← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

هَذَا مَوْصُول بالإسنادين الْمَذْكُورين فِي أول الْبَاب، وَمُحَمّد بن شهَاب هُوَ الزُّهْرِيّ. قَوْله: (فَأَخْبرنِي) ، مَعْطُوف على مَحْذُوف وَالتَّقْدِير، قَالَ ابْن شهَاب: فَأَخْبرنِي عُرْوَة بِمَا تقدم وَأَخْبرنِي أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. قَوْله: (أَن جَابر بن عبد الله) وَهَذَا أَيْضا مُرْسل الصَّحَابِيّ لِأَن جَابِرا لم يدْرك زمَان الْقِصَّة وَلَكِن يحْتَمل أَن يكون سَمعهَا من النَّبِي ﷺ أَو من صَحَابِيّ آخر قد حضرها. قَوْله: (فَرفعت رَأْسِي) ، ويروى: فَرفعت بَصرِي. قَوْله: (فَفَزِعت مِنْهُ) ، كَذَا فِي رِوَايَة ابْن الْمُبَارك عَن يُونُس، وَفِي رِوَايَة ابْن وهب عِنْد مُسلم: فجئثت مِنْهُ، بِضَم الْجِيم وَكسر الْهمزَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة من: جأت الرجل إِذا فزع فَهُوَ مجثوث، ويروى: فجثثت بِضَم الْجِيم وَكسر الثَّاء الْمُثَلَّثَة الأولى، ويروى: فَرُعِبْت مِنْهُ، بِضَم الرَّاء وَكسر الْعين على صِيغَة الْمَجْهُول، وَرِوَايَة الْأصيلِيّ: رعبت، بِفَتْح الرَّاء وَضم الْعين من الرعب وَهُوَ الْخَوْف، ويروى: ففرقت، بِالْفَاءِ وَالرَّاء وَالْقَاف من الْفرق بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ الْخَوْف والفزع، يُقَال: فرق يفرق من بَاب علم يعلم فرقا. قَوْله: (وَهِي الْأَوْثَان) ، جمع وثن وَإِنَّمَا أنث الضَّمِير الرَّاجِع إِلَى الرجز بِاعْتِبَار الْجِنْس، وَقد مر فِي تَفْسِير المدثر قَوْله: (ثمَّ تتَابع الْوَحْي) أَي: اسْتمرّ. ٢ - (بَابٌ قَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ (العلق: ٢) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿خلق الْإِنْسَان من علق﴾ وَأَرَادَ بالإنسان بني آدم لِأَن بني آدم خلقهمْ من علق وَهُوَ جمع علقَة وَهُوَ الدَّم الجامد وَهُوَ أول مَا تتحول إِلَيْهِ النُّطْفَة فِي الرَّحِم، وَإِنَّمَا جمع الْإِنْسَان فِي معنى الْجمع، وَقيل: أَرَادَ بالإنسان آدم، ﵊، وَأَرَادَ بقوله: من علق من طين يعلق بالكف. ٥٥٩٤ - حدَّثنا ابنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ عُرْوَةَ أنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ أوَّلُ مَا بُدِيَّ بِهِ رَسُولُ الله ﷺ الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ (العلق: ١، ٣) . ابْن بكير هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير، وَهَذَا طرف من الحَدِيث الَّذِي قبله بِرِوَايَة عقيل عَن ابْن شهَاب. قَوْله: (الصَّالِحَة) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني الصادقة وَقد مر الْكَلَام فِيهِ. ٣ - (بَابٌ قَوْلُهُ: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ (العلق: ٣) هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اقْرَأ وَرَبك الأكرم﴾ هَذَا التكرير للتَّأْكِيد، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون الأول للْعُمُوم، وَالثَّانِي للخصوص. قَوْله: (وَرَبك الأكرم) ، أَي: الَّذِي لَهُ الْكَمَال فِي زِيَادَة كرمه على كَلَام كل كريم إِذْ ينعم على عباده بنعمه الَّتِي لَا تحصى ويحلم عَنْهُم فَلَا يعاجلهم بالعقوبة مَعَ كفرهم وجحودهم لنعمه وركوبهم المناهي وأطراحهم الْأَوَامِر. ٦٥٩٤ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ. ح وَقَالَ اللَّيْثُ حدَّثني عُقَيْلٌ قَالَ مُحَمَّدٌ أخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أوَّلُ مَا بُدِيَ بِهِ رَسُولُ الله ﷺ الرؤْيا الصَّادِقَةُ جَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ ﴿اقْرَأُ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَق اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ (العلق: ١، ٤) . هَذَا أَيْضا مُخْتَصر من حَدِيث عَائِشَة جدا، وَأخرجه من طَرِيقين: الأول: عَن عبد الله بن مُحَمَّد المسندي عَن عبد الرَّزَّاق بن همام عَن معمر بِفَتْح الميمين بن رَاشد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. وَالثَّانِي: عَن اللَّيْث عَن عقيل بن خَالِد بن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة، وَهَذَا مُعَلّق وَصله فِي بَدْء الْوَحْي ثمَّ فِي الْبَاب الَّذِي قبله، ثمَّ فِي التَّعْبِير أخرجه فِي الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث؟ . (بَابٌ: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ (العلق: ٤)

стр. 5882

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِي علم بالقلم﴾ (العلق: ٤) وَهَذِه التَّرْجَمَة لأبي ذَر وَحده. قَوْله: (علم بالقلم) أَي: علم الْخط وَالْكِتَابَة بالقلم. ٧٥٩٤ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ سَمِعْتُ عُرْوَةَ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ فَرَجَعَ النبيُّ ﷺ إلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَذَكَرَ الحَدِيثَ. وَهَذَا أَيْضا طرف من حَدِيث بَدْء الْوَحْي وَالْكَلَام فِي إرْسَال هَذَا قد مر عَن قريب. ٤ - (بَابٌ: ﴿كَلاّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعنْ بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ (العلق: ٥١، ٦١) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كلا﴾ إِلَى آخِره وَسقط لغير أبي ذَر لفظ: بَاب، وَمن نَاصِيَة إِلَى آخِره قَوْله: ﴿لَئِن لم ينْتَه﴾ أَي: أَبُو جهل عَن إنذار رَسُول الله ﷺ وَنَهْيه عَن الصَّلَاة. قَوْله: (لنسفعن) أَي: لنأخذن بالناصية، وَقد مر تَفْسِيره عَن قريب، وَكتب بِالْألف فِي الْمُصحف على حكم الْوَقْف قَوْله: نَاصِيَة بدل من قَوْله بالناصية، وَوصف الناصية بِالْكَذِبِ وَالْخَطَأ على الْإِسْنَاد الْمجَازِي، وَالْكذب وَالْخَطَأ فِي الْحَقِيقَة لصَاحِبهَا أَي: صَاحب الناصية كَاذِب خاطىء. ٨٥٩٤ - حدَّثنا يَحْيَى حدَّثنا عَبْدِ الرَّزَاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ الْجِزَرِيِّ عَنْ عِكْرَمَةَ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ قَالَ أبُو جَهْلٍ لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لأَطْأنَّ عَلَى عُنُقِهِ فَبَلَغَ النبيَّ ﷺ فَقَالَ لَوْ فَعَلَ لأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى إِمَّا ابْن مُوسَى وَإِمَّا ابْن جَعْفَر، وَعبد الْكَرِيم بن مَالك الْجَزرِي، بِفَتْح الْجِيم وَالزَّاي. والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التفسيرعن عبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن أبي رَافع عَن عبد الرَّزَّاق وَعَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله. قَوْله: (قَالَ أَبُو جهل) اسْمه: عَمْرو بن هِشَام المَخْزُومِي، وَهَذَا من مرسلات عبد الله بن عَبَّاس لِأَنَّهُ لم يدْرك زمن قَول أبي جهل ذَلِك لِأَن مولده قبل الْهِجْرَة نَحْو ثَلَاث سِنِين، وَيحمل على أَنه سَمعه من النَّبِي ﷺ أَو من صَحَابِيّ آخر قَوْله: (على عُنُقه) بالنُّون وَالْقَاف، ويروى بِالْقَافِ وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْأول أصح. قَوْله: (لَو فعل) أَي: أَبُو جهل. قَوْله: (لَأَخَذته الْمَلَائِكَة) أَي: مَلَائِكَة الْعَذَاب، وَوَقع عِنْد البلاذري نزل اثْنَا عشر ملكا من الزَّبَانِيَة رؤوسهم فِي السَّمَاء وأرجلهم فِي الأَرْض وَأخرج النَّسَائِيّ من طَرِيق أبي حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة نَحْو حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَزَاد فِي آخِره فَلم يفجأهم مِنْهُ إلَاّ وَهُوَ. أَي: أَبُو جهل نكص على عقبه ويتقى بِيَدِهِ. فَقيل لَهُ: مَالك؟ قَالَ: إِن بيني وَبَينه لَخَنْدَقًا من نَا وَهولا وَأَجْنِحَة. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : (لَو دنا لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَة عضوا عضوا) . تَابَعَهُ عَمْرُو بنُ خَالِدٍ عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ أَي: تَابع عبد الرَّزَّاق أَو يحيى فِي رِوَايَته عَمْرو بن خَالِد الْحَرَّانِي من شُيُوخ البُخَارِيّ عَن عبيد الله بن عَمْرو الرقي بالراء وَالْقَاف عَن عبد الْكَرِيم الْجَزرِي الْمَذْكُور، وَهَذِه الْمُتَابَعَة وَصلهَا عبد الْعَزِيز الْبَغَوِيّ فِي (منتخب الْمسند) لَهُ عَن عَمْرو بن خَالِد فَذكره. ٧٩ - (سُورَةُ: ﴿إنَّا أنْزَلْنَاهُ﴾ (الْقد: ١) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: سُورَة الْقدر، وَهِي مَدَنِيَّة فِي قَول الْأَكْثَرين، وَحكى الْمَاوَرْدِيّ عَكسه، وَذكر الواحدي أَنَّهَا أول سُورَة نزلت بِالْمَدِينَةِ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: مَكِّيَّة بِلَا خلاف، وَهِي مائَة وَاثنا عشر جرفا وَثَلَاثُونَ كلمة، وَخمْس آيَات. قَوْله: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ) يَعْنِي: الْقُرْآن كِنَايَة عَن غير مذكرو جملَة وَاحِد. (فِي لَيْلَة الْقدر) من اللَّوْح الْمَحْفُوظ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا. فوضعناه فِي بَيت الْعِزَّة فأملأه جِبْرِيل، ﵊، على السفرة، ثمَّ كَانَ جِبْرِيل، ﵊، ينزله على النَّبِي ﷺ نجوما، وَكَانَ بَين أَوله وَآخره ثَلَاث وَعِشْرُونَ سنة. يُقَال المَطْلَعُ هُوَ الطُّلُوعُ وَالمَطْلِعُ المَوْضِعُ الَّذِي يُطْلَعُ مِنْهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿سَلام هِيَ حَتَّى مطلع الْفجْر﴾ (الْقدر: ٥) وَفِيه قراءتان: إِحْدَاهمَا: بِفَتْح اللَّام أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: المطلع، يَعْنِي: بِفَتْح اللَّام

стр. 5883

هُوَ الطُّلُوع، وَهُوَ مصدر ميمي، وَهِي قِرَاءَة الْجُمْهُور. وَالثَّانيَِة: بِكَسْر اللَّام أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: والمطلع، يَعْنِي: بِكَسْر اللَّام الْموضع الَّذِي يطلع مِنْهُ، وَأَرَادَ بِهِ اسْم الْموضع، وَهِي قِرَاءَة الْكسَائي وَخلف. أنْزَلْنَاهُ الْهَاءُ كِنَايَةٌ عَنِ القُرْآنِ أنْزَلْنَاهُ مَخْرَجَ الجَمِيعِ وَالمُنْزِلُ هُوَ الله وَالعَرَبُ تُوَكِّدُ فِعْلَ الوَاحِدِ فَتَجْعَلُهُ بِلَفْظِ الجَمِيعِ لِيَكُونَ أثْبَتَ وَأَوْكَدَ. أَرَادَ أَن الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي قَوْله: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ) كِنَايَة عَن الْقُرْآن يرجع إِلَيْهِ من غير أَن يسْبق ذكره لفظا. لِأَنَّهُ مَذْكُور حكما بِاعْتِبَار أَنه حَاضر دَائِما فِي ذهن رَسُول الله ﷺ أَو لِأَن السِّيَاق يدل عَلَيْهِ أَو لِأَن الْقُرْآن كُله فِي حكم سُورَة وَاحِدَة. قَوْله: (مخرج الْجَمِيع) بِالنّصب أَي: خرج (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ) مخرج الْجَمِيع وَكَانَ الْقيَاس أَن يكون بِلَفْظ الْمُفْرد بِأَن يَقُول: إِنِّي أنزلته لِأَن الْمنزل هُوَ الله وَهُوَ وَاحِد لَا شريك لَهُ. قَوْله: (وَالْعرب) إِلَى آخِره إِشَارَة إِلَى بَيَان فَائِدَة الْعُدُول عَن لفظ الْمُفْرد إِلَى لفظ الْجَمِيع. وَقَالَ الْعَرَب: إِذا أردْت التَّأْكِيد وَالْإِثْبَات تذكر الْمُفْرد بِصِيغَة الْجَمِيع، وَلَكِن هَذَا لَيْسَ بمصطلح، والمصطلح فِي مثله أَن يُقَال: فَائِدَة ذكر المرد بِالْجمعِ للتعظيم، وَيُسمى بِجمع التَّعْظِيم. ٨٩ - (سُورَةُ: ﴿لَمْ يَكُنْ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: ﴿لم يكن﴾ وَيُقَال لَهَا: سُورَة المنفكين، وَسورَة الْقِيَامَة، وَسورَة الْبَيِّنَة، وَهِي مَدَنِيَّة فِي قَول الْجُمْهُور، وَحكى أَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس أَنَّهَا مَكِّيَّة، وَهُوَ اخْتِيَار يحيى بن سَلام، وَعَن سُفْيَان: مَا أَدْرِي مَا هِيَ، وَفِي رِوَايَة همام عَن قَتَادَة وَمُحَمّد بن ثَوْر عَن معمر: أَنَّهَا مَكِّيَّة وَفِي رِوَايَة سعيد عَن قَتَادَة أَنَّهَا مَدَنِيَّة، وَهِي ثَلَاثمِائَة وَتِسْعَة وَتسْعُونَ حرفا، وَأَرْبع وَتسْعُونَ كلمة، وثمان آيَات. مُنْفَكِينَ: زَائِلِينَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لم يكن الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين منفكين﴾ (الْبَيِّنَة: ١) وَفَسرهُ بقوله: (زائلين) أَي: عَن كفرهم وأصل الفك الْفَتْح، وَمِنْه فك الْكتاب. القَيِّمَةُ: القَائِمَةُ دِينُ القَيِّمَةِ: أضَافَ الدِّينَ إلَى المُؤَنثِ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَذَلِكَ دين الْقيمَة﴾ (الْبَيِّنَة: ٥) أَي: دين الْملَّة الْقَائِمَة المستقيمة فالدين مُضَاف إِلَى مؤنث وَهِي الْملَّة وَالْقيمَة صفته فَحذف الْمَوْصُوف. ٩٥٩٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا غُنْدَرٌ حَدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ النبيُّ ﷺ لأبِيِّ بنِ كَعْبٍ إنَّ الله أمَرَنِي أنْ أقْرأ عَلَيْكَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قَالَ وَسَمَّانِي قَالَ نَعَمْ فَبَكَى. مطابقته للتَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ السُّورَة ظَاهِرَة، وغندر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون: لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَقد تكَرر ذكره والْحَدِيث مضى فِي: بَاب مَنَاقِب أبي بن كَعْب فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن. قَوْله: (لأبي) هُوَ أبي بن كَعْب، وَفِي بعض النّسخ لأبي بن كَعْب مَذْكُور بِأَبِيهِ قَوْله: وسماني إِنَّمَا استفسر لِأَنَّهُ جوز بِالِاحْتِمَالِ أَن يكون الله أَمر النَّبِي ﷺ أَن يقْرَأ على رجل من أمته وَلم ينص عَلَيْهِ فَأَرَادَ تَحْقِيقه، وَأما بكاؤه فَلِأَنَّهُ استحقر نَفسه وتعجب وخشي وَهَذَا لِأَن شَأْن الصَّالِحين إِذا فرحوا بِشَيْء خلطوه بالخشية. ٠٦٩٤ - حدَّثنا حَسَّانُ بنُ حَسَّانَ حدَّثنا هَمامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ قَالَ النبيُّ ﷺ لأبِيٍّ إنَّ الله أمَرَنِي أنْ أقْرَأ عَلَيْكَ القُرْآنَ قَالَ أُبَيٌّ الله سَمَّانِي لَكَ قَالَ الله سَمَّاكَ لِي فَجَعَلَ أُنِيُّ يَبْكِي قَالَ قَتَادَةُ فَانْبِئْتُ أنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهْلِ الكِتابِ﴾ .

стр. 5884

هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أنس أخرجه عَن حسان على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ ابْن حسان أبي على الْبَصْرِيّ، سكن مَكَّة من أَفْرَاد البُخَارِيّ، يروي عَن همام بن يحيى عَن قَتَادَة عَن أنس بن مَالك. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة وَفِي الْفَضَائِل عَن هَدِيَّة بن خَالِد، وَهنا قَالَ: إِن الله أَمرنِي أَن أَقرَأ عَلَيْك الْقُرْآن وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة أَن الله أَمرنِي أَن أَقرَأ عَلَيْك ﴿لم يكن الَّذين كفرُوا﴾ (الْبَيِّنَة: ١) وَهنا قَالَ أَيْضا فانبئت أَنه قَرَأَ عَلَيْهِ ﴿لم يكن الَّذين كفرُوا﴾ وَهَذَا يدل على أَن قَتَادَة لم يحمل نسمية السُّورَة عَن أنس، وَفِي حَدِيث سعيد بن أبي عرُوبَة الْآتِي لم يبين شَيْئا من ذَلِك، وَهَذِه الطّرق الثَّلَاثَة كلهَا عَن قَتَادَة، وَيُمكن أَن يُقَال: إِن قَوْله ﷺ إِن الله أَمرنِي أَن أَقرَأ عَلَيْك الْقُرْآن، مُطلق يتَنَاوَل ﴿لم يكن الَّذين كفرُوا﴾ وَغَيرهَا. وَقَول قَتَادَة: فأنبئت إِلَى آخِره يدل ظَاهرا أَنه بلغه من غير أنس أَن الَّذِي أمره أَن يقْرَأ على أبي هُوَ: ﴿لم يكن الَّذين كفرُوا﴾ ثمَّ إِنَّه كَانَ عاود أنس بن مَالك فَأخْبرهُ بِأَنَّهُ ﷺ أمره الله تَعَالَى أَن يقْرَأ على أبي: ﴿لم يكن الَّذين كفرُوا﴾ فَحمل حِينَئِذٍ عَن أنس مَا بلغه من غَيره، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُنَا قَالَ: أقريك الْقُرْآن، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى حَدِيث سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة الْآتِي عقيب الحَدِيث الْمَذْكُور، وَفِي الحَدِيث السَّابِق: أَقرَأ عَلَيْك الْقُرْآن. قلت: الْقِرَاءَة عَلَيْهِ نوع من أقرائه وَبِالْعَكْسِ، قَالَ فِي (الصِّحَاح) فلَان قَرَأَ عَلَيْك السَّلَام وأقرأك السَّلَام بِمَعْنى، وَقد يُقَال أَيْضا: كَانَ فِي قِرَاءَته قُصُور فَأمر الله تَعَالَى رَسُوله ﷺ بِأَن يقرئه على التجويد وَيقْرَأ عَلَيْهِ ليتعلم مِنْهُ حسن الْقِرَاءَة وجودتها، وَلَو صَحَّ هَذَا القَوْل كَانَ اجْتِمَاع الْأَمريْنِ الْقِرَاءَة عَلَيْهِ والإقراء ظَاهرا. وَقَالَ النَّوَوِيّ، ﵀: وَاخْتلفُوا فِي الْحِكْمَة فِي قِرَاءَته عَلَيْهِ، وَالْمُخْتَار أَن سَببهَا أَن تستن الْأمة بذلك فِي الْقِرَاءَة على أهل الْفضل، لَا يأنف أحد من ذَلِك، وَقيل: للتّنْبِيه على حَلَاله، أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وأهليته لأخذ الْقُرْآن عَنهُ، وَكَانَ بعده ﷺ رَأْسا وإماما فِي الْقُرْآن، وَلَا يعلم أحد من النَّاس شَاركهُ فِيهِ، وَيذكر الله لَهُ فِي هَذِه الْمنزلَة الرفيعة، وَأما وَجه تَخْصِيص هَذِه السُّورَة فَلَمَّا فِيهَا من ذكر المعاش من بَيَان أَحْوَال الدّين من التَّوْحِيد والرسالة، وَمَا ثَبت بِهِ الرسَالَة من المعجزة الَّتِي هِيَ الْقُرْآن وفروعه من الْعِبَادَة وَالْإِخْلَاص، وَذكر معادهم من الْجنَّة وَالنَّار، وتقسيمهم إِلَى السُّعَدَاء والأشقياء، وَخير الْبَريَّة وشرهم وأحوالهم قبل الْبعْثَة وَبعدهَا مَعَ وجازة السُّورَة فَإِنَّهَا من قصار الْمفصل. ١٦٩٤ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ أبِي دَاوُدَ أبُو جَعْفَرٍ المُنَادِي حدَّثنا رَوْحٌ حدَّثَنا سَعِيدُ بنُ أبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ أنَّ نبيَّ الله ﷺ قَالَ لأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ إنَّ الله أمَرَنِي أنْ أقْرِئَكَ القُرْآنَ قَالَ الله سَمَّانِي لَكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ وَقَدْ ذُكِرْتُ عِنْدَ رَبِّ العَالَمِينَ قَالَ نَعَمْ فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ. هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن أَحْمد بن أبي دَاوُد أبي جَعْفَر الْمُنَادِي، هَكَذَا وَقع عِنْد الفريري عَن البُخَارِيّ، وَوَقع عِنْد النَّسَفِيّ حَدثنَا أَبُو جَعْفَر الْمُنَادِي حسب، فَكَانَت تَسْمِيَته من قبل الفريري، وَقَالَ ابْن مَنْدَه: الْمَشْهُور عِنْد البغاددة أَنه مُحَمَّد بن عبيد الله بن أبي دَاوُد، وَقَالَ بَعضهم: أَحْمد وهم من البُخَارِيّ، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أعرف باسم شَيْخه من غَيره فَلَيْسَ وهما وَلَيْسَ فِي البُخَارِيّ لأبي جَعْفَر حَدِيث سوى هَذَا الحَدِيث، وَقد عَاشَ بعد البُخَارِيّ سِتَّة عشر عَاما لِأَنَّهُ عمر وعاش مائَة سنة وَسنة وأشهرا. وَقَالَ ابْن طَاهِر: روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي تَفْسِير (لم يكن) حَدِيثا وَاحِدًا. قَالَ: وَأهل بَغْدَاد يعرفونه بِمُحَمد، وَهَذَا الحَدِيث مَشْهُور من رِوَايَة مُحَمَّد بن عبيد الله بن أبي دَاوُد أبي جَعْفَر الْمُنَادِي وَلما ذكره الْخَطِيب من رِوَايَة مُحَمَّد بن عبيد الله هَذَا فِي (تَارِيخه) قَالَ: رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن ابْن الْمُنَادِي إلَاّ أَنه سَمَّاهُ أَحْمد وَسمعت هبة الله الطَّبَرِيّ يَقُول: قيل: إِنَّه اشْتبهَ على البُخَارِيّ فَجعل مُحَمَّدًا أَحْمد، وَقيل: كَانَ لمُحَمد أَخ بِمصْر اسْمه أَحْمد، وَهُوَ عندنَا بَاطِل لَيْسَ لأبي جَعْفَر أَخ فِيمَا نعلم، أَو لَعَلَّ البُخَارِيّ كَانَ يرى أَن مُحَمَّدًا أَو أَحْمد شَيْء وَاحِد. انْتهى. قلت: هَذَا لَا يَصح، لِأَن البُخَارِيّ أجلّ من أَن لَا يفرق بَين مُحَمَّد وَأحمد، وَهُوَ الرَّأْس فِي تَمْيِيز أَسمَاء الرِّجَال وأحوالهم. ٩٩ - (سُورَةُ: ﴿إذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ﴾ (الزلزلة: ١)

стр. 5885

أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة: ﴿إِذا زلزلت﴾ وَتسَمى سُورَة الزلزلة، وَفِي بعض النّسخ ﴿إِذا زلزلت﴾ بِدُونِ لفظ سُورَة وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي مائَة وَتِسْعَة وَأَرْبَعُونَ حرفا. وَخمْس وَثَلَاثُونَ كلمة وثمان آيَات. قَوْله: (إِذا زلزلت) ، أَي: حركت الأَرْض حَرَكَة شَدِيدَة لقِيَام السَّاعَة. ﴿بِسم الله الرحمان الرَّحِيم﴾ ١ - (بَابٌ قَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: ٧) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره﴾ وَلم يثبت لفظ بَاب: إلَاّ لأبي ذَر، والمثقال على وزن مفعال من الثّقل، وَمعنى المثقال هُنَا الْوَزْن، وَسُئِلَ ثَعْلَب عَن الذّرة، فَقَالَ: إِن مائَة نملة وزن حَبَّة، والذرة وَاحِدَة مِنْهَا، وَعَن يزِيد بن هَارُون: زَعَمُوا أَن الذّرة لَيْسَ لَهَا وزن. يُقَالُ: أوْحَى لَهَا: أوْحَى إلَيْهَا وَوَحَى لَهَا وَوَحَى إلَيْهَا وَاحِدٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْمئِذٍ تحدث أخبارك بِأَن رَبك أوحى لَهَا﴾ (الزلزلة: ٤، ٥) قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أوحى لَهَا أَي: أوحى إِلَيْهَا. قَوْله: (يُقَال) ، الخ غَرَضه أَن هَذِه الْأَلْفَاظ الْأَرْبَعَة بِمَعْنى وَاحِد، وَجَاء اسْتِعْمَالهَا بِكَلِمَة إِلَى وباللام، وَمَعْنَاهُ أمرهَا بالْكلَام وَأذن لَهَا فِيهِ، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: مجازه يُوحى الله إِلَيْهَا. ٢٦٩٤ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا مَالِكٌ عَنْ زَيْدٍ بنِ أسْلَمَ عَنْ أبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ الخَيْلُ لِثلاثَةٍ لِرَجُلٍ أجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ فَأمّا الَّذِي لَهُ أجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ الله فَأطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ أوْ رَوْضَةٍ فَمَا أصَابَتْ فِي طِيَلِها ذالِكَ فِي المَرْجِ وَالرَّوْضَةِ كَانَ لَهُ حَسَنَاتٍ وَلَوْ أنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَها فَاسْتَنَّتْ شَرَفا أوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُها أرْوَائُها حَسَنَاتٍ لَهُ وَلَوْ أنَّها مَرَّتْ بِنَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أنْ يَسْقَى بِهِ كَانَ ذالِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ فَهِيَ لِذلِكَ الرَّجُلِ أجْرٌ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَشِّيا وَتَعَفُف وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ الله فِي رِقَابِها وَلا ظُهُورِها فَهِّيَ لَهُ سِتْر وَرَجُلٌ رَبَطَها فَخْرا وَرِئَاءً وَنِوَاءً فَهِّيَ عَلَى ذالِكَ وِزْرٌ فَسُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ عَنِ الحُمُرِ قَالَ مَا أنْزَلَ الله عَلَيَّ فِيهَا إلَاّ هاذِهِ الآيَةَ الفَاذَّةَ الجَامِعَةَ ﴿فَمَنْ يَعْمَلُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: ٧، ٨) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة﴾ الخ وَأَبُو صَالح السمان اسْمه ذكْوَان. والْحَدِيث قد مضى فِي الشّرْب عَن عبد الله بن يُوسُف وَفِي الْجِهَاد وعلامات النُّبُوَّة عَن القعني، وَمر الْكَلَام فِيهِ، ولنذكر بعض شَيْء. قَوْله: (فِي مرج) ، وَهُوَ الْموضع الَّذِي ترعى فِيهِ الدَّوَابّ قَوْله: (طيلها) بِكَسْر الطَّاء وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ الْحَبل الَّذِي يطول للدابة ويشد أحد طَرفَيْهِ فِي الوتد. قَوْله: (فاستنت) ﴿﴾ يُقَال: اسْتنَّ، إِذا ألح فِي الْعَدو. قَوْله: (شرفا) بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَالرَّاء وَهُوَ الشوط، وَسمي بِهِ لِأَن العادي بِهِ يشرف على مَا يتَوَجَّه إِلَيْهِ. قَوْله: (تغَنِّيا) أَي: اسْتغْنَاء عَن النَّاس أَو بنتاجها وَتَعَفُّفًا عَن السُّؤَال يتَرَدَّد عَلَيْهَا إِلَى متاجره ومزارعه وَنَحْوهَا فَتكون سترا لَهُ تحجبه عَن الْفَاقَة. قَوْله: (وَلم ينس حق الله فِي رقابها) بِأَن يُؤَدِّي زَكَاتهَا، وَبِه احْتج أَبُو حنيفَة فِي زَكَاة الْخَيل. قَوْله: (وَلَا ظُهُورهَا) أَي: وَلَا فِي ظُهُورهَا، بِأَن يركب عَلَيْهَا فِي سَبِيل الله. قَوْله: (ونواء) بِكَسْر النُّون أَي: مناوأة. أَي: معاداة. قَوْله: (الفاذة) بِالْفَاءِ وبالذال الْمُعْجَمَة الْمُشَدّدَة أَي الفردة. وَجعلهَا فاذة لخلوها عَن بَيَان مَا تحتهَا من التناسل أَنْوَاعهَا، وَقيل: إِذا لَيْسَ مثلهَا آيَة أُخْرَى فِي قلَّة الْأَلْفَاظ وَكَثْرَة الْمعَانِي لِأَنَّهَا جَامِعَة لكل أَحْكَام الْخيرَات والشرور، وَقيل: جَامِعَة لاشتمال اسْم الْخَيْر على أَنْوَاع الطَّاعَات وَالشَّر على أَنْوَاع الْمعاصِي وَدلَالَة على الْآيَة على الْجَواب من حَيْثُ أَن سُؤَالهمْ كَانَ إِن الْحمار لَهُ حكم الْفرس أم لَا؟ فَأجَاب بِأَنَّهُ إِن كَانَ لخير فَلَا بُد أَن يرى خَيره، وإلَاّ فبالعكس، وَالله أعلم.

стр. 5886

٢ - (بَابٌ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: ٨) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَمن يعْمل﴾ إِلَى آخِره، وَلَيْسَ فِي كثير من النّسخ لفظ: بَاب. ٣٦٩٤ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثَنِي ابنُ وَهْبٍ قَالَ أخْبَرَنِي مَالِكٌ عَنْ زَيْدٍ بنِ أسْلَمَ عَنْ أبِي صَالِحٍ السَّنَّانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ سُئِلَ النبيُّ ﷺ عَنِ الحُمُرِ فَقَالَ لَمْ يُنْزَلْ عَلَيَّ فِيها شَيْءٌ إلَاّ هاذِهِ الآيَ الجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: ٧، ٨) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ﴿وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره﴾ وَيحيى بن سُلَيْمَان أَبُو سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي سكن مصر يروي عَن عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَهَذَا وَجه آخر عَن مَالك مُقْتَصرا فِي الْقِصَّة الْأَخِيرَة. ٠٠١ - (سُورَةُ: ﴿وَالَعادِيَاتِ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض شَيْء من سُورَة: وَالْعَادِيات، كَذَا لغير أبي ذَر، فَإِن عِنْده سُورَة العاديات وَالْقَارِعَة، وَسورَة العاديات مَكِّيَّة، وَهِي مائَة وَثَلَاثَة وَسِتُّونَ حرفا، وَأَرْبَعُونَ كلمة، وَإِحْدَى عشرَة آيَة. وَعَن ابْن عَبَّاس وَعَطَاء وَمُجاهد وَالْحسن وَعِكْرِمَة والكلبي وَأبي الْعَالِيَة وَأبي الرّبيع وعطية وَقَتَادَة وَمُقَاتِل وَابْن كيسَان: العاديات هِيَ الْخَيل الَّتِي تعدو فِي سَبِيل الله. قَوْله: (ضَبْحًا) ، أَي: يضبحن ضَبْحًا، وهوصوت أنفاسها إِذا جهدت فِي الجري. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الكَنُودُ: الكَفُورُ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الْإِنْسَان لرَبه لكنود﴾ (العاديات: ٦) أَي: لكفور، وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَقَتَادَة وَالربيع، أَي: لكفور جحود لنعم الله تَعَالَى؟ قَالَ الْكَلْبِيّ: هِيَ بِلِسَان كِنْدَة وَحضر موت، وبلسان معد كلهم العَاصِي، وبلسان مُضر وَرَبِيعَة وقضاعة: الكفور، بِلِسَان بني مَالك الْبَخِيل. يُقَالُ: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعا﴾ (العاديات: ٤) رَفَعْنَ بِهِ غُبارا الْقَائِل بذلك أَبُو عُبَيْدَة، وَالْمعْنَى: أَن الْخَيل الَّتِي أغارت صباحا أثرن بِهِ غبارا، وَالضَّمِير فِيهِ بِهِ للصبح أَي: أثرن وَقت الصُّبْح، وَقيل للمكان دلّت عَلَيْهِ الْإِشَارَة وَإِن لم يجر لَهُ ذكر، وَقيل: يرجع إِلَى الْعَدو الَّذِي يدل عَلَيْهِ العاديات. لِحُبِّ الخَيْرِ مِنْ أجْلِ حُبِّ الخَيْرِ: لَشَدِيدٌ لَبَخِيلٌ وَيُقالُ لِلْبَخُيلِ شَدِيدٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإنَّهُ لحب الْخَيْر لشديد﴾ وَفَسرهُ بقوله: ﴿من أجل حب الْخَيْر لشديد﴾ وَهُوَ قَول أبي عُبَيْدَة، جعل اللَّام للتَّعْلِيل، وَقيل: للتعدية بِمَعْنى أَنه لقوي مطيق لحب الْخَيْر وَهُوَ المَال، وَعَن ابْن زيد: سمى الله تَعَالَى المَال خيرا وَعَسَى أَن يكون خبيثا وحراما، وَلَكِن النَّاس يعدونه خيرا، فَسَماهُ الله خيرا. وَكَانَ مُقْتَضى الْكَلَام، وَإنَّهُ لشديد الْحبّ للخير، وَلَكِن أخر الشَّديد لرعاية الفواصل. حُصِّلَ: مُيِّزَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحصل مَا فِي الصُّدُور﴾ (العاديات: ١) وَفَسرهُ بقوله: (ميز) وَهُوَ قَول أبي عُبَيْدَة، وَقيل: جمع وَقيل: أخرج، وَقيل: أظهر. ١٠١ - (سُورَةُ: ﴿القَارِعَةِ﴾ ) بِسم الله الرحمان الرَّحِيم أَي: هَذَا فِي تَفْسِير شَيْء من سُورَة القارعة، وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي مائَة وَاثْنَانِ حرفا وست وَثَلَاثُونَ كلمة وَإِحْدَى عشرَة آيَة. وَلم يذكر هَذَا لأبي ذَر لِأَنَّهُ ذكرهَا مَعَ العاديات كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَالْقَارِعَة: الْقِيَامَة لِأَنَّهَا تقرع الْقُلُوب. كَالفَرَاشِ المَبْثُوثِ كَغَوْغَاءِ الجَرَادِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضا كَذَلِكَ النَّاسُ يَجُولُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ كَالْعِهْنِ كألْوَانِ الْعِهْنِ: وَقَرَأَ عَبْدُ الله: كالصُّوفِ.

стр. 5887

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله : ﴿يَوْم يكون النَّاس كالفراش المبثوث وَتَكون الْجبَال كالعهن المنفوش﴾ (القارعة: ٤، ٥) وَفسّر الْفراش المبثوث بقوله: (كغوغاء الْجَرَاد) إِلَى آخِره، وَعَن أبي عُبَيْدَة: الْفراش طير ذياب وَلَا بعوض، والمبثوث المتفرق. وَقيل: الْفراش الطير الَّتِي تتساقط فِي النَّار، والغوغاء الصَّوْت والجلية، وَفِي الأَصْل: الغوغاء الْجَرَاد حِين يخف للطيران. قَوْله: (كألوان العهن) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَكون الْجبَال كالعهن﴾ وَهُوَ الصُّوف وَكَذَلِكَ قَرَأَ عبد الله بدل العهن ذكره ابْن أبي دَاوُد عَنهُ؟ والمنقوش: المندوف، وَالله أعلم. ٢٠١ - (سُورَةُ: ﴿ألْهَاكُمْ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض شَيْء من سُورَة أَلْهَاكُم، وَتسَمى: سُورَة التكاثر أَيْضا. وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي مائَة وَعِشْرُونَ حرفا، وثمان وَعِشْرُونَ كلمة، وثمان آيَات. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ثبتَتْ الْبَسْمَلَة لأبي ذَر. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: التكاثُرُ مِنَ الأمْوَالِ وَالأوْلادِ أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي قَوْله : ﴿أَلْهَاكُم التكاثر﴾ (التكاثر: ١) أَي: شغلكم التكاثر من الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر من طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، وَعَن قَتَادَة: نزلت فِي الْيَهُود حِين قَالُوا: نَحن أَكثر من بني فلَان وَبَنُو فلَان أَكثر من بني فلَان أَلْهَاكُم ذَلِك حَتَّى مَاتُوا ضلالا وَعَن ابْن بُرَيْدَة: نزلت فِي فخذين من الْأَنْصَار تفاخرا، وَعَن مقَاتل والكلبي: نزلت فِي حيين من قُرَيْش بني عبد منَاف وَبني سهم بن عَمْرو، وَالله أعلم. ٣٠١ - (سُورَةُ: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير شَيْء من سور وَالْعصر، وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي ثَمَانِيَة وَسِتُّونَ حرفا وَأَرْبع عشرَة كلمة، وَثَلَاثَة آيَات. وَقَالَ يَحْيَى: الدَّهْرُ: أقْسَمَ بِهِ يحيى هُوَ يحيى بن زِيَاد الْفراء، أَي: قَالَ يحيى فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْعصر﴾ أَي: الدَّهْر أقسم الله بِهِ، وَلَفظ يحيى لم يذكر فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَعَن الْحسن: الْعَصْر الْعشي، وَعَن قَتَادَة: سَاعَة من سَاعَات النَّهَار، وَعَن ابْن كيسَان: اللَّيْل وَالنَّهَار، وَعَن مقَاتل: صَلَاة الْعَصْر هِيَ الْوُسْطَى. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خُسْرٌ ضَلالُ: ثُمَّ اسْتَثْنَى إلَاّ مَنْ آمَنَ لم يثبت هَذَا إلَاّ للنسفي وَحده، أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الْإِنْسَان لفي خسر﴾ (الْعَصْر: ٢) وَفَسرهُ بقوله: (ضلال) وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: خسران، ونقصان. وَعَن الْأَخْفَش: هلكة، وَعَن الْفراء عُقُوبَة. قَوْله: (ثمَّ اسْتثْنى) ، أَي: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذين آمنُوا﴾ (الْعَصْر: ٣) قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: فَإِنَّهُم لَيْسُوا فِي خسر، وَالله أعلم. ٤٠١ - (سُورَةُ: ﴿الْهَمْزَةِ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض شَيْء من سُورَة الْهمزَة، وَفِي بعض النّسخ سُورَة: ﴿ويل لكل همزَة﴾ (الْهمزَة: ١) وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي مائَة وَثَلَاثُونَ حرفا، وَثَلَاث وَثَلَاثُونَ كلمة، وتسع آيَات وَعَن ابْن عَبَّاس الْهمزَة المشاؤن بالنميمة المفرقون بَين الْأَحِبَّة، وَعَن قَتَادَة: الْهمزَة الَّذِي يَأْكُل لُحُوم النَّاس ويغتابهم، واللمزة: الطعان. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ثبتَتْ البسلمة لأبي ذَر. الحَطَمَةُ: اسْمُ النَّارِ مِثْلُ سَقَرَ وَلَظَى أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿كلا لينبذن فِي الحطمة﴾ (الْهمزَة: ٤) وفسرها بقوله: ﴿اسْم النَّار مثل سقر ولظى﴾ وَسميت بالحطمة لِأَنَّهَا تحطم، أَي: تكسر. ٥٠١ - (سورَةُ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض شَيْء من سُورَة: ألم تَرَ، وَتسَمى سُورَة الْفِيل، وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي سِتَّة وَتسْعُونَ حرفا، وَعِشْرُونَ كلمة، وَخمْس آيَات. ألَمْ تَرَ ألَمْ تَعْلَمْ كَذَا وَقع لغير أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: ألم تَرَ، وَفسّر: (ألم تَرَ) بقوله: (ألم تعلم) وَعَن الْفراء: ألم تَرَ ألم تخبر عَن الْحَبَشَة والفيل، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ ﷺ لم يدْرك قصَّة أَصْحَاب الْفِيل، لِأَنَّهُ ولد فِي تِلْكَ السّنة. أبَابِيلَ مُتَتَابِعَةً مُجْتَمِعَةً أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأرْسل عَلَيْهِم طيرا أبابيل﴾ (الْفِيل: ٣) وَفسّر: (الأبابيل) بقوله: (متتابعة مجتمعة) رُوِيَ هَذَا عَن مُجَاهِد، وَقَالَ

стр. 5888

الثَّعْلَبِيّ: أبابيل كَثِيرَة مُتَفَرِّقَة يتبع بَعْضهَا بَعْضًا. وَعَن عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى كَالْإِبِلِ الموبلة، وَعَن ابْن عَبَّاس لَهَا خراطيم كخراطيم الطير وأكف كأكف الْكلاب، وَعَن عِكْرِمَة: لَهَا رُؤُوس كرؤوس السبَاع لم تَرَ قبل ذَلِك وَبعده، وَعَن ربيع لَهَا أَنْيَاب كأنياب السبَاع، وَقَالَ النَّسَفِيّ فِي تَفْسِير أبابيل: جمع أبال، وَقيل: أبابيل مثل عباديل لَا وَاحِد لَهَا وَقيل: جمع أبول مثل عجول يجمع على عجاجيل. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: مِنْ سِجِّيلٍ: هِيَ سَنْكٍ وَكِلْ أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ترميهم بحجارة من سجيل﴾ (الْفِيل: ٤) وَفسّر السجيل بقوله هِيَ: (سنك وكل) وسنك فِي لُغَة الفارسية بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وبالكاف الْمَكْسُورَة: الْحجر، وكل بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون اللَّام هُوَ الطين، وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق السّديّ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس التَّفْسِير الْمَذْكُور، وَالله أعلم. ٦٠١ - (سُورَةُ: ﴿لإيْلافِ فُرَيْشٍ﴾ ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض شَيْء من سُورَة لِإِيلَافِ قُرَيْش، وَتسَمى: سُورَة قُرَيْش، وَذكر أَبُو الْعَبَّاس أَنَّهَا مَكِّيَّة بِلَا خلاف، وَذكر الضَّحَّاك وَعَطَاء بن السَّائِب أَنَّهَا مَدَنِيَّة، وَهِي ثَلَاثَة وَسَبْعُونَ حرفا وَسبع عشرَة كلمة، وَأَرْبع آيَات وَاخْتلف فِي لَام لِإِيلَافِ، فَقيل: هِيَ مُتَّصِلَة بالسورة الأولى، وَعَن الْكسَائي والأخفش: هِيَ لَام التَّعَجُّب تَقول: أعجب لِإِيلَافِ قُرَيْش رحْلَة الشتَاء والصيف وتركهم عبَادَة رب هَذَا الْبَيْت، وَقيل: هِيَ لَام كي مجازها ﴿فجعلهم كعصف مَأْكُول﴾ ليؤلف قُرَيْش، وَعَن الزّجاج،: هِيَ مَرْدُودَة إِلَى مَا بعْدهَا تَقْدِيره فليعبدوا رب هَذَا الْبَيْت لإيلافهم رحْلَة الشتَاء والصيف، وقريش هم ولد النَّضر بن كنابة، فَمن وَلَده النَّضر فَهُوَ قرشي، وَمن لم يلده النَّضر فَلَيْسَ بقرشي. قَوْله: (إيلافهم) ، بدل من الإيلاف الأول. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لإيلافِ ألِفُوا ذَلِكَ فَلا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ وَآمَنَهُمْ مِنْ كُلِّ عَدُوِّهِمْ فِي حَرَمِهِمْ. أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لِإِيلَافِ﴾ ألفوا بِكَسْر اللَّام أَي: ألفهم الله تَعَالَى فألفوا ذَلِك أَي: الارتحال، وآمنهم الله تَعَالَى من كل عدوهم فِي حرمهم، وَعَن الضَّحَّاك وَالربيع وسُفْيَان: وآمنهم من الجذام فَلَا يصيبهم فِي بلدهم. وَقَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ: لإيلافِ لِنعْمَتِي عَلَى قُرَيْشٍ أَي: قَالَ سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة فِي تَفْسِيره: لِإِيلَافِ بنعمتي على قُرَيْش، رَوَاهُ عَنهُ سعيد بن عبد الرَّحْمَن، والإيلاف مصدر من قَوْلك: آلفت الْمَكَان أولفه إيلافا وَأَنا مؤلف، وَقَرَأَ الْجُمْهُور: لِإِيلَافِ بِإِثْبَات الْيَاء إلَاّ ابْن عَامر فَإِنَّهُ حذفهَا، وَاتَّفَقُوا على إِثْبَاتهَا فِي قَوْله: إيلافهم إلَاّ فِي رِوَايَة عَن ابْن عَامر فكالأول. وَفِي أُخْرَى عَن ابْن كثير بِحَذْف الْألف الَّتِي بعد اللَّام أَيْضا وَالله أعلم.

стр. 5889

٧٠١ - (سورَةُ أرَأيْتَ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض شَيْء من سُورَة أَرَأَيْت، وَتسَمى سُورَة الماعون أَيْضا وَهِي مَكِّيَّة وَهِي مائَة وَثَلَاثَة وَعِشْرُونَ حرفا، وَخمْس وَعِشْرُونَ كلمة، وَسبع آيَات. قَالَ الثَّعْلَبِيّ: قَالَ مقَاتل والكلبي نزلت فِي الْعَاصِ بن وَائِل السَّهْمِي. وَعَن السّديّ وَابْن كيسَان: فِي الْوَلِيد بن الْمُغيرَة، وَعَن الضَّحَّاك فِي عَمْرو بن عَائِذ، وَقيل: فِي هُبَيْرَة بن وهب المَخْزُومِي، وَقَالَ الْفراء، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: أرأيتك الَّذِي يكذب، قَالَ: وَالْكَاف صلَة، وَقَالَ النَّسَفِيّ: أَرَأَيْت؟ هَل عرفت الَّذِي يكذب بِالدّينِ بالجزاء من هُوَ؟ إِن لم تعرفه فَذَلِك الَّذِي يكذب بالجزاء، هُوَ الَّذِي يدع الْيَتِيم أَي: يَقْهَرهُ ويزجره. وَقَالَ مُجَاهِدٌ يَدُعُّ، يَدْفَعُ عنْ حقِّه ويُقالُ: هُوَ مِنْ دَعَعْتُ يُدَعُّونَ يُدْفَعُونَ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَذَلِك الَّذِي يدع الْيَتِيم﴾ (الماعون: ٢) أَي: يَدْفَعهُ عَن حَقه، من دع يدع دَعَا، وَعَن أبي رَجَاء: يدع الْيَتِيم أَي يتْركهُ وَيقصر فِي حَقه. قَوْله: (وَيُقَال: هُوَ من دععت) أَشَارَ بِهِ إِلَى اشتقاقه وَأَن ماضيه: دععت لِأَن عِنْد اتِّصَال الضَّمِير لَا يدغم قَوْله: (يدعونَ) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْم يدعونَ﴾ (الطّور: ٣١) أَي: يدْفَعُونَ، وَقَرَأَ الْحسن وَأَبُو رَجَاء بِالتَّخْفِيفِ، وَنقل عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا. ساهُونَ لاهُونَ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فويل للمصلين الَّذين هم عَن صلَاتهم ساهون﴾ وَفسّر بقوله: (لاهون) وَرَوَاهُ الطَّبَرِيّ عَن مُجَاهِد كَذَلِك، وَقَالَ سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يؤخرونها عَن وَقتهَا، وَقَالَ غير وَاحِد: هُوَ التّرْك، وَعَن ابْن عَبَّاس: هم المُنَافِقُونَ يتركون الصَّلَاة فِي السِّرّ إِذا غَابَ النَّاس ويصلونها فِي الْعَلَانِيَة إِذا حَضَرُوا، وَعَن قَتَادَة: ساه لَا يُبَالِي صلى أم لم يصلِّ. والماعُونُ المَعْرُوف كلهُ. وَقَالَ بَعْضُ العَرَبِ الماعُونُ الماءُ؛ وَقَالَ عِكْرِمَةُ أعْلَاها الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ وأدْناها عارِيَّةُ المَتاعِ ذكر فِي تَفْسِير الماعون ثَلَاثَة أَقْوَال: الأول: الْمَعْرُوف كُله: وَهُوَ الَّذِي يتعاطاه النَّاس بَينهم: كالدلو والفأس وَالْقدر والقداحة وَنَحْوهَا، وَهُوَ قَول الْكَلْبِيّ وَمُحَمّد بن كَعْب. الثَّانِي: الماعون: المَاء وَهُوَ قَول سعيد بن الْمسيب وَالزهْرِيّ وَمُقَاتِل، قَالُوا: الماعون المَاء بلغَة قُرَيْش. الثَّالِث: قَول عِكْرِمَة، وَهُوَ (أَعْلَاهَا الزَّكَاة) إِلَى آخِره، وَهُوَ قَول ابْن عَمْرو وَالْحسن وَقَتَادَة قَوْله: (عَارِية الْمَتَاع) أَي: الماعون اسْم جَامع لمتاع الْبَيْت كالمنخل والغربال والدلو وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يسْتَعْمل فِي الْبيُوت، وَقيل: الماعون مَا لَا يحمل مَنعه مثل المَاء

стр. 5890

وَالْملح وَالنَّار، وَقيل غير ذَلِك وَالله أعلم. ٨٠١ - (سورَةُ: إنَّا أعْطَيْناك الكَوْثَر) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض شَيْء من سُورَة ﴿إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر﴾ (الْكَوْثَر: ١) وَقيل: سُورَة الْكَوْثَر، وَهِي مَكِّيَّة عِنْد الْجُمْهُور، وَقَالَ قَتَادَة وَالْحسن وَعِكْرِمَة: مَدَنِيَّة، وَسبب الِاخْتِلَاف فِيهِ لأجل الِاخْتِلَاف فِي سَبَب النُّزُول فَعَن ابْن عَبَّاس: نزلت فِي الْعَاصِ ابْن وَائِل: فَإِنَّهُ قَالَ فِي حق النَّبِي ﷺ : الأبتر، وَقيل: فِي عقبَة بن أبي معيط. وَعَن عِكْرِمَة: فِي جمَاعَة من قُرَيْش، وَقيل: فِي أبي جهل: وَقَالَ السُّهيْلي: فِي كَعْب بن الْأَشْرَف، قَالَ: وَيلْزم من هَذَا أَن تكون السُّورَة مَدَنِيَّة، وَفِيه تَأمل؛ وَهِي إثنان وَأَرْبَعُونَ حرفا، وَعشر كَلِمَات، وَثَلَاث آيَات. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ شانِئَكَ عَدُوَّكَ أَي قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن شانئك هُوَ الأبتر﴾ أَي: عَدوك هُوَ الأبتر، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي بِذكر: قَالَ ابْن عَبَّاس، وَفِي رِوَايَة غَيره بِدُونِ ذكره. ١ - (بَاب) ٤٦٩٤ - حدَّثنا آدَمُ حدّثنا شَيْبانُ حَدثنَا قَتادَةُ عنْ أَنَسٍ، ﵁، قَالَ: لمَّا عُرِجَ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى السَّماءِ قَالَ: أتَيْتُ عَلَى نَهَرٍ حافَتاهُ قِبابُ اللُّؤْلُؤِ مُجَوَّفا، فَقُلْتُ: مَا هاذا يَا جِبْرِيل؟ قَالَ: هاذَا الكَوْثَرُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس، وشيبان هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن أَبُو مُعَاوِيَة النَّحْوِيّ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم. قَوْله: (حافتاه) أَي: جانباه تَثْنِيَة حافة بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْفَاء. قَوْله: (الْكَوْثَر) على وزن فوعل من الْكَثْرَة وَالْعرب تسمى كل شَيْء كثير فِي الْعدَد أَو فِي الْقدر والخطر: كوثرا، وَاخْتلف فِيهِ، وَالْجُمْهُور على أَنه الْحَوْض. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ. وَقيل: الْكَوْثَر حَوْض النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ عِيَاض: أَحَادِيث الْحَوْض صَحِيحَة وَالْإِيمَان بِهِ فرض والتصديق بِهِ من الْإِيمَان، وَهُوَ على ظَاهره عِنْد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة لَا يتَأَوَّل وَلَا يخْتَلف، وَحَدِيثه متواتر النَّقْل رَوَاهُ خلائق من الصَّحَابَة، وَحَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور هُنَا: الْكَوْثَر نهر مَا ييجيء عَن قريب، وَعَن ابْن عمر، قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : (الْكَوْثَر نهر فِي الْجنَّة حافتاه من الذَّهَب وَمَجْرَاهُ من الدّرّ والياقوت وتربته أطيب من الْمسك وماؤه أحلى من الْعَسَل وَأَشد بَيَاضًا من الثَّلج) وَرُوِيَ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الله بن أبي نجيح، قَالَت عَائِشَة: لَيْسَ أحد يدْخل إصبعيه فِي أُذُنَيْهِ إلَاّ سمع خرير الْكَوْثَر، وَعَن عِكْرِمَة: الْكَوْثَر النُّبُوَّة وَالْقُرْآن وَالْإِسْلَام، وَعَن مُجَاهِد: الْخَيْر كُله، وَقيل: نور فِي قلبه ﷺ دله على الْحق وقطعه عَمَّن سواهُ، وَقيل: الشَّفَاعَة، وَقيل: المعجزات، وَقيل: قَول لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله، وَقيل: الْفِقْه فِي الدّين، وَقيل: الصَّلَوَات الْخمس، وَقيل فِيهِ أَقْوَال أُخْرَى كَثِيرَة. ٥٦٩٤ - حدَّثنا خالِدُ بنُ يَزِيدَ الكاهِلِيُّ حدّثنا إسْرَائِيلُ عنْ أبي إسْحاقَ عنْ أبي عُبَيْدَةَ عنْ عائِشَةَ، ﵂، قَالَ: سألْتُها عَن قَوْلهِ تَعَالَى: إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (الْكَوْثَر: ١) قالَتْ نَهَرٌ أُعْطِيَهُ نَبِيُّكُمْ ﷺ ، شاطِئَاهُ عَليْهِ دُرٌّ مُجَوَّفٌ آنِيَتُهُ كَعَدَدِ النُّجُومِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَإِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، يروي عَن جده أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله عَن أبي عُبَيْدَة عَامر بن عبد الله بن مَسْعُود عَن أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن حَرْب. قَوْله: (قَالَ: سَأَلتهَا) أَي: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: سَأَلت عَائِشَة قَوْله: (أعْطِيه) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (شاطئاه) أَي: جانباه وَهُوَ تَثْنِيَة شاطىء موهو الْجَانِب. قَوْله: (عَلَيْهِ) يرجع إِلَى جنس الشاطىء، وَلِهَذَا لم يقل عَلَيْهِمَا، ودر مَرْفُوع على أَنه مُبْتَدأ ومجوف صفته وَخَبره عَلَيْهِ، وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول أَعنِي: شاطئا. رَاوهُ زَكَرِيَّاءُ وأبُو الأَحْوَص ومُطَرِّفٌ عنْ أبي إسْحاق أَي: رُوِيَ الحَدِيث الْمَذْكُور زَكَرِيَّاء بن أبي زَائِدَة، وَأَبُو الْأَحْوَص سَلام بن سليم، ومطرف بن طريف بِالطَّاءِ الْمُهْملَة فرواية زَكَرِيَّاء رَوَاهَا عَليّ بن الْمَدِينِيّ عَن يحيى بن زَكَرِيَّاء عَن أَبِيه، وَرِوَايَة أبي الْأَحْوَص رَوَاهَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة عَنهُ أبي، وَلَفظه:

стр. 5891

(الْكَوْثَر نهر بِفنَاء الْجنَّة شاطئاه در مجوف وَفِيه من بَقِي عدد النُّجُوم، وَرِوَايَة مطرف رَوَاهَا النَّسَائِيّ من طَرِيقه. ٦٦٩٤ - حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدّثنا هُشَيْمٌ حدّثنا أبُو بشْرٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، ﵄، أنهُ قَالَ فِي الكَوْثَر: هُوَ الخَيْرُ الّذِي أعْطاهُ الله إيَّاهُ: قَالَ أبُو بِشْرٍ: قُلْتُ لِسَعِيد بنِ جُبَيْرٍ: فإِنَّ الناسَ يَزْعَمُونَ أنَّهُ نَهرٌ فِي الجَنَّةِ فَقَالَ سَعِيدٌ النَّهرُ الَّذِي فِي الجنةِ مِنَ الخَيْرِ الَّذِي أَعْطاهُ الله إيَّاهُ. (انْظُر الحَدِيث ٨٧٥٦ فِي طرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي يروي عَن هشيم، مصغر هشيم، ابْن بشير، مصغر بشر، الوَاسِطِيّ عَن أبي بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة جَعْفَر بن أبي وحشية الوَاسِطِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي ذكر الْحَوْض. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن كَامِل، وَقَول سعيد بن جُبَير هَذَا جمع بَين حَدِيثي عَائِشَة وَابْن عَبَّاس، وَالْحَاصِل أَن قَول ابْن عَبَّاس يَشْمَل جَمِيع الْأَقْوَال الَّتِي ذكروها فِي الْكَوْثَر لِأَن جَمِيع ذَلِك من الْخَيْر الَّذِي أعطَاهُ الله تَعَالَى إِيَّاه. ٩٠١ - (سورَةُ قُلْ يَا أيُّها الكافِرُونَ) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض شَيْء مِمَّن سُورَة: ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾ (الْكَافِرُونَ: ١) وَيُقَال لَهَا سُورَة الْكَافرين، والمتشقسة، أَي: المبرئة من النِّفَاق، وَهِي مَكِّيَّة وَهِي أَرْبَعَة وَتسْعُونَ حرفا، وست وَعِشْرُونَ كلمة، وست آيَات وَالْخطاب لأهل مَكَّة مِنْهُم الْوَلِيد بن الْمُغيرَة وَالْعَاص بن وَائِل والْحَارث بن قيس السَّهْمِي وَالْأسود بن عبد يَغُوث وَالْأسود بن عبد الْمطلب وَأُميَّة بن خلف، قَالُوا: يَا مُحَمَّد فَاتبع ديننَا وَنَتبع دينك ونشركك فِي أمرنَا كُله تعبد آلِهَتنَا سنة ونعبد إلهك سنة، فَقَالَ: معَاذ الله أَن أشرك بِهِ غَيره، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾ (الْكَافِرُونَ: ١) إِلَى آخر السُّورَة. لَكُمْ دِينَكُمْ الكُفْرُ ولِيَ دِينِ الإسْلَامُ، ولَم يَقُلْ دِيني لِأَن الآياتِ بالنُّونِ فَحُذِفَتِ الياءُ كَما قَالَ: يَهْدِينِ وَيَشْفِينِ أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿لكم دينكُمْ ولي دين﴾ (الْكَافِرُونَ: ٦) أَي: لكم دين الْكفْر ولي دين الْإِسْلَام، هَكَذَا فسره الْفراء، وَقَرَأَ نَافِع وَحَفْص وَهِشَام: ولي، بِفَتْح الْيَاء وَالْبَاقُونَ بسكونها وَهَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة بِآيَة السَّيْف قَوْله: (وَلم يقل ديني) إِلَى آخِره حَاصله أَن النونات أَي: الفواصل كلهَا بِحَذْف الْيَاء رِعَايَة للمناسبة، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِي خلقني فَهُوَ يهدين. وَالَّذِي هُوَ يطعمني ويسقين وَإِذا مَرضت فَهُوَ يشفين وَالَّذِي يميتني ثمَّ يحيين﴾ (الشُّعَرَاء: ٨٧ ١٨) فَإِن الْيَاء حذفت فِي كلهَا رِعَايَة للفواصل والتناسب وَهَذَا نوع من أَنْوَاع البديع. وَقَالَ غيْرُهُ: لَا أعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ الآنَ ولَا أُجِيبُكُمْ فِيما بَقِيَ مِنْ عُمُري ولَا أنْتُمْ عابدُون مَا أعبُدُ وهُمُ الَّذِينَ قَالَ: ﴿ (٥) وليزيدن كثيرا مِنْهُم. مَا أنزل إِلَيْك من رَبك طغيانا وَكفرا﴾ (الْمَائِدَة: ٤٦) لَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر لفظ: (وَقَالَ غَيره) وَقَالَ بَعضهم، وَالصَّوَاب إثْبَاته لِأَنَّهُ لَيْسَ من بَقِيَّة كَلَام الْفراء بل هُوَ كَلَام أبي عُبَيْدَة. قلت: الصَّوَاب حذفه لِأَنَّهُ لم يذكر قبله، وَقَالَ الْفراء حَتَّى يُقَال بعده: وَقَالَ غَيره، وَهَذَا ظَاهر، وَحَاصِل قَوْله (لَا أعبد) إِلَى قَوْله: (وهم الَّذين) أَي: لَا أعبد فِي الْحَال وَلَا فِي الِاسْتِقْبَال مَا تَعْبدُونَ إِنَّمَا قَالَ: مَا، وَلم يقل من، لِأَن المُرَاد الصّفة، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا أعبد الْبَاطِل وَأَنْتُم لَا تَعْبدُونَ الْحق. وَقيل: مَا مَصْدَرِيَّة أَي: لَا أعبد عبادتكم وَلَا تَعْبدُونَ عبادتي ثمَّ وَجه التّكْرَار فِيهِ التَّأْكِيد لِأَن من مَذَاهِب الْعَرَب التّكْرَار إِرَادَة التَّأْكِيد والإفهام، كَمَا أَن من مذاهبهم الِاخْتِصَار إِرَادَة التَّخْفِيف والإيجاز، وَهَذَا بِحَسب مَا يَقْتَضِيهِ الْحَال، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ إِمَّا للْحَال حَقِيقَة وللاستقبال مجَازًا أَو بِالْعَكْسِ، أَو هُوَ مُشْتَرك، وَكَيف جَازَ الْجمع بَينهمَا، ثمَّ أجَاب بقوله. قلت: الشَّافِعِيَّة جوزوا ذَلِك مُطلقًا، وَأما غَيرهم فجوزوه بِعُمُوم الْمجَاز. قَوْله: (وهم الَّذين) أَي: المخاطبون بقوله: أَنْتُم

стр. 5892

هم الَّذين قَالَ الله فِي حَقهم: ﴿وليزيدن كثيرا مِنْهُم﴾ (الْمَائِدَة: ٤٦) إِلَى آخر. سورَةُ إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (النَّصْر: ١) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض شَيْء مِمَّن سُورَة: ﴿إِذا جَاءَ نصر الله﴾ (النَّصْر: ١) وَيُقَال: سُورَة النَّصْر، وَقَالَ ابْن الْعَبَّاس: هِيَ مَدَنِيَّة بِلَا خلاف وَقَالَ ابْن النَّقِيب: وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنَّهَا آخر سُورَة نزلت، وَقَالَ الواحدي: وَذَلِكَ منصرف سيدنَا رَسُول الله ﷺ من حنين، وعاش بعد نُزُولهَا سنتَيْن، وَقَالَ مقَاتل: لما نزلت قَرَأَهَا ﷺ على أبي بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا ففرحا وسمعها عبد الله بن عَبَّاس فَبكى فَقَالَ ﷺ : مَا يبكيك؟ قَالَ: نعيت إِلَيْك نَفسك، فَقَالَ: صدقت فَعَاشَ بعْدهَا ثَمَانِينَ يَوْمًا فَمسح رَسُول الله ﷺ على رَأسه وَقَالَ: (اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين وَعلمه التَّأْوِيل) ، وَهِي تِسْعَة وَتسْعُونَ حرفا، وست وَعشرَة كلمة، وَثَلَاث آيَات. بِسم الله الرحمان الرَّحِيم. تثبت الْبَسْمَلَة لأبي ذَر. ١ - (بَاب) ٧٦٩٤ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ الرَّبِيعِ حَدثنَا أبُو الأحْوَصِ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبي الضُّحَى عنْ مَسْرُوقٍ عَن عَائِشَةَ، ﵂، قالَتْ: مَا صَلَّى النبيُّ ﷺ صَلَاةً بَعْدَ أَن نَزَلَتْ عَليْه إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (النَّصْر: ١) إلَاّ يَقُولُ فِيها: سُبْحانَك رَبَّنَا وبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَالْحسن بن الرّبيع بِفَتْح الرَّاء ضد الخريف ابْن سُلَيْمَان البَجلِيّ الْكُوفِي، يعرف بالبوراني، وَهُوَ من مَشَايِخ مُسلم أَيْضا مَاتَ سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ بِالْكُوفَةِ، وَأَبُو الْأَحْوَص سَلام بن سليم، وَأَبُو الضُّحَى مُسلم بن صبيح، ومسروق بن الأجدع. والْحَدِيث مر فِي الصَّلَاة فِي بَاب التَّسْبِيح وَالدُّعَاء فِي السُّجُود، عَن حَفْص بن عمر، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٢ - (بَاب) ٨٦٩٤ - حدَّثنا عُثمانُ بنُ أبي شَيْبَة حدّثن جَيريٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ أبي الضُّحَى عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَةَ، ﵂، قالَتْ: كانَ رسولُ الله ﷺ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ فِي ركُوعِهِ وسُجُودِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِر لِي، يتَأوَّلُ القُرْآنَ.. هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير بن عبد الحميد عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر آلى آخِره قَوْله: (يتَأَوَّل الْقُرْآن) أَي: يعْمل بِمَا أَمر بِهِ فِي الْقُرْآن وَهُوَ قَوْله: (فسبح بِحَمْد رَبك وَاسْتَغْفرهُ) (النَّصْر: ٣) قَوْله: (سُبْحَانَكَ) أَي: سبحت بحَمْدك، وَإِضَافَة الْحَمد إِلَى الله وَهُوَ الْفَاعِل، وَالْمرَاد لأزمه أَي التَّوْفِيق أَو إِلَى الْمَفْعُول أَي: بحمدي لَك. ٣ - (بابٌ قوْلهُ: ﴿وَرَأَيْت النَّاس يدْخلُونَ فِي دين الله أَفْوَاجًا﴾ (النَّصْر: ٢) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَأَيْت النَّاس يدْخلُونَ﴾ (النَّصْر: ٢) هُوَ فِي مَحل النصب إِمَّا على الْحَال على أَن رَأَيْت بِمَعْنى أَبْصرت أَو عرفت أَو على أَنه مفعول ثَان على أَنه بِمَعْنى: علمت، وَقيل: المُرَاد بِالنَّاسِ أهل الْيمن. قَوْله: (أَفْوَاجًا) أَي: فوجا بعد فَوْج، وزمرا بعد زمر الْقَبِيلَة بأسرها وَالْقَوْم بأجمعهم من غير قتال. ٩٦٩٤ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ أبي شَيْبَةَ حدَّثنا عبْدُ الرَّحْمانِ عنْ سُفْيانَ عنْ حَبِيبِ بنِ أبي ثابتٍ عنْ سعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّ عُمَرَ، ﵁، سألَهُمْ عنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (النَّصْر: ٢) قالُوا: فَتْحُ المَدَائِنِ والقُصُورِ، قَالَ: مَا تَقُولُ يَا ابنَ عَبَّاس؟ قَالَ: أجَلٌ أوْ مثَلٌ ضُرِبَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ نُعِيَتْ لهُ نَفْسهُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله هُوَ ابْن مُحَمَّد بن أبي شيبَة أَخُو عُثْمَان بن أبي شيبَة، وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن مهْدي، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، والْحَدِيث من أفرادهي. قَوْله: (أجل) . بِالتَّنْوِينِ وَكَذَا قَوْله: (أَو مثل) بِالتَّنْوِينِ. قَوْله: (ضرب) من الضَّرْب بِمَعْنى

стр. 5893

التَّوْقِيت فِي قَوْله: (أجل) وَمن ضرب الْمثل فِي قَوْله: (أَو مثل) ، قَوْله: (نعيت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من نعي الْمَيِّت ينعاه نعيا ونعيا إِذا أذاع مَوته وَأخْبر بِهِ. ٤ - (بَاب ﴿فسبح اسْم رَبك وَاسْتَغْفرهُ إِنَّه كَانَ تَوَّابًا﴾ (النَّصْر: ٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فسبح بِحَمْد رَبك﴾ (النَّصْر: ٣) الْمَعْنى: إِذا دخل النا فِي دين الله أَفْوَاجًا فسبح بِحَمْد رَبك فَإنَّك حِينَئِذٍ لَا حق بِهِ ذائق الْمَوْت كَمَا ذاق من قبلك من الرُّسُل. توَّابٌ علَى العِباد، والتوَّابُ مِنَ النَّاس التّائِبُ منَ الذَّنْب أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن التواب لَهُ مَعْنيانِ: أَحدهمَا: تواب يُقَال لله تَعَالَى بِمَعْنى أَنه رجّاع عَلَيْهِم بالمغفرة وَقبُول التَّوْبَة، وَقيل: الَّذِي يرجع إِلَى كل مذنب بِالتَّوْبَةِ وَأَصله من التوب وَهُوَ الرُّجُوع، وَقيل: هُوَ الَّذِي ييسر للمذنبين أَسبَاب النّوبَة ويوفقهم ويسوق إِلَيْهِم مَا ينبههم عَن رقدة الْغَفْلَة ويطلعهم على وخامة عواقب الزلة، فَسُمي الْمُسَبّب للشَّيْء باسم الْمُبَاشر لَهُ كَمَا أسْند إِلَيْهِ فعله فِي قَوْلهم: بنى الْأَمِير الْمَدِينَة. وَالْآخِرَة: تواب يُقَال للْعَبد بِمَعْنى أَنه تائب من الذُّنُوب الَّتِي اقترفها. ٠٧٩٤ - حدَّثنا مُوسى بنُ إسْماعِيلَ حَدثنَا أبُو عَوَانَةَ عنْ أبي بِشْر عنْ سعيد بن جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أشْيَاخِ بَدْرٍ، فكَأنَّ بعْضُهمْ وجَدَ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ: لِمَ تُدْخِلُ هاذا مَعنا ولَنا أبْناءٌ مِثْلُهُ؟ فَقَالَ عُمرُ: إنّهُ مِنْ حَيْثُ عَلِمْتُمْ، فدَعا ذَاتَ يَوْمٍ فادْخَلَهُ مَعَهُمْ، فَما رئِيتُ أنّهُ دَعانِي يَوْمَئِذٍ إلَاّ لِيُريَهُمْ، قَالَ: مَا تقُولُونَ فِي قَوْلِ الله تَعَالَى: إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (النَّصْر: ١) ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنا أنْ نحْمَدَ الله ونَسْتَغْفِرَهُ إِذا نُصِرْنا فُتِحَ علَيْنا، وسكَتَ بعْضُهُمْ فلَم يقُلْ شَيْئا، فَقَالَ لي: أكذَاكَ تَقُولُ يَا ابنَ عباسٍ؟ فقُلْت: لَا. قَالَ: فَما تقُول؟ قُلْتُ: هُو أجَلُ رسولِ الله ﷺ ، أعْلَمَهُ لهُ قَالَ: إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (النَّصْر: ١) وذالِكَ عَلَامَةُ أجَلِكَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَواِبَا﴾ (النَّصْر: ٣) فَقَالَ عُمَرُ: مَا أعْلَمُ مِنْها إلَاّ مَا تَقُولُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة تُؤْخَذ من قَوْله: ﴿فسبح بِحَمْد رَبك﴾ (النَّصْر: ٣) إِلَى آخِره ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة الْبَصْرِيّ التَّبُوذَكِي، وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي، وَأَبُو بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة جَعْفَر بن أبي وحشية إياش الْيَشْكُرِي الْبَصْرِيّ، وَيُقَال الوَاسِطِيّ. والْحَدِيث مر فِي الْمَغَازِي فِي بَاب مُجَرّد عقيب: بَاب منزل النَّبِي ﷺ يَوْم الْفَتْح فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي النُّعْمَان عَن أبي عوَانَة إِلَى آخِره. قَوْله: (يدخلني) بِضَم الْيَاء من الإدخال. قَوْله: (مَعَ أَشْيَاخ بدر) . يَعْنِي: من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار. قَوْله: (فَكَأَن بَعضهم) هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف قَوْله: (وجد) ، أَي غضب قَوْله: (أَنه من حَيْثُ علمْتُم) . أَي: أَن عبد الله بن عَبَّاس مِمَّن علمْتُم فَضله وَزِيَادَة علمه وعرفتم قدمه. قَوْله: (فَمَا رئيت) على صِيغَة الْمَجْهُول بِضَم الرَّاء وَكسر الحمزة. وَفِي غَزْوَة الْفَتْح فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: فَمَا أريته بِتَقْدِيم الْهمزَة وَالْمعْنَى وَاحِد. قَوْله: (إِلَّا لِيُرِيَهُمْ) بِضَم الْيَاء من الإراءة. قَوْله: (قلت: لَا) أَي: لَا أَقُول مثل مَا يَقُول هَؤُلَاءِ قَالَ عمر: فَمَا تَقول يَا عبد الله؟ قَوْله: (مَا أعلم مِنْهَا) أَي: من المقالات الَّتِي قَالَ بَعضهم. ١١١ - (سورةُ ﴿تبت يدا أبي لَهب﴾ (المسد: ١) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض شَيْء مِمَّن سُورَة ﴿تبت يدا أبي لَهب﴾ (المسد: ١) وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ سُورَة، وَهِي مَكِّيَّة، وَهِي سَبْعَة وَسَبْعُونَ حرفا، وَثَلَاث وَعِشْرُونَ كلمة، وَخمْس آيَات وَأَبُو لَهب بن عبد الْمطلب واسْمه عبد الْعزي وَأمه خزاعية وكنى أَبَا لَهب فَقيل: بِابْنِهِ لَهب، وَقيل: لشدَّة حمرَة وجنتيه وَكَانَ وَجهه يتلهب من حسنه وَوَافَقَ ذَلِك مَاتَ آل إِلَيْهِ، أمره وَهُوَ دُخُوله ﴿ (١١١) نَارا ذَات

стр. 5894

لَهب﴾ (المسد: ٣) وَكَانَ من أَشد النَّاس عَدَاوَة للنَّبِي ﷺ وَتَمَادَى على عداوته حَتَّى مَاتَ بعد بدر بأيام وَلم يحضرها بل أرسل عَنهُ بديلاً فَلَمَّا بلغه مَا جرى لقريش مَاتَ غما. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تثبت الْبَسْمَلَة لأبي ذَر. وتَبَّ: خَسِرَ تَ بَابٌ: خُسْرَانٌ: تَتْبِيبٌ: تَدْمِيرٌ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتب مَا أغْنى عَنهُ مَاله﴾ (المسد: ١ ٢) وَفسّر: (تب) بقوله: (تباب) بقوله (خسران) وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كيد فِرْعَوْن إِلَّا فِي تباب﴾ وَأَشَارَ بقوله (تتبيب) إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا زادوهم غير تتبيب﴾ (هود: ١٠١) أَي: غير تدمير، أَي غير هَلَاك، وَالْوَاو فِي وَتب للْعَطْف فَالْأول دَعَاهُ وَالثَّانِي خبر، وَلَفظ: يَد أَصله تَقول الْعَرَب: يَد الدَّهْر وَيَد الرزايا، وَقيل: المُرَاد ملكه وَمَاله، يُقَال: فلَان قَلِيل ذَات الْيَد، يعنون بِهِ المَال، وَقيل: يذكر الْيَد وَيُرَاد بِهِ النَّفس من قبيل ذكر الشَّيْء بِبَعْض أَجْزَائِهِ. ١ - (بَاب) ١٧٩٤ - حدَّثنا يُوسُفُ بنُ مُوسى احدثنا أبُو أُسامةَ حَدثنَا الأعْمَشُ حدَّثنا عَمْرُو بنُ مُرَّةَ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، ﵄، قَالَ: لما نَزَلَتْ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الَاْقْرَبِينَ ورهْطَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِين﴾ (الشُّعَرَاء: ٤١٢ ٥١٢) خَرَجَ رسولُ الله ﷺ ، حتَّى صعَدَ الصَّفا فَهَتَفَ: يَا صبَاحاهْ ﴿فقالُوا: مَنْ هاذا؟ فاجْتمَعُوا إليْهِ، فَقَالَ: أرَأيْتُمْ إنْ أخبَرتُكُمْ أنَّ خيْلاً تَخْرُجُ مِنْ صَفْحِ هاذا الجَبَلِ أكُنْتُمْ مُصَدِّقِي؟ قالُوا: مَا جَرَّبْنا عَلَيْكَ كذبا قَالَ: فإِنِّي ﴿ (٣٤) نَذِير لكم بَين يَدي عَذَاب شَدِيد﴾ (سبأ: ٦٤) قَالَ أبُو لَهَبٍ: تبّا لكَ﴾ مَا جَمعتَنا إِلَّا لِهذا؟ ثمَ قامَ فَنَزَلَتْ: تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (المسد: ١) وقَدْ تَبَّ، هاكذا قَرَأَهَا الأعْمَشُ يَوْمَئِذٍ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَفِيه بَيَان سَبَب نزُول السُّورَة. يُوسُف بن مُوسَى بن رَاشد بن بِلَال الْقطَّان الْكُوفِي، مَاتَ بِبَغْدَاد سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهَذَا من مُرْسل الصَّحَابِيّ لِأَن ابْن عَبَّاس لم يخلق حِينَئِذٍ. والْحَدِيث قد قتدم بِتَمَامِهِ فِي مَنَاقِب قُرَيْش، وببعضه فِي الْجَنَائِز. قَوْله: (ورهطك مِنْهُم المخلصين) أما تَفْسِير لقَوْله: عشيرتك، وَإِمَّا قِرَاءَة شَاذَّة رَوَاهَا، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: قَرَأَهَا ابْن عَبَّاس، وَقَالَ النَّوَوِيّ عبارَة ابْن عَبَّاس مشعرة بِأَنَّهَا كَانَت قُرْآنًا ثمَّ نسخت تِلَاوَته. قَوْله: (فَهَتَفَ) أَي: صَاح. قَوْله: (يَا صَبَاحَاه ﴿) هَذِه كلمة يَقُولهَا المستغيث، وَأَصلهَا إِذا صاحوا اللغارة لأَنهم أَكثر مَا كَانُوا يغيرون بالصباح ويسمون يَوْم الْغَارة يَوْم الصَّباح، وَكَانَ الْقَائِل: يَا صَبَاحَاه، يَقُول: قد غشينا الْعَدو. قَوْله: (من سفح) بِالسِّين أَو الصَّاد: وَجه الْجَبَل وأسفله. ٢ - (بابٌ قوْلُهُ ﴿وَتب مَا أغْنى عَنهُ مَاله وَمَا كسب﴾ (المسد: ١ ٢) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَتب مَا أغْنى عَنهُ﴾ (المسد: ١ ٢) أَي: عَن أبي لَهب مَاله من عَذَاب الله، وَقيل: مَاله أغنامه، وَكَانَ صَاحب سَائِمَة. قَوْله: (وَمَا كسب) قَالَ الثَّعْلَبِيّ: يَعْنِي: وَلَده لِأَن وَلَده من كَسبه، وَقَالَ النَّسَفِيّ كلمة: مَا، مَوْصُولَة يَعْنِي: وَالَّذِي كسب من الْأَمْوَال والأرباح، وَيجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة يَعْنِي: وَكَسبه. ٢٧٩٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلَامٍ أخبرَنا أبُو مُعاوِيةَ حَدثنَا الأعْمَشُ عنْ عَمْرو بن مُرَّةَ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ ، خَرَجَ إِلَى البَطْحاءِ فصَعِدَ إِلَى الجَبَلِ فَنادَى: يَا صبَاحاهْ﴾ فاجْتمَعَتْ إليْهِ قُرَيْشٌ، فَقَالَ: أرَأيْتُمْ إنْ حَدَّثْتُكُمْ أنَّ العَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أوْ مُمَسِّيكُمْ أكُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟ قالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فإِنِّي ﴿ (٣٤) نَذِير لكم بَين يَدي عَذَاب شَدِيد﴾ (سبأ: ٦٤) فَقَالَ أبُو لَهَبٍ: ألهَذا جَمَعْتَنا؟ تبّا لَكَ. فأنْزَلَ الله تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (المسد: ١) آلى آخِرها.

стр. 5895

هَذَا هُوَ الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه من طَرِيق آخر عَن مُحَمَّد بن سَلام بتَشْديد اللَّام عَن أبي مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم الضَّرِير عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش إِلَى آخِره. قَوْله: (إِلَى الْبَطْحَاء) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة، وبطحاء مَكَّة وأبطحها مسيل واديها وَيجمع على البطاح والأباطح. قَوْله: (مصبحكم) من التصبيح وممسيكم من الإمساء قَوْله: (تصدقوني) ويروي: تصدقونني. ٣ - (بابٌ قوْلُهُ: ﴿نَارا ذَات لَهب﴾ (المسد: ٣) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: سيصلى أَي: أَبُو لَهب سيدخل نَارا ذَات لَهب، وَالسِّين فِيهِ للوعيد إِذْ هُوَ كَائِن لَا محَالة وَإِن تَأَخّر وقته. ٤ - (بابٌ ﴿وَامْرَأَته حمالَة الْحَطب﴾ (المسد: ٤) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿وَامْرَأَته حمالَة الْحَطب﴾ (المسد: ٤) قَرَأَ عَاصِم: حمالَة، بِالنّصب على الذَّم وَالْبَاقُونَ بِالرَّفْع على تَقْدِير: سيصلى نَارا هُوَ وَامْرَأَته، وَتَكون امْرَأَته، عطفا على الضَّمِير فِي سيصلى، وحمالة بدل مِنْهَا، وَقد ذكرنَا أَن امْرَأَته أم جميل بنت حَرْب أُخْت أبي سُفْيَان، وَقَالَ الضَّحَّاك: كَانَت تنشر السعدان على طَرِيق رَسُول الله ﷺ فيطؤه كَمَا يطَأ أحدكُم الْحَرِير، وَعَن مرّة الْهَمدَانِي: كَانَت أم جميل تَأتي كل يَوْم بحزمة من الحسك والشوك والسعدان فتطرحها على طَرِيق الْمُسلمين، فَبَيْنَمَا هِيَ ذَات يَوْم بحملة أعيت فَقَعَدت على حجر تستريح، فَأتى ملك فجذبها من خلفهَا فأهلكها. وَقَالَ مُجاهِدٌ: حَمَّالَةَ الحطَبِ: تَمْشِي بالنَّمِيمةِ أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وامرأتُه حمالةَ الْحَطب﴾ (المسد: ٤) كَانَت تمشي بالنميمة، رَوَاهُ عبد بن حميد عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، وَكَانَت تنم على النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه إِلَى الْمُشْركين، وَقَالَ الْفراء: كَانَت تنم فتحرش فتوقع بَينهم الْعَدَاوَة، فكنى عَن ذَلِك: بحمالة الْحَطب. فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ (المسد: ٥) يقالُ: مَسَدٍ لِيفِ المُقْلِ، وهْيَ السِّلْسِلَةُ الَّتِي فِي النّار هَذَانِ قَولَانِ حَكَاهُمَا الْفراء الأول: معنى قَوْله: (فِي جيدها حَبل من مسد) (المسد: ٤) أَي: فِي عُنُقهَا حَبل من لِيف الْمقل، هَذَا كَانَ فِي الدُّنْيَا حِين كَانَت تحمل الشوك. وَالثَّانِي: أَن معنى قَوْله: من مسد، هِيَ السلسلة الَّتِي فِي النَّار، وَهُوَ فِي الْآخِرَة عَن ابْن عَبَّاس وَعُرْوَة: سلسلة من حَدِيد ذرعها سَبْعُونَ ذِرَاعا تدخل من فِيهَا وَتخرج من دبرهَا وتلوى سائرها فِي عُنُقهَا، وَالله أعلم. ٢١١ - (سورَةُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الْإِخْلَاص: ١) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض شَيْء من سُورَة ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ (الْإِخْلَاص: ١) تسمى سُورَة الْإِخْلَاص: وَهِي مَكِّيَّة، مَدَنِيَّة، وَهِي سَبْعَة وَأَرْبَعُونَ حرفا، وَخمْس عشرَة كلمة، وَأَرْبع آيَات. نزلت لما قَالَت قُرَيْش أَو كَعْب بن الْأَشْرَف أَو مَالك بن الصعب أَو عَامر بن الطُّفَيْل العامري: أنسب لنا رَبك. يُقالُ: لَا يُنَوَّنُ (أحَدٌ) أيْ: واحِدٌ أَي: قد يحذف التَّنْوِين من: أحد، فِي حَال الْوَصْل فَيُقَال: هُوَ الله أحد الله، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: (فألقيته غير مستعتب ... وَلَا ذَاكر الله إِلَّا قَلِيلا) قَوْله: (أَي: وَاحِد) تَفْسِير. قَوْله: (أحد) . أَرَادَ أَنه لَا فرق بَينهمَا، وَهَذَا قَول قَالَه بَعضهم، وَالصَّحِيح الْفرق بَينهمَا، فَقيل: الْوَاحِد بِالصِّفَاتِ والأحد بِالذَّاتِ، وَقيل: الْوَاحِد يدل على أزليته وأوليته لِأَن الْوَاحِد فِي الْأَعْدَاد ركنها وَأَصلهَا ومبدؤها، والأحد يدل على تميزه من خلقه فِي جَمِيع صِفَاته وَنفي أَبْوَاب الشّرك عَنهُ، فالأخذ لنفي مَا يذكر مَعَه من الْعدَد،

стр. 5896

وَالْوَاحد اسْم لمفتح الْعدَد، فأحد يصلح فِي الْكَلَام فِي مَوضِع الْجُحُود، وَالْوَاحد فِي مَوضِع الْإِثْبَات، تَقول: يأتني مِنْهُم أحد، وَجَاءَنِي مِنْهُم وَاحِد وَلَا يُقَال: جَاءَنِي مِنْهُم أحد لِأَنَّك إِذا قلت: لم يأتني مِنْهُم أحد فَمَعْنَاه أَنه لَا وَاحِد أَتَانِي وَلَا إثنان، وَإِذا قلت: جَاءَنِي مِنْهُم وَاحِد، فَمَعْنَاه أَنه لم يأتني اثْنَان، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: أحد فِي الأَصْل وَاحِد. ٤٧٩٤ - حدَّثنا أبُو اليمَانِ حدَّثنا شعَيْبٌ حدَّثنا أبُو الزِّنادِ عَن الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ، ﵁، عنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: قَالَ الله تَعَالَى: كذَّبَني ابنُ آدَمَ وَلَمْ يكُنْ لَهُ ذالِكَ، وشَتَمَني ولَمْ يَكُنْ لَهُ ذالِكَ، فأمَّا تَكذِيبُهُ إيَّايَ فقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأنِي، ولَيْسَ أوَّلُ الخَلْقِ بأهْوَنَ علَيَّ مِنْ إعادَتِه؛ وأمَّا شَتْمُهُ إيَّاي فقَوْلَهُ: ﴿ (٢) اتخذ الله ولدا﴾ (الْبَقَرَة: ٦١١) وَأَنا الأحَدُ الصَّمَدُ لَمْ ألِدْ ولَمْ أولَدْ ولَمْ يَكُنْ لِي كُفْئا أحَدٌ. (انْظُر الحَدِيث ٣٩١٣ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن حَمْزَة، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. والْحَدِيث قد مضى فِي سُورَة الْبَقَرَة فِي: بَاب ﴿قَالُوا اتخذ الله ولدا سُبْحَانَهُ﴾ (الْبَقَرَة: ٦١١) عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن عبد الله بن أبي حُسَيْن عَن نَافِع بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس نَحْو رِوَايَة أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (وَشَتَمَنِي) الشتم توصيف الشَّخْص بارزاء وَنقص فِيهِ لَا سِيمَا فِيمَا يتَعَلَّق بِالنّسَبِ. ٢ - (بابٌ قوْلُهُ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (الْإِخْلَاص: ٢) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله ﴿الله الصَّمد﴾ (الْإِخْلَاص: ٢) وَلم تثبت هَذِه التَّرْجَمَة إلاّ لأبي ذَر. والعَرُبُ تُسَمِّي أشْرَافَها الصَّمَد. قَالَ أبُو وَائِلٍ: هُوَ السَّيِّدُ الذِي انْتَهَى سُودَدُهُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن معنى الصَّمد عِنْد الْعَرَب الشّرف، وَلِهَذَا يسمون رؤساءهم: الْأَشْرَاف بالصمد. وَعَن ابْن عَبَّاس: هُوَ السَّيِّد الَّذِي قد كمل أَنْوَاع الشّرف والسؤدد، وَقيل: هُوَ السَّيِّد الْمَقْصُود فِي الْحَوَائِج، تَقول الْعَرَب: صمدت فلَانا أصمده صمدا، بِسُكُون الْمِيم: إِذا قصدته والمصمود صَمد، وَيُقَال: بَيت مصمود إِذا قَصده النَّاس فِي حوائجهم. قَوْله: (وَقَالَ أَبُو وَائِل) بِالْهَمْزَةِ بعد الْألف كنية شَقِيق بن مسلمة، وَهَذَا ثَبت النَّسَفِيّ هُنَا، وَقد ذكر فِي تَفْسِير الصَّمد مَعَاني كَثِيرَة. ٥٧٩٤ - حدَّثنا إسْحاقُ بنُ منْصُورٍ قَالَ: وَحدثنَا عبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرَنا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : قَالَ الله: كذَّبَنِي ابنُ آدَمَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ذالِكَ، وشَتَمَني ولَم يَكُنْ لَهُ ذالك؛ أمَّا تَكْذِيبُهُ إيَّاي أنْ يقُولَ: إنِّي لَنْ أعِيدَهُ كَما بَدَأْتُهُ، وأمَّا شَتْمُهُ إيَّاي أنْ يقُولَ ﴿ (٢) اتخذ الله ولدا﴾ (الْبَقَرَة: ٦١١) وَأَنا الصَّمدُ الّذِي لَمْ أَلِدْ ولَمْ أُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لِي كُفُؤا أحَدٌ. (انْظُر الحَدِيث ٣٩١٣ وطرفه) . هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور أخرجه عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور الْمروزِي عَن عبد الرَّزَّاق بن همام عَن معمر بن رَاشد عَن همام بن مُنَبّه عَن أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (كَذبَنِي ابْن آدم) ، أَي: بعض بني آدم، وَالْمرَاد بهم المنكرون للبعث من مُشْركي الْعَرَب وَغَيرهم من عباد الْأَوْثَان وَالنَّصَارَى. قَوْله: (وَلم يكن لَهُ ذَلِك) ثَبت هَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَلم يثبت لبَقيَّة الروَاة عَن الْفربرِي، وَكَذَا النَّسَفِيّ. قَوْله: (أما تَكْذِيبه إيَّايَ أَن يَقُول) الْقيَاس: أَن يُقَال: فَأن يَقُول، بِالْفَاءِ وَهَذَا دَلِيل من جوز حذف الْفَاء من جَوَاب أما قَوْله: (وَلم يكن لي كُفؤًا أحد) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: وَلم يكن لَهُ، بطرِيق الِالْتِفَات. كُفُؤا وكَفيئا وكِفاءً واحدٌ

стр. 5897

أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن كفوا بِضَمَّتَيْنِ بِدُونِ الْهمزَة، وكفيئا على وزن فعيل. وكفاءً على وزن فعال بِالْكَسْرِ بِمَعْنى وَاحِد، والكفؤ الْمثل والنظير وَلَيْسَ لله كفؤ وَلَا مثيل وَلَا شَبيه، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ فِي قَوْله: وَلم يكن لَهُ كُفؤًا أحد، على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير أَي لَيْسَ لَهُ أحد كُفؤًا. وَقَرَأَ حَمْزَة وَيَعْقُوب: كفئا، سَاكِنة الْفَاء ممهوزة وَمثله رُوِيَ الْعَبَّاس عَن أبي عَمْرو وَإِسْمَاعِيل عَن نَافِع وَحَفْص عَن عَاصِم وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَم الْفَاء وَفتح حَفْص الْوَاو بِغَيْر همزَة، وَرُوِيَ فِي الشواذ عَن سُلَيْمَان بن على أَنه قَرَأَ: كفاء، بِكَسْر ثمَّ مد، وَرُوِيَ عَن نَافِع مثله لَكِن بِغَيْر مد. ٣١١ - (سورَةُ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ (الفلق: ١) أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض شَيْء من سُورَة: ﴿قل أعوذ بِرَبّ الفلق﴾ (الفلق: ١) وَفِي بعض النّسخ ﴿قل أعوذ بِرَبّ الفلق﴾ من غير ذكر سُورَة وَفِي بَعْضهَا وَفِي بَعْضهَا سُورَة الفلق. ﴿بِسم الله الرحمان الرَّحِيم﴾ لم تثبت الْبَسْمَلَة إِلَّا لأبي ذَر. وَهِي مَدَنِيَّة فِي قَول سُفْيَان وَفِي رِوَايَة همام وَسَعِيد عَن قَتَادَة مَكِّيَّة وَكَذَا قَالَه السّديّ وَقَالَ سُفْيَان الفلق وَالنَّاس تزلتا فِيمَا كانلبيد بن الأعصم سحر رَسُول الله ﷺ وقصته مسهورة فِي التفاسير وَهِي أَرْبَعَة وَسَبْعُونَ حرفا وَثَلَاث وَعِشْرُونَ كلمة وَخمْس آيَات والفلق الصُّبْح كَذَا روى عَن ابْن عَبَّاس وَعنهُ سجن فِي جَهَنَّم وَعَن السّديّ جب فِي جَهَنَّم وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ يرفعهُ بِسَنَد لَا بَأْس بِهِ الفلق جب فيجهنم مغطى وَعَن كَعْب الْجب بَيت فِي جَهَنَّم إِذا فتح صَاح أهل النَّار من شَرّ حره وَقيل غير ذَلِك. ﴿وَقَالَ مُجَاهِد الفلق الصُّبْح وغاسق اللَّيْل إِذا وَقب غرُوب الشَّمْس يُقَال أبين من فرق وفلق الصُّبْح وَقب إِذا دخل فِي كل شَيْء وأظلم﴾ أَي قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن شَرّ غَاسِق إِذا وَقب﴾ أَن الْغَاسِق اللَّيْل وَإِذا وَقب غرُوب الشَّمْس وَكَذَا روى عَن أبي عُبَيْدَة ووقب من الوقوب وَهُوَ غرُوب الشَّمْس وَالدُّخُول فِي موضعهَا وَيُقَال وَقب إِذا دخل فِي كل شَيْء وأظلم وَهُوَ كَلَام الْفراء وَكَذَا قَوْله يُقَال أبين من فرق وفلق الصُّبْح من كَلَام الْفراء. ٤٧٢ - حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد حَدثنَا سُفْيَان عَن عَاصِم وَعَبدَة عَن زر بن حُبَيْش قَالَ سَأَلت أبي بن كَعْب عَن المعوذتين فَقَالَ سَأَلت رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لي فَقلت فَنحْن نقُول كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وسُفْيَان وَهُوَ ابْن عُيَيْنَة وَعَاصِم هُوَ ابْن أبي النجُود بِفَتْح النُّون وَضم الْجِيم وبالمهملة أحد الْقُرَّاء السَّبْعَة وَعَبدَة ضد الْحرَّة ابْن أبي لبَابَة بِضَم اللَّام وَتَخْفِيف الْمُوَحدَة الأولى الْأَسدي وزر بِكَسْر الزَّاي وَشدَّة الرَّاء ابْن جبيش مصغر الْحَبَش بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة والشين الْمُعْجَمَة والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن قُتَيْبَة قَوْله: (عَن المعوذتين) بِكَسْر الْوَاو وَمعنى السُّؤَال عَنْهُمَا لأجل قَول ابْن مَسْعُود أَن المعوذتين ليستا من الْقُرْآن فَسَأَلَ عَنْهُمَا من أَبى من هَذِه الْجِهَة فَقَالَ سَأَلت رَسُول الله ﷺ فَقَالَ قيل لي أعوذ أَي إقرأنيهما جِبْرِيل ﵊ يعْنى أَنَّهُمَا من الْقُرْآن قَوْله (فَنحْن نقُول) من كَلَام أبي رضى الله تَعَالَى عَنهُ. (سُورَة ﴿قل أعوذ بِرَبّ النَّاس﴾ ) أَي هَذَا فِي تَفْسِير بعض شَيْء من سُورَة (قل أعوذ بِرَبّ النَّاس) وَفِي بعض النّسخ لم يذكر لفظ: سُورَة وَفِي بَعْضهَا بِسُورَة النَّاس، وَهِي مَدَنِيَّة، وَهِي تِسْعَة وَتسْعُونَ حرفا، وَعِشْرُونَ كلمة، وست آيَات. ويُذْكَرُ عنِ ابنِ عبَّاسٍ: الوَسْوَاسِ إذَا وُلِدَ خَنَسَةُ الشّيْطانُ فإِذَا ذُكِرَ الله ذَهَبَ، وإذَا لَمْ يُذْكَرِ الله ثَبَتَ علَى قَلْبِهِ

стр. 5898

كَذَا فِي وَقع لغير أبي ذَر، وَوَقع لَهُ: وَقَالَ ابْن عَبَّاس، وَالْأول أولى لِأَن إِسْنَاد الحَدِيث إِلَى ابْن عَبَّاس ضَعِيف أخرجه الطَّبَرِيّ وَالْحَاكِم فِي إِسْنَاده حَكِيم بن جُبَير وَهُوَ ضَعِيف، وَلَفظه: مَا من مَوْلُود إلَاّ على قلبه الوسواس، فَإِذا عمل فَذكر الله خنس، وَإِذا غفل وسوس. قَوْله: (خنس الشَّيْطَان) ، قَالَ الصَّاغَانِي الأولى نخسه الشَّيْطَان، مَكَان خنسه الشَّيْطَان، فَإِن سلمت اللَّفْظَة من الانقلاب والتصحيف فَالْمَعْنى، وَالله أعلم: أَخّرهُ وأزاله عَن مَكَانَهُ لشدَّة نخسه وطعنه فِي خاصرته. ٧٧٩٤ - حدَّثنا عَليُّ بنُ عبْد الله حدّثنا سُفْيانُ حدّثنا عَبْدَةُ بنُ أبِي لُبابَةَ عنْ زِرِّ بنِ حُبَيْشٍ وحدّثنا عاصِمٌ عنْ زِرٍّ قَالَ: سألْتُ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ قُلْتُ: يَا أَبَا المُنْذِرِ! إنَّ أخاكَ ابنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ كَذَا وكَذَا، فَقَالَ أبَيُّ: سألْتُ رسُولَ الله ﷺ ، فَقَالَ لِي: قِيلَ لي. فَقُلْتُ. قَالَ، فَنَحْنُ نَقُولُ كَما قَالَ رسولُ الله ﷺ . هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن أبي كَعْب أخرجه عَن عَليّ بن عبد الله بن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة إِلَى آخِره. قَوْله: (وَحدثنَا عَاصِم) الْقَائِل: وَحدثنَا عَاصِم، هُوَ سُفْيَان وَكَأَنَّهُ كَانَ يجمعهما تَارَة ويفردهما أُخْرَى، وَأَبُو الْمُنْذر كنية أبي بن كَعْب وَله كنيته أُخْرَى: أَبُو الطُّفَيْل. قَوْله: (إِن أَخَاك) يَعْنِي فِي الدّين. قَوْله: (كَذَا وَكَذَا) ، يَعْنِي: أَنَّهُمَا ليستا من الْقُرْآن. قَوْله: (قيل لي) ، أَي: إنَّهُمَا من الْقُرْآن، وَهَذَا كَانَ مِمَّا اخْتلف فِيهِ الصَّحَابَة ثمَّ ارْتَفع الْخلاف وَوَقع الْإِجْمَاع عَلَيْهِ، فَلَو أنكر الْيَوْم أحد قرآنيتهما كفر، وَقَالَ بَعضهم: مَا كَانَت الْمَسْأَلَة فِي قرآنيتهما بل فِي صفة من صفاتهما وخاصة من خاصتهما، وَلَا شكّ أَن هَذِه الرِّوَايَة تحتملهما، فالحمل عَلَيْهَا أولى وَالله أعلم. فَإِن قلت: قد أخرج أَحْمد وَابْن حَيَّان من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَاصِم بِلَفْظ: أَن ابْن مَسْعُود كَانَ لَا يكْتب المعوذتين فِي مصحفه، وَأخرج عبد الله بن أَحْمد فِي زيادات الْمسند وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي إِسْحَاق عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد النَّخعِيّ. قَالَ: كَانَ عبد الله بن مَسْعُود يحك المعوذتين من مصاحفه، وَيَقُول: إنَّهُمَا ليستا من الْقُرْآن، أَو من كتاب الله تَعَالَى. قلت: قَالَ الْبَزَّار: لم يُتَابع ابْن مَسْعُود على ذَلِك أحدٌ من الصَّحَابَة، وَقد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَرَأَهَا فِي الصَّلَاة، وَهُوَ فِي صَحِيح مُسلم عَن عبة بن عَامر وَزَاد فِيهِ ابْن حَيَّان من وَجه آخر عَن عقبَة بن عَامر فَإِن اسْتَطَعْت أَن لانفوتك قراءتهما فِي صَلَاة فافعل، وَأخرج أَحْمد من طَرِيق أبي الْعَلَاء بن الشخير عَن رجل من الصَّحَابَة أَن النَّبِي ﷺ أقرأه المعوذتين، وَقَالَ لَهُ: إِذا أَنْت صليت فاقرأ بهما، وَإِسْنَاده صَحِيح، وَرُوِيَ سعيد بن مَنْصُور من حَدِيث معَاذ بن جبل أَن النَّبِي ﷺ صلى الصُّبْح فَقَرَأَ فيهمَا بالمعوذتين قَوْله: (قَالَ: فَنحْن نقُول) ، الْقَائِل هُوَ أبي بن كَعْب. بِسم الله الرحمان الرَّحِيم تثبت الْبَسْمَلَة لأبي ذَر وَحده. ٦٦ - (كِتابُ فَضائِلِ القُرْآنِ) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان فَضَائِل الْقُرْآن، وَلم يَقع لفظ كتاب، إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر، والمناسبة بَين كتاب التَّفْسِير وَبَين كتاب فَضَائِل الْقُرْآن ظَاهِرَة لَا تخفي، والفضائل جمع فَضِيلَة قَالَ الْجَوْهَرِي: الْفضل والفضيلة خلاف النَّقْص والنقيصة. ١ - (بابٌ: كَيْفَ نُزُولُ الوَحْي وأوَّلُ مَا نَزلَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة نزُول الْوَحْي وَبَيَان أول مَا نزل من الْوَحْي. قَوْله: (كَيفَ نزُول الْوَحْي) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: كَيفَ نزل الْوَحْي، بِلَفْظ الْمَاضِي، وَقَالَ بَعضهم، كَيفَ نزُول الْوَحْي: بِصِيغَة الْجمع. قلت: كَأَنَّهُ ظن من عدم وُقُوفه على الْعُلُوم الْعَرَبيَّة أَن لفظ النُّزُول جمع وَهُوَ غلط فَاحش، وءنما هُوَ مصدر من نزل ينزل نزولاً وَقد تقدم فِي أول الْكتاب كَيْفيَّة نُزُوله وَبَيَان أول مَا نزل.

стр. 5899

وَقَالَ ابنُ عبَّاسٍ المُهَيْمِنُ الأَمِينُ القُرْآنُ أمِينٌ علَى كلِّ كِتابٍ قَبْلَهُ أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وأنزلنا إِلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من الْكتاب ومهيمنا عَلَيْهِ﴾ (الْمَائِدَة: ٨٤) وَفسّر الْمُهَيْمِن بالأمين، وَمن أَسمَاء الله تَعَالَى: الْمُهَيْمِن، قيل: أَصله مؤيمن فَقبلت الْهمزَة هَاء كَمَا قبلت فِي أرقت. هرقت، وَمَعْنَاهُ: الْأمين الصَّادِق وعده، وَذكر لَهُ معَان أخر. قَوْله: (الْقُرْآن أَمِين على كل كتاب قبله) يَعْنِي: من الْكتب والصحف الْمنزلَة على الْأَنْبِيَاء وَالرسل، ﵈، وَأثر ابْن عَبَّاس هَذَا رَوَاهُ عبد بن حميد فِي تَفْسِيره عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق، قَالَ: سَمِعت التَّمِيمِي عَن ابْن عَبَّاس. ٩٧٩٤ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسى اعنْ شْيْبَانِ عنْ يَحْيَى عنْ أبي سَلَمَة، قَالَ: أخبرَتْنِي عائِشَةُ وابنَ عَبَّاسٍ، ﵃، قَالَا: لَبِثَ النبيُّ ﷺ ، بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَليْهِ القُرْآنُ وبالمَدِينةِ عَشْرا.. مطابقته للجزء الأول للتَّرْجَمَة الظَّاهِرَة وشيبان أَبُو معوية النَّحْوِيّ؛ وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي. قَوْله: (عشرا) مُهِمّ كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: عشر سِنِين، يذكر مميزه وَهُوَ يُفَسر الْإِبْهَام الْمَذْكُور، فَإِن قلت: يُعَارض هَذَا مَا ذكره أَيْضا من حدث ابْن عُيَيْنَة: سَمِعت عَمْرو بن دِينَار: قلت لعروة إِن ابْن عَبَّاس يَقُول: لبث النَّبِي ﷺ بِمَكَّة بضع عشر سنة قلت يحمل الأول على أَنه من حَيْثُ حمي الْوَحْي وتتابع وَرِوَايَة مقَامه بِمَكَّة ثَلَاث عشرَة سنة يُرِيد من حِين الْبعْثَة، وَقيل: يحمل على أَن إسْرَافيل، ﵇، وكل بِهِ ﷺ ثَلَاث سِنِين ثمَّ جَاءَهُ جِبْرِيل ﵇ بِالْقُرْآنِ. ٠٨٩٤ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ حدّثنا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أبي عَن عُثْمانَ، قَالَ: أُنْبِئْتُ أنَّ جبْريلَ أتَى النبيَّ ﷺ وعِنْدَهُ أُمُّ سَلمَةَ، فَجَعَلَ يَتَحَدَّثُ فَقَالَ النبيُّ ﷺ لأمِّ سَلَمَةَ: مَنْ هاذَا؟ أوْ كَمَا قَالَ؟ قالَتْ: هاذَا دِحْيَةُ، فلَمَّا قامَ قالَتْ: وَالله مَا حَسِبْتُهُ إلَاّ إيَّاهُ حتَّى سمِعْتُ خُطْبَةَ النبيِّ ﷺ ، يُخْبِرُ خَبَرَ جِبْرِيلَ، أوْ كَما قَالَ: قَالَ أبي: قُلْتُ لأبي عُثْمانَ. مِمَّنْ سَمِعْتَ هذَا؟ قَالَ: مِنْ أُسامَةَ بنِ زَيْدٍ.. هَذَا أَيْضا يُطَابق الْجُزْء الأول للتَّرْجَمَة، ومعتمر هُوَ ابْن سُلَيْمَان التَّمِيمِي، يروي عَن أَبِيه عَن أبي عُثْمَان عبد الرَّحْمَن الْهِنْدِيّ، بِفَتْح النُّون؟ والْحَدِيث قد مُضر فِي عَلَامَات النُّبُوَّة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَبَّاس بن الْوَلِيد النَّرْسِي. قَوْله: (أنبئت) على صِيغَة الْمَجْهُول من الإنباء أَي: أخْبرت. قَوْله: (أَو كَمَا قَالَ) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (مَا حسبته إلَاّ إِيَّاه) كَلَام أم سَلمَة قَوْله: (يخبر خبر جِبْرِيل ﵊ ويروي بِخَبَر جِبْرِيل بِالْبَاء الْمُوَحدَة فِي رِوَايَة مُسلم: فَقَالَت: أَيمن الله مَا حسبته إلَاّ إِيَّاه. قَوْله: (إلَاّ إِيَّاه) أَي: دحْيَة. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون هَذَا فِي قصَّة بني قُرَيْظَة فقد وَقع فِي دَلَائِل الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن عَائِشَة أَنَّهَا رَأَتْ النَّبِي ﷺ يكلم رجلا وَهُوَ رَاكب، فَلَمَّا دخل قلت: من هَذَا الَّذِي كنت تكَلمه؟ قَالَ: بِمن تشبهين؟ قلت: بِدِحْيَةَ. قَالَ: ذَاك جِبْرِيل ﵇، يَأْمُرنِي أَن أمضي إِلَى بني قُرَيْظَة. قلت: هَذَا بعيد من وُجُوه: الأول: أَن الرائية فِي حَدِيث الْبَاب أم سَلمَة وَهنا عَائِشَة. وَالثَّانِي: فِيهِ اخْتِلَاف الروَاة عَنْهُمَا الثَّالِث: أَن الظَّاهِر أَن أم سَلمَة رَأَتْهُ فِي بَيتهَا وَعَائِشَة رَأَتْهُ خَارج بَيتهَا لقولها. فَلَمَّا دخل، وَأَنَّهَا رَأَتْهُ وَهُوَ رَاكب، فعلى كل الْوُجُوه لَا دلَالَة على أَن قصَّة أم سَلمَة كَانَت فِي قصَّة بني قُرَيْظَة، وَالله أعلم. قَوْله: (قَالَ أبي) بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، أَي: قَالَ مُعْتَمر بن سُلَيْمَان. قَالَ أبي: لأبي عُثْمَان، وَهُوَ عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور: مِمَّن سَمِعت هَذَا الحَدِيث؟ قَالَ: سمعته من أُسَامَة بن زيد الصَّحَابِيّ، حب رَسُول الله ﷺ ، وَذكر أَبُو مَسْعُود هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند أُسَامَة وَكَذَلِكَ الْحَافِظ

стр. 5900

الْمزي، وَقَالَ الْحميدِي فِي مُسْند أم سَلمَة: وَقَالُوا: فِيهِ فَضِيلَة أم سَلمَة ودحية، وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه نظر لِأَن أَكثر الصَّحَابَة رَأَوْا جِبْرِيل، ﵇، فِي صُورَة الرجل. قلت: هَذَا فِيهِ نظر لِأَن ذكر هَذَا الْأُم سَلمَة فَضِيلَة لَا يسْتَلْزم نفي فَضِيلَة غَيرهَا من النِّسَاء. وَقَوله: أَكثر الصَّحَابَة رَأَوْا جِبْرِيل، غير مُسلم على مَا لَا يخفى. ١٨٩٤ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ حَدثنَا اللَّيْتُ حدَثنا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ عنْ أبِيهِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : مَا منَ الأنبياءِ نَبيٌّ إِلَّا اعْطِيَ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَليْهِ البَشَرُ وإنَّما كانَ الَّذِي أوتِيتُهُ وحْيا أوْحاهُ الله إليَّ، فأرْجُو أنْ أكْثَرَهُمْ تابِعا يَوْمَ القِيامَةِ. مطقابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أُوتِيتهُ وَحيا أوحاه الله) وَسَعِيد المَقْبُري يروي عَن أَبِيه كيسَان. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله وَأخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن جَمِيعًا عَن قُتَيْبَة. قَوْله: (مَا من الْأَنْبِيَاء نَبِي إلَاّ أعطي) يدل على أَن النَّبِي لَا بُد لهمن معجزه تَقْتَضِي إِيمَان من شَاهدهَا بصدقه وَلَا يضرّهُ مِمَّن أصر على المعاندة. قَوْله: (مَا مثله) كلمة: مَا، مَوْصُولَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ مفعول ثَان لأعطي. قَوْله: (مثله) مُبْتَدأ. (وآمن عَلَيْهِ الْبشر) خَبره، وَالْجُمْلَة صلَة الْمَوْصُول، والمثل يُطلق وَيُرَاد بِهِ عين الشَّيْء أَو مَا يُسَاوِيه. قَوْله: (عَلَيْهِ) الْقيَاس يَقْتَضِي أَن يُقَال: بِهِ، لِأَن الْأَيْمَان يسْتَعْمل بِالْبَاء أَو بِاللَّامِ وَلَا يسْتَعْمل بعلى، وَلَكِن فِيهِ تضمين معنى الْغَلَبَة أَي: يُؤمن بذلك مَغْلُوبًا عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيع دَفعه عَن نَفسه، لَكِن قد يخذل فيعاند، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: لفظ (عَلَيْهِ) هُوَ حَال أَي: مَغْلُوبًا عَلَيْهِ فِي التحدي والمباراة، أَي: لَيْسَ نَبِي إلاّ قد أعطَاهُ الله من المعجزات الشَّيْء الَّذِي صفتُه أَنه إِذا شوهد اضْطر الشَّاهِد إِلَى الْأَيْمَان بِهِ، وتحريره أَن كل نَبِي اخْتصَّ بِمَا يثبت دَعْوَاهُ من خارق الْعَادَات بِحَسب زَمَانه: كقلب الْعَصَا ثعبانا، لِأَن الْغَلَبَة فِي زمَان مُوسَى للسحر، فَأَتَاهُم بِمَا فَوق السحر فاضطرهم إِلَى الْأَيْمَان بِهِ، وَفِي زمَان عِيسَى الطِّبّ، فجَاء بِمَا هُوَ أَعلَى من الطِّبّ وَهُوَ إحْيَاء الْمَوْتَى، وَفِي زمَان رَسُول الله ﷺ البلاغة فَجَاءَهُمْ بِالْقُرْآنِ. قَوْله: (آمن) ، وَقع فِي رِوَايَة حَكَاهَا ابْن قرقول (أَو من) بِضَم ثمَّ وَاو، قَالَ أَبُو الْخطاب: كَذَا قيدناه فِي رِوَايَة الْكشميهني وَالْمُسْتَمْلِي، وَقَالَ ابْن دحْيَة: وَقَيده بَعضهم أَيمن بِكَسْر الْهمزَة بعْدهَا يَاء وَمِيم مَضْمُومَة، وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ: أَمن بِغَيْر مدمن الْأمان، وَالْكل رَاجع إِلَى معنى: الْإِيمَان، وَالْأول هُوَ الْمَشْهُور. وَقَالَ النَّوَوِيّ اخْتلف فِي معنى هَذَا الحَدِيث على أَقْوَال: أَحدهَا: أَن كل نَبِي أعْطى من المعجزات مَا كَانَ مثله لمن كَانَ قبله من الْأَنْبِيَاء فَآمن بِهِ الْبشر وَأما معجزتي الْعَظِيمَة الظَّاهِرَة فَهِيَ الْقُرْآن الَّذِي لم يُعْط أحد مثله فَلهَذَا أَنا أَكْثَرهم تبعا. وَالثَّانِي: أَن الَّذِي أُوتِيتهُ لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ تخييل بِسحر أَو تَشْبِيه، بِخِلَاف معْجزَة غَيْرِي فَإِنَّهُ قد يخيل السَّاحر بِشَيْء مِمَّا يُقَارب صورتهَا كَمَا خيلت السَّحَرَة فِي صُورَة عَصا مُوسَى، ﵇، والخيال قد يروج على بعض الْعَوام، وَالْفرق بَين المعجزة والتخييل يحْتَاج إِلَى فكر، فقد يخطىء النَّاظر فيعتقدهما سَوَاء. وَالثَّالِث: أَن معجزات الْأَنْبِيَاء، ﵈، انقرضت بانقراضهم وَلم يشاهدها إلَاّ من حضرها بحضرتهم، ومعجزة نَبينَا ﷺ الْقُرْآن المستمر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتهُ وَحيا) كلمة: إِنَّمَا، للحصر، ومعجزة الرَّسُول ﷺ لم تكن منحصرة فِي الْقُرْآن، وَإِنَّمَا المُرَاد أَنه أعظم معجزاته وأفيدها فَإِنَّهُ يشْتَمل على الدعْوَة وَالْحجّة وَينْتَفع بِهِ الْحَاضِر وَالْغَائِب إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، فَلهَذَا راتب عمله قَوْله: (فأرجوان أكون أَكْثَرهم) أَي: أَكثر الْأَنْبِيَاء تَابعا أَي أمة تظهر يَوْم الْقِيَامَة. ٢٩٨٤ - حدَّثنا عمْرُو بنُ مُحَمَّدٍ حَدثنَا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا أبي عنْ صالِحِ بنِ كيْسانَ عنِ ابنِ شِهابٍ. قَالَ: أخبَرَنِي أنَسُ بْنُ مالِكٍ، ﵁، أنَّ الله تَعَالَى تابَعَ علَى رسولهِ ﷺ الوَحْيَ قَبْلَ وفاتِهِ حتَّى تَوَفَّاهُ أكْثَرَ مَا كانَ الوَحْيُ، ثُمَّ تُوفِّيَ رسولُ الله ﷺ بَعْدُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وعمرود وبالفتح ابْن مُحَمَّد الْبَغْدَادِيّ الملقب بالناقد، وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم يروي عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن النَّاقِد وَغَيره وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي

стр. 5901

فَضَائِل الْقُرْآن عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. قَوْله: (تَابع) أَي أنزل الله تَعَالَى الْوَحْي مُتَتَابِعًا متواترا أَكثر مِمَّا كَانَ، وَكَانَ ذَلِك قرب وَفَاته قَوْله: (حَتَّى توفاه أَكثر مَا كَانَ الْوَحْي) أَي: الزَّمَان الَّذِي وَقعت فِيهِ وَفَاته مَا كَانَ نزُول الْوَحْي فِيهِ أَكثر من غَيره من الْأَزْمِنَة. قَوْله: (بعد) بِالضَّمِّ مَبْنِيّ لقطع الْإِضَافَة عَنهُ أَي: بعد ذَلِك. ٣٨٩٤ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا سفْيانخ عَن الأسْوَدِ بنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جنْدَبا يَقُولُ: اشْتَكَى النبيُّ ﷺ ، فَلمْ يَقُمْ لَيْلةً أوْ لَيْلَتَيْنِ، فأنَتْهُ امْرَأةٌ فقالَتْ: يَا مُحَمَّدُ! مَا أرَى شيْطانَكَ إلاّ قَدْ تَرَكَكَ؟ فأنْزَلَ الله وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ (الضُّحَى: ١ ٣) .. وَجه إِيرَاده هَذَا الحَدِيث هُنَا الْإِشَارَة إِلَى أَن تَأْخِير النُّزُول لَا لقصد التّرْك أصلا وَإِنَّمَا هُوَ لوجوه من الْحِكْمَة: تسهيل حفظه، لِأَنَّهُ لَو نزل دفْعَة وَاحِدَة لشق عَلَيْهِم لأَنهم أمة أُميَّة وغالبهم لَا يقْرَأ أَو لَا يكْتب، وَتردد رَسُول الله ﷺ إِلَيْهِ وَلَا يَنْقَطِع إِلَى أَن يلقى الله تَعَالَى، ونزوله بِحَسب الوقائع والمصالح، وَكَون الْقُرْآن على سَبْعَة أحرف مُنَاسِب أَن ينزل مفرقا إِذْ فِي نُزُوله دفْعَة وَاحِدَة كَانَت مشقة عَلَيْهِم. والْحَدِيث مر عَن قريب فِي سُورَة الضُّحَى، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أَحْمد بن يُونُس عَن زُهَيْر عَن الْأسود، وَهنا أخرجه عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن الْأسود. وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٢ - (بابٌ نزَلَ القُرْآنُ بلِسانِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْقُرْآن نزل بِلِسَان قُرَيْش، أَي: معظمه وَأَكْثَره، لِأَن فِي الْقُرْآن همزا كثيرا وقريش لَا تهمز، وَفِيه كلمت على خلاف لُغَة قُرَيْش، وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿قُرْآنًا عَرَبيا﴾ (طه: ٣١١) وَلم يقل: قرشيا، وَيحْتَمل أَن يكون قَوْله: (بِلِسَان قُرَيْش) أَي: ابْتِدَاء نُزُوله ثمَّ أُبِيح أَن يقْرَأ بلغَة غَيرهم قَوْله: (وَالْعرب) أَي: ولسان الْعَرَب، وَهُوَ من قبيل عطف الْعَام على الْخَاص لِأَن قُريْشًا من الْعَرَب لَكِن فَائِدَة ذكر قُرَيْش بِعَدَد دُخُوله فِي الْعَرَب لزِيَادَة شرف قُرَيْش على غَيرهم من الْعَرَب، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم﴾ (الْحجر: ٧٨) . وَقَالَ الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ فِي كِتَابه علم الْأَوْلِيَاء إِن سيدنَا رَسُول الله ﷺ قَالَ: إِن الله تَعَالَى لم ينزل وَحيا قطّ إلَاّ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَترْجم جِبْرِيل ﵇، لكل رَسُول بِلِسَان قومه، وَالرَّسُول صَاحب الْوَحْي يترجم بِلِسَان أُولَئِكَ، فَأَما الْوَحْي فباللسان الْعَرَبِيّ. ﴿ (٢٠) قُرْآنًا عَرَبيا﴾ (طه: ٣١١) بِلِسانٍ عَرَبِيّ مُبِينٍ ذكر هَذَا فِي معرض الِاسْتِدْلَال بِأَن الْقُرْآن على لِسَان الْعَرَب، وَلِهَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر لقَوْل الله تَعَالَى ﴿قُرْآنًا عَرَبيا﴾ (طه: ٣١١) بسان عَرَبِيّ مُبين. ٤٨٩٤ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ حَدثنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ، وأخْبَرني أنَسُ بنُ مالِكٍ قَالَ: فأمَرَ عُثْمانُ زَيْدَ بنَ ثابِتٍ وسَعِيدَ بنَ العاصِ وعبْدَ الله بنَ الزُّبَيْرِ وعبْدَ الرَّحْمانِ بنَ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ أنْ يَنْسَخُوها فِي المَصاحِفِ، وَقَالَ لَهُمْ: إذَا اخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وزَيْدُ بنُ ثابِتٍ فِي عَرَبِيةٍ مِنْ عَرَبِيَّةِ القُرْآنِ فاكْتُبُوها بلِسانِ قُرَيْشٍ فإِنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ بِلِسانِهِم ففَعَلُوا. (انْظُر الحَدِيث ٦٠٥٣ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فاكتبوها بِلِسَان قُرَيْش) وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع. وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد مر مرَارًا كَثِيرَة مَعَ اخْتِلَاف الْمُتُون. والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب نزُول الْقُرْآن بِلِسَان قُرَيْش فِي: بَاب المناقب. قَوْله: (وَأَخْبرنِي) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: فَأَخْبرنِي، بِالْفَاءِ قَوْله: (أَن ينسخوها) ، أَي: السُّور والآيات الَّتِي أحضرت من بَيت حَفْصَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أَن ينسخوا مَا فِي الْمَصَاحِف، أَي ينقلوا الَّذِي فِيهَا إِلَى مصاحف أُخْرَى، وَالْأول هُوَ الْمُعْتَمد لِأَنَّهُ كَانَ فِي صحف لَا فِي مصاحف، وَقد ذكر عَن ابْن شهَاب أَنه قَالَ: اخْتلفُوا يومذ فِي التابوت، فَقَالَ زيد بن ثَابت إِنَّه التابوه، وَقَالَ ابْن الزبير وَمن مَعَه التابوت،

стр. 5902

فترافعوا إِلَى عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقَالَ: أكتبوه التابوت بلغَة قُرَيْش. قَوْله: (فِي عَرَبِيَّة) أَي: فِي لُغَة عَرَبِيَّة من عَرَبِيَّة الْقُرْآن أَي: من لغته قَوْله: (فَإِن الْقُرْآن أنزل بلسانهم) أَي: بِلِسَان قُرَيْش، وَالْمرَاد مُعظم الْقُرْآن كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب قَوْله: (فَفَعَلُوا) أَي: فَفعل هَؤُلَاءِ الصَّحَابَة الَّذِي أَمر بِهِ عُثْمَان من كِتَابَة الْقُرْآن بلغَة قُرَيْش، وَقَالَ ابْن عَبَّاس نزل الْقُرْآن بلغَة قُرَيْش ولسان خُزَاعَة لِأَن الدَّار كَانَت وَاحِدَة، وَقَالَ النَّبِي ﷺ : أَنا أفصحكم لأنى من قُرَيْش ونشأت فِي بني سعد بن مَالك فَلَا يجب لذَلِك أَن يُقَال: الْقُرْآن نزل بلغَة سعد بن بكر، بل لَا يمْنَع أَن يُقَال: بلغَة أفْصح الْعَرَب وَمن دونهَا فِي الفصاحة إِذا كَانَت فصاحتهم غير مُتَفَاوِتَة، وَقد جَاءَت الرِّوَايَات أَنه ﷺ كَانَ يقْرَأ بلغَة قُرَيْش وَغير لغتها، كماأخرجه ابْن أبي شيبَة عَن الْفضل ابْن أبي خَالِد، سَمِعت أَبَا الْعَالِيَة يَقُول: قَرَأَ الْقُرْآن على النَّبِي ﷺ ، خَمْسَة رجال، فَاخْتَلَفُوا فِي اللُّغَة فَرضِي قراءتهم كلهَا، وَكَانَ بَنو تَمِيم أعرب الْقَوْم، فَهَذَا يدل على أَنه كَانَ يقْرَأ بلغَة بني تَمِيم وخزاعة وَأهل لُغَات مُخْتَلفَة قد أقرّ جَمِيعهَا ورضيها. ٥٨٩٤ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا همَّامٌ حَدثنَا عَطاءٌ. (ح) وَقَالَ مُسَدَّدٌ حَدثنَا يَحْيى عنِ ابنِ جُرَيْحٍ قَالَ: أَخْبرنِي عَطاء قَالَ أخْبرَني صَفْوَانُ بنُ يَعْلَى بنِ أُمَيَّةَ أنَّ يَعْلَى كانَ يَقُولُ: لَيْتَني أرَى رسولَ الله ﷺ ، حينَ يُنْزَلُ علَيْهِ الوَحْيُ، فَلمَّا كانَ النبيُّ ﷺ بِالْجعْرَانَة وعلَيْه ثَوْبٌ قَدْ أظَلَّ عليْهِ ومَعَهُ ناسٌ مِنْ أَصْحابهِ، إذْ جاءَهُ رجُلٌ مُتَضَمِّخُ بِطِيبٍ، فَقَالَ: يَا رسُولَ الله! كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أحْرَمَ فِي جُبَّةٍ بَعْدَ مَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ فنظَرَ النبيُّ ﷺ ساعَةً فَجاءَهُ الوَحْيُ، فأشارَ عُمَرُ إلَى يَعْلَى أنْ تَالَ، فَجاءَ يَعْلى فأدْخَلَ رأسَهُ، فإِذا هُوَ مُحْمَرُّ الوَجْهِ يَغِظُّ كذالِكَ ساعَةً ثُمَّ سُرِّي عَنْهُ، فَقَالَ: أيْنَ الّذِي يَسْألَني عنِ العُمْرةِ آنِفا؟ فالْتُمِسَ الرَّجُل فَجِيءَ بهِ إِلَى النبيِّ ﷺ ، فَقَالَ: أمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وأمّا الجُبَّةُ فانْزِعْها ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ.. قيل: وَجه دُخُول هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب هُوَ التَّنْبِيه على أَن الْقُرْآن وَالسّنة كِلَاهُمَا بِوَحْي وَاحِد ولسان وَاحِد، وَقيل: أَشَارَ البُخَارِيّ بذلك إِلَى أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه﴾ (إِبْرَاهِيم: ٤) لَا يسْتَلْزم أَن يكون النَّبِي ﷺ أرسل بِلِسَان قُرَيْش فَقَط لكَوْنهم قومه، بل أرسل بِلِسَان جَمِيع الْعَرَب لِأَنَّهُ أرسل إِلَيْهِم كلهم بِدَلِيل أَنه خَاطب الْأَعرَابِي الَّذِي سَأَلَهُ بِمَا يفهمهُ بعد أَن نزل الْوَحْي عَلَيْهِ بِجَوَاب مَسْأَلته، فَدلَّ أَن الْوَحْي كَانَ ينزل عَلَيْهِ بِمَا بفهمه من الْعَرَب، قرشيا كَانَ أَو غير قرشي، وَالْوَحي أَعم من أَن يكون قُرْآنًا يُتْلَى أَو لَا يُتْلَى، وَقيل غير ذَلِك، وَالْكل لَا يشفى العليل وَلَا يروي الغليل، وَلِهَذَا قَالَ بَعضهم: ذكر هَذَا الحَدِيث فِي التَّرْجَمَة الَّتِي قبل هَذِه أظهر وَأبين، فَلَعَلَّ ذَلِك وَقع من بعض النساخ. وَقَالَ آخر مثله وَهُوَ: أَن إِدْخَال هَذَا الحَدِيث فِي الْبَاب الَّذِي قبله أليق، ثمَّ اعتذر عَنهُ، فَقَالَ: فَلَعَلَّهُ قصد التَّنْبِيه على أَن الْوَحْي بِالْقُرْآنِ وَالسّنة كَانَ على صفة وَاحِدَة لِسَان وَاحِد؟ انْتهى. وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي الْحَج فِي: بَاب إِذا أحرم جَاهِلا وَعَلِيهِ قَمِيص، وَأخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْوَلِيد بن همام عَن عَطاء،. قَالَ: حَدثنِي صَفْوَان بن يعلى عَن أَبِيه الحَدِيث، وَهنا أخرجه عَن أبي نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن عَن همام بن يحيى عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن صَفْوَان بن يعلى إِلَى آخِره. وَأخرجه من طَرِيق آخر بقوله: وَقَالَ مُسَدّد، وَهَذَا بطرِيق المذاكرة مَعَ أَن مُسَددًا شَيْخه وَهُوَ يروي عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج عَن عَطاء عَن صَفْوَان بن يعلى بن أُميَّة إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. والجعرانة بِسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء، وَقد تكسر وتشدد الرَّاء، وَهِي مَوضِع قريب من مَكَّة، وَهِي فِي الْحل ومقيات للْإِحْرَام. والتضمخ بالمعجمتين التلطخ، وغطيط النَّائِم نخيره، وسري أَي كشف

стр. 5903

وأزيل عَنهُ. ٣ - (بابُ جَمْعِ القُرْآنِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة جمع الْقُرْآن، وَالْمرَاد بِهِ جمع مَخْصُوص وَهُوَ جمع المتفرق مِنْهُ فِي صحف ثمَّ تجمع تِلْكَ الصُّحُف فِي مصحف وَاحِد مُرَتّب السُّور والآيات. ٦٨٩٤ - حدَّثنا مُوسى بنُ إسْماعِيلَ عنْ إبْرَاهِيمَ بنِ سَعْدٍ حَدثنَا ابنُ شِهابٍ عَنْ عُبَيْدٍ بنِ السَّبَّاقِ: أنَّ زَيْدَ بن ثابِتٍ، ﵁ قَالَ: أرْسَلَ إلَيَّ أبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أهْلِ اليَمامَةِ فَإِذا عُمَرُ بنُ الخَطّابِ عِنْدَهُ، قَالَ أبُو بَكْرٍ، ﵁: إنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمامَةِ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ وإنِّي أخْشَى أنْ يَسْتَحرَّ القَتْلُ بالقُرَّاءِ بالمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ، وإنِّي أرَى أنْ تأمُرَ بِجَمْعِ القُرْآن. قلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئا لَمْ يَفْعَلْهُ رسولُ الله ﷺ ؟ قَالَ عُمَرُ: هاذا وَالله خَيْرٌ، فَلَمْ يَزلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حتَّى شَرَحَ الله صَدْرِي لِذَلِكَ ورَأيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأى عُمَر. قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّكَ رجُلٌ شَاب عاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ وقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسول الله ﷺ ، فَتَتَبَّعِ القَرْآنَ فاجْمَعْهُ. فَوَالله لوْ كَلَّفُوني نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبالِ مَا كانَ أثْقَلَ عَليَّ مِمَّا أمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئا لَمْ يَفْعَلْهُ رسولُ الله ﷺ ؟ قَالَ: هُوَ وَالله خَيْرٌ، فَلمْ يزَل أبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُني حَتَّى شَرَحَ الله صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أبي بَكْرٍ وعُمَرَ، ﵄، فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أجْمَعُهُ مِنَ العُسُبِ واللِّخافِ وصُدُرِ الرِّجالِ حتَّى وجَدْتُ آخِرَ سورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أبي خُزَيْمَةَ الأنْصارِيِّ لَمْ أجِدْها معَ أحَدٍ غَيْرِهِ ﴿ (٩) لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم﴾ (التَّوْبَة: ٨٢١) حتَّى خاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أبي بَكْرٍ حتَّى تَوَفَّاهُ الله ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنتِ عُمَرَ ﵄.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعبيد بن السباق، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمدنِي التَّابِعِيّ، يكنى أَبَا سعيد وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث. لَكِن كَرَّرَه فِي الْأَبْوَاب. والْحَدِيث مضى فِي التَّفْسِير فِي آخر سُورَة بَرَاءَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي ابْن السباق أَن زيد بن ثَابت إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ولنتكلم فِي بعض شَيْء. فَقَوله: (مقتل أهل الْيَمَامَة) أَي: بعد قتل مُسَيْلمَة الْكذَّاب، وَقتل من الْقُرَّاء يَوْمئِذٍ سَبْعمِائة وَقيل أَكثر. قَوْله: (قد استحر) بسين مُهْملَة ومثناة من فَوق مَفْتُوحَة وحاء مُهْملَة مَفْتُوحَة وَرَاء مُشَدّدَة أَي: اشْتَدَّ وَكثر وَهُوَ على وزن استفعل من الْحر خلاف الْبرد قَوْله: (بالمواطن) ، أَي: فِي المواطن أَي الْأَمَاكِن الَّتِي يَقع فِيهَا الْقِتَال مَعَ الْكفَّار. قَوْله: (لم يَفْعَله رَسُول الله ﷺ ، قَالَ الْخطابِيّ وَغَيره: يحْتَمل أَن يكون ﷺ إِنَّمَا لم يجمع الْقُرْآن فِي الصُّحُف لما كَانَ يترقب من وُرُود نَاسخ لبَعض أَحْكَامه أَو تِلَاوَته، فَلَمَّا انْقَضى نُزُوله بوفاته ﷺ ألهم الله الْخُلَفَاء الرَّاشِدين ذَلِك وَفَاء لوعده الصَّادِق بِضَمَان حفظه على هَذِه الْأمة المحمدية، فَكَانَ ابْتِدَاء ذَلِك على يَد الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بمشورة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَيُؤَيِّدهُ مَا أخرجه ابْن أبي دَاوُد فِي الْمَصَاحِف بِإِسْنَاد حسن عَن عبد خير قَالَ: سَمِعت عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: أعظم النَّاس فِي الْمَصَاحِف أجرا أَبُو بكر رَحْمَة الله على أبي بكر، هُوَ أول من جمع كتاب الله. فَإِن قلت: أخرج ابْن أبي دَاوُد فِي الْمَصَاحِف من طَرِيق ابْن سِيرِين، قَالَ: قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لما مَاتَ رَسُول الله ﷺ آلَيْت أَن لَا آخذ على رِدَائي إلَاّ لصَلَاة جُمُعَة حَتَّى أجمع الْقُرْآن، فَجَمعه قلت: إِسْنَاده ضَعِيف لانقطاعه، وَلَئِن سلمنَا كَونه

стр. 5904

مَحْفُوظًا فمراده بجمعه حفظه فِي صَدره قَوْله: (وَالله خير) ، يَعْنِي: خير فِي زمانهم. قَوْله: (فتتبع الْقُرْآن) صِيغَة أَمر، وَكَذَلِكَ قَوْله: (فاجمعه) قَوْله: (فتتبعت الْقُرْآن أجمعه) حَال أَي: حَال كوني أجمعه، وَقت التتبع. قَوْله: (من العسب) بِضَم الْعين وَالسِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ بعدهمَا بَاء مُوَحدَة جمع عسب وَهُوَ جريد النّخل كَانُوا يكشطون الخوص ويكتبون فِي الطّرف العريض، وَقيل: العسب طرف الجريد العريض الَّذِي لم ينْبت عَلَيْهِ الخوص، وَالَّذِي ينْبت عَلَيْهِ الخوص هُوَ السعف، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن شهَاب: الْقصب والعسب والكرانيف وجرائد النّخل. وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة فِي التَّفْسِير من الرّقاع، الأكتاف والعسب وصدور الرِّجَال، والرقاع جمع رقْعَة، وَقد يكون من جلد أَو ورق أَو كاغد، وَفِي رِوَايَة عمَارَة بن غزيَّة: وَقطع الْأَدِيم. وَفِي رِوَايَة ابْن أبي دَاوُود من طَرِيق أبي دَاوُود الذيالسي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد: والصحف وَفِي رِوَايَة ابْن أبي دَاوُد والأضلاع، وَعِنْده أَيْضا: والاقتاب جمع قتب الْبَعِير. قَوْله: (واللخاف) ، بِكَسْر اللَّام وبالخاء الْمُعْجَمَة وَبعد الْألف فَاء وَهُوَ جمع لخفة، بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهُوَ الْحجر الْأَبْيَض الرَّقِيق، وَقَالَ الْخطابِيّ: اللخاف صَفَائِح الْحِجَارَة الرقَاق. قَوْله: (مَعَ أبي خُزَيْمَة الْأنْصَارِيّ) وَوَقع فِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد مَعَ خُزَيْمَة بن ثَابت، أخرجه أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ، وَرِوَايَة من قَالَ: مَعَ أبي خُزَيْمَة أصح، وَالَّذِي وجد مَعَه آخر سُورَة التَّوْبَة أَبُو خُزَيْمَة بالكنية، وَالَّذِي وجد مَعَه الْآيَة من الْأَحْزَاب خُزَيْمَة، وَاسم أبي خُزَيْمَة لَا يعرف وَهُوَ مَشْهُور بكنيته وَهُوَ ابْن أَوْس بن زيد بن أَصْرَم. قَوْله: (فَكَانَت) أَي: الصُّحُف الَّتِي جمعهَا زيد بن ثَابت عِنْد أبي بكر إِلَى أَن توفاه الله تَعَالَى. قَوْله: (ثمَّ عِنْد عمر حَيَاته) ، أَي: ثمَّ كَانَت عِنْد عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مُدَّة حَيَاته. قَوْله: (ثمَّ عِنْد حَفْصَة) ، أَي: ثمَّ بعد عمر كَانَت عِنْد حَفْصَة بنت عمر فِي خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِنَّمَا كَانَت عِنْد حَفْصَة لِأَن عمر أوصى بذلك فاستمرت عِنْدهَا إِلَى أَن طلبَهَا من لَهُ الطّلب. ٧٨٩٤ - حدَّثنا مُوسى احدّثنا إبْرَاهيم حَدثنَا ابنُ شِهاب: أنَّ أنَسَ بنَ مالِكٍ حدَّثَهُ أنَّ حذَيْفَةَ ابنَ اليَمانِ قَدِمَ علَى عُثْمانَ، وكانَ يُغازي أهْلع الشَّأْمِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وأذْرَبِيجانَ مَعَ أهْلِ العِرَاقِ، فأفْزعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي القِرَاءَة، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمانَ: يَا أميرَ المُؤْمِنينَ أدْرِكَ هذِه الأُمَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْتَلِفُوا فِي الكِتَابِ اخْتِلَافَ اليَهُودِ والنصارَى، فأرْسَلَ عثْمانُ إِلَى حَفْصَةَ أنْ أرْسِلِي إليْنا بالصُّحُفِ نَنْسَخُها فِي المصاحِفِ ثُمَّ نَزُدها إليْكِ، فأرْسَلَتْ بِها حَفْصَةُ إِلَى عُثْمانَ فأمَرَ زَيْدَ بنَ ثابِتٍ وعَبْدَ الله بنَ الزُّبَيْرِ وسَعِيدَ بنَ الْعاصِ وعبْدَ الرَّحْمانِ بنَ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوها فِي المَصاحِفِ. وَقَالَ عُثْمانُ لِلرَّهْطِ القُرَشِيِّينَ الثلاثَةِ: إِذا اخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وزَيْدُ بنُ ثابتٍ فِي شَيْء مِنَ القُرْآنِ فاكْتُبُوهُ بِلِسانِ قُرَيْشٍ فإِنَّما نَزَلَ بلِسَانِهمْ. ففَعَلُوا، حتَّى إذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي المَصاحِفِ رَدَّ عُثْمانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ، فأرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ ممَّا نَسَخُوا وأمَرَ بمَا سِوَاهُ مِنَ القُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أوْ مُصْحَفٍ أنْ يخْرَقَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل، وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن سعد، وَهَذَا الْإِسْنَاد إِلَى ابْن شهَاب هُوَ الَّذِي قبله بِعَيْنِه، أَعَادَهُ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُمَا حديثان لِابْنِ شهَاب فِي قصتين مختلفتين، وَإِن اتفقَا فِي كِتَابَة الْقُرْآن وَجمعه، وَله قصَّة أُخْرَى عَن خَارِجَة بن زيد فِي آخر هَذَا الحَدِيث، على مَا يَأْتِي الْآن. قَوْله: (وَكَانَ يغازي) ، أَي: يغزى، أَي: كَانَ عُثْمَان يُجهز أهل الشَّام وَأهل الْعرَاق لغزو أرمينية وأذربيجان وفتحهما، وأرمينية بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وَكسر الْمِيم بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة ثمَّ نون مَكْسُورَة، وَقَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ بِفَتْح الْهمزَة، وَقَالَ أَبُو عبيد: هِيَ بلد مَعْرُوف يضم كورا كَثِيرَة سميت بذلك لكَون الأرمن فِيهَا، وَهِي أمة كالروم، وَقيل: سميت بأرمون بن ليطى بن يومن بن يافث بن نوح، ﵇: وَقَالَ

стр. 5905

الرشاطي: افتتحت فِي سنة أَربع وَعشْرين فِي خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على يَد سلمَان بن ربيعَة الْبَاهِلِيّ، قَالَ: وَأَهْلهَا بَنو أرمي بن أرم بن نوح ﵇، وأذربيجان بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وبالراء الْمَفْتُوحَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْمَكْسُورَة ثمَّ الْيَاء آخر الْحُرُوف الساكنة ثمَّ الْجِيم وَالْألف وَالنُّون، وَقَالَ ابْن قرقول: فتح عبد الله بن سُلَيْمَان الْيَاء، وَعَن الْمُهلب بِالْمدِّ وَكسر الرَّاء بعْدهَا يَاء سَاكِنة بعْدهَا بَاء مَفْتُوحَة، وَقَالَ أَبُو الْفرج: ألفها مَقْصُورَة وذالها سَاكِنة كَذَلِك قِرَاءَته على أبي مَنْصُور، ويغلط من يمده. وَفِي المبتدىء: من يقدم الْيَاء أُخْت الْوَاو على الْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ جهل، وَفِي النَّوَادِر لِابْنِ الْأَعرَابِي: الْعَرَب تَقوله بقصر الْهمزَة، وَكَذَا ذكره صَاحب تثقيف اللِّسَان وَلَكِن كسر الْهمزَة، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق البحتري: من الفصيح أذربيجان، وَقَالَ الجواليقي: الْهمزَة فِي أَولهَا أَصْلِيَّة لِأَن أذر مضموم إِلَيْهِ الآخر، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: اجْتمعت فِيهَا أَربع مَوَانِع من الصّرْف: العجمة والتعريف، والتأنيث والتركيب، وَهِي بَلْدَة بالجبال من بِلَاد الْعرَاق يَلِي كور أرمينية من جِهَة الغرب، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْأَشْهر عِنْد الْعَجم أذربايجان، بالمدو الْألف بَين الْمُوَحدَة والتحتانية، هُوَ بَلْدَة تبريز وقصباتها. قَوْله: (مَعَ أهل الْعرَاق) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فِي أهل الْعرَاق. قَوْله: (فأفزع) من الإفزاع، و (حُذَيْفَة) بِالنّصب. مَفْعُوله، (وَاخْتِلَافهمْ) بِالرَّفْع فَاعله، وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه: فيتناز عون فِي الْقُرْآن حَتَّى سمع حُذَيْفَة من اخْتلَافهمْ مَا ذعره، وَفِي رِوَايَة يُونُس: فتذاكروا الْقُرْآن وَاخْتلفُوا فِيهِ حَتَّى كَاد يكون بَينهم فتْنَة، وَفِي رِوَايَة عمَارَة بن غزيَّة أَن حُذَيْفَة قدم من غَزْوَة فَلم يدْخل بَيته حَتَّى أَتَى عُثْمَان فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أدْرك النَّاس! قَالَ: وَمَا ذَاك؟ قَالَ: غزوت فرج أرمينية فَإِذا أهل الشَّام يقرأون بِقِرَاءَة أبي بن كَعْب فَيَأْتُونَ بِمَا لم يسمع أهل الْعرَاق، وَإِذا أهل الْعرَاق يقرأون بِقِرَاءَة عبد الله بن مَسْعُود فَيَأْتُونَ بِمَا لم يسمع أهل الشَّام فيكفر بَعضهم بَعْضًا انْتهى. وَكَانَ هَذَا سَببا لجمع عُثْمَان الْقُرْآن فِي الْمُصحف، وَالْفرق بَينه وَبَين الصُّحُف أَن الصُّحُف هِيَ الأوراق المحررة الَّتِي جمع فِيهَا الْقُرْآن فِي عهد أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَت سورا مفرقة كل سُورَة مرتبَة بآياتها على حِدة، لَكِن لم يرتب بَعْضهَا إِثْر بعض، فَلَمَّا نسخت ورتب بعصها إِثْر بعض صَارَت مُصحفا، وَلم يكن مُصحفا إلَاّ فِي عهد عُثْمَان، على مَا ذكر فِي الحَدِيث من طلب عُثْمَان الصُّحُف من حَفْصَة وَأمره للصحابة الْمَذْكُورين فِي الحَدِيث بِكِتَابَة مصاحف وإرساله إِلَى كل نَاحيَة بمصحف، قَوْله: (فَأمر زيد بن ثَابت) هُوَ الْأنْصَارِيّ، والبقية قرشيون. قَوْله: (فنسخوها) أَي: الصُّحُف أَي: مَا فِي الصُّحُف الَّتِي أرسلتها حَفْصَة إِلَى عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (للرهط القرشيين) وهم عبد الله بن الزبير الْأَسدي وَسَعِيد بن الْعَاصِ الْأمَوِي وَعبد الرَّحْمَن بن الْحَرْث المخرومي. قَوْله: (فَإِنَّمَا نزل بلسانهم) أَي: فَإِنَّمَا نزل الْقُرْآن بِلِسَان قُرَيْش أَي: مُعظم الْقُرْآن، كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (وَأرْسل إِلَى كل أفق) أَي: نَاحيَة، وَيجمع على: آفَاق، وَفِي رِوَايَة شُعَيْب: فَأرْسل إِلَى كل جند من أجناد الْمُسلمين بمصحف. وَاخْتلف فِي عدد الْمَصَاحِف الَّتِي أرسل بهَا عُثْمَان إِلَى الْآفَاق فَالْمَشْهُور أَنَّهَا خَمْسَة، وَأخرج ابْن أبي دَاوُد فِي كتاب الْمَصَاحِف من طَرِيق حَمْزَة الزيات، قَالَ: أرسل عُثْمَان أَرْبَعَة مصاحف وَبعث مِنْهَا إِلَى الْكُوفَة بمصحف فَوَقع عِنْد رجل من مُرَاد فَبَقيَ حَتَّى كتبت مصحفي مِنْهُ، وَقَالَ ابْن أبي دَاوُد: وَسمعت أَبَا حَاتِم السجسْتانِي يَقُول: كتبت سَبْعَة مصاحف: إِلَى مَكَّة وَإِلَى الشَّام وَإِلَى الْيَمين وَإِلَى الْبَحْرين وَإِلَى الْبَصْرَة وَإِلَى الْكُوفَة وَحبس بِالْمَدِينَةِ وَاحِدًا. قَوْله: (أَن يخرق) ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة رِوَايَة الأكثين وبالمهملة رِوَايَة الْمروزِي وبالوجهين رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وبالمعجمة أثبت، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَن يُمحى أَو يحرق، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ إحراق الْقُرْآن؟ قلت: المحروق هُوَ الْقُرْآن الْمَنْسُوخ أَو الْمُخْتَلط بِغَيْرِهِ من التَّفْسِير أَو بلغَة غير قُرَيْش أَو الْقرَاءَات الشاذة، وَفَائِدَته أَن لَا يَقع الِاخْتِلَاف فِيهِ، قلت: هَذِه الْأَجْوِبَة جَوَاب من لم يطلع على كَلَام الْقَوْم وَلم يتَأَمَّل مَا يدل عَلَيْهِ قَوْله فِي آخر الحَدِيث وَقَالَ عِيَاض: غسلوها بِالْمَاءِ ثمَّ أحرقوها مُبَالغَة فِي إذهابها، وَعند أبي دَاوُد وَالطَّبَرَانِيّ: وَأمرهمْ أَن يحرقوا كل مصحف يُخَالف الْمُصحف الَّذِي أرسل بِهِ، قَالَ: فَذَلِك زمَان أحرقت الْمَصَاحِف بالعراق بالنَّار، وَفِي رِوَايَة سُوَيْد بن غَفلَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: لَا تَقولُوا لعُثْمَان فِي إحراق الْمَصَاحِف إلَاّ خيرا وَفِي رِوَايَة بكير بن الْأَشَج: فَأمر بِجمع الْمَصَاحِف فأحرقها ثمَّ بَث فِي الأجناد الَّتِي كتبت، وَمن طَرِيق مُصعب بن سعد قَالَ: أدْركْت النَّاس متوافرين حِين أحرق عُثْمَان الْمَصَاحِف، فَأَعْجَبَهُمْ ذَلِك أَو قَالَ: لم يُنكر ذَلِك مِنْهُم أحد.

стр. 5906

وَقَالَ ابْن بطال: فِي هَذَا الحَدِيث جَوَاز تحريق الْكتب الَّتِي فِيهَا اسْم الله، ، بالنَّار وَإِن ذَلِك إكرام لَهَا وصون عَن وَطئهَا بالأقدام، وَقيل: هَذَا كَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت، وَأما الْآن فالغسل إِذا دعت الْحَاجة إِلَى إِزَالَته، وَقَالَ أَصْحَابنَا الحنيفة: إِن الْمُصحف إِذا بلي بِحَيْثُ لَا ينْتَفع بِهِ يدْفن فِي مَكَان طَاهِر بعيد عَن وَطْء النَّاس. ٨٨٩٤ - حدَّثنا قَالَ ابنُ شِهاب: وَأَخْبرنِي خارِجَةُ بنُ زَيْدٍ بنِ ثابِتٍ سَمِعَ زَيْدَ بنَ قابِتٍ، قَالَ: فقَدْتُ آيَة مِنَ الأحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا المُصْحَفَ قَدْ كُنْتُ أسْمَعُ رسولَ لله ﷺ ، يَقْرَأُ بِهَا، فالْتَمَسْناها فَوَجَدْناها مَعَ خُزَيمَةَ بن ثابِتٍ الأنْصارِيِّ ﴿ (٣٣) من الْمُؤمنِينَ رجال صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٢) فأَلْحقْناها فِي سُوْرَتِها فِي المُصْحفِ.. هَذَا مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الأول، وَذكره البُخَارِيّ مَوْصُولا مُفردا فِي الْجِهَاد وَفِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب وَرَوَاهُ أَيْضا فِي الْأَحْكَام عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن الزُّهْرِيّ كَمَا رَوَاهُ هُنَا، وَظَاهر حَدِيث زيد بن ثَابت هَذَا أَنه فقد آيَة الْأَحْزَاب من الصُّحُف الَّتِي كَانَ نسخهَا فِي خلَافَة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَتَّى وجدهَا مَعَ خُزَيْمَة بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَوَقع فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن مجمع عَن ابْن شهَاب أَن فَقده إِيَّاهَا إِنَّمَا كَانَ خلَافَة أبي بكر، وَهُوَ وهم مِنْهُ، وَالصَّحِيح مَا فِي الصَّحِيح وَأَن الَّذِي فَقده فِي خلَافَة أبي بكر آيتان من آخر بَرَاءَة، وَأما الَّتِي فِي الْأَحْزَاب ففقدها لما كتب الْمُصحف فِي خلَافَة عُثْمَان، وَجزم ابْن كثير بِمَا وَقع فِي رِوَايَة ابْن مجمع، وَلَيْسَ كَذَلِك وَالله أعلم. قيل: كَيفَ ألحقها بالمصحف وَشرط الْقُرْآن التَّوَاتُر؟ وَأجِيب بِأَنَّهُ كَانَت مسموعة عِنْدهم من فَم رَسُول الله ﷺ وسورتها وموضعها مَعْلُومَة لَهُم ففقدوا كتَابَتهَا. قيل: لما كَانَ الْقُرْآن متواترا فَمَا هَذَا التتبع وَالنَّظَر فِي العسب؟ وَأجِيب للاستظهار، وَقد كتبت بَين يَدي رَسُول الله ﷺ وليعلم هَل فِيهَا قِرَاءَة لغير قِرَاءَته من وجوهها أم لَا قيل: شَرط الْقُرْآن كَونه متواترا فَكيف أثبت فِيهِ مَا لم يجده مَعَ أحد غَيره؟ وَأجِيب: بِأَن مَعْنَاهُ لم يجده مَكْتُوبًا عِنْد غَيره، وَأَيْضًا لَا يلْزم من عدم وجدانه أَن لَا يكون متواترا وَأَن لَا يجد غَيره، أَو الْحفاظ نسوها ثمَّ تذكروها. ٤ - (بابُ كاتِبِ النبيِّ ﷺ أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَاتب النَّبِي ﷺ ، وَفِي بعض النّسخ: بَاب ذكر كَاتب النَّبِي ﷺ ، وَكَأَنَّهُ وَقع عِنْد الْبَعْض: بَاب كتَّاب النَّبِي ﷺ بِالْجمعِ، وَقد ترْجم: كتاب النَّبِي ﷺ وَلم يذكر إلَاّ زيد بن ثَابت، وَهَذَا عَجِيب، فَكَأَنَّهُ لم يَقع لَهُ على شَرط غير هَذَا فَإِن صَحَّ ذكر التَّرْجَمَة بِالْجمعِ فَكَلَامه موجه وإلاّ فَلَيْسَ بِذَاكَ، وكتّاب النَّبِي ﷺ كَثِيرُونَ غير وَيَد بن ثَابت لِأَنَّهُ أسلم بعد الْهِجْرَة وَكَانَ لَهُ كتَّاب بِمَكَّة، فَأول من كتب لَهُ بِمَكَّة من قُرَيْش عبد الله بن أبي سرح ثمَّ ارْتَدَّ ثمَّ عَاد إِلَى الْإِسْلَام يَوْم الْفَتْح، وَكتب لَهُ فِي الْجُمْلَة الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَالزُّبَيْر بن الْعَوام وخَالِد وَأَبَان ابْنا سعيد بن الْعَاصِ بن أُميَّة وحَنْظَلَة بن الرّبيع الْأَسدي ومعيقيب بن أبي فَاطِمَة وَعبد الله بن الأرقم الزُّهْرِيّ وشرحبيل بن حَسَنَة وَعبد الله بن رَوَاحَة، وَأول من كتب بِالْمَدِينَةِ أبي بن كَعْب، كتب لَهُ قبل زيد بن ثَابت وَجَمَاعَة آخَرُونَ كتبُوا لَهُ. ٩٨٩٤ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ يُونُسَ عَن ابنِ شهَاب: أنَّ ابنَ السَّبَّاقِ قَالَ: إنَّ زَيْدَ بنَ ثابِتٍ قَالَ: أرْسَلَ إلَيَّ أبُو بَكْرٍ ﵁، قَالَ: إنَّكَ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسولِ الله ﷺ فاتَّبعِ القُرْآنَ فَتَبَّعْتُ حتَّى وجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ أبي خُزَيْمَةَ الأنْصارِيِّ لمْ أجِدْهُما مَعَ أَحَدٍ غَيْرهُ: ﴿ (٩) لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم﴾ (التَّوْبَة: ٨٢١) إِلَى آخرِهِا.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِنَّك كنت تكْتب الْوَحْي لرَسُول ﷺ وَابْن السباق هُوَ عبيد، وَقد مر الحَدِيث فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَهَذَا طرف مِنْهُ.

стр. 5907

٠٩٩٩٤ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسى اعنْ إسْرَائيلَ عنْ إسحاقَ عنِ البَرَاءِ قَالَ: لما نَزَلَتْ لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجعاهِدُونَ فِي سَبِيل الله قَالَ النبيُّ ﷺ ادْعُ لِي زَيْدا ولْيَجىءُ باللَّوْحِ والدَّوَاةِ والكَتِفِ أَو الكَتِفِ والدَّوَاةِ ثُمَّ قَالَ: اكْتُب: ﴿ (٤) لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ (النِّسَاء: ٥٩) وخَلْفَ ظهْرِ النبيِّ ﷺ عَمْرُو بنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الأعْمى قَالَ: يَا رسولَ الله! فَما تأمُرُني فإِنِّي رَجلٌ ضَرِيرُ البَصَرِ؟ فَنَزَلَتْ مَكانَها ﴿ (٤) لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ﴾ فِي سَبِيل الله ﴿ (٤) غير ولي الضَّرَر﴾ (النِّسَاء: ٥٩) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعبيد الله بن مُوسَى بن باذام الْكُوفِي وَإِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي يروي عَن جده أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله عَن الْبَراء بن عَازِب والْحَدِيث قد مر فِي سُورَة النِّسَاء. قَوْله: (أَو الدواة والكتف) شكّ من الرَّاوِي فِي تَقْدِيم الدواة على الْكَتف، وتأخيرها. قَوْله: (مَكَانهَا) أَي: فِي مَكَان الْآيَة أَي فِي الْحَال. قَوْله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ فِي سَبِيل الله غير أولي الضَّرَر﴾ (النِّسَاء: ٥٩) ، وَقد وَقع لفظ غير أولى الضَّرَر، بعد لفظ: فِي سَبِيل الله، وَفِي الْقُرْآن بعد لفظ: الْمُؤمنِينَ، وَقد تقدم عَن إِسْرَائِيل من وَجه آخر على الصَّوَاب. ٥ - (بابٌ أنْزِلَ القُرآنُ علَى سَبْعةِ أحْرُف) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَوْله ﷺ : (إِن الْقُرْآن أنزل على سَبْعَة أحرف) أَي: سَبْعَة أوجه، وَهُوَ سبع لُغَات، يَعْنِي يجوز أَن يقْرَأ بِكُل لُغَة مِنْهَا، وَلَيْسَ المُرَاد أَن كل كلمة مِنْهُ تقْرَأ على سَبْعَة أوجه قيل: قد يُوجد بعض الْكَلِمَات يقْرَأ على أَكثر من سَبْعَة أوجه وَأجِيب: بِأَن غَالب ذَلِك من قبيل الِاخْتِلَاف فِي كَيْفيَّة الْأَدَاء، كَمَا فِي الْمَدّ والإمالة وَنَحْوهمَا، وَقيل: لَيْسَ المُرَاد بالسبعة حَقِيقَة الْعدَد بل المُرَاد التَّيْسِير والتسهيل، وَلَفظ السَّبْعَة يُطلق على إِرَادَة الْكَثْرَة فِي الْآحَاد كَمَا يُطلق السبعون فِي المشرات، والسبعمائة فِي المئات وَلَا يُرَاد الْعدَد الْمعِين، وَإِلَى هَذَا مَال عِيَاض وَمن تبعه. ١٩٩٤ - حدَّثنا سَعِيدُ بنخ عُفَيْرٍ قَالَ: حدّثني اللّيْثُ قَالَ: حدّثني عُقَيْلٌ عنْ ابنِ شهَاب قَالَ: حَدثنِي عُبَيْدُ الله بنُ عبْدِ الله: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ ﵄ حدَّثه: أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: أقْرَأْني جِبْرِيلُ علَى حَرْفٍ فرَاجَعْتُهُ، فلَمْ أزَلْ أسْتَزيِدُهُ ويَزِيدُني حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أحْرُفٍ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَسَعِيد بن عفير هُوَ سعيد بن كثير بن عفير بِضَم الْعين الْمُهْملَة ينْسب إِلَى جده وَهُوَ من حفاظ المصريين وثقاتهم وَعبيد الله بن عبد الله بتصغير الابْن وتكبير الْأَب ابْن عتبَة بن مَسْعُود أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب بَدْء الْخلق، وَفِيه ابْن عَبَّاس لم يُصَرح بِسَمَاعِهِ من النَّبِي ﷺ وَكَأَنَّهُ سَمعه عَن أبي بن كَعْب لِأَن النَّسَائِيّ أخرجه من طَرِيق عِكْرِمَة بن خَالِد عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس عَن أبي بن كَعْب نَحوه. قَوْله: (فراجعته) وَفِي رِوَايَة مُسلم: فَرددت إِلَيْهِ أَن هوّن عَليّ أمتِي، وَفِي رِوَايَة: إِن أمتِي لَا تطِيق ذَلِك. قَوْله: (إِلَى سَبْعَة أحرف) أَي: سبع قراآت أَو سبع لُغَات. ٢٩٩٤ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حدّثني الليْثُ قَالَ: حدّثني عُقَيْلٌ عنِ ابْن شهابٍ، قَالَ: حدّثني عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ: أنَّ المِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ وعبْدَ الرَّحْمانِ بنَ عبدٍ القارِيَّ حدَّثاهُ أنَّهُما سَمِعا عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشام بنَ حَكِيمٍ يقرَأ سورَةَ الفُرْقانِ فِي حيَاةِ رسُول الله ﷺ ، فاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فإِذَا هُوَ يَقْرَأُ علَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنيها رسولُ الله ﷺ ، فَكِدْتُ أُساورُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سلَمَ، فَلَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَقُلْتُ: مَنْ أقْرَأَكَ هاذِهِ السُّورَةَ الَّتي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ . قَالَ: أقْرَأْنِيها رسولُ الله ﷺ . فَقُلْت: كَذَبْتَ، فإِنَّ رسولَ الله ﷺ قَدْ أقْرَأْنِيها علَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ، فَانْطَلَقْتُ بهِ أقُودُهُ إِلَى رسولِ الله ﷺ فقُلْتُ

стр. 5908

إنِّي سَمِعْتُ هاذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الفرْقان علَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيها. فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : أرْسِلْهُ: اقْرَأ يَا هِشامُ فَقَرَأ علَيْهِ القِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ. ثُمَّ قَالَ: اقْرَأُ يَا عُمَرُ، فَقَرَأْتُ القِرَاءَةُ الَّتِي أقْرَأني، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : كَذالِكَ أُنْزِلَتْ إنَّ هاذَا القُرْآنَ أُنْزِلَ علَى سَبْعَةِ أحْرُفٍ فاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنهُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْخُصُومَات وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (وَعبد الرَّحْمَن بن عبد) بِالتَّنْوِينِ غير مُضَاف إِلَى شَيْء (والقاري) بتَشْديد الْيَاء نِسْبَة إِلَى قارة بطن من خُزَيْمَة بن مدركة. قَوْله: (هِشَام بن حَكِيم) ابْن حزَام هُوَ الْأَسدي لَهُ ولأبيه صُحْبَة وَكَانَ إسلامهما يَوْم الْفَتْح، وَهِشَام مَاتَ قبل أَبِيه وَلَيْسَ لَهُ فيالبخاري رِوَايَة، وَأخرجه لَهُ مُسلم حَدِيث وَاحِدًا مَرْفُوعا من رِوَايَة عُرْوَة عَنهُ. قَوْله: (أساوره) أَي: أواثبه. وَقَالَ الْحَرْبِيّ: أَي آخذه بِرَأْسِهِ، وَالْأول أشبه. قَوْله: (حَتَّى سلّم) أَي: من صلَاته. قَوْله: (فلببته برادئه) أَي: جمعت عَلَيْهِ ثِيَابه عِنْد لبته لِئَلَّا ينفلت مني. قَوْله: (كذبت) ، فِيهِ إِطْلَاق ذَلِك على غَلَبَة الظَّن أَو المُرَاد بقوله لَهُ: كَذبك أَخْطَأت، لِأَن أهل الْحجاز يطلقون الْكَذِب فِي مَوضِع الْخَطَأ. قَوْله: (أقوده) كَأَنَّهُ لما لببه صَار يجره. قَوْله: (إِن هَذَا الْقُرْآن) إِلَى آخِره إِنَّمَا ذكره النَّبِي ﷺ تطمينا لعَمْرو، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لِئَلَّا يُنكر تصويب الشَّيْئَيْنِ الْمُخْتَلِفين، قَوْله: (مَا تيَسّر مِنْهُ) ، أَي: من الْمنزل، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن التَّعَدُّد فِي الْقِرَاءَة للتيسير على القارىء، هَذَا يُقَوي قَول من قَالَ: المُرَاد بالأحرف تأدية الْمَعْنى بِاللَّفْظِ المرادف وَلَو كَانَ من لُغَة وَاحِدَة، لِأَن لُغَة هِشَام بِلِسَان قُرَيْش وَكَذَلِكَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ومه ذَلِك فقد اخْتلفت قراءتهما، قَالَ ذَلِك ابْن عبد الْبر، وَنقل ذَلِك عَن أَكثر أهل الْعلم: أَن هَذَا هُوَ المُرَاد بالأحرف السَّبع، وَالله أعلم. ٦ - (بابُ تأليفِ القُرْآن) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تأليف الْقُرْآن أَي: جمع آيَات السُّورَة الْوَاحِدَة، أَو جمع السُّور مرتبَة. ٣٩٩٤ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخْبرنا هِشامُ بنُ يُوسُفَ أنَّ ابنَ جُرَيْ أخْبَرَهُمْ قَالَ: وأخْبَرَني يُوسُفُ بنُ ماهَكٍ قَالَ: إنِّي عِنْدَ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنينَ. ﵂ إذْ جاءَها عِرَاقيٌ فَقَالَ: أيُّ الكَفَنِ خَيْرٌ؟ قالَتْ: ويْحَكَ ﴿وَمَا يَضُرُّكَ؟ قَالَ: يَا أمَّ المُؤْمِنِينَ﴾ أرِيني مُصْحَفَكِ. قالَتْ: لِمَ؟ قَالَ: لعَلِّي أُؤَلِّفُ القُرْآنَ عَلَيْهِ فإنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤُلَّفٍ. قالَتْ: وَمَا يَضُرُّكَ أيَّةُ قَرَأْتَ قَبْلُ؟ إِنَّمَا نَزَلَ أوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ فِيها ذِكْرُ الجَنَّةِ والنَّارِ، حَتَّى إِذا ثابَ الناسُ إِلَى الإسْلَامِ نَزَلَ الحَلَالُ والحَرَامُ، ولوْ نَزَلَ أوَّلَ شَيْءٍ لَا تَشْرَبُوا الخَمْر لَقالُوا: لَا تَدَعُ الخَمْرَ أبَدا، ولَوْ نَزَلَ: لَا تَزْنُوا لَقالُوا: لَا تَدَعُ الزِّنا أبَدا لقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ وإنِّي لَجارِيَة ألْعَبُ: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ (الْقَمَر: ٦٤) وَمَا نَزَلْتُ سُورَةُ البَقَرَةِ والنِّساءِ إلاّ وَأَنا عِندَهُ عِنْدَهُ، قَالَ: فأخْرَجَتْ لهُ المُصْحَفَ فأمْلَتْ علَيْهِ آيَ السُّورَةِ. (انْظُر الحَدِيث ٦٧٨٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُؤْخَذ من قَوْله: (لعَلي أؤلف الْقُرْآن عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يقْرَأ غير مؤلف) وَإِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ يعرف بالصغير وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا. وَابْن جريج ويوسف بن مَاهك بِفَتْح الْهَاء مُعرب لِأَن مَاهك بِالْفَارِسِيَّةِ قمير مصغر الْقَمَر وماه اسْم الْقَمَر والتصغير عِنْدهم بِالْحَقِّ الْكَاف فِي آخر الِاسْم قَالَ الْكرْمَانِي: وَالأَصَح فِيهِ الِانْصِرَاف قلت: الْأَصَح فِيهِ عدم الِانْصِرَاف للعجمة والعلمية. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن يُوسُف بن سعيد بن مُسلم. قَوْله: (قَالَ: وَأَخْبرنِي يُوسُف) ، أَي: قَالَ ابْن جريج:

стр. 5909

وَأَخْبرنِي يُوسُف قَالَ بَعضهم: وَمَا عرفت مَاذَا عطف عَلَيْهِ، ثمَّ رَأَيْت الْوَاو سَاقِطَة فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ. قلت: يجوز أَن يكون مَعْطُوفًا على مَحْذُوف تَقْدِيره أَن يُقَال: قَالَ ابْن جريج: أَخْبرنِي فلَان بِكَذَا وَأَخْبرنِي يُوسُف بن مَاهك إِلَى آخِره قَوْله: (إِذْ جاءها) ، كلمة إِذْ للمفاجأة. قَوْله: (عراقي) أَي: رجل من أهل الْعرَاق وَلم يدر اسْمه. قَوْله: (أَي الْكَفَن خير؟) يحْتَمل أَن يكون سُؤَاله عَن الْكمّ يَعْنِي لفافه أَو أَكثر؟ وَعَن الكيف يَعْنِي: أَبيض أَو غَيره وناعما أَو خشنا؟ وَعَن النَّوْع أَنه قطن أَو كتَّان مثلا؟ قَوْله: (وَيحك) كلمة ترحم. قَوْله: (وَمَا يَضرك؟) أَي: أَي شَيْء يَضرك بعد موتك وَسُقُوط التَّكْلِيف عَنْك فِي أَي كفن كفنت؟ لبُطْلَان حسك بالنعومة والخشونة وَغير ذَلِك قَوْله: (قَالَت: لِمَ) أَي: لم أريك مصحفي؟ قَالَ: لعَلي أؤلف عَلَيْهِ الْقُرْآن. قيل: قصَّة الْعِرَاقِيّ كَانَت قبل أَن يُرْسل عُثْمَان الْمَصَاحِف إِلَى الْآفَاق. ورد عَلَيْهِ بِأَن يُوسُف بن مَاهك لم يدْرك زمَان إرْسَال عُثْمَان الْمَصَاحِف إِلَى الْآفَاق، وَقد صرح يُوسُف فِي هَذَا الحَدِيث أَنه كَانَ عِنْد عَائِشَة حِين سَأَلَهَا هَذَا الْعِرَاقِيّ، وَالظَّاهِر أَن هَذَا الْعِرَاقِيّ كَانَ مِمَّن أَخذ بِقِرَاءَة ابْن مَسْعُود، وَكَانَ ابْن مَسْعُود لما حضر مصحف عُثْمَان إِلَى الْكُوفَة لم يُوَافق على الرُّجُوع عَن قِرَاءَته وَلَا على إعدام مصحفه، وَكَانَ تأليف مصحف الْعِرَاقِيّ مغايرا لتأليف مصحف عُثْمَان، فَلذَلِك جَاءَ إِلَى عَائِشَة وَسَأَلَ الْإِمْلَاء من مصحفها. قَوْله: (آيَة) بِالنّصب أَي: أَي آي الْقُرْآن قَرَأت قَوْله: (قبل) أَي: قبل قِرَاءَة السُّورَة الْأُخْرَى. قَوْله: (مِنْهُ) أَي: من الْقُرْآن. قَوْله: (من الْمفصل) قَالَ الْخطابِيّ: سمي مفصلا لِكَثْرَة مَا يَقع فِيهَا من فُصُول التَّسْمِيَة بَين السُّور، وَقد اخْتلف فِي أول الْمفصل. فَقيل: هُوَ سُورَة، وَقيل: سُورَة مُحَمَّد ﷺ ، قَالَ النَّوَوِيّ: سمي بِالْفَصْلِ لقصر سُورَة وَقرب انفصالهن بَعضهنَّ من بعض. قَوْله: (أول مَا أنزل مِنْهُ) أَي: من الْقُرْآن من الْمفصل فِيهَا ذكر الْجنَّة وَالنَّار، وَأول مَا نزل إِمَّا المدثر وَإِمَّا اقْرَأ، فَفِي كل مِنْهُمَا ذكر الْجنَّة وَالنَّار، أما فِي المدثر فصريح وَهُوَ قَوْله: ﴿وَمَا أدْرك مَا سقر﴾ (المدثر: ٧٢) وَقَوله: ﴿فِي جنَّات يتساءلون﴾ (المدثر: ٠٤) وَأما فِي اقْرَأ فَيلْزم ذكرهمَا من قَوْله: ﴿كذب وَتَوَلَّى﴾ (العلق: ٣١) ﴿وسندع الزَّبَانِيَة﴾ (العلق: ٨١) وَقَوله: ﴿إِن كَانَ على الْهدى﴾ (العلق: ١١) وَبِهَذَا التَّقْرِير يرد على بَعضهم فِي قَوْله: هَذَا ظَاهره يغاير مَا تقدم أَن أول شَيْء نزل ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ (العلق: ١) وَلَيْسَ فِيهَا ذكر الْجنَّة وَالنَّار. قَوْله: (حَتَّى إِذا تَابَ) ، أَي: رَجَعَ. قَوْله: (نزل الْحَلَال وَالْحرَام) ، أشارت بِهِ إِلَى الْحِكْمَة الإل هية فِي تَرْتِيب التَّنْزِيل. وَأَنه أول مَا نزل من الْقُرْآن الدُّعَاء إِلَى التَّوْحِيد والتبشير للْمُؤْمِنين والمطيعين بِالْجنَّةِ، والإنذار والتخويف للْكَافِرِينَ بالنَّار، فَلَمَّا اطمأنت النُّفُوس على ذَلِك أنزلت الْأَحْكَام، وَلِهَذَا قَالَت: (وَلَو نزل أول شَيْء لَا تشْربُوا الْخمر) إِلَى آخِره. وَذَلِكَ لانطباع النُّفُوس بالنفرة عَن ترك المألوف. قَوْله: (لقد نزل مَكَّة) ، إِلَى آخِره إِشَارَة مِنْهَا إِلَى تَقْوِيَة مَا ظهر لَهَا من الْحِكْمَة الْمَذْكُورَة، وَهُوَ تقدم سُورَة الْقَمَر وَلَيْسَ فِيهَا شَيْء من الْأَحْكَام على نزُول سُورَة الْبَقَرَة وَالنِّسَاء مَعَ كَثْرَة اشتمالهما على الْأَحْكَام. قَوْله: (إلَاّ وَأَنا عِنْده) ، يَعْنِي: بِالْمَدِينَةِ، لِأَن دُخُوله عَلَيْهَا إِنَّمَا كَانَ بعد الْهِجْرَة بِلَا خلاف. قَوْله: (فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ) ، أَي أملت عَائِشَة على الْعِرَاقِيّ من الْإِمْلَاء، ويروى من الإملا. وهما بِمَعْنى وَاحِد، قيل: فِي الحَدِيث رد على النّحاس فِي قَوْله: إِن سُورَة النِّسَاء مَكِّيَّة، مُسْتَندا إِلَى أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا﴾ (النِّسَاء: ٨٥) نزلت بِمَكَّة اتِّفَاقًا فِي قصَّة مِفْتَاح الْكَعْبَة، وَهِي حجَّة واهية لِأَنَّهُ لَا يلْزم من نزُول آيَة أَو آيَات من سُورَة طَوِيلَة بِمَكَّة إِذا أنزل معظمها بِالْمَدِينَةِ أَن تكون مَكِّيَّة، وَالله أعلم. ٤٩٩٤ - حدَّثنا آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ أبي إسْحاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عبْدَ الرَّحْمانِ بنَ يَزِيدِ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ مَسْعُودٍ يقُولُ: فِي بَنِي إسْرَائِيلَ والْكَهْفِ ومَرْيَمَ وطَهَ والأنْبِياء: إنّهُنَّ مِنَ العِتاقِ الأولِ وهُنَّ مِنْ تِلَادِي. (انْظُر الحَدِيث ٨٠٧٤ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن هَذِه السُّورَة نزلت بِمَكَّة وَأَنَّهَا مرتبَة فِي مصحف ابْن مَسْعُود كَمَا هِيَ فِي مصحف عُثْمَان. وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ السبيعِي عَمْرو بن عبد الله وَعبد الرَّحْمَن بن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن قيس النَّخعِيّ. والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة بني إِسْرَائِيل بِسَنَدِهِ. قَوْله: (فِي بني إِسْرَائِيل) أَي: فِي شَأْن هَذِه السُّورَة، قَالَ الْكرْمَانِي: ويروي بِدُونِ كلمة فِي فَالْقِيَاس أَن يَقُول: بَنو إِسْرَائِيل، فَلَعَلَّهُ بِاعْتِبَار حذف الْمُضَاف وابقاء الْمُضَاف إِلَيْهِ على حَاله أَي، سُورَة بني إِسْرَائِيل، أَو على سَبِيل الْحِكَايَة عَمَّا فِي الْقُرْآن، وَهُوَ قَوْله: ﴿وجعلناه هدى لبني إِسْرَائِيل﴾ (السَّجْدَة: ٣٢) . قَوْله: (الْعتاق) ، جمع عَتيق وَهُوَ مَا بلغ الْغَايَة فِي الْجَوْدَة يُرِيد تَفْضِيل هَذِه السُّور لما

стр. 5910

يتَضَمَّن مفتتح كل مِنْهَا أمرا غَرِيبا والأولية بِاعْتِبَار حفظهَا أَو نُزُولهَا. قَوْله: (تلادي) بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَهُوَ مَا كَانَ قَدِيما وَيحْتَمل أَن يكون الْعتاق بِمَعْنَاهُ، فَيكون الثَّانِي تَأْكِيدًا للْأولِ. ٥٩٩٤ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ حَدثنَا شُعْبَةُ أنْبَأنا أبُو إِسْحَاق سَمِعَ البرَاءَ، ﵁، قَالَ: تَعَلَّمْتُ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الَاَعْلَى﴾ (الْأَعْلَى: ١) قبْلَ أنْ يَقْدَمَ النبيُّ ﷺ . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن هَذِه السُّورَة مُتَقَدّمَة فِي النُّزُول. وَهِي فِي أَوَاخِر الْمُصحف والتأليف بالتقديم وَالتَّأْخِير. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو. قَوْله: (قبل أَن يقدم) ، أَي: الْمَدِينَة، ويروي أَيْضا بِلَفْظ الْمَدِينَة والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ (الْأَعْلَى: ١) . ٧ - (بابٌ: كانَ جِبْريلُ يَعْرِضُ القُرْآنَ علَى النبيِّ ﷺ أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا كَانَ جِبْرِيل ﵇ (يعرض الْقُرْآن) ، أَي: يستعرضه مَا أقراه إِيَّاه. وَقَالَ مَسْرُوقٌ عنْ عائِشَةَ، ﵂، عنْ فَاطِمَةَ ﵍: أسَرَّ النبيُّ ﷺ أنَّ جِبْرِيلَ يُعارِضُنِي بالقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ، وإنَّهُ عارَضَنِي العامَ مَرَّتَيْنِ، ولَا أرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجلي. هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ بِتَمَامِهِ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة ومسروق هُوَ ابْن الأجدع الْهَمدَانِي الْكُوفِي التَّابِعِيّ ثِقَة. قَوْله: (عَن فَاطِمَة) ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، لَيْسَ لَهَا فِي البُخَارِيّ وَمُسلم إلَاّ هَذَا الحَدِيث، قَالَه صَاحب التَّوْضِيح والتلويح. قَوْله: (يعارضني) أَي: يدارسني. قَوْله: (إِنَّه عارضني) وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ: وَإِنِّي عارضني. قَوْله: (الْعَام) أَي: فِي هَذَا الْعَام. قَوْله: (وَلَا أرَاهُ) بِضَم الْهمزَة

стр. 5911

أَي: وَلَا أَظُنهُ (إلَاّ حضر أَجلي) ويروى: إلَاّ حُضُور أَجلي. ٨٩٩٤ - حدَّثنا خالِدُ بنُ يزِيدَ حَدثنَا أبُو بَكْرٍ عنْ أبي حُصَيْنٍ عنْ أبي صالِحٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: كانَ يَعْرِضُ علَى النبيُّ ﷺ القُرْآنَ كُلَّ عامٍ مَرَّةً، فَعَرَضَ علَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْعامِ الَّذِي قُبِضَ فيهِ، وكانَ يَعْتَكِفُ كُلَّ عامٍ عَشْرا، فاعْتَكَفَ عشْرِينَ فِي الْعامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ. (انْظُر الحَدِيث ٤٤٠٢) . مطابقتة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن معنى قَوْله: (كَانَ يعرض) أَي: جِبْرِيل فطوى ذكره وَقد صرح بِهِ إِسْرَائِيل فِي رِوَايَته عَن أبي حُصَيْن أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَرُوِيَ: كَانَ يعرض، على صِيغَة، الْمَجْهُول أَي: الْقُرْآن وَأخرج هَذَا الحَدِيث عَن خَالِد ابْن يزِيد الْكَاهِلِي عَن أبي بكر بن عَيَّاش، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف والشين الْمُعْجَمَة، عَن أبي حُصَيْن بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة عُثْمَان بن عَاصِم عَن أبي صَالح ذكْوَان السمان. فِي هَذَا الْإِسْنَاد من اللطافة أَنه مسلسل بالكنى إِلَّا شَيْخه. والْحَدِيث مضى فِي الِاعْتِكَاف عَن عبد الله بن أبي شيبَة. قَوْله: (يعرض عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ الْقُرْآن، وَسقط لفظ: الْقُرْآن، لغير الْكشميهني. ٨ - (بابُ القُرَّاءِ مِنْ أصْحابِ النبيِّ ﷺ أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من اشْتهر بِالْحِفْظِ من الْقُرَّاء من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ، وهم الَّذين تصدوا للتعليم. ٩٩٩٤ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ عُمْرٍ وعنْ إبْرَاهِيمَ عنْ مَسْرُوقٍ ذَكَرَ عبْدُ الله ابنُ عمْرٍ وعبْدَ الله بنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ: لَا أزالُ أُحِبُّهُ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ ، يقُولُ: خُذُوا القُرْآنَ مِنْ أرْبعَةٍ: منْ عبْدِ الله بنِ مسْعُودٍ وسالِمٍ ومُعاذِ بنِ جَبَلٍ وأُبَيِّ بنِ كَعْب ﵃.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعَمْرو هُوَ ابْن مرّة، وَبَينه البُخَارِيّ فِي المتاقب من هَذَا الْوَجْه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ عَمْرو أَبُو إِسْحَاق السبيعِي، وَهُوَ وهم مِنْهُ وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَمضى الحَدِيث فِي مَنَاقِب سَالم. قَوْله: (ذكر) ، على صِيغَة الْمَعْلُوم وفاعله: (عبدُ الله بن عَمْرو) ومفعوله: (وعبدَ الله بن مَسْعُود) قَوْله: (فَقَالَ) ، أَي: عبد الله بن عَمْرو: (لَا أَزَال أحبه) ، أَي: أحب عبد الله بن مَسْعُود. قَوْله: (خُذُوا الْقُرْآن) ، أَي: تعلموه مِنْهُم. قَوْله: (من عبد الله بن مَسْعُود) إِلَى آخِره. تَفْسِير الْأَرْبَعَة مِنْهُم: سَالم بن معقل، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف، مولى أبي حُذَيْفَة، وَتَخْصِيص الْأَرْبَعَة لكَوْنهم تفرغوا للأخذ مِنْهُ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَنه ﷺ أَرَادَ الْإِعْلَام بِمَا يكون بعده، أَي: أَن هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة يبقون حَتَّى ينفردوا بذلك، وَورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُم لم ينفردوا

стр. 5912

بل الَّذين مهروا فِي تجويد الْقُرْآن بعد الْعَصْر النَّبَوِيّ أَضْعَاف الْمَذْكُورين، وَقد قتل سَالم بعد النَّبِي ﷺ فِي وقْعَة الْيَمَامَة، وَمَات معَاذ بن جبل فِي خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمَات أبي بن كَعْب وَابْن مَسْعُود فِي خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد تَأَخّر زيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وانتهت إِلَيْهِ الرياسة فِي الْقِرَاءَة، وعاش بعدهمْ زَمَانا طَويلا وَقَالَ أَبُو عمر: اخْتلفُوا فِي وَقت وَفَاته فَقيل: سنة خمس وَأَرْبَعين، قيل: سنة إِحْدَى أَو اثْنَيْنِ وَخمسين، وَصلى عَلَيْهِ مَرْوَان. ٠٠٠٥ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا أبي الأعْمَشُ حَدثنَا شقيقُ بنُ سَلَمَةَ، قَالَ: خطَبنَا عبْدُ الله بن مَسْعُودٍ فَقَالَ: وَالله! لقَدْ أخَذْتُ منْ فِيِّ رسولِ الله ﷺ بِضْعا وسَبْعِينَ سورَةَ، وَالله لَقَدْ عَلِمَ أصْحَابُ النبيِّ ﷺ ، أنِّي مِنْ أعْلَمِهِمْ بِكتابِ الله وَمَا أَنا يِخَيْرِهِمْ. قَالَ شَقيقٌ: فجَلَسْتُ فِي الحِلَقِ أسْمَعُ مَا يَقُولُونَ، فَمَا سمِعْتُ رَدّا يَقُولُ غَيْرَ ذالِكَ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من ظَاهر الحَدِيث، أخرجه عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش إِلَخ وَحكي الجياني أَنه وَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ عَن الْجِرْجَانِيّ: حَدثنَا حَفْص بن عمر حَدثنَا أبي وَهُوَ خطأ مقلوب وَلَيْسَ لحفص بن عمر أَب يروي عَنهُ فِي الصَّحِيح، وَإِنَّمَا هُوَ عمر بن حَفْص بن غياث، بالغين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره ثاء مُثَلّثَة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بِهِ. وَفِي الزِّينَة عَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب. قَوْله: (من فِي رَسُول الله ﷺ أَي: من فَمه. قَوْله: (بضعا) بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ مَا بَين الثَّلَاث إِلَى التسع. قَوْله: (إِنِّي من أعلمهم بِكِتَاب الله) ، وَوَقع فِي رِوَايَة عَبدة وَابْن شهَاب جَمِيعًا عَن الْأَعْمَش، أَنِّي أعلمهم بِكِتَاب الله، بِحَذْف من وَزَاد: وَلَو أعلم أَن أحدا أعلم مني فرحلت إِلَيْهِ، وَفِيه: جَوَاز ذكر الْإِنْسَان نَفسه بالفضيلة للْحَاجة، وَإِنَّمَا النَّهْي عَن التَّزْكِيَة فَإِنَّمَا هُوَ لمن مدحها للفخر والإعجاب. قَوْله: (وَمَا أَنا بخيرهم) ، يَعْنِي: مَا أَنا بأفضلهم، إِذْ الْعشْرَة المبشرة أفضل مِنْهُ بالِاتِّفَاقِ، وَفِيه أَن زِيَادَة الْعلم لَا توجب الْأَفْضَلِيَّة، لِأَن كَثْرَة الثَّوَاب لَهَا أَسبَاب أخر من التَّقْوَى وَالْإِخْلَاص وأعلاء كلمة الله وَغَيرهَا مَعَ أَن الأعلمية بِكِتَاب الله لَا تَسْتَلْزِم الأعلمية مُطلقًا، لاحْتِمَال أَن يكون غَيره أعلم بِالسنةِ. قَوْله: (قَالَ شَقِيق) أَي: بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (فِي الْحلق) ، بِفَتْح الْحَاء وَاللَّام. قَوْله: (رادا) أَي: عَالما يرد الْأَقْوَال لِأَن رد الْأَقْوَال لَا يكون إلاّ للْعُلَمَاء، وغرضه أَن أحدا لم يرد عَلَيْهِ هَذَا الْكَلَام بل سلمُوا إِلَيْهِ. ١٠٠٥ - حدَّثني مُحَمَّد بنُ كثِيرٍ أخْبرَنا سُفيانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: كُنّا بحِمْصَ فقَرَأ ابنُ مَسْعُودٍ سورَةَ يُوسُفَ، فَقَالَ رجُلٌ: مَا هاكذَا أُنْزِلَتْ. قَالَ: قَرَأْتُ علَى رسولِ الله ﷺ ، فَقَالَ: أحْسَنْتَ. ووجدَ منْهُ رِيحَ الخمْر، فَقَالَ: أتَجْمَعُ تُكَذِّبَ بكِتابِ الله وتَشْرَبَ الخمْرَ؟ فَضَرَبَهُ الحَدَّ. مطابقته للتَّرْجَمَة تؤخد من قَوْله قَالَ: قَرَأت على رَسُول الله ﷺ . وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ وعلقمة ابْن قيس النَّخعِيّ. قَوْله: (بحمص) وَهِي: بَلْدَة مَشْهُورَة من بِلَاد الشَّام غير منصرف على الْأَصَح، وَظَاهر الحَدِيث أَن عَلْقَمَة حضر الْقِصَّة، وَكَذَا أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن أبي خَليفَة عَن مُحَمَّد بن كثير شيخ البُخَارِيّ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق جرير عَن الْأَعْمَش وَلَفظه: عَن عبد الله بن مَسْعُود، قَالَ: كنت بحمص فَقَرَأت فَذكر الحَدِيث، وَهَذَا يقْضِي أَن عَلْقَمَة لم يحضر الْقِصَّة، وَإِنَّمَا نقلهَا عَن ابْن مَسْعُود. قَوْله: (فَقَالَ رجل) . قيل: إِنَّه نهيك بن سِنَان الَّذِي تقدّمت لَهُ الْقِصَّة فِي الْقُرْآن غير هَذِه. قَوْله: (قَرَأت على رَسُول الله ﷺ ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: فَقلت: وَيحك؟ وَالله لقد أَقْرَأَنيهَا رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (وَوجد مِنْهُ؟) أَي من الرجل الْمَذْكُور، وَفِي رِوَايَة مُسلم: فَبينا أَنا ُأكَلِّمهُ إِذْ وجدتُ مِنْهُ ريح الْخمر. قَوْله: (فَضَربهُ الْحَد) أَي: فَضَربهُ

стр. 5913

ابْن مَسْعُود حد شرب الْخمر. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا مَحْمُول على أَنه كَانَت ولَايَة إِقَامَة الْحُدُود لكَونه نَائِبا للْإِمَام عُمُوما أَو خُصُوصا وعَلى أَن الرجل اعْترف بشربها بِلَا عذرو إِلَّا فَلَا يحد بِمُجَرَّد رِيحهَا، وعَلى أَن التَّكْذِيب كَانَ بإنكار بعضه جَاهِلا إِذا لَو أنكر حَقِيقَة لكفر، وَقد أَجمعُوا على أَن من جحد حرفا معجما عَلَيْهِ من الْقُرْآن فَهُوَ كَافِر، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون معنى قَوْله: فَضَربهُ الْحَد أَي: رَفعه إِلَى الإِمَام فَضَربهُ، وَأسْندَ الضَّرْب إِلَى نَفسه مجَازًا لكَونه كَانَ سَببا فِيهِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: إِنَّمَا أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَد لِأَنَّهُ جعل لَهُ ذَلِك من الْولَايَة أَو لِأَنَّهُ رأى أَنه أَقَامَ عَن الإِمَام بِوَاجِب أَو لِأَنَّهُ كَانَ فِي زمَان ولَايَته الْكُوفَة فَإِنَّهُ وَليهَا فِي زمَان عمر، ﵁، وصدرا من خلَافَة عُثْمَان، ﵁. انْتهى. قَوْله: أَو لِأَنَّهُ كَانَ فِي زمَان ولَايَته الْكُوفَة، مَرْدُود، وَذُهُول عَمَّا كَانَ فِي أول الْخَبَر أَن ذَلِك كَانَ بحمص، وَلم يلها ابْن مَسْعُود، وَإِنَّمَا دَخلهَا غازيا، وَكَانَ ذَلِك فِي خلَافَة عمر، ﵁. وَقَول النَّوَوِيّ: على أَن الرجل اعْترف بشربها بِلَا عذر وإلَاّ فَلَا يحد بِمُجَرَّد رِيحهَا فِيهَا نظر لِأَن الْمَنْقُول عَن ابْن مَسْعُود أَنه كَانَ يرى وجوب الْحَد بِمُجَرَّد وجود الرَّائِحَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِي الحَدِيث حجَّة على من يمْنَع وجوب الْحَد بالرائحة كالحنيفة، وَقد قَالَ بِهِ مَالك وَأَصْحَابه وَجَمَاعَة من أهل الْحجاز. قلت: لَا حجَّة عَلَيْهِم فِيهِ لِأَن ابْن مَسْعُود مَا حد الرجل إلَاّ باعترافه، لِأَن نفس الرّيح لَيْسَ بقطعي الدّلَالَة على شرب الْخمر لاحْتِمَال الِاشْتِبَاه أَلا يُرى أَن رَائِحَة السَّفَرْجل الْمَأْكُول يشبه رَائِحَة الْخمر، فَلَا يثبت إلَاّ بِشَهَادَة أَو باعتراف. ٢٠٠٥ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حدَّقنا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ حَدثنَا مُسْلِمٌ عنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عبْدُ الله، ﵁: وَالله الَّذي لَا إلَهَ غَيْرُهُ، مَا أُنْزلَتْ سُورَةٌ مِنْ كِتابِ الله إلاّ أعْلَمُ أيْن أُنْزِلَتْ ولَا. أنْزِلَتْ ولَا أنْزلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتابِ الله إلاّ أَنا أعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ وَلَو أعْلَمَ مِنِّي بِكتاب الله تُبَلِّغُهُ الإبِلُ لَرَكِبْتُ إلَيْهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي الضُّحَى مُسلم بن صبيح عَن مَسْرُوق بن الأجدع عَن عبد الله بن مَسْعُود. قَوْله: (فيمَ أنزلت) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فِيمَا، على الأَصْل. قَوْله: (وَلَو أعلم أحدا تبلِّغه الْإِبِل) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: تبلغنيه. قَوْله: (لركبت إِلَيْهِ) ويروي: لرحلت إِلَيْهِ. وَفِيه جَوَاز ذكر الْإِنْسَان نَفسه بِمَا فِيهِ من الْفَضِيلَة بِقدر الْحَاجة، وَأما المذموم فَهُوَ الَّذِي يَقع من الشَّخْص فحرا وإعجابا. ٣٠٠٥ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حَدثنَا هَمَّامٌ حَدثنَا قَتَادَةُ قَالَ: سألْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ، ﵁: مَنْ جَمَعَ القُرْآنَ علَى عِهْدِ النبيِّ ﷺ ؟ قَالَ: أرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الأنْصارِ: أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ ومُعَاذُ بنُ جَبَلٍ وزَيْدُ بنُ ثابِتٍ وأبُو زَيْدٍ ﵁. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَرْبَعَة) وهم الْقُرَّاء من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ، وَحَفْص بن عمر بن الْحَارِث أَبُو عمر الحوضي، وَهَمَّام بن يحيى. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن سُلَيْمَان بن معبد. قَوْله: (أَرْبَعَة) أَي: جمعه أَرْبَعَة. قَوْله: (أبي بن كَعْب) أَي: أحدهم أبي بن كَعْب، وَالثَّانِي: معَاذ بن جبل، وَالثَّالِث: زيد بن ثَابت وَالرَّابِع: أَبُو زيد اسْمه سعد بن عبيد الأوسي، وَقيل: قيس بن السكن الخزرجي، وَقيل: ثَابت بن زيد الأشْهَلِي، تقدم فِي مَنَاقِب زيد بن ثَابت، وَلَيْسَ فِي ظَاهر الحَدِيث مَا يدل على الْحصْر لِأَن جمَاعَة من الصَّحَابَة غَيرهم قد جمعُوا على مَا تبينه الْآن، وَأَنه لامفهوم لَهُ فلاف يلْزم أَن لَا يكون غَيرهم جمعه. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة عَن أنس: لم يجمع الْقُرْآن على عهد سيدنَا رَسُول الله ﷺ إلَاّ أَرْبَعَة وَكَذَا فِي رِوَايَة الطَّبَرِيّ. قلت: قد قُلْنَا إِنَّه لَا مَفْهُوم لَهُ لِأَنَّهُ عدد. وَلَئِن سلمنَا فَالْجَوَاب من وُجُوه: الأول: أُرِيد بِهِ الْجمع بِجَمِيعِ وجوهه ولغاته وحروفه، وقراآته الَّتِي أنزلهَا الله . وَأذن للْأمة فِيهَا وَخَيرهَا فِي الْقِرَاءَة بِمَا شَاءَت مِنْهَا. الثَّانِي: أُرِيد بِهِ الْأَخْذ من فِي رَسُول الله ﷺ تلقينا وأخذا

стр. 5914

دون وَاسِطَة. الثَّالِث: أُرِيد، بِهِ أَن هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة ظَهَرُوا بِهِ وانتصبوا لتلقيته وتعليمه. الرَّابِع: أُرِيد بِهِ مرسوما فِي مصحف أَو صحف. الْخَامِس: قَالَه أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ: أُرِيد بِهِ أَنه لم يجمع مَا نسخ مِنْهُ وَزيد رسمه بعد تِلَاوَته إِلَّا هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة. السَّادِس: قَالَ الْمَاوَرْدِيّ: أُرِيد بِهِ أَنه لم يذكرهُ أحد عَن نَفسه سوى هَؤُلَاءِ. السَّابِع: أُرِيد، بِهِ أَن من سواهُم ينْطق بإكماله خوفًا من الرِّيَاء واحتياطا على النيات. وَهَؤُلَاء الْأَرْبَعَة أظهروه لأَنهم كَانُوا آمِنين على أنفسهم، أَو لرأي اقْتضى ذَلِك عِنْدهم. الثَّامِن: أُرِيد بِالْجمعِ الْكِتَابَة فَلَا يَنْفِي أَن يكون غَيرهم جمعه حفظا عَن ظهر قلبه، وَأما هَؤُلَاءِ فجمعوه كِتَابَة وحفظوه عَن ظهر الْقلب. التَّاسِع: أَن قصارى الْأَمر أَن أنسا قَالَ: جمع الْقُرْآن على عَهده ﷺ أَرْبَعَة، قد يكون المُرَاد: أَنِّي لَا أعلم سوى هَؤُلَاءِ، وَلَا يلْزمه أَن يعلم كل الحافظين لكتاب الله تَعَالَى. الْعَاشِر: أَن معنى قَوْله: جمع أَي: سمع لَهُ وأطاع. وَعمل بِمُوجبِه، كَمَا رُوِيَ أَحْمد فِي كتاب الزّهْد: أَن أَبَا الزَّاهِرِيَّة أَتَى أَبَا الدَّرْدَاء، فَقَالَ: إِن ابْني جمع الْقُرْآن، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِر، إِنَّمَا جمع الْقُرْآن من سمع لَهُ وأطاع، لَكِن يُعَكر على هَذَا أَن الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَغَيرهم من الصَّحَابَة كلهم كَانُوا سَامِعين مُطِيعِينَ، وَأما الَّذين جَمَعُوهُ غَيرهم، فالخلفاء الْأَرْبَعَة جمعُوا الْقُرْآن على عهد رَسُول الله ﷺ ، ذكره أَبُو عَمْرو وَعُثْمَان بن سعيد الداني، وَقَالَ أَبُو عمر: جمعه أَيْضا على عهد رَسُول الله ﷺ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ: جمع الْقُرْآن فِي زمن النَّبِي ﷺ عبَادَة بن الصَّامِت وَأَبُو أَيُّوب خَالِد بن زيد، ذكره ابْن عَسَاكِر، وَعَن الداني: جمعه أَيْضا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَمجمع بن جَارِيَة، ذكره ابْن إِسْحَاق وَقيس ابْن أبي صعصعة عَمْرو بن زيد الْأنْصَارِيّ البدري، ذكره أَبُو عبيد بن سَلام فِي حَدِيث مطول، وَذكر ابْن حبيب فِي المحبر جمَاعَة مِمَّن جمع الْقُرْآن على عَهده ﷺ فيهم: سعد بن عبيد بن النُّعْمَان الأوسي، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَمِمَّنْ جمع الْقُرْآن على عَهده ﷺ : قيس بن السكن وَأم ورقة بنت نَوْفَل، وَقيل: بنت عبد الله بن الْحَارِث وَذكر ابْن سعد أَنَّهَا جمعت الْقُرْآن، وَذكر أَبُو عُبَيْدَة الْقُرَّاء من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ، فعد من الْمُهَاجِرين الْأَرْبَعَة وَطَلْحَة وسعدا وَابْن مَسْعُود وَحُذَيْفَة وسالما وَأَبا هُرَيْرَة وَعبد الله بن السَّائِب والعبادلة، وَمن النِّسَاء: عَائِشَة وَحَفْصَة وَأم سَلمَة، وَذكر ابْن أبي دَاوُد من الْمُهَاجِرين أيضاتميم بن أَوْس الدَّارِيّ وَعقبَة بن عَامر وَمن الْأَنْصَار: معَاذ الَّذِي يكنى أَبَا حليمة وفضالة بن عبيد ومسلمة بن مخلد، وَعَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: توفّي رَسُول الله ﷺ وَقد قَرَأت الْقُرْآن وَأَنا ابْن عشر سِنِين، وَقد ظهر من هَذَا أَن الَّذين جمعُوا الْقُرْآن على عَهده ﷺ لَا يحصيهم أحد وَلَا يضبطهم عدد، وَذكر القَاضِي أَبُو بكر: فَإِن قيل: إِذا لم يكن دَلِيل خطاب فلأي شَيْء خص هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة بِالذكر دون غَيرهم؟ قيل لَهُ: إِنَّه يحْتَمل أَن يكون ذَلِك لتَعلق غَرَض الْمُتَكَلّم بهم دون غَيرهم، أَو يَقُول: إِن هَؤُلَاءِ فيهم دون غَيرهم. فَإِن قلت: قد حاول بعض الْمَلَاحِدَة فِيهِ بِأَن الْقُرْآن شَرطه التَّوَاتُر فِي كَونه قُرْآنًا، وَلَا بُد من خبر جمَاعَة أحالت الْعَادة تواطئهم على الْكَذِب قلت: ضَابِط التَّوَاتُر الْعلم بِهِ، وَقد يحصل بقول هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة، وَأَيْضًا لَيْسَ من شَرطه أَن يتَقَبَّل جَمِيعهم بل لَو حفظه كل جُزْء مِنْهُ عدد التَّوَاتُر لَصَارَتْ الْجُمْلَة متواترا، وَقد حفظ جَمِيع أَجْزَائِهِ مئون لَا يُحصونَ. تابَعَهُ الفَضْلُ عنْ حُسَيْنِ بنِ واقِدٍ عنْ ثُمامَةَ عنْ أنَسٍ أَي: تَابع حَفْص بن عمر فِي رِوَايَته هَذَا الحَدِيث الْفضل بن مُوسَى السينَانِي عَن حُسَيْن بن وَاقد بِالْقَافِ عَن ثُمَامَة بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة ابْن عبد الله قَاضِي الْبَصْرَة عَن جده أنس بن مَالك، وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي مُسْنده عَن الْفضل ابْن مُوسَى فَذكره. ٤٠٠٥ - حدَّثنامُعَلَّى بنُ أسَدغ حدَّثنا عبْدُ الله بنُ المُثَنَّى قَالَ: حدّثني ثابِتٌ البُنانِيُّ وثُمامةُ عنْ أنَسٍ قَالَ: ماتَ النبيُّ ﷺ ، ولمْ يَجْمَعِ القُرْآنِ غَيْرُ أرْبَعَةٍ: أبُو الدَّرْداءِ ومُعاذُ بنُ جَبَلٍ وزَيْدُ بنُ ثابِتٍ وأبُو زَيْدٍ، قَالَ: ونَحْنُ ورِثْناهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين فِيهِ من الْقُرَّاء من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ . والْحَدِيث من أَفْرَاده، وَهَذَا يُخَالف رِوَايَة قَتَادَة عَن أنس من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: التَّصْرِيح بِصِيغَة الْحصْر فِي الْأَرْبَعَة. الآخر: ذكر أبي الدَّرْدَاء بدل أبي بن كَعْب، وَقد مر

стр. 5915

الْجَواب عَن الأول: وَأما الثَّانِي، فَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَانِ الحديثان مُخْتَلِفَانِ وَلَا يجوزان فِي الصَّحِيح مَعَ تباينهما، بل الصَّحِيح أَحدهمَا، وَجزم الْبَيْهَقِيّ أَن ذكر أبي الدَّرْدَاء وهم أنس حدث بِهَذَا الحَدِيث فِي وَقْتَيْنِ. فَذكر مرّة أبي بن كَعْب وَمُدَّة أُخْرَى بدله أَبَا الدَّرْدَاء، انْتهى: فَكيف يكون الصَّوَاب أبي بن كَعْب. وَقَالَ الدَّاودِيّ: لَا أرى ذكر أبي الدَّرْدَاء مَحْفُوظًا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ذكر فِي الطَّرِيق الأول أبي بن كَعْب من الْأَرْبَعَة، وَفِي هَذَا الطَّرِيق لم يذكرهُ، وَذكر قَوْله أَبَا الدَّرْدَاء، والراوي فيهمَا أنس، وَهَذَا أشكل الأسئلة. قلت: أما الأول: فَلَا قصر فِيهِ فَلَا يَنْفِي جمع أبي الدَّرْدَاء، وَأما الثَّانِي فَلَعَلَّ اعْتِقَاد السَّامع كَانَ أَن هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة لم يجمعوا وَأَبا الدَّرْدَاء لم يكن من الجامعين، فَقَالَ ردا عَلَيْهِ: لم يجمعه إلَاّ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة، ادَّعَاهُ ومبالغة فَلَا يلْزم مِنْهُ النَّفْي عَن غَيره حَقِيقَة إِذا لحصر لَيْسَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى نفس الْأَمر بل بِالنِّسْبَةِ إِلَى اعْتِقَاده انْتهى. قلت: قَوْله: أما الأول فَلَا قصر فِيهِ، ظَاهر وَأما قَوْله: وَأما الثَّانِي إِلَى آخِره، فَفِيهِ تَأمل وَهُوَ غير شافٍ فِي دفع السُّؤَال لِأَن قَوْله: فَقَالَ ردا عَلَيْهِ: لم يجمعه إلَاّ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة إِن كَانَ مُرَاده من هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة هم المذكورون فِي الرِّوَايَة الأولى فَلَا سُؤال فِيهِ من الْوَجْه الَّذِي ذكر، وَإِن كَانَ مُرَاده أَنهم هم المذكورون فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة فالسؤال باقٍ على مَا لَا يخفي على النَّاظر إِذا أمعن نظره فِيهِ، وَقد نقل بَعضهم كَلَام الْكرْمَانِي هَذَا وَسكت عَنهُ كَأَنَّهُ رَضِي بِهِ للْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَكَانَ من عَادَته أَن ينْقل شَيْئا من كَلَامه الْوَاضِح وَيرد عَلَيْهِ لعدم المبالاة بِهِ، وَرضَاهُ هُنَا لأجل دفع سُؤال السَّائِل فِي هَاتين الرِّوَايَتَيْنِ المتباينتين اللَّتَيْنِ ذكرهمَا البُخَارِيّ حَتَّى قَالَ فِي جملَة كَلَامه: وَيحْتَمل أَن يكون هَذَا الْجَواب بِهَذَا الِاحْتِمَال الواهي مقنعا للسَّائِل مَعَ أَن أصل الحَدِيث وَاحِد والراوي وَاحِد؟ قَوْله: (وَنحن ورثناه) أَي: قَالَ أنس: نَحن ورثنا أَبَا زيد لِأَنَّهُ مَاتَ وَلم يتْرك عقبا وَهُوَ أحد عمومة أنس، وَقد تقدم فِي مَنَاقِب زيد بن ثَابت، قَالَ قَتَادَة: قلت: وَمن أَبُو زيد؟ قَالَ: أحد عمومتي. ٥٠٠٥ - حدَّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ أخْبرنا يَحْيَى عنْ سُفْيانَ عنْ حَبِيبِ بنِ أبِي ثابِتٍ عنْ سَعِيدٍ ابنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: أُبَيُّ اقْرَؤُنا، وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنْ لَحنِ أُبَيّ، وأُبَيُّ يَقُولُ: أخذْتُهُ مِنْ فِي رَسُول الله ﷺ فَلَا أتْرُكُهُ لِشَيء، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ (٢) مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا﴾ (الْبَقَرَة: ٦٠١) (انْظُر الحَدِيث ١٨٤٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أبي اقرؤنا) لِأَنَّهُ يدل على أَنه أقرّ الْقُرَّاء من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي تفيسر سُورَة الْبَقَرَة عَن عَمْرو بن عَليّ: حَدثنَا يحيى أخبرنَا سُفْيَان عَن حبيب عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أقرؤنا أبي وأقضانا عَليّ وَإِنَّا لندع إِلَى آخِره. وَقَالَ الْمزي فِي الْأَطْرَاف: لَيْسَ فِي رِوَايَة صَدَقَة ذكر عَليّ؟ قلت: كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَلَكِن ثَبت فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ فِي البُخَارِيّ، وَكَذَا ألحق الْحَافِظ الدمياطي ذكر عَليّ هُنَا وَصَححهُ، وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ هَذَا بجيد لِأَنَّهُ سَاقِط من رِوَايَة الْفربرِي الَّتِي عَلَيْهَا مدَار رِوَايَته. قلت: هَذَا عَجِيب، وَكَيف يُنكر هَذَا على الدمياطي وَقد سبقه النَّسَفِيّ بِهِ؟ وَالَّذِي لَاحَ للدمياطي مَا لَاحَ لهَذَا الْقَائِل، فَلهَذَا قدم الْإِنْكَار. قَوْله: (وَإِنَّا لندع) أَي: لنترك. قَوْله: (من لحن أبي) ولحن القَوْل فحواه وَمَعْنَاهُ، وَالْمرَاد بِهِ هُنَا القَوْل. وَقَالَ الْهَرَوِيّ: اللّحن بِسُكُون الْحَاء اللُّغَة وبالفتح الفطنة، واللحن أَيْضا إِزَالَة الْإِعْرَاب عَن وَجهه بالإسكان. قَوْله: (وَأبي يَقُول) جملَة حَالية. قَوْله: (لشَيْء) أَي: لناسخ، وَكَانَ أبي لَا يسلم نسح بعض الْقُرْآن، وَقَالَ: لَا أترك الْقُرْآن الَّذِي أَخَذته من فَم رَسُول الله ﷺ لأجل نَاسخ، وَاسْتدلَّ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِالْآيَةِ الدَّالَّة على النّسخ. ٩ - (بابُ فَضْلِ فاتِحَةِ الكِتابِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل فَاتِحَة الْكتاب، وَفِي بعض النّسخ: بَاب فِي فَضَائِل فَاتِحَة الْكتاب، وَفِي بَعْضهَا: بَاب فضل الْفَاتِحَة، وَمن أول قَوْله: بَاب فَضَائِل الْقُرْآن، إِلَى هُنَا لَيْسَ فِيهَا شَيْء يتَعَلَّق بفضائل الْقُرْآن، نعم يتَعَلَّق بِأُمُور الْقُرْآن وَهِي التراجم الَّتِي ذكرهَا إِلَى هُنَا.

стр. 5916

٦٠٠٥ - حدَّثنا عَليُّ بنُ عبْدِ الله حَدثنَا يَحْيَى بنُ سَعيدٍ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ: حدّثني خُبَيْبُ بنُ عبْدِ الرحْمانِ عنْ حَفْصٍ بنِ عاصِمٍ عنْ أبي سَعِيدٍ بنِ المُعَلَّى، قَالَ: كُنْتُ أصَلِّي، فَدَعَاني النبيُّ ﷺ ، فَلَمْ أُجِبْهُ، قُلْتُ: يَا رَسُول الله ﴿إنِّي كُنْتُ أُصَلِّي. قَالَ: ألَمْ يَقُلِ الله: ﴿ (٨) اسْتجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذا دعَاكُمْ﴾ (الْأَنْفَال: ٤٢) . ثُمَّ قَالَ: ألَا أُعَلِّمُكَ أعْظَمَ سورَةٍ فِي القُرْآن قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِد؟ فأخذَ بِيَدِي، فَلمَّا أرَدْنا أنْ نَخْرُجَ قُلْتُ: يَا رسُولَ الله﴾ إنَّكَ قُلْتَ: لَا عَلَّمَنَّك أعْظَمَ سُورَة مِنَ القُرْآنِ، قَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الْفَاتِحَة: ٢) هيَ السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَلا أعلمك أعظم سُورَة فِي الْقُرْآن) إِلَى آخِره. وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وَيحيى بن سعيد الْقطَّان، وخبيب بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن عبد الرَّحْمَن الخزرجي، وَحَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَبُو سعيد اسْمه الْحَارِث على اخْتِلَاف فِيهِ ابْن الْمُعَلَّى بِلَفْظ اسْم الْمَفْعُول من التعلية. والْحَدِيث قد مر فِي أول كتاب التَّفْسِير فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي فاتحتة الْكتاب، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً. ٧٠٠٥ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حَدثنَا وهْبٌ حَدثنَا هِشامٌ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ مَعْبَدٍ عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: كُنَّا فِي مَسيرٍ لَنا، فَنَزَلْنا فَجاءَتْ جاريَةٌ فقالَتْ: إنَّ سَيِّدَ الحَيِّ سَلِيمٌ، وإنَّ نَفَرَ ناغيَبٌ فَهَلْ منْكمْ رَاقٍ؟ فقامَ رجُلٌ مَا كُنا نأْبُنُهُ بِرُقْيَة، فَرَقاهُ فَبَرَأ، فأمَرَ لهُ بِثَلَاثِينَ شَاة وَسَقَانَا لِبَنَا، فلَما رجَعَ قُلْنا لهُ: أكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً أوْ كُنْتَ تَرْقِي؟ قَالَ: لَا مَا رَقَيْتُ إلَاّ بأُمِّ الكِتاب، قُلْنا: لَا تُحدِثُوا شيْئا حَتَّى نأتِيَ أوْ نَسأَلَ النبيَّ ﷺ ، فَلَمَّا قَدِمْنا المَدِينَةَ ذَكَرْناهُ لِلنبيُّ ﷺ ، فَقَالَ: وكا كانَ يُدْرِيهِ أنَّها رُقُيَةٌ؟ اقْسِمُوا واضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ يدل على فضل الْفَاتِحَة ظَاهرا. وَقد مضى هَذَا الحَدِيث مطولا فِي كتاب الْإِجَارَة فِي: بَاب مَا يعْطى فِي الرّقية، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي النُّعْمَان عَن أبي عوَانَة عَن أبي بشر عَن أبي المتَوَكل عَن أبي سعيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهنا أخرجه عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن وهب بن جرير عَن هِشَام بن حسان عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن معبد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالدال الْمُهْملَة ابْن سِيرِين أخي مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ واسْمه سعد بن مَالك مَشْهُور باسمه وكنيته وبكنيته أَكثر وَبَينهمَا تفَاوت فِي الْإِسْنَاد وَفِي الْمَتْن أَيْضا، بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان، وَهُنَاكَ قَالَ أَبُو سعيد: انْطلق نفر من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ فِي سفرة سافروها الحَدِيث، وَهنا قَالَ: كُنَّا فِي مسير لنا، وَهَذَا يدل على أَن أَبَا سعيد كَانَ مَعَ النَّفر الَّذين سافروا فِي الحَدِيث الَّذِي هُنَاكَ، وَلِهَذَا قَالُوا: إِن الرجل الراقي هُوَ أَبُو سعيد نَفسه الرَّاوِي للْحَدِيث. قَوْله: (سليم) أَي: لديغ، وَكَأَنَّهُم تفاءلوا بِهَذَا اللَّفْظ. قَوْله: (غيب) بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف المخففة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة وَهُوَ جمع غَائِب ويروي: غيب، بِضَم الْغَيْن وَتَشْديد الْيَاء الْمَفْتُوحَة. قَوْله: (راقٍ) اسْم فَاعل من رقي يرقي من بَاب ضرب يضْرب، وَأَصله راقي فأعل إعلال قاصٍ. قَوْله: (مَا كُنَّا نأبنه) أَي: ماكنا نعلمهُ أَنه يرقي فنعينه، ومادته همزَة وباء مُوَحدَة وَنون، من أبنت الرجل ابْنه وَابْنه إِذا رميته بخلة سوء، وَهُوَ مأبون وَالِابْن بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْبَاء التُّهْمَة. قَوْله: (وَكنت ترقي) بِكَسْر الْقَاف. قَوْله: (مَا رقيت) بِفَتْح الْقَاف. قَوْله: (إلَاّ بِأم الْكتاب) وَهِي الْفَاتِحَة. قَوْله: (لَا تحدثُوا) من الإحداث أَي: لَا تحدثُوا أمرا وَلَا تعلمُوا شَيْئا حَتَّى نأتي رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (أَو نسْأَل) شكّ من الرَّاوِي. فَإِن قلت: يروي أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن مَسْعُود، قَالَ: كَانَ ﷺ يكره الرقيا إلَاّ بالمعوذات. قلت: قَالَ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه: لَا يَصح، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: وَفِي

стр. 5917

إِسْنَاده من لَا يعرف: وَابْن حَرْمَلَة لَا نعرفه فِي أصَاب عبد الله. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بِحَدِيث عبد الرَّحْمَن بَأْس وَلم أر أحدا يُنكره أَو يطعن عَلَيْهِ، وَقَالَ السَّاجِي: لَا يَصح حَدِيثه، وَأما ابْن حبَان فَذكره فِي ثقاته، وَأخرج حَدِيثه فِي صَحِيح وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح الْإِسْنَاد، وَبَقِيَّة الْكَلَام تقدّمت هُنَاكَ. وَقَالَ أبُو مَعْمَرٍ: حَدثنَا عبْدُ الوَارِثِ حَدثنَا هِشَامٌ حَدثنَا مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ حدّثني مَعْبَدُ بن سِيرِينَ عنْ أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ بِهاذَا أَبُو معمر بِفَتْح الميمين عبد الله بن عَمْرو المقعد مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ شيخ البُخَارِيّ، وَعبد الْوَارِث بن سعيد، وَهِشَام بن حسان، وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق التَّصْرِيح بِالتَّحْدِيثِ من مُحَمَّد بن سِيرِين لهشام وَمن معبد لمُحَمد فَإِنَّهُ فِي الْإِسْنَاد اذي سَاقه أَولا بالعنعنة فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَقد وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق مُحَمَّد بن يحيى الذهلي عَن أبي معمر كَذَلِك. ٠١ - (بابُ فَضْلِ سورَةِ البَقَرَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل سُورَة الْبَقَرَة، وَفِي بعض النّسخ: فضل سُورَة الْبَقَرَة، بِلَا لفظ: بَاب، وَمعنى سُورَة الْبَقَرَة السُّورَة التيتذكر فِيهَا الْبَقَرَة. ٨٠٠٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بن كَثِيرٍ أخْبَرنا شعْبَةُ عنْ سُلَيْمَانَ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي مَسْعُودِ، ﵁، عَن النبيِّ ﷺ ، قَالَ: منْ قرَأ بالآيَتَيْنِ.. ٩٠٠٥ - حدَّثنا أبُو نُعيْمٍ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عبْدِ الرَّحْمانِ بنِ يَزِيدَ عنْ أبي مَسْعُودٍ، ﵁ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : مَنْ قَرَأ بالآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سورَةِ البقَرَةِ فِي لَيْلةٍ كَفَتاهُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (كفتاه) لِأَن أحد مَعَانِيه: كفتاه عَن قيام اللَّيْل. وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَعبد الرَّحْمَن بن يزِيد النَّخعِيّ، وَأَبُو مَسْعُود عقبَة بن عَمْرو البدري، وَهَذَا رجال الطَّرِيق الأول، وَرِجَال الطَّرِيق الثَّانِي: أَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، وسفيا بن عُيَيْنَة، وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر، وَفِي نُسْخَة أبي مُحَمَّد: عَن عبد الرَّحْمَن عَن ابْن مَسْعُود، وَالصَّوَاب: أَبُو مَسْعُود، مكني لِأَنَّهُ حَدِيثه ومشهور بِهِ وَعنهُ خرجه مُسلم وَالنَّاس. والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. قَوْله: (بالآيتين) وهما من قَوْله: (آمن الرَّسُول) إِلَى آخر السُّور، وَوجه تخصيصهما بِمَا تضمنتا من الثَّنَاء على الله وعَلى الصَّحَابَة لجميل انقيادهم إِلَى الله تَعَالَى وابتهالهم ورجوعهم إِلَيْهِ فِي جَمِيع أُمُورهم، وَلما حصل فيهمَا من إِجَابَة دَعوَاهُم. قَوْله: (كفتاه) أَي: عَن قيام اللَّيْل، وَقيل: مَا يكون من الْآفَات تِلْكَ اللَّيْلَة، وَقيل: من الشَّيْطَان وشره، وَقيل: كفتاه من حزبه إِن كَانَ لَهُ حزب من الْقُرْآن، وَقيل: حَسبه بهما أجرا وفضلاً، وَقيل: أقل مَا يَكْفِي فِي قيام اللَّيْل آيتان مَعَ أم الْقُرْآن وَقَالَ المظهري: أَي دفعتا عَن قاريهما شَرّ الْإِنْس وَالْجِنّ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ النَّوَوِيّ: كفتاه عَن قِرَاءَة سُورَة الْكَهْف وَآيَة الْكُرْسِيّ. انْتهى. لم يقل النَّوَوِيّ ذَلِك وَكَانَ سَبَب وهمه أَنه عِنْد النَّوَوِيّ عقيب هَذَا بَاب فضل سُورَة الْكَهْف وَآيَة الْكُرْسِيّ، فَلَعَلَّ النُّسْخَة الَّتِي كَانَت لَهُ سقط مِنْهَا شَيْء فصحف عَلَيْهِ. ٠١٠٥ - حدَّثنا وَقَالَ عُثْمانُ بنُ الهَيْثَمِ: حَدثنَا عَوْفٌ عنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: وكَّلَني رسُولُ الله ﷺ بِحِفْظِ زَكاةِ رمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْتُو مِنَ الطعامِ، فأخَذْتُهُ فقُلْتُ: لَأرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُول الله ﷺ ، فَقَصَّ الحَدِيثَ، فَقَالَ: إذَا أويْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فاقْرأُ آيَةَ الكرْسِيِّ لَنْ يَزَالَ مَعكَ مِنَ الله حافِظٌ وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطانٌ حتَّى تُصْبِحَ. وَقَالَ النبيُّ ﷺ : صَدَقكَ وهْوَ كذُوبُ ذَاكَ شَيْطَانٌ.

стр. 5918

(انْظُر الحَدِيث ١١٣٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعُثْمَان بن الْهَيْثَم، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة، فَالْبُخَارِي تَارَة يروي عَنهُ بالواسطة وَأُخْرَى بِدُونِهَا وَكَأَنَّهُ أَخذ عَنهُ مذاكرة، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب: حَدثنَا عُثْمَان بن الْهَيْثَم بِهِ، وعَوْف هُوَ الْأَعرَابِي. والْحَدِيث مضى مطولا فِي كتاب الْوكَالَة فِي: بَاب إِذا وكل رجل رجلا فَترك الْوَكِيل شَيْئا، وَذكر هُنَا بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه، فَقَالَ: وَقَالَ عُثْمَان بن الْهَيْثَم إِلَى آخِره، وَذكرنَا هُنَاكَ جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ. قَوْله: (زَكَاة رَمَضَان) هُوَ الْفطْرَة. قَوْله: (فَقص الحَدِيث) هُوَ قَوْله: فَقَالَ إِنِّي مُحْتَاج وَعلي عِيَال ولي حَاجَة شَدِيدَة، قَالَ: فخليت عَنهُ فَأَصْبَحت، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : يَا أَبَا هُرَيْرَة؟ مَا فعل أسيرك البارحة؟ قَالَ: قلت: شكى حَاجَة شَدِيدَة يَا رَسُول الله وعيالاً فرحمته فحليت سَبيله، قَالَ: أما أَنه قد كذب وَسَيَعُودُ، فَعَاد إِلَى ثَلَاث مَرَّات وَقَالَ فِي الثَّالِثَة: (إِذا أويت) من الثلاثي بِدُونِ الْمَدّ قَوْله: (لن يزَال) ، ويروى: لم يزل. قَوْله: (حَافِظًا) بِالنّصب وَالرَّفْع. أما النصب فعلى أَنه خبر: لن يزَال، وَأما الرّفْع فعلى أَنه اسْمه. قَوْله: (صدقك) أَي: فِي نفع قِرَاءَة آيَة الْكُرْسِيّ، لَكِن شَأْنه وعادته الْكَذِب والكذوب قد يصدق. قَوْله: (ذَاك شَيْطَان) ، وَوَقع فِي كتاب الْوكَالَة: (ذَاك الشَّيْطَان) ، بِالْألف وَاللَّام إِمَّا للْجِنْس وَإِمَّا للْعهد الذهْنِي لِأَن لكل آدَمِيّ شَيْطَانا وكل بِهِ، وَيجوز أَن يكون عوضا عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ أَي: ذَاك شَيْطَانك. ١١ - (بابُ فَضْلِ سورَةِ الكَهْفِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل سُورَة الْكَهْف، وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي الْوَقْت: فضل سُورَة الْكَهْف، وَلم يثبت لفظ: بَاب إلَاّ لأبي ذَر. ١١٠٥ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ خالِدٍ حَدثنَا زُهَيْرٌ حَدثنَا أبُو إسْحاقَ عنِ البَرَاءُ، قَالَ: كانَ رجُلٌ يَقْرَأُ سورَة الكَهْفِ وَإِلَى جانِبِهِ حِصانٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْن، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدْنُو وتَدنُو، وجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفرُ. فلَمَّا أصْبَحَ أَتَى النبيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لهُ فَقَالَ: تلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بالقُرْآن. (انْظُر الحَدِيث ٤١٦٣ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَزُهَيْر هُوَ ابْن مُعَاوِيَة، وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي. والْحَدِيث قد مضى فِي تَفْسِير سُورَة الْفَتْح، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبيد الله بن مُوسَى عَن إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق إِلَى آخِره، وَلم يذكر فِيهِ سُورَة الْكَهْف، وَإِنَّمَا قَالَ: يقْرَأ وَفرس لَهُ مربوط فِي الدَّار. قَوْله: (كَانَ رجل) قيل: هُوَ أسيد بن حضير. قَوْله: (حصان) بِكَسْر الْحَاء، هُوَ الْفَحْل الْكَرِيم من الْخَيل قَوْله: (بشطنين) تَثْنِيَة شطن بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة والطاء الْمُهْملَة، وَهُوَ الْحَبل، وَإِنَّمَا كَانَ الرَّبْط بشطنين لأجل جموحه واستصعابه. قَوْله: (فتغشته) أَي: أحاطت بِهِ سَحَابَة. قَوْله: (تَدْنُو) أَي: تقرب. قَوْله: (ينفر) بالنُّون وَالْفَاء من النفرة، وَفِي رِوَايَة مُسلم: ينفر بِالْقَافِ وَالزَّاي، وَقَالَ عِيَاض: هُوَ خطأ فَإِن كَانَ مَا قَالَه من حَيْثُ الرِّوَايَة فَلهُ وَجه، وَإِن كَانَ من حَيْثُ اللُّغَة فَلَيْسَ بِذَاكَ. قَوْله: (تِلْكَ السكينَة) وَاخْتلف أهل التَّأْوِيل فِي تَفْسِير السكينَة، فَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: هِيَ ريح هفافة لَهَا وَجه كوجه الْإِنْسَان، وَعنهُ: إِنَّهَا ريح خجوج وَلها رأسان، وَعَن مُجَاهِد: لَهَا رَأس كرأس الهر وجناحان وذنب كذنب الهر، وَعَن الرّبيع: هِيَ دَابَّة مثل الهر لعينيها شُعَاع فَإِذا التقى الْجَمْعَانِ أخرجت فَنَظَرت إِلَيْهِم فينهزم ذَلِك الْجَيْش من الرعب وَعَن ابْن عَبَّاس وَالسُّديّ: هِيَ طست من ذهب من الْجنَّة يغسل فِيهَا قُلُوب الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصرة وَالسَّلَام، وَعَن ابْن مَالك: طست من ذهب ألْقى فِيهَا مُوسَى، ﵇، الألواح والتوراة والعصا. وَعَن وهب: روح من الله يتَكَلَّم، إِذا اخْتلفُوا فِي شَيْء بيَّن لَهُم مَا يُرِيدُونَ. وَعَن الضَّحَّاك: الرَّحْمَة، وَعَن عَطاء مَا يعْرفُونَ من الْآيَات فيسكنون إِلَيْهَا، وَهُوَ اخْتِيَار الطَّبَرِيّ، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْمُخْتَار أَنَّهَا من الْمَخْلُوقَات فِيهِ طمأنينة وَرَحْمَة وَمَعَهُ الْمَلَائِكَة، وَقد تكَرر فِي الْقُرْآن والْحَدِيث لفظ السكينَة، فَيحل فيكل مَوضِع وَردت فِيهِ على مَا يَلِيق بِهِ من الْمعَانِي الْمَذْكُورَة، وَالَّذِي يَلِيق فِي الْمَذْكُور فِي الْبَاب قَول الضَّحَّاك، وَالله أعلم. قَوْله: (تنزلت) فِي رِوَايَة الْكشميهني: تنزل، بِضَم اللَّام على صِيغَة الْمُضَارع، وَأَصله: تتنزل بتاءين فحذفت إِحْدَاهمَا. ٢١ - (بابُ فَضْلِ سورَةِ الفَتْحِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل سُورَة الْفَتْح، وَلَيْسَ لفظ: بَاب إلَاّ لأبي ذَر.

стр. 5919

٢١٠٥ - حدَّثنا إسْماعِيلُ قَالَ: حَدثنِي مالِكٌ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ أبِيهِ أنَّ رسُولَ الله ﷺ ، كَانَ يسِيرُ فِي بعْضِ أسْفارِهِ وعُمَرُ بنُ الخَطّابِ يسِيرُ معَهُ لَيْلاً، فَسألَهُ عُمَرُ عنْ شَيْء فلَمْ يُجِبْهُ رسولُ الله ﷺ ، ثُمَّ فلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ سألَهُ فلَمْ يُجِبْهُ، فَقَالَ عُمَرُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّك! نَزَرْتَ رسولَ الله ﷺ ثَلاثَ مرَّاتٍ كُلُّ ذلِك لَا يُجِيبُكَ، قَالَ عُمَرُ: فحَرَّكْتُ بَعيرِي حَتَّى كنْتُ أمامَ النَّاس وخَشِيتُ أنْ يَنزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ، فَما نَشِبْتُ أنْ سَمِعْتُ صارِخا يَصْرُخُ، قَالَ: فقُلْتُ: لقَدْ خَشِيتُ أنْ يَكونَ نزَلَ فيَّ قُرْآنٌ، قَالَ: فَجِئْتُ رسولَ الله ﷺ فسَلَّمْتُ علَيْهِ فَقَالَ: لقَدْ أُنْزِلَتْ علَيَّ اللَّيْلَةَ سورَةُ لَهِيْ أحَبُّ إلَيَّ مِمِّا طلَعَتْ علَيْهِ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنَّا قتحْنا لكَ فتْحا مُبينا﴾ (الْفَتْح: ١) . (انْظُر الحَدِيث ٧٧١٤ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي قَوْله: (لقد أنزلت عَليّ) إِلَى آخِره. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أَوْس ابْن أُخْت مَالك بن أنس، وَزيد بن أسلم يروي عَن أَبِيه أسلم مولى عمر بن الْخطاب وَصُورَة هَذَا صُورَة الْإِرْسَال. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من هَذَا الْوَجْه فَقَالَ: عَن أبي سَمِعت عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ قَالَ: حَدِيث حسن غَرِيب، وَقد رَوَاهُ بَعضهم عَن مَالك فَأرْسلهُ وَأَشَارَ بذلك إِلَى الطَّرِيق الَّذِي أخرجه البُخَارِيّ. وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن فِي أثْنَاء السِّيَاق مَا يدل على أَنه من رِوَايَة أسلم عَن عمر لقَوْله فِيهِ: قَالَ عمر: فحركت بَعِيري إِلَى آخر. والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة الْفَتْح فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عِنْد عبد الله بن مسلمة عَن مَالك إِلَى آخِره. قَوْله: (ثكلتك أمك) دُعَاء من عمر على نَفسه. قَوْله: (نزرت) بِفَتْح النُّون وَالزَّاي المخففة أَو الْمُشَدّدَة أَي: ألححت عَلَيْهِ وبالغت أَي فِي شأني من جرأتي على رَسُول الله ﷺ وإلحاحي عَلَيْهِ قَوْله: (فَمَا نشبت) أَي: فَمَا لَبِثت قَوْله أحب إِلَى آخِره، وَكَانَت أحب لما فِيهَا من مغفرته مَا تقدم وَمَا تَأَخّر وإتمام النِّعْمَة عَلَيْهِ وَالرِّضَا عَن أَصْحَابه تَحت الشَّجَرَة، وَالله أعلم. ٣١ - (بابُ فَضْلِ ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ (الْإِخْلَاص: ١) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ (الْإِخْلَاص: ١) وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ بَاب. فِيهِ: عَمْرَة عنْ عائِشَةَ ﵂، عنِ النبيِّ ﷺ أَي: فِي فضل ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ (الْإِخْلَاص: ١) رَوَت عمر بنت عبد الرَّحْمَن عَن عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْكرْمَانِي: وَلما لم يكن على طَريقَة شَرط البُخَارِيّ لم يَنْقُلهُ بِعَيْنِه فَاكْتفى بالأخبار عَنهُ إِجْمَالا قلت: لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك بل هَذَا على شَرطه، وَقد أخرجه بِتَمَامِهِ فِي أول كتاب التَّوْحِيد، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا أَحْمد بن صَالح حَدثنَا ابْن وهب حَدثنَا عَمْرو عَن ابْن أبي هِلَال أَن أَبَا الرِّجَال مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن حَدثهُ عَن أمه عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن وَكَانَت فِي حجرَة عَائِشَة زوج النَّبِي ﷺ عَن عَائِشَة: أَن النَّبِي ﷺ بعث رجلا على سَرِيَّة وَكَانَ يقْرَأ لأَصْحَابه فِي صلَاته فيختم ب ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ (الْإِخْلَاص: ١) الحَدِيث، وَفِي آخِره: أَخْبرُوهُ أَن الله يُحِبهُ. ٣١٠٥ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرَنا مالِك عنْ عبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عبْدِ الله بن عبْدِ الرَّحْمانِ ابْن أبي صَعْصَعَةَ عنْ أبِيهِ عنْ أبي سعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رجُلاً سَمِعَ رجلا يقْرَأُ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يُرَدِّدُها، فلَمَّا أصبَحَ جاءَ إِلَى رسولِ الله ﷺ فذَكَرَ ذالكَ لهُ، وكأنَّ الرَّجُلَ يَتَقالُّها. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : وَالَّذِي نَفْسي بيَدِه، إنَّها لتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة، كَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأ وَرَوَاهُ أَبُو صَفْوَان الْأمَوِي عَن مَالك، فَقَالَ: عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة عَن أَبِيه. أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ، وَالصَّوَاب هُوَ الَّذِي فِي الصَّحِيح وَكَذَا قَالَ النَّسَائِيّ الصَّوَاب عبد الرَّحْمَن بن عبد الله، بَعْدَمَا رُوِيَ هَذَا الحَدِيث. قَوْله: (أَن رجلا سمع رجلا) الرجل السَّامع كَانَ أَبُو

стр. 5920

سعيد الْخُدْرِيّ رَاوِي الحَدِيث، وَالرجل القارىء قتاذة بن النُّعْمَان. قَوْله: (يُرَدِّدهَا) أَي: يكررها. قَوْله: (يتقالها) بتَشْديد اللَّام، أَي: يعد أَنَّهَا قَليلَة، فِي رِوَايَة ابْن الطباع. كَأَنَّهُ يقللها، وَفِي رِوَايَة يحيى الْقطَّان عَن مَالك: فَكَأَنَّهُ يستقلها وَالْمرَاد اسْتِقْلَال قِرَاءَته لَا التنقيص. قَوْله: (إِنَّهَا) أَي: إِن قِرَاءَة ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ (الْإِخْلَاص: ١) لتعدل ثلث الْقُرْآن. وَاخْتلف فِي مَعْنَاهُ. فَقَالَ الْمَازرِيّ: الْقُرْآن ثَلَاثَة أنحاء: قصَص وَأَحْكَام وصفات الله، ، وَهَذِه السُّورَة متمحضة للصفات، وَهِي ثلث وجزء من الثَّلَاثَة، وَقيل: ثَوَابهَا يُضَاعف بِقدر ثَوَاب ثلث الْقُرْآن بِغَيْر تَضْعِيف، وَقيل: الْقُرْآن لَا يتَجَاوَز ثَلَاثَة أَقسَام: الْإِرْشَاد إِلَى معرفَة ذَات الله تَعَالَى، وَمَعْرِفَة أَسمَاء وَصِفَاته وَمَعْرِفَة أَفعاله وسننه، وَلما اشْتَمَلت هَذِه السُّورَة على التَّقْدِيس وازنها رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، بِثلث الْقُرْآن. وَقيل: إِن من عمل بِمَا تضمنته من الْإِقْرَار بِالتَّوْحِيدِ والإذعان بالخالق كمن قَرَأَ ثلث الْقُرْآن، وَقيل: قَالَ ذَلِك لشخص بِعَيْنِه قَصده رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، وَقَالَ أَبُو عمر: نقُول بِمَا ثَبت عَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا نعده وَنكل مَا جهلناه من مَعْنَاهُ فنره إِلَيْهِ، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا نَدْرِي لم تعدل هَذِه ثلث الْقُرْآن. وَقَالَ ابْن رَاهَوَيْه: لَيْسَ مَعْنَاهُ أَن لَو قَرَأَ الْقُرْآن كُله كَانَت قِرَاءَة ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ (الْإِخْلَاص: ١) تعدل ذَلِك إذاقرأها ثَلَاث مَرَّات، لَا، وَلَو قَرَأَهَا أَكثر من مِائَتي مرّة. وَقَالَ أَبُو الْحسن الْقَابِسِيّ: لَعَلَّ الرجل الَّذِي بَات يُرَدِّدهَا كَانَت مُنْتَهى حفظه فجَاء يقلل عمله، فَقَالَ لَهُ سيدنَا رَسُوله الله ﷺ : إِنَّهَا التعدل ثلث الْقُرْآن ترغيبا فِي عمل الْخَيْر، وَإِن قل: وَللَّه أَن يجازي عَبده على الْيَسِير بِأَفْضَل مِمَّا يجازي لكثير. وَقَالَ الْأصيلِيّ: مَعْنَاهُ يعدل ثَوَابهَا ثلث الْقُرْآن لَيْسَ فِيهِ ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ (الْإِخْلَاص: ١) وَأما تَفْضِيل كَلَام رَبنَا بعضه على بعض فَلَا، لِأَنَّهُ كُله صفة لَهُ، وَهَذَا مَا ماشٍ على أحد المذهبين أَنه لَا تَفْضِيل فِيهِ، وَنَقله الْمُهلب عَن الْأَشْعَرِيّ وَأبي بكربن أبي الطّيب وَجَمَاعَة عُلَمَاء السّنة. فَإِن قلت: فِي مُسْند ابْن ووهب عَن ابْن لَهِيعَة عَن الْحَارِث بن يزِيد عَن أبي الْهَيْثَم عَن أبي سعيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ: بَات قَتَادَة بن النُّعْمَان يقْرَأ ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ (الْإِخْلَاص: ١) حَتَّى أصبح، فَذكرهَا لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ أَنَّهَا لتعدت ثلث الْقُرْآن أَو نصفه. قلت: قَالَ أَبُو عمر: هَذَا شكّ من الرواي لَا يجوز أَن يكون شكا من النَّبِي ﷺ على أَنَّهَا لَفْظَة غير مَحْفُوظَة فِي هَذَا الحَدِيث، وَلَا فِي غَيره وَالصَّحِيح الثَّابِت فِي هَذَا الحَدِيث وَغَيره أَنَّهَا لتعدل ثلث الْقُرْآن من غير شكّ، وَقد رُوِيَ ثلث الْقُرْآن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، أبي بن كَعْب وَعمر، ذكرهمَا أَبُو عمر وَأَبُو أَيُّوب وَأَبُو مَسْعُود الْأنْصَارِيّ وَسماك عَن النُّعْمَان بن بشير وَأَبَان عَن أنس. ٤١٠٥ - وزَادَ أبُو مَعْمَرٍ: حَدثنَا إسْماعِيلُ بنُ جَعْفرٍ عنْ مالِكِ بنِ أنَسٍ عنْ عبْدِ الرحْمانِ بنِ عبْدِ الله بنِ عبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبي صَعْصَعَةَ عنْ أبِيهِ عنْ أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ أخي قَتادَةُ بنُ النّعْمَانِ أنَّ رجُلاً قامَ فِي زَمَنِ النبيِّ ﷺ يقْرَأُ مِنَ السَّحَرِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الْإِخْلَاص: ١) لَا يَزِيدُ علَيْها، فلَمَّا أصْبَحْنا أتَى رجُلٌ النبيَّ ﷺ نَحْوَهُ. أَبُو معمر هَذَا هُوَ عبد الله بن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج الْمنْقري، قَالَه الدمياطي. وَقَالَ ابْن عَسَاكِر والمزي: هُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن معمر بن الْحسن أَبُو معمر الْهُذلِيّ الْهَرَوِيّ، سكن بَغْدَاد وَجزم بِهِ صَاحب التَّلْوِيح، وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح: كَذَا وَقع لشَيْخِنَا، يَعْنِي: إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم واستصوب بَعضهم مَا قَالَه ابْن عَسَاكِر والمزي، وَقَالَ: وَإِن كَانَ كل مِنْهُمَا يكنى أَبَا معمر هما من شُيُوخ البُخَارِيّ لِأَن هَذَا الحَدِيث يعرف الْهُذلِيّ بل لايعرف للمنقري عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر شَيْئا. قلت: كلا الْقَوْلَيْنِ مُحْتَمل وترجيح أَحدهمَا بِعَدَمِ علمه للمنقري عَن إِسْمَاعِيل رِوَايَة لَا يسْتَلْزم نفي علم غَيره بذلك. وَأما هَذَا التَّعْلِيق فقد وَصله النَّسَائِيّ والإسماعيلي من طرق عَن أبي عمر عَن إِسْمَاعِيل إِلَى آخِره. قَوْله: (نَحوه) أَي: نَحْو سِيَاق الحَدِيث الْمَذْكُور. قَوْله: (يقْرَأ من السحر) أَي: فِي السحر، أَو كلمة: من، بَيَانِيَّة. ٥١٠٥ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْص حَدثنَا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ حَدثنَا إبْرَاهيمُ والضَّحَّاك المِشْرَقِيُّ عنْ أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ، ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ لِأصْحابِهِ: أيَعْجِزُ أحَدُكُمْ أَن يقرَأ ثُلُثَ القُرْآنِ
следующие страницы →