Полный текст (7 603 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.
стр. 5986
هَذَا الْكَلَام، وَلَكِن عدم الْفَهم وأريحية العصبية يحْملَانِ الرجل على أَن أخبط من هَذَا، وَقَاعِدَة أَصْحَابنَا فِيمَا قَالُوهُ لَيست على الْإِطْلَاق بل هِيَ لَا يَخْلُو الصَّحَابِيّ فِي عمله بِمَا رأى لَا بِمَا رُوِيَ أَنه إِن كَانَ عمله أَو فتواه قبل الرِّوَايَة أَو قبل بُلُوغه إِلَيْهِ كَانَ الحَدِيث حجَّة، وَإِن كَانَ بعد ذَلِك لم يكن حجَّة، لِأَنَّهُ ثَبت عِنْده أَنه مَنْسُوخ، فَلذَلِك عمل بِمَا رَآهُ لَا بِمَا رَوَاهُ، على أَن ابْن عبد الْبر قد ذكر أَن عَائِشَة أَيْضا كَانَت مِمَّن حرم لبن الْفَحْل.
٣٢ - (بابُ شَهادَةِ المُرْضِعَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شَهَادَة الْمُرضعَة بِالرّضَاعِ وَحدهَا، وَفِيه خلاف، فَروِيَ عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وطاووس جَوَاز شَهَادَة وَاحِدَة فِيهِ إِذا كَانَت مُرْضِعَة، وتستحلف مَعَ شهادتها، وَهُوَ قَول الزُّهْرِيّ، وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَعَن الْأَوْزَاعِيّ: إِنَّه أجَاز شَهَادَة امْرَأَة وَاحِدَة فِي ذَلِك إِذا شهِدت قبل أَن تتزوجه، فَأَما بعده فَلَا وَرُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه: لَا يقبل فِي ذَلِك إِلَّا شَهَادَة رجلَيْنِ أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأَصْحَابه، وَقَالَ مَالك: تقبل شَهَادَة امْرَأتَيْنِ دون رجل، وَبِه قَالَ الحكم، وَقَالَت طَائِفَة: لَا يقبل فِي ذَلِك أقل من أَربع نسْوَة، رُوِيَ ذَلِك عَن عَطاء وَالشعْبِيّ، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي.
٤٠١٥ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله حَدثنَا إسْماعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنَا أيُّوبُ عنْ عَبْدِ الله بن أبي مُلَيْكَةَ قَالَ: حدّثني عُبَيْدُ بنُ أبي مَرْيَمَ عنْ عُقْبَةَ بنِ الحارِثِ قَالَ: وقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ عُقْبَةَ لكنِّي لِحَديثِ عُبَيْدٍ أحْفَظُ، قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأةً فَجَاءَتْنا امْرَأَةً فجاءَتْنَا امْرَأَةً سَوْدَاءٌ، فقالَتْ: أرْضَعْتُكُما فأتيْتُ النبيَّ ﷺ ، فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ بِنْتُ فُلَانٍ فجاءَتْنَا امْرَأةً سَوْداءٌ فقالَتْ لِي: إنِّي قدْ أرْضَعْتُكُما، وهْيَ كاذِبَةٌ، فأعْرَضَ عَنِّي فأتَيْتُهُ مِنْ قَبْلِ وجْهِهِ، قُلْتُ: إِنَّهَا كاذِبَة. قَالَ: كَيْفَ بِها وقَدْ زَعَكَتْ أَنَّهَا قَدْ أرْضَعْتُكُما؟ دَعْها عَنْكَ. وأشَارَ إسْماعِيلُ بإِصْبَعيْهِ السَّبَابَةِ والوُسْطَى يَحْكِي أيُّوبَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (كَيفَ بهَا) ؟ إِلَى آخِره، وَبِه أَخذ اللَّيْث وَقَالَ يجواز شَهَادَة الْمُرضعَة.
وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم هُوَ إِسْمَاعِيل بن علية، وَهِي أمه وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ وَعبيد بن أبي مَرْيَم الْمَكِّيّ مَاله فِي الصَّحِيح غير هَذَا الحَدِيث، وَذكره ابْن حبَان فِي ثِقَات التَّابِعين، وَعقبَة بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف ابْن الْحَارِث الْقرشِي الْمَكِّيّ الصَّحَابِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْعلم فِي بَاب الرحلة وَفِي كتاب الشَّهَادَات أَيْضا فِي: بَاب شَهَادَة الْإِمَاء وَالْعَبِيد.
قَوْله: (قَالَ: وَقد سمعته) أَي: قَالَ عبد الله بن أبي مليكَة: سَمِعت هَذَا الحَدِيث من عقبَة بن الْحَارِث، والاعتماد على سَمَاعه مِنْهُ. قَوْله: (تزوجت امْرَأَة) وَهِي أم يحيى بنت أبي إهَاب، بِكَسْر الْهمزَة، التَّمِيمِي. قَوْله: (امْرَأَة سَوْدَاء) وَلم يدر اسْمهَا. قَوْله: (فَأَعْرض عني) وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: فَأَعْرض عَنهُ، بطرِيق الِالْتِفَات. قَوْله: (من قبل وَجهه) بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (كَيفَ بهَا) استبعاد مِنْهُ أَي: وَكَيف تَجْتَمِع بهَا بعد أَن قيل هَذَا. قَوْله: (دعها) أَي: اتركها وَهُوَ أَمر من يدع أمره بِالتّرْكِ وَالْأَخْذ بالورع وَالِاحْتِيَاط لَا على الْإِيجَاب، وَرُوِيَ ابْن مهْدي بِإِسْنَادِهِ عَن رجل من بني عبس، قَالَ: سَأَلت عليا وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، عَن رجل تزوج امْرَأَة فَجَاءَت امْرَأَة فَزَعَمت أَنَّهَا أرضعتهما، فَقَالَا: ينزه عَنْهَا فَهُوَ خير، وَإِمَّا أَن يحرمها عَلَيْهِ أحد فَلَا، وَقد قَالَ زيد بن أسلم: إِن عمر بن الْخطاب لم يجز شَهَادَة امْرَأَة وَاحِدَة فِي الرَّضَاع. قَوْله: (وَأَشَارَ إِسْمَاعِيل) هُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الرَّاوِي، قَوْله: (بِأُصْبُعَيْهِ) يَعْنِي أَشَارَ بهما حِكَايَة عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ فِي إِشَارَته إِلَى الزَّوْجَيْنِ.
٤٢ - (بابُ مَا يَحلُّ مِنَ النِّساءِ وَمَا يَحْرُمُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يحل نِكَاحه من النِّسَاء وَمَا لَا يحل.
стр. 5987
وقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ (٤) حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم وبناتكم. . وأخواتكم وعماتكم وخلاتكم وَبَنَات الْأَخ وَبَنَات الْأُخْت﴾ (النِّسَاء: ٣٢) الْآيَة إِلَى قوْلِهِ ﴿ (٤) إِن الله كَانَ عليما حكميا﴾ (النِّسَاء: ٤٢)
وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: مَا يحل، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة كريمه، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم وبناتكم﴾ (النِّسَاء: ٣٢) الْآيَة إِلَى ﴿عليما حكيما﴾ (النِّسَاء: ٤٢) قَوْله: الْآيَة، وَفِي بعض النّسخ: الْآيَتَيْنِ، لِأَن من قَوْله ﴿حرمت﴾ (النِّسَاء: ٣٢) إِلَى قَوْله: ﴿عليما حكيما﴾ (النِّسَاء: ٤٢) آيَتَيْنِ الأولى من ﴿حرمت عَلَيْكُم﴾ (النِّسَاء: ٣٢) إِلَى قَوْله ﴿إِن الله كَانَ غَفُورًا رحِيما﴾ (النِّسَاء: ٣٢) وَالثَّانيَِة من قَوْله ﴿وَالْمُحصنَات من النِّسَاء﴾ إِلَى قَوْله ﴿إِن الله كَانَ عليما حكيما﴾ (النِّسَاء: ٤٢) وَقد بَين الله تَعَالَى هُنَا الْمُحرمَات من النِّسَاء وَهن أَربع عشرَة امْرَأَة: سبع من نسب وَسبع بِسَبَب، فالسبع الَّتِي من نسب هِيَ قَوْله: ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَبَنَات الْأُخْت﴾ (النِّسَاء: ٣٢) الأولى: الْأُمَّهَات وَالْمرَاد بهَا الوالدات وَمن فوقهن من الْجدَّات من قبل الْأُمَّهَات والآباء، الثَّانِيَة: الْبَنَات وَالْمرَاد بهَا بَنَات الأصلاب وَمن أَسْفَل مِنْهُنَّ من بَنَات الْأَبْنَاء وَالْبَنَات، وَإِن سفلن الثَّالِثَة: الْأَخَوَات وَالْمرَاد الشقيقات وغيرهن من الْآبَاء والأمهات. الرَّابِعَة: العمان وَالْمرَاد أَخَوَات الْآبَاء وأخوات الأجداد وَإِن علون. الْخَامِسَة: الخالات وَهِي أَخَوَات الْأُمَّهَات الوالدات لآبائهن وأمهاتهن. السَّادِسَة: بَنَات الْأَخ من الْأَب وَالأُم أَو من الْأَب أَو من الْأُم. وَبَنَات بناتهن وَإِن سفلن. السَّابِعَة: بَنَات الْأُخْت، كَذَلِك من أَي جِهَة كن، وَأَوْلَاد أَوْلَادهنَّ وَإِن سفلن. وَإِمَّا السَّبع الَّتِي من جِهَة السَّبَب فَهِيَ من قَوْله تَعَالَى: ﴿وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم﴾ (النِّسَاء: ٤٢) إِلَى آخر الْآيَة، وَالْمرَاد الْأُم الْمُرضعَة وَمن فَوْقهَا من أمهاتهاوإن بعدن وَقَامَ ذَلِك مقَام الوالدة ومقام أمهاتها وَالْأُخْت من الرَّضَاع الَّتِي أرضعتها أمك بلبان أَبِيك سَوَاء أرضعتها مَعَك أَو مَعَ ولد قبلك، أَو بعْدك. وَالْأُخْت من الْأَب دون الْأُم وَهِي الَّتِي أرضعتها زَوْجَة أَبِيك بلبان أَبِيك، وَالْأُخْت من الْأُم دون الْأَب وَهِي الَّتِي أرضعتها أمك بلبان رجل آخر، وَأم الْمَرْأَة حرَام عَلَيْهِ دخل بهَا أَو لم يدْخل بهَا، وَهُوَ قَول أَكثر الْفُقَهَاء، وَقَالَ عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير وَمُجاهد وَعِكْرِمَة: لَهُ أَن يتَزَوَّج قبل الدُّخُول بهَا، والربيبة وَهِي بنت امْرَأَة الرجل من غَيره، وَإِنَّمَا تحرم بِالدُّخُولِ بِالْأُمِّ، وَلَا تحرم بِمُجَرَّد العقد، وَذكر الْحجر بطرِيق الْأَغْلَب لَا على الشَّرْط، وحليلة الابْن أَي: زَوجته، وَإِنَّمَا قَالَ من أصلابكم تَحَرُّزًا عَن زَوْجَات المتبني، وَالْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ حرتين كَانَت أَو أمتين وطئتا فِي عقد وَاحِد فِي حَال الْحَيَاة، وَحكي عَن دَاوُد أَنه جوز ذَلِك بِملك الْيَمين، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
وَقَالَ أنَسٌ ﴿ (٤) وَالْمُحصنَات من النِّسَاء﴾ ذَوَات الْأزْوَاج الْحَرَائِر حرَام ﴿ (٤) إلَاّ مَا ملَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ (النِّسَاء: ٤٢) لَا يَرَى بَأْسا أنْ يَنْزِعَ الرَّجُلُ جارِيتَهُ منْ عَبْدِهِ
أَي: قَالَ أنس بن مَالك فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُحصنَات﴾ أَي: النِّسَاء الْمُحْصنَات اللَّاتِي لَهُنَّ أَزوَاج حرَام إلَاّ بعد طَلَاق أَزوَاجهنَّ وانقضاء الْعدة مِنْهُنَّ، وَقيل: الْمُحْصنَات أَي العفائف حرَام إلَاّ بعد النِّكَاح، وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة مَا رَوَاهُ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: أصبْنَا سَبَايَا يَوْم أَوْطَاس لَهُنَّ أَزوَاج، فكرهنا أَن نقع عَلَيْهِنَّ، فسألنا النَّبِي ﷺ فَنزلت هَذِه الْآيَة. قَوْله: (إِلَّا مَا ملكت) يعي إلَاّ الْأمة الْمُزَوجَة بِعَبْد، فَإِن لسَيِّده أَن يَنْزِعهَا من تَحت نِكَاح زَوجهَا. قَوْله: (وَلَا يرى بهَا) أَي: فِيهَا (بَأْسا) أَي: حرجا (أَن ينْزع الرجل جَارِيَته من عِنْده) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: جَارِيَة من عَبده.
وَقَالَ ﴿ (٢) وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن﴾ (الْبَقَرَة: ١٢٢)
أَي: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن﴾ (الْبَقَرَة: ١٢٢) أَي: لَا تتزوجوهن حَتَّى يُؤمن بِاللَّه، وقرىء بِضَم التَّاء أَي: وَلَا تزوجوهن، وَالْمرَاد بالمشركات الحربيات، وَالْآيَة ثَابِتَة، وَقيل: المشركات الكتابيات والحربيات أهل الْكتاب من أهل الشّرك لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَت الْيَهُود عُزَيْر ابْن الله وَقَالَت النَّصَارَى الْمَسِيح ابْن الله﴾ (التَّوْبَة: ٠٣) وَهِي مَنْسُوخَة بقوله: ﴿وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ﴾ (الْمَائِدَة: ٥) .
وَقَالَ ابنُ عبَّاسٍ، مَا زَادَ علَى أرْبَعٍ فهْوَ حرامٌ كأُمِّهِ وابْنَتِه وأُخْتِه
стр. 5988
أَي: مَا زَاد على أَربع نسْوَة، وَهَذَا وَصله إِسْمَاعِيل بن زِيَاد فِي تَفْسِيره عَن جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك مِنْهُ.
٥٠١٥ - وَقَالَ لَنا أحْمَدُ بنُ حنْبلٍ: حَدثنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ سُفْيانَ حدّثني حَبِيبُ عَن سَعِيدٍ عَن ابْن عبّاسٍ: حَرُمَ مِنَ النَّسَب سبْعٌ ومِنَ الصِّهْرِ سبْعٌ، ثُمَّ قرَأ ﴿ (٤) حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ (النِّسَاء: ٣٢) الْآيَة.
قَوْله: (قَالَ لنا أَحْمد بن حَنْبَل) وَهُوَ الإِمَام الْمَشْهُور، وَأخذ البُخَارِيّ عَنهُ هُنَا مذاكرة. وَلم يقل: حَدثنَا وَلَا أخبرنَا، وَرُوِيَ عَن أَحْمد بن الْحسن التِّرْمِذِيّ عَنهُ حَدِيثا وَاحِدًا فِي آخر الْمَغَازِي فِي مُسْند بُرَيْدَة قَوْله: إِنَّه غزا مَعَ النَّبِي ﷺ سِتّ عشرَة غَزْوَة، وَقَالَ فِي كتاب الصَّدقَات: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ حَدثنَا أبي حَدثنَا ثُمَامَة: الحَدِيث، ثمَّ قَالَ عقيبة: وَزَادَنِي أَحْمد بن حَنْبَل عَن مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، وَقَالَ هُنَا: قَالَ أَحْمد، رُوِيَ عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن سعيد بن جُبَير.
قَوْله: (حرم) ، أَي: حرم من النّسَب سبع نسْوَة وَمن الصهر كَذَلِك والصهر وَاحِد الأصهار وهم أهل بَيت الْمَرْأَة، وَمن الْعَرَب من يَجْعَل الصهر من الأحماء والأختان جَمِيعًا. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْأخْتَان من قبل الْمَرْأَة، والأحماء من قبل الرجل: والصهر يجمعهما وخان الرجل إِذا تزوج إِلَيْهِ قيل: الْآيَة لَا تدل على السَّبع الصهري. وَأجِيب بِأَنَّهُ اقْتصر على ذكر الْأُمَّهَات وَالْبَنَات لِأَنَّهُمَا كالأساس مِنْهُنَّ. وَهَذَا بترتيب مَا فِي الْقُرْآن من النّسَب. وَقيل: مَا فَائِدَة ذكر الْأُخْتَيْنِ بعْدهَا؟ وَأجِيب: الْإِشْعَار بِأَن حرمتهما لَيست مُطلقًا ودائما كالأصل وَالْفرع، عِنْد الْجمع. وَلم يذكر الْأَرْبَعَة الْأُخْرَى لِأَن حكمهن يعلم من الْأُخْتَيْنِ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِمَا لِأَن عِلّة حرمتهما الْجمع الْمُوجب لقطيعة الرَّحِم، وَذَلِكَ حَاصِل فيهمَا.
وقَدْ جَمَعَ عبْدُ الله بنُ جعفَرٍ بَيْنَ ابْنَةِ عليٍّ وامْرَأةِ علِيٍّ
أَي: قد جمع عبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب بَين ابْنة عَليّ بن أبي طَالب وَامْرَأَته ليلى بنت مَسْعُود، فكانتا عِنْده جَمِيعًا. وَفِي حَدِيث ابْن لَهِيعَة عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب، قَالَ: حَدثنِي غير وَاحِد أَن عبد الله بن جَعْفَر جمع بَين امْرَأَة عَليّ وَابْنَته، ثمَّ مَاتَت بنت عَليّ فَتزَوج عَلَيْهَا بِنْتا لَهُ أُخْرَى قَالَ: وَحدثنَا قبيصَة عَن سُفْيَان عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مهْرَان، قَالَ: جمع ابْن جَعْفَر بن أبي طَالب بَين بنت عَليّ وَامْرَأَته فِي لَيْلَة، وَعند ابْن سعد من حَدِيث ابْن أبي ذِئْب: حَدثنِي عبد الرَّحْمَن بن مهْرَان أَن ابْن جَعْفَر تزوج زَيْنَب بنت عَليّ وَتزَوج مَعهَا امْرَأَته ليلى بنت مَسْعُود، وَقَالَ ابْن سعد: فَلَمَّا توفيت زَيْنَب تزوج بعْدهَا أم كُلْثُوم بنت عَليّ بنت فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
وَقَالَ ابنُ سِيرِين: لَا بأْسَ بهِ وكَرهَهُ الحَسَنُ مَرَّةً، ثُمَّ قَالَ: لَا بأْسَ بهِ
أَي: قَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين: لَا بَأْس بِهَذَا الْجمع، وَقَالَ الْقَاسِم بن سَلام: حَدثنَا أسماعيل بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين أَنه كَانَ لَا يرى بذلك بَأْسا، وَقَالَ الْقَاسِم، وَكَذَلِكَ قَول سُفْيَان. وَأهل الْعرَاق لَا يرَوْنَ بِهِ بَأْسا، وَلَا أَحْسبهُ إلَاّ قَول أهل الْحجاز وَكَذَلِكَ هُوَ عندنَا، وَلَا أعلم أحدا كرهه إلَاّ شَيْئا يروي عَن الْحسن ثمَّ رَجَعَ عَنهُ. قلت: أَشَارَ إِلَيْهِ البُخَارِيّ بقوله: (وَكَرِهَهُ الْحسن مرّة ثمَّ قَالَ: لَا بَأْس بِهِ) وَقَالَ ابْن بطال قَالَ ابْن أبي ليلى: لَا يجوز هَذَا النِّكَاح، وَكَرِهَهُ عِكْرِمَة، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: ثَبت رُجُوع الْحسن عَنهُ وَأَجَازَهُ أَكثر أهل الْعلم. وَفعل ذَلِك صَفْوَان بن أُميَّة، وأباحه بن سِيرِين وَسليمَان بن يسَار وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق والكوفيون وَأَبُو عبيد وَأَبُو ثَوْر، وَقَالَ مَالك: لَا أعلم ذَلِك حَرَامًا، وَبِه نقُول، وَفِي الْإِسْنَاد إِلَى عِكْرِمَة فِي كَرَاهَته مقَال.
وجَمَعَ الحَسَنُ بنُ الحَسنِ بنِ علِيٍّ بَيْنَ ابْنَتَيْ عَمٍ فِي لَيْلةٍ
أَي: جمع الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب إِلَى آخِره، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو عبيد بن سَلام فِي كتاب النِّكَاح تأليفه: عَن حجاج عَن ابْن جريج أَخْبرنِي عَمْرو بن دِينَار أَن الْحسن بن مُحَمَّد أخبرهُ: أَن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بني فِي لَيْلَة وَاحِدَة
стр. 5989
ببنت مُحَمَّد بن عَليّ وببنت عمر بن عَليّ، فَجمع بَينهمَا، يَعْنِي: بَين ابْنَتي الْعم، وَأَن مُحَمَّد بن عَليّ قَالَ: هُوَ أحب إِلَيْنَا مِنْهُمَا، مَا يَعْنِي ابْن الْحَنَفِيَّة، قَالَ ابْن بطال: وَكَرِهَهُ مَالك وَلَيْسَ بِحرَام، إِنَّمَا هُوَ لأجل القطيعة، قَالَ: وَهُوَ قَول عَطاء وَجَابِر بن زيد، وَفِي المُصَنّف: عَن عَطاء يكره الْجمع بَينهمَا لفساد بَينهمَا. وَكَذَا ذكره عَن الْحسن، وَحدثنَا ابْن نمير عَن سُفْيَان حَدثنِي خَالِد الفأفاء عَن عِيسَى بن طَلْحَة، قَالَ: نهى رَسُول الله ﷺ أَن ينْكح الْمَرْأَة على قرابتها مَخَافَة القطيعة.
وكَرِهَهُ جابِرُ بنُ زَيْدٍ لِلْقَطِيعَةِ، ولَيْسَ فِيهِ تحْرِيمٌ لقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ (٤) وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم﴾ (النِّسَاء: ٤٢)
أَي: كره هَذَا النِّكَاح الْمَذْكُور جَابر بن زيد أَبُو الشعْثَاء الْأَزْدِيّ اليحمدي الجوفي بِالْجِيم نَاحيَة عمان الْبَصْرِيّ التَّابِعِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ. قَوْله: (للقطعية) أَي: لوُقُوع التنافس بَينهمَا فِي الحظوة عِنْد الزَّوْج، فَيُؤَدِّي ذَلِك إِلَى قطيعة الرَّحِم. قَوْله: (وَلَيْسَ فِيهِ تَحْرِيم) من كَلَام البُخَارِيّ، وَقد صرح بِهِ قَتَادَة قبله.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ عنِ ابنِ عَباسٍ: إِذا زَنَى بأُخْتِ امْرَأتِه لَمْ تَحْرُمْ علَيْهِ امْرَأتُهُ
هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن عبد الْأَعْلَى عَن هِشَام عَن قيس بن سعد عَن عَطاء، وَقَالَ ابْن بطال: إِنَّمَا حرم الله الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ بِالنِّكَاحِ خَاصَّة لَا بِالزِّنَا، أَلا ترى أَنه يجوز نِكَاح وَاحِدَة بهد أُخْرَى من الْأُخْتَيْنِ وَلَا يجوز ذَلِك فِي الْمَرْأَة وابنتها من غَيره، والكوفيون على أَنه إِذا زنى بِالْأُمِّ حرم عَلَيْهِ بنتهَا، وَكَذَا عَكسه وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق: إِنَّه يحرم عَلَيْهِ ابْنَتهَا وَأمّهَا. وَهِي رِوَايَة ابْن الْقَاسِم فِي الْمُدَوَّنَة وَخَالف فِيهِ ابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن الْمسيب وَعُرْوَة وَرَبِيعَة وَاللَّيْث، فَقَالُوا: الْحَرَام لَا يحرم حَلَالا. وَهُوَ قَوْله: فِي (الْمُوَطَّأ) ، ويه قَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو ثَوْر.
ويُرْوَى عنْ يَحْيَى الكِنْديِّ عنِ الشَّعْبِيِّ وَأبي جعْفَرٍ فِيمَنْ يلْعبُ بالصَّبِيِّ إِنْ أدخلَهُ فِيه فَلا يَتَزَوَّجَنَّ أُمَّهُ، ويَحْيَى هاذا غيْرُ مَعْرُوفٍ لَمْ يُتابَعْ علَيْهِ
يحيى هَذَا هُوَ ابْن قيس الْكِنْدِيّ، رُوِيَ عَن شُرَيْح وَرُوِيَ عَنهُ أَبُو عوَانَة وَشريك الثَّوْريّ، وَقَول البُخَارِيّ: وَيحيى هَذَا غير مَعْرُوف أَي غير مَعْرُوف الْعَدَالَة وإلَاّ فاسم الْجَهَالَة ارْتَفع عَنهُ بِرِوَايَة هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين، وَقد ذكر البُخَارِيّ فِي تَارِيخه وَابْن أبي حَاتِم وَلم يذكرَا فِيهِ جرحا، وَذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات على عَادَته فِيمَن لم يجرح. قَوْله: (عَن الشّعبِيّ) هُوَ عَامر بن شرَاحِيل. قَوْله: (وَأبي جَعْفَر) ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي: وَابْن جَعْفَر. وَالْأول هُوَ الْمُعْتَمد، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة ابْن الْمهْدي عَن الْمُسْتَمْلِي كالجماعة. وَهَكَذَا وَصله وَكِيع عَن سُفْيَان عَن يحيى. قَوْله: (فِيمَن يلْعَب بِالصَّبِيِّ إِن أدخلهُ فِيهِ) أَرَادَ بِهِ إِذا لَاطَ بِهِ فَلَا يتزوجن أمه، يَعْنِي: تحرم عَلَيْهِ، الْحَاصِل أَنه يثبت حُرْمَة الْمُصَاهَرَة. وَقَالَ ابْن بطال: أما تَحْرِيم النِّكَاح باللواطة فأصحاب أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ لَا يحرمُونَ بِهِ شَيْئا، وَقَالَ الثَّوْريّ: إِذا لعب بِالصَّبِيِّ خرمت عَلَيْهِ أمه. وَهُوَ قَول أَحْمد بن حَنْبَل، قَالَ: إِذا تلوط بِابْن امْرَأَته أَو أَبِيهَا أَو أُخْتهَا حرمت عَلَيْهِ امْرَأَته، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: إِذا لَاطَ غُلَام بِغُلَام وَولد للمفجور بِهِ بنت لم يجز لِلْفَاجِرِ أَن يتَزَوَّج بهَا لِأَنَّهَا بنت من قد دخل هُوَ بِهِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ عنِ ابنِ عَبّاسٍ: إِذَا زَنَى بِها لَا تَحْرُمْ علَيْهِ امْرَأتُهُ
أَي: قَالَ عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس عَن مَوْلَاهُ ابْن عَبَّاس: إِذا زنى رجل بِأم امْرَأَته لَا تحرم عَلَيْهِ امْرَأَته، وَوَصله الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق هِشَام عَن قَتَادَة عَن عِكْرِمَة بِلَفْظ: فِي رجل غشي أم امْرَأَته لَا تحرم عَلَيْهِ امْرَأَته.
ويُذْكَرُ عنْ أبي نَصْرٍ أنَّ ابنَ عبّاسٍ حَرَّمَهُ، وأبُو نَصْرٍ هاذا لمْ يُعْرَفْ سمَاعهُ مِنِ ابنِ عبَّاسٍ
أَبُو نصر هَذَا بِسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة يذكر عَنهُ أَن ابْن عَبَّاس حرمه أَي: حرم العقد الَّذِي بَينه وَبَين امْرَأَته بِوَطْء أمهَا، وَوَصله الثَّوْريّ فِي جَامعه من طَرِيقه وَلَفظه: أَن رجلا قَالَ إِنَّه أصَاب أم امْرَأَته، فَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس: حرمت عَلَيْك امْرَأَتك،
стр. 5990
وَذَلِكَ بعد أَن ولدت مِنْهُ سَبْعَة أَوْلَاد كُلهنَّ بلغ مبلغ الرِّجَال. قَوْله: (وَأَبُو نصر) هَذَا لم يعرف سَمَاعه عَن ابْن عَبَّاس، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة ابْن الْمهْدي عَن الْمُسْتَمْلِي: لَا يعرف بِسَمَاعِهِ، وَعدم الْمعرفَة بِسَمَاعِهِ عَن ابْن عَبَّاس هُوَ قَول البُخَارِيّ، وعرفه أَبُو زرْعَة بِأَن أسدي وَأَنه ثِقَة، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه سَأَلَهُ عَن قَوْله : ﴿وَالْفَجْر وليال عشر﴾ (الْفجْر: ١ ٢) انْتهى. فَإِن كَانَت الطَّرِيق إِلَيْهِ صَحِيحَة فَهُوَ يرد قَول البُخَارِيّ، وَلَا شكّ أَن عدم معرفَة البُخَارِيّ بِسَمَاعِهِ من ابْن عَبَّاس لَا تَسْتَلْزِم نفي معرفَة غَيره بِهِ عل أَن الْإِثْبَات أولى من النَّفْي.
ويُرْوَى عنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْن وجابِر بنِ زَيْدٍ والحَسَنِ وبَعْضِ أهْلِ العِراقِ، وَقَالَ: تَحْرُمُ علَيْهِ
عمرَان بن الْحصين: بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور، وَجَابِر بن زيد التَّابِعِيّ، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ وَبَعض أهل الْعرَاق مثل إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالثَّوْري وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه، فكلهم يَقُولُونَ: إِن من وطىء أم امْرَأَته تحرم عَلَيْهِ امْرَأَته، أما قَول عمرَان بن حُصَيْن فوصله عبد الرَّزَّاق من طَرِيق الْحسن الْبَصْرِيّ عَنهُ، قَالَ: من فجر بِأم امْرَأَته حرمتا عَلَيْهِ جَمِيعًا، وَأما قَول جَابر بن زيد وَالْحسن فوصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق قَتَادَة عَنْهُمَا، قَالَ: كَانَ جَابر بن زيد وَالْحسن يكرهان أَن يمس الرجل أم امْرَأَته يَعْنِي فِي الرجل يَقع على أم امْرَأَته، وَأما قَول بعض أهل الْعرَاق فَأخْرجهُ ابْن أبي شيبَة عَن جرير عَن مُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم وعامر فِي رجل وَقع على ابْنة امْرَأَته، قَالَا: حرمتا عَلَيْهِ كلتاهما، وَرُوِيَ عَن جرير عَن حجاج عَن ابْن هانىء الْخَولَانِيّ، قَالَ رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: من نظر إِلَى فرج امْرَأَة لم تحل لَهُ أمهَا وَلَا بنتهَا.
وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ: لَا تَحْرُمُ حتَّى يُلْزِقَ بالأرْضَ، يَعْنِي: يُجامِعَ
أَي: لَا تحرم الْبِنْت إِذا وطىء أمهَا، وَبِالْعَكْسِ أَيْضا. قَوْله: (حَتَّى يلزق) ، قَالَ ابْن التِّين بِفَتْح أَوله وَضَبطه غَيره بِالضَّمِّ، وَهُوَ أوجه، فسره البُخَارِيّ بقوله: (يَعْنِي بِجَامِع) وَكَأَنَّهُ أحترز بِهِ عَمَّا إِذا لمسها أَو قبلهَا من غير جماع لاتحرم.
وجَوَّزَهُ ابنُ المُسَيَّبِ وعِرْوَةُ والزُّهْرِيُّ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عليٌّ: لَا تَحْرُمُ
أَي: جوز سعيد بن الْمسيب وَعُرْوَة بن الزبير وَمُحَمّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ النِّكَاح بَينه وَبَين امْرَأَة قد وطىء أمهَا، وَقد رُوِيَ عبد الرَّزَّاق من طَرِيق الْحَارِث بن عبد الرَّحْمَن قَالَ: سَأَلت سعيد بن الْمسيب وَعُرْوَة بن الزبير عَن الرجل يَزْنِي بِالْمَرْأَةِ: هَل تحل لَهُ بنتهَا؟ فَقَالَا لَا يحرم الْحَرَام الْحَلَال، وَرُوِيَ عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ مثله. قَوْله: (وَقَالَ الزُّهْرِيّ: قَالَ عَليّ) أَي: عَليّ بن أبي طَالب: لَا يحرم، وَوَصله الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق يحيى بن أَيُّوب عَن عقيل عَن الزُّهْرِيّ أَنه سُئِلَ عَن رجل وطىء أم امْرَأَته، فَقَالَ: قَالَ عَليّ بن أبي طَالب، ﵁: لَا يحرم الْحَرَام الْحَلَال.
وهاذا مُرْسَلٌ
أَي: هَذَا الَّذِي رَوَاهُ الزُّهْرِيّ مُرْسل، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وَهُوَ مُرْسل أَي: مُنْقَطع، وَأطلق الْمُرْسل على الْمُنْقَطع وَهَذَا أَمر سهل.
٥٢ - (بابٌ ﴿ (٤) وربائبكم اللَّاتِي فِي حجوركم من نِسَائِكُم اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن﴾ (النِّسَاء: ٣٢)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَوْله : ﴿وربائبكم﴾ (النِّسَاء: ٣٢) وَهُوَ جمع: ريبية، وَهِي بنت امْرَأَة الرجل من غَيره، فعيلة بِمَعْنى مفعولة، سميت بهَا لِأَنَّهَا يُرَبِّيهَا زوج أمهَا غَالِبا. قَوْله: (فِي حجوركم) ، جمع حجر، بِفَتْح الحاى وَكسرهَا، يُقَال: فلَان فِي حجر فلَان أَي: فِي كنفه ومنعته، وَهِي من الْمُحرمَات بِشَرْط دُخُول الرجل على أَن الريبية: وَأَجْمعُوا على أَن الرجل إِذا تزوج امْرَأَة ثمَّ طَلقهَا أَو مَاتَت قبل أَن يدْخل بهَا حل لَهُ تَزْوِيج ابْنَتهَا، وَهُوَ قَول الحنيفة وَالثَّوْري وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَمن قَالَ بقوله من أهل الشَّام وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه، وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر، وَرُوِيَ عَن جَابر بن عبد الله وَعمْرَان بن حُصَيْن أَنَّهُمَا قَالَا: إِذا طَلقهَا قبل أَن يدْخل بهَا يتَزَوَّج ابْنَتهَا.
وَاخْتلفُوا فِي معنى الدُّخُول الَّذِي يَقع بِهِ تَحْرِيم الربائب، فَقَالَت طَائِفَة: الدُّخُول الْجِمَاع، رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس، وَبِه قَالَ طَاوُوس وَعَمْرو بن دِينَار. وَهُوَ الْأَصَح من قَول الشَّافِعِي. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ الْخلْوَة، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد، وَهنا قَول آخر وَهُوَ: أَن يحرم ذَلِك التفقيس والعقود بَين الرجلَيْن، هَكَذَا قَالَ عَطاء
стр. 5991
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ إِن دخل بِالْأُمِّ فعراها ولمسها بِيَدِهِ أَو أغلق بَابا أَو أرْخى سترا فَلَا يحل لَهُ نِكَاح ابْنَتهَا. وَاخْتلفُوا فِي النّظر، فَقَالَ مَالك: إِذا نظر إِلَى شعرهَا أَو صدرها أَو شَيْء من محاسنها بلذة حرمت عَلَيْهِ أمهَا وبنتها. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: إِذا نظر إِلَى فرجهَا بِشَهْوَة كَانَ بِمَنْزِلَة اللَّمْس بِشَهْوَة، وَقَالَ ابْن أبي ليلى: لَا تحرم بِالنّظرِ حَتَّى يلمس. وَبِه قَالَ الشَّافِعِي، وَقد رُوِيَ التَّحْرِيم بِالنّظرِ عَن مَسْرُوق وَالتَّحْرِيم باللمس عَن النَّخعِيّ وَالقَاسِم وَمُجاهد.
وَقَالَ ابنُ عبّاسٍ: الدُّخُولُ والمَسِيسُ واللِّماسُ: هُوَ الجِماعُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن معنى هَذِه الْأَلْفَاظ الْجِمَاع، ذكرهَا الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن، وَرُوِيَ عبد الرَّزَّاق من طَرِيق بكر بن أبي عبد الله الْمُزنِيّ قَالَ: قَالَ ابْن عَبَّاس: الدُّخُول والعشي والإفضاء والمباشرة والرفث: الْجِمَاع، إلَاّ أَن الله تَعَالَى حَيّ كريم يكني بِمَا شَاءَ عَمَّن شَاءَ.
ومَنْ قَالَ: بَناتُ وَلدِها مِنْ بَناتِه فِي التَّحْرِيمِ لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ . لأُمِّ حبِيبَةَ: لَا تعْرِضْنَ علَيَّ بَناتِكُنَّ وَلَا أخَوَاتِكُنَّ
يَعْنِي الَّذِي قَالَ: حكم بَنَات ولد الْمَرْأَة كَحكم بَنَات الْمَرْأَة فِي التَّحْرِيم على الرجل محتجا بقوله ﷺ لأم حَبِيبَة: (لَا تعرضن عَليّ بناتكن) وَوجه دلَالَة الحَدِيث عَلَيْهِ أَن لفظ الْبَنَات متناول لبنات الْبَنَات، وَإِن لم يكن فِي حجره يَعْنِي: الربيبة مُطلقًا. وَحَدِيث أم حَبِيبَة قد تقدم عَن قريب.
قَوْله: (وَمن قَالَ) إِلَى قَوْله: حَدثنَا الْحميدِي، لم يثبت فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن السَّرخسِيّ.
وكَذلِكَ ولَدُ الأبْنَاءِ هُنَّ حلائلُ الأبْناء
أَي: كَذَلِك فِي الترحيم ولد الْأَبْنَاء هن حلائل الْأَبْنَاء أَي: أَزوَاجهم، وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ.
وهَلْ تُسَمَّى الرَّبِيبَةَ وَإنْ لم تَكُمْ فِي حَجْرِهِ
إِنَّمَا ذكره بالاستفهام لِأَن فِيهِ خلافًا. وَهُوَ أَن التَّقْيِيد بِالْحجرِ شَرط أم لَا؟ وَعند الْجُمْهُور: لَيْسَ بِشَرْط، وَذكر لفظ الْحجر بِالنّظرِ إِلَى الْغَالِب وَلَا اعْتِبَار لمَفْهُوم الْمُخَالفَة إِذا كَانَ الْكَلَام خَارِجا على الْأَغْلَب وَالْعَادَة، وَعند الظَّاهِرِيَّة. لَا تَحْرِيم إلَاّ إِذا كَانَت فِي حجره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
ودَفَعَ النبيّ ﷺ ، رَبِيبَةٍ لهُ إِلَى مَنْ يَكْفُلُها
ذكر هَذَا فِي معرض الِاحْتِجَاج على كَون الربيبة فِي الْحجر لَيْسَ بِشَرْط، كَمَا ذهب إِلَيْهِ أهل الظَّاهِر، وَوَجهه أَنه ﷺ دفع ربيبة لَهُ إِلَى من يكلفها. قَوْله: (دفع النَّبِي ﷺ طرف من حَدِيث رَوَاهُ الْبَزَّار وَالْحَاكِم من طَرِيق أبي إِسْحَاق عَن فَرْوَة بن نَوْفَل الْأَشْجَعِيّ عَن أَبِيه، وَكَانَ النَّبِي ﷺ دفع إِلَيْهِ زَيْنَب بنت أم سَلمَة، وَقَالَ: إِنَّمَا أَنْت ظئري. قَالَ: فَذهب بهَا ثمَّ جَاءَ فَقَالَ: مَا فعلت الجويرية؟ قَالَ: عِنْد أمهَا يَعْنِي من الرضَاعَة، وَجئْت لتعلمني، فَذكر حَدِيثا فِيمَا يقْرَأ عِنْد النّوم. قلت: نَوْفَل الْأَشْجَعِيّ لَهُ صُحْبَة نزل الْكُوفَة، قَالَ أَبُو عمر: لم يرو عَنهُ غير بنيه: فَرْوَة وَعبد الرَّحْمَن وسحيم بَنو نَوْفَل، حَدِيثه فِي ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾ (الْكَافِرُونَ: ١) مُخْتَلف فِيهِ مُضْطَرب الْإِسْنَاد قلت: حَدِيثه فِي سنَن أبي دَاوُد رَحمَه الله تَعَالَى، فَأن قلت: احْتج أهل الظَّاهِر بقوله ﷺ : لَو لم يكن ربيبتي فِي حجري، فَشرط الْحجر. قلت: هَذَا أخرجه صَالح بن أَحْمد عَن أَبِيه. وَأخرجه أَبُو عبيد أَيْضا، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر والطَّحَاوِي أَنه غير ثَابت عَنهُ، فِيهِ إِبْرَاهِيم بن عبيد بن رِفَاعَة لَا يعرف، وَأكْثر أهل الْعلم تلقوهُ بِالدفع وَالْخلاف وَاحْتَجُّوا فِي دَفعه بقوله لأم حَبِيبَة: فَلَا تعرضن عَليّ بناتكن وَلَا أخواتكن، فَدلَّ ذَلِك على انتفائه، ووهاه أَبُو عبيد أَيْضا.
وسمَّى النبيُّ ﷺ ابنَ ابْنَتهِ إبْنا
стр. 5992
ذكر هَذَا أَيْضا فِي معرض الِاحْتِجَاج لقَوْله: وَمن قَالَ بَنَات وَلَدهَا، وَقَوله: وَكَذَلِكَ ولد الْأَبْنَاء، وَوَجهه أَنه قَالَه فِي حَدِيث أبي بكر الَّذِي مضى فِي المناقب: إِن ابْني هَذَا سيد، يَعْنِي الْحسن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
٤٣ - (حَدثنَا الْحميدِي حَدثنَا سُفْيَان حَدثنَا هِشَام عَن أَبِيه عَن زَيْنَب عَن أم حَبِيبَة قَالَت قلت يَا رَسُول الله هَل لَك فِي بنت أبي سُفْيَان قَالَ فأفعل مَاذَا قلت تنْكح قَالَ أتحبين قلت لست لَك بمخلية وَأحب من شركني فِيك أُخْتِي قَالَ إِنَّهَا لَا تحل لي قلت بَلغنِي أَنَّك تخْطب قَالَ ابْنة أم سَلمَة قلت نعم قَالَ لَو لم تكن ربيبتي مَا حلت لي أرضعتني وأباها ثويبة فَلَا تعرضن عَليّ بناتكن وَلَا أخواتكن) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة والْحميدِي عبد الله بن الزبير مَنْسُوب إِلَى أحد أجداده حميد وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَهِشَام بن عُرْوَة بن الزبير وَزَيْنَب بنت أبي سَلمَة ربيبة رَسُول الله ﷺ َ - والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي بَاب وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم وَمر الْكَلَام فِيهِ قَوْله فأفعل مَاذَا فَإِن مَا قلت مَاذَا لَهُ صدر الْكَلَام قلت تَقْدِيره فَمَاذَا أفعل مَاذَا قَوْله بمخلية من بَاب الْأَفْعَال أَي لست خَالِيَة عَن الضرة قَوْله وأباها أَي أَبَا ابْنة أبي سَلمَة
(وَقَالَ اللَّيْث حَدثنَا هِشَام درة بنت أبي سَلمَة) يَعْنِي روى اللَّيْث بن سعد عَن هِشَام بن عُرْوَة فَسمى بنت أبي سَلمَة درة بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء وَقد ذكرنَا الْخلاف فِيهِ فِي بَاب وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم -
٦٢ - (بابٌ ﴿ (٤) وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قد سلف﴾ (النِّسَاء: ٣٢)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله : ﴿وَأَن تجمعُوا﴾ (النِّسَاء: ٣٢) الْآيَة، وَقد مر فِيهَا أَن الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ حرَام بِالْعقدِ.
٧٠١٥ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عَن ابنِ شِهابٍ أنَّ عُرْوَةَ بنَ الزُّبَيْرِ أخْبَرَهُ أنَّ زَيْنَب ابْنَةَ أبي سلَمَةَ أخْبَرَتْهُ أنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ قالَتْ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله ﴿أنْكِحْ أُخْتِي بِنْتَ أبي سُفْيانَ. قَالَ: وتُحبِّينَ؟ قُلْتُ: نعَمْ لَسْتُ بِمُخَلَيةٍ وأحَبُّ من شارَكَنِي فِي خَيْر أُخْتي. فَقَالَ النبيُّ ﷺ : إِنَّ ذالِكَ لَا يَحِلُّ لِي قُلْتُ: يَا رسولَ الله﴾ فَوَالله إِنَّا لَنَتَحَدَّثُ أنَّكَ تُريدُ أنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ بنْتَ أبي سلَمَةَ. قَالَ: بنْتُ أُمِّ سلَمَةَ، فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَوَالله لوْ لَمْ تَكُنْ فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي، إنَّها لَابْنَة أخِي مِنَ الرَّضاعَةِ، أرْضَعَتْنِي وَأَبا سلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَناتِكُنَّ وَلَا أخَوَاتِكُنَّ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَقد أخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع، فَفِي كل مَوضِع وضع تَرْجَمَة مُطَابقَة لموْضِع فِي الحَدِيث، وَهنا مَوضِع التَّرْجَمَة، وَهُوَ قَوْله: (فَلَا تعرضن) إِلَخ.
٧٢ - (بابٌ: لَا تُنْكَحُ المَرْأةُ على عَمَّتِها)
أَي: هَذَا ابا فِي بَيَان عدم جَوَاز إنكاح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا، يَعْنِي: لَا يجوز الْجمع بَين الْمَرْأَة وعمتها بِنِكَاح.
٤٥ - (حَدثنَا عَبْدَانِ أخبرنَا عبد الله أخبرنَا عَاصِم عَن الشّعبِيّ سمع جَابِرا ﵁ قَالَ نهى رَسُول الله ﷺ َ - أَن تنْكح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا أَو خَالَتهَا) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَاقْتصر فِيهَا على لفظ الْعمة لكَون الْخَالَة مثلهَا وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة الْمروزِي
стр. 5993
وَعبيد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي وَعَاصِم هُوَ ابْن سُلَيْمَان الْأَحول الْبَصْرِيّ وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن آدم وَغَيره قَوْله أَو خَالَتهَا أَي أَو لَا تنْكح على خَالَتهَا وَكلمَة أَو لَيست للشَّكّ لِأَن حكمهمَا وَاحِد وَظَاهر الحَدِيث تَخْصِيص الْمَنْع مِمَّا إِذا تزوج إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى وَيُؤْخَذ مِنْهُ منع تزويجهما مَعًا فَإِن جمع بَينهمَا بِعقد بطلا أَو مُرَتبا بَطل الثَّانِي وَقَالَ الْخطابِيّ وَفِي معنى خَالَتهَا وعمتها خَالَة أَبِيهَا وَعَمَّته وعَلى هَذَا الْقيَاس كل امْرَأتَيْنِ لَو كَانَت إِحْدَاهمَا رجلا لم تحل لَهُ الْأُخْرَى وَإِنَّمَا نهى عَن الْجمع بَينهمَا لِئَلَّا يَقع التنافس فِي الحظوة من الزَّوْج فيفضي إِلَى قطع الْأَرْحَام وَعند ابْن حبَان نهى أَن تزوج الْمَرْأَة على الْعمة وَالْخَالَة وَقَالَ إنكن إِذا فعلتن ذَلِك قطعتن أرحامكن
(وَقَالَ دَاوُد وَابْن عون عَن الشّعبِيّ عَن أبي هُرَيْرَة) دَاوُد هُوَ ابْن أبي هِنْد واسْمه دِينَار الْقشيرِي وَابْن عون هُوَ عبد الله بن عون بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وبالنون الْبَصْرِيّ قَوْله " عَن الشّعبِيّ " أَي رويا كِلَاهُمَا عَن عَامر الشّعبِيّ عَن أبي هُرَيْرَة وَذكر روايتهما معلقَة أما رِوَايَة دَاوُد فوصلها أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ والدارمي فَلفظ أبي دَاوُد لَا تنْكح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا وَلَا على خَالَتهَا وَلَفظ التِّرْمِذِيّ نهى أَن تنْكح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا أَو الْعمة على ابْنة أُخْتهَا وَالْمَرْأَة على خَالَتهَا أَو الْخَالَة على ابْنة أُخْتهَا وَلَا تنْكح الصُّغْرَى على الْكُبْرَى وَلَا الْكُبْرَى على الصُّغْرَى وَلَفظ الدَّارمِيّ نَحوه وَلما أخرج التِّرْمِذِيّ حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَأخرج حَدِيث ابْن عَبَّاس أَيْضا هَكَذَا قَالَ حَدِيث ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة حَدِيث صَحِيح قَالَ وَفِي الْبَاب عَن عَليّ وَابْن عمر وَعبد الله بن عَمْرو وَأبي سعيد وَأبي أُمَامَة وَجَابِر وَعَائِشَة وَأبي مُوسَى وَسمرَة بن جُنْدُب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين حَدِيث عَليّ رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَحَدِيث ابْن عمر رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه وَفِيه جَعْفَر بن برْقَان فالجمهور على تَضْعِيفه وَحَدِيث عبد الله بن عَمْرو رَوَاهُ أَحْمد وَابْن أبي شيبَة وَلَفظه أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ يَوْم فتح مَكَّة لَا تنْكح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا وَلَا على خَالَتهَا وَحَدِيث أبي سعيد أخرجه ابْن مَاجَه وَلَفظه سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - نهى عَن نِكَاحَيْنِ أَن يجمع بَين الْمَرْأَة وعمتها وَبَين الْمَرْأَة وخالتها وأخلى شَيخنَا موضعا لحَدِيث أبي أُمَامَة وَحَدِيث جَابر عِنْد البُخَارِيّ وَحَدِيث عَائِشَة أخلى مَوْضِعه أَيْضا وَحَدِيث أبي مُوسَى أخرجه ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد ضَعِيف وَحَدِيث سَمُرَة بن جُنْدُب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَأخرج شَيخنَا عَن عتاب بن أسيد عَن الطَّبَرَانِيّ فِيهِ مُوسَى بن عُبَيْدَة وَهُوَ ضَعِيف عِنْدهم وَبَقِي الْكَلَام فِي موضِعين الأول أَن أَبَا عمر ذكر فِي التَّمْهِيد عَن بعض أهل الحَدِيث أَنه كَانَ يزْعم أَن هَذَا الحَدِيث لم يسْندهُ أحد غير أبي هُرَيْرَة وَلم يسم قَائِل ذَلِك من أهل الحَدِيث قَالَ شَيخنَا أَظُنهُ أَرَادَ بِهِ الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَإِن كَانَ أَرَادَهُ فَهُوَ لم يقل لم يروه وَإِنَّمَا قَالَ لم يثبت وَقد روى كَلَامه الْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن والمعرفة أَيْضا فَرَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيح إِلَيْهِ أَنه قَالَ وَلم يرو من جِهَة يُثبتهُ أهل الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ َ - إِلَّا عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قد روى من حَدِيث لَا يُثبتهُ أهل الحَدِيث من وَجه آخر قلت اعْترض صَاحب الْجَوْهَر النقي على الْبَيْهَقِيّ بِأَن قَالَ وَقد أثْبته أهل الحَدِيث من رِوَايَة اثْنَيْنِ غير أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَإِنَّهُ أخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن صَحِيح وَأخرجه البُخَارِيّ من حَدِيث جَابر فَيحمل على أَن الشّعبِيّ سَمعه مِنْهُمَا أَعنِي أَبَا هُرَيْرَة وجابرا وَهَذَا أولى من تخطئة أحد الطَّرفَيْنِ إِذْ لَو كَانَ كَذَلِك لم يُخرجهُ البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح وَقَالَ شَيخنَا سَماع الشّعبِيّ مِنْهُمَا صرح بِهِ حَمَّاد بن سَلمَة فِي رِوَايَته لهَذَا الحَدِيث عَن عَاصِم عَن الشّعبِيّ عَن جَابر وَأبي هُرَيْرَة وَكَذَلِكَ ذكره الْحَافِظ الْمزي فِي الْأَطْرَاف إِلَّا أَن الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة حكى عَن الْحفاظ أَن رِوَايَة عَاصِم خطأ وَذَلِكَ أَن حَدِيث جَابر وَإِن أخرجه البُخَارِيّ فَإِنَّهُ عقبه بِذكر الِاخْتِلَاف فِيهِ فَقَالَ بعد أَن رَوَاهُ من رِوَايَة عَاصِم عَن الشّعبِيّ عَن جَابر وَرَوَاهُ دَاوُد وَابْن عون عَن الشّعبِيّ عَن جَابر وَرَوَاهُ دَاوُد وَابْن عون عَن الشّعبِيّ عَن أبي هُرَيْرَة وَإِذا تبين لَك الِاخْتِلَاف الَّذِي وَقع فِيهِ فقد أحالك على التَّرْجِيح فَنَظَرْنَا بَين عَاصِم الْأَحول وَبَين دَاوُد وَابْن عون وكل وَاحِد مِنْهُمَا لَو انْفَرد كَانَ أول مَا يُؤْخَذ بقوله دون عَاصِم لِأَنَّهُمَا مجمع على عدالتهما وَلم يتَكَلَّم أحد فيهمَا وَتكلم فِي عَاصِم غير وَاحِد عُمُوما وخصوصا أما عُمُوما فَقَالَ ابْن علية
стр. 5994
كل من اسْمه عَاصِم فِي حفظه شَيْء وَأما خُصُوصا فقد قَالَ يحيى بن معِين كَانَ يحيى بن سعيد الْقطَّان لَا يحدث عَن عَاصِم الْأَحول يستضعفه وَقَالَ أَبُو أَحْمد الْحَاكِم لَيْسَ بِالْحَافِظِ عِنْدهم وَلم يحمل عَنهُ ابْن إِدْرِيس لسوء مَا فِي سيرته وَقَالَ بَعضهم نصْرَة للْبُخَارِيّ أَن هَذَا الِاخْتِلَاف لَا يقْدَح عِنْد البُخَارِيّ لِأَن الشّعبِيّ أشهر بجابر مِنْهُ بِأبي هُرَيْرَة وَلِلْحَدِيثِ طَرِيق آخر عَن جَابر بِشَرْط الصَّحِيح أخرجه النَّسَائِيّ من طَرِيق ابْن جريج عَن أبي الزبير عَن جَابر والْحَدِيث أَيْضا مَحْفُوظ من أوجه عَن أبي هُرَيْرَة فَلِكُل من الطَّرِيقَيْنِ مَا يعضده انْتهى قلت قَوْله وَلِلْحَدِيثِ طَرِيق آخر إِلَى آخِره غير صَحِيح لِأَن رِوَايَة أبي الزبير لَا يحْتَج بهَا لِأَنَّهُ مُدَلّس وَقد قَالَ الشَّافِعِي لَا نقبل رِوَايَة المدلس حَتَّى يَقُول حَدثنَا وَقَالَ غير الشَّافِعِي أَيْضا وَمَعَ ذَلِك قَالَ الشَّافِعِي لَا يحْتَج بروايات أبي الزبير الْموضع الثَّانِي مُشْتَمل على أَحْكَام. الأول احْتج بِهِ على تَخْصِيص الْكتاب بِالسنةِ وَلَكِن فِيهِ خلاف فعندنا يجوز بالأحاديث الْمَشْهُورَة قَالَ صَاحب الْهِدَايَة هَذَا الحَدِيث من الْأَحَادِيث الْمَشْهُورَة الَّتِي يجوز بِمِثْلِهَا الزِّيَادَة على الْكتاب وَعند الشَّافِعِي وَآخَرين يجوز تَخْصِيص عُمُوم الْقُرْآن بِخَبَر الْآحَاد. الثَّانِي أجمع الْعلمَاء على القَوْل بِهَذَا الحَدِيث فَلَا يجوز عِنْد جَمِيعهم نِكَاح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا وَإِن علت وَلَا على ابْنة أَخِيهَا وَإِن سفلت وَلَا على خَالَتهَا وَإِن علت وَلَا على ابْنة أَخِيهَا وَإِن سفلت وَقَالَ ابْن الْمُنْذر لَا أعلم فِي ذَلِك خلافًا إِلَّا عَن فرقة من الْخَوَارِج وَلَا يلْتَفت إِلَى خلافهم مَعَ الْإِجْمَاع وَالسّنة وَذكر ابْن حزم أَن عُثْمَان البتي أَبَاحَهُ وَذكر الإسفرايني أَنه قَول طَائِفَة من الشِّيعَة محتجين بقوله تَعَالَى ﴿وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم﴾ قَالَ أَبُو عبيد فَيُقَال لَهُم لم يقل الله تَعَالَى إِنِّي لست أحرم عَلَيْكُم بعد وَقد فرض الله تَعَالَى طَاعَة رَسُوله على الْعباد فِي الْأَمر وَالنَّهْي فَكَانَ مِمَّا نهى عَن ذَلِك وَهِي سنة بِإِجْمَاع الْمُسلمين عَلَيْهَا. الثَّالِث يدْخل فِي معنى هَذَا الحَدِيث تَحْرِيم نِكَاح الرجل الْمَرْأَة على عَمَّتهَا من الرضَاعَة وخالتها مِنْهَا لِأَنَّهُ يحرم من الرَّضَاع مَا يحرم من النّسَب. الرَّابِع كَمَا يحرم الْجمع بَين من ذكر فِي الحَدِيث بِالنِّكَاحِ يحرم الْجمع بَينهمَا بِملك الْيَمين أَيْضا فيهمَا أَو فِي أَحدهمَا وَالْحكم للنِّكَاح الْمُتَقَدّم أما إِذا كَانَ أَحدهمَا بِالنِّكَاحِ وَالْأُخْرَى بِملك الْيَمين فَالْحكم للنِّكَاح وَإِن تَأَخّر لِأَنَّهُ أقوى كَمَا إِذا وطىء أمته بِملك الْيَمين ثمَّ تزوج عَمَّتهَا أَو خَالَتهَا أَو بنت أَخِيهَا فَإِن النِّكَاح صَحِيح وَتحرم عَلَيْهِ الْمَوْطُوءَة بِملك الْيَمين حَتَّى تبين مِنْهُ الَّتِي تزَوجهَا آخرا. الْخَامِس إِنَّمَا يحرم ذَلِك بِسَبَب الْقَرَابَة وَالرّضَاع فَقَط أما بِسَبَب الْمُصَاهَرَة فَلَا على الصَّحِيح وَذَلِكَ كالجمع بَين الْمَرْأَة وَزَوْجَة أَبِيهَا أَو بَينهَا وَبَين أم زَوجهَا فَإِنَّهُ لَو قدر إِحْدَاهمَا ذكر أحرم عَلَيْهِ نِكَاح الْأُخْرَى وَمَعَ ذَلِك فَلَا يحرم الْجمع بَينهمَا لِأَن هَذَا بالمصاهرة وَذَاكَ بِالْقَرَابَةِ وَهَذَا مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَغَيرهم وَحكى ابْن عبد الْبر عَن قوم من السّلف أَنه يحرم الْجمع أَيْضا على هَذِه الصُّورَة. السَّادِس أَن عِنْد أبي حنيفَة وَأحمد أَنه إِذا طلق الْعمة أَو الْخَالَة أَو ابْنة الْأَخ أَو ابْنة الْأُخْت طَلَاقا بَائِنا فَلَا يحل لَهُ نِكَاح الْأُخْرَى مادام فِي زمن الْعدة وَذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ إِلَى أَنه يُبَاح لَهُ الْأُخْرَى بِمُجَرَّد الْبَيْنُونَة وَإِن لم تنقض الْعدة لانْقِطَاع الزَّوْجِيَّة حِينَئِذٍ وَلَيْسَ فِيهِ الْجمع بَينهمَا -
٩٠١٥ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالكٌ عنْ أبي الزِّنادِ عنِ الأعرَج عنْ أبي هُرَيْرَةَ، ﵁، أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: لَا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمتِها وَلَا بَيْنَ المَرْأةِ وخالَتها.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد من رِوَايَة قبيصَة بن ذُؤَيْب عَن أبي هُرَيْرَة.
٠١١٥ - حدَّثنا عبْدَانُ أخبرنَا عبْدُ الله قَالَ: أَخْبرنِي يُونُسُ عَن الزُّهْرِيِّ قَالَ: حدّثني قَبِيصَةُ بن ذُؤَيْبٍ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: نَهَى النبيُّ ﷺ أنْ تُنْكحَ المَرْأةُ علَى عَمَّتِها والمرْأةُ وخالَتُها، فَنرَى خالَةَ أبِيها بِتِلْكَ المَنْزلة. لأنَّ عُرْوَةَ حدّثني عنْ عائشَةَ قالَتْ: حَرِّمُوا منَ الرَّضاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ.
.
стр. 5995
عَبْدَانِ لقب عبد الله بن عُثْمَان امروزي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم، وَقبيصَة، بِفَتْح الْقَاف وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالصاد الْمُهْملَة: ابْن ذُؤَيْب مصغر ذِئْب الْحَيَوَان الْمَشْهُور الْخُزَاعِيّ، مَاتَ سنة سِتّ وَثَمَانِينَ.
قَوْله: (فنرى) إِلَى آخِره، من كَلَام الزُّهْرِيّ، وَهُوَ بِفَتْح النُّون وَضمّهَا، فالبفتح بِمَعْنى نعتقد، وبالضم بِمَعْنى نظن خَالَة أَبِيهَا مثل خَالَتهَا فِي الْحُرْمَة، ويروي: فَيرى، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف، قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح: اسْتِدْلَال الزُّهْرِيّ غير صَحِيح لِأَنَّهُ اسْتدلَّ على تَحْرِيم من حرمت بِالنّسَبِ، فَلَا حَاجَة إِلَى تشبيهها من الرَّضَاع.
٨٢ - (بابُ الشِّغارِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشّغَار، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْغَيْن الْمُعْجَمَة، وَهُوَ فِي اللُّغَة الرّفْع، من قَوْلهم: شغر الْكَلْب بِرجلِهِ إِذا رَفعهَا ليبول، فَكَأَن المتناكحين ورفعا الْمهْر بَينهمَا. وَقَالَ أَبُو زيد: رفع رجله بَال أَو لم يبل، وَعبارَة صَاحب الْعين: رفع إِحْدَى رجلَيْهِ ليبول، وَقَالَ أَبُو زيد: شغرت الْمَرْأَة شغورا إِذا رفعت رِجْلَيْهَا عِنْد الْجِمَاع، وَقيل لِأَنَّهُ رفع العقد من الأَصْل فارتفع النِّكَاح، وَقيل: من شغر الْمَكَان إِذا خلا لخلوه عَن الصَدَاق أَو عَن الشَّرَائِط، وَيَجِيء الْآن مَعْنَاهُ الشَّرْعِيّ.
٢١١٥ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالكٌ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ ﵄، أنَّ رسولَ الله ﷺ ، نَهَى عنِ الشِّغارِ، وَالشِّغارُ أنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتهُ علَى أنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ لَيْسَ بَيْنَهُما صَدَاقٌ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهَا من لفظ الحَدِيث.
وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي النِّكَاح عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن مُوسَى عَن معن بن عِيسَى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هَارُون بن عبد الله عَن معن بن عِيسَى وَغَيره. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن سُوَيْد بن سعيد، ستتهم عَن مَالك بِهِ.
قَوْله: (نهى عَن الشّغَار) وَلَفظ مُسلم: لَا شغار فِي الْإِسْلَام. قَوْله: (والشغار) إِلَخ. تَفْسِير الشّغَار من حَيْثُ الشَّرْع، وَقَالَ الْخَطِيب: تَفْسِير الشّغَار لَيْسَ من كَلَام سيدنَا رَسُول الله ﷺ ، وَإِنَّمَا هُوَ من قَول مَالك وصل بِالْمَتْنِ الْمَرْفُوع، بيَّن ذَلِك القعْنبِي وَابْن مهْدي ومحرز فِي روايتهم عَن مَالك، وَلما رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من حَدِيث مُحرز بن عون ومعن بن عِيسَى عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَن الشّغَار، قَالَ: قَالَ مُحرز: قَالَ مَالك: والشغار أَن يُزَوّج الرجل ابْنَته الحَدِيث. وَقَالَ الشَّافِعِي، فِيمَا حَكَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَنهُ بعد رِوَايَته الحَدِيث عَن مَالك: لَا أَدْرِي تَفْسِير الشّغَار فِي الحَدِيث من النَّبِي ﷺ أَو من ابْن عمر أَو من نَافِع أَو من مَالك. وَقَالَ شَيخنَا فِي صَحِيح مُسلم من غير طَرِيق مَالك: أَن تَفْسِير الشّغَار من قَول نَافِع، رَوَاهُ من رِوَايَة عبيد الله بن عمر عَن نَافِع، وَفِيه: أَن فِي حَدِيث عبيد الله قَالَ: قلت لنافع: مَا الشّغَار؟ وَفِي كتاب الموطآت للدارقطني: حَدثنَا أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان حَدثنَا بنْدَار عَن ابْن مهْدي عَن مَالك: نهى عَن الشغارة، قَالَ بنْدَار: الشّغَار أَن يَقُول: زَوجنِي ابْنَتك أزَوجك ابْنَتي.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي صُورَة نِكَاح الشّغَار الْمنْهِي عَنهُ، فَعَن مَالك: هُوَ أَن الرجل يُزَوّج أُخْته أَو وليته من رجل آخر على أَن يُزَوّج ذَلِك الرجل مِنْهُ ابْنَته أَيْضا أَو وليته، وَيكون بضع كل وَاحِد مِنْهُمَا صَدَاقا لِلْأُخْرَى دون صدَاق، وَكَذَا ذكره خَلِيل بن أَحْمد فِي كِتَابه، وَقَالَ الْغَزالِيّ فِي الْوَسِيط: صورته الْكَامِلَة أَن يَقُول: زَوجتك ابْنَتي على أَن تزَوجنِي ابْنَتك، على أَن يكون بضع كل وَاحِدَة مِنْهُمَا صَدَاقا لِلْأُخْرَى، وَمهما انْعَقَد نِكَاح ابْنَتي انْعَقَد نِكَاح ابْنَتك. وَقَالَ الرَّافِعِيّ: هَذَا فِيهِ تَعْلِيق وَشرط عقد فِي عقد وتشريك فِي الْبضْع، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: ينبغني أَن يُزَاد فِي هَذِه الصُّورَة. وَأَن لَا يكون مَعَ الْبضْع صدَاق آخر حَتَّى يكون مجمعا على تَحْرِيمه، فَإِنَّهُ إِذا ذكر فِيهِ الصَدَاق فِيهِ الْخلاف. قلت: هَذَا على مَذْهَبهم، وَأما عِنْد الْحَنَفِيَّة فالشغار هُوَ أَن يشاغر الرجل الرجل، يَعْنِي يُزَوّج ابْنَته أَو أُخْته على أَن يُزَوجهُ الآخر ابْنَته أَو أُخْته أَو أمته ليَكُون أحد الْعقْدَيْنِ عوضا عَن الآخر، فَالْعقد الصَّحِيح، وَيجب مهر الْمثل.
وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَاخْتلفُوا فِي تزوج الرجل ابْنَته على أَن يُزَوجهُ الآخر ابْنَته وَيكون مهر كل وَاحِدَة مِنْهُمَا نِكَاح الْأُخْرَى؛ فَقَالَت طَائِفَة: النِّكَاح جَائِز وَلكُل وَاحِدَة مِنْهُمَا صدَاق مثلهَا، هَذَا قَول عَطاء وَعَمْرو بن
стр. 5996
دِينَار وَالزهْرِيّ وَمَكْحُول وَالثَّوْري والكوفيين، وَإِن طَلقهَا قبل الدُّخُول بهَا فلهَا الْمُتْعَة فِي قَول النُّعْمَان وَيَعْقُوب، وَقَالَت طَائِفَة: عقد النِّكَاح على الشّغَار بَاطِل وَهُوَ كَالنِّكَاحِ الْفَاسِد فِي كل أَحْكَامه، هَذَا قَول الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر، وَكَانَ مَالك وَأَبُو عبيد يَقُولَانِ: نِكَاح الشّغَار مَنْسُوخ على كل حَال، وَفِيه قَول ثَالِث وَهُوَ: أَنَّهُمَا إِن كَانَا لم يدخلا بهما فسخ وَيسْتَقْبل النِّكَاح بِالْبَيِّنَةِ وَالْمهْر، وَإِن كَانَا قد خلا بهما فَلَهُمَا مهر مثلهمَا. وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ: وَأجَاب أَصْحَابنَا عَن الحَدِيث بِأَنَّهُ ورد، وَلَا خلاية عَن تَسْمِيَة الْمهْر واكتفائه بذلك من غيرأن يجب فِيهِ شَيْء آخر من المَال على مَا كَانَت عَلَيْهِ عَادَتهم فِي الْجَاهِلِيَّة، أَو هُوَ مَحْمُول على الْكَرَاهَة.
٩٢ - (بابٌ: هَلْ لِلْمَرْأةِ أنْ تَهَبَ نَفْسَها لأحَدٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان: هَل يحل للْمَرْأَة أَن تهب نَفسهَا لأحد من الرِّجَال؟ وَصورته أَن يَقع العقد بِلَفْظ الْهِبَة بِأَن تَقول الْمَرْأَة: وهبت نَفسِي لَك، وَالرِّجَال يَقُول: قبلت، وَلم يذكر الْمهْر، فَإِن جمَاعَة ذَهَبُوا إِلَى بطلَان النِّكَاح، يَعْنِي: لَا ينْعَقد النِّكَاح بِهَذَا، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي، وَهُوَ قَول الْمُغيرَة وَابْن دِينَار وَأبي ثَوْر. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْري: ينْعَقد بِهِ العقد وَلها صدَاق الْمثل، وَكَذَا ينْعَقد بِلَفْظ الصَّدَقَة بِلَفْظ البيع بِدُونِ لفظ النِّكَاح أَو التَّزْوِيج أَنه يَصح، وَعند الشَّافِعِي: لَا يَصح إلَاّ بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ.
٤٩ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام حَدثنَا ابْن فُضَيْل حَدثنَا هِشَام عَن أَبِيه قَالَ كَانَت خَوْلَة بنت حَكِيم من اللائي وهبْنَ أَنْفسهنَّ للنَّبِي ﷺ َ - فَقَالَت عَائِشَة أما تَسْتَحي الْمَرْأَة أَن تهب نَفسهَا للرجل فَلَمَّا نزلت ﴿ترجي من تشَاء مِنْهُنَّ﴾ قلت يَا رَسُول الله مَا أرى رَبك إِلَّا يُسَارع فِي هَوَاك) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من أول الحَدِيث وَابْن فُضَيْل هُوَ مُحَمَّد بن فُضَيْل مصغر فضل وَهِشَام يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير والْحَدِيث قد مر فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب وَخَوْلَة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة بنت حَكِيم بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَيُقَال خُوَيْلَة بِالتَّصْغِيرِ بنت حَكِيم بن أُميَّة كَانَت امْرَأَة عُثْمَان بن مَظْعُون وَكَانَت امْرَأَة صَالِحَة وَقَالَ أَبُو عمر تكنى أم شريك وَهِي الَّتِي وهبت نَفسهَا للنَّبِي ﷺ َ - فِي قَول بَعضهم وَقد ذكرنَا الِاخْتِلَاف فِيهِ فِي سُورَة الْأَحْزَاب قَوْله " إِلَّا يُسَارع فِي هَوَاك " أَي فِي الَّذِي تحبه يَعْنِي مَا أرى إِلَّا أَن الله تَعَالَى موجد لمرادك بِلَا تَأْخِير منزلا لما تحبه وترضى وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ هَذَا قَول أبرزه الدَّلال والغيرة وَهُوَ من نوع قَوْلهَا مَا أحمدكما وَمَا أَحْمد إِلَّا الله وَإِلَّا فإضافة الْهوى إِلَى النَّبِي ﷺ َ - لَا يحمل على ظَاهره لِأَنَّهُ لَا ينْطق عَن الْهوى وَلَا يفعل بالهوى وَلَو قَالَت إِلَى مرضاتك لَكَانَ أليق وَلَكِن الْغيرَة تغتفر لأَجلهَا إِطْلَاق مثل ذَلِك قلت الَّذِي ذكرته أحسن من هَذَا على مَا لَا يخفى
(رَوَاهُ أَبُو سعيد الْمُؤَدب وَمُحَمّد بن بشر وَعَبدَة عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة يزِيد بَعضهم على بعض) أَي روى الحَدِيث الْمَذْكُور أَبُو سعيد واسْمه مُحَمَّد بن مُسلم بن أبي الوضاح الْجَزرِي وَهُوَ من رجال مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَكَانَ مؤدب مُوسَى بن الْهَادِي وَمَات بِبَغْدَاد فِي خِلَافَته وَيُقَال أَن اسْم أبي الوضاح الْمثنى وَرَوَاهُ أَيْضا مُحَمَّد بن بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة الْعَبْدي الْكُوفِي وَرَوَاهُ أَيْضا عَبدة بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن سُلَيْمَان كلهم رووا عَن هِشَام عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة قَوْله " يزِيد بَعضهم " أَي يزِيد بَعضهم فِي رِوَايَته على بعض أما رِوَايَة أبي سعيد فوصلها ابْن مرْدَوَيْه فِي التَّفْسِير وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق مَنْصُور بن أبي مُزَاحم عَنهُ مُخْتَصرا قَالَت الَّتِي وهبت نَفسهَا للنَّبِي ﷺ َ - خَوْلَة بن حَكِيم وَأما رِوَايَة مُحَمَّد بن بشر فوصلها الْإِسْمَاعِيلِيّ قَالَ حَدثنَا الْقَاسِم حدّثنَاهُ أَبُو بكر بن أبي شيبَة قَالَ حَدثنَا أَبُو أُسَامَة حَدثنَا مُحَمَّد بن بشر عَن هِشَام وَأما حَدِيث عَبدة فوصله مُسلم وَقَالَ حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة قَالَ حَدثنَا عَبدة بن سُلَيْمَان عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا كَانَت تَقول أما تَسْتَحي الْمَرْأَة تهب نَفسهَا لرجل حَتَّى أنزل الله تَعَالَى ﴿ترجي من تشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْك من تشَاء﴾ فَقلت إِن رَبك ليسارع لَك فِي هَوَاك
стр. 5997
٠٣ - (بابُ نِكاحِ المُحْرِمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نِكَاح الْمحرم هَل يَصح أم لَا. قَالَ بَعضهم: كَأَنَّهُ يمِيل إِلَى الْجَوَاز لِأَنَّهُ لم يذكر فِي الْبَاب إلَاّ حَدِيث ابْن عَبَّاس لَيْسَ إلَاّ، وَلم يخرج حَدِيث الْمَنْع كَأَنَّهُ لم يَصح عِنْده. قلت: الظَّاهِر أَن مذْهبه جَوَاز نِكَاح الْمحرم. قَوْله: وَلم يخرج حَدِيث الْمَنْع إِلَى آخِره، فِيهِ تَأمل، لِأَن عدم تَخْرِيجه حَدِيث الْمَنْع لَا يسْتَلْزم عدم صِحَّته عِنْده، وَلَئِن سلمنَا ذَلِك فَلَا مَانع أَن يَصح عِنْد غَيره وَيعْمل بِهِ.
٤١١٥ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْماعِيلَ أخبرَنا ابنُ عَيَيْنَةَ أخبرنَا عَمْرُو حَدثنَا جابِرُ بنُ زَيْدٍ، قَالَ: أنْبأنا ابنُ عَبَّاسٍ ﵄، تَزَوَّجَ النبيُّ ﷺ وهْوَ مُحْرِمٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه بيَّن الْإِبْهَام الَّذِي فِي التَّرْجَمَة وَمَالك بن إِسْمَاعِيل بن زِيَاد النَّهْدِيّ الْكُوفِي، وَقَالَ البُخَارِيّ: مَاتَ سنة تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ يروي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر بن زيد أبي الشعْثَاء أَنه قَالَ: أَنبأَنَا ابْن عَبَّاس أَي: أخبرنَا: تزوج النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَالْحَال أَنه محرم.
والْحَدِيث مضى فِي الْحَج فِي: بَاب تَزْوِيج الْمحرم، وَفِيه ذكر الَّتِي تزَوجهَا. وَأخرجه عَن أبي الْمُغيرَة عبد القدوس بن الْحجَّاج عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ تزوج مَيْمُونَة وَهُوَ محرم، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوْفِي، ولنذكر بعض شَيْء فَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ أَبُو حنيفَة يَصح نِكَاح الْمحرم لقصة مَيْمُونَة، وَهُوَ رِوَايَة ابْن عَبَّاس. فَأُجِيب عَنهُ بِأَن مَيْمُونَة نَفسهَا رَوَت أَنه تزَوجهَا حَلَالا وَهِي أعرف بالقضية من ابْن عَبَّاس لتعلقها بهَا، وَبِأَن المُرَاد بالمحرم أَنه فِي الْحرم، وَيُقَال لمن هُوَ فِي الْحرم: محرم، وَإِن كَانَ حَلَالا قَالَ الشَّاعِر:
قتلوا ابْن عَفَّان الْخَلِيفَة محرما
أَي: فِي حرم الْمَدِينَة، وَبِأَن فعله معَارض بقوله: لَا ينْكح الْمحرم، وَإِذا تَعَارضا يرجح القَوْل، وَبِأَن ذَلِك من خَصَائِصه، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم. انْتهى.
قلت: أجَاب عَن حَدِيث ابْن عَبَّاس بأَرْبعَة أجوبة نصْرَة لمَذْهَب إِمَامه، وَالْكل مَا يجدي شَيْئا. فَالْجَوَاب عَن الأول: كَيفَ يحكم بِأَن مَيْمُونَة أعرف بالقضية من ابْن عَبَّاس وَلَا تلْحق مَيْمُونَة ابْن عَبَّاس فِي هَذِه الْقَضِيَّة وفير غَيرهَا؟ وَمَعَ هَذَا رُوِيَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة مَا يُوَافق فِي ذَلِك رِوَايَة ابْن عَبَّاس، وَهُوَ عبد الله بن مَسْعُود وَأنس بن مَالك وَأَبُو هُرَيْرَة وَعَائِشَة ومعاذ وَأَبُو عبد الله بن مَسْعُود، أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه: حَدثنَا وَكِيع عَن جرير بن حَازِم عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عبد الله أَنه لم يكن يرى بتزويج الْمحرم بَأْسا، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ عَن مُحَمَّد بن خُزَيْمَة عَن حجاج عَن جرير بن حَازِم عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم: أَن ابْن مَسْعُود كَانَ لَا يرى بَأْسا أَن يتَزَوَّج الْمحرم. وَأثر أنس بن مَالك أخرجه الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا روح بن الْفرج حَدثنَا أَحْمد بن صَالح حَدثنَا ابْن أبي فديك حَدثنِي عبد الله ابْن مُحَمَّد بن أبي بكر، قَالَ: سَأَلت أنس بن مَالك عَن نِكَاح الْمحرم، قَالَ: وَمَا بَأْس بِهِ، هَل هُوَ إلَاّ كَالْبيع؟ وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح. وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا سُلَيْمَان بن شُعَيْب حَدثنَا خَالِد بن عبد الرَّحْمَن حَدثنَا كَامِل أَبُو الْعَلَاء عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: تزوج رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ محرم، وَكَذَلِكَ أخرج الطَّحَاوِيّ حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا،: حَدثنَا مُحَمَّد بن خُزَيْمَة حَدثنَا مُعلى بن أَسد نَا أَبُو عوَانَة عَن مُغيرَة عَن أبي الضُّحَى عَن مَسْرُوق عَن عَائِشَة قَالَت: تزوج رَسُول الله ﷺ بعض نِسَائِهِ وَهُوَ محرم. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث عَليّ بن عبد الْعَزِيز: حَدثنَا مُعلى بن أَسد إِلَى آخِره نَحوه. فَإِن قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: ويروي من مُسَدّد عَن أبي عوَانَة عَن مُغيرَة، فَقَالَ: عَن إِبْرَاهِيم، بدل: أبي الضُّحَى؟ قَالَ أَبُو عَليّ النَّيْسَابُورِي: كِلَاهُمَا خطأ، وَالْمَحْفُوظ عَن مُغيرَة عَن سباك عَن أبي الضُّحَى عَن مَسْرُوق مُرْسلا عَن النَّبِي ﷺ ، كَذَا رَوَاهُ جرير عَن مُغيرَة قلت: لَا نسلم أَنه خطأ، بل هُوَ مَحْفُوظ أخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه أَنا الْحسن بن سُفْيَان حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن الْحجَّاج حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن الْمُغيرَة عَن أبي الضُّحَى عَن مَسْرُوق عَن عَائِشَة: تزوج رَسُول الله ﷺ بعض نِسَائِهِ وَهُوَ محرم، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ محرم، وَأما معَاذ فَذكره ابْن حزم مَعَهم. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَالَّذين رووا أَن النَّبِي ﷺ تزَوجهَا وَهُوَ محرم أهل علم، وَثَبت أَصْحَاب ابْن عَبَّاس سعيد بن جُبَير وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَطَاوُس وَمُجاهد وَعِكْرِمَة
стр. 5998
وَجَابِر بن زيد، وَهَؤُلَاء كلهم فُقَهَاء يحْتَج برواياتهم وآرائهم، وَالَّذين نقلوا مِنْهُم فَكَذَلِك أَيْضا مِنْهُم عَمْرو بن دِينَار وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ وَعبد الله بن أبي نجيح فَهَؤُلَاءِ أَيْضا أَئِمَّة يقْتَدى برواياتهم. وَحَدِيث مَيْمُونَة الَّذِي أخرجه مُسلم فِيهِ زيد بن الْأَصَم، وَقد ضعفه عَمْرو بن دِينَار فِي خطابه لِلزهْرِيِّ وَترك الزُّهْرِيّ الْإِنْكَار عَلَيْهِ، وَأخرجه من أهل الْعلم وَجعله أَعْرَابِيًا بوالاً على عقيبة، وَكَيف يكون طعن أَكثر من ذَلِك؟ وقصده من هَذَا الْكَلَام نسبته إِلَى الْجَهْل بِالسنةِ. فَأن قلت: الزُّهْرِيّ احْتج بِهِ قلت احتجابه لَا يَنْفِي طعن عَمْرو بن دِينَار فِيهِ، فَإِن عَمْرو بن دِينَار فِي نَفسه حجَّة ثَبت وَلَا ينقص عَن الزُّهْرِيّ، على أَن بَعضهم قد رجحوه على مثل عَطاء وَمُجاهد وطاووس، وَالَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث مَيْمُونَة، فِي إِسْنَاده مطر الْوراق، قَالَ الطَّحَاوِيّ: ومطر عِنْدهم مِمَّن يحْتَج بحَديثه، وَقَالَ النَّسَائِيّ: مطر بن طهْمَان الْوراق لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَعَن أَحْمد: كَانَ فِي حفظه سوء، وَلَئِن سلمنَا أَنه مجمع عَلَيْهِ فِي توثيقه وَضَبطه وَلكنه لَيْسَ كرواة حَدِيث ابْن عَبَّاس وَلَا قَرِيبا مِنْهُم، فَافْهَم.
وَالْجَوَاب عَن الثَّانِي: وَهُوَ قَوْله: (المُرَاد بالمحرم أَنه فِي الْحرم) إِلَى قَوْله: وَبَان فعله أَن الْجَوْهَرِي ذكر مَا يُخَالف ذَلِك، فَإِنَّهُ قَالَ: أحرم الرجل إِذا دخل فِي الشَّهْر الْحَرَام، وَأنْشد الْبَيْت الْمَذْكُور على ذَلِك، وَأَيْضًا فَلفظ البُخَارِيّ: أَنه ﷺ تزَوجهَا وَهُوَ محرم وَبني بهَا وَهُوَ حَلَال، يدْفع هَذَا التَّفْسِير ويبعده.
وَالْجَوَاب عَن الثَّالِث: وَهُوَ قَوْله بِأَن فعله معَارض إِلَى قَوْله: يرجح القَوْل، أَنه لَيْسَ مِمَّا اتّفق عَلَيْهِ الأصوليون، فَإِن فِيهِ خلافًا.
وَالْجَوَاب عَن الرَّابِع: إِنَّه دَعْوَى فَيحْتَاج إِلَى برهَان. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: الصَّوَاب من القَوْل عندنَا أَن نِكَاح الْمحرم فَاسد لحَدِيث عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأما قصَّة مَيْمُونَة فتعارضت الْأَخْبَار فِيهَا. انْتهى
قلت: أَيْن ذهب حَدِيث عبد الله بن عَبَّاس؟ وَأما حَدِيث عُثْمَان الَّذِي أخرجه مُسلم عَنهُ أَنه قَالَ: الْمحرم لَا ينْكح وَلَا يخْطب فَفِي إِسْنَاده نبيه بن وهب وَلَيْسَ كعمرو بن دِينَار وَلَا كجابر بن دِينَار وَلَا لَهُ مَوضِع فِي الْعلم كموضع عَمْرو وَجَابِر، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: ضعف البُخَارِيّ حَدِيث عُثْمَان وَصحح حَدِيث ابْن عَبَّاس، فَلَو علم أَن رُوَاة حَدِيث عُثْمَان يساوون رَوَاهُ حَدِيث ابْن عَبَّاس لصحح كلا الْحَدِيثين، وَلَئِن سلمنَا أَنهم متساوون، فَنَقُول: معنى لَا ينْكح الْمحرم وَلَا يطَأ، وَهُوَ مَحْمُول على الْوَطْء أَو الْكَرَاهَة لكَونه سَببا للوقوع فِي الرَّفَث لَا إِن عقده لنَفسِهِ أَو لغيره، كَمَا مر مُمْتَنع، وَلِهَذَا قرنه بِالْخطْبَةِ، وَلَا خلاف فِي حوازها، وَإِن كَانَت مَكْرُوهَة فَكَذَا النِّكَاح والإنكاح وَصَارَ كَالْبيع وَقت النداء.
١٣ - (بابُ نَهْيِ رَسُولِ الله ﷺ عنْ نِكاحِ المُتْعَةِ آخِرا)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن نِكَاح الْمُتْعَة. قَوْله: (آخرا) ، يُشِير إِلَى أَنَّهَا كَانَت مُبَاحَة أَولا. فَإِن قيل: ذكر فِي هَذَا الْبَاب عدَّة أَحَادِيث وَلَيْسَ فِيهَا التَّصْرِيح بذلك.
أُجِيب: بِأَنَّهُ قَالَ فِي آخر الْبَاب: إِن عليا بيَّن أَنه مَنْسُوخ، وَقد وَردت جملَة أَحَادِيث صَحِيحَة تَصْرِيح بِالنَّهْي عَنْهَا بعد الْإِذْن فِيهَا.
٥١١٥ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْماعِيلَ حَدثنَا ابنُ عُيَيْنَةَ أنَّهُ سَمِعَ الزُّهْرِيِّ يَقُولُ: أخبرَني الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ وأخُوهُ عبْدُ الله عنْ أبِيهِما: أنَّ عَليّا ﵁، قَالَ لابنِ عَبَّاسٍ: إنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عنِ المُتْعَةِ وعنْ لُحومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّة زَمَنَ خَيْبَرَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَمَالك بن إِسْمَاعِيل مر عَن قريب، يروي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن الْحسن بن مُحَمَّد وأخيه عبد الله بن مُحَمَّد كِلَاهُمَا يرويانعن أَبِيهِمَا مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي طَالب أَن عليا قَالَ لعبد الله بن عَبَّاس إِلَى آخِره، وَمُحَمّد هُوَ الْمَعْرُوف بِابْن الْحَنَفِيَّة.
والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي فِي غَزْوَة خَيْبَر فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن يحيى بن قزعة عَن مَالك عَن ابْن شهَاب إِلَى آخه وَمضى الْكَلَام فِيهِ مستقصىً فَلَا حَاجَة إِلَى إِعَادَته.
٦١١٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حَدثنَا غُنْدَرٌ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ أبي جَمْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عبَّاسٍ سُئِلَ عنْ مُتْعَةِ النِّساءِ فَرَخَّصَ فَقَالَ لهُ مَوْلى: إنَّما ذَلِكَ فِي الحالِ الشَّدِيد وَفِي النِّساءِ قِلةٌ أوْ نَحْوَهُ، فَقَالَ ابنُ عبَّاسٍ: نَعَمْ.
стр. 5999
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يتَضَمَّن النَّهْي عَن الترخيص الْمُطلق، فَافْهَم.
وغندر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَأَبُو جَمْرَة بِالْجِيم وَالرَّاء واسْمه نصر بن عمرَان الضبعِي الْبَصْرِيّ. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (سُئِلَ) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فَرخص) ، أَي فِي الْمُتْعَة. قَوْله: (فَقَالَ لَهُ مولى لَهُ) ، قيل بِالظَّنِّ إِنَّه عِكْرِمَة. قَوْله: (إِنَّمَا ذَلِك) أَي: الترخيص فِي الْحَال الشَّديد نَحْو الْعزبَة الشَّدِيدَة، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِك فِي الْجِهَاد وَالنِّسَاء قَلَائِل. قَوْله: (نعم) يَعْنِي: الْأَمر كَذَلِك، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: صدق، وَرُوِيَ الْخطابِيّ من حَدِيث سعيد بن جُبَير، قَالَ: قلت لِابْنِ عَبَّاس: لقد سَارَتْ بفتياك الركْبَان، وَقَالَ فِيهَا الشُّعَرَاء، يَعْنِي فِي الْمُتْعَة، فَقَالَ: وَالله مَا بِهَذَا أَفْتيت، وَمَا هِيَ إلَاّ كالميتة لَا تحل إلَاّ للْمُضْطَر.
٧١١٥ - حدَّثنا عَلِيٌّ حَدثنَا سُفْيانُ قَالَ، عَمْرٌ وعنِ الحَسَنِ بنِ مُحَمَّدٍ عنْ جابِر بنِ عبْدِ الله وسلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ قَالَا: كُنَّا فِي جَيْشٍ فَأَتَانَا رسولُ الله ﷺ فَقَالَ: إنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُمْ أنْ تَسْتَمْتِعُوا فاسْتَمْتِعُوا.
لَيْسَ فِي النَّهْي عَن الْمُتْعَة، فَلَا يُطَابق التَّرْجَمَة، إِلَّا أَن يُقَال بالتعسف إِن فِيهِ ذكر الِاسْتِمْتَاع، وَالْأَوْجه أَن يُقَال: إِن فِي آخر حَدِيث حابر فِي رِوَايَة مُسلم: حَتَّى نهى عَنْهَا عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد جرت عَادَته أَنه يُشِير إِلَى مَا يُطَابق التَّرْجَمَة من غير أَن يُصَرح بِهِ، وَهُوَ الْمُتْعَة.
وَعلي هُوَ ابْن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَالْحسن بن مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن بنْدَار عَن غنْدر وَغَيره.
قَوْله: (كُنَّا فِي جَيش) بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون لاياء آخر الْحُرُوف وبالشبن الْمُعْجَمَة هَكَذَا هُوَ عَامر الرِّوَايَات، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فِي بعض الرِّوَايَات: حنين، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وبالنونين. وَهُوَ الْموضع الَّذِي كَانَت فِيهِ الْوَقْعَة الْمَشْهُورَة. قَوْله: (رَسُول رَسُول الله ﷺ قيل بِالظَّنِّ: يشبه أَن يكون بِلَالًا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (أَن تستمتعوا) أَي: بِأَن تستمتعوا، وَكلمَة. أَن مَصْدَرِيَّة أَي: بالاستمتاع قَوْله: (فاستمتعوا) يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ: أَحدهمَا: أَن يكون على صُورَة الْمَاضِي، وَالْآخر: أَن يكون على صِيغَة الْأَمر، وَالْمعْنَى: جامعوهن بِالْوَقْتِ الْمعِين.
٩١١٥ - وَقَالَ ابْن أبي ذِئْب حَدثنِي إِيَاس بن سَلمَة بن الْأَكْوَع عَن أَبِيه عَن رَسُول الله ﷺ أَيّمَا رجل وَامْرَأَة توفقا فعشرة مَا بَينهمَا ثَلَاث لَيَال، فَإِن أحبا أَن يتزايدا أَو يشاركا تشاركاً فَمَا أَدْرِي أَشَيْء (كَانَ لنا خَاصَّة) أم للنَّاس عَامَّة.
ابْن أبي ذِئْب هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْمُغيرَة بن الْحَارِث بن أبي ذِئْب، بِلَفْظ الْحَيَوَان الْمَشْهُور، وَاسم أبي ذِئْب: هِشَام بن سعد، وَإيَاس بِكَسْر الْهمزَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف يرْوى عَن أَبِيه سَلمَة بن الْأَكْوَع.
وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن ابْن نَاجِية: حَدثنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّد بن الْمثنى لَفظه وَبُنْدَار وَحميد بن زَنْجوَيْه قَالُوا: حَدثنَا أَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد عَن ابْن أبي ذِئْب عَن إِيَاس، بِلَفْظ: أَيّمَا رجل وَامْرَأَة أَيَّام الْحَج تَرَاضيا فعشرة مَا بَينهمَا ثَلَاثَة أَيَّام.
قَوْله: (توافقا) أَي: فِي النِّكَاح بَينهمَا مُطلقًا من غير ذكر أجل. قَوْله: (فعشرة) ، بِكَسْر الْعين أَي: فمعاشرة مَا بَينهمَا ثَلَاث لَيَال، أَرَادَ أَن الْإِطْلَاق مَحْمُول على ثَلَاثَة أَيَّام بلياليهن. قَوْله: (فعشرة) بِالْفَاءِ رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَكَذَا فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ كَمَا مر، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: بِعشْرَة، بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَالْأول أوجه. قَوْله: (فَإِن أحبا) أَي: الرجل وَالْمَرْأَة الْمَذْكُورَان إِن أحبا (أَن يتزايدا) يَعْنِي: على ثَلَاث لَيَال، وَجَوَاب: إِن، مَحْذُوف تَقْدِيره: فَإِن أحبا أَن يتزايدا تزايدا، وَوَقع فِي تَخْرِيج أبي نعيم الْأَصْبَهَانِيّ: فَإِن أحبا أَن يتناقصا تناقصا وَإِن أحبا أَن يتزايدا فِي الْأَجَل تزايدا. قَوْله: (أَو يتتاركا) الْكَلَام فِيهِ كَالْكَلَامِ فِيمَا قبله، أَي: وَإِن أَرَادَا أَن يتتاركا أَي: أَن يتركا التوافق يَعْنِي: إِن أَرَادَا الْمُفَارقَة. قَوْله: (تتاركا) ، جَوَاب: إِن أَي: تفارقا، وَهُوَ من بَاب التفاعل من التّرْك، أَي: ترك مَا توافقا وَيجوز أَن يكون مَعْنَاهُ التناقص من الْمدَّة، كَمَا فِي رِوَايَة أبي نعيم. قَوْله: (فَمَا أَدْرِي؟) أَي: فَمَا أعلم؟ الْقَائِل سَلمَة
стр. 6000
بن الْأَكْوَع رَاوِي الحَدِيث أَي: لَا أعلم جَوَازه كَانَ خَاصّا بالصحابة أَو كَانَ عَاما للْأمة؟ وَوَقع فِي حَدِيث أبي ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، التَّصْرِيح بالاختصاص، أخرجه الْبَيْهَقِيّ عَنهُ، قَالَ: إِنَّمَا أحلّت لنا أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ مُتْعَة النِّسَاء ثَلَاث أَيَّام ثمَّ نهى عَنْهَا رَسُول الله ﷺ .
قَالَ أبُو عبْدِ الله: وبَيَّنَهُ عَلِيٌّ عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ مَنْسُوخٌ
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ هَذَا، أَي: وَقد بَين عَليّ بالتصريح بِالنَّهْي عَنْهَا بعد الْإِذْن فِيهَا، وَرُوِيَ عبد الرَّزَّاق عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من وَجه آخر: نسخ رَمَضَان كل صَوْم، وَنسخ الْمُتْعَة الطَّلَاق وَالْعدة وَالْمِيرَاث.
٢٣ - (بابُ عَرْضِ المَرْأَةِ نَفسَها علَى الرَّجُلِ الصَّالحِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز عرض الْمَرْأَة نَفسهَا على الرجل الصَّالح رَغْبَة لصلاحه، قيل: لما علم البُخَارِيّ الخصوصية فِي قصَّة الواهبة نَفسهَا للنَّبِي ﷺ استنبط من الحَدِيث مَا لَا خُصُوصِيَّة فِيهِ، وَهُوَ جَوَاز عرض الْمَرْأَة نَفسهَا للرجل الصَّالح. انْتهى. قلت: لما علم فِي قصَّة الواهبة أَن النَّبِي ﷺ مَخْصُوص بِهَذَا، كَيفَ يستنبط مِنْهَا مَا لَا خُصُوصِيَّة فِيهِ؟ فَفِي مَا قَالَه لَا خُصُوصِيَّة لأح، فَإِن قيل: الْعرض غير الْهِبَة. أُجِيب: فِي حَدِيث سهل بن سعد مَا جَاءَ إلَاّ بِلَفْظ الْعرض، وَهُوَ عبارَة عَن الْهِبَة أَو هُوَ مُقَدّمَة الْهِبَة، فَلَا طائل تَحت قَوْله.
٠٢١٥ - حدَّثنا عَلِيٌّ بنُ عبْدِ الله حَدثنَا مَرْحُومٌ قَالَ: سَمِعْتُ ثابِتا البُنانِيَّ قَالَ: كُنْتُ عِنْد أنَسٍ وعِنْدَهُ ابْنَةٌ لهُ، قَالَ أنَسٌ: جاءَتِ امْرَأةٌ إِلَى رسولِ الله ﷺ ، تَعْرِضُ علَيْهِ نَفْسَها، قالَتْ: يَا رسولَ الله! ألكَ بِي حاجةٌ؟ فقالتْ بنْتُ أنسٍ: مَا أقَلَّ حَياءَها، واسَوْأتاه واسَوْأتاه. قَالَ: هيَ خيْرٌ مِنْكَ، رَغِبَتْ فِي النبيِّ ﷺ فَعَرَضَتْ علَيْهِ نَفْسَها.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (تعرض عَلَيْهِ نَفسهَا) وَفِي قَوْله: (فعرضت عَلَيْهِ نَفسهَا) وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، ومرحوم، على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول من الرَّحْمَة: ابْن عبد الْعَزِيز بن مهْرَان الْبَصْرِيّ مولى آل أبي سُفْيَان ثِقَة، مَاتَ سنة سبع وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَأورد الحَدِيث أَيْضا فِي الْأَدَب بِهَذَا الْإِسْنَاد، وثابت الْبنانِيّ بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف النُّون الأولى.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي النِّكَاح عَن ابْن الْمثنى وَغَيره، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن بكر بن خلف وَغَيره.
قَوْله: (حَدثنَا مَرْحُوم) كَذَا فِي رِوَايَة الأكثين مَذْكُور بِغَيْر نِسْبَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر مَرْحُوم بن عبد الْعَزِيز بن مهْرَان. قَوْله: (وَعِنْده ابْنة لَهُ) أَي: ابْنة لأنس وَلم يدر اسْمهَا، وَقيل بِالظَّنِّ، لَعَلَّهَا أمينة بِالتَّصْغِيرِ. قَوْله: (جَاءَت امْرَأَة) لم يدر اسْمهَا، وَقَالَ بَعضهم: وأشبه من رَأَيْت بِقِصَّتِهَا مِمَّن تقدم ذكر اسمهن فِي الواهبات ليلى بنت قيس بن الخطيم. قلت: هَذَا حَدِيث أنس وَهُوَ غير حَدِيث سهل بن سعد، فَتخلف صَاحِبَة الْقِصَّة. قَوْله: (واسوأتاه) الْوَاو فِيهِ للنداء، وَلَكِن هِيَ الْوَاو الَّتِي تخْتَص بالندبة وَالْألف فِيهِ للندبة وَالْهَاء للسكت نَحْو: أزيداه، والسوأة بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو بعْدهَا همزَة وَهِي الفعلة الْفَاحِشَة والفضيحة، وَيُطلق على الْفرج أَيْضا، وَالْمرَاد هُنَا لأوّل، وَهِي هُنَا مكررة. قَوْله: (هِيَ خير مِنْك) فِيهِ دَلِيل على جَوَاز عرض الْمَرْأَة نَفسهَا على الرجل الصَّالح وتعرف رغبتها فِيهِ لصلاحه وفضله، أَو لعلمه وشرفه، أَو لخصلة من خِصَال الدّين، وَأَنه لَا عَار عَلَيْهَا فِي ذَلِك، بل ذَلِك يدل على فَضلهَا، وَبنت أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، نظرت إِلَى ظَاهر الصُّورَة وَلم تدْرك هَذَا الْمَعْنى حَتَّى قَالَ أنس: هِيَ خير مِنْك، وَأما الَّتِي تعرض نَفسهَا على الرجل لأجل غَرَض من الْأَغْرَاض الدنياوية فأقبح مَا يكون من الْأَمر وأفضحه.
١٢١٥ - حدَّثنا سَعيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ حَدثنَا أبُو غَسَّانَ قَالَ: حدّثني أبُو حازِمٍ عنْ سَهْل
стр. 6001
ٍ أنَّ امْرَأةً عَرَضَتْ نَفْسَها علَى النبيِّ ﷺ ، فَقَالَ لهُ رجلٌ: يَا رسُولَ الله! وَزَوِّجْنِيها. فَقَالَ مَا عِنْدَك؟ قَالَ: مَا عنْدِي شيءٌ. قَالَ: اذْهَبْ فالْتَمِسْ ولوْ خاتَما مِنْ حَدِيدٍ، فَذَهَبَ ثُمَّ رجَعَ فَقَالَ: لَا وَالله مَا وَجَدْتُ شَيئا وَلَا خاتَما مِنْ حَدِيدٍ، ولاكنْ هاذَا إزَارِي ولَها نِصْفُهُ قَالَ سَهْلٌ: وَمَا لَهُ رِدَاءٌ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : وَمَا تَصْنعُ بإِزَارِكَ؟ إنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ علَيْها مِنْهُ شَيْءٌ؟ وإنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ؟ فَجَلَسَ الرَّجُلُ حتَّى إذَا طالَ مَجْلِسُهُ قامَ فَرَآهُ النبيُّ ﷺ ، فَدَعاهُ، أوْ دُعِيَ لَهُ، فَقَالَ لهُ: ماذَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟ فَقَالَ: مَعي سورَةُ كَذَا وسورَةُ كَذَا؟ لِسُوَرٍ يُعَدِّدُها، فَقَالَ النبيُّ ﷺ أمْلَكْناها لَكَ بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِن امْرَأَة عرضت نَفسهَا على النَّبِي ﷺ وَسَعِيد هُوَ ابْن مُحَمَّد بن الحكم بن أبي مَرْيَم الجُمَحِي الْمصْرِيّ، وَأَبُو غَسَّان، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة: مُحَمَّد بن مطرف، بِكَسْر الرَّاء الْمُشَدّدَة: اللَّيْثِيّ الْمدنِي وَأَبُو حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي سَلمَة بن دِينَار، وَسَهل بن سعد الْأنْصَارِيّ. والْحَدِيث قد مر فِي فَضَائِل الْقُرْآن فِي: بَاب خَيركُمْ من تعلم الْقُرْآن، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (أملكناها لَك) ويروى: أملكناكها.
٣٣ - (بابُ عَرْضِ الأَنْسانِ ابْنَتَهُ أوْ أُخْتَهُ علَى أهْلِ الخَيْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز عرض الرجل ابْنَته أَو أُخْته على أهل الْخَيْر وَالصَّلَاح، وَلَا نقص فِيهِ.
٢٢١٥ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عبْد الله حَدثنَا إبْراهيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ صالِحِ بنِ كَيْسانَ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ: أخبرَني سالِمُ بنُ عبْدِ الله أنَّهُ سَمِعَ عبْدَ الله بنَ عُمَرَ، ﵄، يُحَدِّثُ أنَّ عُمَرَ بنَ الخطَّابِ حينَ تأيَّمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنْ خُنَيْسِ بنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ، وكانَ مِنْ أصْحابِ رسولِ الله ﷺ ، فتُوُفِّيَ بالمَدِينَةِ فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: أتَيْتُ عُثْمانَ بنَ عَفانَ فَعَرَضْتُ علَيْهِ حَفْصَةَ، فَقَالَ: سأنْظُرُ فِي أمْرِي، فلَبِثْتُ لَيالِيَ ثُمَّ لَقِيَنِي فَقَالَ: قَدْ بَدَا لي أنْ لَا أتَزَوَّجَ يَوْمِي هاذَا. قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍّ الصِّدِّيقَ، فَقُلْتُ: إنْ شِئْتَ زَوجْتُكَ حَفْصَةَ بِنتَ عُمَرَ، فَصَمتَ أبُو بَكْر فلَمْ يَرْجِعْ إليَّ شَيْئا، وكُنْتُ أوْجَدَ علَيْهِ مِنِّي علَى عُثْمانَ، فَلَبِثْتُ لَيالِيَ ثُمَّ خَطَبَها رسولُ الله ﷺ ، فأنْكَحْتُها إيَّاهُ فَلقِيَني أبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: لَعَلَ وجَدْتَ عليَّ حِينَ عرضت عَليّ حَفْصَة فَلم أرجع إِلَيْك شَيْئا قَالَ عمر، قلت نعم قَالَ أَبُو بكر فَإِنَّهُ لم يَمْنعنِي أَن أرجع إلَيْكَ فِيما عَرَضْتَ علَيَّ إلَاّ أنِّي كُنْتُ عَلِمْتُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَدْ ذَكرَها فَلَم أكُنْ لِأُفْشِيَ سِرَّ رسولِ الله ﷺ ، ولَوْ تَرَكَها رسولُ الله ﷺ قَبِلْتُها..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى الْقرشِي العامري الأويسي الْمَدِينِيّ، وَإِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَبُو إِسْحَاق الْقرشِي الزُّهْرِيّ الْمَدِينِيّ، كَانَ على قَضَاء بَغْدَاد.
والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي فِي بَاب مُجَرّد عقيب: بَاب شُهُود الْمَلَائِكَة بَدْرًا، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره، وَذكر الْحميدِي وَأَبُو مَسْعُود هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند أبي بكر، وَذكره خلف وَابْن عَسَاكِر فِي مُسْند عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
قَوْله: (تأيمت حَفْصَة) يُقَال: تأيمت الْمَرْأَة وآمت إِذا أَقَامَت لَا تتَزَوَّج، وَالْعرب تَقول: كل امْرَأَة لَا زوج لَهَا وكل رجل لَا امْرَأَة لَهُ: أيم، وَمعنى: (تأيمت حَفْصَة)
стр. 6002
مَاتَ زَوجهَا خُنَيْس بن حذافة فَصَارَت أَيّمَا، وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ أَن تأيم حَفْصَة من ابْن حذافة أَنه طَلقهَا، وَقَالَ أَبُو عمر وَغَيره: إِنَّه توفّي عَنْهَا من جِرَاحَة أَصَابَته بِأحد، وعَلى هذَيْن الْقَوْلَيْنِ يحمل قَول من قَالَ: تزوج حَفْصَة بعد ثَلَاثِينَ شهرا من الْهِجْرَة، وَرِوَايَة من رُوِيَ سنتَيْن فِي عقب بدر، وَرِوَايَة من رُوِيَ: توفّي زَوجهَا بعد خَمْسَة وَعشْرين شهرا، وَقَالَ أَبُو عمر: تزَوجهَا رَسُول الله ﷺ عِنْد أَكْثَرهم فِي سنة ثَلَاث من الْهِجْرَة، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: تزَوجهَا سنة ثِنْتَيْنِ من التَّارِيخ، وَمَاتَتْ حَفْصَة حِين بَايع الْحسن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، لمعاوية، وَذَلِكَ فِي جُمَادَى سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين، وَقيل: فِي خمس وَأَرْبَعين. قَوْله: (من خُنَيْس) بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ثمَّ سين مُهْملَة: ابْن حذافة، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة ابْن قيس بن عدي بن سعد بن سهم الْقرشِي السَّهْمِي، وَكَانَ من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين شهد بَدْرًا بعد هجرته إِلَى أَرض الْحَبَشَة، ثمَّ شهد أحدا ونالته ثَمَّ جِرَاحَة مَاتَ مِنْهَا بِالْمَدِينَةِ. وَقَالَ ابْن طَاهِر: قَالَ يُونُس عَن الزُّهْرِيّ: خُنَيْس، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر النُّون، وكل معمر بن رَاشد يَقُول: حُبَيْش، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ثمَّ شين مُعْجمَة. وَقَالَ الجياني: رُوِيَ أَن معمرا كَانَ يصحف فِي هَذَا الِاسْم، فَيَقُول: حُبَيْش، وَرُوِيَ ابْن الْمَدِينِيّ عَن هِشَام بن يُوسُف قَالَ: قَالَ معمر فِي حَدِيث: تأيمت حَفْصَة، فَقَالَ: مَن حُبَيْش بن حذافة؟ فَرد عَلَيْهِ: خُنَيْس فَقَالَ: لَا بل هُوَ حُبَيْش. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَقد اخْتلف على عبد الرَّزَّاق عَن معمر فروى عَنهُ خُنَيْس، بِالسِّين الْمُهْملَة على الصَّوَاب، وَرُوِيَ عَنهُ: خُنَيْس أَو حُبَيْش على الشَّك، وَذكره البُخَارِيّ ومُوسَى بن عقبَة وَيُونُس وَابْن أخي الزُّهْرِيّ على الصَّوَاب بخاء مُعْجمَة بعْدهَا نون. قَوْله: (فعرضت عَلَيْهِ حَفْصَة) ، فِيهِ: عرض الرجل وليته إِذا كَانَ على كُفْء لَيْسَ بمنقصة عَلَيْهِ. قَوْله: (سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي) أَي: أتفكر، وَيسْتَعْمل النّظر أَيْضا بِمَعْنى الرأفة، لَكِن تعديته بِاللَّامِ، وَبِمَعْنى الروية وَهُوَ الأَصْل وبعدي بإلى، وَقد يَأْتِي بِغَيْر صلَة بِمَعْنى الِانْتِظَار. قَوْله: (فَصمت أَبُو بكر) ، أَي: سكت وزنا وَمعنى. قَوْله: (وَلم يرجع) ، بِفَتْح الْيَاء، وَهَذَا تَأْكِيد لرفع الْمجَاز لاحْتِمَال أَنه صمت زَمَانا ثمَّ تكلم. قَوْله: (وَكنت أوجد عَلَيْهِ) ، أَي: أَشد على أبي بكر موجدة أَي غَضبا (مني على عُثْمَان) وَذَلِكَ لأمرين: أَحدهمَا: مَا كَانَ بَينهمَا من محبَّة أكيدة. وَالثَّانِي: أَن عُثْمَان أَن أَجَابَهُ أَولا ثمَّ اعتذر لَهُ ثَانِيًا، وَلكَون أبي بكر لم يعد عَلَيْهِ جَوَابا. وَقَالَ الْكرْمَانِي فِي قَوْله: وَكنت أوجد عَلَيْهِ نَفسه هُوَ الْمفضل والمفضل عَلَيْهِ، لَكِن الأول بِاعْتِبَار أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَالثَّانِي بِاعْتِبَار عُثْمَان ﵁ قَوْله: (لَعَلَّك وجدت عَليّ) هَذَا رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: لقد وجدت عَليّ وَالْأول هُوَ الأجه. قَوْله: (فَلم أرجع) بِكَسْر الْجِيم أَي: لم أعد عَلَيْك الْجَواب. قَوْله: (لأفشي) بِضَم الْهمزَة من الإفشاء وَهُوَ الْإِظْهَار، وَقَالَ ابْن بطال: كَانَ إسرار النَّبِي ﷺ تَزْوِيج حَفْصَة لأبي بكرعلى سَبِيل المشورة، أَو لِأَنَّهُ علم قُوَّة إِيمَان أبي بكر، وَأَنه لَا يتَغَيَّر لذَلِك لكَون ابْنَته عِنْد النَّبِي ﷺ وكتمان أبي بكر لذَلِك خشيَة أَن يَبْدُو للنَّبِي ﷺ فِي نِكَاحهَا أَمر فَيَقَع فِي قلب عمر مَا وَقع فِي قلبه لأبي بكر.
وَفِي هَذَا الحَدِيث فَوَائِد.
فِيهِ: أَن من عرض عَلَيْهِ مَا فِيهِ الرَّغْبَة فَلهُ النّظر وَالِاخْتِيَار وَعَلِيهِ أَن يخبر بعد ذَلِك بِمَا عِنْده لِئَلَّا يمْنَعهَا من غَيره، لقَوْل عُثْمَان بعد لَيَال: قد بدا ليأن لَا أَتزوّج. وَفِيه: الِاعْتِذَار اقْتِدَاء بعثمان فِي مقَالَته هَذِه وَفِيه: كتمان السِّرّ، فَإِن أظهره الله أَو أظهره صَاحبه جَازَ للَّذي أسر إِلَيْهِ إِظْهَاره. وَفِيه: أَنه يجوز للرجل أَن يذكر لأَصْحَابه وَلمن يَثِق بِهِ أَنه يخْطب امْرَأَة قبل أَن يظْهر خطبتها وَفِيه: الرُّخْصَة فِي تَجْوِيز من عرض رَسُول الله ﷺ فِيهَا بِخطْبَة أَو أَرَادَ أَن يَتَزَوَّجهَا أَلا ترى إِلَى قَول الصدّيق: لَو تَركهَا تَزَوَّجتهَا؟ وَقد جَاءَ فِي خبر آخر الرُّخْصَة فِي نِكَاح من عقد النَّبِي ﷺ عَلَيْهَا النِّكَاح وَلم يدْخل بهَا. وَأَن الصّديق كرهه وَرخّص فِيهِ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَرُوِيَ دَاوُد بن أبي هِنْد عَن عِكْرِمَة: تزوج رَسُول الله ﷺ امْرَأَة من كِنْدَة يُقَال لَهَا: قيلة، فَمَاتَ وَلم يدْخل بهَا وَلَا حجبها، فتزوجتها عِكْرِمَة بن أبي جهل فَغَضب أَبُو بكر وَقَالَ: تزوجت امْرَأَة من نسَاء رَسُول الله ﷺ ؟ فَقَالَ عمر: مَا هِيَ من نِسَائِهِ، مَا دخل بهَا وَلَا حجبها، وَلَقَد ارْتَدَّت مَعَ من ارْتَدَّ فَسكت. وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح وَفِيه: فَسَاد قَول من قَالَ: إِن للْمَرْأَة الْبَالِغَة المالكة أمرهَا تَزْوِيج نَفسهَا وَعقد النِّكَاح عَلَيْهَا دون وَليهَا انْتهى. قلت: نِسْبَة هَذَا القَوْل إِلَى الْفساد من الْفساد، لِأَن من قَالَ هَذَا لم يقل من عِنْده، وَإِنَّمَا اعْتمد على حجَّة قَوِيَّة، وَهِي مَا رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة
стр. 6003
أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: لَا تنْكح الأيم حَتَّى تستأمر، وَلَا تنْكح الْبكر حَتَّى تُستأذن. قَالُوا يَا رَسُول الله! كَيفَ إِذْنهَا؟ قَالَ: أَن تسكت وَرُوِيَ من حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: الأيم أَحَق بِنَفسِهَا من وَليهَا، وَالْبكْر تستأذن فِي نَفسهَا وإذنها صمانها. فَإِن قلت: المُرَاد بالأيم فِي الحَدِيث الثّيّب دون غَيرهَا، ذكره الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي؟ قلت: هَذَا لفظ عَام يتَنَاوَل الْبكر وَالثَّيِّب والمطلقة والمتوفى عَنْهَا زَوجهَا وَيجب الْعَمَل بِعُمُوم الْعَام، وَأَنه يُوجب الحكم فِيمَا يتَنَاوَلهُ قطعا، وتخصيصه بِالثَّيِّبِ هُنَا إِخْرَاج للْكَلَام عَن عُمُومه. فَإِن قلت: جَاءَت الرِّوَايَة: الثّيّب أَحَق بِنَفسِهَا، وَهَذِه تفسر تِلْكَ الرِّوَايَة. قلت: لَا إِجْمَال فِيهَا فَلَا يحْتَاج إِلَى التَّفْسِير، بل يعْمل بِكُل وَاحِدَة مِنْهُمَا، فَيعْمل بِرِوَايَة الأيم على عمومها، وبرواية الثّيّب على خصوصها وَلَا مُنَافَاة بَين الرِّوَايَتَيْنِ، على أَن أَبَا حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رجح الْعَمَل بِالْعَام على الْخَاص، كَمَا رجح قَوْله: مَا أخرجته الأَرْض فَفِيهِ الْعشْر، على الْخَاص الْوَارِد فِيهِ، وَهُوَ قَوْله: لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أوسق صَدَقَة. فَإِن قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: قد احْتج بِهِ أَي: بقوله ﷺ بعض النَّاس: الأيم أَحَق بِنَفسِهَا.
وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ : لَا نِكَاح إلَاّ بولِي، وَهَكَذَا أفتى بِهِ بعد النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: لَا نِكَاح إلَاّ بولِي. قلت: هَذَا عجب عَظِيم من التِّرْمِذِيّ يَقُول بِمَا لَا يَلِيق بِحَالهِ، لِأَن حَدِيث ابْن عَبَّاس: لَا نِكَاح إلَاّ بولِي مَتى يُسَاوِي هَذَا الحَدِيث الصَّحِيح الْمجمع على صِحَّته؟
وَقد تكلمُوا فِي حَدِيث: لَا نِكَاح إلَاّ بولِي، فَقَالَ أَحْمد: لَيْسَ يَصح فِي هَذَا شَيْء إلَاّ حَدِيث سُلَيْمَان بن مُوسَى عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بن عَائِشَة عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: أَيّمَا امْرَأَة نكحت بِغَيْر إِذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ. قلت: سُلَيْمَان بن مُوسَى مُتكلم فِيهِ. قَالَ ابْن جريج وَالْبُخَارِيّ: عِنْده مَنَاكِير، وَقَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: مطعون عَلَيْهِ، وَقَالَ الْعقيلِيّ: خولط قبل مَوته بِيَسِير، وَلَئِن سلمنَا صِحَة: لَا نِكَاح إلَاّ بوليّ، فِي رِوَايَة ابْن عَبَّاس، فَالصَّحِيح أَنه مَوْقُوف، فَمَتَى يداني أَو يقرب هَذَا الحَدِيث الصَّحِيح الْمَرْفُوع الثَّابِت عِنْد أهل النَّقْل؟ وَلِهَذَا تجنب البُخَارِيّ وَمُسلم فِي تَخْرِيجه عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره، وَقَالَ الْخطابِيّ: قَوْله: لَا نِكَاح إلَاّ بولِي، فِيهِ ثُبُوت النِّكَاح على عُمُومه وخصوصه بولِي، وتأوله بَعضهم على نفي الْفَضِيلَة والكمال، وَهَذَا تَأْوِيل فَاسد، لِأَن الْعُمُوم يَأْتِي على أَصله جَوَازًا وكمالاً، وَالنَّفْي فِي الْمُعَامَلَات يُوجب الْفساد. قلت: سلمنَا أَنه على عُمُومه وَلَكِن مَعْنَاهُ مَحْمُول على الْكَمَال، كَمَا فِي قَول النَّبِي ﷺ : لَا صَلَاة لِجَار الْمَسْجِد إلَاّ فِي الْمَسْجِد، وَجعله النِّكَاح من الْمُعَامَلَات فَاسد لِأَنَّهُ من الْعِبَادَات حَتَّى إِنَّه أفضل من الصَّلَاة النَّافِلَة فَيكون لَهُ جهتان من جَوَاز: نَاقص وكامل، فَإِن قلت: رُوِيَ: لَا نِكَاح إلَاّ بولِي، عَن أبي هُرَيْرَة وَعمْرَان بن حُصَيْن وَأنس بن مَالك وَجَابِر بن عبد الله وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَعبد الله بن عمر ومعاذ بن جبل، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم؟ قلت: حَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد أَحْمد بن عدي، وَحَدِيث عمرَان عِنْد حَمْزَة السَّهْمِي فِي تَارِيخ جرجان وَعند الدَّارَقُطْنِيّ، وَحَدِيث أنس عِنْد الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك، وَحَدِيث جَابر عِنْد أبي يعلى الْموصِلِي، وَحَدِيث أبي سعيد عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ، وَحَدِيث ابْن عمر عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا، وَحَدِيث معَاذ عِنْد ابْن الْجَوْزِيّ فِي الْعِلَل المتناهية. أما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَفِي إِسْنَاده الْمُغيرَة بن مُوسَى قَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث وَقَالَ ابْن حبَان: يَأْتِي عَن الثِّقَات بِمَا لَا يشبه حَدِيث الْأَثْبَات، فَبَطل الِاحْتِجَاج بِهِ. وَأما حَدِيث عمرَان فَفِي إِسْنَاده عبد الله بن عَمْرو الوافقي، قَالَ عَليّ: كَانَ يضع الحَدِيث. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: كَانَ يكذب. وَأما حَدِيث أنس ... وَأما حَدِيث جَابر فَمَحْمُول على نفي الْكَمَال، وَأما حَدِيث أبي سعيد فَفِي إِسْنَاده ربيعَة بن عُثْمَان. قَالَ أَبُو حَاتِم: مُنكر الحَدِيث، وَأما حَدِيث عبد الله بن عمر فَفِي إِسْنَاده ثَابت بن زُهَيْر، قَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِثِقَة. وَأما حَدِيث معَاذ فَفِي إِسْنَاده أَبُو عصمَة نوح، قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: كَانَ يتهم بِالْوَضْعِ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ. مَتْرُوك.
٣٢١٥ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ عنْ عِرَاكٍ بن مالِكٍ أنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ أبِي سلَمَةَ أخْبَرَتْهُ أنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ قالَتْ لِرَسولِ الله ﷺ إنَّا قَدْ تَحَدَّثْنا أنَّكَ
стр. 6004
ناكِحٌ دُرَّةَ بِنْتِ أبي سلَمَةَ؟ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ أعلَى أُمِّ سلَمَةَ؟ لَوْ لَمْ أنْكِحْ أُمِّ سلَمَةَ مَا حَلَّتْ لِي إنَّ أَبَاهَا أخِي مِنَ الرَّضاعَةِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن هَذَا الحَدِيث طرف من الحَدِيث الَّذِي مضى قَرِيبا فِي: بَاب: ﴿وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ﴾ (النِّسَاء: ٣٢) وَفِيه: قَالَت أم حَبِيبَة يَا رَسُول الله! أنكح أُخْتِي بنت أبي سُفْيَان الحَدِيث، وَهَذَا عرض أُخْتهَا على أهل الْخَيْر. قَوْله: (درة) بِضَم الدَّال الْمُهْملَة. قَوْله: (أَعلَى أم سَلمَة) أَي: أَتزوّج على أمهَا؟ يَعْنِي: كَيفَ أَتزوّج درة وَهِي ربيبتي، وَلَو لم تكن ربيبتي لما حلت لي أَيْضا لِأَنَّهَا بنت أخي؟ أَبَا سَلمَة، لِأَن ثوبية أرضعت أَبَا سَلمَة وَرَسُول الله ﷺ جَمِيعًا.
٤٣ - (بابُ قَوْلِ الله جَلَّ وعَزَّ ﴿ (٢) وَلَا جنَاح عَلَيْكُم فِيمَا عرضتم بِهِ من خطْبَة النِّسَاء أَو أكننتم أَنفسكُم علم الله﴾ (الْبَقَرَة: ٥٣٢) الآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ ﴿ (٢) غَفُور حَلِيم﴾ (الْبَقَرَة: ٥٣٢)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الله : ﴿وَلَا جنَاح عَلَيْكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٥٣٢) إِلَى آخر مَا ذكره، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَحذف مَا بعد: ﴿أكننتم﴾ من رِوَايَة أبي ذَر، وَوَقع فِي شرح ابْن بطال سِيَاق الْآيَة وَالَّتِي بعْدهَا إِلَى قَوْله ﴿أَجله﴾ الْآيَة. وَقَالَ ابْن التِّين: تَضَمَّنت الْآيَة أَرْبَعَة أَحْكَام: إثنان مباحان: التَّعْرِيض والإكنان، وإثنان ممنوعان: النِّكَاح فِي الْعدة والمواعدة فِيهَا.
أكْننْتُمْ: أضْمَرْتُمْ فِي أنْفُسِكُمْ، وكلُّ صُنْتَهُ أوْ أضْمَرْتَهُ فَهْوَ مَكْنونٌ
قَوْله: (أكننتم) من الإكنان وَهُوَ الْإِضْمَار فِي النَّفس، وَأَشَارَ بقوله: (فَهُوَ مَكْنُون) إِلَى أَن ثلاثي أكننتم من: كنَّ يكن فَهُوَ مَكْنُون أَي: مَسْتُور ومحفوظ. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: يُقَال: كننته أكنه كُنَّا، والإسم: يَعْنِي الْمصدر بِالْفَتْح والإسم بِالْكَسْرِ، وَفِي التَّفْسِير: يَعْنِي أضمرتم فِي قُلُوبكُمْ وَلم تذكروه بألسنتكم، وَهَذَا خطْبَة النِّسَاء، وَقد نفي الله الْجنَاح فِي التَّعْرِيض فِي خطْبَة النِّسَاء، وَقد نفى الله الْجنَاح فِي التَّعْرِيض فِي خطْبَة النِّسَاء وهنّ فِي الْعدة، وَذكر أَولا التَّعْرِيض بقوله: ﴿وَلَا جنَاح عَلَيْكُم فِيمَا عرضتم بِهِ من خطْبَة النِّسَاء﴾ (الْبَقَرَة: ٥٣٢) والتعريض أَن يَقُول: إِنَّك لجميلة، أَو صَالِحَة وَمن غرضي أَن أَتزوّج، وَعَسَى الله أَن ييسر لي امْرَأَة صَالِحَة، وَنَحْو ذَلِك من الْكَلَام الموهم أَنه يُرِيد نِكَاحهَا حَتَّى تحبس نَفسهَا عَلَيْهِ إِن رغبت فِيهِ، وَلَا يُصَرح بِالنِّكَاحِ فَلَا يَقُول: إِنِّي أُرِيد أَن أنكحك أَو أتزوجك أَو أخطبك، وَالْفرق بَين التَّعْرِيض وَالْكِنَايَة أَن التَّعْرِيض أَن تذكر شَيْئا يدل على شَيْء لم تذكره، كَمَا يَقُول الْمُحْتَاج للمحتاج إِلَيْهِ: جئْتُك لأسلم عَلَيْك ولأنظر إِلَى وَجهك الْكَرِيم، وَالْكِنَايَة أَن يذكر الشَّيْء بِغَيْر لَفظه الْمَوْضُوع لَهُ، كَقَوْلِك: طَوِيل النجاد لطول الْقَامَة، وَكثير الرماد للمضياف. ثمَّ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿علم الله أَنكُمْ ستذكرونهن﴾ (الْبَقَرَة: ٥٣٢) يَعْنِي: لَا تصبرون عَن النُّطْق برغبتكم فِيهِنَّ، وَفِيه نوع توبيخ. ثمَّ قَالَ: ﴿وَلَكِن لَا تواعدوهن﴾ (الْبَقَرَة: ٥٣٢) فِيهِ حذف تَقْدِيره: فاذكروهن وَلَكِن لَا تواعدوهن سرا، وَهُوَ كِنَايَة عَن النِّكَاح الَّذِي هُوَ الْوَطْء. ثمَّ عبر بالسر عَن النِّكَاح الَّذِي هُوَ الْمُقدر بقوله: ﴿إلَاّ أَن تَقولُوا قولا مَعْرُوفا﴾ (الْبَقَرَة: ٥٣٢) وَهُوَ أَن تعرضوا وَلَا تصرحوا، ثمَّ قَالَ: ﴿وَلَا تعزموا عقدَة النِّكَاح﴾ (الْبَقَرَة: ٥٣٢) أَي: لَا تقصدوها ﴿حَتَّى يبلغ الْكتاب أَجله﴾ (الْبَقَرَة: ٥٣٢) يَعْنِي: مَا كتب وَفرض من الْعدة.
٤٢١٥ - وَقَالَ لي طَلْقٌ: حدَّثنا زائدَةُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ مُجاهدٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﴿ (٢) فِيمَا عرضتم بِهِ من خطْبَة النِّسَاء﴾ (الْبَقَرَة: ٥٣٢) يَقُولُ: إنِّي أُرِيدُ التَّزْوِيجَ وَلودَدْتُ أنَّهُ تَيَسَّرَ لِي امْرَأَةٌ صالِحَة.
طلق بِفَتْح الطَّاء وَسُكُون اللَّام: ابْن غَنَّام. بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد النُّون: ابْن طلق بن مُعَاوِيَة أَبُو مُحَمَّد النَّخعِيّ الْكُوفِي أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ. وَقَالَ ابْن سعد: مَاتَ فِي رَجَب سنة: إِحْدَى عشر وَمِائَتَيْنِ. وزائدة بن قدامَة، بِضَم الْقَاف وَتَخْفِيف الدَّال الْمُهْملَة، وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر، فَظن صَاحب التَّوْضِيح أَن هَذَا مُعَلّق وَلَيْسَ بتعليق لِأَن قَوْله: (قَالَ لي) يدل على أَنه سَمعه من طلق، ثمَّ قَالَ: أخرجه ابْن أبي شيبَة عَن جرير بن عبد الحميد عَن مَنْصُور بِلَفْظ: إِنِّي فِيك لراغب وَإِنِّي أُرِيد امْرَأَة أمرهَا كَذَا وَكَذَا، ويعرض لَهَا بالْقَوْل. قَوْله: (وَلَو ددت) أَي: ولأحببت. قَوْله: (أَنه) أَي: أَن الشَّأْن. قَوْله: (تيَسّر لي) بِفَتْح التَّاء
стр. 6005
الْمُثَنَّاة من فَوق الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَشْديد السِّين وَضم الرَّاء، وَأَصله تتيسر. بتاءين مثناتين من فَوق فحذفت إِحْدَاهمَا للتَّخْفِيف، وَضَبطه بَعضهم بقوله: ييسر، بِضَم التَّحْتَانِيَّة وَفتح أُخْرَى مثلهَا بعْدهَا وَفتح السِّين الْمُهْملَة. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ مثل مَا ضَبطنَا فياليته يَقُول: بِضَم الفوقانية وَفتح التَّحْتَانِيَّة، وَلَكِن الْقُصُور عَن فن يُؤَدِّي إِلَى أَكثر من هَذَا إِثْم قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَفِي رواي الْكشميهني: يسر لي بتحتانية وَاحِدَة وَكسر الْمُهْملَة، وَلم أدر مَا وَجهه فياليته قَالَ: بِضَم تَحْتَانِيَّة وَتَشْديد السِّين الْمَكْسُورَة على صِيغَة مَجْهُولَة للماضي من التَّيْسِير.
وَقَالَ القاسِمُ: يَقُولُ: إنَّكِ عَليَّ كَرِيمَةٌ وإنِّي فِيكِ لَرَاغِب، وإنَّ الله لَسائِقٌ إليْكَ خَيْرا، أوْ نَحْوَ هاذَا
الْقَاسِم هُوَ ابْن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن يزِيد بن هَارُون عَن يحيى بن سعيد عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه فِي الْمَرْأَة يتوفي عَنْهَا زَوجهَا وَيُرِيد الرجل خطبتها وكلامها، قَالَ: يَقُول: إِنِّي بك لمعجب، وَإِنِّي عَلَيْك لحريض، وَإِنِّي فِيك لراغب، وَأَشْبَاه ذَلِك. قَوْله: (أَو نَحْو هَذَا) مثل أَن يَقُول: إِنِّي حَرِيص عَلَيْك، أَو أسأَل الله تَعَالَى أَن يَرْزُقنِي امْرَأَة صَالِحَة وأمثال هَذَا كَثِيرَة.
وَقَالَ عَطاءٌ: يُعَرِّضُ وَلَا يبُوحُ يَقُولُ: إنَّ لي حاجَةً، وأبْشِري، وأنْتِ بحَمْدِ الله نافِقَةٌ، وتَقُولُ هِيَ: قَدْ أسْمَعُ مَا تَقُولُ، وَلَا تَعِدُ شَيْئا وَلَا يُوَاعِدُ ولِيُّها بِغَيْرِ عِلْمِها، وإنْ واعَدَتْ رجُلاً فِي عِدَّتْها ثُمَّ نكَحَها بَعْدُ لَمْ يُفَرِّقُ بَيْنَهُما
أَي: قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح: (يعرض) بتَشْديد الرَّاء من التَّعْرِيض (وَلَا يبوح) أَي: وَلَا يُصَرح من باح بالشَّيْء يبوح بِهِ إِذا أعلنه قَوْله: (نافقة) بالنُّون وَالْفَاء، وَالْقَاف أَي: رائجة بِالْجِيم. قَوْله: (وَتقول هِيَ) الْمَرْأَة. قَوْله: (وَلَا تعِدُ) من الْوَعْد أَي: الْمَرْأَة لَا تعد لَهُ بِالْعقدِ وَأَنَّهَا تتَزَوَّج بِهِ، وَلَا تَقول شَيْئا غير قَوْلهَا: (اسْمَع مَا تَقول) . قَوْله: (وَلَا يواعد) أَي: الرجل (وَليهَا) أَي الَّذِي بلي أمرهَا بِغَيْر علمهَا، وَإِن وَاعَدت هِيَ رجلا فِي حَالَة الْعدة ثمَّ نكحا بعدُ بِضَم الدَّال أَي: بعد المواعدة وَبعد انْقِضَاء الْعدة، لم يفرق بَينهمَا لصِحَّة العقد وَعدم الْمَانِع، وَإِن صرح بِالْخطْبَةِ فِي الْعدة لَكِن لم يعْقد إلَاّ بعد انْقِضَاء الْعدة صَحَّ العقد عِنْد أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَلَكِن ارْتكب الْمنْهِي. وَقَالَ مَالك: يفارقها، دخل بهَا أَو لم يدْخل، وَلَو وَقع العقد فِي الْعدة وَدخل بهَا يفرق بَينهمَا بِلَا خلاف بَين الْأَئِمَّة. وَقَالَ مَالك وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ: لَا يحل لَهُ بعد ذَلِك نِكَاحهَا، وَقَالَ الْبَاقُونَ: يحل لَهُ إِذا انْقَضتْ الْعدة أَن يَتَزَوَّجهَا إِن شَاءَ.
وَقَالَ الحَسَنُ ﴿ (٢) لَا توعدوهن سرا﴾ (الْبَقَرَة: ٥٣٢) الزِّنا
أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ فِي تَفْسِير السِّرّ فِي قَوْله : ﴿وَلَكِن لَا تواعدوهن سرا﴾ (الْبَقَرَة: ٥٣٢) أَنه الزِّنَا، وَوَصله عبد بن حميد من طَرِيق عمرَان بن جدير عَن الْحسن بِلَفْظِهِ: فَإِن قلت: أَيْن الْمُسْتَدْرك بقوله: ﴿وَلَكِن لَا تواعدوهن﴾ (الْبَقَرَة: ٥٣٢) قلت: هُوَ مَحْذُوف لدلَالَة: ﴿ستذكرونهن﴾ (الْبَقَرَة: ٥٣٢) عَلَيْهِ تَقْدِيره ﴿علم الله أَنكُمْ ستذكرونهن فاذكروهن وَلَكِن لَا تواعدوهن سرا﴾ (الْبَقَرَة: ٥٣٢) والسر وَقع كِنَايَة عَن النِّكَاح الَّذِي هُوَ الْوَطْء لِأَنَّهُ مِمَّا يسر. قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ، وَقَالَ الشّعبِيّ: هُوَ أَن يَأْخُذ عَلَيْهَا عهدا أَن لَا تتَزَوَّج غَيره، وَقَالَ مُجَاهدًا: سرا يخطبها فِي عدتهَا، وَقَالَ ابْن سِيرِين: يلقِي الْوَلِيّ فيذكر عَنهُ رَغْبَة وحرصا. وَقَالَ الشَّافِعِي: هُوَ الْجِمَاع وَهُوَ التَّصْرِيح بِمَا لَا يحل لَهُ فِي حَالَته، وَقد قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأَبُو الشعْثَاء مثل مَا قَالَ الْحسن، وَلَكِن فِيهِ تَأمل، لِأَن الزِّنَا لَا يجوز المواعدة بِهِ سرا وَلَا جَهرا.
ويُذْكَرُ عنِ ابنِ عبَّاسٍ: ﴿ (٢) الْكتاب أَجله﴾ (الْبَقَرَة: ٥٣٢) : تَنْقَضِي العِدَّةُ
أَي: يذكر عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يبلغ الْكتاب أَجله﴾ (الْبَقَرَة: ٥٣٢) حَتَّى تَنْقَضِي الْعدة، وَوَصله الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَطاء الْخُرَاسَانِي عَنهُ بِهِ، وَقد حرم الله تَعَالَى عقد النِّكَاح فِي الْعدة بقوله: ﴿وَلَا تعزموا عقدَة النِّكَاح حَتَّى يبلغ الْكتاب أَجله﴾ (الْبَقَرَة: ٥٣٢) وَهَذَا
стр. 6006
من الْمُحكم الْمُجْتَمع على تَأْوِيله أَن بُلُوغ أَجله انْقِضَاء الْعدة وأباح التَّعْرِيض فِي الْعدة وَذكر ابْن أبي شيبَة جَوَاز التَّعْرِيض عَن مُجَاهِد وَالْحسن وَعبيدَة السَّلمَانِي وَسَعِيد بن جُبَير وَالشعْبِيّ وَأبي الضُّحَى، وَقَالَ إِبْرَاهِيم: لَا بَأْس بالهدية فِي تَعْرِيض النِّكَاح، وَقَالَ الشَّافِعِي، ﵀: الْعدة الَّتِي أذن الله تَعَالَى بالتعريض فِيهَا هِيَ الْعدة من وَفَاة الزَّوْج، وَلَا أحب ذَلِك فِي الْعدة من الطَّلَاق الْبَائِن احْتِيَاطًا، وَأما الَّتِي لزَوجهَا عَلَيْهَا رُجُوع فَلَا يجوز لأحد أَن يعرض لَهَا بِالْخطْبَةِ فِيهَا.
٥٣ - (بابُ النَّظَرِ إِلَى المَرْأةِ قَبْلَ التَّزْويجِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز النّظر إِلَى الْمَرْأَة قبل أَن يَتَزَوَّجهَا، وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يُقَال: قبل التَّزَوُّج، لِأَن النّظر فِيهِ لَا فِي التَّزْوِيج، وَالظَّاهِر أَن هَذَا من النَّاسِخ. وَهَذَا الْبَاب اخْتلف فِيهِ الْعلمَاء، فَقَالَ طَاوُوس وَالزهْرِيّ وَالْحسن والبصري وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ وَمَالك وَأحمد وَآخَرُونَ: يُبَاح النّظر إِلَى الْمَرْأَة الَّتِي يُرِيد نِكَاحهَا. وَقَالَ عِيَاض: وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: ينظر إِلَيْهَا ويجتهد وَينظر مِنْهَا مَوَاضِع اللَّحْم. وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَسَوَاء: بِإِذْنِهَا أَو بِغَيْر إِذْنهَا إِذا كَانَت مستترة، وَحكى بعض شُيُوخنَا، تَأْوِيلا على قَول مَالك: إِنَّه لَا ينظر إِلَيْهَا إلَاّ بِإِذْنِهَا لِأَنَّهُ حق لَهَا، وَلَا يجوز عِنْد هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين أَن ينظر إِلَى عورتها وَلَا وَهِي حَاسِرَة، وَعَن دَاوُد ينظر إِلَى جَمِيعهَا حَتَّى قَالَ ابْن حزم: يجوز النّظر إِلَى فرجهَا. وَقَالَت الْعلمَاء: لَا ينظر إِلَى فرجهَا. وَقَالَت الْعلمَاء: لَا ينظر إِلَيْهَا نظر تلذة وشهوة وَلَا لريبة، وَقَالَ أَحْمد: ينظر إِلَى الْوَجْه على غير طَرِيق لَذَّة، وَله أَن يردد النّظر إِلَيْهَا متأملاً محاسنها، وَإِذا لم يُمكنهُ النّظر اسْتحبَّ أَن يبْعَث امْرَأَة يَثِق بهَا تنظر إِلَيْهَا وَتُخْبِرهُ، لما رُوِيَ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ثَابت عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ أَرَادَ أَن يتَزَوَّج امْرَأَة فَبعث بِامْرَأَة لتنظر إِلَيْهَا، فَقَالَ: (شمي عوارضها وانظري إِلَى عرقوبيها) الحَدِيث. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: كَذَا رَوَاهُ شَيخنَا فِي الْمُسْتَدْرك، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيل مُخْتَصرا. قلت: الْعَوَارِض الْأَسْنَان الَّتِي فِي عرض الْفَم، وَهِي مَا بَين الثنايا والأضراس، واحدتها عَارض، وَذَلِكَ لاختبار النكهة. قَالَت ظائفة، مِنْهُم يُونُس بن عبيد، وَإِسْمَاعِيل بن علية وَقوم من أهل الحَدِيث. لَا يجوز النّظر إِلَى الْأَجْنَبِيَّة مُطلقًا إلَاّ لزَوجهَا أَو ذِي رحم محمرم مِنْهَا، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (يَا عَليّ! إِن لَك فِي الْجنَّة كنزا وَإنَّك ذُو قرنيها، فَلَا تتبع النظرة النظرة فَإِن لَك الأولى) . رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَالْبَزَّار. وَمعنى: لَا تتبع النظرة النظرة أَي: لَا تجْعَل نظرتك إِلَى الْأَجْنَبِيَّة تَابِعَة لنظرتك الأولى الَّتِي تقع بَغْتَة، وَلَيْسَت لَك النظرة الْآخِرَة، لِأَنَّهَا تكون عَن قصد وَاخْتِيَار فتأثم بهَا أَو تعاقب، وَبِمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جرير بن عبد الله، قَالَ: سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن نظر الْفجأَة فَأمرنِي أَن أصرف بَصرِي. قَالُوا: فَلَمَّا كَانَت النظرة الثَّانِيَة حَرَامًا لِأَنَّهَا عَن اخْتِيَار خُولِفَ بَين حكمهَا وَحكم مَا قبلهَا إِذا كَانَت بِغَيْر اخْتِيَار، دلّ ذَلِك على أَنه لَيْسَ لأحد أَن ينظر إِلَى وَجه امْرَأَة إلَاّ أَن يكون بَينهَا وَبَينه من النِّكَاح أَو الْحُرْمَة.
واحتجت الطَّائِفَة الألى بِحَدِيث مُحَمَّد بن مسلمة: سَمِعت رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، يَقُول: (إِذا ألْقى فِي قلب امرىء خطْبَة امْرَأَة فَلَا بَأْس أَن ينظر إِلَيْهَا) ، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ، وَبِحَدِيث أبي حميد السَّاعِدِيّ، وَقد كَانَ رأى النَّبِي ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِذا خطب أحدكُم امْرَأَة فَلَا جنَاح عَلَيْهِ أَن ينظر إِلَيْهَا إِذا كَانَ إِنَّمَا ينظر إِلَيْهَا للخطبة، وَإِن كَانَت لَا تعلم) ، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَأحمد وَالْبَزَّار، وَبِحَدِيث جَابر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِذا خطب أحدكُم الْمَرْأَة فَقدر على أَن يرى مِنْهَا مَا يُعجبهُ فَلْيفْعَل) ، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَأَبُو دَاوُد، وَبِحَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رجلا أَرَادَ أَن يتَزَوَّج امْرَأَة من الْأَنْصَار، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : (انْظُر إِلَيْهَا فَإِن فِي أعين نسَاء الْأَنْصَار شَيْئا) ، يَعْنِي: الصغر، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَأخرجه مُسلم وَلَيْسَ فِي رِوَايَته: يَعْنِي الصغر، وَبِحَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة أَنه أَرَادَ أَن يتَزَوَّج امْرَأَة، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : (انْظُر إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَن يُؤْدم بَيْنكُمَا) وَأخرجه الطَّحَاوِيّ وَالتِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدِيث حسن، وَقَالَ: معنى قَوْله: (أَن يُؤْدم بَيْنكُمَا) أَي: أَحْرَى أَن تدوم الْمَوَدَّة بَيْنكُمَا؛ وَأَجَابُوا عَن حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِأَن النّظر فِيهِ لغير الْخطْبَة، فَذَلِك حرَام، وَأما إِذا كَانَ للخطبة فَلَا يمْنَع مِنْهُ لِأَنَّهُ للْحَاجة، أَلا يرى كَيفَ جوز بِهِ فِي الْإِشْهَاد عَلَيْهَا وَلها؟ فَكَذَلِك النّظر للخطبة. وَالله أعلم.
٥٢١٥ - حدَّثنا مُسَدّدٌ حَدثنَا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ، ﵂،
стр. 6007
قالَتْ: قَالَ لي رسولُ الله ﷺ : رأيْتُكِ فِي المَنامِ تجيءُ بِكِ المَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَقَالَ لي: هاذِه امْرَأتُكَ، فكَشَفْتُ عنْ وجهِكِ الثَّوْبَ فإِذَا أنْتِ هيَ فقُلْتُ: إنْ يَكُ هاذا مِنْ عنْدِ الله يُمْضِهِ..
هَذَا الحَدِيث مُضِيّ فِي أَوَائِل كتاب النِّكَاح فِي: بَاب نِكَاح الْأَبْكَار، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبيد بن إِسْمَاعِيل عَن أبي أُسَامَة عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة إِلَى آخِره وَفِيه: أريتك، على صِيغَة الْمَجْهُول مرَّتَيْنِ، وَهنا رَأَيْتُك، وَهُنَاكَ: إِذا رجل يحملك فِي سَرقَة من حَرِير، وَهُنَاكَ: فأكشفها، وَهنا: فَكشفت وَهُنَاكَ: فَإِذا هِيَ أَنْت، وَهنا: فَإِذا أَنْت هِيَ، وَهَذَا: مثل: زيد أَخُوك، وأخوك زيد، وَوجه إِيرَاد هَذَا الحَدِيث فِي التَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة من حَيْثُ الِاسْتِئْنَاس بِهِ فِي جَوَاز النّظر إِلَى الْأَجْنَبِيَّة للخطبة، وَذَلِكَ لِأَن مَنَام الْأَنْبِيَاء وَحي، على أَن ظَاهر قَوْله: (يَجِيء بك الْملك) يدل على أَنه ﷺ شَاهد حَقِيقَة صُورَة عَائِشَة، وَكَانَت هِيَ فِي سَرقَة من حَرِير، وَبَقِيَّة الْكَلَام مرت هُنَاكَ.
٦٢١٥ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ حَدثنَا يعْقُوبُ عنْ أبي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ أنَّ امْرَأةً جاءَتْ رسولَ الله ﷺ ، فقالَتْ: يَا رسولَ الله ﴿جِئْتُ لِأَهَبَ لَكَ نَفْسِي، فَنَظَرَ إليْها رسُولُ الله ﷺ ، فَصَعَّدَ النَّظَرَ إليْها وصوَّبَهُ، ثُمَّ طأْطأْ رَأْسَهُ فلَمَّا رأتِ المَرْأةُ أنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيها شَيْئا جلَسَتْ، فقامَ رجُلٌ مِنْ أصْحابهِ، فقالَ: أيْ رسولَ الله﴾ إنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ حاجَةٌ فَزَوِّجْنِيها. فقالَ: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْء؟ قَالَ: لَا وَالله يَا رسولَ الله، قَالَ: اذْهَبْ إِلَى أهْلِكَ فانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئَا؟ فذهَبَ ثُمَّ رجَعَ فَقَالَ: لَا وَالله يَا رسولَ الله، مَا وجَدْتُ شَيْئَا. قَالَ: انْظُرْ ولَوْ خاتَما مِنْ حَدِيدٍ، فذهَبَ ثُمَّ رجَعَ فَقَالَ: وَلَا وَالله يَا رسولَ الله، وَلَا خَاتِما مِنْ حَدِيدٍ، ولاكِنْ هذَا إزَارِي. قَالَ سَهْلٌ: مالَهُ رِدَاءٌ فَلَها نصْفُهُ. فَقَالَ رسُولُ الله ﷺ : مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إنْ لَبِسْتَهُ لمْ يَكُنْ علَيْها منْهُ شيْءٌ، وإنْ لَبِسَتْهُ لمْ يَكُنْ علَيْكَ شيْءٌ، فجَلَسَ الرَّجُلُ حتَّى طالَ مجْلِسُهُ، ثُمَّ قامَ، فرَآهُ رسولُ الله ﷺ مُوَلِّيا فأمَرَ بهِ فدُعِيَ، فلَمَّا جاءَ قَالَ: ماذَا معَكَ مِنَ القُرْآنِ؟ قَالَ: معِي سُورَةُ كَذا وسورَةُ كَذا وسورَةُ كَذا، عَدَّدَها قَالَ: أتَقْرَؤُهُنَّ عنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إذْهَبْ فقَدْ مَّلكْتُكَها بِما معَكَ منَ القُرْآنِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: فَنظر إِلَيْهَا رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم. والْحَدِيث قد مر فِيمَا قبله عَن قريب فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب تَزْوِيج الْمُعسر، وَفِيمَا قبله فِي فَضَائِل الْقُرْآن فِي: بَاب الْقِرَاءَة عَن ظهر الْقلب.
وَأخرجه فِي هَذَا الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة عَن قُتَيْبَة بن سعيد، لَكِن هُنَا وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن قُتَيْبَة عَن يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن، وَفِي: بَاب تَزْوِيج الْمُعسر، عَن قُتَيْبَة عَن عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم عَن أَبِيه سَلمَة بن دِينَار.
قَوْله: (عَددهَا) ، ويروي: عادها، وَمد الْكَلَام فِيهِ مستقصىً.
٦٣ - (بابُ منْ قالَ: لَا نِكَاحَ إلَاّ بِوَلِيٍّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان (من قَالَ: لَا نِكَاح إلَاّ بولِي) ، هَذَا لفظ الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَإِنَّمَا ترْجم بِهَذَا وَلم يُخرجهُ لكَونه لَيْسَ على شَرطه، وَكَذَلِكَ لم يُخرجهُ مُسلم وَفِيه كَلَام كَثِيرَة قد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَلَكِن لما كَانَ ميله إِلَى من قَالَ: لَا نِكَاح إلاّ بولِي، احْتج بِثَلَاث آيَات ذكر هُنَا فِي كل آيَة قِطْعَة وَهِي قَوْله.
لِقَوْلِ الله تَعالى ﴿ (٢) فَلَا تعضلوهن﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٢)
وَفِي بعض النّسخ لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا طلّقْتُم النِّسَاء فبلغن أَجلهنَّ فَلَا تعلضلوهن﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٢) وَجه الاستدل بِهِ أَن الله تَعَالَى نهى
стр. 6008
الْأَوْلِيَاء عَن عضلهن أَي: مَنعهنَّ من التَّزْوِيج، فَلَو كَانَ العقد إلَيْهِنَّ لم يكنَّ ممنوعات. قلت: لَا يتم الاستدل بِهِ لِأَن ظَاهر الْكَلَام أَن الْخطاب للأزواج الَّذين يعاقون نِسَاءَهُمْ ثمَّ يعضلونها بعد انْقِضَاء الْعدة تأثما. ولحميَّة الْجَاهِلِيَّة لَا يتركونهن يتزوجهن من شئن من الْأزْوَاج. فَإِن قلت: هَذِه الْآيَة نزلت فِي قصَّة معقل بن يسَار، على مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ، على مَا يَأْتِي عَن قريب، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي الْكُبْرَى من رِوَايَة الْحسن عَن مقعل بن يسَار، قَالَ: كَانَت لي أُخْت تخْطب فأمنعها الحَدِيث، وَفِيه: فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿فَلَا تعضلوهن﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٢) فَقَالَ: من قَالَ: لَا نِكَاح إلَاّ بولِي: أَمر الله تَعَالَى بترك عضلهن، فَدلَّ ذَلِك أَن إِلَيْهِم عقد نِكَاحهنَّ. قلت: هَذَا الحَدِيث رُوِيَ من وُجُوه كَثِيرَة مُخْتَلفَة، وَكَذَلِكَ ذكرت وُجُوه فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة، فَمنهمْ من قَالَ: الْخطاب فِيهِ للأولياء، وَمِنْهُم من قَالَ الْخطاب: للأزواج الذيم طلقوا، وَمِنْهُم من قَالَ: الْخطاب لسَائِر النَّاس، فعلى هَذَا الأيتم بِهِ الِاسْتِدْلَال على مَا ذكرنَا. وَأَيْضًا يحْتَمل أَن يكون عضل معقل بن يسَار لأجل تزهيده وترغيبه أُخْته فِي الْمُرَاجَعَة، فتقف عِنْد ذَلِك، فَأمر بترك ذَلِك. وَقَالَ أَبُو بكر الْجَصَّاص، بعد أَن رُوِيَ حَدِيث معقل من رِوَايَة سماك عَن ابْن أخي معقل عَن معقل بن يسَار: إِن هَذَا الحَدِيث غير ثَابت على مَذْهَب أهل النَّقْل لِأَن فِي سَنَده رجلا مَجْهُولا، وَأما حَدِيث الْحسن الْبَصْرِيّ فمرسل، وَأما الْآيَة فَالظَّاهِر أَنَّهَا خطاب للأزواج، كَمَا ذكرنَا.
فَدَخَلَ فِيهِ الثَّيِّبُ وكَذَلِكَ البِكْرُ
أَي: فَدخل فِي قَوْله : ﴿فَلَا تعضلوهن﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٢) الثّيّب وَالْبكْر لعُمُوم لفظ النِّسَاء، وَفِي بعض النّسخ: قَالَ أَبُو عبد الله: فَدخلت فِيهِ الثّيّب وَالْبكْر، وَأَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه.
وَقَالَ: ﴿ (٢) وَلَا تنْكِحُوا الْمُشْركين حَتَّى يُؤمنُوا﴾ (الْبَقَرَة: ١٢٢)
وَجه الِاسْتِدْلَال بِهِ أَن الله خَاطب الْأَوْلِيَاء ونهاهم عَن إنكاح الْمُشْركين مولياتهم المسلمات. قلت: الْآيَة مَنْسُوخَة بقوله: ﴿وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ﴾ (الْمَائِدَة: ٥) وَالْخطاب أَعم من أَن يكون للأولياء أَو غَيرهم، فَلَا يتم الِاسْتِدْلَال بِهِ.
وَقَالَ: ﴿ (٢٤) وَانْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم﴾ (النُّور: ٢٣)
لَا وَجه للاستدلال بِهِ لمن قَالَ: لَا نِكَاح إلَاّ بولِي، لِأَن الْمُفَسّرين قَالُوا: مَعْنَاهُ أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ زوجوا من لَا زوج لَهُ من أَحْرَار رجالكم ونسائكم وَالصَّالِحِينَ من عبادكُمْ وَإِمَائِكُمْ، وَمن كَانَ فِيهِ صَلَاح من غِلْمَانكُمْ وجواربكم، والأيامى جمع أيم وَهُوَ أَعم من الْمَرْأَة كَمَا ذكرنَا لتنَاوله الرجل، فَلَا يَصح أَن يُرَاد بالمخاطبين الْأَوْلِيَاء وإلَاّ كَانَ للرجل ولي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: خرج الرجل مِنْهُ بِالْإِجْمَاع فَبَقيَ الحكم فِي الْمَرْأَة بِحَالهِ. قلت: هَذِه عوى تحْتَاج إِلَى الْبُرْهَان.
٧٢١٥ - قَالَ يَحْيَى بنُ سُلَيْمانَ: حَدثنَا ابنُ وهْبٍ عنْ يُونُسَ. يحيى بن سُلَيْمَان بن يحيى بن سعيد بن مُسلم بن عبيد بن مُسلم أَبُو سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي المقرىء، قَالَ الْمُنْذِرِيّ: قدم يحيى بن سُلَيْمَان مصر وَحدث بهَا، وَتُوفِّي بهَا سنة ثَمَان، وَيُقَال: سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ أحد شُيُوخ البُخَارِيّ، يروي عَن عبد الله بن وهب عَن يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي عَن ابْن شهَاب، وَالْبُخَارِيّ يحْكى عَن يحيى بطرِيق النَّقْل عَنهُ بِدُونِ: حَدثنَا أَو أخبرنَا، وَلَكِن يروي عَن أَحْمد بن صَالح، وَهُوَ قَوْله:
حدَّثنا أحْمَدُ بنُ صالِحٍ حَدثنَا عَنْبَسَةُ حَدثنَا يُونُسُ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ: أخبرَني عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ زَوْجَ النبيِّ ﷺ أخْبَرَتْهُ أنَّ النكاحَ فِي الجَاهِليَّةِ كانَ علَى أرْبَعَةٍ أنْحاء: فينكاحُ مِنْها نِكاحُ النَّاسِ اليَوْمَ، يخْطُبُ الرَّجُلُ ولِيَّتَهُ أَو ابْنَتَهُ فيُصْدِقُها ثُمَّ يَنْكِحُها، ونِكاحُ الآخَرِ: كانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِامْرَأتِهِ إِذا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِها: أرْسِلِي إِلَى فُلَانٍ فاسْتَبْضِعي منْهُ ويَعْتَزلُها زَوْجُها وَلَا يَمَسُّها أبَدا حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذالِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَسْتَبْضِعُ منْهُ، فإِذَا تَبَيَّنَ حمْلُها أَصَابَهَا زَوْجُها إِذا أحَبَّ، وإِنَّما يَفْعَلُ ذالِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةٍ الوَلَد، فَكانَ هاذا النِّكاحُ نِكاحَ
стр. 6009
الاسْتِبْضاعِ، ونِكاحُ آخَرُ: يَجْتَمِعُ الرَّهطُ مَا دُونَ العَشَرَةِ فَيَدْخُلُونَ علَى المَرْأةِ كُلُّهُمْ يُصِيبُها فإِذا حَمَلَتْ ووَضَعَتْ ومَرَّ علَيْها لَيالي بعْدَ أنْ تَضَعَ حَمْلَها، أرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ فلَمْ يَسْتَطعْ رجُلٌ منْهُم أنْ يَمْتَنِعَ حتَّى يجتَمِعُوا عِنْدَها، تقُولُ لَهُمْ: قَدْ عرَفْتُمُ الَّذِي كانَ مِنْ أمْرِكُمُ، وقَدْ ولَدْتُ فهوَ ابْنُكَ يَا فلانَ، تُسَمِّي منْ أحَبَّتْ باسْمِهِ، فيَلْحَقُ بِهِ ولدُها لَا يَسْتَطيعُ أنْ يَمْتَنِعَ بِهِ الرَّجُلُ. ونِكاحُ الرَّابِعِ: يَجْتَمِعُ النَّاسُ الكَثِيرُ فَيَدْخُلُونَ علَى المَرْأةِ لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جاءَها، وهُنّ البغَايا، كُنَّ يَنْصِبْنَ علَى أبْوابِهِنَّ راياتٍ تكُونُ عَلما، فمَنْ أرادَهُنَّ دخَلَ علَيْهِنَّ، فإِذَا حَمَلَتْ إحْدَاهُنَّ ووَضَعَتْ حَمْلَها جُمِعُوا لهَا ودَعَوْا لَهُمُ الْقافَةَ، ثُمَّ ألْحقُوا ولَدَها بالَّذِي يَرَوْنَ، فالْتاطَ بهِ ودُعِيَ ابْنَهُ لَا يمْتَنعُ مِنْ ذالِكَ، فلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ بالحَقِّ هَدَمَ نِكاحَ الجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ إلَاّ نِكاحَ النَّاسِ اليَوْمَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (مِنْهَا نِكَاح النَّاس الْيَوْم) إِلَى قَوْله: (وَنِكَاح آخر) .
وَأحمد بن صَالح أَبُو جَعْفَر الْمصْرِيّ، وعنبسة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالسِّين الْمُهْملَة: ابْن خَالِد بن أخي يُونُس.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي النِّكَاح عَن أَحْمد بن صَالح بِهِ.
قَوْله: (على أَرْبَعَة أنحاء) أَي: أَرْبَعَة أَنْوَاع، وَهُوَ جمع نَحْو، يَأْتِي لمعان بِمَعْنى الْجِهَة وَالنَّوْع والمثل وَالْعلم الْمَعْرُوف فِي الْعَرَبيَّة. قَوْله: (وَابْنَته) كلمة: أَو، للتنويع لَا للشَّكّ. قَوْله: (فيصدقها) بِضَم الْيَاء وَسُكُون الصَّاد، أَي: يَجْعَل لَهَا صَدَاقا معينا. قَوْله: (وَنِكَاح الآخر) هُوَ النَّوْع الثَّانِي، وَهُوَ بِالْإِضَافَة فِي رِوَايَة، أَي: نِكَاح الصِّنْف الآخر، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: وَنِكَاح آخر، بِالتَّنْوِينِ: وَآخر، بِدُونِ الْألف وَاللَّام صفته. قَوْله: (إِذا طهرت) بِلَفْظ الغائبة. قَوْله: (من طمثها) بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم وبالثاء الْمُثَلَّثَة أَي: من حَيْضهَا. قَوْله: (فاستبضعي) أَي: اطلبي مِنْهُ المباضعة أَي المجامعة، وَهِي مُشْتَقَّة من الْبضْع وَهُوَ الْفرج، وَوَقع فِي رِوَايَة إصبغ عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ: استرضعي، بالراء بدل الْبَاء الْمُوَحدَة قَالَ: رِوَايَة مُحَمَّد بن إِسْحَاق الصَّاغَانِي الأول هُوَ الصَّوَاب يَعْنِي: الْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (وَلَا يَمَسهَا) أَي: وَلَا يُجَامِعهَا. قَوْله: (تستبضع مِنْهُ) أَي: من الرجل الَّذِي تستبضع الْمَرْأَة مِنْهُ أَي تطلب مِنْهُ الْجِمَاع. قَوْله: (أَصَابَهَا) أَي: جَامعهَا زَوجهَا. قَوْله: (وَإِنَّمَا يفعل ذَلِك) أَي: الاستبضاع من فلَان قَوْله: (رَغْبَة) أَي: لأجل رَغْبَة (فِي نجابة الْوَلَد) من نجب ينجب إِذا كَانَ فَاضلا نفيسا فِي نَوعه، وَكَانُوا يطْلبُونَ ذَلِك اكتسابا من مَاء الْفَحْل وَكَانُوا يطلبونه من أَشْرَافهم وَرُؤَسَائِهِمْ وأكابرهم. قَوْله: (نِكَاح الاستبضاع) بِالنّصب لِأَنَّهُ خبر: كَانَ، وَيجوز بِالرَّفْع على تَقْدِير: هُوَ نِكَاح الاستبضاع. قَوْله: (وَنِكَاح آخر) هُوَ النَّوْع الثَّالِث من الْأَنْوَاع الْأَرْبَعَة قَوْله: (يجْتَمع الرَّهْط) وَقد مر غير مرّة أَن الرَّهْط اسْم لما دون الْعشْرَة، وَلَا يكون فيهم امْرَأَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَيجمع على أرهط وأرهاط وأراهط جمع الْجمع، وَإِنَّمَا قَالَ: مَا دون الْعشْرَة، احْتِرَازًا عَن قَول الْبَعْض: إِن الرَّهْط إِلَى الْأَرْبَعين. قَوْله: (كلهم يُصِيبهَا) أَي: كلهم يجامعونها وَذَلِكَ بِرِضَاهَا وبالتواطؤ بَينهم. قَوْله: (وَمر عَلَيْهَا لَيَال) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وَمر لَيَال، بِدُونِ لفظ: عَلَيْهَا. قَوْله: (قد عَرَفْتُمْ) خطاب لأولئك الرِّجَال، وَفِي رِوَايَة فالتاطته وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: قد عرفت، بِصِيغَة الْخطاب للْوَاحِد مِنْهُم. قَوْله: (وَقد ولدت) بِضَم التَّاء لِأَنَّهُ كَلَامهَا. قَوْله: (فَهُوَ ابْنك) الظَّاهِر أَنه إِذا كَانَ ذكرا تَقول: هُوَ ابْنك، وَيحْتَمل أَنه إِذا كَانَ بِنْتا لَا تَقول: هَذِه بنتك، لأَنهم كَانُوا يكْرهُونَ الْبَنَات، حَتَّى إِن مِنْهُم من كَانَ يقتل بنته الْحَقِيقِيَّة وَهِي الموؤدة. قَوْله: (فَيلْحق بِهِ وَلَدهَا) هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: فيلتحق بِهِ وَلَدهَا وَيلْحق أَن قرىء بِفَتْح الْيَاء يكون قَوْله وَلَدهَا مَرْفُوعا بِهِ وَإِن كَانَ بِضَم الْيَاء من الالحاق يكون فِيهِ الضَّمِير يرجع إِلَى الْمَرْأَة وَيكون وَلَدهَا مَنْصُوبًا. قَوْله: (لَا يَسْتَطِيع أَن يمْتَنع بِهِ) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: مِنْهُ قَوْله: (وَنِكَاح الرَّابِع) بِالْإِضَافَة وقطعها، وَوَجهه مَا ذَكرْنَاهُ عِنْد قَوْله: (وَنِكَاح الآخر) . قَوْله: (لَا تمْتَنع) أَي: الْمَرْأَة مِمَّن جاءها، ويروي: لَا تمنع من جاءها. قَوْله: (البغايا) جمع بغي، وَهِي الزَّانِيَة يُقَال: بَغت الْمَرْأَة تبغي بغيا بِالْكَسْرِ: إِذا زنت فَهِيَ بغي. قَوْله: (رايات) جمع راية. قَوْله: (تكون علما) أَي:
стр. 6010
عَلامَة لمن أرادهن. قَوْله: (أرادهن) هُوَ رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره، فَمن أَرَادَ، فَقَط. قَوْله: (الْقَافة) ، وَهُوَ جمع قائف وَهُوَ الَّذِي يلْحق الْوَلَد بالوالد بالآثار الْخفية. قَوْله: (فالتاط بِهِ) أَي: فالتصق بِهِ، يُقَال: هَذَا لَا يلتاط بِهِ أَي: لَا يلتصق بِهِ، واستلاطوه أَي: استلحقوه، وأصل اللوط بِالْفَتْح اللصوق، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فالتاطه، بِغَيْر التَّاء الْمُثَنَّاة يَعْنِي: اسْتَلْحقهُ. قَوْله: (نِكَاح الْجَاهِلِيَّة) وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ: نِكَاح الْجَاهِلِيَّة. قَوْله: (كُله) أَي: كل مَا ذكرت عَائِشَة من أَنْوَاع الْأَنْكِحَة الثَّلَاثَة، وَقَالَ الدَّاودِيّ: ذكرت عَائِشَة أَرْبَعَة أنكحة وَبَقِي عَلَيْهَا أنحاء لم تذكرها. الأول: نِكَاح الخدن، وَهِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا متخذات أخدان﴾ (النِّسَاء: ٥٢) كَانُوا يَقُولُونَ: مَا استتر فَلَا بَأْس بِهِ وَمَا ظهر فَهُوَ لوم الثَّانِي: نِكَاح الْمُتْعَة. الثَّالِث: نِكَاح الْبَدَل، وَقد أخرج الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: كَانَ الْبَدَل فِي الْجَاهِلِيَّة أَن يَقُول الرجل للرجل: إنزل لي عَن امْرَأَتك، وَأنزل لَك عَن امْرَأَتي وَأَزِيدك، وَإِسْنَاده ضَعِيف جدا.
٩٢١٥ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّد حَدثنَا هِشامٌ أخْبرنا مَعْمَرٌ حدَّثنا الزُّهْرِيُّ قَالَ: أَخْبرنِي سالِمٌ أنَّ ابنَ عُمَرَ أخْبرَهُ أنَّ عُمَرَ حينَ تأيمَتْ حَفْصَةُ بنْتُ عُمَرَ منِ ابنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ، وكانَ مِنْ أصْحابِ النبيِّ ﷺ ، مِنْ أهْلِ بَدْرٍ، تُوُفِّيَ بالمَدِينَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: لقِيتُ عُثْمانَ بنَ عَفَّانَ فعَرَضْتُ علَيْهِ، فَقُلْتُ: إنْ شِئْتَ أنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ. فَقَالَ: سأنْظُرُ فِي أمْرِي، فلَبِثْتُ لَيالِي ثُمَّ لَقِيَني فَقَالَ: بَدَا لي أنْ لَا أتَزَوَّجَ يوْمِي هاذا، قَالَ عُمَرُ: فلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ، فقُلْتُ: إنْ شِئْتَ أنْكَحْتُكَ حَفْصةَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة كمطابقة الحَدِيث السَّابِق وَعبد الله بن مُحَمَّد هُوَ الْمَعْرُوف بالمسندي، وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ الْيَمَانِيّ قاضيها، وَمعمر بِفَتْح الميمين هُوَ ابْن رَاشد.
والْحَدِيث قد مر بأتم مِنْهُ عَن قريب فِي: بَاب عرض الْإِنْسَان ابْنَته أَو أُخْته، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي) النّظر إِذا اسْتعْمل بِكَلِمَة: فِي، يكون بِمَعْنى التفكر، وَإِذا اسْتعْمل بِاللَّامِ يكون بِمَعْنى الرأفة، وَإِذا اسْتعْمل بِكَلِمَة: إِلَى، يكون بِمَعْنى الرُّؤْيَة، وَإِذا اسْتعْمل بِدُونِ الصِّلَة يكون بِمَعْنى الِانْتِظَار، نَحْو: انظرونا نقتبس من نوركم.
٠٣١٥ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ أبي عَمْرو قَالَ: حدَّثنِي أبي قَالَ: حَدثنِي إبْرَاهِيمُ عنْ يُونُسَ عنِ الحَسنِ: ﴿ (٤) فَلَا تعضلوهن﴾ (النِّسَاء: ٥٢) قَالَ: حدّثني مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ أنَّها نزَلَتْ فِيهِ، قَالَ: زَوَّجْتُ أُخْتا لي مِنْ رجُلٍ فطَلَّقها، حتَّى إِذا انْقَضَتْ عدَّتُها جاءَ يَخْطُبُها، فقُلْتُ لهُ: زَوَّجْتُكَ وفرَشْتُكَ وأكْرَمْتُكَ فطَلَّقْتَها، ثمَّ
стр. 6011
جِئْتُ تَخْطَبُها؟ وَوَاللَّه لَا تَعُودُ إليْكَ أبَدَا وكانَ رجُلاً لَا بأْسَ بهِ وكانَتِ المَرْأةُ تُرِيدُ أنْ ترْجعَ إليْه، فأنْزلَ الله هاذِهِ الآيةَ: ﴿ (٢) فَلَا تعضلوهن﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٢) فَقُلتُ: الآنَ أفْعلُ يَا رسُولَ الله، قَالَ: فزَوَّجَها إيَّاهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة عِنْد من لَا يرى النِّكَاح إلَاّ بولِي، وَلمن يجوز لَهَا أَن نزوج نَفسهَا بِنَفسِهَا أَن يَقُول: هَذَا الحَدِيث لَا يدل على مَا تذهبون إِلَيْهِ لِأَن قَوْله: (زوجت أُخْتا لي) لَا يدل على أَنه زَوجهَا بِغَيْر رِضَاهَا.
قَوْله: (لَا تعود إِلَيْك أبدا) خَارج مخرج الْعَادة فِي الْكَلَام الرِّجَال فِيمَن يتَعَلَّق بهم من النِّسَاء، وَأما قَوْله: ﴿فَلَا تعضلوهن﴾ (الْبَقَرَة: ٢٣٢) فَيدل عَليّ أَن الْولَايَة لَهَا مَا لَا يخفي.
وَأحمد بن أبي عَمْرو هُوَ النَّيْسَابُورِي قاضيها يكنى أَبَا عَليّ، وَقد مر فِي الْحَج وَهُوَ يرْوى عَن أَبِيه أبي عَمْرو اسْمه حَفْص بن عبد الله بن رَاشد النَّيْسَابُورِي وَهُوَ من أَفْرَاده يروي عَن إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن يوسن بن عبيد بن دِينَار الْبَصْرِيّ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ، وَمَعْقِل، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف: ابْن يسَار، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف السِّين الْمُهْملَة: ابْن عبد الله الْمُزنِيّ، سكن الْبَصْرَة وابتنى بهَا دَارا وَإِلَيْهِ ينْسب نهر معقل بِالْبَصْرَةِ، شهد بيعَة الْحُدَيْبِيَة وَتُوفِّي بِالْبَصْرَةِ فِي آخر خلَافَة مُعَاوِيَة، وَقد قيل: إِنَّه توفّي فِي أَيَّام يزِيد بن مُعَاوِيَة.
وَمر الحَدِيث فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة مُعَلّقا، وَمر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب مفصلا.
قَوْله: (زوجت أُخْتا لي) اسْمهَا جميل بِالْجِيم مُصَغرًا بنت يسَار، وَقيل بِغَيْر تَصْغِير حكى الْبَيْهَقِيّ، أَن اسْمهَا ليلى، وَتَبعهُ الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ، وَوَقع عِنْد ابْن إِسْحَاق أَن اسْمهَا فَاطِمَة، وَاسم الرجل الَّذِي تَحْتَهُ جميل أَبُو البداح بن عَاصِم بن عدي الْقُضَاعِي حَلِيف الْأَنْصَار، وَقيل: أَبُو البداح لقب غلب عَلَيْهِ وكنيته أَبُو عَمْرو، وَقيل: أَبُو بكر، وَالْأول أَكثر، وَقد اخْتلف فِي صحبته فَقيل: الصُّحْبَة لِأَبِيهِ وَهُوَ من التَّابِعين، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: هَذَا الحَدِيث يصحح صحبته، والبداح بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره حاء مُهْملَة. قَوْله: (يخطبها) من الْأَحْوَال الْمقدرَة. قَوْله: (وفرشتك) أَي: جَعلتهَا لَك فراشا، يُقَال: فرشت الرجل إِذا فرشت لَهُ. قَوْله: (وَكَانَ رجلا لَا بَأْس بِهِ) أَي: كَانَ جيدا.
٧٣ - (بابٌ إذَا كانَ الوَلِيُّ هُوَ الخَاطِبَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا إِذا كَانَ الْوَلِيّ فِي النِّكَاح هُوَ الْخَاطِب، وَقَالَ بَعضهم: أَي هَل يُزَوّج نَفسه أم يحْتَاج إِلَى ولي آخر؟ قلت: هَذِه التَّرْجَمَة قطّ لَا تَقْتَضِي مَا قَالَه، بل الَّذِي يفهم مِنْهَا أَن الْوَلِيّ إِذا كَانَ الْخَاطِب هَل يجوز أم لَا؟ فأبهم وَلَكِن الْآثَار الَّتِي ذكرهَا تدل على الْجَوَاز أما أثر عَطاء فَإِنَّهُ يدل صَرِيحًا على أَنه يجوز، وَأما بَقِيَّة الْآثَار، فَإِن كَانَ فِيهَا أَمر الْوَلِيّ غَيره بِأَن تزَوجه فَلَيْسَ فِيهَا مَا يدل على الْمَنْع صَرِيحًا من تَزْوِيجه نَفسه، فَافْهَم.
وخَطَبَ المغِيرَةُ بنُ شُعْبَة امْرَأةً هُوَ أوْلى النّاسِ بِها، فأمَرَ رَجُلاً فَزَوَّجَهُ
هَذَا الْأَثر وَصله وَكِيع فِي مُصَنفه، وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيقه عَن الثَّوْريّ عَن عبد الْملك بن عُمَيْر أَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة أَرَادَ أَن يتَزَوَّج امْرَأَة وَهُوَ وَليهَا، فَجعل أمرهَا إِلَى رجل، والمغيرة أولى مِنْهُ فَزَوجهُ. وَأخرجه سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق الشّعبِيّ وَلَفظه: أَن الْمُغيرَة خطب بنت عَمه عُرْوَة بن مَسْعُود فَأرْسل إِلَى عبد الله بن أبي عقيل، فَقَالَ: زوجنيها، فَقَالَ: مَا كنت لأَفْعَل، أَنْت أَمِير الْبَلَد وَابْن عَمها، فَأرْسل الْمُغيرَة إِلَى عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ فَزَوجهَا مِنْهُ، وَقد أوضح فِيهِ اسْم الرجل الميهم فِي الْأَثر الْمَذْكُور.
وَقَالَ عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَوْفٍ لِأمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ قارِظٍ: أتَجْعَلِينَ أمْرَك إلَيَّ؟ قالَتْ: نَعَمْ. فَقَالَ: قَدْ تَزَوَّجْتُكِ
هَذَا الْأَثر وَصله ابْن سعد من طَرِيق ابْن أبي ذئي عَن سعيد بن خَالِد أَن أم حَكِيم بنت قارظ قَالَت لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف: إِنَّه قد خطبني غير وَاحِد فَزَوجنِي أَيهمْ رَأَيْت، فَقَالَ: وتجعلين ذَلِك إِلَيّ؟ فَقَالَت: نعم. قَالَ: قد تَزَوَّجتك. قَالَ ابْن أَب ذِئْب: فَجَاز نِكَاحه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَإِدْخَال البُخَارِيّ هَذِه الصُّورَة فِي هَذِه التَّرْجَمَة مشعرة بِأَن عبد الرَّحْمَن كَانَ وَليهَا يُوَجه من وُجُوه الولايات. انْتهى. قلت: قَوْله: (أتجعلين أَمرك إِلَيّ) تَفْوِيض مِنْهَا، وَهُوَ الْوكَالَة وَلَا يفهم مِنْهُ إلَاّ أَنه وَكيل، وَلَا يفهم أَنه وَليهَا.
стр. 6012
غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه يفهم مِنْهُ جَوَاز هَذَا الحكم لَيْسَ إلَاّ، وَقد ذكر ابْن سعد أم حَكِيم فِي النِّسَاء اللواتي لم يدركن النَّبِي ﷺ وروين عَن أَزوَاجه.
وَقَالَ عطاءٌ: لِيُشْهِدْ أنِّي قَدْ نَكَحْتُكْ، أوْ لِيأْمُرْ رَجُلاً مِنْ عَشِيرَتِها
أَي: قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح: ليشهد الْمَرْأَة أَن فلَانا خطبهَا وَأشْهد أَنِّي نكحتك، يُخَاطب بِهِ رجلا. قَالَ ابْن جريج لعطاء: امْرَأَة خطبهَا رجل، فَقَالَ عَطاء: ليشهد أبي قد نكحتك أَو لتأمر رجلا من عشيرتها، أَي: من قبيلتها وأوضح هَذَا عبد الرَّزَّاق رُوِيَ عَن ابْن جريج قَالَ: قلت لعطاء: امْرَأَة خطبهَا ابْن عَم لَهَا لَا رجلَ لَهَا غَيره، قَالَ: فليشهد أَن فلَانا خطبهَا وَإِنِّي أشهدكم أَنِّي قد نكحتها، أَو لتأمر رجلا من عشيرتها. وَقَالَ الْكرْمَانِي. قَوْله: عشيرتها، يَعْنِي: تفوض الْأَمر إِلَى الْوَلِيّ الْأَبْعَد، أَو تحكّم رجلا من أقربائها، أَو يَكْتَفِي بالإشهادة، وللمجتهدين فِي مثله مَذَاهِب، وَلَيْسَ قَول بَعضهم حجَّة على الآخر. انْتهى. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فِي الْوَجْه الأول لَيْسَ من معنى قَول عَطاء، وَلَيْسَ يُنَاسب مَعْنَاهُ إلَاّ فِي الْإِشْهَاد أَو التَّحْكِيم.
وَقَالَ سَهْلٌ: قالَتِ امْرَأةً لِلنبيِّ ﷺ : أهَبُ لَكَ نَفْسي. فَقَالَ رجُلٌ: يَا رسولَ الله ﴿إِن لَمْ تَكُنْ لَكَ بِها حاجةٌ فَزَوِّجْنِيها
أَي: قَالَ سهل بن سعد، هَذَا طرف من حَدِيث الواهبة، وَقد مضى مَوْصُولا فِي: بَاب تَزْوِيج الْمُعسر، وَفِي: بَاب النّظر إِلَى الْمَرْأَة قبل التَّزْوِيج وَغَيرهمَا، وَوَصله فِي هَذَا الْبَاب بِلَفْظ آخر، وَأقر بهَا إِلَى هَذَا التَّعْلِيق رِوَايَة يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي حَازِم بِلَفْظ: أَي أَن امْرَأَة جَاءَت إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُول الله جِئْت لأهب لَك نَفسِي إِلَى قَوْله) فَقَامَ رجل من أَصْحَابه فَقَالَ) أَي رَسُول الله﴾ إِن لم يكن لَك بهَا حَاجَة فزوجنيها الحَدِيث. وَوجه دُخُوله فِي هَذَا الْبَاب من حَيْثُ إِن النَّبِي ﷺ لما طلب الرجل وَقَالَ لَهُ مَا قَالَ، ثمَّ زَوجهَا مِنْهُ كَأَنَّهُ خطبهَا لَهُ، وَالْحَال أَنه وَليهَا لِأَنَّهُ ﷺ ولي كل من لَا ولي لَهُ.
١٣١٥ - حدَّثنا ابنُ سَلَامٍ أخبرَنا أبُو مُعاوِيَةَ حَدثنَا هِشامٌ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ، ﵂ فِي قَوْلِه: ﴿ (٤) ويستفتونك فِي النِّسَاء قل الله يفتيكم فِيهِنَّ﴾ (النِّسَاء: ٧٢١) إِلَى آخِرِ الآيةَ، قالَتْ: هِيَ اليَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْر الرَّجُلِ قَدْ شَرِكَتْهُ فِي مَاله فَيَرْغَبُ عَنْها أنْ يَتَزَوَّجَها ويَكْرَهُ أنْ يُزَوِّجَها غَيْرَهُ فَيَدْخُلَ علَيْهِ فِي مالهِ فَيَحْبِسُها، فَنَهاهُمُ الله عنْ ذَلِكَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فيرغب عَنْهَا أَن يَتَزَوَّجهَا) لِأَنَّهُ أَعم من أَن يتَوَلَّى ذَلِك بِنَفسِهِ، أَو يَأْمر غَيره فيزوجه، وَبِه احْتج مُحَمَّد بن الْحسن على الْجَوَاز، لِأَن الله عَاتب الْأَوْلِيَاء فِي تَزْوِيج من كَانَت من أهل المَال وَالْجمال بِدُونِ سنتها من الصَدَاق، وعاتبهم على ترك تَزْوِيج من كَانَت قَليلَة المَال وَالْجمال، دلّ على أَن الْوَلِيّ يَصح مِنْهُ تَزْوِيجهَا من نَفسه، إِذْ لَا يُعَاتب أحد على ترك مَا هُوَ حرَام عَلَيْهِ.
وَابْن سَلام هُوَ مُحَمَّد بن سَلام بتَشْديد اللَّام وتخفيفها، وَأَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم الضَّرِير، وَهِشَام بن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ.
والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء بأتم مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٢٣١٥ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ المِقْدَامِ حدّثنا فُضَيْلُ بنُ سُلَيْمانَ حَدثنَا أبُو حازِمِ حَدثنَا سَهْلُ بنُ سَعْدٍ قالَ: كُنَّا عِنْدَ النبيِّ ﷺ ، جُلُوسا، فَجاءَتْهُ امْرَأةٌ تَعْرِضُ نَفْسَهَا عَلَيْهِ، فَخَفَّضَ فِيها النظَرَ ورفَعَهُ فلَمْ يُرِدْها، فَقَالَ رجُلٌ منْ أصْحابِهِ: زَوِّجْنِيها يَا رسولَ الله. قَالَ: أعِنْدَكَ مِنْ شَيء؟ قَالَ: مَا عِنْدِي مِنْ شَيْء. قَالَ: وَلَا خَاتما مِنْ حَدِيدٍ؟ قَالَ: وَلَا خَاتمًا مِنْ حَدِيدٍ، ولاكِنْ أشُقُّ بُرْدَنِي هاذِهِ
стр. 6013
فاعْطِيها النِّصْفَ وآخُذُ النِّصْفَ، قَالَ: لَا! هَلْ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَها بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا فَوق حَدِيث عَائِشَة فِي حَدِيث سهل، وَأحمد بن الْمِقْدَام، بِكَسْر الْمِيم: الْعجلِيّ الْبَصْرِيّ، وفضيل مصغر فضل بن سُلَيْمَان النميري الْبَصْرِيّ، وَأَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار.
وَهَذَا الحَدِيث قد مضى مكررا بطرق مُخْتَلفَة ومتون بِزِيَادَة ونقصان.
قَوْله: (فَجَاءَتْهُ) ويروي: فَجَاءَت. قَوْله: (فخفض فِيهَا النّظر) ويروي: الْبَصَر. قَوْله: (أعندك؟) ويروي: هَل عنْدك؟ قَوْله: (فَلم يردهَا) بِضَم الْيَاء من الْإِرَادَة، وَقَالَ بَعضهم: وَحكى بعض الشُّرَّاح بِفَتْح أَوله وَتَشْديد الدَّال، وَهُوَ مُحْتَمل. قلت: هُوَ الْكرْمَانِي، فَإِنَّهُ هُوَ الحاكي بذلك. قَوْله: وَهُوَ مُحْتَمل، يدل على أَنه مَا يَأْخُذ كَلَامه بِالْقبُولِ.
٨٣ - (بابُ إنْكاحِ الرَّجُلِ ولدَهُ الصِّغارَ)
أَي: هَذَا فِي بَاب فِي بَيَان جَوَاز إنكاح الرجل وَلَده الصغار، بِضَم الْوَاو وَسُكُون اللَّام جمع ولد، ويروي بِفَتْح الْوَاو وَالدَّال وَهُوَ اسْم جنس يتَنَاوَل الذُّكُور وَالْإِنَاث.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ (٦٥) واللائِي لم يحضن﴾ (الطَّلَاق: ٤) فَجَعَلَ عِدَّتَها ثَلَاثَةَ أشْهُرٍ قبْلَ البُلُوغِ
ذكره قَوْله تَعَالَى: ﴿اللائي لم يحضن﴾ (الطَّلَاق: ٤) إِلَى آخِره فِي معرض الِاحْتِجَاج فِي جَوَاز تَزْوِيج الرجل وَلَده الصَّغِير، بَيَانه أَن الله تَعَالَى لما جعل عدتهَا ثَلَاثَة أشهر قبل الْبلُوغ دلّ ذَلِك على جَوَاز تَزْوِيجهَا قبله، قيل لَيْسَ فِي الْآيَة تَخْصِيص ذَلِك بِالْآبَاءِ وَلَا بالبكر فَلَا يتم الِاسْتِدْلَال. وَأجِيب: بِأَن الأَصْل فِي الإيضاع التَّحْرِيم إلَاّ مَا دلّ عَلَيْهِ الدَّلِيل. وَقد ورد فِي حَدِيث عَائِشَة أَن أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، زوَّجها وَهِي دون الْبلُوغ، فَبَقيَ مَا عداهُ على الأَصْل، ولهذه النُّكْتَة أورد حَدِيث عَائِشَة فِي هَذَا الْبَاب. وَقَالَ صَاحب التَّلْوِيح: وَكَأن البُخَارِيّ أَرَادَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة الرَّد على ابْن شبْرمَة، فَإِن الطَّحَاوِيّ حكى عَنهُ أَن تَزْوِيج الْآبَاء الصغار لَا يجوز، ولهن الْخِيَار إِذا بلغن. قَالَ: وَهَذَا لم يقل بِهِ أحد غَيره. وَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ لشذوذه ومخالفته دَلِيل الْكتاب وَالسّنة. وَقَالَ الْمُهلب: أجمعواعلى أَنه يجوز للْأَب تَزْوِيج اينته الصَّغِيرَة الَّتِي لَا يُوطأ مثلهَا الْعُمُوم قَوْله: ﴿واللائي لم يحضن﴾ (الطَّلَاق: ٤) فَيجوز نِكَاح من لم يخضن من أول مَا يخلقن. وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي غير الْآبَاء، وَقَالَ ابْن حزم: لَا يجوز للْأَب وَلَا لغيره إنكاح الصَّغِير الذّكر حَتَّى يبلغ، فَإِن فعل فَهُوَ مفسوخ أبدا، وَاخْتَارَهُ قوم. وَفِيه دَلِيل على جَوَاز نِكَاح لَا وَطْء فِيهِ لعِلَّة بِأحد الزَّوْجَيْنِ لصِغَر أَو آفَة أَو غير إرب فِي الْجِمَاع، بل لحسن الْعشْرَة والتعاون على الدَّهْر وكفاية الْمُؤْنَة والخدمة، خلافًا لمن يَقُول: لَا يجوز نِكَاح لَا وَطْء فِيهِ، يُؤَيّدهُ حَدِيث سَوْدَة، وَقَوْلها: مَا لي فِي الرِّجَال من أرب.
٣٣١٥ - حدَّثنا مُحمَّدُ بنُ يُوسُفَ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ هِشامِ عنْ أبيهِ عنْ عائشَةَ، ﵂، أنَّ النبيَّ ﷺ تَزَوَّجَها بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ وأُدْخِلَتْ علَيْهِ وهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ ومَكثَتْ عِنْدَهُ تِسْعا..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، زوّج النَّبِي ﷺ بنته عَائِشَة وَهِي صَغِيرَة.
وَمُحَمّد بن يُوسُف البيكندي البُخَارِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة.
قَوْله: (وأدخلت) على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمَاضِي. قَوْله: (وَمَكَثت عِنْده) أَي: عِنْد النَّبِي ﷺ (تسع سِنِين) . وَمَات النَّبِي ﷺ وعمرها ثَمَانِيَة عشرَة سنة. وَتوفيت عَائِشَة سنة سبع وَخمسين من الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة.
وَاخْتلف على هِشَام بن عُرْوَة فِي سنّ عَائِشَة حِين العقد، فَروِيَ عَنهُ سُفْيَان بن سعيد وَعلي بن مسْهر، وَأَبُو أُسَامَة وَأَبُو مُعَاوِيَة وَعباد بن عباد وَعَبدَة: سِتّ سِنِين لَا غير، وَرَوَاهُ الزُّهْرِيّ عَنهُ وَحَمَّاد بن زيد وجعفر بن سُلَيْمَان، فَقَالُوا: سبع سِنِين، وَطَرِيق الْجمع بَينهمَا أَنه كَانَت لَهَا سِنِين وَكسر، فَفِي رِوَايَة أسقط الْكسر وَفِي أُخْرَى أثْبته لدخولها فِي السَّبع أَو أَنَّهَا قالته تَقْديرا لَا تَحْقِيقا وَيُؤَيّد قَول من قَالَ: سبع سِنِين، مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي عُبَيْدَة عَن أَبِيه: تزوج رَسُول الله ﷺ عَائِشَة وَهِي بنت سبع سِنِين.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي الْوَقْت الَّذِي تدخل فِيهِ الْمَرْأَة على زَوجهَا إِذا اخْتلف الزَّوْج وَأهل الْمَرْأَة، فَقَالَت
стр. 6014
طَائِفَة، مِنْهُم أَحْمد وَأَبُو عبيد: يدْخل وَهِي بنت تسع اتبَاعا لحَدِيث عَائِشَة، وَعَن أبي حنيفَة: نَأْخُذ بِالتسْعِ غير أَنا نقُول: إِن بلغت التسع وَلم تقدر على الْجِمَاع كَانَ لأَهْلهَا منعهَا، وَإِن لم تبلغ التسع وقويت على الرِّجَال لم يكن لَهُم منعهَا من زَوجهَا، وَكَانَ مَالك يَقُول: لَا نَفَقَة لصغيرة حَتَّى تدْرك أَو تطِيق الرِّجَال، وَقَالَ الشَّافِعِي: إِذا قاربت الْبلُوغ وَكَانَت جسيمة تحْتَمل الْجِمَاع فلزوجها أَن يدْخل بهَا وإلَاّ منعهَا أَهلهَا حَتَّى تحتمله أَي: الْجِمَاع.
٩٣ - (بابُ تَزْوِيجِ الأبِ ابْنَتَهُ مِنَ الإمامِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَزْوِيج ابْنَته من الإِمَام أَي: الإِمَام الْأَعْظَم.
وَقَالَ عُمَرُ: خَطَبَ النبيُّ ﷺ إلَيَّ حَفْصَةَ، فأنْكَحْتُهُ
هَذَا طرف من حَدِيث عمر الَّذِي تقدم مَوْصُولا قَرِيبا. قَوْله: (إِلَيّ) بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (فأنكحته) أَي: أنكحت النَّبِي ﷺ حَفْصَة.
٤٣١٥ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ حَدثنَا وُهَيْبٌ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ: أنَّ النَّبِي ﷺ ، تَزَوَّجَها وهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ وبَنى بِها وهْيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنينَ، قَالَ هِشامٌ: وأُنْبِئْتُ أنَّها كانَتْ عِنْدَهُ تِسْعَ سِنِينَ..
طابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهُوَ أَن أَبَا بكر أَبَا عَائِشَة زَوجهَا من النَّبِي ﷺ وَهُوَ الإِمَام.
وَمعلى، بتَشْديد اللَّام الْمَفْتُوحَة: ابْن أَسد الْعمي الْبَصْرِيّ، ووهيب بن خَالِد الْبَصْرِيّ. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (وَهِي) الْوَاو فِيهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ للْحَال. قَوْله: (وأنبئت) على صِيغَة الْمَجْهُول من الإنباء وَهُوَ الْإِخْبَار، وَلم يسم من أنبأه. قيل: يشبه أَن يكون حمله على امْرَأَته فَاطِمَة بنت الْمُنْذر عَن جدَّتهَا أَسمَاء، وَقَالَ ابْن بطال: دلّ حَدِيث الْبَاب عَليّ أَن الْأَب أولى فِي تَزْوِيج ابْنَته من الإِمَام، وَأَن السُّلْطَان ولي من لَا ولي لَهُ، وَأَن الْوَلِيّ من شُرُوط النِّكَاح، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ دلَالَة فِيهِ على اشْتِرَاط شَيْء من ذَلِك. قلت: هَكَذَا هُوَ، وَإِنَّمَا فِيهِ الْإِخْبَار عَمَّا ذكر فِيهِ لَيْسَ إلَاّ.
٠٤ - (بابٌ السُّلْطَانُ وَلِيٌّ لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ : زَوَّجْناكَها بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ: أَن السُّلْطَان ولي من لَا ولي لَهُ، وَقَالَ ابْن بطال: أجمع الْعلمَاء على أَن السطان ولي من لَا ولي لَهُ، وَأَجْمعُوا على أَن لَهُ أَن يُزَوّجهَا إِذا دعت إِلَى كُفْء وَامْتنع الْوَلِيّ أَن يُزَوّجهَا. وَاخْتلفُوا إِذا غَابَ عَن الْبكر أَبوهَا وَعمي خَبره، وَضربت فِيهِ الْآجَال من يُزَوّجهَا؟ فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: يُزَوّجهَا أَخُوهَا بِإِذْنِهَا، وَقَالَ الشَّافِعِي: يُزَوّجهَا السُّلْطَان دون بَاقِي الْأَوْلِيَاء، وَكَذَلِكَ الثّيّب إِذا غَابَ أقرب أوليائها. وَاخْتلفُوا فِي الْوَلِيّ من هُوَ؟ فَقَالَ مَالك وَاللَّيْث وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ: هُوَ الْعصبَة الَّذِي يَرث وَلَيْسَ الْخَال وَلَا الْجد لأم وَلَا الْأُخوة للْأُم أَوْلِيَاء عِنْد مَالك فِي النِّكَاح، وَقَالَ مُحَمَّد بن الْحسن: كل من لزمَه اسْم ولي فَهُوَ ولي يعْقد النِّكَاح وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر. وَاخْتلفُوا فِيمَن أولى بِالنِّكَاحِ الْوَلِيّ أَو الْوَصِيّ؟ فَقَالَ بيعَة وَمَالك وَأَبُو حنيفَة وَالثَّوْري: الْوَصِيّ أولى، وَقَالَ الشَّافِعِي: الْوَلِيّ أولى وَلَا ولَايَة للْوَصِيّ على الصَّغِير، وَقَالَ ابْن حزم: وَلَا إِذن للْوَصِيّ فِي إنكاح أصلا لَا لرجل وَلَا لامْرَأَة صغيرين كَانَا أَو كبيرين. قَوْله: (لقَوْل النَّبِي ﷺ ذكرع فِي معرض الِاحْتِجَاج على أَن السُّلْطَان ولي من لَا ولي لَهُ، ويروي: بقول النَّبِي ﷺ ، بِالْبَاء الْمُوَحدَة مَوضِع اللَّام، قَوْله: (زَوَّجْنَاكهَا) بنُون الْجمع للتعظيم، كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: زوجتكها، بِالْإِفْرَادِ.
٥٣١٥ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرَنا مالِكٌ عنْ أبي حازِمٍ عنْ سهْلٍ سَعْدٍ قَالَ: جاءَتِ امْرَأةٌ إلَى رسولِ الله ﷺ فقالَتْ: إنِّي وهَبْتُ منْ نَفْسِي، فَقامَتْ طَوِيلاً، فَقَالَ رجُلٌ: زَوِّجْنِيها إنْ لَمْ تَكُنْ بِها حاجَةٌ. قَالَ: هلْ عِنْدكَ مِنْ شَيْءٌ تُصْدِقُها؟ قَالَ: مَا عِنْدِي إلَاّ إزَارِي. فَقَالَ: إنْ أعْطَيْتَها إيَّاهُ
стр. 6015
جلسْتَ لَا إِزَارَ لَكَ فالْتَمِسْ شَيْئا. فَقَالَ: مَا أجِدُ شَيْئا. فَقَالَ: الْتَمِسْ ولوْ خاتَما مِنْ حَدِيدٍ، فَلَمْ يجدْ، فَقَالَ: أمَعكَ مِن القُرْآنِ شَيءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ سورَةُ كَذَا وسورَةُ كَذَا لِسْوَرٍ سَمَّاها. فَقَالَ: زَوَّجْناكَها بِمَا مَعَك مِنَ القُرْآنِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث قد مر غير مرّة، وَمر الْكَلَام فِيهِ قَرِيبا وبعيدا.
قَوْله: (إِنِّي وهبت من نَفسِي) كلمة: من، زَائِدَة، وَجوز الْكُوفِيُّونَ زيادتها فِي الْمُثبت وَقِيَاسه: وهبت لَك، ويروي: وهبت مِنْك نَفسِي. قَالَ النَّوَوِيّ: وَكَذَلِكَ: من، هُنَا زَائِدَة.
١٤ - (بابٌ لَا يُنْكِحُ الأبُ وغَيْرُهُ البِكْرَ والثَّيِّبُ إلَاّ يرضاها)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَنه لَا ينْكح الْأَب إِلَى آخِره، وينكح بِضَم الْيَاء من الْإِنْكَاح، وَالْأَب بِالرَّفْع فَاعله، وَغَيره عطف عَلَيْهِ أَي: وَغير الْأَب من الْأَوْلِيَاء. قَوْله: الْبكر، مَنْصُوب على المفعولية، وَالثَّيِّب عطف عَلَيْهِ.
٦٣١٥ - حدَّثنا مُعاذُ بنُ فَضالَة حَدثنَا هِشامٌ عنْ يَحْيَى اعنْ أبي سلَمَةَ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حدَّثُهُمْ أنَّ النبيَّ ﷺ ، قَالَ: لَا تُنْكَحُ الأيِّمُ حتّى تُسْتَأْمَر، وَلَا تُنْكَحُ البِكْرُ حتّى تُسْتأذنَ. قَالُوا: يَا رسُولَ الله ﴿وكيْفَ إِذْنُها؟ قَالَ: أنْ تَسْكُتَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ومعاذ، بِضَم الْمِيم وبالعين الْمُهْملَة والذال الْمُعْجَمَة: ابْن فضَالة، بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الضَّاد الْمُعْجَمَة، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي ترك الْحِيَل عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن القواريري. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى.
قَوْله: (لَا تنْكح) على صِيغَة الْمَجْهُول. والأيم قد مر تَفْسِير. قَوْله: (حَتَّى تستأمر) من الاستئمار، وَهُوَ طلب الْأَمر، وَقيل: الْمُشَاورَة. قَوْله: (حَتَّى تستأذن) أَي: حَتَّى يطْلب مِنْهَا الْإِذْن. قَوْله: (لَا تنْكح الأيم) المُرَاد بِهِ الثّيّب هُنَا بِقَرِينَة قَوْله: (وَلَا تنْكح الْبكر) وَإِن كَانَ الأيم يتَنَاوَل الثّيّب وَالْبكْر، وَبِهَذَا احْتج أَبُو حنيفَة على أَن الْوَلِيّ لَا يجْبر الثّيّب وَلَا الْبكر على النِّكَاح فالثيب تستأمر وَالْبكْر تستأذن، وَالْمَرْأَة الْبَالِغَة الْعَاقِلَة، إِذا زوجت نَفسهَا من غير ولي ينفذ نِكَاحهَا عِنْده، وَعند أبي يُوسُف وَعند مُحَمَّد يتَوَقَّف على إجَازَة الْوَلِيّ. وَقَالَ الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد: لَا ينْعَقد بِعِبَارَة النِّسَاء أصلا لقَوْله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: لَا نِكَاح إلَاّ بولِي. والْحَدِيث الْمَذْكُور حجَّة عَلَيْهِم، وَمر الْكَلَام فِي حَدِيث: لَا نِكَاح إلَاّ بولِي، مُسْتَوفى، خلاصته أَنه: لَيْسَ بمتفق عَلَيْهِ فَلَا يُعَارض مَا اتّفق عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ البُخَارِيّ وَيحيى بن معِين: لم يَصح فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث، يَعْنِي فِي اشْتِرَاط الْوَلِيّ. فَإِن قلت: رُوِيَ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: أَيّمَا امْرَأَة نكحت بِغَيْر إِذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل، فنكاحها بَاطِل. الحَدِيث. قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: قد تكلم بعض أهل الحَدِيث فِي حَدِيث الزُّهْرِيّ. قَالَ ابْن جريج: ثمَّ لقِيت الزُّهْرِيّ فَسَأَلته فَأنْكر. وضعفوا هَذَا الحَدِيث من أجل هَذَا. فَإِن قلت: قَالَ الرمذي هَذَا حَدِيث حسن. قلت: من أَيْن لَهُ الْحسن وَقد أنكرهُ الزُّهْرِيّ؟ فَإِن قلت: إِنْكَاره لَا يعين التَّكْذِيب بل يحْتَمل أَنه رَوَاهُ فنسيه إِذْ كل مُحدث لَا يحفظ مَا رَوَاهُ. قلت: إِذا احْتمل التَّكْذِيب وَالنِّسْيَان فَلَا يبْقى حجَّة، وَيلْزم المحتج بِهِ أَن يَقُول بِمَفْهُوم الْخطاب وَمَفْهُوم هَذَا يَقْتَضِي صِحَة النِّكَاح بِإِذن الْوَلِيّ فَلَا تَقول بِهِ.
٧٣١٥ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ الرَّبِيعِ بن طارقٍ قَالَ: أخبرنَا الليْثُ عنِ ابنِ أبي مُلَيْكَةَ عَنْ أبي عَمْرو مَوْلَى عائِشةَ عَن عَائِشَة أنَّها قالَتْ: يَا رسولَ الله﴾ إنَّ البِكْرَ تَسْتَحَي؟ قَالَ: رِضَاها صَمْتُها.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ قَالَ: وَلَا تنْكح الْبكر حَتَّى تستأذن. قَالُوا: يَا رَسُول الله إِن الْبكر تَسْتَحي؟ قَالَ: رِضَاهَا
стр. 6016
صمتها، وَلم يجوز الْإِجْبَار عَلَيْهَا، والضحك رضَا دلَالَة، فَإِنَّهُ عَلامَة السرُور والفرح بِمَا سَمِعت. وَقيل: إِذا ضحِكت كالمستهزئة لم رضَا بِخِلَاف مَا إِذا بَكت فَإِنَّهُ دَلِيل السخط والكراهية.
وَعَمْرو بن الرّبيع بن طَارق الْهِلَالِي الْمصْرِيّ، مَاتَ سنة تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَابْن أبي مليكَة هُوَ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي مليكَة زُهَيْر الْمَكِّيّ الْأَحول القَاضِي على عبد بن الزبير، وَأَبُو عَمْرو مولى عَائِشَة، وخادمها واسْمه ذكْوَان، قد دَبرته وَكَانَ من أفْصح الْقُرَّاء.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور.
قَوْله: (إِن الْبكر تَسْتَحي) بِخِلَاف الثّيّب لِأَن كَمَال حيائها قد زَالَ بممارسة الرِّجَال. قَوْله: (رِضَاهَا صمتها) أَي: سكُوتهَا، وَفِي رِوَايَة ابْن جريج: قَالَ: سكُوتهَا إِذْنهَا، وَفِي لفظ لَهُ قَالَ: إِذْنهَا صماتها، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق ابْن جريج أَيْضا قَالَ: فَكَذَلِك إِذْنهَا إِذا هِيَ سكتت.
٢٤ - (بابٌ إذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ وهْيَ كارهَةٌ فَنِكاحُهَا مَرْدُودٌ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا زوج ابْنَته وَالْحَال أَنَّهَا كارهة فنكاحها مَرْدُود، وَقَوله: ابْنَته، يَشْمَل الْبكر وَالثَّيِّب. قيل: هَذِه التَّرْجَمَة مُخَالفَة للتَّرْجَمَة السَّابِقَة حَيْثُ قَالَ: بَاب نِكَاح الرجل وَلَده الصغار، وَأجِيب بِأَن المُرَاد بنته الْبَالِغَة، يدل عَلَيْهِ قَوْله: وَهِي كارهة، لِأَن هَذِه الصّفة للبالغات.
٨٣١٥ - حدَّثنا إسْمااعِيلُ قَالَ: حدّثني مالِكٌ عَن عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ القاسمِ عَن أبيهِ عَن عَبْدِ الرَّحْمنِ ومُجَمِّعٍ ابْنَيْ يَزِيدَ بنِ جاريَةَ عَن خَنْساءَ بِنْتِ خِذَامٍ الأَنْصارِيَّةِ: أنَّ أبَاهَا زَوَّجَها وهْيَ ثَيِّبٌ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأتَتْ رسُولَ الله ﷺ فَرَدَّ نِكاحَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس ابْن أُخْت مَالك، وَمَالك يروي عَن عبد الرَّحْمَن وَهُوَ يروي عَن أَبِيه الْقَاسِم وَالقَاسِم يروي عَن عبد الرَّحْمَن وأخيه مجمع، بِضَم الْمِيم وَفتح الْجِيم وَكسر الْمِيم فِي آخِره عين مُهْملَة، وهما ابْنا يزِيد بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف ابْن جَارِيَة بِالْجِيم ابْن عَامر بن العطاف الْأنْصَارِيّ الأوسي من بني عَمْرو بن عَوْف، وَهُوَ ابْن أخي مجمع بن جَارِيَة الصَّحَابِيّ الَّذِي جمع الْقُرْآن فِي عهد النَّبِي ﷺ ، وَمِنْه قيل: إِن الْمجمع بن يزِيد صُحْبَة، وَلَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا الصُّحْبَة لِعَمِّهِ مجمع بن جَارِيَة، وَلَيْسَ لمجمع بن يزِيد فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث، وَقد قرنه فِيهِ بأَخيه عبد الرَّحْمَن بن يزِيد وَعبد الرَّحْمَن ولد فِي زمن النَّبِي ﷺ فِيمَا ذكره العسكري وَغَيره، وَهُوَ أَخُو عَاصِم بن عمر بن الْخطاب لأمه، وَقَالَ ابْن سعد: ولي الْقَضَاء لعمر بن عبد الْعَزِيز لما كَانَ أَمِير الْمَدِينَة، وَمَات سنة ثَلَاث وَتِسْعين، وَقيل: سنة ثَمَان، وَوَثَّقَهُ جمَاعَة، وَمَا لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث.
قَوْله: (عَن خنساء) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وبالسين الْمُهْملَة وَالْمدّ: (بنت خذام) بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الذَّال الْمُعْجَمَة، وَقيل: اسْم أَبِيه وَدِيعَة، وَالصَّحِيح أَن اسْم أَبِيه خَالِد، ووديعة اسْم جده، وَقَالَ أَبُو عمر: خنساء بنت خذام بن وَدِيعَة الْأَنْصَارِيَّة من الْأَوْس، وَفِي التَّوْضِيح: خنساء اسْمهَا زَيْنَب بنت خذام، وَفِي رِوَايَة لأبي مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي كِتَابه: اسْمهَا ربعَة بدل خنساء وَاسْتَغْرَبَهُ، وَفِي رِوَايَة أم ربعَة، ولعلها كنيتها، وَكَانَ خذام من أهل مَسْجِد الضرار وَمن دَاره أخرج، وَوَقع فِي طَرِيق مُحَمَّد بن إِسْحَاق: خناس، بِضَم الْخَاء وَتَخْفِيف النُّون على وزن فلَان، وَهُوَ مُشْتَقّ من خنساء كَمَا يُقَال زناب فِي زَيْنَب. قَوْله: (أَن أَبَاهَا زَوجهَا وَهِي ثيب) ، وَوَقع فِي رِوَايَة الثَّوْريّ: (أَن أَبَاهَا زَوجهَا وَهِي بكر) ، وَقَالَ أَبُو عمر: وَذكر ابْن الْمُبَارك عَن الثَّوْريّ عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن عبد الله بن يزِيد بن وَدِيعَة عَن خنساء بنت خذام أَنَّهَا كَانَت يَوْمئِذٍ بكرا، وَالصَّحِيح نقل مَالك فِي ذَلِك، وَرُوِيَ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن الجحشي عَن أبي بكر بن مُحَمَّد: أَن رجلا من الْأَنْصَار تزوج خنساء بنت خذام فقُتل عَنْهَا يَوْم أحد فَأَنْكحهَا أَبوهَا رجلا، فَأَتَت النَّبِي ﷺ فَقَالَت: إِن أبي أنكحني وَإِن عَم وَلَدي أحب إِلَيّ، فَهَذَا يدل على أَنَّهَا ولدت من زَوجهَا الأول، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ واسْمه بن قَتَادَة وَقيل اسْمه، وَأَنه اسْتشْهد ببدر وروى الدارقذني والذبراني من طَرِيق هشيم عَن عَمْرو بن أبي سَلمَة عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة: أَن خنساء بنت خذام زَوجهَا أَبوهَا وَهِي كارهة فَأَتَت النَّبِي
стр. 6017
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَرد نِكَاحهَا، وَلم يقل فِيهِ: بكرا وَلَا ثَيِّبًا، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: رَوَاهُ أَبُو عوَانَة عَن عمر مُرْسلا، وَلم يذكر أَبَا هُرَيْرَة.
وَقد جَاءَت أَحَادِيث بِمثل حَدِيث خنساء، مِنْهَا: حَدِيث عَطاء عَن جَابر أَن رجلا زوج ابْنَته بكرا وَلم يستأذنها، فَأَتَت النَّبِي ﷺ فَفرق بَينهمَا، وَأخرجه النَّسَائِيّ، وَقَالَ: الصَّحِيح إرْسَاله، وَالْأول وهم. وَمِنْهَا: أَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، تزوج ابْنة خَاله وَأَن عَمها هُوَ الَّذِي زَوجهَا الحَدِيث، وَفِيه: فَأَتَت النَّبِي ﷺ فَرد نِكَاحهَا، أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ. وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن جَارِيَة بكرا أنْكحهَا أَبوهَا وَهِي كارهة، فَخَيرهَا رَسُول الله ﷺ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ على شَرط الصَّحِيحَيْنِ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: وَالصَّحِيح مُرْسل. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: رَفعه خطأ، وَقَالَ ابْن حزم: صَحِيح فِي غَايَة الصِّحَّة. وَلَا معَارض لَهُ وَابْن الْقطَّان صَححهُ، وَقد احْتج أَصْحَابنَا بِحَدِيث الْبَاب وبهذه الْأَحَادِيث على أَنه لَيْسَ للْوَلِيّ إِجْبَار الْبكر الْبَالِغَة على النِّكَاح. وَفِي التَّوْضِيح: إتفق أَئِمَّة الْفَتْوَى بالأمصار على أَن الْأَب إِذا زوج ابْنَته الثّيّب بِغَيْر رِضَاهَا أَنه لَا يجوز وَيرد احتجاجا بِحَدِيث خنساء وَغَيره، وشذا الْحسن الْبَصْرِيّ وَالنَّخَعِيّ فخالفا الْجَمَاعَة، فَقَالَ الْحسن: نِكَاح الْأَب جَائِز على ابْنَته بكرا كَانَت أَو ثَيِّبًا كرهت أَو لم تكره، وَقَالَ النَّخعِيّ: إِن كَانَت الْبِنْت فِي عِيَاله زوّجها وَلم يستأمرها، وَإِن لم تكن فِي عِيَاله أَو كَانَت نائية عَنهُ استأمرها، وَلم يتلفت أحد من الْأَئِمَّة إِلَى هذَيْن الْقَوْلَيْنِ لمخالفتهما السّنة الثَّابِتَة فِي خنساء وَغَيرهَا.
وَاخْتلف الْأَئِمَّة الْقَائِلُونَ بِحَدِيث خنساء بِغَيْر إِذْنهَا ثمَّ بلغَهَا فأجازت، فَقَالَ إِسْمَاعِيل القَاضِي: أصل قَول مَالك: إِنَّه لَا يجوز وَإِن أجازته إلَاّ أَن يكون بِالْقربِ كَأَنَّهُ فِي فَور، وَيبْطل إِذا بعد لِأَن عقده بِغَيْر أمرهَا لَيْسَ بِعقد وَلَا يَقع فِيهِ طَلَاق. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: إِذا أجازته جَازَ إِذا أبطلته بَطل. وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَأَبُو ثَوْر: إِذا زَوجهَا بِغَيْر إِذْنهَا فَالنِّكَاح بَاطِل وَإِن رضيته لِأَنَّهُ ﷺ رد نِكَاح خنساء وَلم يقل: إلَاّ أَن تحيزه، وَاسْتدلَّ بِهِ الشَّافِعِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على إبِْطَال النِّكَاح الْمَوْقُوف على إجَازَة من لَهُ الْإِجَازَة، وَهُوَ أحد قولي مَالك، وَاسْتدلَّ بِهِ الْخطابِيّ على أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي قَوْله: لَا يُزَوّج الْبكر الْبَالِغ إلَاّ بِرِضَاهَا، وَذَلِكَ أَن الثيوبة إِنَّمَا ذكرت هُنَا ليعلم أَنَّهَا عِلّة الحكم. قلت سُبْحَانَ الله! مَقْصُوده هَؤُلَاءِ وَمُجَرَّد الْحَط على أبي حنيفَة، وَذَلِكَ أَن الثيوبة إِذا كَانَت عِلّة فَلم لَا يجوز أَن تكون الْبكارَة أَيْضا عِلّة؟ وَالْحَال أَنَّهَا ذكرت أَيْضا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، وَجَاء أَيْضا بِدُونِ هذَيْن القيدين، كَمَا ذكرنَا، وَلَا نسلم أَيْضا أَن الْعلَّة فِي الرَّد هِيَ الثيوبة أَو الْبكارَة، وَالظَّاهِر أَن الْعلَّة هِيَ كَرَاهَة الْمَنْكُوحَة.
٩٣١٥ - حدَّثنا إسْحاقُ أخبرنَا بَزِيدُ أخبرَنا يحْياى أنَّ القاسِمَ بنَ مُحَمَّدٍ حدَّثهُ أنَّ عبْدَ الرَّحْمانِ بنَ يَزِيدَ ومُجَمِّعَ بن يَزِيدَ حدَّثاهُ: أنَّ رجُلاً يُدْعَى خِذَاما أنْكَح ابْنَةً لهُ: نَحْوَهُ.
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن إِسْحَاق، قَالَ بَعضهم: هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، وَقيل: ابْن مَنْصُور نسبه صَاحب التَّوْضِيح إِلَى اليجاني، وَيزِيد بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف هُوَ ابْن هَارُون، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ. وَأخرجه أَحْمد عَن يزِيد بن هَارُون بِهَذَا الْإِسْنَاد: أَن رجلا مِنْهُم يدعى خذاما أنكح ابته فَكرِهت نِكَاح أَبِيهَا، فَأَتَت النَّبِي ﷺ فَذكرت ذَلِك لَهُ، فَرد عَنْهَا نِكَاح أَبِيهَا فَتزوّجت أَبَا لبَابَة بن عبد الْمُنْذر. قَوْله: (نَحوه) أَي: نَحْو الحَدِيث الْمَذْكُور.
٣٤ - (بابُ تَزْوِيجِ اليَتِيمَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم تَزْوِيج الْيَتِيمَة.
﴿ (٤) وَإِن خِفْتُمْ أَلا تقسطوا فِي الْيَتَامَى فانكحوا﴾ (النِّسَاء: ٣) .
فِي أَكثر النّسخ لقَوْله : ﴿وَإِن خِفْتُمْ﴾ (النِّسَاء: ٣) ، وَهَذَا هُوَ الْأَوْجه لِأَنَّهُ ذكر هَذِه الْقطعَة من الْآيَة فِي معرض الِاحْتِجَاج، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء.
وإذَا قَالَ لِلْوَليِّ: زَوَّجْنِي فُلانَةَ، فَمَكُثَ ساعَةً أوْ قَالَ: مَا مَعَكَ؟ فَقَالَ: مَعِي كَذَا وكذَا، أوْ لَبِثا ثُمَّ قَالَ: زَوَّجْتُكَها، فَهْوَ جائِزٌ
стр. 6018
يَعْنِي: إِذا قَالَ رجل لوَلِيّ من لَهُ عَلَيْهَا الْولَايَة: إِلَى آخِره، وَهَذِه ثَلَاث صور: الأولى: أَن يَقُول زَوجنِي فُلَانَة ثمَّ مكث الْوَلِيّ سَاعَة. الثَّانِيَة: أَن يَقُول لَهُ: زوجنى فُلَانَة، وَقَالَ الْوَلِيّ: مَا مَعَك حَتَّى تصدق؟ فَقَالَ: معي كَذَا وَكَذَا، وَذكر شَيْئا مِمَّا يصدق بِهِ. الثَّالِثَة: أَن يلبث كِلَاهُمَا بعد هَذَا القَوْل، ثمَّ قَالَ الْوَلِيّ: زوجتكها، فَهُوَ جَائِز فِي الصُّور الْمَذْكُورَة، وَالْحَاصِل أَنه التَّفْرِيق إِذا كَانَ بَين الْإِيجَاب وَالْقَبُول فِي الْمجْلس لَا يضر وَإِن تخَلّل بَينهمَا، كَلَام، وَإِذا حصل الْإِيجَاب فِي مجْلِس وَالْقَبُول فِي آخر لَا يجوز العقد قيل: أَخذ هَذَا من حَدِيث الْبَاب فِيهِ نظر، لِأَن قصَّته وَاقعَة عين فيطرقها احْتِمَال أَن يكون قبل عقيب الْإِيجَاب.
فِيهِ سَهْلٌ عنِ النبيِّ ﷺ
أَي: فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث سهل بن سعد، وَفِيه قَالَ رجل: زوجنيها إِن لم يكن لَك بهَا حَاجَة الحَدِيث بِطُولِهِ، وَفِي آخِره: ملكتكها أَو زوجتكها، وَجرى بَين قَوْله: زوجينها وَبَين قَوْله، ﵇: زوجتكها، أَشْيَاء كَثِيرَة كَمَا ذكرهَا فِي الحَدِيث وَلم يضر ذَلِك لِاتِّحَاد الْمجْلس.
٠٤١٥ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَن الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ اللَيْث: حدّثني عُقَيْلٌ عنِ ابْن شِهابٍ أخْبَرني عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَأَلَ عائِشَةَ، ﵂، قَالَ لَها يَا أُمَّتاهْ: ﴿ (٤) وَإِن خِفْتُمْ أَن لَا تقسطوا فِي الْيَتَامَى﴾ إِلَى ﴿ (٤) مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ (النِّسَاء: ٣) قالَتْ عائِشَةُ: يَا ابنَ أُخْتِي! هذِهِ اليَتِمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ ولِيِّها فَيَرْغَبُ فِي جمَالِها ومالِها ويُرِيدُ أنْ يَنْتَقصَ مِنْ صَدَاقِها، فَنُهُوا عنْ نِكاحِهِنَّ إلَاّ أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ فِي إكمالِ الصَّدَاقِ، وأُمِرُوا بِنِكاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنَ النِّساءِ، قالَتْ: عائِشَةُ: اسْتَفْتَى النَّاسُ رسولَ الله ﷺ ، بَعْدَ ذلِكَ فأنْزَلَ الله: ﴿ (٤) ويستفتونك فِي النِّسَاء﴾ إِلَى ﴿ (٤) وترغبون﴾ (النِّسَاء: ٧٢١) فأنْزَلَ الله لَهُمْ فِي هاذِهِ الآيَةِ: أنَّ اليَتِيمَةَ إذَا كانَتْ ذَاتَ مالٍ وجَمالِ رغِبُوا فِي نِكاحِها ونَسَبِها، والصَّدَاقِ، وإذَا كانَتْ مَرْغُوبا عَنْها فِي قِلَّةِ المالِ والجَمالِ تَرَكُوها وأخذُوا غَيْرَها مِنَ النِّساءِ، قالَتْ: فَكَما يَتْرُكُونَها حِينَ يَرْغَبُونَ عَنْها فَليْسَ لَهُمْ أنْ يَنْكِحُوها إِذا رَغبُوا فِيها إلَاّ أَن يُقْسِطُوا لَها ويُعْطُوها حَقَّها الأوْفَى مِنَ الصَّدَاقِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث، وَهُوَ أَن حكم الْيَتِيمَة فِي التَّزَوُّج بهَا مَا ذكره فِيهِ.
وَأخرجه عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة إِلَخ، وَقد مر هَذَا الحَدِيث مكررا فِي سُورَة النِّسَاء وَغَيرهَا فِي كتاب النِّكَاح، وَتقدم طَرِيق اللَّيْث مَوْصُولا فِي: بَاب الْأَكفاء فِي المَال، وسَاق الْمَتْن هُنَاكَ على لَفظه وَهنا على لفظ شُعَيْب، وَقد أفرده بِالذكر فِي كتاب الْوَصَايَا.
٤٤ - (بابٌ إذَا قَالَ الخاطِبُ لِلْولِيِّ: زَوِّجْنِي فُلَانَةَ، فَقَالَ: قَدْ زَوَّجْتُكَ بكَذَا وكذَا، جازَ النِّكاحُ وإنْ لَمْ يَقُلْ لِلزَّوْج: أرَضِيت أوْ قَبِلْتَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا إِذا قَالَ الْخَاطِب لوَلِيّ الْمَرْأَة إِلَخ. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: إِذا قَالَ الْخَاطِب: زَوجنِي، بِدُونِ لفظ للْوَلِيّ. قَوْله: (وَإِن لم يقل) أَي: الْوَلِيّ للزَّوْج أَي: الْخَاطِب، وَقَالَ الْمُهلب: توقف الْخَاطِب على الرِّضَا لَيْسَ فِي كل نِكَاح، بل يسْأَل أرضي بِالصَّدَاقِ وَالشّرط أم لَا؟ إلَاّ أَن يكون مثل هَذَا الْمُعسر الرَّاغِب فِي النِّكَاح فَلَا يحْتَاج إِلَى توقفه على الرِّضَا لعلمهم بِهِ.
١٤١٥ - حدَّثنا أَبُو النُّعْمانِ حدّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أبي حازِمٍ عنْ سَهْلٍ بنِ سَعْدٍ، رَضِي
стр. 6019
الله عَنهُ، أنَّ امْرَأَةً أتَتِ النبيَّ ﷺ فَعَرَضَتْ عَليْهِ نَفْسَها، فَقَالَ: مالِي اليَوْمَ فِي النِّساءِ منْ حاجَةٍ، فَقَالَ رجلٌ يَا رسولَ الله! زَوِّجْنيها. قَالَ: مَا عِنْدَكَ؟ قَالَ: مَا عِنْدي شَيْءٌ. قَالَ: أعْطِها ولوْ خَاتمًا منْ حَدِيدٍ. قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ. قَالَ: فَما عِنْدَكَ مِنَ القُرْآنِ؟ قَالَ: كَذَا وكَذَا، قَالَ: فَقَدْ مَلَّكْتُكَها بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَقَالَ رجل) إِلَخ، وَلَا يخفي ذَلِك على الفطن.
وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي وَأَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار، وَقد مر حَدِيث سهل بن سعد مرَارًا عديدة، وَلَكِن فِي هَذِه الرِّوَايَة فَقَالَ: (مَالِي الْيَوْم فِي النِّسَاء من حَاجَة) قيل: فِيهِ إِشْكَال من جِهَة أَن فِيهِ: سعد النّظر إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ، فَهَذَا دَلِيل على أَنه كَانَت لَو حَاجَة، وَأجِيب بِاحْتِمَال أَن جَوَاز النّظر من خَصَائِصه وَإِن لم يرد التَّزَوُّج.
٥٤ - (بابٌ لَا يَخْطُبُ علَى خِطْبَةِ أخِيهِ حَتَّى يَنْكحَ أوْ يَدَعَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان لَا يخْطب الرجل على خطْبَة أَخِيه، والخطية بِكَسْر الْخَاء من خطبت الْمَرْأَة خطْبَة، وبالضم فِي الْوَعْظ وَغَيره. قَوْله: (أَو يدع) أَي: أَو يتْرك، وَذكره فِي الْبَاب عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: وَيتْرك، على مَا يَأْتِي. وَأخرجه مُسلم من حَدِيث عقبَة بن عَامر: حَتَّى يذر، وَهُوَ بِمَعْنى: يتْرك، أَيْضا.
٢٤١٥ - حدَّثنا مَكِيُّ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ نافِعا يُحَدِّثُ أنَّ ابنَ عُمَرَ، ﵄، كانَ يقُولُ: نهَى النبيُّ ﷺ ، أنْ يَبِيعَ بعْضُكُمْ علَى بيْعِ بعْضٍ وَلَا يَخْطُبَ الرَّجُلُ علَى خِطْبَةِ أخِيهِ حتَّى يَتْرُكَ الخَاطِبُ قَبْلَهُ أوْ يأذنَ لهُ الخَاطِبُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي شقة الثَّانِي، ومكي بن إِبْرَاهِيم بن بشير بن فرقد، وَيُقَال: ابْن فرقد بن بشير البرجمي التَّمِيمِي الْحَنْظَلِي الْبَلْخِي، يكنى أَبَا السكن، قَالَ البُخَارِيّ: توفّي سنة أَربع عشرَة أَو خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ومكي بِلَفْظ الْمَنْسُوب إِلَى مَكَّة المشرفة. قلت: ظَنّه مَنْسُوبا وَلم يدر أَنه اسْمه، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، والشطر الأول من الحَدِيث قد مر فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب لَا بيع على بيع أَخِيه من حَدِيث ابْن عمر مُخْتَصرا أَو مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَمر فِيهِ بِكَمَالِهِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة. قَوْله وَلَا يخْطب بِالنّصب وَلَا زَائِدَة وبالرفع نفيا وبالكسر نهيا بِتَقْدِير قَالَ مُقَدرا عطفا على نهي أَي نهى وَقَالَ لَا يخْطب قَوْله أَخِيه يتَنَاوَل الْأَخ النسبي والرضاعي والديني قَوْله أَو يَأْذَن لَهُ الْخَاطِب أَي حَتَّى يَأْذَن الأول للثَّانِي وَقيل هَذَا النَّهْي مَنْسُوخ بِخطْبَة الشَّارِع لأسامة فَاطِمَة بنت قيس على خطْبَة مُعَاوِيَة وَأبي جهم وفقهاء الْأَمْصَار على عدم النّسخ وَأَنه بَاقٍ وخطبة الشَّارِع كَانَت قبل النَّهْي وَأغْرب أَبُو سُلَيْمَان فَقَالَ إِن هَذَا النَّهْي للتأديب لَا للتَّحْرِيم وَنقل عَن أَكثر الْعلمَاء أَنه لَا يبطل وَعند دَاوُد بطلَان نِكَاح الثَّانِي وَالْأَحَادِيث دَالَّة على إِطْلَاق التَّحْرِيم وَقد أخرج مُسلم من حَدِيث عقبَة بن عَامر أَنه ﷺ َ - قَالَ لَا يحل لمُؤْمِن أَن يخْطب على خطْبَة أَخِيه حَتَّى يذر وَلَا يحل لَهُ أَن يبْتَاع على بيع أَخِيه حَتَّى يذر وَهُوَ قَول ابْن عمر وَعقبَة بن عَامر وَابْن هُرْمُز وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ اخْتلف عُلَمَاؤُنَا هَل الْحق فِيهِ لله أَو للخاطب فَقيل بِالْأولِ فيتحلل فَإِن لم يفعل فَارقهَا قَالَه ابْن وهب وَقيل أَن النَّهْي فِي حَال رضَا الْمَرْأَة بِهِ وركونها إِلَيْهِ وَبِه فسر فِي الْمُوَطَّأ دون مَا إِذا لم يركن وَلم يتَّفقَا على صدَاق وَقَالَ أَبُو عبيد هُوَ وَجه الحَدِيث وَبِه يَقُول أهل الْمَدِينَة وَأهل الْعرَاق وَاسْتثنى ابْن الْقَاسِم من النَّهْي مَا إِذا كَانَ الْخَاطِب فَاسِقًا وَهُوَ مَذْهَب الْأَوْزَاعِيّ وَاسْتثنى ابْن الْمُنْذر فِيمَا إِذا كَانَ الأول كَافِرًا وَهُوَ خلاف قَول الْجُمْهُور والْحَدِيث خرج على الْغَالِب وَلَا مَفْهُوم لَهُ وَقَالَ ابْن نَافِع يخْطب وَإِن رضيت بِالْأولِ حَتَّى يتَّفقَا على صدَاق وَخَطأَهُ ابْن حبيب وَقَالَت الشَّافِعِيَّة والحنابلة مَحل التَّحْرِيم مَا إِذا صرحت المخطوبة أَو وَليهَا الَّذِي أَذِنت لَهُ حَيْثُ يكون إِذْنهَا مُعْتَبرا بالإجابة فَلَو وَقع التَّصْرِيح بِالرَّدِّ فَلَا تَحْرِيم وَلم يعلم الثَّانِي بِالْحَال فَيجوز الهجوم على الْخطْبَة لِأَن الأَصْل الْإِبَاحَة وَعند الْحَنَابِلَة فِي ذَلِك رِوَايَتَانِ وَإِن وَقعت الْإِجَابَة بالتعريض كقولها لَا رَغْبَة عَنْك فَقَوْلَانِ عِنْد الشَّافِعِيَّة الْأَصَح وَهُوَ قَول الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَفِيَّة لَا يحرم أَيْضا وَإِذا لم ترد وَلم تقبل فَيجوز -
стр. 6020
٣٤١٥ - حدَّثنا يَحْياى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا الليْثُ عنْ جَعْفَرِ بنِ رَبِيعَةِ عنِ الأعْرَجِ قَالَ: قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ يأثُرُ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: إيّاكُمْ والظَّنَّ فإنَّ الظنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَباغَضُوا وكُونُوا عبادَ الله إخْوَانا. وَلَا يخْطُبُ الرَّجُلُ علَى خِطْبَةِ أخيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أوْ يَتْرُكَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا يخْطب) إِلَى آخِره. والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (يأثر أَي) يروي من أثرت الحَدِيث آثره بِالْمدِّ أثرا بِفَتْح أَوله وَسُكُون الثَّانِي إِذا ذكرته عَن غَيْرك. قَوْله: (إيَّاكُمْ وَالظَّن) تحذير مِنْهُ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: التحذير عَن الظَّن إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يجب فِيهِ الْقطع والتحديث مَعَ الِاسْتِغْنَاء عَنهُ، وَقَالَ ابْن التِّين: يُرِيد بِهِ أَن تحقق الظَّن قد يُوقع بِهِ فِي الْإِثْم، قيل: (وَإِيَّاكُم وَالظَّن) تحذير مِنْهُ وَالْحَال أَنه يجب على الْمُجْتَهد مُتَابعَة ظَنّه، وَكَذَا على مقلده. وَأجِيب بِأَن ذَلِك من أَحْكَام الشَّرِيعَة، وَقيل: إِحْسَان الظَّن بِاللَّه وبالمسلمين وَاجِب، وَأجِيب بِأَن هَذَا تحذير من ظن السوء بهم، وَقيل: الْجَزْم سوء الظَّن وَهُوَ ممدوح، وَأجِيب بِأَن ذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحْوَال نَفسه وَمَا يتَعَلَّق بخاصته، وَحَاصِله أَن الْمَدْح للِاحْتِيَاط فِيمَا هُوَ ملتبس بِهِ قَوْله: (فَإِن الظَّن أكذب الحَدِيث) يَعْنِي أَن الظَّن أَكثر كذبا من الْكَلَام. وَقيل: إِن إِثْم هَذَا الْكَذِب أزيدمن إِثْم الحَدِيث أَو من سَائِر الأكاذيب، وَإِنَّمَا كَانَ إثمه أَكثر لِأَنَّهُ أَمر قلبِي وَالِاعْتِبَار بِهِ كالإيمان وَنَحْوه، وَقيل: الظَّن لَيْسَ كذبا، وَشرط أفعل أَن يكون مُضَافا إِلَى جنسه، وَأجِيب بِأَنَّهُ لَا يلْزم أَن يكون الْكَذِب صفة لِلْقَوْلِ بل هُوَ صَادِق أَيْضا على كل اعْتِقَاد وَظن وَنَحْوهمَا إِذا كَانَ مُخَالفا للْوَاقِع، أَو الظَّن كَلَام نفساني، وأفعل قد يُضَاف إِلَى غير جنسه، أَو بِمَعْنى: أَن الظَّن أَكْثَره كذب، أَو المظنونات يَقع فِيهَا الْكَذِب أَكثر من المجزومات. وَقَالَ الْخطابِيّ: تَحْقِيق الظَّن دون مَا يهجس فِي النَّفس فَإِن ذَلِك لَا يملك أَي: الْمحرم من الظَّن مَا يصر صَاحبه عَلَيْهِ وَيسْتَمر فِي قلبه دون مَا يعرض وَلَا يسْتَقرّ، وَالْمَقْصُود أَن الظَّن يهجم صَاحبه على الْكَذِب إِذا قَالَ على ظَنّه مَا لم يتيقنه فَيَقَع الْخَبَر عَنهُ حِينَئِذٍ كذبا. أَي: أَن الظَّن منشأ أَكثر الْكَذِب. قَوْله: (وَلَا تجسسوا وَلَا تحسسوا) الأول بِالْجِيم وَالثَّانِي بِالْحَاء الْمُهْملَة، ويروى بِالْعَكْسِ،، وَاخْتلفُوا فيهمَا: التحسس بِالْحَاء الِاسْتِمَاع لحَدِيث الْقَوْم، بِالْجِيم الْبَحْث عَن العورات، وَقيل: بِالْحَاء هُوَ أَن تطلبه لغيرك، وَقيل: هما بِمَعْنى، وَهُوَ طلب معرفَة الْأَخْبَار الغائبة وَالْأَحْوَال، قَالَه الْحَرْبِيّ، وَقيل: بِالْحَاء فِي الْخَيْر وبالجيم فِي الشَّرّ. وَقَالَ ابْن حبيب: بِالْحَاء أَن تسمع مَا يَقُول أَخُوك فِيك، وبالجيم أَن ترسل من يسْأَل لَك عَمَّا يُقَال لَك فِي أَخِيك من السوء. قَوْله: (وَلَا تباغضوا) من بَاب التفاعل الَّذِي هُوَ اشْتِرَاك الْجَمَاعَة، وَهُوَ من البغض ضد الْحبّ. قَوْله: (وَكُونُوا إخْوَانًا) كإخوان فِي جلب نفع وَدفع مضرَّة. قَوْله: (حَتَّى ينْكح) قيل: كَيفَ يَصح هُوَ غَايَة لقَوْله: لَا يخْطب؟ وَأجِيب بِأَن بعد النِّكَاح لَا يُمكن الْخطْبَة، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يخْطب على الْخطْبَة أصلا كَقَوْلِه : ﴿حَتَّى يلج الْجمل فِي سم الْخياط﴾ (الْأَعْرَاف: ٠٤) .
٦٤ - (بابُ تفْسِيرِ تَرْكِ الخِطْبَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَفْسِير ترك الْخطْبَة. وَهُوَ أَن يكون صَرِيحًا كَمَا تقدم فِي الحَدِيث الَّذِي سبق، وَهُوَ قَوْله فِي آخر الحَدِيث حَتَّى ينْكح أَو يتْرك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: تَفْسِير ترك الْخطْبَة أَي: الِاعْتِذَار عَن تَركهَا.
٥٤١٥ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرَنا شُعَيْبٌ عنِ الزّهْرِيِّ قَالَ: أخبَرَنِي سالِمُ بنُ عبْدِ الله أنّهُ سمِعَ عبْدَ الله بنَ عُمَرَ، ﵄ يُحَدِّثُ أنَّ عُمَرَ بنَ الخطَّابِ حِين تأيَّمَتْ حَفْصَةُ، قَالَ عُمَرُ: لقِيتُ أَبَا بَكْرٍ فقُلْتُ: إنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، فلَبِثْتُ لَيالِي ثُمَّ خطَبَها رسُولُ الله ﷺ ، فلَقيَنِي أبُو بَكْرٍ فَقَالَ: إنّهُ لعمْ يَمْنَعْني أنْ أرْجِعَ إليْكَ فِيما عرَضْتَ إلَاّأنِّي قَدْ علمْتُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَدْ ذَكرَها، فلَمْ أكُنْ لأُفْشِيَ سِرَّ رسولِ الله ﷺ ، ولَوْ ترَكَها لقَبِلْتُها.
стр. 6021
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فلقيني أَبُو بكر) إِلَى آخِره، فَإِن فِيهِ اعتذار أبي بكر لعمر عَن ترك خطبَته وإجابته لعمر نعلمهُ بِأَن ﷺ يُرِيد خطبتها، وَهَذَا تَفْسِير من أبي بكر لترك الْخطْبَة. والْحَدِيث قد مضى عَن قريب فِي: بَاب عرض الْإِنْسَان ابْنَته أَو أُخْته على أهل الْخَيْر، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
تابَعَهُ يُونُسُ ومُوسى بنُ عُقْبَةَ وابنُ عَتيقٍ عنِ الزُّهْرِيِّ
أَي: تَابع شعيبَ بن أبي حَمْزَة يُونُس بن يزِيد ومُوسَى بن عقبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف، وَابْن أبي عَتيق وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي عَتيق، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: الصديقي التَّمِيمِي الْقرشِي، ومتابعة يُونُس وَصلهَا الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْعِلَل من طَرِيق إصبغ عَن ابْن وهب عَن يُونُس، ومتابعة مُوسَى ابْن أبي عَتيق وَصلهَا الذهلي فِي الزهريات من طَرِيق سُلَيْمَان بن بِلَال عَنْهُمَا، وَسبق هَذَا الحَدِيث للْبُخَارِيّ من رِوَايَة معمر، وَمن رِوَايَة صَالح بن كيسَان عَن الزُّهْرِيّ.
٧٤ - (بابُ الخُطْبَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْخطْبَة، بِضَم الْخَاء عِنْد العقد.
٦٤١٥ - حدَّثنا قَبِيصَةُ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ قَالَ: سمِعْتُ ابنَ عُمَرَ يقُولُ: جاءَ رجُلَانٍ مِنَ المَشْرقِ فخَطَبَا، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : إنّ مِنَ البَيانِ سحْرا.
قيل: لَا وَجه لإدخال هَذَا الحَدِيث فِي كتاب النِّكَاح لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعه. وَقد أطنب الشُّرَّاح هُنَا فِي الرَّد على قَائِل هَذَا القَوْل بِمَا لَا يجدي، وَالْأَوْجه أَن يُقَال: إِن خطْبَة الرجلَيْن الْمَذْكُورين عِنْد رَسُول الله ﷺ لم تخل عَن قصد حَاجَة مَا، وَالْخطْبَة عِنْد الْحَاجة من الْأَمر الْقَدِيم الْمَعْمُول بِهِ لأجل استمالة الْقُلُوب وَالرَّغْبَة فِي الْإِجَابَة، فَمن ذَلِك الْخطْبَة عِنْد النِّكَاح لذَلِك الْمَعْنى.
وَقد ورد فِي تَفْسِير خطْبَة النِّكَاح أَحَادِيث أشهرها مَا رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن عَن ابْن مَسْعُود، قَالَ: علمنَا رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، التَّشَهُّد فِي الصَّلَاة وَالتَّشَهُّد فِي الْحَاجة ... الحَدِيث، وَفِيه التَّشَهُّد فِي الْحَاجة: إِن الْحَمد لله نستعينه وَنَسْتَغْفِرهُ إِلَى آخِره، وَهَذَا اللَّفْظ التِّرْمِذِيّ، وَلما ذكره قَالَ: حَدِيث حسن، وَترْجم لَهُ بقوله: بَاب مَا جَاءَ فِي خطْبَة النِّكَاح. وَأخرجه أَبُو عوَانَة وَابْن حبَان وصححاه. وَمن ذَلِك اسْتحبَّ الْعلمَاء الْخطْبَة عِنْد النِّكَاح. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقد قَالَ بعض أهل الْعلم: إِن النِّكَاح جَائِز بِغَيْر خطْبَة، وَهُوَ قَول سُفْيَان الثورى وَغَيره من أهل الْعلم. قلت: وأوجبها أهل الظَّاهِر فرضا وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ ﷺ خطب عِنْد تزوج فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وأفعاله على الْوُجُوب، وَاسْتدلَّ الْفُقَهَاء على عدم وُجُوبهَا بقوله فِي حَدِيث سهل بن سعد: قد زوجتها بِمَا مَعَك من الْقُرْآن، وَلم يخْطب ثمَّ إِنَّه خرج الحَدِيث الْمَذْكُور عَن قبيصَة بن عقبَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، ويروي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَلَا قدح بِهَذَا لِأَنَّهُمَا بِشَرْط البُخَارِيّ.
وَزيد بن أسلم مولى عمر بن الْخطاب.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن قُتَيْبَة عَن عبد الْعَزِيز بِمَعْنَاهُ، وَقَالَ: حسن صَحِيح.
قَوْله: (حاء رحلان) وهما: الزبْرِقَان بن بدر التَّمِيمِي وَعَمْرو بن الْأَهْتَم التَّمِيمِي، وَفْدًا على النَّبِي ﷺ فِي وُجُوه قومهماوساداتهم وأسلما، وَكَانَ فِي سنة تسع من الْهِجْرَة. قَوْله: (من الْمشرق) أَرَادَ بِهِ مشرق الْمَدِينَة، وَهُوَ طرف نجد. قَوْله: (فخطبا) ، فَقَالَ الزبْرِقَان: يَا رَسُول الله! أَنا سيد تَمِيم والمطاع فيهم والمجاب، أمنعهم من الظُّلم وآخذ لَهُم بحقوقهم، وَهَذَا يعلم ذَلِك. يَعْنِي عمرا فَقَالَ عَمْرو: إِنَّه لشديد الْمُعَارضَة مَانع لجانبه مُطَاع فِي أدانيه، فَقَالَ الزبْرِقَان: وَالله يَا رَسُول الله، لقد علم مني غير مَا قَالَ: وَمَا مَنعه أَن يتَكَلَّم إلَاّ الْحَسَد، فَقَالَ عَمْرو: أَنا أحسدك؟ فوَاللَّه يَا رَسُول الله إِنَّه للئيم الْحَال حَدِيث المَال أمق الْوَلَد مضيع فِي الْعَشِيرَة، وَالله يَا رَسُول الله لقد صدقت فِي الأولى وَمَا كذبت فِي الْأُخْرَى، وَلَكِنِّي رجل إِذا رضيت قلت أحسن مَا علمت، وَإِذا غضِبت قلت أقبح مَا وجدت. فَقَالَ ﷺ : (إِن من الْبَيَان سحرًا إِن من الْبَيَان سحرًا) . قَوْله: (إِن من الْبَيَان سحرًا) ، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة
стр. 6022
غَيره: (إِن من الْبَيَان لسحرا) بِاللَّامِ الَّتِي هِيَ للتَّأْكِيد، وَالْبَيَان على نَوْعَيْنِ: بَيَان تقع بِهِ الْإِبَانَة عَن المُرَاد بِأَيّ وَجه كَانَ، وَبَيَان بلاغة وَهُوَ الَّذِي دَخلته الصَّنْعَة بِحَيْثُ يروق السامعين ويستميل بِهِ قُلُوبهم، وَهُوَ الَّذِي يشبه بِالسحرِ إِذا جلب الْقُلُوب وَغلب على النُّفُوس، وَفِي الْحَقِيقَة هُوَ تصنع فِي الْكَلَام وتكلف لتحسينه وَصرف الشَّيْء عَن ظَاهِرَة كالسحر الَّذِي هُوَ تخييل لَا حَقِيقَة لَهُ، والمذموم من هَذَا الْفَصْل أَن يقْصد بِهِ الْبَاطِل واللبس فيوهمك الْمُنكر مَعْرُوفا وَهَذَا مَذْمُوم، وَهُوَ أَيْضا مشبه بِالسحرِ لِأَن السحر صرف الشَّيْء عَن حَقِيقَته. وَحكى يُونُس أَن الْعَرَب تَقول، مَا سحرك عَن وَجه كَذَا؟ أَي: صرفك، وَرُوِيَ أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب من حَدِيث صَخْر بن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه عبد الله بن بُرَيْدَة يرفعهُ: (إِن من الْبَيَان سحرًا وَإِن من الْعلم جهلا وَإِن من الشّعْر حكما وَإِن من القَوْل عيالاً) . فَقَالَ صعصعة بن صوحان الْعَبْدي: صدق نَبِي الله ﷺ . أما قَوْله: إِن من الْبَيَان سحرًا فالرجل يكون عَلَيْهِ الْحق وَهُوَ أَلحن بالحجج من صَاحب الْحق فيسحر الْقَوْم ببيانه فَيذْهب بِالْحَقِّ. وَأما قَوْله: (إِن من الْعلم جهلا) ، فَهُوَ أَن يتَكَلَّف الْعَالم إِلَى علمه مَا لم يعلم فيجهل لذَلِك، وَأما قَوْله: (إِن من الشّعْر حكما) ، فَهِيَ هَذِه المواعظ والأمثال الَّتِي يتعظ بهَا النَّاس، وَلما قَوْله: (إِن من القَوْل عيالاً) ، فعرضك كلامك على من لَيْسَ من شَأْنه وَلَا يُريدهُ. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: أَن من القَوْل عيلاً، ثمَّ فسره بِمَا ذكرنَا، ثمَّ قَالَ: علت الضَّالة أعيل عيلاً إِذا لم تدر أَي جِهَة تبغيها، كَأَنَّهُ لم يهتد لمن يطْلب فعرضه على من لَا يُريدهُ.
٨٤ - (بابُ ضَرْبِ الدُّفِّ فِي النِّكَاحِ والوَلِيمَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِبَاحَة ضرف الدُّف فِي النِّكَاح، والأفصح فِي الدُّف ضم ادال وَقد تفتح، وَهُوَ الَّذِي بِوَجْه وَاحِد، وَقد اخْتلف فِي الضَّرْب بِالْوَجْهِ من الْوَجْهَيْنِ. قَوْله: (والوليمة) أَي: ضرب الدُّف فِي الْوَلِيمَة، وَهُوَ من عطف الْعَام على الْخَاص، قيل: يحْتَمل أَن يُرِيد وَلِيمَة النِّكَاح خَاصَّة، وَأَن ضرب الدُّف يشرع فِي النِّكَاح عِنْد العقد وَعند الخول مثلاٍ وَعند الْوَلِيمَة كَذَلِك، وَالْأول أقرب.
٧٤١٥ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا بِشْرُ بنُ المُفَضَّلِ حَدثنَا خالِدُ بنُ ذَكْوانَ قَالَ: قالَتِ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذِ بنِ غَفْرَاءَ: جاءَ النبيُّ ﷺ ، فَدَخَلَ حِينَ بُنْيَ علَيَّ، فَجَلسَ علَى فِرَاشِس كمَجْلَسِكَ مِنِّي، فَجَعَلتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنا يَضْرِبْنَ بالدُّفِّ ويَنْذُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبائِي يَوْمَ بَدْرٍ إذْ قالَتْ إحْدَاهُنَّ: وَفينَا نَبيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ، فَقَالَ: دَعي هاذِهِ وقُولِي بالَّذِي كُنْتِ نَقُولِينَ.
(انْظُر الحَدِيث ١٠٠٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن الْمفضل من التَّفْضِيل على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول ابْن لَاحق الْبَصْرِيّ، وخَالِد بن ذكْوَان أَبُو الْحسن الْمدنِي، وَالربيع، بِضَم الرَّاء، مصغر الرّبيع. ضد الخريف: بنت معوذ بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من التعويذ بِالْعينِ الْمُهْملَة والذال الْمُعْجَمَة، والعفراء مؤنث الأعفر بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْفَاء وَالرَّاء من العفرة، وَهُوَ بَيَاض لَيْسَ بالناصع.
والْحَدِيث قد مر فِي الْمَغَازِي فِي بَاب مُجَرّد بعد: بَاب شهودالملائكة بَدْرًا، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ عَن بشر بن الْمفضل إِلَى آخِره.
قَوْله: (حِين بني عَليّ) أَرَادَت بِهِ لَيْلَة دخل عَلَيْهَا زَوجهَا وَبني، على صِيغَة الْمَجْهُول: وعليَّ بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (كمجلسك) بِفَتْح اللَّام مصدر ميمي أَي: كجلوسك، ويروي بِكَسْر اللَّام. قَوْله: (يندبن) بِضَم الدَّال من النّدب وَهُوَ تعديد محَاسِن الْمَيِّت والبكاء عَلَيْهِ. قَوْله: (من آبَائِي) وَفِي رِوَايَة مرت فِي الْمَغَازِي: وَفِي آبائهن. قَوْله: (إِذْ قَالَت إِحْدَاهُنَّ) أَي: إِحْدَى الجويريات، وَهُوَ جمع جوَيْرِية مصغر جَارِيَة. قَوْله: (قَالَ: دعِي) أَي: قَالَ النَّبِي ﷺ لتِلْك الْجَارِيَة الَّتِي قَالَت: وَفينَا نَبِي يعلم ام فِي غَد، دعِي أَي: اتركي هَذَا القَوْل، لِأَن مفاتح الْغَيْب عِنْد الله لَا يعلمهَا إلَاّ هُوَ. قَوْله: (وَقَوْلِي بِالَّذِي كنت تَقُولِينَ) يَعْنِي: اشتغلي بالأشعار الَّتِي تتَعَلَّق بالمغازي والشجاعة وَنَحْوهَا.
وَفِي الحَدِيث فَوَائِد مِنْهَا: تشريف الرّبيع بِدُخُول النَّبِي ﷺ عَلَيْهَا وجلوسه أمامها حَيْثُ يجلس الرَّأْس، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ صَحَّ هَذَا؟ قلت: أما أَنه جلس من وَرَاء الْحجاب أَو كَانَ قبل نزُول آيَة الْحجاب أَو جَازَ النّظر لحَاجَة أَو عِنْد الْأَمْن من الْفِتْنَة، وَاسْتحْسن بَعضهم الْجَواب الْأَخير
стр. 6023
قلت: كل هَذَا دوران لطلب شَيْء لَا يظفر بِهِ، وَالْجَوَاب الصَّحِيح أَن من خَصَائِص النَّبِي ﷺ جَوَاز الْخلْوَة بالأجنبية وَالنَّظَر إِلَيْهَا كَمَا ذكرنَا فِي قصَّة أم حرَام بنت ملْحَان. فِي دُخُوله عَلَيْهَا، ونومه عِنْدهَا وتفليها رَأسه وَلم يكن بَينهمَا محرمية وَلَا زوجية. وَمِنْهَا: الضَّرْب بالدف فِي الْعرس بِحَضْرَة شَارِع الْملَّة ومبين الْحل من الْحُرْمَة وإعلان النِّكَاح بالدف والغناء الْمُبَاح، فرقا بَينه وَبَين مَا يسْتَتر بِهِ من السفاح. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا أَحْمد بن منيع حَدثنَا هشيم حَدثنَا أَبُو بلج عَن مُحَمَّد بن حَاطِب الجُمَحِي قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : فصل مَا بَين الْحَلَال وَالْحرَام الدُّف وَالصَّوْت، وَقَالَ: حَدِيث حسن وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم، وَقَالَ ابْن طَاهِر: ألزم الدَّارَقُطْنِيّ مُسلما إِخْرَاجه: قَالَ وَهُوَ صَحِيح، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو بلج: اسْمه يحيى بن أبي سليم وَيُقَال: ابْن سليم أَيْضا. وَمُحَمّد بن حَاطِب قد رأى النَّبِي ﷺ وَهُوَ غُلَام صَغِير. قلت: هَذَا أخرجه النَّسَائِيّ عَن مُجَاهِد بن مُوسَى، وَابْن مَاجَه عَن عَمْرو بن رَافع كِلَاهُمَا عَن هشيم وَأَبُو بلج هَذَا بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون اللَّام وبالجيم، وَقَالَ شيحنا زين الدّين: وَثَّقَهُ يحيى بن معِين وَمُحَمّد بن سعد وَأَبُو حَاتِم وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَأما البُخَارِيّ فَقَالَ: فِيهِ نظر، وَقَالَ شَيخنَا: أَبُو بلج هَذَا هُوَ الْكَبِير، وَأما أَبُو بلج الصَّغِير فاسمه جَارِيَة بن بلج الوَاسِطِيّ، وَذكر ابْن مَاكُولَا ثَالِثا وَهُوَ: أَبُو بلج مولى عُثْمَان بن عَفَّان، رُوِيَ عَن عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَرُوِيَ التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: قَالَ رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: أعْلنُوا هَذَا النِّكَاح واجعلوه فِي الْمَسَاجِد واضربوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب، وَأخرجه ابْن مَاجَه وَلَيْسَ فِي لَفظه: واجعلوه فِي الْمَسَاجِد، وَقَالَ: واضربوا عَلَيْهِ بالغربال، وَرُوِيَ النَّسَائِيّ من حَدِيث عَامر بن سعد عَن قرظة بن كَعْب وَأبي مَسْعُود، قَالَا: رخص لنا فِي اللَّهْو عِنْد الْعرس، وَرُوِيَ الطَّبَرَانِيّ عَن السَّائِب بن يزِيد: لَقِي رَسُول الله ﷺ جواري يغنين وَيَقُلْنَ: حيونا نحييكم، قَالَ: لَا تَقولُوا هَكَذَا، وَلَكِن قُولُوا: حيانا وحياكم، فَقَالَ رجل: يَا رَسُول الله ترخص للنَّاس فِي هَذَا ﴿قَالَ: نعم﴾ إِنَّه نِكَاح لَا سفاح. وَرُوِيَ ابْن مَاجَه من حَدِيث عَائِشَة أَنَّهَا أنكحت ذَات قربَة لَهَا من الْأَنْصَار، فَقَالَ ﷺ . أهديتم الفتاة؟ قَالُوا: نعم قَالَ: أرسلتم مَعهَا من يُغني؟ قَالَت: قلت: لَا فَقَالَ: إِن الْأَنْصَار قوم فيهم غزل، فَلَو بعثتم مَعهَا من يَقُول: أَتَيْنَاكُم أَتَيْنَاكُم فحيانا وحياكم هَذَا حَدِيث ضَعِيف، وَقَالَ أَحْمد: حَدِيث مُنكر، وَمِنْهَا: إقبال الإِمَام والعالم إِلَى الْعرس، وَإِن كَانَ لَهو وَلعب مُبَاح فَإِنَّهُ يُورث الألفة والانشراح، وَلَيْسَ الِامْتِنَاع من ذَلِك من الْحيَاء الممدوح، بل فعله هُوَ الممدوح الْمَشْرُوع. وَمِنْهَا: جَوَاز مدح الرجل فِي وَجهه بِمَا فِيهِ، وَالْمَكْرُوه من ذَلِك مدحه بِمَا لَيْسَ فِيهِ.
٩٤ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿ (٤) وَآتوا النِّسَاء صدقاتهن نحلة﴾ (النِّسَاء: ٤) وكَثْرَةِ المَهْرِ وأدْنَى مَا يَجُوزُ مِنَ الصَّدَاقِ وقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿ (٤) وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا﴾ (النِّسَاء: ٠٢) وقَوْلهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿ (٢) أَو تفرضوا لَهُنَّ﴾ (الْبَقَرَة: ٦٣٢)
وَقَالَ سَهْلٌ: قَالَ النبيُّ ﷺ : ولوْ خاتَما مِنْ حَدِيدٍ.
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يدل عَلَيْهِ قَوْله الله: ﴿وَآتوا النِّسَاء صدقاتهن نحلة﴾ (النِّسَاء: ٤) أَي: أعْطوا النِّسَاء مهورهن وَكَأن البُخَارِيّ أَشَارَ بِهَذَا وَبِمَا ذكر بعده أَن الْمهْر لَا يقدر أَقَله، وَسَيَجِيءُ الْكَلَام فِيهِ مفصلا. وَالصَّدقَات جمع صَدَقَة بِفَتْح الصَّاد وَضم الدَّال. وَهُوَ مهر الْمَرْأَة، وقرىء: صدقاتهن، بِفَتْح الصَّاد وَسُكُون الدَّال وصدقاتهن بِضَم الصَّاد وَسُكُون الدَّال وصدقاتهن بِضَم الصَّاد وَضم الدَّال قَوْله: ﴿نحلة﴾ (النِّسَاء: ٤) مَنْصُوب على الْمصدر لِأَن النحلة والإيتاء بِمَعْنى الْإِعْطَاء؛ وَالتَّقْدِير: نحلوهن مهورهن نحلة، وَيجوز أَن يكون مَنْصُوبًا على الْحَال من المخاطبين أَي: آتوهن مهورهن ناحلين طيبي النُّفُوس بالإعطاء، وَيجوز أَن يكون حَالا من الصَّدقَات، وَيكون معنى: نحلة، مِلَّة يُقَال: نحلة الْإِسْلَام خير النَّحْل، وَيكون التَّقْدِير: وآتو النِّسَاء صدقاتهن منحولة معطاة، وَيجوز أَن يكون مَنْصُوبًا على التَّعْلِيل أَي: آتوهن صدقاتهن للنحلة والديانة. قَوْله: (وَكَثْرَة الْمهْر) بِالْجَرِّ عطفا على: قَول الله تَعَالَى، أَي: فِي بَيَان كَثْرَة الْمهْر، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى جَوَاز كَثْرَة الْمهْر فلأجل ذَلِك ذكر قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتَيْتُم
стр. 6024
إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (النِّسَاء: ٠٢) وَالْقِنْطَار المَال الْعَظِيم من قنطرت الشَّيْء إِذا رفعته، وَمِنْه القنطرة.
قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ: وَاخْتلفُوا فِيهِ: هَل هُوَ مَحْدُود أم لَا؟ فَقَالَ أَبُو عبيد: هُوَ وزن لَا يحد، وَقيل: هُوَ مَحْدُود، ثمَّ اخْتلفُوا فِيهِ، فَقيل: هُوَ ألف وَمِائَتَا أُوقِيَّة، رَوَاهُ أبي بن كَعْب عَن النَّبِي ﷺ وَبِه قَالَ معَاذ بن جبل وَابْن عمر، وَقيل: إثنا عشر ألف أُوقِيَّة، رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة، وَقيل: ألف وَمِائَتَا دِينَار، رَوَاهُ ابْن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَقيل: سَبْعُونَ ألف دِينَار، وَرُوِيَ عَن ابْن عمر وَمُجاهد، وَقيل: ثَلَاثُونَ ألف دِرْهَم أَو مائَة رَطْل من الذَّهَب، وَقيل: سَبْعَة آلَاف دِينَار، وَقيل: ثَمَانِيَة آلَاف دِينَار، وَقيل: ألف مِثْقَال ذهب أَو فضَّة، وَقيل: ملْء مسك ثَوْر ذَهَبا، وكل ذَلِك تحكّم، إلَاّ مَا رُوِيَ عَن خبر، وَعَن ابْن عَبَّاس فِي هَذِه الْآيَة: وَإِن كرهت امْرَأَتك وَأَرَدْت أَن تطلقها وتتزوج غَيرهَا فَلَا تَأْخُذ مِنْهَا شَيْئا من مهرهَا وَلَو كَانَ قِنْطَارًا من الذَّهَب.
قَوْله: ﴿أَو تفرضوا لَهُنَّ﴾ (الْبَقَرَة: ٦٣٢) وَزَاد أَبُو ذَر: فَرِيضَة. قَوْله: وَقَالَ سهل بن سعد فِي حَدِيث الواهبة نَفسهَا: وَلَو خَاتمًا من حَدِيد، وَقد مضى حَدِيث سهل مرَارًا عديدة، وَذكر هُنَا طرفا مِنْهُ، وَأَشَارَ بِهِ البُخَارِيّ أَيْضا إِلَى أَن الْمهْر لَا يقدر بِشَيْء.
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي أَكثر الصَدَاق وَأقله. فَزعم الْمُهلب أَنه لَا حدَّ لأكثره قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (النِّسَاء: ٠٢) وَذكر عبد الرَّزَّاق عَن قيس بن الرّبيع عَن أبي حُصَيْن عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ، قَالَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَا تغَالوا فِي صدقَات النِّسَاء، فَقَالَت امْرَأَة: لَيْسَ ذَلِك يَا عمر، إِن الله قَالَ: ﴿وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (النِّسَاء: ٠٢) فَقَالَ: إِن امْرَأَة خَاصَمت عمر فَخَصمته، وَذكر أَبُو الْفرج الْأمَوِي وَغَيره: أَن عمر صدق أم كُلْثُوم ابْنة عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، أَرْبَعِينَ ألفا، وَأَن الْحسن بن عَليّ تزوج امْرَأَة فَأرْسل إِلَيْهَا مائَة جَارِيَة وَمِائَة ألف دِرْهَم، وَتزَوج معصب بن الزبير عَائِشَة بنت طَلْحَة فَأرْسل إِلَيْهَا ألف دِرْهَم، فَقيل فِي ذَلِك:
(بضع الفتاة بِأَلف ألف كاملٍ ... وتبيت سَادَات الجيوش شياعا)
وأصدق النَّجَاشِيّ أم حَبِيبَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، عَن سيدنَا رَسُول الله ﷺ فِيمَا ذكرهه أَبُو دَاوُد أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم وَكتب بذلك إِلَى رَسُول الله ﷺ ، وَقَالَ الْحَرْبِيّ: وَقيل: أصدقهَا أَرْبَعمِائَة دِينَار، وَقيل: مِائَتي دِينَار. وَفِي مُسلم: قَالَت عَائِشَة: كَانَ صدَاق رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، ثِنْتَيْ عشرَة أُوقِيَّة ونشا فَذَلِك خَمْسمِائَة دِرْهَم. وَقَالَ الْحَرْبِيّ: أصدق ﷺ سَوْدَة بَيْتا وَرثهُ، وَعَائِشَة على مَتَاع بَيت قِيمَته خَمْسُونَ درهما، رَوَاهُ عَطِيَّة عَن أبي سعيد، وأصدق زَيْنَب بنت خُزَيْمَة ثِنْتَيْ عشرَة أُوقِيَّة ونشا، وَأم سَلمَة على مَتَاع قِيمَته عشرَة دَرَاهِم، وَقيل: كَانَ جرتين ورحى ووسادة حشوها لِيف، وَعند أبي الشَّيْخ: عَليّ جرار خضر ورحى يَد، وَعند التِّرْمِذِيّ: على أَرْبَعمِائَة دِرْهَم، وَفِي مُسلم: لما قَالَ الْأنْصَارِيّ وَقد تزوج: بكم تَزَوَّجتهَا؟ قَالَ: على أَربع أَوَاقٍ، فَقَالَ ﷺ : (أَربع أَوَاقٍ؟ كأنكم تنحتون الْفضة من عرض هَذَا الْجَبَل) . وَعند ابْن حبَان عَن أبي هُرَيْرَة: كَانَ صداقنا إِذْ كَانَ فِينَا رَسُول الله ﷺ عشرَة أَوَاقٍ، زَاد أَبُو الشَّيْخ فِي كتاب النِّكَاح، فطبق يَده. وَذَاكَ أَرْبَعمِائَة دِرْهَم. وَعَن عدي بن حَاتِم: سنة رَسُول الله ﷺ أَو صدَاق بَنَاته أَرْبَعمِائَة دِرْهَم، وَبِسَنَد لَا بَأْس بِهِ أَن رَسُول الله ﷺ زوج ربيعَة بن كَعْب الْأَسْلَمِيّ امْرَأَة من الْأَنْصَار على وزن نواة من ذهب، وَرُوِيَ عَن أنس: قيمَة النواة خَمْسَة دءاهم. وَفِي رِوَايَة: ثَلَاثَة دَرَاهِم وَثلث دِرْهَم، وَإِلَيْهِ ذهب أَحْمد بن حَنْبَل، وَعَن بعض الْمَالِكِيَّة: النواة ربع دِينَار. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: لم يكن هُنَاكَ ذهب إِنَّمَا هِيَ خَمْسَة دَرَاهِم تسمى نواة كَمَا تسمى الْأَرْبَعُونَ أُوقِيَّة، وَبِسَنَد جيد عَن أبي الشَّيْخ عَن جَابر: إِن كُنَّا لننكح الْمَرْأَة على الحفنة أَو الحفنتين من الدَّقِيق، وَلما ذكره المرزباني استغربه، وَعند الْبَيْهَقِيّ: قَالَ ﷺ : (لَو أَن رجلا تزوج امْرَأَة على ملْء كَفه من طَعَام لَكَانَ ذَلِك صَدَاقا) . وَفِي لفظ قَالَ ﷺ : (من أعْطى فِي صدَاق امْرَأَة ملْء الحفنة سويقا أَو تَمرا فقد اسْتحلَّ) . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: رَوَاهُ ابْن جريج فَقَالَ فِيهِ: كُنَّا نستمتع بالقبضة، وَابْن جريج أحفظ، وَفِي كتاب أبي دَاوُد: عَن يزِيد عَن مُوسَى عَن مُسلم بن رُومَان عَن أبي الزبير عَن جَابر، يرفعهُ: (من أعْطى فِي صدَاق امْرَأَة ملْء كفيه سويقا أَو تَمرا فقد اسْتحلَّ) . وَقَالَ ابْن الْقطَّان: ومُوسَى لَا يعرف. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد: لَا يعول عَلَيْهِ، وَرُوِيَ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَامر بن ربيعَة عَن أَبِيه أَن امْرَأَة من بني فَزَارَة تزوجت على نَعْلَيْنِ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : (أرضيت من نَفسك وَمَالك بنعلين؟ قَالَت: نعم. فَأَجَازَهُ) . وَرُوِيَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه وَالطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه: عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن السَّلمَانِي عَن أَبِيه عَن ابْن عمر: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 6025
قَالَ: (أَدّوا العلائق. قَالُوا: يَا رَسُول الله ﴿مَا العلائق؟ قَالَ: مَا تراضي عَلَيْهِ الأهلون وَلَو قَضِيبًا من أَرَاك) . قلت: هُوَ مَعْلُول بِمُحَمد بن عبد الرَّحْمَن السَّلمَانِي، قَالَ ابْن الْقطَّان: قَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: لَو تزَوجهَا بِدِرْهَمَيْنِ ثمَّ طَلقهَا قبل الدُّخُول لم يرجع إلَاّ بدرهم، وَعَن الثَّوْريّ: إِذا تراضوا على دِرْهَم فِي الْمهْر فَهُوَ جَائِز، وَرُوِيَ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: النِّكَاح جَائِز على جوزة إِذا هِيَ رضيت، وَذهب ابْن حزم إِلَى جَوَازه بِكُل مَاله نصف قل أَو أَكثر، وَلَو أَنه حَبَّة بر أَو حَبَّة شعيرَة وشبههما، وَسُئِلَ ربيعَة عَمَّا يجوز من النِّكَاح، فَقَالَ: دِرْهَم قيل: فَأَقل؟ قَالَ: وَنصف. قيل: فَأَقل، قَالَ: حَبَّة حِنْطَة أَو قَبْضَة حِنْطَة. وَقَالَ الشَّافِعِي: سَأَلت الدَّرَاورْدِي: هَل قَالَ أحد بِالْمَدِينَةِ: لَا يكون صدَاق أقل من ربع دِينَار؟ فَقَالَ: لَا وَالله مَا عملت أحدا قَالَه قبل مَالك. قَالَ الدَّرَاورْدِي: أَخذه عَن أبي حنيفَة يَعْنِي فِي اعْتِبَار مَا يقطع بِهِ الْيَد، قَالَ الشَّافِعِي: رُوِيَ بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة فِي ذَلِك عَن عَليّ فَلَا يثبت مثله لَو لم يُخَالِفهُ غَيره أَنه لَا يكون مهْرا أقل من عشرَة دَرَاهِم. قلت: قَالَ أَصْحَابنَا: أقل الْمهْر عشرَة دَرَاهِم سَوَاء كَانَت مَضْرُوبَة أَو غَيرهَا حَتَّى يجوز وزن عشرَة تبرا وَإِن كَانَت قِيمَته أقل بِخِلَاف السّرقَة لما رُوِيَ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث جَابر بن عبد الله، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا تنْكِحُوا النِّسَاء إلَاّ للأكفاء وَلَا يزوجهن إِلَّا الْأَوْلِيَاء وَلَا مهر دون عشرَة دَرَاهِم) . فَإِن قلت: فِيهِ مُبشر بن عبيد مَتْرُوك الحَدِيث أَحَادِيثه لَا يُتَابع عَلَيْهَا، قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة: عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قَالَ: أَحَادِيث بشر بن عبيد مَوْضُوعَة كذب قلت: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طرق، والضعيف إِذا رُوِيَ من طَرِيق يصير حسنا فيحتج بِهِ، ذكره النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب، وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه قَالَ: أقل مَا يَسْتَحِيل بِهِ الْمَرْأَة عشرَة دَرَاهِم، ذكره الْبَيْهَقِيّ أَبُو عمر بن عبد الْبر.
٨٤١٥ - حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ عبْدِ العَزِيزِ بنِ صُهيْبٍ عنْ أنسٍ أنَّ عبْدِ الرَّحْمانِ بنَ عَوْفٍ تَزَوَّج امرَأةً عَلى وزْنِ نَواةٍ فَرَأي النبيُّ ﷺ بَشاشَةَ العُرْسِ، فَسألَهُ، فَقَالَ: إنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأةً عَلى وزْنِ نَوَاةٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي ﷺ لما سمع من عبد الرَّحْمَن مَا قَالَه سكت، فَيدل على أَن المهرة غير مُقَدّر، وَأَنه على التَّرَاضِي بَين الزَّوْجَيْنِ، والنواة زنة خَمْسَة دَرَاهِم.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَمُحَمّد بن قدامَة.
قَوْله: (بشاشة الْعرس) ، وَهِي الْفَرح الَّذِي حصل مِنْهُ، وبشاشة اللِّقَاء الْفَرح بِالْمَرْءِ والانبساط إِلَيْهِ والأنس بِهِ، ويروي: فَرَأى النَّبِي ﷺ شَيْئا يشبه الْعرس. قَالَ ابْن قرقول: كَذَا فِي كتاب الْأصيلِيّ والقابسي والنسفي وَبَعض رُوَاة البُخَارِيّ وَهُوَ تَصْحِيف، وَصَوَابه: بشاشة الْعرس، كالأبى ذَر وَابْن السكن، ويروي الْعَرُوس، وَفِي رِوَايَة مُسلم: قَالَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف: رَآنِي رَسُول الله ﷺ وَعلي بشاشة الْعرس، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن أنس بن مَالك: أَن النَّبِي ﷺ رأى على عبد الرَّحْمَن أثر صفرَة، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: يَا رَسُول الله﴾ تزوجت امْرَأَة على وزن نواة من ذهب. قَالَ: (فَبَارك الله لَك أَو لم وَلَو بِشَاة) .
وعنْ قَتادَةَ عنْ أنَسٍ أَن عبْدَ الرَّحْمانِ بنَ عَوْفٍ تَزَوجَ امْرأعةً علَى وزْنِ نَوَاةٍ منْ ذَهَبٍ
هُوَ عطوف على قَوْله: عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب، وَهِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْهُمَا، فبيَّن أَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب أطلق عَن أنس النواة، وَقَتَادَة زَاد أَنَّهَا من ذهب، وَيحْتَمل أَن يكون قَوْله: وَعَن قَتَادَة مُعَلّقا.
٠٥ - (بابُ التَّزْويجِ علَى القُرْآنِ وبِغَيْرِ صداقٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّزْوِيج على تَعْلِيم الْقُرْآن، وَالتَّزْوِيج بِغَيْر صدَاق أَي: بِغَيْر ذكر صدَاق مَالِي.
٩٤١٥ - حدَّثنا عَلِيٌّ بنُ عبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ سَمِعْتُ أَبَا حازِمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ سَهْلَ بن سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ يَقُولُ: إنِّي لَفِي القَوْمِ عِنْدَ رسولِ الله ﷺ ، إِذْ قامتِ امْرَأةٌ فقالتْ: يَا رسولَ الله! إِنَّهَا قَدْ وهَبْتَ
следующие страницы →