Полный текст (7 603 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.
стр. 6231
التِّرْمِذِيّ قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا الْعَلَاء بن فضل بن عبد الْملك بن أبي سَرِيَّة أَبُو الْهُذيْل، حَدثنَا عبيد الله بن عكراش عَن أَبِيه عكراش بن ذُؤَيْب قَالَ: بَعَثَنِي بَنو مرّة بن عبيد بصدقات أَمْوَالهم إِلَى رَسُول الله ﷺ ، فَقدمت الْمَدِينَة فَوَجَدته جَالِسا بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار. قَالَ: ثمَّ أَخذ بيَدي فَانْطَلق بِي إِلَى بَيت أم سَلمَة. فَقَالَ: هَل من طَعَام؟ فأتتنا بحفنة كَثِيرَة الثَّرِيد والودك. فأقبلنا نَأْكُل مِنْهَا، فَجعلت بيَدي فِي نَوَاحِيهَا وَأكل رَسُول الله ﷺ من بَين يَدَيْهِ، فَقبض بِيَدِهِ الْيُسْرَى على يَدي الْيُمْنَى، ثمَّ قَالَ: يَا عكراش؟ كل من مَوضِع وَاحِد ثمَّ أئتنا بطبق فِيهِ ألوان التَّمْر أَو الرطب، شكّ عبيد الله، فَجعلت آكل من بَين يَدي، وجالت يَد رَسُول الله ﷺ فِي الطَّبَق قَالَ: يَا عكراش كل من حَيْثُ شِئْت فَإِنَّهُ غير لون وَاحِد! الحَدِيث. ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب، وَقد تفرد الْعَلَاء بِهَذَا الحَدِيث، وَقَالَ ابْن حبَان لَهُ صُحْبَة غير أَنِّي لست بمعتمد على إِسْنَاد خَبره، وَقَالَ البُخَارِيّ فِي (التَّارِيخ) روى عَنهُ الْعَلَاء بن الْمفضل وَلَا يثبت، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: مَجْهُول، وَقَالَ ابْن حبَان: مُنكر الحَدِيث. قلت: لَيْت شعري مَا دَلِيل هَذَا الْقَائِل على أَن البُخَارِيّ رمز هُنَا إِلَى تَضْعِيف هَذَا الحَدِيث؟ .
٥٣٧٩ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مَالِكٍ يَقُولُ: إنَّ خَيَّاطا دَعَا رَسُولَ الله ﷺ ، لِطعامٍ صَنَعَهُ، قَالَ أنَسٌ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فَرَأَيْتُهُ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالِي القَصْعَةِ قَالَ: فَلَمْ أزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمَئِذٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى فِي الْبيُوع عَن عبد الله بن يُوسُف، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (الدُّبَّاء) ، بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالمد، وَحكى الْقَزاز الْقصر وَوَقع للنووي فِي (شرح الْمُهَذّب) أَنه القرع الْيَابِس، وَمَا ذَاك إلَاّ سَهْو، وواحده دباءة ودبة تَقْتَضِي أَن تكون الْهمزَة زَائِدَة، وَيدل عَلَيْهِ أَن الْهَرَوِيّ أخرجه فِي بَاب دبب. وَأخرجه الْجَوْهَرِي على أَن همزته منقلبة. قَالَ ابْن الْأَثِير: وَكَأَنَّهُ أشبه، وَقَالَ أَيْضا: وَوزن الدُّبَّاء فعال ولامه همزَة لِأَنَّهُ لم يعرف انقلاب لامه عَن وَاو أَو يَاء قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ.
٥ - (بَابُ: ﴿التَّيَمُّنِ فِي الأكْلِ وَغَيْرِهِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان سنية التَّيَمُّن فِي كل شَيْء، فِي الْأكل وَالشرب وَغَيره.
٥٣٨٠ - حدَّثنا عَبْدَانُ أخْبَرنا عَبْدُ الله أخبرَنا شُعْبَةُ عَنْ أشْعَثَ عَنْ أبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂. قَالَتْ: كَانَ النبيُّ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي طُهُورِهِ وَتَنَصُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ، وَكَانَ قَالَ بِوَاسِطٍ قَبْلَ هاذا، فِي شَأنِهِ كُلِّهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان بن حبلة الْمروزِي، يروي عَن عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي عَن شُعْبَة عَن أَشْعَث، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وبالثاء الْمُثَلَّثَة، يروي عَن أَبِيه سليم بِضَم السِّين التَّابِعِيّ الْكُوفِي.
والْحَدِيث مر فِي كتاب الْوضُوء فِي بَاب التَّيَمُّن فِي الْوضُوء وَالْغسْل، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (وَكَانَ) ، أَي: شُعْبَة. قَالَ قبله بواسط فِي الزَّمَان السَّابِق (فِي شَأْنه كُله) أَي: زادَ عَلَيْهِ هَذِه الْكَلِمَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ بعض الْمَشَايِخ: الْقَائِل بواسط هُوَ أَشْعَث، وَالله أعلم.
٦ - (بَابُ: ﴿مَنْ أكَلَ حَتَّى شَبِعَ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال من أكل من الطَّعَام حَتَّى شبع.
٥٣٨١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ: حدَّثني مَالِكٌ عَنْ إسْحاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ أبُو طَلْحَةَ: لأُمِّ سُلَيْمٍ: لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ الله ﷺ ، ضَعِيفا أعْرِفُ فِيهِ الجُوعَ فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ فَأخْرَجَتْ أقْرَاصا مِنْ شَعِيرٍ ثُمَّ أخْرَجَتْ
стр. 6232
خيارا لَهَا فَلفَّتِ الخُبْزَ بِبَعْضِهِ ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ ثَوْبِي وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ ثُمَّ أرْسَلَتْنِي إلَى رَسُولِ الله ﷺ ، قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهِ فَوَجَدْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، فِي المَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : آرْسَلَكَ أبُو طَلْحَةَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: بِطَعامٍ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ ، لِمَنْ مَعَهُ قَومُوا، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أبَا طَلْحَةَ. فَقَالَ أبُو طَلْحَةَ: يَا أُُمَّ سُلَيْمٍ! قَدْ جَاءَ رَسُولُ الله ﷺ ، بِالنَّاسِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنَ الطَّعامِ مَا نُطْعِمُهُمْ. فَقَالَتْ: الله وَرَسُولهُ أعْلَمُ قَالَ: فَانْطَلَقَ أبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ الله ﷺ ، فَأقْبَلَ أبُو طَلْحَةَ ورسولُ الله ﷺ ، حَتَّى دَخَلا. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : هَلُمِّي يَا أُُمَّ سُلَيْمٍ، مَا عِنْدَكِ؟ فَأتَتْ بِذَلِكَ الخُبْزِ، فَأمَرَ بِهِ فَفُتَّ وَعَصَرَتْ عَلَيْهِ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً لَهَا فأدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ رَسُول الله ﷺ ، مَا شَاءَ الله أنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فأذِنَ لَهُمْ فَأكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا. ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشْرَةِ، فأذِنَ لَهُمْ فَأكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأذِنَ لَهُمْ فَأكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا. ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ أذِنَ لِعَشَرَةٍ فأكَلَ القَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا وَالقَوْمُ ثَمَانُونَ رَجُلاً.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس. والْحَدِيث مضى فِي عَلَامَات النُّبُوَّة بِطُولِهِ، وَفِي الصَّلَاة مُخْتَصرا عَن عبد الله بن يُوسُف، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ وَأَبُو طَلْحَة اسْمه زيد الْأنْصَارِيّ النجاري، وَأم سليم بِضَم السِّين اسْمهَا سهلة أَو الرميصاء زَوْجَة أبي طَلْحَة أم أنس.
قَوْله: (دسست) ، من دسمت الشَّيْء فِي التُّرَاب إِذا أخفيته فِيهِ. قَوْله: (وردتني) من التردية أَي: جعلته رِدَاء لي. (والعكة) بِالضَّمِّ آنِية السّمن. قَوْله: (وأدمته) من قَوْلهم: أَدَم الْخبز يأدمه الْخبز يأدمه بِالْكَسْرِ وَهُوَ بِالْمدِّ وَالْقصر لُغَتَانِ. قَوْله: (ائْذَنْ) أَي: بِالدُّخُولِ.
٥٣٨٢ - حدَّثنا مُوسَى حدَّثنا مُعْتَمِرٌ عَنْ أبِيهِ قَالَ: وَحَدَّثَ أبُو عُثْمَانَ أيْضا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ أبِي بَكْرٍ، ﵄. قَالَ: كُنَّا مَعَ النبيِّ ﷺ : ثَلاثِينَ ومِائَةَ. فَقَالَ النبيُّ ﷺ : هَلْ مَعَ أحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ؟ فَإذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أوْ نَحْوُهُ فَعُجِنَ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعانٌ طَوِيلٌ بغَنَمٍ يَسُوقُها. فَقَالَ النبيّ ﷺ أبَيْعٌ أمْ عَطِيَّةٌ؟ أوْ قَالَ: هِبَةٌ؟ قَال: لَا بَلْ بَيْعٌ. قَالَ: فَاشْتَرى مِنْهُ شَاةً فَصُنِعَتْ فَأمَرَ نَبِيُّ الله ﷺ بِسَوَادِ البَطْنِ يُشْوِي، وَأَيمُ الله مَا مِنَ الثَّلاثِينَ وَمائَةٍ إلَاّ قَدْ حَزَّ لَهُ مِنْ سَوَادِ بَطْنِها إنْ كَانَ شَاهِدا أعْطاها إيَّاهُ وَإنْ كَانَ غَائِبا خَبَأها لَهُ، ثُمَّ جَعَلَ فِيها قَصْعَتَيْنِ فَأكلْنا أجْمَعُونَ وَشَبِعنَا وَفَضَلَ فِي القَصْعَتَيْنِ فَجَعَلْتُهُ عَلَى البَعِيرِ أوْ كَمَا قَالَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل الْمنْقري، ومعتمر هُوَ ابْن سُلَيْمَان يروي عَن أَبِيه سُلَيْمَان بن طرخان التَّيْمِيّ الْبَصْرِيّ.
قَوْله: (وَحدث أَبُو عُثْمَان أَيْضا) ، أَرَادَ بِهِ أَن سُلَيْمَان قَالَ: حَدثنِي غير أبي عُثْمَان وحَدثني أَبُو عُثْمَان، وَهُوَ أَيْضا عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ بالنُّون، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي: وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ ذَلِك المُرَاد إِنَّمَا أَرَادَ أَن أَبَا عُثْمَان حَدثهُ بِحَدِيث سَابق على هَذَا ثمَّ حَدثهُ بِهَذَا فَلذَلِك قَالَ: أَيْضا أَي: حَدثهُ بِحَدِيث بعد حَدِيث. قلت: من تَأمل وَجه مَا قَالَه الْكرْمَانِي علم أَنه هُوَ الْوَجْه.
والْحَدِيث مضى فِي الْبيُوع فِي: بَاب الشِّرَاء وَالْبيع مَعَ الْمُشْركين، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي النُّعْمَان عَن مُعْتَمر إِلَى آخِره، وَمضى أَيْضا فِي
стр. 6233
الْهِبَة عَن أبي النُّعْمَان، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (مشعان) ، بِضَم الْمِيم وَقيل: بِكَسْرِهَا وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وبالعين الْمُهْملَة وبالنون الْمُشَدّدَة، وَهُوَ الطَّوِيل فِي الْغَايَة. وَقيل: طَوِيل الشّعْر منتفشه ثائره. قَوْله: (أم عَطِيَّة) ، أَي: هَدِيَّة. قَوْله: (بسواد الْبَطن) هُوَ الكبد. قَوْله: (حز لَهُ حزة) الحز بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الزَّاي وَهُوَ: الْقطع.
٥٣٨٣ - حدَّثنا مُسْلِمٌ حدَّثنا وُهَيْبٌ حدَّثنا مَنْصُورٌ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: تُوُفِّيَ النبيُّ ﷺ حِينَ شَبِعْنَا مِنْ الأسْوَدَيْنِ: التَّمْرِ وَالمَاءِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُسلم هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الْبَصْرِيّ القصاب، ووهيب مصغر وهب ابْن خَالِد الْبَصْرِيّ، وَمَنْصُور هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن التَّيْمِيّ، يروي عَن أمه صَفِيَّة بنت شيبَة بن عُثْمَان الحَجبي.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن يحيى ابْن يحيى وَغَيره.
قَوْله: (حِين شبعنا) ظرف كالحال. مَعْنَاهُ: مَا شبعنا قبل زمَان وَفَاته، يَعْنِي: كُنَّا متقللين من الدِّينَا زاهدين فِيهَا، هَكَذَا فسره الْكرْمَانِي وَلَيْسَ مَعْنَاهُ هَكَذَا، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ توفّي النَّبِي ﷺ ، وَقت كوننا شُباعى من الأسودين، وَالدَّلِيل على صِحَة مَا قُلْنَا مَا مضى فِي غَزْوَة خَيْبَر من طَرِيق عِكْرِمَة عَن عَائِشَة. قَالَت: لما فتحت خَيْبَر قُلْنَا: الْآن نشبع من التَّمْر، وَمن حَدِيث ابْن عمر، قَالَ: مَا شبعنا حَتَّى فتحنا خَيْبَر، وَظهر من هَذَا أَن ابْتِدَاء شبعهم كَانَ من فتح خَيْبَر، وَذَلِكَ قبل مَوته بِثَلَاث سِنِين. قَوْله: (من الأسودين) تَثْنِيَة الْأسود وهما التَّمْر وَالْمَاء، وَهَذَا من بَاب التغليب وَإِن كَانَ المَاء شفافاً لَا لون لَهُ وَذَلِكَ كالأبوين: للْأَب وَالأُم، والقمرين، للشمس وَالْقَمَر، والأحمرين: للحم وَالشرَاب، وَقيل: الذَّهَب والزعفران، والأبيضين: المَاء وَاللَّبن، والأسمرين: للْمَاء وَالْملح. وَكَذَلِكَ قَالُوا: العمرين لأبي بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. فغلبوا عمر لِأَنَّهُ أخف وَأبْعد من قَالَ: هما عمر بن الْخطاب وَعمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَيُقَال: هَذِه تَسْمِيَة الشَّيْء بِمَا يُقَارِبه لِأَن الْأسود مِنْهُمَا التَّمْر خَاصَّة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: إِنَّهُم كَانُوا فِي سَعَة من المَاء فَأجَاب بِأَن الرّيّ من المَاء لم يكن يحصل لَهُم من دون الشِّبَع من الطَّعَام، وقرنت بَينهمَا لفقد التَّمَتُّع بِأَحَدِهِمَا دون الآخر، وعبرت عَن الْأَمريْنِ الشِّبَع والري بِفعل وَاحِد، كَمَا عبرت عَن التَّمْر وَالْمَاء بِوَصْف وَاحِد، وَإِن كَانَ للْمَاء الرّيّ لَا الشِّبَع، وَقَالَ ابْن بطال: فِي هَذِه الْأَحَادِيث جَوَاز الشِّبَع وَإِن كَانَ تَركه أَحْيَانًا أفضل، وَقد ورد عَن سُلَيْمَان وَأبي جُحَيْفَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: إِن أَكثر النَّاس شبعا فِي الدُّنْيَا أطولهم جوعا فِي الْآخِرَة. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: الشِّبَع وَإِن كَانَ مُبَاحا فَإِن لَهُ حدا يَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَمَا زَاد على ذَلِك سرف، وَالْمُطلق مِنْهُ مَا أعَان الْأكل على طَاعَة ربه، وَلم يشْغلهُ ثقله عَن أَدَاء مَا وَجب عَلَيْهِ.
وَاخْتلف فِي حد الْجُوع على رأيين: أَحدهمَا: أَن يَشْتَهِي الْخبز وَحده، فَمَتَى طلب الأدام فَلَيْسَ بجائع. ثَانِيهمَا: أَنه إِذا وَقع رِيقه على الأَرْض لم يَقع عَلَيْهِ الذُّبَاب، ذكره فِي (الْإِحْيَاء) وَذكر أَن مَرَاتِب الشِّبَع تَنْحَصِر فِي سَبْعَة: الأول: مَا تقوم بِهِ الْحَيَاة. الثَّانِي: أَن يزِيد حَتَّى يُصَلِّي عَن قيام ويصوم وَهَذَانِ واجبان. الثَّالِث: أَن يزِيد حَتَّى يُقَوي على أَدَاء النَّوَافِل. الرَّابِع: أَن يزِيد حَتَّى يقدر على التكسب، وَهَذَانِ مستحبان. الْخَامِس: أَن يمْلَأ الثُّلُث وَهَذَا جَائِز. السَّادِس: أَن يزِيد على ذَلِك وَبِه يثقل الْبدن وَيكثر النّوم وَهَذَا مَكْرُوه. السَّابِع: أَن يزِيد حَتَّى يتَضَرَّر وَهِي البطنة الْمنْهِي عَنْهَا وَهَذَا حرَام.
٧ - (بَابٌ: ﴿لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (النُّور: ٦١)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿لَيْسَ على الْأَعْمَى حرج﴾ إِلَى قَوْله: ﴿لَعَلَّكُمْ تعقلون﴾ كَذَا وَقع لبَعض رُوَاة (الصَّحِيح) وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ قَوْله: إِلَى قَوْله: (لَعَلَّكُمْ تعقلون) أَشَارَ بِهِ إِلَى تَمام الْآيَة الَّتِي فِي سُورَة النُّور، وَهِي آيَة طَوِيلَة لَا الْآيَة الَّتِي فِي سُورَة الْفَتْح، لِأَن الْمُنَاسب لأبواب الْأَطْعِمَة هِيَ الْآيَة الَّتِي فِي سُورَة النُّور، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر ﴿لَيْسَ على الْأَعْمَى حرج وَلَا على الْأَعْرَج حرج وَلَا على الْمَرِيض حرج﴾ الْآيَة. وَوَقع فِي كتاب صَاحب (التَّوْضِيح) بَاب: ﴿لَيْسَ على الْأَعْمَى حرج وَلَا على الْأَعْرَج حرج﴾ إِلَى قَوْله: ﴿مباركة طيبَة﴾ الْآيَة.
وَالنِّهْدُ وَالاجْتِمَاعُ عَلَى الطَعَّامِ
لم تثبت هَذِه التَّرْجَمَة، إلَاّ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَحده، والنهد بِكَسْر النُّون وَسُكُون الْهَاء وبالدال الْمُهْملَة من المناهدة، وَهِي إِخْرَاج
стр. 6234
كل وَاحِد من الرّفْقَة نَفَقَة على قدر نَفَقَة صَاحبه، وَتقدم تَفْسِيره أَيْضا فِي أول الشّركَة فِي: بَاب الشّركَة وَالطَّعَام والنهد. قَوْله: (على الطَّعَام) وَفِي بعض النّسخ: فِي الطَّعَام، وَقد جَاءَ كلمة: فِي، بِمَعْنى: على، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾ (طه: ٧١) أَي عَلَيْهَا.
٥٣٨٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ يَحْيَى بنُ سَعِيد: سَمِعْتُ بُشَيْرَ بنَ يَسَارٍ يَقُولُ: حدَّثنا سُوَيْدُ بنُ النُّعْمَانِ. قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ إلَى خَيْبَرَ. فَلَمَّا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ قَالَ يَحْيَى وَهِيَ مِنْ خَيْبَرَ عَلَى رَوْحَةٍ: دَعَا رَسُولُ الله ﷺ بِطَعَامٍ، فَمَا أُُتِيَ إلَاّ بِسوِيقٍ، فَلُكْناهُ فَأكَلْنَا مِنْهُ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنا فَصَلَّى بِنا المَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَأ. قَالَ سُفْيَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْهُ عَوْدا وَبَدْءا.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من وسط الْآيَة الْمَذْكُورَة، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَو أشتاتا﴾ وَهُوَ أصل فِي جَوَاز المخارجة، وَلِهَذَا ذكر فِي التَّرْجَمَة: النهد، وَقَالَ بَعضهم: فِي الحَدِيث لم يُؤْت إلَاّ بسويق، وَلَيْسَ هُوَ ظَاهر المُرَاد من النهد لاحْتِمَال أَن يكون مَا جِيءَ فِي السويق إلَاّ من جِهَة وَاحِدَة. قلت: هَذَا الِاحْتِمَال بعيد لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ شَيْء، بل الظَّاهِر أَن من كَانَ عِنْده شَيْء من السويق أحضرهُ، لِأَن قَوْله: (دَعَا رَسُول الله ﷺ بِطَعَام) لم يكن من شخص معِين، بل كَانَ عَاما وَالْحَال يدل على أَن كل من كَانَ عِنْده شَيْء من ذَلِك أحضر. هـ
وَقَالَ الْمُهلب: مُنَاسبَة الْآيَة لحَدِيث سُوَيْد مَا ذكره أهل التَّفْسِير من أَنهم كَانُوا إِذا اجْتَمعُوا للْأَكْل عزل الْأَعْمَى على حِدة والأعرج على حِدة وَالْمَرِيض على حِدة لتقصيرهم عَن أكل الأصحاء، فَكَانُوا يتحرجون أَن يتفضلوا عَلَيْهِم، وَهَذَا قَول الْكَلْبِيّ، وَقَالَ عَطاء بن يزِيد: كَانَ الْأَعْمَى يتحرج أَن يَأْكُل طَعَام غَيره لجعل يَده فِي غير موضعهَا، والأعرج كَذَلِك لاتساعه فِي مَوضِع الْأكل، وَالْمَرِيض لرائحته، فَنزلت هَذِه الْآيَة، فأباح الله لَهُم الْأكل مَعَ غَيرهم وَفِي حَدِيث سُوَيْد معنى الْآيَة لأَنهم جعلُوا أَيْديهم فِيمَا حضر من الزَّاد سَوَاء، أَلا يرى أَن النَّبِي ﷺ حِين أملقوا فِي السّفر جعل أَيْديهم جَمِيعًا فِيمَا بَقِي من الأزواد سَوَاء، وَلَا يُمكن أَن يكون أكلهم سَوَاء أصلا لاخْتِلَاف أَحْوَالهم فِي الْأكل، وَقد سوغهم ذَلِك من الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فَصَارَ ذَلِك سنة فِي الْجَمَاعَات الَّتِي تدعى إِلَى طَعَام فِي النهد والولائم والإملاق فِي السّفر، وَمَا ملكت مفاتيحه بأمانة أَو قرَابَة أَو صداقة فلك أَن تَأْكُل مَعَ الْغَرِيب أَو الصّديق أَو وَحدك.
والْحَدِيث الْمَذْكُور قد ذكره فِي كتاب الْوضُوء فِي: بَاب من مضمض من السويق وَلم يتَوَضَّأ. وَأخرجه عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن يحيى بن سعيد عَن بشير بن يسَار عَن سُوَيْد بن النُّعْمَان إِلَى آخِره، وَأخرجه أَيْضا فِي أول بَاب غَزْوَة خَيْبَر عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك عَن يحيى بن سعيد عَن بشير بن يسَار الخ، وَهنا أخرجه عَن عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن بشير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة ابْن يسَار، ضد الْيَمين عَن سُوَيْد، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن النُّعْمَان الْأنْصَارِيّ الْمدنِي.
قَوْله: (قَالَ يحيى) هُوَ ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ الرَّاوِي قَوْله: (على رَوْحَة) هِيَ ضد الغدوة. قَوْله: (فلكناه) بِضَم اللَّام من اللوك، يُقَال: لكنه فِي فمي إِذا علكته. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) هُوَ ابْن عُيَيْنَة الرَّاوِي. قَوْله: (عودا وبدءا) أَي: عَائِدًا ومبتدئا أَي: (أَولا وآخرا) .
٨ - (بَابُ: ﴿الخُبْزِ المُرَقَّقِ وَالأكْلِ عَلَى الخِوانِ وَالسُّفْرَةِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْخبز المرقق وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول من رقق على وزن فعّل بِالتَّشْدِيدِ يُقَال: رقق الصَّانِع الْخبز أَي: لينه وَجعله رَقِيقا وَهُوَ الرقَاق أَيْضا بِالضَّمِّ، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الرقَاق، بِالضَّمِّ الْخبز الرَّقِيق، وَقَالَ عِيَاض: قَوْله: (مرفقا) أَي: ملينا محسنا كخبز الْحوَاري وَشبهه، وَقَالَ ابْن التِّين: المرقق الْخبز السميد وَمَا يصنع مِنْهُ من كعك وَغَيره، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: المرقق هُوَ الْخَفِيف كَأَنَّهُ مَأْخُوذ من الرقَاق وَهِي الْخَشَبَة الَّتِي يرقق بهَا. قَوْله: (على الخوان) بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة، وَهُوَ الْمَشْهُور، وَجَاء ضمهَا. وَفِيه لُغَة ثَالِثَة: أَخَوان، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْخَاء وَهُوَ مُعرب. قَالَ الجواليقي: تَكَلَّمت بِهِ الْعَرَب قَدِيما، وَقَالَ ابْن فَارس: إِنَّه اسْم أعجمي، وَعَن ثَعْلَب: سمي بذلك لِأَنَّهُ يتخون مَا عَلَيْهِ، أَي: ينتقص. وَقَالَ عِيَاض: إِنَّه الْمَائِدَة مَا لم يكن عَلَيْهِ طَعَام وَيجمع على أخونة فِي الْقلَّة وخوون بِضَم أَوله فِي الْكَثْرَة وَالْأكل على الخوان من دأب المترفين وصنع
стр. 6235
الْجَبَابِرَة. قلت: لَيْسَ فِيمَا ذكر كُله بَيَان هَيْئَة الخوان، وَهُوَ طبق كَبِير من نُحَاس تَحْتَهُ كرْسِي من نُحَاس ملزوق بِهِ، طوله قدر ذِراع يرص فِيهِ الزبادي وَيُوضَع بَين يَدي كَبِير من المرتفين وَلَا يحملهُ إلَاّ اثْنَان فَمَا فَوْقهمَا. قَوْله: (والسفرة) وَهِي: الطَّعَام يَتَّخِذهُ الْمُسَافِر وَأكْثر مَا يحمل فِي جلد مستدير حوله حلق من حَدِيد يضم بِهِ ويعلق فَنقل إسم الطَّعَام إِلَى الْجلد وَسمي بِهِ كَمَا سميت المزادة رِوَايَة.
٥٣٨٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنانٍ حدَّثنا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أنَسٍ وَعِنْدَهُ خَبَّازٌ لَهُ، فَقَالَ: مَا أكَلَ النبيُّ ﷺ خُبْزا مُرَقَّقا وَلا شَاةً مَسْمُوطَةً حَتَّى لَقِيَ الله.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن سِنَان، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون وَبعد الْألف نون أُخْرَى. أبي بكر الْعَوْفِيّ الْبَاهِلِيّ الْأَعْمَى، وهما بتَشْديد الْمِيم الأولى هُوَ ابْن يحيى بن دِينَار الشَّيْبَانِيّ الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الرقَاق وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَطْعِمَة عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَغَيره.
قَوْله: ﴿وَلَا شَاة مسموطة﴾ قَالَ ابْن الْأَثِير: الشَّاة السميط أَي المشوية فعيل بِمَعْنى مفعول، قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَهُوَ أكل المترفين وَإِنَّمَا كَانُوا يَأْخُذُونَ الْجلد لينتفعوا بِهِ، وَيُقَال: المسموط الَّذِي أزيل شعره بِالْمَاءِ المسخن ويشوى بجلده أَو يطْبخ، وَإِنَّمَا يفعل ذَلِك فِي الصَّغِير السن الطري، وَذَلِكَ من فعل المترفين من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: الْمُبَادرَة إِلَى ذبح مَا لَو بَقِي لازداد ثمنه. وَثَانِيهمَا: أَن المسلوخ ينْتَفع بجلده فِي اللّبْس وَغَيره، وَعبارَة ابْن بطال: المسموط المشوية بجلدها. وَقَالَ صَاحب (الْعين) : سمطت الْجمل أسمطه سمطا تنقيه من الصُّوف بعد إِدْخَاله فِي المَاء الْحَار، وَقَالَ صَاحب (الْأَفْعَال) : سمط الجدي وَغَيره علقه من السموط، وَهِي معاليق من السرج. وَقَالَ الدَّاودِيّ: المسموط الَّتِي يغلى لَهَا المَاء فَتدخل فِيهِ بعد أَن تذبح ويزال بَطنهَا فيزول عَنْهَا الشّعْر أَو الصُّوف ثمَّ تشوى وَقَالَ ابْن بطال: أكل المرقق جَائِز مُبَاح وَلم يتْركهُ سيدنَا رَسُول الله ﷺ ، إلَاّ زهدا فِي الدُّنْيَا وتركا للتنعم وإيثارا لما عِنْد الله وَغير ذَلِك، وَكَذَلِكَ الْأكل على الخوان، وَلَيْسَ نفي أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن النَّبِي ﷺ لم يَأْكُل على كل خوان، وَلَا أَنه أكل شَاة سميطا يرد قَول من روى أَنه ﷺ ، أكل على خوان وَأَنه أكل شواء، وَإِنَّمَا أخبر كل بِمَا علم، وَمن علم حجَّة على من لم يعلم، لِأَنَّهُ زَاد عَلَيْهِ فَوَجَبَ قبُولهَا، وَكَذَلِكَ قَالَ أنس: مَا أعلم أَو مَا رَأَيْت أَنه أكل شَاة مسموطة، وَلم يقطع على أَنه لم يَأْكُل، وَجرى ابْن بطال فِيمَا قَالَه على أَن المسموط هُوَ المشوي عِنْده. فَإِن قلت: إِذا كَانَ المسموط هُوَ المشوي عِنْده فيعارضه حَدِيث أم سَلمَة الَّذِي أخرجه التِّرْمِذِيّ أَنَّهَا قربت للنَّبِي ﷺ جنبا مشويا فَأكل مِنْهُ. قلت: الْجَواب مَا ذَكرْنَاهُ من أَن من علم حجَّة على من لم يعلم إِلَى آخِره.
٥٣٨٦ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا مُعاذُ بنُ هِشام، قَالَ: حدَّثني أبِي عَنْ يُونُسَ قَالَ: عَلِيٌّ، هُوَ الإسْكَافُ: عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أنَسٍ، ﵁. قَالَ: مَا عَلِمْتُ النبيَّ ﷺ أكَلَ عَلَى سُكُرُّجَةٍ قَطُّ وَلا خُبْزَ لهُ مُرَفَقٌ قَطُّ، وَلا أكَلَ عَلَى خِوَانٍ. فَقِيلَ لِقَتادَةَ: فَعَلَى مَا كَانُوا يأكُلُونَ؟ قَالَ: عَلَى السُّفَرِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، ومعاذ بن هِشَام يروي عَن أبي هِشَام بن أبي عبد الله الدستوَائي وَاسم أبي عبد الله سُفْيَان، والدستوائي نسبته إِلَى دستوا من نواحي الأهواز.
قَوْله: (عَن يُونُس) ، وَقع هَكَذَا فِي السَّنَد غير مَنْسُوب فبينه عَليّ وَهُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وَقَالَ: هُوَ الإسكاف، وَهُوَ يُونُس بن أبي الْفُرَات الْقرشِي مَوْلَاهُم الْبَصْرِيّ، وَإِنَّمَا بَينه لِأَن فِي طبقته يُونُس بن عبيد الْبَصْرِيّ أحد الثِّقَات المكثرين، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه مُصَرحًا عَن يُونُس بن أبي الْفُرَات، وَلَيْسَ ليونس هَذَا فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد، وَثَّقَهُ أَحْمد وَابْن معِين، وَقَالَ ابْن عدي: لَيْسَ بالمشهور، وَقَالَ ابْن سعد كَانَ مَعْرُوفا وَله أَحَادِيث، وَقَالَ ابْن حبَان: لَا يجوز أَن يحْتَج بِهِ.
وَفِي سَنَد هَذَا الحَدِيث رِوَايَة الأقران لِأَن هشاما وَيُونُس من طبقَة وَاحِدَة.
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَطْعِمَة أَيْضا عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرَّقَائِق عَن إِسْحَاق بن
стр. 6236
إِبْرَاهِيم وَفِي الْوَلِيمَة عَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَطْعِمَة عَن مُحَمَّد بن بشار.
قَوْله: (على سكرجة) بِضَم السِّين وَالْكَاف وَالرَّاء الْمُشَدّدَة بعْدهَا جِيم مَفْتُوحَة. قَالَ عِيَاض كَذَا قيدناه، وَنقل عَن ابْن مكي أَنه صوب فتح الرَّاء وَكَذَا قَالَ التوريشتي، وَزَاد أَنه فَارسي مُعرب وَالرَّاء فِي الأَصْل مَفْتُوحَة، وَلَا حجَّة فِي ذَلِك لِأَن الِاسْم الأعجمي إِذا نطقت بِهِ الْعَرَب لم تبقه على أَصله غَالِبا. قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: عَن شَيْخه أبي مَنْصُور الجواليقي أَنه قَالَ بِفَتْح الرَّاء، قَالَ: وَكَانَ بعض أهل اللُّغَة يَقُول: اسكرجة، بِالْألف وَفتح الرَّاء وَهِي فارسية معربة. وترجمها مُعرب الْحل، وَقد تَكَلَّمت بِهِ الْعَرَب، وَقَالَ أَبُو عَليّ: فَإِن حقرت يَعْنِي فَإِن صغرت حذفت الْجِيم وَالرَّاء قلت: أُسيكرة. وَإِن عوضت عَن الْمَحْذُوف تَقول: أسيكيرة، وَزعم سِيبَوَيْهٍ أَن تَصْغِير الخماسي مستكره، وَقَالَ ابْن مكي: وَهِي قصاع صغَار يُؤْكَل فِيهَا. وَمِنْهَا كَبِيرَة وصغيرة، فالكبيرة تحمل قدر سِتّ أَوَاقٍ، وَقيل: مَا بَين ثُلثي أُوقِيَّة إِلَى أُوقِيَّة، وَمعنى ذَلِك أَن الْعَجم كَانَت تستعملها فِي الكواميخ وَمَا أشبههَا من الْجوَار شنات حول الموائد للتشهي والهضم، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هِيَ قَصْعَة صَغِيرَة مدهونة، وَقَالَ ابْن قرقول: رَأَيْت لغيره أَنَّهَا قَصْعَة ذَات قَوَائِم من عود كمائدة صَغِيرَة. قَوْله: فَقيل: لِقَتَادَة الْقَائِل هُوَ الرَّاوِي. قَوْله: (فعلى) ، مَا كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني بِالْألف وَفِي رِوَايَة غَيره: فعلى م، بِغَيْر الْألف. قَوْله: (كَانُوا يَأْكُلُون) ، إِنَّمَا عدل عَن قَوْله: (فعلى مَا كَانَ يَأْكُل) إِلَى قَوْله: (كَانُوا يَأْكُلُون) بِالْجمعِ إِشَارَة إِلَى أَن ذَلِك لم يكن مُخْتَصًّا بِالنَّبِيِّ ﷺ وَحده، بل كَانَ أَصْحَابه يقتفون أَثَره ويقتدون بِفِعْلِهِ ويراعون سنته. قَوْله: (على السّفر) جمع سفرة، وَقد مر تَفْسِيرهَا.
٥٣٨٧ - حدَّثنا ابنُ أبِي مَرْيَمَ أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ أخْبَرَنِي حُمَيْدٌ أنَّهُ سَمِعَ أنَسا يَقُولُ: قَامَ النبيُّ ﷺ يَبْنِي بِصَفِيَّةَ فَدَعَوْتُ المُسْلِمِينَ إلَى وَلِيمَتِهِ أمَرَ بِالأنْطاعِ فَبُسِطَتْ فَأُلْقِيَ عَلَيْهَا التَّمْرُ وَالأقِطُ وَالسَّمْنُ.
وَقَالَ عَمْرٌ عَنْ أنَسٍ: بَنَى بِهَا النبيُّ ﷺ ثُمَّ صَنَعَ حَيْسا فِي نِطَعٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَابْن أبي مَرْيَم هُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم بن أبي مَرْيَم الْمصْرِيّ، وَحَدِيثه قد مضى فِي غَزْوَة خَيْبَر مطولا عَنهُ أَيْضا أَي: عَن ابْن أبي مَرْيَم.
قَوْله: (وَقَالَ عَمْرو) ، وَهُوَ عَمْرو بن أبي عَمْرو مولى الْمطلب بن عبد الله بن حنْطَب عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمضى حَدِيثه فِي الْمَغَازِي مطولا. قَوْله: (حَيْسًا) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالسين الْمُهْملَة، وَهُوَ الْخَلْط من التَّمْر وَالسمن وَنَحْوه. قَوْله: (فِي نطع) بِسُكُون الطَّاء وَفتحهَا وَكسر النُّون وَفتحهَا.
٥٣٨٨ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ أخْبَرَنا أبُو مُعَاوِيَةَ حدَّثنا هِشامٌ عَنْ أبِيهِ وَعَنْ وَهْبِ بنِ كَيْسَانَ قَالَ: كَانَ أهْلُ الشَّأْمِ يُعَيِّرُونَ ابنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُونَ: يَا ابنِ ذَاتِ النِّطاقَيْنِ، فَقَالَتْ لَهُ أسْمَاءُ: يَا بُنَيَّ ﴿إنَّهُمْ يُعَيِّرُونَكَ بِالنِّطاقَيْنِ؟ هَلْ تَدْرِي مَا كَانَ النِّطاقَانِ؟ إنَّمَا كَانَ نِطاقِي شَققْتُهُ نِصْفَيْنِ، فَأوْكَيْتُ قِرْبَةَ رَسُولِ الله ﷺ ، بأحَدِهِما وَجَعَلْتُ فِي سُفْرَتِهِ آخَرَ، قَالَ: فَكَانَ أهْلُ الشَّأْمِ إذَا عَيَّرُوهُ بِالنِّطَاقَيْنِ يَقُولُ: إيها وَالإلِهِكَانَ أهْلُ الشَّأْمِ يُعَيِّرُونَ ابنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُونَ: يَا ابنِ ذَاتِ النِّطاقَيْنِ، فَقَالَتْ لَهُ أسْمَاءُ: يَا بُنَيَّ﴾ إنَّهُمْ يُعَيِّرُونَكَ بِالنِّطاقَيْنِ؟ هَلْ تَدْرِي مَا كَانَ النِّطاقَانِ؟ إنَّمَا كَانَ نِطاقِي شَققْتُهُ نِصْفَيْنِ، فَأوْكَيْتُ قِرْبَةَ رَسُولِ الله ﷺ ، بأحَدِهِما وَجَعَلْتُ فِي سُفْرَتِهِ آخَرَ، قَالَ: فَكَانَ أهْلُ الشَّأْمِ إذَا عَيَّرُوهُ بِالنِّطَاقَيْنِ يَقُولُ: إيها وَالإلِهِ
(تِلْكَ شَكَاةٌ ظاهِرٌ عَنْكَ عارُها) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَجعلت فِي سقرته) وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام وَأَبُو مُعَاوِيَة هُوَ مُحَمَّد بن خازم بالمعجمتين الضَّرِير، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير ويروي أَيْضا عَن وهب بن كيسَان وَأخرجه أَبُو نعيم فِي الْمُسْتَخْرج من طَرِيق أَحْمد بن يُونُس عَن أبي مُعَاوِيَة فَقَالَ فِيهِ عَن هِشَام عَن وهب بن كيسَان فَقَط وأصل الحَدِيث مضى فِي: بَاب الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة عَن عبد الله بن أبي شيبَة عَن أبي أُسَامَة عَن هِشَام عَن أَبِيه، وَعَن فَاطِمَة عَن أَسمَاء صنعت سفرة للنَّبِي ﷺ الخ.
قَوْله: (كَانَ أهل الشَّام) المُرَاد بِهِ عَسْكَر الْحجَّاج بن يُوسُف حَيْثُ كَانُوا يُقَاتلُون عبد الله بن الزبير على مَكَّة، وهم من قبل عبد الْملك بن مَرْوَان وَالْمرَاد عَسْكَر الْحصين بن نمير الَّذين قَاتلُوهُ قبل ذَلِك من قبل يزِيد بن مُعَاوِيَة عَلَيْهِ مَا يسْتَحق. قَوْله: (يعيرون) بِالْعينِ الْمُهْملَة أَي: يعيبون عبد الله بن الزبير. قَوْله: (فَقَالَت لَهُ أَسمَاء) أَي: قَالَت أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق لابنها عبد الله بن الزبير،
стр. 6237
(يَا بني) بتصغير الشَّفَقَة إِنَّهُم أَي: أَن أهل الشَّام يعيرونك بالنطاقين؟ قيل: الْأَفْصَح أَن يعدى التَّعْبِير بِنَفسِهِ. يُقَال: عيرته كَذَا وَقد سمع بِكَذَا يَعْنِي: بِالْبَاء مثل مَا هُنَا. قَوْله: (هَل تَدْرِي مَا كَانَ النطاقان) قيل: وَقع عِنْد بَعضهم فِي شَرحه مَا كَانَ النطاقين؟ فَإِن صَحَّ فالمضاف فِيهِ مَحْذُوف تَقْدِيره: مَا كَانَ شَأْن النطاقين، والنطاق بِكَسْر النُّون مَا كَانَ يشد بِهِ الْوسط وشقة تلبسها الْمَرْأَة وتشد وَسطهَا وَترسل أَعْلَاهَا على الْأَسْفَل إِلَى الرّكْبَة، وَقَالَ الْقَزاز: النطاق مَا تشد بِهِ الْمَرْأَة وَسطهَا ترفع بِهِ ثِيَابهَا وَترسل عَلَيْهِ أزارها، وَقَالَ ابْن فَارس: هُوَ إِزَار فِيهِ تكة تلبسه النِّسَاء. وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي تَفْسِير الْمنطق فَقَالَ: الْمنطق النطاق وَجمعه مناطق وَهُوَ أَن تلبس الْمَرْأَة، وَبهَا ثمَّ تشد وَسطهَا بِشَيْء وترفع وسط ثوبها وترسله على الْأَسْفَل عِنْد معاناة الأشغال لِئَلَّا تعثر فِي ذيلها وَبِه سميت أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، ذَات النطاقين لِأَنَّهَا كَانَت تطارق نطاقا فَوق نطاق. وَقيل: كَانَ لَهَا نطاقان تلبس أَحدهمَا وَتحمل فِي الآخر الزَّاد إِلَى النَّبِي، ﷺ ، وَأبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وهما فِي الْغَار. قَوْله: (فأوكيت) من الوكاء وَهُوَ الَّذِي يشد بِهِ رَأس الْقرْبَة. قَوْله: (ايها) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالتنوين مَعْنَاهُ: الِاعْتِرَاف بِمَا كَانُوا يَقُولُونَهُ. والتقرير لَهُ تَقول الْعَرَب فِي استدعاء القَوْل من الْإِنْسَان أَيهَا وإيه، بِغَيْر تَنْوِين قَالَه الْخطابِيّ، وَاعْترض بِأَن الَّذِي ذكره ثَعْلَب وَغَيره: إِذا استزدت من الْكَلَام قلت: أيه، وَإِذا أمرت بِقطعِهِ. قلت: إيها، ورد بِأَن غير ثَعْلَب قد جزم بِأَن إيها كلمة استزادة وَبِغير التَّنْوِين لقطع الْكَلَام، وَقَالَ ابْن الْقَيْن: فِي سَائِر الرِّوَايَات يَقُول: ابْنهَا والإلاه بِالْبَاء الْمُوَحدَة أَي: ابْن الزبير وَلَقَد أغرب ابْن التِّين فِيهِ حَتَّى نسبه بَعضهم إِلَى التَّصْحِيف. قَوْله: (تِلْكَ شكاة ظَاهر عَنْك عارها) .
(هَذَا عجز بَيت وصدره ... وعيرّها الواشمون أَنِّي أحبها)
وَهَذَا من قصيدة لأبي ذُؤَيْب الْهُذلِيّ من الطَّوِيل يرثي بهَا نسيبة بنت عنس بن محرث الْهُذلِيّ وأولها:
(هَل الدَّهْر إلَاّ لَيْلَة ونهارها ... وإلَاّ طُلُوع الشَّمْس ثمَّ غيارها)
(أَبى الْقلب إلَاّ أم عَمْرو فَأَصْبَحت ... تحرق نَارِي بالشكاة ونارها)
وَبعده: وعيرها الواشمون إِلَى آخِره، وَبعده:
(فَلَا يهنىء الواشين أَنِّي هجرتهَا ... وأظلم دوني لَيْلهَا ونهارها)
(فَإِن أعْتَذر مِنْهَا فَإِنِّي مكذب ... وَإِن تعتذر يردد عَلَيْهَا اعتذارها)
(فَمَا أم خشف بالعلاية شادن ... تنوش البرير حَيْثُ نَالَ اهتصارها)
وَهِي تنوف على ثَلَاثِينَ بَيْتا وقفت عَلَيْهَا فِي ديوانه قَوْله: (شكاة) ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَمَعْنَاهَا: رفع الصَّوْت بالْقَوْل الْقَبِيح، وَقيل: بِكَسْر الشين وَالْفَتْح أصوب لِأَنَّهُ مصدر شكا يشكو شكاية، وشكوى وشكاة إِذا أخبر عَنهُ بشر. قَوْله: (ظَاهر) ، مَعْنَاهُ أَنه ارْتَفع عَنْك وَلم يعلق بك من الظُّهُور والصمود على أَعلَى الشَّيْء وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا اسطاعوا أَن يظهروه﴾ (الْكَهْف: ٩٧) أَي: يَعْلُو عَلَيْهِ، وَمِنْه ومعارج يظهرون. قَوْله: (فَلَا يهنىء الواشين) من هَنأ فِي الطَّعَام يهنئني ويهنأني. قَالَ الْجَوْهَرِي: وَلَا نَظِير لَهُ فِي المهموز. قَوْله: (وأظلم دوني لَيْلهَا ونهارها) ، مَعْنَاهُ: بَعدت عني فَلَا أَسْتَطِيع أَن أتيها فَصَارَ اللَّيْل وَالنَّهَار وَاحِدًا. قَوْله: (فَإِن اعتذر) إِلَى آخِره مَعْنَاهُ إِن أعْتَذر من حبها وَأَقُول: مَا بيني وَبَينهَا شَيْء فَإِنِّي مكذب، وَإِن تعتذر هِيَ أَيْضا تكذب. قَوْله: (فَمَا أم خشف) ، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالشين الْمُعْجَمَة وبالفاء وَهُوَ ولد الظبية قَوْله: (بالعلاية) إسم مَوضِع قَوْله: (شادن) من شدن لَحْمه إِذا قوي. قَوْله: (تنوش) أَي: تتَنَاوَل. قَوْله: (البرير) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الرَّاء وَسُكُون الْبَاء آخر الْحُرُوف وبالراء أَيْضا، ثَمَر الْأَرَاك. قَوْله: (اهتصارها) أَي: حَيْثُ نَالَ أَن يهتصره أَي: تجذبه.
٥٣٨٩ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عَنْ أبِي بِشْرٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ أنَّ أُُمَّ حُفَيْدٍ بِنْتَ الحَارِثِ بنِ حَزنٍ خَالَةَ ابنِ عَبَّاسٍ أهْدَتْ إلَى النبيِّ ﷺ سَمْنا وَأَقِطًا وأضُبَّا، فَدَعا بِهِنَّ فَأكِلْنَ عَلَى مَائِدَتِهِ وَتَرَكَهُنَّ النبيُّ ﷺ كَالمُتَقَدِّرِ لَهُنَّ وَلَوْ كُنَّ حَرَاما مَا أُُكِلْنَ عَلَى
стр. 6238
مَائِدَةِ النبيِّ ﷺ وَلا أمَرَ بِأكْلِهِنَّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُؤْخَذ من قَوْله: (على مائدته) لِأَنَّهَا تطلق على السفرة، وَقد ذكر بعض الْمُفَسّرين أَن الْمَائِدَة الَّتِي نزلت على عِيسَى، ﵇، كَانَت سفرة من جلد أَحْمَر، وَذكر أَكثر الْمُفَسّرين أَن الْمَائِدَة الْمَذْكُورَة فِي قصَّة عِيسَى، ﵇، هِيَ الخوان، وَكَذَلِكَ قَالَ الْجَوْهَرِي: الْمَائِدَة خوان عَلَيْهِ طَعَام، وَإِن لم يُفَسر الْمَائِدَة هُنَا بالسفرة يُعَكر عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ قَتَادَة عَن أنس، وَلَا أكل على خوان، وَقد مر الحَدِيث عَن قريب فَافْهَم. فَإِن هَذَا قد فتح لي من الْفَيْض الإلاهي.
وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل الملقب بعارم بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالرَّاء، وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو وَبعد الْألف نون إسمه الوضاح ابْن عبد الله الْيَشْكُرِي، وَأَبُو بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة جَعْفَر بن إِيَاس الْيَشْكُرِي.
والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْهِبَة فِي: بَاب قبُول الْهَدِيَّة، لِأَنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن آدم عَن شُعْبَة عَن جَعْفَر بن إِيَاس إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (أم حفيد) ، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة: بنت الْحَارِث بن حزن بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الزَّاي وبالنون وَاسْمهَا هزيلة مصغر هزلة وَلها أَخَوَات: أم خَالِد بن الْوَلِيد وَاسْمهَا لبَابَة بِضَم اللَّام الصُّغْرَى، وَأم ابْن عَبَّاس وَهِي اللبابة الْكُبْرَى، ومَيْمُونَة زوج النَّبِي، ﷺ ، أم الْمُؤمنِينَ كُلهنَّ بَنَات الْحَارِث ابْن حزن الْهِلَالِي. قَوْله: (وأضُبا) ، بِفَتْح الْهمزَة وَضم الضَّاد وَتَشْديد الْبَاء جمع ضَب مثل فلس وأفلس، وَفِي (الْعين) : الضَّب يكنى أَبَا حلْس وَهِي دويبة تشبه الورل تَأْكُله الْأَعْرَاب. وَتقول الْعَرَب: هُوَ قَاضِي الطير والبهائم. قَوْله: (كالمتقذر) أَي: كالكاره من القذارة بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ خلاف النَّظَافَة، يُقَال: قذرت الشَّيْء بِالْكَسْرِ أقذره بِالْفَتْح، وَذكر ابْن الْعَرَبِيّ أَنه رُوِيَ: كالمتقزز من القز بزاءين معجمتين وَهُوَ الْكَرَاهَة لكل محتقر.
٩ - (بَابُ: ﴿السَّوِيقِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذكر السويق وَهُوَ مَعْرُوف.
٥٣٩٠ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنا حَمّادٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ بُشَيْرٍ عَنْ بُشَيْرٍ بنِ يَسارٍ عَنْ سُوَيْدٍ بنِ النُّعْمَانِ أنَّهُ أخبرهُ أنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النبيِّ ﷺ ، بِالصَّهْبَاءِ وَهِيَ عَلَى رَوْحَة مِنْ خَيْبَرَ، فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ فَدَعا بِطعامٍ فَلَمْ يَجِدْهُ إلَاّ سَوِيقا فَلاكَ مِنْهُ فَلُكْنا مَعَهُ ثمَّ دَعَا بِمَاء فَمَضْمض ثمَّ صلَّي وصَلّينا مَعَهُ وَلَمْ يَتَوَضأ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَبشير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة ابْن يسَار ضد الْيَمين.
والْحَدِيث قد مر قبل الْبَاب الَّذِي قبله، وَمر الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (فلاك مِنْهُ) ، ويروى: فلاكه، من اللوك وَهُوَ إدارة الشَّيْء فِي الْفَم. قَوْله: (وَلم يتَوَضَّأ) ، ذكره لبَيَان أَنه لم يَجْعَل أكل السويق ناقضا للْوُضُوء دفعا لمَذْهَب من يَقُول: يجب الْوضُوء مِمَّا مسته النَّار.
١٠ - (بَابٌ: ﴿مَا كَانَ النبيُّ ﷺ لَا يَأكُلُ شَيْئا إذَا حَضَرَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يُسَمَّى لَهُ فَيَعْلَمَ مَا هُوَ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر مَا كَانَ النَّبِي ﷺ لَا يَأْكُل شَيْئا إِذا حضر بَين يَدَيْهِ حَتَّى يُسمى لَهُ على صِيغَة الْمَجْهُول. أَي: يذكر لَهُ اسْم ذَلِك الشَّيْء. قَوْله: (فَيعلم) ، بِالنّصب هُوَ عطف على الْمَنْصُوب قبله بِتَقْدِير: أَن، وَقَالَ ابْن بطال كَانَ سُؤَاله لِأَن الْعَرَب كَانَت لَا تعاف شَيْئا من المآكل لقلتهَا عِنْدهم، فَلذَلِك كَانَ يسْأَل قبل الْأكل مِنْهُ.
٥٣٩١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أبُو الحَسَنِ أخبرَنا عَبْدُ الله أخْبرنَا يُونُسُ عَنِ الزّهْرِيِّ قَالَ: أخْبَرَنِي أبُو أمَامَةَ بنُ سَهْلٍ بنِ حُنَيْفٍ الأنْصَارِي أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ أخبرهُ أنَّ خَالِدَ بنَ الوَلِيدِ الَّذِي يُقَالُ: لهُ سَيْفُ الله أخبرهُ أنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُول الله ﷺ ، عَلَى مَيْمُونَةَ وَهِيَ خَالَتُهُ وَخَالَةُ
стр. 6239
ابنِ عبَّاسٍ فَوَجَدَ عِنْدَها ضبّا مَحْنُوذا قَدِمَتْ بِهِ أخْتُهَا حُفَيْدَةُ بِنْتُ الحَارِثِ مِنْ نَجْدٍ، فَقَدَّمَتْ الضَّبَّ لِرَسُولِ الله، ﷺ ، وَكَانَ قَلّما يُقَدِّمُ يَدَهُ لِطعامِ حَتَّى يُحِدَّثَ بِهِ وَيُسَمَّى لَهُ: فأهْوَى رَسُولُ الله ﷺ ، يَدَهُ إلَى الضَّبِّ فَقَالَتِ امْرَأةٌ مِنْ النِّسْوَةِ الحُضُورِ: أخْبِرْنَ رسولَ الله ﷺ مَا قَدَّمتُنَّ لَهُ؟ هُوَ الضَبُّ يَا رَسُولَ الله ﴿فَرَفَعَ رَسُولُ الله ﷺ يَدَهُ عَنِ الضَّبِّ. فَقَالَ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ: أحَرَامٌ الضَبُّ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: لَا﴾ وَلاكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأرْضِ قَوْمِي فَأجِدْنِي أعَافُهُ قَالَ خَالِدٌ: فَاحْتَزَزْتُهُ فَأكَلْتُهُ وَرَسُولُ الله ﷺ يَنْظُرُ إلَيَّ..
مطابقته للتَّرْجَمَة. فِي قَوْله: (وَكَانَ قلّما يقدم يَده لطعام حَتَّى يحدث بِهِ وَيُسمى لَهُ) وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم، وَأَبُو أُمَامَة أسعد بن سهل بن حنيف، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح النُّون.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي مُسْند خَالِد بن الْوَلِيد فِي الْأَطْعِمَة هُنَا وَفِي الذَّبَائِح عَن القعني. وَأخرجه مُسلم فِي مُسْند ابْن عَبَّاس فِي الذَّبَائِح عَن يحيى بن يحيى وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه مثل البُخَارِيّ فِي مُسْند خَالِد فَأَبُو دَاوُد فِي الْأَطْعِمَة عَن القعني، وَالنَّسَائِيّ فِي الصَّيْد عَن أبي دَاوُد والحراني وَغَيره، وَفِي الْوَلِيمَة عَن هَارُون بن عبد الله، وَابْن مَاجَه فِي الصَّيْد عَن مُحَمَّد بن مصفى.
قَوْله: (وَهِي خَالَته) ، أَي: مَيْمُونَة خَالَة خَالِد بن الْوَلِيد خَالَة ابْن عَبَّاس أَيْضا وَقد ذكرنَا عَن قريب فِي: بَاب الْخبز المرقق أَن مَيْمُونَة ولبابة الصُّغْرَى أم خَالِد ابْن الْوَلِيد، ولبابة الْكُبْرَى أم ابْن عَبَّاس وَأم حفيدة أَخَوَات، وَهن بَنَات الْحَارِث بن حزن، وَذكر هُنَا حفيدة وَهِي أم حفيدة، وَهُوَ الْمَحْفُوظ عِنْد أهل النّسَب، وَاسْمهَا: هزيلة وَقد ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (محنوذا) ، أَي: مشويا. قَالَ الله : ﴿فجَاء بعجل حنيذ﴾ (هود: ٦٩) أَي: مشوي، يُقَال: حنذت الشَّاة أحنذها حنذا أَي: شويتها وَجعلت فَوْقهَا حِجَارَة محماة لتنضجها فَهِيَ حنيذ. قَوْله: (وَكَانَ فَلَمَّا يقدم) ، من التَّقْدِيم، وَقل، فعل مَاض، وَمَا يقدم فَاعله وَمَا مَصْدَرِيَّة، أَي: قبل تَقْدِيم يَده لطعام حَتَّى يُحدِّث على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: حَتَّى يخبر بِهِ مَا هُوَ ويُسمى مَجْهُول أَيْضا. قَوْله: (لَهُ) ، أَي: النَّبِي ﷺ . قَوْله: (فَأَهوى) ، أَي: مد رَسُول الله ﷺ يَده إِلَى الضَّب. قَوْله: (فَقَالَت امْرَأَة من النسْوَة الْحُضُور) وَوَقع فِي رِوَايَة لمُسلم: فَلَمَّا أَرَادَ النَّبِي ﷺ أَن يَأْكُل قَالَت لَهُ مَيْمُونَة: إِنَّه لحم ضَب فَكف يَده، وَوصف النسْوَة بالحضور الَّذِي هُوَ جمع حَاضر مَعَ أَن الْمُطَابقَة شَرط بَين الصّفة والموصوف فِي التَّذْكِير والتأنيث وَغَيرهمَا. لِأَنَّهُ لوحظ فيهمَا صُورَة الْجمع أَو يُقَال: إِن الْحُضُور مصدر. قَوْله: (أحرام الضَّب) ؟ نَحْو: أقائم زيد؟ فَيجوز فِيهِ الْأَمْرَانِ. قَوْله: (فأجدني) ، أَي: فأجد نَفسِي. قَوْله: (أعافه) أَي: أكرهه من عاف الرجل الطَّعَام وَالشرَاب يعافه عيافا. أَي: كرهه فَهُوَ عائف. قَوْله: (وَرَسُول الله ﷺ الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَاحْتج بِهَذَا الحَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى وَسَعِيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق. فَقَالُوا: يجوز أكل الضَّب، وَهُوَ مَذْهَب الظَّاهِرِيَّة أَيْضا، وَقَالَ ابْن حزم: وَصحت إِبَاحَته عَن عمر بن الْخطاب وَغَيره.
وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) وَيكرهُ أكل الضَّب لِأَنَّهُ ﷺ نهى عَائِشَة، ﵂، حِين سَأَلته عَن أكله، وَلَكِن الطَّحَاوِيّ فِي (شرح مَعَاني الْآثَار) رجح إِبَاحَة أكل الضَّب. وَقَالَ: لَا بَأْس بِأَكْل الضَّب، وَهُوَ القَوْل عندنَا. وَقَالَ: وَقد كره قوم أكل الضَّب مِنْهُم أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد. قلت: أَرَادَ بالقوم الْحَارِث بن مَالك وَيزِيد بن أبي زِيَاد ووكيعا فَإِنَّهُم قَالُوا: أكل الضَّب مَكْرُوه، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ بن أبي طَالب وَجَابِر بن عبد الله، ثمَّ الْأَصَح عِنْد أَصْحَابنَا أَن الْكَرَاهَة كَرَاهَة تَنْزِيه لَا كَرَاهَة تَحْرِيم لتظاهر الْأَحَادِيث الصِّحَاح، بِأَنَّهُ لَيْسَ بِحرَام، وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: أَحَادِيث دلّت على الْإِبَاحَة وَأَحَادِيث دلّت على الْحُرْمَة. والتاريخ مَجْهُول فَيجْعَل الْمحرم مُؤَخرا عَن الْمُبِيح فَيكون نَاسِخا لَهُ تعليلاً للنسخ، وَمن جملَة الْأَحَادِيث الدَّالَّة على الْحُرْمَة حَدِيث عَائِشَة الَّذِي ذكره صَاحب (الْهِدَايَة) . وَلَكِن فِيهِ مقَال: وَلما ذكر صَاحب (تَخْرِيج أَحَادِيث الْهِدَايَة) حَدِيث عَائِشَة قَالَ: هَذَا حَدِيث غَرِيب. قلت: رَوَاهُ مُحَمَّد بن الْحسن عَن الْأسود عَن عَائِشَة أَنه ﷺ أهدي لَهُ ضَب فَلم يَأْكُلهُ. فَسَأَلته عَن أكله فنهاني، فجَاء سَائل فَأَرَادَتْ عَائِشَة أَن تعطيه فَقَالَ ﷺ : تعطينه مَا لَا تأكليه؟ فالنهي يدل على
стр. 6240
التَّحْرِيم، وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْأَطْعِمَة عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن ضَمْضَم بن زرْعَة عَن شُرَيْح بن عبيد عَن أبي رَاشد الحبراني عَن عبد الرَّحْمَن بن شبْل: أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَن أكل لحم الضَّب، فَإِن قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: تفرد بِهِ ابْن عَيَّاش وَلَيْسَ بِحجَّة، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش وضمضم فيهمَا مقَال، وَقَالَ الْخطابِيّ: لَيْسَ إِسْنَاده بذلك. قلت: ضَمْضَم حمصي وَابْن عَيَّاش إِذا روى عَن الشاميين كَانَ حَدِيثه صَحِيحا، كَذَا قَالَه البُخَارِيّ وَيحيى بن معِين وَغَيرهمَا وَالْعجب من الْبَيْهَقِيّ أَنه قَالَ فِي بَاب ترك الْوضُوء من الدَّم مثل مَا قَالَ البُخَارِيّ وَيحيى، وَهنا يَقُول: لَيْسَ بِحجَّة، وَلما أخرج أَبُو دَاوُد هَذَا الحَدِيث سكت عَنهُ وَهُوَ حسن عِنْده على مَا عرف، وَقد صحّح التِّرْمِذِيّ لِابْنِ عَيَّاش عَن شُرَحْبِيل بن مُسلم عَن أبي أُمَامَة وشرحبيل شَامي، وروى الطَّحَاوِيّ فِي (مَعَاني الْآثَار) مُسْندًا إِلَى عبد الرَّحْمَن بن حَسَنَة. قَالَ: نزلنَا أَرضًا كَثِيرَة الضباب، فأصابتنا مجاعَة فطبخنا مِنْهَا. وَإِن الْقُدُور لتغلي بهَا إِذْ جَاءَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقُلْنَا: أضباب أصبناها، فَقَالَ: إِن أمة من بني إِسْرَائِيل مسخت دَوَاب فِي الأَرْض إِنِّي أخْشَى أَن تكون هَذِه، فأكفئوها.
١١ - (بَابٌ: ﴿طَعامُ الواحِدِ يَكْفِي الإثْنَيْنِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن طَعَام الْوَاحِد يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وَهَذِه التَّرْجَمَة لفظ حَدِيث أخرجه ابْن مَاجَه بِإِسْنَادِهِ عَن عمر ابْن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : إِن طَعَام الْوَاحِد يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وَطَعَام الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الثَّلَاثَة، وَالْأَرْبَعَة وَطَعَام الْأَرْبَعَة يَكْفِي الْخَمْسَة والستة وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عمر، ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : كلوا جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا فَإِن طَعَام الْوَاحِد يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وروى الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من حَدِيث ابْن مَسْعُود. قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ طَعَام الْوَاحِد يَكْفِي الِاثْنَيْنِ وَطَعَام الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَة، روى الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من حَدِيث سَمُرَة بن جُنْدُب أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: طَعَام الْوَاحِد يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وَحَدِيث الْبَاب يُخَالف التَّرْجَمَة على مَا لَا يخفى لِأَن مرجع قَضِيَّة التَّرْجَمَة النّصْف ومرجع قَضِيَّة حَدِيث الْبَاب الثُّلُث وَالرّبع. وَأجِيب: بِأَنَّهُ أَشَارَ بالترجمة إِلَى أَن هَذِه الْأَلْفَاظ الْمَذْكُورَة فِي الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة، وَلما لم يكن أَحَادِيث هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين على شَرطه ذكر فِي التَّرْجَمَة. وَذكر حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي الْبَاب لكَونه على شَرطه.
٥٣٩٢ - حدَّثنا عَبْدَ الله بنُ يُوسُفَ أخْبرنا مَالِكٌ وَحَدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ: حدَّثَني مَالِكٌ عَنْ أبِي الزِّنادِ عَنِ الأعْرَجِ عَن أبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، أنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : طَعَامُ الإثْنَيْنِ كَافِي الثَلاثَةِ، وَطَعَامُ الثَلاثَةِ كَافِي الأرْبَعَةِ.
وَجه الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث يفهم مِمَّا ذَكرْنَاهُ الْآن، وَأخرجه من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد عبد الله بن ذكْوَان عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة. وَالْآخر: عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن مَالك إِلَى آخِره.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَطْعِمَة عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن مَالك وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن قُتَيْبَة عَن مَالك وَعَن غَيره.
قَوْله: (وَطَعَام الِاثْنَيْنِ كَاف الثَّلَاثَة) يَعْنِي: مَا يشْبع بِهِ اثْنَان يشْبع ثَلَاثَة وَمَا يشْبع بِهِ ثَلَاثَة يشْبع أَرْبَعَة. قَالَ الْمُهلب: المُرَاد بِهَذِهِ الْأَحَادِيث الحض على المكارمة والتقنع بالكفاية يَعْنِي: لَيْسَ المُرَاد الْحصْر فِي مِقْدَار الْكِفَايَة وَإِنَّمَا المُرَاد الْمُوَاسَاة، وَأَنه يَنْبَغِي للاثنين إِدْخَال ثَالِث لطعامهما وَإِدْخَال رَابِع أَيْضا بِحَسب من يحضر، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: يُؤْخَذ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة اسْتِحْبَاب الِاجْتِمَاع على الطَّعَام، وَأَن لَا يَأْكُل الْمَرْء وَحده، فَإِن الْبركَة فِي ذَلِك. قلت: وَقد ذكرنَا أَن الطَّبَرَانِيّ، روى من حَدِيث ابْن عمر: (كلوا جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا) الحَدِيث.
١٢ - (بَابٌ: ﴿المُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي معىً وَاحِدٍ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْمُؤمن يَأْكُل فِي معى وَاحِد، فَلفظ معى مَقْصُور بِكَسْر الْمِيم والتنوين، وَيجمع على: أمعاء، وَهِي المصارين وتثنيته: معيان. قَالَ أَبُو حَاتِم: أَنه مُذَكّر مَقْصُور وَلم أسمع أحدا أنث المعًى، وَقد رَوَاهُ من لَا يوثق بِهِ، وَالْهَاء فِي سَبْعَة فِي
стр. 6241
الحَدِيث تدل على التَّذْكِير فِي الْوَاحِد وَلم أسمع معًى وَاحِدَة مِمَّن أَثِق بِهِ. وَحكى القَاضِي عِيَاض عَن أهل الطِّبّ والتشريح أَنهم زَعَمُوا أَن أمعاء الإنساء سَبْعَة: الْمعدة ثمَّ ثَلَاثَة أمعاء بعْدهَا مُتَّصِلَة بهَا البواب والصائم وَالرَّقِيق، وَهِي كلهَا رقاق ثمَّ ثَلَاثَة غِلَاظ: الْأَعْوَر والقولون والمستقيم، وطرفه الدبر: وَلَقَد نظم شَيخنَا زين الدّين ﵀ الأمعاء السَّبْعَة ببيتين وهما:
(سَبْعَة أمعاء لكل آدَمِيّ ... معدة بوابها مَعَ صَائِم)
(ثمَّ الرَّقِيق أَعور قولون مَعَ ... الْمُسْتَقيم مَسْلَك للطاعم)
وَقيل: أَسمَاء الأمعاء السَّبْعَة: الاثنا عشر والصائم والقولون واللفائفي بالفاءين وَقيل: بالقافين وبالنون، والمستقيم والأعور، فللمؤمن يَكْفِيهِ ملْء أَحدهَا، وَالْكَافِر لَا يَكْفِيهِ إلَاّ ملْء كلهَا.
٥٣٩٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَارٍ حدَّثنا عَبْدُ الصَّمَدِ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنِ وَاقِدٍ بنِ مُحَمَّدٍ عَنِ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابنُ عُمَرَ لَا يأكُلُ حَتَّى يُؤْتِي بِمِسْكِينٍ يَأكُلُ مَعَهُ، فَأدْخَلْتُ رَجُلاً يَأكُلُ مَعَهُ فَأكَلَ كَثِيرا فَقَالَ: يَا نَافِع لَا تُدْخِلْ هَذَا عَلَيَّ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُول: المُؤْمِنُ يأكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالكَافِرُ يَأكُلُ فِي سَبْعَةِ أمْعَاءٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. لِأَن التَّرْجَمَة هِيَ نصف الحَدِيث، وَعبد الصَّمد هُوَ عبد الْوَارِث، وواقد بِالْقَافِ وَالدَّال الْمُهْملَة هُوَ ابْن مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَطْعِمَة عَن أبي بكر بن خَلاد.
قَوْله: (لَا تدخل) ، بِضَم التَّاء من الإدخال. قَوْله: (عَليّ) بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (الْمُؤمن يَأْكُل فِي معىً وَاحِد) وَإِنَّمَا عدى الْأكل بِكَلِمَة: فِي على معنى: أوقع الْأكل فِيهَا وَجعلهَا مَكَانا للمأكول. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُون فِي بطونهم نَار﴾ (النِّسَاء: ١٠) أَي: ملْء بطونهم، وَاخْتلف فِي المُرَاد بِهَذَا الحَدِيث، فَقيل: هُوَ مثل ضرب الْمُؤمن وزهده فِي الدُّنْيَا وللكافر وحرصه عَلَيْهَا. وَقيل: هُوَ تَخْصِيص لِلْمُؤمنِ على أَن يتحامى مَا يجره كَثْرَة الْأكل من الْقَسْوَة وَالنَّوْم، وَوصف الْكَافِر بِكَثْرَة الْأكل ليتجنب الْمُؤمن مَا هُوَ صفة للْكَافِرِ، كَمَا قَالَ : ﴿وَالَّذين كفرُوا يتمتعون ويأكلون كَمَا تَأْكُل الْأَنْعَام﴾ (مُحَمَّد: ١٢) وَهَذَا فِي الْغَالِب وَالْأَكْثَر، وإلَاّ فقد يكون فِي الْمُؤمنِينَ من يَأْكُل كثيرا بِحَسب الْعَادة أَو لعَارض، وَيكون فِي الْكفَّار من يعْتَاد قلَّة الْأكل إِمَّا المراعاة الصِّحَّة. كالأطباء أَو للتقلل كالرهبان، أَو لضعف الْمعدة، وَقيل: يُمكن أَن يُرَاد بِهِ أَن الْمُؤمن يُسَمِّي الله عِنْد طَعَامه فَلَا يشركهُ الشَّيْطَان، وَالْكَافِر لَا يُسَمِّي الله عِنْد طَعَامه وَقيل: المُرَاد بِالْمُؤمنِ التَّام الْإِيمَان لِأَن من حسن إِسْلَامه وكمل إيمَانه اشْتغل فكره فِيمَا يصل إِلَيْهِ من الْمَوْت وَمَا بعده، فيمنعه ذَلِك من اسْتِيفَاء شَهْوَته، وَأما الْكَافِر فَمن شَأْنه الشره، فيأكل بالنهم كَمَا تَأْكُل الْبَهِيمَة وَلَا يَأْكُل بِالْمَصْلَحَةِ لقِيَام البنية. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: سَمِعت ابْن أبي عمرَان يَقُول: قد كَانَ قوم حملُوا هَذَا الحَدِيث على الرَّغْبَة فِي الدُّنْيَا كَمَا يَقُول: (فلَان يَأْكُل الدُّنْيَا أكلا) أَي يرغب فِيهَا ويحرص عَلَيْهَا، فالمؤمن يَأْكُل فِي معًى وَاحِد لزهادته فِي الدُّنْيَا، وَالْكَافِر فِي سَبْعَة أمعاء أَي: لرغبته فِيهَا وَلم يحملوا ذَلِك على الطَّعَام. قَالُوا: وَقد رَأينَا مُؤمنا أَكثر طَعَاما من كَافِر، وَلَو تَأَول ذَلِك على الطَّعَام اسْتَحَالَ معنى الحَدِيث، وَقيل: هُوَ رجل خَاص بِعَيْنِه، وَكَانَ كَافِرًا ثمَّ أسلم، وَقَالَ النَّبِي ﷺ ذَلِك، وَاخْتلفُوا فِي هَذَا الرجل. فَقيل: ثُمَامَة بن أَثَال، وَبِه جزم الْمَازرِيّ وَالنَّوَوِيّ، وَقيل: جَهْجَاه الْغِفَارِيّ، وَقيل: نَضْلَة بن عَمْرو الْغِفَارِيّ، وَقيل: أَبُو بصرة الْغِفَارِيّ، وَقيل: ابْنه بصرة بن أبي بصرة الْغِفَارِيّ، وَقيل: أَبُو غَزوَان غير مُسَمّى، وروى الطَّبَرَانِيّ، بِإِسْنَاد صَحِيح من رِوَايَة أبي عبد الرَّحْمَن الحبلي عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ: جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ سبع رجال فَأخذ كل رجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ رجلا فَأخذ النَّبِي ﷺ رجلا فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : مَا اسْمك قَالَ أَبُو غَزوَان، قَالَ: فَحلبَ لَهُ النَّبِي ﷺ سبع شِيَاه، فَشرب لَبنهَا كُله، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : هَل لَك يَا أَبَا غَزوَان أَن تسلم؟ قَالَ: نعم، فَأسلم فَمسح النَّبِي ﷺ صَدره فَلَمَّا أصبح حلب لَهُ النَّبِي ﷺ شَاة وَاحِدَة فَلم يتم لَبنهَا. فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : مَالك يَا أَبَا غَزوَان؟ فَقَالَ: وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لقد رويت. قَالَ: إِنَّك أمس كَانَ لَك سَبْعَة أمعاء وَلَيْسَ لَك الْيَوْم إلَاّ وَاحِد. قلت: أَبُو بصرة بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة، واسْمه حميل بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح
стр. 6242
الْمِيم. قَوْله: (فِي سَبْعَة أمعاء) اخْتلف فِي المُرَاد بهَا. فَقيل: هُوَ على ظاهرهِ، وَقيل: للْمُبَالَغَة وَلَيْسَت حَقِيقَة الْعدَد مُرَادة، وَإِنَّمَا خرج مخرج الْغَالِب، وَقيل: تَخْصِيص السَّبْعَة للْمُبَالَغَة فِي التكثير كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْبَحْر يمده من بعده سَبْعَة أبحر﴾ (لُقْمَان: ٢٧) قَالَ النَّوَوِيّ: الصِّفَات السَّبْعَة فِي الْكَافِر وَهِي: الْحِرْص والشره وَطول الأمل والطمع وَسُوء الطَّبْع والحسد وَحب السّمن، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: شهوات الطَّعَام سبع: شَهْوَة الطَّبْع، وشهوة النَّفس، وشهوة الْعين، وشهوة الْفَم، وشهوة الْأذن، وشهوة الْأنف، وشهوة الْجُوع، وَهِي الضرورية الَّتِي يَأْكُل بهَا الْمُؤمن وَأما الْكَافِر فيأكل بِالْجَمِيعِ.
(بَابٌ: ﴿المُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، فِيهِ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ ﴾ )
إِعَادَة هَذِه التَّرْجَمَة بِعَينهَا مَعَ ذكر أبي هُرَيْرَة على وَجه التَّعْلِيق لم تثبت إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن السَّرخسِيّ وَحده، وَلم تقع فِي رِوَايَة أبي الْوَقْت عَن الدَّاودِيّ عَن السَّرخسِيّ، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ ضم الحَدِيث الَّذِي قبله إِلَى تَرْجَمَة: طَعَام الْوَاحِد يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وإيراد هَذِه التَّرْجَمَة لحَدِيث ابْن عمر بِطرقِهِ، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة بطريقيه، وَلم يذكر فِيهَا التَّعْلِيق، وَهَذَا هُوَ الْوَجْه وَلَيْسَ لإعادة التَّرْجَمَة بلفظها معنى، وَكَذَا ذكر حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي التَّرْجَمَة. ثمَّ إِيرَاده فِيهَا موصولين من وَجْهَيْن.
٥٣٩٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَارٍ حدَّثنا عَبْدُ الصَّمَدِ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنِ وَاقِدٍ بنِ مُحَمَّدٍ عَنِ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابنُ عُمَرَ لَا يأكُلُ حَتَّى يُؤْتِي بِمِسْكِينٍ يَأكُلُ مَعَهُ، فَأدْخَلْتُ رَجُلاً يَأكُلُ مَعَهُ فَأكَلَ كَثِيرا فَقَالَ: يَا نَافِع لَا تُدْخِلْ هَذَا عَلَيَّ سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُول: المُؤْمِنُ يأكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالكَافِرُ يَأكُلُ فِي سَبْعَةِ أمْعَاءٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. لِأَن التَّرْجَمَة هِيَ نصف الحَدِيث، وَعبد الصَّمد هُوَ عبد الْوَارِث، وواقد بِالْقَافِ وَالدَّال الْمُهْملَة هُوَ ابْن مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَطْعِمَة عَن أبي بكر بن خَلاد.
قَوْله: (لَا تدخل) ، بِضَم التَّاء من الإدخال. قَوْله: (عَليّ) بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (الْمُؤمن يَأْكُل فِي معىً وَاحِد) وَإِنَّمَا عدى الْأكل بِكَلِمَة: فِي على معنى: أوقع الْأكل فِيهَا وَجعلهَا مَكَانا للمأكول. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُون فِي بطونهم نَار﴾ (النِّسَاء: ١٠) أَي: ملْء بطونهم، وَاخْتلف فِي المُرَاد بِهَذَا الحَدِيث، فَقيل: هُوَ مثل ضرب الْمُؤمن وزهده فِي الدُّنْيَا وللكافر وحرصه عَلَيْهَا. وَقيل: هُوَ تَخْصِيص لِلْمُؤمنِ على أَن يتحامى مَا يجره كَثْرَة الْأكل من الْقَسْوَة وَالنَّوْم، وَوصف الْكَافِر بِكَثْرَة الْأكل ليتجنب الْمُؤمن مَا هُوَ صفة للْكَافِرِ، كَمَا قَالَ : ﴿وَالَّذين كفرُوا يتمتعون ويأكلون كَمَا تَأْكُل الْأَنْعَام﴾ (مُحَمَّد: ١٢) وَهَذَا فِي الْغَالِب وَالْأَكْثَر، وإلَاّ فقد يكون فِي الْمُؤمنِينَ من يَأْكُل كثيرا بِحَسب الْعَادة أَو لعَارض، وَيكون فِي الْكفَّار من يعْتَاد قلَّة الْأكل إِمَّا المراعاة الصِّحَّة. كالأطباء أَو للتقلل كالرهبان، أَو لضعف الْمعدة، وَقيل: يُمكن أَن يُرَاد بِهِ أَن الْمُؤمن يُسَمِّي الله عِنْد طَعَامه فَلَا يشركهُ الشَّيْطَان، وَالْكَافِر لَا يُسَمِّي الله عِنْد طَعَامه وَقيل: المُرَاد بِالْمُؤمنِ التَّام الْإِيمَان لِأَن من حسن إِسْلَامه وكمل إيمَانه اشْتغل فكره فِيمَا يصل إِلَيْهِ من الْمَوْت وَمَا بعده، فيمنعه ذَلِك من اسْتِيفَاء شَهْوَته، وَأما الْكَافِر فَمن شَأْنه الشره، فيأكل بالنهم كَمَا تَأْكُل الْبَهِيمَة وَلَا يَأْكُل بِالْمَصْلَحَةِ لقِيَام البنية. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: سَمِعت ابْن أبي عمرَان يَقُول: قد كَانَ قوم حملُوا هَذَا الحَدِيث على الرَّغْبَة فِي الدُّنْيَا كَمَا يَقُول: (فلَان يَأْكُل الدُّنْيَا أكلا) أَي يرغب فِيهَا ويحرص عَلَيْهَا، فالمؤمن يَأْكُل فِي معًى وَاحِد لزهادته فِي الدُّنْيَا، وَالْكَافِر فِي سَبْعَة أمعاء أَي: لرغبته فِيهَا وَلم يحملوا ذَلِك على الطَّعَام. قَالُوا: وَقد رَأينَا مُؤمنا أَكثر طَعَاما من كَافِر، وَلَو تَأَول ذَلِك على الطَّعَام اسْتَحَالَ معنى الحَدِيث، وَقيل: هُوَ رجل خَاص بِعَيْنِه، وَكَانَ كَافِرًا ثمَّ أسلم، وَقَالَ النَّبِي ﷺ ذَلِك، وَاخْتلفُوا فِي هَذَا الرجل. فَقيل: ثُمَامَة بن أَثَال، وَبِه جزم الْمَازرِيّ وَالنَّوَوِيّ، وَقيل: جَهْجَاه الْغِفَارِيّ، وَقيل: نَضْلَة بن عَمْرو الْغِفَارِيّ، وَقيل: أَبُو بصرة الْغِفَارِيّ، وَقيل: ابْنه بصرة بن أبي بصرة الْغِفَارِيّ، وَقيل: أَبُو غَزوَان غير مُسَمّى، وروى الطَّبَرَانِيّ، بِإِسْنَاد صَحِيح من رِوَايَة أبي عبد الرَّحْمَن الحبلي عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ: جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ سبع رجال فَأخذ كل رجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ رجلا فَأخذ النَّبِي ﷺ رجلا فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : مَا اسْمك قَالَ أَبُو غَزوَان، قَالَ: فَحلبَ لَهُ النَّبِي ﷺ سبع شِيَاه، فَشرب لَبنهَا كُله، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : هَل لَك يَا أَبَا غَزوَان أَن تسلم؟ قَالَ: نعم، فَأسلم فَمسح النَّبِي ﷺ صَدره فَلَمَّا أصبح حلب لَهُ النَّبِي ﷺ شَاة وَاحِدَة فَلم يتم لَبنهَا. فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : مَالك يَا أَبَا غَزوَان؟ فَقَالَ: وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لقد رويت. قَالَ: إِنَّك أمس كَانَ لَك سَبْعَة أمعاء وَلَيْسَ لَك الْيَوْم إلَاّ وَاحِد. قلت: أَبُو بصرة بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة، واسْمه حميل بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم. قَوْله: (فِي سَبْعَة أمعاء) اخْتلف فِي المُرَاد بهَا. فَقيل: هُوَ على ظاهرهِ، وَقيل: للْمُبَالَغَة وَلَيْسَت حَقِيقَة الْعدَد مُرَادة، وَإِنَّمَا خرج مخرج الْغَالِب، وَقيل: تَخْصِيص السَّبْعَة للْمُبَالَغَة فِي التكثير كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْبَحْر يمده من بعده سَبْعَة أبحر﴾ (لُقْمَان: ٢٧) قَالَ النَّوَوِيّ: الصِّفَات السَّبْعَة فِي الْكَافِر وَهِي: الْحِرْص والشره وَطول الأمل والطمع وَسُوء الطَّبْع والحسد وَحب السّمن، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: شهوات الطَّعَام سبع: شَهْوَة الطَّبْع، وشهوة النَّفس، وشهوة الْعين، وشهوة الْفَم، وشهوة الْأذن، وشهوة الْأنف، وشهوة الْجُوع، وَهِي الضرورية الَّتِي يَأْكُل بهَا الْمُؤمن وَأما الْكَافِر فيأكل بِالْجَمِيعِ.
(بَابٌ: ﴿المُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، فِيهِ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ ﴾ )
إِعَادَة هَذِه التَّرْجَمَة بِعَينهَا مَعَ ذكر أبي هُرَيْرَة على وَجه التَّعْلِيق لم تثبت إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن السَّرخسِيّ وَحده، وَلم تقع فِي رِوَايَة أبي الْوَقْت عَن الدَّاودِيّ عَن السَّرخسِيّ، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ ضم الحَدِيث الَّذِي قبله إِلَى تَرْجَمَة: طَعَام الْوَاحِد يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وإيراد هَذِه التَّرْجَمَة لحَدِيث ابْن عمر بِطرقِهِ، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة بطريقيه، وَلم يذكر فِيهَا التَّعْلِيق، وَهَذَا هُوَ الْوَجْه وَلَيْسَ لإعادة التَّرْجَمَة بلفظها معنى، وَكَذَا ذكر حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي التَّرْجَمَة. ثمَّ إِيرَاده فِيهَا موصولين من وَجْهَيْن.
٥٣٩٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلامٍ أخْبرنَا عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : إنَّ المُؤْمِنَ يَأكلُ فِي مَعًى وَاحِدٍ وَإنَّ الكافِرَ أوْ المُنَافِقَ فَلا أدْرِي أيَّهُما قَالَ عُبَيْدُ الله: يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أمْعَاءٍ.
وَقَالَ ابنُ بُكَيْرٍ: حدَّثنا مَالِكٌ عَنْ نَافِعِ عَنِ ابنِ عُمَرَ عَنِ النبيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.
وَجه الْمُطَابقَة مَوْجُود، وَعَبدَة بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن سُلَيْمَان، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ، والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (أَو الْمُنَافِق) شكّ من عَبدة، وَأَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: (فَلَا أَدْرِي أَيهمَا قَالَ عبيد الله) يَعْنِي: ابْن عمر الْعمريّ، وَرَوَاهُ مُسلم من طَرِيق يحيى الْقطَّان عَن عبيد الله بن عمر بِلَفْظ: الْكَافِر، بِغَيْر شكّ، وَكَذَا رَوَاهُ عَمْرو بن دِينَار كَمَا يَأْتِي فِي الْبَاب، وَوَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث سَمُرَة بِلَفْظ: الْمُنَافِق، بدل الْكَافِر.
قَوْله: (وَقَالَ ابْن بكير) ، هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير، أَبُو زَكَرِيَّا المَخْزُومِي الْمصْرِيّ روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي بَدْء الْوَحْي وَغير مَوضِع. قَالَ الدمياطي: قَالَ ابْن يُونُس: ولد يحيى بن بكير سِتَّة أَربع وَخمسين وَمِائَة، وَمَات فِي صفر سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو نعيم: حَدثنَا أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد حَدثنَا الْفضل بن عَيَّاش حَدثنَا يحيى بن بكير حَدثنَا مَالك فَذكره. قَوْله: (بِمثلِهِ) أَي: بِمثل أصل الحَدِيث لَا خُصُوص الشَّك الْوَاقِع فِي رِوَايَة عبيد الله بن عمر عَن نَافِع.
٥٣٩٥ - حدَّثنا عَلِيٌّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ عَمْروٍ، قَالَ: كَانَ أبُو نَهِيكٍ رَجُلاً أكُولاً، فَقَالَ لَهُ ابنُ عُمَرَ: إنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: إنَّ الكَافِرَ يَأكُلُ فِي سَبْعَةِ أمْعَاء، فَقَالَ: فَأنا أومِنُ بِالله وَرَسُولِهِ.
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن عمر أخرجه عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار إِلَى آخِره، والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (كَانَ أَبُو نهيك) ، بِفَتْح النُّون وَكسر الْهَاء وبالكاف، قَالَ الْكرْمَانِي: كَانَ رجلا من أهل مَكَّة. قلت: أَخذه من كَلَام الْحميدِي فَإِن فِي رِوَايَته قيل لِابْنِ عمر: أَن أَبَا نهيك رجل من أهل مَكَّة يَأْكُل أكلا كثيرا. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: أَبُو نهيك (أَنا أومن بِاللَّه وَرَسُوله) وَمن هَذَا حمل الحَدِيث على ظَاهره كَمَا ذكرنَا.
٥٣٩٦ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ، قَالَ: حدَّثني مَالِكٌ عَنْ أبِي الزِّنادِ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : يأكُلُ المُسْلِمُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالكافِرُ يَأكُلُ فِي سَبْعَةِ أمْعَاءٍ.
стр. 6243
إِيرَاد هَذَا هُنَا ظَاهر. أخرجه عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
٥٣٩٧ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بنِ ثَابِتٍ عَنْ أبِي حَازِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَجُلاً كَانَ يَأْكُلُ أكْلاً كَثِيرا، فأسْلَمَ فَكَانَ يَأكُلُ أكْلاً قَلِيلاً فَذُكِرَ ذالِكَ للنبيِّ ﷺ فَقَالَ: إنَّ المُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالكافِرَ يأكُلُ فِي سَبْعَةِ أمْعَاءٍ.
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة بن الْحجَّاج عَن عدي بن ثَابت هُوَ عدي بن أبان بن ثَابت الْأنْصَارِيّ الْكُوفِي ابْن ابْنه عبد الله بن يزِيد الخطمي، مَاتَ سنة خمس عشرَة وَمِائَة، وَكَانَ إِمَام مَسْجِد الشِّيعَة وقاضيهم بِالْكُوفَةِ، وَقد اتفقَا على الِاحْتِجَاج بِهِ، وَهُوَ يروي عَن أبي حَازِم سلمَان الْأَشْجَعِيّ، وَلَيْسَ هُوَ سَلمَة ابْن دِينَار الزَّاهِد، فَإِنَّهُ أَصْغَر من الْأَشْجَعِيّ وَلم يدْرك أَبَا هُرَيْرَة.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن عَمْرو بن يزِيد عَن بهز عَن شُعْبَة نَحوه: جَاءَ كَافِر إِلَى النَّبِي ﷺ فَأسلم، فَجعل يَأْكُل قَلِيلا وَكَانَ قبل ذَلِك يَأْكُل كثيرا. الحَدِيث وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَطْعِمَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَغَيره. وَأخرجه مُسلم عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن إِسْحَاق بن عِيسَى عَن مَالك عَن سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ أَضَافَهُ ضيف وَهُوَ كَافِر فَأمر رَسُول الله ﷺ بِشَاة فحلبت فَشرب حلابها ثمَّ أُخْرَى فَشرب، ثمَّ أُخْرَى فَشرب، حَتَّى شرب حلاب سبع شِيَاه، ثمَّ إِنَّه أصبح فَأسلم فَأمر لَهُ رَسُول الله ﷺ ، بِشَاة فَشرب حلابها، ثمَّ أَمر بِأُخْرَى فَلم يستتمها، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : الْمُؤمن يشرب فِي معًى وَاحِد وَالْكَافِر يشرب فِي سَبْعَة أمعاء.
١٣ - (بَابٌ: ﴿الأكْلِ مُتَّكِئا﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيفَ حكم الْأكل حَال كَونه مُتكئا، وَإِنَّمَا لم يجْزم بِحكمِهِ لِأَنَّهُ لم يَأْتِ فِيهِ نهي صَرِيح، وَقد ترْجم التِّرْمِذِيّ هَذَا الْبَاب بقوله: بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهَة الْأكل مُتكئا، ثمَّ روى حَدِيث أبي جُحَيْفَة، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، ﵀: حمل التِّرْمِذِيّ أَحَادِيث الْأكل مُتكئا على الْكَرَاهَة كَمَا بوب عَلَيْهِ، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور وَقد أكل غير وَاحِد من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ مُتكئا، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) ثمَّ قَالَ: اخْتلف فِي المُرَاد بالاتكاء فِي حَالَة الْأكل؟ فَقيل: المُرَاد المتربع المتقعد كالمتهيىء للطعام انْتهى كَلَامه. وَفِي (التَّلْوِيح) المتكىء هُنَا هُوَ الْمُعْتَمد على الوطاء الَّذِي تَحْتَهُ، وكل من اسْتَوَى قَاعِدا على وطاه فَهُوَ المتكىء كَأَنَّهُ أوكى مقعدته وسدها بالقعود على الوطاء الَّذِي تَحْتَهُ. وَقيل: الاتكاء هُوَ أَن يتكىء، على أحد جانبيه، وَهُوَ فعل المتجبرين، والمتكىء أَصله الموتكىء قلبت الْوَاو تَاء وأدغمت التَّاء فِي التَّاء، وَهُوَ من معتل الْفَاء مَهْمُوز اللَّام تَقول: أتكأ على شَيْء فَهُوَ متكىء وأصل التَّاء فِي جمع مواده وَاو.
٥٣٩٨ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا مِسْعَرٌ عَنْ عَلِيِّ بنِ الأقْمَرِ: سَمِعْتُ أبَا جُحَيْفَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : لَا آكُلُ مُتَّكِئا.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، ومسعر بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة ابْن كدام العامري الْكُوفِي، وَعلي بن الْأَقْمَر بن عَمْرو بن الْحَارِث بن مُعَاوِيَة الْهَمدَانِي بِسُكُون الْمِيم الوادعي الْكُوفِي، ثِقَة عِنْد الْجَمِيع وَمَا لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَأَبُو جُحَيْفَة بِضَم الْجِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالفاء، واسْمه وهب بن عبد الله السوَائِي.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَطْعِمَة عَن مُحَمَّد بن كثير. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَفِي الشَّمَائِل عَن بنْدَار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن قُتَيْبَة بِهِ وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَطْعِمَة عَن مُحَمَّد بن عِيسَى.
قَوْله: (لَا آكل مُتكئا) أَي: حَال كوني مُتكئا. وَقَالَ الْخطابِيّ حسب الْعَامَّة أَن المتكىء هُوَ المائل على أحد شقيه، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل المتكىء هُنَا هُوَ الْمُعْتَمد على الْوَطْأَة
стр. 6244
الَّذِي تَحْتَهُ، وكل من اسْتَوَى قَاعِدا على طائه فَهُوَ متكىء أَي: إِذا أكلت لم أقعد مُتَمَكنًا على الأوطئة فعل من يستكثر من الْأَطْعِمَة، ولكنني آكل الْعلقَة من الطَّعَام فَيكون قعودي مستوفرا. لَهُ وَلَفظ التِّرْمِذِيّ: أما أَنا فَلَا آكل مُتكئا، وَاسْتدلَّ بِهِ بَعضهم على أَن ترك الْأكل مُتكئا من خَصَائِصه ﷺ ، وَقد عده أَبُو الْعَبَّاس بن الْقَاص من خَصَائِصه. وَالظَّاهِر عدم التَّخْصِيص، وَقد روى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : لَا تَأْكُل مُتكئا، وَرِجَال إِسْنَاده ثِقَات، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: يكره أَيْضا لِأَنَّهُ من فعل المتعظمين وَأَصله مَأْخُوذ من مُلُوك الْعَجم، وَقد أخرج ابْن أبي شيبَة عَن ابْن عَبَّاس وخَالِد بن الْوَلِيد وَعبيدَة السَّلمَانِي وَمُحَمّد بن سِيرِين وَعَطَاء بن يسَار وَالزهْرِيّ جَوَاز ذَلِك مُطلقًا، وَإِذا ثَبت كَونه مَكْرُوها أَو خلاف الأولى فاستحب فِي صفة الْجُلُوس للْأَكْل أَن يكون جانبا على رُكْبَتَيْهِ وَظُهُور قَدَمَيْهِ أَو ينصب الرجل الْيُمْنَى وَيجْلس على الْيُسْرَى.
٥٣٩٩ - حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ أخْبرَنا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُور عَنْ عَلِيِّ بنِ الأقْمَرِ عَنْ أبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النبيِّ ﷺ فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ: لَا آكُلُ وَأنا مُتَكىءٌ.
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي جُحَيْفَة أخرجه عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير بن عبد الحميد عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر الْكُوفِي عَن عَليّ بن الْأَقْمَر. الخ وَالْفرق بَين قَوْله: (لَا آكل وَأَنا متكىء) وَبَين قَوْله فِي الحَدِيث الْمَاضِي: لَا آكل مُتكئا أَن اسْم الْفَاعِل يدل على الْحَدث، وَالْجُمْلَة الإسمية تدل على الثُّبُوت. فَالثَّانِي أبلغ من الأول فِي الْإِثْبَات وَأما فِي النَّفْي فبالعكس فَالْأول أبلغ، فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث ثَابت الْبنانِيّ عَن شُعَيْب بن عبد الله بن عَمْرو عَن أَبِيه. قَالَ: مَا رئي رَسُول الله ﷺ يَأْكُل مُتكئا قطّ، وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يحدث أَن الله أرسل إِلَى نبيه ﷺ ملكا من الْمَلَائِكَة مَعَ جِبْرِيل، ﵊، فَقَالَ: إِن الله مخيرك بَين أَن تكون عبدا نَبيا وَبَين أَن تكون ملكا، فَقَالَ: لَا بل أكون نَبيا عبدا، فَمَا أكل بعد تِلْكَ الْكَلِمَة طَعَاما مُتكئا. وَفِي (علل عبد الرَّحْمَن) من حَدِيث عبد الله بن السَّائِب بن خباب عَن أَبِيه عَن جده. رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يَأْكُل قديدا مُتكئا.
قلت: أما حَدِيث عبد الله بن عَمْرو فَإِنَّهُ مَحْمُول أَنه مَا رئي يَأْكُل مُتكئا بعد قَضِيَّة الْملك. وَأما حَدِيث السَّائِب عَن أَبِيه عَن جده فقد قَالَ عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه: إِن هَذَا حَدِيث بَاطِل. فَإِن قلت: كَيفَ روى ابْن عَبَّاس أَنه ﷺ مَا أكل بعد تِلْكَ الْكَلِمَة طَعَاما مُتكئا، وَقد روى ابْن أبي شيبَة من حَدِيث يزِيد بن زِيَاد قَالَ أَخْبرنِي من رأى ابْن عَبَّاس يَأْكُل مُتكئا؟ قلت: الَّذِي رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة ضَعِيف، وَلَو صَحَّ لكَانَتْ الْعبْرَة لما روى لَا لما رأى عِنْد الْبَعْض، وَمذهب جمَاعَة أَن الرَّاوِي إِذا خَالف رِوَايَته دلّ عِنْده على نسخ مَا رَوَاهُ.
١٤ - (بَابُ: ﴿الشِّواءِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز أكل الشواء بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة من شويت اللَّحْم شيا وَالِاسْم الشواء، والقطعة مِنْهُ شواة.
وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ (هود: ٦٩) أيْ مَشْوِيٍّ
هَذَا فِي إِبْرَاهِيم، ﵊، وَهُوَ الجائي بعجل حنيذ. وقصته أَن قوم لوط، ﵊، لما أفسدوا وطغوا وبغوا دَعَا لوط ربه بِأَن ينصره عَلَيْهِم، فَأرْسل أَرْبَعَة من الْمَلَائِكَة جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل ودردائيل لإهلاكهم وَبشَارَة إِبْرَاهِيم، ﵊، بِالْوَلَدِ فَأَقْبَلُوا مشَاة فِي صُورَة رجال مرد حسان حَتَّى نزلُوا على إِبْرَاهِيم، ﵊، وَكَانَ الضَّيْف قد حبس عَنهُ خمس عشرَة لَيْلَة حَتَّى شقّ ذَلِك عَلَيْهِ، وَكَانَ لَا يَأْكُل إلَاّ مَعَ الضَّيْف مهما أمكنه، فَلَمَّا رَآهُمْ سربهم، وَقَالَ: لَا يخْدم هَؤُلَاءِ إلَاّ أَنا فَخرج إِلَى أَهله فجَاء بعجل حنيذ، وَهُوَ المشوي بِالْحِجَارَةِ فعيل بِمَعْنى مفعول من حنذت اللَّحْم أحنذه حنذا إِذا شويته بِالْحِجَارَةِ المسخنة. وَاللَّحم حنيذ ومحنوذ. قَوْله: (أَي مشوي) ، كلمة أَي: لم تثبت إلَاّ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ: حنيذ مشوي، وَلَيْسَ فِيهِ كلمة أَي.
٥٤٠٠ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا هِشامُ بنُ يُوسُفَ أخْبرنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أبِي
стр. 6245
أُمَامَةَ بنِ سَهْلٍ عَنِ ابنِ عبَّاسٍ عَنْ خالِدِ بنِ الوَلِيدِ قَالَ: أُتِيَ النبيُّ ﷺ ، بِضَبٍّ مَشْوِيٍّ، فَأهْوَى إلَيْهِ لِيَأْكُلَ فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ ضَبٌّ فَأمْسَكَ يَدَهُ، فَقَالَ خَالِدٌ: أحَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ: لَا، وَلاكِنَّهُ لَا يَكُونُ بِأرْض قَوْمِي فأجِدُنِي أعَافُهُ، فَأكَلَ خَالِدٌ وَرَسُولُ الله ﷺ يَنْظُرُ.
قَالَ مَالِكٌ عنِ ابنِ شهابٍ: بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (بضب مشوي) والْحَدِيث مضى قبله بِثَلَاثَة أَبْوَاب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (مَالك عَن ابْن شهَاب بضب محنوذ) ، هَذَا رَوَاهُ مُسلم: حَدثنَا يحيى بن يحيى قَالَ: قَرَأت على مَالك عَن ابْن شهَاب عَن أبي أُمَامَة بن سُهَيْل بن حنيف عَن عبد الله بن عَبَّاس قَالَ: دخلت أَنا وخَالِد بن الْوَلِيد مَعَ رَسُول الله، ﷺ ، بَيت مَيْمُونَة، فَأتي بضب محنوذ، الحَدِيث، وَقَالَ ابْن بطال، والْحَدِيث ظَاهر لما ترْجم لَهُ وَهُوَ جَوَاز أكل الشواء لِأَنَّهُ ﷺ أَهْوى ليَأْكُل مِنْهُ لَو كَانَ مِمَّا لَا يتقزز أكله غير الضَّب.
١٥ - (بَابُ: ﴿الخَزِيرَةِ﴾ )
قَالَ النَّضْرُ الخَزِيرَةُ مِنَ النُّخَالَةِ، وَالحَرِيرَة مِنَ اللَّبَنِ.
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر الخزيرة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالزَّاي الْمَكْسُورَة وَالْيَاء آخر الْحُرُوف الساكنة ثمَّ الرَّاء الْمَفْتُوحَة وَهُوَ مَا يتَّخذ من الدَّقِيق على هَيْئَة العصيدة لكنه أرق مِنْهَا قَالَه الطَّبَرِيّ، وَقَالَ ابْن فَارس: دَقِيق يخلط بشحم، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الخزيرة أَن يُؤْخَذ اللَّحْم فَيقطع صغَار أَو يصب عَلَيْهِ مَاء كثير، فَإِذا نضج ذَر عَلَيْهِ الدَّقِيق، وَإِن لم يكن فِيهَا لحم فَهِيَ عصيدة. وَقيل: الخزيرة مرقة تصفى من بلالة النخالة ثمَّ تطبخ، وَقيل: هِيَ حساء من دَقِيق ودسم، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الحساء، بِالْفَتْح وَالْمدّ طبيخ يتَّخذ من دَقِيق وَمَاء ودهن، وَقد يحلَّى وَيكون رَقِيقا يحسى.
قَوْله: (قَالَ النَّضر) ، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره رَاء: هُوَ ابْن شُمَيْل، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْمِيم: النَّحْوِيّ اللّغَوِيّ الْمُحدث الْمَشْهُور، يكنى أَبَا الْحسن، أَصله من الْبَصْرَة ومولده بمر والروذ، خرج مَعَ أَبِيه هَارِبا إِلَى الْبَصْرَة من الْفِتْنَة سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَة، وَهُوَ ابْن سِتّ سِنِين ثمَّ رَجَعَ إِلَى مرو والروذ وَسمع إِسْرَائِيل وَشعْبَة وَهِشَام بن عُرْوَة وَغَيرهم، روى عَنهُ إِسْحَاق الْحَنْظَلِي ومحمود بن غيلَان وَمُحَمّد بن مقَاتل وَآخَرُونَ. قَالَ أَبُو جَعْفَر الدَّارمِيّ: مَاتَ سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ. قَوْله: (الخزيرة من النخالة) ، يَعْنِي: بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، (والحريرة) بِالْحَاء الْمُهْملَة (من اللَّبن) وَوَافَقَهُ على هَذَا أَبُو الهشيم لَكِن قَالَ: من الدَّقِيق، بدل: اللَّبن.
٥٤٠١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شهابٍ قَال: أخْبَرَنِي مَحْمُودُ بنُ الرَّبِيعِ الأنْصَارِيَّ أنَّ عِتْبَانَ بنَ مَالِك، وَكَانَ مِنْ أصْحَابِ النبيِّ ﷺ ، مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرا مِنَ الأَنْصَارِ، أنَّهُ أتَى رَسُولَ الله ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! إنَّنِي أنْكَرْتُ بَصْرِي وَأنا أُصَلِّي لِقَوْمِي، فَإذَا كَانَتِ الأمْطَارُ سالَ الوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ لَمْ أسْتَطِيعْ أنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُُصَلِّيَ لَهُمْ، فَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ الله أنَّكَ تَأْتِي فَتُصَلِّي فِي بَيْتِي فَأتَّخِذُهُ مُصَلًّى. فَقَالَ: سأفْعَلُ إنْ شَاءَ الله، قَالَ عِتْبَانُ: فَغَدا عَلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ وَأبُو بَكْرٍ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارِ، فَاسْتأْذَنَ النبيُّ ﷺ فَأذِنْتُ لهُ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ البَيْتَ ثُمَّ قَالَ لِي: أيْنَ تُحِبُّ أنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟ فَأشَرْتُ إلَى نَاحِيَةٍ مِنَ البَيْتِ فَقَامَ النبيُّ ﷺ فَكَبَّرَ فَصَفَفْنا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ وَحَبَسْناهُ عَلَى خَزِيرٍ صَنَعْناهُ. فَثابَ فِي البَيْتِ رِجالٌ مِنْ أهْلِ الدَّارِ ذَوُو عَدَدٍ فَاجْتَمَعُوا فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أيْنَ مَالِكُ ابنُ الدُّخْشُنِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ. قَالَ النبيُّ ﷺ : لَا تَقُلْ أَلا تَرَاهُ قَالَ: لَا إلاه إلَاّ الله، يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ الله؟ قَالَ: الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ. قَالَ: قُلْنا: فَإنَّا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ إلَى
стр. 6246
المُنافِقِينَ، فَقَالَ: فَإنَّ الله حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إلاهَ إلَاّ الله يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ الله.
قَالَ ابنُ شِهابٍ: ثُمَّ سَألْتُ الحُصَيْنَ بنَ مُحَمَّدٍ الأنْصَارِيَّ: أحَدَ بَنِي سَالِمٍ وَكَانَ مِنْ سَرَاتهِمْ عَنْ حَدِيثِ مَحْمُودٍ فَصَدَّقَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وحبسناه على خزير) .
والْحَدِيث قد مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب مَسَاجِد الْبيُوت، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن سعيد بن عفير عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب إِلَى آخِره نَحوه، وَمضى أَيْضا مُخْتَصرا فِي: بَاب الرُّخْصَة فِي الْمَطَر وَالْعلَّة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
قَوْله: (أَن عتْبَان) ، ويروى عَن عتْبَان، قيل: الصَّحِيح عَن قَالَ الْكرْمَانِي: أَن أَيْضا صَحِيح وَيكون أَن ثَانِيًا تَأْكِيدًا لِأَن الأول كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿أيعدكم أَنكُمْ إِذا متم وكنتم تُرَابا وعظاما أَنكُمْ مخرجون﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ٢٥) قَوْله: (أنْكرت بَصرِي) ، أَي: ضعف بَصرِي أَو هُوَ عمي. قَوْله: (وحبسناه) ، أَي: منعناه عَن الرُّجُوع عَن منزلنا لأجل خزير صنعناه لَهُ ليَأْكُل وَكلمَة: على هُنَا للتَّعْلِيل كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ولتكبروا الله على مَا هديكم﴾ (الْبَقَرَة: ١٨٥) قَوْله: (فَثَابَ) أَي: اجْتمع قَوْله: (من أهل الدَّار) ، أَي: من أهل الْمحلة. قَوْله: (ابْن الدخشن) بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالنون، ويروى: الدخيشن، بِالتَّصْغِيرِ، وَقَالَ أَبُو عمر: الدخشن بالنُّون ابْن مَالك بن الدخشن بن غنم بن عَوْف بن عَمْرو بن عَوْف، شهد الْعقبَة فِي قَول ابْن إِسْحَاق ومُوسَى والواقدي: وَقَالَ أَبُو مُعْتَمر: لم يشْهد، وَقَالَ أَبُو عمر: لم يخْتَلف أَنه شهد بَدْرًا وَمَا بعْدهَا من الْمشَاهد. وَكَانَ يتهم بالنفاق وَلَا يَصح عَنهُ النِّفَاق، وَقد ظهر من حسن إِسْلَامه مَا يمْنَع من اتهامه. قَوْله: (فَقَالَ بَعضهم) قيل: إِنَّه عتْبَان بن مَالك، قَوْله: (ونصيحته) أَي: إخلاصه ونقاوته.
قَوْله: (قَالَ ابْن شهَاب) هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (الْحصين) بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة. مصغر حصن وَهُوَ ابْن مُحَمَّد السالمي الْأنْصَارِيّ التَّابِعِيّ، وَضَبطه الْقَابِسِيّ بضاد مُعْجمَة وَلم يُوَافقهُ أحد عَلَيْهِ، وَنقل ابْن التِّين من الشَّيْخ أبي عمر أَن قَالَ: لم يدْخل البُخَارِيّ فِي (جَامعه) الْحضير، يَعْنِي: بِالْمُهْمَلَةِ وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وبالراء فِي آخِره، وَأدْخل الْحصين بالمهملتين وبالنون، قيل: هَذَا قُصُور مِنْهُ فَإِن أسيد بن حضير، وَإِن لم يخرج لَهُ البُخَارِيّ من رِوَايَته مَوْصُولا. وَلكنه علق عَنهُ، وَوَقع ذكره عِنْده فِي غير مَوضِع، فَلَا يَلِيق نفي إِدْخَاله فِي كِتَابه انْتهى. قلت: الْكَلَام هُنَا فِي الْحصين بالمهملتين وبالنون. لَا فِي حضير بِمُهْملَة ومعجمة وَرَاء، فَلَا حَاجَة إِلَى ذكره هَاهُنَا. قَوْله: (من سراتهم) ، سراة الْقَوْم ساداتهم وأشرافهم وَهُوَ جمع سري: وَهُوَ جمع عَزِيز أَن يجمع فعيل على فعلة، وَلَا يعرف غَيره، وَجمع السراة سراوات وأصل هَذِه الْمَادَّة من السِّرّ، وَهُوَ السخاء والمروءة. يُقَال: سرا يسرو وسرى بِالْكَسْرِ يسري سروا فيهمَا، وسرو، يسرو سراوة أَي: صَار سريا.
١٦ - (بَابُ: ﴿الأقِطِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الأقط، وَهُوَ بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْقَاف، وَقد تسكن وَفِي آخِره طاء مُهْملَة. وَفِي (التَّوْضِيح) لأقط شَيْء يصنع من اللَّبن وَذَلِكَ أَن يُؤْخَذ اللَّبن فيطبخ، فَكلما طفا عَلَيْهِ من بَيَاض اللَّبن شَيْء جمع فِي إِنَاء، وَهُوَ من أَطْعِمَة الْعَرَب. قلت: لَيْسَ هُوَ مَخْصُوصًا بالعرب، بل فِي سَائِر الْبلدَانِ الشمالية وَالتّرْك الرحالة يعلمُونَ هَذَا. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الأقط لبن مجفف يَابِس مستحجر يطْبخ بِهِ. قلت: لَا يطْبخ بِهِ إلَاّ بعد أَن يعركوه بِالْمَاءِ السخن فِي الْأَوَانِي الخزف حَتَّى ينْحل وَيصير كاللبن ثمَّ يطبخون بِهِ مَا شاؤا من الْأَطْعِمَة الَّتِي يطبخونها بِاللَّبنِ.
وَقَالَ حُمَيْدٌ: سَمِعْتُ أنَسا: بَنَى النبيُّ ﷺ بِصَفِيَّةَ فألْقَي التَّمْرَ وَالأقِطَ وَالسَّمْنَ
حميد هُوَ ابْن أبي حميد الطَّوِيل، وَهَذَا التَّعْلِيق تقدم مَوْصُولا فِي: بَاب الْخبز المرقق.
(وَقَالَ عَمْرُو بنُ أبِي عَمْروٍ عَنْ أنَسٍ: صَنَعَ النبيُّ ﷺ حَيْسا)
عَمْرو بن أبي عَمْرو، بِالْفَتْح فيهمَا مولى الْمطلب بن عبد الله المَخْزُومِي، وَهَذَا التَّعْلِيق أَيْضا قد مر فِي الْبَاب الْمَذْكُور مُعَلّقا. وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. وَالْحَبْس، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء آخر الْحُرُوف وبالسين الْمُهْملَة: وَهُوَ الْخَلْط من التَّمْر وَالسمن.
стр. 6247
٥٤٠٢ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ أبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، ﵄، قَالَ: أهْدَتْ خَالَتِي إلَى النبيِّ ﷺ ضِبابا وأقِطا وَلَبَنا فَوُضِعَ الضَبُّ عَلَى مَائِدَتِهِ فَلَوْ كَانَ حَرَاما لَمْ يُوضَعُ وَشَرِبَ اللَّبَنَ وَأكَلَ الأقِطَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أقطا) وَأَبُو بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره رَاء، واسْمه جَعْفَر بن أبي وحشية إِيَاس الْيَشْكُرِي الْبَصْرِيّ، وَيُقَال الوَاسِطِيّ: وَسَعِيد هُوَ ابْن جُبَير.
والْحَدِيث قد مضى فِي الْهِبَة فِي: بَاب قبُول الْهِبَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن آدم عَن شُعْبَة إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
١٧ - (بَابُ: ﴿السِّلقِ والشَّعِيرِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ السلق وَالشعِير.
٥٤٠٣ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ أبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ. قَالَ: إنْ كُنّا لَنَفْرَحُ بِيَوْمِ الجُمْعَةِ كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تأخُذُ أُصُولَ السِّلْقِ فَتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ لَهَا فَتَجْعَلُ فِيهِ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ، إذَا صَلَيْنَا زُرْناها فَقَرَّبَتْهُ إلَيْنا، وَكُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمْعَةِ مِنْ أجْلِ ذَلِكَ، وَمَا كُنَّا نَتَغَدَّى وَلا نقَيلُ إلَاّ بَعْدَ الجُمْعَةِ، وَالله مَا فِيهِ شَحْمٌ وَلا وَدَكٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي اسْمه سَلمَة بن دِينَار.
والْحَدِيث مضى فِي أَوَاخِر كتاب الْجُمُعَة فِي: بَاب قَوْله : ﴿فَإِذا قضيت الصَّلَاة فَانْتَشرُوا﴾ (الْجُمُعَة: ١٠) وَلكنه فرقه هُنَاكَ على مَا تقف عَلَيْهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (نتغدى) ، بِالدَّال الْمُهْملَة. قَوْله: (وَلَا نقِيل) ، بِفَتْح النُّون من القيلولة وَمِنْه أَخذ بَعضهم بِجَوَاز الْجُمُعَة قبل الزَّوَال. وَالْجُمْهُور على خِلَافه، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
١٨ - (بَابُ: ﴿النَّهْسِ وَانْتِشَالِ اللَّحْمِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نهس اللَّحْم، وَهُوَ بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْهَاء وَفِي آخِره سين مُهْملَة أَو مُعْجمَة، وهما بِمَعْنى وَاحِد، وَبِه جزم الْأَصْمَعِي والجوهري أَيْضا، وَهُوَ الْقَبْض على اللَّحْم بالفم وإزالته من الْعظم وَغَيره، وَقيل: هَذَا تَفْسِيره بِالْمُعْجَمَةِ، وَأما بِالْمُهْمَلَةِ فَهُوَ تنَاوله بِمقدم الْفَم، وَقيل: النهس بِالْمُهْمَلَةِ الْقَبْض على اللَّحْم ونثره عِنْد أكله، وَنقل ابْن بطال عَن أهل اللُّغَة: نهس الرجل والسبع اللَّحْم نهسا قبض عَلَيْهِ ثمَّ نثر. قَوْله: (وانتشال اللَّحْم) ، بالشين المعحمة. وَهُوَ التَّنَاوُل وَالْقطع والاقتلاع يُقَال: نشلت اللَّحْم من المرق أَي: أخرجته مِنْهُ ونشلت اللَّحْم عَن الْقدر وانتشلته إِذا انتزعته مِنْهَا، وَقيل: هُوَ أَخذ اللَّحْم قبل النضج، والنشيل ذَلِك اللَّحْم.
٥٤٠٤ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ حدَّثنا حَمَّادٌ حدَّثنا أيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ عنِ ابنِ عَبَّاس، ﵄، قَالَ: تَعَرَّقَ رسولُ الله ﷺ كَنِيفا ثُمَّ قَامَ فَصَلى وَلَمْ يَتَوَضَّأ، وَعَنْ أيُّوبَ وَعاصِمِ عَنْ عِكْرَمَةَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: انْتَشَلَ النبيُّ ﷺ عَرْقا مِنْ قِدر، فأكَلَ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَأ.
مطابقته للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَيُمكن أَن تُؤْخَذ الْمُطَابقَة للجزء الأول من قَوْله: (تعرق) من حَيْثُ حَاصِل الْمَعْنى لَا من حَيْثُ اللَّفْظ، وَذَلِكَ لِأَن معنى: تعرق كَتفًا، تنَاول اللَّحْم الَّذِي عَلَيْهِ، والنهس أَيْضا تنَاول اللَّحْم بالفم وإزالته من الْعظم كَمَا ذَكرْنَاهُ.
وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَمُحَمّد هُوَ ابْن سِيرِين، وَقَالَ يحيى بن معِين: لم يسمع مُحَمَّد من ابْن عَبَّاس إِنَّمَا روى عَن عِكْرِمَة عَنهُ، وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد عَن أَبِيه، لم يسمع مُحَمَّد من ابْن عَبَّاس، يَقُول فِي كلهَا: بلغت عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: قَالَ شُعْبَة: أَحَادِيث مُحَمَّد عَن ابْن عَبَّاس إِنَّمَا سَمعهَا من عِكْرِمَة، لقِيه أَيَّام الْمُخْتَار بن أبي عبيد وَلم يسمع مُحَمَّد من ابْن عَبَّاس شَيْئا. قيل: مَاله فِي البُخَارِيّ غَيره عَن ابْن عَبَّاس.
وَقد أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق مُحَمَّد بن عِيسَى بن الطباع عَن
стр. 6248
حَمَّاد بن زيد فَأدْخل بَين مُحَمَّد بن سِيرِين وَابْن عَبَّاس عِكْرِمَة، وَإِنَّمَا صَحَّ عِنْده لمجيئه بِالطَّرِيقِ الْأُخْرَى الثَّابِتَة فَأوردهُ على الْوَجْه الَّذِي سَمعه. قلت: غَرَض هَذَا الْقَائِل دفع من يدعى انْقِطَاع مَا أخرجه البُخَارِيّ هَاهُنَا، وَلَكِن مَا يجد بِهِ ذَلِك كَمَا يَنْبَغِي على مَا لَا يخفى.
قَوْله: (تعرق) على وزن تفعل بِالتَّشْدِيدِ أَي: أكل مَا كَانَ اللَّحْم على الْكَتف، ويوضحه مَا رَوَاهُ فِي كتاب الطَّهَارَة من حَدِيث عَطاء بن يسَار عَن عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. أَن رَسُول الله ﷺ أكل كتف شَاة ثمَّ صلى وَلم يتَوَضَّأ. فَإِن قلت: روى مُسلم من طَرِيق مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: أَتَى النَّبِي ﷺ بهدية خبز وَلحم، فَأكل ثَلَاث لقم الحَدِيث. قلت: الظَّاهِر تعدد الْقَضِيَّة وَالله أعلم.
قَوْله: (وَعَن أَيُّوب وَعَاصِم) إِلَى آخِره. أَيُّوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ الْمَذْكُور، وَعَاصِم هُوَ ابْن سُلَيْمَان الْأَحول الْبَصْرِيّ، ذكره صَاحب (التَّوْضِيح) وَالتَّعْلِيق عَن أَيُّوب ذكره صَاحب (الْأَطْرَاف) أَن البُخَارِيّ رَوَاهُ فِي الْأَطْعِمَة عَن عبد الله بن عبد الْوَهَّاب عَن حَمَّاد عَنهُ وَعَن عَاصِم كِلَاهُمَا عَن عِكْرِمَة وَتَبعهُ على ذَلِك صَاحب (التَّوْضِيح) وَقَالَ بَعضهم. قَوْله: (وَعَن أَيُّوب) مَعْطُوف على السَّنَد الَّذِي قبله، وَأَخْطَأ من زعم أَنه مُعَلّق، وَقد أورد أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق الْفضل بن الْحَارِث عَن الحَجبي، وَهُوَ عبد الله بن عبد الْوَهَّاب شيخ البُخَارِيّ فِيهِ بالسند الْمَذْكُور، وَحَاصِله أَن الحَدِيث عِنْد حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب بِسَنَدَيْنِ على لفظين: أَحدهمَا: عَن ابْن سِيرِين بِاللَّفْظِ الأول. وَالثَّانِي: عَنهُ عَن عِكْرِمَة وَعَاصِم الْأَحول بِاللَّفْظِ الثَّانِي انْتهى. قلت: الظَّاهِر أَن هَذَا الْقَائِل هُوَ الَّذِي أَخطَأ فِي دَعْوَاهُ الِاتِّصَال لِأَن فِي مقاله رِوَايَة الحَدِيث بِسَنَدَيْنِ مُخْتَلفين بِسَنَد وَاحِد، فَلَا يتَّجه ذَلِك على مَا لَا يخفى.
قَوْله: (انتشل) قد مر تَفْسِيره الْآن.
١٩ - (بَابُ: ﴿تَعَرُّقِ العَضُدِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تعرق الْعَضُد فتفسير التعرق قد مضى، والعضد هُوَ الْعظم الَّذِي بَين الْكَتف والمرفق وَمرَاده أَخذ اللَّحْم الَّذِي على الْعَضُد ونهسه إِيَّاه.
٥٤٠٦ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ: حدَّثني عُثْمَانُ بنُ عُمَرَ حدَّثنا فُلَيْحٌ حدَّثنا أبُو حَازِمٍ المَدَنِيُّ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ أبِي قَتَادَةَ عَنْ أبِيهِ قَالَ: خَرَجْنا مَعَ النبيِّ ﷺ نَحْوَ مَكَةً.
أخرج البُخَارِيّ حَدِيث أبي قَتَادَة فِي كتاب الْحَج فِي أَرْبَعَة أَبْوَاب، وَأخرجه هُنَا فِي موضِعين: أَحدهمَا: مُخْتَصر عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن عُثْمَان بن عمر بن فَارس الْبَصْرِيّ عَن فليح بِضَم الْفَاء مصغر فلح ابْن سُلَيْمَان عَن أبي حَازِم سَلمَة بن دِينَار عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة عَن أَبِيه أبي قَتَادَة الْحَارِث بن ربعي، وَقيل: عَمْرو بن ربعي، وَقيل: غير ذَلِك السّلمِيّ الْأنْصَارِيّ. وَالْآخر: أخرجه عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله، وَالْكل حَدِيث وَاحِد عَن أبي قَتَادَة. وَفِيه: تعرق الْعَضُد، وَهُوَ وَجه الْمُطَابقَة هُنَا بَين الحَدِيث والترجمة.
٥٤٠٧ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عَنْ أبِي حَازِمٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي قَتادَةَ السَّلَمِي عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قَالَ: كُنْتُ يَوْما جَالِسا مَعَ رِجال مِنْ أصْحَابِ النبيِّ ﷺ فِي مَنْزِلٍ فِي طَرِيقِ مَكَةَ ورَسُولُ الله ﷺ نَازِلٌ أمَامَنا وَالقَوْمُ مُحْرِمُونَ وَأنَا غَيْرُ مُحْرِمٍ فَأبْصَرُوا حِمارا وَحْشِيا وَأنا مَشْغُولٌ أخْصِفُ نَعْلِي، فَلَمْ يُؤْذِنُونِي بِهِ وَأحَبُّوا لَوْ أنِّي أبْصَرْتُهُ فَقُمْتُ إلَى الفَرَسِ فَأسْرَجْتُهُ ثُمَّ رَكِبْتُ وَنَسِيتُ السَّوْطَ وَالرُّمْحَ فَقُلْتُ لَهُمْ: نَاوِلُونِي السَّوْطَ وَالرُّمْحَ فَقَالوا: لَا وَالله لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فَغَضِبْتُ فَنَزَلْتُ فَأخَذْتُها ثُمَّ رَكِبْتُ فَشَدَدْتَ عَلَى الحِمارِ فَعَقَرْتُهُ، ثُمَّ جِئْتُ بِهِ وَقَدْ مَاتَ، فَوَقَعُوا فِيهِ يَأكُلُونَهُ ثُمَّ إنَّهُمْ شَكوا فِي أكْلِهِمْ إيّاهُ وَهُمْ حُرُمٌ فَرُحْنا وَخَبَأْتُ العَضُدَ مَعِي فأدْرَكْنا رَسُولَ الله ﷺ فسَألْناهُ عَنْ ذالِكَ. فَقَالَ: مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ فَنَاوَلْتُهُ العَضُدَ فَأكلها حَتَّى تَعَرَّقَها وَهُوَ مُحْرِمٌ.
стр. 6249
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فناولته الْعَضُد) إِلَى آخِره، وَفِي بعض النّسخ حَدثنِي بِالْإِفْرَادِ وَفِي بَعْضهَا: وحَدثني، بواو الْعَطف عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى الأويسي الْمَدِينِيّ عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن أبي كثير عَن أبي حَازِم سَلمَة بن دِينَار إِلَى آخِره.
وَأخرجه مُسلم عَن أَحْمد بن عَبدة الضَّبِّيّ عَن فُضَيْل بن سُلَيْمَان عَن أبي حَازِم عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة، عَن أَبِيه الحَدِيث، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الْحَج فِي الْأَبْوَاب الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة فِيهِ.
قَوْله: (أخصف نَعْلي) ، بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة أَي: أخرزه وألزق بعضه بِبَعْض. قَوْله: (فَلم يؤذنوني) أَي: فَلم يعلموني بِهِ أَي: بالصيد. قَوْله: (فوقعوا فِيهِ) أَي: فِي الصَّيْد الْمَذْكُور بعد أَن طبخوه وأصلحوه. قَوْله: (شكوا) يَعْنِي فِي كَونه حَلَالا أَو حَرَامًا. قَوْله: (حَتَّى تعرقها) أَي: حَتَّى أكل مَا عَلَيْهَا من اللَّحْم، وَقَالَ صَاحب (الْعين) تعرقت الْعظم وأعرقته وعرقته أعرقه عرقا أكلت مَا عَلَيْهِ من اللَّحْم. وَالْعراق الْعظم بِلَا لحم، فَإِن كَانَ عَلَيْهِ لحم فَهُوَ عرق. قَوْله: (وَهُوَ محرم) الْوَاو فِيهِ للْحَال.
قَالَ مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ وحدَّثني زَيْدُ بنُ أسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عَنْ أبِي قَتادَةَ مِثْلَهُ.
هَذَا مَعْطُوف على السَّنَد الَّذِي قبله، وَهُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر بن أبي كثير الْأنْصَارِيّ، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: قَالَ ابْن جَعْفَر، غير مُسَمّى وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني، قَالَ: أَبُو جَعْفَر، وَالظَّاهِر أَن الثَّلَاثَة وَاحِد، فَمنهمْ من ذكره باسم أَبِيه صَرِيحًا وَمِنْهُم من لم يُصَرح باسمه وَنسبه إِلَى أَبِيه جَعْفَر، وَمِنْهُم من ذكره بالكنية. لِأَن كثيرا من النَّاس من يتكنى باسم جده، وَلَا يبعد ذَلِك، وَالله أعلم. وروى مُسلم عَن قُتَيْبَة عَن مَالك عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن أبي قَتَادَة فِي حمَار الْوَحْش مثل حَدِيث أبي النَّضر، وَكَانَ قدر روى من حَدِيث أبي النَّضر عَن نَافِع مولى أبي قَتَادَة عَن أبي قَتَادَة وسَاق الحَدِيث إِلَى آخِره. ثمَّ قَالَ بعد قَوْله: مثل حَدِيث أبي النَّضر، غير أَن فِي حَدِيث زيد بن أسلم، أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: هَل مَعكُمْ من لَحْمه شَيْء؟ .
٢٠ - (بَابُ: ﴿قَطْعِ اللَّحْمِ بِالسِّكِّينِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز قطع اللَّحْم بالسكين. وَفِيه لُغَة وَهِي السكينَة، وَالْأول أشهر. قَالَ الْجَوْهَرِي: السكين يذكر وَيُؤَنث، وَالْغَالِب عَلَيْهِ التَّذْكِير.
٥٤٠٨ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أخْبَرَنِي جَعْفَرُ بنُ عَمْروٍ بنِ أمَيَةَ أنَّ أباهُ عَمَّرَو بنَ أمَيَّةَ أخبرهُ أنَّهُ رَأى النبيِّ ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفٍ شاةٍ فِي يَدِهِ، فَدُعِيَ إلَى الصَّلاةِ فَألْقاها وَالسِّكِينَ الَّتِي يَحْتَزُّ بِها ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَأْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي.
والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب من لم يتَوَضَّأ من لحم الشَّاة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب إِلَى آخِره، وَابْن شهَاب هُوَ الزُّهْرِيّ.
قَوْله: (يحتز) ، أَي: يقطع، وَفِيه جَوَاز قطع اللَّحْم بالسكين، وَقَالَ ابْن حزم: وَقطع اللَّحْم بالسكين للْأَكْل حسن وَلَا يكره أَيْضا قطع الْخبز بالسكين إِذْ لم يَأْتِ نهي صَرِيح عَن قطع الْخبز وَغَيره بالسكين. فَإِن قلت: روى الطَّبَرَانِيّ عَن ابْن عَبَّاس وَأم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: لَا تقطعوا الْخبز بالسكين كَمَا تقطعه الْأَعَاجِم، وَإِذا أَرَادَ أحدكُم أَن يَأْكُل اللَّحْم فَلَا يقطعهُ بالسكين وَلَكِن ليأخذه بِيَدِهِ فلينهسه بِفِيهِ، فَإِنَّهُ أهنأ وأمرأ، وروى أَبُو دَاوُد من رِوَايَة أبي معشر عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: قَالَ رَسُول الله، ﷺ : (لَا تقطعوا اللَّحْم بالسكين فَإِنَّهُ من صَنِيع الْأَعَاجِم) ، فانهسوه فَإِنَّهُ أهنأ وأمرأ. قلت: فِي سَنَد حَدِيث الطَّبَرَانِيّ عباد بن كثير الثَّقَفِيّ وَهُوَ ضَعِيف، وَحَدِيث أبي دَاوُد قَالَ النَّسَائِيّ: أَبُو معشر لَهُ أَحَادِيث مَنَاكِير مِنْهَا هَذَا، وَقَالَ ابْن عدي: لَا يُتَابع عَلَيْهِ وَهُوَ ضَعِيف، وَاسم أبي معشر نجيح.
٢١ - (بَابٌ: ﴿مَا عَابَ النبيُّ ﷺ طَعاما﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا عَابَ النَّبِي ﷺ طَعَاما من الْأَطْعِمَة الْمُبَاحَة وَأما الْحَرَام فَكَانَ يذمه وَيمْنَع تنَاوله وَينْهى عَنهُ، وَقيل: إِن
стр. 6250
كَانَ التعييب من جِهَة الْخلقَة فَهُوَ لَا يجوز لِأَن خلقَة الله لَا تعاب، وَإِن كَانَ من جِهَة صَنْعَة الْآدَمِيّين لم يكره. قَالَ النَّوَوِيّ: من آدَاب الطَّعَام أَن لَا يعاب كَقَوْلِه: مالح قَلِيل الْملح حامض غليظ رَقِيق غير ناضج وَنَحْو ذَلِك.
٥٤٠٩ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخْبَرَنا سُفْيَانُ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أبِي حَازِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا عَابَ النبيُّ ﷺ طَعاما قَطّ إِن اشْتَهَاهُ أكَلَهُ وَإنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمُحَمّد بن كثير ضد الْقَلِيل وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان وَأَبُو حَازِم سلمَان الْأَشْجَعِيّ.
والْحَدِيث قد مر فِي: بَاب صفة النَّبِي ﷺ ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن الْجَعْد عَن شُعْبَة عَن الْأَعْمَش إِلَى آخِره.
٢٢ - (بَابُ: ﴿النَّفْخِ فِي الشَّعِيرِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مُبَاشرَة النفخ فِي الشّعير بعد طحنه ليطير مِنْهُ قشوره وَلَا ينخل بالمنخل، وَقَالَ بَعضهم: فَكَأَنَّهُ نبه بِهَذِهِ التَّرْجَمَة على أَن النَّهْي عَن النفخ فِي الطَّعَام خَاص بالمطبوخ. قلت: لَا نسلم ذَلِك، بل المُرَاد أَن الشّعير إِذا طحن ينْفخ فِيهِ حَتَّى يذهب عَنهُ القشور ثمَّ يسْتَعْمل خبْزًا أَو طَعَاما أَو سويقا أَو غير ذَلِك. وَلَا ينخل بالمنخل، وَنَفس معنى الحَدِيث يدل على ذَلِك وَالَّذِي قَالَه هَذَا الْقَائِل بمعزل من ذَلِك صادر عَن عدم التَّأَمُّل.
٥٤١٠ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ حدَّثنا أبُو غَسَّانَ قَالَ: حدَّثَنِي أبُو حَازِمٍ أنَّهُ سَألَ سَهْلاً هَلْ رَأيْتُمْ فِي زَمَانِ النبيِّ ﷺ النّقِيَّ؟ قَالَ: لَا. فَقُلْتُ: هَلْ كُنْتُمْ تَنْخُلونَ الشَعِيرَ؟ قَالَ: لَا وَلاكِنْ كُنّا نَنْفُخُهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كُنَّا ننفخه) وَأَبُو غَسَّان هُوَ مُحَمَّد بن مطرف اللَّيْثِيّ، وَأَبُو حَازِم هَذَا هُوَ سَلمَة بن دِينَار لَا سلمَان الْأَشْجَعِيّ، وَكِلَاهُمَا تابعيان، وَسَهل هُوَ ابْن سعد الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (النقي) بِفَتْح النُّون وَكسر الْقَاف وَهُوَ: الْخبز الْحوَاري الْأَبْيَض، وَهُوَ الَّذِي ينخل دقيقه بعد الطَّحْن. قَوْله: (هَل كُنْتُم تنخلون الشّعير) أَي: بعد طحنه. وَقَالَ بَعضهم: فِي زمن النَّبِي، ﷺ ، أَظن أَنه احْتَرز عَمَّا قبل الْبعْثَة لكَونه، ﵇، كَانَ مُسَافِرًا فِي تِلْكَ الْمدَّة إِلَى الشَّام تَاجِرًا وَكَانَت الشَّام إِذْ ذَاك مَعَ الرّوم وَالْخبْز النقي عِنْدهم كثير، وَكَذَا المناخل وَغَيرهَا من آلَات الترفه. فَلَا ريب أَنه رأى ذَلِك عِنْدهم فَأَما بعد الْبعْثَة فَلم يكن إلَاّ بِمَكَّة والطائف وَالْمَدينَة، وَوصل إِلَى تَبُوك وَهِي من أَطْرَاف الشَّام، وَلكنه لم يفتحها وَلَا طَالَتْ إِقَامَته بهَا انْتهى.
قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه هَذَا الْقَائِل فِيهِ نظر من وُجُوه: الأول: فِي قَوْله: كَانَ مُسَافِرًا فِي تِلْكَ الْمدَّة تَاجِرًا، وَلم يكن تَاجِرًا لِأَنَّهُ ﷺ خرج أَولا إِلَى نَاحيَة الشَّام مَعَ عَمه أبي طَالب وَكَانَ لَهُ من الْعُمر اثْنَتَيْ عشرَة سنة شَهْرَان وَعشرَة أَيَّام. قَالَه الْوَاقِدِيّ: وَقَالَ الطَّبَرِيّ: كَانَ لَهُ تسع سِنِين، وَالْأول أصح، وَفِيه وَقعت قصَّة بحيرى الراهب، وَخرج فِي الْمرة الثَّانِيَة فِي سنة خمس وَعشْرين من مولده مَعَ غُلَام خَدِيجَة بنت خويلد، استأجرته خَدِيجَة على أَربع بكرات وَخرج فِي مَالهَا وَلم يكن لَهُ شَيْء، وَفِي الْمَرَّتَيْنِ لم يَتَعَدَّ بَصرِي وَلم يمْكث إلَاّ قَلِيلا. الثَّانِي: أَن قَوْله: فَلَا ريب أَنه رأى ذَلِك عِنْدهم، غير مُسلم لِأَنَّهُ ﷺ لم يخالط الرّوم هُنَاكَ وَلَا جالسهم وَلَا واكلهم فَمن أَيْن أَنه وقف على الأخباز النقية الْبَيْضَاء؟ وَمن أَيْن رأى المناخل وَنَحْوهَا حَتَّى يجْزم بذلك بقوله: وَلَا ريب أَنه رأى ذَلِك؟ الثَّالِث: أَن قَوْله فَأَما بعد الْبعْثَة إِلَى آخِره يسْتَلْزم عدم رُؤْيَته المنخل نفي سَمَاعه بالمنخل، إِذْ المنخل كَانَ مَوْجُودا عِنْدهم، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَول أبي حَازِم لسهل بن سعد هَل كُنْتُم تنخلون الشّعير؟ غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه ﷺ لم يكن رأى المنخل لعدم طلبه إِيَّاه لأجل اكتفائه بِمُجَرَّد النفخ بعد الطَّحْن سَوَاء كَانَ شَعِيرًا أَو قمحا، وَلَكِن لما كَانَ غَالب قوتهم شَعِيرًا سَأَلَ أَبُو حَازِم عَن نخل الشّعير.
٢٣ - (بَابٌ: ﴿مَا كَانَ النبيُّ ﷺ وَأصْحَابُهُ يَأْكُلُونَ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا كَانَ النَّبِي ﷺ فِي زَمَانه وَأَصْحَابه يَأْكُلُون.
٥٤١١ - حدَّثنا أبُو النِّعمانِ حدَّثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ عَبَّاسٍ الجُرَيْرِيِّ عَنْ أبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ
стр. 6251
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَسَمَ النبيُّ ﷺ يَوْما بَيْنَ أصْحَابِهِ تَمْرا فَأَعْطَى كلَّ إنْسَانٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ، فَأعْطَانِي سَبْعَ تَمَرَاتٍ إحْدَاهُنَّ حَشَفَةٌ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِنَّ تَمْرَةٌ أعْجَبُ إلَيَّ مِنْهَا شَدَّتْ فِي مَضَاغِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ إشعارا لبَيَان مَا كَانَ النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه، يَأْكُلُون وَأَنه فِي غَالب الْأَوْقَات التَّمْر، ويقنعون باليسير من ذَلِك.
وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل الَّذِي يُقَال لَهُ عَارِم السدُوسِي الْبَصْرِيّ، وعباس بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالسِّين الْمُهْملَة ابْن فروج بِفَتْح الْفَاء وَتَشْديد الرَّاء المضمومة وبالجيم الْجريرِي بِضَم الْجِيم وَفتح الرَّاء الأولى الْبَصْرِيّ، وَهُوَ نِسْبَة إِلَى جرير بن عباد أخي الْحَارِث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن بكر بن وَائِل وَأَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ بِفَتْح النُّون نِسْبَة إِلَى نهد بن زيد بن لَيْث بن سودين ألحاف بن قضاعة.
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن عَمْرو بن عَليّ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الزّهْد عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
قَوْله: (حَشَفَة) ، وَهُوَ أردأ التَّمْر، وَهُوَ الَّذِي لم يطب فِي النَّخْلَة وَلم يتناهى طيبه فييبس. قَوْله: (مِنْهَا) ، أَي: من الْحَشَفَة. قَوْله: (شدت) ، الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الْحَشَفَة. قَوْله: (فِي مضاغى) ، بِفَتْح الْمِيم عِنْد الْأصيلِيّ وَكسرهَا. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: المضاغ بِالْفَتْح الطَّعَام يمضغ وَهُوَ المضغ نَفسه، يُقَال: لقْمَة لينَة المضاغ وشديدة المضاغ أَرَادَ أَنَّهَا كَانَت قَوِيَّة عِنْد مضغها. وَطَالَ مضغه لَهَا كالعلك فَلذَلِك قَالَ: (فَلم يكن فِيهِنَّ تَمْرَة أعجب إليّ مِنْهَا) .
٥٤١٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ إسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ عَنْ سَعْدٍ قَالَ: رَأيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مَعَ النبيِّ ﷺ مَالَنا طعامٌ إلَاّ وَرَقُ الْحَبْلَةِ، أوْ الْحَبُلَةِ، حَتَّى يَضَعَ أحَدُنا مَا تَضَعُ الشَّاةُ، ثُمَّ أصْبَحَتْ بَنُو أسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلَى الإسْلامِ، خَسِرْتُ إِذا وَضَلَّ سَعْيِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ إشعارا لبَيَان مَا كَانَ ﷺ وَأَصْحَابه فِي قلَّة من الْعَيْش مَعَ القناعة وَالرِّضَا بِمَا قسم الله .
وَعبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد، وَقيس هُوَ ابْن أبي حَازِم، وَسعد هُوَ ابْن أبي وَقاص، أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ، وَوَقع فِي (التَّوْضِيح) عَن قيس بن سعد عَن أَبِيه. كَأَنَّهُ توهمه أَنه قيس بن سعد ابْن عبَادَة، وَهُوَ غلط فَاحش، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم عَن قيس سَمِعت سعد بن أبي وَقاص.
والْحَدِيث قد مضى فِي مَنَاقِب سعد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَمْرو بن عون عَن خَالِد عَن عبد الله عَن إِسْمَاعِيل عَن قيس. قَالَ: سَمِعت سَعْدا إِلَى آخِره، وَفِي آخِره، وَكَانُوا وشوابه إِلَى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالُوا: لَا يحسن يُصَلِّي، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (رَأَيْتنِي) ، أَي: رَأَيْت نَفسِي. قَوْله: (سَابِع سَبْعَة مَعَ النَّبِي ﷺ ، أَرَادَ بِهِ أَنه كَانَ قديم الْإِسْلَام، وَأَنه سَابِع من أسلم أَولا، وَوَقع عِنْد أبي خَيْثَمَة، هَؤُلَاءِ السَّبْعَة. وهم أَبُو بكر وَعُثْمَان وَعلي وَزيد بن حَارِثَة وَالزُّبَيْر وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَسعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قَوْله: (مَا لنا طَعَام إلَاّ ورق الحبلة) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنهم كَانُوا فِي ذَلِك الْوَقْت فِي قلَّة وضيق معيشة وَلم يكن طعامهم إلَاّ من ورق الحبلة، بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ ثَمَر السمر يشبه اللوبيا، وَقيل: ثَمَر العضاء وَهُوَ شجر لَهُ شوك كالطلح والعوسج. قَوْله: (أَو الحبلة) ، شكّ من الرَّاوِي وَهُوَ بِضَم الْحَاء وَالْبَاء مَعًا، وَلم يَقع عِنْد الْأصيلِيّ إلَاّ الأول، والحبلة بِفتْحَتَيْنِ ورق الْكَرم، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَرُبمَا سكن الْبَاء. قَوْله: (ثمَّ أَصبَحت بَنو أَسد) ، قيل: أَرَادَ بِهِ قَبيلَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِذْ هُوَ من بني أَسد، كَذَا نَقله الْكرْمَانِي وَهُوَ غير صَحِيح، وَلكنه مَعْذُور لِأَنَّهُ نَقله من كَلَام ابْن بطال حَيْثُ قَالَ: وَعمر بن الْخطاب من بني أَسد، وَهَذَا خلاف الْإِجْمَاع على أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من رَهْط عدي بن كَعْب وَلَيْسوا من بني أَسد. قَوْله: (تعزرني) ، ويروى: يعزروني من التَّعْزِير بِمَعْنى التَّأْدِيب أَي: يؤدبونني على (الْإِسْلَام) ويعلمونني أَحْكَامه، وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا وشوا بِهِ إِلَى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَتَّى قَالُوا: لَا يحسن يُصَلِّي، وأصل التَّعْزِير التَّأْدِيب، وَلِهَذَا يُسمى الضَّرْب دون الْحَد التَّعْزِير. قَوْله: (خسرت إِذا) ، جَوَاب وَجَزَاء أَي: إِن كنت كَمَا قَالُوا: مُحْتَاجا إِلَى تأديبهم وتعليمهم خسرت حِينَئِذٍ
стр. 6252
وضل سعيي فِيمَا تقدم.
فَإِن قلت: مَا وَجه قَول سعد: مَا لنا طَعَام إلَاّ ورق الحبلة، وَالنَّبِيّ ﷺ يرفع مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْهِ من النَّضِير وفدك قوته وقوته عِيَاله لسنة؟ وَأَنه كَانَ يُعْطي الأعطية الَّتِي لَا يذكر مثلهَا عَمَّن تقدم من الْمُلُوك مَعَ كَونه بَين أَرْبَاب الْأَمْوَال الْعِظَام كَأبي بكر وَعُثْمَان وشبههما؟ وَكَذَلِكَ قَول عَائِشَة: مَا شبع آل مُحَمَّد مُنْذُ قدم الْمَدِينَة. من طَعَام الْبر ثَلَاث لَيَال حَتَّى قبض وَشبهه مِمَّا جَاءَ مثل ذَلِك؟ قلت: وَقَالَ الطَّبَرِيّ، ﵀ كَانَ ذَلِك حينا بعد حِين لِأَن من كَانَ مِنْهُم ذَا مَال كَانَ مُسْتَغْرقا فِي نَوَائِب الْحُقُوق ومواساة الضيفان حَتَّى يقل كَثِيره أَو يذهب جَمِيعه، فَغير مستنكر لَهُم ضيق الْحَال الَّتِي يَحْتَاجُونَ مَعهَا إِلَى الاستسلاف وأكلهم الحبلة كَمَا قَالَ سعد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأما قَول عَائِشَة فوجهه أَن الْبر كَانَ قَلِيلا عِنْدهم فَغير نَكِير أَن يُؤثر ﷺ أهل بَلَده من الشّعير وَالتَّمْر، وَيكرهُ أَن يخص نَفسه بِمَا لَا سَبِيل للْمُسلمين إِلَيْهِ من الْغذَاء، وَهَذَا هُوَ الْأَشْبَه بأخلاقه ﷺ . وَأما مَا رُوِيَ من أَنه لم يشْبع من خبز الشّعير، فَإِن ذَلِك لم يكن لعوز وَلَا لضيق فِي غَالب أَحْوَاله. لِأَن الله تَعَالَى أَفَاء عَلَيْهِ قبل وَفَاته بِلَاد الْعَرَب كلهَا وَنقل إِلَيْهِ الْخراج من أَكثر بِلَاد الْعَجم، وَلَكِن بعضه لَا يثار نَوَائِب الْحق، وَبَعضه كَرَاهِيَة مِنْهُ للشبع وَكَثْرَة الْأكل. فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ لسعد أَن يمدح نَفسه، وَمن شَأْن الْمُؤمن التَّوَاضُع؟ قلت: إِذا اضْطر الْمَرْء إِلَى التَّعْرِيف بِنَفسِهِ حسن، قَالَ الله حاكيا عَن يُوسُف ﵇ ﴿إِنِّي حفيظ عليم﴾ (يُوسُف: ٥٥) .
٥٤١٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا يَعْقُوبُ عَنْ أبِي حَازِمٍ قَالَ: سَألْتُ سَهْلَ بنَ سَعْدٍ فَقُلْتُ: هَلْ أكَلَ رَسُولُ الله ﷺ ، النَّقِيَّ؟ فَقَالَ سَهْلٌ: مَا رَأى رَسُولُ الله ﷺ النَّقِيَّ مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ الله حَتَّى قَبَضَهُ الله. قَالَ: فَقُلْتُ: هَلْ كَانَتْ لَكُمْ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، مَنَاخِلُ؟ قَالَ: مَا رَأى رَسولُ الله ﷺ مُنْخُلاً مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ الله حَتَّى قَبَضَهُ الله. قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِير غَيْرَ مَنْخُولٍ؟ قَالَ: كُنَّا نَطْحَنُهُ وَنَنْفُخُهُ فَيَطِيرُ مَا طَارَ وَمَا بَقِيَ ثَرَّيْناهُ فَأكَلْناهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. لِأَن فِيهِ بَيَان مَا كَانَ يَأْكُلُونَهُ. وَيَعْقُوب هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن الْقَارِي، من القارة، حَلِيف بني زهرَة وَأَبُو حَازِم، وَهُوَ سَلمَة بن دِينَار رَاوِي رِوَايَة سهل، كَمَا أَن سُلَيْمَان رَاوِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة.
والْحَدِيث مضى عَن قريب.
قَوْله: (مناخل) ، جمع منخل. قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ الغربال. قلت: المنخل غير الغربال. لِأَن الغربال يغربل بِهِ الْقَمْح وَالشعِير وَنَحْوهمَا، والمنخل مَا ينخل بِهِ الدَّقِيق، وَهُوَ أحد مَا جَاءَ من الأدوات على مفعل بِضَم الْمِيم. قَوْله: (ثريناه) ، بتَشْديد الرَّاء من ثريت السويق إِذا بللته بِالْمَاءِ، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى عجنه وخبزه، كَذَا قَالَه بَعضهم، وَهُوَ خلاف مَا قَالَه أهل اللُّغَة، وَلَيْسَ المُرَاد هُنَا العجن وَلَا الْخبز، وَإِنَّمَا المُرَاد أَنهم كَانُوا إِذا طحنوا الشّعير يَأْخُذُونَ دقيقه وينفخونه فيطير مِنْهُ القشور وَمَا بَقِي يرشون عَلَيْهِ المَاء ثمَّ يَأْكُلُونَهُ، وَكَذَا قَالَ ابْن الْأَثِير فِي قَوْله: (فَأتى بالسويق فَأمر بِهِ فثرى) أَي: بل بِالْمَاءِ من ثرى التُّرَاب يثريه تثرية إِذا رش عَلَيْهِ المَاء. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: ثريت السويق بللته، وثريت الْموضع تثرية إِذا رششته، وَقَالَ أَيْضا: الثرى التُّرَاب الندي.
٥٤١٤ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرَنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ حدَّثنا ابنُ أبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ المَغِيرِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، أنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أيْدِيهِمْ شَاةٌ مَصْلِيَةٌ. فَدَعَوْهُ فَأبَى أنْ يَأْكُلَ. قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنَ الخُبْزِ الشَّعِيرِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن أَبَا هُرَيْرَة استحضر حِينَئِذٍ مَا كَانَ النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه فِي ضيق من الْعَيْش، فَلذَلِك ترك من الْأكل من تِلْكَ الشَّاة الَّتِي كَانَت بَين يَدي الْقَوْم، وَالْحَال أَنهم دَعوه، وَلَيْسَ هَذَا بترك الْإِجَابَة لِأَنَّهُ فِي طَعَام الْوَلِيمَة لَا فِي كل طَعَام.
وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، وَابْن أبي ذِئْب وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب بِلَفْظ الْحَيَوَان الْمَشْهُور، وَسَعِيد هُوَ ابْن أبي سعيد وَاسم أَبِيه أبي سعيد كيسَان الْمدنِي مولى بني لَيْث، وَإِنَّمَا سمى بالمقبري لِأَنَّهُ كَانَ يسكن بِالْقربِ من
стр. 6253
الْمقْبرَة. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (مصلية) ، أَي: مشوية. قَالَ بَعضهم: من الصَّلَاة بِالْكَسْرِ وَالْمدّ وَهُوَ الشي، قلت: الصَّلَاة الشواء وَلَيْسَ بالشي، يُقَال: صليت اللَّحْم أصليه صليا: شويته، وصليته بِالتَّشْدِيدِ وأصليته: أَلقيته فِي النَّار.
٥٤١٥ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ أبِي الأسْوَدِ حدَّثنا مُعاذٌ حدَّثني أبِي عَنْ يُونُسَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ. قَالَ: مَا أكَلَ النبيُّ ﷺ ، عَلَى خِوانٍ وَلا فِي سكُرُّجَةٍ وَلا خُبِزَ لَهُ مُرَقّقٌ.
قُلْتُ لِقَتَادَةَ: عَلَى مَا يَأْكُلُونَ؟ قَالَ: عَلى السُّفَرِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله بن أبي الْأسود هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي الْأسود، وَاسم أبي الْأسود حميد بن الْأسود أَبُو بكر بن أُخْت عبد الرَّحْمَن بن مهْدي الْبَصْرِيّ الْحَافِظ. مَاتَ سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ ومعاذ بِضَم الْمِيم ابْن هِشَام الدستوَائي يروي عَن أَبِيه هِشَام، وَيُونُس هُوَ ابْن أبي الْفُرَات الْقرشِي مَوْلَاهُم الْبَصْرِيّ الإسكاف. كَانَ سمع قَتَادَة، روى عَنهُ هِشَام الدستوَائي فِي الْأَطْعِمَة فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاده.
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَطْعِمَة عَن مُحَمَّد بن بشار، وَقَالَ: غَرِيب، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرَّقَائِق عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَفِي الْوَلِيمَة عَن عَمْرو بن عَليّ وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَطْعِمَة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى والْحَدِيث مضى فِي: بَاب الْخبز المرقق فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن عبد الله عَن معَاذ إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٥٤١٦ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ حدَّثنا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنِ الأسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُنْذُ قَدِمَ المَدِينَةَ مِنْ طَعامِ البُرِّ ثَلاثَ لَيَالٍ تِباعا حَتَّى قُبِضَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَالْأسود هُوَ ابْن يزِيد النَّخعِيّ، خَال إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ.
والْحَدِيث أخرجه أَيْضا فِي الرقَاق عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَأخرجه مُسلم فِي أَوَاخِر الْكتاب عَن زُهَيْر بن حَرْب وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن مُحَمَّد بن قدامَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَطْعِمَة عَن مُحَمَّد بن يحيى الذهلي.
قَوْله: (من طَعَام الْبر) ، من إِضَافَة الْعَام إِلَى الْخَاص أَو من بَاب الْإِضَافَة البيانية نَحْو: شجر الْأَرَاك إِن أُرِيد بِالطَّعَامِ الْبر خَاصَّة. قَوْله: (تباعا) ، بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة من تابعته على كَذَا مُتَابعَة وتباعا، والتباع الْوَلَاء الْمَعْنى ثَلَاث لَيَال متتابعة مُتَوَالِيَة. قَوْله: (حَتَّى قبض) ، أَي: إِلَى أَن قبض، وعَلى إِيثَار الْجُوع وَقلة الشِّبَع مَعَ وجود السَّبِيل إِلَيْهِ مرّة وَعَدَمه أُخْرَى مضى الأخيار من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ. وروى أَسد بن مُوسَى من حَدِيث عون بن أبي جُحَيْفَة عَن أَبِيه قَالَ: أكلت ثريدة من لحم سمين فَأتيت النَّبِي ﷺ ، وَأَنا أتجشؤ. فَقَالَ: أكفف عَلَيْك من جشائك أَبَا جُحَيْفَة. فَإِن أَكثر النَّاس شبعا فِي الدُّنْيَا أطولهم جوعا يَوْم الْقِيَامَة فَمَا أكل أَبُو جُحَيْفَة بملء بَطْنه حَتَّى فَارق الدُّنْيَا. كَانَ إِذا تغدى لَا يتعشى، وَإِذا تعشى لَا يتغدى، وَرُوِيَ عَن وهب بن كيسَان عَن جَابر قَالَ: لَقِيَنِي عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمَعِي لحم اشْتَرَيْته بدرهم، فَقَالَ عمر: مَا هَذَا؟ فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اشْتَرَيْته للصبيان وَالنِّسَاء. فَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لَا يَشْتَهِي أحدكُم شَيْئا إلَاّ وَقع فِيهِ أَو لَا يطوي أحدكُم بَطْنه لجاره وَابْن عَمه أَيْن تذْهب عَنْكُم هَذِه الْآيَة. ﴿أَذهَبْتُم طَيِّبَاتكُمْ فِي حَيَاتكُم الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بهَا﴾ (الْأَحْقَاف: ٢) وَقَالَ هشيم: عَن مَنْصُور عَن ابْن سِيرِين أَن رجلا قَالَ لِابْنِ عمر: اجْعَل جوارشنا. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: شَيْء إِذا لضك الطَّعَام فَأَصَبْت مِنْهُ سهل عَلَيْك، قَالَ ابْن عمر: مَا شبعت مُنْذُ أَرْبَعَة أشهر، وَمَا ذَاك أَن لَا أكون لَهُ واجدا. وَلَكِن عهِدت قوما يشبعون مرّة ويجوعون مرّة. قَوْله: (إِذا لضك الطَّعَام) ، أَي: إِذا امْتَلَأت وأثقلك.
٢٤ - (بَابُ: ﴿التَّلْبِينَةِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التلبينة بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون اللَّام وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْبَاء آخر الْحُرُوف وبالنون، وَهِي طَعَام يتَّخذ من دَقِيق أَو نخالة وَرُبمَا يَجْعَل فِيهِ عسل، سميت بذلك لشبهها بِاللَّبنِ فِي بياضها والرقة، والنافع مِنْهَا مَا كَانَ رَقِيقا نضيجا لَا غليظا نيا وَيُقَال: التلبينة حساء من دَقِيق أَو نخالة، وَيُقَال التلبين أَيْضا لِأَنَّهُ يشبه اللَّبن فِي بياضه
стр. 6254
فَإِن كَانَت ثخينة فَهِيَ الخزيرة. وَقد يَجْعَل فِيهَا الْعَسَل وَاللَّبن. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: التلبين والتلبينة حساء يعْمل من دَقِيق، وَهِي تَسْمِيَة بالمرة من التلبين مصدر لبن الْقَوْم إِذا اسقاهم اللَّبن، وَقَالَ: الحساء بِالْفَتْح وَالْمدّ طبيخ يتَّخذ من دَقِيق وَمَاء ودهن، وَقد يحلى وَيكون رَقِيقا يحسى من الحسوة. وَهِي الجرعة. وَفِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بالمشنئة النافعة التلبين، وَفِي أُخْرَى بالبغيض النافع التلبينة. قلت: المشنئة بِمَعْنى البغيضة إِنَّمَا قَالَت: البغيضة لِأَن الْمَرِيض يبغضها كَمَا يبغض الْأَدْوِيَة. وَذكره ابْن قرقول فِي بَاب الْبَاء الْمُوَحدَة مَعَ الْغَيْن، قَالَ: وَعند الْمروزِي التغبض بالنُّون، قَالَ: وَلَا معنى لَهُ.
٥٤١٧ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شِهاب عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ : أنَّها كَانَتْ إذَا مَاتَ المَيِّتُ مِنْ أهْلِها فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءِ ثُمَّ تَفَرَّقْنَ إلَاّ أهْلَها وَخَاصَّتَها أمَرَتْ بِبُرْمَة مِنْ تَلْبِينَةٍ فَطُبِخَتْ ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ فَصُبَتِ التَّلْبِينَةُ عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَتْ: كُلْنَ مِنْها فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: التَّلْبِينَةُ مَجَمَّةٌ لِفُؤَادِ المَرِيضِ، تَذْهَبُ بِبَعْضِ الحُزْنِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَال إِسْنَاده على هَذَا الْوَجْه مرت غير مرّة.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ عَن حبَان بن مُوسَى، وَأخرجه مُسلم فِي الطِّبّ أَيْضا عَن عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن حُسَيْن بن مُحَمَّد الْجريرِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن مُحَمَّد بن حَاتِم، وَفِي الطِّبّ عَن نصير بن الْفرج.
قَوْله: (مجمة) ، بِفَتْح الْمِيم وَالْجِيم وَفتح الْمِيم الْأُخْرَى الشَّدِيدَة أَي: مَكَان الاسْتِرَاحَة أَي: استراحة قلب الْمَرِيض، ويروى: مجمة، بِضَم الْمِيم وَكسر الْجِيم أَي: مريحة يُقَال: جم الْفرس إِذا ذهب إعياؤه، والجمام الرَّاحَة، وَقَالَ ابْن فَارس: الجمام الرَّاحَة وَضَبطه بِضَم الْمِيم على أَنه اسْم فَاعل من أجم، وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن الَّذِي أعرف بِفَتْح الْمِيم فَهِيَ على هَذَا مفعلة من جم يجم، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يرْوى بِفَتْح الْمِيم وَالْجِيم وبضم الْمِيم وَكسر الْجِيم، فعلى الأول يكون مصدرا. وعَلى الثَّانِي يكون اسْم فَاعل، وَقَالَ عبد اللَّطِيف: الْفُؤَاد هُنَا رَأس الْمعدة، وفؤاد الحزين يضعف باستيلاء اليبس على أَعْضَائِهِ وعَلى معدته خَاصَّة لتقليل الْغذَاء، وَهَذَا الْغذَاء يرطبها ويقويها وَيفْعل مثل ذَلِك بفؤاد الْمَرِيض.
٢٥ - (بَابُ: ﴿الثَّرِيدِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر الثَّرِيد وفضله على سَائِر الْأَطْعِمَة، وَهُوَ بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَكسر الرَّاء وَهُوَ أَن يثرد الْخبز بمرق اللَّحْم، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الثَّرِيد غَالِبا لَا يكون إلَاّ من لحم، وَالْعرب قل مَا تَجِد طبيخا وَلَا سِيمَا بِلَحْم.
٥٤١٨ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا غُنْدَرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ عَمْروٍ بنُ مُرَّةَ الجَمَلِيِّ عَنْ مُرَّةَ الهَمْدَانِيِّ عَنْ أبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ عَنِ النبيِّ، ﷺ ، قَالَ: كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إلَاّ مَرْيَمَ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وغندر لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَعَمْرو بن مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء الجملى بِفَتْح الْجِيم نِسْبَة إِلَى جمل بطن من مُرَاد وَمرَّة الْهَمدَانِي بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء ابْن شرَاحِيل الْهَمدَانِي الْكُوفِي، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، اسْمه عبد الله بن قيس.
والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْأَنْبِيَاء، ﵈ فِي: بَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَت الْمَلَائِكَة يَا مَرْيَم﴾ (آل عمرَان: ٤٢، ٤٥) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن آدم عَن شُعْبَة عَن عَمْرو بن مرّة إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: قَوْله ﷺ : (كفضل الثَّرِيد) ، قيل وَلم يرد عين الثَّرِيد، وَإِنَّمَا أَرَادَ الطَّعَام الْمُتَّخذ من اللَّحْم والثريد مَعًا وَفِي (التَّوْضِيح) وَمُقْتَضَاهُ فضل عَائِشَة على فَاطِمَة، وَالَّذِي أرَاهُ أَن فَاطِمَة أفضل لِأَنَّهَا بضعَة مِنْهُ، وَلَا يعدل ببضعته.
стр. 6255
٥٤١٩ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ حدَّثنا خَالِدُ بنُ عَبْدِ الله عَنْ أبِي طُوَالَةَ عَنْ أنَسٍ عَنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى سَائِرِ الطَّعَامِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعَمْرو بن عون الوَاسِطِيّ، وخَالِد بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الطَّحَّان الوَاسِطِيّ وَأَبُو طوالة بِضَم الطَّاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن حزم الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث مر فِي فضل عَائِشَة، عَن عبد الْعَزِيز ابْن عبد الله الأويسي، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ.
٥٤٢٠ - حدَّثنا عَبْدِ الله بنُ مُنِيرٍ سَمِعَ أبَا حَاتِمٍ الأشْهِلَ بنَ حَاتِمٍ حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ عَنْ ثُمَامَةَ بنِ أنَسٍ عَنْ أنَسٍ، ﵁، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ النبيِّ، ﷺ ، عَلَى غُلامٍ لَهُ خَيَّاطِ، فَقَدَّمَ إلَيْهِ قَصْعَةَ فِيهَا ثَرِيدٌ، قَالَ: وَأقْبَلَ عَلَى عَمَلِهِ، قَالَ: فَجَعَلَ النبيُّ ﷺ ، يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أتَتبَّعُهُ فَأضَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ: فَمَا زِلْتُ بَعْدُ أُحِبُّ الدّبَّاءِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فِيهَا ثريد) وَعبد الله بن مُنِير، بِضَم الْمِيم وَكسر النُّون على وزن اسْم الْفَاعِل من الإنارة الْمروزِي، وَأَبُو حَاتِم اسْمه الْأَشْهَل بن حَاتِم الْبَصْرِيّ، وَابْن عون هُوَ عبد الله بن عون الْبَصْرِيّ، وثمامة بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الْمِيم ابْن عبد الله بن أنس بن مَالك، يروي عَن جده.
وَفرق البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فَرَوَاهُ عَن أشهل بن حَاتِم عَن ابْن عون، وَعَن النَّضر بن شُمَيْل عَن ابْن عَوْف، وَعَن عَمْرو بن سعد عَن ابْن عون وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن الْحُسَيْن بن عِيسَى البسطامي.
قَوْله: (على غُلَام لَهُ) لم يدر اسْمه والدبا بِالْمدِّ وَالْقصر. قَوْله: (بعد) ، مَبْنِيّ على الضَّم أَي: بعد أَن رَأَيْت النَّبِي، ﷺ ، يتتبع الدُّبَّاء مَا زلت أحب الدُّبَّاء.
٢٦ - (بَابُ: ﴿شَاةٍ مَسْمُوطَةٍ وَالكَتِفِ وَالجَنْبِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر شَاة مسموطة، وَفِي الْكَتف وَكِلَاهُمَا مذكوران فِي حَدِيثي الْبَاب، وَأما الْجنب فَلَا ذكر لَهُ، وَقَالَ بَعضهم: وَأما الْجنب فَأَشَارَ بِهِ إِلَى حَدِيث أم سَلمَة أَنَّهَا قربت إِلَى رَسُول الله ﷺ جنبا مشوبا فَأكل مِنْهُ ثمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاة أخرجه التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ. قلت: من أَيْن يعلم أَنه أَشَارَ بِهِ إِلَى حَدِيث أم سَلمَة؟ مَعَ أَن الْإِشَارَة لَا تكون إلَاّ للحاضر، وَالْأَوْجه أَن يُقَال: ذكر الْجنب اسْتِطْرَادًا وألحاقا للْجنب بالكتف، وَالشَّاة المسموطة هِيَ الَّتِي أزيل شعرهَا وشويت.
٥٤٢١ - حدَّثنا هُدْيَةُ بنُ خَالِدٍ حدَّثنا هَمَّامُ بنُ يَحْيَى عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كُنَّا نَأْتِي أنَسَ بنَ مَالِكٍ، ﵁ وَخَبَّازَهُ قَائِمٌ، قَالَ: كُلُوا فَما أعْلَمُ النبيُّ ﷺ ، رَأى رَغِيفا مُرَفَّقا حَتَّى لَحِقَ بِاللَّه، وَلا رَأى شَاةً سَمِيطا بِعَيْنِهِ قَطُّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا رأى شَاة سميطا) . والْحَدِيث قد مر عَن قريب فِي: بَاب الْخبز المرقق.
قَوْله: (فَمَا أعلم) ، نفي الْعلم وَأَرَادَ نفي الْمَعْلُوم، أَعنِي: الرُّؤْيَة ثمَّ أَرَادَ مِنْهُ نفي أكل رَسُول الله ﷺ ، قَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ (شَارِح التراجم) مَقْصُوده جَوَاز أكل المسموط، وَلَا يلْزم من كَونه لم ير شَاة مسموطة أَنه لم ير عضوا مسموطا فَإِن الأكارع لَا تُؤْكَل إلَاّ كَذَلِك وَقد أكلهَا. قَوْله: (وَلَا رأى شَاة سميطا) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: مسموطة.
٥٤٢٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ أخْبَرَنا عَبْدُ الله أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ جَعْفَرِ ابنِ عَمْروٍ بنِ أُمَيَّةَ الضِّمْرِيِّ عَنْ أبِيهِ، قَالَ: رَأيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَحْتَزَّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فأكَلَ مِنْها فَدُعِيَ إلَى الصَّلاةِ فَقَامَ فَطَرَحَ السِّكِينَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَأُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من كتف شَاة) وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَمعمر هُوَ ابْن رَاشد.
والْحَدِيث قد مر عَن قريب
стр. 6256
فِي: بَاب قطع اللَّحْم بالسكين.
٢٧ - (بَابُ: ﴿مَا كَانَ السَّلَفُ يَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِهِمْ وَأسْفَارِهِمْ مِنَ الطعامِ وَاللَّحْمِ وَغَيْرِهِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا كَانَ السّلف من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ يدخرون فِي بُيُوتهم ليتقوتون فِي الْمُسْتَقْبل فِي الْحَضَر، ويدخرون أَيْضا بالتزود فِي أسفارهم لكفاية مُدَّة من الْأَيَّام. قَوْله: (من الطَّعَام) ، يتَعَلَّق بقوله: (يدخرون) وَكلمَة: من، بَيَانِيَّة أَي: من أَنْوَاع الطَّعَام من أَي طَعَام كَانَ وَمن اللَّحْم بأنواعه وَغير ذَلِك مِمَّا يدخرون ويحفظ من الأقوات، وَأَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا الرَّد على الصُّوفِيَّة وَمن يذهب إِلَى مَذْهَبهم فِي قَوْلهم: إِنَّه لَا يجوز إدخار طَعَام لغد، وَأَن الْمُؤمن الْكَامِل الْإِيمَان لَا يسْتَحق اسْم الْولَايَة حَتَّى يتَصَدَّق بِمَا يفضل عَن شبعه وَلَا يتْرك طَعَاما لغد وَلَا يصبح عِنْده شَيْء من عين وَلَا عرض ويمسي كَذَلِك، وَمن خَالف ذَلِك فقد أَسَاءَ الظَّن بربه وَلم يتوكل عَلَيْهِ حق توكله، وَقد جَاءَ فِي الْأَخْبَار الثَّابِتَة بإدخار الصَّحَابَة وتزود الشَّارِع وَأَصْحَابه فِي أسفارهم، وَقد ثَبت أَن النَّبِي ﷺ كَانَ ينْفق على أَهله نَفَقَة سنتهمْ مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْهِ من بني النَّضِير، على مَا سلف، فِي كتاب الْخمس، وَفِيه مقنع وَحجَّة كَافِيَة فِي الرَّد عَلَيْهِم.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ وَأسْماءُ صَنَعْنَا لِلنبيِّ، ﷺ ، وَأبِي بَكْرٍ سُفْرَةً.
مطابقته هَذَا التَّعْلِيق للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن صنع عَائِشَة وَأَسْمَاء السفرة كَانَت حِين سَافر النَّبِي ﷺ وَأَبُو بكر مَعَه إِلَى الْمَدِينَة مُهَاجِرين، وَقد مر فِي: بَاب هِجْرَة النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه إِلَى الْمَدِينَة، فِي حَدِيث طَوِيل، قَالَت عَائِشَة: فجهزناهما أحب الجهاز ووضعنا لَهما سفرة فِي جراب الحَدِيث، وَهَذَا من أقوى الْحجَج لجَوَاز التزود للمسافرين، وَأَسْمَاء بنت أبي بكر وَأُخْت عَائِشَة من الْأَب لِأَن أم عَائِشَة أم رُومَان بنت عَامر، وَأم أَسمَاء أم الْعُزَّى قيلة، وَهِي شَقِيقَة عبد الله بن أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٥٤٢٣ - حدَّثنا خَلادُ بنُ يَحْيَى حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَابِسٍ عَنْ أبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أنَهَى النبيُّ ﷺ ، أنْ يُؤْكَلَ مِنْ لُحُومِ الأضَاحِي فَوْقَ ثَلاثٍ؟ قَالَتْ: مَا فَعَلَهُ إلَاّ فِي عامِ جاعَ النَّاسُ فِيهِ، فأرَادَ أنْ يُطْعِمَ الغَنِيُّ الفَقِيرَ وَإنْ كُنَّا لَنَرْفَعُ الكُرَاعَ فَنَأْكُلُهُ بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ، قِيلَ: مَا اضْطَرَّكُمْ إلَيْهِ؟ فَضَحِكَتْ. قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ مَأْدُومِ ثَلاثَةَ أيَّامٍ حَتَّى لَحِقَ بِالله.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَإِن كُنَّا لنرفع الكراع فنأكله بعد خمس عشرَة) وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ فِي شَيْء من أَحَادِيث الْبَاب للطعام ذكر، وَإِنَّمَا يُؤْخَذ مِنْهَا بطرِيق الْإِلْحَاق. قلت: هَذَا تصرف عَجِيب أَلَيْسَ قَوْله: (لنرفع الكراع) يُطلق عَلَيْهِ الطَّعَام، وَلَيْسَ المُرَاد من قَوْله فِي التَّرْجَمَة: من الطَّعَام وجود لفظ الطَّعَام صَرِيحًا، وَإِنَّمَا المُرَاد كل شَيْء يطعم يُؤْكَل يُطلق عَلَيْهِ الطَّعَام.
وخلاد بن يحيى بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام أَبُو مُحَمَّد السّلمِيّ الْكُوفِي، سكن مَكَّة وَمَات بهَا سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَعبد الرَّحْمَن بن عَابس يروي عَن أَبِيه عَابس بِالْعينِ الْمُهْملَة وبالباء الْمُوَحدَة الْمَكْسُورَة وَالسِّين الْمُهْملَة ابْن ربيعَة النَّخعِيّ الْكُوفِي التَّابِعِيّ الْكَبِير.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن مُحَمَّد بن يُوسُف، وَأخرجه مُسلم فِي أَوَاخِر الْكتاب عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَضَاحِي عَن قُتَيْبَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَفِي الْأَطْعِمَة عَن مُحَمَّد بن يحيى الذهلي.
قَوْله: (أنهى) ، اسْتِفْهَام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (فَوق ثَلَاث) ، أَي: ثَلَاثَة أَيَّام. قَوْله: (قَالَت: مَا فعله إِلَّا فِي عَام جَاع النَّاس فِيهِ) ، أَرَادَت عَائِشَة بذلك أَن النَّهْي عَن إدخار لُحُوم الْأَضَاحِي بعد الثَّلَاث نسخ، وَأَن سَبَب النَّهْي كَانَ خَاصّا بذلك الْعَام لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذكرتها. قَوْله: (الْغَنِيّ) ، مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل (يطعم) من الْإِطْعَام (وَالْفَقِير) مَنْصُوب على أَنه مَفْعُوله. قَوْله: (وَإِن كُنَّا) ، كلمة إِن
стр. 6257
مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة، والكراع فِي الْغنم مستدق السَّاق. قَوْله: (بعد خمس عشرَة) ، أَي: لَيْلَة. قَوْله: (مَا اضطركم إِلَيْهِ) ، أَي: مَا ألجأكم إِلَى تَأْخِير هَذِه الْمدَّة. قَوْله: (فَضَحكت) ، أَي: عَائِشَة، وضحكها كَانَ للتعجب من سُؤال عَابس عَن ذَلِك مَعَ علمه أَنهم كَانُوا فِي التقليل وضيق الْعَيْش، وبينت عَائِشَة ذَلِك بقولِهَا: (مَا شبع آل مُحَمَّد) قَوْله: (مأدوم) ، أَي: مَأْكُول بالأدام. قَوْله: (ثَلَاثَة أَيَّام) ، أَي: مُتَوَالِيَات.
(وَقَالَ ابنُ كَثِيرٍ: أخْبَرَنَا سُفْيَانُ حدَّثَنَا عَبْدِ الرَّحْمانِ بنُ عَابِسٍ بِهاذا) .
أَي: قَالَ مُحَمَّد بن كثير، وَهُوَ من مَشَايِخ البُخَارِيّ، أخبرنَا سُفْيَان الثَّوْريّ حدثناعبد الرَّحْمَن بن عَابس بِهَذَا أَي: بِهَذَا الحَدِيث الْمَذْكُور، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) عَن معَاذ بن الْمثنى عَن مُحَمَّد بن كثير فَذكره، وغرض البُخَارِيّ من هَذَا التَّعْلِيق بَيَان تَصْرِيح سُفْيَان بِإِخْبَار عبد الرَّحْمَن بن عَابس لَهُ بِهِ فَافْهَم.
٥٤٢٤ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ عَمْروٍ عَنْ عَطَاء عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا نَتَزَوَّدُ لُحُومَ الهَدْي عَلى عَهْدِ النبيِّ ﷺ ، إلَى المَدِينَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وأسفارهم) وَعبد الله بن مُحَمَّد هُوَ المسندي، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح، وَجَابِر هُوَ ابْن عبد الله الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد، وَسَيَأْتِي أَيْضا فِي الْأَضَاحِي عَن عَليّ بن عبد الله.
وَالْهَدْي مَا يهدى إِلَى الْحرم من النعم، وَهَذَا يدل على جَوَاز التزّود للمسافرين فِي أسفارهم وَفِي التزّود معنى الإدخار.
(تَابَعَهُ مُحَمَّدٌ وَعَنِ ابنِ عيننةَ)
أَي: تَابَع عَبد الله بن مُحَمَّد المسندي مُحَمَّد بن سَلام عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة. قَالَ: بَعضهم: قيل: إِن مُحَمَّدًا هَذَا هُوَ ابْن سَلام. قلت: الْقَائِل بِهَذَا هُوَ الْكرْمَانِي وَلم يقل هُوَ وَحده، وَكَذَا قَالَه أَبُو نعيم، ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق الْحميدِي: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة.
(وَقَالَ ابنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاء: أقَالَ: حَتَّى جِئْنَا المَدِينَةِ؟ قَالَ: لَا)
أَي: قَالَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. قلت لعطاء بن أبي رَبَاح: أقَال؟ أَي: هَل قَالَ جَابر فِي قَوْله: كُنَّا نتزود لحرم الْهَدْي حَتَّى جِئْنَا إِلَى الْمَدِينَة؟ قَالَ عَطاء: لَا أَي: لم يقل ذَلِك جَابر، وَقد وَقع فِي رِوَايَة مُسلم قلت لعطاء: أقَال جَابر حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَة؟ قَالَ: نعم، وَقد نبه الْحميدِي فِي جمعه على اخْتِلَاف البُخَارِيّ وَمُسلم فِي هَذِه اللَّفْظَة وَلم يذكر أَيهمَا أرجح، وَالظَّاهِر أَن يرجح مَا قَالَه البُخَارِيّ لِأَن أَحْمد أخرجه فِي (مُسْنده) عَن يحيى بن سعيد كَذَلِك وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى بن سعيد كَذَلِك، وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ المُرَاد بقوله: لَا، نفي الحكم بل مُرَاده أَن جَابِرا لم يُصَرح باستمرار ذَلِك حَتَّى قدمُوا فَيكون على هَذَا معنى قَوْله فِي رِوَايَة عَمْرو بن دِينَار عَن عَطاء: كُنَّا نتزود لُحُوم الْهَدْي إِلَى الْمَدِينَة أَي: لتوجهنا إِلَى الْمَدِينَة، وَلَا يلْزم من ذَلِك بَقَاؤُهَا مَعَهم حَتَّى يصلوا الْمَدِينَة. قلت: هَذَا كَلَام واهٍ لِأَنَّهُ قَالَ: إِلَى الْمَدِينَة، بِكَلِمَة إِلَى الَّتِي أصل وَضعهَا للغاية، وَهنا للغاية المكانية كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى﴾ (الْإِسْرَاء: ١) وَفِيمَا قَالَه جعل: إِلَى، للتَّعْلِيل وَلم يقل بِهِ أحد، وَيُقَوِّي وهاء كَلَام هَذَا الْقَائِل مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث ثَوْبَان قَالَ: ذبح النَّبِي ﷺ أضْحِية. ثمَّ قَالَ لي: يَا ثَوْبَان أصلح لحم هَذِه، فَلم أزل أطْعمهُ مِنْهُ حَتَّى قدم الْمَدِينَة.
٢٨ - (بَابُ: ﴿الحَيْسِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر الحيس، وَهُوَ بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالسين الْمُهْملَة، وَهُوَ مَا يتَّخذ من التَّمْر والأقط وَالسمن وَيجْعَل عوض الأقط الفتيت والدقيق.
٥٤٢٥ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ حدَّثَنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَمْرو بنِ أبِي عَمْروٍ مَوْلَى المُطّلِبِ بنِ عَبْدِ الله بنِ حَنْطَبٍ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ لأبِي طَلْحَةَ: التَمِسْ غُلاما مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي، فَخَرَجَ بِي أبُو طَلْحَةَ يُرْدِفُنِي وَرَاءَهُ، فَكُنْتُ أخُدمُ رسولَ الله ﷺ كُلَّما
стр. 6258
نَزَلَ فَكُنْتُ أسْمَعُهُ يُكثِرُ أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحزَنِ وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ وَالبُخْلِ وَالجُبْنِ وَضَلَعِ الدِّينِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ، فَلَمْ أزَلْ أخْدُمُهُ حَتَّى أقْبَلْنا مِنْ خَيْبَرَ وَأقْبَلَ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَي قَدْ حَازَها فَكُنْتُ أرَاهُ يُحَوِّي لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ أوْ بِكَسَاءٍ ثُمَّ يُرْدِفُها وَرَاءَهُ حَتَّى إذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ صَنَعَ حَيْسا فِي نِطَعٍ ثُمَّ أرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجالاً فَأَكَلُوا، وَكَانَ ذَلِكَ بِنَاءَهُ بِهَا ثُمَّ أقْبَلَ حَتَّى إذَا بَدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ: هاذا جَبَلٌ يُحبُّنا وَنُحِبُّهُ، فَلَمَّا أشْرَفَ عَلَى المَدِينَةِ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْها مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (صنع حَيْسًا) والْحَدِيث مر فِي الْبيُوع فِي: بَاب هَل يُسَافر بالجارية قبل أَن يَسْتَبْرِئهَا فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الْغفار بن دَاوُد عَن يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن عَن عَمْرو بن أبي عَمْرو عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأخرجه أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن قُتَيْبَة، وَفِي الْمَغَازِي عَن أَحْمد، وَفِي الدَّعْوَات عَن قُتَيْبَة أَيْضا. .
قَوْله: (لأبي طَلْحَة) ، اسْمه زيد بن سهل زوج أم أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (من الْهم والحزن) ، قيل: هما بِمَعْنى وَاحِد، وَقيل: الْهم لما تصَوره الْعقل من الْمَكْرُوه الحالي، والحزن الْمَكْرُوه وَقع فِي الْمَاضِي. قَوْله: (والكسل) وَهُوَ التثاقل عَن الْأَمر ضد الخفة والجلادة. قَوْله: (وَالْبخل) ضد الْكَرم (والجبن) ضد الشجَاعَة. قَوْله: (وضلع الدّين) بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَاللَّام فَهُوَ ثقل الدّين وشدته. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَنْوَاع الْفَضَائِل ثَلَاثَة: نفسية وبدنية وخارجة. فالنفسانية ثَلَاثَة بِحَسب القوى الثَّلَاث الَّتِي للْإنْسَان الْعَقْلِيَّة والغضبية والشهوية فالهم والحزن مِمَّا يتَعَلَّق بالعقلية، والجبن بالغضبية، وَالْبخل بالشهوية وَالْعجز والكسل بالبدنية. وَالثَّانِي: عِنْد سَلامَة الْأَعْضَاء وَتَمام الْآلَات. وَالْأول: عِنْد نُقْصَان الْعُضْو كَمَا فِي الْأَعْمَى والأشل والضلع وَالْغَلَبَة بالخارجية. وَالْأول مَالِي، وَالثَّانِي جاهي، فَهَذَا الدُّعَاء من جَوَامِع الْكَلم لَهُ ﷺ ، قَوْله: (بصفية) بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَكسر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف بنت حييّ بن أَخطب النَّضْرِية أم الْمُؤمنِينَ من بَنَات هَارُون بن عمرَان أخي مُوسَى بن عمرَان، ﵉، وَأمّهَا برة بنت سموأل، سباها النَّبِي ﷺ عَام خَيْبَر فِي شهر رَمَضَان سنة سبع من الْهِجْرَة ثمَّ أعْتقهَا وَتَزَوجهَا وَجعل عتقهَا صَدَاقهَا. قَالَ الْوَاقِدِيّ: مَاتَت فِي خلَافَة مُعَاوِيَة سنة خمسين، وَقَالَ غَيره: مَاتَت فِي خلَافَة عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ. قَوْله: (قد حازها) بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي أَي: اخْتَارَهَا من الْغَنِيمَة، وكل من ضم إِلَى نَفسه شَيْئا فقد حازه. قَوْله: (فَكنت أرَاهُ) أَي: النَّبِي ﷺ . قَوْله: (يحوّي لَهَا) ، بِضَم الْيَاء وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الْوَاو والمشددة أَي: يَجْعَل لَهَا حوية وَهُوَ كسَاء محشو يدار حول سَنَام الرَّاحِلَة يحفظ راكبها من السُّقُوط ويستريح بالاستناد إِلَيْهِ. قَوْله: (بالصهباء) بِفَتْح الْمُهْملَة وَالْبَاء اسْم منزل بَين خَيْبَر وَالْمَدينَة. قَوْله: (فِي نطع) فِيهِ أَربع لُغَات: نطع بِفَتْح النُّون وَسُكُون الطَّاء ونطع بِفتْحَتَيْنِ، ونطع بِكَسْر النُّون وَسُكُون الطَّاء، ونطع بِكَسْر النُّون وَفتح الطَّاء، وَيجمع على نطوع وانطاع. قَوْله: (وَكَانَ ذَلِك بِنَاؤُه بهَا) أَي: دُخُوله بصفية. قَوْله: (بدا لَهُ) ، أَي: ظهر لَهُ من بعيد. قَوْله: (يحبنا) الظَّاهِر أَنه مجَازًا أَو إِضْمَار أَي: يحبنا أَهله وهم أهل الْمَدِينَة، وَيحْتَمل الْحَقِيقَة لشمُول قدرَة الله تَعَالَى. قَوْله: (مثل مَا حرم) المثلية بَين حرم الْمَدِينَة وَمَكَّة فِي الْحُرْمَة فَقَط لَا فِي الْجَزَاء وَغَيره، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لفظ: (بِهِ) زَائِد قلت: لَا بل مثل مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي: أحرم مثل مَا حرم بِهِ. فَإِن قلت: مَا ذَاك؟ قلت: دعاؤه بِالتَّحْرِيمِ يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: وَأحرم مَا بَين جبليها بِهَذَا اللَّفْظ، وَهُوَ أحرم مثل مَا حرم إِبْرَاهِيم، ﵊. قَوْله: (فِي مدهم) الْمَدّ رَطْل وَثلث رَطْل أَو رطلان، والصاع أَرْبَعَة أَمْدَاد، وَالْمَقْصُود بَارك لَهُم فِيمَا يقدر بِالْمدِّ والصاع وَهُوَ الطَّعَام وَالْبركَة فِي الْمَوْزُون بِهِ يسْتَلْزم الْبركَة فِي الْمَوْزُون.
٢٩ - (بَابُ: ﴿الأَكْلِ فِي إنَاءٍ مُفَضَّضٍ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حُرْمَة الْأكل فِي إِنَّا مفضض، وَهُوَ المرصع بِالْفِضَّةِ يُقَال: لجام مفضض أَي: مرصع بِالْفِضَّةِ وَمَعْنَاهُ: إِنَاء مفضض وإناء متخذ من فضَّة وإناء مضبب بِفِضَّة وإناء مَطْلِي بِالْفِضَّةِ، أما الْإِنَاء المفضض فَيجوز الشّرْب فِيهِ عِنْد أبي
стр. 6259
حنيفَة إِذا كَانَ يَتَّقِي مَوضِع الْفضة، وَهُوَ أَن يَتَّقِي مَوضِع الْفَم وَمَوْضِع الْيَد، وَكَذَلِكَ الْجُلُوس على السرير المفضض والكرسي المفضض بِهَذَا الشَّرْط وَقَالَ أَبُو يُوسُف يكره ذَلِك وَبِه قَالَ مُحَمَّد فِي رِوَايَة وَفِي رِوَايَة أُخْرَى مَعَ أبي حنيفَة وَأما الْإِنَاء الْمُتَّخذ من الْفضة فَلَا يجوز اسْتِعْمَاله أصلا لَا بِالْأَكْلِ وَلَا بالشرب وَلَا بالإدهان وَنَحْو ذَلِك للرِّجَال وَالنِّسَاء وَأما الْإِنَاء المضبب بِالْفِضَّةِ أَو الذَّهَب فعلى الْخلاف الْمَذْكُور، والمضبب هُوَ المشدد بِالْفِضَّةِ أَو الذَّهَب وَمِنْه: ضبب أَسْنَانه بِالْفِضَّةِ إِذا شدها، وَأما الْإِنَاء المطلي بِالْفِضَّةِ أَو الذَّهَب فَإِن كَانَ يخلص شَيْء مِنْهَا بالإذابة فَلَا يجوز اسْتِعْمَاله، وَإِن كَانَ لَا يخلص شَيْء فَلَا بَأْس بِهِ عِنْد أَصْحَابنَا.
٥٤٢٦ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا سَيْفُ بنُ أبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ مُجاهِدا يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ أبِي لَيْلَى أنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ حُذَيْفَةَ فَاسْتَسْقَى فَسَقَاهُ مَجوسيٌّ فَلَمَّا وَضَعَ القَدَحَ فِي يَدِهِ رَماهُ بِهِ، وَقَالَ: لَوْلا أنِّي نَهَيْتُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلا مَرَّتَيْنِ؟ كَأنَّهُ يَقُولُ: لَمْ أفْعَلْ هاذا، وَلاكِنِّي سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ ، يَقُولُ: لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ وَلا الدِّيباجَ، وَلا تَشْرَبُوا فِي آنِيَّةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلا تَأْكُلُوا فِي صَحَافِها، فَإنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الآخِرَةِ.
قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) مَا حَاصله: لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة. لِأَن التَّرْجَمَة فِي إِنَاء مفضض، والْحَدِيث فِي إِنَاء الْمُتَّخذ من الْفضة إلَاّ إِن كَانَ الْإِنَاء الَّذِي سقِِي فِيهِ حُذَيْفَة كَانَ مضببا وَأَن الضبة مَوضِع الشّفة عِنْد الشّرْب فَلهُ وَجه على بعد، وَقَالَ بَعضهم: أجَاب الْكرْمَانِي بِأَن لفظ: مفضض، وَإِن كَانَ ظَاهرا فِيمَا فِيهِ فضَّة لكنه يَشْمَل مَا كَانَ متخذا كُله من فضَّة. قلت: فِيهِ نظر لِأَنَّهُ إِن أَرَادَ بالشمول بِمَعْنى أَنه يُطلق على الْمَعْنيين بِحَسب اللُّغَة فَيحْتَاج إِلَى دَلِيل، وَإِن كَانَ بِحَسب الِاصْطِلَاح بالفقهاء قد فرقوا بَين المفضض والمتخذ من الْفضة، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: المفضض لَيْسَ بِإِنَاء ذهب وَلَا فضَّة وَلَيْسَ بِحرَام مَا لم يَقع النَّهْي عَنهُ، وَكَذَلِكَ المضبب، وَهُوَ وَجه لبَعض الشَّافِعِيَّة.
وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وَسيف بن أبي سُلَيْمَان، وَيُقَال ابْن سُلَيْمَان المَخْزُومِي، وَقَالَ يحيى الْقطَّان: كَانَ حَيا سنة خمسين وَمِائَة، وَكَانَ عندنَا ثِقَة مِمَّن يصدق ويحفظ، وروى لَهُ مُسلم أَيْضا، وَحُذَيْفَة هُوَ ابْن الْيَمَان الْعَبْسِي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَشْرِبَة عَن أبي مُوسَى وَفِي اللبَاس عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَفِي الْأَشْرِبَة أَيْضا عَن حَفْص بن عمر الحوضي، وَفِي اللبَاس أَيْضا عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَأخرجه مُسلم فِي الْأَطْعِمَة عَن أبي مُوسَى بِهِ وَعَن غَيرهم وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَشْرِبَة عَن حَفْص بن عمر بِهِ وَعَن غَيره وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن بنْدَار بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد وَفِي الْوَلِيمَة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بِهِ وَعَن غَيره. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَشْرِبَة عَن مُحَمَّد بن عبد الْملك وَفِي اللبَاس عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
قَوْله: (فَسَقَاهُ مَجُوسِيّ) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث عبد الله بن حَكِيم، قَالَ: كُنَّا مَعَ حُذَيْفَة بِالْمَدَائِنِ فاستسقي حُذَيْفَة فَجَاءَهُ دهقان بشراب فِي إِنَاء من فضَّة فَرَمَاهُ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَن ابْن أبي ليلى يحدث أَن حُذيفة استقى فَأَتَاهُ إِنْسَان بِإِنَاء من فضَّة فَرَمَاهُ بِهِ، وَقَالَ إِنِّي كنت نهيته فَأبى أَن يَنْتَهِي الحَدِيث. قَوْله: (رَمَاه بِهِ) أَي: رمى الْقدح بِالشرابِ أَو رمى الشَّرَاب بالقدح، وَلَيْسَ بإضمار قبل الذّكر لِأَن قَوْله: (فَاسْتَسْقَى فَسَقَاهُ) يدل عَلَيْهِ ويروى رمى بِهِ. قَوْله: (غير مرّة) أَي: لَوْلَا أَنِّي نهيته مرَارًا كَثِيرَة عَن اسْتِعْمَال آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة لما رميت بِهِ وَلَا اكتفيت بالزجر اللساني، لَكِن لما تكَرر النَّهْي بِاللِّسَانِ فَلم ينزجر رميت بِهِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ. قَوْله: (كَأَنَّهُ يَقُول) أَي: كَانَ حُذَيْفَة يَقُول: لم أفعل هَذَا أَي: الشّرْب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة، ثمَّ استدرك فِي بَيَان ذَلِك بقوله وَلَكِنِّي سَمِعت النَّبِي ﷺ إِلَى آخِره. قَوْله: (وَلَا الديباج) وَقَالَ ابْن الْأَثِير الديباج الثِّيَاب المتخذة من الإبريسم، فَارسي مُعرب، وَقد يفتح داله وَيجمع على: دبابج ودبايج، بِالْبَاء وَالْيَاء لِأَن أَصله دباج بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (فِي صحافها) جمع صَحْفَة وَهِي إِنَاء كالقصعة المبسوطة وَنَحْوهَا. وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الْفضة وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: صحافهما، وَهَذَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ (التَّوْبَة: ٣٤)
стр. 6260
فَإِذا علم حكم الْفضة يلْزم حكم الذَّهَب مِنْهُ بِالطَّرِيقِ الأولى. قَوْله: (لَهُم) أَي: للْكفَّار والسياق يدل عَلَيْهِ.
وَهَذَا الحَدِيث يدل على تَحْرِيم اسْتِعْمَال الْحَرِير والديباج وعَلى حُرْمَة الشّرْب وَالْأكل من إِنَاء الذَّهَب وَالْفِضَّة، وَذَلِكَ للنَّهْي الْمَذْكُور وَهُوَ نهي تَحْرِيم عِنْد كثير من الْمُتَقَدِّمين وَهُوَ قَول الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن النَّهْي فِيهِ كَرَاهَة تَنْزِيه فِي قَوْله الْقَدِيم حَكَاهُ أَبُو عَليّ السنجي من رِوَايَة حَرْمَلَة.
٣٠ - (بَابٌ: ﴿ذِكْرِ الطَعَّامِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر الطَّعَام قيل: لَا فَائِدَة فِي مَوضِع هَذِه التَّرْجَمَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إلَاّ مُجَرّد ذكر الطَّعَام، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) مَا ملخص كَلَامه إِن مَعْنَاهَا إِبَاحَة أكل الطَّعَام الطّيب وَكَرَاهَة أكل المر، وَأَن الزّهْد لَيْسَ فِي خلاف ذَلِك لِأَن فِي حَدِيث الْبَاب تَشْبِيه الْمُؤمن الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن بالأترجة الَّتِي طعمها طيب وريحها طيب وَالَّذِي لَا يَقْرَؤُهُ بالتمرة طعمها حُلْو وَلَا ريح لَهَا، وَشبه الْمُنَافِق بالحنظلة والريحانة اللَّتَيْنِ طعمهما مر وَذَلِكَ غَايَة الذَّم للطعام المر.
٥٤٢٧ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أنَسٍ عَنْ أبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ رِيحُها طَيِّبٌ وَطَعْمُها طَيِّبٌ وَمَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ النَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَها وَطَعْمُها حُلْوٌ وَمَثَلُ المُنافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ رِيحُها طَيِّبٌ وَطَعْمُها مُر، وَمَثَلُ المُنافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعمُها مُرٌّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ ذكر لفظ الطّعْم بالتكرار، وَأَبُو عوَانَة الوضاح الْيَشْكُرِي، وَأَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ. وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ.
والْحَدِيث قد مر فِي فَضَائِل الْقُرْآن فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن هدبة بن خَالِد عَن همام عَن قَتَادَة عَن أنس عَن أبي مُوسَى.
قَوْله: (كالأترجة) بِالْإِدْغَامِ ويروى: كالأترنجة. فَإِن قلت: ذكر هُنَاكَ: مثل الْمُؤمن الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن وَيعْمل بِهِ، وَلم يذكر هُنَا. قلت: الْمَقْصُود الْفرق بَين من يقْرَأ وَبَين من لَا يقْرَأ لَا. بَيَان حكم الْعَمَل، مَعَ أَن الْعَمَل لَازم لِلْمُؤمنِ الْكَامِل سَوَاء ذكر أم لَا. وَقَالَ هُنَاكَ: كالحنظلة رِيحهَا مر. وَهنا قَالَ: لَا ريح لَهَا، فَاثْبتْ الرّيح هُنَاكَ وَنفى هُنَا لِأَن الْمَنْفِيّ الرّيح الطّيبَة بِقَرِينَة الْمقَام والمثبت المر.
٥٤٢٨ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا خَالِدٌ عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ أنَسٍ عَنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: الطَّعَام، وخَالِد هُوَ ابْن عبد الله الطَّحَّان الوَاسِطِيّ من الصَّالِحين، وَعبد الله بن عبد الرَّحْمَن المكني بِأبي طوالة، والْحَدِيث مر عَن قريب فِي: بَاب الثَّرِيد.
٥٤٢٩ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا مَالِكٌ عَنْ سُمّي عَنْ أبِي صَالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ يَمْنَعُ أحَدَكُمْ: نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ، فَإذَا قَضَى نَهْمَتُهُ مِنْ وَجْهِهِ فَلَيُعَجِّلْ إلَى أهْلِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: ﴿وَطَعَامه﴾ وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وسمى، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم الْمَفْتُوحَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف مولى أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي، وَأَبُو صَالح ذكْوَان السمان.
والْحَدِيث قد مر فِي الْحَج عَن القعني، وَفِي الْجِهَاد عَن عبد الله بن يُوسُف، وَهَذَا الحَدِيث تفرد بِهِ مَالك عَن سمي عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: مَا لأهل الْعرَاق يسْأَلُون عَن هَذَا الحَدِيث، قيل: لِأَنَّك انْفَرَدت بِهِ. قَالَ: لَو علمت أَنِّي انْفَرَدت بِهِ مَا حدثت بِهِ. قَوْله: (نهمته) ، بِفَتْح النُّون وَضمّهَا وَكسرهَا: بُلُوغ الهمة فِي الشَّيْء. قَوْله: (من وَجهه) ، أَي: من جِهَة سَفَره.
стр. 6261
٣١ - (بَابُ: ﴿الأُُدُمِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر الْأدم، بِضَم الْهمزَة وَالدَّال الْمُهْملَة وَيجوز إسكانها، وَهُوَ جمع أدام، وَقيل: هُوَ بالإسكان الْمُفْرد وبالضم الْجمع.
٥٤٣٠ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا إسْماعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عَنْ رَبِيعَةَ أنَّهُ سَمِعَ القَاسِمَ بنَ مُحَمَّد يَقُولُ: كَانَ فِي بُرَيْرَةَ ثَلاثُ سُنَنٍ، أرَادَتْ عَائِشَةُ أنْ تَشْتَرِيها فَتُعْتِقَها فَقَال أهْلُها: وَلَنا الوَلاءُ فَذَكَرَتْ ذالِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ: لَوْ شِئْتِ شَرَطْتِيهِ لَهُمْ فَإنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ. قَالَ: وَأُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي أنْ تَقِرَّ تَحْتَ زَوْجِها أوْ تُفَارِقَهُ، وَدَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ ، يَوْما بَيْتَ عَائِشَةَ وَعَلَى النَّارِ بُرْمَة تَفُورُ فَدَعَا بِالْغَدَاءِ فَأُتِيَ بِخُبْزٍ وَأُدْمٍ مِنْ أُدْمِ البَيْتِ، فَقَالَ: ألَمْ أرَ لَحْما؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، وَلاكِنَّهُ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَريرَةَ فَأهْدَتْهُ لَنَا فَقَالَ: هُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا وَهَدِيَّةٌ لَنَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وأدم من أَدَم الْبَيْت) وَرَبِيعَة، بِفَتْح الرَّاء هُوَ الْمَشْهُور بربيعة الرَّأْي، وَالقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق.
وَمر هَذَا الحَدِيث أَكثر من عشْرين مرّة وَهُوَ هَاهُنَا مُرْسل لِأَنَّهُ لم يسند فِيهِ إِلَى عَائِشَة وَلَكِن البُخَارِيّ اعْتمد على إِيرَاده وصُولا من طَرِيق مَالك عَن ربيعَة عَن الْقَاسِم عَن عَائِشَة كَمَا مر فِي النِّكَاح وَالطَّلَاق.
قَوْله: (وَلنَا الْوَلَاء) ، الْوَاو لَا تدخل بَين القَوْل وَالْمقول لَكِن هَذَا عطف على مُقَدّر أَي: قَالَ أَهلهَا: نبيعها وَلنَا الْوَلَاء. قَوْله: (شرطتيه) ، الْيَاء فِيهِ حَاصِلَة من إشباع الكسرة وَهُوَ جَوَاب: لَو، قيل: فِي اشْتِرَاط الْوَلَاء لَهُم صُورَة مخادعة مَعَ أَنه شَرط مُفسد، وَأجِيب بِأَن هَذَا من خَصَائِص عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَو المُرَاد التوبيخ لِأَنَّهُ كَانَ بيَّن لَهُم حكم الْوَلَاء وَأَن هَذَا الشَّرْط لَا يحل فَلَمَّا ألحُّوا فِي اشْتِرَاطه فَقَالَ لَهَا: لَا تبالي سَوَاء شرطتيه أم لَا فَإِنَّهُ شَرط بَاطِل، وَقيل: فِي الرِّوَايَة الَّتِي جَاءَت فِيهِ اشترطي لَهُم الْوَلَاء أَن اللَّام بِمَعْنى: على، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن أسأتم فلهَا﴾ (الْإِسْرَاء: ٧) قَوْله: (فِي أَن تقر) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتحهَا.
٣٢ - (بَابُ: ﴿الحَلْوَاءِ وَالعَسَلِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر الْحَلْوَاء وَالْعَسَل، والحلواء عِنْد الْأَصْمَعِي مَقْصُور يكْتب بِالْيَاءِ وَعند الْفراء مَمْدُود، وكل مَمْدُود يكْتب بِالْألف، وَقيل: يمد وَيقصر، وَقَالَ اللَّيْث: هُوَ مَمْدُود عِنْد أَكْثَرهم، وَهُوَ كل حُلْو يُؤْكَل وَقَالَ الْخطابِيّ: اسْم الْحَلْوَاء لَا يَقع إلَاّ على مَا دَخلته الصَّنْعَة. وَفِي (الْمُخَصّص) لِابْنِ سَيّده. هُوَ كل مَا عولج من الطَّعَام بحلاوة، وَهُوَ أَيْضا الْفَاكِهَة.
٥٤٣١ - حدَّثني إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ عَنْ أبِي أُسَامَةَ عَنْ هِشامٍ قَالَ: أخْبَرَنِي أبِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُحِبُّ الحَلْوَاءَ وَالعَسَلَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْحَاق هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه، والحنظلي نِسْبَة إِلَى حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد بن منات بن تَمِيم بطن عامتهم بِالْبَصْرَةِ وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا مَاتَ بنيسابور سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام بن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَشْرِبَة عَن عبد الله بن أبي شيبَة وَفِيه وَفِي الطِّبّ عَن عَليّ بن عبد الله، وَفِي ترك الْحِيَل عَن عبيد بن إِسْمَاعِيل الْكل عَن أبي أُسَامَة وَأخرجه مُسلم فِي الطَّلَاق عَن أبي كريب وَهَارُون بن عبد الله. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَشْرِبَة عَن الْحسن بن عَليّ الْخلال عَن أبي أُسَامَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَطْعِمَة عَن سَلمَة بن شبيب وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَفِي الطِّبّ عَن عبيد الله بن سعيد وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَطْعِمَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَغَيره.
قَوْله: (يحب الْحَلْوَاء) ، قَالَ ابْن بطال: الْحَلْوَى وَالْعَسَل من جملَة الطَّيِّبَات الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كلوا من الطَّيِّبَات﴾ وَفِيه تَقْوِيَة لقَوْل من قَالَ: المُرَاد بِهِ المستلذ من الْمُبَاحَات، وَدخل فِي معنى هَذَا الحَدِيث كل مَا شابه الْحَلْوَى وَالْعَسَل من أَنْوَاع المآكل اللذيذة،
стр. 6262
وَقَالَ الْخطابِيّ: لم يكن حبه، ﷺ ، لَهَا على معنى كَثْرَة التشهي لَهَا وَشدَّة نزاع النَّفس إِلَيْهَا، وَإِنَّمَا كَانَ يتَنَاوَل مِنْهَا إِذا حضرت إِلَيْهِ نيلاً صَالحا فَيعلم بذلك أَنَّهَا تعجبه.
٥٤٣٢ - حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ شَيْبَةَ قَالَ: أخْبَرَنِي ابنُ أبِي الفُدَيْكِ عَنِ ابنِ أبِي ذُؤَيْبٍ عَنِ المَقْبُرِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: كُنْتُ ألْزَمُ النبيِّ ﷺ لِشبَع بَطْنِي حِينَ لَا آكُلُ الخَمِيرَ وَلا ألْبَسُ الحَرِيرَ وَلا يَخدُّمُنِي فُلان وَلا فُلانَةُ. وَأُلْصِقُ بَطْنِي بُالحَصْبَاءِ وَأسْتَقْرِىءُ الرَّجُلَ الآيَةَ وَهِيَ مَعِي كَيْ يَنْقَلِبَ بِي فَيُطْعِمَنِي، وَخَيْرُ النَّاسِ لِلْمَسَاكِينِ جَعْفَرُ بنُ أبِي طَالِبٍ يَنْقَلِبُ بِنَا فَيُطْعِمُنا مَا كَانَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى إنْ كَانَ لَيُخْرِجُ إلَيْنَا العُكَةَ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ فَنَشْتَقُّها فَنَلْعَقُ مَا فِيها.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (العكة) لِأَن الْغَالِب يكون الْعَسَل فِيهَا، على أَنه جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي بعض طرقه.
وَعبد الرَّحْمَن بن شيبَة هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عبد الْملك بن مُحَمَّد بن شيبَة أَبُو بكر الْقرشِي الخزامي بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمدنِي وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى جد أَبِيه، وَقد غلط بَعضهم فَقَالَ: عبد الرَّحْمَن بن أبي شيبَة وَزَاد لَفظه أبي وَمَا لعبد الرَّحْمَن هَذَا فِي البُخَارِيّ إلَاّ فِي موضِعين أَحدهمَا: هَذَا، وَابْن أبي فديك هُوَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن أبي فديك بِضَم الْفَاء مصغر فدك بِالْفَاءِ وَالدَّال الْمُهْملَة وَالْكَاف ويروى ابْن أبي الفديك بِالْألف وَاللَّام، وَابْن أبي ذِئْب مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب بِكَسْر الذَّال بِلَفْظ الْحَيَوَان الْمَشْهُور والمقبري، هُوَ سعيد بن أبي سعيد وَقد مر عَن قريب.
والْحَدِيث قد مضى فِي مَنَاقِب جَعْفَر بن أبي طَالب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (لشبع بَطْني) أَي: لأجل شبع بَطْني، والشبع بِكَسْر الشين وَفتح الْبَاء وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بشبع بَطْني، أَي: بِسَبَب شبع بَطْني، ويروى ليشبع بَطْني بِصِيغَة الْمَجْهُول وَاللَّام فِيهِ للتَّعْلِيل. قَوْله: (الخمير) بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الْمِيم الخمير والخميرة الَّتِي تجْعَل فِي الْخبز، يُقَال: عِنْدِي خبز خمير أَي: خبز بائت. قَوْله: (وَلَا ألبس الْحَرِير) ، براءين كَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني وبالياء الْمُوَحدَة بدل الرَّاء الأولى فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ والقابسي وعبدوس، وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْحَمَوِيّ، وَرجح عِيَاض الرِّوَايَة بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَقَالَ: هُوَ الثَّوْب المحبر وَهُوَ المزين الملون مَأْخُوذ من التحبير، وَهُوَ التحسين. وَقيل: الحبير ثوب وشي مخطط، وَقيل: الْجَدِيد. قَوْله: (وَلَا يخدمني فلَان وَلَا فُلَانَة) ، هما كنايتان عَن الْخَادِم والخادمة. قَوْله: (وَهِي معي) ، أَي: تِلْكَ الْآيَة محفوظي وَفِي خاطري. لَكِن استقرىء أَي: أطلب الْقِرَاءَة من الرجل حَتَّى يوديني إِلَى بَيته فيطعمني قَوْله: (فنشتفها) ضَبطه عِيَاض بالشين الْمُعْجَمَة وَالْفَاء، وَقَالَ ابْن التِّين بِالْقَافِ وَهُوَ الْأَظْهر لِأَن معنى الَّذِي بِالْفَاءِ أَن نشرب مَا فِي الْإِنَاء وَالَّذِي بِالْقَافِ أَن نشق العكة حَتَّى يلعقوها.
٣٣ - (بَابُ: ﴿الدُّبَّاءِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر الدُّبَّاء، وَقد مر تَفْسِيره، وَيحْتَمل أَن يكون وضع هَذِه التَّرْجَمَة إِشَارَة إِلَى أَن الدُّبَّاء لَهَا خاصية تخْتَص بهَا فَلذَلِك كَانَ النَّبِي ﷺ يُحِبهَا، وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث وَاثِلَة، قَالَ رَسُول الله ﷺ : عَلَيْكُم بالقرع فَإِنَّهُ يزِيد فِي الدِّمَاغ، وَفِي (فَوَائِد الشَّافِعِي) ﵀ من حَدِيث عَائِشَة، قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : إِذا طبخت فأكثري فِيهِ الدُّبَّاء فَإِنَّهُ يشد قلب الحزين، وَقَالَ شَيخنَا: وَفِي بعض طرق حَدِيث أنس أَنه يُرِيد فِي الْعقل وَفِي بعض طرق حَدِيث أنس فِي (مُسْند الإِمَام أَحْمد) أَن القرع كَانَ أحب الطَّعَام إِلَى رَسُول الله ﷺ .
٥٤٣٣ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ حدَّثنا أزْهَرُ بنُ سَعْدٍ عَنِ ابنِ عَوْنٍ عَنْ ثُمَامَةَ بنِ أنَسٍ عَنْ أنَسٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ أتَى مَوْلَى لهُ خَيَّاطا فَأُتِيَ بِدُبَّاءٍ فَجَعَلَ يَأكُلُهُ فَلَمْ أزَلْ أُحِبُّهُ مِنْذُ رَأيْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، يَأْكُلُهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعَمْرو بن عَليّ بن بَحر أَبُو حَفْص الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ الصير فِي، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وأزهر بن سعد الْبَاهِلِيّ
стр. 6263
السمان الْبَصْرِيّ، وَأَبُو عون هُوَ عبد الله بن عون، وثمامة بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الميمين ابْن عبد الله بن أنس يروي عَن جده أنس.
وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الْأَطْعِمَة فِي بَاب من تتبع حوالي الْقِصَّة وَمر أَيْضا فِي الْبيُوع فِي: بَاب ذكر الْخياط، وَفِيه رِوَايَات فِي رِوَايَة بَاب ذكر الْخياط أَن خياطا دَعَا رَسُول الله ﷺ . وَفِيه: قرّب خبز أَو مرقا فِيهِ دياء، وقديد، وَفِي: بَاب من تتبع حوالي الْقِصَّة: أَن خياطا دَعَا رَسُول الله ﷺ وَفِيه ذكر الدياء فَقَط. وَفِي حَدِيث الْبَاب أَن مولى لَهُ خياط، وَلَا مُنَافَاة بَين هَذِه الرِّوَايَات لِأَن الثِّقَة إِذا زَاد يقبل، وَقَالَ الدَّاودِيّ: وَجه ذَلِك أَنهم كَانُوا لَا يَكْتُبُونَ فَرُبمَا أغفل الرَّاوِي عِنْد التحديث كلمة.
٣٤ - (بَابُ: ﴿الرَّجُلِ يَتَكَلَّفُ الطَّعامَ لإِخْوَانِهِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان: حَال الرجل الَّذِي يتَكَلَّف الطَّعَام لإخوانه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَجه التَّكَلُّف فِي حَدِيث الْبَاب أَنه حصر الْعدَد والحاصر متكلف قلت: لِأَنَّهُ ألزم نَفسه بِعَدَد معِين، وَهَذَا تكلّف لاحْتِمَال الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان.
٥٤٣٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أبِي وَائِلٍ عَنْ أبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ. قَالَ: كَانَ مِنَ الأنْصَارِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أبُو شُعَيْبٍ، وَكَانَ لَهُ غُلامٌ لَحَّامٌ، فَقَالَ: اصْنَعْ لِي طَعاما أدْعُو رَسُولَ الله ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَدَعا رَسُولَ الله ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ النبيُّ ﷺ : إنَّكَ دَعَوْتَنَا خَامِسَ خَمْسَةٍ، وَهاذا رَجُلٌ قَدْ تَبِعَنا فَإنْ شِئْتَ أذَنْتَ لَهُ وَإنْ شِئْتَ تَرَكْتَهُ، قَالَ: بَلْ أذِنْتُ لَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة، تُؤْخَذ من قَوْله: (أَدْعُو رَسُول الله ﷺ خَامِس خَمْسَة) وَقد ذكرنَا أَنه تكلّف حَيْثُ حصر الْعدَد.
وَمُحَمّد ابْن يُوسُف هُوَ أَبُو أَحْمد البُخَارِيّ البيكندي، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَأَبُو مَسْعُود عقبَة بن عمر والأنصاري البدري.
والْحَدِيث قد مر فِي الْبيُوع فِي: بَاب مَا قيل فِي اللحام والجزار، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه عَن الْأَعْمَش عَن شَقِيق عَن أبي مَسْعُود إِلَى آخِره، وَفِي الْمَظَالِم أَيْضا عَن أبي النُّعْمَان، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (اللحام) ، أَي: بياع اللَّحْم، وَتقدم فِي الْبيُوع بِلَفْظ: قصاب. قَوْله: (خَامِس خَمْسَة) ، مَعْنَاهُ: ادعو أَرْبَعَة أنفس وَيكون النَّبِي ﷺ خامسهم، يُقَال: خَامِس أَرْبَعَة وخامس خَمْسَة بِمَعْنى وَاحِد، وَفِي الْحَقِيقَة يكون الْمَعْنى الْخَامِس مصير الْأَرْبَعَة خَمْسَة، وانتصاب خَامِس على الْحَال وَيجوز الرّفْع تَقْدِير: ادعو رَسُول الله ﷺ وَهُوَ خَامِس خَمْسَة، وَالْجُمْلَة أَيْضا تكون حَالا، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن الْأَعْمَش: اصْنَع لنا طَعَاما لخمسة نفر. قَوْله: (فَتَبِعهُمْ رجل) ، وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة عَن الْأَعْمَش، فاتبعهم، بتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق بِمَعْنى: تَبِعَهُمْ، وَفِي رِوَايَة حَفْص بن غياث فجَاء مَعَهم رجل.
وَمثل هَذَا الرجل الَّذِي يتبع بِلَا دَعْوَة يُسمى طفيليا مَنْسُوبا إِلَى رجل من أهل الْكُوفَة يُقَال لَهُ: طفيل من بني عبد الله بن غطفان كَانَ يَأْتِي الولائم من غير أَن يدعى إِلَيْهَا، وَكَانَ يُقَال لَهُ: طفيل الأعراس، وَهَذِه الشُّهْرَة إِنَّمَا اشْتهر بهَا من كَانَ بِهَذِهِ الصّفة بعد الطُّفَيْل الْمَذْكُور. وَأما شهرته عِنْد الْعَرَب قَدِيما فَكَانُوا يسمونه: الوارش، بالشين الْمُعْجَمَة هَذَا إِذا دخل لطعام لم يدع إِلَيْهِ، فَإِن دخل لشراب لم يدع إِلَيْهِ يسمونه الواغل بالغين الْمُعْجَمَة.
قَوْله: (وَهَذَا رجل قد تبعنا) وَفِي رِوَايَة جرير وَأبي عوَانَة اتَّبعنَا، بِالتَّشْدِيدِ وَفِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة لم يكن مَعنا حِين دَعوتنَا.
قَوْله: (فَإِن شِئْت أَذِنت لَهُ) الخ وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة. فَإِن شِئْت أَن يرجع رَجَعَ، وَفِي رِوَايَة جرير، وَإِن شِئْت رَجَعَ، وَفِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة: أَنه اتَّبعنَا وَلم يكن مَعنا حِين دَعوتنَا فَإِن أَذِنت لَهُ دخل. قَوْله: (بل أَذِنت لَهُ) وَفِي رِوَايَة أبي أُسَامَة لَا بَلْ أَذِنت لَهُ وَفِي رِوَايَة جرير لَا بل ائْذَنْ لَهُ يَا رَسُول الله وَفِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة فقد أذنا لَهُ فَلْيدْخلْ.
وَفِيه فَوَائِد كَثِيرَة: قد ذَكرنَاهَا فِي بَاب مَا قيل فِي اللحام فِي كتاب الْبيُوع. فَإِن قلت: كَيفَ اسْتَأْذن النَّبِي، ﷺ ، فِي هَذَا الحَدِيث على الرجل الَّذِي مَعَه، وَقَالَ فِي حَدِيث أبي طَلْحَة فِي (الصَّحِيح) لمن مَعَه. قومُوا؟ قلت: أُجِيب بأجوبة: الأول: أَنه علم من أبي طَلْحَة رِضَاهُ بذلك فَلم يسْتَأْذن وَلم يعلم رضَا أبي شُعَيْب فاستأذنه. الثَّانِي: أَن أكل الْقَوْم عِنْد
стр. 6264
أبي طَلْحَة مِمَّا خرق الله تَعَالَى بِهِ الْعَادة وبركة أحدثها الله ، لَا ملك لأبي طَلْحَة عَلَيْهَا فَإِنَّمَا أطْعمهُم مِمَّا لَا يملكهُ فَلم يفْتَقر إِلَى اسْتِئْذَان. الثَّالِث: بِأَن يُقَال: إِن الأقراص جَاءَ بهَا إِلَى النَّبِي ﷺ إِلَى مَسْجده ليأخذها مِنْهُ فَكَأَنَّهُ قبلهَا وَصَارَت ملكا لَهُ فَإِنَّمَا استدعى لطعام يملكهُ فَلَا يلْزمه أَن يسْتَأْذن فِي ملكه.
قَ الَ مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ إسْمَاعِيلَ يَقُولُ: إذَا كَانَ القَوْمُ عَلَى المَائِدَةِ لَيْسَ لَهُمْ أنْ يُنَاوِلوا مِنْ مَائِدَةٍ إلَى مَائِدَةٍ أُخْرَى، وَلاكِنْ يُنَاوِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضا فِي تِلْكَ المَائِدَةِ أوْ يَدَعُوا.
هَذَا لم يثبت فِي البُخَارِيّ إلَاّ عِنْد أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي وَحده، وَمُحَمّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ وَمُحَمّد بن إِسْمَاعِيل هُوَ البُخَارِيّ، وروى مُحَمَّد هَذَا عَن البُخَارِيّ نَفسه هَذَا الْكَلَام قَالَه البُخَارِيّ استنباطا من اسْتِئْذَان النَّبِي ﷺ الدَّاعِي فِي الرجل الطارىء، وَذَلِكَ أَن الَّذين دعوا لَهُم التَّصَرُّف فِي الطَّعَام الْمَدْعُو إِلَيْهِ بِخِلَاف من لم يدع فَافْهَم فَإِنَّهُ دَقِيق.
٥٤٣٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أبِي وَائِلٍ عَنْ أبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ. قَالَ: كَانَ مِنَ الأنْصَارِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أبُو شُعَيْبٍ، وَكَانَ لَهُ غُلامٌ لَحَّامٌ، فَقَالَ: اصْنَعْ لِي طَعاما أدْعُو رَسُولَ الله ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَدَعا رَسُولَ الله ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ النبيُّ ﷺ : إنَّكَ دَعَوْتَنَا خَامِسَ خَمْسَةٍ، وَهاذا رَجُلٌ قَدْ تَبِعَنا فَإنْ شِئْتَ أذَنْتَ لَهُ وَإنْ شِئْتَ تَرَكْتَهُ، قَالَ: بَلْ أذِنْتُ لَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة، تُؤْخَذ من قَوْله: (أَدْعُو رَسُول الله ﷺ خَامِس خَمْسَة) وَقد ذكرنَا أَنه تكلّف حَيْثُ حصر الْعدَد.
وَمُحَمّد ابْن يُوسُف هُوَ أَبُو أَحْمد البُخَارِيّ البيكندي، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَأَبُو مَسْعُود عقبَة بن عمر والأنصاري البدري.
والْحَدِيث قد مر فِي الْبيُوع فِي: بَاب مَا قيل فِي اللحام والجزار، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه عَن الْأَعْمَش عَن شَقِيق عَن أبي مَسْعُود إِلَى آخِره، وَفِي الْمَظَالِم أَيْضا عَن أبي النُّعْمَان، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (اللحام) ، أَي: بياع اللَّحْم، وَتقدم فِي الْبيُوع بِلَفْظ: قصاب. قَوْله: (خَامِس خَمْسَة) ، مَعْنَاهُ: ادعو أَرْبَعَة أنفس وَيكون النَّبِي ﷺ خامسهم، يُقَال: خَامِس أَرْبَعَة وخامس خَمْسَة بِمَعْنى وَاحِد، وَفِي الْحَقِيقَة يكون الْمَعْنى الْخَامِس مصير الْأَرْبَعَة خَمْسَة، وانتصاب خَامِس على الْحَال وَيجوز الرّفْع تَقْدِير: ادعو رَسُول الله ﷺ وَهُوَ خَامِس خَمْسَة، وَالْجُمْلَة أَيْضا تكون حَالا، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن الْأَعْمَش: اصْنَع لنا طَعَاما لخمسة نفر. قَوْله: (فَتَبِعهُمْ رجل) ، وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة عَن الْأَعْمَش، فاتبعهم، بتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق بِمَعْنى: تَبِعَهُمْ، وَفِي رِوَايَة حَفْص بن غياث فجَاء مَعَهم رجل.
وَمثل هَذَا الرجل الَّذِي يتبع بِلَا دَعْوَة يُسمى طفيليا مَنْسُوبا إِلَى رجل من أهل الْكُوفَة يُقَال لَهُ: طفيل من بني عبد الله بن غطفان كَانَ يَأْتِي الولائم من غير أَن يدعى إِلَيْهَا، وَكَانَ يُقَال لَهُ: طفيل الأعراس، وَهَذِه الشُّهْرَة إِنَّمَا اشْتهر بهَا من كَانَ بِهَذِهِ الصّفة بعد الطُّفَيْل الْمَذْكُور. وَأما شهرته عِنْد الْعَرَب قَدِيما فَكَانُوا يسمونه: الوارش، بالشين الْمُعْجَمَة هَذَا إِذا دخل لطعام لم يدع إِلَيْهِ، فَإِن دخل لشراب لم يدع إِلَيْهِ يسمونه الواغل بالغين الْمُعْجَمَة.
قَوْله: (وَهَذَا رجل قد تبعنا) وَفِي رِوَايَة جرير وَأبي عوَانَة اتَّبعنَا، بِالتَّشْدِيدِ وَفِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة لم يكن مَعنا حِين دَعوتنَا.
قَوْله: (فَإِن شِئْت أَذِنت لَهُ) الخ وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة. فَإِن شِئْت أَن يرجع رَجَعَ، وَفِي رِوَايَة جرير، وَإِن شِئْت رَجَعَ، وَفِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة: أَنه اتَّبعنَا وَلم يكن مَعنا حِين دَعوتنَا فَإِن أَذِنت لَهُ دخل. قَوْله: (بل أَذِنت لَهُ) وَفِي رِوَايَة أبي أُسَامَة لَا بَلْ أَذِنت لَهُ وَفِي رِوَايَة جرير لَا بل ائْذَنْ لَهُ يَا رَسُول الله وَفِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة فقد أذنا لَهُ فَلْيدْخلْ.
وَفِيه فَوَائِد كَثِيرَة: قد ذَكرنَاهَا فِي بَاب مَا قيل فِي اللحام فِي كتاب الْبيُوع. فَإِن قلت: كَيفَ اسْتَأْذن النَّبِي، ﷺ ، فِي هَذَا الحَدِيث على الرجل الَّذِي مَعَه، وَقَالَ فِي حَدِيث أبي طَلْحَة فِي (الصَّحِيح) لمن مَعَه. قومُوا؟ قلت: أُجِيب بأجوبة: الأول: أَنه علم من أبي طَلْحَة رِضَاهُ بذلك فَلم يسْتَأْذن وَلم يعلم رضَا أبي شُعَيْب فاستأذنه. الثَّانِي: أَن أكل الْقَوْم عِنْد أبي طَلْحَة مِمَّا خرق الله تَعَالَى بِهِ الْعَادة وبركة أحدثها الله ، لَا ملك لأبي طَلْحَة عَلَيْهَا فَإِنَّمَا أطْعمهُم مِمَّا لَا يملكهُ فَلم يفْتَقر إِلَى اسْتِئْذَان. الثَّالِث: بِأَن يُقَال: إِن الأقراص جَاءَ بهَا إِلَى النَّبِي ﷺ إِلَى مَسْجده ليأخذها مِنْهُ فَكَأَنَّهُ قبلهَا وَصَارَت ملكا لَهُ فَإِنَّمَا استدعى لطعام يملكهُ فَلَا يلْزمه أَن يسْتَأْذن فِي ملكه.
قَ الَ مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ إسْمَاعِيلَ يَقُولُ: إذَا كَانَ القَوْمُ عَلَى المَائِدَةِ لَيْسَ لَهُمْ أنْ يُنَاوِلوا مِنْ مَائِدَةٍ إلَى مَائِدَةٍ أُخْرَى، وَلاكِنْ يُنَاوِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضا فِي تِلْكَ المَائِدَةِ أوْ يَدَعُوا.
هَذَا لم يثبت فِي البُخَارِيّ إلَاّ عِنْد أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي وَحده، وَمُحَمّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ وَمُحَمّد بن إِسْمَاعِيل هُوَ البُخَارِيّ، وروى مُحَمَّد هَذَا عَن البُخَارِيّ نَفسه هَذَا الْكَلَام قَالَه البُخَارِيّ استنباطا من اسْتِئْذَان النَّبِي ﷺ الدَّاعِي فِي الرجل الطارىء، وَذَلِكَ أَن الَّذين دعوا لَهُم التَّصَرُّف فِي الطَّعَام الْمَدْعُو إِلَيْهِ بِخِلَاف من لم يدع فَافْهَم فَإِنَّهُ دَقِيق.
٣٥ - (بَابُ: ﴿مَنْ أضَافَ رَجُلاً إلَى طَعَامٍ وَأَُقْبَلَ هُوَ عَلَى عَمَلِهِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال من أضَاف رجلا إِلَى طَعَام لَا يتَعَيَّن عَلَيْهِ أَن يَأْكُل مَعَ الْمَدْعُو بل لَهُ أَن يقبل على عمله وَيتْرك الْمَدْعُو يشْتَغل بِمَا قدمه إِلَيْهِ.
٥٤٣٥ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُنِيرٍ سَمِعَ النَّضْرَ أخْبَرنا ابنُ عَوْنٍ قَالَ: أخْبَرَنِي ثَمَامَةُ بنُ عَبْدِ الله بنِ أنَسٍ عَنْ أنَسٍ، ﵁، قَالَ: كُنْتُ غُلاما أمْشِي مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَدَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ ، عَلَى غُلامٍ لَهُ خَيَّاطٍ، فَأتاهُ بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَام وَعَلَيْهِ دُبَّاءٌ فَجَعَلَ رسولُ الله ﷺ ، يَتَتَبَّعُ الدُّبَاءَ قَالَ: فَلَمَّا رَأيْتُ ذالِكَ جَعَلْتُ أجْمَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ: فَأقْبَلَ الغُلامُ عَلَى عَمَلِهِ، قَالَ أنَسٌ: لَا أزَالُ أُحِبُّ الدُّبَاءَ بَعْدَ مَا رَأيْتُ رَسُولَ الله ﷺ صَنَعَ مَا صَنَعَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْغُلَام لما وضع الْقَصعَة بَين يَدي النَّبِي ﷺ ، واشتغل النَّبِي ﷺ ، يتتبعُ الدُّبَّاء مِنْهَا أقبل الْغُلَام على عمله، وَقَالَ ابْن بطال: لَا أعلم فِي اشْتِرَاط أكل الدَّاعِي مَعَ الضَّيْف إلَاّ أَنه أبسط لوجهه وأذهب لاحتشامه، فَمن فعل فَهُوَ أبلغ فِي قرى الضَّيْف، وَمن ترك فَهُوَ جَائِز.
وَعبد الله بن مُنِير بِضَم الْمِيم على وزن اسْم فَاعل من أنار، وَالنضْر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن شُمَيْل، يروي عَن عبد الله بن عون، وثمامة بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الْمِيم وَكلهمْ قد ذكرُوا عَن قريب.
والْحَدِيث أَيْضا قد مر فِي: بَاب الثَّرِيد، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٣٦ - (بَابُ: ﴿المَرَقِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر المرق، وَترْجم بِهِ إِشَارَة إِلَى أَن لَهُ فضلا على الطَّعَام الثخين، وَلِهَذَا كَانَ السّلف يَأْكُلُون الطَّعَام الممرق، وَفِي مُسلم من حَدِيث أبي ذَر، رَفعه: إِذا طبخت قدرا فَأكْثر مرقها. وَفِيه: فليطعم جِيرَانه، وَقد أَمر النَّبِي ﷺ ، بإكثار المرق بِقصد التَّوسعَة على الْجِيرَان وَأهل الْبَيْت والفقراء وَالْأَمر فِيهِ مَحْمُول على النّدب، وَقد روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَلْقَمَة بن عبد الله الْمُزنِيّ عَن أَبِيه. قَالَ: قَالَ النَّبِي، ﷺ : (إِذا اشْترى أحدكُم لَحْمًا فليكثر مرقته فَإِن لم يجد لَحْمًا أصَاب مرقة) وَهُوَ أحد اللحمين. وروى أَيْضا من حَدِيث أبي ذَر مَرْفُوعا. وَفِيه: إِذا اشْتريت لَحْمًا أَو طبخت قدرا فَأكْثر مرقته وأغرف لجارك مِنْهُ.
٥٤٣٦ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مَالِكٍ أنَّ خيَّاطا دعَا النبيَّ ﷺ ، لِطَعامٍ صَنَعَهُ، فَذَهَبْتُ مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ
стр. 6265
وَسلم، فَقَرَّبَ خُبْزَ شَعِيرٍ وَمَرَقا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ رَأيْتُ النبيُّ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالِي القَصْعَةِ فَلَمْ أزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ بَعْدَ يَوْمَئِذٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ومرقا فِيهِ دباء) والْحَدِيث مر فِي الْأَطْعِمَة فِي: بَاب من تتبع حوالي الْقَصعَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن قُتَيْبَة عَن مَالك إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٣٧ - (بَابُ: ﴿القَدِيدِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر اللَّحْم القديد وَترْجم بِهِ إِشَارَة إِلَى أَن القديد من طَعَام النَّبِي ﷺ وَطَعَام السّلف.
٥٤٣٨ - حدَّثنا قَبِيصَةُ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَابِسٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: مَا فَعَلَهُ إلَاّ فِي عَام جاعَ النَّاسُ أرَادَ أنْ يُطْعِمَ الغَنِيُّ الفَقِيرَ، وَإنْ كُنَّا لَنَرْفَعُ الكُرَاعَ بَعْدَ خَمْسَ عَشَرَةَ وَمَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ خُبْز بُرٍّ مَأْدُومٍ ثَلاثا.
هَذَا حَدِيث مُخْتَصر من حَدِيث عَائِشَة الْمَاضِي فِي: بَاب مَا كَانَ السّلف يدخرون، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن خَلاد بن يحيى عَن سُفْيَان وَهنا أخرجه عَن قبيصَة بن عقبَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ إِلَى آخِره وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر هَذَا هُنَاكَ وَلَا وَجه لذكره هَاهُنَا.
قَوْله: (مَا فعله) ، الضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى النَّهْي الدَّال عَلَيْهِ. قَوْله: فِي أول الحَدِيث الْمَذْكُور فِي: بَاب مَا كَانَ السّلف يدخرون، قلت لعَائِشَة: أنهى النَّبِي ﷺ أَن يُؤْكَل لُحُوم الْأَضَاحِي فرق ثَلَاث؟ قَالَت عَائِشَة: مَا فعله إلَاّ فِي عَام جَاع النَّاس فِيهِ.
٣٨ - (بَابُ: ﴿مَنْ نَاوَلَ أوْ قَدَّمَ إلَى صَاحِبِهِ عَلَى المَائِدَةِ شَيْئا﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من ناول إِلَى صَاحبه أَو قدم إِلَيْهِ شَيْئا، وَالْحَال أَنَّهُمَا على الْمَائِدَة، ويوضح هَذَا الَّذِي ذكره عَن ابْن الْمُبَارك حَيْثُ قَالَ.
وَقَالَ ابنُ المُبَارَكِ: لَا بَأْسَ أنْ يُناوِلَ بَعْضُهُمْ بَعْضا، وَلا يُنَاوِلُ مِنْ هاذِهِ المَائِدَةِ إلَى مَائِدَةٍ أُخْرَى.
أَي: قَالَ عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي إِلَى آخِره، أما جَوَاز مناولة بَعضهم بَعْضًا فِي مائدة وَاحِدَة فَلِأَن الطَّعَام قدم لَهُم بأعيانهم وهم شُرَكَاء فِيهِ، فَإِذا ناول وَاحِد مِنْهُم صَاحبه مِمَّا بَين يَدَيْهِ فَكَأَنَّهُ آثره بِنَصِيبِهِ مَعَ مَاله فِيهِ مَعَه من الْمُشَاركَة، وَأما منع ذَلِك من مائدة إِلَى مائدة أُخْرَى فلعدم مُشَاركَة من كَانَ فِي الْمَائِدَة الْأُخْرَى لمن كَانَ فِي الْمَائِدَة الأولى، والمناول فِيهِ، وَإِن كَانَ لَهُ حق فِيهَا بَين يَدَيْهِ وَلَكِن لَا حق للْآخر فِيهِ فِي تنَاوله مِنْهُ إِذْ لَا شركَة لَهُ فِيهِ.
٥٤٣٩ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ: حدَّثني مَالِكٌ عَنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنَ مَالِكَ يَقُولُ: إنَّ خَيَّاطا دَعَا رَسُولَ الله ﷺ ، لِطعَامٍ صَنَعَهُ. قَالَ أنَسٌ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسولِ الله ﷺ ، إلَى ذالِكَ الطَّعَامِ فَقَرَّبَ إلَى رَسُولِ الله ﷺ ، خُبْزا مِنْ شَعِيرٍ وَمَرَقا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ، قَالَ أنَسٌ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِن حَوْلِ القَصعَةِ فَلَمْ أزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمَئِذٍ.
(وَقَالَ ثُمَامَةُ عَنْ أنَسٍ: فَجَعَلْتُ أجْمَعُ الدُّبَّاءَ بَيْنَ يَدَيْهِ) .
هَذَا حَدِيث قد تقدم قبل هَذَا الْبَاب بِبَاب، وَهُوَ: بَاب المرق، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن مسلمة القعني عَن مَالك وَهنا أخرجه عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن مَالك، وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر هَذَا هُنَاكَ، وَلَا وَجه لإيراده هَاهُنَا وَلَقَد تكلّف
стр. 6266
بَعضهم فِي بَيَان الْمُطَابقَة بقوله: لَا فرق بَين أَن يناوله من إِنَاء إِلَى إِنَاء أَو يضم ذَلِك إِلَيْهِ فِي نفس الْإِنَاء الَّذِي يَأْكُل مِنْهُ أَخذ ذَلِك من قَول ثُمَامَة: (فَجعلت أجمع الدُّبَّاء بَين يَدَيْهِ) قلت: هَذَا فِيهِ بعد عَظِيم لِأَن الْإِنَاء الَّذِي يَأْكُل مِنْهُ لَهُ حق شَائِع فِيمَا فِي هَذَا الْإِنَاء بِخِلَاف الْإِنَاء الآخر الَّذِي لَا يَأْكُل مِنْهُ.
٣٩ - (بابُ: ﴿الرُّطَبِ بِالْقِثَاءِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أكل الرطب بالقثاء، وَأَرَادَ بهالجمع بَينهمَا فِي حَالَة الْأكل، القثاء مَمْدُود وَفِي ضم الْقَاف وَكسرهَا لُغَتَانِ، وَقَرَأَ يحيى بن وثاب وَطَلْحَة بن مصرف، وقثائها بِضَم الْقَاف وَقَالَ أَبُو نصر: القثاء الْخِيَار وَفِي (الْمُنْتَهى) لأبي الْمَعَالِي: القثاء الشعرور عِنْد من جعله فعلا من قث، وَعند ابْن ولاد: هُوَ بِالْكَسْرِ وَالضَّم مَمْدُود، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: ذكر بعض الروَاة أَنه يُقَال للقثاء القشعر بلغَة أهل الجون من الْيمن، الْوَاحِدَة قشعرة، قَالَ: أَحْسبهُ الجون من مُرَاد.
٥٤٤٠ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ: حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ جَعْفَر بنِ أبِي طَالِبٍ، ﵄، قَالَ: رَأيْتُ النَّبِي ﷺ يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالقِثَّاءِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأما على النُّسْخَة الَّتِي وَقع فِيهَا: بَاب القثاء بالرطب فوجهها أَن الْبَاء للمصاحبة وكل مِنْهُمَا مصاحب للْآخر أَو للملاصقة وَقد وَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ على وفْق لفظ الحَدِيث كَمَا وَقع فِي نسختنا هَذِه.
وَإِبْرَاهِيم بن سعد يروي عَن أَبِيه سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف من صغَار التَّابِعين، وَعبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب من صغَار الصَّحَابَة وَلدته أَسمَاء بنت عُمَيْس بِأَرْض الْحَبَشَة، وَهُوَ أول مَوْلُود ولد فِي الْإِسْلَام بِأَرْض الْحَبَشَة، وَقدم مَعَ أَبِيه الْمَدِينَة وَحفظ عَن رَسُول الله ﷺ وروى عَنهُ، وَتُوفِّي بِالْمَدِينَةِ سنة ثَمَانِينَ وَهُوَ ابْن تسعين سنة، وَصلى عَلَيْهِ أبان بن عُثْمَان وَهُوَ أَمِير الْمَدِينَة وَكَانَ يُسمى: بَحر الْجُود، يُقَال: إِنَّه لم يكن فِي الْإِسْلَام أسخى مِنْهُ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْأَطْعِمَة عَن يحيى بن يحيى وَغَيره وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن حَفْص بن عمر. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن إِسْمَاعِيل بن مُوسَى وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن يَعْقُوب ابْن حميد.
قَوْله: (يَأْكُل الرطب بالقثاء) ، وَصفته مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث عبد الله بن جَعْفَر، وَفِيه وَرَأَيْت فِي يَمِين رَسُول الله ﷺ قثاء وَفِي شِمَاله رطبا وَهُوَ يَأْكُل من ذَا مرّة وَمن ذَا مرّة، وَفِي إِسْنَاده أَصْرَم بن حَوْشَب وَهُوَ ضَعِيف جدا، وَلَا يلْزم من هَذَا الحَدِيث. لَو ثَبت أكله بِشمَالِهِ فَلَعَلَّهُ كَانَ يَأْخُذ بِيَدِهِ الْيُمْنَى من الشمَال رطبَة فيأكلها مَعَ القثاء الَّتِي فِي يَمِينه فَلَا مَانع من ذَلِك، وَالْحكمَة فِي جمعه ﷺ بَينهمَا كَمَا ورد فِي بعض طرقه يطفىء حر هَذَا برد هَذَا وروى أَبُو الشَّيْخ ابْن حبَان فِي (كتاب أَخْلَاق رَسُول الله ﷺ من رِوَايَة يحيى بن هَاشم عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة قَالَت: كَانَ رَسُول الله ﷺ يَأْكُل الْبِطِّيخ بالرطب والقثاء بالملح، وَيحيى بن هَاشم السمسار كذبه يحيى وَغَيره.
٤٠ - ( ﴿بابٌ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب كَذَا وَقع عِنْد جَمِيع الروَاة مُجَردا. وَكَانَت عَادَته أَن يذكر مثل هَذَا كالفصل لما قبله وَيكون الْمَذْكُور بعده مُلْحقًا بِهِ لمناسبة بَينهمَا وَلَا مُنَاسبَة أصلا بَين الحَدِيث الْمَذْكُور بعده وَبَين الحَدِيث قبله، وَلِهَذَا اعْترض الْإِسْمَاعِيلِيّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ للرطب والقثاء ذكر، وَلم يذكر لفظ: بَاب.
٥٤٤١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ عَبَّاس الجُرَيْرِيِّ عَنْ أبِي عُثْمَانَ. قَالَ: تَضَيَّفْتُ أبَا هُرَيْرَةَ سَبْعا، فَكَانَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَخَادِمُهُ يَعْتَقِبُونَ اللَّيْلَ أثْلاثا يُصَلِّي هاذا ثُمَّ يُوقِظُ هاذا، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَسَمَ رَسُولَ الله ﷺ ، بَيْنَ أصْحَابِهِ تَمْرا فأصَابَنِي سَبْعُ تَمَرَاتٍ إحْدَاهُنَّ حَشَفَةٌ.
الظَّاهِر أَنه أَرَادَ أَن يضع تَرْجَمَة للتمر ثمَّ أهمله إِمَّا نِسْيَانا وَإِمَّا لم يُدْرِكهُ، وَيُمكن أَن يكون سقط من النَّاسِخ بعد الْعَمَل.
وعباس بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالسين الْمُهْملَة، والحريري: بِضَم الْجِيم وَفتح الرَّاء الأولى وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف نِسْبَة إِلَى جرير بن عباد أخي الْحَارِث بن عبَادَة بن ضبيعة بن قيس بن بكر بن وَائِل، وَعباد بِضَم الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة،
стр. 6267
وَأَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ.
والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب مَا كَانَ النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه يَأْكُلُون، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد وَلم يذكر هُنَاكَ.
قَوْله: (تضيفت) ، إِلَى قَوْله: (وسمعته يَقُول) وَمر الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (تضيفت) بضاد مُعْجمَة وَفَاء أَي: نزلت بِهِ ضيفا. قَوْله: (سبعا) ، أَي: سبع لَيَال، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَي أسبوعا، وَفِيه تَأمل. قَوْله: (وَامْرَأَته) ، اسْمهَا بسرة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة بنت غَزوَان الصحابية. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: بسرة بنت غَزوَان الَّتِي كَانَ أَبُو هُرَيْرَة أجيرها ثمَّ تزَوجهَا وَلم أر أحدا ذكرهَا. قَوْله: (يعتقبون) أَي: يتناوبون قيام اللَّيْل. قَوْله: (أَثلَاثًا) أَي: كل وَاحِد مِنْهُم يقوم بِثلث اللَّيْل وَمن كَانَ يفرغ من ثلثه يوقظ الآخر. قَوْله: (وسمعته يَقُول) ، الْقَائِل أَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ، والمسموع أَبُو هُرَيْرَة قَوْله: (إِحْدَاهُنَّ حَشَفَة) هِيَ الْفَاسِد الْيَابِس من التَّمْر، وَقيل: الضَّعِيف الَّذِي لَا نوى لَهُ.
حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الصَّبَّاحِ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ زَكَرِيَّاءَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أبِي عُثْمَانَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَسَّمَ النبيُّ ﷺ ، بَيْنَنَا تَمْرا فأصابَنِي مِنْهُ خَمْسٌ أرْبَعُ ثَمَرَاتٍ وَحَشَفَةٌ، ثُمَّ رَأيْتُ الحَشَفَةَ هِيَ أشَدَّهُنَّ لِضِرْسِي.
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن مُحَمَّد بن الصَّباح بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الْبَغْدَادِيّ عَن إِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّا الخلقاني الْكُوفِي عَن عَاصِم الْأَحول عَن أبي عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن أبي هُرَيْرَة.
قَوْله: (خمس) ، أَي: خمس تمرات. قَوْله: (أَربع تمرات وحشفة) ، عطف بَيَان وَيجوز أَن يكون ارتفاعه على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: هِيَ أَربع تمرات وحشفة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى أَربع تَمْرَة بِالْإِفْرَادِ، وَالْقِيَاس: تمرات، ثمَّ قَالَ: إِن كَانَت الرِّوَايَة بِرَفْع تَمْرَة فَمَعْنَاه كل وَاحِدَة من الْأَرْبَع تَمْرَة، وَأما بِالْجَرِّ فَهُوَ شَاذ على خلاف الْقيَاس نَحْو: ثَلَاثمِائَة وَأَرْبَعمِائَة. فَإِن قلت: فِي الرِّوَايَة الأولى سبع تمرات وَهنا خمس؟ قلت: قَالَ ابْن التِّين: إِمَّا أَن تكون إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وهما أَو يكون ذَلِك وَقع مرَّتَيْنِ، وَقَالَ بَعضهم: الثَّانِي بعيد لِاتِّحَاد الْمخْرج ثمَّ قَالَ: وَأجَاب الْكرْمَانِي: بِأَن لَا مُنَافَاة إِذْ التَّخْصِيص بِالْعدَدِ لَا يُنَافِي الزَّائِد، وَفِيه نظر، وإلَاّ لما كَانَ لذكره فَائِدَة وَالْأولَى أَن يُقَال: إِن الْقِسْمَة أَولا اتّفقت خمْسا خمْسا ثمَّ فضلت فقسمت ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ. فَذكر أحد الراويين مبدأ الْأَمر وَالْآخر منتهاه انْتهى. قلت: دَعْوَى هَذَا الْقَائِل: إِن الْقِسْمَة وَقعت مرَّتَيْنِ مرّة خَمْسَة خَمْسَة وَمرَّة ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ يحْتَاج إِلَى دَلِيل، وَهَذَا إِن صَحَّ يُقَوي كَلَام ابْن التِّين، أَو يكون ذَلِك مرَّتَيْنِ فَيكون قَوْله الثَّانِي بَعيدا وَبَعْدَمَا يكون يُقَال أَيْضا من هُوَ المُرَاد من أحد الراويين فَإِن كَانَ هُوَ أَبَا هُرَيْرَة فَهُوَ عين الْغَلَط على مَا لَا يخفى، وَإِن كَانَ أَبَا عُثْمَان الرَّاوِي عَنهُ أَو غَيره مِمَّن دونه فَهُوَ عين التَّعَدُّد، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من طَرِيق شُعْبَة عَن عَبَّاس الْجريرِي بِلَفْظ: أَصَابَهُم جوع فَأَعْطَاهُمْ النَّبِي ﷺ تَمْرَة تَمْرَة، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ: قسم سبع تمرات بَين سَبْعَة أَنا فيهم، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه وَأحمد من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ: أَصَابَهُم جوع وهم سَبْعَة فَأَعْطَانِي النَّبِي ﷺ سبع تمرات لكل إِنْسَان تَمْرَة، وَهَذِه الرِّوَايَات متفقة فِي الْمَعْنى لِأَنَّهُ لم تكن الْقِسْمَة إلَاّ تَمْرَة تَمْرَة، وَهَذِه تخَالف رِوَايَة البُخَارِيّ ظَاهرا، وَلَكِن لَا تخالفها فِي الْحَقِيقَة لتَعَدد الْقِصَّة، وَلَا يُنكر هَذَا إِلَّا معاند، ورد هَذَا الْقَائِل: كَلَام الْكرْمَانِي أَيْضا سَاقِط لِأَن مَا قَالَه أصل عِنْد أهل الْأُصُول.
٥٤٤١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ عَبَّاس الجُرَيْرِيِّ عَنْ أبِي عُثْمَانَ. قَالَ: تَضَيَّفْتُ أبَا هُرَيْرَةَ سَبْعا، فَكَانَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَخَادِمُهُ يَعْتَقِبُونَ اللَّيْلَ أثْلاثا يُصَلِّي هاذا ثُمَّ يُوقِظُ هاذا، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَسَمَ رَسُولَ الله ﷺ ، بَيْنَ أصْحَابِهِ تَمْرا فأصَابَنِي سَبْعُ تَمَرَاتٍ إحْدَاهُنَّ حَشَفَةٌ.
الظَّاهِر أَنه أَرَادَ أَن يضع تَرْجَمَة للتمر ثمَّ أهمله إِمَّا نِسْيَانا وَإِمَّا لم يُدْرِكهُ، وَيُمكن أَن يكون سقط من النَّاسِخ بعد الْعَمَل.
وعباس بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالسين الْمُهْملَة، والحريري: بِضَم الْجِيم وَفتح الرَّاء الأولى وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف نِسْبَة إِلَى جرير بن عباد أخي الْحَارِث بن عبَادَة بن ضبيعة بن قيس بن بكر بن وَائِل، وَعباد بِضَم الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة، وَأَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ.
والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب مَا كَانَ النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه يَأْكُلُون، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد وَلم يذكر هُنَاكَ.
قَوْله: (تضيفت) ، إِلَى قَوْله: (وسمعته يَقُول) وَمر الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (تضيفت) بضاد مُعْجمَة وَفَاء أَي: نزلت بِهِ ضيفا. قَوْله: (سبعا) ، أَي: سبع لَيَال، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَي أسبوعا، وَفِيه تَأمل. قَوْله: (وَامْرَأَته) ، اسْمهَا بسرة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة بنت غَزوَان الصحابية. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: بسرة بنت غَزوَان الَّتِي كَانَ أَبُو هُرَيْرَة أجيرها ثمَّ تزَوجهَا وَلم أر أحدا ذكرهَا. قَوْله: (يعتقبون) أَي: يتناوبون قيام اللَّيْل. قَوْله: (أَثلَاثًا) أَي: كل وَاحِد مِنْهُم يقوم بِثلث اللَّيْل وَمن كَانَ يفرغ من ثلثه يوقظ الآخر. قَوْله: (وسمعته يَقُول) ، الْقَائِل أَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ، والمسموع أَبُو هُرَيْرَة قَوْله: (إِحْدَاهُنَّ حَشَفَة) هِيَ الْفَاسِد الْيَابِس من التَّمْر، وَقيل: الضَّعِيف الَّذِي لَا نوى لَهُ.
حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الصَّبَّاحِ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ زَكَرِيَّاءَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أبِي عُثْمَانَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَسَّمَ النبيُّ ﷺ ، بَيْنَنَا تَمْرا فأصابَنِي مِنْهُ خَمْسٌ أرْبَعُ ثَمَرَاتٍ وَحَشَفَةٌ، ثُمَّ رَأيْتُ الحَشَفَةَ هِيَ أشَدَّهُنَّ لِضِرْسِي.
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن مُحَمَّد بن الصَّباح بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الْبَغْدَادِيّ عَن إِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّا الخلقاني الْكُوفِي عَن عَاصِم الْأَحول عَن أبي عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن أبي هُرَيْرَة.
قَوْله: (خمس) ، أَي: خمس تمرات. قَوْله: (أَربع تمرات وحشفة) ، عطف بَيَان وَيجوز أَن يكون ارتفاعه على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: هِيَ أَربع تمرات وحشفة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى أَربع تَمْرَة بِالْإِفْرَادِ، وَالْقِيَاس: تمرات، ثمَّ قَالَ: إِن كَانَت الرِّوَايَة بِرَفْع تَمْرَة فَمَعْنَاه كل وَاحِدَة من الْأَرْبَع تَمْرَة، وَأما بِالْجَرِّ فَهُوَ شَاذ على خلاف الْقيَاس نَحْو: ثَلَاثمِائَة وَأَرْبَعمِائَة. فَإِن قلت: فِي الرِّوَايَة الأولى سبع تمرات وَهنا خمس؟ قلت: قَالَ ابْن التِّين: إِمَّا أَن تكون إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وهما أَو يكون ذَلِك وَقع مرَّتَيْنِ، وَقَالَ بَعضهم: الثَّانِي بعيد لِاتِّحَاد الْمخْرج ثمَّ قَالَ: وَأجَاب الْكرْمَانِي: بِأَن لَا مُنَافَاة إِذْ التَّخْصِيص بِالْعدَدِ لَا يُنَافِي الزَّائِد، وَفِيه نظر، وإلَاّ لما كَانَ لذكره فَائِدَة وَالْأولَى أَن يُقَال: إِن الْقِسْمَة أَولا اتّفقت خمْسا خمْسا ثمَّ فضلت فقسمت ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ. فَذكر أحد الراويين مبدأ الْأَمر وَالْآخر منتهاه انْتهى. قلت: دَعْوَى هَذَا الْقَائِل: إِن الْقِسْمَة وَقعت مرَّتَيْنِ مرّة خَمْسَة خَمْسَة وَمرَّة ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ يحْتَاج إِلَى دَلِيل، وَهَذَا إِن صَحَّ يُقَوي كَلَام ابْن التِّين، أَو يكون ذَلِك مرَّتَيْنِ فَيكون قَوْله الثَّانِي بَعيدا وَبَعْدَمَا يكون يُقَال أَيْضا من هُوَ المُرَاد من أحد الراويين فَإِن كَانَ هُوَ أَبَا هُرَيْرَة فَهُوَ عين الْغَلَط على مَا لَا يخفى، وَإِن كَانَ أَبَا عُثْمَان الرَّاوِي عَنهُ أَو غَيره مِمَّن دونه فَهُوَ عين التَّعَدُّد، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من طَرِيق شُعْبَة عَن عَبَّاس الْجريرِي بِلَفْظ: أَصَابَهُم جوع فَأَعْطَاهُمْ النَّبِي ﷺ تَمْرَة تَمْرَة، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ: قسم سبع تمرات بَين سَبْعَة أَنا فيهم، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه وَأحمد من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ: أَصَابَهُم جوع وهم سَبْعَة فَأَعْطَانِي النَّبِي ﷺ سبع تمرات لكل إِنْسَان تَمْرَة، وَهَذِه الرِّوَايَات متفقة فِي الْمَعْنى لِأَنَّهُ لم تكن الْقِسْمَة إلَاّ تَمْرَة تَمْرَة، وَهَذِه تخَالف رِوَايَة البُخَارِيّ ظَاهرا، وَلَكِن لَا تخالفها فِي الْحَقِيقَة لتَعَدد الْقِصَّة، وَلَا يُنكر هَذَا إِلَّا معاند، ورد هَذَا الْقَائِل: كَلَام الْكرْمَانِي أَيْضا سَاقِط لِأَن مَا قَالَه أصل عِنْد أهل الْأُصُول.
٤١ - (بَابُ: ﴿الرُّطَبِ وَالتَّمْرِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي الرطب وَالتَّمْر، وَرُبمَا أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن التَّمْر لَهُ فضل على غَيره من الأقوات فَلذَلِك ذكر. قَوْله: ﴿وهزي إِلَيْك﴾ (مَرْيَم: ٢٥) الْآيَة على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَقد روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: بَيت لَا تمر فِيهِ جِيَاع أَهله، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب، وَالرّطب وَالتَّمْر من طيب مَا خلق الله وأباحه للعباد، وَهُوَ طَعَام أهل الْحجاز وعمدة أقواتهم، وَقد دَعَا إِبْرَاهِيم، ﵇، لتمر مَكَّة بِالْبركَةِ ودعا رَسُول الله ﷺ لتمر الْمَدِينَة بِمثل مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيم، ﵊، فَلَا تزَال الْبركَة فِي تمرهم وثمارهم إِلَى السَّاعَة. وَقد وَقع فِي كتاب ابْن بطال: بَاب الرطب بِالتَّمْرِ بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَلَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب مثل لذَلِك.
стр. 6268
وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَهُزِّي إلَيْكَ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تَسَّاقَطْ عَلَيْكَ رُطبا جَنِيا (مَرْيَم: ٢٥) [/ ح.
قَوْله: ﴿هزي﴾ خطاب لِمَرْيَم أم عِيسَى ﵉ أَي: حركي جذع النَّخْلَة، وَكَانَت لَيْسَ لَهَا سعف وَلَا كرانيف وَلَا عذوق وَكَانَت فِي مَوضِع يُقَال لَهُ: بَيت لحم. وَهِي قَرْيَة قريبَة من بَيت الْمُقَدّس على ثَلَاثَة أَمْيَال، وَكَانَت لما حملت بِعِيسَى، ﵇، خَافت على نَفسهَا من قَومهَا فَخرجت مَعَ ابْن عَمها يُوسُف طالبة أَرض مصر، فَلَمَّا وصلت إِلَى النَّخْلَة وأدركها النّفاس احتضنتها النَّخْلَة وَأَحْدَقَتْ بهَا الْمَلَائِكَة فنوديت ﴿أَن لَا تحزني قد جعل رَبك تَحْتك سريا﴾ أَي: نَهرا وَلم يكن هُنَاكَ نهر وَلَا عين، وَقيل: المُرَاد بالسري عِيسَى، ﵇، وعَلى الأول الْجُمْهُور، وَقَالَ مقَاتل: لما سقط عِيسَى على الأَرْض ضرب بِرجلِهِ فنبع المَاء واطلعت النَّخْلَة وأورقت وأثمرت، وَقيل لَهَا: (وهزي إِلَيْك بجذع النَّخْلَة) أَي: حركيه ﴿تساقط عَلَيْك رطبا جنيا﴾ أَي: غضا طريا، وَقَالَ الرّبيع بن خَيْثَم: مَا للنفساء عِنْدِي خير من الرطب، وَلَا للْمَرِيض من الْعَسَل، ثمَّ قَرَأَ هَذِه الْآيَة رَوَاهُ عبد بن حميد وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو يعلى الْموصِلِي من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَفعه قَالَ: أطعموا نفساءكم الْوَلَد الرطب، فَإِن لم يكن رطب فتمر وَلَيْسَ من الشّجر شَجَرَة أكْرم على الله تَعَالَى من شَجَرَة نزلت تحتهَا مَرْيَم، ﵍، وَقِرَاءَة الْجُمْهُور: تساقط، بتَشْديد السِّين وَأَصله: تتساقط، فأبدلت من إِحْدَى التَّاءَيْنِ سين وأدغمت السِّين فِي السِّين، وَقِرَاءَة حَمْزَة بِالتَّخْفِيفِ، وَهِي رِوَايَة عَن أبي عمر، وعَلى حذف إِحْدَى التَّاءَيْنِ وفيهَا قراآت شَاذَّة.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورِ بنِ صَفِيَّةَ: حَدَّثَتْنِي أُُمِّي عَنْ عَائِشَةَ، ﵂. قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ وَقَدْ شَبِعْنا مِنَ الأسْوَدَيْنِ: التَّمْرِ وَالمَاءِ.
مطابقته هَذَا التَّعْلِيق عَن مُحَمَّد بن يُوسُف شيخ البُخَارِيّ للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. .
وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَمَنْصُور بن صَفِيَّة، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَكسر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: بنت شيبَة بن عُثْمَان من بني عبد الداربن قصي، ذكرت فِي الصحابيات، روى عَنْهَا ابْنهَا مَنْصُور بن عبد الرَّحْمَن بن طَلْحَة بن الْحَارِث بن طَلْحَة بن أبي طَلْحَة الحَجبي.
والْحَدِيث قد مر عَن قريب فِي: بَاب من أكل حَتَّى شبع، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَإِطْلَاق الْأسود على المَاء من بَاب التغليب، وَكَذَلِكَ الشِّبَع مَكَان الرّيّ.
٤١ - (بَابُ: ﴿الرُّطَبِ وَالتَّمْرِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي الرطب وَالتَّمْر، وَرُبمَا أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن التَّمْر لَهُ فضل على غَيره من الأقوات فَلذَلِك ذكر. قَوْله: ﴿وهزي إِلَيْك﴾ (مَرْيَم: ٢٥) الْآيَة على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَقد روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: بَيت لَا تمر فِيهِ جِيَاع أَهله، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب، وَالرّطب وَالتَّمْر من طيب مَا خلق الله وأباحه للعباد، وَهُوَ طَعَام أهل الْحجاز وعمدة أقواتهم، وَقد دَعَا إِبْرَاهِيم، ﵇، لتمر مَكَّة بِالْبركَةِ ودعا رَسُول الله ﷺ لتمر الْمَدِينَة بِمثل مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيم، ﵊، فَلَا تزَال الْبركَة فِي تمرهم وثمارهم إِلَى السَّاعَة. وَقد وَقع فِي كتاب ابْن بطال: بَاب الرطب بِالتَّمْرِ بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَلَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب مثل لذَلِك.
وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَهُزِّي إلَيْكَ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تَسَّاقَطْ عَلَيْكَ رُطبا جَنِيا (مَرْيَم: ٢٥) [/ ح.
قَوْله: ﴿هزي﴾ خطاب لِمَرْيَم أم عِيسَى ﵉ أَي: حركي جذع النَّخْلَة، وَكَانَت لَيْسَ لَهَا سعف وَلَا كرانيف وَلَا عذوق وَكَانَت فِي مَوضِع يُقَال لَهُ: بَيت لحم. وَهِي قَرْيَة قريبَة من بَيت الْمُقَدّس على ثَلَاثَة أَمْيَال، وَكَانَت لما حملت بِعِيسَى، ﵇، خَافت على نَفسهَا من قَومهَا فَخرجت مَعَ ابْن عَمها يُوسُف طالبة أَرض مصر، فَلَمَّا وصلت إِلَى النَّخْلَة وأدركها النّفاس احتضنتها النَّخْلَة وَأَحْدَقَتْ بهَا الْمَلَائِكَة فنوديت ﴿أَن لَا تحزني قد جعل رَبك تَحْتك سريا﴾ أَي: نَهرا وَلم يكن هُنَاكَ نهر وَلَا عين، وَقيل: المُرَاد بالسري عِيسَى، ﵇، وعَلى الأول الْجُمْهُور، وَقَالَ مقَاتل: لما سقط عِيسَى على الأَرْض ضرب بِرجلِهِ فنبع المَاء واطلعت النَّخْلَة وأورقت وأثمرت، وَقيل لَهَا: (وهزي إِلَيْك بجذع النَّخْلَة) أَي: حركيه ﴿تساقط عَلَيْك رطبا جنيا﴾ أَي: غضا طريا، وَقَالَ الرّبيع بن خَيْثَم: مَا للنفساء عِنْدِي خير من الرطب، وَلَا للْمَرِيض من الْعَسَل، ثمَّ قَرَأَ هَذِه الْآيَة رَوَاهُ عبد بن حميد وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو يعلى الْموصِلِي من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَفعه قَالَ: أطعموا نفساءكم الْوَلَد الرطب، فَإِن لم يكن رطب فتمر وَلَيْسَ من الشّجر شَجَرَة أكْرم على الله تَعَالَى من شَجَرَة نزلت تحتهَا مَرْيَم، ﵍، وَقِرَاءَة الْجُمْهُور: تساقط، بتَشْديد السِّين وَأَصله: تتساقط، فأبدلت من إِحْدَى التَّاءَيْنِ سين وأدغمت السِّين فِي السِّين، وَقِرَاءَة حَمْزَة بِالتَّخْفِيفِ، وَهِي رِوَايَة عَن أبي عمر، وعَلى حذف إِحْدَى التَّاءَيْنِ وفيهَا قراآت شَاذَّة.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورِ بنِ صَفِيَّةَ: حَدَّثَتْنِي أُُمِّي عَنْ عَائِشَةَ، ﵂. قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ وَقَدْ شَبِعْنا مِنَ الأسْوَدَيْنِ: التَّمْرِ وَالمَاءِ.
مطابقته هَذَا التَّعْلِيق عَن مُحَمَّد بن يُوسُف شيخ البُخَارِيّ للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. .
وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَمَنْصُور بن صَفِيَّة، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَكسر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: بنت شيبَة بن عُثْمَان من بني عبد الداربن قصي، ذكرت فِي الصحابيات، روى عَنْهَا ابْنهَا مَنْصُور بن عبد الرَّحْمَن بن طَلْحَة بن الْحَارِث بن طَلْحَة بن أبي طَلْحَة الحَجبي.
والْحَدِيث قد مر عَن قريب فِي: بَاب من أكل حَتَّى شبع، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَإِطْلَاق الْأسود على المَاء من بَاب التغليب، وَكَذَلِكَ الشِّبَع مَكَان الرّيّ.
٥٤٤٣ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ حدَّثنا أبُو غَسَّانَ. قَالَ: حدَّثني أبُو حَازِمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي رَبِيعَةَ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله ﵄، قَالَ: كَانَ بِالمَدِينَةِ يَهُودِي وَكَانَ يُسْلِفُنِي فِي تَمْرِي إلَى الجِذَاذِ، وَكَانَتْ لِجَابِرٍ الأرْضُ الَّتِي بِطَرِيقِ رُومَةَ، فَجَلَسَتْ نَخْلاً عَاما فَجَاءَنِي اليَهُودِيُّ عِنْدَ الجِذَاذِ وَلَمْ أجُذَّ مِنْهَا شَيْئا، فَجَعَلْتُ أسْتَنْظِرُهُ إلَى قَابِلٍ فَيَأْتِي، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النبيُّ ﷺ ، فَقَالَ لأصْحَابِهِ: امْشوا نَسْتَنْظِر لِجابِرٍ مِنَ اليَهُودِيِّ فَجَاؤُنِي فِي نَخْلِي، فَجَعَلَ النبيُّ ﷺ ، يِكَلِّمُ اليَهُودِيَّ فَيَقُولُ: أبَا القَاسِمِ لَا أُنْظِرُهُ! فَلَمَّا رَآهُ النبيُّ، ﷺ ، قَامَ فَطَافَ فِي النَّخْلِ ثُمَّ جَاءَهُ فَكَلَّمَهُ فَأبَى. فَقُمْتُ فَجِئْتُ بِقَلِيلٍ رُطِبٍ فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَي النبيِّ، ﷺ ، فَأكَلَ ثُمَّ قَالَ: أيْنَ عَرِيشُكَ يَا جَابِرُ؟ فَأخْبَرْتُهُ فَقَالَ: افْرُشْ لِي فِيهِ فَفَرَشْتُهُ فَدَخَلَ فَرَقَدَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، فَجِئْتُهُ بِقَبْضَةٍ أُخْرَى فَأكَلَ مِنْها ثُمَّ قَامَ فَكَلَمَ اليَهُودِيُّ فَأبَى عَلَيْهِ فَقَامَ فِي الرِّطابِ فِي النَّخْلِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: يَا جَابِرُ خُذُّ وَاقْضِ فَوَقَفَ فِي الجَذَاذِ
стр. 6269
فَجَذَذْتُ مِنْهَا مَا قَضَيْتُهُ وَفَضَلَ مِثْلُهُ فَخَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ النبيَّ ﷺ فَبَشَّرْتُهُ. فَقَالَ: أشْهَدُ أنِّي رَسُولُ الله.
مطابقته للجزء الأول من التَّرْجَمَة فِي ذكر الرطب فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَأَبُو غَسَّان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة وبالنون اسْمه مُحَمَّد بن مطرف، وَأَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار، وَإِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي، وَاسم أبي ربيعَة عَمْرو، وَيُقَال: حُذَيْفَة، وَكَانَ يلقب ذَا الرمحين، وَهُوَ من مسلمة الْفَتْح وَولى الْجند من بِلَاد الْيمن لعمر ابْن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. فَلم يزل بهَا حَتَّى جَاءَ لسنة حصر عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لِيَنْصُرهُ فَسقط عَن رَاحِلَته فَمَاتَ ولإبراهيم عَنهُ رِوَايَة فِي النَّسَائِيّ قَالَ أَبُو حَاتِم: إِنَّهَا مُرْسلَة وَلَيْسَ لإِبْرَاهِيم فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَأمه أم كُلْثُوم بنت أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَله رِوَايَة عَن أمه وخالته عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهَذَا من أَفْرَاده، وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْقَاسِم: حَدثنَا يحيى بن صاعد حَدثنَا أَحْمد بن مَنْصُور وَسَعِيد بن أبي مَرْيَم بِهِ سَوَاء، ثمَّ قَالَ: هَذِه الْقِصَّة رَوَاهَا المعروفون فِيمَا كَانَ على أبي جَابر، وَالسَّلَف إِلَى الْجذاذ مِمَّا لَا يُجِيزهُ البُخَارِيّ وَغَيره فَفِي هَذَا الْإِسْنَاد نظر، وَكَذَا قَالَ ابْن التِّين: الَّذِي فِي أَكثر الْأَحَادِيث أَن الدّين كَانَ على وَالِد جَابر، وَأجِيب بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْإِسْنَاد من ينظر فِي حَاله سوى إِبْرَاهِيم، وَقد ذكره ابْن حبَان فِي (ثِقَات التَّابِعين) وروى عَنهُ أَيْضا وَلَده إِسْمَاعِيل وَالزهْرِيّ. قلت: قَالَ ابْن الْقطَّان: لَا يعرف حَاله وَأجِيب: عَن قَوْله: وَالسَّلَف إِلَى الْجذاذ مِمَّا لَا يُجِيزهُ البُخَارِيّ بِأَنَّهُ يُعَارضهُ الْأَمر بالسلم إِلَى أجل مَعْلُوم فَيحمل على أَنه وَقع فِي الِاقْتِصَار على الْجذاذ اختصارا وَأَن الْوَقْت كَانَ فِي الأَصْل معينا. وَمن قَوْله: هَذِه الْقِصَّة رَوَاهَا المعروفون فِيهَا كَانَ على أبي جَابر، بِأَن الْقِصَّة مُتعَدِّدَة فَفعل ﷺ فِي النّخل الْمُخْتَص بجابر فِيمَا كَانَ عَلَيْهِ من الدّين كَمَا فعل فِيمَا كَانَ على وَالِده من الدّين، وَالله أعلم.
قَوْله: (يسلفني) ، بِضَم الْيَاء، من الإسلاف. قَوْله: (إِلَى الْجذاذ) ، بِكَسْر الْجِيم وَيجوز فتحهَا وبالذال الْمُعْجَمَة وَيجوز أهمالها أَي: زمن قطع ثَمَر النّخل وَهُوَ الصرام. قَوْله: (وَكَانَت لجَابِر الأَرْض الَّتِي بطرِيق رومة) ، فِيهِ الْتِفَات من الحضرة إِلَى الْغَيْبَة، وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: وَكَانَت لي الأَرْض الَّتِي بطرِيق رومة. فَإِن قلت: هَل يجوز أَن يكون مدرجا من كَلَام الرَّاوِي؟ قلت: يمنعهُ مَا رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق الرَّمَادِي عَن سعيد بن أبي مَرْيَم شيخ البُخَارِيّ فِيهِ: وَكَانَت الأَرْض لي بطرِيق رومة، بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْوَاو، وَهِي الْبِئْر الَّتِي اشْتَرَاهَا عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وسبلها، وَهِي فِي نفس الْمَدِينَة. وَقيل: إِن رومة رجل من بني غفار كَانَت لَهُ الْبِئْر قبل أَن يَشْتَرِيهَا عُثْمَان فنسبت إِلَيْهِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: رومة بِضَم الرَّاء مَوضِع، وَفِي بَعْضهَا بِضَم الدَّال الْمُهْملَة بدل الرَّاء ولعلها دومة الجندل، وَقَالَ بَعضهم وَنقل الْكرْمَانِي: أَن فِي بعض الرِّوَايَات دومة بدال بدل الرَّاء ولعلها دومة الجندل قَالَ: وَهَذَا بَاطِل، لِأَن دومة الجندل إِذْ ذَاك لم تكن فتحت حَتَّى يُمكن أَن يكون لجَابِر فِيهَا أَرض انْتهى. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه بَاطِل لِأَن الَّذِي فِي الحَدِيث بطرِيق رومة، وَهَذَا ظَاهر، وَأما رِوَايَة الدَّال فمعناها: كَانَت لجَابِر أَرض كائنة بِالطَّرِيقِ الَّتِي يُسَافر مِنْهَا إِلَى دومة: الجندل، وَلَيْسَ مَعْنَاهَا الَّتِي بدومة الجندل حَتَّى يُقَال: لِأَن دومة الجندل إِذْ ذَاك لم تكن فتحت، ودومة الجندل على عشر مراحل من الْمَدِينَة. قَوْله: (فَجَلَست) ، كَذَا هُوَ بِالْجِيم وَاللَّام فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ وَأبي ذَر، وَعَلِيهِ أَكثر الروَاة، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الأَرْض أَي: فَجَلَست الأَرْض من الأثمار نخلا بالنُّون وَالْخَاء الْمُعْجَمَة أَي: من جِهَة النّخل قَالَ عِيَاض: وَكَانَ أَبُو مَرْوَان من سراج يصوب هَذِه الرِّوَايَة إلَاّ أَنه يضبطها على صِيغَة الْمُتَكَلّم بِضَم التَّاء ويفسره أَي: تَأَخَّرت عَن الْقَضَاء، وَيَقُول: فَخَلا، بِالْفَاءِ وَالْخَاء الْمُعْجَمَة وَاللَّام الْمُشَدّدَة من التَّخْلِيَة. أَي: تَأَخّر السّلف عَاما. وَقَالَ: وَوَقع للأصيلي: فحبست، بحاء مُهْملَة ثمَّ بَاء مُوَحدَة على صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي رِوَايَة أبي الْهَيْثَم فخاست، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَبعد الْألف سين مُهْملَة يَعْنِي: خَالَفت
стр. 6270
معهودها وَحملهَا يُقَال: خاس فلَان عَهده إِذا خانه أَو تغير عَن عَادَته وخاس الشَّيْء إِذا تغير، وروى خنست، بخاء مُعْجمَة ثمَّ نون أَي: تَأَخَّرت. قَوْله: (وَلم أجد) ، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْجِيم وَتَشْديد الدَّال وَيجوز فِي مثل هَذِه الْمَادَّة ثَلَاثَة أوجه: الْفَتْح فِي آخِره وَالْكَسْر وَفك الْإِدْغَام. قَوْله: (استنظره) ، أَي: اطلب مِنْهُ أَن ينظرني إِلَى قَابل أَي: عَام آتٍ. قَوْله: (فيأبى) ، أَي: فَيمْتَنع الْيَهُودِيّ عَن النظرة. قَوْله: (فَأخْبر) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمَاضِي، قيل: يحْتَمل أَن يكون بِضَم الرَّاء على صِيغَة نفس الْمُتَكَلّم من الْمُضَارع وَالضَّمِير فِيهِ لجَابِر، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي نعيم (الْمُسْتَخْرج) فَأخْبرت. قَوْله: (أَبَا الْقَاسِم) ، أَي: يَا أَبَا الْقَاسِم فَحذف مِنْهُ حرف النداء. قَوْله: (عريشك) ، الْعَريش مَا يستظل بِهِ عِنْد الْجُلُوس تَحْتَهُ، وَقيل: الْبناء، على مَا يَجِيء الْآن أَرَادَ أَيْن الْمَكَان الَّذِي اتخذته فِي بستانك لتستظل بِهِ وَتقبل فِيهِ؟ قَوْله: (فَجِئْته) ، أَي: النَّبِي، ﷺ . قَوْله: (قَبْضَة أُخْرَى) ، أَي: من الرطب. قَوْله: (فَقَامَ فِي الرطاب فِي النّخل الثَّانِيَة) ، بِالنّصب أَي: الْمرة الثَّانِيَة، وَلَا يظنّ أَنه صفة النّخل لِأَنَّهُ مَا ثمَّ إلَاّ نحل وَاحِد. قَوْله: (جد) ، بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الدَّال الْمَفْتُوحَة. وَهُوَ أَمر من جد يجد، وَيجوز فِيهِ أَيْضا الْأَوْجه الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة، وَلَا يدْرك طعم هَذَا إلَاّ من لَهُ يَد فِي علم الصّرْف. قَوْله: (وأقض) ، أَمر من الْقَضَاء. أَي: افض الدّين الَّذِي عَلَيْك، يَعْنِي: أوفه لِلْيَهُودِيِّ. قَوْله: (وَفضل مثله) ، أَي: مثل الدّين، ويروى: وَفضل مِنْهُ. قَوْله: (أشهد أَنِّي رَسُول الله) ، إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن فِيهِ خرق الْعَادة الظَّاهِرَة، وَهُوَ دَلِيل من أَدِلَّة النُّبُوَّة وَعلم من أعلامها حَيْثُ قضى بِالْقَلِيلِ الَّذِي لم يكن يَفِي بِدِينِهِ تَمام الدّين وَفضل مِنْهُ مثله.
(عَرْشٌ وَعَرِيشٌ بِناءٌ. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: مَعْرُوشاتٍ مَا يُعَرِشُ مِنَ الكُرُومِ وَغَيْرِ ذالِكَ، يُقالُ: عُرُوشُها أبْنِيَتُها قَالَ مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ: قَالَ أبُو جَعْفَرِ: قَالَ مُحَمَّدُ بنُ إسْمَاعِيلَ فَخَلَّى لَيْسَ عِنْدِي مُقيَّدا ثُمَّ قَالَ: نَخْلاً لَيْسَ فِيهِ شَكٌّ) .
هَذَا كُله لم يثبت إلَاّ للمستملي. قَوْله: (عرش وعريش بِنَاء) يَعْنِي: أَن الْعَرْش بِفَتْح الْعين وَسُكُون الرَّاء، وعريش بِكَسْر الرَّاء بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة مَعْنَاهُمَا بِنَاء هَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة. قَوْله: (وَقَالَ ابْن عَبَّاس: معروشات) قد مر هَذَا فِي آخر تَفْسِير سُورَة الْأَنْعَام. قَوْله: (يُقَال: عروشها أبنيتها) أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿خاوية على عرشها﴾ (الْبَقَرَة: ٢٥٩) أَي: على أبنيتها، وَهُوَ تَفْسِير أبي عُبَيْدَة أَيْضا. وَمُحَمّد بن يُوسُف هُوَ الْفربرِي، وَأَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن أبي حَاتِم، وَمُحَمّد بن إِسْمَاعِيل هُوَ البُخَارِيّ قَوْله: (فَخَلا لَيْسَ عِنْدِي مُقَيّدا) أَي: مضبوطا، ثمَّ قَالَ: (نخلا) يَعْنِي: بالنُّون وَالْخَاء الْمُعْجَمَة (لَيْسَ فِيهِ شكّ) هَذَا هُوَ الَّذِي يظْهر، وَالله أعلم.
٤٢ - (بَابُ: ﴿أكْلِ الجُمَّارِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أكل الْجمار، وَهُوَ بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْمِيم جمع جمارة، وَهِي قلب النَّخْلَة وشحمتها.
٥٤٤٤ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ بنِ غَيَّاثٍ حدَّثنا أبِي حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ: حدَّثني مُجاهِدٌ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ، ﵄. قَالَ: بَيْنا نَحْنُ عِنْدَ النبيِّ ﷺ ، جُلُوسٌ إذْ أُتِيَ بِجُمَّارِ نَخْلَةٍ. فَقَالَ النبيُّ ﷺ : إنّ مِنَ الشَّجَرِ لما بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ المُسْلِمِ فَظَنَنْتُ أنَّهُ يَعْنِي النَّخْلَةِ، فَأرَدْتُ أنْ أقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ يَا رَسُولَ الله؟ ثُمَّ الْتَفَتُّ فَإذا أنَا عَاشِرُ عَشْرَةٍ أنَا أحْدَثُّهُمْ فَسَكَتُّ فَقَالَ النبيُّ ﷺ : هِيَ النَّخْلَةُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. من حَدِيث ذكر الْجمار، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر أكلهَا، وَلَكِن من الْمَعْلُوم أَنه إِنَّمَا أَتَى بهَا إِلَى النَّبِي ﷺ لأجل أكلهَا.
وَهَذَا الحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْعلم فَإِنَّهُ أخرجه فِيهِ فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع: الأول: فِي: بَاب قَول الْمُحدث حَدثنَا قُتَيْبَة عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر. وَالثَّانِي: فِي: بَاب طرح الإِمَام الْمَسْأَلَة عَن خَالِد بن مخلد عَن سُلَيْمَان عَن عبد الله بن دِينَار. الثَّالِث: بَاب الْفَهم فِي الْعلم، عَن عَليّ عَن سُفْيَان عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد. الرَّابِع: فِي: بَاب الْحيَاء فِي الْعلم، عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك عَن عبد الله بن دِينَار، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (لما بركته) كلمة مَا زَائِدَة وَاللَّام للتَّأْكِيد ويروى: لَهَا بركَة أَي: للشجر فأنث بِاعْتِبَار النَّخْلَة أَو نظرا إِلَى اعْتِبَار الْجِنْس. قَوْله: (فَظَنَنْت أَنه) أَي: أَن النَّبِي ﷺ يَعْنِي أَي: يقْصد النَّخْلَة. قَوْله: (أحدثهم) أَي: أَصْغَرهم سنا، فَسكت رِعَايَة لحق الأكابر.
следующие страницы →