Полный текст (7 603 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.
стр. 5531
النَّاس إِلَى بيعَته وَتركت بني عمنَا من بني أُميَّة الَّذين إِن قتلونا قتلونا أكفاء وَأَن ربونا ربونا كراما فَلَمَّا أصَاب مَا أصَاب جفاني. قَوْله: (فآثر التويتات) أَي: اخْتَار التويتات والأسامات والحميدات عَليّ وَرَضي بهم وَأَخذهم، وَفِي رِوَايَة ابْن قُتَيْبَة: فشددت على عضده فآثر عَليّ فَلم أَرض بالهوان، وآثر بِالْمدِّ، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: فَأَيْنَ، بِسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون وَهُوَ تَصْحِيف، والتويتات، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا تَاء مثناة من فَوق أُخرى جمع تويت وَهُوَ ابْن الْحَارِث بن عبد الْعُزَّى بن قصي، والأسامات، جمع أُسَامَة نِسْبَة إِلَى بني أُسَامَة بن أَسد ابْن عبد الْعُزَّى، والحميدات، نِسْبَة إِلَى بني حميد بن زُهَيْر بن الْحَارِث بن أَسد بن عبد الْعُزَّى، فَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة من بني عبد الْعُزَّى. قَوْله: (يُرِيد أبطنا) ، يَعْنِي: ابْن عَبَّاس من هَذِه الثَّلَاثَة أبطنا جمع بطن وَهُوَ مَا دون الْقَبِيلَة وَفَوق الْفَخْذ، وَيجمع على بطُون أَيْضا. قَوْله: (من بني أَسد بن تويت) ، قَالَ عِيَاض: وَصَوَابه يُرِيد أبطنا من بني أَسد بن تويت، وَكَذَا وَقع فِي (مستخرج) أبي نعيم. قَوْله: (وَبني أُسَامَة) ، أَي: وَمن بني أُسَامَة. قَوْله: (وَبني حميد) ، أَي: وَمن بني حميد، وَذكر ابْن عَبَّاس هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة على سَبِيل التحقير والتقليل، فَلذَلِك جمعهم بِجمع الْقلَّة حَيْثُ قَالَ أبطنا. قَوْله: (أَن ابْن أبي الْعَاصِ برز) ، أَي: ظهر، وَهُوَ عبد الْملك بن مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ نِسْبَة إِلَى جد أَبِيه. قَوْله: (يمشي القدمية) ، بِفَتْح الْقَاف وَفتح الدَّال وَضمّهَا وسكونها وَكسر الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف. قَالَ عبيد: يَعْنِي يمشي التَّبَخْتُر ضربه، مثلا لركوبه معالي الْأُمُور وسعى فِيهَا وَعمل بهَا، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: القدمية هِيَ التقدمة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الَّذِي عِنْد البُخَارِيّ: القدمية، مَعْنَاهُ: تقدمه فِي الشّرف وَالْفضل، وَالَّذِي جَاءَ فِي كتب الْغَرِيب، والتقدمية واليقدمية. بِالتَّاءِ وَالْيَاء، يَعْنِي: التَّقَدُّم، وَعند الْأَزْهَرِي بِالْيَاءِ أُخْت الْوَاو، وَعند الْجَوْهَرِي بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقيل: إِن اليقدمية بِالْيَاءِ أُخْت الْوَاو وَهُوَ التَّقَدُّم بالهمة، وَفِي (الْمطَالع) رَوَاهُ بعض اليقدمية: بِفَتْح الدَّال وَضمّهَا وَالضَّم صَحَّ عَن شَيخنَا أبي الْحسن. قَوْله: (وَأَنه) أَي: وَأَن ابْن الزبير. قَوْله: (لوى ذَنبه) أَي: ثناه وَصَرفه، يُقَال: لوى فلَان ذَنبه وَرَأسه وَعطفه إِذا ثناه وَصَرفه، ويروى بِالتَّشْدِيدِ للْمُبَالَغَة وَهُوَ مثل لترك المكارم والزوغان عَن الْمَعْرُوف وإيلاء الْجَمِيل، وَقيل: هُوَ كِنَايَة عَن التَّأَخُّر والتخلف، وَيُقَال: هُوَ كِنَايَة عَن الْجُبْن وإيثار الدعة، وَقَالَ الدَّاودِيّ: الْمَعْنى أَنه وقف فَلم يتَقَدَّم وَلم يتَأَخَّر وَلَا وضع الْأَشْيَاء فأدنى الْكَاشِح وأقصى الناصح وَقَالَ ابْن التِّين: معنى: لوى ذَنبه، لم يتم لَهُ مَا أَرَادَهُ وَكَانَ الْأَمر كَمَا ذكر، والآن عبد الْملك لم يزل فِي تقدم من أمره إِلَى أَن استنقذ الْعرَاق من ابْن الزبير وَقتل أَخَاهُ مصعبا، ثمَّ جهر العساكر إِلَى ابْن الزبير فَكَانَ من الْأَمر مَا وَقع، وَكَانَ وَلم يزل ابْن الزبير فِي تَأَخّر إِلَى أَن قتل.
٤٦٦٦ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدٍ بنِ مَيْمُونٍ حدَّثنا عِيسَى بنُ يُونُسَ عَنْ عُمَرَ بنِ سَعِيدٍ قَالَ أخْبَرَنِي ابنُ أبِي مُلَيْكَةَ دَخَلْنَا عَلَى ابنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ أَلا تَعْجَبُونَ لابنِ الزُّبَيْرٍ قَامَ فِي أمْرِهِ هَذَا فَقُلْتُ لأَحَاسِبَنَّ نَفْسِي لَهُ مَا حَاسَبْتُها لأبِي بَكْرٍ وَلا لِعُمَرَ وَلَهُمَا كَانَا أوْلَى بِكُلِّ خَيْرٍ مِنْهُ وَقُلْتُ ابْن عَمَّةِ النبيِّ ﷺ وابنُ الزُّبَيْرِ وَابنُ أبِي بَكْرٍ وَابنُ أخِي خَدِيجَةَ وَابنُ أُخْتِ عَائِشَةَ فَإذَا هُوَ يَتَعَلَّى عَنِّي وَلا يُرِيدُ ذَلِكَ فَقُلْتُ مَا كُنْتُ أظُنَّ أنِّي أعْرِضُ هَذا مِنْ نَفْسِي فَيَدَعُهُ وَمَا أُرَاهُ يُرِيدُ خَيْرا وإنْ كَانَ لَا بُدَّ لأنْ يَرُبَّنِي بَنُو عَمِّي أحَبُّ إلَيَّ مِنْ أنْ يَرُ بَّنِي غَيْرُهُمْ.
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن مُحَمَّد بن عبيد بن مَيْمُون الْمَدِينِيّ، وَيُقَال لَهُ: مُحَمَّد بن أبي عباد عَن عِيسَى بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق الْهَمدَانِي الْكُوفِي عَن عمر بن سعيد بن أبي حُسَيْن النَّوْفَلِي الْقرشِي الْمَكِّيّ عَن عبد الله بن أبي مليكَة إِلَى آخِره.
قَوْله: (قَامَ فِي أمره) أَي: فِي الْخلَافَة. قَوْله: (لأحاسبن نَفسِي) أَي: لأناقشنها لَهُ. أَي: لِابْنِ الزبير، وَقيل: لأطالبن نَفسِي بمراعاته وَحفظ حَقه ولأنافسن فِي معونته ولاستقصين عَلَيْهَا فِي النصح لَهُ والذب عَنهُ. قَوْله: (مَا حاسبتها)
стр. 5532
كلمة. مَا للنَّفْي، أَي: مَا حاسبت نَفسِي لأبي بكر وَلَا لعمر. قَوْله: (وَلَهُمَا كَانَ أولى بِكُل خير) اللَّام فِيهِ لَام الِابْتِدَاء، وَالْوَاو فِيهِ يصلح أَن يكون للْحَال. وهما يرجع إِلَى أبي بكر وَعمر، قَوْله: (مِنْهُ) أَي: من ابْن الزبير. قَوْله: (وَقلت: ابْن عمَّة النَّبِي ﷺ تجوز، وَإِنَّمَا هِيَ عمَّة أبي النَّبِي ﷺ ، وَهِي صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب. وَكَذَلِكَ قَوْله: (وَابْن أبي بكر) تجوز لِأَنَّهُ ابْن بنت أبي بكر، وَكَذَلِكَ قَوْله: وَابْن أخي خَدِيجَة تجوز لِأَنَّهُ ابْن ابْن أَخِيهَا الْعَوام. قَوْله: (فَإِذا هُوَ) أَي: ابْن الزبير: (يتعلى عني) أَي: يترفع منتحيا عني. قَوْله: (وَلَا يُرِيد ذَلِك) أَي: لَا يُرِيد أَن أكون من خاصته. قَوْله: (مَا كنت أَظن أَنِّي أعرض هَذَا) أَي: أظهر وأبذل هَذَا من نَفسِي وأرضى بِهِ فيدعه. أَي: فَإِن يَدعه أَي يتْركهُ وَلَا يرضى هُوَ بذلك. قَوْله: (وَمَا أرَاهُ يُرِيد خيرا) أَي: وَمَا أَظُنهُ يُرِيد خيرا يَعْنِي فِي الرَّغْبَة عني. قَوْله: (وَإِن كَانَ لابد) أَي: وَإِن كَانَ هَذَا الَّذِي صدر مِنْهُ لَا فِرَاق لَهُ مِنْهُ لِأَن يربنِي بَنو عمي أَي بَنو أُميَّة ويريني من التربية وَمَعْنَاهُ: يكون بَنو أُميَّة أُمَرَاء عَليّ وقائمين بأَمْري قَوْله: (أحب إليّ) خبر إِن. قَوْله: (غَيرهم) أَي: غير بني عمي. وهم الأمويون. وَقَالَ الْحَافِظ إِسْمَاعِيل فِي كتاب (التَّخْيِير) يَعْنِي: بقوله لِأَن يربنِي بَنو عمي إِلَى آخِره، لِأَن أكون فِي طَاعَة بني أُميَّة وهم أقرب إِلَى قرَابَة من بني أَسد أحب إليّ.
١٠ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَالمُؤْلَفَةِ قُلُوبُهُمُ﴾ (التَّوْبَة: ٦٠)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿والمؤلفة قُلُوبهم﴾ وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ بَاب. وَقَبله: ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين والعاملين عَلَيْهَا والمؤلفة قُلُوبهم وَفِي الرّقاب﴾ (التَّوْبَة: ٦٠) الْآيَة. وَهَذِه الْآيَة فِي بَيَان قسْمَة الصَّدقَات وَيبين الله حكمهَا وَتَوَلَّى قسمتهَا بِنَفسِهِ ومصرفها ثَمَانِيَة أَصْنَاف، وَسَقَطت الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم لِأَن الله تَعَالَى أعز الْإِسْلَام وأغنى عَنْهُم، وَكَانَ يُعْطي لَهُم لتتألف قُلُوبهم أَو ليدفع ضررهم عَن الْمُسلمين، وَهل تُعْطى الْمُؤَلّفَة على الْإِسْلَام بعد النَّبِي ﷺ ؟ فِيهِ خلاف، فَروِيَ عَن عمر وَالشعْبِيّ وَجَمَاعَة: أَنهم لَا يُعْطون بعده، وَقَالَ آخَرُونَ: بل يُعْطون، لِأَنَّهُ ﷺ قد أَعْطَاهُم بعد فتح مَكَّة وَكسر هوَازن، وَهَذَا أَمر قد يحْتَاج إِلَيْهِ فَيصير إِلَيْهِم، وَاخْتلف فِي الْوَقْت الَّذِي تألفهم فِيهِ فَقيل: قبل إسْلَامهمْ، وَقيل: بعد وَاخْتلف مَتى قطع ذَلِك عَنْهُم؟ فَقيل: فِي خلَافَة الصّديق، وَقيل: فِي خلَافَة الْفَارُوق، وَكَانَ الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم نَحْو الْخمسين مِنْهُم أَبُو سُفْيَان وَابْنه مُعَاوِيَة وَحَكِيم بن حرَام وعباس بن مرداس.
قَالَ مُجاهِدٌ يَتَأَلَّفُهُمْ بِالْعَطِيَّةِ
هَذَا وَصله الْفرْيَابِيّ عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد.
٤٦٦٧ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخْبرنا سُفْيَانُ عَنْ أبِيهِ عنِ ابنِ أبِي نُعَمٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ بُعِثَ إلَى النبيِّ ﷺ بِشَيْءٍ فَقَسَمَهُ بَيْنَ أرْبَعَةٍ وَقَالَ أتألَفُهُمْ فَقَالَ رَجُلٌ مَا عَدَلْتَ فَقَالَ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِيءَ هاذا قَوْمٌ يَمْرَقُونَ مِنَ الدِّينِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَكثير ضد الْقَلِيل وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ يروي عَن أَبِيه سعيد بن مَسْرُوق وَهُوَ يروي عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي نعم، بِضَم النُّون وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة، وَمضى هَذَا الحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي كتاب الْأَنْبِيَاء فِي قصَّة هود بأتم مِنْهُ، وَأخرجه هُنَا مُخْتَصرا.
قَوْله: (بَين أَرْبَعَة) وهم الْأَقْرَع بن حَابِس وعيينة بن بدر وَزيد بن مهلهل وعلقمة ابْن علاثة بالثاء الْمُثَلَّثَة النجديون. قَوْله: (فَقَالَ رجل) هُوَ ذُو الْخوَيْصِرَة مصغر الخاصرة بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالصَّاد الْمُهْملَة. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (من ضئضيء) بِكَسْر الضادين المعجمتين وَسُكُون الْهمزَة وبالياء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ الأَصْل، وَالْمرَاد بِهِ النَّسْل. قَوْله: (يَمْرُقُونَ) أَي: يخرجُون.
١١ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ (التَّوْبَة: ٧٩)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله قَوْله: ﴿الَّذِي يَلْمِزُونَ﴾ الْآيَة. هَذِه الْآيَة فِي صِفَات الْمُنَافِقين لَا يسلم أحد من عيبهم ولمزهم فِي
стр. 5533
جَمِيع الْأَحْوَال حَتَّى وَلَا المتصدقون لَا يسلمُونَ مِنْهُم، إِن جَاءَ أحد مِنْهُم بِمَال جزيل قَالُوا: هَذَا مراء، وَإِن جَاءَ بِشَيْء يسير قَالُوا: إِن الله لَغَنِيّ عَن صَدَقَة هَذَا. قَوْله: (الْمُطوِّعين) أَصله المتطوعين فأبدلت التَّاء طاء وأدغمت الطَّاء فِي الطَّاء.
يَلْمِزُونَ يَعِيبُونِ
أَرَادَ أَن معنى اللمز الْعَيْب، وَلَيْسَ هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر.
وَجُهْدَهُمْ وَجَهْدَهُمْ طَاقَتَهُمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين لَا يَجدونَ إِلَّا جهدهمْ﴾ وَفسّر الْجهد بالطاقة، وَهُوَ بِضَم الْجِيم وبالفتح الْمَشَقَّة. وَعَن الشّعبِيّ بِالْعَكْسِ. وَقيل: هما لُغَتَانِ.
٤٦٦٩ - ح دَّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ قُلْتُ ل أبِي أُسَامَةَ أحَدَّثَكُمْ زَائِدَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ أبِي مَسْعُودِ الأنْصَارِيِّ قَالَ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَأْمُرُ بِالصَّدَقَةِ فَيَحْتالُ أحَدُنا
стр. 5534
حَتَّى يَجِيءَ بِالمُدِّ وَإنَّ لأحَدِهِمِ اليَوْمَ مِائَةَ ألْفٍ كَأنَّهُ يُعَرِّضُ بِنَفْسِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ مُطَابق لِمَعْنى الحَدِيث السَّابِق، والمطابق للمطابق للشَّيْء مُطَابق لذَلِك الشَّيْء. وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه، وَأَبُو إسامة حَمَّاد بن أُسَامَة، وزائدة من الزِّيَادَة ابْن قدامَة أَبُو الصَّلْت الْكُوفِي وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وشقيق هُوَ ابْن سَلمَة أَبُو وَائِل والْحَدِيث مضى فِي أَوَائِل الزَّكَاة.
قَوْله: (أحدثكُم) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار قَوْله: (فيحتال) أَي: يجْتَهد وَيُسمى. قَوْله: (مائَة ألف) بِالنّصب على أَنَّهَا اسْم. إِن، وَالْخَبَر قَوْله لأَحَدهم: (مقدما) (وَالْيَوْم) نصب على الظّرْف (وَمِائَة ألف) يحْتَمل الدَّرَاهِم وَيحْتَمل الدَّنَانِير وَيحْتَمل الأمداد من الْقَمْح أَو التَّمْر أَو نَحْوهمَا. قَوْله: (كَأَنَّهُ يعرض بِنَفسِهِ) من كَلَام شَقِيق الرَّاوِي، وَقد صرح بِهِ إِسْحَاق فِي مُسْنده، وَقَالَ فِي آخِره: قَالَ شَقِيق كَأَنَّهُ يعرض بِنَفسِهِ قلت: كَأَن أَبَا مَسْعُود عرض بِنَفسِهِ لما صَار من أَصْحَاب الْأَمْوَال الْكَثِيرَة.
١٢ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ الله لَهُمْ﴾ (التَّوْبَة: ٨٠)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اسْتغْفر لَهُم﴾ إِلَى آخر مَا ذكره فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَعند غَيره مُخْتَصرا، خبر الله تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة أَن هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقين اللمازين لَيْسُوا أَهلا للاستغفار، وَأَنه لَو استغفرلهم وَلَو سبعين مرّة فَإِن الله لَا يغْفر لَهُم، وَذكر السّبْعين بِالنَّصِّ عَلَيْهِ لحسم مَادَّة الاسْتِغْفَار لَهُم لِأَن الْعَرَب فِي أساليب كَلَامهم تذكر السّبْعين فِي مُبَالغَة كَلَامهم وَلَا يُرَاد بهَا التَّحْدِيد وَلَا أَن كَون مَا زالد عَلَيْهَا بِخِلَافِهَا.
٤٦٧٠ - ح دَّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ أبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ لَمَا تُوِفِّيَ عَبْدُ الله بنُ رَجاءَ ابْنُهُ عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الله إلَى رَسُولِ الله ﷺ فَسَأَلَهُ أنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفَّنُ فِيهِ أباهُ فَأعْطاهُ ثُمَّ سَأَلَهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ لِيُصَلِّيَ فَقَامَ عُمَرُ فَأخذَ بِثَوْبِ رسولِ الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله أتُصَلِي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاك رَبَكَ أنْ تصليَ عَليْهِ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : (إنَّما خَيَّرَنِي الله) فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ (التَّوْبَة: ٨٤) وَسأزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ قَالَ إنَّهُ منافِقٌ قالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ فَأَنْزَلَ الله: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أبَدا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبيد، بِضَم الْعين وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، واسْمه فِي الأَصْل عبد الله يكنى أَبَا مُحَمَّد الْكُوفِي، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب الْكَفَن فِي الْقَمِيص أخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
قَوْله: (لما توفّي عبد الله) يَعْنِي: ابْن أبي ابْن سلول، وَوَقع فِي أَكثر النّسخ اسْم أَبِيه أبي، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: إِنَّه مَاتَ بعد منصرفهم من تَبُوك وَذَلِكَ فِي ذِي الْقعدَة سنة تسع، وَكَانَت مُدَّة مَرضه عشْرين يَوْمًا وابتداؤها من لَيَال بقيت من شَوَّال، وَكَذَا ذكره الْحَاكِم فِي (الإكليل) وَقَالُوا: وَكَانَ قد تخلف هُوَ وَمن مَعَه عَن غَزْوَة تَبُوك وَفِيهِمْ نزلت ﴿لَو خَرجُوا فِيكُم مَا زادوكم إلَاّ خبالاً﴾ (التَّوْبَة: ٤٧) قيل: هَذَا يدْفع قَول ابْن التِّين، إِن هَذِه الْقِصَّة كَانَت فِي أول الْإِسْلَام قبل تَقْرِير الْأَحْكَام. قَوْله: (فَأعْطَاهُ) . أَي: أعْطى النَّبِي ﷺ ، قَمِيصه عبد الله. قَالَ الْكرْمَانِي: لم أعطي قَمِيصه الْمُنَافِق؟ ثمَّ أجَاب بقوله: أعْطى لِابْنِهِ وَمَا أعْطى لأجل أَبِيه عبد الله بن أبي. وَقيل: كَانَ ذَلِك مُكَافَأَة لَهُ على مَا أعْطى يَوْم بدر قَمِيصًا للْعَبَّاس لِئَلَّا يكون لِلْمُنَافِقِ منَّة عَلَيْهِم. قَوْله: (ثمَّ سَأَلَهُ أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ) إِنَّمَا سَأَلَهُ بِنَاء على أَنه
стр. 5535
حمل أَمر أَبِيه على ظَاهر الْإِسْلَام ولدفع الْعَار عَنهُ وَعَن عشيرته فأظهر الرَّغْبَة فِي صَلَاة النَّبِي ﷺ ، وَوَقعت إجَابَته إِلَى سُؤَاله على حسب مَا ظهر من حَاله إِلَى أَن كشف الله الغطاء عَن ذَلِك. قَوْله: (فَقَامَ رَسُول الله ﷺ ليُصَلِّي) عَلَيْهِ قَوْله: (أَتُصَلِّي عَلَيْهِ) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار قَوْله: (وَقد) الْوَاو وَفِيه للْحَال. قَوْله: (نهاك رَبك أَن تصلي عَلَيْهِ) قَالَ الْكرْمَانِي: أَيْن نَهَاهُ ونزول قَوْله: ﴿وَلَا تصل على أحد مِنْهُم﴾ (التَّوْبَة: ٨٤) بعد ذَلِك؟ فَأجَاب بقوله: لَعَلَّ عمر اسْتَفَادَ النَّهْي من قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين﴾ (التَّوْبَة: ١١٣) أَو من قَوْله: ﴿أَن تستغفر لَهُم﴾ فَإِنَّهُ إِذا لم يكن للاستغفار فَائِدَة الْمَغْفِرَة يكون عَبَثا فَيكون مَنْهِيّا عَنهُ وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَعَلَّ ذَلِك وَقع فِي خاطر عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَيكون من قبيل الإلهام. قَوْله: (إِنَّمَا خيرني الله) أَي: بَين الاسْتِغْفَار وَتَركه. قَوْله: (وسأزيد) حمل رَسُول الله ﷺ عدد السّبْعين على حَقِيقَته، وَحمله عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على الْمُبَالغَة. وَقَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ حجَّة لمن أرى الحكم بِالْمَفْهُومِ لِأَنَّهُ جعل السّبْعين بِمَنْزِلَة الشَّرْط فَإِذا جَاوز هَذَا الْعدَد كَانَ الحكم بِخِلَافِهِ، وَكَانَ رَأْي عمر التصلب فِي الدّين والشدة على الْمُنَافِقين، وَقصد، ﵊، الشَّفَقَة على من تعلق بِطرف من الدّين والتألف لِابْنِهِ ولقومه، فَاسْتعْمل أحسن الْأَمريْنِ وأفضلهما. قَوْله: (إِنَّه مُنَافِق) إِنَّمَا جزم بذلك جَريا على مَا كَانَ اطلع عَلَيْهِ من أَحْوَاله وَلم يَأْخُذ النَّبِي ﷺ ، بقوله: وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِجْرَاء لَهُ على ظَاهر حكم الْإِسْلَام، وَذهب بعض أهل الحَدِيث إِلَى تَصْحِيح إِسْلَام عبد الله بن أبي بِصَلَاة النَّبِي ﷺ ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيح لمُخَالفَته الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة المصرحة بِمَا يُنَافِي فِي ذَلِك، وَقد أخرج الطَّبَرِيّ من طَرِيق سعيد عَن قَتَادَة فِي هَذِه الْقِصَّة قَالَ: فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا وَلَا تقم على قَبره﴾ قَالَ: فَذكر لنا النَّبِي ﷺ قَالَ: وَمَا يُغني عَنهُ قَمِيصِي من الله وَإِنِّي لأرجو أَن يسلم بذلك ألف من قومه، قَوْله: (فَأنْزل الله تَعَالَى) إِلَى آخِره: زَاد مُسَدّد فِي حَدِيثه عَن يحيى الْقطَّان عَن عبيد الله بن عمر فِي آخِره: فَترك الصَّلَاة عَلَيْهِم، وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: فصلى عَلَيْهِ ثمَّ انْصَرف فَلم يمْكث إلَاّ يَسِيرا حَتَّى نزلت، وَزَاد ابْن إِسْحَاق فِي (الْمَغَازِي) فِي حَدِيث الْبَاب: فَمَا صلى رَسُول الله ﷺ على مُنَافِق بعده حَتَّى قَبضه الله تَعَالَى.
٤٦٧١ - ح دَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيلٍ وَقَالَ غَيْرُهُ حدَّثني اللَّيْثُ حدَّثني عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ أخبرَنِي عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ عنْ عُمَرَ بنِ الخَطَابِ ﵁ أنَّهُ قَالَ لمَّا مَاتَ عَبْدُ الله بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُول دُعِيَ لهُ رَسُولُ الله ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ الله ﷺ وَثَبْتُ إلَيْهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ الله أَتُصَلِّي عَلَى ابنِ أُبَيٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا كَذَا قَالَ أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ الله ﷺ وَقَالَ أخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ فَلمَّا أكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ إنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ لَوْ أعْلَمَ أنِّي إنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا قَالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَمْكُثْ إلَاّ يَسِيرا حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ ﴿وَلا تُصلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أبَدا﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ قَالَ فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ الله ﷺ وَالله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ.
أخرج الحَدِيث الْمَذْكُور من وَجه آخر عَن ابْن عَبَّاس عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمضى الحَدِيث فِي الْجَنَائِز. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير أَيْضا وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الْجَنَائِز.
قَوْله: (وَقَالَ غَيره) ، الْغَيْر هُوَ عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث. قَوْله: (سلول) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَضم اللَّام وَسُكُون الْوَاو بعْدهَا الْأُم اسْم أم عبد الله، وَهِي خزاعية، وَعبد الله من الْخَزْرَج أحد قَبيلَة الْأَنْصَار. قَوْله: (ابْن سلول) ، بِالرَّفْع لِأَنَّهُ صفة عبد الله لَا صفة أبي. قَوْله: (فَتَبَسَّمَ رَسُول الله ﷺ كَانَ ذَلِك تَعَجبا من صلابة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وبغضه لِلْمُنَافِقين قيل: لم يكن ﷺ ، يتبسم عِنْد شُهُود الْجَنَائِز
стр. 5536
وَأجِيب بِأَنَّهُ كَانَ على وَجه الْغَلَبَة. قَوْله: (يغْفر لَهُ) بجزم الرَّاء لِأَنَّهُ جَوَاب الشَّرْط وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فغفر لَهُ، بِالْفَاءِ على صِيغَة الْمَاضِي. قَوْله: (بعد) بِضَم الدَّال لِأَنَّهُ قطع عَن الْإِضَافَة فَبنى على الضَّم. قَوْله: (من جرأتي) بِضَم الْجِيم أَي: من إقدامي عَلَيْهِ. (وَالله وَرَسُوله أعلم) قيل: الظَّاهِر أَنه من عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَيحْتَمل أَن يكون من قَول ابْن عَبَّاس.
١٣ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أبَدا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (التَّوْبَة: ٨٤)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تصل﴾ إِلَى آخِره، وَظَاهر الْآيَة أَنَّهَا نزلت فِي جَمِيع الْمُنَافِقين لَكِن ورد مَا يدل على أَنَّهَا نزلت فِي عدد معِين مِنْهُم. قَالَ الْوَاقِدِيّ: أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ: قَالَ: قَالَ حُذَيْفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ لي رَسُول الله ﷺ إِنِّي مسر إِلَيْك سرا فَلَا تذكره لأحد، إِنِّي نهيت أَن أُصَلِّي على فلَان وَفُلَان، رَهْط ذَوي عدد من الْمُنَافِقين، قَالَ: فَلذَلِك كَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِذا أَرَادَ أَن يُصَلِّي على أحد استتبع حُذَيْفَة فَإِن مَشى مَشى مَعَه، وَإِلَّا لم يصل عَلَيْهِ، وَمن طَرِيق آخر عَن جُبَير ابْن مطعم، إِنَّهُم اثْنَا عشر رجلا.
٤٦٧٢ - ح دَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ حدَّثنا أنَسُ بنُ عِياض عَن عُبَيْدِ الله عَنْ نافعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ أنَّهُ قَالَ لَمَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الله بنُ أُبَيٍّ جاءَ ابْنُهُ عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الله إلَى رَسُولِ الله ﷺ فَأعْطاهُ قَمِيصَهُ وَأَمَرَهُ أنْ يُكَفِّنَهُ فِيهِ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي عَلَيْهِ فَأَخَذَ عُمَرُ بنُ الخَطابِ بِثَوْبِهِ فَقَالَ تُصَلِّي عَلَيْهِ وَهُوَ مُنافِقٌ وَقَدْ نَهَاكَ الله أنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُمْ قَالَ إنّما خَيَّرَنِي الله أوْ أُخبرَني الله فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةَ فَلَنْ يَغْفِرَ الله لَهُمْ﴾ (التَّوْبَة: ٨٠) فَقَالَ سَأُزِيدُ عَلَى سَبْعِينَ قَالَ فَصَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ وَصَلَيْنَا مَعَهُ ثُمَّ أنْزَلَ الله عَلَيْهِ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أبَدا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إنَّهُمْ كَفَرُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ .
هَذَا وَجه آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن ابْن عمر فِي الْبَاب الَّذِي قبله. قَوْله: (إِنَّمَا خيرني الله أَخْبرنِي) ، كَذَا وَقع بِالشَّكِّ وَالْأول من التَّخْيِير. وَالثَّانِي من الْإِخْبَار، وَوَقع فِي أَكثر الرِّوَايَات: خيرني: يَعْنِي بَين الاسْتِغْفَار وَتَركه، وَكَذَا وَقع بِغَيْر شكّ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ أخرجه من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن أبي ضَمرَة وَهُوَ أنس بن عِيَاض بِلَفْظ إِنَّمَا خيرني الله من التَّخْيِير فَحسب، وَقد اسْتشْكل فهم التَّخْيِير من الْآيَة حَتَّى إِن جمَاعَة من الأكابر طعنوا فِي صِحَة هَذَا الحَدِيث مَعَ كَثْرَة طرقه، مِنْهُم: القَاضِي أَبُو بكر فَإِنَّهُ قَالَ لَا يجوز أَن يقبل هَذَا وَلَا يَصح أَن رَسُول الله ﷺ قَالَه: وَمِنْهُم: أَبُو بكر الباقلاني فَإِنَّهُ قَالَ فِي (التَّقْرِيب) هَذَا الحَدِيث من أَخْبَار الْآحَاد الَّتِي لَا يعلم ثُبُوتهَا وَمِنْهُم: إِمَام الْحَرَمَيْنِ. قَالَ فِي (مُخْتَصره) هَذَا الحَدِيث غير مخرج فِي الصَّحِيح، وَقَالَ فِي (الْبُرْهَان) لَا يُصَحِّحهُ أهل الحَدِيث. وَمِنْهُم: الْغَزالِيّ، قَالَ فِي (الْمُسْتَصْفى) الْأَظْهر أَن هَذَا الحَدِيث غير صَحِيح وَمِنْهُم: الدَّاودِيّ، قَالَ: هَذَا الحَدِيث غير مَحْفُوظ، وَأجِيب بِأَنَّهُم ظنُّوا أَن قَوْله: (ذَلِك بِأَنَّهُم كفرُوا) ، الْآيَة نزل مَعَ قَوْله: ﴿اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم﴾ وَلم يكن نُزُوله إلاّ متراخيا عَن صدر الْآيَة فَحِينَئِذٍ يرْتَفع الْإِشْكَال وَقد قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ، مَا فِيهِ رفع للإشكال الْمَذْكُور، وَمُلَخَّص سُؤَاله أَنه قد تَلا قَوْله: (ذَلِك بِأَنَّهُم كفرُوا) قَوْله: (اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم) فَبين الصَّارِف عَن الْمَغْفِرَة لَهُم، وَمُلَخَّص جَوَابه أَنه مثل قَول إِبْرَاهِيم ﵇: ﴿وَمن عَصَانِي فَإنَّك غَفُور رَحِيم﴾ (إِبْرَاهِيم: ٣٦) وَذَلِكَ أَنه تخيل بِمَا قَالَ إِظْهَار الْغَايَة رَحمته ورأفته على من بعث إِلَيْهِ، وَقد رد كَلَام الزَّمَخْشَرِيّ هَذَا من لَا يدانيه وَلَا يجاريه فِي مثل هَذَا الْبَاب، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يجوز نِسْبَة مَا قَالَه إِلَى الرَّسُول لِأَن الله أخبر أَنه لَا يغْفر للْكفَّار وَإِذا كَانَ لَا يغْفر لَهُم فَطلب الْمَغْفِرَة لَهُم مُسْتَحِيل. وَهَذَا لَا يَقع من النَّبِي ﷺ ، ورد عَلَيْهِ بِأَن النَّهْي عَن الاسْتِغْفَار لمن مَاتَ مُشْركًا
стр. 5537
لَا يسْتَلْزم النَّهْي عَن الاسْتِغْفَار لمن مَاتَ مظْهرا لِلْإِسْلَامِ. قَوْله: (سأزيد على السّبْعين) ، لاستمالة قُلُوب عشيرته لَا أَنه أَرَادَ أَنه إِذا زَاد على السّبْعين يغْفر لَهُ، وَيُؤَيّد هَذَا تردده فِي الحَدِيث الآخر حَيْثُ قَالَ: لَو أعلم أَنِّي إِن زِدْت على السّبْعين يغْفر لَهُ لزدت، وَقيل: لما قَالَ سأزيد نزلت ﴿سَوَاء عَلَيْهِم استغفرت لَهُم﴾ (المُنَافِقُونَ: ٦) الْآيَة فَتَركه.
١٤ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِالله لَكُمْ إذَا انْقَلَبْتُم إلَيْهِمْ لِتُعرِضُوا عَنْهُمْ فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ إنّهُمْ رِجْسٌ وَمأوَاهُم جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانَوا يَكْسِبُونَ﴾ (التَّوْبَة: ٩٥)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿سيحلفون بِاللَّه﴾ الْآيَة، وَسقط فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ لفظ: لكم، وَالصَّوَاب إِثْبَاتهَا، وَأخْبر الله عَن الْمُنَافِقين بِأَنَّهُم إِذا رجعُوا إِلَى الْمَدِينَة يَعْتَذِرُونَ ويحلفون بِاللَّه لتعرضوا عَنْهُم فَلَا تؤنبوهم فأعرضوا عَنْهُم احتقارا لَهُم إِنَّهُم رِجْس، أَي: جبناء نجس بواطنهم واعتقاداتهم ومأواهم فِي آخِره جَهَنَّم جَزَاء بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ من الآثام والخطايا.
٤٦٧٣ - ح دَّثنا يَحْيَى حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شهابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَبْدِ الله أنَّ عَبْدَ الله بنَ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ كَعْبَ بنَ مَالِكٍ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ تَبُوكَ وَالله مَا أنْعَمَ الله عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ بَعْدَ إذْ هَدَانِي أعْظَمَ مِنْ صِدْقِي رَسُولَ الله ﷺ أنْ لَا أكُونَ كَذَبْتُهُ فَأهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أُنْزِلَ الوَحْيُ ﴿سَيَحْلِفُونَ بِالله لَكُمْ إذَا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿الفَاسِقِينَ﴾ .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَيحيى هُوَ ابْن عبد الله بن بكير المَخْزُومِي الْمصْرِيّ. والْحَدِيث مضى مطولا فِي غَزْوَة تَبُوك بِهَذَا الْإِسْنَاد وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (مَا أنعم الله عَليّ من نعْمَة) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين. وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده على عبد نعْمَة، وَالْأول هُوَ الصَّوَاب. قَوْله: (أَن لَا أكون) قَالَ عِيَاض: كَذَا وَقع فِي نسخ البُخَارِيّ وَمُسلم، وَالْمعْنَى: أَن أكون كَذبته، وَلَا زَائِدَة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿مَا مَنعك أَن لَا تسْجد﴾ أَي: أَن تسْجد. قَوْله: ﴿أَن لَا أكون﴾ مُسْتَقْبل (وكذبته) مَاض وَبَينهمَا مُنَافَاة ظَاهرا، وَلَكِن الْمُسْتَقْبل فِي معنى الِاسْتِمْرَار المتناول للماضي فَلَا مُنَافَاة بَينهمَا. قَوْله: (إِلَى الْفَاسِقين) تَفْسِير قَوْله: (إِلَيْهِم) .
بَابُ قَوْلِهِ: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُم لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإنْ تَرَضْوَا عَنْهُمْ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿الفاسِقِينَ﴾ (التَّوْبَة: ٩٦)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يحلفُونَ لكم﴾ إِلَى آخِره، هَكَذَا ثَبت هَذَا الْبَاب لأبي ذَر وَحده بِغَيْر حَدِيث، وَلَيْسَ بمذكور أصلا فِي رِوَايَة البَاقِينَ نزلت هَذِه فِي الْمُنَافِقين يحلفُونَ لكم لأجل أَن ترضوا عَنْهُم فَإِن ترضوا عَنْهُم بحلفانهم فَإِن الله لَا يرضى عَن الْقَوْم الْفَاسِقين، أَي: الخارجين عَن طَاعَته وَطَاعَة رَسُول الله ﷺ .
١٥ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحا وَآخَرَ سَيِّئا عَسَى الله أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (التَّوْبَة: ١٠٢)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَآخَرُونَ﴾ الْآيَة وسيقت الْآيَة كلهَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ الْآيَة. وَلما أخبر الله تَعَالَى عَن حَال الْمُنَافِقين المتخلفين عَن الْغُزَاة رَغْبَة عَنْهَا وتكذيبا. شرع فِي بَيَان حَال الَّذين تَأَخَّرُوا عَن الْجِهَاد كسلاً وميلاً إِلَى الرَّاحَة مَعَ إِيمَانهم وتصديقهم بِالْحَقِّ، فَقَالَ: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ أَي: أقرُّوا بهَا واعترفوا فِيمَا بَينهم وَبَين رَبهم وَلَهُم أَعمال أخر صَالِحَة خلطوا هَذِه بِتِلْكَ فَهَؤُلَاءِ تَحت عَفْو الله وغفرانه. فَهَذِهِ الْآيَة وَإِن كَانَت نزلت فِي إناس مُعينين إِلَّا أَنَّهَا عَامَّة فِي كل المذنبين الْخَطَّائِينَ المخلطين المتلوثين وَقَالَ مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا نزلت فِي أبي لبَابَة وَجَمَاعَة من أَصْحَابه تخلفوا عَن غَزْوَة تَبُوك. فَقَالَ بَعضهم: أَبُو لبَابَة وَخَمْسَة مَعَه، وَقيل: وَسَبْعَة مَعَه، وَقيل: وَتِسْعَة مَعَه.)
стр. 5538
٤٦٧٤ - ح دَّثنا مُؤَمَّلٌ هُوَ ابنُ هِشامٍ حدَّثنا إسْماعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا عَوْفٌ حدَّثنا أبُو رَجَاءٍ حدَّثنا سَمُرَةُ بنُ جُنْدَبٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ لَنَا أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيان فَابْتَعَثَانِي فَانْتَهَيَا إلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبَ وَلَبِنِ فِضَّةٍ فَتَلقَّانا رِجالٌ شطر مِنْ خَلْقِهِمْ كأحْسَنِ مَا أنْتَ رَاءٍ وَشَطْرٌ كأقْبَحِ مَا أنْتَ رَاءٍ قَالا لَهُمْ اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذالِكَ النَّهْرِ فَوَقَعُوا فِيهِ ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذالِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ فَصَارُوا فِي أحْسَنِ صُورَةٍ قَالا لِي هاذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ وَهَذا مَنْزِلُكَ قَالا أمَّا القَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ فَإنَّهُمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحا وَآخَرَ صَيِّتا تَجَاوَزَ الله عَنْهُمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ﴿فَإِنَّهُم خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا﴾ ومؤمل بِضَم الْمِيم وَفتح الْهمزَة وَكسر الْمِيم، وَفتحهَا، وَإِسْمَاعِيل ابْن إِبْرَاهِيم هُوَ إِسْمَاعِيل بن علية، وعَوْف هُوَ الْأَعرَابِي وَأَبُو رَجَاء ضد الْيَأْس. عمرَان العطاردي. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ مقطعا فِي الصَّلَاة وَفِي الْجَنَائِز وَفِي الْبيُوع وَفِي الْجِهَاد فِي بَدْء الْخلق وَفِي صَلَاة اللَّيْل وَفِي الْأَدَب وَفِي الصَّلَاة، وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء وَفِي التَّفْسِير وَفِي التَّعْبِير عَن مُؤَمل بن هِشَام، وَقد ذكرنَا فِي الْمَوَاضِع الْمَاضِيَة مَا فِيهِ الْكِفَايَة.
قَوْله: (آتيان) ، أَي: ملكان. قَوْله: (فابتعثاني) أَي: من النّوم. قَوْله: (شطر) أَي: نصف. قَوْله: (أما الْقَوْم) قسيمه هُوَ قَوْله: هَذَا مَنْزِلك. قَوْله: (الَّذين) ويروى: الَّذِي، بِالْإِفْرَادِ ويؤول بِمَا يؤول بِهِ. قَوْله: (وخضتم كَالَّذي خَاضُوا) (التَّوْبَة: ٦٩) قَوْله: (كَانُوا شطر مِنْهُم حسن) ، الْقيَاس كَانَ شطر مِنْهُم حسنا. وَلَكِن كَانَ تَامَّة. وَشطر مُبْتَدأ: وَحسن، خَبره وَالْجُمْلَة حَال بِدُونِ الْوَاو وَهُوَ فصيح كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو﴾ .
١٦ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿مَا كَانَ لِلنبيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ (الْبَقَرَة: ٣٦)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ للنَّبِي﴾ إِلَى آخِره قَالَ قَتَادَة: فِي هَذِه الْآيَة ذكر لنا أَن رجَالًا من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ قَالُوا: يَا نَبِي الله! إِن من آبَائِنَا من كَانَ يحسن الْجوَار ويصل الْأَرْحَام ويفك العاني ويوفي بالذمم، أَفلا تستغفر لَهُم؟ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : (بلَى. وَالله إِنِّي لأَسْتَغْفِرَن لأبي كَمَا اسْتغْفر إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ) فَأنْزل الله: ﴿مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا﴾ حَتَّى بلغ ﴿الْجَحِيم﴾ . وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس، فِي هَذِه الْآيَة أَن رَسُول الله ﷺ أَرَادَ أَن يسْتَغْفر لأمه فَنَهَاهُ الله عَن ذَلِك، فَقَالَ إِن إِبْرَاهِيم خَلِيل الله اسْتغْفر لِأَبِيهِ فَأنْزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ إِلَّا عَن موعدة وعدها إِيَّاه﴾ (التَّوْبَة: ١١٤) وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي هَذِه الْآيَة كَانُوا يَسْتَغْفِرُونَ لَهُم حَتَّى نزلت هَذِه الْآيَة فَلَمَّا أنزلت أَمْسكُوا عَن الاسْتِغْفَار لأمواتهم وَلم ينهوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للأحياء حَتَّى يموتوا ثمَّ أنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ﴾ الْآيَة.
٤٦٧٥ - ح دَّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَاقِ أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عَنْ أبِيهِ قَالَ لَمَّا حَضَرَتْ أبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ النبيُّ ﷺ وَعِنْدَهُ أبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ الله بنُ أبِي جَهْلٍ وَعَبْدُ الله بنُ أبِي أُمَيَّةَ يَا أبَا طِالِبِ أتَرْغَبُ عَنْ مِلَةِ عَبْدِ الْمُطَلِبِ فَقَال النَّبِي ﷺ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ انْهَ عَنْكَ فَنَزَلَتْ: ﴿مَا كَانَ لِلنبيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولى قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّهُمْ أصْحَابُ الجَحِيمِ﴾ .
стр. 5539
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب إِذا قَالَ الْمُشرك عِنْد الْمَوْت لَا إلاه إلَاّ الله، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْحَاق عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه عَن صَالح عَن ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب عَن أَبِيه إِلَى آخِره، بأتم مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أَبِيه الْمسيب بِفَتْح الْبَاء وَكسرهَا، وَقَالَ النَّوَوِيّ: لم يرو عَن الْمسيب إلَاّ ابْنه، وَفِيه رد على الْحَاكِم أبي عبد الله فِيمَا قَالَه: إِن البُخَارِيّ لم يخرج عَن أحد مِمَّن لم يرو عَنهُ إلَاّ وَاحِد، وَلَعَلَّه أَرَادَ من غير الصَّحَابَة. وَأَبُو طَالب اسْمه: عبد منَاف، وَأَبُو جهل عَمْرو بن هِشَام المَخْزُومِي، وَعبد الله بن أبي أُميَّة المَخْزُومِي أسلم عَام الْفَتْح. قَوْله: (أَي عَم) ، يَعْنِي: يَا عمي، حذفت يَاء الْإِضَافَة للتَّخْفِيف. قَوْله: (أُحَاج) ، جَوَاب لِلْأَمْرِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَقد سَمِعت أَن الله أحيى عَمه أَبَا طَالب فَآمن من بِهِ، وروى السُّهيْلي فِي (الرَّوْض) بِسَنَدِهِ أَن الله أحيى أم النَّبِي ﷺ وأباه فَآمَنا بِهِ.
١٧ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النبيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ العُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَانَ تَزيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التَّوْبَة: ١١٧)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله: ﴿لقد تَابَ﴾ الْآيَة. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، هَكَذَا سَاق إِلَى قَوْله: ﴿اتَّبعُوهُ﴾ الْآيَة. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فِي قَوْله: ﴿تَابَ الله على النَّبِي﴾ كَقَوْلِه: ﴿وليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر﴾ (الْفَتْح: ٢) ﴿فَاسْتَغْفر لذنبك﴾ (غَافِر: ٢٥٥) وَهُوَ بعث للْمُؤْمِنين على التَّوْبَة وَأَنه مَا من مُؤمن إِلَّا وَهُوَ يحْتَاج إِلَى التَّوْبَة وَالِاسْتِغْفَار، حَتَّى النَّبِي والمهاجرين وَالْأَنْصَار، وَقيل: تَابَ الله عَن إِذْنه لِلْمُنَافِقين فِي التَّخَلُّف عَنهُ. وَقيل: معنى التَّوْبَة على النَّبِي ﷺ أَنه مِفْتَاح كَلَام لِأَنَّهُ لما كَانَ سَبَب تَوْبَة التائبين ذكر مَعَهم كَقَوْلِه: ﴿فَإِن لله خَمْسَة وَلِلرَّسُولِ﴾ (مُحَمَّد: ١٩) قَوْله: (فِي سَاعَة الْعسرَة) أَي: الشدَّة وضيق الْحَال. قَالَ جَابر: عسرة الظّهْر وعسرة الزَّاد وعسرة المَال، وَقَالَ مُجَاهِد وَغَيره: نزلت هَذِه الْآيَة فِي غَزْو تَبُوك وَذَلِكَ أَنهم خَرجُوا إِلَيْهَا فِي شدَّة الْحر فِي سنة مجدية وعسر من الزَّاد وَالْمَاء، وَقَالَ: قَتَادَة: ذكر لنا أَن رجلَيْنِ كَانَا يشقان التَّمْر بَينهمَا وَكَانَ النَّفر يتناولون الثَّمَرَة بَينهم يمصها هَذَا ثمَّ يشرب عَلَيْهَا ثمَّ يمصها هَذَا ثمَّ يشرب عَلَيْهَا فَتَابَ الله عَلَيْهِم وأقفلهم من غزوتهم. قَوْله: (من بَعْدَمَا كَاد تزِيغ) ، أَي: تميل (قُلُوب فريق مِنْهُم) عَن الْحق ونشك فِي دين رَسُول الله ﷺ بِالَّذِي نالهم من الْمَشَقَّة والشدة. قَوْله: (ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم) ، أَي: رزقهم الله الْإِنَابَة إِلَيْهِ وَالرُّجُوع إِلَى الثَّبَات على دينه إِنَّه أَي: إِن الله (بهم رؤوف رَحِيم) .
٤٦٧٦ - ح دَّثنا أحْمَدُ بنُ صَالُحٍ قَالَ حدَّثني ابنُ وَهْبٍ قَالَ أخْبَرَنِي يُونُسُ قَالَ أحْمَدُ وَحدَّثنا عَنْبَسَةُ حدَّثنا يُونُسُ عَنِ ابنِ شهابٍ قَالَ أخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ كَعْبٍ قَالَ أخْبَرَنِي عَبْدُ الله بنُ كَعْبٍ وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ قَالَ سَمِعْتُ كَعْبَ بنَ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا قَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إلَى الله وَرَسُولِهِ فَقَالَ النبيُّ ﷺ : (أمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم) وَأحمد بن صَالح أَبُو جَعْفَر الْمصْرِيّ روى عَن عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ وَعَن عَنْبَسَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالسين الْمُهْملَة ابْن خَالِد بن أخي يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي يروي عَن عَمه يُونُس عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن كَعْب بن مَالك الْأنْصَارِيّ عَن أَبِيه عبد الله بن كَعْب بن مَالك الْأنْصَارِيّ، سمع أَبَا كَعْب بن مَالك الْأنْصَارِيّ، وَهَذَا طرف من حَدِيث طَوِيل فِي قصَّة كَعْب بن مَالك مضى فِي كتاب الْمَغَازِي، وَهَذَا الْقدر الَّذِي اختصر عَلَيْهِ فِي كتاب الْوَصَايَا. قَوْله: (وَكَانَ قَائِد كَعْب) ، أَي: كَانَ عبد الله قَائِد أَبِيه من بَين أبنائه حِين عمي كَعْب وأبناؤه ثَلَاثَة، عبد الله وَعبد الرَّحْمَن وَعبيد الله، وَكلهمْ رووا عَن أَبِيهِم كَعْب بن مَالك.
стр. 5540
١٨ - (بَابٌ: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ وَظَنُوا أنْ لَا مَلْجَأ مِنَ الله إلَاّ إلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ الله هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمِ﴾ (التَّوْبَة: ١١٨)
لم يذكر هُنَا لفط بَاب، وَالْآيَة الْمَذْكُورَة بِتَمَامِهَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر إِلَى قَوْله: (بِمَا رَحبَتْ) الْآيَة. قَوْله: (وعَلى الثَّلَاثَة) ، أَي: وَتَابَ الله على الثَّلَاثَة، وهم كَعْب بن مَالك ومرارة بن الرّبيع وهلال بن أُميَّة. قَوْله: (خلفوا) أَي: عَن الْغَزْو، وقرىء: خلفوا، بِفَتْح الْخَاء وَاللَّام المخففة. أَي: خلفوا المغازين بِالْمَدِينَةِ وفسدوا من الخالفة وخلوف الْفَم، وَقَرَأَ جَعْفَر الصَّادِق: خالفوا وَقَرَأَ الْأَعْمَش: وعَلى الثَّلَاثَة الْمُخلفين. قَوْله: (بِمَا رَحبَتْ) أَي: برحبها أَي: بسعتها وَهُوَ مثل للحيرة فِي أَمرهم كَأَنَّهُمْ لَا يَجدونَ فِيهَا مَكَانا يقرونَ فِيهَا قلقا وجزعا مِمَّا هم فِيهِ. قَوْله: (أنفسهم) أَي: قُلُوبهم لَا يَسعهَا أنس وَلَا سرُور. قَوْله: (وظنوا) أَي: علمُوا أَن لَا ملْجأ من سخط الله إلَاّ إِلَى الله بالاستغفار قَوْله: (ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم) أَي: ثمَّ رَجَعَ عَلَيْهِم بِالْقبُولِ وَالرَّحْمَة كرة بعد أُخْرَى. (ليتوبوا) أَي: ليستقيموا على تَوْبَتهمْ ويثبتوا وليتوبوا أَيْضا فِي الْمُسْتَقْبل إِن حصلت مِنْهُم خَطِيئَة.
٤٦٧٧ - ح دَّثني مُحَمَّدٌ حدَّثنا أحْمَدُ بنُ أبِي شُعَيْبٍ حدَّثنا مُوسَى بنُ أعْيَنَ حدَّثنا إسْحَاقُ ابنُ رَاشِدٍ أنَّ الزُّهْرِي حدَّثَهُ قَالَ أخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَبْدِ الله بنِ كَعْبٍ بنِ مَالِكٍ عَنْ أبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أبِي كَعْبَ بنَ مَالِكٍ وَهُوَ أحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ أنَّهُ لَمْ يَتَخَلَفْ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ غَزْوَةِ العُسْرَةِ وَغَزْوَةِ بَدْرٍ قَالَ فَأجْمَعْتُ صِدْقَ رَسِولِ الله ﷺ ضُحًى وَكَانَ قَلَمَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ سَافَرَهُ إلَاّ ضُحًى وَكَانَ يَبْدَأُ بِالمَسْجِدِ فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ وَنَهَى النبيُّ ﷺ عَنْ كَلَامِي وَكَلامِ صَاحِبَيَّ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ كَلامِ أحَدٍ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ غَيْرنا فَاجْتَنَبَ النَّاسُ كَلامَنَا فَلَبْثْتُ كَذَلِكَ حَتَّى طالَ عَلَيَّ الأمْرُ وَمَا مِنْ شَيْءٍ أهَمُّ إلَيَّ مِنْ أنْ أمُوتَ فَلا يُصَلِّي عَلَيَّ النَّبِي ﷺ أوْ يَمُوتَ رَسُولُ الله ﷺ فَأكُونَ مِنَ النَّاسِ بِتِلْكَ المَنْزِلَةِ فَلا يُكَلِّمُنِي أحَدٌ مِنْهُمْ وَلا يُصَلِّي عَلَيَّ فَأنْزَلَ الله تَوْبَتَنَا عَلَى نِبِيِّهِ ﷺ حِينَ بَقِيَ الثُّلُثُ الآخِرُ مِنَ اللَّيْلِ وَرَسُولِ الله ﷺ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةِ وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَةٍ فِي شأنِي مَعْنِيَّةً فِي أمْرِي فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ يَا أُمُّ سَلَمَةَ تِيبَ عَلَى كَعْبٍ قَالَتْ أفَلا أُرْسِلُ إلَيْهِ فَأُبَشِّرُهُ قَالَ إذَا يَحْطِمَكُمُ النَّاسُ فَيَمْنَعُونَكُمُ النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَةِ حَتَّى إذَا صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ صَلاةَ الفَجْرِ آذَنَ بِتَوْبَةِ الله عَلَيْنَا وَكَانَ إذَا اسْتَبْشَرَ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ القَمَرِ وَكُنَّا أيُّها الثَّلاثَةُ الَّذِينَ خُلِفُوا عَنِ الأمْرِ الَّذِي قُبِلَ مِنْ هاؤُلاءِ الَّذِينَ اعْتَذَرُوا حِينَ أنْزَلَ الله لَنَا التَّوْبَةَ فَلمَّا ذُكِرَ الَّذِينَ كَذَبُوا رَسُولَ الله ﷺ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ وَاعْتَذَرُوا بِالْبَاطِلِ ذُكِرُوا بِشَرّ مَا ذُكِرَ بِهِ أحَدٌ قَالَ الله سُبْحَانَهُ: ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكُمْ إذَا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ قُلّ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأنا الله مِنْ أخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولِهِ﴾ (التَّوْبَة: ٩٤) الآيَةَ.
стр. 5541
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد شيخ البُخَارِيّ مُخْتَلف فِيهِ، فَقَالَ الْحَاكِم: هُوَ مُحَمَّد بن النَّضر النَّيْسَابُورِي وَقد مر فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْفَال، وَقَالَ مرّة: هُوَ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم البوشنجي، وَقَالَ أَبُو عَليّ الغساني: هُوَ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي، وَأحمد ابْن أبي شُعَيْب هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن مُسلم وَأَبُو شُعَيْب كنية مُسلم لَا كنية عبد الله وكنية أَحْمد أَبُو الْحسن، وَقد وَقع فِي رِوَايَة أبي عَليّ بن السكن، حَدثنِي أَحْمد بن أبي شُعَيْب، بِلَا ذكر مُحَمَّد، وَالْأول هُوَ قَول الْأَكْثَرين، وَإِن كَانَ أَحْمد بن أبي شُعَيْب من مشايخه، وَهُوَ ثِقَة بِاتِّفَاق، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع، ومُوسَى بن أعين، بِفَتْح الْهمزَة وَالْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة بَينهمَا الْجَزرِي، بِالْجِيم وَالزَّاي وَالرَّاء، وَقد مر فِي الصَّوْم، وَإِسْحَاق بن رَاشد الْجَزرِي أَيْضا وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم.
وَهَذَا الحَدِيث قِطْعَة من قصَّة كَعْب بن مَالك. وَقد تقدّمت بكمالها فِي الْمَغَازِي فِي غَزْوَة تَبُوك.
قَوْله: (تيب) بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، مَجْهُول تَابَ تَوْبَة. قَوْله: (غَزْوَة الْعسرَة) ، ضد اليسرة، وَهِي غَزْوَة تَبُوك. قَوْله: (فأجمعت) أَي: عزمت قَوْله: (صَاحِبي) وهما مرَارَة بن الرّبيع وهلال بن أُميَّة. قَوْله: (أهم) من: أهمني الْأَمر إِذا أقلقك وأحزنك. قَوْله: (وَلَا يُصَلِّي) ، على صِيغَة الْمَجْهُول وَفِي وَرَايَة الْكشميهني: وَلَا يسلم، وَحكى عِيَاض أَنه وَقع لبَعض الروَاة. فَلَا يكلمني أحد مِنْهُم وَلَا يسلمني. واستبعده لِأَن الْمَعْرُوف أَن السَّلَام إِنَّمَا يتَعَدَّى بِحرف الْجَرّ، وَقد وَجهه بَعضهم بِأَن يكون اتبَاعا أَو يرجع إِلَى قَول من فسر السَّلَام، بأنت مُسلم مني. قلت: هَذَا تَوْجِيه لَا طائل تَحْتَهُ. قَوْله: (وَرَسُول الله ﷺ ، عِنْد أم سَلمَة) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. وَأم سَلمَة هِنْد. قَوْله: (معنية) ، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر النُّون وبالياء آخر الْحُرُوف الْمُشَدّدَة من الاعتناء، وَهَذِه رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: مُعينَة، بِضَم الْمِيم وَكسر الْعين وَسُكُون الْيَاء وَفتح النُّون من الْإِعَانَة، وَلَيْسَت بمشتقة من العون. كَمَا قَالَه بَعضهم: قَوْله: (إِذا يحطمكم) من الخطم وَهُوَ الدوس، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والكشميهني: إِذا يخطفكم، بِالْحَاء الْمُعْجَمَة وبالفاء من الخطف وَهُوَ مجَاز عَن الازدحام. قَوْله: (آذز) أَي: اعْلَم. قَوْله: (كذبُوا) بتَخْفِيف الذَّال وَرَسُول الله بِالنّصب لِأَن كذب يتَعَدَّى بِدُونِ الصِّلَة. قَوْله: (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُم) يَعْنِي: الْمُنَافِقين إِذا رجعُوا إِلَى الْمَدِينَة يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُم إِذا رجعتم إِلَيْهِم. قَوْله: (لن نؤمن لكم) أَي: لن نصدقكم. قَوْله: (قد نبأنا الله) أَي: قد أخبرنَا الله من سرائركم وَمَا تخفى صدوركم وسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله فِيمَا بعد أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عَلَيْهِ وتردون بعد الْمَوْت إِلَى عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة فينبئكم فيخبركم بِمَا كُنْتُم تعلمُونَ فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة ويجزيكم عَلَيْهَا.
١٩ - (بابٌ قَوْلُهُ: ﴿يَا أيُّها الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التَّوْبَة: ١١٩)
أَي هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ الْآيَة، وَهَذِه الْآيَة عقيب قَوْله: ﴿وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا﴾ (التَّوْبَة: ١١٨) الْآيَة، وَلما جرى على هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة من الضّيق وَالْكرب وهجر الْمُسلمين إيَّاهُم نَحوا من خمسين لَيْلَة فصبروا على ذَلِك واستكانوا لأمر الله فرج الله عَنْهُم بِسَبَب صدقهم جَمِيع ذَلِك وَتَابَ عَلَيْهِم، وَكَانَ عَاقِبَة صدقهم وتقواهم نجاة لَهُم وَخيرا، وأعقب ذَلِك بقوله: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ الْآيَة. قَوْله: (اتَّقوا الله) أَي: خافوه. قَوْله: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين) يَعْنِي: إلزموا الصدْق تَكُونُوا مَعَ أَهله وتنجوا من المهالك وَيجْعَل لكم فرجا من أُمُوركُم ومخرجاً.
٤٦٧٨ - ح دَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابْن شِهابٍ عَن عبدِ الرَّحْمانِ ابْن عبْدِ الله بنِ كَعْبِ بنِ مالِكٍ أنَّ عبدَ لله بنَ كَعْبِ بنِ مالِكٍ وكانَ قائِدَ كَعْبِ بنِ مالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ كَعْبَ بنَ مالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلّفَ عنْ قِصّةِ تَبُوكَ فَوَالله مَا أعْلَمُ أحَداً أبْلَاهُ الله فِي صِدْقِ الحَدِيثِ أحْسَنَ مِمَّا أبْلَانِي مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذالِكَ لرَسُولِ الله ﷺ إِلَى يَوْمِي هاذَا كَذَّباً وأنْزَلَ الله عَلَى رسُولِهِ ﷺ لَقَدْ تابَ الله عَلَى النبيِّ والمُهاجِرين إِلَى
стр. 5542
قَوْلِهِ وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من حَيْثُ إِن الله فرج عَن كَعْب وَتَابَ عَلَيْهِ بِحسن صدقه كَمَا فِي متن الحَدِيث، وَأنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة وَأمر الْمُؤمنِينَ بالتقوى والصدق. وَرِجَال إِسْنَاده قد ذكرُوا عَن قريب وَفِيمَا قبله غير مرّة، والْحَدِيث قِطْعَة من حَدِيث كَعْب الطَّوِيل، وتكلمنا فِيهِ فِيمَا مضى.
٢٠ - (بابٌ قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رسُولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحيمٌ﴾ (التَّوْبَة: ١٢٨)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿لقد جَاءَكُم﴾ الْآيَة، كَذَا ثَبت إِلَى آخر الْآيَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر إِلَى قَوْله: (مَا عنتم) وَقد من الله تَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَة على الْمُؤمنِينَ بِمَا أرسل إِلَيْهِم رَسُولا من أنفسهم أَي: من جنسهم وعَلى لغتهم، كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيم ﵊: ﴿رَبنَا وَابعث فيهم رَسُولا مِنْهُم﴾ (الْبَقَرَة: ١٢٩) وقرى: من أَنفسكُم، من النفاسة أَي: من أشرفكم وأفضلكم، وَقيل: هِيَ قِرَاءَة رَسُول الله ﷺ ، وَفَاطِمَة وَعَائِشَة ﵄. قَوْله: (عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم) أَي: يعز عَلَيْهِ مَا يشق عَلَيْكُم، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الحَدِيث: بعثت بالحنفية السمحة، وعنتم من الْعَنَت وَهُوَ الْمَشَقَّة، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: أَصله التَّشْدِيد، وَقَالَ الضَّحَّاك: الْإِثْم، وَقَالَ ابْن أبي عرُوبَة: الضلال، وَقيل: الْهَلَاك. وَحَاصِل الْمَعْنى: يعز عَلَيْهِ أَن تدْخلُوا النَّار، وجمعت هَذِه الْآيَة سِتّ صِفَات لسيدنا رَسُول الله ﷺ : الرسَالَة والنفاسة والعزة وحرصه على إِيصَال الْخيرَات إِلَى أمته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة والرأفة وَالرَّحْمَة. قَالَ الْحُسَيْن بن الْفضل: لم يجمع الله لنَبِيّ من الْأَنْبِيَاء إسمين من أَسْمَائِهِ إلَاّ لسيدنا رَسُول الله ﷺ حَيْثُ قَالَ: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رؤوف رَحِيم﴾ وَقَالَ : ﴿إِن الله بِالنَّاسِ لرؤوف رَحِيم﴾ (الْبَقَرَة: ١٤٣ وَالْحج: ٦٥) .
مِنَ الرَّأفَةِ
يَعْنِي: رؤوف من الرأفة وَهِي الحنو والعطف وَهِي أَشد الرَّحْمَة، وَلم يثبت هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر.
٤٦٧٩ - ح دَّثنا أبُو اليَمانِ أخْبرَنا شُعَيبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبرَني ابنُ السَّبّاقِ أنَّ زَيْدَ ابنَ ثابِتِ الأنْصارِيَّ ﵁ وكانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ الوَحْيَ قَالَ أرْسَلَ إلَيَّ أبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أهْلِ اليَمامَةِ وعِنْدَهُ عُمَرُ فَقال أبُو بَكْرٍ إنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ إنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمامَةِ بِالنَّاسِ وإنِّي أخْشَى أنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بالقُرَّاءِ فِي المَوَاطِن فيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ إلَاّ أنْ تَجْمَعُوهُ وإنِّي لأَرَي أنْ تَجْمَعَ القُرْآنَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قُلْتُ لِعُمَرَ كَيْفَ أفْعَلُ شَيْئاً لَم يَفْعَلْهُ رسولُ الله ﷺ فَقَالَ عُمَرُ هُوَ وَالله خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ عمَرُ يُرَاجِعُنِي فِيهِ حَتَّى شَرَحَ الله لذالِكَ صَدْرِي ورَأيْتُ الَّذِي رَأي عُمَرُ قَالَ زَيْدُ بنُ ثابِتٍ وعُمَرُ عِنْدَهُ جالِسٌ لَا يَتَكَلَّمُ فَقَالَ أبُو بَكْر إنَّكَ رجُلٌ شابٌّ عاقِلٌ وَلَا نَتَّهِمُك كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لرسُولِ الله الله ﷺ فَتَتَّبَعِ القُرْآنَ فاجْمَعْهُ فَوَالله لوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبالِ مَا كانَ أثْقَلَ عَلَيَّ مِمّا أمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ قلْتُ كَيْفَ تَفْعَلَانِ شَيْئاً لَمْ يَفْعَلْهُ النبيُّ ﷺ فَقَالَ أبُو بَكْرٍ هُوَ وَالله خَيْرٌ فلمْ أزَلْ أرَاجِعُهُ حَتَّى شَرَحَ الله صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ الله لَهُ صَدْرَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أجْمَعُهُ مِنَ الرِّقاعِ والأكْتافِ والعُسُب وصُدُورِ الرِّجالِ حَتَّى وجَدْتُ مِنْ سُورَة التوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ الأنْصارِيِّ لَمْ أجِدْهُما مَعَ أحَدٍ غيْرِهِ ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ
стр. 5543
علَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ (التَّوْبَة: ١٢٨) إِلَى آخِرِها وكانَتِ الصُّحُفُ الَّتي جُمِعَ فِيها القُرْآنُ عِنْدَ أبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ الله ثمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتَّى تَوَفَّاه الله ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ﵄. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ﴿لقد جَاءَكُم رَسُول﴾ إِلَى آخر الْآيَتَيْنِ. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَابْن السباق، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهُوَ عبيد حجازي.
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن بنْدَار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن الْهَيْثَم بن أَيُّوب.
قَوْله: (مقتل أهل الْيَمَامَة) ، أَي: أَيَّام مقاتلة الصَّحَابَة ﵃، مُسَيْلمَة الْكذَّاب الَّذِي ادّعى النُّبُوَّة وَكَانَ مقتلهم سنة إِحْدَى عشرَة من الْهِجْرَة، واليمامة بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف الْمِيم مَدِينَة بِالْيمن وَسميت باسم المصلوبة على بَابهَا وَهِي الَّتِي كَانَت تبصر من مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام وتعرف بالزرقاء لزرقة عينهَا وَاسْمهَا عنزة، وَقَالَ الْبكْرِيّ: كَانَ إسم الْيَمَامَة فِي الْجَاهِلِيَّة: جو، بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الْوَاو حَتَّى سَمَّاهَا الْملك الْحِمْيَرِي لما قتل الْمَرْأَة الَّتِي تسمى الْيَمَامَة باسمها، وَقَالَ الْملك الْحِمْيَرِي:
(وَقُلْنَا فسموا الْيَمَامَة باسمها ... وسرنا وَقُلْنَا لَا نُرِيد الْإِقَامَة)
وَزعم عِيَاض أَنَّهَا تسمى أَيْضا: الْعرُوض، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة، وَقَالَ الْبكْرِيّ: الْعرُوض إسم لمَكَّة وَالْمَدينَة مَعْرُوف. قَوْله: (قد استحر) ، أَي: اشْتَدَّ وَكثر على وزن استفعل من الْحر، وَذَلِكَ أَن الْمَكْرُوه يُضَاف إِلَى الْحر والمحبوب يُضَاف إِلَى الْبرد وَمِنْه الْمثل: تولى حارها من تولى قارها، وَقتل بهَا من الْمُسلمين ألف وَمِائَة، وَقيل: ألف وَأَرْبَعمِائَة مِنْهُم سَبْعُونَ جمعُوا الْقُرْآن. قَوْله: (فِي المواطن) أَي: الْمَوَاضِع الَّتِي سيغزو فِيهَا الْمُسلمُونَ وَيقتل نَاس من الْقُرَّاء فَيذْهب كثير من الْقُرْآن. قَوْله: (كَيفَ أفعل شَيْئا لم يَفْعَله رَسُول الله ﷺ ، قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: هَذَا كَلَام من يُؤثر الِاتِّبَاع ويخشى الابتداع، وَإِنَّمَا لم يجمعه رَسُول الله ﷺ لِأَنَّهُ كَانَ بمعرض أَن ينْسَخ مِنْهُ أَو يُزَاد فِيهِ، فَلَو جمعه لكتب وَكَانَ الَّذِي عِنْده نُقْصَان يُنكر على من عِنْده الزِّيَادَة، فَلَمَّا أَمن هَذَا الْأَمر بِمَوْتِهِ ﷺ جمعه أَبُو بكر ﵁، وَلم يصنع عُثْمَان فِي الْقُرْآن شَيْئا، وَإِنَّمَا أَخذ الصُّحُف الَّتِي وَضعهَا عِنْد حَفْصَة ﵂. وَأمر زيد بن ثَابت وَعبد الله بن الزبير وَعبد الله بن الْحَارِث بن هِشَام وَسَعِيد بن الْعَاصِ وَأبي بن كَعْب فِي إثني عشر رجلا من قُرَيْش وَالْأَنْصَار فَكتب مِنْهَا مصاحف وسيرها إِلَى الْأَمْصَار لِأَن حُذَيْفَة أخبرهُ بالاختلاف فِي ذَلِك، فَلَمَّا توفيت حَفْصَة أَخذ مَرْوَان بن الحكم تِلْكَ الصُّحُف فغسلها، وَقَالَ: أخْشَى أَن يُخَالف بعض الْقُرْآن بَعْضًا، وَفِي لفظ: أَخَاف أَن يكون فِيهِ شَيْء يُخَالف مَا نسخ عُثْمَان، وَإِنَّمَا فعل عُثْمَان هَذَا وَلم يَفْعَله الصّديق ﵁، لِأَن غَرَض أبي بكر كَانَ جمع الْقُرْآن بِجَمِيعِ حُرُوفه ووجوهه الَّتِي نزل بهَا وَهِي على لُغَة قُرَيْش وَغَيرهَا، وَكَانَ غَرَض عُثْمَان تَجْرِيد لُغَة قُرَيْش من تِلْكَ الْقرَاءَات، وَقد جَاءَ ذَلِك مُصَرحًا بِهِ فِي قَول عُثْمَان لهَؤُلَاء الْكتاب، فَجمع أَبُو بكر غير جمع عُثْمَان، فَإِن قيل: فَمَا قصد عُثْمَان بإحضار الصُّحُف وَقد كَانَ زيد وَمن أضيف إِلَيْهِ حفظوه؟ . قيل: الْغَرَض بذلك سد بَاب الْمقَالة وَأَن يزْعم أَن فِي الصُّحُف قُرْآنًا لم يكْتب وَلِئَلَّا يرى إِنْسَان فِيمَا كتبوه شَيْئا مِمَّا لم يقْرَأ بِهِ فينكره، فالصحف شاهدة بِجَمِيعِ مَا كتبوه. قَوْله: (هُوَ وَالله خير) ، يحْتَمل أَن يكون لفظ: خير، أفعل التَّفْضِيل. فَإِن قلت: كَيفَ ترك رَسُول الله ﷺ مَا هُوَ خير؟ قلت: هَذَا خير فِي هَذَا الزَّمَان وَكَانَ تَركه خيرا فِي زَمَانه ﷺ لعدم تَمام النُّزُول وَاحْتِمَال النّسخ كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ عَن قريب. قَوْله: (إِنَّك رجل شَاب) ، يُخَاطب بِهِ أَبُو بكر زيد بن ثَابت ﵄، وَإِنَّمَا قَالَ: شَاب، لِأَن عمره كَانَ إِحْدَى عشرَة سنة حِين قدم رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة، وخطاب أبي بكر إِيَّاه بذلك فِي خِلَافَته، فَإِذا اعْتبرت هَذَا يكون عمره حئنذٍ مَا دون خمس وَعشْرين سنة، وَهِي أَيَّام الشَّبَاب. قَوْله: (لَا تتهمك) ، دلّ على عدم اتهامه بِهِ. قَوْله: (كنت تكْتب الْوَحْي لرَسُول الله ﷺ ، وكتابته الْوَحْي تدل على أَمَانَته الْغَايَة، وَكَيف وَكَانَ من فضلاء الصَّحَابَة وَمن أَصْحَاب الْفَتْوَى؟ قَوْله: (فتتبع) أَمر، و (الْقُرْآن) مَنْصُوب. قَوْله: (فوَاللَّه لَو كلفني) ، من كَلَام زيد، يحلف بِاللَّه أَن أَبَا بكر لَو كلفه كَذَا وَكَذَا. قَوْله: (مَا كَانَ أثقل) جَوَاب: لَو قَوْله: (فتتبعت الْقُرْآن) ، قيل: إِن زيدا كَانَ جَامعا
стр. 5544
لِلْقُرْآنِ فَمَا معنى هَذَا التتبع والطلب لشَيْء إِنَّمَا هُوَ ليحفظه ويعلمه، أُجِيب: أَنه كَانَ يتتبع وجوهه وقراءاته وَيسْأل عَنْهُمَا غَيره ليحيط بالأحرف السَّبْعَة الَّتِي نزل بهَا الْكتاب الْعَزِيز، وَيعلم الْقرَاءَات الَّتِي هِيَ غير قِرَاءَته. قَوْله: (أجمعه) حَال من الْأَحْوَال الْمقدرَة المنتظرة. قَوْله: (من الرّقاع) ، بِكَسْر الرَّاء: جمع رقْعَة يكون من ورق وَمن جلد وَنَحْوهمَا. قَوْله: (والأكتاف) ، جمع كتف وَهُوَ عظم عريض يكون فِي أصل كتف الْحَيَوَان ينشف وَيكْتب فِيهِ. قَوْله: (والعسب) ، بِضَم الْعين وَالسِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ: جَمِيع عسيب وَهُوَ جريد النّخل العريض مِنْهُ وَكَانُوا يكشطون خوصها ويتخذونها عَصا وَكَانُوا يَكْتُبُونَ فِي طرفها العريض، وَقَالَ ابْن فَارس: عسيب النّخل كالقضبان لغيره، وَذكر فِي التَّفْسِير: اللخاف، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهِي حِجَارَة بيض رقاق وَاحِدهَا لخفة. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: فِيهَا عرض ودقة، وَقيل: الخزف. قَوْله: (مَعَ خُزَيْمَة الْأنْصَارِيّ) ، وَهُوَ خُزَيْمَة بن ثَابت بن الْفَاكِه الْأنْصَارِيّ الخطمي ذُو الشَّهَادَتَيْنِ، شهد صفّين مَعَ عَليّ ﵁، وَقتل يومئذٍ سنة سبع وَثَلَاثِينَ. قَوْله: (لم أجدهما مَعَ أحد غير خُزَيْمَة) ، فَإِن قيل: كَيفَ ألحق هَاتين الْآيَتَيْنِ بِالْقُرْآنِ وَشَرطه أَن يثبت بالتواتر؟ قيل لَهُ: مَعْنَاهُ: لم أجدهما مكتوبتين عِنْد غَيره، أَو المُرَاد: لم أجدهما محفوظتين، وَوَجهه أَن الْمَقْصُود من التَّوَاتُر إِفَادَة الْيَقِين، وَالْخَبَر الْوَاحِد المحفوف بالقرائن يُفِيد أَيْضا الْيَقِين، وَكَانَ هَهُنَا قَرَائِن مثل كَونهمَا مكتوبتين وَنَحْوهمَا وَأَن مثله لَا يقدر فِي مثله بِمحضر الصَّحَابَة أَن يَقُول إلَاّ حَقًا وصدقاً. قلت: إِن خُزَيْمَة أذكرهم مَا نسوه وَلِهَذَا قَالَ زيد: وجدتهما مَعَ خُزَيْمَة، يَعْنِي مكتوبتين وَلم يقل: عرفني أَنَّهُمَا من الْقُرْآن، مَعَ تَصْرِيح زيد بِأَنَّهُ سمعهما من النَّبِي ﷺ ، أَو نقُول: ثَبت أَن خُزَيْمَة شَهَادَته بشهادتين فَإِذا شهد فِي هَذَا وَحده كَانَ كَافِيا. قَوْله: (لقد جَاءَكُم) إِلَى آخر بَيَان الْآيَتَيْنِ.
تابَعَهُ عُثْمانُ بنُ عُمَرَ واللَّيْثُ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهابٍ
أَي: تَابع شعيباً فِي رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ عُثْمَان بن عمر بن فَارس الْبَصْرِيّ الْعَبْدي وَاللَّيْث بن سعيد الْبَصْرِيّ كِلَاهُمَا عَن يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وروى مُتَابعَة عُثْمَان أَبُو بكر عبد الله بن سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث عَن مُحَمَّد ابْن يحيى عَن عُثْمَان بن عمر عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ فَذكره، وَأما مُتَابعَة اللَّيْث عَن يُونُس فرواها البُخَارِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن وَفِي التَّوْحِيد.
وَقَالَ اللّيْثُ: حدَّثني عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ خالِدٍ عنِ ابنِ شِهابٍ وَقَالَ مَعَ أبي خُزَيْمَةَ الأنْصارِيِّ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن اللَّيْث ﵀، لَهُ فِيهِ شيخ آخر عَن ابْن شهَاب، وَأَنه رَوَاهُ عَنهُ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُور وَلكنه خَالف فِي قَوْله: مَعَ خُزَيْمَة الْأنْصَارِيّ، فَقَالَ: (أبي خُزَيْمَة) وَرِوَايَة اللَّيْث هَذِه وَصلهَا أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ فِي (مُعْجم الصَّحَابَة) من طَرِيق أبي صَالح كَاتب اللَّيْث عَنهُ بِهِ، وَقَالَ أَبُو الْفرج: قَوْله: أَبُو خُزَيْمَة، وهمٌ ورد عَلَيْهِ بِصِحَّة الطَّرِيق إِلَيْهِ ولاحتمال أَن يَكُونَا سمعاها كِلَاهُمَا. قلت: أَبُو خُزَيْمَة هَذَا هُوَ ابْن أَوْس بن زيد بن أَصْرَم بن ثَعْلَبَة بن غنم بن مَالك بن النجار، شهد بَدْرًا وَمَا بعْدهَا من الْمشَاهد وَتُوفِّي فِي خلَافَة عُثْمَان وَهُوَ أَخُو مَسْعُود بن أَوْس، وَقَالَ أَبُو عمر: قَالَ ابْن شهَاب عَن عبيدا السباق عَن زيد بن ثَابت: وجدت آخر التَّوْبَة مَعَ أبي خُزَيْمَة الْأنْصَارِيّ.
وَقَالَ مُوساى عنْ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا ابنُ شِهابٍ مَعَ أبي خُزَيْمَةَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَي: قَالَ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن ابْن شهَاب، قَالَ: مَعَ أبي خُزَيْمَة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن، وَفِي (التَّلْوِيح) : هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ البُخَارِيّ مُسْندًا فِي كتاب الْأَحْكَام فِي (صَحِيحه) .
وتابَعَهُ يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ عنْ أبِيهِ
أَي: تَابع مُوسَى فِي رِوَايَته عَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم، وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة فِي أبي خُزَيْمَة أَبُو بكر بن أبي دَاوُد فِي كتاب (الْمَصَاحِف) من طَرِيقه.
стр. 5545
وَقَالَ أَبُو ثابِتٍ حَدثنَا إبْرَاهِيمُ وَقَالَ مَعَ خُزَيْمَةَ أوْ مَعَ أبي خُزَيْمَةَ
أَبُو ثَابت مُحَمَّد بن عبيد الله الْمدنِي يروي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد، وَشك فِي رِوَايَته حَيْثُ قَالَ: مَعَ خُزَيْمَة، أَو مَعَ أبي خُزَيْمَة، وَكَذَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي الْأَحْكَام بِالشَّكِّ، وَالْحَاصِل هُنَا أَن أَصْحَاب إِبْرَاهِيم بن سعد اخْتلفُوا، فَقَالَ بَعضهم: مَعَ أبي خُزَيْمَة، وَقَالَ بَعضهم: مَعَ خُزَيْمَة، وَشك بَعضهم. وَعَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَن آيَة التَّوْبَة مَعَ أبي خُزَيْمَة، وَآيَة الْأَحْزَاب مَعَ خُزَيْمَة.
ابْتَدَأَ بالبسملة تبركاً عِنْد شُرُوعه فِي تَفْسِير سُورَة يُونُس ﵇.
سُورَةُ يُونُسَ
أَي: هَذَا شُرُوع فِي تَفْسِير بعض مَا فِي سُورَة يُونُس، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر الْبَسْمَلَة بعد. قَوْله: (سُورَة يُونُس) . قَالَ أَبُو الْعَبَّاس فِي (مقامات التَّنْزِيل) هِيَ مَكِّيَّة، وفيهَا آيَة ذكر الْكَلْبِيّ أَنَّهَا مَدَنِيَّة ﴿لَهُم الْبُشْرَى فِي الحيوة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة﴾ (يُونُس: ٦٤) ، وَمَا بلغنَا أَن فِيهَا مدنياً غير هَذِه الْآيَة، وَفِي (تَفْسِير ابْن النَّقِيب) عَن الْكَلْبِيّ: مَكِّيَّة إِلَّا قَوْله: ﴿وَمِنْهُم من يُؤمن بِهِ وَمِنْهُم من لَا يُؤمن بِهِ﴾ (يُونُس: ٤٠) ، فَإِنَّهَا نزلت بِالْمَدِينَةِ، وَقَالَ مقَاتل: كلهَا مَكِّيَّة غير آيَتَيْنِ: ﴿فَإِن كنت فِي شكّ مِمَّا أنزلنَا إِلَيْك فاسأل الَّذين يقرؤون الْكتاب من قبلك لقد جَاءَك الْحق من رَبك فَلَا تكونن من الممترين وَلَا تكونن من الَّذين كذبُوا بآيَات الله فَتكون من الخاسرين﴾ (يُونُس: ٩٤ ٩٥) هَاتَانِ الْآيَتَانِ مدنيتان، وَفِي رِوَايَة ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس: فِيهَا رِوَايَتَانِ (الأولى) وَهِي الْمَشْهُورَة عَنهُ: هِيَ مَكِّيَّة، (الثَّانِيَة) : مَدَنِيَّة، وَهِي مائَة وتسع آيَات، وَسَبْعَة آلَاف وَخَمْسمِائة وَسَبْعَة وَسِتُّونَ حرفا، وَألف وَثَمَانمِائَة وَاثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ كلمة.
١ - (بَاب: وَقَالَ ابنُ عَبَّاس فاخْتَلَطَ فَنَبَتَ بالمَاءِ مِنْ كلِّ لَوْنٍ)
فِي: بعض النّسخ: بَاب وَقَالَ ابْن عَبَّاس، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: ﴿إِنَّمَا مثل الحيوة الدُّنْيَا كَمَا أنزلنَا من السَّمَاء فاختلط بِهِ نَبَات الأَرْض﴾ (يُونُس: ٢٤) وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن جرير من طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: ﴿إِنَّمَا مثل الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمَا أَنزَلْنَاهُ من السَّمَاء فاختلط﴾ فنبت بِالْمَاءِ كل لون مِمَّا يَأْكُل النَّاس كالحنطة وَالشعِير وَسَائِر حبوب الأَرْض، وأسنده أَيْضا ابْن أبي حَاتِم من حَدِيث عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ.
﴿وقالُوا اتَّخَذَ الله ولَداً سُبْحانَهُ هُوَ الغَنِيُّ﴾ (يُونُس: ٦٨)
هَذِه الْآيَة الَّتِي هِيَ التَّرْجَمَة لم تذكر فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَثبتت لغيره خَالِيَة عَن الحَدِيث. قَوْله: ﴿وَقَالُوا﴾ أَي: أهل مَكَّة (اتخذ الله ولدا) فَقَالُوا الْمَلَائِكَة بَنَات الله، وَقَالَت الْيَهُود: عُزَيْر ابْن الله، وَقَالَت النَّصَارَى: المسيخ ابْن الله. قَوْله: (سُبْحَانَهُ) تَنْزِيه لَهُ عَن اتِّخَاذ الْوَلَد، وتعجب بِهِ من كلمتهم الحمقاء. قَوْله: (هُوَ الْغَنِيّ) عَن الصاحبة وَالْولد.
وَقَالَ زَيْدُ بنُ أسْلَمَ أنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ مُحَمَّدٌ ﷺ وَقَالَ مُجَاهِدٌ خَيْرٌ
زيد بنُ أسلم أَبُو أُسَامَة مولى عمر بن الْخطاب، وَقد فسر: (قدم صدق) فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَبشر الَّذين آمنُوا أَن لَهُم قدم صدق﴾ (يُونُس: ٢) بِأَنَّهُ مُحَمَّد ﷺ ، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق أَبُو جَعْفَر بن جرير من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة عَنهُ، وَعَن ابْن عَبَّاس: منزل صدق، وَقيل: الْقدَم: الْعَمَل الصَّالح، وَعَن الرّبيع بن أنس: ثَوَاب صدق، وَعَن السّديّ: قدم يقدمُونَ عَلَيْهِ عِنْد رَبهم. قَوْله: (وَقَالَ مُجَاهِد: خير) يَعْنِي: قدم صدق هُوَ خير، أسْندهُ أَبُو مُحَمَّد البستي من حَدِيث ابْن أبي نجيح عَنهُ، ثمَّ روى عَنهُ أَيْضا صلَاتهم وتسبيحهم وصومهم، وَرجح ابْن جرير قَول مُجَاهِد لقَوْل الْعَرَب: لفُلَان قدم صدقٍ فِي كَذَا، إِذا قدم فِيهِ خيرا، وَقدم شرٍ فِي كَذَا إِذا قدم فِيهِ شرا، وَذكر عِيَاض أَنه وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: وَقَالَ مُجَاهِد بن جبر، وَهُوَ خطأ. قلت: جبر، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: اسْم وَالِد
стр. 5546
مُجَاهِد، وَوجه كَونه خطأ أَنه لَو كَانَ ابْن جبر لخلا الْكَلَام عَن ذكر القَوْل الْمَنْسُوب إِلَى مُجَاهِد فِي تَفْسِير الْقدَم، وَيرد بِهَذَا أَيْضا مَا ذكره ابْن التِّين أَنَّهَا وَقعت كَذَلِك فِي نُسْخَة أبي الْحسن الْقَابِسِيّ.
يُقالُ تِلْكَ آياتٌ يَعْني هاذِه أعْلَامُ القُرْآنِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿آلر تِلْكَ إيات الْكتاب الْحَكِيم﴾ (يُونُس: ١) وَأَرَادَ أَن: تِلْكَ، هُنَا بِمَعْنى: هَذِه، على أَن معنى: تِلْكَ آيَات الْكتاب: هَذِه أَعْلَام الْقُرْآن وَعلم من هَذِه أَن إسم الْإِشَارَة للْغَائِب قد يسْتَعْمل للحاضر لنكتة يعرفهَا من لَهُ يَد فِي الْعَرَبيَّة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: تِلْكَ إِشَارَة إِلَى مَا تضمنته السُّورَة من الْآيَات وَالْكتاب السُّورَة، والحكيم ذُو الْحِكْمَة لاشْتِمَاله عَلَيْهَا ونطقه بهَا.
ومِثْلُهُ: ﴿حَتَّى إذَا كُنْتُمْ فِي الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ (يُونُس: ٢٢) المَعْنى بِكُمْ
أَي: مثل الْمَذْكُور وَهُوَ قَوْله: ﴿تِلْكَ آيَات﴾ يَعْنِي: هَذِه أَعْلَام الْقُرْآن. قَوْله: (حَتَّى إِذا كُنْتُم فِي الْفلك وجرين بهم) ، وَجه الْمُمَاثلَة بَينهمَا هُوَ أَن: تِلْكَ، بِمَعْنى: هَذِه، فَكَذَلِك قَوْله: بهم، بِمَعْنى: بكم، حَيْثُ صرف الْكَلَام عَن الْخطاب إِلَى الْغَيْبَة، كَمَا أَن فِي الأول صرف إسم الْإِشَارَة عَن الْغَائِب إِلَى الْحَاضِر، والنكتة فِي الثَّانِي للْمُبَالَغَة كَأَنَّهُ يذكر حَالهم لغَيرهم، وَلم أر أحدا من الشُّرَّاح خرج من حق هَذَا الْموضع، بل مِنْهُم من لم يذكرهُ أصلا، كَمَا أَن أَبَا ذَر لم يذكرهُ فِي رِوَايَته.
دَعْوَاهُمْ دُعاؤُهُمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿دَعوَاهُم فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ (يُونُس: ١٠) وَفسّر الدَّعْوَى بِالدُّعَاءِ. قَوْله: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، تَفْسِير دَعوَاهُم، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة.
أُحِيطَ بِهِمْ دَنَوْا مِنَ الهَلَكَةِ أحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وظنوا أَنهم أحيط بهم﴾ (الْبَقَرَة: ٨١) وَفَسرهُ بقوله: دنوا من الهلكة، أَي: قربوا من الْهَلَاك، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، يُقَال: فلَان قد أحيط بِهِ، أَي: أَنه لهالك. قَوْله: دنواً يجوز أَن يكون بِضَم الدَّال وَالنُّون على صِيغَة الْمَجْهُول، وَأَصله: دنيوا انقلت ضمة الْيَاء إِلَى النُّون فحذفت لالتقاء الساكنين فَصَارَ على وزن: فعوا. قَوْله: ﴿أحاطت بِهِ خطيئته﴾ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿بلَى من كسب سَيِّئَة وأحاطت بِهِ خطيئته﴾ (الْكَهْف: ٤٢) يَعْنِي: استولت عَلَيْهِ خطيئته كَمَا يُحِيط الْعَدو، وَقيل: مَعْنَاهُ سدت عَلَيْهِ خطيئته مسالك النجَاة، وَقيل: مَعْنَاهُ أهلكته كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وأحيط بثمره﴾ (يُونُس: ٩٠) وَقَرَأَ أهل الْمَدِينَة: خطيئاته، بِالْجمعِ.
فاتَّبَعَهُمْ واتْبَعَهُمْ واحِدٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وجاوزنا ببني إِسْرَائِيل الْبَحْر فاتبعهم فِرْعَوْن وَجُنُوده﴾ وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن: اتبعهم، بِكَسْر الْهمزَة وَتَشْديد التَّاء من الِاتِّبَاع بتَشْديد التَّاء، وَأَن أتبعهم بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون التَّاء من الإتباع بِسُكُون التَّاء وَاحِد فِي الْمَعْنى والوصل وَالْقطع، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: مَعْنَاهُ لحقهم، وَقيل: بِالتَّشْدِيدِ فِي الْأَمر: اقْتدى بِهِ، وَأتبعهُ بِالْهَمْزَةِ: تلاه، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الأول: أدْركهُ ولحقه، وَالثَّانِي: اتبع أَثَره وأدركه، وَكَذَا قَالَه أَبُو زيد، وَبِالثَّانِي قَرَأَ الْحسن.
عَدْواً مِنَ العُدْوَانِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: ﴿فاتبعهم فِرْعَوْن وَجُنُوده بغياً وعدواً﴾ وَفَسرهُ بقوله: عُدْوانًا، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وبغياً وعدواً منصوبان على المصدرية أَو على الْحَال أَو على التَّعْلِيل أَي: لأجل الْبَغي والعدوان، وَقَرَأَ الْحسن: عدوا، بِضَم الْعين وَتَشْديد يَد الْوَاو.
وَقَالَ مُجاهدٌ يُعَجِّلُ الله لِلنّاس الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بالخَيْرِ قَوْلُ الإنْسانِ لِوَلَدِهِ ومالِهِ إذَا غَضِبَ ﴿اللَّهُمَّ لَا تُباركْ فِيهِ والْعَنْهُ. لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ لَأُهْلِكَ مَنْ دُعِيَ عَلَيْهِ ولَأماتَهُ﴾ .
стр. 5547
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو يعجل الله للنَّاس الشَّرّ استعجالهم بِالْخَيرِ﴾ (يُونُس: ١١) . نزلت هَذِه الْآيَة فِي النَّضر بن الْحَارِث حَيْثُ قَالَ: أللهم إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحق، والتعجيل تَقْدِيم الشَّيْء قبل وقته، والاستعجال طلب العجلة، وَالْمعْنَى: لَو يعجل الله للنَّاس الشَّرّ إِذا دَعوه على أنفسهم عِنْد الْغَضَب وعَلى أَهْليهمْ وَأَمْوَالهمْ كَمَا يعجل لَهُم الْخَيْر لهلكوا. قَوْله: (وَقَالَ مُجَاهِد) تَعْلِيق وَصله ابْن أبي حَاتِم عَن حجاج بن حَمْزَة حَدثنَا شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، فَذكره. قَوْله: (يعجل الله) فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء بِتَقْدِير مَحْذُوف فِيهِ وَهُوَ إخْبَاره تَعَالَى بقوله: ﴿وَلَو يعجل الله للنَّاس الشَّرّ استعجالهم بِالْخَيرِ﴾ . قَوْله: (قَول الْإِنْسَان) خبر الْمُبْتَدَأ الْمُقدر. قَوْله: (لقضى إِلَيْهِم أَجلهم) ، جَوَاب: لَو قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: مَعْنَاهُ لأميتوا وأهلكوا، وَهُوَ معنى قَوْله: (لأهْلك من دعى عَلَيْهِ وأماته) ، أَي: لأهْلك الله من دعى عَلَيْهِ، وَيجوز فِيهِ صِيغَة الْمَعْلُوم والمجهول. قَوْله: ولأماته عطف على قَوْله: لأهلكه، وَاللَّام فيهمَا للابتداء.
﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى﴾ مِثْلُها حُسْنَى ﴿وزِيادَةٌ ورِضْوَانٌ﴾
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿للَّذين أَحْسنُوا الْحسنى وَزِيَادَة وَلَا يرهق وُجُوههم قتر﴾ (يُونُس: ٢٦) . الْآيَة، وَالَّذِي ذكره قَول مُجَاهِد وَصله عبد بن حميد من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَنهُ، وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس: قَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أَبُو زرْعَة حَدثنَا منْجَاب بن الْحَارِث أخبرنَا بشر عَن أبي روق عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس، قَوْله: ﴿للَّذين أَحْسنُوا الْحسنى﴾ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أَي: المثوبة، وَقَالَ غَيره: الْحسنى قَول لَا إل هـ إلَاّ الله. قَوْله: (مثلهَا حسنى) أَي: مثل تِلْكَ الْحسنى حسنى أُخْرَى مثلهَا تفضلاً وكرماً، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ويزيدهم من فَضله﴾ (النِّسَاء: ١٧٣) وَفسّر الزِّيَادَة بقوله: ﴿مغْفرَة ورضوان﴾ (فاطر: ٣٠، الشورى: ٢٦) ، وَعَن الْحسن: أَن الزِّيَادَة التَّضْعِيف، وَعَن عَليّ: الزِّيَادَة غرفَة من لُؤْلُؤ وَاحِدَة لَهَا أَرْبَعَة أَبْوَاب، أخرجه الطَّبَرِيّ.
وَقَالَ غَيْرُهُ النّظَرُ إِلَى وجْهِهِ
هَذَا لم يثبت إلَاّ لأبي ذَر وَأبي الْوَقْت خَاصَّة وَقَالَ بَعضهم: المُرَاد بِالْغَيْر فِيمَا أَظن قَتَادَة، وَقَالَ صَاحب (التشريح) : يَعْنِي غير مُجَاهِد، قلت: الأصوب هَذَا الْمَذْكُور فِيمَا قبله قَول مُجَاهِد فَيكون هَذَا قَول غَيره، وَالَّذِي اعْتمد عَلَيْهِ بَعضهم فِيمَا قَالَه على مَا أخرج الطَّبَرِيّ من طَرِيق سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة، قَالَ: الْحسنى هِيَ جنَّة، وَالزِّيَادَة النّظر إِلَى وَجه الرَّحْمَن، وذالا يدل على مَا اعْتَمدهُ على مَا لَا يخفى.
الْكِبْرِيَاءُ المُلْكُ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله: ﴿وَتَكون لَكمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْض وَمَا نَحن لَكمَا بمؤمنين﴾ (يُونُس: ٧٨) وَتَفْسِير: الْكِبْرِيَاء، بِالْملكِ قَول مُجَاهِد، قَالَ مُحَمَّد: حَدثنَا حجاج حَدثنَا شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ، وَفِي رِوَايَة عَنهُ الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْض الْعَظِيمَة، وَأول الْآيَة. (قَالُوا أجئتنا لتلفتنا عَمَّا وجدنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكون لَكمَا الْكِبْرِيَاء) أَي: قَالَ فِرْعَوْن وَقَومه لمُوسَى ﵇، أجئتنا لتلفتنا أَي: لتصرفنا. عَمَّا وجدنَا عَلَيْهِ آبَائِنَا؟ يعنون عبَادَة الْأَصْنَام. وَتَكون لَكمَا الْخطاب لمُوسَى وَهَارُون. قَوْله: (فِي الأَرْض) أَي: فِي أَرض مصر. قَوْله: (بمؤمنين) أَي: بمصدقين لَكمَا فِيمَا جئتما بِهِ.
٢ - (بابٌ: ﴿جَاوَزْنَا بِبَنِي إسْرَائِيلَ البَحْرَ فَأتْبَعُهُمْ فِرْعَوْنِ وَجُنُودُهُ بَغْيا وَعَدْوا حَتَّى إذَا أدُرَكَهُ الغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أنَّهُ لَا إلاهَ إلَاّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيلَ وَأنَا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ (يُونُس: ٩٠)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وجاوزنا﴾ الْآيَة. وَلَيْسَ عِنْد أَكثر الروَاة لفظ بَاب: وَكلهمْ ساقوا هَذِه الْآيَة إِلَى قَوْله: من الْمُسلمين. قَوْله: (وجاوزنا) ، أَي: قَطعنَا بهم الْبَحْر، وقرىء: وجوزنا. وَالْبَحْر هُوَ القلزم بِضَم الْقَاف وَهُوَ بَين مصر وَمَكَّة، وَحكى ابْن السَّمْعَانِيّ بِفَتْح الْقَاف وكنيته أَبُو خَالِد، وَفِي (الْمُشْتَرك) القلزم بليدَة بساحل بَحر الْيمن من جِهَة مصر وَمن أَعمال مصر ينْسب الْبَحْر إِلَيْهَا، فَيُقَال: بَحر القلزم، وبالقرب مِنْهَا غرق فِرْعَوْن، وَاسم فِرْعَوْن هَذَا الْوَلِيد بن مُصعب بن الريان أَبُو مرّة، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ:
стр. 5548
أَبُو الْعَبَّاس من بني عمليق بن لاوذ بن أرم بن سَام بن نوح ﵇. وَذكر عبد الرَّحْمَن عَن عَمه أبي زرْعَة. حَدثنَا عَمْرو بن حَمَّاد حَدثنَا أَسْبَاط عَن السّديّ. قَالَ: خرج مُوسَى ﵇، فِي سِتّمائَة ألف وَعشْرين ألف مقَاتل لَا يعدون فيهم ابْن عشر سِنِين لصغره وَلَا ابْن سِتِّينَ لكبره. قَوْله: (فاتبعهم) ، يَعْنِي: فلحقهم، يُقَال: تَبعته حَتَّى اتبعته، وتبعهم فِرْعَوْن وعَلى مقدمته هامان فِي ألف ألف وسِتمِائَة ألف، وَفِيهِمْ مائَة ألف حصان أدهم لَيْسَ فِيهَا أنثي، وَقَالَ ابْن مرْدَوَيْه بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا. كَانَ مَعَ فِرْعَوْن سَبْعُونَ قائدا. مَعَ كل قَائِد سَبْعُونَ ألفا. قَوْله: (بغيا وعدوا) ، منصوبان على الْحَال. قَوْله: (حَتَّى إِذا أدْركهُ الْغَرق) ، أَي: حَتَّى إِذا أدْرك فِرْعَوْن الْغَرق، وَكَانَ يَوْم عَاشُورَاء. قَوْله: (قَالَ آمَنت إِلَى آخِره) ، كرر الْإِيمَان ثَلَاث مَرَّات حرصا على الْقبُول فَلم يَنْفَعهُ ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ فِي حَالَة الِاضْطِرَار، وَلَو كَانَ قَالَهَا مرّة وَاحِدَة فِي حَالَة الِاخْتِيَار لقبل ذَلِك مِنْهُ.
نُنْجِيكَ نُلْقِيكَ عَلَى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ وَهُوَ النَّشَزُ المَكَانُ المُرْتَفِعُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فاليوم ننجيك ببدنك لتَكون لمن خَلفك آيَة﴾ وَفسّر (ننجيك) بقوله: (نلقيك) إِلَى آخِره، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن: ننجيك مُشْتَقّ من: النجوة: لَا من النجَاة الَّتِي بِمَعْنى السَّلامَة، وَفسّر النجوة بقوله: هُوَ النشز، بِفَتْح النُّون والشين الْمُعْجَمَة وبالزاي، وَهُوَ الْمَكَان الْمُرْتَفع، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: ننجيك، بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف مَعْنَاهُ: نبعدك مِمَّا وَقع فِيهِ قَوْمك من قَعْر الْبَحْر، وَقيل: نلقيك بنجوة من الأَرْض، وقرىء: ننجيك، بِالْحَاء الْمُهْملَة، مَعْنَاهُ: نلقيك بِنَاحِيَة مِمَّا تلِي الْبَحْر، وَذَلِكَ أَنه طرح بعد الْغَرق بِجَانِب الْبَحْر. انْتهى. وَسبب ذَلِك أَن مُوسَى، ﵇ وَأَصْحَابه لما خَرجُوا من الْبَحْر قَالُوا: من بَقِي فِي الْمَدَائِن من قوم فِرْعَوْن مَا غرق فِرْعَوْن وَإِنَّمَا هُوَ وَأَصْحَابه يصيدون فِي جزائر الْبَحْر، فَأوحى الله تَعَالَى إِلَى الْبَحْر: أَن لفظ فِرْعَوْن عُريَانا فَأَلْقَاهُ على نجوة من الأَرْض على سَاحل الْبَحْر، قَالَ مقَاتل: قَالَ بَنو إِسْرَائِيل: إِن القبط لم يفرقُوا فَأوحى الله إِلَى الْبَحْر فطفا بهم على وَجهه، فنظروا فِرْعَوْن على المَاء، فَمن ذَلِك الْيَوْم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة تطفو الغرقى على المَاء، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿ولتكون لمن خَلفك آيَة﴾ يَعْنِي: لمن بعْدك إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: قَالَت بَنو إِسْرَائِيل لما أخْبرهُم مُوسَى بِهَلَاك القبط.: مَا مَاتَ فِرْعَوْن وَلَا يَمُوت أبدا فَأمر الله تَعَالَى الْبَحْر فَألْقى فِرْعَوْن على السَّاحِل أَحْمَر قَصِيرا كَأَنَّهُ ثَوْر، فَرَآهُ بَنو إِسْرَائِيل فَمن ذَلِك الْوَقْت لَا يقبل الْبَحْر مَيتا أبدا. فَإِن قيل: فقد ذكر أَن نوحًا، ﵇. لما أرسل الْغُرَاب لينْظر لَهُ الأَرْض رأى جيف الغرقى فلهى بهَا عَن حَاجَة نوح ﵇، فَالْجَوَاب: أَن المَاء كَانَ قد نصب فَلهَذَا رأى الْجِيَف، وَهنا إِنَّمَا هُوَ مَعَ وجود المَاء واستقراره. قَوْله: (ببدنك) ، أَي: بجسدك. قَالَه مُجَاهِد، وَقيل: المُرَاد بِالْبدنِ الدرْع الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَقيل: كَانَت لَهُ درع من ذهب يعرف بهَا، وَقَرَأَ أَبُو حنيفَة بأبدانك. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: يَعْنِي ببدنك كُله وافيا بأجزائه أَو يُرَاد بدروعك كَأَنَّهُ كَانَ مظَاهر بَينهَا.
١١ - ( ﴿سُورَةُ هُودٍ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي تَفْسِير بعض سُورَة هود، قَالَ أَبُو الْعَبَّاس فِي (المقامات) فِيهَا آيَة مَدَنِيَّة وَقَالَ بَعضهم: آيتان. قَالَ السّديّ:
стр. 5549
قَالَ ابْن عَبَّاس: سُورَة هود مَكِّيَّة غير قَوْله: ﴿أقِم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار﴾ (هود: ١١٤) الْآيَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: عَن ابْن عَبَّاس: هِيَ مَكِّيَّة مُطلقًا، وَبِه قَالَ الْحسن وَعِكْرِمَة وَمُجاهد وَجَابِر بن زيد وَقَتَادَة، وَعنهُ: هِيَ مَكِّيَّة إلَاّ آيَة وَاحِدَة وَهِي: ﴿فلعلك تَارِك بعض مَا يُوحى إِلَيْك﴾ (هود: ١٢) رَوَاهُ عَنهُ عَليّ بن أبي طَلْحَة، وَقَالَ مقَاتل: مَكِّيَّة إلَاّ آيَتَيْنِ: ﴿أقِم الصَّلَاة﴾ الْآيَة. ﴿وَأُولَئِكَ يُؤمنُونَ بِهِ﴾ (هود: ١٧) نزلت فِي ابْن سَلام وَأَصْحَابه. وَهِي سَبْعَة آلَاف وَخَمْسمِائة وَسَبْعَة وَسِتُّونَ حرفا. وَألف وَتِسْعمِائَة وَخمْس عشرَة كلمة، وَمِائَة وَثَلَاث وَعِشْرُونَ آيَة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ عَصِيبٌ شَدِيدٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهَذَا يَوْم عصيب﴾ (هود: ٧٧) وَفَسرهُ بقوله: شَدِيد، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: فِي قَوْله: ﴿هَذَا يَوْم عصيب﴾ شَدِيد الْقَائِل بِهَذَا لوط، ﵇، حِين جَاءَتْهُ الْمَلَائِكَة فِي صُورَة غلْمَان جرد بهم منزله وَحسب أَنهم أنَاس، فخاف عَلَيْهِم من قومه وَلم يعلم بذلك أحد فَخرجت امْرَأَته فَأخْبرت بهم قَومهَا. فَقَالَ: ﴿هَذَا يَوْم عصيب﴾ أَي: شَدِيد عليّ وقصته مَشْهُورَة.
لَا جَرَمَ بَلَى
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا جرم أَنهم فِي الْآخِرَة هم الأخسرون﴾ (هود: ٢٢) وَفَسرهُ بقوله: بل قَالَ بَعضهم: وَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: لَا جرم إِن الله يعلم قَالَ: أَي: بلَى أَن الله يعلم. قلت: الَّذِي ذكره البُخَارِيّ فِي هَذِه السُّورَة. أَعنِي سُورَة هود. الَّذِي نَقله لَيْسَ فِي سُورَة هود، وَإِنَّمَا هُوَ فِي سُورَة النَّحْل، وَكَانَ الْمُنَاسب أَن يذكر مَا فِي سُورَة هود لِأَنَّهُ فِي صدد تَفْسِير سُورَة هود وَإِن كَانَ الْمَعْنى فِي الْمَوْضِعَيْنِ سَوَاء، وَالْعم أَن الْفراء قَالَ: لَا جرم، كلمة كَانَت فِي الأَصْل بِمَنْزِلَة لَا بُد وَلَا محَالة، فجرت على ذَلِك وَكَثُرت حَتَّى تحولت إِلَى معنى الْقسم وَصَارَت بِمَنْزِلَة حَقًا، فَلذَلِك يُجَاب عَنهُ بَالَام، كَمَا يُجَاب بهَا عَن الْقسم. أَلا تَرَاهم يَقُولُونَ: لَا جرم لآتينك، وَيُقَال: جرم، فعل عِنْد الْبَصرِيين وَاسم عِنْد الْكُوفِيّين، فَإِذا كَانَ اسْما يكون بِمَعْنى حَقًا وَمعنى الْآيَة. حَقًا إِنَّهُم فِي الْآخِرَة هم الأخسرون، وعَلى قَول الْبَصرِيين لَا رد لقَوْل الْكفَّار: وجرم مَعْنَاهُ عِنْدهم كسب. أَي: كسب كفرهم الخسارة فِي الْآخِرَة.
وَقَالَ غَيْرُهُ: وَحَاقَ نَزَلَ يَحِيقُ يَنْزِلُ
أَي: قَالَ غير ابْن عَبَّاس: معنى حاق فِي قَوْله: ﴿وحاق بهم مَا كَانُوا بِهِ يستهزئون﴾ (هود: ٨) نزل بهم وأصابهم. قَالَه أَبُو عُبَيْدَة، وَإِنَّمَا ذكر: يَحِيق إِشَارَة إِلَى أَنه من فعل يفعل بِفَتْح الْعين فِي الْمَاضِي وَكسرهَا فِي الْمُضَارع.
يؤسٌ فَعُولٌ مِنْ يَئِسْتُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن أذقنا الْإِنْسَان منَّا رَحْمَة ثمَّ نزعناها مِنْهُ إِنَّه ليؤوس كفور﴾ (هود: ٩) وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَن وَزنه فعول، من صِيغ الْمُبَالغَة وَأَنه مُشْتَقّ من يئست من الْيَأْس وَهُوَ انقاطع الرَّجَاء، وَفِي قَوْله: من يئست، تساهل لِأَنَّهُ مُشْتَقّ من الْيَأْس كَمَا تَقْتَضِيه الْقَوَاعِد الصرفية.
وَقَالَ مُجاهِدٌ تَبْتَئِسْ تَحْزَنْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن مُجَاهدًا فسر قَوْله: تبتئس: تحزن فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا نبتئس بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (هود: ٣٦) وَالْخطاب لنوح، ﵇، وَوصل هَذَا الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد.
يَثْنُونَ صُدُروَهُمْ شَك وَامْتِرَاءٌ فِي الحَقِّ لِيسْتَخْفُوا مِنْهُ مِنَ الله إنْ اسْتَطَاعُوا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَنهم يثنون صُدُورهمْ ليستخفوا مِنْهُ﴾ (هود: ٥) الْآيَة. وَهُوَ تَفْسِير مُجَاهِد أَيْضا فَأَنَّهُ قَالَ: يثنون صُدُورهمْ شكا وامتراءا فِي الْحق. قَوْله: (يثنون صُدُورهمْ) من الثني ويعبر بِهِ عَن الشَّك فِي الْحق والإعراض عَنهُ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ:
стр. 5550
يزورَّون عَن الْحق وينحرفون عَنهُ لِأَن من أقبل على الشَّيْء استقبله بصدره وَمن أزورّ عَنهُ وانحرف ثنى عَنهُ صَدره وطوى عَنهُ كشحه. وَيُقَال: هَذِه نزلت فِي الْأَخْنَس بن شريق وَكَانَ حُلْو الْكَلَام المنظر يلقِي النَّبِي ﷺ بِمَا يحب وينطوي لَهُ على مَا يكره، وَقيل: نزلت فِي بعض الْمُنَافِقين، وَقيل: فِي بعض الْمُشْركين كَانَ النَّبِي ﵇، إِذا مر عَلَيْهِ يثني صَدره ويطأطىء رَأسه كَيْلا يرَاهُ، فَأخْبر الله تَعَالَى نبيه، ﵊، بِمَا ينطوي عَلَيْهِ صُدُورهمْ، ويثنون يكتمون مَا فِيهَا من الْعَدَاوَة. قَوْله: (ليستخفوا مِنْهُ) أَي: من الله. وَقيل: من الرَّسُول، وَهُوَ من الْقُرْآن. وَقَوله: ﴿إِن اسْتَطَاعُوا﴾ لَيْسَ من الْقُرْآن، والتفاسير الْمَذْكُورَة إِلَى هُنَا وَقعت فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَعند غَيره وَقعت مؤخرة وَالله أعلم وَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ عَن قريب مستقصى.
وَقَالَ أبُو مَيْسَرَةً الأوَّاه الرَّحِيمُ بِالحَبَشِيَّةِ
لم يَقع هَذَا هُنَا فِي رِوَايَة أبي ذَر وَقد تقدم فِي تَرْجَمَة إِبْرَاهِيم، ﵇، فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، ﵈، وَأَبُو ميسرَة ضد الميمنة واسْمه عَمْرو بن شُرَحْبِيل الْهَمدَانِي التَّابِعِيّ الْكُوفِي، روى عَنهُ مثل الشّعبِيّ وَأَبُو إِسْحَاق السبيعِي، وَأَشَارَ بقوله الأواه إِلَى قَوْله: ﴿إِن إِبْرَاهِيم لحليم أَواه منيب﴾ (هود: ٧٥) .
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ بَادِي الرَّأْي مَا ظَهَرَ لَنَا
أَي: قَالَ عبد الله بن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿هم أراذلنا بَادِي الرَّأْي﴾ الْآيَة. وَفسّر قَوْله: بَادِي الرَّأْي: بقوله: مَا ظهر لنا، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد عَن الْعَبَّاس بن الْوَلِيد بن مزِيد أَخْبرنِي مُحَمَّد بن شُعَيْب أَخْبرنِي عُثْمَان بن عَطاء عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ الجُودِيُّ جَبَلٌ بِالجَزِيرَةِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿واستوت على الجودي﴾ (هود: ٤٤) أَي: اسْتَوَت سفينة نوح، ﵊، على الجودي، وَهُوَ جبل بالجزيرة، تشامخت الْجبَال يَوْمئِذٍ وتطاولت وتواضع الجودي لله ، فَلم يغرق، فأرسيت عَلَيْهِ السَّفِينَة. وَقيل: إِن الجودي جبل بالموصل، وَقيل: بآمدوهما من الجزيرة، وَقَالَ: أكْرم الله ، ثَلَاثَة جبال بِثَلَاثَة أَنْبيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، حراء بِمُحَمد ﷺ : والجودي بِنوح، ﵊، وَالطور بمُوسَى، ﵊.
وَقَالَ الحَسَنُ: إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ
أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّك لأَنْت الْحَلِيم الرشيد﴾ (هود: ٨٧) فِي قصَّة شُعَيْب، ﵊، قَالَ: إِنَّمَا قَالَ قومه ذَلِك استهزاءً بِهِ. وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد عَن الْمُنْذر بن شَاذان عَن زَكَرِيَّا بن عدي عَن أبي مليح عَن الْحسن.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ أقْلِعِي أمْسِكِي
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقيل يَا أَرض ابلعي ماءك وَيَا سَمَاء اقلعي﴾ (هود: ٤٠) رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن أبي صَالح حَدثنَا مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس.
وَفَارَ التَّنُّورُ نَبَعَ المَاءُ: عَصِيبٌ شَدِيدٌ لَا جَرَمَ بَلَى
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا جَاءَ أمرنَا وفار التَّنور﴾ (هود: ٤٠) وَهَذَا أَيْضا رَوَاهُ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: (فار) ، من الْفَوْر وَهُوَ الغليان، والفوارة مَا يفور من الْقدر، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: التَّنور اسْم فَارسي مُعرب لَا تعرف لَهُ الْعَرَب اسْما غَيره، فَلذَلِك جَاءَ فِي التَّنْزِيل لأَنهم خوطبوا بِمَا عرفوه: وَاخْتلفُوا فِي مَوْضِعه. فَقَالَ مُجَاهِد: كَانَ ذَلِك فِي نَاحيَة الْكُوفَة، وَقَالَ: اتخذ نوح، عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام، السَّفِينَة فِي جَوف مَسْجِد الْكُوفَة وَكَانَ التَّنور على يَمِين الدَّاخِل مِمَّا يَلِي كشدة، وَبِه قَالَ
стр. 5551
عَليّ وزر بن حُبَيْش، وَقَالَ مقَاتل: كَانَ تنور آدم، ﵊، وَإِنَّمَا كَانَ بِالشَّام بِموضع يُقَال لَهُ: عين وردة، وَعَن عِكْرِمَة، كَانَ التَّنور بِالْهِنْدِ.
وَقَالَ عِكْرَمَةُ وَجْهُ الأرْضِ
أَي: قَالَ عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس، التَّنور اسْم لوجه الأَرْض، وَذكروا فِيهِ سِتَّة أَقْوَال: أَحدهَا: هَذَا. وَالثَّانِي: اسْم لأعلى وَجه الأَرْض. وَالثَّالِث: تنوير الصُّبْح من قَوْلهم: نور الصُّبْح تنويرا. وَالرَّابِع: طُلُوع الشَّمْس. وَالْخَامِس: هُوَ الْموضع الَّذِي اجْتمع فِيهِ مَاء السَّفِينَة فَإِذا فار مِنْهُ المَاء كَانَ ذَلِك عَلامَة لنوح، ﵊، لركوب السَّفِينَة، وَالسَّادِس: مَا ذكره البُخَارِيّ.
١ - (بابٌ: ﴿أَلا إنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ إلَاّ حِينَ يَسْتَغْشونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (هود: ٥)
وَفِي بعض النّسخ: بَاب: ﴿إِلَّا إِنَّهُم يثنون﴾ وَقد ذكرنَا عَن قريب أَنه من الثني وَمَا قَالُوا فِيهِ.
٤٦٨١ - ح دَّثنا الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدٍ بنِ صَبَّاحٍ حدَّثنا حَجَّاجٌ قَالَ قَالَ ابنُ جُرَيْجٍ أخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بنُ عَبَّادِ بنِ جَعْفَرٍ أنَّهُ سَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ أَلا إنَّهُمْ يَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ قَالَ سَأَلْتُهُ عَنْها فَقَلَ أُناسٌ كَانُوا يَسْتَحْيُونَ أنْ يَتَخَلَّوْا فَيُفْضُوا إلَى السَّمَاءِ وَأنْ يُجامِعُوا نِساءَهُمْ فَيُفْضُوا إلَى السَّماءِ فَنَزَلَ ذالِكَ فِيهِمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَالْحسن بن مُحَمَّد بن صباح: تَشْدِيد الْبَاء الْمُوَحدَة، أَبُو عَليّ الزَّعْفَرَانِي، مَاتَ يَوْم الِاثْنَيْنِ لثمان بَقينَ من رَمَضَان سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وحجاج هُوَ ابْن مُحَمَّد الْأَعْوَر ترمذي سكن المصيصة، وَابْن جريح هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَمُحَمّد بن عباد، بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن جَعْفَر المَخْزُومِي.
قَوْله: (أَلا إِنَّهُم) ، كلمة تَنْبِيه تدل على تحقق مَا بعْدهَا. قَوْله: (يثنوني) ، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح النُّون وَسُكُون الْوَاو وَكسر النُّون الْأَخِيرَة، هُوَ مضارع على وزن يفعوعل وماضيه أئتوني. عَليّ وزن افعوعل من الثني على طَرِيق الْمُبَالغَة. كَمَا تَقول: أحلولي، للْمُبَالَغَة من الْحَلَاوَة، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا بِنَاء مُبَالغَة، كاعشوشب. قلت: كَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: كيعشوشب، فأحد الشَّيْئَيْنِ وَالْوَاو زائدتان لِأَنَّهُ من عشب، وقرىء بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة فِي أَوله مَوضِع الْيَاء آخر الْحُرُوف. وعَلى الْوَجْهَيْنِ لفظ: (صُدُورهمْ) مَرْفُوع بِهِ وَالْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة يثنون بِلَفْظ الْجمع الْمُذكر الْمُضَارع، وَالضَّمِير فِيهِ رَاجع إِلَى الْمُنَافِقين، وصدورهم مَنْصُوب بِهِ، وقرىء: لتئتوني، بِزِيَادَة اللَّام فِي أَوله: وتثنون أَصله تثنوين، من الثن بِكَسْر الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَشْديد النُّون، وَهُوَ ماهش وَضعف من الْكَلَام يُرِيد مطاوعة صُدُورهمْ لِلتَّمَنِّي كَمَا يثنى النَّبَات من هشه، وَأَرَادَ ضعف إِيمَانهم وَمرض قُلُوبهم: قرىء: تثنثن من اثْنَان على وزن افعال مِنْهُ، وَلكنه همز كَمَا قيل: أبيأضت من ابياضت، وقرىء: يثنوي. على وزن يرعوي. قَوْله: (كَانُوا يستحيون) ، من الْحيَاء، ويروى: يستخفون، من الاستخفاء، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: كَانُوا يستحيون أَن يتخلوا فيفضوا إِلَى السَّمَاء وَأَن يجامعوا نِسَاءَهُمْ فيفضوا إِلَى السَّمَاء. قَوْله: (أَن يتخلوا) ، أَي: أَن يقضوا الْحَاجة فِي الْخَلَاء وهم عُرَاة، وَحكى ابْن التِّين بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة، ثمَّ حكى عَن الشَّيْخ أبي الْحسن الْقَابِسِيّ أَنه أحسن، أَي: يرقدون على حلاوة قفاهم. قَوْله: (فيفضوا) ، من أفْضى الرجل إِلَى امْرَأَته إِذا بَاشَرَهَا، وَفِي رِوَايَة أبي أُسَامَة: كَانُوا لَا يأْتونَ النِّسَاء وَلَا الْغَائِط إلَاّ وَقد تغشوا بثيابهم كَرَاهَة أَن يفضوا بفروجهم إِلَى السَّمَاء. (فَنزل ذَلِك) أَي: قَوْله : ﴿أَلا إِنَّهُم يثنون﴾ الْآيَة.
٤٦٨٢ - ح دَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخْبَرَنَا هِشَامٌ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ وَأخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بنُ عَبَّادِ بنِ
стр. 5552
جَعْفَرٍ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ قَرَأَ أَلا إنهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ قُلْتُ يَا أَبَا العَبَّاسِ مَا تَثْنُونِي صُدُورُهُمْ قَالَ كَانَ الرَّجُلُ يُجَامِعُ امْرَأَتَهُ فَيَسْتَحِي أوْ يَتَخَلَّى فَيَسْتَحِي فَنَزَلَتْ: ﴿أَلا إنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ .
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى الْفراء أبي إِسْحَاق الرَّازِيّ الْمَعْرُوف بالصغير عَن هِشَام بن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ الْيَمَانِيّ قاضيها عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج.
قَوْله: (وَأَخْبرنِي) ، ويروى عَن ابْن جريج. قَالَ: وَأَخْبرنِي، فَكَأَن هَذِه الْعبارَة تدل على أَن ابْن جريج روى هَذَا عَن غير مُحَمَّد بن عباد، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ عَن ابْن جريج عَن ابْن أبي مليكَة عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: (تثنوني) ، على وزن، تفعوعل، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب، (وصدورهم) مَرْفُوع بِهِ قلت: قَائِله مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَأَبُو الْعَبَّاس كنية عبد الله بن عَبَّاس.
٢٠٣ - (حَدثنَا الْحميدِي حَدثنَا سُفْيَان حَدثنَا عَمْرو قَالَ قَرَأَ ابْن عَبَّاس أَلا إِنَّهُم يثنون صُدُورهمْ ليستخفوا مِنْهُ أَلا حِين يستغشون ثِيَابهمْ وَقَالَ غَيره عَن ابْن عَبَّاس يستغشون يغطون رُؤْسهمْ) هَذَا طَرِيق آخر أخرجه عَن عبد الله بن الزبير بن عِيسَى الْحميدِي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار قَوْله " يثنون " بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَضم النُّون وَهِي الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة وَلَفظ صُدُورهمْ مَنْصُوب بِهِ قَوْله " ليستخفوا مِنْهُ " قد مر تَفْسِيره عَن قريب قَوْله " وَقَالَ غَيره " أَي غير عَمْرو بن دِينَار روى عَن ابْن عَبَّاس
(سيء بهم سَاءَ ظَنّه بقَوْمه وضاق بهم بأضيافه) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى وَلما جَاءَت رسلنَا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وَالَّذِي فسره البُخَارِيّ مَرْوِيّ عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس أخرجه الطَّبَرِيّ وَالضَّمِير فِي بهم يرجع إِلَى قوم لوط وَفِي الَّذِي ضَاقَ بهم يرجع إِلَى الأضياف وهم الْمَلَائِكَة الَّذين أَتَوا لوطا فِي صُورَة غلْمَان جرد فَلَمَّا نظر إِلَى حسن وُجُوههم وَطيب روائحهم أشْفق عَلَيْهِم من قومه وضاق صَدره وَعظم الْمَكْرُوه عَلَيْهِ قَوْله " وضاق بهم ذرعا " قَالَ الزّجاج يُقَال ضَاقَ زيد بأَمْره ذرعا إِذا لم يجد من الْمَكْرُوه الَّذِي أَصَابَهُ مخلصا
(بِقطع من اللَّيْل بسواد) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى فَأسر بأهلك بِقطع من اللَّيْل وَلَا يلْتَفت مِنْكُم أحد الْآيَة وَفسّر الْقطع بسواد وَهُوَ مَرْوِيّ هَكَذَا عَن ابْن عَبَّاس أخرجه ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة مَعْنَاهُ بِبَعْض من اللَّيْل وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة بطَائفَة من اللَّيْل
(وَقَالَ مُجَاهِد أنيب أرجع) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب وَفسّر أنيب من الْإِنَابَة بقوله أرجع وَقد وَصله عبد بن حميد من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد بِهَذَا وَلم تقع نِسْبَة هَذَا إِلَى مُجَاهِد فِي رِوَايَة أبي ذَر وَرُبمَا يُوهم ذَلِك أَنه عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَلَيْسَ كَذَلِك وَهنا تَفْسِير أَلْفَاظ وَقعت فِي بعض النّسخ قبل بَاب وَكَانَ عرضه على المَاء
(سجيل الشَّديد الْكَبِير: سجيل وسجين وَاللَّام وَالنُّون أختَان وَقَالَ تَمِيم بن مقبل
(ورجلة يضْربُونَ الْبيض ضاحية ... ضربا توَاصى بِهِ الْأَبْطَال سجينا)
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وأمطرنا عَلَيْهَا حِجَارَة من سجيل منضود﴾ وَفَسرهُ بقوله الشَّديد الْكَبِير بِالْبَاء وبالثاء الْمُثَلَّثَة أَيْضا وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة هُوَ الشَّديد من الْحِجَارَة الصلب وَاعْترض ابْن التِّين بِأَنَّهُ لَو كَانَ معنى السجيل الشَّديد الْكَبِير لما دخلت
стр. 5553
عَلَيْهِ من وَكَانَ يَقُول حِجَارَة سجيلا لِأَنَّهُ لَا يُقَال حِجَارَة من شَدِيد (قلت) يُمكن أَن يكون فِيهِ حذف تَقْدِيره وَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِم حِجَارَة كائنة من شَدِيد كَبِير يَعْنِي من حجر قوي شَدِيد صلب قَوْله " سجيل وسجين " أَرَادَ بِهِ أَنَّهُمَا لُغَتَانِ بِاللَّامِ وَالنُّون بِمَعْنى وَاحِد قَوْله " وَاللَّام وَالنُّون أختَان " إِشَارَة إِلَى أَنَّهُمَا من حُرُوف الزَّوَائِد وَأَن كلا مِنْهُمَا يقلب عَن الآخر وَاسْتشْهدَ على ذَلِك بقول تَمِيم بن مقبل بن حبيب بن عَوْف بن قُتَيْبَة بن العجلان بن كَعْب بن عَامر بن صعصعة العامري الْعجْلَاني شَاعِر مخضرم أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَكَانَ أَعْرَابِيًا جَافيا أحد الْغَوْر من الشُّعَرَاء المجيدين وَالْبَيْت الْمَذْكُور من جملَة قصيدته الَّتِي ذكر فِيهَا ليلى زوج أَبِيه وَكَانَ خلف عَلَيْهَا فَلَا فرق الْإِسْلَام بَينهمَا قَالَ
(طَاف الخيال بِنَا ركبا يَمَانِيا ... وَدون ليلى عواد لَو تعدينا)
(مِنْهُنَّ مَعْرُوف آيَات الْكتاب وَإِن ... نعتل تكذب ليلى بِمَا تمنينا)
إِلَى أَن قَالَ
(وعاقد التَّاج أوسام لَهُ شرف ... من سوقة النَّاس عَادَته عوادينا)
(فَإِن فِينَا صَبُوحًا إِن أريت بِهِ ... ركبا بهيا وآلاف تمانينا)
(ورجلة يضْربُونَ الْبيض ضاحية ... ضربا توَاصى بِهِ الْأَبْطَال سجينا)
وَهِي من الْبَسِيط والاستشهاد فِي قَوْله سجينا لِأَنَّهُ بِمَعْنى شَدِيدا كثيرا قَوْله " ورجلة " قَالَ الْكرْمَانِي الرجلة بِمَعْنى الرجالة ضد الفرسان (قلت) هُوَ بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْجِيم وَلَيْسَ بِمَعْنى الرجالة بل بِمَعْنى الرجل بِدُونِ التَّاء وَفِي الأَصْل الرجل جمع راجل خلاف الْفَارِس مثل صحب جمع صَاحب وَالظَّاهِر أَنه بِضَم الرَّاء وَالتَّقْدِير وَذَوي رجلة أَي رجولية وَيُقَال راجل جيد الرجلة بِالضَّمِّ يَعْنِي كَامِل فِي الرجولية وَقَالَ الْكرْمَانِي وَهُوَ بِالْجَرِّ وَقيل بِالنّصب مَعْطُوفًا على مَا قبله وَهُوَ قَوْله فَإِن فِينَا صَبُوحًا (قلت) وَلم يبين وَجه الْجَرّ وَالظَّاهِر أَن الْوَاو فِيهِ وَاو رب أَي رب ذَوي رجلة وَحكى ابْن التِّين بِالْحَاء الْمُهْملَة وَلم يبين وَجهه فَإِن صَحَّ ذَلِك فوجهه أَن يُقَال تَقْدِيره وَذَوي رحْلَة بِالضَّمِّ أَي قُوَّة وَشدَّة يُقَال نَاقَة ذَات رحْلَة أَي ذَات شدَّة وَقُوَّة على السّير وَحكى هَذَا عَن أبي عَمْرو قَوْله " الْبيض " بِكَسْر الْبَاء جمع أَبيض وَهُوَ السَّيْف وَيجوز بِفَتْح الْبَاء جمع بَيْضَة الْحَدِيد قَوْله " ضاحية " أَي فِي وَقت الضحوة أَو ظَاهِرَة قَوْله " توَاصى " أَصله تتواصى فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ ويروى تواصت بِالتَّاءِ فِي آخِره قَوْله " الْأَبْطَال " جمع بَطل وَهُوَ الشجاع قَوْله " سجينا " بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْجِيم وَقَالَ الْحسن بن المظفر النَّيْسَابُورِي كَأَنَّهُ هُوَ فعيل من السجْن يثبت من وَقع فِيهِ فَلَا يبرح مَكَانَهُ وَقَالَ المؤرخ سجيل وسجين أَي دَائِم وَرَوَاهُ ابْن الْأَعرَابِي سخينا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أَي سخينا حارا يَعْنِي الضَّرْب وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة السجيل بِالْفَارِسِيَّةِ سنك كل أَي حِجَارَة وطين (قلت) سنك بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وبالكاف الصماء وَهُوَ الْحجر بِالْفَارِسِيَّةِ وكل بِكَسْر الْكَاف الصماء وَسُكُون اللَّام الطين فَلَمَّا عرب كسرت السِّين لِأَن الْعَرَب إِذا اسْتعْملت لفظا أعجميا يتصرفون فِيهِ بتغيير الحركات وقلب بعض الْحُرُوف بِبَعْض وَذكروا أقوالا فِي لفظ سجيل الْمَذْكُور فِي الْآيَة الْكَرِيمَة وأمطرنا عَلَيْهِم حِجَارَة من سجيل فَفِي التَّلْوِيح وَاخْتلف فِي لفظ سجيل فَقيل هُوَ دخيل وَقيل هُوَ عَرَبِيّ وَقيل هُوَ الْحِجَارَة كالمدر وَقيل حِجَارَة من سجيل طبخت بِنَار جَهَنَّم مَكْتُوب عَلَيْهَا أَسمَاء الْقَوْم وَقَالَ الْحسن أَصله طين شوى وَقَالَ الضَّحَّاك يَعْنِي الْآجر وَقَالَ ابْن زيد طبخ حَتَّى صَار كالآجر وَقيل اسْم للسماء الدُّنْيَا وَقَالَ عِكْرِمَة سجيل بَحر مُعَلّق فِي الْهَوَاء بَين السَّمَاء وَالْأَرْض مِنْهُ نزلت الْحِجَارَة وَقيل هِيَ جبال فِي السَّمَاء وَهِي الَّتِي أَشَارَ الله إِلَيْهَا بقوله ﴿وَينزل من السَّمَاء من جبال فِيهَا من برد﴾ وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ قيل هُوَ فعيل من قَول الْعَرَب أسجلته إِذا أَرْسلتهُ فَكَأَنَّهَا مُرْسلَة عَلَيْهِم وَقيل هُوَ من سجلت لَهُ سجلا إِذا أَعْطيته كَأَنَّهُمْ أعْطوا ذَلِك الْبلَاء وَالْعَذَاب وَقَالَ الْقَزاز سجيل عَال
(استعمركم جعلكُمْ عمارا أعمرته الدَّار فَهِيَ عمرى جَعلتهَا لَهُ) أَشَارَ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ أنشأكم من الأَرْض واستعمركم فِيهَا فاستغفروه﴾ الْآيَة وَفَسرهُ بقوله جعلكُمْ عمارا وَهَكَذَا
стр. 5554
روى عَن مُجَاهِد قَوْله " أعمرته الدَّار " إِلَى آخِره مر فِي كتاب الْهِبَة قَوْله " جَعلتهَا لَهُ " أَي هبة وَهَذَا لم يثبت إِلَّا فِي رِوَايَة أبي ذَر (نكرهم وأنكرهم واستنكرهم وَاحِد) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا رأى أَيْديهم لَا تصل إِلَيْهِ نكرهم وأوجس مِنْهُم خيفة﴾ الْآيَة أَي فَلَمَّا رأى أَيدي الْمَلَائِكَة لَا تصل إِلَى عجل حنيذ الَّذِي قدمه إِلَيْهِم حِين جَاءَ خَافَ فَقَالُوا ﴿لَا تخف إِنَّا أرسلنَا إِلَى قوم لوط﴾ وَأَشَارَ بِأَن معنى نكرهم الثلاثي الْمُجَرّد وأنكرهم الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ واستنكرهم من بَاب الاستفعال كلهَا بِمَعْنى وَاحِد من الْإِنْكَار وَقَالَ الْجَوْهَرِي نكرت الرجل بِالْكَسْرِ نكرا ونكورا وأنكرته كُله بِمَعْنى
(حميد مجيد كَأَنَّهُ فعيل من ماجد. مَحْمُود من حمد) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله ﴿رَحْمَة الله وَبَرَكَاته عَلَيْكُم أهل الْبَيْت إِنَّه حميد مجيد﴾ أَي أَن الله هُوَ الَّذِي يسْتَحق الْحَمد وَالْمجد وَالْمجد الشّرف يُقَال رجل ماجد إِذا كَانَ سخيا وَاسع الْعَطاء قَوْله " كَأَنَّهُ فعيل " لَيْسَ هَذَا مَحل الشَّك حَتَّى قَالَ كَأَنَّهُ فعيل أَي كَانَ وَزنه فعيل بل هُوَ على وزن فعيل من صِيغَة ماجد وَحميد بِمَعْنى مَحْمُود قَوْله " من حمد " أَي أَخذ حميد من حمد على صِيغَة الْمَجْهُول وَقَالَ الطَّيِّبِيّ الْمجِيد مُبَالغَة الْمَاجِد من الْمجد وَهُوَ سَعَة الْكَرم من قَوْلهم مجدت الْمَاشِيَة إِذا صادفت رَوْضَة انفا وأمجدها الرَّاعِي وَقيل الْمجِيد بِمَعْنى الْعَظِيم الرفيع الْقدر
(إجرامي هُوَ مصدر من أجرمت وَبَعْضهمْ يَقُول جرمت) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله ﴿قل إِن افتريته فعلي إجرامي وَأَنا برىء مِمَّا تجرمون﴾ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ وإجرامي بِلَفْظ الْمصدر وَالْجمع كَقَوْلِه ﴿وَالله يعلم إسرارهم﴾ وينصر الْجمع أَن فسروه بآثامي وَالْمعْنَى إِن صَحَّ وَثَبت أَنِّي افتريته فعلي عُقُوبَة إجرامي أَي افترائي وَيُقَال الإجرام اكْتِسَاب السَّيئَة يُقَال أجرم فَهُوَ مجرم قَوْله " وَبَعْضهمْ " يَقُول جرمت يَعْنِي من صِيغَة الثلاثي الْمُجَرّد وَهُوَ قَول أبي عُبَيْدَة وجرمت بِمَعْنى كسبت
(الْفلك والفلك وَاحِد وَهِي السَّفِينَة والسفن) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿واصنع الْفلك بأعيننا﴾ وَأَشَارَ بِأَن الْفلك يُطلق على الْوَاحِد وعَلى الْجمع بِلَفْظ وَاحِد فَلذَلِك قَالَ وَهِي السَّفِينَة والسفن أَي الْفلك إِذا أطلق على الْوَاحِد يكون الْمَعْنى السَّفِينَة وَإِذا أطلق على الْجمع يكون الْمَعْنى السفن الَّتِي هِيَ جمع سفينة وَالْفَاء فيهمَا مَضْمُومَة فضمة الْمُفْرد مثل ضمة قفل وضمة الْجمع مثل ضمة أَسد جمع أَسد
(مجْراهَا مدفعها وَهُوَ مصدر أجريت وأرسيت حبست وَيقْرَأ مرْسَاها من رست هِيَ ومجراها من جرت هِيَ ومجريها ومرسيها من فعل بهَا) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسم الله مجْراهَا وَمرْسَاهَا﴾ وَفسّر مجْراهَا بِضَم الْمِيم الَّذِي هُوَ قِرَاءَة الْجُمْهُور بقوله مدفعها وَأَرَادَ بِهِ مسيرها وَعَن ابْن عَبَّاس مجْراهَا حَيْثُ تجْرِي وَمرْسَاهَا حَيْثُ ترسي قَوْله " وَهُوَ مصدر أجريت " أَرَادَ بِهِ الْمصدر الميمي والمصدر على بَابه من أجريت إِجْرَاء قَوْله " وأرسيت حبست " أَي معنى أرسيت حبست قَوْله وَيقْرَأ مرْسَاها يَعْنِي بِفَتْح الْمِيم وَهِي قِرَاءَة الْكُوفِيّين حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَحَفْص عَن عَاصِم قَوْله " من رست " أَي أَن مرْسَاها بِفَتْح الْمِيم مَأْخُوذ من رست أَي السَّفِينَة إِذا ركدت واستقرت وَكَذَلِكَ مجْراهَا بِفَتْح الْمِيم من جرت هِيَ أَي من جرت تجْرِي جَريا قَوْله " ومجريها ومرسيها " يَعْنِي تقْرَأ بِضَم الْمِيم فيهمَا وَهِي قِرَاءَة يحيى بن وثاب وَالْمعْنَى الله مجريها ومرسيها (فَالْأول) من الإجراء (وَالثَّانِي) من الإرساء قَوْله من فعل بهَا بِصِيغَة الْمَعْلُوم والمجهول يرجع إِلَى الْقِرَاءَتَيْن فَفِي قِرَاءَة بِفَتْح الْمِيم بِصِيغَة الْمَعْلُوم وَفِي قِرَاءَة بِلَفْظ الْفَاعِل بِصِيغَة الْمَجْهُول
стр. 5555
(الراسيات ثابتات) ذكر هَذَا اسْتِطْرَادًا لذكر مرْسَاها لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي سُورَة هود وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وقدور راسيات﴾ أَي ثابتات عِظَام
(عنيد وعنود وعاند وَاحِد هُوَ تَأْكِيد التجبر) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَاتبعُوا كل جَبَّار عنيد﴾ وَأَشَارَ بِأَن هَذِه الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة مَعْنَاهَا وَاحِد وَهُوَ تَأْكِيد التجبر وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة معنى عنيد الْمعَارض الْمُخَالف
(وَيَقُول الأشهاد هَؤُلَاءِ الَّذين كذبُوا على رَبهم أَلا لعنة الله على الظَّالِمين وَاحِد الأشهاد شَاهد مثل صَاحب وَأَصْحَاب) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى وَيَقُول الأشهاد هَؤُلَاءِ الَّذين كذبُوا الْآيَة وَأَشَارَ إِلَى أَن الأشهاد جمع واحده شَاهد مثل أَصْحَاب واحده صَاحب وَقَالَ زيد بن أسلم الأشهاد أَرْبَعَة الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة ﵈ والمؤمنون والأجناد وَقَالَ الضَّحَّاك الْأَنْبِيَاء وَالرسل ﵈ وَعَن مُجَاهِد الْمَلَائِكَة وَعَن قَتَادَة الْخَلَائق رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم -
٢ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلَى الماءِ﴾ (هود: ٧)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَانَ عَرْشه على المَاء﴾ أَي: كَانَ عَرْشه على المَاء قبل أَن يخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَقيل لِابْنِ عَبَّاس: على أَي شَيْء كَانَ المَاء؟ قَالَ: على متن الرّيح، وَفِي وقُوف الْعَرْش على المَاء وَالْمَاء على غير تُرَاب أعظم الِاعْتِبَار لأهل الأفكار، وَقَالَ كَعْب: خلق الله ياقوتة حَمْرَاء ثمَّ نظر إِلَيْهَا بالهيبة فَصَارَت مَاء يرتعد، ثمَّ خلق الرّيح فَجعل المَاء على متنها، ثمَّ وضع الْعَرْش على المَاء.
٢٠٤ - (حَدثنَا أَبُو الْيَمَان أخبرنَا شُعَيْب حَدثنَا أَبُو الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ قَالَ الله أنْفق أنْفق عَلَيْك وَقَالَ يَد الله ملآى لَا تغيضها نَفَقَة سحاء اللَّيْل وَالنَّهَار وَقَالَ أَرَأَيْتُم مَا أنْفق مُنْذُ خلق السَّمَاء وَالْأَرْض فَإِنَّهُ لم يغض مَا فِي يَده وَكَانَ عَرْشه على المَاء وَبِيَدِهِ الْمِيزَان يخْفض وَيرْفَع) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة وَأَبُو الزِّنَاد بِكَسْر الزَّاي وبالنون عبد الله بن ذكْوَان والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز والْحَدِيث أخرجه فِي التَّوْحِيد أَيْضا وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير بِبَعْضِه قَوْله أنْفق عَلَيْك مجزوم لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر وَفِيه مشاكلة لِأَن إِنْفَاق الله تَعَالَى لَا ينقص من خزائنه شَيْئا قَوْله يَد الله ملأى كِنَايَة عَن خزائنه الَّتِي لَا تنفد بالعطاء قَوْله لَا يغيضها بالغين وَالضَّاد المعجمتين أَي لَا ينقصها وَهُوَ لَازم ومتعد يُقَال غاض المَاء يغيض وغضته أَنا أغيضه وغاض المَاء إِذا غَار قَوْله سحاء أَي دائمة الصب والهطل بالعطاء يُقَال سح يسح فَهُوَ ساح والمؤنث سحاء وَهِي فعلاء لَا أفعل لَهَا كهطلاء وروى سَحا بِالتَّنْوِينِ على الْمصدر فَكَأَنَّهَا لشدَّة امتلائها تفيض أبدا قَوْله اللَّيْل وَالنَّهَار منصوبان على الظَّرْفِيَّة قَوْله أَرَأَيْتُم أَي أخبروني قَوْله مَا أنْفق أَي الَّذِي أنْفق من يَوْم خلق السَّمَاء وَالْأَرْض قَوْله فَإِنَّهُ أَي فَإِن الَّذِي أنْفق قَوْله لم يغض أَي لم ينقص مَا فِي يَده وَحكم هَذَا حكم المتشابهات تَأْوِيلا قَوْله " الْمِيزَان " أَي الْعدْل قَالَ الْخطابِيّ الْمِيزَان هُنَا مثل وَإِنَّمَا هُوَ قسمته بِالْعَدْلِ بَين الْخلق قَوْله " يخْفض وَيرْفَع " أَي يُوسع الرزق على من يَشَاء ويقتر كَمَا يصنعه الْوزان عِنْد الْوَزْن يرفع مرّة ويخفض أُخْرَى وأئمة السّنة على وجوب الْإِيمَان بِهَذَا وأشباهه من غير تَفْسِير بل يجْرِي على ظَاهره وَلَا يُقَال كَيفَ
стр. 5556
(اعتراك افتعلك من عروته أَي أصبته وَمِنْه يعروه واعتراني) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى أَن نقُول إِلَّا اعتراك بعض آلِهَتنَا بِسوء وَلم يثبت هَذَا هُنَا إِلَّا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده قَوْله " اعتراك افتعلك " أَرَادَ بِهِ أَنه من بَاب الافتعال وَلَكِن قَوْله اعتراك افتعلك بكاف الْخطاب لَيْسَ باصطلاح أحد من أهل الْعُلُوم الآلية وَقَالَ بَعضهم وَإِنَّمَا يُقَال اعتراك افتعلت بتاء مثناة من فَوق وَهُوَ كَذَلِك عِنْد أبي عُبَيْدَة قلت كَذَا وَقع فِي بعض النّسخ وَالصَّوَاب أَن يُقَال اعترى افتعل فَلَا يحْتَاج إِلَى ذكر كَاف الْخطاب فِي الْوَزْن قَوْله " من عروته " إِشَارَة إِلَى أَن أَصله من عرا يعرو عروا وَفِي الصِّحَاح عروت الرجل أعروه عروا إِذا أَلممْت بِهِ وأتيته طَالبا فَهُوَ معرو وَفُلَان تعروه الأضياف وتعتريه أَي تغشاه قَوْله وَمِنْه يعروه واعتراني أَي وَمن هَذَا الأَصْل قَوْلهم فلَان يعروه أَي يُصِيبهُ وَقَالَ الْجَوْهَرِي أعراني هَذَا الْأَمر واعتراني تغشاني وَفِيه معنى الْإِصَابَة
(آخذ بناصيتها أَي فِي ملكه وسلطانه) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿مَا من دَابَّة إِلَّا هُوَ آخذ بناصيتها إِن رَبِّي على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ وَتَفْسِيره بقوله أَي فِي ملكه وسلطانه تَفْسِير بِالْمَعْنَى الغائي لِأَن من أَخذ بناصيته يكون تَحت قهر الْآخِذ وَحكمه وَهَذَا التَّفْسِير بمفسره لم يثبت إِلَّا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده
(وَإِلَى مَدين أَخَاهُم شعيبا) أَي أرسلنَا إِلَى أهل مَدين أَخَاهُم أَي من أنفسهم قَوْله " شعيبا " بدل من أَخَاهُم الَّذِي هُوَ مَنْصُوب بأرسلنا الْمُقدر وَشُعَيْب منصرف لِأَنَّهُ علم عَرَبِيّ وَلَيْسَ فِيهِ عِلّة أُخْرَى وَفِي صَحِيح ابْن حبَان أَرْبَعَة من الْعَرَب هود وَصَالح وَشُعَيْب وَنَبِيك يَا أَبَا ذَر وَكَانَ لِسَانه الْعَرَبيَّة أرْسلهُ الله إِلَى مَدين بعد إِبْرَاهِيم ﵊ وَفِي اسْم أَبِيه أَقْوَال وَالْمَشْهُور شُعَيْب بن بويب بن مَدين بن إِبْرَاهِيم ومدين لَا ينْصَرف للعلمية والعجمة ثمَّ صَار اسْما للقبيلة ثمَّ أَن مَدين لما بنى بَلْدَة قريبَة من أَرض معَان من أَطْرَاف الشَّام مِمَّا يَلِي نَاحيَة الْحجاز سَمَّاهَا باسمه مَدين قَوْله " إِلَى مَدين " أَي إِلَى أهل مَدين لِأَن مَدين اسْم بلد فَلَا يُمكن الْإِرْسَال إِلَيْهِ وَلَا يكون الْإِرْسَال إِلَّا إِلَى أَهله فَلذَلِك قدر الْمُضَاف مثل واسأل الْقرْيَة أَي اسْأَل أهل الْقرْيَة لِأَن السُّؤَال عَن الْقرْيَة لَا يتَصَوَّر وَكَذَلِكَ قَوْله واسأل العير تَقْدِيره واسأل أَصْحَاب العير بِكَسْر الْعين الْإِبِل بأحمالها من عَار يعير إِذا سَار وَقيل هِيَ قافلة الْحمير فكثرت حَتَّى سمى بهَا كل قافلة
(وراءكم ظهريا يَقُول لم تلتفتوا إِلَيْهِ وَيُقَال إِذا لم يقْض الرجل حَاجته ظَهرت بحاجتي وجعلتني ظهريا والظهري هَهُنَا أَن تَأْخُذ مَعَك دَابَّة أَو وعَاء تستظهر بِهِ) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى واتخذتموه وراءكم ظهريا وَهَذَا أَيْضا لم يثبت إِلَّا للكشميهني وَحده وَفَسرهُ بقوله لم تلتفتوا إِلَيْهِ وَهُوَ تَفْسِير بِالْمَعْنَى الغائي لِأَن معنى قَوْله واتخذتموه وراءكم ظهريا جعلتموه وَرَاء ظهوركم وَجعل الشَّيْء وَرَاء الظّهْر كِنَايَة عَن عدم الِالْتِفَات إِلَيْهِ والظهري مَنْسُوب إِلَى الظّهْر وكسرة الظَّاء من تغييرات النّسَب قَوْله وَيُقَال إِذا لم يقْض الرجل حَاجته أَي حَاجَة فلَان مثلا يُقَال لَهُ ظَهرت بهَا كَأَنَّهُ استخف بهَا وَجعلهَا بظهره أَي كَأَنَّهُ أزالها وَلم يلْتَفت إِلَيْهَا وَجعلهَا ظهريا أَي خلف ظَهره قَوْله والظهري هَهُنَا إِلَى آخِره أَن أَرَادَ بقوله هَهُنَا تَفْسِير الظهري الَّذِي فِي الْقُرْآن فَلَا يَصح ذَلِك لِأَن تَفْسِير الظهري هُوَ الَّذِي ذكره أَولا وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ معنى قَوْله تَعَالَى واتخذتموه وراءكم ظهريا نسيتموه وجعلتموه كالشيء مَنْبُوذًا وَرَاء الظّهْر لَا يعبأ بِهِ وَعَن ابْن عَبَّاس رصي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يُرِيد ألقيتموه خلف ظهوركم وامتنعتم من قَتْلِي مَخَافَة قومِي وَالله أكبر وأعز من جَمِيع خلقه وَقَوله والظهري هَهُنَا إِلَى آخِره غير الْمَعْنى الَّذِي ذكره الْمُفَسِّرُونَ فِي الْآيَة الْكَرِيمَة نعم جَاءَ الظهري أَيْضا بِهَذَا الْمَعْنى وَقد قَالَ الْجَوْهَرِي الظهري بِالْكَسْرِ الْعدة للْحَاجة إِن احْتِيجَ إِلَيْهِ وَهَذَا يُؤَكد الْمَعْنى الَّذِي قَالَه
стр. 5557
وَمِنْه يُقَال بعير ظهير بَين الظهارة إِذا كَانَ قَوِيا وناقة ظهيرة قَالَه الْأَصْمَعِي قَوْله يستظهر بِهِ أَي يَسْتَعِين بِهِ أَي بالظهري وَيُقَال فلَان ظهرني على فلَان وَأَنا ظهرتك على هَذَا الْأَمر أَي عونك
(أراذلنا سقاطنا) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى وَمَا نرَاك اتبعك إِلَّا الَّذين هم أراذلنا بَادِي الرَّأْي وَفسّر أراذلنا بقوله سقاطنا بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْقَاف جمع سقط بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ الردي الدني الخسيس وسقاطنا أَي أخساؤنا والأراذل جمع أرذل وَهُوَ الردي من كل شَيْء وَقيل جمع أرذل بِضَم الذَّال وَهُوَ جمع رذل مثل كلب وأكلب وأكالب وَالْآيَة فِي قصَّة نوح ﵊
٤ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُ الأشْهادُ هاؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ الله عَلَى الظّالِمِينَ﴾ (هود: ١٨)
٤٦٨٥ - ح دَّثنا مُسَدَّدُ حَدثنَا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ حَدثنَا سعِيدٌ وهِشَامٌ قَالَا حَدثنَا قَتادَةُ عنْ صَفْوَانَ بنِ مُحْرِزٍ قَالَ بَيْنا ابنُ عمَرَ يَطُوفُ إذْ عَرَضَ رجُلٌ فَقَالَ يَا أَبَا عبْدِ الرَّحْمانِ أوْ قَالَ يَا ابْنَ عُمَرَ هَلْ سَمِعْتَ النبيَّ ﷺ فِي النَّجْوَى فَقَالَ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ يُدْني المُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ. وَقَالَ هِشَامٌ يَدْنُوا المُؤْمِنُ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ فيُقَرِّرُهُ بذُنُوبِهِ تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا يَقُولُ أعْرِفُ يَقُولُ رَبِّ أعْرِفُ مَرَّتَيْنِ فيَقُولُ سَتَرْتُها فِي الدُّنْيا وأغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ ثُمَّ تُطْوَي صَحِيفَةُ حَسَناتِهِ وأمّا الآخَرُونَ أوِ الكُفَّارُ فَيُنادَي عَلَى رُؤُوسِ الأشْهادِ هاؤلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ وَقَالَ شَيْبانُ عنْ قَتادَةَ حدَّثنا صَفْوَانُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن زُرَيْع مصغر زرع وَسَعِيد هُوَ ابْن عرُوبَة، وَهِشَام ابْن عبد الله الدستوَائي، وَصَفوَان بن مُحرز، بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وبالزاي: الْمَازِني.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْمَظَالِم فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿أَلا لعنة الله على الظَّالِمين﴾ وَمضى الْكَلَام فَهِيَ هُنَاكَ.
قَوْله: (فِي النَّجْوَى) أَي: الْمُنَاجَاة الَّتِي بَين الله تَعَالَى وَبَين الْمُؤمنِينَ، وَإِنَّمَا أطلق النَّجْوَى لمخاطبة الْكفَّار على رُؤُوس الأشهاد. قَوْله: (يدني الْمُؤمن) على صِيغَة الْمَجْهُول من الدنو، وَهُوَ الْقرب. قَوْله: (كنفه) بِفَتْح النُّون وَهُوَ الْجَانِب والناحية، وَهَذَا تَمْثِيل لجعله تَحت ظلّ رَحمته يَوْم الْقِيَامَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: حَتَّى يضع عَلَيْهِ كنفه أَي يستره، وَقيل: يرحمه ويلطف بِهِ، والكنف والدنو كِلَاهُمَا مجازان لِاسْتِحَالَة حقيقتهما على الله تَعَالَى، والْحَدِيث من المتشابهات. قَوْله: (ثمَّ تطوى) ويروى: ثمَّ يعْطى، قَوْله: (وَأما الْآخرُونَ) بِالْمدِّ وَفتح الْخَاء وَكسرهَا، ويروى بِالْقصرِ وَالْكَسْر: فهم المدبرون الْمُتَأَخّرُونَ عَن الْخَيْر. قَوْله: (أَو الْكفَّار) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (وَقَالَ شَيبَان) هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ، وَقد أخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي كتاب التَّوْحِيد عَن مُسَدّد عَن أبي عوَانَة عَن قَتَادَة عَن صَفْوَان إِلَى آخِره، ثمَّ قَالَ: وَقَالَ آدم: حَدثنَا شَيبَان حَدثنَا قَتَادَة حَدثنَا صَفْوَان عَن ابْن عمر: سَمِعت النَّبِي ﷺ ، وَوَصله ابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق شَيبَان.
٥ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذَا أخَذَ القرَى وهْيَ ظَالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود: ١٠٢)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ الْآيَة، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب قَوْله: (وَكَذَلِكَ) ، أَي: ذكر من إهلاك الْأُمَم وَأَخذهم بِالْعَذَابِ. قَوْله: (إِذا أَخذ الْقرى) أَي: أَهلهَا، وقرى إِذا أَخذ قَوْله: (وَهِي ظالمة) حَال من الْقرى. قَوْله: (إِن أَخذه) أَي: أَخذ الله (أَلِيم) ، أَي: وجيع شَدِيد، وَهَذَا تحذير من وخامة الذَّنب لكل أهل قَرْيَة.
стр. 5558
الرِّفْدُ المَرْفُودُ العَوْنُ المُعِينُ رَفَدْتُهُ أعَنْتُهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وأتبعوا فِي هَذِه لعنة وَيَوْم الْقِيَامَة بئس الرفد المرفود﴾ (هود: ٩٩) وَفسّر الرفد المرفود بقوله: العون الْمعِين، أَي: بئس العون المعان، كَذَا فسره الزَّمَخْشَرِيّ، وَكَذَا وَقع فِي بعض النّسخ، وَالْمَشْهُور بِلَفْظ الْمعِين على لفظ إسم الْفَاعِل، وَوَجهه أَن يُقَال: الْفَاعِل بِمَعْنى الْمَفْعُول، أَو يُقَال: مَعْنَاهُ بِذِي عون. قَوْله: (رفدته أعنته) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن معنى الرفد العون، يُقَال: رفدت فلَانا، أَي: أعنته، وَقَالَ مُجَاهِد: رفدوا يَوْم الْقِيَامَة بلعنة أُخْرَى.
تَرْكَنُوا تَمِيلُوا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿وَلَا تركنوا إِلَى الَّذين ظلمُوا﴾ مَعْنَاهُ: وَلَا تميلوا، وَعَن ابْن عَبَّاس: لَا تركنوا إِلَى الَّذين ظلمُوا فِي الْمحبَّة ولين الْكَلَام والعودة، وَعَن مُجَاهِد: لَا تدهنوا الظلمَة، وَعَن ابْن الْعَالِيَة: لَا ترضوا بأعمالهم، وَكَذَا رَوَاهُ عبد بن حميد من طَرِيق الرّبيع بن أنس.
فَلَوْلَا كانَ فَهَلَاّ كانَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فلولا كَانَ من الْقُرُون من قبلكُمْ﴾ (هود: ١١٦) ثمَّ قَالَ: مَعْنَاهُ: فَهَلا كَانَ، وَهَكَذَا فسره الزَّمَخْشَرِيّ، ثمَّ قَالَ: وحكوا عَن الْخَلِيل، كل لَوْلَا فِي الْقُرْآن فمعناها: هلا إلَاّ الَّتِي فِي الصافات، وَمَا صحت هَذِه الْحِكَايَة، فَفِي غير الصافات: ﴿لَوْلَا أَن تَدَارُكه نعْمَة من ربه لنبذ بالعراء﴾ (الْقَلَم: ٤٩) ﴿وَلَوْلَا رجال مُؤمنُونَ﴾ (الْفَتْح: ٢٥١) ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاك لقد كدت تركن إِلَيْهِم﴾ (الْإِسْرَاء: ٧٤) وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة فِي قَوْله: (فلولا) قَالَ: فِي حرف ابْن مَسْعُود: فَهَلا، وَكلمَة: هلا، للتحضيض.
أُتْرِفُوا هلِكُوا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: ﴿وَاتبع الَّذين ظلمُوا مَا أترفوا فِيهِ وَكَانُوا مجرمين﴾ (هود: ١١٦) وَفسّر أترفوا بقوله: أهلكوا، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَمعنى الإتراف التَّنْعِيم، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنهم أهلكوا بِسَبَب هَذَا الإتراف الَّذِي أطغاهم.
وَقَالَ ابْن عَبَّاسٍ زفَيْرٌ وشَهِيقٌ صَوْتٌ شَدِيدٌ وصَوْتٌ ضَعِيفٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَهُم فِيهَا زفير وشهيق﴾ (هود: ١٠٦) أَي: اللَّذين شَقوا فِي النَّار زفير وشهيق، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: الزَّفِير صَوت شَدِيد، والشهيق صَوت ضَعِيف، وَفِي التَّفْسِير: الزَّفِير والشهيق من أصوات المكروبين المحزونين، وَحكي عَن أهل اللُّغَة أَن الزَّفِير بِمَنْزِلَة ابْتِدَاء صَوت الْحمار بالنهيق، والشهيق بِمَنْزِلَة آخر صَوته. وَقَالَ بَعضهم: الزَّفِير زفير الْحمار، والشهيق شهيق البغال. وَقيل: الزَّفِير ضد الشهيق، لِأَن الشهيق رد النَّفس والزفير إِخْرَاج النَّفس، وأصل الزَّفِير الْحمل على الظّهْر، والشهيق من قَوْلهم: جبل شَاهِق، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة: الزَّفِير فِي الْحلق والشهيق فِي الصَّدْر.
٤٦٨٦ - ح دَّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ أخبرَنا أبُو مُعاوِيةَ حَدثنَا برَيْدُ بنُ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي مُوسَى ﵁ قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ إنَّ الله لَيُمْلِي لِلظّالِمِ حَتَّى إذَا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ قَالَ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذَا أخَذَ القُرَى وهْيَ ظالِمَةُ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود: ١٠٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالزَّاي: الضَّرِير، وبريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء: ابْن عبد الله بن أبي بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: واسْمه عَامر بن أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ، وبريد هَذَا يروي عَن جده أبي بردة، وَحذف البُخَارِيّ عبد الله تَخْفِيفًا وَنسبه إِلَى جده لروايته عَنهُ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: أَبَا بريد بن أبي بردة عَن أَبِيه، وَالصَّوَاب مَا ذكره هُنَا.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير، وَأخرجه فِي التَّفْسِير عَن أبي كريب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أبي بكر بن عَليّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْفِتَن عَن ابْن نمير.
قَوْله: (ليملي) أَي: ليمهل، من الْإِمْلَاء وَهُوَ
стр. 5559
الامهال، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: ليمهل، وَاللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد (وَلم يفلته) بِضَم الْيَاء أَي: لم يخلصه أبدا بِوَجْه لِكَثْرَة مظالمه حَتَّى الشّرك، أَو لم يخلصه مُدَّة طَوِيلَة إِن كَانَ مُؤمنا، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : لم يفلته من أفلت رباعي أَي، لم يُؤَخِّرهُ. قلت: لَا يُسمى هَذَا رباعياً فِي الِاصْطِلَاح وَإِنَّمَا هُوَ ثلاثي مزِيد فِيهِ.
٦ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وأقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَي النَّهارِ وزُلَفاً مِنَ اللّيْل إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذالِكَ ذِكْرَي لِلذّاكِرِينَ﴾ (هود: ١١٤)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وأقم الصَّلَاة﴾ الْآيَة خطاب للرسول ﵇، وَالْمرَاد من طرفِي النَّهَار الْفجْر وَالْمغْرب، وَقيل: الظّهْر وَالْعصر، وَقيل: الْفجْر وَالظّهْر، وانتصابهما على الظَّرْفِيَّة، وَالْمعْنَى: أتم ركوعها وسجودها، وخصص الصَّلَاة بِالذكر لِأَنَّهَا تالية الْإِيمَان وإليها يفزع من النوائب، وَسبب نزُول الْآيَة مَا فِي حَدِيث الْبَاب على مَا يَأْتِي عَن قريب. قَوْله: (وَزلفًا من اللَّيْل) ، عطف على الصَّلَاة، أَي: أقِم زلفاً من اللَّيْل، أَي: سَاعَات من اللَّيْل وَهِي السَّاعَات الْقَرِيبَة من آخر النَّهَار، من أزلفه إِذا قربه، وأزلف إِلَيْهِ، وَصَلَاة الزلف الْمغرب. وَالْعشَاء، قَالَه مَالك، وقرىء: زلفاً، بِضَمَّتَيْنِ، وَزلفًا، بِسُكُون اللَّام، وزلفى، بِوَزْن: قربى. قَوْله: (إِن الْحَسَنَات) الصَّلَوَات الْخمس. وَقيل: سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر، وَقَالَ عَطاء: هن الْبَاقِيَات الصَّالِحَات، وَالْمرَاد بالسيئات: الصَّغَائِر من الذُّنُوب. قَوْله: (ذَلِك) أَي: إِن الْمَذْكُور من الصَّلَوَات، وَقيل: الْقُرْآن، وَقيل: جَمِيع الْمَذْكُور من الاسْتقَامَة وَالنَّهْي عَن الطغيان وَترك الْميل إِلَى الظَّالِمين، وَالْقِيَام بالصلوات وَمعنى الذكرى التَّوْبَة، وَقيل: العظة وخصصها بالذاكرين لأَنهم هم المنتفعون.
وزُلَفاً ساعاتٍ بَعْدَ ساعاتٍ ومِنْهُ سُمِّيَتِ المُزْدَلِفَةُ الزُّلَفُ مَنْزِلَةٌ بَعْدَ مَنْزِلَةٍ وأمَّا زُلْفَى فَمَصْدَرٌ مِنَ القُرْبَى ازْدَلَفُوا اجْتَمَعُوا أزْلَفْنا جَمَعْنا
فسر قَوْله: (وَزلفًا من اللَّيْل) بقوله: (سَاعَات بعد سَاعَات) وَهُوَ جمع زلفة كظلم جمع ظلمَة. قَوْله: (وَمِنْه سميت الْمزْدَلِفَة) أَي: من معنى الزلف سميت الْمزْدَلِفَة لمجيء النَّاس إِلَيْهَا فِي سَاعَات من اللَّيْل، وَقيل: لازدلافهم إِلَيْهَا أَي: لاقترابهم إِلَى الله وَحُصُول الْمنزلَة لَهُم عِنْده فِيهَا، وَقيل: لِاجْتِمَاع النَّاس بهَا، وَقيل: لِأَنَّهَا منَازِل. قَوْله: (الزلف منزلَة بعد منزلَة) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن الزلف يَأْتِي بِمَعْنى الْمنَازل، قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: زلف اللَّيْل سَاعَات، واحدتها زلفة أَي: سَاعَة ومنزلة وقربة. قَوْله: (وَأما زلفى فمصدر) بِمَعْنى: الزلفة، مثل: الْقُرْبَى فَإِنَّهُ مصدر بِمَعْنى الْقرْبَة، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِن لَهُ عندنَا لزلفى وَحسن مآب﴾ (ص: ٢٥ و ٤٠) وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الزلفة والزلفى الْقرْبَة، والمنزلة. قَوْله: ازدلفوا (اجْتَمعُوا) شَاربه إِلَى أَن الازدلاف يَأْتِي بِمَعْنى الِاجْتِمَاع، وَيَأْتِي أَيْضا بِمَعْنى التَّقَدُّم، يُقَال: قوم ازدلفوا إِلَى الْحَرْب، أَي: تقدمُوا إِلَيْهَا. قَوْله: (ازلفنا) ، جَمعنَا، يَعْنِي: معنى أزلفنا جَمعنَا، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وأزلفنا ثمَّ الآخرين﴾ (الشُّعَرَاء: ٦٤) أَي: جَمعنَا.
٤٦٨٧ - ح دَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا يَزِيدُ هُوَ ابنُ زُرَيْعٍ حَدثنَا سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ عنْ أبي عُثْمانَ عَن ابنِ مَسْعُودٍ ﵁ أنَّ رجُلاً أصابَ مِنَ امْرَأةٍ قُبْلَةً فأتَى رسولَ الله ﷺ فَذَكَرَ ذالِكَ لهُ فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ: ﴿وأقِمِ الصّلَاةَ طَرَقَي النّهارِ وزُلَفاً مِنَ اللّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذالِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ قَالَ الرَّجُلُ ألِيَ هاذِهِ قَالَ لِمَنْ عَمِلَ بِها مِنْ أُمّتي. (انْظُر الحَدِيث ٥٢٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ، بالنُّون وبالدال الْمُهْملَة. والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة فِي الْمَوَاقِيت فِي: بَاب الصَّلَاة كَفَّارَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن قُتَيْبَة عَن يزِيد بن زُرَيْع إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (أَن رجلا) اسه كَعْب بن عَمْرو ويكنى بِأبي الْيُسْر، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالسِّين الْمُهْملَة. والْحَدِيث أخرجه ابْن أبي خَيْثَمَة، لَكِن قَالَ: إِن رجلا من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ معتب، وَقيل: اسْمه بنهان التمار، وَقيل: عَمْرو بن غزيَّة، وَقيل: عَامر بن قيس
стр. 5560
وَقيل: عباد بن عَمْرو بن دَاوُد بن غنم بن كَعْب الْأنْصَارِيّ السّلمِيّ، وَأمه نسيبة بنت الْأَزْهَر بن مري بن كَعْب بن غنم، شهد بَدْرًا بعد الْعقبَة فَهُوَ عُقبى بَدْرِي، شهد بَدْرًا وَهُوَ ابْن عشْرين سنة. وَهُوَ الَّذِي أسر الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب يَوْم بدر، وَكَانَ رجلا قَصِيرا دحداحة ذَا بطن، وَالْعَبَّاس رجل طَوِيل ضخم، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : لقد أعانك عَلَيْهِ ملك كريم، وَهُوَ الَّذِي انتزع راية الْمُشْركين. وَكَانَت بيد أبي عَزِيز بن عُمَيْر يَوْم بدر، وَشهد صفّين مَعَ عَليّ تَعَالَى ﵁، يعد فِي أهل الْمَدِينَة، وَكَانَت وَفَاته سنة خمس وَخمسين. وَحَدِيث نَبهَان التمار أخرجه الثَّعْلَبِيّ وَغَيره من طَرِيق مقَاتل عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس: أَن نَبهَان التمار أَتَتْهُ امْرَأَة حسناء جميلَة تبْتَاع مِنْهُ تَمرا، فَضرب على عجيزتها ثمَّ نَدم، فَأتى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: إياك أَن تكون امْرَأَة غازٍ فِي سَبِيل الله، فَذهب يبكي ويصوم وَيقوم فَأنْزل الله: ﴿وَالَّذين إِذا فعلوا فَاحِشَة أَو ظلمُوا أنفسهم ذكرُوا وَالله﴾ (آل عمرَان: ١٣٥) فَأخْبرهُ فَحَمدَ الله، وَقَالَ: يَا رَسُول الله هَذِه تَوْبَتِي قبلت، فَكيف لي بِأَن يتَقَبَّل شكري؟ فَنزلت: ﴿أقِم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار﴾ (هود: ١١٤) الْآيَة. قيل: إِن ثَبت هَذَا حمل على وَاقعَة أُخْرَى لما بَين السياقين من الْمُغَايرَة. قلت: قَالَ الذَّهَبِيّ فِي (تَجْرِيد الصَّحَابَة) نَبهَان التمار أَبُو مقبل لَهُ ذكر فِي رِوَايَة مقَاتل عَن الضَّحَّاك، ولسنا بِيَقِين، وَحَدِيث عَمْرو بن غزيَّة أخرجه ابْن مَنْدَه من طَرِيق الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس، فِي قَوْله: ﴿أقِم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار﴾ قَالَ: نزلت فِي عَمْرو بن غزيَّة، وَكَانَ يَبِيع التَّمْر فَأَتَتْهُ امْرَأَة تبْتَاع تَمرا فَأَعْجَبتهُ ... الحَدِيث، قَالَ أَبُو عمر: عَمْرو بن غزيَّة بن عَمْرو بن ثَعْلَبَة بن خنساء بن مبذول بن عَمْرو بن غنم بن مَازِن بن النجار الْأنْصَارِيّ الْمَازِني: شهد الْعقبَة ثمَّ شهد بَدْرًا، وَهُوَ وَالِد الْحجَّاج بن عَمْرو، وَاخْتلف فِي صُحْبَة الْحجَّاج. قَوْله: (أَلِي هَذِه؟) يَعْنِي: أهذه الْآيَة مُخْتَصَّة بِي بِأَن صَلَاتي مذهبَة لمعصيتي أَو عَامَّة لكل الْأمة؟ والهمزة فِي: أَلِي، مَفْتُوحَة لِأَنَّهَا للاستفهام، وَقَوله: (هَذِه) مُبْتَدأ أَو خَبره مقدما. قَوْله: (أَلِي؟) وَفِي رِوَايَة أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس: فَقَالَ: يَا رَسُول الله! أَلِي خَاصَّة أم للنَّاس عَامَّة؟ فَضرب عمر ﵁، صَدره وَقَالَ: لَا وَلَا نعْمَة عين، بل للنَّاس عَامَّة، فَقَالَ ﷺ : صدق عمر، وَهَذَا يُوضح أَن السَّائِل فِي الحَدِيث هُوَ صَاحب الْقِصَّة فَإِن قلت: فِي حَدِيث أبي الْيُسْر، فَقَالَ إِنْسَان: يَا رَسُول الله أَلَهُ وَحده أم للنَّاس كَافَّة؟ وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ مثله من حَدِيث معَاذ نَفسه، قلت: يحمل ذَلِك على تعدد السَّائِلين.
١٢ - (سُورَةُ يُوسُفَ ﵇
أَي: هَذَا فِي بَيَان بعض تَفْسِير سُورَة يُوسُف ﵇، قَالَ أَبُو الْعَبَّاس فِي: (مقامات التَّنْزِيل) : سُورَة يُوسُف مَكِّيَّة كلهَا وَمَا بلغنَا فِيهَا اخْتِلَاف، وَفِي: (تَفْسِير ابْن النَّقِيب) : عَن ابْن عَبَّاس وَقَتَادَة: نزلت بِمَكَّة إلَاّ أَربع آيَات فَإِنَّهُنَّ نَزَلْنَ بِالْمَدِينَةِ، ثَلَاث آيَات من أَولهَا وَالرَّابِعَة: ﴿لقد كَانَ فِي يُوسُف وَإِخْوَته آيَات للسائلين﴾ (يُوسُف: ٧) وَسبب نُزُولهَا سُؤال الْيَهُود عَن أَمر يَعْقُوب ويوسف ﵇، وَهِي مائَة وَإِحْدَى عشر آيَة، وَألف وَسَبْعمائة وست وَسَبْعُونَ كلمة، وَسَبْعَة آلَاف وَمِائَة وست وَسِتُّونَ حرفا.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر.
بابٌ
أَي: هَذَا بَاب فِي كَذَا وَكَذَا، وَلم يثبت لفظ: بَاب فِي مُعظم النّسخ.
وَقَالَ فُضَيْلٌ عنْ حُصَيْنٍ عنْ مُجاهِدٍ مُتَّكَأً الأُتْرُجُ قَالَ فُضَيْلٌ الأتْرُجُّ بالحَبَشِيَّةِ مُتْكاً وَقَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ رجُلٍ عنْ مُجاهِدٍ مُتْكاً كلُّ شَيْءٍ قُطِعَ بالسِّكِّينِ
فُضَيْل مصغر فضل وَهُوَ ابْن عِيَاض بن مُوسَى أَبُو عَليّ، ولد بسمرقند نَشأ بأبيورد، وَكتب الحَدِيث بكوفة وتحول إِلَى مَكَّة وَأقَام بهَا إِلَى أَن مَاتَ فِي سنة سبع وَثَمَانِينَ وَمِائَة، وقبره بِمَكَّة يزار، وحصين، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة: ابْن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ. قَوْله
стр. 5561
: (متكأ) بِضَم الْمِيم وَتَشْديد التَّاء وَفتح الْكَاف وبالهمزة المنونة، وَفَسرهُ مُجَاهِد بِأَنَّهُ الأترج، بِضَم الْهمزَة وَسُكُون التَّاء وَضم الرَّاء وَتَشْديد الْجِيم، وروى هَذَا التَّعْلِيق ابْن الْمُنْذر عَن يحيى بن مُحَمَّد بن يحيى: حَدثنَا مُسَدّد حَدثنَا يحي بن سعيد عَن فُضَيْل بن عِيَاض عَن حُصَيْن بِهِ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: متكأ مَا يتكأ عَلَيْهِ من نمارق، وَقيل: متكأ مجْلِس الطَّعَام لأَنهم كَانُوا يتكئون للطعام وَالشرَاب والْحَدِيث كعادة المترفين، وَلِهَذَا نهى أَن يَأْكُل الرجل مُتكئا، وَعَن مُجَاهِد: متكأ طَعَاما يحز حزاً، كَأَن الْمَعْنى: يعْتَمد بالسكين لِأَن الْقَاطِع يتكىء على الْمَقْطُوع بالسكين، وَيُقَال فِي الأترج: الاترنج، بالنُّون الساكنة بعد الرَّاء ويدغم النُّون فِي الْجِيم أَيْضا، وَكَانَت زليخا أَهْدَت ليوسف أترجة على نَاقَة وَكَأَنَّهَا الأترجة الَّتِي ذكرهَا أَبُو دَاوُد فِي: (سنَنه) أَنَّهَا شقَّتْ بنصفين وحملا كالعدلين على جمل. قَوْله: (قَالَ فُضَيْل الأترج بالحبشية متكأ) أَي: بِلِسَان الْحَبَشَة، أَو باللغة الحبشية. قَوْله: متكاً بِضَم الْمِيم وَسُكُون التَّاء وبتنوين الْكَاف، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن إِسْمَاعِيل بن عُثْمَان: حَدثنَا يحيى بن يمَان عَنهُ، وَقَرَأَ: متكاً، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد التَّاء وتنوين الْكَاف بِغَيْر همزَة، وَعَن الْحسن: متكأً، بِالْمدِّ كَأَنَّهُ مفتعال وَذَلِكَ لإشباع فَتْحة الْكَاف لقَوْله: بمنتزاح، بِمَعْنى منتزح. قَوْله: (وَقَالَ ابْن عُيَيْنَة) وَهُوَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة (عَن رجل) هُوَ مَجْهُول (عَن مُجَاهِد متكأً) بِضَم الْمِيم وَسُكُون التَّاء وتنوين الْكَاف، وَهُوَ (كل شَيْء قطع بالسكين) وَقيل: من متك الشَّيْء بِمَعْنى: بتكه إِذا قطعه، وَقَرَأَ الْأَعْرَج: متكأ على وزن مفعل من تكأ يتكأ إِذا اتكا.
وَقَالَ قَتادَة لَذُو عِلْمٍ عامِلٌ بِمَا عَلِمَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإنَّهُ لذُو علم لما علمناه﴾ (يُوسُف: ٦٨) . . الْآيَة، وَفسّر قَتَادَة قَوْله: لذُو علم، بقوله: عَامل بِمَا علم. وَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه: حَدثنَا أَبُو معمر عَن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الْقطيعِي حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة، وَالضَّمِير فِي: أَنه، يرجع إِلَى يَعْقُوب ﵇، وَهَذَا لَا يَتَّضِح إلَاّ إِذا وقف الشَّخْص على الْقَضِيَّة من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ يَا بني لَا تدْخلُوا من بَاب وَاحِد﴾ (يُوسُف: ٦٧) إِلَى قَوْله: ﴿وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ﴾ (يُوسُف: ٧٢) .
وَقَالَ ابنُ جُبَيْرٍ صُوَاعٌ مَكُّوكُ الْفارِسِيِّ الَّذِي يلْتقِي طَرَفاهُ كانَتْ تَشْرَبُ بِهِ الأعاجِمُ
أَي: قَالَ سعيد بن جُبَير فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا انفقد صواع الْملك﴾ . . الْآيَة، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد عَن أَبِيه: حَدثنَا مُسَدّد حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن أبي بشر عَن سعيد بن جُبَير، وَرَوَاهُ ابْن مَنْدَه فِي: (غرائب شُعْبَة) ، وَابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق عَمْرو بن مَرْزُوق عَن شُعْبَة عَن أبي بشر عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: (صواع الْملك) قَالَ: كَانَ كَهَيئَةِ المكوك من فضَّة يشربون فِيهِ، وَقد كَانَ للْعَبَّاس مثله فِي الْجَاهِلِيَّة، وَقَالَ زيد بن زيد: كَانَ كأساً من ذهب، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: كَانَ من فضَّة مرصعة بالجواهر جعلهَا يُوسُف ﵇، مكيالاً لَا يُكَال بغَيْرهَا وَكَانَ يشرب فِيهَا. وَعَن ابْن عَبَّاس: كَانَ قدحاً من زبرجد، والمكوك، بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد الْكَاف المضمومة وَسُكُون الْوَاو وَفِي آخِره كَاف أُخْرَى: وَهُوَ مكيال مَعْرُوف لأهل الْعرَاق فِيهِ ثَلَاث كيلجات، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: المكوك إسم للمكيال وَيخْتَلف فِي مِقْدَاره باخْتلَاف اصْطِلَاح النَّاس عَلَيْهِ فِي الْبِلَاد، وَفِي حَدِيث أنس ﵁: (أَن رَسُول الله ﷺ ، كَانَ يتَوَضَّأ بالمكوك الْمَدّ) . وَقيل: الصَّاع، وَيجمع على: مكاكي، على إِبْدَال الْيَاء من الْكَاف الْأَخِيرَة، وَقَرَأَ الْجُمْهُور: صواع، وَعَن أبي هُرَيْرَة، أَنه قَرَأَ: أصاع الْملك، وَعَن أبي رَجَاء: صوع، بِسُكُون الْوَاو، وَعَن يحيى بن يعمر مثله. لَكِن بغين مُعْجمَة، حَكَاهَا الطَّبَرِيّ.
وَقَالَ ابنُ عبّاسٍ تُفَنِّدُونِ تُجَهِّلُونِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي لأجد ريح يُوسُف لَوْلَا أَن تفندون﴾ (يُوسُف: ٩٤) وَفَسرهُ بقوله: (تجهلون) وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مَعْنَاهُ: لَوْلَا أَن تسفهوني، وَقَالَ مُجَاهِد: لَوْلَا أَن تَقولُوا ذهب عقلك، وَوجد ريح يُوسُف من مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام، وتفندون من الفند بِفَتْح النُّون وَهُوَ: الْهَرم.
стр. 5562
وَقَالَ غَيْرُهُ غيابَةُ الحبِّ كُلُّ شَيْءٍ غَيَّبَ عَنْكَ شَيْئا فَهُوَ غَيابَةٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿والقوه فِي غيابة الْحبّ يلتقطه بعض السيارة﴾ (يُوسُف: ١٠) ظَاهر الْكَلَام أَن قَوْله: (وَقَالَ غَيره) غير ابْن عَبَّاس لِأَنَّهُ عطف عَلَيْهِ، وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ من كَلَام ابْن عَبَّاس وَإِنَّمَا هُوَ كَلَام أبي عُبَيْدَة. قلت: لَا مَانع أَن يكون قَول أبي عُبَيْدَة من قَول ابْن عَبَّاس. قَوْله: (كل شَيْء) ، مُبْتَدأ وَقَوله: (غيب عَنْك) فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهُ صفة لشَيْء (وشيأ) مفعول غيب. قَوْله: (فَهُوَ غيابة) جملَة إسمية وَقعت خبر الْمُبْتَدَأ. أَو الْمُبْتَدَأ إِذا تضمن معنى الشَّرْط تدخل الْفَاء فِي خَبره. قَوْله: (غيابة الْجب) ، قَالَ الثَّعْلَبِيّ: أَي: قَعْر الْجب وظلمته حَيْثُ يغيب خَبره، وَقَالَ قَتَادَة: أَسْفَله وَأَصله من الغيبوبة.
وَالجُبُّ الرَّكِيَةُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ
أَي: الْجب الْمَذْكُور فِي قَوْله: (غيابة الْجب) هُوَ الْبِئْر الَّتِي لم تطو، وَكَذَلِكَ القليب، قَالَ الْجَوْهَرِي: القليب الْبِئْر قبل أَن تطوى، وَسميت جبا من أجل أَنَّهَا قطعت قطعا وَلم يحدث فِيهَا غير الْقطع من الطي وَمَا أشبهه.
بِمُؤْمِنٍ لَنَا بِمُصدِّق
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى، حِكَايَة عَن قَول إخْوَة يُوسُف: ﴿وَتَركنَا يُوسُف عِنْد متاعنا فَأَكله الذِّئْب وَمَا أَنْت بِمُؤْمِن لنا وَلَو كُنَّا صَادِقين﴾ (يُوسُف: ١٧) وَالْمعْنَى: وَمَا أَنْت بمصدق فِي كلامنا، وَفِي التَّفْسِير: وَمَا أَنْت بمصدق لنا لسوء ظَنك بِنَا وتهمتك لنا، وَهَذَا قَمِيصه ملطخ بِالدَّمِ.
يُقالُ بَلَغَ أشُدَّهُ قَبْلَ أنْ يَأْخُذ فِي النُّقْصانِ وَقَالُوا بَلَغَ أشُدَّهُ وَبَلَغُوا أشُدَّهُمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَاحِدُها شَدٌّ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما﴾ وَفسّر قَوْله: أشده، بقوله: قبل أَن يَأْخُذ فِي النُّقْصَان، وَأَرَادَ بِهِ عز مُنْتَهى شبابه وقوته وشدته، وَاخْتلف فِيهِ، فَذكر ابْن الْمُنْذر عَن الشّعبِيّ وَرَبِيعَة وَزيد بن أسلم وَمَالك: أَنه الْحلم، وَعَن سعيد ابْن جُبَير ثَمَانِيَة عشرَة سنة، وَقيل: عشرُون، وَقيل: خمس وَعِشْرُونَ، وَقيل: ثَلَاثُونَ، وَقيل: ثَلَاث وَثَلَاثُونَ قَالَه مُجَاهِد: وَقيل: أَرْبَعُونَ. وَقيل: سبع عشرَة سنة، وَقيل: خمس وَثَلَاثُونَ سنة، وَقيل: ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ سنة، وَعَن ابْن عَبَّاس: مَا بَين ثَمَان عشرَة إِلَى ثَلَاثِينَ سنة، وَقيل: سِتُّونَ سنة، وَقَالَ ابْن التِّين: الْأَظْهر أَنه أَرْبَعُونَ لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما﴾ وَذَلِكَ أَن النَّبِي ﷺ لَا يتنبى إلَاّ بعد أَرْبَعِينَ سنة. قَالَ بَعضهم: وَتعقب بِأَن عِيسَى ﵊، وَيحيى أَيْضا تنبأ لدوّنَ الْأَرْبَعين لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبيا﴾ (مَرْيَم: ١٢) قلت لَهُ أَن يَقُول: هما مخصوصان بذلك من دون سَائِر الْأَنْبِيَاء، ﵈. قَوْله: (يُقَال بلغ أشده وبلغوا أَشَّدهم) ، أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنه يُضَاف إِلَى الْمُفْرد وَالْجمع بِلَفْظ وَاحِد. قَوْله: (وَقَالَ بَعضهم: وَاحِدهَا:) أَي: وَاحِد الأشد وَهُوَ قَول سِيبَوَيْهٍ وَالْكسَائِيّ، وَزعم أَبُو عُبَيْدَة أَنه لَيْسَ لَهُ وَاحِد من لَفظه.
وَالمُتَّكَأُ مَا اتَّكَأَتَ عَلَيْهِ لِشَرَابٍ أوْ لِحَدِيثٍ أوْ لِطعامٍ وَأبْطَلَ الَّذِي قَالَ الأُتْرُجُّ وَلَيْسَ فِي كَلامِ العَرَبِ الأُتْرُجُّ فَلَمَّا احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بأنّهُ المُتَّكَأُ مِنْ نَمَارِقَ فَرُّوا إلَى شَرٍّ مِنْهُ فَقَالُوا إنَّما هُوَ المُتْكُ سَاكِنَةَ التّاءِ وَإنّما المُتْكُ طَرَفُ البَظرِ وَمِنْ ذالِكَ قِيلَ لَهَا مَتْكاءُ وَابنُ المَتْكاءِ فَإنْ كَانَ ثمَّ أُترُجٌّ فَإنّهُ بَعْدَ المُتَّكَإِ.
لما ذكر فِيمَا مضى عَن قريب عَن مُجَاهِد أَن المتكأ الأترج، أنكر ذَلِك، فَقَالَ: المتكأ مَا اتكأت عَلَيْهِ لأجل شرب شراب أَو لأجل حَدِيث أَو لأجل طَعَام. قَوْله: وأبطل قَول الَّذِي قَالَ: المتكأ الأترج، ثمَّ ادّعى أَنه لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب الأترج، يَعْنِي: لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب تَفْسِير المتكأ بالأترج، وَفِيه نظر، حَتَّى قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) هَذِه الدَّعْوَى من الْأَعَاجِيب فقد قَالَ فِي (الْمُحكم) المتكأ الأترج، وَعَن الْأَخْفَش كَذَلِك، وَفِي (الْجَامِع) المتكأ الأترج، وأنشدوا:
стр. 5563
(فنشرب الْإِثْم بالصواع جهارا ... ونرى المتك بَيْننَا مستعارا)
وَأَبُو حنيفَة الدينَوَرِي زعم أَن المتكا بِالضَّمِّ الأترج، وَالَّذِي بِفَتْح الْمِيم السوسن، وبنحوه ذكره أَبُو عَليّ القالي وَابْن فَارس فِي (الْمُجْمل) وَغَيرهمَا. قَوْله: (فَلَمَّا احْتج عَلَيْهِم) ، بِصِيغَة الْمَجْهُول. (يان المتكأ من نمارق) إِلَى آخِره ظَاهر. قَوْله: (وَإِنَّمَا المتك) ، بِعني: بِالضَّمِّ، طرف البظر، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الظَّاء الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره رَاء، وَهُوَ مَا تبقيه الخاتنة بعد الْخِتَان من الْمَرْأَة. قَوْله: (وَمن ذَلِك) أَي: وَمن هَذَا اللَّفْظ: (قيل لَهَا) أَي: للْمَرْأَة. (متكاء) بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون التَّاء وبالمد، وَهِي الَّتِي لم تختن، وَيُقَال لَهَا: البظراء أَيْضا ويعير الرجل بذلك، فَيُقَال لَهُ: ابْن المتكاء. قَوْله: (فَإِن كَانَ ثمَّ أترج) بِفَتْح الْفَاء الْمُثَلَّثَة وَتَشْديد الْمِيم، أَي: فَإِن كَانَ هُنَاكَ أترج فَإِنَّهُ كَانَ بعد المتكاء، وَقَالَ بَعضهم: إِنَّمَا قَالَ البُخَارِيّ مَا قَالَه من ذَلِك تبعا لأبي عُبَيْدَة فَإِنَّهُ قَالَ: زعم قوم أَنه الأترج، وَهَذَا أبطل بَاطِل فِي الأَرْض، وَلَكِن عَسى أَن يكون مَعَ المتكاه أترج يَأْكُلُونَهُ. قلت: كَأَنَّهُ لم يفحص عَن ذَلِك كَمَا يَنْبَغِي. وقلد أَبَا عُبَيْدَة، والأفة من التَّقْلِيد، وَكَيف يَصح مَا قَالَه من ذَلِك وَقد روى عبد بن حميد من طَرِيق عَوْف الْأَعرَابِي عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا إِنَّه كَانَ يقْرؤهَا: متكاء، مُخَفّفَة وَيَقُول: هُوَ الأترج، وَأَيْضًا قد روى مثله عَمَّن ذَكَرْنَاهُمْ الْآن.
شَغَفَها يُقَالُ بَلَغَ إلَى شِغافَها وَهُوَ غِلافُ قَلْبِها وَأمّا شَعَفَها فَمِنَ المَشْعُوفِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿امْرَأَة الْعَزِيز تراود فناها عَن نَفسه قد شغفها حبا إِنَّا لنراها فِي ضلال مُبين﴾ (يُوسُف: ٣٠) قَوْله: (قد شغفها) ، أَي: قد شغف يُوسُف زليخا، يَعْنِي: بلغ حبه إِلَى شغافها، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة فِي ضبط الْمُحدثين، وَعند أهل اللُّغَة بِالْفَتْح، وَهُوَ غلاف قَلبهَا، وَقيل: الشغاف حَبَّة الْقلب، وَقيل: هُوَ علقَة سَوْدَاء فِي صميمه. قَوْله: (وَأما شعفها) ، يَعْنِي: بِالْعينِ الْمُهْملَة فَمن المشعوف، يُقَال: فلَان مشعوف بفلان إِذا بلغ بِهِ الْحبّ أقْصَى الْمذَاهب، وَيُقَال: فلَان شعفه الْحبّ، أَي أحرق قلبه.
أصْبُ أمِيلُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله حِكَايَة عَن قَول يُوسُف، ﵇: ﴿وإلَاّ تصرف عني كيدهن أَصْبُ إلَيْهِنَّ وأكن من الْجَاهِلين﴾ (يُوسُف: ٣٣) وَفسّر: أصبُ، بقوله: أميل، يُقَال: صبا إِلَى اللَّهْو، يصبو صبوا إِذا مَال إِلَيْهِ، وَمِنْه سمي الصَّبِي لِأَنَّهُ يمِيل إِلَى كل شَيْء.
أضْغَاثُ أحْلامٍ مَا لَا تَأْوِيلَ لَهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا أضغاث أَحْلَام وَمَا نَحن بِتَأْوِيل الأحلام بعالمين﴾ (يُوسُف: ٤٤) والأضغاث جمع ضغث، وَهُوَ ملْء الْيَد من حشيش، وَفسّر قَوْله: أضغاث أَحْلَام، بقوله: مَا لَا تَأْوِيل لَهُ لِأَنَّهُ من الأخلاط والرؤيا الكاذبة الَّتِي لَا أصل لَهَا. وَقَوله: (أضغاث أَحْلَام) فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء. قَوْله: (مَا لَا تَأْوِيل لَهُ) ، خَبره وَكلمَة مَا مَوْصُولَة.
وَالضِّغْثُ مِلْءُ اليَدِ مِنْ حَشِيشٍ وَمَا أشْبَهَهُ وَمِنْهُ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثا لَا مِنْ قَوْلِهِ أضْغاثُ أحْلامٍ وَاحِدُها ضِغْثٌ
أَشَارَ بقوله: ﴿والضغث﴾ إِلَى شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: أَن الضغث وَاحِد. الأضغاث وَالْآخر: أَن تَفْسِيره بملء الْيَد من حشيش وَمَا أشبهه، وَأَرَادَ أَن الضغث الَّذِي هُوَ ملْء الْكَفّ من أَنْوَاع الْحَشِيش هُوَ المُرَاد من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَخذ بِيَدِك ضغثا فَاضْرب بِهِ﴾ (ص: ٤٤) وَذَلِكَ فِي قصَّة أَيُّوب، ﵇، وَلَيْسَ المُرَاد هُنَا هَذَا الْمَعْنى، وَلَكِن المُرَاد من الأضغاث هُنَا هُوَ الَّذِي واحده ضغث الَّذِي هُوَ بِمَعْنى مَا لَا تَأْوِيل لَهُ، وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أضغاث أَحْلَام﴾ مَا حَاصله أَن الضغث فِي قَوْله: (وَخذ بِيَدِك ضغثا) بِمَعْنى: ملْء الْكَفّ من الْحَشِيش، لَا بِمَعْنى: مَا لَا تَأْوِيل لَهُ، وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أضغاث أَحْلَام﴾ قَالَ: أخلاط أَحْلَام، وروى أَبُو يعلى بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: ﴿أضغاث أَحْلَام﴾ قَالَ: هِيَ الأحلام الكاذبة.
стр. 5564
نَمِيرُ مِنَ المِيرَةِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذِه بضاعتنا ردَّتْ إِلَيْنَا ونمير أهلنا﴾ (يُوسُف: ٦) الْميرَة بِكَسْر الْمِيم الطَّعَام، وَالْمعْنَى: نجلب إِلَى أهلنا الطَّعَام يُقَال: مار أَهله يميرهم إِذا أَتَاهُم بِطَعَام.
وَنزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ مَا يَحْمِلُ بَعِيرٌ
أَي نزداد على أحمالنا حمل بعير يُكَال لَهُ مَا حمل بعيره، وروى الْفرْيَابِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد: كيل بعير أَي: كيل حمَار. وَذكر الثَّعْلَبِيّ أَنه لُغَة يُقَال للحمار بعير. وَيُؤَيّد ذَلِك أَن إخْوَة يُوسُف كَانُوا من أَرض كتمان وَلَيْسَ بهَا إبل.
آوِي إلَيْهِ ضَمَّ إلَيْهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما دخلُوا على يُوسُف آوي إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ (يُوسُف: ٦٩) الْآيَة. أَي: فَلَمَّا دخلت إخْوَة يُوسُف عَلَيْهِ ضم يُوسُف إِلَى نَفسه أَخَاهُ بنيامين من آوى يؤوى إيواء.
السَّقايَةُ مِكْيَالٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جهزهم بجهازهم جعل السِّقَايَة فِي رَحل أَخِيه﴾ (يُوسُف: ٧٠) وَفسّر السِّقَايَة وَله مكيال، وَهُوَ الْإِنَاء الَّذِي كَانَ يُوسُف يشرب بِهِ فَجعله ميكالاً لِئَلَّا يكتالوا بِغَيْرِهِ فيظلموا وَيُقَال: السِّقَايَة هِيَ الصواع كَانَ الْملك يسْقِي بهَا ثمَّ جعلت صَاعا يُكَال بِهِ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
تَفْتَأُ لَا تَزَالُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: ﴿تالله تفتأ تذكر يُوسُف﴾ (يُوسُف: ٨٥) أَي: لَا تفتأ فَحذف حرف النَّفْي، وَالْمعْنَى: أَن أخوة يُوسُف قَالُوا ليعقوب أَبِيهِم: وَالله لَا تزَال تذكر يُوسُف وَلَا تفتر من حبه ﴿حَتَّى تكون حرضا﴾ الْآيَة. يُقَال: مَا فتئت أذكر ذَلِك وَمَا فتأت أفتأ وافتو فتاء وفتوءا. وَقَالَ أَبُو زيد: مَا افتأت أذكرهُ وَمَا فتئت أذكرهُ أَي: مَا زلت أذكرهُ لَا يتَكَلَّم بِهِ إلاّ مَعَ الْجحْد. وَقَوله: ﴿تالله تفتأ تذكر يُوسُف﴾ أَي: مَا تفتأ قلت الصَّوَاب لَا تفتأ.
حَرَضا مُحْرَضا يُذِيبُكَ الْهَمُّ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى تكون حرضا أَو تكون من الهالكين﴾ وَذكر أَن حرضا بِمَعْنى، محرض، على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول وَفَسرهُ بقوله: يذيبك الْهم من الإذابة. وَقيل: مَعْنَاهُ تكون دنفا وَقيل: قَرِيبا من الْمَوْت، وَقَالَ الْفراء الحرض هُوَ الْفَاسِد فِي جِسْمه، وعقله وَيَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد والمثنى وَالْجمع والمذكر والمؤنث لِأَنَّهُ مصدر وضع مَوضِع الْأَلَم، وَمن الْعَرَب من يؤنث مَعَ الْمُؤَنَّث. وَقَرَأَ أنس بِضَم الْحَاء، وَعَن قَتَادَة: حرضا هرما. وَعَن الضَّحَّاك بَالِيًا ذَا بلَاء، وَعَن الرّبيع ابْن أنس، يَابِس الْجلد على الْعظم، وَعَن الْحسن: كالشيء المدقوق المكسور، وَعَن القتبي: سَاقِطا. قَوْله: ﴿أَو تكون من الهالكين﴾ أَي: الميتين.
تَحَسَّسوا تَحَبرُوا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا بني اذْهَبُوا فتحسسوا من يُوسُف وأخيه﴾ (يُوسُف: ٨٧) الْآيَة. وَفسّر: تحسسوا بقوله: تخبروا. أَي: اطْلُبُوا الْخَبَر وتحسسوا تَفعلُوا من الْحس، يَعْنِي: تتبعوا. وَعَن ابْن عَبَّاس: التمسوا. وَسُئِلَ ابْن عَبَّاس عَن الْفرق بَين التحسس، بِالْحَاء الْمُهْملَة، والتجسس، بِالْجِيم؟ فَقَالَ: لَا يعدو أَحدهمَا عَن الآخر إلَاّ أَن التحسس فِي الْخَيْر والتجسس فِي الشَّرّ، وَقيل: بِالْحَاء لنَفسِهِ وبالجيم لغيره، وَمِنْه الجاسوس.
مُزْجاةٌ قَلِيلَةٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجِئْنَا ببضاعة مزجاة﴾ وفسرها بقوله قَليلَة. وَقيل: ردية، وَقيل: فَاسِدَة. وَعَن قَتَادَة: يسيرَة، وَكَانَت البضاعة من صوف وَنَحْوه. وَقيل: دَرَاهِم لَا تزوج، وَرُوِيَ عَن عِكْرِمَة وَابْن عَبَّاس: كَانَت دَرَاهِم زُيُوفًا لَا تنْفق إلَاّ بوضيعة. وَعَن
стр. 5565
ابْن عَبَّاس أَيْضا خلق الغرارة وَالْحَبل وَرَثَة الْمَتَاع.
غَاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ الله عَامَّةٌ مُجَلِّلَةٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أفأمنوا أَن تأتيهم غاشية من عَذَاب الله أَو تأتيهم السَّاعَة بَغْتَة وهم لَا يَشْعُرُونَ﴾ (يُوسُف: ١٠٧) وَفسّر غاشية بقوله: (عِمَامَة) أَي: نقمة عَامَّة. قَوْله: (مُجَللَة) ، بِالْجِيم من جلل الشَّيْء تجليلاً أَي: عَمه، وَهُوَ صفة غاشية لِأَن ابْن عَبَّاس فسر الغاشية بقوله: مُجَللَة، وَيرد بِهَذَا قَول بَعضهم: أَن مُجَللَة تَأْكِيد عَامَّة. وَقَالَ قَتَادَة: غاشية وقيعة، وَقَالَ الضَّحَّاك: الصَّوَاعِق والقوارع.
(بابٌ)
أَي: هَذَا بَاب، وَلَيْسَ فِي مُعظم النّسخ لفظ بَاب.
اسَتَيْأَسُوا يَئِسُوا لَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ الله مَعْناهُ الرَّجاءُ
لم يثبت هَذَا أَلا لأبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والكشميهني، وَأَشَارَ بقوله: ﴿استيأسوا﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خلصوا نجيا﴾ (يُوسُف: ٨٠) وَفَسرهُ بقوله: (يئسوا) أَي: فَلَمَّا أيس أخوة يُوسُف من يُوسُف أَن يُجِيبهُمْ إِلَى مَا سَأَلُوهُ خلصوا نجيا. أَي: خلا بَعضهم بِبَعْض يتناجون ويتشاورون لَا يخالطهم غَيرهم، والآن يَأْتِي مزِيد الْكَلَام فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَوْله: ﴿لَا تيأسوا من روح الله﴾ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تيأسوا من روح الله إِنَّه لَا ييأس من روح الله إِلَّا الْقَوْم الْكَافِرُونَ﴾ (يُوسُف: ٨٧) وَمعنى من روح الله من رَحمته، قَالَ قَتَادَة وَالضَّحَّاك: من فضل الله، وَقَالَ ابْن زيد: من فرج الله، وَهَذَا حِكَايَة عَن كَلَام يَعْقُوب، ﵇، لأولاده قَوْله: (مَعْنَاهُ الرَّجَاء) أَي: معنى عدم الْيَأْس الرَّجَاء أَو معنى التَّرْكِيب الرَّجَاء، أَو لَا روح بِهِ حَقِيقَة.
خَصَلُوا نَجِيّا اعْتَزَلُوا نَجِيّا وَالجِسْمِ أنْجِيَةٌ يَتَنَاجَوْنَ الوَاحِدُ نَجِيٌّ وَالاثْنَانِ وَالجَمِيعُ نَجِيٌّ وَأنْجِيَةٌ.
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خلصوا نجيا﴾ وَلم يثبت هَذَا إلَاّ لأبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والكشميهني وَقَوله: (خلصوا) جَوَاب لما وَفسّر خلصوا بقوله: (اعتزلوا) وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: اعْتَرَفُوا وَالْأول هُوَ الصَّوَاب، والنجي هُوَ الَّذِي يُنَاجِي، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد والاثنان وَالْجمع الْمُذكر والمؤنث لِأَنَّهُ مصدر فِي الأَصْل جعل نعتا كالعدل والزور وَنَحْوهمَا وَجَاء جمعه أنجية وَقد نبه عَلَيْهِ بقوله: وأنجبة وانتصاب: نجيا، على الْحَال أَي: حَال كَونهم متناجين فِيمَا يعْملُونَ فِي ذهابهم إِلَى أَبِيهِم من غير أخيهم.
١٢ - (سُورَةُ يُوسُفَ ﵇
أَي: هَذَا فِي بَيَان بعض تَفْسِير سُورَة يُوسُف ﵇، قَالَ أَبُو الْعَبَّاس فِي: (مقامات التَّنْزِيل) : سُورَة يُوسُف مَكِّيَّة كلهَا وَمَا بلغنَا فِيهَا اخْتِلَاف، وَفِي: (تَفْسِير ابْن النَّقِيب) : عَن ابْن عَبَّاس وَقَتَادَة: نزلت بِمَكَّة إلَاّ أَربع آيَات فَإِنَّهُنَّ نَزَلْنَ بِالْمَدِينَةِ، ثَلَاث آيَات من أَولهَا وَالرَّابِعَة: ﴿لقد كَانَ فِي يُوسُف وَإِخْوَته آيَات للسائلين﴾ (يُوسُف: ٧) وَسبب نُزُولهَا سُؤال الْيَهُود عَن أَمر يَعْقُوب ويوسف ﵇، وَهِي مائَة وَإِحْدَى عشر آيَة، وَألف وَسَبْعمائة وست وَسَبْعُونَ كلمة، وَسَبْعَة آلَاف وَمِائَة وست وَسِتُّونَ حرفا.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر.
بابٌ
أَي: هَذَا بَاب فِي كَذَا وَكَذَا، وَلم يثبت لفظ: بَاب فِي مُعظم النّسخ.
وَقَالَ فُضَيْلٌ عنْ حُصَيْنٍ عنْ مُجاهِدٍ مُتَّكَأً الأُتْرُجُ قَالَ فُضَيْلٌ الأتْرُجُّ بالحَبَشِيَّةِ مُتْكاً وَقَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ رجُلٍ عنْ مُجاهِدٍ مُتْكاً كلُّ شَيْءٍ قُطِعَ بالسِّكِّينِ
فُضَيْل مصغر فضل وَهُوَ ابْن عِيَاض بن مُوسَى أَبُو عَليّ، ولد بسمرقند نَشأ بأبيورد، وَكتب الحَدِيث بكوفة وتحول إِلَى مَكَّة وَأقَام بهَا إِلَى أَن مَاتَ فِي سنة سبع وَثَمَانِينَ وَمِائَة، وقبره بِمَكَّة يزار، وحصين، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة: ابْن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ. قَوْله: (متكأ) بِضَم الْمِيم وَتَشْديد التَّاء وَفتح الْكَاف وبالهمزة المنونة، وَفَسرهُ مُجَاهِد بِأَنَّهُ الأترج، بِضَم الْهمزَة وَسُكُون التَّاء وَضم الرَّاء وَتَشْديد الْجِيم، وروى هَذَا التَّعْلِيق ابْن الْمُنْذر عَن يحيى بن مُحَمَّد بن يحيى: حَدثنَا مُسَدّد حَدثنَا يحي بن سعيد عَن فُضَيْل بن عِيَاض عَن حُصَيْن بِهِ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: متكأ مَا يتكأ عَلَيْهِ من نمارق، وَقيل: متكأ مجْلِس الطَّعَام لأَنهم كَانُوا يتكئون للطعام وَالشرَاب والْحَدِيث كعادة المترفين، وَلِهَذَا نهى أَن يَأْكُل الرجل مُتكئا، وَعَن مُجَاهِد: متكأ طَعَاما يحز حزاً، كَأَن الْمَعْنى: يعْتَمد بالسكين لِأَن الْقَاطِع يتكىء على الْمَقْطُوع بالسكين، وَيُقَال فِي الأترج: الاترنج، بالنُّون الساكنة بعد الرَّاء ويدغم النُّون فِي الْجِيم أَيْضا، وَكَانَت زليخا أَهْدَت ليوسف أترجة على نَاقَة وَكَأَنَّهَا الأترجة الَّتِي ذكرهَا أَبُو دَاوُد فِي: (سنَنه) أَنَّهَا شقَّتْ بنصفين وحملا كالعدلين على جمل. قَوْله: (قَالَ فُضَيْل الأترج بالحبشية متكأ) أَي: بِلِسَان الْحَبَشَة، أَو باللغة الحبشية. قَوْله: متكاً بِضَم الْمِيم وَسُكُون التَّاء وبتنوين الْكَاف، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن إِسْمَاعِيل بن عُثْمَان: حَدثنَا يحيى بن يمَان عَنهُ، وَقَرَأَ: متكاً، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد التَّاء وتنوين الْكَاف بِغَيْر همزَة، وَعَن الْحسن: متكأً، بِالْمدِّ كَأَنَّهُ مفتعال وَذَلِكَ لإشباع فَتْحة الْكَاف لقَوْله: بمنتزاح، بِمَعْنى منتزح. قَوْله: (وَقَالَ ابْن عُيَيْنَة) وَهُوَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة (عَن رجل) هُوَ مَجْهُول (عَن مُجَاهِد متكأً) بِضَم الْمِيم وَسُكُون التَّاء وتنوين الْكَاف، وَهُوَ (كل شَيْء قطع بالسكين) وَقيل: من متك الشَّيْء بِمَعْنى: بتكه إِذا قطعه، وَقَرَأَ الْأَعْرَج: متكأ على وزن مفعل من تكأ يتكأ إِذا اتكا.
وَقَالَ قَتادَة لَذُو عِلْمٍ عامِلٌ بِمَا عَلِمَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإنَّهُ لذُو علم لما علمناه﴾ (يُوسُف: ٦٨) . . الْآيَة، وَفسّر قَتَادَة قَوْله: لذُو علم، بقوله: عَامل بِمَا علم. وَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه: حَدثنَا أَبُو معمر عَن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الْقطيعِي حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة، وَالضَّمِير فِي: أَنه، يرجع إِلَى يَعْقُوب ﵇، وَهَذَا لَا يَتَّضِح إلَاّ إِذا وقف الشَّخْص على الْقَضِيَّة من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ يَا بني لَا تدْخلُوا من بَاب وَاحِد﴾ (يُوسُف: ٦٧) إِلَى قَوْله: ﴿وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ﴾ (يُوسُف: ٧٢) .
وَقَالَ ابنُ جُبَيْرٍ صُوَاعٌ مَكُّوكُ الْفارِسِيِّ الَّذِي يلْتقِي طَرَفاهُ كانَتْ تَشْرَبُ بِهِ الأعاجِمُ
أَي: قَالَ سعيد بن جُبَير فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا انفقد صواع الْملك﴾ . . الْآيَة، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد عَن أَبِيه: حَدثنَا مُسَدّد حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن أبي بشر عَن سعيد بن جُبَير، وَرَوَاهُ ابْن مَنْدَه فِي: (غرائب شُعْبَة) ، وَابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق عَمْرو بن مَرْزُوق عَن شُعْبَة عَن أبي بشر عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: (صواع الْملك) قَالَ: كَانَ كَهَيئَةِ المكوك من فضَّة يشربون فِيهِ، وَقد كَانَ للْعَبَّاس مثله فِي الْجَاهِلِيَّة، وَقَالَ زيد بن زيد: كَانَ كأساً من ذهب، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: كَانَ من فضَّة مرصعة بالجواهر جعلهَا يُوسُف ﵇، مكيالاً لَا يُكَال بغَيْرهَا وَكَانَ يشرب فِيهَا. وَعَن ابْن عَبَّاس: كَانَ قدحاً من زبرجد، والمكوك، بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد الْكَاف المضمومة وَسُكُون الْوَاو وَفِي آخِره كَاف أُخْرَى: وَهُوَ مكيال مَعْرُوف لأهل الْعرَاق فِيهِ ثَلَاث كيلجات، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: المكوك إسم للمكيال وَيخْتَلف فِي مِقْدَاره باخْتلَاف اصْطِلَاح النَّاس عَلَيْهِ فِي الْبِلَاد، وَفِي حَدِيث أنس ﵁: (أَن رَسُول الله ﷺ ، كَانَ يتَوَضَّأ بالمكوك الْمَدّ) . وَقيل: الصَّاع، وَيجمع على: مكاكي، على إِبْدَال الْيَاء من الْكَاف الْأَخِيرَة، وَقَرَأَ الْجُمْهُور: صواع، وَعَن أبي هُرَيْرَة، أَنه قَرَأَ: أصاع الْملك، وَعَن أبي رَجَاء: صوع، بِسُكُون الْوَاو، وَعَن يحيى بن يعمر مثله. لَكِن بغين مُعْجمَة، حَكَاهَا الطَّبَرِيّ.
وَقَالَ ابنُ عبّاسٍ تُفَنِّدُونِ تُجَهِّلُونِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي لأجد ريح يُوسُف لَوْلَا أَن تفندون﴾ (يُوسُف: ٩٤) وَفَسرهُ بقوله: (تجهلون) وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مَعْنَاهُ: لَوْلَا أَن تسفهوني، وَقَالَ مُجَاهِد: لَوْلَا أَن تَقولُوا ذهب عقلك، وَوجد ريح يُوسُف من مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام، وتفندون من الفند بِفَتْح النُّون وَهُوَ: الْهَرم.
وَقَالَ غَيْرُهُ غيابَةُ الحبِّ كُلُّ شَيْءٍ غَيَّبَ عَنْكَ شَيْئا فَهُوَ غَيابَةٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿والقوه فِي غيابة الْحبّ يلتقطه بعض السيارة﴾ (يُوسُف: ١٠) ظَاهر الْكَلَام أَن قَوْله: (وَقَالَ غَيره) غير ابْن عَبَّاس لِأَنَّهُ عطف عَلَيْهِ، وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ من كَلَام ابْن عَبَّاس وَإِنَّمَا هُوَ كَلَام أبي عُبَيْدَة. قلت: لَا مَانع أَن يكون قَول أبي عُبَيْدَة من قَول ابْن عَبَّاس. قَوْله: (كل شَيْء) ، مُبْتَدأ وَقَوله: (غيب عَنْك) فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهُ صفة لشَيْء (وشيأ) مفعول غيب. قَوْله: (فَهُوَ غيابة) جملَة إسمية وَقعت خبر الْمُبْتَدَأ. أَو الْمُبْتَدَأ إِذا تضمن معنى الشَّرْط تدخل الْفَاء فِي خَبره. قَوْله: (غيابة الْجب) ، قَالَ الثَّعْلَبِيّ: أَي: قَعْر الْجب وظلمته حَيْثُ يغيب خَبره، وَقَالَ قَتَادَة: أَسْفَله وَأَصله من الغيبوبة.
وَالجُبُّ الرَّكِيَةُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ
أَي: الْجب الْمَذْكُور فِي قَوْله: (غيابة الْجب) هُوَ الْبِئْر الَّتِي لم تطو، وَكَذَلِكَ القليب، قَالَ الْجَوْهَرِي: القليب الْبِئْر قبل أَن تطوى، وَسميت جبا من أجل أَنَّهَا قطعت قطعا وَلم يحدث فِيهَا غير الْقطع من الطي وَمَا أشبهه.
بِمُؤْمِنٍ لَنَا بِمُصدِّق
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى، حِكَايَة عَن قَول إخْوَة يُوسُف: ﴿وَتَركنَا يُوسُف عِنْد متاعنا فَأَكله الذِّئْب وَمَا أَنْت بِمُؤْمِن لنا وَلَو كُنَّا صَادِقين﴾ (يُوسُف: ١٧) وَالْمعْنَى: وَمَا أَنْت بمصدق فِي كلامنا، وَفِي التَّفْسِير: وَمَا أَنْت بمصدق لنا لسوء ظَنك بِنَا وتهمتك لنا، وَهَذَا قَمِيصه ملطخ بِالدَّمِ.
يُقالُ بَلَغَ أشُدَّهُ قَبْلَ أنْ يَأْخُذ فِي النُّقْصانِ وَقَالُوا بَلَغَ أشُدَّهُ وَبَلَغُوا أشُدَّهُمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَاحِدُها شَدٌّ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما﴾ وَفسّر قَوْله: أشده، بقوله: قبل أَن يَأْخُذ فِي النُّقْصَان، وَأَرَادَ بِهِ عز مُنْتَهى شبابه وقوته وشدته، وَاخْتلف فِيهِ، فَذكر ابْن الْمُنْذر عَن الشّعبِيّ وَرَبِيعَة وَزيد بن أسلم وَمَالك: أَنه الْحلم، وَعَن سعيد ابْن جُبَير ثَمَانِيَة عشرَة سنة، وَقيل: عشرُون، وَقيل: خمس وَعِشْرُونَ، وَقيل: ثَلَاثُونَ، وَقيل: ثَلَاث وَثَلَاثُونَ قَالَه مُجَاهِد: وَقيل: أَرْبَعُونَ. وَقيل: سبع عشرَة سنة، وَقيل: خمس وَثَلَاثُونَ سنة، وَقيل: ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ سنة، وَعَن ابْن عَبَّاس: مَا بَين ثَمَان عشرَة إِلَى ثَلَاثِينَ سنة، وَقيل: سِتُّونَ سنة، وَقَالَ ابْن التِّين: الْأَظْهر أَنه أَرْبَعُونَ لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما﴾ وَذَلِكَ أَن النَّبِي ﷺ لَا يتنبى إلَاّ بعد أَرْبَعِينَ سنة. قَالَ بَعضهم: وَتعقب بِأَن عِيسَى ﵊، وَيحيى أَيْضا تنبأ لدوّنَ الْأَرْبَعين لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبيا﴾ (مَرْيَم: ١٢) قلت لَهُ أَن يَقُول: هما مخصوصان بذلك من دون سَائِر الْأَنْبِيَاء، ﵈. قَوْله: (يُقَال بلغ أشده وبلغوا أَشَّدهم) ، أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنه يُضَاف إِلَى الْمُفْرد وَالْجمع بِلَفْظ وَاحِد. قَوْله: (وَقَالَ بَعضهم: وَاحِدهَا:) أَي: وَاحِد الأشد وَهُوَ قَول سِيبَوَيْهٍ وَالْكسَائِيّ، وَزعم أَبُو عُبَيْدَة أَنه لَيْسَ لَهُ وَاحِد من لَفظه.
وَالمُتَّكَأُ مَا اتَّكَأَتَ عَلَيْهِ لِشَرَابٍ أوْ لِحَدِيثٍ أوْ لِطعامٍ وَأبْطَلَ الَّذِي قَالَ الأُتْرُجُّ وَلَيْسَ فِي كَلامِ العَرَبِ الأُتْرُجُّ فَلَمَّا احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بأنّهُ المُتَّكَأُ مِنْ نَمَارِقَ فَرُّوا إلَى شَرٍّ مِنْهُ فَقَالُوا إنَّما هُوَ المُتْكُ سَاكِنَةَ التّاءِ وَإنّما المُتْكُ طَرَفُ البَظرِ وَمِنْ ذالِكَ قِيلَ لَهَا مَتْكاءُ وَابنُ المَتْكاءِ فَإنْ كَانَ ثمَّ أُترُجٌّ فَإنّهُ بَعْدَ المُتَّكَإِ.
لما ذكر فِيمَا مضى عَن قريب عَن مُجَاهِد أَن المتكأ الأترج، أنكر ذَلِك، فَقَالَ: المتكأ مَا اتكأت عَلَيْهِ لأجل شرب شراب أَو لأجل حَدِيث أَو لأجل طَعَام. قَوْله: وأبطل قَول الَّذِي قَالَ: المتكأ الأترج، ثمَّ ادّعى أَنه لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب الأترج، يَعْنِي: لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب تَفْسِير المتكأ بالأترج، وَفِيه نظر، حَتَّى قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) هَذِه الدَّعْوَى من الْأَعَاجِيب فقد قَالَ فِي (الْمُحكم) المتكأ الأترج، وَعَن الْأَخْفَش كَذَلِك، وَفِي (الْجَامِع) المتكأ الأترج، وأنشدوا:
(فنشرب الْإِثْم بالصواع جهارا ... ونرى المتك بَيْننَا مستعارا)
وَأَبُو حنيفَة الدينَوَرِي زعم أَن المتكا بِالضَّمِّ الأترج، وَالَّذِي بِفَتْح الْمِيم السوسن، وبنحوه ذكره أَبُو عَليّ القالي وَابْن فَارس فِي (الْمُجْمل) وَغَيرهمَا. قَوْله: (فَلَمَّا احْتج عَلَيْهِم) ، بِصِيغَة الْمَجْهُول. (يان المتكأ من نمارق) إِلَى آخِره ظَاهر. قَوْله: (وَإِنَّمَا المتك) ، بِعني: بِالضَّمِّ، طرف البظر، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الظَّاء الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره رَاء، وَهُوَ مَا تبقيه الخاتنة بعد الْخِتَان من الْمَرْأَة. قَوْله: (وَمن ذَلِك) أَي: وَمن هَذَا اللَّفْظ: (قيل لَهَا) أَي: للْمَرْأَة. (متكاء) بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون التَّاء وبالمد، وَهِي الَّتِي لم تختن، وَيُقَال لَهَا: البظراء أَيْضا ويعير الرجل بذلك، فَيُقَال لَهُ: ابْن المتكاء. قَوْله: (فَإِن كَانَ ثمَّ أترج) بِفَتْح الْفَاء الْمُثَلَّثَة وَتَشْديد الْمِيم، أَي: فَإِن كَانَ هُنَاكَ أترج فَإِنَّهُ كَانَ بعد المتكاء، وَقَالَ بَعضهم: إِنَّمَا قَالَ البُخَارِيّ مَا قَالَه من ذَلِك تبعا لأبي عُبَيْدَة فَإِنَّهُ قَالَ: زعم قوم أَنه الأترج، وَهَذَا أبطل بَاطِل فِي الأَرْض، وَلَكِن عَسى أَن يكون مَعَ المتكاه أترج يَأْكُلُونَهُ. قلت: كَأَنَّهُ لم يفحص عَن ذَلِك كَمَا يَنْبَغِي. وقلد أَبَا عُبَيْدَة، والأفة من التَّقْلِيد، وَكَيف يَصح مَا قَالَه من ذَلِك وَقد روى عبد بن حميد من طَرِيق عَوْف الْأَعرَابِي عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا إِنَّه كَانَ يقْرؤهَا: متكاء، مُخَفّفَة وَيَقُول: هُوَ الأترج، وَأَيْضًا قد روى مثله عَمَّن ذَكَرْنَاهُمْ الْآن.
شَغَفَها يُقَالُ بَلَغَ إلَى شِغافَها وَهُوَ غِلافُ قَلْبِها وَأمّا شَعَفَها فَمِنَ المَشْعُوفِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿امْرَأَة الْعَزِيز تراود فناها عَن نَفسه قد شغفها حبا إِنَّا لنراها فِي ضلال مُبين﴾ (يُوسُف: ٣٠) قَوْله: (قد شغفها) ، أَي: قد شغف يُوسُف زليخا، يَعْنِي: بلغ حبه إِلَى شغافها، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة فِي ضبط الْمُحدثين، وَعند أهل اللُّغَة بِالْفَتْح، وَهُوَ غلاف قَلبهَا، وَقيل: الشغاف حَبَّة الْقلب، وَقيل: هُوَ علقَة سَوْدَاء فِي صميمه. قَوْله: (وَأما شعفها) ، يَعْنِي: بِالْعينِ الْمُهْملَة فَمن المشعوف، يُقَال: فلَان مشعوف بفلان إِذا بلغ بِهِ الْحبّ أقْصَى الْمذَاهب، وَيُقَال: فلَان شعفه الْحبّ، أَي أحرق قلبه.
أصْبُ أمِيلُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله حِكَايَة عَن قَول يُوسُف، ﵇: ﴿وإلَاّ تصرف عني كيدهن أَصْبُ إلَيْهِنَّ وأكن من الْجَاهِلين﴾ (يُوسُف: ٣٣) وَفسّر: أصبُ، بقوله: أميل، يُقَال: صبا إِلَى اللَّهْو، يصبو صبوا إِذا مَال إِلَيْهِ، وَمِنْه سمي الصَّبِي لِأَنَّهُ يمِيل إِلَى كل شَيْء.
أضْغَاثُ أحْلامٍ مَا لَا تَأْوِيلَ لَهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا أضغاث أَحْلَام وَمَا نَحن بِتَأْوِيل الأحلام بعالمين﴾ (يُوسُف: ٤٤) والأضغاث جمع ضغث، وَهُوَ ملْء الْيَد من حشيش، وَفسّر قَوْله: أضغاث أَحْلَام، بقوله: مَا لَا تَأْوِيل لَهُ لِأَنَّهُ من الأخلاط والرؤيا الكاذبة الَّتِي لَا أصل لَهَا. وَقَوله: (أضغاث أَحْلَام) فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء. قَوْله: (مَا لَا تَأْوِيل لَهُ) ، خَبره وَكلمَة مَا مَوْصُولَة.
وَالضِّغْثُ مِلْءُ اليَدِ مِنْ حَشِيشٍ وَمَا أشْبَهَهُ وَمِنْهُ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثا لَا مِنْ قَوْلِهِ أضْغاثُ أحْلامٍ وَاحِدُها ضِغْثٌ
أَشَارَ بقوله: ﴿والضغث﴾ إِلَى شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: أَن الضغث وَاحِد. الأضغاث وَالْآخر: أَن تَفْسِيره بملء الْيَد من حشيش وَمَا أشبهه، وَأَرَادَ أَن الضغث الَّذِي هُوَ ملْء الْكَفّ من أَنْوَاع الْحَشِيش هُوَ المُرَاد من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَخذ بِيَدِك ضغثا فَاضْرب بِهِ﴾ (ص: ٤٤) وَذَلِكَ فِي قصَّة أَيُّوب، ﵇، وَلَيْسَ المُرَاد هُنَا هَذَا الْمَعْنى، وَلَكِن المُرَاد من الأضغاث هُنَا هُوَ الَّذِي واحده ضغث الَّذِي هُوَ بِمَعْنى مَا لَا تَأْوِيل لَهُ، وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أضغاث أَحْلَام﴾ مَا حَاصله أَن الضغث فِي قَوْله: (وَخذ بِيَدِك ضغثا) بِمَعْنى: ملْء الْكَفّ من الْحَشِيش، لَا بِمَعْنى: مَا لَا تَأْوِيل لَهُ، وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أضغاث أَحْلَام﴾ قَالَ: أخلاط أَحْلَام، وروى أَبُو يعلى بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: ﴿أضغاث أَحْلَام﴾ قَالَ: هِيَ الأحلام الكاذبة.
نَمِيرُ مِنَ المِيرَةِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذِه بضاعتنا ردَّتْ إِلَيْنَا ونمير أهلنا﴾ (يُوسُف: ٦) الْميرَة بِكَسْر الْمِيم الطَّعَام، وَالْمعْنَى: نجلب إِلَى أهلنا الطَّعَام يُقَال: مار أَهله يميرهم إِذا أَتَاهُم بِطَعَام.
وَنزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ مَا يَحْمِلُ بَعِيرٌ
أَي نزداد على أحمالنا حمل بعير يُكَال لَهُ مَا حمل بعيره، وروى الْفرْيَابِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد: كيل بعير أَي: كيل حمَار. وَذكر الثَّعْلَبِيّ أَنه لُغَة يُقَال للحمار بعير. وَيُؤَيّد ذَلِك أَن إخْوَة يُوسُف كَانُوا من أَرض كتمان وَلَيْسَ بهَا إبل.
آوِي إلَيْهِ ضَمَّ إلَيْهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما دخلُوا على يُوسُف آوي إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ (يُوسُف: ٦٩) الْآيَة. أَي: فَلَمَّا دخلت إخْوَة يُوسُف عَلَيْهِ ضم يُوسُف إِلَى نَفسه أَخَاهُ بنيامين من آوى يؤوى إيواء.
السَّقايَةُ مِكْيَالٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جهزهم بجهازهم جعل السِّقَايَة فِي رَحل أَخِيه﴾ (يُوسُف: ٧٠) وَفسّر السِّقَايَة وَله مكيال، وَهُوَ الْإِنَاء الَّذِي كَانَ يُوسُف يشرب بِهِ فَجعله ميكالاً لِئَلَّا يكتالوا بِغَيْرِهِ فيظلموا وَيُقَال: السِّقَايَة هِيَ الصواع كَانَ الْملك يسْقِي بهَا ثمَّ جعلت صَاعا يُكَال بِهِ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
تَفْتَأُ لَا تَزَالُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: ﴿تالله تفتأ تذكر يُوسُف﴾ (يُوسُف: ٨٥) أَي: لَا تفتأ فَحذف حرف النَّفْي، وَالْمعْنَى: أَن أخوة يُوسُف قَالُوا ليعقوب أَبِيهِم: وَالله لَا تزَال تذكر يُوسُف وَلَا تفتر من حبه ﴿حَتَّى تكون حرضا﴾ الْآيَة. يُقَال: مَا فتئت أذكر ذَلِك وَمَا فتأت أفتأ وافتو فتاء وفتوءا. وَقَالَ أَبُو زيد: مَا افتأت أذكرهُ وَمَا فتئت أذكرهُ أَي: مَا زلت أذكرهُ لَا يتَكَلَّم بِهِ إلاّ مَعَ الْجحْد. وَقَوله: ﴿تالله تفتأ تذكر يُوسُف﴾ أَي: مَا تفتأ قلت الصَّوَاب لَا تفتأ.
حَرَضا مُحْرَضا يُذِيبُكَ الْهَمُّ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى تكون حرضا أَو تكون من الهالكين﴾ وَذكر أَن حرضا بِمَعْنى، محرض، على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول وَفَسرهُ بقوله: يذيبك الْهم من الإذابة. وَقيل: مَعْنَاهُ تكون دنفا وَقيل: قَرِيبا من الْمَوْت، وَقَالَ الْفراء الحرض هُوَ الْفَاسِد فِي جِسْمه، وعقله وَيَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد والمثنى وَالْجمع والمذكر والمؤنث لِأَنَّهُ مصدر وضع مَوضِع الْأَلَم، وَمن الْعَرَب من يؤنث مَعَ الْمُؤَنَّث. وَقَرَأَ أنس بِضَم الْحَاء، وَعَن قَتَادَة: حرضا هرما. وَعَن الضَّحَّاك بَالِيًا ذَا بلَاء، وَعَن الرّبيع ابْن أنس، يَابِس الْجلد على الْعظم، وَعَن الْحسن: كالشيء المدقوق المكسور، وَعَن القتبي: سَاقِطا. قَوْله: ﴿أَو تكون من الهالكين﴾ أَي: الميتين.
تَحَسَّسوا تَحَبرُوا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا بني اذْهَبُوا فتحسسوا من يُوسُف وأخيه﴾ (يُوسُف: ٨٧) الْآيَة. وَفسّر: تحسسوا بقوله: تخبروا. أَي: اطْلُبُوا الْخَبَر وتحسسوا تَفعلُوا من الْحس، يَعْنِي: تتبعوا. وَعَن ابْن عَبَّاس: التمسوا. وَسُئِلَ ابْن عَبَّاس عَن الْفرق بَين التحسس، بِالْحَاء الْمُهْملَة، والتجسس، بِالْجِيم؟ فَقَالَ: لَا يعدو أَحدهمَا عَن الآخر إلَاّ أَن التحسس فِي الْخَيْر والتجسس فِي الشَّرّ، وَقيل: بِالْحَاء لنَفسِهِ وبالجيم لغيره، وَمِنْه الجاسوس.
مُزْجاةٌ قَلِيلَةٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجِئْنَا ببضاعة مزجاة﴾ وفسرها بقوله قَليلَة. وَقيل: ردية، وَقيل: فَاسِدَة. وَعَن قَتَادَة: يسيرَة، وَكَانَت البضاعة من صوف وَنَحْوه. وَقيل: دَرَاهِم لَا تزوج، وَرُوِيَ عَن عِكْرِمَة وَابْن عَبَّاس: كَانَت دَرَاهِم زُيُوفًا لَا تنْفق إلَاّ بوضيعة. وَعَن ابْن عَبَّاس أَيْضا خلق الغرارة وَالْحَبل وَرَثَة الْمَتَاع.
غَاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ الله عَامَّةٌ مُجَلِّلَةٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أفأمنوا أَن تأتيهم غاشية من عَذَاب الله أَو تأتيهم السَّاعَة بَغْتَة وهم لَا يَشْعُرُونَ﴾ (يُوسُف: ١٠٧) وَفسّر غاشية بقوله: (عِمَامَة) أَي: نقمة عَامَّة. قَوْله: (مُجَللَة) ، بِالْجِيم من جلل الشَّيْء تجليلاً أَي: عَمه، وَهُوَ صفة غاشية لِأَن ابْن عَبَّاس فسر الغاشية بقوله: مُجَللَة، وَيرد بِهَذَا قَول بَعضهم: أَن مُجَللَة تَأْكِيد عَامَّة. وَقَالَ قَتَادَة: غاشية وقيعة، وَقَالَ الضَّحَّاك: الصَّوَاعِق والقوارع.
(بابٌ)
أَي: هَذَا بَاب، وَلَيْسَ فِي مُعظم النّسخ لفظ بَاب.
اسَتَيْأَسُوا يَئِسُوا لَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ الله مَعْناهُ الرَّجاءُ
لم يثبت هَذَا أَلا لأبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والكشميهني، وَأَشَارَ بقوله: ﴿استيأسوا﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خلصوا نجيا﴾ (يُوسُف: ٨٠) وَفَسرهُ بقوله: (يئسوا) أَي: فَلَمَّا أيس أخوة يُوسُف من يُوسُف أَن يُجِيبهُمْ إِلَى مَا سَأَلُوهُ خلصوا نجيا. أَي: خلا بَعضهم بِبَعْض يتناجون ويتشاورون لَا يخالطهم غَيرهم، والآن يَأْتِي مزِيد الْكَلَام فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَوْله: ﴿لَا تيأسوا من روح الله﴾ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تيأسوا من روح الله إِنَّه لَا ييأس من روح الله إِلَّا الْقَوْم الْكَافِرُونَ﴾ (يُوسُف: ٨٧) وَمعنى من روح الله من رَحمته، قَالَ قَتَادَة وَالضَّحَّاك: من فضل الله، وَقَالَ ابْن زيد: من فرج الله، وَهَذَا حِكَايَة عَن كَلَام يَعْقُوب، ﵇، لأولاده قَوْله: (مَعْنَاهُ الرَّجَاء) أَي: معنى عدم الْيَأْس الرَّجَاء أَو معنى التَّرْكِيب الرَّجَاء، أَو لَا روح بِهِ حَقِيقَة.
خَصَلُوا نَجِيّا اعْتَزَلُوا نَجِيّا وَالجِسْمِ أنْجِيَةٌ يَتَنَاجَوْنَ الوَاحِدُ نَجِيٌّ وَالاثْنَانِ وَالجَمِيعُ نَجِيٌّ وَأنْجِيَةٌ.
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خلصوا نجيا﴾ وَلم يثبت هَذَا إلَاّ لأبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والكشميهني وَقَوله: (خلصوا) جَوَاب لما وَفسّر خلصوا بقوله: (اعتزلوا) وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: اعْتَرَفُوا وَالْأول هُوَ الصَّوَاب، والنجي هُوَ الَّذِي يُنَاجِي، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد والاثنان وَالْجمع الْمُذكر والمؤنث لِأَنَّهُ مصدر فِي الأَصْل جعل نعتا كالعدل والزور وَنَحْوهمَا وَجَاء جمعه أنجية وَقد نبه عَلَيْهِ بقوله: وأنجبة وانتصاب: نجيا، على الْحَال أَي: حَال كَونهم متناجين فِيمَا يعْملُونَ فِي ذهابهم إِلَى أَبِيهِم من غير أخيهم.
١ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أتَمَّها عَلَى أبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إبْرَاهِيمَ وَإسْحَاقَ﴾ (يُوسُف: ٦)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيتم نعْمَته عَلَيْك﴾ الْآيَة. وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب قَوْله: (وَيتم نعْمَته) أَي: وَيتم الله نعْمَته عَلَيْك، وَالْخطاب ليوسف، ﵇، وإتمام النِّعْمَة بِالنُّبُوَّةِ، وَقيل: بإعلاء الْكَلِمَة، وَقيل: بِأَن أحْوج إِلَيْك إخْوَتك قَوْله: (وعَلى آل يَعْقُوب) هم وَلَده، وَقيل: هُوَ وَامْرَأَته وَأَوْلَاده الْأَحَد عشر، وإتمام النِّعْمَة: الْجمع بَين نعْمَة الدُّنْيَا وَهِي الْملك ونعمة الْآخِرَة. قَوْله: (كَمَا أتمهَا) أَي: النِّعْمَة فنعمته على إِبْرَاهِيم أَن أَنْجَاهُ من النَّار، وعَلى إِسْحَاق أَن أَنْجَاهُ من الذّبْح.
٤٦٨٨ - ح دَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا عَبْدُ الصَّمَّدِ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَبْدِ الله بنِ دِينارٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَبدِ الله بنِ عُمَرَ ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ الكَرِيمُ ابنُ الكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بنُ يَعْقُوبَ بنِ إسْحَاقَ بنِ إبْرَاهِيمَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن الْمَذْكُور فيهمَا هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاء الْأَرْبَعَة ﵈. قَوْله: (حَدثنِي) ، ويروى: حَدثنَا بنُون
стр. 5566
الْجمع، وَوَقع فِي أَطْرَاف خلف. قَالَ عبد الله بن مُحَمَّد. وبالتحديث أَكثر، وَعبد الله بن مُحَمَّد هُوَ الْجعْفِيّ البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي، وَعبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث، وَالْحَدَث مضى فِي كتاب الْأَنْبِيَاء فِي بَاب قَوْله الله : ﴿لقد كَانَ فِي يُوسُف وَإِخْوَته آيَات للسائلين﴾ (يُوسُف: ٧) .
٢ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإخْوَتِهِ آيَاتٌ للسَّائِلِينَ﴾ (يُوسُف: ٧)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿لقد كَانَ فِي يُوسُف﴾ الْآيَة. وَهَذَا مُكَرر لِأَن هَذِه التَّرْجَمَة بِعَينهَا مَعَ الحَدِيث الَّذِي لَهَا قد مضيا فِي كتاب الْأَنْبِيَاء، وَفِي حَال الْإِسْنَاد وَبَعض الْمَتْن تغاير على مَا يَأْتِي.
٤٦٨٩ - ح دَّثني مُحَمَّدٌ أخْبَرنَا عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ سَعِيدٍ بنِ أبِي سَعِيدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ أيُّ النَّاسِ أكْرَمُ قَالَ أكْرَمُهُمْ عِنْدَ الله أتْقاهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَنْ هَذا نَسْألُكَ قَالَ فَأكْرَمُ النّاس يُوسُفُ نَبيُّ الله ابنُ نَبِيِّ الله ابنِ نَبِيِّ الله ابنِ خَلِيلِ الله قَالُوا لَيْسَ عَنْ هاذا نَسْألُكَ قَالَ فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ تَسْألُونَي قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَخَيَارُكُمْ فِي الجَاهِلِيَةِ خِيَارُكُمْ فِى الإسْلامِ إذَا فَقُهُوا.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ مَعَ بعض التعسف من حَيْثُ أَن فِي الْآيَة سؤالاً عَن يُوسُف الَّذِي هُوَ أكْرم النَّاس من حَيْثُ النّسَب، وَفِي الحَدِيث أخبر، ﷺ ، عَن صفته تِلْكَ. وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه أكْرم النَّاس من حَيْثُ النّسَب لِأَنَّهُ نَبِي ابْن نَبِي ابْن نَبِي ابْن نَبِي، وَلم يتَّفق هَذَا لأحد غَيره، وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام، وَعَبدَة ضد الْحرَّة ابْن سُلَيْمَان، وَعبيد الله هُوَ الْمَعْرُوف بالعمري، وَسَعِيد بن أبي سعيد المَقْبُري وَاسم أَبِيه كيسَان؟ قَوْله: (عَن معادن الْعَرَب) أَي: أصولهم الَّتِي يلبسُونَ إِلَيْهَا ويتفاخرون بهَا وشبهوا بالمعادن لما فِيهِ من الاستعدادات المتفاوتة. قَوْله: (فقهوا) بِضَم الْقَاف وَكسرهَا.
تَابَعَهُ أبُو أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ الله
يَعْنِي: تَابع عَبدة أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة عَن عبيد الله الْعمريّ، وَقد وصل البُخَارِيّ هَذِه الْمُتَابَعَة فِي كتاب الْأَنْبِيَاء ﵈.
٣ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿قَالَ بَلْ سوَّلَتْ لَكُمْ أنْفُسُكُمْ أمْرا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (يُوسُف: ١٨، ٨٣)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله : ﴿بل سَوَّلت لكم أَنفسكُم أمرا فَصَبر جميل وَالله الْمُسْتَعَان على مَا تصفون﴾ إِنَّمَا قَالَ هَذَا يَعْقُوب لِبَنِيهِ لما جاؤوا إِلَيْهِ بقميص يُوسُف ملطخ بِالدَّمِ. قَوْله: (سَوَّلت) يَأْتِي مَعْنَاهُ الْآن. قَوْله: (فَصَبر جميل) أَي: فصبري صَبر جميل وَهُوَ الصَّبْر الَّذِي لَا جزع فِيهِ وَلَا شكوى.
سَوَّلَتْ زَيَّنَتْ
أَشَارَ بِأَن معنى سَوَّلت فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة زينت. روى هَذَا عَن قَتَادَة، وَرَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد عَن عَليّ بن الْحسن حَدثنَا أَبُو الْجمَاهِر أخبرنَا سعيد بن بشير عَنهُ.
٤٦٩٠ - ح دَّثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ وَحَدَّثنا الحَجّاجُ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ النمَيْرِيُّ حدَّثنا يُونُسُ بنُ يَزِيدُ الأيْلِيُّ قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ سَمِعْتُ عُرْوَةَ بنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بنَ المُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةَ بنَ وَقَاصٍ وَعُبَيْدَ الله بنَ عَبْدِ الله عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهَا أهْلُ الإفْكِ مَا قَالُوا فَبَرَّأها الله. كل حدَّثني طَائِفَةً مِنَ الحَدِيثِ قَالَ النبيُّ ﷺ إنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ الله
стр. 5567
وَإنْ كُنْتِ ألْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي الله وَتُوبِي إلَيْهِ قُلْتُ إنِّي وَالله لَا أَجِدُ مَثَلاً إلاّ أبَا يُوسُفَ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَالله المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ وَأنْزَلَ الله إنَّ الَّذِينَ جاؤوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ العَشْرَ الآيَاتِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ﴿فَصَبر جميل﴾ (يُوسُف: ١٨، ٨٣) الْآيَة. وَعبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى الأويسي الْمدنِي، وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان، وَالْحجاج هُوَ ابْن منهال. والْحَدِيث قد مضى مطولا فِي: بَاب الْإِفْك عقيب، بَاب: غَزْوَة أَنْمَار، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوْفِي قَوْله: (وَالْمَيِّت) أَي: قصدت إِلَيْهِ وَنزلت بِهِ.
٤٦٩١ - حدَّثنا مُوسى احدثنا أَبُو عَوَانَةَ عنْ حُصَيْنٍ عنْ أبي وائلٍ قَالَ حَدثنِي مَسْرُوقُ بنُ الأجْدَعِ قَالَ حدثَتْني أُمُّ رُومانَ وهْيَ أُمُّ عائِشَةَ قالَتْ بَيْنا أَنا وعائِشَةُ أخَذَتْها الحُمَّى فَقَالَ النبيُّ ﷺ لَعَلَّ فِي حَدِيثٍ تُحُدِّثَ قَالَتْ نَعَمْ وقَعَدَتْ عائِشَةُ قالَتْ مَثَلِي ومَثَلُكمْ كَيَعْقُوبَ وَبَنِيهِ وَالله المُسْتَعانِ عَلَى مَا تَصِفُونَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل الْمنْقري التَّبُوذَكِي، وَأَبُو عوَانَة الوضاح الْيَشْكُرِي، وحصين، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ: ابْن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة. والْحَدِيث مضى بأتم مِنْهُ فِي بَاب الْإِفْك، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (حَدَّثتنِي أم رُومَان) وَهَذَا صَرِيح فِي سَماع مَسْرُوق عَنْهَا وَالْأَكْثَرُونَ على خِلَافه. قَوْله: (لَعَلَّ فِي حَدِيث) أَي: لَعَلَّ الَّذِي حصل لعَائِشَة من أجل حَدِيث تحدث بِهِ فِي حَقّهَا.
٤
- (بابُ قَوْلِهِ: ﴿ورَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ بَيْتِها عنْ نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوَابَ وقالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ (يُوسُف: ٢٢) ٢.
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : (وراودته) الْآيَة، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب قَوْله: (وراودته) أَي: راودت امْرَأَة الْعَزِيز زليخا يُوسُف، يَعْنِي: طلبت مِنْهُ أَن يواقعها قَوْله: (الْأَبْوَاب) ، وَكَانُوا سَبْعَة، والآن يَأْتِي الْكَلَام فِي لفظ هيت لَك.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ هَيْتَ لَكَ بالحَوْرَانِيَّةِ هَلُمَّ. وَقَالَ ابنُ جُبَيْرٍ تَعالَهْ
أَي: قَالَ عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس: معنى (هيت لَك) باللغة الحورانية: هَلُمَّ. وَهُوَ بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وبالراء وَكسر النُّون وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ بلد بِالشَّام، وَقَالَ الْبكْرِيّ: حوران على وزن فعلان: أَرض بِالشَّام، وَقَالَ الرشاطي: حوران جبل بِالشَّام، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: هِيَ مَدِينَة حوران، وَقَالَ عَليّ بن حَرْب: هِيَ مَدِينَة بصرى. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد: حوران من أَعمال دمشق ومدينتها بصرى. وَتَعْلِيق عِكْرِمَة أخرجه عبد بن حميد عَن أبي معمر عَن سُفْيَان عَن ابْن أبي عرُوبَة عَنهُ، وَمعنى: (هَلُمَّ) أقبل وادن. وَقَالَ الْكسَائي: هَذِه لُغَة أهل حوران وَقعت إِلَى الْحجاز وَمَعْنَاهَا: تعال وَقَالَ الْحسن: هِيَ لُغَة سريانية، وَقَالَ مُجَاهِد: هِيَ لُغَة عَرَبِيَّة تَدعُوهُ إِلَى نَفسهَا. وَهِي كلمة حث وإقبال على الشَّيْء. وَأَصلهَا من الجلبة والصياح، تَقول الْعَرَب: هيت لفُلَان إِذا دَعَاهُ وَصَاح بِهِ. وَقيل: تَقول: هَل لَك رَغْبَة فِي حسني وجمالي؟ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الْعَرَب لَا تثني هيت وَلَا تجمع وَلَا تؤنث وَإِنَّهَا بِصُورَة وَاحِدَة فِي كل حَال، وَإِنَّمَا تتَمَيَّز بِمَا قبلهَا وَبِمَا بعْدهَا.
وَاخْتلف الْقُرَّاء فِيهَا فَقَرَأَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِكَسْر الْهَاء وَضم التَّاء مهموزا يَعْنِي: تهيأت لَك، وَبِه قَرَأَ السّلمِيّ وَأَبُو وَائِل وَقَتَادَة، وَقَرَأَ نصر بن عَاصِم وَيحيى بن عَامر وَعبد الله بن أبي إِسْحَاق بِفَتْح الْهَاء وَكسر التَّاء، وَقَرَأَ يحيى بن وثاب بِكَسْر الْهَاء وَضم التَّاء، وَفِي (تَفْسِير ابْن مردوية) : وَبِه قَرَأَ ابْن مَسْعُود وَقَرَأَ ابْن كثير بِفَتْح الْهَاء وَضم التَّاء، وَقَالَ النّحاس: بِفَتْح التَّاء وَالْهَاء هُوَ الصَّحِيح فِي قِرَاءَة ابْن عَبَّاس وَابْن جُبَير وَالْحسن وَمُجاهد وَعِكْرِمَة، وَبهَا قَرَأَ أَبُو عَمْرو وَعَاصِم وَالْأَعْمَش وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ.
قَوْله: (وَقَالَ ابْن جُبَير) أَي: قَالَ سعيد بن جُبَير:
стр. 5568
معنى هيت تعاله، وَهَذَا وَصله الطَّبَرِيّ وَأَبُو الشَّيْخ من طَرِيقه. وَالْهَاء فِي تعاله، للسكت، وَلَفظ: تعال أَمر.
٤٦٩٢ - حدَّثني أحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا بِشْرُ بنُ عُمَرَ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ سُلَيْمَانَ عنْ أبي وائِلٍ عنْ عبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ قَالَ هَيْتَ لَكَ قَالَ وإنَّما نَقْرؤُها كَما عُلِّمْناها.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأحمد بن سعيد بن صَخْر أَبُو جَعْفَر الدَّارمِيّ الْمروزِي، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَبشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الْحُرُوف عَن هناد عَن أبي مُعَاوِيَة وَعَن أبي معمر عَن عبد الْوَارِث عَن شَيبَان وَهَذَا مَوْقُوف، وَلَكِن قَوْله (وَإِنَّمَا نقرؤها كلما علمناها) يدل على أَنه مَرْفُوع، وَقَالَ النّحاس: وَبَعْضهمْ يَقُول: عَن عبد الله عَن النَّبِي ﷺ ، وعلمناها على صِيغَة الْمَجْهُول، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: قَرَأَ الْأَكْثَرُونَ كَمَا قَرَأَ عبد الله يَعْنِي بِفَتْح الْهَاء وَالتَّاء.
مَثْوَاهُ مُقامُهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِي اشْتَرَاهُ من مصر لامْرَأَته كرمي مثواه﴾ (يُوسُف: ٢٥) الْآيَة وَثَبت هَذَا لأبي ذَر وَحده، وَاسم الَّذِي اشْترى يُوسُف قطفير بِكَسْر الْقَاف، وَقيل: بِهَمْزَة بدل الْقَاف، وَامْرَأَته هِيَ زليخا، وَقيل: راعيل، وَفسّر مثواه بقوله: مقَامه وَقيل: منزله، وَقَالَ قَتَادَة وَابْن جريج: مَنْزِلَته.
وألْفَيا وجَد أَلْفَوْا باءَهُمْ ألْفَيْنا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿واستبقا الْبَاب وقدت قَمِيصه من دبر وألفيا سَيِّدهَا لَدَى الْبَاب﴾ (يُوسُف: ٢٥) وَمعنى: ألفيا وجدا، وَكَذَا معنى ألفوا وألفينا. قَوْله: (واستبقا الْبَاب) يَعْنِي: يُوسُف وزليخا، يَعْنِي: تبادرا إِلَى الْبَاب، أما يُوسُف ففارا من ركُوب الْفَاحِشَة، وَأما زليخا فطالبة ليوسف ليقضي حَاجَتهَا، فَأَدْرَكته فتعلقت بِقَمِيصِهِ من خَلفه فقدت، أَي: خرقت وَشقت من دبر يَعْنِي: من خلف لَا من قُدَّام، فَلَمَّا خرجا (ألفيا سَيِّدهَا) أَي: وجداز وَجها قطفير عِنْد الْبَاب جَالِسا مَعَ ابْن عَم لَهُ، وَبَقِيَّة الْقِصَّة مَشْهُورَة.
وعنِ ابنِ مَسْعُودٍ بَل عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ
هَذَا فِي سُورَة الصافات: وَهُوَ قَوْله ﴿إِنَّا خلقناهم من طين لازب بل عجبت ويسخرون﴾ (الصافات: ١١ ١٢) وَلَا مُنَاسبَة لذكره هَهُنَا، وَأجَاب الْكرْمَانِي بقوله: إِنَّه لبَيَان أَن ابْن مَسْعُود كَمَا يقْرَأ هيت مضموم وَالتَّاء يقْرَأ قَوْله: (عجبت) . بِضَم التَّاء قَوْله: (وَعَن ابْن مَسْعُود) مَعْطُوف على الاسناد الَّذِي قبله، وَوَصله الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من طَرِيق جرير عَن الْأَعْمَش بِهَذَا قَوْله: (بل عجبت) فِيهِ قراءتان: (إِحْدَاهمَا) عَن حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَخلف بِضَم التَّاء (وَالْأُخْرَى) عَن البَاقِينَ بِفَتْح التَّاء، فَالْمَعْنى على الأولى: بلغ من أعظم آياتي وَكَثْرَة خلائقي أَنِّي عجبت مِنْهَا، فَكيف بعبادي هَؤُلَاءِ بجهلهم وعنادهم يشخرون من آياتي؟ وَقيل: عجبت من أَن ينكروا الْبَعْث مِمَّن هَذِه أَفعاله وهم يسخرون مِمَّن يصف الله بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ. قيل: الْعجب من الله تَعَالَى محَال لِأَنَّهُ روعة تعتري الْإِنْسَان عِنْد استعظام الشَّيْء. وَأجِيب: بِأَن مُجَرّد الْعجب لِمَعْنى الاستعظام، وَقيل: يتخيل الْعجب ويفرض. وَالْمعْنَى على الثَّانِيَة: أَنه خطاب للنَّبِي ﷺ ، وَمَعْنَاهُ: يَا مُحَمَّد بل عجبت من تكذيبهم إياك وهم يسخرون من تعجبك.
٣٦٩٣ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حَدثنَا سُفْيانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ مُسْلِمٍ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عبْدِ الله ﵁ أنَّ قُرَيْشا لمَّا أبْطَؤُا عنِ النبيِّ ﷺ بالإسْلَامِ قَالَ اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ فأصابَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كلَّ شَيْء حَتَّى أَكَلُوا العِظَامِ حتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى بَيْنَهُ وبَيْنَا مِثْلَ الدُّخَانِ قَالَ الله فارْتَقِبْ يَوْم تأتِي السَّماءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ قَالَ الله إنَّا كاشِفُوا العَذَابِ قلِيلاً إنَّكُمْ عائِدُونَ أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمْ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وقَدْ مَضى الدُّخانُ ومَضَتِ البَطْشَةُ.
стр. 5569
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِي نفس الحَدِيث: فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَان فَقَالَ: يَا مُحَمَّد إِنَّك تَأمر بِطَاعَة الله وَبِصِلَة الرَّحِم وَإِن قَوْمك قد هَلَكُوا فَادع الله لَهُم الحَدِيث، وَقد مضى فِي كتاب الاسْتِسْقَاء فِي بَاب دُعَاء النَّبِي ﷺ اجْعَلْهَا سِنِين كَسِنِي يُوسُف فَدَعَا لَهُم بكشف الْعَذَاب فَفِيهِ أَنه عَفا عَن قومه كَمَا أَن يُوسُف، ﵇، عَفا عَن زليخا.
والْحميدِي عبد الله، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَمُسلم بن صبيح بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وكنيته أَبُو الضُّحَى.
قَوْله: (سُفْيَان عَن الْأَعْمَش) وَفِي مُسْند الْحميدِي: عَن سُفْيَان أَخْبرنِي الْأَعْمَش، أَو أخْبرت عَنهُ، كَذَا بِالشَّكِّ، وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيقه، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن سُفْيَان، قَالَ: سَمِعت من الْأَعْمَش أَو أخْبرت عَنهُ (فَإِن قلت) هَذَا الشَّك أما يقْدَح فِي صِحَة الحَدِيث؟ (قلت) لِأَنَّهُ مضى فِي الاسْتِسْقَاء من طَرِيق أُخْرَى عَن الْأَعْمَش من غير رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة فَتكون هَذِه مَعْدُودَة فِي المتابعات قَوْله: (حصت) بالمهملتين أَي: أذهبت يُقَال سنة حصاء أَي: جرداء لَا خير فِيهَا، (وَالْبَطْشَة) يَوْم بدر. وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ كتاب الاسْتِسْقَاء.
٥
- (بابُ قَوْلِهِ: ﴿فَلمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْألْهُ مَا بالُ النِّسْوَةِ الَّلاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ إنَّ بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ قَالَ مَا خطْبُكُنَّ إذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلّهِ﴾ (يُوسُف: ٥٠ ٥١)
(
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ الرَّسُول﴾ إِلَى آخِره، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب، والترجمة بِطُولِهَا عِنْد غير أبي ذَر وَعِنْده إِلَى قَوْله: (رَبك) . قَوْله: (فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُول) أَي: فَلَمَّا جَاءَ يُوسُف رَسُول الْملك، وَقَالَ: أجب الْملك فَأبى أَن يخرج مَعَه حَتَّى يظْهر عذره وبراءته عِنْد الْملك وَيعرف صِحَة أمره من قبل النسْوَة اللَّاتِي قطعن أَيْدِيهنَّ، وقصته مَشْهُورَة قَوْله: (إِن رَبِّي بكيدهن عليم) أَي: إِن الله تَعَالَى عَالم بكيد النِّسَاء، وَقيل: إِن سَيِّدي الْملك قطفير عَالم بِمَا فتنتني بِهِ الْمَرْأَة. قَوْله: (مَا خطبكن) فِيهِ حذف تَقْدِيره، فَرجع الرَّسُول إِلَى الْملك من عِنْد يُوسُف برسالته فَدَعَا الْملك النسْوَة اللَّاتِي قطعن أَيْدِيهنَّ وَامْرَأَة الْعَزِيز، فَقَالَ لَهُنَّ: (مَا خطبكن) أَي: مَا شأنكن وأمركن، (إذراودتن يُوسُف) فأجبنه بقلن: (حاش لله) أَي: معَاذ الله (مَا علمنَا عَلَيْهِ من سوء) أَي: من فَاحِشَة وَبَقِيَّة الْقِصَّة مَشْهُورَة.
وحاشَ وحاشَى تَنْزِيهٌ واسْتِثْناءٌ
إعلم إِن: حاش على ثَلَاثَة أوجه (أَحدهَا) أَن تكون فعلا مُتَعَدِّيا متصرفا، تَقول: حَاشِيَته بِمَعْنى استثنيته (وَالثَّانِي) أَن تكون للتنزيه، نَحْو: حاش لله وَهِي عِنْد الْمبرد وَابْن جنى والكوفيين فعل لتصرفهم فِيهَا بالحذف. وَالصَّحِيح أَنَّهَا اسْم مرادف للتنزيه بِدَلِيل قِرَاءَة بَعضهم: حاشا لله، بِالتَّنْوِينِ كَمَا يُقَال بَرَاءَة لله من كَذَا وَزعم بَعضهم أَنَّهَا اسْم فعل وَمَعْنَاهَا: أَتَبرأ أَو تبرأت. (الثَّالِث) أَن تكون للاستثناء، فَذهب سِيبَوَيْهٍ وَأكْثر الْبَصرِيين إِلَى أَنَّهَا حرف دَائِما بِمَنْزِلَة إِلَّا لَكِنَّهَا تجر الْمُسْتَثْنى وَذهب الْجرْمِي والمازني والمبرد والزجاج والأخفش وَأَبُو زيد وَالْفراء وَأَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ إِلَى أَنَّهَا تسْتَعْمل كثيرا حرفا جارا، وقليلاً فعلا مُتَعَدِّيا جَامِدا لتضمنها معنى إلَاّ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة الشين فِي حاش فِي قَوْله حاش لله، مَفْتُوحَة بِغَيْر يَاء، وَبَعْضهمْ يدخلهَا فِي آخرهَا، كَقَوْل الشَّاعِر.
حاشى أبي ثَوْبَان إِن بِهِ ضمنا
وَمَعْنَاهَا التَّنْزِيه وَالِاسْتِثْنَاء عَن الشَّرّ تَقول: حَاشِيَته أَي: استثنيته، وَقد قَرَأَ الْجُمْهُور بِحَذْف الْألف بعد الشين، وَأَبُو عَمْرو بإثباتها فِي الأَصْل، وَفِي حذف الْألف بعد الْحَاء لُغَة، وَقَرَأَ بهَا الْأَعْمَش قَوْله: (تَنْزِيه) من نزه ينزه تَنْزِيها بالزاي كَذَا هُوَ فِي وَرَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة حَكَاهَا عِيَاض: تبرية من التبرى بِمَعْنى الْبَرَاءَة بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء الْمُهْملَة.
حَصْحَصَ وضَحَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: ﴿الْآن حصحص الْحق﴾ (يُوسُف: ٥١) الْآيَة وفشر: حصحص، بقوله: وضح، وَقيل: ذهب الْبَاطِل وَالْكذب فَانْقَطع وَتبين الْحق وَظهر، وَالْأَصْل فِيهِ: حص. فَقيل: حصحص. كَمَا يُقَال فِي: كف كفكف، وَفِي رد ردد وأصل الحص استئصال الشَّيْء، يُقَال: حص شعره إِذا استأصله جزا.
٥
- (بابُ قَوْلِهِ: ﴿فَلمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْألْهُ مَا بالُ النِّسْوَةِ الَّلاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ إنَّ بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ قَالَ مَا خطْبُكُنَّ إذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلّهِ﴾ (يُوسُف: ٥٠ ٥١)
(
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ الرَّسُول﴾ إِلَى آخِره، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب، والترجمة بِطُولِهَا عِنْد غير أبي ذَر وَعِنْده إِلَى قَوْله: (رَبك) . قَوْله: (فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُول) أَي: فَلَمَّا جَاءَ يُوسُف رَسُول الْملك، وَقَالَ: أجب الْملك فَأبى أَن يخرج مَعَه حَتَّى يظْهر عذره وبراءته عِنْد الْملك وَيعرف صِحَة أمره من قبل النسْوَة اللَّاتِي قطعن أَيْدِيهنَّ، وقصته مَشْهُورَة قَوْله: (إِن رَبِّي بكيدهن عليم) أَي: إِن الله تَعَالَى عَالم بكيد النِّسَاء، وَقيل: إِن سَيِّدي الْملك قطفير عَالم بِمَا فتنتني بِهِ الْمَرْأَة. قَوْله: (مَا خطبكن) فِيهِ حذف تَقْدِيره، فَرجع الرَّسُول إِلَى الْملك من عِنْد يُوسُف برسالته فَدَعَا الْملك النسْوَة اللَّاتِي قطعن أَيْدِيهنَّ وَامْرَأَة الْعَزِيز، فَقَالَ لَهُنَّ: (مَا خطبكن) أَي: مَا شأنكن وأمركن، (إذراودتن يُوسُف) فأجبنه بقلن: (حاش لله) أَي: معَاذ الله (مَا علمنَا عَلَيْهِ من سوء) أَي: من فَاحِشَة وَبَقِيَّة الْقِصَّة مَشْهُورَة.
وحاشَ وحاشَى تَنْزِيهٌ واسْتِثْناءٌ
إعلم إِن: حاش على ثَلَاثَة أوجه (أَحدهَا) أَن تكون فعلا مُتَعَدِّيا متصرفا، تَقول: حَاشِيَته بِمَعْنى استثنيته (وَالثَّانِي) أَن تكون للتنزيه، نَحْو: حاش لله وَهِي عِنْد الْمبرد وَابْن جنى والكوفيين فعل لتصرفهم فِيهَا بالحذف. وَالصَّحِيح أَنَّهَا اسْم مرادف للتنزيه بِدَلِيل قِرَاءَة بَعضهم: حاشا لله، بِالتَّنْوِينِ كَمَا يُقَال بَرَاءَة لله من كَذَا وَزعم بَعضهم أَنَّهَا اسْم فعل وَمَعْنَاهَا: أَتَبرأ أَو تبرأت. (الثَّالِث) أَن تكون للاستثناء، فَذهب سِيبَوَيْهٍ وَأكْثر الْبَصرِيين إِلَى أَنَّهَا حرف دَائِما بِمَنْزِلَة إِلَّا لَكِنَّهَا تجر الْمُسْتَثْنى وَذهب الْجرْمِي والمازني والمبرد والزجاج والأخفش وَأَبُو زيد وَالْفراء وَأَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ إِلَى أَنَّهَا تسْتَعْمل كثيرا حرفا جارا، وقليلاً فعلا مُتَعَدِّيا جَامِدا لتضمنها معنى إلَاّ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة الشين فِي حاش فِي قَوْله حاش لله، مَفْتُوحَة بِغَيْر يَاء، وَبَعْضهمْ يدخلهَا فِي آخرهَا، كَقَوْل الشَّاعِر.
حاشى أبي ثَوْبَان إِن بِهِ ضمنا
وَمَعْنَاهَا التَّنْزِيه وَالِاسْتِثْنَاء عَن الشَّرّ تَقول: حَاشِيَته أَي: استثنيته، وَقد قَرَأَ الْجُمْهُور بِحَذْف الْألف بعد الشين، وَأَبُو عَمْرو بإثباتها فِي الأَصْل، وَفِي حذف الْألف بعد الْحَاء لُغَة، وَقَرَأَ بهَا الْأَعْمَش قَوْله: (تَنْزِيه) من نزه ينزه تَنْزِيها بالزاي كَذَا هُوَ فِي وَرَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة حَكَاهَا عِيَاض: تبرية من التبرى بِمَعْنى الْبَرَاءَة بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء الْمُهْملَة.
حَصْحَصَ وضَحَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: ﴿الْآن حصحص الْحق﴾ (يُوسُف: ٥١) الْآيَة وفشر: حصحص، بقوله: وضح، وَقيل: ذهب الْبَاطِل وَالْكذب فَانْقَطع وَتبين الْحق وَظهر، وَالْأَصْل فِيهِ: حص. فَقيل: حصحص. كَمَا يُقَال فِي: كف كفكف، وَفِي رد ردد وأصل الحص استئصال الشَّيْء، يُقَال: حص شعره إِذا استأصله جزا.
стр. 5570
٤٦٩٤ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ تَلِيدٍ حَدثنَا عبْدُ الرحْمانِ بنُ القاسِمِ عنْ بَكْرِ بنِ مُضَرَ عنْ عمْرِو بنِ الحارِثِ عنْ يُونُسَ بنِ يَزِيدَ عَن ابنِ شهابٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ وَأبي سلَمَةَ بنِ عبْدِ الرحْمانِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ يَرْحَمُ الله لُوطا لَقَدْ كانَ يأوي إِلَى رُكْنٍ شَديدٍ ولوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لأجَبْتُ الدَّاعِي وَنحنُ أَحَقُّ مِنْ إبْراهِيمَ إذْ قَالَ لهُ أوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلى ولاكِنْ لِيَطْمَئنَّ قَلْبِي.
يُمكن أَن يَأْخُذ وَجه الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث من قَوْله: (وَلَو لَبِثت فِي السجْن مَا لبث يُوسُف لَأَجَبْت الدَّاعِي) على مَا لَا يخفي على المتأمل الفطن.
وَسَعِيد بن تليد: بِفَتْح التار الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة، وَهُوَ سعيد بن عِيسَى بن تليد الْمصْرِيّ. مر فِي كتاب بَدْء الْخلق، وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم العتقي، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَبعدهَا قَاف الْمصْرِيّ الْفَقِيه صَاحب الإِمَام مَالك وراوي الْمُدَوَّنَة من علمه، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الْموضع.
وَهَذَا الْإِسْنَاد من أَوله إِلَى قَوْله: عَن ابْن شهَاب، مصريون، وَمن ابْن شهَاب إِلَى آخِره مدنيون، وَفِيه رِوَايَة الأقران لِأَن عَمْرو بن الْحَارِث الْمصْرِيّ الْفَقِيه الْمَشْهُور من أَقْرَان يُونُس بن يزِيد.
قَوْله: (يرحم الله لوطا لقد كَانَ يأوي إِلَى ركن شَدِيد) قد مر فِي بَاب ﴿ولوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ (الْأَعْرَاف: ٨٠) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج. والْحَدِيث من قَوْله: (وَلَو ثَبت فِي السجْن مَا لبث يُوسُف لَأَجَبْت الدَّاعِي) قد مر فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿لقد كَانَ فِي يُوسُف وَإِخْوَته آيَات للسائلين﴾ (يُوسُف: ٧) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن أَسمَاء إِلَى آخِره وَقَوله: (وَنحن أَحَق من إِبْرَاهِيم) إِلَى آخِره قد مر فِي سُورَة الْبَقَرَة فِي بَاب ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم رب أَرِنِي كَيفَ تحي الْمَوْتَى﴾ (الْبَقَرَة: ٢٦٠) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أَحْمد بن صَالح، وَقد مر الْكَلَام فِي الْكل مستقصىً.
٦
- (بابُ قَوْلِهِ: ﴿حتَّى إذَا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ﴾ (يُوسُف: ١١٠) ٢.
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله: ﴿حَتَّى إِذا استيأس الرسلوظنوا أَنهم قد كذبُوا﴾ (يُوسُف: ١١٠) الْآيَة، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب، واستيأس على وزن استفعل من الْيَأْس وَهُوَ ضد الرَّجَاء، وَمَعْنَاهُ: حَتَّى إِذا استيأس الرُّسُل من إِيمَان قَومهمْ وَظن قَومهمْ أَن الرُّسُل قد كذبتهم رسلهم فِي وعد الْعَذَاب، وَقيل: حَتَّى إِذا استيأس الرُّسُل من قَومهمْ أَن يصدقوهم وَظن الْمُرْسل إِلَيْهِم أَن الرُّسُل كذبوهم. وَقَالَ عَطاء وَالْحسن وَقَتَادَة: ظنُّوا أيقنوا أَن قَومهمْ قد كذبوهم. وَمعنى التَّخْفِيف: ظن الْأُمَم أَن الرُّسُل كذبوهم فِيمَا أخبروهم بِهِ من نصر الله إيَّاهُم بإهلاك أعدائهم وَقَرَأَ مُجَاهِد كذبُوا بِفَتْح الْكَاف وَتَخْفِيف الذَّال وكسره، وَقَالَ ابْن عَرَفَة الْكَذِب الِانْصِرَاف عَن الْحق. فَالْمَعْنى: كذبُوا تَكْذِيبًا لَا تَصْدِيق بعده.
٤٦٩٥ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عبْدِ الله حَدثنَا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ صالِحٍ عَن ابنِ شِهابٍ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ عنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ لهُ وهْوَ يَسْألُها عَن قَوْلِ الله تَعَالَى حتَّى إذَا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ قَالَ قُلْتُ أكُذِبُوا أمْ كُذِّبُوا قالَتْ عائِشَةُ كُذِّبُوا قُلْتُ فَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ فَما هُوَ بالظَنِّ قالَتْ أجَلْ لَعَمْرِي لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ فَقُلْتُ لَهَا وظنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا قالَتْ معَاذَ الله لمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذالِكَ بِرَبِّها قُلْتُ فَما هاذِهِ الآيَةُ قالَتْ هُمْ أتْباعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ فَطال عَلَيْهِمُ البَلَاءُ واسْتأْخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ حَتَّى إذَا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ وظَنَتِ الرُّسُلُ أنَّ أتْباعَهُمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ جاءَهُمْ نَصْرُ الله.
следующие страницы →