Полный текст (7 603 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.
стр. 5601
فَرُفِعَ إلَيْهِ الذِّرَاعُ وكانَتْ تعْجِبُهُ فَنَهَسَ مِنْها نَهْسَةً ثُمَّ قَالَ أَنا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ وهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَاكَ يُجْمَعُ النّاسُ الأوَّلينَ والآخِرِينَ فِي صعِيدٍ واحِدٍ يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ البَصرُ وتَدْنُو الشَّمْسُ فيَبْلُغُ النّاسَ مِنَ الغَمِّ والكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يحْتَمِلونَ فيَقُولُ النّاسُ أَلا تَرَوْنَ مَا قَدْ بلغَكُمْ أَلا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ فيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ عَلَيْكُمْ بآدمَ فَيأتُونَ آدَمَ ﵇ فيَقولُونَ لَهُ أنْتَ أبُو البَشَرِ خَلَقَكَ الله بِيَدِهِ ونَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وأمرَ المَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ اشْفَعْ لنا إِلَى ربِّكَ أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ ألَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنا فَيَقُولُ آدَمُ إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لمْ يَغْضَبْ قبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وإنَّهُ نَهاني عَن الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ. نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غيْرِي اذْهَبُوا إِلَى نوحٍ فَيَأتُونَ نُوحاً فيَقُولونَ يَا نُوحُ إنَّكَ أنْتَ أوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أهْلِ الأرْض وقَدْ سَمّاكَ الله عبْداً شَكُوراً اشْفَعْ لَنا إِلَى رَبِّكَ أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وإنَّهُ قَدْ كانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُها عَلَى قَوْمِي نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إلَى إبْرَاهِيمَ فَيَأتُونَ إبْرَاهِيمَ فَيَقُولونَ يَا إبْرَاهِيمُ أنْتَ نَبِيُّ الله وخَلِيلُهُ مِنْ أهْلِ الأرْضِ اشْفَعْ لَنا إلَى رَبِّكَ ألَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فيَقُولُ لَهُمْ إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليومَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلُهُ ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وإنِّي قَدْ كُنْت كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذَباتٍ فذكَرَهُنَّ أبُو حَيَّانَ فِي الحَدِيثِ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى فَيَأتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ يَا مُوسَى أنْتَ رَسُولُ الله فَضَّلَكَ الله بِرِسالَتِهِ وبِكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ اشْفَعْ لَنا إِلَى رَبِّكَ أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وإنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْساً لَمْ أومَرْ بِقَتْلِها نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى عِيَسى فَيَأتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ يَا عِيسَى أنْتَ رسولُ الله وكَلِمَتُهُ ألْقاها إِلَى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنْهُ وكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي المَهْدِ صَبِيًّا اشْفَعْ لَنا إلَى رَبِّكَ أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فيَقُولُ عِيسَى إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ولَمْ يَذْكُرْ ذِنْباً نَفْسي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَأتُونَ مُحَمَّداً ﷺ فَيَقُولُونَ يَا مُحَمَّدُ أنْتَ رسولُ الله وخاتمُ الأنْبِياءِ وقَدْ غَفَرَ الله لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تأخَّرَ اشْفَعْ لَنا إِلَى رَبِّكَ ألَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فأنْطَلِقُ فآتِي تَحْتَ العَرْشِ فأقَعُ ساجِداً لِرَبِّي ثُمَّ يَفْتَحُ الله عَليَّ مِنْ مَحامِدِهِ وحُسْنِ الثَّناءِ عَلَيْهِ شَيْئاً لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أحَدٍ قَبْلِي ثُمَّ يُقالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأسَكَ سَلْ تُعْطَهُ واشْفَعْ تُشَفَّعْ فأرْفَعُ رَأسِي فأقُولُ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ فَيُقالُ يَا مُحَمَّدُ أدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَابِ الأيمِنْ أبْوَابِ
стр. 5602
الجَنَّةِ وهُمْ شُرَكاءُ النَّاسِ فِيما سِوَى ذالِكَ مِنَ الأبْوَابِ ثُمَّ قَالَ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ مَا بَيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصارِيع الجَنَّةِ كَما بَيْنَ مَكَّةِ وحِمْيَرَ أوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى.
(انْظُر الحَدِيث ٠٤٣٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (عبدا شكُورًا) . وَمُحَمّد بن مقَاتل الْمروزِي. وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَأَبُو حَيَّان. بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: واسْمه يحيى بن سعيد بن حَيَّان التَّيْمِيّ تيم الربَاب الْكُوفِي، وَأَبُو زرْعَة هُوَ هرم بن عَمْرو بن جرير بن عبد الله البَجلِيّ الْكُوفِي.
والْحَدِيث مضى مُخْتَصرا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء ﵈، عَن إِسْحَاق بن نصر عَن مُحَمَّد بن عبيد عَن أبي حَيَّان عَن أبي زرْعَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ولنتكلم فِيمَا لم يذكر.
قَوْله: (فنهس) ، من النهس وَهُوَ أَخذ اللَّحْم بأطراف الْأَسْنَان، والنهش بِالْمُعْجَمَةِ الْأَخْذ بجميعها. قَوْله: (مِم ذَلِك؟) ويروى: مِم ذَاك؟ قَوْله: (يسمعهم) من الإسماع. قَوْله: (وَينْفذهُمْ) بِضَم الْيَاء، أَي: يُحِيط بهم بصر النَّاظر لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء لِاسْتِوَاء الأَرْض وَعدم الْحجاب. قَوْله: (وَلنْ يغْضب) ويروى: وَلَا يغْضب. قَوْله: (وَإنَّهُ نهاني) ويروي: وَإنَّهُ قد نهاني. قَوْله: (نَفسِي نَفسِي نَفسِي) ثَلَاث مَرَّات. قَوْله: (فَذَكرهنَّ أَبُو حَيَّان) أَي: فَذكر الثَّلَاث الكذبات أَبُو حَيَّان الرَّاوِي الْمَذْكُور، وَهِي قَوْله: إِنِّي سقيم، وبل فعله كَبِيرهمْ، وَإِنَّهَا أُخْتِي، فِي حق سارة. انْتهى. قَوْله: (لم أومر) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (يشفع) على صِيغَة الْمَجْهُول من التشفع وَهُوَ قبُول الشَّفَاعَة. قَوْله: (ادخل) أَمر من الإدخال. قَوْله: (وحمير) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف: هُوَ بِالْيمن، (وَبصرى) بِضَم الْبَاء مَدِينَة بِالشَّام.
٦ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْنا دَاوُدَ زَبُوراً﴾ (النِّسَاء: ٣٦١ والإسراء: ٥٥)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وآتينا دَاوُد زبوراً﴾ قَالَ الرّبيع بن أنس: الزبُور هَذَا ثَنَاء على الله وَدُعَاء وتسبيح، وَقَالَ قَتَادَة، كُنَّا نتحدث أَنه دُعَاء علمه الله دَاوُد وتحميد وتمجيد لله لَيْسَ فِيهِ حَلَال وَلَا حرَام وَلَا فَرَائض وَلَا حُدُود.
٣١٧٤ - حدَّثني إسْحاقُ بنُ نَصْرٍ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عنْ مَعْمَرٍ عنْ هَمَّامٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَن النبيِّ ﷺ قَالَ خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ القِرَاءَةُ فَكانَ يأمُرُ بِدَابَّتِهِ لِتُسْرَجَ فَكانَ يَقْرَأُ قَبْلَ أنْ يَفْرُغَ يَعْنِي القُرْآنَ.
(انْظُر الحَدِيث ٣٧٠٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (الْقِرَاءَة) لِأَن مَعْنَاهُ: قِرَاءَة الزبُور، وَهَذِه رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة غَيره: الْقُرْآن. قَالَ الْكرْمَانِي: المُرَاد مِنْهُ التَّوْرَاة وَالزَّبُور وكل شَيْء جمعته فقد قرأته، وَسمي الْقُرْآن قُرْآنًا لِأَنَّهُ جمع الْأَمر وَالنَّهْي وَغَيرهمَا انْتهى. قلت: قَوْله: لِأَنَّهُ جمع الْأَمر وَالنَّهْي، لَا يَتَأَتَّى فِي الزبُور لِأَنَّهُ كَانَ قصصاً وأمثالاً ومواعظ، وَلم يكن الْأَمر وَالنَّهْي إلَاّ فِي التَّوْرَاة.
والْحَدِيث مضى فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وآتينا دَاوُد زبوراً﴾ يأتم مِنْهُ.
قَوْله: (خفف) على صِيغَة الْمَجْهُول من التَّخْفِيف. قَوْله: (لتسرج) أَي: لِأَن تسرج من الإسراج وَهُوَ شدّ الدَّابَّة بالسرج. قَوْله: (قبل أَن يفرغ) أَي: من الإسراج، وَفِيه أَن الله تَعَالَى يطوي الزَّمَان لمن شَاءَ من عباده كَمَا يطوي الْمَكَان.
٧ - (بابٌ: ﴿قل ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ ولَا تَحْوِيلاً﴾ (الْإِسْرَاء: ٦٥)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿قل ادعوا الَّذين﴾ الْآيَة، كَذَا سيق فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: ﴿قل ادعوا الَّذين زعمتم من دونه﴾ الْآيَة. قَوْله: (زعمتم من دونه) أَي: زعمتم أَنَّهَا آلِهَة من دون الله. قَوْله: (فَلَا يملكُونَ كشف الضّر عَنْكُم) قيل: هُوَ مَا أَصَابَهُم من الْقَحْط سبع سِنِين. قَوْله: (وَلَا تحويلاً) أَي: وَلَا يملكُونَ تحويلاً عَلَيْكُم إِلَى غَيْركُمْ.
٤١٧٤ - حدَّثني عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ حَدثنَا يَحْيَى حدَّثنا سُفْيانُ حَدثنِي سُلَيْمانُ عنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ أبي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الله ﴿إِلَى ربِّهِمِ الوَسِيلَةَ﴾ (الْإِسْرَاء: ٧٥) قَالَ كانَ ناسٌ مِنَ الإنْسِ يَعْبُدُونَ نَاسا مِنَ الجِنِّ فأسْلَمَ
стр. 5603
الجِنُّ وَتَمَسَّكَ هاؤُلَاءِ بِدِينِهِمْ زَادَ الأشْجَعِي عَنْ سُفْيانَ عَنِ الأعْمَشِ: ﴿قلِ ادْعُو الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ (الْإِسْرَاء: ٦٥) .
(انْظُر الحَدِيث: ٤١٧٤ طرفه فِي: ٥١٧٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي زِيَادَة الْأَشْجَعِيّ. وَعَمْرو بن عَليّ بن بَحر أَبُو حَفْص الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ الصَّيْرَفِي وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَأَبُو معمر هُوَ عبد الله بن سَخْبَرَة الْأَزْدِيّ الْكُوفِي، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود ﵁.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا هُنَا عَن بشر بن خَالِد. وَأخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن بشر بن خَالِد بِهِ وَعَن غَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن عَمْرو بن عَليّ بِهِ وَعَن غَيره.
قَوْله: ﴿إِلَى رَبهم الْوَسِيلَة﴾ (الْإِسْرَاء: ٧٥) فِيهِ حذف تَقْدِيره: عَن عبد الله، قَالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذين يدعونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبهم الْوَسِيلَة﴾ قَالَ: كَانَ نَاس من الْإِنْس إِلَى آخِره، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم، غير أَن فِي قَوْله: كَانَ نفر من الْإِنْس يعْبدُونَ نَفرا من الْجِنّ فَأسلم النَّفر من الْجِنّ واستمسك الْإِنْس بعبادتهم، فَنزلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذين يدعونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبهم الْوَسِيلَة﴾ انْتهى. وَالْمرَاد بالوسيلة الْقرْبَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: النَّاس هم الْإِنْس ضد الْجِنّ قَالَ تَعَالَى: ﴿شياطين الْإِنْس وَالْجِنّ﴾ (الْأَنْعَام: ٢١١) فَكيف قَالَ: نَاسا من الْإِنْس وناساً من الْجِنّ؟ قلت: المُرَاد من لفظ: نَاس، طَائِفَة، وَالنَّاس قد يكون من الْإِنْس وَالْجِنّ. قلت: فِي كَلَامه الأول نظر، وَالْوَجْه كَلَامه الثَّانِي، وَكَذَا قَالَ الْجَوْهَرِي: وَالنَّاس قد يكون الْإِنْس وَمن الْجِنّ وَأَصله أنَاس فَخفف. انْتهى قَوْله: (وَتمسك هَؤُلَاءِ بدينهم) أَي: اسْتمرّ الْإِنْس الَّذين كَانُوا يعْبدُونَ الْجِنّ على عبَادَة الْجِنّ، وَالْجِنّ لَا يرضون بذلك لكَوْنهم أَسْلمُوا وهم الَّذين صَارُوا ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبهم الْوَسِيلَة﴾ . قَوْله: (زَاد الْأَشْجَعِيّ) هُوَ عبيد الله بن عبيد الرَّحْمَن بِالتَّصْغِيرِ فيهمَا الْكُوفِي مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَة، أَرَادَ أَنه زَاد فِي رِوَايَته عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش، وروى ابْن مرْدَوَيْه هَذِه الزِّيَادَة عَن مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد حَدثنَا عبد الْجَبَّار بن الْعلَا عَن يحيى حَدثنَا سُفْيَان فَذكره بِزِيَادَة. قَوْله: (فَأسلم الْجِنّ) من غير أَن يعلم الإنسيون، فَنزلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذين يدعونَ﴾ انْتهى. قلت: حَاصِل الْكَلَام أَن طَرِيق يحيى عَن سُفْيَان ابْن عبد الله لما قَرَأَ: ﴿إِلَى ربه الْوَسِيلَة﴾ قَالَ: كَانَ نَاس ... وَطَرِيق الْأَشْجَعِيّ عَن سُفْيَان أَنه زَاد فِي الْقِرَاءَة، وَقَرَأَ: ﴿ادعو الَّذين زعمتم﴾ أَيْضا إِلَى آخر الْآيَتَيْنِ، ثمَّ قَالَ: كَانَ نَاس.
٨ - (بابٌ: ﴿أُولائِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ الآيةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذين يدعونَ﴾ الْآيَة. قَوْله: ﴿يدعونَ﴾ مَفْعُوله مَحْذُوف تَقْدِيره: أُولَئِكَ الَّذين يَدعُونَهُمْ آلِهَة يَبْتَغُونَ إِلَى رَبهم الْوَسِيلَة، أَي: الزلفة والقربة أَيهمْ أقرب. وَعَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَأكْثر الْعلمَاء هم: عِيسَى وَأمه وعزير وَالْمَلَائِكَة وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم.
٥١٧٤ - حدَّثنا بِشحر بنُ خالِدٍ أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عنْ أبي مَعْمَرٍ عنْ عَبْدِ الله ﵁ فِي هاذِهِ الآيةِ: ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ قَالَ: ناسٌ مِنَ الجِنِّ يُعْبَدُونَ فأسْلَمُوا.
(انْظُر الحَدِيث ٤١٧٤) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور قبله أوردهُ مُخْتَصرا عَن بشر بن خَالِد إِلَى آخِره. قَوْله: (يعْبدُونَ) ، بِضَم الْيَاء على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالله أعلم.
٩ - (بابٌ: ﴿وَمَا جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلاّ فِتْنَةً لِلناسِ﴾ (الْإِسْرَاء: ٠٦)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أريناك﴾ الْآيَة، وَهُوَ مَا أرِي لَيْلَة الْإِسْرَاء من الْعَجَائِب والآيات. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: الرُّؤْيَة يقل اسْتِعْمَالهَا فِي الْمَنَام، والرؤيا يكثر اسْتِعْمَالهَا فِي الْمَنَام، وَيجوز اسْتِعْمَال كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي الْمَعْنيين. قَوْله: (إلَاّ فتْنَة) أَي: إلَاّ بلَاء للنَّاس حَيْثُ اتخذوه سخرياً.
٦١٧٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ عَنْ عَمْروٍ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي
стр. 5604
الله عَنهُ: ﴿وَمَا جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (الْإِسْرَاء: ٠٦) قَالَ هِيَ رُؤْيا عَيْنٍ أُرِيها رسولُ الله ﷺ لَيْلَةَ أسْرِيَ بِهِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ.
(انْظُر الحَدِيث ٨٨٨٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار.
وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْقدر وَفِي الْبَعْث عَن الْحميدِي. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور.
قَوْله: (هِيَ رُؤْيا عين) ، وَزَاد سعيد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان فِي آخر الحَدِيث: وَلَيْسَت رُؤْيا مَنَام. قَوْله: (أريها) ، بِضَم الْهمزَة وَكسر الرَّاء من الإراءة. قَوْله: (والشجرة الملعونة) ، بِالنّصب عطف على الرُّؤْيَا، تَقْدِيره: وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أريناك والشجرة الملعونة فِي الْقُرْآن، إلَاّ فتْنَة للنَّاس، وَكَانَت فتنتهم فِي الرُّؤْيَا أَن جمَاعَة ارتدا، وَقَالُوا: كَيفَ يسرى بِهِ إِلَى بَيت الْقُدس فِي لَيْلَة وَاحِدَة؟ وَقيل: رأى رَسُول الله ﷺ بني أُميَّة ينزون على منبره نزو القردة فسَاء ذَلِك، فَمَا استجمع ضَاحِكا حَتَّى مَاتَ، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا﴾ الْآيَة، وَكَانَت فتنتهم فِي الشَّجَرَة الملعونة أَن أَبَا جهل عَلَيْهِ اللَّعْنَة قَالَ، لما نزلت هَذِه الْآيَة: لَيْسَ من كذب ابْن أبي كَبْشَة أَنه يتوعدكم بِنَار تحرق الْحِجَارَة ثمَّ يزْعم أَنه تنْبت فِيهَا شَجَرَة وَأَنْتُم تعلمُونَ أَن النَّار تحرق الشَّجَرَة، وروى ابْن مرْدَوَيْه عَن عبد الرَّزَّاق عَن أَبِيه عَن مينا، مولى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف: أَن عَائِشَة ﵂، قَالَت لمروان: أشهد أَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ ، يَقُول لَك ولأبيك ولجدك: إِنَّكُم الشَّجَرَة الملعونة فِي الْقُرْآن، وروى ابْن أبي حَاتِم من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو: أَن الشَّجَرَة الملعونة فِي الْقُرْآن الحكم بن أبي الْعَاصِ وَولده. قَوْله: ﴿شَجَرَة الزقوم﴾ (الصافات: ٢٦) ، على وزن فعول من الزقم وَهُوَ اللقم الشَّديد وَالشرب المفرط، وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ: هِيَ شَجَرَة غبراء مرّة قبيحة الرؤوس، وَقَالَ ثَعْلَب: الزقوم كل طَعَام يقتل والزقمة الطَّاعُون، وَفِي (غرر التِّبْيَان) : هِيَ شَجَرَة الكشوت تلتوي على الشّجر فتجففه، وَقيل: هِيَ الشَّيْطَان، وَقيل: أَبُو جهل، وروى عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄، لما ذكر الله الزقوم فِي الْقُرْآن، قَالَ أَبُو جهل: هَل تَدْرُونَ مَا الزقوم؟ هُوَ التَّمْر بالزبد، أما وَالله لَئِن أمكننا الله مِنْهَا لتزقمناها تزقماً، فَنزلت: ﴿والشجرة الملعونة﴾ (الْإِسْرَاء: ٠٦) فِي الْقُرْآن. وَعَن مقَاتل: قَالَ عبد الله بن الزبعري: إِن الزقوم بِلِسَان البربر الزّبد، فَقَالَ أَبُو جهل: يَا جَارِيَة ائتنا تَمرا وزبداً، وَقَالَ لقريش: تزقموا من هَذَا الزقوم، وَقَالَ ابْن سَيّده: لما نزلت آيَة الزقوم لم يعرفهُ قُرَيْش، فَقَالَ أَبُو جهل: إِن هَذَا لَيْسَ ينْبت ببلادنا فَمَا مِنْكُم من يعرفهُ؟ فَقَالَ رجل قدم عَلَيْهِم من إفريقية: إِن الزقوم بلغَة أهل إفريقية الزّبد بِالتَّمْرِ. فَإِن قلت: فَأَيْنَ ذكرت فِي الْقُرْآن لعنها؟ قلت: قد لعن آكلها وَالْعرب تَقول لكل طَعَام مَكْرُوه مَلْعُون، وَوصف الله تَعَالَى شَجَرَة الزقوم فِي سُورَة الصافات فَقَالَ: ﴿أَنَّهَا شَجَرَة تخرج فِي أصل الْجَحِيم﴾ (الصافات: ٤٦) الْآيَات ... أَي: خلقت من النَّار وعذب بهَا.
٠١ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً﴾ (الْإِسْرَاء: ٨٧)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿إِن قُرْآن الْفجْر﴾ أَي: صَلَاة الْفجْر، سميت الصَّلَاة قُرْآنًا لِأَنَّهَا لَا تجوز إلَاّ بقرآن، وَقيل: يَعْنِي قِرَاءَة الْفجْر، أَي: مَا يقْرَأ بِهِ فِي صَلَاة الْفجْر. قَوْله: (كَانَ مشهوداً) أَي: تشهده مَلَائِكَة اللَّيْل وملائكة النَّهَار ينزل هَؤُلَاءِ ويصعد هَؤُلَاءِ فَهُوَ آخر ديوَان اللَّيْل وَأول ديوَان النَّهَار، وروى ابْن مرْدَوَيْه بِسَنَد لَا بَأْس بِهِ عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁: قَرَأَ رَسُول الله ﷺ : ﴿أَن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهوداً﴾ قَالَ: يشهده الله وملائكة اللَّيْل وَالنَّهَار، وَفِي لفظ: فِي ثَلَاث سَاعَات يبْقين من اللَّيْل يفتح الله الذّكر الَّذِي لم يره أحد غَيره فَيَمْحُو مَا يَشَاء وَيثبت، ثمَّ فِي السَّاعَة الثَّانِيَة ينزل إِلَى عدن فَيَقُول: طُوبَى لمن دَخلك، ثمَّ ينزل فِي السَّاعَة الثَّالِثَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، فَيَقُول: هَل من مُسْتَغْفِر فَاغْفِر لَهُ؟ هَل من دَاع فَأُجِيبَهُ؟ حَتَّى يُصَلِّي الْفجْر، وَذَلِكَ قَوْله: ﴿وَقُرْآن الْفجْر إِن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهوداً﴾ يَقُول: يشهده الله وَمَلَائِكَته وملائكة اللَّيْل وملائكة النَّهَار.
قَالَ مُجاهِدٌ صَلَاةَ الفَجْرِ
стр. 5605
أَي: قُرْآن الْفجْر صَلَاة الْفجْر، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن مُوسَى: حَدثنَا أَبُو بكر حَدثنَا شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد.
٧١٧٤ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخبَرَنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبي سَلَمَةَ وابنِ المُسَيَّبِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ فَضْلُ صَلَاةِ الجَمِيعِ عَلَى صَلَاةِ الوَاحِدِ خَمْسٌ وعِشْرُونَ دَرَجَةً وتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهار فِي صَلاةِ الصُّبْحِ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ اقْرَؤوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً﴾ (الْإِسْرَاء: ٨٧) ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعبد الله بن مُحَمَّد هُوَ الْمَعْرُوف بالمسندي. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب فضل صَلَاة الْفجْر فِي الْجَمَاعَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَالله أعلم.
١١ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾ (الْإِسْرَاء: ٩٧)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿عَسى أَن يَبْعَثك﴾ الْآيَة ... اعْلَم أَن كلمة عِيسَى وَلَعَلَّ، من الله واجبتان لِأَنَّهُ لَيْسَ من صِفَات الله الْغرُور، وَالْمقَام الْمَحْمُود هُوَ الْمقَام الَّذِي يشفع فِيهِ لأمته يحمده فِيهِ الْأَولونَ وَالْآخرُونَ. وَعَن ابْن عمر ﵄، أَن رَسُول الله ﷺ ، قَرَأَ: ﴿عَسى أَن يَبْعَثك رَبك مقَاما مَحْمُودًا﴾ قَالَ: يدنيني فيقعدني مَعَه على الْعَرْش، وَقَالَ ابْن نجويه: يجلسني مَعَه على السرير، وذكرهما الثَّعْلَبِيّ فِي تَفْسِيره.
٨١٧٤ - حدَّثني إسْماعَيلُ بنُ أبانَ حَدثنَا أبُو الأحْوَصِ عنْ آدَمَ بنِ عَلِيّ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ إنَّ النَّاسَ يَصِيرَونَ يَوْمَ القِيَامَةِ جُثاً كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّها يَقُولُونَ يَا فُلَانُ اشْفَعْ حَتَّى تَنْتَهِي الشَّفاعَةُ إِلَى النبيِّ ﷺ فَذالِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ الله المَقامَ المَحْمُودَ.
(انْظُر الحَدِيث ٥٧٤١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَإِسْمَاعِيل بن أبان، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنون منصرفاً وَغير منصرف: أَبُو إِسْحَاق الْوراق الْأَزْدِيّ الْكُوفِي، توفّي بِالْكُوفَةِ سنة سِتّ عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَأَبُو الْأَحْوَص هُوَ سَلام بن سليم، وآدَم بن عَليّ الْعجلِيّ الْبكْرِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن الْعَبَّاس بن عبد الله.
قَوْله: (جثا) ، قَالَ الْكرْمَانِي: جثا، بِضَم الْجِيم وَفتح الْمُثَلَّثَة مَقْصُورا، أَي: جماعات وَاحِدهَا جثوَة وكل شَيْء جمعته من تُرَاب نَحوه فَهُوَ جثوَة. قلت: قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ عَن ابْن الخشاب: جثى، بِالتَّشْدِيدِ وَالضَّم جمع جاث، كغاز وغزى، وجثى مُخَفّفَة جمع جثوَة وَلَا معنى لَهُ هَهُنَا، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: ويروى: جثى، بتَشْديد الثَّاء جمع جاث أَي: جلس على رُكْبَتَيْهِ، وَفِي: (المغيث) : يجوز أَيْضا فتح الْجِيم وَكسرهَا كالعصى والعصي، قَوْله: (الشَّفَاعَة إِلَى النَّبِي ﷺ زَاد فِي الرِّوَايَة الْمُتَعَلّقَة فِي الزَّكَاة: فَيشفع ليقضي بَين الْخلق.
٩١٧٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَيَّاش حَدثنَا شُعَيْبُ بنُ أبي حَمْزَةَ عنْ مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله ﵄ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ اللَّهُمَّ رَبَّ هاذِهِ الدَّعْوَةِ التامةِ والصّلَاةِ القائِمَةِ آتِ مُحَمَّدَ الوَسِيلَةَ والفَضِيلَةَ وابْعَثْهُ مَقاماً مَحْمُوداً الّذي وعَدْتَهُ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيامَةِ.
(انْظُر الحَدِيث ٤١٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مقَاما مَحْمُودًا) وَعلي بن عَيَّاش، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: الْأَلْهَانِي الْحِمصِي، وَشُعَيْب بن أبي
стр. 5606
حَمْزَة الْحِمصِي، وَابْن الْمُنْكَدر. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الدُّعَاء عِنْد النداء، بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
رَواهُ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ الله عَن أبيهِ عَنِ النبيِّ ﷺ
أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور حَمْزَة بن عبد الله عَن أَبِيه عبد الله بن عمر عَن النَّبِي ﷺ ، وَهَذَا الْمُعَلق رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن أبي مُعَاوِيَة الرَّازِيّ: حَدثنَا أَبُو زرْعَة الرَّازِيّ حَدثنَا يحيى بن بكير حَدثنَا اللَّيْث عَن عبد الله بن أبي جَعْفَر قَالَ: سَمِعت حَمْزَة بن عبد الله، قَالَ: سَمِعت أبي فَذكره وَالله أعلم.
٢١ - (بابٌ: ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾ (الْإِسْرَاء: ١٨)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقل جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل﴾ ... الْآيَة، أَي: قل يَا مُحَمَّد جَاءَ الْحق أَي الْإِسْلَام وزهق الْبَاطِل أَي الشّرك، وَقيل: الْحق دين الرَّحْمَن وَالْبَاطِل الْأَوْثَان، وَعَن ابْن جريج: الْحق الْجِهَاد وَالْبَاطِل الْقِتَال. قَوْله: (زهوقاً) أَي: ذَاهِبًا وَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ الْآن.
يَزْهَقُ يَهْلِكُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن معنى قَوْله: (زهوقاً) أَي: هَالكا. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وتزهق أنفسهم وهم كَارِهُون﴾ (التَّوْبَة: ٥٨) أَي: تخرج وتهلك، وَيُقَال: زهق مَا عنْدك أَي ذهب كُله، وزهق السهْم إِذا جَاوز الْغَرَض، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الرَّازِيّ: أخبرنَا الطَّبَرَانِيّ فِيمَا كتب إِلَى أخبرنَا عبد الرَّزَّاق أخبرنَا معمر عَن قَتَادَة: زهق الْبَاطِل هلك، فَإِن قلت: كَيفَ قُلْتُمْ: زهق، بِمَعْنى هلك وَالْبَاطِل مَوْجُود مَعْمُول بِهِ عِنْد أَهله؟ قلت: المُرَاد بِبُطْلَانِهِ وهلكته وضوح عينه فَيكون هَالكا عِنْد المتدبر النَّاظر.
٠٢٧٤ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حَدثنَا سُفْيانُ عنِ ابنِ أبي نجِيحٍ عنْ مُجاهِدٍ عنْ أبي مَعْمَرٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ دَخَلَ النبيُّ ﷺ مَكّةَ وحَوْلَ البَيْتِ سِتُّونَ وَثَلَاثُ مائَةِ نُصُبٍ فَجَعَلَ يَطْعَنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ جاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقاً جاءَ الحَقُّ وَمَا يُبْدِيءُ الباطِلُ وَمَا يُعِيدُ.
(انْظُر الحَدِيث ٨٧٤٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحميدِي عبد الله بن الزبير نسبته إِلَى أحد أجداده حميد، وَابْن أبي نجيح هُوَ عبد الله وَاسم أبي نجيح يسَار ضد الْيَمين وَفِي بعض النّسخ: حَدثنَا ابْن أبي نجيح وَأَبُو معمر بِفَتْح الميمين واسْمه عبد الله بن سَخْبَرَة الْأَزْدِيّ الْكُوفِي، وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد لَطِيفَة، وَهِي أَن ثَلَاثَة من الروَاة فِيهِ إسم كل مِنْهُم عبد الله، وَكلهمْ ذكرُوا بِغَيْر اسْمه، وَعبد الله الرَّابِع هُوَ ابْن مَسْعُود.
والْحَدِيث مضى فِي غَزْوَة الْفَتْح، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن صَدَقَة بن الْفضل عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (دخل النَّبِي ﷺ مَكَّة) ، أَرَادَ بِهِ عَام الْفَتْح. (وحول الْبَيْت) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (نصب) بِضَمَّتَيْنِ، وَهِي الْأَصْنَام، قَالَ الْكرْمَانِي: وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : نصب بِالرَّفْع صفة لقَوْله: سِتُّونَ وَثَلَاث مائَة، وَقَالَ بَعضهم: كَذَا وَقع للْأَكْثَر نصب بِغَيْر ألف، وَالْأَوْجه نَصبه على التَّمْيِيز إِذْ لَو كَانَ مَرْفُوعا لَكَانَ صفة وَالْوَاحد لَا يَقع صفة للْجمع. قلت: أَخذ هَذَا من كَلَام ابْن التِّين، وَالْحق هُنَا أَن النصب وَاحِد الأنصاب. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: النصب مَا نصب فعبد من دون الله، وَكَذَلِكَ النصب بِالضَّمِّ وَاحِد الأنصاب، وَفِي دَعْوَى الأوجهية نظر لِأَنَّهُ إِنَّمَا يتَّجه إِذا جَاءَت الرِّوَايَة بِالنّصب على التَّمْيِيز وَلَيْسَت الرِّوَايَة إلَاّ بِالرَّفْع، فحينئذٍ الْوَجْه فِيهِ أَن يُقَال: إِن النصب مَا نصب، أَعم من أَن يكون وَاحِدًا أَو جمعا، وَأَيْضًا هُوَ فِي الأَصْل مصدر نصبت الشَّيْء إِذا أقمته فَيتَنَاوَل عُمُوم الشَّيْء. قَوْله: (يطعنها) بِضَم الْعين، قَوْله: (بِعُود فِي يَده) أَي: بِعُود كَائِن فِي يَده. قَوْله: (وَيَقُول) عطف على يطعن، وَيجوز أَن يكون الْوَاو للْحَال، وَفِي كسر الْأَصْنَام دلَالَة على كسر مَا فِي مَعْنَاهَا من العيدان والمزامير الَّتِي لَا معنى لَهَا إلَاّ اللَّهْو بهَا عَن ذكر الله، ، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَفِي معنى الْأَصْنَام الصُّور المتخذة من المدرو الْخشب وشبههما
стр. 5607
وَلَا يجوز بيع شَيْء مِنْهُ إلَاّ الْأَصْنَام الَّتِي تكون من ذهب أَو فضَّة أَو خشب أَو حَدِيد أَو رصاص إِذا غيرت وَصَارَت قطعا، وَقَالَ الْمُهلب: مَا كسر من آلَات الْبَاطِل وَكَانَ فِيهَا بعد كسرهَا مَنْفَعَة فصاحبها أولى بهَا مَكْسُورَة أَلا يرى أَن الإِمَام حرقها بالنَّار على معنى التَّشْدِيد والعقوبة فِي المَال؟ وَقد هم ﷺ بحرق دور من تخلف عَن صَلَاة الْجَمَاعَة؟ وَالله أعلم.
٣١ - (بابٌ: ﴿ويَسْألُونَكَ عنِ الرُّوحِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿ويسألونك عَن الرّوح﴾ (الْإِسْرَاء: ٥٨) قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الْأَكْثَر على أَن الَّذِي سَأَلُوهُ عَنهُ هُوَ حَقِيقَة الرّوح فَأخْبر أَنه من أَمر الله أَي: مِمَّا اسْتَأْثر بِعِلْمِهِ. وَعَن أبي بُرَيْدَة: مضى ﷺ وَمَا يعلم الرّوح، وَعَن ابْن عَبَّاس: قَالَت الْيَهُود للنَّبِي ﷺ : أخبرنَا عَن الرّوح؟ وَكَيف يعذب؟ وَإِنَّمَا هِيَ من الله، وَلم يكن نزل عَلَيْهِ فِيهِ شَيْء فَلم يحر إِلَيْهِم جَوَابا، فَجَاءَهُ جِبْرِيل ﵊، بِهَذِهِ الْآيَة. وَقَالَ الْأَشْعَرِيّ: هُوَ النَّفس الدَّاخِل من الْخَارِج، قَالَ: وَقيل: هُوَ جسم لطيف يُشَارك الْأَجْسَام الظَّاهِرَة والأعضاء الظَّاهِرَة، وَقَالَ بَعضهم: لَا يعلمهَا إلَاّ الله تَعَالَى، وَقَالَ الْجُمْهُور: هِيَ مَعْلُومَة، وَقيل: هِيَ الدَّم، وَقيل: هِيَ نور من نور الله وحياة من حَيَاته، وَقيل: هِيَ أَمر من أَمر الله ، أخْفى حَقِيقَتهَا وَعلمهَا على الْخلق. وَقيل: هِيَ روحانية خلقت من الملكوت فَإِذا صفت رجعت إِلَى الملكوت، وَقيل: الرّوح روحان روح اللاهوتية وروح الناسوتية، وَقيل: الرّوح نورية وروحانية وملكوتية إِذا كَانَت صَافِيَة، وَقيل: الرّوح لاهوتية، وَالنَّفس أرضية طينية نارية، وَقيل: الرّوح استنشاق الْهَوَاء، وَقَالَت عَامَّة الْمُعْتَزلَة: إِنَّهَا عرض، وَأغْرب ابْن الراوندي، فَقَالَ: إِنَّهَا جسم لطيف يسكن الْبدن، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: الْمُخْتَار أَنه جسم لطيف تُوجد بِهِ الْحَيَاة، وَقيل: الْأَرْوَاح على صور الْخلق لَهَا أيد وأرجل وَسمع وبصر.
ثمَّ أعلم أَن أَرْوَاح الْخلق كلهَا مخلوقة وَهُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة والأثر، وَاخْتلفُوا: هَل تَمُوت بِمَوْت الْأَبدَان والأنفس أَو لَا تَمُوت؟ فَقَالَت طَائِفَة: لَا تَمُوت وَلَا تبلى، وَقَالَ بَعضهم: تَمُوت وَلَا تبلى وتبلى الْأَبدَان، وَقيل: الْأَرْوَاح تعذب كَمَا تعذب الْأَجْسَام، وَقَالَ بَعضهم: تعذب الْأَرْوَاح والأبدان جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ تنعم، وَقَالَ بَعضهم: الْأَرْوَاح تبْعَث يَوْم الْقِيَامَة لِأَنَّهَا من حكم السَّمَاء وَلَا تبْعَث الْأَبدَان لِأَنَّهَا من الأَرْض خلقت، وَهَذَا مُخَالف للْكتاب والأثر وأقوال الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَقَالَ بَعضهم: نبعث الْأَرْوَاح يَوْم الْقِيَامَة وينشىء الله لَهَا أجساماً من الْجنَّة، وَهَذَا أَيْضا مُخَالف لما ذكرنَا، وَاخْتلفُوا أَيْضا فِي الرّوح وَالنَّفس، فَقَالَ أهل الْأَثر: الرّوح غير النَّفس، وقوام النَّفس بِالروحِ، وَالنَّفس تُرِيدُ الدُّنْيَا وَالروح تَدْعُو إِلَى الْآخِرَة وتؤثرها، وَقد جعل الْهوى تبعا للنَّفس والشيطان مَعَ النَّفس والهوى، وَالْملك مَعَ الْعقل وَالروح، وَقيل: الْأَرْوَاح تتناسخ وتنتقل من جسم إِلَى جسم، وَهَذَا فَاسد، وَهُوَ شَرّ الْأَقَاوِيل وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: اخْتلفُوا فِي تَفْسِير الرّوح المسؤول عَنهُ فِي الْآيَة: مَا هُوَ؟ فَقَالَ الْحسن وَقَتَادَة: هُوَ جِبْرِيل ﵊، وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁: هُوَ ملك من الْمَلَائِكَة لَهُ سَبْعُونَ ألف رَأس، فِي كل رَأس سَبْعُونَ ألف وَجه، لكل وَجه مِنْهَا سَبْعُونَ ألف فَم، فِي كل فَم سَبْعُونَ ألف لِسَان لكل لِسَان مِنْهَا سَبْعُونَ ألف لُغَة، يسبح الله تَعَالَى بِتِلْكَ اللُّغَات كلهَا، يخلق من كل تَسْبِيحَة ملك يطير مَعَ الْمَلَائِكَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄: الرّوح ضرب من الْمَلَائِكَة خلق الله صورهم على صور بني آدم لَهُم أيد وأرجل ورؤوس، وَكَذَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد وَأبي صَالح وَالْأَعْمَش، وَذكر أَبُو إِسْحَاق الثَّعْلَبِيّ عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁، مَوْقُوفا عَلَيْهِ، قَالَ: الرّوح ملك عَظِيم أعظم من السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال وَالْمَلَائِكَة، وَهُوَ فِي السَّمَاء الرَّابِعَة يسبح كل يَوْم إثني عشر ألف تَسْبِيحَة، يخلق من كل تَسْبِيحَة ملك يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة صفا وَاحِدًا وَحده الْمَلَائِكَة بأسرهم يجيئون صفا وَقيل: المُرَاد بِهِ بَنو آدم، قَالَ ابْن عَبَّاس وَالْحسن وَقَتَادَة، وَعَن ابْن عَبَّاس: هُوَ الَّذِي ينزل لَيْلَة الْقدر زعيم الْمَلَائِكَة وَبِيَدِهِ لِوَاء طوله ألف عَام، فيغرزه على ظهر الْكَعْبَة، وَلَو أذن الله لَهُ أَن يلتقم السَّمَوَات وَالْأَرْض لفعل.
وَعَن سعيد بن جُبَير: لم يخلق الله خلقا أعظم من الرّوح، وَمن عَظمته لَو أَرَادَ أَن يبلع السَّمَوَات السَّبع وَالْأَرضين السَّبع وَمن فيهمَا لقْمَة وَاحِدَة لفعل، صُورَة خلقه على صُورَة الْمَلَائِكَة، وَصُورَة وَجهه على صُورَة وَجه الْآدَمِيّين، فَيقوم يَوْم الْقِيَامَة عَن يَمِين الْعَرْش وَالْمَلَائِكَة مَعَه فِي صفة، وَهُوَ أقرب الْخلق إِلَى الله تَعَالَى الْيَوْم عِنْد الْحجب السّبْعين، وَهُوَ مِمَّن يشفع لأهل التَّوْحِيد، وَلَوْلَا أَن
стр. 5608
بَينه وَبَين الْمَلَائِكَة سترا من نور لاحترق أهل السَّمَوَات من نوره، وَقَالَ قوم هُوَ الْمركب فِي الْخلق الَّذِي بفقده فناؤهم وهم وبوجوده بقاؤهم، وَقَالَ بَعضهم: أَرَادَ بِالروحِ الْقُرْآن، وَذَلِكَ أَن الْمُشْركين قَالُوا: يَا مُحَمَّد من أَتَاك بِهَذَا الْقُرْآن؟ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وَبَين أَنه من عِنْده.
١٢٧٤ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ حدَّثنا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ قَالَ حدّثني إبْراهِيمُ عنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ بَيْنا أَنا مَعَ النبيِّ ﷺ فِي حَرْثٍ وهْوَ مُتَّكِىءٌ عَلَى عَصِيبٍ إذْ مرَّ اليَهُودُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ سَلُوهُ عنِ الرُّوحِ فَقَالَ مَا رَابَكُمْ إلَيْهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيءٍ تَكْرَهُونَهُ فقالُوا سَلُوهُ فَسألُوهُ عنِ الرُّوحِ فَأمْسَكَ النبيُّ ﷺ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئاً فَعَلِمْتُ أنَّهُ يُوحَى إلَيْهِ فَقُمْتُ مَقامِي فَلَمَّا نَزَلَ الوحْيُ قَالَ: ﴿ويَسْألُونَكَ عنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلاّ قَلِيلاً﴾ (الْإِسْرَاء: ٥٨) ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وعلقمة هُوَ ابْن قيس النَّخعِيّ، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْعلم عَن قيس بن حَفْص، وَأخرجه أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَن يحيى عَن وَكِيع وَفِي الِاعْتِصَام عَن مُحَمَّد بن عبيد. وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن عمر بن حَفْص وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِي التَّفْسِير عَن عَليّ بن حشرم بِهِ.
قَوْله: (بَينا أَنا) . قد مر غير مرّة أَن: بَين، زيدت فِيهِ الْألف ويضاف إِلَى جملَة وَيحْتَاج إِلَى جَوَاب وَهُوَ قَوْله: (إِذْ مر الْيَهُود) . قَوْله: (فِي حرث) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء والثاء الْمُثَلَّثَة، وَوَقع فِي كتاب الْعلم من وَجه آخر فِي: خرب، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء وبالباء الْمُوَحدَة، وَفِي رِوَايَة مُسلم بِلَفْظ: كَانَ فِي نخل، وَزَاد فِي رِوَايَة الْعلم: بِالْمَدِينَةِ، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن مرْدَوَيْه عَن الْأَعْمَش: فِي حرث الْأَنْصَار. قَوْله: (وَهُوَ متكىء) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال، ويروى: وَهُوَ يتَوَكَّأ، أَي: يعْتَمد. قَوْله: (عسيب) ، بِفَتْح الْعين وَكسر السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: وَهُوَ الجريدة الَّتِي لَا خوص فِيهَا، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن حبَان: وَمَعَهُ جَرِيدَة. قَوْله: (الْيَهُود) ، بِالرَّفْع على الفاعلية، وَوَقع فِي بَقِيَّة رِوَايَات البُخَارِيّ فِي الْمَوَاضِع الَّتِي ذَكرنَاهَا الْآن: إِذْ مر بِنَفر من الْيَهُود، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم، وَوَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ عَن الْأَعْمَش: إِذْ مَرَرْنَا على يهود، وَالْيَهُود تَارَة بِالْألف وَتارَة يجرد عَنْهَا وَهُوَ جمع يَهُودِيّ. قَوْله: (مَا رابكم إِلَيْهِ) ، كَذَا بِصِيغَة الْفِعْل الْمَاضِي فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين من الريب، وَيُقَال: رابه كَذَا، وأرا بِهِ كَذَا، بِمَعْنى وَاحِد. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْحَمَوِيّ وَحده بِهَمْزَة وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة: من الرأب، وَهُوَ الْإِصْلَاح، فَيُقَال فِيهِ: رأب بَين الْقَوْم إِذا أصلح بَينهم، وَقَالَ الْخطابِيّ: الصَّوَاب مَا أربكم؟ بِفَتْح الْهمزَة وَالرَّاء، أَي: مَا حَاجَتكُمْ؟ قَالَ الْكرْمَانِي: ويروى: مَا رَأْيكُمْ، أَي: فكركم. قَوْله: (لَا يستقبلكم بِشَيْء) ، بِالرَّفْع، وَقَالَ بَعضهم: وَيجوز السّكُون وَالنّصب قلت: السّكُون ظَاهر لِأَنَّهُ يكون فِي صُورَة النَّهْي، وَأما النصب فَلَيْسَ لَهُ وَجه، وَفِي رِوَايَة الْعلم: لَا يَجِيء فِيهِ بِشَيْء تكرهونه، وَفِي الِاعْتِصَام: لَا يسمعكم مَا تكرهونه. قَوْله: (سلوه) أَصله: سَأَلُوهُ، وَفِي رِوَايَة التَّوْحِيد لنسألنه وَاللَّام فِيهِ جَوَاب قسم مَحْذُوف. قَوْله: (فَسَأَلُوهُ عَن الرّوح) ، ويروى: فِي التَّوْحِيد، فَقَامَ رجل مِنْهُم فَقَالَ يَا أَبَا الْقَاسِم مَا الرّوح وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ، فَقَالُوا: أخبرنَا عَن الرّوح. قَوْله: (فَلم يرد عَلَيْهِم) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فَلم يرد عَلَيْهِ بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: (فَعلمت أَنه يُوحى إِلَيْهِ) ، وَفِي رِوَايَة: فَظَنَنْت أَنه يُوحى إِلَيْهِ، وَفِي الِاعْتِصَام: فَقلت: إِنَّه يُوحى إِلَيْهِ. قَوْله: (فَقُمْت مقَامي) ، وَفِي رِوَايَة الِاعْتِصَام: فتأخرت عَنهُ. قَوْله: (فَلَمَّا نزل الْوَحْي) ، وَفِي رِوَايَة الِاعْتِصَام: حَتَّى صعد الْوَحْي، وَفِي رِوَايَة الْعلم: فَقُمْت فَلَمَّا انجلى. قَوْله: (من أَمر رَبِّي) قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: يحْتَمل أَن يكون جَوَابا، وَأَن الرّوح من أَمر الله تَعَالَى، يَعْنِي: من جملَة أَمر الله، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد: أَن الله اخْتصَّ بِعِلْمِهِ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (وَمَا أُوتِيتُمْ) ، كَذَا للكشميهني هُنَا، وَكَذَا: الْهم، فِي الِاعْتِصَام،
стр. 5609
ولغير الْكشميهني هُنَا ﴿وَمَا أُوتُوا﴾ وَكَذَا لَهُم فِي الْعلم. قَوْله: (إلَاّ قَلِيلا) ، الِاسْتِثْنَاء من الْعلم أَي: إِلَّا علما قَلِيلا. أَو من الْإِعْطَاء، أَي إلَاّ إِعْطَاء قَلِيلا، أَو من ضمير الْمُخَاطب أَو الْغَائِب على الْقِرَاءَتَيْن، أَي: إلَاّ قَلِيلا مِنْكُم أَو مِنْهُم.
٤١ - (بابٌ: ﴿ولَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخافِتْ بِها﴾ (الْإِسْرَاء: ٠١١)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَلَا تجْهر﴾ الْآيَة، وَلَيْسَ لغير أبي ذَر لفظ: بَاب، وَفِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة أَقْوَال: أَحدهَا: مَا ذكره البُخَارِيّ، وَيَأْتِي الْآن. الثَّانِي: عَن سعيد بن جُبَير: كَانَ النَّبِي ﷺ يجْهر بِقِرَاءَة الْقُرْآن فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، فَقَالَت قُرَيْش: لَا تجْهر بِالْقِرَاءَةِ فتؤذي آلِهَتنَا، فنهجو رَبك، فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة. الثَّالِث: قَالَ الواحدي: كَانَ الْأَعرَابِي يجْهر فَيَقُول التَّحِيَّات لله والصلوات والطيبات، يرفع بهَا صَوته، فَنزلت هَذِه الْآيَة. الرَّابِع: قَالَ عبد الله بن شَدَّاد: كَانَت أَعْرَاب بني تَمِيم إِذا سلم النَّبِي ﵇. من صلَاته قَالُوا: اللَّهُمَّ ارزقنا مَالا وَولدا، ويجهرون، فَنزلت هَذِه الْآيَة. الْخَامِس: عَن ابْن عَبَّاس رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه عَنهُ: نزلت هَذِه الْآيَة فِي الدُّعَاء، وَسَيَجِيءُ مزِيد الْكَلَام فِيهِ.
٣٢٧٤ - حدَّثني طَلْقُ بنُ غَنَّامٍ حدّثنا زَائِدَةُ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ أُنْزِلَ ذالِكَ فِي الدُّعاءِ.
(طلق بِفَتْح الطَّاء وَسُكُون اللَّام وَالْقَاف: ابْن غَنَّام، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد النُّون: أَبُو مُحَمَّد النَّخعِيّ الْكُوفِي، من كبار شُيُوخ البُخَارِيّ، وَرِوَايَته عَنهُ فِي هَذَا الْكتاب قَليلَة، مَاتَ فِي رَجَب سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وزائدة هُوَ ابْن قدامَة هُوَ هِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. والْحَدِيث من إِفْرَاده.
قَوْله: (ذَلِك) إِشَارَة إِلَى قَوْله: ﴿وَلَا تجْهر بصلاتك﴾ قَوْله: فِي الدُّعَاء، أما من إِرَادَة مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ أَو إِرَادَة الْجُزْء لِأَن الدُّعَاء جُزْء من الصَّلَاة، وَقيل: سمت عَائِشَة ﵂، الصَّلَاة دُعَاء لِأَنَّهَا فِي الأَصْل دُعَاء، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس مثل مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة، رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث أَشْعَث عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: نزلت هَذِه الْآيَة: ﴿وَلَا تجْهر بصلاتك﴾ فِي الدُّعَاء، وروى أَيْضا بِسَنَد صَحِيح إِلَى دراج عَن أَنْصَارِي لَهُ صُحْبَة: أَن رَسُول الله
стр. 5610
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: هَذِه الْآيَة نزلت فِي الدُّعَاء، وَمن حَدِيث ابْن إِبْرَاهِيم الهجري عَن ابْن عَبَّاس عَن أبي هُرَيْرَة: ﴿وَلَا تجْهر بصلاتك﴾ (الْإِسْرَاء: ٠١١) نزلت فِي الدُّعَاء وَالْمَسْأَلَة، وَالله أعلم.
(سُورَةُ الكَهْفِ)
أَي: هَذَا فِي بَيَان بعض تَفْسِير سُورَة الْكَهْف، ذكر ابْن مرديه أَن ابْن عَبَّاس، وَعبد الله بن الزبير ﵃، قَالَا: إِنَّهَا مَكِّيَّة، وَعَن الْقُرْطُبِيّ عَن ابْن عَبَّاس: مَكِّيَّة إلَاّ قَوْله: ﴿واصبر نَفسك﴾ (الْكَهْف: ٨٢) فَإِنَّهَا مَدَنِيَّة، وَفِي: ﴿مقامات التَّنْزِيل﴾ : فِيهَا ثَلَاث آيَات مدنيات: قَوْله: ﴿واصبر نَفسك﴾ ، وَقَوله: ﴿ويسألونك عَن ذِي القرنين﴾ (الْكَهْف: ٣٨) ، وَهِي سِتَّة آلَاف وثلاثمائة وَسِتُّونَ حرفا، وَألف وَخَمْسمِائة وَسبع وَسَبْعُونَ كلمة، وَمِائَة وَعشر آيَات.
﴿بِسم الله الرحمان الرَّحِيم﴾
ثبتَتْ الْبَسْمَلَة للأكثرين إلَاّ لأبي ذَر فَإِنَّهَا لم تثبت.
وَقَالَ مُجاهِدٌ تَقْرِضُهُمْ تَتْرُكُهُمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: (وَإِذا غربت تقرضهم ذَات الشمَال) (الْكَهْف: ٧١) وَفسّر مُجَاهِد: (تقرضهم) بقوله: (تتركهم) هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الْحَنْظَلِي عَن حجاج بن حَمْزَة: حَدثنَا شَبابَة حَدثنَا وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، فَذكره. وَعَن ابْن عَبَّاس: تقرضهم تَدعهُمْ، وَعَن مقَاتل: تتجاوزهم أصل الْقَرْض الْقطع.
﴿وكانَ لَهُ ثُمُرٌ ذَهَبٌ وفِضَّةٌ﴾
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وفجرنا خلالهما نَهرا وَكَانَ لَهُ ثَمَر﴾ (الْكَهْف: ٣٣) الْآيَة، وَفسّر الثَّمر، بِضَم الثَّاء: بِالذَّهَب وَالْفِضَّة، وَهَذَا من تَتِمَّة قَول مُجَاهِد، وَرَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة فِي تَفْسِيره عَن ابْن جريج عَنهُ. وَأخرج الْفراء من وَجه آخر عَن مُجَاهِد، قَالَ: مَا كَانَ فِي الْقُرْآن ثَمَر بِالضَّمِّ فَهُوَ المَال، وَمَا كَانَ بِالْفَتْح فَهُوَ النَّبَات.
﴿وَقَالَ غَيْرُهُ جَماعَةُ الثَّمَر﴾
قَالَ بَعضهم: كَأَنَّهُ عَنى بِهِ قَتَادَة. قلت: الَّذِي قَالَه صَاحب (التَّلْوِيح) جمَاعَة هُوَ الصَّوَاب. قَوْله: (جمَاعَة) أَي: جُمُعَة، أَي جمع الثَّمر، بِالْفَتْح الثَّمر بِضَمَّتَيْنِ، وَقيل: إِن الثَّمَرَة تجمع على ثمار، وَالثِّمَار تجمع على ثَمَر، فَيكون الثَّمر جمع الْجمع.
﴿باخِعٌ مُهْلِكٌ﴾
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿فلعلك باخع نَفسك على آثَارهم﴾ (الْكَهْف: ٦) الْآيَة. وَفسّر باخع، بقوله: مهلك، وَبِه فسر أَبُو عُبَيْدَة.
﴿أسَفاً نَدَماً﴾
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن لم يُؤمنُوا بِهَذَا الحَدِيث أسفا﴾ (الْكَهْف: ٦) ، وَفسّر: أسفا بقوله: (ندماً) ، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَعَن قَتَادَة: أسفا حزنا، وَأَرَادَ بِالْحَدِيثِ الْقُرْآن.
﴿الكَهْفُ الفَتْحُ فِي الجَبَلِ﴾ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أم حسبت أَن أَصْحَاب الْكَهْف والرقيم﴾ (الْكَهْف: ٩) وَفسّر (الْكَهْف) بقوله: (الْفَتْح فِي الْجَبَل) ، وَيُقَال: الْكَهْف الْغَار فِي الْجَبَل.
﴿والرَّقيمُ الكِتابُ مَرْقُومٌ مَكْتُوبٌ مِنَ الرَّقْمِ﴾
اخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي الرقيم، فَقيل: هُوَ الطاق فِي الْجَبَل، وَعَن ابْن عَبَّاس: هُوَ وَاد بَين أَيْلَة وَعُسْفَان، وأيلة دون فلسطين وَهُوَ الْوَادي الَّذِي فِيهِ أَصْحَاب الْكَهْف، وَقَالَ كَعْب: هُوَ قريتهم، فعلى هَذَا التَّأْوِيل من رقمة الْوَادي، وَهُوَ مَوضِع المَاء مِنْهُ، وَعَن سعيد بن جُبَير: الرقيم لوح من حِجَارَة، وَقيل: من رصاص كتبُوا فِيهِ أَسمَاء أَصْحَاب الْكَهْف وقصصهم ثمَّ وضعوه على بَاب الْكَهْف، فعلى هَذَا الرقيم بِمَعْنى المرقوم، أَي: الْمَكْتُوب، والرقم الْخط والعلامة، والرقم الْكِتَابَة.
﴿رَبَطْنا عَلَى قُلُوبِهِمْ ألْهَمْناهُمْ صَبْراً﴾
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وربطنا على قُلُوبهم إِذْ قَامُوا﴾ وَفسّر: ربطنا قَوْله: ألهمناهم صبرا. وَفِي التَّفْسِير: شددنا على قُلُوبهم بِالصبرِ وألهمناهم ذَلِك وقويناهم بِنور الْإِيمَان حَتَّى صَبَرُوا على هجران دَار قَومهمْ وفراق مَا كَانُوا فِيهِ من خفض الْعَيْش.
стр. 5611
﴿لَوْلَا أنْ رَبَطْنا عَلَى قَلْبِها﴾
هَذَا فِي تَفْسِير سشورة الْقَصَص، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأصْبح فؤاد أم مُوسَى فَارغًا إِن كَادَت لتبدي بِهِ لَوْلَا أَن ربطنا على قَلبهَا لتَكون من الْمُؤمنِينَ﴾ (الْقَصَص: ٠١) ذكره هُنَا اسْتِطْرَادًا لِأَنَّهُ من مَادَّة: ربطنا على قُلُوبهم، وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة: لَوْلَا أَن ربطنا على قَلبهَا بِالْإِيمَان.
﴿شَطَطاً: إفْرَاطاً﴾
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لن نَدْعُو من دونه إل هَا لقد قُلْنَا إِذا شططا﴾ (الْكَهْف: ٤١) ، وَفسّر: (شططاً) بقوله: (إفراطاً) وَعَن ابْن عَبَّاس وَمُقَاتِل: جوراً وَعَن قَتَادَة: كذبا وأصل الشطط مُجَاوزَة الْقدر والإفراط.
الوَصِيدُ الفِناءُ جَمْعُهُ وصائِدُ ووُصُدُ ويُقالُ الوَصِيدُ البابُ مُؤْصَدَة مُطْبَقَةٌ آصَدَ البابَ وأوْصَدَ.
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وكلبهم باسط ذِرَاعَيْهِ بالوصيد﴾ (الْكَهْف: ٨١) وَفَسرهُ (بالفناء) بِكَسْر الْفَاء وَهُوَ سَعَة أَمَام الْبيُوت، وَقيل: مَا امْتَدَّ من جوانبها. قَوْله: (وَيُقَال الوصيد الْبَاب) ، وَرُوِيَ كَذَلِك عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَهُ السّديّ أَيْضا، وَعَن عَطاء: الوصيد عتبَة الْبَاب. قَوْله: (مؤصدة: مطبقة) ذكره اسْتِطْرَادًا، وَهُوَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مؤصدة﴾ (الْهمزَة: ٨) يَعْنِي: إِن النَّار عَلَيْهِم أَي على الْكَافرين مؤصدة، أَي مطبقة، قَالَه الْكَلْبِيّ، واشتقاقه من آصد يوصد أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: (آصد الْبَاب) بِمد الْهمزَة أَي: أطبقه، وَكَذَلِكَ (أوصد) .
﴿بَعَثْناهُمْ أحْيَيْناهُمْ﴾
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ بعثناهم لنعلم أَي الحزبين أحصى لما لَبِثُوا أمداً﴾ (الْكَهْف: ٢١) وَإِلَى قَوْله تَعَالَى أَيْضا: ﴿وَكَذَلِكَ بعثناهم ليتساءلوا﴾ (الْكَهْف: ٩١) الْآيَة، وَفِي التَّفْسِير قَوْله: (ثمَّ بعثناهم) يَعْنِي: من نومهم، وَذَلِكَ حِين تنَازع الْمُسلمُونَ الْأَولونَ أَصْحَاب الْكَهْف والمسلمون الْآخرُونَ الَّذين أَسْلمُوا حِين رَأَوْا أَصْحَاب الْكَهْف فِي قدر مُدَّة لبثهم فِي الْكَهْف، فَقَالَ الْمُسلمُونَ الْأَولونَ: مَكَثُوا فِي الْكَهْف ثَلَاثمِائَة وتسع سِنِين، وَقَالَ الْمُسلمُونَ الْآخرُونَ: بل مَكَثُوا كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ الْآخرُونَ: الله أعلم بِمَا لَبِثُوا، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ بعثناهم لنعلم﴾ قَوْله: (أحصى) أَي: أحفظ فِي الْعد. قَوْله: (لما لَبِثُوا) أَي: لما مَكَثُوا فِي كهفهم نياماً. قَوْله: (أمداً) أَي: غَايَة، وَعَن مُجَاهِد عددا، وَكَذَلِكَ بعثناهم يَعْنِي: كَمَا امتناهم فِي الْكَهْف ومنعناهم من الْوُصُول إِلَيْهِم وحفظنا أجسامهم من البلى على طول الزَّمَان وثيابهم من العفن، كَذَلِك بعثناهم من النومة الَّتِي تشبه الْمَوْت.
أزْكَى أكْثَرُ ويُقالُ أحَلُّ ويُقالُ أكثَرُ رَيْعاً: قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ أكْلَها
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلْينْظر أَيهَا أزكى طَعَاما﴾ (الْكَهْف: ٩١) وَفسّر أزكى بقوله: أَكثر، وَكَذَا فسره عِكْرِمَة، وَأَصله من الزَّكَاة وَهِي الزِّيَادَة والنماء. قَوْله: (وَيُقَال: أحل) ، أَي: أحل ذَبِيحَة، قَالَه ابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن جُبَير لِأَن عامتهم كَانُوا مجوساً وَفِيه قوم مُؤمنُونَ يخفون إِيمَانهم. قَوْله: (وَيُقَال: أَكثر ريعاً) أَي: معنى أزكى أَكثر ريعاً، والريع الزِّيَادَة والنماء على الأَصْل، قَالَه ابْن الْأَثِير. قَوْله: (وَقَالَ ابْن عَبَّاس: أكلهَا) أَي: أزكى أكلهَا، أَي: أطيب أكلهَا، والمعاني الْمَذْكُورَة مُتَقَارِبَة.
ولَمْ تَظْلِمْ لَمْ تَنْقُصْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿كلتا الجنتين آتت أكلهَا وَلم تظلم مِنْهُ شَيْئا﴾ (الْكَهْف: ٣٣) وَفسّر قَوْله: (لم تظلم) بقوله: (لم تنقص) وَهَذَا من تَفْسِير ابْن عَبَّاس رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى حَدثنَا هِشَام بن يُوسُف عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس.
وَقَالَ سَعِيدٌ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ الرَّقِيمُ اللَّوْحُ مِنْ رصاصٍ كَتَبَ عامِلُهُمْ أسْماءَهُمْ ثمَّ طَرَحَهُ فِي خِزانَتِهِ
لَا يُوجد هَذَا فِي كثير من النّسخ وَمَعَ هَذَا لَو كَانَ ذكر عِنْد قَوْله: (والرقيم) الْكتاب مرقوم مَكْتُوب من الرقم لَكَانَ أوجه وَأقرب، وَسَعِيد هُوَ ابْن جُبَير، وروى هَذَا التَّعْلِيق ابْن الْمُنْذر عَن عَليّ عَن أبي عبيد: حَدثنَا سُفْيَان بن حُسَيْن عَن يعلى بن مُسلم عَن سعيد عَن ابْن عَبَّاس بِلَفْظ إِن الْفتية طلبُوا فَلم يجدوهم، فَرفع ذَلِك إِلَى الْملك فَقَالَ: لَيَكُونن لهَؤُلَاء شَأْن، فدعى بلوح من رصاص فَكتب أَسْمَاءَهُم فِيهِ وَطَرحه فِي خزانته، قَالَ: فالرقيم هُوَ اللَّوْح الَّذِي كتبُوا فِيهِ.
стр. 5612
﴿فَضرب الله على آذانهم فَنَامُوا﴾ هَذِه إشاءة إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فضربنا على آذانهم فِي الْكَهْف سِنِين عددا﴾ (الْكَهْف: ١١) هَذَا من فصيحات الْقُرْآن الَّتِي أقرَّت الْعَرَب بالقصور عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ، وَمَعْنَاهُ: أنمناهم وسلطنا عَلَيْهِم النّوم، كَمَا يُقَال: ضرب الله فلَانا بالفالج، أَي: ابتلاه بِهِ وأرسله عَلَيْهِ، وَقيل: مَعْنَاهُ حجبناهم عَن السّمع وسددها نُفُوذ الصَّوْت إِلَى مسامعهم، وَهَذَا وصف الْأَمْوَات والنيام.
وَقَالَ غَيْرُهُ وألَتْ تَثِلُ تَنْجُو: وَقَالَ مُجاهِدٌ مَوْئلاً مَحْرِزاً
أَي: وَقَالَ غير ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: ﴿بل لَهُم موعد لن يَجدوا من دونه موئلاً﴾ (الْكَهْف: ٨٥) أَرَادَ أَن لفظ موئلاً مُشْتَقّ من: (وألت تئل) من بَاب فعل يفعل بِفَتْح الْعين فِي الْمَاضِي وَكسرهَا فِي الْمُسْتَقْبل، وَمعنى: (تئل تنجو) وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وأل إِلَيْهِ يئل وَألا ووؤلاً على فعول، أَي: لَجأ، والموئل الملجأ. قَوْله: (وَقَالَ مُجَاهِد موئلاً محرزا) يَعْنِي مَعْنَاهُ: محرزا، وَعَن قَتَادَة مَعْنَاهُ ملْجأ وَرجح ابْن قُتَيْبَة هَذَا الْمَعْنى.
لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً لَا يَعْقِلُونَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين كَانَت أَعينهم فِي غطاء عَن ذكري وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سمعا﴾ وَفسّر قَوْله: (لَا يَسْتَطِيعُونَ سمعا) بقوله: (لَا يعْقلُونَ) وَفِي التَّفْسِير وصف الله الْكَافرين بقوله: الَّذين كَانَت أَعينهم فِي غطاء. أَي: غشاء وغفلة عَن ذكري، أَي: عَن الْإِيمَان وَالْقُرْآن لَا يَسْتَطِيعُونَ أَي: لَا يُطِيقُونَ أَن يسمعوا كتاب الله ويتدبرونه ويؤمنون بِهِ لغَلَبَة الشَّقَاء عَلَيْهِم، وَالله أعلم.
١ - (بابُ قوْلِهِ : ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ (الْكَهْف: ٤٥)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَان أَكثر شَيْء جدلاً﴾ أَي: خُصُومَة فِي الْبَاطِل، نزلت فِي النَّضر بن الْحَارِث وَكَانَ جداله فِي الْقُرْآن، قَالَه ابْن عَبَّاس، وَقيل: فِي أبي بن خلف وَكَانَ جداله فِي الْبَعْث.
٤٢٧٤ - حدَّثنا عليُّ بن عبْدِ الله حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ بن سَعْدٍ حدَّثنا أبي عنْ صالِحٍ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ أخبرَني عليُّ بنُ حُسَيْنٍ أنَّ حُسَيْنَ بنَ علِيّ أخبرَهُ عنْ عليّ ﵁ أنَّ رسُولَ الله ﷺ طَرَقَهُ وفاطِمَةَ قَالَ ألَا تُصَلِّيانِ.
هَذَا الحَدِيث ذكره هُنَا مُخْتَصرا. وَقد مضى بأتم مِنْهُ فِي الصَّلَاة فِي: بَاب تحريض النَّبِي ﷺ على قيام اللَّيْل، وَفِي آخِره: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَان أَكثر شَيْء جدلاً﴾ وَهَذَا هُوَ وَجه الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة وَإِن لم يذكر صَرِيحًا.
وَعلي بن عبد الله هُوَ الْمَدِينِيّ، وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَعلي بن حُسَيْن هُوَ عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب، سمع أَبَاهُ وَمضى الْكَلَام فِي الحَدِيث هُنَاكَ، قَوْله: (طرقه) أَي: أَتَاهُ لَيْلًا.
رَجْماً بالغَيْبِ لَمْ يَسْتَبِنْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَة سادسهم كلبهم رجماً بِالْغَيْبِ﴾ (الْكَهْف: ٢٢) وَفَسرهُ بقوله: (لم يستبن) وَقيل: قذفا بِالظَّنِّ من غير يَقِين وَهَذَا لم يثبت فِي رِوَايَة أبي ذَر.
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتبع هَوَاهُ وَكَانَ أمره فرطا﴾ (الْكَهْف: ٨٢) نزلت فِي عُيَيْنَة بن حُصَيْن بن بدر الْفَزارِيّ قبل أَن يسلم، قَالَه ابْن جريج، وَفسّر قَوْله: فرطا بقوله: ندماً وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق دَاوُد بن أبي هِنْد فِي قَوْله: (فرطا) أَي: ندامة، وَعَن أبي عُبَيْدَة تضييعاً وإسرافاً، وَعَن مُجَاهِد: ضيَاعًا، وَعَن السّديّ إهلاكاً.
سُرَادِقُها
стр. 5613
مِثْلُ السُّرَادِقِ والحُجْرَةِ الَّتي تُطِيفُ بالْفَساطِيطِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا اعتدنا للظالمين نَارا أحَاط بهم سرادقها﴾ (الْكَهْف: ٩٢) وَالضَّمِير فِي سرادقها يرجع إِلَى النَّار، وَالْمعْنَى أَن سرادق النَّار مثل السرادق، والحجرة الَّتِي تطيف أَي تحيط بالفساطيط وَهُوَ جمع فسطاط وَهِي الْخَيْمَة الْعَظِيمَة، والسرادق هُوَ الَّذِي يمد فَوق صحن الدَّار ويطيف بِهِ ويقاربه. وَفِي التَّفْسِير عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: سرادق النَّار أَربع جدر كتف كل وَاحِدَة مسيرَة أَرْبَعِينَ سنة. وَعَن ابْن عَبَّاس: السرادق حَائِط من نَار، وَعَن الْكَلْبِيّ: هُوَ عنق يخرج من النَّار فيحيط بالكفار كالحظيرة، وَعَن القتبي: السرادق الْحُجْرَة الَّتِي تكون حول الْفسْطَاط، وَهُوَ هُنَا دُخان مُحِيط بالكفار يَوْم الْقِيَامَة.
يُحاوِرُهُ مِنَ المُحاوَرَةِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَر فَقَالَ لصَاحبه وَهُوَ يحاوره﴾ (الْكَهْف: ٤٣) الْآيَة قَوْله: (من المحاورة) يَعْنِي: لفظ (يحاوره) مُشْتَقّ من المحاورة وَهِي الْمُرَاجَعَة، وَفِي التَّفْسِير: يحاوره، أَي: يجاوبه.
لاكِنّا هُوَ الله رَبِّي أيْ لَكِنْ أَنا هُوَ الله رَبِّي ثُمَّ حَذَفَ الألِفَ وأدْغَمَ إِحْدَى النُّونَيْنِ فِي الأخْرَى
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لكنَّا هُوَ الله رَبِّي وَلَا أشرك بربي أحدا﴾ (الْكَهْف: ٨٣) هَذَا الَّذِي ذكره هُوَ تصرف عَامَّة النَّحْوِيين، وَهُوَ حذف همزَة، أَنا طلبا للخفة لِكَثْرَة اسْتِعْمَاله وإدغام إِحْدَى النونين فِي الْأُخْرَى، وَعَن الْكسَائي: فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير مجازه، لَكِن هُوَ الله رَبِّي.
﴿وفَجَّرْنا خلالَهُما نَهَراً يَقُولُ بَيْنَهُما﴾
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿كلتا الجنتين آتت أكلهَا وَلم تظلم مِنْهُ شَيْئا وفجرنا خلالهما نَهرا وَكَانَ لَهُ ثَمَر﴾ (الْكَهْف: ٣٣ ٤٣) الْآيَة، وَفسّر قَوْله: (خلالهما) بقوله: (بَينهمَا) وَفِي التَّفْسِير: وفجرنا خلالهما، يَعْنِي: شققنا وسطهما نَهرا، وَفِي بعض النّسخ: وَقع هَذَا مقدما، وَثَبت لأبي ذَر.
زَلَقاً لَا يَثْبُتُ فِيهِ قَدَمٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتُصْبِح صَعِيدا زلقاً﴾ (الْكَهْف: ٠٤) وَفَسرهُ بقوله: لَا تثبت فِيهِ قدم. وَفِي التَّفْسِير ﴿صَعِيدا زلقاً﴾ يَعْنِي: صَعِيدا أملس لَا نَبَات عَلَيْهِ، وَعَن مُجَاهِد: رملاً هائلاً وتراباً.
هُنالِكَ الوَلايَةُ مَصْدَرُ الوَلِيِّ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ منتصراً هُنَالك الْولَايَة لله الْحق﴾ الْآيَة. قَوْله: (الْولَايَة) ، بِفَتْح الْوَاو فِي قِرَاءَة الْجُمْهُور، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الْولَايَة بِالْفَتْح النُّصْرَة، والتولي، وبالكسر: السُّلْطَان وَالْملك، وَقد قرىء بهما. قَوْله: (مصدر الْوَلِيّ) ، ويروى: مصدر ولي بِدُونِ الْألف وَاللَّام، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر مصدر ولي الْمولى. وَلَاء وَالْأول هُوَ الأصوب. قَوْله: (هُنَالك) أَي: يَوْم الْقِيَامَة، وَفِي التَّفْسِير: هُنَالك يتولون الله تَعَالَى ويتبرؤون مِمَّا كَانُوا يعبدونه.
عُقُباً عاقِبَةٌ وعقبى وعُقْبَةٌ واحِدٌ وهْيَ الآخِرَةُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ خير ثَوابًا وَخير عقباً﴾ (الْكَهْف: ٤٤) وَفسّر بقوله: (عَاقِبَة) ، ثمَّ قَالَ: (الْعَاقِبَة وعقبى وَعقبَة) بِمَعْنى وَاحِد، يُقَال: هَذَا عقب أَمر كَذَا وعقباه وعاقبته، أَي: آخِره، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: عَاقِبَة كل شَيْء آخِره.
قِبِلاً وقُبُلاً وقَبَلاً اسْتِئْنافاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو يَأْتِيهم الْعَذَاب قُبُلاً﴾ (الْكَهْف: ٥٥) وقبلاً وقبلاً. الأول: بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء، الثَّانِي: بِضَمَّتَيْنِ، وَالثَّالِث: بِفتْحَتَيْنِ، وَفسّر ذَلِك كُله بقوله: استئنافاً يَعْنِي اسْتِقْبَالًا، وَفِي التَّفْسِير: أَي عيَانًا، قَالَه ابْن عَبَّاس، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: قَالَ الْكَلْبِيّ: هُوَ السَّيْف يَوْم بدر، وَقَالَ مقَاتل: فَجْأَة، وَمن قَرَأَ بِضَمَّتَيْنِ أَرَادَ أَصْنَاف الْعَذَاب.
لِيُدْحِضُوا لِيُزِيلوا الدَّحَضُ الزَّلَقُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ويجادل الَّذين كفرُوا بِالْبَاطِلِ ليدحضوا بِهِ الْحق﴾ (الْكَهْف: ٦٥) وَفسّر: ليدحضوا بقوله: (ليزيلوا) من الدخض وَهُوَ الزلق، يُقَال: دحضت رجله إِذا زلقت، وَعَن السّديّ: مَعْنَاهُ ليفسدوا، وَقيل: ليبطلوا بِهِ الْحق.
стр. 5614
٢ - (بابٌ: ﴿وإذْ قَالَ مُوسَى لِفَتاهُ لَا أبْرَحُ حَتَّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ أوْ أمْضَى حُقُباً﴾ (الْكَهْف: ٠٦) زَماناً وجَمْعُهُ أحْقابٌ)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قَالَ مُوسَى﴾ أَي: أذكر حِين قَالَ مُوسَى، هُوَ ابْن عمرَان (لفتاه) أَي: لصَاحبه يُوشَع بن نون، قيل: كَانَ مَعَه فِي سَفَره، وَقيل: فتاه عَبده ومملوكه. قَوْله: (لَا أَبْرَح) أَي: لَا أَزَال أَسِير (حَتَّى أبلغ مجمع الْبَحْرين) بَحر فَارس وَالروم مِمَّا يَلِي الْمشرق، وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب: بطبخه، وَعَن أبي بن كَعْب. بأفريقية، وَقيل: هما بَحر الْأُرْدُن والقلزم، وَعَن ابْن الْمُبَارك: قَالَ بَعضهم: بَحر أرمينية، وَعَن السّديّ: هما الْكر والرش حَيْثُ يصبَّانِ فِي الْبَحْر. قَوْله: (أَو أمضى حقباً) . أَي: أمضى زَمَانا طَويلا، وَعَن قَتَادَة: الحقب الزَّمَان، وَعَن ابْن عَبَّاس: الحقب الدَّهْر، وَعَن سعيد بن جُبَير: الحقب الْحِين، وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ: إِنَّه ثَمَانُون سنة، وَعَن مُجَاهِد سَبْعُونَ سنة. (وَجمعه) أَي: وَجمع الحقب (أحقاب) .
٥٢٧٤ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حدَّثنا سُفْيانُ حَدثنَا عَمْرُو بنُ دِينَارٍ قَالَ أخْبَرَني سعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ لابنِ عَبَّاسٍ إنَّ نَوْفاً البَكالِيَّ يَزْعُمُ أنَّ مُوسَى صاحِبَ الخَضِيرِ لَيْسَ هُوَ مُوسَى صاحِبَ بَنِي إسْرَائِيلَ فَقَالَ ابنُ عبّاسٍ كَذَبَ عَدُوُّ الله حَدثنِي أُبيُّ بنُ كَعْبٍ أنّهُ سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ إنَّ مُوسَى قامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إسْرَائِيلَ فَسُئِلَ أيُّ النّاسِ أعْلَمُ فَقَالَ أَنا فَعَتَبَ الله عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ فأوْحَى الله إلَيْهِ إنَّ لِي عَبْداً بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هُوَ أعْلَمُ مِنْكَ قَالَ مُوسى يَا رَبِّ فَكَيْفَ لِي بِهِ قَالَ تأخُذُ مَعَكَ حُوتاً فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ فَحَيْثُما فَقَدْتَ الحُوتَ فَهْوَ ثَمَّ فأخَذَ حُوتاً فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ ثُمَّ انْطَلَقَ مَعَهُ فتاهُ يُوشَعَ بنِ نُونٍ حَتّى إِذا أتَيا الصَّخْرَةَ وضَعا رُؤُوسَهُما فَناما واضْطَرَبَ الحُوتُ فِي المِكْتَلِ فَخَرَجَ مِنْهُ فَسَقَطَ فِي البَحْر فاتخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَباً وأمْسَكَ الله عنِ الحُوتِ جِرْيَةَ المَاءِ فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْلَ الطّاقِ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صاحِبُهُ أنْ يُخْبِرَهُ بالحُوتِ فانْطَلَقا بَقِيَّةَ يَوْمِهِما ولَيْلَتِهِما حَتَّى إِذا كانَ مِنَ الغَدِ قَالَ مُوسَى لِفَتاهُ آتِنا غَدَاءَنا لَقَدْ لقِينا مِنْ سَفَرِنا هَذَا نَصَباً قَالَ ولَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جاوَزَ المَكانَ الّذي أمَرَ الله بِهِ فَقَالَ لهُ فَتاهُ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أنْسانِيهُ إلَاّ الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ عَجَباً قَالَ فكانَ لِلْحُوتِ سَرَباً ولِمُوسَى ولِفَتاهُ عَجَباً فَقَالَ مُوسَى ذالِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فارْتَدَّا عَلَى آثارِهِما قَصَصاً: قَالَ رَجعَا يَقُصّانِ آثارَهُما حَتَّى انْتَهَيْنا إِلَى الصخْرَةِ فإذَا رجُلٌ مُسَجَّى ثَوْباً فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى فَقَالَ الخَضِرُ وأنَّى بأرْضِكَ السّلَامُ قَالَ أَنا مُوسَى قَالَ مُوسَى بَني إسْرائِيلَ قَالَ نَعَمْ أتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَداً قَالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً يَا مُوسَى إنِّي عَلَى عِلْمِ مِنْ عِلْمِ الله عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أنْتَ وأنْتَ عَلَى عِلْمِ مِنْ عِلْمِ الله عَلَّمَكَ الله لَا أعْلَمُهُ فَقَالَ مُوسَى سَتَجِدُني إنْ شاءَ الله صابِراً وَلَا أعْصِي لَكَ أمْراً فَقَالَ لَهُ الخَضِرُ فإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلَى ساحِلِ البَحْرِ فَمَرَّتْ سفِينَةٌ فكَلَّمُوهُمْ أنْ يَحْمِلُوهُمْ فَعَرَفُوا الخَضرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ فَلَمّا رَكِبا فِي
стр. 5615
السّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأ إلاّ والخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحاً مِنْ ألْواحِ السّفِينَةِ بالْقَدُومِ فَقَالَ لهُ مُوسَى قَوْمٌ حَمَلونا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَها لتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إمْراً قَالَ ألَمْ أقُلْ إنّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أمْرِي عُسْراً: قَالَ وَقَالَ رسولُ الله ﷺ وكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْياناً قَالَ وجاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حرْف السّفِينَةِ فَنَقَرَ فِي البَحْرِ نَقْرَةً فقالَ لَهُ الخَضِرُ مَا عِلْمي وعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ الله إلاّ مِثْلُ مَا نَقَصَ هاذا العُصْفُورِ مِنْ هاذا البَحْرِ ثُمَّ خَرَجا مِنَ السَّفِينَةِ فبَيْناهُما يَمْشِيانِ عَلَى السَّاحِلِ إذْ أبْصَرَ الخَضِرُ غُلَاماً يلْعَبُ مَعَ الغِلْمانِ فأخَذَ الخَضِرُ رَأسَهُ بِيَدِهِ فاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ فَقَتَلَهُ فَقَالَ لَهُ مُوسَى أقَتَلْتَ نَفْساً زَاكِيَةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً قَالَ ألَمْ أقل لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً قَالَ وهاذا أشدُّ مِنَ الأُولى قَالَ إنْ سألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً فانْطَلَقا حَتَّى إِذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها بأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدَاراً يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ قَالَ مائِلٌ فقامَ الخَضِرُ فأقامَهُ بِيَدِهِ فَقَالَ مُوسَى قَوْمٌ أتَيْناهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونا وَلَمْ يُضَيِّفُونا لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْراً قَالَ هاذا فِرَاقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ إلَى قَوْلِهِ ذالِكَ تأوِيلُ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً: فَقَالَ رسُولُ الله ﷺ وَدِدْنا أنَّ مُوسَى كانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ الله عَلَيْنا مِنْ خَبَرِهِما: قَالَ سعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ فكانَ ابنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ وَكَانَ أمامَهُمْ مَلِكٌ يأخُذُ كلَّ سفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْباً وكانَ يَقْرَأ وأمّا الغُلَامُ فَكانَ كافِراً وكانَ أبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ يُوضح مَا فِيهَا. والْحميدِي هُوَ عبد الله بن الزبير بن عِيسَى، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة. والْحَدِيث مر فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب مَا يسْتَحبّ للْعَالم إِذا سُئِلَ: أَي النَّاس أعلم؟ فيكل الْعلم إِلَى الله ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله ابْن مُحَمَّد المسندي عَن سُفْيَان عَن عَمْرو إِلَى آخِره.
وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي أَكثر من عشر مَوَاضِع قد مر بَيَانه فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب مَا ذكر فِي ذهَاب مُوسَى ﵊، فِي الْبَحْر إِلَى الْخضر ﵊، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَفِي: بَاب مَا يسْتَحبّ للْعَالم كَمَا يَنْبَغِي، مستقصى، وَنَذْكُر هَهُنَا بعض شَيْء لبعد الْمسَافَة على الطَّالِب سِيمَا عِنْد قلَّة الْكتب.
فَقَوله: (إِن نَوْفًا) بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْوَاو وبالفاء، (والبكالي) بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْكَاف، وَيُقَال أَيْضا بِفَتْح الْبَاء وَتَشْديد الْكَاف، قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِيه نظر. قَوْله: (كذب عَدو الله) ، هَذَا تَغْلِيظ من ابْن عَبَّاس وَلَا سِيمَا كَانَ فِي حَالَة الْغَضَب وإلَاّ فَهُوَ مُؤمن مُسلم حسن الْإِيمَان وَالْإِسْلَام. قَوْله: (إِذْ لم يرد) ، كلمة: إِذْ، للتَّعْلِيل. انْتهى. قَوْله: (فِي مكتل) ، بِكَسْر الْمِيم وَهُوَ الزنبيل. قَوْله: (فَهُوَ ثمَّ) ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَشْديد الْمِيم أَي: فَهُوَ هُنَاكَ. قَوْله: (حَتَّى إِذا أَتَيَا الصَّخْرَة الَّتِي دون نهر الزَّيْت) ، قَالَه معقل بن زِيَاد، وَقيل: الصَّخْرَة هِيَ الَّتِي عِنْد مجمع الْبَحْرين، وَكَانَ أتياها لَيْلًا فَنَامَا. قَوْله: (واضطرب الْحُوت) ، أَي: تحرّك فِي المكتل، وَكَانَ الْحُوت مالحاً وَخرج من المكتل فَسقط فِي الْبَحْر، وَيُقَال: كَانَ فِي أصل الصَّخْرَة عين يُقَال لَهَا عين الْحَيَاة لَا يُصِيب من مَائِهَا شَيْء إلَاّ حييّ، فَأصَاب الْحُوت من مَاء تِلْكَ الْعين فَتحَرك وانسلَّ من المكتل فَدخل الْبَحْر، وروى ابْن مرْدَوَيْه هَذَا، وَفِي لفظ: فقطرت من ذَلِك المَاء على الْحُوت قَطْرَة فَعَاشَ وَخرج من المكتل فَسقط فِي الْبَحْر. قَوْله: (سربا) أَي: مسلكاً ومذهباً يسرب وَيذْهب فِيهِ، قَالَ الثَّعْلَبِيّ: روى أبي بن كَعْب عَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: انجاب المَاء على مَسْلَك الْحُوت فَصَارَ كوَّة لم يلتئم، فَدخل مُوسَى ﵊، الكوة على إِثْر الْحُوت فَإِذا هُوَ بالخضر عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام
стр. 5616
قَوْله: (على جرية المَاء) أَي: جَرَيَانه (فَصَارَ عَلَيْهِ مثل الطاق) ، أَي: مثل عقد الْبناء، وَعَن الْكَلْبِيّ تَوَضَّأ يُوشَع من عين الْحَيَاة فانتضح على الْحُوت المالح فِي المكتل من ذَلِك المَاء فَعَاشَ، ثمَّ وثب فِي المَاء فَجعل يضْرب بِذَنبِهِ فَلَا يضْرب بِذَنبِهِ شَيْئا فِي المَاء وَهُوَ ذَاهِب إلَاّ يبس. قَوْله: (غداءنا) ، أَي: طعامنا وزادنا. قَوْله: (نصبا) أَي: شدَّة وتعباً، وَذَلِكَ أَنه ألْقى على مُوسَى ﵊، الْجُوع بَعْدَمَا جَاوز الصَّخْرَة ليتذكر الْحُوت وَيرجع إِلَى مَوضِع، مطلبه. قَوْله: (نبغي) أَي: نطلب، انْتهى. قَوْله: (فارتدا) ، أَي: رجعا على آثارهما الَّتِي جَاءَ مِنْهَا. قَوْله: (قصصا) أَي: يقصان الْأَثر ويتبعانه. قَوْله: (مسجى) ، أَي: مغطى، قَوْله: (فَقَالَ الْخضر) ، بِفَتْح الْخَاء وَكسر الضَّاد وسكونها مَعَ فتح الْخَاء وَكسرهَا، وَلَقَد ذكرنَا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء سَبَب تَسْمِيَته بالخضر، واسْمه: بليا: بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون اللَّام وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف، مَقْصُورا. قَوْله: (وأنَّى بأرضك السَّلَام؟) ، أَي: من أَيْن؟ قَوْله: (رشدا) . أَي: علما ذَا رشد أرشد بِهِ فِي ديني، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: (رشدا) قرىء يَعْنِي: فِي الْقُرْآن، بِفتْحَتَيْنِ وبضمة وَسُكُون. قَوْله: (إِنَّك لن تَسْتَطِيع معي صبرا) (الْكَهْف: ٧٦) أَي: لن تصبر على صنعي فيثقل عَلَيْك الصَّبْر عَن الْإِنْكَار أَو السُّؤَال. قَوْله: (فَلَا تَسْأَلنِي عَن شَيْء) ، أَي: شَيْء أعلمهُ مِمَّا تنكره. قَوْله: (ذكرا) ، أَي: حَتَّى ابتدىء بِذكرِهِ لَك وَأبين لَك شَأْنه. قَوْله: (بِغَيْر نول) ، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْوَاو أَي: بِغَيْر أُجْرَة. قَوْله: (لم يفجأ) ، يُقَال: فجأه الْأَمر فجاءة بِضَم الْفَاء وبالمد: إِذا أَتَاهُ بَغْتَة من غير توقع. قَوْله: (أمرا) بِكَسْر الْهمزَة أَي مُنْكرا، وَعَن القتبي: عجبا، وَالْأَمر، فِي كَلَام الْعَرَب الداهية قَوْله: ﴿ألم أقل لَك إِنَّك لن تَسْتَطِيع معي صبرا﴾ أَي: تحقق مَا قلت لَك، قَالَ لَهُ مُوسَى ﵊: ﴿لَا تؤاخذني بِمَا نسيت﴾ أَي: لَا تؤاخذني بِالنِّسْيَانِ. قَوْله: ﴿لَا ترهقني من أَمْرِي عسراً﴾ أَي: لَا تعنفني بِمَا تركت من وصيتك وَلَا تطردني عَنْك، وَقيل: لَا تضيق عَليّ أَمْرِي مَعَك وصحبتي إياك. قَوْله: (إلَاّ مثل مَا نقص هَذَا العصفور من هَذَا الْبَحْر) ، هَذَا التَّشْبِيه لبَيَان الْقلَّة والحقارة فَقَط، وَقيل: معنى نقص أَخذ. قَوْله: (وَهَذَا أَشد من الأولى) أَي: أوكد من الأولى حَيْثُ زَاد كلمة: لَك. قَوْله: (غُلَاما) ، اسْمه خوش بود، وَقيل: جيسور، وَاسم أَبِيه: ملاس، وَاسم أمه: رَحمَه، وَكَانَ ظريفاً وضيء الْوَجْه. قَوْله: (فاقتلعه) ، أَي: فاقتلع الخصر رَأس الْغُلَام فَقتله، وَقيل: أضجعه فذبحه بالسكين، وَعَن الضَّحَّاك: كَانَ غُلَاما يعْمل الْفساد ويتأذى مِنْهُ أَبَوَاهُ، وَعَن الْكَلْبِيّ: كَانَ يقطع الطَّرِيق وَيَأْخُذ الْمَتَاع ويلجأ إِلَى أَبَوَيْهِ فيحلفان دونه، فَأَخذه الْخضر فصرعه وَنزع رَأسه من جسده، وَقيل: رفسه بِرجلِهِ، وَعَن ابْن عَبَّاس: كَانَ غُلَاما لم يبلغ الْحِنْث. قَوْله: (زاكية) ، أَي: ظَاهِرَة، وَقيل: مسلمة، وَعَن الْكسَائي: الزاكية والزكية لُغَتَانِ، وَعَن أبي عَمْرو: الزاكية الَّتِي لم تذنب، والزكية الَّتِي أذنبت ثمَّ تابت، قَوْله: (نكرا) ، أَي: مُنْكرا، وَعَن قَتَادَة وَابْن كيسَان: النكر أَشد وَأعظم من الْأَمر. قَوْله: (فَلَا تُصَاحِبنِي) ، يَعْنِي: فارقني. قَوْله: (عذرا) ، يَعْنِي: فِي فراقي. قَوْله: (أهل قَرْيَة) هِيَ أنطاكية، وَعَن ابْن سِيرِين: الأيلة، وَهِي أبعد أَرض من الْخَيْر، قَوْله: (يُضَيِّفُوهُمَا) ، أَي: ينزلوهما منزلَة الأضياف. قَوْله: (فِيهَا) ، أَي: فِي الْقرْيَة، قَوْله: (جداراً) ، قَالَ وهب: كَانَ طوله فِي السَّمَاء مائَة ذِرَاع. قَوْله: (يُرِيد أَن ينْقض) ، هَذَا مجَاز لِأَن الْجِدَار لَا إِرَادَة لَهُ، وَمَعْنَاهُ قَرُبَ ودنا من ذَلِك. قَوْله: (أَن ينْقض) ، أَي: أَن يسْقط وينهدم، وَمِنْه انقضاض الْكَوَاكِب وزوالها عَن أماكنها، وَقيل: يَنْقَطِع وينصدع. قَوْله: (فأقامه) أَي: سواهُ. قَوْله: (أجرا) ، أَي: أُجْرَة وَجعلا، وَقيل: قرىء: وضيافة، وَبَقِيَّة الْكَلَام قد مرت فِي كتاب الْعلم، وَالله أعلم.
٣ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿فلَما بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَباً مَذْهَباً يَسْرُبُ يَسْلُكُ. ومِنْهُ وسارِبٌ بالنّهارِ﴾ (الْكَهْف: ١٦)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿فَلَمَّا بلغا مجمع بَينهمَا﴾ وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: فَلَمَّا بلغ مجمع بَينهمَا، وَالْأول هُوَ الْمُوَافق للتلاوة. قَوْله: (فَلَمَّا بلغا) ، يَعْنِي: مُوسَى ويوشع عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَوْله: (بَينهمَا) (الرَّحْمَن: ٢٢) ، أَي: بَين الْبَحْرين. قَوْله: (نسيا حوتهما) قَالَ الثَّعْلَبِيّ: وَكَانَ الْحُوت مَعَ يُوشَع وَهُوَ الَّذِي نَسيَه فصرف النسْيَان إِلَيْهِمَا، وَالْمرَاد أَحدهمَا، كَمَا قَالَ: ﴿يخرج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ والمرجان﴾ (الرَّعْد: ٠١) وَإِنَّمَا يخرج من الْملح. قَوْله: (سربأ) . قد مر الْكَلَام فِيهِ فِي الْبَاب السابف قَوْله: (وَمِنْه) أَي وَمن (سريا) قَوْله تَعَالَى: (وسارب بِالنَّهَارِ) وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَي سالك فِي سربه، أَي: مذْهبه، وَمِنْه: نسرب فلَان إِذا مضى.
стр. 5617
٦٢٧٤ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخْبرنا هِشامُ بنُ يوسُفَ أنَّ ابنَ جُرَيْج أخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبرنِي يَعْلَى بنُ مُسْلِمٍ وعَمْرُو بنُ دِينارٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ يَزِيدُ أحَدُهُما عَلَى صاحِبِهِ وغَيْرُهُما قَدْ سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُهُ عَنْ سَعِيدٍ قَالَ إنّا لَعِنْدَ بنِ عَبَّاسٍ فِي بَيْتِهِ إذْ قَالَ سَلُوني قُلْتُ أيْ أَبَا عَباسٍ جَعَلَنِي الله فِدَاءَكَ بالْكُوفَةِ رَجُلٌ قاص يُقالُ لَهُ نَوْفٌ يَزْعَمُ أنَّهُ لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إسْرَائِيلَ أمَّا عَمْروٌ فَقَالَ لِي قَالَ قَدْ كَذَبَ عَدُوُّ الله وأمَّا يَعْلَى فَقَالَ لي قَالَ ابنُ عبَّاس حدّثني أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ مُوسَى رسولُ الله ﵇ قَالَ ذَكَّرَ النَّاسَ يَوْماً حَتَّى إذَا فاضَتِ العُيُونُ ورَقَّتِ القُلُوبُ ولَّى فأدْركَهُ رَجُلٌ فَقَالَ أيْ رسولَ الله هَلْ فِي الأرْضِ أحَدٌ أعْلَمُ مِنْكَ قَالَ لَا فَعَتَبَ الله عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَى الله قِيلَ بَلَى قَالَ أيْ رَبِّ فأيْنَ قَالَ بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ قَالَ أيْ رَبِّ اجْعَلْ لِي أعلم عَلَماً ذالِكَ بِهِ فَقَالَ لِي عَمْروٌ قَالَ حَيْثُ يُفارِقُكَ الحُوتُ وَقَالَ لِي يَعْلَى خُذْ نُوناً مَيّتاً حَيْثُ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ فأخَذَ حُوتاً فَجَعَلَهُ فِي مكْتَلٍ فَقَالَ لِفَتاهُ لَا أُكَلِّفُكَ إلَاّ أنْ تُخْبِرَني حَيْثُ يُفارِقُكَ الحُوتُ قَالَ مَا كَلَّفْتَ كَثِيراً فَذالِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ وإذْ قَالَ مُوسَى لِفَتاهُ يُوشَعَ بنِ نُونٍ لَيْسَتْ عَنْ سَعِيدٍ قَالَ فَبَيْنَما هُو فِي ظِلِّ صَخْرَةٍ فِي مَكانٍ ثَرْيانَ إذْ تَضَرَّبَ الحُوتُ ومُوسَى نائِمٌ فَقَالَ فَتاهُ لَا أُوقِظُهُ حَتَّى إذَا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ أنْ يُخْبِرَةُ وتَضَرَّبَ الحُوتُ حَتَّى دَخَلَ البَحْر فأمْسَكَ الله عَنْهُ جِرْيَةَ البَحْرِ حَتَّى كأنَّ أثَرَهُ فِي حَجَر قَالَ لِي عَمْروٌ هاكَذَا كأنَّ أثَرَهُ فِي حَجَرٍ وحَلَّقَ بَيْنَ إبْهامَيْهِ واللَّتَيْنِ تَلِيانِهِما لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هاذَا نَصَباً قَالَ قَدْ قَطَعَ الله عَنْكَ النَّصَبَ لَيْسَتْ هاذِهِ عَنْ سَعِيدٍ أخبرهُ فَرَجَعا فَوًّجَدَا خَضِراً قَالَ لِي عُثْمانُ بنُ أبي سُلَيْمانَ عَلَى طِنْفِسَةٍ خَضْرَاءَ عَلَى كَبِدِ البَحْرِ قَالَ سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ مُسَجَّى بِثَوْبِهِ قَدْ جَعَلَ طَرَفَهُ تَحْتَ رِجْلَيْهِ وطَرَفَهُ تَحْتَ رأسِهِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ هَلْ بأرْضِي مِنْ سَلَامٍ مَنْ أنْتَ قَالَ أَنا مُوسَى قَالَ مُوسَى بَنِي إسْرَائِيلَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَما شأنُكَ قَالَ جِئْتُ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْت رَشَداً قَالَ أما يَكْفِيكَ أَن التَّوْرَاةَ بَيَدَيْكَ وأنَّ الوَحْيَ يأتِيكَ يَا مُوسَى إنَّ عِلْماً لَا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَعْلَمَهُ وإنَّ لَكَ عِلْماً لَا يَنْبَغِي لِي أَن أعْلَمَهُ فأخذَ طائِرٌ بِمِنْقارِهِ مِنَ البَحْرِ وقالَ وَالله مَا عِلْمِي وَمَا عِلْمُكَ فِي جَنْبِ عِلْمِ الله إلَاّ كَما أخَذَ هاذَا الطَّائِرُ بِمِنْقارِهِ مِنَ البَحْرِ حَتَّى إذَا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ وَجَدَا مَعابِرَ صِغاراً تَحْمِلُ أهْلَ هاذَا السَّاحِلِ إِلَى أهْلِ هاذَا السَّاحِلِ الآخَرِ عَرَفُوهُ فقالُوا عَبْدُ الله الصَّالِحُ قَالَ قُلنا لِسَعِيدٍ خَضِرٌ قَالَ نَعَمْ لَا نَحْمِلُهُ بأجْرٍ فَخَرَقَها وَوَتَدَ فِيها وَتِداً قَالَ مُوسَى أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إمْراً قَالَ مُجاهِدٌ مُنْكَراً قَالَ ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً كانَتِ الأُولَى نِسْياناً والوُسْطَى شَرْطاً والثّانِيَةِ عَمْداً قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولَا تُرْهِقْنِي مِنْ أمْرِي عُسْراً لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قَالَ يَعْلَى قَالَ سَعِيدٌ وَجَدَ غِلْماناً يَلْعَبُونَ فأخَذَ
стр. 5618
غُلَاماً كافِراً ظَرِيفاً فأضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ بالسِّكِّينَ قَالَ أقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغْيِرِ نَفْسٍ لَمْ تَعْمَلْ بالحِنْثِ وكانَ ابنُ عبَّاسٍ قَرَأها زَكِيَّةً زاكِيَةً مُسْلِمَةً كَقَوْلِكَ غُلَاماً زَاكِياً فانْطَلَقا فَوَجَدَا جِدَاراً يُرِيدُ أنْ يَنقَضَّ فأقامَهُ قَالَ سَعِيدٌ بِيَدِهِ هاكِذَا ورَفَعَ يَدَهُ فاسْتَقَامَ قَالَ يَعْلَى حَسِبْتُ أنَّ سَعِيداً قَالَ فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ فاسْتَقامَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْراً قَالَ سَعِيدٌ أجْراً نأكُلُهُ وكانَ ورَاءَهُمْ وكانَ أمامَهُمْ قَرَأها ابنُ عَبَّاسٍ أمامَهُمْ مَلِكٌ يَزْعُمُونَ عَنْ غَيْرِ سَعِيدٍ أنَّهُ هُدَدُ بنُ بُدَدَ والغُلَامُ المَقْتُولُ اسْمُهُ يَزْعُمُونَ جَيْسُورٌ مَلِكٌ يأخُذُ كلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً فأرَدْتُ إذَا هِيَ مَرَّتْ بِهِ أنْ يَدَعَها لِعَيْبِها فإِذَا جاوَزُوا أصْلَحُوها فانْتَفَعُوا بِها ومِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ سَدُّوها بِقارُورَةٍ ومنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بالْقارِ كانَ أبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ وكانَ كافِراً فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وكُفْراً أنْ يَحْمِلَهُما حُبُّهُ عَلَى أنْ يُتابِعاهُ عَلَى دِينِهِ فأرَدْنا أنْ يُبَدِّلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وأقْرَبَ رُحْماً لِقَوْلِهِ أقتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً وأقْرَبَ رُحْماً هُما بِهِ أرْحَمُ مِنْهُما بالأوَّلِ الَّذِي قَتَلَ خَضِرٌ وزَعَمَ غَيْرُ سَعِيدٍ أنَّهُما أُبْدِلَا جارِيَةً وأمَّا دَاوُدُ بنُ أبي عاصِمٍ فَقَالَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ إنَّها جارِيَةٌ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ فِي توضيحها، وَهُوَ طَرِيق آخر بِرِوَايَة آخَرين وَبِزِيَادَة ونقصان فِي الْمَتْن أخرجه عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى أَبُو إِسْحَاق الْفراء الرَّازِيّ الْمَعْرُوف بالصغير، عَن هِشَام بن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ قضينها عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج عَن يعلى، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وبالقصر: ابْن مُسلم بِلَفْظ إسم الْفَاعِل من الْإِسْلَام ابْن هُرْمُز إِلَى آخِره.
قَوْله: (يزِيد أَحدهمَا على صَاحبه) أَي: أحد الْمَذْكُورين وهما: يعلى بن مُسلم وَعَمْرو بن دِينَار فَقَط، وَهُوَ أحد شَيْخي ابْن جريج فِيهِ، وَهنا ابْن جريج يروي عَن يعلى بن مُسلم وَعَمْرو بن دِينَار. قَوْله: (وَغَيرهمَا قد سمعته يحدثه عَن سعيد) ، هَذَا من كَلَام ابْن جريج، أَي: غير يعلى بن مُسلم وَعَمْرو بن دِينَار قد سمعته يحدث هَذَا الحَدِيث عَن سعيد بن جُبَير، وَقد عين ابْن جريج بعض من أبهمه فِي قَوْله: (وَغَيرهمَا) وَهُوَ: عُثْمَان بن أبي سُلَيْمَان بن جُبَير بن مطعم الْقرشِي الْمَكِّيّ ﵁، فَإِن قلت: كَيفَ إِعْرَاب هَذَا؟ قلت: (غَيرهمَا) مُبْتَدأ، وَقَوله: (قد سمعته) جملَة وَقعت خَبرا، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى لفظ: غير، وَقَوله: (يحدثه) جملَة وَقعت حَالا، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: يحدث، بِحَذْف الضَّمِير الْمَنْصُوب. قَوْله: (عَن سعيد) ، أَي: سعيد بن جُبَير ﵁. قَوْله: (لعِنْد ابْن عَبَّاس) ، اللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة للتَّأْكِيد أَي: قَالَ سعيد بن جُبَير: أَنا كنت عِنْد عبد الله بن عَبَّاس حَال كَونه فِي بَيته. قَوْله: (أَي أَبَا عَبَّاس) ، أَي: يَا أَبَا عَبَّاس! وَأَبُو عَبَّاس كنية عبد الله بن عَبَّاس. قَوْله: (بِالْكُوفَةِ رجل قاص) ، هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: إِن بِالْكُوفَةِ رجلا قَاصا، والقاص بتَشْديد الصَّاد الَّذِي يقص النَّاس الْأَخْبَار من المواعظ وَغَيرهَا. قَوْله: (أما عَمْرو فَقَالَ لي: كذب عَدو الله) أَرَادَ أَن ابْن جريج قَالَ: أما عَمْرو بن دِينَار فَإِنَّهُ قَالَ لي فِي رِوَايَته، قَالَ ابْن عَبَّاس: كذب عَدو الله، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن هَذِه الْكَلِمَة لم تقع فِي رِوَايَة يعلى ابْن مُسلم، وَلِهَذَا قَالَ: وَأما يعلى، أَي ابْن مُسلم الرَّاوِي، فَإِنَّهُ قَالَ لي: قَالَ ابْن عَبَّاس إِلَى آخِره. قَوْله: (ذكر النَّاس) ، بتَشْديد الْكَاف من التَّذْكِير. قَوْله: (ولى) ، أَي: رَجَعَ إِلَى حَاله. قَوْله: (فَقَالَ: أَي رَسُول الله ﷺ أَي: يَا رَسُول الله، قَالَه لمُوسَى ﵊. قَوْله: (قيل: بلَى) ، أَي: بلَى فِي الأَرْض أحد أعلم مِنْك، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (إِن فِي الأَرْض رجلا هُوَ أعلم مِنْك) ، وَوَقع فِي رِوَايَة سُفْيَان: فَأوحى الله إِلَيْهِ أَن لي عبدا بمجمع الْبَحْرين هُوَ أعلم مِنْك، وَعلم من هَاتين الروايتن أَن الْقَائِل فِي قَوْله: بلَى، هُوَ الله تَعَالَى فَأوحى الله إِلَيْهِ بذلك. قَوْله: (أَي رب، فَأَيْنَ؟) يَعْنِي: يَا رب أَيْن هُوَ؟ فِي أَي مَكَان؟ وَفِي رِوَايَة سُفْيَان: يَا رب، فَكيف لي بِهِ؟ وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: فأدلني على هَذَا الرجل حَتَّى أتعلم مِنْهُ. قَوْله: (علما) ، بِفَتْح الْعين وَاللَّام، أَي: عَلامَة. قَوْله: (أعلم ذَلِك بِهِ) ، أَي: أعلم الْمَكَان الَّذِي أطلبه بِالْعلمِ. قَوْله: (فَقَالَ لي عَمْرو) ، الْقَائِل هُوَ ابْن جريج الرَّاوِي، أَي: قَالَ
стр. 5619
لي عَمْرو بن دِينَار. قَوْله: (حَيْثُ يفارقك الْحُوت) ، أَي: الْعلم على ذَلِك الْمَكَان الَّذِي يفارقك فِيهِ الْحُوت، وَوَقع ذَلِك مُفَسرًا فِي رِوَايَة سُفْيَان عَن عَمْرو، وَقَالَ: تَأْخُذ مَعَك حوتاً فتجعله فِي مكتل فَحَيْثُ مَا فقدت الْحُوت فَهُوَ ثمَّ. قَوْله: (قَالَ لي) ، يَعْنِي: الْقَائِل هُوَ ابْن جريج، أَي: قَالَ لي يعلى بن مُسلم فِي رِوَايَته: خُذ نوناً أَي حوتاً، وَلَفظ: نوناً، وَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: حوتاً، وَفِي رِوَايَة مُسلم: تزَود حوتاً مالحاً فَإِنَّهُ حَيْثُ تفقد الْحُوت. قَوْله: (حَيْثُ ينْفخ فِيهِ) ، أَي: فِي النُّون (الرّوح) يَعْنِي حَيْثُ تفقده فِي الْمَكَان الَّذِي يحيى الْحُوت. قَوْله: (فَأخذ نوناً) أَي: فَأخذ مُوسَى حوتاً، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن أبي حَاتِم أَن مُوسَى ويوشع فتاه اصطاداه. قَوْله: (فَقَالَ لفتاه) ، وَهُوَ يُوشَع بن نون. قَوْله: (مَا كلفت كثيرا) بالثاء الْمُثَلَّثَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بِالْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (لَيست عَن سعيد، الْقَائِل بِهِ هُوَ ابْن جريج، أَرَادَ بذلك أَن تَسْمِيَة الْفَتى لَيست عَن رِوَايَة سعيد ابْن جُبَير. قَوْله: (ثريان) ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الرَّاء وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف على وزن فعلان من الثرى، وَهُوَ التُّرَاب الَّذِي فِيهِ نداوة. قَوْله: (تضرب) أَي: اضْطربَ، وَفِي رِوَايَة سُفْيَان: واضطرب الْحُوت فِي المكتل فَسقط فِي الْبَحْر وَفِي رِوَايَة مُسلم فاضطرب الْحُوت فِي المَاء. قَوْله: (ومُوسَى نَائِم) جملَة حَالية. قَوْله: (حَتَّى إِذا اسْتَيْقَظَ نسي أَن يُخبرهُ) ، فِيهِ حذف تَقْدِيره: حَتَّى إِذا اسْتَيْقَظَ سَار فنسي. قَوْله: (فِي حجر) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْجِيم ويروى بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة، وَهُوَ أوضح، قَوْله: (قَالَ لي عَمْرو) ، الْقَائِل هُوَ ابْن جريج، أَي: قَالَ لي عَمْرو بن دِينَار. قَوْله: (واللتين تليانهما) ، يَعْنِي: السبابتين، وَهَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: وَحلق بَين إبهاميه فَقَط. قَوْله: (لقد لَقينَا من سفرنا هَذَا نصبا) ، وَقع هُنَا مُخْتَصرا، وَفِي رِوَايَة سُفْيَان: فَانْطَلقَا بَقِيَّة يومهما وليلتهما حَتَّى إِذا كَانَ من الْغَد قَالَ مُوسَى لفتاه: آتنا غداءنا، لقد لَقينَا من فرنا هَذَا نصبا. قَوْله: قَالَ: قد قطع الله عَنْك النصب، هَذَا من قَول ابْن جريج وَلَيْسَت هَذِه اللَّفْظَة عَن سعيد بن جُبَير. قَوْله: (أخبرهُ) ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْخَاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء وهاء الضَّمِير، هَكَذَا فِي رِوَايَة من الْإِخْبَار، قَالَ بَعضهم: أَي: أخبر الْفَتى مُوسَى بالقصة قلت: مَا أَظن أَن هَذَا الْمَعْنى صَحِيح، وَالَّذِي يظْهر لي أَن الْمَعْنى نفي الْإِخْبَار عَن سعيد بِهَذِهِ اللَّفْظَة لمن روى عَنهُ، وَفِي رِوَايَة لأبي ذَر آخِره بِهَمْزَة ومعجمة وَرَاء وهاء، وَفِي أُخْرَى بِمد الْهمزَة وَكسر الْخَاء وَفتح الرَّاء بعْدهَا هَاء الضَّمِير أَي: إِلَى آخر الْكَلَام. وَفِي أُخْرَى بِفَتَحَات وتاء تَأْنِيث منونة مَنْصُوبَة، قَالَ لي عُثْمَان بن أبي سُلَيْمَان: الْقَائِل ابْن جريج، يَقُول: قَالَ لي عُثْمَان، وَقد مرت تَرْجَمته عَن قريب. قَوْله: (على طنفسة) ، وَهِي فرش صَغِير، وَقيل: بِسَاط لَهُ خمل، وفيهَا لُغَات كسر الطَّاء وَالْفَاء بَينهمَا نون سَاكِنة، وَضم الطَّاء وَالْفَاء وَكسر الطَّاء وَفتح الْفَاء. قَوْله: (على كبد الْبَحْر) ، أَي: على وَسطه، وَهَذِه الرِّوَايَة القائلة بِأَنَّهُ كَانَ فِي وسط الْبَحْر، غَرِيبَة. قَوْله: (هَل بأرضي من سَلام) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (هَل بِأَرْض) . قَوْله: (مَا شَأْنك؟) أَي: مَا الَّذِي تطلب وَلما جِئْت؟ قَوْله: (رشدا) ، قَرَأَ أَبُو عَمْرو بِفتْحَتَيْنِ وَالْبَاقُونَ كلهم بِضَم أَوله وَسُكُون ثَانِيه، وَالْجُمْهُور على أَنَّهُمَا بِمَعْنى. قَوْله: (معابر) ، جمع معبرة وَهِي السفن الصغار. قَوْله: (خضرًا) ، أَي: هُوَ خضر. قَوْله: (قَالُوا: هَذَا لسَعِيد بن جُبَير، قَالَ: نعم، قيل: الْقَائِل بذلك يعلى بن مُسلم، وَالله أعلم. قَوْله: (ووتدها) بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق أَي: جعل فِيهَا وتداً، وَفِي رِوَايَة سُفْيَان: قلع لوحاً بالقدوم، وَالْجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ أَنه: قلع اللَّوْح وَجعل مَكَانَهُ وتداً، وروى عبد بن حميد من رِوَايَة ابْن الْمُبَارك عَن ابْن جريج عَن يعلى بن مُسلم: جَاءَ بودحين خرقها، والود بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الدَّال لُغَة فِي: الوتد قلت: الوتد إِنَّمَا كَانَ للإصلاح وَدفع نُفُوذ المَاء، وَفِي رِوَايَة أبي الْعَالِيَة: فَحرق السَّفِينَة فَلم يره أحد إلَاّ مُوسَى. وَلَو رَآهُ الْقَوْم لحالوا بَينه وَبَين ذَلِك. قَوْله: (قَالَ مُجَاهِد مُنْكرا) ، وصل ابْن الْمُنْذر: هَذَا التَّعْلِيق عَن عَليّ بن الْمُبَارك عَن زيد بن ثَوْر عَن ابْن جريج عَن مُجَاهِد. قَوْله: (نِسْيَانا) ، حَيْثُ قَالَ: لَا تؤاخذوني بِمَا نسيت، وشرطاً حَيْثُ قَالَ: إِن سَأَلتك عَن شَيْء بعْدهَا، وعمدا حَيْثُ قَالَ: لَو شِئْت لاتخذت عَلَيْهِ أجرا، قَوْله: (لقيا غُلَاما) فِي رِوَايَة سُفْيَان: فَبَيْنَمَا هما يمشيان على سَاحل الْبَحْر إِذا أبْصر الْخضر غُلَاما. قَوْله: (قَالَ يعلى) ، هُوَ يعلى بن مُسلم الرَّاوِي وَسَعِيد هُوَ ابْن جُبَير. قَوْله: (ثمَّ ذبحه بالسكين) ، فَإِن قلت: قَالَ أَولا: فَقتله، ثمَّ قَالَ: فذبحه، وَفِي رِوَايَة سُفْيَان: فاقتلعه بِيَدِهِ. قلت: لَا مُنَافَاة بَينهمَا لِأَنَّهُ لَعَلَّه قطع بعضه بالسكين ثمَّ قلع الْبَاقِي
стр. 5620
وَالْقَتْل يشملهما. قَوْله: (لم يعْمل بِالْحِنْثِ) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وبالثاء الْمُثَلَّثَة وَهُوَ الْإِثْم وَالْمَعْصِيَة. قَوْله: (قَرَأَهَا) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: وَكَانَ ابْن عَبَّاس يقْرؤهَا: زكية، وَهِي قِرَاءَة الْجُمْهُور، وَقَرَأَ نَافِع وَابْن كثير وَأَبُو عَمْرو: زاكية. قَوْله: (مسلمة) ، بِضَم الْمِيم وَسُكُون السِّين وَكسر اللَّام عِنْد الْأَكْثَرين، ولبعضهم بِفَتْح السِّين وَتَشْديد اللَّام الْمَفْتُوحَة. قَوْله: (فَانْطَلقَا) ، أَي: مُوسَى وخضر ﵉. قَوْله: (يَزْعمُونَ عَن غير سعيد) ، الْقَائِل بِهَذَا هُوَ ابْن جريج، وَمرَاده أَن إسم الْملك الَّذِي كَانَ يَأْخُذ السفن لم يَقع فِي رِوَايَة سعيد بن جُبَير، وَعَزاهُ ابْن خالويه فِي كتاب: (لَيْسَ) لمجاهد. قَوْله: (هدد) بِضَم الْهَاء وَحكى ابْن الْأَثِير فتحهَا وَالدَّال مَفْتُوحَة بِلَا خلاف. قَوْله: (بدد) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي بِضَم الْبَاء وَالدَّال مَفْتُوحَة، وَزعم ابْن دُرَيْد أَن هدد إسم ملك من مُلُوك حمير زوجه سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉، بلقيس. قيل: إِن ثَبت هَذَا حمل على التَّعَدُّد والاشتراك فِي الإسم لبعد مَا بَين مُدَّة سُلَيْمَان ومُوسَى ﵉، وَجَاء فِي تَفْسِير مقَاتل: أَن اسْمه منولة بن الجلندي بن سعيد الْأَزْدِيّ، وَقيل: هُوَ الجلندي، وَكَانَ بِجَزِيرَة الأندلس. قَوْله: (والغلام الْمَقْتُول اسْمه يَزْعمُونَ جيسور) ، الْقَائِل بذلك هُوَ ابْن جريج، وجيسور، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَضم السِّين الْمُهْملَة، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة عَن أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ عَن الْكشميهني بِفَتْح الْهَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن السكن، وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ بنُون بدل الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَعند عَبدُوس بنُون بدل الرَّاء، وَعَن السُّهيْلي أَنه رَآهُ فِي نُسْخَة بِفَتْح الْمُهْملَة وَالْمُوَحَّدَة ونونين الأولى مَضْمُومَة بَينهمَا الْوَاو الساكنة، وَفِي تَفْسِير الضَّحَّاك: اسْمه حشرد، وَفِي تَفْسِير الْكَلْبِيّ: اسْم الْغُلَام شَمْعُون. قَوْله: (يَأْخُذ كل سفينة غصبا) ، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: كل سفينة صَالِحَة، وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن بشار عَن سُفْيَان، وَكَانَ ابْن مَسْعُود يقْرَأ: كل سفينة صَحِيحَة غصبا. قَوْله: (فَأَرَدْت إِذا هِيَ مرت بِهِ أَن يَدعهَا) ، أَي: أَن يَتْرُكهَا لأجل عيبها، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: فَأَرَدْت أَن أعيبها حَتَّى لَا يَأْخُذهَا. قَوْله: (فَإِذا جاوزوا) أَي: عدوا عَن الْملك أصلحوها، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: فَإِذا جاوزوه رقعوها. قَوْله: (بقارورة) ، بِالْقَافِ وَهِي: الزّجاج، وَقَالَ الْكرْمَانِي: كَيْفيَّة السد بالقارورة غير مَعْلُومَة، ثمَّ وَجهه بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن تكون قَارُورَة بِقدر الْموضع المخروق فتوضع فِيهِ، وَالْآخر: يسحق الزّجاج ويخلط بِشَيْء كالدقيق فيسد بِهِ، وَقَالَ بَعضهم، بعد أَن ذكر الْوَجْه الثَّانِي: فِيهِ بعد. قلت: لَا بعد فِيهِ، لِأَنَّهُ غير مُتَعَذر وَلَا متعسر، والبعد فِي الَّذِي قَالَه هُوَ أَن القارورة فاعولة من القار. قَوْله: (بالقار) ، بِالْقَافِ وَالرَّاء وَهُوَ الزفت، وَهَذَا أقرب من القَوْل الأول. قَوْله: (كَانَ أَبَوَاهُ) أَي: أَبَوا الْغُلَام. قَوْله: (أَن يرهقهما) أَي: يلحقهما. وَقَوله: (فَخَشِينَا) إِلَى قَوْله: (من دينه) من تَفْسِير ابْن جريج عَن يعلى بن مُسلم عَن سعيد بن جُبَير. انْتهى. قَوْله: (أَن يحملهما) ، يجوز أَن يكون بَدَلا من قَوْله: (أَن يرهقهما) وَيجوز أَن يكون التَّقْدِير: بِأَن يحملهما. وَقَوله: (حبه) بِالرَّفْع فَاعله. قَوْله: (خيرا مِنْهُ) أَي: من الْغُلَام الْمَقْتُول. قَوْله: (زَكَاة) نصب على التميز، وَإِنَّمَا ذكرهَا للمناسبة بَينهَا وَبَين قَوْله: (نفسا زكية) أَشَارَ إِلَى ذَلِك بقوله: ﴿أقتلت نفسا زكية﴾ (الْكَهْف: ٤٧) وَلما وصف مُوسَى نفس الْغُلَام بالزكية وَذكر الله تَعَالَى بقوله: ﴿فأردنا أَن يبدلهما ربهما خيرا مِنْهُ زَكَاة وَأقرب رحما﴾ (الْكَهْف: ١٨) وَفِي التَّفْسِير قَوْله: (زَكَاة) أَي صلاحاً وإسلاماً ونماء. قَوْله: (وَأقرب رحما) قَالَ الثَّعْلَبِيّ: من الرَّحِم والقرابة، وَقيل: هُوَ من الرَّحْمَة، وَعَن ابْن عَبَّاس: أوصل للرحم وَأبر بِوَالِديهِ، وَعَن الْفراء: أقرب أَن يرحماه، وَقيل: من الرَّحِم، بِكَسْر الْحَاء أَشد مُبَالغَة من الرَّحْمَة الَّتِي هِيَ رقة الْقلب والتعطف لاستلزام الْقَرَابَة، الرقة غَالِبا من غير عكس، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَظن بَعضهم أَنه مُشْتَقّ من الرَّحِم الَّذِي هُوَ الرَّحْمَة، وغرضه أَنه يَعْنِي الْقَرَابَة لَا الرقة، وَعند الْبَعْض بِالْعَكْسِ. قَوْله: (هما بِهِ أرْحم مِنْهُمَا بِالْأولِ) ، أَي: الأبوان الْمَذْكُورَان بِهِ أَي: بِالَّذِي يُبدل من الْمَقْتُول أرْحم مِنْهُمَا بِالْأولِ، وَهُوَ الْمَقْتُول. قَوْله: (وَزعم غير سعيد من قَول ابْن جريج) ، أَي: زعم غير سعيد بن جُبَير أَنَّهُمَا أَي الْأَبَوَيْنِ أبدلا جَارِيَة بدل الْمَقْتُول، وَرُوِيَ عَن سعيد أَيْضا: أَنَّهَا جَارِيَة، على مَا جَاءَ وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق ابْن أبي إِسْحَاق عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس: أبدلهما جَارِيَة فَولدت نَبيا من الْأَنْبِيَاء، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ: ببنين، وَعَن السّديّ: ولدت جَارِيَة، فَولدت نَبيا، وَهُوَ الَّذِي كَانَ بعد مُوسَى، فَقَالُوا لَهُ: إبعث لنا ملكا نُقَاتِل فِي سَبِيل الله، وَاسم هَذَا النَّبِي شَمْعُون، وَاسم أمه حنة. فَإِن قلت: روى ابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث أبي بن كَعْب أَنَّهَا ولدت غُلَاما. قلت: إِسْنَاده ضَعِيف، وَفِي تَفْسِير
стр. 5621
ابْن الْكَلْبِيّ: ولدت جَارِيَة ولدت عدَّة أَنْبيَاء فهدى الله بهم أمماً، وَقيل: عدَّة من جَاءَ من وَلَدهَا من الْأَنْبِيَاء سَبْعُونَ نَبيا. قَوْله: (وَأما دَاوُد بن أبي عَاصِم) إِلَى آخِره من قَول ابْن جريج أَيْضا، وَدَاوُد بن أبي عَاصِم بن عُرْوَة بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ ثِقَة من صغَار التَّابِعين، وَله أَخ يُسمى: يَعْقُوب، هُوَ أَيْضا ثِقَة من التَّابِعين.
٤
- (بابٌ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا جاوَزَ قَالَ لِفَتاهُ آتِنا غَدَاءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هاذَا نَصَباً﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَجَباً﴾ (الْكَهْف: ٢٦ ٣٦) ٢.
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿فَلَمَّا جاوزا﴾ أَي: لما جاوزا الْموضع الَّذِي نسيا فِيهِ الْحُوت قَالَ مُوسَى لفتاه يُوشَع بن نون آتنا غداءنا، يَعْنِي: طعامنا وزادنا. قَوْله: (نصبا) ، أَي: تعباً لِأَنَّهُمَا سارا بعد مُفَارقَة الصَّخْرَة يَوْمًا وَلَيْلَة.
صُنْعاً عَمَلاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا﴾ (الْكَهْف: ٤٠١) وَفسّر صنعا بقوله: (عملا) . وَقَوله: هم، يرجع إِلَى ﴿الأخسرين أعمالاً﴾ (الْكَهْف: ٣٠١) فِي قَوْله: هَل ننبئكم فِي قَوْله: ﴿هَل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَاخْتلفُوا فيهم﴾ فَعَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁: هم الرهبان والقسوس الَّذين حبسوا أنفسهم فِي الصوامع، وَعَن سعيد بن أبي وَقاص ﵁: هم الْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَسَأَلَ عبد الله بن الكوا عليا ﵁، عَن الأخسرين أعمالاً، قَالَ: أَنْتُم يَا أهل حروراء. قَوْله: (يحسبون) ، أَي: يظنون.
حِوَلاً تَحَوُّلاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حولا﴾ (الْكَهْف: ٨٠١) وَفسّر حولا بقوله: تحولاً، والحول مصدر مثل الصغر والعوج، وَالْمعْنَى: أَصْحَاب الْجنَّة لَا يطْلبُونَ عَن الْجنَّة تحويلاً.
إمْراً ونُكْراً دَاهِيَةً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد جِئْت شَيْئا إمراً﴾ (الْكَهْف: ١٧) وَقَوله: ﴿لقد جِئْت شَيْئا نكراً﴾ (الْكَهْف: ٤٧) وَقد مر تفسيرهما، وفسرهما البُخَارِيّ بقوله: (داهية) .
يَنْقَضُّ يَنْقاضُ كَما تَنْقاضُ السِّنُّ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فوجدا فِيهَا جداراً يُرِيد أَن ينْقض فأقامه﴾ (الْكَهْف: ٧٧) وَقد مر تَفْسِيره. قَوْله: (السن) بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد النُّون، ويروى الشين.
لَتَخِذْتَ واتَّخَذْتَ وَاحِدٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ لَو شِئْت لاتخذت عَلَيْهِ أجرا﴾ (الْكَهْف: ٧٧) قَالَ: وَذكر أَن معنى: (لتخذت واتخذت) وَاحِدًا، وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هُوَ فِي رِوَايَة مُسلم أَن النَّبِي ﷺ قَرَأَهَا: لاتخذت، وَهِي قِرَاءَة أبي عَمْرو وَقِرَاءَة غَيره: لَا اتَّخذت.
رُحْماً منَ الرُّحْمِ وهْيَ أشَدُّ مُبالَغَةً مِنَ الرَّحْمَةِ ويُظَنُّ مِنَ الرَّحِيمِ وتُدْعَى مَكَّةُ أُمَّ رُحْمٍ أَي الرَّحْمَةُ تَنْزِلُ بِها
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿خيرا مِنْهُ زَكَاة وَأقرب رحما﴾ (الْكَهْف: ١٨) قَوْله: من الرَّحِم، بِكَسْر الْحَاء إِلَى آخِره، من كَلَام أبي عُبَيْدَة، وَلَكِن وَقع عِنْده مُعَرفا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (ويظن) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أم رحم) ، بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْحَاء.
٧٢٧٤ - حدَّثني قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدّثني سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرو بن دينارٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ لابنِ عَبَّاسٍ إنَّ نَوْفاً البَكَالِيَّ يَزْعُمُ أنَّ مُوسَى بَنى إسْرَائِيلَ لَيْسَ بِمُوسَى الخَضِرِ فَقَالَ كَذَبَ عَدُوُّ الله حدّثنا أبيُّ بنُ كَعْبٍ عنْ رسُول الله ﷺ قَالَ قامَ مُوسَى خَطِيباً فِي بَني إسْرَائِيلَ فَقِيلَ لَهُ أَي النَّاسِ أعْلَمُ قَالَ أَنا فَعَتَبَ الله عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ وأوْحَى إلَيْهِ بَلَى عَبْدٌ مِنْ عبَادي بِمَجْمَع البَحْرَيْنِ هُوَ أعْلَمُ مِنْكَ
стр. 5622
قَالَ أيْ رَبِّ كَيْفَ السَّبِيلُ إلَيْهِ قَالَ تأخُذُ حُوتاً فِي مِكْتَلٍ فَحَيْثُما فَقَدْتَ الحُوتَ فاتَّبِعْهُ قَالَ فَخَرَجَ مُوساى ومعَهُ فَتاهُ يُوشَعُ بنُ نُونٍ ومَعَهُما الحُوتُ حَتّى انْتَهَيا إِلَى الصَّخْرَةِ فَنَزَلا عِنْدَها قَالَ فَوَضَعَ مُوسَى رأسَهُ فَنامَ قَالَ سُفْيانُ وَفِي حَدِيثِ غيْرِ عَمْرٍ وَقَالَ وَفِي أصْلِ الصَّخْرَةِ عَيْنٌ يُقال لَها الحَياةُ لَا يُصيبُ مِنْ مائِها شَيْءٌ إلاّ حَيِيَ فأصابَ الحُوتَ مِنْ ماءِ تِلْكَ العَيْنِ قَالَ فَتَحَرَّكَ وانْسَلَّ مِنَ المِكْتَلِ فَدَخَلَ البَحْرَ كُلّما اسْتَيْقَظَ مُوسَى قَالَ لِفَتاهُ آتِنا غَدَاءَنا الآيةَ قَالَ ولمْ يَجِدِ النَّصَبَ حَتّى جاوَز مَا أُمِرَ بِهِ قَالَ لَهُ فَتاهُ يُوشَعُ بنُ نُونٍ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فإِنِّي نَسيتُ الحُوتَ الآيَةَ قَالَ فَرَجَعا يَقُصَّانِ فِي آثارِهِما فَوَجَدَا فِي البَحْرِ كالطّاقِ مَمَرَّ الحُوتِ فَكانَ لِفَتاهُ عَجَباً ولِلْحُوتِ سَرَباً قَالَ فَلَمّا انْتَهَيا إلَى الصَّخْرَةِ إِذْ هُما بِرَجُلٍ مُسَجَّى بِثَوْبٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى قَالَ وأنِّي بأرْضِكَ السّلَامُ فَقَالَ أَنا مُوسَى قَالَ مُوسَى بَني إسْرَائِيلَ قَالَ نَعَمْ قَالَ هَلْ أتَّبِعُكَ عَلَى أنْ تُعَلِّمَني مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَداً قَالَ لَهُ الخَضرُ يَا مُوسَى إنّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ الله عَلَّمَكَهُ الله لَا أعْلَمهُ وَأَنا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ الله عَلّمَنِيهِ الله لَا تَعْلمُهُ قَالَ بَلْ أتّبِعُكَ قَالَ فإِن اتّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلَى السَّاحِلِ فَمَرَّتْ بِهِما سَفِينَةٌ فعُرِفَ الخَضِرُ فَحَمَلُوهُمْ فِي سَفِينَتِهِمْ بِغَيْرِ نَوْلٍ يَقُولُ بِغَيْرِ أجْرٍ فرَكِبا السّفِينَةَ قَالَ وَوَقَعَ عُصْفُورٌ عَلَى حَرْف السّفِينَةِ فَغَمَسَ مِنْقَارَهُ البَحْرَ فَقَالَ الخَضِرُ لمُوسَى مَا عِلْمُكَ وعِلْمِي وعِلْمُ الخَلَائِقِ فِي عِلْمِ الله إلَاّ مِقْدَارُ مَا غَمَسَ هاذَا العُصْفُورُ مِنقارَهُ قَالَ فَلَمْ يَفْجَأْ مُوسَى إذْ عَمَدَ الخَضِرُ إلَى قَدُومٍ فَخَرَقَ السَّفِينَةَ فَقَالَ لَهُ مُوسى قَوْمٌ حَمَلُونا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سفينَتِهِمْ فَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ الآيةَ فانْطَلَقا إِذا هُما بِغُلَامٍ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمانِ فأخَذَ الخَضِرُ بِرَأسِهِ فَقَطَعَهُ قَالَ لَهُ مُوسى أقَتَلْتَ نَفْساً زكِيَّةَ بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً قَالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً إِلَى قَوْلِهِ فأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدَا فِيها جِدَاراً يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَقَالَ بِيَدِهِ هاكَذَا فأقامَهُ فَقَالَ لَهُ مُوسى إنّا دَخَلْنا هاذِهِ القَرْيَةَ فَلَمْ يُضَيِّفُونا وَلَمْ يُطْعِمُونا لوْ شِئتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْراً قَالَ هاذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً فَقَالَ رسولُ الله ﷺ وَدِدْنا أنَّ مُوسَى صَبَرَ حَتّى يُقَصَّ عَلَيْنا مِنْ أمْرِهِما قَالَ وكانَ ابنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ وكانَ أمامَهم مَلِكٌ يأخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْباً وأمّا الغُلَامُ فَكانَ كافِراً..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. قَوْله: (قَالَ لفتاه آتنا غداءنا) وَهُوَ طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور قبله، وَهُوَ عَن قُتَيْبَة عَن سُفْيَان إِلَى آخِره، وَفِيه بعض اخْتِلَاف فِي الْمَتْن بِبَعْض زِيَادَة وَبَعض نُقْصَان، وَفِيه: حَدثنِي قُتَيْبَة حَدثنِي سُفْيَان، ويروى: حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا سُفْيَان، وَفِيه: عَن عَمْرو بن دِينَار، وَفِي رِوَايَة الْحميدِي فِي الْبَاب الْمُتَقَدّم: حَدثنَا عَمْرو بن دِينَار.
قَوْله: (يُقَال لَهَا الْحَيَاة) ، وَهِي الْمَشْهُورَة بَين النَّاس: بِمَاء الْحَيَاة وَعين الْحَيَاة. قَوْله: (فَلم يفجأ) ، ويروى: فَلم يفج، وَوَجهه أَن الْهمزَة تخفف فَتَصِير ألفا فتحذف بالجازم نَحْو: لم يخْش. قَوْله: (وَكَانَ ابْن عَبَّاس يقْرَأ) إِلَى آخِره، وَوَافَقَهُ عَلَيْهَا عُثْمَان أَيْضا.
стр. 5623
٥ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بالأخسَرِينَ أعْمَالاً﴾ (الْكَهْف: ٣٠١)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قل هَل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً﴾ ، وَقد مر تَفْسِيره عَن قريب.
٨٢٧٤ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حَدثنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ حدَّثنا شُعْبَةُ عَن عَمْروٍ عنْ مُصْعَبٍ قَالَ سألْتُ أبي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بالأخْسَرِينَ أعْمالاً﴾ هُمُ الحَرُورِيّةُ قَالَ لَا هُمُ اليَهُودُ والنّصارَى أمّا اليَهُودُ فَكَذَّبُوا مُحَمَّداً ﷺ وأمّا النّصارَى كَفَرُوا بالجَنّةِ وقالُوا لَا طَعامَ فِيها وَلَا شَرَابَ والحَرُورِيّةُ الّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ الله مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وكانَ سَعْدٌ يُسَمِّيهمِ الفَاسِقِينَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن بشار الملقب ببندار، وَمُحَمّد بن جَعْفَر الملقب بغندر، وَعَمْرو بن مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء: ابْن عبد الله الْمرَادِي الْأَعْمَى الْكُوفِي، وَمصْعَب، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين: ابْن سعد بن أبي وَقاص أحد الْعشْرَة المبشرة، مَاتَ سنة ثَلَاث وَمِائَة.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل.
قَوْله: (عَن مُصعب قَالَ: سَأَلت أبي) ، هُوَ سعد بن أبي وَقاص. قَوْله: (هم الحرورية) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَضم الرَّاء الأولى هم طَائِفَة خوارج ينسبون إِلَى حروراء قَرْيَة بِقرب الْكُوفَة، وَكَانَ ابْتِدَاء خُرُوج الْخَوَارِج على عَليّ بن أبي طَالب ﵁، مِنْهَا، وروى الْحَاكِم على شَرطهمَا عَن مُصعب بن سعد: لما خرجت الحرورية قلت لأبي سعد: هَؤُلَاءِ الَّذين أنزل الله فيهم: ﴿الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ (الْكَهْف: ٤٠١) قَالَ: أُولَئِكَ أهل الصوامع وَهَؤُلَاء مزاغوا فأزاغ الله قُلُوبهم. انْتهى. وَإِنَّمَا خسرت الْيَهُود وَالنَّصَارَى لأَنهم تعبدوا على أصل غير صَحِيح فخسروا الْأَعْمَال والأعمار، والحرورية لما خالفوا مَا عهد الله إِلَيْهِم فِي الْقُرْآن من طَاعَة أولي الْأَمر بعد إقرارهم بِهِ كَانَ ذَلِك نقضا مِنْهُم لَهُ، وَيُقَال: الحرورية هم الخاسرون لأَنهم لَيْسُوا كفرة بل هم فسقة، قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذين ينقضون عهد الله﴾ (الْبَقَرَة: ٧٢، والرعد: ٥٢) إِلَى قَوْله: ﴿هم الخاسرون﴾ والكافرون هم الأخسرون، قَالَ تَعَالَى فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذين كفرُوا بآيَات رَبهم﴾ (الْكَهْف: ٥٠١) ، هُوَ سعد ابْن أبي وَقاص ﵁.
٦ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿أُولائِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿أُولَئِكَ الَّذين كفرُوا﴾ ... الْآيَة، أَي: أُولَئِكَ الَّذين جَحَدُوا بالدلائل وَكَفرُوا بِالْبَعْثِ وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب فحبطت أَعْمَالهم لِأَنَّهَا خلت من الثَّوَاب.
٩٢٧٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا سَعِيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ أخْبَرَنا المُغِيرَةُ بنُ عَبْد الرَّحْمنِ قَالَ حدّثني أبُو الزِّناد عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رسولِ الله ﷺ قَالَ إنَّهُ ليَأتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ الله جَناحَ بَعُوضَةٍ وَقَالَ اقْرَؤُوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْناً﴾ (الْكَهْف: ٥٠١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ﴿وَقَالَ اقرأوا﴾ إِلَى آخِره، لِأَنَّهَا فِي الْآيَة الَّتِي هِيَ التَّرْجَمَة، وَمُحَمّد بن عبد الله هُوَ مُحَمَّد بن يحيى بن عبد الله الذهلي، فنسبه إِلَى جده، والمغيرة هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن الْحزَامِي، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي، وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة، وَذكر الْمُنَافِقين عَن أبي بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق.
قَوْله: (الرجل الْعَظِيم السمين) ، وَفِي رِوَايَة ابْن مرْدَوَيْه من وَجه آخر عَن أبي هُرَيْرَة: الطَّوِيل الْعَظِيم الأكول الشروب. قَوْله: (وَقَالَ اقرأوا) الْقَائِل فِي الظَّاهِر هُوَ الصَّحَابِيّ، أَو مَرْفُوع من بَقِيَّة الحَدِيث. قَوْله: (وزنا) أَي: قدرا.
وعنْ يَحْيَى بنِ بُكَيْرٍ عنِ المُغِيرَةِ بنِ عَبْد الرَّحْمانِ عنْ أبي الزِّنادِ مِثْلَهُ
وَعَن يحيى مَعْطُوف على سعيد بن أبي مَرْيَم، وَعَن يحيى بن بكير، وَبِهَذَا جزم أَبُو مَسْعُود، وَقَالَ الْمُزنِيّ: أخرجه البُخَارِيّ
стр. 5624
عَن مُحَمَّد بن عبد الله عَن سعيد بن أبي مَرْيَم عَنهُ بِهِ، وَقَالَ فِي عقبه: وَعَن يحيى بن بكير عَنهُ بِهِ، وَلم يقل: حَدثنَا يحيى بن بكير، وَهُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير نسبه إِلَى جده، وَهُوَ أَيْضا من شُيُوخ البُخَارِيّ، روى عَنهُ هُنَا بِوَاسِطَة وَكَذَا روى هُنَا عَن سعيد بن أبي مَرْيَم وَهُوَ شَيْخه بِوَاسِطَة. قلت: على قَول الْمُزنِيّ: هَذَا مُعَلّق، وَوَصله مُسلم عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق الصَّنْعَانِيّ عَنهُ. قَوْله: (الْعَظِيم أَي: جثة أَو جاهاً عِنْد النَّاس، وَالله تَعَالَى أعلم) .
﴿بِسم الله الرحمان الرَّحِيم﴾
لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر.
٩١ - (سورَة كَهيعص)
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة كهيعس، قَالَ الثَّعْلَبِيّ: مَكِّيَّة، وَقَالَ مقَاتل: مَكِّيَّة كلهَا إِلَّا سجدتها فَإِنَّهَا مَدَنِيَّة، وَعَن الْقُرْطُبِيّ عَنهُ: نزلت بعد المهاجرة إِلَى أَرض الْحَبَشَة، وَهِي ثَمَان وَتسْعُونَ آيَة، وتسع مائَة وإثنان وَسِتُّونَ كلمة، وَثَلَاثَة آلَاف وَثَمَانمِائَة حرف وحرفان.
وَاخْتلفُوا فِي مَعْنَاهَا: فَعَن ابْن عَبَّاس إسم من أَسمَاء الله تَعَالَى، وَقيل: إسم الله الْأَعْظَم، وَعَن قَتَادَة هُوَ إسم من أَسمَاء الْقُرْآن، وَقيل: إسم السُّورَة، وَعَن ابْن عَبَّاس أَيْضا: هُوَ قسم أقسم الله تَعَالَى بِهِ، وَعَن الْكَلْبِيّ: هُوَ ثَنَاء أثنى الله بِهِ على نَفسه، وَعَن ابْن عَبَّاس أَيْضا: الْكَاف من كريم، وَالْهَاء من هاد، وَالْيَاء من رَحِيم، وَالْعين من عليم وعظيم، وَالصَّاد من صَادِق، رَوَاهُ الْحَاكِم من طَرِيق عَطاء بن السَّائِب عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ الله يَقُولُهُ وهُمُ اليومَ لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يُبْصِرُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ يَعْنِي قَوْلَهُ أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ الكُفَّارُ يَوْمَئِذٍ أسْمَعُ شَيْءٍ وأبْصَرُهُ.
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أسمع بهم وَأبْصر يَوْم يأتوننا لَكِن الظَّالِمُونَ الْيَوْم فِي ضلال مُبين﴾ (مَرْيَم: ٨٣) . قَوْله: أسمع بهم وَأبْصر لَفظه لفظ الْأَمر وَمَعْنَاهُ الْخَبَر، أَي: مَا اسمعهم وأبصرهم يَوْم الْقِيَامَة حِين لَا يَنْفَعهُمْ ذَلِك، وَقيل: سمع بِحَدِيثِهِمْ وَأبْصر كَيفَ يسمع بهم يَوْم يأتوننا، يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (الله يَقُوله) ، جملَة إسمية. قَوْله: (وهم) أَي: الْكفَّار الْيَوْم لَا يسمعُونَ وَلَا يبصرون، وَالْيَوْم نصب على الظّرْف. قَوْله: (الْكفَّار يومئذٍ أسمع شَيْء وأبصره لكِنهمْ الْيَوْم) ، يَعْنِي فِي الدُّنْيَا فِي ضلال مُبين لَا يسمعُونَ وَلَا يبصرون، ثمَّ تَعْلِيق ابْن عَبَّاس هَذَا وَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله:
لأرْجُمَنَّكَ لأشْتَمِنَّكَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا إِبْرَاهِيم لَئِن لم تَنْتَهِ لأرجمتك واهجرني مَلِيًّا﴾ (مَرْيَم: ٦٤) وَفسّر قَوْله: (لأرجمنك) بقوله: (لأشتمنك) وَكَذَا فسره مقَاتل وَالضَّحَّاك والكلبي، وَعَن ابْن عَبَّاس: مَعْنَاهُ لأضربنك، وَقيل: لأظهرن أَمرك. قَوْله: (مَلِيًّا) أَي: دهراً، قَالَه سعيد بن جُبَير، وَعَن مُجَاهِد وَعِكْرِمَة: حينا، وَعَن قَتَادَة وَالْحسن وَعَطَاء: (سالما) .
ورِئْياً مَنْظَراً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثاً ورئياً﴾ (مَرْيَم: ٤٧) وَفسّر: (ورئياً) بقوله: (منْظرًا) ، وَصله الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ ابْن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس بِهِ، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: وقرىء بالزاي، وَهُوَ الْهَيْئَة.
وَقَالَ أبُو وائِلٍ علِمَتْ مَرْيَمُ أنَّ التَّقِيَّ ذُو نُهْيَةٍ حَتَّى قالَتْ: ﴿إنِّي أعُوذُ بالرَّحْمانِ مِنْكَ إنْ كُنْتَ تَقيًّا﴾ (مَرْيَم: ٨١) وَقَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ تَؤُزُّهُمْ أزًّا تُزْعِجُهُمْ إِلَى المَعاصِي إزْعاجاً.
أَي: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي قَوْله، : ﴿ألم تَرَ أَنا أرسلنَا الشَّيَاطِين على الْكَافرين تؤزهم أزًّا﴾ (مَرْيَم: ٣٨) أَي: تزعجهم إِلَى الْمعاصِي إزعاجاً وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄، وَعَن الضَّحَّاك: تَأْمُرهُمْ بِالْمَعَاصِي أمرا. وَعَن سعيد بن جُبَير: تغريهم إغراء، وَعَن مُجَاهِد: تشليهم أشلاءً. وَعَن الْأَخْفَش: توهجهم، وَعَن المؤرج: تحركهم فِي الأَصْل: الصَّوْت.
وَقَالَ مُجاهِدٌ: لُدًّا عُوَجاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لتبشر بِهِ الْمُتَّقِينَ وتنذر بِهِ قوما لدا﴾ (مَرْيَم: ٧٩) وَفسّر: (لدا) بقوله: (عوجا) بِضَم الْعين جمع أَعْوَج، واللد، جمع
стр. 5625
أَلد، يُقَال: رجل أَلد إِذا كَانَ من عَادَته مخاصمة النَّاس، وَعَن مُجَاهِد: ألالد الظَّالِم الَّذِي لَا يَسْتَقِيم، وَعَن أبي عُبَيْدَة: ألالد الَّذِي لَا يقبل الْحق وَيَدعِي الْبَاطِل، وَتَعْلِيق مُجَاهِد رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة: حَدثنَا زيد حَدثنَا ابْن ثَوْر عَن ابْن جريج عَن مُجَاهِد.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وِرْداً عِطاشاً
أَي: قَالَ عبد الله بن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ونسوق الْمُجْرمين إِلَى جَهَنَّم وردا﴾ (مَرْيَم: ٦٨) وَفسّر: (وردا) بقوله: (عطاشاً) ، والورد جمَاعَة يردون المَاء إسم على لفظ الْمصدر، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: عطاشاً مشَاة على أَرجُلهم قد تقطعت أَعْنَاقهم من الْعَطش.
أثاثاً مَالا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿هم أحسن أثاثاً ورئياً﴾ (مَرْيَم: ٤٧) وَفسّر: (أثاثاً) بقوله: (مَالا) وَعَن ابْن عَبَّاس: هَيْئَة، وَعَن مقَاتل: ثيابًا، وَقيل: مَتَاعا.
إداً قَوْلاً عَظِيماً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا لقد جئْتُمْ شَيْئا إداً﴾ (مَرْيَم: ٩٨) وَفسّر: (إداً) ، بقوله: (قولا عَظِيما) ، وَهُوَ اتخاذهم لله ولدا، وَرُوِيَ هَكَذَا عَن ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس.
رِكْزاً صَوْتاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو تسمع لَهُم ركزاً﴾ (مَرْيَم: ٨٩) وَفسّر: (ركزاً) بقوله: (صَوتا) ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَكَذَا روى عبد الرَّزَّاق عَن قَتَادَة مثله، قَالَ الطَّبَرِيّ: الركز فِي كَلَام الْعَرَب الصَّوْت الْخَفي.
غَيًّا خُسْرَاناً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتبعُوا الشَّهَوَات فَسَوف يلقون غيا﴾ . وَفسّر (غياً) بقوله: (خسراناً) لم يثبت هَذَا لأبي ذَر، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس مثله، وَعَن ابْن مَسْعُود: الغي وادٍ فِي جَهَنَّم بعيد القعر، أخرجه الْحَاكِم، وَعنهُ: الغي نهر فِي جَهَنَّم، وَعَن عَطاء: الغي وَاد فِي جَهَنَّم يسيل قَيْحا ودماً، وَعَن كَعْب: هُوَ وَاد فِي جَهَنَّم أبعدها قعراً وأشدها حرا فِيهِ بِئْر يُسمى الهيم، كلما خبت جَهَنَّم فتح الله تِلْكَ الْبِئْر فتسعر بهَا جَهَنَّم.
بُكيا جَماعَةُ باكٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿خروا سجدا وبُكياً﴾ (مَرْيَم: ٨٥) وَقَالَ: (بكيا) جمع (باك) وَكَذَا قَالَه أَبُو عُبَيْدَة قلت: أَصله بكوى، على وزن فعول كقعود جمع قَاعد اجْتمعت الْوَاو وَالْيَاء وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فقلبت يَاء ثمَّ أدغمت الْيَاء فِي الْيَاء ثمَّ أبدلت ضمة الْكَاف كسرة لأجل الْيَاء، فَافْهَم. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: هَذِه الْآيَة نزلت فِي مؤمني أهل الْكتاب عبد الله بن سَلام وَأَصْحَابه.
صُلِّيا صَلِيَ يَصْلَى
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ لنَحْنُ أعلم بالذين هم أولى بهَا صلياً﴾ (مَرْيَم: ٠٧) وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: صلياً. مصدر صلى يُصَلِّي من بَاب: علم يعلم، كلقى يلقى لقيا، يُقَال: صلى فلَان النَّار أَي: دَخلهَا وَاحْتَرَقَ.
نَدِيًّا والنَّادِي واحِدٌ مَجْلِساً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَي الْفَرِيقَيْنِ خير مقَاما وَأحسن ندياً﴾ (مَرْيَم: ٣٧) وَأَن ندياً والنادي وَاحِد، ثمَّ فسر (ندياً) بقوله: (مَجْلِسا) ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الندي والنادي وَاحِد، وَالْجمع أندية، وَفسّر قَوْله تَعَالَى: ندياً، أَي: مَجْلِسا، والندي مجْلِس الْقَوْم ومجتمعهم، وَقيل: أَخذ من الندى وَهُوَ الْكَرم لِأَن الكرماء يَجْتَمعُونَ فِيهِ.
١ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وأنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ (مَرْيَم: ٩٣)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَأَنْذرهُمْ يَوْم الْحَسْرَة إِذْ قضي الْأَمر وهم فِي غَفلَة وهم لَا يُؤمنُونَ﴾ أَي: أنذر كفار مَكَّة يَوْم الْحَسْرَة يَوْم الْقِيَامَة يَوْم يتحسر الْمُسِيء هلا أحسن الْعَمَل، والمحسن هلا ازْدَادَ من الْإِحْسَان، وَأكْثر الْمُفَسّرين يَوْم الْحَسْرَة حِين يذبح الْمَوْت. قَوْله: (إِذْ قضى الْأَمر) ، أَي: فرغ من الْحساب، وَقيل: ذبح الْمَوْت وهم فِي غَفلَة فِي الدُّنْيَا وهم
стр. 5626
لَا يُؤمنُونَ بِمَا يكون فِي الْآخِرَة، وَكلمَة: إِذْ، بدل من الْحَسْرَة، أَو مَنْصُوب بالحسرة.
٠٣٧٤ - حدَّثنا عُمَرِ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ حَدثنَا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ حدّثنا أبُو صالِحٍ عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ قَالَ رسولُ الله ﷺ يُؤْتَى بالمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أمْلَح فَيُنَادِي مُنادٍ يَا أهْلَ الجَنَّةِ فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هاذَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ هاذَا المَوْتُ وكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ ثُمَّ يُنادِي يَا أهْلَ النَّارِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هاذَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ هاذَا المَوْتُ وكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ يَا أهْلَ الجَنَّة خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ وَيَا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ ثُمَّ قَرَأ: ﴿وأنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهاؤُلَاءِ فِي غَفْلَةٍ أهْلُ الدُّنْيا وهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (مَرْيَم: ٩٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَأَبُو صَالح هُوَ ذكْوَان السمان، وَأَبُو سعيد اسْمه سعد بن مَالك.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي صفة النَّار عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن المنيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن هناد بن العوسى.
قَوْله: (يُؤْتى بِالْمَوْتِ كَهَيئَةِ كَبْش أَمْلَح) ، والأملح الَّذِي فِيهِ بَيَاض كثير سَواد، قَالَه الْكسَائي، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: هُوَ الْأَبْيَض الْخَالِص، وَالْحكمَة فِي كَونه على هَيْئَة كَبْش أَبيض لِأَنَّهُ جَاءَ: أَن ملك الْمَوْت أَتَى آدم ﵊، فِي صُورَة كَبْش أَمْلَح قد نشر من أجنحته أَرْبَعَة آلَاف جنَاح، وَالْحكمَة فِي كَون الْكَبْش أَمْلَح أَبيض وأسود، أَن الْبيَاض من جِهَة الْجنَّة والسواد من جِهَة النَّار، قَالَه عَليّ بن حَمْزَة. قَوْله: (فَيَشْرَئِبُّونَ) ، من الإشريباب، يُقَال: اشرأب إِذا مد عُنُقه لينْظر، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: إِذا رفع رَأسه. قَوْله: (فَيَقُولُونَ نعم) فَإِن قلت: من أَيْن عرفُوا ذَلِك حَتَّى يَقُولُونَ نعم؟ قلت: لأَنهم يعاينون ملك الْمَوْت فِي هَذِه الصُّورَة عِنْد قبض أَرْوَاحهم. قَوْله: (فَيذْبَح) ، أَي: بَين الْجنَّة وَالنَّار، فَيذْبَح، الحَدِيث. وَقيل: يذبح على الصِّرَاط على مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: يجاء بِالْمَوْتِ فَيُوقف على الصِّرَاط، فَيُقَال: يَا أهل الْجنَّة فيطلعون خَائِفين أَن يخرجُوا من مكانهم، ثمَّ يُقَال: يَا أهل النَّار فيطلعون مستبشرين فرحين أَن يخرجُوا من النَّار، هَذَا الْمَوْت فَيُؤْمَر بِهِ فَيذْبَح على الصِّرَاط، وَقيل: يذبح على السُّور الَّذِي بَين الْجنَّة وَالنَّار، وَأخرج التِّرْمِذِيّ هَذَا، فَيَقُولُونَ: نعم هَذَا الْمَوْت، ثمَّ قَالَ: حسن صَحِيح. فَإِن قلت: الْمَوْت عرض بِنَا فِي الْحَيَاة أَو هُوَ عدم الْحَيَاة، فَكيف يذبح؟ قلت: يَجعله الله مجسماً حَيَوَانا مثل الْكَبْش أَو الْمَقْصُود مِنْهُ التَّمْثِيل، وَعَن ابْن عَبَّاس وَمُقَاتِل والكلبي، أَن الْمَوْت والحياة جسمان، فالموت فِي هَيْئَة كَبْش لَا يمر بِشَيْء وَلَا يجد رِيحه شَيْء إلَاّ مَاتَ، وَخلق الْحَيَاة على صُورَة فرس أُنْثَى بلقاء وَهِي الَّتِي كَانَ جِبْرِيل والأنبياء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، يركبونها خطوها مد الْبَصَر فَوق الْحمار وَدون الْبَغْل لَا يمر بِشَيْء وَلَا يجدر رِيحهَا إلَاّ حيى، وَهُوَ الَّذِي أَخذ السامري من أَثَرهَا فَأَلْقَاهُ على الْعجل، فَإِن قلت: من الذَّابِح للْمَوْت؟ قلت: يذبحه يحيى بن زَكَرِيَّا ﵊، بَين يَدي النَّبِي ﷺ ، وَقيل: الَّذِي يذبحه جِبْرِيل ﵊، ذكره الْقُرْطُبِيّ فِي (التَّذْكِرَة) . قَوْله: (خُلُود لَا موت) ، لفظ: خُلُود إِمَّا مصدر، وَإِمَّا جمع خَالِد. قَالَ الْكرْمَانِي: وَلم يبين مَا وَرَاء ذَلِك. قلت: إِذا كَانَ مصدرا يكون تَقْدِيره: أَنْتُم خُلُود وصف بِالْمَصْدَرِ للْمُبَالَغَة، كَمَا تَقول: رجل عدل وَإِذا كَانَ جمعا يكون تَقْدِيره: أَنْتُم خَالدُونَ، وَهَذَا أَيْضا يدل على الخلود لأهل الدَّاريْنِ لَا إِلَى أمد وَغَايَة، وَمن قَالَ: إِنَّهُم يخرجُون مِنْهَا وَإِن النَّار تبقى خَالِيَة وَإِنَّهَا تفنى وتزول فقد خرج عَن مُقْتَضى الْعُقُول وَخَالف مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول وَمَا أجمع عَلَيْهِ أهل السّنة والعدول، وَإِنَّمَا تخلى جَهَنَّم وَهِي الطَّبَقَة الْعليا الَّتِي فِيهَا عصاة أهل التَّوْحِيد، وَهِي الَّتِي ينْبت على شفيرها الجرجير، وَقد بَين ذَلِك مَوْقُوفا عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ: يَأْتِي على النَّار زمَان تخفق الرِّيَاح أَبْوَابهَا لَيْسَ فِيهَا أحد من الْمُوَحِّدين، وَهَذَا، وَإِن كَانَ مَوْقُوفا فَإِن مثله لَا يُقَال بِالرَّأْيِ قَوْله: (وهم فِي غَفلَة) ، فسر بهؤلاء ليشير إِلَيْهِم بَيَانا لكَوْنهم أهل الدُّنْيَا إِذْ الْآخِرَة لَيست دَار غَفلَة.
стр. 5627
٢ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلَاّ بأمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أيْدِينا وَما خَلْفَنا وَمَا بَيْنَ ذالِكَ﴾ (مَرْيَم: ٤٦)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَمَا نَتَنَزَّل إلَاّ بِأَمْر رَبك﴾ الْآيَة، قَالَ عِكْرِمَة وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة وَمُقَاتِل والكلبي: احْتبسَ جِبْرِيل ﵇ عَن النَّبِي ﷺ ، حِين سَأَلَهُ قومه عَن قصَّة أَصْحَاب الْكَهْف وَذي القرنين وَالروح وَلم يدر مَا يُجِيبهُمْ، ورجاه أَن يَأْتِيهِ جِبْرِيل بِجَوَاب مَا سَأَلُوهُ فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ، قَالَ عِكْرِمَة: أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقَالَ مُجَاهِد: اثْنَي عشرَة لَيْلَة، وَقيل: خمس عشرَة، فشق على رَسُول الله ﷺ ، فَلَمَّا نزل عَلَيْهِ جِبْرِيل ﵇، قَالَ: أَبْطَأت عَليّ حَتَّى سَاءَ ظَنِّي فاشتقت إِلَيْك! فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل: أَنا كنت أشوق وَلَكِنِّي عبد مَأْمُور، وَإِذا بعثت نزلت، وَإِذا حبست احْتبست، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّل إلَاّ بِأَمْر رَبك﴾ قَوْله: (مَا بَين أَيْدِينَا) ، قَالَ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة: لَهُ مَا بَين أَيْدِينَا الْآخِرَة، وَمَا خلفنا الدُّنْيَا، وَمَا بَين ذَلِك مَا بَين النفختين.
١٣٧٤ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدّثنا عُمَرُ بنُ ذَرٍّ قَالَ سَمِعْتُ أبي عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ قَالَ رسُولُ الله ﷺ لِجِبْرِيلَ مَا يَمْنَعُكَ أنْ تَزُورَنا أكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنا فَنَزَلَتْ وَمَا نَتَنَزَّلُ إلاّ بأمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أيْدِينا وَمَا خَلْفَنا.
(انْظُر الحَدِيث ٨١٢٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، وَعمر بن ذَر، بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء: ابْن عبد الله بن زُرَارَة أَبُو ذَر الْهَمدَانِي الْكُوفِي، سمع أَبَاهُ. والْحَدِيث مر فِي بَدْء الْخلق فِي: بَاب ذكر الْمَلَائِكَة.
٣ - ( ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بآياتِنا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَداً﴾ (مَرْيَم: ٧٧)
وَفِي بعض النّسخ: بَاب قَوْله: ﴿أَفَرَأَيْت الَّذِي كفر بِآيَاتِنَا﴾ الْآيَة. قَوْله: (أَفَرَأَيْت) بِمَعْنى: أخبر، وَالْفَاء جَاءَت لإِفَادَة مَعْنَاهَا الَّذِي هُوَ التعقيب كَأَنَّهُ قَالَ: أخبرهُ أَيْضا بِقصَّة هَذَا الْكَافِر، وَاذْكُر حَدِيثه عقيب حَدِيث أُولَئِكَ، وَالْفَاء بعد همزَة الِاسْتِفْهَام عاطفة على جملَة: الَّذِي، الْعَاصِ بن وَائِل كفر بِآيَاتِنَا الْقُرْآن، وَقَالَ: لَأُوتَيَنَّ مَالا وَولدا، يَعْنِي: فِي الْجنَّة بعد الْبَعْث، قَالَ ذَلِك استهزاء، قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ: ولدا، بِضَم الْوَاو وَسُكُون اللَّام وَالْبَاقُونَ بفتحهما، وهما لُغَتَانِ: كالعرب وَالْعرب.
٢٣٧٤ - حدَّثنا الحمَيْدِيُّ حَدثنَا سُفْيانُ عنِ الأعْمَشَ عنْ أبي الضُّحَى عنْ مَسْرُوقٍ قَالَ سَمِعْتُ خَبَّاباً قَالَ جِئْتُ العاصِيَ بنَ وائِلٍ السَّهْمِيَّ أتَقاضاهُ حَقاً لي عِنْدَهُ فَقَالَ لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقُلْتُ لَا حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ قَالَ وَإنِّي لَمَيِّتٌ ثُمَّ مَبْعُوثٌ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ إنَّ لي هُناكَ مَالا وَوَلَداً فأقْضِيكَهُ فَنَزَلَتْ هاذِهِ الْآيَة: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بآياتِنا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَداً﴾ ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحميدِي، عبد الله بن الزبير، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَأَبُو الضُّحَى مُسلم ابْن صبيح، ومسروق هُوَ ابْن الأجدع، وخباب، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى: ابْن الْأَرَت، بِفَتْح الْهمزَة وَالرَّاء وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق.
والْحَدِيث مر فِي الْبيُوع فِي: بَاب الْقَيْن والحداد، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن بشار عَن ابْن أبي عدي عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان عَن أبي الضُّحَى إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (العَاصِي بن وَائِل) ، هُوَ وَالِد عَمْرو ابْن الْعَاصِ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور، كَانَ لَهُ قدر فِي الْجَاهِلِيَّة وَلم يوفق لِلْإِسْلَامِ، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: كَانَ من حكام قُرَيْش، وَفِي (التَّوْضِيح) : الْعَاصِ بِلَا يَاء وَلَيْسَ من الْعِصْيَان إِنَّمَا هُوَ من عصى يعصو إِذا ضرب بِالسَّيْفِ قلت: لَا مَانع أَن يكون من الْعِصْيَان بل الظَّاهِر، أَنه مِنْهُ، وَإِنَّمَا حذفت الْيَاء للتَّخْفِيف، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْعَاصِ، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وبكسرها أجوفياً وناقصياً. قلت: إِذا كَانَ أجوفياً يكون من العوص، وَإِذا كَانَ ناقصياً يكون من الْعِصْيَان، وَوَائِل بِالْهَمْزَةِ بعد الْألف. قَوْله: (فَقلت: لَا) ، أَي
стр. 5628
لَا أكفر، قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَفْهُوم الْغَايَة أَنه يكفر بعد الْمَوْت. قلت: لَا يتَصَوَّر الْكفْر بعد الْمَوْت فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا أكفر أبدا، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يذوقون فِيهَا الْمَوْت إلَاّ الموتة الأولى﴾ (الدُّخان: ٦٥) فِي أَن ذكره للتَّأْكِيد.
رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وشُعْبَةُ وحَفْصٌ وأبُو مُعاوِيَةَ وَوَكِيعٌ عنِ الأعْمَشِ
أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور هَؤُلَاءِ الْخَمْسَة عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش، أما رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْريّ عَن الْأَعْمَش إِلَى آخرهَا فوصلها البُخَارِيّ بعد هَذَا، وَهُوَ قَوْله: حَدثنَا مُحَمَّد بن كثير أخبرنَا سُفْيَان عَن الْأَعْمَش إِلَى آخِره، وَأما رِوَايَة شُعْبَة فَكَذَلِك وَصلهَا البُخَارِيّ عقيب رِوَايَة مُحَمَّد بن كثير عَن بشر بن خَالِد عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة إِلَى آخِره، وَأما رِوَايَة حَفْص وَهُوَ ابْن غياث فوصلها فِي الْإِجَارَة فِي: بَاب هَل يُؤجر الرجل نَفسه من مُشْرك، عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن الْأَعْمَش، وَأما رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم، بِالْمُعْجَمَةِ وَالزَّاي، فوصلها أَحْمد قَالَ: حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة حَدثنَا الْأَعْمَش إِلَى آخِره، وَأما رِوَايَة وَكِيع فوصلها البُخَارِيّ أَيْضا عَن يحيى عَن وَكِيع عَن الْأَعْمَش إِلَى آخِره، وَعَن قريب تَأتي.
٤ - (بابٌ قَوْلُهُ : ﴿أطلع الْغَيْب أم اتخذ عِنْد الرَّحْمَن عهدا﴾ (مَرْيَم: ٨٧)
أَي هَذَا بَاب فِي قَوْله (أطلع الْغَيْب أم اتخذ عِنْد الرَّحْمَن عهدا) الْآيَة.
قَالَ ابْن عَبَّاس: أنظر فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ، يَعْنِي: الْعَاصِ بن وَائِل، وَقَالَ مُجَاهِد: أعلم علم الْغَيْب حَتَّى يعلم أَفِي الْجنَّة هُوَ أم لَا. قَوْله: (أطلع) من اطلع الْجَبَل إِذا ارْتقى إِلَى أَعْلَاهُ. قَوْله: (عهدا) ، أَي: أم قَالَ: لَا إِلَه إلَاّ الله، وَعَن قَتَادَة: عمل صَالحا قدمه، وَعَن الْكَلْبِيّ: عهد إِلَيْهِ أَنه يدْخلهُ الْجنَّة، وَفسّر البُخَارِيّ (عهدا) بقوله: (موثقًا) ، وَكَذَا أخرجه ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه عَن مُحَمَّد بن كثير شيخ البُخَارِيّ فِيهِ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر. قَوْله: (موثقًا) ، وَهُوَ التعاقد والتعاهد، وَأَصله من الوثاق وَهُوَ حَبل يشد بِهِ الْأَسير وَالدَّابَّة، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الموثق الْمِيثَاق.
٣٣٧٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنَا سُفْيانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبي الضُّحَى عنْ مَسْروق عنْ خَبَّابٍ قَالَ كُنْتُ قَيْناً بِمَكَّةَ فَعَمِلْتُ لِلْعاصِي بنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ سَيْفاً فَجِئْتُ أتَقاضاهُ فَقَالَ لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ قُلْتُ لَا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ حَتَّى يُمِيتكَ الله ثُمَّ يُحْيِيَكَ قَالَ إذَا أماتَني الله ثُمَّ بَعَثَني ولِي مالٌ وَوَلَدٌ، فأنْزَلَ الله: ﴿فَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بآياتِنا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَداً اطَّلَعَ الْغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمانِ عَهْداً﴾ قَالَ مَوْثِقاً لَمْ يَقُلِ الأشْجَعِيُّ عنْ سُفْيانَ سَيْفاً وَلَا مَوْثِقاً..
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن مُحَمَّد بن كثير إِلَى آخِره، وَقد أخرج هَذَا الحَدِيث من أَربع طرق وَترْجم لكل حَدِيث آيَة من الْآيَات الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة إِشَارَة إِلَى أَن هَذِه الْآيَات كلهَا فِي قصَّة الْعَاصِ بن وَائِل وَذكر فِي كل تَرْجَمَة مَا يطابقها من الحَدِيث.
قَوْله: (لم يقل الْأَشْجَعِيّ) ، نِسْبَة إِلَى أَشْجَع، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْجِيم وبالعين الْمُهْملَة: ابْن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس غيلَان بن مُضر بن نزار، وَهُوَ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن أَبُو عبد الرَّحْمَن الْكُوفِي سمع سُفْيَان الثَّوْريّ، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَة فِي أَولهَا، وروى الْأَشْجَعِيّ هَذَا الحَدِيث عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَلم يذكر فِي رِوَايَته (عَن سُفْيَان سَيْفا وَلَا موثقًا) .
٥ - (بابٌ: ﴿كَلَاّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذَابِ مَدًّا﴾ (مَرْيَم: ٩٧)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿كلا﴾ الْآيَة، كلمة: كلا، ردع ورد على الْعَاصِ بن وَائِل. قَوْله: (سنكتب) أَي: سنحفظ عَلَيْهِ مَا يَقُول فنجازيه بِهِ فِي الْآخِرَة. قَوْله: (ونمد لَهُ) ، أَي: نزيده عذَابا فَوق الْعَذَاب.
٤٣٧٤ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ خالِدٍ حَدثنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمانَ سَمِعْتُ أَبَا
стр. 5629
الضُّحَى يُحَدِّثُ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ خَبَّابٍ قَالَ كُنْتُ قَيْناً فِي الجاهِلِيَّةِ وكانَ لِي دَيْنٌ عَلَى العاصِي بنِ وائِلٍ قَالَ فأتاهُ يَتَقاضاهُ فَقَالَ لَا أُعْطِيك حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقَالَ وَالله لَا أكْفُرُ حَتَّى يُمِيتَكَ الله ثُمَّ تُبْعَثَ قَالَ فَذَرْنِي حَتَّى أمُوتَ ثُمَّ أُبْعَثَ فَسَوْفَ أُوتَى مَالا وَوَلَداً فأقْضِيكَ فَنَزَلَتْ هاذِهِ الآيَةُ: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بآياتِنا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَداً﴾ (مَرْيَم: ٧٧) ..
هَذَا طَرِيق ثَالِث فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، ومطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. قَوْله: (عَن سُلَيْمَان) هُوَ الْأَعْمَش. قَوْله: (قينا) أَي: حداداً. قَوْله: (ثمَّ أبْعث) ، على صِيغَة الْمَجْهُول وَكَذَلِكَ قَوْله: (أُوتى) ، وَالله أعلم.
٦ - (بابٌ قَوْلُهُ : ﴿ونَرِثُهُ مَا يَقُولُ ويأتِينا فَرْدَا﴾ (مَرْيَم: ٠٨)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿ونرثه﴾ ، أَي: نرث الْعَاصِ بن وَائِل مَا يَقُول من المَال وَالْولد ويأتينا يَوْم الْقِيَامَة فَردا أَي: بِلَا مَال وَلَا ولد، وَقَالَ النَّسَفِيّ: مَعْنَاهُ لَا ننسى قَوْله هَذَا وَلَا نلغيه بل نثبته فِي صَحِيفَته لنضرب بِهِ وَجهه فِي الْموقف ونعيره بِهِ ويأتينا على فقره ومسكنته فَردا من المَال وَالْولد.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ الجِبالُ هَدًّا هدْماً
أَي: قَالَ عبد الله بن عَبَّاس ﵄، فِي قَوْله : ﴿وتنشق الأَرْض وتخر الْجبَال هدًّا﴾ (مَرْيَم: ٠٩) هدماً يَعْنِي: فسر الهد بالهدم، وروى هَذَا التَّعْلِيق الْحَنْظَلِي عَن أَبِيه عَن أبي صَالح عَن مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَعَن مقَاتل: هداً كسراً، وَعَن أبي عُبَيْدَة: سقوطاً.
٥٣٧٤ - حدَّثنا يَحْيَى حدّثنا وكِيعٌ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبي الضُّحَى عنْ مَسْرُوقٍ عنْ خَبَّابٍ قَالَ كُنْتُ رَجُلاً قَيْناً وكانَ لِي عَلَى العَاصي بنِ وائلِ دَيْنٌ فأتَيْتُهُ أتَقاضاهُ فَقَالَ لِي لَا أقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ قَالَ قُلْتِ لَنْ أكْفُرَ بِهِ حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ قَالَ وإنِّي لِمَبْعُوثٌ منْ بَعْدِ المَوْتِ فَسَوْفَ أقْضِيكَ إِذا رَجَعْتُ إِلَى مالٍ وَوَلَدٍ قَالَ فَنَزَلَتْ أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بآياتِنا وَقَالَ لأُتَيَنَّ مَالا وَوَلَداً أطْلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمانِ عَهْداً كَلَاّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذَابِ مدًّا ونَرِثُهُ مَا يَقُولُ ويأتِينا فَرْداً..
هَذَا طَرِيق رَابِع فِي الحَدِيث الْمَذْكُور ومطابقته للتَّرْجَمَة. أخرجه عَن يحيى هُوَ ابْن مُوسَى بن عبد ربه أَبُو زَكَرِيَّا السّخْتِيَانِيّ الْبَلْخِي، يُقَال لَهُ: خت، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق. وَهُوَ من أَفْرَاده.
٠٢ - (بابٌ سورَةُ طهَ)
لَيْسَ فِي كثير من النّسخ لفظ: بَاب، أَي: هَذَا بَاب فِي تَفْسِير بعض سُورَة طه، قَالَ مقَاتل: مَكِّيَّة كلهَا، وَكَذَا ذكره ابْن عَبَّاس وَابْن الزبير ﵃، فِيمَا ذكره ابْن مرْدَوَيْه وَفِي (مقامات التَّنْزِيل) مَكِّيَّة كلهَا لم يعرف فِيهَا اخْتِلَاف إلاّ مَا ذكر عَن الْكَلْبِيّ فِي رِوَايَة أبي بكر أَنه قَالَ: ﴿وَمن آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار لَعَلَّك ترْضى﴾ (طه: ٠٣١) نزلت بِالْمَدِينَةِ، وَهِي فِي أَوْقَات الصَّلَوَات. وَهِي مائَة وَخمْس وَثَلَاثُونَ آيَة. وَألف وثلاثمائة وَإِحْدَى وَأَرْبَعُونَ كلمة، وَخَمْسَة آلَاف ومائتان وإثنان وَأَرْبَعُونَ حرفا.
بِسم الله الرحمان الرَّحِيم
قَالَ ابْن جُبَير: بالنبطية طاه يَا رجل.
أَي: قَالَ سعيد بن جُبَير: معنى طه بالنبطية: يَا رجل، والنبطية منسوبة إِلَى النبط، بِفَتْح النُّون وَالْبَاء الْمُوَحدَة وبالطاء الْمُهْملَة: قوم ينزلون البطائح بَين العراقين وَكَثِيرًا يسْتَعْمل وَيُرَاد بِهِ الزراعون، وَالْمَذْكُور هُوَ رِوَايَة: قوم، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر والنسفي:
стр. 5630
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، قَالَ عِكْرِمَة وَالضَّحَّاك بالنبطية طه، أَي: يَا رجل، وَتَعْلِيق عِكْرِمَة وَصله ابْن أبي حَاتِم من رِوَايَة حُصَيْن بن عبد الرَّحْمَن عَن عِكْرِمَة فِي قَوْله: طه، أَي: يَا طه يَا رجل، وَتَعْلِيق الضَّحَّاك وَصله الطَّبَرِيّ من طَرِيق قُرَّة بن خَالِد عَن الضَّحَّاك بن مُزَاحم فِي قَوْله: طه، قَالَ: يار رجل بالنبطية. انْتهى. وتمثل قَول ابْن جُبَير، روى عَن ابْن عَبَّاس وَالْحسن وَعَطَاء وَأبي مَالك وَمُجاهد وَقَتَادَة وَمُحَمّد بن كَعْب وَالسُّديّ وعطبة وَابْن أَبْزَى، وَفِي: (تَفْسِير مقَاتل) : طه يَا رجل بالسُّرْيَانيَّة، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: عَن ابْن عَبَّاس، نزلت بلغَة على يَا رجل، وَعند ابْن مرْدَوَيْه بِسَنَد صَحِيح عَن ابْن عَبَّاس: يس بالحبشية يَا إِنْسَان، وطه بالنبطية يَا رجل، وَقيل: معنى طه يَا إِنْسَان، وَقيل: هِيَ حُرُوف مقطعَة لمعان، قَالَ الوَاسِطِيّ: أَرَادَ بهَا: يَا طَاهِر يَا هادي، وَعَن أبي حَاتِم: طه استفتاح سُورَة، وَقيل هُوَ قسم أقسم الله بِهِ وَهِي من أَسمَاء الله ، وَقيل: هُوَ من الوطي وَالْهَاء كِنَايَة عَن الأَرْض أَي: اعْتمد على الأَرْض بقدمك وَلَا تتعصب نَفسك بالاعتماد على قدم وَاحِدَة، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا نزلنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتشقى﴾ (طه: ٢) نزلت الْآيَة فِيمَا كَانَ ﷺ يتكلفه من السهر والتعب وَقيام اللَّيْل، وَقَالَ اللَّيْث: بلغنَا أَن مُوسَى ﵊، لما سمع كَلَام الرب تَعَالَى استقرءه الْخَوْف حَتَّى قَامَ على أَصَابِع قَدَمَيْهِ خوفًا. فَقَالَ : طه، أَي: اطمئن، قَالَ الْأَزْهَرِي: لَو كَانَ كَذَلِك لقَالَ: طَأْهَا، أَي: طأ الأَرْض بقدمك، وَهِي مَهْمُوزَة، وَفِي (الْمعَانِي) للفراء: هُوَ حرف هجاء، وحَدثني قيس قَالَ: حَدثنِي عَاصِم عَن زر، قَالَ: قَرَأَ رجل على ابْن مَسْعُود ﵁: طَأْهَا، فَقَالَ لَهُ عبد الله: طه، فَقَالَ الرجل: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن أَلَيْسَ إِنَّمَا أَمر أَن يطَأ قدمه؟ قَالَ: فَقَالَ عبد الله: طه، هَكَذَا أَقْرَأَنيهَا رَسُول الله ﷺ ، وَزَاد فِي (تَفْسِير ابْن مرْدَوَيْه) كَذَا نزل بهَا جِبْرِيل ﵊، بِكَسْر الطَّاء وَالْهَاء، قَالَ: وَكَانَ بعض الْقُرَّاء يقطعهَا، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: طاه، قَالَ الزّجاج: يقْرَأ طه بِفَتْح الطَّاء وَالْهَاء، وطه بكسرهما، وطه بِفَتْح الطَّاء وَسُكُون الْهَاء، وطه بِفَتْح الطَّاء وَكسر الْهَاء.
قَالَ ابنُ جُبَيْرٍ والضَّحَّاكُ بالنَّبَطِيَّةِ طهَ يَا رَجُلُ: وَقَالَ مُجاهِدٌ ألْقَى صَنَعَ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا مُوسَى إِمَّا أَن تلقي وَأما أَن نَكُون أول من ألْقى﴾ (طه: ٥٦) أَي: صنع، وَقد مر هَذَا فِي قصَّة مُوسَى ﵊، فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء ﵈، وَكَذَلِكَ يَأْتِي لفظ: ألْقى، فِي قَوْله: ﴿فَكَذَلِك ألْقى السامري﴾ (طه: ٧٨) وَفسّر هُنَاكَ أَيْضا بقوله: صنع، والمفسرون فسروا كليهمَا فِي الْإِلْقَاء وَهُوَ الرَّمْي.
يُقالُ كلُّ مَا لَمْ يَنْطِقْ بِحَرْفٍ أوْ فيهِ تَمْتَمَةٌ أوْ فأفَاةٌ فَهْيَ عُقْدَةٌ
أَشَارَ بذلك إِلَى تَفْسِير: عقدَة، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿واحلل عقدَة من لساني﴾ (طه: ٧٢) وَفسّر الْعقْدَة بِمَا ذكره، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: يُرِيد مُوسَى ﵊، أطلق عَن لساني الْعقْدَة الَّتِي فِيهِ حَتَّى يفهموا كَلَامي والتمتمة التَّرَدُّد بِالتَّاءِ فِي الْكَلَام، والفأفأة التَّرَدُّد بِالْفَاءِ.
أزْرِي ظَهْرِي
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿هَارُون أخي أشدد بِهِ أزري﴾ (طه: ٠٣ ١٣) فسر الأزر بِالظّهْرِ، وَفِي التَّفْسِير: ألازر الْقُوَّة وَالظّهْر، يُقَال: أزردت فلَانا على الْأَمر، قويته عَلَيْهِ، وَكنت لَهُ فِيهِ ظهرا.
فَيَسْحَتَكُمْ: يُهْلِكَكُمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بِعَذَاب﴾ (طه: ١٦)
الْآيَة. وَفسّر: (يسحتكم) بقوله: (يهلككم) ، وَفِي التَّفْسِير: أَي يستأصلكم، يُقَال: سحته الله وأسحته أَي: استأصله وأهلكه، وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَحَفْص عَن عَاصِم بِضَم الْيَاء وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْح لِأَن فِيهِ لغتين بِمَعْنى وَاحِد.
المُثْلَى تأنِيثُ الأمْثَلِ يَقُولُ بدِينكُمْ يُقال خُذِ المُثْلَى خُذِ الأمثَل
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ويذهبا بطريقتكم المثلى﴾ (طه: ٣٦) وَقَالَ: (المثلى تَأْنِيث الأمثل) يَعْنِي: يذهب بدينكم. وَقد أخبر الله تَعَالَى عَن فِرْعَوْن أَنه قَالَ: إِن مُوسَى وَهَارُون ﵉، يُريدَان أَن يخرجاكم من أَرْضكُم بسحرهما وَفسّر قَوْله (وَيذْهب بطريقتكم المثلى) ذَهَبا بطريقتكم المثلى يَعْنِي: بدينكم، وَهَكَذَا فسره الْكسَائي أَيْضا قَوْله: يُقَال: خُذ المثلى، أَي: خُذ الطَّرِيقَة المثلى، أَي: الفضلى، وَخذ
стр. 5631
الأمثل، أَي: الْأَفْضَل، يُقَال: فلَان أمثل قومه أَي: أفضلهم.
ثُمَّ ائْتُوا صَفاً يُقالُ: هَلْ أتَيْتَ الصَّفَّ اليَوْمَ يعْني المُصَلَّى الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿فَأَجْمعُوا كيدكم ثمَّ ائْتُوا صفا﴾ (طه: ٤٦) وَأَشَارَ بقوله يُقَال إِلَى آخِره، أَن معنى صفا مصلى ومجتمعاً. وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة، وَعَن مقَاتل الْكَلْبِيّ: مَعْنَاهُ جمعا، حَاصِل الْمَعْنى أَن فِرْعَوْن يَقُول لِقَوْمِهِ: أَجمعُوا كيدكم أَي: مكركم وسحركم، ثمَّ ائْتُوا صفا يَعْنِي مصلى وَهُوَ مجمع النَّاس، وَحكي عَن بعض الْعَرَب الفصحاء: مَا اسْتَطَعْت أَن آتِي الصَّفّ أمس، أَي: الْمصلى.
فأوْجَسَ أضْمَرَ خَوْفاً فَذَهَبَتِ الوَاوُ منْ خِيفَةً لِكَسْرَةِ الخاءِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فأوجس فِي نَفسه خيفة مُوسَى﴾ (طه: ٧٦) وَفسّر أوجس بقوله: أضمر. قَوْله: (خوفًا) أَي: لأجل الْخَوْف، وَقَالَ مقَاتل: إِنَّمَا خَافَ مُوسَى ﵊، أَن صنع الْقَوْم مثل صنعه أَن يشكوا فِيهِ فَلَا يتبعوه ويشك من تَابعه فِيهِ. قَوْله: (فَذَهَبت الْوَاو)
إِلَى آخِره، قَالَ الْكرْمَانِي: وَمثل هَذَا لَا يَلِيق بِحَال هَذَا الْكتاب أَن يذكر فِيهِ. قلت: إِنَّمَا قَالَ هَذَا الْكَلَام لِأَنَّهُ مُخَالف لما قَالَه أهل الصّرْف على مَا لَا يخفى.
فِي جُذُوعِ أيْ عَلَى جُذُوعِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾ (طه: ١٧) وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَن كلمة: فِي، بِمَعْنى: على، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أم لَهُم سلّم يَسْتَمِعُون فِيهِ﴾ (الطّور: ٨٣) أَي: عَلَيْهِ.
خطْبُكَ بالُكَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ فَمَا خَطبك يَا سامري﴾ (طه: ٥٩) وَفَسرهُ بقوله: (بالك) . وَفِي التَّفْسِير، قَالَ مُوسَى ﵊ للسامري: فَمَا خَطبك؟ أَي: فَمَا أَمرك وشأنك الَّذِي دعَاك وحملك على مَا صنعت؟
مِساسَ مَصْدَرُ ماسَّهُ مِساساً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿فَاذْهَبْ فَإِن لَك فِي الْحَيَاة أَن تَقول لَا مساس﴾ (طه: ٧٩) الْآيَة وَلم يذكر مَعْنَاهُ، وَإِنَّمَا قَالَ: مساس، مصدر ماسه يماسه مماسة ومساساً، وَالْمعْنَى: أَن مُوسَى ﵊ قَالَ للسامري: إذهب من بَيْننَا فَإِن لَك فِي الْحَيَاة، أَي: مَا دمت حَيا أَن تَقول: لَا مساس. أَي: لَا أمس وَلَا أمس، فعاقبه الله فِي الدُّنْيَا بعقوبة لَا شَيْء أَشد وأوحش مِنْهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ منع من مُخَالطَة النَّاس منعا كلياً حرم عَلَيْهِم ملاقاته ومكالمته.
لَنَنْسِفَنَّهُ لَنَذْرِيَنَّهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لنحرقنه ثمَّ لننسفنه فِي اليم نسفاً﴾ (طه: ٧٩) وَفسّر: (لننسفنه) بقوله: (لنذرينه) من التذرية، وَفِي التَّفْسِير: أَن مُوسَى ﵊، أَخذ الْعجل فذبحه فَسَالَ مِنْهُ الدَّم لِأَنَّهُ كَانَ قد صَار لَحْمًا ودماً ثمَّ أحرقه ثمَّ ذراه فِي اليم أَي: فِي الْبَحْر.
قاعاً يَعْلُوهُ الماءُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فيذرها قاعاً صفصفاً﴾ (طه: ٦٠١) وَفسّر القاع بِأَنَّهُ يعلوه المَاء، وَهُوَ كَذَلِك لِأَن القاع مَا يعلوه المَاء، والصفصف المستوي، وَقَالَ عبد الرَّزَّاق: عَن معمر عَن قَتَادَة: القاع الصفصف الأَرْض المستوية، وَقَالَ الْفراء: القاع مَا انبسط من الأَرْض وَيكون فِيهِ السراب نصف النَّهَار، والصفصف الأملس الَّذِي لَا نَبَات فِيهِ.
والصَّفْصَفُ المُسْتَوِي منَ الأرْضِ
قد مر الْكَلَام فِيهِ، وَفِي التَّفْسِير: الصفصف المستوي كَأَنَّهَا من استوائها على صفة وَاحِدَة، وَقيل: هِيَ الَّتِي لَا أثر للجبال فِيهَا.
وَقَالَ مُجاهِدٌ أوْزاراً أثقالاً
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكنَّا حملنَا أوزاراً من زِينَة الْقَوْم﴾ (طه: ٧٨) أَي: أثقالاً، وَهُوَ جمع وزر وَيُرَاد بِهِ الْعقُوبَة الثَّقِيلَة، سَمَّاهَا وزراً تَشْبِيها فِي ثقلهَا على المعاقب وصعوبة احتمالها بِالْحملِ الَّذِي يقْدَح الْحَامِل ويفضض ظَهره، أَو لِأَنَّهَا جَزَاء الْوزر. وَهُوَ الْإِثْم.
منْ زِينَةِ القَوْمِ الحُلِيُّ الَّذِي اسْتَعارُوا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ
стр. 5632
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكنَّا حملنَا أوزاراً من زِينَة الْقَوْم﴾ (طه: ٧٨) وَفسّر زِينَة الْقَوْم بقوله: الْحلِيّ الَّذِي استعاروا، أَي: اسْتعَار بَنو إِسْرَائِيل من الْحلِيّ الَّذِي هُوَ من آل فِرْعَوْن، يَعْنِي: من قومه، وأسنده أَبُو مُحَمَّد الرَّازِيّ من حَدِيث ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، وَفِي بعض النّسخ: وَقَالَ مُجَاهِد: من زِينَة الْقَوْم إِلَى آخِره.
فَقَذَفناها فألْقَيْناها
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فقذفناها فَكَذَلِك ألْقى السامري﴾ (طه: ٧٨) وَفسّر قَوْله: (فقذفناها) بقوله: (فألقيناها) وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: أَي: فجمعناها ودفعناها إِلَى السامري فألقاها فِي النَّار لترجع أَنْت فترى فِيهِ رَأْيك، وَفِي بعض النّسخ: فقذفتها فألقيتها.
ألْقَى صَنَعَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكَذَلِك ألْقى السامري﴾ وَفسّر: (ألْقى) بقوله: (صنع) وَفِي التَّفْسِير: ﴿فَكَذَلِك ألْقى السامري﴾ أَي: ألْقى مَا مَعَه، مَعْنَاهُ: كَمَا ألقينا.
فَنَسِيَ مُوسى هُمْ يَقُولونَهُ أخْطَأ الرَّبَّ. لَا يَرْجَعُ إلَيْهِمْ قَوْلاً العِجْلُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا إل هكم إل هـ مُوسَى فنسي أَفلا يرَوْنَ ألَاّ يرجع إِلَيْهِم قولا﴾ (طه: ٩٨) قَوْله: (هم يَقُولُونَهُ) ، أَي: السامري وَمن تبعه يَقُولُونَ: فنسي مُوسَى ربه، أَي: أَخطَأ حَيْثُ لم يُخْبِركُمْ أَن هَذَا إلهه، وَقيل: قَالُوا: فنسي مُوسَى الطَّرِيق إِلَى ربه، وَقيل: نسي مُوسَى إل هه عنْدكُمْ وَخَالفهُ فِي طَرِيق آخر. قَوْله: (لَا يرجع إِلَيْهِم قولا) ، يَعْنِي: لَا يكلمهم الْعجل وَلَا يُجِيبهُمْ.
هَمْساً حِسُّ الأقْدَامِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وخشعت الْأَصْوَات للرحمن فَلَا تسمع إلَاّ همساً﴾ (طه: ٨٠١) وَفَسرهُ بقوله: (حس الْأَقْدَام) ، وَكَذَا فسره الثَّعْلَبِيّ، أَي: وَطْء الْأَقْدَام ونقلها إِلَى الْمَحْشَر، وَكَذَا فسر قَتَادَة وَعِكْرِمَة، وَأَصله: الصَّوْت الْخَفي، يُقَال: هَمس فلَان لحديثه إِذا أسره وأخفاه.
حَشَرْتَني أعْماى عنْ حُجَّتي. وقَدْ كُنْتُ بَصيراً فِي الدُّنْيا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب لم حشرتني أعمى وَقد كنت بَصيرًا﴾ (طه: ٥٢١) وَفَسرهُ بقوله: أَي: (عَن حجتي)
إِلَى آخِره، وَفِي التَّفْسِير، قَوْله: أعمى، قَالَ ابْن عَبَّاس: أعمى الْبَصَر، وَقَالَ مُجَاهِد: أعمى عَن الْحجَّة.
وَقَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ أمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً: أعْضَلُهُمْ
أَي قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ يَقُول أمثلهم طَريقَة﴾ (طه: ٤٠١) أَي: أفضلهم، وَفَسرهُ الطَّبَرِيّ بقوله: أوفاهم عقلا، رَوَاهُ عَن سعيد بن جُبَير.
وَقَالَ ابنُ عبّاسٍ هَضْماً لَا يُظْلَمُ فيُهْضَمُ مِنْ حَسَناتِهِ
أَي قَالَ عبد الله بن عَبَّاس فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا يخَاف ظلما وَلَا هضماً﴾ (طه: ٢١١) يظلم فيهضم أَي: فينقص من حَسَنَاته وَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وأصل الهضم النَّقْص وَالْكَسْر، يُقَال: هضمت لَك من حَقك أَي حططت، وهضم الطَّعَام.
عِوَجاً: وادِياً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا ترى فِيهَا عوجا﴾ (طه: ٧٠١) وَفَسرهُ بقوله: (وَاديا) ، وَعَن ابْن عَبَّاس: العوج الأودية، وَعَن مُجَاهِد: العوج الانخفاض.
ولَا أمْتاً رَابِيَةً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا ترى فِيهَا عوجا وَلَا أمتاً﴾ وَفسّر الأمت بالرابية، وَعَن ابْن عَبَّاس: الأمت الروابي، وَعَن مُجَاهِد: الِارْتفَاع، وَعَن ابْن زيد: الأمت التَّفَاوُت، وَعَن يمَان: الأمت الشقوق فِي الأَرْض.
سِيرَتَها حالَتَها الأولَى
стр. 5633
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿سنعيدها سيرتها الأولى﴾ وَفَسرهُ بقوله: (حالتها الأولى) أَي: هيئتها الأولى، وَهِي كَمَا كَانَ عَصا، وَذَلِكَ أَن مُوسَى ﵇، لما أَمر بإلقاء عَصَاهُ فألقاها فَصَارَت حَيَّة تسْعَى قَالَ الله تَعَالَى: ﴿خُذْهَا وَلَا تخف سنعيدها سيرتها الأولى﴾ (طه: ١٢) .
النُّهَى التُّقَى
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لأولي النهى﴾ (طه: ٤٥) وَفسّر: (النهى) بقوله: (التقى) . وَعَن ابْن عَبَّاس: مَعْنَاهُ ذَوُو التقى، وَعَن الضَّحَّاك: هم الَّذين ينتهون عَمَّا حرم الله عَلَيْهِم، وَعَن قَتَادَة: هم ذَوُو الْوَرع، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: ذَوُو الْعُقُول وَاحِدهَا نهيا، سميت بذلك لِأَنَّهَا تنهي صَاحبهَا عَن القبائح والفضائح وارتكاب الْمَحْظُورَات والمحرمات.
ضَنْكاً الشَّقاءُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن أعرض عَن ذكري فَإِن لَهُ معيشة ضنكاً﴾ وَفسّر: الضنك بالشقاء، وَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ الثَّعْلَبِيّ، ضنكاً ضيقا، يُقَال: منزل ضنك وعيش ضنك يَسْتَوِي فِيهِ الذّكر وَالْأُنْثَى وَالْوَاحد والاثنان وَالْجمع، وَعَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ : الضنك عَذَاب الْقَبْر، وَعَن الْحسن: الزقوم والغسلين والضريع، وَعَن عِكْرِمَة: الْحَرَام، وَعَن الضَّحَّاك: الْكسْب الْخَبيث، وَيُقَال: الضنك مُعرب وَأَصله، التنك، وَهُوَ فِي اللُّغَة الفارسية: الضّيق.
هَوَى شَقِيَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يحلل عَلَيْهِ غَضَبي فقد هوى﴾ (طه: ١٨) وَفَسرهُ بقوله: (شقي) ، وَقيل: هلك وتردي فِي النَّار.
المُقَدَّسِ المُبارَكِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّك بالوادي الْمُقَدّس طوى﴾ (طه: ٢١) ، وَفَسرهُ بقوله (الْمُبَارك) .
طُوًى: إسْمُ الوادِي
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿الْمُقَدّس طوى﴾ وَفَسرهُ بالوادي، وَعَن الضَّحَّاك: وَاد عميق مستدير مثل المطوى فِي استدارته، وَقيل: هُوَ اللَّيْل، يُقَال: أَتَيْتُك طوى من اللَّيْل، وَقيل: طويت عَلَيْهِ الْبركَة طياً.
بِمِلْكِنا بأمْرِنا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا مَا أخلفنا موعدك بملكنا﴾ (طه: ٧٨) وَفَسرهُ بقوله: (بأمرنا) هَذَا على كسر الْمِيم وَعَلَيْهَا أَكثر الْقُرَّاء، وَمن قَرَأَ بِالْفَتْح فَهُوَ الْمصدر الْحَقِيقِيّ، وَمن قَرَأَ بِالضَّمِّ فَمَعْنَاه: بقدرتنا وسلطاننا، وَسقط هَذَا لأبي ذَر.
مَكاناً سِوًى مَنْصَفٌ بَيْنَهُمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا نخلفه نَحن وَلَا أَنْت مَكَانا سوى﴾ (طه: ٨٥) قَوْله: (منصف بَينهم) أَي: مَكَانا بَينهم تستوي فِيهِ مسافته على الْفَرِيقَيْنِ، وقرىء بِضَم السِّين وَهَذَا أَيْضا سقط لأبي ذَر.
يَبَساً يابِساً
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاضْرب لَهُم طَرِيقا فِي الْبَحْر يبساً﴾ (طه: ٧٧) وَفَسرهُ بقوله: (يَابسا) ، وَفِي التَّفْسِير: أَي يَابسا لَيْسَ فِيهِ مَاء وَلَا طين.
عَلَى قَدَرٍ عَلَى مَوْعَدٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ جِئْت على قدر يَا مُوسَى﴾ (طه: ٠٤) وَفَسرهُ بقوله: على موعد على الْقدر الَّذِي قدر لَك أَنَّك تَجِيء، وَعَن عبد الرَّحْمَن ابْن كيسَان: على رَأس أَرْبَعِينَ سنة، وَهُوَ الْقدر الَّذِي يُوحى فِيهِ إِلَى الْأَنْبِيَاء.
لَا تَنِيا: لَا تَضْعُفَا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تنيا فِي ذكري إذهبا إِلَى فِرْعَوْن إِنَّه طَغى﴾ (طه: ٢٤ ٣٤) وَفَسرهُ بقوله: (لَا تضعفا) وَهَكَذَا فسره ابْن عَبَّاس، وَعَن السّديّ: لَا تفتروا، وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب: لَا تقصرا، وَفِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود: لَا تهنا، وَأَصله من ونى يني ونياً، قَالَ الْجَوْهَرِي: الونى الضعْف والفتور والكلال والإعياء، وَالله أعلم.
١ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿واصْطَنَعَتْكَ لِنَفْسِي﴾ (طه: ١٤)
أَي هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿واصطنعتك لنَفْسي﴾ أَي: اخْتَرْتُك واصطفيتك واختصصتك بالرسالة والنبوة.
стр. 5634
٦٣٧٤ - حدَّثنا الصَّلْتُ بنُ مُحَمَّدٍ حَدثنَا مَهْدِيُّ بنُ مَيْمُونٍ حَدثنَا مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنْ رسُولِ الله ﷺ قَالَ الْتَقَى آدَمُ ومُوسَى فَقَالَ مُوسَى لآدَمَ أنْتَ الَّذِي أشْقَيْتَ النّاسَ وأخْرَجْتَهُمْ مِنَ الجَنَّةِ قَالَ لَهُ آدَمُ أنْتَ الَّذِي اصْطَفاكَ الله بِرِسالَتِهِ واصْطَفاكَ لِنَفْسِهِ وأنْزَلَ عَلَيْكَ التَّوْرَاةَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَوَجَدْتَها كُتِبَ عَليَّ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَنِي قَالَ نَعَمْ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى: واليَمُّ البَحْرُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَنْت الَّذِي اصطفاك الله برسالته واصطفاك لنَفسِهِ) تفهم بِالتَّأَمُّلِ، والصلت، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق: ابْن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الخاركي، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالرَّاء: الْبَصْرِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده.
والْحَدِيث من أَفْرَاده أَيْضا من هَذَا الْوَجْه، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: رَوَاهُ أَبُو هِلَال الرَّاسِبِي عَن أبي هُرَيْرَة فَوَقفهُ، وَكَانَ كثيرا مَا يتوقى رَفعه، وَلما رَوَاهُ هدبة عَن مهْدي رَفعه مرّة ثمَّ رَجَعَ عَن رَفعه فَوَقفهُ، وَمضى هَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي كتاب الْأَنْبِيَاء فِي: بَاب وَفَاة مُوسَى، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن ابْن شهَاب عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة ... إِلَى آخِره، وَسَيَأْتِي أَيْضا من حَدِيث أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة، وَأخرجه أَيْضا من حَدِيث أبي سعيد. وَأخرجه مُسلم بِأَلْفَاظ: مِنْهَا: فَقَالَ مُوسَى يَا آدم أَنْت أَبونَا، أخرجتنا من الْجنَّة، مِنْهَا: قبل أَن يخلقني بِأَرْبَعِينَ سنة. وَمِنْهَا: أَنْت الَّذِي أغويت النَّاس وأخرجتهم من الْجنَّة. وَمِنْهَا: هَل وجدت فِيهَا؟ يَعْنِي: فِي التَّوْرَاة وَعصى آدم ربه فغوى؟ قَالَ: نعم.
قَوْله: (التقى آدم ومُوسَى ﵉ ، وَفِي لفظ ابْن مرْدَوَيْه: فَلَقِيَهُ مُوسَى فَقَالَ لَهُ، وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ: احْتج آدم ومُوسَى ﵉، وَفِي حَدِيث عمر بن الْخطاب، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : إِن مُوسَى قَالَ: يَا رب أرنا أَبَانَا الَّذِي أخرجنَا وَنَفسه من الْجنَّة! فَأرَاهُ آدم ﵇، فَقَالَ: أَنْت أَبونَا؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أَنْت الَّذِي نفخ الله فِيك من روحه وأسجد لَك مَلَائكَته؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَمَا حملك على أَن أخرجتنا من الْجنَّة؟ فَقَالَ لَهُ آدم: من أَنْت؟ قَالَ: مُوسَى، قَالَ: نَبِي بني إِسْرَائِيل الَّذِي كلمك الله من غير رَسُول من خلقه؟ قَالَ: نعم، قَالَ أما وجدت أَن ذَلِك كَانَ فِي كتاب الله قبل أَن أخلق؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فَفِيمَ تلومني فِي شَيْء سبق من الله فِيهِ الْقَضَاء؟ قيل: فَقَالَ رَسُول الله ﷺ عِنْد ذَلِك: فحج آدم مُوسَى. فَإِن قلت: التقاؤهما فِي أَيْن كَانَ؟ أَكَانَ بالأرواح فَقَط أَو بالأرواح والأجسام؟ قلت: قَالَ الْقَابِسِيّ: الْتَقت أرواحهما فِي السَّمَاء، وَقيل: يجوز أَن يكون ذَلِك يَوْم الْقِيَامَة، وَقَالَ عِيَاض: يجوز أَن يحمل على ظَاهره وأنهما اجْتمعَا بأشخاصهما، وَقد ثَبت فِي حَدِيث الْإِسْرَاء أَنه ﷺ اجْتمع بالأنبياء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي السَّمَوَات وَفِي بَيت الْمُقَدّس وَصلى بهم، فَلَا يبعدان الله ، أحياهم كَمَا أحيى الشُّهَدَاء، وَيحْتَمل أَن يكون جرى ذَلِك فِي حَيَاة مُوسَى ﵊، لحَدِيث عمر: أرنا أَبَانَا ... وَقد مر الْآن. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: يجوز أَن يكون المُرَاد شرح حَال بِضَرْب مثل: لَو اجْتمعَا لقالا فَإِن قلت: مَا وَجه اخْتِصَاص مُوسَى ﵊، بِهَذَا دون غَيره من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام؟ قلت: لِأَنَّهُ أول من جَاءَ بالتكاليف. قَوْله: (أَنْت الَّذِي أشقيت النَّاس) ؟ من الشقاوة، وَهِي ضد السَّعَادَة، وَفِي لفظ لمُسلم: يَا آدم أَنْت أَبونَا خيبتنا أَي: أوقعتنا فِي الخيبة وَهِي الحرمان والخسران، وَقد خَابَ يخيب ويخوب مَعْنَاهُ: كنت سَبَب خيبتنا، وَفِيه جَوَاز إِطْلَاق نِسْبَة الشَّيْء عَليّ من تسبب فِيهِ. قَوْله: (من الْجنَّة) ، المُرَاد بِالْجنَّةِ الَّتِي أخرج مِنْهَا آدم ﵊، جنَّة الْخلد وجنة الفردوس الَّتِي هِيَ دَار الْجَزَاء فِي الْآخِرَة، وجنة الفردوس وَغَيرهَا الَّتِي هِيَ دَار الْبَقَاء، وَهِي كَانَت مَوْجُودَة قبل آدم ﵊، وَهُوَ مَذْهَب أهل الْحق. قَوْله: (اصطفاك الله) أَي: أخصك الله بذلك، وَيُقَال: جعلك خَالِصا صافياً عَن شَائِبَة مَا لَا يَلِيق بك، وَفِيه تلميح إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وكلم الله مُوسَى تكليماً﴾ (النِّسَاء: ٤٦١) قَوْله: (وَأنزل عَلَيْك التَّوْرَاة) فِيهَا تبيان كل شَيْء من الْإِخْبَار بالغيوب والقصص والحلال وَالْحرَام والمواعظ وَغير ذَلِك. قَوْله: (فَوَجَدتهَا) ويروى: فَوَجَدته، الضَّمِير بالتأنيث والتذكير يرجع إِلَى التَّوْرَاة بالتأنيث بِاعْتِبَار اللَّفْظ، والتذكير بِاعْتِبَار الْمَعْنى، وَهُوَ الْكتاب. قَوْله: (كتب عَليّ) لَيْسَ المُرَاد أَنه ألزمهُ إِيَّاه وأوجبه عَلَيْهِ، فَلم يكن لَهُ فِي تنَاول الشَّجَرَة
стр. 5635
كسب وَاخْتِيَار، وَإِنَّمَا الْمَعْنى: أَن الله أثْبته فِي أم الْكتاب قبل كَونه، وَحكم بِأَن ذَلِك كَائِن لَا محَالة لعلمه السَّابِق، فَهَل يجوز أَن يصدر عني خلاف علم الله؟ فَكيف تغفل عَن الْعلم السَّابِق وتذكر الْكسْب الَّذِي هُوَ السَّبَب وتنسى الأَصْل الَّذِي هُوَ الْقدر؟ قَوْله: (فحج آدم مُوسَى ﵉ ، هَكَذَا الرِّوَايَة بِرَفْع آدم على الفاعلية فِي جَمِيع كتب الحَدِيث بِاتِّفَاق الناقلين والرواة والشراح، أَي: غَلبه بِالْحجَّةِ وَظهر عَلَيْهِ بهَا، ومُوسَى ﵊، مَال فِي لومه إِلَى الْكسْب وآدَم ﵊، مَال إِلَى الْقدر، وَكِلَاهُمَا حق لَا يبطل أَحدهمَا صَاحبه وَمَتى قضي للقدر على الْكسْب أخرج إِلَى مَذْهَب الْقَدَرِيَّة، أَو للكسب على الْقدر أخرج إِلَى مَذْهَب الجبرية، وَإِنَّمَا وَقعت الْغَلَبَة لآدَم ﵊، من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه لَيْسَ لمخلوق أَن يلوم مخلوقاً فِيمَا قضى عَلَيْهِ إلَاّ أَن يَأْذَن الشَّرْع بلومه فَيكون الشَّرْع هُوَ اللائم. الثَّانِي: أَن الْفِعْل اجْتمع فِيهِ الْقدر وَالْكَسْب، وَالتَّوْبَة تمحو أثر الْكسْب، فَلَمَّا تيب عَلَيْهِ لم يبْق إلَاّ الْقدر، وَالْقدر لَا يتَوَجَّه إِلَيْهِ لوم. قَوْله: (واليم الْبَحْر) ، إِنَّمَا أورد هَذَا فِي آخر الحَدِيث إِشَارَة إِلَى تَفْسِير مَا وَقع فِي كتاب الله تَعَالَى من قَوْله: ﴿فاقذفيه فِي اليم﴾ (طه: ٩٣) وَفسّر بِأَن المُرَاد من اليم هُوَ الْبَحْر، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: اليم نهر النّيل، قيل: وَمَوْضِع ذكر هَذَا فِي الْبَاب الْآتِي وَذكره هُنَا لَيْسَ بموجه. قلت: المُرَاد باليم فِي الْبَاب الْآتِي هُوَ بَحر القلزم وَالَّذِي ذكره هُنَا هُوَ النّيل أطلق عَلَيْهِ الْبَحْر لتبحره أَيَّام الزِّيَادَة، وَالله أعلم.
٢ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿وأوْحَيْنا إِلَى مُوسَى أنْ أسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي البَحْرِ يَبَساً لَا تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تَخْشَى فأتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ اليَمِّ مَا غَشِيَهُمْ وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ (طه: ٧٧ ٩٧)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَلَقَد أَوْحَينَا﴾ وَالْقُرْآن هَكَذَا وَوَقع هُنَا: وأوحينا، بِدُونِ لفظ: لقد، وَقد وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر مثل مَا فِي الْقُرْآن. قَوْله: (أَن أسر بعبادي) أَي: أسر بهم فِي اللَّيْل من أَرض مصر. قَوْله: (يبساً) أَي: يَابسا لَيْسَ فِيهِ مَاء وَلَا طين. قَوْله: (لَا تخَاف) أَي: من فِرْعَوْن خَلفك. قَوْله: (دركاً) ، أَي: إدراكاً مِنْهُم. قَوْله: (وَلَا تخشى) أَي: غرقاً من الْبَحْر أمامك. قَوْله: (فاتبعهم) ، أَي: فلحقهم فِرْعَوْن بجُنُوده. قَوْله: (فغشيهم) ، أَي: أَصَابَهُم. قَوْله: (وَمَا هدى) أَي: وَمَا هدَاهُم إِلَى مراشدهم.
٧٣٧٤ - حدَّثني يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ حَدثنَا رَوْحٌ حدَّثنا شُعْبَةُ حَدثنَا أبُو بِشْرٍ عنْ سعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ لمَّا قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المدِينَةَ واليَهُودُ تَصُومُ عاشُورَاءَ فَسألَهُمْ فقالُوا هاذا اليَوْمُ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ فَقَالَ النبيُّ ﷺ نَحْنُ أوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ فَصُومُوهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، يُمكن أَخذهَا من مَضْمُون التَّرْجَمَة، وروح، بِفَتْح الرَّاء: ابْن عبَادَة، وَأَبُو بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة: جَعْفَر بن أبي وحشية. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الصّيام فِي: بَاب صِيَام عَاشُورَاء، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي معمر عَن عبد الْوَارِث عَن أَيُّوب عَن عبد الله بن سعيد بن جُبَير عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس ﵄، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَالله أعلم.
٣ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ (طه: ٧١١)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿فَلَا يخرجنكما﴾ أَي: الشَّيْطَان، وَالْخطاب لآدَم وحواء عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، قَوْله: (فتشقى) ، أَي: فتتعب وَيكون عيشك من كد يَمِينك بعرق جبينك، وَعَن سعيد بن جُبَير: أهبط إِلَى آدم ثَوْر وأحمر فَكَانَ يحرث عَلَيْهِ وَيمْسَح الْعرق من جَبينه، فَهُوَ الشَّقَاء الَّذِي قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَكَانَ حَقه أَن يَقُول: فتشقيا﴾ ، وَلَكِن غلب الْمُذكر رُجُوعا بِهِ إِلَى آدم ﵊، لِأَن تَعبه أَكثر، وَقيل: لأجل رُؤُوس الْآي.
٨٣٧٤ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سعِيدٍ حَدثنَا أيُّوبُ بنُ النّجَّارِ عنْ يَحْيَى بن أبي كَثِيرٍ عنْ أبي سَلَمَةَ
стр. 5636
ابْن عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ حاجَّ مُوسأ آدمَ فَقَالَ لَهُ أنْتَ الَّذِي أخْرَجْتَ الناسَ مِنَ الجَنَّةِ بِذَنْبِكَ وأشْقَيْتَهُمْ قَالَ قَالَ آدَمُ يَا مُوسَى أنْتَ الذِي اصْطَفَاكَ الله بِرِسالَتِهِ وبكَلَامِهِ أتَلُومُنِي عَلَى أمْرٍ كَتَبَهُ الله عَليَّ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَني أوْ قَدَّرَهُ عَلَيَّ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَنِي قَالَ رسولُ الله ﷺ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى..
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور قبل هَذَا الْبَاب، ومطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تَأْخُذ من قَوْله: (وأشقيتهم) .
وَأَيوب بن النجار، بِفَتْح النُّون وَتَشْديد الْجِيم وبالراء أَبُو إِسْمَاعِيل الْحَنَفِيّ اليمامي. قَوْله: (أَو قدره) ، شكّ من الرَّاوِي، وَعند مُسلم: (أتلومني على أَمر قدره على قبل أَن يخلقني بِأَرْبَعِينَ سنة) وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد بالتقدير هُنَا الْكِتَابَة فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ أَو فِي صحف التَّوْرَاة وألواحها، أَي: كتبه على قبل خلقي بِأَرْبَعِينَ سنة، وَقد صرح بِهَذَا فِي الرِّوَايَة الَّتِي بعد هَذِه وَهُوَ قَوْله: قَالَ: بكم وجدت الله كتب التَّوْرَاة قبل أَن أخلق؟ قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ سنة، قَالَ: أتلومني على أَن عملت عملا كتبه الله عَليّ قبل أَن يخلقني بِأَرْبَعِينَ سنة؟ فَهَذِهِ الرِّوَايَة مصرحة بِبَيَان المُرَاد بالتقدير وَلَا يجوز أَن يُرَاد بِهِ حَقِيقَة الْقدر. فَإِن علم الله وَمَا قدره على عباده وأراده من خلقه أزلي لَا أول لَهُ (فَإِن قلت) : مَا الْمَعْنى بالتحديد الْمَذْكُور وَجَاء فِي الحَدِيث أَن الله قدر الْمَقَادِير قبل أَن يخلق الْخلق بِخَمْسِينَ ألف سنة؟ قلت: المعلومات كلهَا قد أحَاط بهَا الْعلم الْقَدِيم قبل وجود كل مَخْلُوق وَلكنه كتبهَا فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ زَمَانا دون زمَان فَجَائِز أَن يكون كتب مَا يجْرِي لآدَم قبل خلقه بِأَرْبَعِينَ سنة إِشَارَة إِلَى مُدَّة لبثه طيناً، فَإِنَّهُ بَقِي كَذَلِك أَرْبَعِينَ سنة، فَكَأَنَّهُ يَقُول: كتب على مَا جرى مُنْذُ سواني طيناً قبل أَن ينْفخ فيّ الرّوح وَالله أعلم.
١٢ - (سورَةُ الأنْبِياءِ ﵈
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الْأَنْبِيَاء، وَقَالَ ابْن مرْدَوَيْه: عَن عبد الله بن الزبير وَعبد الله بن عَبَّاس ﵃: أَنَّهَا نزلت بِمَكَّة، وَكَذَا قَالَ مقَاتل. وَفِي (مقامات التَّنْزِيل) : اخْتلفُوا فِي آيَة مِنْهَا وَهِي قَوْله: ﴿أَفلا يرَوا أَنا نأتي الأَرْض ننقصها من أطرافها﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٤٤) ، قَالَ: بِالْقَتْلِ والسبي، وَعَن عَطاء: بِمَوْت الْفُقَهَاء وَخيَار أَهلهَا، وَعَن مُجَاهِد: بِمَوْت أَهلهَا، وَعَن الشّعبِيّ: بِنَقص الْأَنْفس والثمرات، وَعَن السخاوي أَنَّهَا نزلت بعد سُورَة إِبْرَاهِيم ﵊، وَقبل سُورَة الْفَتْح، وَهِي مائَة واثنتا عشرَة آيَة وَأَرْبَعَة وَثَمَانمِائَة وَتسْعُونَ حرفا، وَألف وَمِائَة وثمان وَسِتُّونَ كلمة.
﴿بِسم الله الرحمان الرَّحِيم﴾
٩٣٧٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّار حدَّثنا غُنْدَرٌ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ أبي إسْحاقَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمانِ ابنَ يَزِيدَ عنْ عَبْدِ الله قَالَ بَنِي إسْرَائِيلَ والكَهْفُ ومَرْيَمُ وطهَ والأنْبِياءُ هُنَّ مِنَ العِتاقِ الأوَّلِ وهُنَّ مِنْ تِلَادِي.
(انْظُر الحَدِيث ٨٠٧٤ وطرفه) .
هَذَا الحَدِيث مضى فِي تَفْسِير بني إِسْرَائِيل فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن آدم عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
(بني إِسْرَائِيل) ، فِيهِ حذف تَقْدِيره: سُورَة بني إِسْرَائِيل. قَوْله: (والكهف) يجوز فِيهِ الرّفْع والجر، أما الرّفْع فعلى تَقْدِير أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: وَالثَّانِي الْكَهْف، وَأما الْجَرّ فعلى الْعَطف على لفظ: بني إِسْرَائِيل، لِأَنَّهُ مجرور بِالْإِضَافَة التقديرية، وعَلى هَذَا الْكَلَام فِي الْبَاقِي. وَالْعتاق، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة: جمع عَتيق وَهُوَ مَا بلغ الْغَايَة فِي الْجَوْدَة، والتلاد بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق مَا كَانَ قَدِيما والأولية بِاعْتِبَار النُّزُول لِأَنَّهَا مكيات وَأَنَّهَا أول مَا حفظهَا من الْقُرْآن، وَوجه تَفْضِيل هَذِه السُّور لما تضمن ذكر الْقَصَص وأخباراً أَجله الْأَنْبِيَاء ﵈.
وَقَالَ قَتادَةُ جُذَاذاً قَطَّعَهُنَّ
стр. 5637
أَي: قَالَ قَتَادَة فِي تَفْسِير: (جذاذاً) فِي قَوْله : ﴿فجعلهم جذاذاً إلَاّ كَبِيرا﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٨٥) قطعهن، رَوَاهُ الْحَنْظَلِي عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن الْعَبَّاس بن الْوَلِيد عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن قَتَادَة، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: جذاذاً أَي: كسروا قطعا، جمع جذيذ كخفاف جمع خَفِيف، وَقَرَأَ الْكسَائي بِكَسْر الْجِيم وَالْبَاقُونَ بِالضَّمِّ، وبالضم يَقع على الْوَاحِد والاثنين وَالْجمع والمذكر والمؤنث.
وَقَالَ الحَسَنُ فِي فَلَكٍ مِثْلٍ مِثْلِ فَلْكَةِ المِغْزَلِ
أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ فِي تَفْسِير: فلك، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كل فِي فلك يسبحون﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٣٣) مثل فلكة المغزل، وَرَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو عَن الْحسن، وَعَن مُجَاهِد: كَهَيئَةِ حَدِيدَة الرَّحَى، وَعَن الضَّحَّاك: فلكها مجْراهَا وَسُرْعَة سَيرهَا، وَقيل: الْفلك موج مكفوف تجْرِي الْقَمَر وَالشَّمْس فِيهِ، وَقيل: الْفلك السَّمَاء الَّذِي فِيهِ تِلْكَ الْكَوَاكِب.
يَسْبَحُونَ يَدُورُونَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿كل فِي فلك يسبحون﴾ وَفَسرهُ بقوله: (يدورون) وَرَوَاهُ ابْن الْمُنْذر من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: يسبحون يدورون حوله، وَقيل: يجرونَ، وَجعل الضَّمِير وَاو الْعُقَلَاء للوصف بفعلهم.
قَالَ ابنُ عبَّاسٍ نَفَشَتْ رَعَتْ لَيْلاً
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ نفشت فِيهِ غنم الْقَوْم﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٨٧) إِن معنى نفشت رعت لَيْلًا، وَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، وَهُوَ قَول أهل اللُّغَة: نفشت إِذا رعت لَيْلًا بِلَا رَاع، وَإِذا رعت نَهَارا بِلَا رَاع أهملت، وَعند ابْن مرْدَوَيْه: كَانَ كرماً أينع. قَوْله: لَيْلًا، لم يثبت إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر.
يُصْحَبُونَ يُمْنَعُونَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ولاهم منا يصحبون﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٣٤) وَفَسرهُ بقوله: (يمْنَعُونَ) وَوَصله ابْن الْمُنْذر من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: يمْنَعُونَ، وَعَن مُجَاهِد: ولاهم منا ينْصرُونَ ويحفظون، وَعَن قَتَادَة: لَا يصحبون من الله بِخَير.
أُمَّتُكمْ أمَّةً واحِدَةً قَالَ دِينُكُمْ دِينٌ واحِدٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة وَأَنا ربكُم فاعبدون﴾ وَفسّر الْأمة بِالدّينِ، وَعَن قَتَادَة، قَالَ: إِن هَذِه أمتكُم، أَي: دينكُمْ. قَوْله: قَالَ: (دينكُمْ) أَي قَالَ ابْن عَبَّاس: وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ: قَالَ، وَنصب: أمتكُم، على الْقطع.
وَقَالَ عِكْرَمَةُ حَصَبُ حَطَبُ بالحَبَشِيَّةِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٨٩) وَقَالَ عِكْرِمَة: الحصب هُوَ الْحَطب بلغَة الْحَبَش، وَلَيْسَ هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَعَن ابْن عَبَّاس: يَعْنِي الْأَصْنَام وقود جَهَنَّم، وَقَرَأَ بِالطَّاءِ، وَكَذَا رُوِيَ عَن عَائِشَة، وَقيل: الحصب فِي لُغَة أهل الْيمن الْحَطب، وَعَن ابْن عَبَّاس أَيْضا أَنه قَرَأَهَا بالضاد الساقطة المنقوطة وَهُوَ مَا هيجت بِهِ النَّار.
وَقَالَ غَيْرُهُ أحَسُّوا تَوَقَّعُوهُ مِنْ أحْسَسْتُ
أَي: قَالَ غير عِكْرِمَة فِي معنى: (أحسوا) فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أحسوا بأسنا إِذا هم مِنْهَا يركضون﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٢١) قَالَ: مَعْنَاهُ توقعوه، أَي الْعَذَاب، وَفِي التَّفْسِير أَي: لما رَأَوْا عذابنا إِذا هم مِنْهَا، أَي: من الْقرْيَة يركضون أَي: يخرجُون مُسْرِعين، والركض فِي الأَصْل ضرب الدَّابَّة بِالرجلِ، وَقيل للسقي. قَالَ معمر: مَوضِع، قَالَ غير عِكْرِمَة وَمعمر بِفَتْح الميمين هُوَ أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى. قَوْله: (من أحسست) يَعْنِي أحسوا مُشْتَقّ من أحسست من الإحساس وَهُوَ فِي الأَصْل الْعلم بالحواس وَهِي مشاعر الْإِنْسَان كَالْعَيْنِ وَالْأُذن وَالْأنف وَاللِّسَان وَالْيَد، وَمن هَذَا قَالَ بعض الْمُفَسّرين: يَعْنِي فَلَمَّا أحسوا أَي فَلَمَّا أدركوا بحواسهم شدَّة عذابنا وبطشنا علم حس ومشاهدة لم يشكوا فِيهَا إِذا هم مِنْهَا يركضون أَي يهربون سرَاعًا.
خامِدِينَ هَامِدِينَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى جعلناهم حصيداً خامدين﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٥١) وَفَسرهُ بقوله: (هامدين) وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، يُقَال: همدت النَّار تمهد هموداً، أَي: طفيت وَذَهَبت الْبَتَّةَ، والهمدة السكتة وهمد الثَّوْب يهمد هموداً أَي: بلَى وأهمد فِي الْمَكَان أَقَامَ، وأهمد فِي السّير أسْرع، وَهَذَا الْحَرْف من الأضداد وَأَرْض هامدة لَا نَبَات بهَا ونبات هامد يَابِس، وَفِي التَّفْسِير معنى خامدين ميتين.
стр. 5638
حَصِيدٌ مُسْتَأصَلٌ يَقَعُ عَلَى الوَاحِدِ والاثْنَيْنِ والجَمِيع
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى جعلناهم حصيداً﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٥١) وَفسّر الحصيد بقوله: (مستأصل) وَهُوَ من الاستئصال، وَهُوَ قلع الشَّيْء من أَصله. قَوْله: (يَقع) أَي: لفظ حصيد يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد والاثنان وَالْجمع من الذُّكُور وَالْإِنَاث.
لَا يَسْتَحْسِرُونَ لَا يَعْيُونَ ومِنْهُ حَسِيرٌ وحَسَرْتُ بَعِيرِي
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته وَلَا يستحسرون﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٩١) وَفَسرهُ بقوله: (لَا يعيون) بِفَتْح الْيَاء كَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر، ورد عَلَيْهِ ابْن التِّين، وَقَالَ: الصَّوَاب الضَّم من الإعياء. قلت: لَا وَجه للرَّدّ عَلَيْهِ بل الصَّوَاب الْفَتْح لِأَن معنى: لَا يعيون، بِالْفَتْح لَا يعجزون، وَقيل: لَا ينقطعون وَمِنْه الحسير وَهُوَ الْمُنْقَطع الْوَاقِف عياً وكلالاً والإعياء يكون من الْغَيْر. قَوْله: (وحسرت بَعِيري) أَي: أعييته.
عَمِيقٌ بَعِيدٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿من كل فج عميق﴾ (الْحَج: ٧٢) وَفسّر العميق بالبعيد وَلَكِن هَذَا فِي سُورَة الْحَج، وَاعْتذر عَنهُ بَعضهم بِمَا ملخصه أَنه ذكر فِي هَذِه السُّورَة فجاجاً وَذكر الْفَج اسْتِطْرَادًا. قلت: فِيهِ مَا فِيهِ بل الظَّاهِر أَنه من غَيره.
نُكِسُوا رُدُّوا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿نكسوا على رؤوسهم﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٥٦) . وَفَسرهُ بقوله: ردوا، على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمَاضِي، وَعَن أبي عُبَيْدَة، أَي: قلبوا وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: نكسوا متحيرين وَعَلمُوا أَن الْأَصْنَام لَا تنطق وَلَا تبطش، يُقَال: نكسته قلبته فَجعلت أَسْفَله أَعْلَاهُ، وانتكس انْقَلب، وَقيل: انتكسوا عَن كَونهم مجادلين لإِبْرَاهِيم ﵇.
صَنْعَةَ لَبُوسٍ الدُّرُوعُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وعلمناه صَنْعَة لبوس لَكِن لتحصنكم من بأسكم﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٠٨) وَفسّر: (صَنْعَة لبوس: بالدروع) قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: اللبوس السِّلَاح كُله من درع إِلَى رمح، وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة: اللبوس الدروع كَانَت صَفَائِح، وَأول من سردها وحلقها دَاوُد ﵇. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: اللبوس عِنْد الْعَرَب السِّلَاح كُله درعاً كَانَ أَو جوشناً أَو سَيْفا أَو رمحاً، وَإِنَّمَا عَنى الله تَعَالَى بِهِ فِي هَذَا الْموضع الدرْع، وَهُوَ بِمَعْنى الملبوس كالحلوب وَالرُّكُوب.
تَقَطَّعُوا أمْرَهُمْ اخْتَلَفُوا
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وتقطعوا أَمرهم بَينهم كل إِلَيْنَا رَاجِعُون﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٣٩) وَفَسرهُ بقوله: اخْتلفُوا، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَزَاد: وَتَفَرَّقُوا، وَفِي التَّفْسِير: أَي اخْتلفُوا فِي الدّين وصاروا فِيهِ فرقا وأحزاباً، فقد قَالَ : ﴿كل إِلَيْنَا رَاجِعُون﴾ فيجزيهم بأعمالهم، وَيُقَال: اخْتلفُوا فصاروا يهود ونصارى ومجوس ومشركين.
الحَسِيسُ والحِسُّ والجرْسُ والهمْسُ واحِدٌ وهْوَ مِنَ الصَّوْتِ الخَفِيِّ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يسمعُونَ حَسِيسهَا﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٢٠١) قَوْله: (الحسيس) ، مُبْتَدأ وَمَا بعده عطف عَلَيْهِ، وَخَبره: (وَاحِد) . قَوْله: (الْخَفي) مَرْفُوع على أَنه خبر الْمُبْتَدَأ الَّذِي هُوَ قَوْله: (وَهُوَ) ، وَكلمَة: من، بَيَانِيَّة. وَفِي التَّفْسِير: لَا يسمع أهل الْجنَّة حسيس النَّار أَي صَوتهَا إِذا نزلُوا مَنَازِلهمْ من الْجنَّة. قَوْله: (والجرس) ، بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا وَسُكُون الرَّاء وَهَذَا كُله لم يثبت فِي رِوَايَة أبي ذَر.
آذَنّاكَ أعْلَمْناكَ آذَنْتُكُمْ إذَا أعْلَمْتَهُ فأنْتَ وهْوَ عَلى سَواء لَمْ تَغْدِرْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا آذناك مَا منا من شَهِيد﴾ (فصلت: ٧٤) وَفَسرهُ بقوله: (أعلمناك) وَلَكِن هَذَا لَيْسَ فِي هَذِه السُّورَة بل هُوَ فِي سُورَة حم فصلت وَإِنَّمَا ذكره اسْتِطْرَادًا لمناسبة. قَوْله: (آذنتكم) ، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن توَلّوا فَقل آذنتكم على سَوَاء﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٩٠١) وَقد فسره بقوله: (إِذا أعلمته)
إِلَى آخِره. قَوْله: (على سَوَاء) ، مستوين فِي الْإِعْلَام بِهِ ظَاهِرين بذلك فَلَا غدر وَلَا خداع لأحد.
وَقَالَ مُجاهِدٌ: لَعَلَّكُمْ تُسْألُونَ تُفْهَمُونَ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تركضوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أترفتم فِيهِ ومساكنكم لَعَلَّكُمْ تسْأَلُون﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٣١) قَالَ: أَي: (تفهمون) ، وَقَالَ الْحَنْظَلِي: حَدثنَا حجاج عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد: وَلَفظه تفقهون، وَكَذَا هُوَ عِنْد ابْن الْمُنْذر.
стр. 5639
ارْتَضَى رَضِي
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يعلم مَا بَين أَيْديهم وَمَا خَلفهم وَلَا يشفعون إلَاّ لمن ارتضى وهم من خَشيته مشفقون﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٨٢) وَفسّر: ارتضى بقوله: (رَضِي) قَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي بقول لَا إِلَه إلَاّ الله، وَقَالَ مُجَاهِد: لمن رَضِي عَنهُ.
التَّماثِيلُ الأصنامُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا هَذِه التماثيل الَّتِي أَنْتُم لَهَا عاكفون﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٢٥) وَفسّر التماثيل بالأصنام، وَهُوَ جمع تِمْثَال وَهُوَ إسم للشَّيْء الْمَصْنُوع شَبِيها بِخلق من خلق الله تَعَالَى، وَأَصله من مثلت الشَّيْء بالشَّيْء إِذا شبهته بِهِ.
السِّجلُّ الصَّحِيفَةُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم نطوي السَّمَاء كطي السّجل للكتب﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٤٠١) وَفسّر السّجل بالصحيفة، أَي: الْمَكْتُوب، وَقيل: السّجل إسم مَخْصُوص كَانَ يكْتب لرَسُول الله ﷺ ، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق عَمْرو بن مَالك عَن أبي الجوزاء عَن ابْن عَبَّاس، وَقيل: هُوَ ملك يطوي الصُّحُف، وَبِه قَالَ السّديّ أَيْضا، وَاللَّام فِي قَوْله: (للكتب) بِمَعْنى: على، يَعْنِي: كطي الصَّحِيفَة على مكتوبها.
٢ - ﴿كَمَا بَدَأنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْداً عَلَيْنا إنَّا كُنَّا فاعِلِينَ﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٤٠١)
وَفِي بعض النّسخ: بَاب قَوْله: ﴿كَمَا بدأنا أول خلق نعيده وَعدا علينا إِنَّا كُنَّا فاعلين﴾ قَوْله: (كَمَا بدأنا) أَي: كَمَا بدأناهم فِي بطُون أمهاتهم حُفَاة عُرَاة غرلًا كَذَلِك نعيدهم يَوْم الْقِيَامَة، وَقيل: كَمَا بدأناه من المَاء نعيده من التُّرَاب، وَنصب: وَعدا، على الْمصدر أَي: وعدناه وَعدا علينا. قَوْله: (فاعلين) ، يَعْنِي: الْإِعَادَة والبعث.
٠٤٧٤ - حدَّثنا سُلَيْمانُ بن حَرْبٍ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ المُغِيَرةِ بن النُّعْمانِ شَيْخِ مِنَ النَّخَعِ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابْن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ خَطَبَ النبيُّ ﷺ فَقَالَ: ﴿إنكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى الله حُفاةً عُرَاةً غُزْلاً كَمَا بَدأنا أوَّلَ خلْقٍ نُعِيدُهُ وعْداً عَلَيْنا إنَّا كُنَّا فاعِلِينَ﴾ ثُمَّ إنَّ أوَّلَ مَنْ يُكْسَي يَوْمَ القِيامَةِ إبْرَاهِيمُ إلَاّ إنَّهُ يُجاءُ بِرِجالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمالِ فأقُولُ يَا رَبِّ أصْحابي فَيُقالُ لَا تَدْرِي مَا أحْدَثُوا بَعْدَكَ فأقُولُ كَما قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿شَهِيدٌ﴾ (الْمَائِدَة: ٧١١) فيُقالُ إنَّ هاؤُلاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أعْقَابِهِمْ مُنْذُ فارَقْتَهُمْ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. قَوْله: (من النخع) ، بِفَتْح الْخَاء وَالنُّون الْمُعْجَمَة وبالعين الْمُهْملَة: وَهِي قَبيلَة كَبِيرَة من مذْحج، وَاسم النخع جسر بن عَمْرو بن عِلّة بن جلد بن أدد، وَقيل لَهُ: النخع، لِأَنَّهُ انتخع عَن قومه، أَي: بعد عَنْهُم، ونزلوا فِي الْإِسْلَام الْكُوفَة.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْأَنْبِيَاء فِي: بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا﴾ (النِّسَاء: ٥٢١) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان عَن الْمُغيرَة إِلَى آخِره.
قَوْله: (غرلًا) ، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة: جمع أغرل وَهُوَ الأقلف. قَوْله: (إِلَّا أَنه) أَي: لَكِن إِن الشَّأْن. قَوْله: (ذَات الشمَال) ، أَي: جِهَة النَّار. قَوْله: (مرتدين) ، لم يرد بهم الرِّدَّة عَن الْإِسْلَام بل التَّخَلُّف عَن الْحُقُوق الْوَاجِبَة وَلم يرْتَد بِحَمْد الله أحد من الصَّحَابَة، وَإِنَّمَا ارْتَدَّ قوم من جُفَاة الْأَعْرَاب الداخلين فِي الْإِسْلَام رَغْبَة أَو رهبة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصًى، وَالله أعلم.
٢٢ - (سورَةُ الحَجِّ)
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الْحَج، وَذكر ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس وَابْن الزبير ﵃: أَنَّهُمَا قَالَا: نزلت سُورَة الْحَج بِالْمَدِينَةِ، وَقَالَ مقَاتل: بَعْضهَا مكي أَيْضا، وَعَن قَتَادَة: إِنَّهَا مَكِّيَّة، وَعنهُ: مَدَنِيَّة غير أَربع آيَات، وَعَن عَطاء: إلَاّ ثَلَاث آيَات مِنْهَا. قَوْله: ﴿هَذَانِ خصمان﴾ (الْحَج: ٩١) وَقَالَ هبة بن سَلامَة: هِيَ من أَعَاجِيب سور الْقُرْآن لِأَن فِيهَا. مكياً ومدنياً وسفرياً وحضرياً وحربياً وسلمياً وليلياً ونهارياً وناسخاً ومنسوخاً وَهِي خَمْسَة آلَاف وَخَمْسَة وَسَبْعُونَ حرفا، وَألف ومائتان
стр. 5640
وَإِحْدَى وَتسْعُونَ كلمة، وثمان وَتسْعُونَ آيَة.
(بِسم الله الرحمان الرَّحِيم)
ثبتَتْ الْبَسْمَلَة للْكُلّ.
وَقَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ المُخْبِتينَ المُطْمَئِنِّينَ
أَي: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَبشر المخبتين﴾ (الْحَج: ٤٣) أَي: (المطمئنين) كَذَا ذكره ابْن عُيَيْنَة فِي تَفْسِيره عَن ابْن جريج عَن مُجَاهِد، وَقيل: المطمئنين بِأَمْر الله، وَقيل: المطيعين، وَقيل: المتواضعين، وَقيل: الخاشعين وَهُوَ من الإخبات والخبت بِفَتْح أَوله المطمئن من الأَرْض.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاس فِي: ﴿إذَا تَمَنَّى ألْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (الْحَج: ٢٥) إذَا حَدَّثَ ألْقَى الشَّيْطانُ فِي حَدِيثِهِ فَيُبْطِلُ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ ويُحْكِم آياتِهِ.
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول وَلَا نَبِي إلَاّ إِذا تمنى ألْقى الشَّيْطَان فِي أمْنِيته﴾ ... الْآيَة، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد الرَّازِيّ عَن أَبِيه: حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنِي مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ، وَقد تكلم الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذِه الْآيَة أَشْيَاء كَثِيرَة، وَالْأَحْسَن مِنْهَا مَا قَالَه أَبُو الْحسن بن عَليّ الطَّبَرِيّ: لَيْسَ هَذَا التَّمَنِّي من الْقُرْآن وَالْوَحي فِي شَيْء وَإِنَّمَا هُوَ أَن النَّبِي ﷺ ، كَانَ إِذا صفرت يَده من المَال وَرَأى مَا بِأَصْحَابِهِ من سوء الْحَال تمنى الدُّنْيَا بِقَلْبِه ووسوسة الشَّيْطَان، وَأحسن من هَذَا أَيْضا مَا قَالَه بَعضهم: كَانَ النَّبِي ﷺ ، يرتل الْقُرْآن فارتصده الشَّيْطَان فِي سكتة من السكتات ونطق بِتِلْكَ الْكَلِمَات محاكياً نغمته بِحَيْثُ سَمعه من دنا إِلَيْهِ فظنها من قَوْله وأشاعها. قلت: تِلْكَ الْكَلِمَات هِيَ مَا أخرجه ابْن أبي حَاتِم والطبري وَابْن الْمُنْذر من طرق عَن شُعْبَة عَن أبي بشر عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَرَأَ رَسُول الله ﷺ بِمَكَّة النَّجْم فَلَمَّا بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُم اللات والعزى وَمَنَاة الثَّالِثَة الْأُخْرَى﴾ (النَّجْم: ٩١) ألْقى الشَّيْطَان على لِسَانه.
(تِلْكَ الغرانيق العلى ... وَإِن شفاعتهن لترتجى)
فَقَالَ الْمُشْركُونَ: مَا ذكر آلِهَتنَا بِخَير قبل الْيَوْم فَسجدَ وسجدوا، فَنزلت هَذِه الْآيَة وَرُوِيَ هَذَا أَيْضا من طرق كَثِيرَة، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: ذكر الطَّبَرِيّ فِي ذَلِك رِوَايَات كَثِيرَة بَاطِلَة لَا أصل لَهَا، وَقَالَ عِيَاض: هَذَا الحَدِيث لم يُخرجهُ أحد من أهل الصِّحَّة وَلَا رَوَاهُ ثِقَة بِسَنَد سليم مُتَّصِل مَعَ ضعف نقلته واضطراب رواياته وَانْقِطَاع إِسْنَاده، وَكَذَا من تكلم بِهَذِهِ الْقِصَّة من التَّابِعين والمفسرين لم يسندها أحد مِنْهُم وَلَا رَفعهَا إِلَى صَاحبه، وَأكْثر الطّرق عَنْهُم فِي ذَلِك ضَعِيفَة. وَقَالَ بَعضهم: هَذَا الَّذِي ذكره ابْن الْعَرَبِيّ وعياض لَا يمْضِي على الْقَوَاعِد، فَإِن الطّرق إِذا كثرت وتباينت مخارجها دلّ ذَلِك على أَن لَهَا أصلا. انْتهى.
قلت: الَّذِي ذكرَاهُ هُوَ اللَّائِق بجلالة قدر النَّبِي ﷺ فَإِنَّهُ قد قَامَت الْحجَّة وَاجْتمعت الْأمة على عصمته ﷺ ونزاهته عَن مثل هَذِه الرذيلة، وحاشاه عَن أَن يجْرِي على قلبه أَو لِسَانه شَيْء من ذَلِك لَا عمدا وَلَا سَهوا. أَو يكون للشَّيْطَان عَلَيْهِ سَبِيل أَو أَن يتقول على الله لَا عمدا وَلَا سَهوا. وَالنَّظَر وَالْعرْف أَيْضا يحيلان ذَلِك وَلَو وَقع لارتد كثير مِمَّن أسلم، وَلم ينْقل ذَلِك وَلَا كَانَ يخفى على من كَانَ بِحَضْرَتِهِ من الْمُسلمين. قَوْله: (من رَسُول وَلَا نَبِي) الرَّسُول هُوَ الَّذِي يَأْتِيهِ جِبْرِيل ﵊، بِالْوَحْي عيَانًا وشفاهاً، وَالنَّبِيّ هُوَ الَّذِي تكون نبوته إلهاماً أَو كلَاما، فَكل رَسُول نَبِي بِغَيْر عكس. قَوْله: (إِذا تمنى) أَي: إِذا أحب واشتهى، وَحدثت بِهِ نَفسه مِمَّا لم يُؤمر بِهِ. قَوْله: (فِي أمْنِيته) ، أَي: مُرَاده، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: أَي فِي قِرَاءَته، فَأخْبر الله تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَة أَن سنته فِي رسله إِذا قَالُوا قولا زَاد الشَّيْطَان فِيهِ من قبل نَفسه، فَهَذَا نَص فِي أَن الشَّيْطَان زَاده فِي قَول النَّبِي ﷺ لَا أَن النَّبِي ﷺ قَالَه.
ويُقالُ أُمْنيَّتُهُ قِرَاءَتُهُ إلاّ أمانِيَّ يَقْرَؤُونَ وَلَا يَكْتُبُونَ
هُوَ قَول الْفراء فَإِنَّهُ قَالَ: معنى قَوْله: (إِلَّا إِذا تمنى) ، إلَاّ إِذا تلى قَالَ الشَّاعِر:
(تمنى كتاب الله أول لَيْلَة ... تمني دَاوُد الزبُور على رسل)
следующие страницы →