← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

ابْن عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ حاجَّ مُوسأ آدمَ فَقَالَ لَهُ أنْتَ الَّذِي أخْرَجْتَ الناسَ مِنَ الجَنَّةِ بِذَنْبِكَ وأشْقَيْتَهُمْ قَالَ قَالَ آدَمُ يَا مُوسَى أنْتَ الذِي اصْطَفَاكَ الله بِرِسالَتِهِ وبكَلَامِهِ أتَلُومُنِي عَلَى أمْرٍ كَتَبَهُ الله عَليَّ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَني أوْ قَدَّرَهُ عَلَيَّ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَنِي قَالَ رسولُ الله ﷺ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى.. هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور قبل هَذَا الْبَاب، ومطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تَأْخُذ من قَوْله: (وأشقيتهم) . وَأَيوب بن النجار، بِفَتْح النُّون وَتَشْديد الْجِيم وبالراء أَبُو إِسْمَاعِيل الْحَنَفِيّ اليمامي. قَوْله: (أَو قدره) ، شكّ من الرَّاوِي، وَعند مُسلم: (أتلومني على أَمر قدره على قبل أَن يخلقني بِأَرْبَعِينَ سنة) وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد بالتقدير هُنَا الْكِتَابَة فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ أَو فِي صحف التَّوْرَاة وألواحها، أَي: كتبه على قبل خلقي بِأَرْبَعِينَ سنة، وَقد صرح بِهَذَا فِي الرِّوَايَة الَّتِي بعد هَذِه وَهُوَ قَوْله: قَالَ: بكم وجدت الله كتب التَّوْرَاة قبل أَن أخلق؟ قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ سنة، قَالَ: أتلومني على أَن عملت عملا كتبه الله عَليّ قبل أَن يخلقني بِأَرْبَعِينَ سنة؟ فَهَذِهِ الرِّوَايَة مصرحة بِبَيَان المُرَاد بالتقدير وَلَا يجوز أَن يُرَاد بِهِ حَقِيقَة الْقدر. فَإِن علم الله وَمَا قدره على عباده وأراده من خلقه أزلي لَا أول لَهُ (فَإِن قلت) : مَا الْمَعْنى بالتحديد الْمَذْكُور وَجَاء فِي الحَدِيث أَن الله قدر الْمَقَادِير قبل أَن يخلق الْخلق بِخَمْسِينَ ألف سنة؟ قلت: المعلومات كلهَا قد أحَاط بهَا الْعلم الْقَدِيم قبل وجود كل مَخْلُوق وَلكنه كتبهَا فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ زَمَانا دون زمَان فَجَائِز أَن يكون كتب مَا يجْرِي لآدَم قبل خلقه بِأَرْبَعِينَ سنة إِشَارَة إِلَى مُدَّة لبثه طيناً، فَإِنَّهُ بَقِي كَذَلِك أَرْبَعِينَ سنة، فَكَأَنَّهُ يَقُول: كتب على مَا جرى مُنْذُ سواني طيناً قبل أَن ينْفخ فيّ الرّوح وَالله أعلم. ١٢ - (سورَةُ الأنْبِياءِ ﵈ أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الْأَنْبِيَاء، وَقَالَ ابْن مرْدَوَيْه: عَن عبد الله بن الزبير وَعبد الله بن عَبَّاس ﵃: أَنَّهَا نزلت بِمَكَّة، وَكَذَا قَالَ مقَاتل. وَفِي (مقامات التَّنْزِيل) : اخْتلفُوا فِي آيَة مِنْهَا وَهِي قَوْله: ﴿أَفلا يرَوا أَنا نأتي الأَرْض ننقصها من أطرافها﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٤٤) ، قَالَ: بِالْقَتْلِ والسبي، وَعَن عَطاء: بِمَوْت الْفُقَهَاء وَخيَار أَهلهَا، وَعَن مُجَاهِد: بِمَوْت أَهلهَا، وَعَن الشّعبِيّ: بِنَقص الْأَنْفس والثمرات، وَعَن السخاوي أَنَّهَا نزلت بعد سُورَة إِبْرَاهِيم ﵊، وَقبل سُورَة الْفَتْح، وَهِي مائَة واثنتا عشرَة آيَة وَأَرْبَعَة وَثَمَانمِائَة وَتسْعُونَ حرفا، وَألف وَمِائَة وثمان وَسِتُّونَ كلمة. ﴿بِسم الله الرحمان الرَّحِيم﴾ ٩٣٧٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّار حدَّثنا غُنْدَرٌ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ أبي إسْحاقَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمانِ ابنَ يَزِيدَ عنْ عَبْدِ الله قَالَ بَنِي إسْرَائِيلَ والكَهْفُ ومَرْيَمُ وطهَ والأنْبِياءُ هُنَّ مِنَ العِتاقِ الأوَّلِ وهُنَّ مِنْ تِلَادِي. (انْظُر الحَدِيث ٨٠٧٤ وطرفه) . هَذَا الحَدِيث مضى فِي تَفْسِير بني إِسْرَائِيل فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن آدم عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. (بني إِسْرَائِيل) ، فِيهِ حذف تَقْدِيره: سُورَة بني إِسْرَائِيل. قَوْله: (والكهف) يجوز فِيهِ الرّفْع والجر، أما الرّفْع فعلى تَقْدِير أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: وَالثَّانِي الْكَهْف، وَأما الْجَرّ فعلى الْعَطف على لفظ: بني إِسْرَائِيل، لِأَنَّهُ مجرور بِالْإِضَافَة التقديرية، وعَلى هَذَا الْكَلَام فِي الْبَاقِي. وَالْعتاق، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة: جمع عَتيق وَهُوَ مَا بلغ الْغَايَة فِي الْجَوْدَة، والتلاد بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق مَا كَانَ قَدِيما والأولية بِاعْتِبَار النُّزُول لِأَنَّهَا مكيات وَأَنَّهَا أول مَا حفظهَا من الْقُرْآن، وَوجه تَفْضِيل هَذِه السُّور لما تضمن ذكر الْقَصَص وأخباراً أَجله الْأَنْبِيَاء ﵈. وَقَالَ قَتادَةُ جُذَاذاً قَطَّعَهُنَّ

стр. 5637

أَي: قَالَ قَتَادَة فِي تَفْسِير: (جذاذاً) فِي قَوْله : ﴿فجعلهم جذاذاً إلَاّ كَبِيرا﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٨٥) قطعهن، رَوَاهُ الْحَنْظَلِي عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن الْعَبَّاس بن الْوَلِيد عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن قَتَادَة، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: جذاذاً أَي: كسروا قطعا، جمع جذيذ كخفاف جمع خَفِيف، وَقَرَأَ الْكسَائي بِكَسْر الْجِيم وَالْبَاقُونَ بِالضَّمِّ، وبالضم يَقع على الْوَاحِد والاثنين وَالْجمع والمذكر والمؤنث. وَقَالَ الحَسَنُ فِي فَلَكٍ مِثْلٍ مِثْلِ فَلْكَةِ المِغْزَلِ أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ فِي تَفْسِير: فلك، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كل فِي فلك يسبحون﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٣٣) مثل فلكة المغزل، وَرَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو عَن الْحسن، وَعَن مُجَاهِد: كَهَيئَةِ حَدِيدَة الرَّحَى، وَعَن الضَّحَّاك: فلكها مجْراهَا وَسُرْعَة سَيرهَا، وَقيل: الْفلك موج مكفوف تجْرِي الْقَمَر وَالشَّمْس فِيهِ، وَقيل: الْفلك السَّمَاء الَّذِي فِيهِ تِلْكَ الْكَوَاكِب. يَسْبَحُونَ يَدُورُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿كل فِي فلك يسبحون﴾ وَفَسرهُ بقوله: (يدورون) وَرَوَاهُ ابْن الْمُنْذر من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: يسبحون يدورون حوله، وَقيل: يجرونَ، وَجعل الضَّمِير وَاو الْعُقَلَاء للوصف بفعلهم. قَالَ ابنُ عبَّاسٍ نَفَشَتْ رَعَتْ لَيْلاً أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ نفشت فِيهِ غنم الْقَوْم﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٨٧) إِن معنى نفشت رعت لَيْلًا، وَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، وَهُوَ قَول أهل اللُّغَة: نفشت إِذا رعت لَيْلًا بِلَا رَاع، وَإِذا رعت نَهَارا بِلَا رَاع أهملت، وَعند ابْن مرْدَوَيْه: كَانَ كرماً أينع. قَوْله: لَيْلًا، لم يثبت إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر. يُصْحَبُونَ يُمْنَعُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ولاهم منا يصحبون﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٣٤) وَفَسرهُ بقوله: (يمْنَعُونَ) وَوَصله ابْن الْمُنْذر من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: يمْنَعُونَ، وَعَن مُجَاهِد: ولاهم منا ينْصرُونَ ويحفظون، وَعَن قَتَادَة: لَا يصحبون من الله بِخَير. أُمَّتُكمْ أمَّةً واحِدَةً قَالَ دِينُكُمْ دِينٌ واحِدٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة وَأَنا ربكُم فاعبدون﴾ وَفسّر الْأمة بِالدّينِ، وَعَن قَتَادَة، قَالَ: إِن هَذِه أمتكُم، أَي: دينكُمْ. قَوْله: قَالَ: (دينكُمْ) أَي قَالَ ابْن عَبَّاس: وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ: قَالَ، وَنصب: أمتكُم، على الْقطع. وَقَالَ عِكْرَمَةُ حَصَبُ حَطَبُ بالحَبَشِيَّةِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٨٩) وَقَالَ عِكْرِمَة: الحصب هُوَ الْحَطب بلغَة الْحَبَش، وَلَيْسَ هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَعَن ابْن عَبَّاس: يَعْنِي الْأَصْنَام وقود جَهَنَّم، وَقَرَأَ بِالطَّاءِ، وَكَذَا رُوِيَ عَن عَائِشَة، وَقيل: الحصب فِي لُغَة أهل الْيمن الْحَطب، وَعَن ابْن عَبَّاس أَيْضا أَنه قَرَأَهَا بالضاد الساقطة المنقوطة وَهُوَ مَا هيجت بِهِ النَّار. وَقَالَ غَيْرُهُ أحَسُّوا تَوَقَّعُوهُ مِنْ أحْسَسْتُ أَي: قَالَ غير عِكْرِمَة فِي معنى: (أحسوا) فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أحسوا بأسنا إِذا هم مِنْهَا يركضون﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٢١) قَالَ: مَعْنَاهُ توقعوه، أَي الْعَذَاب، وَفِي التَّفْسِير أَي: لما رَأَوْا عذابنا إِذا هم مِنْهَا، أَي: من الْقرْيَة يركضون أَي: يخرجُون مُسْرِعين، والركض فِي الأَصْل ضرب الدَّابَّة بِالرجلِ، وَقيل للسقي. قَالَ معمر: مَوضِع، قَالَ غير عِكْرِمَة وَمعمر بِفَتْح الميمين هُوَ أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى. قَوْله: (من أحسست) يَعْنِي أحسوا مُشْتَقّ من أحسست من الإحساس وَهُوَ فِي الأَصْل الْعلم بالحواس وَهِي مشاعر الْإِنْسَان كَالْعَيْنِ وَالْأُذن وَالْأنف وَاللِّسَان وَالْيَد، وَمن هَذَا قَالَ بعض الْمُفَسّرين: يَعْنِي فَلَمَّا أحسوا أَي فَلَمَّا أدركوا بحواسهم شدَّة عذابنا وبطشنا علم حس ومشاهدة لم يشكوا فِيهَا إِذا هم مِنْهَا يركضون أَي يهربون سرَاعًا. خامِدِينَ هَامِدِينَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى جعلناهم حصيداً خامدين﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٥١) وَفَسرهُ بقوله: (هامدين) وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، يُقَال: همدت النَّار تمهد هموداً، أَي: طفيت وَذَهَبت الْبَتَّةَ، والهمدة السكتة وهمد الثَّوْب يهمد هموداً أَي: بلَى وأهمد فِي الْمَكَان أَقَامَ، وأهمد فِي السّير أسْرع، وَهَذَا الْحَرْف من الأضداد وَأَرْض هامدة لَا نَبَات بهَا ونبات هامد يَابِس، وَفِي التَّفْسِير معنى خامدين ميتين.

стр. 5638

حَصِيدٌ مُسْتَأصَلٌ يَقَعُ عَلَى الوَاحِدِ والاثْنَيْنِ والجَمِيع أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى جعلناهم حصيداً﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٥١) وَفسّر الحصيد بقوله: (مستأصل) وَهُوَ من الاستئصال، وَهُوَ قلع الشَّيْء من أَصله. قَوْله: (يَقع) أَي: لفظ حصيد يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد والاثنان وَالْجمع من الذُّكُور وَالْإِنَاث. لَا يَسْتَحْسِرُونَ لَا يَعْيُونَ ومِنْهُ حَسِيرٌ وحَسَرْتُ بَعِيرِي أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته وَلَا يستحسرون﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٩١) وَفَسرهُ بقوله: (لَا يعيون) بِفَتْح الْيَاء كَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر، ورد عَلَيْهِ ابْن التِّين، وَقَالَ: الصَّوَاب الضَّم من الإعياء. قلت: لَا وَجه للرَّدّ عَلَيْهِ بل الصَّوَاب الْفَتْح لِأَن معنى: لَا يعيون، بِالْفَتْح لَا يعجزون، وَقيل: لَا ينقطعون وَمِنْه الحسير وَهُوَ الْمُنْقَطع الْوَاقِف عياً وكلالاً والإعياء يكون من الْغَيْر. قَوْله: (وحسرت بَعِيري) أَي: أعييته. عَمِيقٌ بَعِيدٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿من كل فج عميق﴾ (الْحَج: ٧٢) وَفسّر العميق بالبعيد وَلَكِن هَذَا فِي سُورَة الْحَج، وَاعْتذر عَنهُ بَعضهم بِمَا ملخصه أَنه ذكر فِي هَذِه السُّورَة فجاجاً وَذكر الْفَج اسْتِطْرَادًا. قلت: فِيهِ مَا فِيهِ بل الظَّاهِر أَنه من غَيره. نُكِسُوا رُدُّوا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿نكسوا على رؤوسهم﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٥٦) . وَفَسرهُ بقوله: ردوا، على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمَاضِي، وَعَن أبي عُبَيْدَة، أَي: قلبوا وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: نكسوا متحيرين وَعَلمُوا أَن الْأَصْنَام لَا تنطق وَلَا تبطش، يُقَال: نكسته قلبته فَجعلت أَسْفَله أَعْلَاهُ، وانتكس انْقَلب، وَقيل: انتكسوا عَن كَونهم مجادلين لإِبْرَاهِيم ﵇. صَنْعَةَ لَبُوسٍ الدُّرُوعُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وعلمناه صَنْعَة لبوس لَكِن لتحصنكم من بأسكم﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٠٨) وَفسّر: (صَنْعَة لبوس: بالدروع) قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: اللبوس السِّلَاح كُله من درع إِلَى رمح، وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة: اللبوس الدروع كَانَت صَفَائِح، وَأول من سردها وحلقها دَاوُد ﵇. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: اللبوس عِنْد الْعَرَب السِّلَاح كُله درعاً كَانَ أَو جوشناً أَو سَيْفا أَو رمحاً، وَإِنَّمَا عَنى الله تَعَالَى بِهِ فِي هَذَا الْموضع الدرْع، وَهُوَ بِمَعْنى الملبوس كالحلوب وَالرُّكُوب. تَقَطَّعُوا أمْرَهُمْ اخْتَلَفُوا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وتقطعوا أَمرهم بَينهم كل إِلَيْنَا رَاجِعُون﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٣٩) وَفَسرهُ بقوله: اخْتلفُوا، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَزَاد: وَتَفَرَّقُوا، وَفِي التَّفْسِير: أَي اخْتلفُوا فِي الدّين وصاروا فِيهِ فرقا وأحزاباً، فقد قَالَ : ﴿كل إِلَيْنَا رَاجِعُون﴾ فيجزيهم بأعمالهم، وَيُقَال: اخْتلفُوا فصاروا يهود ونصارى ومجوس ومشركين. الحَسِيسُ والحِسُّ والجرْسُ والهمْسُ واحِدٌ وهْوَ مِنَ الصَّوْتِ الخَفِيِّ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يسمعُونَ حَسِيسهَا﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٢٠١) قَوْله: (الحسيس) ، مُبْتَدأ وَمَا بعده عطف عَلَيْهِ، وَخَبره: (وَاحِد) . قَوْله: (الْخَفي) مَرْفُوع على أَنه خبر الْمُبْتَدَأ الَّذِي هُوَ قَوْله: (وَهُوَ) ، وَكلمَة: من، بَيَانِيَّة. وَفِي التَّفْسِير: لَا يسمع أهل الْجنَّة حسيس النَّار أَي صَوتهَا إِذا نزلُوا مَنَازِلهمْ من الْجنَّة. قَوْله: (والجرس) ، بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا وَسُكُون الرَّاء وَهَذَا كُله لم يثبت فِي رِوَايَة أبي ذَر. آذَنّاكَ أعْلَمْناكَ آذَنْتُكُمْ إذَا أعْلَمْتَهُ فأنْتَ وهْوَ عَلى سَواء لَمْ تَغْدِرْ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا آذناك مَا منا من شَهِيد﴾ (فصلت: ٧٤) وَفَسرهُ بقوله: (أعلمناك) وَلَكِن هَذَا لَيْسَ فِي هَذِه السُّورَة بل هُوَ فِي سُورَة حم فصلت وَإِنَّمَا ذكره اسْتِطْرَادًا لمناسبة. قَوْله: (آذنتكم) ، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن توَلّوا فَقل آذنتكم على سَوَاء﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٩٠١) وَقد فسره بقوله: (إِذا أعلمته) إِلَى آخِره. قَوْله: (على سَوَاء) ، مستوين فِي الْإِعْلَام بِهِ ظَاهِرين بذلك فَلَا غدر وَلَا خداع لأحد. وَقَالَ مُجاهِدٌ: لَعَلَّكُمْ تُسْألُونَ تُفْهَمُونَ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تركضوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أترفتم فِيهِ ومساكنكم لَعَلَّكُمْ تسْأَلُون﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٣١) قَالَ: أَي: (تفهمون) ، وَقَالَ الْحَنْظَلِي: حَدثنَا حجاج عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد: وَلَفظه تفقهون، وَكَذَا هُوَ عِنْد ابْن الْمُنْذر.

стр. 5639

ارْتَضَى رَضِي أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يعلم مَا بَين أَيْديهم وَمَا خَلفهم وَلَا يشفعون إلَاّ لمن ارتضى وهم من خَشيته مشفقون﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٨٢) وَفسّر: ارتضى بقوله: (رَضِي) قَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي بقول لَا إِلَه إلَاّ الله، وَقَالَ مُجَاهِد: لمن رَضِي عَنهُ. التَّماثِيلُ الأصنامُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا هَذِه التماثيل الَّتِي أَنْتُم لَهَا عاكفون﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٢٥) وَفسّر التماثيل بالأصنام، وَهُوَ جمع تِمْثَال وَهُوَ إسم للشَّيْء الْمَصْنُوع شَبِيها بِخلق من خلق الله تَعَالَى، وَأَصله من مثلت الشَّيْء بالشَّيْء إِذا شبهته بِهِ. السِّجلُّ الصَّحِيفَةُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم نطوي السَّمَاء كطي السّجل للكتب﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٤٠١) وَفسّر السّجل بالصحيفة، أَي: الْمَكْتُوب، وَقيل: السّجل إسم مَخْصُوص كَانَ يكْتب لرَسُول الله ﷺ ، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق عَمْرو بن مَالك عَن أبي الجوزاء عَن ابْن عَبَّاس، وَقيل: هُوَ ملك يطوي الصُّحُف، وَبِه قَالَ السّديّ أَيْضا، وَاللَّام فِي قَوْله: (للكتب) بِمَعْنى: على، يَعْنِي: كطي الصَّحِيفَة على مكتوبها. ٢ - ﴿كَمَا بَدَأنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْداً عَلَيْنا إنَّا كُنَّا فاعِلِينَ﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٤٠١) وَفِي بعض النّسخ: بَاب قَوْله: ﴿كَمَا بدأنا أول خلق نعيده وَعدا علينا إِنَّا كُنَّا فاعلين﴾ قَوْله: (كَمَا بدأنا) أَي: كَمَا بدأناهم فِي بطُون أمهاتهم حُفَاة عُرَاة غرلًا كَذَلِك نعيدهم يَوْم الْقِيَامَة، وَقيل: كَمَا بدأناه من المَاء نعيده من التُّرَاب، وَنصب: وَعدا، على الْمصدر أَي: وعدناه وَعدا علينا. قَوْله: (فاعلين) ، يَعْنِي: الْإِعَادَة والبعث. ٠٤٧٤ - حدَّثنا سُلَيْمانُ بن حَرْبٍ حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ المُغِيَرةِ بن النُّعْمانِ شَيْخِ مِنَ النَّخَعِ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابْن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ خَطَبَ النبيُّ ﷺ فَقَالَ: ﴿إنكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى الله حُفاةً عُرَاةً غُزْلاً كَمَا بَدأنا أوَّلَ خلْقٍ نُعِيدُهُ وعْداً عَلَيْنا إنَّا كُنَّا فاعِلِينَ﴾ ثُمَّ إنَّ أوَّلَ مَنْ يُكْسَي يَوْمَ القِيامَةِ إبْرَاهِيمُ إلَاّ إنَّهُ يُجاءُ بِرِجالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمالِ فأقُولُ يَا رَبِّ أصْحابي فَيُقالُ لَا تَدْرِي مَا أحْدَثُوا بَعْدَكَ فأقُولُ كَما قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿شَهِيدٌ﴾ (الْمَائِدَة: ٧١١) فيُقالُ إنَّ هاؤُلاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أعْقَابِهِمْ مُنْذُ فارَقْتَهُمْ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. قَوْله: (من النخع) ، بِفَتْح الْخَاء وَالنُّون الْمُعْجَمَة وبالعين الْمُهْملَة: وَهِي قَبيلَة كَبِيرَة من مذْحج، وَاسم النخع جسر بن عَمْرو بن عِلّة بن جلد بن أدد، وَقيل لَهُ: النخع، لِأَنَّهُ انتخع عَن قومه، أَي: بعد عَنْهُم، ونزلوا فِي الْإِسْلَام الْكُوفَة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْأَنْبِيَاء فِي: بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا﴾ (النِّسَاء: ٥٢١) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان عَن الْمُغيرَة إِلَى آخِره. قَوْله: (غرلًا) ، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة: جمع أغرل وَهُوَ الأقلف. قَوْله: (إِلَّا أَنه) أَي: لَكِن إِن الشَّأْن. قَوْله: (ذَات الشمَال) ، أَي: جِهَة النَّار. قَوْله: (مرتدين) ، لم يرد بهم الرِّدَّة عَن الْإِسْلَام بل التَّخَلُّف عَن الْحُقُوق الْوَاجِبَة وَلم يرْتَد بِحَمْد الله أحد من الصَّحَابَة، وَإِنَّمَا ارْتَدَّ قوم من جُفَاة الْأَعْرَاب الداخلين فِي الْإِسْلَام رَغْبَة أَو رهبة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصًى، وَالله أعلم. ٢٢ - (سورَةُ الحَجِّ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الْحَج، وَذكر ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس وَابْن الزبير ﵃: أَنَّهُمَا قَالَا: نزلت سُورَة الْحَج بِالْمَدِينَةِ، وَقَالَ مقَاتل: بَعْضهَا مكي أَيْضا، وَعَن قَتَادَة: إِنَّهَا مَكِّيَّة، وَعنهُ: مَدَنِيَّة غير أَربع آيَات، وَعَن عَطاء: إلَاّ ثَلَاث آيَات مِنْهَا. قَوْله: ﴿هَذَانِ خصمان﴾ (الْحَج: ٩١) وَقَالَ هبة بن سَلامَة: هِيَ من أَعَاجِيب سور الْقُرْآن لِأَن فِيهَا. مكياً ومدنياً وسفرياً وحضرياً وحربياً وسلمياً وليلياً ونهارياً وناسخاً ومنسوخاً وَهِي خَمْسَة آلَاف وَخَمْسَة وَسَبْعُونَ حرفا، وَألف ومائتان

стр. 5640

وَإِحْدَى وَتسْعُونَ كلمة، وثمان وَتسْعُونَ آيَة. (بِسم الله الرحمان الرَّحِيم) ثبتَتْ الْبَسْمَلَة للْكُلّ. وَقَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ المُخْبِتينَ المُطْمَئِنِّينَ أَي: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَبشر المخبتين﴾ (الْحَج: ٤٣) أَي: (المطمئنين) كَذَا ذكره ابْن عُيَيْنَة فِي تَفْسِيره عَن ابْن جريج عَن مُجَاهِد، وَقيل: المطمئنين بِأَمْر الله، وَقيل: المطيعين، وَقيل: المتواضعين، وَقيل: الخاشعين وَهُوَ من الإخبات والخبت بِفَتْح أَوله المطمئن من الأَرْض. وَقَالَ ابنُ عَبَّاس فِي: ﴿إذَا تَمَنَّى ألْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (الْحَج: ٢٥) إذَا حَدَّثَ ألْقَى الشَّيْطانُ فِي حَدِيثِهِ فَيُبْطِلُ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ ويُحْكِم آياتِهِ. أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول وَلَا نَبِي إلَاّ إِذا تمنى ألْقى الشَّيْطَان فِي أمْنِيته﴾ ... الْآيَة، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد الرَّازِيّ عَن أَبِيه: حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنِي مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ، وَقد تكلم الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذِه الْآيَة أَشْيَاء كَثِيرَة، وَالْأَحْسَن مِنْهَا مَا قَالَه أَبُو الْحسن بن عَليّ الطَّبَرِيّ: لَيْسَ هَذَا التَّمَنِّي من الْقُرْآن وَالْوَحي فِي شَيْء وَإِنَّمَا هُوَ أَن النَّبِي ﷺ ، كَانَ إِذا صفرت يَده من المَال وَرَأى مَا بِأَصْحَابِهِ من سوء الْحَال تمنى الدُّنْيَا بِقَلْبِه ووسوسة الشَّيْطَان، وَأحسن من هَذَا أَيْضا مَا قَالَه بَعضهم: كَانَ النَّبِي ﷺ ، يرتل الْقُرْآن فارتصده الشَّيْطَان فِي سكتة من السكتات ونطق بِتِلْكَ الْكَلِمَات محاكياً نغمته بِحَيْثُ سَمعه من دنا إِلَيْهِ فظنها من قَوْله وأشاعها. قلت: تِلْكَ الْكَلِمَات هِيَ مَا أخرجه ابْن أبي حَاتِم والطبري وَابْن الْمُنْذر من طرق عَن شُعْبَة عَن أبي بشر عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَرَأَ رَسُول الله ﷺ بِمَكَّة النَّجْم فَلَمَّا بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُم اللات والعزى وَمَنَاة الثَّالِثَة الْأُخْرَى﴾ (النَّجْم: ٩١) ألْقى الشَّيْطَان على لِسَانه. (تِلْكَ الغرانيق العلى ... وَإِن شفاعتهن لترتجى) فَقَالَ الْمُشْركُونَ: مَا ذكر آلِهَتنَا بِخَير قبل الْيَوْم فَسجدَ وسجدوا، فَنزلت هَذِه الْآيَة وَرُوِيَ هَذَا أَيْضا من طرق كَثِيرَة، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: ذكر الطَّبَرِيّ فِي ذَلِك رِوَايَات كَثِيرَة بَاطِلَة لَا أصل لَهَا، وَقَالَ عِيَاض: هَذَا الحَدِيث لم يُخرجهُ أحد من أهل الصِّحَّة وَلَا رَوَاهُ ثِقَة بِسَنَد سليم مُتَّصِل مَعَ ضعف نقلته واضطراب رواياته وَانْقِطَاع إِسْنَاده، وَكَذَا من تكلم بِهَذِهِ الْقِصَّة من التَّابِعين والمفسرين لم يسندها أحد مِنْهُم وَلَا رَفعهَا إِلَى صَاحبه، وَأكْثر الطّرق عَنْهُم فِي ذَلِك ضَعِيفَة. وَقَالَ بَعضهم: هَذَا الَّذِي ذكره ابْن الْعَرَبِيّ وعياض لَا يمْضِي على الْقَوَاعِد، فَإِن الطّرق إِذا كثرت وتباينت مخارجها دلّ ذَلِك على أَن لَهَا أصلا. انْتهى. قلت: الَّذِي ذكرَاهُ هُوَ اللَّائِق بجلالة قدر النَّبِي ﷺ فَإِنَّهُ قد قَامَت الْحجَّة وَاجْتمعت الْأمة على عصمته ﷺ ونزاهته عَن مثل هَذِه الرذيلة، وحاشاه عَن أَن يجْرِي على قلبه أَو لِسَانه شَيْء من ذَلِك لَا عمدا وَلَا سَهوا. أَو يكون للشَّيْطَان عَلَيْهِ سَبِيل أَو أَن يتقول على الله لَا عمدا وَلَا سَهوا. وَالنَّظَر وَالْعرْف أَيْضا يحيلان ذَلِك وَلَو وَقع لارتد كثير مِمَّن أسلم، وَلم ينْقل ذَلِك وَلَا كَانَ يخفى على من كَانَ بِحَضْرَتِهِ من الْمُسلمين. قَوْله: (من رَسُول وَلَا نَبِي) الرَّسُول هُوَ الَّذِي يَأْتِيهِ جِبْرِيل ﵊، بِالْوَحْي عيَانًا وشفاهاً، وَالنَّبِيّ هُوَ الَّذِي تكون نبوته إلهاماً أَو كلَاما، فَكل رَسُول نَبِي بِغَيْر عكس. قَوْله: (إِذا تمنى) أَي: إِذا أحب واشتهى، وَحدثت بِهِ نَفسه مِمَّا لم يُؤمر بِهِ. قَوْله: (فِي أمْنِيته) ، أَي: مُرَاده، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: أَي فِي قِرَاءَته، فَأخْبر الله تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَة أَن سنته فِي رسله إِذا قَالُوا قولا زَاد الشَّيْطَان فِيهِ من قبل نَفسه، فَهَذَا نَص فِي أَن الشَّيْطَان زَاده فِي قَول النَّبِي ﷺ لَا أَن النَّبِي ﷺ قَالَه. ويُقالُ أُمْنيَّتُهُ قِرَاءَتُهُ إلاّ أمانِيَّ يَقْرَؤُونَ وَلَا يَكْتُبُونَ هُوَ قَول الْفراء فَإِنَّهُ قَالَ: معنى قَوْله: (إِلَّا إِذا تمنى) ، إلَاّ إِذا تلى قَالَ الشَّاعِر: (تمنى كتاب الله أول لَيْلَة ... تمني دَاوُد الزبُور على رسل)

стр. 5641

قَوْله: (إِلَّا أماني) ، إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُم أُمِّيُّونَ لَا يعلمُونَ الْكتاب إِلَّا أماني﴾ (الْبَقَرَة: ٨٧) أوردهُ اسْتِشْهَادًا بِأَن: تمنى، بِمَعْنى تَلا، لِأَن معنى قَوْله: إِلَّا أماني إلَاّ مَا يقرأون. ﴿وَقَالَ مُجاهِدٌ مَشِيدٌ بالقَصَّةِ﴾ أَي قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وبئر معطلة وَقصر مشيد﴾ (الْحَج: ٥٤) إِن مَعْنَاهُ: قصر مشيد، يَعْنِي: مَعْمُول بالشيد، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة: وَهُوَ الجص، بِكَسْر الْجِيم وَفتحهَا. وَهُوَ الكلس. وَفِي (الْمغرب) : الجص تعريب كج، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: تَقول: شاده يشيده جصصه. وَقَالَ قَتَادَة وَالضَّحَّاك وربيع: قصر مشيد أَي طَوِيل، وَعَن الضَّحَّاك: إِن هَذِه الْبِئْر إِنَّمَا كَانَت بحضرموت فِي بَلْدَة يُقَال لَهَا حاضورا، وَذَلِكَ أَن أَرْبَعَة آلَاف نفر مِمَّن آمن بِصَالح ﵇، لما نَجوا من الْعَذَاب أَتَوا حَضرمَوْت وَمَعَهُمْ صَالح ﵊، فَلَمَّا حَضَرُوهُ مَاتَ صَالح فسميت حَضرمَوْت لِأَن صَالحا لما مَاتَ بنوا حاضورا وقعدوا على هَذِه الْبِئْر وَأمرُوا عَلَيْهِم رجلا يُقَال لَهُ جلهس بن جلاس بن سُوَيْد وَجعلُوا وزيره سخاريب ابْن سوَاده فأقاموا دهراً وتناسلوا حَتَّى نموا وكثروا ثمَّ عبدُوا الْأَصْنَام وَكَفرُوا بِاللَّه تَعَالَى، فَأرْسل الله إِلَيْهِم نَبيا يُقَال لَهُ حَنْظَلَة ابْن صَفْوَان كَانَ جمالاً فيهم فَقَتَلُوهُ فِي السُّوق فأهلكهم الله تَعَالَى وعطلت بئرهم وَخَربَتْ قصورهم. وَقَالَ غَيْرُهُ يَسْطُونَ يَفْرُطُونَ من السَّطْوَةِ ويُقالُ يَسْطُونَ يَبْطِشُونَ أَي: قَالَ غير مُجَاهِد فِي قَوْله : ﴿يكادون يسطون بالذين يَتلون عَلَيْهِم﴾ (الْحَج: ٢٧) إِن معنى قَوْله: (يسطون: يفرطون) وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة من فرط يفرط فرطا من بَاب نصر ينصر، أَي: قصر وضيع حَتَّى مَاتَ وفرط عَلَيْهِ إِذا عجل وَعدا، وفرط إِذا سبق. قَوْله: (من السطوة) أَي: اشتقاقه من السطوة، يُقَال: سَطَا ععليه وسطا بِهِ إِذا تنَاوله بالبطش والعنف والشدة، أَي: يكادون يقعون بِمُحَمد وَأَصْحَابه من شدَّة الغيظ ويبسطون إِلَيْهِم أَيْديهم بالسوء. قَوْله: (وَيُقَال) ، هُوَ قَول الْفراء فَإِنَّهُ كَانَ مشركو قُرَيْش إِذا سمعُوا الْمُسلم يَتْلُو الْقُرْآن كَادُوا يبطشون بِهِ، وَكَذَا روى ابْن الْمُنْذر من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: يسطون، فَقَالَ: يبطشون. وهُدُوا إِلَى الطّيِّبِ مِنَ القَوْل أُلْهِمُوا إِلَى القُرْآن هَذَا فِي وصف أهل الْجنَّة، وَفسّر الطّيب من القَوْل بقوله: (ألهموا إِلَى الْقُرْآن) هَكَذَا فسره السّديّ. قَوْله: (وَعَن ابْن عَبَّاس يُرِيد لَا إل هـ إلَاّ الله وَالْحَمْد لله) وَزَاد ابْن زيد: (وَالله أكبر) . قَوْله: (ألهموا) فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: (إِلَى الْقُرْآن) وَلم يثبت إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَلَا بُد مِنْهُ لِأَن ذكر شَيْء من الْقُرْآن من غير تَفْسِيره لَا طائل تَحْتَهُ. قَالَ ابنُ عبَّاسٍ بِسَبَبٍ بِحَبْلٍ إِلَى سَقْفِ البَيْتِ أَي: قَالَ عبد الله بن عَبَّاس ﵄، فِي تَفْسِير قَوْله : ﴿فليمدد بِسَبَب إِلَى السَّمَاء ثمَّ ليقطع﴾ (الْحَج: ٥١) وَفَسرهُ بقوله: (بِحَبل إِلَى سقف الْبَيْت) هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن عبد الله بن الْوَلِيد عَن سُفْيَان عَن التَّمِيمِي عَن ابْن عَبَّاس، بِلَفْظ: فليمدد بِحَبل إِلَى سَمَاء بَيته فليختنق بِهِ، وَرَوَاهُ عبد بن حميد من طَرِيق أبي إِسْحَاق عَن التَّمِيمِي عَن ابْن عَبَّاس، بِلَفْظ: من كَانَ يظنّ أَن لن ينصر الله مُحَمَّدًا فليمدد بِسَبَب إِلَى سَمَاء بَيته فليختنق بِهِ. تَذْهَلُ تُشْغَلُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم تذهل كل مُرْضِعَة﴾ (الْحَج: ٢) وَفسّر: (تذهل) بقوله: (تشتغل) قَالَ الثَّعْلَبِيّ: كَذَا فسره ابْن عَبَّاس، وَعَن الضَّحَّاك، تسلوا، يُقَال: ذهلت عَن كَذَا، أَي: تركته. ١٤٧٤ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ حَدثنَا أبُو صالِحٍ عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ يَقُولُ الله يَوْمَ القِيامَةِ يَا آدَمُ يَقُولُ لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ فينادِي بِصَوْتٍ إنَّ الله يأمُرُكَ أنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثاً إِلَى النّارِ قَالَ يَا ربِّ

стр. 5642

وَمَا بَعْثُ النارِ قَالَ مِنْ كُلِّ ألْفٍ أرَاهُ قَالَ تَسْعَمائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ فَحِينَئِذٍ تَضَعُ الحامِلُ حَمْلَها ويَشِيبُ الوَلِيدُ: ﴿وتَرَى النّاسَ سُكارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى ولاكِنَّ عَذابَ الله شَدِيدٌ﴾ (الْحَج: ١) فَشَقَّ ذالِكَ عَلَى النّاسِ حَتَّى تَغَيَّرَتْ وِجُوهُهُمْ فَقَالَ النبيُّ ﷺ مِنْ يأجُوج ومَأْجُوجَ تِسِعْمَائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ ومِنْكُمْ واحِدٌ ثُمَّ أنْتُمْ فِي النّاسِ كالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الأبْيَضِ أوْ كالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الأسْوَدِ وإنِّي لأرْجُو أنَ تكونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرْنا ثُمَّ قَالَ ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرْنا ثُمَّ قَالَ شَطْرَ أهْلِ الجَنّةِ فَكَبَّرْنا. مطابقته للتَّرْجَمَة وَهِي فِي سُورَة الْحَج ظَاهِرَة. وَأَبُو صَالح ذكْوَان السمان. والْحَدِيث مضى فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي: بَاب قصَّة يَأْجُوج وَمَأْجُوج، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (رَبنَا) ، أَي: يَا رَبنَا. قَوْله: (فينادي) ، على صِيغَة الْمَعْلُوم. قَوْله: (بعثاً) . بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: مَبْعُوثًا أَي: أخرج من النَّاس الَّذين هم أهل النَّار وابعثهم إِلَيْهَا. قَوْله: (أرَاهُ) ، بِضَم الْهمزَة، قَوْله: (أَو كالشعرة) ، كلمة، أَو، هُنَا يحْتَمل التنويع من رَسُول الله ﷺ وَالشَّكّ من الرَّاوِي (فكبرنا) أَي: فعظمنا ذَلِك أَو قُلْنَا: الله أكبر، سُرُورًا بِهَذِهِ الْبشَارَة. قَوْله: (شطر أهل الْجنَّة) ، أَي: نصفهَا. ١ - (بابٌ وتَرَى النَّاسَ سُكارَى) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَترى النَّاس سكارى﴾ الْآيَة وَلم تُوجد هَذِه التَّرْجَمَة إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر وَحده. قَالَ أبُو أُسامَةَ عنِ الأعْمَشِ: ﴿تَرَى النّاسَ سُكارَى وَمَا هُمْ بِسُكارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ وَقَالَ: مِنْ كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ. أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة يروي عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَقد وصل البُخَارِيّ هَذَا التَّعْلِيق فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي: بَاب قصَّة يَأْجُوج وَمَأْجُوج، عَن إِسْحَاق بن نصر عَن أبي أُسَامَة إِلَى آخِره. وَقَالَ جَرِيرٌ وعِيسَى بنُ يُونُسَ وأبُو مُعاوِيَةَ سَكْرَى وَمَا هُمْ بِسَكْرَى أَرَادَ أَن هَؤُلَاءِ رَوَوْهُ عَن الْأَعْمَش بِإِسْنَادِهِ وَمَتنه لكِنهمْ خالفوه فِي لفظ: سكارى، لأَنهم رَوَوْهُ بِلَفْظ: سكرى، بِالْإِفْرَادِ دون الْجمع، أما قَول جرير بن الحميد فوصله البُخَارِيّ فِي الرقَاق فِي: بَاب قَول الله : ﴿إِن زَلْزَلَة السَّاعَة شَيْء عَظِيم﴾ عَن يُوسُف بن مُوسَى عَن جرير عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي سعيد إِلَى آخِره، وَأما قَول عِيسَى بن يُونُس فوصله إِسْحَاق ابْن رَاهَوَيْه عَنهُ كَذَلِك فِي مُسْنده بِلَفْظ الْإِفْرَاد، وَأما قَول أبي مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم فوصله مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش إِلَى آخِره، وَلَكِن اخْتلف فِيهِ على أبي مُعَاوِيَة، فَفِي رِوَايَة مُسلم بِلَفْظ الْجمع، وَفِي رِوَايَة ابْن مرْدَوَيْه عَنهُ بِلَفْظ الْإِفْرَاد، فَافْهَم. ٢ - (بابٌ: ﴿ومِن النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ الله عَلَى حَرْفٍ فإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ على وجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ذالِكَ هُوَ الضَّلَالُ البَعِيد﴾ (الْحَج: ١١ ٢١) ٢. أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله : ﴿وَمن النَّاس﴾ ... الْآيَة. قَالَ الواحدي: روى عَطِيَّة عَن أبي سعيد قَالَ: أسلم رجل من الْيَهُود فَذهب بَصَره وَمَاله فتشاءم بِالْإِسْلَامِ، فَأتى النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: أَقلنِي. قَالَ: إِن الْإِسْلَام لَا يُقَال وَالْإِسْلَام يسْكب الرِّجَال كَمَا تسكب النَّار خبث الْحَدِيد، فَنزلت هَذِه الْآيَة. وَسَيَأْتِي عَن ابْن عَبَّاس وَجه آخر. قَوْله: (على حرف) ، أَي: طرف وَاحِد وجانب فِي الدّين لَا يدْخل فِيهِ على الثَّبَات والتمكين، والحرف مُنْتَهى الْجِسْم، وَعَن مُجَاهِد: على شكّ، وَعَن الْحسن:

стр. 5643

هُوَ الْمُنَافِق يعبد بِلِسَانِهِ دون قلبه. قَوْله: (خيرا) ، أَي: صِحَة فِي جِسْمه وسعة فِي معيشته. قَوْله: (اطْمَأَن بِهِ) ، أَي: أَي: رَضِي بِهِ وَأقَام عَلَيْهِ. قَوْله: (فتْنَة) ، أَي: بلَاء فِي جِسْمه وضيقاً فِي معيشته. قَوْله: (انْقَلب على وَجهه) ارْتَدَّ فَرجع إِلَى وَجهه الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ من الْكفْر. قَوْله: (الخسران الْمُبين) ، أَي: الضلال الظَّاهِر. قَوْله: (الضلال الْبعيد) ، أَي: ذهب عَن الْحق ذَهَابًا بَعيدا. شَكّ أتْرَافْناهُمْ وسَّعْناهُمْ قَوْله: (شكّ) تَفْسِير قَوْله: حرف، وَلم يُوجد ذَلِك إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر. هَذِه من السُّورَة الَّتِي تَلِيهَا، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الْمَلأ من قومه الَّذين كفرُوا وكذبوا بلقاء الْآخِرَة واتر فناهم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٣٣) وَلم يكن مَوْضِعه هُنَا. ٢٤٧٤ - حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ الحَارِثِ حَدثنَا يَحْيَى بنُ أبي بُكَيْرٍ حَدثنَا إسْرَائِيلُ عنْ أبي حَصِينٍ عنْ سعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عَن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ ومِنَ الناسِ مَنْ يَعْبُدُ الله عَلَى حَرْفٍ قَالَ كانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ المَدِينَةَ فإنْ وَلَدَتِ امْرَأتُهُ غُلَاماً ونُتِجَتْ خَيْلُهُ قَالَ هَذَا دِينٌ صالحٌ وإنْ لمْ تَلِدِ امْرَأتُهُ ولَمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ قَالَ هاذَا دِينُ سَوْءٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِبْرَاهِيم بن الْحَارِث الْكرْمَانِي سكن بَغْدَاد روى عَنهُ البُخَارِيّ حديثين أَحدهمَا هُنَا وَالْآخر فِي الْوَصَايَا، وَيحيى بن أبي بكير، وَاسم أبي بكير قيس الْكُوفِي قَاضِي كرمان، وَإِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، وَأَبُو حُصَيْن، بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ: واسْمه عُثْمَان بن عَاصِم الْأَسدي. والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (كَانَ الرجل يقدم الْمَدِينَة) ، وَفِي رِوَايَة لِابْنِ مرْدَوَيْه: كَانَ أحدهم إِذا قدم الْمَدِينَة، وَفِي رِوَايَة جَعْفَر بن أبي الْمُغيرَة عَن سعيد بن جُبَير: كَانَ نَاس من الْأَعْرَاب يأْتونَ النَّبِي ﷺ ، يسلمُونَ. قَوْله: (ونتجت خيلة) ، بِضَم النُّون على صِيغَة الْمَجْهُول، يُقَال: نتجت النَّاقة فَهِيَ منتوجة مثل نفست الْمَرْأَة فَهِيَ منفوسة، فَإِذا أردْت أَنَّهَا حَاضَت قلت: نفست، بِفَتْح النُّون، ونتجها أَهلهَا، وَمِنْهُم من حكى الضَّم فِي نفست فِي الثَّانِي وَالْفَتْح فِي الأول، وَزَاد الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس: وَصَحَّ جِسْمه. أخرجه ابْن أبي حَاتِم. قَوْله: (قَالَ هَذَا دين صَالح) وَفِي رِوَايَة الْحسن. قَالَ: لنعم الدّين هَذَا، وَفِي رِوَايَة جَعْفَر، قَالُوا: إِن ديننَا هَذَا لصالح فَتمسكُوا بِهِ. قَوْله: (قَالَ هَذَا دين سوء) يجوز بِالصّفةِ وبالإضافة وَفِي رِوَايَة جَعْفَر: وَإِن وجدوا عَام جَدب وقحط وولاد سوء قَالُوا مَا فِي ديننَا هَذَا خير، وَفِي رِوَايَة الْعَوْفِيّ: وَإِن أَصَابَهُ وجع الْمَدِينَة وَولدت امْرَأَته جَارِيَة وتأخرت عَنهُ الصَّدَقَة أَتَاهُ الشَّيْطَان فَقَالَ: وَالله مَا أصبت على دينك هَذَا إِلَّا شرا، وَفِي رِوَايَة الْحسن: فَإِن سقم جِسْمه وحبست عَنهُ الصَّدَقَة وأصابته الْحَاجة قَالَ: وَالله لَيْسَ الدّين هَذَا، مَا زلت أتعرف النُّقْصَان فِي جسمي وَمَالِي، وَالله أعلم. ٣ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿هَذَانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (الْحَج: ٩١) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿هَذَانِ خصمان﴾ ... الْآيَة، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب، والخصمان تَثْنِيَة خصم وَهُوَ يُطلق على الْوَاحِد وَغَيره، وَيُقَال: الْخصم إسم شَبيه بِالْمَصْدَرِ فَلذَلِك قَالَ: اخْتَصَمُوا، والخصم من تقع مِنْهُ الْمُخَاصمَة. ٣٤٧٤ - حدَّثنا حَجّاجُ بنُ مِنْهالٍ حَدثنَا هُشَيْمٌ أخْبَرَنا أبُوا هاشِمٍ عنْ أبي مِجْلَزٍ عنْ قَيْسِ بنِ عُبادٍ عنْ أبي ذَرٍّ ﵁ أنّهُ كانَ يُقْسِمُ فِيها إنَّ هاذِهِ الآيَةَ: ﴿هَذَانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ وصاحِبَيْهِ وعُتْبَةَ وصاحِبَيْهِ يَوْمَ بَرَزُوا فِي يَوْمِ بَدْرٍ. (انْظُر الحَدِيث ٦٦٩٣ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وهشيم بِالتَّصْغِيرِ ابْن بشير كَذَلِك، وَأَبُو هَاشم يحيى بن دِينَار الرماني بِضَم الرَّاء، وَأَبُو مجلز، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْجِيم وَفتح اللَّام وبالزاي: اسْمه لَاحق بن حميدي السدودي، وَقيس بن عباد، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْوحدَة: الْبَصْرِيّ، وَأَبُو ذَر اسْمه جُنْدُب بن جُنَادَة، والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الْمَغَازِي فِي: بَاب قتل أبي جهل. قَوْله: (كَانَ

стр. 5644

يقسم فِيهَا) ، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني، قيل: هُوَ تَصْحِيف وَالصَّوَاب رِوَايَة الْأَكْثَرين: يقسم قسما. قَوْله: (فِي رَبهم) . أَي: فِي دينه وَأمره. قَوْله: (فِي حَمْزَة وصاحبيه) ، هما: عَليّ وَعبيدَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب. قَوْله: (وَعتبَة) ، هُوَ ابْن ربيعَة وصاحباه: أَخُوهُ شيبَة والوليد بن عتبَة الْمَذْكُور. رَواهُ سُفْيانُ عنْ أبي هاشِمٍ أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور بِإِسْنَادِهِ وَمَتنه سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي هَاشم الْمَذْكُور، وَقد تقدّمت رِوَايَته مَوْصُولَة فِي غَزْوَة بدر. وَقَالَ عُثْمانُ عنْ جَرِيرٍ عنْ مَنْصُور عنْ أبي هاشِمٍ عنْ أبي مِجْلَزٍ قَوْلَهُ أَي: قَالَ عثان بن أبي شيبَة شيخ البُخَارِيّ عَن جرير بن عبد الحميد عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن أبي هَاشم الْمَذْكُور عَن أبي مجلز الْمَذْكُور (قَوْله:) أَي: مَوْقُوفا عَلَيْهِ. ٤٤٧٤ - حدَّثنا حَجّاجُ بنُ منْهالٍ حَدثنَا مُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمانَ قَالَ سَمِعْتُ أبي قَالَ حَدثنَا أبُو مِجْلَزٍ عنْ قَيْسِ بنِ عُبادٍ عنْ علِيِّ بنِ أبي طالِبٍ ﵁ قَالَ أَنا أوَّلُ مَنْ يَجْثُو بَيْنَ يَدَي الرَّحْمانِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ. (انْظُر الحَدِيث ٥٦٩٣ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث قد مر فِي الْمَغَازِي عَن مُحَمَّد بن عبد الله الرقاشِي عَن مُعْتَمر بن سُلَيْمَان عَن أَبِيه. قَالَ قَيْسٌ وفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿هاذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (الْحَج: ٩١) قَالَ هُمُ الَّذِينَ بارَزُوا يَوْمَ بَدْر عَلِيٌّ وحَمْزَةُ وعُبَيْدَةُ وشَيْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ وعُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ وَالوَلِيدُ بنُ عُتْبَةَ. أَي: قَالَ قيس بن عباد الْمَذْكُور. قَوْله: (عَليّ وَحَمْزَة وَعبيدَة) ، أَي: عَليّ بن أبي طَالب وَحَمْزَة بن عبد الْمطلب وَعبيدَة بن الْحَارِث هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة الْمُسلمُونَ أقَارِب بعض لأولئك الْكفَّار وهم شيبَة ... إِلَى آخِره. فَإِن قلت: روى الطَّبَرِيّ من طَرِيق الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَنَّهَا نزلت فِي أهل الْكتاب وَالْمُسْلِمين وَمن طَرِيق الْحسن قَالَ: هم الْكفَّار والمؤمنون، وَمن طَرِيق مُجَاهِد: هُوَ اختصام الْمُؤمن وَالْكَافِر فِي الْبَعْث. قلت: الْآيَة إِذا نزلت فِي سَبَب فِي الْأَسْ بَاب لَا يمْتَنع أَن تكون عَامَّة فِي نَظِير ذَلِك السَّبَب، وَالله تَعَالَى أعلم. ٣٢ - (سورَةُ المُؤْمِنِينَ) أَي: هَذَا تَفْسِير فِي بعض سُورَة الْمُؤمنِينَ، قَالَ: قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: مَكِّيَّة كلهَا، وَهِي مائَة وثمان عشرَة آيَة، وَأَرْبَعَة آلَاف وَثَمَانمِائَة حرف وحرفان، وَألف وَثَمَانمِائَة وَأَرْبَعُونَ كلمة. (بشم الله الرحمؤن الرَّحِيم) ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ لم تثبت الْبَسْمَلَة إِلَّا لأبي ذَر. (بَاب) لَيْسَ فِي كثير من النّسخ لفظ: بَاب قَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ سَبْعَ طَرَائِقَ سَبْعَ سَماوَاتٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد خلقنَا فَوْقكُم سبع طرائق﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٧١) وَفَسرهُ سُفْيَان بن عُيَيْنَة بقوله: (سبع سموات) ، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: إِنَّمَا قيل لَهَا طرائق لِأَن بَعضهنَّ فَوق بعض فَكل سَمَاء مِنْهُنَّ طَريقَة، وَالْعرب تسمي كل شَيْء فَوق شَيْء طَريقَة، وَقيل: لِأَنَّهَا طرائق الْمَلَائِكَة. لَها سابِقُونَ سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعادَةُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخيرَات وهم لَهَا سَابِقُونَ﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ١٦) قَوْله: لَهَا، بِمَعْنى: إِلَيْهَا، وَكَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول: سبقت لَهُم من الله السَّعَادَة فَلذَلِك سارعوا فِي الْخيرَات، وَهَذَا ثَبت لغير أبي ذَر. قُلُوبُهُمْ وَجِلَةُ خائِفِينَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يُؤْتونَ مَا آتوا وَقُلُوبهمْ وَجلة أَنهم إِلَى رَبهم رَاجِعُون﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٠٦) وَفسّر: (وَجلة) بقوله: (خَائِفين) ، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، فِيهِ قَالَ: يعْملُونَ خَائِفين، أَي: أَن لَا يتَقَبَّل مِنْهُم مَا عملوه، وَعَن عَائِشَة رَضِي الله

стр. 5645

عَنْهَا، قَالَت: يَا رَسُول الله، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلُوبهم وَجلة﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٠٦) هُوَ الرجل يَزْنِي وَيسْرق وَهُوَ مَعَ ذَلِك يخَاف الله؟ قَالَ: لَا بل هُوَ الرجل يَصُوم وَيُصلي، وَهُوَ مَعَ ذَلِك يخَاف الله، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَأحمد وَابْن مَاجَه، وَصَححهُ الْحَاكِم. قَالَ ابنُ عبّاسٍ هَيْهاتَ هَيْهاتَ بعِيدٌ بَعِيدٌ فسر ابْن عَبَّاس قَوْله تَعَالَى: ﴿هَيْهَات هَيْهَات لما توعدون﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٦٣) بقوله: (بعيد بعيد) وَرَوَاهُ هَكَذَا الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، قَرَأَ السَّبْعَة بِفَتْح التَّاء فيهمَا فِي الْوَصْل وبإسكانها فِي الْوَقْف، وَيُقَال: من وقف على هَيْهَات وقف بِالْهَاءِ. فاسْألِ الْعادِّينَ قَالَ المَلائِكَةَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا لبثنا يَوْمًا أَو بعض يَوْم فاسأل العادين﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٣١١) وَفسّر العادين بقوله: (قَالَ: الْمَلَائِكَة) وَلَيْسَ فَاعل قَالَ ابْن عَبَّاس، كَمَا يذهب إِلَيْهِ الْوَهم من حَيْثُ مَجِيء قَالَ ابْن عَبَّاس قبل هَذَا، بل الْفَاعِل مُجَاهِد لِأَنَّهُ صرح بذلك فِي رِوَايَة أبي ذَر والنسفي فَقيل: قَالَ مُجَاهِد فاسأل العادين ... إِلَى آخِره، وَذكر الثَّعْلَبِيّ الْمَلَائِكَة إِمَّا الْحفظَة وَإِمَّا الْحساب، بِضَم الْحَاء وَتَشْديد السِّين، وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة فِي قَوْله: العادين، قَالَ: الحُساب. تَنْكُصُونَ تَسْتَأْخِرُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿وكنتم على أعقابكم تنكصون﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٦٦) وَفَسرهُ بقوله: (تستأخرون) وَكَذَا ذكره الطَّبَرِيّ عَن مُجَاهِد وَقيل: أَي ترجعون الْقَهْقَرَى، وَهَذَا لم يثبت إلَاّ عِنْد النَّسَفِيّ. لَناكِبُونَ لَعادِلُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة عَن الصِّرَاط لناكبون﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٤٧) وَفَسرهُ بقوله: (لعادلون) وَكَذَا روى عَن ابْن عَبَّاس، يُقَال: نكب إِذا مَال وَأعْرض، وَمِنْه الرّيح النكباء، وَهَذَا ثَبت فِي رِوَايَة أبي ذَر. كالِحُونَ عابِسُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿تلفح وُجُوههم النَّار وهم فِيهَا كَالِحُونَ﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٤٠١) وَفَسرهُ بقوله: (عابسون) وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيّ عَن ابْن عَبَّاس وَيُقَال: الكلوح أَن تتقلص الشفتان عَن الْأَسْنَان حَتَّى تبدو الْأَسْنَان، وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁، عَن رَسُول الله ﷺ فِي قَوْله: ﴿تلفح وُجُوههم النَّار﴾ ... الْآيَة، قَالَ: تَشْوِيه النَّار فتتقلص شفته الْعليا حَتَّى تبلغ وسط رَأسه وَتَسْتَرْخِي شفته السُّفْلى حَتَّى تبلغ سرته. وَقَالَ غيْرُهُ منْ سُلالَةٍ الوَلَدُ والنُّطْفَةُ السُّلَالَةُ لم يثبت قَوْله: (وَقَالَ غَيره) إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر، أَي: قَالَ غير مُجَاهِد، وَهُوَ أَبُو عُبَيْدَة: فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٢١) السلالة الْوَلَد والنطفة السلالة، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: من سلالة استل من الأَرْض، قَالَه قَتَادَة وَمُجاهد وَابْن عَبَّاس، وَالْعرب تسمي نُطْفَة الرجل وَولده: سليلة وسلالة لِأَنَّهُمَا مسلولان مِنْهُ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ يَصح تَفْسِير السلالة بِالْوَلَدِ إِذْ لَيْسَ الْإِنْسَان من الْوَلَد بل الْأَمر بِالْعَكْسِ؟ قلت: لَيْسَ الْوَلَد تَفْسِيرا لَهَا بل الْوَلَد مُبْتَدأ وَخَبره السلالة، يَعْنِي: السلالة مَا يستل من الشَّيْء كَالْوَلَدِ والنطفة. والجِنّةُ والجُنُونُ واحدٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أم يَقُولُونَ بِهِ جنَّة﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٠٧) أَي: جُنُون، وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى وَاحِد. والغُثاءُ الزَّبَدُ وَمَا ارْتَفَعَ عَن المَاء يُنْتَفَعُ بِهِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿فجعلناهم غثاء﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ١٤) وَفَسرهُ بقوله: (الزّبد) إِلَى آخِره، وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة. قَالَ: الغثاء الشَّيْء الْبَالِي. ٤٢ - (سُورَةُ النُّور) أَي: هَذَا فِي بَيَان تَفْسِير بعض سُورَة النُّور، قَالَ أَبُو الْعَبَّاس وَمُقَاتِل وَابْن الزبير وَابْن عَبَّاس فِي آخَرين: مَدَنِيَّة كلهَا لم يذكر فِيهَا اخْتِلَاف، وَهِي أَربع وَسِتُّونَ آيَة، وَألف وثلاثمائة وست عشرَة كلمة، وَخَمْسَة آلَاف وسِتمِائَة وَثَمَانُونَ حرفا.

стр. 5646

(بِسم الله الرحمان الرَّحِيم) مِنْ خِلَالِهِ مِنْ بَيْنِ أضْعافِ السَّحابِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فترى الودق يخرج من خلاله﴾ (النُّور: ٣٤) وَفَسرهُ بقوله: (من بَين أَضْعَاف السَّحَاب) ، وَهَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة. والخلال جمع خلل وَهُوَ الْوسط، وَيُقَال: الْخلَل مَوضِع الْمَطَر، والودق الْمَطَر. سَنا بَرْقِهِ الضِّياءُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يكَاد سنا برقه يذهب بالأبصار﴾ (النُّور: ٣٤) من شدَّة ضوئه وبرقه. مُذْعِنِينَ يُقالُ لِلْمُسْتَخْذِي مُذْعِنٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن يكن لَهُم الْحق يَأْتُوا إِلَيْهِ مذعنين﴾ (النُّور: ٩٤) وَأَشَارَ بقوله: (يُقَال) : ... إِلَى آخِره: أَن معنى: مذعنين، مستخذين من استخذى بِالْخَاءِ والذال المعجمتين أَي: خضع، قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال خذت النَّاقة تخذي أسرعت مثل وخذت وخوذت كُله بِمَعْنى وَاحِد، وَقَالَ أَيْضا: خذا الشَّيْء يخذو وخذواً: استرخي، وخذي بِالْكَسْرِ مثله، وَأما المذعن فَمن الإذعان وَهُوَ الْإِسْرَاع، قَالَ الزّجاج: يُقَال أذعن لي بحقي أَي: طاوعني لما كنت ألتمس مِنْهُ وَصَارَ يسْرع إِلَيْهِ. أشْتاتاً وشَتَّى وشَتاتٌ وشَتٌّ واحِدٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَو أشتاتاً﴾ (النُّور: ١٦) قَوْله: (أشتاتاً) فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء بِتَقْدِير قَوْله: (أشتاتاً) ، وَقَوله: (وشتى وشتات وشت) عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (وَاحِد) خبر الْمُبْتَدَأ، والأشتات جمع شت والشت مُفْرد، وَمعنى أشتاتاً: مُتَفَرّقين. وَقَالَ ابْنُ عبّاسٍ سُورَةٌ أنْزَلْناها بَيّنَّاها كَذَا وَقع وَقَالَ عِيَاض كَذَا فِي النّسخ وَالصَّوَاب: أنزلناها وفرضناها بيناها، فَقَوله: (بيناها) تَفْسِير: فرضناها، وَيُؤَيّد قَول عِيَاض مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: فرضناها، يَقُول: بيناها. وَقَالَ غَيْرُهُ سمِّيَ القُرْآنُ لِجماعهِ السُّوَرِ وسُمِّيَتِ السُّورَةُ لِأَنَّهَا مَقْطُوعَةٌ مِنَ الأخْرَى فَلَمّا قُرِنَ بَعْضُها إِلَى بَعْضٍ سُمِّيَ قُرْآناً. أَي: قَالَ غير ابْن عَبَّاس، وَهُوَ قَول أبي عُبَيْدَة. قَوْله: (لجَماعَة السُّور) ، قَالَ الْكرْمَانِي: السُّور بِالنّصب بِأَن يكون مفعول الْجِمَاع بِمَعْنى الْجمع مصدرا وَهُوَ بِكَسْر الْجِيم وهاء الضَّمِير، وبالجر بِأَن يكون مُضَافا إِلَيْهِ، وَالْجَمَاعَة بِمَعْنى الْجمع ضد الْمُفْرد وَهُوَ بِفَتْح الْجِيم وتاء التَّأْنِيث. قَوْله: (وَسميت السُّور) ، وَهِي الطَّائِفَة من الْقُرْآن محدودة. وَأما من السُّورَة الَّتِي هِيَ الرُّتْبَة لِأَن السُّور بِمَنْزِلَة الْمنَازل والمراتب، وَأما من السؤر الَّتِي هِيَ الْبَقِيَّة من الشَّيْء فقلبت همزتها واواً لِأَنَّهَا قِطْعَة من الْقُرْآن. وَقَالَ سَعْدُ بنُ عِيَاضٍ الثُّمالِيُّ. المِشْكَاة الكُوَّةُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ سعد بن عِيَاض من التَّابِعين من أَصْحَاب ابْن مَسْعُود، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: حَدِيثه مُرْسل وَلَا يَصح لَهُ صُحْبَة، والثمالي، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الْمِيم: نِسْبَة إِلَى ثمالة فِي الأزد وَفِي ألهان وَفِي تَمِيم، وَالَّذِي فِي الأزد ثمالة هُوَ عَوْف بن أسلم بن كَعْب، وَالَّذِي فِي ألهان ثمالة بن ألهان، وَالَّذِي فِي تَمِيم ثمالة وَهُوَ عبد الله بن حرَام بن مجاشع بن دارم. قَوْله: (الْمشكاة الكوة) ، بِفَتْح الْكَاف وَضمّهَا، وَقَالَ الواحدي: وَهِي عِنْد الْجَمِيع غير نَافِذَة، وَقيل: الْمشكاة الَّتِي يعلق بهَا الْقنْدِيل يدْخل فِيهَا الفتيلة، وَقيل: الْمشكاة الْوِعَاء من أَدَم يبرد فِيهَا المَاء، وَعَن مُجَاهِد: هِيَ الْقنْدِيل، وَقَالَ ابْن كَعْب: الْمشكاة صَدره والمصباح الْإِيمَان وَالْقُرْآن والزجاجة قلبه، والشجرة الْمُبَارَكَة الْإِخْلَاص. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ (الْقِيَامَة: ٧١) تألِيفَ بَعْضِهِ إِلَى بعْضٍ: ﴿فإذَا قرَأناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فَإِذا جَمَعْناهُ وألْفْناهُ فاتّبِعْ قُرْآنَهُ أيْ مَا جُمِعَ فِيهِ فاعْمَلْ بِمَا أمَرَكَ وانْتَهِ عَمّا نِهاكَ الله: ويُقالُ لَيْس

стр. 5647

لِشِعْرِهِ قُرْآنٌ أيْ تألِيفٌ وسُمِّيَ الفُرْقانَ لأنّهُ يفرق بيْنَ الحَقِّ والبَاطِلِ ويُقال لِلمَرْأةِ مَا قَرَأتْ بِسَلاً قَطُّ أَي لمْ تَجْمَعْ فِي بَطْنها ولَداً. هَذَا كُله ظَاهر ومقصوده بَيَان أَن الْقُرْآن مُشْتَقّ من قَرَأَ بِمَعْنى جمع لَا من قَرَأَ بِمَعْنى تَلا، قَوْله: (بسلاً) بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام مَقْصُورا. وَهِي الْجلْدَة الرقيقة الَّتِي يكون فِيهَا الْوَلَد. ﴿وَقَالَ فرَّضْناها أنْزَلْنا فِيها فَرَائِضَ مُخْتَلِفَةً ومَنْ قَرَأ فَرَضْنَاها يَقُولُ فَرَضْنا عَلَيْكُمْ وعَلَى مَنْ بَعْدَكُمْ﴾ فرضناها بتَشْديد الرَّاء مَعْنَاهُ: أنزلنَا فِيهَا فَرَائض مُخْتَلفَة وأوجبناها عَلَيْكُم وعَلى من بعدكم إِلَى قيام السَّاعَة، وَهَذِه قِرَاءَة ابْن كثير وَأبي عَمْرو، وَقِرَاءَة البَاقِينَ: فرضناها، بِالتَّخْفِيفِ أَي: جعلناها وَاجِبَة مَقْطُوعًا بهَا، وَهُوَ معنى قَوْله: (وَمن قَرَأَ فرضناها) يَعْنِي بِالتَّخْفِيفِ من الْفَرْض وَهُوَ الْقطع. قَوْله: (وعَلى من بعدكم) أَي: على الَّذين يأْتونَ بعدكم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. قَالَ مُجااهِدٌ: ﴿أَو الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ (النُّور: ١٣) : لَمْ يَدْرُوا لَما بِهِمْ مِنَ الصِّغَرِ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله : ﴿أَو الطِّفْل الَّذين لم يظهروا على عورات النِّسَاء﴾ (النُّور: ١٣) وَفَسرهُ بقوله: (لم يدروا لما بهم) أَي: لأجل مَا بهم من الصغر، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد: لم يدروا مَا هِيَ من الصغر قبل الْحلم، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: وَقَالَ مُجَاهِد: لَا يهمه إلَاّ بَطْنه وَلَا يخَاف على النِّسَاء أَو الطِّفْل الَّذين لم يظهروا إِلَى آخِره، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: الطِّفْل يكون وَاحِدًا وجمعاً. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ غَيْرِ أولي الإِرْبَةِ مَنْ لَيْسَ لَهُ إرْبٌ هَذَا ثَبت للنسفي، أَي: قَالَ عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو التَّابِعين غير أولي الإربة من الرِّجَال﴾ (النُّور: ١٣) وَفسّر: ﴿غير أولي الإربة﴾ بقوله: (من لَيْسَ لَهُ إرب) بِكَسْر الْهمزَة أَي حَاجَة من الرِّجَال، وهم الَّذين يتبعونكم ليصيبوا من فضل طَعَامكُمْ وَلَا حَاجَة لَهُم فِي النِّسَاء وَلَا يشتهونهن. وَقَالَ مُجاهِدٌ لَا يُهمُّهُ إلاّ بَطْنُهُ وَلَا يُخافُ عَلَى النِّساءِ وَقَالَ طاوُسٌ هُوَ الأحْمَقُ الَّذِي لَا حاجةَ لَهُ فِي النِّساءِ أَي: ﴿غير أولى الإربة﴾ هُوَ الأحمق إِلَى آخِره، وَوَصله عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه بِمثلِهِ، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : وَقيل هَذَا التَّابِع هُوَ الأحمق الَّذِي لَا تشتهيه الْمَرْأَة وَلَا يغار عَلَيْهِ الرجل، وَقيل: هُوَ الأبلة الَّذِي يُرِيد الطَّعَام وَلَا يُرِيد النِّسَاء، وَقيل: الْعنين، وَقيل: الشَّيْخ الفاني، وَقيل: الْمَجْبُوب، وَقَالَ الزّجاج: غير صفة للتابعين. ١ - (بابُ قَوْلِهِ : ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْوَاجَهُمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلَاّ أنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهادَاتٍ بِاللَّه إنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (النُّور: ٦) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَالَّذين يرْمونَ﴾ الْآيَة ... أَي، يقذفونهم بِالزِّنَا وَلم يكن لَهُم شُهَدَاء على صِحَة مَا قَالُوا إلَاّ أنفسهم، بِالرَّفْع على أَنه بدل من الشُّهَدَاء. قَوْله: (أَربع شَهَادَات) قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَحَفْص عَن عَاصِم: أَربع، بِالرَّفْع وَالْمعْنَى: فشهادة أحدهم الَّتِي تدرأ الْعَذَاب أَربع شَهَادَات، وَالْبَاقُونَ بِالنّصب لِأَنَّهُ فِي حكم الْمصدر وَالْعَامِل فِيهِ الْمصدر الَّذِي هُوَ (فشهادة أحدهم) وَهِي مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر تَقْدِيره: فَوَاجِب شَهَادَة أحدهم أَربع شَهَادَات. ٥٤٧٤ - حدَّثنا إسْحاقُ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ الفِرْيابِيُّ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدّثني الزُّهْرِيُّ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ أنَّ عُوَيْمِراً أتَى عاصِمَ بنَ عَدِيّ وكانَ سَيِّدَ بَني عَجْلَانَ فَقَالَ كَيْفَ تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ وَجَدَ مَعَ امْرَأتِهِ رجلا أيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أمْ كَيْفَ يَصْنَعُ سَلْ لي رسولَ الله ﷺ عنْ ذَلِكَ فأتَى عاصِمٌ النبيَّ ﷺ فَقَالَ يَا رسولَ الله فَكَرِة رَسُول

стр. 5648

ُ الله ﷺ المَسائِلَ فَسَألَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ إنَّ رسولَ الله ﷺ كَرِهَ المَسائِلَ وعابَها قَالَ عُوَيْمِرٌ وَالله لَا انْتَهى حَتَّى أسألَ رسُولَ الله ﷺ عنْ ذالِكَ فَجاء عُوَيْمِرٌ فَقَالَ يَا رسولَ الله رَجُلٌ وَجَدَ مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلاً أيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أم كَيْفَ يَصْنَعُ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ قَدْ أنْزَلَ الله القُرْآنَ فيكَ وَفِي صاحِبَتِكَ فأمَرَهُما رسُولُ الله ﷺ وسلَّم بالمُلَاعَنَةِ بِما سَمَّى الله فِي كِتابِهِ فَلَاعَنَها ثُمَّ قَالَ يَا رسولَ الله إنْ حَبَسْتُها فَقَدْ ظلمْتُها فَطلَّقَها فَكانَتْ سُنَّة لِمَنْ كانَ بَعْدَهُما فِي المُتَلَاعِنَيْنِ ثُمَّ قَالَ رسولُ الله ﷺ انْظُرُوا فإنْ جاءَتْ بِهِ أسْحَمَ أدْعَجَ العَيْنَبْنِ عَظِيمَ الألْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ فَلَا أحْسِبُ عُوَيْمِراً إلَاّ قَدْ صَدَقَ عَلَيْها وإنْ جاءَتْ بِهِ أحَيْمِرَ كأنَّهُ وحَرَةٌ فَلَا أحْسِبُ عُوَيْمِراً إلَاّ قَدْ كَذَبَ عَلَيْها فَجاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ بِهِ رسولُ الله ﷺ مِنْ تَصْدِيقِ عُوَيْمِرٍ فكانَ بَعْدُ يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة تُؤْخَذ من ظَاهر الحَدِيث. ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: إِسْحَاق ذكر غير مَنْسُوب، وَقَالَ بَعضهم: وَعِنْدِي أَنه ابْن مَنْصُور. قلت: لَا حَاجَة إِلَى قَوْله: وَعِنْدِي، لِأَن ابْن الغساني قَالَ: إِنَّه مَنْصُور. الثَّانِي: مُحَمَّد بن يُوسُف أَبُو عبد الله الْفرْيَابِيّ وَهُوَ من مَشَايِخ البُخَارِيّ وروى عَنهُ بالواسطة. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: سهل بن سعد بن مَالك السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ ﵁، وَهَؤُلَاء مرواة الحَدِيث. السَّادِس: عُوَيْمِر مصغر عَامر بن الْحَارِث بن زيد بن حَارِثَة بن الْجد بن الْعجْلَاني، كَذَا ذكره صَاحب (التَّوْضِيح) ، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: عُوَيْمِر بن أَبيض وَقيل ابْن أشقر الْعجْلَاني الْأنْصَارِيّ صَاحب قصَّة اللّعان، وَقيل: هُوَ ابْن الْحَارِث. السَّابِع: عَاصِم بن عدي بن الْجد بن العجلان ابْن حَارِثَة الْعجْلَاني وَهُوَ أَخُو معن بن عدي ووالد أبي البداح بن عَاصِم، وعاش عَاصِم عشْرين وَمِائَة سنة وَمَات فِي سنة خمس وَأَرْبَعين، وَذكر مُوسَى بن عقبَة أَنه وأخاه من شُهَدَاء بدر، ومعن قتل بِالْيَمَامَةِ ﵄. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّلَاق عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله، وَفِي التَّفْسِير عَن عبد الله بن يُوسُف، وَفِي الِاعْتِصَام عَن آدم، وَفِي الْأَحْكَام وَفِي الْمُحَاربين عَن عَليّ بن عبد الله، وَفِي التَّفْسِير أَيْضا عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي، وَفِي الطَّلَاق أَيْضا عَن يحيى. وَأخرجه مُسلم فِي اللّعان عَن يحيى وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّلَاق عَن القعْنبِي وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن مسلمة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي مَرْوَان مُحَمَّد بن عُثْمَان. ذكر مَعَانِيه قَوْله: (أَيَقْتُلُهُ؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار، أَي: أيقتل الرجل؟ قَوْله: (سل) أَصله: اسْأَل، فنقلت حَرَكَة الْهمزَة إِلَى السِّين بعد حذفهَا للتَّخْفِيف وَاسْتغْنى عَن همزَة الْوَصْل فحذفت فَصَارَ: سل، على وزن: قل. قَوْله: (فكره رَسُول الله ﷺ ، الْمسَائِل) إِنَّمَا كره لِأَن سُؤال عَاصِم فِيهِ عَن قَضِيَّة لم تقع بعد وَلم يحْتَج إِلَيْهَا، وفيهَا إِشَاعَة على الْمُسلمين وَالْمُسلمَات وتسليط الْيَهُود وَالْمُنَافِقِينَ فِي الْكَلَام فِي عرض الْمُسلمين، وَفِي رِوَايَة مُسلم: فَسَأَلَ عَاصِم رَسُول الله ﷺ فكره رَسُول الله ﷺ الْمسَائِل وعابها حَتَّى كبر على عَاصِم مَا سمع من رَسُول الله ﷺ ، فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِم إِلَى أَهله جَاءَهُ عُوَيْمِر، فَقَالَ: يَا عَاصِم ﴿مَاذَا قَالَ لَك رَسُول الله ﷺ ؟ قَالَ عَاصِم لعويمر: لم تأتني بِخَير، قد كره رَسُول الله ﷺ الْمَسْأَلَة الَّتِي سَأَلته عَنْهَا، قَالَ عُوَيْمِر: وَالله لَا أَنْتَهِي حَتَّى أسأله عَنْهَا، فَأقبل عُوَيْمِر حَتَّى أَتَى رَسُول الله ﷺ وسط النَّاس، فَقَالَ: يَا رَسُول الله﴾ أَرَأَيْت ... إِلَى آخِره. قَوْله: (فَأَمرهمَا رَسُول الله ﷺ بالملاعنة) ، أَي: ملاعنة الرجل امْرَأَته، وَسميت بذلك لقَوْل الزَّوْج: وعَلَيَّ لعنة الله إِن كنت من الْكَاذِبين، واختير لفظ: اللَّعْن، على لفظ: الْغَضَب، وَإِن كَانَا موجودين

стр. 5649

فِي الْآيَة الْكَرِيمَة، وَفِي صُورَة اللّعان لِأَن لفظ اللَّعْن مُتَقَدم فِي الْآيَة، وَلِأَن جَانب الرجل فِيهِ أقوى من جَانبهَا لِأَنَّهُ قَادر على الِابْتِدَاء بِاللّعانِ دونهَا، وَلِأَنَّهُ قد يَنْفَكّ لِعَانه عَن لعانها وَلَا ينعكس، وَقيل: سمي لعاناً من اللَّعْن وَهُوَ الطَّرْد والإبعاد، لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا يبعد عَن صَاحبه وَيحرم النِّكَاح بَينهمَا على التَّأْبِيد، بِخِلَاف المطلِّق وَغَيره، وَكَانَت قصَّة اللّعان فِي شعْبَان سنة تسع من الْهِجْرَة، وَمِمَّنْ نَقله القَاضِي عَن الطَّبَرِيّ. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي سَبَب نزُول آيَة اللّعان: هَل هُوَ بِسَبَب عُوَيْمِر الْعجْلَاني أم بِسَبَب هِلَال بن أُميَّة؟ فَقَالَ بَعضهم: بِسَبَب عُوَيْمِر الْعجْلَاني. وَاسْتَدَلُّوا بقوله ﷺ : قد أنزل الله الْقُرْآن فِيك وَفِي صَاحبَتك، وَقَالَ جُمْهُور الْعلمَاء: سَبَب نُزُولهَا قصَّة هِلَال، قَالَ: وَكَانَ أول رجل لَاعن فِي الْإِسْلَام، وَجمع الدَّاودِيّ بَينهمَا بِاحْتِمَال كَونهمَا فِي وَقت فَنزل الْقُرْآن فيهمَا، أَو يكون أَحدهمَا وهما. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: النَّقْل فيهمَا مشتبه مُخْتَلف، وَقَالَ ابْن الصّباغ: قصَّة هِلَال تبين أَن الْآيَة نزلت فِيهِ أَولا، وَأما قَوْله ﵊، لعويمر: إِن الله أنزل فِيك وَفِي صَاحبَتك، فَمَعْنَاه مَا نزل فِي قصَّة هِلَال لِأَن ذَلِك حكم عَام لجَمِيع النَّاس، وَقَالَ النَّوَوِيّ: لعلهما سَأَلَا فِي وَقْتَيْنِ متقاربين فَنزلت الْآيَة فيهمَا، وَسبق هِلَال بِاللّعانِ فَيصدق أَنَّهَا نزلت فِي ذَا وَذَاكَ. قلت: هَذَا مثل جَوَاب الدَّاودِيّ بِالْوَجْهِ الأول وَهُوَ الْأَوْجه فَإِن قلت: جَاءَ فِي حَدِيث أنس بن مَالك: هِلَال بن أُميَّة، وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: لَاعن بَين الْعجْلَاني وَامْرَأَته، وَفِي حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود: وَكَانَ رجلا من الْأَنْصَار جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ فلاعن امْرَأَته. قلت: لَا اخْتِلَاف فِي ذَلِك لِأَن الْعجْلَاني هُوَ عُوَيْمِر، وَكَذَا فِي قَول ابْن مَسْعُود: وَكَانَ رجلا. قَوْله: (فَتَلَاعَنا) فِيهِ حذف وَالتَّقْدِير: أَنه سَأَلَ وَقذف امْرَأَته وأنكبرت الزِّنَا وأصر كل وَاحِد مِنْهُمَا على كَلَامه ثمَّ تلاعنا، وَالْفَاء فِيهِ فَاء الفصيحة. قَوْله (إِن حبستها فقد ظلمتها فَطلقهَا) ، يفهم من ذَلِك أَن بِمُجَرَّد اللّعان لَا تحصل الْفرْقَة على مَا نذكرهُ فِي استنباط الْأَحْكَام. قَوْله: (فَكَانَت) ، أَي: الْمُلَاعنَة كَانَت سنة بِالْوَجْهِ الْمَذْكُور لمن يَأْتِي بعدهمَا من المتلاعنين. قَوْله: (فَإِن جَاءَت بِهِ) أَي: بِالْوَلَدِ، (أسحم) بِالْحَاء الْمُهْملَة: وَهُوَ شَدِيد السوَاد. قَوْله: (أدعج الْعَينَيْنِ) ، الدعج فِي الْعين شدَّة سوادها، وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس الْآتِي: أكحل الْعَينَيْنِ. قَوْله: (عَظِيم الأليتين) ، بِفَتْح الْهمزَة: يُقَال: رجل أَلِي وَامْرَأَة عجزاء، وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: سابغ الأليتين. قَوْله: (خَدلج السَّاقَيْن) ، الخدلج، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وَفتح اللَّام الْمُشَدّدَة وبالجيم: الْعَظِيم، وسَاق خدلجة مَمْلُوءَة. قَوْله: (أُحَيْمِر) ، تَصْغِير أَحْمَر، وَقَالَ ابْن التِّين: الْأَحْمَر الشَّديد الشقرة. قَوْله: (وحرة) ، بِفَتْح الْوَاو وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وَالرَّاء: وَهِي دويبة حَمْرَاء تلزق بِالْأَرْضِ كالعظاءة. قَوْله: (فَكَانَ بعد) ، أَي: بعد أَن جَاءَ الْوَلَد (ينْسب إِلَى أمه) . ذكر استنباط الْأَحْكَام: وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ الاستعداد للوقائع قبل وُقُوعهَا ليعلم أَحْكَامهَا. الثَّانِي: فِيهِ الرُّجُوع إِلَى من لَهُ الْأَمر. الثَّالِث: فِيهِ أَدَاء الْأَحْكَام على الظَّاهِر، وَالله يتَوَلَّى السرائر. الرَّابِع: فِيهِ كَرَاهَة الْمسَائِل الَّتِي لَا يحْتَاج إِلَيْهَا لَا سِيمَا مَا كَانَ فِيهِ هتك سيرة مُسلم أَو مسلمة أَو إِشَاعَة فَاحِشَة على مُسلم أَو مسلمة. الْخَامِس: فِيهِ أَن الْعَالم يقْصد فِي منزله للسؤال وَلَا ينْتَظر بِهِ عِنْد تصادفه فِي الْمَسْجِد أَو الطَّرِيق. السَّادِس: اخْتلف الْعلمَاء فِيمَن قتل رجلا وَزعم أَنه وجده قد زنا بامرأته، فَقَالَ جمهورهم: لَا يقتل بل يلْزمه الْقصاص إلَاّ أَن تقوم بذلك بَيِّنَة أَو تعترف بِهِ وَرَثَة الْقَتِيل، وَالْبَيِّنَة أَرْبَعَة من عدُول الرِّجَال يشْهدُونَ على نفس الزِّنَا وَيكون الْقَتِيل مُحصنا، وَأما فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى فَإِن كَانَ صَادِقا فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَقَالَ بعض الشَّافِعِيَّة: يجب على كل من قتل زَانيا مُحصنا الْقصاص. السَّابِع: فِيهِ مَشْرُوعِيَّة اللّعان وَهُوَ مقتبس من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْخَامِسَة أَن لعنة الله عَلَيْهِ إِن كَانَ من الْكَاذِبين﴾ (النُّور: ٧) . وَقَالَ أَصْحَابنَا: اللّعان شَهَادَة مُؤَكدَة بالأيمان مقرونة باللعن وَالْغَضَب، وَأَنه فِي جَانب الزَّوْج قَائِم مقَام حد الْقَذْف، وَفِي جَانبهَا قَائِم مقَام حد الزِّنَا، وَقَالَ الشَّافِعِي: اللّعان إِنَّمَا كَانَ بِلَفْظ الشَّهَادَة مقرونة بِالْغَضَبِ أَو اللَّعْن، فَكل من كَانَ من أهل الشَّهَادَة وَالْيَمِين كَانَ من أهل اللّعان، وَمن لَا فَلَا، عندنَا وكل من كَانَ من أهل الْيَمين فَهُوَ من أهل اللّعان عِنْده، سَوَاء كَانَ من أهل الشَّهَادَة أَو لم يكن، وَمن لم يكن من أهل الشَّهَادَة وَلَا من أهل الْيَمين لَا يكون من أهل اللّعان بِالْإِجْمَاع. الثَّامِن: أَن اللّعان يكون بِحَضْرَة الإِمَام أَو القَاضِي وبمجمع من النَّاس، وَهُوَ أحد أَنْوَاع تَغْلِيظ اللّعان، وَقَالَ النَّوَوِيّ: يغلظ اللّعان بِالزَّمَانِ وَالْمَكَان وَالْمجْمَع، فَأَما الزَّمَان فَبعد الْعَصْر، وَالْمَكَان فِي أشرف مَوضِع فِي ذَلِك الْبَلَد، وَالْمجْمَع طَائِفَة من النَّاس وَأَقلهمْ أَرْبَعَة، وَهل هَذِه التغليظات وَاجِبَة أم مُسْتَحبَّة؟ فِيهِ خلاف عندنَا، الْأَصَح الِاسْتِحْبَاب.

стр. 5650

التَّاسِع: فِيهِ أَن بِمُجَرَّد اللّعان لَا تقع الْفرْقَة بل تقع بِحكم الْحَاكِم عِنْد أبي حنيفَة. كَقَوْلِه ﷺ : (فَطلقهَا) وَلما فِي حَدِيث ابْن عمر أخرجه مُسلم، ثمَّ فرق بَينهمَا، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَأحمد، وَفِي مَذْهَب مَالك: أَرْبَعَة أَقْوَال. أَحدهَا: أَن الْفرْقَة لَا تقع إِلَّا بالتعانهما جَمِيعًا. وَالثَّانِي: وَهُوَ ظَاهر قَول مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) : أَنَّهَا تقع بِلعان الزَّوْج وَهُوَ رِوَايَة إصبغ. وَالثَّالِث: قَول سَحْنُون: يتم بِلعان الزَّوْج مَعَ نُكُول الْمَرْأَة. وَالرَّابِع: قَول ابْن الْقَاسِم: يتم بالتعان الزَّوْج إِن التعنت، فحاصل مَذْهَب مَالك أَنَّهَا تقع بَينهمَا بِغَيْر حكم حَاكم وَلَا تطليق. وَبِه قَالَ اللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو عبيد وَزفر بن هزيل، وَعند الشَّافِعِي: تقع بالتعان الزَّوْج، وَاتفقَ أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَمَالك وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو عبيد وَأَبُو ثَوْر: أَن اللّعان حكمه وسنته الْفرْقَة بَين المتلاعنين، إِمَّا بِاللّعانِ وَإِمَّا بتفريق الْحَاكِم، على مَا ذكرنَا من مذاهبهم، وَهُوَ مَذْهَب أهل الْمَدِينَة وَمَكَّة وكوفة وَالشَّام ومصر، وَقَالَ عُثْمَان البتي وَطَائِفَة من أهل الْبَصْرَة: إِذا تلاعنا لم ينقص اللّعان شَيْئا من الْعِصْمَة حَتَّى يُطلق الزَّوْج، قَالَ: وَأحب إِلَيّ أَن يُطلق، وَقَالَ الإشبيلي: هَذَا قَول لم يتقدمه أحد إِلَيْهِ. قلت: حكى ابْن جرير هَذَا القَوْل أَيْضا عَن أبي الشعْثَاء جَابر بن زيد، ثمَّ اخْتلفُوا أَن الْفرْقَة بَين المتلاعنين فسخ أَو تَطْلِيقَة؟ فَعِنْدَ أبي حنيفَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب: هِيَ طَلْقَة وَاحِدَة، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: هِيَ فسخ. الْعَاشِر: فِيهِ أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ أصلا لقَوْله: (فَكَانَت سنة لمن كَانَ بعدهمَا) . الْحَادِي عشر: فِيهِ الِاعْتِبَار بالشبه لِأَنَّهُ ﷺ ، اعْتبر الشّبَه وَلَكِن لم يحكم بِهِ لأجل مَا هُوَ أقوى من الشّبَه، فَلذَلِك قَالَ فِي ولد وليدة زَمعَة لما رأى الشّبَه بِعَيْنِه احتجبي مِنْهُ يَا سَوْدَة، وَقضى بِالْوَلَدِ للْفراش لِأَنَّهُ أقوى من الشّبَه، وَحكم بالشبه فِي حكم الْقَافة إِذْ لم يكن هُنَاكَ شَيْء أقوى من الشّبَه. الثَّانِي عشر: فِيهِ إِثْبَات التَّوَارُث بَينهَا وَبَين وَلَدهَا، يفهم ذَلِك من قَوْله: فَكَانَ بعد ينْسب إِلَى أمه. وَجَاء فِي حَدِيث يَأْتِي أصرح مِنْهُ، وَهُوَ قَوْله: ثمَّ جرت السّنة فِي الْمِيرَاث أَن يَرِثهَا وترث مِنْهُ مَا فرض الله لَهَا، وَهَذَا إِجْمَاع فِيمَا بَينه وَبَين الْأُم، وَكَذَا بَينه وَبَين أَصْحَاب الْفُرُوض من جِهَة أمه، وَبِه قَالَ الزُّهْرِيّ وَمَالك وَأَبُو ثَوْر، وَقَالَ أَحْمد: إِذا انْفَرَدت الْأُم أخذت جَمِيع مَاله بالعصوبة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا انْفَرَدت أخذت الْجَمِيع لَكِن الثُّلُث فرضا وَالْبَاقِي ردا على قَاعِدَته فِي إِثْبَات الرَّد. الثَّالِث عشر: فِيهِ أَن شَرط اللّعان أَن يكون بَين الزَّوْجَيْنِ لِأَن الله خصّه بالأزواج بقوله: ﴿وَالَّذين يرْمونَ أَزوَاجهم﴾ (النُّور: ٦) فعلى هَذَا إِذا تزوج امْرَأَة نِكَاحا فَاسِدا ثمَّ قَذفهَا لم يلاعنها لعدم الزَّوْجِيَّة، وَقَالَ الشَّافِعِي: يلاعنها إِذا كَانَ الْقَذْف يَنْفِي الْوَلَد وَكَذَا لَو طلق امْرَأَته طَلَاقا بَائِنا أَو ثَلَاثًا ثمَّ قَذفهَا بِالزِّنَا لَا يجب اللّعان، وَلَو طَلقهَا طَلَاقا رَجْعِيًا ثمَّ قَذفهَا يجب اللّعان، وَلَو قَذفهَا بزنا كَانَ قبل الزَّوْجِيَّة فَعَلَيهِ اللّعان عندنَا لعُمُوم الْآيَة، خلافًا للشَّافِعِيّ، وَلَو قذف امْرَأَته بعد مَوتهَا لم يُلَاعن عندنَا، وَعند الشَّافِعِي يُلَاعن على قبرها. الرَّابِع عشر: فِيهِ سُقُوط الْحَد عَن الرجل وَذَلِكَ لأجل أيمانه سقط الْحَد. الْخَامِس عشر: فِيهِ أَن شَرط وجوب اللّعان عدم إِقَامَة الْبَيِّنَة لقَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ لم يَأْتُوا بأَرْبعَة شُهَدَاء﴾ حَتَّى لَو أقامهم الزَّوْج عَلَيْهَا بِالزِّنَا لَا يجب اللّعان ويقام عَلَيْهَا الْحَد. السَّادِس عشر: فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن شَرط وجوب اللّعان إِنْكَار الْمَرْأَة وجود الزِّنَا، حَتَّى لَو أقرَّت بذلك لَا يجب اللّعان ويلزمها حد الزِّنَا الْجلد إِن كَانَت غير مُحصنَة، وَالرَّجم إِذا كَانَت مُحصنَة، وَالله أعلم. ٢ - (بابٌ: ﴿والخامِسَةُ أنَّ لَعْنَةَ الله عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ (النُّور: ٧) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَالْخَامِسَة﴾ ... الْآيَة. قَوْله: (وَالْخَامِسَة) أَي: الشَّهَادَة الْخَامِسَة، وَهِي بعد أَربع شَهَادَات كَمَا هِيَ مَعْرُوفَة فِي موضعهَا، وقرىء: أَن لعنة الله و: أَن غضب الله، على تَخْفيف: أَن، وَرفع مَا بعْدهَا. وقرىء: أَن غضب الله، بِكَسْر الضَّاد وعَلى فعل الْغَضَب، وقرىء بِنصب الخامستين على معنى: وَيشْهد الْخَامِسَة. ٦٤٧٤ - حدَّثني سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ أبُو الرَّبِيعِ حَدثنَا فُلَيْحٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ أنَّ رجُلاً أتَى رسُولَ الله ﷺ فَقَالَ يَا رسولَ الله أرَأيْتَ رَجُلاً رَأْي مَعَ امْرَأتِهِ رجُلاً أيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أمْ كَيْفَ يَفْعَلُ فأنْزَلَ الله فِيهِما مَا ذُكِرَ فِي القُرْآنِ مِنَ التّلَاعُنِ فَقَالَ لَهُ رسولُ الله

стр. 5651

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَدْ قُضِيَ فِيكَ وَفِي امْرَأتِكَ قَالَ فَتَلاعَنا وَأَنا شاهِدٌ عِنْدَ رسولِ الله ﷺ فَفارَقَها فَكانَتْ سُنَّةً أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ المُتَلَاعِنَيْنِ وكانَتْ حامِلاً فأنْكَرَ حَمْلَها وكانَ ابْنَها يُدْعَى إلَيْها ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ فِي المِيرَاثِ أنْ يَرِثَها وتَرِثَ مِنْهُ مَا فَرَضَ الله لَها.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَأنْزل الله فِيهَا) . وفليح، بِضَم الْفَاء وَفتح اللَّام: ابْن سُلَيْمَان أَبُو يحيى الْخُزَاعِيّ وَكَانَ اسْمه عبد الْملك ولقبه فليح. والْحَدِيث رُوِيَ عَن سهل بطريقين: أَحدهمَا: عَن إِسْحَاق عَن مُحَمَّد بن يُوسُف، وَقد مر. وَالْآخر: عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي الْبَاب الَّذِي قبله، ولنذكر مَا لم يذكر فِيهِ. فَقَوله: (أَن رجلا) هُوَ: عُوَيْمِر الْعجْلَاني. قَوْله: (قد قضي فِيك وَفِي امْرَأَتك) الْقَضَاء فيهمَا هُوَ بِآيَة اللّعان الَّتِي نزلت. قَوْله: (فَتَلَاعَنا) ، فِيهِ حذف كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي الحَدِيث الْمَاضِي تَقْدِيره: قذف امْرَأَته وَأنْكرت هِيَ الزِّنَا وأصر كل وَاحِد مِنْهُمَا على قَوْله ثمَّ تلاعنا. قَوْله: (ففارقها) ، وَفِي رِوَايَة: فَطلقهَا ثَلَاثًا، قبل أَن يَأْمُرهُ رَسُول الله ﷺ ففارقها عِنْد النَّبِي ﷺ ، وَفِي رِوَايَة: لَاعن ثمَّ لاعنت ثمَّ فرق بَينهمَا، وَفِي رِوَايَة قَالَ: لَا سَبِيل لَك عَلَيْهَا. قَوْله: (فَكَانَت) ، أَي: الْمُلَاعنَة (سنة التَّفْرِيق بَينهمَا) وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة وَقد تَأَوَّلَه ابْن نَافِع الْمَالِكِي على أَن مَعْنَاهُ اسْتِحْبَاب ظُهُور الطَّلَاق بعد اللّعان. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ الْجُمْهُور: مَعْنَاهُ حُصُول الْفرْقَة بِنَفس اللّعان، قُلْنَا: معنى الْجَواب عَن هَذَا فِيمَا مضى أَنه لَا بُد من حكم الْحَاكِم لقَوْله ﷺ لعويمر بعد اللّعان: فَطلقهَا. قَوْله: (وَكَانَت حَامِلا فَأنْكر) أَي: الرجل أنكر (حملهَا) فِيهِ دَلِيل على جَوَاز الْمُلَاعنَة بِالْحملِ، وَإِلَيْهِ ذهب ابْن أبي ليلى وَمَالك وَأَبُو عُبَيْدَة وَأَبُو يُوسُف فِي رِوَايَة، فَافْهَم. قَالُوا: من نفى حمل امْرَأَته لَا عَن بَينهمَا القَاضِي، وَألْحق الْوَلَد بِأُمِّهِ. وَقَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف فِي الْمَشْهُور عَنهُ وَمُحَمّد وَأحمد فِي رِوَايَة، وَابْن الْمَاجشون من أَصْحَاب مَالك وزفرين الْهُذيْل: لَا تلاعن بِالْحملِ، وَسَوَاء عِنْد أبي حنيفَة وَزفر ولدت بعد النَّفْي لتَمام سِتَّة أشهر أَو قبلهَا، وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد: إِن ولدت لأَقل من سِتَّة أشهر مُنْذُ نَفَاهُ وَجب عَلَيْهِ اللّعان لِأَنَّهُ حينئذٍ يتَيَقَّن بِوُجُودِهِ عِنْد النَّفْي ولأكثر مِنْهَا احْتمل أَن يكون حمل حَادث، وَبِه قَالَ مَالك، إلَاّ أَنه يشْتَرط عدم وَطئهَا بعد النَّفْي، وَأَجَابُوا عَن الحَدِيث: أَن اللّعان فِيهِ كَانَ بِالْقَذْفِ لَا بِالْحملِ وَلِأَنَّهُ يجوز أَن يكون حملا لِأَن مَا يظْهر من الْمَرْأَة مِمَّا يتَوَهَّم بِهِ أَنَّهَا حَامِل لَيْسَ يعلم أَنه حمل على حَقِيقَته إِنَّمَا هُوَ توهم، فنفي المتوهم لَا يُوجب اللّعان. قَوْله: (ثمَّ جرت السّنة) إِلَى آخِره، قد مر حَاصله فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَقد أجمع الْعلمَاء على جَرَيَان التورات بَينه وَبَين أَصْحَاب الْفُرُوض من جِهَة أمه وهم: إخْوَته وأخواته من أمه وجداته من أمه، ثمَّ إِذا دفع إِلَى أمه فَرضهَا أَو إِلَى أَصْحَاب الْفُرُوض وَيبقى شَيْء فَهُوَ لموَالِي أمه إِن كَانَ عَلَيْهَا وَلَاء، وَإِن لم يكن يكون لبيت المَال عِنْد من لَا يرى بِالرَّدِّ وَلَا بتوريث ذَوي الْأَرْحَام، وَالله أعلم. ٣ - (بابٌ قَوْلُهُ: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذَابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهادَاتٍ بِاللَّه إنّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ (النُّور: ٨) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿ويدرأ عَنْهَا الْعَذَاب﴾ أَي: وَيدْفَع عَن الزَّوْجَة الْحَد بِأَن تشهد أَربع شَهَادَات بِاللَّه وَإنَّهُ أَي: أَن الزَّوْج. ٧٤٧٤ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيّ عنْ هِشام بنِ حَسَّانَ حدّثنا عِكْرَمَةُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ أنَّ هلَالَ بنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ بنِ سَحْماءَ فَقَالَ النبيُّ ﷺ البَيِّنَةَ أوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ فَقَالَ يَا رسولَ الله إِذا رَأى أحَدُنا عَلَى امْرأتِهِ رَجُلاً يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ البَيِّنَةَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ البَيِّنَةَ وإلَاّ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ فَقَالَ هِلَالٌ والَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ إنِّي لَصَادِقٌ فليُنْزِلَنَّ الله

стр. 5652

مَا يُبرِّي ظَهْرِي مِنَ الحَدِّ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وأنْزَلَ عَلَيْهِ والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ فَقَرَأ حَتَّى بَلَغَ إنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فانْصَرَفَ النبيُّ ﷺ فأرْسَلَ إلَيْها فَجاءَ هِلَالٌ فَشَهِدَ والنبيُّ ﷺ يَقولُ إنَّ الله يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُما تائِبٌ ثُمَّ قامَتْ فَشَهِدَتْ فَلَمّا كانَتْ عِنْدَ الخَامِسَةِ وقّفُوها وقالُوا إنّها مُوجِبَةٌ. قَالَ ابنُ عَبّاسٍ فَتَلَكّأتْ ونَكَصَتْ حَتّى ظَنَنّا أنّها تَرْجِعُ ثُمَّ قالَتْ لَا أفْضَحُ قَوْمِي سائرَ اليَوْمِ فَمَضَتْ فَقَالَ النبيُّ ﷺ أبْصِرُوها فإِنْ جاءَتْ بِهِ أكْحَلَ العَيْنَيْنِ سابِغَ الألْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ فَهْوَ لِشَرِيكِ بنِ سَحْماءَ فَجَاءَتْ بِهِ كَذالِكَ فَقَالَ النبيُّ ﷺ لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتابِ الله لَكانَ لِي ولَها شَأْنٌ. (انْظُر الحَدِيث ١٧٦٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من الْآيَة وَهِي: ﴿وَالَّذين يرْمونَ﴾ (النُّور: ٦) وَابْن عدي مُحَمَّد، وَاسم أبي عدي إِبْرَاهِيم الْبَصْرِيّ. والْحَدِيث بِعَيْنِه إِسْنَادًا ومتناً قد مر فِي كتاب الشَّهَادَة فِي: بَاب إِذا ادّعى أَو قذف فَلهُ أَن يلْتَمس الْبَيِّنَة، وَلَكِن إِلَى قَوْله: أوحد فِي ظهرك، فَذكر حَدِيث اللّعان، ولنذكر هُنَا تَفْسِير بعض شَيْء لبعد الْمسَافَة، ولنذكر أَيْضا بعض مَعَاني مَا زَاد على مَا هُنَالك. فَقَوله: (أَن هِلَال بن أُميَّة) ، بِضَم الْهمزَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: الوَاقِفِي، بِكَسْر الْقَاف وبالفاء: الْأنْصَارِيّ، وَهُوَ أحد الثَّلَاثَة الَّذين تخلفوا عَن رَسُول الله ﷺ فِي غَزْوَة تَبُوك وتيب عَلَيْهِم. قَوْله: (بِشريك ابْن سَحْمَاء) ، وَهُوَ إسم أمه، وَأما أَبوهُ فَهُوَ عَبدة ضد الْحرَّة الْعجْلَاني وَهُوَ ابْن عَاصِم بن عدي، وَامْرَأَته وَامْرَأَة هِلَال خَوْلَة بنت عَاصِم. قَوْله: (الْبَيِّنَة) ، بِالنّصب وَالرَّفْع، أما النصب فعلى تَقْدِير: أحضر الْبَيِّنَة، وَأما الرّفْع فعلى تَقْدِير: إِمَّا الْبَيِّنَة وَإِمَّا حد، وَقيل: التَّقْدِير. وَإِن لم يحضر الْبَيِّنَة فجزاؤك حد فِي ظهرك، وَمثل هَذَا الْحَذف لم يذكرهُ النُّحَاة إلَاّ فِي ضَرُورَة الشّعْر، وَيرد عَلَيْهِم مَا رُوِيَ فِي هَذَا الحَدِيث الصَّحِيح. قَوْله: (مَا يبرىء) ، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الرَّاء الْمَكْسُورَة وَهِي فِي مَحل النصب على المفعولية. قَوْله: (فَشهد) ، أَي: بالشهادات اللعانية. أَي: لَاعن الزَّوْج. قَوْله: (وَشهِدت) ، أَي: الْمَرْأَة أَربع شَهَادَات. قَوْله: (عِنْد الْخَامِسَة) ، أَي: الْمرة الْخَامِسَة. قَوْله: (إِنَّهَا مُوجبَة) أَي: للعذاب الْأَلِيم إِن كَانَت كَاذِبَة. قَوْله: (فتلكأت) ، على وزن: تفعلت، يُقَال: تلكأ الرجل عَن الْأَمر أَي تبطأ عَنهُ وَتوقف، ومادته: لَام وكاف وهمزة. قَوْله: (وَنَكَصت) ، من النكوص وَهُوَ الإحجام عَن الشَّيْء. قَوْله: (فمضت) ، أَي: فِي تَمام اللّعان. قَوْله: (أكحل الْعَينَيْنِ) هُوَ أَن يَعْلُو جفون الْعين سَواد مثل الْكحل من غير اكتحال. قَوْله: (سابغ الأليتين) السابغ التَّام الضخم. قَوْله: (خَدلج السَّاقَيْن) أَي: عظيمهما، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (شَأْن) ، يُرِيد بِهِ الرَّجْم أَي: لَوْلَا أَن الشَّرْع أسقط الرَّجْم عَنْهَا لحكمت بِمُقْتَضى المشابهة ولرجمتها، وَبَقِيَّة الْكَلَام من الْأَحْكَام وَالسُّؤَال وَالْجَوَاب قد مَضَت عَن قريب، وَالله أعلم. ٤ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿والخامسَةُ أنَّ غَضَبَ الله عَلَيْها إنْ كانَ منَ الصَّادِقِينَ﴾ (النُّور: ٩) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْخَامِسَة﴾ أَي: الشَّهَادَة الْخَامِسَة، وَالْكَلَام فِيهِ قد مر فِي قَوْله: ﴿وَالْخَامِسَة أَن لعنة الله﴾ (النُّور: ٧) . ٨٤٧٤ - حدَّثنا مُقَدَّمُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ يَحْيَى حَدثنَا عَمِّي القاسِمُ بنُ يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ الله وقَدْ سَمِعَ مِنْهُ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ رجُلاً رَمَى امْرَأتَهُ فانْتَفَى مِنْ وَلَدِها فِي زَمانِ رسولِ الله ﷺ فأمَرَ بِهِما رسولُ الله ﷺ فَتَلَاعَنَا كَما قَالَ الله ثمَّ قَضي بالوَلَدِ لِلْمَرْأةِ وفَرَّقَ بَيْنَ المُتلَاعِنَيْنِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَتَلَاعَنا) ، كَمَا قَالَ الله ومقدم، بِضَم الْمِيم وَفتح الْقَاف وَتَشْديد الدَّال الْمَفْتُوحَة وبالميم: ابْن مُحَمَّد بن يحيى الْهِلَالِي الوَاسِطِيّ، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا وَآخر فِي التَّوْحِيد، يروي عَن عَمه الْقَاسِم بن يحيى وَهُوَ ثِقَة وَلَيْسَ

стр. 5653

لَهُ عِنْد البُخَارِيّ سوى الْحَدِيثين الْمَذْكُورين، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب ﵁. والْحَدِيث من افراده. قَوْله: (وَقد سمع مِنْهُ) من كَلَام البُخَارِيّ. قَوْله: (أَن رجلا) ، هُوَ الْعجْلَاني، وَفِيه من زِيَادَة الْأَحْكَام: نفي الْوَلَد، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (وَفرق بَين المتلاعنين) احْتج بِهِ أَبُو حنيفَة أَن بِمُجَرَّد اللّعان لَا يحصل التَّفْرِيق وَلَا بُد من حكم حَاكم وَهُوَ حجَّة على من يَقُول: تحصل الْفرْقَة بِمُجَرَّد اللّعان. ٥ - (بابٌ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاؤُوا بالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسِبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِىءٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ والَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النُّور: ١١) ٢. أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله: : (إِن الَّذين جاؤوا) الْآيَة، وَاقْتصر أَبُو ذَر فِي هَذَا على قَوْله: (بَاب إِن الَّذين جاؤوا بالإفك عصبَة مِنْكُم) ، وَغَيره سَاق الْآيَة كلهَا، أجمع الْمُفَسِّرُونَ على أَن هَذِه الْآيَة، وَمَا يتَعَلَّق بهَا بعْدهَا نزلت فِي قصَّة عَائِشَة ﵂، قَوْله: (بالإفك) أَي: بِالْكَذِبِ، وَيُقَال: الْإِفْك أَسْوَأ الْكَذِب وأقبحه مَأْخُوذ من أفك الشَّيْء إِذا قلبه عَن وَجهه، فالإفك هُوَ الحَدِيث المقلوب عَن وَجهه، وَمعنى الْقلب هُنَا أَن عَائِشَة ﵂، كَانَت تسْتَحقّ الثَّنَاء بِمَا كَانَت عَلَيْهِ من الحصانة وَشرف النّسَب لَا الْقَذْف، فَالَّذِينَ رموا بالسوء قلبوا الْأَمر عَن وَجهه فَهُوَ إفْك قَبِيح وَكذب ظَاهر. قَوْله: (عصبَة) ، أَي: جمَاعَة، قَالَ الْفراء: الْجَمَاعَة من الْوَاحِد إِلَى الْأَرْبَعين، وَيُقَال: من الْعشْرَة إِلَى الْأَرْبَعين. قَوْله: (مِنْكُم) ، خطاب للْمُسلمين وهم عبد الله بن أبي رَأس الْمُنَافِقين وَزيد بن رِفَاعَة وَحسان بن ثَابت ومسطح بن أَثَاثَة وَحمْنَة بنت جحش وَمن ساعدهم. قَوْله: (لَا تحسبوه شرا لكم) ، أَي: لَا تحسبوا الْإِفْك أَو الْقَذْف أَو الْمَجِيء بالإفك أَو مَا نالكم من الْغم، وَالْخطاب للْمُؤْمِنين الَّذين ساءهم ذَلِك وخاصة رَسُول الله ﷺ ، وَأَبُو بكر وَعَائِشَة وَصَفوَان بن الْمُعَطل ﴿شرا لكم بل هُوَ خير لكم﴾ لِأَن الله يَأْجُركُمْ على ذَلِك الْأجر الْعَظِيم وَتظهر براءتكم وَينزل فِيكُم ثَمَانِيَة عشر آيَة كل وَاحِدَة مِنْهَا مُسْتَقلَّة بِمَا هُوَ تَعْظِيم لرَسُول الله ﷺ ، وتسلية لَهُ وتبرئة لأم الْمُؤمنِينَ وتطهير لأهل الْبَيْت وتهويل لمن تكلم فِي ذَلِك. قَوْله: (لكل امرىء مِنْهُم) ، أَي: من الَّذين جاؤوا بالإفك (مَا اكْتسب من الْإِثْم) جَزَاء مَا اجترح من الذَّنب وَالْمَعْصِيَة. قَوْله: (الَّذِي تولى كبره) أَي: عظمه وَبَدَأَ بِهِ وَهُوَ عبد الله بن أبي، وَقيل: حسان بن ثَابت، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: حسان ومسطح وَحمْنَة هم الَّذين توَلّوا كبره ثمَّ فضى ذَلِك فِي النَّاس. أفَّاكٌ كَذَّابٌ أفاك على وزن فعال للْمُبَالَغَة، وَفَسرهُ بقوله: (كَذَّاب) ، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة. ٩٤٧٤ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حَدثنَا سُفْيانُ عَنْ مَعْمَرٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ ﵂، ﴿والَّذِي تَوَلَّى كِبْرَة﴾ قالَتْ عَبْدُ الله بنُ أبَيّ ابنُ سَلُولَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَقد صرح بِهِ ابْن مرْدَوَيْه من وَجه آخر عَن أبي نعيم شيخ البُخَارِيّ وَفِيه معمر، بِفَتْح الميمين: هُوَ ابْن رَاشد وَهُوَ من أَفْرَاده. قَوْله: (كبره) بِضَم الْكَاف وَكسرهَا أَي: كبر الْإِفْك، وَقد مر تَفْسِيره. قَوْله: (ابْن سلول) ، بِرَفْع الابْن لِأَنَّهُ صفة لعبد الله لَا: لأبي، وسلول غير منصرف لِأَنَّهُ إسم أم عبد الله للتأنيث والعلمية، وَالله أعلم. ٦ - (بابٌ: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بأنْفُسِهِمْ خَيْراً﴾ إِلَى قَوْله: ﴿الكاذِبونَ﴾ (النُّور: ١١ ٢١) . ﴿ولوْلَا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحانَكَ هاذَا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ (النُّور: ٦١) ﴿لوْلَا جاؤُوا عَلَيْهِ بأرْبَعَةِ شُهَداءَ فإذْ لَمْ يأْتُوا بالشُّهَدَاءِ فأُولِّئِكَ عِنْدَ الله هُمُ الكاذِبُونَ﴾ (النُّور: ٣١) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿لَوْلَا إِذْ سمعتموه﴾ إِلَى آخر مَا ذكره، وَوَقع عِنْد أبي ذَر الْآيَة الأولى هَكَذَا: ﴿لَوْلَا إِذْ سمعتموه ظن الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات بِأَنْفسِهِم خيرا﴾ إِلَى قَوْله: ﴿الْكَاذِبُونَ﴾ وَعند غير موقع الْآيَتَانِ المذكورتان غير متواليتين

стр. 5654

الأولى. قَوْله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سمعتموه قُلْتُمْ﴾ (النُّور: ٦١) الْآيَة. وَالثَّانيَِة قَوْله: ﴿لَوْلَا جاؤوا عَلَيْهِ﴾ (النُّور: ٣١) إِلَى آخر الْآيَة، وَوَقع عِنْد النَّسَفِيّ الْآيَة الْأَخِيرَة فَقَط، وَتَمام الْآيَة الأولى: ﴿بِأَنْفسِهِم خيرا وَقَالُوا هَذَا أفك مُبين لَوْلَا جاؤوا عَلَيْهِ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿الْكَاذِبُونَ﴾ (النُّور: ٢١ ٣١) . قَوْله: (لَوْلَا إِذْ سمعتموه) أَي: هلا، للتحريض أَي: حِين سَمِعْتُمْ الْإِفْك. قَوْله: (ظن الْمُؤْمِنُونَ) فِيهِ الْتِفَات من الْخطاب إِلَى الْغَيْبَة لِأَن الأَصْل: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمْ ظننتم وقلتم، وَذَلِكَ للتوبيخ، وَقيل: تَقْدِير الْآيَة: هلا ظننتم كَمَا ظن الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات؟ قَوْله: (بِأَنْفسِهِم) وَقيل: بأهلهم وأزواجهم وَقيل: هلا ظنُّوا بهَا مَا يظنّ بِالرجلِ لَو خلا بِأُمِّهِ وَالْمَرْأَة لَو خلت بابنها، لِأَنَّهُ أَزوَاج النَّبِي ﷺ أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ. قَوْله: (وَقَالُوا) أَي: هلا قُلْتُمْ هَذَا إفْك مُبين أَي: كذب ظَاهر. قَوْله: (وَلَوْلَا إِذْ سمعتوه قُلْتُمْ) أَي: هلا إِذْ سمعتموه قُلْتُمْ: مَا يكون لنا أَن نتكلم بِهَذَا أَي لَا يحل لنا أَن نَخُوض فِي هَذَا الحَدِيث وَمَا يَنْبَغِي لنا أَن نتكلم بِهَذَا سُبْحَانَكَ، للتعجب من عظم الْأَمر. قَوْله: (بهتان) هُوَ كذب يواجه بِهِ الْمُؤمن فيتحير مِنْهُ قَوْله: (لَوْلَا جاؤوا عَلَيْهِ) أَي: هلا جاؤوا، وَلَو كَانُوا صَادِقين (بأَرْبعَة شُهَدَاء) فَإذْ لم يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ (فَأُولَئِك عِنْد الله) أَي فِي حِكْمَة (هم الْكَاذِبُونَ) فِيمَا قَالُوهُ. ٠٥٧٤ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ أخبرَني عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ وسَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ وعَلْقَمَةُ بنُ وقّاصٍ وعُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ عَن حدِيثِ عائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النبيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَها أهْلُ الإفكِ مَا قالُوا فَبَرَّأها الله مِمَّا قالُوا وكلٌّ حدّثني طائِفَةً مِنَ الحَدِيثِ وبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضاً وإنْ كانَ بَعْضُهُمْ أوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ الَّذِي حدّثني عُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ ﵂ أنَّ عائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النبيِّ ﷺ قالتْ كانَ رسُولُ الله ﷺ إذَا أرَادَ أنْ يَخْرُجَ أقْرَعَ بَيْنَ أزْوَاجِهِ فأيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُها خَرَجَ بهَا رسولُ الله ﷺ مَعَهُ قالَتْ عائِشَةُ فأقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزاها فَخَرَجَ سَهْمي فَخَرَجْتُ مَعَ رسولِ الله ﷺ بَعْدَ مَا نَزَلَ الحِجابُ فَأَنا أحْمَلُ فِي هَوْدَجِي وأُنْزَلُ فِيهِ فَسِرْنا حَتَّى إِذا فَرَغَ رَسُولُ الله ﷺ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وقَفَلَ ودَنَوْنا مِنَ المَدِينَةِ قافِلِينَ آذنَ لَيْلَةً بالرَّحِيلِ فقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بالرَّحِيلِ فَمَشَيْت حَتَّى جاوَزْتُ الجَيْشَ فَلَمّا قَضَيْتُ شأْنِي أقْبَلْتُ إِلَى رَحْلِي فإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ ظَفارِ قَدِ انْقَطَعَ فالْتَمَسْتُ عِقْدِي وحَبَسَنِي ابْتِغاؤُهُ وأقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كانُوا يَرْحَلُونَ لي فاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ رَكِبْتُ وهُمْ يَحْسِبُونَ أنِّي فِيهِ وكانَ النِّساءُ إِذْ ذَاك خِفافاً لَمْ يُثْقِلْهُنَّ اللَّحْمُ إنَّما تأكُلُ العُلْقَةَ مِنَ الطَّعامِ فلَمْ يَسْتَنْكِرِ القَوْمُ خِفَّةَ الهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ وكُنْتُ جارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ فَبَعَثُوا الجَمَلَ وسارُوا فوجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الجَيْشُ فجِئْتُ مَنازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ فأمَمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ وَظَنَنْتُ أنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إليَّ فَبَيْنا أَنا جالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ وكانَ صَفْوَانُ بنُ المُعَطَّلِ السلَمِيُّ ثُمَّ الذكْوَانيُّ مِنْ ورَاءِ الجَيْشِ فأدْلَجَ فأصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأى سَوَادَ إنْسانٍ نائِمٍ فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي وكانَ يَرَانِي قَبْلَ الحِجابِ فاسْتَيْقَظْتُ باسْتِرْجاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبابي وَالله مَا كَلَّمَنِي كَلِمَةً وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ حَتَّى أناخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطىءَ عَلَى يَدَيْها

стр. 5655

فَرَكِبْتُها فانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أتَيْنا الجَيْشَ بَعْدَ مَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ فَهَلَكَ مِنْ هَلَكَ وكانَ الَّذِي تَوَلَّى الإفْكَ عَبْدَ الله بنَ أُبَيّ ابنَ سَلُولَ فَقَدِمْنا المَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْراً والنّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أصْحابِ الإفْكِ لَا أشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذالِكَ وَهْوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعي أنِّي لَا أعْرِفُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ اللَّطَفَ الَّذِي كُنْتُ أرَي مِنْهُ حِينَ أشْتَكِي إِنَّمَا يَدْخُلُ عَليَّ رَسُولُ الله ﷺ فَيْسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ كَيْفَ تِيكُمْ ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَذَاكَ الَّذِي يَرِيبُني وَلَا أشْعُرُ بالشَّرِّ حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَ مَا نَقَهْتُ فَخَرَجَتْ معي أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَناصعِ وهُوَ مُتَبَرَّزُنا وكُنّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلاً إِلَى لَيْلاً إِلَى لَيْلٍ وذلِكَ قَبْلَ أنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَرِيباً مِنْ بُيُوتِنا وأمْرُنا أمْرُ العَرَبِ الأول فِي التَّبَرُّزِ قِبَلَ الغَائِطِ فكُنَّا نَتأذَّى بالكُنُفِ أَن نَتَّخِذَها عِنْدَ بُيُوتِنا فانْطَلَقْتُ أَنا وأُمُّ مِسْطَحٍ وهْيَ بِنْتُ أبي رُهْمِ بنِ عَبْدِ مَنافٍ وأُمُّها بِنْتُ صَخْرِ بنِ عامِرٍ خالَةُ أبي بَكْرٍ الصِّدِّيق وابْنُها مسْطَحُ بنُ أثاثةَ فأقْبَلْتُ أَنا وأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي قَدْ فَرَغْنا مِنْ شأنِنا فَعَثَرَتْ أُمُّ مسْطحٍ فِي مِرْطِها فقالَتْ تَعِسَ مِسْطَحٌ فَقُلْتُ لَها بِئْسَ مَا قُلْتِ أتَسُبِّينَ رَجُلاً شَهِدَ بَدْراً قالَتْ أيْ هَنْتاهْ أوَ لَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ قالَتْ قُلْتُ وَمَا قَالَ قالَتْ فأخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أهْلِ الإفْكِ فازْدَدْتُ مَرَضاً عَلَى مَرَضِي فَلَمّا رَجعْتُ إِلَى بَيْتِي ودَخَلَ عَليَّ رَسُولُ الله ﷺ تَعْنِي سَلَّمَ ثُمَّ قَالَ كَيْفَ تِيكُمْ فَقُلْتُ أتأذَنُ لي أنْ آتِيَ أبَوَيَّ قَالَتْ وَأَنا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أنْ أسْتَيْقِنَ الخَبَرَ مِنْ قِبَلهِما قالَتْ فأذِنَ لي رسولُ الله ﷺ فجِئْتُ أبَوَيَّ فَقُلْتُ لأُمِّي يَا أُمَّتاهُ مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ قالَتْ يَا بُنَيّةُ هَوِّني عَلَيْكِ فوَالله لقَلَّما كانَتِ امْرَأةٌ قَطُّ وضِيئَةً عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّها وَلَها ضَرَائِرُ إلَاّ كَثَّرْنَ عَلَيْها قالَتْ فَقُلْتُ سُبْحانَ الله وَلَقَدْ تَحَدَّثَ النّاسُ بِهاذا قالَتْ فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللّيْلَةَ حَتَّى أصْبَحْتُ لَا يَرْقأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ حَتَّى أصْبَحْتُ أبْكِي فَدَعا رَسُولُ الله ﷺ عَلَيَّ بنَ أبي طالِبٍ وأُسامَةَ بنَ زَيْدٍ ﵄ حِينَ اسْتلْبَثَ الوَحْيُ يَسْتَأْمِرُهُما فِي فِرَاق أهلِهِ قالَتْ فأمَّا أُسامَةُ بنُ زَيْدٍ فأشارَ عَلى رسولِ الله ﷺ بالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أهْلِهِ وبالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ مِنَ الوُدِّ فَقَالَ يَا رسولَ الله أهْلُكَ وَمَا نَعْلَمُ إلاّ خَيْراً وأمَّا عَليُّ بنُ أبي طالِبٍ فَقَالَ يَا رسولَ الله لَمْ يضَيِّقِ الله عَلَيْكَ والنِّساء سِوَاها كَثِيرٌ وإنْ تَسْألِ الجارِيَةَ تَصْدُقْكَ قالَتْ فَدَعا رسولُ الله ﷺ بَرِيرَةَ فَقَالَ أيْ برِيرَةُ هَلْ رأيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ قالَتْ بَرِيرَةُ لَا والّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ إنْ رَأيْتُ عَلَيْها أمْراً أغْمصُهُ عَلَيْها أكْثَرَ مِنْ أنّها جارِيةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنامُ عنْ عجِينِ أهْلِها فَتأتِي الدَّاجنُ فَتأكُلُهُ فقامَ رسُولُ الله ﷺ فاسْتَعْذَرَ يَوْمَئِذٍ مِنْ عَبْدِ الله بنِ أبَيّ ابنِ سَلولَ قالَتْ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ وهْوَ عَلَى المِنْبَرِ يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ مِنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أذَاهُ فِي أهْلِ بَيْتِي

стр. 5656

فوَاللَّه مَا عَلِمْتُ عَلَى أهْلِي إلاّ خَيْراً وَلَقَدْ ذَكَرُوا رجلا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلاّ خَيْراً وَمَا كانَ يَدْخُلُ عَلَى أهْلِي إلاّ مَعِي فَقامَ سَعْدُ بنُ مُعاذٍ الأنصارِيُّ فَقَالَ يَا رسولُ الله أَنا أعْذِرُكَ مِنْهُ إنْ كانَ مِنَ الأوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ وإنْ كانَ مِنْ إخْوَانِنا مِنَ الخَزْرَجِ أمَرْتَنا فَفَعَلْنا أمْرَكَ قالَتْ فقامَ سَعْدُ بنُ عُبادَةَ وَهْوَ سَيِّدُ الخَزْرَجِ وكانَ قَبْلَ ذالِكَ رَجُلاً صالِحاً ولاكِنِ احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ فَقَالَ لِسَعْدٍ كَذَبْتَ لَعَمْرُ الله لَا تَقْتُلُهُ ولَا تَقْدِرُ عَلَى قَتله فَقَامَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ وهُوَ ابنُ عَمِّ سَعْدٍ فَقَالَ لِسَعْدِ بنِ عُبادَةَ كَذَبْتَ لَعَمْرُ الله لَنَقْتُلَنَّهُ فإنَّكَ مُنافقٌ تُجادِلُ عَنِ المُناقِقِينَ فَتَثاوَر الحَيَّانِ الأوْسُ والخَزْرَجُ حَتّى هَمُّوا أنْ يَقْتَتِلُوا ورسُولُ الله ﷺ قائِمٌ عَلَى المِنْبَرِ فَلَمْ يَزَلْ رسولُ الله ﷺ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ قالَتْ فَمَكُثْتُ يَوْمِي ذالِكَ لَا يَرْقَأ لي دَمْعٌ وَلَا أكْتَحِلُ بِنَوْمِ قالَتْ فأصْبَحَ أبَوَايَ عِنْدِي وقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْماً لَا أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ وَلَا يَرْقأُ لي دَمْعٌ يَظُنَّانِ أنَّ البُكاءَ فالِقٌ كَبِدِي قالَتْ فَبَيْنَما هُما جالِسان عِنْدِي وَأَنا أبْكِي فاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأةٌ مِنَ الأنْصارِ فأذِنْتُ لَها فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي قالَتْ فَبَيْنا نَحْنُ عَلَى ذالِكَ دَخَلَ عَلَيْنا رسولُ الله ﷺ فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ قالتْ ولَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ مَا قِيلَ قَبْلَها وَقَدْ لَبِثَ شَهْراً لَا يُوحَى إلَيْهِ فِي شأْنِي قالَتْ فَتَشهَّدَ رسولُ الله ﷺ حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قَالَ أمّا بَعْدُ يَا عائِشَةُ فإنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وكَذَا فإنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ الله وإنْ كُنْتِ ألْمَمْتِ بِذَنْبٍ فاسْتَغْفِرِي الله وتُوبِي إلَيْهِ فإِنَّ العَبْدَ إذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تابَ إِلَى الله تابَ الله عَلَيْهِ قالَتْ فَلَمَّا قَضَى رسولُ الله ﷺ مقالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً فَقُلْتُ لأبِي أجِبْ رسولَ الله ﷺ فِيما قَالَ قَالَ وَالله مَا أدْرِي مَا أقُولُ لِرَسُولِ الله ﷺ فَقُلْتُ لأمِّي أجِيبِي رسولَ الله ﷺ قالَتْ مَا أدْرِي مَا أقُولُ لِرَسُولِ الله ﷺ قالَتْ فَقُلْتُ وَأَنا جارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أقْرَأُ كَثِيراً مِنَ القُرْآنِ إنِّي وَالله لَقَدْ عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُمْ هاذَا الحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أنْفسِكمْ وصَدَّقْتُمْ بِهِ فَلِئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إنِّي بَرِيئَةٌ وَالله يَعْلَمُ أنِّي بَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونِي بِذالِكَ وَلِئَنْ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بأمْرٍ وَالله يَعْلَمُ أنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِي وَالله مَا أجِدُ لَكُمْ مَثَلاً إلاّ قَوْلَ أبي يُوسُفَ قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَالله المُسْتَعانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (يُوسُف: ٨١) قالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ فاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي قالَتْ وَأَنا حِنَئِذٍ أعْلَمُ أنِّي بَرِيئَةٌ وأنَّ الله يُبَرِّئُني بِبَرَاءَتِي ولاكِنْ وَالله مَا كُنْتُ أظُنُّ أنَّ الله مُنْزِلٌ فِي شأْني وَحْياً يُتْلَى ولَشَأْني فِي نَفْسي كانَ أحْقَرَ مِنْ أنْ يَتَكَلَّمَ الله فِيَّ بأمْر يُتْلَى ولاكِنْ كُنْتُ أرْجُو أنْ يَرَى رسولُ الله ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيا يُبَرِّئُنِي الله بِها قالَتْ فَوَالله مَا رَامَ رسولُ الله ﷺ ولَا خَرَجَ أحَدٌ مِنْ أهْلِ البَيْتِ حَتَّى أُنْزِلَ عليهِ فأخَذَهُ مَا كانَ يأخُذُهُ مِنَ البُرَحاءِ حَتَّى إنّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الجُمانِ مِنَ العَرَقِ وهْوَ فِي يَوْمٍ شاتٍ مِنْ ثِقَلِ القَوْلِ

стр. 5657

الّذِي يُنْزَلُ عَلَيْهِ قالتْ فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رسولِ الله ﷺ سُرِّي عَنْهُ وَهْوَ يَضْحَكُ فَكانَتْ أوَّلُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِها يَا عائِشَةُ أمَّا الله فَقَدْ بَرَّاكِ فقالَتْ أُمِّي قُومِي إلَيْهِ قالَتْ فَقُلْتُ وَالله لَا أقُومُ إلَيْهِ ولَا أحْمَدُ إلَاّ الله وأنْزَلَ الله: ﴿إنَّ الّذِينَ جاؤُوا بالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ﴾ (النُّور: ١١) العَشْرَ الآياتِ كُلَّها فَلَمَّا أنْزَلَ الله هاذَا فِي بَرَاءَتِي قَالَ أبُو بَكْر الصِّدِّيقُ ﵁ وكانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بنِ أُثاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وفَقْرِهِ وَالله لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئاً أبَداً بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعائِشَةَ مَا قَالَ فأنْزَلَ الله: ﴿وَلَا يأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنْكُمْ والسَّعَةِ أنْ يُؤْتوا أُولى القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرينَ فِي سَبِيلِ الله ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا ألَا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ الله لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النُّور: ٢٢) . قَالَ أبُو بَكْرٍ: بَلَى وَالله إنِّي أُحِبُّ أنْ يَغْفِرَ الله لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَقَالَ وَالله لَا أنْزِعُها مِنْهُ أبَداً قالَتْ عائِشَةُ وكانَ رسولُ الله ﷺ يَسألُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عنْ أمْرِي فَقَالَ يَا زَيْنَبُ ماذَا عَلِمْتِ أوْ رَأيْتِ فقالَتْ يار سولَ الله أحْمِي سَمْعِي وبَصَرِي مَا عَلِمْتُ إلاّ خَيْراً قالَتْ وهْيَ الّتي كانَتْ تُسامِينِي مِنْ أزْواجِ رسولِ الله ﷺ فَعَصَمَها الله بالوَرَعِ وطَفِقَتْ أُخْتُها حَمْنَةُ تُحارِبُ لَها فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ مِنْ أصْحابِ الإفْكِ.. هَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ مطولا ومختصراً فِي عدَّة مَوَاضِع ذَكرنَاهَا فِي كتاب الشَّهَادَات فِي: بَاب تَعْدِيل النِّسَاء بَعضهنَّ بَعْضًا وَذكرنَا أَيْضا مَا يتَعَلَّق بالمعاني وَغَيرهَا هُنَاكَ ولنذكر هُنَا بعض شَيْء. قَوْله: (وكل حَدثنِي طَائِفَة) أَي: بَعْضًا، قَالَ عِيَاض: انتقدوا على الزُّهْرِيّ مَا صنعه من رِوَايَته لهَذَا الحَدِيث مُلَفقًا عَن هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة، وَقَالُوا: كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَن يفرد حَدِيث كل وَاحِد مِنْهُم عَن الآخر. انْتهى. قد ذكرنَا هُنَاكَ مَا فِيهِ جَوَاب عَمَّا قَالُوهُ. قَوْله: (عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة أَن عَائِشَة قَالَت) لَيْسَ المُرَاد أَن عَائِشَة تروي عَن نَفسهَا، بل معنى قَوْله: عَن عَائِشَة، أَي: عَن حَدِيث عَائِشَة فِي قصَّة الْإِفْك، ثمَّ شرع يحدث عَن عَائِشَة، فَقَالَ: إِن عَائِشَة قَالَت ... وَوَقع فِي رِوَايَة فليح: أَن عَائِشَة قَالَت ... والزعم قد موقع القَوْل. قَوْله: (فِي غَزْوَة غَزَاهَا) هِيَ غَزْوَة بني المصطلق. قَوْله: (فَخرج سهمي) هَذَا يشْعر بِأَنَّهَا كَانَت فِي تِلْكَ الْغَزْوَة وَحدهَا، ويروى عَن الْوَاقِدِيّ أَن أم سَلمَة أَيْضا كَانَت فِي تِلْكَ الْغَزْوَة وَهُوَ ضَعِيف. قَوْله: (بَعْدَمَا نزل الْحجاب) ، أَي: بَعْدَمَا نزل الْأَمر بالحجاب، وَالْمرَاد حجاب النِّسَاء عَن رُؤْيَة الرِّجَال لَهُنَّ وَكن قبل ذَلِك لَا يمنعن. قَوْله: (فسرنا، حَتَّى إِذا فرغ) فِيهِ حذف تَقْدِيره: فسرنا وغنمنا أَمْوَالهم وأنفسهم إِلَى أَن فرغ. قَوْله: (لم يثقلن) ، من التثقيل، وَفِي رِوَايَة فليح: لم يثقلهن لم يغشهن اللَّحْم، وَفِي رِوَايَة معمر: لم يهبلهن، وَحكى ابْن الْجَوْزِيّ أَن ابْن الخشاب ضَبطه بِفَتْح أَوله وَسُكُون الْهَاء وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ بضَمهَا، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْمَشْهُور فِي ضَبطه ضم أَوله وَفتح الْهَاء وَتَشْديد الْمُوَحدَة وبفتح أَوله وثالثه أَيْضا وبضم أَوله وَكسر ثالثه من الرباعي، يُقَال: هبله اللَّحْم وأهبله إِذا أثقله وَأصْبح فلَان مهبلاً أَي كثير اللَّحْم. قَوْله: (إِنَّمَا نَأْكُل) ، بنُون الْمُتَكَلّم مَعَ الْغَيْر وَهِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: إِنَّمَا يأكلن. قَوْله: (خفَّة الهودج) ، وَوَقع فِي رِوَايَة فليح وَمعمر: ثقل الهودج، وَالْأول أوضح. قَوْله: (حَدِيثه السن) ، لِأَنَّهَا حينئذٍ لم تكمل خمس عشرَة سنة. قَوْله: (فأممت) ، أَي: قصدت، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر هُنَا بتَشْديد الْمِيم الأولى. قَوْله: (بَعْدَمَا اسْتمرّ الْجَيْش) ، أَي: بَعْدَمَا مر الْجَيْش أَي ذَهَبُوا ماضين السِّين فِيهِ زَائِدَة. قَوْله: (سيفقدوني) هَذَا فِي رِوَايَة فليح بنُون وَاحِدَة، وَفِي رِوَايَة غَيره بنونين لعدم الْجَازِم والناصب، وَالْأولَى لُغَة. قَوْله: (فيرجعون إِلَيّ) ، وَوَقع فِي رِوَايَة معمر: فيرجعوا، بِغَيْر نون وَقد قُلْنَا: إِنَّه لُغَة. قَوْله: (غير استرجاعه) ، وَهُوَ قَوْله: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون. قَوْله: (موغرين) ، بالغين الْمُعْجَمَة وبالراء أَي: داخلين فِي شدَّة الْحر، من أوغر من الوغرة، وَهِي شدَّة الْحر، ويروى: مغورين، بِتَقْدِيم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْوَاو

стр. 5658

من التغوير وَهُوَ النُّزُول وَقت القائلة، وَفِي رِوَايَة فليح: معرسين، من التَّعْرِيس، من التَّعْرِيس وَهُوَ نزُول الْمُسَافِر فِي آخر اللَّيْل. قَوْله: (فِي نحر الظهيرة) ، بالنُّون أَي: فِي أَولهَا. قَوْله: (فاشتكيت) ، أَي: مَرضت. قَوْله: (شهرا) أَي: مُدَّة شهر. قَوْله: (فَهَلَك) ، أَي: بِسَبَب الْإِفْك وَمن فَاعله، وَزَاد صَالح فِي رِوَايَته: فِي شأني. قَوْله: (وَالنَّاس يفيضون) ، بِضَم الْيَاء من الْإِفَاضَة أَي: يَخُوضُونَ فِي القَوْل، يُقَال: أَفَاضَ فِي القَوْل إِذا أَكثر مِنْهُ. قَوْله: (وَهُوَ يريبني) ، بِفَتْح الْيَاء من الريب وَبِضَمِّهَا من الإرابة وَهُوَ التشكيك، يُقَال: رابه وأرابه. قَوْله: (اللطف) ، وَفِيه لُغَة بِفتْحَتَيْنِ. قَوْله: (كَيفَ تيكم) بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَهِي للمؤنث مثل: ذاكم للمذكر. قَوْله: (نقهت) ، بِفَتْح الْقَاف وَقد تكسر من نقه من مَرضه يَعْنِي أَفَاق وَلم تتكامل صِحَّته. قَوْله: (قبل المناصع) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء أَي: جِهَة المناصع وَهِي الْمَوَاضِع الْخَارِجَة عَن الْمَدِينَة يتبرزون فِيهَا. قَوْله: (متبرزنا) ، بِفَتْح الراءص قبل الزَّاي وَهُوَ مَوضِع التبرز. قَوْله: (الكنف) ، بضمنتين جمع: كنيف. قَوْله: (الأول) ، بِضَم الْهمزَة وَفتح الْوَاو صفة الْعَرَب، وبفتح الْهمزَة وَتَشْديد الْوَاو صفة الْأَمر. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَكِلَاهُمَا صَحِيح. قَوْله: (فِي التبرز) وَفِي رِوَايَة فليح: فِي الْبَريَّة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الرَّاء الْمَكْسُورَة أَو: فِي التَّنَزُّه، بِالشَّكِّ وَهُوَ بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَالزَّاي الْمُشَدّدَة وَهُوَ طلب النزاهة وَالْمرَاد الْبعد عَن الْبيُوت. قَوْله: (أم مسطح) ، اسْمهَا سلمى. قَوْله: (بنت أبي رهم) ، بِضَم الرَّاء وَاسم أبي رهم أنيس. قَوْله: (أَثَاثَة) ، بِضَم الْهمزَة وبثاءين مثلثتين مخففتين: ابْن عباد بن عبد الْمطلب وَهُوَ مطلبي من أَبِيه وَأمه، والمسطح عود من أَعْوَاد الخباء وَهُوَ لقب واسْمه عَوْف، وَقيل: عَامر، وَالْأول أصح. قَوْله: (أَي هنتاه) ، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون النُّون وَقد تفتح بعْدهَا تَاء مثناة من فَوق وَآخِرهَا سَاكِنة، وَقد تضم أَي: يَا هَذِه، وَقيل: يَا امْرَأَة، وَقيل: بلهاء كَأَنَّهَا نسبتها إِلَى قلَّة الْمعرفَة بمكائد النَّاس، وَهَذِه اللَّفْظَة تخْتَص بالنداء وَإِذا خُوطِبَ الْمُذكر قيل: ياهنة، وَحكي تَشْدِيد النُّون وَأنْكرهُ الْأَزْهَرِي. قَوْله: (وَدخل عَليّ) ، وَفِي رِوَايَة: فَدخل، قيل الْفَاء زَائِدَة وَالْأولَى أَن يُقَال فِيهِ حذف تَقْدِيره: فَلَمَّا رجعت إِلَى بَيْتِي واستقررت فِيهِ فَدخل. قَوْله: (وضيئة) ، على وزن: عَظِيمَة، أَي: جميلَة حسناء من الْوَضَاءَة وَهِي الْحسن، وَفِي رِوَايَة مُسلم: حظيئة من الحظوة بالظاء الْمُعْجَمَة أَي: رفيعة الْمنزلَة. قَوْله: (ضرائر) جمع ضرَّة، وَقيل لِلزَّوْجَاتِ، ضرائر، لِأَن كل وَاحِدَة يحصل لَهَا الضَّرَر من الْأُخْرَى بالغيرة. قَوْله: (إلَاّ كثرن) بِالتَّشْدِيدِ من التكثير وَفِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: أكثرن، أَي: أكثرن القَوْل فِي عيبها. قَوْله: (لَا يرقأ) ، بِفَتْح الْقَاف وبالهمزة أَي: لَا يسكن وَلَا يَنْقَطِع. قَوْله: (وَلَا أكتحل بنوم) إستعارة عَن السهر. قَوْله: (حِين استلبث الْوَحْي) ، وَالْوَحي بِالرَّفْع فَاعل: استلبث، ويحوز بِالنّصب على معنى استبطاء النَّبِي ﷺ نُزُوله. قَوْله: (يستأمرهما) ، أَي: يشتشيرهما. قَوْله: (فِي فِرَاق أَهله) ، وَلم يقل فِي فراقها لكَرَاهَة إِضَافَة التَّفْرِيق إِلَيْهَا صَرِيحًا. قَوْله: (أهلك) ذكر بِالرَّفْع أَي: هِيَ أهلك، وَعلم من هَذَا جَوَاز إِطْلَاق الْأَهْل على الزَّوْجَة، وَفِي رِوَايَة معمر: (هم أهلك) ، ذكر بِلَفْظ الْجمع للتعظيم وَيجوز النصب أَي: إلزم أهلك. قَوْله: (لم يضيق الله عَلَيْك) ، لم يقْصد عَليّ ﵁، بِهَذَا الْكَلَام إِلَّا إسكان مَا عِنْد النَّبِي ﷺ من القلق بِسَبَبِهَا وإلَاّ لم يكن فِي قلبه مِنْهَا شَيْء. قَوْله: (أغمصه) ، بغين مُعْجمَة وصاد مُهْملَة أَي: أعيبه. قَوْله: (الدَّاجِن) ، بِالْجِيم: هِيَ الشَّاة الَّتِي تقتني فِي الْبَيْت وَلَا تخرج إِلَى المرعى، وَقيل: كل مَا يقتني فِي الْبَيْت من شَاة أَو طير فَهُوَ دَاجِن. قَوْله: (فاستعذر يومئذٍ من عبد الله) أَي: طلب من يعذرهُ مِنْهُ، أَي: ينصفه. قَوْله: (ضربت عُنُقه) هَذَا فِي رِوَايَة صَالح بن كيسَان، وَفِي رِوَايَة غَيره، (ضربنا) بنُون الْجمع، قَوْله: (وَإِن كَانَ من إِخْوَاننَا من الْخَزْرَج) . كلمة: من. الأولى تبعيضية، وَالثَّانيَِة بَيَانِيَّة. قَوْله: (وَكَانَ قبل ذَلِك رجلا صَالحا) ، أَي: كَامِل الصّلاح وَلكنه تغير، يدل عَلَيْهِ رِوَايَة الْوَاقِدِيّ: (وَكَانَ صَالحا لَكِن الْغَضَب بلغ مِنْهُ، وَمَعَ ذَلِك لم يغمص عَلَيْهِ فِي دينه) ، قَوْله: (لعمر الله) ، بِفَتْح الْعين لِأَنَّهُ لَا يسْتَعْمل فِي الْقسم إلاّ بِالْفَتْح. قَوْله: (وَلَكِن احتملته الحمية) ، أَي: أغضبته، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (أجتهلته) ، بِالْجِيم أَي: حَملته على الْجَهْل. قَوْله: (أسيد بن حضير) بِالتَّصْغِيرِ فيهمَا. قَوْله: (فتثاور) ، تفَاعل من الثورة، يُقَال: ثار يثور إِذا ارْتَفع وَأَرَادَ بِهِ النهوض للنزاع والعصبية، (وَالْحَيَّانِ) تَثْنِيَة حَيّ، وَهِي كالقبيلة، وَوَقع فِي حَدِيث ابْن عمر قَامَ سعد بن معَاذ: فسل سَيْفه، قَوْله: (يخفضهم) ، أَي: يسكنهم، وَفِي رِوَايَة ابْن حَاطِب: (فَلم يزل يومىء بِيَدِهِ إِلَى النَّاس هَهُنَا حَتَّى هدأ الصَّوْت) . وَفِي رِوَايَة فليح: (فَنزل يخفضهم حَتَّى سكتوا، وَفِي رِوَايَة عَن الزُّهْرِيّ: (فحجز بَينهم) . قَوْله:

стр. 5659

(فَمَكثت) ، من الْمكْث وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَبَكَيْت) ، من الْبكاء. قَوْله: (لَيْلَتَيْنِ وَيَوْما) أَي: اللَّيْلَة الَّتِي أخْبرتهَا فِيهَا أم مسطح الْخَبَر، وَالْيَوْم الَّذِي خطب فِيهِ النَّبِي ﷺ ، للنَّاس، وَاللَّيْلَة الَّتِي تَلِيهَا. قَوْله: (فاستأذنت عَليّ) تَقْدِيره: جَاءَت فاستأذنت عَليّ، بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (فبهنا نَحن كَذَلِك) رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: فَبينا نَحن على ذَلِك. قَوْله: (فَتشهد) ، وَفِي رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة: فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ. قَوْله: (عَنْك كَذَا وَكَذَا) كِنَايَة عَمَّا رميت بِهِ من الْإِفْك. انْتهى. قَوْله: (وَإِن كنت أَلممْت) أَي: وَقع مِنْك على خلاف الْعَادة. قَوْله: (قلص) بِفَتْح الْقَاف وَاللَّام وبالصاد الْمُهْملَة أَي: ارْتَفع دمعي لاستعظام مَا بغتني من الْكَلَام، وتخلف بِالْكُلِّيَّةِ. قَوْله: (وَأَنا جَارِيَة حَدِيثَة السن) إِلَى آخِره، ذكرت هَذِه الْأَشْيَاء تَوْطِئَة لعذرها لكَونهَا لم تستحضر إسم يَعْقُوب ﵇. قَوْله: (وصدقتم بِهِ) ، وَفِي رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة: لقد تكلمتم بِهِ وأشربته قُلُوبكُمْ. قَوْله: (لَا تصدقوني بذلك) ، ويروى: لَا تصدقونني، بنونين على الأَصْل، أَي: لَا تقطعون بصدقي، وَفِي رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة: مَا ذَاك بنافعي عنْدكُمْ. قَوْله: (لَا تصدقوني) ، فأدغمت إِحْدَى النونين فِي الْأُخْرَى. قَوْله: (وَإِن الله يبرءني) ، وَالرِّوَايَة الْمَشْهُورَة وَأَن الله يبرىء، بِغَيْر نون، وَقَالَ ابْن التِّين: إِنَّه وَقع عِنْدِي: مبرئني، بنُون وَزعم أَنه هُوَ الصَّحِيح، وَلَكِن الْمَشْهُور بِغَيْر نون فَافْهَم. قَوْله: (مَا رام) ، أَي: مَا فَارق (رَسُول الله ﷺ وَهَذَا من الريم، وَأما رام، بِمَعْنى: طلب فَمن الرّوم. قَوْله: (من البرحاء) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَتَخْفِيف الْحَاء الْمُهْملَة، وبالمد وَهِي: شدَّة الْحمى، وَقيل: شدَّة الكرب، وَوَقع فِي رِوَايَة إِسْحَاق بن رَاشد: وَهُوَ الْعرق، وَبِه جزم الدوادي، وَهِي رِوَايَة ابْن حَاطِب وشخص بَصَره إِلَى السّقف، وَفِي رِوَايَة عمر بن أبي سَلمَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة: فَأَتَاهُ الْوَحْي، وَكَانَ إِذا أَتَاهُ الْوَحْي أَخذه السبل، أخرجه الْحَاكِم وَفِي رِوَايَة أبي إِسْحَاق: فسجى بِثَوْب، وَوضعت تَحت رَأسه وسَادَة من أَدَم. قَوْله: (الجمان) ، بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْمِيم: اللُّؤْلُؤ، وَقيل: حب يعْمل من الْفضة كَاللُّؤْلُؤِ، وَقَالَ الدَّاودِيّ: خرز أَبيض. قَوْله: (فَلَمَّا سري) ، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة أَي: كشف. قَوْله: (الْعشْر الْآيَات) آخرهَا: (وَالله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ) فَإِن قلت: وَقع فِي رِوَايَة عَطاء الخرساني عَن الزُّهْرِيّ، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين جاؤوا﴾ (النُّور: ٩١) إِلَى قَوْله: ﴿أَن يغْفر الله لكم وَالله غَفُور رَحِيم﴾ (النُّور: ١١ ٢٢) . وَعدد الْآي إِلَى هَذَا الْموضع ثَلَاث عشرَة آيَة، وَوَقع فِي رِوَايَة الحكم بن عتيبة مُرْسلا: فَأنْزل الله خمس عشرَة آيَة من سُورَة النُّور حَتَّى بلغ ﴿الخبيثات للخبيثين﴾ (النُّور: ٦٢) أخرجه الطَّبَرِيّ، وَعدد الْآي إِلَى هَذَا الْموضع سِتّ عشرَة، وَوَقع فِي: (مُرْسل سعيد بن جُبَير) . فَنزلت ثَمَان عشرَة آيَة مُتَوَالِيَة: ﴿إِن الَّذين جاؤوا﴾ إِلَى قَوْله: ﴿رزق كريم﴾ (النُّور: ١١ ٦٢) أخرجه ابْن أبي حَاتِم، وَالْحَاكِم فِي (الإكليل) قلت: أجَاب بَعضهم عَن هَذِه بِمَا لَا طائل تَحْتَهُ حَيْثُ قَالَ: فِي الأول: لَعَلَّهَا فِي كَون الْعشْر الْآيَات مجَاز بطرِيق إِلْغَاء الْكسر، وَهَذَا لَا يصدر عَمَّن لَهُ أدنى تَأمل. وَفِي الثَّانِي: وَهَذَا فِيهِ تجوز. وَفِي الثَّالِث: وَفِيه مَا فِيهِ. انْتهى. وَيُمكن أَن يُقَال: إِن كلا مِنْهُم ذهب إِلَى مَا انْتهى علمه بِهِ، وروى على قدر مَا أحَاط بِهِ علمه، على أَن التَّنْصِيص على عدد معِين لَا يسْتَلْزم نفي الزِّيَادَة. قَوْله: (وَلَا يَأْتَلِ) ، وَلَا يحلف من الألية وَهُوَ الْيَمين (وَالْفضل) هُنَا المَال وَالسعَة والعيش فِي الرزق. قَوْله: (أحمي) من الحماية، وَالْمعْنَى: فَلَا أنسب إِلَى سَمْعِي مَا لم أسمع وَإِلَى بَصرِي مَا لم أبْصر. قَوْله: (تساميني) ، أَي: تعاليني من السمو وَهُوَ الْعُلُوّ أَي: تطلب من الْعُلُوّ والحظوة عِنْد النَّبِي ﷺ مَا أطلب، أَو تعتقد أَن لَهَا مثل الَّذِي لي عِنْده، كَذَا قيل، وَهَذَا يدل على أَن زَيْنَب كَانَت فِي عصمَة النَّبِي ﷺ . وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَاخْتلفُوا فِي أَنَّهَا كَانَت وَقت الْإِفْك تَحت نِكَاح رَسُول الله ﷺ ، أَو تزَوجهَا بعد ذَلِك. قَوْله: (فعصمها الله) أَي: فحفظها ومنعها بالورع أَي: بالمحافظة على دينهَا ومجانبة مَا تخشى من سوء الْعَاقِبَة. قَوْله: (وطفقت) ، بِكَسْر الْفَاء وَفتحهَا، أَي: شرعت (أُخْتهَا حمْنَة تحارب) أَي: تجَادل لَهَا وتتعصب وتحكي مَا قَالَ أهل الْإِفْك لتنخفض منزلَة عَائِشَة وترتفع منزلَة أُخْتهَا زَيْنَب. قَوْله: (فَهَلَكت) أَي: حمْنَة أَي: حُدث فِيمَن حُدا، وأثمت مَعَ من أَثم، وَحمْنَة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم وَفتح النُّون: بنت جحش بن ربَاب الأَسدِية، أُخْت زَيْنَب بنت جحش، كَانَت عِنْد مُصعب ابْن عُمَيْر وَقتل عَنْهَا يَوْم أحد فَتَزَوجهَا طَلْحَة بن عبيد الله. وَقد ذكرنَا فَوَائده وَأَشْيَاء غير مَا ذكرنَا هُنَا فِي كتاب الشَّهَادَات، وَللَّه الْحَمد وَالله تَعَالَى أعلم.

стр. 5660

٧ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُهُ فِي الدُّنيا والآخِرَةِ لَمسَّكُمْ فِيما أفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النُّور: ٤١) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَلَوْلَا فضل الله﴾ الْآيَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر بعد قَوْله: ﴿أَفَضْتُم فِيهِ﴾ الْآيَة، وَكلمَة: لَوْلَا، لِامْتِنَاع الشَّيْء لوُجُود غَيره أَي: لَوْلَا مَا منَّ الله بِهِ عَلَيْكُم وفضله عَلَيْكُم فِي الدُّنْيَا بضروب النعم الَّتِي من جُمْلَتهَا الْإِمْهَال للتَّوْبَة، وَأَن أترحم عَلَيْكُم فِي الْآخِرَة بِالْعَفو وَالْمَغْفِرَة ﴿لمسكم فِيمَا أَفَضْتُم﴾ أَي: خضتم فِيهِ من حَدِيث الْإِفْك، يُقَال: أَفَاضَ فِي الحَدِيث انْدفع وخاض قَوْله: (عَذَاب) فَاعل: ﴿لمسكم عَذَاب عَظِيم﴾ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَا انْقِطَاع لَهُ. وَقَالَ مُجاهِدٌ تَلَقَّوْنَهُ يَرْوِيهِ بَعْضُكُمْ عَنْ بَعْضٍ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم﴾ (النُّور: ٥١) الْآيَة، وَفسّر: تلقونه، بقوله: (يرويهِ بَعْضكُم عَن بعض) هَذَا تَفْسِير فتح اللَّام مَعَ تَشْدِيد الْقَاف، وَهِي قِرَاءَة الْأَكْثَرين من السَّبْعَة، فَمنهمْ من أدغم الذَّال فِي التَّاء، وَمِنْهُم من أظهرها وَهُوَ من التلقي للشَّيْء، وَهُوَ أَخذه وقبوله وَقَرَأَ أبي بن كَعْب وَابْن مَسْعُود: إِذْ تتلقونه، بتائين وقرأت عَائِشَة ﵂، وَيحيى ابْن يعمر بِكَسْر اللَّام وَتَخْفِيف الْقَاف: من الولق، وَهُوَ الْإِسْرَاع فِي الْكَذِب، وَقيل: هُوَ الْكَذِب، وَقَرَأَ مُحَمَّد بن السميقع، بِضَم التَّاء وَسُكُون اللَّام وَضم الْقَاف. تُفِيضُونَ تَقُولُونَ هَذَا فِي سُورَة يُونُس وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ من عمل إلَاّ كُنَّا عَلَيْكُم شُهُودًا إِذْ تفيضون فِيهِ﴾ (يُونُس: ١٦) وَإِنَّمَا ذكره هَهُنَا اسْتِطْرَادًا لقَوْله: ﴿فِيمَا أَفَضْتُم فِيهِ﴾ فَإِن كلا مِنْهُمَا من الْإِفَاضَة وَهُوَ الْإِكْثَار فِي القَوْل. ١٥٧٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخْبَرَنا سُلَيْمانُ عَنْ حُصَيْنٍ عنْ أبي وائِلٍ عنْ مسْرُوقٍ عنْ أُمِّ رُومانَ أُمِّ عائِشَةَ أنّها قالَتْ لَمَّا رُمِيَتْ عائِشَةُ خَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْها. قيل: لَا مُطَابقَة بَين هَذَا الحَدِيث وَبَين التَّرْجَمَة. وَأجِيب: بِأَنَّهُ لاحظ فِيهِ قصَّة الْإِفْك وَإِن كَانَ بِحَسب الظَّاهِر غير ملائم. وَمُحَمّد بن كثير ضد الْقَلِيل الْعَبْدي الْبَصْرِيّ، يروي عَن أَخِيه سُلَيْمَان بن كثير عَن حُصَيْن مصغر حصن ابْن عبد الرَّحْمَن عَن أبي وَائِل شَقِيق بن سَلمَة عَن مَسْرُوق بن الأجدع عَن أم رُومَان، بِضَم الرَّاء وَفتحهَا: بنت عَامر بن عُوَيْمِر امْرَأَة أبي بكر الصّديق ﵁، وَأم عَائِشَة، مَاتَت فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ سنة سِتّ من الْهِجْرَة فَنزل النَّبِي ﷺ قبرها واستغفر لَهَا، وَقَالَ أَبُو عمر: رِوَايَة مَسْرُوق عَن أم رُومَان مُرْسلَة، وَلَعَلَّه سمع ذَلِك من عَائِشَة، وَرِوَايَة الْأَكْثَرين: مُحَمَّد بن كثير عَن سُلَيْمَان، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، عَن الْجِرْجَانِيّ: سُفْيَان بدل سُلَيْمَان، وَقَالَ الجياني: هَكَذَا هَذَا الْإِسْنَاد عِنْد الْجَمَاعَة، وَفِي نُسْخَة أبي مُحَمَّد عَن أبي أَحْمد: حَدثنَا مُحَمَّد بن كثير أخبرنَا سُفْيَان عَن حُصَيْن، قَالَ أَبُو عَليّ: سُلَيْمَان هُوَ الصَّوَاب، وَهُوَ سُلَيْمَان بن كثير أَخُو مُحَمَّد وَمُحَمّد مَشْهُور بالرواية عَن أَخِيه. قَوْله: (مغشياً عَلَيْهَا) ، وَقَالَ ابْن التِّين: الصَّوَاب مغشية، وَالله أعلم. ٨ - (بابٌ: ﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ بألْسِنَتِكُمْ وتَقُولُونَ بأفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وهْوَ عِنْدَ الله عَظِيمٌ﴾ الْآيَة) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿إِذْ تلقونه﴾ ... إِلَى آخِره هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره، سَاق إِلَى قَوْله: عَظِيم، وَلَيْسَ فِي كثير من النّسخ لفظ: بَاب. قَوْله: (إِذْ) ، ظرف: لمسكم، أَو: لأفضتم. (تلقونه) ، يَأْخُذهُ بَعْضكُم من بعض، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. فَإِن قيل: مَا معنى قَوْله بأفواهكم؟ وَالْقَوْل لَا يكون إلَاّ بالفم. قُلْنَا: مَعْنَاهُ أَن الشَّيْء الْمَعْلُوم يكون علمه فِي الْقلب فيترجم عَنهُ بِاللِّسَانِ، وَهَذَا الْإِفْك لَيْسَ إلَاّ قولا يجْرِي على أَلْسِنَتكُم ويدور فِي أَفْوَاهكُم من غير تَرْجَمَة عَن علم بِهِ فِي الْقلب، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ بأفواههم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبهم﴾ (النُّور: ٥١) .

стр. 5661

٢٥٧٤ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى حدَّثنا هِشامٌ أنَّ ابنَ جُرَيْجٍ أخْبَرَهُمْ قَالَ ابنُ أبي مُلَيْكَةَ سَمِعْتُ عائِشَةَ تَقْرَأُ: ﴿إذْ تَلِقُونَهُ بألْسِنَتِكُمْ﴾ (النُّور: ٥١) . (انْظُر الحَدِيث ٤٤١٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف، وَفِي بعض النّسخ صرح بِهِ، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ، وَابْن أبي مليكَة هُوَ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي مليكَة واسْمه زُهَيْر التَّيْمِيّ الْأَحول الْمَكِّيّ القَاضِي على عهد عبد الله بن الزبير ﵃. والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي. قَوْله: (إِذْ تلقونه) بِكَسْر اللَّام وَتَخْفِيف الْقَاف من الولق وَهُوَ الْكَذِب، وَقد مر عَن قريب، وأصل: تلقونه تولقونه حذفت الْوَاو مِنْهُ تبعا للْفِعْل الْغَائِب لوقوعها فِيهِ بَين الْيَاء آخر الْحُرُوف والكسرة طرداً للباب. (بابٌ: ﴿ولوْلا إذْ سَمِعْتُمُونُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهاذَا سُبْحانَكَ هاذَا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ (النُّور: ٦١) هَذِه الْآيَة ذكرت عِنْد قَوْله بَاب: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سمعتموه ظن الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ (النُّور: ٢١) وَاقْتصر أَبُو ذَر إِلَى قَوْله: ﴿أَن نتكلم بِهَذَا﴾ وسَاق غَيره بَقِيَّة الْآيَة، وَذكرهَا هَهُنَا تكْرَار، على مَا لَا يخفى على أَنَّهَا غير مَذْكُورَة فِي بعض النّسخ. ٣٥٧٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حَدثنَا يَحْيَى عنْ عُمَرَ بنِ سَعِيدِ بنِ أبي حُسَيْنٍ قَالَ حدّثني ابنُ أبي مُلَيْكَةَ قَالَ اسْتأْذَنَ ابنُ عَبَّاس قَبْلَ مَوْتِها عَلَى عائِشَةَ وهْيَ مَغْلُوبَةٌ قالَتْ أخْشَي أنْ يُثْنِيَ عَلَيَّ فَقِيلَ ابنُ عَمِّ رسولِ الله ﷺ ومِنْ وجُوهِ المسْلِمِينَ قالَتِ ائْذَنُوا لَهُ فَقَالَ كَيْفَ تَجِدِينَكِ قالَتْ بِخَيْرٍ إنِ اتَّقَيْتُ الله قَالَ فأنْتِ بِخَيْرٍ إنْ شاءَ الله زَوْجَةُ رسولِ الله ﷺ ولَمْ يَنْكِحْ بِكْراً غَيْرَكِ ونَزَل عُذْرُكِ منَ السَّماءِ ودَخَلَ ابنُ الزُّبَيْرِ خِلَافَهُ فقالَتْ دَخَلَ ابنُ عَبَّاسٍ فأثْنى عَلَيَّ وَودِدْتُ أنِّي ﴿كُنْتُ نِسْياً مَنْسِيًّا﴾ (مَرْيَم: ٣٢) (انْظُر الحَدِيث ١٧٧٣ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَنزل عذرك من السَّمَاء) . وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان وَابْن أبي مليكَة عبد الله، وَقد مر عَن قريب قبيل الْبَاب. والْحَدِيث ذكره أَيْضا فِي النِّكَاح. قَوْله: (وَهِي مغلوبة) ، جملَة حَالية أَي: مغلوبة من كرب الْمَوْت. قَوْله: (فَقيل: ابْن عَم رَسُول الله ﷺ أَي: هُوَ ابْن عَم رَسُول الله ﷺ ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ فهم مِنْهَا أَنَّهَا تَمنعهُ، فَدخل عَلَيْهَا هَذَا الْقَائِل فِي الْإِذْن لَهُ بِالدُّخُولِ وَذكرهَا مَنْزِلَته، وَهَذَا الْقَائِل هُوَ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق ﵃، وَالَّذِي اسْتَأْذن هُوَ ذكْوَان مولى عَائِشَة، وَقد بيّن ذَلِك عبد الرَّزَّاق. قَالَ: أخبرنَا معمر عَن عبد الله بن عُثْمَان بن خثيم عَن ابْن أبي مليكَة عَن ذكْوَان مولى عَائِشَة أَنه اسْتَأْذن لِابْنِ عَبَّاس على عَائِشَة وَهِي تَمُوت وَعِنْدهَا ابْن أُخْتهَا عبد الله بن عبد الرَّحْمَن، فَذكره، وَرَوَاهُ أَحْمد عَن عبد الرَّزَّاق، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : هَذِه الرِّوَايَة تدل على إرْسَال رِوَايَة البُخَارِيّ وَأَن ابْن أبي مليكَة لم يشْهد ذَلِك وَلَا سَمعه مِنْهُ حَالَة قَوْله لَهَا لعدم حُضُوره. انْتهى. وَقَالَ بَعضهم: ادّعى بعض الشُّرَّاح فَذكره، ثمَّ قَالَ: وَمَا أَدْرِي من أَيْن لَهُ الْجَزْم بِعَدَمِ حُضُوره وسماعه، وَمَا الْمَانِع من ذَلِك؟ وَلَعَلَّه حضر جَمِيع ذَلِك. انْتهى. قلت: هُوَ مَا ادّعى الْجَزْم بذلك بل لَهُ احْتِمَال قريب، وَكَيف يشنع عَلَيْهِ وَقد رد كَلَام نَفسه بِكَلِمَة الترجي؟ قَوْله: (كَيفَ تجدينك) ، الْخطاب لعَائِشَة بِالتَّاءِ وَالْكَاف، أَي: كَيفَ تجدين نَفسك؟ قَوْله: (إِن اتَّقَيْت) أَي: كنت من أهل التَّقْوَى، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: إِن اتَّقَيْت من التقاء على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (وَنزل عذرك من السَّمَاء) أَشَارَ بِهِ إِلَى قصَّة الْإِفْك. قَوْله: (خِلَافه) أَي: وَدخل عبد الله بن الزبير على عَائِشَة بعده متخالفين ذَهَابًا وإياباً، أَي: وَافق رُجُوعه مَجِيئه، قَوْله: (نسياً منسياً) مَعْنَاهُ: لَيْتَني لم أك شَيْئا. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وقرىء قَوْله تَعَالَى: ﴿نسيا منسياً﴾ بِالْفَتْح، أَي: بِفَتْح النُّون. ٤٥٧٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حَدثنَا عَبْدُ الوَهَّابِ بنُ عَبْدِ المَجِيدِ حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ عنِ

стр. 5662

القاسِمِ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ ﵄ اسْتَأْذَنَ عَلَى عائِشَةَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ ﴿نِسْياً مَنْسِيًّا﴾ (مَرْيَم: ٣٢) (انْظُر الحَدِيث ١٧٧٣ وطرفه) . هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور وَابْن عون هُوَ عبد الله بن عون، وَالقَاسِم هُوَ مُحَمَّد بن أبي بكر. قَوْله: (نَحوه) أَي: نَحْو الحَدِيث الْمَذْكُور. ٩ - (بابٌ قَوْلُهُ: ﴿يَعِظُكُمُ الله أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَداً﴾ الْآيَة) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يعظكم الله﴾ (النُّور: ٧١) الْآيَة. وَسقط لغير أبي ذَر لفظ. الْآيَة، قَوْله: (يعظكم الله) أَي: يَنْهَاكُم ويخوفكم، وَقيل: يعظكم الله كَيْلا تعودوا لمثله، أَي: إِلَى مثله ﴿وَالله عليم﴾ يَأْمر عَائِشَة وَصَفوَان ﴿حَكِيم﴾ ببراءتهما. ٥٥٧٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدّثنا سُفْيانُ عنِ الأعْمَش عنْ أبي الضُّحَى عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ جاءَ حَسَّانُ بنُ ثابِتٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْها قُلْتُ أتأْذَنِينَ لِهاذَا قالَتْ أوَلَيْسَ قَدْ أصابَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ قَالَ سُفْيانُ تَعْنِي ذَهابَ بَصَرِهِ فَقَالَ: (حَصانٌ رزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الغَوَافِلِ) قالَتْ لاكِنْ أنْتَ. (انْظُر الحَدِيث ٦٤١٤ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَتَأْذَنِينَ لهَذَا) يفهم بِالتَّأَمُّلِ، وَمُحَمّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَقد وَقع التَّصْرِيح بذلك عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَفِي غير هَذَا الْموضع روى البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن يُوسُف البيكندي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الْأَعْمَش وَأَبُو الضُّحَى مُسلم بن صبيح. والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي فِي: بَاب حَدِيث الْإِفْك، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن بشر بن خَالِد عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان عَن أبي الضُّحَى إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (لَكِن أَنْت) وَفِي رِوَايَة شُعْبَة: قَالَت: لست كَذَاك، الْخطاب لحسان، يَعْنِي: لَكِن أَنْت لم تصبح غرثان من لُحُوم الغوافل، وَهُوَ دَال على أَنه كَانَ خَاضَ فِيمَن خَاضَ. ٠١ - (بابٌ: ﴿ويُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآياتِ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (النُّور: ٨١) (النُّور: ٨١) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَيبين الله لكم الْآيَات﴾ الدالات على علمه وحكمته بِمَا ينزل عَلَيْكُم من الشَّرَائِع ويعلمكم من الْآدَاب الجميلة (وَالله عليم) بِأَمْر عَائِشَة وَصَفوَان وببراءتهما (حَكِيم) يضع الْأَشْيَاء فِي محالها. ٦٥٧٤ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا ابنُ عَدِيّ أنْبأنا شُعْبَةُ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبي الضُّحَى عنْ مَسْرُوق قَالَ دَخَلَ حَسَّانُ بنُ ثابِتٍ عَلَى عائِشَةَ فَشَبَّبَ وَقَالَ: (حَصانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحومِ الغَوافِلِ) قالَتْ لَسْتَ كَذَاكَ قُلْتُ تَدَعِينَ مِثْلَ هاذَا يَدْخُلُ عَلَيْكَ وَقَدْ أنْزَلَ الله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ (النُّور: ١١) فقالَتْ وأيُّ عَذابٍ أشَدُّ مِنَ العَمَى وقالَتْ وقَدْ كانَ يَرُدُّ عَنْ رسولِ الله ﷺ . (انْظُر الحَدِيث ٦٤١٤ وطرفه) . هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَابْن أبي عدي مُحَمَّد، وَاسم أبي عدي إِبْرَاهِيم. قَوْله: (فشبب) من التشبيب، وَهُوَ إنشاد الشّعْر على وَجه الْغَزل. قَوْله: (قَالَت: لست كَذَاك) ، أَي: قَالَت عَائِشَة لحسان: (لست كَذَاك) تَعْنِي: لم تصبح غرثان من لُحُوم الغوافل، شارت بِهِ إِلَى أَنه خَاضَ فِي الْإِفْك وَلم يسلم من أكل لُحُوم الغوافل. قَوْله: (قلت) الْقَائِل هُوَ مَسْرُوق. قَوْله: (تدعين) ، أَي: تتركين (مثل هَذَا) ، يَعْنِي: حسانا (يدْخل عَلَيْك) وَقد خَاضَ فِي الْإِفْك ثمَّ بَين ذَلِك بقوله: وَقد أنزل الله: (وَالَّذِي تولى كبره مِنْهُم) وَقد مر أَنه هُوَ الَّذِي تولى كبره على قَول. قَوْله: (وَقد كَانَ يرد عَن رَسُول الله ﷺ أَي: يدافع هجو الْكفَّار لرَسُول الله ﷺ يهجوهم ويذب عَنهُ.

стр. 5663

١١ - (بابٌ قَوْلهُ تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفَاحِشةُ فِي الذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ وَالله يَعْلَمُ وأنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ وَلَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وأنَّ الله رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (النُّور: ٩١ ٠٢) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿إِن الَّذين يحبونَ﴾ إِلَى آخر ﴿رؤوف رَحِيم﴾ . كَذَا عِنْد الْأَكْثَرين، وَعند أبي ذَر. ﴿إِن الَّذين يحبونَ أَن تشيع الْفَاحِشَة فِي الَّذين آمنُوا﴾ الْآيَة، إِلَى قَوْله: ﴿رؤوف رَحِيم﴾ . قَوْله: ﴿إِن الَّذين يحبونَ﴾ تهديد للقاذفين. قَوْله: ﴿أَن تشيع﴾ أَي: أَن تَفْشُو وتذيع الْفَاحِشَة ﴿لَهُم عَذَاب أَلِيم فِي الدُّنْيَا﴾ بِالْحَدِّ، وَفِي: (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : وَقد ضرب رَسُول الله ﷺ ، عبد الله بن أبي وحساناً وَمِسْطَحًا، وَقد ذكر أَبُو دَاوُد أَن حسانا حُد زَاد الطَّحَاوِيّ: ثَمَانِينَ، وَكَذَا حمْنَة ومسطح ليكفر الله عَنْهُم بذلك إِثْم مَا صدر مِنْهُم حَتَّى لَا يبْقى عَلَيْهِم تبعة فِي الْآخِرَة، وَأما ابْن أبي فَإِنَّهُ لم يحد لِئَلَّا ينقص من عَذَابه شَيْء، أَو إطفاء للفتنة وتألفاً لِقَوْمِهِ، وَقد روى الْقشيرِي فِي: (تَفْسِيره) : أَنه حد ثَمَانِينَ، وَقَالَ الْقشيرِي ومسطح: لم يثبت مِنْهُ قذف صَرِيح فَلم يذكر فِيمَن حد، وَأغْرب الْمَاوَرْدِيّ، فَقَالَ: إِنَّه لم يحد أحد من أهل الْإِفْك. قَوْله: (وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته) هَذَا إِظْهَار الْمِنَّة بترك المعاجلة بالعقاب، وَجَوَاب: لَوْلَا، مَحْذُوف تَقْدِيره: لعاجلكم بِالْعَذَابِ. تشِيعَ تَظْهَرُ لم يثبت هَذَا إلَاّ لأبي ذَر وَحده، وَقد فسر قَوْله: ﴿أَن تشيع الْفَاحِشَة﴾ بقوله: (تظهر) ، وَكَذَا فسره مُجَاهِد، وَزَاد: ويتحدث بِهِ، والفاحشة: الزِّنَا. (بابٌ: ﴿وَلَا يأتَلِ أولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ والسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أولِي القُرْبَى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ فِي سَبيلِ الله ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ الله لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النُّور: ٢٢) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ إِلَى آخِره، وَلَيْسَ فِي كثير من النّسخ لفظ: بَاب، وَلم تثبت هَذِه الْآيَة هُنَا إِلَّا لأبي ذَر وَحده. قَوْله: (وَلَا يَأْتَلِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مَعْنَاهُ وَلَا يفتعل، من آلَيْت أَي: أَقْسَمت، وَعَن ابْن عَبَّاس: (لَا يَأْتَلِ) أَي: لَا يقسم، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب، وَقَالَ الْأَخْفَش: وَإِن شِئْت جعلته من قَول الْعَرَب: مَا ألوت جهدي فِي شَأْن فلَان، أَي: مَا تركته وَلَا قصرت فِيهِ. ٧٥٧٤ - ﴿وَقَالَ أبُو أُسامَةَ﴾ وَفِي بعض النّسخ: قَالَ أَبُو عبد الله: قَالَ أَبُو أُسَامَة. وَهُوَ حَمَّاد بن أُسَامَة وَأَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَفِي: (التَّلْوِيح) : يُرِيد بِهَذَا التَّعْلِيق مَا رَوَاهُ مُسلم فِي: (صَحِيحه) عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب عَن أبي أُسَامَة بِهِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ حَدثنَا إِسْحَاق قَالَ: نَا حميد بن الرّبيع الخراز، وَقَالَ بَعضهم: وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي عَن الْفربرِي: حَدثنَا حميد ابْن الرّبيع. نَا أَبُو أُسَامَة، فَظن الْكرْمَانِي أَن البُخَارِيّ وَصله عَن حميد بن الرّبيع، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ خطأ فَاحش فَلَا تعْتَبر بِهِ. انْتهى. قلت: هَذَا حط على الْكرْمَانِي بِغَيْر فهم كَلَامه، فَإِنَّهُ لم يقل مثل مَا نسبه إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَالَه مثل مَا نقلت عَنهُ، وَلم يقل: حَدثنَا حميد بن الرّبيع، وَإِنَّمَا قَالَ: حَدثنَا إِسْحَاق، قَالَ: حَدثنَا حميد بن الرّبيع، نقل ذَلِك على مَا رَآهُ فِي بعض النّسخ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِك شَيْء. عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ قَالَ أخْبَرَني أبي عنْ عائِشَةَ قالَتْ لَمَّا ذُكِرَ مِنْ شَأْني الَّذِي ذُكِرَ وَمَا عَلِمْتُ بِهِ قَامَ رسولُ الله ﷺ فيَّ خَطِيباً فَتَشَهَّدَ فَحَمِدَ الله وأثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أمّا بَعْدُ أشِيُروا عَلَيَّ فِي أُناسٍ أبَنُوا أهْلِي وأيْمُ الله مَا عَلِمْتُ عَلَى أهْلِي مِنْ سُوءٍ وأبَنُوهُمْ بِمَنْ وَالله مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَطُّ وَلَا يَدْخُلُ بَيْتِي قَطُّ إلاّ وَأَنا حاضِرٌ وَلَا غِبْتُ فِي سَفَرٍ إلاّ غابَ معِي فقامَ سَعْدُ بنُ مُعاذِ فَقَالَ ائْذَنْ لِي يَا رسولَ الله أنْ نَضْرِبَ أعْناقَهُمْ وقامَ رَجُلٌ مِنْ بَني

стр. 5664

الخَزْرَجِ وكانتْ أُمُّ حَسّانَ بنِ ثابِتٍ مِنْ رَهْطِ ذالِكَ الرَّجُلِ فَقَالَ كَذَبْتَ أما وَالله أنْ لَوْ كانُوا مِنَ الأوْسِ مَا أحْبَبْت أنْ تُضْرَبَ أعْناقُهُمْ حَتَّى كادَ أنْ يكُونَ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ شَرٌّ فِي المَسْجدِ وَمَا عَلِمْتُ فَلَمّا كَانَ مَساءُ ذالِكَ اليَوْمِ خَرَجْتُ لِبَعْضِ حاجَتِي ومَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ فعَثَرَتْ وقالَتْ تَعَسَ مِسْطَحٌ فقُلْتُ أيْ أمِّ تَسُبِّينَ ابنَكِ وسَكَتَتْ ثُمَّ عَثَرَتِ الثّانِيَةَ فقالَتْ تَعَسَ مِسْطَحٌ فَقُلْتُ لَها تَسُبِّينَ ابْنَكِ ثُمَّ عَثَرَتِ الثالِثَةَ فقالَتْ تَعَسَ مَسْطَحٌ فانْتَهَرْتُها فقالَتْ وَالله مَا أسُبُّهُ إلاّ فِيكِ فقُلْتُ فِي أيِّ شأني قالَتْ فَبَقَرَتْ لِي الحَدِيثَ فَقُلْتُ وَقَدْ كانَ هاذَا قالَتْ نَعَمْ وَالله فَرَجَعْتُ إِلَى بَيْتي كَأنَّ الَّذِي خَرَجْتُ لَهُ لَا أجِدُ مِنْهُ قَلِيلاً وَلَا كَثِيراً وَوُعكْتُ فَقُلْتُ لرسولِ الله ﷺ أرْسِلْني إِلَى بَيْتِ أبي فأرْسَلَ مَعِي الغُلَامَ فَدَخَلْتُ الدَّارَ فَوَجَدْتُ أُمَّ رُومانَ فِي السُّفْلِ وَأَبا بَكْرٍ فَوْقَ البَيْتِ يَقْرَأُ فقالَتْ أُمِّي مَا جاءَ بِكِ يَا بُنَيَّةُ فأخْبَرْتُها وَذَكَرْتُ لَها الحدِيثَ وَإِذا هُوَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْها مِثْلَ مَا بَلَغَ مِنِّي فقالَتْ يَا بُنَيَّةُ خَفِّضِي عَلَيِكِ الشأْنَ فإنَّهُ وَالله لَقَلَّما كانَتِ امْرَأةٌ قَطُّ حَسْناءُ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّها لَها ضَرَائِرُ إلاّ حَسَدْنَها وقِيلَ فِيها وَإِذا هُوَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْها مَا بَلَغَ مِنِّي قُلْتُ وَقَدْ عَلِمَ بِهِ أبي قالَتْ نَعَمْ قُلْتُ ورسولُ الله ﷺ قالَتْ نَعَمْ ورسُولُ الله ﷺ واسْتَعْبَرْتُ وَبَكَيْتُ فَسَمَعَ أبُو بَكْرٍ صَوْتِي وهْوَ فَوْقَ البَيْتِ يَقْرَأُ فَنَزَلَ فَقَالَ لأمِّي مَا شأنُها قالَتْ بَلَغَها الَّذِي ذُكِرَ مِنْ شأنِها فَفاضَتْ عَيْناهُ قَالَ أقْسَمْتُ عَلَيْكِ أيْ بُنَيَّةُ إلاّ رجَعْتِ إِلَى بَيْتِكِ فَرَجَعْتُ وَلَقَدْ جاءَ رسُولُ الله ﷺ بَيْتِي فَسَأل عَنِّي خادِمَتي فقالَتْ لَا وَالله مَا عَلِمْتُ عَلَيْها عَيْباً إلاّ أنّها كانَتْ تَرْقُدُ حَتَّى تَدْخُلَ الشّاةُ فَتَأكُلَ خَمِيرَها أوْ عَجِينَها وانْتَهَرَها بَعْضُ أصْحابِهِ فَقَالَ اصْدُقِي رسولَ الله ﷺ حَتَّى أسْقَطُوا لَها بِهِ فقالَتْ سُبْحانَ الله وَالله مَا عَلِمْتُ عَلَيْها إلاّ مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الأحْمَر وَبَلَغَ الأمْرُ إِلَى ذَلِكَ الرجُلِ الَّذِي قِيلَ لَهُ فَقَالَ سُبْحانَ الله وَالله مَا كَشَفْتُ كَنَفَ أُنْثَى قَط قالَتْ عائِشَةُ فقُتِلَ شَهِيداً فِي سَبِيلِ الله قالَتْ وأصْبَحَ أبَوَايَ عِنْدِي فَلَمْ يَزَالا حَتَّى دَخَلَ عَلَيَّ رسولُ الله ﷺ وَقَدْ صَلَّى العَصْرَ ثُمَّ دَخَلَ وقَدِ اكْتَنَفَنِي أبَوَايَ عَنْ يَمِينِي وعَنْ شِمالِي فَحَمِدَ الله وأثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أمَّا بَعْدُ يَا عائِشَةُ إنْ كُنْتِ قارَفْتِ سُوءاً أوْ ظَلمْتِ فتُوبِي إلَى الله فإِنَّ الله يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ قالَتْ وَقَدْ جاءَتِ امْرَأةٌ مِنَ الأنصارِ فَهْيَ جالِسَةٌ بالبَابِ فَقُلْتُ أَلا تَسْتَحِي مِنْ هاذِهِ المَرْأةِ أنْ تَذْكُرَ شَيْئاً فَوَعَظَ رسولُ الله ﷺ فالْتَفَتُّ إلَى أبي فَقُلْتُ أجِبْهُ قَالَ فَماذا أقُولُ فالْتَفَتُّ إلَى أُمِّي فَقُلْتُ أجِيبِيهِ فقالَتْ أقُولُ ماذَا فَلَمَّا لَمْ يُجِيباهُ تَشَهَّدْتُ فَحَمَدْتُ الله وأثْنَيْتُ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ قُلْتُ أمّا بَعْدُ فوَالله لَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إنِّي لَمْ أفْعَلْ وَالله يَشْهَدُ إنِّي لَصادِقَةٌ مَا ذَاكَ بنَافِعي عِنْدَكُمْ لَقَدْ تَكَلَّمْتمْ بِهِ وأُشْرِبَتْهُ قُلُوبُكُمْ وإنْ قُلْتُ إنِّي فَعَلْتُ وَالله يَعْلَمُ أنِّي لَمْ أفْعَلْ لَتَقُولُنَّ قَدْ باءَتْ بِهِ

стр. 5665

عَلَى نَفْسِها وإنِّي وَالله مَا أجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلاً والتَمَسْتُ إسْمَ يَعْقُوبَ فَلَمْ أقْدِرْ عَلَيْهِ إلاّ أَبَا يُوسُفَ حِينَ قَالَ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَالله المُسْتَعانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ وأُنْزِلَ عَلَى رسولِ الله ﷺ مِنْ ساعَتِهِ فَسَكَتْنا فَرُفِعَ عَنْهُ وإنِّي لأَتَبَيَّنُ السُّرُورَ فِي وجْهِهِ وهْوَ يَمْسَحُ جَبِينَهُ وَيَقُولُ أبْشِرِي يَا عائِشَةُ فَقَدْ أنْزَلَ الله بَرَاءَتَكِ قالَتْ وكُنْتُ أشَدَّ مَا كُنْتُ غَضَباً فَقَالَ لي أبَوَايَ قُومِي إلَيْهِ فَقُلْتُ وَالله لَا أقُومُ إلَيْهِ وَلَا أحْمَدُهُ وَلَا أحْمَدُكُما ولاكِنْ أحْمَدُ الله الَّذِي أنْزَلَ بَرَاءَتي لَقَدْ سَمِعْتُمُوهُ فَما أنْكَرْتُمُوهُ وَلَا غَيَّرْتُمُوهُ وكانَتْ عائِشَةُ تقُولُ أمّا زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ فَعَصَمَها الله بدِينِها فَلَمْ تَقُلْ إلاّ خَيْراً وأمّا أُخْتُها حَمْنَةُ فَهَلَكَتْ فيمَنْ هَلَكَ وكانَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيهِ مِسْطَحٌ وحَسّانُ بنُ ثابِتٍ والمُنافِقُ عَبْدُ الله بنُ أُبَيّ وهْوَ الَّذِي كانَ يَسْتَوشِيهِ وَيَجْمَعُهُ وَهْوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ هُوَ وَحَمْنَةُ قالتْ فَحَلَفَ أبُو بَكْرٍ أَن لَا يَنْفَعِ مِسْطَحاً بِنافِعَةٍ أبَداً فأنْزَلَ الله وَلَا يأتَلِ أولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ إِلَى آخِرِ الآيةِ يعْنِي أَبَا بَكْرٍ والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبَى والمَساكِينَ يَعْنِي مِسْطَحاً إِلَى قَوْلِهِ أَلا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ الله لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رحيمٌ حَتَّى قَالَ أَبُو بَكْرٍ بَلَى وَالله يَا رَبَّنا إنّا لَنُحِبُّ أنْ تَغْفِرَ لَنا وَعَاد لَهُ بِمَا كانَ يَصْنَعُ.. هَذَا طَرِيق آخر فِي قصَّة الْإِفْك، وَهُوَ مُعَلّق كَمَا ذكرنَا، وأسنده مُسلم فِي كتاب التَّوْبَة مُخْتَصرا. قَوْله: (لما ذكر من شأني) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، والشأن الْأَمر، وَالْحَال. قَالَه الْجَوْهَرِي. قَوْله: (وَمَا علمت بِهِ) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (قَامَ) جَوَاب: لما. قَوْله: (فِي) : بِكَسْر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (أبنوا) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَرُوِيَ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد وَالتَّخْفِيف أشهر، وَمَعْنَاهُ اتهموا أَهلِي، وَالِابْن بِفَتْح الْهمزَة التُّهْمَة، يُقَال: ابْنه يأبنه، بِضَم الْبَاء وَكسرهَا إِذا اتهمه ورماه بخلة سوء فَهُوَ مأبون، قَالُوا: وَهُوَ مُشْتَقّ من الابْن، بِضَم الْهمزَة وَفتح الْبَاء وَهِي العقد فِي القسي تفسدها. قَوْله: (وابنوهم بِمن) ، كلمة: من، هُنَا عبارَة عَن صَفْوَان. قَوْله: (وَالله) إِلَى قَوْله: (فَقَامَ سعد بن معَاذ) فِي بَرَاءَة صَفْوَان وَبَيَان دينه المتين، وَقَامَ رجل هُوَ سعد بن عبَادَة. قَوْله: (أم حسان) ، وَهِي الفريعة بنت خَالِد بن حسر بن لوذان بن عبدود بن زيد بن ثَعْلَبَة بن الْخَزْرَج بن كَعْب بن سَاعِدَة الْأَنْصَارِيَّة، والفريعة بِضَم الْفَاء وبالعين الْمُهْملَة. قَوْله: (فِيك) ، كلمة: فِي، هُنَا للتَّعْلِيل أَي: لِأَجلِك. قَوْله: (فنقرت) ، بالنُّون وَالْقَاف، أَي أظهرت وقررت بعجزه وبجره، قَالَه الْكرْمَانِي: وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي بَاب الْبَاء الْمُوَحدَة مَعَ الْقَاف: وَمِنْه فبقرت لَهَا الحَدِيث، أَي: فَتحته وكشفته. قَوْله: (لَا أجد مِنْهُ لَا قَلِيلا وَلَا كثيرا) مَعْنَاهُ: أَنِّي دهشت بِحَيْثُ مَا عرفت لأي أَمر خرجت من الْبَيْت. قَوْله: (ووعكت) ، بِضَم الْوَاو أَي: مَرضت بحمى. قَوْله: (أم رُومَان) قد ذكرنَا أَنه بِضَم الرَّاء وَفتحهَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: اسْمهَا زَيْنَب. قَوْله: (فِي السّفل) ، بِكَسْر السِّين وَضمّهَا. قَوْله: (أَقْسَمت عَلَيْك) ، هَذَا مثل قَوْلهم. نشدتك بِاللَّه إلَاّ فعلت أَي: مَا أطلب مِنْك إلَاّ رجوعك إِلَى بَيت رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (عَن خادمتي) ، ويروى: عَن خادمي، وَالْخَادِم يُطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى وَالْمرَاد بهَا بَرِيرَة بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (حَتَّى أسقطوا لَهَا بِهِ) ، قَالَ النَّوَوِيّ: هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النّسخ: ببلادنا، بِالْبَاء الَّتِي هِيَ حرف الْجَرّ، كَذَا نَقله القَاضِي عَن رِوَايَة الجلودي، وَفِي رِوَايَة ابْن هامان: لهاتها، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق. قَالَ الْجُمْهُور: هَذَا غلط وَالصَّوَاب الأول، وَمَعْنَاهُ: صَرَّحُوا لَهَا بِالْأَمر، وَلِهَذَا قَالَت: سُبْحَانَ الله استعظاماً لذَلِك، وَقيل: مَعْنَاهُ أَتَوا بسقط من القَوْل فِي سؤالها وانتهارها، وَيُقَال: أسقط وَسقط فِي كَلَامه إِذا أَتَى فِيهِ بساقط، وَقيل: إِذا أَخطَأ فِيهِ وعَلى رِوَايَة ابْن ماهان: إِن صحت مَعْنَاهُ أسكتوها، وَهَذَا ضَعِيف، لِأَنَّهَا لم تسكت بل قَالَت: سُبْحَانَ الله، وَالضَّمِير فِي بِهِ عَائِد إِلَى الِانْتِهَار أَو السُّؤَال، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى: (الهابة) ،

стр. 5666

بِلَفْظ الْمصدر من اللهيب. قَوْله: (على تبر الذَّهَب) ، بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ الْقطعَة الْخَالِصَة. قَوْله: (وَبلغ الْأَمر) . أَي: أَمر الْإِفْك. قَوْله: (إِلَى ذَلِك الرجل) ، وَهُوَ صَفْوَان. قَوْله: (كنف أُنْثَى) ، بِفَتْح الْكَاف وَالنُّون وَهُوَ السَّاتِر وَأَرَادَ بِهِ الثَّوْب. قَوْله: (فَقتل شَهِيدا فِي سَبِيل الله) وَهُوَ صَفْوَان بن الْمُعَطل السّلمِيّ، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: قتل صَفْوَان بن الْمُعَطل فِي غَزْوَة أرمينية شَهِيدا. وأميرهم يومئذٍ عُثْمَان بن الْعَاصِ سنة تسع عشرَة فِي خلَافَة عمر ﵁، وَقيل: إِنَّه مَاتَ بالجزيرة فِي نَاحيَة شمشاط وَدفن هُنَاكَ، وَقيل غير ذَلِك. قَوْله: (قارفت) ، بِالْقَافِ وَالرَّاء وَالْفَاء، أَي: كسبت. قَوْله (وَقد جَاءَت امْرَأَة) قَوْله: (أَقُول مَاذَا) ، فَإِن قلت: الِاسْتِفْهَام يَقْتَضِي الصدارة. قلت: هُوَ مُتَعَلق بِفعل مُقَدّر بعده. قَوْله: (وأشربته) ، على صِيغَة الْمَجْهُول وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى أَمر الْإِفْك، (وقلوبكم) مَرْفُوع بقوله: أشربت. قَوْله: (باءت بِهِ على نَفسهَا) ، أَي: أقرَّت بِهِ. قَوْله: (أَشد مَا كنت غَضبا) نَحْو قَوْلهم: أَخطب مَا يكون الْأَمِير قَائِما. قَالَ الْكرْمَانِي قلت: لَيْسَ كَذَلِك لِأَن قَوْله: أَخطب، فِي قَوْله: (أَخطب مَا يكون) مُبْتَدأ. وَقَوله (قَائِما) حَال سد مسد الْخَبَر. وَالتَّقْدِير: أَخطب كَون الْأَمِير قَائِما حَاصِل. وَقَوله: (أَشد مَا كنت) خبر قَوْله: (وَكنت أَشد مَا كنت) ، وَقَوله: (غَضبا) خبر: كنت الثَّانِي، وَالْمعْنَى: وَكنت حِين أخبر النَّبِي ﷺ ببراءتي أَشد أَي أقوى مَا كنت غَضبا من غَضَبي، قبل ذَلِك. قَوْله: (ذَلِك) ، لِأَن أفعل التَّفْضِيل يسْتَعْمل إِمَّا بِالْإِضَافَة أَو بِمن أَو بِالْألف وَاللَّام، وَهنا يَقْتَضِي الْحَال اسْتِعْمَاله بِمن على مَا لَا يخفى. قَوْله: (فعصمها الله) أَي: حفظهَا ومنعها. قَوْله: (فَهَلَكت فِيمَن هلك) ، أَي: حدت فِيمَن حد. قَوْله: (يستوشيه) ، أَي: يطْلب مَا عِنْده ليزيده ويريبه. قَوْله: (وَلَا يَأْتَلِ) أَي: وَلَا يحلف، وَمضى الْكَلَام فِيهِ فِي قصَّة الْإِفْك مُسْتَوفى فِي كتاب الشَّهَادَات. ٢١ - (بابٌ قَوْلُهُ: ﴿ولْيَضْرِبْنَ بخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (النُّور: ١٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَليَضْرِبن﴾ وأوله: ﴿وَقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن﴾ ... الْآيَة، وَمعنى: وَليَضْرِبن وليضعن خمرهن جمع خمار على جُيُوبهنَّ جمع جيب وَأُرِيد بِهِ على صدورهن ليسترن بذلك شعورهن وأعناقهن وقرطهن، وَذَلِكَ لِأَن جُيُوبهنَّ كَانَت وَاسِعَة تبدو مِنْهَا نحورهن وصدروهن وَمَا حواليها، وَكن يسدلن الْخمر من ورائهن فَتبقى مكشوفة فأمرن بِأَن يسدلنها من قدامهن حَتَّى يغطينها. ٨٥٧٤ - وَقَالَ أحْمَدُ بنُ شَبِيبٍ حدَّثنا أبي عنْ يُونُسَ قَالَ ابنُ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ يَرْحَمُ الله نِسَاءَ المُهاجِراتِ الأوَلَ لَمَّا أنْزَلَ الله: ﴿ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شَقَقْنَ مُرُوطَهِنَّ فاخْتَمَرْنَ بِها. (انْظُر الحَدِيث ٨٥٧٤ طرفه فِي: ٩٥٧٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَذكره مُعَلّقا مَعَ أَن أَحْمد بن شبيب من جملَة مَشَايِخ البُخَارِيّ، وشبيب، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة بعْدهَا بَاء مُوَحدَة: وَهُوَ ابْن سعيد يروي عَن يُونُس بن يزِيد عَن مُحَمَّد بن مُسلم ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَوصل هَذَا الْمُعَلق ابْن الْمُنْذر، وَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن زيد الصَّائِغ عَن أَحْمد بن شبيب فَذكره، وَكَذَا أخرجه أَبُو دَاوُد والطبري من طَرِيق قُرَّة بن عبد الرحمان عَن الزُّهْرِيّ مثله. قَوْله: (نسَاء الْمُهَاجِرَات) ، أَي: النِّسَاء الْمُهَاجِرَات وَهُوَ نَحْو: شجر الْأَرَاك، أَي: شجر هُوَ الْأَرَاك، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد من وَجه آخر: النِّسَاء الْمُهَاجِرَات. قَوْله: (الأول) ، بِضَم الْهمزَة وَفتح الْوَاو وَاللَّام، أَي: السابقات من الْمُهَاجِرَات. قَوْله: (مُرُوطهنَّ) ، جمع مرط بِكَسْر الْمِيم وَهُوَ الْإِزَار، قَوْله: (فَاخْتَمَرْنَ بهَا) أَي: غطين وجوههن بالمروط الَّتِي شققتها. ٩٥٧٤ - حدَّثنا أَبُو نُعَيْمٍ حَدثنَا إبْرَاهِيمُ بنُ نافِعٍ عنِ الحَسَنِ بنِ مُسْلِمٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ أنَّ عائِشَةَ ﵂ كانَتْ تَقُولُ لمّا نَزَلَتْ هاذِهِ الآيةُ ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ أخَذْنَ أُزْرَهُنَّ فشفقَّنَها مِنْ قِبَلِ الحَوَاشِي فاخْتَمَرْنَ بِهَا. .

стр. 5667

هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن أبي نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن عَن إِبْرَاهِيم بن نَافِع المَخْزُومِي الْمَكِّيّ عَن الْحسن بن مُسلم بن يناق الْمَكِّيّ عَن صَفِيَّة بنت شيبَة بن عُثْمَان القرشية المكية. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير أَيْضا عَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن حَمَّاد عَن عبد الله عَن إِبْرَاهِيم بن نَافِع إِلَى آخِره. قَوْله: (أزرهن) ، بِضَم الْهمزَة جمع إِزَار، وَهِي الملاءة بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف اللَّام وبالمد، وَهِي: الملحفة فَإِن قلت: حَدِيث عَائِشَة يدل على أَن اللَّاتِي شققْنَ أزرهن النِّسَاء الْمُهَاجِرَات، وَورد فِي حَدِيث عَائِشَة أَيْضا أَن ذَلِك كَانَ فِي نسَاء الْأَنْصَار، رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم قلت: يُمكن الْجمع بَينهمَا بِأَن نسَاء الْأَنْصَار بادرن إِلَى ذَلِك حِين نزُول الْآيَة الْمَذْكُورَة، وَالله أعلم. ٥٢ - (سورَةُ الفُرْقَانُ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الْفرْقَان، وَهُوَ مصدر فرق بَين الشَّيْئَيْنِ إِذا فصل بَينهمَا، وَسمي الْقُرْآن بِهِ لفصله بَين الْحق وَالْبَاطِل، وَقيل: لِأَنَّهُ لم ينزل جملَة وَاحِدَة وَلَكِن مفروقاً مَفْصُولًا بَين بعضه وَبَعض فِي الْإِنْزَال، قَالَ تَعَالَى: ﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على النَّاس﴾ (الْإِسْرَاء: ٦٠١) الْآيَة، وَهِي مَكِّيَّة وَفِي آيَة اخْتِلَاف وَهِي قَوْله : ﴿إلَاّ من تَابَ وآمن وَعَملا عملا صَالحا﴾ (الْفرْقَان: ٠٧) . وَقيل: فِيهَا آيتان اخْتلف النَّاس فيهمَا، فَقيل: إنَّهُمَا مدنيتان، وَقيل: مكيتان، وَقيل: إِحْدَاهمَا مَكِّيَّة وَالْأُخْرَى مَدَنِيَّة، وهما قَوْله: ﴿وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إل هَا آخر﴾ الْآيَة وَقَوله إمن تَابَ وآمن (الْفرْقَان: ٨٦) فَالَّذِي قَالَ إِن الأولى مَكِّيَّة وَهُوَ سعيد بن جُبَير، وَهِي قَوْله: ﴿وَالَّذين لَا يدعونَ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿مهاناً﴾ . وَالثَّانيَِة مَدَنِيَّة وَهِي قَوْله: ﴿إلَاّ من تَابَ وآمن﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ وَهِي سبع وَسَبْعُونَ آيَة، وَثَمَانمِائَة وَاثْنَتَانِ وَتسْعُونَ كلمة، وَثَلَاثَة آلَاف وَسَبْعمائة وَثَمَانُونَ حرفا. ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ ثبتَتْ عِنْد الْكل. قَالَ ابنُ عَبّاسٍ: هَباءً مَنْثُوراً مَا تَسْفِي بِهِ الرِّيحُ أَي: قَالَ عبد الله بن عَبَّاس فِي تَفْسِير: هباءً. منثوراً. فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقدمنَا إِلَى مَا عمِلُوا من عمل فَجعلنَا هباء منثوراً﴾ (الْفرْقَان: ٣٢) مَا تسفي بِهِ الرّيح أَي تذريه وترميه، وَوَصله ابْن الْمُنْذر من حَدِيث عَطاء عَن ابْن عَبَّاس بِلَفْظ: مَا تسفي بِهِ الرّيح وتثبته، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: هباءً منثوراً، أَي: بَاطِلا لَا ثَوَاب لَهُ لأَنهم لم يعملوه لله، وَإِنَّمَا عملوه للشَّيْطَان. وَاخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي الهباء فَقَالَ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَالْحسن: هُوَ الَّذِي يرى فِي الكوى من شُعَاع الشَّمْس كالغبار وَلَا يمس بِالْأَيْدِي وَلَا يرى فِي الظل، وَقَالَ ابْن زيد: هُوَ الْغُبَار، وَقَالَ مقَاتل: هُوَ مَا يسطع من حوافر الدَّوَابّ، وَيُقَال: الهباء جمع هباة، والمنثور المتفرق. مَدَّ الظِّلَّ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم ترَ إِلَى رَبك كَيفَ مد الظل﴾ (الْفرْقَان: ٥٤) الْآيَة. وَفَسرهُ بقوله: (مَا بَين طُلُوع الْفجْر إِلَى طُلُوع الشَّمْس) ، وَإِنَّمَا جعله ممدوداً لِأَنَّهُ لَا شمس مَعَه، كَمَا قَالَ فِي ظلّ الْجنَّة. ﴿وظل مَمْدُود﴾ (الْوَاقِعَة: ٠٣) ، وبمثل مَا فسره رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وروى مثله أَيْضا عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الْحسن وَقَتَادَة. ساكِناً دَائِماً. عَلَيْهِ دَلِيلاً طُلُوعُ الشَّمْسِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو شَاءَ لجعله سَاكِنا ثمَّ جعلنَا الشَّمْس عَلَيْهِ دَلِيلا﴾ . وَفسّر سَاكِنا بقوله: (دَائِما) أَي: غير زائل، وَقيل: لاصقاً بِأَصْل الْجِدَار غَيره منبسط، وَفسّر دَلِيلا بقوله: (الشَّمْس) أَي طُلُوع الشَّمْس دَلِيل على حُصُول الظل، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس: تدل على الظل الشَّمْس، يَعْنِي لَوْلَا الشَّمْس مَا عرف الظل، وَلَوْلَا النُّور مَا عرفت الظلمَة. خِلْفَةً مَنْ فاتَهُ مِنَ اللّيْلِ عملٌ أدْرَكَهُ بالنَّهارِ أوْ فاتَهُ بالنّهارِ أدْرَكَهُ باللّيْلِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جعل اللَّيْل وَالنَّهَار خلفة﴾ (الْفرْقَان: ٢٦) . الْآيَة، وَفسّر (خلفة) بقوله: (من فَاتَهُ) إِلَى آخِره، وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الْحسن مثله، وَفِي التَّفْسِير: وَعَن ابْن عَبَّاس وَقَتَادَة: خلفة، يَعْنِي عوضا وخلفاً يقوم واحدهما مَكَان صَاحبه، فَمن فَاتَهُ عمله فِي أَحدهمَا قَضَاهُ فِي الآخر، وَعَن مُجَاهِد: يَعْنِي جعل كل وَاحِد مِنْهُمَا مُخَالفا للْآخر فَجعل هَذَا أسود وَهَذَا أَبيض، وَعَن ابْن زيد: يَعْنِي إِذا جَاءَ أَحدهمَا ذهب الآخر، فهما يتعاقبان فِي الظلام والضياء وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان.

стр. 5668

وَقَالَ الحَسَنُ هَبْ لَنا مِنْ أزْواجِنا فِي طاعَةِ الله وَمَا شَيْءٌ أقَرَّ لِعَيْنِ المُؤْمِنِ أنْ يَري حَبِيبَهُ فِي طاعَةِ الله أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يَقُولُونَ رَبنَا هَب لنا من أَزوَاجنَا وَذُرِّيَّاتنَا قُرَّة أعين واجعلنا لِلْمُتقين إِمَامًا﴾ (الْفرْقَان: ٤٧) وَهَكَذَا أسْندهُ عَنهُ ابْن الْمُنْذر من حَدِيث جرير عَنهُ، وَفِي التَّفْسِير: قُرَّة أعين بِأَن نراهم مُؤمنين صالحين مُطِيعِينَ لَك، ووحد القرة لِأَنَّهَا مصدر وَأَصلهَا من الْبرد لِأَن الْعين تتأذى بِالْحرِّ وتستريح بالبرد. وَقَالَ ابنُ عبّاسٍ ثُبُوراً وَيْلاً أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿دعوا هُنَالك ثبوراً﴾ (الْفرْقَان: ٣١) أَي: ويلاً وأسنده ابْن الْمُنْذر عَنهُ من حَدِيث عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ السَّعِيرُ مُذَكَّرٌ والتَّسَعُّرُ والاضْطِرَامُ التَّوَقدُ الشَّدِيدُ أَي: قَالَ غير ابْن عَبَّاس: وَهُوَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيراً﴾ (الْفرْقَان: ١١) وَقَالَ: السعير مُذَكّر لِأَنَّهُ مَا يسعر بِهِ النَّار، وَإِنَّمَا حكم بتذكيره إِمَّا من حَيْثُ أَنه فعيل فَيصدق عَلَيْهِ أَنه مُذَكّر، وَإنَّهُ مؤنث، وَقيل: الْمَشْهُور أَن السعير مؤنث، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذا رأتهم من مَكَان بعيد سمعُوا لَهَا تغيظاً وزفيراً﴾ (الْفرْقَان: ١١) وَيُمكن أَن يُقَال: إِن الضَّمِير يحْتَمل أَن يعود إِلَى الزَّبَانِيَة، أَشَارَ إِلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيّ. قَوْله: (والتسعر) إِلَى آخِره يُرِيد بِهِ أَن معنى التسعر وَمعنى الاضطرام (التوقد الشَّديد) . تُمْلَى عَلَيْهِ أيْ تُقْرَأُ عَلَيْهِ مِنْ أمْلَيْتُ وأمْلَلْتُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا أساطير الْأَوَّلين﴾ (الْفرْقَان: ٥) اكتتبها فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بكرَة وَأَصِيلا، وَفسّر: (تملى عَلَيْهِ) بقوله: (تقْرَأ عَلَيْهِ) ، قَوْله: (وَقَالُوا) أَي: الْكفَّار، (أساطير الْأَوَّلين) يَعْنِي: مَا سطره المتقدمون من نَحْو أَحَادِيث رستم وإسفنديار، والأساطير جمع إسطار وأسطورة كأحدوثة. قَوْله: اكتتبها: يَعْنِي أَمر بكتبها لنَفسِهِ وَأَخذهَا، وَقيل: الْمَعْنى أكتتبها كَاتب لَهُ لِأَنَّهُ كَانَ أُمِّيا لَا يكْتب بِيَدِهِ، وَذَلِكَ من تَمام إعجازه. قَوْله: (من أمليت) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن تملى من أمليت من الْإِمْلَاء، وَأَشَارَ بقوله: (أمللت) إِلَى أَن الإملال لُغَة فِي الْإِمْلَاء، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أمليت الْكتاب أملي وأمللته أمله لُغَتَانِ جيدتان جَاءَ بهما الْقُرْآن، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فليملل الَّذِي عَلَيْهِ الْحق﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٢) . الرَّسُّ المَعْدِنُ جَمْعُهُ رِساسٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وعاداً وَثَمُود وَأَصْحَاب الرس قروناً بَين ذَلِك كثيرا﴾ (الْفرْقَان: ٨٣) وَفسّر الرس بالمعدن، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ الْخَلِيل: الرس كل بِئْر غير مطوية وَقَالَ قَتَادَة: أَصْحَاب الأيكة وَأَصْحَاب الرس أمتان أرسل الله إِلَيْهِمَا شعيباً فعذبوا بعذابين، قَالَ السّديّ: الرس بِئْر بأنطاكية قتلوا فِيهَا حبيباً النجار فنسبوا إِلَيْهَا، رَوَاهُ عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، وروى عِكْرِمَة أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: أَصْحَاب الرس، قَالَ: بِئْر بِأَذربِيجَان. مَا يَعْبَأ يُقالُ مَا عَبأْتُ بِهِ شَيْئاً لَا يُعْتَدُّ بِهِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قل مَا يعبأ بكم رَبِّي لَوْلَا دعاؤكم﴾ (الْفرْقَان: ٧٧) الْآيَة. وَفسّر: (مَا يعبأ) بقوله: (يُقَال) ، الخ. وَعَن أبي عُبَيْدَة: يُقَال مَا عبأت بِهِ شَيْئا، أَي: لم أعده فوجوده وَعَدَمه سَوَاء، وأصل هَذِه الْكَلِمَة تهيئة الشَّيْء، يُقَال: عبيت الْجَيْش وعبأت الطّيب عبوا: إِذا هيأته. غَرَاماً هَلَاكاً أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن عَذَابهَا كَانَ غراماً﴾ (الْفرْقَان: ٥٦) وَفسّر الغرام بِالْهَلَاكِ، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَمِنْه قَوْلهم: رجل مغرم بالحب. وَقَالَ مُجاهِدٌ وعَتَوْا طَغَوْا أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد استكبروا فِي أنفسهم وعتوا عتواً كَبِيرا﴾ (الْفرْقَان: ١٢) وَقَالَ: يَعْنِي عتوا طغوا، أخرجه وَرْقَاء فِي (تَفْسِيره) عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ. وَقَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ: عاتِيَةٍ عَتَتْ على الخُزَّانِ أَي: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأما عَاد فأهلكوا برِيح صَرْصَر عَاتِيَة﴾ (الحاقة: ٦) هَذِه فِي سُورَة الحاقة، ذكرهَا هُنَا اسْتِطْرَادًا

стр. 5669

لقَوْله: وعتوا، قَوْله: (صَرْصَر) هُوَ الشَّديد الصَّوْت، وَقيل: الرّيح الْبَارِدَة من الصر فتحرق من شدَّة بردهَا. قَوْله: (عاتبة) ، شَدِيدَة العصف، وَقَالَ سُفْيَان فِي تَفْسِير عَاتِيَة: عَتَتْ على خزانها فَخرجت بِلَا كيل وَلَا وزن، والخزان، بِضَم الْخَاء وَتَشْديد الزَّاي: جمع خَازِن، وَأُرِيد بِهِ خزان الرّيح الَّذين لَا يرسلون شَيْئا من الرّيح إلَاّ بِإِذن الله بِمِقْدَار مَعْلُوم، وَوَقع فِي هَذَا التفاسير فِي النّسخ تَقْدِيم وَتَأْخِير وَزِيَادَة ونقصان. ١ - (بابُ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولائِكَ شَرٌّ مَكاناً وأضَلُّ سَبِيلاً﴾ (الْفرْقَان: ٤٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين يحشرون﴾ إِلَى آخِره، وَهَذَا الْمِقْدَار فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره سَاقه إِلَى قَوْله: ﴿وأضل سَبِيلا﴾ . قَوْله: (الَّذين يحشرون) أَي: يسْحَبُونَ على وُجُوههم. قَوْله: (أُولَئِكَ مَكَانا) أَي: منزلَة وَهِي النَّار. قَوْله: (وأضل سَبِيلا) أَي: طَرِيقا، لِأَن طريقهم إِلَى النَّار. ٠٦٧٤ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حَدثنَا يُونُسُ بنُ مُحَمَّدٍ البَغْدَادِيُّ حدّثنا شَيْبانُ عَنْ قَتادَةَ حَدثنَا أنَسُ بنُ مالِكٍ ﵁ أنَّ رَجُلاً قَالَ يَا نَبِيَّ الله يُحْشَرُ الكافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ قَالَ ألَيْسَ الَّذِي أمْشاهُ عَلَى الرَّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيا قادِراً عَلَى أنْ يَمْشِيهِ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ قَالَ قَتادَةُ بَلَى وعِزَّةِ رَبِّنا. (انْظُر الحَدِيث ٠٦٧٤ طرفه فِي: ٣٢٥٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي، وشيبان بن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الرقَاق عَن عبد الله بن مُحَمَّد. وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن زُهَيْر بن حَرْب وَعبد بن حَرْب وَعبد بن حميد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن الْحُسَيْن بن مَنْصُور. قَوْله: (قَالَ قَتَادَة) إِلَى آخِره زِيَادَة مَوْصُولَة بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، قَالَهَا قَتَادَة تَصْدِيقًا لقَوْله: أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ. ٢ - (بابُ قولِهِ: ﴿والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ الله إلاهاً آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتي حَرَّمَ الله إلَاّ بالحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ومَنْ يَفْعَلْ ذالِكَ يَلْقَ أثاماً﴾ (الْفرْقَان: ٨٦) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين﴾ إِلَى آخِره، وَهَذَا الْمِقْدَار هُوَ الْمَرْوِيّ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره إِلَى قَوْله: (أثاماً) وَعَن ابْن عَبَّاس: إِن نَاسا من أهل الشّرك قد قتلوا فَأَكْثرُوا، وزنوا فَأَكْثرُوا ثمَّ أَتَوا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالُوا: إِن الَّذِي تَقول وتدعونا إِلَيْهِ لحسن لَو تخبرنا أَن لما عَمِلْنَاهُ كَفَّارَة، فَنزلت: ﴿وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إل هَا آخر﴾ ... الْآيَات، وَقيل: نزلت فِي وَحشِي غُلَام ابْن مطعم. ١٦٧٤ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدّثنا يَحْيَى يَحْيَى عَنْ سُفْيانَ قَالَ حدّثني منْصُورٌ وسُلَيْمانُ عنْ أبي وائِلٍ عَنْ أبي مَيْسَرَةَ عَنْ عَبْدِ الله. قَالَ حدّثني واصِلٌ عَنْ أبي وائِلٍ عَنْ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ سألْتُ أوْ سُئِلَ رسولُ الله ﷺ أيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ الله أكْبَرُ قَالَ أنْ تَجْعَلَ الله نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ قُلْتُ ثُمَّ قَالَ ثُمَّ أنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قُلْتُ ثُمَّ أيّ قَالَ أنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ قَالَ وَنَزَلَتْ هاذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقاً لِقَوْلِ رسُولِ الله ﷺ ﴿والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ الله إلاهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إلاّ بالحَقِّ﴾ .. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَأَبُو ميسرَة ضد الميمنة عَمْرو بن شُرَحْبِيل الْهَمدَانِي وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، وواصل هُوَ ابْن حَيَّان، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف من الْحَيَاة، أَو من الْحِين منصرفاً وَغير منصرف الْكُوفِي. والْحَدِيث

стр. 5670

مضى فِي أَوَائِل تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة حَدثنَا جرير عَن مَنْصُور عَن أبي وَائِل عَن عَمْرو بن شُرَحْبِيل عَن عبد الله، قَالَ: سَأَلت النَّبِي ﷺ فَذكره مُخْتَصرا. وَقَالَ: أعظم بدل أكبر. قَوْله: (قَالَ وحَدثني) وأصل الْقَائِل هُوَ سُفْيَان الثَّوْريّ، وَالْحَاصِل أَن الحَدِيث عِنْد سُفْيَان عَن ثَلَاثَة أنفس: أما إثنان مِنْهُمَا فأدخلا فِيهِ بَين أبي وَائِل وَعبد الله أَبَا ميسرَة، وَأما الثَّالِث وَهُوَ وَاصل فأسقطه، وَقد رَوَاهُ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن سُفْيَان عَن الثَّلَاثَة عَن أبي وَائِل عَن أبي ميسرَة عَن عبد الله فعدوه وهما، وَالصَّوَاب إِسْقَاط أبي ميسرَة من رِوَايَة وأصل. وَالله أعلم. قَوْله: (سَأَلت أَو سُئِلَ) شكّ من الرَّاوِي، وَفِي رِوَايَة قلت: يَا رَسُول الله. قَوْله: (أكبر) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: أعظم. قَوْله: (ندا) ، بِكَسْر النُّون وَتَشْديد الدَّال أَي: نظيراً. قَوْله: (خشيَة أَن يطعم مَعَك) أَي: لأجل خشيَة، إطعامه مَعَك. فَإِن قيل: لَو لم يُقيد بهَا لَكَانَ الحكم كَذَلِك. وَأجِيب: بِأَن لَا اعْتِبَار لهَذَا الْمَفْهُوم لِأَن شَرطه أَن لَا يخرج الْكَلَام مخرج الْغَالِب. وَكَانَت عَادَتهم قتل الْأَوْلَاد لخشيتهم ذَلِك. قَوْله: (بحليلة جَارك) ، أَي: بامرأته، والحليلة على وزن فعيلة، أما من الْحل لِأَنَّهَا تحل لَهُ، وَإِمَّا من الْحُلُول لِأَنَّهَا تحل مَعَه وَيحل مَعهَا. فَإِن قلت: الْقَتْل وَالزِّنَا فِي الْآيَة مطلقان، وَفِي الحَدِيث مقيدان؟ قلت: لِأَنَّهُمَا بالقيد أعظم وأفحش، وَلَا مَانع من الِاسْتِدْلَال لذَلِك بِالْآيَةِ. ٢٦٧٤ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخْبرنا هِشامُ بنُ يُوسُفَ أنَّ ابنَ جُرَيْجٍ أخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبرنِي القاسِمُ بنُ أبي بَزَّةَ أنَّهُ سألَ سَعِيدَ بنَ جُبَيْرٍ هَلْ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً مِنْ تَوْبَةٍ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ: ﴿ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إلاّ بالحَقِّ﴾ (الْفرْقَان: ٨٦) فَقَالَ سعِيدٌ قَرَأْتُها عَلَى ابنِ عَبَّاسٍ كَمَا قَرَأْتَها عَلَيَّ فَقَالَ هاذِهِ مَكِّيَّةٌ نَسَخَتْها آيةٌ مَدَنِيَّةٌ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّساءِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَابْن جريج عبد الْملك، وَالقَاسِم بن بزَّة، بِفَتْح الْبَاء وَتَشْديد الزَّاي، وَاسم أبي بزَّة نَافِع بن يسَار، وَيُقَال: يسَار إسم أبي بزَّة، وَيُقَال: أَبُو بزَّة جد الْقَاسِم لَا أَبوهُ، وَهُوَ مكي تَابِعِيّ ثِقَة، وَهُوَ وَالِد جد البزي المقرىء، وَهُوَ أَحْمد بن عبد الله بن الْقَاسِم، وَلَيْسَ للقاسم فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد. قَوْله: (فَقَالَ سعيد) ، أَي: سعيد بن جُبَير. قَوْله: (فِي سُورَة النِّسَاء) ، هِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم﴾ (النِّسَاء: ٣٩) وَلَيْسَ فِيهَا اسْتثِْنَاء التائب بِخِلَاف هَذِه الْآيَة إِذْ قَالَ الله تَعَالَى فِيهَا: ﴿إلَاّ من تَابَ وآمن وَعمل عملا صَالحا فَأُولَئِك يُبدل الله سيئاتهم حَسَنَات﴾ (الْفرْقَان: ٠٧) فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ ابْن عَبَّاس لَا تَوْبَة للْقَاتِل، وَقَالَ الله : ﴿وتوبوا إِلَى الله جَمِيعًا﴾ (النُّور: ١٣) وَقَالَ: ﴿إِن الله هُوَ يقبل التَّوْبَة عَن عباده﴾ (التَّوْبَة: ٤٠١) وَأجْمع الْأَئِمَّة على وجوب التَّوْبَة. أُجِيب: بِأَن ذَلِك مَحْمُول فِيهِ على الِاقْتِدَاء بِسنة الله فِي التَّغْلِيظ وَالتَّشْدِيد، وإلَاّ فَكل ذَنْب قَابل للتَّوْبَة، وناهيك بمحو الشّرك دَلِيلا. ٣٦٧٤ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشّارٍ حدَّثنا غُنْدَرٌ حَدثنَا شُعْبَةُ عنِ المُغِيرَةِ بنِ النعْمانِ عنْ سَعِيدِ ابْن جُبَيْر قَالَ اخْتَلَفَ أهْلُ الكُوفَةِ فِي قَتْلِ المُؤْمِنِ فَرَحَلْتُ فِيهِ إِلَى ابنِ عَبّاسٍ فَقَالَ نَزَلَتْ فِي آخِرِ مَا نَزَلَ وَلَمْ يَنْسَخْها شَيْءٌ.. هَذَا طَرِيق آخر عَن سعيد بن جُبَير، وغندر بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَقد مر كثيرا وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي سُورَة النِّسَاء. ٤٦٧٤ - حدَّثنا آدَمُ حَدثنَا شَعْبَةُ حَدثنَا مَنْصُورٌ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ قَالَ سألْتُ ابنَ عبّاسٍ ﵄ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ قَالَ لَا تَوْبَةَ لَهُ وَعٌ قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿لَا يَدْعُونَ مَعَ الله إلاهاً آخَرَ﴾ قَالَ كانَتْ هاذِهِ فِي الجاهِلِيَّةِ.. هَذَا أَيْضا عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: (كَانَت هَذِه) ، أَي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يدعونَ مَعَ الله إل هَا آخر﴾ قَوْله: (فِي

стр. 5671

الْجَاهِلِيَّة) يَعْنِي: فِي حق أهل الشّرك من أهل مَكَّة. وَأما الْآيَة الْأُخْرَى فَفِي حق الرجل الَّذِي عرف الْإِسْلَام ثمَّ قتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم لَا تَوْبَة لَهُ، وَهَذَا مَشْهُور عَن ابْن عَبَّاس، وَقد حمل جُمْهُور السّلف وَجَمِيع أهل السّنة مَا ورد من ذَلِك على التَّغْلِيظ والتهديد، وصححوا تَوْبَة الْقَاتِل كَغَيْرِهِ. ٣ - (بابُ قَوْلُهُ: ﴿يُضاعَفْ لَهُ العذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً﴾ (الْفرْقَان: ٩٦) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿يُضَاعف﴾ الْآيَة. قَوْله: (يُضَاعف) بدل من قَوْله: ﴿يلق أثاماً﴾ (الْفرْقَان: ٨٦) لِأَنَّهُمَا فِي معنى وَاحِد، وَمعنى: ﴿يُضَاعف لَهُ الْعَذَاب﴾ أَن الْمُشرك إِذا ارْتكب الْمعاصِي مَعَ الشّرك يعذب على الشّرك وعَلى الْمعاصِي جَمِيعًا، وَقَرَأَ عَاصِم: يُضَاعف، بِالرَّفْع على تَفْسِير: يلق أثاماً، كَأَن قَائِلا يَقُول: مَا لَقِي الأثام فَقيل: يُضَاعف الْعَذَاب، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْجَزْمِ بَدَلا من قَوْله: (يلقَ) لِأَنَّهُ مجزوم على الْجَزَاء، وَابْن كثير وَابْن عَامر يحذفان فَإِن الْألف ويشددان الْعين. قَوْله: (ويخلد فِيهِ) أَي: فِي النَّار (مهاناً) ذليلاً، وَقَرَأَ ابْن عَامر: يخلد بِالرَّفْع على الِاسْتِئْنَاف وَالْبَاقُونَ بِالْجَزْمِ. ٤ - (بابُ: ﴿إلاّ مَنْ تابَ وآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فأُولائِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وكانَ الله غَفُوراً رَحِيماً﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله: ﴿إلاّ من تَابَ﴾ الْآيَة. وَلَيْسَ فِي كثير من النّسخ لفظ: بَاب. ٦٦٧٤ - حدَّثنا عَبْدَانُ أخْبَرَنا أبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ أمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ أبْزَي أنْ أسْألَ ابنَ عَبَّاسٍ عَنْ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ. ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ (الْفرْقَان: ٨٦) فَسَألْتُهُ فَقَالَ لَمْ يَنْسَخْها شَيْءٌ وَعَنْ: ﴿والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ الله إلِّهاً آخَرَ﴾ قَالَ نَزَلَتْ فِي أهْلِ الشِّرْكِ.. هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن أَبْزَى، وعبدان هُوَ ابْن عُثْمَان بن جبلة الْأَزْدِيّ الْمروزِي. وَحَاصِل هَذِه الْأَحَادِيث الَّتِي رَوَاهَا سعيد بن جُبَير أَن ابْن عَبَّاس يفرق بَين الْآيَتَيْنِ المذكورتين وَهُوَ أَن قَوْله: (وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا) الْآيَة فِي حق الْمُسلم الْعَارِف بالأمور الشَّرْعِيَّة، وَإِن قَوْله: (إلَاّ من تَابَ) الْآيَة. فِي حق الْمُشرك، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فلاتوبة للْقَاتِل عِنْده، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب وَفِيمَا مضى. ٥ - (بابُ: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ (الْفرْقَان: ٧٧) هَلَكَةً) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فقد كَذبْتُمْ فَسَوف يكون لزاماً﴾ وَقد فسره بقوله: (هلكة) . وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: اخْتلف فِي اللزام فَقيل:

стр. 5672

يَوْم بدر قتل مِنْهُم سَبْعُونَ وَأسر سَبْعُونَ، وَقيل: عَذَاب الْقَبْر، وَقَالَ ابْن جرير: عذَابا دَائِما لَازِما وهلاكاً مستمراً. ٧٦٧٤ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غياثٍ حدَّثنا الأعْمَشُ حَدثنَا مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوق قَالَ عَبْدُ الله خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ الدُّخانُ والقَمَرُ والرُّومُ والبَطْشَةُ واللِّزَامُ ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ (الْفرْقَان: ٧٧) .. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُسلم هُوَ ابْن صبيح أَبُو الضُّحَى، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود ﵁. قَوْله: (خمس) أَي: خَمْسَة عَلَامَات (قد مضين) ، أَي وقعن. الأولى: الدُّخان. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين﴾ (الدُّخان: ٠١) . الثَّانِيَة: الْقَمَر، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر﴾ (الْقَمَر: ١) . الثَّالِثَة: الرّوم، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ألم غلبت الرّوم﴾ (الرّوم: ١) . الرَّابِعَة: البطشة. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَوْم نبطش البطشة الْكُبْرَى﴾ (الدُّخان: ٦١) وَهُوَ الْقَتْل الَّذِي وَقع يَوْم بدر. الْخَامِسَة: للزام ﴿فَسَوف يكون لزاماً﴾ قيل: هُوَ الْقَحْط، وَقيل: هُوَ التصاق الْقَتْلَى بَعضهم بِبَعْض فِي بدر، وَقيل: هُوَ الْأسر فِيهِ، وَقد أسر سَبْعُونَ قرشياً فِيهِ. والْحَدِيث مر فِي كتاب الاسْتِسْقَاء. ٦٢ - (سورَةُ الشُّعَرَاءِ) أَي: هَذَا تَفْسِير بعض سُورَة الشُّعَرَاء. مَكِّيَّة كلهَا إِلَّا آيَة وَاحِدَة. ﴿إلَاّ الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَذكروا الله كثيرا وانتصروا من بَعْدَمَا ظلمُوا﴾ (الشُّعَرَاء: ٧٢٢) نزلت فِي حسان وَعبد الله بن رَوَاحَة وَكَعب بن مَالك شعراء الْأَنْصَار، وَقَالَ مقَاتل: فِيهَا من الْمدنِي آيتان: ﴿وَالشعرَاء يتبعهُم الْغَاوُونَ﴾ (الشُّعَرَاء: ٤٢٢) وَقَوله: ﴿أَو لم يكن لَهُم آيَة أَن يُعلمهُ عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل﴾ (الشُّعَرَاء: ٧٩١) وَعند السخاوي: نزلت بعد سُورَة الْوَاقِعَة، وَقبل سُورَة النَّمْل، وَهِي: مِائَتَان وَسبع وَعِشْرُونَ آيَة، وَألف ومائتان وَسبع وَتسْعُونَ كلمة، وَخَمْسَة آلَاف وَخَمْسمِائة وإثنان وَأَرْبَعُونَ حرفا. ﴿بِسم الله الرحمان الرَّحِيم﴾ ثبتَتْ لأبي ذَر وَقَالَ مُجاِدٌ تَعْبَثُونَ تَبْنُونَ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أتبنون بِكُل ريع آيَة تعبثون﴾ (الشُّعَرَاء: ٨٢١) وَفسّر تعبثون بقوله: (تبنون) . وصصله الْفرْيَابِيّ عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ فِي قَوْله: ﴿أتبنون بِكُل ريع﴾ قَالَ: بِكُل فج (آيَة تعبثون) ، قَالَ: بنياناً. وَعَن ابْن عَبَّاس: بِكُل ريع بِكُل شرف، عَن قَتَادَة وَالضَّحَّاك وَمُقَاتِل والكلبي: طَرِيق، وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، وَعَن عِكْرِمَة: وَاد، وَعَن مقَاتل: كَانُوا يسافرون وَلَا يَهْتَدُونَ إلَاّ بالنجوم فبنوا على الطّرق أعلاماً طوَالًا عَبَثا ليهتدوا بهَا وَكَانُوا فِي غبة مِنْهَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: كَانُوا يبنون بروجاً للحمامات يعبثون بهَا. والريع الْمُرْتَفع من الأَرْض وَالْجمع ريعة بِكَسْر الرَّاء وَفتح الْيَاء، وَأما الأرياع فمفرده: ريعة، بِالْكَسْرِ والسكون. هَضِيمٌ: يَتَفَتَّتُ إذَا مُسَّ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فِي جنَّات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم﴾ (الشُّعَرَاء: ٧٤١ ٨٤١) وَفسّر هضيماً بقوله: (يتفتت إِذا مس) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَهَذَا قَول مُجَاهِد أَيْضا، وَقيل: هُوَ المنظم فِي وعائه قبل أَن يظْهر. مُسَحَّرِينَ: المَسْحُورِينَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْت من المسحرين﴾ (الشُّعَرَاء: ٣٥١ ٥٨١) وَفَسرهُ بقوله: (المسحورين) أَي: من سحر مرّة بعد مرّة من المخلوقين المعللين بِالطَّعَامِ وَالشرَاب، وَقَالَ الْفراء: أَي أَنَّك تَأْكُل الطَّعَام وتشرب الشَّرَاب وتسحر بِهِ، وَالْمعْنَى: لست بِملك إِنَّمَا أَنْت بشر مثلهَا لَا تفضلنا فِي شَيْء. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كل من أكل فَهُوَ مسحر، وَذَلِكَ أَن لَهُ سحرًا، بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْحَاء، أَي: رئة، وَقيل: من السحر بِالْكَسْرِ. واللَّيْكَةُ والأيْكَةُ جَمْعُ أيْكَةٍ وَهْيَ جَمْعُ شَجَرٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿كذب أصحابُ الأيكة الْمُرْسلين﴾ (الشُّعَرَاء: ٦٧١) والليكة، بِفَتْح اللَّام والأيكة بِفَتْح الْهمزَة. قَالَ الْجَوْهَرِي: من قَرَأَ أَصْحَاب الأيكة فَهِيَ الغيضة، وَمن قَرَأَ: ليكة، فَهِيَ الْقرْيَة. وَقَالَ: الأيك الشّجر الْكثير الملتف الْوَاحِدَة أيكة. قلت: قَرَأَ ابْن كثير وَنَافِع وَابْن عَامر أَصْحَاب ليكة هُنَا، وَفِي (ص) بِغَيْر همزَة، وَالْبَاقُونَ بِالْهَمْزَةِ فيهمَا. قَوْله: (جمع أيكة) كَذَا فِي النّسخ وَهُوَ غير صَحِيح، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: والليكة والأيكة مُفْرد أيك، وَيُقَال: جمعهَا أيك، وَالْعجب من بعض الشُّرَّاح حَيْثُ لم يذكر

стр. 5673

هُنَا شَيْئا بل قَالَ: الْكَلَام الأول من قَول مُجَاهِد، وَمن جمع أيكة ... الخ من كَلَام أبي عُبَيْدَة، وحاشا من مُجَاهِد وَمن أبي عُبَيْدَة أَن يَقُولَا الأيكة جمع أيكة. قَوْله: (وَهِي جمع شجر) ، كَذَا للأكثرين، وَعند أبي ذَر: وَهِي جمع الشّجر، وَفِي بعض النّسخ وَهِي جمَاعَة الشّجر، وعَلى كل التَّقْدِير: هَذَا فِي نفس الْأَمر تَفْسِير غيضة الَّتِي يُفَسر بهَا الأيكة، لِأَن الغيضة هِيَ جمَاعَة الشّجر، وَإِذا لم يُفَسر الأيكة بالغيضة لَا يَسْتَقِيم هَذَا الْكَلَام. فَافْهَم فَإِنَّهُ مَوضِع التَّأَمُّل. يَوْمِ الظُّلَّةِ أظْلَالُ العَذَابِ إيَّاهُمْ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَخذهُم عَذَاب يَوْم الظلة﴾ وَفسّر (يَوْم الظلة) بقوله: (إظلال الْعَذَاب إيَّاهُم) ، وَفِي التَّفْسِير معنى الظلة هُنَا: السَّحَاب الَّتِي أظلتهم. مَوْزُونٍ مَعْلُومٍ هَذَا غير وَاقع فِي مَحَله فَإِنَّهُ فِي سُورَة الْحجر، وَكَأَنَّهُ من جهل النَّاسِخ لعدم تَمْيِيزه، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وأنبتنا فِيهَا من كل شَيْء مَوْزُون﴾ (الْحجر: ٩١) . كالطَّوْدِ الجَبَلِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكَانَ كل فرق كالطود الْعَظِيم﴾ (الشُّعَرَاء: ٣٦) وَفسّر الطود بِالْجَبَلِ، وَوَقع هَذَا لأبي ذَر مَنْسُوبا إِلَى ابْن عَبَّاس، وَلغيره مَنْسُوبا إِلَى مُجَاهِد، وَفِي بعض النّسخ: كالطود الْجَبَل. الشِّرْذِمَةُ طائِفَةٌ قَلِيلَةٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن هَؤُلَاءِ لشرذمة قَلِيلُونَ﴾ (الشُّعَرَاء: ٤٥) وَفسّر الشرذمة (بطَائفَة قَليلَة) ، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: أرسل فِرْعَوْن فِي إِثْر مُوسَى لما خرج مَعَ بني إِسْرَائِيل ألف ألف وَخَمْسمِائة ألف ملك، مَعَ كل ملك ألف فَارس، وَخرج فِرْعَوْن فِي الْكُرْسِيّ الْعَظِيم فَكَانَ فِيهِ ألفا ألف فَارس. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄: أتبعه فِرْعَوْن فِي ألفي حصان سوى الْإِنَاث وَكَانَ مُوسَى ﷺ فِي سِتّمائَة ألف من بني إِسْرَائِيل، فَقَالَ فِرْعَوْن: إِن هَؤُلَاءِ لشرذمة قَلِيلُونَ، فَكيف التَّوْفِيق بَين الْكَلَامَيْنِ؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون مُرَاد ابْن عَبَّاس: خَواص فِرْعَوْن الَّذين كَانُوا يلازمونه لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلم يذكر غَيرهم، على أَن الَّذِي ذكره الثَّعْلَبِيّ لَا يَخْلُو عَن نظر، وَقد رُوِيَ عَن عبد الله، قَالَ: كَانُوا سِتّمائَة ألف وَسبعين ألفا. فِي السَّاجِدِينَ المُصَلِّينَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِي يراك حِين تقوم وتقلبك فِي الساجدين﴾ (الشُّعَرَاء: ٨١٢ ٩١٢) وَفسّر الساجدين بالمصلين، وَكَذَا فسره الْكَلْبِيّ، وَقَالَ: الَّذِي يرى تصرفك مَعَ الْمُصَلِّين فِي أَرْكَان الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة قَائِما وَقَاعِدا وراكعاً وساجداً. قَالَ الثَّعْلَبِيّ: هُوَ رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ كأنَّكُمْ أَي قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وتتخذون مصانع لَعَلَّكُمْ تخلدون﴾ (الشُّعَرَاء: ٩٢١) إِن معنى: لَعَلَّكُمْ كأنكم، وَقَرَأَ أبي بن كَعْب: كأنكم تخلدون، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: ﴿لَعَلَّكُمْ تخلدون﴾ ، وَعَن الواحدي: كل مَا فِي الْقُرْآن: لَعَلَّ، فَهُوَ للتَّعْلِيل إلَاّ هَذَا الْحَرْف فَإِنَّهُ للتشبيه، قيل: فِي الْحصْر نظر لِأَنَّهُ قد قيل مثل ذَلِك فِي قَوْله: ﴿لَعَلَّك باخع نَفسك﴾ (الشُّعَرَاء: ٣) . الرِّيعُ الأيْفاعُ مِنَ الأرْضِ وَجَمْعُهُ رِيَعَةٌ وأرْياع واحِدَ الرِّيَعَةِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أتبنون بِكُل ريع آيَة تعبثون﴾ (الشُّعَرَاء: ٨٢١) . وَقَالَ: (الرّيع الأيفاع من الأَرْض) ، الأيفاع بِفَتْح الْهمزَة جمع يافع وَهُوَ الْمَكَان الْمُرْتَفع من الأَرْض، وَمِنْه يُقَال: غُلَام يافع من أَيفع الْغُلَام أَي: ارْتَفع، وَالصَّوَاب: اليفاع من الأَرْض بِفَتْح الْيَاء وَالْفَاء وَهُوَ الْمُرْتَفع مِنْهَا، وَقد فسر الرّيع بِكَسْر الرَّاء بقوله: الايفاع واليفاع من الأَرْض، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: غُلَام يافع ويفع ويفعة وغلمان أيفاع ويفعة أَيْضا، وَقَالَ: والريع بِالْكَسْرِ الْمُرْتَفع من الأَرْض، وَقَالَ عمَارَة: هُوَ الْجَبَل، والريع أَيْضا: الطَّرِيق. قلت: وَكَذَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ، وَقيل: الْفَج بَين الجبلين، وَعَن مُجَاهِد: الثَّنية الصَّغِيرَة وَعَن عِكْرِمَة وادٍ، وَعَن ابْن عَبَّاس: بِكُل ريع يَعْنِي: بِكُل شرف، والريع بِالْفَتْح النَّمَاء، وَمِنْه ريع الاملاك. قَوْله: (وَجمعه) ، أَي: جمع الرّيع (ريعة) بِكَسْر الرَّاء وَفتح الْيَاء

стр. 5674

كقرد وقردة. قَوْله: (وأرياع وَاحِد الريعة) ، بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْيَاء، وَعند جمَاعَة من الْمُفَسّرين: ريع وَاحِد وَجمعه أرياع وريعة بِالتَّحْرِيكِ، وريع جمع أَيْضا واحده ريعة بِالسُّكُونِ: كعهن وعهنة. مَصانِعَ كلُّ بِناء فَهْوَ مَصْنَعَةٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وتتخذون مصانع لَعَلَّكُمْ تخلدون﴾ (الشُّعَرَاء: ٩٢١) وَقَالَ: (كل بِنَاء فَهُوَ مصنعة) وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة، ومصنعة مُفْرد مصانع، وَقَالَ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة: المصانع الْقُصُور والحصون، وَقَالَ عبد الرَّزَّاق: المصانع عندنَا بلغَة الْيمن الْقُصُور العادية، وَقيل: المصانع بروج الْحمام. فَرِهِينَ مَرِحِينَ فارِهِينَ بِمَعْناهُ ويُقالُ: فارِهِينَ حاذِقِينَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وتنحّون من الْجبَال بُيُوتًا فارهين﴾ (الشُّعَرَاء: ٩٤١) وَفَسرهُ بقوله: مرحين، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، ومرحين جمع مرح صفة مشبهة من مرح بِالْكَسْرِ مرحاً، والمرح شدَّة الْفَرح والنشاط، وَعَن ابْن عَبَّاس: أشرين، وَعَن الضَّحَّاك: كيسين، وَعَن قَتَادَة: معجبين بصنيعهم، وَعَن مُجَاهِد: شرهين، وَعَن عِكْرِمَة: ناعمين، وَعَن السّديّ: متحيرين، وَعَن ابْن زيد: أقوياء، وَعَن الْكسَائي: بطرين، وَعَن الْأَخْفَش: فرحين، وَهَكَذَا هُوَ رِوَايَة أبي ذَر، وَقَالَ بَعضهم: وَصَوَّبَهُ بَعضهم لقرب مخرج الْحَاء من الْهَاء وَلَيْسَ بِشَيْء. قلت: أَرَادَ بالمصوب صَاحب (التَّوْضِيح) ورده عَلَيْهِ لَيْسَ بِشَيْء لِأَن الْهَاء والحاء من حُرُوف الْحلق وَالْعرب تعاقب بَين الْحَاء وَالْهَاء مثل مدحته ومدهته. قَوْله: (فارهين بِمَعْنَاهُ) ، أَي: بِمَعْنى: فرهين، من قَوْله الرجل فَهُوَ فاره. قَوْله: (وَيُقَال: فارهين حاذقين) وَكَذَا رُوِيَ عَن عبد الله بن شَدَّاد، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: وقرىء فرهين بِالْألف: فارهين، أَي: حاذرين بنحتها، وَقيل: متحيرين لمواضع نحتها. تَعْثَوْا هُوَ أشَدُّ الفَسادِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين﴾ (الشُّعَرَاء: ٣٨١) وَتَفْسِيره بأشد الْفساد، تَفْسِير مصدر: تعثوا، لِأَنَّهُ من عثا فِي الأَرْض يعثو: فسد، وَكَذَلِكَ عثى بِالْكَسْرِ يعثي، فمصدر الأول عثواً ومصدر الثَّانِي عثى، فَافْهَم. عاثَ يَعِيثُ عَيْثاً أَرَادَ بِهَذَا أَن معنى: عاث، مثل معنى: عثى: أفسد وَلَيْسَ مُرَاده أَن تعثوا مُشْتَقّ من عاث لِأَن تعثوا معتل اللَّام نَاقص، وعاث معتل الْعين أجوف، وَمن لَهُ أدنى ملكة من التصريف يفهم هَذَا. الجِبِلَّةُ الخَلْق جُبِلَ خُلِقَ ومِنْهُ جُبُلاً وجِبِلاً وجُبْلاً يَعْنِي الخَلْقَ قالَهُ ابنُ عَبَّاسٍ. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿والجبلة الْأَوَّلين﴾ (الشُّعَرَاء: ٤٨١) وفسرها بالخلق. قَوْله: (جبل على صِيغَة الْمَجْهُول) ، أَي: خلق مَجْهُول أَيْضا. قَوْله: (وَمِنْه) ، أَي: وَمن هَذَا الْبَاب جبلا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أضلّ مِنْكُم جبلا كثيرا﴾ (يس: ٢٦) . وَفِيه قراءات شَتَّى ذكره البُخَارِيّ هُنَا ثَلَاثَة: الأولى: جبلا: بِضَمَّتَيْنِ. الثَّانِيَة: جبلا، بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْبَاء. الثَّالِثَة: جبلا، بِضَم الْجِيم وَالْبَاء وَتَشْديد اللَّام، وَالْحَاصِل أَن قِرَاءَة نَافِع وَعَاصِم بكسرتين وَتَشْديد اللَّام. وَقِرَاءَة أبي عَمْرو وَابْن عَامر بكسرتين وَتَخْفِيف اللَّام، وَقَرَأَ الْأَعْمَش بكسرتين وَتَخْفِيف اللَّام، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمَّتَيْنِ وَاللَّام خَفِيفَة، وقرىء فِي الشواذ بِضَمَّتَيْنِ وبالتشديد وبكسرة وَسُكُون وبكسرة وفتحة وبالتخفيف. قَوْله: (قَالَه ابْن عَبَّاس) وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَلم يَقع عِنْد غَيره، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا أولى فَإِن هَذَا كُله كَلَام أبي عُبَيْدَة، انْتهى. قلت: لَيْت شعري من أَيْن الْأَوْلَوِيَّة، وَكَونه كَلَام أبي عُبَيْدَة لَا يسْتَلْزم نفي كَونه من كَلَام ابْن عَبَّاس أَيْضا. ١ - (بابُ: ﴿وَلَا يُخْزِني يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ (الشُّعَرَاء: ٧٨) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَلَا تخزني يَوْم يبعثون﴾ وَلم يثبت لفظ بَاب إلَاّ يثبت لفظ بَاب إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر وَحده. قَوْله: (يَوْم يبعثون) أَي: الْعباد، وَقيل: يَوْم يبْعَث الضالون، وَأبي فيهم. ٨٦٧٤ - وَقَالَ إبْرَاهيمُ بنُ طَهْمانَ عنِ ابنِ أبي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ أبي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عَنْ أبِيهِ

стр. 5675

عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النبيِّ ﷺ قَالَ إنَّ إبْرَاهِيمَ ﵊ يُري أباهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلَيْهِ الغَبَرَةُ والقَتَرَةُ. الغَبَرَةُ هِيَ القَتَرَةُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن هَذِه وَالَّتِي قبلهَا وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿واغفر لأبي أَنه كَانَ من الضَّالّين﴾ (الشُّعَرَاء: ٦٨) فِي قصَّة سُؤال إِبْرَاهِيم، ﵊، ورؤيته أَبَاهُ على الْهَيْئَة الْمَذْكُورَة، وَإِبْرَاهِيم بن طهْمَان، بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْهَاء: الْهَرَوِيّ أَبُو سعيد، سكن نيسابور ثمَّ سكن مَكَّة وَمَات سنة سِتِّينَ وَمِائَة وَهُوَ من رجال الصَّحِيحَيْنِ، وَابْن أبي ذِئْب مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي ذِئْب واسْمه هِشَام وَسَعِيد يروي عَن أَبِيه عَن أبي سعيد واسْمه كيسَان الْمَدِينِيّ، وَكَانَ يسكن عِنْد مَقْبرَة فنسب إِلَيْهَا. والْحَدِيث مُعَلّق وَصله النَّسَائِيّ عَن أَحْمد بن حَفْص بن عبد الله عَن أَبِيه عَن إِبْرَاهِيم بن طهْمَان إِلَى آخر الحَدِيث. قَوْله: (يرى) ، ويروى: رأى، قَوْله: (أَبَاهُ) ، هُوَ آزر. قَوْله: (عَلَيْهِ الغبرة) جملَة حَالية بِلَا وَاو. قَوْله: (والقترة) ، بِفَتْح الْقَاف وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَهِي سَواد كالدخان، وَهَذَا مقتبس من قَوْله تَعَالَى: ﴿عَلَيْهَا غبرة ترهقها قترة﴾ (عبس: ٠٤ ١٤) ، أَي: تصيبها قترة، وَلَا يرى أوحش من اجْتِمَاع الغبرة والسواد فِي الْوَجْه. قَوْله: (الغبرة) ، مُبْتَدأ. وَقَوله: هِيَ الفترة جملَة خَبره، وَهَذَا من كَلَام البُخَارِيّ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ رِوَايَة النَّسَائِيّ، وَعَلِيهِ الغبرة والقترة، وَتَفْسِيره هَكَذَا غير طائل على مَا لَا يخفى، يفهم بِالتَّأَمُّلِ. ٩٦٧٤ - حدَّثنا إسْماعِيلُ حَدثنَا أخِي عنِ ابنِ أبي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُريِّ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ يَلْقَى إبْرَاهِيمُ أباهُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ إنَّكَ وعَدْتَني أنْ لَا تُخْزِني يَوْم يُبْعَثُونَ فَيَقُولُ الله إنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلَى الكافِرِينَ. (انْظُر الحَدِيث ٠٥٣٣ وطرفه) . هَذَا طَرِيق آخر عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة بِلَا وَاسِطَة أَبِيه، وَسَعِيد قد سمع عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة وَسمع أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة، وَذَا لَا يقْدَح فِي صِحَة الحَدِيث. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، واسْمه عبد الله يروي عَن أَخِيه عبد الحميد بن أبي ذِئْب إِلَى آخِره ... والْحَدِيث قد مضى فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَوْله: (لَا تخزني) فَإِن قيل: إِذا أَدخل الله أَبَاهُ فِي النَّار فقد أَخْزَاهُ لقَوْله: ﴿إِنَّك من تدخل النَّار فقد أخزيته﴾ (آل عمرَان: ٢٩١) وخزي الْوَالِد خزي الْوَلَد فَيلْزم الْخلف فِي الْوَعْد وَأَنه محَال، وَأجِيب: لَو لم يدْخل النَّار لزم الْخلف فِي الْوَعيد، وَهَذَا هُوَ المُرَاد بقوله: حرمت الْجنَّة على الْكَافرين، وَيُجَاب أَيْضا بِأَن أَبَاهُ يمسخ إِلَى صُورَة ذيخ، بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره خاء مُعْجمَة أَي: ضبع، ويلقى فِي النَّار فَلَا خزي حَيْثُ لَا تبقى لَهُ صورته الَّتِي هِيَ سَبَب الخزي، فَهُوَ عمل بالوعد والوعيد كليهمَا، وَقيل: الْوَعْد مَشْرُوط بِالْإِيمَان كَمَا أَن الاسْتِغْفَار لَهُ كَانَ عَن موعدة وعدها إِيَّاه، فَلَمَّا تبين لَهُ أَنه عَدو لله تَبرأ مِنْهُ. ٢ - (بابُ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ واخْفِضْ جَناحَكَ﴾ (الشُّعَرَاء: ٤١٢ ٥١٢) . ألِنْ جانِبَكَ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وأنذر﴾ الْخطاب للنَّبِي ﷺ ، وَالْمرَاد بالأقربين: بَنو عبد منَاف، وَقيل: بَنو عبد الْمطلب، وَكَانُوا أَرْبَعِينَ رجلا، وَقيل: هم قُرَيْش وَبِه جزم ابْن التِّين، والقربى فِي الْخمس: بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب عِنْد الشَّافِعِي، قَوْله: (ألن جَانِبك) ، من الإلانة وَهُوَ تَفْسِير قَوْله: واخفض جناحك، وَهَكَذَا فسره الْمُفَسِّرُونَ. ٠٧٧٤ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غياثٍ حَدثنَا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ قَالَ حدّثني عَمْرُو بنُ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ (الشُّعَرَاء: ٤١٢) صَعِدَ النبيُّ ﷺ عَلَى الصَّفا فَجَعَلَ يُنادِي يَا بَني فِهْرٍ يَا بَني عَدِيّ لِبُطُونِ قُرَيْش حَتَّى اجْتعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَخْرُجُ أرْسَلَ رَسُولا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ فَجاءَ أبُو لَهَبٍ وقُرَيْشٌ
следующие страницы →