← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

٧٧ - (سُورَةُ: ﴿المُرْسِلاتِ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة المرسلات، وَهَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: والمرسلات، بِدُونِ لفظ سُورَة وَهِي مَكِّيَّة بِغَيْر خلاف. قَالَه أَبُو الْعَبَّاس، وَقَالَ مقَاتل: فِيهَا من الْمدنِي ﴿وَإِذا قيل لَهُم ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ (المرسلات: ٨٤) وَقَالَ السخاوي: نزلت بعد الْهمزَة. وَقيل ق، وَهِي ثَمَانمِائَة وَسِتَّة عشر حرفا وَمِائَة وَإِحْدَى وَثَمَانُونَ كلمة وَخَمْسُونَ آيَة. والمرسلات: الرِّيَاح الشديدات الهبوب، والناشرات. الرِّيَاح اللينة قَوْله: (عرفا) نصب على الْحَال أَي: المرسلات يتبع بَعْضهَا بَعْضًا حَال كَونهَا كعرف الْفرس، وعَلى تَفْسِير المرسلات بِالْمَلَائِكَةِ يكون نصبا على التَّعْلِيل، أَي: لأجل الْعرف أَي: الْمَعْرُوف وَالْإِحْسَان. جَمَالاتٌ حِبالٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى؛ ﴿إِنَّهَا ترمى بشرر كالقصر كَأَنَّهُ جمالات صفر﴾ (المرسلات: ٢٣، ٣٣) وَفسّر الجمالات بالحبال، وَهِي الحبال الَّتِي تشد بهَا السفن، هَذَا إِذا قرىء بِضَم الْجِيم، وَأما إِذا قرىء بِالْكَسْرِ فَهُوَ، جمع جمالة، وجمالة جمل زوج النَّاقة. وَقَالَ ابْن التِّين: يَنْبَغِي أَن يقْرَأ فِي الأَصْل بِالضَّمِّ لِأَنَّهُ فَسرهَا بالحبال وَقد قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يلج الْجمل فِي سم الْخياط﴾ (الْأَعْرَاف: ٤) هُوَ: حَبل السَّفِينَة وَعَن ابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن جُبَير: جمالات صفر، هِيَ حبال السفن، يجمع بَعْضهَا إِلَى بعض حَتَّى تكون كأوساط الرِّجَال وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، وَقَالَ مُجَاهِد: جمالات: حبال. ارْكَعُوا صَلُّوا لَا يَرْكَعُونَ: لَا يُصَلونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا قيل لَهُم ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ (المرسلات: ٨٤) وَفسّر قَوْله: (ارْكَعُوا) بقوله: (صلوا) وَقَوله: (لَا يَرْكَعُونَ) بقوله: (لَا يصلونَ) أطلق الرُّكُوع وَأَرَادَ بِهِ الصَّلَاة، وَهُوَ من بَاب إِطْلَاق الْجُزْء وَإِرَادَة الْكل وَقَوله: (لَا يَرْكَعُونَ) سقط فِي رِوَايَة غير أبي ذَر، وَفِي بعض النّسخ، وَقَالَ مُجَاهِد: ارْكَعُوا إِلَى آخِره. ﴿وَسُئِلَ ابنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هاذا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ (المرسلات: ٨٤) وَالله رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أفْوَاهِهِمْ﴾ (ي س: ٥٦) . فَقَالَ: إنَّهُ ذُو ألْوَانٍ مَرَّةً يَنْطِقُونَ وَمَرَّةً يَخْتَمُ عَلَيْهِمْ. حَاصِل السُّؤَال عَن كَيْفيَّة التلفيق بَين قَوْله: (لَا ينطقون) وَقَوله: ﴿الْيَوْم نختم على أَفْوَاههم﴾ بَين قَوْله: (وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين) لِأَن هَذِه الْآيَة تدل على أَنهم ينطقون. وَحَاصِل الْجَواب: أَن يَوْم الْقِيَامَة ذُو ألوان يَعْنِي: يَوْم طَوِيل ذُو مَوَاطِن مُخْتَلفَة فَيَنْطَلِقُونَ فِي وَقت وَمَكَان لَا ينطقون فِي آخر، وَقَوله: لَا يَرْكَعُونَ لم يثبت إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر. ٠٣٩٤ - حدَّثني مَحْمُودٌ حدَّثنا عُبَيْدُ الله عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ وَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ وَالمُرْسِلاتِ وَإنَّا لَنَتَلَقَّاها مِنْ فِيهِ فَخَرَجَتْ حَيةٌ فَابْتَدَرْناها فَسَبَقَتْنا فَدَخَلَتْ جُحْرَها فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّها.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ﴿وأنزلت عَلَيْهِ والمرسلات﴾ ومحمود هُوَ ابْن غيلَان، وَعبيد الله بن مُوسَى شيخ البُخَارِيّ وروى عَنهُ هُنَا بالواسطة، وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس، وَقد تكَرر ذكره عَن قريب، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وعلقمة هُوَ ابْن قيس، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. والْحَدِيث قد مضى فِي بَدْء الْخلق. قَوْله: (كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ وَوَقع فِي رِوَايَة جرير، فِي غَار وَوَقع فِي رِوَايَة حَفْص بن غياث بمنى، وَوَقع فِي رِوَايَة للطبراني فِي الْأَوْسَط على حراء قَوْله: (من فِيهِ) أَي من فَمه، قَوْله: (فابتدرناها) أَي: فسبقناها. وَقَالَ أَيْضا: فسبقتنا فيكونون سابقين ومسبوقين. وَالْجَوَاب: إِنَّهُم كَانُوا السَّابِقين أَولا فصاروا مسبوقين آخرا. قَوْله: (شركم) ، مَنْصُوب بِأَنَّهُ مفعول ثَان. ١٣٩٤ - حدَّثنا عَبْدَةُ بنُ عَبْدِ الله أخْبَرَنَا يَحْيَى بنُ آدَمَ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ مَنْصُور

стр. 5847

ٍ بِهاذا. هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود أخرجه عَن عَبدة، بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن عبد الله الصفار الْخُزَاعِيّ عَن يحيى بن آدم بن سُلَيْمَان الْكُوفِي صَاحب الثَّوْريّ. قَوْله: (بِهَذَا) أَي: بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، وَكَذَا سَاقه فِي بَدْء الْخلق فِي بَاب خمس من الفواسق. وَعَنْ إسْرَائِيلَ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الله مِثْلَهُ. هَذَا مُتَّصِل بِمَا قبله أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن إِسْرَائِيل رَوَاهُ فِي الطَّرِيق الأول عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم، وَفِي هَذَا عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله مثله. أَي: مثل الحَدِيث الْمَذْكُور. وَتابَعَهُ أسْوَدُ بنُ عَامِرٍ عَنْ إسْرَائِيلَ أَي: تَابع يحيى بن آدم فِي رِوَايَته عَن إِسْرَائِيل أسود بن عَامر الملقب بشاذان الشَّامي، وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة أَحْمد عَنهُ بِهِ. وَقَالَ حَفْصٌ وَأبُو مُعَاوِيَةَ وَسُلَيْمَانُ بنُ قَرْمٍ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنِ الأسْوَدِ. أَرَادَ بِهَذَا أَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة خالفوا رِوَايَة إِسْرَائِيل عَن الْأَعْمَش فِي شيخ إِبْرَاهِيم، فإسرائيل يَقُول: عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله، وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة يَقُولُونَ: عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود، هُوَ ابْن يزِيد النَّخعِيّ عَن عبد الله. أما رِوَايَة حَفْص هُوَ ابْن غياث فوصلها البُخَارِيّ وَسَيَأْتِي بعد بَاب، وَأما رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم الضَّرْب فأخرجها مُسلم عَن يحيى ابْن يحيى وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم أربعتهم عَن أبي مُعَاوِيَة بِهِ، وَأما رِوَايَة سُلَيْمَان بن قرم، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الرَّاء: الضَّبِّيّ، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وبالباء الْمُوَحدَة، الْبَصْرِيّ فقد تقدّمت فِي بَدْء الْخلق، وَسليمَان هَذَا ضَعِيف الْحِفْظ وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الْموضع الْمُعَلق. وَقَالَ يَحْيَى بنُ حَمَّادٍ أخْبَرَنا أبُو عَوَانَةَ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الله. أَشَارَ بِهَذَا التَّعْلِيق عَن يحيى بن حَمَّاد الشَّيْبَانِيّ الْبَصْرِيّ شيخ البُخَارِيّ عَن أبي عوَانَة بِفَتْح الْعين الوضاح الْيَشْكُرِي عَن مُغيرَة بن مقسم بِكَسْر الْمِيم الْكُوفِي عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن عَلْقَمَة بن قيس النَّخعِيّ عَن عبد الله بن مَسْعُود إِلَى أَن مُغيرَة وَافق إِسْرَائِيل فِي شيخ إِبْرَاهِيم وَأَنه عَلْقَمَة بن قيس، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الطَّبَرَانِيّ، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله الْحَضْرَمِيّ حَدثنَا الْفضل بن سهل حَدثنَا يحيى بن حَمَّاد بِهِ، وَلَفظه: كُنَّا مَعَ النَّبِي ت بحراء الحَدِيث، وَقَالَ عِيَاض: إِنَّه وَقع فِي بعض النّسخ، وَقَالَ حَمَّاد أخبرنَا أَبُو عوَانَة، وَهُوَ غلط. وَقَالَ ابنُ إسْحَاقَ عَنْ عَبحده الرَّحْمانِ بنِ الأسُوَدِ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَبْدِ الله. أَشَارَ بِهَذَا الْمُعَلق إِلَى أَن للْحَدِيث أصلا عَن الْأسود بن يزِيد من غير طَرِيق الْأَعْمَش وَمَنْصُور وَوصل هَذَا التَّعْلِيق أَحْمد عَن يَعْقُوب بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه عَن ابْن إِسْحَاق عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود عَن أَبِيه عَن عبد الله بن مَسْعُود وَابْن إِسْحَاق هَذَا هُوَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق صَاحب (الْمَغَازِي) وَوَقع فِي بعض النّسخ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق، وَهُوَ تَصْحِيف. حدَّثنا قُتَيْبَةُ حدَّثنا جَرِيرٌ عنِ الأعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ قَالَ قَالَ عَبْدُ الله بَيْنَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي غَارٍ إذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ وَالمُرْسِلاتِ فَتَلقَّيْناها مِنْ فِيهِ وَإنَّ فَاهُ لَرَطُب بِهِا إذْ خَرَجَتْ حَيَةٌ فَقَالَ رَسولُ الله ﷺ عَلَيْكُمْ اقْتُلُوها قَالَ فَابْتَدَرْناها فَسَبَقَتْنا قَالَ فَقَالَ وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّها. هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود، ﵁، أخرجه عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن جرير بن عبد الحميد عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن الْأسود بن يزِيد النَّخعِيّ الْكُوفِي عَن عبد الله بن مَسْعُود. قَوْله: (بَينا) ، قد ذكرنَا غير مرّة أَنه ظرف

стр. 5848

يُضَاف إِلَى الْجُمْلَة وَيحْتَاج إِلَى جَوَاب. قَوْله: (إِذْ نزلت) ، جَوَابه. قَوْله: (لرطب بهَا) ، أَي: لم يجِف ريق رَسُول الله ﷺ عَن ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ أول زمَان نُزُوله. قَوْله: (إِذا خرجت) ، كلمة إِذْ للمفاجأة، وَبَاقِي الْكَلَام مر. ٢ - (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهَا تَرْمِي بَشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ (المرسلات: ٢٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿إِنَّهَا﴾ أَي: جَهَنَّم (ترمى بشرر) وَهِي مَا يتطاير من النَّار إِذا التهبت، وَاحِدهَا شررة. قَوْله: (كالقصر) ، عَن ابْن مَسْعُود، كالحصون والمدائن، وَهُوَ وَاحِد الْقُصُور، وَعَن مُجَاهِد هِيَ حزم الشّجر، وَعَن سعيد بن جُبَير وَالضَّحَّاك: هِيَ أصُول النّخل وَالشَّجر الْعِظَام وَاحِدهَا قصرة مثل ثَمَرَة وثمر وَحُمرَة، وحمر، وَقِرَاءَة الْجُمْهُور بِإِسْكَان الصَّاد، وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس وَأَبُو رزين وَأَبُو الجوزاء وَمُجاهد بِفَتْح الْقَاف وَالصَّاد، وَقَرَأَ سعد بن أبي وَقاص وَعَائِشَة وَعِكْرِمَة بِفَتْح الْقَاف وَكسر الصَّاد، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود وَأَبُو هُرَيْرَة وَإِبْرَاهِيم بِضَم الْقَاف وَالصَّاد، وَقَرَأَ أَبُو الدَّرْدَاء بِكَسْر الْقَاف وَفتح الصَّاد، وَقَالَ ابْن مقسم: وَكلهَا لُغَات بِمَعْنى وَاحِد. ٢٣٩٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخْبرنا سُفْيَانُ حدَّثنا عَبْذُ الرَّحْمانِ بنُ عَابِسٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصَرِ قَالَ كنَّا نَرْفَعُ الخَشَبَ بِقِصَرِ ثَلاثَةِ أذْرُعٍ أوْ أقَلَّ فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصَرَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَعبد الرَّحْمَن بن عَابس، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وبالسين الْمُهْملَة: النَّخعِيّ الْكُوفِي والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (بقصر) ، بِالْبَاء الَّتِي هِيَ من حُرُوف الْجَرّ وبكسر الْقَاف وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وبالإضافة إِلَى ثَلَاثَة أَذْرع أَي بِقدر ثَلَاثَة أَذْرع. قَوْله: (أَو أقل) ، أَي: أَو أقل من ثَلَاثَة أَذْرع، وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي بعْدهَا أَو فَوق ذَلِك، وَهِي فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده. قَوْله: (للشتاء) ، أَي: لأجل الشتَاء والاستسحان بِهِ، وَقَالَ ابْن التِّين وَرُوِيَ بِسُكُون الصَّاد وَبِفَتْحِهَا وَقَالَ الْخطابِيّ: هُوَ الْقصر من قُصُور جُفَاة الْأَعْرَاب. قَوْله: (فنسميه الْقصر) ، بِفتْحَتَيْنِ. ٣ - (بَابٌ قَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهُ جِمالاتٌ صُفْرٌ﴾ (المرسلات: ٣٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿كَأَنَّهُ جمالات صفر﴾ أَي: كَانَ الشرر، قَالَ الثَّعْلَبِيّ: رد الْكتاب إِلَى اللَّفْظ وَمر الْكَلَام فِي الجمالات عَن قريب. ٣٣٩٤ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ حدَّثنا يَحْيَى أخْبرنا سُفْيَانُ حدَّثني عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَابِسٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ ﵄ ترْمى بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ قَالَ كُنَّا نَعْمِدُ إلَى الخَشَبَةِ ثَلاثَةَ أذْرُعٍ أوْ فَوْقَ ذالِكَ فَتَرْفَعَهُ لِلشِّتَاءِ فَنُسَمِّيهِ القَصَرَ كَأنَّهُ جِمالاتٌ صُفْرٌ حِبال السُّفْنِ تُجْمَعُ حَتَّى تَكُونَ كَأوْسَاطِ الرِّجَالِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَدِيث أَنَّهَا وصف للقصر، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ. قَوْله: (أَو فَوق ذَلِك) من زِيَادَة الْمُسْتَمْلِي. ٤ - (بَابٌ قَوْلُهُ: ﴿هاذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ (المرسلات: ٥٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿هَذَا يَوْم لَا ينطقون﴾ أَي: فِي بعض مَوَاقِف الْقِيَامَة وَفِي بَعْضهَا يختصمون، وَفِي بَعْضهَا: يخْتم على أَفْوَاههم وَلَا يَتَكَلَّمُونَ. ٤٣٩٤ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ بنِ غَياثٍ حدَّثنا أبِي حدَّثنا الأعْمَشُ حدَّثني إبْرَاهِيمُ عنِ ﷺ َ -

стр. 5849

(الأسْوَدِ عَنْ عَبْدِ الله قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ النبيِّ ﷺ فِي غَارٍ إذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ وَالمُلاْسِلاتِ فَإنَّهُ لَيَتْلُوها وَإنِّي لأتَلَقَّاها مِنْ فِيهِ وَإنَّ فَاهُ فَرَطْبٌ بِها إذْ وَثَبَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ فَقَالَ النبيُّ ﷺ اقْتُلُوها فَابْتَدَرْناها فَذَهَبَتْ فَقَالَ النبيُّ ﷺ وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّها. قَالَ عُمَرُ حَفِظْتُهُ مِنْ أبِي فِي غَارٍ بِمَنًى. هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود فِي الْحَيَّة الْمَذْكُورَة. أخرجه عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن الْأسود بن يزِيد إِلَى آخِره. قَوْله: (إِذْ وَثَبت) ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: وثب، بالتذكير وَكَذَا قَالَ: اقْتُلُوهُ. قَوْله: (قَالَ عمر) ، هُوَ ابْن حَفْص شيخ البُخَارِيّ. ٨٧ - (سُورَةُ ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (النبأ: ١) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة ﴿عَم يتساءلون﴾ وَتسَمى أَيْضا سُورَة النبأ وَهِي: مَكِّيَّة، وَهِي: سَبْعمِائة وَسَبْعُونَ حرفا وَمِائَة وَثَلَاث وَسَبْعُونَ كلمة وَأَرْبَعُونَ آيَة. قَوْله: (عَم) أَصله: عَمَّا حذفت الْألف للتَّخْفِيف وَبِه قَرَأَ الْجُمْهُور وَعَن ابْن كثير رِوَايَة بِالْهَاءِ وَهِي هَاء السكت. قَوْله: (يتساءلون) أَي: عَن أَي شَيْء يتساءل هَؤُلَاءِ الْمُشْركُونَ؟ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَرْجُونَ حِسابا لَا يَخَافُونَهُ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُم كَانُوا لَا يرجون حسابا﴾ (النبأ: ٧٢) وَفَسرهُ بقوله: (لَا يخافونه) وَرَوَاهُ عبد بن حميد عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ وَلَفظه: لَا يبالون فيصدقون بِالْبَعْثِ والرجاء يسْتَعْمل فِي الأمل وَالْخَوْف وَلَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَقَالَ مُجَاهِد. صَوَابا حَقّا فِي الدُّنْيَا وَعَمِلَ بِهِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا من أذن لَهُ الرَّحْمَن وَقَالَ صَوَابا﴾ (النبأ: ٨٣) وَفَسرهُ بقوله: (حَقًا فِي الدُّنْيَا وَعمل بِهِ) وَقَالَ أَبُو صَالح: قَالَ صَوَابا. قَالَ: لَا إلاه إِلَّا لله فِي الدُّنْيَا. لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطابا (النبأ: ٧٣) لَا يُكَلِّمُونَهُ إلَاّ أنْ يَأْذَنَ لَهُمْ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿رب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا الرحمان لَا يملكُونَ مِنْهُ خطابا﴾ وَالضَّمِير فِي: لَا يملكُونَ، لأهل السَّمَوَات وَالْأَرْض أَي: لَيْسَ فِي أَيْديهم مِمَّا يُخَاطب بِهِ الله، وَقيل: لَا يملكُونَ أَن يخاطبوه بِشَيْء من نقص الْعَذَاب أَو زِيَادَة فِي الثَّوَاب إلَاّ أَن يَأْذَن لَهُم فِي ذَلِك وَيَأْذَن لَهُم فِيهِ. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: ثَجاجا مُنْصَبّا أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وأنزلنا من المعصرات مَاء ثجاجا﴾ (النبأ: ٤١) وَفسّر ثجاجا. بقوله: (منصبا) وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة وَهَذَا ثَبت للنسفي وَحده. ألْفافا مُلْتَفَّةً أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: (وجنات ألفافا) (النبأ: ٦١) وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: ألفافا متلفا بعضه بِبَعْض، وَاحِدهَا ألف، فِي قَول نجاة الْبَصْرَة وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَقَالَ آخَرُونَ، وَاحِدهَا لفيف، وَقيل: هُوَ جمع الْجمع، وَيُقَال: جنَّة لفاء وَنبت لف وجنان لف بِضَم اللَّام. ثمَّ يجمع اللف على الفاف، وَهَذَا أَيْضا للنسفي وَحده. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهَاجا مُضِيئا أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا سِرَاجًا وهاجا﴾ (النبأ: ٣١) وَفَسرهُ بقوله: (مضيئا) وَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. وَقَالَ غَيْرُهُ غَساقا غَسَقَتْ عَيْنُهُ وَيَنْسقُ الْجُرحُ يَسِيلُ كأنَّ الغَساقِ وَالغَسِيقَ وَاحِدٌ أَي قَالَ غير ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: (ر يذيقون فِيهَا بردا وَلَا شرابًا إِلَّا حميماً وغساقا (النبأ: ٤٢، ٥٢) هَذَا لم يثبت إلَاّ لأبي ذَر، وَوَقع عِنْد النَّسَفِيّ والجرجاني، وَقَالَ معمر فَذكره، وَمعمر هُوَ أَبُو عُبَيْدَة. قَوْله: (غسقت عينه ويغسق الْجرْح يسيل) أَشَارَ بِهِ إِلَى

стр. 5850

أَن معنى غساقا سيالاً من الدَّم وَنَحْوه لِأَنَّهُ من غسقت عينه أَي: سَالَتْ، ويغسق الْجرْح أَي: يسيل، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: الغساق الزَّمْهَرِير وَقيل: صديد أهل النَّار، وَقيل: دموعهم، وَعَن شهر بن حَوْشَب، الغساق وادٍ فِي النَّار فِيهِ ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثُونَ شعبًا فِي كل شعب ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثُونَ بَيْتا فِي كل بَيت أَربع زَوَايَا فِي كل زَاوِيَة شُجَاع كأعظم مَا خلق الله تَعَالَى من الْخلق فِي رَأس كل شُجَاع من السم قلَّة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الغساق البادر المنتن يُخَفف ويشدد. قَرَأَ أَبُو عَمْرو: إلَاّ جَمِيعًا وغساقا. بِالتَّخْفِيفِ وَقَرَأَ الْكسَائي بِالتَّشْدِيدِ. عَطَاءً حِسابا جَزَاءً كَافِيا أعْطَانِي مَا أحْسَبَنِي أيْ: كَفَانِي أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿جَزَاء من رَبك عَطاء حسابا﴾ (النبأ: ٦٣) وَفَسرهُ بقوله: (جَزَاء كَافِيا) وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ، عَطاء حسابا كثيرا كَافِيا وافيا. قَوْله: (أَعْطَانِي مَا أحسبني) أَي: أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن لفظ الْحساب يَأْتِي بِمَعْنى الْكِفَايَة، يُقَال: أَعْطَانِي فلَان مَا أحسبني، أَي: مَا كفاني، وَيُقَال: أحسبت فلَانا أَي: أَعْطيته مَا يَكْفِيهِ حَتَّى قَالَ: حسبي. ١ - (بَابٌ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أفْوَاجا﴾ (النبأ: ٨١) زُمَرا) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم ينْفخ فِي الصُّور فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ وَفسّر الأفواج بقوله: (زمرا) . ٥٣٩٤ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ أخْبرَنَا أبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأعْمَشِ عَنِ أبِي صَالح عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ قَالَ أرْبَعُونَ يَوْما قَالَ أرْبَعُونَ شَهْرا قَالَ أبَيْتُ قَالَ أرْبَعُونَ سَنَةً قَالَ أبَيْتُ قَالَ ثُمَّ يُنْزِلُ الله مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ البَقْلُ لَيْسَ مِنَ الإنْسَانِ شَيْءٌ إلَاّ يَبْلَى إلَاّ عَظْما وَاحِدا وَهُوَ عَجْبُ الذنَبِ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الخَلْقُ يَوْمَ القِيامَةِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام البيكندي، وَأَبُو مُعَاوِيَة محمدبن خازم الضَّرِير، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات، والْحَدِيث قد مضى فِي تَفْسِير سُورَة الزمر وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (أَبيت) ، أَي: امْتنعت عَن الْإِخْبَار بِمَا لَا أعلم قَوْله: (أَلا يبْلى) أَي: يخلق قَوْله: (عجب الذَّنب) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم الأَصْل فَهُوَ آخر مَا يخلق وَأول مَا يخلق. ٩٧ - (سُورَةُ ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة والنازعات وَتسَمى: سُورَة الساهرة، وَهِي مَكِّيَّة لَا اخْتِلَاف فِيهَا وَقَالَ السخاوي: نزلت بعد سُورَة النبأ وَقبل سُورَة ﴿إِذا السَّمَاء انفطرت﴾ (الانفطار: ١) وَهِي سَبْعمِائة وَثَلَاثَة وَخَمْسُونَ حرفا وَمِائَة وتسع وَسَبْعُونَ كلمة وست وَأَرْبَعُونَ آيَة فِي النازعات أَقْوَال الْمَلَائِكَة تنْزع نفوس بني آدم رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس: وَالْمَوْت ينْزع النُّفُوس قَالَه سعيد بن جُبَير، والنجوم تنْزع من أفق إِلَى أفق تطلع ثمَّ تغيب والغزاة الرُّمَاة. قَالَه عَطاء وَعِكْرِمَة. زَجْرَةٌ: صَيْحَةٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَة وَاحِدَة﴾ (النازعات: ٣١) وفسرها بقوله: (صَيْحَة) وَثَبت هَذَا للنسفي وَحده. وَقَالَ مُجاهِدٌ: تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ هِيَ الزَلْزَلَةُ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم ترجف الراجفة﴾ (النازعات: ٦) الراجفة الزلزلة. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: يَعْنِي النفخة الأولى الَّتِي يتزلزل ويتحرك لَهَا كل شَيْء، وَهَذَا أَيْضا للنسفي وَحده. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الآيَةَ الكُبْرَى عَصَاهُ وَيَدُهُ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأرَاهُ الْآيَة الْكُبْرَى﴾ (النازعات: ٠٢) أَي: فَأرى مُوسَى، ﵊، فِرْعَوْن الْآيَة الْكُبْرَى، وفسرها مُجَاهِد بعصاه وَيَده حِين خرجت بَيْضَاء وَكَذَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة مثله. سَمكَها: بَنَاها بِغَيْرِ عَمَدٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿رفع سمكها فسواها﴾ (النازعات: ٨٢) وَفَسرهُ بقوله: (بناها) بِغَيْر عمد وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: سمكها سقفها وَقَالَ الْفراء كل شَيْء

стр. 5851

حمل شَيْئا من الْبناء وَغَيره فَهُوَ سمك وَبِنَاء مسموك، فسواها بِلَا شطور وَلَا فطور، وَهَذَا للنسفي وَحده. طَغَى عَصى أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْن إِنَّه طَغى﴾ (النازعات: ٧١) وَفَسرهُ بقوله: (عصى) وطغى من الطغيان وَهُوَ الْمُجَاوزَة عَن الْحَد وَهَذَا أَيْضا للنسفي وَحده. يُقَالُ الناخِرَةُ وَالنَّخِرَة سَوَاءٌ مِثْلُ الطَّامِعَ وَالطَّمِعِ وَالبَاخِلِ وَالْبخل. وَقَالَ بَعْضُهُمْ النَّخِرَةُ البَالِيَةُ وَالنَّاخِرَةُ العَظْمُ المُجَوَّفُ الَّذِي تَمُرُّ فِيهِ الرِّيحُ فَيَنْخَرُ. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أئذا كُنَّا عظاما نخرة﴾ (النازعات: ١١) قَوْله: (سَوَاء) ، لَيْسَ كَذَلِك لِأَن الناخرة اسْم فَاعل، والنخرة صفة مشبهة. وَإِن كَانَ مُرَاده سَوَاء فِي أصل الْمَعْنى، فَلَا بَأْس بِهِ. قَوْله: (مثل الطامع والطمع) ، بِكَسْر الْمِيم على وزن، فعل، بِكَسْر الْعين (والباخل وَالْبخل) على وزن فعل بِكَسْر الْعين أَيْضا. وَفِي التَّمْثِيل بهما نظر من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ الْآن. وَالْآخر: التَّفَاوُت بَينهمَا فِي التَّذْكِير والتأنيث، وَلَو قَالَ: مثل، صانعة وصنعة، وَنَحْو ذَلِك لَكَانَ أصوب، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني، الناحل والنحل، بالنُّون والحاء الْمُهْملَة فيهمَا وَقَالَ بَعضهم بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة هُوَ الصَّوَاب. قلت: لم يبين جِهَة الصَّوَاب، لَا يسْتَعْمل إلَاّ فِي مُقَابلَة الْخَطَأ وَالَّذِي وَقع بالنُّون والحاء الْمُهْملَة لَيْسَ بخطأ حَتَّى يكون الَّذِي ذكره صَوَابا. قَوْله: (وَقَالَ بَعضهم) ، الظَّاهِر أَن المُرَاد بِهِ هُوَ ابْن الْكَلْبِيّ فَإِنَّهُ قَالَ: يَعْنِي النخرة البالية إِلَى آخِره فينخر أَي: يصوت، وَهَذَا قد فرق بَينهمَا فِي الْمَعْنى أَيْضا وَقَرَأَ أهل الْكُوفَة إلَاّ حفصا: ناخرة، بِالْألف وَالْبَاقُونَ نخرة، بِلَا ألف، وَذكر أَن عمر بن الْخطاب وَابْن مَسْعُود وَعبد الله بن عَبَّاس وَابْن الزبير وَمُحَمّد بن كَعْب وَعِكْرِمَة وَإِبْرَاهِيم، كَانُوا يقرؤون: عظاما ناخرة، بِالْألف، وَقَالَ الْفراء: ناخرة بِالْألف أَجود الْوَجْهَيْنِ. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: الحَافِرَةُ إلَى أمْرِنا الأوَّلِ إلَى الحَياةِ أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس، ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أئنا لمردودون فِي الحافرة﴾ (النازعات: ٠١) وفسرها بقوله: (إِلَى أمرنَا الأول) يَعْنِي: إِلَى الْحَالة الأولى: يَعْنِي الْحَيَاة يُقَال: رَجَعَ فلَان فِي حافرته أَي: فِي طَرِيقَته الَّتِي جَاءَ مِنْهَا، وَأخرج هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه عَن أبي صَالح: حَدثنِي أَبُو مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَأخْبر الْقُرْآن عَن منكري الْبَعْث من مُشْركي مَكَّة أَنهم قَالُوا: ائنا لمردودون فِي الحافرة. أَي: فِي الْحَالة لأولى، يعنون بِالْحَيَاةِ بعد الْمَوْت أَي: فنرجع أَحيَاء كَمَا كُنَّا قبل مماتنا، وَقيل: التَّقْدِير عِنْد الحافرة، يُرِيدُونَ عِنْد الْحَالة الأولى، وَقيل: الحافرة الأَرْض الَّتِي تحفر فِيهَا قُبُورهم فسميت حافرة بِمَعْنى محفورة، وَقد سميت الأَرْض حافرة لِأَنَّهَا مُسْتَقر الحوافر. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿أيانَ مُرْساها﴾ (النازعات: ٢٤) مَتى مُنْتَهَاهَا، وَمُرْسَى السَّفِينَةِ حَيْثُ تَنْتَهِي أَي: قَالَ غير ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَيَّانَ مرْسَاها﴾ يَعْنِي: مَتى مُنْتَهَاهَا، ومرسى، بِضَم الْمِيم وَالضَّمِير فِي: مرْسَاها، يرجع إِلَى السَّاعَة. وَعَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، لم يزل النَّبِي ﷺ يذكر السَّاعَة وَيسْأل عَنْهَا حَتَّى نزلت هَذِه الْآيَة. ١ - (بَابٌ: ﴿الرَّاجِفَةُ النَّفْخَةُ الأولَى. الرَّادِفَةُ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ﴾ ) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة﴾ (النازعات: ٦، ٧) وروى هَذَا التَّفْسِير الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. ٦٣٩٤ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ المِقْدَامِ حدَّثنا الفُضَيْلُ بنُ سُلَيْمَانَ حدَّثنا أبُو حَازِمٍ حدَّثنا سَهْلُ ابنُ سَعْدٍ ﵁ قَالَ رَأيْتُ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ بِإصْبِعَيْهِ هاكَذا بِالوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الإبْهَامَ بُعِثتُ والسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ .

стр. 5852

مطابقته للتَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ السُّورَة من حَيْثُ إِنَّه من جملَة مَا فِيهَا، وَأَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: سَلمَة بن دِينَار، وَسَهل بن سعد ابْن مَالك السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ. والْحَدِيث من أَفْرَاده من هَذَا الْوَجْه. قَوْله: (قَالَ بإصبعيه) أَي: ضم بَين إصبعيه وَالْقَوْل يسْتَعْمل فِي غير مَعْنَاهُ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ رِوَايَة من روى، وَضم بَين السبابَة وَالْوُسْطَى وَفِي رِوَايَة: قرن بَينهمَا. قَوْله: (بعثت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: أرْسلت، ويروى: (بعثت أَنا) قَوْله: (والساعة) ، قَالَ الْكرْمَانِي بِالنّصب وَسكت عَلَيْهِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: رويته بِفَتْح السَّاعَة وَضمّهَا فالضم على الْعَطف وَالْفَتْح على الْمَفْعُول مَعَه وَالْعَامِل: بعثت وكهاتين، حَال أَي: مقترنين، فعلى النصب يَقع التَّشْبِيه بِالضَّمِّ وعَلى الرّفْع يحْتَمل هَذَا وَيحْتَمل أَن يَقع بالتفاوت الَّتِي بَين السبابَة وَالْوُسْطَى فِي الطول، وَيدل عَلَيْهِ قَول قَتَادَة فِي رِوَايَته كفضل إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى، وَحَاصِل هَذَا التَّعْرِيف بِسُرْعَة مَجِيء الْقِيَامَة. قَالَ : فقد جَاءَ أشراطها. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: أغْطَشَ أظْلَمَ أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وأغطش لَيْلهَا﴾ (النازعات: ٩٢) وَفَسرهُ بقوله: وَقد أظلم، وَقد مر فِي بَدْء الْخلق، وَهَذَا ثَبت هُنَا للنسفي وَحده. الطَّامَةُ: تَطُمُّ كلَّ شَيْءٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: ﴿فَإِذا جَاءَت الطامة الْكُبْرَى﴾ (النازعات: ٤٣) وفسرها بقوله: (نظلم كل شَيْء) وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: الطامة عِنْد الْعَرَب الداهية الَّتِي لَا تستطاع وَإِنَّمَا أَخذ من قَوْلهم: طم الْفرس طميما إِذا استفرغ جهده فِي الجري، وَهَذَا أَيْضا ثَبت للنسفي وَحده. ٠٨ - (سُورَةُ ﴿عَبَسَ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة ﴿عبس﴾ ، وَتسَمى: سُورَة السفرة، وَهِي مَكِّيَّة وَهِي خَمْسمِائَة وَثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ حرفا. وَمِائَة وَثَلَاث وَثَلَاثُونَ كلمة، وَاثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ آيَة وَذكر السخاوي أَنَّهَا نزلت قبل سُورَة الْقدر وَبعد سُورَة النَّجْم، وَذكر الْحَاكِم مصححا عَن عَائِشَة أَنَّهَا نزلت فِي ابْن أم مَكْتُوم الْأَعْمَى، أَتَى رَسُول الله ﷺ فَجعل يَقُول: يَا رَسُول الله أَرْشدنِي وَعند رَسُول الله ﷺ رجال من عُظَمَاء الْمُشْركين، فَجعل رَسُول الله ﷺ يعرض عَنهُ وَيقبل على الآخرين. الحَدِيث. بِسم الله الرحمان الرَّحِيم. لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر. عَبَسَ: كَلَحَ وَأعْرَضَ نفسير عبس بقوله: كلح هُوَ لأبي عُبَيْدَة وَتَفْسِيره بأعرض لغيره، وَلم يخْتَلف السّلف فِي أَن فَاعل عبس هُوَ النَّبِي ﷺ عبد الدَّاودِيّ، فَقَالَ: هُوَ الْكَافِر الَّذِي كَانَ مَعَ رَسُول الله ﷺ انْتهى. قيل: كَانَ هَذَا أبي بن خلف، رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة، وَقيل: أُميَّة بن خلف، رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور وروى ابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث عَائِشَة أَنه كَانَ يُخَاطب عتبَة وَشَيْبَة ابْني ربيعَة وَرُوِيَ من وَجه آخر عَن عَائِشَة أَنه كَانَ فِي مجْلِس فِيهِ نَاس من وُجُوه الْمُشْركين فيهم أَبُو جهل وَعتبَة، فَهَذَا يجمع الْأَقْوَال. مُطَهَّرَةٌ لَا يَمَسُّها إلَاّ المُطَهَّرُونَ وَهُمْ المَلائِكَةُ وَهاذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَالْمُدَبِّراتِ أمْرا﴾ (النازعات: ٥) جَعَلَ المَلائِكَةَ وَالصُّحُفَ مُطَهَّرَةً لأنَّ الصُّحُفَ يَقَعُ عَلَيْهَا التَّطْهِيرُ فَجَعَلَ التَّطْهِيرُ لِمَنْ حَمَلَهَا أيْضا. أَشَارَ بِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فِي صحف مكرمَة مَرْفُوعَة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة﴾ (عبس: ٣١، ٦١) وَفسّر المطهرة بقوله: (لَا يَمَسهَا إلَاّ الْمُطهرُونَ وهم الْمَلَائِكَة) يَعْنِي: لما كَانَت الصُّحُف تتصف بالتطهير، وصف أَيْضا حاملها أَي: الْمَلَائِكَة. فَقيل: لايمسها إلَاّ الْمُطهرُونَ وَهَذَا كَمَا فِي المدبرات أمرا فَإِن التَّعْبِير لمحمول خُيُول الْغُزَاة فوصف الْحَامِل يَعْنِي الْخُيُول بِهِ. فَقيل: (فالمدبرات أمرا) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ لَا يَقع بِزِيَادَة، لَا فِي تَوْجِيهه تكلّف. قلت: وَجهه أَن الصُّحُف لَا يُطلق عَلَيْهَا التَّطْهِير الَّذِي هُوَ خلاف التَّنْجِيس حَقِيقَة وَإِنَّمَا المُرَاد أَنَّهَا مطهرة عَن أَن ينالها أَيدي الْكفَّار. وَقيل: مطهرة عَمَّا لَيْسَ بِكَلَام الله فَهُوَ الْوَحْي الْخَالِص وَالْحق الْمَحْض، وَقَوله: (مطهرة) فِي رِوَايَة غير أبي ذَر والنسفي، وَقَالَ غَيره: مطهرة، وَهَذَا يَقْتَضِي

стр. 5853

تقدم أحد قبله حَتَّى يَصح، وَقَالَ غَيره: وَالظَّاهِر أَن فِي أول تَفْسِير عبس، وَقَالَ مُجَاهِد: عبس كلح، ثمَّ قَالَ: وَقَالَ غَيره أَي: غير مُجَاهِد. وَقَالَ مُجَاهِدٌ الغُلْبُ المُلْتَفَّةُ وَالأبُّ مَا يَأْكُلُ الأنْعَامُ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنَخْلًا وَحَدَائِق غلبا وَفَاكِهَة وَأَبا﴾ (عبس: ٩٢، ١٣) وَقَالَ الغلب الملتفة من الالتفاف، وَالْأَب بِالتَّشْدِيدِ مَا يَأْكُل الْأَنْعَام وَهُوَ الْكلأ والمرعى، وَعَن الْحسن: هُوَ الْحَشِيش وَمَا تَأْكُله الدَّوَابّ وَلَا يَأْكُلهُ النَّاس، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: الغلب غِلَاظ الْأَشْجَار واحده أغلب، وَمِنْه قيل للتغليظ الرَّقَبَة الْأَغْلَب وَعَن قَتَادَة: الغلب النّخل الْكِرَام، وَعَن ابْن زيد: عِظَام الْجُذُوع، وَهَذَا لم يثبت إلَاّ للنسفي. سفَرَةٌ: المَلائِكَةُ وَاحِدُهُمْ سَافِرٌ سَفَرْتُ أصْلَحْتُ بَيْنَهُمْ وَجُعِلَتِ المَلائِكَةُ إذَا نَزَلَتْ بِوَحْي الله وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْن القَوْمِ. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿بأيدي سفرة﴾ ، أَي: بأيدي الْمَلَائِكَة. قَوْله: (واحدهم) ، أَي: وَاحِد السفرة سَافر، وَعَن قَتَادَة واحدهم سفير، وَإِنَّمَا ذكره بواو الْجَمَاعَة بِاعْتِبَار الْمَلَائِكَة. قَوْله: (سفرت) ، إِشَارَة إِلَى أَن معنى: سَافر من سفرت بِمَعْنى أصلحت بَينهم، وَمِنْه السفير وَهُوَ الرَّسُول، وسفير الْقَوْم هُوَ الَّذِي يسْعَى بَينهم بِالصُّلْحِ، وسفرت بَين الْقَوْم إِذا أصلحت بَينهم، وَعَن ابْن عَبَّاس وَمُقَاتِل: سفرة، كتبة وهم الْمَلَائِكَة الْكِرَام الكاتبون، وَمِنْه قيل للْكتاب: سفر، وَجمعه أسفار، وَيُقَال للوراق سفر بلغَة العبرانية. قَوْله: (وتأديته) ، من الْأَدَاء أَي: وتبليغه ويروى: وتأديبه من الْأَدَب لَا من الْأَدَاء. قَالَه الْكرْمَانِي: وَفِيه مَا فِيهِ. تَصَدَّى: تَغَافَلُ عَنْهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَنت لَهُ تصدى﴾ ، وَفَسرهُ بقوله: (تغافل) وَأَصله: تتغافل وَكَذَلِكَ أصل: تصدى تتصدى فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أَي تتعرض لَهُ بالإقبال عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسب الْمَشْهُور، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) فِي أَكثر النّسخ تصدى تغافل عَنهُ، وَالَّذِي فِي غَيرهَا تصدى أقبل عَلَيْهِ، وَكَأَنَّهُ الصَّوَاب وَعَلِيهِ أَكثر الْمُفَسّرين، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَقَالَ غَيره: تصدى تغافل، وَهَذَا يَقْتَضِي تقدم ذكر أحد قبله حَتَّى يَسْتَقِيم أَن يُقَال: وَقَالَ غَيره. وَقَالَ مُجَاهِدٌ لمَا يَقْضِ لَا يَقْضِي أحَدٌ مَا أُمِرَ بِهِ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لما يقْض مَا أمره﴾ وَتَفْسِيره ظَاهر، (وَأمر) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَرَوَاهُ عبد عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد وَلَفظه: لَا يقْض أحد مَا افْترض عَلَيْهِ. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: تَرْهَقُها: تَغْشَاهَا شِدَّةٌ أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ترهقها فَتْرَة﴾ تغشاها شدَّة، وَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ بِهِ، وَقيل: يُصِيبهَا ظلمَة وذلة وكآبة وكسوف وَسَوَاد، وَعَن ابْن زيد: الْفرق بَين الغبرة والفترة أَن الغبرة مَا ارْتَفع من الْغُبَار فلحق بالسماء، والقترة مَا كَانَ أَسْفَل فِي الأَرْض. مُسْفِرَةٌ: مُشْرِقَةُ كَذَا فسره ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ. ﴿بأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: كَتَبَةٍ أسْفَارا كَتُبا قد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب، وَهُوَ من وَجه مُكَرر. تَلَهَّى: تَشَاغَلَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَنت عَنهُ تلهى﴾ (عبس: ١) أَصله: تتلهى. أَي: تتشاغل حذفت التَّاء مِنْهُمَا، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: أَي: تعرض وتتغافل عَنهُ وتتشاغل بِغَيْرِهِ. يُقَالُ: وَاحِدُ الأسْفَارِ، سِفْرٌ

стр. 5854

سقط هَذَا لأبي ذَر، والأسفار جَاءَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كَمثل الْحمار يحمل أسفارا﴾ (الْجُمُعَة: ٥) ذكره اسْتِطْرَادًا، وَهُوَ جمع سفر بِكَسْر السِّين وَهُوَ الْكتاب، وَقد مر عَن قريب. فَأقْبَرَهُ يُقالُ: أقْبَرتُ الرَّجُلَ جَعَلْتُ لَهُ قَبْرا قَبَرْتُهُ دَفَنْتُهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أَمَاتَهُ فاقبره﴾ (عبس: ١٢) قَوْله: (يُقَال) ، إِلَى آخِره، ظَاهر، وَقَالَ الْفراء: أَي جعلته مقبورا وَلم يقل: قَبره، لِأَن القابر هُوَ الدافن، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فأقبره أَي: جعل لَهُ قبرا وَالَّذِي يدْفن بِيَدِهِ هُوَ القابر. ٧٣٩٤ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ حدَّثنا قَتَادَةُ قَالَ سَمِعْتُ زُرَارَةَ بنَ أوْفَى يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدٍ بنِ هِشامٍ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ قَالَ مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفْرَةِ الكِرَامِ وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَؤهُ وَهُوَ يَتَعَاهَدَهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أجْرَانِ. مطابقته لقَوْله تَعَالَى: ﴿بأيدي سفرة كرام بررة﴾ (عبس: ٥١، ٦١) وَسَعِيد بن هِشَام بن عَامر الْأنْصَارِيّ. ولأبيه صُحْبَة وَلَيْسَ لَهُ فِي يالبخاري إلَاّ هَذَا الْموضع وَآخر مُعَلّق فِي المناقب. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبيد وَغَيره وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن مَحْمُود بن غيلَان وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَغَيره وَفِي التَّفْسِير عَن أبي الْأَشْعَث وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي ثَوَاب الْقُرْآن عَن هِشَام بن عمار. قَوْله: (مثل الَّذِي) ، بِفتْحَتَيْنِ أَي: صفته كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مثل الْجنَّة الَّتِي وعد المتقون﴾ (الرَّعْد: ٥٣) قَوْله: (وَهُوَ حَافظ لَهُ) ، أَي: الْقُرْآن وَالْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (مَعَ السفرة) ، ويروى مثل السفرة، وَقَالَ ابْن التِّين: كَأَنَّهُ مَعَ السفرة فِيمَا يسْتَحقّهُ من الثَّوَاب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لفظ مثل زَائِد وَإِلَّا فَلَا رابطة بَينه وَبَين السفرة لِأَنَّهُمَا مُبْتَدأ وَخبر فَيكون التَّقْدِير الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن مَعَ السفرة الْكِرَام، أَي: كَائِن مَعَهم وَيجوز أَن يكون لفظ مثل بِمَعْنى: مثيل، بِمَعْنى: شَبيه، فيكو التَّقْدِير: شَبيه الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن مَعَ السفرة الْكِرَام. قَوْله: (وَهُوَ يتعاهده) ، أَي: يضبطه ويتفقده. قَوْله: (وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيد) ، أَي: وَالْحَال أَن التعاهد عَلَيْهِ شَدِيد. قَوْله: (فَلهُ أَجْرَانِ) ، من حَيْثُ التِّلَاوَة وَمن حَيْثُ الْمَشَقَّة قَالَه الْقُرْطُبِيّ. فَإِن قلت: مَا معنى كَون الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن وَهُوَ حَافظ لَهُ مَعَ السفرة. قلت: لَهُ مَعْنيانِ أَحدهمَا: أَن يكون لَهُ منَازِل فَيكون فِيهَا رَفِيقًا للْمَلَائكَة لاتصافه بصفاتهم من حمل كتاب الله تَعَالَى، وَالْآخر: أَن يكون المُرَاد أَنه عَامل بِعَمَل السفرة وسالك مسلكهم. ١٨ - (سُورَةُ: ﴿إذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة ﴿إِذا الشَّمْس كورت﴾ (التكوير: ١) وَيُقَال: سُورَة كورت بِدُونِ لفظ إِذا الشَّمْس، وَسورَة التكوير، وَهِي مَكِّيَّة وَهِي أَرْبَعمِائَة وَأَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ حرفا. وَمِائَة وَأَرْبع كَلِمَات، وتسع وَعِشْرُونَ آيَة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لم تثب ت الْبَسْمَلَة إِلَّا لأبي ذَر انْكَدَرَتْ انْتَثَرَتْ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا النُّجُوم انكدرت﴾ (التكوير: ٢) وَفَسرهُ بقوله: انتثرت. أَي: تناثرت وتساقطت من السَّمَاء على الأَرْض. يُقَال: انكدر الطَّائِر أَي سقط عَن عشه، وَعَن ابْن عَبَّاس تَغَيَّرت. وَقَالَ الحَسَنُ: سُجِّرَتْ ذَهَبَ مَاؤُها فَلا تَبْقَى فَطْرَةٌ. وَقَالَ مُجاهِدٌ: المَسْجُور المَمْلُوءُ. وَقَالَ غَيْرُهُ سُجِرَتْ أفْضَى بَعْضُها إلَى بَعْضٍ فَصَارَتْ بَحْرا وَاحِدا. أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ فِي قَوْله : ﴿وَإِذا الْبحار سجرت﴾ (التكوير: ٦ وَتَفْسِيره ظَاهر، وَكَذَا قَالَه السّديّ، وَقَالَ ابْن زيد وَابْن عَطِيَّة وسُفْيَان ووهب: أوقدت فَصَارَت نَارا. قَوْله: (وَقَالَ مُجَاهِد: الْبَحْر الْمَسْجُور المملوء) ، وَهُوَ فِي سُورَة الطّور ذكره اسْتِطْرَادًا. قَوْله: (وَقَالَ غَيره) ، أَي: غير مُجَاهِد، والأصوب أَن يُقَال: غير الْحسن على مَا لَا يخفى معنى سجرت أفْضى إِلَى آخِره وَهُوَ قَول مقَاتل وَالضَّحَّاك.

стр. 5855

وَالخُنَّسُ: تَخْنِسُ فِي مُجْرَاهَا تَرْجِعُ، وَتَكْنِسُ: تَسْتَتِرُ كَمَا تَكْنِسُ الظِّباءُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا أقسم بالخنس الْجوَار الكنس﴾ (التكوير: ٥١، ٦١) قَالَ الْفراء: الخنس النُّجُوم الْخَمْسَة، تخنس فِي مجْراهَا إِلَى آخِره، والخمسة هِيَ: بهْرَام وزحل وَعُطَارِد والزهرة وَالْمُشْتَرِي، ويروى أَن رجلا من مُرَاد قَالَ لعَلي بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: ﴿الخنس الْجوَار الكنس﴾ قَالَ: هِيَ الْكَوَاكِب تخنس بِالنَّهَارِ فَلَا ترى وتكنس بِاللَّيْلِ فتأوى إِلَى مجاريهن، وأصل الخنس الرُّجُوع إِلَى وَرَاء الكنوس. أَي: تأوي إِلَى مكانسها وَهِي الْمَوَاضِع الَّتِي تأوي إِلَيْهَا الْوَحْش، وَقيل: الخنس بقر الْوَحْش إِذا رَأَتْ الْإِنْس تخنس وَتدْخل كناسها، وروى عبد الرَّزَّاق بِإِسْنَاد صَحِيح عَن عمر بن ميسرَة عَمْرو بن شُرَحْبِيل. قَالَ: قَالَ ابْن مَسْعُود: مَا الخنس؟ قَالَ قلت: أَظُنهُ بقر الْوَحْش. قَالَ: وَأَنا أَظن ذَلِك، والخنس جمع خانس والكنس جمع كانس كالركع جمع رَاكِع. تَنَفَّسَ: ارْتَفَعَ النَّهَارُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالصُّبْح إِذا تنفس﴾ (التكوير: ٨١) وَفَسرهُ بقوله: (ارْتَفع النَّهَار) . وَالظَّنِينُ: المُتَّهَمُ. وَالضَّنِينُ يَضَنُّ بِهِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا هُوَ على الْغَيْب بظنين﴾ (التكوير: ٤٢) وَفسّر الظنين الَّذِي بالظاء الْمُعْجَمَة بالمتهم، وَفسّر الضنين الَّذِي بالضاد الْمُعْجَمَة بقوله: (يضن بِهِ) أَي: يبخل بِهِ. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: مَا هُوَ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ على الْغَيْب أَي: الْوَحْي وَخبر السَّمَاء وَمَا اطلع عَلَيْهِ من علم الْغَيْب بضنين أَي ببخيل، فَلَا يبخل بِهِ عَلَيْكُم، بل يعلمكم وَيُخْبِركُمْ بِهِ. قلت: هَذَا الَّذِي فسره هُوَ الضنين الَّذِي بالضاد الْمُعْجَمَة. تَقول: ضننت بالشَّيْء فَأَنا ضنين أَي يخيل. ثمَّ قَالَ الثَّعْلَبِيّ: وقرىء بالظاء وَمَعْنَاهُ وَمَا هُوَ بمتهم فِيمَا يخبر بِهِ، وَقَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة وَأهل الْمَدِينَة وَالشَّام بالضاد وَالْبَاقُونَ بالظاء من الظنة وَهِي التُّهْمَة. وَقَالَ النَّسَفِيّ (فِي تَفْسِيره) واتقان الْفَصْل بَين الضَّاد والظاء وَاجِب وَمَعْرِفَة مخرجهما لَا بُد مِنْهُ للقارىء فَإِن أَكثر الْعَجم لَا يفرقون بَين الحرفين وَقَالَ الْجَوْهَرِي فِي فصل الضَّاد: ضننت بالشَّيْء أضن بِهِ ضنا وضنانة إِذا بخلت بِهِ، وَهُوَ ضنين بِهِ. قَالَ الْفراء: وضننت بِالْفَتْح لُغَة، وَقَالَ فِي فصل الظَّاء والظنين الْمُتَّهم والظنة التُّهْمَة. وَقَالَ عُمَرُ ﴿وَإذَا النفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ (التكوير: ٧) يُزَوَّجُ نَظِيرَهُ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ قَرَأَ ﵁ ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ (الصافات: ٢٢) . أَي: قَالَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا النُّفُوس زوجت﴾ يُزَوّج الرجل نَظِيره من أهل الْجنَّة ويزوج الرجل نَظِيره من أهل النَّهَار، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ عبد بن حميد عَن أبي نعيم، حَدثنَا سُفْيَان عَن سماك عَن النُّعْمَان ابْن بشير عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي لفظ: الْفَاجِر مَعَ الْفَاجِرَة والصالح مَعَ الصَّالِحَة. وَقَالَ الْكَلْبِيّ: زوج الْمُؤمن الْحور الْعين وَالْكَافِر الشَّيْطَان، وَقَالَ الرّبيع بن خثيم: يَجِيء الْمَرْء مَعَ صَاحب عمله يُزَوّج الرجل بظيره من أهل الْجنَّة وبنظيره من أهل النَّار، وَقَالَ الْحسن: ألحق كل امرء بشيعته، وَقَالَ عِكْرِمَة: يحْشر الزَّانِي مَعَ الزَّانِيَة والمسيء مَعَ المسيئة والمحسن مَعَ المحسنة. قَوْله: (ثمَّ قَرَأَ) ، أَي: ثمَّ قَرَأَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مستدلاً على مَا قَالَه بقوله تَعَالَى: ﴿احشروا الَّذين ظلمُوا أَزوَاجهم﴾ . عَسْعَسَ أدْبَرَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللَّيْل إِذا عسعس﴾ (التكوير: ٧١) وَفَسرهُ بقوله: (أدبر) رَوَاهُ ابْن جرير بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس، وَقَالَ الزّجاج: عسعس اللَّيْل إِذا أقبل، وعسعس إِذا أدبر فعلى هَذَا هُوَ مُشْتَرك بَين الضدين. ٢٨ - (سُورَةُ ﴿إذَا السمَّاءُ انْفَطَرَتْ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: ﴿إِذا السَّمَاء انفطرت﴾ وَيُقَال لَهَا أَيْضا سُورَة الانفطار وَهِي مَكِّيَّة. وَهِي ثَلَاثمِائَة وَسَبْعَة وَعِشْرُونَ حرفا، وَثَمَانُونَ كلمة وتسع عشرَة آيَة. بِسم الله الرحمان الرَّحِيم.

стр. 5856

الْبَسْمَلَة مَوْجُودَة هُنَا عِنْد الْكل. انْفِطَارُها: انْشِقَاقُها ثَبت هَذَا للنسفي وَحده، والانفطار من الْفطر بِالْفَتْح وَهُوَ الشق. وَيُذْكَرُ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ بِعثرَتْ يَخْرُجُ مَنْ فِيهَا مِنَ الأَمْوَاتِ أَي: يذكر عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : ﴿وَإِذا الْقُبُور بعثرت﴾ (الانفطار: ٤) وَتَفْسِيره ظَاهر، وَبِه قَالَ الْفراء أَيْضا. وَهَذَا أَيْضا ثَبت للنسفي وَحده. وَقَالَ غَيْرُهُ: بُعْثِرَتْ: أُثِيرَتْ: بَعْثَرْتُ حَوْضِي أيْ جَعَلْتُ أسْفَلَهُ أعْلاهُ أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿بعثرت﴾ أَن مَعْنَاهُ: أثيرت وبحثت فاستخرج مَا فِي الأَرْض من الْكُنُوز وَمن فِيهَا من الْمَوْتَى، وَهَذَا من أَشْرَاط السَّاعَة أَن تخرج الأَرْض أفلاذ كَبِدهَا من ذهبها وفضتها وموتاها. قَوْله: (بعثرت حَوْضِي) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه يُقَال: بعثرت حَوْضِي وبحثرته إِذا هدمته فَجعلت أَسْفَله أَعْلَاهُ، وَهَذَا أَيْضا للنسفي وَحده. وَقد مر فِي أَوَاخِر كتاب الْجَنَائِز. وَقَالَ الرَّبِيعُ بنُ خُثَيْمٍ: فُجِّرَتْ فَاضَتْ أَي: قَالَ الرّبيع بن خثيم فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا الْبحار فجرت﴾ (الانفطار: ٣) أَي: فاضت، وَالربيع، بِفَتْح الرَّاء ابْن خثيم، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة: التَّابِعِيّ الثَّوْريّ الْكُوفِي. قَوْله: (فاضت) ، من الْفَيْض مَعْنَاهُ: فتح بَعْضهَا إِلَى بعض عذبها إِلَى ملحها وملحها إِلَى عذبها فَصَارَت بحرا وَاحِدًا. وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ عبد بن حميد قَالَ: حَدثنَا مُؤَمل وَأَبُو نعيم قَالَا: أخبرنَا سُفْيَان وَهُوَ ابْن سعيد الثَّوْريّ عَن أَبِيه عَن أبي يعلى، هُوَ مُنْذر الثَّوْريّ عَن الرّبيع بن خثيم بِهِ. وَقَرَأَ الأعْمَشُ وَعَاصِمٌ: فَعَدَلَكَ بِالتَّخْفِيفِ. وَقَرَأَهُ أهْلُ الحجازِ بِالتَّشْدِيدِ، وأرَادَ: مُعْتَدِلَ الخَلْقِ وَمَنْ خَفَّفَ يَعْنِي فِي أيِّ صُورَةٍ شَاءَ إمَّا حَسَنٌ وَإمّا قَبِيحٌ وَطَوِيلٌ وَقَصِيرٌ. أَي: قَرَأَ سُلَيْمَان الْأَعْمَش وَعَاصِم بن أبي النجُود بِفَتْح النُّون وَضم الْجِيم الْأَسدي أحد الْقُرَّاء السَّبْعَة. قَوْله تَعَالَى: ﴿فعدلك فِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك﴾ (الانفطار: ٨) بِالتَّخْفِيفِ أَي: بتَخْفِيف الدَّال وَبِه قَرَأَ أَيْضا الْحسن وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو رَجَاء وَعِيسَى بن عمر وَعمر بن عبيد والكوفيون، وَقَرَأَ أهل الْحجاز بتَشْديد الدَّال. قَوْله: (وَمن خفف) ، يحْتَمل أَن يكون عطفا على فَاعل أَرَادَ، أَي: وَمن خفف أَرَادَ أَيْضا معتدل الْخلق، وَلَفظ فِي أَي صُورَة لَا يكون مُتَعَلقا بِهِ بل هُوَ كَلَام مُسْتَأْنف لقَوْله تَعَالَى: ﴿أَفِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك﴾ وَالْبَاقِي ظَاهر. ٣٨ - (سُورَةُ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِفِينَ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: ﴿ويل لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ (المطففين: ١) وَفِي بعض النّسخ: سُورَة المطففين، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس فِي رِوَايَة همام وَسَعِيد عَن قَتَادَة وَمُحَمّد بن ثَوْر عَن معمر أَنَّهَا مَكِّيَّة، وَكَذَا قَالَ سُفْيَان، وَقَالَ السّديّ: إِنَّهَا مَدَنِيَّة، وَعَن الْكَلْبِيّ نزلت على رَسُول الله ﷺ فِي طَرِيقه من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة، وَقَالَ مقَاتل: مَدَنِيَّة غير آيَة نزلت بِمَكَّة قَالَ: ﴿أساطير الْأَوَّلين﴾ (المطففين: ٣١) وَعند ابْن النَّقِيب عَنهُ هِيَ أول سُورَة نزلت بِالْمَدِينَةِ، وَذكر السخاوي أَنَّهَا نزلت بعد سُورَة العنكبوت، وَفِي (سنَن النَّسَائِيّ) وَابْن مَاجَه، بِإِسْنَاد صَحِيح من طَرِيق يزِيد النَّحْوِيّ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس. قَالَ: لما قدم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة كَانُوا من أَخبث النَّاس كَيْلا فَأنْزل الله : ﴿ويل لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فَأحْسنُوا الْكَيْل بعد ذَلِك، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: مَدَنِيَّة وَهِي سَبْعمِائة وَثَمَانُونَ حرفا وَمِائَة وتسع وَسِتُّونَ كلمة، وست وَثَلَاثُونَ آيَة. بِسم الله الرحمان الرَّحِيم لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر. قَوْله: (ويل) ، قَالَ مقَاتل: ويل وادٍ فِي جَهَنَّم قَعْره سَبْعُونَ سنة فِيهِ سَبْعُونَ ألف شعب فِي كل شعب سَبْعُونَ ألف شقّ فِي كل شقّ سَبْعُونَ ألف مغار فِي كل مغار سَبْعُونَ ألف قصر كالتوابيت من حَدِيد فِي كل تَابُوت سَبْعُونَ ألف شَجَرَة. فِي كل شَجَرَة سَبْعُونَ ألف غُصْن من نَار فِي كل غُصْن سَبْعُونَ ألف ثَمَرَة طولهَا سَبْعُونَ ألف ذِرَاع تَحت كل شَجَرَة سَبْعُونَ ألف ثعبان وَسَبْعُونَ ألف عقرب طول كل ثعبان مسيرَة شهر وغلظه كالجبل لَهُ أَنْيَاب كالنخل لَهُ ثَلَاثمِائَة وَسَبْعُونَ

стр. 5857

قفازا فِي كل قفاز قلَّة من سم، وَذكره القتبي فِي كِتَابه (عُيُون الْأَخْبَار) . عَن ابْن عَبَّاس، وَذكر ابْن وهب نَحوه فِي (كتاب الْأَهْوَال) ، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) وَفِي (صَحِيح ابْن حبَان) أصل لهَذَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (يُسَلط على الْكَافِر تِسْعَة وَتسْعُونَ تنينا، أَتَدْرُونَ مَا التنين؟ سَبْعُونَ حَيَّة لكل حَيَّة سبع رُؤُوس يلسعونه ويخدشونه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) . والمطفقون الَّذين ينقصُونَ النَّاس ويبخسون حُقُوقهم فِي الْكَيْل وَالْوَزْن، وَأَصله من الشَّيْء الطفيف وَهُوَ النزر الْقَلِيل، والتطفيف البخس فِي الْكَيْل وَالْوَزْن لِأَن مَا يبخس شَيْء طفيف حقير. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بَلْ رَانَ ثَبْتُ الخَطَايَا أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كلاًّ بل ران على قُلُوبهم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (المطففين: ٤١) وَفسّر: (ران) بقوله: (ثَبت الْخَطَايَا) وروى ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد. قَالَ: أَثْبَتَت على قُلُوبهم الْخَطَايَا حَتَّى غمرتها. وران من الرين وَأَصله الْغَلَبَة. يُقَال: رانت الْخمر على قلبه إِذا غلبت عَلَيْهِ فَسَكِرَ، وَمعنى الْآيَة: غلبت الْخَطَايَا على قُلُوبهم وأحاطت بهَا حَتَّى غمرتها وغشيتها. وَيُقَال: الران والرين الغشاوة، وَهُوَ كالصدي على الشَّيْء الصَّقِيل. ثُوِّبَ جُوزِيَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿هَل ثُوِّبَ الْكفَّار مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المطففين: ١) وَفسّر ثوب بقوله: (جوزي) على صِيغَة الْمَفْعُول من الْجَزَاء، وَهُوَ قَول أبي عُبَيْدَة. وَرُوِيَ عَن مُجَاهِد أَيْضا. وَقَالَ غَيْرُهُ: المُطَفِّفُ لَا يُوَفِّي غَيْرَهُ أَي: قَالَ غَيره مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ويل لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ (المطففين: ١) (المطفف لَا يُوفي غَيره) أَي: لَا يقوم بوفاء حق غَيره بل فِي دَفعه بخس وَنقص. الرَّحِيقُ الخَمْرُ خِتامُهُ مِسْكٌ طِينَتُهُ التَّسْنيمُ يَعْلو شَرَابَ أهْلِ الجَنَّةِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿يسقون من رحيق﴾ (المطففين: ٥٢) وَفسّر الرَّحِيق بِالْخمرِ وَأَشَارَ بقوله: (ختامه مسك) إِلَى قَوْله : ﴿مختوم ختامه مسك﴾ (المطففين: ٥٢، ٦٢) عَيْني: ختمت بمسك ومنعت من أَن يَمَسهَا مَاس أَو تتناولها يدا إِلَى أَن يفك خَتمهَا الْأَبْرَار يَوْم الْقِيَامَة، وَأَشَارَ بقوله: (طينته التسنيم) إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ومزاجه من تسنيم﴾ (المطففين: ٧٢) قَالَ الضَّحَّاك: وَهُوَ شراب اسْمه تسنيم، وَهُوَ من أشرف الشَّرَاب، وَهُوَ معنى قَوْله: (يَعْلُو شراب أهل الْجنَّة) وَقَالَ مقَاتل: يُسمى تسنيما لِأَنَّهُ يتسنم، فينصب عَلَيْهِم انصبابا من فَوْقهم فِي غرفهم ومنازلهم يجْرِي من جنَّة عدن إِلَى أهل الْجنان، وَهَذَا ثَبت للنسفي وَحده، وَتقدم شَيْء من ذَلِك فِي بَدْء الْخلق. ٨٣٩٤ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ حدَّثنا مَعْنٌ قَالَ حدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نَافِعِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ﴾ (المطففين: ٦) حَتَّى يَغِيبَ أحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إلَى أنْصَافِ أُذُنَيْهِ. وَجه ذكره هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم يقوم النَّاس لرب الْعَالمين﴾ وَإِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر، بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة اسْم فَاعل من الْإِنْذَار، ومعن، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة. وَفِي آخِره نون ابْن عِيسَى الْأَشْجَعِيّ الْقَزاز بتَشْديد الزَّاي الأولى. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي صفة جَهَنَّم عَن عبد الله بن جَعْفَر الْبَرْمَكِي، وَهَذَا الحَدِيث من غرائب حَدِيث مَالك وَلَيْسَ هُوَ فِي (الْمُوَطَّأ) . قَوْله: (يَوْم يقوم النَّاس) ، قيامهم فِيهِ لله خاضعين وَوصف ذَاته بِرَبّ الْعَالمين بَيَان بليغ لعظم الذَّنب وتفاقم الْإِثْم فِي التطفيف. قَوْله: (فِي رشحه) ، أَي: فِي عرقه. قَوْله: (إِلَى أَنْصَاف أُذُنَيْهِ) ، هُوَ من إِضَافَة الْجمع إِلَى الْجمع حَقِيقَة وَمعنى لِأَن لكل وَاحِد أذنين. ٤٨ - (سُورَةُ: ﴿إذَا السَّماءُ انْشَقَتْ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة ﴿إِذا السَّمَاء انشقت﴾ وَفِي بعض النّسخ لم يذكر لفظ: سُورَة. وَتسَمى أَيْضا: سُورَة الانشقاق، وَسورَة انشقت، وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي أَرْبَعمِائَة وَثَلَاثُونَ حرفا وَمِائَة وَسبع كَلِمَات وَثَلَاث وَعِشْرُونَ آيَة. كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ يَأخُذُ كِتَابَهُ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ معنى أَخذ كِتَابه بِشمَالِهِ أَنه يَأْخُذ من وَرَاء ظَهره، وَفَسرهُ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأما من أولى كِتَابه وَرَاء ظَهره﴾ (الانشقاق: ١) أَنه نقل

стр. 5858

يَده الْيُمْنَى إِلَى عُنُقه وَتجْعَل يَده الشمَال وَرَاء ظَهره فيؤتي كِتَابه من وَرَاء ظَهره، وَعَن مُجَاهِد أَيْضا، أَنه تخلع يَده من وَرَاء ظَهره. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أذِنَتْ سَمِعَتْ وَأطَاعَتْ لِرَبِّهَا وَألْقَتْ مَا فِيهَا مِنَ المَوْتَى وَتَخَلَّتْ عَنْهُمْ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وأذنت لِرَبِّهَا وحقت وَإِذا الأَرْض مدت وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وتخلت﴾ (الانشقاق: ٢، ٤) وَفسّر قَوْله: أَذِنت بقوله: سَمِعت وأطاعت، وَفسّر قَوْله: (وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا) بقوله: أخرجت مَا فِيهَا من الْمَوْتَى، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: من الْكُنُوز والموتى. قَوْله: (وتخلت) ، أَي: خلت فَلَيْسَ فِي بَطنهَا شَيْء، وَهَذَا كُله للنسفي. وَسَقَ: جَمْعَ مِنْ دَابَّةٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللَّيْل وَمَا وسق﴾ (الانشقاق: ٧١) وَفَسرهُ بقوله: (جمع من دَابَّة) وَقَالَ مُجَاهِد: وَمَا أَوَى فِيهَا من دَابَّة، وَعَن عِكْرِمَة: وَمَا جمع فِيهَا من دَوَاب وعقارب وحيات، وَعَن مقَاتل: وَمَا سَاق من ظلمَة. قَوْله: (وسق) ، من وسقته أسقه وسْقا أَي: جمعته وَمِنْه قيل للطعام الْكثير الْمُجْتَمع: وسق، وَهُوَ سِتُّونَ صَاعا. وَطَعَام موسوق أَي: مَجْمُوع فِي غرارة ومركب موسوق إِذا كَانَ مشحونا بالخلق أَو بالبضائع. ظَنَّ أنْ لَنْ يَحورَ أنْ لَا يَرْجِعَ إلَيْنا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّه ظن أَن لن يحور﴾ (الانشقاق: ٤١) وَفَسرهُ بقوله: (أَن لَا يرجع إِلَيْنَا) وَهُوَ من الْحور وَهُوَ الرُّجُوع، وَيُقَال: حاورت فلَانا أَي: راجعته وَيُطلق على التَّرَدُّد فِي الْأَمر. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: يُوعُونَ يَشْتَرُونَ أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : ﴿وَالله أعلم بِمَا يوعون﴾ (الانشقاق: ٣٢) أَي: يشْتَرونَ، وَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ، وَعَن مُجَاهِد يكتمون، وَعَن قَتَادَة: يَزْعمُونَ فِي صُدُورهمْ، وَهَذَا ثَبت للنسفي وَحده. ١ - (بَابٌ: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسابا يَسِيرا﴾ (الانشقاق: ٨) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَوف يُحَاسب حسابا يَسِيرا﴾ وَهَذِه التَّرْجَمَة لم تثبت إلَاّ لأبي ذَر. ٩٣٩٤ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ حدَّثنا يَحْيَى عَنْ عُثْمَانَ بنِ الأسْوَدِ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ أبِي مُلَيْكَةَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ . وحدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ أيُّوبَ عَنِ ابنِ أبي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النبيِّ ﷺ . وحدَّثنا مَسدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أبِي يُونُسَ حَاتِمِ بنِ أبِي صَغِيرَةَ عَنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ القَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ لَيْسَ أحَدٌ يُحَاسَبُ إلَاّ هَلَكَ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ الله جَعَلَنِي الله فِدَاءَكَ ألَيْسَ يَقُولُ الله : ﴿فَأمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسابا يَسِيرا﴾ (الانشقاق: ٧، ٨) قَالَ ذَاكَ العَرْضُ يُعْرَضُونَ وَمَنْ نُوقِشَ الحِسابَ هَلَكَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأخرج هَذَا الحَدِيث من ثَلَاث طرق: أَحدهَا: عَن عَمْرو بن عَليّ بن بَحر بن كنيز، بالنُّون وَالزَّاي الفلاس عَن يحيى الْقطَّان عَن عُثْمَان بن الْأسود بن مُوسَى الجُمَحِي بِضَم الْجِيم عَن عبد الله بن أبي مليكَة بِضَم الْمِيم عَن عَائِشَة، وَوَقع هُنَا للقابسي: عَن عُثْمَان الْأسود فَجعل الْأسود صفة لعُثْمَان وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ ابْن الْأسود. الثَّانِي: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن عبد الله بن أبي مليكَة عَن عَائِشَة. الثَّالِث: عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن أبي يُونُس حَاتِم بِالْحَاء الْمُهْملَة والثاء الْمُثَنَّاة من فَوق ابْن ي صَغِيرَة. ضد الْكَبِيرَة الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ عَن عبد الله بن أبي مليكَة عَن الْقَاسِم ابْن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الر قاق وَأخرجه مُسلم فِي صفة النَّار عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن أبان وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ

стр. 5859

عَن زِيَاد بن أَيُّوب وَعبد الله بن أبي مليكَة روى هُنَا عَن عَائِشَة بالواسطة وَفِي الطَّرِيقَيْنِ الْأَوَّلين بِلَا وَاسِطَة، وَيحمل هَذَا على أَن ابْن أبي مليكَة حمله عَن الْقَاسِم ثمَّ سَمعه عَن عَائِشَة، وسَمعه أَولا من عَائِشَة ثمَّ استثبت الْقَاسِم، إِذْ فِي رِوَايَته زِيَادَة لَيست عِنْده، وَبِهَذَا يُجَاب عَن اسْتِدْرَاك الدَّارَقُطْنِيّ هَذَا الحَدِيث لهَذَا الِاخْتِلَاف، وَعَما قَالَه الجياني: سقط من نُسْخَة أبي زيد من السَّنَد الأول ذكر ابْن أبي مليكَة وَلَا بُد مِنْهُ، ذكر ذَلِك الْقَابِسِيّ وعبدوس عَن شيخهما أبي زيد وَمِمَّا ذكره أَبُو إِسْحَاق الْمُسْتَمْلِي وَابْن الْهَيْثَم عَن الفريري، فِي السَّنَد الثَّانِي، ابْن أبي مليكَة عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن عَائِشَة وَهُوَ وهم، وَالْمَحْفُوظ فِيهِ أَيُّوب عَن ابْن أبي مليكَة عَن عَائِشَة لَيْسَ فِيهِ الْقَاسِم، وَأَيْضًا فَأن يحيى الْقطَّان وَعبد الله بن الْمُبَارك روياه عَن حَاتِم عَن ابْن أبي مليكَة عَن الْقَاسِم عَن عَائِشَة، وهما زادا فِيهِ وهما حَافِظَانِ ثقتان، وَزِيَادَة الْحَافِظ مَقْبُولَة. فَإِن قلت: روى أَبُو الْقَاسِم هبة الله بن الْحسن مَنْصُور الطَّبَرِيّ فِي (السّنَن) تأليفه بِإِسْنَادِهِ عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة. قَالَت: لَا يُحَاسب رجل يَوْم الْقِيَامَة إلَاّ دخل الْجنَّة. قَالَ الله : ﴿فَأَما من أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ فَسَوف يُحَاسب حسابا يَسِيرا﴾ (الانشقاق: ٧، ٨) يقْرَأ عَلَيْهِ عمله فَإِذا عرفه غفر لَهُ ذَلِك لِأَن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿فَيَوْمئِذٍ لَا يسْأَل عَن ذَنبه إنس وَلَا جَان﴾ (الرَّحْمَن: ٩٣) وَأما الْكَافِر فَقَالَ: ﴿يعرف المجرمون بِسِيمَاهُمْ فَيَأْخُذ بالنواصي والإقدام﴾ (الرَّحْمَن: ١٤) قلت: أُجِيب عَن ذَلِك بِأَن هَذَا وَإِن كَانَ إِسْنَاده صَحِيحا فَلَا يُقَاوم مَا فِي (صَحِيح البُخَارِيّ) ، وَمن شَرط الْمُعَارضَة التَّسَاوِي فِي الصِّحَّة وَلَئِن سلمنَا ذَلِك فَإِن عَائِشَة قد خالفها غَيرهَا فِي ذَلِك للآيات وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِك. فَإِن قلت: إِن الْحساب يُرَاد بِهِ الثَّوَاب وَالْجَزَاء، وَلَا ثَوَاب للْكَافِرِ فيجازى عَلَيْهِ بِحِسَابِهِ، وَلِأَن المحاسب لَهُ هُوَ الله تَعَالَى، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة﴾ (الْبَقَرَة: ٤٧١) قلت: أجَاب عَن ذَلِك مُحَمَّد بن جرير بِأَن معنى لَا يكلمهم الله. أَي: بِكَلَام يحبونه، وإلَاّ فقد قَالَ : ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تكَلمُون﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٨٠١) قَوْله: (ذَاك الْعرض) ، هُوَ الإبداء والإبراز وَقيل: هُوَ أَن يعرف ذنُوبه لم يتَجَاوَز عَنهُ، وَحَقِيقَة الْعرض إدارك الشَّيْء بالحواس ليعلم غَايَته وحاله. قَوْله: (وَمن نُوقِشَ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من المناقشة وَهِي الِاسْتِقْصَاء فِي الْأَمر. قَوْله: (الْحساب) مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض. ٢ - (بَابُ: ﴿لتَرْكَبُنَّ طَبَقا عَنْ طَبَقٍ﴾ (الانشقاق: ٩١) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لتركبن طبقًا عَن طبق﴾ وَلم تثبت هَذِه التَّرْجَمَة إلَاّ لأبي ذَر قَوْله: (لتركبن طبقًا عَن طبق) قَرَأَ ابْن كثير وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ بِفَتْح التَّاء وَالْبَاء وَهُوَ خطاب للنَّبِي ﷺ وَمَعْنَاهُ الْآخِرَة بعد الأولى وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ فِي حَدِيث الْبَاب، وَقَرَأَ نَافِع وَأَبُو عَمْرو وَعَاصِم وَابْن عَبَّاس بِفَتْح التَّاء وَضم الْبَاء وَهُوَ خطاب لجَمِيع النَّاس، وَمَعْنَاهُ: حَالا بعد حَال، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء، وَقَرَأَ أَبُو المتَوَكل بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَرفع الْبَاء. ٠٤٩٤ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ النَّضْرِ أخْبَرَنَا هُشَيْمٌ أخْبَرَنَا أبُو بِشْرٍ جَعْفَرُ بنُ إيَاسٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقا عَنْ طَبَقٍ﴾ حَالا بَعْدَ حَالٍ قَالَ هاذا نَبِيُّكُمْ ﷺ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَسَعِيد بن النَّضر بِسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة الْبَغْدَادِيّ مر فِي أول التَّيَمُّم، وهشيم بِضَم الْهَاء ابْن بشر، وَأَبُو بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة. والحدي من أَفْرَاده. قَوْله: (حَالا بعد حَال) ، أَي: حَال مُطَابقَة للشَّيْء قبلهَا فِي الشدَّة، وَقيل: الطَّبَق جمع طبقَة وَهِي الْمرتبَة أَي: هِيَ طَبَقَات بَعْضهَا أَشد من بعض، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: اخْتلف فِي معنى الْآيَة. فَقَالَ أَكْثَرهم حَالا بعد حَال، وأمرا بعد أَمر، وَهُوَ مَوَاقِف الْقِيَامَة وَعَن الْكَلْبِيّ: مرّة يعْرفُونَ وَمرَّة يجهلون، وَعَن مقَاتل يَعْنِي الْمَوْت ثمَّ الْحَيَاة ثمَّ الْمَوْت ثمَّ الْحَيَاة. وَعَن عَطاء: مرّة فقر أَو مرّة غناء، وَعَن ابْن عَبَّاس: الشدائد والأهوال، الْمَوْت ثمَّ الْبَعْث ثمَّ الْعرض؟ وَالْعرب تَقول لمن وَقع فِي أَمر شَدِيد: وَقع فِي ثبات طبق وَفِي إِحْدَى ثبات طبق، وَعَن أبي عُبَيْدَة سنَن من كَانَ قبلهم وأحوالهم، وَعَن عِكْرِمَة: حَالا بعد حَال رَضِيع ثمَّ فطيم ثمَّ غُلَام ثمَّ شَاب ثمَّ شيخ. وَقلت الْحُكَمَاء يَشْمَل الْإِنْسَان كَونه نُطْفَة إِلَى أَن يَمُوت على سَبْعَة وَثَلَاثِينَ حَالا وَسَبْعَة وَثَلَاثِينَ اسْما، نُطْفَة ثمَّ علقَة ثمَّ مُضْغَة ثمَّ عظاما ثمَّ خلقا آخر ثمَّ جَنِينا

стр. 5860

ثمَّ وليدا ثمَّ رضيعا ثمَّ فطيما ثمَّ يافعا ثمَّ نَاسِيا ثمَّ مترعرعا ثمَّ حزورا ثمَّ مراهقا ثمَّ محتلما ثمَّ بَالغا ثمَّ أَمْرَد ثمَّ طارا ثمَّ باقلاً ثمَّ مستطرا ثمَّ مطرخما ثمَّ مخلطا ثمَّ صملاً ثمَّ ملتحيا ثمَّ مستويا ثمَّ مصعدا ثمَّ مجتمعا. والشاب يجمع ذَلِك كُله. ثمَّ ملهوزا ثمَّ كهلاً ثمَّ أشمط ثمَّ أشيخا ثمَّ شَبَّبَ ثمَّ حوقلاً ثمَّ صفتاتا ثمَّ هما ثمَّ هرما ثمَّ مَيتا. فَهَذَا معنى قَوْله: (لتركبن طبقًا عَن طبق) والطبق فِي اللُّغَة الْحَال قَالَه الثَّعْلَبِيّ. قلت: ثمَّ يافعا بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف، من أَيفع الْغُلَام أَي: ارْتَفع فَهُوَ يافع، وَالْقِيَاس موفع وَهُوَ من النَّوَادِر، كَذَا قَالَه أهل الْعَرَبيَّة. وَقيل: جَاءَ يفع الْغُلَام فعلى هَذَا يافع على الأَصْل، وَذكر فِي كتاب (خلق الْإِنْسَان) وَقَالَ بَعضهم: اليافع والحزور والمترعرع وَاحِد، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الحزور الْغُلَام إِذا اشْتَدَّ وَقَوي وحزم، وَكَأَنَّهُ أَخذه من الْحَزْوَرَة وَهِي كل صَغِير، والمترعرع. قَالَ الْجَوْهَرِي: ترعرع الصَّبِي أَي: تحرّك وَنَشَأ، والطارّ بتَشْديد الرَّاء من طر شَارِب الْغُلَام إِذا نبت والمطرخم بتَشْديد الْمِيم الَّتِي فِي آخِره من اطرخمَّ أَي: شمخ بِأَنْفِهِ وتعظم، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: شَاب مطرخم أَي: حسن تَامّ، والمخلط بِكَسْر الْمِيم الرجل الَّذِي يخالط الْأُمُور، والصمل بِضَم الصَّاد وَالْمِيم وَتَشْديد اللَّام أَي: شَدِيد الْخلق، والملهوز، بالزاي فِي آخِره من لهزت الْقَوْم أَي: خالطتهم، وَالْوَاو فِيهِ زَائِدَة، والحوقل من حوقل الشَّيْخ حوقلة وحقيالاً إِذا كبر وفتر عَن الْجِمَاع، والصفتات، بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْفَاء وبتاءين مثناتين بَينهمَا ألف: الرجل الْقوي وَكَذَلِكَ الصفتيت، وَفِي الْأَحْوَال الْمَذْكُورَة أسامي لم تذكر، وَهِي شرخ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة بعد أَن يُقَال غُلَام ثمَّ بعد ذَلِك يُسمى جفرا بِالْجِيم والجحوش بِالْجِيم الْمَفْتُوحَة بعْدهَا الْحَاء الْمُهْملَة المضمومة وَفِي آخِره شين مُعْجمَة بعد أَن يُقَال فطيم، وناشىء يُقَال بعد كَونه شَابًّا ومحمم إِذا اسود شعر وَجهه وَأخذ بعضه بَعْضًا، وصتم إِذا بلغ أقْصَى الكهولة، وعانس إِذا قعد بعد بُلُوغ النِّكَاح أعواما لَا ينْكح، وشميط وأشمط يُقَال لَهُ بعد مَا شَاب، ومسن ونهشل يُقَال إِذا ارْتَفع عَن الشيخوخة وَإِذا ارْتَفع عَن ذَلِك، يُقَال: فخم وَإِذا تضعضع لَحْمه يُقَال: متلحم، وَإِذا قَارب الخطو وَضعف يُقَال لَهُ دالف، وَإِذا ضمر وانحنى يُقَال لَهُ عشمة وعشبة، وَإِذا بلغ أقْصَى ذَلِك، يُقَال لَهُ: هرم وهم وَإِذا أَكثر الْكَلَام وَاخْتَلَطَ يُقَال لَهُ: مهتر، وَإِذا ذهب عقله يُقَال لَهُ خرف. وَقَالَ بَعضهم: مَا دَامَ الْوَلَد فِي بطن أمه فَهُوَ جَنِين، فَإِذا وَلدته يُسمى صَبيا مَا دَامَ رضيعا فَإِذا فطم يُسمى غُلَاما إِلَى سبع سِنِين ثمَّ يصير يافعا إِلَى عشر حجج ثمَّ يصير حزورا إِلَى خمس عشرَة سنة ثمَّ يصير قمدا إِلَى خمس وَعشْرين سنة ثمَّ يصير عنطنا إِلَى ثَلَاثِينَ سنة ثمَّ يصير صملاً إِلَى أَرْبَعِينَ سنة ثمَّ يصير كهلاً إِلَى خمسين سنة ثمَّ يصير شَيخا إِلَى ثَمَانِينَ سنة ثمَّ يصير هما بعد ذَلِك فانيا كَبِيرا. قَوْله: (هَذَا نَبِيكُم ﷺ أَي: الْخطاب فِي التركين للنَّبِي ﷺ وَهُوَ على قِرَاءَة فتح الْبَاء الْمُوَحدَة فَافْهَم. ٥٨ - (سُورَةُ ﴿البُرُوجِ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة البروج، وَفِي بعض النّسخ: البروج، بِدُونِ لفظ سُورَة، وَهِي مَكِّيَّة وَهِي أَرْبَعمِائَة وَثَمَانِية وَخَمْسُونَ حرفا وَمِائَة وتسع كَلِمَات وَاثْنَانِ وَعِشْرُونَ آيَة، والبروج الاثنا عشر وَهِي قُصُور السَّمَاء على التَّشْبِيه، وَقيل: البروج النُّجُوم الَّتِي هِيَ منَازِل الْقَمَر، وَقيل: عِظَام الْكَوَاكِب، وَقيل: أَبْوَاب السَّمَاء. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الأخْدُودُ شَقٌّ فِي الأرْضِ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى؛ ﴿قتل أَصْحَاب الْأُخْدُود﴾ (البروج: ٤) قَالَ الْأُخْدُود: شقّ فِي الأَرْض أخرجه عبد بن حميد عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد. فَتَنُوا: عَذَّبُوا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين فتنُوا الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ (البروج: ١) وَفَسرهُ بقوله: عذبُوا. والفتنة جَاءَت لمعانٍ مِنْهَا: الْعَذَاب كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم هم على النَّار يفتنون﴾ (الذاريات: ٣١) أَي: يُعَذبُونَ. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الوَدُودِ الحَبِيبُ المَجِيدُ الكَرِيمُ﴾ (البروج: ٤١) أَي قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله

стр. 5861

تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الغفور الْوَدُود﴾ وَأخرج الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: تَعَالَى: ﴿الغفور الْوَدُود الحبيب﴾ (البروج: ٤١) وَهَذَا ثَبت للنسفي وَحده. ٦٨ - (سُورَةُ: ﴿الطَّارِقِ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الطارق، وَفِي بعض النّسخ الطارق، بِلَا لفظ سُورَة، وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي مِائَتَان وَإِحْدَى وَسَبْعُونَ حرفا، وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ كلمة، وَسبع عشرَة آيَة نزلت فِي أبي طَالب، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَتَى النَّبِي ﷺ فاتحفه بِلَبن وخبز، فَبَيْنَمَا هُوَ جَالس يَأْكُل إِذا انحط نجم فَامْتَلَأَ مَاء ثمَّ نَارا، فَفَزعَ أَبُو طَالب، وَقَالَ: أَي شَيْء هَذَا؟ فَقَالَ النَّبِي ﷺ هَذَا نجم رمي بِهِ وَهُوَ آيَة من آيَات الله تَعَالَى، فتعجب أَبُو طَالب، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاء والطارق﴾ (الطارق: ١) يَعْنِي: النَّجْم يظْهر لَيْلًا وَيخْفى نَهَارا، وكل مَا جَاءَ لَيْلًا فقد طرق. هُوَ النَّجْمُ: وَمَا أتَاكَ لَيْلاً فَهُوَ طَارِقٌ أَي: الطارق هُوَ النَّجْم قَوْله: (وَمَا أَتَاك) ، أَي الَّذِي أَتَاك فِي اللَّيْل يُسمى طَارِقًا من الطّرق، وَهُوَ الدق، وَسمي بِهِ لِحَاجَتِهِ إِلَى دق الْبَاب، هَذَا للنسفي. ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ (الطارق: ٣) المُضِيءُ هَذَا أَيْضا للنسفي. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الثَّاقِبُ الَّذِي يَتَوَهَّجُ ثَبت هَذَا لأبي نعيم عَن الْجِرْجَانِيّ عَن السّديّ: الَّذِي يرْمى بِهِ، وَقيل: الثاقب الثريا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ سَحَابٌ يَرْجِعُ بِالمَطَرِ ﴿ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ الأرْضُ تَتَصَدَّعُ بِالنباتِ. أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاء ذَات الرجع وَالْأَرْض ذَات الصدع﴾ (الطارق: ١١، ٢١) وَتَفْسِيره ظَاهر، وَيُقَال: يرجع بالغيث، وأرزاق الْعباد كل عَام، وَلَوْلَا ذَلِك لهلكوا وَهَلَكت مَوَاشِيهمْ، وَعَن ابْن عَبَّاس: ﴿وَالسَّمَاء ذَات الرجع﴾ (الطارق: ١١) ذَات الْمَطَر ﴿وَالْأَرْض ذَات الصدع﴾ (الطارق: ٢١) النَّبَات وَالْأَشْجَار وَالثِّمَار والأنهار. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَقَوْل فَصْلٌ لَحق هَذَا للنسفي وَحده، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: حق وجد وجزل يفصل بَين الْحق وَالْبَاطِل. ﴿لَمَّا عَلَيْها حَافِظٌ﴾ (الطارق: ٤) إلَاّ عَلَيْهَا حَافِظٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن كل نفس لما عَلَيْهَا حَافظ﴾ وَفَسرهُ بقوله: (إلَاّ عَلَيْهَا حَافظ) ، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق يزِيد النَّحْوِيّ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس وَإِسْنَاده صَحِيح. لَكِن أنكرهُ أَبُو عُبَيْدَة. قَالَ: لم نسْمع لقَوْل: لما بِمَعْنى: إلَاّ شَاهدا فِي كَلَام الْعَرَب وَقَالَ النَّسَفِيّ فِي (تَفْسِيره) قَرَأَ ابْن عَامر وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ: لما بتَشْديد الْمِيم على أَن تكون نَافِيَة. وَتَكون: لما بِمَعْنى إلاّ وَهِي لُغَة هُذَيْل يَقُولُونَ: نشدتك الله لما قُمْت يعنون إلاّ قُمْت، وَالْمعْنَى: مَا نفس (إلَاّ عَلَيْهَا حَافظ) من رَبهَا، وَالْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ جعلُوا: مَا صلَة وَأَن مُخَفّفَة من المثقلة أَي: إِن كل نفس لعليها حَافظ من رَبهَا يحفظ عَلَيْهَا ويحصي عَلَيْهَا مَا تكسبه من خير أَو شَرّ. قلت: فِي كَلَامه رد على إِنْكَار أبي عُبَيْدَة فِي مَجِيء شَاهد: للما بِمَعْنى: إلَاّ. ٧٨ - (سُورَةُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ (الْأَعْلَى: ١) وَيُقَال لَهَا سُورَة الْأَعْلَى، وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي مِائَتَان وَأَرْبَعَة وَثَمَانُونَ حرفا، وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ كلمة، وتسع عشرَة آيَة. وَعَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ قَرَأَ: ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ فَقَالَ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى. وَكَذَلِكَ يرْوى عَن عَليّ وَأبي مُوسَى وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير، ﵃، أَنهم كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك، وَأخرج سعيد بن مَنْصُور بِإِسْنَاد صَحِيح عَن سعيد بن جُبَير: سَمِعت ابْن عمر يقْرَأ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى الَّذِي خلق فسوى. وَهِي قِرَاءَة أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَقَالَ مُجاهِدٌ: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ (الْأَعْلَى: ٣) قَدَّرَ للإنْسَانِ الشقاءَ والسَّعادَةَ وَهَدَى الأنْعَامَ لِمَرَاتِعها هَذَا للنسفي، وَالْمعْنَى ظَاهر. ١ - (بَابَ: ﴿وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: ﴿غُناءَ أحْوَى﴾ (الْأَعْلَى: ٥) غَشِيما مُتَغَيِّرا﴾ ) هَذَا أَيْضا للنسفي، وَيُقَال: أَي بِالْيَاءِ أحوى: أَي اسود إِذا هاج وعنق.

стр. 5862

١٤٩٤ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخْبَرَنِي أبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أبِي إسْحَاقَ عَنِ البَرَاءِ ﵁ قَالَ أوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أصْحَابِ النبيِّ ﷺ مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ وَابنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَجَعَلا يُقْرِئانِنا القُرْآنَ ثُمَّ جَاءَ عَمَّارٌ وَبِلالٌ وَسَعْدٌ ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ ثُمَّ جَاءَ النبيُّ ﷺ فَمَا رأيْتُ أهْلَ المَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الوَلائِدَ وَالصُّبْيَانَ يَقُولُونَ هَذَا رَسُولُ الله قَدْ جَاءَ فَمَا جَاءَ حَتَّى قَرَأْتُ: ﴿سَبِّحِ اسْمِ رَبِّكَ الأعْلَى﴾ (الْأَعْلَى: ١) فِي سُوَرٍ مِثْلِها. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان يروي عَن أَبِيه عُثْمَان بن جبلة الْمروزِي عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي عَن الْبَراء بن عَازِب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث مضى فِي هِجْرَة النَّبِي ﷺ فِي بَاب مقدم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (ابْن أم مَكْتُوم) هُوَ عَمْرو بن قيس الْقرشِي العامري، وَاسم أم مَكْتُوم عَاتِكَة، وَسعد هُوَ ابْن أبي وَقاص أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ. قَوْله: (فِي عشْرين) ، أَي: فِي جملَة عشْرين صحابيا. قَوْله: (الولائد) ، جمع وليدة وَهِي الصبية وَالْأمة. قَوْله: (يَقُولُونَ، هَذَا رَسُول الله) ، لَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر بعده ﷺ لِأَن الصَّلَاة عَلَيْهِ إِنَّمَا شرعت فِي السّنة الْخَامِسَة، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا﴾ (الْأَحْزَاب: ٦٥) وَهَذِه الْآيَة فِي الْأَحْزَاب ونزولها فِي السّنة الْخَامِسَة على الصَّحِيح، وَقَالَ بَعضهم: لَا مَانع أَن تتقدم الْآيَة الْمَذْكُورَة على مُعظم السُّورَة. قلت: الْمَانِع مَوْجُود لعدم الْعلم بتقدم الْآيَة الْمَذْكُورَة على مُعظم السُّورَة، وَأَيْضًا من أَيْن علمُوا أَن الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ لَا بُد مِنْهَا على أَي وَجه كَانَت وقتئذ، وَأَيْضًا من قَالَ إِن لفظ ﷺ من صلب الرِّوَايَة من لفظ الصَّحَابِيّ، وَيحْتَمل أَن يكون صدر ذَلِك مِمَّن دونه، وَقَالَ بَعضهم: وَقد صَرَّحُوا بِأَنَّهُ ينْدب أَن يُصَلِّي على النَّبِي ﷺ . قلت: مَذْهَب الإِمَام أبي جَعْفَر الطَّحَاوِيّ أَنه تجب الصَّلَاة عَلَيْهِ كلما ذكر اسْمه. قَوْله: (فِي سُورَة مثلهَا) ، أَي: قَرَأت ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ مَعَ سور أُخْرَى مثلهَا، وَقد مر فِي رِوَايَة الْهِجْرَة فِي سور من الْمفصل. ٨٨ - (سُورَةُ: ﴿هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة ﴿هَل أَتَاك﴾ (الغاشية: ١) وَفِي بعض النّسخ: ﴿هَل أَتَاك﴾ فَقَط. وَفِي بَعْضهَا: سُورَة ﴿هَل أَتَاك حَدِيث الغاشية﴾ وَفِي بَعْضهَا: سُورَة الغاشية، وَهِي مَكِّيَّة بِالْإِجْمَاع، وَهِي ثَلَاثمِائَة وَاحِد وَثَلَاثُونَ حرفا. وَاثْنَتَانِ وَتسْعُونَ كلمة. وست وَعِشْرُونَ آيَة. والغاشية اسْم من أَسمَاء يَوْم الْقِيَامَة. يَعْنِي: تغشي كل شَيْء بالأهوال قَالَه أَكثر الْمُفَسّرين، وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب الغاشية النَّار، دَلِيله قَوْله تَعَالَى: ﴿وتغشى وُجُوههم النَّار﴾ (إِبْرَاهِيم: ٥) . (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر وَحده. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ (الغاشية: ٢، ٣) النَّصَارَى أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ خاشعة عاملة ناصبة﴾ وَفسّر عاملة وناصبة بالنصارى، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) لم أر من ذكره عَن ابْن عَبَّاس. قلت: عدم رُؤْيَته إِيَّاه لَا يسْتَلْزم عدمهَا مُطلقًا وَقد روى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق شبيب ابْن بشر عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، وَزَاد الْيَهُود. قَوْله: (يَوْمئِذٍ) ، يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة خاشعة: ذليلة، وَقيل: خاشعة فِي النَّار. قَوْله: (عاملة) ، يَعْنِي: فِي النَّار. و (ناصبة) فِيهَا وَعَن الْحسن وَسَعِيد بن جُبَير لم تعْمل لله فِي الدُّنْيَا فاعملها وانصبها فِي النَّار بمعالجة السلَاسِل والأغلال، وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، وَعَن قَتَادَة: تكبرت فِي الدُّنْيَا عَن طَاعَة الله تَعَالَى فاعملها وانصبها فِي النَّار، وَعَن الضَّحَّاك يكلفون ارتقاء جبل من حَدِيد فِي النَّار، وَالنّصب الدأب فِي الْعَمَل، وَعَن عِكْرِمَة: عاملة فِي الدُّنْيَا بِالْمَعَاصِي ناصبة فِي النَّار يَوْم الْقِيَامَة، وَعَن سعيد بن جُبَير وَزيد بن أسلم: هم الرهبان وَأَصْحَاب الصوامع، وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس وَقَالَ مُجَاهِد: عين آنِية بلغ إتاها وحان شربهَا. حميم آنٍ بلغ إناه أَي وَقَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿تسقى من عين آنِية) بقوله بلغ إناها بِكَسْر الْهمزَة، أَي وَقتهَا. يُقَال أَنى بِأَنِّي أنيا،

стр. 5863

أَي: حَان. قَالَ الْجَوْهَرِي: أَنِّي الْحَمِيم أَي: انْتهى حره، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿حميم آن﴾ (الرَّحْمَن: ٤٤) قَوْله: وحان أدْرك شربهَا، وَرَوَاهُ عبد بن حميد عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: مَا ظَنك بِقوم قَامُوا لله على أَقْدَامهم مِقْدَار خمسين ألف سنة لم يَأْكُلُوا فِيهَا أَكلَة وَلم يشْربُوا فِيهَا شربة، حَتَّى إِذا انْقَطَعت أَعْنَاقهم عطشا فاحترقت أَجْوَافهم جوعا انْصَرف بهم إِلَى النَّار فسقوا من عين آنِية قد أَتَى حرهَا وَاشْتَدَّ نضجها، وَعَن قَتَادَة أَي: طبخها مُنْذُ خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَقَالَ مقَاتل: عين آنِية تخرج من أصل جبل طولهَا مسيرَة سبعين عَاما أسود كدردي الزَّيْت كدر غليظ كثير الدعاميص يسْقِيه إِيَّاه الْملك فِي إِنَاء من حَدِيد من نَار إِذا جعله على فِيهِ أحرق شدقيه وتناثرت أنيابه وأضراسه، فَإِذا بلغ صَدره نضج قلبه، فَإِذا بلغ بَطْنه ذاب كَمَا يذوب الرصاص. قلت: الدعاميص جمع دعموص، وَهِي دويبة تكون فِي مستنقع المَاء، وَهُوَ بِالدَّال وَالْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ. ﴿لَا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ (الغاشية: ١١) شَتْما أَي: لَا تسمعه فِي الْجنَّة لاغية، وَفَسرهُ بقوله: (شتما) وَقيل: كلمة لَغْو، واللاغية مصدر كالعافية، وَالْمعْنَى: لَا تسمع فِيهَا كذبا وبهتانا وَكفرا. وَقيل: بَاطِلا. وَقيل: مَعْصِيّة. وَقيل: حَالفا بِيَمِين برة وَلَا فاجرة، وَقيل: لَا تسمع فِي كَلَامهم كلمة تلغى لِأَن أهل الْجنَّة لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا بالحكمة، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو: تسمع، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، ولاغية بِالرَّفْع، وَنَافِع كَذَلِك إلَاّ أَنه قَرَأَ بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَالْبَاقُونَ بِفَتْح التَّاء ولاغية بِالنّصب. وَيُقالُ: الضَّرِيعُ نَبْتٌ يُقالُ لَهُ الشِّبْرِقُ يُسَمِّيهِ أهْلُ الحجازِ الضَّرِيعُ إذَا يَبِسَ وَهُوَ سَمٌّ. الْقَائِل هُوَ الْفراء. قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَهُم طَعَام إِلَّا من ضَرِيع لَا يسمن وَلَا يغنى من جوع﴾ (الغاشية: ٦، ٧) قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لما نزلت هَذِه الْآيَة. قَالَ الْمُشْركُونَ: إِن إبلنا لتسمن على الضريع فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿لَا يسمن وَلَا يغنى من جوع﴾ (الغاشية: ٧) وكذبوا فَإِن الْإِبِل إِنَّمَا ترعاه إِذا كَانَ رطبا. فَإِذا يبس فَلَا تَأْكُله، ورطبه يُسمى شبرقا بِالْكَسْرِ لَا ضريعا فَإِن قلت: كَيفَ قيل: ﴿لَيْسَ لَهُم طَعَام إِلَّا من ضَرِيع﴾ (الغاشية: ٦) وَفِي الحاقة: ﴿وَلَا طَعَام إلَاّ من غسلين﴾ (الحاقة: ٦٣) قلت: الْعَذَاب ألوان والمعذبون طَبَقَات فَمنهمْ: أَكلَة الزقوم، وَمِنْهُم أَكلَة الغسلين، وَمِنْهُم: أَكلَة الضريع. وَأخرج الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الضريع شجر من نَار، وَقَالَ الْخَلِيل هُوَ نبت أَخْضَر منتن الرّيح يرْمى بِهِ فِي الْبَحْر. بِمُسَيْطِرٍ: بِمُسَلِطٍ وَيُقْرَأُ بِالصَّادِ وَالسِّينِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لست عَلَيْهِم بمسيطر﴾ (الغاشية: ٢٢) وَفسّر: المسيطر بالمسلط. قَوْله: (وَيقْرَأ بالصَّاد وَالسِّين) ، قَرَأَ عَاصِم: بمسيطر بِالسِّين، وَحَمْزَة بِخِلَاف عَن خَلاد بَين الصَّاد وَالزَّاي، وَالْبَاقُونَ بالصَّاد الْخَالِصَة بمصيطر. إيَابَهُمْ مَرْجِعَهُمْ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن إِلَيْنَا إيابهم﴾ (الغاشية: ٥٢) أَي: مرجعهم، وَرَوَاهُ ابْن الْمُنْذر من طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس. ٩٨ - (سُورَةُ: ﴿وَالفَجْرِ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة الْفجْر وَهِي مَكِّيَّة. وَقيل: مَدَنِيَّة حَكَاهُ ابْن النَّقِيب عَن ابْن أبي طَلْحَة، وَهِي خَمْسمِائَة وَسَبْعَة وَسَبْعُونَ حرفا، وَمِائَة وتسع وَثَلَاثُونَ كلمة وَثَلَاثُونَ آيَة. الْفجْر قَالَ ابْن عَبَّاس: يَعْنِي النَّهَار كُله، وَعنهُ: صَلَاة الْفجْر، وَعنهُ فجر الْمحرم، وَعَن قَتَادَة: أول يَوْم من الْمحرم وَفِيه تنفجر السّنة، وَعَن الضَّحَّاك فجر ذِي الْحجَّة، وَعَن مقَاتل: غَدَاة جمع كل سنة، وَعَن الْقُرْطُبِيّ: انفجار الصُّبْح من كل يَوْم إِلَى انْقِضَاء الدُّنْيَا. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: الْفجْر الصخور والعيون تنفجر بالمياه، وَالله أعلم. وَقَالَ مُجاهِدٌ: الوِتْرُ الله أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالشفع وَالْوتر﴾ (الْفجْر: ٣) الْوتر: هُوَ الله ، رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد عَن عبيد الله بن مُوسَى عَن إِسْرَائِيل عَن أبي يحيى عَن مُجَاهِد بِلَفْظ: الشفع الزَّوْج، وَالْوتر هُوَ الله ، وَعند عبد بن حميد عَن ابْن عَبَّاس: الشفع يَوْم النَّحْر وَالْوتر يَوْم عَرَفَة، وَعَن قَتَادَة: من الصَّلَاة شفع وَمِنْهَا وتر، وَقَالَ الْحسن: من الْعدَد شفع وَمِنْه وتر، ويروى: الشفع آدم وحواء

стр. 5864

عَلَيْهِمَا السَّلَام، وَالْوتر هُوَ الله تَعَالَى، وَقِرَاءَة الْمَدِينَة وَمَكَّة وَالْبَصْرَة وَبَعض الْكُوفِيّين بِفَتْح الْوَاو هِيَ لُغَة أهل الْحجاز، وَعَامة قراء الْكُوفَة بِكَسْرِهَا. ﴿إرَمَ ذَاتِ العِمادِ﴾ (الْفجْر: ٧) القَدِيمَةِ وَالعِمَادُ أهْلُ عَمُودٍ لَا يُقِيمُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك بعاد إرم ذَات الْعِمَاد﴾ (الْفجْر: ٦، ٧) قَوْله: (إرم) ، عطف بَيَان لعاد، وَكَانَت عَاد قبيلتين عَاد الأولى وَعَاد الْأَخِيرَة، وأشير إِلَى عَاد الأولى بقوله الْقَدِيمَة، وَقيل: لعقب عَاد بن عوص بن إرم بن سَام بن نوح، ﵊ عا، كَمَا يُقَال لبني هَاشم، وارم تَسْمِيَة لَهُم باسم جدهم وهم عَاد الأولى، وَقيل: لمن بعدهمْ، عَاد الْأَخِيرَة، وإرم غير منصرف، قَبيلَة كَانَت أَو أَرضًا للتعريف والتأنيث، وَاخْتلف فِي إرم ذَات الْعِمَاد فَقيل: دمشق. قَالَه سعيد بن الْمسيب، وَعَن الْقُرْطُبِيّ: هِيَ الاسكندرية، وَعَن مُجَاهِد: هِيَ أمة وَمَعْنَاهَا الْقَدِيمَة، وَعَن قَتَادَة: هِيَ قَبيلَة من عَاد، وَعَن ابْن إِسْحَاق: هِيَ جد عَاد، وَالصَّوَاب أَنَّهَا اسْم قَبيلَة أَو بَلْدَة. قَوْله: (ذَات الْعِمَاد) ، ذَات الطول والشدة وَالْقُوَّة، وَعَن الْمِقْدَام عَن النَّبِي ﷺ أَنه ذكر إرم ذَات الْعِمَاد فَقَالَ: كَانَ الرجل مِنْهُم يَأْتِي الصَّخْرَة فيحملها على الْحَيّ فيهلكهم، وَعَن الْكَلْبِيّ: كَانَ طول الرجل مِنْهُم أَرْبَعمِائَة ذِرَاع. وَعَن مقَاتل: طول أحدهم إثنا عشر ذِرَاعا فِي السَّمَاء مثل أعظم أسطوانة، وَفِي (تَفْسِير ابْن عَبَّاس) طول أحدهم مائَة ذِرَاعا وأقصرهم اثْنَا عشر ذِرَاعا. قَوْله: (والعماد) ، مُبْتَدأ أَو و (أهل عَمُود) خَبره. أَي: أهل خيام لَا يُقِيمُونَ فِي بَلْدَة وَحَاصِل الْمَعْنى أَنه قيل لَهُم ذَات الْعِمَاد لأَنهم كَانُوا أهل عَمُود لَا يُقِيمُونَ. وَكَانُوا سيارة ينتجعون الْغَيْث وينتقلون إِلَى الكلاء حَيْثُ كَانَ ثمَّ يرجعُونَ إِلَى مَنَازِلهمْ فَلَا يُقِيمُونَ فِي مَوضِع، وَكَانُوا أهل جنان وزروع ومنازلهم كَانَت بوادي الْقرى، وَقيل: سموا ذَات الْعِمَاد لبِنَاء بناه شَدَّاد بن عَاد وحكايته مَشْهُورَة فِي التفاسير. سَوْطَ عَذَابٍ: الَّذِي عُذِّبُوا بِهِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فصب عَلَيْهِم رَبك سَوط عَذَاب﴾ (الْفجْر: ٣١) وَفسّر: (سَوط عَذَاب) بقوله: (الَّذِي عذبُوا بِهِ) فَقيل: هُوَ كلمة تَقُولهَا الْعَرَب لكل نوع من الْعَذَاب يدْخل فِيهِ السَّوْط، وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق قَتَادَة: كل شَيْء عذب بِهِ سَوط عَذَاب. أكْلاً لَمَّا: السَّفُّ. وَجَمّا: الكَثِيرُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وتأكلوا التراث أكلا لمّا وتحبون المَال حبا جما﴾ (الْفجْر: ٩١، ٠٢) قَوْله: (التراث) ، أَي: تراث الْيَتَامَى أَي: ميراثهم. قَوْله: (لمّا) ، فسره بقوله: (السف) من سففت الْأكل أسفه سفّا. وَيُقَال أَيْضا سففت الدَّوَاء أسفة، وأسففت غَيْرِي وَهُوَ السفوف بِالْفَتْح. وسففت المَاء إِذا أكثرت من شربه من غير أَن تروى. وَقَالَ الْحسن: يَأْكُل نصِيبه وَنصِيب غَيره، وَقَالَ النَّسَفِيّ: أكلا لمّا: ذَا لم وَهُوَ الْجمع بَين الْحَلَال وَالْحرَام، وَعَن بكر بن عبد الله اللم الاعتداء فِي الْمِيرَاث يَأْكُل كل شَيْء يجده وَلَا يسْأَل عَنهُ أحلال أم حرَام، وَيَأْكُل الَّذِي لَهُ وَلغيره، وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا لَا يورثون النِّسَاء وَلَا الصّبيان، وَقيل: يَأْكُلُون مَا جمعه الْمَيِّت من الْمظْلمَة وَهُوَ عَالم بذلك فيلم فِي الْأكل من حَلَاله وَحَرَامه، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يُقَال: لممت مَا على الخوان إِذا أتيت مَا عَلَيْهِ وأكلته كُله أجمع. قَوْله: (وجما الْكثير) ، أَي: معنى قَوْله: (حبا جما) ، أَي: كثيرا شَدِيدا مَعَ الْحِرْص، والشره عَلَيْهِ وَمنع الْحُقُوق يُقَال: جم المَاء فِي الْحَوْض إِذا كثر وَاجْتمعَ. وَقَالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ فَهُوَ شَفْعٌ السماءُ شَفْعٌ وَالوِتْرُ الله ﵎ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالشَّفْع وَالْوتر﴾ (الْفجْر: ٣) وَالْبَاقِي ظَاهر فَإِن قلت السَّمَاء وتر لِأَنَّهُ سبع قلت مَعْنَاهُ السَّمَاء شفع الأَرْض كالحار والبارد وَالذكر وَالْأُنْثَى. وَقَالَ غَيْرُهُ سَوْطَ عَذَابٍ كَلِمَةٌ تَقُولُها العَرَبُ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ العَذَابِ يَدْخُلُ فِيهِ السَّوْطُ. أَي: قَالَ غير مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فصب عَلَيْهِم رَبك سَوط عَذَاب﴾ وَقد مر الْكَلَام فِيهِ الْآن، وَلَو ذكر هَذَا عِنْد قَوْله: ﴿سَوط عَذَاب﴾ الَّذِي عذبُوا بِهِ لَكَانَ أولى وأرتب. لَبِالْمِرْصَادِ إلَيْهِ المَصِيرُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن رَبك لبالمرصاد﴾ (الْفجْر: ٤١) وَفَسرهُ بقوله: إِلَيْهِ الْمصير، وَكَذَا فسره الْفراء، والمرصاد على وزن مفعال،

стр. 5865

وَقَالَ بَعضهم: مفعال من مرصد وَهُوَ مَكَان الرصد. قلت: هَذَا كَلَام من لَيْسَ لَهُ يَد فِي علم التصريف، بل المرصاد هُوَ المرصد وَلَكِن فِيهِ من الْمُبَالغَة مَا لَيْسَ فِي المرصد، وَهُوَ مفعال من رضده كميقات من وقته، وَهَذَا مثل لإرصاده العصاة بِالْعَذَابِ وَأَنَّهُمْ لَا يفوتونه، وَعَن ابْن عَبَّاس: بِحَيْثُ يرى وَيسمع، وَعَن مقَاتل: يرصد النَّاس على الصِّرَاط فَيجْعَل: رصدا من الْمَلَائِكَة مَعَهم الكلاليب والمحاجن والحسك. تحاضُّونَ: تُحافِظُونَ. وَتَحُضُّونَ: تَأْمُرُونَ بِإطْعَامِهِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يحضون على طَعَام الْمِسْكِين﴾ (الْفجْر: ٨١) وَهنا قراءتان إِحْدَاهمَا: تحاضون بِالْألف وَهِي قِرَاءَة أهل الْكُوفَة. وَالْأُخْرَى: تحضون، بِلَا ألف وَهِي قِرَاءَة البَاقِينَ، وَعَن الْكسَائي تحاضون بِالضَّمِّ، وَفسّر الَّذِي بِلَا ألف بقوله: تأمرون بإطعامه أَي: إطْعَام مِسْكين. المُطْمَئِنَةُ المُصَدِّقَةُ بِالثَّوابِ، وَقَالَ الحَسَنُ: يَا أيَّتُها النَّفْسُ إذَا أرَادَ الله قَبْضَها اطمآنتْ إلَى الله وَاطمَآنَّ الله إلَيْها وَرَضِيَتْ عَنِ الله وَرَضِيَ الله عَنْها فَأمرَ بِقَبْضِ رُوحها وأدْخَلَها الله الجَنَّةَ وَجَعَلَهُ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ. أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي إِلَى رَبك﴾ (الْفجْر: ٧٢) بقوله: (المصدقة بالثواب) وَقيل: المطمئنة إِلَى مَا وعد الله المصدقة بِمَا قَالَ، وَعَن ابْن كيسَان: المطمئنة المخلصة، وَعَن ابْن عَطاء: العارفة بِاللَّه تَعَالَى الَّتِي لَا تصبر عَنهُ طرفَة عين، وَقيل: المطمئنة بِذكر الله دَلِيله قَوْله تَعَالَى: ﴿وتطمئن قُلُوبهم بِذكر الله﴾ (الرَّعْد: ٨٢) وَقيل: المتوكلة على الله. قَوْله: (وَقَالَ الْحسن) أَي: الْبَصْرِيّ فِي قَوْله : (يَا أيتها النَّفس) إِلَى آخِره وتأنيث الضمائر فِيهِ فِي الْمَوَاضِع السَّبْعَة ظَاهر لِأَنَّهَا ترجع إِلَى النَّفس. وَفِي قَوْله: (وَجعله بالتذكير) بِاعْتِبَار الشَّخْص، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني بالتأنيث فِي ثَلَاث مَوَاضِع فَقَط، وَهِي قَوْله: وَاطْمَأَنَّ الله إِلَيْهَا، وَرَضي الله تَعَالَى عَنْهَا، وأدخلها الله الْجنَّة. وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق حَفْص عَنهُ، وَإِسْنَاده الاطمئنان إِلَى الله تَعَالَى مجَاز يُرِيد بِهِ لَازمه وغايته من نَحْو إِيصَال الْخَيْر إِلَيْهِ وَفِيه المشاكلة، والرضى هُوَ ترك الِاعْتِرَاض. وَقَالَ غَيْرُهُ: جَابُوا نَقَبُوا مِنْ جَيْبِ القَمِيصِ قُطِعَ لَهُ جَيْبٌ يَجُوبُ الفلاة يَقْطَعُها أَي: قَالَ غير الْحسن فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَثَمُود الَّذين جابوا الصخر بالواد﴾ (الْفجْر: ٩) وَفسّر: (جابوا) بقوله: (نقبوا) . قَوْله: (من جيب الْقَمِيص) أَشَارَ إِلَى أَن أصل الجيب الْقطع، وَمِنْه يُقَال: جبت الْقَمِيص إِذا قطعت لَهُ جيبا وَكَذَلِكَ يجوب الفلاة أَي: يقطعهَا. وَقَالَ الْفراء جابوا الصخر: خرقوه فاتخذوه بُيُوتًا. لَمَّا: لَمْمتُهُ أجْمَعَ أتَيْتُ عَلَى آخِرِهِ لم يثبت هَذَا لأبي ذَر، وسقوطه أولى لِأَنَّهُ مُكَرر ذكر مرّة عَن قريب، وَمَعَ هَذَا لَو ذكر هُنَاكَ لَكَانَ أولى. ٠٩ - (سُورةُ: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: ﴿لَا أقسم بِهَذَا الْبَلَد﴾ (الْبَلَد: ١) وَيُقَال لَهَا أَيْضا: سُورَة الْبَلَد، وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي ثَلَاثمِائَة وعشرو حرفا، وَاثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ كلمة وَعِشْرُونَ آيَة. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهاذا البَلَدِ﴾ (الْبَلَد: ٢) مَكَّةَ لَيْسَ عَلَيْكَ مَا عَلَى النَّاسِ فِيهِ

стр. 5866

مِنَ الإثْمِ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله : ﴿لَا أقسم بِهَذَا الْبَلَد وَأَنت حل بِهَذَا الْبَلَد﴾ (الْبَلَد: ١، ٢) هِيَ: مَكَّة، ويروى: بِمَكَّة، وَمعنى: حل أَنْت يَا مُحَمَّد حَلَال بِهَذَا الْبَلَد فِي الْمُسْتَقْبل تصنع فِيهِ مَا تُرِيدُ من الْقَتْل والأسر وَذَلِكَ أَن الله أحل لنَبيه يَوْم الْفَتْح حَتَّى قتل من قتل وَأخذ مَا شَاءَ وَحرم مَا شَاءَ، فَقتل ابْن خطل وَأَصْحَابه وَحرم دَار أبي سُفْيَان. وَقَالَ الوَاسِطِيّ: المُرَاد الْمَدِينَة حَكَاهُ فِي (الشِّفَاء) وَالْأول أصح لِأَن السُّورَة مَكِّيَّة، وروى قَول مُجَاهِد: (وَأَنت حل بِهَذَا الْبَلَد) مَكَّة الْحَنْظَلِي عَن أَحْمد بن سِنَان الوَاسِطِيّ حَدثنَا ابْن مهْدي عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد، وَقَالَهُ أَيْضا عَطاء وَقَتَادَة وَابْن زيد، وروى قَوْله: (لَيْسَ على النَّاس من الْإِثْم) الطَّبَرِيّ عَن ابْن حميد: حَدثنَا مهْرَان عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَنهُ، وَعَن مُحَمَّد بن عَمْرو: حَدثنَا أَبُو عَاصِم حَدثنَا عِيسَى عَن وَرْقَاء عَن ابْن ابْن نجيح عَنهُ وَوَالِد: آدَمَ وَمَا وَلَدَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ووالد وَمَا ولد﴾ (الْبَلَد: ٣) وَفسّر ذَلِك بقوله آدم وَمَا ولد أَي: آدم وَأَوْلَاده، وَقيل: إِبْرَاهِيم، ﵊، وَرَسُول الله ﷺ ، لِأَنَّهُ من نَسْله، وَعَن عِكْرِمَة وَسَعِيد بن جُبَير الْوَالِد الَّذِي يُولد لَهُ وَمَا ولد العاقر الَّذِي لَا يُولد لَهُ. وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، وعَلى هَذَا يكون: مَا، نفيا. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: وَهُوَ بعيد وَلَا يَصح إلَاّ بإضمار، وَالصَّحِيح عَن ابْن عَبَّاس، ووالد وَولده. لِبَدا: كَثِيرا أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى يَقُول: ﴿أهلكت مَالا لبدا﴾ (الْبَلَد: ٦) وَفسّر: (لبدا) بقوله: (كثيرا) . قَوْله: (يَقُول) ، أَي: الْوَلِيد بن الْمُغيرَة أهلكت أنفقت مَالا لبدا أَي مَالا كثيرا بعضه على بعض فِي عَدَاوَة مُحَمَّد ﷺ واللبد من التلبيد وَهُوَ كَون الشَّيْء بعضه على بعض، وَمِنْه اللبد، وقرىء بتَشْديد الْبَاء وتخفيفها. وَالنَّجْدَيْنِ: الخَيْرُ وَالشّرُّ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وهديناه النجدين﴾ (الْبَلَد: ٠١) يَعْنِي: سَبِيل الْخَيْر وسبيل الشَّرّ، وَكَذَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد وَأكْثر الْمُفَسّرين على هَذَا، وَعَن ابْن عَبَّاس. قَالَ: النجدين الثديين وَإِلَيْهِ ذهب سعيد بن الْمسيب وَالضَّحَّاك، والنجد فِي الأَصْل الطَّرِيق فِي ارْتِفَاع. مَسْغَبَة: مَجَاعَةٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو إطْعَام فِي يَوْم ذِي مسبغة﴾ (الْبَلَد: ٤١) أَي: مجاعَة. مَتْرَبَةٍ: السَّاقِطُ فِي التُّرَابِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو مِسْكينا ذَا مَتْرَبَة﴾ (الْبَلَد: ٦١) وَفَسرهُ بقوله: (السَّاقِط فِي التُّرَاب) وروى ابْن عُيَيْنَة من طَرِيق عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس. قَالَ: هُوَ الَّذِي لَيْسَ بَينه وَبَين الأَرْض شَيْء، وروى الْحَاكِم من طَرِيق حُصَيْن عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الْمَطْرُوح الَّذِي لَيْسَ لَهُ بَيت. يُقَالُ ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةِ فَلَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ فَسَّرَ العَقَبَةَ فَقَالَ: ﴿وَمَا أدْرَاكَ مَا العَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ جملَة مُعْتَرضَة، وَمعنى فك رَقَبَة: أعتق رَقَبَة كَانَت فداءه من النَّار. وَعَن عِكْرِمَة فك رَقَبَة من الذُّنُوب بِالتَّوْبَةِ. قَوْله: (أَو إطْعَام فِي يَوْم ذِي مسبغة) (الْبَلَد: ٢١، ٤١) . لما ذكر المسغبة والمتربة شرع فِي بَيَان مَا يفعل بِذِي مسبغة وبذي مَتْرَبَة، فَقَالَ فَلَا اقتحم الْعقبَة فِي الدُّنْيَا يَعْنِي: فَلم يُجَاوز هَذَا الْإِنْسَان الْعقبَة فِي الدُّنْيَا فَيَأْمَن، والاقتحام الدُّخُول والمجاوزة بِشدَّة ومشقة، ثمَّ عظم أَمر الْعقبَة فَأَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: (وَمَا أَرَاك مَا الْعقبَة) وكل شَيْء قَالَ: وَمَا أَدْرَاك، فَإِنَّهُ أخبرهُ بِهِ وَمَا قَالَ: وَمَا يدْريك فَإِنَّهُ لم يُخبرهُ بِهِ ثمَّ فسر الْعقبَة بقوله: (فك رَقَبَة) إِلَى قَوْله: (مَتْرَبَة) وَشبه عظم الذُّنُوب وثقلها على مرتكبها بعقبة فَإِذا أعتق رَقَبَة وَعمل عملا صَالحا كَانَ مثله مثل من اقتحم الْعقبَة الَّتِي هِيَ الذُّنُوب حَتَّى تذْهب وتذوب كمن يقتحم عقبَة فيستوي عَلَيْهَا ويجوزها، وَذكر عَن ابْن عمر: أَن هَذِه الْعقبَة جبل فِي جَهَنَّم، وَعَن الْحسن وَقَتَادَة، هِيَ عقبَة فِي النَّار دون الجسر فاقتحموها بِطَاعَة الله تَعَالَى، وَعَن مُجَاهِد وَالضَّحَّاك والكلبي، هِيَ الصِّرَاط يضْرب على جَهَنَّم كَحَد السَّيْف مسيرَة ثَلَاثَة آلَاف سنة سهلاً وصعودا وهبوطا وَأَن بجنبيه كلاليب وَخطأ طيف كشوك السعدان، وَعَن كَعْب: هِيَ سَبْعُونَ دركة فِي جَهَنَّم. قَوْله: (فك رَقَبَة) بَدَلا من اقتحم الْعقبَة أَو إطْعَام عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (وَمَا أَدْرَاك مَا الْعقبَة) ، (الْبَلَد: ٢١) مجاعَة يَتِيما ذَا مقربة أَي: ذَا قرَابَة ﴿ومسكينا ذَا مَتْرَبَة﴾ قد لصق بِالتُّرَابِ من الْفقر فَلَيْسَ لَهُ مأوى إِلَّا التُّرَاب، والمسبغة والمقربة والمتربة مفعلات من سغب إِذا جَاع، وَقرب فِي النّسَب، وترب إِذا افْتقر، وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَالْكسَائِيّ: فك، بِفَتْح الْكَاف وَأطْعم بِفَتْح الْمِيم على الْفِعْل كَقَوْلِه: ثمَّ كَانَ وَالْبَاقُونَ بِالْإِضَافَة على الِاسْم.

стр. 5867

١٩ - (سُورَةُ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاهَا﴾ (الشَّمْس: ١) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: ﴿وَالشَّمْس وَضُحَاهَا﴾ وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي مِائَتَان وَسَبْعَة وَأَرْبَعُونَ حرفا وَأَرْبع وَخَمْسُونَ كلمة وَخمْس عشرَة آيَة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لم تثبت البسلمة إلَاّ لأبي ذَر. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ضُحاها ضَوْءَها إذَا تَلاهَا تَبِعَها. وَطحاها دَحَاها دَسَّاهَا أغْوَاهَا. أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله : ﴿وَالشَّمْس وَضُحَاهَا﴾ أَي: (ضوءها) يَعْنِي: إِذا أشرقت وَقَامَ سلطانها، وَلذَلِك قيل: وَقت الضُّحَى وَكَانَ وَجهه شمس الضُّحَى، وَقيل: الضحوة ارْتِفَاع النَّهَار وَالضُّحَى فَوق ذَلِك، وَعَن قَتَادَة: هُوَ النَّهَار كُله، وَقَالَ مقَاتل: حرهَا. قَوْله: (إِذا تَلَاهَا) تبعها، يَعْنِي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْقَمَر إِذا تَلَاهَا﴾ (الشَّمْس: ٢) أَي: تبعها فَأخذ من ضوئها وَذَلِكَ فِي النّصْف الأول من الشَّهْر إِذا غربت الشَّمْس تَلَاهَا الْقَمَر طالعا. قَوْله: (وطحاها دحاها) أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْأَرْض وَمَا طحاها﴾ (الشَّمْس: ٦) أَي: وَالَّذِي طحاها أَي: دحاها أَي: بسطها. يُقَال: دحوت الشَّيْء دحوا بسطته، ذكره الْجَوْهَرِي ثمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْأَرْض بعد ذَلِك دحاها﴾ (النازعات: ٠٣) وَقَالَ فِي بَاب الطَّاء: طحوته مثل دحوته أَي: بسطته. قَوْله: (دساها أغواها) ، أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقد خَابَ من دساها﴾ (الشَّمْس: ٠١) أَي: أغواها. أَي: خسرت نفس دساها الله فأخملها وخذلها، وَوضع مِنْهَا وأخفى محلهَا حَتَّى عملت بِالْفُجُورِ وَركبت الْمعاصِي، وَهَذَا كُله ثَبت للنسفي وَحده. فَألْهَمَها: عَرَّقَها الشقَّاءَ وَالسَّعادَةَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾ (الشَّمْس: ٨) أَي: فألهم النَّفس فجورها أَي شقاوتها وتقواها أَي: سعادتها. وَعَن ابْن عَبَّاس: بَين لَهَا الْخَيْر وَالشَّر، وَعنهُ أَيْضا وَعلمهَا الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة، وَهَذَا أَيْضا ثَبت للنسفي. ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ (الشَّمْس: ٥١) عُقْبَى أحَدٍ قبلهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿فدمدم عَلَيْهِم رَبهم بذنبهم فسواها وَلَا يخَاف عقباها﴾ (الشَّمْس: ٤١، ٥١) قَالَ: فدمدم عَلَيْهِم، أَي: أهلكهم رَبهم بتكذيبهم رَسُوله وعقرهم نَاقَته. قَوْله: (فسواها) أَي: فسوى الدمدمة عَلَيْهِم جَمِيعًا وعمهم بهَا فَلم يُفلت مِنْهُم أحدا وَقَالَ المؤرج الدمدمة إهلاك باستئصال. قَوْله: (وَلَا يخَاف عقباها) ، قَالَ: عُقبى أحد إِنَّمَا قَالَ عُقبى أحد مَعَ أَن الضَّمِير فِي عقباها مؤنث بِاعْتِبَار النَّفس وَهُوَ مؤنث، وَعبر عَن النَّفس بالأحد. وَفِي بعض النّسخ أَخذنَا بِالْخَاءِ والذال المعجمتين وَهُوَ معنى الدمدمة. أَي: الْهَلَاك الْعَام، وَقَالَ النَّسَفِيّ: عقباها عَاقبَتهَا، وَعَن الْحسن: لَا يخَاف الله من أحد تبعه فِي إهلاكهم، وَقيل: الضَّمِير يرجع إِلَى ثَمُود، وَعَن الضَّحَّاك وَالسُّديّ والكلبي: الضَّمِير فِي لَا يخَاف، يرجع إِلَى العاقر، وَفِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير تَقْدِيره إِذا انْبَعَثَ أشقاها وَلَا يخَاف عقابها، وَقَرَأَ أهل الْمَدِينَة وَالشَّام فَلَا يخَاف بِالْفَاءِ وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مصاحفهم وَالْبَاقُونَ بِالْوَاو، وَهَكَذَا فِي مصاحفهم. وَقَالَ مُجاهِدٌ: بِطَغْواها بِمعاصيها أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله : ﴿كذبت ثَمُود بطغواها﴾ (الشَّمْس: ١١) وَقَالَ: (بمعاصيها) وَرَوَاهُ الْفرْيَابِيّ من طَرِيق مُجَاهِد: بمعصيتها، قَالَ بَعضهم: وَهُوَ الْوَجْه. قلت: لم يبين مَا الْوَجْه بل الْوَجْه بِلَفْظ الْجمع وَلَا يخفى ذَلِك والطغوى والطغيان وَاحِد كِلَاهُمَا مصدران من طَغى. ٢٤٩٤ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا وُهَيْبٌ حدَّثَنا هِشَامٌ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ أخْبَرَهُ عَبْدُ الله ابنُ زَمْعَةَ أنَّهُ سَمِعَ النبيَّ ﷺ يَخْطُبُ وَذَكَرَ النَّاقَةَ وَالَّذِي عَقَرَ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : (إذَا انُبَعَثَ أشْقَاهَا) (الشَّمْس: ٢١) انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ عَارِمٌ مَنِيعٌ فِي رَهطِهِ مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ وَذَكَرَ النِّسَاءِ فَقَالَ يَعْمِدُ أحَدُكُمْ يَجْلِدُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ العَبْدِ فَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُها مِن آخِرِ يَوْمِهِ ثُمَّ وَعَظَهُمْ

стр. 5868

فِي ضَحِكِهِمْ مِنَ الضَّرْطَةِ وَقَالَ: لِمَ يَضْحَكُ أحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ. مطابقته للسورة الْمَذْكُورَة ظَاهِرَة. ووهيب: مصغر وهب ابْن خَالِد، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام يروي عَن أَبِيه عَن عبد الله بن زَمعَة، بِفَتْح الزَّاي وَالْمِيم وبسكونها وبالعين الْمُهْملَة ابْن الْأسود بن الْمطلب بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي الْقرشِي صَحَابِيّ. مَشْهُور، وَأمه قريبَة أُخْت أم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقَالَ أَبُو عمر: روى عَنهُ عُرْوَة وَثَلَاثَة أَحَادِيث وَهِي مَجْمُوعَة فِي حَدِيث الْبَاب وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَذكر فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، ﵈، فِي بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وَإِلَى ثَمُود أَخَاهُم صَالحا﴾ (الْأَعْرَاف: ٣٧) عَن الْحميدِي بالقصة الأولى، وَذكر فِي الْأَدَب عَن عَليّ بن عبد الله بالقصة الثَّانِيَة، وَفِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن يُوسُف بالقصة الثَّالِثَة. وَأخرجه مُسلم فِي صفة النَّار عَن ابْن أبي شيبَة وَأبي كريب وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن هَارُون بن إِسْحَاق وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رَافع بالقصة الأولى وَفِي عشرَة النِّسَاء عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور بالقصة الثَّالِثَة، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي النِّكَاح عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهَذِهِ الْقِصَّة. قَوْله: (وَذكر النَّاقة) ، أَي: نَاقَة صَالح ﵊، وَهُوَ مَعْطُوف على مَحْذُوف تَقْدِيره: فَخَطب وَذكر كَذَا وَكَذَا وَذكر النَّاقة، هَذَا هُوَ الحَدِيث الأول. قَوْله: (وَالَّذِي عقر) ، ذكره بِحَذْف مَفْعُوله وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة وَالَّذِي عقرهَا، وَهُوَ قدار بن سالف وَأمه قديرة وَهُوَ أُحَيْمِر ثَمُود الَّذِي يضْرب الْمثل فِي الشؤم، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَكَانَ أَحْمَر أشقر أَزْرَق قصير وَذكر ولد زنى، ولد على فرَاش ساف. قَوْله: (إِذا انْبَعَثَ أشقاها) (الشَّمْس: ٢١) يَعْنِي: قَرَأَ هَذِه الْآيَة ثمَّ قَالَ انْبَعَثَ لَهَا رجل أَي: قَامَ لَهَا أَي: للناقة (رجل عَزِيز) أَي: قَلِيل الْمثل. قَوْله: (عَارِم) ، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالرَّاء أَي: جَبَّار صَعب شَدِيد مُفسد خَبِيث، وَقيل: جَاهِل شرس. قَوْله: (منيع) ، أَي: قوي ذُو مَنْعَة فِي رهطه أَي: فِي قومه. قَوْله: (مثل أبي زَمعَة) ، وَهُوَ الْأسود الْمَذْكُور جد عبد الله بن زَمعَة، وَكَانَ الْأسود أحد الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَمَات على كفره بِمَكَّة وَقتل ابْنه زَمعَة يَوْم بدر كَافِرًا أَيْضا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: أَبُو زَمعَة هَذَا يحْتَمل أَن يكون البلوي المبايع تَحت الشَّجَرَة، وَتُوفِّي بإفريقية فِي غَزْوَة ابْن خديج وَدفن بالبلوية بالقيروان. قَالَ: فَإِن كَانَ هُوَ هَذَا فَإِنَّهُ إِنَّمَا شبهه بعاقر النَّاقة فِي أَنه عَزِيز فِي قومه ومنيع على من يُريدهُ من الْكفَّار. قَالَ: وَيحْتَمل أَن يُرِيد غَيره مِمَّن يُسمى بِأبي زَمعَة من الْكفَّار. قَوْله: (وَذكر النِّسَاء) ، هُوَ الحَدِيث الْمَذْكُور الثَّانِي أَي: وَذكر مَا يتَعَلَّق بِأُمُور النِّسَاء. قَوْله: (يعمد أحدكُم) ، بِكَسْر الْمِيم. أَي: يقْصد. قَوْله: (يجلد) ، ويروى: فيجلد أَي: فَيضْرب، يُقَال: جلدته بِالسَّيْفِ وَالسَّوْط وَنَحْوهمَا إِذا ضَربته. قَوْله: (جلد العَبْد) أَي: كَجلْد العَبْد، وَفِيه الْوَصِيَّة بِالنسَاء والإحجام عَن ضربهن. قَوْله: (فَلَعَلَّهُ) أَي: فَلَعَلَّ الَّذِي يجلدها فِي أول الْيَوْم (يضاجعها) أَي: يَطَؤُهَا من آخر يَوْمه، وَكلمَة من هُنَا بِمَعْنى: فِي كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة﴾ (الْجُمُعَة: ٩) أَي: فِي يَوْم الْجُمُعَة. قَوْله: (ثمَّ وعظهم) إِلَى آخر الحَدِيث الثَّالِث أَي: ثمَّ وعظ الرِّجَال فِي ضحكهم من الضرطة. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني فِي ضحك بِالتَّنْوِينِ دون الْإِضَافَة إِلَى الضَّمِير، وَفِيه الْأَمر بالإغماض والتجاهل والإعراض عَن سَماع صَوت الضراط، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا وَقع من أحدهم ضرطه فِي الْمجْلس يَضْحَكُونَ وَنهى الشَّارِع عَن ذَلِك إِذا وَقع وَأمر بالتغافل عَن ذَلِك والاشتغال بِمَا كَانَ فِيهِ، وَكَانَ هَذَا من جملَة أَفعَال قوم لوط، ﵊، فَإِنَّهُم كَانُوا يتضارطون فِي الْمجْلس ويتضاحكون. وَقَالَ أبُو مُعَاوِيَةَ: حدَّثنا هِشامٌ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ زَمْعَةَ قَالَ النبيُّ ﷺ : مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ عَمِّ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ. أَبُو مُعَاوِيَة هُوَ مُحَمَّد بن خازم بالمعجمتين الضَّرِير، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي مُسْنده قَالَ: أخبرنَا أَبُو مُعَاوِيَة إِلَى آخر ذكر الحَدِيث بِتَمَامِهِ، وَقَالَ فِي آخِره: (مثل أبي زَمعَة عَم الزبير بن الْعَوام) وَأخرجه أَحْمد أَيْضا عَن أبي مُعَاوِيَة لَكِن لم يقل فِي آخِره عَم الزبير بن الْعَوام. قَوْله: (عَم الزبير) بطرِيق تَنْزِيل ابْن الْعم منزلَة الْعم لِأَن الْأسود هُوَ ابْن الْمطلب بن أَسد وَالزُّبَيْر بن الْعَوام بن خويلد بن أَسد، وَقَالَ الْكرْمَانِي أعلم أَن بَعضهم استدركوا عَلَيْهِ وَقَالُوا: أَبُو زَمعَة لَيْسَ عَم الزبير

стр. 5869

ثمَّ أجابوا بِمثل مَا ذكرنَا. ٢٩ - (سُورَةُ: ﴿اللَّيْلِ إذَا يَغْشَى﴾ (اللَّيْل: ١) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: ﴿وَاللَّيْل إِذا يغشى﴾ وَهِي مَكِّيَّة فِي رِوَايَة قَتَادَة والكلبي وَالشعْبِيّ وسُفْيَان، وَعَن ابْن عَبَّاس: أَنَّهَا نزلت فِي أبي بكر الصّديق حِين اعْتِقْ بِلَالًا وَفِي أبي سُفْيَان، وَقَالَ عِكْرِمَة وَعبد الرَّحْمَن بن زيد مَدَنِيَّة نزلت فِي أبي الدحداح رجل من الْأَنْصَار وَأم سَمُرَة فِي قصَّة لَهما طَوِيلَة. وَهِي ثَلَاثمِائَة وَعشرَة أحرف، وَإِحْدَى وَسَبْعُونَ كلمة، وَإِحْدَى وَعِشْرُونَ آيَة. قَوْله: ﴿وَاللَّيْل إِذا يغشى﴾ أَي: يغشى بظلمته النَّهَار، وَلم يذكر مَفْعُوله للْعلم بِهِ، وَقَالَ الزّجاج: غشى الْأُفق وَمَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ثبتَتْ الْبَسْمَلَة لأبي ذَر وَحده. وَقَالَ ابنُ عبَّاسِ ﴿وَكَذَّبِ بِالحُسْنَى﴾ بِالخَلَفِ أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : ﴿وَكذب بِالْحُسْنَى﴾ (اللَّيْل: ٩) أَي: (بالخلف) عَن إِعْطَائِهِ والعوض عَن إِنْفَاقه، وَعَن مُجَاهِد. وَكذب بِالْجنَّةِ وَعَن ابْن عَبَّاس: بِلَا إلاه إلَاّ الله، وَالْأول أشبه لِأَن الله تَعَالَى وعد بالخلف للمعطي. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تَرَدَّى: مَاتَ: وَتَلَظَّى: تَوَهَّجَ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يُغني عَنهُ مَاله إِذا تردى﴾ (اللَّيْل: ١١) أَي: إِذا مَاتَ، وَعَن قَتَادَة وَأبي صَالح إِذا هوي فِي جَهَنَّم، نزلت فِي أبي سُفْيَان بن حَرْب. قَوْله: (وتلظى توهج) يَعْنِي: قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿نَارا تلظى﴾ يعْنى توهج (اللَّيْل: ٤١) أَي: تتوقد وتوهج بِضَم الْجِيم لِأَن أَصله تتوهج فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ. وَقَرَأَ عُبَيْدُ بنُ عُسْرٍّ: تَتَلَظَّى يَعْنِي قَرَأَهَا بِدُونِ حذف التَّاء على الأَصْل، وَوصل هَذَا سعيد بن مَنْصُور عَن ابْن عُيَيْنَة وَدَاوُد الْعَطَّار كِلَاهُمَا عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عبيد بن عُمَيْر أَنه قَرَأَ: نَارا تتلظى بتاءين، وَقيل: إِن عبيد بن عُمَيْر قَرَأَهَا بِالْإِدْغَامِ فِي الْوَصْل. لَا فِي الِابْتِدَاء وَهِي قِرَاءَة البزي من طَرِيق ابْن كثير. ١ - (بَابٌ: ﴿وَالنَّهارِ إذَا تَجَلَّى﴾ (اللَّيْل: ٢) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالنَّهَار إِذا تجلى﴾ أَي: إِذا انْكَشَفَ بضوئه، وَلم تثبت هَذِه التَّرْجَمَة لأبي ذَر والنسفي. ٣٤٩٤ - حدَّثنا قَبِيصَةُ بنُ عُقْبَةَ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ دَخَلْتُ فِي نَفَرٍ مِنْ أصْحَابِ عَبْدِ الله الشَّأْمَ فَسَمِعَ بِنا أبُو الدَّرْدَاءِ فَأتانا فَقَالَ أفِيكُمْ مَنْ يَقْرَأُ فَقُلْنا نَعَمْ قَالَ فَأَيُّكُمْ أقْرَأُ فأشارُوا إلَيَّ فَقَالَ اقْرَأُ فَقَرَأْتْ: ﴿وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشِى وَالنَّهارِ إذَا تَجَلَّى وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى﴾ (اللَّيْل: ١، ٣) قَالَ: آنْتَ سَمِعْتَها مِنْ فِي صَاحِبِكَ؟ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ وَأنا سَمِعْتُها مِنْ فِي النبىِّ ﷺ وَهاؤُلاءِ يَأْبَوْنَ عَلَيْنَا. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وعلقمة بن قيس، وَأَبُو الدَّرْدَاء عُوَيْمِر بن مَالك، وَفِيه اخْتلف. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَغَيره وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْقِرَاءَة عَن هناد بن السرى، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن عَليّ بن حجر وَغَيره. قَوْله: (من أَصْحَاب عبد الله) أَي: ابْن مَسْعُود. قَوْله: (أفيكم) ، الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على وَجه الاستخبار. قَوْله: (فَأَيكُمْ أَقرَأ) أَي: أقوى وَأحسن قِرَاءَة. قَوْله: (إِلَى) بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (أَنْت سَمعتهَا من فِي صَاحبك) ، أَي: عبد الله بن مَسْعُود. قَوْله: (من فِي النَّبِي ﷺ أَي: من فَمه. قَوْله: (وَهَؤُلَاء) أَي: أهل الشَّام. (يأبون) أَي: يمْنَعُونَ هَذِه الْقِرَاءَة يَعْنِي: (وَالنَّهَار إِذا تجلى وَمَا خلق الذّكر وَالْأُنْثَى) (اللَّيْل: ٣) وَيَقُولُونَ: الْقِرَاءَة المتواترة: ﴿وَمَا خلق الذّكر وَالْأُنْثَى﴾ وَهَذِه الْقِرَاءَة الْوَاجِبَة، وَأَبُو الدَّرْدَاء كَانَ يحذفه.

стр. 5870

٢ - (بَابٌ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ (اللَّيْل: ٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا خلق الذّكر وَالْأُنْثَى﴾ يَعْنِي: وَمن خلق الذّكر وَالْأُنْثَى. ٤٤٩٤ - حدَّثنا عُمَرُ حدَّثنا أبِي حدَّثنا الأعْمَشُ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ قَدِمَ أصْحَابُ عَبْدِ الله عَلى أبِي الدَّرْدَاءِ فَطَلبَهُمْ فَوَجَدَهُمْ فَقَالَ أيُّكُمْ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ الله قَالَ كُلُّنا قَالَ فأيُّكُمْ يَحْفَظُ وَأشَارُوا إلَى عَلْقَمَةَ قَالَ: كَيْفَ سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ: ﴿وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى﴾ (اللَّيْل: ١) قَالَ عَلّقَمَةُ: وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى. قَالَ أشْهَدُ أنِّي سَمِعْتُ أَنا النبيَّ ﷺ يَقْرَأُ هاكذا وَهَؤُلاءِ يُرِيدُونِي عَلَى أنْ أقْرَأ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ لَا أُتَابِعُهُمْ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعمر هُوَ ابْن حَفْص، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: أخبرنَا عمر بن حَفْص يذكر حَفْص صَرِيحًا، وَعمر يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَهَذَا صورته الْإِرْسَال لِأَن إِبْرَاهِيم مَا حضر الصة، وَوَقع فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة وَهَذِه تبين أَن لَا إرْسَال، وَصرح فِي رِوَايَة أبي نعيم: إِن إِبْرَاهِيم سمع عَلْقَمَة. قَوْله: (على قِرَاءَة عبد الله) أَي: ابْن مَسْعُود. قَوْله: (قَالَ: كلنا) أَي: كلنا يقْرَأ، وَالظَّاهِر أَن فَاعل: قَالَ، هُوَ عَلْقَمَة. قَوْله: (قَالَ: فَأَيكُمْ) أَي: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء لَهُم: فَأَيكُمْ يحفظ؟ ويروى: فَأَيكُمْ أحفظ؟ قَوْله: (وأشاروا) أَي: أَصْحَاب عبد الله أشاروا إِلَى عَلْقَمَة. قَوْله: (قَالَ: كَيفَ سمعته) أَي: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء لعلقمة: كَيفَ سَمِعت عبد الله يقْرَأ: ﴿وَاللَّيْل إِذا يغشى﴾ قَالَ: عَلْقَمَة وَالذكر وَالْأُنْثَى، بخفض الذّكر. قَوْله: (قَالَ: أشهد، أَي: قَالَ) أَبُو الدَّرْدَاء: أشهد أَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يقْرَأ هَكَذَا يَعْنِي: وَالذكر وَالْأُنْثَى. قَوْله: (وَهَؤُلَاء) أَي: أهل الشَّام يردوني ويروى يردونني على أَن أَقرَأ: ﴿وَمَا خلق الذّكر وَالْأُنْثَى﴾ وَأَنا لَا أتابعهم، أَي: على هَذِه الْقِرَاءَة، يَعْنِي بِزِيَادَة (وَمَا خلق) وَإِنَّمَا قَالَ: لَا أتابعهم مَعَ كَون قراءتهم متواترة لكَون طَرِيقه طَرِيقا يقينيا وَهُوَ سَمَاعه من النَّبِي ﷺ . فَإِن قلت: فعلى هَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَن لَا يخالفوه. قلت: لَهُم طَرِيق يقيني أَيْضا وَهُوَ ثُبُوت قراءتهم بالتواتر، وَقَالَ الْمَازرِيّ: يجب أَن يعْتَقد فِي هَذَا وَمَا فِي مَعْنَاهُ أَنه كَانَ قُرْآنًا ثمَّ نسخ. وَلم يعلم مِمَّن خَالف النّسخ فَبَقيَ على النّسخ. قَالَ: أَو لَعَلَّه وَقع من بَعضهم قبل أَن يبلغ مصحف عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْمجمع عَلَيْهِ الْمَحْذُوف مِنْهُ كل مَنْسُوخ، وَأما بعد ظُهُور مصحف عُثْمَان فَلَا يظنّ وَاحِد مِنْهُم أَنه خَالف فِيهِ. ٣ - (بَابٌ قَوْلِهِ: ﴿فَأمَّا مَنْ أعْطَى وَاتَّقَى﴾ (اللَّيْل: ٥) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَما من أعْطى﴾ أَي: فَأَما من أعْطى مَاله فِي سَبِيل الله، وَاتَّقَى ربه واجتنب مَحَارمه. ٥٤٩٤ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا سُفْيَانُ عَن الأعْمَشِ عَنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمانِ السلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ كُنَّا مَعَ النبيِّ ﷺ فِي بَقِيعِ الغَرْقَدِ فِي جَنَازَةٍ فَقَالَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلَاّ وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَّ النَّارِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ الله أفَلا نَتَّكِلُ فَقَالَ اعْمَلُوا فَكُلُّ مُيَسَّرٌ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأمَّا مَنْ أعْطَى وَاتقَى وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿لِلْعُسْرَى﴾ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَسعد بن عُبَيْدَة أَبُو حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: ختن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ واسْمه عبد الله، والسلمي بِضَم السِّين وَفتح اللَّام، وَعلي بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب موعظة الْمُحدث عِنْد الْقَبْر، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (فِي بَقِيع الْغَرْقَد) ، بِإِضَافَة البقيع بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْقَاف إِلَى الْغَرْقَد بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْقَاف وبالدال الْمُهْملَة وَهُوَ مَقْبرَة الْمَدِينَة

стр. 5871

قَوْله: (أَفلا نَتَّكِل) ، أَي: أَفلا نعتمد على كتَابنَا الَّذِي قدر الله علينا، فَقَالَ: أَنْتُم مأمورون بِالْعَمَلِ فَعَلَيْكُم بمتابعة الْأَمر فَكل وَاحِد مِنْكُم ميسر لما خلق لَهُ وَقدر عَلَيْهِ. قَوْله: (فَأَما من أعْطى) ، أَي: مَاله وَاتَّقَى ربه واجتنب مَحَارمه وَصدق بِالْحُسْنَى. أَي: بالخلف يَعْنِي: أَيقَن أَن الله تَعَالَى سيخلف عَلَيْهِ، وَعَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ وَالضَّحَّاك، وَصدق بِالْحُسْنَى بِلَا إلاه إلَاّ الله، وَعَن مُجَاهِد وَصدق بِالْجنَّةِ، وَعَن قَتَادَة وَمُقَاتِل: بموعود الله تَعَالَى. قَوْله: (فسنيسره) ، أَي: فسنهيئه لليسرى، أَي: للخلة الْيُسْرَى، وَهُوَ الْعَمَل بِمَا يرضاه الله تَعَالَى. (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى﴾ (اللَّيْل: ٦) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : (وَصدق بِالْحُسْنَى) ، وَلم تثبت هَذِه التَّرْجَمَة إلَاّ لأبي ذَر والنسفي، وَسقط لفط: بَاب من التراجم كلهَا إلَاّ لأبي ذَر. حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ حدَّثنا الأعْمَشُ عَنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ كُنّا قُعُودا عِنْدَ النبيِّ ﷺ فَذَكَرَ الحَدِيث. هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عَليّ الْمَذْكُور أخرجه مُخْتَصرا عَن مُسَدّد عَن عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد الْبَصْرِيّ إِلَى آخِره. ٤ - (بَابٌ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ (اللَّيْل: ٧) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فسنيسره لليسرى﴾ . ٦٤٩٤ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ خَالِدٍ أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعْدٍ بنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمانِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ كَانَ فِي جِنَازَةٍ فَأخَذَ هُودا يَنْكُتُ فِي الأرْضِ فَقَالَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلَاّ وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ أوْ مِنَ الجَنَّةِ قَالُوا يَا رَسُولَ الله أفَلا نَتَّكِلُ قَالَ اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ﴿فَأمَّا مَنْ أعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَقَ بِالحُسْنَى﴾ (اللَّيْل: ٥، ٦) الآيَةَ. قَالَ شُعْبَةُ وحدَّثني بِهِ مَنْصُورٌ فَلَمْ أُنْكِرْهُ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ. هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن بشر بِكَسْر الْيَاء الْمُوَحدَة ابْن خَالِد الخ، وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش. قَوْله: (ينكت) من النكت وَهُوَ أَن يضْرب الْقَضِيب فِي الأَرْض فيؤثر فِيهَا. قَوْله: (قَالَ شُعْبَة) مُتَّصِل بِالْإِسْنَادِ الأول. قَوْله: (وحَدثني بِهِ) أَي: بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور (مَنْصُور) هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر (فَلم أنكرهُ من حَدِيث سُلَيْمَان) يَعْنِي: الْأَعْمَش أَرَادَ بِهِ أَنه وَافق مَا حدث بِهِ الْأَعْمَش فَمَا أنرك مِنْهُ شَيْئا. ٥ - (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَأمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ (اللَّيْل: ٨) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَأما من بخل وَاسْتغْنى﴾ يَعْنِي: أما من بخل بِالنَّفَقَةِ فِي الْخَيْر وَاسْتغْنى عَن ربه فَلم يرغب فِي ثَوَابه وَكذب بِالْحُسْنَى فسنيسره للعسرى أَي: للْعَمَل بِمَا لَا يرضى الله تَعَالَى حَتَّى يسْتَوْجب النَّار. ٧٤٩٤ - حدَّثنا يَحْيَى حدَّثنا وَكِيعٌ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ عَلِيٍّ ﵇ قَالَ كُنَّا جُلُوسا عِنْدَ النَّبِي ﷺ فَقَالَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلَاّ وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ فَقُلْنا يَا رَسُولَ الله أفَلا نَتَّكِلُ قَالَلا اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأمَّا مَنْ أعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَقَ بِالحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ (اللَّيْل: ٥، ٧) إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (اللَّيْل: ١) . هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن يحيى بن مُوسَى السّخْتِيَانِيّ البخلي الَّذِي يُقَال لَهُ: خت، عَن وَكِيع عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش إِلَى آخِره. قَوْله: (جُلُوسًا) أَي: جالسين وَفِي حَدِيث سمدد الْمَذْكُور: كُنَّا قعُودا.

стр. 5872

٦ - (بَابٌ قَوْلِهُ: ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى﴾ (اللَّيْل: ٩) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكذب بِالْحُسْنَى﴾ . ٨٤٩٤ - حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ حدَّثنا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمانِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ كُنَّا فِي جُنازَة فِي بَقِيعِ الغَرْقَدِ فَأتانا رَسُولُ الله ﷺ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَمَعَهُ مخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُثُ بِمَخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ وَمَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلَاّ كُتِبَ مَكَانَها مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ وَإلاّ قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أوْ سَعِيدَةً قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ الله أفَلا نَتَكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ العَمَلَ فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إلَى أهْلِ السَّعَادَةِ وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أهْلِ الشَّقاءِ فَسَيَصِيرُ إلَى عَمَلِ أهْلِ الشَّقَاوَةِ قَالَ أمَّا أهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعَادَةِ وَأمَّا أهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُون لِعَمَلِ أهْلِ الشقاءِ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأمَّا مَنْ أعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى﴾ (اللَّيْل: ٥، ٦) الآيَةَ. هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور وَأخرجه عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير بن عبد الحميد عَن مَنْصُور إِلَى آخِره قَوْله: (محضرة) ، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة: مَا أمْسكهُ الْإِنْسَان بِيَدِهِ من عَصا وَنَحْوه، وَقَالَ القتبي: المخصرة إمْسَاك الْقَضِيب بِالْيَدِ، وَكَانَت الْمُلُوك تتخصر بقضبان يشيرون بهَا، والمخصرة من شعار الْمُلُوك. قَوْله: (منفوسة) ، أَي: مولودة، يُقَال: نفست الْمَرْأَة، بِالْفَتْح وَالْكَسْر. ٧ - (بَابٌ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (اللَّيْل: ٠١) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فسنيسره للعسرى﴾ . ٩٤٩٤ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنِ الأعْمَشِ قَالَ سَمِعْتُ سَعْدَ بنَ عُبَيْدَةَ يُحَدِّث عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ كَانَ النبيُّ ﷺ فِي جَنَازَةٍ فَأخَذَ شَيْئا فَجَعَلَ يَنْكُثُ بِهِ الأرْضَ فَقَالَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلَاّ وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ قَالُوا يَا رَسُولَ الله أفَلا نَتَكِّلُ عَلَى كِتابنا وَنَدَعُ العَمَلَ قَالَ اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَرٌ لِما خَلقَ لَهُ أمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعَادَةِ وَأمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الشَّقاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقَاوَةِ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأمَّا مَنْ أعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى﴾ الآيَةَ.. هَذَا طَرِيق سادس للْحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه من سِتَّة طرق وَوضع على كل طَرِيق تَرْجَمَة مقطعَة، وَفِي هَذَا الطَّرِيق التَّصْرِيح بِسَمَاع الْأَعْمَش عَن سعد بن عُبَيْدَة، وَانْظُر التَّفَاوُت الْيَسِير فِي متونها من بعض زِيَادَة ونقصان، وَلم يذكر لفظ: لما خلق لَهُ إلَاّ فِي هَذَا الطَّرِيق، وَمضى أَكثر الْكَلَام فِيهَا فِي كتاب الْجَنَائِز. ٣٩ - (سُورَةُ: ﴿وَالضُّحَى﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة وَالضُّحَى، وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي مِائَتَان وَاثْنَانِ وَسَبْعُونَ حرفا وَأَرْبَعُونَ كلمة وَإِحْدَى عشرَة آيَة. وَالضُّحَى يَعْنِي: النَّهَار كُله قَالَه الثَّعْلَبِيّ، وَعَن قَتَادَة وَمُقَاتِل: يَعْنِي وَقت الضُّحَى وَهِي السَّاعَة الَّتِي فِيهَا ارْتِفَاع الشَّمْس، واعتدال النَّهَار من الْحر وَالْبرد فِي الشتَاء والصيف، وَهُوَ قسم تَقْدِيره: وَرب الضُّحَى. ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر. وَقَالَ مُجاهِدٌ: إذَا سَجَى اسْتَوَى

стр. 5873

أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللَّيْل إِذا سجى﴾ (الضُّحَى: ٢) مَعْنَاهُ اسْتَوَى، رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد عَن حجاج عَن حَمْزَة عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد. وَقَالَ غَيْرُهُ: سَجَى أظْلَمَ وَسَكَنَ أَي: قَالَ غير مُجَاهِد فِي تَفْسِير: (سجى: أظلم) وَهُوَ مَنْقُول عَن ابْن عَبَّاس قَوْله: (وَسكن) مَنْقُول عَن عِكْرِمَة، وَعَن ابْن عَبَّاس أَيْضا سجى ذهب، وَعَن الْحسن: جَاءَ، وَعنهُ اسْتَقر وَسكن، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: أولى الْأَقْوَال من قَالَ: سكن، يُقَال: بَحر سَاج إِذا كَانَ سَاكِنا. عَائِلاً: ذُو عِيَالٍ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿ووجدك عائلاً فأغنى﴾ (الضُّحَى: ٨) وفسرالعائل بقوله: (ذُو عِيَال) قَالَ الثَّعْلَبِيّ فأغناك بِمَال خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، ثمَّ بالغنائم، وَقَالَ مقَاتل: رضاك بِمَا أَعْطَاك من الرزق، وَعَن ابْن عَطاء: وَجدك فَقير النَّفس فأغنى قَلْبك. ١ - (بَابٌ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (الضُّحَى: ٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى﴾ وَلم تثبت هَذِه التَّرْجَمَة إلَاّ لأبي ذَر وَحده. ٠٥٩٤ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ حدَّثنا زُهَيْرٌ حدَّثنا الأسْوَدُ بنُ

стр. 5874

قَيْسٍ قَالَ سَمِعْتُ جُنْدُبَ بنَ سُفْيَانَ ﵁ قَالَ اشْتَكَى رَسُولُ الله ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثَا فَجَاءَتِ امْرأَةٌ فَقَالَتْ يَا مُحَمَّدُ إنِّي لأَرْجُو أنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ لَمْ أرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلَاثًا فَأنْزَلَ الله : ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (الضُّحَى: ١، ٣) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَفِيه بَيَان سَبَب نزُول هَذِه السُّورَة، وَزُهَيْر مصغر زهر هُوَ ابْن مُعَاوِيَة الْجعْفِيّ، وَالْأسود بن قيس الْعَبْدي وَقيل: البَجلِيّ، جُنْدُب، بِضَم الْجِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وَضمّهَا وَهُوَ جند بن عبد الله بن سُفْيَان البَجلِيّ تَارَة ينْسب إِلَى أَبِيه وَتارَة إِلَى جده. والْحَدِيث قد مر فِي قيام اللَّيْل فِي ترك الْقيام للْمَرِيض، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان عَن الْأسود الخ. قَوْله: (اشْتَكَى) أَي: مرض. قَوْله: (فَجَاءَت امْرَأَة) وَهِي أم جميل، بِفَتْح الْجِيم، امْرَأَة أبي لَهب وَهِي بنت حَرْب أُخْت أبي سُفْيَان وَاسْمهَا العوراء. قَوْله: (قربك) بِكَسْر الرَّاء وَلَفظ قرب يَجِيء لَازِما ومتعديا يُقَال: قرب الشَّيْء بِالضَّمِّ أَي: دنا وقريته بِالْكَسْرِ أَي: دَنَوْت مِنْهُ، وَهنا مُتَعَدٍّ. ٢ - (بَابٌ قَوْلُهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى﴾ كَذَا ثبتَتْ هَذَا للمستملي، وَهِي مكررة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ لَا إِلَى غَيره لِأَن غَيره لم يذكرهَا فِي الأولى. تُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ بِمَعْنَى وَاحِدٍ مَا تَرَكَكَ رَبُّكَ أَي: يقْرَأ قَوْله: (مَا وَدعك) بتَشْديد الدَّال وتخفيفها فالتشديد قِرَاءَة الْجُمْهُور وَالتَّخْفِيف قِرَاءَة ابْن أبي عبلة قَوْله: (بِمَعْنى وَاحِد) يَعْنِي كلتا الْقِرَاءَتَيْن بِمَعْنى وَاحِد وَهُوَ قَوْله: (مَا تَركك) يَعْنِي: ودع، سَوَاء كَانَ بِالتَّشْدِيدِ أَو بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنى ترك فِيهِ تَأمل، فَإِن أَبَا عُبَيْدَة قَالَ: التَّشْدِيد من التوديع وَالتَّخْفِيف من ودع يدع، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أماتوا ماضيه فَلَا يُقَال: ودعه وَإِنَّمَا يُقَال: تَركه قلت: قِرَاءَة ابْن أبي عبلة ترد عَلَيْهِ مَا قَالَه. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: مَا تَرَكَكَ وَمَا أبْغَضَكَ أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله: ﴿مَا وَدعك مَا تَركك﴾ وَفِي تَفْسِير قَوْله: (وَمَا قلى) أَي: (وَمَا أبغضك) وَأَصله: وَمَا قلاك فَحذف الْكَاف مِنْهُ وَمن قَوْله: (فأغنى) وَقَوله: (فهدى) للمشاكلة فِي أَوَاخِر الْآي، وَيُقَال لهَذَا فواصل. كَمَا يُقَال: فِي غير الْقُرْآن أسجاع، وقلى يقلى من بَاب ضرب يضْرب ومصدره قلى وقلى، قَالَ الْجَوْهَرِي: إِذا فتحت مددت وَمَعْنَاهُ البغض، وقلاه أبغضه وتقليه تبْغضهُ ولغة طي: تقلاه. ١٥٩٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنِ الأسْوَدِ بنِ قَيسٍ قَالَ سَمِعْتُ جُنْدُبا البَجَلِيِّ قَالَتِ امْرَأَةٌ يَا رَسولَ الله مَا أُرَى صَاحِبَكَ إلَاّ أبْطاعَتْكَ فَنَزَلَتْ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبِّكَ وَمَا قَلَى﴾ (الضُّحَى: ٣) . هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث جُنْدُب أخرجه عَن مُحَمَّد بن بشار هُوَ بنْدَار عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر هُوَ غنْدر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَضم الدَّال وَفتحهَا. وَكِلَاهُمَا لقب. قَوْله: (قَالَت امْرَأَة) ، قيل إِنَّهَا خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْمَرْأَة كَانَت كَافِرَة فَكيف قَالَت: يَا رَسُول الله؟ قلت: قَالَت إِمَّا استهزاء وَإِمَّا أَن يكون هُوَ من تَصَرُّفَات الرَّاوِي إصلاحا للعبارة، وَقَالَ بَعضهم، بعد أَن نقل كَلَام الْكرْمَانِي: هُوَ موجه لِأَن مخرج الطَّرِيقَيْنِ وَاحِد. قلت: أما قَول الْكرْمَانِي: الْمَرْأَة كَانَت كَافِرَة، فِيهِ نظر، فَمن أَيْن علم أَنَّهَا كَانَت كَافِرَة فِي هَذَا الطَّرِيق؟ نعم كَانَت كَافِرَة فِي الطَّرِيق الأول لِأَنَّهُ صرح فِيهِ بقوله إِنِّي لأرجو أَن يكون شَيْطَانك قد تَركك، وَهَذَا القَوْل لَا يصدر عَن مُسلم وَلَا مسلمة، وَهنا قَالَ صَاحبك، وَقَالَ: يَا رَسُول الله، وَمثل هَذَا لَا يصدر عَن كَافِر، وَقَول بَعضهم: هَذَا موجه، لِأَن مخرج الطَّرِيقَيْنِ، وَاحِد، فِيهِ نظر أَيْضا لِأَن اتِّحَاد الْمخْرج يسْتَلْزم أَن يكون هَذِه الْمَرْأَة هُنَا بِعَينهَا تِلْكَ الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة هُنَاكَ، على أَن الواحدي ذكر عَن عُرْوَة أَبْطَأَ جِبْرِيل، ﵊، على النَّبِي ﷺ فَخرج جزعا شَدِيدا. فَقَالَت خَدِيجَة: قد قلاك رَبك لما يرْوى من جزعك فَنزلت وَهِي فِي (تَفْسِير مُحَمَّد بن جرير) ، عَن جُنْدُب ابْن عبد الله، فَقَالَت امْرَأَة من أَهله وَمن قومه: ودع مُحَمَّدًا فَإِن قلت: ذكر ابْن بشكوال أَن الْقَائِل بذلك للنَّبِي ﷺ عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ. قَالَ: ذكره ابْن سنيد فِي تَفْسِيره. قلت: هَذَا لَا يَصح لِأَن هَذِه السُّورَة مَكِّيَّة بِلَا خلاف وَأَيْنَ عَائِشَة حِينَئِذٍ. قَوْله: (إلَاّ أَبْطَأَ عَنْك) ، وَكَأَنَّهُ وَقع فِي نُسْخَة الْكرْمَانِي، أبطأك، ثمَّ تكلّف فِي نقل كَلَام وَالْجَوَاب عَنهُ، فَقَالَ: قيل الصَّوَاب أَبْطَأَ عَنْك، وَأَبْطَأ بك أَو عَلَيْك، قَول: وَهَذَا أَيْضا صَوَاب إِذْ مَعْنَاهُ مَا أرى صَاحبك يَعْنِي جِبْرِيل إلَاّ جعلك بطيئا فِي الْقِرَاءَة لِأَن بطأه فِي الإقراء إبطاء فِي قِرَاءَته، أَو هُوَ من بَاب حذف حرف الْجَرّ وإيصال الْفِعْل بِهِ، وَهنا فصلان: الأول: فِي مُدَّة احتباس جِبْرِيل، ﵊، فَعَن ابْن جريج: اثْنَا عشر يَوْمًا، وَعَن ابْن عَبَّاس: خَمْسَة عشر يَوْمًا. وَعنهُ: خَمْسَة وَعشْرين يَوْمًا. وَعَن مقَاتل: أَرْبَعُونَ يَوْمًا. وَقيل: ثَلَاثَة أَيَّام. وَالثَّانِي: سَبَب الاحتباس، فَفِيهِ أَقْوَال فَعَن خَوْلَة خادمة النَّبِي ﷺ : أَن جروا دخل الْبَيْت فَمَاتَ تَحت السرير فَمَكثَ رَسُول الله ﷺ أَيَّامًا لَا ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي، فَقَالَ: يَا خَوْلَة مَاذَا حدث فِي بَيْتِي؟ قَالَت. فَقلت: لَو هيأت الْبَيْت وكنسته فَأَهْوَيْت بالمكنسة تَحت السرير فَإِذا شَيْء ثقيل فنطرت فَإِذا جرو ميت فألقيته فجَاء النَّبِي ﷺ يرعد لحياه، فَقَالَ: يَا خَوْلَة! دثريني. فَنزلت: ﴿وَالضُّحَى﴾ وَعَن مقَاتل: لما أَبْطَأَ الْوَحْي قَالَ الْمُسلمُونَ: يَا رَسُول الله تلبث عَلَيْك الْوَحْي؟ فَقَالَ: كَيفَ ينزل عليّ الْوَحْي وَأَنْتُم لَا تنفقون براجمكم وَلَا تقلمون أظفاركم؟ وَعَن ابْن إِسْحَاق أَن الْمُشْركين سَأَلُوا النَّبِي ﷺ عَن الْحَضَر وَفِي القرنين وَالروح فَوَعَدَهُمْ بِالْجَوَابِ إِلَى غَد وَلم يسْتَثْن فَأَبْطَأَ جِبْرَائِيل، ﵊، اثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة. وَقيل: أَكثر من ذَلِك. فَقَالَ الْمُشْركُونَ: ودعه ربه، فَنزل جِبْرَائِيل، ﵊، بِسُورَة (وَالضُّحَى) بقوله: ﴿وَلَا تقولن لشَيْء أَنِّي فَاعل ذَلِك غَدا﴾ (الْكَهْف: ٣٢) انْتهى. فَإِن قلت: هَذَا يُعَارض رِوَايَة جُنْدُب. قلت: لَا إِذْ يكون جَوَابا بالذينك الشَّيْئَيْنِ أَو جَوَابا لمن قَالَ: كَائِنا من كَانَ. ٤٩ - (سُورَةُ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: ﴿ألم نشرح لَك﴾ (الشَّرْح ١:) كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: (ألم نشرح) وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي مائَة وَثَلَاثَة أحرف، وَسبع وَعِشْرُونَ كلمة، وثمان آيَات. قَوْله: (ألم نشرح) يَعْنِي: ألم نفتح ونوسع ونلين لَك قَلْبك بِالْإِيمَان والنبوة وَالْعلم وَالْحكمَة؟ والهمزة فِيهِ لَيْسَ على الِاسْتِفْهَام الْحَقِيقِيّ، وَمَعْنَاهُ: شرحنا لَك صدرك، وَلِهَذَا عطف (ووضعنا) عَلَيْهِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر وَحده. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وِزرَكَ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ووضعنا عَنْك وزرك﴾ (الشَّرْح: ٢) رَوَاهُ ابْن جرير عَن مُحَمَّد بن عَمْرو: أخبرنَا أَبُو عَاصِم أخبرنَا عِيسَى عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ، وَقَرَأَ عبد الله: وحللنا عَنْك وزرك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: (فِي الْجَاهِلِيَّة) صفة للوزر لَا مُتَعَلق بِالْوَضْعِ، وَأَرَادَ بِهِ

стр. 5875

الْوزر الْكَائِن فِي الْجَاهِلِيَّة من ترك الْأَفْضَل والذهاب إِلَى الْفَاضِل، وَعَن الْحُسَيْن بن الْفضل: يَعْنِي الْخَطَأ والسهو، وَقيل: ذنُوب أمتك فأضافها إِلَيْهِ لاشتغال قلبه بهَا واهتمامه لَهَا. أنْقَضَ أثْقَلَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وزرك الَّذِي أنقض ظهرك﴾ (الشَّرْح: ٢، ٣) وَفَسرهُ بقوله: (أثقل) بالثاء الْمُثَلَّثَة وَالْقَاف وَاللَّام، وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن جرير: أخبرنَا ابْن عبد الْأَعْلَى حَدثنَا ابْن ثَوْر عَن معمر عَن قَتَادَة، وَقَالَ عِيَاض: كَذَا فِي جَمِيع النّسخ: اتقن، بمثناة وقاف وَنون وَهُوَ وهم، وَالصَّوَاب: أثقل، مثل مَا ضبطناه، تَقول الْعَرَب أنقض الْجمل ظهر النَّاقة إِذا أثقلها وَعَن الْفراء: كسر ظهرك حَتَّى سمع نقيضه وَهُوَ صَوته. ﴿مَعَ العُسْرِ يُسْرا﴾ (الشَّرْح: ٥، ٦) قَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ أيْ مَعَ العُسْرِ يُسْرا آخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلَاّ إحْدَى الحُسْنَيَيْنِ وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَينِ﴾ . أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن مَعَ الْعسر يسرا إِن مَعَ الْعسر يسر﴾ وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان، وَقد فسر قَوْله: (مَعَ الْعسر يسرا) بقوله: إِن مَعَ ذَلِك الْعسر يسرا آخر، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَول النُّحَاة: إِن الْمعرفَة إِذا أُعِيدَت معرفَة تكون الثَّانِيَة عين الأولى، والنكرة إِذا أُعِيدَت نكرَة تكون غَيرهَا. قَوْله: (كَقَوْلِه: هَل تربصون بِنَا إلَاّ إِحْدَى الحسنيين) وَجه التَّشْبِيه أَنه كَمَا ثَبت للْمُؤْمِنين تعدد الْحسنى كَذَا ثَبت لَهُم تعدد الْيُسْر، قَوْله: (وَلنْ يغلب عسر يسرين) وَقَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا حَدِيث أَو أثر، وعَلى كلا التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَصح عطفه على مقوله قلت: يبين أَنه حَدِيث وَأثر، بل تردد فِيهِ، وَقد رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعا مَوْصُولا ومرسلاً وَرُوِيَ مَوْقُوفا أما الْمَرْفُوع فقد أخرجه ابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث جَابر بِإِسْنَاد ضَعِيف، وَلَفظه: أوحى إِلَى أَن مَعَ الْعسر يسرا وَلنْ يغلب عسر يسرين، وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَعبد الرَّزَّاق من حَدِيث ابْن مَسْعُود. قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : لَو كَانَ الْعسر فِي جُحر لدخل الْيُسْر حَتَّى يُخرجهُ، وَلنْ يغلب عسر يسرين. وَقَالَ (إِن مَعَ الْعسر يسرا) وَإِسْنَاده ضَعِيف، وَأما الْمُرْسل فَأخْرجهُ عبد بن حميد من طَرِيق قَتَادَة. قَالَ: ذكر لنا أَن رَسُول الله ﷺ بشر أَصْحَابه بِهَذِهِ الْآيَة. وَقَالَ: (لن يغلب عسر يسرين) إِن شَاءَ الله، وَأما الْمَوْقُوف فَأخْرجهُ مَالك عَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كتب إِلَى أبي عُبَيْدَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: مهما تنزل بأَمْري شدَّة يَجْعَل الله لَهُ بعْدهَا فرجا، وَإنَّهُ لن يغلب عسر يسرين، وَقَالَ الْحَاكِم: صَحَّ ذَلِك عَن عمر وَعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهُوَ فِي (الْمُوَطَّأ) عَن عمر لكنه مُنْقَطع. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَانْصَبْ فِي حَاجَتَكَ إلَى رَبِّكَ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا فرغت فانصب﴾ (الشَّرْح: ٧) يَعْنِي: انصب فِي حَاجَتك يَعْنِي: إِذا فرغت عَن الْعِبَادَة فاجتهد فِي الدُّعَاء فِي قَضَاء الْحَوَائِج، وروى أَبُو جَعْفَر عَن مُحَمَّد بن عمر وَحدثنَا أَبُو عَاصِم حَدثنَا عِيسَى عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد بِلَفْظ: إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فانصب فِي حَاجَتك إِلَى رَبك، وَعَن ابْن عَبَّاس: إِذا فرغت مِمَّا فرض الله عَلَيْك من الصَّلَاة فسل الله وارغب إِلَيْهِ وانصب لَهُ، وَقَالَ قَتَادَة: أمره إِذا فرغ من صلَاته أَن يُبَالغ فِي دُعَائِهِ، وَقَوله: فانصب من النصب وَهُوَ التَّعَب فِي الْعَمَل، وَهُوَ من نصب ينصب من بَاب علم يعلم. وَيُذْكَرُ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: ﴿ألَمْ نَشْرَحَ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (الشَّرْح: ١) شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإسْلامِ رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، وَفِي إِسْنَاده راو ضَعِيف، وَعَن الْحسن: ملأناه حلما وعلما. قَالَ مقَاتل: وسعناه بعد ضيقه. ٥٩ - (سُورَةُ: ﴿وَالتِّينِ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة والتين، وَهِي مَكِّيَّة، وَقيل: مَدَنِيَّة، وَهِي مائَة وَخَمْسُونَ حرفا، وَأَرْبع وَثَلَاثُونَ كلمة، وثمان آيَات. وَقَالَ مُجَاهِدٌ هُوَ التِّينُ وَالزَّيْتُونُ الَّذِي يَأْكُلُ النَّاسُ رَوَاهُ عَنهُ عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح، عَنهُ قَالَ: التِّين وَالزَّيْتُون الْفَاكِهَة الَّتِي يَأْكُل النَّاس، وَعَن قَتَادَة: التِّين الْجَبَل

стр. 5876

الَّذِي عَلَيْهِ دمشق، وَالزَّيْتُون الْجَبَل الَّذِي عَلَيْهِ بَيت الْمُقَدّس. يُقَالُ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ فَما الَّذِي يُكَذِّبُكَ بِأنَّ النَّاسَ يُدَانُونَ بِأعْمَالِهِمْ كَأنّهُ قَالَ وَمَنْ يَقْدِرُ عَلَى تَكْذِيبِكَ بِالثَّوَابِ وَالعِقابِ هَذَا ظَاهر. قَوْله: (يدانون) ، أَي: يجازون وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن غير الْكشميهني: يدالون، بِاللَّامِ بدل النُّون الأولى وَالْأول هُوَ الصَّوَاب وَالْخطاب فِي قَوْله: (فَمَا يكذبك) للْإنْسَان الْمَذْكُور فِي قَوْله: ﴿لقد خلنقا الْإِنْسَان﴾ (التِّين: ٤) على طَريقَة الِالْتِفَات وَقيل: الْخطاب لرَسُول الله ﷺ . ٢٥٩٤ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ أخْبَرَنِي عَدِيٌّ قَالَ سَمِعْتُ البَرَاءَ ﵁ أنَّ النَّبِي ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ فَقَرَأَ فِي العِشاءِ فِي إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وعدي هُوَ ابْن ثَابت الْكُوفِي، والبراء هُوَ ابْن عَازِب، والْحَدِيث قد مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب الْقِرَاءَة فِي الْعشَاء، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن خَلاد بن يحيى عَن مسعر عَن عدي بن ثَابت إِلَى آخِره، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر: سفر. ٦٩ - سُورَةُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: ١) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: اقْرَأ وَتسَمى سُورَة العلق وَفِي بعض النّسخ: سُورَة اقْرَأ فَقَط وَهِي مَكِّيَّة وَهِي مِائَتَان وَسَبْعُونَ حرفا، وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ كلمة. وَعِشْرُونَ آيَة. وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حدَّثنا حَمَّادٌ عَنْ يَحْيَى بنِ عَتِيقٍ عَنِ الحَسَنِ. قَالَ: اكْتُبْ فِي المُصْحَفِ فِي أوَّلِ الإمامِ: بِسْمِ الله الرَّحْمانِ الرَّحِيمِ وَاجْعَلْ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ خَطّا. مطابقته للتَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ قَوْله: (اقْرَأ باسم رَبك) فِي قِرَاءَة: بِسم الله الرحمان الرَّحِيم، لَكِن فِي أول سُورَة الْفَاتِحَة فَقَط أَو فِي أول كل سُورَة من الْقُرْآن؟ فِيهِ خلاف مَشْهُور بَين الْعلمَاء. فمذهب الْحسن الْبَصْرِيّ وَمَا ذكره البُخَارِيّ. بقوله: قَالَ قُتَيْبَة وَذَلِكَ بطرِيق المذاكرة، وقتيبة هُوَ ابْن سعيد يروي عَن حَمَّاد بن زيد عَن يحيى بن عَتيق ضد الْجَدِيد. الطفَاوِي، بِضَم الطَّاء الْمُهْملَة وبالفاء وَالْوَاو عَن الْحسن الْبَصْرِيّ، وَلَيْسَ ليحيى هَذَا فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الْموضع وَهُوَ ثِقَة بَصرِي من طبقَة أَيُّوب وَمَات قبله. قَوْله: (فِي أول الإِمَام) ، أَي: أول الْقُرْآن أَي: اكْتُبْ فِي أول الْقُرْآن الَّذِي هُوَ الْفَاتِحَة: بِسم الله الرحمان الرَّحِيم، فَقَط ثمَّ اجْعَل بَين كل سورتين خطا أَي: عَلامَة فاصلة بَينهمَا، وَهَذَا مَذْهَب حَمْزَة من الْقُرَّاء السَّبْعَة، وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِن أَرَادَ خطأ فَقَط بِغَيْر الْبَسْمَلَة فَلَيْسَ بصواب لِاتِّفَاق الصَّحَابَة على كِتَابَة الْبَسْمَلَة بَين كل سورتين إلَاّ بَرَاءَة، وَإِن أَرَادَ بِالْإِمَامِ إِمَام كل سُورَة فَيجْعَل الْخط مَعَ الْبَسْمَلَة فَحسن، ورد عَلَيْهِ بِأَن مَذْهَب الْحسن أَن الْبَسْمَلَة تكْتب فِي أول الْفَاتِحَة فَقَط ويكتفي فِي الْبَاقِيَة بَين كل سورتين بالعلامة، فَإِذا كَانَ هَذَا مذْهبه كَيفَ يَقُول الدَّاودِيّ إِن أَرَادَ خطا بِغَيْر الْبَسْمَلَة فَلَيْسَ بصواب وَإِن أَرَادَ بِالْإِمَامِ بِكَسْر الْهمزَة الَّذِي هُوَ الْفَاتِحَة فَكيف يَقُول: وَإِن أَرَادَ بِالْإِمَامِ أَمَام كل سُورَة بِفَتْح الْهمزَة يَعْنِي: فَكيف يَصح ذكر الإِمَام بِالْكَسْرِ، وَيُرَاد بِهِ الإِمَام بِالْفَتْح؟ وَقَالَ السُّهيْلي: هَذَا الْمَذْكُور عَن مصحف الْحسن شذوذ، قَالَ: وَهِي على هَذَا من الْقُرْآن إِذْ لَا يكْتب فِي الْمُصحف مَا لَيْسَ بقرآن، وَلَيْسَ يلْزم قَول الشَّافِعِي: إِنَّهَا آيَة من كل سُورَة وَلَا أَنَّهَا آيَة من الْفَاتِحَة، بل يَقُول إِنَّهَا آيَة من كتاب الله تَعَالَى مقترنة مَعَ السُّورَة، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَدَاوُد، وَهُوَ قَول بَين الْقُوَّة لمن أنصف. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) لَا نسلم لَهُ ذَلِك، بل من تَأمل الْأَدِلَّة ظهر لَهُ أَنَّهَا من الْفَاتِحَة وَمن كل سُورَة. قلت: مُجَرّد الْمَنْع بِغَيْر إِقَامَة الْبُرْهَان مَمْنُوع، وَمَا قَالَه بِالْعَكْسِ، بل من تَأمل الْأَدِلَّة ظهر لَهُ أَنَّهَا لَيست من الْفَاتِحَة وَلَا من أول كل سُورَة، بل هِيَ آيَة مُسْتَقلَّة أنزلت للفصل بَين السورتين، وَلِهَذَا اسْتدلَّ ابْن الْقصار الْمَالِكِي على أَن بِسم الله الرحمان الرَّحِيم لَيست بقرآن فِي أَوَائِل السُّور من قَوْله: اقْرَأ باسم رَبك لم تذكر الْبَسْمَلَة.

стр. 5877

وَقَالَ مُجاهِدٌ: نَادِيَهُ: عَشِيرَتَهُ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَليدع نَادِيه﴾ أَي: (عشيرته) أَي: أهل نَادِيه، لِأَن النادي هُوَ الْمجْلس الْمُتَّخذ للْحَدِيث، وَرَوَاهُ ابْن جرير عَن الْحَارِث: حَدثنِي الْحسن عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد. الزَّبَانِيَةَ: المَلائِكَةَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿سَنَدع الزَّبَانِيَة﴾ وَالْمرَاد بالزبانية (الْمَلَائِكَة) والزبانية فِي كَلَام الْعَرَب الشَّرْط الْوَاحِد زبنية كعفرية من الزين وَهُوَ الدّفع، وَقيل: زابن. وَقيل: زباني، وَقيل: زبني كَأَنَّهُ نسب إِلَى الزين، وَالْمرَاد: مَلَائِكَة الْعَذَاب الْغِلَاظ الشداد. وَقَالَ مَعْمَرٌ: الرُّجْعى: المَرْجِعُ أَي: قَالَ معمر وَهُوَ أَبُو عُبَيْدَة، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن إِلَى رَبك الرجعى﴾ (العلق: ٨) أَي: الرُّجُوع، وَهَذَا هَكَذَا وَقع لأبي ذَر وَلم يثبت لغيره. لَنَسْفَعْن: قَالَ لَنَأْخُذَنْ وَلَنَسْفَعَنْ بِالنُّونِ وَهِيَ الخَفِيفَةُ سَفَعْتُ بِيَدِهِ أخَذْتُ أَي: قَالَ معمر فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لنسفعن بالناصية﴾ (العلق: ٥١) لنأخذن قَوْله: (بالناصية) هِيَ مقدم الرَّأْس، وَاكْتفى بِذكر الناصية عَن الْوَجْه كُله لِأَنَّهَا فِي مقدمه، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: فَيَأْخُذ بالنواصي والأقدام. قَوْله: (بالنُّون) الْخَفِيفَة وَقد علم أَن نون التَّأْكِيد خَفِيفَة وثقيلة وَقد رُوِيَ عَن أبي عَمْرو بالنُّون الثَّقِيلَة. قَوْله: (سفعت بِيَدِهِ) أَشَارَ بِهِ إِلَى معنى السفع من حَيْثُ اللُّغَة وَهُوَ الْأَخْذ، وَقيل: هُوَ الْقَبْض بِشدَّة، وَقَالَ مقَاتل: دخل النَّبِي ﷺ الْكَعْبَة فَوجدَ أَبَا جهل قد قلد هُبل طوقا من ذهب وطيبه، وَهُوَ يَقُول: يَا هُبل لكل شَيْء شكر وَعزَّتك لأشكرنك من قَابل. قَالَ: وَكَانَ قد ولد لَهُ ذَلِك الْعَام ألف نَاقَة وَكسب فِي تِجَارَته ألف مِثْقَال ذهب، فَنَهَاهُ النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك، فَقَالَ لَهُ: وَالله إِن وَجَدْتُك هُنَا تعبد غير إلاهنا لأسفعنك على ناصيتك، يَقُول: لأجرنك على وَجهك، فَنزلت: ﴿كلا لَئِن لم ينْتَه لنسفعن بالناصية﴾ أَي: فِي النَّار. ١ - ( ﴿بَاب﴾ ) هَذَا كالفصل بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَاب، وَلَيْسَ فِي كثير من النّسخ لفظ: بَاب، بموجود. ٣٥٩٤ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بَكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شهابٍ ح وحدَّثني سَعِيدُ بنُ مَرْوَانَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ أبِي رَزْمَةَ أخْبَرَنَا أبُو صَالِحٍ سَلْمُويَةُ قَالَ حدَّثني عَبْدُ الله عَنْ يُونُسَ بنُ يَزِيدَ قَالَ أخبرنِي ابنُ شِهابٍ أنَّ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ أخْبَرَهُ أنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النبيِّ ﷺ . هَذَا الحَدِيث قد مر فِي أول الْكتاب. وَأخرجه هُنَا أَيْضا بِإِسْنَادَيْنِ: الأول: عَن يحيى بن بكير هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير المَخْزُومِي الْمصْرِيّ، وينسب إِلَى جده غَالِبا وَذكر هُنَا مُجَردا وَفِي بعض النّسخ يحيى بن بكير يروي عَن اللَّيْث بن سعد الْمصْرِيّ عَن عقيل بِضَم الْعين بن خَالِد الْأَيْلِي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الثَّانِي: عَن سعيد بن مَرْوَان أبي عُثْمَان الْبَغْدَادِيّ نزيل نيسابور من طبقَة البُخَارِيّ، وشاركه فِي الرِّوَايَة عَن أبي نعيم وَسليمَان بن حَرْب وَنَحْوهمَا وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع وَمَات قبل البُخَارِيّ بِأَرْبَع سِنِين، كَذَا قَالَه بَعضهم: ثمَّ قَالَ: وَلَهُمَا شيخ آخر يُقَال لَهُ: أَبُو عُثْمَان سعيد بن مَرْوَان الرهاوي حدث عَنهُ أَبُو حَاتِم وَابْن واره وَغَيرهمَا، وَفرق بَينهمَا البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه) وَوهم من زعم أَنَّهُمَا وَاحِد ووحدهما الْكرْمَانِي. فَإِن قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: وَسَعِيد بن مَرْوَان الرهاوي بِفَتْح الرَّاء وخفة الْهَاء وبالواو الْبَغْدَادِيّ، مَاتَ سنة ثِنْتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. قلت: الْكرْمَانِي تبع فِي ذَلِك صَاحب (رجال الصَّحِيحَيْنِ) فَإِنَّهُ قَالَ: سعيد بن مَرْوَان أَبُو عُثْمَان الرهاوي ثمَّ الْبَغْدَادِيّ سمع مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن أبي رزمة روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي تَفْسِير (اقْرَأ باسم رَبك) (العلق: ١) وَقَالَ: مَاتَ بنيسابور يَوْم الِاثْنَيْنِ النّصْف من شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، وَصلى عَلَيْهِ مُحَمَّد بن يحيى، وَهَذَا يُنَادي بِأَعْلَى صَوته أَن الصَّوَاب مَعَ الْكرْمَانِي وَمَعَ من قَالَ بقوله يظْهر ذَلِك بِالتَّأَمُّلِ، وَمُحَمّد بن عبد الْعَزِيز بن أبي رزقة بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الزَّاي واسْمه غَزوَان وَهُوَ أَيْضا مروزي من طبقَة أَحْمد بن حَنْبَل وَهُوَ من الطَّبَقَة الْوُسْطَى من شُيُوخ البُخَارِيّ وَمَعَ ذَلِك حدث عَنهُ بِوَاسِطَة، وَلَيْسَ لَهُ عِنْده إلَاّ هَذَا الْموضع، وَقد روى عَنهُ أَبُو دَاوُد بِلَا وَاسِطَة، مَاتَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة وَأَبُو صَالح اسْمه سُلَيْمَان بن صَالح

стр. 5878

الْمروزِي يلقب بسلمويه، بِفَتْح السِّين المهلمة وَفتح اللَّام وسكونها وَضم الْمِيم، وَهُوَ أَيْضا مروزي يُقَال: اسْم أَبِيه دَاوُد كَانَ من أخصاء عبد الله بن الْمُبَارك والمكثرين عَنهُ، وَقد أدْركهُ البُخَارِيّ بِالسِّنِّ لِأَنَّهُ مَاتَ سنة عشر وَمِائَتَيْنِ، وَمَا لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس بن يزِيد من الزِّيَادَة الْأَيْلِي، وَهَذَا من الغرائب إِذْ البُخَارِيّ كثيرا يروي عَن ابْن الْمُبَارك بِوَاسِطَة شخص وَاحِد مثل عَبْدَانِ وَغَيره وَهنا روى عَنهُ بِثَلَاث وسائط وَهَذَا الحَدِيث من ثمانيات البُخَارِيّ. قَالَتْ كَانَ أوَّلُ مَا بُدِيَّ بِهِ رسولُ الله ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيا الصَّادِقَةَ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إلَاّ جَاءَتْ مِثلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ الخَلاءُ فَكَانَ يَلْحَقُ بِغَارِ حَرَاءِ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ قَالَ وَالتَحنُّثُ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أنْ يَرْجِعَ إلَى أهْلِهِ وَيَتَرَدَّدُ لِذالِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ بِمِثْلِهَا حَتَّى فَجِئَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حَرَاءِ فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ اقْرَأُ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ مَا أنَا بِقَارِىءٍ قَالَ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأُ قُلْتُ مَا أنَا بِقَارِىءٍ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجُهْدَ ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ قُلْتُ مَا أنَا بِقَارِىءٍ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجُهْدَ ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ الْآيَات (العلق: ١، ٤) إلَى قَوْلِهِ: ﴿عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: ٥) فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ الله ﷺ ، تَرْجَفُ بُوَادِرُهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ. قَالَ لِخَدِيجَةَ: أيِّ خَدِيجَةُ: مَا لِي لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي فَأخْبَرَها الخَبَرَ قَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلا أبشِرْ فَوَالله لَا يُخزِيكَ الله أبَدا فَوَالله إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمِ وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ وَتَحْمِلُ الكَلَّ وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بنَ نَوْفَلٍ وَهُوَ ابنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أخِي أبِيها وَكَانَ امْرَءًا تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتابَ العَرَبِيَّ وَيَكْتُبُ مِنَ الإنْجِيلِ بِالعَرَبِيَةِ مَا شَاءَ الله أنْ يَكْتُبَ وَكَانَ شَيْخا كَبِيرا قَدْ عَمِيَ فَقَالَتْ خَدِيجَةُ يَا عَمِّ اسْمَعْ مِنْ ابنِ أخِيكَ قَالَ وَرَقَةُ يَا ابْنَ أخِي مَاذَا تَرَى فأخْبَرَهُ النبيُّ ﷺ خَبَرَ مَا رَأى فَقَالَ وَرَقَةُ هاذا النّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى لَيْتَنِي فِيها جَذَعا لَيْتَنِي أكُونُ حَيّا وَذَكَرَ حَرْفا قَالَ رَسُولُ الله ﷺ أوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ بِمَا جِئْتَ بِهِ إلاّ أُوْذِيَ وَإنْ يُدْرِكْنِي يَوْمِكَ حَيّا أنْصُرْكَ نَصْرا مُؤْزَّرا ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أنْ تُوْفِّيَ وَفَتَرَ الوَحْيُ فَتْرَةَ حَتَّى حَزِنَ رَسُولُ الله ﷺ . قد مر الْكَلَام فِي شَرحه مُسْتَوفى وَلَكِن نذْكر بعض شَيْء لبعد الْمسَافَة. قَوْله: (قَالَت) ، أَي: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا من مَرَاسِيل الصَّحَابَة لِأَن عَائِشَة لم تدْرك هَذِه الْقِصَّة، ووفق بَعضهم كَلَامه بِأَن الْمُرْسل مَا يرويهِ الصَّحَابِيّ من الْأُمُور الَّتِي لم يدْرك زمانها بِخِلَاف الْأُمُور الَّتِي يدْرك زمانها فَإِنَّهَا لَا يُقَال: إِنَّهَا مُرْسلَة، بل يحمل على أَنه سَمعهَا أَو حضرها، وَعَائِشَة سَمعتهَا من النَّبِي ﷺ وَإِن لم تحضرها، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْلهَا فِي أثْنَاء الحَدِيث فَجَاءَهُ الْملك فَقَالَ: اقْرَأ إِلَى قَوْله: فأخذني فغطني، فَظَاهر هَذَا أَن النَّبِي ﷺ أخْبرهَا بذلك فَيحمل بَقِيَّة الحَدِيث عَلَيْهِ فَلْيتَأَمَّل. قَوْله: (من الْوَحْي) أَي: إِلَى الْوَحْي قَالَه

стр. 5879

بَعضهم وَلَا أَدْرِي مَا وَجه عدوله عَن معنى من إِلَى معنى إِلَى، بل هَذِه من البيانية تبين أَن مَا بدىء بِهِ من الْوَحْي كَذَا وَكَذَا وإلَاّ فدلائل النُّبُوَّة قبل ذَلِك ظَهرت فِيهِ، مثل: سَمَاعه من بحير الراهب، وسماعه عِنْد بِنَاء الْكَعْبَة أشدد عَلَيْك إزارك، وَتَسْلِيم الْحجر عَلَيْهِ، فَالْأول: عِنْد التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي مُوسَى. وَالثَّانِي: عِنْد البُخَارِيّ من حَدِيث جَابر، الثَّالِث: عِنْد مُسلم من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة. قَوْله: (الرُّؤْيَا الصادقة) ويروى الرُّؤْيَا الصَّالِحَة، وَهِي الَّتِي لَا تكون أضغاثا وَلَا من تلبيس الشَّيْطَان. قَوْله: (فِي النّوم) تَأْكِيد، وإلَاّ فالرؤيا مُخْتَصَّة بِالنَّوْمِ، وَإِنَّمَا ابْتَدَأَ بالرؤيا لِئَلَّا يفجأه الْملك ويأتيه بِصَرِيح النُّبُوَّة بَغْتَة فَلَا تتحملها القوى البشرية فيبدىء بتباشير الْكَرَامَة وَصدق الرُّؤْيَا استئناسا. قَوْله: (فلق الصُّبْح) ، شبه مَا جَاءَهُ فِي الْيَقَظَة ووجده فِي الْخَارِج طبقًا لما رَآهُ فِي الْمَنَام بالصبح فِي إنارته ووضوحه، والفلق الصُّبْح لكنه لما كَانَ اسْتِعْمَاله فِي هَذَا الْمَعْنى وَغَيره أضيف إِلَيْهِ للتخصيص وَالْبَيَان إِضَافَة الْعَام إِلَى الْخَاص، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: للفلق شَأْن عَظِيم وَلذَلِك جَاءَ وَصفا لله تَعَالَى فِي قَوْله: ﴿فالق الإصباح﴾ (الْأَنْعَام: ٦٩) وَأمر بالاستعاذة بِرَبّ الفلق لِأَنَّهُ ينبىء عَن انْشِقَاق ظلمَة عَالم الشَّهَادَة وطلوع تباشير الصُّبْح بِظُهُور سُلْطَان الشَّمْس وإشراقها الْآفَاق كَمَا أَن الرُّؤْيَا الصَّالِحَة مبشرة تنبىء عَن وجود أنوار عَالم الْغَيْب وآثار مطالع الهدايات. قَوْله: (الْخَلَاء) بِالْمدِّ: الْمَكَان الْخَالِي، وَيُرَاد بِهِ الْخلْوَة، وَهُوَ المُرَاد هُنَا: وَإِنَّمَا حبب إِلَيْهِ الْخَلَاء لِأَن الْخلْوَة شَأْن الصَّالِحين ودأب عباد الله العارفين. قَوْله: (فَكَانَ يلْحق بِغَار حراء) كَذَا فِي هَذِه الرِّوَايَة وَفِي بَدْء الْوَحْي تقدم، فَكَانَ يَخْلُو، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: فَكَانَ يجاور، وبسطنا الْكَلَام هُنَاكَ فِي غَار حراء. قَوْله: (فَيَتَحَنَّث) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة ثمَّ النُّون ثمَّ التَّاء الْمُثَلَّثَة، وَقد فسره فِي الحَدِيث بِأَنَّهُ التَّعَبُّد. قَوْله: (اللَّيَالِي) أطلق اللَّيَالِي وَأُرِيد بهَا اللَّيَالِي مَعَ أَيَّامهَا على سَبِيل التغليب لِأَنَّهَا أنسب للخلوة، وَوصف اللَّيَالِي بذوات الْعدَد لإِرَادَة التقليل كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿دَرَاهِم مَعْدُودَة﴾ (يُوسُف: ٢) قيل: يحْتَمل أَن يكون التَّفْسِير من قَول الزُّهْرِيّ: أدرجه فِي الحَدِيث، وَذَلِكَ من عَادَته إِذْ قَول عَائِشَة يَتَحَنَّث فِيهِ اللَّيَالِي ذَوَات الْعدَد، وَقَوله: والتحنث التَّعَبُّد معترض بَين كلاميها. وَقَالَ التوريشتي: قَوْلهَا: (اللَّيَالِي ذَوَات الْعدَد) يتَعَلَّق بيتحنث لَا بالتعبد، وَمَعْنَاهُ: يَتَحَنَّث اللَّيَالِي، وَلَو جعل مُتَعَلقا بالتعبد فسد الْمَعْنى فَإِن التحنث لَا يشْتَرط فِيهِ اللَّيَالِي بل يُطلق على الْقَلِيل وَالْكثير. قَوْله: (قبل أَن يرجع إِلَى أَهله) ، وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة: قبل أَن ينْزع إِلَى أَهله، وَرَوَاهُ مُسلم كَذَلِك، يُقَال: نزع إِلَى أَهله إِذا جن إِلَيْهِم فَرجع إِلَيْهِم. قَوْله: (ثمَّ يرجع إِلَى خَدِيجَة فيتزود) ، خص خَدِيجَة بِالذكر بعد أَن عبر بالأهل إِمَّا تَفْسِير بعد إِبْهَام، وَإِمَّا إِشَارَة إِلَى اخْتِصَاص التزود بِكَوْنِهِ من عِنْدهَا دون غَيرهَا. قَوْله: (فيتزود بِمِثْلِهَا) ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة فِي رِوَايَة الْكشميهني وَعند غَيره: لمثلهَا، بِاللَّامِ وَالضَّمِير فِيهِ لليالي أَو الْخلْوَة أَو الْمرة السَّابِقَة ويتزود بِالرَّفْع عطف على قَوْله: يلْحق، وَهُوَ من التزود وَهُوَ اتِّخَاذ الزَّاد، وَلَا يقْدَح فِي التَّوَكُّل لوُجُوب السَّعْي فِي إبْقَاء النَّفس بِمَا يبقيه. قَوْله: (حَتَّى فجئه الْحق) ، أَي: حَتَّى أَتَاهُ أَمر الْحق بَغْتَة، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم، وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة: حَتَّى جَاءَهُ الْحق. يُقَال: فجىء يفجأ بِكَسْر الْجِيم فِي الْمَاضِي وَفتحهَا فِي الغابر، وفجأ يفجأ بِالْفَتْح فيهمَا، وَالْمرَاد بِالْحَقِّ: الْوَحْي أَو رَسُول الْحق، وَهُوَ جِبْرِيل. قَوْله: (وَهُوَ فِي غَار حراء) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (فَجَاءَهُ الْملك) ، أَي: جِبْرِيل. قَالَه السُّهيْلي. قَوْله: (اقْرَأ) ، هَذَا الْأَمر لمُجَرّد التَّنْبِيه والتيقظ لما سيلقى إِلَيْهِ. وَقيل: يحْتَمل أَن يكون على بَابه فيستدل بِهِ على جَوَاز تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق فِي الْحَال وَإِن قدر عَلَيْهِ بعد ذَلِك. قَوْله: (مَا أَنا بقارىء) ، ويروى: مَا أحسن أَن أَقرَأ. وَجَاء فِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: مَا أَقرَأ، وَفِي رِوَايَة أبي الْأسود فِي مغازيه أَنه قَالَ: كَيفَ أَقرَأ؟ قَوْله: (فغطني) ، من الغط وَهُوَ الْعَصْر الشَّديد، والضغط وَمِنْه الغط فِي المَاء، وَهُوَ الغوص فِيهِ، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ: فغتني، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق والغت حبس النَّفس مرّة وإمساك الْيَد أَو الثَّوْب على الْفَم، ويروى فِي غير هَذِه الرِّوَايَة فسأبني، من سأبت الرجل سأبا إِذا خنقته، ومادته سين مُهْملَة وهمزة وباء مُوَحدَة، ويروى: ساتني، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق عوض الْبَاء الْمُوَحدَة. قَالَ أَبُو عَمْرو: ساته بسألته سأتا إِذا خنقه حَتَّى يَمُوت، ويروى: فدعتني، من الدعت بِفَتْح الدَّال وَسُكُون الْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفِي آخِره تَاء مثناة من فَوق، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الدغت الدّفع العنيف، ويروى: ذأتني، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة قَالَ أَبُو زيد: ذأته إِذا خنقه أَشد الخنق حَتَّى أدلع لِسَانه، وَيُقَال: غطني وغتني وضغطني وعصرني وغمزني وخنقني، كُله بِمَعْنى وَاحِد. قَوْله: (حَتَّى بلغ من الْجهد) ، يجوز فِيهِ فتح الْجِيم وَضمّهَا وَهُوَ الْغَايَة وَالْمَشَقَّة، وَيجوز نصب الدَّال على

стр. 5880

معنى: بلغ جِبْرِيل مني الْجهد، وَالرَّفْع على معنى: بلغ الْجهد مبلغه وغايته، وَالْحكمَة فِي الغط شغله عَن الِالْتِفَات وَالْمُبَالغَة فِي أمره بإحضار قلبه لما يَقُوله: وكرره ثَلَاثًا مُبَالغَة فِي التَّنْبِيه. قَوْله: (فَرجع بهَا) ، أَي: بِسَبَب تِلْكَ الضغطة. قَوْله: (ترجف بوارده) ، فِي رِوَايَة الْكشميهني: فُؤَاده، أَي: يضطرب بوادره، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَهِي اللحمة الَّتِي بَين الْكَتف والعنق ترجف عِنْد الْفَزع. قَوْله: (زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) ، هَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَات بالتكرار، وَهُوَ من التزميل وَهُوَ التلفيف والتزمل الاشتمال والتلفف وَمثله التدثر. قَوْله: (الروع) ، بِفَتْح الرَّاء وَهُوَ الْفَزع، وَأما الَّذِي بِضَم الرَّاء فَهُوَ مَوضِع الْفَزع من الْقلب. قَوْله: (أَي خَدِيجَة) ، يَعْنِي: يَا خَدِيجَة. قَوْله: (لقد خشيت على نَفسِي) ، قَالَ عِيَاض: لَيْسَ هُوَ بِمَعْنى الشَّك فِيمَا آتَاهُ الله تَعَالَى لكنه رُبمَا خشِي أَنه لَا يقوى على مقاووته هَذَا الْأَمر وَلَا يقدر على حمل أعباء الْوَحْي فتزهق نَفسه. قَوْله: (كلا) ، مَعْنَاهُ النَّفْي والردع عَن ذَلِك الْكَلَام، وَالْمرَاد هُنَا التَّنْزِيه عَنهُ، وَهَذَا أحد مَعَانِيهَا. قَوْله: (لَا يخزيك) من الخزي وَهُوَ الفضيحة والهوان، وَوَقع فِي رِوَايَة معمر: لَا يحزنك، من الْحزن، وَقَالَ اليزيدي: أَخْزَاهُ لُغَة تَمِيم وحزنه لُغَة قُرَيْش. قَوْله: (الْكل) بِفَتْح الْكَاف وَتَشْديد اللَّام، وَهُوَ: الثّقل وَأَصله من الكلال وَهُوَ الإعياء أَي: ترفع الثّقل، أَرَادَت: تعين الضَّعِيف الْمُنْقَطع واليتيم والعيال. قَوْله: (وتكسب الْمَعْدُوم) بِفَتْح التَّاء هُوَ الْمَشْهُور وَالصَّحِيح فِي الرِّوَايَة وَالْمَعْرُوف فِي اللُّغَة وروى بضَمهَا، وَفِي معنى المضموم قَولَانِ: أصَحهمَا: مَعْنَاهُ تكسب غَيْرك المَال الْمَعْدُوم أَي: تعظيه لَهُ تَبَرعا. ثَانِيهمَا: تُعْطِي النَّاس مَالا يجدونه عِنْد غير من مُقَدمَات الْفَوَائِد وَمَكَارِم الْأَخْلَاق يُقَال: كسبت مَالا وأكسبت غَيْرِي مَالا وَفِي معنى المفتوح قَولَانِ: أصَحهمَا: أَن مَعْنَاهُ كمعنى المضموم، وَالْأول أفْصح وَأشهر. وَالثَّانِي: أَن مَعْنَاهُ تكسب المَال وتصيب مِنْهُ مَا يعجز غَيْرك عَن تَحْصِيله ثمَّ تجود بِهِ وتنفقه فِي وُجُوه المكارم. قَوْله: (وتقري الضَّيْف) ، بِفَتْح التَّاء تَقول قريت الضَّيْف أقريه قرى بِكَسْر الْقَاف وَالْقصر، وقراه بِالْفَتْح وَالْمدّ. قَوْله: (على نَوَائِب الْحق) ، النوائب جمع نائبة وَهِي الْحَادِثَة والنازلة خيرا أَو شرا. وَإِنَّمَا قَالَ: الْحق لِأَنَّهَا تكون فِي الْحق وَالْبَاطِل. قَوْله: (وَكَانَ يكْتب الْكتاب الْعَرَبِيّ) ، قد بسطت الْكَلَام فِيهِ فِي أول الْكتاب. قَوْله: (هَذَا الناموس الَّذِي أنزل) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَتقدم فِي بَدْء الْوَحْي: أنزل الله، والناموس بالنُّون وَالسِّين الْمُهْملَة هُوَ صابح السِّرّ، وَقَالَ ابْن سَيّده: الناموس السِّرّ، وَقَالَ صَاحب (الغريبين) هُوَ صَاحب سر الْملك، وَقَالَ ابْن ظفر فِي (شرح المقامات) صَاحب سر الْخَيْر ناموس، وَصَاحب سر الشَّرّ جاسوس، وَقد سوى بَينهمَا رؤبة ابْن العجاج، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ الصَّحِيح، وَلَيْسَ بِصَحِيح بل الصَّحِيح الْفرق بَينهمَا على مَا نقل النَّوَوِيّ فِي (شَرحه) من أهل اللُّغَة والغريب الْفرق بَينهمَا بِمَا ذَكرْنَاهُ، وَقد ذكرنَا الْحِكْمَة فِي قَول ورقة: ناموس مُوسَى، وَلم يقل: عِيسَى، مَعَ أَنه كَانَ تنصر. قَوْله: (لَيْتَني فِيهَا) أَي: فِي أَيَّام الدعْوَة أَو الدولة. قَوْله: (جذعا) ، بِفَتْح الْجِيم والذال الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة: الشَّاب الْقوي. قَوْله: (وَذكر حرفا) أَي: وَذكر ورقة بعد ذَلِك كلمة أُخْرَى، وَهِي فِي الرِّوَايَات الْأُخَر: إِذْ يخْرجك قَوْمك. أَي: يَوْم إخراجك أَو يَوْم دعوتك. قَوْله: (أَو مخرجي هم) ؟ جملَة من الْمُبْتَدَأ وَهُوَ قَوْله: هم وَالْخَيْر وَهُوَ قَوْله: مخرجي. قَوْله: (مؤزرا) بِلَفْظ اسْم الْمَفْعُول من التأزير. أَي: التقوية، والأزر الْقُوَّة. قَوْله: (ثمَّ لم ينشب) ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة. أَي: لم يلبث قَوْله: (وفتر الْوَحْي) ، أَي: احْتبسَ قَوْله: (وحزن) ، بِكَسْر الزَّاي. ٤٥٩٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ شِهابٍ فأخْبَرَنِي أبُو سَلَمَةَ أنَّ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله الأنْصَارِيَّ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرةِ الوَحْي قَالَ فِي حَدِيثهِ بَيْنا أَنا أمْشِي سَمِعْتُ صَوْتا مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحَرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ فَفَزَعْتُ مِنْهُ فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَدَثَرُوهُ فَأنْزَلَ الله تَعَالى ﴿يَا أيُّها المُدَّثِّرُ قُمْ فَأنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرِّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (المدثر: ١، ٥) قَالَ أبُو سَلَمَةَ وَهِيَ الأوْثَانُ الَّتِي كَانَ أهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَعْبُدُونَ قَالِ: ثُمَّ تَتَابَعَ الوَحْيُ .

стр. 5881

هَذَا مَوْصُول بالإسنادين الْمَذْكُورين فِي أول الْبَاب، وَمُحَمّد بن شهَاب هُوَ الزُّهْرِيّ. قَوْله: (فَأَخْبرنِي) ، مَعْطُوف على مَحْذُوف وَالتَّقْدِير، قَالَ ابْن شهَاب: فَأَخْبرنِي عُرْوَة بِمَا تقدم وَأَخْبرنِي أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. قَوْله: (أَن جَابر بن عبد الله) وَهَذَا أَيْضا مُرْسل الصَّحَابِيّ لِأَن جَابِرا لم يدْرك زمَان الْقِصَّة وَلَكِن يحْتَمل أَن يكون سَمعهَا من النَّبِي ﷺ أَو من صَحَابِيّ آخر قد حضرها. قَوْله: (فَرفعت رَأْسِي) ، ويروى: فَرفعت بَصرِي. قَوْله: (فَفَزِعت مِنْهُ) ، كَذَا فِي رِوَايَة ابْن الْمُبَارك عَن يُونُس، وَفِي رِوَايَة ابْن وهب عِنْد مُسلم: فجئثت مِنْهُ، بِضَم الْجِيم وَكسر الْهمزَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة من: جأت الرجل إِذا فزع فَهُوَ مجثوث، ويروى: فجثثت بِضَم الْجِيم وَكسر الثَّاء الْمُثَلَّثَة الأولى، ويروى: فَرُعِبْت مِنْهُ، بِضَم الرَّاء وَكسر الْعين على صِيغَة الْمَجْهُول، وَرِوَايَة الْأصيلِيّ: رعبت، بِفَتْح الرَّاء وَضم الْعين من الرعب وَهُوَ الْخَوْف، ويروى: ففرقت، بِالْفَاءِ وَالرَّاء وَالْقَاف من الْفرق بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ الْخَوْف والفزع، يُقَال: فرق يفرق من بَاب علم يعلم فرقا. قَوْله: (وَهِي الْأَوْثَان) ، جمع وثن وَإِنَّمَا أنث الضَّمِير الرَّاجِع إِلَى الرجز بِاعْتِبَار الْجِنْس، وَقد مر فِي تَفْسِير المدثر قَوْله: (ثمَّ تتَابع الْوَحْي) أَي: اسْتمرّ. ٢ - (بَابٌ قَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ (العلق: ٢) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿خلق الْإِنْسَان من علق﴾ وَأَرَادَ بالإنسان بني آدم لِأَن بني آدم خلقهمْ من علق وَهُوَ جمع علقَة وَهُوَ الدَّم الجامد وَهُوَ أول مَا تتحول إِلَيْهِ النُّطْفَة فِي الرَّحِم، وَإِنَّمَا جمع الْإِنْسَان فِي معنى الْجمع، وَقيل: أَرَادَ بالإنسان آدم، ﵊، وَأَرَادَ بقوله: من علق من طين يعلق بالكف. ٥٥٩٤ - حدَّثنا ابنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ عُرْوَةَ أنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ أوَّلُ مَا بُدِيَّ بِهِ رَسُولُ الله ﷺ الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ (العلق: ١، ٣) . ابْن بكير هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير، وَهَذَا طرف من الحَدِيث الَّذِي قبله بِرِوَايَة عقيل عَن ابْن شهَاب. قَوْله: (الصَّالِحَة) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني الصادقة وَقد مر الْكَلَام فِيهِ. ٣ - (بَابٌ قَوْلُهُ: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ (العلق: ٣) هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اقْرَأ وَرَبك الأكرم﴾ هَذَا التكرير للتَّأْكِيد، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون الأول للْعُمُوم، وَالثَّانِي للخصوص. قَوْله: (وَرَبك الأكرم) ، أَي: الَّذِي لَهُ الْكَمَال فِي زِيَادَة كرمه على كَلَام كل كريم إِذْ ينعم على عباده بنعمه الَّتِي لَا تحصى ويحلم عَنْهُم فَلَا يعاجلهم بالعقوبة مَعَ كفرهم وجحودهم لنعمه وركوبهم المناهي وأطراحهم الْأَوَامِر. ٦٥٩٤ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ. ح وَقَالَ اللَّيْثُ حدَّثني عُقَيْلٌ قَالَ مُحَمَّدٌ أخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أوَّلُ مَا بُدِيَ بِهِ رَسُولُ الله ﷺ الرؤْيا الصَّادِقَةُ جَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ ﴿اقْرَأُ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَق اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ (العلق: ١، ٤) . هَذَا أَيْضا مُخْتَصر من حَدِيث عَائِشَة جدا، وَأخرجه من طَرِيقين: الأول: عَن عبد الله بن مُحَمَّد المسندي عَن عبد الرَّزَّاق بن همام عَن معمر بِفَتْح الميمين بن رَاشد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. وَالثَّانِي: عَن اللَّيْث عَن عقيل بن خَالِد بن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة، وَهَذَا مُعَلّق وَصله فِي بَدْء الْوَحْي ثمَّ فِي الْبَاب الَّذِي قبله، ثمَّ فِي التَّعْبِير أخرجه فِي الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث؟ . (بَابٌ: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ (العلق: ٤)

стр. 5882

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِي علم بالقلم﴾ (العلق: ٤) وَهَذِه التَّرْجَمَة لأبي ذَر وَحده. قَوْله: (علم بالقلم) أَي: علم الْخط وَالْكِتَابَة بالقلم. ٧٥٩٤ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ سَمِعْتُ عُرْوَةَ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ فَرَجَعَ النبيُّ ﷺ إلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَذَكَرَ الحَدِيثَ. وَهَذَا أَيْضا طرف من حَدِيث بَدْء الْوَحْي وَالْكَلَام فِي إرْسَال هَذَا قد مر عَن قريب. ٤ - (بَابٌ: ﴿كَلاّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعنْ بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ (العلق: ٥١، ٦١) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كلا﴾ إِلَى آخِره وَسقط لغير أبي ذَر لفظ: بَاب، وَمن نَاصِيَة إِلَى آخِره قَوْله: ﴿لَئِن لم ينْتَه﴾ أَي: أَبُو جهل عَن إنذار رَسُول الله ﷺ وَنَهْيه عَن الصَّلَاة. قَوْله: (لنسفعن) أَي: لنأخذن بالناصية، وَقد مر تَفْسِيره عَن قريب، وَكتب بِالْألف فِي الْمُصحف على حكم الْوَقْف قَوْله: نَاصِيَة بدل من قَوْله بالناصية، وَوصف الناصية بِالْكَذِبِ وَالْخَطَأ على الْإِسْنَاد الْمجَازِي، وَالْكذب وَالْخَطَأ فِي الْحَقِيقَة لصَاحِبهَا أَي: صَاحب الناصية كَاذِب خاطىء. ٨٥٩٤ - حدَّثنا يَحْيَى حدَّثنا عَبْدِ الرَّزَاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ الْجِزَرِيِّ عَنْ عِكْرَمَةَ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ قَالَ أبُو جَهْلٍ لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لأَطْأنَّ عَلَى عُنُقِهِ فَبَلَغَ النبيَّ ﷺ فَقَالَ لَوْ فَعَلَ لأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى إِمَّا ابْن مُوسَى وَإِمَّا ابْن جَعْفَر، وَعبد الْكَرِيم بن مَالك الْجَزرِي، بِفَتْح الْجِيم وَالزَّاي. والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التفسيرعن عبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن أبي رَافع عَن عبد الرَّزَّاق وَعَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله. قَوْله: (قَالَ أَبُو جهل) اسْمه: عَمْرو بن هِشَام المَخْزُومِي، وَهَذَا من مرسلات عبد الله بن عَبَّاس لِأَنَّهُ لم يدْرك زمن قَول أبي جهل ذَلِك لِأَن مولده قبل الْهِجْرَة نَحْو ثَلَاث سِنِين، وَيحمل على أَنه سَمعه من النَّبِي ﷺ أَو من صَحَابِيّ آخر قَوْله: (على عُنُقه) بالنُّون وَالْقَاف، ويروى بِالْقَافِ وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْأول أصح. قَوْله: (لَو فعل) أَي: أَبُو جهل. قَوْله: (لَأَخَذته الْمَلَائِكَة) أَي: مَلَائِكَة الْعَذَاب، وَوَقع عِنْد البلاذري نزل اثْنَا عشر ملكا من الزَّبَانِيَة رؤوسهم فِي السَّمَاء وأرجلهم فِي الأَرْض وَأخرج النَّسَائِيّ من طَرِيق أبي حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة نَحْو حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَزَاد فِي آخِره فَلم يفجأهم مِنْهُ إلَاّ وَهُوَ. أَي: أَبُو جهل نكص على عقبه ويتقى بِيَدِهِ. فَقيل لَهُ: مَالك؟ قَالَ: إِن بيني وَبَينه لَخَنْدَقًا من نَا وَهولا وَأَجْنِحَة. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : (لَو دنا لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَة عضوا عضوا) . تَابَعَهُ عَمْرُو بنُ خَالِدٍ عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ أَي: تَابع عبد الرَّزَّاق أَو يحيى فِي رِوَايَته عَمْرو بن خَالِد الْحَرَّانِي من شُيُوخ البُخَارِيّ عَن عبيد الله بن عَمْرو الرقي بالراء وَالْقَاف عَن عبد الْكَرِيم الْجَزرِي الْمَذْكُور، وَهَذِه الْمُتَابَعَة وَصلهَا عبد الْعَزِيز الْبَغَوِيّ فِي (منتخب الْمسند) لَهُ عَن عَمْرو بن خَالِد فَذكره. ٧٩ - (سُورَةُ: ﴿إنَّا أنْزَلْنَاهُ﴾ (الْقد: ١) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: سُورَة الْقدر، وَهِي مَدَنِيَّة فِي قَول الْأَكْثَرين، وَحكى الْمَاوَرْدِيّ عَكسه، وَذكر الواحدي أَنَّهَا أول سُورَة نزلت بِالْمَدِينَةِ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: مَكِّيَّة بِلَا خلاف، وَهِي مائَة وَاثنا عشر جرفا وَثَلَاثُونَ كلمة، وَخمْس آيَات. قَوْله: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ) يَعْنِي: الْقُرْآن كِنَايَة عَن غير مذكرو جملَة وَاحِد. (فِي لَيْلَة الْقدر) من اللَّوْح الْمَحْفُوظ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا. فوضعناه فِي بَيت الْعِزَّة فأملأه جِبْرِيل، ﵊، على السفرة، ثمَّ كَانَ جِبْرِيل، ﵊، ينزله على النَّبِي ﷺ نجوما، وَكَانَ بَين أَوله وَآخره ثَلَاث وَعِشْرُونَ سنة. يُقَال المَطْلَعُ هُوَ الطُّلُوعُ وَالمَطْلِعُ المَوْضِعُ الَّذِي يُطْلَعُ مِنْهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿سَلام هِيَ حَتَّى مطلع الْفجْر﴾ (الْقدر: ٥) وَفِيه قراءتان: إِحْدَاهمَا: بِفَتْح اللَّام أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: المطلع، يَعْنِي: بِفَتْح اللَّام

стр. 5883

هُوَ الطُّلُوع، وَهُوَ مصدر ميمي، وَهِي قِرَاءَة الْجُمْهُور. وَالثَّانيَِة: بِكَسْر اللَّام أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: والمطلع، يَعْنِي: بِكَسْر اللَّام الْموضع الَّذِي يطلع مِنْهُ، وَأَرَادَ بِهِ اسْم الْموضع، وَهِي قِرَاءَة الْكسَائي وَخلف. أنْزَلْنَاهُ الْهَاءُ كِنَايَةٌ عَنِ القُرْآنِ أنْزَلْنَاهُ مَخْرَجَ الجَمِيعِ وَالمُنْزِلُ هُوَ الله وَالعَرَبُ تُوَكِّدُ فِعْلَ الوَاحِدِ فَتَجْعَلُهُ بِلَفْظِ الجَمِيعِ لِيَكُونَ أثْبَتَ وَأَوْكَدَ. أَرَادَ أَن الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي قَوْله: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ) كِنَايَة عَن الْقُرْآن يرجع إِلَيْهِ من غير أَن يسْبق ذكره لفظا. لِأَنَّهُ مَذْكُور حكما بِاعْتِبَار أَنه حَاضر دَائِما فِي ذهن رَسُول الله ﷺ أَو لِأَن السِّيَاق يدل عَلَيْهِ أَو لِأَن الْقُرْآن كُله فِي حكم سُورَة وَاحِدَة. قَوْله: (مخرج الْجَمِيع) بِالنّصب أَي: خرج (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ) مخرج الْجَمِيع وَكَانَ الْقيَاس أَن يكون بِلَفْظ الْمُفْرد بِأَن يَقُول: إِنِّي أنزلته لِأَن الْمنزل هُوَ الله وَهُوَ وَاحِد لَا شريك لَهُ. قَوْله: (وَالْعرب) إِلَى آخِره إِشَارَة إِلَى بَيَان فَائِدَة الْعُدُول عَن لفظ الْمُفْرد إِلَى لفظ الْجَمِيع. وَقَالَ الْعَرَب: إِذا أردْت التَّأْكِيد وَالْإِثْبَات تذكر الْمُفْرد بِصِيغَة الْجَمِيع، وَلَكِن هَذَا لَيْسَ بمصطلح، والمصطلح فِي مثله أَن يُقَال: فَائِدَة ذكر المرد بِالْجمعِ للتعظيم، وَيُسمى بِجمع التَّعْظِيم. ٨٩ - (سُورَةُ: ﴿لَمْ يَكُنْ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: ﴿لم يكن﴾ وَيُقَال لَهَا: سُورَة المنفكين، وَسورَة الْقِيَامَة، وَسورَة الْبَيِّنَة، وَهِي مَدَنِيَّة فِي قَول الْجُمْهُور، وَحكى أَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس أَنَّهَا مَكِّيَّة، وَهُوَ اخْتِيَار يحيى بن سَلام، وَعَن سُفْيَان: مَا أَدْرِي مَا هِيَ، وَفِي رِوَايَة همام عَن قَتَادَة وَمُحَمّد بن ثَوْر عَن معمر: أَنَّهَا مَكِّيَّة وَفِي رِوَايَة سعيد عَن قَتَادَة أَنَّهَا مَدَنِيَّة، وَهِي ثَلَاثمِائَة وَتِسْعَة وَتسْعُونَ حرفا، وَأَرْبع وَتسْعُونَ كلمة، وثمان آيَات. مُنْفَكِينَ: زَائِلِينَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لم يكن الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين منفكين﴾ (الْبَيِّنَة: ١) وَفَسرهُ بقوله: (زائلين) أَي: عَن كفرهم وأصل الفك الْفَتْح، وَمِنْه فك الْكتاب. القَيِّمَةُ: القَائِمَةُ دِينُ القَيِّمَةِ: أضَافَ الدِّينَ إلَى المُؤَنثِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَذَلِكَ دين الْقيمَة﴾ (الْبَيِّنَة: ٥) أَي: دين الْملَّة الْقَائِمَة المستقيمة فالدين مُضَاف إِلَى مؤنث وَهِي الْملَّة وَالْقيمَة صفته فَحذف الْمَوْصُوف. ٩٥٩٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا غُنْدَرٌ حَدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ النبيُّ ﷺ لأبِيِّ بنِ كَعْبٍ إنَّ الله أمَرَنِي أنْ أقْرأ عَلَيْكَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قَالَ وَسَمَّانِي قَالَ نَعَمْ فَبَكَى. مطابقته للتَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ السُّورَة ظَاهِرَة، وغندر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون: لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَقد تكَرر ذكره والْحَدِيث مضى فِي: بَاب مَنَاقِب أبي بن كَعْب فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن. قَوْله: (لأبي) هُوَ أبي بن كَعْب، وَفِي بعض النّسخ لأبي بن كَعْب مَذْكُور بِأَبِيهِ قَوْله: وسماني إِنَّمَا استفسر لِأَنَّهُ جوز بِالِاحْتِمَالِ أَن يكون الله أَمر النَّبِي ﷺ أَن يقْرَأ على رجل من أمته وَلم ينص عَلَيْهِ فَأَرَادَ تَحْقِيقه، وَأما بكاؤه فَلِأَنَّهُ استحقر نَفسه وتعجب وخشي وَهَذَا لِأَن شَأْن الصَّالِحين إِذا فرحوا بِشَيْء خلطوه بالخشية. ٠٦٩٤ - حدَّثنا حَسَّانُ بنُ حَسَّانَ حدَّثنا هَمامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ لأبِيٍّ إنَّ الله أمَرَنِي أنْ أقْرَأ عَلَيْكَ القُرْآنَ قَالَ أُبَيٌّ الله سَمَّانِي لَكَ قَالَ الله سَمَّاكَ لِي فَجَعَلَ أُنِيُّ يَبْكِي قَالَ قَتَادَةُ فَانْبِئْتُ أنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهْلِ الكِتابِ﴾ .

стр. 5884

هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أنس أخرجه عَن حسان على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ ابْن حسان أبي على الْبَصْرِيّ، سكن مَكَّة من أَفْرَاد البُخَارِيّ، يروي عَن همام بن يحيى عَن قَتَادَة عَن أنس بن مَالك. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة وَفِي الْفَضَائِل عَن هَدِيَّة بن خَالِد، وَهنا قَالَ: إِن الله أَمرنِي أَن أَقرَأ عَلَيْك الْقُرْآن وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة أَن الله أَمرنِي أَن أَقرَأ عَلَيْك ﴿لم يكن الَّذين كفرُوا﴾ (الْبَيِّنَة: ١) وَهنا قَالَ أَيْضا فانبئت أَنه قَرَأَ عَلَيْهِ ﴿لم يكن الَّذين كفرُوا﴾ وَهَذَا يدل على أَن قَتَادَة لم يحمل نسمية السُّورَة عَن أنس، وَفِي حَدِيث سعيد بن أبي عرُوبَة الْآتِي لم يبين شَيْئا من ذَلِك، وَهَذِه الطّرق الثَّلَاثَة كلهَا عَن قَتَادَة، وَيُمكن أَن يُقَال: إِن قَوْله ﷺ إِن الله أَمرنِي أَن أَقرَأ عَلَيْك الْقُرْآن، مُطلق يتَنَاوَل ﴿لم يكن الَّذين كفرُوا﴾ وَغَيرهَا. وَقَول قَتَادَة: فأنبئت إِلَى آخِره يدل ظَاهرا أَنه بلغه من غير أنس أَن الَّذِي أمره أَن يقْرَأ على أبي هُوَ: ﴿لم يكن الَّذين كفرُوا﴾ ثمَّ إِنَّه كَانَ عاود أنس بن مَالك فَأخْبرهُ بِأَنَّهُ ﷺ أمره الله تَعَالَى أَن يقْرَأ على أبي: ﴿لم يكن الَّذين كفرُوا﴾ فَحمل حِينَئِذٍ عَن أنس مَا بلغه من غَيره، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُنَا قَالَ: أقريك الْقُرْآن، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى حَدِيث سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة الْآتِي عقيب الحَدِيث الْمَذْكُور، وَفِي الحَدِيث السَّابِق: أَقرَأ عَلَيْك الْقُرْآن. قلت: الْقِرَاءَة عَلَيْهِ نوع من أقرائه وَبِالْعَكْسِ، قَالَ فِي (الصِّحَاح) فلَان قَرَأَ عَلَيْك السَّلَام وأقرأك السَّلَام بِمَعْنى، وَقد يُقَال أَيْضا: كَانَ فِي قِرَاءَته قُصُور فَأمر الله تَعَالَى رَسُوله ﷺ بِأَن يقرئه على التجويد وَيقْرَأ عَلَيْهِ ليتعلم مِنْهُ حسن الْقِرَاءَة وجودتها، وَلَو صَحَّ هَذَا القَوْل كَانَ اجْتِمَاع الْأَمريْنِ الْقِرَاءَة عَلَيْهِ والإقراء ظَاهرا. وَقَالَ النَّوَوِيّ، ﵀: وَاخْتلفُوا فِي الْحِكْمَة فِي قِرَاءَته عَلَيْهِ، وَالْمُخْتَار أَن سَببهَا أَن تستن الْأمة بذلك فِي الْقِرَاءَة على أهل الْفضل، لَا يأنف أحد من ذَلِك، وَقيل: للتّنْبِيه على حَلَاله، أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وأهليته لأخذ الْقُرْآن عَنهُ، وَكَانَ بعده ﷺ رَأْسا وإماما فِي الْقُرْآن، وَلَا يعلم أحد من النَّاس شَاركهُ فِيهِ، وَيذكر الله لَهُ فِي هَذِه الْمنزلَة الرفيعة، وَأما وَجه تَخْصِيص هَذِه السُّورَة فَلَمَّا فِيهَا من ذكر المعاش من بَيَان أَحْوَال الدّين من التَّوْحِيد والرسالة، وَمَا ثَبت بِهِ الرسَالَة من المعجزة الَّتِي هِيَ الْقُرْآن وفروعه من الْعِبَادَة وَالْإِخْلَاص، وَذكر معادهم من الْجنَّة وَالنَّار، وتقسيمهم إِلَى السُّعَدَاء والأشقياء، وَخير الْبَريَّة وشرهم وأحوالهم قبل الْبعْثَة وَبعدهَا مَعَ وجازة السُّورَة فَإِنَّهَا من قصار الْمفصل. ١٦٩٤ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ أبِي دَاوُدَ أبُو جَعْفَرٍ المُنَادِي حدَّثنا رَوْحٌ حدَّثَنا سَعِيدُ بنُ أبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ أنَّ نبيَّ الله ﷺ قَالَ لأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ إنَّ الله أمَرَنِي أنْ أقْرِئَكَ القُرْآنَ قَالَ الله سَمَّانِي لَكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ وَقَدْ ذُكِرْتُ عِنْدَ رَبِّ العَالَمِينَ قَالَ نَعَمْ فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ. هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن أَحْمد بن أبي دَاوُد أبي جَعْفَر الْمُنَادِي، هَكَذَا وَقع عِنْد الفريري عَن البُخَارِيّ، وَوَقع عِنْد النَّسَفِيّ حَدثنَا أَبُو جَعْفَر الْمُنَادِي حسب، فَكَانَت تَسْمِيَته من قبل الفريري، وَقَالَ ابْن مَنْدَه: الْمَشْهُور عِنْد البغاددة أَنه مُحَمَّد بن عبيد الله بن أبي دَاوُد، وَقَالَ بَعضهم: أَحْمد وهم من البُخَارِيّ، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أعرف باسم شَيْخه من غَيره فَلَيْسَ وهما وَلَيْسَ فِي البُخَارِيّ لأبي جَعْفَر حَدِيث سوى هَذَا الحَدِيث، وَقد عَاشَ بعد البُخَارِيّ سِتَّة عشر عَاما لِأَنَّهُ عمر وعاش مائَة سنة وَسنة وأشهرا. وَقَالَ ابْن طَاهِر: روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي تَفْسِير (لم يكن) حَدِيثا وَاحِدًا. قَالَ: وَأهل بَغْدَاد يعرفونه بِمُحَمد، وَهَذَا الحَدِيث مَشْهُور من رِوَايَة مُحَمَّد بن عبيد الله بن أبي دَاوُد أبي جَعْفَر الْمُنَادِي وَلما ذكره الْخَطِيب من رِوَايَة مُحَمَّد بن عبيد الله هَذَا فِي (تَارِيخه) قَالَ: رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن ابْن الْمُنَادِي إلَاّ أَنه سَمَّاهُ أَحْمد وَسمعت هبة الله الطَّبَرِيّ يَقُول: قيل: إِنَّه اشْتبهَ على البُخَارِيّ فَجعل مُحَمَّدًا أَحْمد، وَقيل: كَانَ لمُحَمد أَخ بِمصْر اسْمه أَحْمد، وَهُوَ عندنَا بَاطِل لَيْسَ لأبي جَعْفَر أَخ فِيمَا نعلم، أَو لَعَلَّ البُخَارِيّ كَانَ يرى أَن مُحَمَّدًا أَو أَحْمد شَيْء وَاحِد. انْتهى. قلت: هَذَا لَا يَصح، لِأَن البُخَارِيّ أجلّ من أَن لَا يفرق بَين مُحَمَّد وَأحمد، وَهُوَ الرَّأْس فِي تَمْيِيز أَسمَاء الرِّجَال وأحوالهم. ٩٩ - (سُورَةُ: ﴿إذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ﴾ (الزلزلة: ١)

стр. 5885

أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: ﴿إِذا زلزلت﴾ وَتسَمى سُورَة الزلزلة، وَفِي بعض النّسخ ﴿إِذا زلزلت﴾ بِدُونِ لفظ سُورَة وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي مائَة وَتِسْعَة وَأَرْبَعُونَ حرفا. وَخمْس وَثَلَاثُونَ كلمة وثمان آيَات. قَوْله: (إِذا زلزلت) ، أَي: حركت الأَرْض حَرَكَة شَدِيدَة لقِيَام السَّاعَة. ﴿بِسم الله الرحمان الرَّحِيم﴾ ١ - (بَابٌ قَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: ٧) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره﴾ وَلم يثبت لفظ بَاب: إلَاّ لأبي ذَر، والمثقال على وزن مفعال من الثّقل، وَمعنى المثقال هُنَا الْوَزْن، وَسُئِلَ ثَعْلَب عَن الذّرة، فَقَالَ: إِن مائَة نملة وزن حَبَّة، والذرة وَاحِدَة مِنْهَا، وَعَن يزِيد بن هَارُون: زَعَمُوا أَن الذّرة لَيْسَ لَهَا وزن. يُقَالُ: أوْحَى لَهَا: أوْحَى إلَيْهَا وَوَحَى لَهَا وَوَحَى إلَيْهَا وَاحِدٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْمئِذٍ تحدث أخبارك بِأَن رَبك أوحى لَهَا﴾ (الزلزلة: ٤، ٥) قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أوحى لَهَا أَي: أوحى إِلَيْهَا. قَوْله: (يُقَال) ، الخ غَرَضه أَن هَذِه الْأَلْفَاظ الْأَرْبَعَة بِمَعْنى وَاحِد، وَجَاء اسْتِعْمَالهَا بِكَلِمَة إِلَى وباللام، وَمَعْنَاهُ أمرهَا بالْكلَام وَأذن لَهَا فِيهِ، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: مجازه يُوحى الله إِلَيْهَا. ٢٦٩٤ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا مَالِكٌ عَنْ زَيْدٍ بنِ أسْلَمَ عَنْ أبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ الخَيْلُ لِثلاثَةٍ لِرَجُلٍ أجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ فَأمّا الَّذِي لَهُ أجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ الله فَأطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ أوْ رَوْضَةٍ فَمَا أصَابَتْ فِي طِيَلِها ذالِكَ فِي المَرْجِ وَالرَّوْضَةِ كَانَ لَهُ حَسَنَاتٍ وَلَوْ أنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَها فَاسْتَنَّتْ شَرَفا أوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُها أرْوَائُها حَسَنَاتٍ لَهُ وَلَوْ أنَّها مَرَّتْ بِنَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أنْ يَسْقَى بِهِ كَانَ ذالِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ فَهِيَ لِذلِكَ الرَّجُلِ أجْرٌ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَشِّيا وَتَعَفُف وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ الله فِي رِقَابِها وَلا ظُهُورِها فَهِّيَ لَهُ سِتْر وَرَجُلٌ رَبَطَها فَخْرا وَرِئَاءً وَنِوَاءً فَهِّيَ عَلَى ذالِكَ وِزْرٌ فَسُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ عَنِ الحُمُرِ قَالَ مَا أنْزَلَ الله عَلَيَّ فِيهَا إلَاّ هاذِهِ الآيَةَ الفَاذَّةَ الجَامِعَةَ ﴿فَمَنْ يَعْمَلُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: ٧، ٨) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة﴾ الخ وَأَبُو صَالح السمان اسْمه ذكْوَان. والْحَدِيث قد مضى فِي الشّرْب عَن عبد الله بن يُوسُف وَفِي الْجِهَاد وعلامات النُّبُوَّة عَن القعني، وَمر الْكَلَام فِيهِ، ولنذكر بعض شَيْء. قَوْله: (فِي مرج) ، وَهُوَ الْموضع الَّذِي ترعى فِيهِ الدَّوَابّ قَوْله: (طيلها) بِكَسْر الطَّاء وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ الْحَبل الَّذِي يطول للدابة ويشد أحد طَرفَيْهِ فِي الوتد. قَوْله: (فاستنت) ﴿﴾ يُقَال: اسْتنَّ، إِذا ألح فِي الْعَدو. قَوْله: (شرفا) بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَالرَّاء وَهُوَ الشوط، وَسمي بِهِ لِأَن العادي بِهِ يشرف على مَا يتَوَجَّه إِلَيْهِ. قَوْله: (تغَنِّيا) أَي: اسْتغْنَاء عَن النَّاس أَو بنتاجها وَتَعَفُّفًا عَن السُّؤَال يتَرَدَّد عَلَيْهَا إِلَى متاجره ومزارعه وَنَحْوهَا فَتكون سترا لَهُ تحجبه عَن الْفَاقَة. قَوْله: (وَلم ينس حق الله فِي رقابها) بِأَن يُؤَدِّي زَكَاتهَا، وَبِه احْتج أَبُو حنيفَة فِي زَكَاة الْخَيل. قَوْله: (وَلَا ظُهُورهَا) أَي: وَلَا فِي ظُهُورهَا، بِأَن يركب عَلَيْهَا فِي سَبِيل الله. قَوْله: (ونواء) بِكَسْر النُّون أَي: مناوأة. أَي: معاداة. قَوْله: (الفاذة) بِالْفَاءِ وبالذال الْمُعْجَمَة الْمُشَدّدَة أَي الفردة. وَجعلهَا فاذة لخلوها عَن بَيَان مَا تحتهَا من التناسل أَنْوَاعهَا، وَقيل: إِذا لَيْسَ مثلهَا آيَة أُخْرَى فِي قلَّة الْأَلْفَاظ وَكَثْرَة الْمعَانِي لِأَنَّهَا جَامِعَة لكل أَحْكَام الْخيرَات والشرور، وَقيل: جَامِعَة لاشتمال اسْم الْخَيْر على أَنْوَاع الطَّاعَات وَالشَّر على أَنْوَاع الْمعاصِي وَدلَالَة على الْآيَة على الْجَواب من حَيْثُ أَن سُؤَالهمْ كَانَ إِن الْحمار لَهُ حكم الْفرس أم لَا؟ فَأجَاب بِأَنَّهُ إِن كَانَ لخير فَلَا بُد أَن يرى خَيره، وإلَاّ فبالعكس، وَالله أعلم.
следующие страницы →