Полный текст (7 603 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.
стр. 6021
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فلقيني أَبُو بكر) إِلَى آخِره، فَإِن فِيهِ اعتذار أبي بكر لعمر عَن ترك خطبَته وإجابته لعمر نعلمهُ بِأَن ﷺ يُرِيد خطبتها، وَهَذَا تَفْسِير من أبي بكر لترك الْخطْبَة. والْحَدِيث قد مضى عَن قريب فِي: بَاب عرض الْإِنْسَان ابْنَته أَو أُخْته على أهل الْخَيْر، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
تابَعَهُ يُونُسُ ومُوسى بنُ عُقْبَةَ وابنُ عَتيقٍ عنِ الزُّهْرِيِّ
أَي: تَابع شعيبَ بن أبي حَمْزَة يُونُس بن يزِيد ومُوسَى بن عقبَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف، وَابْن أبي عَتيق وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي عَتيق، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: الصديقي التَّمِيمِي الْقرشِي، ومتابعة يُونُس وَصلهَا الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْعِلَل من طَرِيق إصبغ عَن ابْن وهب عَن يُونُس، ومتابعة مُوسَى ابْن أبي عَتيق وَصلهَا الذهلي فِي الزهريات من طَرِيق سُلَيْمَان بن بِلَال عَنْهُمَا، وَسبق هَذَا الحَدِيث للْبُخَارِيّ من رِوَايَة معمر، وَمن رِوَايَة صَالح بن كيسَان عَن الزُّهْرِيّ.
٧٤ - (بابُ الخُطْبَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْخطْبَة، بِضَم الْخَاء عِنْد العقد.
٦٤١٥ - حدَّثنا قَبِيصَةُ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ قَالَ: سمِعْتُ ابنَ عُمَرَ يقُولُ: جاءَ رجُلَانٍ مِنَ المَشْرقِ فخَطَبَا، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : إنّ مِنَ البَيانِ سحْرا.
قيل: لَا وَجه لإدخال هَذَا الحَدِيث فِي كتاب النِّكَاح لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعه. وَقد أطنب الشُّرَّاح هُنَا فِي الرَّد على قَائِل هَذَا القَوْل بِمَا لَا يجدي، وَالْأَوْجه أَن يُقَال: إِن خطْبَة الرجلَيْن الْمَذْكُورين عِنْد رَسُول الله ﷺ لم تخل عَن قصد حَاجَة مَا، وَالْخطْبَة عِنْد الْحَاجة من الْأَمر الْقَدِيم الْمَعْمُول بِهِ لأجل استمالة الْقُلُوب وَالرَّغْبَة فِي الْإِجَابَة، فَمن ذَلِك الْخطْبَة عِنْد النِّكَاح لذَلِك الْمَعْنى.
وَقد ورد فِي تَفْسِير خطْبَة النِّكَاح أَحَادِيث أشهرها مَا رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن عَن ابْن مَسْعُود، قَالَ: علمنَا رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، التَّشَهُّد فِي الصَّلَاة وَالتَّشَهُّد فِي الْحَاجة ... الحَدِيث، وَفِيه التَّشَهُّد فِي الْحَاجة: إِن الْحَمد لله نستعينه وَنَسْتَغْفِرهُ إِلَى آخِره، وَهَذَا اللَّفْظ التِّرْمِذِيّ، وَلما ذكره قَالَ: حَدِيث حسن، وَترْجم لَهُ بقوله: بَاب مَا جَاءَ فِي خطْبَة النِّكَاح. وَأخرجه أَبُو عوَانَة وَابْن حبَان وصححاه. وَمن ذَلِك اسْتحبَّ الْعلمَاء الْخطْبَة عِنْد النِّكَاح. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقد قَالَ بعض أهل الْعلم: إِن النِّكَاح جَائِز بِغَيْر خطْبَة، وَهُوَ قَول سُفْيَان الثورى وَغَيره من أهل الْعلم. قلت: وأوجبها أهل الظَّاهِر فرضا وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ ﷺ خطب عِنْد تزوج فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وأفعاله على الْوُجُوب، وَاسْتدلَّ الْفُقَهَاء على عدم وُجُوبهَا بقوله فِي حَدِيث سهل بن سعد: قد زوجتها بِمَا مَعَك من الْقُرْآن، وَلم يخْطب ثمَّ إِنَّه خرج الحَدِيث الْمَذْكُور عَن قبيصَة بن عقبَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، ويروي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَلَا قدح بِهَذَا لِأَنَّهُمَا بِشَرْط البُخَارِيّ.
وَزيد بن أسلم مولى عمر بن الْخطاب.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن قُتَيْبَة عَن عبد الْعَزِيز بِمَعْنَاهُ، وَقَالَ: حسن صَحِيح.
قَوْله: (حاء رحلان) وهما: الزبْرِقَان بن بدر التَّمِيمِي وَعَمْرو بن الْأَهْتَم التَّمِيمِي، وَفْدًا على النَّبِي ﷺ فِي وُجُوه قومهماوساداتهم وأسلما، وَكَانَ فِي سنة تسع من الْهِجْرَة. قَوْله: (من الْمشرق) أَرَادَ بِهِ مشرق الْمَدِينَة، وَهُوَ طرف نجد. قَوْله: (فخطبا) ، فَقَالَ الزبْرِقَان: يَا رَسُول الله! أَنا سيد تَمِيم والمطاع فيهم والمجاب، أمنعهم من الظُّلم وآخذ لَهُم بحقوقهم، وَهَذَا يعلم ذَلِك. يَعْنِي عمرا فَقَالَ عَمْرو: إِنَّه لشديد الْمُعَارضَة مَانع لجانبه مُطَاع فِي أدانيه، فَقَالَ الزبْرِقَان: وَالله يَا رَسُول الله، لقد علم مني غير مَا قَالَ: وَمَا مَنعه أَن يتَكَلَّم إلَاّ الْحَسَد، فَقَالَ عَمْرو: أَنا أحسدك؟ فوَاللَّه يَا رَسُول الله إِنَّه للئيم الْحَال حَدِيث المَال أمق الْوَلَد مضيع فِي الْعَشِيرَة، وَالله يَا رَسُول الله لقد صدقت فِي الأولى وَمَا كذبت فِي الْأُخْرَى، وَلَكِنِّي رجل إِذا رضيت قلت أحسن مَا علمت، وَإِذا غضِبت قلت أقبح مَا وجدت. فَقَالَ ﷺ : (إِن من الْبَيَان سحرًا إِن من الْبَيَان سحرًا) . قَوْله: (إِن من الْبَيَان سحرًا) ، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة
стр. 6022
غَيره: (إِن من الْبَيَان لسحرا) بِاللَّامِ الَّتِي هِيَ للتَّأْكِيد، وَالْبَيَان على نَوْعَيْنِ: بَيَان تقع بِهِ الْإِبَانَة عَن المُرَاد بِأَيّ وَجه كَانَ، وَبَيَان بلاغة وَهُوَ الَّذِي دَخلته الصَّنْعَة بِحَيْثُ يروق السامعين ويستميل بِهِ قُلُوبهم، وَهُوَ الَّذِي يشبه بِالسحرِ إِذا جلب الْقُلُوب وَغلب على النُّفُوس، وَفِي الْحَقِيقَة هُوَ تصنع فِي الْكَلَام وتكلف لتحسينه وَصرف الشَّيْء عَن ظَاهِرَة كالسحر الَّذِي هُوَ تخييل لَا حَقِيقَة لَهُ، والمذموم من هَذَا الْفَصْل أَن يقْصد بِهِ الْبَاطِل واللبس فيوهمك الْمُنكر مَعْرُوفا وَهَذَا مَذْمُوم، وَهُوَ أَيْضا مشبه بِالسحرِ لِأَن السحر صرف الشَّيْء عَن حَقِيقَته. وَحكى يُونُس أَن الْعَرَب تَقول، مَا سحرك عَن وَجه كَذَا؟ أَي: صرفك، وَرُوِيَ أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب من حَدِيث صَخْر بن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه عبد الله بن بُرَيْدَة يرفعهُ: (إِن من الْبَيَان سحرًا وَإِن من الْعلم جهلا وَإِن من الشّعْر حكما وَإِن من القَوْل عيالاً) . فَقَالَ صعصعة بن صوحان الْعَبْدي: صدق نَبِي الله ﷺ . أما قَوْله: إِن من الْبَيَان سحرًا فالرجل يكون عَلَيْهِ الْحق وَهُوَ أَلحن بالحجج من صَاحب الْحق فيسحر الْقَوْم ببيانه فَيذْهب بِالْحَقِّ. وَأما قَوْله: (إِن من الْعلم جهلا) ، فَهُوَ أَن يتَكَلَّف الْعَالم إِلَى علمه مَا لم يعلم فيجهل لذَلِك، وَأما قَوْله: (إِن من الشّعْر حكما) ، فَهِيَ هَذِه المواعظ والأمثال الَّتِي يتعظ بهَا النَّاس، وَلما قَوْله: (إِن من القَوْل عيالاً) ، فعرضك كلامك على من لَيْسَ من شَأْنه وَلَا يُريدهُ. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: أَن من القَوْل عيلاً، ثمَّ فسره بِمَا ذكرنَا، ثمَّ قَالَ: علت الضَّالة أعيل عيلاً إِذا لم تدر أَي جِهَة تبغيها، كَأَنَّهُ لم يهتد لمن يطْلب فعرضه على من لَا يُريدهُ.
٨٤ - (بابُ ضَرْبِ الدُّفِّ فِي النِّكَاحِ والوَلِيمَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِبَاحَة ضرف الدُّف فِي النِّكَاح، والأفصح فِي الدُّف ضم ادال وَقد تفتح، وَهُوَ الَّذِي بِوَجْه وَاحِد، وَقد اخْتلف فِي الضَّرْب بِالْوَجْهِ من الْوَجْهَيْنِ. قَوْله: (والوليمة) أَي: ضرب الدُّف فِي الْوَلِيمَة، وَهُوَ من عطف الْعَام على الْخَاص، قيل: يحْتَمل أَن يُرِيد وَلِيمَة النِّكَاح خَاصَّة، وَأَن ضرب الدُّف يشرع فِي النِّكَاح عِنْد العقد وَعند الخول مثلاٍ وَعند الْوَلِيمَة كَذَلِك، وَالْأول أقرب.
٧٤١٥ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا بِشْرُ بنُ المُفَضَّلِ حَدثنَا خالِدُ بنُ ذَكْوانَ قَالَ: قالَتِ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذِ بنِ غَفْرَاءَ: جاءَ النبيُّ ﷺ ، فَدَخَلَ حِينَ بُنْيَ علَيَّ، فَجَلسَ علَى فِرَاشِس كمَجْلَسِكَ مِنِّي، فَجَعَلتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنا يَضْرِبْنَ بالدُّفِّ ويَنْذُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبائِي يَوْمَ بَدْرٍ إذْ قالَتْ إحْدَاهُنَّ: وَفينَا نَبيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ، فَقَالَ: دَعي هاذِهِ وقُولِي بالَّذِي كُنْتِ نَقُولِينَ.
(انْظُر الحَدِيث ١٠٠٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن الْمفضل من التَّفْضِيل على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول ابْن لَاحق الْبَصْرِيّ، وخَالِد بن ذكْوَان أَبُو الْحسن الْمدنِي، وَالربيع، بِضَم الرَّاء، مصغر الرّبيع. ضد الخريف: بنت معوذ بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من التعويذ بِالْعينِ الْمُهْملَة والذال الْمُعْجَمَة، والعفراء مؤنث الأعفر بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْفَاء وَالرَّاء من العفرة، وَهُوَ بَيَاض لَيْسَ بالناصع.
والْحَدِيث قد مر فِي الْمَغَازِي فِي بَاب مُجَرّد بعد: بَاب شهودالملائكة بَدْرًا، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ عَن بشر بن الْمفضل إِلَى آخِره.
قَوْله: (حِين بني عَليّ) أَرَادَت بِهِ لَيْلَة دخل عَلَيْهَا زَوجهَا وَبني، على صِيغَة الْمَجْهُول: وعليَّ بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (كمجلسك) بِفَتْح اللَّام مصدر ميمي أَي: كجلوسك، ويروي بِكَسْر اللَّام. قَوْله: (يندبن) بِضَم الدَّال من النّدب وَهُوَ تعديد محَاسِن الْمَيِّت والبكاء عَلَيْهِ. قَوْله: (من آبَائِي) وَفِي رِوَايَة مرت فِي الْمَغَازِي: وَفِي آبائهن. قَوْله: (إِذْ قَالَت إِحْدَاهُنَّ) أَي: إِحْدَى الجويريات، وَهُوَ جمع جوَيْرِية مصغر جَارِيَة. قَوْله: (قَالَ: دعِي) أَي: قَالَ النَّبِي ﷺ لتِلْك الْجَارِيَة الَّتِي قَالَت: وَفينَا نَبِي يعلم ام فِي غَد، دعِي أَي: اتركي هَذَا القَوْل، لِأَن مفاتح الْغَيْب عِنْد الله لَا يعلمهَا إلَاّ هُوَ. قَوْله: (وَقَوْلِي بِالَّذِي كنت تَقُولِينَ) يَعْنِي: اشتغلي بالأشعار الَّتِي تتَعَلَّق بالمغازي والشجاعة وَنَحْوهَا.
وَفِي الحَدِيث فَوَائِد مِنْهَا: تشريف الرّبيع بِدُخُول النَّبِي ﷺ عَلَيْهَا وجلوسه أمامها حَيْثُ يجلس الرَّأْس، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ صَحَّ هَذَا؟ قلت: أما أَنه جلس من وَرَاء الْحجاب أَو كَانَ قبل نزُول آيَة الْحجاب أَو جَازَ النّظر لحَاجَة أَو عِنْد الْأَمْن من الْفِتْنَة، وَاسْتحْسن بَعضهم الْجَواب الْأَخير
стр. 6023
قلت: كل هَذَا دوران لطلب شَيْء لَا يظفر بِهِ، وَالْجَوَاب الصَّحِيح أَن من خَصَائِص النَّبِي ﷺ جَوَاز الْخلْوَة بالأجنبية وَالنَّظَر إِلَيْهَا كَمَا ذكرنَا فِي قصَّة أم حرَام بنت ملْحَان. فِي دُخُوله عَلَيْهَا، ونومه عِنْدهَا وتفليها رَأسه وَلم يكن بَينهمَا محرمية وَلَا زوجية. وَمِنْهَا: الضَّرْب بالدف فِي الْعرس بِحَضْرَة شَارِع الْملَّة ومبين الْحل من الْحُرْمَة وإعلان النِّكَاح بالدف والغناء الْمُبَاح، فرقا بَينه وَبَين مَا يسْتَتر بِهِ من السفاح. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا أَحْمد بن منيع حَدثنَا هشيم حَدثنَا أَبُو بلج عَن مُحَمَّد بن حَاطِب الجُمَحِي قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : فصل مَا بَين الْحَلَال وَالْحرَام الدُّف وَالصَّوْت، وَقَالَ: حَدِيث حسن وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم، وَقَالَ ابْن طَاهِر: ألزم الدَّارَقُطْنِيّ مُسلما إِخْرَاجه: قَالَ وَهُوَ صَحِيح، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو بلج: اسْمه يحيى بن أبي سليم وَيُقَال: ابْن سليم أَيْضا. وَمُحَمّد بن حَاطِب قد رأى النَّبِي ﷺ وَهُوَ غُلَام صَغِير. قلت: هَذَا أخرجه النَّسَائِيّ عَن مُجَاهِد بن مُوسَى، وَابْن مَاجَه عَن عَمْرو بن رَافع كِلَاهُمَا عَن هشيم وَأَبُو بلج هَذَا بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون اللَّام وبالجيم، وَقَالَ شيحنا زين الدّين: وَثَّقَهُ يحيى بن معِين وَمُحَمّد بن سعد وَأَبُو حَاتِم وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَأما البُخَارِيّ فَقَالَ: فِيهِ نظر، وَقَالَ شَيخنَا: أَبُو بلج هَذَا هُوَ الْكَبِير، وَأما أَبُو بلج الصَّغِير فاسمه جَارِيَة بن بلج الوَاسِطِيّ، وَذكر ابْن مَاكُولَا ثَالِثا وَهُوَ: أَبُو بلج مولى عُثْمَان بن عَفَّان، رُوِيَ عَن عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَرُوِيَ التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: قَالَ رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: أعْلنُوا هَذَا النِّكَاح واجعلوه فِي الْمَسَاجِد واضربوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب، وَأخرجه ابْن مَاجَه وَلَيْسَ فِي لَفظه: واجعلوه فِي الْمَسَاجِد، وَقَالَ: واضربوا عَلَيْهِ بالغربال، وَرُوِيَ النَّسَائِيّ من حَدِيث عَامر بن سعد عَن قرظة بن كَعْب وَأبي مَسْعُود، قَالَا: رخص لنا فِي اللَّهْو عِنْد الْعرس، وَرُوِيَ الطَّبَرَانِيّ عَن السَّائِب بن يزِيد: لَقِي رَسُول الله ﷺ جواري يغنين وَيَقُلْنَ: حيونا نحييكم، قَالَ: لَا تَقولُوا هَكَذَا، وَلَكِن قُولُوا: حيانا وحياكم، فَقَالَ رجل: يَا رَسُول الله ترخص للنَّاس فِي هَذَا ﴿قَالَ: نعم﴾ إِنَّه نِكَاح لَا سفاح. وَرُوِيَ ابْن مَاجَه من حَدِيث عَائِشَة أَنَّهَا أنكحت ذَات قربَة لَهَا من الْأَنْصَار، فَقَالَ ﷺ . أهديتم الفتاة؟ قَالُوا: نعم قَالَ: أرسلتم مَعهَا من يُغني؟ قَالَت: قلت: لَا فَقَالَ: إِن الْأَنْصَار قوم فيهم غزل، فَلَو بعثتم مَعهَا من يَقُول: أَتَيْنَاكُم أَتَيْنَاكُم فحيانا وحياكم هَذَا حَدِيث ضَعِيف، وَقَالَ أَحْمد: حَدِيث مُنكر، وَمِنْهَا: إقبال الإِمَام والعالم إِلَى الْعرس، وَإِن كَانَ لَهو وَلعب مُبَاح فَإِنَّهُ يُورث الألفة والانشراح، وَلَيْسَ الِامْتِنَاع من ذَلِك من الْحيَاء الممدوح، بل فعله هُوَ الممدوح الْمَشْرُوع. وَمِنْهَا: جَوَاز مدح الرجل فِي وَجهه بِمَا فِيهِ، وَالْمَكْرُوه من ذَلِك مدحه بِمَا لَيْسَ فِيهِ.
٩٤ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿ (٤) وَآتوا النِّسَاء صدقاتهن نحلة﴾ (النِّسَاء: ٤) وكَثْرَةِ المَهْرِ وأدْنَى مَا يَجُوزُ مِنَ الصَّدَاقِ وقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿ (٤) وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا﴾ (النِّسَاء: ٠٢) وقَوْلهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿ (٢) أَو تفرضوا لَهُنَّ﴾ (الْبَقَرَة: ٦٣٢)
وَقَالَ سَهْلٌ: قَالَ النبيُّ ﷺ : ولوْ خاتَما مِنْ حَدِيدٍ.
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يدل عَلَيْهِ قَوْله الله: ﴿وَآتوا النِّسَاء صدقاتهن نحلة﴾ (النِّسَاء: ٤) أَي: أعْطوا النِّسَاء مهورهن وَكَأن البُخَارِيّ أَشَارَ بِهَذَا وَبِمَا ذكر بعده أَن الْمهْر لَا يقدر أَقَله، وَسَيَجِيءُ الْكَلَام فِيهِ مفصلا. وَالصَّدقَات جمع صَدَقَة بِفَتْح الصَّاد وَضم الدَّال. وَهُوَ مهر الْمَرْأَة، وقرىء: صدقاتهن، بِفَتْح الصَّاد وَسُكُون الدَّال وصدقاتهن بِضَم الصَّاد وَسُكُون الدَّال وصدقاتهن بِضَم الصَّاد وَضم الدَّال قَوْله: ﴿نحلة﴾ (النِّسَاء: ٤) مَنْصُوب على الْمصدر لِأَن النحلة والإيتاء بِمَعْنى الْإِعْطَاء؛ وَالتَّقْدِير: نحلوهن مهورهن نحلة، وَيجوز أَن يكون مَنْصُوبًا على الْحَال من المخاطبين أَي: آتوهن مهورهن ناحلين طيبي النُّفُوس بالإعطاء، وَيجوز أَن يكون حَالا من الصَّدقَات، وَيكون معنى: نحلة، مِلَّة يُقَال: نحلة الْإِسْلَام خير النَّحْل، وَيكون التَّقْدِير: وآتو النِّسَاء صدقاتهن منحولة معطاة، وَيجوز أَن يكون مَنْصُوبًا على التَّعْلِيل أَي: آتوهن صدقاتهن للنحلة والديانة. قَوْله: (وَكَثْرَة الْمهْر) بِالْجَرِّ عطفا على: قَول الله تَعَالَى، أَي: فِي بَيَان كَثْرَة الْمهْر، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى جَوَاز كَثْرَة الْمهْر فلأجل ذَلِك ذكر قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتَيْتُم
стр. 6024
إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (النِّسَاء: ٠٢) وَالْقِنْطَار المَال الْعَظِيم من قنطرت الشَّيْء إِذا رفعته، وَمِنْه القنطرة.
قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ: وَاخْتلفُوا فِيهِ: هَل هُوَ مَحْدُود أم لَا؟ فَقَالَ أَبُو عبيد: هُوَ وزن لَا يحد، وَقيل: هُوَ مَحْدُود، ثمَّ اخْتلفُوا فِيهِ، فَقيل: هُوَ ألف وَمِائَتَا أُوقِيَّة، رَوَاهُ أبي بن كَعْب عَن النَّبِي ﷺ وَبِه قَالَ معَاذ بن جبل وَابْن عمر، وَقيل: إثنا عشر ألف أُوقِيَّة، رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة، وَقيل: ألف وَمِائَتَا دِينَار، رَوَاهُ ابْن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَقيل: سَبْعُونَ ألف دِينَار، وَرُوِيَ عَن ابْن عمر وَمُجاهد، وَقيل: ثَلَاثُونَ ألف دِرْهَم أَو مائَة رَطْل من الذَّهَب، وَقيل: سَبْعَة آلَاف دِينَار، وَقيل: ثَمَانِيَة آلَاف دِينَار، وَقيل: ألف مِثْقَال ذهب أَو فضَّة، وَقيل: ملْء مسك ثَوْر ذَهَبا، وكل ذَلِك تحكّم، إلَاّ مَا رُوِيَ عَن خبر، وَعَن ابْن عَبَّاس فِي هَذِه الْآيَة: وَإِن كرهت امْرَأَتك وَأَرَدْت أَن تطلقها وتتزوج غَيرهَا فَلَا تَأْخُذ مِنْهَا شَيْئا من مهرهَا وَلَو كَانَ قِنْطَارًا من الذَّهَب.
قَوْله: ﴿أَو تفرضوا لَهُنَّ﴾ (الْبَقَرَة: ٦٣٢) وَزَاد أَبُو ذَر: فَرِيضَة. قَوْله: وَقَالَ سهل بن سعد فِي حَدِيث الواهبة نَفسهَا: وَلَو خَاتمًا من حَدِيد، وَقد مضى حَدِيث سهل مرَارًا عديدة، وَذكر هُنَا طرفا مِنْهُ، وَأَشَارَ بِهِ البُخَارِيّ أَيْضا إِلَى أَن الْمهْر لَا يقدر بِشَيْء.
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي أَكثر الصَدَاق وَأقله. فَزعم الْمُهلب أَنه لَا حدَّ لأكثره قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (النِّسَاء: ٠٢) وَذكر عبد الرَّزَّاق عَن قيس بن الرّبيع عَن أبي حُصَيْن عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ، قَالَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَا تغَالوا فِي صدقَات النِّسَاء، فَقَالَت امْرَأَة: لَيْسَ ذَلِك يَا عمر، إِن الله قَالَ: ﴿وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (النِّسَاء: ٠٢) فَقَالَ: إِن امْرَأَة خَاصَمت عمر فَخَصمته، وَذكر أَبُو الْفرج الْأمَوِي وَغَيره: أَن عمر صدق أم كُلْثُوم ابْنة عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، أَرْبَعِينَ ألفا، وَأَن الْحسن بن عَليّ تزوج امْرَأَة فَأرْسل إِلَيْهَا مائَة جَارِيَة وَمِائَة ألف دِرْهَم، وَتزَوج معصب بن الزبير عَائِشَة بنت طَلْحَة فَأرْسل إِلَيْهَا ألف دِرْهَم، فَقيل فِي ذَلِك:
(بضع الفتاة بِأَلف ألف كاملٍ ... وتبيت سَادَات الجيوش شياعا)
وأصدق النَّجَاشِيّ أم حَبِيبَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، عَن سيدنَا رَسُول الله ﷺ فِيمَا ذكرهه أَبُو دَاوُد أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم وَكتب بذلك إِلَى رَسُول الله ﷺ ، وَقَالَ الْحَرْبِيّ: وَقيل: أصدقهَا أَرْبَعمِائَة دِينَار، وَقيل: مِائَتي دِينَار. وَفِي مُسلم: قَالَت عَائِشَة: كَانَ صدَاق رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، ثِنْتَيْ عشرَة أُوقِيَّة ونشا فَذَلِك خَمْسمِائَة دِرْهَم. وَقَالَ الْحَرْبِيّ: أصدق ﷺ سَوْدَة بَيْتا وَرثهُ، وَعَائِشَة على مَتَاع بَيت قِيمَته خَمْسُونَ درهما، رَوَاهُ عَطِيَّة عَن أبي سعيد، وأصدق زَيْنَب بنت خُزَيْمَة ثِنْتَيْ عشرَة أُوقِيَّة ونشا، وَأم سَلمَة على مَتَاع قِيمَته عشرَة دَرَاهِم، وَقيل: كَانَ جرتين ورحى ووسادة حشوها لِيف، وَعند أبي الشَّيْخ: عَليّ جرار خضر ورحى يَد، وَعند التِّرْمِذِيّ: على أَرْبَعمِائَة دِرْهَم، وَفِي مُسلم: لما قَالَ الْأنْصَارِيّ وَقد تزوج: بكم تَزَوَّجتهَا؟ قَالَ: على أَربع أَوَاقٍ، فَقَالَ ﷺ : (أَربع أَوَاقٍ؟ كأنكم تنحتون الْفضة من عرض هَذَا الْجَبَل) . وَعند ابْن حبَان عَن أبي هُرَيْرَة: كَانَ صداقنا إِذْ كَانَ فِينَا رَسُول الله ﷺ عشرَة أَوَاقٍ، زَاد أَبُو الشَّيْخ فِي كتاب النِّكَاح، فطبق يَده. وَذَاكَ أَرْبَعمِائَة دِرْهَم. وَعَن عدي بن حَاتِم: سنة رَسُول الله ﷺ أَو صدَاق بَنَاته أَرْبَعمِائَة دِرْهَم، وَبِسَنَد لَا بَأْس بِهِ أَن رَسُول الله ﷺ زوج ربيعَة بن كَعْب الْأَسْلَمِيّ امْرَأَة من الْأَنْصَار على وزن نواة من ذهب، وَرُوِيَ عَن أنس: قيمَة النواة خَمْسَة دءاهم. وَفِي رِوَايَة: ثَلَاثَة دَرَاهِم وَثلث دِرْهَم، وَإِلَيْهِ ذهب أَحْمد بن حَنْبَل، وَعَن بعض الْمَالِكِيَّة: النواة ربع دِينَار. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: لم يكن هُنَاكَ ذهب إِنَّمَا هِيَ خَمْسَة دَرَاهِم تسمى نواة كَمَا تسمى الْأَرْبَعُونَ أُوقِيَّة، وَبِسَنَد جيد عَن أبي الشَّيْخ عَن جَابر: إِن كُنَّا لننكح الْمَرْأَة على الحفنة أَو الحفنتين من الدَّقِيق، وَلما ذكره المرزباني استغربه، وَعند الْبَيْهَقِيّ: قَالَ ﷺ : (لَو أَن رجلا تزوج امْرَأَة على ملْء كَفه من طَعَام لَكَانَ ذَلِك صَدَاقا) . وَفِي لفظ قَالَ ﷺ : (من أعْطى فِي صدَاق امْرَأَة ملْء الحفنة سويقا أَو تَمرا فقد اسْتحلَّ) . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: رَوَاهُ ابْن جريج فَقَالَ فِيهِ: كُنَّا نستمتع بالقبضة، وَابْن جريج أحفظ، وَفِي كتاب أبي دَاوُد: عَن يزِيد عَن مُوسَى عَن مُسلم بن رُومَان عَن أبي الزبير عَن جَابر، يرفعهُ: (من أعْطى فِي صدَاق امْرَأَة ملْء كفيه سويقا أَو تَمرا فقد اسْتحلَّ) . وَقَالَ ابْن الْقطَّان: ومُوسَى لَا يعرف. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد: لَا يعول عَلَيْهِ، وَرُوِيَ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَامر بن ربيعَة عَن أَبِيه أَن امْرَأَة من بني فَزَارَة تزوجت على نَعْلَيْنِ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : (أرضيت من نَفسك وَمَالك بنعلين؟ قَالَت: نعم. فَأَجَازَهُ) . وَرُوِيَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه وَالطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه: عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن السَّلمَانِي عَن أَبِيه عَن ابْن عمر: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 6025
قَالَ: (أَدّوا العلائق. قَالُوا: يَا رَسُول الله ﴿مَا العلائق؟ قَالَ: مَا تراضي عَلَيْهِ الأهلون وَلَو قَضِيبًا من أَرَاك) . قلت: هُوَ مَعْلُول بِمُحَمد بن عبد الرَّحْمَن السَّلمَانِي، قَالَ ابْن الْقطَّان: قَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: لَو تزَوجهَا بِدِرْهَمَيْنِ ثمَّ طَلقهَا قبل الدُّخُول لم يرجع إلَاّ بدرهم، وَعَن الثَّوْريّ: إِذا تراضوا على دِرْهَم فِي الْمهْر فَهُوَ جَائِز، وَرُوِيَ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: النِّكَاح جَائِز على جوزة إِذا هِيَ رضيت، وَذهب ابْن حزم إِلَى جَوَازه بِكُل مَاله نصف قل أَو أَكثر، وَلَو أَنه حَبَّة بر أَو حَبَّة شعيرَة وشبههما، وَسُئِلَ ربيعَة عَمَّا يجوز من النِّكَاح، فَقَالَ: دِرْهَم قيل: فَأَقل؟ قَالَ: وَنصف. قيل: فَأَقل، قَالَ: حَبَّة حِنْطَة أَو قَبْضَة حِنْطَة. وَقَالَ الشَّافِعِي: سَأَلت الدَّرَاورْدِي: هَل قَالَ أحد بِالْمَدِينَةِ: لَا يكون صدَاق أقل من ربع دِينَار؟ فَقَالَ: لَا وَالله مَا عملت أحدا قَالَه قبل مَالك. قَالَ الدَّرَاورْدِي: أَخذه عَن أبي حنيفَة يَعْنِي فِي اعْتِبَار مَا يقطع بِهِ الْيَد، قَالَ الشَّافِعِي: رُوِيَ بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة فِي ذَلِك عَن عَليّ فَلَا يثبت مثله لَو لم يُخَالِفهُ غَيره أَنه لَا يكون مهْرا أقل من عشرَة دَرَاهِم. قلت: قَالَ أَصْحَابنَا: أقل الْمهْر عشرَة دَرَاهِم سَوَاء كَانَت مَضْرُوبَة أَو غَيرهَا حَتَّى يجوز وزن عشرَة تبرا وَإِن كَانَت قِيمَته أقل بِخِلَاف السّرقَة لما رُوِيَ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث جَابر بن عبد الله، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا تنْكِحُوا النِّسَاء إلَاّ للأكفاء وَلَا يزوجهن إِلَّا الْأَوْلِيَاء وَلَا مهر دون عشرَة دَرَاهِم) . فَإِن قلت: فِيهِ مُبشر بن عبيد مَتْرُوك الحَدِيث أَحَادِيثه لَا يُتَابع عَلَيْهَا، قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة: عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قَالَ: أَحَادِيث بشر بن عبيد مَوْضُوعَة كذب قلت: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طرق، والضعيف إِذا رُوِيَ من طَرِيق يصير حسنا فيحتج بِهِ، ذكره النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب، وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه قَالَ: أقل مَا يَسْتَحِيل بِهِ الْمَرْأَة عشرَة دَرَاهِم، ذكره الْبَيْهَقِيّ أَبُو عمر بن عبد الْبر.
٨٤١٥ - حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ عبْدِ العَزِيزِ بنِ صُهيْبٍ عنْ أنسٍ أنَّ عبْدِ الرَّحْمانِ بنَ عَوْفٍ تَزَوَّج امرَأةً عَلى وزْنِ نَواةٍ فَرَأي النبيُّ ﷺ بَشاشَةَ العُرْسِ، فَسألَهُ، فَقَالَ: إنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأةً عَلى وزْنِ نَوَاةٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي ﷺ لما سمع من عبد الرَّحْمَن مَا قَالَه سكت، فَيدل على أَن المهرة غير مُقَدّر، وَأَنه على التَّرَاضِي بَين الزَّوْجَيْنِ، والنواة زنة خَمْسَة دَرَاهِم.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَمُحَمّد بن قدامَة.
قَوْله: (بشاشة الْعرس) ، وَهِي الْفَرح الَّذِي حصل مِنْهُ، وبشاشة اللِّقَاء الْفَرح بِالْمَرْءِ والانبساط إِلَيْهِ والأنس بِهِ، ويروي: فَرَأى النَّبِي ﷺ شَيْئا يشبه الْعرس. قَالَ ابْن قرقول: كَذَا فِي كتاب الْأصيلِيّ والقابسي والنسفي وَبَعض رُوَاة البُخَارِيّ وَهُوَ تَصْحِيف، وَصَوَابه: بشاشة الْعرس، كالأبى ذَر وَابْن السكن، ويروي الْعَرُوس، وَفِي رِوَايَة مُسلم: قَالَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف: رَآنِي رَسُول الله ﷺ وَعلي بشاشة الْعرس، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن أنس بن مَالك: أَن النَّبِي ﷺ رأى على عبد الرَّحْمَن أثر صفرَة، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: يَا رَسُول الله﴾ تزوجت امْرَأَة على وزن نواة من ذهب. قَالَ: (فَبَارك الله لَك أَو لم وَلَو بِشَاة) .
وعنْ قَتادَةَ عنْ أنَسٍ أَن عبْدَ الرَّحْمانِ بنَ عَوْفٍ تَزَوجَ امْرأعةً علَى وزْنِ نَوَاةٍ منْ ذَهَبٍ
هُوَ عطوف على قَوْله: عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب، وَهِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْهُمَا، فبيَّن أَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب أطلق عَن أنس النواة، وَقَتَادَة زَاد أَنَّهَا من ذهب، وَيحْتَمل أَن يكون قَوْله: وَعَن قَتَادَة مُعَلّقا.
٠٥ - (بابُ التَّزْويجِ علَى القُرْآنِ وبِغَيْرِ صداقٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّزْوِيج على تَعْلِيم الْقُرْآن، وَالتَّزْوِيج بِغَيْر صدَاق أَي: بِغَيْر ذكر صدَاق مَالِي.
٩٤١٥ - حدَّثنا عَلِيٌّ بنُ عبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ سَمِعْتُ أَبَا حازِمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ سَهْلَ بن سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ يَقُولُ: إنِّي لَفِي القَوْمِ عِنْدَ رسولِ الله ﷺ ، إِذْ قامتِ امْرَأةٌ فقالتْ: يَا رسولَ الله! إِنَّهَا قَدْ وهَبْتَ
стр. 6026
نَفْسَها لَكَ فَرَ فِيهَا رأيَكَ. فلَمْ يُجِبْها شَيْئا، ثُمَّ قامَتْ فقالَتْ: يَا رسولَ الله ﴿إنَّها قَدْ وهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ فَرَ فِيها رَأْيَكَ، فَلمْ قامتِ الثالِثَةَ فقالَتْ: إِنَّهَا قدْ وهَبَتْ نَفْسَها لَكَ فَرَ فِيها رأيَكَ. فقامَ رجُلٌ فَقَالَ: يَا رسولُ الله﴾ أنْكِحْنِيها. قَالَ: هَلْ عِنْدكَ مِنْ شَيْء؟ قَالَ: لَا. قَالَ: إذْهَبْفاطْلُبْ ولوْ خاتَما مِنْ حَدِيدٍ، فَذَهَبَ فَطَلَبَ ثُمَّ جاءَ فَقَالَ: مَا وجَدْتُ شَيْئا وَلَا خاتَما مِنْ حَدِيدٍ، فَقَالَ: هَلْ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وسورةُ كَذَا. قَالَ: إذْهَبْ فَقَدْ أنْكَحْتُكَها بِما معَكَ مِنَ القُرْآنِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فَإِن فِيهِ التَّزْوِيج على الْقُرْآن من غير ذكر صدَاق. وَعلي بن عبد الله بن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَأَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار. والْحَدِيث قد مر بطرق كَثِيرَة ومتون مُخْتَلفَة وَقد ذكرنَا أَن الشَّافِعِي ذهب إِلَى هَذِه الْأَحَادِيث وَإِلَى أَن آخذ الْأجر على تَعْلِيم الْقُرْآن جَائِز. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَمَالك وَاللَّيْث والمزني. لَا يكون تَعْلِيم الْقُرْآن مهْرا، زَاد أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَصْحَابه: فَإِن تزوج على ذَلِك فَالنِّكَاح جَائِز، وَهُوَ فِي حكم من لم يسم لَهَا مهْرا فلهَا مهر مثلهَا إِن دخل بهَا، وَإِن لم يدْخل بهَا فلهَا الْمُتْعَة. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: قَوْله: أنكحتكها أَو زوجتكها أَو أملكتكها بِمَا مَعَك من الْقُرْآن خَاص بسيدنا رَسُول الله ﷺ لَا يجوز لغيره، لِأَن الله تَعَالَى أَبَاحَ لَهُ ملك الْبضْع بِغَيْر صدَاق، وَلم يَجْعَل ذَلِك لغيره، بقوله: خَالِصَة لَك من دون الْمُؤمنِينَ، فَكَانَ لَهُ خصّه الله تَعَالَى أَن ملَّك غَيره مَا كَانَ لَهُ ملكه صدَاق، وَيكون ذَلِك خَاصّا بِهِ. وَقَالَ اللَّيْث: لَا يجوز لأحد أَن يتَزَوَّج بِالْقُرْآنِ، وَالدَّلِيل على صِحَة ذَلِك أَنَّهَا قَالَت: قد وهبت لَك نَفسِي، فَقَامَ رجل فَقَالَ: إِن لم تكن حَاجَة لَك بهَا حَاجَة فزوجنيها، وَلم يذكر فِي الحَدِيث أَن سيدنَا رَسُول الله ﷺ شاورها فِي نَفسهَا، وَلَا أَنَّهَا قَالَت: زَوجنِي مِنْهُ، فَدلَّ على أَنه ﷺ كَانَ لَهُ أَن يَهَبهَا بِالْهبةِ الَّتِي جَازَ لَهُ نِكَاحهَا. فَإِن قلت: يحْتَمل أَنه ﷺ سَأَلَهَا أَن يُزَوّجهَا مِنْهُ وَلم ينْقل؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون جعل لَهَا مهْرا غير السُّور وَلم ينْقل، لَيْسَ أَحدهمَا أولى من الآخر. فَإِن قلت: قد رُوِيَ أَنه استأذنها وَأَنه قَالَ: لَهُ عوضهَا إِذا زوقك الله. قلت: قد ذكرنَا خصوصيته ﷺ فَلَا يحْتَاج إِلَى شَيْء آخر. وَقَالَ أَبُو عمر: أجمع عُلَمَاء الْمُسلمين على أَنه لَا يجوز لأحد أَن يطَأ فرجا وهب لَهُ دون رقبته، وَأَنه لَا يجوز وَطْء فِي نِكَاح بِغَيْر صدَاق مُسَمّى دينا أَو نَقْدا، وَأَن الْمُفَوض إِلَيْهِ لَا يدْخل حَتَّى يُسَمِّي صَدَاقا مُسَمّى. انْتهى وَيحْتَمل أَنه ﷺ زَوجهَا بِمَا مَعَه من الْقُرْآن لِحُرْمَتِهِ، وعَلى وَجه التَّعْظِيم لِلْقُرْآنِ وَأَهله لَا على أَنه مهر، وَيحْتَمل أَن يُرِيد بقوله: (وَلَو خَاتمًا من حَدِيد) تَعْجِيل شَيْء يقدمهُ من الصَدَاق وَإِن كَانَ قَلِيلا، فَيدل على ذَلِك أَنه كَانَ يجوز أَن يُزَوجهُ على مهر فِي ذمَّته، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: ذكر خَاتم الْحَدِيد كَانَ قبل النَّهْي عَنهُ بقوله ﷺ : إِنَّه حلية أهل النَّار، فنسخ النَّهْي جَوَازه وَطَلَبه لَهُ. قَالَ بعض الْمَالِكِيَّة: لَعَلَّ الْخَاتم كَانَ يُسَاوِي ربع دِينَار فَصَاعِدا لقلَّة الصناع يَوْمئِذٍ عِنْدهم. قلت: للحنفي أَيْضا أَن يَقُول: لَعَلَّه كَانَ يُسَاوِي عشرَة فَمَا فَوْقهَا.
قَوْله: (إِذْ قَامَت امْرَأَة) كلمة: إِذْ للمفاجأة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ لِأَن هَذَا الحَدِيث قد ذكر إِلَى هُنَا فِي كتاب النِّكَاح ثَمَان مَرَّات مطولا وَلَا مُخْتَصرا. قَوْله: (فَقَالَت: يَا رَسُول الله! إِنَّهَا قد وهبت نَفسهَا) فِيهِ الْتِفَات. وَكَذَا فِي رِوَايَة حَمَّاد بن زيد، لَكِن قَالَ: إِنَّهَا وهبت نَفسهَا لله وَلِرَسُولِهِ، وَوَقع فِي رِوَايَة مَالك: إِنِّي وهبت نَفسِي لَك، هَذَا على مَا يَقْتَضِيهِ سِيَاق الْكَلَام. قَوْله: (فَرَ) الْفَاء للْعَطْف و: ر، وَحدهَا أَمر من: رأى يرأى على وزن: ف، لِأَن عين الْفِعْل ولامه محذوفان، لِأَن أَصله: أرأى، على وزن: افْعَل، حذفت لَام الْفِعْل للجزم لِأَن الْأَمر مجزوم ثمَّ نقلت حَرَكَة الْهمزَة إِلَى الرَّاء للتَّخْفِيف فاستغنيت عَن همزَة الْوَصْل فحذفت فَبَقيَ: ر، على وزن: ف، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى بِهَمْزَة بعد الرَّاء. قلت: الْقَاعِدَة فِي مثل هَذَا الْبَاب نَحْو: ر، و: ق، و: ع، وَغَيرهَا أَن يلْحقهَا هَذِه السكت، فَيُقَال: ره، وقه، وعه. لِأَن الِابْتِدَاء بِكَلِمَة الْوُقُوف عَلَيْهَا وَهِي حرف وَاحِد فِيهِ بعض تعسر واستثقال، وَبَقِيَّة الْكَلَام فِيهِ قد مرت بالتكرار.
١٥ - (بابُ المَهْرِ بالعُرُوضِ وخاتَم مِنْ حَدِيدٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْمهْر الَّذِي يَجْعَل بالعروض، بِضَم الْعين جمع عرض بِفَتْح أَوله وَسُكُون ثَانِيه، وَهُوَ مَا يُقَابل النَّقْد، وَقيل:
стр. 6027
هُوَ مَتَاع لَا نقد فِيهِ، وَالْعرض بِالضَّمِّ النَّاحِيَة وبالكسر مَوضِع الْمَدْح والذم من الْإِنْسَان. قَوْله: وَخَاتم من حَدِيد، من عطف الْخَاص على الْعَام، والترجمة مَأْخُوذَة من حَدِيث الْبَاب: الْخَاتم، بالتنصيص وَالْعرُوض بالإلحاق.
٠٥١٥ - حدَّثنا يَحْيى احدثنا وكيعٌ عنْ سُفْيانَ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْد: أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلِ: تَزَوَّجْ ولَوْ بِخاتَمِ مِنْ حَدِيدٍ..
هَذَا الطَّرِيق إِلَى هُنَا هُوَ الطَّرِيق التَّاسِع الَّذِي ذكره فِي حَدِيث سهل. وَيحيى، إِمَّا ابْن جَعْفَر البيكندي البُخَارِيّ، وَإِمَّا ابم مُوسَى بن عبد ربه الْبَلْخِي الَّذِي يُقَال لَهُ: خت. وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَأَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار.
وَأخرجه مُخْتَصرا من الحَدِيث الَّذِي سبق فِي الْبَاب قبله، وَمر الْكَلَام فِيهِ غير مرّة.
٢٥ - (بابُ الشُروطِ فِي النِّكاحِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الشُّرُوط الَّتِي تشْتَرط فِي عقد النِّكَاح، وَهِي على أَنْوَاع: مِنْهَا: مَا يجب الْوَفَاء بِهِ كحسن الشعرة. وَمِنْهَا: مَا لَا يلْزم كسؤال طَلَاق أُخْتهَا. وَمِنْهَا: هُوَ مُخْتَلف فِيهِ مثل أَن لَا يتَزَوَّج عَلَيْهَا.
وَقَالَ عُمَرُ: مَقاطِعُ الحُقُوقِ عِنْدَ الشُّروطِ
هَذَا التَّعْلِيق قد مر فِي كتاب الشُّرُوط فِي: بَاب مَا لَا يجوز من الشُّرُوط فِي النِّكَاح، وَفِيه زِيَادَة وَهِي قَوْله: وَلَك مَا شرطت وَأخرج هَذَا التَّعْلِيق أَبُو عبيد عَن ابْن عُيَيْنَة عَن يزِيد بن يزِيد بن جَابر عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم قَالَ: شهِدت عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قضى فِي رجل شَرط لامْرَأَته دارها، فَقَالَ: لَهَا شَرطهَا. فَقَالَ رجل: إِذا يطلقهَا؟ فَقَالَ: إِن مقاطع الْحُقُوق عِنْد الشُّرُوط، والمقاطع جمع مقطع، أَرَادَ أَن الْمَوَاضِع الَّتِي تقطع الْحُقُوق فِيهَا عِنْد وجود الشُّرُوط، وَأَرَادَ بِهِ الشُّرُوط الْوَاجِبَة فَإِنَّهَا يجب الْوَفَاء بهَا.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي الرجل يتَزَوَّج الْمَرْأَة وَيشْتَرط لَهَا أَن لَا يُخرجهَا من دارها أَو لَا يتزوجا عَلَيْهَا أَو لَا يتسرى أَو نَحْو ذَلِك من الشُّرُوط الْمُبَاحَة على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه يلْزمه الْوَفَاء بذلك، ذكر عبد الرَّزَّاق وَابْن عبد الْمُنْذر عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن رجلا شَرط لزوجته أَن لَا يُخرجهَا، فَقَالَ عمر: لَهَا شَرطهَا. ثمَّ ذكرا عَنهُ مَا ذكره البُخَارِيّ، وَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ: أرى أَن يَفِي لَهَا شُرُوطهَا، وَرُوِيَ مثلهَا عَن طَاوُوس وَجَابِر بن زيد، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَحَكَاهُ ابْن التِّين عَن ابْن مَسْعُود وَالزهْرِيّ، وَاسْتَحْسنهُ بعض الْمُتَأَخِّرين. وَالثَّانِي: أَن يُؤمر الزَّوْج بتقوى الله وَالْوَفَاء بِالشُّرُوطِ وَلَا يحكم عَلَيْهِ بذلك حكما، فَإِن أَبى إلَاّ الْخُرُوج لَهَا كَانَ أَحَق النَّاس بأَهْله إِلَيْهِ ذهب عَطاء وَالشعْبِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَرَبِيعَة وَأَبُو الزِّنَاد وَقَتَادَة، وَهُوَ قَول مَالك وَأبي حنيفَة وَاللَّيْث وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ عَطاء: إِذا شرطت أَنَّك لَا تنْكح وَلَا تتسري وَلَا تذْهب وَلَا تخرج بهَا، بهَا بَطل الشَّرْط إِذا نَكَحَهَا. فَإِن قلت: رُوِيَ ابْن وهب عَن اللَّيْث عَن عَمْرو بن الْحَارِث عَن كثير بن فرقد عَن ابْن السباق: أَن رجلا تزوج امْرَأَة على عهد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَشرط لَهَا أَن لَا يُخرجهَا من دارها. فَوضع عَنهُ عمر بن الْخطاب الشَّرْط، وَقَالَ: الْمَرْأَة مَعَ زَوجهَا. زَاد أَبُو عبيد: وَلم يلْزمهَا الشَّرْط، وَعَن عَليّ مثله، وَقَالَ: شَرط الله قبل شروطهم. قلت: قَالَ أَبُو عبيد: تضادت الرِّوَايَة عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَاخْتلف فِيهِ التابعون فَمن بعدهمْ، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: نَأْخُذ بالْقَوْل الأول ونرى أَن لَهَا شَرطهَا. وَقَالَ اللَّيْث بالْقَوْل الآخر وَوَافَقَهُ مَالك وسُفْيَان بن سعيد.
وَقَالَ المِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَةَ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ ذَكَرَ صِهْرَا لهُ فأثْنَى علَيْهِ فِي مُصاهَرَتِهِ فأحْسَنَ، قَالَ: حدّثني فَصَدَقَنِي ووَعَدَنِي فَوَقانِي
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ أثنى على صهره لأجل وفائه بِمَا شَرط لَهُ.
والمسور، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة: ابْن مخرمَة، بِفَتْح الميمين وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء: ابْن نَوْفَل الْقرشِي الزُّهْرِيّ أَبُو عبد الرَّحْمَن، ولد بِمَكَّة بعد الْهِجْرَة بِسنتَيْنِ وَقدم بِهِ الْمَدِينَة فِي عقب ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان، وَقبض النَّبِي ﷺ وعمره ثَمَان سِنِين، وَسمع من النَّبِي ﷺ وَحفظ
стр. 6028
عَنهُ وَبَقِي فِي الْمَدِينَة إِلَى أَن قتل عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ انحدر إِلَى مَكَّة فَلم يزل بهَا حَتَّى قدم الْحصين بن نمير مَكَّة لقِتَال ابْن الزبير وحاصر مَكَّة، وَفِي محاصرته أهل مَكَّة أَصَابَهُ حجر من حِجَارَة المنجنيق وَهُوَ يُصَلِّي فِي الْحجر، فَقتله، وَذَلِكَ فِي ربيع الأول سنة أَربع وَسِتِّينَ، وَصلى عَلَيْهِ ابْن الزبير بالحجون.
وَمر هَذَا التَّعْلِيق فِي المناقب فِي: بَاب ذكر أَصْهَار النَّبِي ﷺ مِنْهُم أَبُو الْعَاصِ بن الرّبيع، وَأخرجه هُنَاكَ مطولا عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ. وَمر الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (ذكر صهرا لَهُ) هُوَ أَبُو الْعَاصِ بن الرّبيع بن عبد الْعُزَّى بن عبد شمس بن عبد منَاف بن قصى الْقرشِي العبشمي صهر رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، زوج ابْنَته زَيْنَب أكبر بَنَاته، وَاخْتلف فِي اسْمه فَقيل: لَقِيط، وَقيل: مهشم، وَقيل: هشيم: وَالْأَكْثَر: لَقِيط، وَأمه هَالة بنت خويلد بن أَسد أُخْت خَدِيجَة لأَبِيهَا وَأمّهَا، وَكَانَ أَبُو الْعَاصِ فِيمَن شهد بَدْرًا مَعَ كفار قُرَيْش وَأسر يَوْم بدر مَعَ من أسر، فَلَمَّا بعث أهل مَكَّة فِي فدَاء أساراهم قدم فِي فدائه أَخُوهُ عَمْرو بن الرّبيع بِمَال دَفعته زَيْنَب بنت رَسُول الله ﷺ ، وقصته مَشْهُورَة، وَكَانَ مواخيا لرَسُول الله ﷺ مصافيا، وَكَانَ أَبى أَن يُطلق زَيْنَب إِذْ مَشى إِلَيْهِ مشركو قُرَيْش فِي ذَلِك فَشكر رَسُول الله ﷺ مصاهرته وَأثْنى عَلَيْهِ بذلك خيرا، وَهَاجَرت زَيْنَب مسلمة وَتركته على شركَة، ثمَّ بعد ذَلِك جرى عَلَيْهِ مَا جرى حَتَّى أسلم بعد قدومه على النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، ورد رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، ابْنَته إِلَيْهِ. وَاخْتلف: هَل ردهَا بعقدجديد أَو على عقده الأول؟ وَتُوفِّي فِي ذِي الْحجَّة سنة اثْنَي عشرَة. قَوْله: (فَأحْسن) أَي: فِي الثَّنَاء عَلَيْهِ. قَوْله: (فصدقني) من صدق الحَدِيث بتَخْفِيف الدَّال، وَيُقَال أَيْضا: صدق فِي الحَدِيث، من الصدْق خلاف الْكَذِب، وصدقني بتَشْديد الدَّال الَّذِي يصدقك فِي حَدِيثك. قَوْله: (فوفاني) من وفى الشَّيْء وأوفى ووفّى بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى،، ووفى الشَّيْء إِذا تمّ، وأصل الْوَفَاء التَّمام، ويروي: فوفى لي.
١٥١٥ - حدَّثنا أَبُو الولِيد هِشامُ بنُ عبْدِ المَلِك حَدثنَا لَ يْثٌ عنْ يَزِيدَ بنِ أبي حبِيب عنْ أبي الخَيْر عنْ عُقْبَةَ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: أحَقُّ ماأ وفَيْتُمْ مِنَ الشُّرُوطِ أنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ.
(انْظُر الحَدِيث ١٢٧٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ وَهُوَ وُقُوع الشَّرْط فِي النِّكَاح.
وَلَيْث هُوَ اللَّيْث بن سعد، وَفِي أَكثر النّسخ اللَّيْث، بِالْألف وَاللَّام، وَيزِيد بن أبي حبيب أبي رَجَاء الْمصْرِيّ، وَاسم أبي حبيب سُوَيْد، وَأَبُو الْخَيْر مرْثَد عبد الله الْيَزنِي، وَعقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الشُّرُوط فِي: بَاب الشُّرُوط فِي الْمهْر عِنْد عقدَة النِّكَاح، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن اللَّيْث إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (أَحَق مَا أوفيتم من الشُّرُوط) أَحَق، مُبْتَدأ مُضَاف وَخَبره قَوْله: (أَن توفوا) و: أَن مَصْدَرِيَّة أَي: بِأَن توفوا أَي: بإيفاء مَا استحللتم أَي بِالشّرطِ. قَوْله: (الْفروج) بِالنّصب مفعول: استحللتم، وَفِي رِوَايَة مُسلم: إِن أَحَق الشُّرُوط أَن يُوفي بِهِ) ، وَحَاصِل الْمَعْنى: أَحَق الشُّرُوط بِالْوَفَاءِ شُرُوط النِّكَاح، لِأَن امْرَأَة أحوط وبابه أضيق. وَفِي التَّوْضِيح: معنى أَحَق الشُّرُوط إِلَى آخِره، يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ الْمَشْهُور الَّذِي أجمع أهل الْعلم عَلَيْهِ، على أَن على الزَّوْج الْوَفَاء بهَا يحْتَمل أَن يكون مَا شَرط على الناكح فِي عقدَة النِّكَاح مِمَّا أَمر الله تَعَالَى بِهِ من إِمْسَاكه بِمَعْرُوف أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان، فَإِذا احْتمل الحَدِيث مَعَاني كَانَ مَا وَافق الْكتاب وَالسّنة أولى، وَقد أبطل الشَّارِع كل شَرط لَيْسَ فِي كتاب الله. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، ﵀: قَوْله: أَحَق الشُّرُوط، هَل المُرَاد بِهِ أَحَق الْحُقُوق اللَّازِمَة أَو هُوَ من بَاب الأولويه؟ قَالَ صَاحب الْإِكْمَال: أَحَق هُنَا بِمَعْنى أولى لَا بِمَعْنى الْإِلْزَام عِنْد كَافَّة الْعلمَاء. قَالَ: وَحمله بَعضهم على الْوُجُوب، وَقَالَ ابْن بطال: فَإِن كَانَ فِي هَذِه الشُّرُوط مَا لَيْسَ بِطَلَاق أَو عتق وَجب ذَلِك عَلَيْهِ وَلَزِمَه عِنْد مَالك والكوفيين، عِنْد كل من يرى الطَّلَاق قبل النِّكَاح بِشَرْط الطَّلَاق لَازِما، وَكَذَلِكَ الْعتْق، وَهُوَ قَول عَطاء وَالنَّخَعِيّ وَالْجُمْهُور. قَالَ النَّخعِيّ: كل شَرط فِي النِّكَاح فَالنِّكَاح يهدمه إلَاّ الطَّلَاق وَلَا يلْزمه شَيْء من هَذِه الْأَيْمَان عِنْد الشَّافِعِي لِأَنَّهُ لَا يرى الطَّلَاق قبل النِّكَاح لَازِما وَلَا الْعتْق قبل الْملك، وَاسْتدلَّ بِهِ بَعضهم على أَنه إِذا شَرط الْوَلِيّ لنَفسِهِ شَيْئا غير الصَدَاق أَنه يجب على الزَّوْج الْقيام بِهِ، لِأَنَّهُ من الشُّرُوط الَّتِي اسْتحلَّ بِهِ فرج الْمَنْكُوحَة.
لَكِن اخْتلف الْعلمَاء: هَل يكون ذَلِك للْوَلِيّ أَو للْمَرْأَة؟ فَذهب عَطاء وَطَاوُس وَالزهْرِيّ إِلَى أَنه للْمَرْأَة، وَبِه قضى عمر بن عبد الْعَزِيز، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَأبي عبيد. وَذهب عَليّ بن الْحسن ومسروق
стр. 6029
إِلَى أَنه للْوَلِيّ. وَقَالَ عِكْرِمَة: إِن كَانَ الَّذِي هُوَ ينْكح فَهُوَ لَهُ، وَخص بَعضهم ذَلِك بِالْأَبِ، حَكَاهُ صَاحب الْمُفْهم فَقَالَ: وَقيل: هَذَا مَقْصُور على الْأَب خَاصَّة لتبسطه فِي مَال الْوَلَد، وَذهب سعيد بن الْمسيب وَعُرْوَة بن الزبير إِلَى التَّفْرِقَة بَين أَن يشْتَرط ذَلِك قبل عقدَة النِّكَاح أَو بعْدهَا، فَقَالَا: أَيّمَا امْرَأَة نكحت على صدَاق أَو عدَّة لأَهْلهَا، فَإِن كَانَ قبل عصمَة النِّكَاح فَهُوَ لَهَا، وَمَا كَانَ من حباء أَهلهَا فَهُوَ لَهُم. وَقَالَ مَالك: إِن كَانَ هَذَا الِاشْتِرَاط فِي حَال العقد فَهُوَ للْمَرْأَة، وَإِن كَانَ بعده فَهُوَ لمن وهب لَهُ، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي، فِي الْقَدِيم، وَنَصّ عَلَيْهِ الْإِمْلَاء، وَقَالَ فِي كتاب الصَدَاق: الصَدَاق فَاسد، وَلها مهر مثلهَا. وَهَذَا الَّذِي صَححهُ أَصْحَاب الشَّافِعِي.
وَقَالَ الرَّافِعِيّ: الظَّاهِر من الْخلاف القَوْل بِالْفَسَادِ وَوُجُوب مهر الْمثل، وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّه الْمَذْهَب.
٣٥ - (بابُ الشُّرُوطِ الَّتِي لَا تَحِلُّ فِي النِّكاحِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الشُّرُوط الَّتِي لَا يحل لَهَا اشْتِرَاطهَا فِي النِّكَاح.
وَقَالَ ابنُ مَسْعودٍ: لَا تَشْتَرِطَ المَرْأةُ طَلَاقَ أُخْتِها
أَي: قَالَ عبد الله بن مَسْعُود: لَا تشْتَرط الْمَرْأَة طَلَاق أُخْتهَا، وَهَذَا مَوْقُوف عَلَيْهِ أوردهُ مُعَلّقا، وَوَقع بِهَذَا اللَّفْظ مَرْفُوعا فِي بعض طرق حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (لَا تشْتَرط الْمَرْأَة) وَفِي حَدِيث الْبَاب: لَا يحل لامْرَأَة تسْأَل طَلَاق أُخْتهَا، وَقَالَ النَّوَوِيّ: معنى هَذَا الحَدِيث نهى الْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة أَن تسْأَل رجلا طَلَاق زَوجته ليُطَلِّقهَا ويتزوج بهَا. قَوْله: (أُخْتهَا) ، قَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد بأختها غَيرهَا سَوَاء كَانَت أُخْتهَا من النّسَب أَو الرَّضَاع أَو الدّين، وَيلْحق بذلك الْكَافِرَة فِي الحكم وَإِن لم تكن أُخْتا فِي الدّين إِمَّا لِأَن المُرَاد الْغَالِب أَو أَنَّهَا أُخْتهَا فِي الْجِنْس الْآدَمِيّ. وَقَالَ أَبُو عمر: الْأُخْت هُنَا الضرة، فَقَالَ: الْفِقْه فِيهِ أَنه لَا يَنْبَغِي أَن تسْأَل الْمَرْأَة زَوجهَا أَن يُطلق ضَرَّتهَا لتنفرد. قيل: هَذَا يُمكن فِي الرِّوَايَة الَّتِي وَقعت: لَا تسْأَل الْمَرْأَة طَلَاق أُخْتهَا، وَأما الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا لفظ الشَّرْط فظاهرها أَنَّهَا فِي الْأَجْنَبِيَّة، وَالْمرَاد بالأخت هُنَا الْأُخْت فِي الدّين، يُوضح هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن حبَان من طَرِيق أبي كثير عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (لَا تسْأَل الْمَرْأَة طَلَاق أُخْتهَا لتستفرغ صحفتها فَإِن الْمسلمَة أُخْت المسملة.
٢٥١٥ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى عنْ زَكَرِيَّاءَ هُو ابنُ أبي زَائِدَةَ عنْ سَعْدٍ بنِ إبْرَاهِيمَ عنْ أبي سلَمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ، ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: لَا يَحِلُّ لامْرَأةٍ تَسْألُ طَلَاقَ أُخْتِها لَتَسْتَفحرِغَ صَحْفَتَها، فإنَّما لَها مَا قُدِّرَ لَهَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَا يحل لامْرَأَة تسْأَل طَلَاق أُخْتهَا) .
وَعبيد الله بن مُوسَى بن باذام الْعَبْسِي الْكُوفِي، وَاسم أبي زَائِدَة خَالِد وَقيل: هُبَيْرَة، وَسعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن. والْحَدِيث من أَفْرَاده من هَذَا الْوَجْه.
قَوْله: (لَا يحل) ، ظَاهره التَّحْرِيم لكنه مَحْمُول على مَا إِذا لم يكن هُنَاكَ سَبَب يجوز ذَلِك: كريبة فِي الْمَرْأَة لَا يَنْبَغِي مَعهَا أَن تستمر فِي عصمَة الزَّوْج، وَيكون ذَلِك ذَلِك على سَبِيل النَّصِيحَة المحصنة أَو لضَرَر يحصل لَهَا من الزَّوْج، أَو للزَّوْج مِنْهَا، أَو يكون سؤالها ذَلِك بعوض وَللزَّوْج رَغْبَة فِي ذَلِك فَيكون كالخلع مَعَ الْأَجْنَبِيّ، إِلَى غير ذَلِك من الْمَقَاصِد الْمُخْتَلفَة. وَقَالَ ابْن حبيب: حمل الْعلمَاء هَذَا النَّهْي على النّدب، فَلَو فعل ذَلِك لم يَنْفَسِخ النِّكَاح، وَاعْترض عَلَيْهِ ابْن بطال بِأَن نفي الْحل تَحْرِيم صَرِيح، وَلَكِن لَا يلْزم مِنْهُ فسخ النِّكَاح وَإِنَّمَا فِيهِ التَّغْلِيظ على الْمَرْأَة أَن تسْأَل طَلَاق الْأُخْرَى، ولترض، بِمَا قسم الله لَهَا، وَفِي رِوَايَة أبي نعيم فِي الْمُسْتَخْرج من طَرِيق ابْن الْجُنَيْد عَن عبيد الله بن مُوسَى شيخ البُخَارِيّ الْمَذْكُور بِلَفْظ: (لَا يصلح لامْرَأَة أَن تشْتَرط طَلَاق أُخْتهَا لتكتفىء إناءها) . وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ وَلَفظه: (لَا يَنْبَغِي) بدل لَا يصلح، وَقَالَ لتكفأ. وَلَفظ التِّرْمِذِيّ: لَا تسْأَل الْمَرْأَة طَلَاق أُخْتهَا لتكتفىء بِمَا فِي إناءها. قَوْله: (لتكتفىء) ، من كفات الْإِنَاء إِذا أملته، وَقَالَ الْكسَائي: أكفأت الْإِنَاء كببته وكفأته وأكفأته: أملته قَوْله: (لتستفرغ صحفتها) أَي: لتقلب مَا فِي إنائها وَأَصله من أفرغت الْإِنَاء إفراغا، وفرغته، إِذا قبلت مَا فِيهِ، لَكِن هُوَ مجَاز عَمَّا كَانَ للَّتِي
стр. 6030
يطلقهَا من النَّفَقَة وَالْمَعْرُوف والمعاشرة، وَقَالَ بَعضهم: المُرَاد بالصحفة مَا كَانَ يحصل من الزَّوْج قلت: هَذَا غلط فَاحش، وَقَالَ ابْن الْأَثِير، فِي هَذَا الحَدِيث: الصحفة إِنَاء كالقصعة المبسوطة وَنَحْوهَا وَجَمعهَا صحاف، وَيُقَال: الصحفة الْقَصعَة الَّتِي تشبع الْخَمْسَة، قَالَ: وَهَذَا مثل تُرِيدُ الاستئثار عَلَيْهَا بحظها، فَيكون كمن استفرغ صَحْفَة غَيره وقلب مَا فِي إنائه إِلَى إِنَاء نَفسه، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: هَذِه اسْتِعَارَة مستملحة تمثيلية، شبه النَّصِيب وَالْبخْت بالصحفة وحظوظها وتمتعاتها بِمَا يوضع فِي الصحفة من الْأَطْعِمَة اللذيذة، وَشبه الِافْتِرَاق الْمُسَبّب عَن الطَّلَاق باستفراغ الصحفة عَن تِلْكَ الْأَطْعِمَة، ثمَّ أَدخل الْمُشبه فِي جنس الْمُشبه بِهِ، وَاسْتعْمل فِي الْمُشبه مَا كَانَ مُسْتَعْملا فِي الْمُشبه بِهِ من الْأَلْفَاظ. قَوْله: (فَإِنَّمَا لَهَا) أَي: للْمَرْأَة الَّتِي تسْأَل طَلَاق أُخْتهَا مَا قدر لَهَا فِي الْأَزَل، وَإِن سَأَلت ذَلِك وألحت فِيهِ واشترطته فَإِنَّهُ لَا يَقع من ذَلِك إلَاّما قدره الله تَعَالَى. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: أجَاز مَالك والكوفيون وَالشَّافِعِيّ أَن يتَزَوَّج الْمَرْأَة على أَن يُطلق زَوجته، فَإِن تزَوجهَا على ألف أَن يُطلق زَوجته فَعِنْدَ الْكُوفِيّين: النِّكَاح جَائِز وَلكنه إِن وفى بِمَا قَالَ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ غير الْألف، وَإِن لم يوف أكمل لَهَا مثل مهرهَا. وَقَالَ ربيعَة وَمَالك وَالثَّوْري: لَهَا مَا سمي لَهَا وَفى أَو لم يوفِ. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَهَا مهر الْمثل وفى أَو لم يوفِ فَإِن قلت: ظَاهر الحَدِيث التَّحْرِيم فَإِذا وَقع فَهُوَ غير لَازم؟ .
قلت: النَّهْي فِيهِ للتغليظ عَلَيْهَا أَن لَا تسْأَل طَلَاق أُخْتهَا، وَلَيْسَ التَّحْرِيم فِي حَقّهَا يُوجب أَن الطَّلَاق إِذا وَقع أَن يكون غير لَازم. وَالله أعلم.
٤٥ - (بابُ الصُّفْرَةِ لِلْمُتَزَوِّجِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الصُّفْرَة للمتزوج، وَهِي أَن يتخلق بِشَيْء من الزَّعْفَرَان وَنَحْوه.
ورَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَوْف عنِ النبيِّ ﷺ
أَي: رُوِيَ حَدِيث الصُّفْرَة عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى الحَدِيث الَّذِي مُضر مَوْصُولا مطولا فِي أول كتاب الْبيُوع، وَفِيه: جَاءَ عبد الرَّحْمَن وَعَلِيهِ أثر صفرَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت: مَا فَائِدَة هَذَا القَوْل وَقد رُوِيَ الحَدِيث مُسْندًا عَن عبد الرَّحْمَن بِمَا يدل عَلَيْهِ؟ قلت: الحَدِيث من مرويات أنس عَن النَّبِي ﷺ ، وَهَذَا فِيهِ عبد الرَّحْمَن عَن النَّبِي ﷺ ، فبينهما تفاوُتٌ.
٣٥١٥ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ حُمَيْدٍ الطَّويلِ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ، ﵁: أنَّ عبدَ الرَّحْمانِ بنَ عَوْفٍ جاءَ إِلَى رسولِ الله ﷺ ، وبِهِ أثَرُ صُفْرَةٍ، فَسألَهُ رسولُ الله ﷺ فأخْبَرَهُ أنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ، قَالَ: كَمْ سُقْتَ إلَيْها؟ قَالَ: زَنةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ رسُولِ الله ﷺ : أوْلمْ وَلَو بِشاة..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَبِه أثر صفرَة) والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن سَلمَة. قَوْله: (وَبِه أثر صفرَة) الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَفِي لفظ: رأى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَبِه ردع زعفران، أَي: ملطخ مِنْهُ، وثوب رديع أَي مصبوغ بالزعفران، وَفِي رِوَايَة: وضر صفرَة، أَي: لطخ من طيب، وَفِي رِوَايَة: فَرَأى عَلَيْهِ بشاشة الْعَرُوس، وَرِوَايَة: ردع من زعفران، تدل على أَنه مِمَّا الْتَصق بجسمه من الثِّيَاب المزعفرة الَّتِي يلبسهَا الْعَرُوس، وَقيل: إِن من كَانَ ينْكح فِي الْإِسْلَام يلبس ثوبا مصبوغاً بصفرة عَلامَة الْعَرُوس وَالسُّرُور، أَلا ترى إِلَى قَوْله: وَعلي بشاشة الْعَرُوس، وَقيل: إِنَّمَا كَانَ يلبسهَا ليعينه النَّاس على وليمته ومؤونته. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: أحسن الألوان كلهَا الصُّفْرَة لقَوْله تَعَالَى: ﴿صفراء فَاقِع لَوْنهَا تسر الناظرين﴾ (الْبَقَرَة: ٩٦) فقرن السرُور بالصفر، فَكَانَ ﷺ يحب الصُّفْرَة. أَلا ترى إِلَى قَول ابْن عَبَّاس، حِين سُئِلَ عَن صبغه بهَا، فَقَالَ: كَانَ النَّبِي ﷺ يصْبغ بالصفرة؟ فَأَنا أصبغ بهَا وأحبها. وَنقل ابْن عبد الْبر عَن الزُّهْرِيّ: أَن الصَّحَابَة كَانُوا يتخلقون وَلَا يرَوْنَ بِهِ بَأْسا، وَقَالَ ابْن سُفْيَان: هَذَا جَائِز عِنْد أَصْحَابنَا فِي الثِّيَاب دون لجسد، وَكره أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وأصحابهما أَن يصْبغ الرجل ثِيَابه أَو لحيته بالزعفران لحَدِيث أنس: نهى رَسُول الله ﷺ أَن يتزعفر الرجل. قَوْله: (تزوج امْرَأَة من الْأَنْصَار) ذكر الزبيز أَنَّهَا ابْنة أبي الْحسن واسْمه أنس بن رَافع. قَوْله: (كم سقت إِلَيْهَا؟) أَي: كم أَعْطَيْت صَدَاقهَا؟ قَوْله: (زنة نواة) ، أَي: وزن نواة، والزنة أَصله: وزن،
стр. 6031
حذفت الْوَاو مِنْهُ وَعوض عَنْهَا التَّاء، والنواة وزن خَمْسَة دَرَاهِم، وَكلمَة: من فِي الذَّهَب للْبَيَان. قَوْله: (أولم وَلَو بِشَاة) كلمة: أولم، أَمر من أولم يولم والوليمة اسْم للطعام الَّذِي يصنع عِنْد الْعرس. وَقَالَ ابْن سَيّده: هِيَ طَعَام الْعرس والأملاك، وَقيل: هِيَ كل طَعَام يصنع لعرس غَيره. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هِيَ مُشْتَقَّة من الولم وَهُوَ الْجمع لِأَن الزَّوْجَيْنِ يَجْتَمِعَانِ، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: أَصْلهَا تَمام الشَّيْء واجتماعه وَالْفِعْل مِنْهَا أولم، وَقَالَ أَبُو مَنْصُور: النقيعة طَعَام الإملاك قَالَه النَّضر، قَالَ: وَرُبمَا تقعوا عَن عدَّة من الْإِبِل، أَي: نحروه، وَقَالَ: إِذا زوج الرجل فأطعم عيلته قُلْنَا: نقع لَهُم، وَعَن الْأَصْمَعِي: النقيعة مَا نحر من النهب، خَاصَّة قبل الْقسم، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: ومأخذها عِنْدِي من النَّقْع وَهُوَ النَّحْر أَو الْقَتْل.
وَفِي الْمُخَصّص: النَّقْع طَعَام المأتم، والعذير والعذيرة والأعذار مَا عمل من الطَّعَام لحَدث كالختان، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْإِعْذَار الطَّعَام الَّذِي يطعم فِي الْخِتَان، وَفِي الأَصْل: الْإِعْذَار الْخِتَان، يُقَال عذرته وأعذرت فَهُوَ مَعْذُور ومعذر، وَالْفرع طَعَام يصنع عِنْد نتاج الْإِبِل، وَالسّفر طَعَام الْمُسَافِر، والسمعة مَا سمع بِهِ من طَعَام وَغَيره، والعلقة والعلاق الطَّعَام يتبلغ بِهِ إِلَى وَقت الْغذَاء، والعجالة مَا استعجل بِهِ من طَعَام، وَقيل: هُوَ مَا يتزوده الرَّاكِب مِمَّا لَا يتعبه أكله نَحْو التَّمْر والسويق، والركاث مَا يستعجل بِهِ الْغذَاء، والكرزمة أكل نصف النَّهَار، والعوافة مَا يَأْكُل الْأسد بِاللَّيْلِ، والقفي مَا يكرم بِهِ الرجل من الطَّعَام، والعنادة مَا يرفع من المرق للْإنْسَان، والعوادة مَا أُعِيد على الرجل من الطَّعَام بَعْدَمَا يفرغ الْقَوْم يخْتَص بِهِ، والعقيقة يَوْم سَابِع الْمَوْلُود، والمأدبة كل طَعَام صنع لدَعْوَة، والوضيمة قَالَ ابْن سَيّده: طَعَام المأتم، والحذاق طَعَام حذق الصَّبِي لِلْقُرْآنِ الْعَظِيم، يَعْنِي: يَوْم خَتمه، والخبيرة الدعْوَة على عقيقة الْغُلَام. قَالَه العسكري، والخديقة على وزن الهريسة طَعَام الْعَرَب، والسندخية طَعَام الْأَمْلَاك، قَالَه ابْن دُرَيْد، والقرى طَعَام الضَّيْف، والتحفة طَعَام الزائر وَطَعَام المتعلل قبل الْغَدَاء، والسلفة واللهنة طَعَام المستعجل قبل إِدْرَاك الْغَدَاء، والخرسة الطَّعَام الَّذِي تَأْكُله الْمَرْأَة النُّفَسَاء وَحدهَا.
قَوْله: (أولم) احْتج بِهِ الظَّاهِرِيَّة وَقَالُوا فرض على كل من تزوج أَن يولم بِمَا قل أَو كثر، وَبِه قَالَ أَبُو سُلَيْمَان، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي ومشهور مَذْهَب مَالك، وَقَالَ ابْن التِّين وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد وَفِيه نظر لِأَن ابْن قدامَة قَالَ فِي الْمُغنِي: وَيسْتَحب لمن تزوج أَن يولم وَلَو بِشَاة لَا خلاف بَين أهل الْعلم فِي أَن الْوَلِيمَة فِي الْعرس سنة مَشْرُوعَة، وَلَيْسَت بواجبة فِي قَول أَكثر أهل الْعلم، وَقَالَ بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي: هِيَ وَاجِبَة لِأَنَّهُ ﷺ أَمر بهَا عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَقَالَ ابْن قدامَة: هُوَ طَعَام سرُور حَادث فَأشبه سَائِر الْأَطْعِمَة، وَالْخَبَر على الِاسْتِحْ بَاب لقَوْله: (وَلَو بِشَاة) وَلَا خلاف فِي أَنَّهَا لَا تجب، وَقَالَ عِيَاض. لَا خلاف أَنه لَا حد لقَلِيل الْوَلِيمَة وَلَا لكثيرها، وَقَالَ الْمُهلب: فعل سيدنَا رَسُول الله ﷺ فِي هَذِه الولائم الْمُخْتَلفَة إِنَّمَا تجب على قدر الْيَسَار فِي ذَلِك الْوَقْت، وَلَيْسَ فِي قَوْله لعبد الرَّحْمَن: أولم وَلَو بِشَاة منعا لما دون ذَلِك، وَإِنَّمَا جعل الشَّاة غَايَة فِي التقليل ليساره وغناه، وَقيل: يحْتَمل أَنه قَالَ لَهُ ذَلِك لعسر الصَّحَابَة حِين هجرتهم، فَلَمَّا توسعوا بِفَتْح خَيْبَر وَشبه ذَلِك أولم سيدنَا الحيس وَشبهه، وَقد اخْتلف السّلف فِي وَقتهَا: هَل هُوَ عِنْد العقد أَو عقيبة؟ أَو عِنْد الدُّخُول أَو عَقِيبه؟ أَو موسع من ابْتِدَاء العقد إِلَى انْتِهَاء الدُّخُول؟ على أَقْوَال. قَالَ النَّوَوِيّ: اخْتلفُوا، فَقَالَ عِيَاض: إِن الْأَصَح عِنْد الْمَالِكِيَّة اسْتِحْبَابه بعد الدُّخُول، وَعَن جمَاعَة مِنْهُم: أَنَّهَا عِنْد العقد، وَعند ابْن حبيب: عِنْد العقد وَبعد الدُّخُول، وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: يجوز قبل الدُّخُول وَبعده، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: عِنْد الدُّخُول، وَحَدِيث أنس: فَأصْبح رَسُول الله ﷺ عروسا بِزَيْنَب فدعي الْقَوْم، صَرِيح أَنَّهَا بعد الدُّخُول، وَاسْتحبَّ بعض الْمَالِكِيَّة أَن تكون عِنْد الْبناء وَيَقَع الدُّخُول عقيبها، وَعَلِيهِ عمل النَّاس.
٥٥ - (بابٌ)
أَي: هَذَا بَاب، وَهُوَ كالفصل لما قبله وَلَيْسَ بمعرب، إلَاّ بعد التَّرْكِيب، وَلم يذكر لفظ: بَاب، فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَكَذَا فِي شرح ابْن بطال.
٤٥١٥ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا يَحْيَى عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَسٍ قَالَ: أوْلَمَ النبيُّ ﷺ ، بِزَيْنَبَ فأوْسَعَ المُسْلمِينَ خُبْزا، فَخَرَجَ كَما يَصْنَعُ إذَا تَزَوَّجَ، فأتَى حُجَرَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنينَ يَدْعُو ويَدْعُونَ لهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَرَأى رَجُلَيْنِ فَرَجَعَ، لَا أدْرِي أخْبَرْتُهُ أَو أخبر بِخُرُوجِهِما.
.
стр. 6032
قيل لَا وَجه لذكر هَذَا الحَدِيث فِي بَاب الصُّفْرَة للمتزوج. وَأجِيب بِثُبُوت لفظ: بَاب، فِي أَكثر الرِّوَايَات، ورد بِأَن لفظ: بَاب، كَمَا ذكرنَا كالفصل لما قبله، وَهُوَ دَاخل فِيهِ.
وَقَالَ بَعضهم: مناسبته للتَّرْجَمَة من جِهَة أَنه لم يَقع فِي قصَّة تَزْوِيج زَيْنَب بنت جحش ذكر للصفرة، فَكَأَنَّهُ يَقُول: الصُّفْرَة للمتزوج من الْجَائِز لَا من الشُّرُوط لكل متزوج. انْتهى قلت: هَذَا كَلَام واهٍ جدا لِأَن التَّرْجَمَة فِي الصُّفْرَة للمتزوج، والْحَدِيث لَيْسَ فِيهِ ذكر الصُّفْرَة مُطلقًا، فَكيف تقع الْمُطَابقَة؟ وَالْأَوْجه أَن يُقَال: إِن الْمُطَابقَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ أَمر بالوليمة فِي الحَدِيث السَّابِق، وَفِي هَذَا الحَدِيث: أولم هُوَ وَبَين أمره بِشَيْء وَفعله إِيَّاه اتِّحَاد فَلَا مُطَابقَة أتم من هَذَا، وَقد ذكرنَا أَن ذكر: بَاب، مُجَرّد كالفصل، وَأَنه دَاخل فِيهِ على أَن لفظ: بَاب، سَاقِط فِي عَامَّة الرِّوَايَات.
وَيحيى هُوَ الْقطَّان. والْحَدِيث قد مضى بأتم مِنْهُ فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب، وَتقدم الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (خبْزًا) بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالزَّاي، وَفِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة فِي سُورَة الْأَحْزَاب: فاشبع النَّاس خبْزًا وَلَحْمًا. قَوْله: (كَمَا يصنع) أَي: خرج كَمَا هُوَ عَادَته إِذا تزوج بجديدة يَأْتِي الحجرات وَيَدْعُو لَهُنَّ. قَوْله: (وَيدعونَ) أَي: أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ، وَهَذِه اللَّفْظَة مُشْتَركَة بَين جمع الْمُذكر وَجمع الْمُؤَنَّث، وَالْفرق يحصل بالتقدير، فوزن الْجمع الْمُذكر: يفعون، وَوزن الْجمع الْمُؤَنَّث: يفعلن. قَوْله: (لَهُ) أَي: للنَّبِي ﷺ ، وَكَانَ ﷺ يسلم عَلَيْهِنَّ وَاحِدَة وَاحِدَة وَهن يرددن عَلَيْهِ، ﵇، وَيدعونَ بِالْبركَةِ وَالْخَيْر. قَوْله: (ثمَّ انْصَرف) أَي: من حجرات أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ. قَوْله: (فَرَأى رجلَيْنِ) يَعْنِي: من النَّاس الَّذين حَضَرُوا الْوَلِيمَة. وَكَانُوا قد خَرجُوا من بَيت النَّبِي ﷺ بعد أَن فرغوا من الْأكل، وَكَانَ هَذَانِ الرّجلَانِ تأخرا فِي الْبَيْت يتحدثان، وَذَلِكَ قبل نزُول الْحجاب، وَلما رَجَعَ النَّبِي ﷺ من بيُوت أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ رآهما فِي الْبَيْت فَرجع، وَقَالَ أنس: لما رَأيا النَّبِي ﷺ وثبا مُسْرِعين، فَمَا أَدْرِي أَنا أخْبرته بخروجهما من الْبَيْت، أَو أخبر النَّبِي ﷺ بخروجهما فَرجع حتّى دخل الْبَيْت وأرخى الستربيني وَبَينه؟ فأنزلت آيَة الْحجاب. وَرِوَايَات أنس الَّتِي تقدّمت فِي سُورَة الْأَحْزَاب تفسر هَذَا الحَدِيث الَّذِي رُوِيَ عَنهُ هَهُنَا، وَذَلِكَ أَن الْأَحَادِيث الَّتِي تروي فِي قَضِيَّة وَاحِدَة يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا.
٦٥ - (بابٌ كَيْفَ يُدْعَى لِلْمُتَزوِّجِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة الدُّعَاء للَّذي يتَزَوَّج؟ قَالَ ابْن بطال: أَرَادَ بِهَذَا الْبَاب رد قَول الْعَامَّة عِنْد الْعرس بقَوْلهمْ: بالرفاء والبنين فَإِن قلت: رُوِيَ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من حَدِيث معَاذ بن جبل، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن النَّبِي ﷺ شهد أَمْلَاك رجل من الْأَنْصَار فَخَطب رَسُول الله ﷺ وأنكح الْأنْصَارِيّ، وَقَالَ: على الألفة وَالْخَيْر وَالْبركَة والطائر الميمون وَالسعَة فِي الرزق وَأخرجه أَبُو عمر النوقاني فِي كتاب (معاشرة الأهلين) من حَدِيث أنس، وَزَاد فِيهِ: والرفاء والبنين؟ قلت: الَّذِي أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير ضَعِيف، وَأخرجه أَيْضا فِي الْأَوْسَط بِسَنَد أَضْعَف مِنْهُ، وَفِي حَدِيث النوقاني أبان الْعَبْدي وَهُوَ ضَعِيف، وَأخرج التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا قُتَيْبَة أَنا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا رفأ الْإِنْسَان إِذا تزوج، قَالَ: (بَارك الله لَك وَبَارك عَلَيْك وَجمع بَيْنكُمَا فِي خير) . وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح، وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن قُتَيْبَة وَالنَّسَائِيّ فِي الْكَبِير وَالْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن عبد الرَّحْمَن بن عبيد، وَابْن مَاجَه عَن سُوَيْد بن سعيد. قَوْله: (إِذا رفأ) ، قَالَ شَيخنَا: هُوَ بِفَتْح الرَّاء وَتَشْديد الْفَاء مَهْمُوز، وَهُوَ الْمَشْهُور فِي الرِّوَايَة مَأْخُوذ من الالتئام والاجتماع، وَمِنْه رفو الثَّوْب، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الرفاء بِالْمدِّ الالتئام والاتفاق، يُقَال للمتزوج: بالرفاء والبنين، وَرَوَاهُ بَعضهم: رفى، مَقْصُورا بِغَيْر همزَة، وَرَوَاهُ بَعضهم: رفح، بِالْحَاء الْمُهْملَة مَوضِع الْهمزَة، وَمعنى الأول أَعنِي الْمَقْصُور القَوْل بالرفاء والاتفاق، وَمعنى الثَّانِي على أَنه رفاء بِالْهَمْزَةِ وَلكنه أبدل الْهمزَة حاء، وَأخرج النَّسَائِيّ من رِوَايَة أَشْعَث عَن الْحسن عَن عقيل بن أبي طَالب أَنه تزوج امكرأة من بني حبشم فَقَالُوا: بالرفاء والبنين، فَقَالَ: لَا تَقولُوا هَكَذَا، وَلَكِن قُولُوا، كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ : اللَّهُمَّ بَارك لَهُم وَبَارك عَلَيْهِم، وَهُوَ مُرْسل.
٥٥١٥ - حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ حَدثنَا حَمَّادٌ هُوَ ابنُ زَيْدٍ عنْ ثابِتٍ عنْ أنَسٍ ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ رأى علَى عبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَوْف أثَرَ صُفْرَةٍ، قَالَ: مَا هاذا؟ قَالَ: إنِّي تَزَوَّجْتُ
стр. 6033
امْرَأةً علَى وزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: باركَ الله لَكَ، أوْلِمْ ولوْ بِشاةٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن قَوْله ﷺ : (بَارك الله لَك) يُوضح معنى قَوْله: كَيفَ يدعى للمتزوج. وَحَدِيث أنس هَذَا مُخْتَصر من حَدِيث حميد عَن أنس الَّذِي مضى فِي الْبَاب الَّذِي قبل الْبَاب الْمُجَرّد، وَفِيه زِيَادَة على ذَلِك، وَهُوَ قَوْله: (بَارك الله لَك) وَهَذِه اللَّفْظَة ترد القَوْل: بالرفاء والبنين، لِأَنَّهُ من أَقْوَال الْجَاهِلِيَّة، وَالنَّبِيّ ﷺ كَانَ يكره ذَلِك لموافقتهم فِيهِ، وَهَذَا هُوَ الْحِكْمَة فِي النَّهْي، وَقيل: لِأَنَّهُ لَا حمد فِيهِ وَلَا ثَنَاء، وَلَا ذكر لله ، وَقيل: لما فِيهِ من الْإِشَارَة إِلَى بغض الْبَنَات لتخصيص الْبَنِينَ بِالذكر. قلت: فعلى هَذَا إِذا قيل: بالرفاء وَالْأَوْلَاد لَا يَنْبَغِي أَن لَا يكره. فَإِن قلت: رُوِيَ ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عمر بن قيس الماصر قَالَ: شهِدت شريحا وَأَتَاهُ رجل من أهل الشَّام، فَقَالَ: إِنِّي تزوجت امْرَأَة، فَقَالَ: بالرفاء والبنين: قلت: هَذَا مَحْمُول على أَن شريحا لم يبلغهُ النَّهْي عَن ذَلِك.
٧٥ - (بابُ الدُّعاءِ لِلنِّساءِ الَّلاتِي يَهْدِينَ العَرُوسَ ولِلْعَرُوسِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الدُّعَاء للنِّسَاء إِلَى آخِره. قَوْله: للنِّسَاء، رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: للنسوة. قَوْله: (يهدين) بِفَتْح الْيَاء من هديت الطَّرِيق، ويروي بِضَم الْيَاء من الإهداء، (والعروس) على وزن فعول قَالَ ابْن الْأَثِير: يُقَال للرجل عروس كَمَا يُقَال للْمَرْأَة. وَهُوَ اسْم لَهما عِنْد دُخُول أَحدهمَا بِالْآخرِ. قَوْله: (وللعروس) أَي وَالدُّعَاء أَيْضا للعروس، هَذَا ظَاهر الْمَعْنى، وَسَيَجِيءُ أَيْضا مَا قيل فِيهِ.
٦٥١٥ - حدَّثنا فَرْوَةَ حَدثنَا عَليٌّ بنُ مُسْهِرٍ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ، ﵂: تَزَوَّجَنِي النبيُّ ﷺ ، فأتَتْنِي أُمِّي فأدْخَلَتْنِي الدَّارَ فإِذَا نِسْوَةٌ منَ الأنْصارِ فِي البَيْتِ فَقُلْنَ: علَى الخَيْرِ والبَرَكةِ، وعلَى خَيْرٍ طائرٍ..
قيل: ظَاهر الحَدِيث مُخَالف للتَّرْجَمَة لِأَن النسْوَة فِي الحَدِيث هن الداعيات، وَفِي التَّرْجَمَة: هن الْمَدْعُو لَهُنَّ، وَأجَاب صَاحب التَّوْضِيح بقوله: لَعَلَّه أَرَادَ صفة دعائهن للعروس، لِأَنَّهُ قَالَ: (فَقُلْنَ على الْخَيْر) إِلَى آخِره. قلت: نقل هَذَا عَن ابْن التِّين وَلَيْسَ بِشَيْء لِأَن ظَاهر اللَّفْظ يُخَالِفهُ وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْأُم هِيَ الهادية للعروس المجهزة لأمرها فهن دعون لَهَا وَلمن مَعهَا، وللعروس حَيْثُ (قُلْنَ: على الْخَيْر) ، أَي: جئتن عَلَيْهِ أَو قدمتن، وَنَحْو هَذَا. فَإِن قلت: لِمَ لَا تكون اللَّام للنسوة للاختصاص. يَعْنِي: الدُّعَاء الْمُخْتَص بالنسوة والهاديات للْغَيْر؟ قلت: يلْزم الْمُخَالفَة بَين اللامين اللَّام الَّتِي فِي الْعَرُوس لِأَنَّهَا بِمَعْنى الْمَدْعُو لَهَا، وَالَّتِي فِي النسْوَة لِأَنَّهَا بِمَعْنى الداعية، وَفِي جَوَاز مثله خلاف. انْتهى كَلَامه. وَنقل بَعضهم كَلَام الْكرْمَانِي هَذَا برمتِهِ مَعَ تَغْيِير عِبَارَته، ثمَّ قَالَ: وَالْجَوَاب الأول أحسن مَا يُوَجه بِهِ التَّرْجَمَة، ثمَّ قَالَ: وَحَاصِله أَن مُرَاد البُخَارِيّ بالنسوة من يهدي الْعَرُوس سَوَاء كن قَلِيلا أَو كثيرا وَأَن من حضر ذَلِك يَدْعُو لمن أحضر الْعَرُوس، وَلم يرد الدُّعَاء للنسوة الحاضرات فِي الْبَيْت قبل أَن يَأْتِي الْعَرُوس، وَيحْتَمل أَن تكون اللَّام بِمَعْنى الْبَاء على حذف، أَي: الْمُخْتَص بالنسوة وَيحْتَمل أَن يكون بِمَعْنى: من، أَي: الدُّعَاء الصَّادِر من النسْوَة. انْتهى كَلَامه. قلت: هَذَا كُله تعسفات فِي تصرفهم، وَأكْثر كَلَامهم خَارج عَن القانون، فالترجمة مَوْضُوعَة على الصِّحَّة وَبَينهَا وَبَين الحَدِيث مُطَابقَة لِأَن الْألف وَاللَّام فِي قَوْله: بَاب الدُّعَاء، بدل من الْمُضَاف إِلَيْهِ فتقديره: بَاب دُعَاء النسْوَة الداعيات للنسوة اللَّاتِي يهدين الْعَرُوس، فَالْمُرَاد بالنسوة الداعيات هِيَ النسْوَة من الْأَنْصَار اللَّاتِي كن فِي بَيت النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، قبل مَجِيء الْعَرُوس، وَالْمرَاد بالنسوة الهاديات هِيَ أم عَائِشَة وَمن مَعهَا من النِّسَاء، لِأَن الْعَادة أَن أم الْعَرُوس إِذا أَتَت بالعروس إِلَى بَيت زَوجهَا يكون مَعهَا نسَاء قليلات كن أَو كثيرات، فَأم عَائِشَة وَمن مَعهَا والعروس هن مدعُو لَهُنَّ، والنسوة من الْأَنْصَار اللَّاتِي كن فِي الْبَيْت هن الداعيات، لقَوْله فِيهِ: (فَقُلْنَ: على الْخَيْر) إِلَى آخِره. وَقَول بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون اللَّام بِمَعْنى الْبَاء أَو بِمَعْنى من غير صَحِيح، لأَنهم ذكرُوا أَن اللَّام الجارة تَأتي لاثْنَيْنِ وَعشْرين معنى. وَلَيْسَ فِيهَا مجيئها بِمَعْنى الْبَاء وَلَا بِمَعْنى من، نعم ذكرُوا أَنَّهَا تَجِيء بِمَعْنى: عَن ونسبوه لِابْنِ الْحَاجِب، ورد عَلَيْهِ ابْن مَالك وَغَيره.
ثمَّ الْكَلَام فِي الحَدِيث، فَنَقُول: فَرْوَة، بِفَتْح
стр. 6034
الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْوَاو: ابْن أبي المغراء، بِفَتْح الْمِيم وَإِسْكَان الْغَيْن الْمُعْجَمَة وبالراء وبالمد: أَبُو الْقَاسِم الْكِنْدِيّ الْكُوفِي، مَاتَ سنة خمس وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَعلي بن مسْهر بِضَم الْمِيم على وزن اسْم الْفَاعِل من الإسهار أَبُو الْحسن الْقرشِي الْكُوفِي، تولى قَضَاء نواحي الْموصل، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
وَهَذَا مُخْتَصر من حَدِيث مطول مضى بِتَمَامِهِ بِهَذَا السَّنَد بِعَيْنِه فِي: بَاب تَزْوِيج عَائِشَة، قيل أَبْوَاب الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة.
قَوْله: (فأتتني أُمِّي) وَهِي أم رُومَان بنت عَامر بن عُوَيْمِر بن عبد شمس. قَوْله: (فَإِذا نسْوَة) قد ذكرنَا أَن كلمة: إِذا، للمفاجأة، ونسوة، بِكَسْر النُّون وَبِفَتْحِهَا أَيْضا جمع نسَاء تَقْدِيره: نسْوَة كائنة من نسَاء الْأَنْصَار. قَوْله: (فَقُلْنَ: على الْخَيْر) قد مر تَفْسِيره عَن قريب قَوْله: (وعَلى خير طَائِر) كِنَايَة عَن الفأل، وطائر الْإِنْسَان عمله الَّذِي قلدوه، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: طَائِر الْإِنْسَان مَا حصل لَهُ فِي علم الله مِمَّا قدر لَهُ، وَقيل: الطَّائِر الْحَظ.
٨٥ - (بابُ منْ أحَبَّ البِناءَ قَبْلَ الغَزْوِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أحب الْبناء أَي: الدُّخُول على امْرَأَته وَلم يدْخل بهَا، يُقَال: فلَان بني عَليّ أَهله أَي: زفها، وَالْأَصْل فِيهِ أَن الدَّاخِل بأَهْله يضْرب عَلَيْهَا قبَّة لَيْلَة الدُّخُول، فَقيل لكل دَاخل بأَهْله: بَان. قَوْله: (قبل الْغَزْو) يَعْنِي: إِذا حضر الْجِهَاد وَكَانَ قد تزوج امْرَأَة وَلم يدْخل عَلَيْهَا وَأحب أَن يدْخل عَلَيْهَا قبل الْغَزْو ليَكُون فكره مجتمعا.
٧٥١٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ العلاءِ حَدثنَا عبْدُ الله بنُ المُبارَكِ عنْ مَعْمَرِ عنْ هَمَّامٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ، ﵁، عنِ النبيُّ ﷺ ، قَالَ: غَزَا نَبي منَ الأنْبِياءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأةٍ وهْوَ يُرِيدُ أنْ يَبْنِيَ بِها ولَمْ يَبْنِ بِها.
(انْظُر الحَدِيث ٤٢١٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن كَلَام هَذَا النَّبِي يشْعر بِأَن الْبناء يَنْبَغِي أَن يكون قبل حُضُوره الْغَزْو وَلما ذكرنَا من الْمَعْنى، وَلَيْسَ ذَلِك يَقْتَضِي الْوُجُوب.
وَابْن الْمُبَارك هُوَ عبد الله بن الْمُبَارك المروز، وَمعمر بِفَتْح الميمين هُوَ ابْن رَاشد، وهما على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ هُوَ ابْن مُنَبّه.
والْحَدِيث قد مر فِي الْجِهَاد فِي: بَاب من اخْتَار الْغَزْو على الْبناء، فِيهِ أَبُو هُرَيْرَة وَذكر أَيْضا: بَاب من غزا وَهُوَ حَدِيث عهد بعرسه، فِيهِ جَابر مَعَه النَّبِي ﷺ ، وَذكر فِي الْخمس فِي: بَاب قَول النَّبِي ﷺ : أحلّت لكم الْغَنَائِم. وَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْعَلَاء إِلَى آخِره مطولا، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَالَ الْكرْمَانِي: ذكر فِي بعض النّسخ تَمام الحَدِيث؟ قلت: الَّذِي فِي النّسخ الْمُعْتَبرَة هَذَا الْمِقْدَار الَّذِي ذكره مُخْتَصرا. قَوْله: (غزا نَبِي) قيل: هُوَ يُوشَع، وَقيل: دَاوُد، ﵇.
٩٥ - (بابُ مَنْ بني بامْرَأةٍ وهْيَ بِنْتُ تِسْعٍ سِنينَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من بني إِلَى آخر. قيل: لَا فَائِدَة فِي هَذِه التَّرْجَمَة. قلت: بلَى فِيهَا فَائِدَة وَهِي بَيَان أَن من تزوج صَغِيرَة يَنْبَغِي أَن لَا يَبْنِي إلَاّ وَقد تمّ عمرها تسع سِنِين، لِأَن النَّبِي الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، بني بعائشة وعمرها تسع سِنِين، وَهُوَ الْأَصَح وَإِن كَانَ عِنْد الْفُقَهَاء الِاعْتِبَار للطاقة، فَإِن لم تطلق لَا يبْنى بهَا وَلَو كَانَ عمر تسع سِنِين، وَإِن أطاقت بِأَن كَانَت عبلة وعمرها ثَمَان سِنِين يَبْنِي بهَا.
٨٥١٥ - حدَّثنا قَبِيصةُ بنُ عُقْبَةَ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ عُرْوَةَ: تَزَوَّجَ النبيُّ ﷺ عائِشَةَ وهْيَ ابْنَةُ ستٍّ، وبَنى بِها وَهِي ابْنَةُ تِسْعٍ، ومَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعا..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ وَعُرْوَة تَابِعِيّ. والْحَدِيث مُرْسل، والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب إنكاح الرجل وَلَده الصغار، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن سُفْيَان إِلَى آخِره.
٠٦ - (بابُ البِناءِ فِي السفَرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان دُخُول الرجل على امْرَأَته فِي حَالَة السّفر، وَفِي بعض النّسخ: بَاب بِنَاء الْعَرُوس فِي السّفر.
٩٥١٥ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ سَلَامٍ أخْبرَنا إسْماعِيلُ بنُ جعْفَرٍ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَسٍ قَالَ: أَقَامَ النبيّ
стр. 6035
ُ ﷺ بَيْنَ خَيْبَرَ والمَدِينَةِ ثلَاثا يُبْنَى علَيْهِ بِصَفِيَّةَ بنتِ حُيَيٍّ، فدَعَوْتُ المُسْلِمينَ إِلَى وليمَتِهِ فَما كانَ فِيها منْ خُزِ وَلَا لَحْمٍ، أمرَ بالأنطاعِ فأُلْقِيَ فِيها منَ التَّمْرِ والأقِطِ والسمْنِ، فكانَتْ ولَيمَتَهُ. فَقَالَ المُسْلَمُونَ: إحْدَى أُمَّهاتِ المُؤْمِنينَ أوْ مِمَّا ملَكَتْ يَمِينُهُ؟ فقالُوا: إنْ حجبَها فهْي مِنْ أمهاتِ المُؤْمِنينَ، وإنْ لَمْ يحْجُبْها فهْيَ مِمَّا ملَكَتْ يَمِينُهُ، فَلمّا ارْتخَلَ خَلْفَهُ ومَدَّ الحِجابِ بيْنَها وبَيْنَ النّاس..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهُوَ بِنَاء النَّبِي ﷺ على صَفِيَّة، وَهُوَ فِي السّفر بَين خَيْبَر وَالْمَدينَة.
وَقد مر الحَدِيث فِي غَزْوَة خَيْبَر من وُجُوه، وَفِي النِّكَاح أَيْضا فِي: بَاب اتِّخَاذ السراري، فَإِنَّهُ أخرجه فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر إِلَى آخِره نَحوه، وَمر الْكَلَام فِيهِ، وراجع إِلَيْهِ والمسافة قريبَة.
١٦ - (بابُ البِناءِ بالنَّهارِ بغَيْرِ مَرْكَبٍ وَلَا نِيرانٍ)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز دُخُول الرجل على امْرَأَته بِالنَّهَارِ، وَلَا يخْتَص بِاللَّيْلِ. قَوْله: (بِغَيْر مركب) أَي: بِغَيْر ركُوب نَاس للإعلان، ويروي: بِغَيْرِهِ موكب بِالْوَاو وَبدل الرَّاء وَهُوَ الْقَوْم الرّكُوب على الْإِبِل المزينة. قَوْله: (وَلَا نيران) أَي: وَلَا نيران توقد بَين يَدي الْعَرُوس، وَحَاصِله أَن زِيَادَة الإعلان بركوب الْقَوْم بَين يَدي الْعَرُوس أَو بإيقاد النيرَان مَكْرُوه، وَقد رُوِيَ سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق عُرْوَة بن رُوَيْم أَن عبد الله بن قرظ الثمالِي، وَكَانَ عَامل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، على حمص، فمرت بِهِ عروس وهم يوقدون النيرَان بَين يَديهَا، فضربهم بدرته حَتَّى تفَرقُوا عَن عروسهم، ثمَّ خطب فَقَالَ: إِن عروسكم أوقدوا النيرَان وتشبهوا بالكفرة، وَالله مطفىء نارهم.
٠٦١٥ - حدَّثنا فَرْوَةُ بنُ أبي المَغْرَاءُ حدَّثنا عليٌّ بنُ مُسْهرٍ عنْ هِشَامٍ عنْ أبيهِ عنَ عائِشَةَ، ﵂، قالَتْ: تزوَّجَني النبيُّ ﷺ فأتتني أُمِّي فأدْخَلَتْنِي الدَّار، فلَمْ يَرُعْني إلاّ رسولُ الله ﷺ ، ضُحىً..
هَذَا الحَدِيث بِهَذَا السندبعينه قد مضى قبله بِثَلَاثَة أَبْوَاب، غير أَن ذَاك مُرْسل وَهَذَا مُسْند وَأَن فِي ذَاك الزِّيَادَة وَهِي قَوْله: (فإذانسوة من الإنصار) إِلَخ، وَهنا الزِّيَادَة هِيَ قَوْله: (فَلم يرعني إلَاّ رَسُول الله ﷺ ضحى) ، فلأجل هَذِه اللَّفْظَة عقد التَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة، غير أَنه ذكر فِيهَا: بِغَيْر مركب وَلَا نيران، وَلم يذكر لأَجلهَا شَيْئا.
قَوْله: (فَلم يرعني) أَي: فَلم يفجأني وَلم يخوفني. قَوْله: (ضحى) بِالضَّمِّ وَالْقصر فَوق الضحوة، وَهُوَ ارْتِفَاع أول النَّهَار، وَمعنى: ضحى، أَي: وَقت الضُّحَى أَرَادَت أَن دُخُوله عَلَيْهَا كَانَ وَقت الضُّحَى، فَلذَلِك عقد التَّرْجَمَة كَمَا ذكرنَا.
٢٦ - (بابُ الأنْماطِ ونحْوِها لِلنِّساءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز اتِّخَاذ الأنماط وَنَحْوهَا للنِّسَاء، وَفِي تَرْجَمَة مُسلم: بَاب جَوَاز اتِّخَاذ الأنماط، وَالْأَنْمَاط بِفَتْح الْهمزَة جمع نمط بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ ظهارة الْفراش، وَقيل ظهر الْفراش وَقيل: ضرب من الْبسط لَهُ خمل رَقِيق. وَقَالَ النَّوَوِيّ: يَجْعَل على الهودج، وَقد يَجْعَل سترا. قلت: النمط يَأْتِي بِمَعْنى الطَّرِيق من الطرائق وَالضَّرْب من الضروب، يُقَال: لَيْسَ هَذَا من ذَلِك النمط أَي: من ذَلِك الضَّرْب، وَفِي حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: خير هَذِه الْأمة النمط الْأَوْسَط، ويروي: الْوسط، كره على الغلو وَالتَّقْصِير فِي الدّين، والنمط الْجَمَاعَة من النَّاس أَمرهم وَاحِد. قَوْله: (وَنَحْوهَا) ، مثل الكلل والأستار والفرش.
١٦١٥ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سعِيدٍ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُنْكَدِر عنْ جَابرِ بنه عبْدِ الله، ﵄، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : هَلِ اتّخَذْتُمْ أنْماطا؟ قُلْتُ: يَا رسولَ الله! وأتَّى لَنا أنْماطٌ؟ قَالَ: إنَّها سَتَكُونُ.
(انْظُر الحَدِيث ١٣٦٣) .
стр. 6036
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن عمر وَابْن عَبَّاس عَن ابْن مهْدي عَن جَابر، إِلَخ وَلَفظه: (هَل لكم من أنماط؟) وسُفْيَان فِيهِ هُوَ الثَّوْريّ.
قَوْله: (وأنى لنا) بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد النُّون أَي: وَمن أَيْن لنا الأنماط، قَوْله: سَتَكُون، أَي الأنماط، وَهِي تَامَّة بِمَعْنى ستوجد. وَفِيه إخْبَاره بهَا وَهِي معْجزَة ظَاهِرَة لِأَنَّهَا كَانَت كَمَا أخبر، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَفِيه: جَوَاز اتِّخَاذ الأنماط إِذا لم تكن من حَرِير. قلت: أما جَوَاز اتخاذها فَيُؤْخَذ من قَوْله: (إِنَّهَا سَتَكُون) وَفِي حَدِيث مُسلم بعد قَوْله: (إِنَّهَا سَتَكُون) ، قَالَ جَابر: وَعند امْرَأَتي نمط فَأَنا أَقُول: نحيه، وَتقول: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِنَّهَا سَتَكُون) . وَفِي حَدِيث عَائِشَة ذكره مُسلم فِي: بَاب الصُّور، قَالَت: فَأخذت نمطا فنشرته على الْبَاب. وَأما عدم اسْتِعْمَالهَا من الْحَرِير فبأحاديث أخر. وَفِي التَّوْضِيح، وَفِيه: اتِّخَاذ شورة الْبيُوت للنِّسَاء. وَفِيه: دَلِيل أَن الشورة للْمَرْأَة دون الزَّوْج، وَأَنَّهَا عَلَيْهَا فِي الْمَعْرُوف من أَمر النَّاس الْقَدِيم، وَإِنَّمَا قَالَ ﷺ لجَابِر لِأَن أَبَاهُ ترك تسع بَنَات، فَقَامَ عَلَيْهِنَّ جَابر وشورهن وزوجهن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٣٦ - (بابُ النِّسْوَةِ الّلاتِي يُهْدِينَ المَرْأةَ إِلَى زَوْجِها)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر النسْوَة اللَّاتِي يهدين بِضَم الْيَاء من الإهداء. قَوْله: (اللَّاتِي) هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني بصغة الْجمع، وَفِي رِوَايَة غَيره بِصِيغَة الْإِفْرَاد، وَالْأولَى أولى، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر بعد قَوْله: (إِلَى زَوجهَا) : ودعائهن بِالْبركَةِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب الْإِشَارَة إِلَيْهِ فَلَا مَحل لذكره. وَقَالَ بَعضهم: لَعَلَّه أَشَارَ إِلَى مَا ورد فِي بعض طرق حَدِيث عَائِشَة، رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ فِي كتاب النِّكَاح من طَرِيق بهية عَن عَائِشَة: أَنَّهَا زوجت يتيمة كَانَت فِي حجرها رجلا من الْأَنْصَار، قَالَت: وَكنت فِيمَن أهداها إِلَى زَوجهَا، فَلَمَّا رَجعْنَا قَالَ لي رَسُول الله ﷺ : (مَا قُلْتُمْ يَا عَائِشَة؟ قَالَت: قلت: سلمنَا ودعونا الله بِالْبركَةِ ثمَّ انصرفنا) . قلت: هَذَا بعيد جدا لأَنا لَا نسلم أَنه وقف على هَذَا الحَدِيث، وَلَئِن سلمنَا فَكيف يضع تَرْجَمَة بِعقد بَاب وَلَيْسَ فِيهِ حَدِيث مُطَابق لَهَا.
٢٦١٥ - حدَّثنا الفَضلُ بنُ يعْقُوبَ حَدثنَا مُحَمَّدُ بنُ سابِقٍ حَدثنَا إسْرَائِيلُ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبيهِ عنْ عائِشَةَ: أنّها زَفَّتِ امْرَأةً إِلَى رجُلٍ مِنَ الأنصَارِ فَقَالَ نَبِيُّ الله ﷺ : يَا عائِشَةُ! مَا كانَ معكُمْ لَهْوٌ؟ فإِنَّ الأنصَارَ يُعْجِبُهُمُ اللهْوُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (زفت امْرَأَة) لِأَنَّهُ من زففت الْعَرُوس أزفها إِذا أَهْدَيْتهَا إِلَى زَوجهَا.
وَالْفضل بن يَعْقُوب الْبَغْدَادِيّ مَاتَ فِي أول جُمَادَى الأولي سنة ثَمَان وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. قَالَه الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ. وَمُحَمّد بن سَابق أَبُو جَعْفَر التَّمِيمِي الْبَغْدَادِيّ الْبَزَّار أَصله فَارسي كَانَ بِالْكُوفَةِ أحد مشاريخ البُخَارِيّ رُوِيَ عَنهُ هُنَا بالواسطة وَرُوِيَ عَنهُ بِلَا وَاسِطَة فِي كتاب الْوَصَايَا فَقَط، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَابق أَو الْفضل بن يَعْقُوب عَنهُ، وَرُوِيَ مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن مُحَمَّد بن سَابق، مَاتَ سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (زفت امْرَأَة) معنى: زفت مر الْآن وَقد تقدم فِي رِوَايَة أبي الشَّيْخ أَن الْمَرْأَة كَانَت يتيمة فِي حجر عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَذكر ابْن الْأَثِير أَن اسْم هَذِه الْيَتِيمَة: فارغة بنت أسعد بن زُرَارَة، وَأَن اسْم زَوجهَا نبيط بن جَابر الْأنْصَارِيّ، وَقَالَ أَبُو عمر: الفارغة بنت أبي أُمَامَة أسعد بن زُرَارَة الْأنْصَارِيّ، كَانَ أَبُو لبَابَة أوصى بهَا وبأختيها حَبِيبَة وكبشة بَنَات أبي أُمَامَة إِلَى النَّبِي ﷺ فَزَوجهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وسلمنبيط بن جَابر من بني مَالك بن النجار، وحبيبة تزَوجهَا سهل بن حنيف فَولدت لَهُ أَبَا أُمَامَة، وَرُوِيَ ابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن عَبَّاس: أنكحت عَائِشَة قرَابَة لَهَا، وَرُوِيَ أَبُو الشَّيْخ من حَدِيث جَابر: أَن عَائِشَة زوجت بنت أُخْتهَا، أَو ذَات قرَابَة مِنْهَا، وَفِي أمالي الْمحَامِلِي من وَجه آخر عَن جَابر: نكح بعض أهل الْأَنْصَار بعض أهل عَائِشَة فأهدتها إِلَى قبَاء، وَالْجمع بَين هَذِه الرِّوَايَات بِالْحملِ على التَّعَدُّد. قَوْله: (مَا كَانَ مَعكُمْ لَهو؟) وَفِي رِوَايَة شريك: فَقَالَ: فَهَل بعثتم جَارِيَة تضرب بالدف وتغني؟ الحَدِيث. قَوْله: (فَإِن الْأَنْصَار يعجبهم اللَّهْو) ، فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس وَجَابِر: قوم فيهم غزل، وَفِي حَدِيث جَابر عِنْد الْمحَامِلِي: أدركيها يَا زَيْنَب، امْرَأَة كَانَت تغني بِالْمَدِينَةِ. وَفِي التَّوْضِيح: اتّفق الْعلمَاء على جَوَاز اللَّهْو فِي وَلِيمَة النِّكَاح كضرب الدُّف وَشبهه، وخصت
стр. 6037
الْوَلِيمَة بذلك ليظْهر النِّكَاح وينتشر، فَتثبت حُقُوقه وحرمته، وَقَالَ مَالك: لَا بَأْس بالدف وَالْكبر فِي الْوَلِيمَة لِأَنِّي أرَاهُ خَفِيفا، وَلَا يَنْبَغِي ذَلِك فِي غير الْعرس، وَسُئِلَ مَالك عَن اللَّهْو يكون فِيهِ البوق؟ فَقَالَ: إِن كَانَ كَبِيرا مشتهرا، فَإِنِّي أكرهه، وَإِن كَانَ خَفِيفا فَلَا بَأْس بذلك، وَقَالَ إصبغ: وَلَا يجوز الْغناء فِي الْعرس وَلَا فِي غَيره إلَاّ مثل مَا يَقُول نسَاء الْأَنْصَار، أَو رجز خَفِيف. وَأخرج النَّسَائِيّ من طَرِيق عَامر بن سعد عَن قرظة بن كَعْب وَأبي مَسْعُود الأنصاريين، قَالَا: إِنَّه رخص لنا فِي اللَّهْو عِنْد الْعرس ... الحَدِيث، وَصَححهُ الْحَاكِم. قلت: الْكبر، بِفتْحَتَيْنِ الطبل ذُو الرأسين، وَقيل: الطِّبّ الَّذِي لَهُ وَجه وَأحد، والبوق بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْوَاو وَفِي آخِره قَاف: آلَة ينْفخ فِيهَا وَيجمع على بيقان وبوقان، كَذَا قَالَ فِي الْمغرب قلت الْقيَاس: أبواق، وَسُئِلَ أَبُو يُوسُف عَن الدُّف أتكرهه فِي غير الْعرس مثل الْمَرْأَة فِي منزلهَا وَالصَّبِيّ؟ قَالَ: فَلَا أكرهه، فأنما الَّذِي يَجِيء مِنْهُ اللّعب الْفَاحِش والغناء فَإِنِّي أكرهه.
٤٦ - (بابُ الهَدِيّةِ لِلْعَرُوسِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إهداء الْهَدِيَّة للعروس صَبِيحَة لَيْلَة الدُّخُول.
٣٦١٥ - وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: عنْ أبي عُثْمانَ واسْمُهُ الجَعْدُ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ قَالَ: مَرَّ بِنَا فِي مَسْجَدِ بَنْي رفاعَةَ فَسمِعْتُهُ يَقُولُ: كانَ النبيُّ ﷺ : إذَا مَرَّ بِجَنَباتِ أُمِّ سُلَيْمٍ دخلَ عَليْها فَسَلَّمَ علَيْها، ثُمَّ قَالَ: كانَ النبيُّ ﷺ عَرُوسا بِزَيْنَبَ فقالَتْ لي أمُّ سلَيْمٍ: لَوْ أهْدَيْنا لِرَسولِ الله ﷺ ، هَدِيَّةً؟ فَقُلْتُ لَهَا: إفْعَلِي، فَعَمَدَتْ إِلَيّ تَمْرٍ وسَمْنٍ وأقِطٍ فاتَّخَذَتْ حَيْسَةً فِي بُرْمَةٍ فأرْسلَتْ بِها مَعِي إلَيْهِ، فانْطَلقْتُ بِها إلَيْهِ فَقَالَ لي: ضَعْهَا، ثُمَّ أمَرَنِي فَقَالَ: ادْعُ لي رِجالاً سَمَّاهُمْ وادْعُ لي مَنْ لَقِيتَ، قَالَ: فَفَعَلْتُ الَّذِي أمَرَنِي فَرَجَعْتُ فإِذَا البَيْتُ غاصٌّ بأهْلِهِ، فَرأيْتُ النبيَّ ﷺ ، وضَعَ يَدَيْهِ علَى تِلْكَ الحَيْسَةِ وتَكَلَّم بِها مَا شاءَ الله، ثُمَّ جعَلَ يَدْعُو عَشَرَةً عَشَرَةً يأكُلُونَ مِنْهُ، ويَقُولُ لهُمْ: اذْكُرُوا اسْمَ الله ولْيَأْكُلْ كلُّ رجُلٍ مِمَّا يَليهِ، قَالَ: حتَّى تَصَدَّعُوا كُلُّهُمْ عَنْها، فَخَرَجَ مِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ وبَقِيَ نَفَرٌ يَتَحَدَّثُونَ، قَالَ: وجَعَلْتُ أغْتَمَّ، ثُمَّ خَرَجَ النبيُّ ﷺ نحْو الحُجُرَاتِ وخَرَجْتُ فِي إثْرِهِ فَقُلْتُ: إنَّهُمْ قَدْ ذَهِبُوا فَرَجَعَ فَدَخَلَ البَيْتَ وأرْخَى السِّتْرَ وإنِّي لَفِي الحُجْرَةِ، وهْوَ يَقُولُ: ﴿ (٣٣) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا. تدْخلُوا بيُوت النَّبِي ﷺ إِلَّا أَن يُؤذن لكم إِلَّا طَعَام غير ناظرين إناه، وَلَكِن إِذا دعيتم فأدخلوا فَإِذا ذعمتم فَانْتَشرُوا. وَلَا مستأنسين لحَدِيث إِن ذَلِكُم كَانَ يُؤْذِي النَّبِي ﷺ فيستحي مِنْكُم وَالله لَا يستحي من الْحق﴾ .
قَالَ أبُو عُثْمانَ: قَالَ أنَسٌ: إنَّهُ خَدَمَ رسولَ الله ﷺ عَشْرَ سِنِينَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَو أهدينا) إِلَى قَوْله: (فَانْطَلَقت بهَا إِلَيْهِ) .
وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن طهْمَان، بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْهَاء: الْهَرَوِيّ أَبُو سعيد، سكن نيسابور ثمَّ سكن مَكَّة، مَاتَ سنة سِتِّينَ وَمِائَة، وَأَبُو عُثْمَان اسْمه الْجَعْد، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة: ابْن دِينَار الْيَشْكُرِي الْبَصْرِيّ الصَّيْرَفِي.
كَذَا ذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث مُعَلّقا غير مُتَّصِل، وَوَصله مرّة بقوله: حَدثنَا الصَّلْت بن مُحَمَّد حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن الْجَعْد أبي عُثْمَان وَعَن هِشَام عَن مُحَمَّد وَسنَان بن ربيعَة عَن أنس. وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن قُتَيْبَة عَن جَعْفَر بن سُلَيْمَان عَن الْجَعْد وَعَن غَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة بِإِسْنَادِهِ نَحوه. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النِّكَاح والوليمة عَن قُتَيْبَة بِهِ وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى، وَقَالَ صَاحب التَّلْوِيح: وَالتَّعْلِيق عَن إِبْرَاهِيم رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن أَحْمد بن حَفْص بن عبد الله عَن أَبِيه عَن إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن أبي عُثْمَان بِهِ، وَقَالَ بعض من لقيناه من الشُّرَّاح: زعم أَن النَّسَائِيّ أخرجه عَن أَحْمد بن حَفْص بن عبد الله بن رَاشد عَن أَبِيه عَنهُ، وَلم أَقف على
стр. 6038
ذَلِك. قلت: إِن كَانَ مُرَاده بقوله: من لقيناه من الشُّرَّاح، صَاحب التَّلْوِيح فَإِنَّهُ لم يلقه لِأَنَّهُ مَاتَ فِي سنة اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَهُوَ فِي ذَلِك الْوَقْت لم يكن مولودا، وَإِن كَانَ مُرَاده صَاحب التَّوْضِيح فَهُوَ تبع فِي ذَلِك شَيْخه صَاحب التَّلْوِيح وَإِن كَانَ مُرَاده الْكرْمَانِي، وَهُوَ لم يدْخل الديار المصرية أصلا وَلَا هَذَا الْقَائِل رَحل إِلَى تِلْكَ الْبِلَاد، وَمَعَ هَذَا لم يذكر الْكرْمَانِي ذَلِك. وَقَوله: لم أَقف على ذَلِك، لَا يسْتَلْزم نفي وقُوف غَيره.
قَوْله: (قَالَ: مر بِنَا) أَي قَالَ أَبُو عُثْمَان الْجَعْد: (مر بِنَا أنس فِي مَسْجِد بني رِفَاعَة) بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْفَاء وبالعين الْمُهْملَة، وَبَنُو رِفَاعَة بن الْحَرْث بن بهثة بن سليم، قَبيلَة نزلُوا الْكُوفَة وَالْبَصْرَة وبنوا مَسَاجِد وَغَيرهَا، وَالْمرَاد بِمَسْجِد بني رِفَاعَة هُنَا الْمَسْجِد الَّذِي بنوه ببصرة. قَوْله: (فَسَمعته يَقُول) أَي: فَسمِعت أنسا يَقُول: قَوْله: (بجنبات أم سليم) وَهِي جمع جنبة بِالْجِيم وَالنُّون وَهِي النَّاحِيَة، وَيُقَال: يحْتَمل أَن يكون مأخوذا من الجناب وَهُوَ الفناء، فَكَأَنَّهُ يَقُول: إِذا مر بفنائها، وَأم سليم بِضَم السِّين وَهِي أم أنس بن مَالك، وَهِي بنت ملْحَان بن خَالِد. وَاخْتلف فِي اسْمهَا، فَقيل: سهلة، وَقيل: رميلة، وَقيل: رمية، وَقيل: غير ذَلِك. قَوْله: (عروسا بِزَيْنَب) وَقد مر غير مرّة أَن الْعَرُوس يَشْمَل الذّكر وَالْأُنْثَى، وَزَيْنَب بنت جحش الأَسدِية أم الْمُؤمنِينَ، تزَوجهَا رَسُول الله ﷺ سنة ثَلَاث، قَالَه خَليفَة، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: سنة خمس وَكَانَت قبله عِنْد زيد بن حَارِثَة مولى رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، مَاتَت سنة عشْرين من الْهِجْرَة، وَصلى عَلَيْهَا عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (حيسة) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة، وَهُوَ الطَّعَام الْمُتَّخذ من التَّمْر والأقط وَالسمن، وَيدخل عوض الأقط الدَّقِيق أَو الفتيت. قَوْله: (فِي برمة) بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: البرمة الْقدر مُطلقًا، وَهِي فِي الأَصْل المتخذة من الْحجر الْمَعْرُوف بالحجاز واليمن. قَوْله: (فَأرْسلت بهَا معي إِلَيْهِ) أَي: أرْسلت أم سليم بالهدية معي إِلَى رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فَإِذا الْبَيْت) كلمة: إِذا، للمفاجأة وَالْبَيْت مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ، (وغاص) خَبره، أَي: ممتلىء، ومادته: غين مُعْجمَة وصاد مُهْملَة، وَأَصله من: غصصت بِالْمَاءِ أغص غصصا فَأَنا غاص وغصان إِذا امْتَلَأَ حلقك بِالْمَاءِ وشرقت بِهِ. قَوْله: (حَتَّى تصدعوا) أَي: حَتَّى تفَرقُوا. قَوْله: (وَبَقِي نفر) النَّفر من الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة، وَفِي رِوَايَة أَنهم ثَلَاثَة، وَفِي أُخْرَى وَفِي التِّرْمِذِيّ: وَجلسَ طوائف يتحدثون فِي بَيت رَسُول الله ﷺ قَوْله: (أغتم) ، من الاغتمام بالغين الْمُعْجَمَة أَي: أَحْزَن من عدم خُرُوجهمْ، وَتَفْسِير الْآيَة قد مر فِي سُورَة الْأَحْزَاب. قَوْله: (غير ناظرين أناه) أَي: إِدْرَاكه ونضجه، وَفِيه التفاف، وَمَات رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ ابْن عشْرين سنة وَمَات أنس سنة ثَلَاث أَو اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين، وَقد نَيف على الْمِائَة بِزِيَادَة سنتَيْن أَو ثَلَاث.
وَفِيه فَوَائِد: الأولى: كَونه أصلا فِي هَدِيَّة الْعَرُوس. وَكَانَ الإهداء، قَدِيما فأقرها الْإِسْلَام. الثَّانِيَة: كَونهَا قَليلَة فالمودة إِذا صحت سقط التَّكَلُّف فحال أم سليم كَانَ أقل. الثَّالِثَة: اتِّخَاذ الْوَلِيمَة فِي الْعرس قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ بعد الدُّخُول، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: كَانَ دُخُوله ﷺ بعد هَذِه الْوَلِيمَة. الرَّابِعَة: دُعَاء النَّاس إِلَى الْوَلِيمَة بِغَيْر تَسْمِيَة وَلَا تكلّف وَهِي السّنة. الْخَامِسَة: فِيهِ معْجزَة عظمى دعى الْجمع الْكثير إِلَى شَيْء قَلِيل، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: أَنهم كَانُوا زهاء ثَلَاثمِائَة. السَّادِس: لطفه ﷺ وحياؤه الغريز حَيْثُ كَانَ يدْخل وَيخرج وَلَا يَقُول لمن كَانَ جَالِسا: أخرج. السَّابِعَة: فِيهِ الصَّبْر على أَذَى الصّديق الثَّامِنَة من سنة الْعرس إِذا فضل عِنْده طَعَام أَن يَدْعُو لَهُ من خف عَلَيْهِ من إخوانه، فَيكون زِيَادَة إعلان بِالنِّكَاحِ. التَّاسِعَة: فِيهِ التَّسْمِيَة على الْأكل. الْعَاشِرَة: السّنة الْأكل مِمَّا يَلِيهِ.
٥٦ - (بابُ اسْتِعارَةِ الثَّيابِ لِلْعَرُوسِ وغَيْرِها)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِعَارَة الثِّيَاب لأجل الْعَرُوس. قَوْله: (وَغَيرهَا) أَي: واستعارة غير الثِّيَاب مِمَّا يتجمل بِهِ الْعَرُوس من الْحلِيّ.
٤٦١٥ - حدَّثني عُبَيْدُ بنُ إسْماعِيلَ حدَّثنا أبُو أُسامَةَ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ، ﵂، أَنَّهَا اسْتَعارَتْ مِنْ أسْماءَ قِلَادَةً فَهلَكَتْ، فأرْسَلَ رسولُ الله ﷺ نَاسا مِنْ أصْحابِه
стр. 6039
ِ فِي طَلَبِها، فأدْركَتْهُمُ الصَّلَاةُ فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فلَمَّا أتَوُا النبيَّ ﷺ شَكَوْا ذالِكَ إلَيْهِ فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ، فَقَالَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ: جَزَاكِ الله خَيْرا، فَوَالله مَا نَزل بك أمْرٌ قَطُّ إلاّ جَعَلَ الله لَكِ مِنْهُ مَخْرَجا وجُعلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيه بَرَكَةٌ..
قيل لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة لِأَنَّهَا اسْتِعَارَة الثِّيَاب للعروس، واستعارة عَائِشَة من أَسمَاء قلادة وَلَيْسَت بِثَوْب، وَأجِيب بِأَنَّهُ قَالَ: وَغَيرهَا، وَهُوَ يتَنَاوَل القلادة وَغَيرهَا، كَمَا ذكرنَا الْآن، وردَّ بِأَن التَّرْجَمَة فِي اسْتِعَارَة الثِّيَاب وَغَيرهَا للعروس، وَعَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، حِين استعارتها لم تكن عروسا، وَقَالَ بَعضهم فِي وَجه الْمُطَابقَة: القلادة وَغَيرهَا من أَنْوَاع الملبوس الَّذِي يتزين بِهِ المزوج أَعم من أَن يكون عِنْد الْعرس أَو بعده. قلت: بَين مَا قَالَه وَبَين مَا يفهم من التَّرْجَمَة بُعد عَظِيم، وَالرَّدّ الَّذِي ذكرنَا رد أَيْضا لهَذَا، وَلَكِن إِذا أعدنا الضَّمِير فِي غَيرهَا: إِلَى الْعَرُوس، تتأتى الْمُطَابقَة على مَا لَا يخفى.
وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عرو بن الزبير بن الْعَوام.
والْحَدِيث قد مر فِي كتاب التَّيَمُّم فِي: بَاب إِذا لم يجد مَاء وَلَا تُرَابا، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن زَكَرِيَّاء بن يحيى عَن عبد الله بن نمير عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة إِلَى آخِره نَحوه وَمر الْكَلَام فِيهِ قَوْله فوَاللَّه مَا نزل بك أَمر إِلَى آخِره وَهُنَاكَ هَكَذَا فوَاللَّه نزل بك أَمر تكرهينه إِلَّا جعل الله لَك وللمسلمين فِيهِ خيرا.
٦٦ - (بابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إذَا أتَى أهْلَهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يَقُول الرجل إِذا أَتَى أَهله يَعْنِي إِذا أَرَادَ الْجِمَاع.
٥٦١٥ - حدَّثنا سَعْدُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا شَيْبانُ عنْ مَنْصُورُ عنْ سالِم بن أبي الجِعْدِ عنْ كُرَيْب عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : وَأما لَوْ أنَّ أحَدَكُمْ يَقُولِ حِينَ يأتِي أهْلَهُ: باسْمِ الله، أللَّهُمَّ جَنِّبْنِي الشَّيْطانَ مَا رزَقْتَنا، ثُمَّ قُدِّرَ بَيْنَهُما فِي ذالِكَ أوْ قُضِيَ وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطانٌ أبَدا..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَسعد بن حَفْص أَبُو مُحَمَّد الطلحي الْكُوفِي، يُقَال: لَهُ الضخم، وشيبان بن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وكريب مصغر كرب مولى ابْن عَبَّاس.
وَمضى الحَدِيث فِي الطَّهَارَة فِي: بَاب التَّسْمِيَة على كل حَال. وَمضى أَيْضا فِي بَدْء الْخلق فِي: بَاب صفة إِبْلِيس وَجُنُوده، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (أما) بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْمِيم حرف استفتاح بِمَنْزِلَة: أَلَا. قَوْله: (لَو أَن أحدكُم) كَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني. وَفِي رِوَايَة غَيره بِحَذْف: أَن وَفِي الَّذِي تقدم فِي: بده الْخلق، بِحَذْف أما لَو أَن أحدكُم إِذا أَتَى أَهله. قَالَ: وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَغَيره: لَو أَن أحدكُم إِذا أَرَادَ أَن يَأْتِي أَهله، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: أما أَن أحدكُم، أَو يَقُول: حِين يُجَامع مَعَ أَهله، وَفِي رِوَايَة لَهُ: لَو أَن أحدهم إِذا جَامع امْرَأَته ذكر الله. قَوْله: (بِسم الله اللَّهُمَّ جنبني) وَفِي رِوَايَة روح: ذكر الله قَالَ: اللَّهُمَّ جنبني، وجنبني بِالْإِفْرَادِ أَيْضا فِي: بَدْء الْخلق، وَفِي رِوَايَة همام: جنبنا بِالْجمعِ. قَوْله: (أَو قضي) كَذَا بِالشَّكِّ، وَفِي رِوَايَة سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مَنْصُور: فَإِن قضى الله بَينهمَا ولدا، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيقه، فَإِنَّهُ إِن يقدر بَينهمَا ولد فِي ذَلِك، وَفِي رِوَايَة جرير: ثمَّ قدر أَن يكون، وَالْبَاقِي مثله: وَفِي رِوَايَة همام: ثمَّ رزقا ولدا وَالْفرق بَين الْقَضَاء وَالْقدر من حَيْثُ اللُّغَة، وَأما من حَيْثُ الِاصْطِلَاح فالقضاء هُوَ الْأَمر الْكُلِّي الإجمالي الَّذِي فِي الْأَزَل، وَالْقدر هُوَ جزئيات ذَلِك الْكُلِّي وتفاصيل ذَلِك الْمُجْمل الْوَاقِعَة فِي مَا لَا يزَال، وَفِي الْقُرْآن إِشَارَة إِلَيْهِ ﴿وَإِن من شَيْء إِلَّا عندنَا خزائنه وَمَا ننزله إِلَّا بِقدر مَعْلُوم﴾ (الْحجر: ١٢) . قَوْله: (لم يضرّهُ) بِفَتْح الرَّاء وَضمّهَا. قَوْله: (شَيْطَان) كَذَا بالتنكير، وَفِي رِوَايَة مُسلم وَأحمد لم يُسَلط عَلَيْهِ الشَّيْطَان، أَو: لم يضرّهُ الشَّيْطَان، مَعْنَاهُ: لم يُسَلط عَلَيْهِ بِحَيْثُ لم يكن لَهُ الْعَمَل الصَّالح، وَقَالَ القَاضِي: لم يحملهُ أحد على الْعُمُوم فِي جَمِيع الضَّرَر والوساوس فَقيل المُرَاد إِنَّه لَا يصرعه شَيْطَان، وَقيل: لَا يطعن فِي بَطْنه عِنْد وِلَادَته، وَفِيه نظر لقَوْله ﷺ : مَا من مَوْلُود إلَاّ يمسهُ الشَّيْطَان حِين يُولد فَيَسْتَهِل صَارِخًا من مس الشَّيْطَان غير مَرْيَم وَابْنهَا، وَقيل: لم يُسَلط عَلَيْهِ من أجل بركَة التَّسْمِيَة، بل يكون من جملَة الْعباد الَّذين قيل فيهم: ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان﴾ (الْحجر: ٢٤) وَقيل: لم يضر فِي بدنه، وَقيل: لم يضرّهُ بمشاركة أَبِيه فِي جماع أمه
стр. 6040
كَمَا جَاءَ عَن مُجَاهِد: إِن الَّذِي يُجَامع وَلَا يُسمى يلتف الشَّيْطَان على أحليله فيجامع مَعَه.
٧٦ - (بابٌ الوَلِيمَةُ حَقٌّ)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته الْوَلِيمَة حق، وَلَيْسَ فِي أَلْفَاظ حَدِيث الْبَاب لفظ: حق وَإِنَّمَا جَاءَ لفظ: حق، فِي حَدِيث أخرجه الْبَيْهَقِيّ عَن أنس مَرْفُوعا: الْوَلِيمَة فِي أول يَوْم حق، وَفِي الثَّانِي معروص، وَفِي الثَّالِث رِيَاء وَسُمْعَة. ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: لَيْسَ بِقَوي، فِيهِ بكر بن خُنَيْس تكلمُوا فِيهِ. قلت: قَالَ الْعجلِيّ: كُوفِي ثِقَة وَأخرج الْحَاكِم حَدِيثه، وحسَّن التِّرْمِذِيّ حَدِيثه، وَجَاء لفظ: حق، أَيْضا فِي حَدِيث رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ من حَدِيث مُجَاهِد عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: الْوَلِيمَة حق وَسنة الحَدِيث، وَجَاء أَيْضا فِي حَدِيث أخرجه الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث وَحشِي بن حَرْب رَفعه: الْوَلِيمَة حق، وَالثَّانيَِة مَعْرُوف، وَالثَّالِثَة فَخر. وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: شَرّ الطَّعَام الْوَلِيمَة، يَدعِي الْغَنِيّ وَيتْرك الْمِسْكِين، وَهِي أَحَق، أَي: ثَابت فِي الشَّرْع، وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ الْوُجُوب، خلافًا لأهل الظَّاهِر، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مَعَ الْخلاف فِيهِ فِي: بَاب الصُّفْرَة للمتزوج.
وَقَالَ عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَوْفٍ: قَالَ لِي النبيُّ ﷺ : أوْلِمْ ولوْ بِشاةٍ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ مطولا فِي أَو كتاب الْبيُوع، وَالْأَمر فِيهِ للاستحباب. وَعند الظَّاهِرِيَّة للْوُجُوب، وَبِه قَالَ بعض الشَّافِعِيَّة لظَاهِر الْأَمر، وَفِي التَّوْضِيح للشَّافِعِيّ قَول آخر: إِنَّهَا وَاجِبَة أَي: الْوَلِيمَة، وَكَذَا رُوِيَ عَن أَحْمد، وَهُوَ مَشْهُور مَذْهَب مَالك قَالَه الْقُرْطُبِيّ.
٦٦١٥ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حدّثني اللَّيْثُ عنْ عقيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ: أخْبرَنِي أنَسُ بنُ مالِكٍ، ﵁، أنّهُ كانَ ابنَ عَشْرَ سِنِينَ مَقْدَمَ رسولِ الله ﷺ المَدِينَةَ فَكانَ أُمَّهاتِي يُوَاظِبْنَنِي علَى خِدْمَةِ النبيِّ ﷺ ، فَخَدَمْتُهُ عشْرَ سِنِينَ وتُوفِّيَ النبيُّ ﷺ وَأَنا ابنُ عِشْرينَ سَنَةً، فَكُنْتُ أعْلَمَ النَّاسِ بِشَأْنِ الحِجاب حِينَ أُنْزِلَ، وكانَ أوَّل مَا أُنْزِلَ فِي مُبتَنيَ رسولِ الله ﷺ بِزَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ، أصْبَحَ النبيُّ ﷺ ، بهَا عروسا، فَدَعَا الْقَوْم فَأَصَابُوا من الطَّعَام ثمَّ خَرجُوا، وَبَقِي رَهْط مِنْهُم عِنْد النَّبِي ﷺ فأطالُوا المُكْثَ فقامَ النبيُّ ﷺ فَخَرَج وخَرَجْتُ مَعَهُ لِكَيْ يَخْرُجُوا فَمشى النَّبِي ﷺ ومشيت حَتَّى جَاءَ عتبَة حجرَة عَائِشَة ثمَّ ظن أَنهم خَرجُوا فَرَجَعَ ورجَعْتُ مَعَهُ حتَّى إِذا دَخَلَ علَى زَيْنَبَ فإِذَا هُمْ جُلُوسٌ لَمْ يَقُومُوا، فَرَجَعَ النبيُّ ﷺ ورَجَعْتُ مَعَهُ حتَّى إذَا بلَغَ عَتَبَةَ حُجْرَةِ عائِشَةَ وظَنَّ أنَّهُمْ خَرَجُوا فَضَرَبَ النبيُّ ﷺ يَبْني وَبيْنَهُ وأُنْزِلَ الحِجابُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَدَعَا الْقَوْم فَأَصَابُوا من الطَّعَام) كَانَ للوليمة وَلَكِن الْمُطَابقَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة فَقَط لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذكر لفظ: حق، كَمَا ذكرنَا. والْحَدِيث عَن أنس قد مضى فِي: بَاب الْهَدِيَّة للعروس عَن قريب.
قَوْله: (مقدم رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم) ، بِالنّصب على الظّرْف، أَي: زمَان قدومه. قَوْله: (فَكَانَ أمهاتي) ، ويروى: كَانَ أمهاتي، من قبيل: أكلموني البراغيث، وَالْأَصْل: وَكَانَت أمهاتي، وَأَرَادَ أمه وَأَخَوَاتهَا يَعْنِي: خالات أنس. قَوْله: (يواظبني) من الْمُوَاظبَة على الشَّيْء وَهُوَ الِاسْتِمْرَار عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: يواظئنني، من المواطأة بِالطَّاءِ الْمُهْملَة وَهِي: وطأت نَفسِي على الشَّيْء إِذا رَعيته وحرصت عَلَيْهِ. قَوْله: (فِي مبتني) أَي: زمَان ابتناه رَسُول الله ﷺ بِزَيْنَب بنت جحش، وَوقت دُخُوله عَلَيْهَا. قَوْله: (وَبَقِي رَهْط) ، وَفِي رِوَايَة: بَاب الْهَدِيَّة للعروس: نفر، بدل: رَهْط، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: النَّفر رَهْط الْإِنْسَان وعشيرته، وَهُوَ اسْم جمع يَقع على جمَاعَة الرِّجَال خَاصَّة مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الشعرة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَقَالَ: الرَّهْط عشيرة
стр. 6041
الرجل وَأَهله، من الرِّجَال مَا دون الْعشْرَة، وَقيل: إِلَى الْأَرْبَعين وَلَا يكون فيهم امْرَأَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفْظَة. قَوْله: (وَأنزل الْحجاب) ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تدْخلُوا بيُوت النَّبِي﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٥) الْآيَة.
٨٦ - (بابُ الوَلِيمَةِ ولوْ بِشاةٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ الْوَلِيمَة حق وَلَو عملت بِشَاة، وَقد ذكرنَا أَن معنى: معنى ثَابت فِي الشَّرْع، وَقَالَ ابْن بطال: يَعْنِي أَن الزَّوْج ينْدب إِلَيْهَا، وَيجب عَلَيْهِ وجوب سنة وفضيلة، وَهِي على قدر الْإِمْكَان الْوُجُوب لإعلان النِّكَاح.
٧٦١٥ - حدَّثنا عَليٌّ حَدثنَا سُفْيانُ قَالَ: حدّثني حُمَيْدٌ أنَّهُ سَمِعَ أنَسا، ﵁، قَالَ: سألَ النبيُّ ﷺ ، عبدَ الرَّحْمانِ بنَ عَوْفٍ وتَزَوَّجَ امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ: كَمْ أصْدَقْتَها؟ قَالَ: وزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَب.
وعنْ حُمَيْدٍ: سَمِعْتُ أنَسا قَالَ: لمَّا قَدِمُوا المَدِينَةَ نَزَلَ المُهاجرُونَ علَى الأنْصارِ، فَنَزَلَ عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَوْفٍ علَى سَعْدِ بنِ الربِيعِ فَقَالَ: أقاسِمُكَ مالِي وأنْزِلُ لَكَ عنْ إحْدَى امْرَأتَيَّ. قَالَ: بارَكَ الله لَكَ فِي أهْلِكَ ومالِكَ، فَخَرَجَ إِلَى السُّوقِ فَباعَ واشْتَرَى فأصابَ شَيْئا مِنْ أقِطٍ وسَمْنٍ، فَتَزَوَّج فَقَالَ النبيُّ ﷺ : أوْلِمْ ولوْ بِشاةٍ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أولم وَلَو بِشَاة) . وَعلي هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة.
قَوْله: (وَتزَوج امْرَأَة من الْأَنْصَار) جملَة حَالية أَي: وَقد تزوج امْرَأَة وَهِي بنت أبي الحيسر بن رَافع بن امرىء الْقَيْس، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح السِّين الْمُهْملَة وَفِي آخِره رَاء، واسْمه أنس بن رَافع الأوسي. قَوْله: (وزن نواة) ، بِنصب النُّون من وزن على المفعولية، أَي: أصدقت وزن نواة، وَيجوز الرّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: الَّذِي أَصدقتهَا وزن نواة.
قَوْله: (وَعَن حميد سَمِعت أنسا) عطوف على الأول قيل: وَيحْتَمل أَن يكون مُعَلّقا، والعمدة على الأول، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني أَنه سمع أنسا مثل الَّذِي قبله، وَصرح فِي الْكل بِسَمَاع حميد من أنس فَحصل الْأَمْن من التَّدْلِيس. وَأخرجه الْحميدِي فِي مُسْنده وَمن طَرِيقه أَبُو نعيم فِي الْمُسْتَخْرج عَن سُفْيَان بِالْحَدِيثِ كُله مفرقا، وَقَالَ فِي كل مِنْهُمَا: أَنا حميد أَنه سمع أنسا، وَأخرجه ابْن أبي عمر فِي مُسْنده عَن سُفْيَان وَمن طَرِيقه الْإِسْمَاعِيلِيّ، فَقَالَ: عَن حميد عَن أنس وسق الْجَمِيع حَدِيثا وَاحِدًا، وَقدم الْقِصَّة الثَّانِيَة على الأولى كَمَا فِي رِوَايَة غير سُفْيَان، وَالْبُخَارِيّ فرقه حديثين: فَذكر فِي الأول: سُؤال النَّبِي ﷺ عبد الرَّحْمَن عَن قدر الصَدَاق، وَفِي الثَّانِي: أول الْقِصَّة، قَالَ: لما قدمُوا الْمَدِينَة إِلَخ، وَرُوِيَ البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي أَوَائِل النِّكَاح فِي: بَاب قَول الرجل: أنظر أَي زَوْجَتي شِئْت؟ من طَرِيق سُفْيَان الثَّوْريّ، وَفِي: بَاب الصُّفْرَة للمتزوج من رِوَايَة مَالك، وَفِي فضل الْأَنْصَار من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر، وَفِي أول الْبيُوع من رِوَايَة زُهَيْر بن مُعَاوِيَة، وَسَيَأْتِي فِي الْأَدَب من رِوَايَة يحيى الْقطَّان، كلهم عَن حميد عَن أنس، وَمضى فِي: بَاب مَا يدعى للمتزوج من رِوَايَة ثَابت، وَفِي: بَاب ﴿وَآتوا النِّسَاء صدقاتهن﴾ (النِّسَاء: ٤) عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب وَقَتَادَة كلهم عَن أنس.
قَوْله: (على سعد بن الرّبيع) وَالربيع هُوَ ابْن عَمْرو بن أبي زُهَيْر الْأنْصَارِيّ الخزرجي عَقبي بَدْرِي نقيب، كَانَ أحد نقباء الْأَنْصَار، وَكَانَ كَاتبا فِي الْجَاهِلِيَّة وَشهد الْعقبَة الأولى وَالثَّانيَِة وَشهد بَدْرًا وَقتل يَوْم أحد شَهِيدا، وَكَانَ ذَا غنى. قَوْله: (إِحْدَى امْرَأَتي) بِفَتْح التَّاء ويشديد الْيَاء، وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر: ولي امْرَأَتَانِ فَانْظُر أعجبهما إِلَيْك أطلقها، فَإِذا حلت تَزَوَّجتهَا. وَفِي حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. فأقسم لَك نصف مَالِي وَانْظُر أَي زوجتيّ هويت فَأنْزل لَك عَنْهَا، فَإِذا حلت تَزَوَّجتهَا. وَنَحْوه. وَفِي رِوَايَة يحيى بن سعيد، وَفِي لفظ: فَانْظُر أعجبهما إِلَيْك فسمها لي أطلقها، فَإِذا انْقَضتْ عدتهَا فَتَزَوجهَا، وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن أَحْمد. فَقَالَ لَهُ سعد: أَي أخي إِنَّا أَكثر أهل الْمَدِينَة مَالا فَانْظُر شطر مَالِي فَخذه، وتحتى امْرَأَتَانِ فَانْظُر أَيهمَا أعجب إِلَيْك حَتَّى أطلقها. وَقيل: اسْم إِحْدَى امرأتيه عمْرَة بنت حزم الْأَنْصَارِيَّة، وَاسم الْأُخْرَى: حَبِيبَة بنت زيد ابْن أبي زُهَيْر. قَوْله: (أولم وَلَو بِشَاة) قَالَ بَعضهم: كلمة: لَو، هُنَا لِلتَّمَنِّي. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل هِيَ للتقليل نَحْو: تصدقوا وَلَو بظلف محرقة.
стр. 6042
٨٦١٥ - حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ حَدثنَا حَمَّادٌ عنْ ثابِتٍ عنْ أنَسٍ قَالَ: مَا أوْلَمَ النبيُّ ﷺ علَى شَيْء مِنْ نِسائِهِ مَا أوْلَمَ علَى زَيْنَبَ، أوْلَمَ بِشاةٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. حَمَّاد هُوَ ابْن زيد.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن أبي الرّبيع وَأبي كَامِل وقتيبة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَطْعِمَة عَن قُتَيْبَة ومسدد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي النِّكَاح عَن أَحْمد بن عَبدة.
قَوْله: (مَا أولم على زَيْنَب) أَي: زَيْنَب بنت جحش. قَوْله: (أولم بِشَاة) هَذَا لَيْسَ للتحديد، وَإِنَّمَا وَقع اتِّفَاقًا. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: الْإِجْمَاع على أَنه لأحد لأكثرها، وَقَالَ بَعضهم: وَقد يُؤْخَذ من عبارَة صَاحب التَّنْبِيه من الشَّافِعِيَّة: أَن الشَّاة حد لأكْثر الْوَلِيمَة لِأَنَّهُ قَالَ: وأكملها شَاة. قلت: لَم لَا يجوز أَن يكون معنى: أكملها بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّمْر والأقط وَالسمن الْمَذْكُورَة فِي ولائم النَّبِي الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم؟ أَو يكون مَعْنَاهُ. أفضلهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة.
٩٦١٥ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ عنْ عبْدِ الوَارِثِ عنْ شُعَيْبٍ عنْ أنَسٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ ، أعْتَقَ صَفِيَّةَ وتَزَوَّجَها وجَعَلَ عِتْقَها صَدَاقَها، وَأوْلَمَ علَيْها بِحَيْسٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبد الْوَارِث هُوَ ابْن سعيد الْبَصْرِيّ، وَشُعَيْب بن الحبحاب بالحاءين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى، أَبُو صَالح الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن زُهَيْر بن حَرْب وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن مَنْصُور وَغَيره، وَقد مر وُجُوه فِي جعل الْعتْق الصَدَاق، وأصحها أَنه ﷺ أعْتقهَا تَبَرعا ثمَّ تزَوجهَا بِرِضَاهَا بِلَا صدَاق. قَوْله: (بحيس) قد مر تَفْسِيره عَن قريب، فَإِن قلت: قد مضى فِي: بَاب اتِّخَاذ السراري من طَرِيق حميد عَن أنس: أَنه أَمر بالأنطاع فألقي فِيهَا من الأقط وَالتَّمْر وَالسمن، فَكَانَت وَلِيمَة قلت: لَا مُخَالفَة بَينهمَا لِأَن هَذِه من أَجزَاء الحيس.
٠٧٦١٥ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْماعِيلَ حَدثنَا زُهَيْرٌ عنْ بَيانٍ قَالَ: سَمِعْتُ أنْسَا يَقُولُ: نَبي النبيُّ ﷺ ، بامْرَأةٍ فأرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجالاٍ إِلَى الطَّعامِ..
هَذَا وَجه آخر عَن أنس بن مَالك. وَهُوَ الحَدِيث الْخَامِس كُله عَنهُ.
وَزُهَيْر مصغر زهر هُوَ ابْن مُعَاوِيَة الْجعْفِيّ، وَبَيَان، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون: هُوَ ابْن بشر الأحمسي.
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن عمر بن إِسْمَاعِيل وَقَالَ: حسن غَرِيب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن حَاتِم.
قَوْله: (بني النَّبِي ﷺ من الْبناء وَهُوَ الدُّخُول بِزَوْجَتِهِ، وَقد ذكر غير مرّة. قَوْله: (بِامْرَأَة) هِيَ زَيْنَب بنت جحش، قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: هُوَ كَذَلِك، وقط ظهر ذَلِك من رِوَايَة التِّرْمِذِيّ لِأَنَّهُ ذكر فِيهِ نزُول. قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تدْخلُوا بيُوت النَّبِي﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٥) الْآيَة، وَهَذَا فِي قصَّة زَيْنَب لَا محَالة، وَمضى شرحها فِي سُورَة الْأَحْزَاب.
٩٦ - (بابُ مَنْ أوْلَمَ علَى بَعْضِ نِسائِهِ أكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أولم على بعض نِسَائِهِ أَكثر من بعض.
١٧١٥ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ ثابِتٍ قَالَ: ذُكِرَ تَزْوِيجُ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ عِنْدَ أنَسٍ، فَقَالَ: مَا رَأيْتُ النبيَّ ﷺ أوْلَمَ علَى أحَدٍ مِنْ نِسائِهِ مَا أوْلَمَ علَيْها! أوْلَمَ بِشاةٍ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَعَلَّ السِّرّ فِي أَنه ﷺ أولم على زَيْنَب أَكثر كَانَ شكرا لنعمة الله ، لِأَنَّهُ زوجه، إِيَّاهَا بِالْوَحْي إِذا قَالَ تَعَالَى: قَوْله: ﴿فَلَمَّا قضى زيد مِنْهَا وطرا زَوَّجْنَاكهَا﴾ (الْأَحْزَاب: ٧٣) قَالَ ابْن بطال: لم يَقع ذَلِك قصدا لتفضيل بعض النِّسَاء على بعض، بل بِاعْتِبَار مَا اتّفق، وَأَنه لَو وجد الشَّاة فِي كل مِنْهُنَّ لأولم بهَا. لِأَنَّهُ كَانَ أَجود النَّاس، وَلَكِن كَانَ لَا يُبَالغ فِي أُمُور الدُّنْيَا كالتأنق، وَقيل: كَانَ ذَلِك لبَيَان الْجَوَاز، وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح: لَا شكّ أَن من زَاد فِي وليمته فَهُوَ أفضل لِأَن ذَلِك زِيَادَة فِي الإعلان واستزادة من الدُّعَاء بِالْبركَةِ فِي الْأَهْل وَالْمَال. قلت: الَّذِي ذكره الْكرْمَانِي هُوَ أحسن
стр. 6043
الْوُجُوه. فَإِن قلت: قد نفي أنس أَن يكون أولم على غير زَيْنَب بِأَكْثَرَ مِمَّا أولم عَلَيْهَا، وَقد أولم على مَيْمُونَة بنت الْحَارِث لما تزَوجهَا فِي عمْرَة الْقَضِيَّة بِمَكَّة بِأَكْثَرَ من شَاة. قلت: فَفِيهِ مَحْمُول على مَا انْتهى إِلَيْهِ علمه، أَو لما وَقع من الْبركَة فِي وليمتها حَيْثُ أشْبع الْمُسلمين خبْزًا وَلَحْمًا من الشَّاة الْوَاحِدَة. وَلِأَن قَضِيَّة مَيْمُونَة كَانَت بعد فتح خَيْبَر، وَكَانَت التَّوسعَة مَوْجُودَة فِي ذَلِك الْوَقْت بالتوسعة الْحَاصِلَة من فتح خَيْبَر.
٠٧ - (بابُ منْ أوْلَمَ بأقَلَّ مِنْ شاةٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أولم بِأَقَلّ من شَاة، وَإِنَّمَا ذكر هَذَا للتنصيص الَّذِي وَقع فِيهِ وَإِن كَانَ هَذَا مستفادا من الْأَحَادِيث الَّتِي قبلهَا.
٢٧١٥ - حدَّثنا مُحَمدُ بنُ يُوسُفَ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ مَنْصُورِ بنِ صَفِيَّةَ عنْ أُمِّهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قالَتْ: أوْلَمَ النبيّ ﷺ ، علَى بَعْضِ نِسائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ كَمَا جزم بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نعيم فِي مستخرجيهما وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَقَالَ الْكرْمَانِي مَا ملخصه: إِنَّه يحْتَمل أَن يكون مُحَمَّد بن يُوسُف البيكندي، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة لِأَن كلا من المحمدين رُوِيَ عَن السفيانين، وَلَا قدح فِي الْإِسْنَاد بِهَذَا الالتباس لِأَن كلّا مِنْهُمَا بِشَرْط البُخَارِيّ، وَمَنْصُور هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن بن طَلْحَة بن الْحَارِث بن طَلْحَة بن أبي طَلْحَة عبد الله بن عبد الْعُزَّى بن عُثْمَان بن عبد الدَّار بن قصي بن كلاب الْعَبدَرِي الحَجبي الْمَكِّيّ، قَالَ أَبُو حَاتِم: صَالح الحَدِيث، وَكَانَ خَاشِعًا بكَّاء، قتل جده الْحَارِث كَافِرًا يَوْم أحد، قَتله قزمان، وَصفِيَّة بنت شيبَة بن عُثْمَان بن أبي طَلْحَة مُخْتَلف فِي صحبتهَا وَكَانَت أحاديثها مُرْسلَة، وَقَالَ الْحَافِظ الدمياطي: وَالصَّحِيح فِي رِوَايَة صَفِيَّة عَن أَزوَاج النَّبِي ﷺ عَن رَسُول الله ﷺ ، وَقَالَ أَبُو الْحسن ﵀: انْفَرد البُخَارِيّ بِالْإِخْرَاجِ عَن صَفِيَّة عَن رَسُول الله ﷺ ، وَهِي من الْأَحَادِيث الَّتِي تعد فِيمَا أخرج من الْمَرَاسِيل. وَقد اخْتلف فِي رؤيتها النَّبِي ﷺ . وَقَالَ البرقاني: وَصفِيَّة هَذِه لَيست بصحابية فحديثها مُرْسل. وَقَالَ البرقاني: وَمن الروَاة من غلط فِيهِ فَقَالَ: عَن مَنْصُور بن صَفِيَّة عَن صَفِيَّة بنت حييّ عَن رَسُول الله ﷺ ، وَلما ذكره الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي كِتَابه قَالَ: هَذَا غلط لَا شكّ فِيهِ، وَقَالَ البرقاني: روى هَذَا الحَدِيث عبد الرَّحْمَن بن مهْدي ووكيع بن الْيَمَان عَن الثَّوْريّ فجعلوه من رِوَايَة صَفِيَّة بنت شيبَة، وَرَوَاهُ أَبُو أَحْمد الزبيرِي ومؤمل بن إِسْمَاعِيل وَيحيى بن الْيَمَان، عَن الثَّوْريّ فَقَالُوا فِيهِ: عَن صَفِيَّة بنت شيبَة عَن عَائِشَة، قَالَ: وَالْأول أصح فَإِن قلت: ذكر الْمزي فِي الْأَطْرَاف أَن البُخَارِيّ أخرج فِي كتاب الْحَج، عقيب حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس فِي تَحْرِيم مَكَّة، قَالَ: وَقَالَ أبان بن صَالح: عَن الْحسن بن مُسلم عَن صَفِيَّة بنت شيبَة قَالَت: سَمِعت النَّبِي ﷺ ... مثله، قَالَ: وَوَصله ابْن مَاجَه من هَذَا الْوَجْه قلت: قَالَ الْمزي أَيْضا: لَو صحَّ هَذَا لَكَانَ صَرِيحًا فِي صحبتهَا، لَكِن أبان بن صَالح ضَعِيف، وَكَذَا ضعفه ابْن عبد الْبر فِي التَّمْهِيد قلت يحيى بن معِين وَأَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة وَآخَرُونَ وثقوه، وَذكر الْمزي أَيْضا حَدِيث صَفِيَّة بنت شيبَة قَالَت: طَاف النَّبِي ﷺ على بعير يسْتَلم الرُّكْن بمحجن وَأَنا أنظر إِلَيْهِ أخرجه أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه، وَقَالَ الْمزي: وَهَذَا يضعف قَول من أنكر أَن يكون لَهَا رُؤْيَة فَإِن إِسْنَاده حسن، قيل: إِذا ثَبت رؤيتها فَمَا الْمَانِع أَن تسمع خطبَته. وَلَو كَانَت صَغِيرَة.
قَوْله: (على بعض نِسَائِهِ) ، لم يدر تَعْيِينهَا صَرِيحًا، قيل: أقرب مَا يُفَسر بِهِ أم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فقد أخرج ابْن سعد عَن الْوَاقِدِيّ بِسَنَد لَهُ إِلَى أم سَلمَة، قَالَت: لما خطبني النَّبِي ﷺ فَذكر قصَّة تَزْوِيجه بهَا، قَالَت أم سَلمَة: فَأَدْخلنِي بَيت زَيْنَب بنت خُزَيْمَة فَإِذا جرة فِيهَا شَيْء من شعير، فَأَخَذته فطحتنه ثمَّ عصدته فِي البرمة وَأخذت شَيْئا من إهالة فأدمته، فَكَانَ ذَلِك طَعَام رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (بمدين من شعير) ، وهما نصف صَاع لِأَن الْمَدِين تَثْنِيَة مد. وَالْمدّ ربع الصَّاع.
وَفِيه: أَن الْوَلِيمَة تكون على قدر الْمَوْجُود واليسار وَلَيْسَ فِيهَا أحد لَا يجوز الِاقْتِصَار على دونه.
١٧ - (بابُ إجابَةِ الوَلِيمَةِ والدَّعْوَةِ ومَنْ أوْلَمَ سَبْعَةَ أيَّامٍ ونَحْوَهُ ولَمْ يُوَقِّتِ النبيُّ ﷺ يَوْما وَلَا يَوْمَيْنِ)
стр. 6044
أَي: هَذَا فِي بَاب بَيَان إِجَابَة الْوَلِيمَة، وَفِي بعض النّسخ: بَاب حق إِجَابَة الْوَلِيمَة، وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى عَن قريب أَن الْوَلِيمَة طَعَام الْعرس والأملاك، وَقيل: طَعَام الْعرس خَاصَّة، وَقَالَ أَبُو عمر: أَجمعُوا على وجوب الْإِتْيَان إِلَى الْوَلِيمَة فِي الْعرس، وَاخْتلفُوا فِيمَا سوى ذَلِك.
قَوْله: (والدعوة) ، بِفَتْح الدَّال وَبِضَمِّهَا فِي الْحَرْب، وبكسرها فِي النّسَب، وَعطف الدعْوَة على الْوَلِيمَة من عطف الْعَام على الْخَاص لِأَن الْوَلِيمَة مُخْتَصَّة بِطَعَام الْعرس، وَقد وَردت أَحَادِيث كَثِيرَة فِي إِجَابَة الدعْوَة. مِنْهَا: حَدِيث أبي مُوسَى الْمَذْكُور فِي الْبَاب، وَكَذَا حَدِيث الْبَراء فِيهِ. قَوْله: (وَمن أولم سَبْعَة أَيَّام) ، عطف على قَوْله: إِجَابَة الدعْوَة، أَي: وَفِي بَيَان من أولم سَبْعَة أَيَّام وَنَحْوهَا ... أَي: نَحْو سَبْعَة أَيَّام، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: نَحْوهَا، قيل: إِن البُخَارِيّ ترْجم على جَوَاز الْوَلِيمَة سَبْعَة أَيَّام وَلم يَأْتِ فِيهِ بِحَدِيث، فاستدل على جَوَاز سَبْعَة أَيَّام وَنَحْوهَا بِإِطْلَاق الْأَمر بإجابة الدَّاعِي من غير تَقْيِيد، فاندرج فِيهِ السَّبْعَة الْمُدَّعِي أَنَّهَا مَمْنُوعَة. وَقَالَ صَاحب التَّلْوِيح كَأَن البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَرَادَ بقوله: (وَمن أولم سَبْعَة أَيَّام) مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِسَنَد صَحِيح من حَدِيث وهيب عَن أَيُّوب عَن مُحَمَّد: حَدَّثتنِي حَفْصَة أَن سِيرِين عرس بِالْمَدِينَةِ فأولم، فَدَعَا النَّاس سبعا، فَكَانَ فِيمَن دعى أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ صَائِم فَدَعَا لَهُم بِخَير وَانْصَرف، وَكَذَا ذكره حَمَّاد بن زيد إلَاّ أَنه لم يذكر حَفْصَة فِي إِسْنَاده وَقَالَ معمر عَن أَيُّوب: ثَمَانِيَة أَيَّام، وَالْأول أصح، وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة أَيْضا من طَرِيق حَفْصَة بنت سِيرِين، قَالَت: لما تزوج أبي دَعَا الصَّحَابَة سَبْعَة أَيَّام، فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْأَنْصَار دَعَا أبي بن كَعْب وَزيد بن ثَابت وَغَيرهمَا فَكَانَ أبي صَائِما فَلَمَّا طعموا دَعَا أبي وَأثْنى. قَوْله: (وَلم يُوَقت) أَي: لم يعين النَّبِي الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، للوليمة يَوْمًا لَا يَوْمَيْنِ للْإِيجَاب أَو للاستحباب، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْإِطْلَاق وَيمْنَع التَّحْدِيد إلَاّ بِحجَّة يجب التَّسْلِيم لَهَا. فَإِن قلت: رُوِيَ أَبُو دَاوُد بِسَنَد صَحِيح عَن عبد الله بن عُثْمَان الثَّقَفِيّ عَن رجل أَعور من بني ثَقِيف، كَانَ يُقَال لَهُ زُهَيْر مَعْرُوف أَي: يُثنى عَلَيْهِ خيرا، وَإِن لم يكن اسْمه زُهَيْر بن عُثْمَان فَلَا أَدْرِي مَا اسْمه: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: الْوَلِيمَة أول يَوْم حق، وَالثَّانِي مَعْرُوف، وَالْيَوْم الثَّالِث رِيَاء وسَمعه. انْتهى. فَكيف يَقُول البُخَارِيّ: وَلم يُوَقت النَّبِي ﷺ يَوْمًا لَا يَوْمَيْنِ؟ قلت: قَالُوا إِنَّه لم يَصح عِنْده وَقَالَ فِي تَارِيخه الْكَبِير: لَا يَصح إِسْنَاده وَلَا يعرف لَهُ صُحْبَة، وَلما ذكره أَبُو عمر تبع البُخَارِيّ فَقَالَ: فِي إِسْنَاده نظر، يُقَال: إِن حَدِيثه مُرْسل وَلَيْسَ لَهُ غَيره. وَلَكِن قَالَ غَيره: هَذَا حَدِيث صَحِيح سَنَده حسن مَتنه، وَإِذا لم يعرفهُ هُوَ فقد عرفه غَيره، وَقَالَ ابْن حبَان فِي كتاب الصَّحَابَة: لَهُ صُحْبَة، وَذكره فِي جُمْلَتهمْ من غير تردد جمَاعَة كَثِيرَة مِنْهُم ابْن أبي خَيْثَمَة فِي تَارِيخه الْأَوْسَط وَأَبُو أَحْمد العسكري وَالتِّرْمِذِيّ فِي تَارِيخه وَابْن السكن وَابْن قَانِع وَأَبُو عَمْرو الفلاس وَأَبُو الْفَتْح الْأَزْدِيّ فِي كِتَابه المخزون والبغويان أَحْمد فِي مُسْنده الْكَبِير وَابْن بنته، وَقَالَ: لَا أعلم لزهير غير هَذَا: وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ وَأَبُو نعيم وَابْن مَنْدَه الأصبهانيان وَمُحَمّد بن سعد كَاتب الْوَاقِدِيّ وَذكر غير وَاحِد أَن الْحسن رُوِيَ عَنهُ فَإِن قلت: دخل بَينهمَا عبد الله بن عُثْمَان قلت: لَا يضر ذَلِك لِأَنَّهُ مَعْدُود أَيْضا فِي جملَة الصَّحَابَة عِنْد أبي مُوسَى الْمَدِينِيّ، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الدِّمَشْقِي: أدْرك النَّبِي ﷺ وَاسْتشْهدَ باليرموك. فَإِن قلت: رُوِيَ النَّسَائِيّ عَن الْحسن عَن النَّبِي ﷺ مُرْسلا. قلت: لَا يضر ذَلِك الحَدِيث لِأَن الْحسن صَاحب فَتْوَى وَفقه، فَرُبمَا يسْأَل عَن شَيْء يكون مُسْندًا فيذكره بِغَيْر سَنَد، وَرُبمَا ينشط فيذكر سَنَده، وَهَذِه عَاده أشباهه من أَصْحَاب الْفَتْوَى، وَلَئِن سلمنَا للْبُخَارِيّ فِي إرْسَاله فالاصطلاح الحديثي: أَن الْمُرْسل إِذا جَاءَ نَحوه مُسْندًا من وَجه آخر قوى حَتَّى لَو عَارضه حَدِيث صَحِيح لَكَانَ الرُّجُوع إِلَيْهِمَا أولى، وَقد مر أَن لمتنه أصلا فَلذَلِك حكمُوا على الْمَتْن بالْحسنِ، من ذَلِك مَا رَوَاهُ عبد الله بن مَسْعُود أَن رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، قَالَ: طَعَام أول يَوْم حق، وَطَعَام يَوْم الثَّانِي سنة، وَطَعَام يَوْم الثَّالِث سمعة وَمن سمع سمع الله بِهِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَانْفَرَدَ بِهِ، وَقَالَ: لَا نعرفه مَرْفُوعا إلَاّ من حَدِيث زِيَاد بن عبد الله وَهُوَ كثير الغرائب والمناكير، وَمِنْه مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : الْوَلِيمَة أول يَوْم حق، وَالثَّانِي مَعْرُوف، وَالثَّالِث رِيَاء وَسُمْعَة، وَفِي سَنَده عبد الْملك بن حُسَيْن النَّخعِيّ الوَاسِطِيّ تكلم فِيهِ غير وَاحِد، وَمِنْه مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أنس: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: الْوَلِيمَة أول يَوْم حق، وَالثَّانِي مَعْرُوف، وَالثَّالِث رِيَاء وَسُمْعَة، وَقَالَ صَاحب التَّلْوِيح: سَنَده صَحِيح فَإِن قلت: قد قَالَ الْبَيْهَقِيّ: لَيْسَ هَذَا الحَدِيث بقوى وَفِيه بكير بن خُنَيْس تكلمُوا فِيهِ. قلت: أثنى عَلَيْهِ جمَاعَة مِنْهُم أَحْمد بن صَالح
стр. 6045
الْعجلِيّ، قَالَ: كُوفِي ثِقَة، وَقَالَ البرقي عَن يحيى بن معِين: لَا بَأْس بِهِ، وَخرج الْحَاكِم حَدِيثه فِي الْمُسْتَدْرك.
٣٧١٥ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عبْدِ الله بنِ عُمَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قَالَ: إِذا دُعِيَ أحَدُكُمْ إِلَى الوَلِيمَةِ فَلْيأتها.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث أخرجه فِي النِّكَاح عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَطْعِمَة عَن القعْنبِي وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن أبي قدامَة عبيد الله بن سعيد. قَوْله: (فليأتها) أَي: فليحضرها. وَقيل: فليأت مكاتبها. أَي: مَكَان الْوَلِيمَة، وَاخْتلف فِي هَذَا الْأَمر فَقَالَ الْكرْمَانِي: وَالأَصَح أَنه إِيجَاب، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى عَن قريب.
٤٧١٥ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا يَحْيَى عنْ سُفْيانَ قَالَ: حدّثني مَنْصُورٌ عَن أبي وائِلٍ عنْ أبي مُوسَى عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: فُكُّوا العانِيَ وأجِيبُوا الدَّاعِيَ وعُودُوا المَريضَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وأجيبوا الدَّاعِي) وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَأَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ.
والْحَدِيث قد مر فِي الْجِهَاد فِي: بَاب فكاك الْأَسير.
قَوْله: (العاني) أَي: الْأَسير وَقَالَ ابْن التِّين: (وأجيبوا الدَّاعِي) يُرِيد إِلَى وَلِيمَة الْعرس. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الدَّاعِي أَعم من أَن يكون إِلَى وَلِيمَة الْعرس أَو إِلَى غَيرهَا. وَلكنه خص بإجابة صَاحب الْوَلِيمَة لما فِيهِ من الإعلان بِالنِّكَاحِ وَإِظْهَار أمره. فَإِن قلت: فَالْأَمْر مُسْتَعْمل بِإِطْلَاق وَاحِد فِي الْإِيجَاب وَالنَّدْب وَذَلِكَ مَمْنُوع عِنْد الْأُصُولِيِّينَ. قلت: جوزه الشَّافِعِي وَأما عِنْد غَيره فَيحمل على عُمُوم الْمجَاز. قَوْله: (وعودوا الْمَرِيض) ويروى: وعوداو المرضى بِالْجمعِ.
٥٧١٥ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ الرَّبِيعِ حدَّثنا أبُو الأحْوَصِ عنِ الأشْعَثِ عنْ مُعَاوِيَةَ بنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: قَالَ البَرَاءُ بنُ عازِب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: أمَرَنا النبيُّ ﷺ بِسَبْعٍ ونَهانا عنْ سَبْعٍ: أمَرَنا بِعيادَةِ المَرِيضِ واتِّباعِ الجَنازَةِ وتَشْمِيتِ العاطسِ وإبْرارِ القَسَمِ ونَصْرِ المَظْلُومِ وإفْشاءِ السَّلَامِ وإجابَةِ الدَّاعِي، ونَهانا عنْ خَواتِيمِ الذَّهَب وعنْ آنِيَةِ الفِضَّةِ وَعَن المَياثِرِ والقَسِّيَّةِ الإسْتَبْرَقِ والدِّيباجِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَإجَابَة الدَّاعِي) . وَأَبُو الْأَحْوَص سَلام بن سليم الْحَنَفِيّ مولى بني حنيفَة، والأشعث هُوَ ابْن أبي الشعْثَاء بِالْمُثَلثَةِ فِيهَا وَاسم أبي الشعْثَاء سليم الْمحَاربي، وَمُعَاوِيَة بن سُوَيْد بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو.
وَرِجَال السَّنَد كلهم كوفيون، والبراء أَيْضا نزل الْكُوفَة.
والْحَدِيث مر فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب اتِّبَاع الْجَنَائِز.
قَوْله: (وتشميت الْعَاطِس) بالشين الْمُعْجَمَة وبالمهملة أَيْضا، وَالْأول أفْصح اللغتين وَهُوَ الدُّعَاء بِالْخَيرِ وَالْبركَة. قَوْله: (وإبرار الْقسم) هُوَ تَصْدِيق من أقسم عَلَيْك، وَهُوَ أَن تفعل مَا سَأَلَهُ، يُقَال: أبر الْقسم إِذا صدقه وَقيل: المُرَاد أَنه لَو حلف أحد على أَمر مُسْتَقْبل وَأَنت تقدر على تَصْدِيق يَمِينه كَمَا لَو أقسم. أَن لَا يفارقك حَتَّى تفعل كَذَا وَأَنت تَسْتَطِيع فعله فافعله لِئَلَّا يَحْنَث، ويروى: وإبراز الْمقسم على صيفه اسْم الْفَاعِل من أقسم قَوْله: (وَإجَابَة الدَّاعِي) وَرُوِيَ أَبُو الشَّيْخ من حَدِيث إِسْرَائِيل عَن الْأَعْمَش عَن أبي وَائِل عَن عبد الله، قَالَ رَسُول الله ﷺ : أَقبلُوا الْهَدِيَّة وأجيبوا الدَّاعِي، وَعند مُسلم عَن جَابر يرفعهُ: إِذا دعِي أحدكُم فليجب فَإِن كَانَ صَائِما فَليصل، وَإِن كَانَ مُفطرا فليطعم. وَفِي لفظ: إِن شَاءَ طعم وَإِن شَاءَ ترك، وَعند أَحْمد عَن أنس: أَن يَهُودِيّا دَعَا النَّبِي ﷺ إِلَى خبز شعير وإهالة سنخة فَأَجَابَهُ، وَعِنْده أيضال من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن الْأَعْرَج عَنهُ: شَرّ الطَّعَام طَعَام الْوَلِيمَة تدعى لَهَا الْأَغْنِيَاء وتترك الْفُقَرَاء، وَمن ترك الدعْوَة فقد عصى الله وَرَسُوله. قَوْله: (وَعَن المياثر) . جمع الميثرة بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَالرَّاء: وَهِي فرَاش صَغِير من الْحَرِير محشو بالقطن يَجعله الرَّاكِب تَحْتَهُ. قَوْله: (والقسية) بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر
стр. 6046
الْحُرُوف: ضرب من ثِيَاب كتَّان مخلوط بحرير ينْسب إِلَى قَرْيَة بالديار المصرية. قلت: القسي، بَلْدَة كَانَت على سَاحل الْبَحْر بِالْقربِ من دمياط ركب عَلَيْهَا الْبَحْر فاندرست وَكَانَ ينسج فِيهَا القماش من الْحَرِير وَلَا يُوجد لَهُ نَظِير من حسنه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقيل: هُوَ القز وَهُوَ الرَّدِيء من الْحَرِير أبدلت الزَّاي سينا. قَوْله: (والاستبرق) وَهُوَ مَا غلظ من الْحَرِير. وَهِي لَفْظَة أَعْجَمِيَّة معربة لأصلها باستبره (والديباج) الثِّيَاب المتخذة من الإبر يسم، فَارسي مُعرب وَقد يفتح أَوله وَيجمع على ديابيح وديابيج بِالْيَاءِ وَالْبَاء لِأَن أَصله دباج بِالتَّشْدِيدِ قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْمنْهِي عَنْهَا سِتّ لَا سبع؟ قلت: السَّابِع هُوَ الْحَرِير، وَسَيَجِيءُ صَرِيحًا فِي كتاب اللبَاس.
تابَعَهُ أبُو عَوَانَةَ والشَّيْبَانِيُّ عنْ أشْعَثَ فِي إفْشاءِ السّلَامِ
أَي: تَابع أَبَا الْأَحْوَص سَلام بن سليم المذكورأبو عوَانَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي فِي رواي عَن أَشْعَث الْمَذْكُور فِي إفشاء السَّلَام، يَعْنِي فِي رِوَايَة بِلَفْظ: إفشاء السَّلَام. لِأَن غَيره رُوِيَ رد السَّلَام وَهُوَ رِوَايَة شُعْبَة عَن أَشْعَث كَمَا مر فِي الْجَنَائِز فَإِن فِيهَا ورد السَّلَام، وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة البُخَارِيّ أَيْضا فِي كتاب الْأَشْرِبَة فِي: بَاب آنِية الْفضة حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن الْأَشْعَث إِلَى آخِره، وَلَفظه: وإفشاء السَّلَام. قَوْله: (والشيباني) أَي: تَابع أَبَا الْأَحْوَص أَيْضا أَبُو إِسْحَاق سُلَيْمَان الشَّيْبَانِيّ، فِي رِوَايَة عَن أَشْعَث بِلَفْظ: إفشاء السَّلَام، وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة البُخَارِيّ أَيْضا فِي كتاب الاسْتِئْذَان عَن قُتَيْبَة عَن جرير عَن الشَّيْبَانِيّ عَن أَشْعَث إِلَى آخِره: وإفشاء السَّلَام.
٦٧١٥ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا عبْدُ العَزِيزِ بنُ أبي حازِمٍ عنْ أبي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ قَالَ: دَعا أبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ رسولَ الله ﷺ فِي عُرْسِهِ، وكَانَتِ امْرَأتُهُ يَوْمَئِذٍ خادِمَهُمْ وهْيَ العَرُوسُ قَالَ سَهْلٌ: تَدْرُونَ مَا سَقَتْ رسولَ الله ﷺ ؟ أنْقَعتْ لهُ تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ، فلَمَّا أكلَ سَقَتْهُ إيَّاهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فَإِن فِيهِ دَعْوَة أبي أسيد النَّبِي ﷺ وَإجَابَة النَّبِي ﷺ إِيَّاه، وَاسم أبي حَازِم سَلمَة بن دِينَار يروي عَن سهل بن سعد ويروي عَنهُ ابْنه عبد الْعَزِيز. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروي عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم عَن سهل وَهُوَ سَهْو إِذْ لَا بُد أَن يكون بَينهمَا أَبوهُ أَو رجل آخر.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَشْرِبَة عَن عَليّ. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَشْرِبَة عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن الصَّباح.
قَوْله: (أَبُو أسيد) بِضَم الْهمزَة وَفتح السِّين: مصغر أَسد، وَقيل بِفَتْح الْهمزَة وَكسر السِّين، وَالصَّوَاب الأول واسْمه مَالك بن ربيعَة السَّاعِدِيّ، وَقيل: إِنَّه آخر من مَاتَ من الْبَدْرِيِّينَ سنة سِتِّينَ أَو خمس وَسِتِّينَ، لَهُ عقب بِالْمَدِينَةِ وبغداد. قَوْله: (وَكَانَت امْرَأَته) أَي: امْرَأَة أبي أسيد، وَاسْمهَا سَلامَة ابْنة وهب بن سَلامَة بن أُميَّة. قَوْله: (خادمهم) لفظ الْخَادِم يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى، وَكَانَ ذَلِك قبل نزُول الْحجاب. قَوْله: (وَهِي الْعَرُوس) أَي: وَكَانَت خادمهم امْرَأَة أبي أسيد هِيَ الْعَرُوس. وَقد مر أَن الْعَرُوس يُطلق على كل من الزَّوْجَيْنِ، قَالَ صَاحب الْعين: رجل عروس فِي رجال عرس وَامْرَأَة عروس فِي نسَاء عرس، قَالَ: والعروس نعت اسْتَوَى فِيهِ الْمُذكر والمؤنث مَا داما فِي تعريسهما، أما إِذا عرس أَحدهمَا بِالْآخرِ فَالْأَحْسَن أَي يُقَال للرجل: معرس لِأَنَّهُ قد أعرس أَي: اتخذ عروسا. قَوْله: (تَدْرُونَ) همزَة الِاسْتِفْهَام فِيهِ مقدرَة أَي: أَتَدْرُونَ؟ قَوْله: (مَا سقت) أَي: امْرَأَة أبي أسيد الْعَرُوس. قَوْله: (أنقعت) على لفظ الغائبة من الْمَاضِي من أنقعت الشَّيْء فِي المَاء، وَيُقَال: طَال إنقاع المَاء واستنقاعه ومادته نون وقاف وَعين مُهْملَة. قَوْله: (فَلَمَّا أكل) ، أَي: النَّبِي ﷺ (الطَّعَام سقته إِيَّاه) أَي: سقت نَقِيع النَّبِي الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم.
وَفِيه: إِجَابَة الدعْوَة وَقد ذكرنَا الِاخْتِلَاف فِيهِ إِذا كَانَت لغير الْعرس من الدَّعْوَات، فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْري وَمَالك: يجب إتْيَان وَلِيمَة الْعرس وَلَا يجب إتْيَان غَيرهَا من الدَّعْوَات، وَمن شَرط الْإِجَابَة أَن لَا يكون هُنَاكَ مُنكر، وَقد رَجَعَ ابْن مَسْعُود وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. لما رَأيا تصاوير ذَات الْأَرْوَاح.
٢٧ - (بابُ مَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى الله ورسولَهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال من ترك الدعْوَة أَي: إِجَابَة الدعْوَة، وَظَاهره يَقْتَضِي أَن يكون الْمَعْنى من ترك دَعْوَة النَّاس وَلم يدع
стр. 6047
أحدا، وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن الْعِصْيَان عِنْد ترك الْإِجَابَة لدلَالَة الحَدِيث عَلَيْهِ. فَإِن قلت: قَوْله ﷺ الْوَلِيمَة حق، يَقْتَضِي الْعِصْيَان عِنْد ترك الدعْوَة. قلت: قد ذكرنَا أَن معنى: حق، غير بَاطِل وَلَا خلاف أَن الْوَلِيمَة فِي الْعرس سنة مَشْرُوعَة وَلَيْسَت بواجبة وَمَا ورد فِيهِ من الْأَمر فَمَحْمُول على الِاسْتِحْبَاب.
٧٧١٥ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ، ﵁، أنَّهُ كانَ يَقُولُ: شَرُّ الطَّعامِ طَعامُ الوَلِيمةِ يُدْعَى لَهَا الأغْنِياءُ ويُتْرَكُ الفُقَرَاءُ، ومَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَضَى الله ورسولَهُ ﷺ .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الزُّهْرِيّ يروي عَن الرجلَيْن كِلَاهُمَا أعرج واسمهما عبد الرَّحْمَن: أَحدهمَا: عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْهَاشِمِي. وَالثَّانِي: عبد الرَّحْمَن بن سعد المَخْزُومِي، وَالظَّاهِر أَن هَذَا هُوَ الأول لَا الثَّانِي. وَفِي رجال البُخَارِيّ: أعرج آخر ثَالِث يروي عَن أبي هُرَيْرَة اسْمه ثَابت بن عِيَاض الْقرشِي، وَيُقَال لَهُ: الْأَحْنَف. قلت: كَأَن الْكرْمَانِي: يستغرب هذاحتى ذكره، وَمثل هَذَا الَّذِي تتفق أَسمَاؤُهُم وَأَسْمَاء آبَائِهِم فِي الروَاة كثير، فَيحصل التَّمْيِيز بَينهم بالقرائن.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن يحيى بن يحيى وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَطْعِمَة عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي النِّكَاح عَن عَليّ بن مُحَمَّد الطنافسي وَهَذَا مَوْقُوف على أبي هُرَيْرَة، وَقَالَ أَبُو عمرَان: رجل رُوَاة مَالك لم يصرحوا بِرَفْعِهِ، وَقَالَ فِيهِ روح بن الْقَاسِم عَن مَالك بِسَنَدِهِ. قَالَ رَسُول الله ﷺ ؛ وَكَذَا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي غرائب مَالك من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن مسلمة بن قعنب عَن مَالك، وَقَالَ ابْن بطال: أول هَذَا الحَدِيث مَوْقُوف وَآخره يَقْتَضِي رَفعه لِأَن مثله لَا يكون رَأيا.
قَوْله: (شَرّ الطَّعَام) ، قَالَ الْكرْمَانِي: مَا معنى قَوْله: شَرّ مُطلقًا، وَقد يكون بعض الْأَطْعِمَة شرا مِنْهَا، ثمَّ أجَاب بِأَن المُرَاد شَرّ أَطْعِمَة الولائم طَعَام وَلِيمَة يدعى لَهَا الْأَغْنِيَاء وَيتْرك الْفُقَرَاء، وَقَالَ القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ: أَي من شَرّ الطَّعَام، كَمَا يُقَال: شَرّ النَّاس من أكل وَحده، أَي: من شرهم، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ شرا لما ذكر عَقِيبه فَكَأَنَّهُ قَالَ: شَرّ الطَّعَام طَعَام الْوَلِيمَة الت شَأْنهَا ذَلِك، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: شيخ شَيْخي التَّعْرِيف فِي الْوَلِيمَة للْعهد الْخَارِجِي إِذْ كَانَ من عَادَتهم دَعْوَة الْأَغْنِيَاء وَترك الْفُقَرَاء. قَوْله: (يَدعِي) إِلَى آخِره اسْتِئْنَاف بَيَان لكَونهَا شَرّ الطَّعَام فَلَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير: من لِأَن الرِّيَاء شرك خَفِي. قَوْله: (وَمن ترك الدعْوَة) ، حَال وَالْعَامِل يدعى يَعْنِي: يدعى الْأَغْنِيَاء. لَهَا وَالْحَال أَن الْإِجَابَة وَاجِبَة فيجيب الْمَدْعُو وَيَأْكُل شَرّ الطَّعَام، وَوَقع فِي لفظ مُسلم: بئس الطَّعَام طَعَام الْوَلِيمَة، وَفِي لفظ لَهُ مثل لفظ البُخَارِيّ. قَوْله: (وَيتْرك الْفُقَرَاء) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق معن بن عِيسَى بن مَالك: الْمَسَاكِين، بدل: الْفُقَرَاء. قَوْله: (وَمن ترك الدعْوَة) ، وَفِي لفظ مُسلم: فَمن لم يَأْتِ الدعْوَة، وَفِي لفظ: (وَمن لم يجب الدعْوَة) . قَوْله: (يَدعِي لَهَا) ، ويروي: يَدعِي إِلَيْهَا، وَالْجُمْلَة حَالية، وَفِي رِوَايَة ثَابت الْأَعْرَج: يمْنَعهَا من يَأْتِيهَا وَيَدعِي إِلَيْهَا من يأباها، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس: بئس الطَّعَام طَعَام الْوَلِيمَة يَدعِي إِلَيْهِ الشبعان وَيحبس عَنهُ الجيعان. قَوْله: (وَمن ترك الدعْوَة) أَي: إِجَابَة الدعْوَة، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ فِي التَّرْجَمَة، وَوَقع فِي رِوَايَة لِابْنِ عمر: (من دعى إِلَى وَلِيمَة فَلم يأتها فقد عصى الله وَرَسُوله) . فَهَذَا دَلِيل وجوب الْإِجَابَة لِأَن الْعِصْيَان لَا يُطلق إلَاّ على ترك الْوَاجِب، وَقَالَ ابْن بطال: لَا خلاف بَين الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِي وجوب الْإِجَابَة إِلَى دَعْوَة الْوَلِيمَة إلَاّ مَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: (نهينَا أَن نجيب دَعْوَة من يَدْعُو الْأَغْنِيَاء وَيتْرك الْفُقَرَاء) . وَقد دَعَا ابْن عمر فِي دَعوته الْأَغْنِيَاء والفقراء، فَجَاءَت قُرَيْش وَالْمَسَاكِين مَعَهم، فَقَالَ ابْن عمر للْمَسَاكِين: هَهُنَا اجلسوا لَا تفسدوا عَلَيْهِم ثِيَابهمْ فَإنَّا سنطعمكم مِمَّا يَأْكُلُون. وَقَالَ ابْن حبيب: وَمن فَارق السّنة فِي وَلِيمَة فَلَا دَعْوَة لَهُ وَلَا مَعْصِيّة فِي ترك إجَابَته، وَقد حَدثنِي ابْن الْمُغيرَة أَنه سمع سُفْيَان الثَّوْريّ يَقُول: إِنَّمَا تَفْسِير إِجَابَة الدعْوَة إِذا دعَاك من لَا يفْسد عَلَيْك دينك وَلَا قَلْبك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: أَوله أَي: أول الحَدِيث مرغب عَن حُضُور الْوَلِيمَة بل محرم وَآخره مرغب فِيهِ، بل مُوجب. قلت: الْإِجَابَة
стр. 6048
لَا تَسْتَلْزِم الْأكل فيحضر وَلَا يَأْكُل، فالترغيب فِي الْإِجَابَة والتحذير عَن الْأكل انْتهى. قلت: الْمحرم فعل صَاحب الطَّعَام وَلَيْسَ يحرم الطَّعَام لدَعْوَة الْأَغْنِيَاء وَترك الْفُقَرَاء. وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة أَنه كَانَ يَقُول: أَنْتُم العاصون فِي الدعْوَة، تدعون من لَا يَأْتِي وتَدَعون من يأتيكم وَقَوله: والتحذير عَن الْأكل فِيهِ نظر لِأَن الْأكل مَأْمُور بِهِ إلَاّ إِذا كَانَ صَائِما لحَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي أخرجه مُسلم: إِذا دعِي أحدكُم فليجب، فَإِن كَانَ مُفطرا فليطعم، وَإِن كَانَ صَائِما فَليصل أَي: فَليدع، وَفعله ابْن عمر وَمد يَده وَقَالَ: بِسم الله، كلوا. فَلَمَّا مد الْقَوْم أَيْديهم، قَالَ: كلوا فَإِنِّي صَائِم. وَقَالَ قوم: ترك الْأكل مُبَاح وَإِن لم يصم إِذا أجَاب الدعْوَة، وَقد أجَاب عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلم يَأْكُل. قلت: إِبَاحَة ترك الْأكل على زعم هَؤُلَاءِ الْقَوْم لَا يسْتَلْزم التحذير عَنهُ كَمَا قَالَه الْكرْمَانِي فِيمَا مضى الْآن، وَالتَّرْغِيب عَن الْأكل. وَيُمكن أَن عليا ترك الْأكل لكَونه صَائِما، وَهَذَا ابْن عمر صرح بِأَنَّهُ صَائِم وَتَركه الْأكل كَانَ لكَونه صَائِما لوُجُوب التحذير عَنهُ.
٣٧ - (بابُ مَنْ أجابَ إِلَى كُرَاعٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أجَاب إِلَى دَعْوَة فِيهَا كرَاع، وَفِي بعض النّسخ: بَاب من دعِي إِلَى كرَاع، والكراع، بِضَم الْكَاف وَتَخْفِيف الرَّاء وبالعين الْمُهْملَة: مستدق السَّاق من الرجل وَمن حد الرسغ من الْيَد وَهُوَ من الْبَقر وَالْغنم بِمَنْزِلَة الوظيف من الْفرس وَالْبَعِير. وَقيل: الكراع مَا دون الكعب من الدَّوَابّ، وَقَالَ ابْن فَارس: كرَاع كل شَيْء طرفه.
٨٧١٥ - حدَّثنا عَبْدَانُ عنْ أبي حَمْزَةَ عنِ الأعْمشِ عنْ أبي حازِمٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأجَبْتُ ولَوْ أهْدِيَ إلَيَّ ذِرَاعٌ لَقَبِلْتُ.
(انْظُر الحَدِيث ٨٦٥٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة، وَأَبُو حَمْزَة بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي مُحَمَّد بن مَيْمُون السكرِي الْمروزِي، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان بن مهْرَان، وَأَبُو حَازِم سلمَان الْأَشْجَعِيّ، جَالس أَبَا هُرَيْرَة خمس سِنِين وَتُوفِّي فِي حُدُود الْمِائَة.
والْحَدِيث أخرجه أَيْضا فِي كتاب الْهِبَة فِي: بَاب الْقَلِيل من الْهِبَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن بشر بن خَالِد العسكري.
قَوْله: (لَو دعيت) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (إِلَى كرَاع) المُرَاد بِهِ كرَاع الشَّاة، وَقد مر تَفْسِير الكراع آنِفا، وَقَالَ بَعضهم: وَزعم بعض الشُّرَّاح أَن المُرَاد بِالْكُرَاعِ فِي هَذَا الحَدِيث الْمَكَان الْمَعْرُوف بكراع الغميم بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَهُوَ مَوضِع بَين مَكَّة وَالْمَدينَة، وَزعم أَنه أطلق ذَلِك على سَبِيل الْمُبَالغَة فِي الْإِجَابَة، وَلَو بعد الْمَكَان. انْتهى. قلت: هَذَا نفلة الْكرْمَانِي فِي شَرحه حَيْثُ قَالَ: فِي كرَاع، المُرَاد عِنْد الْجُمْهُور كرَاع الشَّاة، وَقيل: هُوَ كرَاع الغميم بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَهُوَ مَوضِع على مراحل من الْمَدِينَة من جِهَة مَكَّة، هَذَا كَلَامه فِي شَرحه وَهُوَ نقل هَذَا بقوله، وَقيل: وَمَا زعم وَهُوَ بذلك فَكيف يَقُول هَذَا الْقَائِل: وَزعم بعض الشُّرَّاح؟ وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: وَنقل بعض الشُّرَّاح كَذَا وَكَذَا. قَوْله: (لَو أهدي) على صِيغَة الْمَجْهُول من الإهداء وَاللَّام فِي (لَأَجَبْت) وَفِي (لقبلت) للتَّأْكِيد، وَصرح الْغَزالِيّ فِي الْإِحْيَاء بِأَنَّهُ كرَاع الغميم حَيْثُ قَالَ: وَلَو دعيت إِلَى كرَاع الغميم، وَكَانَ يَنْبَغِي لهَذَا الْقَائِل أَن يناقشه فِي هَذِه الزِّيَادَة، زِيَادَة على قَوْله، وَلَا أصل لهَذِهِ الزِّيَادَة.
وَفِي هَذَا الحَدِيث: دَلِيل على حسن خلقه ﷺ وتواضعه وجبره لقلوب النَّاس، وعَلى قبُول الْهَدِيَّة وَإِن كَانَت قَليلَة، وَإجَابَة من يَدْعُو الرجل إِلَى منزله، وَلَو أعلم أَن الَّذِي يَدعُوهُ إِلَيْهِ قَلِيل، وَقَالَ الْمُهلب: لَا باعث على الدعْوَة إِلَى الطَّعَام إلَاّ صدق الْمحبَّة وسرور الدَّاعِي بِأَكْل الْمَدْعُو من طَعَامه والتحبب إِلَيْهِ بالمواكلة وتوكيد الذمام مَعَه بهَا، فَلذَلِك حض النَّبِي ﷺ على الْإِجَابَة وَلَو كَانَ الْمَدْعُو إِلَيْهِ نزرا.
٤٧ - (بابُ إجابَةِ الدَّاعِي فِي العُرْسِ وغَيْرِها)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِجَابَة الدَّاعِي، أَي: فِي إِجَابَة الْمَدْعُو الدَّاعِي. والمصدر مُضَاف إِلَى مَفْعُوله، وطوى ذكر الْفَاعِل. قَوْله: (فِي الْعرس) بِضَم الرَّاء وسكونهاوهو طَعَام الْوَلِيمَة، وَهُوَ الَّذِي يعْمل عِنْد الْعرس يُسمى عرسا باسم سَببه. قَوْله: (وَغَيره) أَي: وَغير الْعرس أَي: وَإجَابَة الدَّاعِي فِي غير الْعرس نَحْو طَعَام الْخِتَان وَطَعَام قدوم الْمُسَافِر وَنَحْو ذَلِك، وَرُوِيَ مُسلم من حَدِيث الزبيدِيّ عَن نَافِع
стр. 6049
عَن عبد الله بن عر قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : من دعِي إِلَى عرس وَنَحْوه فليجب.
٩٧١٥ - حدَّثنا عَليُّ بنُ عبْدِ الله بنِ إبْرَاهِيمَ حَدثنَا الحَجَّاجُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابنُ جُرَيْجٍ: أخبرَني مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عنْ نافِعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عبْدَ الله بنَ عُمَرَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ رسولُ الله ﷺ : أجِيبُوا هاذِهِ الدَّعْوَة إذَا دُعِيتُمْ لَها، قَالَ: وكانَ عبْدُ الله يأْتي الدَّعْوَةَ فِي العُرْسِ وغَيْرِ العُرْسِ وهْوَ صائِمٌ.
(انْظُر الحَدِيث ٣٧١٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فيقوله: (وَكَانَ عبد الله) إِلَى آخِره. وَعلي بن عبد الله بن إِبْرَاهِيم الْبَغْدَادِيّ أخرج البُخَارِيّ عَنهُ هُنَا فَقَط، وَسُئِلَ البُخَارِيّ عَنهُ فَقَالَ: متقن، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي النِّكَاح: حَدثنِي هَارُون بن عبد الله حَدثنَا حجاج بن مُحَمَّد عَن ابْن جريج قَالَ: أَخْبرنِي مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع قَالَ: سَمِعت عبد الله بن عمر إِلَى آخِره نَحوه، وَفِي آخِره: ويأتيها وَهُوَ صَائِم.
قَوْله: (هَذِه الدعْوَة) أَي: دَعْوَة الْوَلِيمَة. قَوْله: (قَالَ) الْقَائِل هُوَ نَافِع قَوْله: (وَهُوَ صَائِم) الْوَاو فِيهِ لحَال، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَن الصَّوْم لَيْسَ بِعُذْر فِي ترك الْإِجَابَة، وَفَائِدَة حُضُوره إِرَادَة صَاحب الْوَلِيمَة التَّبَرُّك بِهِ والتجمل بِهِ وَالِانْتِفَاع بدعائه وَنَحْو ذَلِك.
وَهل يسْتَمر على صَوْمه أَو يسْتَحبّ لَهُ أَن يفْطر إِن كَانَ صَوْمه تَطَوّعا فَعِنْدَ أَكثر الشَّافِعِيَّة وَبَعض الْحَنَابِلَة: إِن كَانَ يشق على صَاحب الدعْوَة صَوْمه فَالْأَفْضَل الْفطر وإلَاّ فالصوم، وَأطلق الرَّوْيَانِيّ اسْتِحْبَاب الْفطر، وَقَالَ أَصْحَابنَا: يَنْبَغِي للرجل أَن يُجيب دَعْوَة الْوَلِيمَة وَإِن لم يفعل فَهُوَ آثم. وَإِن كَانَ صَائِما أجَاب ودعا، وَإِن كَانَ غير صَائِم أكل.
٥٧ - (بابُ ذَهابِ النِّساءِ والصِّبْيانِ إِلَى العُرْسِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز ذهَاب النِّسَاء وَالصبيان إِلَى وَلِيمَة الْعرس، وَعقد هَذِه التَّرْجَمَة لِئَلَّا يتخيل عدم جَوَاز ذَلِك.
٠٨١٥ - حدَّثنا عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ المُبَارَكِ حَدثنَا عبد الْوَارِث حَدثنَا عبدُ العَزِيزِ بنُ صُهَيْبٍ عنْ أنَسٍ بنِ مالِكٍ، ﵁، قَالَ: أبْصَرَ النبيُّ ﷺ نِساءً وصِبْيانا مُقْبِلِينَ مِنْ عُرْسٍ فقامَ مُمْتَنّا فَقَالَ: اللهُمَّ! أنْتُمْ مِنْ أحَبِّ النَّاسِ إلَيَّ.
(انْظُر الحَدِيث ٥٨٧٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الرَّحْمَن بن الْمُبَارك بن عبد الله العيشي بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: يكنى أَبَا مُحَمَّد، وَقيل: أَبَا بكر، مَاتَ سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَعبد الْوَارِث هُوَ ابْن سعيد.
وَرِجَال الْإِسْنَاد كلهم بصريون.
والْحَدِيث مضى فِي فَضَائِل الْأَنْصَار فِي: بَاب قَول النَّبِي ﷺ للْأَنْصَار: أَنْتُم أحب النَّاس إِلَى، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي معمر عَن عبد الْوَارِث إِلَى آخِره.
قَوْله: (أبْصر) وَفِي فَضَائِل الْأَنْصَار: رأى، مَوضِع: أبْصر، قَوْله: (مُقْبِلين) نصب على الْحَال. قَوْله: (فَقَامَ ممتنا) بِضَم الْمِيم الأولى وَسُكُون الثَّانِيَة الْمُثَنَّاة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد النُّون أَي: قَامَ قيَاما قَوِيا مَأْخُوذ من المتنة بِضَم الْمِيم وَهُوَ الْقُوَّة، وَحَاصِل الْمَعْنى: قَامَ قيَاما مسرعا مشتدا فِي ذَلِك فَرحا بهم، وَيُقَال: ممتنا من الامتنان أَي: منعما متفضلاً مكرما لَهُم، هَكَذَا فسره أَبُو مَرْوَان بن سراج وَمَال إِلَيْهِ الْقُرْطُبِيّ، وَقَالَ: لِأَن من قَامَ لَهُ النَّبِي ﷺ وأكرمه بذلك فقد امتن عَلَيْهِ بِشَيْء لَا أعظم مِنْهُ، وَنقل ابْن بطال عَن الْقَابِسِيّ، قَالَ: قَوْله: (ممتنا) يَعْنِي: متفضلاً عَلَيْهِم بذلك فَكَأَنَّهُ قَالَ: يمتن عَلَيْهِم بمحبته، ويروي متينا، على وزن كريم أَي: قَامَ قيَاما مستويا منتصبا طَويلا وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن: فَقَامَ يمشي، قَالَ عِيَاض: وَهُوَ تَصْحِيف، وَوَقع فِي رِوَايَة فَضَائِل الْأَنْصَار: فَقَامَ ممثلاً بِضَم الْمِيم الأولى وَفتح الثَّانِيَة وَتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة الْمَكْسُورَة أَي: منتصبا قَائِما متكلفا نَفسه، وَضَبطه أَيْضا: ممثلاً بِضَم الْمِيم الأولى وَسُكُون الثَّانِيَة وَكسر الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَقد تفتح. وَقَالَ ابْن التِّين: وَأَصله فِي اللُّغَة من: مثل يمثل من بَاب كرم يكرم، وَمثل يمثل من بَاب نصر ينصر مثولاً، فَهُوَ مائل إِذا انتصب قَائِما وَوَقع فِي رِوَايَة الأسماعيلي: مثيلا، على وزن كريم فعيل بِمَعْنى فَاعل. قَوْله: (اللَّهُمَّ) ذكره تبركا، وَكَأَنَّهُ اسْتشْهد بِاللَّه فِي ذَلِك تَأْكِيدًا لصدقه.
وَفِي التَّوْضِيح وَفِيه: اسْتِحْسَان شُهُود النِّسَاء وَالصبيان للأعراس لِأَنَّهَا شَهَادَة لَهُم علينا ومبالغة فِي الإعلان بِالنِّكَاحِ.
стр. 6050
٦٧ - (بابٌ هَلْ يَرْجِعُ إذَا رأى مُنْكَرا فِي الدَّعْوَةِ ؟)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ هَل يرجع الْمَدْعُو إِذا رأى شَيْئا مُنْكرا فِي مجْلِس الدعْوَة؟ وَإِنَّمَا ذكره بالاستفهام لمَكَان الْخلاف فِيهِ، وَلم يشر فِي الْبَاب إِلَى ذَلِك، وَإِنَّمَا الْمَذْكُور فِي الْبَاب أَنه إِذا رأى مُنْكرا يرجع. قلت: قَالَ صَاحب الْهِدَايَة: إِجَابَة الدعْوَة سنة فَلَا يَتْرُكهَا لما اقْترن بهَا من الْبِدْعَة من غَيرهَا، يَعْنِي: لَا يتْرك السّنة لأجل حرَام اقْترن بهَا، وَهِي فِي غَيرهَا كَصَلَاة الْجِنَازَة وَاجِب الْإِقَامَة وَإِن حضرتها نياحة يَعْنِي: لَا يَتْرُكهَا لأجل النِّيَاحَة الَّتِي فِي غَيرهَا، فَإِن قدر على الْمَنْع مَنعهم، يَعْنِي: إِذا كَانَ صَاحب شَوْكَة أَو كَانَ ذَا جاه أَو كَانَ عَالما مقتدي مسموع الْكَلِمَة فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ الْمَنْع، وَإِن لم يقدر يصبر وَلَا يخرج لما قُلْنَا، وَإِن كَانَ المنكرعلى الْمَائِدَة لَا يقْعد وَإِن لم يكن مقتدى، وَهَذَا كُله بعد الْحُضُور، وَلَو علم قبل الْحُضُور لَا يحضر لِأَن إِجَابَة الدعْوَة إِنَّمَا تلْزم إِذا كَانَت على وَجه السّنة.
وَرَأى ابنُ مَسْعُودٍ صُورَةٍ فِي البَيْتِ فَرَجَعَ
عبد الله بن مَسْعُود، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والأصيلي والقابسي وعبدوس، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: أَبُو مَسْعُود عقبَة بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ، وَقَالَ بَعضهم: وَالْأول تَصْحِيف فِيمَا أَظن، فَإِنِّي لم أَرَ الْأَثر الْمُعَلق إلَاّ عَن أبي مَسْعُود عقبَة بن عَمْرو. قلت: إِن بعض الظَّن إِثْم وَلَا يلْزم من عدم رُؤْيَته الْأَثر الْمَذْكُور إلَاّ عَن أبي مَسْعُود أَن لَا يكون أَيْضا لعبد الله بن مَسْعُود، مَعَ أَن هَذَا الْقَائِل قَالَ: يحْتَمل أَن يكون ذَلِك وَقع لعبد الله بن مَسْعُود، فَإِذا كَانَ الِاحْتِمَال مَوْجُودا كَيفَ يحكم بالتصحيف بِالظَّنِّ؟
ودَعا ابنُ عُمَرَ أَبَا أيُّوبَ فَرأى فِي البَيْتِ سِتْرا علَى الجِدَارِ، فَقَالَ ابْن عُمَرَ: غَلَبَنا علَيْهِ النِّساءُ، فَقَالَ: مَنْ كُنْتُ أخْشَى علَيْهِ فلَمْ أكُنْ أخْشَى علَيْكَ، وَالله لَا أطْعَمُ لَكُمْ طَعَاما، فَرَجَعَ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ويوضح هَذَا الْأَثر أَن معنى: هَل يرجع؟ بالاستفهام جَانب الْإِثْبَات أَي: دَعَا عبد الله بن عمر أَبَا أَيُّوب خَالِد بن زيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَكَانَت دَعوته فِي عرس ابْنه سَالم بن عبد الله، فَلَمَّا جَاءَ أَبُو أَيُّوب إِلَى بَيت عبد الله رأى فِي جِدَار الْبَيْت ستارة، فَأنْكر على عبد الله، فَقَالَ ابْن عمر: غلبنا بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة، جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول: وَالنِّسَاء بِالرَّفْع فَاعله. قَوْله: فَقَالَ: (من كنت) إِلَى آخِره أَي: إِن كنت أخْشَى على أحد يعْمل فِي بَيته مثل هَذَا الْمُنكر مَا كنت أخْشَى عَلَيْك. وَهَذَا الْأَثر الْمُعَلق وَصله أَحْمد فِي كتاب الْوَرع ومسدد فِي مُسْنده، وَمن طَرِيقه الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قَالَ: أعرست فِي عهد أبي، فَأذن أبي النَّاس فَكَانَ أَبُو أَيُّوب فِيمَن أذنا، وَقد ستروا بَيْتِي ببجاد أَخْضَر، فَأقبل أَبُو أَيُّوب فَاطلع فَرَآهُ، فَقَالَ: با عبد الله أتسترون الْجِدَار؟ فَقَالَ أبي واستحيى: غلبنا عَلَيْهِ النِّسَاء يَا أَبَا أَيُّوب. فَقَالَ: من خشيك أَن يغلبه النِّسَاء، فَذكره والبجاد، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْجِيم: الكساء.
١٨١٥ - حدَّثنا إسْماعِيلُ قَالَ: حدّثني مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنِ القاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ عنْ عائِشةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ ، أنَّها أخْبَرَتْهُ: أنَّها اشْتَرَتْ نُمْرَقَةً فِيها تَصاوِيرُ، فلَمَّا رَآهَا رسولُ الله ﷺ ، قامَ علَى البابِ فَلَمْ يَدْخُلْ، فَعَرَفْتُ فِي وجْهِهِ الكَرَاهِيَةَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُول الله! أتُوبُ إِلَى الله وَإِلَى رسُولهِ ماذَا أذْنَبْتُ؟ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : مَا بالُ هاذِهِ النمْرُقَةِ؟ قالَتْ: فقُلْتُ: اشْتَرَيْتُها لَكَ لِتَقْعَدُ علَيْها وتَوَسدَها، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : إنَّ أصْحابَ هاذِهِ الصُّور يُعَذَّبُونَ يَوْم القِيَامَةِ، ويُقالُ لَهُمْ: أحْيُوا ماخَلقْتُمْ، وَقَالَ: إنَّ البَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ المَلَائِكَةُ..
قيل لَا مُطَابقَة فِيهِ، لِأَن امْتنَاع النَّبِي ﷺ عَن الدُّخُول فِي بَيت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، لم يكن لأجل الْمُنكر فِي الدعْوَة، وَإِنَّمَا كَانَ لأجل الصُّورَة، والترجمة فِيمَا إِذا رأى مُنْكرا هَل لَهُ أَن يرجع؟ وَقَالَ بَعضهم: مَوضِع التَّرْجَمَة
стр. 6051
مِنْهُ قَوْلهَا: (قَامَ على الْبَاب وَلم يدْخل) قلت: هَذَا مثل الأول وَلَيْسَ فِيهِ مَا يجدي فِي وَجه الْمُطَابقَة، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال: لما كَانَ من جملَة الْمُنْكَرَات الَّتِي تَقْتَضِي جَوَاز ترك إِجَابَة الدعْوَة وجود الصُّورَة فِيهَا، احْتَاجَ إِلَى بَيَان كَون الصُّورَة من جملَة الْمَوَانِع عَن حُضُور الدعْوَة، فَذكر هَذَا الحَدِيث الَّذِي فِيهِ مَا يَقْتَضِي منع الْحُضُور فِي الْمَكَان الَّذِي فِيهِ الصُّورَة، سَوَاء كَانَ فِيهِ دَعْوَة أَو لَا.
وَأخرج هَذَا الحَدِيث هُنَا عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن مَالك عَن نَافِع مولى ابْن عمر عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق عَن عمته عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَأخرجه فِي الْمَلَائِكَة فِي: بَاب إِذا قَالَ أحدكُم: آمين، عَن مُحَمَّد بن مخلد عَن ابْن جريج عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن نَافِع إِلَخ وَمر الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (نمرقة) بِضَم النُّون، وَهُوَ الوسادة الصَّغِيرَة وبالكسر لُغَة، والتصاوير التماثيل، كَذَا قَالَه فِي الْمغرب قَوْله: (وتوسدها) أَي: وتتوسدها فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَاللَّام فِيهِ مقدرَة أَي: لتوسدها، قَوْله: (أحيوا) الْأَمر فِيهِ للتعجيز.
٧٧ - (بابُ قِيامِ المَرْأةِ علَى الرِّجالِ فِي العُرْسِ وخِدْمَتِهِمْ بالنَّفْسِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قيام الْمَرْأَة على الرِّجَال من: قَامَ فلَان على الشَّيْء إِذا ثَبت عَلَيْهِ، وَتمسك بِهِ. قَوْله: (وَخدمَتهمْ) أَي: وعَلى خدمتهم. قَوْله: (بِالنَّفسِ) أَي: بِنَفسِهَا.
٢٨١٥ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ حَدثنَا أبُو غَسَّانَ قَالَ: حدّثني أبُو حازِمٍ عنْ سَهْلٍ قَالَ: لمّا عَرَّسَ أبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ النبيَّ ﷺ وأصْحابَهُ فَما صَنَعَ طَعاما وَلَا قَرَّبَهُ إلَيْهِمْ إلَاّ امْرَأتهُ أُمُّ أُسَيْدٍ، بَلَّتْ تَمْرَاتٍ فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، فلَمَّا فَرَغَ النبيُّ ﷺ مِنَ الطّعامِ أَمَاثَتْهُ لهُ فَسَقَتْهُ تُنْحِنُهُ بِذَلِكَ.
. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إلَاّ امْرَأَته أم سيد بلت تمرات من تور) وَأَبُو غَسَّان، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة وبالنون: مُحَمَّد بن مطرف، بِالطَّاءِ الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة، وَأَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج، وَسَهل ين سعد السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَشْرِبَة عَن مُحَمَّد بن سهل بن عَسْكَر عَن ابْن أبي مَرْيَم.
قَوْله: (لما عرس) أَي: اتخذ عروسا. قَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: أعرس وَلَا يُقَال: عرس، وَهَذَا حجَّة عَلَيْهِ. قَوْله: (أَبُو أسيد) ، بِضَم الْهمزَة على الْأَصَح واسْمه مَالك بن ربيعَة. قَوْله: (أم أسيد) بِضَم الْهمزَة وَهِي مِمَّن وَافَقت كنيتها كنية تزَوجهَا، وَاسْمهَا سَلامَة بنت وهيب. قَوْله: (بلت) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد اللَّام من البلل وَوَقع فِي شرح ابْن التِّين (ثَلَاث تمرات) قيل: إِنَّه تَصْحِيف. قَوْله: (فِي تور) ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْوَاو وَفِي آخِره رَاء، قَالَ الدَّاودِيّ: التور قدح من أَي شَيْء كَانَ، وَيُقَال: إِنَاء يكون من نُحَاس وَغَيره، وَقد بيَّن هُنَا أَنه من حِجَارَة. قَوْله: (من اللَّيْل) يتَعَلَّق بقوله: بلت. قَوْله: (أماثته) . بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقَالَ ابْن التِّين: وَقع هَكَذَا رباعيا، وَأهل اللُّغَة يَقُولُونَ: ثلاثيا عاثنه بِغَيْر ألف أَي: مرسته بِيَدِهَا، يُقَال: ماثه يموثه ويميثه بِالْوَاو وبالياء، وَقَالَ الْخَلِيل: مثت الْملح فِي المَاء مثا أذبته، وَقد أنماث، وَعَن الْهَرَوِيّ: أماثه لُغَتَانِ بِالْألف وبدونها قَوْله: (لَهُ) أَي: للنَّبِي ﷺ ، وَكَذَلِكَ الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي (فسقته) وَفِي (تتحفه) يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ وَمعنى: تتحفه من الإتحاف تقدم لَهُ تحفة، والتحفة فِي الأَصْل طرفَة الْفَاكِهَة، ثمَّ اسْتعْمل فِي غير الْفَاكِهَة من الألطاف. هَذَا هَكَذَا رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي: تحفة بذلك على وزن لقْمَة، قَالَ الْكرْمَانِي: أَي هَدِيَّة، وَعَن الْأصيلِيّ رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَة مثل رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي أُخْرَى: تحفة، بِفَتْح التَّاء وَضم الْحَاء وَالْفَاء الْمُشَدّدَة: أَي تخدمه وَتعطف عَلَيْهِ بذلك، أَي: بِالَّذِي بلته أم أسيد، وَفِي الْمثل: من حفنا أَو رقنا فليقتصد أَي: من خدمنا وَتعطف علينا، وَفِي رِوَايَة ابْن السكن: فسقته تخصه بذلك، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الصَّاد الْمُهْملَة. فَإِن قلت: كَيفَ إعرابه فِي هَذِه الْوُجُوه الْمَذْكُورَة؟ قلت: فِي رِوَايَة: تحفه وحفه وتخصه، محلهَا الصب على الْحَال من الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي قَوْله: فسقته، وَيجوز إِن يكون مَنْصُوبًا بِفعل مُقَدّر تَقْدِيره: فسقته وأرادت تحفته بذك، وَيجوز أَن يكون مَنْصُوبًا على الْحَال على معنى: فسقته حَال كَونهَا متحفة بذلك.
وَفِيه: جَوَاز خدمَة الْمَرْأَة زَوجهَا وَمن يَدعُوهُ عِنْد الْأَمْن
стр. 6052
من الْفِتْنَة، وَجَوَاز الشّرْب بِمَا لَا يسكر فِي الْوَلِيمَة، وَجَوَاز، إِيثَار كَبِير الْقَوْم فِي الْوَلِيمَة بِشَيْء دون الْقَوْم.
٨٧ - (بابُ النَّقِيعِ والشَّرَابِ الَّذِي لَا يُسْكِرُ فِي العُرْسِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اتِّخَاذ النقيع، وَهُوَ التَّمْر الَّذِي ينقع فِي المَاء ليخرج حلاوته، وَكَذَلِكَ الزَّبِيب. قَوْله: (وَالشرَاب) ، من عطف الْعَام على الْخَاص لِأَنَّهُ أَعم من نَقِيع التَّمْر وَغَيره. قَوْله: (الَّذِي لَا يسكر) صفة الشَّرَاب، قيد بِهِ لِأَنَّهُ إِذا أسكر لَا يجوز شربه، وَهُوَ أَيْضا قيد فِي النقيع.
٣٨١٥ - حدَّثنا يحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثَنا يَعْقُوبُ بنُ عبْدِ الرَّحْمانِ القارِيُّ عنْ أبي حازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بنَ سَعْدٍ: أنَّ أَبَا أُسَيْدٍ السَّاعِديَّ دَعا النبيَّ ﷺ ، لِعُرْصِهِ فَكانَتِ امْرَأتُهُ خادِمَهُمْ يَوْمَئِذٍ وهْي العُروسُ، فقالَتْ: أوْ قَالَ: أتَدْرُونَ مَا أنْقَعَتْ لِرَسولِ الله ﷺ ؟ أنْقَعَتْ لهُ تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ..
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث سهل الَّذِي مضى فِي الْبَاب الَّذِي قبله. والقارىء، بِالْقَافِ وَالرَّاء وَتَشْديد الْيَاء نِسْبَة إِلَى قارة بنوا لهون بن خُزَيْمَة بن مدركة بن الياس بن مُضر.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ: أَيْضا فِي الْأَشْرِبَة عَن قُتَيْبَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن قُتَيْبَة أَيْضا. قَوْله: (لعرسه) ، أَي: لأجل عرسه. قَوْله: (خادمهم) الْخَادِم يُطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى. قَوْله: (وَهِي الْعَرُوس) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (فَقَالَت أَو قَالَ) بِالشَّكِّ. فِي غير رِوَايَة الْكشميهني، وللكشميهني: فَقَالَت: أَتَدْرُونَ، بِلَا شكّ، وعَلى رِوَايَة غَيره مَعْنَاهُ: فَقَالَت امْرَأَة أَو قَالَ سهل: وَتقدم فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة، قَالَ سهل: وَهِي الرِّوَايَة الْمُعْتَمدَة لِأَن الحَدِيث من رِوَايَة سهل وَلَيْسَ لامْرَأَته أم أسيد فِيهِ رِوَايَة، فعلى هَذَا قَوْله: (أنقعت) فِي الْمَوْضِعَيْنِ على صِيغَة الْمَاضِي للغائبة، وعَلى قَول الْكشميهني على صِيغَة الْمُتَكَلّم، يَعْنِي بِضَم التَّاء، فَافْهَم.
٩٧ - (بابُ المُدَارَاةِ مَعَ النِّساءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مداراة النِّسَاء، من داريت زيدا أَي: جاملته ولاينته. وَهِي بِغَيْر همز، وَأما الْهَمْز فَمَعْنَاه: دافعته وَلَيْسَ المُرَاد هُنَا، إلَاّ الْمَعْنى الأول، وَقد سوى أَبُو عُبَيْدَة بَينهمَا فِي: بَاب مَا يهمز، والمداراة أصل الألفة واستمالة الْقُلُوب من أجل مَا جبل الله عَلَيْهِ وطبعهم من اخْتِلَاف الْأَخْلَاق، وَقَالَ ﷺ : مداراة النَّاس صَدَقَة.
وقَوْلِ النبيِّ ﷺ إنَّما المَرْأةُ كالضِّلَعِ
وَقَول: بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: المداراة، أَي: وَفِي بَيَان قَول النَّبِي ﷺ : (إِنَّمَا الْمَرْأَة كالضلع) هَذَا تَعْلِيق، وَوَصله البُخَارِيّ بِحَدِيث الْبَاب الَّذِي رَوَاهُ عَن أبي هُرَيْرَة، والضلع بِكَسْر الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح اللَّام وَقد تسكن اللَّام، إِنَّمَا قَالَ: كالضلع لِأَنَّهَا عوجاه كالضلع. وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِنَّمَا قَالَ: كالضلع، لِأَنَّهَا خلقت من ضلع آدم. وَعَن ابْن عَبَّاس: إِن حَوَّاء خلقت من ضلع آدم، ﵊. الأقصر الْأَيْسَر وَهُوَ نَائِم. وَيُقَال: نَام آدم نومَة فاستل الْملك ضلعه فحلقت مِنْهُ حواه فَاسْتَيْقَظَ وَهِي جالسة عِنْده فَضمهَا إِلَيْهِ.
٤٨١٥ - حدَّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عبْدِ الله قَالَ: حدّثني مالِكٌ عنْ أبي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قَالَ: المَرْأةُ كالضِّلَعِ إنْ أقَمْتَها كَسَرْتَها وإنِ اسْتَمْتَعْتَ بِها اسْتَمْتَعْتَ بِها وفِيها عِوَجٌ.
(انْظُر الحَدِيث ١٣٣٣ وطرفه) .
مطابقته للشطر الثَّانِي من التَّرْجَمَة وَلَكِن فِي التَّرْجَمَة بِلَفْظ: إِنَّمَا، وَفِي حَدِيث الْبَاب بِدُونِ لفظ: إِنَّمَا، وَوَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من الْوَجْه الَّذِي أخرجه البُخَارِيّ بِلَفْظ: إِنَّمَا فِي أَوله كَمَا فِي التَّرْجَمَة.
وَقد أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق خَالِد بن مخلد بِلَفْظ: إِن الْمَرْأَة، وَكَذَا أخرجه مُسلم من رِوَايَة سُفْيَان عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج بِلَفْظ: إِن الْمَرْأَة خلقت من ضلع لن تستقيم لَك
стр. 6053
على طَريقَة، وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.
قَوْله: (الْمَرْأَة) مُبْتَدأ و (كالضلع) خَبره وَقَوله: (إِن أقمتها) إِلَى آخِره بَيَان لقَوْله: كالضلع، وَمعنى: إِن أقمنها إِن أردْت إِقَامَتهَا كسرتها. قَوْله: (وفيهَا عوج) الْوَاو فِيهِ للْحَال وَهُوَ بِكَسْر الْعين وَفتح الْوَاو، وَقَالَ ابْن السّكيت: هُوَ بِفَتْح الْعين فِيمَا كَانَ منتصبا كالحائط وَالْعود مَا كَانَ فِي بِسَاط أَو دين أَو معاش فَهُوَ بِكَسْر الْعين، يُقَال فِي دينه عوج، قَالَ الله : ﴿لَا ترى فِيهَا عوجا وَلَا أمتا﴾ (طه: ٧٠١) وَقَالَ: هُوَ بِالْفَتْح فِي كل شَيْء مرئي وبالكسر فِيمَا لَيْسَ بمرئي كالرأي وَالْكَلَام، وَقَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ: هُوَ بِالْكَسْرِ فيهمَا جَمِيعًا ومصدرهما بِالْفَتْح مَعًا، حَكَاهُ ثَعْلَب عَنهُ، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هُوَ بِالْفَتْح مصدر قَوْلك: عوج، بِالْكَسْرِ فَهُوَ أعرج وَالِاسْم العوج بِكَسْر الْعين.
٠٨ - (بابُ الوَصاةِ بالنِّساءِ)
أَي: هَذَا بَاب فب بَيَان الوصاة، بِفَتْح الْوَاو وَالصَّاد الْمُهْملَة وَهُوَ بِمَعْنى: الْوَصِيَّة، وَقيل: هُوَ لُغَة فِي الْوَصِيَّة، وَفِي بعض النّسخ: بَاب الْوِصَايَة.
٥٨١٥ - حدَّثنا إسْحاقُ بنُ نَصرٍ حَدثنَا الحُسَيْنُ الجُعْفِيُّ عنْ زَائِدَةَ عنْ مَيْسَرَةَ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه واليَوْمِ الآخِر فَلا يُؤْذِي جارَه. واسْتَوْصُوا بالنِّساءِ خَيْرا فإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وإنَّ أعْوَجَ شَيْء فِي الضِّلَع أعْلَاهُ فإنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وإنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أعْوَجَ، فاسْتَوْصُوا بالنِّساءِ خَيْرا.
(انْظُر الحَدِيث ١٣٣٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (اسْتَوْصُوا بِالنسَاء خيرا) . وَإِسْحَاق ين نصر هُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر أَبُو إِبْرَاهِيم السَّعْدِيّ البُخَارِيّ، كَانَ ينزل بِالْمَدِينَةِ بِبَاب بني سعد، وَالْحُسَيْن بِضَم الْحَاء هُوَ ابْن عَليّ بن الْوَلِيد الْجعْفِيّ، بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وبالفاء، قَالَ الرشاطي: الْجعْفِيّ فِي مذْحج ينْسب إِلَى جعفي بن سعد الْعَشِيرَة بن مَالك، وَمَالك هُوَ جماع مذْحج وزائدة هُوَ ابْن قدامَة، وميسرة ضد الميمنة ابْن عمار الْأَشْجَعِيّ، وَأَبُو حَازِم سلمَان الْأَشْجَعِيّ مرلى عزة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُشَدّدَة.
والْحَدِيث قد مضى فِي بَدْء الْخلق فِي: بَاب قَول الله ﴿وَإِذ قَالَ رَبك للْمَلَائكَة﴾ (الْبَقَرَة: ٠٣، وَالْحجر: ٨٢، وص: ١٧) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي كريب ومُوسَى بن حزَام كِلَاهُمَا عَن حُسَيْن بن عَليّ عَن زَائِدَة عَن ميسرَة إِلَى آخِره.
قَوْله: (من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر) أَي: من كَانَ يُؤمن بالمبدأ والمعاد (فَلَا يُؤْذِي جَاره) وَمَفْهُومه من آذاه لَا يكون مُؤمنا، وَلَكِن الْمَعْنى لَا يكون كَامِلا فِي الْإِيمَان.
قَوْله: (وَاسْتَوْصُوا) قَالَ الْبَيْضَاوِيّ: الاستئصاء قبُول الْوَصِيَّة وَالْمعْنَى: أوصيكم بِهن خيرا فاقبلوا وصيتي فِيهِنَّ فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ من ضلع، واستعير الضلع للعوج أَي: خُلِقْنَ خلقا فِيهِ اعوجاج فكأنهن خُلِقْنَ من أصل معوج فَلَا يتهيأ الِانْتِفَاع بِهن إلَاّ بمداراتهن وَالصَّبْر على اعوجاجهن. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الْأَظْهر أَن السِّين للطلب مُبَالغَة أَي: اطْلُبُوا الْوَصِيَّة من أَنفسكُم فِي حقهن بِخَير، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: السِّين للْمُبَالَغَة أَي: يسْأَلُون أنفسهم الْفَتْح عَلَيْهِم، كالسين فِي استعجبت، وَيجوز أَن يكون من الْخطاب الْعَام أَي: يستوصي بَعْضكُم من بعض فِي حقهن.
وَفِيه: الْحَث على الرِّفْق وَأَنه لَا مطمع فِي استقامتهن. قَوْله: (وَإِن أَعْوَج شَيْء فِي الضلع أَعْلَاهُ) ذكر هَذَا لتأكيد معنى الْكسر لِأَن الْإِقَامَة أظهر فِي الْجِهَة الْأَعْلَى أَو بَيَان أَنَّهَا خلقت من أَعْوَج أَجزَاء الضلع، فَكَأَنَّهُ قَالَ: خُلِقْنَ من أَعلَى الضلع وَهُوَ أعوجاجه، وَإِنَّمَا قَالَ: أَعْلَاهُ، وَلم يقل: أَعْلَاهَا، مَعَ أَن الضلع مُؤَنّثَة، وَكَذَلِكَ قَوْله: (لم يزل أَعْوَج) وَلم يقل: عوجاه، لِأَن تأنيثه لَيْسَ بحقيقي، فَإِن قيل: العوج من الْعُيُوب فَكيف يَصح مِنْهُ أفعل التَّفْضِيل؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ أفعل الصّفة أَو أَنه شَاذ، أَو الِامْتِنَاع عِنْد الالتباس بِالصّفةِ، فَحَيْثُ يُمَيّز عَنهُ بِالْقَرِينَةِ جَازَ الْبناء عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَة مُسلم: لن تستقيم لَك على طَريقَة فَإِن استمتعت بهَا استمتعت بهَا وَبهَا عوج، وَإِن ذهبت تقيمها كسرتها وَكسرهَا طَلاقهَا. وَفِيه: إِشْعَار باستحالة تقويمها، أَي: إِن كَا لَا بُد من الْكسر فَكَسرهَا طَلاقهَا. قَالَ:
(هِيَ الضلع العوجاء لست تقيمها ... أَلَا إنَّ تَقْوِيم الضلوع انكسارها)
стр. 6054
(أتجمع ضعفا واقتدارا على الْهوى ... أَلَيْسَ عجيبا ضعفها واقتدارها)
٧٨١٥ - حدَّثنا أبُو نعَيْمٍ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ عبْدِ الله بنِ دِينارٍ عنِ ابنِ عُمَرَ، ﵄، قَالَ: كُنّا نَتَّقِي الكَلَامَ والإنْبِساطَ إِلَى نِسائِنا علَى عَهْدِ النبيِّ ﷺ هَيْبَةَ أنْ يَنْزِلَ فِينا شَيْءٌ، فلَمّا تُوُفِّيَ النبيُّ ﷺ تَكَلْمنا وانْبَسَطْنا.
قيل: لَا مُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة وَبَين هَذَا الحَدِيث لِأَن فِيهِ الْأَخْبَار بِأَنَّهُم كَانُوا يَتَّقُونَ الْخَوْض فِي الْكَلَام والانبساط إِلَى النِّسَاء فِي عهد النَّبِي ﷺ ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يتَعَلَّق بالترجمة. قلت: يُمكن أَن تُؤْخَذ الْمُطَابقَة من قَوْله: (وانبسطنا) لِأَن الانبساط إلَيْهِنَّ من جملَة الْوِصَايَة بِهن.
وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ.
والْحَدِيث أخرجه ابْن مَاجَه فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب ذكره وَفَاة النَّبِي ﷺ عَن مُحَمَّد بن بشار.
قَوْله: (كُنَّا نتقي) أَي: نجتنب الْكَلَام الَّذِي يخْشَى مِنْهُ سوء الْعَاقِبَة. قَوْله: (والانبساط) أَي: ونتقي أَيْضا الانبساط إِلَى نسائنا، وَأَرَادَ بِهِ التَّقْصِير فِي حقهن وَترك الرِّفْق بِهن. قَوْله: (هَيْبَة) مفعول لَهُ. لقَوْله: (تتقي) أَي: نتقي لخوف (أَن ينزل فِينَا) أَي فِي شَأْننَا شَيْء من الْوَحْي، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: خوف النُّزُول. قَوْله: (تكلمنا وانبسطنا) يُرِيد بِهِ تغبير شَأْنهمْ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ فِي عهد النَّبِي ﷺ ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا عقيب الحَدِيث الْمَذْكُور من حَدِيث أبي بن كَعْب، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ وَإِنَّمَا وجهنا وَاحِد، قبض نَظرنَا هَكَذَا وَهَكَذَا، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث أنس بن مَالك، قَالَ: لما كُنَّا الْيَوْم الَّذِي دخل فِيهِ رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة أَضَاء مِنْهَا كل شَيْء، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ أظلم مِنْهَا كل شَيْء، وَمَا نفضنا عَن النَّبِي ﷺ الْأَيْدِي حَتَّى أَنْكَرْنَا فلوبنا.
١٨ - (بابٌ ﴿قُوا أنْفُسَكُمْ وأهْلِيكُمْ نارَا﴾ (التَّحْرِيم: ٦)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا قوا أَنفسكُم﴾ (التَّحْرِيم: ٦) يَعْنِي: احْفَظُوا أَنفسكُم بترك الْمعاصِي وَفعل الْخيرَات والطاعات، وقو أَمر من: وقى يقي، أَصله: أوقيوا، لِأَنَّك تَقول: أوقِ أوقيا أوقيوا، واستثقلت الضمة على الْيَاء فنقلت إِلَى مَا قبلهَا بعد سلب حركتها فحذفت فَصَارَ: أوقوا، وحذفت الْوَاو تبعا لفعله الَّذِي أَخذ مِنْهُ أَعنِي: يقي، لِأَن أَصله: يوقي، فحذفت الْوَاو لوقوعها بَين الْيَاء والكسرة واستغنت عَن الْهمزَة فَصَارَ، قوا، على وزن: عوا، لِأَن الْمَحْذُوف مِنْهُ، فَاء الْفِعْل ولامه، فَافْهَم. قَوْله: ﴿وأهليكم نَارا﴾ (التَّحْرِيم: ٦) يَعْنِي: مُرُوهُمْ بِالْخَيرِ وانهوهم عَن الشَّرّ وعلموهم وأدبوهم، وَقيل: وأهليكم بِأَن تأخذوهم بِمَا تأخذون بِهِ أَنفسكُم تقوهم بذلك ﴿نَارا وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة﴾ (التَّحْرِيم: ٦) .
٨٨١٥ - حدَّثنا أبُو النُّعْمانِ حَدثنَا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أيُّوبَ عنْ نافِعٍ عنْ عبدِ الله قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : كُلُّكُمْ رَاعٍ وكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ، فالإمامُ راعٍ وهْوَ مَسْؤُولٌ، والرَّجُلُ راعٍ علَى أهْلِهِ وهْوَ مَسْؤُولٌ، والمَرْأةُ راعِيَةٌ علَى بَيْتِ زَوْجِها وهْيَ مَسْؤُولَةُ، والعَبْدُ راعٍ علَى مَال سَيِّدِهِ وهْوَ مَسْؤُولٌ ألَا فكُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَالرجل رَاع على أَهله) لِأَن أهل الرجل من جملَة رَعيته، وَقَالَ زيد بن أسلم: لما نزلت هَذِه الْآيَة قَالُوا: يَا رَسُول الله ﴿هَذَا وقينا أَنْفُسنَا، فَكيف بأهلينا؟ قَالَ: تأمرونهم بِطَاعَة الله تَعَالَى وتنهونهم عَن معاصي الله. وَرُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَيُطلق الْأَهْل على زَوْجَة الرجل كَقَوْل أُسَامَة فِي حَدِيث الْإِفْك: أهلك يَا رَسُول الله﴾ والأهل إنم يُطلق على تلْزمهُ نَفَقَته شرعا كَقَوْل نوح (إِن ابْني من أَهلِي) وَكَقَوْلِه فِي قصَّة أَيُّوب (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهله) وَكَانُوا زَوجته وَولده والأهل يُطلق على العَبْد قَالَ ﷺ : سلمَان منا أهل الْبَيْت.
وَأخرج الحَدِيث أَولا فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الْجُمُعَة فِي الْقرى والمدن عَن بشر بن مُحَمَّد، وَأخرجه أَيْضا فِي الاستقراض وَالْعِتْق وَغَيرهَا، وَهَهُنَا أخرجه عَن أبي النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن نَافِع بن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ غير
стр. 6055
مرّة.
قَوْله: (كلكُمْ رَاع) أَصله: راعي، لِأَنَّهُ من: رعى يرْعَى رِعَايَة، استثقلت الضمة على الْيَاء فحذفت فَالتقى ساكنان فحذفت الْيَاء فَصَارَ: رَاع، على وزن: فاع، لِأَن الْمَحْذُوف لَام الْفِعْل، وَالرِّعَايَة الْحِفْظ وَالْأَمَانَة، يُقَال: عاك الله، أَي: حفظك، وراعي الْغنم أَي الْحَافِظ لَهَا والأمين، وَإِذا لم يكن للرجل رعية يكون رَاعيا على أَعْضَائِهِ وجوارحه وَقُوَّة حواسه.
٢٨ - (بابُ حُسْنِ المُعَاشَرَةِ مَعَ الأهْلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حسن معاشرة الرجل مَعَ أَهله. وَقَالَ الْكرْمَانِي: المعاشرة من الْعشْرَة بِالْكَسْرِ وَهِي الصُّحْبَة وَهِي من بَاب المفاعلة الْمَوْضُوعَة لمشاركة اثْنَيْنِ أَحدهمَا مُتَعَلق بِالْآخرِ على مَا عرف فِي مَوْضِعه.
٩٨١٥ - حدَّثنا سُليْمانُ بنُ عبْدِ الرَّحْمانِ وعَلِيُّ بنُ حُجْرٍ قَالَا: أخبرنَا عِيسَى بنُ يُونُسَ حَدثنَا هِشامُ بنُ عُرْوةَ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ، قالَتْ: جَلَسَ إحْدَى عَشْرَةَ امْرَأةً فَتَعاهَدْنَ وتَعاقَدْنَ أنْ لَا يَكْتُمْنَ مِنْ أخْبارِ أزْوَاجِهِنَّ شَيْئا: قالَتِ الأُولَى: زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ علَى رأْسِ جبَلٍ، لَا سهْلٍ فَيُرْتَقَى وَلَا سَمِينٍ فَيُنْتَقَلُ، قالَتِ الثَّانِيَةُ: زَوْجِي لَا أبُثُّ خبَرَهُ، إنِّي أخافُ أنَّ لَا أذَرَهُ إنْ أذكُرْهُ أذْكُرْ عُجَرَهُ وبُجَرَهُ. قالتِ الثّالثَةُ: زَوْجِي العشَنَّقُ، إنْ أنْطِقْ أُطلَّقْ وإنْ أسْكُتْ أُعَلَّقْ؛ قالَتِ الرَّابِعَةُ: زَوْجِي كَليلِ تِهامَةَ لَا حَرٌّ وَلَا قُرٌّ وَلَا مَخَافَةَ وَلَا سآمَةَ. قالَتِ الخامِسَةُ: زَوْجِي إنْ دَخَلَ فَهِدَ وإنْ خَرَجَ أَسد وَلَا يَسألُ عَمَّا عَهِدَ. قالَتِ السَّادِسَةُ: زَوْجِي إنْ أكَلَ لَفَّ وإنْ شَرِبَ اشْتَفَّ وإنِ اضْطَجَعَ التَفَّ وَلَا يُولِجُ الكَف لِيَعْلَمَ البثَّ؛ قالَتِ السَّابِعَةُ: زَوْجِي غَياياءُ أوْ عَياياءُ طَباقاءُ كلُّ داءَ لهُ داءٌ شَجَّكِ أوْ فَلّكِ أوْ جَمَعَ كُلّا لَكِ؛ قالَتِ الثَّامِنَةُ: زَوْجِي المَسُّ مَسُّ أرْنَبٍ والرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ. قالَتِ التَّاسِعَةُ: زَوْجِي رَفِيعُ العِمادِ طَوِيلُ النِّجادِ عَظِيمُ الرَّمادِ قَرِيبُ البَيْتِ مِنَ النّادِ؛ قالَتِ العاشِرَةُ: زَوْجِي مالِكٌ وَمَا مالِكٌ مالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذالِكِ، لهُ إِبلٌ كَثِيرَاتُ المَباركِ قَلِيلَاتُ المَسارحِ، وإذَا سَمِعْنَ صَوْتَ المِزْهَرِ أيْقَنَّ أنَّهُنَّ هَوَالِكُ؛ قالَتِ الحَادِيَةُ عَشْرَةَ: زَوْجِي أبُو زَرْعِ. فَما أبُو زَرْعٍ؟ أناسَ مِنْ حُلِيٍّ أذنَيَّ ومَلأ مِنْ شَحْمِ عَضدَيَّ وبَجَّحَني فَبَجَحَتْ إليَّ نَفْسِي وجدَنِي فِي أهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ فَجَعَلَنِي فِي أهْلِ صَهِيلٍ وأطِيطٍ ودَائِسٍ ومُنَقٍّ، فَعِنْدَهُ أقُولُ فَلَا أُقَبَّحُ، وأرْقُدُ فأتَصَبَّحُ، وأشْرَبُ فأتَقَمَّحُ، أمُّ أبي زَرْعٍ، فَمَا أمُّ أبي زَرْعٍ؟ عُكومُها رَدَاحٌ، وبَيْتُها فَساحٌ. ابنُ أبي زَرْعٍ، فَما ابنُ أبي زَرْعٍ؟ مَضْجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطَبةٍ، ويُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الجَفْرَةِ. بِنْتُ أبي زَرْعٍ، فَما بِنْتُ أبي زَرْعٍ؟ طَوْعُ أبِيها وطَوْعُ أُمِّها وملءُ كِسائِها وغَيْظُ جارَتِها جارِيَةُ أبي زَرْعٍ، فَمَا جارِيَةُ أبي زَرْعٍ؟ لَا تَبُثُّ حَديثَنا تَبْثَيثا، ولَا تُنَقِّثُ ميرتَنَا تَنْقيثا، وَلَا تَمْلَأُ بَيْتَنا تَعْشِيشا. قالَتْ: خَرَجَ أبُو زَرْعٍ والأوطابُ تُمْخَضُ فَلَقِيَ امْرَأةً مَعَها ولَدَان لَها كالْفَهْدَيْنِ يَلْعَبانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِها بِرُمَّانَتيْنِ، فَطَلَّقَنِي ونَكَحَها، فَنَكَحْتُ بَعْدَهُ رجُلاً سَرِيّا ركب عشريا وأخَذَ خَطِّيا وأرَاحَ عَليَّ نَعَما ثَرِيّا وأعْطانِي مِنْ كلِّ رائِحَةٍ زَوْجا، وَقَالَ: كُلِي أُمَّ زَرْعٍ ومِيرِي أهْلَكِ. قالَتْ: فَلَوْ جمَعْتُ كلَّ شَيْء أعْطانِيهِ مَا بَلغَ أصْغَرَ آنِيَةِ أبي زَرْعٍ. قالَتْ عائِشَةُ، ﵂، قَالَ رسولُ الله
стр. 6056
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: كُنْتُ لكِ كَأبي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي الْإِحْسَان فِي معاشرة الْأَهْل على مَالا يخفي من الحَدِيث.
وَسليمَان بن عبد الرَّحْمَن الْمَعْرُوف بِابْن بنت شُرَحْبِيل الدِّمَشْقِي، ولد سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَة وَتُوفِّي سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَعلي بن حجر، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم وبالراء: السَّعْدِيّ، وَعِيسَى بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، وَوَقع كَذَا مَنْسُوبا عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَعبد الله بن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام يروي عَن أَبِيه عُرْوَة، ويروي عَنهُ أَخُوهُ هِشَام بن عُرْوَة.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ من حَدِيث عباد بن مَنْصُور عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، وَالْمَحْفُوظ حَدِيث هِشَام عَن أَخِيه، وَكَذَا رَوَاهُ مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن عَليّ بن حجر وَعَن أَحْمد بن جناب، بِفَتْح الْجِيم وَالنُّون: كِلَاهُمَا عَن عِيسَى بن يُونُس عَن هِشَام: أَخْبرنِي أخي عبد الله بن عُرْوَة. وأخره التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل، وَالنَّسَائِيّ أَيْضا فِي عشرَة النِّسَاء جَمِيعًا عَن عَليّ بن حجر، وَهَذَا من نَوَادِر مَا وَقع لهشام بن عُرْوَة فِي حَدِيث أَبِيه حَيْثُ أَدخل بَينهمَا أَخا لَهُ وَاسِطَة. وَقَالَ أَبُو الْفضل عِيَاض بن مُوسَى: اخْتلف فِي سَنَد هَذَا الحَدِيث وَرَفعه مَعَ أَنه لَا اخْتِلَاف فِي صِحَّته وَأَن الْأَئِمَّة قبلوه وَلَا مخرج لَهُ فِيمَا انْتهى إِلَيّ إلَاّ من رِوَايَة عُرْوَة عَن عَائِشَة، فَروِيَ من غير طَرِيق: عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة من قَول سيدنَا رَسُول الله ﷺ كُله، هَكَذَا رَوَاهُ عباد بن مَنْصُور والدراوردي وَعبد الله بن مُصعب الزبيرِي وَيُونُس بن أبي إِسْحَاق كلهم عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ ، وَكَذَا رَفعه جمَاعَة آخَرُونَ، وَقَالَ عِيَاض: لَا خلاف فِي رفع قَوْله. فِي هَذَا الحَدِيث: (كنت ل كَأَنِّي زرع لأم زرع) وَإِنَّمَا الْخلاف فِي بَقِيَّته. وَقَالَ الْخَطِيب: الْمَرْفُوع من هَذَا الحَدِيث قَوْله ﷺ : (كنت لم كَأبي زرع لأم زرع) وَمَا عداهُ، فَمن كَلَام عَائِشَة.
قَوْله: (حَدثنَا سُلَيْمَان) فِي رِوَايَة أبي ذَر: حَدثنِي سُلَيْمَان. قَوْله: (جلس إِحْدَى عشرَة امْرَأَة) ، قَالَ ابْن التِّين: التَّقْدِير: جلس جمَاعَة إِحْدَى عشرَة، وَمثل هَذَا ﴿وَقَالَ نسْوَة فِي الْمَدِينَة﴾ (يُوسُف: ٠٣) وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: النسْوَة اسْم مُفْرد لجمع الْمَرْأَة وتأنيثه غير حَقِيقِيّ كتأنيث اللمة، وَلذَلِك لم يلحقفعله تَاء التَّأْنِيث. انْتهى قلت: كَذَلِك هُنَا (إِحْدَى عشرَة امْرَأَة) نسْوَة، فَلذَلِك ذكَّر الْفِعْل، وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة: جَلَست، وَفِي رِوَايَة أبي عبيد: اجْتمعت، وَفِي رِوَايَة أبي يعلى: اجْتَمعْنَ، على لُغَة أكلوني البراغيث. قَالَ عِيَاض: إِن فِي بعض الرِّوَايَات إِحْدَى عشرَة نسْوَة، قَالَ: فَإِن كَانَ بِالنّصب احْتَاجَ إِلَى إِضْمَار، أَعنِي: أَو بِالرَّفْع فَهُوَ بدل من إِحْدَى عشرَة، وَمِنْه قَوْله : ﴿وقطعناهم اثْنَتَيْ عشرَة أسباطا﴾ (الْأَعْرَاف: ٠٦١) وَقَالَ الْفَارِسِي: هِيَ بدل من قطعناهم وَلَيْسَ بتمييز، وَكَانَ اجتماعهن وجلوسهن بقرية من قرى الْيمن، كَذَا وَقع رِوَايَة الزبير بن بكار، ووقَع فِي رِوَايَة الْهَيْثَم: أَنَّهُنَّ كن بِمَكَّة. وَقَالَ عِيَاض: إنَّهُنَّ كن من خثعم، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن أبي أويس عَن أَبِيه: أَنَّهُنَّ كن فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَذَا عِنْد النَّسَائِيّ فِي رِوَايَة. قَوْله: (فتعاهدن وتعاقدن) ، أَي: ألزمن أَنْفسهنَّ عهدا وعقدن على الصدْق من ضمائرهن عقدا. قَوْله: (أَن لَا يكتمن) أَي: بِأَن لَا يكتمن، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي أويس: (أَن يتصادقن بَينهُنَّ وَلَا يكتمن) ، وَفِي رِوَايَة سعيد بن سَلمَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ: (أَن ينعتن أَزوَاجهنَّ ويصدقن) ، وَفِي رِوَايَة الزبير: (فتبايعن على ذَلِك) .
قَوْله: (قَالَت الأولى) ، أَي: الْمَرْأَة الأولى، وَلم أَقف على اسْمهَا. قَوْله: (غث) ، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَهُوَ: الهزيل الَّذِي يستغيث من هزاله، مَأْخُوذ من قَوْلهم: غث الْجرْح غثا وغثيثا إِذا سَأَلَ مِنْهُ الْقَيْح، واستغثه صَاحبه، وَمِنْه: أغث الحَدِيث، وَمِنْه: غث فلَان فِي حلقه، وَكَذَا اسْتِعْمَاله فِي مُقَابلَة السمين، فَيُقَال للْحَدِيث الْمُخْتَلط فِيهِ: الغث والسمين، والغث الْفَاسِد من الطَّعَام. قَوْله: (على رَأس جبل) قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: تصف قلَّة خَيره وَبعده مَعَ الْقلَّة كالشيء فِي قبَّة الْحَبل الصعب لَا ينَال إلَاّ بالمشقة، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (على رَأس جبل وعر) ، وَفِي رِوَايَة الزبير بن بكار: وغث. وَهِي أوفق للسجع. قَوْله: (وعر) ، أَي: كثير الصخر شَدِيد الغلطة يعصب الرقي إِلَيْهِ، والوعث، بالثاء الْمُثَلَّثَة: الصعب المرتقي بِحَيْثُ توحل فِيهِ الْأَقْدَام فَلَا يتَخَلَّص ويشق فِيهِ المشيء، وَمِنْه: وعثاء السّفر. قَوْله: (لَا سهل فيرتقي) ، يجوز فِيهِ أوجه ثَلَاثَة: الأول: بِالْفَتْح بِلَا تَنْوِين، الثَّانِي: الرّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: لَا هُوَ سهل. الثَّالِث: الْجَرّ على أَنه صفة جبل، وَكَذَلِكَ الْأَوْجه الثَّلَاثَة فِي قَوْله: (وَلَا سمين) وَوَقع فِي رِوَايَة عِنْد النَّسَائِيّ بِالنّصب منونا، فيهمَا: (لَا سهلاً وَلَا سمينا) ، وَفِي أُخْرَى عِنْده: (لَا بالسهل وَلَا بالسمين) ، وَقَالَ عِيَاض: أحسن الْوُجُوه الرّفْع فيهمَا. قَوْله: (فيرتقي) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: فَإِن يُرتقى أَي يصعد. قَوْله: (فَينْتَقل) ، بِالْفَتْح أَي: فَإِن ينْتَقل، والانتقال هَهُنَا بِمَعْنى النَّقْل أَي: لَا يَأْتِي إِلَيْهِ أحدا لصعوبة المسلك، وَلَا يُؤْتى بِهِ إِلَى
стр. 6057
أحد، أَي: لَا تنقله النَّاس إِلَى بُيُوتهم لرداءته، وَفِي رِوَايَة أبي عبيد: (فينتقى) ، من النقى بِكَسْر النُّون وَهُوَ المخ، أَي: يسْتَخْرج نقيه، وَحَاصِله: أَنه قَلِيل الْخَيْر من جِهَة أَنه لحم جمل لَا لحم غنم، وَأَنه مهزول رَدِيء وَأَنه صَعب التَّنَاوُل لَا يُوصل إِلَيْهِ إلَاّ بِمَشَقَّة شَدِيدَة أَي: خَيره قَلِيل ذاتا وَصفَة. وَقَالَ أَبُو سعيد النَّيْسَابُورِي: لَيْسَ شَيْء أَخبث غثاثة بَين الْأَنْعَام من الْجمل لِأَنَّهُ يجمع خبث الرّيح وخبث الطّعْم حَتَّى ضرب بِهِ الْمثل، وصفت زَوجهَا بالبخل وَقلة الخيروبعده من أَن ينَال خَيره مَعَ قلته كَاللَّحْمِ الهزيل المنتن الَّذِي يزهد فِيهِ فَلَا يطْلب، فَكيف إِذا كَانَ فِي رَأس جبل صَعب وعر لَا ينَال إلَاّ بِمَشَقَّة، وَذهب الْخطابِيّ إِلَى أَن تمثيلها بِالْجَبَلِ الوعر هُنَا إِشَارَة إِلَى سوء خلقه، والذهاب بِنَفسِهِ وترفعه تيها وكبرا، تُرِيدُ أَنه: مَعَ قلَّة خَيره يتكبر على عشيرته فَيجمع إِلَى الْبُخْل سوء الْخلق، وَهُوَ تَشْبِيه الْجَلِيّ بالخفي، والمتوهم بالمحسوس والحقير بالخطير.
قَوْله: (وَقَالَت الثَّانِيَة) أَي: الْمَرْأَة الثَّانِيَة، وَهِي عمْرَة بنت عَمْرو التَّمِيمِي. قَوْله: (لَا أبث) من البث بِالْبَاء الْمُوَحدَة والثاء الْمُثَلَّثَة وَهُوَ الْإِظْهَار والإشاعة، وَفِي رِوَايَة حَكَاهَا عِيَاض: (لَا أنثه) . بالنُّون بدل الْبَاء أَي: لَا أنشره وَلَا أشيعه، وَوَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ: (لَا أنم) ، بالنُّون وَالْمِيم من النميمة. قَوْله: (إِنِّي أَخَاف أَن لَا أذره) فِيهِ تَأْوِيلَانِ لِأَن الْهَاء إِمَّا عَائِدَة إِلَى الْخَبَر أَي: خَبره طَوِيل إِن شرعت فِي تَفْصِيله لَا أقدر على إِتْمَامه لكثرته أَو إِلَى الزَّوْج وَتَكون: لَا، زَائِدَة أَي: أَخَاف أَن يُطلقنِي فأذره، أَي: فأتركه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: التَّأْوِيل الثَّالِث أَن يُقَال: إِن مَعْنَاهُ أَخَاف أَن أبث خَبره، إِذْ عدم التّرْك وَهُوَ الإبثاث والتبيين، وَوَقع فِي رِوَايَة الزبير: زَوجي من لَا أذكرهُ وَلَا أبث خَبره. قَوْله: (أذكر عُجَره وبجره) جَوَاب: إِن، والعجر، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْجِيم، والبجر بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْجِيم، وَالْمرَاد بهما: عيوبه، وَالْمَشْهُور فِي الِاسْتِعْمَال أَن يُرَاد بِهِ الْأُمُور كلهَا، وَقيل: العجرة نفخة فِي الظّهْر والبجرة نفخة فِي السُّرَّة، وَيُقَال: العجر معقد الْعُرُوق والعصب فِي الْجَسَد حَتَّى ترَاهَا ناتئة فِي الْجَسَد، والبجر كَذَلِك إلَاّ أَنَّهَا مُخْتَصَّة بالبطن فِيمَا ذكره الْأَصْمَعِي، وأحدها بجرة، وَمِنْه قيل: رجل أبجر إِذا كَانَ عَظِيم الْبَطن، وَامْرَأَة بجراء، وَيُقَال الفلان بجرة إِذا كَانَ ناتىء السُّرَّة عظيمها، وَقَالَ الْأَخْفَش: العجر العقد تكون فِي سَائِر الْبدن، والبجر تكون فِي الْقلب، وَقَالَ أَبُو سعيد النَّيْسَابُورِي: لم يَأْتِ أَبُو عُبَيْدَة بِالْمَعْنَى فِي هَذَا، وَإِنَّمَا عنت أَن زَوجهَا كثير الْعُيُوب فِي أخلاقه مُنْعَقد النَّفس عَن المكارم، وَقَالَ ابْن فَارس: يُقَال فِي الْمثل: أفضيت إِلَيْهِ بعجري وبجري أَي: بأَمْري كُله وَعَن الْأَصْمَعِي: يستعلمل ذَلِك فِي المعائب، أَي: ذكر عيوبه، وَقَالَ يَعْقُوب: أسراره، وَعبارَة غَيره: عيوبه الْبَاطِنَة وأسراره الكامنة، وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي وقْعَة الْجمل: (إِلَى الله أَشْكُو عجري وبجري) أَي: همومي وأحزاني، وَقيل: العجر ظَاهرهَا والبجر بَاطِنهَا. قَالَ الشَّاعِر:
(لم يبْق عِنْدِي مَا يُبَاع بدرهم ... يَكْفِيك عجر حالتي عَن بجري)
(إلَاّ بقايا مَاء وَجه صنته ... لأبيعه، فَعَسَى تكون المُشْتَرِي)
قَوْله: (قَالَت الثَّالِثَة) ، أَي: الْمَرْأَة الثَّالِثَة وَهِي: حييّ بنت كَعْب الْيَمَانِيّ. قَوْله: (العشنق) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة والمعجمة وَفتح النُّون الْمُشَدّدَة، وبالقاف، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَجَمَاعَة: هُوَ الطَّوِيل، وَزَاد الثعالبي: المذموم الطول، وَقَالَ الْخَلِيل: هُوَ طَوِيل الْعُنُق وَقَالَ ابْن حبيب: هُوَ الْمِقْدَام على مَا يُرِيد الشرس فِي أُمُوره، وَقيل: السيىء الْخلق، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: أَرَادَت أَنه لَيْسَ عِنْده أَكثر من طوله بِلَا نفع، وَيجمع على: عشانقة، وَالْمَرْأَة عشنقة، وَقَالَ أَبُو سعيد الضَّرِير: الصَّحِيح أَن العشنق الطَّوِيل النجيب الَّذِي يملك أَمر نَفسه وَلَا يحكم النِّسَاء فِيهِ، بل يحكم فِيهِنَّ بِمَا شَاءَ، فزوجته تهابة أَن تنطق بِحَضْرَتِهِ فَهِيَ تسكن على مضض. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَهِي الشكاية البليغة. قَوْله: (إِن أنطق أطلق) يَعْنِي: إِن ذكرت عيوبه يُطلقنِي (وَإِن أسكت أعلق) يَعْنِي: إِن أسكت عَنهُ أعلق يَعْنِي يتركني لَا عزبا وَلَا مُزَوّجَة، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فتذروها كالمعلقة﴾ (النِّسَاء: ٩٢١) فَكَأَنَّهَا قَالَت: أَنا عِنْده لَا ذَات زوج فَانْتَفع بِهِ وَلَا مُطلقَة فأتفرغ لغيره. فَهِيَ كالمعلقة بَين الْعُلُوّ والسفل لَا تَسْتَقِر بِأَحَدِهِمَا، وكل وَاحِد من قَوْلهَا: (أطلق) و (أعلق) على صِيغَة الْمَجْهُول مجزومان لِأَنَّهُمَا جَوَاب الشَّرْط.
قَوْله: (قَالَت الرَّابِعَة) ، وَهِي: مهدد، بِفَتْح الْمِيم وَإِسْكَان الْهَاء وَفتح الدَّال الْمُهْملَة الأولى، وَيُقَال: مهرَة بالراء بنت أبي هرومة بالراء المضمومة، وَيُقَال: أرومة. قَوْله: (كليل تهَامَة) شبهت زَوجهَا بلَيْل تهَامَة، وتمدحه أَي: كليل أهل مَكَّة أَصْحَاب الْأَمْن، أَو كليل ركدت الرِّيَاح فِيهِ، أَو كليل الرّبيع وَقت تغير الْهَوَاء من الْبُرُودَة إِلَى الْحَرَارَة وَظُهُور اعتداله،
стр. 6058
وَلَيْسَ فِيهِ أَذَى بل فِيهِ رَاحَة ولذاذة عَيْش، كليل تهَامَة لذيذ معتدل لَيْسَ فِيهِ حر مفرط وَلَا برد، وَلَا أَخَاف لَهُ غائلة لكرم أخلاقه، وَلَا يسامني وَلَا يستثقل بِي فيمل صحبتي، وتهامة، بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَهُوَ اسْم لكل مَا نزل عَن نجد من بِلَاد الْحجاز، وَهُوَ من الْمُتَّهم، بِفَتْح التَّاء وَالْهَاء: وَهُوَ ركود الرّيح، وَيُقَال: تهتم الدّهن، إِذا تغير قَوْله: (وَلَا قر) بِالضَّمِّ وَهُوَ الْبرد. قَوْله: (وَلَا سآمة) أَي: وَلَا ملالة، وكل وَاحِد من هَذِه الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة بني بِغَيْر تَنْوِين، وَجَاء الرّفْع مَعَ التَّنْوِين، وَهِي رِوَايَة أبي عبيد كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا بيع فِيهِ وَلَا خلة وَلَا شَفَاعَة﴾ (الْبَقَرَة: ٤٥٢) وَوَقع فِي رِوَايَة عمر بن عبد الله عِنْد النَّسَائِيّ: وَلَا برد، بدل: وَلَا قر، وَزَاد فِي رِوَايَة الْهَيْثَم بن عدي، وَلَا وخامة، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أَي: لَا ثقل عِنْده تصف زَوجهَا بذلك، أَنه لين الْجَانِب خَفِيف الْوَطْأَة على الصاحب، وَفِي رِوَايَة الزبير بن بكار: والغيث، غيث غمامة، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: أَرَادَت بقولِهَا: وَلَا مَخَافَة أَن أهل تهَامَة لَا يخَافُونَ لتحصنهم بجبالها، أَو أَرَادَت أَن زَوجهَا حامي الذمار مَانع لداره وجاره وَلَا مَخَافَة عِنْد من يأوي إِلَيْهِ، ثمَّ وَصفته بالجود.
قَوْله: (قَالَت الْخَامِسَة) أَي: الْمَرْأَة الْخَامِسَة وَهِي كَبْشَة. قَوْله: (إِن دخل فَهد) ، أَي: إِن دخل الْبَيْت فَهد بِكَسْر الْهَاء أَي: فعل فعل الفهد، شبهته بالفهد فِي كَثْرَة نَومه، يَعْنِي إِذا دخل الْبَيْت يكون فِي الاسْتِرَاحَة معرضًا عَمَّا تلف من أَمْوَاله وَمَا بَقِي مِنْهَا. وَقيل: معنى فَهد أَنه إِذا دخل الْبَيْت وثب على وثوب الفهد، كَأَنَّهَا تُرِيدُ الْمُبَادرَة إِلَى الْجِمَاع. قَوْله: (وَإِن خرج أَسد) أَي: وَإِن خرج من الْبَيْت أَسد بِكَسْر السِّين يَعْنِي: فعل فعل الْأسد تصفه بالشجاعة يَعْنِي: إِذا صَار بَين النَّاس كَانَ الْأسد، يَعْنِي: سهل مَعَ الأحباء صَعب على الْأَعْدَاء كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم﴾ (الْفَتْح: ٩٢) وَقَالَ ابْن السّكيت: تصفه بالنشاط فِي الْغَزْو، وَقَالَ عِيَاض: فِيهِ مُطَابقَة لفظية بَين دخل وَخرج، وَبَين أَسد وفهد مُطَابقَة معنوية، وَتسَمى أَيْضا الْمُقَابلَة. قَوْله: (وَلَا يسْأَل عَمَّا عهد) أَي: لَا يتفقد مَا ذهب من مَاله وَلَا يلْتَفت إِلَى معائب الْبَيْت وَمَا فِيهِ كَأَنَّهُ ساهٍ عَن ذَلِك. وَقَالَ عِيَاض: وَهَذَا يَقْتَضِي تفسيرين: لعهد عهد قبل فَهُوَ يرجع إِلَى تفقد المَال وعهد الْآن فَهُوَ بِمَعْنى الإغضاء عَن المعائب والاختلال.
قَوْله: (قَالَ السَّادِسَة) : أَي الْمَرْأَة السَّادِسَة، وَاسْمهَا هِنْد قَوْله: (إِن أكل لف) بِاللَّامِ وَالْفَاء الْمُشَدّدَة فعل مَاض من اللف وَهُوَ الْإِكْثَار من الطَّعَام مَعَ التَّخْلِيط من صنوفه حَتَّى لَا يبْقى مِنْهُ شَيْئا. قَالَ عِيَاض: حُكيَ رف، بالراء بدل اللَّام قَالَ: وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. قَوْله: (وَإِن شرب اشتف) من الاشتفاف بالفاءين، وَهُوَ أَن يستوعب جَمِيع مَا فِي الْإِنَاء مَأْخُوذ من الشفافة بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَهِي اسْم مَا بَقِي فِي الْإِنَاء من المَال، فَإِذا شربه قيل: اشتفه، ويروى: استف، بِالسِّين الْمُهْملَة وَهِي بمعناها. وَقَالَ عِيَاض: رُوِيَ بِالْقَافِ بدل الشين. قَالَ الْخَلِيل: قفاف كل شَيْء جمَاعَة واستيعابه، وَمِنْه سميت الفقة لجمعها مَا وضع فِيهَا. قَوْله: (وَإِن اضْطجع التّلف) من الالتفاف، يَعْنِي: إِذا نَام التّلف فِي ثِيَابه فِي نَاحيَة، وَفِي رِوَايَة للنسائي: إِذا نَام بدل اضْطجع، وَزَاد: وَإِذا ذبح اغتث أَي: تحرى الغث وَهُوَ الهزيل كَمَا مضى. قَوْله: (وَلَا يولج الْكَفّ) أَي: لَا يدْخل كَفه مَعْنَاهُ لَا يمد يَده ليعلم مَا هِيَ عَلَيْهِ من الْحزن، وَهُوَ معنى قَوْله: (ليعلم البث) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد يَد الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَهُوَ الْحزن وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ: وَلَا يدْخل، بدل وَلَا يولج، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ وَالطَّبَرَانِيّ: فَيعلم، بِالْفَاءِ بدل اللَّام، وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ أَنه يتلفف منتبذا عَنْهَا وَلَا يقرب مِنْهَا فيولج كَفه دَاخل ثوبها فَيكون مِنْهُ إِلَيْهَا مَا يكون من الرجل لامْرَأَته، وَمعنى البث مَا تضمر من الْحزن على عدم الحظوة مِنْهُ، وَقَالَ أَبُو عبيد: أحسبها كَانَ بجسدها عيب أَو دَاء يحزن بِهِ، وَكَأَنَّهُ لَا يدْخل يَده فِي ثوبها لِئَلَّا يلمس ذَلِك فَيشق عَلَيْهَا، فوصفته بالمروءة وكرم الْخلق، ورد عَلَيْهِ ابْن قُتَيْبَة بِأَنَّهَا قد ذمَّته فِي صدر الْكَلَام فَكيف تمدحه فِي آخِره؟ فَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: الرَّد مَرْدُود، لِأَن النسْوَة تعاقدن لَا يكتمن شَيْئا مدحا أَو ذما، فمنهن من كَانَت أَوْصَاف زَوجهَا كلهَا حَسَنَة فوصفته بهَا، ومنهن بِالْعَكْسِ، ومنهن من كَانَت أَوْصَافه مختلطة مِنْهُمَا فذكرتهما كليهمَا.
قَوْله: (قَالَت السَّابِعَة) أَي: الْمَرْأَة السَّابِعَة وَاسْمهَا حيى بنت عَلْقَمَة قَوْله: (زَوجي عياياء) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعد الْألف يَاء أُخْرَى وبالمد وَهُوَ الَّذِي عي بِالْأَمر والمنطق وجمل عياياء إِذا لم يهتد إِلَى الضراب. قَوْله: (أَو غياياء) شكّ من الرَّاوِي وَهُوَ عِيسَى بن يُونُس فَإِنَّهُ شكّ هَل هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ أَو بِالْمُعْجَمَةِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَو تنويع من الزَّوْجَة القائلة، وَالْأَكْثَرُونَ لم يشكوا، وَقَالُوا بِالْمُهْمَلَةِ وَأما غياياء، بالغين الْمُعْجَمَة فَمَعْنَاه لَا يَهْتَدِي إِلَى مَسْلَك أَو إِنَّه كالظل
стр. 6059
المتكاثف المظلم الَّذِي لَا إشراق فِيهِ. أَو أَنه غطى عَلَيْهِ أُمُوره، أَو أَنه منهمك فِي الشَّرّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَسَوف يلقون غيا﴾ (مَرْيَم: ٩٥) وَقَالَ عِيَاض: قَالَ أَبُو عبيد إِن الغياياء، بالغين الْمُعْجَمَة لَيْسَ بِشَيْء. وَلم يفسره وَتَابعه على ذَلِك سَائِر الشُّرَّاح، فقد ظهر لي فِيهِ معنى صَحِيح فَذكر مَا ذَكرْنَاهُ الْآن، وَذكر أَيْضا أَنه مَأْخُوذ من الغياية. وَهِي كل مَا أظلك فَوق رَأسك من سَحَاب وَغَيره، وَمِنْه سميت الرَّايَة غَايَة، فَكَأَنَّهُ غطى عَلَيْهِ من جَهله وسترت مصالحة. قَوْله: (طباقاء) بِالطَّاءِ الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وبالقاف ممدودة. وَهُوَ المطبقة عَلَيْهِ الْأُمُور حمقا، وَقيل: الَّذِي يعجز عَن الْكَلَام، وَقَالَ ابْن حبَان: الطباق من الرِّجَال الَّذِي فِيهِ رعونة وحمق كالمطبق عَلَيْهِ فِي حمقه ورعونته، وَقيل: الطباق من الرِّجَال الثقيل الصَّدْر الَّذِي لَا يطبق صَدره على صدر الْمَرْأَة. قَوْله: (كل دَاء لَهُ دَوَاء) أَي: كل شَيْء من أدواء النَّاس فِيهِ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: تَعْنِي كل دَاء تفرق فِي النَّاس فَهُوَ فِيهِ، وَمن أدوائه أَنه قد اجْتمعت فِيهِ المعائب. قَوْله: (شجك أَو فلّك) كلمة: أَو للتنويع وَمعنى شجك: جرحك فِي رَأسك وجراحات الرَّأْس تسمى شجا بالشين الْمُعْجَمَة بالشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْجِيم، وَمعنى: فلك بِالْفَاءِ وَتَشْديد اللَّام: جرحك فِي جَمِيع الْجَسَد وَقيل: الفل الطعْن، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: فلك كسرك، وَيُقَال: ذهب بِمَالك، وَيُقَال: كسرك بخصومته، وَصفته بالحمق والتناهي فِي جَمِيع النقائص والعيوب وَسُوء الْعشْرَة مَعَ الْأَهْل وعجزه عَن حَاجَتهَا مَعَ ضربهَا وأذاه لَهَا وَإِذا حدثته سبها وَإِذا مازحته شجها وَإِذا غضب إِمَّا أَن يشجها فِي رَأسهَا أَو يكسر عضوا من أعضائها. وَزَاد ابْن السّكيت فِي رِوَايَته: بجك، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْجِيم: أَي طعنك فِي جراحتك فَشَقهَا، والبج شقّ القرحة، وَقيل: هُوَ الطعنة. قَوْله: (أَو جمع كلا لَك) أَي: أَو جمع كل هَذِه الْأَشْيَاء وَهِي: الضَّرْب وَالْجرْح وَكسر الْأَعْضَاء وَالْكَسْر بِالْخُصُومَةِ وَالْكَلَام الموجع وَأخذ مَالهَا.
قَوْله: (قَالَت الثَّامِنَة) أَي: الْمَرْأَة الثَّامِنَة وأسمها يَاسر بنت أَوْس بن عبد. قَوْله: (الْمس مس أرنب وَالرِّيح ريح زرنب) وَصفته بِحسن الْخلق ولين الْجَانِب كمس الأرنب إِذا وضعت يدك على ظَهره، لِأَن وبره ناعم جدا، والزرنب بِوَزْن الأرنب لَكِن أَوله زَاي، وَهُوَ نبت طيب الرّيح، وَقيل: هِيَ شَجَرَة عَظِيمَة بِالشَّام على جبل لبنان لَا تثمر وَلها ورق بَين الخضرة والصفرة، وَكَذَا ذكره عِيَاض، ورده أَصْحَاب الْمُفْردَات. وَقيل: هِيَ حشيشة طيبَة الرَّائِحَة رقيقَة، وَقيل: هُوَ الزَّعْفَرَان وَلَيْسَ بِشَيْء، وَقيل: وَهُوَ مسك، وَالْألف وَاللَّام فِي الْمس نائبة عَن الضَّمِير لِأَن أَصله زَوجي مَسّه. وَكَذَا فِي الرّيح أَي: رِيحه وَفِيهِمَا حذف تَقْدِيره: زَوجي الْمس مِنْهُ كَمَا فِي السّمن. منوان بدرهم، أَي مِنْهُ، وَقَالَ عِيَاض: هَذَا من التَّشْبِيه بِغَيْر أَدَاة، وَفِيه حسن الْمُنَاسبَة والموازنة والتسجيع، وَفِي رِوَايَة الزبير وَالنَّسَائِيّ فِيهِ زِيَادَة وَهِي قَوْلهَا. وَأَنا أغلبه وَالنَّاس يغلب، فِي رِوَايَة للنسائي وَالطَّبَرَانِيّ بِلَفْظ: ونغلبه، بنُون الْجمع وَفِيه نوع من البديع يُسمى التتميم لِأَنَّهَا لَو اقتصرت على قَوْلهَا: وَأَنا أغلبه لظن أَنه جبان ضَعِيف، فَلَمَّا قَالَت: وَالنَّاس يغلب، دلّ على أَن غلبتها إِيَّاه إِنَّمَا هُوَ من بَاب كرم سجاياه فتممت بِهَذِهِ الْكَلِمَة الْمُبَالغَة فِي حسن أَوْصَافه.
قَوْله: (قَالَت التَّاسِعَة) أَي: الْمَرْأَة التَّاسِعَة: وَلم أَقف على اسْمهَا عِنْد أحد قَوْله: (رفيع الْعِمَاد) كِنَايَة عَن وَصفه بالشرف فِي نسبه وسؤدده فِي قومه فَهُوَ رفيع فيهم. والعماد فِي الأَصْل عماد الْبَيْت وَهُوَ العمود الَّذِي يدعم بِهِ الْبَيْت، تَعْنِي: أَن بَيته فِي حَسبه رفيع فِي قومه، وَيحْتَمل أَنَّهَا أَرَادَت أَن بَيته عالٍ لحشمته وسعادته لَا كبيوت غَيره من الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين، يَجعله مرتفعا ليراه أَرْبَاب الْحَوَائِج والأضياف فيأتونه. وَهَذِه صفة بيُوت الأجواد. قَوْله: (طَوِيل النجاد) . بِكَسْر النُّون كِنَايَة عَن طول الْقَامَة لِأَن النجاد حمائل السَّيْف، فَمن كَانَ طَوِيل الْقَامَة كَانَت حمائل سَيْفه طَوِيلَة، فوصفته بالطول والجود. قَوْله: (عَظِيم الرماد) . كِنَايَة عَن المضافية، لِأَن كَثْرَة الرماد تَسْتَلْزِم كَثْرَة النَّار وَكَثْرَة النَّار تَسْتَلْزِم كَثْرَة الطَّبْخ وَكَثْرَة الطَّبْخ تَسْتَلْزِم كَثْرَة الأضياف، وَقيل: إِن ناره لَا تطفأ فِي اللَّيْل ليهتدي بهَا الضيفان، والأجواد يعظمون النيرَان فِي ظلام اللَّيْل ويوقدونها على التلال لاهتداء الضَّيْف بهَا قَوْله: (قريب الْبَيْت من الناد) كِنَايَة عَن الْكَرم والسؤدد، لِأَن النادي مجْلِس الْقَوْم وَلَا يقرب مِنْهُ إلَاّ من هَذِه صفته، لِأَن الضيفان يقصدون النادي، يَعْنِي: ينزل بَين ظهراني النَّاس ليعلموا مَكَانَهُ وينزلوا عِنْده، واللئام يتباعدون مِنْهُ فِرَارًا من نزُول الضَّيْف. وَقَالَ
стр. 6060
صَاحب (التَّلْوِيح) فِي قَوْلهَا: (قريب الْبَيْت من النادي) كَذَا هُوَ فِي النّسخ: النادي، بِالْيَاءِ هُوَ الفصيح فِي الْعَرَبيَّة. وَلَكِن الْمَشْهُور فِي الرِّوَايَة خذفها الْيُتْم السجع، وَفِي رِوَايَة الزبير بن بكار بعد قَوْله: (قريب الْبَيْت من الناد) لَا يشْبع لَيْلَة يُضَاف، وَلَا ينَام لَيْلَة يخَاف.
قَوْله: (وَقَالَت الْعَاشِرَة) أَي: الْمَرْأَة الْعَاشِرَة وَاسْمهَا: كَبْشَة، مثل الْخَامِسَة بنت الأرقم بالراء وَالْقَاف. قَوْله: (زَوجي مَالك، وَمَا مَالك؟ مَالك خير من ذَلِك) . أردْت بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ تَعْظِيم زَوجهَا لِأَن كلمة: مَا استفهامية وفيهَا معنى التَّعْظِيم والتهويل، وَحَقِيقَة: مَا مَالك، أَي: مَا هُوَ، أَي: أَي شَيْء هُوَ مَا أعظمه وأكبره وأكرمه مثل قَوْله : ﴿الحاقة مَا الحاقة﴾ (الحاقة: ١) ﴿القارعة مَا القارعة﴾ (القارعة: ١) أَي: أَي شَيْء هُوَ مَا أعطم أمرهَا وأهولها. وَقَوْلها: (مَالك خير من ذَلِك) زِيَادَة فِي التَّعْظِيم وَتَفْسِير لبَعض الْإِبْهَام وَأَنه خير مِمَّا أُشير إِلَيْهِ من ثَنَاء وَطيب ذكرا وَفَوق مَا أعتقده فِيهِ من سؤدد وفخر قَوْلهَا: (ذَلِك) إِشَارَة إِلَى: مَالك، أَي: خير من كل مَالك، والتعميم يُسْتَفَاد من الْمقَام أَو هُوَ نَحْو: تَمْرَة خير من جرادةٍ أَي كل تَمْرَة خير من كل جَرَادَة، أَو هُوَ إِشَارَة إِلَى مَا فِي ذهن الْمُخَاطب، أَي: مَالك خير مِمَّا فِي ذهنك من مَالك الْأَمْوَال. قَوْله: (لَهُ إبل) أَي: لزوجي إبل (كثيرات الْمُبَارك) وَهُوَ جمع مبرك وَهُوَ مَوضِع البروك أَرَادَت أَنه يبركها فِي مُعظم أَوْقَاتهَا بِفنَاء دَاره لَا يوجهها تسرح إِلَّا قَلِيلا قدر الضَّرُورَة حَتَّى إِذا نزل بِهِ الضَّيْف كَانَت الْإِبِل حَاضِرَة فيقريه من أَلْبَانهَا ولحومها، ويروى: عظيمات الْمُبَارك، وَهُوَ كِنَايَة عَن سمنها وَعظم جسومها فيعظم مباركها لذَلِك. قَوْله: (قليلات المسارح) ، وَهُوَ جمع مسرح وَهُوَ الْموضع الَّذِي تسرح إِلَيْهِ الْمَاشِيَة بِالْغَدَاةِ المرعى، يُقَال: سرحت الْمَاشِيَة تسرح فَهِيَ سارحة. وسرحتها يَأْتِي لَازِما ومتعديا. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: نصفه بِكَثْرَة الْإِطْعَام وَسقي الألبان أَي: أَن إبِله على كثرتها لَا تغيب عَن الْحَيّ وَلَا تسرح إِلَى المراعي الْبَعِيدَة وَلكنهَا تبرك بفنائه ليقري الضيفان من لَبنهَا ولحمها خوفًا من أَن ينزل بِهِ ضيف وَهِي بعيدَة عازبة، وَقيل: إِن مَعْنَاهُ أَن إبِله كَثِيرَة فِي حَال بروكها، فَإِذا سرحت كَانَت قَليلَة لِكَثْرَة مَا تحرمنها فِي مباركها للأضياف. وَفِي رِوَايَة الْهَيْثَم عَن هِشَام فِي آخر هَذَا الْكَلَام: وَهُوَ إِمَام الْقَوْم فِي المهالك. قَوْله: (وَإِذا سمعن صَوت المزهر أَيقَن أَنَّهُنَّ هوالك) ، أَي: إِذا سَمِعت الْإِبِل صَوت المزهر، بِكَسْر الْمِيم وَهُوَ: الْعود الَّذِي يضْرب بِهِ أَي: إِن زَوجهَا عود الْإِبِل إِذا نزل بِهِ الضيفان أَتَاهُم بالعيدان وَالْمَعَازِف وآلات الطّرف ونحولهم مِنْهَا، فَإِذا سَمِعت الْإِبِل صَوت المزهر علمت يَقِينا أَنه قد جَاءَ الضيفان وأنهن منحورات هوالك، وَقَالَ أَبُو سعيد النَّيْسَابُورِي: لم تكن تعرف الْعَرَب الْعود إلَاّ الَّذين خالطوا الْحَضَر، وَالَّذِي يذهب إِلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ المزهر، يَعْنِي: بِضَم الْمِيم وَكسر الْهَاء وَهُوَ الَّذِي يزهر النَّار للأضياف، فَإِذا سمعن صَوت ذَلِك ومعمعان النَّار أيقنت بالعقر. وَقَالَ عِيَاض: لَا تعرف أحدا رَوَاهُ المزهر، كَمَا قَالَ النَّيْسَابُورِي: وَالَّذِي رَوَاهُ النَّاس كلهم المزهر، يَعْنِي بِكَسْر الْمِيم وَهُوَ الصَّوَاب. وَالضَّمِير فِي سمعهن وأيقن برجع إِلَى الْإِبِل كَمَا ذَكرْنَاهُ، والهوالك جمع هالكة.
قَوْله: (قَالَت الْحَادِيَة عشرَة) أَي: الْمَرْأَة الْحَادِيَة عشرَة، قَالَ النَّوَوِيّ: وَفِي بعض النسح: الْحَادِي عشرَة، وَفِي بَعْضهَا: الْحَادِيَة عشر، وَالصَّحِيح الأول، وَهِي: أم زرع بنت أكيمل بن سَاعِدَة اليمنية، وَهَذَا الحَدِيث مَشْهُور: بِحَدِيث أم زرع. قَوْله: (زَوجي أَبُو زرع! فَمَا أَبُو زرع؟) هُوَ كَقَوْل الْعَاشِرَة: مَالك وَمَا مَالك؟ أخْبرت أَولا أَن زَوجهَا أَبُو زرع، ثمَّ عظمت شَأْنه بقولِهَا: فَمَا أَبُو زرع؟ يَعْنِي: إنكن لَا تعرفنه لأنكن لم تعهدن مثله. قَوْله: (أَبُو زرع) . فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: نكحت أَبَا زرع. قَوْله: (فَمَا أَبُو زرع؟) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وَمَا أَبُو رزع، بِالْوَاو وَهُوَ الْمَحْفُوظ للأكثرين، وَزَاد الطَّبَرَانِيّ فِي رِوَايَة: صَاحب نعم وَزرع. قَوْله: (أنَاس من حلي أُذُنِي) أنَاس فعل مَاض من النوس وَهُوَ الْحَرَكَة من كل شَيْء معتدل يُقَال: نَاس ينوس نوسا، وأناسه غَيره إناسة، والحلي بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر اللَّام وَتَشْديد الْيَاء جمع: حلي، بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون اللَّام وَتَخْفِيف الْيَاء، وَهُوَ اسْم لكل مَا يتزين بِهِ من مصاغ الذَّهَب وَالْفِضَّة، (وأذني) بتَشْديد الْيَاء، تَثْنِيَة أذن أَرَادَت: حلاني قرطة وشنوفا يَعْنِي مَلأ أُذُنِي بِمَا جرت بِهِ عَادَة النِّسَاء من التحلي بِهِ فِي الْأذن من القرط وَهُوَ الْحلق من ذهب وَفِضة ولؤلؤ وَنَحْو ذَلِك، وَقَالَ ابْن السّكيت: معني أنَاس: أثقل أُذُنِي حَتَّى تدلى واضطرب قَوْله: (وملأ من شَحم عضدي) بتَشْديد الْيَاء تَثْنِيَة عضد. وَقَالَ أَبُو عبيد: لم ترد الْعظم وَحده وَإِنَّمَا أَرَادَت الْجَسَد كُله. لِأَن العضف إِذا سمنت سمن سَائِر الْجَسَد، وخصت الْعَضُد لِأَنَّهَا أقرب مَا يَلِي بصر الْإِنْسَان من جسده. قَوْله: (وبجحني) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْجِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ بتَشْديد الْجِيم من التبجيح وَهُوَ التفريح، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: مَعْنَاهُ عظمني، وَقَالَ ابْن أبي أويس: وسع
следующие страницы →