقَالَ السخاوي: نزلت قبل آل عمرَان وَبعد الْبَقَرَة وآياتها أَرْبَعُونَ وست آيَات، وكلماتها ألف كلمة وسِتمِائَة كلمة وَإِحْدَى وَثَلَاثُونَ كلمة، وحروفها خَمْسَة آلَاف ومائتان وَأَرْبَعَة وَتسْعُونَ حرفا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر. ١ - (بابٌ قوْلُهُ: ﴿يَسألُونَكَ عنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لله والرَّسولِ فاتقُوا الله وأصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنَكُمْ﴾ (الْأَنْفَال: ١) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال﴾ إِلَى آخِره، وَلَيْسَ فِي كثير من النّسخ لفظ: بَاب. قَوْله: (يَسْأَلُونَك) ، يَعْنِي: يَسْأَلك أَصْحَابك يَا مُحَمَّد عَن الْغَنَائِم الَّتِي غنمتها أَنْت وَأَصْحَابك يَوْم بدر لمن هِيَ، فَقيل: هِيَ لله وَرَسُوله، وَقيل: هِيَ أنفال السَّرَايَا، وَقيل: هِيَ مَا شدّ من الْمُشْركين إِلَى الْمُسلمين من عبد أَو دَابَّة وَمَا أشبه ذَلِك، وَقيل: هِيَ مَا أَخذ مِمَّا يسْقط من الْمَتَاع بعد مَا تقسم الْغَنَائِم فَهُوَ نفل لله وَرَسُوله، وَقيل: النَّفْل الْخمس الَّذِي جعله الله تَعَالَى لأهل الْخمس، وَقَالَ النّحاس: فِي هَذِه الْآيَة أَقْوَال فأكثرهم على أَنَّهَا مَنْسُوخَة بقوله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَإِن لله خمسه﴾ (الْأَنْفَال: ٤١) وَقَالَ بَعضهم: هِيَ محكمَة وللأئمة أَن يعملوا بهَا فينفلوا من شاؤوا إِذا كَانَ ذَلِك صَلَاح الْمُسلمين، وَفِي تَفْسِيره مكي: أَكثر النَّاس على أَنَّهَا محكمَة، وَمِمَّنْ قَالَه أَيْضا ابْن عَبَّاس. قَوْله: (فَاتَّقُوا الله) ، الْآيَة أَي: خَافُوا من الله بترك مُخَالفَة رَسُوله. قَوْله: (وَأَصْلحُوا ذَات بَيْنكُم) ، أَي: أَحْوَال بَيْنكُم حَتَّى تكون أَحْوَال ألفة ومحبة، والبين: الْوَصْل كَقَوْلِه: لقد تقطع بَيْنكُم. ﴿قَالَ ابنُ عبّاسٍ: الأنْفالُ المَغانِمُ﴾ هَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: الْأَنْفَال الْمَغَانِم كَانَت لرَسُول الله ﷺ خَالِصَة لَيْسَ لأحد فِيهَا شَيْء. قَالَ قَتادَةُ رْيحُكُمْ الحَرْبُ أَشَارَ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تنازعوا فتفشلوا وَتذهب ريحكم﴾ (الْأَنْفَال: ٨) وَفسّر قَتَادَة الرّيح بِالْحَرْبِ، وروى هَذَا التَّعْلِيق عبد الرَّزَّاق فِي (تَفْسِيره) عَن معمر عَنهُ، وَفِي التَّفْسِير: وَتذهب ريحكم أَي قوتكم وحدتكم وَمَا كُنْتُم من الاقبال. يُقالُ نافِلَةٌ عَطِيَّةٌ إِنَّمَا ذكر هَذَا اسْتِطْرَادًا لِأَن فِي معنى الْأَنْفَال الَّتِي هِيَ الْمَغَانِم معنى الْعَطِيَّة. قَالَ الْجَوْهَرِي: النَّفْل والنافلة عَطِيَّة التَّطَوُّع من حَيْثُ لَا تجب، وَمِنْه نَافِلَة الصَّلَاة، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن اللَّيْل فتهجد بِهِ نَافِلَة﴾ (الْإِسْرَاء: ٧٩) أَي: غنيمَة. ٤٦٤٥ - ح دَّثني مُحَمَّدُ بنُ عبْدِ الرَّحِيمِ حدّثنا سعِيدُ بنُ سُلَيْمانَ أخبرَنا هُشَيْمٌ أخبرنَا أَبُو بِشْرٍ عنْ سعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ ل ابنِ عبَّاسٍ ﵄ سورَةُ الأنْفَالِ قَالَ نَزَلَتْ فِي بَدْرٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن عبد الرَّحِيم أَبُو يحيى كَانَ يُقَال لَهُ صَاعِقَة، وَسَعِيد بن سُلَيْمَان الْبَغْدَادِيّ الْمَشْهُور بسعدويه، وهشيم مصغر الهشم بن بشير الو اسطي، وَأَبُو بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: جَعْفَر بن أبي وحشية واسْمه

стр. 5507

إِيَاس الوَاسِطِيّ. قَوْله: (سُورَة الْأَنْفَال) أَي: مَا سَبَب نزُول سُورَة الْأَنْفَال؟ قَوْله: (قَالَ نزلت فِي بدر) أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس: نزلت سُورَة الْأَنْفَال فِي قَضِيَّة بدر، وَهَذَا أحد الْأَقْوَال وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَادِهِ عَن سعد بن أبي وَقاص قَالَ: لما كَانَ يَوْم بدر وَقتل أخي عُمَيْر وَقتلت سعيد بن الْعَاصِ وَأخذت سَيْفه، وَكَانَ يُسمى ذَا الكثيفة، فَأتيت بِهِ نَبِي الله ﷺ ، فَقَالَ: إذهب فَاطْرَحْهُ فِي الْقَبْض. قَالَ: فَرَجَعت وَبِي مَا لَا يُعلمهُ إلَاّ الله من قتل أخي وَأخذ سَلبِي، قَالَ: فَمَا جَاوَزت إلَاّ يَسِيرا حَتَّى نزلت سُورَة الْأَنْفَال، فَقَالَ لي رَسُول الله ﷺ : إذهب فَخذ سَيْفك، قلت: الكثيفة، بِضَم الْكَاف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالفاء، وَالْقَبْض، بِفتْحَتَيْنِ: بِمَعْنى الْمَقْبُوض وَهُوَ مَا جمع من الْغَنِيمَة قبل أَن يقسم، وَقيل: إِنَّهَا نزلت هَذِه الْآيَة لِأَن بعض الصَّحَابَة سَأَلَ النَّبِي ﷺ من الْمغنم شَيْئا قبل قسمته فَلم يُعْطه إِيَّاه إِذْ كَانَ شركا بَين الْجَيْش، وَقَالَ مقَاتل: نزلت فِي أبي الْيُسْر إِذْ قَالَ النَّبِي ﷺ : أعطنا مَا وعدتنا من الْغَنِيمَة، وَكَانَ قتل رجلَيْنِ وَأسر رجلَيْنِ: الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَآخر يُقَال لَهُ سعد بن معَاذ، وَقَالَ ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد: إِنَّهُم سَأَلُوا رَسُول الله ﷺ ، عَن الْخمس بعد الْأَرْبَعَة أَخْمَاس، فَنزلت ﴿يَسْأَلُونَك﴾ (الْأَنْفَال: ١) . الشَّوْكَةُ الحَدُّ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ يَعدكُم الله إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لكم وتودون أَن غير ذَات الشَّوْكَة تكون لكم﴾ (الْأَنْفَال: ٧) وَفسّر الشَّوْكَة بقوله: (الْحَد) وَفِي التَّفْسِير: أَي تحبون أَن الطَّائِفَة الَّتِي لَا حد لَهَا وَلَا مَنْعَة وَلَا قتال تكون لكم وَهِي العير، وَهَذِه اللَّفْظَة أَعنِي قَوْله: (الشَّوْكَة الْحَد) لم تثبت لأبي ذَر. مُرْدَفِينَ فوْجاً بعْدَ فوْجٍ رَدِفَنِي وأرْدَفَني جاءَ بَعْدِي أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي مُمِدكُمْ بِأَلف من الْمَلَائِكَة مُردفِينَ﴾ (الْأَنْفَال: ٩) وَفسّر مُردفِينَ بقوله: فوجاً بعد فَوْج، وَعَن ابْن عَبَّاس: مُردفِينَ مُتَتَابعين، وَعنهُ: المردفون المدد، وَعنهُ: وَرَاء كل ملك ملك، وَعنهُ: بَعضهم على إِثْر بعض، وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاك وَقَتَادَة، وَقَالَ ابْن جرير: حَدثنِي الْمثنى حَدثنَا إِسْحَاق حَدثنَا يَعْقُوب بن مُحَمَّد الزُّهْرِيّ حَدثنِي عبد الْعَزِيز بن عمرَان عَن الزمعِي عَن أبي الْحُوَيْرِث عَن مُحَمَّد ابْن جُبَير عَن عَليّ ﵁، قَالَ: نزل جِبْرِيل ﵇، وَفِي ألف من الْمَلَائِكَة عَن ميمنة النَّبِي ﷺ وفيهَا أَبُو بكر ﵁، وَنزل مِيكَائِيل ﵇، فِي ألف من الْمَلَائِكَة عَن ميسرَة النَّبِي ﷺ ، وَأَنا فِي الميسرة، وَقَالَ ابْن كثير: وَهَذَا يَقْتَضِي، لَو صَحَّ إِسْنَاده، أَن الْألف مردوفه بِمِثْلِهَا، وَلِهَذَا قَرَأَ بَعضهم مُردفِينَ، بِفَتْح الدَّال. قَوْله: (ردفني وأردفني) ، أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن ردف بِكَسْر الدَّال وَأَرْدَفَ بِمَعْنى وَاحِد، قَالَ الطَّبَرِيّ: الْعَرَب تَقول: أردفته وردفته بِمَعْنى، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: ردفه بِالْكَسْرِ أَي تبعه، والردف المرتدف وَهُوَ الَّذِي يركب خلف الرَّاكِب، وأردفته أَنا إِذا أركبته مَعَك، وَذَلِكَ الْموضع الَّذِي يركبه رداف، فَكل شَيْء تبع شَيْئا فَهُوَ ردفه، والترادف التَّتَابُع. ذُوقُوا باشِرُوا وجَرِّبُوا ولَيْسَ هَذا مِنْ ذَوْقِ الفَمِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِكُم فذوقوه وَإِن للْكَافِرِينَ عَذَاب النَّار﴾ (الْأَنْفَال: ١٤) وَفسّر: ذوقوا، بقوله: باشروا وجربوا وَهَذَا من الْمجَاز أَن يسْتَعْمل الذَّوْق وَهُوَ مِمَّا يتَعَلَّق بالأجسام فِي الْمعَانِي، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فذاقوا وبال أَمرهم﴾ (الْحَشْر: ١٥ والتغابن: ٥) وَلِهَذَا قيد بقوله: وَلَيْسَ هَذَا من ذوق الْفَم، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِي: فذوقوه، يرجع إِلَى الْعقَاب الْمَذْكُور قبله، وَهُوَ قَوْله: ﴿فَإِن الله شَدِيد الْعقَاب﴾ (الْبَقَرَة: ٢١١ والأنفال: ١٣) . فيَرْكُمُهُ يَجْمَعُهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: ﴿ليميز الله الْخَبيث من الطّيب وَيجْعَل الْخَبيث بعضه على بعض فيركمه﴾ (الْأَنْفَال: ٣٧) وَفسّر: يركمه، بقوله: يجمعه، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، فَقَالَ: يجمعه بعضه فَوق بعض، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن يزِيد القراطيسي عَن إصبغ عَن ابْن زيد، والركم جمع الشَّيْء بعضه على بعض، كَمَا قَالَ فِي السَّحَاب: ثمَّ يَجعله ركاماً أَي: متراكباً، وَالْمعْنَى: ليميز الله الْفَرِيق الْخَبيث من الْكفَّار من الْفَرِيق

стр. 5508

الطّيب من الْمُؤمنِينَ فَيجْعَل الْفَرِيق الْخَبيث بعضه على بعض فيركمه جَمِيعًا حَتَّى يتراكبوا فَيَجْعَلهُ فِي جَهَنَّم، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِي: فيركمه، يرجع إِلَى الْفَرِيق الْخَبيث. شَرِّدْ فَرِّقْ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فإمَّا تثقفنهم فِي الْحَرْب فشرد بهم من خَلفهم لَعَلَّهُم يذكرُونَ﴾ (الْأَنْفَال: ٥٧) وَفسّر لفظ: شرد بقوله: فرق، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ الزّجاج: تفعل بهم فعلا من الْقَتْل والتفريق، قَالَ: وَهُوَ بذال مُعْجمَة ومهملة لُغَتَانِ، وَفِي التَّفْسِير: أَي نكل بهم، كَذَا فسره ابْن عُيَيْنَة، وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَالْحسن وَالضَّحَّاك وَالسُّديّ وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي: مَعْنَاهُ غلظ عقوبتهم وأثخنهم قتلا ليخاف من سواهُم من الْأَعْدَاء من الْعَرَب وَغَيرهم. وإِنْ جَنَحُوا طَلَبُوا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن جنحوا للسلم فاجنح لهاوتوكل على الله﴾ (الْأَنْفَال: ٦١) وَفسّر: جنحوا، بقوله: طلبُوا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَي إِن رجعُوا إِلَى المسالمة وطلبوا الصُّلْح، وَفِي التَّفْسِير: أَي وَإِن مالوا إِلَى المسالمة والمهادنة فاجنح لَهَا أَي، مل إِلَيْهَا وَاقْبَلْ مِنْهُم ذَلِك. يُثْخِنَ يَغْلِبَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى حَتَّى يثخن فِي الأَرْض﴾ (الْأَنْفَال: ٦٧) وَفسّر قَوْله: يثخن، بقوله: يغلب، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وروى ابْن أبي حَاتِم عَن منْجَاب بن الْحَارِث عَن بشر بن عمَارَة عَن أبي روق عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس بِلَفْظ: يظْهر على الأَرْض. وَقَالَ مجاهِدٌ مُكاءً إدْخالُ أصابِعِهِمْ فِي أفْوَاهِهِمْ: وتَصْدِيَةَ الصَّفِيرُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ صلَاتهم عِنْد الْبَيْت إلَاّ مكاء وتصدية فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكفرون﴾ (الْأَنْفَال: ٣٥) وَفسّر: المكاء، بقوله: إِدْخَال أَصَابَهُم فِي أَفْوَاههم، قَالَه عبد الله بن عَمْرو ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَعِكْرِمَة وَسَعِيد بن جُبَير وَأَبُو رَجَاء العطاردي وَمُحَمّد بن كَعْب الْقرظِيّ وَحجر بن عَنْبَس ونبيط بن شريط وَقَتَادَة بن زيد بن أسلم: المكاء، الصفير وَزَاد مُجَاهِد: وَكَانُوا يدْخلُونَ أَصَابِعهم فِي أَفْوَاههم، والتصدية فَسرهَا البُخَارِيّ بقوله: الصفير، وَكَذَا فَسرهَا مُجَاهِد رَوَاهُ عبد بن حميد من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَنهُ، وَفَسرهُ أَبُو عُبَيْدَة بالتصفيق حَيْثُ قَالَ: التصدية صفق الأكف، وَقَالَ ابْن جرير بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عمر: المكاء الصفير والتصدية التصفيق، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس فِي هَذِه الْآيَة: كَانَت قُرَيْش تَطوف بِالْبَيْتِ عُرَاة تصفر وتصفق. لِيُثْبِتُوكَ ليَحْبِسوكَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿وَإِذا يمكر بك الَّذين كفرُوا ليثبتوك أَو يَقْتُلُوك أَو يخرجوك﴾ (الْأَنْفَال: ٣٠) الْآيَة وَفسّر قَوْله: (ليثبتوك) بقوله: ليحبسوك، وَبِه فسر عَطاء وَابْن زيد، وَقَالَ السّديّ: الْإِثْبَات هُوَ الْحَبْس والوثاق، وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَقَتَادَة: ليثبتوك ليقيدوك، وَقَالَهُ سنيد عَن حجاج عَن ابْن جريج، قَالَ عَطاء: سَمِعت عبيد بن عُمَيْر يَقُول: لما ائْتَمرُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ ليثبتوه أَو يقتلوه أَو يخرجوه قَالَ لَهُ عَمه أَبُو طَالب: هَل تَدْرِي مَا ائتمر بك؟ قَالَ: يُرِيدُونَ أَن يسجروني أَو يقتلوني أَو يُخْرِجُونِي، قَالَ: من خبرك بِهَذَا؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: نعم الرب رَبك اسْتَوْصِ بِهِ خيرا، قَالَ: أَنا أستوصي بِهِ؟ بل هُوَ يستوصي بِي. وَرَوَاهُ ابْن جرير أَيْضا بِإِسْنَادِهِ إِلَى عبيد بن عُمَيْر عَن الْمطلب بن أبي ودَاعَة نَحوه، وَقَالَ ابْن كثير: ذكر أبي طَالب هُنَا غَرِيب جدا بل مُنكر لِأَن هَذِه الْآيَة مَدَنِيَّة ثمَّ إِن هَذِه الْقِصَّة واجتماع قُرَيْش على هَذَا الائتمار والمشاورة على الْإِثْبَات أَو النَّفْي أَو الْقَتْل إِنَّمَا كَانَ لَيْلَة الْهِجْرَة سَوَاء، وَكَانَ ذَلِك بعد موت أبي طَالب بِنَحْوِ من ثَلَاث سِنِين لما تمكنوا مِنْهُ واجترؤوا عَلَيْهِ بِسَبَب موت عَمه أبي طَالب الَّذِي كَانَ يحوطه وينصره وَيقوم بأعبائه، وَاعْلَم أَن هَذِه الْأَلْفَاظ وَقعت فِي كثير من النّسخ مُخْتَلفَة بِحَسب تَقْدِيم بَعْضهَا على بعض وَتَأْخِير بَعْضهَا عَن بعض.

стр. 5509

إنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ الله الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ هَذَا يعم جَمِيع من أشرك بِاللَّه من حَيْثُ الظَّاهِر وَإِن كَانَ سَبَب نُزُوله خَاصّا على مَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد أَن المُرَاد بهؤلاء نفر من بني عبد الدَّار من قُرَيْش، وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: هم المُنَافِقُونَ، وَأخْبر الله تَعَالَى عَنْهُم أَن هَذَا الضَّرْب من بني آدم سيء الْخلق والخليفة، فَقَالَ: إِن شَرّ الدَّوَابّ الصم أَي عَن سَماع الْحق إِلَيْكُم عَن فهمه وَلِهَذَا قَالَ: لَا يعْقلُونَ، فَهَؤُلَاءِ شَرّ الْبَريَّة لِأَن كل دَابَّة مِمَّا سواهُم مطيعة لله تَعَالَى فِيمَا خلقهَا لَهُ، وَهَؤُلَاء خلقُوا لِلْعِبَادَةِ فَكَفرُوا وَلِهَذَا شبههم بالأنعام فِي قَوْله: ﴿أُولَئِكَ كالأنعام بل هم أضلّ سَبِيلا﴾ (الْأَعْرَاف: ١٧٩) . ٤٦٤٦ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يوسُفَ حَدثنَا ورْقاءُ عنِ ابنِ نَجِيحٍ عنْ مُجاهِدٍ عنِ ابنِ عبّاسٍ إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ الله الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ قَالَ هُمْ نَفَرٌ منْ بَني عَبْدِ الدَّار. ٢ - (بَاب: ﴿يَا أيُّها الَّذِينَ آمنُوا اسْتَجِيبُوا لله ولِلرَّسولِ إذَا دَعاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ واعْلَمُوا أنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وأنّهُ إلَيْه تُحْشَرُونَ﴾ (الْأَنْفَال: ٢٤) (اسْتجِيبُوا) بِمَعْنى: اجيبوا لله تَعَالَى، يُقَال: استجبت لَهُ وأجبته، والاستجابة هُنَا بِمَعْنى الْإِجَابَة. قَوْله: (إِذا دعَاكُمْ) أَي: إِذا طَلَبكُمْ. قَوْله: الْآيَة أَي: الْآيَة بِتَمَامِهَا، وَهِي قَوْله: (وَاعْلَمُوا أَن الله يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه وأنكم إِلَيْهِ تحشرون) ، وَفِي بعض النّسخ ذكر من قَوْله: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ إِلَى قَوْله: ﴿تحشرون﴾ قَوْله: (يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه) قَالَ ابْن عَبَّاس: يحول بَين الْمُؤمن وَبَين الْكفْر وَبَين الْكَافِر وَبَين الْإِيمَان، رَوَاهُ الْحَاكِم فِي: (مُسْتَدْركه) مَوْقُوفا، وَقَالَ: صَحِيح وَلم يخرجَاهُ، وَرَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه من وَجه آخر مَرْفُوعا وَلَا يَصح لضعف إِسْنَاده، وَالْمَوْقُوف أصح، وَعَن مُجَاهِد: يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه حَتَّى يتْركهُ لَا يعقل، وَقَالَ السّديّ: يحول بَين الْإِنْسَان وَقَلبه فَلَا يَسْتَطِيع أَن يُؤمن وَلَا يكفر إلَاّ بِإِذْنِهِ. اسْتَجِيبُوا أجِيبُوا لِمَا يُحْيِيكُمْ يُصْلِحُكُمْ قد مر الْآن أَن: استجيبو، بِمَعْنى أجِيبُوا، وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة. قَوْله: (لما يُحْيِيكُمْ) فسره بقوله: يصلحكم، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ مُجَاهِد: لما يُحْيِيكُمْ للحق، وَقَالَ قَتَادَة: هُوَ هَذَا الْقُرْآن فِيهِ النجَاة والبقاء والحياة، وَقَالَ السّديّ: لما يُحْيِيكُمْ فِي الْإِسْلَام بعد مَوْتهمْ بالْكفْر، وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر ابْن الزبير عَن عُرْوَة بن الزبير: إِذا دعَاكُمْ لما يُحْيِيكُمْ، أَي: للحرب الَّتِي أعزكم بهَا بعد الذل، وقواكم بهَا بعد الضعْف، ومنعكم من عَدوكُمْ بعد الْقَهْر مِنْهُم لكم. ٤٦٤٧ - ح دَّثني إسْحاقُ أخبرَنا رَوْحٌ حدّثنا شُعْبَةُ عنْ خُبَيْبِ بنِ عبْدِ الرَّحْمانِ سَمِعتُ حَفْصَ بنَ عاصِمٍ يُحَدِّثُ عنْ أبي سَعِيدِ بنِ المُعَلَّى ﵁ قَالَ كُنْتُ أُصَلِّي فَمَرَّ بِي رسولُ الله ﷺ فَدَعاني فَلَمْ آتهِ حَتَّى صَلَّيْتُ ثُمَّ أتَيْتُهُ فَقَالَ مَا مَنَعَكَ أنْ تأتَى ألَمْ يَقُلِ الله ﴿يَا أيُّها الَّذِينَ آمنُوا اسْتَجِيبُوا لله ولِلرَّسُولِ إذَا دَعاكُمْ، ثُمَّ قَالَ لأُعَلِّمَنَّكَ أعْظَمَ سورَةٍ فِي القُرْآنِ قَبْلَ أنْ أخْرُجَ فَذَهَبَ رسولُ الله ﷺ ليَخْرُج فذَكَرتُ لهُ﴾ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْحَاق كَذَا وَقع فِي غَالب النّسخ غير مَنْسُوب، وَفِي نُسْخَة مروية عَن طَرِيق أبي ذَر: إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، وَذكر أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي وَخلف الوَاسِطِيّ أَنه إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَكَذَا نَص عَلَيْهِ الْحَافِظ

стр. 5510

الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) ، وروح، بِفَتْح الرَّاء ابْن عبَادَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة، وخبيب بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف الخزرجي، وَأَبُو سعيد اسْمه حَارِث أَو رَافع أَو أَوْس بن الْمُعَلَّى بِلَفْظ إسم الْمَفْعُول من التعلية بِالْمُهْمَلَةِ الْأنْصَارِيّ. والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة الْفَاتِحَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن شُعْبَة إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (أعظم سُورَة) أَي فِي الثَّوَاب على قرَاءَتهَا وَذَلِكَ لما يجمع هَذِه السُّورَة من الثَّنَاء وَالدُّعَاء وَالسُّؤَال. قَوْله: (قبل أَن أخرج) ، أَي: من الْمَسْجِد، وَبِه صرح فِي الحَدِيث الَّذِي مضى فِي تَفْسِير الْفَاتِحَة. قَوْله: (فَذكرت لَهُ) ، أَي: لرَسُول الله ﷺ وَهُوَ قَوْله: لأعلمنك أعظم سُورَة فِي الْقُرْآن، وَفِي الَّذِي مضى فِي تَفْسِير الْفَاتِحَة قلت لَهُ: ألم تقل لأعلمنك سُورَة هِيَ أعظم سُورَة فِي الْقُرْآن؟ قَالَ: (الْحَمد لله رب الْعَالمين هِيَ السَّبع المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم الَّذِي أُوتِيتهُ) . وَقَالَ مُعاذٌ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ خُبَيْبٍ سَمِعَ حفْصاً سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ رَجُلاً منْ أصْحابِ النبيِّ ﷺ بِهاذَا وَقَالَ هِيَ الحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِينَ السَّبْعُ المَثانِي. هَذَا تَعْلِيق رَوَاهُ معَاذ بن معَاذ الْعَنْبَري بِسُكُون النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة عَن شُعْبَة بن الْحجَّاج عَن خبيب بن عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور فِي الحَدِيث الْمَاضِي عَن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب أبي سعيد بن الْمُعَلَّى، وَوَصله الْحسن بن سُفْيَان فِي مُسْنده عَن عبيد الله بن معَاذ عَن أَبِيه عَن شُعْبَة إِلَى آخِره، وَفَائِدَة إِيرَاد هَذَا التَّعْلِيق مَا وَقع فِيهِ من تَصْرِيح سَماع حَفْص بن عَاصِم عَن أبي سعيد بن الْمُعَلَّى. قَوْله: (رجلا) ، بدل من أبي سعيد. قَوْله: (بِهَذَا) ، أَي: بِهَذَا الحَدِيث الْمَذْكُور. قَوْله: (وَقَالَ) أَي: النَّبِي ﷺ هِيَ أعظم سُورَة فِي الْقُرْآن الْحَمد لله رب الْعَالمين السَّبع المثاني بدل قَوْله: (رب الْعَالمين) ، أَو عطف بَيَان وَهِي سبع آيَات وَسميت بالمثاني لِأَنَّهَا تئني فِي الصَّلَاة، والمثاني من التَّثْنِيَة وَهِي التكرير لِأَن الْفَاتِحَة تَتَكَرَّر فِي الصَّلَاة، أَو من الثَّنَاء لاشتمالها على الثَّنَاء على الله تَعَالَى. ٣ - (بابٌ: ﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هاذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذَابٍ ألِيمٍ﴾ (الْأَنْفَال: ٣٢) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَإِذ قَالُوا اللَّهُمَّ﴾ الْآيَة، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ ذكر لفظ: بَاب، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: ﴿وَإِذ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحق من عنْدك فَأمْطر﴾ الْآيَة. قَوْله: (وَإِذ قَالُوا) أَي: ذكر حِين قَالُوا مَا قَالُوا، والقائلون هم كفار قُرَيْش مثل النَّضر بن الْحَارِث وَأبي جهل وإضرابهما من الْكَفَرَة الجهلة وَذَلِكَ من كَثْرَة جهلهم وعتوهم وعنادهم وَشدَّة تكذيبهم. قَوْله: (هَذَا هُوَ الْحق) أَرَادوا بِهِ الْقُرْآن، وَقيل: أَرَادو بِهِ نبوة النَّبِي ﷺ . قَوْله: (فَأمْطر علينا حِجَارَة من السَّمَاء) ، إِنَّمَا قَالُوا هَذَا القَوْل لشُبْهَة تمكنت فِي قُلُوبهم وَلَو عرفُوا بُطْلَانهَا مَا قَالُوا مثل هَذَا القَوْل مَعَ علمهمْ بِأَن الله قَادر على ذَلِك، فطلبوا إمطار الْحِجَارَة إعلاماً بِأَنَّهُم على غَايَة الثِّقَة فِي أَن أمره ﷺ لَيْسَ بِحَق، وَإِذا لم يكن حَقًا لم يصبهم هَذَا الْبلَاء الَّذِي طلبوه. قَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ مَا سَمَّى الله تَعَالَى مَطَراً فِي القُرْآنِ إلَاّ عذَاباً وتُسَمِّيهِ العَرَبُ الغَيْثَ وهْوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُنْزِلُ الغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قنطُوا﴾ (الشورى: ٢٨) أَي: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة إِلَى آخِره، وَهَكَذَا هُوَ فِي تَفْسِيره رَوَاهُ سعيد بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي عَنهُ. قَوْله: (إِلَّا عذَابا) ، فِيهِ نظر لِأَن الْمَطَر جَاءَ فِي الْقُرْآن بِمَعْنى الْغَيْث فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن كَانَ بكم أَذَى من مطر﴾ (النِّسَاء: ١٠٢) فَالْمُرَاد بِهِ هُنَا الْمَطَر قطعا وَمعنى التأذي بِهِ البلل الْحَاصِل مِنْهُ والوحل وَغير ذَلِك. قَوْله: (وتسميه الْعَرَب) إِلَى آخِره، من كَلَام ابْن عُيَيْنَة، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْمَطَر وَاحِد الأمطار، ومطرت السَّمَاء تمطر مَطَرا، وأمطرها الله وَقد مُطِرْنَا، وناس يَقُولُونَ: مطرَت السَّمَاء وأمطرت بِمَعْنى، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: إِذا كَانَ من الْعَذَاب فَهُوَ أمْطرت، وَإِن كَانَ من الرَّحْمَة فَهُوَ ومطرت.

стр. 5511

٤٦٤٨ - ح دَّثني أحْمَدُ حَدثنَا عُبَيْدُ الله بنُ مُعاذٍ حَدثنَا أبي حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ عبْدِ الحَمِيدِ هُوَ ابنُ كُرْدِيدٍ صاحِبُ الزِّيادِيِّ سَمِعَ أنَسَ بنَ مالِكٍ ﵁ قَالَ أبُو جَهْلٍ اللَّهُمَّ إنْ كَانَ هاذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بعَذَابٍ ألِيمٍ. فنَزَلَتْ: ﴿وَمَا كانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وأنْتَ فِيهِمْ وَمَا كانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَمَا لَهُمْ أنْ لَا يُعَذِّبَهُمُ الله وهُمْ يَصُدُّونَ عنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ (الْأَنْفَال: ٣٣ ٣٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأحمد هَذَا ذكر كَذَا غير مَنْسُوب فِي جَمِيع الرِّوَايَات، وَقد جزم الْحَاكِم أَبُو أَحْمد وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله أَنه ابْن النَّضر بن عبد الْوَهَّاب النَّيْسَابُورِي، وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي أَيْضا هُوَ أَحْمد بن النَّضر أَخُو مُحَمَّد وهما من نيسابور. قلت: الْآن يَأْتِي فِي عقيب الحَدِيث الْمَذْكُور رِوَايَة البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن النَّضر هَذَا وهما من تلامذة البُخَارِيّ وَإِن شاركوه فِي بعض شُيُوخه وَلَيْسَ لَهما فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الْموضع، وَعبيد الله بن معَاذ يروي عَن أَبِيه معَاذ بن معَاذ بن حسان أَبُو عمر الْعَنْبَري التَّمِيمِي الْبَصْرِيّ، وَعبد الحميد بن دِينَار والبصري. وَقَالَ عَمْرو بن عَليّ هُوَ عبد الحميد بن وَاصل وَهُوَ تَابِعِيّ صَغِير وَقد وَقع فِي نسختنا عبد الحميد بن كرديد، بِضَم الْكَاف وَكسرهَا وَسُكُون الرَّاء وَكسر الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره دَال أُخْرَى، وَلم أر أحدا ذكره وَلَا الْتزم أَنا بِصِحَّتِهِ، والزيادي، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف نِسْبَة إِلَى زِيَاد بن أبي سُفْيَان. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي ذكر الْمُنَافِقين وَالْكفَّار عَن عبيد الله نَفسه عَن أَبِيه عَن شُعْبَة، وَالْبُخَارِيّ أنزل دَرَجَة مِنْهُ. قَوْله: (قَالَ أَبُو جهل) ، اسْمه عَمْرو بن هِشَام المَخْزُومِي وَظَاهر الْكَلَام أَن الْقَائِل بقوله اللَّهُمَّ إِلَى آخِره هُوَ أَبُو جهل، وروى الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق ابْن عَبَّاس أَن الْقَائِل بِهَذَا هُوَ النَّضر بن الْحَارِث، وَكَذَا قَالَه مُجَاهِد وَعَطَاء وَالسُّديّ، وَلَا مُنَافَاة فِي ذَلِك لاحْتِمَال أَن يكون الِاثْنَان قد قَالَاه، وَقَالَ بَعضهم: نسبته إِلَى أبي جهل أولى. قلت: لَا دَلِيل على دَعْوَى الْأَوْلَوِيَّة بل لقَائِل أَن يَقُول: نسبته إِلَى النَّضر بن الْحَارِث أولى، وَيُؤَيِّدهُ أَنه كَانَ ذهب إِلَى بِلَاد فَارس وَتعلم من أَخْبَار مُلُوكهمْ رستم واسفنديار لما وجد رَسُول الله ﷺ . قد بَعثه الله وَهُوَ يَتْلُو على النَّاس الْقُرْآن. فَكَانَ إِذا قَامَ رَسُول الله ﷺ من مجْلِس جلس فِيهِ النَّضر فيحدثهم من أَخْبَار أُولَئِكَ ثمَّ يَقُول: أَيّنَا أحسن قصصا أَنا أَو مُحَمَّد، وَلِهَذَا لما أمكن الله ﷺ مِنْهُ يَوْم بدر وَوَقع فِي الْأُسَارَى أَمر رَسُول الله ﷺ أَن تضرب رقبته صبرا بَين يَدَيْهِ فَفعل ذَلِك، وَكَانَ الَّذِي أسره الْمِقْدَاد بن الْأسود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحق) اخْتلف أهل الْعَرَبيَّة فِي وَجه دُخُول هُوَ فِي الْكَلَام فَقَالَ بعض الْبَصرِيين: هُوَ صلَة فِي الْكَلَام للتوكيد، وَالْحق، مَنْصُوب لِأَنَّهُ خبر كَانَ، وَقَالَ بَعضهم: الْحق مَرْفُوع لِأَنَّهُ خبر هُوَ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَقَرَأَ الْأَعْمَش: هُوَ الْحق، بِالرَّفْع على أَن هُوَ مُبْتَدأ غير فصل، وَهُوَ فِي الْقِرَاءَة الأولى فصل. قَوْله: (فَنزلت) ﴿وَمَا كَانَ الله ليعذبهم﴾ الْآيَة إِنَّمَا قَالَ: فَنزلت، بِالْفَاءِ لِأَنَّهَا نزلت عقيب قَوْلهم: إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحق وَذَلِكَ أَنهم لما قَالُوا ذَلِك ندموا على مَا قَالُوا، فَقَالُوا غفرانك اللَّهُمَّ، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم﴾ الْآيَة. وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: فِي هَذِه الْآيَة مَا كَانَ الله ليعذب قوما وأنبياؤهم بَين أظهرهم حَتَّى يخرجهم، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ فيهم أمانان النَّبِي ﷺ ، وَالِاسْتِغْفَار، فَذهب النَّبِي ﷺ وَبَقِي الاسْتِغْفَار. قَوْله: (ليعذبهم) أَي: لِأَن يعذبهم. قَوْله: (وَأَنت فيهم) . الْوَاو وَفِيه للْحَال وَكَذَا الْوَاو فِي: وهم يَسْتَغْفِرُونَ. قَوْله: (وَمَا لَهُم أَن لَا يعذبهم الله) الْآيَة. قَالَ ابْن جرير بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَن ابْن أَبْزَى. قَالَ: كَانَ النَّبِي ﷺ ، بِمَكَّة فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم﴾ قَالَ: فَخرج النَّبِي ﷺ ، إِلَى الْمَدِينَة فَأنْزل الله: ﴿وَمَا كَانَ الله معذبهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قَالَ وَكَانَ أُولَئِكَ الْبَقِيَّة من الْمُسلمين الَّذين بقوافيها مستضعفين يَعْنِي بِمَكَّة وَلما خَرجُوا أنزل الله: ﴿وَمَا لَهُم أَن لَا يعذبهم الله وهم يصدون عَن الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ وروى ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: ﴿وَمَا كَانَ الله معذبهم

стр. 5512

وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ثمَّ اسْتثْنى أهل الشّرك. فَقَالَ: ﴿وَمَا لَهُم أَن لَا يعذبهم الله وهم يصدون عَن الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ (الْأَنْفَال: ٣٣) أَي: وَكَيف لَا يعذبهم الله أَي الَّذين بِمَكَّة وهم يصدون الْمُؤمنِينَ الَّذين هم أَهله عَن الصَّلَاة عِنْده وَالطّواف؟ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَا كَانُوا أولياءه﴾ (الْأَنْفَال: ٣٤) أَي: هم لَيْسُوا أهل الْمَسْجِد الْحَرَام وَإِنَّمَا أَهله النَّبِي ﷺ ، وَأَصْحَابه قَوْله: ﴿إِن أولياؤه إلَاّ المتقون﴾ أَي: إلَاّ الَّذين اتَّقوا. قَالَ عُرْوَة وَالسُّديّ وَمُحَمّد بن إِسْحَاق هم النَّبِي ﷺ ، وَأَصْحَابه، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَقَالَ مُجَاهِد: المتقون من كَانُوا وَحَيْثُ كَانُوا. ٤ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الْأَنْفَال: ٣٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الله ليعذبهم﴾ الْآيَة. وَذكر هَذَا الْبَاب مَعَ ذكر هَذَا الحَدِيث تَرْجَمَة لَيْسَ لَهَا زِيَادَة فَائِدَة لِأَن الْآيَة بِعَينهَا مَذْكُورَة فِيمَا قبلهَا، وَكَذَلِكَ الحَدِيث بِعَيْنِه مَذْكُور بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور بِعَيْنِه غير أَن شَيْخه هُنَاكَ أَحْمد بن النَّضر، وَشَيْخه هُنَا أَخُوهُ مُحَمَّد بن النَّضر، وَإِنَّمَا وضع الْبَاب للتَّرْجَمَة وَذكر الحَدِيث بِعَيْنِه ليعلم أَنه روى هَذَا الحَدِيث عَن شيخين وهما أَخَوان، وَبِدُون هَذَا كَانَ يعلم مَا قَصده، وَقَالَ الْحَاكِم: بَلغنِي أَن البُخَارِيّ كَانَ ينزل عَلَيْهِمَا أَو يكثر السّكُون عِنْدهمَا إِذا قدم نيسابور. ٤٦٤٩ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ النضْرِ حَدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُعاذٍ حدَّثنا أبِي حدَّثنا شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ صَاحِبِ الزّيادِيِّ سَمِعَ أنَسَ بنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ أبُو جَهْلٍ اللَّهُمَّ إنْ كَانَ هاذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنَا حِجارَةً مِنَ السَّمَاءِ أوْ ائْتنا بِعَذَابٍ ألِيمٍ فَنَزَلَتْ ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبُهُمْ وَأنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَمَا لَهُمْ أنْ لَا يُعَذِّبَهُمُ الله وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ الْآيَة. مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. ٥ - (بابٌ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله﴾ (الْأَنْفَال: ٣٩) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وقاتلوهم﴾ الْآيَة. وَلم يثبت لفظ: بَاب: أَلا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَقد أَمر الله الْمُؤمنِينَ بِقِتَال الْكفَّار حَتَّى لَا تكون فتْنَة، وَقَالَ الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس: حَتَّى لَا يكون شرك، وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَة وَمُجاهد وَالْحسن وَقَتَادَة وَالربيع بن أنس وَالسُّديّ وَمُقَاتِل بن حَيَّان وَزيد بن أسلم. وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بَلغنِي عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير وَغَيره من عُلَمَائِنَا حَتَّى لَا يفتن مُسلم عَن دينه. قَوْله: (وَيكون الدّين كُله لله) أَي: يخلص التَّوْحِيد لله وَقَالَ الْحسن وَقَتَادَة وَابْن جريج أَن يَقُول لَا إلاه إِلَّا الله، وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: يكون التَّوْحِيد خَالِصا لله لَيْسَ فِيهِ شرك ويخلع مَا دونه من الأنداد، وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم لَا يكون مَعَ دينكُمْ كفر. ٤٦٥٠ - ح دَّثنا الحَسَنُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يَحْيَى حدَّثنا حَيْوَةُ عَنْ بَكْرِ بنِ عَمْروٍ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ رَجُلاً جَاءَهُ فقالَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمانِ أَلا تَسْمَعُ مَا ذَكَرَ الله فِي كتابِهِ: ﴿وَإنَّ طَائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ إلَى آخِرِ الآيَةِ فَمَا يَمْنَعُكَ أنْ لَا تُقَاتِلَ كَمَا ذَكَرَ الله فِي كِتابِهِ فَقَالَ يَا ابْنَ أخِي أغتَرُّ بِهاذِهِ الآيَةِ وَلا أُقَاتِلُ أحَبُّ إلَيَّ مِنْ أنْ أغتَرِّ بِهاذِهِ الآيَةِ الَّتِي يَقُولُ الله تَعَالَى وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمِّدا إِلَى آخِرها قَالَ فإنَّ الله يَقُولُ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ قَالَ ابنُ عُمَرَ قَدْ فَعَلْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ

стр. 5513

وَسلم إذْ كَانَ الإسْلامُ قَلِيلاً فَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ إمّا يَقْتُلُوهُ وَإمّا يوثِقُوهُ حَتَّى كَثُرَ الإسْلامُ فَلمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ فَلمَّا رَأى أنَّهُ لَا يُوَافِقهُ فِيما يُرِيدُ قَال فا قَوْلُكَ فِي عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ قَالَ ابنُ عُمَرَ مَا قَوْلِي فِي عَلِيٍّ وَعُثْمانَ أمَّا عُثْمَانُ فَكَانَ الله قَدْ عَفَا عَنْهُ فَكَرِهْتُمْ أنْ يَعْفُو عَنْهُ وَأمّا عَلِيٌّ فابْنُ عَمِّ رَسُولِ الله ﷺ وَخَتَنُهُ وأشارَ بِيَدِهِ وَهاذِهِ ابْنَتُهُ أوْ بَيْتُهُ حَيْثُ تَرَوْنَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَإِن الله يَقُول: ﴿وقاتلوهم حَتَّى لَا تكون فتْنَة﴾ ) (الْأَنْفَال: ٣٩) وَالْحسن بن عبد الْعَزِيز الجروي، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الرَّاء وبالواو، وَقد مر فِي الْجَنَائِز، وَعبد الله بن يحيى الْمعَافِرِي، بِفَتْح الْمِيم وَالْعين الْمُهْملَة وَكسر الْفَاء وبالراء البرالسي يكنى أَبَا يحيى صَدُوق أدْركهُ البُخَارِيّ وَلَكِن روى عَنهُ هُنَا بالواسطة وَفِي تَفْسِير سُورَة الْفَتْح فَقَط، وحيوة بن شُرَيْح، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَفِي آخِره حاء مُهْملَة، وَقد أمعن الْكرْمَانِي فِي ضَبطه، فَقَالَ: شُرَيْح مصغر الشَّرْح بِالْمُعْجَمَةِ وَالرَّاء وبالمهملة، وَبكر بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن عَمْرو الْمعَافِرِي من أهل مصر، وَبُكَيْر بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة مصغر بكر ابْن عبد الله الْأَشَج، والْحَدِيث مر بِوَجْه آخر فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة فِي: بَاب: ﴿وقاتلوهم حَتَّى لَا تكون فتْنَة﴾ وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَالك. قَوْله: (أَن رجلا) ، هُوَ حبَان صَاحب الدثنية. قَالَه سعيد بن مَنْصُور، وَقَالَ أَبُو بكر النجار، هُوَ الْهَيْثَم بن حَنش وَعَن أَحْمد بن يُونُس، هُوَ شخص يُقَال لَهُ حَكِيم، وَقيل: نَافِع بن الْأَزْرَق. قَوْله: (أَن لَا تقَاتل) ، كلمة لَا زَائِدَة كَمَا فِي قَوْله: ﴿مَا مَنعك أَن لَا تسْجد﴾ (الْأَعْرَاف: ١٢) وَكَانَ لم يُقَاتل أصلا فِي الحروب الَّتِي جرت بَين الْمُسلمين لَا فِي صفّين وَلَا فِي وقْعَة الْجمل وَلَا فِي محاصرة ابْن الزبير وَغَيرهَا. قَوْله: (اغْترَّ) ، من الاغترار بِالْمُعْجَمَةِ وَالرَّاء المكررة أَي: تَأْوِيل هَذِه الْآيَة أحب إليّ من تَأْوِيل الْآيَة الْأُخْرَى الَّتِي فِيهَا تَغْلِيظ شَدِيد وتهديد عَظِيم، وَالْحَاصِل أَن السَّائِل كَانَ يرى قتال من خَالف الإِمَام الَّذِي يعْتَقد طَاعَته، وَكَانَ ابْن عمر يرى ترك الْقِتَال فِيمَا يتَعَلَّق بِالْملكِ، وَالظَّاهِر أَن السَّائِل كَانَ هَذَا من الْخَوَارِج فَإِنَّهُم كَانُوا يتولون الشَّيْخَيْنِ ويخطؤن عُثْمَان وعليا فَرد عَلَيْهِ ابْن عمر بِذكر مناقبهما ومنزلتهما من النَّبِي ﷺ ، والاعتذار عَمَّا عابوا بِهِ عُثْمَان من الْفِرَار يَوْم أحد وَغَابَ عَن بدر وَعَن بيعَة الرضْوَان. قَوْله: (إِذْ كَانَ) ، أَي: حِين كَانَ. قَوْله: (يفتن فِي دينه) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (يقتلوه) ، حذف النُّون مِنْهُ بِلَا جازم وَلَا ناصب، وَهِي لُغَة وَكَذَلِكَ يوثقوه، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) إِمَّا يقتلونه وَإِمَّا يوثقونه، هَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَرِوَايَة يقتلوه ويوثقوه، غير صَوَاب لِأَن: إِمَّا هُنَا عاطفة مكررة وَإِنَّمَا تجزم إِذا كَانَت شرطا. قلت: لَا تسلم أَنه غير صَوَاب بل هُوَ صَوَاب كَمَا ذَكرْنَاهُ لِأَنَّهُ لُغَة لبَعض الْعَرَب وَهِي فصيحة، وَكَون: إِمَّا تَتَضَمَّن معنى الشَّرْط لَيْسَ بمجمع عَلَيْهِ. قَوْله: (وَهَذِه ابْنَته أَو بَيته) ، بِالشَّكِّ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَكَذَا قَالَ الْكشميهني بِالشَّكِّ وَلَكِن قَالَ: أَو أبيته، بِصِيغَة جمع الْقلَّة فِي الْبَيْت وَهُوَ شَاذ وَهَذِه أنث بِاعْتِبَار الْبقْعَة. قَوْله: (ترَوْنَ) ، أَي: بَين حجر النَّبِي ﷺ وَبَين قربه ﷺ مَكَانا ومكانة. ٤٦٥١ - ح دَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ حدَّثنا زُهَيْرٌ حدَّثنا بَيَانٌ أنَّ وَبَرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ حدَّثني سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا أوْ إلَيْنَا ابنُ عُمَرَ فَقَالَ رَجُلٌ كَيْفَ ترَى فِي قِتالِ الْفِتْنَةِ فَقَالَ وَهَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يُقَاتِلُ المُشْرِكِينَ وَكَانَ الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ فِتْنَةٌ وَلَيْسَ كَقِتَالِكُمْ عَلَى المُلْكِ. هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور وَهُوَ مُخْتَصر مِنْهُ، وَيحْتَمل أَن يَكُونَا وَاقِعَتَيْنِ وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس الْيَرْبُوعي الْكُوفِي وَقد نسب إِلَى جده، وَزُهَيْر هُوَ ابْن مُعَاوِيَة، وَبَيَان، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون ابْن بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين ووبرة، بِفَتْح الْوَاو

стр. 5514

وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتحهَا وبالراء: ابْن عبد الرَّحْمَن المسلمي، بِضَم الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وباللام. الْحَارِث من مذْحج. ٦ - (بابٌ: ﴿يَا أيُّهَا النبيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنينَ عَلَى القِتالِ إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِأَتَيْنِ وَإنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بأنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (الْأَنْفَال: ٦) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي﴾ الْآيَة. وَلم يذكر لفظ بَاب، عِنْد أحد من الروَاة، وَسِيَاق الْآيَة إِلَى (يفقهُونَ) غير أبي ذَر، وَعِنْده: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حرض الْمُؤمنِينَ على الْقِتَال﴾ الْآيَة. قَوْله: (حرض الْمُؤمنِينَ) ، من التحريض وَهُوَ الْحَث على الشَّيْء. قَوْله: (وَإِن يكن مِنْكُم مائَة) ، أَي: صابرة محتسبة تثبت عِنْد لِقَاء الْعَسْكَر. قَوْله: (قوم لَا يفقهُونَ) أَي: إِن الْمُشْركين يُقَاتلُون على غير احتساب وَلَا طلب ثَوَاب. ٤٦٥٢ - ح دَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ عَمْروٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ لمَّا نَزَلَتْ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مَائَتَيْنِ﴾ فَكُتِبَ عَلَيْهِمْ أنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ فَقَالَ سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ أنْ لَا يَفِرَّ عِشْرُونَ مِنْ مَائَتَيْنِ ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿الآنَ خَفَّفَ الله عنْكُمْ﴾ (الْأَنْفَال: ٦٦) الآيَةَ فَكَتَبَ أنْ لَا يَفِرَّ مِائَةٌ مِنْ مَائَتَيْنِ وَزَادَ سُفْيَانُ مَرَّةً نَزَلَتْ: ﴿حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتالِ إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ قَالَ سُفْيَانُ وَقَالَ ابنُ شُبْرَمَةَ وَأُرَى الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ مِثْلَ هَذَا. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار. والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (فَكتب عَلَيْهِم) أَي: فرض عَلَيْهِم. وَالْآيَة وَإِن كَانَت بِلَفْظ الْخَبَر وَلَكِن المُرَاد مِنْهُ الْأَمر فَلذَلِك دَخلهَا النّسخ لِأَنَّهُ لما شقّ ذَلِك عَلَيْهِم حط الْفَرْض إِلَى ثُبُوت الْوَاحِد للاثنين فَهُوَ على هَذَا تَخْفيف لَا نسخ. وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر بن الطّيب أَن الحكم إِذا نسخ بعضه أَو بعض أَوْصَافه أَو غير عدده فَجَائِز أَن يُقَال: إِنَّه نسخ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِالْأولِ بل هُوَ غَيره، وَقَالَ قوم: إِنَّه كَانَ يَوْم بدر، قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: وَهُوَ خطأ، وَقد نَص مقَاتل على أَنه كَانَ بعد بدر، وَالْآيَة معلقَة بِأَنَّهُم كَانُوا يفقهُونَ مَا يُقَاتلُون بِهِ وَهُوَ الثَّوَاب، وَالْكفَّار لَا يفقهونه. وَقيل: أَنهم كَانُوا فِي أول الْإِسْلَام قَلِيلا فَلَمَّا كَثُرُوا خفف، ثمَّ هَذَا فِي حَقنا، وَأما سيدنَا رَسُول الله ﷺ فَيجب عَلَيْهِ مصابرة الْعَدو الْكثير لِأَنَّهُ مَوْعُود بالنصر كَامِل الْقُوَّة. قَوْله: (وَقَالَ سُفْيَان غير مرّة) أَرَادَ بِهِ أَن سُفْيَان كَانَ يرويهِ بِالْمَعْنَى. فَتَارَة يَقُول بِاللَّفْظِ الَّذِي وَقع فِي الْقُرْآن مُحَافظَة على التِّلَاوَة وَهُوَ الْأَكْثَر، وَتارَة يرويهِ بِالْمَعْنَى، وَهُوَ: أَن لَا يفر وَاحِد من عشرَة، وَيحْتَمل أَن يكون سَمعه باللفظين وَيكون التَّأْوِيل من غَيره. قَوْله: (ثمَّ نزلت أَي) الْآيَة الَّتِي هِيَ قَوْله: ﴿الْآن خفف الله عَنْكُم﴾ قَوْله: (وَزَاد سُفْيَان) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه حدث مرّة بِالزِّيَادَةِ وَمرَّة بِدُونِهَا. قَوْله: (وَقَالَ ابْن شبْرمَة) بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَضم الرَّاء، واسْمه عبد الله التَّابِعِيّ قَاضِي الْكُوفَة وعالمها مَاتَ سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَة، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد الْمقري عَن سُفْيَان. قَالَ: قَالَ ابْن شبْرمَة، فَذكره وَمَعْنَاهُ أَن لَا يفر من اثْنَيْنِ إِذا كَانَا على مُنكر وَله أَن يفر إِذا كَانَ الَّذِي على الْمُنكر أَكثر مِنْهُمَا. قيل: وهم من زعم أَنه مُعَلّق قَالَ فِي رِوَايَة ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان عِنْد أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) قَالَ سُفْيَان فَذَكرته لِابْنِ شبْرمَة فَذكر مثله. قَوْله: (مثل هَذَا) أَي: مثل الحكم الْمَذْكُور فِي الْجِهَاد وَوجه الْجَامِع بَينهمَا أَعْلَاهُ كلمة الْحق وإخماد كلمة الْبَاطِل. ٧ - (بابٌ الْآن: ﴿خَفَّفَ الله عَنْكُمْ وَعَلِمَ أنَّ فِيكُمْ ضُعْفا﴾ (الْأَنْفَال: ٦٦) الآيَةَ)

стр. 5515

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: الْآن خفف الله عَنْكُم﴾ الْآيَة. وَهَذَا الْمِقْدَار هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَعند غَيره إِلَى قَوْله: ﴿وَالله مَعَ الصابرين﴾ (الْأَنْفَال: ٤٦) قَوْله: (الْآن) اسْم للْوَقْت الَّذِي أَنْت فِيهِ، وَهُوَ ظرف غير مُنكر وَقع معرفَة وَلم يدْخل الْألف وَاللَّام عَلَيْهِ للتعريف لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَا يشركهُ قَوْله: (ضعفا) بِفَتْح الضَّاد وقرىء بضَمهَا وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر: ضعفاء جمع ضَعِيف والضعف فِي الْعدَد فِي قَول أَكثر الْعلمَاء وَقيل: فِي الْقُوَّة وَالْجَلد. ٤٦٥٣ - ح دَّثنا يَحْيَى بنُ عَبْدِ الله السُّلَمِيُّ أخْبَرنا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ أخْبرنا جَرِيرُ بنُ حازمِ قَال أخبرَنِي الزُّبَيْرُ بنُ خِرِّيث عنْ عِكْرَمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (الْأَنْفَال: ٦٦) شَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ حِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ أنْ لَا يَفَرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ فَجَاءَ التَّخْفِيفُ فَقَالَ: ﴿الآنَ خَفَّفَ الله عَنْكُمْ وَعَلِمَ إنَّ فِيكُمْ ضُعْفا فَإنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قَالَ فَلَمَّا خَفَّفَ الله عَنْهُمْ مِنَ العِدَّةِ نَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْر مَا خُفِّفَ عَنْهُمْ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى بن عبد الله السّلمِيّ، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام، وَيُقَال لَهُ: خاقَان الْبَلْخِي، وَجَرِير، بِفَتْح الْجِيم: ابْن حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي، وَالزُّبَيْر بِضَم الزَّاي ابْن الحريث، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالرَّاء الْمُشَدّدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق، الْبَصْرِيّ من صغَار التَّابِعين والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن أبي تَوْبَة الرّبيع بن نَافِع. قَوْله: (من الصَّبْر) ، وَوَقع فِي رِوَايَة وهب بن جرير عَن أَبِيه عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ نقص من النَّصْر، وَهَذَا القَوْل من ابْن عَبَّاس تَوْقِيف فِي الظَّاهِر، وَيحْتَمل أَن يكون قَالَه بطرِيق الاستقراء، وَالله أعلم. ٩ - ( ﴿سُورَةُ بَرَاءَةَ﴾ ) أَي: هَذِه سُورَة بَرَاءَة يَعْنِي: فِي بَيَان بعض تَفْسِيرهَا، وَسَيَأْتِي معنى بَرَاءَة، عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَقَالَ أَبُو الْحسن بن الْحصار: هِيَ مَدَنِيَّة بِاتِّفَاق. وَقَالَ مقَاتل: إِلَّا آيَتَيْنِ من آخرهَا ﴿لقد جَاءَكُم﴾ (التَّوْبَة: ١٢٨) إِلَى آخرهَا نزلت بِمَكَّة، وَقيل: فِيهَا اخْتِلَاف فِي أَربع عشرَة آيَة، وَهِي عشرَة آلَاف وَثَمَانمِائَة وَسَبْعَة وَثَمَانُونَ حرفا وَأَلْفَانِ وَأَرْبَعمِائَة وَسبع وَتسْعُونَ كلمة، وَمِائَة وَثَلَاثُونَ آيَة مدنِي وبصري وشامي ومكي، وَمِائَة وَعِشْرُونَ وتسع كُوفِي، وَلها ثَلَاثَة عشر اسْما اثْنَان مشهوران (بَرَاءَة) ، و (التَّوْبَة) و (سُورَة الْعَذَاب) و (والمقشقشة) لِأَنَّهَا تقشقش عَن النِّفَاق أَي: تبرىء، وَقيل: من تقشقش الْمَرِيض إِذا برأَ (والبحوث) لِأَنَّهَا تبحث عَن سرائر الْمُنَافِقين و (الفاضحة) لِأَنَّهَا فضحت الْمُنَافِقين و (المبعثرة) لِأَنَّهَا بعثرت أَخْبَار النَّاس وكشفت عَن سرائرهم و (المثيرة) لِأَنَّهَا أثارت مخازي الْمُنَافِقين و (الحافرة) لِأَنَّهَا حفرت عَن قُلُوبهم و (المشردة) لِأَنَّهَا تشرد بالمنافقين و (المخزية) لِأَنَّهَا تخزي الْمُنَافِقين و (المنكلة) لِأَنَّهَا تَتَكَلَّم و (المدمدمة) لِأَنَّهَا تدمدم عَلَيْهِم. وَاخْتلف فِي سَبَب سُقُوط الْبَسْمَلَة من أَولهَا. فَقيل: لِأَن فِيهَا نقض الْعَهْد وَالْعرب فِي الْجَاهِلِيَّة كَانُوا إِذا نقض الْعَهْد الَّذِي كَانَ بَينهم وَبَين قوم لم يكتبوا فِيهِ الْبَسْمَلَة، وَلما نزلت برَاء بِنَقْض الْعَهْد قَرَأَهَا عَلَيْهِم عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلم يبسمل جَريا على عَادَتهم، وَقيل: لِأَن عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: كَانَت الْأَنْفَال من أَوَائِل مَا نزل وَبَرَاءَة من آخِره، وَكَانَت قصَّتهَا شَبيهَة بِقِصَّتِهَا، وَقبض النَّبِي ﷺ وَلم يبين لنا أَنَّهَا مِنْهَا فَظَنَنْت أَنَّهَا مِنْهَا فَمن ثمَّة قرنت بَينهمَا وَلم أكتب بَينهمَا الْبَسْمَلَة، رَوَاهُ الْحَاكِم وَصَححهُ، وَقيل: لما سقط الْبَسْمَلَة مَعَه، رُوِيَ عَن عُثْمَان أَيْضا وَقَالَهُ مَالك فِي رِوَايَة ابْن وهب وَابْن الْقَاسِم، وَقَالَ ابْن عجلَان: بَلغنِي أَن بَرَاءَة كَانَت تعدل الْبَقَرَة أَو قربهَا فَذهب مِنْهَا فَلذَلِك لم تكْتب الْبَسْمَلَة، وَقيل: لما كتب الْمُصحف فِي خلَافَة عُثْمَان اخْتلفت الصَّحَابَة. فَقَالَ بَعضهم: بَرَاءَة والأنفال سُورَة وَاحِدَة، وَقَالَ بَعضهم: هما سورتان، فَترك بَينهمَا فُرْجَة لقَوْل من لم يقل إنَّهُمَا سُورَة وَاحِدَة، وَبِه قَالَ: خَارِجَة وَأَبُو عصمَة وَآخَرُونَ، وَقيل: روى الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: سَأَلت عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن ذَلِك فَقَالَ: لِأَن الْبَسْمَلَة أَمَان وَبَرَاءَة

стр. 5516

نزلت بِالسَّيْفِ لَيْسَ فِيهَا أَمَان. قَالَ الْقشيرِي: وَالصَّحِيح أَن الْبَسْمَلَة لم تكْتب فِيهَا لِأَن جِبْرِيل ﵇، مَا نزل بهَا فِيهَا، وروى الثَّعْلَبِيّ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَن سيدنَا رَسُول الله ﷺ قَالَ: (مَا نزل عليّ الْقُرْآن إلَاّ آيَة آيَة وحرفا حرفا خلا بَرَاءَة وَقل هُوَ الله أحد فَإِنَّهُمَا أَنْزَلَتَا عليّ ومعهما سَبْعُونَ ألفا من الْمَلَائِكَة) . مُرْصَدٌ طَرِيقٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿واقعدوا لَهُم كل مرصد﴾ (التَّوْبَة: ٥) أَي: على كل طَرِيق وَيجمع على مراصد، وَهِي الطّرق. قَوْله لَهُم: أَي للْكفَّار الْمُشْركين وَلم تقع هَذِه اللَّفْظَة إلَاّ فِي بعض النّسخ. (بَابٌ وَلِيجَة كلُّ شَيْءٍ أدْخَلْتَهُ فِي شَيْءٍ) لم يثبت لفظ بَاب: فِي كثير من النّسخ وَلَا ثَبت لفظ وليجة فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَلَا الَّذِي قبله، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلم يتخذوا من دون الله وَلَا رَسُوله وَلَا الْمُؤمنِينَ وليجة وَالله خَبِير بِمَا تعلمُونَ﴾ (التَّوْبَة: ١٦) وَفسّر: وليجة بقوله: كل شَيْء أدخلته فِي شَيْء وروى كَذَلِك عَن الرّبيع قَالَ ابْن أبي حَاتِم، حَدثنَا كثير بن شهَاب الْقزْوِينِي حَدثنَا مُحَمَّد يَعْنِي ابْن سعيد حَدثنَا أَبُو جَعْفَر عَنهُ، وَفِي التَّفْسِير، وليجة أَي: بطانة ودخيلة، يَعْنِي الَّذين جاهدوا مِنْكُم وَلم يتخذوا من دون الله وَلَا رَسُوله. وَلَا الْمُؤمنِينَ وليجة أَي: بطالة بل هم فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن على النصح لله وَلِرَسُولِهِ. الشُّقَّةُ السَّفَرُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿لَو كَانَ عرضا قَرِيبا وسفرا فَاسِدا لاتبعوك وَلَكِن بَعدت عَلَيْهِم الشقة﴾ (بَرَاءَة: ٤٢) وَفسّر الشقة بِالسَّفرِ. وَرُوِيَ كَذَلِك عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أَبُو زرْعَة حَدثنَا منْجَاب أخبرنَا بشر بن عمَارَة عَن أبي روق عَن الضَّحَّاك عَنهُ، وَفِي التَّفْسِير ﴿لَو كَانَ عرضا قَرِيبا﴾ أَي: الْغَنِيمَة قريبَة ﴿وسقرا قَاصِدا لاتبعوك﴾ أَي: لكانوا مَعَك لذَلِك ﴿وَلَكِن بَعدت عَلَيْهِم الشقة﴾ أَي: الْمسَافَة إِلَى الشَّام. الخبالُ الفَسادُ والخَبالُ المَوْتُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو خَرجُوا فِيكُم مَا زادوكم إلَاّ خبالاً﴾ (التَّوْبَة: ٤٧) وَفسّر الخبال بِالْفَسَادِ، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، والخبال فِي الأَصْل الْفساد وَيكون فِي الْأَفْعَال والأبدان والعقول، من خبله يخبله خبلاً بِسُكُون الْبَاء وَبِفَتْحِهَا الْجُنُون. قَوْله: (والخبال الْمَوْت) ، كَذَا وَقع فِي جمع الرِّوَايَات قيل: الصَّوَاب الموتة بِضَم الْمِيم وبالهاء فِي آخِره، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الموتة بِالضَّمِّ جنس من الْجُنُون والصرع يعتري الْإِنْسَان فَإِذا أَفَاق عَاد إِلَيْهِ كَمَال عقله كالنائم والسكران. وَلا تَفُتِنِّي لَا تُوَبِّخْنِي أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُم من يَقُول ائْذَنْ لي وَلَا تفتني﴾ (التَّوْبَة: ٤٧) وَفسّر قَوْله: لَا توبخني، من التوبيخ بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة، وَفِي وَرَايَة الْمُسْتَمْلِي والجرجاني: لَا توهني، بِالْهَاءِ وَتَشْديد النُّون من الوهن وَهُوَ الضعْف وَفِي رِوَايَة ابْن السكن: لَا تؤتمني بِالتَّاءِ الْمُثَلَّثَة الثَّقِيلَة وَسُكُون الْمِيم من الْإِثْم قَالَ عِيَاض: وَهُوَ الصَّوَاب، وَكَذَا وَقع فِي كَلَام أبي عُبَيْدَة، وَالْآيَة نزلت فِي جد ابْن قيس الْمُنَافِق قَالَ لَهُ ﷺ : هَل لَك فِي جلاد بني الْأَصْفَر يَعْنِي الرّوم تتَّخذ مِنْهُم سراري ووصفاء؟ فَقَالَ: ائْذَنْ لي فِي الْقعُود عَنْك وَلَا تفتني بِذكر النِّسَاء فقد علم قومِي أَنِّي مغرم بِهن وَأَنِّي أخْشَى أَن لَا أَصْبِر عَنْهُن، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: اعتل جد ابْن قيس بقوله: وَلَا تفتني، وَلم يكن لَهُ عِلّة إلَاّ النِّفَاق. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَّا فِي الْفِتْنَة سقطوا﴾ يَعْنِي: إلَاّ فِي الْإِثْم سقطوا. كَرْها وَكُرْها أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قل اتَّفقُوا طَوْعًا أَو كرها لن يتَقَبَّل مِنْكُم﴾ وَأَشَارَ بِأَن فِيهِ لغتين فتح الْكَاف وَضمّهَا فبالضم قَرَأَ الْكُوفِيُّونَ حَمْزَة وَالْأَعْمَش وَيحيى بن وثاب وَالْكسَائِيّ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْح، وَالْمعْنَى: قل يَا مُحَمَّد انفقوا طائعين أَو مكرهين

стр. 5517

لن يتَقَبَّل مِنْكُم أَنكُمْ كُنْتُم قوما فاسقين، وَبَين الله سَبَب ذَلِك بقوله: ﴿وَمَا مَنعهم أَن تقبل مِنْهُم نفقاتهم﴾ (التَّوْبَة: ٥٤) الْآيَة. مُدَّخَلاً يَدْخَلُونَ فِيهِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو يَجدونَ ملْجأ أَو مغارات أَو مدخلًا﴾ وَالْمعْنَى: لَو يَجدونَ حصنا يتحصنون بِهِ، وحرزا يحترزون بِهِ. أَو مغارات وَهِي الكهوف فِي الْجبَال أَو مدخلًا وَهُوَ السَّرب فِي الأَرْض وَقد أخبر الله تَعَالَى عَنْهُم بِأَنَّهُم يحلفُونَ بِاللَّه أَنهم لمنكم يَمِينا مُؤَكدَة وَمَا هم مِنْكُم فِي نفس الْأَمر إِنَّمَا يخالطونكم كرها لَا محبَّة. يَجْمَحُونَ يُسْرِعُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لولوا إِلَيْهِ وهم يجمحون﴾ وَفَسرهُ بقوله: يسرعون، وَهُوَ آخر الْآيَة الْمَذْكُورَة الْآن يَعْنِي: فِي ذهابهم عَنْكُم لأَنهم إِنَّمَا يخالطونكم كرها لَا محبَّة وودوا أَنهم لَا يخالطونكم وَلَكِن للضَّرُورَة أَحْكَام. وَالمُؤْتَفِكَاتِ ائْتَفَكَتْ انْقَلَبَتْ بِهَا الأَرْضُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَصْحَاب مَدين والمؤتفكات اتتهم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ (بَرَاءَة: ٧٠) وَفسّر الْمُؤْتَفِكَات بقوله: ائتفكت انقلبت بهَا الأَرْض وهم قوم لوط، وَفِي التَّفْسِير: والمؤتفكات قرى قوم لوط، ﵇، وَكَانُوا يسكنون فِي مدن وَأمّهَا سدوم وأهلكهم الله عَن آخِرهم بتكذيبهم نَبِي الله لوطا ﵇، وإتيانهم الْفَاحِشَة الَّتِي لم يسبقهم بهَا أحد من الْعَالمين، وَأَصله من أفكه يأفكه أفكا إِذا صرفه عَن الشَّيْء. وَقَلبه، وأفك فَهُوَ مأفوك والآفكة الْعَذَاب الَّذِي أرْسلهُ الله على قوم لوط فَقلب بهَا دِيَارهمْ، والبلدة مؤتفكة وَتجمع على مؤتفكات. أَهْوَى ألْقاهُ فِي هُوَّةٍ هَذِه اللَّفْظَة لم تقع فِي سُورَة بَرَاءَة وَإِنَّمَا هِيَ فِي سُورَة النَّجْم ذكرهَا هُنَا البُخَارِيّ اسْتِطْرَادًا لقَوْله: والمؤتفكة أَهْوى، والهوة بِضَم الْهَاء وَتَشْديد الْوَاو وَهُوَ الْمَكَان العميق. عَدْنٍ خُلْدٍ عَدَنْتُ بِأَرْضٍ أيْ أقَمْتُ وَمِنْهُ مَعْدِنٌ وَيُقالُ فِي مَعْدِنِ صِدْقٍ فِي مَنْبِتِ صِدْقٍ. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿جنَّات عدن﴾ (التَّوْبَة: ٧٢) وَفسّر قَوْله عدن، بقوله: خلد، بِضَم الْخَاء وَسُكُون اللَّام وَهُوَ دوَام الْبَقَاء، يُقَال: خلد الرجل يخلد خلودا من بَاب نصر ينصر. قَوْله: عدنت بِأَرْض، أَي: أَقمت بهَا لِأَنَّهَا من العدن وَهُوَ الْإِقَامَة، يُقَال: عدن بِالْمَكَانِ يعدن عدنا من بَاب نصر ينصر، إِذا لزمَه وَلم يبرح بِهِ قَوْله: وَمِنْه مَعْدن. أَي: وَمن عدن اشتقاق مَعْدن وَهُوَ الْموضع الَّذِي يسْتَخْرج مِنْهُ جَوَاهِر الأَرْض كالذهب وَالْفِضَّة والنحاس وَغير ذَلِك، قَوْله: وَيُقَال فِي مَعْدن صدق، يَعْنِي: يُقَال فلَان فِي مَعْدن صدق إِذا كَانَ مستمرا عَلَيْهِ وَلَا يبرح عَنهُ كَأَنَّهُ صَار معدنا للصدق. قَوْله: فِي منبت صدق، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون النُّون وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، اسْم لموْضِع النَّبَات، وَيُقَال: لمَكَان يسْتَقرّ فِيهِ النبت هَذَا منبت صدق، وَقَالُوا فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿فِي مقْعد صدق﴾ (الْقَمَر: ٥٥) أَي: مَكَان مرضِي، والصدق هُنَا كِنَايَة عَن اسْتِمْرَار الرِّضَا فِيهِ. الْخَوَالِفُ الخَالِفُ الَّذِي خَلَفَنِي فَقَعَدَ بَعْدِي وَمِنْهُ يَخْلِفُهُ فِي العَابِرِينَ وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ النِّسَاءُ مِنَ الخَالِفَةِ. أَشَارَ بقوله الْخَوَالِف: إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿رَضوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِف وطبع الله على قُلُوبهم فهم لَا يعلمُونَ﴾ (التَّوْبَة: ٨٧) هَذِه الْآيَة وَمَا قبلهَا فِي قَضِيَّة غَزْوَة تَبُوك، وَذَلِكَ أَنهم لما أمروا بغزوة تَبُوك تخلفت جمَاعَة مِنْهُم من بَين الله عذرهمْ بقوله: ﴿لَيْسَ على الضُّعَفَاء وَلَا على المرضى﴾ إِلَى قَوْله: ﴿أَلا يَجدوا مَا يُنْفقُونَ﴾ (التَّوْبَة: ٩١) وَنفى الله تَعَالَى عَنْهُم الْمَلَامَة، ثمَّ رد الله على الَّذين يستأذنون فِي الْقعُود وهم أَغْنِيَاء وأنبهم بقوله: ﴿رَضوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِف﴾ أَي: مَعَ النِّسَاء الْخَوَالِف فِي الرِّجَال ﴿طبع الله على قُلُوبهم فهم لَا يعلمُونَ﴾ قَوْله: الخالف الَّذِي خلفني فَقعدَ بعدِي: إِشَارَة إِلَى تَفْسِير الخالف، وَهُوَ الَّذِي يقْعد بعد الشَّخْص فِي رَحْله وَيجمع على خالفين كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فاقعدوا مَعَ الخالفين﴾ (التَّوْبَة: ٨٣) قَالَ ابْن عَبَّاس: أَي الرِّجَال الَّذين تخلفوا عَن الْغُزَاة وَلَا يجمع الخالف على الخالفين لِأَن جمع النِّسَاء

стр. 5518

لَا يكون بِالْيَاءِ وَالنُّون. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فاقعدوا مَعَ الخالفين﴾ قَالَ أَي: النِّسَاء. قلت: رد عَلَيْهِ ابْن جرير بِمَا ذكرنَا وَرجح عَلَيْهِ قَول ابْن عَبَّاس، وَكَانَ الْكرْمَانِي أَخذ قَول قَتَادَة فَقَالَ: قَوْله الْخَوَالِف جمع الخالف أَي: مَعَ المتخلفين ثمَّ قَالَ: وَيجوز أَن يكون المُرَاد جمع النِّسَاء فَيكون جمع خالفة، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر لِأَن فواعل جمع فاعلة، وَلم يُوجد فِي كَلَامهم إلَاّ لفظان فوارس وهوالك. قلت: جَاءَ سَابق وسوابق وناكس ونواكس وداجن ودواجن، وَمن الْأَسْمَاء عَازِب وعوازب وكاهل وكواهل وحاجة وحوائج وعائش وعوائش للدخان، وَالْحَاصِل أَن المُرَاد من الْخَوَالِف النِّسَاء المتخلفات، وَقيل: أخساه النَّاس. قَوْله: (وَمِنْه يخلفه فِي الغابرين) ، أَي: وَمن هَذَا لفظ يخلفه فِي الغابرين، هَذَا دُعَاء لمن مَاتَ لَهُ ميت اللَّهُمَّ اخلفه فِي الغابرين، أَي: فِي البَاقِينَ من عقبه، وَفِي مُسلم من حَدِيث أم سَلمَة اللَّهُمَّ اغْفِر لأبي سَلمَة وارفع دَرَجَته فِي المهديين واخلفه فِي عقبه فِي الغابرين، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شَرحه أَي: البَاقِينَ، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إلَاّ امْرَأَته كَانَت من الغابرين﴾ (الْأَعْرَاف: ٨٣) قلت: لفظ غبر، يسْتَعْمل فِي الْمَاضِي والمستقبل فَهُوَ من الأضداد وَالْفرق فِي الْمَعْنى بِالْقَرِينَةِ. قَوْله: (وَيجوز أَن يكون النِّسَاء من الخالفة) إِنَّمَا يجوز ذَلِك إِذا كَانَ يجمع مَعَ الخالفة على خوالف وَأما على مَا يفهم من صدر كَلَامه أَن الخالف يجمع على خوالف فَلَا يجوز على مَا نبهنا عَلَيْهِ من قريب، وَإِنَّمَا الخالف يجمع على الخالفين بِالْيَاءِ وَالنُّون فَافْهَم. وَإنْ كَانَ جَمْعَ الذُّكُورِ فَإنَّهُ لَمْ يُوجَدْ عَلَى تَقْدِيرِ جَمْعِهِ إلاّ حَرْفانِ فَارِسٌ وَفَوَارِسُ وَهَالِكٌ وَهَوَالِكُ. فِيهِ نظر من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الْمَفْهُوم من صدر كَلَامه أَن خوالف جمع خَالف وَهنا ذكره بِالشَّكِّ أَنه إِذا كَانَ خوالف جمع الْمُذكر فَإِنَّهُ لم يُوجد إِلَى آخِره. وَالْآخر: فِي ادعائه أَن لفظ فَاعل لَا يجمع على فواعل إلَاّ فِي لفظين: أَحدهمَا: فَارس، فَإِنَّهُ يجمع على فوارس. وَالْآخر: هَالك فَإِنَّهُ يجمع على هوالك، وَقد ذكرنَا ألفاظا غَيرهمَا أَنَّهَا على وزن فَاعل قد جمعت على فواعل وَلم أر أحدا من الشُّرَّاح حرر هَذَا الْموضع كَمَا هُوَ حَقه، وَقد حررناه فللَّه الْحَمد. الخَيْرَاتُ وَاحِدُها خَيْرَةٌ وَهِيَ الفَوَاضِلُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُم الْخيرَات وَأُولَئِكَ هم المفلحون﴾ وَذكر أَن وَاحِدَة الْخيرَات خيرة. ثمَّ فسر الْخيرَات بالفواضل وَفِي التَّفْسِير: أُولَئِكَ لَهُم الْخيرَات. أَي: فِي الدَّار الْآخِرَة فِي جنَّات الفردوس والدرجات العلى. مُرْجَؤونَ مُؤَخَّرونَ لم يثبت هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: (وَآخَرُونَ مرجؤون لأمر الله إِمَّا يعذبهم وَإِمَّا يَتُوب عَلَيْهِم) ، (التَّوْبَة: ١٠٦) وَفسّر مرجؤون، بقوله: مؤخرون أَي: يؤخرون لأمر الله ليقضي الله فيهم مَا هُوَ قَاض، ومرجؤون من أرجأت الْأَمر وأرجيته بهمز وَبِغَيْرِهِ وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى التَّأْخِير، وَمِنْه المرجئة. وهم فرقة من فرق الْإِسْلَام يَعْتَقِدُونَ أَنه لَا يضر مَعَ الْإِيمَان مَعْصِيّة كَمَا أَنه لَا ينفع مَعَ الْكفْر طَاعَة. أَي: آخِره عَنْهُم، والمرجئة بهمز وَلَا تهمز، فالنسبة من الأول مرجىء وَمن الثَّانِي مرجي، وَالْمرَاد من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ مرجؤون﴾ الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا فِي غَزْوَة تَبُوك، وهم: مرَارَة بن الرّبيع وَكَعب بن مَالك وهلال بن أُميَّة قعدوا عَن غَزْوَة تَبُوك فِي جملَة من قعد كسلاً وميلاً إِلَى الدعة والخفض وَطيب الثِّمَار والظلال، لَا شكا ونفاقا قَالَه ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَعِكْرِمَة وَالضَّحَّاك وَآخَرُونَ. الشَّفاشَفِيٌ وَهُوَ حَدُّهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أم من أسس بُنْيَانه على شفا جرف هار﴾ (التَّوْبَة: ١٠٩) فسر الشفا بقوله شَفير، ثمَّ قَالَ: وَهُوَ حَده أَي: طرفه، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني وَهُوَ حرفه. والجُرْفُ مَا تَجَرَّفَ مِنَ السُّيُولِ وَالأوْدِيَّةِ هَارِ هائِرٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿شفا جرف هار﴾ (التَّوْبَة: ١٠٩) ثمَّ فسره الجرف بقوله: مَا تجرف من السُّيُول وَهُوَ الَّذِي ينحفر

стр. 5519

بِالْمَاءِ فَيبقى واهيا، وَفسّر قَوْله: هار، بقوله: هائر، يُقَال: تهورت الْبِئْر إِذا انْهَدَمت وانهار مثله، وَفِيه إِشَارَة أَيْضا إِلَى أَن لفظ: هار، مقلوب من هائر ومعلول إعلال قَاض، وَقيل: لَا حَاجَة إِلَيْهِ بل أَصله: هور وألفه لَيست بِأَلف فَاعل وَإِنَّمَا هِيَ عينه وَهُوَ بِمَعْنى: سَاقِط. لأَوَّاهٌ شَفَقا وَفَرَقا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن إِبْرَاهِيم لأواه حَلِيم﴾ (التَّوْبَة: ١١٤) والأواه المتأوه المتضرع، وَهُوَ على وزن فعال، بِالتَّشْدِيدِ، وَقَالَ سُفْيَان وَغير وَاحِد. عَن عَاصِم بن بَهْدَلَة عَن زر بن حُبَيْش عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: الأواه الدُّعَاء، وروى ابْن أبي حَاتِم من حَدِيث ابْن الْمُبَارك عَن عبد الحميد بن بهْرَام، قَالَ: الأواه المتضرع الدُّعَاء، وَعَن مُجَاهِد وَأبي ميسرَة عَمْرو بن شُرَحْبِيل وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَقَتَادَة أَنه الرَّحِيم أَي: لعباد الله، وَعَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: الأواه الموقن بِلِسَان الْحَبَشَة، وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاك، وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة وَمُجاهد عَن ابْن عَبَّاس، الأواه الْمُؤمن التواب، وَقَالَ سعيد بن جُبَير وَالشعْبِيّ: الأواه المسبح، وَقَالَ شفي ابْن مَانع عَن أبي أَيُّوب: الأواه الَّذِي إِذا ذكر خطاياه اسْتغْفر مِنْهَا، وروى ابْن جرير بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي ﷺ ، دفن مَيتا فَقَالَ: رَحِمك الله إِن كنت لأواها يَعْنِي: تلاء لِلْقُرْآنِ. قَوْله: (شفقا) أَي: لأجل الشَّفَقَة وَلأَجل الْفرق، وَهُوَ الْخَوْف، وَهَذَا كَانَ فِي إِبْرَاهِيم، ﵇، لِأَنَّهُ كَانَ حَلِيمًا عَمَّن ظلمه وخائفا من عَظمَة الله تَعَالَى وَمن كَثْرَة حلمه وشدته أَنه اسْتغْفر لِأَبِيهِ مَعَ شدَّة أَذَاهُ لَهُ فِي قَوْله: ﴿أراغب أَنْت عَن آلهتي يَا إِبْرَاهِيم لَئِن لم تَنْتَهِ لأرجمنك واهجرني مَلِيًّا﴾ (مَرْيَم: ٤٦) . وَقَالَ الشَّاعِر: (إِذا مَا قُمْتُ أرْحَلُها بِلَيْلٍ تأوَّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الحَزِينِ) كَأَنَّهُ يحْتَج بِهَذَا الْبَيْت على أَن لفظ: أَواه، على وزن فعال من التأوه، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أوه الرجل تأويها وتأوه تأوها إِذا قَالَ: أوه، وَالِاسْم مِنْهُ الآهة بِالْمدِّ. ثمَّ قَالَ: قَالَ المثقب الْعَبْدي: إِذا مَا قُمْت إِلَى آخِره، ويروى أهة، تَشْدِيد الْهَاء من قَوْلهم: أه أَي توجع. قلت: فَلذَلِك قَالَ أَكثر الروَاة آهة بِالْمدِّ وَالتَّخْفِيف، وروى الْأصيلِيّ: أهة بِلَا مد وَتَشْديد الْهَاء، وَقد نسب الْجَوْهَرِي الْبَيْت الْمَذْكُور إِلَى المثقب الْعَبْدي، بتَشْديد الْقَاف الْمَفْتُوحَة، وَزعم بَعضهم بِكَسْر الْقَاف، وَالْأول أشهر وَسمي المثقب بقوله: (أرين محاسنا وكنن أُخْرَى ... وثقبن الوصاوص للعيون) قَوْله: كنن أَي: سترن، والوصاوص، جمع وصواص وَهُوَ البرقع الصَّغِير، وَهَكَذَا فسره الْجَوْهَرِي ثمَّ أنْشد هَذَا الْبَيْت، وَاسم المثقب، جحاش عَائِذ بن مُحصن بن ثَعْلَبَة بن وائلة بن عدي بن زهر بن مُنَبّه بن بكرَة بن لكز بن أفصى بن عبد الْقَيْس، قَالَ المرزباني: وَقيل: اسْمه شَاس بن عَائِذ بن مُحصن، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَأَبُو هفان اسْمه شَاس ابْن نَهَار، وَالْبَيْت الْمَذْكُور من قصيدة من الْمُتَوَاتر وَهِي طَوِيلَة وأولها قَوْله: (أفاطم قبل بَيْنك متعبني ... ومنعك مَا سَأَلت كَأَن تبيني) (فَلَا تعدِي مواعد كاذباتَ ... تمر بهَا ريَاح الصَّيف دوني) (فَإِنِّي لَو تخالفني شمَالي ... لما اتبعتها أبدا يَمِيني) (إِذا لقطعتها ولقلت: بيني ... لذَلِك اجتوى من يجتويني) إِلَى أَن قَالَ: (فسلِّ الْهم عَنْك بِذَات لَوَث ... عذافرة كمطرقة القيون) (إِذا مَا قُمْت أرحلها بلَيْل ... تأوه آهة الرجل الحزين) (تَقول: إِذا درأت لَهَا وضيني ... أَهَذا دينه أبدا وديني) (أكلُّ الدَّهْر حل وارتحال ... فَمَا يبْقى عَليّ وَلَا يقيني) وَمن حكمهَا: (فإمَّا أَن تكون أخي بِصدق ... فأعرف مِنْك غثي من سميني) (وإلَاّ فاطرحني واتخذني ... عدوا أتقيك وتتقيني)

стр. 5520

(فَمَا أَدْرِي إِذا يممت أَرضًا ... أُرِيد الْخَيْر أَيهمَا يليني) (آلخير الَّذِي أَنا أبتغيه ... أم الشَّرّ الَّذِي هُوَ يبتغيني) قَوْله: (أفاطم) ، بِفَتْح الْمِيم وَضمّهَا، منادى مرخم. قَوْله: (بَيْنك) ، أَي: قبل قَطعك. قَوْله: (اجتوى) ، من الجوى، وَهُوَ: الْمَرَض وداء الْبَطن إِذا تطاول. قَوْله: (ذَات لوث) ، بِضَم اللَّام، يُقَال نَاقَة لوثة أَي: كَثِيرَة اللَّحْم والشحم. قَوْله: (عذافرة) ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الذَّال الْمُعْجَمَة وَكسر الْفَاء وَفتح الرَّاء يُقَال: نَاقَة عذافرة، أَي: عَظِيمَة وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال جمل عذافر وَهُوَ الْعَظِيم الشَّديد. قَوْله: (كمطرقة القيون) ، وَهُوَ جمع قين، وَهُوَ الْحداد. قَوْله: (أرحِّلها) من رحَّلت النَّاقة أرحلها رحلاً إِذا شددت الرحل على ظهرهَا، والرحل أَصْغَر من القتب. قَوْله: (وضيني) بِفَتْح الْوَاو وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون، وَهُوَ الهودج بِمَنْزِلَة البطان للقتب قَوْله: (حل) أَي: حُلُول الْحل، والحلول وَالْمحل مصَادر من حل بِالْمَكَانِ، وَالْمعْنَى: أكل الزَّمَان مَوضِع الْحُلُول وَمَوْضِع الارتحال؟ قَوْله: (لَا يقيني) أَي: لَا يحفظني من وقى يقي وقاية. قَوْله: (بِصدق) ويروي بِحَق. قَوْله: (فاعرف) بِالنّصب أَي: فَإِن أعرف. قَوْله: (غثى) بالغين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة من غث اللَّحْم إِذا كَانَ مهزولاً وَالْمعْنَى أعرف مِنْك مَا يفْسد مِمَّا يصلح. ٩ - ( ﴿سُورَةُ بَرَاءَةَ﴾ ) أَي: هَذِه سُورَة بَرَاءَة يَعْنِي: فِي بَيَان بعض تَفْسِيرهَا، وَسَيَأْتِي معنى بَرَاءَة، عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَقَالَ أَبُو الْحسن بن الْحصار: هِيَ مَدَنِيَّة بِاتِّفَاق. وَقَالَ مقَاتل: إِلَّا آيَتَيْنِ من آخرهَا ﴿لقد جَاءَكُم﴾ (التَّوْبَة: ١٢٨) إِلَى آخرهَا نزلت بِمَكَّة، وَقيل: فِيهَا اخْتِلَاف فِي أَربع عشرَة آيَة، وَهِي عشرَة آلَاف وَثَمَانمِائَة وَسَبْعَة وَثَمَانُونَ حرفا وَأَلْفَانِ وَأَرْبَعمِائَة وَسبع وَتسْعُونَ كلمة، وَمِائَة وَثَلَاثُونَ آيَة مدنِي وبصري وشامي ومكي، وَمِائَة وَعِشْرُونَ وتسع كُوفِي، وَلها ثَلَاثَة عشر اسْما اثْنَان مشهوران (بَرَاءَة) ، و (التَّوْبَة) و (سُورَة الْعَذَاب) و (والمقشقشة) لِأَنَّهَا تقشقش عَن النِّفَاق أَي: تبرىء، وَقيل: من تقشقش الْمَرِيض إِذا برأَ (والبحوث) لِأَنَّهَا تبحث عَن سرائر الْمُنَافِقين و (الفاضحة) لِأَنَّهَا فضحت الْمُنَافِقين و (المبعثرة) لِأَنَّهَا بعثرت أَخْبَار النَّاس وكشفت عَن سرائرهم و (المثيرة) لِأَنَّهَا أثارت مخازي الْمُنَافِقين و (الحافرة) لِأَنَّهَا حفرت عَن قُلُوبهم و (المشردة) لِأَنَّهَا تشرد بالمنافقين و (المخزية) لِأَنَّهَا تخزي الْمُنَافِقين و (المنكلة) لِأَنَّهَا تَتَكَلَّم و (المدمدمة) لِأَنَّهَا تدمدم عَلَيْهِم. وَاخْتلف فِي سَبَب سُقُوط الْبَسْمَلَة من أَولهَا. فَقيل: لِأَن فِيهَا نقض الْعَهْد وَالْعرب فِي الْجَاهِلِيَّة كَانُوا إِذا نقض الْعَهْد الَّذِي كَانَ بَينهم وَبَين قوم لم يكتبوا فِيهِ الْبَسْمَلَة، وَلما نزلت برَاء بِنَقْض الْعَهْد قَرَأَهَا عَلَيْهِم عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلم يبسمل جَريا على عَادَتهم، وَقيل: لِأَن عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: كَانَت الْأَنْفَال من أَوَائِل مَا نزل وَبَرَاءَة من آخِره، وَكَانَت قصَّتهَا شَبيهَة بِقِصَّتِهَا، وَقبض النَّبِي ﷺ وَلم يبين لنا أَنَّهَا مِنْهَا فَظَنَنْت أَنَّهَا مِنْهَا فَمن ثمَّة قرنت بَينهمَا وَلم أكتب بَينهمَا الْبَسْمَلَة، رَوَاهُ الْحَاكِم وَصَححهُ، وَقيل: لما سقط الْبَسْمَلَة مَعَه، رُوِيَ عَن عُثْمَان أَيْضا وَقَالَهُ مَالك فِي رِوَايَة ابْن وهب وَابْن الْقَاسِم، وَقَالَ ابْن عجلَان: بَلغنِي أَن بَرَاءَة كَانَت تعدل الْبَقَرَة أَو قربهَا فَذهب مِنْهَا فَلذَلِك لم تكْتب الْبَسْمَلَة، وَقيل: لما كتب الْمُصحف فِي خلَافَة عُثْمَان اخْتلفت الصَّحَابَة. فَقَالَ بَعضهم: بَرَاءَة والأنفال سُورَة وَاحِدَة، وَقَالَ بَعضهم: هما سورتان، فَترك بَينهمَا فُرْجَة لقَوْل من لم يقل إنَّهُمَا سُورَة وَاحِدَة، وَبِه قَالَ: خَارِجَة وَأَبُو عصمَة وَآخَرُونَ، وَقيل: روى الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: سَأَلت عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن ذَلِك فَقَالَ: لِأَن الْبَسْمَلَة أَمَان وَبَرَاءَة نزلت بِالسَّيْفِ لَيْسَ فِيهَا أَمَان. قَالَ الْقشيرِي: وَالصَّحِيح أَن الْبَسْمَلَة لم تكْتب فِيهَا لِأَن جِبْرِيل ﵇، مَا نزل بهَا فِيهَا، وروى الثَّعْلَبِيّ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَن سيدنَا رَسُول الله ﷺ قَالَ: (مَا نزل عليّ الْقُرْآن إلَاّ آيَة آيَة وحرفا حرفا خلا بَرَاءَة وَقل هُوَ الله أحد فَإِنَّهُمَا أَنْزَلَتَا عليّ ومعهما سَبْعُونَ ألفا من الْمَلَائِكَة) . مُرْصَدٌ طَرِيقٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿واقعدوا لَهُم كل مرصد﴾ (التَّوْبَة: ٥) أَي: على كل طَرِيق وَيجمع على مراصد، وَهِي الطّرق. قَوْله لَهُم: أَي للْكفَّار الْمُشْركين وَلم تقع هَذِه اللَّفْظَة إلَاّ فِي بعض النّسخ. (بَابٌ وَلِيجَة كلُّ شَيْءٍ أدْخَلْتَهُ فِي شَيْءٍ) لم يثبت لفظ بَاب: فِي كثير من النّسخ وَلَا ثَبت لفظ وليجة فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَلَا الَّذِي قبله، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلم يتخذوا من دون الله وَلَا رَسُوله وَلَا الْمُؤمنِينَ وليجة وَالله خَبِير بِمَا تعلمُونَ﴾ (التَّوْبَة: ١٦) وَفسّر: وليجة بقوله: كل شَيْء أدخلته فِي شَيْء وروى كَذَلِك عَن الرّبيع قَالَ ابْن أبي حَاتِم، حَدثنَا كثير بن شهَاب الْقزْوِينِي حَدثنَا مُحَمَّد يَعْنِي ابْن سعيد حَدثنَا أَبُو جَعْفَر عَنهُ، وَفِي التَّفْسِير، وليجة أَي: بطانة ودخيلة، يَعْنِي الَّذين جاهدوا مِنْكُم وَلم يتخذوا من دون الله وَلَا رَسُوله. وَلَا الْمُؤمنِينَ وليجة أَي: بطالة بل هم فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن على النصح لله وَلِرَسُولِهِ. الشُّقَّةُ السَّفَرُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿لَو كَانَ عرضا قَرِيبا وسفرا فَاسِدا لاتبعوك وَلَكِن بَعدت عَلَيْهِم الشقة﴾ (بَرَاءَة: ٤٢) وَفسّر الشقة بِالسَّفرِ. وَرُوِيَ كَذَلِك عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أَبُو زرْعَة حَدثنَا منْجَاب أخبرنَا بشر بن عمَارَة عَن أبي روق عَن الضَّحَّاك عَنهُ، وَفِي التَّفْسِير ﴿لَو كَانَ عرضا قَرِيبا﴾ أَي: الْغَنِيمَة قريبَة ﴿وسقرا قَاصِدا لاتبعوك﴾ أَي: لكانوا مَعَك لذَلِك ﴿وَلَكِن بَعدت عَلَيْهِم الشقة﴾ أَي: الْمسَافَة إِلَى الشَّام. الخبالُ الفَسادُ والخَبالُ المَوْتُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو خَرجُوا فِيكُم مَا زادوكم إلَاّ خبالاً﴾ (التَّوْبَة: ٤٧) وَفسّر الخبال بِالْفَسَادِ، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، والخبال فِي الأَصْل الْفساد وَيكون فِي الْأَفْعَال والأبدان والعقول، من خبله يخبله خبلاً بِسُكُون الْبَاء وَبِفَتْحِهَا الْجُنُون. قَوْله: (والخبال الْمَوْت) ، كَذَا وَقع فِي جمع الرِّوَايَات قيل: الصَّوَاب الموتة بِضَم الْمِيم وبالهاء فِي آخِره، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الموتة بِالضَّمِّ جنس من الْجُنُون والصرع يعتري الْإِنْسَان فَإِذا أَفَاق عَاد إِلَيْهِ كَمَال عقله كالنائم والسكران. وَلا تَفُتِنِّي لَا تُوَبِّخْنِي أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُم من يَقُول ائْذَنْ لي وَلَا تفتني﴾ (التَّوْبَة: ٤٧) وَفسّر قَوْله: لَا توبخني، من التوبيخ بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة، وَفِي وَرَايَة الْمُسْتَمْلِي والجرجاني: لَا توهني، بِالْهَاءِ وَتَشْديد النُّون من الوهن وَهُوَ الضعْف وَفِي رِوَايَة ابْن السكن: لَا تؤتمني بِالتَّاءِ الْمُثَلَّثَة الثَّقِيلَة وَسُكُون الْمِيم من الْإِثْم قَالَ عِيَاض: وَهُوَ الصَّوَاب، وَكَذَا وَقع فِي كَلَام أبي عُبَيْدَة، وَالْآيَة نزلت فِي جد ابْن قيس الْمُنَافِق قَالَ لَهُ ﷺ : هَل لَك فِي جلاد بني الْأَصْفَر يَعْنِي الرّوم تتَّخذ مِنْهُم سراري ووصفاء؟ فَقَالَ: ائْذَنْ لي فِي الْقعُود عَنْك وَلَا تفتني بِذكر النِّسَاء فقد علم قومِي أَنِّي مغرم بِهن وَأَنِّي أخْشَى أَن لَا أَصْبِر عَنْهُن، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: اعتل جد ابْن قيس بقوله: وَلَا تفتني، وَلم يكن لَهُ عِلّة إلَاّ النِّفَاق. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَّا فِي الْفِتْنَة سقطوا﴾ يَعْنِي: إلَاّ فِي الْإِثْم سقطوا. كَرْها وَكُرْها أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قل اتَّفقُوا طَوْعًا أَو كرها لن يتَقَبَّل مِنْكُم﴾ وَأَشَارَ بِأَن فِيهِ لغتين فتح الْكَاف وَضمّهَا فبالضم قَرَأَ الْكُوفِيُّونَ حَمْزَة وَالْأَعْمَش وَيحيى بن وثاب وَالْكسَائِيّ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْح، وَالْمعْنَى: قل يَا مُحَمَّد انفقوا طائعين أَو مكرهين لن يتَقَبَّل مِنْكُم أَنكُمْ كُنْتُم قوما فاسقين، وَبَين الله سَبَب ذَلِك بقوله: ﴿وَمَا مَنعهم أَن تقبل مِنْهُم نفقاتهم﴾ (التَّوْبَة: ٥٤) الْآيَة. مُدَّخَلاً يَدْخَلُونَ فِيهِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو يَجدونَ ملْجأ أَو مغارات أَو مدخلًا﴾ وَالْمعْنَى: لَو يَجدونَ حصنا يتحصنون بِهِ، وحرزا يحترزون بِهِ. أَو مغارات وَهِي الكهوف فِي الْجبَال أَو مدخلًا وَهُوَ السَّرب فِي الأَرْض وَقد أخبر الله تَعَالَى عَنْهُم بِأَنَّهُم يحلفُونَ بِاللَّه أَنهم لمنكم يَمِينا مُؤَكدَة وَمَا هم مِنْكُم فِي نفس الْأَمر إِنَّمَا يخالطونكم كرها لَا محبَّة. يَجْمَحُونَ يُسْرِعُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لولوا إِلَيْهِ وهم يجمحون﴾ وَفَسرهُ بقوله: يسرعون، وَهُوَ آخر الْآيَة الْمَذْكُورَة الْآن يَعْنِي: فِي ذهابهم عَنْكُم لأَنهم إِنَّمَا يخالطونكم كرها لَا محبَّة وودوا أَنهم لَا يخالطونكم وَلَكِن للضَّرُورَة أَحْكَام. وَالمُؤْتَفِكَاتِ ائْتَفَكَتْ انْقَلَبَتْ بِهَا الأَرْضُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَصْحَاب مَدين والمؤتفكات اتتهم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ (بَرَاءَة: ٧٠) وَفسّر الْمُؤْتَفِكَات بقوله: ائتفكت انقلبت بهَا الأَرْض وهم قوم لوط، وَفِي التَّفْسِير: والمؤتفكات قرى قوم لوط، ﵇، وَكَانُوا يسكنون فِي مدن وَأمّهَا سدوم وأهلكهم الله عَن آخِرهم بتكذيبهم نَبِي الله لوطا ﵇، وإتيانهم الْفَاحِشَة الَّتِي لم يسبقهم بهَا أحد من الْعَالمين، وَأَصله من أفكه يأفكه أفكا إِذا صرفه عَن الشَّيْء. وَقَلبه، وأفك فَهُوَ مأفوك والآفكة الْعَذَاب الَّذِي أرْسلهُ الله على قوم لوط فَقلب بهَا دِيَارهمْ، والبلدة مؤتفكة وَتجمع على مؤتفكات. أَهْوَى ألْقاهُ فِي هُوَّةٍ هَذِه اللَّفْظَة لم تقع فِي سُورَة بَرَاءَة وَإِنَّمَا هِيَ فِي سُورَة النَّجْم ذكرهَا هُنَا البُخَارِيّ اسْتِطْرَادًا لقَوْله: والمؤتفكة أَهْوى، والهوة بِضَم الْهَاء وَتَشْديد الْوَاو وَهُوَ الْمَكَان العميق. عَدْنٍ خُلْدٍ عَدَنْتُ بِأَرْضٍ أيْ أقَمْتُ وَمِنْهُ مَعْدِنٌ وَيُقالُ فِي مَعْدِنِ صِدْقٍ فِي مَنْبِتِ صِدْقٍ. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿جنَّات عدن﴾ (التَّوْبَة: ٧٢) وَفسّر قَوْله عدن، بقوله: خلد، بِضَم الْخَاء وَسُكُون اللَّام وَهُوَ دوَام الْبَقَاء، يُقَال: خلد الرجل يخلد خلودا من بَاب نصر ينصر. قَوْله: عدنت بِأَرْض، أَي: أَقمت بهَا لِأَنَّهَا من العدن وَهُوَ الْإِقَامَة، يُقَال: عدن بِالْمَكَانِ يعدن عدنا من بَاب نصر ينصر، إِذا لزمَه وَلم يبرح بِهِ قَوْله: وَمِنْه مَعْدن. أَي: وَمن عدن اشتقاق مَعْدن وَهُوَ الْموضع الَّذِي يسْتَخْرج مِنْهُ جَوَاهِر الأَرْض كالذهب وَالْفِضَّة والنحاس وَغير ذَلِك، قَوْله: وَيُقَال فِي مَعْدن صدق، يَعْنِي: يُقَال فلَان فِي مَعْدن صدق إِذا كَانَ مستمرا عَلَيْهِ وَلَا يبرح عَنهُ كَأَنَّهُ صَار معدنا للصدق. قَوْله: فِي منبت صدق، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون النُّون وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، اسْم لموْضِع النَّبَات، وَيُقَال: لمَكَان يسْتَقرّ فِيهِ النبت هَذَا منبت صدق، وَقَالُوا فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿فِي مقْعد صدق﴾ (الْقَمَر: ٥٥) أَي: مَكَان مرضِي، والصدق هُنَا كِنَايَة عَن اسْتِمْرَار الرِّضَا فِيهِ. الْخَوَالِفُ الخَالِفُ الَّذِي خَلَفَنِي فَقَعَدَ بَعْدِي وَمِنْهُ يَخْلِفُهُ فِي العَابِرِينَ وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ النِّسَاءُ مِنَ الخَالِفَةِ. أَشَارَ بقوله الْخَوَالِف: إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿رَضوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِف وطبع الله على قُلُوبهم فهم لَا يعلمُونَ﴾ (التَّوْبَة: ٨٧) هَذِه الْآيَة وَمَا قبلهَا فِي قَضِيَّة غَزْوَة تَبُوك، وَذَلِكَ أَنهم لما أمروا بغزوة تَبُوك تخلفت جمَاعَة مِنْهُم من بَين الله عذرهمْ بقوله: ﴿لَيْسَ على الضُّعَفَاء وَلَا على المرضى﴾ إِلَى قَوْله: ﴿أَلا يَجدوا مَا يُنْفقُونَ﴾ (التَّوْبَة: ٩١) وَنفى الله تَعَالَى عَنْهُم الْمَلَامَة، ثمَّ رد الله على الَّذين يستأذنون فِي الْقعُود وهم أَغْنِيَاء وأنبهم بقوله: ﴿رَضوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِف﴾ أَي: مَعَ النِّسَاء الْخَوَالِف فِي الرِّجَال ﴿طبع الله على قُلُوبهم فهم لَا يعلمُونَ﴾ قَوْله: الخالف الَّذِي خلفني فَقعدَ بعدِي: إِشَارَة إِلَى تَفْسِير الخالف، وَهُوَ الَّذِي يقْعد بعد الشَّخْص فِي رَحْله وَيجمع على خالفين كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فاقعدوا مَعَ الخالفين﴾ (التَّوْبَة: ٨٣) قَالَ ابْن عَبَّاس: أَي الرِّجَال الَّذين تخلفوا عَن الْغُزَاة وَلَا يجمع الخالف على الخالفين لِأَن جمع النِّسَاء لَا يكون بِالْيَاءِ وَالنُّون. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فاقعدوا مَعَ الخالفين﴾ قَالَ أَي: النِّسَاء. قلت: رد عَلَيْهِ ابْن جرير بِمَا ذكرنَا وَرجح عَلَيْهِ قَول ابْن عَبَّاس، وَكَانَ الْكرْمَانِي أَخذ قَول قَتَادَة فَقَالَ: قَوْله الْخَوَالِف جمع الخالف أَي: مَعَ المتخلفين ثمَّ قَالَ: وَيجوز أَن يكون المُرَاد جمع النِّسَاء فَيكون جمع خالفة، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر لِأَن فواعل جمع فاعلة، وَلم يُوجد فِي كَلَامهم إلَاّ لفظان فوارس وهوالك. قلت: جَاءَ سَابق وسوابق وناكس ونواكس وداجن ودواجن، وَمن الْأَسْمَاء عَازِب وعوازب وكاهل وكواهل وحاجة وحوائج وعائش وعوائش للدخان، وَالْحَاصِل أَن المُرَاد من الْخَوَالِف النِّسَاء المتخلفات، وَقيل: أخساه النَّاس. قَوْله: (وَمِنْه يخلفه فِي الغابرين) ، أَي: وَمن هَذَا لفظ يخلفه فِي الغابرين، هَذَا دُعَاء لمن مَاتَ لَهُ ميت اللَّهُمَّ اخلفه فِي الغابرين، أَي: فِي البَاقِينَ من عقبه، وَفِي مُسلم من حَدِيث أم سَلمَة اللَّهُمَّ اغْفِر لأبي سَلمَة وارفع دَرَجَته فِي المهديين واخلفه فِي عقبه فِي الغابرين، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شَرحه أَي: البَاقِينَ، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إلَاّ امْرَأَته كَانَت من الغابرين﴾ (الْأَعْرَاف: ٨٣) قلت: لفظ غبر، يسْتَعْمل فِي الْمَاضِي والمستقبل فَهُوَ من الأضداد وَالْفرق فِي الْمَعْنى بِالْقَرِينَةِ. قَوْله: (وَيجوز أَن يكون النِّسَاء من الخالفة) إِنَّمَا يجوز ذَلِك إِذا كَانَ يجمع مَعَ الخالفة على خوالف وَأما على مَا يفهم من صدر كَلَامه أَن الخالف يجمع على خوالف فَلَا يجوز على مَا نبهنا عَلَيْهِ من قريب، وَإِنَّمَا الخالف يجمع على الخالفين بِالْيَاءِ وَالنُّون فَافْهَم. وَإنْ كَانَ جَمْعَ الذُّكُورِ فَإنَّهُ لَمْ يُوجَدْ عَلَى تَقْدِيرِ جَمْعِهِ إلاّ حَرْفانِ فَارِسٌ وَفَوَارِسُ وَهَالِكٌ وَهَوَالِكُ. فِيهِ نظر من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الْمَفْهُوم من صدر كَلَامه أَن خوالف جمع خَالف وَهنا ذكره بِالشَّكِّ أَنه إِذا كَانَ خوالف جمع الْمُذكر فَإِنَّهُ لم يُوجد إِلَى آخِره. وَالْآخر: فِي ادعائه أَن لفظ فَاعل لَا يجمع على فواعل إلَاّ فِي لفظين: أَحدهمَا: فَارس، فَإِنَّهُ يجمع على فوارس. وَالْآخر: هَالك فَإِنَّهُ يجمع على هوالك، وَقد ذكرنَا ألفاظا غَيرهمَا أَنَّهَا على وزن فَاعل قد جمعت على فواعل وَلم أر أحدا من الشُّرَّاح حرر هَذَا الْموضع كَمَا هُوَ حَقه، وَقد حررناه فللَّه الْحَمد. الخَيْرَاتُ وَاحِدُها خَيْرَةٌ وَهِيَ الفَوَاضِلُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُم الْخيرَات وَأُولَئِكَ هم المفلحون﴾ وَذكر أَن وَاحِدَة الْخيرَات خيرة. ثمَّ فسر الْخيرَات بالفواضل وَفِي التَّفْسِير: أُولَئِكَ لَهُم الْخيرَات. أَي: فِي الدَّار الْآخِرَة فِي جنَّات الفردوس والدرجات العلى. مُرْجَؤونَ مُؤَخَّرونَ لم يثبت هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: (وَآخَرُونَ مرجؤون لأمر الله إِمَّا يعذبهم وَإِمَّا يَتُوب عَلَيْهِم) ، (التَّوْبَة: ١٠٦) وَفسّر مرجؤون، بقوله: مؤخرون أَي: يؤخرون لأمر الله ليقضي الله فيهم مَا هُوَ قَاض، ومرجؤون من أرجأت الْأَمر وأرجيته بهمز وَبِغَيْرِهِ وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى التَّأْخِير، وَمِنْه المرجئة. وهم فرقة من فرق الْإِسْلَام يَعْتَقِدُونَ أَنه لَا يضر مَعَ الْإِيمَان مَعْصِيّة كَمَا أَنه لَا ينفع مَعَ الْكفْر طَاعَة. أَي: آخِره عَنْهُم، والمرجئة بهمز وَلَا تهمز، فالنسبة من الأول مرجىء وَمن الثَّانِي مرجي، وَالْمرَاد من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ مرجؤون﴾ الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا فِي غَزْوَة تَبُوك، وهم: مرَارَة بن الرّبيع وَكَعب بن مَالك وهلال بن أُميَّة قعدوا عَن غَزْوَة تَبُوك فِي جملَة من قعد كسلاً وميلاً إِلَى الدعة والخفض وَطيب الثِّمَار والظلال، لَا شكا ونفاقا قَالَه ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَعِكْرِمَة وَالضَّحَّاك وَآخَرُونَ. الشَّفاشَفِيٌ وَهُوَ حَدُّهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أم من أسس بُنْيَانه على شفا جرف هار﴾ (التَّوْبَة: ١٠٩) فسر الشفا بقوله شَفير، ثمَّ قَالَ: وَهُوَ حَده أَي: طرفه، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني وَهُوَ حرفه. والجُرْفُ مَا تَجَرَّفَ مِنَ السُّيُولِ وَالأوْدِيَّةِ هَارِ هائِرٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿شفا جرف هار﴾ (التَّوْبَة: ١٠٩) ثمَّ فسره الجرف بقوله: مَا تجرف من السُّيُول وَهُوَ الَّذِي ينحفر بِالْمَاءِ فَيبقى واهيا، وَفسّر قَوْله: هار، بقوله: هائر، يُقَال: تهورت الْبِئْر إِذا انْهَدَمت وانهار مثله، وَفِيه إِشَارَة أَيْضا إِلَى أَن لفظ: هار، مقلوب من هائر ومعلول إعلال قَاض، وَقيل: لَا حَاجَة إِلَيْهِ بل أَصله: هور وألفه لَيست بِأَلف فَاعل وَإِنَّمَا هِيَ عينه وَهُوَ بِمَعْنى: سَاقِط. لأَوَّاهٌ شَفَقا وَفَرَقا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن إِبْرَاهِيم لأواه حَلِيم﴾ (التَّوْبَة: ١١٤) والأواه المتأوه المتضرع، وَهُوَ على وزن فعال، بِالتَّشْدِيدِ، وَقَالَ سُفْيَان وَغير وَاحِد. عَن عَاصِم بن بَهْدَلَة عَن زر بن حُبَيْش عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: الأواه الدُّعَاء، وروى ابْن أبي حَاتِم من حَدِيث ابْن الْمُبَارك عَن عبد الحميد بن بهْرَام، قَالَ: الأواه المتضرع الدُّعَاء، وَعَن مُجَاهِد وَأبي ميسرَة عَمْرو بن شُرَحْبِيل وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَقَتَادَة أَنه الرَّحِيم أَي: لعباد الله، وَعَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: الأواه الموقن بِلِسَان الْحَبَشَة، وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاك، وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة وَمُجاهد عَن ابْن عَبَّاس، الأواه الْمُؤمن التواب، وَقَالَ سعيد بن جُبَير وَالشعْبِيّ: الأواه المسبح، وَقَالَ شفي ابْن مَانع عَن أبي أَيُّوب: الأواه الَّذِي إِذا ذكر خطاياه اسْتغْفر مِنْهَا، وروى ابْن جرير بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي ﷺ ، دفن مَيتا فَقَالَ: رَحِمك الله إِن كنت لأواها يَعْنِي: تلاء لِلْقُرْآنِ. قَوْله: (شفقا) أَي: لأجل الشَّفَقَة وَلأَجل الْفرق، وَهُوَ الْخَوْف، وَهَذَا كَانَ فِي إِبْرَاهِيم، ﵇، لِأَنَّهُ كَانَ حَلِيمًا عَمَّن ظلمه وخائفا من عَظمَة الله تَعَالَى وَمن كَثْرَة حلمه وشدته أَنه اسْتغْفر لِأَبِيهِ مَعَ شدَّة أَذَاهُ لَهُ فِي قَوْله: ﴿أراغب أَنْت عَن آلهتي يَا إِبْرَاهِيم لَئِن لم تَنْتَهِ لأرجمنك واهجرني مَلِيًّا﴾ (مَرْيَم: ٤٦) . وَقَالَ الشَّاعِر: (إِذا مَا قُمْتُ أرْحَلُها بِلَيْلٍ تأوَّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الحَزِينِ) كَأَنَّهُ يحْتَج بِهَذَا الْبَيْت على أَن لفظ: أَواه، على وزن فعال من التأوه، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أوه الرجل تأويها وتأوه تأوها إِذا قَالَ: أوه، وَالِاسْم مِنْهُ الآهة بِالْمدِّ. ثمَّ قَالَ: قَالَ المثقب الْعَبْدي: إِذا مَا قُمْت إِلَى آخِره، ويروى أهة، تَشْدِيد الْهَاء من قَوْلهم: أه أَي توجع. قلت: فَلذَلِك قَالَ أَكثر الروَاة آهة بِالْمدِّ وَالتَّخْفِيف، وروى الْأصيلِيّ: أهة بِلَا مد وَتَشْديد الْهَاء، وَقد نسب الْجَوْهَرِي الْبَيْت الْمَذْكُور إِلَى المثقب الْعَبْدي، بتَشْديد الْقَاف الْمَفْتُوحَة، وَزعم بَعضهم بِكَسْر الْقَاف، وَالْأول أشهر وَسمي المثقب بقوله: (أرين محاسنا وكنن أُخْرَى ... وثقبن الوصاوص للعيون) قَوْله: كنن أَي: سترن، والوصاوص، جمع وصواص وَهُوَ البرقع الصَّغِير، وَهَكَذَا فسره الْجَوْهَرِي ثمَّ أنْشد هَذَا الْبَيْت، وَاسم المثقب، جحاش عَائِذ بن مُحصن بن ثَعْلَبَة بن وائلة بن عدي بن زهر بن مُنَبّه بن بكرَة بن لكز بن أفصى بن عبد الْقَيْس، قَالَ المرزباني: وَقيل: اسْمه شَاس بن عَائِذ بن مُحصن، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَأَبُو هفان اسْمه شَاس ابْن نَهَار، وَالْبَيْت الْمَذْكُور من قصيدة من الْمُتَوَاتر وَهِي طَوِيلَة وأولها قَوْله: (أفاطم قبل بَيْنك متعبني ... ومنعك مَا سَأَلت كَأَن تبيني) (فَلَا تعدِي مواعد كاذباتَ ... تمر بهَا ريَاح الصَّيف دوني) (فَإِنِّي لَو تخالفني شمَالي ... لما اتبعتها أبدا يَمِيني) (إِذا لقطعتها ولقلت: بيني ... لذَلِك اجتوى من يجتويني) إِلَى أَن قَالَ: (فسلِّ الْهم عَنْك بِذَات لَوَث ... عذافرة كمطرقة القيون) (إِذا مَا قُمْت أرحلها بلَيْل ... تأوه آهة الرجل الحزين) (تَقول: إِذا درأت لَهَا وضيني ... أَهَذا دينه أبدا وديني) (أكلُّ الدَّهْر حل وارتحال ... فَمَا يبْقى عَليّ وَلَا يقيني) وَمن حكمهَا: (فإمَّا أَن تكون أخي بِصدق ... فأعرف مِنْك غثي من سميني) (وإلَاّ فاطرحني واتخذني ... عدوا أتقيك وتتقيني) (فَمَا أَدْرِي إِذا يممت أَرضًا ... أُرِيد الْخَيْر أَيهمَا يليني) (آلخير الَّذِي أَنا أبتغيه ... أم الشَّرّ الَّذِي هُوَ يبتغيني) قَوْله: (أفاطم) ، بِفَتْح الْمِيم وَضمّهَا، منادى مرخم. قَوْله: (بَيْنك) ، أَي: قبل قَطعك. قَوْله: (اجتوى) ، من الجوى، وَهُوَ: الْمَرَض وداء الْبَطن إِذا تطاول. قَوْله: (ذَات لوث) ، بِضَم اللَّام، يُقَال نَاقَة لوثة أَي: كَثِيرَة اللَّحْم والشحم. قَوْله: (عذافرة) ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الذَّال الْمُعْجَمَة وَكسر الْفَاء وَفتح الرَّاء يُقَال: نَاقَة عذافرة، أَي: عَظِيمَة وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال جمل عذافر وَهُوَ الْعَظِيم الشَّديد. قَوْله: (كمطرقة القيون) ، وَهُوَ جمع قين، وَهُوَ الْحداد. قَوْله: (أرحِّلها) من رحَّلت النَّاقة أرحلها رحلاً إِذا شددت الرحل على ظهرهَا، والرحل أَصْغَر من القتب. قَوْله: (وضيني) بِفَتْح الْوَاو وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون، وَهُوَ الهودج بِمَنْزِلَة البطان للقتب قَوْله: (حل) أَي: حُلُول الْحل، والحلول وَالْمحل مصَادر من حل بِالْمَكَانِ، وَالْمعْنَى: أكل الزَّمَان مَوضِع الْحُلُول وَمَوْضِع الارتحال؟ قَوْله: (لَا يقيني) أَي: لَا يحفظني من وقى يقي وقاية. قَوْله: (بِصدق) ويروي بِحَق. قَوْله: (فاعرف) بِالنّصب أَي: فَإِن أعرف. قَوْله: (غثى) بالغين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة من غث اللَّحْم إِذا كَانَ مهزولاً وَالْمعْنَى أعرف مِنْك مَا يفْسد مِمَّا يصلح. ١ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ الله وَرَسُولِهِ إلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ (التَّوْبَة: ٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿بَرَاءَة من الله﴾ الْآيَة. قَالَ الإِمَام أَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي ﵀ أَي: تبرؤ من الله وَرَسُوله إِلَى من كَانَ لَهُ عهد من الْمُشْركين من ذَلِك الْعَهْد، وَيُقَال: هَذِه الْآيَة بَرَاءَة، وَيُقَال: هَذِه السُّورَة بَرَاءَة، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: الْبَرَاءَة نقض الْعَهْد إِلَى الَّذين عاهدتم من الْمُشْركين لأَنهم نقضوا عهودهم قبل الْأَجَل فَأمر الله نبيه ﷺ ، بِأَن من كَانَ عَهده إِلَى أَرْبَعَة أشهر أَن يقره إِلَى أَن تَنْقَضِي أَرْبَعَة أشهر وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: ابْتِدَاء هَذَا الْأَجَل يَوْم الْحَج الْأَكْبَر وانقضاؤه إِلَى عشر من ربيع الآخر، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: هِيَ شَوَّال وَذُو الْقعدَة وَذُو الْحجَّة وَالْمحرم لِأَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي شَوَّال، وَقَالَ مقَاتل: نزلت فِي ثَلَاثَة أَحيَاء من الْعَرَب، خُزَاعَة وَبني مُدْلِج وَبني جزيمة كَانَ سيدنَا رَسُول الله ﷺ عاهدهم بِالْحُدَيْبِية لِسنتَيْنِ فَجعل الله أَجلهم أَرْبَعَة أشهر وَلم يعاهد النَّبِي ﷺ بعد هَذِه الْآيَة أحدا من النَّاس. وَقَالَ النّحاس: قَول من قَالَ: لم يعاهد النَّبِي ﷺ بعد هَذِه الْآيَة، غير صَحِيح، وَالصَّحِيح أَنه قد عَاهَدَ بعد هَذِه الْآيَة جمَاعَة مِنْهُم أهل نَجْرَان، قَالَ الْوَاقِدِيّ: عاهدهم وَكتب لَهُم سنة عشر قبل وَفَاته بِيَسِير. أذَانٌ إعْلامٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وأذان من الله وَرَسُوله﴾ وَفَسرهُ بقوله: إِعْلَام، وَهَذَا ظَاهر. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ أُذُنٌ يُصَدِّقُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُم الَّذين يُؤْذونَ النَّبِي وَيَقُولُونَ هُوَ أذن﴾ (التَّوْبَة: ٤٦١) الْآيَة. أَي: وَمن الْمُنَافِقين قوم يُؤْذونَ النَّبِي ﷺ بالْكلَام فِيهِ، وَيَقُولُونَ: هُوَ أذن يَعْنِي من قَالَ لَهُ شَيْء صدقه من قَالَ فِينَا بِحَدِيث صدقه، وَإِذا جِئْنَا وحلفنا لَهُ صدقنا روى مَعْنَاهُ عَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَقَتَادَة، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: يَقُول فِي قَوْله: (وَيَقُولُونَ) ، هُوَ أذن يَعْنِي: هُوَ يسمع من كل أحد. تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَنَحْوُها كَثِيرٌ وَالزَّكاةُ الطاعَةُ وَالإخْلاصُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ وتزكيهم بهَا﴾ (التَّوْبَة: ١٠٣) أَي: خُذ يَا مُحَمَّد، وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لما تَابَ الله على أبي لبَابَة وَأَصْحَابه. قَالُوا يَا رَسُول الله! هَذِه أَمْوَالنَا تصدق بهَا وَطَهِّرْنَا واستغفر لنا فَقَالَ: مَا أمرت أَن آخذ من أَمْوَالكُم شَيْئا، فَنزلت هَذِه الْآيَة. وَفِي الصَّدَقَة قَولَانِ: أَحدهمَا: التَّطَوُّع. وَالْآخر: الزَّكَاة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: تطهرهُمْ صفة لصدقة، وقرىء: يطهرهم، من أطهرهم بِمَعْنى: طهرهم، وتطهرهم بِالْجَزْمِ جَوَابا لِلْأَمْرِ وَالتَّاء فِي تطهرهُمْ للخطاب أَو لغيبة الْمُؤَنَّث، والتزكية

стр. 5521

مُبَالغَة فِي التَّطْهِير وَزِيَادَة فِيهِ أَو بِمَعْنى الإنماء وَالْبركَة. قَوْله: (وَنَحْوهَا كَثِيرُونَ) وَفِي بعض النّسخ. وَنَحْو هَذَا كثير، وَهَذِه أحسن، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن اللَّفْظَيْنِ الْمُخْتَلِفين فِي الْمَادَّة ومتفقين فِي الْمَعْنى كثير فِي لُغَات الْعَرَب. وَذَلِكَ لِأَن الزَّكَاة والتزكية فِي اللُّغَة الطَّهَارَة، وَلِهَذَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: والتزكية مُبَالغَة فِي التَّطْهِير، وَهَذَا يُشِير إِلَى أَن معنى التَّزْكِيَة التَّطْهِير. وَلَكِن فِيهِ زِيَادَة وتجيء التَّزْكِيَة أَيْضا بِمَعْنى النَّمَاء وَالْبركَة والمدح، وكل ذَلِك قد اسْتعْمل فِي الْقُرْآن، وعجبي من الشُّرَّاح كَيفَ أهملوا تَحْرِير مثل هَذَا ونظائره. قَوْله: (وَالزَّكَاة الطَّاعَة) ، يَعْنِي: تَأتي بِمَعْنى الطَّاعَة وَبِمَعْنى الْإِخْلَاص، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي قَوْله: (تطهرهُمْ وتزكيهم بهَا) قَالَ: الزَّكَاة طَاعَة الله وَالْإِخْلَاص. لَا يُؤْتُون الزَّكَاةَ لَا يَشْهَدُونَ أنْ لَا إلاهَ إلَاّ الله أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وويل للْمُشْرِكين الَّذين لَا يُؤْتونَ الزَّكَاة﴾ (فصلت: ٧) وَلَكِن هَذِه الْآيَة من سُورَة فصلت ذكرهَا هُنَا اسْتِطْرَادًا وفسرها بقوله: لَا يشْهدُونَ أَن لَا إلاه إِلَّا الله وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس أَنه فَسرهَا هَكَذَا. يُضاهُونَ يُشَبِّهُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك قَوْلهم بأفواههم يضاهون قَول الَّذين كفرُوا من قبل﴾ (التَّوْبَة: ٣٠) وَفسّر: يضاهون، بقوله: يشبهون، وَكَذَا فسره ابْن عَبَّاس فِيمَا رَوَاهُ عَنهُ عَليّ بن أبي طَلْحَة، وَهُوَ من المضاهاة. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هِيَ التَّشْبِيه، وَهَذَا إِخْبَار من الله تَعَالَى عَن قَول الْيَهُود: عُزَيْرًا ابْن الله، وَالنَّصَارَى الْمَسِيح ابْن الله، فأكذبهم بقوله ذَلِك قَوْلهم: بأفواههم، يَعْنِي لَا مُسْتَند لَهُم فِيمَا ادعوهُ سوى افترائهم وَاخْتِلَافهمْ يضاهون أَي: يشابهون قَول الَّذين كفرُوا من قبلهم من الْأُمَم ضلوا كَمَا ضل هَؤُلَاءِ قَاتلهم الله. قَالَ ابْن عَبَّاس: لعنهم الله. ٤٦٥٤ - ح دَّثنا أبُو الوَلِيدِ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ أبِي إسْحاقَ قَالَ سَمِعْتُ البَرَاءَ ﵁ يَقُولُ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُل الله يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ﴾ (النِّسَاء: ١٧٦) وَآخِرِ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةٌ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي والبراء بن عَازِب. والْحَدِيث مضى فِي آخر سُورَة النِّسَاء فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق: سَمِعت الْبَراء قَالَ: آخر سُورَة نزلت بَرَاءَة وَآخر آيَة نزلت: يستفتونك، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَقد تقدم فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة عَن ابْن عَبَّاس أَن آخر آيَة نزلت آيَة الرِّبَا وَقيل: ﴿وَاتَّقوا يَوْمًا ترجعون فِيهِ إِلَى الله﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨١) بعْدهَا وَقَالَ الدَّاودِيّ: لم يَخْتَلِفُوا فِي أَن أول بَرَاءَة نزلت سنة تسع لما حج أَبُو بكر الصّديق بِالنَّاسِ وأنزلت: ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ﴾ (الْمَائِدَة: ٣) عَام حجَّة الْوَدَاع فَكيف تكون بَرَاءَة آخر سُورَة أنزلت؟ وَلَعَلَّ الْبَراء أَرَادَ بعض سُورَة بَرَاءَة. قلت: المُرَاد الآخرية الْمَخْصُوصَة لِأَن الأولية والآخرية من الْأُمُور النسبية، وَالْمرَاد بالسورة بَعْضهَا أَو معظمها، وَلَا شكّ أَن غالبها نزل فِي غَزْوَة تَبُوك وَهِي آخر غزوات النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ بَعضهم: وَيجمع بَين حَدِيثي الْبَراء وَابْن عَبَّاس بِأَنَّهُمَا لم ينقلاه وَإِنَّمَا ذكرَاهُ عَن اجْتِهَاد قلت: لَا مَحل للِاجْتِهَاد فِي مثل ذَلِك على مَا لَا يخفى على المتأمل. ٢ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا فِي الأرْضِي أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله وَأنَّ الله مُخْزِى الكَافِرِينَ﴾ (التَّوْبَة: ٢) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿فسيحوا فِي الأَرْض﴾ الْآيَة وَقد مر الْكَلَام فِي ﴿أَرْبَعَة أشهر﴾ عَن قريب. قَوْله: (غير معجزي الله) ، أَي: غير سابقي الله بأعمالكم. قَوْله: (وَأَن الله) ، أَي: وَاعْلَمُوا أَن الله مخزي (الْكَافرين) أَي مذلهم، وَيُقَال: معذب الْكَافرين فِي الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ، وَفِي الْآخِرَة بالنَّار.

стр. 5522

سِيحُوا سِيرُوا أَي: معنى قَوْله: سيحوا سِيرُوا فِي الأَرْض مُقْبِلين ومدبرين آمِنين غير خَائِفين أحدا بِحَرب وَلَا سلب وَلَا قتل. وَلَا أسر، يُقَال: ساح فلَان فِي الأَرْض يسيح سيحا وسياحة وسيوحا. ٤٦٥٥ - ح دَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ حدَّثني اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني عُقَيْلٌ عَنِ ابنِ شِهابٍ وَأخْبَرَنِي حُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ بَعَثَنِي أبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الحَجَّةِ فِي مُؤَذِّنِينَ بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ يُؤَذِّنُونَ بِمَنًى أنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ وَلا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ قَالَ حُمَيْدُ ابنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ ثُمَّ أرْدَفَ رسُولُ الله ﷺ بِعَلِيِّ بنِ أبِي طَالِبٍ وَأمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ فَأذَّنَ مَعَنا عَلِيٌّ يَوْمَ النَّحْرِ فِي أهْلِ منى بِبَرَاءَةَ وَأنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ وَلا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عَرْيَانٌ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن هَذِه التَّرْجَمَة من تَتِمَّة الْآيَة الَّتِي هِيَ أول السُّورَة أَعنِي قَوْله تَعَالَى: ﴿بَرَاءَة من الله وَرَسُوله﴾ وَفِيه أَيْضا لفظ بَرَاءَة. وَسَعِيد بن عفير، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَهُوَ سعيد بن كثير بن عفير الْمصْرِيّ، وروى لَهُ مُسلم أَيْضا. وَعقيل: بِضَم الْعين المهلمة وَفتح الْقَاف ابْن خَالِد الْأَيْلِي يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب مَا يستر من الْعَوْرَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن يَعْقُوب إِلَى آخِره، وَمضى فِي كتاب الْحَج أَيْضا فِي: بَاب لَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن يُونُس قَالَ ابْن شهَاب: حَدثنِي حميد بن عبد الرَّحْمَن أَن أَبَا هُرَيْرَة أخبرهُ إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (وَأَخْبرنِي حميد) ، وَفِي كتاب الْحَج: وحَدثني حميد بن عبد الرَّحْمَن، وَإِنَّمَا قَالَ بواو الْعَطف أشعارا بِأَنَّهُ أخبرهُ أَيْضا بِغَيْر ذَلِك فَهُوَ عطف على مُقَدّر، قَالَ الْكرْمَانِي: وَلم يعين الْمُقدر. قلت: الظَّاهِر أَن الْمُقدر هَكَذَا عَن ابْن شهَاب حَدثنِي وَأَخْبرنِي حميد، وَتظهر الْفَائِدَة فِيهِ على قَول من يَقُول بِالْفرقِ بَين حَدثنَا وَبَين أخبرنَا. قَوْله: (أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ بَعَثَنِي) وَفِي كتاب الْحَج: أَن أَبَا هُرَيْرَة أخبرهُ أَن أَبَا بكر بَعثه. قَوْله: (فِي تِلْكَ الْحجَّة) ، وَهِي الْحجَّة الَّتِي كَانَ فِيهَا أَبُو بكر أَمِيرا على الْحَاج، وَهِي فِي السّنة التَّاسِعَة. قَوْله: (فِي مؤذنين) جمع مُؤذن من الإيذان وَهُوَ الْإِعْلَام بالشَّيْء قَالَ ابْن الْأَثِير: يُقَال آذن يُؤذن إِيذَانًا وَأذن يُؤذن تأذينا والمشدد مَخْصُوص فِي الِاسْتِعْمَال بإعلام وَقت الصَّلَاة. قَوْله: (قَالَ حميد) مُتَّصِل بِالْإِسْنَادِ الأول قَوْله: (ثمَّ أرْدف رَسُول الله ﷺ بعلي بن أبي طَالب) أَي: أرْسلهُ بعد أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ الإِمَام أَحْمد حَدثنَا عَفَّان حَدثنَا حَمَّاد عَن سماك عَن أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن رَسُول الله ﷺ ، بعث بِبَرَاءَة مَعَ أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَلَمَّا بلغ ذَا الحليفة قَالَ: لَا يبلغهَا إلَاّ أَنا أَو رجل من أهل بَيْتِي، فَبعث بهَا مَعَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير، وَقَالَ: حسن غَرِيب، وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل بِإِسْنَادِهِ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما نزلت عشر آيَات من بَرَاءَة على النَّبِي ﷺ ، أَبَا بكر فَبَعثه بهَا لِيَقْرَأهَا على أهل مَكَّة. ثمَّ دَعَاني فَقَالَ: أدْرك أَبَا بكر فَحَيْثُ مَا لَقيته فَخدَّ الْكتاب مِنْهُ فَاذْهَبْ إِلَى أهل مَكَّة فاقرأه عَلَيْهِم، فلحقته بِالْجُحْفَةِ فَأخذت الْكتاب مِنْهُ وَرجع أَبُو بكر إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله أنزل فِي شَيْء؟ فَقَالَا: لَا وَلَكِن جِبْرِيل، ﵊، جَاءَنِي وَقَالَ: لن يُؤَدِّي عَنْك إلَاّ أَنْت أَو رجل مِنْك، قَالَ ابْن كثير: هَذَا إِسْنَاد فِيهِ ضعف، وَلَيْسَ المُرَاد أَن أَبَا بكر رَجَعَ من فوره، وَإِنَّمَا رَجَعَ بعد قَضَائِهِ الْمَنَاسِك الَّتِي أمَّره عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ كَمَا جَاءَ مُبينًا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى، وَقَالَ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن ابْن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة فِي قَوْله: ﴿بَرَاءَة من الله وَرَسُوله﴾ قَالَ: لما كَانَ النَّبِي ﷺ زمن حنين اعْتَمر من الْجِعِرَّانَة ثمَّ أمَّر أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على تِلْكَ الْحجَّة، قَالَ معمر: قَالَ الزُّهْرِيّ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يحدث أَن أَبَا بكر أَمر أَبَا هُرَيْرَة أَن يُؤذن بِبَرَاءَة فِي حجَّة أبي بكر بِمَكَّة. قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: ثمَّ اتَّبعنَا النَّبِي

стр. 5523

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عليا وَأمره أَن يُؤذن بِبَرَاءَة وَأَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَمَا هُوَ على الْمَوْسِم. أَو قَالَ: على هَيئته، قَالَ ابْن كثير وَهَذَا السِّيَاق فِيهِ غرابة من جِهَة أَن أَمِير الْحَج سنة عمْرَة الْجِعِرَّانَة إِنَّمَا كَانَ عتاب بن أسيد، وَأما أَبُو بكر فَإِنَّمَا كَانَ أَمِيرا سنة تسع. قَوْله: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَأذن مَعنا عَليّ) ، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده. قَالَ أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأذن مَعنا، قيل: هَذَا غلط فَاحش مُخَالف لرِوَايَة الْجَمِيع، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَام أبي هُرَيْرَة قطعا فَهُوَ الَّذِي كَانَ يُؤذن بذلك وَقَالَ عِيَاض: أَن أَكثر رُوَاة الْفربرِي وافقوا الْكشميهني قَالَ: وَهُوَ غلط. ٣ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَأذَانٌ مِنَ الله وَرَسُولِهِ إلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ أنَّ الله بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فإنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ ألِيمٍ إلَاّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أحَدا فأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلَى مُدَّتِهِمْ إنَّ الله يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ (التَّوْبَة: ٣، ٤) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وأذان من الله﴾ إِلَى آخِره. قَوْله: (وأذان من الله) أَي: إِعْلَام من الله وَرَسُوله وإنذار إِلَى النَّاس وارتفاع: أَذَان، عطفا على براة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وارتفاعه كارتفاع بَرَاءَة على الْوَجْهَيْنِ. قَوْله: (إِلَى النَّاس) أَي: لجميعهم. قَوْله: (يَوْم الْحَج الْأَكْبَر) ، وَهُوَ الْيَوْم الَّذِي هُوَ أفضل أَيَّام الْمَنَاسِك، وأظهرها وأكثرها جمعا، وَقَالَ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن أبي إِسْحَاق: سَأَلت أبام جُحَيْفَة عَن يَوْم الْحَج الْأَكْبَر، قَالَ: يَوْم عَرَفَة، وروى عبد الرَّزَّاق أَيْضا عَن ابْن جريج عَن عَطاء قَالَ: يَوْم الْحَج الْأَكْبَر يَوْم عَرَفَة، وَهَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَعبد الله بن الزبير وَمُجاهد وَعِكْرِمَة وطاووس أَنهم قَالُوا: يَوْم عَرَفَة هُوَ يَوْم الْحَج الْأَكْبَر، وَقد ورد فِي ذَلِك حَدِيث مُرْسل رَوَاهُ ابْن جريج: أخْبرت عَن مُحَمَّد بن قيس بن مخرمَة (أَن رَسُول الله ﷺ ، خطب يَوْم عَرَفَة فَقَالَ: هَذَا يَوْم الْحَج الْأَكْبَر) . وَقَالَ هشيم عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن الشّعبِيّ عَن عَليّ ﵁، قَالَ: يَوْم الْحَج الْأَكْبَر يَوْم النَّحْر، وَرُوِيَ عَن عَليّ من وُجُوه أخر كَذَلِك، وَقَالَ عبد الرَّزَّاق: حَدثنَا سُفْيَان وَشعْبَة عَن عبد الْملك بن عُمَيْر عَن عبد الله بن أبي أوفى أَنه قَالَ: يَوْم الْحَج الْأَكْبَر يَوْم النَّحْر، وَكَذَا رُوِيَ عَن الْمُغيرَة ابْن شُعْبَة أَنه خطب يَوْم الْأَضْحَى على بعير، فَقَالَ: هَذَا يَوْم الْأَضْحَى وَهَذَا يَوْم النَّحْر وَهَذَا يَوْم الْحَج الْأَكْبَر، وروى عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄، أَنه قَالَ: الْحَج الْأَكْبَر يَوْم النَّحْر، وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن أبي جُحَيْفَة وَسَعِيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَمُجاهد وَأبي جَعْفَر الباقر وَالزهْرِيّ وَعبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم أَنهم قَالُوا: يَوْم الْحَج الْأَكْبَر يَوْم النَّحْر، وروى ابْن جرير بِإِسْنَادِهِ عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: (وقف رَسُول الله ﷺ يَوْم النَّحْر عِنْد الجمرات فِي حجَّة الْوَدَاع، وَقَالَ: هَذَا يَوْم الْحَج الْأَكْبَر) ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث أبي جَابر واسْمه مُحَمَّد بن عبد الْملك بِهِ، وَعَن سعيد بن الْمسيب أَنه قَالَ: يَوْم الْحَج الْأَكْبَر الْيَوْم الثَّانِي من يَوْم النَّحْر. رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم، وَقَالَ مُجَاهِد أَيْضا: يَوْم الْحَج الْأَكْبَر أَيَّام الْحَج كلهَا، وَكَذَا قَالَ أَبُو عبيد. وَقَالَ سهل السراج: سُئِلَ الْحسن الْبَصْرِيّ عَن يَوْم الْحَج الْأَكْبَر، فَقَالَ: مَا لكم وللحج الْأَكْبَر ذَاك عَام حج فِيهِ أَبُو بكر ﵁، الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ رَسُول الله ﷺ ، فحج بِالنَّاسِ، رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم، وَقَالَ ابْن جرير: حَدثنَا ابْن وَكِيع حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن ابْن عَوْف. سَأَلت مُحَمَّدًا يَعْنِي: ابْن سِيرِين عَن يَوْم الْحَج الْأَكْبَر، قَالَ: كَانَ يَوْمًا وَافق فِيهِ حج رَسُول الله ﷺ ، وَحج أهل الْوَبر. قَوْله: (أَن الله بَرِيء من الْمُشْركين) أَي: ليعلم النَّاس بَعضهم بَعْضًا (أَن الله) وقرىء (إِن الله) بِالْكَسْرِ لِأَن الإيذان فِي معنى القَوْل. قَوْله: (وَرَسُوله) فِيهِ قراءتان الرّفْع وَهِي الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة وَمَعْنَاهُ: وَرَسُوله أَيْضا برىء من الْمُشْركين، وَالنّصب وَمَعْنَاهُ: وَأَن رَسُول الله بَرِيء من الْمُشْركين، وَهِي قِرَاءَة شَاذَّة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَرَسُوله، عطف على الْمَنوِي فِي: بَرِيء أَي: بَرِيء، هُوَ أَو على مَحل: إِن الْمَكْسُورَة وَاسْمهَا، وقرىء بِالنّصب عطفا على إسم إِن، أَو لِأَن الْوَاو بِمَعْنى: مَعَ أَي: برىء مَعَه مِنْهُم، وبالجر على الْجوَار، وَقيل: على الْقسم كَقَوْلِك: لعمرك. قَوْله: (فَإِن تبتم) أَي: من الْغدر وَالْكفْر ﴿فَهُوَ خير لكم وَإِن توليتم﴾ عَن التَّوْبَة أَو ثبتمْ على التولي والإعراض عَن الْإِسْلَام وَالْوَفَاء، فاعلموا أَنكُمْ غير سابقين الله وَلَا فائتين أَخذه وعقابه. قَوْله: (إِلَّا الَّذين) ، اسْتثِْنَاء من: برىء، وَقيل:

стр. 5524

مُنْقَطع أَي: أَن الله بَرِيء مِنْهُم وَلَكِن الَّذين عاهدتم فثبتوا على الْعَهْد فكفوا عَنْهُم بَقِيَّة الْمدَّة. قَوْله: (ثمَّ لم ينقصوكم شَيْئا) ، أَي: من شُرُوط الْعَهْد، وقرىء بالضاد الْمُعْجَمَة. قَوْله: (وَلم يظاهروا) أَي: وَلم يعاونوا عَلَيْكُم أحدا. قَوْله: (إِلَى مدتهم) ، أَي إِلَى انْقِضَاء مدتهم. قَوْله: ﴿إِن الله يحب الْمُتَّقِينَ﴾ أَي: الْمُوفينَ بعهدهم. آذَنَهُمْ أعْلَمَهُمْ أَي: معنى آذنهم أعلمهم، وَالْمرَاد بِهِ مُطلق الْإِعْلَام لِأَنَّهُ من الإيذان، وَقد ذَكرْنَاهُ. ٤٦٥٦ - ح دَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ حدّثنا اللَّيْثُ حدّثني عُقَيْلٌ قَالَ ابنُ شِهابٍ فأخْبرني حُمَيْدُ ابنُ عبدِ الرَّحْمانِ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ بَعَثَنِي أبُو بَكْرٍ ﵁ فِي تِلْكَ الحَجَّةِ فِي المُؤَذِّنِينَ بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْر يُؤَذِّنونَ بِمنًى أنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ ولَا يَطوفَ بالبَيْتِ عُرْيانٌ قَالَ حُمَيْدٌ ثُمَّ أرْدَفَ النبيُّ ﷺ بِعَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ فأمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ فأذّنَ مَعَنا عَلِيٌّ فِي أهلِ منى يَوْمَ النَّحْرِ بِبَرَاءَةَ وأنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ بالبَيْتِ عُرْيان. . هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور قبل هَذَا الْبَاب. قَوْله: (أَن لَا يحجّ) ويروى: ألَاّ بِفَتْح الْهمزَة وإدغام النُّون فِي اللَّام. قَوْله: (بعد الْعَام) أَي: بعد الزَّمَان الَّذِي وَقع فِيهِ الْإِعْلَام بذلك. قَوْله: (وَلَا يطوف) بِالنّصب عطفا على أَن لَا يحجّ. قَوْله: (قَالَ حميد) هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْمَذْكُور فِيهِ، وَاسْتشْكل الطَّحَاوِيّ فِي قَوْله: أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بكر ﵁، وَذَلِكَ أَن النَّبِي ﷺ بعث أَبَا بكر ثمَّ أردفه عليا ﵁، فَأمره أَن يُؤذن فَكيف يبْعَث أَبُو بكر أَبَا هُرَيْرَة؟ ثمَّ أجَاب بقوله: إِن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: كنت مَعَ عَليّ حِين بَعثه النَّبِي ﷺ بِبَرَاءَة إِلَى أهل مَكَّة، فَكنت أنادي مَعَه بذلك حَتَّى يصهل صوتي، وَكَانَ يُنَادي بِأَمْر أبي بكر، بِمَا يلقنه عَليّ بِمَا أَمر بتبليغه. قَوْله: (أَن يُؤذن بِبَرَاءَة) يجوز فِيهِ الرّفْع بِالتَّنْوِينِ على سَبِيل الْحِكَايَة. والجر بِالْبَاء، وَيجوز أَن يكون عَلامَة الْجَرّ فَتْحة. قَوْله: (قَالَ أَبَا هُرَيْرَة) مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (بِبَرَاءَة) . لَيْسَ المُرَاد مِنْهَا السُّورَة كلهَا، وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ وَغَيره، قَالُوا: بعث رَسُول الله ﷺ أَبَا بكر أَمِيرا على الْمَوْسِم سنة تسع، وَبعث عَليّ بن أبي طَالب بِثَلَاثِينَ آيَة أَو أَرْبَعِينَ من بَرَاءَة الحَدِيث. قَوْله: (وَأَن لَا يحجّ) إِلَى آخِره، اسْتشْكل فِيهِ الْكرْمَانِي بِأَن عليا ﵁، كَانَ مَأْمُورا بِأَن يُؤذن بِبَرَاءَة، فَكيف يُؤذن بِأَن لَا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك؟ ثمَّ أجَاب بِأَنَّهُ أذن بِبَرَاءَة، وَمن جملَة مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ أَن لَا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك من قَوْله تَعَالَى فِيهَا: ﴿إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بعد عَامهمْ هَذَا﴾ (التَّوْبَة: ٢٨) وَيحْتَمل أَن يكون أَمر أَن يُؤذن بِبَرَاءَة وَبِمَا أَمر أَبُو بكر أَن يُؤذن بِهِ أَيْضا، انْتهى. قلت: فَإِنَّهُ الْجَواب عَن زِيَادَة قَوْله: (وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان) وَعَن شَيْء آخر رَوَاهُ الشّعبِيّ: حَدثنِي مُحرز بن أبي هُرَيْرَة عَن أَبِيه قَالَ: كنت مَعَ عَليّ ﵁، حِين بَعثه النَّبِي ﷺ يُنَادي، فَكَانَ إِذا صَهل ناديت. قلت: بِأَيّ شَيْء كُنْتُم تنادون؟ قَالَ: بِأَرْبَع لَا يطوف بِالْكَعْبَةِ عُرْيَان، وَمن كَانَ لَهُ عهد من رَسُول الله ﷺ فعهده إِلَى مدَّته، وَلَا يدْخل الْجنَّة إلَاّ نفس مُؤمنَة، وَلَا يحجّ بعد عامنا مُشْرك. وَرَوَاهُ ابْن جرير عَن الشّعبِيّ بِهِ من غير وَجه. ٤ - (بَاب: ﴿إلاّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ (التَّوْبَة: ٤) قد مر تَفْسِيره عَن قريب، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ ذكر هَذِه. ٤٦٥٧ - ح دَّثنا إسْحَاقُ حدّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدّثنا أبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابنِ شِهَابٍ أنَّ حُمَيْدَ بنَ عَبْدِ الرَّحْمانِ أخْبَرَهُ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أخْبَرَهُ أنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أمَّرَهُ رَسُولُ الله ﷺ عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَّةِ الوَداعِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ

стр. 5525

أنْ لَا يَحُجَنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيانٌ فَكان حُمَيْدٌ يَقُولُ يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ مِنْ أجْلِ حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ. . هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور أخرجه عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور، كَذَا جزم بِهِ الْحَافِظ الْمزي عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه ابراهيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن صَالح بن كيسَان التَّابِعِيّ عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن. وَفِيه ثَلَاثَة من التَّابِعين على نسق وَاحِد. قَوْله: (فَكَانَ حميد يَقُول) إِلَى آخِره، قد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (من أجل حَدِيث أبي هُرَيْرَة) لِأَنَّهُ نَادَى بِإِذن أبي بكر ﵁، يَوْم النَّحْر. ٥ - (بَاب: ﴿فَقَاتِلُوا أئِمَّةَ الْكُفْر إنهُمْ لَا أيْمانَ لَهُمْ﴾ (التَّوْبَة: ١٢) وَفِي بعض النّسخ: بَاب: ﴿فَقَاتلُوا﴾ وَأول الْآيَة: ﴿وَإِن نكثوا إِيمَانهم من بعد عَهدهم وطعنوا فِي دينكُمْ فَقَاتلُوا أَئِمَّة الْكفْر إِنَّهُم لَا أَيْمَان لَهُم لَعَلَّهُم ينتهون﴾ قَوْله: (وَإِن نكثوا) أَي: وَإِن نكث هَؤُلَاءِ الْمُشْركُونَ الَّذين عاهدتموهم على مُدَّة مُعينَة، قَوْله إِيمَانهم أَي عهودهم وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ بِكَسْر الْهمزَة وَهِي قِرَاءَة شَاذَّة قَوْله وطعنوا فِي دينكُمْ أَي عابوه وَانْتَقَصُوهُ قَوْله: (فَقَاتلُوا أَئِمَّة الْكفْر) قَالَ قَتَادَة وَغَيره: أَئِمَّة الْكفْر كَأبي جهل وَعتبَة وَشَيْبَة وَأُميَّة بن خلف وَعدد رجَالًا، وَالصَّحِيح أَن الْآيَة عَامَّة لَهُم ولغيرهم. وَعَن حُذَيْفَة ﵁: مَا قوتل أهل هَذِه الْآيَة بعد. وَرُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب مثله وَعَن ابْن عَبَّاس: نزلت فِي أبي سُفْيَان بن حَرْب والْحَارث بن هِشَام وَسُهيْل بن عَمْرو وَعِكْرِمَة بن أبي جهل وَسَائِر رُؤَسَاء قُرَيْش الَّذين نقضوا الْعَهْد وهم الَّذين همُّوا بِإِخْرَاج الرَّسُول ﷺ ، وَقَالَ مجاهدهم: أهل فَارس وَالروم. ٤٦٥٨ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدَّثنا يَحْيَى حدَّثنا إسْماعيلُ حدَّثنا زَيْدُ بنُ وَهْبٍ قَالَ كُنا عِنْدَ حُذَيْفَةَ فَقَالَ مَا بَقِيَ مِنْ أصْحابِ هاذِهِ الْآيَة إلَاّ ثَلاثَةٌ ولَا مِنَ المُنافِقِينَ إِلَّا أرْبَعَةٌ فَقَالَ أعْرَابِيٌّ إنكُمْ أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ تُخْبِرُونا فَلَا نَدْرِي فَما بَال هاؤُلَاءِ الَّذِينَ يُبَقِّرُونَ بُيُوتنا ويَسْرِقُونَ أعْلَاقَنا قَالَ أُولَئِكَ الفُسَّاقُ أجَلْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إلَاّ أرْبَعَةٌ أحَدُهُمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَوْ شَرِبَ المَاءَ البارِدَ لَما وَجَدَ بَرْدَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مَا بَقِي من أَصْحَاب هَذِه الْآيَة) لِأَن إِيرَاد البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث بِهَذِهِ التَّرْجَمَة يدل على أَن المُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة هُوَ. قَوْله: ﴿فَقَاتلُوا أَئِمَّة الْكفْر﴾ الْآيَة، وَلَكِن الْإِسْمَاعِيلِيّ اعْترض بِمَا رَوَاهُ من حَدِيث سُفْيَان عَن إِسْمَاعِيل عَن زيد: سَمِعت حُذَيْفَة يَقُول: مَا بَقِي من الْمُنَافِقين من أهل هَذِه الْآيَة: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء﴾ (الممتحنة: ١) إِلَّا أَرْبَعَة أنفس، ثمَّ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: فَإِذا كَانَ مَا ذكر فِي خبر سُفْيَان فَحق هَذَا أَن يخرج فِي سُورَة الممتحنة. وَأما ذكر الْمُنَافِقين فِي الْقُرْآن فَفِي كثير من سُورَة الْبَقَرَة وَآل عمرَان وَغَيرهمَا، فَلِمَ أَتَى بِهَذَا الحَدِيث فِي ذكرهم؟ قلت: هَذَا النَّسَائِيّ وَابْن مرْدَوَيْه وافقا البُخَارِيّ على إخراجهما من طَرِيق إِسْمَاعِيل عِنْد آيَة بَرَاءَة وَلَيْسَ عِنْدهمَا تعْيين الْآيَة كَمَا أخرجهَا البُخَارِيّ أَيْضا مُبْهمَة. وَيحيى هُوَ الْقطَّان وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد. قَوْله: (أَصْحَاب) بِالنّصب على أَنه منادى حذف مِنْهُ حرف النداء. قَوْله: (تخبرونا) خبر: إِن، ويروى: تخبروننا، على الأَصْل لِأَن النُّون لَا تحذف إلَاّ بناصب أَو جازم، وَلَكِن قد ذكرنَا أَنه لُغَة بعض الْعَرَب وَهِي لُغَة فصيحة، وتخبرونا بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف. قَوْله: (إلَاّ ثَلَاثَة) سمى مِنْهُم فِي رِوَايَة أبي بشر عَن مُجَاهِد: أَبُو سُفْيَان بن حَرْب، وَفِي رِوَايَة معمر عَن قَتَادَة: أَبُو جهل بن هِشَام وَعتبَة بن ربيعَة وَأَبُو سُفْيَان وَسُهيْل بن عَمْرو، ورد هَذَا بِأَن أَبَا جهل وَعتبَة قتلا ببدر، وَإِنَّمَا ينطبق التَّفْسِير على من نزلت الْآيَة الْمَذْكُورَة وهم أَحيَاء، فَيصح فِي أَن أَبَا سُفْيَان وَسُهيْل بن عَمْرو وَقد أسلما جَمِيعًا. قَوْله: (إلَاّ أَرْبَعَة) لم يُوقف على أسمائهم.

стр. 5526

قَوْله: (يبقرون) بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْقَاف من الْبَقر وَهُوَ الشق. قَالَ الْخطابِيّ: أَي: ينقبون. قَالَ: وَالْبَقر أَكثر مَا يكون فِي الشّجر والخشب، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: مَعْنَاهُ يفتحون، يُقَال: بقرت الشَّيْء إِذا فَتحته، وَيُقَال: ينقرون بالنُّون بدل الْبَاء. قَوْله: (أعلاقنا) بِفَتْح الْهمزَة جمع علق بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَهُوَ الشَّيْء النفيس سمي بذلك لتَعلق الْقلب بِهِ، وَالْمعْنَى: يسرقون نفائس أَمْوَالنَا. وَقَالَ الْخطابِيّ: كل شَيْء لَهُ قيمَة أَو لَهُ فِي نَفسه قدر فَهُوَ علق، وبخط الدمياطي بالغين الْمُعْجَمَة مضبوطة، وَحَكَاهُ ابْن التِّين أَيْضا، ثمَّ قَالَ: لَا أعلم لَهُ وَجها. قلت لَهُ: وَجه، لِأَن الأغلاق بالغين الْمُعْجَمَة جمع غلق بِفَتْح الْغَيْن وَاللَّام، وَفِي (الْمغرب) : الغلق بِالتَّحْرِيكِ والمغلاق هُوَ مَا يغلق وَيفتح بالمفتاح، والغلق أَيْضا الْبَاب، فَيكون الْمَعْنى: يسرقون الأغلاق أَي: مَفَاتِيح الأغلاق ويفتحون الْأَبْوَاب وَيَأْخُذُونَ مَا فِيهِ من الْأَشْيَاء، أَو يكون الْمَعْنى: يسرقون الْأَبْوَاب وَتَكون السّرقَة كِنَايَة عَن قلعهَا وَأَخذهَا ليتمكنوا من الدُّخُول فِيهَا. قَوْله: (أُولَئِكَ الْفُسَّاق) أَي: الَّذين يبقرون وَيَسْرِقُونَ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَا الْكفَّار وَلَا المُنَافِقُونَ. قَوْله: (أجل) . مَعْنَاهُ: نعم قَوْله: (أحدهم) أَي: أحد الْأَرْبَعَة وَلم يدر اسْمه. قَوْله: (لما وجد برده) يَعْنِي: لذهاب شَهْوَته وَفَسَاد معدته فَلَا يفرق بَين الْأَشْيَاء، وَقَالَ التَّيْمِيّ: يَعْنِي عاقبه الله فِي الدُّنْيَا ببلاء لَا يجد مَعَه ذوق المَاء وَلَا طعم برودته. انْتهى. وَحَاصِل معنى هَذَا الحَدِيث أَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان ﵁، كَانَ صَاحب سر رَسُول الله ﷺ فِي شَأْن الْمُنَافِقين وَكَانَ يعرفهُمْ وَلَا يعرفهُمْ غَيره بعد رَسُول الله ﷺ من الْبشر، وَكَانَ النَّبِي ﷺ أسر إِلَيْهِ بأسماء عدَّة من الْمُنَافِقين وَأهل الْكفْر الَّذين نزلت فيهم الْآيَة، وَلم يسر إِلَيْهِ بأسماء جَمِيعهم. ٦ - (بابُ قوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضّةَ وَلَا يَنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ ألِيمٍ﴾ (التَّوْبَة: ٣٤) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : (وَالَّذين) الْآيَة، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ ذكر لفظ: بَاب، وَهَذِه الْآيَة نزلت فِي عَامَّة أهل الْكتاب وَالْمُسْلِمين، وَقيل: بل خَاصَّة بِأَهْل الْكتاب، وَقيل: بل هُوَ كَلَام مُسْتَأْنف فِي حق من لَا يُزكي من هَذِه الْأمة. قَالَه ابْن عَبَّاس وَالسُّديّ وَعَامة الْمُفَسّرين: وَقَرَأَ يحيى بن يعمر، بِضَم النُّون وَالزَّاي والعامة بِكَسْر النُّون، وَأما الْكَنْز فَقَالَ مَالك: عَن عبد الله ابْن دِينَار عَن ابْن عمر أَنه قَالَ: الْكَنْز هُوَ المَال الَّذِي لَا تُؤدِّي مِنْهُ الزَّكَاة وَهُوَ الْمُسْتَحق عَلَيْهِ الْوَعيد. قَوْله: (وَلَا يُنْفِقُونَهَا) الضَّمِير يرجع إِلَى الذَّهَب وَالْفِضَّة من جِهَة الْمَعْنى لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا جملَة وافية وعدة كَثِيرَة، وَقيل: إِلَى الْكُنُوز، وَقيل: إِلَى الْأَمْوَال. قَوْله: (فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم) جعل الْوَعيد لَهُم بِالْعَذَابِ مَوضِع الْبُشْرَى بالنعيم. ٤٦٥٩ - ح دَّثنا الحَكَمُ بنُ نافِعٍ أخبرَنا شُعَيْبٌ حَدثنَا أبُو الزّنادِ أنَّ عبْدَ الرَّحْمانِ الأعْرَجَ حدَّثَهُ أنّهُ قَالَ حدّثني أبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أنّهُ سَمِعَ رسُولَ الله ﷺ يَقُولُ يَكُونُ كَنْزُ أحَدِكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعاً أقرَعَ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (شجاعاً أَقرع) وَأخرجه هُنَا مُخْتَصرا وَقد مضى فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب إِثْم مَانع الزَّكَاة، بِغَيْر هَذَا الْإِسْنَاد عَن أبي هُرَيْرَة بأتم مِنْهُ، وَأخرج بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور هُنَا بِعَيْنِه عَن أبي هُرَيْرَة بِعَين الْمَتْن الْمَذْكُور. وَأَبُو الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وبالنون الْخَفِيفَة: عبد الله بن ذكْوَان، وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن هُرْمُز الْأَعْرَج، والشجاع الْحَيَّة فَإِذا كَانَ الشجاع أَقرع يكون أقوى سما. ٤٦٦٠ - ح دَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَّثَنا جَرِيرٌ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ زَيْدِ بنِ وَهْب قَالَ مَرَرْتُ عَلَى أَبى ذَرٍّ بالرَّبَذَةِ فَقُلْتُ مَا أنْزَلَكَ بهاذِهِ الأَرْضِ قَالَ كُنَّا بالشَّأْمِ فَقَرَأتُ: ﴿والذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ ألِيمٍ﴾ قالَ مُعاوِيَة: مَا هاذِهِ فِينَا مَا هاذِهِ إلَاّ فِي أهْلِ الكِتَابِ قَالَ قُلْتُ إنَّها لَفِينا وَفِيهمْ. .

стр. 5527

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وحصين، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ: ابْن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ الْكُوفِي، وَزيد بن وهب الْهَمدَانِي الْكُوفِي خرج إِلَى النَّبِي ﷺ فَقبض النَّبِي وَهُوَ فِي الطَّرِيق، مَاتَ سنة سِتّ وَسبعين، وَأَبُو ذَر اسْمه جُنْدُب بِضَم الْجِيم. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب مَا أدّى زَكَاته فَلَيْسَ بكنز، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بأتم مِنْهُ وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (بالربذة) ، بالراء الْمُهْملَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة والذال الْمُعْجَمَة المفتوحات: قَرْيَة قريبَة من الْمَدِينَة وَكَانَ سَبَب إِقَامَته هُنَاكَ أَنه لما كَانَ بِالشَّام وَقعت بَينه وَبَين مُعَاوِيَة مناظرة فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة، فتضجر خاطره فارتحل إِلَى الْمَدِينَة ثمَّ تضجر مِنْهَا فارتحل إِلَى الربذَة. ٧ - (بابُ قَوْلِهِ : ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَي بِها جِباهُهُمْ وجُنُوبُهُمْ وظُهُورُهُمْ هاذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (التَّوْبَة: ٣٥) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عزل وَجل: ﴿يَوْم يحمى عَلَيْهَا﴾ الْآيَة، وَلَيْسَ فِي كثير من النّسخ لفظ: بَاب، وَمضى تَفْسِير هَذِه الْآيَة فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب إِثْم مَانع الزَّكَاة. ٤٦٦١ - وَقَالَ أحْمَدُ بنُ شَبِيبِ بنِ سَعِيدٍ حَدثنَا أبي عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ خالِدِ بنِ أسْلَمَ قَالَ خَرَجْنا مَعَ عبْدِ الله بنِ عُمَرَ فَقَالَ هاذَا قَبْلَ أنْ تُنْزَلَ الزَّكاةُ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَها طُهْراً لِلأَمْوَالِ. (انْظُر الحَدِيث ١٤٠٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله هَذَا قبل أَن تنزل الزَّكَاة، وَأحمد بن شبيب. بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى: من أَفْرَاد البُخَارِيّ يروي عَن أَبِيه شبيب بن سعيد أبي عبد الرَّحْمَن الْبَصْرِيّ، وَيُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وخَالِد بن أسلم على وزن أفعل التَّفْضِيل أَخُو زيد بن أسلم مولى عمر بن الْخطاب، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ. والْحَدِيث مضى بِهَذَا السَّنَد بِعَيْنِه فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب مَا أدّى زَكَاته فَلَيْسَ بكنز، بأتم مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٨ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ الله اثْنَا عشَرَ شَهْراً فِي كتابِ الله يَوْمَ خَلَقَ السَّماوَاتِ والأرْضَ مِنْها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ (التَّوْبَة: ٣٦) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿إِن عدَّة الشُّهُور﴾ إِلَى آخِره، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب. ﴿ذالِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ القَيِّمُ هُوَ القائِمُ أَي: هَذَا هُوَ الشَّرْع الْمُسْتَقيم من امْتِثَال أَمر الله فِيمَا جعل من الْأَشْهر الْحرم والحذو بهَا على ماسبق فِي كتاب الله تَعَالَى، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: ﴿ذَلِك الدّين الْقيم﴾ يَعْنِي: أَن تَحْرِيم الْأَشْهر الْأَرْبَعَة هُوَ الدّين الْمُسْتَقيم دين إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل ﵉. قَوْله: (الْقيم) على وزن فعل بتَشْديد الْعين مُبَالغَة فِي معنى الْقَائِم، وَفِي بعض التفاسير: ﴿ذَلِك الدّين الْقيم﴾ أَي: الْحساب الْمُسْتَقيم الصَّحِيح وَالْعدَد المستوي، قَالَه الْجُمْهُور. فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ أَي: فِي الْأَرْبَعَة الْأَشْهر، وَقيل فِي الإثني عشر بِالْقِتَالِ، ثمَّ نسخ وَقيل: بارتكاب الآثام. ١٨٢ - (حَدثنَا عبد الله بن عبد الْوَهَّاب حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن مُحَمَّد عَن ابْن أبي بكرَة عَن أبي بكرَة عَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَته يَوْم خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض السّنة اثْنَا عشر شهرا مِنْهَا أَرْبَعَة حرم ثَلَاث مُتَوَالِيَات ذُو الْقعدَة

стр. 5528

وَذُو الْحجَّة وَالْمحرم وَرَجَب مُضر الَّذِي بَين جُمَادَى وَشَعْبَان) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعبد الله بن عبد الْوَهَّاب أَبُو مُحَمَّد الحَجبي الْبَصْرِيّ وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ وَمُحَمّد هُوَ ابْن سِيرِين وَابْن أبي بكرَة هُوَ عبد الرَّحْمَن يروي عَن أَبِيه أبي بكرَة نفيع بن الْحَارِث والْحَدِيث مضى فِي أَوَائِل بَدْء الْخلق فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن عبد الْوَهَّاب عَن أَيُّوب عَن مُحَمَّد بن سِيرِين إِلَى آخِره قَوْله إِن الزَّمَان المُرَاد بِهِ السّنة قد اسْتَدَارَ المُرَاد بالاستدارة انْتِقَال الزَّمَان إِلَى هَيئته الأولى وَذَلِكَ أَن الْعَرَب كَانُوا يؤخرون الْمحرم إِلَى صفر وَهُوَ النسيء لِيُقَاتِلُوا فِيهِ ويفعلون ذَلِك سنة بعد سنة فَينْتَقل الْمحرم من شهر إِلَى شهر حَتَّى يَجْعَلُوهُ فِي جَمِيع شهور السّنة قَوْله كَهَيْئَته أَي على الْوَضع الَّذِي كَانَ قبل النسيء لَا زَائِدا فِي الْعدَد وَلَا مغيرا كل شهر عَن مَوْضِعه قَوْله مُتَوَالِيَات أَي مُتَتَابِعَات قَوْله وَرَجَب مُضر إِنَّمَا أضيف رَجَب إِلَى مُضر الَّتِي هِيَ الْقَبِيلَة لأَنهم كَانُوا يعظمونه وَلم يغيروه عَن مَكَانَهُ وَرَجَب من الترجيب وَهُوَ التَّعْظِيم وَيجمع على أرجاب ورجاب ورجبات وَقَوله بَين جُمَادَى وَشَعْبَان تَأْكِيد وَالْمرَاد بجمادى جُمَادَى الْآخِرَة وَقد يذكر وَيُؤَنث فَيُقَال جُمَادَى الأول وَالْأولَى وجمادى الآخر وَالْآخِرَة وَيجمع على جمادات كحبارى وحباريات وَسمي بذلك لجمود المَاء فِيهِ قلت كَأَنَّهُ حِين وضع أَولا اتّفق جمود المَاء فِيهِ وَإِلَّا فالشهور تَدور - ٩ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إنَّ الله مَعَنا﴾ (التَّوْبَة: ٤٠) أَي: ناصِرُنا) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ثَانِي اثْنَيْنِ﴾ إِلَى آخِره، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب، وَقيل: ثَانِي اثْنَيْنِ ﴿إلَاّ تنصروه فقد نَصره الله إِذا خرجه الَّذين كفرُوا ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هما فِي الْغَار﴾ الْآيَة. قَوْله: (إِلَّا تنصروه) أَي إلَاّ تنصرُوا رَسُوله مُحَمَّدًا ﷺ ، فَإِن الله ناصره ومؤيده وكافيه وحافظه كَمَا تولى نَصره (إِذْ أخرجه الَّذين كفرُوا) أَي حِين أخرجه مشركو مَكَّة وَذَلِكَ عَام الْهِجْرَة حِين هموا بقتْله أَو حَبسه أَو نَفْيه. قَوْله: (ثَانِي اثْنَيْنِ) أَي: أحد الْإِثْنَيْنِ، كَقَوْلِك: ثَالِث ثَلَاثَة، وهما رَسُول الله ﷺ ، وَأَبُو بكر الصّديق ﵁. وانتصابه على الْحَال، وقرىء: ثَانِي اثْنَيْنِ، بِالسُّكُونِ قَوْله: (إِذْ هما) بدل من قَوْله: (إِذْ أخرجه الَّذين كفرُوا) والغار ثقب فِي أَعلَى ثَوْر وَهُوَ جبل مَشْهُور بالمفجر من خلف مَكَّة من طَرِيق الْيمن، وَهُوَ الْمَعْرُوف بثور أطحل، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَهُوَ جبل فِي يمنى مَكَّة على مسيرَة سَاعَة. قَوْله: (إِذْ يَقُول:) بدلٌ ثانٍ. قَوْله: (لصَاحبه) هُوَ أَبُو بكر ﵁. قَوْله: (أَي ناصرنا) هَذَا تَفْسِير قَوْله: (مَعنا) . السكِينَةُ فَعِيلَةٌ مِنَ السُّكُونِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: ﴿فَأنْزل الله سكينته عَلَيْهِ وأيده﴾ الْآيَة، ثمَّ أَشَارَ إِلَى أَن وزن السكينَة: فعيلة، وَأَنه مُشْتَقّ من السّكُون، وَفِي التَّفْسِير: ﴿فَأنْزل الله سكينته عَلَيْهِ﴾ أَي: تأييده، وَنَصره عَلَيْهِ أَي: على رَسُوله فِي أشهر الْقَوْلَيْنِ، وَقيل: على أبي بكر ﵁، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره، قَالُوا: لِأَن الرَّسُول لم تزل مَعَه سكينَة، وَهَذَا لَا يُنَافِي تَجْدِيد سكينَة خَاصَّة بِتِلْكَ الْحَال، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أيده بِجُنُود لم تَرَوْهَا﴾ أَي: الْمَلَائِكَة. ٤٦٦٣ - ح دَّثنا عبْدُ الله بن مُحَمَّدٍ حَدثنَا حَبَّانُ حَدثنَا هَمَّامٌ حدّثنا ثابِتٌ حَدثنَا أنَسٌ قَالَ حدّثني أبُو بَكرٍ ﵁ قَالَ كُنْتُ مَعَ النبيِّ ﷺ فِي الْغارِ فَرَأيْتُ آثارَ المُشْرِكِينَ قُلْتُ يار سُولَ الله لوْ أنَّ أحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ رَآنا قَالَ مَا ظَنَّكَ بإثْنَيْنِ الله ثالِثُهُما. (انْظُر الحَدِيث ٣٦٥٣ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله بن مُحَمَّد أَبُو جَعْفَر الْجعْفِيّ البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالسندي، وحبان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن هِلَال الْبَاهِلِيّ، وَهَمَّام بتَشْديد الْمِيم الأولى ابْن يحيى العوذي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وبالذال الْمُعْجَمَة، وثابت بن أسلم الْبنانِيّ وَلم يَأْتِ إِسْنَاد إِلَى هُنَا مثل هَذَا الْإِسْنَاد، فَإِن رُوَاته كلهم بِالتَّحْدِيثِ الصّرْف، والْحَدِيث مضى فِي مَنَاقِب أبي بكر ﵁، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن سِنَان عَن همام ... إِلَى آخِره. وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

стр. 5529

٤٦٦٤ - ح دَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ عنِ ابنِ أبي مُلَيْكَةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّهُ قَالَ حِينَ وقَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ابنِ الزُّبَيْرِ قُلْتُ أبُوهُ الزُّبَيْرُ وأُمُّهُ أسْماءُ وخالَتُهُ عائِشَةُ وجَدَّهُ أبُو بَكْرٍ وجَدَّتُهُ صَفِيَّةُ فَقُلْتُ لِسُفْيانَ إسْنادُهُ فَقَالَ حدّثنا فَشَغَلَهُ إنْسانٌ ولَمْ يَقلِ ابنُ جُرَيْجٍ. عبد الله بن مُحَمَّد هَذَا هُوَ الْمَذْكُور فِيمَا قبله فَإِنَّهُ أخرج عَنهُ فِي هَذَا الْبَاب ثَلَاثَة أَحَادِيث مُتَوَالِيَات كَمَا ترَاهُ، وَيُمكن أَن يكون وَجه الْمُطَابقَة فِي هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة وَفِي الحَدِيث الَّذِي بعده من حَيْثُ كَونهم من رِوَايَة عبد الله بن مُحَمَّد، ويكتفي بِهَذَا الْمِقْدَار على أَن فِي هَذَا الحَدِيث ذكر أَسمَاء وَعَائِشَة فِي معرض فضيلتهما المستلزمة لفضل أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي التَّرْجَمَة الْإِشْعَار بِفضل أبي بكر. وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَابْن أبي مليكَة هُوَ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي مليكَة، وَقد تكَرر ذكرهم. قَوْله: (حِين وَقع بَينه وَبَين ابْن الزبير) أَي: حِين وَقع بَين ابْن عَبَّاس وَبَين عبد الله بن الزبير. رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَذَلِكَ بِسَبَب الْبيعَة، وَمُلَخَّص ذَلِك أَن مُعَاوِيَة لما مَاتَ امْتنع ابْن الزبير من الْبيعَة ليزِيد بن مُعَاوِيَة وأصر على ذَلِك، وَلما بلغه خبر موت يزِيد بن مُعَاوِيَة دَعَا ابْن الزبير إِلَى نَفسه فبويع بالخلافة وأطاعه أهل الْحجاز ومصر وعراق وخراسان وَكثير من أهل الشَّام، ثمَّ جرت أُمُور حَتَّى آلت الْخلَافَة إِلَى عبد الْملك، وَذَلِكَ كُله فِي سنة أَربع وَسِتِّينَ، وَكَانَ مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي طَالب الْمَعْرُوف بِابْن الْحَنَفِيَّة وَعبد الله بن عَبَّاس مقيمين بِمَكَّة مُنْذُ قتل الْحُسَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فدعاهما ابْن الزبير إِلَى الْبيعَة لَهُ فامتنعا وَقَالا: لَا نُبَايِع حَتَّى يجْتَمع النَّاس على خَليفَة، وتبعهما على ذَلِك جمَاعَة فَشدد عَلَيْهِم ابْن الزبير وحصرهم فَبلغ الْخَبَر الْمُخْتَار بن أبي عبيد وَكَانَ قد غلب على الْكُوفَة وَكَانَ فر مِنْهُ من كَانَ من قبل ابْن الزبير، فَجهز إِلَيْهِم جَيْشًا فأخرجوهما واستأذنوهما فِي قتال ابْن الزبير فامتنعا، وخرجا إِلَى الطَّائِف فأقاما بهَا حَتَّى مَاتَ ابْن عَبَّاس فِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ، ورحل ابْن الْحَنَفِيَّة بعده إِلَى جِهَة رضوى جبل يَنْبع فَأَقَامَ هُنَاكَ، ثمَّ أَرَادَ دُخُول الشَّام فَتوجه إِلَى نَحْو أَيْلَة فَمَاتَ فِي آخر سنة ثَلَاثَة أَو أول سنة أَربع وَسبعين، وَذَلِكَ عقيل قتل ابْن الزبير على الصَّحِيح. قَوْله: (قلت أَبوهُ الزبير) ، الْقَائِل هُوَ ابْن أبي مليكَة يعدد بِهَذَا إِلَى آخِره شرف ابْن الزبير وفضله واستحقاقه الْخلَافَة مثل الَّذِي يُنكر على ابْن عَبَّاس على امْتِنَاعه من الْبيعَة لَهُ، يَقُول: أَبوهُ عبد الله هُوَ الزبير بن الْعَوام أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ. وَأمه أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق، وخالته عَائِشَة لِأَنَّهَا أُخْت أَسمَاء، وجدته صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب وَهِي أم الزبير. قَوْله: (فَقلت لِسُفْيَان) ، الْقَائِل هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد شيخ البُخَارِيّ. قَوْله: (إِسْنَاده) ، أَي: اذكر إِسْنَاده، وَيجوز بِالرَّفْع على تَقْدِير: مَا هُوَ إِسْنَاده. قَوْله: (فَقَالَ: حَدثنَا) ، أَي: قَالَ سُفْيَان: حَدثنَا فَشَغلهُ إِنْسَان بِكَلَام أَو نَحوه وَلم يقل حَدثنَا ابْن جريج، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قد ذكر الْإِسْنَاد أَولا فَمَا معنى السُّؤَال عنة؟ ثمَّ أجَاب عَن كَيْفيَّة العنعنة بِأَنَّهَا بالواسطة وبدونها. قلت: فَلذَلِك أخرج البُخَارِيّ الحَدِيث من وَجْهَيْن آخَرين على مَا يَجِيء الْآن لأجل الِاسْتِظْهَار. ٤٦٦٥ - ح دَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ مُعِينٍ حدَّثنا حَجَّاجٌ قَالَ ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ ابنُ أبِي مُلَيْكَةَ وَكَانَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ فَغَدَوْتُ عَلَى ابنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ أتُرِيدُ أنْ تُقَاتِلَ ابنَ الزُّبَيْرِ فَتُحِلُّ حَرَمَ الله فَقال مَعاذَ الله إنَّ الله كَتَبَ ابنَ الزُّبَيْرِ وَبَنِي أُمَيَّةَ مُحِلِّينَ وَإنِّي وَالله لَا أُحِلُّهُ أبَدا قَالَ قَالَ النَّاسُ بَايِعْ لابْنِ الزُّبَيْرٍ فَقُلْتُ وَأيْنَ بِهَذا الأمْرِ عَنْهُ أمّا أبُوهُ فَحَوَارِيَّ النَّبِي ﷺ يُرِيدُ الزُّبَيْرَ وَأمَّا جَدُّهُ فَصَاحِبُ الغَارِ يُريدُ أبَا بَكْرٍ وَأمَّا أُمُّهُ فَذَاتُ النِّطاق يُرِيدُ أسْمَاءَ وَأمَّا خَالَتُهُ فَأُمُّ المُؤْمِنِينَ يُرِيدُ عَائِشَةَ وَأمّا عَمَّتُهُ فَزَوْجُ النبيِّ ﷺ يُرِيدُ خَدِيجَةَ

стр. 5530

وَأمَّا عَمَّةُ النبيِّ ﷺ فَجَدَّتُهُ يُرِيدُ صَفِيَّةَ ثُمَّ عَفِيفٌ فِي الإسْلامِ قَارِىءٌ لِلْقُرْآنِ وَالله إنْ وَصَلُونِي وَصَلُونِي مِنْ قَرِيبٍ وَإنْ رَبُّونِي رَبُّونِي أكْفاءٌ كِرَامٌ فَآثَرَ التُّوَيْتاتِ وَالأُساماتِ وَالحُمِيدَاتِ يُرِيدُ أبْطُنا مِنْ بَنِي أسَدٍ بَنِي تُوَيْتٍ وَبَنِي أُسَامَةَ وَبَنِي حُمَيْدٍ إنَّ ابنَ أبِي العَاصِ بَرَزَ يَمْشِي القُدَمِيَّةَ يَعْنِي عَبْدَ المَلِكِ بنِ مَرْوَانَ وَأنَّهُ لَوَّى ذَنْبَهُ يَعْنِي ابنَ الزُّبَيْرِ. . هَذَا الحَدِيث الثَّالِث من الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة الَّتِي أخرجهَا عَن عبد الله بن مُحَمَّد الْمَذْكُور، وَهُوَ يرويهِ عَن يحيى بن معِين، بِضَم الْمِيم، ابْن عون أبي زَكَرِيَّا الْبَغْدَادِيّ عَن حجاج بن مُحَمَّد المصِّيصِي إِلَى آخِره. قَوْله: (وَكَانَ بَينهمَا) أَي: بَين ابْن عَبَّاس وَابْن الزبير، وَلَكِن لم يجر ذكرهمَا فَأَعَادَ الضَّمِير إِلَيْهِمَا اختصارا. قَوْله: (شَيْء) يَعْنِي: مِمَّا يصدر بَين المتخاصمين، وَقيل: الَّذِي وَقع بَينه وَبَين ابْن الزبير كَانَ فِي بعض قِرَاءَة الْقُرْآن. قَوْله: (فَغَدَوْت) ، من الغدو وَهُوَ الذّهاب. قَوْله: (فَقلت: أَتُرِيدُ) ؟ الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار يُخَاطب بِهِ ابْن أبي مليكَة ابْن عَبَّاس. قَوْله: (فَتحل) ، بِالنّصب من الْإِحْلَال. قَوْله: (حرم الله) بِالنّصب على المفعولية، ويروى: (فَتحل مَا حرم الله) أَي: من الْقِتَال فِي الْحرم. قَوْله: (فَقَالَ: معَاذ الله) أَي: فَقَالَ ابْن عَبَّاس: العوذ بِاللَّه على إحلال الْحرم. قَوْله: (إِن الله كتب ابْن الزبير) أَي: قدر ابْن الزبير وَبني أُميَّة محلين بِكَسْر اللَّام، أرادتهم كَانُوا محلين يَعْنِي مبيحين الْقِتَال فِي الْحرم، وَكَانَ ابْن الزبير يُسمى الْمحل. قَوْله: (وَإِنِّي وَالله لَا أحله) ، من كَلَام ابْن عَبَّاس، أَي: لَا أحل الْحرم أبدا. وَهَذَا مَذْهَب ابْن عَبَّاس أَنه لَا يُقَاتل فِي الْحرم وَإِن قوتل فِيهِ. قَوْله: (قَالَ: قَالَ النَّاس) ، الْقَائِل هُوَ ابْن عَبَّاس، وناقل ذَلِك عَنهُ هُوَ ابْن أبي مليكَة، وَالْمرَاد بِالنَّاسِ من كَانَ من جِهَة ابْن الزبير. قَوْله: (بَايع) أَمر من الْمُبَايعَة. قَوْله: (فَقلت) ، قَائِله ابْن عَبَّاس. قَوْله: (وَأَيْنَ بِهَذَا الْأَمر عَنهُ) ؟ أَرَادَ بِالْأَمر الْخلَافَة، يَعْنِي: لَيست بعيدَة عَنهُ لما لَهُ من الشّرف من قَوْله: أما أَبوهُ إِلَى آخِره، أَي: أما أَبُو عبد الله وَهُوَ الزبير بن الْعَوام فحواري النَّبِي ﷺ ، وَقد مضى فِي مَنَاقِب الزبير عَن جَابر. قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : (إِن لكل نَبِي حواريا وَإِن حوارِي الزبير بن الْعَوام) والحواري النَّاصِر الْخَالِص. قَوْله: (يُرِيد الزبير) أَي: يُرِيد ابْن عَبَّاس بقوله: فحواري النَّبِي ﷺ . الزبير بن الْعَوام، قَوْله: (وَأمه) أَي: وَأم عبد الله بن الزبير. قَوْله: (فذات النطاق) وَسميت أمه بِذَات النطاق لِأَنَّهَا شقَّتْ نطاقها السفرة رَسُول الله ﷺ وسقائه عِنْد الْهِجْرَة. قَوْله: (يُرِيد أَسمَاء) ، يَعْنِي: يُرِيد ابْن عَبَّاس بقوله: ذَات النطاق أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (وَأما خَالَته) ، أَي خَالَة عبد الله فَهِيَ أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة أُخْت أَسمَاء. قَوْله: (وَأما عمته) فَهِيَ: أم الْمُؤمنِينَ خَدِيجَة بنت خويلد بن أَسد، وَهِي أُخْت الْعَوام بن خويلد، وَأطلق عَلَيْهَا عمته تجوزا لِأَنَّهَا عمَّة أَبِيه على مَا لَا يخفى. قَوْله: (وَأما عمَّة النَّبِي ﷺ ، فجدته) أَي: جدة عبد الله بن الزبير. وَهِي صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب. قَوْله: (ثمَّ عفيف) أَي: ثمَّ هُوَ يَعْنِي عبد الله عفيف، وانتقل من بَيَان نسبه الشريف إِلَى بَيَان صِفَاته الذاتية الحميدة بِكَلِمَة ثمَّ الَّتِي هِيَ للتعقيب، وَأَرَادَ بالعفة فِي الْإِسْلَام النزاهة عَن الْأَشْيَاء الَّتِي تشين الرجل، والعفة أَيْضا الْكَفّ عَن الْحرم وَالسُّؤَال من النَّاس. قَوْله: (وَالله إِن وصلوني) ، إِلَى آخِره من كَلَام ابْن عَبَّاس أَيْضا فِيهِ عتب على ابْن الزبير وشكر بني أُميَّة، وَأَرَادَ بقوله: (إِن وصلوني) بني أُميَّة من صلَة الرَّحِم. وَفَسرهُ بقوله: (وصلوني من قريب) أَي: من أجل الْقَرَابَة، وَذَلِكَ أَن ابْن عَبَّاس هُوَ عبد الله بن عَبَّاس بن عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف، وَأُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف. قَوْله: (وَإِن ربوني) بِفَتْح الرَّاء وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة المضمومة من التربية. قَوْله: (ربوني أكفاء) ، من قبيل: أكلوني البراغيث. وَأَصله: ربني أكفاء، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني على الأَصْل، وارتفاع أكفاء بقوله: ربوني أَو رَبِّي، على الرِّوَايَتَيْنِ، والأكفاء جمع كُفْء من الْكَفَاءَة فِي النِّكَاح، وَهُوَ فِي الأَصْل بِمَعْنى النظير والمساوي. قَوْله: (كرام) ، جمع كريم وَهُوَ الْجَامِع لأنواع الْخَيْر والشرف والفضائل، وروى ابْن مخنف الْأنْصَارِيّ بِإِسْنَادِهِ أَن ابْن عَبَّاس لما حَضرته الْوَفَاة بِالطَّائِف جمع بنيه فَقَالَ: يَا بني إِن ابْن الزبير لما خرج بِمَكَّة شددت أزره ودعوت

стр. 5531

النَّاس إِلَى بيعَته وَتركت بني عمنَا من بني أُميَّة الَّذين إِن قتلونا قتلونا أكفاء وَأَن ربونا ربونا كراما فَلَمَّا أصَاب مَا أصَاب جفاني. قَوْله: (فآثر التويتات) أَي: اخْتَار التويتات والأسامات والحميدات عَليّ وَرَضي بهم وَأَخذهم، وَفِي رِوَايَة ابْن قُتَيْبَة: فشددت على عضده فآثر عَليّ فَلم أَرض بالهوان، وآثر بِالْمدِّ، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: فَأَيْنَ، بِسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون وَهُوَ تَصْحِيف، والتويتات، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا تَاء مثناة من فَوق أُخرى جمع تويت وَهُوَ ابْن الْحَارِث بن عبد الْعُزَّى بن قصي، والأسامات، جمع أُسَامَة نِسْبَة إِلَى بني أُسَامَة بن أَسد ابْن عبد الْعُزَّى، والحميدات، نِسْبَة إِلَى بني حميد بن زُهَيْر بن الْحَارِث بن أَسد بن عبد الْعُزَّى، فَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة من بني عبد الْعُزَّى. قَوْله: (يُرِيد أبطنا) ، يَعْنِي: ابْن عَبَّاس من هَذِه الثَّلَاثَة أبطنا جمع بطن وَهُوَ مَا دون الْقَبِيلَة وَفَوق الْفَخْذ، وَيجمع على بطُون أَيْضا. قَوْله: (من بني أَسد بن تويت) ، قَالَ عِيَاض: وَصَوَابه يُرِيد أبطنا من بني أَسد بن تويت، وَكَذَا وَقع فِي (مستخرج) أبي نعيم. قَوْله: (وَبني أُسَامَة) ، أَي: وَمن بني أُسَامَة. قَوْله: (وَبني حميد) ، أَي: وَمن بني حميد، وَذكر ابْن عَبَّاس هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة على سَبِيل التحقير والتقليل، فَلذَلِك جمعهم بِجمع الْقلَّة حَيْثُ قَالَ أبطنا. قَوْله: (أَن ابْن أبي الْعَاصِ برز) ، أَي: ظهر، وَهُوَ عبد الْملك بن مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ نِسْبَة إِلَى جد أَبِيه. قَوْله: (يمشي القدمية) ، بِفَتْح الْقَاف وَفتح الدَّال وَضمّهَا وسكونها وَكسر الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف. قَالَ عبيد: يَعْنِي يمشي التَّبَخْتُر ضربه، مثلا لركوبه معالي الْأُمُور وسعى فِيهَا وَعمل بهَا، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: القدمية هِيَ التقدمة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الَّذِي عِنْد البُخَارِيّ: القدمية، مَعْنَاهُ: تقدمه فِي الشّرف وَالْفضل، وَالَّذِي جَاءَ فِي كتب الْغَرِيب، والتقدمية واليقدمية. بِالتَّاءِ وَالْيَاء، يَعْنِي: التَّقَدُّم، وَعند الْأَزْهَرِي بِالْيَاءِ أُخْت الْوَاو، وَعند الْجَوْهَرِي بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقيل: إِن اليقدمية بِالْيَاءِ أُخْت الْوَاو وَهُوَ التَّقَدُّم بالهمة، وَفِي (الْمطَالع) رَوَاهُ بعض اليقدمية: بِفَتْح الدَّال وَضمّهَا وَالضَّم صَحَّ عَن شَيخنَا أبي الْحسن. قَوْله: (وَأَنه) أَي: وَأَن ابْن الزبير. قَوْله: (لوى ذَنبه) أَي: ثناه وَصَرفه، يُقَال: لوى فلَان ذَنبه وَرَأسه وَعطفه إِذا ثناه وَصَرفه، ويروى بِالتَّشْدِيدِ للْمُبَالَغَة وَهُوَ مثل لترك المكارم والزوغان عَن الْمَعْرُوف وإيلاء الْجَمِيل، وَقيل: هُوَ كِنَايَة عَن التَّأَخُّر والتخلف، وَيُقَال: هُوَ كِنَايَة عَن الْجُبْن وإيثار الدعة، وَقَالَ الدَّاودِيّ: الْمَعْنى أَنه وقف فَلم يتَقَدَّم وَلم يتَأَخَّر وَلَا وضع الْأَشْيَاء فأدنى الْكَاشِح وأقصى الناصح وَقَالَ ابْن التِّين: معنى: لوى ذَنبه، لم يتم لَهُ مَا أَرَادَهُ وَكَانَ الْأَمر كَمَا ذكر، والآن عبد الْملك لم يزل فِي تقدم من أمره إِلَى أَن استنقذ الْعرَاق من ابْن الزبير وَقتل أَخَاهُ مصعبا، ثمَّ جهر العساكر إِلَى ابْن الزبير فَكَانَ من الْأَمر مَا وَقع، وَكَانَ وَلم يزل ابْن الزبير فِي تَأَخّر إِلَى أَن قتل. ٤٦٦٦ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدٍ بنِ مَيْمُونٍ حدَّثنا عِيسَى بنُ يُونُسَ عَنْ عُمَرَ بنِ سَعِيدٍ قَالَ أخْبَرَنِي ابنُ أبِي مُلَيْكَةَ دَخَلْنَا عَلَى ابنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ أَلا تَعْجَبُونَ لابنِ الزُّبَيْرٍ قَامَ فِي أمْرِهِ هَذَا فَقُلْتُ لأَحَاسِبَنَّ نَفْسِي لَهُ مَا حَاسَبْتُها لأبِي بَكْرٍ وَلا لِعُمَرَ وَلَهُمَا كَانَا أوْلَى بِكُلِّ خَيْرٍ مِنْهُ وَقُلْتُ ابْن عَمَّةِ النبيِّ ﷺ وابنُ الزُّبَيْرِ وَابنُ أبِي بَكْرٍ وَابنُ أخِي خَدِيجَةَ وَابنُ أُخْتِ عَائِشَةَ فَإذَا هُوَ يَتَعَلَّى عَنِّي وَلا يُرِيدُ ذَلِكَ فَقُلْتُ مَا كُنْتُ أظُنَّ أنِّي أعْرِضُ هَذا مِنْ نَفْسِي فَيَدَعُهُ وَمَا أُرَاهُ يُرِيدُ خَيْرا وإنْ كَانَ لَا بُدَّ لأنْ يَرُبَّنِي بَنُو عَمِّي أحَبُّ إلَيَّ مِنْ أنْ يَرُ بَّنِي غَيْرُهُمْ. هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن مُحَمَّد بن عبيد بن مَيْمُون الْمَدِينِيّ، وَيُقَال لَهُ: مُحَمَّد بن أبي عباد عَن عِيسَى بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق الْهَمدَانِي الْكُوفِي عَن عمر بن سعيد بن أبي حُسَيْن النَّوْفَلِي الْقرشِي الْمَكِّيّ عَن عبد الله بن أبي مليكَة إِلَى آخِره. قَوْله: (قَامَ فِي أمره) أَي: فِي الْخلَافَة. قَوْله: (لأحاسبن نَفسِي) أَي: لأناقشنها لَهُ. أَي: لِابْنِ الزبير، وَقيل: لأطالبن نَفسِي بمراعاته وَحفظ حَقه ولأنافسن فِي معونته ولاستقصين عَلَيْهَا فِي النصح لَهُ والذب عَنهُ. قَوْله: (مَا حاسبتها)

стр. 5532

كلمة. مَا للنَّفْي، أَي: مَا حاسبت نَفسِي لأبي بكر وَلَا لعمر. قَوْله: (وَلَهُمَا كَانَ أولى بِكُل خير) اللَّام فِيهِ لَام الِابْتِدَاء، وَالْوَاو فِيهِ يصلح أَن يكون للْحَال. وهما يرجع إِلَى أبي بكر وَعمر، قَوْله: (مِنْهُ) أَي: من ابْن الزبير. قَوْله: (وَقلت: ابْن عمَّة النَّبِي ﷺ تجوز، وَإِنَّمَا هِيَ عمَّة أبي النَّبِي ﷺ ، وَهِي صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب. وَكَذَلِكَ قَوْله: (وَابْن أبي بكر) تجوز لِأَنَّهُ ابْن بنت أبي بكر، وَكَذَلِكَ قَوْله: وَابْن أخي خَدِيجَة تجوز لِأَنَّهُ ابْن ابْن أَخِيهَا الْعَوام. قَوْله: (فَإِذا هُوَ) أَي: ابْن الزبير: (يتعلى عني) أَي: يترفع منتحيا عني. قَوْله: (وَلَا يُرِيد ذَلِك) أَي: لَا يُرِيد أَن أكون من خاصته. قَوْله: (مَا كنت أَظن أَنِّي أعرض هَذَا) أَي: أظهر وأبذل هَذَا من نَفسِي وأرضى بِهِ فيدعه. أَي: فَإِن يَدعه أَي يتْركهُ وَلَا يرضى هُوَ بذلك. قَوْله: (وَمَا أرَاهُ يُرِيد خيرا) أَي: وَمَا أَظُنهُ يُرِيد خيرا يَعْنِي فِي الرَّغْبَة عني. قَوْله: (وَإِن كَانَ لابد) أَي: وَإِن كَانَ هَذَا الَّذِي صدر مِنْهُ لَا فِرَاق لَهُ مِنْهُ لِأَن يربنِي بَنو عمي أَي بَنو أُميَّة ويريني من التربية وَمَعْنَاهُ: يكون بَنو أُميَّة أُمَرَاء عَليّ وقائمين بأَمْري قَوْله: (أحب إليّ) خبر إِن. قَوْله: (غَيرهم) أَي: غير بني عمي. وهم الأمويون. وَقَالَ الْحَافِظ إِسْمَاعِيل فِي كتاب (التَّخْيِير) يَعْنِي: بقوله لِأَن يربنِي بَنو عمي إِلَى آخِره، لِأَن أكون فِي طَاعَة بني أُميَّة وهم أقرب إِلَى قرَابَة من بني أَسد أحب إليّ. ١٠ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَالمُؤْلَفَةِ قُلُوبُهُمُ﴾ (التَّوْبَة: ٦٠) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿والمؤلفة قُلُوبهم﴾ وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ بَاب. وَقَبله: ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين والعاملين عَلَيْهَا والمؤلفة قُلُوبهم وَفِي الرّقاب﴾ (التَّوْبَة: ٦٠) الْآيَة. وَهَذِه الْآيَة فِي بَيَان قسْمَة الصَّدقَات وَيبين الله حكمهَا وَتَوَلَّى قسمتهَا بِنَفسِهِ ومصرفها ثَمَانِيَة أَصْنَاف، وَسَقَطت الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم لِأَن الله تَعَالَى أعز الْإِسْلَام وأغنى عَنْهُم، وَكَانَ يُعْطي لَهُم لتتألف قُلُوبهم أَو ليدفع ضررهم عَن الْمُسلمين، وَهل تُعْطى الْمُؤَلّفَة على الْإِسْلَام بعد النَّبِي ﷺ ؟ فِيهِ خلاف، فَروِيَ عَن عمر وَالشعْبِيّ وَجَمَاعَة: أَنهم لَا يُعْطون بعده، وَقَالَ آخَرُونَ: بل يُعْطون، لِأَنَّهُ ﷺ قد أَعْطَاهُم بعد فتح مَكَّة وَكسر هوَازن، وَهَذَا أَمر قد يحْتَاج إِلَيْهِ فَيصير إِلَيْهِم، وَاخْتلف فِي الْوَقْت الَّذِي تألفهم فِيهِ فَقيل: قبل إسْلَامهمْ، وَقيل: بعد وَاخْتلف مَتى قطع ذَلِك عَنْهُم؟ فَقيل: فِي خلَافَة الصّديق، وَقيل: فِي خلَافَة الْفَارُوق، وَكَانَ الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم نَحْو الْخمسين مِنْهُم أَبُو سُفْيَان وَابْنه مُعَاوِيَة وَحَكِيم بن حرَام وعباس بن مرداس. قَالَ مُجاهِدٌ يَتَأَلَّفُهُمْ بِالْعَطِيَّةِ هَذَا وَصله الْفرْيَابِيّ عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد. ٤٦٦٧ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخْبرنا سُفْيَانُ عَنْ أبِيهِ عنِ ابنِ أبِي نُعَمٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ بُعِثَ إلَى النبيِّ ﷺ بِشَيْءٍ فَقَسَمَهُ بَيْنَ أرْبَعَةٍ وَقَالَ أتألَفُهُمْ فَقَالَ رَجُلٌ مَا عَدَلْتَ فَقَالَ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِيءَ هاذا قَوْمٌ يَمْرَقُونَ مِنَ الدِّينِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَكثير ضد الْقَلِيل وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ يروي عَن أَبِيه سعيد بن مَسْرُوق وَهُوَ يروي عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي نعم، بِضَم النُّون وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة، وَمضى هَذَا الحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي كتاب الْأَنْبِيَاء فِي قصَّة هود بأتم مِنْهُ، وَأخرجه هُنَا مُخْتَصرا. قَوْله: (بَين أَرْبَعَة) وهم الْأَقْرَع بن حَابِس وعيينة بن بدر وَزيد بن مهلهل وعلقمة ابْن علاثة بالثاء الْمُثَلَّثَة النجديون. قَوْله: (فَقَالَ رجل) هُوَ ذُو الْخوَيْصِرَة مصغر الخاصرة بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالصَّاد الْمُهْملَة. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (من ضئضيء) بِكَسْر الضادين المعجمتين وَسُكُون الْهمزَة وبالياء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ الأَصْل، وَالْمرَاد بِهِ النَّسْل. قَوْله: (يَمْرُقُونَ) أَي: يخرجُون. ١١ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ (التَّوْبَة: ٧٩) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله قَوْله: ﴿الَّذِي يَلْمِزُونَ﴾ الْآيَة. هَذِه الْآيَة فِي صِفَات الْمُنَافِقين لَا يسلم أحد من عيبهم ولمزهم فِي

стр. 5533

جَمِيع الْأَحْوَال حَتَّى وَلَا المتصدقون لَا يسلمُونَ مِنْهُم، إِن جَاءَ أحد مِنْهُم بِمَال جزيل قَالُوا: هَذَا مراء، وَإِن جَاءَ بِشَيْء يسير قَالُوا: إِن الله لَغَنِيّ عَن صَدَقَة هَذَا. قَوْله: (الْمُطوِّعين) أَصله المتطوعين فأبدلت التَّاء طاء وأدغمت الطَّاء فِي الطَّاء. يَلْمِزُونَ يَعِيبُونِ أَرَادَ أَن معنى اللمز الْعَيْب، وَلَيْسَ هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر. وَجُهْدَهُمْ وَجَهْدَهُمْ طَاقَتَهُمْ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين لَا يَجدونَ إِلَّا جهدهمْ﴾ وَفسّر الْجهد بالطاقة، وَهُوَ بِضَم الْجِيم وبالفتح الْمَشَقَّة. وَعَن الشّعبِيّ بِالْعَكْسِ. وَقيل: هما لُغَتَانِ. ٤٦٦٩ - ح دَّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ قُلْتُ ل أبِي أُسَامَةَ أحَدَّثَكُمْ زَائِدَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ أبِي مَسْعُودِ الأنْصَارِيِّ قَالَ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَأْمُرُ بِالصَّدَقَةِ فَيَحْتالُ أحَدُنا

стр. 5534

حَتَّى يَجِيءَ بِالمُدِّ وَإنَّ لأحَدِهِمِ اليَوْمَ مِائَةَ ألْفٍ كَأنَّهُ يُعَرِّضُ بِنَفْسِهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ مُطَابق لِمَعْنى الحَدِيث السَّابِق، والمطابق للمطابق للشَّيْء مُطَابق لذَلِك الشَّيْء. وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه، وَأَبُو إسامة حَمَّاد بن أُسَامَة، وزائدة من الزِّيَادَة ابْن قدامَة أَبُو الصَّلْت الْكُوفِي وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وشقيق هُوَ ابْن سَلمَة أَبُو وَائِل والْحَدِيث مضى فِي أَوَائِل الزَّكَاة. قَوْله: (أحدثكُم) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار قَوْله: (فيحتال) أَي: يجْتَهد وَيُسمى. قَوْله: (مائَة ألف) بِالنّصب على أَنَّهَا اسْم. إِن، وَالْخَبَر قَوْله لأَحَدهم: (مقدما) (وَالْيَوْم) نصب على الظّرْف (وَمِائَة ألف) يحْتَمل الدَّرَاهِم وَيحْتَمل الدَّنَانِير وَيحْتَمل الأمداد من الْقَمْح أَو التَّمْر أَو نَحْوهمَا. قَوْله: (كَأَنَّهُ يعرض بِنَفسِهِ) من كَلَام شَقِيق الرَّاوِي، وَقد صرح بِهِ إِسْحَاق فِي مُسْنده، وَقَالَ فِي آخِره: قَالَ شَقِيق كَأَنَّهُ يعرض بِنَفسِهِ قلت: كَأَن أَبَا مَسْعُود عرض بِنَفسِهِ لما صَار من أَصْحَاب الْأَمْوَال الْكَثِيرَة. ١٢ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ الله لَهُمْ﴾ (التَّوْبَة: ٨٠) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اسْتغْفر لَهُم﴾ إِلَى آخر مَا ذكره فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَعند غَيره مُخْتَصرا، خبر الله تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة أَن هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقين اللمازين لَيْسُوا أَهلا للاستغفار، وَأَنه لَو استغفرلهم وَلَو سبعين مرّة فَإِن الله لَا يغْفر لَهُم، وَذكر السّبْعين بِالنَّصِّ عَلَيْهِ لحسم مَادَّة الاسْتِغْفَار لَهُم لِأَن الْعَرَب فِي أساليب كَلَامهم تذكر السّبْعين فِي مُبَالغَة كَلَامهم وَلَا يُرَاد بهَا التَّحْدِيد وَلَا أَن كَون مَا زالد عَلَيْهَا بِخِلَافِهَا. ٤٦٧٠ - ح دَّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ أبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ لَمَا تُوِفِّيَ عَبْدُ الله بنُ رَجاءَ ابْنُهُ عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الله إلَى رَسُولِ الله ﷺ فَسَأَلَهُ أنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفَّنُ فِيهِ أباهُ فَأعْطاهُ ثُمَّ سَأَلَهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ لِيُصَلِّيَ فَقَامَ عُمَرُ فَأخذَ بِثَوْبِ رسولِ الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله أتُصَلِي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاك رَبَكَ أنْ تصليَ عَليْهِ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : (إنَّما خَيَّرَنِي الله) فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ (التَّوْبَة: ٨٤) وَسأزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ قَالَ إنَّهُ منافِقٌ قالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ فَأَنْزَلَ الله: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أبَدا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبيد، بِضَم الْعين وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، واسْمه فِي الأَصْل عبد الله يكنى أَبَا مُحَمَّد الْكُوفِي، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب الْكَفَن فِي الْقَمِيص أخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. قَوْله: (لما توفّي عبد الله) يَعْنِي: ابْن أبي ابْن سلول، وَوَقع فِي أَكثر النّسخ اسْم أَبِيه أبي، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: إِنَّه مَاتَ بعد منصرفهم من تَبُوك وَذَلِكَ فِي ذِي الْقعدَة سنة تسع، وَكَانَت مُدَّة مَرضه عشْرين يَوْمًا وابتداؤها من لَيَال بقيت من شَوَّال، وَكَذَا ذكره الْحَاكِم فِي (الإكليل) وَقَالُوا: وَكَانَ قد تخلف هُوَ وَمن مَعَه عَن غَزْوَة تَبُوك وَفِيهِمْ نزلت ﴿لَو خَرجُوا فِيكُم مَا زادوكم إلَاّ خبالاً﴾ (التَّوْبَة: ٤٧) قيل: هَذَا يدْفع قَول ابْن التِّين، إِن هَذِه الْقِصَّة كَانَت فِي أول الْإِسْلَام قبل تَقْرِير الْأَحْكَام. قَوْله: (فَأعْطَاهُ) . أَي: أعْطى النَّبِي ﷺ ، قَمِيصه عبد الله. قَالَ الْكرْمَانِي: لم أعطي قَمِيصه الْمُنَافِق؟ ثمَّ أجَاب بقوله: أعْطى لِابْنِهِ وَمَا أعْطى لأجل أَبِيه عبد الله بن أبي. وَقيل: كَانَ ذَلِك مُكَافَأَة لَهُ على مَا أعْطى يَوْم بدر قَمِيصًا للْعَبَّاس لِئَلَّا يكون لِلْمُنَافِقِ منَّة عَلَيْهِم. قَوْله: (ثمَّ سَأَلَهُ أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ) إِنَّمَا سَأَلَهُ بِنَاء على أَنه

стр. 5535

حمل أَمر أَبِيه على ظَاهر الْإِسْلَام ولدفع الْعَار عَنهُ وَعَن عشيرته فأظهر الرَّغْبَة فِي صَلَاة النَّبِي ﷺ ، وَوَقعت إجَابَته إِلَى سُؤَاله على حسب مَا ظهر من حَاله إِلَى أَن كشف الله الغطاء عَن ذَلِك. قَوْله: (فَقَامَ رَسُول الله ﷺ ليُصَلِّي) عَلَيْهِ قَوْله: (أَتُصَلِّي عَلَيْهِ) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار قَوْله: (وَقد) الْوَاو وَفِيه للْحَال. قَوْله: (نهاك رَبك أَن تصلي عَلَيْهِ) قَالَ الْكرْمَانِي: أَيْن نَهَاهُ ونزول قَوْله: ﴿وَلَا تصل على أحد مِنْهُم﴾ (التَّوْبَة: ٨٤) بعد ذَلِك؟ فَأجَاب بقوله: لَعَلَّ عمر اسْتَفَادَ النَّهْي من قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين﴾ (التَّوْبَة: ١١٣) أَو من قَوْله: ﴿أَن تستغفر لَهُم﴾ فَإِنَّهُ إِذا لم يكن للاستغفار فَائِدَة الْمَغْفِرَة يكون عَبَثا فَيكون مَنْهِيّا عَنهُ وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَعَلَّ ذَلِك وَقع فِي خاطر عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَيكون من قبيل الإلهام. قَوْله: (إِنَّمَا خيرني الله) أَي: بَين الاسْتِغْفَار وَتَركه. قَوْله: (وسأزيد) حمل رَسُول الله ﷺ عدد السّبْعين على حَقِيقَته، وَحمله عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على الْمُبَالغَة. وَقَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ حجَّة لمن أرى الحكم بِالْمَفْهُومِ لِأَنَّهُ جعل السّبْعين بِمَنْزِلَة الشَّرْط فَإِذا جَاوز هَذَا الْعدَد كَانَ الحكم بِخِلَافِهِ، وَكَانَ رَأْي عمر التصلب فِي الدّين والشدة على الْمُنَافِقين، وَقصد، ﵊، الشَّفَقَة على من تعلق بِطرف من الدّين والتألف لِابْنِهِ ولقومه، فَاسْتعْمل أحسن الْأَمريْنِ وأفضلهما. قَوْله: (إِنَّه مُنَافِق) إِنَّمَا جزم بذلك جَريا على مَا كَانَ اطلع عَلَيْهِ من أَحْوَاله وَلم يَأْخُذ النَّبِي ﷺ ، بقوله: وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِجْرَاء لَهُ على ظَاهر حكم الْإِسْلَام، وَذهب بعض أهل الحَدِيث إِلَى تَصْحِيح إِسْلَام عبد الله بن أبي بِصَلَاة النَّبِي ﷺ ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيح لمُخَالفَته الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة المصرحة بِمَا يُنَافِي فِي ذَلِك، وَقد أخرج الطَّبَرِيّ من طَرِيق سعيد عَن قَتَادَة فِي هَذِه الْقِصَّة قَالَ: فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا وَلَا تقم على قَبره﴾ قَالَ: فَذكر لنا النَّبِي ﷺ قَالَ: وَمَا يُغني عَنهُ قَمِيصِي من الله وَإِنِّي لأرجو أَن يسلم بذلك ألف من قومه، قَوْله: (فَأنْزل الله تَعَالَى) إِلَى آخِره: زَاد مُسَدّد فِي حَدِيثه عَن يحيى الْقطَّان عَن عبيد الله بن عمر فِي آخِره: فَترك الصَّلَاة عَلَيْهِم، وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: فصلى عَلَيْهِ ثمَّ انْصَرف فَلم يمْكث إلَاّ يَسِيرا حَتَّى نزلت، وَزَاد ابْن إِسْحَاق فِي (الْمَغَازِي) فِي حَدِيث الْبَاب: فَمَا صلى رَسُول الله ﷺ على مُنَافِق بعده حَتَّى قَبضه الله تَعَالَى. ٤٦٧١ - ح دَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيلٍ وَقَالَ غَيْرُهُ حدَّثني اللَّيْثُ حدَّثني عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ أخبرَنِي عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ عنْ عُمَرَ بنِ الخَطَابِ ﵁ أنَّهُ قَالَ لمَّا مَاتَ عَبْدُ الله بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُول دُعِيَ لهُ رَسُولُ الله ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ الله ﷺ وَثَبْتُ إلَيْهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ الله أَتُصَلِّي عَلَى ابنِ أُبَيٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا كَذَا قَالَ أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ الله ﷺ وَقَالَ أخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ فَلمَّا أكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ إنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ لَوْ أعْلَمَ أنِّي إنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا قَالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَمْكُثْ إلَاّ يَسِيرا حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ ﴿وَلا تُصلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أبَدا﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ قَالَ فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ الله ﷺ وَالله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ. أخرج الحَدِيث الْمَذْكُور من وَجه آخر عَن ابْن عَبَّاس عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمضى الحَدِيث فِي الْجَنَائِز. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير أَيْضا وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الْجَنَائِز. قَوْله: (وَقَالَ غَيره) ، الْغَيْر هُوَ عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث. قَوْله: (سلول) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَضم اللَّام وَسُكُون الْوَاو بعْدهَا الْأُم اسْم أم عبد الله، وَهِي خزاعية، وَعبد الله من الْخَزْرَج أحد قَبيلَة الْأَنْصَار. قَوْله: (ابْن سلول) ، بِالرَّفْع لِأَنَّهُ صفة عبد الله لَا صفة أبي. قَوْله: (فَتَبَسَّمَ رَسُول الله ﷺ كَانَ ذَلِك تَعَجبا من صلابة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وبغضه لِلْمُنَافِقين قيل: لم يكن ﷺ ، يتبسم عِنْد شُهُود الْجَنَائِز
следующие страницы →