Полный текст (7 603 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.
стр. 5951
بِأَن لَهُ رِوَايَة عَن أبي بكر مُرْسلَة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.
والْحَدِيث قد مر فِي الْأَشْخَاص عَن أبي الْوَلِيد، فِي ذكر بني إِسْرَائِيل عَن آدم.
قَوْله: (سمع رجلا) ، قيل: يحْتَمل أَن يكون هُوَ أبي بن كَعْب. قَوْله: (كلاكما محسن) ، أَي: فِي الْقِرَاءَة، وَقيل: الْإِحْسَان رَاجع إِلَى ذَلِك الرجل بقرَاءَته إِلَى ابْن مَسْعُود بِسَمَاعِهِ من رَسُول الله ﷺ وتحربه فِي الِاحْتِيَاط. قَوْله: (فاقرآ) ، أَمر للاثنين.
قَوْله: (أَكثر علمي) ، هَذَا الشَّك من شُعْبَة، وَأكْثر بالثاء الْمُثَلَّثَة، ويروي بِالْبَاء الْمُوَحدَة أَي، غَالب ظَنِّي أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (أَن من كَانَ قبلكُمْ اخْتلفُوا) . قَوْله: (فأهلكهم) ، أَي: الله، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (فأهلكوا) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. وَاعْلَم أَن الِاخْتِلَاف الْمنْهِي هُوَ الْخَارِج عَن اللُّغَات السَّبع. أَو مَا لَا يكون متواترا، وَأما غَيره فَهُوَ رَحْمَة لَا بَأْس بِهِ. وَذَلِكَ مثل الِاخْتِلَاف بِزِيَادَة الْوَاو ونقصانها فِي: ﴿قَالُوا اتخذ الله ولدا سُبْحَانَهُ﴾ (الْبَقَرَة: ٦١١) وبالجمع والإفراد ﴿كطي السّجل للكتب﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٤٠١) وَالْكتاب والتأنيث نَحْو: ﴿لتحصنكم من بأسكم﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٠٨) وَالِاخْتِلَاف التصريفي كَقَوْلِه: كذابا بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف، وَمن يقنط، بِالْفَتْح وَالْكَسْر، والنحوي نَحْو: ﴿ذُو الْعَرْش الْمجِيد﴾ (البروج: ٥١) بِالرَّفْع والجر وَاخْتِلَاف الأدوات مثل: وَلَكِن الشَّيَاطِين، بتَشْديد النُّون وتخفيفها، وَاخْتِلَاف اللُّغَات كالإمالة والتفخيم، وَقد فسر بَعضهم: أنزل الْقُرْآن على سَبْعَة أحرف، بِهَذِهِ الْوُجُوه من الِاخْتِلَاف، وَالله أعلم.
٧٦ - (كِتابُ النِّكاحِ)
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام النِّكَاح، قَالَ الْأَزْهَرِي: أصل النِّكَاح فِي كَلَام الْعَرَب، الْوَطْء، وَقيل للتزويج: نِكَاح لِأَنَّهُ سَبَب الْوَطْء، وَقَالَ الزجاجي: هُوَ فِي كَلَام الْعَرَب الْوَطْء وَالْعقد جَمِيعًا، وَفِي الْمغرب: وَقَوْلهمْ النِّكَاح الضَّم مجَاز، وَفِي المغيث: النِّكَاح التَّزْوِيج، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: اشْتهر إِطْلَاقه على العقد، وَحَقِيقَته عِنْد الْفُقَهَاء على ثَلَاثَة أوجه حَكَاهَا القَاضِي حُسَيْن: أَصَحهَا: أَنه حَقِيقَة فِي العقد مجَاز فِي الوطىء. وَهُوَ الَّذِي صَححهُ أَبُو الطّيب وَبِه قطع الْمُتَوَلِي وَغَيره الثَّانِي: أَنه حَقِيقَة فيالوطء مجَاز فِي العقد وَبِه، قَالَ أَبُو حنيفَة. وَالثَّالِث: أَنه حَقِيقَة فيهمَا بالاشتراك. وَقَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي: فرقت الْعَرَب بَينهمَا فرقا لطيفا، فَإِذا قَالُوا: نكح فُلَانَة أَو بنت فُلَانَة أَو أُخْته، أَرَادوا عقد عَلَيْهَا، وَإِذا قَالُوا: أنكح امْرَأَته أَو زَوجته لم يُرِيدُوا إلَاّ الْوَطْء، لِأَن بِذكر امْرَأَته أَو زَوجته يسْتَغْنى عَن ذكر العقد، وَقَالَ الْفراء: الْعَرَب تَقول: نكح الْمَرْأَة بِضَم النُّون بضعهَا، وَهِي كِنَايَة عَن الْفرج، فَإِذا قَالُوا: نَكَحَهَا أَرَادوا: أصَاب نَكَحَهَا، وَهُوَ فرجهَا. وَفِي الْمُحكم: النِّكَاح الْبضْع وَذَلِكَ فِي نوع الْإِنْسَان خَاصَّة، وَاسْتَعْملهُ ثَعْلَب فِي الذئاب، نَكَحَهَا ينْكِحهَا نكحا ونكاحا، وَلَيْسَ فِي الْكَلَام فعل يفعل مِمَّا لَام الْفِعْل مِنْهُ حاء إلَاّ ينْكح وينطح ويمنح وينضح وينبح ويرجح ويأنح ويأزح ويملح الْقدر، وَالِاسْم: النكح، والنكح ونكحها الَّذِي يَتَزَوَّجهَا وَهِي نكحته، وَامْرَأَة كح ذَات زوج وَقد جَاءَ فِي الشّعْر: ناكحة على الْفِعْل، واستنكحها كنكحها. قلت: هَذِه الْأَفْعَال الَّتِي قَالُوا إِنَّهَا جَاءَت على: يفعل، بِكَسْر الْعين يَعْنِي فِي الْمُضَارع قد جَاءَ مِنْهَا بِفَتْح الْعين أَيْضا فِي الْمُضَارع. قَالَ الْجَوْهَرِي: نطحه الْكَبْش يَنْطَحُهُ وينطحه بِكَسْر عين الْفِعْل وَفتحهَا، ومنحه يمنحه من الْمنح وَهُوَ الْعَطاء، وَيُقَال: نضحت الْقرْبَة بِالْفَتْح، قَالَه الْجَوْهَرِي، ونبح الْكَلْب ينبح بِالْفَتْح وينبح بِالْكَسْرِ نبحا ونبيحا ونباحا ونباحا بِالضَّمِّ وَالْكَسْر، وَرجع الْمِيزَان يرجع بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح وَيرجع بِالضَّمِّ، وَيُقَال: أنح الرجل يأنح بِالْكَسْرِ أنحا وأنيحا وأنوحا: إِذا ضجر من ثقل يجده من مرض أَو بهر كَأَنَّهُ يتنخنخ وَلَا يبين، وأزح الرجل يأزح أزوحا بالزاي: إِذا تفيض، وملحت الْقدر يملحها بِالْفَتْح وَالْكَسْر ملحا بِالْفَتْح إِذا طرحت فِيهَا من الْملح بِقدر، وَإِذا قلت: أملحت الْقدر إِذا أكثرت فِيهَا الْملح حَتَّى فَسدتْ. وَفِي التَّوْضِيح؛ وللنكاح عدَّة أَسمَاء جمعهاأبو الْقَاسِم اللّغَوِيّ فبلغت ألف اسْم وَأَرْبَعين اسْما.
١ - (بابُ التَّرْغِيبِ فِي النِّكاح لِقَوْلِهِ : ﴿ (٤) فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء﴾ (النِّسَاء: ٣)
أَي: هَذَا بَاب فِي التَّرْغِيب فِي النِّكَاح: وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بقوله تَعَالَى: ﴿فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء﴾ (النِّسَاء: ٣) زَاد الْأصيلِيّ وَأَبُو الْوَقْت الْآيَة. قَالَ بَعضهم: وَجه الِاسْتِدْلَال أَنَّهَا صِيغَة أَمر تَقْتَضِي الطّلب. وَأَقل درجاته النّدب فَيثبت التَّرْغِيب، انْتهى. قلت: لَا دلَالَة
стр. 5952
فِيهِ على التَّرْغِيب أصلا. لِأَن الْآيَة سيقت لبَيَان مَا يجوز الْجمع بَينه من أعداد النِّسَاء. وَقَوله: (يَقْتَضِي الطّلب) كَلَام من لم يذقْ شَيْئا من الْأُصُول، فَإِن الْأَمر إِبَاحَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا حللتم فاصطادوا﴾ (الْمَائِدَة: ٢) ، وَهل يُقَال: طلب الله مِنْهُ النِّكَاح، أَو طلب مِنْهُ الصَّيْد غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه أَبَاحَ النِّكَاح بِالْعدَدِ الْمَذْكُور، وأباح الصَّيْد بعد التَّحْلِيل من الْإِحْرَام، ثمَّ بنى هَذَا الْقَائِل على هَذَا الْكَلَام الواهي. قَوْله: وَأَقل دجاته النّدب، فَيثبت التَّرْغِيب.
٣٦٠٥ - حدَّثنا سَعيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ أخبرنَا مُحَمَّدُ بنُ جعْفَرٍ أخبرنَا حُمَيْدُ بنُ الطَّوِيلُ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مَالِكٍ، ﵁، يَقُولُ: جاءَ ثلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أزْوَاجِ النبيِّ ﷺ ، يَسألُونَ عنْ عِبَادَةِ النبيِّ ﷺ ، فلَمَّا أُخْبِرُوا كأنَّهُمْ تَقالُّوها، فقالُوا: وَأيْنَ نَحْنُ مِنَ النبيِّ ﷺ ؟ قَدْ غُفِرَ لهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تأخَّرَ. قَالَ أحَدُهُمْ: أمَّا أَنا فإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبدا، وَقَالَ آخَرُ: أَنا أصومُ الدَّهْرَ وَلَا أَفْطِرُ، وَقَالَ أخَرُ: أَنا أعْتَزِلُ النِّساءَ فَلَا أَتَزَوَّجَ أبَدا، فَجاءَ رسولُ الله ﷺ فَقَالَ: أنْتُمُ الَّذين قُلتُمْ كَذَا وكَذَا؟ أما وَالله إنِّي لَأخْشاكُمْ لِلَّهِ، وأتْقاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أصُومُ وأفْطِرُ وأصَلِّي وأرْقُدُ وأتَزَوَّجُ النِّساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عنْ سُنَّتي فَليْسَ مِنِّي.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَمن رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني) . قَوْله: (ثَلَاثَة رَهْط) وَفِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث ثَابت عَن أنس: أَن نَفرا من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، وَالْفرق بَين الرَّهْط والنفر أَن الرَّهْط من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة، والنفر من ثَلَاثَة إِلَى تِسْعَة، وكل مِنْهُمَا اسْم جمع لَا وَاحِد لَهُ، وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا من حَيْثُ الْمَعْنى، وَوَقع فِي مُرْسل سعيد بن الْمسيب من رِوَايَة عب الرَّزَّاق: أَن الثَّلَاثَة الْمَذْكُورين هم: عَليّ بن أبي طَالب. وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَعُثْمَان بن مَظْعُون. قَوْله: (يسْأَلُون عَن عبَادَة النَّبِي ﷺ وَفِي رِوَايَة مُسلم: عَن عمله فِي السِّرّ، قَوْله: (فَلَمَّا أخبروا) بِضَم الْهمزَة على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (تقالوها) بتَشْديد اللَّام المضمومة أَي: عدوها قَليلَة، وَأَصله: تقاللوا فأدغمت اللَّام فِي اللَّام لِاجْتِمَاع المثلين. قَوْله: (قد غفر لَهُ) على صِيغَة الْمَجْهُول. هَذَا فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ والكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: غفر الله لَهُ. قَوْله: (أما أَنا) بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْمِيم للتفصيل. قَوْله: (أبدا) ، قيد لِليْل لَا لقَوْله: أُصَلِّي. قَوْله: (وَلَا أفطر) ، أَي: بِالنَّهَارِ سوى أَيَّام الْعِيد والتشريق وَلِهَذَا لم يُقيد بالتأبيد. قَوْله: (فجَاء رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: وَفِي رِوَايَة مُسلم: فَبلغ ذَلِك النَّبِي ﷺ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَقَالَ: مَا بَال أَقوام قَالُوا كَذَا. . والتوفيق بَينهمَا بِأَنَّهُ منع من ذَلِك عُمُوما جَهرا مَعَ عدم تعيينهم، وخصوصا فِيمَا بَينه وَبينهمْ رفقا بهم، وسترا عَلَيْهِم. قَوْله: (أما وَالله) بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْمِيم حرف تَنْبِيه. قَوْله: (إِنِّي لأخشاكم لله وأتقاكم لَهُ) يَعْنِي: أَكثر خشيَة وَأَشد تقوى، وَفِيه رد لما بنوا عَلَيْهِ أَمرهم من أَن المغفور لَا يحْتَاج إِلَى مزِيد فِي الْعِبَادَة، بِخِلَاف غَيره، فأعلمهم أَنه مَعَ كَونه يشدد فِي الْعِبَادَة غَايَة الشدَّة أخْشَى لله وَأتقى من الَّذين يشددون. قَوْله: (لكني) اسْتِدْرَاك من شَيْء مَحْذُوف تَقْدِيره أَنا وَأَنْتُم بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعُبُودِيَّة سَوَاء، لَكِن أَنا أَصوم إِلَى آخِره. قَوْله: (فَمن رغب عَن سنتي) أَي: فَمن أعرض عَن طريقتي (فَلَيْسَ مني) أَي: لَيْسَ على طريقتي، وَلَفظ رغب إِذا اسْتعْمل بِكَلِمَة: عَن فَمَعْنَاه: أعرض. وَإِذا اسْتعْمل بِكَلِمَة: فِي، فَمَعْنَاه أقبل إِلَيْهِ، وَالْمرَاد بِالسنةِ الطَّرِيقَة وَهِي أَعم من الْفَرْض وَالنَّفْل، بل الْأَعْمَال والعقائد وَكلمَة: من فِي مني، اتصالية أَي: لَيْسَ مُتَّصِلا بِي قَرِيبا مني.
وَفِيه: أَن النِّكَاح من سنة النَّبِي ﷺ ، وَزعم الْمُهلب أَنه من سنَن الْإِسْلَام، وَأَنه لَا رَهْبَانِيَّة فِيهِ. وَأَن من تَركه رَاغِبًا عَن سنَنه النَّبِي ﷺ ، فَهُوَ مَذْمُوم مُبْتَدع وَمن تَركه من أجل أَنه أرْفق لَهُ وأعون على الْعِبَادَة فَلَا ملامة عَلَيْهِ، وَزعم دَاوُد وَمن تبعه أَنه وَاجِب. وَأَن الْوَاجِب عِنْدهم العقد لَا الدُّخُول فَإِنَّهُ إِنَّمَا يجب عِنْدهم فِي الْعُمر مرّة، وَعند أَكثر الْعلمَاء هُوَ مَنْدُوب إِلَيْهِ وَعند أَحْمد فِي رِوَايَة: يلْزمه الزواج أَو التَّسَرِّي إِذا خَافَ الْعَنَت، وَغَيره لم يشْتَرط خوف الْعَنَت. فَإِن قلت: ظَاهر الْآيَة يدل على وُجُوبه؟ قلت: حصل الْجَواب عَنهُ بِمَا ذَكرْنَاهُ فِي أول الْبَاب، وَأَيْضًا فَإِن آخر الْآيَة وَهُوَ قَوْله: ﴿أَو مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ (النِّسَاء: ٣) وينافي الْوُجُوب، وَذَلِكَ لِأَن فِيهِ
стр. 5953
التَّخْيِير بَين النِّكَاح والتسري، فالتسري لَا يجب بالِاتِّفَاقِ، فكذالك النِّكَاح لِأَنَّهُ لَا يَصح التَّخْيِير بَين وَاجِب وَغَيره، وَعند الشَّافِعِي: التخلي لِلْعِبَادَةِ أفضل لقَوْله فِي يحيى ﵊ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَهُوَ الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاء مَعَ الْقُدْرَة على إتيانهن، فمدح الله بِهِ، وَلَو كَانَ النِّكَاح أفضل مَا مدح بِهِ وَالْجَوَاب عَنهُ أَن الشَّافِعِي لَا يرى شرع من قبلنَا شرعا لنا، فَكيف يحْتَج بِمَا لَا يرَاهُ؟ وَنحن نقُول: شرع لنا مَا لم ينص الله على إِنْكَاره. وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن النِّكَاح مُعَاملَة فَلَا فضل لَهَا على الْعِبَادَة. قُلْنَا: هَذَا نظر إِلَى ظَاهره دون مَعْنَاهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَن ينظر إِلَى الصُّور وَيتْرك الْمعَانِي، فَإِنَّهُ لَيْسَ من أَصله ذَلِك، وَلَو كَانَ التخلي لِلْعِبَادَةِ خيرا من النِّكَاح نظرا إِلَى صورته مَا قطع النَّبِي ﷺ وَحكم الصُّورَة بِالسنةِ، وَلَيْسَ فِي مدح حَال يحيى، ﵊، مَا يدل على أَنه أفضل من النِّكَاح، فَإِن مدح الصّفة فِي ذَاتهَا لَا يَقْتَضِي ذمّ غَيرهَا ذَلِك أَن النِّكَاح لم يفضل على التخلي لِلْعِبَادَةِ بصورته، وَإِنَّمَا تميز عَنهُ بِمَعْنَاهُ فِي تحصين النَّفس، وَبَقَاء الْوَلَد الصَّالح وَتَحْقِيق الْمِنَّة فِي النّسَب والصهر، فقضاء الشَّهْوَة فِي النِّكَاح لَيْسَ مَقْصُودا فِي ذَاته، وَإِنَّمَا أكد النِّكَاح بِالْأَمر قولا، وأكده بِخلق الشَّهْوَة خلقَة حَتَّى يكون ذَلِك أدعى للوفاء بمصالحه، والتيسير بمقاصده، وَهَذَا أَمر تفطن لَهُ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَمن قَالَ بقوله: وَمن الثَّابِت برهانه على فَضِيلَة النِّكَاح أَنه يجوز مَعَ الْإِعْسَار، وَلَا ينْتَظر بِهِ حَالَة الثروة، بل هُوَ سَببهَا أَن كَانَا فقيرين. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِم الله من فَضله﴾ (النُّور: ٢٣) فندب إِلَيْهِ ووعد بِهِ الْغَنِيّ، وَقد سبق حَدِيث الرجل الَّذِي لم يجد خَاتمًا من حَدِيد يصدق بِهِ زَوجته، وَهُوَ نَص على نِكَاح من لَا يقدر على فطر لَيْلَة بنائِهِ بهَا، وَلَا شكّ أَن التَّرْجِيح يتبع الْمصَالح ومقاديرها مُخْتَلفَة، وَصَاحب الشَّرْع ﷺ أعلم بِتِلْكَ الْمَقَادِير والمصالح.
٤٦٠٥ - حدَّثنا عَلِيٌّ سَمِعَ حَسَّانَ بنَ إبْرَاهِيمَ عنْ يُونُس بنِ يَزِيدَ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أخْبرَني عُرْوَةُ أنَّهُ سألَ عائشَةَ عنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ تُقْسِطُواْ فِى الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذالِكَ أَدْنَى أَلَاّ تَعُولُواْ﴾ (النِّسَاء: ٣) قالتْ: يَا ابْنِ أُخْتِي اليَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْر ولِيِّها فَيَرْغَبُ فِي مَالهَا وجَمالِها يُرِيدُ أنْ يَتَزَوَّجَها بأدنَى من سُنَّةِ صَدَاقِها، فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلَاّ أنْ يُقْسطُوا لَهُنَّ فَيُكْمِلُوا الصَّدَاقَ، وأُمِرُوا بِنِكاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنَ النِّساءِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فيرغب فِي مَالهَا وجمالها) وَلَكِن فرق بَين ترغيب وترغيب.
وَعلي هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وَجزم بِهِ الْحَافِظ الْمزي تبعا لأبي مَسْعُود، وَحسان بن إِبْرَاهِيم الْعَنزي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالنُّون وبالزاي الْكرْمَانِي، كَانَ قَاضِي كرمان وَوَثَّقَهُ ابْن معِين وَغَيره، وَلَكِن لَهُ أَفْرَاد، وَقَالَ ابْن عدي: وَهُوَ من أهل الصدْق إلَاّ أَنه رُبمَا غلط، وَالْبُخَارِيّ أدْركهُ بِالسِّنِّ، وَلَكِن لم يلقه، مَاتَ سنة سِتّ وَمِائَتَيْنِ قبل أَن يرحل البُخَارِيّ، وَعُرْوَة بن أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق، وَعَائِشَة خَالَته، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، والْحَدِيث قد مضى فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء بأتم مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (فِي حجر) بِفَتْح الْحَاء وَكسرهَا. قَوْله: (بِأَدْنَى من سنة صَدَاقهَا) أَي: بِأَقَلّ من مهر مثلهَا.
٢ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ ﷺ : مَنِ اسْتَطاعَ مِنْكُمُ الباءَةَ فلْيَتَزَوَّجْ لِأنّهُ أغضُّ للْبَصَرِ وأحْصَنُ لِلْفَرَجِ، وهَلْ يَتَزَوَّجُ منْ لَا أرَبَ لِه فِي النِّكاحِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله ﷺ : (من اسْتَطَاعَ) : إِلَى آخِره، وَلم يَقع فِي بعض النّسخ لَفْظَة: مِنْكُم لِأَنَّهُ تصرف فِيهِ، وَلم يذكر هَذِه اللَّفْظَة. قَوْله: لِأَنَّهُ وَقع هَكَذَا فِي رِوَايَة السَّرخسِيّ، وَالْأولَى فَإِنَّهُ، لِأَنَّهُ لفظ الحَدِيث، وبقيته قَوْله: أَي لِأَن التَّزَوُّج دلّ عَلَيْهِ قَوْله: فليتزوج. كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى﴾ (الْمَائِدَة: ٨) أَي: الْعدْل. قَوْله: (وَهل يتَزَوَّج) إِلَى آخِره من التَّرْجَمَة، وَهُوَ عطف على قَوْله: (بَاب قَول النَّبِي ﷺ ، وَالتَّقْدِير: وَبَاب هَل يتَزَوَّج. قَوْله: (لَا أرب لَهُ) بِفَتْح الْهمزَة وَالرَّاء أَي: لَا حَاجَة
стр. 5954
لَهُ فِي النِّكَاح، وَكلمَة: هَل، للاستفهام، وَلم يذكر الْجَواب اعْتِمَادًا على مَا عرف فِي مَوْضِعه، وَهُوَ أَن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِيمَن لَا يتوق إِلَى النِّكَاح هَل ينْدب لَهُ النِّكَاح أم لَا؟
٥٦٠٥ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا أبي حدَّثنا الأعْمَشُ، قَالَ: حدَّثني إبْرَاهِيمُ عنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: كُنْتُ معَ عبْدِ الله فَلقِيَهُ عُثْمانُ بِمِنى، فَقَالَ: يَا أَبَا عبْدِ الرَّحْمانِ ﴿لِي إليْكَ حاجَةً فَخَليا، فَقَالَ عُثْمانَ: هَلْ لَكَ يَا أَبَا عبْدِ الرَّحْمانِ فِي أنْ نُزَوِّجَكَ بِكْرا تُذَكّرُكَ مَا كُنْتَ تَعْهَدُ؟ فلَمَّا رأى عبْدُ الله أنْ ليْسَ لهُ حاجَةٌ إلاّ هاذا، أشارَ إلَيَّ، فَقَالَ: يَا عَلْقَمَةُ﴾ فانْتَهَيْتُ إليْهِ، وهْوَ يَقُولُ: أما لَئِنْ قُلْتُ ذالِكَ لقَدْ قَالَ لَنا النبيُّ ﷺ : يَا مَعْشَرَ الشَّبابِ ﴿مِنَ اسْتَطاعَ مِنْكُمُ الْباءَةَ فلْيَتَزوَّجْ، ومَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بالصَّوْمِ فإِنَّهُ لهُ وِجاءٌ.
(انْظُر الحَدِيث ٥٠٩١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَهَذَا السَّنَد بهؤلاء الرِّجَال قد ذكر غَيره مرّة، فَإِن عمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن عَلْقَمَة بن قيس عَن عبد الله بن مَسْعُود، هَذَا الْإِسْنَاد مِمَّا ذكر أَنه أصح الْأَسَانِيد.
والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الصَّوْم فِي بَاب الصَّوْم لمن خَافَ على نَفسه الْعُزُوبَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بأخضر مِنْهُ عَن عَبْدَانِ عَن أبي حَمْزَة عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم إِلَى آخِره.
قَوْله: (كنت مَعَ عبد الله) يَعْنِي: ابْن مَسْعُود. قَوْله: (بمنى) وَوَقع فِي رِوَايَة زيد بن أبي أنيسَة عَن الْأَعْمَش، عِنْد ابْن حبَان بِالْمَدِينَةِ، وَهِي شَاذَّة. قَوْله: (فَقَالَ: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن) هِيَ كنية عبد الله بن مَسْعُود، قيل: الْمُخَاطب بذلك عبد الله بن عمر لِأَنَّهَا كنيته الْمَشْهُورَة، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: هَذَا يدل على أَن ابْن عَمه شدد على نَفسه فِي زمن الشَّبَاب لِأَنَّهُ كَانَ فِي زمن عُثْمَان شَابًّا، وَهَذَا غيرصحيح، لِأَن ابْن عمر لَا مدْخل لَهُ فِي هَذِه الْقِصَّة، والْحَدِيث لِابْنِ مَسْعُود، وَقَوله: وَكَانَ فِي زمَان عُثْمَان شَابًّا فِيهِ نظر لِأَنَّهُ إِذْ ذَاك كَانَ جَاوز الثَّلَاثِينَ. قَوْله: (فحليا) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: فَخلوا، قَالَ ابْن التِّين: وَهُوَ الصَّوَاب لِأَنَّهُ واوي من الْخلْوَة، مثل: دعوا، وَمَعْنَاهُ: دخلا فِي مَوضِع خَال. قَوْله: (تذكرك مَا كنت تعهد) ، يَعْنِي: من نشاطك وَقُوَّة شبابك، وَقيل: لَعَلَّ عُثْمَان رأى بِهِ قشفا ورثاثة هَيْئَة فَحمل ذَلِك على فَقده الزَّوْجَة الَّتِي ترفهه، وَفِي رِوَايَة مُسلم: لَعَلَّهَا أَن تذكرك مَا مضى من زَمَانك، وَعِنْده فِي رِوَايَة أُخْرَى: لَعَلَّك ترجع إِلَيْك من نَفسك مَا كنت تعهد. وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان لَعَلَّهَا أَن تذكرك مَا فاتك. قَوْله: (فَلَمَّا رأى عبد الله) يرفع عبد الله أَن لَيْسَ لَهُ حَاجَة أَي: لعُثْمَان إلَاّ هَذَا، أَي: التَّرْغِيب فِي النِّكَاح، ويروي بِنصب عبد الله أَي: فَلَمَّا رأى عُثْمَان عبد الله أَن لَيْسَ لَهُ حَاجَة إِلَى هَذَا أَي: الزواج، وَهنا جَاءَت كلمة إلَاّ الَّتِي هِيَ أَدَاة الِاسْتِثْنَاء، وَكلمَة إِلَى الَّتِي هِيَ حرف الْجَرّ، فَالْمَعْنى فِي الْوَجْه الأول على كلمة إلَاّ، وَفِي الْوَجْه الثَّانِي على كلمة إِلَى قَوْله: (أَشَارَ) قَالَ الْكرْمَانِي، أَشَارَ عبد الله. قلت: الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْحَال أَن الَّذِي أَشَارَ هُوَ عُثْمَان. قَوْله: (إِلَيّ) ، بتَشْديد الْيَاء قَوْله: (وَهُوَ يَقُول) جملَة حَالية. قَوْله: (ذَاك) ، إِشَارَة إِلَى قَوْله: (نُزَوِّجك) وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة حَدثنَا جرير عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة، قَالَ: إِنِّي لأمضي مَعَ عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بمنى إِذْ لقِيه عُثْمَان، فَقَالَ: هَلُمَّ يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن. قَالَ: فاستخلاه، فَلَمَّا رأى عبد الله أَن لَيست لَهُ حَاجَة، قَالَ: تعال يَا عَلْقَمَة﴾ قَالَ: فَجئْت. فَقَالَ لَهُ عُثْمَان: أَلا نُزَوِّجك يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن جَارِيَة بكرا لَعَلَّه يرجع إِلَيْك من نَفسك مَا كنت تعهد؟ فَقَالَ عبد الله لَئِن قلت ذَاك لقد قَالَ لنا رَسُول الله ﷺ الحَدِيث. قَوْله: (يَا مشْعر الشَّبَاب) ، المعشر هم الطَّائِفَة الَّذين يشملهم وصف. فالشباب معشر والشيوخ معشر، والشباب جمع شَاب وَيجمع أَيْضا على شببة وشبان بِضَم أَوله وَتَشْديد الْبَاء، وَذكر الْأَزْهَرِي أَنه لم يجمع فَاعل على فعلان غَيره، وَأَصله الْحَرَكَة والنشاط، وَقَالَ النَّوَوِيّ: والشاب عِنْد أَصْحَابنَا هُوَ من بلغ وَلم يُجَاوز ثلاثن سنة، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يُقَال لَهُ: حدث إِلَى سِتّ عشرَة سنة ثمَّ شَاب إِلَى اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ، ثمَّ كهل وَكَذَا ذكر الزَّمَخْشَرِيّ، وَقَالَ ابْن شَاس الْمَالِكِي فِي الْجَوَاهِر إِلَى أَرْبَعِينَ، وَإِنَّمَا خص الشَّبَاب بِالْخِطَابِ لِأَن الْغَالِب وجود قُوَّة الدَّاعِي فيهم
стр. 5955
إِلَى النِّكَاح، بِخِلَاف الشُّيُوخ. قَوْله: (الْبَاءَة) قد مر تَفْسِير فِي كتاب الصَّوْم، وَلَكِن نذْكر مِنْهُ بعض شَيْء. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِيهَا أَربع لُغَات: الْمَشْهُور بِالْمدِّ وَالْهَاء، وَالثَّانيَِة بِلَا مد، وَالثَّالِثَة بِالْمدِّ بِلَا هَاء، وَالرَّابِعَة بِلَا مد وَأَصلهَا لُغَة الْجِمَاع، ثمَّ قيل: لعقد النِّكَاح، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْبَاء مثل الباعة، لُغَة فِي الْبَاء، وَمِنْه سمي النِّكَاح بَاء وباه، لِأَن الرجل يتبوء من أَهله أَي يستمكن مِنْهَا كَمَا يتبوأ من دَاره. قَوْله: (وَجَاء) بِكَسْر الْوَاو وبالمد، وَهُوَ رض الخصيتين، قيل: عَلَيْهِ إغراء غَائِب، وَهُوَ من النَّوَادِر، وَلَا تكَاد الْعَرَب تغري إلَاّ الْحَاضِر. تَقول عَلَيْك: زيدا، وَلَا تَقول عَلَيْهِ: زيدا، وَفِيه اسْتِحْبَاب عرض الصاحب هَذَا على صَاحبه، وَنِكَاح الشَّابَّة فَإِنَّهَا ألذ استمتاعا وَأطيب نكهة وَأحسن عشرَة وأفكه محادثة وأجمل منْظرًا، وألين ملمسا وَأقرب إِلَى أَن يعودها زَوجهَا الْأَخْلَاق الَّتِي يرتضيها واستحباب الْإِسْرَار بِمثلِهِ.
٣ - (بابٌ: مَنْ لمْ يَسْتَطِع الْباءَةَ فَلْيَصُمْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نت لن يسْتَطع الْبَاءَة فليصم.
٦٦٠٥ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غياثٍ حَدثنَا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ قَالَ: حدّثني عُمارَةُ عنْ عبْدِ الرَّحْمانِ بنِ يَزِيدَ، قَالَ: دَخَلْتُ معَ عَلْقمَةَ والأسْوَدِ علَى عبْدِ الله، فَقَالَ عبْدُ الله: كُنّا مَعَ النبيَّ ﷺ شَبابا لَا نجِدُ شَيْئا، فَقَالَ لَنا رسُولُ الله ﷺ : يَا مَعْشَرَ الشَّبابِ مَنِ اسْتَطاعَ الباءَةَ فلْيَتَزَوَّجْ، فإِنّهُ أغضُّ لِلْبَصَرِ وأحْصَنُ لِلْفَرْجِ، ومَنْ لمْ يَسْتَطِعْ فعَلَيْهِ بالصَّوْمِ فإِنّهُ لَهُ وِجاءٌ.
(انْظُر الحَدِيث ٥٠٩١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمن لم يسْتَطع) فَعَلَيهِ بِالصَّوْمِ وَهَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، أخرجه عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن عمَارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم وبالراء: ابْن عُمَيْر التَّيْمِيّ الْكُوفِي عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد عَن قيس النَّخعِيّ، وعلقمة عَمه وَالْأسود أَخُوهُ يَعْنِي: دخلت مَعَ أخي وَعمي على عبد الله بن مَسْعُود. قَوْله: (أَغضّ) بِمَعْنى الْفَاعِل لَا الْمَفْعُول أَي: أَشد غضا. قَوْله: (وَأحْصن) أَي: أَشد إحصانا لَهُ ومنعا من الْوُقُوع فِي الْفَاحِشَة. قَوْله: (فَإِنَّهُ) أَي فَإِن الصَّوْم. قَوْله: (وَجَاء) جملَة فِي مَحل الرّفْع على الخبرية. وفال النَّوَوِيّ: اخْتلف الْعلمَاء فِي المُرَاد بِالْبَاءَةِ هُنَا على قَوْلَيْنِ: يرجعان إِلَى معنى وَاحِد، أصَحهمَا: أَن المُرَاد مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ وَهُوَ الْجِمَاع، فتقدير من اسْتَطَاعَ مِنْكُم الْجِمَاع لقدرته على مؤونته وَهِي مُؤَن النِّكَاح فليتزوج، وَمن لم يسْتَطع الْجِمَاع لعَجزه عَن مؤنه فَعَلَيهِ بِالصَّوْمِ ليقطع شَهْوَته يقطع شَرّ منيه كَمَا يقطعهُ الوجاء، وعَلى هَذَا القَوْل وَقع الْخطاب مَعَ الشَّبَاب الَّذين هم مَظَنَّة شَهْوَة النِّسَاء وَلَا ينفكون عَنْهَا غَالِبا. وَالْقَوْل الثَّانِي: إِن المُرَاد هُنَا بِالْبَاءَةِ مُؤَن النِّكَاح، سَمِعت باسم مَا يلازمهما، وَتَقْدِيره: من اسْتَطَاعَ مِنْكُم مُؤَن النِّكَاح فليتزوج، وَمن لم يسْتَطع فَعَلَيهِ بِالصَّوْمِ. قَالُوا: وَالْعَاجِز عَن الْجِمَاع لَا يحْتَاج إِلَى الصَّوْم لدفع الشَّهْوَة، فَوَجَبَ تَأْوِيل الْبَاءَة على الْمُؤَن، وانفصل الْقَائِلُونَ بِالْأولِ عَن ذَلِك بالتقدير الْمَذْكُور. انْتهى. قلت: مفعول (من لم يسْتَطع) مَحْذُوف فَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ. وَمن لم يسْتَطع الْبَاءَة أَو من لم يسْتَطع التَّزَوُّج، وَقد وَقع كل مِنْهُمَا صَرِيحًا فَروِيَ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن يزِيد عَن عبد الله بن مَسْعُود، ﵁، قَالَ: خرجنَا مَعَ النَّبِي ﷺ وَنحن شباب لَا نقدر على شَيْء فَقَالَ: يَا معشر الشَّبَاب عَلَيْكُم بِالْبَاءَةِ فَإِنَّهُ أَغضّ لِلْبَصَرِ وَأحْصن لِلْفَرجِ. فَمن لم يسْتَطع مِنْكُم الْبَاءَة فَعَلَيهِ بِالصَّوْمِ فَإِن الصَّوْم لَهُ وَجَاء، وَرُوِيَ الْإِسْمَاعِيلِيّ من حَدِيث الْأَعْمَش: من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يتَزَوَّج فليتزوج، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة النَّسَائِيّ: من كَانَ ذَا طول فَلْيَنْكِح، وَالْحمل على الْمَعْنى الْأَعَمّ أولى بِأَن يُرَاد بِالْبَاءَةِ الْقُدْرَة على الْوَطْء ومؤن التَّزَوُّج. قَوْله: (وَجَاء) وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: فَإِنَّهُ لَهُ وَجَاء، وَهُوَ الإخصاء وَهِي زِيَادَة مدرجة فِي الْخَبَر، وَتَفْسِير الوجاء بِالْإِخْصَاءِ فِيهِ نظر، فَإِن الوجاء: رض الانثيين، والإخصاء: قلعهما، وَإِطْلَاق الوجاء على الصّيام من مجَاز المشابهة، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة قَالَ بَعضهم: وَجَاء، بِفَتْح الْوَاو مَقْصُور وَالْأول أَكثر، وَاسْتدلَّ بِهِ الْخطابِيّ على جَوَاز المعالجة لقطع شَهْوَة النِّكَاح بالأدوية، وَحَكَاهُ الْبَغَوِيّ فِي شرح السّنة وَيَنْبَغِي أَن يحمل على دَوَاء يسكن الشَّهْوَة دون مَا يقطعهَا أَصَالَة لِأَنَّهُ قد يقدر بعد فيندم لفَوَات ذَلِك فِي حَقه، وَقد صرح الشَّافِعِيَّة
стр. 5956
بِأَنَّهُ لَا يكسرها بالكافور وَنَحْوه، وَاسْتدلَّ بِهِ بعض الْمَالِكِيَّة على تَحْرِيم الاستمناء، وَقد ذكر أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة أَنه يُبَاح عِنْد الْعَجز لأجل تسكين الشَّهْوَة.
٤ - (بابُ كَثْرَةِ النِّساءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَثْرَة النِّسَاء لمن قدر على الْعدْل بَينهُنَّ.
٧٦٠٥ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسى اأخبرَنا هِشَامُ بنُ يُوسُفَ أنَّ جُرَيْجٍ أخبرهُمْ قَالَ: أخبَرَني عَطاءٌ قَالَ: حضَرْنَا مَعَ ابنِ عَبّاس جَنازَةَ مَيْمُونَةَ بِسَرِفَ، فَقَالَ ابنُ عَبّاسٍ: هاذِهِ زَوْجَةُ النبيِّ ﷺ ، فإِذا رَفَعْتُمْ نَعْشَها فَلا تُزَعْزِعُوها وَلَا تُزَلْزِلُوها وَارْفُقُوا فإِنّهُ كانَ عِنْدَ النبيِّ ﷺ تِسْعٌ كانَ يَقْسِمُ لِثَمانٍ وَلَا يَقْسِمُ لِوَاحِدَةٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (تسع) هَذِه كَثْرَة النِّسَاء، وَلَكِن هَذَا الْعدَد فِي حَقه ﷺ وَفِي حق غَيره أَربع أَو ثَلَاث أَو ثِنْتَانِ، وَيُطلق عَلَيْهَا الْكَثْرَة.
وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سُلَيْمَان بن يُوسُف وَفِي عشرَة النِّسَاء عَن يُوسُف بن سعيد.
قَوْله: (مَيْمُونَة) هِيَ بنت الْحَارِث الْهِلَالِيَّة، تزَوجهَا رَسُول الله ﷺ سنة سِتّ من الْهِجْرَة وَتوفيت بسرف، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وبالفاء: وَهُوَ مَكَان مَعْرُوف بِظَاهِر مَكَّة بَينهَا وَبَين مَكَّة اثْنَا عشر ميلًا، وَكَانَ النَّبِي ﷺ بنى بهَا فِيهَا، وَكَانَت وفاتها سنة إِحْدَى وَخمسين، وَقيل: ثَلَاث وَخمسين، وَقيل: سنة سِتّ وَسِتِّينَ، وَصلى عَلَيْهَا ابْن عَبَّاس، ونزول فِي قبرها، وَعبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن الْوَلِيد وَهِي خَالَة أَبِيه. قَوْله: (نعشها) بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْعين وبالشين الْمُعْجَمَة وَهُوَ السرير الَّذِي يوع عَلَيْهِ الْمَيِّت. قَوْله: (فَلَا تزعزعوها) من الزعزعة بزاءين معجمتين وعينين مهملتين، وَهِي تَحْرِيك الشَّيْء الَّذِي يرفع. قَوْله: (لَا تزلزلوها) من الزلزلة وَهِي الِاضْطِرَاب. قَوْله: (وارفقوا بهَا) من الرِّفْق. وَأَرَادَ بِهِ السّير الْوسط المعتدل. وَالْمَقْصُود مِنْهُ حُرْمَة الْمُؤمن بعد مَوته فَإِن حرمته بَاقِيَة كَمَا كَانَت فِي حَيَاته وَلَا سِيمَا هِيَ زَوْجَة النَّبِي ﷺ . قَوْله: (فَإِنَّهُ) أَي: فَإِن الشان (كَانَ عِنْد النَّبِي ﷺ ، تسع) أَي: تسع نسْوَة، أَي عِنْد مَوته، وَهن: سَوْدَة وَعَائِشَة وَحَفْصَة وَأم سَلمَة وَزَيْنَب بنت جحش وَأم حَبِيبَة وَجُوَيْرِية وَصفِيَّة ومَيْمُونَة، هَذَا تَرْتِيب تَزْوِيجه، إياهن. وَمَات وَهن فِي عصمته ﷺ . قَوْله: (كَانَ يقسم) من الْقسم، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون السِّين: مصدر قسمت الشَّيْء فانقسم، وبالكسر وَاحِد الْأَقْسَام وَبِمَعْنى النَّصِيب، يُقَال: كِلَاهُمَا بِمَعْنى النَّصِيب وَلَكِن الأول يسْتَعْمل فِي مَوضِع خَاص بِخِلَاف الثَّانِي، وَالْقسم بِفتْحَتَيْنِ الْيَمين قَوْله: (لثمان) أَي: لثمان نسْوَة (وَلَا يقسم لوَاحِدَة) أَي: لامْرَأَة وَاحِدَة، وَهِي: سَوْدَة بنت زَمعَة بن قيس القرشية العامرية، توفيت فِي آخر خلَافَة عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَت قد أَسِنَت عِنْد رَسُول الله ﷺ فهم بِطَلَاقِهَا، فَقَالَت لَهُ: لَا تُطَلِّقنِي وَأَنت فِي حل من شأني، فَإِنَّمَا أريدأن أحْشر فِي أَزوَاجك، وَإِنِّي قد وهبت يومي لعَائِشَة، وَإِنِّي لَا أُرِيد مَا تُرِيدُ النِّسَاء؛ فَأَمْسكهَا رَسُول الله ﷺ حَتَّى توفّي عَنْهَا مَعَ سَائِر من توفّي عَنْهُن من أَزوَاجه. فَإِن قلت: رُوِيَ مُسلم الحَدِيث الْمَذْكُور من طَرِيق عَطاء، ثمَّ قَالَ فِي آخِره: قَالَ عَطاء الَّتِي لَا يقسم لَهَا صَفِيَّة بنت حييّ بن أَخطب قلت: حكى عِيَاض عَن الطَّحَاوِيّ أَن هَذَا وهم وَصَوَابه سَوْدَة، وَإِنَّمَا غلط فِيهِ ابْن جريج راوية عَن عَطاء، وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا وهم من ابْن جريج الرَّاوِي عَن عَطاء، وَإِنَّمَا الصَّوَاب سَوْدَة، كَمَا فِي الْأَحَادِيث فَإِن قلت: يحْتَمل أَن تكون رِوَايَة ابْن جريج صَحِيحَة وَيكون ذَلِك فِي آخر أمره حَيْثُ رُوِيَ الْجَمِيع، فَكَانَ يقسم لجميعهن إلَاّ لصفية. قلت: قد أخرج ابْن سعد من ثَلَاثَة طرق أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يقسم لصفية كَمَا يقسم لنسائه. فَإِن قلت: قد أخرج ابْن سعد هَذِه الطّرق كلهَا من رِوَايَة الْوَاقِدِيّ، وَهُوَ لَيْسَ بِحجَّة قلت: مَا لِلْوَاقِدِي وَقد رُوِيَ عَنهُ الشَّافِعِي وَأَبُو بكر بن أبي شيبَة وَأَبُو عبيد وَأَبُو خَيْثَمَة، وَعَن مُصعب الزبيرِي ثِقَة مَأْمُون، وَكَذَا قَالَ الْمسَيبِي،
стр. 5957
وَقَالَ أَبُو عبيد: ثِقَة، وَعَن الداروردي: الْوَاقِدِيّ أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث، مَاتَ قَاضِيا بِبَغْدَاد سنة سبع وَمِائَتَيْنِ وَدفن فِي مَقَابِر الخيزران وَهُوَ ابْن ثَمَان وَسبعين سنة.
٨٦٠٥ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ حدَّثنا سَعِيدٌ عنْ قتادَةَ عنْ أنَس، ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ . كانَ يَطُوفُ علَى نِسائِهِ فِي لَيْلَةٍ واحِدَةٍ ولَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ. وَقَالَ لي خَلِيفَةُ: حَدثنَا يزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ حَدثنَا سَعِيدٌ عنْ قَتادَةَ أنَّ أنَسا حدَّثَهُمْ عنِ النبيِّ ﷺ .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَسَعِيد هُوَ ابْن أبي عرُوبَة واسْمه مهْرَان الْبَصْرِيّ. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْغسْل بأتم مِنْهُ. قَوْله: (وَقَالَ لي خَليفَة) هُوَ أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ، إِنَّمَا قصد بذلك تَصْرِيح قَتَادَة بتحديث أنس لَهُ بذلك.
٩٦٠٥ - حدَّثنا علِيٌّ بنُ الحَكَمِ الأنْصاريُّ حَدثنَا أبُو عَوانَةَ عنْ رَقَبةَ عنْ طَلْحَةَ اليامِيِّ عنْ سعيدِ بنِجُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ لِيَ ابنُ عَبّاسٍ: هلْ تَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَتَزَوَّجْ فإِنَّ خَيْرَ هاذِهِ الأُمَّةِ أكْثَرُها نِساءً.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَكْثَرهَا نسَاء) وَعلي بن الحكم بِفتْحَتَيْنِ الْأنْصَارِيّ الْمروزِي من قَرْيَة من قرى مرو يَدعِي غزا مَاتَ سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي، وَطَلْحَة هُوَ ابْن مصرف اليامي بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف الْمِيم، وَيُقَال الأيامي فِي هَمدَان ينْسب إِلَى أَيَّام بن أصبي بن رَافع بن مَالك بن جشم بن حاشد بن خيران بن نوف بن أوسلة وَهُوَ هَمدَان.
قَوْله: (فَإِن خير هَذِه الْأمة) المُرَاد بِهِ رَسُول الله ﷺ لِأَنَّهُ أَكثر نسَاء من غَيره، وَالْأمة الْجَمَاعَة أَي: خير هَذِه الْجَمَاعَة الإسلامية وَهُوَ رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُ أَكْثَرهم نسَاء لِأَن لَهُ تسعا، وَإِنَّمَا قيد بِهَذِهِ الْأمة لِأَن سليكان، ﵇، أَكثر زَوْجَات من رَسُول الله ﷺ ، قيل: كَانَت ألف امْرَأَة: ثَلَاثمِائَة حرائر وَسَبْعمائة إِمَاء، وأبلوه دَاوُد، ﵇، كَانَت لَهُ تسع وَتسْعُونَ امرأةٍ، وَقيل: مَعْنَاهُ خير أمة مُحَمَّد ﷺ من هُوَ أَكثر نسَاء من غَيره إِذا تساووا فِي الْفَضَائِل، وَقيل لَهُ: الْخَيْرِيَّة من هَذِه الْجِهَة لَا مُطلقًا، فَافْهَم.
٥ - (بابٌ مَنْ هاجَرَ أوْ عَمِلَ خَيْرا لِتَزْوِيجِ امْرَأةٍ فلَهُ مَا نَوَى)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن من هَاجر إِلَى دَار الْإِسْلَام وَكَانَ قَصده تَزْوِيج امْرَأَة، أَو عمل خير من أَنْوَاع الْخَيْر ليتوسل بِهِ إِلَى تَزْوِيج امْرَأَة أَو يَجْعَلهَا زَوْجَة نَفسه، أَو التَّزْوِيج بِمَعْنى التَّزَوُّج، فَلهُ مَا نوى لقَوْله ﷺ إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ، على مَا يَجِيء الْآن.
٠٧٠٥ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ قَزَعَةَ حَدثنَا مالِكٌ عنْ يَحْيَى بنِ سعِيدٍ عنْ مُحَمَّدٍ بنِ إبْرَاهِيمَ بنِ لحَارِثِ عنْ علْقَمَةَ بن وقاصٍ عنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، ﵁، قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : العَمَلُ بالنِّيَّةِ، وإنَما لِامْرِىءٍ مَا نَوَى، فمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الله ورسولِهِ ﷺ ، ومَنْ كانتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيا يُصِيبُها أوِ امْرَأةٍ يَنْكِحُها فهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هاجَر إليْهِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى بن قزعة، بِالْقَافِ وَالزَّاي وَالْعين الْمُهْملَة المفتوحات: الْحِجَازِي. والْحَدِيث قد مر فِي أول الْكتاب فَإِنَّهُ إخرجه هُنَاكَ عَن الْحميدِي عَن سُفْيَان عَن يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
٦ - (بابُ تَزْوِيجِ المُعْسِرِ الَّذِي مَعَهُ القُرْآنُ والإسْلَامُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَزْوِيج الْمُعسر أَي: الْفَقِير الَّذِي لَيْسَ مَعَه شَيْء وَمَعَهُ الْقُرْآن، يَعْنِي: يحفظ شَيْئا من الْقُرْآن. قَوْله: (وَالْإِسْلَام) قَالَ ابْن بطال: دلّ هَذَا على أَن الْكَفَاءَة إِنَّمَا هِيَ فِي الدّين لَا فِي المَال، وَقد نبه بِهَذِهِ التَّرْجَمَة
стр. 5958
على جَوَاز ذَلِك آخِذا بِمَا وَقع من حَال ذَلِك الرجل الَّذِي قَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : التمس وَلَو خَاتمًا من حَدِيد، فَلم يجد، وزوجه بِمَا مَعَه من الْقُرْآن.
فِيهِ سَهْلٌ عنِ النبيِّ ﷺ
أَي: فِي هَذَا الْبَاب ورد حَدِيث سهل بن سعد الْأنْصَارِيّ السَّاعِدِيّ، وَقد مر حَدِيثه فِي: بَاب الْقِرَاءَة عَن ظهر الْقلب، وَفِيه: مَاذَا مَعَك من الْقُرْآن؟ قَالَ: معي سُورَة كَذَا وَكَذَا، قَالَ: اتقرؤهن عَن ظهر قَلْبك؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فقد ملكتكها بِمَا مَعَك من الْقُرْآن.
١٧٠٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدَّثنا يَحْيَى حدَّثنا إسْماعِيلُ قَالَ: حدّثني قَيْسٌ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: كُنا نَغْزُو مَع النبيِّ ﷺ ، لَيْسَ لَنا نِساءٌ، فَقُلْنا: يَا رَسُول الله ألَا نَسْتَخْصِي؟ فَنَهانا عنْ ذالِكَ.
(انْظُر الحَدِيث ٥١٦٤ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تعلم بالدقة فِي النّظر، وَهُوَ أَنه ﷺ لما نَهَاهُم عَن الاختصاء مَعَ احتياجهم إِلَى النِّسَاء وَمَعَ فَقرهمْ، كَمَا صرح بِهِ فِي هَذَا الْخَبَر على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَكَانَ مَعَ كل مِنْهُم شَيْء من الْقُرْآن كَأَنَّهُ أجَاز لَهُم التَّزْوِيج بِمَا مَعَهم من الْقُرْآن.
وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد سعد البَجلِيّ الْكُوفِي، وَقيس هُوَ ابْن أبي حَازِم عَوْف الأحمسي البَجلِيّ. قدم الْمَدِينَة بَعْدَمَا قبص النَّبِي ﷺ والْحَدِيث قد مر التَّفْسِير.
قَوْله: (عَن ذَلِك) أَي: عَن الاستخصاء، فَدلَّ على أَنه حرَام فِي الْآدَمِيّ صَغِيرا كَانَ أَو كَبِيرا، لِأَن فِيهِ تَغْيِير خلق الله تَعَالَى، وَلما فِيهِ من قطع النَّسْل وتعذيب الْحَيَوَان. قَالَ الْبَغَوِيّ: وَكَذَا كل حَيَوَان لَا يُؤْكَل، وَأما الْمَأْكُول فَيجوز فِي صغره وَيحرم فِي كبره.
٧ - (بابُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِأخِيهِ: انْظُرْ أيَّ زَوْجَتَي شَئْتَ حتَّى أنْزِلَ لَكَ عنْها، رَواهُ عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَوْفٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الرجل إِلَى آخِره، وَالَّذِي يظْهر لي أَنه إِنَّمَا وضع هَذِه التَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ لفظ حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الَّذِي مضى فِي أول الْبيُوع، إِشَارَة إِلَى أَنه رَوَاهُ فِيهِ من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن نفس عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. وَالْآخر: عَن أنس من طَرِيق زُهَيْر عَن حميد عَنهُ يخبر عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَهنا أَيْضا رَوَاهُ من حَدِيث سُفْيَان عَن حميد عَنهُ يخبر عَن عبد الرَّحْمَن. وَأخذ البُخَارِيّ فِيهِ هَذِه الْأَلْفَاظ الَّتِي هِيَ التَّرْجَمَة من نفس الحَدِيث ووضعها تَرْجَمَة تَنْبِيها على فَوَائِد كَثِيرَة: مِنْهَا: وضعة تراجم غَرِيبَة فِي مَوَاضِع كَثِيرَة فِي الْكتاب، وَمِنْهَا: الْإِشَارَة إِلَى اتساع رِوَايَته، وَمِنْهَا: بَيَان مَا فِيهِ من الِاخْتِلَاف فِي الْأَسَانِيد وَفِي الْمُتُون وَغير ذَلِك.
قَوْله: (حَتَّى أنزل لَك عَنْهَا) أَي: حَتَّى أطلقها وتنقضي عدتهَا ثمَّ تأخذها. قَوْله: (رَوَاهُ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف) أَي: رُوِيَ هَذَا الْبَاب الَّذِي هُوَ التَّرْجَمَة فِي حَدِيثه، على مَا مر فِي أول الْبيُوع.
٢٧٠٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ عنْ سُفْيانَ عنْ حُمَيْدٍ الطَّويلِ قَالَ: سمَعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ قَالَ: قَدِمَ عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عوْفٍ فآخَى النبيُّ ﷺ ، بَيْنَهُ وبَيْنَ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ الأنْصارِيِّ، وعِنْدَ الأنْصاريِّ امْرَأتانِ، فعَرَضَ عَلَيْهِ أنْ يُناصِفَهُ أهْلَهُ ومالَهُ، فَقَالَ: بارَكَ لله لَكَ فِي أهْلِكَ ومالِكَ، دُلُّونِي علَى السُّوقِ. فأتَى السُّوقَ فَرَبِحَ شَيْئا مِنْ أقَطٍ وشَيْئا مِنْ سَمْنٍ، فَرَآهُ النبيُّ ﷺ بَعْدَ أيَّامٍ وعلَيْهِ وضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فَقَالَ: مَهْيَمْ يَا عبْدَالرَّحْمانِ؟ فَقَالَ: تَزَوَّجْتُ أنْصارية. قَالَ: فَما سُقْتَ إليْها قَالَ: وزْنَ نَواةٍ مِنْ ذَهَبَ. قَالَ: أوْلِمْ ولَوْ بِشاةٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَعند الْأنْصَارِيّ امْرَأَتَانِ فَعرض عَلَيْهِ أَن يناصفه أَهله) وَقد ذكرنَا أَنه مضى فِي أول الْبيُوع.
قَوْله: (وضر) بِفَتْح الْوَاو وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وبالراء أَي: وَهُوَ اللطخ من الخلوق وَمن كل طيب لَهُ لون. قَوْله: (مَهيم) بِفَتْح الْمِيم
стр. 5959
وَسُكُون الْهَاء وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره مِيم: أَي: مَا حالك وَمَا شَأْنك؟ قَوْله: (فَمَا سقت) أَي: إِلَيْهَا، ويروي هَكَذَا. قَوْله: (وزن نواة من ذهب) وَهُوَ اسْم لخمسة دَرَاهِم، أَي: مِقْدَار خَمْسَة دَرَاهِم وزنا من الذَّهَب، وَبَقِيَّة الْكَلَام قد مرت هُنَاكَ.
٨ - (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّبَتُّلِ والخِصاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يكره من التبتل وَأَصله الِانْقِطَاع من قَوْلهم تبتلت الشَّيْء اتبتله من بَاب ضرب يضْرب إِذا قطعته، وَالْمرَاد بالتبتل الْمنْهِي عَنهُ فِي الحَدِيث الِانْقِطَاع عَن النِّسَاء وَترك التَّزْوِيج، وَأما معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وتبتل إِلَيْهِ تبتيلاً﴾ (المزمل: ٨) فَالْمُرَاد بِهِ الِانْقِطَاع إِلَيْهِ والتعبد لَا ترك التَّزْوِيج فَإِنَّهُ لم يَأْمر بِهِ النَّبِي ﷺ ، بل قَالَ ابْن عَبَّاس: خير هَذِه الْأمة أَكْثَرهَا نسَاء، وَيُرِيد بِهِ النَّبِي ﷺ ، وَقد ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (والخصاء) بِكَسْر الْخَاء وبالمد: مصدر خصيت الْفَحْل، إِذا سللت خصيتيه، وَالرجل خصي وَالْجمع خصيان وخصية.
٣٧٠٥ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ حَدثنَا إبْرَاهِيم بنُ سَعْد أخبرنَا ابنُ شِهابٍ سَمِعَ بن سَعيدَ بن المُسَيِّبَ يَقُولُ: سَمِعْتُ سَعْدَ بنَ أبي وقَّاصٍ يَقُولُ: رَدَّ رسولُ الله ﷺ ، علَى عُثْمانَ ابنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ، ولوْ أذِنَ لهُ لاخْتَصَيْنا.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَبُو عبد الله التَّيْمِيّ الْيَرْبُوعي الْكُوفِي، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَإِبْرَاهِيم بن سعد بن عبد لرحمن بن عَوْف، كَانَ على قَضَاء بَغْدَاد، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي النِّكَاح عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن الْحسن بن عَليّ الْحَلَال. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبيد. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي مَرْوَان مُحَمَّد بن عُثْمَان العثماني.
قَوْله: (رد رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، على عُثْمَان بن مَظْعُون التبتل) أَي: لم يَأْذَن لَهُ فِيهِ حِين اسْتَأْذن فِي ذَلِك، وَيُقَال: معنى: رد، نهي عَن التبتل وَقد ذكرنَا مَعْنَاهُ الْآن. قَوْله: (وَلَو أذن لَهُ) أَي: لَو أذن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم. لعُثْمَان بن مَظْعُون (لاختصينا) من اختصيت، إِذا فعلت ذَلِك بِنَفْسِك. وَكَانَ مناسبا أَن يَقُول: أذن لَهُ لتبتلنا، فَعدل إِلَى: اختصينا، إِرَادَة الْمُبَالغَة أَي: لَو أذن لَهُ لبالغنا فِي التبتل حَتَّى الاختصاء، وَكَانَ التبتل من شَرِيعَة النَّصَارَى فَنهى النَّبِي ﷺ أمته عَنهُ ليكْثر النَّسْل ويدوم الْجِهَاد.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ يُقَال: يلْزم من جَوَاز التبتل عَن النِّسَاء جَوَاز الخصاء، وَهُوَ قطع عضوين بهما قوام النَّسْل، وَفِيه ألم عَظِيم لِأَنَّهُ رُبمَا يُفْضِي إِلَى الْهَلَاك. وَهُوَ محرم بالِاتِّفَاقِ، ثمَّ أجَاب بِأَن ذَلِك لَازم من حَيْثُ إِن مُطلق التبتل يتضمنه، فَكَأَن هَذَا الْقَائِل ظن أَن التبتل الْحَقِيقِيّ الَّذِي يُؤمن مَعَه شَهْوَة النِّسَاء وَهُوَ الخصاء، وَأخذ بِأَكْثَرَ مَا يَقع عَلَيْهِ الِاسْم، وَقَوله: فِيهِ ألم عَظِيم، مُسلم لَكِن يصغر فِي جنب صِيَانة الدّين، كَقطع الْيَد للأكلة والكي والبط وَنَحْوهَا. وَقَوله: رُبمَا يُفْضِي إِلَى الْهَلَاك، غير مُسلم لِأَن وُقُوع الْهَلَاك مِنْهُ نَادِر، وخصاء الْحَيَوَان يشْهد لذَلِك. وَأجَاب النَّوَوِيّ عَن ذَلِك بِأَن مَعْنَاهُ: لَو أذن فِي الِانْقِطَاع عَن النِّسَاء وغيرهن من ملاذ الدُّنْيَا لاختصينا لدفع شَهْوَة النِّسَاء لتمكننا من التبتل، قَالَ: وَهَذَا مَحْمُول على أَنهم كَانُوا يظنون جَوَاز الاختصاء باجتهادهم وَلم يكن ظنهم هَذَا مُوَافقا، فَإِن الاختصاء فِي الْآدَمِيّ حرَام مُطلقًا. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، ﵀: وَفِي كل من جوابي الْقُرْطُبِيّ وَالنَّوَوِيّ نظر، بل الْجَواب الصَّحِيح أَنه: لَو وَقع إِذن من النَّبِي ﷺ فِيمَا سَأَلَهُ عَنهُ عُثْمَان بن مَظْعُون من التبتل لجَاز لَهُم الاختصاء، لِأَن اسْتِئْذَان عُثْمَان فِي التبتل كَانَت صورته استئذانا فِي الاختصاء كَمَا هُوَ مُبين فِي حَدِيث عَائِشَة بنت قدامَة بن مَظْعُون عَن أَبِيهَا عَن أَخِيه عُثْمَان بن مَظْعُون، أَنه قَالَ: يَا رَسُول الله ﴿إِنَّه ليشق علينا الْعزبَة فِي الْمَغَازِي، أفتأذن لي يَا رَسُول الله فِي الخصاء فأختصى؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا وَلَكِن عَلَيْك يَا ابْن مَظْعُون بالصيام فَإِنَّهُ مجفر) ذكره ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِيعَاب وَذكر أَيْضا أَن عُثْمَان بن مَظْعُون وعليا وَأَبا ذَر هموا أَن يختصوا ويبتلوا فنهاهم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ تَعَالَى وَسلم، عَن ذَلِك. وَنزلت فيهم: ﴿لَيْسَ على الَّذين آمنُوا وَعَلمُوا الصَّالِحَات جنَاح فِيمَا طعموا﴾ (الْمَائِدَة: ٣٩) الْآيَة. وَأخرج الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عُثْمَان بن مَظْعُون نَفسه أَنه قَالَ: يَا رَسُول الله﴾ إِنِّي رجل يشق عَليّ الْعُزُوبَة فاذن لي فِي الخصاء، قَالَ: لَا وَلَكِن عَلَيْك بالصيام.
стр. 5960
٤٧٠٥ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِي قَالَ: أَخْبرنِي سَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ أنهُ سَمِعَ سَعْدَ بنَ أبي وقَّاصٍ يَقُولُ: لقَدْ رَدَّ ذَلِكَ يَعْنِي النبيَّ ﷺ علَى عُثْمانَ بن مَظْعُونٍ ولوْ أجازَ لهُ التَّبَتُّلَ لاخْتَصَيْنا.
(انْظُر الحَدِيث ٣٧٠٥) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور وَأخرجه عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن الزُّهْرِيّ: إِلَى آخِره.
٥٧٠٥ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا جُرَيرٍ عنْ إسْماعِيلَ عنْ قَيْسٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الله: كُنَّا نَغْزُو مَع رسولِ الله ﷺ ، ولَيْسَ لَنا شَيّءٌ، فَقُلْنا: أَلا نَسْتحْصِي؟ فَناهانا عنْ ذالِكَ، ثُمَّ رخصَ لَنا أنَّ نَنْكحَ المَرْأَةَ بالثَّوْبِ، ثمَّ قَرأ علَيْنا ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُو اْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (الْمَائِدَة: ٧٨) .
(انْظُر الحَدِيث ٥١٦٤ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد البَجلِيّ، وَقيس هُوَ ابْن أبي حَازِم، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، وَقد مر هَذَا الحَدِيث عَن قريب إِلَى قَوْله: (فنهانا عَن ذَلِك) فَإِنَّهُ أخرجه عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى عَن إِسْمَاعِيل إِلَى آخِره.
قَوْله: (ثمَّ رخص لنا أَن ننكح الْمَرْأَة بِالثَّوْبِ) هَذَا نِكَاح الْمُتْعَة، وَهَذَا يدل على أَن ابْن مَسْعُود يرى بِجَوَاز الْمُتْعَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَعَلَّه لم يكن حِينَئِذٍ بلغه النَّاسِخ ثمَّ بلغه فَرجع، وَيدل على ذَلِك مَا ذكر الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنه وَقع فِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة عَن إِسْمَاعِيل ابْن أبي خَالِد: فَفَعَلْنَا، ثمَّ ترك ذَلِك. قَالَ: وَفِي رِوَايَة لِابْنِ عُيَيْنَة عَن إِسْمَاعِيل، ثمَّ جَاءَ تَحْرِيمهَا بعد وَفِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد: فَفَعَلْنَا، ثمَّ ترك ذَلِك. قَالَ: وَفِي رِوَايَة لِابْنِ عُيَيْنَة عَن إِسْمَاعِيل، ثمَّ جَاءَ تَحْرِيمهَا بعد. وَفِي رِوَايَة معمر عَن إِسْمَاعِيل ثمَّ نسخ. قَوْله: (ثمَّ قَرَأَ علينا ﴿يَا أيهاالذين آمنُوا لَا تحرموا﴾ (الْمَائِدَة: ٧٨) الْآيَة، وَفِي رِوَايَة مُسلم: ثمَّ قَرَأَ علينا عبد الله رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَرُوِيَ الواحدي فِي أَسبَاب النُّزُول من رِوَايَة عُثْمَان بن سعد عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَن رجلا أَتَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: إِنِّي إِذا أكلت من هَذَا اللَّحْم انتشرت إِلَى النِّسَاء، وَإِنِّي حرمت عَليّ اللَّحْم. فَنزلت: ﴿لَا تحرموا طَيّبَات مَا أحل الله لكم﴾ (الْمَائِدَة: ٧٨) فعلى هَذَا لَا يجوز لأحد من الْمُسلمين تَحْرِيم شَيْء مِمَّا أحل الله لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ على نَفسه من طَيّبَات المطاعم والملابس والمناكح بإحلال ذَلِك لَهَا بعض الْمَشَقَّة، أَو أَمنه، وَلَا فضل فِي ترك شَيْء مِمَّا أحله الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ وَالْفضل وَالْبر فِيمَا هُوَ فعل مَا ندب الله عباده إِلَيْهِ، وَعمل بِهِ رَسُوله وسنه لأمته وَتَبعهُ على هَذَا الْمِنْهَاج الْأَئِمَّة الراشدون، فَإِذا كَانَ ذَلِك تبين خطأ من آثر لِبَاس الشّعْر وَالصُّوف على لِبَاس الْقطن والكتان إِذا قدر على لبس ذَلِك من حلّه، وآثر أكل الفول والعدس على خبز الْبر وَالشعِير، وَترك أكل اللَّحْم والودك حذرا من عَارض الْحَاجة إِلَى النِّسَاء، وَالْأولَى بالأجسام إصلاحها لتعينه على طَاعَة ربه، وَلَا شَيْء أضرّ بالجسم من المطاعم الرَّديئَة لِأَنَّهُ مُفسد لعقله ومضغة لأدواته الَّتِي جعلهَا الله تَعَالَى سَببا إِلَى طَاعَته، وَمن ذَلِك التبتل وَالتَّرَهُّب لِأَنَّهُ دَاخل فِي معنى الْآيَة الْمَذْكُورَة. وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا نهى النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك من أجل أَنه مُكَاثِر رَبهم الْأُمَم يَوْم الْقِيَامَة وَأَنه فِي الدُّنْيَا يُقَاتل بهم طوائف الْكفَّار، وَفِي آخر الزَّمَان يُقَاتلُون الدَّجَّال فَأَرَادَ ﷺ أَن يكثر النَّسْل، وَلَا الْتِفَات إِلَى مَا رُوِيَ خَيركُمْ بعد الْمِائَتَيْنِ الْخَفِيف الحاذ الَّذِي لَا أهل لَهُ وَلَا ولد، فَإِنَّهُ ضَعِيف بل مَوْضُوع، وَكَذَلِكَ قَول حُذَيْفَة: إِذا كَانَ سنة خمسين وَمِائَة فَلِأَن يُربي أحدكُم جرو كلب خير لَهُ من أَن يُربي ولدا.
٦٧٠٥ - حدَّثنا وَقَالَ أصْبَغُ: أَخْبرنِي ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونسَ بنِ يَزيدَ عنِ ابنِ شِهاب عنْ أبي سلَمَة عنْ أبي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله ﴿إنِّي رجُلٌ شابَّ وَأَنا أخافُ علَى نَفْسِي العَنَتَ وَلَا أجِدُ مَا أتَزَوَّجُ بِهِ النِّساءَ، فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قُلْتُ: مِثْلَ ذالِكَ فَسَكَتَ غَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذالِكَ فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلك فَقَالَ النبيُّ ﷺ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ﴾ جَفَّ القَلَمُ بِما أنْتَ لاقٍ فاخْتَصِ علَى ذَلِكَ أوْ ذَرْ.
أَي قَالَ أصبغ بن الْفرج وراق عبد الله بن وهب، كَذَا وَقع فِي عَامَّة الْأُصُول: قَالَ أصبغ، وَكَذَا ذكره أَبُو مَسْعُود وَخلف
стр. 5961
وَخَالف ذَلِك الحافظان أَبُو نعيم والطرقي فَقَالَا: رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن أصبغ، وَلَئِن سلمنَا صِحَة مَا وَقع فِي الْأُصُول وَأَنه رَوَاهُ عَنهُ مُعَلّقا فقد رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ: حَدثنَا ابْن الْهَاد حَدثنَا أصبغ أَخْبرنِي ابْن وهب، وَقد وَقع فِي كتاب الطرقي: رَوَاهُ البُخَارِيّ ابْن مُحَمَّد وَهُوَ غير صَحِيح لِأَنَّهُ لَيْسَ للْبُخَارِيّ شيخ اسْمه أصبغ بن مُحَمَّد، وَلَا فِي الْكتب السِّتَّة. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (إِنِّي رجل شَاب وَأَنا أَخَاف) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وَإِنِّي أَخَاف، وَكَذَا فِي رِوَايَة حَرْمَلَة. قَوْله: (الْعَنَت) بِفَتْح النُّون وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَهُوَ الْحمل على الْمَكْرُوه. وَقد عنت يعنت من بَاب علم يعلم، والعنت الْإِثْم، وَقد عنت اكْتسب إِثْمًا، والعنت الْفُجُور وَالزِّنَا وكل شاقٍ ذكره فِي الْمُنْتَهى وَفِي التَّهْذِيب: الإعنات تَكْلِيف غير الطَّاقَة، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: أصل الْعَنَت التَّشْدِيد، وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا الزِّنَا. قَوْله: (جف الْقَلَم بِمَا أَنْت لاقٍ) أَي: نفذ الْمُقدر بِمَا كتب فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ فَبَقيَ الْقَلَم الَّذِي كتب بِهِ جافا لَا مداد فِيهِ لفراغ مَا كتب بِهِ. قَوْله: (فاختص) صورته صُورَة أَمر من الاختصاء، وَلَكِن هَذَا من قبيل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن شَاءَ فليؤمن وَمن شَاءَ فليكفر﴾ (الْكَهْف: ٩٢) وَلَيْسَ الْأَمر فِيهِ لطلب الْفِعْل بل هُوَ للتهديد، وَحَاصِل الْمَعْنى: إِن فعلت أَو لم تفعل فَلَا بُد من نُفُوذ الْقدر، وَوَقع فِي بعض الْأُصُول اقْتصر، مَوضِع اخْتصَّ. وَكَذَا وَقع فِي المصابيح فَإِن صحت فَلَا حَاجَة إِلَى تَأْوِيل الأول. قَوْله: (على ذَلِك) كلمة: على، مُتَعَلقَة بمقدر مَحْذُوف أَي: اخْتصَّ حَال استعلائك على الْعلم بِأَن الْكل بِتَقْدِير الله قَالَ القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ: الْمَعْنى أَن الِاقْتِصَار على التَّقْدِير وَالتَّسْلِيم لَهُ وَتَركه الْإِعْرَاض عَنهُ سَوَاء. فَإِن مَا قدر لَك من خير أَو شَرّ فَهُوَ لَا محَالة يَأْتِيك، وَمَا لم يكْتب فَلَا طَرِيق لَك إِلَى حُصُوله. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: أَي اقْتصر على مَا ذكرت لَك وَارْضَ بِقَضَاء الله تَعَالَى أَو ذَر مَا ذكرته وامضلشأنك واختص، فَيكون تهديدا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ قد سبق فِي قَضَاء الله تَعَالَى جَمِيع مَا يصدر عَنْك ويلاقيك فاقتصر على ذَلِك، فَإِن الْأُمُور مقدرَة أودعهُ فَلَا تخض فِيهِ. قَوْله: (أَو ذَر) ، أَي: أَو اترك، وَهُوَ أَمر من يذر، وَقَالَت: الصرفيون، أماتوا ماضي يذر ويدع. قلت: قد جَاءَ ماضي يدع فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا وَدعك﴾ (الضُّحَى: ٣) قرىء بِالتَّخْفِيفِ فَإِن قيل: لم يُؤمر أَبُو هُرَيْرَة بالصيام لكسر شَهْوَته كم أَمر بِهِ غَيره، وَأجِيب بِأَن لغالب من حَال أبي هُرَيْرَة كَانَ الصَّوْم لِأَنَّهُ منأهل الصّفة وَكَانُوا مستمرين على الصَّوْم، وَقيل: وَقع ذَلِك فِي الْغَزْو كَمَا وَقع لِابْنِ مَسْعُود، وَكَانُوا فِي الْغَزْو يؤثرون الْفطر على الصّيام للتقوي على الْقِتَال فأداه اجْتِهَاده فِي حسم مَادَّة الشَّهْوَة بالاختصاء، كَمَا ظهر لعُثْمَان بن مَظْعُون فَمَنعه ﷺ .
٩ - (بابُ نِكاحِ الأبْكارِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نِكَاح الْأَبْكَار، وَهُوَ جمع بكر، وَالْبكْر خلاف الثّيّب ويقعان على الرجل وَالْمَرْأَة. وَمِنْه: الْبكر بالبكر جلد مائَة وَنفي سنة.
وَقَالَ ابنُ أبي مُليْكَةَ، قَالَ ابنُ عبَّاسٍ لَعائِشَةَ: لَمْ يَنْكحِ النبيُّ ﷺ بكْرا غَيْرَكِ
ابْن أبي مليكَة هُوَ عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة. بِضَم الْمِيم واسْمه زُهَيْر بن عبد الله التَّيْمِيّ الْأَحول الْمَكِّيّ القَاضِي على عهد ابْن الزبير، وَهَذَا الَّذِي قَالَه طرف من حَدِيث وَصله البُخَارِيّ فِي تَفْسِير سُورَة النُّور.
٧٧٠٥ - حدَّثنا إسْماعِيلُ بنُ عبْدِ الله قَالَ: حدّثني أخِي عنْ سُليْمانَ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ، ﵂، قالَتْ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله! أرَأيْتَ لوْ نَزَلْتَ وَادِيا وفِيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْها وَوجَدْتَ شَجَرا لَمْ يُؤْكَلْ مِنْها فِي أيَّها كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَكَ؟ قَالَ: فِي الَّتي لَمْ يُرْتَعْ مِنْها، تَعْنِي أنَّ رسُولَ الله ﷺ لَمْ يَتَزَوَّجَ بكْرا غَيْرَها.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لم يتَزَوَّج بكرا غَيرهَا) وَإِسْمَاعِيل بن أبي أويس بن أُخْت مَالك بن أنس وَأَخُوهُ عبد الحميد وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (أَرَأَيْت) أَي: أَخْبرنِي. قَوْله: (وَفِيه شَجَرَة قد أكل مِنْهَا وَوجدت شَجرا لم يُؤْكَل مِنْهَا) كَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: وَوجدت شَجَرَة، وَذكره الْحميدِي بِلَفْظ: فِيهِ
стр. 5962
شجر قد أكل مِنْهَا، وَكَذَا أخرجه أَبُو نعيم فِي الْمُسْتَخْرج بِلَفْظ الْجمع وَهُوَ أصوب لقَوْله بعد: (فِي أَيهَا كنت ترتع) أَي: فِي أَي الشّجر؟ وَلَو أَرَادَ الْمَوْضِعَيْنِ لقَالَ: فِي أَيهمَا. قَوْله: (ترتع) بِضَم أَوله من الإرتاع، يُقَال: ارتع بعيره، إِذا تَركه يرعيشيئا، ورتع الْبَعِير فِي المرعى إِذا أكل مَا شَاءَ، ورتعه الله أَي: أنبت لَهُ مَا يرعاه على سَعَة. قَوْله: (قَالَ: فِي الَّذِي لم يرتع مِنْهَا) وَالْأَصْل أَن يُقَال: فِي الَّتِي لم يُؤْكَل مِنْهَا وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي نعيم: قَالَ فِي الشَّجَرَة الَّتِي، وَهُوَ الأَصْل. قَوْله: (تَعْنِي) . أَي: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَزَاد أَبُو نعيم قبل هَذَا ناهيه، بِكَسْر الْهَاء وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْهَاء، وَهِي للسكت.
٨٧٠٥ - حدَّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْماعِيلَ حدّثنا أبُو أُسامَةَ عنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ، قالَتْ: قَالَ رسولُ الله ﷺ أُرِيتُكِ فِي المَنامِ مَرَّتَيْنِ إِذَا رجُلٌ يَحْمِلُكِ فِي سَرَقَةِ حَرِيرٍ، فَيَقُولُ: هاذِهِ امْرَأتُكَ، فأكْشِفُها فإِذَا هيَ أنْتِ، فأقُولُ: إنْ يَكُنْ هاذَا مِنْ عِنْدِ الله يُمْضِه..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي ﷺ ، تزوج عَائِشَة وَهِي بكر بعد رُؤْيَته إِيَّاهَا فِي الْمَنَام الصَّادِق. وَعبيد اسْمه فِي الأَصْل عبد الله بن إِسْمَاعِيل يكنى أَبَا مُحَمَّد الْهَبَّاري الْقرشِي الْكُوفِي، وَأَبُو أُسَامَة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّعْبِير عَن عبيد الْمَذْكُور وَأخرجه مُسلم فِي الفصائل عَن أبي كريب عَن أبي أُسَامَة.
قَوْله: (أريتك) ، بِضَم الْهمزَة وَكسر الْكَاف لِأَنَّهُ خطاب لعَائِشَة. قَوْله: (إِذا رجل يحملك) ، كلمة: إِذا، للمفاجأة، وَأَرَادَ بِالرجلِ ملكا فِي صُورَة رجل، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: أَن الْملك الَّذِي جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ بصورتها هُوَ جِبْرِيل، ﵊، وَفِي صَحِيح ابْن حبَان جَاءَنِي جِبْرِيل ﵊، فِي خرقَة حَرِير فَقَالَ: هَذِه زَوجتك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: جَاءَنِي لَك الْملك، وَفِي طَبَقَات ابْن سعد عَنْهَا: جَاءَ جِبْرِيل، ﵊، بِصُورَتي من السَّمَاء فِي حريرة وَأَصلهَا بِالْفَارِسِيَّةِ: سره، أَي: جيد فعرب كَمَا عرب استبرق، وَقيل: هِيَ شقة من الْحَرِير الْأَبْيَض، وَادّعى الْمُهلب أَنه كالكلة والبرقع، وَهُوَ غَرِيب. قَوْله: (فأكشفها) أَي: فأكشف السّرقَة، قيل: إِنَّمَا رأى مِنْهَا مَا يجوز للخاطب أَن يرَاهُ. قَوْله: (فَإِذا هِيَ أَنْت) كلمة: إِذا، للمفاجأة وَهِي ترجع إِلَى الصُّورَة الَّتِي فِي السّرقَة. قَوْله: (إِن يكن من عِنْد الله) ، أَي: إِن يكن هَذَا الَّذِي رَأَيْته كَائِنا من عِنْد الله (يمضه) بِضَم الْيَاء من الْإِمْضَاء، وَهُوَ الإنفاذ، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: لم يشك ﷺ فِيمَا رأى فَإِن رُؤْيا الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَحي وَإِنَّمَا احْتمل عِنْده أَن تكون الرُّؤْيَا اسْما. وَاحْتمل أَن تكون كنية. فَإِن للرؤيا اسْما وكنية. فسموها بأسمائها وكنوها بكناها، وَاسْمهَا أَن تخرج بِعَينهَا، وكنيتها أَن تخرج على مثالها، أَو هِيَ أُخْتهَا أَو قرينتها أَو جارتها أَو سميتها، وَذكر عِيَاض أَن هَذِه الرُّؤْيَا تحْتَمل أَن تكون قبل النُّبُوَّة فَقَالَ: تزَوجهَا فَإِنَّهَا امْرَأَتك. قَوْله: (فِي سَرقَة) بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء. وَهِي قِطْعَة من حَرِير وَإِن كَانَت بعد النُّبُوَّة فلهَا ثَلَاثَة معانٍ: الأول: أَن تكون الرُّؤْيَا على وَجههَا فظاهرها لَا يحْتَاج إِلَى تَعْبِير وَتَفْسِير فيسمضه الله وينجزه، فالشك عَائِد إِلَى أَنَّهَا رُؤْيا على ظَاهرهَا أم تحْتَاج إِلَى تَعْبِير وَصرف عَن ظَاهرهَا. الثَّانِي: المُرَاد إِن كَانَت هَذِه الزَّوْجِيَّة فِي الدُّنْيَا يمضه الله، ، فالشك أَنَّهَا هَل هِيَ زَوجته فِي الدُّنْيَا أَو فِي الْآخِرَة. الثَّالِث: أَنه لم يشك، وَلَكِن أخبر على التَّحْقِيق وأتى بِصُورَة الشَّك، وَهَذَا نوع من البلاغة يُسمى: مزج الشَّك بِالْيَقِينِ.
٠١ - (بابُ تَزْوِيجِ الثَّيِّباتِ)
أَي: هَذَا فِي بَاب فِي بَيَان تَزْوِيج النِّسَاء الثيبات، وَهُوَ جمع ثيب. وَقَالَ بَعضهم: جمع ثيبة، وَلَيْسَ كَذَلِك بل جمع ثيب وَقَالَ المطرزي: الثّيّب بِالضَّمِّ فِي جمعهَا لَيْسَ من كَلَامهم. وَالثَّيِّب من لَيْسَ ببكر، وَقد ذكرنَا أَنه يُقَال: رجل ثيب وَامْرَأَة ثيب، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَيَقَع على الذّكر وَالْأُنْثَى، وَفِي الْمغرب وَالثَّيِّب من النِّسَاء الَّتِي قد تزوجت فَبَانَت بِوَجْه، وَعَن اللَّيْث: وَلَا يُقَال للرجل وَعَن الْكسَائي: رجل ثيب بامرأته، وَامْرَأَة ثيب إِذا دخل بهَا، كَمَا يُقَال: بكر وأيم، وَهُوَ فيعل من ثاب لمعاودتهما التَّزَوُّج
стр. 5963
فِي غَالب الْأُمُور، وَلِأَن الْخطاب يثاوبونها أَي: يعاودونها. وَقَوْلهمْ: ثيبت الْمَرْأَة تثييبا كعجزت النَّاقة وثيبت النَّاقة إطا صَارَت عجوزا.
وقالَتْ أمُّ حَبيبَةَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : لَا تَعْرِضْنَ علَيَّ بَناتِكُنَّ وَلَا أخَوَاتِكُنَّ
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (بناتكن) لِأَنَّهُ خطاب أَزوَاجه ونهاهن أَن يعرضن عَلَيْهِ ربائبه لحرمتهن وَهن ثيبات قطعا، وَهُوَ تَحْقِيق أَنه ﷺ تزوج الثّيّب ذَات الْبِنْت، وَقَالَ بَعضهم: استنبط المُصَنّف التَّرْجَمَة من قَوْله: (بناتكن) لِأَنَّهُ خطاب بذلك نِسَاءَهُ فَاقْتضى أَن لَهُنَّ بَنَات من غَيره، فيستلزم أَنَّهُنَّ ثيبات. انْتهى. قلت: سُبْحَانَ الله! مَا أبعد هَذَا الْكَلَام عَن الْمَقْصُود، وَالْمَقْصُود إِثْبَات الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة وَلَيْسَ فِيمَا قَالَه وَجه الْمُطَابقَة، لِأَن الَّذِي قَالَ: إِن لنسائه بَنَات من غَيره، وَأَنه يسْتَلْزم أَنَّهُنَّ ثيبات والترجمة فِي زويج الثيبات لَا فِي بَيَان أَن لَهُنَّ بَنَات، فَمن أَيْن يفهم من قَوْله هَذَا؟ وَقد أَخذ كَلَام النَّاس وأفسده، وَلَا يخفي ذَلِك على المتأمل وَأما تَعْلِيق أم حَبِيبَة أم الْمُؤمنِينَ رَملَة بنت أبي سُفْيَان الْأمَوِي، فَإِن البُخَارِيّ أسْندهُ عَن الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن زَيْنَب بنت أبي سَلمَة عَن أم حَبِيبَة، وَسَيَأْتِي بعد عشرَة أَبْوَاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (لَا تعرضن) قَالَ ابْن التِّين: ضبط بِضَم الضَّاد وَلَا أعلم لَهُ وَجها لِأَنَّهُ إِمَّا خَاطب النِّسَاء أَو وَاحِدَة مِنْهُنَّ، فَإِن كَانَ خطابه لجَماعَة النِّسَاء فصوابه تسكينها لِأَنَّهُ دخل عَلَيْهِ النُّون الْمُشَدّدَة فيجتمع ثَلَاث نونات فيفصل بَينهمَا بِأَلف، فَيُقَال: لَا تعرضنان، وَلَا تدخل النُّون الْخَفِيفَة فِي جمَاعَة النِّسَاء، وَلَا فِي تثنيتهن، وَإِن كَانَ خطابه لأم حَبِيبَة خَاصَّة فَتكون الضَّاد مَكْسُورَة وَالنُّون مُشَدّدَة أَو نون خَفِيفَة. قلت: عِنْد يُونُس تدخل النُّون الْخَفِيفَة فِي جمَاعَة النِّسَاء وتثنيتهن، كَمَا عرف فِي مَوْضِعه.
٥٧٠٥ - حدَّثنا أبُو النُّعْمانِ حَدثنَا هُشَيْمٌ حَدثنَا سَيَّارٌ عنِ الشُّعْبِيِّ عنْ جابِرِ بنِ عبْدِ الله قَالَ: قَفَلْنا مَعَ النبيِّ ﷺ ، مِنْ غَزْوَةٍ، فَتَعَجَّلْتُ علَى بَعيرٍ لِي قَطُوفٍ، فَلَحِقَني راكِبٌ مِنْ خَلْفِي فَنَخَسَ يَعِيرِي بعَنَزَةٍ كانَتْ مَعَه، فانْطَلَقَ بَعِيرِي كأجْوَدِ مَا أنْتَ رَاءٍ مِنَ الإبِلِ، فإِذَا النبيُّ ﷺ ، فَقَالَ: مَا يُعْجِلُكَ؟ قُلْتُ: كُنْتُ حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرُصٍ. قَالَ: أبِكْرا أمْ ثَيِّبا؟ قُلْتُ: ثَيِّبٌ. قَالَ: فَهَلَاّ جارِيَةً تُلَاعِبُها وتُلَاعِبُكَ؟ قَالَ: فلَمَّا ذَهَبْنَا لِنَدْخُل، قَالَ: أمْلُهوا حتَّى تَدْخُلُوا لَيْلاً أيْ: عِشاءً لِكَي تَمْتَشِطَ الشَّعَثةُ، وتَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (قلت: ثيب) وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي، وهشيم بن مصغر هشم بن بشير مصغر بشر وسيار، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رَاء: ابْن أبي سيار واسْمه وردان أَبُو الحكم الْعَنزي الوَاسِطِيّ، وَالشعْبِيّ عَامر بن شرَاحِيل.
والْحَدِيث قد مر مطولا ومختصرا فِي الْبيُوع، والاستقراض وَالْجهَاد والشروط وَمر الْكَلَام فِيهِ فِي كل بَاب بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ.
قَوْله: (قَفَلْنَا) أَي: رَجعْنَا. قَوْله: (من غَزْوَة) وَهِي غَزْوَة تَبُوك. قَوْله: (قطوف) بِفَتْح الْقَاف أَي: بطيء. قَوْله: (بعنزة) وَهِي أقصر من الرمْح وأطول من الْعَصَا، وَفِي الْبيُوع: ضربه بمحجن وَهُوَ الصولجان، وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا لِأَنَّهُ إِذا كَانَ أحد طَرفَيْهِ معوجا وَالْآخر فِيهِ حَدِيد يصدق اللفظان عَلَيْهِ. قَوْله: (فَإِذا النَّبِي) أَي: فَإِذا هُوَ النَّبِي ﷺ . قَوْله: (مَا يعجلك) أَي: مَا سَبَب إسراعك؟ قَوْله: (حَدِيث عهد بعرس) أَي: قريب عهدبالدخول على الْمَرْأَة. قَوْله: (أبكرا) مَنْصُوب بمقدر أَي: أتزوجت بكرا؟ قَوْله: (ثيب) خبرمبتدأ مَحْذُوف أَي: هِيَ تيب. قَوْله: (فَهَلا جَارِيَة) أَي: فَهَلا تزوجت جَارِيَة، وَكلمَة هلا، للتخصيص. قَوْله: (لَيْلًا أَي غشاء) قَالَ الْكرْمَانِي: إِنَّمَا فسر اللَّيْل بالعشاء لِئَلَّا يُنَافِي مَا تقدم فِي كتاب الْعمرَة فِي: بَاب لَا يطْرق أَهله، أَنه ﷺ نهى أَن يطْرق أَهله لَيْلًا. قلت: هَذَا غير مُخَالف لِأَن هَذَا قَالَه لمن يقدم بغنة من غير أَن يعلم أَهله بِهِ، وَأما هُنَا فَتقدم خبر مَجِيء الْجَيْش وَالْعلم بوصوله وَقت كَذَا وَكَذَا. قَوْله: (الشعثة) بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الْعين الْمُهْملَة بعْدهَا ثاء مُثَلّثَة، لِأَن الَّتِي يغيب زَوجهَا فِي مَظَنَّة عدم التزين، وَقيل: الشعثة منتشرة الشّعْر مغبرة الرَّأْس. قَوْله: (وتستحد المغيبة) أَي: تسْتَعْمل الحديدة فِي إِزَالَة الشّعْر، والمغيبة، بِضَم الْمِيم وَكسر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: من أغابت الْمَرْأَة إِذا غَابَ زَوجهَا فَهِيَ مغيبة.
стр. 5964
٠٨٠٥ - حدَّثنا آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ حَدثنَا مُحارِبٌ قَالَ: سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عبْدِ الله، ﵄، يقُولُ: تَزَوَّجْتُ. فَقَالَ لِي رسولُ الله ﷺ : مَا تَزَوَّجْتَ؟ فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ ثَيِّبا فَقَالَ: مالَكَ ولِلعَذَارَى ولِعابِها، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمْرُو بنِ دِينارٍ، فَقَالَ عَمْرُو: سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عبْدِ الله يَقُولُ: قَالَ لي رسولُ اللهصلى الله عَلَيْهِ وَسلم: هَلَاّ جارِيَةً تُلَاعِبُها وتُلَاعِبُكَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (تزوجت ثَيِّبًا) وَقد ذكرنَا أَن هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع كَثِيرَة بِوُجُوه كَثِيرَة. ومحارب، بِكَسْر الرَّاء: ابْن دثار، بِكَسْر الدَّال السدُوسِي.
قَوْله: (مَالك والعذارى) جمع الْعَذْرَاء وَهِي الْبكر. قَوْله: (ولعابها) بِكَسْر اللَّام بِمَعْنى الملاعبة. قَوْله: (هلا جَارِيَة) أَي: هلا تزوجت جَارِيَة؟ قَوْله: (فَذكرت ذَلِك) الْقَائِل هُوَ محَارب، وَذَلِكَ: إِشَارَة إِلَى قَوْله: (مَالك وللعذارى ولعابها) .
١١ - (بابُ تَزْويجِ الصِّغار مِنَ الكِبارِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم تَزْوِيج الصغار من الْكِبَار فِي السن.
١٨٠٥ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ حَدثنَا الليْثُ عنْ يَزِيدَ عنْ عرَاكٍ عَن عُرْوَةَ أنَّ النبيَّ ﷺ خَطَبَ عائِشةَ إِلَى أبِي بَكْرٍ، فَقال لهُ أبُو بَكْرٍ: إنَّما أَنا أخُوكَ. فَقَالَ: أنْتَ أخِي فِي دِينِ الله وكِتابِهِ، وهْيَ لِي حَلَالٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن النَّبِي ﷺ تزوج عَائِشَة وَهِي صَغِيرَة، وَكَانَ عمرها سِتّ سِنِين، وَاعْترض الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن صغر عَائِشَة من كبر رَسُول الله ﷺ مَعْلُوم من غير هَذَا الْخَبَر. وَالْآخر: أَن هَذَا مُرْسل، فَإِن كَانَ مثل هَذَا يدْخل فِي الصَّحِيح فَيلْزمهُ فِي غَيره من الْمَرَاسِيل. وَأجَاب بَعضهم عَن الأول بقوله: يُمكن أَن يُؤْخَذ من قَول أبي بكر: (إِنَّمَا أَنا أَخُوك) فَإِن الْغَالِب فِي بنت الْأَخ أَن تكون أَصْغَر من عَمها. قلت: هَذَا لَيْسَ بِشَيْء، لِأَن التَّرْجَمَة فِي تَزْوِيج الصغار من الْكِبَار، وَلَيْسَت فِي مُجَرّد بَيَان الصغار من الْكِبَار، وَالْجَوَاب الصَّحِيح الَّذِي ذكرته، وَالْجَوَاب عَن الثَّانِي: وَإِن كَانَت صورته صُورَة الْإِرْسَال وَلَكِن الظَّاهِر أَن عُرْوَة حمله عَن عَائِشَة، يدل عَلَيْهِ أَن أَبَا الْعَبَّاس الطرقي فِي ذكره فِي كِتَابه مُسْندًا عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة وَغَيرهَا من نسَاء النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: مثل هَذَا يدْخل فِي الْمسند.
قَوْله: (خطب عَائِشَة إِلَى أبي بكر) قيل: كلمة: إِلَى، هُنَا بِمَعْنى من، وَالْأولَى أَن تكون على حَالهَا للغاية أَي: أنهى خطبَته إِلَى أبي بكر كَمَا فِي قَوْلهم: أَحْمد إِلَيْك الله أَي: أنهِي حَمده إِلَيْك. قَوْله: (إِنَّمَا أَنا أَخُوك) كَأَن أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أعتقد أَنه لَا يحل لَهُ أَن يتَزَوَّج ابْنَته للمؤاخاة والخلة الَّتِي كَانَت بَينهمَا، فاعلمه ﷺ أَن أخوة الْإِسْلَام لَيست كأخوة النّسَب والولادة فَقَالَ: إِنَّهَا لي حَلَال بِوَحْي الله تَعَالَى، كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيم، ﵇، الَّذِي أَرَادَ أَن يَأْخُذ مِنْهُ زَوجته: هِيَ أُخْتِي، يَعْنِي فِي الْإِيمَان، لِأَنَّهُ لم يكن أحد مُؤمنا غَيرهمَا فِي ذَلِك الْوَقْت.
وَاعْترض صَاحب التَّلْوِيح هُنَا بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن الْخلَّة لأبي بكر إِنَّمَا كَانَت فِي الْمَدِينَة وَالْخطْبَة إِنَّمَا كَانَت بِمَكَّة، فَكيف يلتئم قَوْله. فِي هَذَا؟ وَالْآخر: أَنه ﷺ مَا بَاشر الْخطْبَة بِنَفسِهِ، كَمَا ذكر ابْن عَاصِم من حَدِيث يحيى بن عبد الرَّحْمَن بن حَاطِب عَن عَائِشَة: أَن النَّبِي ﷺ أرسل خَوْلَة بنت حَكِيم امْرَأَة عُثْمَان بن مَظْعُون يخطبها، فَقَالَ لَهَا أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: وَهل تصلح لَهُ؟ إِنَّمَا هِيَ ابْنة أَخِيه؟ فَرَجَعت إِلَى النَّبِي ﷺ فَذكرت ذَلِك لَهُ، فَقَالَ: إرجعي وَقَوْلِي لَهُ: أَنْت أخي فِي الْإِسْلَام، فابنتك تصلح لي. فَأَتَت أَبَا بكر فَذكرت لَهُ، فَقَالَ: ادعِي لي رَسُول الله ﷺ فَجَاءَهُ فأنكحه انْتهى. قلت: أما الْجَواب عَن الأول: فَهُوَ أَنه: لَا مَانع أَن الْخلَّة إِنَّمَا كَانَت فِي مَكَّة وَلَكِن مَا ظَهرت إِلَّا بِالْمَدِينَةِ، وَأما الْجَواب عَن الثَّانِي: فَيحْتَمل أَنه صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، لما جَاءَ إِلَى أبي بكر خطب بِنَفسِهِ أَيْضا، فَوَقع بَينهمَا مَا ذكر فِي الحَدِيث. ثمَّ إِنَّه لما علم حَقِيقَة الْأَمر أنْكحهَا من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 5965
، وَقَالَ ابْن بطال: أجمع الْعلمَاء أَنه يجوز للآباء تَزْوِيج الصغار من بناتهم وَإِن كن فِي المهد، إلَاّ أَنه لَا يجوز لِأَزْوَاجِهِنَّ الْبناء بِهن إلَاّ إِذا صلحن للْوَطْء واحتملن الرِّجَال، وأحوالهن فِي ذَلِك مُخْتَلف فِي قدر خَلقهنَّ وطاقتهن، وَاخْتلف الْعلمَاء فِي تَزْوِيج غير الْآبَاء الْيَتِيمَة، فَقَالَ ابْن أبي ليلى وَمَالك وَاللَّيْث وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَابْن الْمَاجشون وَأَبُو ثَوْر: لَيْسَ لغير الْأَب أَن يُزَوّج الْيَتِيمَة الصَّغِيرَة، فَإِن فعل فَالنِّكَاح بَاطِل، وَحكى ابْن الْمُنْذر عَن مَالك أَنه قَالَ يُزَوّج القَاضِي الصَّغِيرَة دون الْأَوْلِيَاء ووصي الْأَب وَالْجد عِنْد الشَّافِعِي عِنْد عدم الْأَب كلأب، وَقَالَت طَائِفَة: إِذا زوج الصَّغِيرَة غير الْأَب من الْأَوْلِيَاء فلهَا الْخِيَار إِذا بلغت، يروي هَذَا عَن عَطاء وَالْحسن وطاووس. وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ وَأبي حنيفَة وَمُحَمّد، إلَاّ أَنَّهُمَا جعلا الْجد كَالْأَبِ لَا خِيَار فِي تَزْوِيجه. وَقَالَ أَبُو يُوسُف: لَا خِيَار لَهَا فِي جَمِيع الْأَوْلِيَاء. وَقَالَ أَحْمد: لَا أرى للْوَلِيّ وَلَا للْقَاضِي أَن يُزَوّج الْيَتِيمَة حَتَّى تبلغ تسع سِنِين، فَإِذا بلغت ورضيت فَلَا خِيَار لَهَا.
٢١ - (بابٌ إِلَى مَنْ يَنكِحُ؟ وأيُّ النِّساءُ خَيْرٌ؟ وَمَا يُتَحَبُّ أنْ يَتَخَيَّرَ لِنُطْفِهِ مِنْ غَيْرِ إيجابٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من إِذا أَرَادَ أَن يتَزَوَّج يَنْتَهِي أمره إِلَى من يتَزَوَّج من النِّسَاء، أَو إِلَى من يعْقد، وَقد ذكرنَا أَن النِّكَاح يَأْتِي بِمَعْنى التَّزْوِيج وَبِمَعْنى العقد، وَقد اشْتَمَلت هَذِه التَّرْجَمَة على ثَلَاثَة أَنْوَاع، وَحَدِيث الْبَاب وَاحِد. الأول: قَوْله: (إِلَى من ينْكح) وَالثَّانِي: قَوْله: (وَأي النِّسَاء خير) وَالثَّالِث: وَمَا يسْتَحبّ أَن يتَخَيَّر لنطفه. وَمن الحَدِيث تُؤْخَذ الْمُطَابقَة للْأولِ وَالثَّانِي ظَاهرا أَو الثَّالِث لَا تُؤْخَذ إلَاّ بطرِيق اللُّزُوم، بَيَانه أَن الَّذِي يُرِيد النِّكَاح يَنْبَغِي أَن يتَزَوَّج من قُرَيْش لِأَن نساءهن خير النِّسَاء، وَهَذَا نَوْعَانِ ظَاهر إِن فِي الْمُطَابقَة، وَأما النَّوْع الثَّالِث فَهُوَ أَنه لما ثَبت أَن نسَاء قُرَيْش خير النِّسَاء، وَأَن الَّذِي تزوج مِنْهُنَّ قد تخير لنطفه لأجل أَوْلَاده، وَهَذَا لَا يفهم من الحَدِيث صَرِيحًا، وَلَكِن بطرِيق اللُّزُوم، على أَنا نقُول: يحْتَمل أَنه أَشَارَ إِلَى حَدِيث أخرجه ابْن مَاجَه من حَدِيث عَائِشَة مَرْفُوعا: تخَيرُوا لنُطَفِكُمْ وَأنْكحُوا الْأَكفاء، وَأخرجه الْحَاكِم أَيْضا وَصَححهُ. فَإِن قلت: كَيفَ يكون نسَاء قُرَيْش أفضل من مَرْيَم أم عِيسَى، ﵉، وَلَا سِيمَا على قَول من يَقُول: إِنَّهَا نبيه؟ قلت: أجَاب بَعضهم بِأَن فِي الحَدِيث: خير نسَاء ركبن الْإِبِل، وَمَرْيَم، ﵍، وَلم تركب بعيررا. قلت: هَذَا جَوَاب لَا يجدى. وَقد أطنب هَذَا الْقَائِل هُنَا وَكله غير كَاف، وَيُمكن أَن يُجَاب عَن هَذَا بِأَنَّهُ ﷺ قيد بقوله: صالحو نسَاء قُرَيْش، وَمَرْيَم ﵍، لَيست من قُرَيْش، وَقَالَ النَّوَوِيّ: معنى خير أَي: من خير، كَمَا يُقَال: أحْسنهم كَذَا، أَي: من أحْسنهم أَي: أحسن من هُنَالك، وَقد يُقَال: إِن معنى قَوْله ﷺ : خير نسَاء ركبن الْإِبِل صالحو نسَاء قُرَيْش، يَعْنِي فِي زمانهن. قَوْله: (من غير إِيجَاب) أَرَادَ بِهِ أَن الَّذِي ذكره فِي هَذِه التَّرْجَمَة من الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة لَيْسَ من بَاب الْإِيجَاب، بل هُوَ من بَاب الِاسْتِحْبَاب.
٢٨٠٥ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخْبَرنا شُعَيْبٌ حَدثنَا أَبُو الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ، ﵁، عنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: خيْرُ نِسَاءَ رَكِبْنَ الإبِلَ صَالِحُو نِساءِ قُرَيْشٍ: أحْناهُ علَى ولَدٍ فِي صِغَرِهِ، وأرْعاهُ علَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِه.
(انْظُر الحَدِيث ٤٣٤٣ وطرفه) .
قد مر بَيَان وَجه الْمُطَابقَة الْآن، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَين هَؤُلَاءِ الروَاة قد مر غير مرّة.
وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.
والْحَدِيث مر فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَت الْمَلَائِكَة يَا مَرْيَم﴾ (آل عمرَان: ٢٤ و ٥٤) بأتم مِنْهُ، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (صالحو) أَصله: صَالِحُونَ، سَقَطت النُّون للإضافة ويروى: صَالح نسَاء قُرَيْش، بِالْإِفْرَادِ، ويروى: صلح نسَاء قُرَيْش، بِضَم الصَّاد وَتَشْديد اللَّام، جمع: صَالح، وَهُوَ رِوَايَة الْكشميهني وَالْمرَاد بالإصلاح هُنَا صَلَاح الدّين وَصَلَاح المخالطة للزَّوْج وَغَيره. قَوْله: (أحناه) من الحنو وَهُوَ الشَّفَقَة، والحانية هِيَ الَّتِي تقوم على وَلَدهَا بعد يتمه فَلَا تتَزَوَّج، فَإِن تزوجت فَلَيْسَتْ بحانية، وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: أحناهن، وَأَن يُقَال: صَالِحَة نسَاء قُرَيْش، وَلَكِن ذكره بِاعْتِبَار لفظ الْخَبَر أَو بِاعْتِبَار الشَّخْص أَو هُوَ من بَاب ذِي كَذَا، وَأما الْإِفْرَاد فَهُوَ بِالنّظرِ
стр. 5966
إِلَى لفظ الصَّالح، وَأما بِقصد الْجِنْس. قَوْله: (على وَلَده) فِي رِوَايَة الْكشميهني على ولد بِلَا ضمير، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: على يَتِيم، وَفِي أُخْرَى على طِفْل. قَوْله: (وأرعاه على زوج) أَي: أحفظه وأصون لما لَهُ بالأمانة فِيهِ والصيانة، لَهُ وَترك التبذير فِي الْإِنْفَاق. قَوْله: (فِي ذَات يَده) أَي: فِي مَاله الْمُضَاف إِلَيْهِ.
٢١ - (بابُ اتِّخاذِ السَّرَارِيِّ ومَنْ أعْتَقَ جارِيَتَهُ ثُمَّ تَزَوجَها)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اتخاد السراري أَي: اقتنائها، والسراري، بتَشْديد الْيَاء وتخفيفها: جمع سَرِيَّة بِضَم السِّين وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة ثمَّ الْيَاء آخرالحروف الْمُشَدّدَة، وَقد تكسر السِّين، وَهُوَ من تسررت من السِّرّ، وَهُوَ النِّكَاح أَو من السرُور، فأبدلت إِحْدَى الراآت يَاء، وَقيل: إِن أَصْلهَا الْيَاء من الشَّيْء السّري النفيس، وَفِي الْمغرب: السّريَّة فعلية من السِّرّ، الْجِمَاع، أَو مفعولة من التسرِّ السِّيَادَة وَالْأول أشهر، وَقد ورد الْأَمر باقتناء السراري فِي حَدِيث أبي الدَّرْدَاء. مَرْفُوعا: عَلَيْكُم بالسراري. فَإِنَّهُنَّ مباركات الْأَرْحَام. أخرجه الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد واهٍ قَوْله: (وَمن أعتق جَارِيَته) عطف هَذَا الحكم على اتِّخَاذ السراري لِأَنَّهُ قد يَقع بعد التَّسَرِّي، وَقد يَقع قبله.
٣٨٠٥ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ حَدثنَا عبْدُ الوَاحِدِ حَدثنَا صالحُ الهَمْدَانِيُّ حَدثنَا الشَّعْبِيُّ، قَالَ: حدّثني أبُو بُرْدةَ عنْ أبِيهِ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : أيُّما رجُلٍ كانَتْ عِنْدَهُ ولِيدَةٌ فَعَلَّمَها فأحْسَنَ تَعْلِيمَها وأدَّبها فأحْسَنَ تأدِيبَها ثُمَّ أعْتقَها وتَزَوَّجهَا فَلَهُ أجْرَانِ، وأيُّما رجُلٍ مِنْ أهْلِ الكِتابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وآمَنَ بِي فَلَهُ أجْرَانِ، وأيّما مَمْلُوكٍ أدَّى حقَّ مَوَالِيهِ وحَقَّ ربِّهِ فَلَهُ أجْرَانِ..
مطابقته للجزء الثَّانِي من التَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْوَاحِد بن زِيَاد، وَصَالح بن صَالح مُسلم الثَّوْريّ الْهَمدَانِي، بِسُكُون الْمِيم وبالدال الْمُهْملَة بالنُّون: الْكُوفِي، وَالشعْبِيّ عَامر بن شرَاحِيل، وَأَبُو بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء اسْمه عَامر، يروي عَن أَبِيه أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، واسْمه عبد الله بن قيس.
والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب تَعْلِيم الرجل أمته، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن الْمحَاربي عَن صَالح بن حَيَّان عَن عَامر الشّعبِيّ: حَدثنِي أَبُو بردة عَن أَبِيه الحَدِيث فَإِن قلت: هَذَا صَالح بن حَيَّان الَّذِي يروي عَن الشّعبِيّ فِي كتاب الْعلم هُوَ صَالح بن صَالح الَّذِي فِي هَذَا الحَدِيث أم غَيره. قلت نعم: هُوَ إِيَّاه وَلكنه نسبه فِي كتاب الْعلم إِلَى جد أَبِيه لِأَنَّهُ صَالح بن صَالح بن مُسلم بن حَيَّان، وَهنا نسبه إِلَى أَبِيه، وَلَيْسَ هُوَ صَالح بن حَيَّان الْقرشِي الْكُوفِي الَّذِي يحدث عَن أبي وَائِل بردة ويروي عَنهُ يعلى بن عبيد ومروان بن مُعَاوِيَة. فَافْهَم.
قَوْله: (وليدة) أَي: أمة وَأَصلهَا: مَا ولد من الْإِمَاء فِي ملك الرجل ثمَّ أطلق على كل أمة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً.
قَالَ الشَّعْبِيُّ: خُذْها بِغَيْرِ شَيْء، قَدْ كانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِيما دُونَها إِلَى المَدِينَةِ
أَي: قَالَ عَامر الشّعبِيّ لصالح الْمَذْكُور الَّذِي رُوِيَ الحَدِيث الْمَذْكُور عَنهُ، هَذَا بِحَسب ظَاهر الْكَلَام، وَبِه جزم الْكرْمَانِي، وَالرَّدّ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْموضع كالرد عَلَيْهِ فِي كتاب الْعلم: بِأَن الْخطاب فِي قَول الشّعبِيّ: خُذْهَا، لرجل من أهل خُرَاسَان فَلْينْظر فِيهِ هُنَاكَ من يُرِيد تحريره. قَوْله: (خُذْهَا) أَي: خُذ هَذِه الْمَسْأَلَة أَو هَذِه الْمقَالة. (بِغَيْر شَيْء) يَعْنِي: مجَّانا بِدُونِ أَخذهَا مِنْك على جِهَة الْأُجْرَة عَلَيْهِ، وإلَاّ فَلَا شَيْء أعظم من الْأجر الأخروي الَّذِي هُوَ ثَوَاب التَّبْلِيغ والتعليم. قَوْله: (قد كَانَ الرجل) إِلَى آخِره مَعْنَاهُ أَنِّي أعطيّك هَذِه الْمَسْأَلَة بِغَيْر شَيْء، وَقد كَانَ الرجل يرحل أَي: يُسَافر دونهَا أَي: فِيمَا دون الْمَسْأَلَة إِلَى الْمَدِينَة، أَي: مَدِينَة النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، اللَّام فِيهَا للْعهد، وَلَفظه فِي كتاب الْعلم: قَالَ عَامر: أعطيناكها بِغَيْر شَيْء، قد كَانَ يركب فِيمَا دونهَا إِلَى الْمَدِينَة.
وَقَالَ أبُو بَكْرِ عنْ أبي حَصِينٍ عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبيهِ عنِ النبيِّ ﷺ : أعْتَقَها ثُمَّ أصْدَقَها
стр. 5967
أَي: قَالَ أَبُو بكر بن عَيَّاش، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة: القارىء، قيل: اسْمه شُعْبَة، وَقيل: سَالم يروي عَن أبي حُصَيْن، بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ: عُثْمَان بن عَاصِم عَن أبي بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: عَامر عَن أَبِيه أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عبد الله بن قيس، وَهَذَا وَقع مسلسلاً بالكنى وَكلهمْ كوفيون. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَة عَن أبي بردة عَن أَبِيه عَن أبي مُوسَى، وَهُوَ سَهْو. قلت: غلط ظَاهر، هَذَا التَّعْلِيق أسْندهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنده، وَقَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر الْخياط، فَذكره بِإِسْنَادِهِ بِلَفْظ: إِذا أعتق الرجل أمته أمهرها مهْرا جَدِيدا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ. وَأَبُو بكر الْخياط هُوَ أَبُو بكر بن عَيَّاش الْمَذْكُور، فَكَأَنَّهُ كَانَ يتعاطى الْخياطَة وَقت، وَهُوَ أحد الْحفاظ الْمَشْهُورين فِي الحَدِيث والقراء الْمَذْكُورين فِي القراآت. قَوْله: (أعتقَها ثمَّ أصدَقها) أَرَادَ أَن أَبَا بكر بن عَيَّاش رُوِيَ فِي الحَدِيث الْمَذْكُور بِلَفْظ: (أعْتقهَا ثمَّ أصدقهَا) مَوضِع قَوْله فِيهِ: ثمَّ أعْتقهَا وَتَزَوجهَا، ومعناهما وَاحِد.
٤٨٠٥ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ تلَيد قَالَ: أخْبَرنِي ابنُ وهَبٍ قَالَ: أخْبَرَنِي جَرِيرُ بنُ حازمٍ عَن أيُّوبَ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ .
وحدّثنا سُلَيْمانُ عنْ حَمَّادِ بنِ زَيْدٍ عنْ أيوبَ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ: لمْ يَكذِبْ إبْرَاهِيمُ إلاّ ثَلَاثَ كَذَباتٍ بَيْنَمَا: إبْرَاهِيمُ مرَّ بجَبَّار ومَعَهُ سارَة فَذَكَرَ الحَديثَ، فأعْطاها هاجَرَ، قالَتْ: كَفَّ الله يَدَ الكافِرِ وأخْدَمَنِي آجَرَ. قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ. فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي ماءِ السَّماءِ..
قيل: مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن هَاجر كَانَت مَمْلُوكَة وَإِن إِبْرَاهِيم، ﵇، أولدها بعد أَن ملكهَا، فَهِيَ سَرِيَّة. وَاعْترض عَلَيْهِ بَعضهم بِأَنَّهُ إِن أَرَادَ أَن ذَلِك وَقع صَرِيحًا فِي الصَّحِيح، فَلَيْسَ بِصَحِيح، وَإِنَّمَا الَّذِي فِي الصَّحِيح أَن سارة ملكتها وَأَن إِبْرَاهِيم، ﵇، أولدها إِسْمَاعِيل. ﵇. انْتهى. قلت: اعتراضه عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أَرَادَ إِلَى آخِره غير موجه، لِأَن من قَالَ: إِنَّه أَرَادَ ذَلِك وَإِنَّمَا حَاصِل كَلَامه فِي أصل الحَدِيث اتِّخَاذ إِبْرَاهِيم هَاجر سَرِيَّة بعد أَن ملكهَا، فيطابق التَّرْجَمَة على مَا لَا يخفي، وَقد جرت عَادَة البُخَارِيّ مثل ذَلِك فِي أَمْثَال ذَلِك
وَأخرجه من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن سعيد بن تليد، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر اللَّام وبالدال الْمُهْملَة: وَهُوَ سعيد بن عِيسَى بن تليد أَبُو عُثْمَان الرعيني الْمصْرِيّ، يروي عَن عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ عَن جرير بن حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي، عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة. وَالْآخر: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن مُحَمَّد، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن أَيُّوب عَن مُجَاهِد. وَهُوَ خطأ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَالْأول أَكثر وَأَصَح. قلت: قَوْله يدل على الصِّحَّة مَعَ الْقلَّة، وَلَيْسَ كَذَلِك: بل هُوَ خطأ مَحْض.
قَوْله: (عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ كَذَا وَقع مَرْفُوعا فِي أَكثر الْأُصُول. وَذكر أَبُو مَسْعُود وَخلف أَنه مَوْقُوف، وأبى ذَلِك الطرقي وَغَيره. وَوَقع أَيْضا مَوْقُوفا فِي رِوَايَة أبي كَرِيمَة والنسفي، وَكَذَا ذكر أَبُو نعيم أَنه وَقع هُنَا للْبُخَارِيّ مَوْقُوفا. وَبِذَلِك جزم الْحميدِي، وسَاق البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث هُنَا مُخْتَصرا وَسَاقه فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، ﵈، فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: ﴿وَاتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا﴾ (النِّسَاء: ٥٢١) بأتم مِنْهُ. قَوْله: (بجبار) ، أَي: ملك حَران، قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ غَيره: ملك مصر. قَوْله: (آجر) أَي: هَاجر بِالْهَمْزَةِ بدل الْهَاء، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً. قَوْله: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: فَتلك أمكُم) ، أَي: هَاجر أمكُم يَا بني مَاء السَّمَاء، أَرَادَ بِهِ الْعَرَب، لِأَن هَاجر أم إِسْمَاعِيل، ﵊، وَالْعرب من نَسْله وَسموا بِهِ لأَنهم سكان الْبَوَادِي وَأكْثر مِيَاههمْ من الْمَطَر.
٥٨٠٥ - حدَّثنا قتَيْبَةُ حَدثنَا إسْماعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَسٍ، ﵁، قَالَ: أقامع النبيُّ ﷺ : بَيْنَ خَيْبَرَ والمَدِينَةِ ثَلَاثا يُبْنَى علَيْهِ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ، فَدَعَوْتُ المُسْلِمينَ إِلَى ولِيمَتِهِ، فَما كانَ فِيها مِنْ خُبْزٍ ولَا لَحْمٍ أُمِرَ بالأنْطاعِ فألْقَى فِيها منَ التَّمْرِ والأقِطِ والسَّمْنِ، فكانَتْ ولِيمَتَهُ
стр. 5968
فَقَالَ المُسْلِمُونَ: إحْدَى المُؤْمِنِينَ، أوْ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ؟ فقالُوا: إنْ حَجَبَها فَهْيَ مِنْ أمهاتِ المُؤْمِنِينَ، وإنْ لَمْ يَحْجُبْها فَهْيَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينَهُ. فلَمَّا ارْتَحَلَ وطَأ لَها خَلْفَهُ ومَدَّ الحِجابَ بَيْنَها وبَيْنَ النَّاسِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الصَّحَابَة تردد فِي أَن صَفِيَّة: هَل هِيَ زَوجته أَو سريته؟ فيطابق الْجُزْء الأول من التَّرْجَمَة.
والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي فِي غَزْوَة خَيْبَر، وَيَأْتِي فِي الْأَطْعِمَة عَن قُتَيْبَة أَيْضا. وَحمد بن سَلام فرقهما.
وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النِّكَاح وَفِي الْوَلِيمَة عَن عَليّ بن حجر، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (يُبنى عَلَيْهِ) على صِيغَة الْمَجْهُول من الْبناء وَهُوَ الدُّخُول بِالزَّوْجَةِ، وَالْأَصْل فِيهِ أَن الرجل، إِذا تزوج امْرَأَة بني عَلَيْهَا قبَّة ليدْخل بهَا فِيهَا، فَيُقَال: بنى الرجل على أَهله، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَلَا يُقَال بني بأَهْله. قَوْله: (إِحْدَى) الْهمزَة الاستفهامية مقدرَة أَي: أإحدى إِلَيّ آخِره. قَوْله: (وطَّأها خَلفه) أَي: هيأ لصفيه شَيْئا تقعد عَلَيْهِ خَلفه على النَّاقة.
٣١ - (بابُ مَنْ جَعَلَ عِتْقَ الأمَةِ صَدَاقَها)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من جعل عتق الْأمة صَدَاقهَا، مَعْنَاهُ: أَن يعْتق أمة على أَن يتَزَوَّج بهَا وَيكون عتقهَا صَدَاقهَا، وَلم يذكر فِي التَّرْجَمَة حكم هَذَا، وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ، فَقَالَ سعيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وعامر الشّعبِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَمُحَمّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَقَتَادَة وطاووس وَالْحسن بن حييّ وَأحمد وَإِسْحَاق: جَازَ ذَلِك، فَإِذا عقد عَلَيْهَا لَا تسْتَحقّ عَلَيْهِ مهْرا غير ذَلِك الْعتاق وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْل: سُفْيَان الثَّوْريّ وَأَبُو يُوسُف صَاحب أبي حنيفَة، وَذكر التِّرْمِذِيّ أَنه مَذْهَب الشَّافِعِي. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ الشَّافِعِي: فَإِن أعْتقهَا على هَذَا الشَّرْط فقلبت عتقت وَلَا يلْزمهَا أَن تتزوجه بل لَهُ عَلَيْهَا قيمتهَا لِأَنَّهُ لم يرض بِعتْقِهَا مجَّانا. فَإِن رضيت وَتَزَوجهَا على مهر يتفقان عَلَيْهِ فَلهُ عَلَيْهَا الْقيمَة وَلها عَلَيْهِ الْمهْر الْمُسَمّى من قَلِيل أَو كثير، وَإِن تزَوجهَا على قيمتهَا فَإِن كَانَت قيمتهَا مَعْلُومَة أَولهَا صَحَّ الصَدَاق وَلَا يبْقى لَهُ عَلَيْهَا قيمَة وَلَا لَهَا عَلَيْهِ صدَاق، وَإِن كَانَت مَجْهُولَة فَفِيهِ وَجْهَان لِأَصْحَابِنَا: أَحدهمَا: يَصح الصَدَاق، وأصحهما، وَبِه قَالَ جُمْهُور أَصْحَابنَا: لَا يَصح الصَدَاق بل يَصح النِّكَاح وَيجب لَهَا مهر الْمثل، انْتهى. وَقَالَ اللَّيْث بن سعد وَابْن شبْرمَة وَجَابِر بن زيد وَأَبُو حنيفَة وَمُحَمّد وَزفر وَمَالك: لَا يجوز ذَلِك، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: لَيْسَ لأحد غير رَسُول الله ﷺ أَن يفعل هَذَا فَيتم لَهُ النِّكَاح بِغَيْر صدَاق سوى الْعتاق، إِنَّمَا كَانَ ذَلِك لرَسُول الله ﷺ لِأَن الله، ، جعل لَهُ أَن يتَزَوَّج بِغَيْر صدَاق، وَيكون لَهُ التَّزَوُّج على الْعتاق الَّذِي لَيْسَ بِصَدَاق. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن فعل ذَلِك رجل وَقع الْعتاق وَلها عَلَيْهِ مهر الْمثل، فَإِن أَن تتزوجه تسْعَى لَهُ فِي قيمتهَا، وَقَالَ مَالك وَزفر: لَا شَيْء لَهُ عَلَيْهَا.
٦٨٠٥ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ حَدثنَا حَمَّادٌ عنْ ثابِتٍ وشُعَيْبٍ بنِ الْحَبحَابِ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ أعْتَقَ صَفِيَّةَ وجعَلَ عِتْقَها صَدَاقَها..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وثابت هُوَ ابْن أسلم الْبنانِيّ، بِضَم الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف النُّون الأولى، وَشُعَيْب بن الحبحاب، بِفَتْح الحاءين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى: الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث قد مر فِي غَزْوَة خَيْبَر.
واحتجت الطَّائِفَة الأولى أَعنِي: سعيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمن مَعَهُمَا بِهَذَا الحَدِيث فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، وأجابت الطَّائِفَة الثَّانِيَة بأجوبة مِنْهَا أَنهم قَالُوا: هَذَا من قَول أنس لِأَنَّهُ لم يسْندهُ فَلَعَلَّهُ تَأْوِيل مِنْهُ إِذْ لم لَهَا صدَاق، وَمِنْهَا مَا قَالَه الطَّحَاوِيّ: إِنَّه مَخْصُوص بِالنَّبِيِّ ﷺ وَلَيْسَ لغيره أَن يفعل ذَلِك، وَمِنْهَا أَن الطَّحَاوِيّ رُوِيَ عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ أَنه فعل فِي جوَيْرِية بنت الْحَارِث مِثْلَمَا فعله فِي صَفِيَّة، ثمَّ قَالَ ابْن عمر: بعد النَّبِي ﷺ فِي مثل هَذَا الحكم أَنه يجدد لَهَا صَدَاقا، فَدلَّ هَذَا أَن الحكم فِي ذَلِك بعد رَسُول الله ﷺ على غير مَا كَانَ لرَسُول الله ﷺ ، وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك سَمَاعا سَمعه من رَسُول الله ﷺ ، وَيحْتَمل أَن يكون دله على هَذَا خصوصيته ﷺ بذلك، وعَلى كلا التَّقْدِيرَيْنِ تقوم الْحجَّة لأهل الْمقَالة الثَّانِيَة قلت: وَمِمَّا يُؤَيّد كَلَام ابْن
стр. 5969
عمر مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث القواريري: حَدَّثتنَا عليلة بنت الْكُمَيْت عَن أمهَا أُمَيْمَة بنت رزينة عَن أمهَا رزينة، قَالَت: لما كَانَ يَوْم قُرَيْظَة وَالنضير جَاءَ رَسُول الله ﷺ بصفية يَقُودهَا سبية حَتَّى فتح الله عَلَيْهِ وذراعها فِي يَده، فَأعْتقهَا وخطبها وَتَزَوجهَا وَأَمْهَرهَا رزينة. قلت: رزينة، بِضَم الرَّاء وَفتح الزَّاي وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح النُّون: خادمة رَسُول الله ﷺ ، وَقَالَ ابْن المرابط: قَول أنس: أصدقهَا نَفسهَا، أَنه من رَأْيه وظنه، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك مدافعة للسائر. أَلا تَرى أَنه قَالَ: فَقَالَ الْمُسلمُونَ: إِحْدَى أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ؟ فَكيف علم أنس أَنه أصدقهَا نَفسهَا قبل ذَلِك؟ وَقد صَحَّ عَنهُ أَنه يعلم أَنَّهَا زَوجته إلَاّ بالحجاب، فَدلَّ أَن قَوْله هَذَا لم يشهده على نَبينَا ﷺ وَلَا غَيره، وَإِنَّمَا ظَنّه أنس وَالنَّاس مَعَه ظنا، مَعَ أَن كتاب الله أَحَق أَن يتبع قَالَ: ﴿وَامْرَأَة مُؤمنَة إِن وهبت نَفسهَا للنَّبِي﴾ (الْأَحْزَاب: ٠٥) الْآيَة فَهَذَا يدل على أَنه أعْتقهَا وَخَيرهَا فِي نَفسهَا فاختارته ﷺ فنكحها بِمَا خصّه الله تَعَالَى بِغَيْر صدَاق، وَأما وَجه النّظر فِيهِ أَنا إِذا جعلنَا الْعتْق صَدَاقا. فإمَّا أَن يَتَقَرَّر الْعتْق حَالَة الرّقّ وَهُوَ محَال لتناقضهما، أَو حَالَة الْحُرِّيَّة فَيلْزم سبقيته على العقد، فَيلْزم وجود الْعتْق فرض عَدمه وَهُوَ محَال، لِأَن الصَدَاق لَا بُد أَن يتَقَدَّم تقرره على الزَّوْج إِمَّا نصا وَإِمَّا حكما حَتَّى تملك الزَّوْجَة طلبه، وَإِن لم يتَعَيَّن لَهَا حَالَة العقد شَيْء، لَكِنَّهَا تملك الْمُطَالبَة، فَثَبت أَنه ثَابت لَهَا حَالَة العقد شَيْء يُطَالب بِهِ الزَّوْج، وَلَا يَتَأَتَّى مثل ذَلِك فِي الْعتْق، فاستحال أَن يكون صَدَاقا، فَافْهَم. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: فَإِن قيل: ثَوَاب الْعتْق عَظِيم، فَكيف فَوته حَيْثُ جعله مهْرا وَكَانَ يُمكن جعل الْمهْر غَيره؟ فَالْجَوَاب أَن صَفِيَّة بنت مَالك وَمثلهَا لَا يقنع فِي الْمهْر إلَاّ بالكثير وَلم يكن عِنْده ﷺ إِذْ ذَاك مَا يرضيها بِهِ، وَلم ير أَن يقصر بهَا فَجعل صَدَاقهَا نَفسهَا، وَذَلِكَ عِنْدهَا أشرف من المَال الْكثير.
٤١ - (بَاب تَزْويجِ المُعْسِرِ لقَوْلهِ تَعالى ﴿ (٢٤) إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِم الله من فَضله﴾ (النُّور: ٢٣)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز تَزْوِيج الْمُعسر، وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بقوله تَعَالَى: ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِم الله من فَضله﴾ (النُّور: ٢٣) ، وَحَاصِل الْمَعْنى: أَن الأعسار فِي الْحَال لَا يمْنَع التَّزْوِيج لاحْتِمَال حُصُول المَال فِي الْمَآل.
٧٨٠٥ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ حدَّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ أبي حازمٍ عنْ أبيهِ عنْ سَهْل بن سَعدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: جاءَتِ امْرَأةٌ إِلَى رسولِ الله ﷺ ، فَقالَتْ: يَا رسولَ الله ﴿جِئْتُ أهَبُ لَكَ نفسِي. قَالَ: فنَظَرَ إليْها رسولُ الله ﷺ فصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وصَوَّبَهُ ثُمَّ طأطأ رسولُ الله ﷺ ، رأْسَهُ، فلَمَّا رأتِ المَرْأَةُ أنّهُ لَمْ يقْضِ فِيهَا شَيئا جلَسَتْ، فقامَ رجُلٌ منْ أصْحابهِ فَقَالَ: يَا رسولُ الله﴾ إنْ لَمْ يكُنْ لَكَ بِها حاجَةٌ فزَوَّجْنِيها، فَقَالَ: وهَلْ عِنْدَكَ منْ شَيْءٍ؟ قَالَ: لَا وَالله يَا رسولَ الله، فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى أهْلِكَ فانظُرْ هَلْ تجِدُ شَيْئا، فذَهَبَ ثُمَّ رجَعَ فَقَالَ: لَا وَالله مَا وجدت شَيْئا. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أنظر لَو خَاتمًا من جديث. فَذهب ثمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَا وَالله يَا رسولَ الله، وَلَا خَاتمًا منْ حَدِيدٍ ولاكنْ هاذا إزَارِي، قَالَ: سهْلٌ: مالَهُ رِدَاءٌ فلَها نِصْفُهُ، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : مَا تَصْنَ بإِزَارِك إنْ لبِسْتَهُ لَمْ يكُنْ عَلَيْها مِنْهُ شَيءٌ، وإنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ علَيْكَ شَيْءٌ؟ فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إذَا طالَ مَجْلِسُهُ قامَ، فرَآهُ رسولُ الله ﷺ مُوَلِّيا، فأمَرَ بهِ فدُعِيَ، فلَمَّا جاءَ قَالَ: ماذَا معَكَ مِنَ القُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سورَةُ كَذَا وسورَةُ كَذا، عَدَّدَها، فَقَالَ: تَقْرَؤُهُنَّ عنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: إذْهَبْ فقَدْ ملَّكْتكَها بمَا معَكَ مِنَ القرْآنِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي، يروي عَن أَبِيه أبي حَازِم سَلمَة بن دِينَار، وَهَذِه التَّرْجَمَة ذكرهَا البُخَارِيّ فِيمَا قبل فِي كتاب النِّكَاح بقوله: بَاب تَزْوِيج الْمُعسر الَّذِي مَعَه الْقُرْآن وَالْإِسْلَام، وَقَالَ فِيهِ: سهل عَن
стр. 5970
النَّبِي ﷺ ، وَالْفرق بَين الترجمتين أَن تِلْكَ أخص من هَذِه، وَأورد حَدِيث سهل هَذَا فِيمَا قبل فِي: بَاب الْقِرَاءَة عَن ظهر الْقلب، أخرجه بِتَمَامِهِ عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي حَازِم عَن سهل بن سعد، وَأعَاد هُنَا بِهَذِهِ التَّرْجَمَة عَن قُتَيْبَة عَن عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم عَن أَبِيه عَن سهل إِلَى آخِره، بِنَحْوِ ذَاك الْمَتْن بِعَيْنِه، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوْفِي.
قَوْله: (فَصَعدَ النّظر إِلَيْهَا) أَي: رفع نظره إِلَى تِلْكَ الْمَرْأَة. قَوْله: (وَصَوَّبَهُ) أَي: خفض نظره. قَوْله: (عَن ظهر قَلْبك) ، لفظ: الظّهْر، مقحم، أَو مَعْنَاهُ على استظهار قَلْبك.
٥١ - (بابُ الأكْفاءِ فِي الدِّينِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الْأَكفاء الَّاتِي بِالْإِجْمَاع هِيَ أَن يكون فِي الدّين فَلَا يحل للمسلمة أَن تتَزَوَّج بالكافر، ولأكفاء جمع كُفْء بِضَم الْكَاف وَسُكُون الْفَاء بعْدهَا همزَة، وَهُوَ الْمثل والنظير.
وقوْلِهِ وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً﴾ (الْفرْقَان: ٤٥)
وَقَوله: بِالْجَرِّ عطف على الْأَكفاء أَي: وَفِي بَيَان قَوْله فِي الْقُرْآن: ﴿وَهُوَ الَّذِي خلق من المَاء﴾ (الْفرْقَان: ٤٥) الْآيَة، وغرضه من إِيرَاد هَذِه الْآيَة الْإِشَارَة إِلَى أَن النّسَب والصهر مِمَّا يتَعَلَّق بهما حكم الْكَفَاءَة، وَعَن ابْن سِيرِين: أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي النَّبِي ﷺ وَعلي بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، زوج، ﵇، فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، عليا وَهُوَ ابْن عَمه وَزوج ابْنَته فَكَانَ نسبا وَكَانَ صهرا. قَوْله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خلق من المَاء﴾ (الْفرْقَان: ٤٥) أَي: من النُّطْفَة بشرا، فَجعل الْبشر على قسمَيْنِ: نسبا ذَوي نسب أَي ذُكُورا ينْسب إِلَيْهِم، فَيُقَال: فلَان ابْن فلَان وفلانة بنت فلَان. وصهرا ذَوَات صهر أَي: إِنَاثًا يصاهر بِهن، وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: النّسَب مَا لَا يحل نِكَاحه، والصهر مَا يحل نِكَاحه، وَقَالَ الضَّحَّاك وَقَتَادَة وَمُقَاتِل: النّسَب سَبْعَة والصهر خَمْسَة. واقرؤا قَوْله تَعَالَى: ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم وبناتكم﴾ (النِّسَاء: ٣٢) إِلَى آخر الْآيَة.
٨٨٠٥ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخْبرنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أخْبَرَنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ عنْ عائِشَةَ، ﵂: أنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بنَ عُتْبَةَ بنِ ربِيعَةَ بنِ عبْدِ شَمْسٍ، وكانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرا معَ النبيِّ ﷺ ، تبَنَّى سالِما وأنْكَحَهُ بنْتُ أخيهِ هِنْدَ بنْتَ الوَلِيدِ بنِ عُتْبَةَ بن رَبِيعَةَ وهْوَ مَوْلى لِامْرَأةٍ مِنَ الأنْصارِ، كَما تبَنَّى النبيُّ ﷺ زَيْدا، وكانَ منْ تبَنَّى رَجُلاً فِي الجَاهِليَّةِ دَعاهُ النَّاسُ إليْهِ ووَرثَ مِنْ مِيرَاثِه حتَّى أنْزَلَ الله مِن﴾ إِلَى قوْلِهِ ﴿ (٥) ومواليكم﴾ (الْأَحْزَاب: ٥) فَرُدُّوا إِلَى آبائِهِمْ فمَنْ لَم يُعْلَمْ لَهُ أبٌ كانَ مَوْلىً وأخا فِي الدِّينِ، فَجاءَتْ سَهْلةُ بنْتُ سُهَيْلٍ بنِ عَمْرو القُرَشِيِّ ثُمَّ العامِرِيِّ، وهْيَ امْرَأةُ أبي حُذَيْفَةَ بنِ عُتْبَةَ النبيَّ ﷺ ، فقالَتْ: يَا رَسُول الله! إنّا كُنّا نَرَى سالِما ولَدا، وقَدْ أنْزَلَ الله فِيهِ مَا قَدْ علِمْتَ فذَكَرَ الحَدِيثَ.
(انْظُر الحَدِيث ٠٠٠٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من تَزْوِيج أبي حُذَيْفَة بنت أَخِيه هندا سَالم الَّذِي تبناه. وَهُوَ مولى لامْرَأَته من الْأَنْصَار، وَلم يعْتَبر فِيهِ الْكَفَاءَة إلَاّ فِي الدّين.
وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن عمرَان بن بكار عَن أبي الْيَمَان شيخ البُخَارِيّ.
قَوْله: (أَن أَبَا حُذَيْفَة) ، اسْمه: مهشم، على الْمَشْهُور وَقيل: هَاشم، وَقيل: هشيم، وَقيل غير ذَلِك، وَهُوَ خَال مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان. قَوْله: (ابْن عتبَة) ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق ابْن ربيعَة بِفَتْح الرَّاء ابْن عبد شمس الْقرشِي العبشمي، وَكَانَ من فضلاء الصَّحَابَة من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين، صلى الْقبْلَتَيْنِ وَهَاجَر الهجرتين وَشهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ ، وَقتل يَوْم الْيَمَامَة شَهِيدا وَهُوَ ابْن ثَلَاث أَو أَربع وَخمسين سنة. قَوْله: (تبنى سالما) أَي: اتَّخذهُ ابْنا، وَسَالم هُوَ ابْن معقل، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف، وَفِي
стр. 5971
آخِره لَام، يكنى أَبَا عبد الله، وَقَالَ أَبُو عمر: هُوَ من أهل فَارس من اصطخر، وَقيل: إِنَّه من عجم الْفرس من كرمد، وَكَانَ من فضلاء الموَالِي وَمن خِيَار الصَّحَابَة وكبارهم، وَهُوَ مَعْدُود فِي الْمُهَاجِرين وَفِي الْأَنْصَار أَيْضا لعتق مولاته الْأَنْصَارِيَّة، فَقَالَ أَبُو عمر: شهد سَالم بَدْرًا وَقتل يَوْم الْيَمَامَة شَهِيدا هُوَ ومولاه أَبُو حُذَيْفَة فَوجدَ رَأس أَحدهمَا عِنْد رجْلي الآخر، وَذَلِكَ سنة اثْنَتَيْ عشرَة من الْهِجْرَة. قَوْله: (وأنكحه بنت أَخِيه هِنْد) أَي: زوجه بنت أَخِيه. فَقَوله: (هِنْد) يجوز فِيهِ الصّرْف وَمنعه، أما مَنعه فللعلمية والتأنيث، وَأما صرفه فَلِأَن سُكُون أوسطه يُقَاوم أحد السببين، وَهُوَ هُنَا فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ عطف بَيَان عَن بنت، وَوَقع عِنْد مَالك: وأنكحه بنت أَخِيه فَاطِمَة، وَلَا كَلَام فِيهِ لِأَنَّهَا رُبمَا كَانَت تسمى باسمين، والوليد بن عتبَة قتل ببدر كَافِرًا، وَقَالَ ابْن التِّين: وَوَقع فِي بعض الرِّوَايَات: بنت أُخْته، بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الْخَاء وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَهُوَ غلط. قَوْله: (وَهُوَ مولى) أَي: سَالم الْمَذْكُور مولى لامْرَأَة من الْأَنْصَار وَاسْمهَا ثبيتة، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَإِسْكَان الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: بنت يعار، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف الْعين الْمُهْملَة وَبعد الْألف رَاء: ابْن زيد بن عبيد بن مَالك بن عَمْرو بن عَوْف الْأَنْصَارِيَّة، كَانَت من الْمُهَاجِرَات الأول وَمن فضلاء نسَاء الصَّحَابَة، وَهِي زوج أبي حُذَيْفَة الْمَذْكُور، وَهِي مولاة سَالم بن معقل الْمَذْكُور، وَيُقَال لَهُ: سَالم مولى أبي حُذَيْفَة، أَعتَقته ثبيتة فوالى سَالم أَبَا حُذَيْفَة، فَلذَلِك يُقَال: سَالم مولى أبي حُذَيْفَة. وَقَالَ أَبُو طوالة: اسْم هَذِه الْمَرْأَة من الْأَنْصَار عمْرَة بنت يعار الْأَنْصَارِيَّة، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: اسْمهَا سلمى بنت يعار. قَوْله: (كَمَا تبنى النَّبِي ﷺ أَي: كَمَا اتخذ النَّبِي، ﵇، زيد بن حَارِثَة ابْنا لَهُ، حَتَّى يُقَال: ابْن مُحَمَّد. قَوْله: (وَكَانَ من تبنى) كلمة: من اسْم كَانَ. قَوْله: (دَعَاهُ النَّاس إِلَيْهِ) خَبره أَي: كَانُوا يَقُولُونَ للَّذي تبناه: هَذَا ابْن فلَان، وَكَانَ يَرث من مِيرَاثه أَيْضا كَمَا يَرث ابْنه من النّسَب حَتَّى أنزل الله تَعَالَى ﴿أدعوهم لِآبَائِهِمْ﴾ (الْأَحْزَاب: ٥) وَقبل الْآيَة ﴿وَمَا جعل أدعياءكم أبناءكم ذَلِكُم قَوْلكُم بأفواهكم وَالله يَقُول الْحق وَهُوَ يهدي السَّبِيل أدعوهم لأبائهم هُوَ أقسط عِنْد الله فَإِن لم تعلمُوا أباءهم فإخوانكم فِي الدّين ومواليكم﴾ (الْأَحْزَاب: ٤ ٥) قَوْله ﴿وَمَا جعل أدعياءكم﴾ (الْأَحْزَاب: ٤) يَعْنِي: من سميتموهم أبناءكم، نزلت فِي زيد بن حَارِثَة الْكَلْبِيّ من بني عبدو كَانَ عبدا لرَسُول الله ﷺ فَأعْتقهُ وتبناه قبل الْوَحْي وآخى بَينه وَبَين حَمْزَة بن عبد الْمطلب فِي الْإِسْلَام، فَجعل الْفُقَرَاء أَخا للغني ليعود عَلَيْهِ، فَلَمَّا تزوج النَّبِي ﷺ زَيْنَب بنت جحش الْأَسدي، وَكَانَت تَحت زيد بن حَارِثَة، قَالَ الْيَهُود والمنافقون: تزوج مُحَمَّد امْرَأَة ابْنه وَنهى النَّاس عَنْهَا، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة: ﴿ذَلِكُم قَوْلكُم﴾ (الْأَحْزَاب: ٤) وَلَا حَقِيقَة لَهُ يَعْنِي: قَوْلهم: زيد بن مُحَمَّد بن عبد الله ﴿وَالله يَقُول الْحق وَهُوَ يهدي السَّبِيل﴾ (الْأَحْزَاب: ٤) أَي: سَبِيل الْحق ثمَّ قَالَ: ﴿ادعوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (الْأَحْزَاب: ٥) الَّذين ولدوهم، وبيَّن أَن دعاءهم لِآبَائِهِمْ هُوَ أَدخل الْأَمريْنِ فِي الْقسْط وَالْعدْل عِنْد الله، فَإِن لم تعلمُوا لَهُم آبَاء تنسبونهم إِلَيْهِم فإخوانكم أَي: فَهُوَ إخْوَانكُمْ فِي الدّين مواليكم إِن كَانُوا محرريكم. قَوْله: (فَردُّوا) على صِيغَة الْمَجْهُول (إِلَى آبَائِهِم) الَّذين ولدهم. قَوْله: (فَمن لم يعلم) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَقَوله: (أَب) مَرْفُوع بِهِ كَانَ مولى وأخا فِي الدّين قَوْله: (فَجَاءَت سهلة) وَهِي الَّتِي رَوَت عَن النَّبِي ﷺ الرُّخْصَة فِي رضَاع الْكَبِير، روى عَنْهَا الْقَاسِم بن مُحَمَّد. قَوْله: (وَهِي امْرَأَة أبي حُذَيْفَة) وَهِي ضرَّة مُعتقة سَالم، هَذِه قرشية وَتلك أنصارية. قَوْله: (النَّبِي) بِالنّصب بقوله: (فَجَاءَت سهلة) قَوْله: (إِنَّا كُنَّا نرى) بِفَتْح النُّون بِمَعْنى نعتقد. قَوْله: (مَا قد علمت) أَرَادَت بِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿ادعوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (الْأَحْزَاب: ٥) وَقَوله: قَوْله: (وَمَا جعل أدعياءكم أبناءكم) (الْأَحْزَاب: ٤) قَوْله: (فَذكر الحَدِيث) أَي: فَذكر أَبُو الْيَمَان الحَدِيث، قَالَه البُخَارِيّ وَلم يذكرهُ وَهُوَ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة وَأم سَلمَة، وَقَالَ الْحميدِي فِي الْجمع: أخرجه البرقاني فِي كِتَابه بِطُولِهِ من حَدِيث أبي الْيَمَان بِسَنَدِهِ بِزِيَادَة: فَكيف ترى يَا رَسُول الله؟ فَقَالَ: أرضعيه، فأرضعته خمس رَضعَات، فَكَانَ بِمَنْزِلَة وَلَدهَا من الرضَاعَة، فبذلك كَانَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، تَأمر بَنَات أَخِيهَا وَأُخْتهَا أَن يرضعن من أحبت عَائِشَة أَن يَرَاهَا وَيدخل عَلَيْهَا وَإِن كَانَ كَبِيرا خمس رَضعَات فَيدْخل عَلَيْهَا، وأبت أم سَلمَة وَسَائِر أَزوَاج النَّبِي ﷺ أَن يُدخلن عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرضَاعَة أحدا من النَّاس، ويروى أَن سهلة قَالَت: يَا رَسُول الله! إِن سالا بلغ مبلغ الرِّجَال وَإنَّهُ يدْخل علينا، وَإِنِّي أَظن من نفس أبي حُذَيْفَة من ذَلِك شَيْئا. فَقَالَ: أرضعيه تحرمي عَلَيْهِ وَيذْهب مَا فِي نَفسه، فأرضعته فَذهب الَّذِي فِي نَفسه. وَفِي مُسلم من حَدِيث الْقَاسِم عَن عَائِشَة: جَاءَت سهلة إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَت:
стр. 5972
يَا رَسُول الله! إِنِّي أرى فِي وَجه أبي حُذَيْفَة من دُخُول سَالم، فَقَالَ: أرضعيه وَهُوَ رجل كَبِير؟ فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: قد علمت أَنه رجل كَبِير، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي مليكَة: أرضعيه تحرمي عَلَيْهِ وَيذْهب الَّذِي فِي وَجه أبي ذيفة، فَرَجَعت وَقَالَت: قد أَرْضَعَتْه، فَذهب الَّذِي فِي نفس أبي حُذَيْفَة. وَقَالَ القَاضِي: لَعَلَّهَا حلبته ثمَّ شربه من غير أَن يمس ثديها وَلَا الْتَقت بشرتاهما. هَذَا الَّذِي قَالَه حسن، وَقَالَ النَّوَوِيّ: يحْتَمل أَنه عُفيَ عَن مَسّه للْحَاجة كَمَا خص بالرضاعة مَعَ الْكبر، وَبِهَذَا قَالَت عَائِشَة وَدَاوُد، وَتثبت حُرْمَة الرَّضَاع برضاع الْبَالِغ كَمَا تثبت برضاع الطِّفْل، وَعند جُمْهُور الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وعلماء الْأَمْصَار: إِلَى الْآن لَا تثبت إلَاّ برضاع من لَهُ دون سنتَيْن، وَعند أبي حنيفَة: بِسنتَيْنِ وَنصف، وَعند زفر: بِثَلَاث سِنِين، وَعَن مَالك: بِسنتَيْنِ وَأَيَّام، وَاحْتَجُّوا فِيهِ بقوله تَعَالَى: ﴿والوالدات يرضعن أَوْلَادهنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلين لمن أَرَادَ أَن يتم الرضَاعَة﴾ (الْبَقَرَة: ٣٣٢) وبأحاديث كَثِيرَة مَشْهُورَة، وَأَجَابُوا عَن حَدِيث سهلة على أَنه مُخْتَصّ بهَا وبسالم، وَقيل: إِنَّه مَنْسُوخ، وَالله أعلم.
٩٨٠٥ - حدَّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْماعِيلَ حَدثنَا أَبُو أسامَةَ عَنْ هِشامٍ عَنْ أَبِيه عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قالَتْ: دَخَلَ رسولُ الله ﷺ علَى ضُباعَة بنْتِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَها: لعَلَّكِ أرَدْتِ الحَجَّ؟ وقالَتْ: وَالله لَا أجِدُني إلَاّ وَجعَةً. فَقَالَ لَها: حُجِّي واشْتَرِطي، قُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حيْثُ حَبَسْتْنِي، وكانَتْ تَحْتَ المِقْدَادِ بنِ الأسْوَدِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَكَانَت) أَي: ضباعة (تَحت الْمِقْدَاد بن الْأسود) بَيَانه أَن الْمِقْدَاد هُوَ ابْن عَمْرو بن ثَعْلَبَة بن مَالك الْكِنْدِيّ، وَقد نسب إِلَى الْأسود بن عبد يَغُوث بن وهب بن عبد منَاف بن زهرَة الزُّهْرِيّ لِأَنَّهُ كَانَ تبناه، وَخَالفهُ فِي الْجَاهِلِيَّة فَقيل: الْمِقْدَاد بن الْأسود، وَقَالَ أَبُو عمر: قد قيل: إِنَّه كَانَ عبدا حَبَشِيًّا للأسود بن عبد يَغُوث فَتَبَنَّاهُ، وَالْأول أصح، وَتزَوج ضباعة بنت الزبير بن عبد الْمطلب الهاشمية بنت عَم النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَلَو كَانَت الْكَفَاءَة مُعْتَبرَة فِي النّسَب لما جَازَ لِلْمِقْدَادِ أَن يتَزَوَّج ضباعة وَهِي فَوْقه فِي النّسَب، فَوَافَقَ الحَدِيث التَّرْجَمَة فِي أَن اعْتِبَار اكفاءة فِي الدّين، وَسَنذكر الْخلاف فِيهِ، وَكَانَ الْمِقْدَاد من الْفُضَلَاء النجباء الْكِبَار الْخِيَار من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله تَعَالَى ليه وَسلم، وَعَن ابْن مَسْعُود: أَن أول من أظهر الْإِسْلَام سَبْعَة، فَذكر مِنْهُم الْمِقْدَاد، وَشهد الْمِقْدَاد فتح مصر وَمَات فِي أرضه بالجرف فَحمل إِلَى الْمَدِينَة وَدفن بهَا وَصلى عَلَيْهِ عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، سنة ثَلَاث وَعبيد بن إِسْمَاعِيل اسْمه فِي الأَصْل: عبد الله بن إِسْمَاعِيل أَبُو مُحَمَّد الْهَبَّاري الْقرشِي الْكُوفِي، مَاتَ فِي ربيع الأول يَوْم الْجُمُعَة سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ، رُوِيَ عَن أبي أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحَج. قَوْله: (لَا أجدني) أَي: لَا أجد نَفسِي، وَكَون الْفَاعِل وَالْمَفْعُول ضميرين لشَيْء وَاحِد من خَصَائِص أَفعَال الْقُلُوب. قَوْله: (واشترطي) أَي: إِنَّك حَيْثُ عجزت عَن الْإِتْيَان بالمناسك وانحبست عَنْهَا بِسَبَب قُوَّة الْمَرَض تحللت، وَقَوْلِي: اللَّهُمَّ مَكَان تحللي عَن الْإِحْرَام مَكَان حبستني فِيهِ عَن النّسك بعلة الْمَرَض.
وَاخْتلفُوا فِي هَذَا الِاشْتِرَاط، فَأَجَازَهُ عمر وَعُثْمَان وَعلي ابْن مَسْعُود وعمار وَابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن الْمسيب وَعُرْوَة وَعَطَاء وعلقمة وَشُرَيْح، وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح: وَهُوَ الْأَظْهر عِنْد الشَّافِعِي، وَهُوَ قَول أَحْمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر. وَمنعه طَائِفَة وَقَالُوا: هُوَ بَاطِل، رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عمر وَعَائِشَة، وَهُوَ قَول النَّخعِيّ وَالْحكم وطاووس، وَسَعِيد بن جُبَير، وَإِلَيْهِ ذهب مَالك وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة، وَقَالُوا: لَا يَنْفَعهُ اشْتِرَاط ويمضي على إِحْرَامه حَتَّى يتم، وَكَانَ ابْن عمر يُنكر ذَلِك وَيَقُول: أَلَيْسَ حسبكم سنة رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم؟ فَإِنَّهُ لم يشْتَرط، فَإِن حبس أحدكُم بحابس عَن الْحَج فليأت الْبَيْت فليطف بِهِ وَبَين الصَّفَا والمروة ويحلق أَو يقصر، وَقد حل من كل شَيْء حَتَّى يحجّ قَابلا وَيهْدِي أَو يَصُوم إِن لم يجد هَديا، وَأنكر ذَلِك طَاوُوس وَسَعِيد بن جُبَير وهما رويا الحَدِيث عَن ابْن عَبَّاس، وَأنْكرهُ الزُّهْرِيّ وَهُوَ رُوَاة عَن عُرْوَة، فَهَذَا كُله مِمَّا يوهن الِاشْتِرَاط. وَزعم ابْن المرابط أَن عدم ذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْحَج دلَالَة على أَن الِاشْتِرَاط عِنْده لَا يَصح.
قلت فِيهِ نظر لَا يخفي.
قَوْله: (وَجَعه) بِفَتْح الْوَاو وَكسر الْجِيم وَهُوَ من الصِّفَات المشبهة أَي: إِنِّي ذَات وجع أَي: مرض. قَوْله: (محلي) أَي: مَوضِع تحللي من الْإِحْرَام.
وَفِيه: أَن الْمحصر يحل حَيْثُ يحبس وينحر هَدْيه هُنَاكَ حلا كَانَ أَو حَرَامًا، وَفِيه خلاف.
стр. 5973
٠٩٠٥ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثَنا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ الله قَالَ: حَدثنِي سعِيدُ بنُ أبي سعِيدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، ﵁، عَنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: تُنْكَحُ المَرْأةُ لِأرْبَعٍ: لِمَالِها ولِحَسَبِها وجَمَالِها ولِدِينِها، فأظْفَرْ بذَاتِ الطِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (ولدينها) وَلَا سِيمَا أَمر فِيهِ بِطَلَب ذَات الدّين ودعا لَهُ أَو عَلَيْهِ بقوله (تربت يداك) إِذا ظفر بِذَات الدّين وَطلب غَيرهَا، وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَهُ أَو عَلَيْهِ، لاستعمال تربت يداك فِي النَّوْعَيْنِ على مَا نذْكر الْآن.
وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ، وَسَعِيد بن أبي سعيد المَقْبُري يروي عَن أَبِيه أبي سعيد واسْمه كيسَان عَن أبي هُرَيْرَة.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي النِّكَاح أَيْضا عَن مُحَمَّد وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عبيد الله بن سعيد بِهِ وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن يحيى بن حَكِيم.
قَوْله: (تنْكح الْمَرْأَة) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْمَرْأَة مَرْفُوع بِهِ. قَوْله: (لأَرْبَع) أَي: لأَرْبَع خِصَال. قَوْله: (لمالها) لِأَنَّهَا إِذا كَانَت صَاحِبَة مَال لَا تلْزم زَوجهَا بِمَا لَا يُطيق وَلَا تكلفه فِي الْإِنْفَاق وَغَيره، وَقَالَ الْمُهلب: هَذَا دَال على أَن للزَّوْج الِاسْتِمْتَاع بمالها فَإِنَّهُ يقْصد لذَلِك فَإِن طابت بِهِ نفسا فَهُوَ لَهُ حَلَال، وَإِن منعته فَإِنَّمَا لَهُ من ذَلِك بِقدر مَا بذل من الصَدَاق. وَاخْتلفُوا إِذا أصدقهَا وامتنعت أَن تشتري شَيْئا من الجهاز؟ فَقَالَ مَالك: لَيْسَ لَهَا أَن تقضي بِهِ دينهَا، وَأَن تنْفق مِنْهُ مَا يصلحها فِي عرسها، إلَاّ أَن يكون الصَدَاق شَيْئا كثيرا فتنفق مِنْهُ شَيْئا يَسِيرا فِي دينهَا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ: لَا تجبر على شِرَاء مَا لَا تُرِيدُ، وَالْمهْر لَهَا تفعل فِيهِ مَا شَاءَت. قَوْله: (ولحسبها) هُوَ إخْبَاره عَن عَادَة النَّاس فِي ذَلِك، والحسب مَا يعده النَّاس من مفاخر الْآبَاء، وَيُقَال: الْحسب فِي الأَصْل الشّرف بِالْآبَاءِ وبالأقارب، مَأْخُوذ من الْحساب لأَنهم كَانُوا إِذا تفاخروا عدوا مناقبهم ومآثر آبَائِهِم وقومهم وحسبوها، فَيحكم لمن زَاد عدده على غَيره، وَقيل: المُرَاد بالحسب هُنَا الفعال الْحَسَنَة، وَقيل: المَال، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء لِأَن المَال ذكر قبله. قَوْله: (وجمالها) لِأَن الْجمال مَطْلُوب فِي كل شَيْء وَلَا سِيمَا فِي الْمَرْأَة الَّتِي تكون قرينته وضجيعته. قَوْله: (ولدينها) لِأَنَّهُ بِهِ يحصل خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، واللائق بأرباب الديانَات وَذَوي المروآت أَن يكون الدّين مطمح نظرهم فِي كل شَيْء، وَلَا سِيمَا فِيمَا يَدُوم أمره، وَلذَلِك اخْتَارَهُ الرَّسُول ﷺ بآكدوجه وأبلغه، فَأمر بالظفر الَّذِي هُوَ غَايَة البغية، فَلذَلِك قَالَ: (فاظفر بِذَات الدّين) فَإِن بهَا تكتسب مَنَافِع الدَّاريْنِ (تريت يداك) إِن لم تفعل مَا أمرت بِهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: (فاظفر) جَزَاء شَرط مَحْذُوف أَي: إِذا تحققت تفصيلها فاظفر أَيهَا المسترشد بهَا.
وَاخْتلفُوا فِي معنى (تربت يداك) . فَقيل: هُوَ دُعَاء فِي الأَصْل، إلَاّ أَن الْعَرَب تستعملها للإنكار والتعجب والتعظيم والحث على الشَّيْء، وَهَذَا هُوَ المُرَاد بِهِ هَهُنَا، وَفِيه التَّرْغِيب فِي صُحْبَة أهل الدّين فِي كل شَيْء، لِأَن من صَاحبهمْ يَسْتَفِيد من أَخْلَاقهم ويأمن الْمفْسدَة من جهتهم. وَقَالَ مُحي السّنة: هِيَ كلمة جَارِيَة على ألسنتهم كَقَوْلِهِم: لَا أَب لَك، وَلم يُرِيدُوا وُقُوع الْأَمر، وَقيل: قَصده بهَا وُقُوعه لتعدية ذَوَات الدّين إِلَى ذَوَات المَال وَنَحْوه، أَي: تربت يداك إِن لم تفعل مَا قلت لَك من الظفر بِذَات الدّين، وَقيل: معنى تربت يداك أَي لصقت بِالتُّرَابِ، وَهُوَ كِنَايَة عَن الْفقر. وَحكي ابْن الْعَرَبِيّ أَن مَعْنَاهُ. استغنت يداك، ورد بِأَن الْمَعْرُوف: أترب إِذا اسْتغنى، وترب إِذا افْتقر، وَقيل: مَعْنَاهُ ضعف عقلك، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: معنى الحَدِيث أَن هَذِه الْخِصَال الْأَرْبَع هِيَ الَّتِي ترغب فِي نِكَاح الْمَرْأَة لَا أَنه وَقع الْأَمر بذلك، بل ظَاهره إِبَاحَة النِّكَاح لقصد كل من ذَلِك، لَكِن قصد الدّين أولى. قَالَ: وَلَا يظنّ أَن هَذِه الْأَرْبَع تُؤْخَذ مِنْهَا الْكَفَاءَة؟ أَي: تَنْحَصِر فِيهَا. فَإِن ذَلِك لم يقل بِهِ أحد وَإِن كَانُوا اخْتلفُوا فِي الْكَفَاءَة مَا هِيَ؟ انْتهى. وَقَالَ الْمُهلب: الْأَكفاء فِي الدّين هم المتشاكلون وَإِن كَانَ فِي النّسَب تفاضل بَين النَّاس، وَقد نسخ الله مَا كَانَت تحكم بِهِ الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة من شرف الْأَنْسَاب بشرف الصّلاح فِي الدّين، فَقَالَ: ﴿إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم﴾ (الحجرات: ٣١) وَقَالَ ابْن بطال: اخْتلف الْعلمَاء فِي الْأَكفاء مِنْهُم فَقَالَ مَالك: فِي الدّين دون غَيره والمسلمون أكفاء بَعضهم لبَعض، فَيجوز أَن يتَزَوَّج الْعَرَبِيّ والمولي القرشية، رُوِيَ ذَلِك عَن عمر وَابْن مَسْعُود وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَابْن سِيرِين، وَاسْتَدَلُّوا بقوله تَعَالَى: ﴿إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم﴾ (الحجرات: ٣١) وَبِحَدِيث سَالم وَبِقَوْلِهِ ﷺ : عَلَيْك بِذَات الدّين، وعزم عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن يُزَوّج ابْنَته من سلمَان، ﵁، وَبِقَوْلِهِ ﷺ : (يَا بني بياضة أنكحوا أَبَا هِنْد) فَقَالُوا يَا رَسُول الله!
стр. 5974
أنزوج بناتنا من موالينا؟ فَنزلت: ﴿يَا أَيهَا النَّاس إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ من ذكر وَأُنْثَى﴾ (الحجرات: ٣١) الْآيَة، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ: ﷺ فِيمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: إِذا خطب إِلَيْكُم من ترْضونَ دينه وخلقه فَزَوجُوهُ، قَالَ: وَرَوَاهُ أَبُو اللَّيْث عَن ابْن عجلَان عَن أبي هُرَيْرَة مُرْسلا، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: قُرَيْش كلهم أكفاء بَعضهم لبَعض وَلَا يكون أحد من الْعَرَب كُفؤًا لقرشي، وَلَا أحد من الموَالِي كُفؤًا للْعَرَب، وَلَا يكون كُفؤًا من لَا يجد الْمهْر وَالنَّفقَة. وَفِي التَّلْوِيح: احْتج لَهُ بِمَا رَوَاهُ نَافِع عَن مَوْلَاهُ مَرْفُوعا: قُرَيْش بَعْضهَا لبَعض أكفا. إلَاّ حائك أَو حجام، قَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ: هُوَ حَدِيث مُنكر، وَرَوَاهُ هِشَام الرَّازِيّ فَزَاد فِيهِ، أودباغ. قلت: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْحَاكِم: حَدثنَا الْأَصَم الصَّنْعَانِيّ حَدثنَا شُجَاع بن الْوَلِيد حَدثنَا بعض إِخْوَاننَا عَن ابْن جريج عَن عبد الله بن أبي مليكَة عَن عبد الله بن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : الْعَرَب بَعضهم أكفاء لبَعض قَبيلَة بقبيلة وَرجل بِرَجُل، والموالي بَعضهم أكفاء لبَعض قَبيلَة بقبيلة وَرجل بِرَجُل، إلَاّ حائك أَو حجام. وَقَالَ صَاحب التَّنْقِيح: هَذَا مُنْقَطع إِذْ لم يسم شُجَاع بن الْوَلِيد بعض إخوانه، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَرَوَاهُ أَبُو يعلى الْموصِلِي فِي مُسْنده من حَدِيث بَقِيَّة بن الْوَلِيد عَن زرْعَة بن عبد الله، والزبيدي عَن عمرَان بن أبي الْفضل الْأَيْلِي عَن نَافِع عَن ابْن عمر نَحوه سَوَاء، قَالَ ابْن عبد الْبر. هَذَا حَدِيث مُنكر مَوْضُوع، وَقد رُوِيَ ابْن جريج عَن ابْن أبي مليكَة عَن ابْن عمر مَرْفُوعا مثله، وَلَا يَصح عَن ابْن جريج. وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي كتاب الضُّعَفَاء وَأعله بعمران بن أبي الْفضل وَقَالَ: إِنَّه يروي الموضوعات عَن الْأَثْبَات لَا يحل كتب حَدِيثه، وَقَالُوا فِي اعْتِبَار الْكَفَاءَة أَحَادِيث لَا تقوم بأكثرها الْحجَّة وأمثلها حَدِيث عَليّ بن أبي طَالب. ﵁، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا عبد الله بن وهب عَن سعيد بن عبد الله الْجُهَنِيّ عَن مُحَمَّد بن عمر بن عَليّ عَن أَبِيه عَليّ بن أبي طَالب: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهُ: يَا عَليّ! ثَلَاث لَا تؤخرها: الصَّلَاة إِذا أَتَت، والجنازة إِذا حضرت، والأيم إِذا وجدت كُفؤًا، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: غَرِيب وَمَا أرى إِسْنَاده مُتَّصِلا، وَأخرجه الْحَاكِم كَذَلِك، وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ.
١٩٠٥ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ حَمْزَةَ حدَّثَنا ابنُ أبي حازِمٍ عَنْ أبيهِ عَنْ سَهْلٍ قَالَ: مَرَّ رجُلٌ علَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هاذا؟ قالُوا حَرِيٌّ إنْ خَطَبَ أنْ يُنْكَحَ شَفَعَ أنْ يُشَفَّعَ وإنْ قَالَ أنْ يُسْتَمَعَ، قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ، فمَرَّ رجلٌ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمينَ، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هاذا؟ قالُوا: حَرِيُّ إنْ خَطَبَ أنْ لَا يُنْكَحَ، وإنْ شَفَعَ أنْ لَا يُشَفَّعَ، وإنْ قَالَ أنْ لَا يُسْتَمَعَ، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : هاذا خيْرٌ مِنْ ملْءِ الأرْضِ مِثْلَ هاذا.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (هَذَا خير) إِلَى آخِره، لِأَن فِيهِ تَفْضِيل الْفَقِير على الْغَنِيّ مُطلقًا فِي الدّين فَيكون كُفؤًا لمن يريدها من النِّسَاء مُطلقًا، وَأخرجه إِبْرَاهِيم بن حَمْزَة أبي إِسْحَاق الزبيرِي الْأَسدي الْمَدِينِيّ عَن عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم عَن أَبِيه أبي حَازِم سَلمَة بن دِينَار عَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الرقَاق عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الزّهْد عَن مُحَمَّد بن الصَّباح وَفِي التَّلْوِيح: وَحَدِيث سهل بن سعد ذكره الْحميدِي وَأَبُو مَسْعُود وَابْن الْجَوْزِيّ فِي الْمُتَّفق عَلَيْهِ وأبى ذَلِك الطرقي وَخلف فَذَكَرَاهُ فِي البُخَارِيّ فَقَط. قلت: وَكَذَا ذكره الْمزي فِي الْأَطْرَاف وَاقْتصر على البُخَارِيّ.
قَوْله: (مر رجل) لم بدر اسْمه. قَوْله: (حري) بِفَتْح الْحَاء وَكسر الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء أَي: حقيق وجدير، قَوْله: (أَن ينْكح) على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: لِأَن ينْكح. قَوْله: (أَن يشفع) بِضَم أَوله وَتَشْديد الْفَاء الْمَفْتُوحَة على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: لِأَن تقبل شَفَاعَته. قَوْله: (أَن يستمع) أَي: يستمع، على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا. قَوْله: (وَمر رجل من فُقَرَاء الْمُسلمين) قيل: إِنَّه جعيل بن سراقَة، وَقَالَ أَبُو عمر: جِعَال بن سراقَة، وَيُقَال: جعيل بن سراقَة الضمرِي، وَيُقَال الثَّعْلَبِيّ، وَكَانَ من فُقَرَاء الْمُسلمين وَكَانَ رجلا صَالحا دميما قبيحا أسلم قَدِيما وَشهد مَعَ رَسُول الله ﷺ أحدا. قَوْله: (هَذَا) أَي: هَذَا الْفَقِير من فُقَرَاء الْمُسلمين (خير من ملْء الأَرْض) بِكَسْر الْمِيم وبالهمزة فِي آخِره. قَوْله: (مثل هَذَا) أَي: مثل هَذَا الْغَنِيّ، وَيجوز فِي مثل،
стр. 5975
الْجَرّ وَالنّصب، وَقَالَ الْكرْمَانِي. فَإِن قلت: كَيفَ كَانَ ذَلِك؟ قلت: إِن كَانَ الأول كَافِرًا فوجهه ظَاهر. وإلَاّ فَيكون ذَلِك مَعْلُوما لرَسُول الله ﷺ بِالْوَحْي، وَقَالَ بَعضهم: يعرف المُرَاد من الطَّرِيق الْأُخْرَى الَّتِي ستأتي فِي الرقَاق بِلَفْظ: قَالَ رجل من أَشْرَاف النَّاس: هَذَا وَالله حري إِلَخ قلت: فِي كل من كلاميهما نظر، أما كَلَام الْكرْمَانِي فَقَوله: بِالْوَحْي، لَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ قَالَ: مر رجل على رَسُول الله ﷺ ، وَقد شَاهده وعرفه أَنه مُسلم أَو كَافِر، وَالظَّاهِر أَنه مُسلم كَانَ شريفا بَين قومه وَلَكِن المارّ الثَّانِي إِن كَانَ كَمَا قيل: إِنَّه جعيل بن سراقَة، وَهُوَ من أَصْحَابه من خِيَار عباد الله الصَّالِحين، وَأما قَول بَعضهم: فَأنْزل، من كَلَام الْكرْمَانِي على مَا لَا يخفي على المتأمل.
٦١ - (بابُ الأكْفاءِ فِي المَالِ وتزْويجِ المُقِلِّ المُثْرِيَةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْأَكفاء فِي المَال فَهَذَا بَاب مُخْتَلف فِيهِ عِنْد من يشْتَرط الْكَفَاءَة، وَالْأَشْهر عِنْد الشَّافِعِيَّة أَنه لَا يعْتَبر. وَنقل صَاحب الإفصاح عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ: الْكَفَاءَة فِي الدّين وَالْمَال وَالنّسب، وَجزم بِاعْتِبَارِهِ أَبُو الطّيب والصيمري وَجَمَاعَة واعتبره الْمَاوَرْدِيّ فِي أهل الْأَمْصَار، وَخص الْخلاف بِأَهْل الْبَوَادِي والقرى المتفاخرين بِالنّسَبِ دون المَال. قَوْله: (وتزويج) أَي: وَفِي بَيَان تَزْوِيج (الْمقل) بِضَم الْمِيم وَكسر الْقَاف وَتَشْديد اللَّام وَهُوَ الْفَقِير المفتقر، وَلَفظ تَزْوِيج مصدر مُضَاف إِلَى فَاعله وَقَوله: (المثرية) بِالنّصب مَفْعُوله، وَهُوَ بِضَم الْمِيم وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَكسر الرَّاء وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهِي الْمَرْأَة الَّتِي لَهَا ثراة بِفَتْح أَوله وبالمد، وَهُوَ الْغنى، وحاصلة تَزْوِيج الْفَقِير الغنية.
٢٩٠٥ - حدَّثني يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ: أخبرَني عُرْوَةُ أنّهُ سألَ عائِشَةَ، ﵂، ﴿ (٤) وَإِن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا فِي الْيَتَامَى﴾ (النِّسَاء: ٣) قالَتْ: يَا ابْنَ أخْتي: هاذِهِ اليَتِيمَةُ تكُونُ فِي حَجْرِ ولِيِّها فيَرْغبُ فِي جَمَالِها ومالِها ويُرِيدُ أنْ يَنْتَقِصَ صَدَاقَها، فنُهُوا عَنْ نِكاحِهِنَّ إلَاّ أنْ يُقْسِطُوا فِي إكمالِ الصَّدَاقِ، وأُمِرُوا بنِكاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ. قالَتْ: واسْتَفْتَى النَّاسُ رسُول الله ﷺ ، بَعْدَ ذالِكَ فأنْزَلَ الله: ﴿ (٤) ويستفتونك فِي النِّسَاء﴾ (النِّسَاء: ٧٢١) إِلَى ﴿ (٤) وترغبون أَن تنكحوهن﴾ (النِّسَاء: ٧٢١) فأنْزَلَ الله لهُمْ. أنَّ اليَتِيمَةَ إذَا كانَتْ ذاتَ جَمالٍ ومالٍ رَغِبُوا فِي نِكاحِها ونَسَبِها فِي إكْمال الصَّدَاقِ، وَإِذا كانَتْ مَرْغُوبَةً عنْها فِي قِلَّةِ المَالِ والجَمالِ ترَكُوها وأخذُوا غيْرَها منَ النِّساءِ، قالَتْ: فكَما تَتْرُكُونَها حِينَ يرْغَبُونَ عنْها فلَيْسَ لَهمْ أنْ يَنْكِحُوها إِذا رَغِبُوا فِيها إلَاّ أنْ يُقْسِطُوا لَها ويُعْطُوها حقَها الأوْفَى فِي الصَّدَاقِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الرجل إِذا كَانَ ولي الْيَتِيمَة الغنية وَهُوَ فَقير يجوز لَهُ أَن يَتَزَوَّجهَا إِذا أقسط فِي صَدَاقهَا وَعدل، فصح أَن اكفاءة مُعْتَبرَة فِي المَال. والْحَدِيث قد مر فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
(وَالْحجر) بِكَسْر الْحَاء وَفتحهَا، وَرغب فِيهَا: إِذا مَال إِلَيْهَا، وَرغب عَنْهَا: إِذا أعرض عَنْهَا وَلم يردهَا.
٧١ - (بابُ مَا يُتَّقَى منْ شُؤْمِ المَرْأَةِ وقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿ (٦٤) إِن من أزواجكم وَأَوْلَادكُمْ عدوا لكم﴾ (التغابن: ٤١)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يَتَّقِي، أَي: مَا يحْتَسب من شُؤْم الْمَرْأَة، وَالْوَاو فِيهِ فِي الأَصْل همزَة وَلَكِن هجر الأَصْل حَتَّى لم ينْطق بهَا مَهْمُوزَة، يُقَال: تشاءمت بالشَّيْء وشأمت بِهِ شؤما وَهُوَ ضد الْيمن، وشؤم الْمَرْأَة أت لَا تَلد، وَيُقَال: شُؤْم المرألا عقرهَا وَغَلَاء مهرهَا وَسُوء خلقهَا. قَوْله: (وَقَوله تَعَالَى) إِلَخ ذكره إِشَارَة إِلَى أَن اخْتِصَاص الشؤم بِبَعْض النِّسَاء دون بعض دلّ عَلَيْهِ كلمة: من فِي قَوْله: ﴿إِن من أزواجكم﴾ (التغابن: ٤١) لِأَن من هُنَا، للتَّبْعِيض.
٣٩٠٥ - حدَّثنا إسْماعِيلُ قَالَ: حدّثني مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ حَمْزَةَ وسالِمٍ ابْنَيْ عبْدِ الله بنِ
стр. 5976
عُمَرَ عنْ عَبْدَ الله بنِ عُمَرَ، ﵄، أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ الشُّؤْمُ فِي المَرْأَةِ والدَّارِ والفَرَسِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل بن أبي أويس عبد الله ابْن أُخْت مَالك بن أنس والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْجِهَاد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ فِي: بَاب مَا يذكر من شُؤْم الْفرس عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله: أَن عبد الله بن عمر قَالَ: سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول: إِنَّمَا الشؤم فِي ثَلَاثَة: الْفرس وَالْمَرْأَة وَالدَّار، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وشؤم الدَّار ضيقها وَسُوء جارها، وشؤم الْفرس أَن لَا يُغزى عَلَيْهَا وجماحها وَنَحْوه.
٤٩٠٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مِنْهالٍ حَدثنَا يزِيدُ بنُ زخرَيْعٍ حَدثنَا عُمَرُ بنُ مُحَمَّدٍ العَسْقَلانِيُّ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: ذَكَرُوا الشُّؤْمَ عِنْدَ النبيِّ ﷺ ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : إِنْ كانَ الشُّؤمُ فِي شَيْء ففِي الدَّارِ والمَرْأَةِ والفَرَسِ..
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن مُحَمَّد بن منهال الْبَصْرِيّ عَن يزِيد بن زُرَيْع، بِضَم الزَّاي، عَن عمر بن مُحَمَّد الْعَسْقَلَانِي عَن أَبِيه مُحَمَّد بن زيد عَن عبد الله بن عمر بن الْخطاب.
٥٩٠٥ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخْبَرنا مالِكُ عنْ أبي حازِم عنْ سَهْلِ بنِ سعْدٍ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: إِنْ كانَ فِي شَيْء ففِي الفَرَسِ والمَرْأةِ والمَسْكَنِ.
(انْظُر الحَدِيث ٩٥٨٢) .
أَبُو حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الطِّبّ عَن القعْنبِي. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الطِّبّ عَن القعْنبِي. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي النِّكَاح عَن عبد السَّلَام عَن عَاصِم.
قَوْله: (إِن كَانَ فِي شَيْء) أَي: إِن كَانَ الشؤم فِي شَيْء، وَفِي رِوَايَة مُسلم: إِن كَانَ فَفِي الْمَرْأَة وَالْفرس والمسكن، يَعْنِي: الشؤم، وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث أبي الزبير أَنه سمع جَابر بن عبد الله يخبر عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: إِن كَانَ فِي شَيْء فَفِي الرّبع وَالْخَادِم وَالْفرس، وَرُوِيَ أَحْمد وَالْحَاكِم وَابْن حبَان من حَدِيث سعد مَرْفُوعا: من سَعَادَة ابْن آدم ثَلَاثَة: الْمَرْأَة الصَّالِحَة والمسكن الصَّالح والمركب الصَّالح، وَمن شقاوة ابْن آدم ثَلَاثَة: الْمَرْأَة السوء والمسكن السوء والمركب السوء وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان: الْمركب الهني والمسكن الْوَاسِع، وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم: وَثَلَاث من الشَّقَاء: الْمَرْأَة ترَاهَا وتسوؤك وَتحمل لسانها عَلَيْك، وَالدَّابَّة تكون قطوفا فَإِن ضربتها أتعبتك وَإِن تركتهَا لم تلْحق أَصْحَابك، وَالدَّار تكون ضيقَة قَليلَة الْمرَافِق. وَرُوِيَ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أَسمَاء: أَن من شقاء الْمَرْء فِي الدُّنْيَا: سوء الدَّار وَالْمَرْأَة وَالدَّابَّة، وَفِيه: سوء الدَّار ضيق ساحتها وخبث جِيرَانهَا، وَسُوء الدَّابَّة منعهَا ظهرهَا وَسُوء ضلعها، وَسُوء الْمَرْأَة عقم رَحمهَا وَسُوء خلقهَا.
٦٩٠٥ - حدَّثنا آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمانَ النَّهْدِي عنْ أُسامَةَ بنِ زَيْدٍ، ﵂، عَن النبيِّ ﷺ قَالَ: مَا ترَكْتُ بعْدِي فِتْنَةً أضَرَّ علَى الرِّجالِ مِنَ النِّساءِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الشؤم أَشد مِنْهُنَّ. وَلِهَذَا ذكره بعد حَدِيثي ابْن عَمْرو سهل بن سعد، وفتنتهن أَشد الْفِتَن وَأَعْظَمهَا، وَيشْهد لَهُ قَوْله : ﴿زين للنَّاس حب الشَّهَوَات من النِّسَاء﴾ (آل عمرَان: ٤١) فقدمهن على جَمِيع الشَّهَوَات لِأَن المحنة بِهن أعظم المحن على قدر الْفِتْنَة بِهن، وَقد أخبر الله أَن مِنْهُنَّ لنا أَعدَاء فَقَالَ: ﴿إِن من أزواجكم وَأَوْلَادكُمْ عدوا لكم فاحذروهم﴾ (التغابن: ٤١) ويروي، أَن الله لما خلق الْمَرْأَة فَرح الشَّيْطَان فَرحا شَدِيدا، وَقَالَ: هَذِه حبالتي الَّتِي لَا تكَاد يخطيني من نصبتها لَهُ، وَجَاء فِي الحَدِيث النِّسَاء حبائل الشَّيْطَان، وَرُوِيَ: استعيذوا من شرار النِّسَاء وَكُونُوا من خيارهن على حذر، وَقَالَ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم: أوثق سلَاح إِبْلِيس النِّسَاء.
وَسليمَان التَّيْمِيّ هُوَ سُلَيْمَان بن طرخان أَبُو الْمُعْتَمِر التَّيْمِيّ الْبَصْرِيّ، وَأَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْهَاء. وبالدال الْمُهْملَة.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي آخر الدَّعْوَات عَن سعيد بن مَنْصُور وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى.
стр. 5977
وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْفِتَن عَن بشر بن هِلَال.
قَوْله: (أضرّ) وَذَلِكَ أَن الْمَرْأَة نَاقِصَة الْعقل وَالدّين، وغالبا ترغب زَوجهَا عَن طلب الدّين، وَأي فَسَاد أضرّ من ذَلِك؟ وَرُوِيَ عَنهُ، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، قَالُوا: يَا رَسُول الله! وَمَا فتنتهن؟ قَالَ: إِذا لبس ربط الشَّام وحلل الْعرَاق وَعصب الْيمن وملن كَمَا تميل أسنمة البخت، فَإِذا فعلن ذَلِك كلفن الْغَيْر مَا لَيْسَ عِنْده. وَقد أخرج مُسلم من حَدِيث أبي سعيد فِي إثناء حَدِيث: وَاتَّقوا النِّسَاء فَإِن أول فتْنَة بني إِسْرَائِيل كَانَت من النِّسَاء.
٨١ - (بابُ الحُرَّةِ تَحْتَ العَبْدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَون الْمَرْأَة الْحرَّة تَحت العَبْد، يَعْنِي: تَحت عقده، وَالْمعْنَى: بَاب فِي بَيَان جَوَاز نِكَاح العَبْد الْحرَّة، إِذا رضيت بِهِ.
٧٩٠٥ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرَنا مالِك عنْ رَبِيعَةَ بنِ أبي عبْدِ الرَّحْمانِ عنِ القاسمِ ابنِ مُحَمَّدٍ عنْ عائِشَةَ، ﵂، قالَتْ: كانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلاثُ سُنَنٍ عُتِقَتْ فخُيِّرَتْ، وَقَالَ رسولُ الله ﷺ : الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ، ودَخَلَ رسولُ الله ﷺ ، وبُرْمَةٌ علَى النَّارِ فقُرِّبَ إلَيْهِ خُبْز وأُدْمِ البَيْتِ؟ فَقَالَ: ألَمْ أرَ البُرْمَةَ؟ فَقيلَ: لحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ علَى بَرِيرة وأنْتَ لَا تأكُلُ الصَّدَقَةَ، قَالَ: هُوَ عليْها صدَقَةٌ ولَنا هَدِيَّةٌ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن زوجٍ بَرِيرَة كَانَ عبدا. وَفِي التَّلْوِيح: وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِكَوْن زَوجهَا عبدا وَلَا غَيره، وَقد تجاذبت فِيهِ الرِّوَايَات، فَقَائِل: كَانَ حرا وَقَائِل: كَانَ عبدا، فَلَا يتمحض للْبُخَارِيّ استدلاله وَلم يَأْتِ فِي حَدِيثه بِشَيْء من ذَلِك. وَلَا يُقَال: ترجح عِنْده كَونه عبدا لِأَن أَبَا حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي الْجَانِب الآخر يرجح كَونه حرا عِنْده، وَلَيْسَ قَول أَحدهمَا بِأولى من الآخر إلَاّ بترجيح نقلي من خَارج انْتهى. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره لَا يدْفع وَجه الْمُطَابقَة لِأَنَّهُ وضع هَذِه التَّرْجَمَة وسَاق لَهَا الحَدِيث الْمَذْكُور بِنَاء على ترجح عِنْده، وَأما تَرْجِيح أحد الْقَوْلَيْنِ على الآخر بِالنَّقْلِ من خَارج فَلَا دخل لَهُ هَهُنَا فِي وَجه الْمُطَابقَة. فَافْهَم.
وَرَبِيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن الْمَشْهُور بربيعة الرَّأْي، وَاسم أبي عبد الرَّحْمَن فروخ مَاتَ سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، وَالقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّلَاق عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله وَفِي الْأَطْعِمَة عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة وَفِي الْعتْق عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّلَاق عَن مُحَمَّد بن سَلمَة.
قَوْله: (فِي بَرِيرَة) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الرَّاء الأولى. اسْم جَارِيَة اشترتها عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فأعتقتها وَكَانَت مولاة لبَعض بني هِلَال فكاتبوهم باعوها لعَائِشَة. قَوْله: (ثَلَاث سِنِين) أَي: ثَلَاث طرق أحكاما شَرْعِيَّة، بَعْضهَا مر فِي كتاب الْكِتَابَة. قَوْله: (عتقت) على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: أعتقتها عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (فخيرت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، أَيْضا أَي: خَيرهَا رَسُول الله ﷺ ، هَذَا أول السّنَن الثَّلَاث وَهُوَ أَن الْأمة الَّتِي تَحت العَبْد إِذا أعتقت لَهَا الْخِيَار فِي فسخ نِكَاحهَا، وَرُوِيَ ابْن سعد فِي الطَّبَقَات: أخبرنَا عبد الْوَهَّاب بن عَطاء عَن دَاوُد بن أبي هِنْد عَن عَامر الشّعبِيّ: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لبريرة لما أعتقت: قد عتق بضعك مَعَك فاختاري، وَهَذَا مُرْسل.
وَاخْتلفُوا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، فَقَالَ الشّعبِيّ والنخي وَالثَّوْري وَمُحَمّد بن سِيرِين وطاووس وَمُجاهد وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان وَالْحسن بن مُسلم وَأَبُو قلَابَة وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ وَالْحسن بن صَالح وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَأَبُو ثَوْر: الْأمة إِذا أعتقت لَهَا الْخِيَار فِي نَفسهَا سَوَاء كَانَ زَوجهَا حرا أَو عبدا، وَهُوَ مَذْهَب أهل الظَّاهِر أَيْضا. وَقَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَابْن أبي ليلى وَالْأَوْزَاعِيّ وَالزهْرِيّ وَاللَّيْث بن سعد وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق إِن كَانَ زَوجهَا عبدا فلهَا الْخِيَار، وَإِن كَانَ حرا فَلَا خِيَار لَهَا.
وَاخْتلفُوا فِي زوج بَرِيرَة: هَل كَانَ حرا أَو عبدا فَروِيَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، من
стр. 5978
حَدِيث الْأسود عَن عَائِشَة أَنه كَانَ حرا، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ، وَرُوِيَ الطَّحَاوِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة: أَنه كَانَ عبدا، وَرُوِيَ مُسلم أَيْضا من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن عَائِشَة: أَنه كَانَ عبدا، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَرُوِيَ البُخَارِيّ فِي الطَّلَاق من حَدِيث عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: إِن زوج بَرِيرَة كَانَ عبدا يُقَال لَهُ: مغيث، كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ يطوف خلفهَا يبكي ودموعه تسيل على لحيته والْحَدِيث، وَهَذِه أَحَادِيث متعارضة قد أَكثر النَّاس فِي معانيهاوتخريج وجوهها، فلمحمد بن جرير الطَّبَرِيّ: فِي ذَلِك كتاب، ولمحمد بن خُزَيْمَة كتاب، ولجماعة فِي ذَلِك أَبْوَاب أَكْثَرهَا تكلّف واستخراجات مُحْتَملَة وتأويلات مُمكنَة لَا يقطع بِصِحَّتِهَا، وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن يحمل على وَجه لَا يكون فِيهِ تضَاد، وَالْحريَّة تعقب الرّقّ وَلَا ينعكس، فَثَبت أَنه كَانَ حرا عِنْدَمَا خيرت بَرِيرَة، وعبدا قبله، وَمن أخبر بعبوديته لم يعلم بحريَّته قبل ذَلِك، وَلم يخيرها النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ كَانَ عبدا وَلَا لِأَنَّهُ كَانَ حرا، وَإِنَّمَا خَيرهَا لِأَنَّهَا أعتقت، فَوَجَبَ تَخْيِير كل مُعتقة. وَرُوِيَ فِي بعض الْآثَار أَنه ﷺ قَالَ لَهَا: ملكت نَفسك فاختاري، كَذَا فِي التَّمْهِيد فَكل من ملكت نَفسهَا تخْتَار سَوَاء كَانَ زَوجهَا حرا أَو عبدا.
قَوْله: (وَقَالَ رَسُول الله ﷺ الْوَلَاء لمن أعتق) هَذَا ثَانِي السّنَن الثَّلَاث، وَقد مر فِي كتاب الْعتْق. قَوْله: (وَدخل رَسُول الله ﷺ إِلَى آخِره، ثَالِث السّنَن الثَّلَاث وَذكر الثَّلَاث لَا يَنْفِي الزَّائِد. قَوْله: (وبرمة على النَّار) ، وبرمة مُبْتَدأ وَهِي نكرَة، وَلَكِن اعتمادها على وَاو الْحَال جوز ذَلِك، وَأَشَارَ إِلَيْهِ ابْن مَالك، والبرمة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: الْقدر المتخذة من الْحجر الْمَعْرُوف بالحجاز واليمن، وَالْفرق بَين الصَّدَقَة والهدية أَن الصَّدَقَة إِعْطَاء لثواب الآخر، والهدية إِعْطَاء لإكرام الْمَنْقُول إِلَيْهِ، وَالصَّدَََقَة تكون ملكا للقابض فلهَا حكم سَائِر المملوكات، وَبَطل عَنْهَا حكم الصَّدَقَة.
٩١ - (بابٌ لَا يتَزَوَّجُ أكْثَرَ مِنْ أرْبعٍ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَنه لَا يتَزَوَّج الرجل أَكثر من أَربع نسْوَة، وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ بِالْإِجْمَاع، وَلَا يتلفت إِلَى قَول الروافض بِأَنَّهُ يتَزَوَّج إِلَى تسع نسْوَة.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ (٤) مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾ (النِّسَاء: ٣) . وَقَالَ عليُّ بنُ الحُسَيْنِ، ﵉. يعْنِي مثْنى أوْ ثُلَاثَ أوْ رُباعَ، وقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿ (٣٥) أولي أَجْنِحَة مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾ (فاطر: ١) يَعْنِي: مَثْنى أوْ ثُلَاث أوْ رُباعَ
أَي: لأجل قَوْله تَعَالَى، ذكره فِي معرض الِاسْتِدْلَال على أَن الْأَكْثَر من الْأَرْبَع لَا يجوز بَيَانه أم المُرَاد بِهِ التَّخْيِير بَين الْأَعْدَاد الثَّلَاثَة لَا الْجمع، لِأَنَّهُ لَو أَرَادَ الْجمع بَين تسع لم يعدل عَن لفظ الِاخْتِصَار، ولقال: فانحكوا تسعا، وَالْعرب لَا تدع أَن تَقول: تِسْعَة، وَتقول: اثْنَان وَثَلَاثَة وَأَرْبَعَة، فَلَمَّا قَالَ: مثنى وَثَلَاث وَربَاع، صَار التَّقْدِير مثنى مثنى وَثَلَاث وَثَلَاث وَربَاع وَربَاع، فَيُفِيد التَّخْيِير، وَقد علم أَن مثنى معدول عَن اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وَثَلَاث عَن ثَلَاثَة ثَلَاثَة، وَربَاع عَن أَرْبَعَة أَرْبَعَة. قَوْله: (وَقَالَ عَليّ بن الْحُسَيْن) ، وَهُوَ عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن الْوَاو هُنَا بِمَعْنى: أَو الَّتِي هِيَ للتنويع، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى فِي ذكر صفة أَجْنِحَة الْمَلَائِكَة: ﴿مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾ (فاطر: ١) أَرَادَ: مثنى أَو ثَلَاث أَو رباع، واستدلاله بقول عَليّ بن الْحُسَيْن زين العابدين، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من أحسن الْأَدِلَّة فِي الرَّد على الروافض لكَونه من أئمتهم الَّذين يرجعُونَ إِلَى قَوْلهم وَيدعونَ أَنهم معصومون، فَإِن قَالُوا: النَّبِي ﷺ مَاتَ عَن تسع، وَلنَا بِهِ أُسْوَة، قُلْنَا: إِن ذَاك من خَصَائِصه، كَمَا خص أَن ينْكح بِغَيْر صدَاق، وَأَن أَزوَاجه لَا ينكحن بعده، وَغَيره ذَلِك من خَصَائِصه، وَمَوته عَن تسع كَانَ اتِّفَاقًا، وَصَحَّ أَن غيلَان بن سَلمَة أسلم وَتَحْته عشر نسْوَة، فَقَالَ لَهُ ﷺ (إختر مِنْهُنَّ أَرْبعا وَفَارق سائرهن) .
٨٩٠٥ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ أخبرنَا عَبْدَةُ عنْ هِشامٍ عنْ أَبِيه عنْ عائِشَة: ﴿ (٤) وَإِن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا فِي الْيَتَامَى﴾ (النِّسَاء: ٣) قالَت اليتيمَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُل وهْوَ وليُّها فَيَتَزَوَّجُها علَى مَا لَهَا ويُسِيءُ صُحْبَتَها وَلَا يَعْدِلُ فِي
стр. 5979
مالِها، فَلْيَتَزَوَّجْ مَا طَابَ لَهُ مِنَ النِّساءِ سِوَاها مَثْنَى وثلَاثَ ورُباعَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام البُخَارِيّ البيكندي، وَعَبدَة، بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: هُوَ ابْن سُلَيْمَان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة، وَقد مضى هَذَا الحَدِيث فِي تَفْسِير قَوْله : ﴿وَإِن خِفْتُمْ أَلا تقسطوا فِي الْيَتَامَى﴾ (النِّسَاء: ٣) قَوْله: (أَن لَا تقسطوا) . أَي: أَن لَا تعدلوا. قَوْله: (قَالَت) ، أَي: عَائِشَة فِي تَفْسِير قَوْله: ﴿وَإِن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا﴾ ويروي: قَالَ، بالتذكير، فَإِن صحت فوجهها أَن يُقَال: قَالَ عُرْوَة رَاوِيا عَن عَائِشَة. قَوْله: (ويسيء) ، بِضَم الْيَاء من الْإِسَاءَة. قَوْله: (فليتزوج) ، جَوَاب الشَّرْط.
٠٢ - (بابٌ ﴿ (٤) وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم﴾ (النِّسَاء: ٣٢)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ حكم الرَّضَاع لقَوْله تَعَالَى: ﴿وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم﴾ (النِّسَاء: ٣٢) وَهُوَ عطف على قَوْله: ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ (النِّسَاء: ٣٢) أَي: وَحرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم اللَّاتِي أرضعنكم.
ويَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِن النَّسَبِ
هَذَا قِطْعَة من حَدِيث عَائِشَة أخرجه الْجَمَاعَة عَنْهَا إلَاّ ابْن مَاجَه، وَاللَّفْظ لمُسلم: أَن عَمها من الرَّضَاع يُسمى أَفْلح، اسْتَأْذن عَلَيْهَا فَحَجَبَتْهُ، فَأخْبرت رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَهَا: (لَا تَحْتَجِبِي مِنْهُ فَإِنَّهُ يحرم من الرضَاعَة مَا يحرم من النّسَب) ، وَفِي لفظ البَاقِينَ: (مَا يحرم من الْولادَة) ، وَفِي لفظ: (مَا تحرم الْولادَة) ، وَإِنَّمَا ذكره البُخَارِيّ لبَيَان بعض مَا يحرم بالرضاعة) .
٩٩٠٥ - حدَّثنا إسْماعِيلُ قَالَ: حدّثني مالِكٌ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي بكْرٍ عنْ عُمْرَةَ بِنْتِ عبْدِ الرحْمانِ أنَّ عائِشَةَ زوْجَ النبيِّ ﷺ ، أخْبَرَتْها: أنَّ رسولَ الله ﷺ ، كانَ عِنْدَها وأنَّها سَمِعَتْ صَوْتَ رجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتٍ حَفْصَةَ، قالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رسولَ الله هاذَا رجُلٌ يَسْتأْذِنُ فِي بَيْتِكَ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ أُرَاهُ فُلَانا، لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضاعَةِ، قالَتْ عائِشةُ: لوْ كانَ فُلَانٌ حَيّا لِعَمِّها مِنَ الرَّضاعَةِ دَخَلَ علَيَّ؟ فَقَالَ: نَعَمْ الرَّضاعَةُ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الوِلادَةُ..
مطابقته للشق الثَّانِي من التَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَعبد الله بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الشَّهَادَات فِي: بَاب الشَّهَادَة على الْأَنْسَاب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (أخْبرتهَا) أَي: أخْبرت عَائِشَة عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن. قَوْله: (صَوت رجل) لم يدر اسْمه. قَوْله: (أرَاهُ) بِضَم الْهمزَة أَي: أَظُنهُ. قَوْله: (لعم حَفْصَة) قَالَ بَعضهم: اللَّام بِمَعْنى: عَن، أَي: قَالَ ذَلِك عَن عَم حَفْصَة. قلت: اللَّام بِمَعْنى عَن ذكره ابْن الْحَاجِب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا للَّذين آمنُوا﴾ (مَرْيَم: ٣٧، وَالْعَنْكَبُوت: ٢١، وَيس: ٧٤، والأحقاف: ١١) وَقَالَ ابْن مَالك وَغَيره: هِيَ لَام التَّعْلِيل، وَهنا أَيْضا كَذَلِك، أَي: قَالَ النَّبِي ﷺ : لأجل عَم حَفْصَة، وَلم يدر اسْمه. قَوْله: (لَو كَانَ فلَان) لم يدر اسْمه، وَقيل: هُوَ أَفْلح أَخُو أبي القعيس، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ وهم، لِأَن أَبَا القعيس وَالِد عَائِشَة من الرضَاعَة، وَأما أَفْلح فَهُوَ أَخُوهُ وَهُوَ عَمها من الرضَاعَة، وَأما قَوْلهَا: لَو كَانَ حَيا، يدل على أَنه مَاتَ. انْتهى. قلت: يحْتَمل أَن يكون أَخا آخر لَهَا، وَيحْتَمل أَنَّهَا ظنت أَنه مَاتَ لبعد عهدها بِهِ ثمَّ قدم بعد ذَلِك فَاسْتَأْذن. قَوْله: (الرضَاعَة تحرم مَا تحرم الْولادَة) وَهَذَا إِجْمَاع لَا خلاف فِيهِ بَين الْأَئِمَّة، فَإِذا حرمت الْأُم فَكَذَا زَوجهَا لِأَنَّهُ وَالِده لِأَن اللَّبن مِنْهُمَا جَمِيعًا، وانتشرت الْحُرْمَة إِلَى أَوْلَاده: فأخو صَاحب اللَّبن عَم، وأخوها خَاله من الرَّضَاع فَيحرم من الرَّضَاع: العمات والخالات والأعمام وَالْأَخَوَات وبناتهن كالنسب.
٠٠١٥ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا يَحْيَى عنْ شُعْبَةَ عنْ قَتادَةَ عنْ جابِرِ بنِ زَيْدٍ ابنِ عبَّاسٍ قَالَ: قِيلَ لِلنبيِّ ﷺ : أَلا تَزَوَّجُ ابْنَةَ حَمْزَةَ؟ قَالَ: إنَّها ابْنَةُ أخي مِنَ الرِّضاعَةِ.
(انْظُر الحَدِيث ٥٤٦٢) .
مطابقته للشق الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَجَابِر بن زيد هُوَ أَبُو الشعْثَاء الْبَصْرِيّ مَشْهُور بكنيته، وَأما
стр. 5980
جَابر بن يزيدبالياء آخر الْحُرُوف فِي أول اسْم أَبِيه فَهُوَ الْكُوفِي، وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيح شَيْء.
والْحَدِيث مر فِي كتاب الشَّهَادَات فِي: بَاب الشَّهَادَة على الْأَنْسَاب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (قيل للنَّبِي ﷺ الْقَائِل لَهُ هُوَ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَذَا قَالَه بَعضهم، ثمَّ قَالَ: كَمَا أخرجه مُسلم من حَدِيثه، قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله ﴿مَالك تتوق فِي قُرَيْش وَتَدعنَا؟ قَالَ: وعندكم شَيْء؟ قلت: نعم ابْنة حَمْزَة الحَدِيث. قلت: أخرج مُسلم هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة أبي عبد الرَّحْمَن عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأخرج أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ، وَأخرج أَيْضا من حَدِيث أم سَلمَة زوج النَّبِي ﷺ تَقول: قيل لرَسُول الله ﷺ أَيْن أَنْت يَا رَسُول الله عَن ابْنة حَمْزَة؟ الحَدِيث، فَمن أَيْن تعين فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن الْقَائِل فِيهِ هُوَ عَليّ حَتَّى جزم هَذَا الْقَائِل: إِن الْقَائِل للنَّبِي ﷺ هُوَ عَليّ بن أبي طَالب؟ فَلم لَا يجوز أَن تكون أم سَلمَة أَو غَيرهَا؟ قَوْله: (أَلا تزوج) بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْوَاو وَضم الْجِيم، أَصله: تتَزَوَّج، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَرُوِيَ أَيْضا بِلَا حذف التَّاء. قَوْله: (إِنَّهَا) أَي: إِن بنت حَمْزَة بنت أخي من الرضَاعَة، لِأَن ثويبة أرضعت رَسُول الله ﷺ بَعْدَمَا كَانَت أرضعت حَمْزَة، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: كَانَ حَمْزَة أسن من رَسُول الله ﷺ بِسنتَيْنِ، وَقيل: بِأَرْبَع، وثوبية بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة مصغر ثوبة وَكَانَت مولاة لأبي لَهب بن عبد الْمطلب عَم النَّبِي ﷺ فَأعْتقهَا، وَاخْتلف فِي إسْلَامهَا، وَذكرهَا ابْن مندة فِي الصَّحَابَة، وَقَالَ أَبُو نعيم: وَلَا أعلم أحدا أثبت إسْلَامهَا غير ابْن مندة وَكَانَ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، يكرمها، وَكَانَت تدخل عَلَيْهِ بعدأن تزوج خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، ويصلها من الْمَدِينَة حَتَّى مَاتَت بعد فتح خَيْبَر وَكَانَت خَدِيجَة تكرمها. قَوْله: (تتوق) فِي رِوَايَة مُسلم ضبط بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: تتوق بتاءين أولاهما مَفْتُوحَة وَالْأُخْرَى مَضْمُومَة من التوق وَهُوَ الْميل مَعَ الاشتهاء. وَالثَّانِي: تنوق، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح النُّون وَتَشْديد الْوَاو، وَمَعْنَاهُ: تخْتَار من النيقة، بِكَسْر النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَهِي الْخِيَار من الشَّيْء، فَإِن قلت: كَيفَ قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، للنَّبِي ﷺ : أَلا تزوج ابْنة حَمْزَة وَهُوَ يعلم حكم الرَّضَاع؟ قلت. قيل: لم يعلم بذلك. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: هَذَا بعيد أَن يُقَال فِي حق عَليّ، لم يعلم بذلك، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال: إِنَّه لم يعلم بِأَن حَمْزَة رَضِيع النَّبِي ﷺ ، أَو جوز الخصوصية، أَو كَانَ ذَلِك قبل تَقْرِير الحكم.
وَقَالَ بِشْرُ بنُ عُمَرَ: حَدثنَا شُعْبَةُ سَمِعْتُ قَتادَةَ سَمِعْتُ جابِرَ بنَ زَيْدٍ مِثْلَهُ
بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن عمر الزهْرَانِي، وَهَذَا تَعْلِيق رَوَاهُ مُسلم عَن مُحَمَّد بن يحيى الْقطعِي عَنهُ، وَفَائِدَته عِنْد البُخَارِيّ لبَيَان سَماع قَتَادَة من جَابر بن زيد لِأَنَّهُ مُدَلّس.
١٠١٥ - حدَّثنا الحَكَمُ بنُ نافِعٍ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أخبرَني عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ أبي سلَمةَ أخبَرَتْهُ أنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أبي سُفْيان أخبَرَتْها أَنَّهَا قالَتْ: يَا رسولُ الله﴾ انْكِحْ أُخْتِي بِنْتَ أبي سُفْيانَ. فَقَالَ: أوَ تُحِبِّينَ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ وأحَبُّ منْ شاركَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي فَقَالَ النبيُّ ﷺ : إنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لي. قُلْتُ: فإِنَّا نُحَدَّثُ أنكَ تُرِيدُ أنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أبي سلَمَةَ؟ قَالَ: بِنْتَ أُمِّ سلَمة؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: لوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي، إنَّها لابْنَةُ أخِي مِنَ الرَّضاعَةِ، أرْضَعَتْنِي وَأَبا سلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضَن عَلَيَّ بنَاتِكنَّ وَلَا أخَوَاتِكُنَّ.
قَالَ عُرْوَةُ: وثُوَيْبَةُ مَوْلاةٌ لأبي لَهبٍ، كانَ أبُو لَهبٍ أعْتَقَها فأرْضَعَتِ النبيُّ ﷺ ، فلَمَّا ماتَ أبُو لَهبٍ أُرَيَةُ بَعْضُ أهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ، قَالَ لهُ: ماذَا لَقِيتَ؟ قَالَ أبُو لَهبٍ: لَمْ ألْقِ بَعْدكُمْ، غَيْرَ أنِّي سُقِيتُ فِي هاذِهِ بِعتَاقَتي ثُوَيْبَةَ.
стр. 5981
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الشق الثَّانِي وَزَيْنَب بنت أبي سَلمَة بن عبد الْأسد المَخْزُومِي ربيبة رَسُول الله ﷺ وَأمّهَا أم سَلمَة زوج النَّبِي ﷺ ، وَكَانَ اسْم زَيْنَب برة فسماها النَّبِي ﷺ زَيْنَب، ولدتها أمهَا بِأَرْض الْحَبَشَة وقدمت بهَا وحفظت عَن النَّبِي ﷺ ، وَكَانَت زَيْنَب عِنْد عبد الله بن زَمعَة بن الْأسود، فَولدت لَهُ، وَأَبُو سَلمَة اسْمه عبد الله بن عبد الْأسد وَأمة برة بنت عبد الْمطلب، وَهَاجَر الهجرتين وَشهد بَدْرًا وَخرج يَوْم أحد فَمَاتَ مِنْهُ. وَذَلِكَ لثلاث مضين لجمادى الْآخِرَة سنة ثَلَاث من الْهِجْرَة، وَأم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان زوج النَّبِي ﷺ وَاسْمهَا مِلَّة بِلَا خلاف.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النَّفَقَات عَن يحيى بن بكير وَفِي النِّكَاح أَيْضا عَن عبد الله بن يُوسُف عَن اللَّيْث بِهِ، وَعَن الْحميدِي عَن سُفْيَان وَعَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن أبي كريب وَغَيره وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَغَيره وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن رمح وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
قَوْله: (أنكح أُخْتِي) : أَي: تزوج، وَفِي رِوَايَة مُسلم وَالنَّسَائِيّ: (أنكح أُخْتِي عزة بنت أبي سُفْيَان) ، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ قَالَت: يَا رَسُول الله هَل لَك فِي أُخْتِي حمْنَة بنت أبي سُفْيَان، وَعند أبي مُوسَى فِي الذيل مَدَرَة بنت أبي سُفْيَان بِضَم الدَّال الْمُهْملَة، وَحكى عِيَاض عَن بعض رُوَاة مُسلم أَنه ضَبطهَا بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة، وَقَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ تَصْحِيف. قَوْله: (أَو تحبين ذَلِك؟) هَذَا اسْتِفْهَام تعجب مَعَ مَا طبع عَلَيْهِ النِّسَاء من الْغيرَة. قَوْله: (بمخيلة) ، بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر اللَّام اسْم فَاعل من الإخلاء مُتَعَدِّيا ولازما من أخليت بِمَعْنى خلوت من الضرة، وَالْمعْنَى: لست بمنفردة عَنْك وَلَا خَالِيَة من ضرَّة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: مَعْنَاهُ لم أجد خَالِيا من الزَّوْجَات، وَلَيْسَ هُوَ من قَوْلهم: امْرَأَة مخلية، أَي: خَالِيَة من الْأزْوَاج، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَات بِلَفْظ الْمَفْعُول. قَوْله: (وَأحب) مُبْتَدأ مُضَاف إِلَى: من. قَوْله: (أُخْتِي) ، خَبره. قَوْله: (فِي خبر) كَذَا بِالتَّنْوِينِ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين أَي: أَي خبر كَانَ؟ وَفِي رِوَايَة هِشَام: وَأحب من شركني فِيك أُخْتِي، وَعرف أَن المُرَاد بالخيرذاته، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (إِن ذَلِك لَا يحل لي) . لِأَنَّهُ جمع بَين الْأُخْتَيْنِ، وَهَذَا كَانَ قبل علم أم حَبِيبَة بِالْحُرْمَةِ، أَو ظنت أَن جَوَازه من خَصَائِص النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، لِأَن أَكثر حكم نِكَاحه يُخَالف أَحْكَام أنكحة الْأمة. قَوْله: (فَإنَّا نُحدث) ، بِضَم النُّون وَفتح الْحَاء وَالدَّال الْمُشَدّدَة على صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي رِوَايَة هِشَام: وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (فوَاللَّه لقد أخْبرت) . قَوْله: (إِنَّك تُرِيدُ أَن تنْكح) ، وَفِي رِوَايَة هِشَام: بَلغنِي أَنَّك تخْطب. قَوْله: (فَقَالَ: إِنَّهَا) أَي: بنت أبي سَلمَة. قَوْله: (فِي حجري) ، خرج مخرج الْغَالِب، وإلَاّ فالربيبة حرَام مُطلقًا سَوَاء كَانَت فِي حجر زوج أمهَا أم لَا. قَوْله: (لابنَة أخي) اللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة للتَّأْكِيد، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن حرمتهَا عَلَيْهِ بسببين وهما: كَونهَا ربيبته ﷺ ، وَكَونهَا بنت أَخِيه من الرَّضَاع. وَالْحكم يثبت بعلل شَتَّى. قَوْله: (وَأَبا سَلمَة) ، أَي: وأرضعت أَبَا سَلمَة، وَقدم الْمَفْعُول على الْفَاعِل، وَالْفَاعِل هُوَ ثويبة، وَقد مر الْكَلَام فِيهَا عَن قريب. قَوْله: (فَلَا تعرضن) ، بِفَتْح التَّاء وَسُكُون الْعين وَكسر الرَّاء وبالنون الْخَفِيفَة: خطاب لجَماعَة النِّسَاء، ويروي (وَلَا تعرضن) ، بالنُّون الْمُشَدّدَة، خطاب لأم حَبِيبَة. قَوْله: (عَليّ) ، بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (قَالَ عُرْوَة) هُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (أريه) ، بِضَم الْهمزَة وَكسر الرَّاء على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: رأى أَبَا لَهب بعض أَهله فِي الْمَنَام. قَوْله: (بشر حيبة) ، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: على أسوء حَالَة، يُقَال: بَات الرجل بحيبة سوء أَي: بِحَالَة رَدِيئَة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الحيبة والحوبة الْهم والحزن، وَوَقع فِي شرح السّنة لِلْبَغوِيِّ. بِفَتْح الْحَاء، ووقه عِنْد الْمُسْتَمْلِي بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة، أَي: فِي حَالَة خائبة من كل خير، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: هُوَ تَصْحِيف. قلت: هَذَا أقرب من جِهَة الْمَعْنى وَلِهَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيّ: يروي بِالْمُعْجَمَةِ، وَحكى فِي الْمَشَارِق بِالْجِيم فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَلَا أَظُنهُ إلَاّ تصحيفا. قَوْله: (مَاذَا لقِيت) أَي: قَالَ الرَّائِي لأبي لَهب: مَاذَا لقِيت بعد موتك؟ قَوْله: (لم ألق بعدكم) كَذَا فِي الْأُصُول بِحَذْف الْمَفْعُول، وَعند عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ: لم ألق بعدكم رَاحَة، وَقَالَ ابْن بطال: سقط الْمَفْعُول من رِوَايَة البُخَارِيّ، وَلَا يَسْتَقِيم الْكَلَام إلَاّ بِهِ. قَوْله: (سقيت) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فِي هَذِه) كلمة: هَذِه إِشَارَة. وَلم يبين الْمشَار إِلَيْهِ وَبَينه عبد الرَّزَّاق فِي رِوَايَته بِالْإِشَارَةِ إِلَى النقرة الَّتِي بَين الْإِبْهَام والمسبحة، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: وَأَشَارَ إِلَى النقرة الَّتِي بَين الْإِبْهَام وَالَّتِي تَلِيهَا من الْأَصَابِع، وَحَاصِل الْمَعْنى إِشَارَة إِلَى حقارة مَا سقى من المَاء، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: سقِِي نقطة من مَاء فِي جَهَنَّم بِسَبَب ذَلِك، قَالَ: وَذَلِكَ أَنه جَاءَ فِي الصَّحِيح أَنه رثي فِي
стр. 5982
النّوم فَقيل لَهُ: مَا فعل رَبك هُنَاكَ؟ فَقَالَ: سقيت مثل هَذِه، وَأَشَارَ إِلَى ظفر إبهامه. قَوْله: (بعتاقتي) أَي: بِسَبَب عتاقتي ثوبية، وعتاقة بِفَتْح الْعين، وَفِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق: بعتقي، وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ أوجه، وَالْوَجْه أَن يَقُول: بإعتاقي لِأَن المُرَاد التَّخَلُّص من الرّقّ. قلت: هَذَا الْقَائِل أَخذ مَا قَالَه من كَلَام الْكرْمَانِي، فَإِنَّهُ قَالَ: فَإِن قلت: مَعْنَاهُ التَّخَلُّص من الرّقية، فَالصَّحِيح أَن يُقَال: بإعتاقي. قلت: كل من النَّاقِل وَالْمَنْقُول مِنْهُ لم يحرر كَلَامه، فَإِن الْعتْق والعتاقة وَالْعتاق كلهَا مصَادر من عتق العَبْد، وَقَول النَّاقِل: وَهُوَ أوجه، غير موجه، لِأَن الْعتْق والعتاقة وَاحِد فِي الْمَعْنى، فَكيف يَقُول الْعتْق أوجه؟ ثمَّ قَوْله: وَالْأَوْجه أَن يَقُول: بإعتاقي لِأَن المُرَاد التَّخَلُّص من الرّقّ، كَلَام من لَيْسَ لَهُ وقُوف على كَلَام الْقَوْم، فَإِن صَاحب الْمغرب قَالَ: الْعتْق الْخُرُوج من المملوكية وَهُوَ التَّخَلُّص من الرّقية، وَقد يقوم الْعتْق مقَام الْإِعْتَاق الَّذِي هُوَ مصدر أعْتقهُ مَوْلَاهُ. وَفِي التَّوْضِيح: وَفِيه أَي: وَفِي هَذَا الحَدِيث من الْفِقْه أَن الْكَافِر قد يعْطى عوضا من أَعماله الَّتِي يكون مِنْهَا قربَة لأهل الْإِيمَان بِاللَّه، كَمَا فِي حق أبي طَالب. غير أَن التَّخْفِيف عَن أبي لَهب أقل من التَّخْفِيف عَن أبي طَالب، وَذَلِكَ لنصرة أبي طَالب لرَسُول الله ﷺ وحياطته لَهُ وعداوة أبي لَهب لَهُ. وَقَالَ ابْن بطال: وَصَحَّ قَول من تَأَول فِي معنى الحَدِيث الَّذِي جَاءَ عَن الله تَعَالَى: إِن رَحمته سبقت غَضَبه، إِن رَحمته لاتنقطع عَن أهل النَّار المخلدين فِيهَا، إِذْ فِي قدرته أَن يخلق لَهُم عذَابا يكون عَذَاب النَّار لأَهْلهَا رَحْمَة وتخفيفا بِالْإِضَافَة إِلَى ذَلِك الْعَذَاب وَمذهب الْمُحَقِّقين أَن الْكَافِر لَا يُخَفف عَنهُ الْعَذَاب بِسَبَب حَسَنَاته فِي الدُّنْيَا، بل يُوسع عَلَيْهِ بهَا فِي دُنْيَاهُ. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: انْعَقَد الْإِجْمَاع على أَن الْكفَّار لَا تنفعهم أَعْمَالهم وَلَا يثابون عَلَيْهَا بنعيم وَلَا تَخْفيف عَذَاب، وَلَكِن بَعضهم أَشد عذَابا بِحَسب جرائمهم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَا ينفع الْكَافِر الْعَمَل الصَّالح. إِذْ الرُّؤْيَا لَيست بِدَلِيل، وَعلي تَقْدِير التَّسْلِيم يحْتَمل أَن يكون الْعَمَل الصَّالح وَالْخَيْر الَّذِي يتَعَلَّق لرَسُول الله ﷺ مَخْصُوصًا، كَمَا أَن أَبَا طَالب أَيْضا ينْتَفع بتَخْفِيف الْعَذَاب. وَذكر السُّهيْلي أَن الْعَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: لما مَاتَ أَبُو لَهب رَأَيْته فِي مَنَامِي بعد حول فِي شَرّ حَال، فَقَالَ: مَا لقِيت بعدكم رَاحَة إلَاّ أَن الْعَذَاب يُخَفف عني كل يَوْم اثْنَيْنِ. قَالَ: وَذَلِكَ أَن النَّبِي ﷺ ولد يَوْم الِاثْنَيْنِ وَكَانَت ثويبة بشرت أَبَا لَهب بمولده فَأعْتقهَا. وَيُقَال: إِن قَول عُرْوَة لما مَاتَ أَبُو لَهب: أريه بعض أَهله إِلَى آخِره خبر مُرْسل أرْسلهُ عُرْوَة وَلم يذكر من حَدثهُ بِهِ، وعَلى تَقْدِير أَن يكون مَوْصُولا فَالَّذِي فِي الْخَبَر رُؤْيا مَنَام فَلَا حجَّة فِيهِ، وَلَعَلَّ الَّذِي رَآهَا لم يكن إِذْ ذَاك أسلم بعد، فَلَا يحْتَج بِهِ. وَأجِيب ثَانِيًا: على تَقْدِير الْقبُول، يحْتَمل أَن يكون مَا يتَعَلَّق بِالنَّبِيِّ ﷺ مَخْصُوصًا من ذَلِك بِدَلِيل قصَّة أبي طَالب حَيْثُ خفف عَنهُ. فَنقل من الغمرات إِلَى الضحضاح، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: هَذَا التَّخْفِيف خَاص بِهَذَا وبمن ورد النَّص فِيهِ، وَالله أعلم. وَمن جملَة مَا يشْتَمل هَذَا على حُرْمَة الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ بِلَا خلاف، وَاخْتلف فِي الْأُخْتَيْنِ بِملك الْيَمين، وكافة الْعلمَاء على التَّحْرِيم أَيْضا خلافًا لأهل الظَّاهِر، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَن عُثْمَان: حرمتهما آيَة وأحلتهما آيَة، وَالْآيَة الْمحلة لَهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأحل لكم ماوراء ذَلِكُم﴾ (النِّسَاء: ٤٢) وَحَكَاهُ الطَّحَاوِيّ وَعَن عَليّ وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقد رُوِيَ الْمَنْع عَن عَمْرو عَليّ أَيْضا وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وعمار وَابْن عمر وَعَائِشَة وَابْن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَمِمَّا يشْتَمل هَذَا أَيْضا على ثُبُوت حُرْمَة الرَّضَاع بَين الرَّضِيع والمرضعة، فَإِنَّهَا تصير بِمَنْزِلَة أمه من الْولادَة، وَيحرم عَلَيْهِ نِكَاحهَا أبدا وَيحل لَهُ النّظر إِلَيْهَا وَالْخلْوَة بهَا والمسافرة مَعهَا، وَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ أَحْكَام الأمومة من كل وَجه، فَلَا توارث وَلَا نَفَقَة وَلَا عتق بذلك بِالْملكِ وَلَا ترد شَهَادَته لَهَا وَلَا يعقل عَنْهَا وَلَا يسْقط عَنْهُمَا الْقصاص بِقَتْلِهِمَا، وَمن ذَلِك انتشار الْحُرْمَة بَين الْمُرضعَة وَأَوْلَاد الرَّضِيع وَبَين الرَّضِيع وَأَوْلَاد الْمُرضعَة وَحُرْمَة الرَّضَاع بَين الرَّضِيع وَزوج الْمُرضعَة وَيصير الرَّضِيع ولدا لَهُ وَأَوْلَاد الرجل إخْوَة الرَّضِيع، وإخوة الرجل أعمام الرَّضِيع وأخواته عماته وَيكون أَوْلَاد الرَّضِيع أَوْلَاد الرجل، وَلم يُخَالف فِي ذَلِك إلَاّ أهل الظَّاهِر وَابْن علية فَإِنَّهُم قَالُوا بِحرْمَة الرَّضَاع بَين الرجل الرَّضِيع، كَذَا نَقله الْخطابِيّ وعياض عَنْهُمَا، وَزَاد الْخطابِيّ، ابْن الْمسيب.
١٢ - (بابُ مَنْ قل لَا رَضاعَ بعْدَ حَوْلَينِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول من قَالَ: لَا رضَاع بعد سنتَيْن، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِك عَامر الشّعبِيّ وَابْن شبْرمَة وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ
стр. 5983
وَالشَّافِعِيّ وَأحمد أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر، وَهُوَ قَول مَالك فِي الْمُوَطَّأ، وَقَالَ بَعضهم: أَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذَا إِلَى قَول الحنيفة: إِن أقْصَى مُدَّة الرَّضَاع ثَلَاثُونَ شهرا قلت: سُبْحَانَ الله! هَذَا نتيجة فكر صَاحبه نَائِم، وَمَا وَجه الْإِشَارَة فِي هَذَا إِلَى قَول الْحَنَفِيَّة؟ والترجمة مَا وضعت إلَاّ لبَيَان من قَالَ: لَا رضَاع بعد حَوْلَيْنِ مُطلقًا، وَهُوَ أَعم من أَن يكون بعد الْحَوْلَيْنِ قَول الْحَنَفِيَّة أَو غَيرهم، وَتَخْصِيص الْحَنَفِيَّة بِالْجمعِ أَيْضا غير صَحِيح، لِأَن أَبَا يُوسُف ومحمدا للَّذين هما من أكبر أَئِمَّة الْحَنَفِيَّة لم يَقُولَا بِالرّضَاعِ بعد الْحَوْلَيْنِ، وَالْإِمَام مَالك الَّذِي هُوَ أحد أَرْكَان الْمذَاهب الْأَرْبَعَة رُوِيَ الْوَلِيد بن مُسلم عَنهُ: مَا كَانَ بعد الْحَوْلَيْنِ بِشَهْر أَو شَهْرَيْن يحرم، وَزفر الَّذِي هُوَ من أَعْيَان أَصْحَاب أبي حنيفَة قَالَ: مَا كَانَ يجتزىء بِاللَّبنِ وَلم يطعم، وَإِن أَتَى عَلَيْهِ ثَلَاث سِنِين فَهُوَ رضَاع، وَالْأَوْزَاعِيّ، إِمَام أهل الشَّام، قَالَ: إِن فطم وَله عَام وَاحِد وَاسْتمرّ فطامه ثمَّ رضع فِي الْحَوْلَيْنِ لم يحرم هَذَا الرَّضَاع الثَّانِي شَيْئا وَإِن تَمَادى رضاعه.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ (٢) حَوْلَيْنِ كَامِلين لمن أَرَادَ أَن يتم الرضَاعَة﴾ (الْبَقَرَة: ٣٣٢)
ذكر هَذَا فِي معرض الِاحْتِجَاج لمن قَالَ: لَا رضَاع بعد حَوْلَيْنِ، وَقَوله: (وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا) وَأَقل مُدَّة الْحمل سِتَّة أشهر فَبَقيَ للفطام حولان وَأَبُو حنيفَة يسْتَدلّ فيقوله: إِن مُدَّة الرَّضَاع ثَلَاثُونَ شهرا بقوله تَعَالَى: ﴿فَإِن أَرَادَ فصالاً عَن تراضٍ مِنْهُمَا وتشاور﴾ (الْبَقَرَة: ٣٣٢) بعد قَوْله تَعَالَى: ﴿والوالدات يرضعن أَوْلَادهنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلين﴾ (الْبَقَرَة: ٣٣٢) فَثَبت أَن بعد الْحَوْلَيْنِ رضَاع، فَلَا يُمكن قطع الْوَلَد عَن اللَّبن دفْعَة وَاحِدَة، فَلَا بُد من زِيَادَة مُدَّة يعْتَاد فِيهَا الصَّبِي مَعَ اللَّبن الْفِطَام، فَيكون غذاؤه اللَّبن تَارَة وَالطَّعَام أُخْرَى إِلَى أَن ينسى اللَّبن، وَأَقل مُدَّة تنْتَقل بِالْعَادَةِ سِتَّة أشهر اعْتِبَارا بِمدَّة الْحَبل فَإِن قلت: رُوِيَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن الْهَيْثَم بن جميل عَن ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : لَا رضَاع إلَاّ مَا كَانَ من حَوْلَيْنِ قلت: لم يسْندهُ عَن ابْن عُيَيْنَة غير الْهَيْثَم بن جميل، قَالَ ابْن عدي: يغلط على الثِّقَات وَأَرْجُو أَنه لَا يتَعَمَّد الْكَذِب، وَغَيره يوفقه على ابْن عَبَّاس، وَقَالَ ابْن بطال الرَّاوِي عَن الْهَيْثَم أَبُو الْوَلِيد بن برد الْأَنْطَاكِي وَهُوَ لَا يعرف، وَقَالَ النَّسَائِيّ: الْهَيْثَم بن جميل وَثَّقَهُ الإِمَام أَحْمد وَالْعجلِي وَغير وَاحِد، وَكَانَ من الْحفاظ إلَاّ أَنه وهم فِي رفع هَذَا الحَدِيث، وَالصَّحِيح وَقفه على ابْن عَبَّاس، وَرَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور عَن ابْن عُيَيْنَة مَوْقُوفا، وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق. أخبرنَا معمر عَن عَمْرو عَن ابْن عُيَيْنَة بِهِ مَوْقُوفا، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة مَوْقُوفا، وَرَوَاهُ أَيْضا ابْن أبي شيبَة مَوْقُوفا على ابْن مَسْعُود عَليّ بن أبي طَالب، وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ مَوْقُوفا على عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: لَا رضَاع إلَاّ فِي الْحَوْلَيْنِ فِي الصَّغِير.
وَمَا يُحَرِّمُ مِنْ قَليلِ الرِّضاعِ وكَثِيرهِ
(وَمَا يحرم) عطف على قَوْله: من قَالَ أَي: فِي بَيَان مَا يحرم من التَّحْرِيم، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنه مِمَّن يرى أَن قَلِيل الرَّضَاع وَكَثِيره سَوَاء فِي الْحُرْمَة، وَهُوَ قَول عَليّ وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْحسن وَعَطَاء وَمَكْحُول وطاووس وَالْحكم وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَاللَّيْث بن سعد وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري لإِطْلَاق الْآيَة، وَهُوَ الْمَشْهُور عَن أَحْمد. وَقَالَت طَائِفَة: إِن الَّذِي يحرم مَا زَاد على الرضعة. ثمَّ اخْتلفُوا، فَعَن عَائِشَة: عشر رَضعَات، وعنها سبع رَضعَات، وعنها: خمس رَضعَات. وروى مُسلم عَنْهَا: كَانَ فِيمَا نزل من الْقُرْآن عشر رَضعَات، ثمَّ نسخن بِخمْس رَضعَات مُحرمَات، فَتوفي رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، وَهن مِمَّا يقْرَأ، وَإِلَى هَذَا ذهب الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة، وَذهب أَحْمد فِي رِوَايَة وَإِسْحَاق وَأَبُو عبيد وَأَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذر وَدَاوُد وَأَتْبَاعه إِلَّا ابْن حزم إِلَى أَن الَّذِي يحرم ثَلَاث رَضعَات، وَمذهب الْجُمْهُور أقوى لِأَن الْأَخْبَار اخْتلفت فِي الْعدَد فَوَجَبَ الرُّجُوع إِلَى أقل مَا ينْطَلق عَلَيْهِ الِاسْم، وَقَول عَائِشَة الَّذِي رَوَاهُ مُسلم لَا ينتهض حجَّة لِأَن الْقُرْآن لَا يثبت إلَاّ بالتواتر، والراوي رُوِيَ هَذَا على أَنه قُرْآن لَا خبر، فَلم يثبت كَونه قُرْآنًا، وَلَا ذكر الرَّاوِي أَنه خبر ليقبل قَوْله فِيهِ.
٢٠١٥ - حدَّثنا أبُو اوَلِيدِ حَدثنَا شُعْبَةُ عنِ الأشْعَثِ عنْ أبِيهِ عنْ مَسْرُوق عنْ عائِشَةَ رضيَ
стр. 5984
الله عَنْهَا، أنَّ النبيَّ ﷺ دَخَلَ علَيْها وعِنْدَها رجُلٌ، فَكأنّهُ تَغَيَّرَ وجْهُهُ كأنّهُ كَرِهَ ذالِكَ، فقالَتْ: إنّهُ أخي، فَقَالَ: انْظُرْنَ مَنْ إخْوَانُكُنَّ، فإِنّما الرَّضاعَةُ مِنَ المَجاعَةِ.
(انْظُر الحَدِيث ٧٤٦٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَإِنَّمَا الرضَاعَة من المجاعة) لِأَن التَّرْجَمَة فِي ذكر الرَّضَاع، وَحَدِيث الْبَاب يبين أَن الرضَاعَة تكون من المجاعة أَي الْجُوع.
وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، والأشعث هُوَ ابْن أبي الشعْثَاء واسْمه سليم بن الْأسود الْمحَاربي الْكُوفِي، ومسروق بن الأجدع.
والْحَدِيث مر فِي الشَّهَادَات فِي: بَاب الشَّهَادَة على الْأَنْسَاب وَأخرجه عَن مُحَمَّد بن كثير، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (رجل) لم يدر اسْمه، وَقيل بالتخمين: هُوَ ابْن أبي القعيس، وَمن قَالَ: هُوَ عبد الله بن يزِيد، فقد غلط لِأَنَّهُ تَابِعِيّ بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة، وَكَانَت أمه أرضعت عَائِشَة، عاشت بعد النَّبِي ﷺ فولدته فَلذَلِك قيل لَهُ: رَضِيع عَائِشَة قَوْله: (فَكَأَنَّهُ تغير وَجهه كَأَنَّهُ كره ذَلِك) وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق أبي الْأَحْوَص عَن أبي الْأَشْعَث: وَعِنْدِي رجل قَاعد، فَاشْتَدَّ ذَلِك عَلَيْهِ وَرَأَيْت الْغَضَب فِي وَجهه، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة. فشق ذَلِك عَلَيْهِ وَتغَير وَجهه. قَوْله: (إِنَّه أخي) وَفِي رِوَايَة غنْدر عَن شُعْبَة: إِنَّه أخي من الرضَاعَة. قَوْله: (انظرن من إخوانكن) هَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: مَا إخوانكن، وَالْأول أوجه، مَعْنَاهُ: تحققن صِحَة الرضَاعَة ووقتهاد فَإِنَّمَا تثبت الْحُرْمَة إِذا وَقعت على شَرطهَا وَفِي وَقتهَا. قَوْله: (فَإِنَّمَا الرضَاعَة من المجاعة) أَي: الْجُوع، يَعْنِي: الرضَاعَة الَّتِي تثبت بهَا الْحُرْمَة مَا تكون فِي الصغر حِين يكون الرَّضِيع طفْلا يسد اللَّبن جوعته، لِأَن معدته ضَعِيفَة يكفيها اللَّبن وينبت لَحْمه بذلك فَيصير كجزء من الْمُرضعَة، فَيكون كَسَائِر أَوْلَادهَا، وَهَذَا أَعم من أَن يكون قَلِيلا أَو كثيرا وَفِي رِوَايَة: فَإِنَّمَا الرضَاعَة عَن المجاعة، ويروي: أَو الْمطعم من المجاعة وَيُقَال: كَأَنَّهُ قَالَ: لَا رضاعة مُعْتَبرَة إلَاّ الْمُغنيَة عَن الْجُوع أَو المطعمة عَنهُ، وَمن شواهده حَدِيث ابْن مَسْعُود: لَا رضَاع إلَاّ مَا شدّ الْعظم وَأنْبت اللَّحْم، أخرجه أَبُو دَاوُد مَرْفُوعا مَوْقُوفا، وَحَدِيث أم سَلمَة: لَا يحرم من الرَّضَاع مَا فتق الأمعاء، أخرجه الرمذي وَصَححهُ وَيُمكن أَن يسْتَدلّ على أَن الرضعة الْوَاحِدَة لَا تحرم لِأَنَّهَا لَا تغني من جوع، فَإِذن يحْتَاج إِلَى تَقْدِير، فَأولى مَا يُؤْخَذ بِهِ مَا قدرته الشَّرِيعَة وَهُوَ خمس رَضعَات، قُلْنَا: هَذَا كُله زِيَادَة على مُطلق النَّص، لِأَن النَّص غير مُقَيّد بِالْعدَدِ وَالزِّيَادَة على النَّص نسخ فَلَا يجوز، وَكَذَلِكَ الْجَواب عَن كل حَدِيث فِيهِ عدد مثل حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: لَا تحرم المصة وَلَا المصتان، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَنْهَا: لَا تحرم الْخَطفَة والخطفتان، وَقَالَ ابْن بطال: أَحَادِيث عَائِشَة كلهَا مضطربة فَوَجَبَ تَركهَا ولارجوع إِلَى كتاب الله تَعَالَى. وَرُوِيَ أَبُو بكر الرَّازِيّ عَن ابْن عَبَّاس، ﵄، أَنه قَالَ: قَوْلهَا: لَا تحرم الرضعة والرضعتان، كَانَ فَأَما الْيَوْم فالرضعة الْوَاحِدَة تحرم فَجعله مَنْسُوخا، وَكَذَلِكَ الْجَواب عَن قَوْلهَا: لَا تحرم الإملاجة وَلَا الإملاجتان.
٢٢ - (بابُ لَبَنِ الفَحْلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان لبن الْفَحْل، بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الْهَاء الْمُهْملَة أَي: الرجل، وَنسبَة اللَّبن إِلَيْهِ مجَاز لكَونه سَببا فِيهِ. وَاخْتلف فِيهِ فَقَالَ قوم: لبن الْفَحْل يحرم. وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس فِيمَا ذكره التِّرْمِذِيّ، وَقَول عَائِشَة فِيمَا ذكره ابْن عبد الْبر، وَبِه قَالَ عُرْوَة بن الزبير وطاووس وَعَطَاء وَابْن شهَاب وَمُجاهد وَأَبُو الشعْثَاء وَجَابِر بن زيد وَالْحسن وَالشعْبِيّ وَسَالم وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَهِشَام بن عُرْوَة على خلاف فِيهِ، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وأصحابهم وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث بن سعد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر. وَقَالَ قوم: لَيْسَ لبن الْفَحْل بِمحرم، رُوِيَ ذَلِك عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم: ابْن عمر وَجَابِر وَعَائِشَة على اخْتِلَاف عَنْهَا وَرَافِع بن خديج وَعبد الله بن الزبير، وَمن التَّابِعين قَول سعيد بن الْمسيب وَأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَسليمَان بن يسَار وأخيه عَطاء بن يسَار وَمَكْحُول وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأبي قلَابَة وَإيَاس بن مُعَاوِيَة وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَسَالم وَالشعْبِيّ على خلاف عَنهُ، وَكَذَا الْحسن وَإِبْرَاهِيم بن علية وَدَاوُد الظَّاهِرِيّ فِيمَا حَكَاهُ عَنهُ أَبُو عمر فِي التَّمْهِيد، وَالْمَعْرُوف عَن دَاوُد خِلَافه، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: لم يقل أحد من أَئِمَّة الْفُقَهَاء وَأهل الْفَتْوَى بِإِسْقَاط حُرْمَة لبن الْفَحْل إلَاّ أهل الظَّاهِر وَابْن علية، وَالْمَعْرُوف عَن دَاوُد مُوَافقَة الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة. قلت: معنى لبن الْفَحْل يحرم أَنه يثبت حُرْمَة الرَّضَاع بَينه وَبَين الرَّضِيع
стр. 5985
وَيصير ولدا لَهُ، وَيكون أَوْلَاد الرَّضِيع أَوْلَاد الرجل، خلافًا لمن قَالَ: لبن الرجل لَا يحرم.
٣٠١٥ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخْبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عائِشَةَ: أنَّ أفْلَحَ أَخا أبي القُعَيْسِ جاءَ يَسْتأذِنُ علَيْها وهْوَ عَمّتُها مِنَ الرَّضاعَةِ بَعْدَ أنْ نَزَلَ الحِجابُ فأبَيْتُ أنْ آذَنَ لهُ، فلمّا جاءَ رسولُ الله ﷺ أخْبَرْتُهُ بالّذي صَنَعْتُ، فأمَرَني أنْ آذَنَ لهُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ ثُبُوت الْحُرْمَة بَين عَائِشَة وَبَين أَفْلح الْمَذْكُور الَّذِي هُوَ عَمها من الرَّضَاع، فَلذَلِك أذن لَهَا بِدُخُول أَفْلح عَلَيْهَا، وَقَالَ إِنَّه عمك، لما قَالَت: إِنَّمَا أرضعتني الْمَرْأَة وَلم يرضعني الرجل، كَذَا فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، فَدلَّ على أَن مَاء الرجل يحرم.
والْحَدِيث مُضِيّ فِي كتاب الشَّهَادَات فِي: بَاب الشَّهَادَة على الْأَنْسَاب، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ونذكره هَهُنَا بِأَكْثَرَ مِنْهُ وأوضح.
فَقَوله: (إِن أَفْلح أَخا أبي القعيس) ، كَذَا هُوَ فِي صَحِيح مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا وَفِي رِوَايَة لمُسلم: أَفْلح بن أبي القعيس، وَفِي رِوَايَة لَهُ وللنسائي قَالَت: اسْتَأْذن وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه. وَفِي رِوَايَة لمُسلم: قَالَ اسْتَأْذن عَلَيْهَا أَبُو القعيس، وَفِي رِوَايَة لَهُ وللنسائي، قَالَت: اسْتَأْذن عَليّ عمي من الرضَاعَة أَبُو الجعيد، فرددته، قَالَ هِشَام: إِنَّمَا هُوَ أَبُو القعيس. وَالصَّوَاب أَنه أَفْلح وكنيته أَبُو الجعيد، وَهُوَ أَخُو أبي القعيس، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي الْمُفْهم: هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَمَا سوى ذَلِك وهم من بعض الروَاة، وَلَا يعرف لأبي القعيس وَلَا لِأَخِيهِ أَفْلح ذكر إلَاّ فِي هَذَا الحَدِيث، وَيُقَال: إنَّهُمَا من الْأَشْعَرِيين، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ، قَالَت: جَاءَ عمي من الرضَاعَة، ذكرته مُبْهما، وأفلح، بِفَتْح الْهمزَة وَاللَّام وَسُكُون الْفَاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة، وَأَبُو القعيس، بِضَم الْقَاف وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالسين الْمُهْملَة. قَوْله: (وَهُوَ عَمها من الرضَاعَة) فِيهِ الْتِفَات، وَكَانَ الْقيَاس يقتضى أَن تَقول: وَهُوَ عمي، وَاخْتلف فِي كَيْفيَّة ثوبت العمومة لأفلح هَذَا فَزعم بَعضهم مِمَّن رأى أَن لبن الْفَحْل لَا يحرم أَن أَفْلح هَذَا رضع مَعَ أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَكَانَ عَمَّا لعَائِشَة من الرضَاعَة. وَهَذَا خطأ يردهُ مَا فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَن عَائِشَة، قَالَت: إِنَّمَا أرضعتني الْمَرْأَة وَلم يرضعني الرجل، وَكَذَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ، على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَالصَّوَاب أَن عَائِشَة ارتضعت من امْرَأَة أبي القعيس، وأفلح أَخُوهُ فَصَارَ عَمها من الرضَاعَة، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: جَاءَ أَفْلح أَخُو أبي القعيس يسْتَأْذن عَلَيْهَا وَكَانَ أَبُو القعيس أَبَا عَائِشَة من الرضَاعَة وَفِي رِوَايَة لَهُ: وَكَانَ أَبُو القعيس زوج الْمَرْأَة الَّتِي أرضعت عَائِشَة. قَوْله: (جَاءَ يسْتَأْذن عَلَيْهَا) فِيهِ دَلِيل على مَشْرُوعِيَّة الاسْتِئْذَان. وَلَو فِي حق الْمحرم، لجَوَاز أَن تكون الْمَرْأَة على حَال لَا يحل للْمحرمِ أَن يَرَاهَا عَلَيْهِ. قَوْله: (بعد أَن نزل الْحجاب) فِيهِ أَنه يجوز للْمَرْأَة أَن تَأذن للرجل الَّذِي لَيْسَ بِمحرم لَهَا فِي الدُّخُول عَلَيْهَا، وَيجب عَلَيْهَا الاحتجاب مِنْهُ بِالْإِجْمَاع، وَمَا ورد من بروز النِّسَاء فَإِنَّمَا كَانَ قبل نزُول الْحجاب، وَكنت قصَّة أَفْلح مَعَ عَائِشَة بعد نزُول الْحجاب، كَمَا صرح بِهِ هُنَا. قَوْله: (فأبيت) أَي: امْتنعت، فِيهِ دَلِيل على أَن الْأَمر المتردد فِيهِ التَّحْرِيم وَالْإِبَاحَة لَيْسَ لمن لم يتَرَجَّح عِنْده أحد الطَّرفَيْنِ الْإِقْدَام عَلَيْهِ، خُصُوصا بعد نزُول الْحجاب، وَتردد عَائِشَة فِيهِ هَل هُوَ محرم فتأذن لَهُ؟ أَو لَيْسَ بِمحرم فتمنعه؟ فامتنعت تَغْلِيبًا للتَّحْرِيم على الْإِبَاحَة. قَوْله: (فَأمرنِي أَن آذن لَهُ) وَفِي رِوَايَة شُعَيْب الْمَاضِيَة فِي الشَّهَادَات: إئذني لَهُ فَإِنَّهُ عمك تربت يَمِينك، وَفِي رِوَايَة سُفْيَان: يداك أَو يَمِينك، وَفِي رِوَايَة مَالك عَن هِشَام بن عُرْوَة: إِنَّه عمك فليلج عَلَيْك، وَفِي رِوَايَة الحكم: صدق أَفْلح إئذني لَهُ.
وَاسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث على أَن من ادّعى الرَّضَاع وَصدقه الرَّضِيع يثبت حكم الرَّضَاع بَينهمَا فَلَا يحْتَاج إِلَى بَيِّنَة لِأَن أَفْلح ادَّعَاهُ وصدقته عَائِشَة وَأذن الشَّارِع بِمُجَرَّد ذَلِك، ورد هَذَا بِاحْتِمَال أَن الشَّارِع اطلع على ذَلِك من غير دَعْوَى أَفْلح وَتَسْلِيم عَائِشَة، وَاسْتدلَّ بِهِ أَيْضا على أَن قَلِيل الرَّضَاع يحرم كَمَا يحرم كَثِيره. وَقَالَ بَعضهم: وألزم بَعضهم بِهَذَا الحَدِيث الْحَنَفِيَّة الْقَائِلين: إِن الصَّحَابِيّ إِذا رُوِيَ حَدِيثا عَن النَّبِي ﷺ وَصَحَّ عَنهُ، ثمَّ صَحَّ عَنهُ الْعَمَل بِخِلَافِهِ، أَن الْعَمَل بِمَا رأى لَا بِمَا روى، لِأَن عَائِشَة صَحَّ عَنْهَا أَن الِاعْتِبَار بِلَبن الْفَحْل، وَأخذ الْجُمْهُور مِنْهُم الْحَنَفِيَّة بِخِلَاف ذَلِك وَعمِلُوا بروايتها فِي قصَّة أخي أبي القعيس وحرموا بِلَبن الْفَحْل، وَكَانَ يلْزمهُم على قاعدتهم أَن يتبعوا عَائِشَة ويعرضوا عَن رِوَايَتهَا، وَهَذَا إِلْزَام قوي انْتهى. قلت: لَو علم هَذَا الْقَائِل مدرك مَا قالته الْحَنَفِيَّة فِي ذَلِك لما صدر مِنْهُ
стр. 5986
هَذَا الْكَلَام، وَلَكِن عدم الْفَهم وأريحية العصبية يحْملَانِ الرجل على أَن أخبط من هَذَا، وَقَاعِدَة أَصْحَابنَا فِيمَا قَالُوهُ لَيست على الْإِطْلَاق بل هِيَ لَا يَخْلُو الصَّحَابِيّ فِي عمله بِمَا رأى لَا بِمَا رُوِيَ أَنه إِن كَانَ عمله أَو فتواه قبل الرِّوَايَة أَو قبل بُلُوغه إِلَيْهِ كَانَ الحَدِيث حجَّة، وَإِن كَانَ بعد ذَلِك لم يكن حجَّة، لِأَنَّهُ ثَبت عِنْده أَنه مَنْسُوخ، فَلذَلِك عمل بِمَا رَآهُ لَا بِمَا رَوَاهُ، على أَن ابْن عبد الْبر قد ذكر أَن عَائِشَة أَيْضا كَانَت مِمَّن حرم لبن الْفَحْل.
٣٢ - (بابُ شَهادَةِ المُرْضِعَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شَهَادَة الْمُرضعَة بِالرّضَاعِ وَحدهَا، وَفِيه خلاف، فَروِيَ عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وطاووس جَوَاز شَهَادَة وَاحِدَة فِيهِ إِذا كَانَت مُرْضِعَة، وتستحلف مَعَ شهادتها، وَهُوَ قَول الزُّهْرِيّ، وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَعَن الْأَوْزَاعِيّ: إِنَّه أجَاز شَهَادَة امْرَأَة وَاحِدَة فِي ذَلِك إِذا شهِدت قبل أَن تتزوجه، فَأَما بعده فَلَا وَرُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه: لَا يقبل فِي ذَلِك إِلَّا شَهَادَة رجلَيْنِ أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأَصْحَابه، وَقَالَ مَالك: تقبل شَهَادَة امْرَأتَيْنِ دون رجل، وَبِه قَالَ الحكم، وَقَالَت طَائِفَة: لَا يقبل فِي ذَلِك أقل من أَربع نسْوَة، رُوِيَ ذَلِك عَن عَطاء وَالشعْبِيّ، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي.
٤٠١٥ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله حَدثنَا إسْماعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنَا أيُّوبُ عنْ عَبْدِ الله بن أبي مُلَيْكَةَ قَالَ: حدّثني عُبَيْدُ بنُ أبي مَرْيَمَ عنْ عُقْبَةَ بنِ الحارِثِ قَالَ: وقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ عُقْبَةَ لكنِّي لِحَديثِ عُبَيْدٍ أحْفَظُ، قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأةً فَجَاءَتْنا امْرَأَةً فجاءَتْنَا امْرَأَةً سَوْدَاءٌ، فقالَتْ: أرْضَعْتُكُما فأتيْتُ النبيَّ ﷺ ، فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ بِنْتُ فُلَانٍ فجاءَتْنَا امْرَأةً سَوْداءٌ فقالَتْ لِي: إنِّي قدْ أرْضَعْتُكُما، وهْيَ كاذِبَةٌ، فأعْرَضَ عَنِّي فأتَيْتُهُ مِنْ قَبْلِ وجْهِهِ، قُلْتُ: إِنَّهَا كاذِبَة. قَالَ: كَيْفَ بِها وقَدْ زَعَكَتْ أَنَّهَا قَدْ أرْضَعْتُكُما؟ دَعْها عَنْكَ. وأشَارَ إسْماعِيلُ بإِصْبَعيْهِ السَّبَابَةِ والوُسْطَى يَحْكِي أيُّوبَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (كَيفَ بهَا) ؟ إِلَى آخِره، وَبِه أَخذ اللَّيْث وَقَالَ يجواز شَهَادَة الْمُرضعَة.
وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم هُوَ إِسْمَاعِيل بن علية، وَهِي أمه وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ وَعبيد بن أبي مَرْيَم الْمَكِّيّ مَاله فِي الصَّحِيح غير هَذَا الحَدِيث، وَذكره ابْن حبَان فِي ثِقَات التَّابِعين، وَعقبَة بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف ابْن الْحَارِث الْقرشِي الْمَكِّيّ الصَّحَابِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْعلم فِي بَاب الرحلة وَفِي كتاب الشَّهَادَات أَيْضا فِي: بَاب شَهَادَة الْإِمَاء وَالْعَبِيد.
قَوْله: (قَالَ: وَقد سمعته) أَي: قَالَ عبد الله بن أبي مليكَة: سَمِعت هَذَا الحَدِيث من عقبَة بن الْحَارِث، والاعتماد على سَمَاعه مِنْهُ. قَوْله: (تزوجت امْرَأَة) وَهِي أم يحيى بنت أبي إهَاب، بِكَسْر الْهمزَة، التَّمِيمِي. قَوْله: (امْرَأَة سَوْدَاء) وَلم يدر اسْمهَا. قَوْله: (فَأَعْرض عني) وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: فَأَعْرض عَنهُ، بطرِيق الِالْتِفَات. قَوْله: (من قبل وَجهه) بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (كَيفَ بهَا) استبعاد مِنْهُ أَي: وَكَيف تَجْتَمِع بهَا بعد أَن قيل هَذَا. قَوْله: (دعها) أَي: اتركها وَهُوَ أَمر من يدع أمره بِالتّرْكِ وَالْأَخْذ بالورع وَالِاحْتِيَاط لَا على الْإِيجَاب، وَرُوِيَ ابْن مهْدي بِإِسْنَادِهِ عَن رجل من بني عبس، قَالَ: سَأَلت عليا وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، عَن رجل تزوج امْرَأَة فَجَاءَت امْرَأَة فَزَعَمت أَنَّهَا أرضعتهما، فَقَالَا: ينزه عَنْهَا فَهُوَ خير، وَإِمَّا أَن يحرمها عَلَيْهِ أحد فَلَا، وَقد قَالَ زيد بن أسلم: إِن عمر بن الْخطاب لم يجز شَهَادَة امْرَأَة وَاحِدَة فِي الرَّضَاع. قَوْله: (وَأَشَارَ إِسْمَاعِيل) هُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الرَّاوِي، قَوْله: (بِأُصْبُعَيْهِ) يَعْنِي أَشَارَ بهما حِكَايَة عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ فِي إِشَارَته إِلَى الزَّوْجَيْنِ.
٤٢ - (بابُ مَا يَحلُّ مِنَ النِّساءِ وَمَا يَحْرُمُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يحل نِكَاحه من النِّسَاء وَمَا لَا يحل.
стр. 5987
وقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ (٤) حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم وبناتكم. . وأخواتكم وعماتكم وخلاتكم وَبَنَات الْأَخ وَبَنَات الْأُخْت﴾ (النِّسَاء: ٣٢) الْآيَة إِلَى قوْلِهِ ﴿ (٤) إِن الله كَانَ عليما حكميا﴾ (النِّسَاء: ٤٢)
وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: مَا يحل، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة كريمه، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم وبناتكم﴾ (النِّسَاء: ٣٢) الْآيَة إِلَى ﴿عليما حكيما﴾ (النِّسَاء: ٤٢) قَوْله: الْآيَة، وَفِي بعض النّسخ: الْآيَتَيْنِ، لِأَن من قَوْله ﴿حرمت﴾ (النِّسَاء: ٣٢) إِلَى قَوْله: ﴿عليما حكيما﴾ (النِّسَاء: ٤٢) آيَتَيْنِ الأولى من ﴿حرمت عَلَيْكُم﴾ (النِّسَاء: ٣٢) إِلَى قَوْله ﴿إِن الله كَانَ غَفُورًا رحِيما﴾ (النِّسَاء: ٣٢) وَالثَّانيَِة من قَوْله ﴿وَالْمُحصنَات من النِّسَاء﴾ إِلَى قَوْله ﴿إِن الله كَانَ عليما حكيما﴾ (النِّسَاء: ٤٢) وَقد بَين الله تَعَالَى هُنَا الْمُحرمَات من النِّسَاء وَهن أَربع عشرَة امْرَأَة: سبع من نسب وَسبع بِسَبَب، فالسبع الَّتِي من نسب هِيَ قَوْله: ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَبَنَات الْأُخْت﴾ (النِّسَاء: ٣٢) الأولى: الْأُمَّهَات وَالْمرَاد بهَا الوالدات وَمن فوقهن من الْجدَّات من قبل الْأُمَّهَات والآباء، الثَّانِيَة: الْبَنَات وَالْمرَاد بهَا بَنَات الأصلاب وَمن أَسْفَل مِنْهُنَّ من بَنَات الْأَبْنَاء وَالْبَنَات، وَإِن سفلن الثَّالِثَة: الْأَخَوَات وَالْمرَاد الشقيقات وغيرهن من الْآبَاء والأمهات. الرَّابِعَة: العمان وَالْمرَاد أَخَوَات الْآبَاء وأخوات الأجداد وَإِن علون. الْخَامِسَة: الخالات وَهِي أَخَوَات الْأُمَّهَات الوالدات لآبائهن وأمهاتهن. السَّادِسَة: بَنَات الْأَخ من الْأَب وَالأُم أَو من الْأَب أَو من الْأُم. وَبَنَات بناتهن وَإِن سفلن. السَّابِعَة: بَنَات الْأُخْت، كَذَلِك من أَي جِهَة كن، وَأَوْلَاد أَوْلَادهنَّ وَإِن سفلن. وَإِمَّا السَّبع الَّتِي من جِهَة السَّبَب فَهِيَ من قَوْله تَعَالَى: ﴿وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم﴾ (النِّسَاء: ٤٢) إِلَى آخر الْآيَة، وَالْمرَاد الْأُم الْمُرضعَة وَمن فَوْقهَا من أمهاتهاوإن بعدن وَقَامَ ذَلِك مقَام الوالدة ومقام أمهاتها وَالْأُخْت من الرَّضَاع الَّتِي أرضعتها أمك بلبان أَبِيك سَوَاء أرضعتها مَعَك أَو مَعَ ولد قبلك، أَو بعْدك. وَالْأُخْت من الْأَب دون الْأُم وَهِي الَّتِي أرضعتها زَوْجَة أَبِيك بلبان أَبِيك، وَالْأُخْت من الْأُم دون الْأَب وَهِي الَّتِي أرضعتها أمك بلبان رجل آخر، وَأم الْمَرْأَة حرَام عَلَيْهِ دخل بهَا أَو لم يدْخل بهَا، وَهُوَ قَول أَكثر الْفُقَهَاء، وَقَالَ عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير وَمُجاهد وَعِكْرِمَة: لَهُ أَن يتَزَوَّج قبل الدُّخُول بهَا، والربيبة وَهِي بنت امْرَأَة الرجل من غَيره، وَإِنَّمَا تحرم بِالدُّخُولِ بِالْأُمِّ، وَلَا تحرم بِمُجَرَّد العقد، وَذكر الْحجر بطرِيق الْأَغْلَب لَا على الشَّرْط، وحليلة الابْن أَي: زَوجته، وَإِنَّمَا قَالَ من أصلابكم تَحَرُّزًا عَن زَوْجَات المتبني، وَالْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ حرتين كَانَت أَو أمتين وطئتا فِي عقد وَاحِد فِي حَال الْحَيَاة، وَحكي عَن دَاوُد أَنه جوز ذَلِك بِملك الْيَمين، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
وَقَالَ أنَسٌ ﴿ (٤) وَالْمُحصنَات من النِّسَاء﴾ ذَوَات الْأزْوَاج الْحَرَائِر حرَام ﴿ (٤) إلَاّ مَا ملَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ (النِّسَاء: ٤٢) لَا يَرَى بَأْسا أنْ يَنْزِعَ الرَّجُلُ جارِيتَهُ منْ عَبْدِهِ
أَي: قَالَ أنس بن مَالك فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُحصنَات﴾ أَي: النِّسَاء الْمُحْصنَات اللَّاتِي لَهُنَّ أَزوَاج حرَام إلَاّ بعد طَلَاق أَزوَاجهنَّ وانقضاء الْعدة مِنْهُنَّ، وَقيل: الْمُحْصنَات أَي العفائف حرَام إلَاّ بعد النِّكَاح، وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة مَا رَوَاهُ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: أصبْنَا سَبَايَا يَوْم أَوْطَاس لَهُنَّ أَزوَاج، فكرهنا أَن نقع عَلَيْهِنَّ، فسألنا النَّبِي ﷺ فَنزلت هَذِه الْآيَة. قَوْله: (إِلَّا مَا ملكت) يعي إلَاّ الْأمة الْمُزَوجَة بِعَبْد، فَإِن لسَيِّده أَن يَنْزِعهَا من تَحت نِكَاح زَوجهَا. قَوْله: (وَلَا يرى بهَا) أَي: فِيهَا (بَأْسا) أَي: حرجا (أَن ينْزع الرجل جَارِيَته من عِنْده) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: جَارِيَة من عَبده.
وَقَالَ ﴿ (٢) وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن﴾ (الْبَقَرَة: ١٢٢)
أَي: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن﴾ (الْبَقَرَة: ١٢٢) أَي: لَا تتزوجوهن حَتَّى يُؤمن بِاللَّه، وقرىء بِضَم التَّاء أَي: وَلَا تزوجوهن، وَالْمرَاد بالمشركات الحربيات، وَالْآيَة ثَابِتَة، وَقيل: المشركات الكتابيات والحربيات أهل الْكتاب من أهل الشّرك لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَت الْيَهُود عُزَيْر ابْن الله وَقَالَت النَّصَارَى الْمَسِيح ابْن الله﴾ (التَّوْبَة: ٠٣) وَهِي مَنْسُوخَة بقوله: ﴿وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ﴾ (الْمَائِدَة: ٥) .
وَقَالَ ابنُ عبَّاسٍ، مَا زَادَ علَى أرْبَعٍ فهْوَ حرامٌ كأُمِّهِ وابْنَتِه وأُخْتِه
стр. 5988
أَي: مَا زَاد على أَربع نسْوَة، وَهَذَا وَصله إِسْمَاعِيل بن زِيَاد فِي تَفْسِيره عَن جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك مِنْهُ.
٥٠١٥ - وَقَالَ لَنا أحْمَدُ بنُ حنْبلٍ: حَدثنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ سُفْيانَ حدّثني حَبِيبُ عَن سَعِيدٍ عَن ابْن عبّاسٍ: حَرُمَ مِنَ النَّسَب سبْعٌ ومِنَ الصِّهْرِ سبْعٌ، ثُمَّ قرَأ ﴿ (٤) حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ (النِّسَاء: ٣٢) الْآيَة.
قَوْله: (قَالَ لنا أَحْمد بن حَنْبَل) وَهُوَ الإِمَام الْمَشْهُور، وَأخذ البُخَارِيّ عَنهُ هُنَا مذاكرة. وَلم يقل: حَدثنَا وَلَا أخبرنَا، وَرُوِيَ عَن أَحْمد بن الْحسن التِّرْمِذِيّ عَنهُ حَدِيثا وَاحِدًا فِي آخر الْمَغَازِي فِي مُسْند بُرَيْدَة قَوْله: إِنَّه غزا مَعَ النَّبِي ﷺ سِتّ عشرَة غَزْوَة، وَقَالَ فِي كتاب الصَّدقَات: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ حَدثنَا أبي حَدثنَا ثُمَامَة: الحَدِيث، ثمَّ قَالَ عقيبة: وَزَادَنِي أَحْمد بن حَنْبَل عَن مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، وَقَالَ هُنَا: قَالَ أَحْمد، رُوِيَ عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن سعيد بن جُبَير.
قَوْله: (حرم) ، أَي: حرم من النّسَب سبع نسْوَة وَمن الصهر كَذَلِك والصهر وَاحِد الأصهار وهم أهل بَيت الْمَرْأَة، وَمن الْعَرَب من يَجْعَل الصهر من الأحماء والأختان جَمِيعًا. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْأخْتَان من قبل الْمَرْأَة، والأحماء من قبل الرجل: والصهر يجمعهما وخان الرجل إِذا تزوج إِلَيْهِ قيل: الْآيَة لَا تدل على السَّبع الصهري. وَأجِيب بِأَنَّهُ اقْتصر على ذكر الْأُمَّهَات وَالْبَنَات لِأَنَّهُمَا كالأساس مِنْهُنَّ. وَهَذَا بترتيب مَا فِي الْقُرْآن من النّسَب. وَقيل: مَا فَائِدَة ذكر الْأُخْتَيْنِ بعْدهَا؟ وَأجِيب: الْإِشْعَار بِأَن حرمتهما لَيست مُطلقًا ودائما كالأصل وَالْفرع، عِنْد الْجمع. وَلم يذكر الْأَرْبَعَة الْأُخْرَى لِأَن حكمهن يعلم من الْأُخْتَيْنِ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِمَا لِأَن عِلّة حرمتهما الْجمع الْمُوجب لقطيعة الرَّحِم، وَذَلِكَ حَاصِل فيهمَا.
وقَدْ جَمَعَ عبْدُ الله بنُ جعفَرٍ بَيْنَ ابْنَةِ عليٍّ وامْرَأةِ علِيٍّ
أَي: قد جمع عبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب بَين ابْنة عَليّ بن أبي طَالب وَامْرَأَته ليلى بنت مَسْعُود، فكانتا عِنْده جَمِيعًا. وَفِي حَدِيث ابْن لَهِيعَة عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب، قَالَ: حَدثنِي غير وَاحِد أَن عبد الله بن جَعْفَر جمع بَين امْرَأَة عَليّ وَابْنَته، ثمَّ مَاتَت بنت عَليّ فَتزَوج عَلَيْهَا بِنْتا لَهُ أُخْرَى قَالَ: وَحدثنَا قبيصَة عَن سُفْيَان عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مهْرَان، قَالَ: جمع ابْن جَعْفَر بن أبي طَالب بَين بنت عَليّ وَامْرَأَته فِي لَيْلَة، وَعند ابْن سعد من حَدِيث ابْن أبي ذِئْب: حَدثنِي عبد الرَّحْمَن بن مهْرَان أَن ابْن جَعْفَر تزوج زَيْنَب بنت عَليّ وَتزَوج مَعهَا امْرَأَته ليلى بنت مَسْعُود، وَقَالَ ابْن سعد: فَلَمَّا توفيت زَيْنَب تزوج بعْدهَا أم كُلْثُوم بنت عَليّ بنت فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
وَقَالَ ابنُ سِيرِين: لَا بأْسَ بهِ وكَرهَهُ الحَسَنُ مَرَّةً، ثُمَّ قَالَ: لَا بأْسَ بهِ
أَي: قَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين: لَا بَأْس بِهَذَا الْجمع، وَقَالَ الْقَاسِم بن سَلام: حَدثنَا أسماعيل بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين أَنه كَانَ لَا يرى بذلك بَأْسا، وَقَالَ الْقَاسِم، وَكَذَلِكَ قَول سُفْيَان. وَأهل الْعرَاق لَا يرَوْنَ بِهِ بَأْسا، وَلَا أَحْسبهُ إلَاّ قَول أهل الْحجاز وَكَذَلِكَ هُوَ عندنَا، وَلَا أعلم أحدا كرهه إلَاّ شَيْئا يروي عَن الْحسن ثمَّ رَجَعَ عَنهُ. قلت: أَشَارَ إِلَيْهِ البُخَارِيّ بقوله: (وَكَرِهَهُ الْحسن مرّة ثمَّ قَالَ: لَا بَأْس بِهِ) وَقَالَ ابْن بطال قَالَ ابْن أبي ليلى: لَا يجوز هَذَا النِّكَاح، وَكَرِهَهُ عِكْرِمَة، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: ثَبت رُجُوع الْحسن عَنهُ وَأَجَازَهُ أَكثر أهل الْعلم. وَفعل ذَلِك صَفْوَان بن أُميَّة، وأباحه بن سِيرِين وَسليمَان بن يسَار وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق والكوفيون وَأَبُو عبيد وَأَبُو ثَوْر، وَقَالَ مَالك: لَا أعلم ذَلِك حَرَامًا، وَبِه نقُول، وَفِي الْإِسْنَاد إِلَى عِكْرِمَة فِي كَرَاهَته مقَال.
وجَمَعَ الحَسَنُ بنُ الحَسنِ بنِ علِيٍّ بَيْنَ ابْنَتَيْ عَمٍ فِي لَيْلةٍ
أَي: جمع الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب إِلَى آخِره، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو عبيد بن سَلام فِي كتاب النِّكَاح تأليفه: عَن حجاج عَن ابْن جريج أَخْبرنِي عَمْرو بن دِينَار أَن الْحسن بن مُحَمَّد أخبرهُ: أَن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بني فِي لَيْلَة وَاحِدَة
стр. 5989
ببنت مُحَمَّد بن عَليّ وببنت عمر بن عَليّ، فَجمع بَينهمَا، يَعْنِي: بَين ابْنَتي الْعم، وَأَن مُحَمَّد بن عَليّ قَالَ: هُوَ أحب إِلَيْنَا مِنْهُمَا، مَا يَعْنِي ابْن الْحَنَفِيَّة، قَالَ ابْن بطال: وَكَرِهَهُ مَالك وَلَيْسَ بِحرَام، إِنَّمَا هُوَ لأجل القطيعة، قَالَ: وَهُوَ قَول عَطاء وَجَابِر بن زيد، وَفِي المُصَنّف: عَن عَطاء يكره الْجمع بَينهمَا لفساد بَينهمَا. وَكَذَا ذكره عَن الْحسن، وَحدثنَا ابْن نمير عَن سُفْيَان حَدثنِي خَالِد الفأفاء عَن عِيسَى بن طَلْحَة، قَالَ: نهى رَسُول الله ﷺ أَن ينْكح الْمَرْأَة على قرابتها مَخَافَة القطيعة.
وكَرِهَهُ جابِرُ بنُ زَيْدٍ لِلْقَطِيعَةِ، ولَيْسَ فِيهِ تحْرِيمٌ لقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ (٤) وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم﴾ (النِّسَاء: ٤٢)
أَي: كره هَذَا النِّكَاح الْمَذْكُور جَابر بن زيد أَبُو الشعْثَاء الْأَزْدِيّ اليحمدي الجوفي بِالْجِيم نَاحيَة عمان الْبَصْرِيّ التَّابِعِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ. قَوْله: (للقطعية) أَي: لوُقُوع التنافس بَينهمَا فِي الحظوة عِنْد الزَّوْج، فَيُؤَدِّي ذَلِك إِلَى قطيعة الرَّحِم. قَوْله: (وَلَيْسَ فِيهِ تَحْرِيم) من كَلَام البُخَارِيّ، وَقد صرح بِهِ قَتَادَة قبله.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ عنِ ابنِ عَباسٍ: إِذا زَنَى بأُخْتِ امْرَأتِه لَمْ تَحْرُمْ علَيْهِ امْرَأتُهُ
هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن عبد الْأَعْلَى عَن هِشَام عَن قيس بن سعد عَن عَطاء، وَقَالَ ابْن بطال: إِنَّمَا حرم الله الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ بِالنِّكَاحِ خَاصَّة لَا بِالزِّنَا، أَلا ترى أَنه يجوز نِكَاح وَاحِدَة بهد أُخْرَى من الْأُخْتَيْنِ وَلَا يجوز ذَلِك فِي الْمَرْأَة وابنتها من غَيره، والكوفيون على أَنه إِذا زنى بِالْأُمِّ حرم عَلَيْهِ بنتهَا، وَكَذَا عَكسه وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق: إِنَّه يحرم عَلَيْهِ ابْنَتهَا وَأمّهَا. وَهِي رِوَايَة ابْن الْقَاسِم فِي الْمُدَوَّنَة وَخَالف فِيهِ ابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن الْمسيب وَعُرْوَة وَرَبِيعَة وَاللَّيْث، فَقَالُوا: الْحَرَام لَا يحرم حَلَالا. وَهُوَ قَوْله: فِي (الْمُوَطَّأ) ، ويه قَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو ثَوْر.
ويُرْوَى عنْ يَحْيَى الكِنْديِّ عنِ الشَّعْبِيِّ وَأبي جعْفَرٍ فِيمَنْ يلْعبُ بالصَّبِيِّ إِنْ أدخلَهُ فِيه فَلا يَتَزَوَّجَنَّ أُمَّهُ، ويَحْيَى هاذا غيْرُ مَعْرُوفٍ لَمْ يُتابَعْ علَيْهِ
يحيى هَذَا هُوَ ابْن قيس الْكِنْدِيّ، رُوِيَ عَن شُرَيْح وَرُوِيَ عَنهُ أَبُو عوَانَة وَشريك الثَّوْريّ، وَقَول البُخَارِيّ: وَيحيى هَذَا غير مَعْرُوف أَي غير مَعْرُوف الْعَدَالَة وإلَاّ فاسم الْجَهَالَة ارْتَفع عَنهُ بِرِوَايَة هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين، وَقد ذكر البُخَارِيّ فِي تَارِيخه وَابْن أبي حَاتِم وَلم يذكرَا فِيهِ جرحا، وَذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات على عَادَته فِيمَن لم يجرح. قَوْله: (عَن الشّعبِيّ) هُوَ عَامر بن شرَاحِيل. قَوْله: (وَأبي جَعْفَر) ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي: وَابْن جَعْفَر. وَالْأول هُوَ الْمُعْتَمد، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة ابْن الْمهْدي عَن الْمُسْتَمْلِي كالجماعة. وَهَكَذَا وَصله وَكِيع عَن سُفْيَان عَن يحيى. قَوْله: (فِيمَن يلْعَب بِالصَّبِيِّ إِن أدخلهُ فِيهِ) أَرَادَ بِهِ إِذا لَاطَ بِهِ فَلَا يتزوجن أمه، يَعْنِي: تحرم عَلَيْهِ، الْحَاصِل أَنه يثبت حُرْمَة الْمُصَاهَرَة. وَقَالَ ابْن بطال: أما تَحْرِيم النِّكَاح باللواطة فأصحاب أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ لَا يحرمُونَ بِهِ شَيْئا، وَقَالَ الثَّوْريّ: إِذا لعب بِالصَّبِيِّ خرمت عَلَيْهِ أمه. وَهُوَ قَول أَحْمد بن حَنْبَل، قَالَ: إِذا تلوط بِابْن امْرَأَته أَو أَبِيهَا أَو أُخْتهَا حرمت عَلَيْهِ امْرَأَته، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: إِذا لَاطَ غُلَام بِغُلَام وَولد للمفجور بِهِ بنت لم يجز لِلْفَاجِرِ أَن يتَزَوَّج بهَا لِأَنَّهَا بنت من قد دخل هُوَ بِهِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ عنِ ابنِ عَبّاسٍ: إِذَا زَنَى بِها لَا تَحْرُمْ علَيْهِ امْرَأتُهُ
أَي: قَالَ عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس عَن مَوْلَاهُ ابْن عَبَّاس: إِذا زنى رجل بِأم امْرَأَته لَا تحرم عَلَيْهِ امْرَأَته، وَوَصله الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق هِشَام عَن قَتَادَة عَن عِكْرِمَة بِلَفْظ: فِي رجل غشي أم امْرَأَته لَا تحرم عَلَيْهِ امْرَأَته.
ويُذْكَرُ عنْ أبي نَصْرٍ أنَّ ابنَ عبّاسٍ حَرَّمَهُ، وأبُو نَصْرٍ هاذا لمْ يُعْرَفْ سمَاعهُ مِنِ ابنِ عبَّاسٍ
أَبُو نصر هَذَا بِسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة يذكر عَنهُ أَن ابْن عَبَّاس حرمه أَي: حرم العقد الَّذِي بَينه وَبَين امْرَأَته بِوَطْء أمهَا، وَوَصله الثَّوْريّ فِي جَامعه من طَرِيقه وَلَفظه: أَن رجلا قَالَ إِنَّه أصَاب أم امْرَأَته، فَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس: حرمت عَلَيْك امْرَأَتك،
стр. 5990
وَذَلِكَ بعد أَن ولدت مِنْهُ سَبْعَة أَوْلَاد كُلهنَّ بلغ مبلغ الرِّجَال. قَوْله: (وَأَبُو نصر) هَذَا لم يعرف سَمَاعه عَن ابْن عَبَّاس، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة ابْن الْمهْدي عَن الْمُسْتَمْلِي: لَا يعرف بِسَمَاعِهِ، وَعدم الْمعرفَة بِسَمَاعِهِ عَن ابْن عَبَّاس هُوَ قَول البُخَارِيّ، وعرفه أَبُو زرْعَة بِأَن أسدي وَأَنه ثِقَة، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه سَأَلَهُ عَن قَوْله : ﴿وَالْفَجْر وليال عشر﴾ (الْفجْر: ١ ٢) انْتهى. فَإِن كَانَت الطَّرِيق إِلَيْهِ صَحِيحَة فَهُوَ يرد قَول البُخَارِيّ، وَلَا شكّ أَن عدم معرفَة البُخَارِيّ بِسَمَاعِهِ من ابْن عَبَّاس لَا تَسْتَلْزِم نفي معرفَة غَيره بِهِ عل أَن الْإِثْبَات أولى من النَّفْي.
ويُرْوَى عنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْن وجابِر بنِ زَيْدٍ والحَسَنِ وبَعْضِ أهْلِ العِراقِ، وَقَالَ: تَحْرُمُ علَيْهِ
عمرَان بن الْحصين: بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور، وَجَابِر بن زيد التَّابِعِيّ، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ وَبَعض أهل الْعرَاق مثل إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالثَّوْري وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه، فكلهم يَقُولُونَ: إِن من وطىء أم امْرَأَته تحرم عَلَيْهِ امْرَأَته، أما قَول عمرَان بن حُصَيْن فوصله عبد الرَّزَّاق من طَرِيق الْحسن الْبَصْرِيّ عَنهُ، قَالَ: من فجر بِأم امْرَأَته حرمتا عَلَيْهِ جَمِيعًا، وَأما قَول جَابر بن زيد وَالْحسن فوصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق قَتَادَة عَنْهُمَا، قَالَ: كَانَ جَابر بن زيد وَالْحسن يكرهان أَن يمس الرجل أم امْرَأَته يَعْنِي فِي الرجل يَقع على أم امْرَأَته، وَأما قَول بعض أهل الْعرَاق فَأخْرجهُ ابْن أبي شيبَة عَن جرير عَن مُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم وعامر فِي رجل وَقع على ابْنة امْرَأَته، قَالَا: حرمتا عَلَيْهِ كلتاهما، وَرُوِيَ عَن جرير عَن حجاج عَن ابْن هانىء الْخَولَانِيّ، قَالَ رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: من نظر إِلَى فرج امْرَأَة لم تحل لَهُ أمهَا وَلَا بنتهَا.
وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ: لَا تَحْرُمُ حتَّى يُلْزِقَ بالأرْضَ، يَعْنِي: يُجامِعَ
أَي: لَا تحرم الْبِنْت إِذا وطىء أمهَا، وَبِالْعَكْسِ أَيْضا. قَوْله: (حَتَّى يلزق) ، قَالَ ابْن التِّين بِفَتْح أَوله وَضَبطه غَيره بِالضَّمِّ، وَهُوَ أوجه، فسره البُخَارِيّ بقوله: (يَعْنِي بِجَامِع) وَكَأَنَّهُ أحترز بِهِ عَمَّا إِذا لمسها أَو قبلهَا من غير جماع لاتحرم.
وجَوَّزَهُ ابنُ المُسَيَّبِ وعِرْوَةُ والزُّهْرِيُّ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عليٌّ: لَا تَحْرُمُ
أَي: جوز سعيد بن الْمسيب وَعُرْوَة بن الزبير وَمُحَمّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ النِّكَاح بَينه وَبَين امْرَأَة قد وطىء أمهَا، وَقد رُوِيَ عبد الرَّزَّاق من طَرِيق الْحَارِث بن عبد الرَّحْمَن قَالَ: سَأَلت سعيد بن الْمسيب وَعُرْوَة بن الزبير عَن الرجل يَزْنِي بِالْمَرْأَةِ: هَل تحل لَهُ بنتهَا؟ فَقَالَا لَا يحرم الْحَرَام الْحَلَال، وَرُوِيَ عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ مثله. قَوْله: (وَقَالَ الزُّهْرِيّ: قَالَ عَليّ) أَي: عَليّ بن أبي طَالب: لَا يحرم، وَوَصله الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق يحيى بن أَيُّوب عَن عقيل عَن الزُّهْرِيّ أَنه سُئِلَ عَن رجل وطىء أم امْرَأَته، فَقَالَ: قَالَ عَليّ بن أبي طَالب، ﵁: لَا يحرم الْحَرَام الْحَلَال.
وهاذا مُرْسَلٌ
أَي: هَذَا الَّذِي رَوَاهُ الزُّهْرِيّ مُرْسل، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وَهُوَ مُرْسل أَي: مُنْقَطع، وَأطلق الْمُرْسل على الْمُنْقَطع وَهَذَا أَمر سهل.
٥٢ - (بابٌ ﴿ (٤) وربائبكم اللَّاتِي فِي حجوركم من نِسَائِكُم اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن﴾ (النِّسَاء: ٣٢)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَوْله : ﴿وربائبكم﴾ (النِّسَاء: ٣٢) وَهُوَ جمع: ريبية، وَهِي بنت امْرَأَة الرجل من غَيره، فعيلة بِمَعْنى مفعولة، سميت بهَا لِأَنَّهَا يُرَبِّيهَا زوج أمهَا غَالِبا. قَوْله: (فِي حجوركم) ، جمع حجر، بِفَتْح الحاى وَكسرهَا، يُقَال: فلَان فِي حجر فلَان أَي: فِي كنفه ومنعته، وَهِي من الْمُحرمَات بِشَرْط دُخُول الرجل على أَن الريبية: وَأَجْمعُوا على أَن الرجل إِذا تزوج امْرَأَة ثمَّ طَلقهَا أَو مَاتَت قبل أَن يدْخل بهَا حل لَهُ تَزْوِيج ابْنَتهَا، وَهُوَ قَول الحنيفة وَالثَّوْري وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَمن قَالَ بقوله من أهل الشَّام وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه، وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر، وَرُوِيَ عَن جَابر بن عبد الله وَعمْرَان بن حُصَيْن أَنَّهُمَا قَالَا: إِذا طَلقهَا قبل أَن يدْخل بهَا يتَزَوَّج ابْنَتهَا.
وَاخْتلفُوا فِي معنى الدُّخُول الَّذِي يَقع بِهِ تَحْرِيم الربائب، فَقَالَت طَائِفَة: الدُّخُول الْجِمَاع، رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس، وَبِه قَالَ طَاوُوس وَعَمْرو بن دِينَار. وَهُوَ الْأَصَح من قَول الشَّافِعِي. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ الْخلْوَة، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد، وَهنا قَول آخر وَهُوَ: أَن يحرم ذَلِك التفقيس والعقود بَين الرجلَيْن، هَكَذَا قَالَ عَطاء
следующие страницы →