Полный текст (7 603 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.
стр. 5566
الْجمع، وَوَقع فِي أَطْرَاف خلف. قَالَ عبد الله بن مُحَمَّد. وبالتحديث أَكثر، وَعبد الله بن مُحَمَّد هُوَ الْجعْفِيّ البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي، وَعبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث، وَالْحَدَث مضى فِي كتاب الْأَنْبِيَاء فِي بَاب قَوْله الله : ﴿لقد كَانَ فِي يُوسُف وَإِخْوَته آيَات للسائلين﴾ (يُوسُف: ٧) .
٢ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإخْوَتِهِ آيَاتٌ للسَّائِلِينَ﴾ (يُوسُف: ٧)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿لقد كَانَ فِي يُوسُف﴾ الْآيَة. وَهَذَا مُكَرر لِأَن هَذِه التَّرْجَمَة بِعَينهَا مَعَ الحَدِيث الَّذِي لَهَا قد مضيا فِي كتاب الْأَنْبِيَاء، وَفِي حَال الْإِسْنَاد وَبَعض الْمَتْن تغاير على مَا يَأْتِي.
٤٦٨٩ - ح دَّثني مُحَمَّدٌ أخْبَرنَا عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ سَعِيدٍ بنِ أبِي سَعِيدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ أيُّ النَّاسِ أكْرَمُ قَالَ أكْرَمُهُمْ عِنْدَ الله أتْقاهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَنْ هَذا نَسْألُكَ قَالَ فَأكْرَمُ النّاس يُوسُفُ نَبيُّ الله ابنُ نَبِيِّ الله ابنِ نَبِيِّ الله ابنِ خَلِيلِ الله قَالُوا لَيْسَ عَنْ هاذا نَسْألُكَ قَالَ فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ تَسْألُونَي قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَخَيَارُكُمْ فِي الجَاهِلِيَةِ خِيَارُكُمْ فِى الإسْلامِ إذَا فَقُهُوا.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ مَعَ بعض التعسف من حَيْثُ أَن فِي الْآيَة سؤالاً عَن يُوسُف الَّذِي هُوَ أكْرم النَّاس من حَيْثُ النّسَب، وَفِي الحَدِيث أخبر، ﷺ ، عَن صفته تِلْكَ. وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه أكْرم النَّاس من حَيْثُ النّسَب لِأَنَّهُ نَبِي ابْن نَبِي ابْن نَبِي ابْن نَبِي، وَلم يتَّفق هَذَا لأحد غَيره، وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام، وَعَبدَة ضد الْحرَّة ابْن سُلَيْمَان، وَعبيد الله هُوَ الْمَعْرُوف بالعمري، وَسَعِيد بن أبي سعيد المَقْبُري وَاسم أَبِيه كيسَان؟ قَوْله: (عَن معادن الْعَرَب) أَي: أصولهم الَّتِي يلبسُونَ إِلَيْهَا ويتفاخرون بهَا وشبهوا بالمعادن لما فِيهِ من الاستعدادات المتفاوتة. قَوْله: (فقهوا) بِضَم الْقَاف وَكسرهَا.
تَابَعَهُ أبُو أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ الله
يَعْنِي: تَابع عَبدة أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة عَن عبيد الله الْعمريّ، وَقد وصل البُخَارِيّ هَذِه الْمُتَابَعَة فِي كتاب الْأَنْبِيَاء ﵈.
٣ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿قَالَ بَلْ سوَّلَتْ لَكُمْ أنْفُسُكُمْ أمْرا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (يُوسُف: ١٨، ٨٣)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله : ﴿بل سَوَّلت لكم أَنفسكُم أمرا فَصَبر جميل وَالله الْمُسْتَعَان على مَا تصفون﴾ إِنَّمَا قَالَ هَذَا يَعْقُوب لِبَنِيهِ لما جاؤوا إِلَيْهِ بقميص يُوسُف ملطخ بِالدَّمِ. قَوْله: (سَوَّلت) يَأْتِي مَعْنَاهُ الْآن. قَوْله: (فَصَبر جميل) أَي: فصبري صَبر جميل وَهُوَ الصَّبْر الَّذِي لَا جزع فِيهِ وَلَا شكوى.
سَوَّلَتْ زَيَّنَتْ
أَشَارَ بِأَن معنى سَوَّلت فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة زينت. روى هَذَا عَن قَتَادَة، وَرَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد عَن عَليّ بن الْحسن حَدثنَا أَبُو الْجمَاهِر أخبرنَا سعيد بن بشير عَنهُ.
٤٦٩٠ - ح دَّثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ وَحَدَّثنا الحَجّاجُ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ النمَيْرِيُّ حدَّثنا يُونُسُ بنُ يَزِيدُ الأيْلِيُّ قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ سَمِعْتُ عُرْوَةَ بنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بنَ المُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةَ بنَ وَقَاصٍ وَعُبَيْدَ الله بنَ عَبْدِ الله عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهَا أهْلُ الإفْكِ مَا قَالُوا فَبَرَّأها الله. كل حدَّثني طَائِفَةً مِنَ الحَدِيثِ قَالَ النبيُّ ﷺ إنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ الله
стр. 5567
وَإنْ كُنْتِ ألْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي الله وَتُوبِي إلَيْهِ قُلْتُ إنِّي وَالله لَا أَجِدُ مَثَلاً إلاّ أبَا يُوسُفَ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَالله المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ وَأنْزَلَ الله إنَّ الَّذِينَ جاؤوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ العَشْرَ الآيَاتِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ﴿فَصَبر جميل﴾ (يُوسُف: ١٨، ٨٣) الْآيَة. وَعبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى الأويسي الْمدنِي، وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان، وَالْحجاج هُوَ ابْن منهال. والْحَدِيث قد مضى مطولا فِي: بَاب الْإِفْك عقيب، بَاب: غَزْوَة أَنْمَار، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوْفِي قَوْله: (وَالْمَيِّت) أَي: قصدت إِلَيْهِ وَنزلت بِهِ.
٤٦٩١ - حدَّثنا مُوسى احدثنا أَبُو عَوَانَةَ عنْ حُصَيْنٍ عنْ أبي وائلٍ قَالَ حَدثنِي مَسْرُوقُ بنُ الأجْدَعِ قَالَ حدثَتْني أُمُّ رُومانَ وهْيَ أُمُّ عائِشَةَ قالَتْ بَيْنا أَنا وعائِشَةُ أخَذَتْها الحُمَّى فَقَالَ النبيُّ ﷺ لَعَلَّ فِي حَدِيثٍ تُحُدِّثَ قَالَتْ نَعَمْ وقَعَدَتْ عائِشَةُ قالَتْ مَثَلِي ومَثَلُكمْ كَيَعْقُوبَ وَبَنِيهِ وَالله المُسْتَعانِ عَلَى مَا تَصِفُونَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل الْمنْقري التَّبُوذَكِي، وَأَبُو عوَانَة الوضاح الْيَشْكُرِي، وحصين، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ: ابْن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة. والْحَدِيث مضى بأتم مِنْهُ فِي بَاب الْإِفْك، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (حَدَّثتنِي أم رُومَان) وَهَذَا صَرِيح فِي سَماع مَسْرُوق عَنْهَا وَالْأَكْثَرُونَ على خِلَافه. قَوْله: (لَعَلَّ فِي حَدِيث) أَي: لَعَلَّ الَّذِي حصل لعَائِشَة من أجل حَدِيث تحدث بِهِ فِي حَقّهَا.
٤
- (بابُ قَوْلِهِ: ﴿ورَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ بَيْتِها عنْ نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوَابَ وقالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ (يُوسُف: ٢٢) ٢.
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : (وراودته) الْآيَة، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب قَوْله: (وراودته) أَي: راودت امْرَأَة الْعَزِيز زليخا يُوسُف، يَعْنِي: طلبت مِنْهُ أَن يواقعها قَوْله: (الْأَبْوَاب) ، وَكَانُوا سَبْعَة، والآن يَأْتِي الْكَلَام فِي لفظ هيت لَك.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ هَيْتَ لَكَ بالحَوْرَانِيَّةِ هَلُمَّ. وَقَالَ ابنُ جُبَيْرٍ تَعالَهْ
أَي: قَالَ عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس: معنى (هيت لَك) باللغة الحورانية: هَلُمَّ. وَهُوَ بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وبالراء وَكسر النُّون وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ بلد بِالشَّام، وَقَالَ الْبكْرِيّ: حوران على وزن فعلان: أَرض بِالشَّام، وَقَالَ الرشاطي: حوران جبل بِالشَّام، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: هِيَ مَدِينَة حوران، وَقَالَ عَليّ بن حَرْب: هِيَ مَدِينَة بصرى. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد: حوران من أَعمال دمشق ومدينتها بصرى. وَتَعْلِيق عِكْرِمَة أخرجه عبد بن حميد عَن أبي معمر عَن سُفْيَان عَن ابْن أبي عرُوبَة عَنهُ، وَمعنى: (هَلُمَّ) أقبل وادن. وَقَالَ الْكسَائي: هَذِه لُغَة أهل حوران وَقعت إِلَى الْحجاز وَمَعْنَاهَا: تعال وَقَالَ الْحسن: هِيَ لُغَة سريانية، وَقَالَ مُجَاهِد: هِيَ لُغَة عَرَبِيَّة تَدعُوهُ إِلَى نَفسهَا. وَهِي كلمة حث وإقبال على الشَّيْء. وَأَصلهَا من الجلبة والصياح، تَقول الْعَرَب: هيت لفُلَان إِذا دَعَاهُ وَصَاح بِهِ. وَقيل: تَقول: هَل لَك رَغْبَة فِي حسني وجمالي؟ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الْعَرَب لَا تثني هيت وَلَا تجمع وَلَا تؤنث وَإِنَّهَا بِصُورَة وَاحِدَة فِي كل حَال، وَإِنَّمَا تتَمَيَّز بِمَا قبلهَا وَبِمَا بعْدهَا.
وَاخْتلف الْقُرَّاء فِيهَا فَقَرَأَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِكَسْر الْهَاء وَضم التَّاء مهموزا يَعْنِي: تهيأت لَك، وَبِه قَرَأَ السّلمِيّ وَأَبُو وَائِل وَقَتَادَة، وَقَرَأَ نصر بن عَاصِم وَيحيى بن عَامر وَعبد الله بن أبي إِسْحَاق بِفَتْح الْهَاء وَكسر التَّاء، وَقَرَأَ يحيى بن وثاب بِكَسْر الْهَاء وَضم التَّاء، وَفِي (تَفْسِير ابْن مردوية) : وَبِه قَرَأَ ابْن مَسْعُود وَقَرَأَ ابْن كثير بِفَتْح الْهَاء وَضم التَّاء، وَقَالَ النّحاس: بِفَتْح التَّاء وَالْهَاء هُوَ الصَّحِيح فِي قِرَاءَة ابْن عَبَّاس وَابْن جُبَير وَالْحسن وَمُجاهد وَعِكْرِمَة، وَبهَا قَرَأَ أَبُو عَمْرو وَعَاصِم وَالْأَعْمَش وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ.
قَوْله: (وَقَالَ ابْن جُبَير) أَي: قَالَ سعيد بن جُبَير:
стр. 5568
معنى هيت تعاله، وَهَذَا وَصله الطَّبَرِيّ وَأَبُو الشَّيْخ من طَرِيقه. وَالْهَاء فِي تعاله، للسكت، وَلَفظ: تعال أَمر.
٤٦٩٢ - حدَّثني أحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا بِشْرُ بنُ عُمَرَ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ سُلَيْمَانَ عنْ أبي وائِلٍ عنْ عبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ قَالَ هَيْتَ لَكَ قَالَ وإنَّما نَقْرؤُها كَما عُلِّمْناها.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأحمد بن سعيد بن صَخْر أَبُو جَعْفَر الدَّارمِيّ الْمروزِي، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَبشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الْحُرُوف عَن هناد عَن أبي مُعَاوِيَة وَعَن أبي معمر عَن عبد الْوَارِث عَن شَيبَان وَهَذَا مَوْقُوف، وَلَكِن قَوْله (وَإِنَّمَا نقرؤها كلما علمناها) يدل على أَنه مَرْفُوع، وَقَالَ النّحاس: وَبَعْضهمْ يَقُول: عَن عبد الله عَن النَّبِي ﷺ ، وعلمناها على صِيغَة الْمَجْهُول، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: قَرَأَ الْأَكْثَرُونَ كَمَا قَرَأَ عبد الله يَعْنِي بِفَتْح الْهَاء وَالتَّاء.
مَثْوَاهُ مُقامُهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِي اشْتَرَاهُ من مصر لامْرَأَته كرمي مثواه﴾ (يُوسُف: ٢٥) الْآيَة وَثَبت هَذَا لأبي ذَر وَحده، وَاسم الَّذِي اشْترى يُوسُف قطفير بِكَسْر الْقَاف، وَقيل: بِهَمْزَة بدل الْقَاف، وَامْرَأَته هِيَ زليخا، وَقيل: راعيل، وَفسّر مثواه بقوله: مقَامه وَقيل: منزله، وَقَالَ قَتَادَة وَابْن جريج: مَنْزِلَته.
وألْفَيا وجَد أَلْفَوْا باءَهُمْ ألْفَيْنا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿واستبقا الْبَاب وقدت قَمِيصه من دبر وألفيا سَيِّدهَا لَدَى الْبَاب﴾ (يُوسُف: ٢٥) وَمعنى: ألفيا وجدا، وَكَذَا معنى ألفوا وألفينا. قَوْله: (واستبقا الْبَاب) يَعْنِي: يُوسُف وزليخا، يَعْنِي: تبادرا إِلَى الْبَاب، أما يُوسُف ففارا من ركُوب الْفَاحِشَة، وَأما زليخا فطالبة ليوسف ليقضي حَاجَتهَا، فَأَدْرَكته فتعلقت بِقَمِيصِهِ من خَلفه فقدت، أَي: خرقت وَشقت من دبر يَعْنِي: من خلف لَا من قُدَّام، فَلَمَّا خرجا (ألفيا سَيِّدهَا) أَي: وجداز وَجها قطفير عِنْد الْبَاب جَالِسا مَعَ ابْن عَم لَهُ، وَبَقِيَّة الْقِصَّة مَشْهُورَة.
وعنِ ابنِ مَسْعُودٍ بَل عَجِبْتُ ويَسْخَرُونَ
هَذَا فِي سُورَة الصافات: وَهُوَ قَوْله ﴿إِنَّا خلقناهم من طين لازب بل عجبت ويسخرون﴾ (الصافات: ١١ ١٢) وَلَا مُنَاسبَة لذكره هَهُنَا، وَأجَاب الْكرْمَانِي بقوله: إِنَّه لبَيَان أَن ابْن مَسْعُود كَمَا يقْرَأ هيت مضموم وَالتَّاء يقْرَأ قَوْله: (عجبت) . بِضَم التَّاء قَوْله: (وَعَن ابْن مَسْعُود) مَعْطُوف على الاسناد الَّذِي قبله، وَوَصله الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من طَرِيق جرير عَن الْأَعْمَش بِهَذَا قَوْله: (بل عجبت) فِيهِ قراءتان: (إِحْدَاهمَا) عَن حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَخلف بِضَم التَّاء (وَالْأُخْرَى) عَن البَاقِينَ بِفَتْح التَّاء، فَالْمَعْنى على الأولى: بلغ من أعظم آياتي وَكَثْرَة خلائقي أَنِّي عجبت مِنْهَا، فَكيف بعبادي هَؤُلَاءِ بجهلهم وعنادهم يشخرون من آياتي؟ وَقيل: عجبت من أَن ينكروا الْبَعْث مِمَّن هَذِه أَفعاله وهم يسخرون مِمَّن يصف الله بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ. قيل: الْعجب من الله تَعَالَى محَال لِأَنَّهُ روعة تعتري الْإِنْسَان عِنْد استعظام الشَّيْء. وَأجِيب: بِأَن مُجَرّد الْعجب لِمَعْنى الاستعظام، وَقيل: يتخيل الْعجب ويفرض. وَالْمعْنَى على الثَّانِيَة: أَنه خطاب للنَّبِي ﷺ ، وَمَعْنَاهُ: يَا مُحَمَّد بل عجبت من تكذيبهم إياك وهم يسخرون من تعجبك.
٣٦٩٣ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حَدثنَا سُفْيانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ مُسْلِمٍ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عبْدِ الله ﵁ أنَّ قُرَيْشا لمَّا أبْطَؤُا عنِ النبيِّ ﷺ بالإسْلَامِ قَالَ اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ فأصابَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كلَّ شَيْء حَتَّى أَكَلُوا العِظَامِ حتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى بَيْنَهُ وبَيْنَا مِثْلَ الدُّخَانِ قَالَ الله فارْتَقِبْ يَوْم تأتِي السَّماءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ قَالَ الله إنَّا كاشِفُوا العَذَابِ قلِيلاً إنَّكُمْ عائِدُونَ أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمْ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وقَدْ مَضى الدُّخانُ ومَضَتِ البَطْشَةُ.
стр. 5569
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِي نفس الحَدِيث: فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَان فَقَالَ: يَا مُحَمَّد إِنَّك تَأمر بِطَاعَة الله وَبِصِلَة الرَّحِم وَإِن قَوْمك قد هَلَكُوا فَادع الله لَهُم الحَدِيث، وَقد مضى فِي كتاب الاسْتِسْقَاء فِي بَاب دُعَاء النَّبِي ﷺ اجْعَلْهَا سِنِين كَسِنِي يُوسُف فَدَعَا لَهُم بكشف الْعَذَاب فَفِيهِ أَنه عَفا عَن قومه كَمَا أَن يُوسُف، ﵇، عَفا عَن زليخا.
والْحميدِي عبد الله، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَمُسلم بن صبيح بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وكنيته أَبُو الضُّحَى.
قَوْله: (سُفْيَان عَن الْأَعْمَش) وَفِي مُسْند الْحميدِي: عَن سُفْيَان أَخْبرنِي الْأَعْمَش، أَو أخْبرت عَنهُ، كَذَا بِالشَّكِّ، وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيقه، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن سُفْيَان، قَالَ: سَمِعت من الْأَعْمَش أَو أخْبرت عَنهُ (فَإِن قلت) هَذَا الشَّك أما يقْدَح فِي صِحَة الحَدِيث؟ (قلت) لِأَنَّهُ مضى فِي الاسْتِسْقَاء من طَرِيق أُخْرَى عَن الْأَعْمَش من غير رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة فَتكون هَذِه مَعْدُودَة فِي المتابعات قَوْله: (حصت) بالمهملتين أَي: أذهبت يُقَال سنة حصاء أَي: جرداء لَا خير فِيهَا، (وَالْبَطْشَة) يَوْم بدر. وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ كتاب الاسْتِسْقَاء.
٥
- (بابُ قَوْلِهِ: ﴿فَلمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْألْهُ مَا بالُ النِّسْوَةِ الَّلاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ إنَّ بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ قَالَ مَا خطْبُكُنَّ إذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلّهِ﴾ (يُوسُف: ٥٠ ٥١)
(
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ الرَّسُول﴾ إِلَى آخِره، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب، والترجمة بِطُولِهَا عِنْد غير أبي ذَر وَعِنْده إِلَى قَوْله: (رَبك) . قَوْله: (فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُول) أَي: فَلَمَّا جَاءَ يُوسُف رَسُول الْملك، وَقَالَ: أجب الْملك فَأبى أَن يخرج مَعَه حَتَّى يظْهر عذره وبراءته عِنْد الْملك وَيعرف صِحَة أمره من قبل النسْوَة اللَّاتِي قطعن أَيْدِيهنَّ، وقصته مَشْهُورَة قَوْله: (إِن رَبِّي بكيدهن عليم) أَي: إِن الله تَعَالَى عَالم بكيد النِّسَاء، وَقيل: إِن سَيِّدي الْملك قطفير عَالم بِمَا فتنتني بِهِ الْمَرْأَة. قَوْله: (مَا خطبكن) فِيهِ حذف تَقْدِيره، فَرجع الرَّسُول إِلَى الْملك من عِنْد يُوسُف برسالته فَدَعَا الْملك النسْوَة اللَّاتِي قطعن أَيْدِيهنَّ وَامْرَأَة الْعَزِيز، فَقَالَ لَهُنَّ: (مَا خطبكن) أَي: مَا شأنكن وأمركن، (إذراودتن يُوسُف) فأجبنه بقلن: (حاش لله) أَي: معَاذ الله (مَا علمنَا عَلَيْهِ من سوء) أَي: من فَاحِشَة وَبَقِيَّة الْقِصَّة مَشْهُورَة.
وحاشَ وحاشَى تَنْزِيهٌ واسْتِثْناءٌ
إعلم إِن: حاش على ثَلَاثَة أوجه (أَحدهَا) أَن تكون فعلا مُتَعَدِّيا متصرفا، تَقول: حَاشِيَته بِمَعْنى استثنيته (وَالثَّانِي) أَن تكون للتنزيه، نَحْو: حاش لله وَهِي عِنْد الْمبرد وَابْن جنى والكوفيين فعل لتصرفهم فِيهَا بالحذف. وَالصَّحِيح أَنَّهَا اسْم مرادف للتنزيه بِدَلِيل قِرَاءَة بَعضهم: حاشا لله، بِالتَّنْوِينِ كَمَا يُقَال بَرَاءَة لله من كَذَا وَزعم بَعضهم أَنَّهَا اسْم فعل وَمَعْنَاهَا: أَتَبرأ أَو تبرأت. (الثَّالِث) أَن تكون للاستثناء، فَذهب سِيبَوَيْهٍ وَأكْثر الْبَصرِيين إِلَى أَنَّهَا حرف دَائِما بِمَنْزِلَة إِلَّا لَكِنَّهَا تجر الْمُسْتَثْنى وَذهب الْجرْمِي والمازني والمبرد والزجاج والأخفش وَأَبُو زيد وَالْفراء وَأَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ إِلَى أَنَّهَا تسْتَعْمل كثيرا حرفا جارا، وقليلاً فعلا مُتَعَدِّيا جَامِدا لتضمنها معنى إلَاّ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة الشين فِي حاش فِي قَوْله حاش لله، مَفْتُوحَة بِغَيْر يَاء، وَبَعْضهمْ يدخلهَا فِي آخرهَا، كَقَوْل الشَّاعِر.
حاشى أبي ثَوْبَان إِن بِهِ ضمنا
وَمَعْنَاهَا التَّنْزِيه وَالِاسْتِثْنَاء عَن الشَّرّ تَقول: حَاشِيَته أَي: استثنيته، وَقد قَرَأَ الْجُمْهُور بِحَذْف الْألف بعد الشين، وَأَبُو عَمْرو بإثباتها فِي الأَصْل، وَفِي حذف الْألف بعد الْحَاء لُغَة، وَقَرَأَ بهَا الْأَعْمَش قَوْله: (تَنْزِيه) من نزه ينزه تَنْزِيها بالزاي كَذَا هُوَ فِي وَرَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة حَكَاهَا عِيَاض: تبرية من التبرى بِمَعْنى الْبَرَاءَة بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء الْمُهْملَة.
حَصْحَصَ وضَحَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: ﴿الْآن حصحص الْحق﴾ (يُوسُف: ٥١) الْآيَة وفشر: حصحص، بقوله: وضح، وَقيل: ذهب الْبَاطِل وَالْكذب فَانْقَطع وَتبين الْحق وَظهر، وَالْأَصْل فِيهِ: حص. فَقيل: حصحص. كَمَا يُقَال فِي: كف كفكف، وَفِي رد ردد وأصل الحص استئصال الشَّيْء، يُقَال: حص شعره إِذا استأصله جزا.
٥
- (بابُ قَوْلِهِ: ﴿فَلمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْألْهُ مَا بالُ النِّسْوَةِ الَّلاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ إنَّ بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ قَالَ مَا خطْبُكُنَّ إذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلّهِ﴾ (يُوسُف: ٥٠ ٥١)
(
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ الرَّسُول﴾ إِلَى آخِره، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب، والترجمة بِطُولِهَا عِنْد غير أبي ذَر وَعِنْده إِلَى قَوْله: (رَبك) . قَوْله: (فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُول) أَي: فَلَمَّا جَاءَ يُوسُف رَسُول الْملك، وَقَالَ: أجب الْملك فَأبى أَن يخرج مَعَه حَتَّى يظْهر عذره وبراءته عِنْد الْملك وَيعرف صِحَة أمره من قبل النسْوَة اللَّاتِي قطعن أَيْدِيهنَّ، وقصته مَشْهُورَة قَوْله: (إِن رَبِّي بكيدهن عليم) أَي: إِن الله تَعَالَى عَالم بكيد النِّسَاء، وَقيل: إِن سَيِّدي الْملك قطفير عَالم بِمَا فتنتني بِهِ الْمَرْأَة. قَوْله: (مَا خطبكن) فِيهِ حذف تَقْدِيره، فَرجع الرَّسُول إِلَى الْملك من عِنْد يُوسُف برسالته فَدَعَا الْملك النسْوَة اللَّاتِي قطعن أَيْدِيهنَّ وَامْرَأَة الْعَزِيز، فَقَالَ لَهُنَّ: (مَا خطبكن) أَي: مَا شأنكن وأمركن، (إذراودتن يُوسُف) فأجبنه بقلن: (حاش لله) أَي: معَاذ الله (مَا علمنَا عَلَيْهِ من سوء) أَي: من فَاحِشَة وَبَقِيَّة الْقِصَّة مَشْهُورَة.
وحاشَ وحاشَى تَنْزِيهٌ واسْتِثْناءٌ
إعلم إِن: حاش على ثَلَاثَة أوجه (أَحدهَا) أَن تكون فعلا مُتَعَدِّيا متصرفا، تَقول: حَاشِيَته بِمَعْنى استثنيته (وَالثَّانِي) أَن تكون للتنزيه، نَحْو: حاش لله وَهِي عِنْد الْمبرد وَابْن جنى والكوفيين فعل لتصرفهم فِيهَا بالحذف. وَالصَّحِيح أَنَّهَا اسْم مرادف للتنزيه بِدَلِيل قِرَاءَة بَعضهم: حاشا لله، بِالتَّنْوِينِ كَمَا يُقَال بَرَاءَة لله من كَذَا وَزعم بَعضهم أَنَّهَا اسْم فعل وَمَعْنَاهَا: أَتَبرأ أَو تبرأت. (الثَّالِث) أَن تكون للاستثناء، فَذهب سِيبَوَيْهٍ وَأكْثر الْبَصرِيين إِلَى أَنَّهَا حرف دَائِما بِمَنْزِلَة إِلَّا لَكِنَّهَا تجر الْمُسْتَثْنى وَذهب الْجرْمِي والمازني والمبرد والزجاج والأخفش وَأَبُو زيد وَالْفراء وَأَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ إِلَى أَنَّهَا تسْتَعْمل كثيرا حرفا جارا، وقليلاً فعلا مُتَعَدِّيا جَامِدا لتضمنها معنى إلَاّ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة الشين فِي حاش فِي قَوْله حاش لله، مَفْتُوحَة بِغَيْر يَاء، وَبَعْضهمْ يدخلهَا فِي آخرهَا، كَقَوْل الشَّاعِر.
حاشى أبي ثَوْبَان إِن بِهِ ضمنا
وَمَعْنَاهَا التَّنْزِيه وَالِاسْتِثْنَاء عَن الشَّرّ تَقول: حَاشِيَته أَي: استثنيته، وَقد قَرَأَ الْجُمْهُور بِحَذْف الْألف بعد الشين، وَأَبُو عَمْرو بإثباتها فِي الأَصْل، وَفِي حذف الْألف بعد الْحَاء لُغَة، وَقَرَأَ بهَا الْأَعْمَش قَوْله: (تَنْزِيه) من نزه ينزه تَنْزِيها بالزاي كَذَا هُوَ فِي وَرَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة حَكَاهَا عِيَاض: تبرية من التبرى بِمَعْنى الْبَرَاءَة بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء الْمُهْملَة.
حَصْحَصَ وضَحَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: ﴿الْآن حصحص الْحق﴾ (يُوسُف: ٥١) الْآيَة وفشر: حصحص، بقوله: وضح، وَقيل: ذهب الْبَاطِل وَالْكذب فَانْقَطع وَتبين الْحق وَظهر، وَالْأَصْل فِيهِ: حص. فَقيل: حصحص. كَمَا يُقَال فِي: كف كفكف، وَفِي رد ردد وأصل الحص استئصال الشَّيْء، يُقَال: حص شعره إِذا استأصله جزا.
стр. 5570
٤٦٩٤ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ تَلِيدٍ حَدثنَا عبْدُ الرحْمانِ بنُ القاسِمِ عنْ بَكْرِ بنِ مُضَرَ عنْ عمْرِو بنِ الحارِثِ عنْ يُونُسَ بنِ يَزِيدَ عَن ابنِ شهابٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ وَأبي سلَمَةَ بنِ عبْدِ الرحْمانِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ يَرْحَمُ الله لُوطا لَقَدْ كانَ يأوي إِلَى رُكْنٍ شَديدٍ ولوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لأجَبْتُ الدَّاعِي وَنحنُ أَحَقُّ مِنْ إبْراهِيمَ إذْ قَالَ لهُ أوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلى ولاكِنْ لِيَطْمَئنَّ قَلْبِي.
يُمكن أَن يَأْخُذ وَجه الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث من قَوْله: (وَلَو لَبِثت فِي السجْن مَا لبث يُوسُف لَأَجَبْت الدَّاعِي) على مَا لَا يخفي على المتأمل الفطن.
وَسَعِيد بن تليد: بِفَتْح التار الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة، وَهُوَ سعيد بن عِيسَى بن تليد الْمصْرِيّ. مر فِي كتاب بَدْء الْخلق، وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم العتقي، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَبعدهَا قَاف الْمصْرِيّ الْفَقِيه صَاحب الإِمَام مَالك وراوي الْمُدَوَّنَة من علمه، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الْموضع.
وَهَذَا الْإِسْنَاد من أَوله إِلَى قَوْله: عَن ابْن شهَاب، مصريون، وَمن ابْن شهَاب إِلَى آخِره مدنيون، وَفِيه رِوَايَة الأقران لِأَن عَمْرو بن الْحَارِث الْمصْرِيّ الْفَقِيه الْمَشْهُور من أَقْرَان يُونُس بن يزِيد.
قَوْله: (يرحم الله لوطا لقد كَانَ يأوي إِلَى ركن شَدِيد) قد مر فِي بَاب ﴿ولوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ (الْأَعْرَاف: ٨٠) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج. والْحَدِيث من قَوْله: (وَلَو ثَبت فِي السجْن مَا لبث يُوسُف لَأَجَبْت الدَّاعِي) قد مر فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿لقد كَانَ فِي يُوسُف وَإِخْوَته آيَات للسائلين﴾ (يُوسُف: ٧) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن أَسمَاء إِلَى آخِره وَقَوله: (وَنحن أَحَق من إِبْرَاهِيم) إِلَى آخِره قد مر فِي سُورَة الْبَقَرَة فِي بَاب ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم رب أَرِنِي كَيفَ تحي الْمَوْتَى﴾ (الْبَقَرَة: ٢٦٠) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أَحْمد بن صَالح، وَقد مر الْكَلَام فِي الْكل مستقصىً.
٦
- (بابُ قَوْلِهِ: ﴿حتَّى إذَا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ﴾ (يُوسُف: ١١٠) ٢.
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله: ﴿حَتَّى إِذا استيأس الرسلوظنوا أَنهم قد كذبُوا﴾ (يُوسُف: ١١٠) الْآيَة، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب، واستيأس على وزن استفعل من الْيَأْس وَهُوَ ضد الرَّجَاء، وَمَعْنَاهُ: حَتَّى إِذا استيأس الرُّسُل من إِيمَان قَومهمْ وَظن قَومهمْ أَن الرُّسُل قد كذبتهم رسلهم فِي وعد الْعَذَاب، وَقيل: حَتَّى إِذا استيأس الرُّسُل من قَومهمْ أَن يصدقوهم وَظن الْمُرْسل إِلَيْهِم أَن الرُّسُل كذبوهم. وَقَالَ عَطاء وَالْحسن وَقَتَادَة: ظنُّوا أيقنوا أَن قَومهمْ قد كذبوهم. وَمعنى التَّخْفِيف: ظن الْأُمَم أَن الرُّسُل كذبوهم فِيمَا أخبروهم بِهِ من نصر الله إيَّاهُم بإهلاك أعدائهم وَقَرَأَ مُجَاهِد كذبُوا بِفَتْح الْكَاف وَتَخْفِيف الذَّال وكسره، وَقَالَ ابْن عَرَفَة الْكَذِب الِانْصِرَاف عَن الْحق. فَالْمَعْنى: كذبُوا تَكْذِيبًا لَا تَصْدِيق بعده.
٤٦٩٥ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عبْدِ الله حَدثنَا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ صالِحٍ عَن ابنِ شِهابٍ قَالَ أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ عنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ لهُ وهْوَ يَسْألُها عَن قَوْلِ الله تَعَالَى حتَّى إذَا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ قَالَ قُلْتُ أكُذِبُوا أمْ كُذِّبُوا قالَتْ عائِشَةُ كُذِّبُوا قُلْتُ فَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ فَما هُوَ بالظَنِّ قالَتْ أجَلْ لَعَمْرِي لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ فَقُلْتُ لَهَا وظنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا قالَتْ معَاذَ الله لمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذالِكَ بِرَبِّها قُلْتُ فَما هاذِهِ الآيَةُ قالَتْ هُمْ أتْباعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ فَطال عَلَيْهِمُ البَلَاءُ واسْتأْخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ حَتَّى إذَا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ وظَنَتِ الرُّسُلُ أنَّ أتْباعَهُمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ جاءَهُمْ نَصْرُ الله.
стр. 5571
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان: والْحَدِيث قد مر فِي قصَّة يُوسُف فِي آخر: بَاب قَوْله تَعَالَى ﴿لقد كَانَ فِي يُوسُف وَإِخْوَته آيَات للسائلين﴾ (يُوسُف: ٧) وَمر الْكَلَام فِيهِ قَوْله: (وَهُوَ يسْأَلهَا) الْوَاو وَفِيه للْحَال أَي: وَعُرْوَة يسْأَل عَائِشَة. قَوْله: (أكذبوا أَو كذبُوا) يَعْنِي: مثقلة أم مُخَفّفَة، قَوْله: (قَالَت عَائِشَة كذبُوا) يَعْنِي بالتثقيل. قَوْله: (ذَلِك) أَي الْكَذِب فِي حق الله تَعَالَى. قَوْله: (أَتبَاع الرُّسُل) وهم الْمُؤْمِنُونَ. فالمظنون تَكْذِيب الْمُؤمنِينَ لَهُم والمتيقن تَكْذِيب الْكفَّار. قَوْله: (معَاذ الله) تعوذت من ظن الرُّسُل أَنهم مكذبون من عِنْد الله، بل ظنهم ذَلِك من قبل المصدقين لَهُم الْمُؤمنِينَ بهم.
٤٦٩٦ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخْبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخْبرني عرْوَةُ فَقُلْتُ لعَلَّها كُذِبُوا مُخَفَّفَةً قالَتْ مَعاذَ الله
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث أخرجه عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ أوردهُ مُخْتَصرا وَقد سافه أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) بِتَمَامِهِ، وَلَفظه: عَن عُرْوَة أَنه سُأل عَائِشَة فَذكر نَحْو حَدِيث صَالح بن كيسَان.
١٣ - (سورَةُ الرَّعْدِ)
أَي: هَذَا فِي بَيَان تَفْسِير بعض سُورَة الرَّعْد، قيل: إِنَّهَا مَكِّيَّة وَقيل الْمَدِينَة، وَقيل: فِيهَا مكي ومدني، وَهِي ثَلَاثَة آلَاف وَخَمْسمِائة وَسِتَّة أحرف، وَثَمَانمِائَة وَخمْس وَخَمْسُونَ كلمة، وَثَلَاث وَأَرْبَعُونَ آيَة.
بِسْمِ الله الرَّحْمانِ الرحِيمِ
لم تثبت الْبَسْمَلَة إلاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر وَحده.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: ﴿كَباسِطِ كَفّيْهِ مَثَلُ المُشْرِكِ الَّذِي عَبَدَ مَعَ الله إِلَهًا غَيْرَهُ كَمَثَلَ العَطْشَانِ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى خيَالِهِ فِي الماءِ مِنْ بَعِيد وهْوَ يُرِيدُ أنْ يَتَنَاوَلهُ ولَا يَقْدِرُ﴾ (الرَّعْد: ١٤) .
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يدعونَ من دونه لَا يستجيبون لَهُم بِشَيْء إلَاّ كباسد كفيه إِلَى المَاء ليبلغ فَاه﴾ الْآيَة قَوْله: (وَالَّذين) أَي: الْمُشْركُونَ الَّذين يدعونَ الْأَصْنَام من دون الله يُرِيدُونَ مِنْهَا دفعا أَو رفعا لَا يستجيبون لَهُم بِشَيْء مِمَّن ذَلِك. قَوْله: (كباسط كفيه) أَي: إلَاّ كباسط كفيه، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: فِيهِ مثل الْمُشرك الَّذِي عَبده مَعَ الله إِلَهًا آخر إِلَى آخِره، وَوَصله أَبُو مُحَمَّد عَن أَبِيه: حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنَا مُعَاوِيَة عَن عَليّ عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: (وَلَا يقدر) بالراء فِي رِوَايَة أَلا كثرين، وَرُوِيَ: فَلَا يقدم، بِالْمِيم وَهُوَ تَصْحِيف، وَإِن كَانَ لَهُ وَجه من حَيْثُ الْمَعْنى.
وَقَالَ غيْرُهُ سَخَّرَ ذَلَّلَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وسخر الشَّمْس وَالْقَمَر كل يجْرِي لأجل مُسَمّى﴾ (الرَّعْد: ٢) وَفَسرهُ بقوله: (ذلل) يَعْنِي: ذللهما لمنافع الْخلق ومصالح الْعباد كل يجْرِي أَي: كل وَاحِد إِلَى وَقت مَعْلُوم، وَهُوَ فنَاء الدُّنْيَا وَقيام السَّاعَة.
مُتَجاورَاتٌ مُتَدَانِياتٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفِي الأَرْض قطع متجاورات﴾ (الرَّعْد: ٤) وَفسّر متجاورات بقوله: متدانيات، وَقيل: متقاربات يقرب بَعْضهَا من بعض بالجوار وَيخْتَلف بالتفاضل. فَمِنْهَا عذبة وَمِنْهَا مالحة وَمِنْهَا طيبَة تنْبت مِنْهَا سبخَة لَا تنْبت.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ مُتَجَاوِرَاتٌ طَيِّبُها عَذْبُها وخَبِيثُها السَّباخُ
رُوِيَ هَذَا التَّعْلِيق أَبُو بكر بن الْمُنْذر عَن مُوسَى عَن أبي بكر عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد.
стр. 5572
المُثَلاتُ واحِدُها مَثُلَةٌ وهْيَ الأشْبَاهُ والأمْثَالُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقد خلت من قبلهم المثلات﴾ (الرَّعْد: ٦) أَي: وَقد مَضَت من قبلهم من الْأُمَم الَّتِي عَصَتْ رَبهَا، وكذبت رسلها بالعقوبات، والمثلات وَاحِدهَا مثلَة، بِفَتْح الْمِيم وَضم الثَّاء مثل صَدَقَة وصدقات، وَفسّر المثلات بقوله: (وَهِي الْأَشْبَاه والأمثال) وَرُوِيَ الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: (المثلات) قَالَ: الْأَمْثَال: وَمن طَرِيق معمر عَن قَتَادَة قَالَ: المثلات الْعُقُوبَات، وَمن طَرِيق زيد بن أسلم قَالَ: المثلات مَا مثل الله بِهِ من الْأُمَم من الْعَذَاب، وَسكن يحيى بن وثاب الثَّاء فِي قِرَاءَته وَضم الْمِيم، وَقَرَأَ طَلْحَة بن مصرف بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الثَّاء، وَقَرَأَ الْأَعْمَش بفتحهما وَفِي رِوَايَة عَن أبي بكر ابْن عَيَّاش ضمهما، وَبِه قَرَأَ عِيسَى بن عمر.
بمِقْدَارٍ بِقَدَرٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وكل شَيْء عِنْده بِمِقْدَار﴾ (الرَّعْد: ٨) وَفَسرهُ بقوله: (بِقدر) والمقدار على وزن: مفعال مَعْنَاهُ: بِحَدّ لَا يُجَاوِزهُ وَلَا ينقص عَنهُ، وَعَن ابْن عَبَّاس: مِقْدَار كل شَيْء مِمَّا يكون قبل أَن يكون وَكلما هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
مُعَقِّباتٌ مَلَائِكَةٌ حَفَظَةٌ تُعَقِّبُ الأُولى مِنْها الأُخْرَى ومِنْهُ قِيلَ العَقِيبُ يُقالُ عَقَّبْتُ فِي إثْرِهِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَات من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله﴾ (الرَّعْد: ١١) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، يُقَال: مُعَقِّبَات فَسرهَا بقوله: مَلَائِكَة حفظَة يتعاقبون بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار، فَإِذا صعدت مَلَائِكَة النَّهَار عقبتها مَلَائِكَة اللَّيْل، والتعقيب الْعود بِعْ البدء قَوْله: (لَهُ المعقبات) أَي: لله تَعَالَى مُعَقِّبَات، وَعَن ابْن عَبَّاس: لَهُ مُعَقِّبَات يَعْنِي لمُحَمد من الرَّحْمَن حرس من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه يَحْفَظُونَهُ. يَعْنِي: من شَرّ الْإِنْس وَالْجِنّ وَمن شَرّ طوارق اللَّيْل وَالنَّهَار، وَقيل الضَّمِير فِي لَهُ، يرجع إِلَى الْإِنْسَان، والمعقبات جمع معقبة، والمعقبة جمع معقب، فالمعقبات جمع الْجمع كَمَا قيل: ابناوات سعد ورجالات بكر، قَالَه الثَّعْلَبِيّ، وَقيل: المعقبات الخدم والحرس حول السُّلْطَان، وَقيل: مَا يتعقب من أوَامِر الله وقضاياه. قَوْله: (يَحْفَظُونَهُ) أَي: يحفظون المستخفي بِاللَّيْلِ والسارب بِالنَّهَارِ قَوْله: (من أَمر الله) أَي: يَحْفَظُونَهُ بِأَمْر الله من أَمر الله فَإِذا جَاءَ الْقدر خلوا عَنهُ وَعَن ابْن عَبَّاس يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله مَا لم يَجِيء الْقدر قَوْله: (وَمِنْه) قيل: العقيب، أَي، وَمن أصل مُعَقِّبَات يُقَال: العقيب، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي فِي عقب الشَّيْء، وَفِي بعض النّسخ، وَمِنْه الْعقب، بِلَا يَاء بِمَعْنَاهُ، وعقب الرجل نَسْله. قَوْله: (يُقَال: عقب فِي إثره) بتَشْديد الْقَاف فِي ضبط الدمياطي بِخَطِّهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: هُوَ بِفَتْح الْقَاف وتخفيفها، قَالَ: وَضَبطه بَعضهم بتشديدها، وَفِي بعض النّسخ بِكَسْرِهَا، وَلَا وَجه لَهُ إلَاّ أَن يكون لُغَة.
المِحالُ العُقُوبَةُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وهم يجادلون فِي الله وَهُوَ شَدِيد الْمحَال﴾ (الرَّعْد: ١٣) وَفَسرهُ بقوله: الْعقُوبَة، وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: شَدِيد الْأَخْذ، وَعَن مُجَاهِد، شَدِيد الْقُوَّة، وَعَن الْحسن: شَدِيد المماحلة والمماكرة والمغالبة، وَعَن مُجَاهِد فِي رِوَايَة: شَدِيد انتقام.
كبَاسطِ كَفَّيْهِ إِلَى الماءِ ليَقْبِضَ عَلَى المَاء
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يستجيبون لَهُم بِشَيْء إِلَّا كباسط كفيه إِلَى المَاء ليبلغ فَاه وَمَا هُوَ بالغه﴾ (الرَّعْد: ١٤) قَوْله: (لَا يستجيبون) ، يَعْنِي: الَّذين يشركُونَ وَيدعونَ الْأَصْنَام من دون الله لَا يستجيبون لَهُم بِشَيْء إلَاّ كباسط كفيه أَي: إلَاّ كَمَا ينفع باسط كفيه إِلَى المَاء من الْعَطش ليقبضه حَتَّى يُؤَدِّيه إِلَى فَمه فَلَا يتم لَهُ ذَلِك وَلَا يجمعه، وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَعْنِي: كَالرّجلِ العطشان الْجَالِس على شَفير المَاء ويمد يَدَيْهِ إِلَى الْبِئْر فَلَا يبلغ قعرها فَلَا يبلغ إِلَى المَاء وَالْمَاء لَا ينزو وَلَا يرْتَفع إِلَى يَده، كَذَلِك لَا يَنْفَعهُمْ مَا كَانُوا يدعونَ من دون الله . وَالْعرب تضرب لمن سعى فِيمَا لَا يُدْرِكهُ طلب مَا لَا يجده مثلا بالقابض على المَاء، لِأَن الْقَابِض على المَاء لَا يحصل شَيْء فِي يَده.
رَابِيا مِنْ رَبا يَرْبُو
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿أنزل من السَّمَاء مَاء فسالت أَوديَة بِقَدرِهَا فَاحْتمل السَّيْل زبدا رابيا﴾ (الرَّعْد: ١٧) وَأَشَارَ بقوله: (رابيا) إِلَى أَن
стр. 5573
اشتقاق رابيا: من رَبًّا يَرْبُو من بَاب فعل يفعل أَي: انتفخ. قَالَه أَبُو عُبَيْدَة، وَفِي التَّفْسِير: رابيا عَالِيا مرتفعا فَوق المَاء.
أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ والمَتاعُ مَا تَمَتَّعْتَ بِهِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِمَّا توقدون عَلَيْهِ فِي النَّار ابْتِغَاء حلية أَو مَتَاع زبد مثله﴾ (الرَّعْد: ١٧) وَفسّر بقوله: (وَالْمَتَاع مَا تمتعت بِهِ) قَوْله: (ابْتِغَاء حلية) أَي: لأجل ابْتِغَاء أَي طلب حلية، أَي: زِينَة أَو مَتَاع، وأردبه جَوَاهِر الأَرْض من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْحَدِيد والصفر والنحاس والرصاص يذاب فتتخذ مِنْهُ الْأَشْيَاء مِمَّا ينْتَفع بِهِ من الْحلِيّ والأواني وَغَيرهمَا. قَوْله: (زبد مثله) أَي: لَهُ زبد إِذا أذيب مثل الْحق والزبد الَّذِي لَا يبْقى وَلَا ينْتَفع بِهِ مثل الْبَاطِل.
جُفاءً أجْفأتِ القِدْرُ إذَا غَلَتْ فَعَلَاها الزَّبَدُ ثُمَّ تَسْكُنْ فَيَذْهَبُ الزَّبَدُ بِلَا مَنْفَعَةٍ فَكَذَلِكَ يُمَيَّزُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَما الزّبد فَيذْهب جفَاء﴾ وفشر الْجفَاء بقوله: (أجفأت الْقدر) إِلَى آخِره، وَقَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: يُقَال: أجفأت الْقدر، وَذَلِكَ إِذا غلت وانصب زبدها، فَإِذا سكنت لم يبقَ مِنْهُ شيءٍ، وَنقل الطَّبَرِيّ عَن بعض أهل اللُّغَة أَن معنى قَوْله: (فَيذْهب جفَاء) تنشفه الأَرْض، يُقَال: جفأ الْوَادي وأجفأ بِمَعْنى نشف قَوْله: (فَكَذَلِك يُمَيّز الْحق من الْبَاطِل) فِي الْحَقِيقَة إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى فِي أثْنَاء الْآيَات الْمَذْكُورَة كَذَلِك يضْرب الله الْحق وَالْبَاطِل. وأوضح ذَلِك بقوله: (فَأَما الزّبد فَيذْهب جفَاء وَأما مَا ينفع النَّاس فيمكث فِي الأَرْض) وَمعنى قَول البُخَارِيّ: فَكَذَلِك، أَي: فَكَمَا ميز الله الزّبد الَّذِي يبْقى من الَّذِي لَا يبْقى وَلَا ينْتَفع بِهِ، ميز الْحق الَّذِي يبْقى وَيسْتَمر من الْبَاطِل الَّذِي لَا أصل لَهُ وَلَا يبْقى.
المِهادُ الفِرَاشُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ومأواهم جَهَنَّم وَبئسَ المهاد﴾ (الرَّعْد: ١٨) وَفَسرهُ بقوله: (الْفراش) وَلم يثبت هَذَا إلَاّ فِي غير رِوَايَة أبي ذَر.
يَدْرَؤُنَ يدْفَعُونَ دَرَأْتُهُ عَنِّي دَفَعْتُهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ويدرؤن بِالْحَسَنَة السَّيئَة أُولَئِكَ لَهُم عَقبي الدَّار﴾ (الرَّعْد: ٢٢) وَفسّر قَوْله: (يدرؤن) بقوله (يدْفَعُونَ) يُقَال: درأت فلَانا إِذا دَفعته من الدَّار موهو الدّفع.
سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أيْ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَليْكُمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿سَلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنعم عُقبى الدَّار﴾ (الرَّعْد: ٢٤) وَقد رهنا محذوفا، وَهُوَ: يَقُولُونَ، وَفِي التَّفْسِير: تدخل الْمَلَائِكَة على أهل الْجنَّة فيسلمون عَلَيْهِم بِمَا صَبَرُوا على الْفقر فِي الدُّنْيَا، وَقيل: على الْجِهَاد، وَقيل: على مُلَازمَة الطَّاعَة ومفارقة الْمعْصِيَة، وَقيل: على تَركهم الشَّهَوَات.
وإلَيْهِ مَتابِ تَوْبَتي
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا إِلَه إلاّ هُوَ عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ متاب﴾ (الرَّعْد: ٣٠) وَفِي التَّفْسِير: وَإِلَيْهِ رجوعي، والمتاب مصدر ميمي، يُقَال: تَابَ الله تَوْبَة ومتابا، والتوبه الرُّجُوع من الذَّنب.
أفَلمْ يَيْأسْ فَلَمْ يَتَبَيَّنْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أفلم ييأس الَّذين آمنُوا إِن لَو يَشَاء الله لهدى النَّاس جَمِيعًا﴾ (الرَّعْد: ٣١) وَفسّر: (أفلم ييأس) بقوله: (فَلم يتَبَيَّن) وَعَن ابْن عَبَّاس: أفلم يعلم قَالَ الْكَلْبِيّ: ييأس يعلم فِي لُغَة النخع. وَهُوَ قَول مُجَاهِد وَالْحسن وَقَتَادَة والطبري عَن الْقَاسِم بن معن أَنه كَانَ يَقُول: إِنَّهَا لُغَة هوزان، تَقول: يئست كَذَا أَي: عَلمته.
قارِعَةٌ دَاهِيةٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يزَال الَّذين كفرُوا تصيبهم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَة﴾ (الرَّعْد: ٣١) أَي: داهية مهلكة، قَالَه أَبُو عُبَيْدَة.
стр. 5574
فأمْلَيْتُ أطلْتُ مِنَ المَلِيِّ والمِلَاوَةِ ومِنْهُ مَليّا ويُقالُ لِلْوَاسِعِ الطّويلِ مِنَ الأرْضِ مَلأ مِنَ الأرْضِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فأمليت للَّذين كفرُوا ثمَّ أخذتهم فَكيف كَانَ عِقَاب﴾ (الرَّعْد: ٣٢) وَفسّر أمليت بقوله: أطلت، كَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة. قَوْله: من الملى، بِفَتْح الْمِيم وَكسر اللَّام وَتَشْديد الْيَاء بِغَيْر همزَة قَالَ الْجَوْهَرِي: الملى الْهوى من الدَّهْر، يُقَال: أَقَامَ مَلِيًّا من الدَّهْر، قَالَ تَعَالَى: ﴿واهجرني مَلِيًّا﴾ (مَرْيَم: ٤٦) أَي: طَويلا وَمضى: ملى من النَّهَار أَي: سَاعَة طَوِيلَة والملاوة، بِكَسْر الْمِيم يُقَال: أَقمت عِنْده ملاوة من الدَّهْر، أَي: حينا وبرهة، وَكَذَلِكَ ملوة من الدَّهْر، بِتَثْلِيث الْمِيم والملا مَقْصُورا: الْوَاسِع من الأَرْض، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الملا مَقْصُورا الصَّحرَاء، والملوان اللَّيْل وَالنَّهَار.
أشَقُّ أشَدُّ مِنَ المَشَقَّةِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ولعذاب الْآخِرَة أشق وَمَا لَهُم من الله من واق﴾ (الرَّعْد: ٣٤) وَأَرَادَ بقوله: (أَشد) أَن لفظ: أشق، أفعل تَفْضِيل من شقّ يشق.
صنْوَانٌ النَّخْلَتانِ أوْ أكْثَرُ فِي أصْلٍ واحِدٍ وغَيْرُ صِنْوَانٍ وحْدَها بِماءَ وَاحِد كَصالِحِ بَني آدَمَ وخَبِيثِهمْ أبُوهُمْ واحِدٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: ﴿صنْوَان وَغير صنْوَان يسْقِي بِمَاء وَاحِد﴾ (الرَّعْد: ٤) الْآيَة وَفسّر قَوْله: (صنْوَان) بقوله: (النخلتان أَو أَكثر فِي أصل وَاحِد) وَكَذَا قَالَ ابْن عَبَّاس الصنوان مَا كَانَ من نخلتين أَو ثَلَاثًا أَو أَكثر أصلهن وَاحِد، وَهُوَ جمع صنو، وَيجمع فِي الْقلَّة على أصناو، وَلَا فرق بَينهمَا فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع إلَاّ فِي الْإِعْرَاب، وَذَلِكَ أَن النُّون فِي التَّثْنِيَة مَكْسُورَة أبدا غير منونة، وَفِي الْجمع منونة تجْرِي بجريان الْإِعْرَاب، والقراء كلهم على كسر الصَّاد إلَاّ أَبَا عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ فَإِنَّهُ يضمها قَوْله: (وَغير صنْوَان وَحدهَا) أَي: وَغير صنْوَان المتفرق الَّذِي لَا يجمعه أصل وَاحِد قَوْله: (بِمَاء وَاحِد) أَي: يسقى بِمَاء وَاحِد، وَفِي رِوَايَة الْفرْيَابِيّ عَن مُجَاهِد مثل مَا قَالَه البُخَارِيّ، لَكِن قَالَ يسْقِي بِمَاء وَاحِد، قَالَ بِمَاء السَّمَاء قَوْله: (كصالح بني آدم) إِلَى آخِره: شبه الصنوان الَّذِي أَصله وَاحِد والصنوان المتفرق الَّذِي لَا يجمعه أصل وَاحِد بِصَالح بني آدم وخبيثهم أبوهم وَاحِد، وَقَالَ الْحسن: هَذَا مثل ضربه الله تَعَالَى لقلوب بني آدم فَقلب يرق فيخشع ويخضع، وقلب يسهو ويلهو، وَالْكل من أصل وَاحِد، وَكَذَلِكَ صنْوَان وَغير صنْوَان مِنْهَا مَا يخرج الطّيب وَمِنْهَا مَا يخرج غير الطّيب، وَأَصله وَاحِد وَالْكل يسْقِي بِمَاء وَاحِد.
السَّحابُ الثِّقالُ الّذِي فِيهِ الماءُ كَباسِطِ كَفّيْهِ يَدْعُو الماءَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: ﴿يريكم الْبَرْق خوفًا وطعما وينشىء السَّحَاب الثقال﴾ (الرَّعْد: ١٢) أَي يسير السَّحَاب وَهُوَ جمع سَحَابَة، والثقال صفة السَّحَاب أَي: الثقال بالمطر.
سالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها تَمْلأُ بَطْنَ وادٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿أنزل من السَّمَاء فسالت أَوديَة بِقَدرِهَا﴾ (الرَّعْد: ١٧) يَعْنِي: أنزل الله من السَّمَاء مَاء يَعْنِي الْمَطَر، فسالت من ذَلِك المَاء بِقَدرِهَا، الْكَبِير بِقَدرِهِ وَالصَّغِير بِقَدرِهِ، والأودية جمع وادٍ وَهُوَ كل مفرج بَين جبلين يجْتَمع إِلَيْهِ مَاء الْمَطَر، قيل: وَالْقدر مبلغ الشَّيْء، وَالْمعْنَى: بِقَدرِهَا من المَاء وَإِن اتَّسع كثر. قَوْله: (بطن وَاد) هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْأَصْلِيّ: (تملأ كل وَاحِد بِحَسبِهِ) ، وَفِي التفاسير الْمَذْكُورَة اخْتِلَاف كثير بالتقديم وَالتَّأْخِير وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان.
١ - (بابُ قَوْلِهِ الله ﴿يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأرْحامُ﴾ (الرَّعْد: ٨) غِيضَ نُقِصَ .)
أَي هَذَا بَاب فِي قَوْله الله: (يعلم) الْآيَة: وَفِي بعض النّسخ لفظ: بَاب قَوْله: (وَمَا تغيض) أَي: وَمَا تنقص بِالسقطِ النَّاقِص وَمَا تزداد بِالْوَلَدِ التَّام، وَعَن الضَّحَّاك: غيضها أَن تَأتي بِالْوَلَدِ مَا دون التِّسْعَة وَعَن الْحسن: غيضها السقط، وَقيل: أَن تغيض من السِّتَّة أشهر ثَلَاثَة أَيَّام، وَقيل: تغيض بإراقة الدَّم فِي الْحمل حَتَّى يتضال الْوَلَد، ويزداد إِذا أَمْسَكت الدَّم فيعظم الْوَلَد، وَقيل: تغيض بِمن وَلدته
стр. 5575
من قبل وتزداد بِمن تلده من بعد وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِي هَذِه الْآيَة دَلِيل على أَن الْحَامِل تحيض. وَهُوَ وَاحِد قولي الشَّافِعِي، وَقَالَ عَطاء وَالشعْبِيّ فِي آخَرين: لَا تحيض وَهُوَ قَول أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٤٦٩٧ - حدَّثنا حدّثني إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ حَدثنَا مَعْنٌ قَالَ حدّثني مالِكٌ عنْ عبْدِ الله بن دِينَارٍ عنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ مفاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُها إلاّ الله لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إلاّ الله وَلَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأرْحامُ إلاّ الله ولَا يَعْلَمُ مَتَى يأتِي المَطَرُ أَحَدٌ إلاّ الله ولَا تَدْرِي نَفْسٌ بأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ ولَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إلاّ الله.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة ومعن: بِفَتْح وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وبالنون ابْن عِيسَى الْقَزاز، بِالْقَافِ وَتَشْديد الزَّاي الأولى، وَقَالَ ابْن مَسْعُود: تفرد بِهِ إِبْرَاهِيم وَهَذَا هُوَ عَزِيز. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: رَوَاهُ ابْن أبي ظَبْيَة عَن مَالك عَن عبد الله عَن ابْن عمر مَوْقُوفا.
وَمر الحَدِيث فِي كتاب الاسْتِسْقَاء فِي: بَاب لَا يدْرِي مَتى يَجِيء الْمَطَر إلاّ الله، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن سُفْيَان عَن عبد الله بن دِينَار.
قَوْله: (مَفَاتِيح الْغَيْب) ، أما اسْتِعَارَة مكنية أَو مصرحة، والتخصيص بِهَذِهِ الْخَمْسَة مَعَ أَن الَّتِي لَا يعلمهَا إِلَّا الله كَثِيرَة إِمَّا لأَنهم كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنهم يعرفونها، أَو لأَنهم سَأَلُوهُ عَنْهَا، مَعَ أَن مَفْهُوم الْعدَد لَا احتجاج بِهِ، فَافْهَم.
بعون الله تَعَالَى وَحسن توفقيه قد تمّ الْجُزْء الثَّامِن عشر ويليه إِن شَاءَ
الله تَعَالَى الْجُزْء التَّاسِع عشر وأوله سُورَة إِبْرَاهِيم
стр. 5576
٤١ - (سُورَةُ إبْرَاهِيمَ ﵇
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة إِبْرَاهِيم ﵇.
بسَّمِ الله الرَّحمانِ الرَّحِيمِ
لم تثبت الْبَسْمَلَة إِلَّا لأبي ذَر وَحده، قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: فِيهَا آيَة وَاحِدَة مَدَنِيَّة وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين بدلُوا نعْمَة الله كفرا﴾ (إِبْرَاهِيم: ٨٢) وَعَن الْكَلْبِيّ: هِيَ مَدَنِيَّة نزلت فِيمَن قتل ببدر، وَعَن ابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة: نزلت بِالْمَدِينَةِ من سُورَة إِبْرَاهِيم: ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين بدلُوا نعْمَة الله كفرا﴾ الْآيَتَيْنِ وسائرها مكي، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: مَكِّيَّة. وَهِي ثَلَاثَة آلَاف وَأَرْبَعمِائَة وَأَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ حرفا، وَثَمَانمِائَة وَإِحْدَى وَثَلَاثُونَ كلمة، وإثنتان وَخَمْسُونَ آيَة.
قَالَ ابنُ عبّاسٍ: هادٍ دَاعٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَنْت مُنْذر وَلكُل قوم هاد﴾ وَلَكِن هَذَا فِي سُورَة الرَّعْد. وَالظَّاهِر أَن ذكر هَذَا هُنَا من بعض النساخ. وَفسّر لفظ: هاد، بقوله: دَاع، وروى هَذَا التَّعْلِيق الْحَنْظَلِي عَن أَبِيه: حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنَا مُعَاوِيَة عَن عَليّ عَن ابْن عَبَّاس.
وَقَالَ مُجاهدٌ صَدِيدٌ قَيْحٌ ودَمٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: ﴿من وَرَائه جَهَنَّم ويسقى من مَاء صديد﴾ (إِبْرَاهِيم: ٦١) لم يذكر هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وروى هَذَا التَّعْلِيق ابْن الْمُنْذر عَن مُوسَى عَن أبي بكر عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، وَعَن قَتَادَة: هُوَ مَا يخرج من جلد الْكَافِر ولحمه، وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب وَالربيع بن أنس: هُوَ غسال أهل النَّار، وَذَلِكَ مَا يسيل من فروج الزناة يسقاه الْكَافِر.
وَقَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ أيادِيَ الله عِنْدَكُمْ وأَيَّامَهُ
أَي: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكروا نعْمَة الله عَلَيْكُم إِذْ أنجاكم من آل فِرْعَوْن﴾ (إِبْرَاهِيم: ٦) الْآيَة وَفسّر نعْمَة الله بقوله: أيادي الله، والأيادي جمع الْأَيْدِي، وَهُوَ جمع الْيَد بِمَعْنى: النِّعْمَة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الطَّبَرِيّ من طَرِيق الْحميدِي عَنهُ.
وَقَالَ مُجاهِدٌ منْ كلِّ مَا سألْتُمُوهُ رَغِبْتُمْ إلَيْهِ فِيهِ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وسخر لكم اللَّيْل وَالنَّهَار وآتاكم من كل مَا سألتموه﴾ (إِبْرَاهِيم: ٣٣ و ٤٣) أَن مَعْنَاهُ وأعطاكم من كل مَا رغبتم
стр. 5577
إِلَيْهِ فِيهِ، وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين: مَعْنَاهُ وآتاكم من كل مَا سألتموه وَمَا لم تسألوه، وَعَن الضَّحَّاك: أَعْطَاكُم أَشْيَاء مَا طلبتموها وَلَا سألتموها على النَّفْي على قِرَاءَة: من كل، بِالتَّنْوِينِ، صدق الله تَعَالَى كم من شَيْء أَعْطَانَا الله وَمَا سألناه إِيَّاه وَلَا خطر لنا على بَال، وَعَن الْحسن ﵀: من كل الَّذِي سألتموه، أَي: من كل مَا سَأَلْتُم.
يَبْغُونَها عِوَجاً يَلْتَمِسُونَ لَها عِوَجاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ويصدون عَن سَبِيل الله ويبغونها عوجا﴾ (إِبْرَاهِيم: ٣) الْآيَة، هَذَا وَقع هُنَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَهُوَ الصَّوَاب لِأَنَّهُ من تَفْسِير مُجَاهِد أَيْضا، وَفسّر قَوْله: يَبْغُونَهَا، بقوله: يَلْتَمِسُونَ لَهَا، وَقد وَصله عبد بن حميد من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، قَالَ: يَلْتَمِسُونَ لَهَا الزيغ والعوج بِالْفَتْح فِيمَا كَانَ مائلاً منتصباً كالحائط، وَالْعود وبالكسر فِي الأَرْض وَالدّين وشبههما، قَالَه ابْن السّكيت وَابْن فَارس.
وإذْ تأذَّنَ رَبُّكُمْ. أعْلَمَكُمْ آذَنَكُمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ تَأذن ربكُم لَئِن شكرتم لأزيدنكم﴾ (إِبْرَاهِيم: ٧) ، وَفسّر: تَأذن بقوله: أعلمكُم. قَوْله: (آذنكم) ، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: أعلمكُم ربكُم، وَنقل بَعضهم عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ: كلمة (ذَر) زَائِدَة. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل مَعْنَاهُ اذْكروا حِين تَأذن ربكُم، وَمعنى تَأذن ربكُم إِذن ربكُم. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَنَظِير تَأذن وآذن توعد وأوعد، تفضل وَأفضل، وَلَا بُد فِي تفعل من زِيَادَة معنى لَيْسَ فِي أفعل، كَأَنَّهُ قيل: وَإِذ تَأذن ربكُم إِيذَانًا بليغاً تَنْتفِي عِنْده الشكوك، وَقَالَ بَعضهم: إِذْ تَأذن من الإيذان، قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ من التأذين.
رَدُّوا أيْدِيهُمْ فِي أفْوَاهِهِمْ هاذا مِثْلُ كُفُّوا عَمَّا أُمرُوا بِهِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿جَاءَتْهُم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ فَردُّوا أَيْديهم فِي أَفْوَاههم﴾ (إِبْرَاهِيم: ٩) وَقَالَ ابْن مَسْعُود: عضوا على أَيْديهم غيظاً عَلَيْهِم. قَوْله: (هَذَا مثل) ، قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا بِحَسب الْمَقْصُود، مثل كفوا عَمَّا أمرو بِهِ، قَالَ: ويروى: مثل، بالمفتوحتين. انْتهى. وَلم يُوضح مَا قَالَه حَتَّى يشْبع النَّاظر فِيهِ، أَقُول: مثل كفوا، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون التَّاء يَعْنِي: معنى ردوا أَيْديهم فِي أَفْوَاههم مثل معنى كفوا عَمَّا أمروا بِهِ، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول، وَأما الْمَعْنى على رِوَايَة: هَذَا مثل، بِفتْحَتَيْنِ فعلى طَرِيق الْمثل، أَي: مثل مَا جَاءَ بِهِ الْأَنْبِيَاء من النصائح والمواعظ، وَأَنَّهُمْ ردوهَا أبلغ رد، فَردُّوا أَيْديهم فِي أَفْوَاههم وَقَالُوا: إِنَّا كفرنا بِمَا أرسلتم بِهِ، أَرَادَ إِن هَذَا جَوَابنَا لكم لَيْسَ عندنَا غَيره، وَيُقَال: أَو وضعُوا أَيْديهم على أَفْوَاههم يَقُولُونَ للأنبياء: أطبقوا أَيْدِيكُم أَفْوَاهكُم واسكتوا، أَو ردوهَا فِي أَفْوَاه الْأَنْبِيَاء يشيرون لَهُم إِلَى السُّكُوت، أَو وضعوها على أَفْوَاههم وَلَا يذرونهم يَتَكَلَّمُونَ.
مَقامِي حَيْثُ يُقيمُهُ الله بَيْنَ يَدَيْهِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك لمن خَافَ مقَامي وَخَافَ وَعِيد﴾ (إِبْرَاهِيم: ٤١) وَفسّر قَوْله: مقَامي، بقوله: حَيْثُ يقيمه بَين يَدَيْهِ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره، وَفِي التَّفْسِير: مقَامي موقفي وَهُوَ موقف الْحساب لِأَنَّهُ موقف الله تَعَالَى الَّذِي يقف فِيهِ عباده يَوْم الْقِيَامَة، وَقيل: خَافَ قيامي عَلَيْهِ وحفظي لأعماله.
مِن ورَائِهِ قُدَّامهِ جَهَنَّمَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن وَرَائه عَذَاب غايظ﴾ (إِبْرَاهِيم: ٧١) وَفسّر الوراء بالقدام، وَفَسرهُ الزَّمَخْشَرِيّ بقوله: بِمن بَين يَدَيْهِ، وَنقل قطرب وَغَيره أَنه من الأضداد، وَأنْكرهُ إِبْرَاهِيم بن عَرَفَة، وَقَالَ: لَا يَقع وَرَاء بِمَعْنى أَمَام إلَاّ فِي زمَان أَو مَكَان، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: مَعْنَاهُ مَا توارى عَنهُ واستتر.
لَكُمْ تَبَعاً واحِدُها تابِعٌ مِثْلُ غَيَبٍ وغائِبٍ
стр. 5578
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُنَّا لكم تبعا فَهَل أَنْتُم مغنون عَنَّا من عَذَاب الله من شَيْء﴾ (إِبْرَاهِيم: ١٢) التبع جمع تَابع كخدم جمع خَادِم وَمثله البُخَارِيّ بقوله مثل غيب بِفتْحَتَيْنِ جمع غَائِب وَقيل مَعْنَاهُ إِنَّا كُنَّا لكم ذَوي تبع.
بمُصْرِخِكُمْ اسْتَصْرَخَنِي اسْتَغاثَني يَسْتَصْرِخُهُ مِنَ الصُّرَاخِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: ﴿فَلَا تلوموني ولوموا أَنفسكُم مَا أَنا بمصرخكم وَمَا أَنْتُم بمصرخي﴾ (إِبْرَاهِيم: ٢٢) وَهَذَا لم يثبت إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر، قَوْله: مَا أَنا بمصرخكم. أَي: مَا أَنا بمغيثكم. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: مَا أَنا بمصرخكم وَمَا أَنْتُم بمصرخي لَا يُنجي بَعْضنَا بَعْضًا من عَذَاب الله وَلَا يغيثه، والإصراخ الإغاثة، وقرىء بمصرخي، بِكَسْر الْيَاء وَهِي ضَعِيفَة. قلت: الْقِرَاءَة الصَّحِيحَة فتح الْيَاء وَهُوَ الأَصْل، وَقَرَأَ حَمْزَة بِكَسْر الْيَاء، وَقَالَ الزّجاج: هِيَ عِنْد جَمِيع النَّحْوِيين ضَعِيفَة لَا وَجه لَهَا إلَاّ وَجه ضَعِيف، وَهُوَ مَا أجَازه الْفراء من الْكسر على الأَصْل لالتقاء الساكنين.
قَوْله: (استصرخني) وَقيل استصرخني فلَان، أَي: استغاثني، فأصرخته أَي أغثته. قَوْله: (يستصرخه) مَعْنَاهُ يَصِيح بِهِ، فَلِذَا قَالَ: (من الصُّرَاخ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ الصَّوْت.
وَلَا خِلَالَ مصْدَرُ خالَلْتُهُ خِلالاً ويَجُوزُ أيْضاً جَمْعُ خُلَّةٍ وخِلالٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم لَا بيع فِيهِ وَلَا خلال﴾ (إِبْرَاهِيم: ١٣) وَذكر فِي لفظ خلال وَجْهَان: أَحدهمَا: أَنه مصدر خاللته خلال، وَالْمعْنَى: وَلَا مخاللة خَلِيل. وَثَانِيهمَا: إِنَّه جمع خلة، مثل: ظلة وظلال، وَهَذَا الْوَجْه قَالَه أَبُو عَليّ الْفَارِسِي، وَجُمْهُور أهل اللُّغَة على الأول، والخلة، بِضَم الْخَاء: الصداقة والمحبة الَّتِي تخللت الْقلب فَصَارَت خلاله أَي: فِي بَاطِنه، وَمِنْه الْخَلِيل وَهُوَ الصّديق.
اجْتُثَّتْ اسْتُؤْصِلَتْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتئت من فَوق الأَرْض مَا لَهَا من قَرَار﴾ (إِبْرَاهِيم: ٦٢) وَفسّر هَذِه اللَّفْظَة بقوله: استؤصلت، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول من الاستئصال، وَهُوَ الْقلع من أَصله.
١ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابتٌ وفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾ (إِبْرَاهِيم: ٤٢ ٥٢)
هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كشجرة طيبَة﴾ وَلَيْسَ فِي أَكثر النّسخ لفظ: بَاب. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر إِلَى قَوْله: (ثَابت) وَفِي رِوَايَة غَيره إِلَى (حِين) الْكَلَام. أَولا: فِي وَجه التَّشْبِيه بَين الْكَلِمَة الطّيبَة والشجرة الطّيبَة، وَبَيَانه مَوْقُوف على تَفْسِير الْكَلِمَة الطّيبَة والشجرة الطّيبَة. فالكلمة الطّيبَة شَهَادَة أَن لَا إل هـ إلَاّ الله، نقل ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، والشجرة الطّيبَة فِيهَا أَقْوَال، فَقيل: كل شَجَرَة طيبَة مثمرة، وَقيل: النَّخْلَة، وَقيل: الْجنَّة، وَقيل: شَجَرَة فِي الْجنَّة، وَقيل: الْمُؤمن، وَقيل: قُرَيْش، وَقيل: جوز الْهِنْد. وَأما بَيَان وَجه التَّشْبِيه على القَوْل الأول فَهُوَ من حَيْثُ الْحسن والزهارة وَالطّيب وَالْمَنَافِع الْحَاصِلَة فِي كل وَاحِدَة من كلمة الشَّهَادَة والشجرة الطّيبَة المثمرة، وَأما على القَوْل الثَّانِي، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور فَهُوَ من حَيْثُ كَثْرَة الْخَيْر فِي العاجل والآجل وَحسن المنظر والشكل الْمَوْجُود فِي كل وَاحِد من كلمة الشَّهَادَة والنخلة، فَإِن كَثْرَة الْخَيْر فِي العاجل والآجل مستمرة فِي صَاحب كلمة الشَّهَادَة، وَكَذَلِكَ حسن المنظر والشكل، وَفِي النَّخْلَة كَذَلِك فَإِنَّهَا كَثِيرَة الْخَيْر وطيبة الثَّمَرَة من حِين تطلع يُؤْكَل مِنْهَا حَتَّى تيبس، فَإِذا يَبِسَتْ يتَّخذ مِنْهَا مَنَافِع كَثِيرَة من خشبها وَأَغْصَانهَا وورقها ونواها، وَقيل: وَجه التَّشْبِيه أَن رَأسهَا إِذا قطع مَاتَت بِخِلَاف بَاقِي الشّجر، وَقيل: لِأَنَّهَا لَا تحمل حَتَّى تلقح، وَقيل: إِنَّهَا فضلَة طِينَة آدم ﵊، على مَا رُوِيَ، وَقيل: فِي علو فروعها كارتفاع عمل الْمُؤمن، وَقيل: لِأَنَّهَا شَدِيدَة الثُّبُوت كثبوت الْإِيمَان فِي قلب الْمُؤمن. وَأما على القَوْل الثَّالِث: إِنَّهَا شَجَرَة فِي الْجنَّة رَوَاهُ أَبُو ظبْيَان عَن ابْن عَبَّاس فَهُوَ من حَيْثُ الدَّوَام والثبوت على مَا لَا يخفى. وَأما على القَوْل الرَّابِع: فَهُوَ من حَيْثُ ارْتِفَاع عمل الْمُؤمن الصَّالح فِي كل وَقت، وَوُجُود ثَمَرَة النَّخْلَة فِي كل حِين. وَأما على القَوْل الْخَامِس: فَهُوَ من حَيْثُ ارْتِفَاع الْقدر فِي كل وَاحِد من قُرَيْش، والنخلة، أما قُرَيْش فَلَا شكّ أَن قدرهم مُرْتَفع على سَائِر قبائل الْعَرَب، وَأما النَّخْلَة فَكَذَلِك على سَائِر الْأَشْجَار من الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا، وَأما على القَوْل السَّادِس: الَّذِي هُوَ جوز الْهِنْد
стр. 5579
فَهُوَ من حَيْثُ إِنَّه لَا يتعطل من ثمره. على مَا رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث فَرْوَة بن السَّائِب عَن مَيْمُون بن مهْرَان عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: ﴿تُؤْتى أكلهَا كل حِين﴾ (إِبْرَاهِيم: ٥٢) قَالَ: هِيَ شجر جوز الْهِنْد لَا يتعطل من ثمره، وَتحمل فِي كل شهر. وَرُوِيَ عَن عَليّ ابْن أبي طَالب ﵁، أَيْضا، قَالَ السُّهيْلي: وَلَا يَصح وَكَذَلِكَ الْمُؤمن الَّذِي هُوَ صَاحب كلمة الشَّهَادَة لَا يتعطل من عمله الصَّالح. قَوْله: (أَصْلهَا ثَابت) ، أَي: فِي الأَرْض، (وفرعها فِي السَّمَاء) يَعْنِي: فِي الْعُلُوّ فَإِذا كَانَ أَصْلهَا ثَابتا أَمن الِانْقِطَاع لِأَن الطّيب إِذا كَانَ فِي معرض الانقراض حصل بِسَبَب فنائه وزواله الْحزن، فَإِذا علم أَنه باقٍ عظم الْفَرح بوجدانه، وَإِذا كَانَ فرعها فِي السَّمَاء دلّ على كمالها من وَجْهَيْن الأول: ارْتِفَاع أَغْصَانهَا وقوتها وتصعدها يدل على ثُبُوت أَصْلهَا ورسوخ عروقها. الثَّانِي: إِذا كَانَت مُرْتَفعَة كَانَت بعيدَة عَن عفونات الأَرْض، فَكَانَت ثَمَرَتهَا نقية طَاهِرَة من جَمِيع الشوائب. قَوْله: (تُؤْتى) أَي: تُعْطِي (أكلهَا) أَي: ثَمَرهَا (كل حِين) اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَابْن زيد: كل سنة، وَعَن ابْن عَبَّاس: الْحِين حينان: حِين يعرف وَيدْرك، وَحين لَا يعرف فَالْأول: قَوْله: ﴿ولتعلمن نبأه بعد حِين﴾ وَالثَّانِي قَوْله ﴿تُؤْتى أكلهَا كل حِين﴾ (ص: ٨٨) فَهُوَ مَا بَين الْعَام إِلَى الْعَام الْمقبل، وَقَالَ سعيد بن جُبَير وَقَتَادَة: الْحِين كل سِتَّة أشهر مَا بَين صرامها إِلَى حملهَا، وَقَالَ الرّبيع بن أنس: كل حِين كل غدْوَة وَعَشِيَّة كَذَلِك يصعد عمل الْمُؤمن أول النَّهَار وَآخره، وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا، وَقَالَ الضَّحَّاك: الْحِين سَاعَة لَيْلًا وَنَهَارًا صيفاً وشتاءً يُؤْكَل فِي جَمِيع الْأَوْقَات، كَذَلِك الْمُؤمن لَا يَخْلُو من الْخَيْر فِي الْأَوْقَات كلهَا. فَإِن قلت: قد بيّنت وَجه التَّشْبِيه بَين الْكَلِمَة الطّيبَة والشجرة الطّيبَة، فَمَا الْحِكْمَة بالتمثيل بِالشَّجَرَةِ؟ قلت: لِأَن الشَّجَرَة لَا تكون شَجَرَة إِلَّا بِثَلَاثَة أَشْيَاء: عرق راسخ، وأصل قَائِم، وَفرع عَال، فَكَذَلِك الْإِيمَان لَا يقوم وَلَا يُثمر إِلَّا بِثَلَاثَة أَشْيَاء: تَصْدِيق بِالْقَلْبِ، وَقَول بِاللِّسَانِ، وَعمل بالأبدان.
٨٩٦٤ - حدَّثني عُبَيْدُ بنُ إسْماعِيلَ عنْ أبي أُسامَةَ عَنْ عُبَيْدِ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ كُنّا عِنْدَ رسولِ الله ﷺ فَقَالَ أخبرُوني بِشَجَرَةٍ تُشْبِهُ أوْ كالرَّجُلِ المُسْلِمِ لَا يَتحاتُّ ورَقُها ولَا ولَا ولَا ﴿تُؤْتِي أكُلَها كلَّ حِينٍ﴾ قالَ ابنُ عُمَرَ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ ورَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وعُمَرَ لَا يَتَكَلّمانِ فكَرِهْتُ أنْ أتَكَلَّمَ فَلَمَّا لَمْ يَقُولُوا شَيْئاً قَالَ رسُولُ الله ﷺ هِيَ النَّخْلَةُ فَلَمّا قُمْنا قُلْتُ لِعُمَرَ يَا أبَتاهُ وَالله لَقَدْ كانَ وَقَعَ فِي نَفْسِي أنّها النّخْلَةُ فَقَالَ مَا مَنَعَكَ أنْ تَكَلَّمَ قَالَ لمْ أرَكُمْ تَكَلّمُون فكَرِهْتُ أنْ أتَكَلّمَ أوْ أقُولَ شَيْئاً قَالَ عُمَرُ لأنْ تكونَ قُلْتَها أحَبُّ إلَيَّ مِنْ كَذا وكَذا..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الشَّجَرَة الطّيبَة هِيَ النَّخْلَة على قَول الْجُمْهُور. وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَعبيد الله ابْن عمر الْعمريّ.
والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الْعلم فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (تشبه، أَو كَالرّجلِ الْمُسلم) ، شكّ من أحد الروَاة، وَمَعْنَاهُ: تشبه الرجل الْمُسلم، أَو قَالَ: كَالرّجلِ الْمُسلم. قَوْله: (وَلَا يتحات) ، من بَاب التفاعل أَي: لَا يَتَنَاثَر. قَوْله: (وَلَا وَلَا وَلَا) ، ثَلَاث مَرَّات أَشَارَ بهَا إِلَى ثَلَاث صِفَات أخر للنخلة وَلم يذكرهَا الرَّاوِي، وَاكْتفى بِذكر كلمة: لَا، ثَلَاث مَرَّات، وَقَوله: (تُؤْتى أكلهَا كل حِين) صفة خَامِسَة لَهَا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (النَّخْلَة) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هِيَ النَّخْلَة. قَوْله: (إِن تكلم) ، بِنصب الْمِيم لِأَن أَصله: أَن تَتَكَلَّم، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. قَوْله: (من كَذَا وَكَذَا) أَي: من حمر النعم، كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى.
٢ - (بابٌ: ﴿يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمنُوا بالْقَوْلِ الثّابِتِ﴾ (إِبْرَاهِيم: ٧٢)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿يثبت الله﴾ أَي: يُحَقّق الله إِيمَانهم وأعمالهم (بالْقَوْل الثَّابِت) وَهُوَ شَهَادَة لَا إِلَه إِلَّا الله. قَوْله: ﴿فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ يَعْنِي: فِي الْقَبْر عِنْد السُّؤَال: (وَفِي الْآخِرَة) إِذا بعث.
стр. 5580
٩٩٦٤ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبرنِي عَلْقَمَةُ بنُ مَرْثَدٍ قَالَ سَمِعْتُ سَعْدَ بنَ عُبَيْدَةَ عنِ البَرَاءِ بنِ عازِبٍ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ المُسْلِمُ إِذا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ يَشْهَد أنْ لَا إلاهَ إلَاّ الله وَأَن مُحَمَّداً رسولُ الله فَذالِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمنُوا بالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الآخِرَةِ﴾ (إِبْرَاهِيم: ٧٢) .
(انْظُر الحَدِيث ٩٦٣١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْوَلِيد هُوَ هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وعلقمة بن مرْثَد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وبالثاء الْمُثَلَّثَة: الْحَضْرَمِيّ الْكُوفِي، مر فِي الْجَنَائِز، وَسعد بن عُبَيْدَة، بِضَم الْعين وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: السّلمِيّ مر فِي الْوضُوء، وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي عَذَاب الْقَبْر، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٣
- (بابٌ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلَى الّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ الله كُفْراً﴾ (إِبْرَاهِيم: ٨٢)
)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿لم تَرَ إِلَى الَّذين﴾ . الْآيَة قَوْله: (بدلُوا) أَي: غيروا (نعْمَة الله) عَلَيْهِم فِي مُحَمَّد ﷺ حَيْثُ بَعثه الله تَعَالَى مِنْهُم وَفِيهِمْ فَكَفرُوا بِهِ وكذبوه (وَأَحلُّوا) أَي: وأنزلوا (قَومهمْ) مِمَّن تَابعهمْ على كفرهم (دَار الْبَوَار) أَي: الْهَلَاك، ثمَّ بَين ذَلِك بقوله: ﴿جَهَنَّم يصلونها وَبئسَ الْقَرار﴾ (إِبْرَاهِيم: ٩٢) .
ألَمْ تَعْلَمْ كَقَوْلِهِ ألَمْ تَرَ كَيْفَ. ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا
فسر قَوْله: (ألم تَرَ) بقوله: (ألم تعلم) ، وَهَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ بِمَعْنى: ألم تعلم، إِذْ الرُّؤْيَة بِمَعْنى الإبصار غير حَاصِلَة إِمَّا لتعذرها وَإِمَّا لتعسرها عَادَة. قلت: هَذِه الْكَلِمَة تقال عِنْد التَّعَجُّب من الشَّيْء وَعند تَنْبِيه الْمُخَاطب، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين خَرجُوا من دِيَارهمْ﴾ (الْبَقَرَة: ٣٤٢) ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين أُوتُوا نَصِيبا من الْكتاب﴾ (آل عمرَان: ٣٢، النِّسَاء: ٧ و ٤٤) والبوار الْهَلَاك، وَالْفِعْل مِنْهُ: بار يبور، من بَاب: قَالَ يَقُول، قَوْله: قوما بوراً: هالكين، أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿دَار الْبَوَار﴾ والبوار: الْهَلَاك، وَالْفِعْل مِنْهُ بار يبور، نت بَاب قَالَ يَقُول، قوما بوراً هالكين أَن يكون بوراً مصدرا وصف بِهِ الْجمع، وَأَن يكون جمع: بائر.
٠٠٧٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ عنْ عَمْروٍ وعنْ عَطاءٍ سَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ: ﴿ألَمْ تَرَ إِلَى الذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ الله كُفْراً﴾ .
(انْظُر الحَدِيث ٧٧٩٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَقد تقدم فِي غَزْوَة بدر.
٥١ - (سورَةُ الحِجْرِ)
أَي: هَذَا فِي بَيَان تَفْسِير بعض سُورَة الْحجر، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: هِيَ مَكِّيَّة بِإِجْمَاع الْمُفَسّرين، وَيرد عَلَيْهِ بقول الْكَلْبِيّ: أَن فِيهَا آيَة مَدَنِيَّة، وَقَالَ السخاوي: نزلت بعد يُوسُف وَقبل الْأَنْعَام. وَهِي أَلفَانِ وَسَبْعمائة وَسِتُّونَ حرفا، وسِتمِائَة وَأَرْبع وَخَمْسُونَ كلمة، وتسع وَتسْعُونَ آيَة.
﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾
لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي، وَله عَن غَيره بِدُونِ لفظ: تَفْسِير.
﴿وَقَالَ مُجاهِدٌ: صِرَاطٌ عَليَّ مُسْتَقِيمٌ الحَقُّ يَرْجِعُ إِلَى الله وعَلَيْهِ طَرِيقُهُ﴾
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاط على مُسْتَقِيم﴾ (الْحجر: ١٤) مَعْنَاهُ: الْحق يرجع إِلَى الله وَعَلِيهِ طَرِيقه لَا يعرج على شَيْء، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن حجاج بن حَمْزَة عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد،
стр. 5581
وَعَن الْأَخْفَش: مَعْنَاهُ على الدّلَالَة على صِرَاط مُسْتَقِيم، وَعَن الْكسَائي: هَذَا على الْوَعيد والتهديد، كَقَوْلِك للرجل تخاصمه وتهدده: طريقك عَليّ.
وإنّهُما: لَبِإِمامٍ مُبِينٍ: الإِمامُ كلُّ مَا ائْتَمَمْتَ واهْتَدَيْتَ بِهِ: إِلَى الطّرِيقِ
أَشَارَ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فانتقمنا مِنْهُم وإنهما لَبِإِمام مُبين﴾ (الْحجر: ٩٧) سقط هَذَا وَالَّذِي قبله لأبي ذَر إلَاّ عَن الْمُسْتَمْلِي. قَوْله: (وإنهما) يَعْنِي: مَدِينَة قوم لوط ﵇، ومدينة أَصْحَاب الأيكة (لبإمام مُبين) يَعْنِي: بطرِيق وَاضح مستبين، وسمى الطَّرِيق إِمَامًا لِأَنَّهُ يؤتم بِهِ.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ لَعَمْرُكَ لَعَيْشُكَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لعمرك إِنَّهُم لفي سكرتهم يعمهون﴾ (الْحجر: ٢٧) وَفسّر: لعمرك، بقوله: لعيشك، رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه: حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنَا مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَفِي (تَفْسِير الثَّعْلَبِيّ) : لعمرك يَا مُحَمَّد، يَعْنِي: حياتك (أَنهم) أَي: إِن قوم لوط ﵇، (لفي سكرتهم) أَي: ضلالتهم وحيرتهم (يعمهون) أَي: يَتَرَدَّدُونَ، وَعَن مُجَاهِد وَعَن قَتَادَة: يَلْعَبُونَ.
قَوْمٌ مُنْكَرُونَ أنْكَرَهُمْ لُوطٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آل لوط المُرْسَلُونَ قَالَ إِنَّكُم قوم منكرون﴾ (الْحجر: ١٦ ٢٦) لم يثبت هَذَا وَلَا الَّذِي قبله فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَالْمرَاد بِالْمُرْسَلين الْمَلَائِكَة الَّذين جاؤوا أَولا إِلَى إِبْرَاهِيم ﵇، وبشروه بِغُلَام يرزقه الله إِيَّاه على كبره، وَلما سَأَلَهُمْ إِبْرَاهِيم بقوله: ﴿فَمَا خطبكم أَيهَا المُرْسَلُونَ. قَالُوا إِنَّا أرسلنَا إِلَى قوم مجرمين﴾ (الْحجر: ٧٥ ٨٥) أَرَادوا بهم قوم لوط، ثمَّ لما جاؤوا لوطاً أنكرهم فَقَالَ: ﴿إِنَّكُم قوم منكرون﴾ (الْحجر: ٢٦) يَعْنِي: لَا أعرفكُم، وَهُوَ معنى قَوْله: أنكرهم لوط، يَعْنِي: مَا عرفهم، وقصته مَشْهُورَة.
وَقَالَ غَيْرُهُ كِتابٌ مَعْلُومٌ أجَلٌ
أَي: قَالَ غير ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير، قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أهلكنا من قَرْيَة إلَاّ وَلها كتاب مَعْلُوم﴾ (الْحجر: ٤) أَي: أجل، وَفِي التَّفْسِير: أجل موقت قد كتبناه لَهُم لَا نعذبهم وَلَا نهلكم حَتَّى يبلغوه، وَهَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر كَمَا ذكره البُخَارِيّ.
لوْ مَا تأتِينا هَلَاّ تَأْتِينَا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿لَو مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِن كنت من الصَّادِقين﴾ (الْحجر: ٧) وَفسّر قَوْله: (لَو مَا تَأْتِينَا) بقوله: (هلا تَأْتِينَا) وَالْحَاصِل: أَن لَو، هُنَا للتحضيض، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: لَو ركبت مَعَ ماو لَا، لمعنيين: معنى امْتنَاع الشَّيْء لوُجُود غَيره، وَمعنى التحضيض، وَأما هَل فَلم تركب إلَاّ مَعَ، لَا، وَحدهَا للتحضيض، وَالْمعْنَى: هلا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ يشْهدُونَ بصدقك ويعضدونك على إنذارك.
شِيَعٌ أمَمٌ وللأوْلياءِ أيْضاً شِيَعٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿وَلَقَد أرسلنَا من قبلك فِي شيع الْأَوَّلين﴾ (الْحجر: ٠١) وَفسّر قَوْله: شيع، بقوله: أُمَم، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي شيع الْأَوَّلين أَي فِي أُمَم الْأَوَّلين. وَاحِدهَا شيعَة. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: فِيهِ إِضْمَار تَقْدِيره: وَلَقَد أرسلنَا من قبلك رسلًا فِي شيع الْأَوَّلين، وَقَالَ الْحسن: فرق الْأَوَّلين، والشيعة الْفرْقَة والطائفة من النَّاس. قَوْله: (وللأولياء أَيْضا شيع) أَي: لَهُم شيع. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: وَيُقَال ولأولياء الرجل أَيْضا: شيعَة.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ يُهْرَعُونَ مُسْرِعِينَ
هَذَا لَيْسَ من هَذِه السُّورَة، وَإِنَّمَا هُوَ من سُورَة هود، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وجاءه قومه يهرعون إِلَيْهِ وَمن قبل كَانُوا يعْملُونَ السَّيِّئَات﴾ (هود: ٨٧) . وَفسّر ابْن عَبَّاس قَوْله تَعَالَى: ﴿يهرعون﴾ بقوله: مُسْرِعين، وَقد وصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: ﴿وجاءه قومه﴾ أَي: جَاءَ لوطاً قومه، وَقد ذكرنَا قصَّته فِي (تاريخنا الْكَبِير) .
стр. 5582
لِلْمُتَوَسِّمِينَ لِلنَّاظِرِينَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات للمتوسمين﴾ (الْحجر: ٥٧) وَفسّر المتوسمين بقوله: (للناظرين) ، وَيُقَال: للمتفرسين المتأملين، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: حَقِيقَة المتوسمين النظار المتثبتون فِي نظرهم حَتَّى يعرفوا حَقِيقَة سمة الشَّيْء، وَقَالَ قَتَادَة: مَعْنَاهُ للمعتبرين، وَقَالَ مقَاتل: للمتفكرين.
سُكِّرَتْ غُشِّيَتْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا سكرت أبصارنا بل نَحن قوم مسحورون﴾ (الْحجر: ٥١) وَفسّر: (سكرت) ، بقوله: (غشيت) ، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ أَبُو عَمْرو: وَهُوَ مَأْخُوذ من السكر فِي الشَّرَاب، وَعَن ابْن عَبَّاس: سكرت أخذت، وَعَن الْحسن: سكرت، وَعَن الْكَلْبِيّ: أغشيت وأغميت، وَقيل: حبست ومنعت من النّظر.
بُرُوجاً مَنازِلَ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد جعلنَا فِي السَّمَاء بروجاً وزيناها للناظرين﴾ (الْحجر: ٦١) وَفسّر: بروجاً بقوله: (منَازِل للشمس وَالْقَمَر) ، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: بروجاً أَي: قصوراً ومنازل وَهِي كواكب تنزلها الشَّمْس وَالْقَمَر وزحل وَالْمُشْتَرِي والمريخ وَعُطَارِد والزهرة وَالْكَوَاكِب السيارة وأسماؤها: الْحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة وَالْمِيزَان وَالْعَقْرَب والقوس والجدي والدلو والحوت، وَقَالَ مُجَاهِد: أَرَادَ بالبروج النُّجُوم.
لَوَاقِحَ مَلاقِحَ مُلْقِحَةً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاح لَوَاقِح فأنزلنا من السَّمَاء مَاء﴾ (الْحجر: ٢٢) وَفسّر اللواقح بقوله: (ملاقح) ثمَّ أَشَارَ بِأَنَّهُ جمع: ملقحة، وَتَفْسِير اللواقح بالملاقح نَادِر، وَإِنَّمَا يُقَال: ريَاح لَوَاقِح، وَلَا يُقَال: ملاقح، قَالَ الْجَوْهَرِي: وَهُوَ من النَّوَادِر، وَيُقَال: ألقح الْفَحْل النَّاقة وألقح الرّيح السَّحَاب، وَقَالَ ابْن مَسْعُود: فِي هَذِه الْآيَة يُرْسل الله تَعَالَى الرّيح فَتحمل المَاء فتمر بالسحاب فتدر كَمَا تدر الملقحة ثمَّ تمطر، وَقَالَ الْفراء: أَرَادَ بقوله: لَوَاقِح ذَات لقح، كَقَوْل الْعَرَب: رجلٌ لابنٌ ورامخٌ وتامرٌ.
حَمأٍ جَمَاعَةُ حَمْأَةٍ وهْوَ الطِّينُ المُتَغَيِّرُ والمَسْنُونُ المَصْبُوبُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون﴾ (الْحجر: ٣٣) وَذكر أَن: حمأ، جمع حمأ ثمَّ فَسرهَا بالطين الْمُتَغَيّر، وَفسّر الْمسنون بقوله: المصبوب، وَهَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَعَن ابْن عَبَّاس: الْمسنون التُّرَاب المبتل المنتن وَأَصله من قَول الْعَرَب: سننت الْحجر على الْحجر إِذا صللته بِهِ، وَمَا يخرج من بَين الحجرين، يُقَال لَهُ: السنين والسنانة، وَمِنْه: المسن. قَوْله: ﴿من صلصال﴾ وَهُوَ الطين الْيَابِس إِذا نقرته سَمِعت لَهُ صلصلة أَي: صَوتا من يبسه قبل أَن تمسه النَّار، فَإِذا مسته النَّار فَهُوَ: فخار، وَعَن مُجَاهِد: هُوَ الطين المنتن، وَاخْتَارَهُ الْكسَائي من: صل اللَّحْم وأصلّ: إِذا أنتن.
تَوْجَلْ تَخَفْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا لَا توجل إِنَّا نبشرك بِغُلَام عليم﴾ (الْحجر: ٣٥) وَفسّر: توجل، بقوله: (تخف) وَأَصله لَا توجل، وَتَفْسِيره: لَا تخف، واشتقاقه من الوجل وَهُوَ الْخَوْف. قَوْله: (قَالُوا) أَي: قَالَت الْمَلَائِكَة لإِبْرَاهِيم ﵇ ﴿لَا توجل﴾ . إِنَّمَا قَالُوا ذَلِك حِين دخلُوا على إِبْرَاهِيم، قَالَ إِبْرَاهِيم ﵇: ﴿إِنَّا مِنْكُم وجلون﴾ أَي: خائفون، ثمَّ يشروه بِغُلَام أَتَاهُ إِيَّاه على كبره وَكبر امْرَأَته وَأَرَادَ بالغلام إِسْحَاق. قَوْله: (عليم) ، أَي: عليم بِالدّينِ، وَقيل: بالحكمة، وَهَذَا الَّذِي ذكره البُخَارِيّ لم يثبت فِي رِوَايَة أبي ذَر.
﴿دابِرَ آخِرَ﴾
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وقضينا إِلَيْهِ ذَلِك الْأَمْرَانِ دابر هَؤُلَاءِ مَقْطُوع مصبحين﴾ (الْحجر: ٦٦) وَفسّر: دابر، بقوله: (آخر) ، وَهَذَا أَيْضا لم يثبت فِي رِوَايَة أبي ذَر. قَوْله: (وقضينا إِلَيْهِ) أَي: أَوْحَينَا إِلَى لوط ﵇، (بِأَن دابر هَؤُلَاءِ) ، أَي: قومه مَقْطُوع أَي: مستأصل. قَوْله: (مصبحين) أَي: حَال كَونهم فِي الصُّبْح.
الصَّيْحَةُ الهَلَكةُ
стр. 5583
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَخَذتهم الصَّيْحَة مشرقين﴾ (الْحجر: ٣٧) وَفسّر الصَّيْحَة بالهلكة، وَهَكَذَا فَسرهَا أَبُو عُبَيْدَة. قَوْله: (مشرقين) أَي: حِين أشرقت الشَّمْس عَلَيْهِم وهم قوم لوط ﵇.
١ - (بابٌ: ﴿إلَاّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ (الْحجر: ٨١)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إلَاّ من اسْترق السّمع﴾ وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ: بَاب، وأوله: ﴿وحفظنا من كل شَيْطَان رجيم إلَاّ من اسْترق السّمع﴾ الْآيَة. قَوْله: (وحفظناها) أَي: السَّمَاء بِالشُّهُبِ ﴿من كل شَيْطَان رجيم﴾ أَي: مرجوم مبعد. قَوْله: ﴿إِلَّا من اسْترق السّمع﴾ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، أَي: لَكِن من اسْترق السّمع، وَعَن ابْن عَبَّاس: إِنَّهُم كَانُوا لَا يحجبون عَن السَّمَوَات، فَلَمَّا ولد عِيسَى ﵇، منعُوا من ثَلَاث سموات، فَلَمَّا ولد نَبينَا مُحَمَّد ﷺ ، منعُوا من السَّمَوَات أجمع فَمَا مِنْهُم من أحد يُرِيد استراق السّمع إلَاّ رمى (بشهاب مُبين) ، أَي: بِنَار بَين، والشهاب فِي اللُّغَة: النَّار الساطعة.
١٠٧٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ عنْ عَمْروٍ عنْ عِكْرِمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ يَبْلُغُ بِهِ النبيَّ ﷺ قَالَ إذَا قَضَي الله الأمْرَ فِي السَّماءِ ضَرَبَتِ المَلَائِكَةُ بأجْنِحَتِها خُضْعاناً لِقَوْلِهِ كالسِّلْسِلَةِ عَلَى صَفْوانٍ قالَ عَلِيٌّ وَقَالَ غَيْرُهُ صَفَوَانٍ يَنْفُذُهُمْ ذالِكَ فإِذَا فُزِّعَ عنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذَا قَالَ رَبُّكُمْ قالُوا لِلَّذِي قَالَ الحَقَّ وهْوَ العَلِيُّ الكبِيرُ فيَسْمَعُها مُسْتَرِقو السَّمْع ومُسْترِقو السَّمْعِ هاكَذَا واحِدٌ فَوْقَ آخَرَ وَوَصَفَ سُفْيانُ بِيَدِهِ وفَرَّجَ بَيْنَ أصابِعِ يَدِهِ اليُمْنَى نَصَبَها بَعْضَها فَوْقَ بَعْضٍ فرُبَّما أدْرَكَ الشِّهابُ المُسْتَمعَ قبْلَ أنْ يَرْمِيَ بِها إِلَى صاحبِهِ فَيُحْرِقُهُ ورُبَّما لَمْ يُدْرِكْهُ حَتَّى يَرْمِيَ بهَا إِلَى الَّذِي يَلِيهِ إِلَى الذِي هُوَ أسْفَلُ مِنْهُ حَتَّى يُلْقُوها إِلَى الأرْضِ ورُبَّما قَالَ سُفْيانُ حَتَّى تَنْتَهي إِلَى الأرْض فتُلْقَى عَلَى فَمِ السَّاحِرِ فيَكْذِبُ مَعَها مائَةَ كَذْبَةٍ فيَصْدُقُ فيَقُولونَ ألمْ يُخْبِرْنا يَوْمَ كَذَا وكَذَا يَكُونُ كَذَا وكَذَا فَوَجَدْناهُ حقًّا لِلْكَلِمَةِ الَّتي سُمِعَتْ مِنَ السَّماءِ.
(مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَعِكْرِمَة هُوَ مولى ابْن عَبَّاس.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن الْحميدِي فِي التَّفْسِير وَفِي التَّوْحِيد أَيْضا عَن عَليّ بن عبد الله. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحُرُوف عَن أَحْمد بن عَبدة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن يحيى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي التَّفْسِير عَن يَعْقُوب بن حميد بن كاسب، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: رَوَاهُ عَليّ بن حَرْب عَن سُفْيَان فَوَقفهُ، وَرَوَاهُ أَيْضا عَن إِسْحَاق بن عبد الْوَاحِد عَن ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: هَذَا غلط فِي ذكره ابْن عَبَّاس بِأَن جمَاعَة رَوَوْهُ عَن سُفْيَان، فَقَالُوا: عَن عِكْرِمَة حَدثنَا أَبُو هُرَيْرَة.
قَوْله: (يبلغ بِهِ النَّبِي ﷺ ، وَلم يقل صَرِيحًا: سَمِعت رَسُول الله ﷺ لاحْتِمَال الْوَاسِطَة أَو شَيْء من كَيْفيَّة الْبَلَاغ. قَوْله: (إِذا قضى الله) ، أَي: إِذا حكم الله ، بِأَمْر من الْأُمُور وَالْقَضَاء فصل الْأَمر سَوَاء كَانَ بقول أَو فعل، وَهَذَا بِمَعْنى التَّقْدِير، وَيَجِيء بِمَعْنى الْخلق كَمَا فِي قَوْله ﵇: لما قضى الله، أَي: لما خلقه. قَوْله: (ضربت الْمَلَائِكَة) أَي: مَلَائِكَة السَّمَاء بأجنحتها. قَوْله: (خضعانا) ، بِضَم الْخَاء مصدر من خضع نَحْو غفر غفراناً، وَيُقَال: خضع يخضع خضوعاً وخضعاناً وَهُوَ الانقياد وَالطَّاعَة، ويروى بِكَسْر الْخَاء كالوحدان، وَيجوز أَن يكون جمع خاضع، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَي خاضعين، وَقَالَ شيخ شَيخنَا الطَّيِّبِيّ، إِذا كَانَ خضعاناً جمعا كَانَ حَالا، وَإِذا كَانَ مصدرا يجوز أَن يكون مَفْعُولا مُطلقًا لما فِي ضرب الأجنحة من معنى الخضوع أَو مَفْعُولا لَهُ، وَذَلِكَ لِأَن الطَّائِر إِذْ استشعر خوفًا أرْخى جناحيه مرتعداً. قَوْله: (لقَوْله) ، أَي: لقَوْل الله، . قَوْله: (كالسلسلة على الصفوان) ، تَشْبِيه القَوْل المسموع بالسلسلة على الصفوان كَمَا شبه فِي بَدْء الْوَحْي بقوله: كصلصلة الجرس، وَهُوَ صَوت الْملك بِالْوَحْي، والصفوان: الْحجر الأملس، وَقَالَ الْخطابِيّ: الصلصلة
стр. 5584
صَوت الْحَدِيد إِذا تحرّك وتداخل وَكَأن الرِّوَايَة وَقعت لَهُ هُنَا بالصَّاد، أَو أَرَادَ أَن التَّشْبِيه فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِمَعْنى وَاحِد. قَوْله: (قَالَ عَليّ) هُوَ: عَليّ بن عبد الله شَيْخه. قَوْله: (وَقَالَ غَيره) ، أَي: غير سُفْيَان الرَّاوِي الْمَذْكُور (ينفذهم ذَلِك) وَهَذِه اللَّفْظَة هِيَ زِيَادَة غير سُفْيَان أَي: ينفذ الله إِلَى الْمَلَائِكَة ذَلِك القَوْل، وَرُوِيَ: ينفذ ذَلِك، أَي: ينفذ الله ذَلِك الْأَمر، والصفوان تِلْكَ السلسلة أَي: صَوتهَا، وَفِي تَفْسِير ابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث ابْن مَسْعُود رَفعه: إِذا تكلم الله بِالْوَحْي سمع أهل السَّمَوَات صلصلة أَي: كصلصلة السلسلة على الصفوان فيفزعون ويرون أَنه من أَمر السَّاعَة، وَقَرَأَ: ﴿حَتَّى إِذا فزع﴾ (سبإ: ٣٢) الْآيَة. وأصل الحَدِيث عِنْد أبي دَاوُد. قَوْله: (فَإِذا فزع) أَي: فَإِذا أزيل الْخَوْف عَن قُلُوبهم، وَزَوَال الْفَزع هُنَا بعد سماعهم القَوْل كالفصم عَن رَسُول الله ﷺ بعد سَماع الْوَحْي. قَوْله: (مَاذَا قَالَ ربكُم) أَي: قَالَت الْمَلَائِكَة: أَي شَيْء قَالَ ربكُم؟ قَوْله: (قَالُوا) ، الْقَائِلُونَ هم المجيبون وهم الْمَلَائِكَة المقربون كجبريل وَمِيكَائِيل وَغَيرهمَا، على مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن مَسْعُود، قَالَ: إِذا تكلم الله بِالْوَحْي سمع أهل السَّمَاء صلصلة كجر السلسلة على الصفوان، فيصعقون فَلَا يزالون كَذَلِك حَتَّى يَأْتِيهم جِبْرِيل ﵇، فَإِذا جَاءَ جِبْرِيل فزع عَن قُلُوبهم فَيَقُولُونَ: يَا جِبْرِيل! مَاذَا قَالَ ربكُم؟ فَيَقُول: الْحق، فَيَقُولُونَ: الْحق الْحق. قَوْله: (الَّذِي قَالَ) ، أَي: الَّذِي قَالُوا: الْحق لأجل مَا قَالَ الله وَالْمعْنَى أَنهم عبروا عَن قَول الله وَمَا قَضَاهُ وَقدره بِلَفْظ الْحق. قَوْله: (الْحق) ، مَنْصُوب على أَنه صفة مصدر مَحْذُوف تَقْدِيره: قَالَ الله القَوْل الْحق، وَيحْتَمل الرّفْع على تَقْدِير: قَالَ المجيبون: قَوْله الْحق، هَكَذَا قدر الزَّمَخْشَرِيّ فِي سُورَة سبأ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَاذَا أنزل ربكُم قَالُوا الْحق﴾ (سبإ: ٣٢) بِالرَّفْع، وَالْقَوْل يجوز أَن يُرَاد بِهِ كلمة: كن، وَإِن يُرَاد بِالْحَقِّ مَا يُقَابل الْبَاطِل، وَيجوز أَن يُرَاد بِهِ القَوْل المسطور فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ، فَالْحق بِمَعْنى الثَّابِت فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ. قَوْله: (فيسمعها) أَي: يسمع تِلْكَ الْكَلِمَة وَهِي القَوْل الَّذِي قَالَ الله ، (ومسترقو السّمع) فَاعله وَأَصله: مسترقون للسمع، فَلَمَّا أضيف حذفت النُّون، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (فيسمعها مسترق السّمع) ، بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: (ومسترقو السّمع) مُبْتَدأ وَخَبره هُوَ قَوْله: هَكَذَا، ثمَّ فسره بقوله: هَكَذَا وَاحِد فَوق آخر، (وَوصف سُفْيَان) إِلَى قَوْله: (فَوق بعض) من الْوَصْف، وَهُوَ بَيَان كَيْفيَّة المستمعين بركوب بَعضهم على بعض، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وصف، بتَشْديد الْفَاء، ويروى: وَوصف. قَوْله: (بِيَدِهِ) ، ويروى بكفه، أَي: بيَّن ركُوب بَعضهم فَوق بعض بأصابعه، قَوْله: (بَعْضهَا فَوق بعض) توضيح أَو بدل وَفِيه معنى التَّشْبِيه، أَي: مسترقو السّمع بَعضهم رَاكب بَعضهم مُردفِينَ ركُوب أصابعي هَذِه بَعْضهَا فَوق بعض. قَوْله: (وَوصف سُفْيَان) إِلَى آخِره، كَلَام معترض بَين الْكَلَامَيْنِ. قَوْله: (فَرُبمَا أدْرك الشهَاب المستمع) قد مر أَن الشهَاب هُوَ النَّار، وَقيل: هُوَ كواكب تضيء، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّا زينا السَّمَاء الدُّنْيَا بزينة الْكَوَاكِب وحفظاً من كل شَيْطَان مارد﴾ (الصافات: ٦) وسمى شهاباً لبريقه وَشبهه بالنَّار، وَقيل: الشهَاب شعلة نَار، وَاخْتلفُوا فِي أَنه يقتل أم لَا، فَعَن ابْن عَبَّاس أَنه يجرح وَيحرق وَلَا يقتل، وَقَالَ الْحسن وَغَيره: يقتل. قَوْله: (إِلَى الَّذِي هُوَ أَسْفَل مِنْهُ) ، بدل عَن قَوْله: إِلَى الَّذِي يَلِيهِ. قَوْله: (وَرُبمَا قَالَ سُفْيَان: حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى الأَرْض) أَيْضا معترض. قَوْله: (فَتلقى) ، أَي الْكَلِمَة الَّتِي يسترقها المستمع. قَوْله: (على فَم السَّاحر) أَي: المنجم، وَفِي الحَدِيث: (المنجم سَاحر) ، وَفِي رِوَايَة سُورَة سبأ: (على لِسَان السَّاحر أَو الكاهن) ، وَفِي رِوَايَة سعيد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان: (على السَّاحر أَو الكاهن) . قَوْله: (فيكذب مَعهَا) ، أَي: فيكذب السَّاحر مَعَ تِلْكَ الْكَلِمَة الملقاة على فَمه. قَوْله: (فَيصدق) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: فَيصدق السَّاحر فِي كذباته. قَوْله: (فَيَقُولُونَ) أَي: السامعون مِنْهُ: (ألم يخبرنا السَّاحر يَوْم كَذَا وَكَذَا) ، وَهُوَ بِضَم الْيَاء من الْإِخْبَار قَوْله: (كَذَا) ، كِنَايَة عَن الخرافات الَّتِي يذكرهَا السَّاحر. قَوْله: (فوجدناه) ، الضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى مَا أخبر بِهِ السَّاحر. قَوْله: (للكلمة الَّتِي) أَي: لأجل الْكَلِمَة الَّتِي سَمِعت من السَّمَاء جعلُوا كل أخباره حَقًا.
حدَّثنا عليُّ بنُ عبْدِ الله حدَّثنا سُفْيانُ حدَّثنا عَمْروٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ إذَا قَضَى الله الأمْرَ وزادَ والْكاهِنِ.
هَذَا بِعَيْنِه هُوَ الْإِسْنَاد الْمَاضِي وَلكنه مَوْقُوف فِي معنى الْمَرْفُوع، وَزَاد عَليّ فِيهِ لفظ الكاهن على السَّاحر.
стр. 5585
وَحدثنَا سُفْيانُ فَقَالَ قَالَ عَمْروٌ سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ حدَّثنا أبُو هُرَيْرَةَ قَالَ إذَا قَضَى الله الأمْرَ وَقَالَ عَلَى فَمِ السَّاحِرِ قُلْتُ لِسُفْيانَ أأنْتَ سَمِعْتَ عَمْراً قَالَ سَمِعْتُ عِكْرَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ لِسُفْيَانَ إنَّ إنْساناً رَوَى عَنْكَ عَنْ عَمْروٍ عنْ عِكْرِمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ وَيَرْفَعُهُ أنَّهُ قَرَأَ فُرِّغَ قَالَ سُفْيانُ هاكَذَا قَرَأ عَمْروٌ فَلَا أدْرِي سَمِعَهُ هَكَذَا أمْ لَا قَالَ سُفْيانُ وهْيَ قِرَاءَتُنا.
أَي: قَالَ عَليّ بن عبد الله: وَحدثنَا سُفْيَان أَيْضا الخ، وَهَذَا السَّنَد فِيهِ التَّصْرِيح بِالتَّحْدِيثِ وبالسماع. قَوْله: (قلت لِسُفْيَان) الْقَائِل هُوَ عَليّ بن عبد الله. قَوْله: (وَيَرْفَعهُ) أَي: وَيرْفَع أَبُو هُرَيْرَة الحَدِيث إِلَى النَّبِي ﷺ . قَوْله: (قَرَأَ فرغ) ، بِضَم الْفَاء وَتَشْديد الرَّاء مَكْسُورَة وبالغين الْمُعْجَمَة، قَالَ سُفْيَان: هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَهَكَذَا قَرَأَ عَمْرو بن دِينَار، وَهَذِه الْقِرَاءَة رويت أَيْضا عَن الْحسن وَقَتَادَة وَمُجاهد، وَالْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة بالزاي وَالْعين الْمُهْملَة، وَقَرَأَ ابْن عَامر بِفَتْح الْفَاء وَالرَّاء وبالغين الْمُعْجَمَة من قَوْلهم: فرغ الزَّاد إِذا لم يبْق مِنْهُ شَيْء، وَقَالَ الْكرْمَانِي: كَيفَ جَازَت الْقِرَاءَة إِذا لم تكن مسموعة؟ قلت: لَعَلَّ مذْهبه جَوَاز الْقِرَاءَة بِدُونِ السماع إِذا كَانَ الْمَعْنى صَحِيحا.
٢ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الْحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ (الْحجر: ٠٨)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَلَقَد كذب أَصْحَاب الْحجر﴾ أَي: الْوَادي، وَهِي مَدِينَة ثَمُود قوم صَالح وَهِي فِيمَا بَين الْمَدِينَة وَالشَّام، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: أَرَادَ بِالْمُرْسَلين صَالحا وَحده، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: لِأَن من كذب وَاحِدًا مِنْهُم فَكَأَنَّمَا كذبهمْ جَمِيعًا، أَو أَرَادَ صَالحا وَمن مَعَه من الْمُؤمنِينَ، كَمَا قيل: الخبيبيون فِي ابْن الزبير وَأَصْحَابه. قلت: التنظير فِيهِ نظر لِأَن من كَانَ مَعَ صَالح من الْمُؤمنِينَ لم يَكُونُوا رسلًا وَإِنَّمَا كَانُوا أمته.
٢٠٧٤ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ حدَّثنا مَعْنٌ قَالَ حَدثنِي مالِكٌ عنْ عبْدِ الله بنِ دِينارٍ عنْ عبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ لأصْحابِ الْحِجْرِ لَا تَدْخُلُوا عَلَى هاؤُلَاءِ القَوْمِ إلاّ أنْ تَكُونُوا باكِينَ فإِنْ لَمْ تَكُونُوا باكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ أنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أصابَهُمْ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، ومعن هُوَ أَبُو عِيسَى بن يحيى الْقَزاز الْمدنِي.
والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الصَّلَاة فِي مَوَاضِع الْخَسْف فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله عَن مَالك الخ، وَهَذَا أَعلَى بِدَرَجَة لِأَن بَينه وَبَين مَالك هُنَاكَ وَاحِد وَهَهُنَا إثنان.
قَوْله (لأَصْحَاب الْحجر) أَي: لأَصْحَاب رَسُول الله ﷺ الَّذين قدمُوا الْحجر. قَوْله: (هَؤُلَاءِ الْقَوْم) ، أَي: على مَنَازِلهمْ. قَوْله: (بَاكِينَ) ، من الْبكاء، وَذكر ابْن التِّين عَن الشَّيْخ أبي الْحسن: بائين، بِهَمْزَة بدل الْكَاف، ثمَّ قَالَ: وَلَا وَجه لذَلِك. قَوْله: (أَن يُصِيبكُم) ، أَي: أَن لَا يُصِيبكُم، أَو: كَرَاهَة أَن يُصِيبكُم.
٣ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ المَثانِي والْقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ (الْحجر: ٧٨)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني﴾ أَي: فَاتِحَة الْكتاب، وَهُوَ قَول عمر وَعلي وَابْن مَسْعُود وَالْحسن وَمُجاهد وَقَتَادَة وَالربيع والكلبي، ويروى ذَلِك مَرْفُوعا، كَمَا يَجِيء عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَسميت بذلك لِأَن أهل السَّمَاء يصلونَ بهَا كَمَا يُصَلِّي أهل الأَرْض، وَقيل: لِأَن حروفها وكلماتها مثناة مثل: الرَّحْمَن الرَّحِيم، إياك وَإِيَّاك، والصراط والصراط، وَعَلَيْهِم وَعَلَيْهِم، وَغير وَغير فِي قِرَاءَة عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَقَالَ الْحُسَيْن بن الْمفضل: لِأَنَّهَا نزلت مرَّتَيْنِ مَعَ كل مرّة مِنْهَا سَبْعُونَ ألف ملك، مرّة بِمَكَّة من أَوَائِل مَا أنزل من الْقُرْآن، وَمرَّة بِالْمَدِينَةِ، وَالسَّبَب فِيهِ أَن سبع قوافل وافت من بصرى وَأَذْرعَات ليهود من بني قُرَيْظَة وَالنضير فِي يَوْم وَاحِد، وفيهَا أَنْوَاع من الْبرد وأفانين الطّيب والجواهر وأمتعة
стр. 5586
الْبَحْر، فَقَالَ الْمُسلمُونَ: لَو كَانَت هَذِه الْأَمْوَال لنا لتقوينا بهَا ولأنفقناها فِي سَبِيل الله تَعَالَى، فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة: ﴿وَلَقَد آتيناك سبعا﴾ (الْحجر: ٧٨) أَي: سبع آيَات خير لَك من هَذِه السَّبع القوافل، وَدَلِيل هَذَا قَوْله فِي عَقبهَا: ﴿لَا تَمُدَّن عَيْنَيْك﴾ (الْحجر: ٨٨) الْآيَة، وَقيل: لِأَنَّهَا مصدرة بِالْحَمْد، وَالْحَمْد أول كلمة تكلم بهَا آدم ﵇، حِين عطس، وَهِي آخر كَلَام أهل الْجنَّة من ذُريَّته، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَآخر دَعوَاهُم أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ (يُونُس: ٠١) وَقَالَ قوم: إِن السَّبع المثاني هِيَ السَّبع الطوَال، وَهِي: الْبَقَرَة وَآل عمرَان وَالنِّسَاء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال وَالتَّوْبَة مَعًا، وهما سُورَة وَاحِدَة، وَلِهَذَا لم تكْتب بَينهمَا بَسْمَلَة، وَهُوَ قَول ابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن جُبَير وَالضَّحَّاك، وَعَن ابْن عَبَّاس: إِنَّمَا سميت الطوَال مثاني لِأَن الْفَرَائِض وَالْحُدُود والأمثال وَالْخَبَر والعبر ثبتَتْ فِيهَا، وَعَن طَاوُوس وَابْن مَالك: الْقُرْآن كُله مثاني لِأَن الأنباء والقصص ثبتَتْ فِيهِ، فعلى هَذَا القَوْل المُرَاد بالسبع سَبْعَة أَسْبَاع الْقُرْآن، وَيكون فِيهِ إِضْمَار تَقْدِيره: وَهُوَ الْقُرْآن الْعَظِيم. قيل: الْوَاو، فِيهِ مقحمة مجازه. ﴿وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم﴾ ، وَقيل: دخلت الْوَاو لاخْتِلَاف اللَّفْظَيْنِ، وعَلى القَوْل الأول يكون الْعَطف فِي قَوْله: ﴿وَالْقُرْآن الْعَظِيم﴾ من عطف الْعَام على الْخَاص.
٣٠٧٤ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّار حَدثنَا غُنْدَرٌ حَدثنَا شُعْبَة عنْ خُبَيْبِ بنِ عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ حَفْصِ بنِ عاصِمٍ عنْ أبي سَعِيدِ بنِ المَعَلَّى قالَ مَرَّ بِيَ النبيُّ ﷺ وَأَنا أُصَلِّي فَدَاعاني فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ ثُمَّ أتَيْتُ فَقَالَ مَا مَنَعَكَ أنْ تأتِيَ فقُلْتُ كُنْتُ أُصَلِّي فَقَالَ ألَمْ يَقُلِ الله يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لله ولِلرَّسولِ ثُمَّ قَالَ أَلا أعَلِّمُكَ أعْظم سورَةٍ فِي القُرْآنِ قَبْلَ أنْ أخْرُجَ مِن المَسْجِدِ فَذَهَبَ النبيُّ ﷺ لِيَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ فَذَكّرْتُهُ فَقَالَ الحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ المَثاني والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أوتِيتُهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن بشار، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة، وغندر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون: لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَقد تكَرر ذكره، وخبيب، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره بَاء أُخْرَى: أَبُو الْحَارِث الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، وَحَفْص بن عَاصِم ابْن عمر بن الْخطاب ﵃، وَأَبُو سعيد بن الْمُعَلَّى من التعلية بِلَفْظ اسْم الْمَفْعُول واسْمه الْحَارِث أَو رَافع أَو أَوْس الْأنْصَارِيّ. والْحَدِيث قد مر فِي أول التَّفْسِير فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي فَاتِحَة الْكتاب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن شُعْبَة. الخ، وَقد مر الْكَلَام فَهِيَ هُنَاكَ.
٤٠٧٤ - حدَّثنا آدَمُ حدّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ حدَّثَنا سعِيدٌ المَقْبِرِيُّ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ أُمُّ القُرْآنِ هِيَ السَّبْعُ المَثاني والقُرْآنُ العَظِيمُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس وَابْن أبي ذِئْب، بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة: باسم الْحَيَوَان الْمَشْهُور، واسْمه مُحَمَّد ابْن عبد الرَّحْمَن العامري الْمدنِي، وَسَعِيد هُوَ ابْن أبي سعيد المَقْبُري، وَاسم أبي سعيد كيسَان.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن أَحْمد بن أبي شُعَيْب الْحَرَّانِي. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن عبد بن حميد.
قَوْله: (أم الْقُرْآن) ، كَلَام إضافي مُبْتَدأ. قَوْله: (هِيَ السَّبع المثاني) ، جملَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر خَبره: والسبع المثاني هِيَ الْفَاتِحَة، وَإِنَّمَا سميت أم الْقُرْآن لاشتمالها على الْمعَانِي الَّتِي فِي الْقُرْآن من الثَّنَاء على الله تَعَالَى، وَمن التَّعَبُّد بِالْأَمر وَالنَّهْي وَمن الْوَعْد والوعيد، أَو لما فِيهَا من الْأُصُول الثَّلَاثَة: المبدأ والمعاش والمعاد، وَفِيه الرَّد على ابْن سِيرِين فِي قَوْله: لَا تَقولُوا أم الْقُرْآن إِنَّمَا هِيَ فَاتِحَة الْكتاب، وَأم الْكتاب هُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ. وَقَوله: (الْقُرْآن الْعَظِيم) عطف على: أم الْقُرْآن، وَلَيْسَ بعطف على: السَّبع المثاني، لعدم صِحَة الْعَطف على مَا لَا يخفى، وَهُوَ مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره وَالْقُرْآن الْعَظِيم مَا عَداهَا، هَكَذَا ذكره بَعضهم وَلَيْسَ بِصَحِيح. قَوْله: (وَالْقُرْآن الْعَظِيم) هُوَ الَّذِي أعطيتموه.
стр. 5587
٤ - (بابُ: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عضِينَ﴾ (الْحجر: ١٩)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿الَّذين جعلُوا الْقُرْآن عضين﴾ وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب وَقَبله: ﴿وَقل إِنِّي أَنا النذير الْمُبين كَمَا أنزلنَا على المقتسمين الَّذين جعلُوا الْقُرْآن عضين﴾ (الْحجر: ٩٨ ١٩) . قَوْله: (وَقل) ، أَي: قل يَا مُحَمَّد إِنِّي أَنا النذير الْمُبين عذَابا كَمَا أنزلنَا على المقتسمين، فَحذف الْمَفْعُول فَهُوَ الْمُشبه وَدلّ عَلَيْهِ الْمُشبه بِهِ، كَمَا تَقول: أرتيك الْقَمَر فِي الْحسن أَي: رجلا كَالْقَمَرِ، وَقيل: الْكَاف زَائِدَة، أَي: أَنْذَرْتُكُمْ مَا أنزلنَا بالمقتسمين، وَقيل: مُتَعَلق بقوله: ﴿وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني﴾ (الْحجر: ٧٨) ﴿كَمَا أنزلنَا على المقتسمين﴾ (الْحجر: ٠٩) والآن يَجِيء تَفْسِير المقتسمين. قَوْله: (الَّذين جعلُوا الْقُرْآن) صفة للمقتسمين، قَوْله: (عضين) أَي: أَعْضَاء مُتَفَرِّقَة، من عضيت الشَّيْء، أَي: فرقته، وَقيل: هُوَ جمع عضة وَأَصلهَا عضوة فعلة من عضى الشَّاة إِذا جعلهَا أَعْضَاء أَي: جزَّأها أَجزَاء، وَقيل: أَصْلهَا عضهة فحذفت الْهَاء الْأَصْلِيَّة كَمَا حذفت من الشّفة وَأَصلهَا شفهة وَمن الشَّاة وَأَصلهَا شاهة، وَبعد الْحَذف جمع على عضين مثل مَا جمع برة على برين وكرة على كرين وَقلة على قلين، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق قَتَادَة، قَالَ: عضين عضوه وبهتوه، وَمن طَرِيق عِكْرِمَة، قَالَ: العضة السحر بِلِسَان قُرَيْش، يُقَال لِلسَّاحِرَةِ العاضهة.
المُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ حَلَفُوا
إِنَّمَا سموا بذلك لأَنهم كَانُوا يستهزئون بِالْقُرْآنِ فَيَقُول بَعضهم: السُّورَة مِنْهُ لي، وَيَقُول الآخر: السُّورَة مِنْهُ لي، وَقَالَ مُجَاهِد: فرقوا كتبهمْ فَآمن بَعضهم بِبَعْضِهَا وَكفر بَعْضهَا آخَرُونَ، وَقيل: هم قوم اقتسموا الْقُرْآن، فَقَالَ بَعضهم: سحر، وَقَالَ آخَرُونَ: شعر، وَقَالَ آخَرُونَ: أساطير الْأَوَّلين، وَقَالَ آخَرُونَ: كذب وَسمر، وَقَالَ مقَاتل: كَانُوا سِتَّة عشر رجلا بَعثهمْ الْوَلِيد بن الْمُغيرَة أَيَّام الْمَوْسِم فاقتسموا عقار مَكَّة وطرقها وقعدوا على أَبْوَابهَا وأنقابها، فَإِذا جَاءَ الْحَاج قَالَ فريق مِنْهُم: لَا تغتروا بالخارج منا مدعي النُّبُوَّة فَإِنَّهُ مَجْنُون، وَقَالَت طَائِفَة على طَرِيق آخر: إِنَّه كَاهِن، وَقَالَت طَائِفَة: إِنَّه عراف، وَقَالَت طَائِفَة: إِنَّه شَاعِر، والوليد قَاعد على بَاب الْمَسْجِد نصبوه كَاهِنًا، فَإِذا سُئِلَ عَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: صدق أُولَئِكَ، يَعْنِي المقتسمين، وأهلكهم الله يَوْم بدر وَقَبله بآفات.
ومنْهُ لَا أُقْسِمُ أيْ أُقْسِمُ وتُقْرَأُ لأُقْسِمُ
أَي: وَمن معنى المقتسمين: لَا أقسم، وَأَشَارَ بذلك إِلَى أَن معنى المقتسمين من الْقسم، فَلذَلِك قَالَ: المقتسمين الَّذين حلفوا، وَلَيْسَ الْأَمر كَمَا ذكره، بل هُوَ من الاقتسام لَا من الْقسم فَلَا يَصح جعل لَا أقسم مِنْهُ. قَوْله: (أَي أقسم) أَي: معنى: لَا أقسم، أقسم لِأَن كلمة: لَا، مقحمة، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا أقسم بِيَوْم الْقِيَامَة﴾ (الْقِيَامَة: ١) مجازها: أقسم بِيَوْم الْقِيَامَة، وَقيل: كلمة: لَا، على بَابهَا، وَالْمعْنَى: لَا أقسم بِكَذَا وَكَذَا بل بِكَذَا، وَقيل: مَعْنَاهُ لَيْسَ الْأَمر كَمَا زعمتم. قَوْله: (وتقرأ) على صِيغَة الْمَجْهُول، والقارىء بهَا ابْن كثير: لأقسم، بِفَتْح اللَّام بِغَيْر مدو هُوَ لَام التَّأْكِيد، وَقيل: لَام الْقسم.
قاسَمَهُما حَلَفَ لَهُما ولَمْ يَحْلِفا لهُ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن بَاب المفاعلة هُنَا لَيْسَ على أَصله، وَإِنَّمَا هُوَ على معنى: فعل، لَا للمشاركة، وَهَذَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وقاسمهما إِنِّي لَكمَا لمن الناصحين﴾ (الْأَعْرَاف: ١٢) أَي: قَاسم إِبْلِيس آدم وحواء عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَمَعْنَاهُ: حلف لَهما أَنه من الناصحين لَهما، فِي قَوْله: ﴿مَا نهاكما عَن هَذِه الشَّجَرَة﴾ (الْأَعْرَاف: ٠٢)
الْآيَة. قَوْله: (وَلم يحلفا لَهُ) ، أَي: لم يحلف آدم وحواء لإبليس، وَبِهَذَا أَشَارَ إِلَى عدم الْمُشَاركَة فِي قَوْله: وقاسمهما، كَمَا ذَكرْنَاهُ.
وَقَالَ مُجاهِدٌ تَقاسَمُوا تَحالَفُوا
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿تقاسموا بِاللَّه لنبيتنه وَأَهله﴾ (النَّمْل: ٩٤) أَي: تحالفوا، وَكَذَا أخرجه الْفرْيَابِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَنهُ، وَمرَاده من ذكر هَذَا وَالَّذِي قبله تَقْوِيَة مَا ذهب إِلَيْهِ من أَن لفظ المقتسمين من الْقسم لَا من الْقِسْمَة، وَهُوَ خلاف مَا ذكره الْجُمْهُور من الْمُفَسّرين.
стр. 5588
٥٠٧٤ - حدَّثني يَعْقُوبُ بنُ إبرَاهِيمَ حَدثنَا هُشَيْمٌ أخبرنَا أبُو بِشْرٍ عنْ سعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبّاسٍ ﵄ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ قَالَ هُمْ أهْلُ الكِتابِ جَزَّوهُ أجْزاءً فآمَنُوا بِبَعْضِهِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ.
(انْظُر الحَدِيث ٥٤٩٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وهثيم مصغر الهشيم ابْن بشير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: الوَاسِطِيّ، وَأَبُو بشر. بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: واسْمه جَعْفَر بن أبي وحشية واسْمه إِيَاس الْيَشْكُرِي. والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (جزؤه) من التجزئة وَهِي التَّفْرِقَة.
٦٠٧٤ - حدَّثني عُبَيْدُ الله بنُ مُوساى عنِ الأعْمَش عنْ أبي ظَبْيانَ عنِ ابنِ عبّاسٍ ﵄ كَما أنْزَلْنا عَلَى المُقْتَسِمِينَ قَالَ آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ اليَهُودُ والنَّصارَى.
(انْظُر الحَدِيث ٥٤٩٣ وطرفه) . عبيد الله بن مُوسَى بن بازام أَبُو مُحَمَّد الْعَبْسِي الْكُوفِي، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَأَبُو ظبْيَان، بِفَتْح الظَّاء الْمُعْجَمَة وَكسرهَا وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وبالياء آخر الْحُرُوف وبالنون: واسْمه حُصَيْن مصغر الْحصن بالمهملتين ابْن جُنْدُب الْمذْحِجِي وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس إلَاّ هَذَا الحَدِيث وَهُوَ من أَفْرَاده. قَوْله: (آمنُوا بِبَعْض وَكَفرُوا بِبَعْض) ، تَفْسِير: المقتسمين، قَوْله: (الْيَهُود) ، أَي: هم الْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَفسّر هَذَا قَوْله فِي الرِّوَايَة السَّابِقَة: هم أهل الْكتاب.
٥ - (بابُ قوْلِهِ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يأتِيكَ اليَقِينُ﴾ (الْحجر: ٩٩)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿واعبد رَبك حَتَّى يَأْتِيك الْيَقِين﴾ قَالُوا: لما نزلت هَذِه الْآيَة قَالَ النَّبِي ﷺ مَا أُوحِي إِلَى أَن أجمع المَال وأكون من المتاجرين، وَلَكِن أُوحِي إِلَيّ أَن: ﴿سبِّح بِحَمْد رَبك وَكن من الساجدين واعبد رَبك حَتَّى يَأْتِيك الْيَقِين﴾ .
قَالَ سالِمٌ اليَقِينُ المَوْتُ
سَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر بن الْخطاب ﵃، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم البستي عَن بنْدَار أخبرنَا يحيى بن سعيد أخبرنَا سُفْيَان عَن طَارق بن عبد الرَّحْمَن عَن سَالم، وَقَالَ بَعضهم: إِطْلَاق الْيَقِين على الْمَوْت مجَاز لِأَن الْمَوْت لَا يشك فِيهِ، وَفِيه نظر لَا يخفى.
٦١ - (سُورَةُ النَّحْلِ)
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة النَّحْل، روى همام عَن قَتَادَة أَنَّهَا مَدَنِيَّة، وروى سعيد عَنهُ أَولهَا مكي إِلَى قَوْله ﴿الَّذين هَاجرُوا فِي الله من بَعْدَمَا ظلمُوا﴾ (النَّحْل: ١٤) وَمن هُنَا إِلَى آخرهَا مدنِي، وَقَالَ السّديّ: مَكِّيَّة إِلَّا آيَتَيْنِ: ﴿وَإِن عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمثل مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (النَّحْل: ٦٢١) وَقَالَ سُفْيَان: إِنَّهَا مَكِّيَّة، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: قَالَ ابْن عَبَّاس: هِيَ مَكِّيَّة إلَاّ ثَلَاث آيَات نزلت بعد قتل حَمْزَة ﵁: ﴿وَلَا تشتروا بِعَهْد الله ثمنا قَلِيلا﴾ (النَّحْل: ٥٩) الْآيَات، وَفِي رِوَايَة: هِيَ مَكِّيَّة إلَاّ ثَلَاث آيَات نزلت بَين مَكَّة وَالْمَدينَة منصرف رَسُول الله ﷺ من أحد، وَقَالَ السخاوي: نزلت بعد الْكَهْف، وَقبل سُورَة نوح ﵇، وَهِي سَبْعَة آلَاف وَسَبْعمائة وَسَبْعَة أحرف، وَأَلْفَانِ وَثَمَانمِائَة وَإِحْدَى وَأَرْبَعُونَ كلمة، وَمِائَة وثماني وَعِشْرُونَ آيَة.
﴿بِسم الله الرحمان الرَّحِيم﴾
لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر.
رُوحُ القُدُسِ جِبْرِيلُ ﵇ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قل نزله روح الْقُدس من رَبك بِالْحَقِّ﴾ (النَّحْل: ٢٠١) الْآيَة، وَفسّر: روح الْقُدس بقوله: جِبْرِيل ﵇. وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَاد رِجَاله ثِقَات عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁، وَكَذَا روى الطَّبَرِيّ من طَرِيق
стр. 5589
مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ، قَالَ: روح الْقُدس جِبْرِيل ﵇، وأضيف الرّوح إِلَى الْقُدس وَهُوَ الطُّهْر، كَمَا يُقَال: حَاتِم الْجُود، وَزيد الْخَيْر، وَالْمرَاد الرّوح الْقُدس، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: لِأَنَّهُ خلق من طَهَارَة، وَالروح فِي الْحَقِيقَة مَا يقوم بِهِ الْجَسَد وَتَكون بِهِ الْحَيَاة، وَقد أطلق على الْقُرْآن وَالْوَحي وَالرَّحْمَة وعَلى جِبْرِيل ﵇. قَوْله: (نزل بِهِ الرّوح الْأمين) ، ذكره اسْتِشْهَادًا لصِحَّة هَذَا التَّأْوِيل، فَإِن المُرَاد بِهِ جِبْرِيل ﵇، اتِّفَاقًا وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى رد مَا رَوَاهُ الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: روح الْقُدس، الِاسْم الَّذِي كَانَ عِيسَى ﵇، يحيي بِهِ الْمَوْتَى، رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَاد ضَعِيف. قَوْله: قَوْله: (الْأمين) ، وصف جِبْرِيل ﵇، لِأَنَّهُ كَانَ أَمينا فِيمَا استودع من الرسَالَة إِلَى الرُّسُل ﵈.
﴿فِي ضَيْقٍ يُقالُ أمْرٌ ضَيْقٌ وضَيِّقٌ مِثْلُ هَيِّنٍ ولَيِّنٍ ولَيِّنٍ وَمَيْتٍ ومَيِّتٍ﴾ (النَّحْل: ٧٢١)
أَشَارَ بقوله فِي ضيق إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُ فِي ضيق مِمَّا يمكرون﴾ وَأَشَارَ بقوله: بقال أَمر ضيق إِلَّا أَن فِيهِ لغتين: التَّشْدِيد وَالتَّخْفِيف كَمَا ذكرهَا فِي الْأَمْثِلَة الْمَذْكُورَة، وَقَرَأَ ابْن كثير هُنَا، وَفِي النَّمْل بِكَسْر الضَّاد وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا، وَقَالَ الْفراء الضّيق بِالتَّشْدِيدِ مَا يكون فِي الَّذِي يَتَّسِع مثل الدَّار وَالثَّوْب معنى الْآيَة لَا يضيق صدرك من مَكْرهمْ وَقَالَ (وَقَالَ ابْن عَبَّاس فِي تقلبهم: اخْتلَافهمْ) .
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو يَأْخُذهُمْ فِي تقلبهم﴾ فِي اخْتلَافهمْ ﴿فَمَا هم بمعجزين﴾ بسابقي الله تَعَالَى، وروى ذَلِك الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة، عَنهُ وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن جرير عَن الْمثنى، وَعلي بن دَاوُد حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنِي مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: مَعْنَاهُ يَأْخُذهُمْ الْعَذَاب فِي تصرفهم فِي الْأَسْفَار بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار.
وَقَالَ مُجاهدٌ تَمِيدُ تكَفَّأُ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي تَفْسِير: تميد، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَألقى فِي الأَرْض رواسي أَن تميد بكم﴾ (النَّحْل: ٥١) الْآيَة، تكفأ، بِالْكَاف وَتَشْديد الْفَاء وبالهمزة، وَقيل: بِضَم أَوله وَسُكُون الْكَاف، ومعى: تكفأ تقلب، وروى هَذَا التَّعْلِيق أَبُو مُحَمَّد: حَدثنَا حجاج حَدثنَا شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ.
مُفْرَطونَ مَنْسِيُّونَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿أَن لَهُم النَّار وَإِنَّهُم مفرطون﴾ (النَّحْل: ٢٦) وَفسّر مفرطون بقوله: (منسيون) وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيّ عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي عَاصِم: حَدثنَا عِيسَى عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، وروى من طَرِيق سعيد بن جُبَير، قَالَ: مفرطون، أَي: متركون فِي النَّار منسيون فِيهَا، وَقَرَأَ الْجُمْهُور بتَخْفِيف الرَّاء وَفتحهَا، وَقرأَهَا نَافِع بِكَسْرِهَا، وَهُوَ من الإفراط، وَقرأَهَا أَبُو جَعْفَر بن الْقَعْقَاع بِكَسْر الرَّاء الْمُشَدّدَة أَي: مقصرون فِي أَدَاء الْوَاجِب مبالغون فِي الْإِسَاءَة.
وَقَالَ غيْرُهُ: ﴿فإِذَا قَرَأتَ القُرْآن فاسْتَعِذْ بِاللَّه﴾ (النَّحْل: ٨٩) هاذَا مُقَدَّمٌ ومُؤَخرٌ وذلِكَ أنَّ الاسْتِعَاذَةَ قَبْلَ القِرَاءَةِ ومَعْناها الإعْتِصامُ بِاللَّه
أَي: قَالَ غير مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا قَرَأت الْقُرْآن فاستعذ بِاللَّه﴾ إِن فِيهِ التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، وَذَلِكَ أَن الِاسْتِعَاذَة تكون قبل الْقِرَاءَة، وَالتَّقْدِير: فَإِذا أردْت أَن تقْرَأ الْقُرْآن فاستعذ بِاللَّه، هَذَا على قَول الْجُمْهُور حَتَّى قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : هَذَا إِجْمَاع إلَاّ مَا رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة وَدَاوُد وَمَالك أَنهم قَالُوا: إِن الِاسْتِعَاذَة بعد الْقِرَاءَة، أخذا بِظَاهِر الْقُرْآن، وَقد أبعد بَعضهم هَذَا فِي موضِعين. الأول: فِي قَوْله: المُرَاد بِالْغَيْر أَبُو عُبَيْدَة، فَإِن هَذَا كَلَامه بِعَيْنِه وَهَذَا فِيهِ خبط. وَالثَّانِي: فِي قَوْله: وَالتَّقْدِير فَإِذا أخذت فِي الْقِرَاءَة فاستعذ، وَقيل: هُوَ على أَصله لَكِن فِيهِ إِضْمَار، أَي: إِذا أردْت الْقِرَاءَة، وَهَذَا يكَاد أَن يكون أقوى خبطاً من الأول على مَا لَا يخفى على من يتَأَمَّل فِيهِ. قَوْله: (وَمَعْنَاهَا) ، أَي: معنى الِاسْتِعَاذَة (الِاعْتِصَام بِاللَّه) .
قَصْدُ السَّبِيلِ البَيانُ
стр. 5590
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وعَلى الله قصد السَّبِيل وَمِنْهَا جَائِر وَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ﴾ (النَّحْل: ٩) وَفسّر الْقَصْد بِالْبَيَانِ وَكَذَا روى عَن ابْن عَبَّاس أخرجه الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ، قيل: قصد السَّبِيل بَيَان طَرِيق الحكم لكم، وَالْقَصْد الطَّرِيق الْمُسْتَقيم، وَقيل: بَيَان الشَّرَائِع والفرائض، وَعَن ابْن الْمُبَارك: قصد السَّبِيل السّنة. قَوْله: (وَمِنْهَا) أَي: وَمن السَّبِيل، والتأنيث بِاعْتِبَار أَن لفظ السَّبِيل وَاحِد، وَمَعْنَاهَا: الْجمع. قَوْله: (جَائِر) أَي: معوج عَن الاسْتقَامَة.
الدِّفْءُ مَا اسْتَدْفَأْتَ بِهِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿والأنعام خلقهَا لكم فِيهَا دفء وَمَنَافع وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (النَّحْل: ٥) وَفسّر الدفء بقوله: (مَا استدفأت بِهِ) يَعْنِي: من الأكسية والأبنية، قَالَ الْجَوْهَرِي: الدفء السخونة، تَقول مِنْهُ دفىء الرجل دفاء، مثل كره كَرَاهَة، وَكَذَلِكَ دفىء دفأً مثل ظمىء ظمأ، وَالِاسْم الدفء وَهُوَ الشَّيْء الَّذِي يدفيك، وَالْجمع الأدفاء، وَفسّر الْجَوْهَرِي: الدفء فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة بقوله: النَّفْع بنتاج الْإِبِل وَأَلْبَانهَا، وَمَا ينْتَفع بِهِ مِنْهَا، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لكم فِيهَا دفء﴾ .
تُرِيحُونَ بالعَشيِّ وتَسْرَحُونَ بالغَدَاةِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلكم فِيهَا جمال حِين تريحون وَحين تسرحون﴾ (النَّحْل: ٦) وَفسّر: تريحون بالْعَشي، وتسرحون بِالْغَدَاةِ وَفِي التَّفْسِير، أَي: تردونها إِلَى مراجها وَهِي حَيْثُ تأوى إِلَيْهِ، وَحين تسرحون ترسلونها بِالْغَدَاةِ إِلَى مراعيها، وَقَالَ قَتَادَة: وَأحسن مَا يكون إِذا راحت عظاماً ضروعها، طوَالًا أسنمتها.
بِشِقِّ يعْنِي المَشَقَّةَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتحمل أثقالكم إِلَى بلد لم تَكُونُوا بالغيه إلَاّ بشق الْأَنْفس﴾ (النَّحْل: ٧) وَفسّر الشق بالمشقة، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: ﴿إِلَّا بشق الْأَنْفس﴾ أَي: بِمَشَقَّة الْأَنْفس، وَقِرَاءَة الْجُمْهُور بِكَسْر الشين، وَقرأَهَا أَبُو جَعْفَر بن الْقَعْقَاع بِفَتْحِهَا، قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هما بِمَعْنى، وَقَالَ الْفراء: مَعْنَاهُمَا مُخْتَلف بِالْكَسْرِ الْمَشَقَّة وبالفتح من الشق فِي الشَّيْء كالشق فِي الْجَبَل.
عَلَى تَخَوُّفٍ تَنَقُّصٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿على تخوف﴾ (النَّحْل: ٧٤) وَفَسرهُ بقوله: (تنقص) وَكَذَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد، رَوَاهُ الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَنهُ، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس: على تخوف، قَالَ: على تنقص من أَعمالكُم، وَقيل: هُوَ تفعل من الْخَوْف.
الأنْعامِ لِعَبْرَةً وهْيَ تُؤنّثُ وتُذَكّرُ وكَذَلِكَ النَّعَمُ للأنْعامِ جَماعَةُ النَّعَمِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن لكم فِي الْأَنْعَام لعبرة نسقيكم مِمَّا فِي بطونه﴾ (النَّحْل: ٦٦) قَوْله: (لعبرة) ، أَي: لعظة. قَوْله: (نسقيكم) ، قرىء بِفَتْح النُّون وَضمّهَا، قيل: هما لُغَتَانِ، وَقَالَ الْكسَائي، تَقول الْعَرَب: أسقيته لَبَنًا إِذا جعلته لَهُ سقيا دَائِما، فَإِذا أَرَادوا أَنهم أَعْطوهُ شربة قَالُوا: سقيناه. قَوْله: ﴿مِمَّا فِي بطونه﴾ وَلم يقل: بطونها، لِأَن الْأَنْعَام وَالنعَم وَاحِد، وَلَفظ: النعم، مُذَكّر قَالَه الْفراء، فباعتبار ذَلِك ذكّر الضَّمِير. قَوْله: (وَهِي) ، أَي: الْأَنْعَام تؤنث وتذكر. قَوْله: (وَكَذَلِكَ النعم) ، أَي: يذكر وَيُؤَنث، وَقد ذكرنَا الْآن عَن الْفراء أَن النعم مُذَكّر وَيجمع على أنعام وَهِي الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم.
سَرَابِيلَ قُمُصٌ تَقِيكُمُ الحَرَّ وأمَّا سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بأْسَكُمْ فإِنّها الدُّرُوعُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجعل لكم سرابيل تقيكم الْحر وسرابيل تقيكم بأسكم﴾ وَفسّر سرابيل الأول: بالقمص بِضَم الْقَاف وَالْمِيم جمع قَمِيص من قطن وكتان وصوف، والسرابيل. الثَّانِي: بالدروع. قَوْله: (تقيكم الْحر) أَي: تحفظكم من الْحر، وَمن الْبرد أَيْضا، وَهَذَا من بَاب الِاكْتِفَاء. قَوْله: (بأسكم) أَرَادَ بِهِ شدَّة الطعْن وَالضَّرْب وَالرَّمْي.
(دخَلاً بَيْنَكُمْ كلُّ شَيْءٍ لَمْ يَصِحَّ فَهْوَ دَخَلٌ)
стр. 5591
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانكُم دخلا بَيْنكُم﴾ (النَّحْل: ٢٩) وَفسّر الدخل بقوله: (كل شَيْء لم يَصح فَهُوَ دخل) ، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَكَذَلِكَ الدغل وَهُوَ الْغِشّ والخيانة.
وَقَالَ ابنْ عبَّاسٍ حَفَدَة مَنْ وَلَدَ الرَّجُلُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجعل لكم من أزواجكم بَنِينَ وحفد﴾ (النَّحْل: ٢٧) وَذكر أَن الحفدة من ولد الرجل هم: وَلَده وَولد وَولده، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الطَّبَرِيّ من طَرِيق سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: ﴿بَنِينَ وحفدة﴾ قَالَ: الْوَلَد وَولد الْوَلَد.
السَّكَرُ مَا حُرِّمَ مِنْ ثَمَرِها والرِّزْقُ الحَسَنُ مَا أحَلَّ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن ثَمَرَات النخيل وَالْأَعْنَاب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سكرا وَرِزْقًا حسنا﴾ (النَّحْل: ٧٦) الْآيَة، وَبَين السكر بقوله: (مَا حرم من ثَمَرهَا) أَي: من ثَمَر النخيل وَالْأَعْنَاب، ويروى: من ثَمَرَتهَا، ويروى: مَا حرم الله من ثَمَرهَا وَبَين الرزق الْحسن الْمَذْكُور فِي الْآيَة بقوله: والرزق الْحسن مَا أحل، أَي: الَّذِي جعل حَلَالا، ويروى: مَا أحل الله، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: قَالَ قوم: السكر الْخمر، والرزق الْحسن الدبس، وَالتَّمْر وَالزَّبِيب، قَالُوا: وَهَذَا قبل تَحْرِيم الْخمر، وَإِلَى هَذَا ذهب ابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَسَعِيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم وَالْحسن وَمُجاهد وَابْن أبي ليلى والكلبي، وَفِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: السكر مَا حرم من ثمرتيهما، والرزق الْحسن مَا أحل من ثمرتيهما، وَقَالَ قَتَادَة: أما السكر فخمور هَذِه الْأَعَاجِم، وَأما الرزق الْحسن فَهُوَ مَا تنتبذون وَمَا تخللون وتأكلون، قَالَ: وَنزلت هَذِه الْآيَة وَمَا حرمت الْخمر يومئذٍ، وَإِنَّمَا نزل تَحْرِيمهَا بعد فِي سُورَة الْمَائِدَة، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: السكر مَا شربت، والرزق الْحسن مَا أكلت، وَعَن ابْن عَبَّاس: الْحَبَشَة يسمون الْخمر سكرا.
وَقَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ عَنْ صَدَقَةَ أنْكاثاً هِيَ خَرْقاءُ كانَتْ إِذا أبْرَمَتْ غَزْلَها نَقَضَتْهُ
أَي: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن صَدَقَة، قَالَ الْكرْمَانِي: صَدَقَة هَذَا هُوَ ابْن الْفضل الْمروزِي، ورد عَلَيْهِ بِأَن صَدَقَة بن الْفضل الْمروزِي شيخ البُخَارِيّ يرْوى عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَهَهُنَا يروي سُفْيَان عَن صَدَقَة، وَالدَّلِيل على عدم صِحَة قَوْله: إِن صَدَقَة هَذَا روى عَن السّديّ وَصدقَة بن الْفضل الْمروزِي مَا أدْرك السّديّ وَلَا أَصْحَاب السّديّ، وروى ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه عَن ابْن أبي عمر الْعَدنِي والطبري من طَرِيق الْحميدِي، كِلَاهُمَا عَن ابْن عُيَيْنَة عَن صَدَقَة عَن السّديّ قَالَ: كَانَت بِمَكَّة امْرَأَة تسمى خرقاء، فَذكر مثل مَا ذكره البُخَارِيّ، وَالظَّاهِر أَن صَدَقَة هَذَا هُوَ أَبُو الْهُذيْل روى عَن السدى قَوْله: (وروى عَنهُ ابْن عُيَيْنَة) ، كَذَا ذكره البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه) . قَوْله: (أنكاثاً) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نقضت غزلها من بعد قُوَّة أنكاثاً﴾ (النَّحْل: ٢٩) ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أَي: لَا تَكُونُوا فِي نقض الْإِيمَان كَالْمَرْأَةِ الَّتِي أنحت على غزلها بعد أَن أحكمته وأبرمته فَجَعَلته أنكاثاً، جمع نكث وَهُوَ مَا ينْكث قَتله، وَقَالَ ابْن الْأَثِير، النكث نقض الْعَهْد، وَالِاسْم النكث بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْخَيط الْخلق من صوف أَو شعر أَو وبرسمي، بِهِ لِأَنَّهُ ينْقض ثمَّ يُعَاد فتله، قَوْله: (هِيَ خرقاء) ، الضَّمِير يرجع إِلَى تِلْكَ الْمَرْأَة الَّتِي تسمى خرقاء، وذكرا (أنكاثاً) يدل عَلَيْهِ فَلَا يكون دَاخِلا فِي الْإِضْمَار قبل الذّكر وَكَانَت إِذا أحكمت غزلها نقضته، فَلذَلِك قيل: خرقاء، أَي: حمقاء، وَفِي: (غرر التِّبْيَان) أَنَّهَا كَانَت تغزل هِيَ وجواريها من الْغَدَاة إِلَى نصف النَّهَار، ثمَّ تأمرهن فينقضن مَا غزلن جَمِيعًا، فَهَذَا كَانَ دأبها، وَالْمعْنَى: أَنَّهَا كَانَت لَا تكف عَن الْغَزل وَلَا تبقي مَا غزلت، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق سعيد عَن قَتَادَة، قَالَ: هُوَ مثل ضربه الله تَعَالَى لمن ينْكث عَهده، وَقَالَ مقَاتل فِي تَفْسِيره: هَذِه الْمَرْأَة قرشية اسْمهَا ريطة بنت عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن تَمِيم بن مرّة وتلقب جعرانة لحمقها، وَذكر السُّهيْلي: أَنَّهَا بنت سعد بن زيد مَنَاة بن تيم بن مرّة، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: كَانَت اتَّخذت مغزلاً بِقدر ذِرَاع وسنارة مثل الإصبع وفلكة عَظِيمَة على قدرهما تغزل الْغَزل من الصُّوف والوبر وَالشعر وتأمر جواريها بذلك، وَكن يغزلن إِلَى نصف النَّهَار، ثمَّ تأمرهن بِنَقْض جَمِيع ذَلِك، فَهَذَا كَانَ دأبها.
وَقَالَ ابنُ مَسْعُودٍ الأُمّةُ مُعَلِّمُ الخَيْرِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن إِبْرَاهِيم كَانَ أمة قَانِتًا لله﴾ (النَّحْل: ٠٢١) وَقَالَ عبد الله بن مَسْعُود فِي تَفْسِير الْأمة بِأَنَّهُ: معلم الْخَيْر، وَكَذَا رَوَاهُ
стр. 5592
الْحَاكِم من حَدِيث مَسْرُوق عَن عبد الله، وَقَالَ: صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَعَن مُجَاهِد: كَانَ مُؤمنا وَحده وَالنَّاس كلهم كفار، وَعَن قَتَادَة لَيْسَ من أهل دين إلَاّ ويتولونه ويرضونه، وَعَن شهر بن حَوْشَب: لَا تَخْلُو الأَرْض إلَاّ وفيهَا أَرْبَعَة عشر يدْفع الله بهم عَن أهل الأَرْض وَيخرج بركتها إلَاّ زمَان إِبْرَاهِيم ﵊، فَإِنَّهُ كَانَ وَحده انْتهى. وَالْأمة لَهَا معَان أخر فِي الْقُرْآن من: النَّاس وَالْجَمَاعَة وَالدّين والحين وَالْوَاحد الَّذِي يقوم مقَام جمَاعَة.
وَالْقَانِتُ المُطِيعُ
هَذَا من تَتِمَّة كَلَام ابْن مَسْعُود، فَإِنَّهُ فسر القانت فِي قَوْله: ﴿إِن إِبْرَاهِيم كَانَ أمة قَانِتًا﴾ (النَّحْل: ٠٢١) بالمطيع، وكذكل أخرجه ابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره.
أكْناناً واحِدُها كِنٌّ مِثْلُ حِمْلِ وأحْمَالٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجعل لكم من الْجبَال أكناناً﴾ وَفسّر قَتَادَة: أكناناً، بقوله: غيراناً من الْجبَال يسكن فِيهَا، وَقَالَ البُخَارِيّ: وَاحِد الأكنان كن، بِكَسْر الْكَاف مثل حمل بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَاحِد الْأَحْمَال، والكن كل شَيْء وقى شَيْئا وستره، وَفِي بعض النّسخ وَقع هَذَا عقيب. قَوْله: (جمَاعَة النعم) .
١ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿ومِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ (النَّحْل: ٠٧)
﴿ومنكم من يرد إِلَى أرذل الْعُمر﴾ من رذل الرجل يرذل رذالة ورذولة، قَالَ الْجَوْهَرِي: الرذل الدون الخسيس، ورذل كل شَيْء رديه، وَكَذَلِكَ الأرذل من كل شَيْء، وأرذل الْعُمر اردؤه وأوضعه، وَقَالَ السّديّ: أرذله الخرف، وَقَالَ قَتَادَة: تسعون سنة، وَعَن عَليّ: خمس وَسَبْعُونَ سنة، وَعَن مقَاتل: الْهَرم، وَعَن ابْن عَبَّاس: مَعْنَاهُ يرد إِلَى أَسْفَل الْعُمر، وَعَن عِكْرِمَة: من قَرَأَ الْقُرْآن لم يرد إِلَى أرذل الْعُمر، وروى ابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره، من حَدِيث أنس ﵁: مائَة سنة.
٧٠٧٤ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْماعِيلَ حَدثنَا هارُونُ بنُ مُوساى أبُو عبْدِ الله الأعْوَرُ عنْ شُعَيْبٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ ﵁ أنَّ رسُولَ الله ﷺ كَانَ يَدْعُو أعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْل والكَسَلِ وأرْذَلِ العُمُرِ وعَذَابِ القَبْرِ وفِتْنَةِ الدَّجَّالِ وفِتْنَةِ المَحْيا والمَماتِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وأرذل الْعُمر) . وَشُعَيْب هُوَ ابْن الحبحاب، بالحاءين الْمُهْمَلَتَيْنِ والباءين الموحدتين، مر فِي كتاب الْجُمُعَة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الدَّعْوَات عَن أبي بكر بن نَافِع.
قَوْله: (من الْبُخْل) يَعْنِي فِي حُقُوق المَال، واستعاذ ﷺ من الْبُخْل كَمَا استعاذ أَيْضا من فتْنَة الْغِنَا، وَهُوَ إِنْفَاقه فِي الْمعاصِي أَو إِنْفَاقه فِي إِسْرَاف أَو فِي بَاطِل. قَوْله: (والكسل) هُوَ عدم انبعاث النَّفس للخير وَقلة الرَّغْبَة فِيهِ مَعَ إِمْكَانه. قَوْله: (وأرذل الْعُمر) آخِره فِي آخر الْعُمر فِي حَال الْكبر وَالْعجز والخرف، وَجه الِاسْتِعَاذَة مِنْهُ أَن الْمَطْلُوب من الْعُمر التفكر فِي آلَاء الله ونعمائه من خلق الموجودات فيقوموا بِوَاجِب الشُّكْر بِالْقَلْبِ والجوارح والخرف الفاقد لَهما فَهُوَ كالشيء الردي الَّذِي لَا ينْتَفع بِهِ فَيَنْبَغِي أَن يستعاذ مِنْهُ. قَوْله: (وَعَذَاب الْقَبْر) لِأَن فِيهِ الْأَهْوَال والشدائد. قَوْله: (وفتنة الدَّجَّال) إِذْ لم تكن فتْنَة فِي الأَرْض مُنْذُ خلق الله ذُرِّيَّة آدم أعظم مِنْهَا. قَوْله: (وفتنة الْمحيا) هُوَ مفعل من الْحَيَاة وَالْمَمَات مفعل من الْمَوْت. قَالَ الشَّيْخ أَبُو النجيب السهروردي، قدس الله، روحه: يُرِيد بفتنة الْمحيا الِابْتِلَاء مَعَ زَوَال الصَّبْر وَالرِّضَا والوقوع فِي الْآفَات والأصرار على الْفساد وَترك مُتَابعَة طَرِيق الْهدى وفتنة الْمَمَات سُؤال مُنكر وَنَكِير مَعَ الْحيرَة وَالْخَوْف.
٧١ - (سُورَةُ بَنِي إسْرَائِيلَ)
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة بني إِسْرَائِيل. قَالَ قَتَادَة: هِيَ مَكِّيَّة إِلَّا ثَمَان آيَات نَزَلْنَ بِالْمَدِينَةِ، وَهِي من قَوْله: ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَك﴾ (الْإِسْرَاء: ٣٧) إِلَى آخِرهنَّ، وسجدتها مَدَنِيَّة، وَفِي تَفْسِير ابْن مرْدَوَيْه من غير طَرِيق عَن ابْن عَبَّاس: هِيَ مَكِّيَّة، وَقَالَ السخاوي: نزلت بعد الْقَصَص وَقبل سُورَة يُونُس ﵇. وَهِي سِتَّة آلَاف وَأَرْبع مائَة وَسِتُّونَ حرفا، وَألف وَخَمْسمِائة وَثَلَاث وَثَلَاثُونَ كلمة،
стр. 5593
وَمِائَة وَإِحْدَى عشرَة آيَة.
﴿بِسم الله الرحمان الرَّحِيم﴾ .
لم تثبت الْبَسْمَلَة إِلَّا لأبي ذَر.
٨٠٧٤ - حدَّثنا آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ أبي إسْحاقَ قَالَ سَمِعْتُ عبْدَ الرَّحْمانِ بنَ يزِيدَ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ فِي بَني إسْرَائِيلَ والكَهْفِ ومَرْيَمَ إنَّهُنَّ مِنَ العِتَاقِ الأوَّلِ وهُنَّ مِنْ تِلَادِي.
(أَي هَذَا بَاب وَلَيْسَ فِي كثير من النّسخ لفظ: بَاب. وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي، وَعبد الرَّحْمَن بن يزِيد النَّخعِيّ الْكُوفِي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن آدم، وَأخرجه فِي التَّفْسِير أَيْضا عَن بنْدَار عَن غنْدر.
قَوْله: (من الْعتاق) بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: جمع عتق، وَالْعرب تجْعَل كل شَيْء بلغ الْغَايَة فِي الْجَوْدَة عتيقاً، يُرِيد تَفْضِيل هَذِه السُّورَة لما يتَضَمَّن مفتتح كل مِنْهَا بِأَمْر غَرِيب وَقع فِي الْعَالم خارقاً للْعَادَة، وَهُوَ الْإِسْرَاء وقصة أَصْحَاب الْكَهْف وقصة مَرْيَم وَنَحْوهَا. قَوْله: الأول: بِضَم الْهمزَة وَفتح الْوَاو المخففة، والأولية إِمَّا بِاعْتِبَار حفظهَا أَو بِاعْتِبَار نُزُولهَا لِأَنَّهَا مَكِّيَّة. قَوْله: (من تلادي) بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَخْفِيف اللَّام، وَهُوَ مَا كَانَ قَدِيما، يُقَال: مَاله طارف وَلَا تالد، أَي: لَا حَدِيث وَلَا قديم، وَأَرَادَ بقوله: (من تلادي) أَي: من محفوظاتي الْقَدِيمَة.
قَالَ ابْنُ عَبّاس فَسَيُنْغِضُونَ يَهُزُّونَ: وَقَالَ غيْرُهُ تَغَضَتْ سِنُّكَ أيْ تَحَرَّكَتْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قل الَّذِي فطركم أول مرّة فسينغضون إِلَيْك رؤوسهم﴾ (الْإِسْرَاء: ١٥)
الْآيَة، قَالَ ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله: (فسينغضون) أَي: (يهزون) ، أَي: يحركون، وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ، وروى من طَرِيق الْعَوْفِيّ عَنهُ قَالَ: يحركون رؤوسهم استهزاء، قَوْله: (وَقَالَ غَيره) أَي: قَالَ غير ابْن عَبَّاس مِنْهُم أَبُو عُبَيْدَة فَإِنَّهُ قَالَ: يُقَال: قد نغضت سنة، أَي: تحركت وَارْتَفَعت من أَصْلهَا، وَمعنى الْآيَة: أَن النَّبِي ﷺ أَمر أَن يَقُول للْمُشْرِكين الَّذين يَقُولُونَ: من بعيدنا؟ ﴿قل الَّذِي فطركم﴾ أَي: خَلقكُم ﴿أول مرّة﴾ قَادر على أَن يعيدكم، فَإِذا سمعُوا ينغضون إِلَيْهِ رؤوسهم متعجبين مستهزئين.
﴿وقَضَيْنا إِلَى بَني إسْرَائِيل﴾ (الْإِسْرَاء: ٤) أخبرنَاهُمْ أنَّهُمْ سَيُفْسِدُونَ والقَضاءُ عَلَى وُجُوهٍ ﴿وقَضَى رَبُّكَ﴾ أمَرَ رَبُّكَ ومِنْهُ الحُكْمُ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ ومِنْهُ الخَلْقُ ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماوَاتٍ﴾
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وقضينا إِلَى بني إِسْرَائِيل فِي الْكتاب لتفسدن فِي الأَرْض﴾ الْآيَة، وَفسّر قَوْله: (وقضينا إِلَى بني إِسْرَائِيل) بقوله: (أخبرناهم) ، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَيُقَال: مَعْنَاهُ أعلمناهم إعلاماً قَاطعا. قَوْله: (وَالْقَضَاء على وُجُوه) ، أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن لفظ الْقَضَاء يَأْتِي لمعان كَثِيرَة، وَذكر مِنْهَا ثَلَاثَة: الأول: أَن الْقَضَاء بِمَعْنى الْأَمر كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقضى رَبك﴾ (الْإِسْرَاء: ٣٢) أَي أَمر. الثَّانِي: أَنه بِمَعْنى الحكم فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن رَبك يقْضِي بَينهم﴾ (النَّمْل: ٩٧، يُونُس: ٣٩) أَي يحكم. الثَّالِث: أَنه بِمَعْنى الْخلق، كَمَا فِي قَوْله: ﴿فقضاهن سبع سموات﴾ (فصلت: ٢١) أَي: خَلقهنَّ، وَفِي بعض النّسخ بعد سبع سموات خَلقهنَّ.
وَذكر بَعضهم فِيهِ مَعَاني جُمْلَتهَا ثَمَانِيَة عشر وَجها، مِنْهَا الثَّلَاثَة الَّتِي ذكرت، وَالرَّابِع: الْفَرَاغ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا قضيتم مَنَاسِككُم﴾ (الْبَقَرَة: ٠٠٢) أَي: إِذا فَرَغْتُمْ مِنْهَا. وَالْخَامِس: الْكِتَابَة كَمَا فِي قَوْله: ﴿فَإِذا قضى أمرا﴾ (غَافِر: ٨٦) أَي: كتب. وَالسَّادِس: الْأَجَل كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمنهمْ من قضى نحبه﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٢) ، وَالسَّابِع: الْفَصْل، كَمَا فِي قَوْله: ﴿لقضي الْأَمر بيني وَبَيْنكُم﴾ (الْأَنْعَام: ٨٥) . وَالثَّامِن: الْمُضِيّ، كَمَا فِي قَوْله: ﴿ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا﴾ (الْأَنْفَال: ٢٤ و ٤٤) . وَالتَّاسِع: الْهَلَاك، كَمَا فِي قَوْله: ﴿لقضي إِلَيْهِم أَجلهم﴾ (يُونُس: ١١) . والعاشر: الْوُجُوب، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لما قضي الْأَمر﴾ (إِبْرَاهِيم: ٢٢) . وَالْحَادِي عشر: الإبرام، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إلَاّ حَاجَة فِي نفس يَعْقُوب قَضَاهَا﴾ (يُوسُف: ٨٦) . وَالثَّانِي عشر: الْوَصِيَّة كَمَا فِي قَوْله: ﴿وَقضى رَبك أَن لَا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه﴾ (الْإِسْرَاء: ٣٢) . وَالثَّالِث عشر: الْمَوْت كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فوكزه مُوسَى فَقضى عَلَيْهِ﴾ (الْقَصَص: ٥١) . وَالرَّابِع عشر: النُّزُول، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قضينا عَلَيْهِ الْمَوْت﴾ (سبإ: ٤١) . وَالْخَامِس عشر: الْفِعْل كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كلا لما يقْض مَا أمره﴾
стр. 5594
(عبس: ٣٢) يَعْنِي: حَقًا لم يفعل مَا أمره. وَالسَّادِس عشر: الْعَهْد كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ قضينا إِلَى مُوسَى الْأَمر﴾ (الْقَصَص: ٤٤) . وَالسَّابِع عشر: الدّفع كَمَا فِي قَوْلهم. قضى دينه، أَي: دفع مَا لغريمه عَلَيْهِ بِالْأَدَاءِ. وَالثَّامِن عشر: الْخَتْم والإتمام، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ قضى أَََجَلًا﴾ (الْأَنْعَام: ٢) . وَقَالَ الْأَزْهَرِي: قضى فِي اللُّغَة على وُجُوه مرجعها إِلَى انْقِطَاع الشَّيْء وَتَمَامه.
نَفِيراً مَنْ يَنْفِرُ مَعَهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وجعلناكم أَكثر نفيراً﴾
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وجعلناكم أَكثر نفيراً﴾ (الْإِسْرَاء: ٦) قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مَعْنَاهُ الَّذين ينفرون مَعَه، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق سعيد عَن قَتَادَة فِي قَوْله: ﴿وجعلناكم أَكثر نفيراً﴾ أَي: عددا، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: أَصله من ينفر مَعَ الرجل من عشيرته وَأهل بَيته، وَدَلِيله قَول مُجَاهِد: أَكثر رجلا، والنفير والنافر وَاحِد، كالقدير والقادر.
مَيْسُوراً لَيِّناً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقل لَهُم قولا ميسوراً﴾ (الْإِسْرَاء: ٨٢) وَفَسرهُ بقوله: لينًا، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: أَي لينًا تعدهم وَمن طَرِيق عِكْرِمَة. عدهم عدَّة حَسَنَة، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق السّديّ قَالَ: يَقُول: نعم وكرامة وَلَيْسَ عندنَا الْيَوْم، وَمن طَرِيق الْحسن، يَقُول: سَيكون إِن شَاءَ الله.
ولِيُتَبِّرُوا يُدَمِّرُوا مَا عَلَوْا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وليتبروا مَا علوا تتبيراً﴾ (الْإِسْرَاء: ٧) وَفسّر قَوْله: (وليتبروا) بقوله: (يدمروا) من التدمير، وَهُوَ الإهلاك من الدمار وَهُوَ الْهَلَاك. قَوْله: (مَا علوا) أَي: مَا غلبوا عَلَيْهِ من بِلَادكُمْ، وَالْجُمْلَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا مفعول: ليتبروا، وَقَالَ الزّجاج: كل شَيْء كَسرته وفتنته فقد دمرته، وَالْمعْنَى: وليخربوا مَا غلبوا عَلَيْهِ.
حَصِيراً مَحْبِساً مَحْصَراً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا جَهَنَّم للْكَافِرِينَ حَصِيرا﴾ (الْإِسْرَاء: ٨) وَفسّر حَصِيرا بقوله: (محبساً) ، وَكَذَا روى ابْن الْمُنْذر من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: (محصراً) ، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْحَاء وَكسر الصَّاد، وَهُوَ إسم مَوضِع الْحصْر، وَكَذَا فسر أَبُو عُبَيْدَة قَوْله: (حَصِيرا) ، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : محصراً بِفَتْح الصَّاد لِأَنَّهُ من حصر يحصر. قلت: هَذَا إِذا كَانَ مَفْتُوح الْمِيم لِأَنَّهُ يكون إسم مَوضِع من حصر يحصر من بَاب نصر ينصر، وَأما مضموم الْمِيم ومفتوح الصَّاد فَهُوَ من: أحْصر، بِالْألف فِي أَوله.
حَقَّ وَجَبَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَحق عَلَيْهَا القَوْل فدمرناها تدميراً﴾ (الْإِسْرَاء: ٦١) وَفسّر قَوْله: فَحق، بقوله: (وَجب) ، وَكَذَا فسره ابْن عَبَّاس، وَفِي التَّفْسِير: أَي وَجب عَلَيْهَا الْعَذَاب، وَالضَّمِير يرجع إِلَى الْقرْيَة الْمَذْكُورَة قبله.
خِطْئاً إثْماً وهْوَ إسْمٌ مِنْ خَطِئْتُ والخَطَأُ مَفْتُوحٌ مَصْدَرُهُ مِنَ الإثمِ خَطِئْتُ بِمَعْنَى أخْطأتُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن قَتلهمْ كَانَ خطأ كَبِيرا﴾ (الْإِسْرَاء: ١٣) وَفسّر (خطأ) بقوله: (إِثْمًا) وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة. قَوْله: (وَهُوَ) أَي: الْخَطَأ (إسم من خطيت) وَالَّذِي قَالَه أهل اللُّغَة أَن (خطأ) بِالْكَسْرِ مصدر، فَقَالَ الْجَوْهَرِي: نقُول من خطأ يخطأ خطأ وخطأة على فعلة. قَوْله: (وَالْخَطَأ مَفْتُوح) مصدر هَذَا أَيْضا عكس مَا قَالَه أهل اللُّغَة، فَإِن الْخَطَأ بِالْفَتْح إسم هُوَ نقيض الصَّوَاب، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: قرىء خطىء خطأ كمأثم إِثْمًا وَخطأ وَهُوَ ضد الصَّوَاب إسم من أخطاء وخطاء بِالْكَسْرِ وَالْمدّ وخطاء بِالْمدِّ وَالْفَتْح وَخطأ بِالْفَتْح والسكون، وَعَن الْحسن بِالْفَتْح وَحذف الْهمزَة، وروى عَن أبي رَجَاء بِكَسْر الْخَاء غير مَهْمُوز. انْتهى. وَهَذَا أَيْضا يُنَادي بِأَن الْخَطَأ بِالْكَسْرِ والسكون مصدر، وَالْخَطَأ بِفتْحَتَيْنِ إسم. قَوْله: (من الْإِثْم حطئت) فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير أَي: خطئت الَّذِي أَخذ مَعْنَاهُ من الْإِثْم بِمَعْنى أَخْطَأت، وَهَذَا أَيْضا خلاف مَا قَالَه أهل اللُّغَة، لِأَن معنى: خطىء: أَثم وتعمد الذَّنب، وَأَخْطَأ إِذا لم يتعمده، وَلَكِن قَالَ الْجَوْهَرِي: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: خطىء وَأَخْطَأ لُغَتَانِ بِمَعْنى وَاحِد، وَأنْشد لامرىء الْقَيْس.
(يَا لهف هِنْد إِذْ خطئن كاهلاً)
أَي: أخطأن، وَالَّذِي قَالَه يساعد البُخَارِيّ فِيمَا قَالَه.
تَخْرِقَ تَقْطَعَ
стр. 5595
وَفِي بعض النّسخ: لن تخرق، لن تقطع، وَهُوَ الصَّوَاب أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تمش فِي الأَرْض مرحاً إِنَّك لن تخرق الأَرْض وَلنْ تبلغ الْجبَال طولا﴾ (الْإِسْرَاء: ٧٣) وَفسّر قَوْله: لن تخرق، بقوله: لن تقطع. قَوْله: (مرحاً) أَي: بطراً وكبراً وفخراً وخيلاء. قَالَ الثَّعْلَبِيّ: هُوَ تَفْسِير الْمَشْي لَا نَعته فَلذَلِك أخرجه عَن الْمصدر، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: مرحاً حَال أَي: ذَا مرح، وقرىء: مرحاً، بِكَسْر الرَّاء، وَفضل الْأَخْفَش الْمصدر على إسم الْفَاعِل لما فِيهِ من التَّأْكِيد. قَوْله: (إِنَّك لن تخرق الأَرْض) ، قَالَ الثَّعْلَبِيّ: أَي: تقطعها بكبرك حَتَّى تبلغ آخرهَا، يُقَال: فلَان أخرق للْأَرْض من فلَان إِذا كَانَ أَكثر أسفاراً. قَوْله: (وَلنْ تبلغ الْجبَال طولا) . أَي: لن تساويها وتحاذيها بكبرك.
وإذْ هُمْ نَجْوَى مَصْدَرٌ مِنْ ناجَيْتُ فَوَصَفَهُمْ بِها والمَعنْى يَتَناجَوْنَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ يَسْتَمِعُون إِلَيْك وَإِذ هم نجوى﴾ (الْإِسْرَاء: ٧٤)
الْآيَة. قَوْله: (إِذْ يَسْتَمِعُون إِلَيْك) ، نصب بقوله: أعلم، أَي: إعلم وَقت استماعهم بِمَا بِهِ يَسْتَمِعُون. قَوْله: (وَإِذ هم نجوى) ، أَي: وَبِمَا يتناجون بِهِ إِذْ هم ذُو نجوى، يَعْنِي: يتناجون فِي أَمرك، بَعضهم يَقُول: هُوَ مَجْنُون، وَبَعْضهمْ يَقُول: كَاهِن، وَبَعْضهمْ يَقُول: سَاحر، وَبَعْضهمْ يَقُول: شَاعِر. قَوْله: (مصدر من نَاجَيْت) الْأَظْهر أَنه إسم غير مصدر، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ هم نجوى﴾ فجعلهم هم النَّجْوَى، وَإِنَّمَا النَّجْوَى فعلهم، كَمَا تَقول: قوم رضَا، وَإِنَّمَا الرِّضَا فعلهم. انْتهى. وَقيل: يجوز أَن يكون نجوى جمع نجي: كقتلى جمع قَتِيل.
رُفاتاً حُطاماً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا أئِذا كُنَّا عظاماً ورفاتاً﴾ (الْإِسْرَاء: ٩٤) بقوله: (حطاماً) وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، هَكَذَا قَوْله: (حطاماً) أَي: عظاماً محطمة.
﴿واسْتَفْزِزْ اسْتَخِفَّ بِخَيْلِكَ الفُرْسانِ والرَّجْلُ الرَّجَّالَةُ واحِدُها رَاجِلٌ مِثْلُ صاحِبٍ وصَحْب وتاجِرٍ وتَجْرٍ﴾ .
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿واستفزز من اسْتَطَعْت مِنْهُم بصوتك واجلب عَلَيْهِم بخيلك ورجلك﴾ الْآيَة، وتفسيرها هَذَا بِعَين تَفْسِير أبي عُبَيْدَة هُنَا، وَفِي التَّفْسِير: هَذَا أَمر تهديد. قَوْله: (مِنْهُم) ، أَي: من ذُرِّيَّة آدم ﵊. قَوْله: (بصوتك) ، أَي: بدعائك إِلَى مَعْصِيّة الله تَعَالَى، قَالَه ابْن عَبَّاس وَقَتَادَة، وكل داعٍ إِلَى مَعْصِيّة الله تَعَالَى فَهُوَ من جند إِبْلِيس، وَعَن مُجَاهِد: بصوتك، بِالْغنَاءِ والمزامير، قَوْله: (واجلب) ، أَي: إجمع وصحِّ، وَقَالَ مُجَاهِد: إستعن عَلَيْهِم بخيلك أَي: ركبان جندك. قَوْله: (ورجلك) أَي: مشاتهم، وَعَن جمَاعَة من الْمُفَسّرين: كل رَاكب وماشٍ فِي معاصي الله تَعَالَى.
﴿حاصِباً الرِّيحُ العاصِفُ والحاصِبُ أيْضاً مَا تَرْمِي بِهِ الرِّيحُ ومِنْهُ حَصَبُ جَهَنَّمَ يُرْمَى بِهِ فِي جَهَنَّمَ وهْوَ حَصَبُهَا ويُقال حَصَبَ فِي الأرْضِ ذِهَبَ والحَصَبُ مُشْتَقٌّ مِن الحصْباءِ والحجارَةِ﴾ .
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أويرسل عَلَيْكُم حاصباً ثمَّ لَا تَجدوا لكم وَكيلا﴾ (الْإِسْرَاء: ٨٦) وَفسّر الحاصب بِالرِّيحِ العاصف، وَفِي التَّفْسِير: حاصباً حِجَارَة تمطر من السَّمَاء عَلَيْكُم كَمَا أمطر على قوم لوط، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة والقتبي: الحاصبا الرّيح الَّتِي ترمي بالحصباء، وَهِي الْحَصَى الصغار، وَهُوَ معنى قَوْله: (والحاصب أَيْضا مَا ترمي بِهِ الرّيح) . وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الحاصب الرّيح الشَّدِيدَة الَّتِي تثير الْحَصْبَاء. قَوْله: (وَمِنْه) ، أَي: وَمن معنى لفظ الحاصب: حصب جَهَنَّم، وكل شَيْء أَلقيته فِي النَّار فقد حصبتها بِهِ. قَوْله: (وَهُوَ حصبها) أَي: الشَّيْء الَّذِي يَرْمِي فِيهَا هُوَ حصبها، ويروى: وهم حصبها أَي الْقَوْم الَّذين يرْمونَ فِيهَا حصبها. قَوْله: (وَيُقَال: حصب فِي الأَرْض ذهب) ، كَذَا قَالَه الْجَوْهَرِي أَيْضا. قَوْله: (والحصب مُشْتَقّ من الْحَصْبَاء) لم يرد بالاشتقاق الِاشْتِقَاق المصطلح بِهِ، أَعنِي: الِاشْتِقَاق الصَّغِير لعدم صدقه عَلَيْهِ على مَا لَا يخفى، وَفسّر الْحَصْبَاء بِالْحِجَارَةِ، وَهُوَ من تَفْسِير الْخَاص بِالْعَام، وَقَالَ أهل اللُّغَة: الْحَصْبَاء الْحَصَى.
تارَةً مَرَّةً وجَماعَتُهُ تِيَرَةٌ وتارَاتٌ
стр. 5596
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أم أمنتم أَن يعيدكم فِيهِ تَارَة أُخْرَى﴾ (الْإِسْرَاء: ٩٦) وَفسّر: تَارَة، بقوله: مرّة، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَيجمع على تيرة بِكَسْر التَّاء وَفتح اليا آخر الْحُرُوف وعَلى تارات، وَقَالَ ابْن التِّين: الْأَحْسَن سُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الرَّاء كَمَا يُقَال فِي جمع قاعة: قيعة.
﴿لأحْتَنِكَنَّ لأسْتَأصِلَنَّهُمْ يُقالُ احْتَنَكَ فُلَانٌ مَا عِنْدَ فُلَانٍ مِنْ عِلْمٍ اسْتَقصاهُ﴾ (الْإِسْرَاء: ٢٦)
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَئِن أخرتني إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لأحتنكن ذُريَّته إلَاّ قَلِيلا﴾ وَفسّر الاحتناك بالاستئصال، وَقيل: مَعْنَاهُ لأستولين عَلَيْهِم بالإغواء والإضلال، وَأَصله من احتنك الْجَرَاد الزَّرْع وَهُوَ أَن تَأْكُله وتستأصله باحتناكها وتفسده، هَذَا هُوَ الأَصْل، ثمَّ يُسمى الِاسْتِيلَاء على الشَّيْء وَأخذ كُله احتناكاً، وَعَن مُجَاهِد: معنى لأحتنكن لأحتوين.
طائِرَهُ حَظَّهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وكل إِنْسَان ألزمناه طَائِره فِي عُنُقه﴾ (الْإِسْرَاء: ٣١) الْآيَة وَفسّر (طَائِره) بقوله: (حَظه) ، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة والقتبي، وَقَالا: أَرَادَ بالطائر حَظه من الْخَيْر وَالشَّر، من قَوْلهم: طَار بهم فلَان بِكَذَا، وَإِنَّمَا خص عُنُقه دون سَائِر أَعْضَائِهِ لِأَن الْعُنُق مَوضِع السمات وَمَوْضِع القلادة وَغير ذَلِك مِمَّا يزين أَو يشين، فَجرى كَلَام الْعَرَب بِنِسْبَة الْأَشْيَاء الْأَشْيَاء اللَّازِمَة إِلَى الْأَعْنَاق، فَيَقُولُونَ: هَذَا الشَّيْء لَك فِي عنقِي حَتَّى أخرج مِنْهُ، وَعَن ابْن عَبَّاس: طَائِره عمله، وَعَن الْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل: خَيره وشره مَعَه لَا يُفَارِقهُ حَتَّى يُحَاسب عَلَيْهِ، وَعَن الْحسن: يمنه وشومه، وَعَن مُجَاهِد: رزقه.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ كُلُّ سُلْطانٍ فِي القُرْآنِ فَهْوَ حُجةٌ
هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم البستي عَن ابْن أبي عمر: حَدثنَا سُفْيَان عَن عَمْرو عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، وَأما لفظ السُّلْطَان فِي هَذِه السُّورَة فِي موضِعين: أَحدهمَا قَوْله: ﴿فقد جعلنَا لوَلِيِّه سُلْطَانا﴾ (الْإِسْرَاء: ٣٣) وَالْآخر قَوْله: ﴿وَاجعَل لي من لَدُنْك سُلْطَانا نَصِيرًا﴾ (الْإِسْرَاء: ٠٨) .
ولِيٌّ مِنَ الذَّلِّ لَمْ يُحالِفْ أحدا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلم يكن لَهُ ولي من الذل وَكبره تَكْبِيرا﴾ . قَوْله: (لم يحالف) بِالْحَاء الْمُهْملَة، أَي: لم يوال أحدا لأجل مذلة بِهِ ليدفعها بموالاته، وَعَن مُجَاهِد: لم يحْتَج فِي الِانْتِصَار إِلَى أحد، وَالله سُبْحَانَهُ أعلم.
٣ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (الْإِسْرَاء: ١)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ الْآيَة، وَسُبْحَان علم للتسبيح، وَالْمعْنَى: سبح الله تَعَالَى وَأسرى وسرى لُغَتَانِ، وليلاً، نصب على الظّرْف وَإِنَّمَا ذكر: لَيْلًا، بالتنكير وَإِن كَانَ الْإِسْرَاء لَا يكون إلَاّ بِاللَّيْلِ إِشَارَة إِلَى تقليل مُدَّة الْإِسْرَاء.
٢٣٠ - (حَدثنَا عَبْدَانِ حَدثنَا عبد الله أخبرنَا يُونُس ح وَحدثنَا أَحْمد بن صَالح حَدثنَا عَنْبَسَة حَدثنَا يُونُس عَن ابْن شهَاب قَالَ ابْن الْمسيب قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ أُتِي رَسُول الله ﷺ َ - لَيْلَة أسرِي بِهِ بإيلياء بقدحين من خمر وَلبن فَنظر إِلَيْهِمَا فَأخذ اللَّبن قَالَ جِبْرِيل الْحَمد لله الَّذِي هداك للفطرة لَو أخذت الْخمر غوت أمتك) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأخرجه من طَرِيقين أَحدهمَا عَن عَبْدَانِ هُوَ عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي عَن عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي عَن يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي عَن ابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب وَالْآخر عَن أَحْمد بن صَالح أبي جَعْفَر الْمصْرِيّ عَن عَنْبَسَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالسين الْمُهْملَة ابْن خَالِد عَن يُونُس إِلَى آخِره والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَشْرِبَة عَن عَبْدَانِ وَأخرجه مُسلم فِي الْأَشْرِبَة عَن زُهَيْر بن حَرْب
стр. 5597
وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سُوَيْد بن نصر قَوْله " بإيلياء " بِكَسْر الْهمزَة وَاللَّام وَإِسْكَان التَّحْتَانِيَّة الأولى ممدودا هُوَ بَيت الْمُقَدّس على الْأَشْهر قَوْله " للفطرة " أَي لِلْإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ مُقْتَضى الطبيعة السليمة الَّتِي فطر الله النَّاس عَلَيْهَا فَإِن قلت قد مر فِي حَدِيث الْمِعْرَاج أَنه ثَلَاثَة أقداح وَالثَّالِث فِيهِ عسل قلت لَا مُنَافَاة بَينهمَا -
٠١٧٤ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ صالحٍ حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ قَالَ أخبَرَني يُونُسُ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ أبُو سَلَمَة سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عبْدِ الله ﵄ قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ لمّا كَذّبَنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ فِي الحِجْرِ فَجَلّى الله لي بَيْتَ المَقْدِسِ فَطَفِقْتُ أخْبِرُهُمْ عنْ آياتِهِ وَأَنا أنْظُر إلِيْهِ زَادَ يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا ابنُ أخِي ابنِ شِهابٍ عنْ عَمِّهِ لمّا كَذّبَني قُرَيْشٌ حِينَ أُسْرِيَ بِي إِلَى بَيْت المقْدِسِ نَحْوَهُ.
(انْظُر الحَدِيث ٦٨٨٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة بِهِ.
قَوْله: (لما كَذبَنِي قُرَيْش) ، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: (لما كذبتني) ، بالتأنيث. قَوْله: (فِي الْحجر) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَهُوَ تَحت ميزاب الْكَعْبَة. قَوْله: (فَجلى الله) ، بِالْجِيم، أَي: كشف الله تَعَالَى. قَوْله: (فطفقت) ، من أَفعَال المقاربة بِمَعْنى: شرعت وَأخذت (أخْبرهُم) من الْإِخْبَار. قَوْله: (عَن آيَاته) ، أَي: علاماته، وَالَّذِي سَأَلَ النَّبِي ﷺ ، أَن يصف لَهُم بَيت الْمُقَدّس هُوَ الْمطعم بن عدي فوصف لَهُم، فَمن مُصَفِّق وَمن وَاضع يَده على رَأسه مُتَعَجِّبا، وَكَانَ فِي الْقَوْم من سَافر إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَرَأى الْمَسْجِد فَقيل لَهُ: هَل تَسْتَطِيع أَن تنْعَت لنا بَيت الْمُقَدّس؟ فَقَالَ ﷺ : فَذَهَبت أَنعَت لَهُم فَمَا زلت أَنعَت حَتَّى الْتبس عَليّ بعض النَّعْت، فجيء بِالْمَسْجِدِ حَتَّى وضع، قَالَ: فنعته وَأَنا أنظر إِلَيْهِ، فَقَالَ القوام: أما النَّعْت فقد أصَاب. قَوْله: (زَاد يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم) ، هُوَ ابْن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْقرشِي الزُّهْرِيّ، قَالَ: حَدثنَا ابْن أخي ابْن شهَاب وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن مُسلم ابْن أخي الزُّهْرِيّ عَن عَمه مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَهَذِه الزِّيَادَة رَوَاهَا الذهلي فِي (الزهريات) عَن يَعْقُوب بِهَذَا الْإِسْنَاد.
قاصِفاً: رِيحٌ تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَيُرْسل عَلَيْكُم قاصفاً من الرّيح فيغرقكم﴾ (الْإِسْرَاء: ٩٦) الْآيَة، وَفسّر القاصف بقوله: (ريح) أَي: القاصف (ريح تقصف كل شَيْء) . أَي: تكسره بِشدَّة، وَهَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄، وَالله تَعَالَى أعلم.
٤ - (بابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَني آدَمَ﴾ (الْإِسْرَاء: ٠٧)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد كرمنا﴾ وَلَيْسَت فِي بعض النّسخ هَذِه التَّرْجَمَة، قَوْله: (وَلَقَد كرمنا بني آدم) أَي: بِالْعقلِ، قَالَه ابْن عَبَّاس، وَعَن الضَّحَّاك: بالنطق والتمييز، وَعَن عَطاء: بتعديل الْقَامَة وامتدادها، وَعَن يمَان: بِحسن الصُّورَة، وَعَن مُحَمَّد ابْن جرير: بتسليطهم على غَيرهم من الْخلق وتسخير سَائِر الْخلق لَهُم، وَعَن ابْن عَبَّاس: كل شَيْء يَأْكُل بِفِيهِ إلاّ ابْن آدم يَأْكُل بِيَدِهِ.
كَرَّمْنا وأكْرَمْنا واحِدٌ
قَالَ بَعضهم: أَي فِي الأَصْل وإلَاّ فبالتشديد أبلغ قلت: إِذا كَانَ مُرَاده بِالْأَصْلِ الْوَضع فَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن لكل مِنْهُمَا بَابا فِي الأَصْل مَوْضُوعا، وَإِن كَانَ مُرَاده بِالْأَصْلِ الِاسْتِعْمَال فَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَن كرمنا بِالتَّشْدِيدِ من بَاب التفعيل، وَأَكْرمنَا من بَاب الْأَفْعَال، بل المُرَاد أَنَّهَا وَاحِد فِي التَّعَدِّي، غير أَن فِي كرمنا بِالتَّشْدِيدِ من الْمُبَالغَة مَا لَيْسَ فِي أكرمنا. فَافْهَم.
ضِعْفَ الحَياةِ عَذَابَ الحَياة وضِعْفَ المَمَاتِ عَذَابَ المَماتِ
стр. 5598
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا لأذقناك ضعف الْحَيَاة وَضعف الْمَمَات ثمَّ لَا تَجِد لَك علينا نَصِيرًا﴾ (الْإِسْرَاء: ٥٧) قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: التَّقْدِير ضعف عَذَاب الْحَيَاة وَضعف عَذَاب الْمَمَات، يُرِيد عَذَاب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، أَي: ضعف مَا يعذب بِهِ غَيره، وَهَذَا تخويف لأمته، ﵊، لِئَلَّا يركن أحد من الْمُسلمين إِلَى أحد من الْمُشْركين فِي شَيْء من أَحْكَام الله وشرائعه، وَذَلِكَ لِأَن النَّبِي ﷺ كَانَ مَعْصُوما، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: هَذَا وَمَا شابهه محَال فِي حَقه ﵊.
خِلَافَكَ وخَلْفَكَ سَوَاءٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا لَا يلبثُونَ خِلافك إِلَّا قَلِيلا﴾ (الْإِسْرَاء: ٦٧) وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة. قَالَ: وهما لُغَتَانِ بِمَعْنى، وقرىء بهما فالجمهور قرؤوا خَلفك إلَاّ قَلِيلا وَابْن عَامر خِلافك، وَمَعْنَاهُ: إلَاّ قَلِيلا بعْدك.
ونأى تَباعَدَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا أنعمنا على الْإِنْسَان أعرض ونأى بجانبه﴾ (الْإِسْرَاء: ٣٨) وَفسّر قَوْله: (نأى) بقوله: (تبَاعد) . قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَي: تبَاعد منا بِنَفسِهِ، وَعَن عَطاء: تعظم وتكبر، وَيُقَال: نأى من الأضداد.
شاكِلَتِهِ ناحِيَتِهِ وهْيَ مِنْ شَكَلْتُهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قل كل يعْمل على شاكلته﴾ (الْإِسْرَاء: ٤٨) وفسرها بقوله: ناحيته، وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَعَن مُجَاهِد: على حِدته، وَعَن الْحسن وَقَتَادَة: على نِيَّته، وَعَن أبي زيد. على دينه، وَعَن مقَاتل: على جبلته، وَعَن الْفراء: على طَرِيقَته الَّتِي جبل عَلَيْهَا، وَعَن أبي عُبَيْدَة والقتبي: على خليقته وطبيعته: (وَهِي من شكلته) أَي: الشاكلة مُشْتَقَّة من شكلته إِذا قيدته، ويروى: (من شكلته) ، بِالْفَتْح بِمَعْنى الْمثل، وبالكسر بِمَعْنى الدن.
صَرَّفْنا وجَّهْنا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد صرفنَا للنَّاس فِي هَذَا الْقُرْآن﴾ (الْإِسْرَاء: ٩٨) وَفَسرهُ بقوله: وجهنا، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة وَيُقَال: أَي وَبينا من الْأَمْثَال وَغَيرهَا مِمَّا يُوجب الِاعْتِبَار بِهِ.
قَبِيلاً مُعايَنَةً ومُقابَلَةً وقِيلَ القابِلَةُ لأنّها مُقابِلَتُها تَقْبَلُ ولدَها
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو تَأتي بِاللَّه وَالْمَلَائِكَة قبيلاً﴾ (الْإِسْرَاء: ٢٩١) وَفَسرهُ بقوله: مُعَاينَة ومقابلة. قَوْله: (وَقيل الْقَابِلَة) ، أَرَادَ أَنه قيل للْمَرْأَة الَّتِي تتلقى الْوَلَد عِنْد الْولادَة قَابِلَة لِأَنَّهَا مقابلتها، أَي: مُقَابلَة الْمَرْأَة الَّتِي تولدها. قَوْله: (تقبل وَلَدهَا) أَي: تتلقاه عِنْد الْولادَة، يُقَال: قبلت الْقَابِلَة الْمَرْأَة تقبلهَا قبالة بِالْكَسْرِ، أَي: تَلَقَّتْهُ عِنْد الْولادَة، وَقَالَ ابْن التِّين: ضَبطه بَعضهم بتقبل وَلَدهَا بِضَم الْمُوَحدَة وَلَيْسَ ببين قلت: تقبل بِالْفَتْح هُوَ الْبَين لِأَنَّهُ من بَاب علم يعلم، وَقد يظنّ أَن تقبل وَلَدهَا من التَّقْبِيل، وَلَيْسَ بِظَاهِر.
خَشْيَةَ الإنْفاقِ أنْفَقَ الرَّجُلُ أمْلَقَ ونَفَقَ الشَّيْءُ ذِهَبَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا لامستكم خشيَة الْإِنْفَاق وَكَانَ الْإِنْسَان قتوراً﴾ (الْإِسْرَاء: ٠٠١) وَفسّر الْإِنْفَاق الإملاق، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق السّديّ، قَالَ: خشيَة الْإِنْفَاق، أَي: خشيَة أَن تنفقوا فتفتقروا. قَوْله: (ونفق الشَّيْء ذهب) بِفَتْح الْفَاء وَقيل بِكَسْرِهَا، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَأَشَارَ بِهِ أَيْضا إِلَى الْفرق بَين الثلاثي والمزيد من حَيْثُ الْمَعْنى، وَفِي هَذِه السُّورَة أَيْضا قَوْله: ﴿وَلَا تقتلُوا أَوْلَادكُم خشيَة إملاق﴾ (الْإِسْرَاء: ١٣) الإملاق الْفقر وَقد خبط بَعضهم هُنَا خباطاً لَا ينجلي، وَقد طويت ذكره.
قَتُوراً مُقَتِّراً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَان قتوراً﴾ (الْإِسْرَاء: ٠٠١) وَقَالَ: إِن قتوراً الَّذِي على وزن: فعول، بِمَعْنى: مقتراً، على وزن إسم الْفَاعِل من الإقتار، وَمَعْنَاهُ: بَخِيلًا ممسكاً، يُقَال: قتر يقتر قتراً وأقتر إقتاراً: إِذا قصر فِي الْإِنْفَاق.
للأذْقانِ مُجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ والوَاحِدُ ذَقَنٌ
стр. 5599
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يخرون للأذقان سجدا﴾ (الْإِسْرَاء: ٧٠١) وَقَالَ: الأذقان مجمع اللحيين، بِفَتْح اللَاّم، وَقيل، بِكَسْرِهَا أَيْضا: تَثْنِيَة لحي وَهُوَ الْعظم الَّذِي عَلَيْهِ الْأَسْنَان. قَوْله: (وَالْوَاحد ذقن) ، بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَالْقَاف وَاللَّام فِيهِ بِمَعْنى: على، وَالْمعْنَى: يَسْجُدُونَ على أذقانهم، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: الْوُجُوه، يُرِيد: يَسْجُدُونَ بِوُجُوهِهِمْ وجباههم وأذقانهم.
وَقَالَ مُجاهِدٌ مَوْفُوراً وافِراً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن جَهَنَّم جزاؤكم جزاءًا موفوراً﴾ (الْإِسْرَاء: ٣٦) وَفسّر مُجَاهِد: موفوراً بقوله: (وافراً) وَكَذَا روى الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَنهُ، وَالْحَاصِل أَن الْمَفْعُول هُنَا بِمَعْنى الْفَاعِل، عكس: ﴿عيشة راضية﴾ (الحاقة: ١٢ وَالْقَارِعَة: ٧) .
تَبِيعاً ثائِراً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ لَا تَجدوا لكم علينا بِهِ تبيعاً﴾ (الْإِسْرَاء: ٩٦) وَفسّر (تبيعاً) بقوله: (ثائراً) أَي: طَالبا للثأر ومنتقماً، وَيُقَال لكل طَالب بثأر: تبيع، وتابع، وَهَذَا أَيْضا تَفْسِير مُجَاهِد وَصله الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَنهُ.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاس نَصِيراً
أَي: ابْن عَبَّاس فسر تبيعاً بقوله: (نَصِيرًا) وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ.
خَبَتْ طَفِئَتْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿كلما خبت زدناهم سعيراً﴾ (الْإِسْرَاء: ٧٩) وَفسّر: (خبت) بقوله: (طفئت) يُقَال: خبت النَّار تخبو خبواً إِذا سكن لهبها، وأصل خبت خبيت قلبت الْيَاء ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، ثمَّ حذفت لالتقاء الساكنين فَصَارَ خبت على وزن فعت.
وَقَالَ ابنُ عَباسٍ لَا تُبَذِّرْ لَا تُنْفِقْ فِي الباطِلِ
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تبذر تبذيراً﴾ (الْإِسْرَاء: ٦٢) أَي: لَا تنْفق فِي الْبَاطِل، وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن ابْن عَبَّاس، وَيُقَال: التبذير إِنْفَاق المَال فِيمَا لَا يَنْبَغِي، والإسراف هُوَ الصّرْف فِيمَا يَنْبَغِي زَائِدا على مَا يَنْبَغِي.
ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ رزْقٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأما تعرضن عَنْهُم ابْتِغَاء رَحْمَة من رَبك﴾ (الْإِسْرَاء: ٨٢) وَفسّر الرَّحْمَة بالرزق، وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَطاء عَن ابْن عَبَّاس.
مَثْبُوراً ملْعُوناً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لأظنك يَا فِرْعَوْن مثبوراً﴾ (الْإِسْرَاء: ٢٠١) وَفَسرهُ بقوله: ملعوناً، وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الْمَعْرُوف فِي الثبور الْهَلَاك، والملعون هَالك، وَعَن الْعَوْفِيّ: مَعْنَاهُ مَغْلُوبًا، وَعَن مُجَاهِد: هَالكا، وَعَن قَتَادَة: مهْلكا، وَعَن عَطِيَّة: مغيراً مبدلاً، وَعَن ابْن زيد بن أسلم: مخبولاً لَا عقل لَهُ.
لَا تَقْفُ: لَا تَقُلْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ (الْإِسْرَاء: ٦٣) وَفسّر: (لَا تقف) بقوله: (لَا تقل) ، أَي: فِي شَيْء بِمَا لَا تعلم، وَعَن قَتَادَة: لَا تقل رَأَيْت وَلم تره وَسمعت وَلم تسمعه وَعلمت وَلم تعلمه، وَهَذِه رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، وَعَن مُجَاهِد: وَلَا ترمِ أحدا بِمَا لَيْسَ لَك بِهِ علم، وَهِي رِوَايَة أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَ القتبي: هُوَ مَأْخُوذ من الْقَفَا كَأَنَّهُ يقفو الْأُمُور، أَي: يكون فِي قفائها يتعقبها ويتتبعها ويتعرفها، يُقَال: قَفَوْت أَثَره على وزن دَعَوْت، وَالنَّهْي فِي: لَا تقف، مثل: لَا تدع، وَبِهَذَا اسْتدلَّ أَبُو حنيفَة على ترك الْعَمَل بالقائف، وَمَا ورد من ذَلِك من أَخْبَار الْآحَاد فَلَا يُعَارض النَّص.
فَجاسُوا تَيَمَّمُوا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فجاسوا خلال الديار وَكَانَ وَعدا مَفْعُولا﴾ (الْإِسْرَاء: ٥) وَفسّر: (جاسوا) بقوله: (تيمموا) أَي: قصدُوا وسط الدَّار، وجاسوا من الجوس وَهُوَ طلب الشَّيْء باستقصاء، وَقَالَ ابْن عَرَفَة: مَعْنَاهُ عانوا وأفسدوا.
يُزْجِي الفلْكَ: يُجْرِي الفلْكَ
стр. 5600
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ربكُم الَّذِي يزجى لكم الْفلك فِي الْبَحْر﴾ (الْإِسْرَاء: ٦٦) وَفسّر: (يُزجي) ، من الإزجاء الزَّاي، بقوله: (يُجري) من الإجراء بالراء الْمُهْملَة، وَيُقَال: مَعْنَاهُ يَسُوق الْفلك ويسيره حَالا بعد حَال، وَيُقَال: أزجيت الْإِبِل سقتها، وَالرِّيح تزجي السَّحَاب وَالْبَقَرَة تزجي وَلَدهَا، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق سعيد عَن قَتَادَة: يزجي الْفلك أَي يسيرها فِي الْبَحْر، وَالله أعلم.
(بابُ قَوْلِهِ: ﴿وإذَا أرَدْنا أنْ نَهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا متْرَفِيها﴾ (الْإِسْرَاء: ٦١)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَإِذا أردنَا أَن نهلك قَرْيَة﴾ الْآيَة. أَي إِذا أردنَا إهلاك قَرْيَة أمرنَا، بِفَتْح الْمِيم من: أَمر، ضد نهى، وَهِي قِرَاءَة الْجُمْهُور، وَفِيه حذف تَقْدِيره ﴿أمرنَا مُتْرَفِيهَا﴾ بِالطَّاعَةِ ﴿ففسقوا﴾ أَي: فَخَرجُوا عَن الطَّاعَة ﴿فَحق عَلَيْهَا القَوْل﴾ أَي: فَوَجَبَ عَلَيْهِم الْعَذَاب ﴿فدمرنا تدميراً﴾ أَي: فخربنا تخريباً وأهلكنا من فِيهَا إهلاكاً، وَفسّر بَعضهم: أمرنَا: بكثرنا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وقرىء (آمرنا) من أَمر يَعْنِي بِكَسْر الْمِيم وَأمره غَيره وأمرنا بِمَعْنى أمرنَا أَو من أَمر إِمَارَة وَأمره الله أَي: جعلناهم أُمَرَاء وسلطناهم. قَوْله: (مُتْرَفِيهَا) جمع مترف وَهُوَ المتنعم المتوسع فِي ملاذ الدُّنْيَا.
١١٧٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله حدّثنا سُفْيانُ أخْبَرَنا مَنْصُورٌ عنْ أبي وائِلِ عنْ عَبْدِ الله قَالَ كُنَّا نَقُولُ لِلْحَيِّ إذَا كَثُرُوا فِي الجاهِلِيّةِ أمِرَ بَنُو فُلَانٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: أَمر، فَإِنَّهُ بِفَتْح الْمِيم وَكسرهَا كَمَا جَاءَت الْقرَاءَات الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة مَبْنِيَّة على الِاخْتِلَاف فِي معنى: أَمر، الَّذِي هُوَ الْمَاضِي، وَالِاخْتِلَاف فِي بَابه.
وَعلي بن عبد الله هُوَ الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَأَبُو وَائِل هُوَ شَقِيق بن سَلمَة وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.
قَوْله: (للحي) أَي: للقبيلة. قَوْله: (أَمر) ، بِكَسْر الْمِيم بِمَعْنى كثر، وَجَاء بِفَتْح الْمِيم أَيْضا، وهما لُغَتَانِ جاءتا بِمَعْنى: كثر، وَفِيه رد على ابْن التِّين حَيْثُ أنكر الْفَتْح فِي معنى كثر، وَقَالَ بَعضهم: وَضبط الْكرْمَانِي أَحدهمَا بِضَم الْهمزَة وَهُوَ غلط مِنْهُ. قلت: لم يُصَرح الْكرْمَانِي بذلك بل نسبه إِلَى الْحميدِي، وَفِيه المناقشة.
حدّثنا الحُمَيْدِي حدّثنا سُفْيانُ وَقَالَ: أمِرَ
أَشَارَ بذلك إِلَى أَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة روى عَنهُ الْحميدِي: (أَمر) ، بِفَتْح الْمِيم، وروى عَنهُ عَليّ بن عبد الله: أَمر، بِكَسْر الْمِيم وهما لُغَتَانِ كَمَا ذكرنَا فِي معنى: كثر والْحميدِي عبد الله بن الزبير بن عِيسَى ونسبته إِلَى أحد أجداده حميد، وَقد مر غير مرّة، وَالله أعلم.
٥ - (بابٌ: ﴿ذُرِّيّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ (الْإِسْرَاء: ٣)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿ذُرِّيَّة من حملنَا مَعَ نوح﴾ إِلَى آخِره ... قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: يَعْنِي يَا ذُرِّيَّة من حملنَا، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وقرىء ذُرِّيَّة بِالرَّفْع بَدَلا من وَاو تَتَّخِذُوا، وَقَرَأَ زيد بن ثَابت ﵁، ذُرِّيَّة، بِكَسْر الذَّال، وروى عَنهُ أَنه فَسرهَا بِولد الْوَلَد. قَوْله: (إِنَّه كَانَ عبدا شكُورًا) ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: كَانَ نوح ﵊، إِذا لبس ثوبا أَو أكل طَعَاما أَو شرب شرابًا قَالَ: الْحَمد لله، فَسمى عبدا شكُورًا، وَعَن عمرَان بن سليم: إِنَّمَا سمي نوح ﵊، عبدا شكُورًا لِأَنَّهُ كَانَ إِذا أكل طَعَاما قَالَ: الْحَمد لله الَّذِي أَطْعمنِي، وَلَو شَاءَ أجاعني، وَإِذا شرب شرابًا، قَالَ: الْحَمد لله الَّذِي سقاني وَلَو شَاءَ أظمأني، وَإِذا اكتسى، قَالَ: الحمدلله الَّذِي كساني وَلَو شَاءَ أعراني، وَإِذا احتذى قَالَ: الْحَمد لله الَّذِي حذاني وَلَو شَاءَ أحفاني، وَإِذا قضى حَاجته قَالَ: الْحَمد لله الَّذِي أخرج عني أذاء فِي عَافِيَة وَلَو شَاءَ حَبسه.
٢١٧٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أخْبَرَنا عبدُ الله أخبرنَا أبُو حيَّانَ التَّيْمِيُّ عنْ أبي زُرْعَةَ ابنِ عَمْروِ بنِ جَرِير عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ أتِيَ رسولُ الله ﷺ بِلَحْمٍ
стр. 5601
فَرُفِعَ إلَيْهِ الذِّرَاعُ وكانَتْ تعْجِبُهُ فَنَهَسَ مِنْها نَهْسَةً ثُمَّ قَالَ أَنا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ وهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَاكَ يُجْمَعُ النّاسُ الأوَّلينَ والآخِرِينَ فِي صعِيدٍ واحِدٍ يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ البَصرُ وتَدْنُو الشَّمْسُ فيَبْلُغُ النّاسَ مِنَ الغَمِّ والكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يحْتَمِلونَ فيَقُولُ النّاسُ أَلا تَرَوْنَ مَا قَدْ بلغَكُمْ أَلا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ فيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ عَلَيْكُمْ بآدمَ فَيأتُونَ آدَمَ ﵇ فيَقولُونَ لَهُ أنْتَ أبُو البَشَرِ خَلَقَكَ الله بِيَدِهِ ونَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وأمرَ المَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ اشْفَعْ لنا إِلَى ربِّكَ أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ ألَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنا فَيَقُولُ آدَمُ إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لمْ يَغْضَبْ قبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وإنَّهُ نَهاني عَن الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ. نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غيْرِي اذْهَبُوا إِلَى نوحٍ فَيَأتُونَ نُوحاً فيَقُولونَ يَا نُوحُ إنَّكَ أنْتَ أوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أهْلِ الأرْض وقَدْ سَمّاكَ الله عبْداً شَكُوراً اشْفَعْ لَنا إِلَى رَبِّكَ أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وإنَّهُ قَدْ كانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُها عَلَى قَوْمِي نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إلَى إبْرَاهِيمَ فَيَأتُونَ إبْرَاهِيمَ فَيَقُولونَ يَا إبْرَاهِيمُ أنْتَ نَبِيُّ الله وخَلِيلُهُ مِنْ أهْلِ الأرْضِ اشْفَعْ لَنا إلَى رَبِّكَ ألَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فيَقُولُ لَهُمْ إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليومَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلُهُ ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وإنِّي قَدْ كُنْت كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذَباتٍ فذكَرَهُنَّ أبُو حَيَّانَ فِي الحَدِيثِ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى فَيَأتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ يَا مُوسَى أنْتَ رَسُولُ الله فَضَّلَكَ الله بِرِسالَتِهِ وبِكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ اشْفَعْ لَنا إِلَى رَبِّكَ أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وإنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْساً لَمْ أومَرْ بِقَتْلِها نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى عِيَسى فَيَأتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ يَا عِيسَى أنْتَ رسولُ الله وكَلِمَتُهُ ألْقاها إِلَى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنْهُ وكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي المَهْدِ صَبِيًّا اشْفَعْ لَنا إلَى رَبِّكَ أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فيَقُولُ عِيسَى إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ولَمْ يَذْكُرْ ذِنْباً نَفْسي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَأتُونَ مُحَمَّداً ﷺ فَيَقُولُونَ يَا مُحَمَّدُ أنْتَ رسولُ الله وخاتمُ الأنْبِياءِ وقَدْ غَفَرَ الله لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تأخَّرَ اشْفَعْ لَنا إِلَى رَبِّكَ ألَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فأنْطَلِقُ فآتِي تَحْتَ العَرْشِ فأقَعُ ساجِداً لِرَبِّي ثُمَّ يَفْتَحُ الله عَليَّ مِنْ مَحامِدِهِ وحُسْنِ الثَّناءِ عَلَيْهِ شَيْئاً لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أحَدٍ قَبْلِي ثُمَّ يُقالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأسَكَ سَلْ تُعْطَهُ واشْفَعْ تُشَفَّعْ فأرْفَعُ رَأسِي فأقُولُ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ فَيُقالُ يَا مُحَمَّدُ أدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَابِ الأيمِنْ أبْوَابِ
стр. 5602
الجَنَّةِ وهُمْ شُرَكاءُ النَّاسِ فِيما سِوَى ذالِكَ مِنَ الأبْوَابِ ثُمَّ قَالَ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ مَا بَيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصارِيع الجَنَّةِ كَما بَيْنَ مَكَّةِ وحِمْيَرَ أوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى.
(انْظُر الحَدِيث ٠٤٣٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (عبدا شكُورًا) . وَمُحَمّد بن مقَاتل الْمروزِي. وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَأَبُو حَيَّان. بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: واسْمه يحيى بن سعيد بن حَيَّان التَّيْمِيّ تيم الربَاب الْكُوفِي، وَأَبُو زرْعَة هُوَ هرم بن عَمْرو بن جرير بن عبد الله البَجلِيّ الْكُوفِي.
والْحَدِيث مضى مُخْتَصرا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء ﵈، عَن إِسْحَاق بن نصر عَن مُحَمَّد بن عبيد عَن أبي حَيَّان عَن أبي زرْعَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ولنتكلم فِيمَا لم يذكر.
قَوْله: (فنهس) ، من النهس وَهُوَ أَخذ اللَّحْم بأطراف الْأَسْنَان، والنهش بِالْمُعْجَمَةِ الْأَخْذ بجميعها. قَوْله: (مِم ذَلِك؟) ويروى: مِم ذَاك؟ قَوْله: (يسمعهم) من الإسماع. قَوْله: (وَينْفذهُمْ) بِضَم الْيَاء، أَي: يُحِيط بهم بصر النَّاظر لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء لِاسْتِوَاء الأَرْض وَعدم الْحجاب. قَوْله: (وَلنْ يغْضب) ويروى: وَلَا يغْضب. قَوْله: (وَإنَّهُ نهاني) ويروي: وَإنَّهُ قد نهاني. قَوْله: (نَفسِي نَفسِي نَفسِي) ثَلَاث مَرَّات. قَوْله: (فَذَكرهنَّ أَبُو حَيَّان) أَي: فَذكر الثَّلَاث الكذبات أَبُو حَيَّان الرَّاوِي الْمَذْكُور، وَهِي قَوْله: إِنِّي سقيم، وبل فعله كَبِيرهمْ، وَإِنَّهَا أُخْتِي، فِي حق سارة. انْتهى. قَوْله: (لم أومر) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (يشفع) على صِيغَة الْمَجْهُول من التشفع وَهُوَ قبُول الشَّفَاعَة. قَوْله: (ادخل) أَمر من الإدخال. قَوْله: (وحمير) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف: هُوَ بِالْيمن، (وَبصرى) بِضَم الْبَاء مَدِينَة بِالشَّام.
٦ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْنا دَاوُدَ زَبُوراً﴾ (النِّسَاء: ٣٦١ والإسراء: ٥٥)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وآتينا دَاوُد زبوراً﴾ قَالَ الرّبيع بن أنس: الزبُور هَذَا ثَنَاء على الله وَدُعَاء وتسبيح، وَقَالَ قَتَادَة، كُنَّا نتحدث أَنه دُعَاء علمه الله دَاوُد وتحميد وتمجيد لله لَيْسَ فِيهِ حَلَال وَلَا حرَام وَلَا فَرَائض وَلَا حُدُود.
٣١٧٤ - حدَّثني إسْحاقُ بنُ نَصْرٍ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عنْ مَعْمَرٍ عنْ هَمَّامٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَن النبيِّ ﷺ قَالَ خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ القِرَاءَةُ فَكانَ يأمُرُ بِدَابَّتِهِ لِتُسْرَجَ فَكانَ يَقْرَأُ قَبْلَ أنْ يَفْرُغَ يَعْنِي القُرْآنَ.
(انْظُر الحَدِيث ٣٧٠٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (الْقِرَاءَة) لِأَن مَعْنَاهُ: قِرَاءَة الزبُور، وَهَذِه رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة غَيره: الْقُرْآن. قَالَ الْكرْمَانِي: المُرَاد مِنْهُ التَّوْرَاة وَالزَّبُور وكل شَيْء جمعته فقد قرأته، وَسمي الْقُرْآن قُرْآنًا لِأَنَّهُ جمع الْأَمر وَالنَّهْي وَغَيرهمَا انْتهى. قلت: قَوْله: لِأَنَّهُ جمع الْأَمر وَالنَّهْي، لَا يَتَأَتَّى فِي الزبُور لِأَنَّهُ كَانَ قصصاً وأمثالاً ومواعظ، وَلم يكن الْأَمر وَالنَّهْي إلَاّ فِي التَّوْرَاة.
والْحَدِيث مضى فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وآتينا دَاوُد زبوراً﴾ يأتم مِنْهُ.
قَوْله: (خفف) على صِيغَة الْمَجْهُول من التَّخْفِيف. قَوْله: (لتسرج) أَي: لِأَن تسرج من الإسراج وَهُوَ شدّ الدَّابَّة بالسرج. قَوْله: (قبل أَن يفرغ) أَي: من الإسراج، وَفِيه أَن الله تَعَالَى يطوي الزَّمَان لمن شَاءَ من عباده كَمَا يطوي الْمَكَان.
٧ - (بابٌ: ﴿قل ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ ولَا تَحْوِيلاً﴾ (الْإِسْرَاء: ٦٥)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿قل ادعوا الَّذين﴾ الْآيَة، كَذَا سيق فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: ﴿قل ادعوا الَّذين زعمتم من دونه﴾ الْآيَة. قَوْله: (زعمتم من دونه) أَي: زعمتم أَنَّهَا آلِهَة من دون الله. قَوْله: (فَلَا يملكُونَ كشف الضّر عَنْكُم) قيل: هُوَ مَا أَصَابَهُم من الْقَحْط سبع سِنِين. قَوْله: (وَلَا تحويلاً) أَي: وَلَا يملكُونَ تحويلاً عَلَيْكُم إِلَى غَيْركُمْ.
٤١٧٤ - حدَّثني عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ حَدثنَا يَحْيَى حدَّثنا سُفْيانُ حَدثنِي سُلَيْمانُ عنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ أبي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الله ﴿إِلَى ربِّهِمِ الوَسِيلَةَ﴾ (الْإِسْرَاء: ٧٥) قَالَ كانَ ناسٌ مِنَ الإنْسِ يَعْبُدُونَ نَاسا مِنَ الجِنِّ فأسْلَمَ
стр. 5603
الجِنُّ وَتَمَسَّكَ هاؤُلَاءِ بِدِينِهِمْ زَادَ الأشْجَعِي عَنْ سُفْيانَ عَنِ الأعْمَشِ: ﴿قلِ ادْعُو الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ (الْإِسْرَاء: ٦٥) .
(انْظُر الحَدِيث: ٤١٧٤ طرفه فِي: ٥١٧٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي زِيَادَة الْأَشْجَعِيّ. وَعَمْرو بن عَليّ بن بَحر أَبُو حَفْص الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ الصَّيْرَفِي وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَأَبُو معمر هُوَ عبد الله بن سَخْبَرَة الْأَزْدِيّ الْكُوفِي، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود ﵁.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا هُنَا عَن بشر بن خَالِد. وَأخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن بشر بن خَالِد بِهِ وَعَن غَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن عَمْرو بن عَليّ بِهِ وَعَن غَيره.
قَوْله: ﴿إِلَى رَبهم الْوَسِيلَة﴾ (الْإِسْرَاء: ٧٥) فِيهِ حذف تَقْدِيره: عَن عبد الله، قَالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذين يدعونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبهم الْوَسِيلَة﴾ قَالَ: كَانَ نَاس من الْإِنْس إِلَى آخِره، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم، غير أَن فِي قَوْله: كَانَ نفر من الْإِنْس يعْبدُونَ نَفرا من الْجِنّ فَأسلم النَّفر من الْجِنّ واستمسك الْإِنْس بعبادتهم، فَنزلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذين يدعونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبهم الْوَسِيلَة﴾ انْتهى. وَالْمرَاد بالوسيلة الْقرْبَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: النَّاس هم الْإِنْس ضد الْجِنّ قَالَ تَعَالَى: ﴿شياطين الْإِنْس وَالْجِنّ﴾ (الْأَنْعَام: ٢١١) فَكيف قَالَ: نَاسا من الْإِنْس وناساً من الْجِنّ؟ قلت: المُرَاد من لفظ: نَاس، طَائِفَة، وَالنَّاس قد يكون من الْإِنْس وَالْجِنّ. قلت: فِي كَلَامه الأول نظر، وَالْوَجْه كَلَامه الثَّانِي، وَكَذَا قَالَ الْجَوْهَرِي: وَالنَّاس قد يكون الْإِنْس وَمن الْجِنّ وَأَصله أنَاس فَخفف. انْتهى قَوْله: (وَتمسك هَؤُلَاءِ بدينهم) أَي: اسْتمرّ الْإِنْس الَّذين كَانُوا يعْبدُونَ الْجِنّ على عبَادَة الْجِنّ، وَالْجِنّ لَا يرضون بذلك لكَوْنهم أَسْلمُوا وهم الَّذين صَارُوا ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبهم الْوَسِيلَة﴾ . قَوْله: (زَاد الْأَشْجَعِيّ) هُوَ عبيد الله بن عبيد الرَّحْمَن بِالتَّصْغِيرِ فيهمَا الْكُوفِي مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَة، أَرَادَ أَنه زَاد فِي رِوَايَته عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش، وروى ابْن مرْدَوَيْه هَذِه الزِّيَادَة عَن مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد حَدثنَا عبد الْجَبَّار بن الْعلَا عَن يحيى حَدثنَا سُفْيَان فَذكره بِزِيَادَة. قَوْله: (فَأسلم الْجِنّ) من غير أَن يعلم الإنسيون، فَنزلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذين يدعونَ﴾ انْتهى. قلت: حَاصِل الْكَلَام أَن طَرِيق يحيى عَن سُفْيَان ابْن عبد الله لما قَرَأَ: ﴿إِلَى ربه الْوَسِيلَة﴾ قَالَ: كَانَ نَاس ... وَطَرِيق الْأَشْجَعِيّ عَن سُفْيَان أَنه زَاد فِي الْقِرَاءَة، وَقَرَأَ: ﴿ادعو الَّذين زعمتم﴾ أَيْضا إِلَى آخر الْآيَتَيْنِ، ثمَّ قَالَ: كَانَ نَاس.
٨ - (بابٌ: ﴿أُولائِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ الآيةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذين يدعونَ﴾ الْآيَة. قَوْله: ﴿يدعونَ﴾ مَفْعُوله مَحْذُوف تَقْدِيره: أُولَئِكَ الَّذين يَدعُونَهُمْ آلِهَة يَبْتَغُونَ إِلَى رَبهم الْوَسِيلَة، أَي: الزلفة والقربة أَيهمْ أقرب. وَعَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَأكْثر الْعلمَاء هم: عِيسَى وَأمه وعزير وَالْمَلَائِكَة وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم.
٥١٧٤ - حدَّثنا بِشحر بنُ خالِدٍ أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عنْ أبي مَعْمَرٍ عنْ عَبْدِ الله ﵁ فِي هاذِهِ الآيةِ: ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ قَالَ: ناسٌ مِنَ الجِنِّ يُعْبَدُونَ فأسْلَمُوا.
(انْظُر الحَدِيث ٤١٧٤) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور قبله أوردهُ مُخْتَصرا عَن بشر بن خَالِد إِلَى آخِره. قَوْله: (يعْبدُونَ) ، بِضَم الْيَاء على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالله أعلم.
٩ - (بابٌ: ﴿وَمَا جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلاّ فِتْنَةً لِلناسِ﴾ (الْإِسْرَاء: ٠٦)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أريناك﴾ الْآيَة، وَهُوَ مَا أرِي لَيْلَة الْإِسْرَاء من الْعَجَائِب والآيات. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: الرُّؤْيَة يقل اسْتِعْمَالهَا فِي الْمَنَام، والرؤيا يكثر اسْتِعْمَالهَا فِي الْمَنَام، وَيجوز اسْتِعْمَال كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي الْمَعْنيين. قَوْله: (إلَاّ فتْنَة) أَي: إلَاّ بلَاء للنَّاس حَيْثُ اتخذوه سخرياً.
٦١٧٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ عَنْ عَمْروٍ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي
стр. 5604
الله عَنهُ: ﴿وَمَا جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (الْإِسْرَاء: ٠٦) قَالَ هِيَ رُؤْيا عَيْنٍ أُرِيها رسولُ الله ﷺ لَيْلَةَ أسْرِيَ بِهِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ.
(انْظُر الحَدِيث ٨٨٨٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار.
وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْقدر وَفِي الْبَعْث عَن الْحميدِي. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور.
قَوْله: (هِيَ رُؤْيا عين) ، وَزَاد سعيد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان فِي آخر الحَدِيث: وَلَيْسَت رُؤْيا مَنَام. قَوْله: (أريها) ، بِضَم الْهمزَة وَكسر الرَّاء من الإراءة. قَوْله: (والشجرة الملعونة) ، بِالنّصب عطف على الرُّؤْيَا، تَقْدِيره: وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أريناك والشجرة الملعونة فِي الْقُرْآن، إلَاّ فتْنَة للنَّاس، وَكَانَت فتنتهم فِي الرُّؤْيَا أَن جمَاعَة ارتدا، وَقَالُوا: كَيفَ يسرى بِهِ إِلَى بَيت الْقُدس فِي لَيْلَة وَاحِدَة؟ وَقيل: رأى رَسُول الله ﷺ بني أُميَّة ينزون على منبره نزو القردة فسَاء ذَلِك، فَمَا استجمع ضَاحِكا حَتَّى مَاتَ، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا﴾ الْآيَة، وَكَانَت فتنتهم فِي الشَّجَرَة الملعونة أَن أَبَا جهل عَلَيْهِ اللَّعْنَة قَالَ، لما نزلت هَذِه الْآيَة: لَيْسَ من كذب ابْن أبي كَبْشَة أَنه يتوعدكم بِنَار تحرق الْحِجَارَة ثمَّ يزْعم أَنه تنْبت فِيهَا شَجَرَة وَأَنْتُم تعلمُونَ أَن النَّار تحرق الشَّجَرَة، وروى ابْن مرْدَوَيْه عَن عبد الرَّزَّاق عَن أَبِيه عَن مينا، مولى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف: أَن عَائِشَة ﵂، قَالَت لمروان: أشهد أَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ ، يَقُول لَك ولأبيك ولجدك: إِنَّكُم الشَّجَرَة الملعونة فِي الْقُرْآن، وروى ابْن أبي حَاتِم من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو: أَن الشَّجَرَة الملعونة فِي الْقُرْآن الحكم بن أبي الْعَاصِ وَولده. قَوْله: ﴿شَجَرَة الزقوم﴾ (الصافات: ٢٦) ، على وزن فعول من الزقم وَهُوَ اللقم الشَّديد وَالشرب المفرط، وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ: هِيَ شَجَرَة غبراء مرّة قبيحة الرؤوس، وَقَالَ ثَعْلَب: الزقوم كل طَعَام يقتل والزقمة الطَّاعُون، وَفِي (غرر التِّبْيَان) : هِيَ شَجَرَة الكشوت تلتوي على الشّجر فتجففه، وَقيل: هِيَ الشَّيْطَان، وَقيل: أَبُو جهل، وروى عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄، لما ذكر الله الزقوم فِي الْقُرْآن، قَالَ أَبُو جهل: هَل تَدْرُونَ مَا الزقوم؟ هُوَ التَّمْر بالزبد، أما وَالله لَئِن أمكننا الله مِنْهَا لتزقمناها تزقماً، فَنزلت: ﴿والشجرة الملعونة﴾ (الْإِسْرَاء: ٠٦) فِي الْقُرْآن. وَعَن مقَاتل: قَالَ عبد الله بن الزبعري: إِن الزقوم بِلِسَان البربر الزّبد، فَقَالَ أَبُو جهل: يَا جَارِيَة ائتنا تَمرا وزبداً، وَقَالَ لقريش: تزقموا من هَذَا الزقوم، وَقَالَ ابْن سَيّده: لما نزلت آيَة الزقوم لم يعرفهُ قُرَيْش، فَقَالَ أَبُو جهل: إِن هَذَا لَيْسَ ينْبت ببلادنا فَمَا مِنْكُم من يعرفهُ؟ فَقَالَ رجل قدم عَلَيْهِم من إفريقية: إِن الزقوم بلغَة أهل إفريقية الزّبد بِالتَّمْرِ. فَإِن قلت: فَأَيْنَ ذكرت فِي الْقُرْآن لعنها؟ قلت: قد لعن آكلها وَالْعرب تَقول لكل طَعَام مَكْرُوه مَلْعُون، وَوصف الله تَعَالَى شَجَرَة الزقوم فِي سُورَة الصافات فَقَالَ: ﴿أَنَّهَا شَجَرَة تخرج فِي أصل الْجَحِيم﴾ (الصافات: ٤٦) الْآيَات ... أَي: خلقت من النَّار وعذب بهَا.
٠١ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً﴾ (الْإِسْرَاء: ٨٧)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿إِن قُرْآن الْفجْر﴾ أَي: صَلَاة الْفجْر، سميت الصَّلَاة قُرْآنًا لِأَنَّهَا لَا تجوز إلَاّ بقرآن، وَقيل: يَعْنِي قِرَاءَة الْفجْر، أَي: مَا يقْرَأ بِهِ فِي صَلَاة الْفجْر. قَوْله: (كَانَ مشهوداً) أَي: تشهده مَلَائِكَة اللَّيْل وملائكة النَّهَار ينزل هَؤُلَاءِ ويصعد هَؤُلَاءِ فَهُوَ آخر ديوَان اللَّيْل وَأول ديوَان النَّهَار، وروى ابْن مرْدَوَيْه بِسَنَد لَا بَأْس بِهِ عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁: قَرَأَ رَسُول الله ﷺ : ﴿أَن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهوداً﴾ قَالَ: يشهده الله وملائكة اللَّيْل وَالنَّهَار، وَفِي لفظ: فِي ثَلَاث سَاعَات يبْقين من اللَّيْل يفتح الله الذّكر الَّذِي لم يره أحد غَيره فَيَمْحُو مَا يَشَاء وَيثبت، ثمَّ فِي السَّاعَة الثَّانِيَة ينزل إِلَى عدن فَيَقُول: طُوبَى لمن دَخلك، ثمَّ ينزل فِي السَّاعَة الثَّالِثَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، فَيَقُول: هَل من مُسْتَغْفِر فَاغْفِر لَهُ؟ هَل من دَاع فَأُجِيبَهُ؟ حَتَّى يُصَلِّي الْفجْر، وَذَلِكَ قَوْله: ﴿وَقُرْآن الْفجْر إِن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهوداً﴾ يَقُول: يشهده الله وَمَلَائِكَته وملائكة اللَّيْل وملائكة النَّهَار.
قَالَ مُجاهِدٌ صَلَاةَ الفَجْرِ
стр. 5605
أَي: قُرْآن الْفجْر صَلَاة الْفجْر، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن مُوسَى: حَدثنَا أَبُو بكر حَدثنَا شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد.
٧١٧٤ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخبَرَنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبي سَلَمَةَ وابنِ المُسَيَّبِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ فَضْلُ صَلَاةِ الجَمِيعِ عَلَى صَلَاةِ الوَاحِدِ خَمْسٌ وعِشْرُونَ دَرَجَةً وتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهار فِي صَلاةِ الصُّبْحِ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ اقْرَؤوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً﴾ (الْإِسْرَاء: ٨٧) ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعبد الله بن مُحَمَّد هُوَ الْمَعْرُوف بالمسندي. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب فضل صَلَاة الْفجْر فِي الْجَمَاعَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَالله أعلم.
١١ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾ (الْإِسْرَاء: ٩٧)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿عَسى أَن يَبْعَثك﴾ الْآيَة ... اعْلَم أَن كلمة عِيسَى وَلَعَلَّ، من الله واجبتان لِأَنَّهُ لَيْسَ من صِفَات الله الْغرُور، وَالْمقَام الْمَحْمُود هُوَ الْمقَام الَّذِي يشفع فِيهِ لأمته يحمده فِيهِ الْأَولونَ وَالْآخرُونَ. وَعَن ابْن عمر ﵄، أَن رَسُول الله ﷺ ، قَرَأَ: ﴿عَسى أَن يَبْعَثك رَبك مقَاما مَحْمُودًا﴾ قَالَ: يدنيني فيقعدني مَعَه على الْعَرْش، وَقَالَ ابْن نجويه: يجلسني مَعَه على السرير، وذكرهما الثَّعْلَبِيّ فِي تَفْسِيره.
٨١٧٤ - حدَّثني إسْماعَيلُ بنُ أبانَ حَدثنَا أبُو الأحْوَصِ عنْ آدَمَ بنِ عَلِيّ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ إنَّ النَّاسَ يَصِيرَونَ يَوْمَ القِيَامَةِ جُثاً كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّها يَقُولُونَ يَا فُلَانُ اشْفَعْ حَتَّى تَنْتَهِي الشَّفاعَةُ إِلَى النبيِّ ﷺ فَذالِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ الله المَقامَ المَحْمُودَ.
(انْظُر الحَدِيث ٥٧٤١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَإِسْمَاعِيل بن أبان، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنون منصرفاً وَغير منصرف: أَبُو إِسْحَاق الْوراق الْأَزْدِيّ الْكُوفِي، توفّي بِالْكُوفَةِ سنة سِتّ عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَأَبُو الْأَحْوَص هُوَ سَلام بن سليم، وآدَم بن عَليّ الْعجلِيّ الْبكْرِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن الْعَبَّاس بن عبد الله.
قَوْله: (جثا) ، قَالَ الْكرْمَانِي: جثا، بِضَم الْجِيم وَفتح الْمُثَلَّثَة مَقْصُورا، أَي: جماعات وَاحِدهَا جثوَة وكل شَيْء جمعته من تُرَاب نَحوه فَهُوَ جثوَة. قلت: قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ عَن ابْن الخشاب: جثى، بِالتَّشْدِيدِ وَالضَّم جمع جاث، كغاز وغزى، وجثى مُخَفّفَة جمع جثوَة وَلَا معنى لَهُ هَهُنَا، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: ويروى: جثى، بتَشْديد الثَّاء جمع جاث أَي: جلس على رُكْبَتَيْهِ، وَفِي: (المغيث) : يجوز أَيْضا فتح الْجِيم وَكسرهَا كالعصى والعصي، قَوْله: (الشَّفَاعَة إِلَى النَّبِي ﷺ زَاد فِي الرِّوَايَة الْمُتَعَلّقَة فِي الزَّكَاة: فَيشفع ليقضي بَين الْخلق.
٩١٧٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَيَّاش حَدثنَا شُعَيْبُ بنُ أبي حَمْزَةَ عنْ مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله ﵄ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ اللَّهُمَّ رَبَّ هاذِهِ الدَّعْوَةِ التامةِ والصّلَاةِ القائِمَةِ آتِ مُحَمَّدَ الوَسِيلَةَ والفَضِيلَةَ وابْعَثْهُ مَقاماً مَحْمُوداً الّذي وعَدْتَهُ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيامَةِ.
(انْظُر الحَدِيث ٤١٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مقَاما مَحْمُودًا) وَعلي بن عَيَّاش، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: الْأَلْهَانِي الْحِمصِي، وَشُعَيْب بن أبي
следующие страницы →