← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.

стр. 5916

٦٠٠٥ - حدَّثنا عَليُّ بنُ عبْدِ الله حَدثنَا يَحْيَى بنُ سَعيدٍ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ: حدّثني خُبَيْبُ بنُ عبْدِ الرحْمانِ عنْ حَفْصٍ بنِ عاصِمٍ عنْ أبي سَعِيدٍ بنِ المُعَلَّى، قَالَ: كُنْتُ أصَلِّي، فَدَعَاني النبيُّ ﷺ ، فَلَمْ أُجِبْهُ، قُلْتُ: يَا رَسُول الله ﴿إنِّي كُنْتُ أُصَلِّي. قَالَ: ألَمْ يَقُلِ الله: ﴿ (٨) اسْتجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذا دعَاكُمْ﴾ (الْأَنْفَال: ٤٢) . ثُمَّ قَالَ: ألَا أُعَلِّمُكَ أعْظَمَ سورَةٍ فِي القُرْآن قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِد؟ فأخذَ بِيَدِي، فَلمَّا أرَدْنا أنْ نَخْرُجَ قُلْتُ: يَا رسُولَ الله﴾ إنَّكَ قُلْتَ: لَا عَلَّمَنَّك أعْظَمَ سُورَة مِنَ القُرْآنِ، قَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الْفَاتِحَة: ٢) هيَ السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَلا أعلمك أعظم سُورَة فِي الْقُرْآن) إِلَى آخِره. وَعلي بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وَيحيى بن سعيد الْقطَّان، وخبيب بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن عبد الرَّحْمَن الخزرجي، وَحَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَبُو سعيد اسْمه الْحَارِث على اخْتِلَاف فِيهِ ابْن الْمُعَلَّى بِلَفْظ اسْم الْمَفْعُول من التعلية. والْحَدِيث قد مر فِي أول كتاب التَّفْسِير فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي فاتحتة الْكتاب، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً. ٧٠٠٥ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حَدثنَا وهْبٌ حَدثنَا هِشامٌ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ مَعْبَدٍ عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: كُنَّا فِي مَسيرٍ لَنا، فَنَزَلْنا فَجاءَتْ جاريَةٌ فقالَتْ: إنَّ سَيِّدَ الحَيِّ سَلِيمٌ، وإنَّ نَفَرَ ناغيَبٌ فَهَلْ منْكمْ رَاقٍ؟ فقامَ رجُلٌ مَا كُنا نأْبُنُهُ بِرُقْيَة، فَرَقاهُ فَبَرَأ، فأمَرَ لهُ بِثَلَاثِينَ شَاة وَسَقَانَا لِبَنَا، فلَما رجَعَ قُلْنا لهُ: أكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً أوْ كُنْتَ تَرْقِي؟ قَالَ: لَا مَا رَقَيْتُ إلَاّ بأُمِّ الكِتاب، قُلْنا: لَا تُحدِثُوا شيْئا حَتَّى نأتِيَ أوْ نَسأَلَ النبيَّ ﷺ ، فَلَمَّا قَدِمْنا المَدِينَةَ ذَكَرْناهُ لِلنبيُّ ﷺ ، فَقَالَ: وكا كانَ يُدْرِيهِ أنَّها رُقُيَةٌ؟ اقْسِمُوا واضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ يدل على فضل الْفَاتِحَة ظَاهرا. وَقد مضى هَذَا الحَدِيث مطولا فِي كتاب الْإِجَارَة فِي: بَاب مَا يعْطى فِي الرّقية، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي النُّعْمَان عَن أبي عوَانَة عَن أبي بشر عَن أبي المتَوَكل عَن أبي سعيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهنا أخرجه عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن وهب بن جرير عَن هِشَام بن حسان عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن معبد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالدال الْمُهْملَة ابْن سِيرِين أخي مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ واسْمه سعد بن مَالك مَشْهُور باسمه وكنيته وبكنيته أَكثر وَبَينهمَا تفَاوت فِي الْإِسْنَاد وَفِي الْمَتْن أَيْضا، بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان، وَهُنَاكَ قَالَ أَبُو سعيد: انْطلق نفر من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ فِي سفرة سافروها الحَدِيث، وَهنا قَالَ: كُنَّا فِي مسير لنا، وَهَذَا يدل على أَن أَبَا سعيد كَانَ مَعَ النَّفر الَّذين سافروا فِي الحَدِيث الَّذِي هُنَاكَ، وَلِهَذَا قَالُوا: إِن الرجل الراقي هُوَ أَبُو سعيد نَفسه الرَّاوِي للْحَدِيث. قَوْله: (سليم) أَي: لديغ، وَكَأَنَّهُم تفاءلوا بِهَذَا اللَّفْظ. قَوْله: (غيب) بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف المخففة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة وَهُوَ جمع غَائِب ويروي: غيب، بِضَم الْغَيْن وَتَشْديد الْيَاء الْمَفْتُوحَة. قَوْله: (راقٍ) اسْم فَاعل من رقي يرقي من بَاب ضرب يضْرب، وَأَصله راقي فأعل إعلال قاصٍ. قَوْله: (مَا كُنَّا نأبنه) أَي: ماكنا نعلمهُ أَنه يرقي فنعينه، ومادته همزَة وباء مُوَحدَة وَنون، من أبنت الرجل ابْنه وَابْنه إِذا رميته بخلة سوء، وَهُوَ مأبون وَالِابْن بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْبَاء التُّهْمَة. قَوْله: (وَكنت ترقي) بِكَسْر الْقَاف. قَوْله: (مَا رقيت) بِفَتْح الْقَاف. قَوْله: (إلَاّ بِأم الْكتاب) وَهِي الْفَاتِحَة. قَوْله: (لَا تحدثُوا) من الإحداث أَي: لَا تحدثُوا أمرا وَلَا تعلمُوا شَيْئا حَتَّى نأتي رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (أَو نسْأَل) شكّ من الرَّاوِي. فَإِن قلت: يروي أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن مَسْعُود، قَالَ: كَانَ ﷺ يكره الرقيا إلَاّ بالمعوذات. قلت: قَالَ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه: لَا يَصح، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: وَفِي

стр. 5917

إِسْنَاده من لَا يعرف: وَابْن حَرْمَلَة لَا نعرفه فِي أصَاب عبد الله. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بِحَدِيث عبد الرَّحْمَن بَأْس وَلم أر أحدا يُنكره أَو يطعن عَلَيْهِ، وَقَالَ السَّاجِي: لَا يَصح حَدِيثه، وَأما ابْن حبَان فَذكره فِي ثقاته، وَأخرج حَدِيثه فِي صَحِيح وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح الْإِسْنَاد، وَبَقِيَّة الْكَلَام تقدّمت هُنَاكَ. وَقَالَ أبُو مَعْمَرٍ: حَدثنَا عبْدُ الوَارِثِ حَدثنَا هِشَامٌ حَدثنَا مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ حدّثني مَعْبَدُ بن سِيرِينَ عنْ أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ بِهاذَا أَبُو معمر بِفَتْح الميمين عبد الله بن عَمْرو المقعد مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ شيخ البُخَارِيّ، وَعبد الْوَارِث بن سعيد، وَهِشَام بن حسان، وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق التَّصْرِيح بِالتَّحْدِيثِ من مُحَمَّد بن سِيرِين لهشام وَمن معبد لمُحَمد فَإِنَّهُ فِي الْإِسْنَاد اذي سَاقه أَولا بالعنعنة فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَقد وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق مُحَمَّد بن يحيى الذهلي عَن أبي معمر كَذَلِك. ٠١ - (بابُ فَضْلِ سورَةِ البَقَرَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل سُورَة الْبَقَرَة، وَفِي بعض النّسخ: فضل سُورَة الْبَقَرَة، بِلَا لفظ: بَاب، وَمعنى سُورَة الْبَقَرَة السُّورَة التيتذكر فِيهَا الْبَقَرَة. ٨٠٠٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بن كَثِيرٍ أخْبَرنا شعْبَةُ عنْ سُلَيْمَانَ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي مَسْعُودِ، ﵁، عَن النبيِّ ﷺ ، قَالَ: منْ قرَأ بالآيَتَيْنِ.. ٩٠٠٥ - حدَّثنا أبُو نُعيْمٍ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عبْدِ الرَّحْمانِ بنِ يَزِيدَ عنْ أبي مَسْعُودٍ، ﵁ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : مَنْ قَرَأ بالآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سورَةِ البقَرَةِ فِي لَيْلةٍ كَفَتاهُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (كفتاه) لِأَن أحد مَعَانِيه: كفتاه عَن قيام اللَّيْل. وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَعبد الرَّحْمَن بن يزِيد النَّخعِيّ، وَأَبُو مَسْعُود عقبَة بن عَمْرو البدري، وَهَذَا رجال الطَّرِيق الأول، وَرِجَال الطَّرِيق الثَّانِي: أَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، وسفيا بن عُيَيْنَة، وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر، وَفِي نُسْخَة أبي مُحَمَّد: عَن عبد الرَّحْمَن عَن ابْن مَسْعُود، وَالصَّوَاب: أَبُو مَسْعُود، مكني لِأَنَّهُ حَدِيثه ومشهور بِهِ وَعنهُ خرجه مُسلم وَالنَّاس. والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. قَوْله: (بالآيتين) وهما من قَوْله: (آمن الرَّسُول) إِلَى آخر السُّور، وَوجه تخصيصهما بِمَا تضمنتا من الثَّنَاء على الله وعَلى الصَّحَابَة لجميل انقيادهم إِلَى الله تَعَالَى وابتهالهم ورجوعهم إِلَيْهِ فِي جَمِيع أُمُورهم، وَلما حصل فيهمَا من إِجَابَة دَعوَاهُم. قَوْله: (كفتاه) أَي: عَن قيام اللَّيْل، وَقيل: مَا يكون من الْآفَات تِلْكَ اللَّيْلَة، وَقيل: من الشَّيْطَان وشره، وَقيل: كفتاه من حزبه إِن كَانَ لَهُ حزب من الْقُرْآن، وَقيل: حَسبه بهما أجرا وفضلاً، وَقيل: أقل مَا يَكْفِي فِي قيام اللَّيْل آيتان مَعَ أم الْقُرْآن وَقَالَ المظهري: أَي دفعتا عَن قاريهما شَرّ الْإِنْس وَالْجِنّ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ النَّوَوِيّ: كفتاه عَن قِرَاءَة سُورَة الْكَهْف وَآيَة الْكُرْسِيّ. انْتهى. لم يقل النَّوَوِيّ ذَلِك وَكَانَ سَبَب وهمه أَنه عِنْد النَّوَوِيّ عقيب هَذَا بَاب فضل سُورَة الْكَهْف وَآيَة الْكُرْسِيّ، فَلَعَلَّ النُّسْخَة الَّتِي كَانَت لَهُ سقط مِنْهَا شَيْء فصحف عَلَيْهِ. ٠١٠٥ - حدَّثنا وَقَالَ عُثْمانُ بنُ الهَيْثَمِ: حَدثنَا عَوْفٌ عنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: وكَّلَني رسُولُ الله ﷺ بِحِفْظِ زَكاةِ رمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْتُو مِنَ الطعامِ، فأخَذْتُهُ فقُلْتُ: لَأرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُول الله ﷺ ، فَقَصَّ الحَدِيثَ، فَقَالَ: إذَا أويْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فاقْرأُ آيَةَ الكرْسِيِّ لَنْ يَزَالَ مَعكَ مِنَ الله حافِظٌ وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطانٌ حتَّى تُصْبِحَ. وَقَالَ النبيُّ ﷺ : صَدَقكَ وهْوَ كذُوبُ ذَاكَ شَيْطَانٌ.

стр. 5918

(انْظُر الحَدِيث ١١٣٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعُثْمَان بن الْهَيْثَم، بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة، فَالْبُخَارِي تَارَة يروي عَنهُ بالواسطة وَأُخْرَى بِدُونِهَا وَكَأَنَّهُ أَخذ عَنهُ مذاكرة، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب: حَدثنَا عُثْمَان بن الْهَيْثَم بِهِ، وعَوْف هُوَ الْأَعرَابِي. والْحَدِيث مضى مطولا فِي كتاب الْوكَالَة فِي: بَاب إِذا وكل رجل رجلا فَترك الْوَكِيل شَيْئا، وَذكر هُنَا بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه، فَقَالَ: وَقَالَ عُثْمَان بن الْهَيْثَم إِلَى آخِره، وَذكرنَا هُنَاكَ جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ. قَوْله: (زَكَاة رَمَضَان) هُوَ الْفطْرَة. قَوْله: (فَقص الحَدِيث) هُوَ قَوْله: فَقَالَ إِنِّي مُحْتَاج وَعلي عِيَال ولي حَاجَة شَدِيدَة، قَالَ: فخليت عَنهُ فَأَصْبَحت، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : يَا أَبَا هُرَيْرَة؟ مَا فعل أسيرك البارحة؟ قَالَ: قلت: شكى حَاجَة شَدِيدَة يَا رَسُول الله وعيالاً فرحمته فحليت سَبيله، قَالَ: أما أَنه قد كذب وَسَيَعُودُ، فَعَاد إِلَى ثَلَاث مَرَّات وَقَالَ فِي الثَّالِثَة: (إِذا أويت) من الثلاثي بِدُونِ الْمَدّ قَوْله: (لن يزَال) ، ويروى: لم يزل. قَوْله: (حَافِظًا) بِالنّصب وَالرَّفْع. أما النصب فعلى أَنه خبر: لن يزَال، وَأما الرّفْع فعلى أَنه اسْمه. قَوْله: (صدقك) أَي: فِي نفع قِرَاءَة آيَة الْكُرْسِيّ، لَكِن شَأْنه وعادته الْكَذِب والكذوب قد يصدق. قَوْله: (ذَاك شَيْطَان) ، وَوَقع فِي كتاب الْوكَالَة: (ذَاك الشَّيْطَان) ، بِالْألف وَاللَّام إِمَّا للْجِنْس وَإِمَّا للْعهد الذهْنِي لِأَن لكل آدَمِيّ شَيْطَانا وكل بِهِ، وَيجوز أَن يكون عوضا عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ أَي: ذَاك شَيْطَانك. ١١ - (بابُ فَضْلِ سورَةِ الكَهْفِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل سُورَة الْكَهْف، وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي الْوَقْت: فضل سُورَة الْكَهْف، وَلم يثبت لفظ: بَاب إلَاّ لأبي ذَر. ١١٠٥ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ خالِدٍ حَدثنَا زُهَيْرٌ حَدثنَا أبُو إسْحاقَ عنِ البَرَاءُ، قَالَ: كانَ رجُلٌ يَقْرَأُ سورَة الكَهْفِ وَإِلَى جانِبِهِ حِصانٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْن، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدْنُو وتَدنُو، وجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفرُ. فلَمَّا أصْبَحَ أَتَى النبيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لهُ فَقَالَ: تلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بالقُرْآن. (انْظُر الحَدِيث ٤١٦٣ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَزُهَيْر هُوَ ابْن مُعَاوِيَة، وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي. والْحَدِيث قد مضى فِي تَفْسِير سُورَة الْفَتْح، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبيد الله بن مُوسَى عَن إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق إِلَى آخِره، وَلم يذكر فِيهِ سُورَة الْكَهْف، وَإِنَّمَا قَالَ: يقْرَأ وَفرس لَهُ مربوط فِي الدَّار. قَوْله: (كَانَ رجل) قيل: هُوَ أسيد بن حضير. قَوْله: (حصان) بِكَسْر الْحَاء، هُوَ الْفَحْل الْكَرِيم من الْخَيل قَوْله: (بشطنين) تَثْنِيَة شطن بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة والطاء الْمُهْملَة، وَهُوَ الْحَبل، وَإِنَّمَا كَانَ الرَّبْط بشطنين لأجل جموحه واستصعابه. قَوْله: (فتغشته) أَي: أحاطت بِهِ سَحَابَة. قَوْله: (تَدْنُو) أَي: تقرب. قَوْله: (ينفر) بالنُّون وَالْفَاء من النفرة، وَفِي رِوَايَة مُسلم: ينفر بِالْقَافِ وَالزَّاي، وَقَالَ عِيَاض: هُوَ خطأ فَإِن كَانَ مَا قَالَه من حَيْثُ الرِّوَايَة فَلهُ وَجه، وَإِن كَانَ من حَيْثُ اللُّغَة فَلَيْسَ بِذَاكَ. قَوْله: (تِلْكَ السكينَة) وَاخْتلف أهل التَّأْوِيل فِي تَفْسِير السكينَة، فَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: هِيَ ريح هفافة لَهَا وَجه كوجه الْإِنْسَان، وَعنهُ: إِنَّهَا ريح خجوج وَلها رأسان، وَعَن مُجَاهِد: لَهَا رَأس كرأس الهر وجناحان وذنب كذنب الهر، وَعَن الرّبيع: هِيَ دَابَّة مثل الهر لعينيها شُعَاع فَإِذا التقى الْجَمْعَانِ أخرجت فَنَظَرت إِلَيْهِم فينهزم ذَلِك الْجَيْش من الرعب وَعَن ابْن عَبَّاس وَالسُّديّ: هِيَ طست من ذهب من الْجنَّة يغسل فِيهَا قُلُوب الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصرة وَالسَّلَام، وَعَن ابْن مَالك: طست من ذهب ألْقى فِيهَا مُوسَى، ﵇، الألواح والتوراة والعصا. وَعَن وهب: روح من الله يتَكَلَّم، إِذا اخْتلفُوا فِي شَيْء بيَّن لَهُم مَا يُرِيدُونَ. وَعَن الضَّحَّاك: الرَّحْمَة، وَعَن عَطاء مَا يعْرفُونَ من الْآيَات فيسكنون إِلَيْهَا، وَهُوَ اخْتِيَار الطَّبَرِيّ، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْمُخْتَار أَنَّهَا من الْمَخْلُوقَات فِيهِ طمأنينة وَرَحْمَة وَمَعَهُ الْمَلَائِكَة، وَقد تكَرر فِي الْقُرْآن والْحَدِيث لفظ السكينَة، فَيحل فيكل مَوضِع وَردت فِيهِ على مَا يَلِيق بِهِ من الْمعَانِي الْمَذْكُورَة، وَالَّذِي يَلِيق فِي الْمَذْكُور فِي الْبَاب قَول الضَّحَّاك، وَالله أعلم. قَوْله: (تنزلت) فِي رِوَايَة الْكشميهني: تنزل، بِضَم اللَّام على صِيغَة الْمُضَارع، وَأَصله: تتنزل بتاءين فحذفت إِحْدَاهمَا. ٢١ - (بابُ فَضْلِ سورَةِ الفَتْحِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل سُورَة الْفَتْح، وَلَيْسَ لفظ: بَاب إلَاّ لأبي ذَر.

стр. 5919

٢١٠٥ - حدَّثنا إسْماعِيلُ قَالَ: حَدثنِي مالِكٌ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ أبِيهِ أنَّ رسُولَ الله ﷺ ، كَانَ يسِيرُ فِي بعْضِ أسْفارِهِ وعُمَرُ بنُ الخَطّابِ يسِيرُ معَهُ لَيْلاً، فَسألَهُ عُمَرُ عنْ شَيْء فلَمْ يُجِبْهُ رسولُ الله ﷺ ، ثُمَّ فلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ سألَهُ فلَمْ يُجِبْهُ، فَقَالَ عُمَرُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّك! نَزَرْتَ رسولَ الله ﷺ ثَلاثَ مرَّاتٍ كُلُّ ذلِك لَا يُجِيبُكَ، قَالَ عُمَرُ: فحَرَّكْتُ بَعيرِي حَتَّى كنْتُ أمامَ النَّاس وخَشِيتُ أنْ يَنزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ، فَما نَشِبْتُ أنْ سَمِعْتُ صارِخا يَصْرُخُ، قَالَ: فقُلْتُ: لقَدْ خَشِيتُ أنْ يَكونَ نزَلَ فيَّ قُرْآنٌ، قَالَ: فَجِئْتُ رسولَ الله ﷺ فسَلَّمْتُ علَيْهِ فَقَالَ: لقَدْ أُنْزِلَتْ علَيَّ اللَّيْلَةَ سورَةُ لَهِيْ أحَبُّ إلَيَّ مِمِّا طلَعَتْ علَيْهِ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنَّا قتحْنا لكَ فتْحا مُبينا﴾ (الْفَتْح: ١) . (انْظُر الحَدِيث ٧٧١٤ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي قَوْله: (لقد أنزلت عَليّ) إِلَى آخِره. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أَوْس ابْن أُخْت مَالك بن أنس، وَزيد بن أسلم يروي عَن أَبِيه أسلم مولى عمر بن الْخطاب وَصُورَة هَذَا صُورَة الْإِرْسَال. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من هَذَا الْوَجْه فَقَالَ: عَن أبي سَمِعت عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ قَالَ: حَدِيث حسن غَرِيب، وَقد رَوَاهُ بَعضهم عَن مَالك فَأرْسلهُ وَأَشَارَ بذلك إِلَى الطَّرِيق الَّذِي أخرجه البُخَارِيّ. وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن فِي أثْنَاء السِّيَاق مَا يدل على أَنه من رِوَايَة أسلم عَن عمر لقَوْله فِيهِ: قَالَ عمر: فحركت بَعِيري إِلَى آخر. والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة الْفَتْح فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عِنْد عبد الله بن مسلمة عَن مَالك إِلَى آخِره. قَوْله: (ثكلتك أمك) دُعَاء من عمر على نَفسه. قَوْله: (نزرت) بِفَتْح النُّون وَالزَّاي المخففة أَو الْمُشَدّدَة أَي: ألححت عَلَيْهِ وبالغت أَي فِي شأني من جرأتي على رَسُول الله ﷺ وإلحاحي عَلَيْهِ قَوْله: (فَمَا نشبت) أَي: فَمَا لَبِثت قَوْله أحب إِلَى آخِره، وَكَانَت أحب لما فِيهَا من مغفرته مَا تقدم وَمَا تَأَخّر وإتمام النِّعْمَة عَلَيْهِ وَالرِّضَا عَن أَصْحَابه تَحت الشَّجَرَة، وَالله أعلم. ٣١ - (بابُ فَضْلِ ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ (الْإِخْلَاص: ١) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ (الْإِخْلَاص: ١) وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ بَاب. فِيهِ: عَمْرَة عنْ عائِشَةَ ﵂، عنِ النبيِّ ﷺ أَي: فِي فضل ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ (الْإِخْلَاص: ١) رَوَت عمر بنت عبد الرَّحْمَن عَن عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْكرْمَانِي: وَلما لم يكن على طَريقَة شَرط البُخَارِيّ لم يَنْقُلهُ بِعَيْنِه فَاكْتفى بالأخبار عَنهُ إِجْمَالا قلت: لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك بل هَذَا على شَرطه، وَقد أخرجه بِتَمَامِهِ فِي أول كتاب التَّوْحِيد، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا أَحْمد بن صَالح حَدثنَا ابْن وهب حَدثنَا عَمْرو عَن ابْن أبي هِلَال أَن أَبَا الرِّجَال مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن حَدثهُ عَن أمه عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن وَكَانَت فِي حجرَة عَائِشَة زوج النَّبِي ﷺ عَن عَائِشَة: أَن النَّبِي ﷺ بعث رجلا على سَرِيَّة وَكَانَ يقْرَأ لأَصْحَابه فِي صلَاته فيختم ب ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ (الْإِخْلَاص: ١) الحَدِيث، وَفِي آخِره: أَخْبرُوهُ أَن الله يُحِبهُ. ٣١٠٥ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرَنا مالِك عنْ عبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عبْدِ الله بن عبْدِ الرَّحْمانِ ابْن أبي صَعْصَعَةَ عنْ أبِيهِ عنْ أبي سعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رجُلاً سَمِعَ رجلا يقْرَأُ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يُرَدِّدُها، فلَمَّا أصبَحَ جاءَ إِلَى رسولِ الله ﷺ فذَكَرَ ذالكَ لهُ، وكأنَّ الرَّجُلَ يَتَقالُّها. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : وَالَّذِي نَفْسي بيَدِه، إنَّها لتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة، كَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأ وَرَوَاهُ أَبُو صَفْوَان الْأمَوِي عَن مَالك، فَقَالَ: عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة عَن أَبِيه. أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ، وَالصَّوَاب هُوَ الَّذِي فِي الصَّحِيح وَكَذَا قَالَ النَّسَائِيّ الصَّوَاب عبد الرَّحْمَن بن عبد الله، بَعْدَمَا رُوِيَ هَذَا الحَدِيث. قَوْله: (أَن رجلا سمع رجلا) الرجل السَّامع كَانَ أَبُو

стр. 5920

سعيد الْخُدْرِيّ رَاوِي الحَدِيث، وَالرجل القارىء قتاذة بن النُّعْمَان. قَوْله: (يُرَدِّدهَا) أَي: يكررها. قَوْله: (يتقالها) بتَشْديد اللَّام، أَي: يعد أَنَّهَا قَليلَة، فِي رِوَايَة ابْن الطباع. كَأَنَّهُ يقللها، وَفِي رِوَايَة يحيى الْقطَّان عَن مَالك: فَكَأَنَّهُ يستقلها وَالْمرَاد اسْتِقْلَال قِرَاءَته لَا التنقيص. قَوْله: (إِنَّهَا) أَي: إِن قِرَاءَة ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ (الْإِخْلَاص: ١) لتعدل ثلث الْقُرْآن. وَاخْتلف فِي مَعْنَاهُ. فَقَالَ الْمَازرِيّ: الْقُرْآن ثَلَاثَة أنحاء: قصَص وَأَحْكَام وصفات الله، ، وَهَذِه السُّورَة متمحضة للصفات، وَهِي ثلث وجزء من الثَّلَاثَة، وَقيل: ثَوَابهَا يُضَاعف بِقدر ثَوَاب ثلث الْقُرْآن بِغَيْر تَضْعِيف، وَقيل: الْقُرْآن لَا يتَجَاوَز ثَلَاثَة أَقسَام: الْإِرْشَاد إِلَى معرفَة ذَات الله تَعَالَى، وَمَعْرِفَة أَسمَاء وَصِفَاته وَمَعْرِفَة أَفعاله وسننه، وَلما اشْتَمَلت هَذِه السُّورَة على التَّقْدِيس وازنها رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، بِثلث الْقُرْآن. وَقيل: إِن من عمل بِمَا تضمنته من الْإِقْرَار بِالتَّوْحِيدِ والإذعان بالخالق كمن قَرَأَ ثلث الْقُرْآن، وَقيل: قَالَ ذَلِك لشخص بِعَيْنِه قَصده رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، وَقَالَ أَبُو عمر: نقُول بِمَا ثَبت عَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا نعده وَنكل مَا جهلناه من مَعْنَاهُ فنره إِلَيْهِ، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا نَدْرِي لم تعدل هَذِه ثلث الْقُرْآن. وَقَالَ ابْن رَاهَوَيْه: لَيْسَ مَعْنَاهُ أَن لَو قَرَأَ الْقُرْآن كُله كَانَت قِرَاءَة ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ (الْإِخْلَاص: ١) تعدل ذَلِك إذاقرأها ثَلَاث مَرَّات، لَا، وَلَو قَرَأَهَا أَكثر من مِائَتي مرّة. وَقَالَ أَبُو الْحسن الْقَابِسِيّ: لَعَلَّ الرجل الَّذِي بَات يُرَدِّدهَا كَانَت مُنْتَهى حفظه فجَاء يقلل عمله، فَقَالَ لَهُ سيدنَا رَسُوله الله ﷺ : إِنَّهَا التعدل ثلث الْقُرْآن ترغيبا فِي عمل الْخَيْر، وَإِن قل: وَللَّه أَن يجازي عَبده على الْيَسِير بِأَفْضَل مِمَّا يجازي لكثير. وَقَالَ الْأصيلِيّ: مَعْنَاهُ يعدل ثَوَابهَا ثلث الْقُرْآن لَيْسَ فِيهِ ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ (الْإِخْلَاص: ١) وَأما تَفْضِيل كَلَام رَبنَا بعضه على بعض فَلَا، لِأَنَّهُ كُله صفة لَهُ، وَهَذَا مَا ماشٍ على أحد المذهبين أَنه لَا تَفْضِيل فِيهِ، وَنَقله الْمُهلب عَن الْأَشْعَرِيّ وَأبي بكربن أبي الطّيب وَجَمَاعَة عُلَمَاء السّنة. فَإِن قلت: فِي مُسْند ابْن ووهب عَن ابْن لَهِيعَة عَن الْحَارِث بن يزِيد عَن أبي الْهَيْثَم عَن أبي سعيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ: بَات قَتَادَة بن النُّعْمَان يقْرَأ ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ (الْإِخْلَاص: ١) حَتَّى أصبح، فَذكرهَا لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ أَنَّهَا لتعدت ثلث الْقُرْآن أَو نصفه. قلت: قَالَ أَبُو عمر: هَذَا شكّ من الرواي لَا يجوز أَن يكون شكا من النَّبِي ﷺ على أَنَّهَا لَفْظَة غير مَحْفُوظَة فِي هَذَا الحَدِيث، وَلَا فِي غَيره وَالصَّحِيح الثَّابِت فِي هَذَا الحَدِيث وَغَيره أَنَّهَا لتعدل ثلث الْقُرْآن من غير شكّ، وَقد رُوِيَ ثلث الْقُرْآن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، أبي بن كَعْب وَعمر، ذكرهمَا أَبُو عمر وَأَبُو أَيُّوب وَأَبُو مَسْعُود الْأنْصَارِيّ وَسماك عَن النُّعْمَان بن بشير وَأَبَان عَن أنس. ٤١٠٥ - وزَادَ أبُو مَعْمَرٍ: حَدثنَا إسْماعِيلُ بنُ جَعْفرٍ عنْ مالِكِ بنِ أنَسٍ عنْ عبْدِ الرحْمانِ بنِ عبْدِ الله بنِ عبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبي صَعْصَعَةَ عنْ أبِيهِ عنْ أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ أخي قَتادَةُ بنُ النّعْمَانِ أنَّ رجُلاً قامَ فِي زَمَنِ النبيِّ ﷺ يقْرَأُ مِنَ السَّحَرِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الْإِخْلَاص: ١) لَا يَزِيدُ علَيْها، فلَمَّا أصْبَحْنا أتَى رجُلٌ النبيَّ ﷺ نَحْوَهُ. أَبُو معمر هَذَا هُوَ عبد الله بن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج الْمنْقري، قَالَه الدمياطي. وَقَالَ ابْن عَسَاكِر والمزي: هُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن معمر بن الْحسن أَبُو معمر الْهُذلِيّ الْهَرَوِيّ، سكن بَغْدَاد وَجزم بِهِ صَاحب التَّلْوِيح، وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح: كَذَا وَقع لشَيْخِنَا، يَعْنِي: إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم واستصوب بَعضهم مَا قَالَه ابْن عَسَاكِر والمزي، وَقَالَ: وَإِن كَانَ كل مِنْهُمَا يكنى أَبَا معمر هما من شُيُوخ البُخَارِيّ لِأَن هَذَا الحَدِيث يعرف الْهُذلِيّ بل لايعرف للمنقري عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر شَيْئا. قلت: كلا الْقَوْلَيْنِ مُحْتَمل وترجيح أَحدهمَا بِعَدَمِ علمه للمنقري عَن إِسْمَاعِيل رِوَايَة لَا يسْتَلْزم نفي علم غَيره بذلك. وَأما هَذَا التَّعْلِيق فقد وَصله النَّسَائِيّ والإسماعيلي من طرق عَن أبي عمر عَن إِسْمَاعِيل إِلَى آخِره. قَوْله: (نَحوه) أَي: نَحْو سِيَاق الحَدِيث الْمَذْكُور. قَوْله: (يقْرَأ من السحر) أَي: فِي السحر، أَو كلمة: من، بَيَانِيَّة. ٥١٠٥ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْص حَدثنَا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ حَدثنَا إبْرَاهيمُ والضَّحَّاك المِشْرَقِيُّ عنْ أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ، ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ لِأصْحابِهِ: أيَعْجِزُ أحَدُكُمْ أَن يقرَأ ثُلُثَ القُرْآنِ

стр. 5921

فِي لَيْلَةٍ؟ فَشَقَّ ذالِكَ عَلَيْهِمْ وقالُوا: أَيّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رسولُ الله؟ فَقَالَ: الله الوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ القُرْآنِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (الله الْوَاحِد الصَّمد ثلث الْقُرْآن) ، وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَعَن الضَّحَّاك بن شرَاحِيل، وَيُقَال: ابْن شُرَحْبِيل وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَآخر يَأْتِي فِي كتاب الْأَدَب وَحكى الْبَزَّار أَن بَعضهم زعم أَنه الضَّحَّاك بن مزاجم وَهُوَ غلط. قَوْله: (المشرقي) بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء: نِسْبَة إِلَى مشرق بن زيد بن جشم بن حاشد، بطن من هَمدَان، وَهَكَذَا ضَبطه العسكري. وَقَالَ: من فتح الْمِيم فقد صحف، فَكَأَنَّهُ يُشِير إِلَى ابْن أبي حَاتِم فَإِنَّهُ قَالَ: مشرق مَوضِع بِالْيمن، وَضَبطه بِفَتْح الْمِيم وَكسر الرَّاء الدَّارَقُطْنِيّ وَابْن مَاكُولَا وتبعهما السَّمْعَانِيّ فِي مَوضِع، ثمَّ ذهل فَذكره بِكَسْر الْمِيم، كَمَا قَالَ العسكري، لَكِن جعل قافه فَاء ورد عَلَيْهِ ابْن الْأَثِير فَأصَاب فِيهِ. قَوْله: (أَيعْجزُ؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. ويعجز بِكَسْر الْجِيم لِأَنَّهُ من بَاب ضرب يضْرب. وَأما عجزت الْمَرْأَة تعجز من بَاب نصر ينصر فَمَعْنَاه: صَارَت عجوزا بِفَتْح الْعين وعجوز بِالضَّمِّ مصدر عُجزت الْمَرْأَة وَأما عجزت الْمَرْأَة بِكَسْر الْجِيم تعجز من بَاب علم يعلم عَجزا بِفتْحَتَيْنِ وعجزا بِضَم الْعين وَسُكُون الْجِيم فَمَعْنَاه: عظمت عجيزتها. قَوْله: (الْوَاحِد الصَّمد) كِنَايَة عَن ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ (الْإِخْلَاص: ١) فِيهَا ذكر الإل هية والوحدة والصمدية، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة أبي خَالِد الْأَحْمَر عَن الْأَعْمَش فَقَالَ: يقْرَأ ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ (الْإِخْلَاص: ١) فَهِيَ ثلث الْقُرْآن. قَالَ الفِرَبْرِي: سمِعْتُ أَبَا جَعْفرٍ مُحَمَّدَ بنَ أبي حاتِم ورَّاقَ أبي عبْدِ الله يقُولُ: قَالَ أبُو عبْدِ الله: عنْ إبْرَاهِيمَ مُرْسَلٌ. وعنِ الضَّحَّاكِ المِشْرَقِيِّ مُسْنَدٌ هَذَا ثَبت عِنْد أبي ذَر عَن شُيُوخه، والفربري هُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يُوسُف بن مطر بن صَالح بن بشر، ونسبته إِلَى فربر قَرْيَة بَينهَا وَبَين بخاري ثَلَاث مراحل، وَقَالَ: سمع كتاب الصَّحِيح لمُحَمد بن إِسْمَاعِيل تسعون ألف رجل فَمَا بَقِي أحد يرويهِ غَيْرِي، مَاتَ سنة عشْرين وثلاثمائة، وَأَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن أبي حَاتِم كَانَ يورق للْبُخَارِيّ أَي ينْسَخ لَهُ، وَكَانَ من الملازمين لَهُ العارفين بِهِ المكثرين عَنهُ. قَوْله: (وراق أبي عبد الله) . هُوَ البُخَارِيّ. وَكَذَلِكَ قَوْله: (قَالَ أَبُو عبد الله) هُوَ البُخَارِيّ. قَوْله: (عَن إِبْرَاهِيم) النَّخعِيّ عَن أبي سعيد (مُرْسل) وَهَذَا مُنْقَطع فِي اصْطِلَاح الْقَوْم، وَلَكِن البُخَارِيّ أطلق على الْمُنْقَطع لفظ الْمُرْسل. قَوْله: (وَعَن الضحك) أَي: الَّذِي يرويهِ عَن ابْن سعيد (مُسْند) يَعْنِي مُتَّصِل. ٤١ - (بابُ فَضْل المُعَوِّذَاتِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل المعوذات، وَهِي بِكَسْر الْوَاو جمع معوذة وَالْمرَاد بهَا السُّور الثَّلَاث وَهِي: سُورَة الْإِخْلَاص وَسورَة الفلق وَسورَة النَّاس، وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن الثَّلَاثَة وَأحمد وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان من حَدِيث عقبَة بن عَامر، قَالَ لي رَسُول الله ﷺ : ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ (الْإِخْلَاص: ١) و ﴿قل أعوذ بِرَبّ الفلق﴾ (الفلق: ١) و ﴿قل أعوذ بِرَبّ النَّاس﴾ (النَّاس: ١) تعوّذ بِهن فَإِنَّهُ لم يتَعَوَّذ بمثلهن وَفِي لفظ: اقْرَأ المعوذات دبر كل صَلَاة، فَذَكرهنَّ فَإِن قلت: التَّعَوُّذ ظَاهر فِي المعوذتين، وَكَيف هُوَ فِي سُورَة الْإِخْلَاص؟ قلت: لأجل مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ من صفة الرب أطلق عَلَيْهِ المعوذ وَإِن لم يُصَرح فِيهِ. وَمِنْهُم من ظن أَن الْجمع فِيهِ من بَاب إِن أقل الْجمع اثْنَان. وَلَيْسَ كَذَلِك، فَافْهَم. ٦١٠٥ - حدَّثناعبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخْبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ، ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ إِذا اشْتَكَى يَقْرَأُ علَى نَفْسِهِ بالمُعَوِّذَاتِ ويَنْفُثُ فلَمَّا اشْتَدَّ وجعَهُ كُنْتُ أقْرَأُ علَيْهِ وأمْسَحُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِها. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطِّبّ عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ وَفِي التَّفْسِير وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الطِّبّ عَن سهل بن أبي سهل وَعَن غَيره. قَوْله: (إِذا اشْتَكَى) أَي: إِذا مرض قَوْله: (ينفث) من النفث وَهُوَ إِخْرَاج الرّيح من الْفَم مَعَ شَيْء من الرِّيق.

стр. 5922

٧١٠٥ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ حَدثنَا المُفَضَّلُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ إذَا أوَى إِلَى فِرَاشِهِ كلَّ لَيْلةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهما فقَرَأ فِيهِما: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الْإِخْلَاص: ١) وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِى الْعُقَدِ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ (الفلق: ١) وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (النَّاس: ١) ثُمَّ يَمْسَحُ بِهما مَا اسْتَطاعَ مِنْ جَسَدِهِ يَبْدَأُ بِهِما علَى رَأْسِهِ وَوجْهِهِ وَمَا أقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ يَفْعَلُ ذالِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. أخرجه عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن الْمفضل على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول من التَّفْضِيل ابْن فضَالة بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الْمُعْجَمَة، وَهَذَا الحَدِيث غير الحَدِيث الأول، وجعلهما أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي حَدِيثا وَاحِدًا وَعَابَ ذَلِك عَلَيْهِ أَبُو الْعَبَّاس الطرقي وَفرق بَينهمَا فِي كِتَابه، وَكَذَا فعله خلف الوَاسِطِيّ، وأجدر بِهِ أَن يكون صَوَابا لتباينهما. قَوْله: (إِذا أَوَى) ، يُقَال: أويت إِلَى منزلي، بقصر الْألف، وأويت غَيْرِي وآويته بِالْقصرِ وَالْمدّ. وَأنكر بَعضهم الْمَقْصُور الْمُتَعَدِّي، وأبى ذَلِك الْأَزْهَرِي فَقَالَ: هِيَ لُغَة فصيحة. قَوْله: (يبْدَأ بهما) . إِلَخ. وَعلم الْمُبْتَدَأ من لفظ: يبْدَأ، وَأما الْمُنْتَهى فَلَا يعلم إلَاّ من مُقَدّر تَقْدِيره: ثمَّ يَنْتَهِي إِلَى مَا أدبر من جسده. قَالَ المطهري فِي شرح المصابيح: ظَاهر الحَدِيث يدل على أَنه نفث فِي كَفه أَولا ثمَّ ققرأ وَهَذَا لم يقل بِهِ أحد وَلَا فَائِدَة فِيهِ. وَلَعَلَّه سَهْو من الرَّاوِي، والنفث يَنْبَغِي أَن يكون بعد التِّلَاوَة ليوصل بركَة الْقُرْآن إِلَى بشرة القارىء أَو المقروء لَهُ، وَأجَاب الطَّيِّبِيّ عَنهُ: بِأَن الطعْن فِيمَا صحت رِوَايَته لَا يجوز، وَكَيف وَالْفَاء فِيهِ مثل مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا قَرَأت القرآة فاستعذ﴾ (النَّحْل: ٨٩) فَالْمَعْنى: جمع كفيه ثمَّ عزم على النفث فِيهِ أَو لَعَلَّ السِّرّ فِي تَقْدِيم النفث فِيهِ مُخَالفَة السَّحَرَة، وَالله أعلم. ٥١ - (بابُ نُزُولِ السَّكينَةِ والمَلَائِكَةُ عِنْدَ قِرَاءَةِ القُرْآنِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة نزُول السكينَة، وَعطف عَلَيْهَا الْمَلَائِكَة. قيل: جمع بَينهمَا وَلَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب ذكر السكينَة، وَلَا فِي حَدِيث الْبَراء السَّابِق فِي فضل سُورَة الْكَهْف ذكر الْمَلَائِكَة، وَوجه ذَلِك مَا قَالَه أَبُو الْعَبَّاس بن الْمُنِير: فهم البُخَارِيّ تلازمهما، وَفهم من الظلة أَنَّهَا السكينَة، فَلهَذَا سَاقهَا فِي التَّرْجَمَة. وَقَالَ ابْن بطال: دلّ على أَن السكينَة كَانَت فِي تِلْكَ الظلة وَأَنَّهَا تنزل أبدا مَعَ الْمَلَائِكَة. ٨١٠٥ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حدّثني يَزِيدُ بنُ الهَادِ عنْ مُحَمَّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عنْ أُسَيْدِ بنِ حُضَيْرٍ قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ البَقَرَةِ وفَرَسُهُ مَرْبُوطٌ عنْدَهُ، إذْ جالَتِ الْفَرَسُ فَسكَتَ فسَكَنَتْ. فَقَرَأ، فَجالَتِ الفَرَسُ فَسكَتَ فَسكَنَتِ الفَرَسُ، ثُمَّ قَرَأ فَجالَتِ الفَرَسُ، فانْصَرَفَ وكانَ ابْنُهُ يَحْيَى قَرِيبا منْها فأشْفَقَ أَن تُصِيبَهُ، فَلمَّا اجْتَرَّهُ رفَعَ رأسَهُ إِلَى السَّماءِ حَتَّى مَا يَراها، فَلما أصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ لهُ: اقْرَأ يَا ابنَ حُضَيْرٍ، قَالَ: فأشْفَقْتُ يَا رسُولَ الله أنْ تَطأ يَحْيَى وَكَانَ منْها قَرِيبا، فَرَفَعْتُ رأسِي فانْصَرَفْتُ إليْهِ، فرَفَعْتُ رأسِي إِلَى السَّماء فإِذا مثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أمْثالُ المَصابِيحِ، فَخَرَجْتُ حتَّى لَا أرَاها، قَالَ: وتَدْرِي مَا ذَاكَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: تِلْكَ المَلَائِكَةُ دَنَتْ لصَوْتِكَ، ولَوْ قَرَأتَ لأصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إليْها لَا تَتَوَارَى مِنْهُمْ. مطابقه للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن البُخَارِيّ فهم من الظلة السكينَة، وَأما الْمَلَائِكَة فَفِي قَوْله: (تِلْكَ الْمَلَائِكَة) وَيزِيد من الزِّيَادَة هُوَ ابْن أُسَامَة بن عبد الله بن شَدَّاد بن الْهَاد بِحَذْف الْيَاء للتَّخْفِيف، وَسمي بالهاد لِأَنَّهُ كَانَ يُوقد ناره للأضياف وَلمن سلك الطَّرِيق لَيْلًا، وَقَالَ أَبُو عَمْرو: وَقيل اسْم شَدَّاد أُسَامَة بن عَمْرو وَشَدَّاد لقب والهاد هُوَ عَمْرو وَقَالَ أَبُو عَمْرو وَكَانَ شَدَّاد بن الْهَاد سلفا لرَسُول الله ﷺ وَلأبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لِأَنَّهُ كَانَ تَحت سلمى بنت عُمَيْس أُخْت أَسمَاء بنت عُمَيْس وَهِي أُخْت

стр. 5923

مَيْمُونَة بنت الْحَارِث لأمها، وَله رِوَايَة عَن النَّبِي ﷺ ، سكن الْمَدِينَة ثمَّ تحول إِلَى الْكُوفَة، وَسلف الرجل زوج أُخْت امْرَأَته، وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم هُوَ التَّيْمِيّ من صغَار التَّابِعين وَلم يدْرك أسيد بن حضير فروايته عَنهُ مُنْقَطِعَة، لَكِن الِاعْتِمَاد فِي وصل الحَدِيث الْمَذْكُور على الْإِسْنَاد الثَّانِي وَهُوَ قَوْله: (قَالَ ابْن الْهَاد) على مَا يَجِيء عَن قريب، وَهَذَا الْإِسْنَاد مُنْقَطع ومعلق وَصله أَبُو عبيد فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث بالإسنادين جَمِيعًا. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن مُحَمَّد بن عبد الله وَغَيره، وَفِي المناقب عَن أَحْمد بن سعيد الريَاحي. قَوْله: (بَيْنَمَا) كلمة بَين زيدت فِيهَا مَا يُضَاف إِلَى الْجُمْلَة وَيحْتَاج إِلَى الْجَواب، وَهنا جوابها هُوَ قَوْله: (إِذْ جالت الْفرس) يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى وَلِهَذَا قَالَ: (فجالت الْفرس) بالتأنيث وَقَالَ فِي قَوْله: (وفرسه مربوط) بالتذكير. قَوْله: (من اللَّيْل) أَي: فِي اللَّيْل، وَوَقع فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن سعد فِي رِوَايَة مُسلم وَالنَّسَائِيّ: (بَيْنَمَا هُوَ يقْرَأ فِي مربده) أَي فِي الْمَكَان الَّذِي فِيهِ التَّمْر فَإِن قلت: وَقع فِي رِوَايَة أبي عبيد أَنه كَانَ يقْرَأ على ظهر بَيته، وَبَينهمَا تغاير قلت: قَوْله: (وفرسه مربوط إِلَى جَانِبه) يرد رِوَايَة ظهر الْبَيْت، إلَاّ أَن يُرَاد بِظهْر الْبَيْت خَارجه لَا أَعْلَاهُ فَيَنْتَفِي التغاير. فَإِن قلت: تقدم فِي بَاب فضل الْكَهْف: كَانَ رجل يقْرَأ سُورَة الْكَهْف وَإِلَى جَانِبه حصان، وَقد قيل: إِن هَذَا الرجل هُوَ أسيد بن حضير، وَإنَّهُ كَانَ يقْرَأ سُورَة الْكَهْف. قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: لَعَلَّه قرأهما يَعْنِي السورتين الْكَهْف وَسورَة الْبَقَرَة أَو كَانَ ذَلِك الرجل غير أسيد، هَذَا هُوَ الظَّاهِر. قَوْله: (جالت) من الجولان وَهُوَ الِاضْطِرَاب الشَّديد. قَوْله: (قَرِيبا مِنْهَا) أَي: من الْفرس، يَعْنِي: كَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت قَرِيبا مِنْهَا. قَوْله: (فَلَمَّا اجتره) بجيم وتاء مثناة من فَوق وَرَاء مُشَدّدَة، من الاجترار من الْجَرّ أَي: فَلَمَّا جر أسيد ابْنه يحيى من الْمَكَان الَّذِي هُوَ فِيهِ حَتَّى لَا يطَأ الْفرس رفع رَأسه، وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ: أَخّرهُ، بخاء مُعْجمَة مُشَدّدَة وَرَاء من التَّأْخِير أَي: أَخّرهُ من الْموضع الَّذِي كَانَ فِيهِ خشيَة عَلَيْهِ. قَوْله: (يَا ابْن حضير) وَقع مرَّتَيْنِ أمره ﷺ بِالْقِرَاءَةِ فِي الِاسْتِقْبَال والحض عَلَيْهَا، أَي: كَانَ يَنْبَغِي أَن تستمر على الْقِرَاءَة وتغتنم مَا حصل لَك من نزُول السكينَة وَالْمَلَائِكَة، وَالدَّلِيل على طلب دوَام الْقِرَاءَة جَوَابه: بِأَنِّي خفت إِن دمت عَلَيْهَا أَن يطَأ الْفرس وَلَدي. قَوْله: (وَكَانَ مِنْهَا) أَي: وَكَانَ يحيى قَرِيبا من الْفرس. قَوْله: (مثل الظلة) بِضَم الظَّاء الْمُعْجَمَة: شَيْء مثل الصّفة، فَأول بسحابة نظل. قَوْله: (فَخرجت) بِلَفْظ الْمُتَكَلّم. ويروى بِلَفْظ الغائبة، فَقيل: صَوَابه فعرجت بِالْعينِ. قَوْله: (دنت) أَي: قربت لصوتك، وَكَانَ حسن الصَّوْت وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: اقْرَأ أسيد فقد أُوتيت من مَزَامِير آل دَاوُد. قَوْله: (وَلَو قَرَأت) وَفِي رِوَايَة ابْن أبي ليلى: إِمَّا إِنَّك لَو مضيت. قَوْله: (لَا تتوارى مِنْهُم) أَي: لَا تستتر من النَّاس، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن سعد وَفِي رِوَايَة ابْن أبي ليلى: لرأيت الْأَعَاجِيب، وَفِيه جَوَاز رُؤْيَة بني آدم الْمَلَائِكَة فالمؤمنون يرونهم رَحْمَة وَالْكفَّار عذَابا، لَكِن بِشَرْط الصّلاح وَحسن الصَّوْت، وَالَّذِي فِي الحَدِيث إِنَّمَا نَشأ عَن قِرَاءَة خَاصَّة من سُورَة خَاصَّة بِصفة خَاصَّة، وَلَو كَانَ على الْإِطْلَاق لحصل ذَلِك لكل قارىء. وَفِيه: فَضِيلَة أسيد، وفضيلة قِرَاءَة سُورَة الْبَقَرَة فِي صَلَاة اللَّيْل. قَالَ ابنُ الهَادِ. حدّثنيهذا الحَدِيثَ عبدُ الله بنُ خَبابٍ عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عنْ أُسَيْد بنِ حُضَيْرٍ هَذَا الْإِسْنَاد الَّذِي عَلَيْهِ الْعُمْدَة لِأَن ابْن الْهَاد رَوَاهُ هُنَا عَن عبد الله بن خباب على وزن فعال بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة مولى بن عدي بن النجار الْأنْصَارِيّ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن أسيد بن حضير، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو نعيم الْحَافِظ، قَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر بن خَلاد حَدثنَا أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن ملْحَان، حَدثنَا يحيى بن بكير، حَدثنَا اللَّيْث بن سعد حَدثنِي يزِيد بن الْهَاد. ٦١ - (بابُ: مَنْ قَالَ لَمْ يتْرُكِ النبيُّ ﷺ إلاّ مَا بَيْنَ الدَّفَتَيْنِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من قَالَ إِلَى آخِره، وَقد ترْجم لهَذَا الْبَاب للرَّدّ على الروافض الَّذين ادعوا أَن كثيرا من الْقُرْآن ذهب لذهاب حَملته وَأَن التَّنْصِيص على إِمَامَة عَليّ بن أبي طَالب واستحقاقه الْخلَافَة عِنْد موت النَّبِي ﷺ كَانَ ثَابتا فِي الْقُرْآن، وَأَن الصَّحَابَة كتموه، وَهَذِه دَعْوَى بَاطِلَة مَرْدُودَة وحاشا الصَّحَابَة عَن ذَلِك. قَوْله: (إلَاّ مَا بَين الدفتين) أَي: الْقُرْآن

стр. 5924

الْمَكْتُوب بَين دفتي الْمَصَاحِف، وَهِي تَثْنِيَة دفة بِفَتْح الدَّال وَتَشْديد الْفَاء قَالَ فِي الْمغرب: الدفة الْجنب وَكَذَلِكَ الدُّف: وَمن دفتا السرج للوحين اللَّذين يقعان على جَنْبي الدَّابَّة، ودفتا الْمُصحف اللَّتَان ضمتاه من جانبيه، وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا الجلدان اللَّذَان بَين جَانِبي الْمُصحف، وَقيل: ترك من الحَدِيث أَكثر من الْقُرْآن. وَأجِيب: بِأَنَّهُ مَا ترك مَكْتُوبًا بأَمْره إلَاّ الْقُرْآن. وَقيل: قد تقدم فِي بَاب كِتَابَة الْعلم. من حَدِيث الشّعبِيّ عَن أبي جُحَيْفَة، قَالَ: قلت لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: هَل عنْدكُمْ كتاب؟ قَالَ: لَا إلَاّ كتاب الله، أَو فهم أعْطِيه رجل مُسلم، أَو مَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة الحَدِيث وَأجِيب بِأَنَّهُ لَعَلَّهَا لم تكن مَكْتُوبَة بِأَمْر رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقد يُجَاب بِأَن بعض النَّاس كَانُوا يَزْعمُونَ أَن رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، أوصى إِلَيّ عَليّ، فالسؤال هُوَ عَن شَيْء يتَعَلَّق بِذكر الْإِمَامَة فَقَالَ: مَا ترك شَيْئا مُتَعَلقا بِذكر الْإِمَامَة إلَاّ مَا بَين الدفتين من الْآيَات الَّتِي يتَمَسَّك بهَا فِي الْأمة. وَهَذَا حسن وَفِي التَّلْوِيح: (إلَاّ مَا بَين الدفتين) يحْتَمل أَنه مَا ترك شَيْئا من الدُّنْيَا أَو مَا ترك علما مسطورا سوى الْقُرْآن الْعَزِيز. ٩١٠٥ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ عبْدِ العَزِيزِ بنِ رُفَيْعٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنا وشَدَّادُ بنُ مَعْقلٍ علَى ابنِ عبَّاسٍ، ﵄، فَقَالَ لَهُ شدَّادُ بنُ مَعْقلٍ: أتَرَكَ النبيُّ ﷺ : مِنْ شَيْء؟ قَالَ: مَا تَرَكَ إلَاّ مَا بَيْنَ الدَّفَّتيْنِ. قَالَ: ودَخَلْنا علَى مُحَمَّدٍ بنِ الْحَنِفِيَّة فَسألْناهُ، فَقَالَ: مَا تَرَكَ إلَاّ مَا بَيْن الدَّفَتَيْنِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَقد ذكر هَذَا الحَدِيث فِي الِاسْتِدْلَال على الروافض وَبَيَان بطلَان دَعوَاهُم بقول مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَهُوَ ابْن عَليّ بن أبي طَالب الْمَعْرُوف بِابْن الْحَنَفِيَّة، وَهِي خَوْلَة بنت جَعْفَر من نَبِي حنيفَة، وَكَانَت سبي الْيَمَامَة الَّذين سباهم أَبُو بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَبقول عبد الله بن عَبَّاس: وَفِيه نُكْتَة لطفية من البُخَارِيّ حَيْثُ اسْتدلَّ على الروافض فِي بطلَان مَذْهَبهم بِمُحَمد بن الْحَنَفِيَّة الَّذين يدعونَ إِمَامَته. فَلَو كَانَ شَيْء يتَعَلَّق بإمامة أَبِيه عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما كَانَ يَسعهُ كِتْمَانه لجلاله قدره وَقُوَّة دينه، وَكَذَلِكَ اسْتدلَّ بقول ابْن عَبَّاس: فَإِنَّهُ ابْن عمر عَليّ بن أبي طَالب وَأَشد النَّاس لَهُ لُزُوما وإطلاعا على حَاله، فَلَو كَانَ عِنْده شَيْء من ذَلِك مَا وَسعه كِتْمَانه لِكَثْرَة علمه وَقُوَّة دينه وجلالة قدره. وَأخرج هَذَا الحَدِيث عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع بِضَم الرَّاء وَفتح الْفَاء الْأَسدي الْمَكِّيّ، سكن الْكُوفَة وَمَات بعد الثَّلَاثِينَ وَمِائَة، وَشَدَّاد على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ ابْن معقل، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف وباللام: الْأَسدي الْكُوفِي التَّابِعِيّ الْكَبِير من أَصْحَاب ابْن مَسْعُود، عَليّ بن أبي طَالب، وَلم يَقع لَهُ ذكر فِي البُخَارِيّ إِلَّا فِي هَذَا الْموضع. قَوْله: (اترك النَّبِي ﷺ الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (من شَيْء) فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: شَيْئا سوى الْقُرْآن. قَوْله: (قَالَ: ودخلنا) الْقَائِل هُوَ عبد الْعَزِيز بن رفيع. ٧١ - (بابُ فَضْلِ القُرْآنِ علَى سائِرِ الكَلَامِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْقُرْآن على سَائِر الْكَلَام، وَقد وَقع مثل لفظ هَذِه التَّرْجَمَة فِي حَدِيث أخرجه ابْن عدي من رِوَايَة شهر بن حَوْشَب عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: فضل الْقُرْآن على سَائِر الْكَلَام كفضل الله على خلقه فِي إِسْنَاده عمر بن سعيد الْأَشَج وَهُوَ ضَعِيف. ٠٢٠٥ - حدَّثنا هُدْبَةُ بنُ خالِدٍ أبُو خالِدٍ حدَّثنا هَمَّامٌ حَدثنَا قَتادَةُ حَدثنَا أنَسٌ عنْ أبي مُوسى اعن النبيَّ ﷺ ، قَالَ: مثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كالأُتْرُجَّةِ، طَعْمُها طيِّبٌ ورِيحُها طَيِّبٌ والَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآن كالتَّمْرَةِ طَعْمُها طيِّبٌ وَلَا ريحَ لَها، ومَثَلُ الْفاجِرِ الَّذِي يقْرَأُ القُرْآن كمَثَلِ الريْحانَةِ

стр. 5925

رِيحُها طيِّبٌ وطَعْمُها ومَثَلُ الْفاجِرِ الَّذِي لَا يٌ قْرَأُ القُرْآنَ كمَثَلِ الحَنْظَلَةِ، طَعْمُها مُر وَلَا رِيحَ لَها. قيل: الحَدِيث فِي بَيَان فضل قارىء الْقُرْآن، وَلَيْسَ فِيهِ التَّعَرُّض إِلَى ذكر فضل الْقُرْآن. قلت: لما كَانَ لقارىء الْقُرْآن فضل كَانَ لِلْقُرْآنِ فضل أقوى مِنْهُ، لِأَنَّهُ الْفضل للقارىء إِنَّمَا يحصل من قِرَاءَة الْقُرْآن فتأتي مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة. وَهَمَّام هُوَ ابْن يحيى بن دِينَار الشَّيْبَانِيّ الْبَصْرِيّ. والْحَدِيث فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن صَحَابِيّ وَرِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ وَهِي رِوَايَة قَتَادَة عَن أنس بن مَالك عَن أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن هدبة، وَعَن غَيره وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن مُسَدّد بِهِ وَعَن عبيد الله بن معَاذ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَمْثَال عَن قُتَيْبَة بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن عبيد الله بن سعيدوفي الْأَيْمَان عَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَمُحَمّد بن بشار. قَوْله: (مثل الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن) إِلَى آخِره إعلم أَن هَذَا التَّشْبِيه والتمثيل فِي الْحَقِيقَة وصف اشْتَمَل على معنى مَعْقُول صرف لَا يبرزه عَن مكنونة إلَاّ تَصْوِيره بالمحسوس الْمشَاهد، ثمَّ إِن كَلَام الله الْمجِيد لَهُ تَأْثِير فِي بَاطِن العَبْد وَظَاهره، وَإِن الْعباد متفاوتون فِي ذَلِك، فَمنهمْ من لَهُ النَّصِيب الأوفر من ذَلِك التَّأْثِير وَهُوَ الْمُؤمن القارىء، وَمِنْهُم من لَا نصيب لَهُ الْبَتَّةَ وَهُوَ الْمُنَافِق الْحَقِيقِيّ، وَمِنْهُم من تأثر ظَاهره دون بَاطِنه وَهُوَ الْمرَائِي أَو بِالْعَكْسِ، وَهُوَ الْمُؤمن الَّذِي لم يقرأه، وإبراز هَذِه الْمعَانِي وتصويرها فِي المحسوسات مَا هُوَ مَذْكُور فِي الحَدِيث وَلم يجد مَا يُوَافِقهَا ويلايمها أقرب وَلَا أحسن وَلَا أجمع من ذَلِك لِأَن المشبهات والمشبه بهَا وَارِدَة على التَّقْسِيم الْحَاضِر، لِأَن النَّاس إِمَّا مُؤمن أَو غير مُؤمن وَالثَّانِي إِمَّا مُنَافِق صرف أَو مُلْحق بِهِ، وَالْأول إِمَّا مواظب عَلَيْهَا، فعلى هَذَا قس الأثمار الْمُشبه بهَا وَوجه التَّشْبِيه فِي الْمَذْكُورَات مركب منتزع من أَمريْن محسوسين: طعم وريح، وَقد ضرب النَّبِي ﷺ الْمثل بِمَا تنبته الأَرْض ويخرجه الشّجر للمشابهة الَّتِي بَينهَا وَبَين الْأَعْمَال فَإِنَّهَا من ثَمَرَات النُّفُوس، فحص مَا يُخرجهُ الشّجر من الأترجة وَالتَّمْر بِالْمُؤمنِ، وَبِمَا تنبته الأَرْض من الحنظلة والريحانة بالمنافق تَنْبِيها على علو شَأْن الْمُؤمن وارتفاع علمه ودوام ذَلِك، وتوقيفا على ضعة شَأْن الْمُنَافِق وإحباط عمله وَقلة جدواه. قَوْله: (مثل الَّذِي يقْرَأ) فِيهِ إِثْبَات الْقِرَاءَة على صِيغَة الْمُضَارع، وَفِي قَوْله: (لَا يقْرَأ) بِالنَّفْيِ لَيْسَ المُرَاد مِنْهَا حُصُولهَا مرّة ونفيها بِالْكُلِّيَّةِ بل المُرَاد مِنْهَا الِاسْتِمْرَار والدوام عَلَيْهَا، وَأَن الْقِرَاءَة دأبه وعادته وَلَيْسَ ذَلِك من هجيراه كَقَوْلِه: فلَان يقري الضَّيْف ويحمي الْحَرِيم. قَوْله: (كالأترجة) ، بِضَم الْهمزَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَضم الرَّاء وَتَشْديد الْجِيم وَقد تخفف، ويروى اترنجة، بالنُّون الساكنة بعد الرَّاء. وَحكى أَبُو زيد: ترنجة وترنج وترج، وَجه التَّشْبِيه بالأترنجة لِأَنَّهَا أفضل مَا يُوجد من الثِّمَار فِي سَائِر الْبلدَانِ، وأجدى لأسباب كَثِيرَة جَامِعَة للصفات الْمَطْلُوبَة مِنْهَا، والخواص الْمَوْجُودَة فِيهَا فَمن ذَلِك كبر جرمها وَحسن منظرها وَطيب مطعمها ولين ملمسها تَأْخُذ الْأَبْصَار صبغة ولونا فَاقِع لَوْنهَا تسر الناظرين تتوق إِلَيْهَا النَّفس قبل التَّنَاوُل تفِيد آكلها بعد الالتذاذ بذوقها طيب نكهة ودباغ معدة وهضم اشْتِرَاك الْحَواس الْأَرْبَع الْبَصَر والذوق والشم واللمس فِي الاحتظاء بهَا ثمَّ إِن أجزاءها تَنْقَسِم على طبائع: قشرها حَار يَابِس، ولحمها حَار وَرطب، وحماضها بَارِد يَابِس، وبرزها حَار مجفف، وفيهَا من الْمَنَافِع مَا هُوَ مَذْكُور فِي الْكتب الطبية. قَوْله: (وَلَا ريح لَهَا) ويروي فِيهَا. قَوْله: (وَمثل الْفَاجِر) أَي: الْمُنَافِق. قَوْله: كَمثل الحنظلة طعمها مر وَلَا ريح لَهَا، وَوَقع فِي التِّرْمِذِيّ كَمثل الحنظلة طعهمها مر وريحها مر. قيل: الَّذِي عِنْد البُخَارِيّ أحسن لِأَن الرّيح لَا طعم لَهُ إِذْ المرارة عرض وَالرِّيح عرض وَالْعرض لَا يقوم بِالْعرضِ وَوجه هَذَا بِأَن رِيحهَا لما كَانَ كريها استعير للكراهة لفظ المرارة لما بَينهمَا من الْكَرَاهَة الْمُشْتَركَة. ١٢٠٥ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ عنْ يَحْيى عنْ سُفْيانَ حدّثني عبْدُ الله بنُ دِينارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ ﵄، عَن النبيِّ ﷺ ، قَالَ: إنَّما أجَلُكُمْ فِي أجَلِ مَنْ خلَا مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ العَصْرِ ومَغْرِبِ الشَّمْسِ ومَثَلُكُمْ ومَثَلُ اليَهُودِ والنَّصارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالاً. فَقَالَ:

стр. 5926

مَن يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهارِ علَى قِيرَاطٍ فَعَلِمَتِ اليَهُودُ. فَقَالَ: منْ يَعمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهارِ إِلَى العَصْرِ علَى قيرَاطٍ، فَعَمِلَتِ النَّارَى، ثُمَّ أنْتُمْ تَعلَمونَ مِنَ العَصْرِ إِلَى المَغْرِبِ بِقِيرَاطِيْنَ قِيرَاطَيْنِ. قالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ عَمَلاً وأقَلُّ عَطاءً. قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَذَاكَ فَضْلي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة مَا قيل مَعَ إصْلَاح الْفَقِير إِيَّاه من أَن ثُبُوت فضل هَذِه الْأمة على غَيرهَا من الْأُمَم بِالْقُرْآنِ الَّذِي أمروا بِالْعَمَلِ بِهِ. فَإِذا ثَبت الْفضل بِالْقُرْآنِ فضل لَا فضل فَوْقه، وَتَأْتِي الْمُطَابقَة من هَذِه الْجِهَة. وَإِن كَانَ فِيهِ بعض تعسف. وَأخرج الحَدِيث عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن سُفْيَان الثَّوْريّ إِلَى آخِره، وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب مَوَاقِيت الصَّلَاة فِي: بَاب من أدْرك رَكْعَة من الْعَصْر، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوْفِي. ٨١ - (بابُ الوَصَايَةِ بِكتابِ الله أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْوِصَايَة بِكِتَاب الله بِالْهَمْزَةِ بعد الْألف وبالياء آخر الْحُرُوف وَفتح الْوَاو وَكسرهَا، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني، بَاب الْوَصِيَّة، وَالْمرَاد بِالْوَصِيَّةِ بِكِتَاب الله حفظه حسا وَمعنى، وإكرامه وصونه، وَلَا يُسَافر بِهِ إِلَى أَرض الْعَدو، وَيتبع مَا فِيهِ فَيعْمل بأوامره ويجتنب نواهيه ويداوم تِلَاوَته وتعلمه وتعليمه، وَنَحْو ذَلِك. ٢٢٠٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حَدثنَا مالِكُ بنُ مِغوَلٍ حدَّثنا طَلْحَةُ قَالَ: سألْتُ عبدَ الله بنِ أبي أوْفَى آوْصَى النبيُّ ﷺ ؟ فَقَالَ: لَا. فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ على النَّاسِ الوَصيَّةُ امرُوا بِها ولَمُ يُوصِ؟ قَالَ: أوْصَى بِكِتابِ الله. (انْظُر الحَدِيث ٥٤٧٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أوصى بِكِتَاب الله) وَمَالك بن مغول، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفتح الْوَاو، وَفِي آخِره لَام: البَجلِيّ، وَطَلْحَة بن مصرف على وزن اسْم فَاعل من التصريف اليامي بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف، وَاسم أبي أَو فِي عَلْقَمَة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْوَصَايَا عَن خَلاد بن يحيى وَفِي الْمَغَازِي عَن أبي نعيم، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (بِكِتَاب الله) قيل إِنَّه منَاف لقَوْله: (لَا) وَأجِيب بِأَنَّهُ مَخْصُوص بِمَا يتَعَلَّق بِالْمَالِ أَو بِأَمْر الْخلَافَة. ٩١ - (بابُ مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بالقُرْآنِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من لم ير التَّغَنِّي بِالْقُرْآنِ. وَهَذِه التَّرْجَمَة لفظ حَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الْأَحْكَام من طَرِيق ابْن جريج عَن ابْن شهَاب بِسَنَد حَدِيث الْبَاب بِلَفْظ: من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ فَلَيْسَ منا، وَبِهَذَا يحصل الْجَواب عَن قَول الْكرْمَانِي. فَإِن قلت: الحَدِيث أثبت التَّغَنِّي بِالْقُرْآنِ، فَلم ترْجم الْبَاب بقوله: من لم يَتَغَنَّ؟ بِصُورَة النَّفْي، وَفِي جَوَابه: هُوَ وهم وَذُهُول حَيْثُ قَالَ. قلت: أما بِاعْتِبَار مَا رُوِيَ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ: من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ فَلَيْسَ منا، فَأَرَادَ الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك الحَدِيث، وَلما لم يكن بِشَرْطِهِ لم يذكرهُ انْتهى وَجه الْوَهم أَنه قَالَ: وَلما لم يكن بِشَرْطِهِ، فَكيف يَقُول ذَلِك وَقد أخرجه البُخَارِيّ فِي الْأَحْكَام كَمَا ذَكرْنَاهُ؟ وَيَأْتِي عَن قريب تَفْسِير التَّغَنِّي. وقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ (٢٩) أَو لم يَكفهمْ أَنا أنزلنَا عَلَيْك الْكتاب يُتْلَى عَلَيْهِم﴾ (العنكبوت: ١٥) وَقَوله تَعَالَى، مجرور عطفا على قَوْله: من لم يَتَغَنَّ لِأَنَّهُ فِي مَحل الْجَرّ بِإِضَافَة لفظ بَاب إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا أورد هَذِه الْآيَة إِشَارَة إِلَى أَن معنى التَّغَنِّي الِاسْتِغْنَاء لِأَن مَضْمُون الْآيَة الْإِنْكَار على من لم يسْتَغْن بِالْقُرْآنِ عَن غير من الْكتب السالفة، وَهِي نزلت فِي قوم آتوا رَسُول الله ﷺ ، بِكِتَاب فِيهِ خبر من أَخْبَار الْأُمَم، فَالْمُرَاد بِالْآيَةِ الِاسْتِغْنَاء بِالْقُرْآنِ عَن أَخْبَار الْأُمَم، وَلَيْسَ المُرَاد بهَا الِاسْتِغْنَاء الَّذِي هُوَ ضد الْفقر وَاتبع البُخَارِيّ التَّرْجَمَة بِهَذِهِ الْآيَة ليدل على أَن هَذَا

стр. 5927

مَذْهَب فِي الحَدِيث، وَهُوَ مُوَافق لتأويل سُفْيَان، يتَغَنَّى بِهِ، لكنه حمله على ضد الْفقر، وَالْبُخَارِيّ حمله على مَا هُوَ أَعم من ذَلِك، وَهُوَ إِلَّا كتفاء مُطلقًا. ٣٢٠٥ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حدّثني اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهاب قَالَ: أَخْبرنِي أبُو سلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ، ﵁، أنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : لَمْ يأذَنِ الله لشَيْء مَا أذِنَ للنبيِّ ﷺ أنْ يَتَغَنَّى بالقرْآنِ. وَقَالَ: صاحبٌ لهُ يريدُ يَجْهَرُ بِهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة والْحَدِيث من أَفْرَاده وَأخرجه فِي التَّوْحِيد أَيْضا. قَوْله: (للنَّبِي) بالنُّون وَالْبَاء الْمُوَحدَة فِي رِوَايَة رُوَاة البُخَارِيّ كلهم، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: لشَيْء، بالشين الْمُعْجَمَة، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم فِي جَمِيع طرقه. قَوْله: (مَا أذن للنَّبِي) بِالْألف وَاللَّام عِنْد أبي ذَر، وَعَن، غَيره لنَبِيّ، بِدُونِ الْألف وَاللَّام، وَقَالَ بَعضهم: فَإِن كَانَت مَحْفُوظَة بِالْألف وَاللَّام فَهِيَ للْجِنْس وَوهم من ظَنّهَا للْعهد، وتوهم أَن المُرَاد نَبينَا ﷺ ، فَقَالَ: مَا أذن للنَّبِي ﷺ ، وَشَرحه على ذَلِك. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره عين الْوَهم، وَالْأَصْل فِي الْألف وَاللَّام أَن يكون للْعهد خُصُوصا فِي الْمُفْرد، وعَلى مَا ذكره يفْسد الْمَعْنى لِأَنَّهُ يكون على هَذِه الصُّورَة لم يَأْذَن الله لنَبِيّ من الْأَنْبِيَاء مَا أذن لجنس النَّبِي وَهَذَا فَاسد. قَوْله: (أَن يبتغى) كَذَا فِي رِوَايَة الْكل بِلَفْظَة: أَن وَفِي رِوَايَة أبي نعيم من وَجه آخر: عَن يحيى بن بكير شيخ البُخَارِيّ فِيهِ بِدُونِ: أَن وَزعم ابْن الْجَوْزِيّ أَن الصَّوَاب حذف (أَن) وَأَن إِثْبَاتهَا وهم من بعض الروَاة لأَنهم كَانُوا يروون بِالْمَعْنَى، فَرُبمَا ظن بَعضهم الْمُسَاوَاة فَوَقع فِي الْخَطَأ لِأَن الحَدِيث لَو كَانَ بِلَفْظ أَن لَكَانَ من الْإِذْن بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الذَّال بِمَعْنى الْإِبَاحَة وَالْإِطْلَاق، وَلَيْسَ ذَلِك مرَادا هُنَا، وَإِنَّمَا هُوَ من الْأذن بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ الِاسْتِمَاع. قَوْله: (أذن) أَي: اسْتمع، وَالْحَاصِل أَن لَفْظَة: أذن، بفتحة ثمَّ كسرة فِي الماصي، وَكَذَا فِي الْمُضَارع مُشْتَرك بَين الْإِطْلَاق وَالِاسْتِمَاع تَقول: آذَنت آذن بِالْمدِّ، فَإِن أردْت الْإِطْلَاق فالمصدر بِكَسْر ثمَّ سُكُون، وَإِن أردْت الِاسْتِمَاع فالمصدر أذن بِفتْحَتَيْنِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: أصل الْأذن بِفتْحَتَيْنِ أَن المستمع يمِيل بأذنه إِلَى جِهَة من يسمعهُ، وَهَذَا الْمَعْنى فِي حق الله لَا يُرَاد بِهِ ظَاهر، وَإِنَّمَا هُوَ على سَبِيل التَّوَسُّع على مَا جرى بِهِ عرف التخاطب، وَالْمرَاد بِهِ فِي حق الله تَعَالَى إكرام القارىء وإجزال ثَوَابه، لِأَن ذَلِك ثَمَرَة الإصغاء. وَاخْتلفُوا فِي معنى التَّغَنِّي، فَعَن الشَّافِعِي: تَحْسِين الصَّوْت بِالْقُرْآنِ، وَيُؤَيِّدهُ قَول ابْن أبي مليكَة فِي سنَن أبي دَاوُد إِذا لم يكن حسن الصَّوْت يُحسنهُ مَا اسْتَطَاعَ، وَقيل: يَسْتَغْنِي بِهِ، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أَحْمد عَن وَكِيع وَقيل: يَسْتَغْنِي بِهِ عَن أَخْبَار الْأُمَم الْمَاضِيَة والكتب الْمُتَقَدّمَة، وَقيل: مَعْنَاهُ التشاغل بِهِ والتغني، وَقيل: ضد الْفقر، وَقيل: من لم يرتح لقرَاءَته وسماعه، وَقَالَ الإِمَام: أوضح الْوُجُوه فِي تَأْوِيله: من لم يغنه الْقُرْآن وَلم يَنْفَعهُ فِي إيمَانه وَلم يصدق بِمَا فِيهِ من وعد ووعيد فَلَيْسَ منا، وَمن تَأَول بِهَذَا التَّأْوِيل كره الْقِرَاءَة بالألحان والترجيع، رُوِيَ ذَلِك عَن أنس وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَسَعِيد بن جُبَير وَالنَّخَعِيّ وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم وَعبد الرَّحْمَن بن الْأسود فِيمَا ذكره ابْن أبي شيبَة فِي كتاب الثَّوَاب وَقَالُوا: كَانُوا يكرهونها بتطريب، وَهُوَ قَول مَالك، وَمِمَّنْ قَالَ: المُرَاد بِهِ تَحْسِين الصَّوْت والترجيع بقرَاءَته والتغني بِمَا شَاءَ من الْأَصْوَات واللحون الشَّافِعِي وَآخَرُونَ، وَذكر عمر بن شبة قَالَ: ذكرت لأبي عَاصِم النَّبِيل تَأْوِيل ابْن عُيَيْنَة الَّذِي ذكره عَن قريب، فَقَالَ: مَا يصنع ابْن عُيَيْنَة شَيْئا، حَدثنَا ابْن جريج عَن عَطاء عَن عبيد بن عُمَيْر قَالَ: كَانَ لداود ﵊، معزفة يتَغَنَّى عَلَيْهَا ويبكى ويبكى، وَعَن ابْن عَبَّاس: أَنه كَانَ يقْرَأ الزبُور بسبعين لحنا وَيقْرَأ قِرَاءَة يطرب مِنْهَا المحموم، فَإِذا أَرَادَ أَن يبكي نَفسه لم تيقدابة فِي بر أَو بَحر إِلَّا أنصتن يسمعن ويبكين، وَمن الْحجَّة لهَذَا القَوْل أَيْضا حَدِيث ابْن مُغفل فِي وصف قِرَاءَة رَسُول الله ﷺ ، وَفِيه: ثَلَاث مَرَّات، وَهَذَا غَايَة الترجيع، ذكره البُخَارِيّ فِي الِاعْتِصَام، وَسُئِلَ الشَّافِعِي عَن تَأْوِيل ابْن عُيَيْنَة، فَقَالَ: نَحن أعلم بِهَذَا لَو أَرَادَ الِاسْتِغْنَاء لقَالَ: من لم يسْتَغْن بِالْقُرْآنِ، وَلَكِن لما قَالَ: من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ، علمنَا أَنه أَرَادَ بِهِ التَّغَنِّي، وَكَذَلِكَ فسره

стр. 5928

ابْن أبي مليكَة أَنه تَحْسِين الصَّوْت، وَهُوَ قَول ابْن الْمُبَارك وَالنضْر بن شُمَيْل، وَمِمَّنْ أجَاز الألحان فِي الْقِرَاءَة فِيمَا ذكره الطَّبَرِيّ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كَانَ يَقُول لأبي مُوسَى، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: ذكّرنا رَبنَا، فَيقْرَأ أَبُو مُوسَى ويتلاحن، وَقَالَ مرّة: من اسْتَطَاعَ أَن يُغني بِالْقُرْآنِ غناء أبي مُوسَى فَلْيفْعَل، وَكَانَ عقبَة بن عَامر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من أحسن النَّاس صَوتا بِالْقُرْآنِ، فَقَالَ لَهُ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أعرض عَليّ سُورَة كَذَا، فَقَرَأَ عَلَيْهِ فَبكى عمر، وَقَالَ: مَا كنت أَظن أَنَّهَا نزلت، وَاخْتَارَهُ ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود، وَرُوِيَ عَن عَطاء بن أبي رَبَاح، وَاحْتج بِحَدِيث عبيد بن عُمَيْر، وَكَانَ عبد الرَّحْمَن بن الْأسود بن يزِيد يتتبع الصَّوْت الْحسن فِي الْمَسَاجِد فِي شهر رَمَضَان، وَذكر الطَّحَاوِيّ عَن أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَصْحَابه أَنهم كَانُوا يَسْتَمِعُون الْقُرْآن بألحان، وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الحكم رَأَيْت أبي وَالشَّافِعِيّ ويوسف بن عَمْرو يسمعُونَ الْقُرْآن بألحان، وَاحْتج الطَّبَرِيّ لهَذَا القَوْل، وَأَن معنى الحَدِيث: تَحْسِين الصَّوْت، بِمَا رُوِيَ سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة يرفعهُ: (مَا أذن الله لشَيْء وَمَا أذن لنَبِيّ حسن الترنم بِالْقُرْآنِ) ، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: ومعقول: إِن الترنم لَا يكون إلَاّ بالصوت إِذا حسنه وطرب بِهِ وَقَالَ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام: تحمل الْأَحَادِيث الَّتِي جَاءَت فِي حسن الصَّوْت على التحزن والتخويف والتشويق، وَرُوِيَ سُفْيَان عَن ابْن جريج عَن ابْن طَاوس عَن أَبِيه أَنه ﷺ سُئِلَ: أَي النَّاس أحسن صَوتا بِالْقُرْآنِ؟ قَالَ: (الَّذِي إِذا سمعته رَأَيْته خشِي الله تَعَالَى وَعند الْآجُرِيّ من حَدِيث عبد الله بن جَعْفَر عَن إِبْرَاهِيم عَن أبي الزبير عَن جَابر يرفعهُ: أحسن النَّاس صَوتا بِالْقُرْآنِ الَّذِي إِذا سمعته يقْرَأ حسبته يخْشَى الله . قَوْله: (وَقَالَ صَاحب لَهُ) أَي: لأبي سَلمَة، والصاحب هُوَ عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن بَينه الزبيدِيّ عَن ابْن شهَاب فِي هَذَا الحَدِيث أخرجه ابْن أبي دَاوُد عَن مُحَمَّد بن يحيى الذهلي فِي الزهريات من طَرِيقه بِلَفْظ: (مَا أذن الله لشَيْء مَا أذن لنَبِيّ يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ) ، قَالَ ابْن شهَاب: أَخْبرنِي عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي سَلمَة يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يجْهر بِهِ، فَكَأَن هَذَا التَّفْسِير لم يسمعهُ ابْن شهَاب من أبي سَلمَة، وسَمعه من عبد الحميد عَنهُ فَكَانَ تَارَة يُسَمِّيه وَتارَة يبهمه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: يجْهر بِهِ مَعْنَاهُ بتحسين صَوته وتحزينه وترقيقه، وَيسْتَحب ذَلِك مَا لم تخرجه الألحان عَن حد الْقِرَاءَة فَإِن أفرط حَتَّى زَاد حرفا أَو أخْفى حرفا فَهُوَ حرَام. ٤٢٠٥ - حدَّثنا علِيُّ بنُ عبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبي سلَمَةَ بن عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: مَا أذنَ الله لشَيْء مَا أذِن لِلنبيِّ أنْ يَتَغَنَّى بالقُرْآنِ. قَالَ سُفْيانُ: تَفْسِيرُهُ يَسْتَغْنِي بِهِ. هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور أخرجه عَن عَليّ بن أبي عبد الله بن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) ، هُوَ ابْن عُيَيْنَة الرَّاوِي تَفْسِيره أَي تَفْسِير قَوْله: (يتَغَنَّى يسْتَغْنى بِهِ) وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. ٤٢٠٥ - حدَّثنا علِيُّ بنُ عبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبي سلَمَةَ بن عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: مَا أذنَ الله لشَيْء مَا أذِن لِلنبيِّ أنْ يَتَغَنَّى بالقُرْآنِ. قَالَ سُفْيانُ: تَفْسِيرُهُ يَسْتَغْنِي بِهِ. هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور أخرجه عَن عَليّ بن أبي عبد الله بن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) ، هُوَ ابْن عُيَيْنَة الرَّاوِي تَفْسِيره أَي تَفْسِير قَوْله: (يتَغَنَّى يسْتَغْنى بِهِ) وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. ٠٢ - (بابُ اغْتِباطِ صاحِبِ القُرْآنِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اغتباط صَاحب الْقُرْآن، والاغتباط من الْغِبْطَة وَهُوَ حسد خَاص، يُقَال: غبطت الرجل أغبطه غبطا إِذا اشْتهيت أَن يكون لَك مثل مَاله، وَأَن يَدُوم عَلَيْهِ مَا هُوَ فِيهِ، وحسدته أحسده حسدا إِذا اشْتهيت أَن يكون لَك مثله، وَأَن يَزُول عَنهُ مَا هُوَ فِيهِ، وَاعْتِرَاض على هَذِه التَّرْجَمَة بِأَن صَاحب الْقُرْآن لَا يغتبط نَفسه بل يغتبطه غَيره، وَأجَاب عَنهُ بَعضهم بِأَن الحَدِيث لما كَانَ دَالا على أَن غير صَاحب الْقُرْآن يغتبط صَاحب الْقُرْآن بِمَا أعْطِيه من الْعَمَل بِالْقُرْآنِ، فاغتباط صَاحب الْقُرْآن بِعَمَل نَفسه أولى. قلت: هَذَا لَيْسَ بِذَاكَ، وَكَيف يُوَجه هَذَا الْكَلَام وَقد علم أَن الْغِبْطَة اشتهاه مثل مَا أعْطى فلَان مثلا، وَكَيف يتَصَوَّر اغتباط من أعْطى مثل مَا أعْطى غَيره، وَالْأَحْسَن فِيهِ أَن يقدر فِي التَّرْجَمَة مَحْذُوف تَقْدِيره: بَاب باغتياط الرجل صَاحب الْقُرْآن، وَلَا يحْتَاج إِلَى تعسفات بعيدَة.

стр. 5929

٥٢٠٥ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَن الزُّهْريِّ قَالَ: حدّثني سالِمُ بنُ عبدِ الله أنَّ عبْدَ الله بنَ عُمرَ ﵄: قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقُولُ: لَا حَسَدَ إلَاّ علَى اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتاهُ الله الكِتابَ وقامَ بِهِ آناءَ اللَّيْلِ، ورَجُلٌ أعْطاهُ الله مَالا فَهْوَ يَتَصَدَّقُ بِهِ آناءَ اللَّيْلِ وآناءَ النَّهارِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَا حسد إِلَّا على اثْنَتَيْنِ) ، فَإِن المُرَاد بِالْحَسَدِ هُنَا الْحَسَد الْخَاص وَهُوَ الْغِبْطَة، تدل عَلَيْهِ التَّرْجَمَة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع. والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (لَا حسد) أَي: لَا رخصَة فِي الْحَسَد إلَاّ فِي خَصْلَتَيْنِ، قيل: الْحَسَد قد يكون فِي غَيرهمَا فَمَا معنى الْحصْر؟ وَأجِيب بِأَن الْمَقْصُود: لَا حسد جَائِز فِي شَيْء من الْأَشْيَاء إلَاّ فيهمَا وَقيل: أَرْبَد بِالْحَسَدِ شدَّة الْحِرْص وَالتَّرْغِيب. قَوْله: (إلَاّ على اثْنَتَيْنِ) وَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود الْمُتَقَدّم فِي كتاب الْعلم إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ، وَكَذَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْآتِي، وَكلمَة على تَأتي بِمَعْنى: فِي، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَدخل الْمَدِينَة على حِين غَفلَة﴾ (الْقَصَص: ٥١) ﴿وَاتبعُوا مَا تتلوا الشَّيَاطِين على ملك سيلمان﴾ (الْبَقَرَة: ٢٠١) أَي: فِي ملكه. قَوْله: (آنَاء اللَّيْل) الآناء جمع أَنِّي مثل معي، قَالَه الْأَخْفَش، وَقيل: أَنى وأنو. يُقَال: مضى أنيان من اللَّيْل وأنوان، وآناء اللَّيْل ساعاته وَلم يذكر فِيهِ النَّهَار وَلم يذكر فِيهِ النَّهَار وَفِي مستخرج أبي نعيم، من طَرِيق أبي بكر بن زَنْجوَيْه عَن أبي الْيَمَان شيخ البُخَارِيّ فِيهِ: آنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار، وَكَذَا أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق إِسْحَاق بن يسَار عَن أبي الْيَمَان، وَكَذَا هُوَ عِنْد مُسلم من وَجه آخر عَن الزُّهْرِيّ، وَالْمرَاد بِالْقيامِ بِالْكتاب الْعَمَل بِهِ. ٦٢٠٥ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ إبْرَاهِيمَ حَدثنَا رَوْحٌ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ سُلَيْمانَ سَمِعْتُ ذَكْوَانَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: لَا حَسَدَ إلاّ فِي اثْنَتَيْنِ: رجُلٌ عَلَّمَهُ الله القُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ إناءَ اللّيْلِ وآناءَ النَّهارِ فَسَمِعَهُ جارٌ لهُ فَقَالَ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِي فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ، ورَجُلٌ آتاهُ الله مَالا فهْوَ يُهْلِكُهُ فِي الحَقِّ، فَقَالَ رجُلٌ: لَيْتَنِي أُوتيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فعَلِمْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ بِهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعلي بن إِبْرَاهِيم شيخ البُخَارِيّ اخْتلف فِيهِ فَقيل: هُوَ الوَاسِطِيّ فِي قَول الْأَكْثَرين وَاسم جده عبد الْمجِيد الْيَشْكُرِي وَهُوَ ثِقَة متقن عَاشَ بعد البُخَارِيّ نَحْو عشْرين سنة، وَقيل: هُوَ عَليّ بن الْحُسَيْن بن إِبْرَاهِيم نسب إِلَى جده، وَبِهَذَا جزم ابْن عدي، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَابْن مَنْدَه: هُوَ عَليّ بن عبد الله بن إِبْرَاهِيم، نسب إِلَى جده، وَقَالَ الْحَاكِم: قيل: هُوَ عَليّ بن إِبْرَاهِيم الْمروزِي وَهُوَ مَجْهُول، وَقيل: الوَاسِطِيّ، وروح هُوَ ابْن عبَادَة، وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وذكوان بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة هُوَ أَبُو صَالح السمان. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الْفَضَائِل عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. قَوْله: (أُوتيت) فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وأوتي كَذَلِك كلهَا على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (يهلكه) بِضَم الياءمن الإهلاك. قَوْله: (فِي الْحق) ، قيد لِأَنَّهُ إِذا كَانَ فِي غير الْحق فَلَا غِبْطَة فِيهِ وَالله أعلم. ١٢ - (بابٌ: خَيْرُكُمْ منْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ خَيركُمْ من تعلم الْقُرْآن وَعلمه وَوضع التَّرْجَمَة من نفس الحَدِيث. ٧٢٠٥ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهالٍ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ: أخبرَني عَلْقَمَةُ بنُ مَرْثَدٍ سَمعْتُ سَعْدَ بنَ عُبَيْدَةَ عنْ أبي عبْدِ الرَّحْمانِ السَّلَمِيِّ عنْ عُثْمانَ، ﵁، عنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القرْآنَ وعَلَّمَهُ. التَّرْجَمَة والْحَدِيث وَاحِد. وعلقمة بن مرْثَد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْمُثَلَّثَة وبالدال الْمُهْملَة: الْحَضْرَمِيّ الْكُوفِي، وَسعد بن عُبَيْدَة أَبُو حَمْزَة الْكُوفِي السّلمِيّ ختن أبي عبد الرَّحْمَن واسْمه عبد الله بن حبيب بن ربيعَة بِالتَّصْغِيرِ السمي الْكُوفِي

стр. 5930

القارىء، لِأَبِيهِ صَحبه. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن أبي نعيم عَن سُفْيَان، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن حَفْص ابْن عَمْرو وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن مَحْمُود بن غيلَان وَغَيره وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أبي قدامَة السَّرخسِيّ وَغَيره. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن مُحَمَّد بن بشار بِهِ وَغَيره وَهنا أَدخل شُعْبَة بَين عَلْقَمَة وَأبي عبد الرَّحْمَن بن سعد بن عُبَيْدَة. وَفِي الحَدِيث الْآتِي خَالف الثَّوْريّ شُعْبَة وَلم يدْخلهُ بَينهمَا، وَقد تَابع شُعْبَة جمَاعَة وعدهم الْحَافِظ أَبُو الْعَلَاء الْحسن بن أَحْمد الْعَطَّار فِي كِتَابه الْهَادِي فِي الْقرَاءَات فَوق الثَّلَاثِينَ مِنْهُم، عبد بن حميد وَقيس بن الرّبيع، قَالَ: وَقد تَابع سُفْيَان أَيْضا جمَاعَة وعدهم فَوق الْعشْرين، مِنْهُم: مسعر وَعَمْرو بن قيس الْملَائي وَأخرج البُخَارِيّ الطَّرِيقَيْنِ، فَكَأَنَّهُ ترجح عِنْده أَنَّهُمَا جَمِيعًا محفوظان: وَرجح الْحفاظ رِوَايَة الثَّوْريّ، وعدوا رِوَايَة شُعْبَة من الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد، وَيحمل على أَن عَلْقَمَة سَمعه أَولا من سعد ثمَّ لَقِي أَبَا عبد الرَّحْمَن فحدثه بِهِ أَو سَمعه مَعَ سعد من أبي عبد الرَّحْمَن، فَثَبت فِيهِ سعد. وَعلل أَبُو الْحسن الْقشيرِي هَذَا الحَدِيث بِثَلَاث علل: الأولى: الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور. الثَّانِيَة: وقف من وَقفه، وإرسال من أرْسلهُ. الثَّالِثَة: مَا رُوِيَ عَن شُعْبَة أَنه قَالَ: لم يسمع أَبُو عبد الرَّحْمَن من عُثْمَان، وَقيل لأبي حَاتِم: أسمع من عُثْمَان قَالَ: رُوِيَ عَنهُ لَا يذكر سَمَاعا. وَأجِيب عَن الأولى: بِأَنَّهُ لَا يُوجب الْقدح فِي الحَدِيث لأَنا نعلم أَن سُفْيَان وَشعْبَة إِذا اخْتلفَا فِي الحَدِيث فَالْحَدِيث حَدِيث سُفْيَان. قَالَ وَكِيع: رُوِيَ شُعْبَة حَدِيثا فَقيل لَهُ: إِن سُفْيَان يخالفك فِيهِ، قَالَ: دعوا حَدِيثي، سُفْيَان أحفظ مني وَعَن الثَّانِيَة: إِن الاعتلال بِالْوَقْفِ والإرسال لَيْسَ بقادح لِأَن الزِّيَادَة عَن الْحَافِظ الثِّقَة مَقْبُولَة إِجْمَاعًا. وَعَن الثَّالِثَة: بِأَن بَعضهم قَالُوا: إِن الأكابر من الصَّدْر الأول قَالُوا: إِن أَبَا عبد الرَّحْمَن قَرَأَ الْقُرْآن على عُثْمَان وَعلي رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا،، فَإِن قلت: رُوِيَ أَبُو الْحسن سعيد بن سَلام الْعَطَّار الْبَصْرِيّ هَذَا الحَدِيث عَن مُحَمَّد بن أبان عَن عَلْقَمَة عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ عَن أبان بن عُثْمَان بن عَفَّان عَن أَبِيه عُثْمَان. قلت: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وهم فِي ذكر أبان فِي إِسْنَاده، فَقَالَ أَبُو الْعَلَاء: فَإِن ثَبت رِوَايَته فَالْحَدِيث غَرِيب على أَنه يحْتَمل أَن يكون السّلمِيّ سمع الحَدِيث من أبان ثمَّ سَمعه من عُثْمَان نَفسه، وَرُوِيَ عَاصِم بن عَليّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ عَن شُعْبَة عَن مسعر عَن عَلْقَمَة عَن سعد بن عُبَيْدَة عَن السّلمِيّ عَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِن ثبتَتْ هَذِه الرِّوَايَة فَهُوَ غَرِيب جدا وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن أبي بكر الْحَضْرَمِيّ عَن شريك عَن عَاصِم بن بَهْدَلَة عَن السّلمِيّ عَن ابْن مَسْعُود، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وأصحها: عَلْقَمَة عَن سعد عَن أبي عبد الرَّحْمَن عَن عُثْمَان مَرْفُوعا، وَقد أدرج بعض الروَاة فِي هَذَا الحَدِيث كَلِمَات يظنّ من لَا علم لَهُ بمساق الحَدِيث إِنَّهَا مَرْفُوعَة، وَهُوَ أَن أَبَا يحيى إِسْحَاق بن سُلَيْمَان الرَّازِيّ رُوِيَ عَن الْجراح بن الضَّحَّاك رُوِيَ عَن الْجراح بن الضَّحَّاك عَن عَلْقَمَة عَن السّلمِيّ عَن عُثْمَان قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : خَيركُمْ من تعلم الْقُرْآن وَعلمه، وَفضل على سَائِر الْكَلَام كفضل الْخَالِق على الْمَخْلُوق، وَذَلِكَ أَنه مِنْهُ، وَهَذِه الزِّيَادَة إِنَّمَا هِيَ من كَلَام أبي عبد الرَّحْمَن، قَالَ ذَلِك عَامَّة الْحفاظ بَينهَا إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَغَيره. قَوْله: (وَعلمه) بواو الْعَطف عِنْد الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ: أَو علمه، بِكَلِمَة أَو للتنويع لَا للشَّكّ. وَفِي الحَدِيث دلَالَة على أَن قِرَاءَة الْقُرْآن أفضل أَعمال الْبر كلهَا، لِأَنَّهُ لما كَانَ من تعلم الْقُرْآن أَو علمه أفضل النَّاس أَو خَيرهمْ دلّ عَليّ على مَا قُلْنَا. فَإِن قلت: إيما أفضل تعلم الْقُرْآن أَو تعلم الْفِقْه؟ قلت: قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: تعلم اللَّازِم مِنْهُمَا فرض على الْأَعْيَان، وَتعلم جميعهما فرض على الْكِفَايَة إِذا قَامَ بِهِ قوم سقط عَن البَاقِينَ، فَإِن فَرضنَا الْكَلَام فِي التزيد مِنْهُمَا على قدر الْوَاجِب فِي حق الْأَعْيَان فالمتشاغل بالفقه أفضل، وَذَلِكَ رَاجع إِلَى حَاجَة الْإِنْسَان لِأَنَّهُ الْفِقْه أفضل من الْقِرَاءَة، وَإِنَّمَا كَانَ القارىء فِي زمن النَّبِي ﷺ هُوَ الأفقه فَلذَلِك قدم القارىء فِي الصَّلَاة. قَالَ: وأقْرَأْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمانِ فِي إمْرةِ عُثْمانَ حتَّى كانَ الحَجَّاجُ، قَالَ: وذَاكَ الَّذِي أقْعَدَني مَقْعَدِي هاذَا. أَي: قَالَ سعد بن عُبَيْدَة أَقرَأ أَبُو عبد الرَّحْمَن من الإقراء يَعْنِي أَقرَأ أَبُو عبد الرَّحْمَن النَّاس فِي إمرة عُثْمَان بن عَفَّان إِلَى أَن انْتهى إقراؤه النَّاس إِلَى زمن الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ، وَهَذِه مُدَّة طَوِيلَة، وَلم يبين ابْتِدَاء إقرائه، وَلَا انْتِهَاء آخِره على التَّحْرِير، غَايَة مَا فِي الْبَاب أَن بَين أول خلَافَة عُثْمَان وَآخر ولَايَة الْحجَّاج الْعرَاق ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ سنة إلَاّ ثَلَاثَة أشهر، وَبَين آخر

стр. 5931

خلَافَة عُثْمَان وَأول ولَايَة الْحجَّاج الْعرَاق ثَمَان وَثَلَاثُونَ سنة. قَوْله: (قَالَ: وَذَاكَ الَّذِي) أَي: قَالَ أَبُو عبد الرخمن السّلمِيّ: وَذَاكَ إِشَارَة إِلَى الحَدِيث الْمَرْفُوع أَي: إِن الحَدِيث الَّذِي حدث بِهِ عُثْمَان فِي أَفضَلِيَّة من تعلم الْقُرْآن وَعلمه حَملَنِي على أَن أقعدني مقعدي هَذَا وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَقْعَده الَّذِي كَانَ يقْرَأ النَّاس فِيهِ. وَفِي الْحَقِيقَة مُرَاده من المعقد الَّذِي أقعد فِيهِ مَنْزِلَته الَّتِي حصلت لع مَعَ طول الْمدَّة ببركة تَعْلِيمه الْقُرْآن الْكَرِيم للنَّاس، وَإِسْنَاده إِلَيْهِ إِسْنَاد مجازي، وَيُؤَيّد مَا ذكرنَا صَرِيحًا مَا رَوَاهُ أَحْمد عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر وحجاج بن مُحَمَّد جَمِيعًا عَن شُعْبَة عَن عَلْقَمَة بن مرْثَد عَن سعد بن عُبَيْدَة قَالَ: قَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن: فَذَاك الَّذِي أقعدني هَذَا المقعد وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض نسخ البُخَارِيّ: أَقْرَأَنِي، بِذكر الْمَفْعُول وَهَذَا أنسب لقَوْله: وَذَلِكَ أَي إقراؤه إيَّايَ هُوَ الَّذِي أقعدني فِي هَذَا المقعد الرفيع والمنصب الْجَلِيل، ورد عَلَيْهِ بَعضهم بقوله: إِن الْكرْمَانِي كَأَنَّهُ ظن أَن قَائِل: وَذَاكَ الَّذِي أقعدني، هُوَ سعد بن عُبَيْدَة وَلَيْسَ كَذَلِك: بل هُوَ أَبُو عبد الرَّحْمَن، وَلَو كَانَ كَمَا ظن للَزِمَ أَن تكون الْمدَّة الطَّوِيلَة سبقت لبَيَان زمَان قِرَاءَة أبي عبد الرَّحْمَن لسعد بن عُبَيْدَة، وَلَيْسَ كَذَلِك وَأَيْضًا فَكَانَ يلْزم أَن يكون سعد بن عُبَيْدَة قَرَأَ على أبي عبد الرَّحْمَن من زمن عُثْمَان، وَسعد لم يدْرك زمَان عُثْمَان، فَإِن أكبر شيخ لَهُ الْمُغيرَة بن شُعْبَة وَقد عَاشَ بعد عُثْمَان خمس عشر سنة. انْتهى. قلت: مَا قَالَه هُوَ الصَّوَاب، وَقد تاه الْكرْمَانِي فِي هَذَا، وَمَا اكْتفى بنقله رِوَايَة: أَقْرَأَنِي الني مَا صحت حَتَّى بنى عَلَيْهَا كَلَامه الَّذِي صدر من غير روية. ٨٢٠٥ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَد عنْ أبي عبْدِ الرَّحْمانِ السُّلَمِيِّ عنْ عُثْمانَ بنِ عَفَّانَ، قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : إنَّ أفْضَلَكُمْ مَنْ تَعلَّمَ القُرْآنَ أوْ عَلَّمَهُ. (انْظُر الحَدِيث ٧٢٠٥) . هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. أخرجه عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة إِلَى آخِره. قَوْله: (إِن أفضلكم) ، وَذكر فِي الطَّرِيق الْمَاضِي: خَيركُمْ، وَلَا فرق بَينهمَا فِي الْمَعْنى لِأَن قَوْله: خَيركُمْ، تَقْدِيره: أخيركم، وَلَا شكّ أَن أخيرهم هُوَ أفضلهم. قَوْله: (أَو علمه) بِكَلِمَة: أَو ثَبت عِنْدهم وَقد ذكرنَا وَجهه، وَوَقع فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من طَرِيق بشر بن السّري عَن سُفْيَان: خَيركُمْ أَو أفضلكم، وَوَقع التنويع بَين الْخَيْرِيَّة والأفضلية كَمَا نرَاهُ. ٩٢٠٥ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ هَوْنِ حَدثنَا حَمَّادٌ عنْ أبي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ قَالَ: أتَتِ النبيَّ ﷺ امْرَأةٌ فقالَتْ: إنَّها قَدْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلّهِ ولِرَسُولِهِ ﷺ ، فَقَالَ: مَالِي فِي النِّساءِ مِنْ حاجَةٍ، فَقَالَ رجُلٌ: زَوِّجْنِيها. قَالَ: أعْطِها ثَوْبا. قَالَ: لَا أجِدُ. قَالَ: أعْطِها ولوْ هاتَما مِنْ حَديدٍ، فاعْتَلَّ لهُ، فَقَالَ: مَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟ قَالَ: كذَا وكَذَا. قَالَ: فقَدْ زَوَّجْتُكَها بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ.. قيل مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ زوج الْمَرْأَة لحُرْمَة الْقُرْآن، وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن السِّيَاق يدل على أَنه زَوجهَا لَهُ على أَن يعلمهَا قلت: فِي كل مِنْهُمَا نظر. أما الأول: فَلِأَن التَّرْجَمَة لَيست فِي بَيَان حُرْمَة الْقُرْآن، وَأما الثَّانِي: فدلالته على التَّزْوِيج على تَعْلِيم الْقُرْآن، وَيُمكن أَن يُوَجه الْمُطَابقَة من قَوْله: كَذَا وَكَذَا أَي: سُورَة كَذَا، على مَا وَقع هَكَذَا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ، وَهُوَ أَن الْفضل ظهر على الرجل بحفظه كَذَا وَكَذَا، سُورَة، وَلم يحصل لَهُ هَذَا الْفضل إلَاّ من فضل الْقُرْآن، فَدخل تَحت قَوْله: (خَيركُمْ من تعلم الْقُرْآن) ، لِأَنَّهُ تعلم وَدخل فِي المتعلمين، وَدخل أَيْضا تَحت قَوْله: (وَعلمه) لِأَنَّهُ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، إِنَّمَا زوجه إِيَّاهَا على أَن يعلمهَا الْقُرْآن. وَبَقِي الْكَلَام هُنَا فِي فُصُول. الأول: فِي رجال الحَدِيث، وهم: عَمْرو بِالْفَتْح ابْن عون بن أَوْس الوَاسِطِيّ، نزل الْبَصْرَة وَرُوِيَ مُسلم عَنهُ بِوَاسِطَة، وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وَأَبُو حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي سَلمَة بن دِينَار، وَسَهل بن سعد بن مَالك السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِيه التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والعنعنة فِي موضِعين. الثَّانِي: أَنه أخرجه البُخَارِيّ هُنَا أَيْضا عَن قُتَيْبَة على مَا يَأْتِي، وَأخرجه أَيْضا فِي النِّكَاح فِي مَوَاضِع فِي: بَاب النّظر إِلَى الْمَرْأَة قبل التَّزْوِيج، عَن قُتَيْبَة عَن يَعْقُوب بأتم من هَذَا، وَهنا اخْتَصَرَهُ فِي: بَاب إِذا قَالَ الْخَاطِب للْوَلِيّ:

стр. 5932

زَوجنِي فُلَانَة، عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد بن زيد إِلَى آخِره مُخْتَصرا وَفِي: بَاب التَّزْوِيج على الْقُرْآن عَن عَليّ بن عبد الله وَفِي: بَاب الْمهْر بالعروض عَن يحيى عَن وَكِيع مُخْتَصرا. وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة فَمُسلم أخرجه فِي النِّكَاح عَن قُتَيْبَة بن سعيد، وَأَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي وَالتِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن الْحسن بن عَليّ وَالنَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن هَارُون بن عبد الله وَابْن مَاجَه فِي النِّكَاح عَن حَفْص بن عَمْرو. الثَّالِث: فِي مَعْنَاهُ قَوْله: (امْرَأَة) ، اخْتلف فِي اسْم هَذِه الْمَرْأَة الواهبة نَفسهَا للنَّبِي ﷺ ، فَقيل: هِيَ خَوْلَة بنت حَكِيم، وَقيل: هِيَ أم شريك الْأَزْدِيَّة، وَقيل: مَيْمُونَة، حُكيَ هَذِه الْأَقْوَال الثَّلَاثَة أَبُو الْقَاسِم بن بشكوال فِي كتاب المبهماتوق ال شَيخنَا زين الدّين لَا يَصح شَيْء من هَذِه الْأَقْوَال الثَّلَاثَة أما خوله فَإِنَّهَا لم تتَزَوَّج، وَكَذَلِكَ أم شريك لم تتَزَوَّج، وَأما مَيْمُونَة فَكَانَت إِحْدَى زَوْجَاته، فَلَا يَصح أَن تكون هَذِه لِأَن هَذِه قدر زَوجهَا لغيره. قَوْله: (وَلَو خَاتمًا) ، بِالنّصب أَي: وَلَو كَانَ الَّذِي يُعْطِيهَا خَاتمًا، ويروي بِالرَّفْع، فوجهه إِن صحت الرِّوَايَة يكون مَرْفُوعا بكان التَّامَّة الْمقدرَة أَي: وَلَو كَانَ خَاتم. قَوْله: (من حَدِيد) كلمة من بَيَانِيَّة. قَوْله: (فاعتل لَهُ) أَي: حزن وتضجر لأجل ذَلِك، وَقد جَاءَ اعتل بِمَعْنى تشاغل. قَوْله: (مَا مَعَك من الْقُرْآن؟) أَي: أَي شَيْء تحفظ من الْقُرْآن؟ قَوْله: (قَالَ: كَذَا وَكَذَا) ، وَقد جَاءَ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد سُورَة الْبَقَرَة وَالَّتِي تَلِيهَا. الرَّابِع: فِي استنباط الْأَحْكَام مِنْهُ وَفِيه: جَوَاز عقد النِّكَاح بِلَفْظ الْهِبَة، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْري وَالْحسن بن حَيّ. وَصورته أَن يَقُول الرجل: قد وهبت لَك ابْنَتي، فَيَقُول الآخر: قبلت أَو تزوجت، وسواه فِي ذَلِك سميا الْمهْر أَو لَا فَإِن سمياه فلهَا الْمُسَمّى وإلَاّ فلهَا مهر مثلهَا. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا ينْعَقد بِلَفْظ الْهِبَة، وَبِه قَالَ ربيعَة وَأَبُو ثَوْر وَأَبُو عبيد وَمَالك على اخْتِلَاف عَنهُ. وَلَا خلاف فِي جَوَاز هبة الْمَرْأَة نَفسهَا للنَّبِي ﷺ ، وَهُوَ من خَصَائِصه لقَوْله : ﴿وَامْرَأَة مُؤمنَة إِن وهبت نَفسهَا للنَّبِي﴾ (الْأَحْزَاب: ٠٥) وَقَالَ ابْن الْقَاسِم عَن مَالك: لَا تحل الْهِبَة لأحد بعد النَّبِي ﷺ ، وَفِيه مَا يسْتَدلّ بِهِ الشَّافِعِي على جَوَاز النِّكَاح بِمَا تراضى عَلَيْهِ الزَّوْجَانِ: كالسوط والنعل، وَإِن كَانَت قِيمَته أقل من دِرْهَم، وَبِه قَالَ ربيعَة وَأَبُو الزِّنَاد وَابْن أبي ذِئْب وَيحيى بن سعيد وَاللَّيْث بن سعد وَمُسلم بن خَالِد الزنْجِي وَأحمد وَإِسْحَاق وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَدَاوُد وَابْن وهب من الْمَالِكِيَّة، وَقَالَ مَالك لَا يجوز أقل من ربع دِينَار قِيَاسا على الْقطع فِي السّرقَة، وَقَالَ ابْن حزم: وَجَائِز أَن يكون صَدَاقا كل مَاله نصف قلَّ أَو كثر، وَلَو أَنه حَبَّة بر أَو حَبَّة شعير أَو غير ذَلِك، وَاسْتدلَّ على ذَلِك بقوله: (وَلَو خَاتمًا من حَدِيد) وَعَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: أكره أَن يكون الْمهْر بِمثل أجر الْبَغي وَلَكِن الْعشْرَة وَالْعِشْرين، وَعنهُ: السّنة فِي النِّكَاح الرطل من الْفضة، وَعَن الشّعبِيّ: كَانُوا يكْرهُونَ أَن يتَزَوَّج الرجل على أقل من ثَلَاث أواقي. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: لَا يجوز أَن يكون الصَدَاق أقل من عشرَة دَرَاهِم، لما رُوِيَ ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه: عَن شريك عَن دَاوُد الزعافري عَن الشّعبِيّ، قَالَ: قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَا مهر أقل من عشرَة دَرَاهِم. وَالظَّاهِر أَنه قَالَ تَوْفِيقًا لِأَنَّهُ بَاب لَا يُوصل إِلَيْهِ بِالِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاس. فَإِن قلت: قَالَ ابْن حزم: الرِّوَايَة عَن عَليّ بَاطِلَة لِأَنَّهَا عَن دَاوُد الزعافري، وَهُوَ فِي غَايَة السُّقُوط، ثمَّ هِيَ مُرْسلَة لِأَن الشّعبِيّ لم يسمع من عَليّ قطّ حَدِيثا. قلت: قَالَ ابْن عدي: لم أَرَ لَهُ حَدِيثا مُنْكرا جَاوز الْحَد إِذا رُوِيَ عَنهُ ثِقَة، وَإِن كَانَ لَيْسَ بِقَوي فِي الحَدِيث فَإِنَّهُ يكْتب حَدِيثه وَيقبل إِذا رُوِيَ عَنهُ ثِقَة، وَذكر عَن الْمزي أَن الشّعبِيّ سمع عَليّ بن أبي طَالب، وَلَئِن سلمنَا أَن رِوَايَته مُرْسلَة فقد قَالَ الْعجلِيّ: مُرْسل الشّعبِيّ صَحِيح وَلَا يكَاد يُرْسل إلَاّ صَحِيحا. وَالْجَوَاب عَن قَوْله: (وَلَو خَاتمًا من حَدِيد) أَنه خَارج مخرج الْمُبَالغَة كَمَا فِي قَوْله: تصدقوا وَلَو بظلف محرق، وَفِي لفظ: وَلَو بفرسن شَاة، وَلَيْسَ الظلْف والفرسن مِمَّا يتَصَدَّق بهما وَلَا مِمَّا ينتفعه بهما، وَيُقَال: وَلَعَلَّ الْخَاتم كَانَ يُسَاوِي ربع دِينَار، وَيُقَال: لَعَلَّ التماسه للخاتم لم يكن كل الصَدَاق بل شَيْء يعجله لَهَا قبل الدُّخُول: وَفِيه: إجَازَة اتِّخَاذ خَاتم الْحَدِيد. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي جَوَاز لبسه، وَفِيه: مَا يسْتَدلّ بِهِ الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة، والظاهرية على جَوَاز التَّزْوِيج على سُورَة من الْقُرْآن، وَعَلِيهِ أَن يعلمهَا وَلم يجوز ذَلِك أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَمَالك وَأحمد فِي رِوَايَة صَحِيحَة وَاللَّيْث بن سعد وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَقَالُوا: إِذا تزَوجهَا عَليّ تَعْلِيم سُورَة فَالنِّكَاح صَحِيح وَيجب فِيهِ مهر مثلهَا، وَهَذَا كمن تزوج امْرَأَة وَلم يسم لَهَا مهْرا فَإِنَّهُ يجب مهْرا لمثل وَأجَاب الطَّحَاوِيّ عَنهُ بِأَن قَوْله: (زوجتكها بِمَا مَعَك من الْقُرْآن) أَن حمل على الظَّاهِر، فَذَلِك على السُّورَة لَا على تعليمها، وَإِذا كَانَ ذَلِك على السُّورَة فَهُوَ على حرمتهَا، وَلَيْسَ فِيهِ التَّعَرُّض للمهر كَمَا فِي تزوج أم سليم على إِسْلَامه

стр. 5933

فَلم يكن ذَلِك الْإِسْلَام مهْرا فِي الْحَقِيقَة، وَالسورَة من الْقُرْآن لَا تكون مهْرا بِالْإِجْمَاع، وَيكون الْمَعْنى: زوجتكها بِسَبَب حُرْمَة مَا مَعَك من الْقُرْآن وبركته، فَتكون الْبَاء للتَّعْلِيل كَمَا فِي قَوْله: ﴿فكلا أَخذنَا بِذَنبِهِ﴾ (العنكبوت: ٠٤) فَإِن قلت: فِي رِوَايَة ابْن ماجة ذُو جتكها على مَا مَعَك من الْقُرْآن وَفِي مُسْند أحد السّنة: مَا مَعَك من الْقُرْآن. قلت أما على فَإِنَّهَا تَجِيء للتَّعْلِيل أَيْضا كالباء كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ولتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ٥٨١) أَي: لهدايته إيَّاكُمْ، وَيكون الْمَعْنى زوجتكها لأجل مَا مَعَك من الْقُرْآن وَلَا يُنَافِي هَذَا تَسْمِيَة المَال، وَأما مَعَ، فَإِنَّهَا للمصاحبة وَالْمعْنَى، زوجتكها لمصاحبتك الْقُرْآن فَإِن قلت: الأَصْل فِي الْبَاء للمقابلة فَتكون هَهُنَا نَحْو وقولك: بِعْتُك ثوبي بِدِينَار. قلت: لَا يَصح هُنَا أَن تكون للمقابلة لِأَنَّهُ يلْزم أَن تكون الْمَرْأَة موهوبة وَذَلِكَ لَا يجوز إلَاّ للنَّبِي ﷺ . فَإِن قلت: الْمَعْنى زوجتكها بِأَن تعلمهَا مَا مَعَك من الْقُرْآن، أَو مِقْدَار مَا مِنْهُ، وَيكون ذَلِك صَدَاقهَا، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم: أَنطلق فقد زوجتكها فعلمها من الْقُرْآن، وَفِي رِوَايَة عَطاء: فعلمها عشْرين آيَة. قلت: قد ذكرنَا غير مرّة أَن هَذَا لَا يُنَافِي تَسْمِيَة المَال فَيكون قد زَوجهَا مِنْهُ مَعَ تحريضه على تَعْلِيم الْقُرْآن، وَيكون الْمهْر مسكوتا عَنهُ إِمَّا النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، قد أصدق عَنهُ، كَمَا كفر عَن الواطىء فِي رَمَضَان إِذْ لم يكن عِنْده شَيْء موفقا بأمته، وَإِمَّا أَنه أبقى الصَدَاق فِي ذمَّته إِلَى أَن ييسر الله عَلَيْهِ. ٢٢ - (بابُ القِرَاءَةِ عنْ ظَهْرِ القَلْبِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْقِرَاءَة عَن ظهر الْقلب أَي بِغَيْر نظر فِي الْمُصحف. ٠٣٠٥ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا يَعْقُوبُ بنَ عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سعَدٍ أنَّ امْرَأةً جاءَتْ رَسُولَ الله ﷺ ، فقالَتْ: يَا رسولَ الله ﴿جِئْتُ لِأَهَبَ لكَ نَفْسِي لكَ نَفْسِي فنَظَرَ إليْها رسُولُ الله ﷺ فصَعَدَ النَّظَرَ إليْها وصوَّبَهُ ثُمَّ طأْطأ رَأسَهُ، فلَمَّا رَأتِ المَرْأَةُ لَمْ يَقْضِ فِيها شَيْئا جلَسَتْ، فقامَ رَجُلٌ مِنْ أصْحابِهِ فَقَالَ: يَا رسولَ الله﴾ إنْ لَمْ يَكُنْ لكَ بِها حاجَةٌ فزَوِّجْنِيها. فَقَالَ لَهُ: هَلْ عِنْدَكَ منْ يْءٍ؟ فَقَالَ: لَا وَالله يَا رسولَ اا. قَالَ: إذْهَبْ إِلَى أهْلِكَ فانْظُرْ هَلْ نَجِدُ شَيْئا؟ فذَهَبَ ثُمَّ رجَعَ فَقَالَ: لَا وَالله يَا رسولَ الله، مَا وجَدْتُ شَيْئَا. فَقَالَ: انْظُر ولَوْ خَاتما مِنْ حَديدِ، فطهَبَ ثُمَّ رجَعَ، فَقَالَ: لَا وَالله يَا رَسولَ الله وَلَا خاتَما مِنْ حَدِيدٍ، ولاكِنْ هاذا إِزَارِي. قَالَ سَهْلٌ: مالَهُ رِدَاءٌ فلَها نِصْفُهُ، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : مَا تَصْنَعُ بإِزَارِكَ؟ إنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ علَيْها مِنْهُ شَيْءٌ وإنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ علَيْكَ شَيْءٌ، فجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طالَ مَجْلِسُهُ، ثُمَّ قامَ فرآهُ رسولُ الله ﷺ مُوَلِّيَا، فأمَرَ بهِ فَدُعِيَ فلَمَّا جاءَ قَالَ: ماذَا معَكَ مِنَ القُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كذَا وسُورَةُ كَذا وسُورَةُ كَذا، عَدَّها. قَالَ: أتَقْرَؤُهُنَّ عنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: إذْهَبْ فقَدْ ملَّكْتُكَها بمَا معَكَ مِنَ القُرْآنِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (قَالَ: أتقرؤهن عَن ظهر قَلْبك) وَهُوَ حَدِيث سهل الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق. وَأخرجه هُنَا وَهُوَ أتم من ذَاك قيل: لَا مُطَابقَة هُنَا لِأَن قَوْله ﷺ : (أتقرؤهن عَن ظهر قَلْبك) إِنَّمَا هُوَ لاستثبات أَنه يحفظ تِلْكَ السُّورَة الَّتِي عدهَا وَذَلِكَ ليتَمَكَّن من تَعْلِيمه الْمَرْأَة، وَلَا يدل على أَن الْقِرَاءَة عَن ظهر الْقلب أفضل. وَأجَاب بَعضهم بِأَن المُرَاد بِهِ بقوله: بَاب الْقِرَاءَة عَن ظهر الْقلب، مشروعيتها أَو استحبابها، وَهُوَ مُطَابق لما ترْجم بِهِ، وَلم يتَعَرَّض لكَونهَا أفضل من الْقِرَاءَة نظرا. قلت: سُبْحَانَ الله، مَا أبعد هَذَا الْجَواب عَن الصَّوَاب وأبرده، وَالْبَاب مَذْكُور فِي بَيَان فَضَائِل الْقُرْآن، فَكيف يَقُول: وَلم يتَعَرَّض لكَونهَا أفضل من الْقِرَاءَة نظرا؟ وَلم يضع هَذِه التَّرْجَمَة إلَاّ لبَيَان أَفضَلِيَّة الْقِرَاءَة نظرا. وَإِن كَانَ فِيهِ الاستثبات أَيْضا وَهُوَ لَا يُنَافِي الْأَفْضَلِيَّة

стр. 5934

أَيْضا على أَنه ورد أَحَادِيث كَثِيرَة فِي هَذَا الْبَاب فَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ مَرْفُوعا: (أعْطوا أعينكُم حظها من الْعِبَادَة، قَالُوا: يَا رَسُول الله! وَمَا حظها من الْعِبَادَة؟ قَالَ: النّظر فِي الْمُصحف والتفكر فِيهِ وَالِاعْتِبَار عِنْد عجائبه) : وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو عبيد فِي فَضَائِل الْقُرْآن من طَرِيق عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن عَن بعض أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ رَفعه قَالَ: (فضل قِرَاءَة الْقُرْآن نظرا على من يقرأه ظهرا كفضل الْفَرِيضَة على النَّافِلَة) وَإِسْنَاده ضَعِيف، وَمن طَرِيق ابْن مَسْعُود مَوْقُوفا: (أديموا النّظر فِي الْمُصحف) ، وَإِسْنَاده صَحِيح، وَقَالَ يزِيد بن حبيب: (من قَرَأَ الْقُرْآن فِي الْمُصحف خفف عَن وَالِديهِ الْعَذَاب وَإِن كَانَا كَافِرين) . رَوَاهُ ابْن وضاح. قَوْله: (فَصَعدَ النّظر إِلَيْهَا) بتَشْديد الْعين أَي: رفع. قَوْله: (وَصَوَّبَهُ) ، أَي: خفضه، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: يحْتَمل أَن ذَلِك كَانَ قبل الْحجاب، وَيحْتَمل أَن يكون بعده وَهِي متلففة، وَأي ذَلِك فَإِنَّهُ يدْخل فِي بَاب نظر الرجل الْمَرْأَة المخطوبة. قَوْله: (ثمَّ طأطأ رَأسه) أَي: خفضه. قَوْله: (قَالَ سهل: مَاله رِدَاء فلهَا نصفه) ، مدرج من كَلَام سهل يُرِيد بِهِ أَن إزَاره يكون بَينهمَا، فَقَالَ ﷺ : (مَا تصنع بإزارك إِن لبسته لم يكن عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْء وَإِن لبسته) أَي الْمَرْأَة إِن لبست الْإِزَار (لم يكن عَلَيْك شَيْء) إِنَّمَا قَالَ ذَلِك حِين أَرَادَ الرجل قطعه ويعطيها نصفه. قَوْله: (فَرَآهُ رَسُول الله ﷺ موليا) أَي: مُدبرا ذَاهِبًا معرضًا. قَوْله: (فدعي) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (عَن ظهر قَلْبك) ، أَي: من حفظك لامن النّظر، وَلَفظ: الظّهْر، مقحم أَو بِمَعْنى الِاسْتِظْهَار. قَوْله: (ملكتكها) ويروى: (ملكتها) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هَذِه الرِّوَايَة وهم وَالصَّوَاب رِوَايَة من رُوِيَ: (زوجتكها) . وَقَالَ النَّوَوِيّ: يحْتَمل أَن يكون جرى لفظ التَّزْوِيج أَولا فملكها ثمَّ قَالَ لَهُ: اذْهَبْ فقد ملكتها بِالتَّزْوِيجِ السَّابِق فَلَيْسَ بوهم. وَفِيه: جَوَاز الْحلف بِغَيْر الِاسْتِحْلَاف، وتزويج الْعسر، وَجَوَاز النّظر إِلَى امْرَأَة يُرِيد أَن يَتَزَوَّجهَا. ٣٢ - (بابُ اسْتِذْكارِ القُرْآنِ وتعَاهُدِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان استذكار الْقُرْآن، أَي: طلب ذكر بِضَم الذَّال. قَوْله: (وتعاهده) أَي: تَجْدِيد يَد الْعَهْد بملازمته الْقِرَاءَة وَتَحفظه وَترك الكسل عَن تكراره. ١٣٠٥ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرَنا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنِ ابْن عُمرَ، ﵄، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ: إِنما مثَلُ صاحِبِ القُرْآنِ كمَثَلِ صاحِبِ الإبِلِ المُعَقَّلةِ إِن عاهدها أمْسَكها وإِنْ أطْلَقَها ذَهَبتْ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْفَضَائِل وَالصَّلَاة. قَوْله: (المعقلة) ، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْقَاف أَي: المشدودة وبالعقال بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْحَبل الَّذِي يشد بِهِ ركبة الْبَعِير، شبَّه درس الْقُرْآن واستمرار تِلَاوَته بربط الْبَعِير الَّذِي يخْشَى مِنْهُ الهروب، فَمَا دَامَ التعاهد مَوْجُودا فالحفظ مَوْجُود، كَمَا أَن الْبَعِير مَا دَامَ مشدودا بالعق ال فَهُوَ مَحْفُوظ، وَخص الْإِبِل بِالذكر لِأَنَّهُ أَشد الْحَيَوَان الأنسي نفورا، وَفِي تَحْصِيلهَا بعد استمكان نفورها صعوبة. قَوْله: (ذهبت) ، أَي: انفلتت. ٢٣٠٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ منْصُور عنْ أبي وائِلٍ عنْ عبْدِ الله قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : بِئْسَ مَا لِأحَدِهِمْ أنْ يَقُولَ: نَسِيتُ آيةَ كيْتَ وكَيْتَ، بَلْ نُسِّيَ، واستَذْكِرُوا القُرْآنِ فإِنهُ أشَدُّ تَفَصِّيا مِنْ صُدُورِ الرِّجالِ منَ النَّعَمِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (استذكروا الْقُرْآن) وَمُحَمّد بن عرْعرة، بِفَتْح الْمُهْمَلَتَيْنِ وَإِسْكَان الرَّاء الأولى: النَّاجِي الشَّامي الْبَصْرِيّ الْقرشِي أَبُو عبد الله، وَيُقَال: أَبُو إِبْرَاهِيم، رُوِيَ مُسلم عَنهُ بِوَاسِطَة، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْقرَاءَات

стр. 5935

عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور وَغَيره. قَوْله: (بئس) ، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: بِئس أُخْت نِعم، الأولى للذم وَالْأُخْرَى للمدح، وهما فعلان غير متصرفين يرفعان الْفَاعِل ظَاهرا أَو مضمرا إلَاّ أَنه إِذا كَانَ ظَاهرا لم يكن فِي الْأَمر الْعَام إلَاّ بِالْألف وَاللَّام للْجِنْس أَو يُضَاف إِلَى مَا هما فِيهِ حَتَّى يشْتَمل على الْمَوْصُوف بِأَحَدِهِمَا، وَلَا بُد من ذكره تعيينا كَقَوْلِه: نعم الرجل زيد، وَبئسَ الرجل عَمْرو، فَإِن كَانَ الْفَاعِل مضمرا فَلَا بُد من ذكر اسْم نكرَة ينصب على التَّفْسِير للمضمر كَقَوْلِك: نعم رجلا زيد، وَقد يكون هَذَا التَّفْسِير مَا على نَص عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ كَمَا فِي هَذَا الحَدِيث، وكما فِي قَوْله: فَنعما هِيَ: وَمَا، نكرَة مَوْصُوفَة. قَوْله: (أَن يَقُول) مَخْصُوص بالذم أَي: بئس شَيْئا كَائِنا أحدهم. يَقُول قَوْله: (نسيت) ، بِفَتْح النُّون وَتَخْفِيف السِّين اتِّفَاقًا. قَوْله: (كَيْت وَكَيْت) قَالَ الْقُرْطُبِيّ: كَيْت وَكَيْت، يعبر بهما عَن الْجمل الْكَثِيرَة، والْحَدِيث الطَّوِيل، وَمثلهَا: ذيت وذيت، وَقَالَ ثَعْلَب: كَيْت للأفعال، وذيت للأسماء، وَحكى ابْن التِّين عَن الدَّاودِيّ أَن هَذِه الْكَلِمَة مثل: كَذَا إلَاّ بالمؤنث، وَزعم أَبُو السعادات أَن أَصْلهَا: كيه، بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّاء فِيهَا بدل من إِحْدَى الياءين وَالْهَاء الَّتِي فِي الأَصْل محذوفة وَقد تضم التَّاء وتكسر. قَوْله: (بل نُسي) بِضَم النُّون وَكسر السِّين الْمُهْملَة الْمُشَدّدَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: رَوَاهُ بعض رُوَاة مُسلم بِالتَّخْفِيفِ، وَقَالَ عِيَاض: كَانَ أَبُو الْوَلِيد الوقشي لَا يجوز فِي هَذَا غير التَّخْفِيف، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: التثقيل مَعْنَاهُ أَنه عُوقِبَ بِوُقُوع النسْيَان عَلَيْهِ لتَفْرِيطه فِي معاهدته واستذكاره، قَالَ: وَمعنى التَّخْفِيف أَن الرجل تَركه غير ملتفت إِلَيْهِ، وَالْحَاصِل أَن الذَّم فِيهِ يرجع إِلَى الْمقَال فنهي أَن يُقَال: نسيت آيَة كَذَا إِلَّا أَنه يتَضَمَّن التساهل فِيهِ والتغافل عَنهُ وَهُوَ كَرَاهَة تَنْزِيه، وَقَالَ القَاضِي: الأولى أَن يُقَال: إِنَّه ذمّ الْحَال لَازم الْمقَال، أَي: بئس حَال من حفظ الْقُرْآن فيغفل عَنهُ حَتَّى نَسيَه، وَقَالَ الْخطابِيّ: بئس، يَعْنِي: عُوقِبَ بِالنِّسْيَانِ على ذَنْب كَانَ مِنْهُ أَو على سوء تعهده بِالْقُرْآنِ حَتَّى نَسيَه، وَقد يحْتَمل معنى آخر وَهُوَ أَن يكون ذَلِك فِي زَمَنه ﷺ حِين النّسخ وَسُقُوط الْحِفْظ عَنْهُم. فَيَقُول الْقَائِل مِنْهُم: نسيت كَذَا، فنهاهم عَن هَذَا القَوْل لِئَلَّا يتوهموا على مُحكم الْقُرْآن الضّيَاع، فأعلمهم أَن ذَلِك بِإِذن الله، وَلما رَآهُ من الْمصلحَة فِي نسخه، وَمن أضَاف النسْيَان إِلَى الله تَعَالَى فَإِنَّهُ خالقه وخالق الْأَفْعَال كلهَا، وَمن نسبه إِلَى نَفسه فَلِأَن النسْيَان فعل مِنْهُ يُضَاف إِلَيْهِ من جِهَة الِاكْتِسَاب وَالتَّصَرُّف. وَمن نسب ذَلِك إِلَى الشَّيْطَان. كَمَا قَالَ يُوشَع بن نون، ﵇ ﴿وَمَا أنسانيه إلَاّ الشَّيْطَان﴾ (الْكَهْف: ٣٦) فَلَمَّا جعل الله لَهُ من الوسوسة، فَلِكُل إِضَافَة مِنْهَا وَجه صَحِيح. قَوْله: (واستذكروا الْقُرْآن) . أَي: واظبوا على تِلَاوَته واطلبوا من أَنفسكُم المذاكره بِهِ، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: وَهُوَ عطف من حَيْثُ الْمَعْنى على قَوْله: بئس مَا لأحدكم أَي لَا تقتصروا فِي معاهدته واستذكروه. قَوْله: (تفيصا) ، بِفَتْح الْفَاء وَتَشْديد الصَّاد الْمَكْسُورَة بعْدهَا الْيَاء آخر الْحُرُوف. هُوَ الِانْفِصَال والانفلات والتخلص. يُقَال تفصيت كَذَا أَي: أحطت بتفاصيله، وَالِاسْم الفصة. قَوْله: (من النعم) وَهِي الْإِبِل وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه. ٥٢ - (حَدثنَا عُثْمَان حَدثنَا جرير عَن مَنْصُور مثله) عُثْمَان هُوَ ابْن أبي شيبَة وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد وَمَنْصُور هُوَ الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد الَّذِي قبله وَهَذَا الطَّرِيق ثَبت عِنْد الْكشميهني وَحده وَثَبت أَيْضا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَقد أخرجه مُسلم عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة مَقْرُونا بإسحق بن رَاهَوَيْه وَزُهَيْر بن حَرْب ثَلَاثَتهمْ عَن جرير وَلَفظه مسَاوٍ للفظ شُعْبَة الْمَذْكُور إِلَّا أَنه قَالَ استذكروا بِغَيْر وَاو وَقَالَ فَهُوَ أَشد بدل قَوْله فَإِنَّهُ وَزَاد بعد قَوْله من النعم بعقلها قَوْله " مثله " أَي مثل الحَدِيث الَّذِي قبله (تَابعه بشر عَن ابْن الْمُبَارك عَن شُعْبَة وَتَابعه ابْن جريج عَن عَبدة عَن شَقِيق سَمِعت عبد الله سَمِعت النَّبِي ﷺ َ -) أَي تَابع مُحَمَّد بن عرْعرة بشر بن عبد الله الْمروزِي شيخ البُخَارِيّ عَن عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عَن شُعْبَة وَلَيْسَ بشر وَابْن الْمُبَارك بمنفردين فِي هَذِه الْمُتَابَعَة فَإِن الْإِسْمَاعِيلِيّ روى هَذِه الْمُتَابَعَة عَن الْفرْيَابِيّ حَدثنَا مُزَاحم بن سعيد حَدثنَا عبد الله بن الْمُبَارك حَدثنَا شُعْبَة قَوْله " وَتَابعه ابْن جريج " أَي تَابع مُحَمَّد بن عرْعرة عبد الْملك بن

стр. 5936

عبد الْعَزِيز بن جريج عَن عَبدة بِسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن أبي لبَابَة بِضَم اللَّام وباءين موحدتين مخففتين عَن شَقِيق بن سَلمَة عَن عبد الله بن مَسْعُود وَهَذِه الْمُتَابَعَة وَصلهَا مُسلم من طَرِيق مُحَمَّد بن بكر عَن ابْن جريج قَالَ حَدثنِي عُهْدَة بن لبَابَة عَن شَقِيق بن سَلمَة سَمِعت عبد الله بن مَسْعُود فَذكر الحَدِيث إِلَى قَوْله بل هُوَ نسي وَلم يذكر مَا بعده - ٣٣٠٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلَاءِ حَدثنَا أبُو أُسامَةَ عنْ بُرَيْدٍ عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي مُوسَى عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: تعَاهَدُوا القُرْآنَ، فوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أشَدُّ تَقَصِّيَا منَ الإبِلِ فِي عُقُلِها. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (تَعَاهَدُوا) . وَأخرجه عَن مُحَمَّد بن الْعَلَاء أَبُو كريب الْهَمدَانِي الْكُوفِي وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا عَن أبي أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة عَن بريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة: ابْن عبد الله عَن أبي بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: واسْمه عَامر بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ: وَالْحَاصِل أَن بريد بن عبد الله يروي عَن جده أبي بردة: وَهُوَ يروي عَن أَبِيه أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، واسْمه: عبد الله بن قيس. والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة. قَوْله: (تَعَاهَدُوا) مثل: تعهدوا، وَمَعْنَاهُ: واظبوا عَلَيْهِ بِالْحِفْظِ والترداد. قَوْله: (فِي عقلهَا) بِضَم الْعين وَضم الْقَاف وَيجوز تسكينها، جمع عقال وَهُوَ الْحَبل. وَقد مر تَفْسِيره عَن قريب. وَذكر الكلاماني فِي بعض النّسخ: من عللها، يَعْنِي بلامين بدل: من عقلهَا. قيل: هُوَ تَصْحِيف. قلت: رُبمَا يكون: من غللها بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وباللامين جمع غل وَهُوَ الْقَيْد، وَهَذَا لَهُ وَجه على مَا لَا يخفي، وَوَقع هُنَا: (فِي عقلهَا) . بِكَلِمَة: فِي يروي: من عقلهَا بِكَلِمَة: من قَالَ الْقُرْطُبِيّ: من رَوَاهُ من عقلهَا، فَهُوَ على الأَصْل الَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّعَدِّي من لفظ التفصي، وَمن رَوَاهُ بِكَلِمَة: فِي يحْتَمل أَن يكون بِمَعْنى: من أَو بِمَعْنى الظّرْف. قلت: كلمة فِي تَأتي بِمَعْنى: من، كَمَا فِي قَول الشَّاعِر: (أَلَا عِمْ صباحا أَيهَا الطلل الْبَالِي ... وَهل يعمن من كَانَ فِي الْعَصْر الْخَالِي) (وَهل يعمن من كَانَ أحدث عَهده ... ثَلَاثِينَ شهرا فِي ثَلَاثَة أَحْوَال) وَيجوز أَن يكون فِي هَهُنَا بِمَعْنى المصاحبة، يَعْنِي: مَعَ عقلهَا، وَتَأْتِي: فِي، بِمَعْنى مَعَ كَمَا، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ادخُلُوا فِي أُمَم﴾ (الْأَعْرَاف: ٨٣) . ٤٢ - (بابُ القِرَاءَةِ علَى الدَّابةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الْقِرَاءَة للراكب على الدَّابَّة، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِهَذَا الرَّد على من كره الْقِرَاءَة على الدَّابَّة، نَقله ابْن أبي دَاوُد عَن بعض السّلف، كَيفَ يكره وأصل الْقِرَاءَة على الدَّابَّة مَوْجُود فِي الْقُرْآن؟ قَالَ : ﴿لتستووا على ظُهُوره ثمَّ تَذكرُوا نعْمَة ربكُم استوتيم عَلَيْهِ﴾ (الزخرف: ٣١) الْآيَة. وَقَالَ ابْن بطال: الْقِرَاءَة على الدَّابَّة سنة مَوْجُودَة، وأصل هَذِه السّنة قَوْله تَعَالَى: ﴿لتستووا﴾ (الزخرف: ٣١) الْآيَة. ٤٣٠٥ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهالٍ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ: أخْبرنِي أبُو إِياسٍ قَالَ: سَمِعْتُ عبْدَ الله بنَ مُغفَلٍ قَالَ: رَأيْتُ رسولَ الله ﷺ ، يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وهْوَ يَقْرَأُ علَى رَاحِلَتِهِ سُورَةَ الفَتْحِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو إِيَاس، بِكَسْر الْهمزَة: مُعَاوِيَة بن قُرَّة الْمُزنِيّ الْبَصْرِيّ، وَعبد الله بن مُغفل، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْفَاء: الْمُزنِيّ. والْحَدِيث قد مر فِي الْمَغَازِي عَن أبي الْوَلِيد، وَفِي التَّفْسِير عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم، وَيَجِيء فِي التَّوْحِيد عَن أَحْمد بن أبي شُرَيْح الرَّازِيّ. وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة غير ابْن مَاجَه. ٥٢ - (بابُ تعْليم الصِّبْيان القُرْآنَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز تَعْلِيم الصّبيان الْقُرْآن، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَى الرَّد على من كره ذَلِك، وَقد جَاءَت كَرَاهِيَة ذَلِك عَن سعيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، رَوَاهُ ابْن أبي دَاوُد عَنْهُمَا، فَلفظ سعيد بن جُبَير: كَانُوا يحبونَ أَن يكون يقْرَأ الصَّبِي بعد حِين، مَعْنَاهُ: أَن يتْرك الصَّبِي أَولا مرفها ثمَّ يُؤخذ بالجد على التدريج، وَلَفظ إِبْرَاهِيم: كَانُوا يكْرهُونَ أَن يعلم الْغُلَام الْقُرْآن حَتَّى يعقل.

стр. 5937

٥٣٠٥ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ حَدثنَا أبُو عَوَانَةَ عنْ أبي بشْرٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ: إنَّ الَّذي تَدْعُونَهُ المُفَضَّلَ هُوَ المُحْكَمُ، قَالَ: وَقَالَ ابنُ عَبْاسٍ، تُوُفِّيَ رسولُ الله ﷺ ، وَأَنا ابنُ عَشْرِ سِنِينَ وقَدْ قرَأْتُ المُحْكَمَ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَرَأَ الْمُحكم من الْقُرْآن وعمره عشر سِنِين، وَيُطلق عَلَيْهِ الْغُلَام، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب. وَأخرجه عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري الَّذِي يُقَال لَهُ التَّبُوذَكِي عَن أبي عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة الوضاح ابْن عبد الله الْيَشْكُرِي الوَاسِطِيّ عَن أبي بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: جَعْفَر بن أبي وحشية إِيَاس الْيَشْكُرِي الوَاسِطِيّ إِلَى آخِره. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن هشيم. قَوْله: (قَرَأَ الْمُحكم) وَهُوَ الَّذِي لَا نسخ فِيهِ، وَيُطلق الْمُحكم على ضد الْمُتَشَابه فِي اصْطِلَاح أهل الْأُصُول، وَهَذَا سعيد بن جُبَير فسر الْمفصل بالمحكم، وَغَيره فسره بِأَنَّهُ من الحجرات إِلَى آخر الْقُرْآن على الصَّحِيح، وَسمي بِالْفَصْلِ للسور الَّتِي كثرت فصولها فِيهِ. قَوْله: (وَأَنا ابْن عشر سِنِين) ، وَقد اخْتلف فِيهِ، فَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الصَّلَاة من وَجه آخر: أَنه كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع قد ناهز الِاحْتِلَام، وَفِي رِوَايَة أبي إِسْحَاق عَن سعيد بن جُبَير عَنهُ: قبض رَسُول الله ﷺ وَأَنا ختين وَكَانُوا لَا يخنتون الْغُلَام حَتَّى يدْرك، وَفِي لفظ: (وَأَنا ابْن خمس عشرَة سنة) . وَقَالَ ابْن حبَان: وَهُوَ ابْن أَربع عشرَة سنة، وَقَالَ عَمْرو بن على: الصَّحِيح عندنَا أَنه لما توفّي رَسُول الله ﷺ كَانَ قد استوفي ثَلَاث عشرَة وَدخل فِي أَربع عشرَة، وَقد اسْتشْكل عِيَاض قَول ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، توفّي رَسُول الله ﷺ وَأَنا ابْن عشر سِنِين، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: هَذَا يُخَالف الَّذِي مضى فِي الصَّلَاة، وَبَالغ الدَّاودِيّ فِي هَذَا فَقَالَ: حَدِيث أبي بشر الَّذِي فِي هَذَا الْبَاب وهم وَأجَاب عِيَاض بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون قَوْله: أونا ابْن عشر سِنِين، رَاجعا إِلَى حفظ الْقُرْآن لَا إِلَى وَفَاة النَّبِي ﷺ ، وَيكون تَقْدِير الْكَلَام توفّي النَّبِي ﷺ وَقد جمعت الْمُحكم وَأَنا ابْن عشر سِنِين، فَفِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير. انْتهى. قلت: الجملتان: أَعنِي قَوْله: (وَأَنا ابْن عشر سِنِين) ، وَقَوله: (وَقد قَرَأت الْمُحكم) وقعتا حَالين وَالْحَال قيد فَكيف يُقَال فِيهِ تَقْدِيم وتأخيره؟ وَقَالَ بَعضهم: وَيُمكن الْجمع بَين مُخْتَلف الرِّوَايَات بِأَن كَون ناهز الِاحْتِلَام لما قَارب ثَلَاث عشرَة ثمَّ بلغ لما استكملها وَدخل فِي الَّتِي بعْدهَا، وَإِطْلَاق خمس عشرَة بِالنّظرِ إِلَى جبر الْكسر، وَإِطْلَاق الْعشْر بِالنّظرِ إِلَى إِلْغَاء الْكسر انْتهى. قلت: لَا كسر هُنَا حَتَّى يجْبر أَو يلغى لِأَن الْكسر على نَوْعَيْنِ: أَصمّ وَهُوَ الَّذِي لَا يُمكن أَن ينْطق بِهِ إِلَّا بالجزئية كجزء من أحد عشر وجزء من تِسْعَة وَعشْرين، ومنطق وَهُوَ على أَرْبَعَة أَقسَام: مُفْرد وَهُوَ من النّصْف إِلَى الْعشْر وَهِي الكسور التِّسْعَة، ومكرر كثلاثة أَسْبَاع وَثَمَانِية أتساع، ومركب وَهُوَ الَّذِي يذكر بِالْوَاو العاطفة: كَنِصْف وَثلث وكربع وتسع، وضاف كَنِصْف عشر وَثلث سبع وَثمن تسع، وَقد يتركب من الْمنطق والأصم: كَنِصْف جُزْء من أحد عشر، وَالظَّاهِر أَنه الصَّوَاب مَعَ الدَّاودِيّ، وَالله أعلم. ٦٣٠٥ - حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا هُشَيْمٌ أخبرَنا أبُو بِشْرٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، ﵄: جَمَعْتُ المُحْكَمَ فِي عَهْد رسُول الله ﷺ فقُلْتُ لهُ: وَمَا المُحْكَمُ؟ قَالَ: المُفَصَّلُ. هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. قَوْله: (حَدثنِي) ويروي: حَدثنَا، بِصِيغَة الْجمع، وهشيم مصغر هشم بن بشير وَقد تكَرر وَذكره وَقَالَ بَعضهم: فَاعل. قلت: أَبُو بشر، لَهُ أَي لسَعِيد بن جُبَير، وَاحْتج فِي ذَلِك بِأَن تَفْسِير الْمُحكم والمفصل من كَلَام سعيد بن جُبَير. قلت: هَذَا تصرف واه لِأَن قَوْله: (فَقلت) عطف على كَلَام ابْن عَبَّاس، عطف سعيد بن جُبَير كَلَامه على كَلَام ابْن عَبَّاس بعد مَا سَأَلَهُ، وَأَيْضًا لَا يسْتَلْزم كَون تَفْسِير ابْن جُبَير الْمفصل والمحكم هُنَاكَ أَن يكون هُنَا أَيْضا مِنْهُ. ٦٢ - (بابُ نِسْيانِ القُرْآنِ، وهَلْ يقولُ: نَسِيتُ آيةَ كَذا وكَذا) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نِسْيَان الْقُرْآن بِسَبَب تعَاطِي أَسبَابه الْمُقْتَضِيَة لذَلِك. قَوْله: (وَهل يَقُول) إِلَى آخِره، صُورَة الِاسْتِفْهَام

стр. 5938

الإنكاري لَكِن لَيْسَ الْإِنْكَار عَن الْإِتْيَان بقوله: نسيت آيَة كَذَا وَكَذَا، على مَا لَا يَجِيء الْآن، وَلَكِن الْإِنْكَار على ارْتِكَاب أَسبَابه الداعية إِلَى ذَلِك. وقَوْلِ الله تَعَالَى سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى﴾ (الْأَعْلَى: ٦ ٧) وَقَول الله عطف عَليّ قَوْله: نِسْيَان الْقُرْآن، أَي: وَفِي قَول الله، : ﴿سنقرئك﴾ (الْأَعْلَى: ٦) من الإقراء، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يعجل بالقراء إِذا لقِيه جِبْرِيل، ﵊، فَقيل: لَا تعجل لِأَن جِبْرِيل مَأْمُور بِأَن يقرأه عَلَيْك قِرَاءَة مكررة إِلَى أَن تحفظه فَلَا تنساه إلَاّ مَا شَاءَ الله لم يذكر بعد النسْيَان، وَكلمَة: لَا، للنَّفْي، وَكَأن البُخَارِيّ صَار إِلَيْهِ وَأَن الله أقرأه إِيَّاه وَأخْبرهُ أَنه لَا ينساه، وَقيل: لَا للنَّهْي وزيدت الْألف الفاصلة، كَقَوْلِك: السبيلا، يَعْنِي: فَلَا تتْرك قِرَاءَته وتكريره فتنساه إلَاّ مَا شَاءَ الله أَن ينسكه يرفع تِلَاوَته للْمصْلحَة، وَقَالَ الْفراء: الِاسْتِثْنَاء للتبرك وَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْء اسْتثْنى، وَعَن الْحسن وَقَتَادَة ﴿إلَاّ مَا شَاءَ الله﴾ (الْأَعْلَى: ٧) أَي: قضى أَن ترفع تِلَاوَته، وَعَن ابْن عَبَّاس: إلَاّ مَا أَرَادَ الله أَن ينسيكه لتنس. وَقيل: مَعْنَاهُ لَا تتْرك الْعَمَل بِهِ إِلَّا مَا أَرَادَ الله أَن ينسخه فَتتْرك الْعَمَل بِهِ. وَالله أعلم. ٧٣٠٥ - حدَّثنا رَبِيعُ بنُ يحْيَى حَدثنَا زَائِدَةُ حَدثنَا هِشَامٌ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَة، ﵂، قالَتْ: سَمِعَ النبيُّ ﷺ ، رَجُلاً يقْرَأ فِي المَسْجِد، فَقَالَ: يَرْحَمُهُ الله ﴿لقَدْ أذْكرَني كذَا وكَذا آيَة مِنْ سُورَةِ كَذا.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن مَعْنَاهُ أَنه ﷺ نسي كَذَا وَكَذَا آيَة ثمَّ تذكرها. وَقَالَ ابْن التِّين: وَفِي الحَدِيث أَنه ﷺ كَانَ ينسى الْقُرْآن ثمَّ يتذكره. وربيع ضد الخريف ابْن يحيى أَبُو الْفَصْل، مر فِي: بَاب من أحب الْعتاق فِي الْكُسُوف، وزائدة من الزِّيَادَة ابْن قدامَة بِضَم الْقَاف وَتَخْفِيف الدَّال، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عَن عَائِشَة. والْحَدِيث من إِفْرَاده. قَوْله: (رجلا) أَي: صَوت رجل. قَوْله: (أذكرني) إِلَى آخِره وَلم يبين فِيهِ تعْيين الْآيَات الْمَذْكُورَة وَلَا عَددهَا. واستنبط بَعضهم من هَذَا مَسْأَلَة فقهية إِنَّهَا كَانَت إِحْدَى وَعشْرين آيَة، وَهِي أَن رجلا لَو قَالَ، لفُلَان عَليّ كَذَا وَكَذَا درهما يلْزمه أحد وَعِشْرُونَ درهما لِأَنَّهُ فصل بَين كَذَا وَكَذَا بِحرف الْعَطف، وَأَقل ذَلِك من الْعدَد الْمُفَسّر أحد وَعِشْرُونَ، حَتَّى قَالَ: كَذَا كَذَا درهما بِغَيْر حرف الْعَطف يلْزمه أحد عشر درهما، لِأَن أقل ذَلِك من الْعدَد الْمُفَسّر أحد عشر، لِأَنَّهُ ذكر عددين مبهمين. وَعند الشَّافِعِي: يلْزمه دِرْهَم. وَله صُورَة كَثِيرَة موضعهَا الْفُرُوع. فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ النسْيَان على النَّبِي ﷺ ؟ قلت: الإنساء لَيْسَ بِاخْتِيَارِهِ، وَقَالَ الْجُمْهُور: جَازَ النسْيَان عَلَيْهِ فِيمَا لَيْسَ طَرِيقه الْبَلَاغ والتعليم بِشَرْط أَن لَا يقْرَأ عَلَيْهِ، بل لَا بُد أَن يذكرهُ، وَأما غَيره فَلَا يجوز قبل التَّبْلِيغ، وَأما نِسْيَان مَا بلغه كَمَا فِي هَذَا الحَدِيث فَهُوَ جَائِز بِلَا خلاف. حدَّثنا محَمَّدُ بن عُبَيْدِ بنِ ميْمُونٍ حَدثنَا عِيسَى عنْ هِشامٍ، وَقَالَ: أسقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كذَا. أَشَارَ بذلك إِلَى أَن هشاما زَاد فِي هَذِه الرِّوَايَة لفظ: (اسقطتهن من سُورَة كَذَا) وَأخرجه عَن مُحَمَّد بن عبيد بن مَيْمُون عَن عِيسَى بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق. قَوْله: (اسقطتهن) ، أَي: بِالنِّسْيَانِ، وَقد تقدم فِي الشَّهَادَات بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد، أَعنِي: عَن مُحَمَّد بن عبيد بن مَيْمُون عَن عِيسَى بن يُونُس عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، قَالَت: سمع النَّبِي ﷺ رجلا يقْرَأ فِي الْمَسْجِد، فَقَالَ: ﵀﴾ لقد أذكرني كَذَا وَكَذَا آيَة أسقطتهن من سُورَة كَذَا وَكَذَا. تابَعَهُ علِيٌّ بنُ مُسْهِرٍ وعبْدَةُ عنْ هِشَامٍ أَي: تَابع مُحَمَّد بن عبيد عَليّ بن مسْهر، بِضَم الْمِيم على صِيغَة اسْم الْفَاعِل من الإسهار. قَوْله: (وَعَبدَة) ، عطف عَلَيْهِ أَي: وَتَابعه أَيْضا عَبدة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن سُلَيْمَان، وَهَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بعطف عَبدة على سُلَيْمَان، وَوَقع لأبي ذَر عَن الْكشميهني: تَابعه عَليّ بن مسْهر عَن عَبدة. قيل: هَذَا غلط فَإِن عَبدة هُنَا رَفِيق عَليّ بن مسْهر لَا شَيْخه، وَقد أخرج البُخَارِيّ طَرِيق عَليّ بن مسْهر فِي آخر الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا بِلَفْظ: أسقطتها، وَأخرج طَرِيق عَبدة فِي الدَّعْوَات مثل لفظ عَليّ بن مسْهر سَوَاء.

стр. 5939

٩٣٠٥ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ مَنْصُور عنْ أبِي وَائِلٍ عنْ عبْدِ الله قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : بِئْسَ مَا لِأحَدِهِمْ يَقُولُ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ. (انْظُر الحَدِيث ٢٣٠٥) [/ ح. قد مر هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب استذكار الْقُرْآن، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن عرْعرة عَن شُعْبَة عَن مَنْصُور إِلَى آخِره، وَهنا عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن أبي وَائِل شَقِيق بن سَلمَة عَن عبد الله بن مَسْعُود، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٧٢ - (باُب: منْ لَمْ يرَ بأْسَاأنْ يَقُولَ: سُورَةُ البَقَرَةِ، وسورَةُ كَذَا وكَذَا) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من لم ير بَأْسا: إِلَخ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة الرَّد على من قَالَ: لَا يُقَال: سُورَة الْبَقَرَة، وَلَا يُقَال: إلَاّ السُّورَة الَّتِي تذكر فِيهَا الْبَقَرَة، وَنَحْو ذَلِك. ٠٤٠٥ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْضٍ حَدثنَا أبي الأعْمَشُ قَالَ: حدّثني إبْرَاهيمُ عنْ عَلْقَمَةَ وعبدِ الرَّحْمانِ بنِ يَزِيدَ عنْ أبي مَسْعُودٍ الأنْصاريِّ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : الآيتَان مِنْ آخِرِ سورَةِ البَقَرَةِ، مَنْ قَرَأَ بهِما لَيْلَةٍ كَقَتَاهُ.. مر هَذَا الحَدِيث عَن قريب فِي فضل سُورَة الْبَقَرَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن مُحَمَّد بن كثير. وَالْآخر: عَن أبي نعيم وَأخرجه هُنَا عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن عَلْقَمَة بن قيس وَعبد الرَّحْمَن بن يزِيد عَن أبي مَسْعُود عقبَة بن عَمْرو والبدري. وَمر كَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ١٤٠٥ - حدَّثنا أبُو اليمَانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ عنْ حَدِيثٍ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ وعبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عبْدٍ القاريِّ أنَّهُما سَمِعا عُمَر بنَ الخَطَّابِ ﵁، يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بنَ حكِيمِ بنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سورَةَ الفُرْقانِ فِي حَياةِ رسولِ الله ﷺ فاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فإِذَا هُوَ يَقْرَؤُها علَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيها رسولُ الله ﷺ فَكَذِبْتُ أُساوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَانْتَظَرْتُهُ حتَّى سَلَّمَ فَلَبَّبْتُهُ فَقُلْتُ: مَنْ أقْرَأكَ هاذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قَالَ: أقْرَأنِيها رسولُ الله ﷺ . فَقَلْتُ لهُ: كذَبْتَ، فَوَالله إنَّ رسُولَ الله ﷺ لَهْوَ أقْرَأني هذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رسولِ الله ﷺ أقُودُهُ، فَقُلْتُ: يَا رسُولَ الله! إنِّي سَمِعْتُ هاذَا يَقْرَأ سورَةَ الفُرْقانِ علَى حرُوفٍ

стр. 5940

لَمْ تُقْرِ رئْنِيها وإنّكَ أقْرَأتْنِي سُورَةَ الفُرْقانِ. فَقَالَ: يَا هِشَامُ اقْرَأها، فقرَأَها القِرَاءَةَ الَّتي، سَمِعْتُهُ، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : هاكَذا أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ: اقْرَأُ يَا عُمَرُ، فَقرَأتُها الَّتِي أقْرَأنِيها، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : هاكَذا أنزِلتْ: ثُمّ قَالَ رسولُ الله ﷺ إنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ علَى سَبْعَةَ أحْرُفٍ فاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: سُورَة الْفرْقَان والْحَدِيث قد مر فِي بَاب أنزل الْقُرْآن على سَبْعَة أحرف، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن سعيد بن عفير عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة بن الزبير إِلَى آخِره. وَأخرجه هُنَا عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ وَلَا نعيده لقرب الْمسَافَة. ٢٤٠٥ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ آدَمَ أخبرَنا عليُّ بنُ مُسْهرٍ أخبرَنا هِشَامٌ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ، ﵂، قالَتْ: سَمِع النبيُّ ﷺ قارِئا يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ فيالمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَرْحَمُهُ الله! لقَدْ أذْكرَني كذَا وكَذا آيَة أسْقَطْتُها منْ سُورَةِ كَذا وكَذا.. هَذَا أَيْضا مضى عَن قريب فِي: بَاب نِسْيَان الْقُرْآن أخرجه هُنَاكَ من طرق، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٨٢ - (بابُ التَّرْتِيلِ فِي القِرَاءَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الترتيل فِي قِرَاءَة الْقُرْآن، وَهُوَ تَبْيِين حروفها والتأني فِي أَدَائِهَا لتَكون أدعى إِلَى فهم مَعَانِيهَا. وَقيل: الترتيل تَبْيِين الْحُرُوف وإشباع الحركات. وقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ (٧٣) ورتل الْقُرْآن ترتيلا﴾ (المزمل: ٤) وَقَوله تَعَالَى، بِالْجَرِّ عطف على الترتيل فِي الْقُرْآن، وَمعنى: رتل الْقُرْآن أقرأه قِرَاءَة بَينه، قَالَه الْحسن، وَعَن مُجَاهِد: بعضه على أثر بعض على تؤدة بَيِّنَة بَيَانا، وَعَن قَتَادَة: تثبت فِيهِ تثبيتا، وَقيل: فَصله تَفْصِيلًا وَلَا تعجل فِي قِرَاءَته، وَهُوَ من قَول الْعَرَب: ثغر رتل، إِذا كَانَ مفلجا. وقَوْلِهِ ﴿ (١٧) وقرآنا فرقناه لتقرأه على النَّاس على مكث﴾ (الْإِسْرَاء: ٦٠١) وَقَوله، هَذَا عطف على قَوْله الأول. قَوْله: (وقرآنا فرقناه) ، يَعْنِي: نزلناه نجوما لَا جملَة وَاحِدَة بِخِلَاف الْكتب الْمُتَقَدّمَة، يدل عَلَيْهِ قَوْله: ﴿لتقرأه على النَّاس على مكث﴾ (الْإِسْرَاء: ٦٠١) . وَمَا يُكْرَهُ أنْ يُهَذِّ كَهَذِّ الشِّعْرِ هَذَا عطف على قَوْله بَاب الترتيل. وَقد ذكرنَا أَن التَّقْدِير: بَاب فِي بَيَان الترتيل. وَكَذَلِكَ التَّقْدِير هُنَا، أَي: فِي بَيَان مَا يكره أَن يهذر، كلمة: مَا، مَصْدَرِيَّة وَكَذَلِكَ كلمة: أَن، وَالتَّقْدِير: أَي وَفِي بَيَان كَرَاهَة الهذ كهذ الشّعْر، والهذ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة الْمُشَدّدَة: سرعَة الْقطع والمرور فِيهِ من غير تَأمل للمعنى، كَمَا ينشد الشّعْر وتعد أبياته وقوافيه، وَقَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ الإفراط فِي العجلة فِي حفظه ورواياته لَا فيإنشاده وترنمه لِأَنَّهُ يزِيد فِي الإنشاد والترنم فِي الْعَادة. فِيها يُفْرِقُ: يُفَصَّلُ أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فِيهَا يفرق كَا أَمر حَكِيم﴾ (الدُّخان: ٤) وَفسّر: (يفرق) ، بقوله: (وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة) . وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فرَقْناهُ: فصَّلْناهُ أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وقرآنا فرقناه﴾ (الْإِسْرَاء: ٦٠١) أَن مَعْنَاهُ: فصلناه، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن عَليّ بن الْمُبَارك: حَدثنَا زيد حَدثنَا ابْن ثَوْر عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَنهُ. وَأخرجه ابْن جرير من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ. ٣٤٠٥ - حدَّثنا أبُو النعْمانِ حَدثنَا مَهْدِيُّ بنُ مَيْمُونٍ حَدثنَا واصلٌ عنْ أبي وائِلٍ عنْ عبْدِ الله، قَالَ: غدَوْنا علَى عبْدِ الله، فقار رجلٌ: قرَأْتُ المُفَصَّلَ البَارِحَةَ، فَقَالَ: هَذّا كهَذِّ الشِّعْر؟ إنّا قَدْ سَمِعْنا القِرَاءَةَ وإنِّي

стр. 5941

لأحْفَظُ القُرناءَ الَّتِي كانَ يَقْرَأ بِهِنَّ النبيُّ ﷺ ثَمَانِي عَشْرَةَ سُورَةً مِنَ المفَصَّلِ وسُورَتَيْنِ منْ آلِ حم. مطابقته لقَوْله فِي التَّرْجَمَة: وَمَا يكره أَن يهذ كهذ الشّعْر. وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي، وواصل بن حبَان الأحدب الْأَسدي الْكُوفِي، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة. والْحَدِيث مر فِي الصَّلَاة فِي: بَاب الْجمع بَين السورتين فِي الرَّكْعَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن آدم عَن شُعْبَة عَن عَمْرو بن مرّة عَن أبي وَائِل، وَمر الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (على عبد الله) أَي: ابْن مَسْعُود قَوْله: (فَقَالَ رجل) هُوَ نهيك بن سِنَان كَمَا أخرجه مُسلم من طَرِيق مَنْصُور عَن أبي وَائِل فِي هَذَا الحَدِيث. قَوْله: (هَذَا) نصب على الْمصدر أَي: هذذت هَذَا. قَوْله: (إِنَّا قد سمعنَا الْقِرَاءَة) قَالَ الْكرْمَانِي: الْقِرَاءَة بِلَفْظ الْمصدر، ويروي الْقِرَاءَة جمع القارىء. قَوْله: (لأحفظ القرناء) أَي: النَّظَائِر فِي الطول وَالْقصر. قَوْله: (ثَمَانِي عشرَة) إِلَى آخِره، وَقد تقدم فِي: بَاب كتاب النَّبِي ﷺ أَنه عشرُون سُورَة، وعدَّ ثمَّة: حم من الْمفصل، وَهَهُنَا قد أخرجه مِنْهُ وَأجِيب بِأَن مُرَاده ثمَّة أَن مُعظم الْعشْرين مِنْهُ. قَوْله: (من آل حم) أَي: السُّور الَّتِي أَولهَا حم، كَقَوْلِك: فلَان من آل فلَان، قَالَه النَّوَوِيّ. وَقَالَ غَيره المُرَاد حم نَفسهَا، يَعْنِي لفظ: آل، مقحمة كَقَوْلِك: آل دَاوُد، يُرِيد دَاوُد نَفسه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَوْلَا أَنه فِي الْكِتَابَة مُنْفَصِل لحسن أَن يُقَال: إِنَّه الْألف وَاللَّام الَّتِي لتعريف الْجِنْس، يَعْنِي: وسورتين من جنس الحواميم، وَقَالَ الدَّاودِيّ: قَوْله: (من آل حم) من كَلَام أبي وَائِل وإلَاّ كَانَ أول الْمفصل عِنْد ابْن مَسْعُود من أول الجاثية، قيل: إِنَّمَا يرد لَو كَانَ تَرْتِيب مصحف ابْن مَسْعُود كترتيب الْمُصحف العثماني، وَالْأَمر بِخِلَاف ذَلِك، فَإِن تَرْتِيب السُّور فِي مصحف ابْن مَسْعُود يغاير التَّرْتِيب فِي الْمُصحف العثماني، فَلَعَلَّ هَذَا مِنْهَا، وَيكون أول الْمفصل عِنْده الجاثية، وَالدُّخَان مُتَأَخِّرَة فِي ترتيبه عَن الجاثية. ٤٤٠٥ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا جَرِيرٌ عنْ مُوسَى بنِ أبي عائِشَةَ عنْ سعِيدِ بنِ جبَيْر عنِ ابْن عبَّاسٍ، ﵄، فِي قوْلِهِ: ﴿ (٧٥) لَا تحرّك بِهِ لسَانك لتعجل بِهِ﴾ (الْقِيَامَة: ٦١) قَالَ: كَانَ رسُول الله ﷺ إذَا نَزَلَ عَليهِ جِبْرِيلُ بالوَحْيِ وكانَ مِمَّا يُحرِّك بِهِ لِسانَهُ وشَفَتَيْهِ فيَشْت، علَيْهِ، وَكَانَ يُعْرَفُ مِنْهُ، فأنْزَلَ الله الآيةَ الَّتِي فِي لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (الْقِيَامَة: ١) لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ﴾ (الْقِيَامَة: ٦١ ٨١) فإِذَا أَنْزَلْناهُ فاسْتَمِع ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (الْقِيَامَة: ٩١) قَالَ: إِنَّ علَيْنا أنْ نُبَيِّنَهُ بلِسانِكَ قَالَ: وكانَ إِذَا أتاهُ جِبْرِيلُ أطْرَقَ، فإِذَا ذَهَبَ قرَأهُ كَما وعَدَهُ الله.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: ﴿لَا تحرّك بِهِ لسَانك لتعجل بِهِ﴾ (الْقِيَامَة: ٥١) لِأَنَّهُ يَقْتَضِي اسْتِحْبَاب التأني فِيهِ وَمِنْه يحصل الترتيل. وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، ومُوسَى ابْن أبي عَائِشَة أَبُو بكر الْهَمدَانِي. والْحَدِيث قد مر فِي تَفْسِير سُورَة الْقِيَامَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بطرق كَثِيرَة. وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٩٢ - (بابُ مَدِّ القِرَاءَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مد الْقِرَاءَة، وَالْمدّ هُوَ إشباع الْحَرْف الَّذِي بعده ألف أَو وَاو أَو يَاء. ٥٤٠٥ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ حَدثنَا جَرِيرُ بنُ حازِمِ الأزْدِيُّ حَدثنَا قَتادَة قَالَ: سألْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ عنْقِرَاءَةِ النبيِّ ﷺ ؟ فَقَالَ: كانَ يَمُدُّ مدّا. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَجَرِير بِالْجِيم ابْن حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي الْأَزْدِيّ بالزاي وَالدَّال الْمُهْملَة أَبُو النَّضر الْبَصْرِيّ. والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن بنْدَار وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. قَوْله: (كَانَ يمد) أَي: يمد الْحَرْف الَّذِي يسْتَحق الْمَدّ قَوْله: (مدان نصب) على المصدرية.

стр. 5942

٦٤٠٥ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عاصِمٍ حدَّثنا هَمَّامٌ عنْ قَتادةَ. قَالَ: سُئِلَ أنَسٌ: كَيْفَ كانَتْ قَرَاءَةُ النبيِّ ﷺ ؟ فَقَالَ: كانَتْ مَدّا ثُمَّ قَرَأ: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. يَمُدُّ بِبسْمِ الله ويَمُدُّ بالرَّحْمانِ ويَمُدُّ بالرَّحِيمِ. (انْظُر الحَدِيث ٥٤٠٥) . هَذَا طَرِيق آخر أخرجه عَن عَمْرو بِالْفَتْح ابْن عَاصِم بن عبيد الله الْقَيْسِي الْبَصْرِيّ. وَهَمَّام هُوَ ابْن يحيى. قَوْله: (كَانَت مدا) أَي: كَانَت قِرَاءَته مدا أَي: ذَات، مد وَوَقع عَنهُ أبي نعيم من طَرِيق أبي النُّعْمَان عَن جرير بن حَازِم: كَانَ يمد صَوته، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: كَانَ يمد قِرَاءَته قَوْله: (يمد بِبسْم الله) كَذَا وَقع بباء مُوَحدَة قبل الْمُوَحدَة الَّتِي فِي: بِسم الله، كَأَنَّهُ حكى فِي: بِسم الله، كَمَا حُكيَ لفظ: الرَّحْمَن فِي قَوْله: (ويمد بالرحمن) وَوَقع عِنْد أبي نعيم من طَرِيق الْحسن الْحلْوانِي عَن عَمْرو بن عَاصِم شيخ البُخَارِيّ فِيهِ: يمد بِسم الله ويمد الرَّحْمَن ويمد الرَّحِيم، من غير بَاء مُوَحدَة فِي الثَّلَاثَة، وَيُقَال: إِنَّمَا أَدخل الْبَاء فِي الْبَاء إِمَّا لِأَنَّهُ ذكر اسْم الله على سَبِيل الْحِكَايَة، وَإِمَّا لِأَنَّهُ جعله كالكلمة الْوَاحِدَة علما لذَلِك، وَالْمدّ إِنَّمَا يكون فِي الْوَاو وَالْألف وَالْيَاء، وَمد الرَّحْمَن والرحيم لَيْسَ كمد غَيرهمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْبَسْمَلَة همزَة توجب الْمَدّ فِي حُرُوف الْمَدّ واللين، وللقراءة فِي مَوضِع الْمَدّ فِي مِقْدَاره وجوهات بيّنت فِي موضعهَا. ٠٣ - (بابُ التَّرْجِيعِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الترجيع: هُوَ تقَارب ضروب الحركات فِي الْقِرَاءَة، وَأَصله الترديد، وترجيع الصَّوْت تريده فِي الْحلق كَقِرَاءَة أَصْحَاب الألحان: وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الترجيع ترديد الْقِرَاءَة، وَمِنْه تَرْجِيع الْأَذَان. ٧٤٠٥ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبِي إِيَاس حَدثنَا شُعْبَةُ حَدثنَا أبُو إياسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عبْدَ الله بنَ مُغَفَّلٍ قَالَ: رأيْتُ النَّبِي ﷺ ، يَقْرَأُ وهْوَ علَى ناقَتِهِ أوْ جَمَلِهِ وهْيَ تَسِيرُ بِهِ وهْوَ يَقْرَأُ سورَةَ الفَتْحِ أوْ مِنْ سُورَةِ الفَتْحِ قِرَاءَةً لَيِّنَةً يَقْرَأُ وهْوَ يُرَجِّعُ.. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو إِيَاس، بِكَسْر الْهمزَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالمهملة: واسْمه مُعَاوِيَة بن قُرَّة، بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الرَّاء: الْبَصْرِيّ، وَعبد الله بن مُغفل، بِضَم الْمِيم وَفتح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْفَاء الْمَفْتُوحَة. والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي عَن أبي الْوَلِيد وَفِي التَّفْسِير عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم، وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن وَعَن حجاج بن منهال، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ، والواوات فِي: (وَهُوَ يقْرَأ) فِي الْمَوْضِعَيْنِ (وَهِي تسير) كلهَا للْحَال. قَوْله: (أَو جمله) ، شكّ من الرَّاوِي. وَكَذَلِكَ قَوْله: (أَو من سُورَة الْفَتْح) وَقَالُوا: تَرْجِيع النَّبِي ﷺ يحْتَمل أَمريْن: أَحدهمَا: أَنه حصل من هز النَّاقة وَالْآخر: أَنه أشْبع الْمَدّ فِي مَوْضِعه فحدف ذَلِك، وَقيل: الترجيع تَحْسِين التِّلَاوَة لَا تَرْجِيع الْغناء، لِأَن الْقِرَاءَة بترجيع الْغناء يُنَافِي الْخُشُوع الَّذِي هُوَ الْمَقْصُود من التِّلَاوَة. ١٣ - (بابُ حُسْنِ الصَّوْتِ بالقرَاءَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مطلوبية حسن الصَّوْت بالقراةء، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: بَاب حسن الصَّوْت بِالْقِرَاءَةِ لِلْقُرْآنِ، وَقيل: الْإِجْمَاع على اسْتِحْبَاب سَماع الْقُرْآن من ذِي الصَّوْت الْحسن: وَأخرج ابْن أبي دَاوُد من طَرِيق أبي مسجعة، قَالَ: كَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يقدم الشَّاب الْحسن الصَّوْت لحسن صَوته بَين يَدي الْقَوْم. ٨٤٠٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ خَلَفٍ أبُو بَكْرٍ حدَّثنا أبُو يَحْيَى الحِمَّانِيُّ حدَّثَنا بُرَيْدُ بنُ عبْدِ الله بنِ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوسَى، ﵁، عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ لهُ: يَا أَبا مُوسَى! لَقَدْ أوتيتَ مِزْمارا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاودَ.

стр. 5943

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن رَاوِي الحَدِيث، وَهُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، كَانَ حسن الصَّوْت جدا. وَلِهَذَا قَالَ لَهُ ﷺ : لقد أُوتيت مِزْمَارًا أَي: صَوتا حسنا، وَأَصله الْآلَة أطلق اسْمهَا على الصَّوْت الْحسن للمشابهة بَينهمَا. وَمُحَمّد بن خلف أَبُو بكر الْمقري الْبَغْدَادِيّ الحدادي، بالمهملات وَفتح أَوله وَتَشْديد الدَّال الأولى، من صغَار شُيُوخ البُخَارِيّ، وعاش بعد البُخَارِيّ خمس سِنِين وَلَيْسَ لَهُ وَلَا لشيخه فِي البُخَارِيّ إلَاّ فِي هَذَا الْموضع، وَأَبُو يحيى اسْمه عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن الملقب ببشمين، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَكسر المم وبالنون بعد الْيَاء آخر الْحُرُوف. فَارسي مَعْنَاهُ: الصُّوفِي، الْحمانِي، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمِيم وبالنون: نِسْبَة إِلَى حمان قَبيلَة من تَمِيم، الْكُوفِي أَصله من خوارزم، مَاتَ سنة ثِنْتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ، وبريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء ابْن عبد الله بن أبي بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء: واسْمه عَامر، يروي بريد الْمَذْكُور عَن جده عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ واسْمه عبد الله بن قيس، ويروي أَبُو يحيى الْحمانِي: سَمِعت بريد بن عبد الله بدل حَدثنَا بريد بن عبد الله. والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ عَن مُوسَى بن عبد الرَّحْمَن الْكِنْدِيّ. قَوْله: (مِزْمَارًا) ، بِكَسْر الْمِيم، قد مر تَفْسِيره الْآن قَوْله: (آل دَاوُد) ، لَفظه آل مقحمة وَالْمرَاد نفس دَاوُد، ﵊ لِأَنَّهُ لم يذكر أَن أحدا من آل دَاوُد قد أعطي من حسن الصَّوْت مَا أعطي دَاوُد، ﵊. ٢٣ - (بابُ مَنْ أحَبَّ أنْ يَسْمَعَ القُرْآنَ مِنْ غَيْرِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أحب أَن يسمع الْقُرْآن من غَيره، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: الْقِرَاءَة. ٩٤٠٥ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ حدَّثنا أبي عنِ الأعْمَشِ قَالَ: حدَّثني إِبْرَاهِيمُ عنْ عبِيدَةَ عنْ عبْده الله، ﵁، قَالَ: قَالَ لِي النبيُّ ﷺ : اقْرَأُ عَليَّ القُرْآنَ. قُلْتُ: اقْرَأُ عَليْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ منْ غَيْرِي.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ أحب أَن يسمع الْقُرْآن من غَيره ليَكُون عرض الْقُرْآن سنة، وَيحْتَمل أَن يكون لأجل تدبره وَزِيَادَة تفهمه، لِأَن المستمع أقوى على ذَلِك وَأنْشط من القارىء لاشتغاله بِالْقِرَاءَةِ، بِخِلَاف قِرَاءَته ﷺ على أبي بن كَعْب، فَإِنَّهُ كَانَ لإِرَادَة تَعْلِيمه كَيْفيَّة أَدَاء الْقِرَاءَة ومخارج الْحُرُوف وَنَحْو ذَلِك، وَهَذَا أخرجه مُخْتَصرا، والذييأتي عَقِيبه بأتم مِنْهُ، وَنَذْكُر رِجَاله فِيهِ لِأَنَّهُمَا حَدِيث وَاحِد. ٣٣ - (بابُ قَوْل المُقْرِىء لِلقارِىء: حَسْبُكَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول المقرىء وَهُوَ الَّذِي يقرىء غَيره للقارىء الَّذِي يقْرَأ: حَسبك أَي: يَكْفِيك. ٠٥٠٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُف حَدثنَا سُفْيانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبرَاهيمَ عنْ عَبِيدَةَ عنْ عبْدِ الله ابنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لِي النبيُّ ﷺ : اقْرَأ علَيَّ. قُلْتُ: يَا رسولَ الله! اقْرَأُ عَليْكَ وعَليْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: نعَمْ فَقَرأْتُ سُورَةَ النِّساءِ حتَّى أتيْتُ إِلَى هاذِه الآيَةَ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَاؤُلاءِ شَهِيداً﴾ (النِّسَاء: ١٤) قَالَ: حَسْبُكَ الآنَ، فالْتَفَتُّ إِلَيْه فإِذَا عَيْناهُ تَذْرِفانِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله ﷺ لِابْنِ مَسْعُود: (حَسبك) وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَسليمَان، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَعبيدَة، بِفَتْح الْعين وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: السَّلمَانِي، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. والْحَدِيث مر فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (تَذْرِفَانِ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء وبالفاء أَي: تسيلان دمعا، من ذرفت الْعين تذرف إِذا سَالَ دمعها. فَإِن قلت: مَا وَجه قَوْله ﷺ لِابْنِ مَسْعُود: (حَسبك) عِنْد وُصُوله إِلَى الْآيَة الْمَذْكُورَة؟ قلت: تَنْبِيها على الموعظة وَالِاعْتِبَار فِي هَذِه الْآيَة، وَلِهَذَا

стр. 5944

بَكَى وبكاؤه إِشَارَة مِنْهُ إِلَى معنى الْوَعْظ لِأَنَّهُ تمثل لنَفسِهِ أهوال يَوْم الْقِيَامَة وَشدَّة الْحَال الداعية لَهُ إِلَى شَهَادَته لأمته بتصديقه وَالْإِيمَان بِهِ وسؤاله الشَّفَاعَة لَهُم ليربحهم من طول الْموقف وأهواله، وَهَذَا أَمر يحِق لَهُ طول الْبكاء والحزن. ٤٣ - (بَاب فِي كَمْ يُقْرَأُ القُرْآنُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كم من مُدَّة من الْوَقْت يقْرَأ القارىء الْقُرْآن فِيهَا وَلم يبين فِيهِ الْمدَّة لِأَنَّهُ لم يرد فِيهِ شَيْء من الْحَد الْعين، وَلكنه يُرِيد بذلك الرَّد على من قَالَ: أقل مَا يجزىء من الْقِرَاءَة فِي كل يَوْم وَلَيْلَة جُزْء من أَرْبَعِينَ جُزْءا من الْقُرْآن، حُكيَ ذَلِك عَن إِسْحَاق بن رَاهْوَيْةِ والحنابلة. وقَوْلُ الله تَعَالَى ﴿ (٧٣) فاقرءوا مَا تيَسّر مِنْهُ﴾ (المزمل: ٠٢) أورد هَذَا فِي معرض الِاسْتِدْلَال على عدم التَّحْدِيد فِي كمية الْقِرَاءَة لِأَنَّهُ عَام يَشْمَل الْجُزْء من الْقُرْآن وَأَقل مِنْهُ وَأكْثر مِنْهُ على حسب التَّيْسِير، فَلَا يَقْتَضِي جُزْءا معينا، وَلَا محدودا، وَلَا وقتا محدودا وَلَا معينا، وَمَا ورد فِيهِ من الْأَحَادِيث وَالْأَخْبَار لَا يدل على تنصيص الكمية فِي الْقدر وَالْوَقْت، فَافْهَم. ١٥٠٥ - حدَّثنا عَلِيٌّ حدّثنا سُفْيانُ قَالَ لِي ابنُ شُبرُمةَ: نَظَرْتُ كَمْ يَكْفِي الرَّجُلَ مِنَ القُرْآنِ فَلَمْ أجِدْ سُورَةً أقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ آياتٍ، فَقُلْتُ: لَا يَنْبَغَي لِأحَدٍ أَن يَقْرَأ أقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ آياتٍ.. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه إِشَارَة إِلَى الكمية بِثَلَاث آيَات، وَلكنه لَيْسَ بتحديد بِحَسب الْوُجُوب لَا بِحَسب السّنة. وَعلي هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَابْن شبْرمَة، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَضم الرَّاء وَفتح الْمِيم: هُوَ عبد الله بن شبْرمَة بن الطُّفَيْل الضَّبِّيّ أَبُو شبْرمَة الْكُوفِي القَاضِي فَفِيهِ أهل الْكُوفَة، عداده فِي التَّابِعين، رُوِيَ عَن أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ عفيفا صَارِمًا عَاقِلا فَقِيها يشبه النساك ثِقَة فِي الحَدِيث، شَاعِرًا حسن الْخلق جوادا وَكَانَ قَاضِيا لأبي جَعْفَر على سَواد الْكُوفَة وضياعها، مَاتَ سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَة اسْتشْهد بِهِ البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح وَرُوِيَ لَهُ فِي الْأَدَب وَرُوِيَ لَهُ الْبَاقُونَ سوى التِّرْمِذِيّ. قَوْله: (كم يَكْفِي الرجل من الْقُرْآن) قَالَ بَعضهم: أَي فِي الصَّلَاة. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل مُرَاده: كم يَكْفِيهِ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة من قِرَاءَة الْقُرْآن مُطلقًا. قَالَ عَلِي: حَدثنَا سُفْيانُ أخبرنَا مَنْصُورٌ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عبْدِ الرَّحْمانِ بنِ يَزيدَ أخْبَرَهُ علْقمَةُ عنْ أبي مَسْعُودٍ: ولَقِيتُهُ وهْوُ يَطُوفُ بالْبيْتِ فَذَكَرَ النبيَّ ﷺ أنَّ مَنْ قَرَأ بالآيَتَينِ مِنْ إخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتاهُ أَي: قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ، وَهَذَا مَوْصُول من تَتِمَّة الْخَبَر الْمَذْكُور. قَوْله: (حَدثنَا) أَي: سُفْيَان أخبرنَا مَنْصُور بن المعمر عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد عَن عَلْقَمَة بن قيس عَن أبي مَسْعُود عقبَة بن عَامر البدري، ومطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (من قَرَأَ الْآيَتَيْنِ) من حَيْثُ إِنَّه يدل على الإكتفاء بالآيتين، بِخِلَاف مَا قَالَ ابْن شبْرمَة: بِثَلَاث. وَعبد الرَّحْمَن بن يزِيد رُوِيَ هُنَا عَن عَلْقَمَة عَن أبي مَسْعُود وَرُوِيَ فِي: بَاب فضل سُورَة الْبَقَرَة، وَفِي: بَاب من لم ير بَأْسا أَن يَقُول: سُورَة الْبَقَرَة، عَن أبي مَسْعُود، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَارَة يروي بِوَاسِطَة وَتارَة بِلَا بِوَاسِطَة، وَكِلَاهُمَا صَحِيح، وَالْكَلَام فِي الحَدِيث مر فِي فضل سُورَة الْبَقَرَة. ٢٥٠٥ - حدَّثنا مُوسَى حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ مُغيرَةَ عنْ مُجاهدٍ عنْ عبْدِ الله بن عَمْرٍ وَقَالَ: أنْكَحَنِي أبي امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ فَكانَ يَتَعَاهَدُ كَنّتَهُ فَيَسألُها عنْ بَعْلِها، فَتَقُولُ: نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ، لَمْ يَطَأْ لَنا فِرَاشا ولَمْ يُفَدِّشْ لَنا كَنَفَا مُذْ أتَيْناهُ، فلَمَّا طَال ذالِكَ عليْهِ ذَكَرَ للنبيِّ صلى الله عَلَيْهِ

стр. 5945

وَسلم، فَقَالَ: القِينِي بِهِ، فَلَيقِيتُهُ بَعْدُ، فَقَالَ: كَيْفَ تَصُومُ؟ قَالَ: كلَّ يَوْمٍ. قَالَ: وكَيْفَ تَخْتِمُ؟ قَالَ: كلَّ لَيْلَةٍ، قَالَ صُمْ فِي كلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةً، واقْرَإ القُرْآنَ فِي كلِّ شَهْرٍ. قَالَ: قُلْتُ: أُطِيقُ أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: صُمْ ثَلَاثَة أيَّامٍ فِي الجُمُعَةِ. قَالَ: قُلْتُ: أُطِيقُ أكْثَرَ مِنْ ذالِكَ. قَالَ: أفْطِرْ يَوْمَيْنِ وصُمْ يَوْما، قَالَ: قُلْتُ أُطِيقُ أكْثَرَ مِنْ ذالِكَقال: صُمْ أفْضَلَ الصَّوْمِ صَوْمَ داوُدَ: صِيامَ يَوْمٍ وإفْطارَ يَوْمٍ، واقْرَأْ فِي كلِّ سَبْعِ لَيالٍ مَرَّةً، فلَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رسولِ الله ﷺ ، وذَاكَ أنِّي كَبِرْتُ وَضَعُفْتُ، فَكانَ يقْرَأُ علَى بَعْضٍ أهْلِهِ السُّبْعَ مِنَ القُرْآنِ بِالنَّهَارِ والذِي يَقْرَؤُهُ يَعْرِضُهُ مِنَ النَّهارِ لِيَكُونَ أخَفَّ علَيْهِ باللَّيْلِ، وَإِذا أرَادَ أنَّ يتَقَوَّى أفطَرَ أيَّاما وأحْصي، وصامَ مِثْلَهُنَّ كرَاهِيَةَ أنْ يتْرُكَ شَيْئا، فارَقَ النبيَّ ﷺ علَيهِ. قَالَ أبُو عبْدِ الله: وَقَالَ بعْضُهُمْ: فِي ثَلاثٍ وَفِي خَمْسٍ، وأكْثَرُهُمْ علَى سَبْعٍ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَيفَ تختم؟ قَالَ: كل لَيْلَة) . ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل الْمنْقري التَّبُوذَكِي، وَأَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي، ومغيرة هُوَ ابْن مقسم، بِكَسْر الْمِيم: الْكُوفِي. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن مُحَمَّد بن بشر بِهِ وَفِي الصَّوْم عَن مُحَمَّد بن معمر وَغَيره. قَوْله: (أنكحني أبي) أَي: زَوجنِي، وَهُوَ مَحْمُول على أَنه كَانَ المشير عَلَيْهِ بذلك، وَإِلَّا فعبد الله بن عَمْرو وَكَانَ رجلا كَامِلا، أَو كَانَ مُحْتملا عَنهُ بِالصَّدَاقِ، أَو زوجه بالفضول فَأَجَازَهُ. قَوْله: (امْرَأَة ذَات حسب) أَي: ذَات شرف بِالْآبَاءِ، وَجَاء فِي رِوَايَة أَحْمد: امْرَأَة من قُرَيْش، وَهِي أم مُحَمَّد بنت محمية، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الْمِيم وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف الْخَفِيفَة: ابْن جُزْء الزبيدِيّ حَلِيف قُرَيْش. قَوْله: (فَكَانَ يتَعَاهَد) أَي: فَكَانَ أبي وَهُوَ عَمْرو بن الْعَاصِ يتَعَاهَد أَي: يتفقد. قَوْله: (كنته) بِفَتْح الْكَاف وَتَشْديد النُّون، وَهِي امْرَأَة ابْنه. قَوْله: (عَن بَعْلهَا) أَي: عَن زَوجهَا وَهُوَ عبد الله. قَوْله: (فَتَقول) أَي الكنة تَقول فِي جَوَاب عَمْرو حِين يسْأَلهَا عَنهُ. قَوْله: (نعم الرجل من رجل) قَالَ الْكرْمَانِي: الْمَخْصُوص بالمدح مَحْذُوف، ثمَّ قَالَ: يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: نعم الرجل من بَين الرِّجَال، والنكرة فِي الْإِثْبَات قد تفِيد التَّعْمِيم، كَمَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿علمت نفس مَا أحضرت﴾ (التكوير: ٤١) أَو أَن يكون من بَاب التَّجْرِيد كَأَنَّهَا جردت من رجل مَوْصُوف بِكَذَا وَكَذَا رجلا، فَقَالَت: نعم الرجل الْمُجَرّد من كَذَا فلَان، وَقَالَ الْمَالِكِي فِي الشواهد: تضمن هَذَا الحَدِيث وُقُوع التَّمْيِيز بعد فَاعل نعم ظَاهرا، وسيبويه لَا يجوّز أَن يَقع التَّمْيِيز بعد فَاعله إلَاّ إِذا اضمر الْفَاعِل، وَأَجَازَهُ الْمبرد وَهُوَ الصَّحِيح. قَوْله: (لم يطَأ لنا فراشا) أَي: لم يضاجعنا حَتَّى يطَأ فراشنا. قَوْله: (وَلم يفتش لنا) ، بفاه مَفْتُوحَة وتاء مثناة من فَوق مُشَدّدَة: كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَكَذَا فِي رِوَايَة أَحْمد وَالنَّسَائِيّ، وَفِي رِوَايَة الكشمهيني: وَلم يغش، بغين مُعْجمَة سَاكِنة بعْدهَا شين مُعْجمَة. قَوْله: (كنفا) بِفَتْح الْكَاف وَالنُّون بعْدهَا فَاء وَهُوَ السّتْر والجانب، وأرادت بذلك الْكِنَايَة عَن عدم جمَاعَة لَهَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: والكنف السَّاتِر والوعاء أَو بِمَعْنى الكنيف. فَإِن قلت: مَا الْمَقْصُود من الجملتين؟ قلت: تَعْنِي لم يضاجعنا حَتَّى يطَأ فراشا، وَلم يطعم عندنَا حَتَّى يحْتَاج أَن يفتش عَن مَوضِع قَضَاء الْحَاجة، انْتهى. وَقَالَ بَعضهم: الأول أولى. قلت: لم يبين وَجه الْأَوْلَوِيَّة وَلم يكن قَصده إلَاّ غمزة فِي حَقه. قلت: حَاصِل الْكَلَام هُنَا أَن هَذِه الْمَرْأَة شكرت عبد الله أَولا بِأَنَّهُ قوام بِاللَّيْلِ صوام بِالنَّهَارِ، ثمَّ شكت من حَيْثُ إِنَّه لم يضاجعها وَلم يطعم شَيْئا عِنْدهَا، فحط عَلَيْهِ أَبوهُ عمر، وَيُؤَيّد ذَلِك مَا جَاءَ فِي رِوَايَة هشيم: فَأقبل عَليّ يلومني، فَقَالَ: أنكحتك امْرَأَة من قُرَيْش ذَات حسب فعضلتها وَفعلت، ثمَّ انْطلق إِلَى النَّبِي ﷺ فَشَكَانِي. قَوْله: (فَلَمَّا طَال ذَلِك عَلَيْهِ) أَي: على عَمْرو، ذكر ذَلِك للنَّبِي ﷺ . قَوْله: (فَقَالَ القني بِهِ) أَي: فَقَالَ النَّبِي ﷺ ، لعَمْرو بن الْعَاصِ: القني بِهِ أَي: بِعَبْد الله، والقني مُشْتَقّ من اللِّقَاء. وَالْمعْنَى: اجْتمعَا عِنْدِي. قَوْله: (فَلَقِيته بعد) أَي: لقِيت عبد الله، قَائِله النَّبِي ﷺ . وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح: اخْتلف الروَاة كَيفَ كَانَ لَقِي النَّبِي ﷺ ، فَقيل: إِنَّه ﷺ أَتَاهُ، وَقيل: لَقيته اتِّفَاقًا، فَقَالَ لَهُ: اجْتمع بِي. قَوْله: (بعد) مَبْنِيّ على الضَّم لانقطاعه عَن الْإِضَافَة أَي: بعد ذَلِك. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: النَّبِي ﷺ :

стр. 5946

(كَيفَ تَصُوم) . وَقد مضى فِي كتاب الصَّوْم مَا يتَعَلَّق بِهِ قَوْله: (أُطِيق أَكثر من ذَلِك) وَلَيْسَ فِيهِ مُخَالفَة لأمر النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ علم أَن مُرَاده تسهيل الْأَمر وتخفيفه عَلَيْهِ، وَلَيْسَ الْأَمر للْإِيجَاب. قَوْله: (صم ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْجُمُعَة قَالَ: أُطِيق أَكثر من ذَلِك) أَي: من ثَلَاثَة أَيَّام قَوْله: (قَالَ: صم يَوْمًا) أَي: قَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : صم يَوْمًا وَأفْطر يَوْمَيْنِ. قلت: أُطِيق أَكثر من ذَلِك، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا وهم من الرَّاوِي لِأَن ثَلَاثَة أَيَّام من الْجُمُعَة أَكثر من فطر يَوْمَيْنِ وَصِيَام يَوْم؛ وَكَذَا قَالَه عبد الْملك، وَقَالَ الدَّاودِيّ: إلَاّ أَن يُرِيد ثَلَاثَة من قَوْله: (أفطر يَوْمًا وصم يَوْمًا) وَهَذَا خُرُوج عَن الظَّاهِر. قَوْله: (صِيَام يَوْم) وَيجوز فِيهِ النصب على تَقْدِير: كَانَ يَصُوم صِيَام يَوْم، وَيجوز الرّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ صِيَام يَوْم. قَوْله: (إفطار يَوْم) عطف عَلَيْهِ على الْوَجْهَيْنِ. قَوْله: (واقرأ فِي كل سبع لَيَال مرّة) أَي: اختم فِي كل سبع لَيَال مرّة وَاحِدَة. قَوْله: (فَكَانَ يقْرَأ) هُوَ كَلَام مُجَاهِد يصف صَنِيع عبد الله بن عمر وَلما كبر، وَقد قع مُصَرحًا بِهِ فِي رِوَايَة هشيم. قَوْله: (كَبرت) بِكَسْر الْبَاء فِي السن، وَأما كَبرت بِالضَّمِّ فَفِي الْقُدْرَة. قَوْله: (وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ) أَي: وَالَّذِي أَرَادَ أَن يقرأه بِاللَّيْلِ يعرضه بِالنَّهَارِ. قَوْله: (وأحصي) أَي: عدم أَيَّام الْإِفْطَار. قَوْله: (كَرَاهِيَة) نصب على التَّعْلِيل، أَي: لأجل كَرَاهِيَة أَن يتْرك شَيْئا، وَكلمَة أَن يتْرك شَيْئا، وَكلمَة: أَن مَصْدَرِيَّة. فَإِن قلت: قد فَارق النَّبِي ﷺ على صَوْم الدَّهْر وَقد ترك ذَلِك؟ قلت: غَرَضه أَنه مَا ترك السرد والتتابع فِي الْجُمْلَة، وَهُوَ الَّذِي فَارقه عَلَيْهِ. قَوْله: (قَالَ أَبُو عبد الله) ، هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. قَوْله: (وَقَالَ بَعضهم فِي ثَلَاث) أَي: قَالَ بعض الروَاة: قَرَأَ فِي كل ثَلَاث لَيَال مرّة وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَى رِوَايَة شُعْبَة عَن مُغيرَة بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، فَقَالَ: اقْرَأ الْقُرْآن فِي كل شهر، قَالَ: إِنِّي أُطِيق أَكثر من ذَلِك، فَمَا زَالَ حَتَّى قَالَ: فِي ثَلَاث، وَرُوِيَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ مصححا من طَرِيق يزِيد بن عبد الله بن الشخير عَن عبد الله بن عَمْرو مَرْفُوعا: لَا يفقه من قَرَأَ الْقُرْآن فِي أقل من ثَلَاث، وَهُوَ اخْتِيَار أَحْمد وَأبي عبيد وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَآخَرُونَ. قَوْله: (وَفِي خمس) أَي: اقرأه فِي كل خمس لَيَال، وَرُوِيَ الدَّارمِيّ من طَرِيق أبي فَرْوَة عَن عبد الله بن عَمْرو، قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله! فِي كم أختم الْقُرْآن؟ قَالَ: أختمه فِي شهر. قلت: إِنِّي أُطِيق قَالَ أختمه فِي خَمْسَة وَعشْرين. قلت: إِنِّي أُطِيق قَالَ: أختمه فِي عشْرين. قلت) إِنِّي أُطِيق، قَالَ: اختمه فِي خمس عشرَة، قلت إِنِّي أُطِيق قَالَ اختمه فِي خمس. قبت إِنِّي إطيق. قَالَ: لَا وَأَبُو فَرْوَة بِالْفَاءِ عُرْوَة بن الْحَارِث الْجُهَنِيّ الْكُوفِي الثِّقَة. قَوْله: (وَأَكْثَرهم على سبع) أَي: أَكثر الروَاة عَن عبد الله بن عَمْرو: على سبع لَيَال، يَعْنِي: إقرأ فِي كل سبع لَيَال مرّة، وَرُوِيَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من ذريق وهب بن مُنَبّه عَن عبد الله بن عَمْرو أَنه سَأَلَ رَسُول الله ﷺ : فِي كم يقْرَأ الْقُرْآن؟ قَالَ: فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثمَّ قَالَ: فِي شهر، قَالَ: فِي عشْرين، ثمَّ قَالَ: فِي خمس عشرَة، ثمَّ قَالَ: فِي عشر، ثمَّ قَالَ: فِي سبع، ثمَّ لم ينزل عَن سبع فَإِن قلت: كَيفَ التَّوْفِيق بَين هَذَا وَبَين حَدِيث أبي فَرْوَة الْمَذْكُور؟ قلت: بِتَعَدُّد الْقِصَّة، فَلَا مَانع أَن يتَكَرَّر قَول النَّبِي ﷺ لعبد الله بن عَمْرو، وَلِأَن النَّهْي عَن الزِّيَادَة لَيْسَ للتَّحْرِيم كَمَا أَن الْأَمر فِي جَمِيع ذَلِك لَيْسَ للْوُجُوب. ٣٥٠٥ - حدَّثنا سَعْدُ بنُ حَفْصِ حدَّثنا شَيْبانُ عنْ يَحْيى اعنْ مُحَمَّدِ بنِ عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي سلَمَةَ عنْ عبْدِ الله بنِ عمْرو قَالَ: قَالَ لِي النبيُّ ﷺ فِي كَمْ تَقْرَأُ القُرْآنَ؟. ٤٥٠٥ - وحدَّثني إسْحاقُ أخبرنَا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى عنْ شَيْبانَ عنْ يَحْيى اعنْ مُحَمَّدٍ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ مَوْلَى زُهْرَةَ عنْ أبي سلَمَةَ، قَالَ: وأحْسبُنِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنا مِنْ أبي سَلَمَةَ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍ وَقَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : اقْرَإ القُرْآنَ فِي شَهْرٍ. قُلْتُ: إنِّي أجِدُ قُوَّةً، حتَّى قَالَ: فاقرَأهُ فِي سَبْعِ وَلَا تَزِدْ علَى ذَلِكَ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فاقرأه فِي سبع) وَفِي قَوْله: (كم تقْرَأ الْقُرْآن؟) وَأخرجه من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن سعد بن حَفْص أبي مُحَمَّد الطلحي الْكُوفِي يُقَال لَهُ الضخم عَن أبي مُعَاوِيَة شَيبَان النَّحْوِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن مولى بني زهرَة عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. وَالْآخر: عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن عبيد الله بن مُوسَى وَهُوَ من شُيُوخ البُخَارِيّ، رُوِيَ عَنهُ بِوَاسِطَة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن الْقَاسِم بن زَكَرِيَّاء عَن عبيد الله بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم. قَوْله: (وأحسبني) قَائِل هَذَا هُوَ يحيى بن أبي كثير وأحسبني أَي: أَظن نَفسِي أَنِّي سَمِعت هَذَا

стр. 5947

من أبي سَلمَة. وَكَانَ يحيى يحدث بِهَذَا عَن أبي سَلمَة، ثمَّ توقف فِيهِ وتححق أَنه سَمعه بِوَاسِطَة مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن، وَلَا يضر هَذَا لِأَن يحيى من رُوِيَ عَن أبي سَلمَة، وَقد تقدم فِي الصّيام من طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى عَن أبي سَلمَة مُصَرحًا بِالسَّمَاعِ من غير توقف. قَوْله: (وَلَا تزد على ذَلِك) أَي: على سبع قَالَ الْكرْمَانِي. مُقْتَضى لَا تزد أَن لَا تجوز الزِّيَادَة. قلت: لَعَلَّ ذَلِك بِالنّظرِ إِلَى الْمُخَاطب، خاطبه لضَعْفه وعجزه. أَو أَن النَّهْي لَيْسَ للتَّحْرِيم، وَكَانَ أبي بن كَعْب يختمه فِي ثَمَان. وَكَانَ الْأسود يختمه فِي سِتّ، وعلقمة فِي خمس، وَرُوِيَ عَن معَاذ بن جبل، وَكَانَت طَائِفَة تقْرَأ الْقُرْآن كُله فِي لَيْلَة أَو رَكْعَة. وَرُوِيَ ذَلِك عَن عُثْمَان بن عَفَّان وَتَمِيم الدَّارِيّ. وَكَانَ سليم يختك الْقُرْآن فِي لَيْلَة ثَلَاث مَرَّات، ذكر ذَلِك أَبُو عبيد. وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح: أَكثر مَا بلغنَا، قِرَاءَة ثَمَان ختمات فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة، وَقَالَ السّلمِيّ: سَمِعت الشَّيْخ أَبَا عُثْمَان المغربي يَقُول: ابْن الْكَاتِب يخْتم بِالنَّهَارِ أَربع ختمات وبالليل أَربع ختمات. ٥٣ - (بابُ البُكاءِ عِنْدَ قِرَاءَةِ القُرْآنِ) أَي: هَذَا بَاب ف بَيَان حسن الْبكاء عِنْد قِرَاءَة الْقُرْآن، لِأَنَّهُ صفة العارفين وشعار الصَّالِحين قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يخرون للأذقان يَبْكُونَ﴾ (الْإِسْرَاء: ٩٠١) ﴿خروا سجدا وبكيا﴾ (مَرْيَم: ٨٥) . ٥٥٠٥ - حدَّثنا صَدَقَةُ أخبرنَا يَحْياى عنْ سُفْيانَ عنْ سُلَيْمانَ عنْ إبْراهِيمَ عنْ عَبِيدَةَ عنْ عبْدِ الله قَالَ يَحْيى ا: بعْضُ الحَدِيثِ عنْ عَمْرِو بنِ مُرَّةَ، قَالَ لِي النبيُّ ﷺ . ح وحدَّثنا مُسَدَّدٌ عنْ يَحْيى عنْ سُفْيانَ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ وعَنْ عَبِيدَةَ عنْ عبْدِ الله قَالَ الأعْمَشُ؛ وبَعْضَ الحَدِيثِ حدَّثني عَمْرُو بنُ مُرَّةَ عنْ إبْرَاهِيمَ وعنْ أبِيهِ عنْ أبي الضُّحى عنْ عبْدِ الله قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : اقْرَأُ علَيَّ. قَالَ: قُلْتُ آقْرَأُ علَيْكَ وعلَيْكَ أنزِل؟ قَالَ: إنِّي أشْتَهِي أنْ أسْمَعَهُ منْ غَيْرِي قَالَ: فَقَرَأتُ النِّساءَ حتَّى إذَا بلَغْتُ ﴿ (٤) ؟ ٤١﴾ (النِّسَاء: ١٤) قَالَ لي: كُفَّ أوْ أمْسِكْ، فرَأيْتُ عَيْنَيْهِ تَذْرِفانِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (قرأيت عَيْنَيْهِ نذرفان) . والْحَدِيث مربعين هَذَا الْإِسْنَاد فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء، كَمَا أخرجه هُنَا عَن صَدَقَة بن الْفضل عَن يحيى الْقطَّان عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن عُبَيْدَة، بِفَتْح الْعين: السَّلمَانِي عَن عبد الله بن مَسْعُود. أخرجه عَن قريب فِي بَاب قَول المقرىء للقارىء: حَسبك، عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الْأَعْمَش إِلَى آخِره، وَمر فِي الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (وَبَعض الحَدِيث) مَنْصُوب بقوله: حَدثنِي عَمْرو بن مرّة عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ. قَوْله: (وَعَن أَبِيه) عطف على قَوْله: (عَن سُلَيْمَان) . قَوْله: (وَعَن أَبِيه) أَي: عَن أبي سُفْيَان، واسْمه سعيد بن مَسْرُوق الثَّوْريّ وَالْحَاصِل أَن سُفْيَان الثَّوْريّ رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش وَرَوَاهُ أَيْضا عَن أَبِيه سعيد وَأَبوهُ رُوِيَ عَن أبي الضُّحَى مُسلم بن صبيح الْكُوفِي عَن عبد الله بن مَسْعُود، وَهُوَ مُنْقَطع لِأَن أَبَا الضُّحَى لم يدْرك ابْن مَسْعُود وَرِوَايَة إِبْرَاهِيم عَن أبي عُبَيْدَة عَن ابْن مَسْعُود مُتَّصِلَة. قَوْله: (كف أَو أمسك) شكّ من الرَّاوِي، وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة: حَسبك، وَوَقع فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن فضَالة الظفري: أَن ذَلِك كَانَ وَهُوَ ﷺ فِي بني ظفر أخرجه ابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ وَغَيرهمَا من طَرِيق يُونُس بن مُحَمَّد بن فضَالة عَن أَبِيه: أَن النَّبِي ﷺ أَتَاهُم فِي بني ظفر وَمَعَهُ ابْن مَسْعُود وناس من أَصْحَابه، فَأمر قَارِئًا فَقَرَأَ، فَأتى على هَذِه الْآيَة ﴿فَكيف إِذا جِئْنَا من أكل أمة بِشَهِيد﴾ (النِّسَاء: ١٤) فَبكى حَتَّى ضرب لحياه ووجنتاه، فَقَالَ: يارب هَذَا شهِدت على أَمن أَنا بَين ظهريه، فَكيف على من ألم أره؟ وَأخرج ابْن الْمُبَارك فِي الزّهْد من طَرِيق سعيد بن الْمسيب قَالَ: لَيْسَ من يَوْم إلَاّ يعرض على النَّبِي ﷺ أمته غدْوَة وَعَشِيَّة فيعرفهم بِسِيمَاهُمْ وأعمالهم، فَلذَلِك يشْهد عَلَيْهِم فَفِي هَذَا الْمُرْسل مَا يرفع الْإِشْكَال الَّذِي تضمنه حَدِيث ابْن فضَالة. ٥٥٠٥ - حدَّثنا صَدَقَةُ أخبرنَا يَحْياى عنْ سُفْيانَ عنْ سُلَيْمانَ عنْ إبْراهِيمَ عنْ عَبِيدَةَ عنْ عبْدِ الله قَالَ يَحْيى ا: بعْضُ الحَدِيثِ عنْ عَمْرِو بنِ مُرَّةَ، قَالَ لِي النبيُّ ﷺ . ح وحدَّثنا مُسَدَّدٌ عنْ يَحْيى عنْ سُفْيانَ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ وعَنْ عَبِيدَةَ عنْ عبْدِ الله قَالَ الأعْمَشُ؛ وبَعْضَ الحَدِيثِ حدَّثني عَمْرُو بنُ مُرَّةَ عنْ إبْرَاهِيمَ وعنْ أبِيهِ عنْ أبي الضُّحى عنْ عبْدِ الله قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : اقْرَأُ علَيَّ. قَالَ: قُلْتُ آقْرَأُ علَيْكَ وعلَيْكَ أنزِل؟ قَالَ: إنِّي أشْتَهِي أنْ أسْمَعَهُ منْ غَيْرِي قَالَ: فَقَرَأتُ النِّساءَ حتَّى إذَا بلَغْتُ ﴿ (٤) ؟ ٤١﴾ (النِّسَاء: ١٤) قَالَ لي: كُفَّ أوْ أمْسِكْ، فرَأيْتُ عَيْنَيْهِ تَذْرِفانِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (قرأيت عَيْنَيْهِ نذرفان) . والْحَدِيث مربعين هَذَا الْإِسْنَاد فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء، كَمَا أخرجه هُنَا عَن صَدَقَة بن الْفضل عَن يحيى الْقطَّان عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن عُبَيْدَة، بِفَتْح الْعين: السَّلمَانِي عَن عبد الله بن مَسْعُود. أخرجه عَن قريب فِي بَاب قَول المقرىء للقارىء: حَسبك، عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الْأَعْمَش إِلَى آخِره، وَمر فِي الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (وَبَعض الحَدِيث) مَنْصُوب بقوله: حَدثنِي عَمْرو بن مرّة عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ. قَوْله: (وَعَن أَبِيه) عطف على قَوْله: (عَن سُلَيْمَان) . قَوْله: (وَعَن أَبِيه) أَي: عَن أبي سُفْيَان، واسْمه سعيد بن مَسْرُوق الثَّوْريّ وَالْحَاصِل أَن سُفْيَان الثَّوْريّ رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش وَرَوَاهُ أَيْضا عَن أَبِيه سعيد وَأَبوهُ رُوِيَ عَن أبي الضُّحَى مُسلم بن صبيح الْكُوفِي عَن عبد الله بن مَسْعُود، وَهُوَ مُنْقَطع لِأَن أَبَا الضُّحَى لم يدْرك ابْن مَسْعُود وَرِوَايَة إِبْرَاهِيم عَن أبي عُبَيْدَة عَن ابْن مَسْعُود مُتَّصِلَة. قَوْله: (كف أَو أمسك) شكّ من الرَّاوِي، وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة: حَسبك، وَوَقع فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن فضَالة الظفري: أَن ذَلِك كَانَ وَهُوَ ﷺ فِي بني ظفر أخرجه ابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ وَغَيرهمَا من طَرِيق يُونُس بن مُحَمَّد بن فضَالة عَن أَبِيه: أَن النَّبِي ﷺ أَتَاهُم فِي بني ظفر وَمَعَهُ ابْن مَسْعُود وناس من أَصْحَابه، فَأمر قَارِئًا فَقَرَأَ، فَأتى على هَذِه الْآيَة ﴿فَكيف إِذا جِئْنَا من أكل أمة بِشَهِيد﴾ (النِّسَاء: ١٤) فَبكى حَتَّى ضرب لحياه ووجنتاه، فَقَالَ: يارب هَذَا شهِدت على أَمن أَنا بَين ظهريه، فَكيف على من ألم أره؟ وَأخرج ابْن الْمُبَارك فِي الزّهْد من طَرِيق سعيد بن الْمسيب قَالَ: لَيْسَ من يَوْم إلَاّ يعرض على النَّبِي ﷺ أمته غدْوَة وَعَشِيَّة فيعرفهم بِسِيمَاهُمْ وأعمالهم، فَلذَلِك يشْهد عَلَيْهِم فَفِي هَذَا الْمُرْسل مَا يرفع الْإِشْكَال الَّذِي تضمنه حَدِيث ابْن فضَالة. ٦٥٠٥ - حدَّثنا قَيْسُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا عبْدُ الوَاحِدِ حَدثنَا الأعْمَشُ عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ عَبِيدَةَ

стр. 5948

السلامنِيِّ عنْ عبْدِ الله، ﵁، قَالَ: قَالَ لِي النبيُّ ﷺ : اقْرَأُ علَيَّ. قُلْتُ أَقرَأ علَيْكَ وعلَيْكَ أُنْزِل قَالَ: إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي.. هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور وَأخرجه عَن قيس بن حَفْص بن الْقَعْقَاع أَبُو مُحَمَّد الْبَصْرِيّ الدَّارمِيّ من أَفْرَاده عَن الْخَمْسَة، وَلَيْسَ فِي شُيُوخ السّنة من اسْمه: قيس، غَيره قَالَ البُخَارِيّ: مَاتَ سنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ يروي عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ إِلَى آخِره. ٦٣ - (بابُ مَنْ رَايا بِقرَاءَتهِ القُرْآنِ أوْ تأكَّلَ بِه، أوْ فجَرَ بهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم من رايا من المرايات، ويروي من: رأى، بِهَمْزَة وَفِي بعض النّسخ: بَاب إِثْم من رايا. قَوْله: (بقرَاءَته الْقُرْآن) بِنصب القرآنْ، ويروي: بِقِرَاءَة الْقُرْآن، بِالْجَرِّ على الْإِضَافَة. قَوْله: (أَو تَأْكُل) . من بَاب: تفعل، بِالتَّشْدِيدِ أَي: طلب الْأكل بِهِ، أَي: بِالْقُرْآنِ. قَوْله: (أَو فجر) بِالْجِيم فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين من الْفُجُور، وَقَالَ ابْن التِّين فِي رِوَايَة: بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة من الفخرة. ٧٥٠٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرَنا سُفْيانُ حثنا الأعْمَشُ عنْ خَيْثَمَةَ عنْ سُوَيْدِ بن غَفَلَةَ قَالَ: قَالَ علِيُّ، ﵁: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ: يأتِي ي آخِرِ الزَّمانِ قوْمٌ حُدَثاءُ الأسْنانِ سُفَهاءُ الأحْلَامِ يَقُولونَ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ البَرِيّة، يَمْرُقُونَ منَ الأَسْلَامِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ منَ الرَّمِيَّةِ لَا يُجَاوِزُ إيمَانُهُمْ حنَاجِرَهُمْ، فأيْنَما لَقِيتُمُوهُمْ فإِنَّ قَتْلَهُمْ أجْرٌ لمَنْ قتَلَهُمْ يوْمَ القِيَامَةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث وَهِي أَن الْقِرَاءَة إِذا كَانَت لغير الله فَهِيَ للرياء أَو للتأكل بِهِ أَو نَحْو ذَلِك. وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ أكل بِالْقُرْآنِ وَمَا تَأْكُل، وَفرق بَين الْأكل والتأكل أَو أَنه قَرَأَ لجِهَة الرّقية لَا لجِهَة الْقِرَاءَة. وَأخرجه عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن خَيْثَمَة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة: ابْن عبد الرَّحْمَن الْكُوفِي عَن سُوَيْد، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن غَفلَة، بالغين الْمُعْجَمَة وَالْفَاء المفتوحتين، مر فِي كتاب اللّقطَة عَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث مضى بأتم مِنْهُ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد. قَوْله: (سفاء الأحلام) ، أَي: الْعُقُول. قَوْله: (يَقُولُونَ من قَول خير الْبَريَّة) ، قيل: صَوَابه: قَول خير الْبَريَّة. وَأجِيب: بِأَنَّهُ من بَاب الْقلب أَو مَعْنَاهُ خير من قَول الْبَريَّة، أَي: من كَلَام الله، وَهُوَ الْمُنَاسب للتَّرْجَمَة أَو خير أَقْوَال الْخلق، أَي: قَول رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (يَمْرُقُونَ) ، أَي: يخرجُون. قَوْله: (الرَّمية) ، بِكَسْر الْمِيم الْخَفِيفَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، فعلية بِمَعْنى الْمَفْعُول أَي: الصَّيْد المرمي مثلا. قَوْله: (حَنَاجِرهمْ) ، جمع حنجرة، وَهِي رَأس الغلصمة حَيْثُ ترَاهُ ناتئا من خَارج الْحلق. قَوْله: (فاقتلوهم) قَالَ مَالك: من قدر عَلَيْهِ مِنْهُم استتيب، فَإِن تَابَ وإلَاّ قتل. وَقَالَ سَحْنُون: من كَانَ يَدْعُو إِلَى بِدعَة قوتل حَتَّى يُؤْتى عَلَيْهِ أَو يرجع إِلَى الله. وَإِن لم يدع يضنع بِهِ مَا صنع عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يسجن ويكرر عَلَيْهِ الضَّرْب حَتَّى يَمُوت. قَوْله: (يَوْم الْقِيَامَة) ظرف لِلْأجرِ لَا للْقَتْل. ٨٥٠٥ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرَنا مالِكٌ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عنْ مُحَمَّدٍ بنِ إبْرَاهِيمَ بنِ الحَارِثِ التيْمِيِّ عَنْ أبي سَلمَةَ بنِ عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، ﵁، أنّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: يَخْرُجُ فِيكُمْ قوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ معَ صَلاتِهِمْ وصِيامَكُمْ معَ صِيامِهِمْ وعَمَلَكُمْ معَ عمَلِهِمْ، ويَقْرأوْنَ القُرْآنَ لَا يُجاوِزُ حَناجرَهُمْ، يَمْرُقُونَ منَ الدِّين كَما

стр. 5949

يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَنْظُرُ فِي النّصْلِ فَلَا يَرَى شَيْئا ويَنْظُرُ فِي القِدْحِ فَلا يَرَى شَيْئَا. ويَنظُرُ فِي الرِّيشِ فَلَا يَرَى شَيْئا، ويَتَمارَى فِي الفُوقِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة نَحْو مُطَابقَة الحَدِيث الَّذِي قبله. وَهَذَا الحَدِيث مضى فِي عَلَامَات النُّبُوَّة مطولا، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ولنذكر بعض شَيْء. قَوْله: (وعملكم مَعَ عَمَلهم) من عطف الْعَام على الْخَاص. قَوْله: (ينظر) أَي: الرَّامِي: هَل فِيهِ شَيْء من أثر الصَّيْد من الدَّم وَنَحْوه، وَلَا يرى أثرا مِنْهُ، والنصل هُوَ حَدِيد السهْم، والقدح بِكَسْر الْقَاف السهْم قبل أَن يراش ويركب بنصله. قَوْله: (ويتمارى) أَي: يشك الرَّامِي (فِي الفوق) بِضَم الْفَاء وَهُوَ مدْخل الْوتر مِنْهُ هَل فِيهِ شَيْء من أثر الصَّيْد يَعْنِي: نفذ السهْم المرمي بِحَيْثُ لم يتَعَلَّق بِهِ شَيْء وَلم يظْهر أَثَره فِيهِ، فَكَذَلِك قراءتهم لاتحصل لَهُم مِنْهَا فَائِدَة قَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن يكون ضمير: يتمارى، رَاجعا إِلَى الرَّاوِي، أَي: يشك الرَّاوِي فِي أَن رَسُول الله ﷺ ذكر الفوق أم لَا، وَالله أعلم. ٩٥٠٥ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا يَحْيى اعنْ شُعْبَةَ عنْ قَتادَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِك عنْ أبي مُوسَى عنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: المُؤْمِنُ الَّذَي يَقْرَأُ القُرْآنَ ويَعْمَلُ بِهِ كالأُتْرُجَّة، طَعْمُها طَيِّبٌ ورِيحُها طَيِّبٌ، والمُئْمِنُ الَّذِي: لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كالتمْرَةِ طَعْمُها طَيِّبٌ وَلَا ريحَ لَهَا، ومَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِييَقْرَأُ القُرْآنَ كالرَّيْحانَةِ رِيحُها طيِّبٌ وطَعْمُها مُر، ومَثَلُ المُنافِق الَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ كالحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ أوْ خَبِيثٌ مُرٌّ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث مضى فِي: بَاب فضل الْقُرْآن على سَائِر الْكَلَام، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن هدبة بن خَالِد عَن همام عَن قَتَادَة عَن أنس بن مَالك عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عبد الله بن قيس. قَوْله: (كالتمرة) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق لَا بِالْمُثَلثَةِ. قَوْله: (وَيعْمل بِهِ كالتمرة) عطف على قَوْله: (لَا يقْرَأ) لَا، على (يقْرَأ) . ٧٣ - (بابٌ اقْرَؤُا القُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: اقرؤا الْقُرْآن مَا ائتلف أَي: اجْتمعت قُلُوبكُمْ عَلَيْهِ، وَفِي بعض النّسخ لفظ عَلَيْهِ مَوْجُود. ٠٦٠٥ - حدَّثنا أبُو النُّعْمان حدّثنا حَمَّادٌ عنْ أبي عِمْرَانَ الجَوْنِيِّ عنْ جُنْدَبِ بنِ عبْدِ الله عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: اقرؤوا القُرْآنَ مَا ائُتَلَفَتْ قُلُوبكمْ، فإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عنْهُ. التَّرْجَمَة نصف الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ عَن أبي النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي عَن حَمَّاد بن زيد عَن أبي عمرَان عبد الْملك بن حبيب الْجونِي، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْوَاو وبالنون: نِسْبَة إِلَى أحد الأجداد. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الِاعْتِصَام عَن إِسْحَاق وَأخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن يحيى بن يحيى وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن عَمْرو بن عَليّ وَغَيره. قَوْله: (اقْرَءُوا الْقُرْآن مَا ائتلف قُلُوبكُمْ) يَعْنِي: اقرءوه عل نشاط مِنْكُم وخواطركم مَجْمُوعَة، فَإِذا حصل لكم ملالة فاتركوه فَإِنَّهُ أعظم من أَن يقرأه أحد من غير حُضُور الْقلب، كَذَا فسره الطَّيِّبِيّ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَن المُرَاد اقْرَءُوا الْقُرْآن مَا دَامَ بَين أَصْحَاب الْقِرَاءَة ائتلاف، فَإِذا حصل اخْتِلَاف فَقومُوا عَنهُ. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: كَانَ اخْتِلَاف الصَّحَابَة يَقع فِي القراآت واللغات فَأمروا بِالْقيامِ عِنْد الِاخْتِلَاف لِئَلَّا يجْحَد أحدهم مَا يقرأه الآخر، فَيكون جاحدا لما أنزل الله . ١٦٠٥ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ حَدثنَا عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ مَهْدِي حَدثنَا سَلَاّمُ بنُ مُطيعٍ عنْ أبي عِمْرَانَ الجَوْنِيِّ عنْ جُنْدَبٍ قَالَ النبيُّ ﷺ : اقرَءوا القُرْآنَ مَا اتْلَفَتْ عَليْهِ قُلُوبُكمْ، فإِذا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا.

стр. 5950

هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن عَمْرو بن عَليّ بن بَحر أبي حَفْص الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ الصَّيْرَفِي، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَسَلام، بتَشْديد اللَّام. قَوْله: (مَا ائتلفت عَلَيْهِ) لفظ: فِي هَذِه الرِّوَايَة دون الرِّوَايَة السَّابِقَة. تابَعَهُ الحارِثُ بنُ عُبَيْدٍ وَسعيدُ بنُ زَيْدِ عنْ أبي عِمْرَانَ أَي: تَابع سَلام بن أبي مُطِيع الْحَارِث بن عبيد مصغر عبد أَبُو قدامَة الْإِيَادِي، بِكَسْر الْهمزَة الْبَصْرِيّ، وَتَابعه أَيْضا سعيد بن زيد هُوَ أَخُو حَمَّاد بن زيد، والمتابعة فِي رفع الحَدِيث الْمَرْوِيّ عَن جُنْدُب، أما مُتَابعَة الْحَارِث فرواها الدَّارمِيّ عَن أبي غَسَّان مَالك بن إِسْمَاعِيل عَنهُ، وَلَفظه مثل رِوَايَة حَمَّاد بن زيد الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث الْمَذْكُور أَولا، وَأما مُتَابعَة سعيد بن زيد فرواها الْحسن بن سُفْيَان فِي مُسْند من طَرِيق أبي هِشَام المَخْزُومِي عَنهُ، قَالَ: سَمِعت أَبَا عمر قَالَ: حَدثنَا جُنْدُب فَذكر الحَدِيث مَرْفُوعا فِي آخِره: فَإِذا اختلفتم فِيهِ فَقومُوا. ولَمْ يَرْفَعْهُ حمَّادُ بنُ سلَمَةَ وأبانُ أَي: وَلم يرفع الحَدِيث الْمَذْكُور حَمَّاد بن وَأَبَان: بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن يزِيد الْعَطَّار حَاصله رويا الحَدِيث الْمَذْكُور مَوْقُوفا على جُنْدُب، وَلَكِن مُسلما رُوِيَ حَدِيث أبان مَرْفُوعا، فَقَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن سعيد بن صَخْر الدَّارمِيّ حَدثنَا حسان حَدثنَا أبان حَدثنَا أَبُو عمرَان قَالَ: قَالَ لنا جُنْدُب وَنحن غلْمَان بِالْكُوفَةِ: قَالَ رَسُول الله ﷺ اقْرَءُوا الْقُرْآن مَا ائتلفت عَلَيْهِ قُلُوبكُمْ، فَإِذا اختلفتم فِيهِ فَقومُوا، وَلَعَلَّ البُخَارِيّ وَقعت لَهُ رِوَايَة أبان مَوْقُوفَة، فَلذَلِك قَالَ: وَلم يرفعهُ حَمَّاد وَأَبَان. وَقَالَ غُنْدَرٌ عنْ شُعْبَةَ عنْ أبي عمرَانَ سَمِعْتُ جُنْدَبا قَوْلَهُ غنْدر بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَقد تكَرر ذكره وَهُوَ لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر. وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَن غندرا روى هَذَا الحَدِيث الْمَذْكُور عَن شُعْبَة عَن أبي عمرَان الْجونِي يَقُول: (سَمِعت جندبا) قَوْله: يَعْنِي لم يرفعهُ. وَوَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق بنْدَار، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون النُّون لقب مُحَمَّد بن بشار. وَقَالَ ابْن عَوْن عنْ أبي عِمْرَانَ عنْ عَبْدِ الله بنِ الصَّامِتِ عنْ عْمَرَ قَوْلَهُ أَي: قَالَ عبد الله بن عون الإِمَام الْمَشْهُور. وَهُوَ من أَقْرَان أبي عمرَان، يَعْنِي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور عَن أبي عمرَان عَن عبد الله بن الصَّامِت عَن عمر بن الْخطاب قَوْله: (يَعْنِي قَول عمر) وَوصل هَذِه الرِّوَايَة أَبُو عُبَيْدَة عَن معَاذ بن معَاذ عَن عبد الله بن عون وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن إِسْحَاق الْأَزْرَق عَن عبد الله بن عون بِهِ. وجُنْدَبٌ أصَحُّ وأكْثَرُ أَي: الرِّوَايَة عَن جُنْدُب أصح إِسْنَاد وَأكْثر من الرِّوَايَة عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَعْنِي: فِي هَذَا الحَدِيث، وَذَلِكَ أَن الجم الْغَفِير رَوَوْهُ عَن أبي عمرَان عَن جُنْدُب، إِلَّا أَنهم اخْتلفُوا عَلَيْهِ فِي رَفعه وَوَقفه، وَالَّذين رَفَعُوهُ ثِقَات حفاظ فَالْحكم لَهُم، وَأما رِوَايَة ابْن عون فشاذة وَلم يُتَابع عَلَيْهَا. وَقَالَ أَبُو بكر بن أبي دَاوُد لم يخطأ ابْن عون قطّ إلَاّ فِي هَذَا، وَالصَّوَاب عَن جُنْدُب، قيل: يحْتَمل أَن يكون ابْن عون حفظه وَيكون لأبي عمرَان فِيهِ شيخ آخر، وَإِنَّمَا توارد الروَاة على طَرِيق جُنْدُب الْعلمَاء لعلوها وَالتَّصْرِيح برفعها. ٢٦٠٥ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ المَلِكِ بنِ مَيْسَرَةَ عنْ النَّزَّالِ بنِ سَبْرَةَ عنْ عبْدِ الله أنَّهُ سَمِعَ رجُلاً يَقْرَأُ آيَةً سَمِعَ النبيَّ ﷺ ، خِلَافَها. فأخَذْتُ بِيَدِهِ فانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى النبيِّ ﷺ فَقَالَ: كِلَاكُما مُحْسِنٌ فَاقْرَآ. أكْثَرُ عِلْمِي قَالَ: فإِنَّ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا فأهْلَكَهُمْ. (انْظُر الحَدِيث ٠٨٤٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. (والنزال) ، بِفَتْح النُّون وَتَشْديد الزَّاي وباللام: ابْن سُبْرَة، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء: الْهِلَالِي تَابِعِيّ كَبِير، وَقد قيل: إِن لَهُ صُحْبَة، وَذهل الْمزي فَجزم فِي الْأَطْرَاف بِأَن لَهُ صُحْبَة، وَجزم فِي التَّهْذِيب

стр. 5951

بِأَن لَهُ رِوَايَة عَن أبي بكر مُرْسلَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. والْحَدِيث قد مر فِي الْأَشْخَاص عَن أبي الْوَلِيد، فِي ذكر بني إِسْرَائِيل عَن آدم. قَوْله: (سمع رجلا) ، قيل: يحْتَمل أَن يكون هُوَ أبي بن كَعْب. قَوْله: (كلاكما محسن) ، أَي: فِي الْقِرَاءَة، وَقيل: الْإِحْسَان رَاجع إِلَى ذَلِك الرجل بقرَاءَته إِلَى ابْن مَسْعُود بِسَمَاعِهِ من رَسُول الله ﷺ وتحربه فِي الِاحْتِيَاط. قَوْله: (فاقرآ) ، أَمر للاثنين. قَوْله: (أَكثر علمي) ، هَذَا الشَّك من شُعْبَة، وَأكْثر بالثاء الْمُثَلَّثَة، ويروي بِالْبَاء الْمُوَحدَة أَي، غَالب ظَنِّي أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (أَن من كَانَ قبلكُمْ اخْتلفُوا) . قَوْله: (فأهلكهم) ، أَي: الله، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (فأهلكوا) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. وَاعْلَم أَن الِاخْتِلَاف الْمنْهِي هُوَ الْخَارِج عَن اللُّغَات السَّبع. أَو مَا لَا يكون متواترا، وَأما غَيره فَهُوَ رَحْمَة لَا بَأْس بِهِ. وَذَلِكَ مثل الِاخْتِلَاف بِزِيَادَة الْوَاو ونقصانها فِي: ﴿قَالُوا اتخذ الله ولدا سُبْحَانَهُ﴾ (الْبَقَرَة: ٦١١) وبالجمع والإفراد ﴿كطي السّجل للكتب﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٤٠١) وَالْكتاب والتأنيث نَحْو: ﴿لتحصنكم من بأسكم﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٠٨) وَالِاخْتِلَاف التصريفي كَقَوْلِه: كذابا بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف، وَمن يقنط، بِالْفَتْح وَالْكَسْر، والنحوي نَحْو: ﴿ذُو الْعَرْش الْمجِيد﴾ (البروج: ٥١) بِالرَّفْع والجر وَاخْتِلَاف الأدوات مثل: وَلَكِن الشَّيَاطِين، بتَشْديد النُّون وتخفيفها، وَاخْتِلَاف اللُّغَات كالإمالة والتفخيم، وَقد فسر بَعضهم: أنزل الْقُرْآن على سَبْعَة أحرف، بِهَذِهِ الْوُجُوه من الِاخْتِلَاف، وَالله أعلم. ٧٦ - (كِتابُ النِّكاحِ) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام النِّكَاح، قَالَ الْأَزْهَرِي: أصل النِّكَاح فِي كَلَام الْعَرَب، الْوَطْء، وَقيل للتزويج: نِكَاح لِأَنَّهُ سَبَب الْوَطْء، وَقَالَ الزجاجي: هُوَ فِي كَلَام الْعَرَب الْوَطْء وَالْعقد جَمِيعًا، وَفِي الْمغرب: وَقَوْلهمْ النِّكَاح الضَّم مجَاز، وَفِي المغيث: النِّكَاح التَّزْوِيج، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: اشْتهر إِطْلَاقه على العقد، وَحَقِيقَته عِنْد الْفُقَهَاء على ثَلَاثَة أوجه حَكَاهَا القَاضِي حُسَيْن: أَصَحهَا: أَنه حَقِيقَة فِي العقد مجَاز فِي الوطىء. وَهُوَ الَّذِي صَححهُ أَبُو الطّيب وَبِه قطع الْمُتَوَلِي وَغَيره الثَّانِي: أَنه حَقِيقَة فيالوطء مجَاز فِي العقد وَبِه، قَالَ أَبُو حنيفَة. وَالثَّالِث: أَنه حَقِيقَة فيهمَا بالاشتراك. وَقَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي: فرقت الْعَرَب بَينهمَا فرقا لطيفا، فَإِذا قَالُوا: نكح فُلَانَة أَو بنت فُلَانَة أَو أُخْته، أَرَادوا عقد عَلَيْهَا، وَإِذا قَالُوا: أنكح امْرَأَته أَو زَوجته لم يُرِيدُوا إلَاّ الْوَطْء، لِأَن بِذكر امْرَأَته أَو زَوجته يسْتَغْنى عَن ذكر العقد، وَقَالَ الْفراء: الْعَرَب تَقول: نكح الْمَرْأَة بِضَم النُّون بضعهَا، وَهِي كِنَايَة عَن الْفرج، فَإِذا قَالُوا: نَكَحَهَا أَرَادوا: أصَاب نَكَحَهَا، وَهُوَ فرجهَا. وَفِي الْمُحكم: النِّكَاح الْبضْع وَذَلِكَ فِي نوع الْإِنْسَان خَاصَّة، وَاسْتَعْملهُ ثَعْلَب فِي الذئاب، نَكَحَهَا ينْكِحهَا نكحا ونكاحا، وَلَيْسَ فِي الْكَلَام فعل يفعل مِمَّا لَام الْفِعْل مِنْهُ حاء إلَاّ ينْكح وينطح ويمنح وينضح وينبح ويرجح ويأنح ويأزح ويملح الْقدر، وَالِاسْم: النكح، والنكح ونكحها الَّذِي يَتَزَوَّجهَا وَهِي نكحته، وَامْرَأَة كح ذَات زوج وَقد جَاءَ فِي الشّعْر: ناكحة على الْفِعْل، واستنكحها كنكحها. قلت: هَذِه الْأَفْعَال الَّتِي قَالُوا إِنَّهَا جَاءَت على: يفعل، بِكَسْر الْعين يَعْنِي فِي الْمُضَارع قد جَاءَ مِنْهَا بِفَتْح الْعين أَيْضا فِي الْمُضَارع. قَالَ الْجَوْهَرِي: نطحه الْكَبْش يَنْطَحُهُ وينطحه بِكَسْر عين الْفِعْل وَفتحهَا، ومنحه يمنحه من الْمنح وَهُوَ الْعَطاء، وَيُقَال: نضحت الْقرْبَة بِالْفَتْح، قَالَه الْجَوْهَرِي، ونبح الْكَلْب ينبح بِالْفَتْح وينبح بِالْكَسْرِ نبحا ونبيحا ونباحا ونباحا بِالضَّمِّ وَالْكَسْر، وَرجع الْمِيزَان يرجع بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح وَيرجع بِالضَّمِّ، وَيُقَال: أنح الرجل يأنح بِالْكَسْرِ أنحا وأنيحا وأنوحا: إِذا ضجر من ثقل يجده من مرض أَو بهر كَأَنَّهُ يتنخنخ وَلَا يبين، وأزح الرجل يأزح أزوحا بالزاي: إِذا تفيض، وملحت الْقدر يملحها بِالْفَتْح وَالْكَسْر ملحا بِالْفَتْح إِذا طرحت فِيهَا من الْملح بِقدر، وَإِذا قلت: أملحت الْقدر إِذا أكثرت فِيهَا الْملح حَتَّى فَسدتْ. وَفِي التَّوْضِيح؛ وللنكاح عدَّة أَسمَاء جمعهاأبو الْقَاسِم اللّغَوِيّ فبلغت ألف اسْم وَأَرْبَعين اسْما. ١ - (بابُ التَّرْغِيبِ فِي النِّكاح لِقَوْلِهِ : ﴿ (٤) فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء﴾ (النِّسَاء: ٣) أَي: هَذَا بَاب فِي التَّرْغِيب فِي النِّكَاح: وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بقوله تَعَالَى: ﴿فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء﴾ (النِّسَاء: ٣) زَاد الْأصيلِيّ وَأَبُو الْوَقْت الْآيَة. قَالَ بَعضهم: وَجه الِاسْتِدْلَال أَنَّهَا صِيغَة أَمر تَقْتَضِي الطّلب. وَأَقل درجاته النّدب فَيثبت التَّرْغِيب، انْتهى. قلت: لَا دلَالَة

стр. 5952

فِيهِ على التَّرْغِيب أصلا. لِأَن الْآيَة سيقت لبَيَان مَا يجوز الْجمع بَينه من أعداد النِّسَاء. وَقَوله: (يَقْتَضِي الطّلب) كَلَام من لم يذقْ شَيْئا من الْأُصُول، فَإِن الْأَمر إِبَاحَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا حللتم فاصطادوا﴾ (الْمَائِدَة: ٢) ، وَهل يُقَال: طلب الله مِنْهُ النِّكَاح، أَو طلب مِنْهُ الصَّيْد غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه أَبَاحَ النِّكَاح بِالْعدَدِ الْمَذْكُور، وأباح الصَّيْد بعد التَّحْلِيل من الْإِحْرَام، ثمَّ بنى هَذَا الْقَائِل على هَذَا الْكَلَام الواهي. قَوْله: وَأَقل دجاته النّدب، فَيثبت التَّرْغِيب. ٣٦٠٥ - حدَّثنا سَعيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ أخبرنَا مُحَمَّدُ بنُ جعْفَرٍ أخبرنَا حُمَيْدُ بنُ الطَّوِيلُ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مَالِكٍ، ﵁، يَقُولُ: جاءَ ثلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أزْوَاجِ النبيِّ ﷺ ، يَسألُونَ عنْ عِبَادَةِ النبيِّ ﷺ ، فلَمَّا أُخْبِرُوا كأنَّهُمْ تَقالُّوها، فقالُوا: وَأيْنَ نَحْنُ مِنَ النبيِّ ﷺ ؟ قَدْ غُفِرَ لهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تأخَّرَ. قَالَ أحَدُهُمْ: أمَّا أَنا فإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبدا، وَقَالَ آخَرُ: أَنا أصومُ الدَّهْرَ وَلَا أَفْطِرُ، وَقَالَ أخَرُ: أَنا أعْتَزِلُ النِّساءَ فَلَا أَتَزَوَّجَ أبَدا، فَجاءَ رسولُ الله ﷺ فَقَالَ: أنْتُمُ الَّذين قُلتُمْ كَذَا وكَذَا؟ أما وَالله إنِّي لَأخْشاكُمْ لِلَّهِ، وأتْقاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أصُومُ وأفْطِرُ وأصَلِّي وأرْقُدُ وأتَزَوَّجُ النِّساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عنْ سُنَّتي فَليْسَ مِنِّي. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَمن رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني) . قَوْله: (ثَلَاثَة رَهْط) وَفِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث ثَابت عَن أنس: أَن نَفرا من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، وَالْفرق بَين الرَّهْط والنفر أَن الرَّهْط من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة، والنفر من ثَلَاثَة إِلَى تِسْعَة، وكل مِنْهُمَا اسْم جمع لَا وَاحِد لَهُ، وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا من حَيْثُ الْمَعْنى، وَوَقع فِي مُرْسل سعيد بن الْمسيب من رِوَايَة عب الرَّزَّاق: أَن الثَّلَاثَة الْمَذْكُورين هم: عَليّ بن أبي طَالب. وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَعُثْمَان بن مَظْعُون. قَوْله: (يسْأَلُون عَن عبَادَة النَّبِي ﷺ وَفِي رِوَايَة مُسلم: عَن عمله فِي السِّرّ، قَوْله: (فَلَمَّا أخبروا) بِضَم الْهمزَة على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (تقالوها) بتَشْديد اللَّام المضمومة أَي: عدوها قَليلَة، وَأَصله: تقاللوا فأدغمت اللَّام فِي اللَّام لِاجْتِمَاع المثلين. قَوْله: (قد غفر لَهُ) على صِيغَة الْمَجْهُول. هَذَا فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ والكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: غفر الله لَهُ. قَوْله: (أما أَنا) بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْمِيم للتفصيل. قَوْله: (أبدا) ، قيد لِليْل لَا لقَوْله: أُصَلِّي. قَوْله: (وَلَا أفطر) ، أَي: بِالنَّهَارِ سوى أَيَّام الْعِيد والتشريق وَلِهَذَا لم يُقيد بالتأبيد. قَوْله: (فجَاء رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: وَفِي رِوَايَة مُسلم: فَبلغ ذَلِك النَّبِي ﷺ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَقَالَ: مَا بَال أَقوام قَالُوا كَذَا. . والتوفيق بَينهمَا بِأَنَّهُ منع من ذَلِك عُمُوما جَهرا مَعَ عدم تعيينهم، وخصوصا فِيمَا بَينه وَبينهمْ رفقا بهم، وسترا عَلَيْهِم. قَوْله: (أما وَالله) بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْمِيم حرف تَنْبِيه. قَوْله: (إِنِّي لأخشاكم لله وأتقاكم لَهُ) يَعْنِي: أَكثر خشيَة وَأَشد تقوى، وَفِيه رد لما بنوا عَلَيْهِ أَمرهم من أَن المغفور لَا يحْتَاج إِلَى مزِيد فِي الْعِبَادَة، بِخِلَاف غَيره، فأعلمهم أَنه مَعَ كَونه يشدد فِي الْعِبَادَة غَايَة الشدَّة أخْشَى لله وَأتقى من الَّذين يشددون. قَوْله: (لكني) اسْتِدْرَاك من شَيْء مَحْذُوف تَقْدِيره أَنا وَأَنْتُم بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعُبُودِيَّة سَوَاء، لَكِن أَنا أَصوم إِلَى آخِره. قَوْله: (فَمن رغب عَن سنتي) أَي: فَمن أعرض عَن طريقتي (فَلَيْسَ مني) أَي: لَيْسَ على طريقتي، وَلَفظ رغب إِذا اسْتعْمل بِكَلِمَة: عَن فَمَعْنَاه: أعرض. وَإِذا اسْتعْمل بِكَلِمَة: فِي، فَمَعْنَاه أقبل إِلَيْهِ، وَالْمرَاد بِالسنةِ الطَّرِيقَة وَهِي أَعم من الْفَرْض وَالنَّفْل، بل الْأَعْمَال والعقائد وَكلمَة: من فِي مني، اتصالية أَي: لَيْسَ مُتَّصِلا بِي قَرِيبا مني. وَفِيه: أَن النِّكَاح من سنة النَّبِي ﷺ ، وَزعم الْمُهلب أَنه من سنَن الْإِسْلَام، وَأَنه لَا رَهْبَانِيَّة فِيهِ. وَأَن من تَركه رَاغِبًا عَن سنَنه النَّبِي ﷺ ، فَهُوَ مَذْمُوم مُبْتَدع وَمن تَركه من أجل أَنه أرْفق لَهُ وأعون على الْعِبَادَة فَلَا ملامة عَلَيْهِ، وَزعم دَاوُد وَمن تبعه أَنه وَاجِب. وَأَن الْوَاجِب عِنْدهم العقد لَا الدُّخُول فَإِنَّهُ إِنَّمَا يجب عِنْدهم فِي الْعُمر مرّة، وَعند أَكثر الْعلمَاء هُوَ مَنْدُوب إِلَيْهِ وَعند أَحْمد فِي رِوَايَة: يلْزمه الزواج أَو التَّسَرِّي إِذا خَافَ الْعَنَت، وَغَيره لم يشْتَرط خوف الْعَنَت. فَإِن قلت: ظَاهر الْآيَة يدل على وُجُوبه؟ قلت: حصل الْجَواب عَنهُ بِمَا ذَكرْنَاهُ فِي أول الْبَاب، وَأَيْضًا فَإِن آخر الْآيَة وَهُوَ قَوْله: ﴿أَو مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ (النِّسَاء: ٣) وينافي الْوُجُوب، وَذَلِكَ لِأَن فِيهِ

стр. 5953

التَّخْيِير بَين النِّكَاح والتسري، فالتسري لَا يجب بالِاتِّفَاقِ، فكذالك النِّكَاح لِأَنَّهُ لَا يَصح التَّخْيِير بَين وَاجِب وَغَيره، وَعند الشَّافِعِي: التخلي لِلْعِبَادَةِ أفضل لقَوْله فِي يحيى ﵊ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَهُوَ الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاء مَعَ الْقُدْرَة على إتيانهن، فمدح الله بِهِ، وَلَو كَانَ النِّكَاح أفضل مَا مدح بِهِ وَالْجَوَاب عَنهُ أَن الشَّافِعِي لَا يرى شرع من قبلنَا شرعا لنا، فَكيف يحْتَج بِمَا لَا يرَاهُ؟ وَنحن نقُول: شرع لنا مَا لم ينص الله على إِنْكَاره. وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن النِّكَاح مُعَاملَة فَلَا فضل لَهَا على الْعِبَادَة. قُلْنَا: هَذَا نظر إِلَى ظَاهره دون مَعْنَاهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَن ينظر إِلَى الصُّور وَيتْرك الْمعَانِي، فَإِنَّهُ لَيْسَ من أَصله ذَلِك، وَلَو كَانَ التخلي لِلْعِبَادَةِ خيرا من النِّكَاح نظرا إِلَى صورته مَا قطع النَّبِي ﷺ وَحكم الصُّورَة بِالسنةِ، وَلَيْسَ فِي مدح حَال يحيى، ﵊، مَا يدل على أَنه أفضل من النِّكَاح، فَإِن مدح الصّفة فِي ذَاتهَا لَا يَقْتَضِي ذمّ غَيرهَا ذَلِك أَن النِّكَاح لم يفضل على التخلي لِلْعِبَادَةِ بصورته، وَإِنَّمَا تميز عَنهُ بِمَعْنَاهُ فِي تحصين النَّفس، وَبَقَاء الْوَلَد الصَّالح وَتَحْقِيق الْمِنَّة فِي النّسَب والصهر، فقضاء الشَّهْوَة فِي النِّكَاح لَيْسَ مَقْصُودا فِي ذَاته، وَإِنَّمَا أكد النِّكَاح بِالْأَمر قولا، وأكده بِخلق الشَّهْوَة خلقَة حَتَّى يكون ذَلِك أدعى للوفاء بمصالحه، والتيسير بمقاصده، وَهَذَا أَمر تفطن لَهُ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَمن قَالَ بقوله: وَمن الثَّابِت برهانه على فَضِيلَة النِّكَاح أَنه يجوز مَعَ الْإِعْسَار، وَلَا ينْتَظر بِهِ حَالَة الثروة، بل هُوَ سَببهَا أَن كَانَا فقيرين. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِم الله من فَضله﴾ (النُّور: ٢٣) فندب إِلَيْهِ ووعد بِهِ الْغَنِيّ، وَقد سبق حَدِيث الرجل الَّذِي لم يجد خَاتمًا من حَدِيد يصدق بِهِ زَوجته، وَهُوَ نَص على نِكَاح من لَا يقدر على فطر لَيْلَة بنائِهِ بهَا، وَلَا شكّ أَن التَّرْجِيح يتبع الْمصَالح ومقاديرها مُخْتَلفَة، وَصَاحب الشَّرْع ﷺ أعلم بِتِلْكَ الْمَقَادِير والمصالح. ٤٦٠٥ - حدَّثنا عَلِيٌّ سَمِعَ حَسَّانَ بنَ إبْرَاهِيمَ عنْ يُونُس بنِ يَزِيدَ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أخْبرَني عُرْوَةُ أنَّهُ سألَ عائشَةَ عنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ تُقْسِطُواْ فِى الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذالِكَ أَدْنَى أَلَاّ تَعُولُواْ﴾ (النِّسَاء: ٣) قالتْ: يَا ابْنِ أُخْتِي اليَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْر ولِيِّها فَيَرْغَبُ فِي مَالهَا وجَمالِها يُرِيدُ أنْ يَتَزَوَّجَها بأدنَى من سُنَّةِ صَدَاقِها، فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلَاّ أنْ يُقْسطُوا لَهُنَّ فَيُكْمِلُوا الصَّدَاقَ، وأُمِرُوا بِنِكاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنَ النِّساءِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فيرغب فِي مَالهَا وجمالها) وَلَكِن فرق بَين ترغيب وترغيب. وَعلي هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وَجزم بِهِ الْحَافِظ الْمزي تبعا لأبي مَسْعُود، وَحسان بن إِبْرَاهِيم الْعَنزي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالنُّون وبالزاي الْكرْمَانِي، كَانَ قَاضِي كرمان وَوَثَّقَهُ ابْن معِين وَغَيره، وَلَكِن لَهُ أَفْرَاد، وَقَالَ ابْن عدي: وَهُوَ من أهل الصدْق إلَاّ أَنه رُبمَا غلط، وَالْبُخَارِيّ أدْركهُ بِالسِّنِّ، وَلَكِن لم يلقه، مَاتَ سنة سِتّ وَمِائَتَيْنِ قبل أَن يرحل البُخَارِيّ، وَعُرْوَة بن أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق، وَعَائِشَة خَالَته، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، والْحَدِيث قد مضى فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء بأتم مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (فِي حجر) بِفَتْح الْحَاء وَكسرهَا. قَوْله: (بِأَدْنَى من سنة صَدَاقهَا) أَي: بِأَقَلّ من مهر مثلهَا. ٢ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ ﷺ : مَنِ اسْتَطاعَ مِنْكُمُ الباءَةَ فلْيَتَزَوَّجْ لِأنّهُ أغضُّ للْبَصَرِ وأحْصَنُ لِلْفَرَجِ، وهَلْ يَتَزَوَّجُ منْ لَا أرَبَ لِه فِي النِّكاحِ) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله ﷺ : (من اسْتَطَاعَ) : إِلَى آخِره، وَلم يَقع فِي بعض النّسخ لَفْظَة: مِنْكُم لِأَنَّهُ تصرف فِيهِ، وَلم يذكر هَذِه اللَّفْظَة. قَوْله: لِأَنَّهُ وَقع هَكَذَا فِي رِوَايَة السَّرخسِيّ، وَالْأولَى فَإِنَّهُ، لِأَنَّهُ لفظ الحَدِيث، وبقيته قَوْله: أَي لِأَن التَّزَوُّج دلّ عَلَيْهِ قَوْله: فليتزوج. كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى﴾ (الْمَائِدَة: ٨) أَي: الْعدْل. قَوْله: (وَهل يتَزَوَّج) إِلَى آخِره من التَّرْجَمَة، وَهُوَ عطف على قَوْله: (بَاب قَول النَّبِي ﷺ ، وَالتَّقْدِير: وَبَاب هَل يتَزَوَّج. قَوْله: (لَا أرب لَهُ) بِفَتْح الْهمزَة وَالرَّاء أَي: لَا حَاجَة

стр. 5954

لَهُ فِي النِّكَاح، وَكلمَة: هَل، للاستفهام، وَلم يذكر الْجَواب اعْتِمَادًا على مَا عرف فِي مَوْضِعه، وَهُوَ أَن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِيمَن لَا يتوق إِلَى النِّكَاح هَل ينْدب لَهُ النِّكَاح أم لَا؟ ٥٦٠٥ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا أبي حدَّثنا الأعْمَشُ، قَالَ: حدَّثني إبْرَاهِيمُ عنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: كُنْتُ معَ عبْدِ الله فَلقِيَهُ عُثْمانُ بِمِنى، فَقَالَ: يَا أَبَا عبْدِ الرَّحْمانِ ﴿لِي إليْكَ حاجَةً فَخَليا، فَقَالَ عُثْمانَ: هَلْ لَكَ يَا أَبَا عبْدِ الرَّحْمانِ فِي أنْ نُزَوِّجَكَ بِكْرا تُذَكّرُكَ مَا كُنْتَ تَعْهَدُ؟ فلَمَّا رأى عبْدُ الله أنْ ليْسَ لهُ حاجَةٌ إلاّ هاذا، أشارَ إلَيَّ، فَقَالَ: يَا عَلْقَمَةُ﴾ فانْتَهَيْتُ إليْهِ، وهْوَ يَقُولُ: أما لَئِنْ قُلْتُ ذالِكَ لقَدْ قَالَ لَنا النبيُّ ﷺ : يَا مَعْشَرَ الشَّبابِ ﴿مِنَ اسْتَطاعَ مِنْكُمُ الْباءَةَ فلْيَتَزوَّجْ، ومَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بالصَّوْمِ فإِنَّهُ لهُ وِجاءٌ. (انْظُر الحَدِيث ٥٠٩١ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَهَذَا السَّنَد بهؤلاء الرِّجَال قد ذكر غَيره مرّة، فَإِن عمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن عَلْقَمَة بن قيس عَن عبد الله بن مَسْعُود، هَذَا الْإِسْنَاد مِمَّا ذكر أَنه أصح الْأَسَانِيد. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الصَّوْم فِي بَاب الصَّوْم لمن خَافَ على نَفسه الْعُزُوبَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بأخضر مِنْهُ عَن عَبْدَانِ عَن أبي حَمْزَة عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم إِلَى آخِره. قَوْله: (كنت مَعَ عبد الله) يَعْنِي: ابْن مَسْعُود. قَوْله: (بمنى) وَوَقع فِي رِوَايَة زيد بن أبي أنيسَة عَن الْأَعْمَش، عِنْد ابْن حبَان بِالْمَدِينَةِ، وَهِي شَاذَّة. قَوْله: (فَقَالَ: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن) هِيَ كنية عبد الله بن مَسْعُود، قيل: الْمُخَاطب بذلك عبد الله بن عمر لِأَنَّهَا كنيته الْمَشْهُورَة، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: هَذَا يدل على أَن ابْن عَمه شدد على نَفسه فِي زمن الشَّبَاب لِأَنَّهُ كَانَ فِي زمن عُثْمَان شَابًّا، وَهَذَا غيرصحيح، لِأَن ابْن عمر لَا مدْخل لَهُ فِي هَذِه الْقِصَّة، والْحَدِيث لِابْنِ مَسْعُود، وَقَوله: وَكَانَ فِي زمَان عُثْمَان شَابًّا فِيهِ نظر لِأَنَّهُ إِذْ ذَاك كَانَ جَاوز الثَّلَاثِينَ. قَوْله: (فحليا) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: فَخلوا، قَالَ ابْن التِّين: وَهُوَ الصَّوَاب لِأَنَّهُ واوي من الْخلْوَة، مثل: دعوا، وَمَعْنَاهُ: دخلا فِي مَوضِع خَال. قَوْله: (تذكرك مَا كنت تعهد) ، يَعْنِي: من نشاطك وَقُوَّة شبابك، وَقيل: لَعَلَّ عُثْمَان رأى بِهِ قشفا ورثاثة هَيْئَة فَحمل ذَلِك على فَقده الزَّوْجَة الَّتِي ترفهه، وَفِي رِوَايَة مُسلم: لَعَلَّهَا أَن تذكرك مَا مضى من زَمَانك، وَعِنْده فِي رِوَايَة أُخْرَى: لَعَلَّك ترجع إِلَيْك من نَفسك مَا كنت تعهد. وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان لَعَلَّهَا أَن تذكرك مَا فاتك. قَوْله: (فَلَمَّا رأى عبد الله) يرفع عبد الله أَن لَيْسَ لَهُ حَاجَة أَي: لعُثْمَان إلَاّ هَذَا، أَي: التَّرْغِيب فِي النِّكَاح، ويروي بِنصب عبد الله أَي: فَلَمَّا رأى عُثْمَان عبد الله أَن لَيْسَ لَهُ حَاجَة إِلَى هَذَا أَي: الزواج، وَهنا جَاءَت كلمة إلَاّ الَّتِي هِيَ أَدَاة الِاسْتِثْنَاء، وَكلمَة إِلَى الَّتِي هِيَ حرف الْجَرّ، فَالْمَعْنى فِي الْوَجْه الأول على كلمة إلَاّ، وَفِي الْوَجْه الثَّانِي على كلمة إِلَى قَوْله: (أَشَارَ) قَالَ الْكرْمَانِي، أَشَارَ عبد الله. قلت: الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْحَال أَن الَّذِي أَشَارَ هُوَ عُثْمَان. قَوْله: (إِلَيّ) ، بتَشْديد الْيَاء قَوْله: (وَهُوَ يَقُول) جملَة حَالية. قَوْله: (ذَاك) ، إِشَارَة إِلَى قَوْله: (نُزَوِّجك) وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة حَدثنَا جرير عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة، قَالَ: إِنِّي لأمضي مَعَ عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بمنى إِذْ لقِيه عُثْمَان، فَقَالَ: هَلُمَّ يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن. قَالَ: فاستخلاه، فَلَمَّا رأى عبد الله أَن لَيست لَهُ حَاجَة، قَالَ: تعال يَا عَلْقَمَة﴾ قَالَ: فَجئْت. فَقَالَ لَهُ عُثْمَان: أَلا نُزَوِّجك يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن جَارِيَة بكرا لَعَلَّه يرجع إِلَيْك من نَفسك مَا كنت تعهد؟ فَقَالَ عبد الله لَئِن قلت ذَاك لقد قَالَ لنا رَسُول الله ﷺ الحَدِيث. قَوْله: (يَا مشْعر الشَّبَاب) ، المعشر هم الطَّائِفَة الَّذين يشملهم وصف. فالشباب معشر والشيوخ معشر، والشباب جمع شَاب وَيجمع أَيْضا على شببة وشبان بِضَم أَوله وَتَشْديد الْبَاء، وَذكر الْأَزْهَرِي أَنه لم يجمع فَاعل على فعلان غَيره، وَأَصله الْحَرَكَة والنشاط، وَقَالَ النَّوَوِيّ: والشاب عِنْد أَصْحَابنَا هُوَ من بلغ وَلم يُجَاوز ثلاثن سنة، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يُقَال لَهُ: حدث إِلَى سِتّ عشرَة سنة ثمَّ شَاب إِلَى اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ، ثمَّ كهل وَكَذَا ذكر الزَّمَخْشَرِيّ، وَقَالَ ابْن شَاس الْمَالِكِي فِي الْجَوَاهِر إِلَى أَرْبَعِينَ، وَإِنَّمَا خص الشَّبَاب بِالْخِطَابِ لِأَن الْغَالِب وجود قُوَّة الدَّاعِي فيهم

стр. 5955

إِلَى النِّكَاح، بِخِلَاف الشُّيُوخ. قَوْله: (الْبَاءَة) قد مر تَفْسِير فِي كتاب الصَّوْم، وَلَكِن نذْكر مِنْهُ بعض شَيْء. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِيهَا أَربع لُغَات: الْمَشْهُور بِالْمدِّ وَالْهَاء، وَالثَّانيَِة بِلَا مد، وَالثَّالِثَة بِالْمدِّ بِلَا هَاء، وَالرَّابِعَة بِلَا مد وَأَصلهَا لُغَة الْجِمَاع، ثمَّ قيل: لعقد النِّكَاح، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْبَاء مثل الباعة، لُغَة فِي الْبَاء، وَمِنْه سمي النِّكَاح بَاء وباه، لِأَن الرجل يتبوء من أَهله أَي يستمكن مِنْهَا كَمَا يتبوأ من دَاره. قَوْله: (وَجَاء) بِكَسْر الْوَاو وبالمد، وَهُوَ رض الخصيتين، قيل: عَلَيْهِ إغراء غَائِب، وَهُوَ من النَّوَادِر، وَلَا تكَاد الْعَرَب تغري إلَاّ الْحَاضِر. تَقول عَلَيْك: زيدا، وَلَا تَقول عَلَيْهِ: زيدا، وَفِيه اسْتِحْبَاب عرض الصاحب هَذَا على صَاحبه، وَنِكَاح الشَّابَّة فَإِنَّهَا ألذ استمتاعا وَأطيب نكهة وَأحسن عشرَة وأفكه محادثة وأجمل منْظرًا، وألين ملمسا وَأقرب إِلَى أَن يعودها زَوجهَا الْأَخْلَاق الَّتِي يرتضيها واستحباب الْإِسْرَار بِمثلِهِ. ٣ - (بابٌ: مَنْ لمْ يَسْتَطِع الْباءَةَ فَلْيَصُمْ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نت لن يسْتَطع الْبَاءَة فليصم. ٦٦٠٥ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غياثٍ حَدثنَا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ قَالَ: حدّثني عُمارَةُ عنْ عبْدِ الرَّحْمانِ بنِ يَزِيدَ، قَالَ: دَخَلْتُ معَ عَلْقمَةَ والأسْوَدِ علَى عبْدِ الله، فَقَالَ عبْدُ الله: كُنّا مَعَ النبيَّ ﷺ شَبابا لَا نجِدُ شَيْئا، فَقَالَ لَنا رسُولُ الله ﷺ : يَا مَعْشَرَ الشَّبابِ مَنِ اسْتَطاعَ الباءَةَ فلْيَتَزَوَّجْ، فإِنّهُ أغضُّ لِلْبَصَرِ وأحْصَنُ لِلْفَرْجِ، ومَنْ لمْ يَسْتَطِعْ فعَلَيْهِ بالصَّوْمِ فإِنّهُ لَهُ وِجاءٌ. (انْظُر الحَدِيث ٥٠٩١ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمن لم يسْتَطع) فَعَلَيهِ بِالصَّوْمِ وَهَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، أخرجه عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن عمَارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم وبالراء: ابْن عُمَيْر التَّيْمِيّ الْكُوفِي عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد عَن قيس النَّخعِيّ، وعلقمة عَمه وَالْأسود أَخُوهُ يَعْنِي: دخلت مَعَ أخي وَعمي على عبد الله بن مَسْعُود. قَوْله: (أَغضّ) بِمَعْنى الْفَاعِل لَا الْمَفْعُول أَي: أَشد غضا. قَوْله: (وَأحْصن) أَي: أَشد إحصانا لَهُ ومنعا من الْوُقُوع فِي الْفَاحِشَة. قَوْله: (فَإِنَّهُ) أَي فَإِن الصَّوْم. قَوْله: (وَجَاء) جملَة فِي مَحل الرّفْع على الخبرية. وفال النَّوَوِيّ: اخْتلف الْعلمَاء فِي المُرَاد بِالْبَاءَةِ هُنَا على قَوْلَيْنِ: يرجعان إِلَى معنى وَاحِد، أصَحهمَا: أَن المُرَاد مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ وَهُوَ الْجِمَاع، فتقدير من اسْتَطَاعَ مِنْكُم الْجِمَاع لقدرته على مؤونته وَهِي مُؤَن النِّكَاح فليتزوج، وَمن لم يسْتَطع الْجِمَاع لعَجزه عَن مؤنه فَعَلَيهِ بِالصَّوْمِ ليقطع شَهْوَته يقطع شَرّ منيه كَمَا يقطعهُ الوجاء، وعَلى هَذَا القَوْل وَقع الْخطاب مَعَ الشَّبَاب الَّذين هم مَظَنَّة شَهْوَة النِّسَاء وَلَا ينفكون عَنْهَا غَالِبا. وَالْقَوْل الثَّانِي: إِن المُرَاد هُنَا بِالْبَاءَةِ مُؤَن النِّكَاح، سَمِعت باسم مَا يلازمهما، وَتَقْدِيره: من اسْتَطَاعَ مِنْكُم مُؤَن النِّكَاح فليتزوج، وَمن لم يسْتَطع فَعَلَيهِ بِالصَّوْمِ. قَالُوا: وَالْعَاجِز عَن الْجِمَاع لَا يحْتَاج إِلَى الصَّوْم لدفع الشَّهْوَة، فَوَجَبَ تَأْوِيل الْبَاءَة على الْمُؤَن، وانفصل الْقَائِلُونَ بِالْأولِ عَن ذَلِك بالتقدير الْمَذْكُور. انْتهى. قلت: مفعول (من لم يسْتَطع) مَحْذُوف فَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ. وَمن لم يسْتَطع الْبَاءَة أَو من لم يسْتَطع التَّزَوُّج، وَقد وَقع كل مِنْهُمَا صَرِيحًا فَروِيَ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن يزِيد عَن عبد الله بن مَسْعُود، ﵁، قَالَ: خرجنَا مَعَ النَّبِي ﷺ وَنحن شباب لَا نقدر على شَيْء فَقَالَ: يَا معشر الشَّبَاب عَلَيْكُم بِالْبَاءَةِ فَإِنَّهُ أَغضّ لِلْبَصَرِ وَأحْصن لِلْفَرجِ. فَمن لم يسْتَطع مِنْكُم الْبَاءَة فَعَلَيهِ بِالصَّوْمِ فَإِن الصَّوْم لَهُ وَجَاء، وَرُوِيَ الْإِسْمَاعِيلِيّ من حَدِيث الْأَعْمَش: من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يتَزَوَّج فليتزوج، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة النَّسَائِيّ: من كَانَ ذَا طول فَلْيَنْكِح، وَالْحمل على الْمَعْنى الْأَعَمّ أولى بِأَن يُرَاد بِالْبَاءَةِ الْقُدْرَة على الْوَطْء ومؤن التَّزَوُّج. قَوْله: (وَجَاء) وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: فَإِنَّهُ لَهُ وَجَاء، وَهُوَ الإخصاء وَهِي زِيَادَة مدرجة فِي الْخَبَر، وَتَفْسِير الوجاء بِالْإِخْصَاءِ فِيهِ نظر، فَإِن الوجاء: رض الانثيين، والإخصاء: قلعهما، وَإِطْلَاق الوجاء على الصّيام من مجَاز المشابهة، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة قَالَ بَعضهم: وَجَاء، بِفَتْح الْوَاو مَقْصُور وَالْأول أَكثر، وَاسْتدلَّ بِهِ الْخطابِيّ على جَوَاز المعالجة لقطع شَهْوَة النِّكَاح بالأدوية، وَحَكَاهُ الْبَغَوِيّ فِي شرح السّنة وَيَنْبَغِي أَن يحمل على دَوَاء يسكن الشَّهْوَة دون مَا يقطعهَا أَصَالَة لِأَنَّهُ قد يقدر بعد فيندم لفَوَات ذَلِك فِي حَقه، وَقد صرح الشَّافِعِيَّة
следующие страницы →