← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

بَعضهم فِي بَيَان الْمُطَابقَة بقوله: لَا فرق بَين أَن يناوله من إِنَاء إِلَى إِنَاء أَو يضم ذَلِك إِلَيْهِ فِي نفس الْإِنَاء الَّذِي يَأْكُل مِنْهُ أَخذ ذَلِك من قَول ثُمَامَة: (فَجعلت أجمع الدُّبَّاء بَين يَدَيْهِ) قلت: هَذَا فِيهِ بعد عَظِيم لِأَن الْإِنَاء الَّذِي يَأْكُل مِنْهُ لَهُ حق شَائِع فِيمَا فِي هَذَا الْإِنَاء بِخِلَاف الْإِنَاء الآخر الَّذِي لَا يَأْكُل مِنْهُ. ٣٩ - (بابُ: ﴿الرُّطَبِ بِالْقِثَاءِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أكل الرطب بالقثاء، وَأَرَادَ بهالجمع بَينهمَا فِي حَالَة الْأكل، القثاء مَمْدُود وَفِي ضم الْقَاف وَكسرهَا لُغَتَانِ، وَقَرَأَ يحيى بن وثاب وَطَلْحَة بن مصرف، وقثائها بِضَم الْقَاف وَقَالَ أَبُو نصر: القثاء الْخِيَار وَفِي (الْمُنْتَهى) لأبي الْمَعَالِي: القثاء الشعرور عِنْد من جعله فعلا من قث، وَعند ابْن ولاد: هُوَ بِالْكَسْرِ وَالضَّم مَمْدُود، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: ذكر بعض الروَاة أَنه يُقَال للقثاء القشعر بلغَة أهل الجون من الْيمن، الْوَاحِدَة قشعرة، قَالَ: أَحْسبهُ الجون من مُرَاد. ٥٤٤٠ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ: حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ جَعْفَر بنِ أبِي طَالِبٍ، ﵄، قَالَ: رَأيْتُ النَّبِي ﷺ يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالقِثَّاءِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأما على النُّسْخَة الَّتِي وَقع فِيهَا: بَاب القثاء بالرطب فوجهها أَن الْبَاء للمصاحبة وكل مِنْهُمَا مصاحب للْآخر أَو للملاصقة وَقد وَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ على وفْق لفظ الحَدِيث كَمَا وَقع فِي نسختنا هَذِه. وَإِبْرَاهِيم بن سعد يروي عَن أَبِيه سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف من صغَار التَّابِعين، وَعبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب من صغَار الصَّحَابَة وَلدته أَسمَاء بنت عُمَيْس بِأَرْض الْحَبَشَة، وَهُوَ أول مَوْلُود ولد فِي الْإِسْلَام بِأَرْض الْحَبَشَة، وَقدم مَعَ أَبِيه الْمَدِينَة وَحفظ عَن رَسُول الله ﷺ وروى عَنهُ، وَتُوفِّي بِالْمَدِينَةِ سنة ثَمَانِينَ وَهُوَ ابْن تسعين سنة، وَصلى عَلَيْهِ أبان بن عُثْمَان وَهُوَ أَمِير الْمَدِينَة وَكَانَ يُسمى: بَحر الْجُود، يُقَال: إِنَّه لم يكن فِي الْإِسْلَام أسخى مِنْهُ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْأَطْعِمَة عَن يحيى بن يحيى وَغَيره وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن حَفْص بن عمر. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن إِسْمَاعِيل بن مُوسَى وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن يَعْقُوب ابْن حميد. قَوْله: (يَأْكُل الرطب بالقثاء) ، وَصفته مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث عبد الله بن جَعْفَر، وَفِيه وَرَأَيْت فِي يَمِين رَسُول الله ﷺ قثاء وَفِي شِمَاله رطبا وَهُوَ يَأْكُل من ذَا مرّة وَمن ذَا مرّة، وَفِي إِسْنَاده أَصْرَم بن حَوْشَب وَهُوَ ضَعِيف جدا، وَلَا يلْزم من هَذَا الحَدِيث. لَو ثَبت أكله بِشمَالِهِ فَلَعَلَّهُ كَانَ يَأْخُذ بِيَدِهِ الْيُمْنَى من الشمَال رطبَة فيأكلها مَعَ القثاء الَّتِي فِي يَمِينه فَلَا مَانع من ذَلِك، وَالْحكمَة فِي جمعه ﷺ بَينهمَا كَمَا ورد فِي بعض طرقه يطفىء حر هَذَا برد هَذَا وروى أَبُو الشَّيْخ ابْن حبَان فِي (كتاب أَخْلَاق رَسُول الله ﷺ من رِوَايَة يحيى بن هَاشم عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة قَالَت: كَانَ رَسُول الله ﷺ يَأْكُل الْبِطِّيخ بالرطب والقثاء بالملح، وَيحيى بن هَاشم السمسار كذبه يحيى وَغَيره. ٤٠ - ( ﴿بابٌ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب كَذَا وَقع عِنْد جَمِيع الروَاة مُجَردا. وَكَانَت عَادَته أَن يذكر مثل هَذَا كالفصل لما قبله وَيكون الْمَذْكُور بعده مُلْحقًا بِهِ لمناسبة بَينهمَا وَلَا مُنَاسبَة أصلا بَين الحَدِيث الْمَذْكُور بعده وَبَين الحَدِيث قبله، وَلِهَذَا اعْترض الْإِسْمَاعِيلِيّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ للرطب والقثاء ذكر، وَلم يذكر لفظ: بَاب. ٥٤٤١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ عَبَّاس الجُرَيْرِيِّ عَنْ أبِي عُثْمَانَ. قَالَ: تَضَيَّفْتُ أبَا هُرَيْرَةَ سَبْعا، فَكَانَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَخَادِمُهُ يَعْتَقِبُونَ اللَّيْلَ أثْلاثا يُصَلِّي هاذا ثُمَّ يُوقِظُ هاذا، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَسَمَ رَسُولَ الله ﷺ ، بَيْنَ أصْحَابِهِ تَمْرا فأصَابَنِي سَبْعُ تَمَرَاتٍ إحْدَاهُنَّ حَشَفَةٌ. الظَّاهِر أَنه أَرَادَ أَن يضع تَرْجَمَة للتمر ثمَّ أهمله إِمَّا نِسْيَانا وَإِمَّا لم يُدْرِكهُ، وَيُمكن أَن يكون سقط من النَّاسِخ بعد الْعَمَل. وعباس بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالسين الْمُهْملَة، والحريري: بِضَم الْجِيم وَفتح الرَّاء الأولى وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف نِسْبَة إِلَى جرير بن عباد أخي الْحَارِث بن عبَادَة بن ضبيعة بن قيس بن بكر بن وَائِل، وَعباد بِضَم الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة،

стр. 6267

وَأَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ. والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب مَا كَانَ النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه يَأْكُلُون، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد وَلم يذكر هُنَاكَ. قَوْله: (تضيفت) ، إِلَى قَوْله: (وسمعته يَقُول) وَمر الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (تضيفت) بضاد مُعْجمَة وَفَاء أَي: نزلت بِهِ ضيفا. قَوْله: (سبعا) ، أَي: سبع لَيَال، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَي أسبوعا، وَفِيه تَأمل. قَوْله: (وَامْرَأَته) ، اسْمهَا بسرة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة بنت غَزوَان الصحابية. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: بسرة بنت غَزوَان الَّتِي كَانَ أَبُو هُرَيْرَة أجيرها ثمَّ تزَوجهَا وَلم أر أحدا ذكرهَا. قَوْله: (يعتقبون) أَي: يتناوبون قيام اللَّيْل. قَوْله: (أَثلَاثًا) أَي: كل وَاحِد مِنْهُم يقوم بِثلث اللَّيْل وَمن كَانَ يفرغ من ثلثه يوقظ الآخر. قَوْله: (وسمعته يَقُول) ، الْقَائِل أَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ، والمسموع أَبُو هُرَيْرَة قَوْله: (إِحْدَاهُنَّ حَشَفَة) هِيَ الْفَاسِد الْيَابِس من التَّمْر، وَقيل: الضَّعِيف الَّذِي لَا نوى لَهُ. حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الصَّبَّاحِ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ زَكَرِيَّاءَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أبِي عُثْمَانَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَسَّمَ النبيُّ ﷺ ، بَيْنَنَا تَمْرا فأصابَنِي مِنْهُ خَمْسٌ أرْبَعُ ثَمَرَاتٍ وَحَشَفَةٌ، ثُمَّ رَأيْتُ الحَشَفَةَ هِيَ أشَدَّهُنَّ لِضِرْسِي. هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن مُحَمَّد بن الصَّباح بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الْبَغْدَادِيّ عَن إِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّا الخلقاني الْكُوفِي عَن عَاصِم الْأَحول عَن أبي عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (خمس) ، أَي: خمس تمرات. قَوْله: (أَربع تمرات وحشفة) ، عطف بَيَان وَيجوز أَن يكون ارتفاعه على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: هِيَ أَربع تمرات وحشفة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى أَربع تَمْرَة بِالْإِفْرَادِ، وَالْقِيَاس: تمرات، ثمَّ قَالَ: إِن كَانَت الرِّوَايَة بِرَفْع تَمْرَة فَمَعْنَاه كل وَاحِدَة من الْأَرْبَع تَمْرَة، وَأما بِالْجَرِّ فَهُوَ شَاذ على خلاف الْقيَاس نَحْو: ثَلَاثمِائَة وَأَرْبَعمِائَة. فَإِن قلت: فِي الرِّوَايَة الأولى سبع تمرات وَهنا خمس؟ قلت: قَالَ ابْن التِّين: إِمَّا أَن تكون إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وهما أَو يكون ذَلِك وَقع مرَّتَيْنِ، وَقَالَ بَعضهم: الثَّانِي بعيد لِاتِّحَاد الْمخْرج ثمَّ قَالَ: وَأجَاب الْكرْمَانِي: بِأَن لَا مُنَافَاة إِذْ التَّخْصِيص بِالْعدَدِ لَا يُنَافِي الزَّائِد، وَفِيه نظر، وإلَاّ لما كَانَ لذكره فَائِدَة وَالْأولَى أَن يُقَال: إِن الْقِسْمَة أَولا اتّفقت خمْسا خمْسا ثمَّ فضلت فقسمت ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ. فَذكر أحد الراويين مبدأ الْأَمر وَالْآخر منتهاه انْتهى. قلت: دَعْوَى هَذَا الْقَائِل: إِن الْقِسْمَة وَقعت مرَّتَيْنِ مرّة خَمْسَة خَمْسَة وَمرَّة ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ يحْتَاج إِلَى دَلِيل، وَهَذَا إِن صَحَّ يُقَوي كَلَام ابْن التِّين، أَو يكون ذَلِك مرَّتَيْنِ فَيكون قَوْله الثَّانِي بَعيدا وَبَعْدَمَا يكون يُقَال أَيْضا من هُوَ المُرَاد من أحد الراويين فَإِن كَانَ هُوَ أَبَا هُرَيْرَة فَهُوَ عين الْغَلَط على مَا لَا يخفى، وَإِن كَانَ أَبَا عُثْمَان الرَّاوِي عَنهُ أَو غَيره مِمَّن دونه فَهُوَ عين التَّعَدُّد، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من طَرِيق شُعْبَة عَن عَبَّاس الْجريرِي بِلَفْظ: أَصَابَهُم جوع فَأَعْطَاهُمْ النَّبِي ﷺ تَمْرَة تَمْرَة، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ: قسم سبع تمرات بَين سَبْعَة أَنا فيهم، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه وَأحمد من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ: أَصَابَهُم جوع وهم سَبْعَة فَأَعْطَانِي النَّبِي ﷺ سبع تمرات لكل إِنْسَان تَمْرَة، وَهَذِه الرِّوَايَات متفقة فِي الْمَعْنى لِأَنَّهُ لم تكن الْقِسْمَة إلَاّ تَمْرَة تَمْرَة، وَهَذِه تخَالف رِوَايَة البُخَارِيّ ظَاهرا، وَلَكِن لَا تخالفها فِي الْحَقِيقَة لتَعَدد الْقِصَّة، وَلَا يُنكر هَذَا إِلَّا معاند، ورد هَذَا الْقَائِل: كَلَام الْكرْمَانِي أَيْضا سَاقِط لِأَن مَا قَالَه أصل عِنْد أهل الْأُصُول. ٥٤٤١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ عَبَّاس الجُرَيْرِيِّ عَنْ أبِي عُثْمَانَ. قَالَ: تَضَيَّفْتُ أبَا هُرَيْرَةَ سَبْعا، فَكَانَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَخَادِمُهُ يَعْتَقِبُونَ اللَّيْلَ أثْلاثا يُصَلِّي هاذا ثُمَّ يُوقِظُ هاذا، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَسَمَ رَسُولَ الله ﷺ ، بَيْنَ أصْحَابِهِ تَمْرا فأصَابَنِي سَبْعُ تَمَرَاتٍ إحْدَاهُنَّ حَشَفَةٌ. الظَّاهِر أَنه أَرَادَ أَن يضع تَرْجَمَة للتمر ثمَّ أهمله إِمَّا نِسْيَانا وَإِمَّا لم يُدْرِكهُ، وَيُمكن أَن يكون سقط من النَّاسِخ بعد الْعَمَل. وعباس بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالسين الْمُهْملَة، والحريري: بِضَم الْجِيم وَفتح الرَّاء الأولى وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف نِسْبَة إِلَى جرير بن عباد أخي الْحَارِث بن عبَادَة بن ضبيعة بن قيس بن بكر بن وَائِل، وَعباد بِضَم الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة، وَأَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ. والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب مَا كَانَ النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه يَأْكُلُون، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد وَلم يذكر هُنَاكَ. قَوْله: (تضيفت) ، إِلَى قَوْله: (وسمعته يَقُول) وَمر الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (تضيفت) بضاد مُعْجمَة وَفَاء أَي: نزلت بِهِ ضيفا. قَوْله: (سبعا) ، أَي: سبع لَيَال، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَي أسبوعا، وَفِيه تَأمل. قَوْله: (وَامْرَأَته) ، اسْمهَا بسرة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة بنت غَزوَان الصحابية. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: بسرة بنت غَزوَان الَّتِي كَانَ أَبُو هُرَيْرَة أجيرها ثمَّ تزَوجهَا وَلم أر أحدا ذكرهَا. قَوْله: (يعتقبون) أَي: يتناوبون قيام اللَّيْل. قَوْله: (أَثلَاثًا) أَي: كل وَاحِد مِنْهُم يقوم بِثلث اللَّيْل وَمن كَانَ يفرغ من ثلثه يوقظ الآخر. قَوْله: (وسمعته يَقُول) ، الْقَائِل أَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ، والمسموع أَبُو هُرَيْرَة قَوْله: (إِحْدَاهُنَّ حَشَفَة) هِيَ الْفَاسِد الْيَابِس من التَّمْر، وَقيل: الضَّعِيف الَّذِي لَا نوى لَهُ. حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الصَّبَّاحِ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ زَكَرِيَّاءَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أبِي عُثْمَانَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَسَّمَ النبيُّ ﷺ ، بَيْنَنَا تَمْرا فأصابَنِي مِنْهُ خَمْسٌ أرْبَعُ ثَمَرَاتٍ وَحَشَفَةٌ، ثُمَّ رَأيْتُ الحَشَفَةَ هِيَ أشَدَّهُنَّ لِضِرْسِي. هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن مُحَمَّد بن الصَّباح بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الْبَغْدَادِيّ عَن إِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّا الخلقاني الْكُوفِي عَن عَاصِم الْأَحول عَن أبي عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (خمس) ، أَي: خمس تمرات. قَوْله: (أَربع تمرات وحشفة) ، عطف بَيَان وَيجوز أَن يكون ارتفاعه على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: هِيَ أَربع تمرات وحشفة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى أَربع تَمْرَة بِالْإِفْرَادِ، وَالْقِيَاس: تمرات، ثمَّ قَالَ: إِن كَانَت الرِّوَايَة بِرَفْع تَمْرَة فَمَعْنَاه كل وَاحِدَة من الْأَرْبَع تَمْرَة، وَأما بِالْجَرِّ فَهُوَ شَاذ على خلاف الْقيَاس نَحْو: ثَلَاثمِائَة وَأَرْبَعمِائَة. فَإِن قلت: فِي الرِّوَايَة الأولى سبع تمرات وَهنا خمس؟ قلت: قَالَ ابْن التِّين: إِمَّا أَن تكون إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وهما أَو يكون ذَلِك وَقع مرَّتَيْنِ، وَقَالَ بَعضهم: الثَّانِي بعيد لِاتِّحَاد الْمخْرج ثمَّ قَالَ: وَأجَاب الْكرْمَانِي: بِأَن لَا مُنَافَاة إِذْ التَّخْصِيص بِالْعدَدِ لَا يُنَافِي الزَّائِد، وَفِيه نظر، وإلَاّ لما كَانَ لذكره فَائِدَة وَالْأولَى أَن يُقَال: إِن الْقِسْمَة أَولا اتّفقت خمْسا خمْسا ثمَّ فضلت فقسمت ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ. فَذكر أحد الراويين مبدأ الْأَمر وَالْآخر منتهاه انْتهى. قلت: دَعْوَى هَذَا الْقَائِل: إِن الْقِسْمَة وَقعت مرَّتَيْنِ مرّة خَمْسَة خَمْسَة وَمرَّة ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ يحْتَاج إِلَى دَلِيل، وَهَذَا إِن صَحَّ يُقَوي كَلَام ابْن التِّين، أَو يكون ذَلِك مرَّتَيْنِ فَيكون قَوْله الثَّانِي بَعيدا وَبَعْدَمَا يكون يُقَال أَيْضا من هُوَ المُرَاد من أحد الراويين فَإِن كَانَ هُوَ أَبَا هُرَيْرَة فَهُوَ عين الْغَلَط على مَا لَا يخفى، وَإِن كَانَ أَبَا عُثْمَان الرَّاوِي عَنهُ أَو غَيره مِمَّن دونه فَهُوَ عين التَّعَدُّد، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من طَرِيق شُعْبَة عَن عَبَّاس الْجريرِي بِلَفْظ: أَصَابَهُم جوع فَأَعْطَاهُمْ النَّبِي ﷺ تَمْرَة تَمْرَة، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ: قسم سبع تمرات بَين سَبْعَة أَنا فيهم، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه وَأحمد من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ: أَصَابَهُم جوع وهم سَبْعَة فَأَعْطَانِي النَّبِي ﷺ سبع تمرات لكل إِنْسَان تَمْرَة، وَهَذِه الرِّوَايَات متفقة فِي الْمَعْنى لِأَنَّهُ لم تكن الْقِسْمَة إلَاّ تَمْرَة تَمْرَة، وَهَذِه تخَالف رِوَايَة البُخَارِيّ ظَاهرا، وَلَكِن لَا تخالفها فِي الْحَقِيقَة لتَعَدد الْقِصَّة، وَلَا يُنكر هَذَا إِلَّا معاند، ورد هَذَا الْقَائِل: كَلَام الْكرْمَانِي أَيْضا سَاقِط لِأَن مَا قَالَه أصل عِنْد أهل الْأُصُول. ٤١ - (بَابُ: ﴿الرُّطَبِ وَالتَّمْرِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي الرطب وَالتَّمْر، وَرُبمَا أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن التَّمْر لَهُ فضل على غَيره من الأقوات فَلذَلِك ذكر. قَوْله: ﴿وهزي إِلَيْك﴾ (مَرْيَم: ٢٥) الْآيَة على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَقد روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: بَيت لَا تمر فِيهِ جِيَاع أَهله، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب، وَالرّطب وَالتَّمْر من طيب مَا خلق الله وأباحه للعباد، وَهُوَ طَعَام أهل الْحجاز وعمدة أقواتهم، وَقد دَعَا إِبْرَاهِيم، ﵇، لتمر مَكَّة بِالْبركَةِ ودعا رَسُول الله ﷺ لتمر الْمَدِينَة بِمثل مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيم، ﵊، فَلَا تزَال الْبركَة فِي تمرهم وثمارهم إِلَى السَّاعَة. وَقد وَقع فِي كتاب ابْن بطال: بَاب الرطب بِالتَّمْرِ بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَلَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب مثل لذَلِك.

стр. 6268

وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَهُزِّي إلَيْكَ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تَسَّاقَطْ عَلَيْكَ رُطبا جَنِيا (مَرْيَم: ٢٥) [/ ح. قَوْله: ﴿هزي﴾ خطاب لِمَرْيَم أم عِيسَى ﵉ أَي: حركي جذع النَّخْلَة، وَكَانَت لَيْسَ لَهَا سعف وَلَا كرانيف وَلَا عذوق وَكَانَت فِي مَوضِع يُقَال لَهُ: بَيت لحم. وَهِي قَرْيَة قريبَة من بَيت الْمُقَدّس على ثَلَاثَة أَمْيَال، وَكَانَت لما حملت بِعِيسَى، ﵇، خَافت على نَفسهَا من قَومهَا فَخرجت مَعَ ابْن عَمها يُوسُف طالبة أَرض مصر، فَلَمَّا وصلت إِلَى النَّخْلَة وأدركها النّفاس احتضنتها النَّخْلَة وَأَحْدَقَتْ بهَا الْمَلَائِكَة فنوديت ﴿أَن لَا تحزني قد جعل رَبك تَحْتك سريا﴾ أَي: نَهرا وَلم يكن هُنَاكَ نهر وَلَا عين، وَقيل: المُرَاد بالسري عِيسَى، ﵇، وعَلى الأول الْجُمْهُور، وَقَالَ مقَاتل: لما سقط عِيسَى على الأَرْض ضرب بِرجلِهِ فنبع المَاء واطلعت النَّخْلَة وأورقت وأثمرت، وَقيل لَهَا: (وهزي إِلَيْك بجذع النَّخْلَة) أَي: حركيه ﴿تساقط عَلَيْك رطبا جنيا﴾ أَي: غضا طريا، وَقَالَ الرّبيع بن خَيْثَم: مَا للنفساء عِنْدِي خير من الرطب، وَلَا للْمَرِيض من الْعَسَل، ثمَّ قَرَأَ هَذِه الْآيَة رَوَاهُ عبد بن حميد وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو يعلى الْموصِلِي من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَفعه قَالَ: أطعموا نفساءكم الْوَلَد الرطب، فَإِن لم يكن رطب فتمر وَلَيْسَ من الشّجر شَجَرَة أكْرم على الله تَعَالَى من شَجَرَة نزلت تحتهَا مَرْيَم، ﵍، وَقِرَاءَة الْجُمْهُور: تساقط، بتَشْديد السِّين وَأَصله: تتساقط، فأبدلت من إِحْدَى التَّاءَيْنِ سين وأدغمت السِّين فِي السِّين، وَقِرَاءَة حَمْزَة بِالتَّخْفِيفِ، وَهِي رِوَايَة عَن أبي عمر، وعَلى حذف إِحْدَى التَّاءَيْنِ وفيهَا قراآت شَاذَّة. وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورِ بنِ صَفِيَّةَ: حَدَّثَتْنِي أُُمِّي عَنْ عَائِشَةَ، ﵂. قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ وَقَدْ شَبِعْنا مِنَ الأسْوَدَيْنِ: التَّمْرِ وَالمَاءِ. مطابقته هَذَا التَّعْلِيق عَن مُحَمَّد بن يُوسُف شيخ البُخَارِيّ للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. . وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَمَنْصُور بن صَفِيَّة، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَكسر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: بنت شيبَة بن عُثْمَان من بني عبد الداربن قصي، ذكرت فِي الصحابيات، روى عَنْهَا ابْنهَا مَنْصُور بن عبد الرَّحْمَن بن طَلْحَة بن الْحَارِث بن طَلْحَة بن أبي طَلْحَة الحَجبي. والْحَدِيث قد مر عَن قريب فِي: بَاب من أكل حَتَّى شبع، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَإِطْلَاق الْأسود على المَاء من بَاب التغليب، وَكَذَلِكَ الشِّبَع مَكَان الرّيّ. ٤١ - (بَابُ: ﴿الرُّطَبِ وَالتَّمْرِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي الرطب وَالتَّمْر، وَرُبمَا أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن التَّمْر لَهُ فضل على غَيره من الأقوات فَلذَلِك ذكر. قَوْله: ﴿وهزي إِلَيْك﴾ (مَرْيَم: ٢٥) الْآيَة على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَقد روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: بَيت لَا تمر فِيهِ جِيَاع أَهله، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب، وَالرّطب وَالتَّمْر من طيب مَا خلق الله وأباحه للعباد، وَهُوَ طَعَام أهل الْحجاز وعمدة أقواتهم، وَقد دَعَا إِبْرَاهِيم، ﵇، لتمر مَكَّة بِالْبركَةِ ودعا رَسُول الله ﷺ لتمر الْمَدِينَة بِمثل مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيم، ﵊، فَلَا تزَال الْبركَة فِي تمرهم وثمارهم إِلَى السَّاعَة. وَقد وَقع فِي كتاب ابْن بطال: بَاب الرطب بِالتَّمْرِ بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَلَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب مثل لذَلِك. وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَهُزِّي إلَيْكَ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تَسَّاقَطْ عَلَيْكَ رُطبا جَنِيا (مَرْيَم: ٢٥) [/ ح. قَوْله: ﴿هزي﴾ خطاب لِمَرْيَم أم عِيسَى ﵉ أَي: حركي جذع النَّخْلَة، وَكَانَت لَيْسَ لَهَا سعف وَلَا كرانيف وَلَا عذوق وَكَانَت فِي مَوضِع يُقَال لَهُ: بَيت لحم. وَهِي قَرْيَة قريبَة من بَيت الْمُقَدّس على ثَلَاثَة أَمْيَال، وَكَانَت لما حملت بِعِيسَى، ﵇، خَافت على نَفسهَا من قَومهَا فَخرجت مَعَ ابْن عَمها يُوسُف طالبة أَرض مصر، فَلَمَّا وصلت إِلَى النَّخْلَة وأدركها النّفاس احتضنتها النَّخْلَة وَأَحْدَقَتْ بهَا الْمَلَائِكَة فنوديت ﴿أَن لَا تحزني قد جعل رَبك تَحْتك سريا﴾ أَي: نَهرا وَلم يكن هُنَاكَ نهر وَلَا عين، وَقيل: المُرَاد بالسري عِيسَى، ﵇، وعَلى الأول الْجُمْهُور، وَقَالَ مقَاتل: لما سقط عِيسَى على الأَرْض ضرب بِرجلِهِ فنبع المَاء واطلعت النَّخْلَة وأورقت وأثمرت، وَقيل لَهَا: (وهزي إِلَيْك بجذع النَّخْلَة) أَي: حركيه ﴿تساقط عَلَيْك رطبا جنيا﴾ أَي: غضا طريا، وَقَالَ الرّبيع بن خَيْثَم: مَا للنفساء عِنْدِي خير من الرطب، وَلَا للْمَرِيض من الْعَسَل، ثمَّ قَرَأَ هَذِه الْآيَة رَوَاهُ عبد بن حميد وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو يعلى الْموصِلِي من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَفعه قَالَ: أطعموا نفساءكم الْوَلَد الرطب، فَإِن لم يكن رطب فتمر وَلَيْسَ من الشّجر شَجَرَة أكْرم على الله تَعَالَى من شَجَرَة نزلت تحتهَا مَرْيَم، ﵍، وَقِرَاءَة الْجُمْهُور: تساقط، بتَشْديد السِّين وَأَصله: تتساقط، فأبدلت من إِحْدَى التَّاءَيْنِ سين وأدغمت السِّين فِي السِّين، وَقِرَاءَة حَمْزَة بِالتَّخْفِيفِ، وَهِي رِوَايَة عَن أبي عمر، وعَلى حذف إِحْدَى التَّاءَيْنِ وفيهَا قراآت شَاذَّة. وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورِ بنِ صَفِيَّةَ: حَدَّثَتْنِي أُُمِّي عَنْ عَائِشَةَ، ﵂. قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ وَقَدْ شَبِعْنا مِنَ الأسْوَدَيْنِ: التَّمْرِ وَالمَاءِ. مطابقته هَذَا التَّعْلِيق عَن مُحَمَّد بن يُوسُف شيخ البُخَارِيّ للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. . وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَمَنْصُور بن صَفِيَّة، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَكسر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: بنت شيبَة بن عُثْمَان من بني عبد الداربن قصي، ذكرت فِي الصحابيات، روى عَنْهَا ابْنهَا مَنْصُور بن عبد الرَّحْمَن بن طَلْحَة بن الْحَارِث بن طَلْحَة بن أبي طَلْحَة الحَجبي. والْحَدِيث قد مر عَن قريب فِي: بَاب من أكل حَتَّى شبع، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَإِطْلَاق الْأسود على المَاء من بَاب التغليب، وَكَذَلِكَ الشِّبَع مَكَان الرّيّ. ٥٤٤٣ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ حدَّثنا أبُو غَسَّانَ. قَالَ: حدَّثني أبُو حَازِمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي رَبِيعَةَ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله ﵄، قَالَ: كَانَ بِالمَدِينَةِ يَهُودِي وَكَانَ يُسْلِفُنِي فِي تَمْرِي إلَى الجِذَاذِ، وَكَانَتْ لِجَابِرٍ الأرْضُ الَّتِي بِطَرِيقِ رُومَةَ، فَجَلَسَتْ نَخْلاً عَاما فَجَاءَنِي اليَهُودِيُّ عِنْدَ الجِذَاذِ وَلَمْ أجُذَّ مِنْهَا شَيْئا، فَجَعَلْتُ أسْتَنْظِرُهُ إلَى قَابِلٍ فَيَأْتِي، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النبيُّ ﷺ ، فَقَالَ لأصْحَابِهِ: امْشوا نَسْتَنْظِر لِجابِرٍ مِنَ اليَهُودِيِّ فَجَاؤُنِي فِي نَخْلِي، فَجَعَلَ النبيُّ ﷺ ، يِكَلِّمُ اليَهُودِيَّ فَيَقُولُ: أبَا القَاسِمِ لَا أُنْظِرُهُ! فَلَمَّا رَآهُ النبيُّ، ﷺ ، قَامَ فَطَافَ فِي النَّخْلِ ثُمَّ جَاءَهُ فَكَلَّمَهُ فَأبَى. فَقُمْتُ فَجِئْتُ بِقَلِيلٍ رُطِبٍ فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَي النبيِّ، ﷺ ، فَأكَلَ ثُمَّ قَالَ: أيْنَ عَرِيشُكَ يَا جَابِرُ؟ فَأخْبَرْتُهُ فَقَالَ: افْرُشْ لِي فِيهِ فَفَرَشْتُهُ فَدَخَلَ فَرَقَدَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، فَجِئْتُهُ بِقَبْضَةٍ أُخْرَى فَأكَلَ مِنْها ثُمَّ قَامَ فَكَلَمَ اليَهُودِيُّ فَأبَى عَلَيْهِ فَقَامَ فِي الرِّطابِ فِي النَّخْلِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: يَا جَابِرُ خُذُّ وَاقْضِ فَوَقَفَ فِي الجَذَاذِ

стр. 6269

فَجَذَذْتُ مِنْهَا مَا قَضَيْتُهُ وَفَضَلَ مِثْلُهُ فَخَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ النبيَّ ﷺ فَبَشَّرْتُهُ. فَقَالَ: أشْهَدُ أنِّي رَسُولُ الله. مطابقته للجزء الأول من التَّرْجَمَة فِي ذكر الرطب فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَأَبُو غَسَّان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة وبالنون اسْمه مُحَمَّد بن مطرف، وَأَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار، وَإِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي، وَاسم أبي ربيعَة عَمْرو، وَيُقَال: حُذَيْفَة، وَكَانَ يلقب ذَا الرمحين، وَهُوَ من مسلمة الْفَتْح وَولى الْجند من بِلَاد الْيمن لعمر ابْن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. فَلم يزل بهَا حَتَّى جَاءَ لسنة حصر عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لِيَنْصُرهُ فَسقط عَن رَاحِلَته فَمَاتَ ولإبراهيم عَنهُ رِوَايَة فِي النَّسَائِيّ قَالَ أَبُو حَاتِم: إِنَّهَا مُرْسلَة وَلَيْسَ لإِبْرَاهِيم فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَأمه أم كُلْثُوم بنت أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَله رِوَايَة عَن أمه وخالته عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهَذَا من أَفْرَاده، وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْقَاسِم: حَدثنَا يحيى بن صاعد حَدثنَا أَحْمد بن مَنْصُور وَسَعِيد بن أبي مَرْيَم بِهِ سَوَاء، ثمَّ قَالَ: هَذِه الْقِصَّة رَوَاهَا المعروفون فِيمَا كَانَ على أبي جَابر، وَالسَّلَف إِلَى الْجذاذ مِمَّا لَا يُجِيزهُ البُخَارِيّ وَغَيره فَفِي هَذَا الْإِسْنَاد نظر، وَكَذَا قَالَ ابْن التِّين: الَّذِي فِي أَكثر الْأَحَادِيث أَن الدّين كَانَ على وَالِد جَابر، وَأجِيب بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْإِسْنَاد من ينظر فِي حَاله سوى إِبْرَاهِيم، وَقد ذكره ابْن حبَان فِي (ثِقَات التَّابِعين) وروى عَنهُ أَيْضا وَلَده إِسْمَاعِيل وَالزهْرِيّ. قلت: قَالَ ابْن الْقطَّان: لَا يعرف حَاله وَأجِيب: عَن قَوْله: وَالسَّلَف إِلَى الْجذاذ مِمَّا لَا يُجِيزهُ البُخَارِيّ بِأَنَّهُ يُعَارضهُ الْأَمر بالسلم إِلَى أجل مَعْلُوم فَيحمل على أَنه وَقع فِي الِاقْتِصَار على الْجذاذ اختصارا وَأَن الْوَقْت كَانَ فِي الأَصْل معينا. وَمن قَوْله: هَذِه الْقِصَّة رَوَاهَا المعروفون فِيهَا كَانَ على أبي جَابر، بِأَن الْقِصَّة مُتعَدِّدَة فَفعل ﷺ فِي النّخل الْمُخْتَص بجابر فِيمَا كَانَ عَلَيْهِ من الدّين كَمَا فعل فِيمَا كَانَ على وَالِده من الدّين، وَالله أعلم. قَوْله: (يسلفني) ، بِضَم الْيَاء، من الإسلاف. قَوْله: (إِلَى الْجذاذ) ، بِكَسْر الْجِيم وَيجوز فتحهَا وبالذال الْمُعْجَمَة وَيجوز أهمالها أَي: زمن قطع ثَمَر النّخل وَهُوَ الصرام. قَوْله: (وَكَانَت لجَابِر الأَرْض الَّتِي بطرِيق رومة) ، فِيهِ الْتِفَات من الحضرة إِلَى الْغَيْبَة، وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: وَكَانَت لي الأَرْض الَّتِي بطرِيق رومة. فَإِن قلت: هَل يجوز أَن يكون مدرجا من كَلَام الرَّاوِي؟ قلت: يمنعهُ مَا رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق الرَّمَادِي عَن سعيد بن أبي مَرْيَم شيخ البُخَارِيّ فِيهِ: وَكَانَت الأَرْض لي بطرِيق رومة، بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْوَاو، وَهِي الْبِئْر الَّتِي اشْتَرَاهَا عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وسبلها، وَهِي فِي نفس الْمَدِينَة. وَقيل: إِن رومة رجل من بني غفار كَانَت لَهُ الْبِئْر قبل أَن يَشْتَرِيهَا عُثْمَان فنسبت إِلَيْهِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: رومة بِضَم الرَّاء مَوضِع، وَفِي بَعْضهَا بِضَم الدَّال الْمُهْملَة بدل الرَّاء ولعلها دومة الجندل، وَقَالَ بَعضهم وَنقل الْكرْمَانِي: أَن فِي بعض الرِّوَايَات دومة بدال بدل الرَّاء ولعلها دومة الجندل قَالَ: وَهَذَا بَاطِل، لِأَن دومة الجندل إِذْ ذَاك لم تكن فتحت حَتَّى يُمكن أَن يكون لجَابِر فِيهَا أَرض انْتهى. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه بَاطِل لِأَن الَّذِي فِي الحَدِيث بطرِيق رومة، وَهَذَا ظَاهر، وَأما رِوَايَة الدَّال فمعناها: كَانَت لجَابِر أَرض كائنة بِالطَّرِيقِ الَّتِي يُسَافر مِنْهَا إِلَى دومة: الجندل، وَلَيْسَ مَعْنَاهَا الَّتِي بدومة الجندل حَتَّى يُقَال: لِأَن دومة الجندل إِذْ ذَاك لم تكن فتحت، ودومة الجندل على عشر مراحل من الْمَدِينَة. قَوْله: (فَجَلَست) ، كَذَا هُوَ بِالْجِيم وَاللَّام فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ وَأبي ذَر، وَعَلِيهِ أَكثر الروَاة، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الأَرْض أَي: فَجَلَست الأَرْض من الأثمار نخلا بالنُّون وَالْخَاء الْمُعْجَمَة أَي: من جِهَة النّخل قَالَ عِيَاض: وَكَانَ أَبُو مَرْوَان من سراج يصوب هَذِه الرِّوَايَة إلَاّ أَنه يضبطها على صِيغَة الْمُتَكَلّم بِضَم التَّاء ويفسره أَي: تَأَخَّرت عَن الْقَضَاء، وَيَقُول: فَخَلا، بِالْفَاءِ وَالْخَاء الْمُعْجَمَة وَاللَّام الْمُشَدّدَة من التَّخْلِيَة. أَي: تَأَخّر السّلف عَاما. وَقَالَ: وَوَقع للأصيلي: فحبست، بحاء مُهْملَة ثمَّ بَاء مُوَحدَة على صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي رِوَايَة أبي الْهَيْثَم فخاست، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَبعد الْألف سين مُهْملَة يَعْنِي: خَالَفت

стр. 6270

معهودها وَحملهَا يُقَال: خاس فلَان عَهده إِذا خانه أَو تغير عَن عَادَته وخاس الشَّيْء إِذا تغير، وروى خنست، بخاء مُعْجمَة ثمَّ نون أَي: تَأَخَّرت. قَوْله: (وَلم أجد) ، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْجِيم وَتَشْديد الدَّال وَيجوز فِي مثل هَذِه الْمَادَّة ثَلَاثَة أوجه: الْفَتْح فِي آخِره وَالْكَسْر وَفك الْإِدْغَام. قَوْله: (استنظره) ، أَي: اطلب مِنْهُ أَن ينظرني إِلَى قَابل أَي: عَام آتٍ. قَوْله: (فيأبى) ، أَي: فَيمْتَنع الْيَهُودِيّ عَن النظرة. قَوْله: (فَأخْبر) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمَاضِي، قيل: يحْتَمل أَن يكون بِضَم الرَّاء على صِيغَة نفس الْمُتَكَلّم من الْمُضَارع وَالضَّمِير فِيهِ لجَابِر، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي نعيم (الْمُسْتَخْرج) فَأخْبرت. قَوْله: (أَبَا الْقَاسِم) ، أَي: يَا أَبَا الْقَاسِم فَحذف مِنْهُ حرف النداء. قَوْله: (عريشك) ، الْعَريش مَا يستظل بِهِ عِنْد الْجُلُوس تَحْتَهُ، وَقيل: الْبناء، على مَا يَجِيء الْآن أَرَادَ أَيْن الْمَكَان الَّذِي اتخذته فِي بستانك لتستظل بِهِ وَتقبل فِيهِ؟ قَوْله: (فَجِئْته) ، أَي: النَّبِي، ﷺ . قَوْله: (قَبْضَة أُخْرَى) ، أَي: من الرطب. قَوْله: (فَقَامَ فِي الرطاب فِي النّخل الثَّانِيَة) ، بِالنّصب أَي: الْمرة الثَّانِيَة، وَلَا يظنّ أَنه صفة النّخل لِأَنَّهُ مَا ثمَّ إلَاّ نحل وَاحِد. قَوْله: (جد) ، بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الدَّال الْمَفْتُوحَة. وَهُوَ أَمر من جد يجد، وَيجوز فِيهِ أَيْضا الْأَوْجه الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة، وَلَا يدْرك طعم هَذَا إلَاّ من لَهُ يَد فِي علم الصّرْف. قَوْله: (وأقض) ، أَمر من الْقَضَاء. أَي: افض الدّين الَّذِي عَلَيْك، يَعْنِي: أوفه لِلْيَهُودِيِّ. قَوْله: (وَفضل مثله) ، أَي: مثل الدّين، ويروى: وَفضل مِنْهُ. قَوْله: (أشهد أَنِّي رَسُول الله) ، إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن فِيهِ خرق الْعَادة الظَّاهِرَة، وَهُوَ دَلِيل من أَدِلَّة النُّبُوَّة وَعلم من أعلامها حَيْثُ قضى بِالْقَلِيلِ الَّذِي لم يكن يَفِي بِدِينِهِ تَمام الدّين وَفضل مِنْهُ مثله. (عَرْشٌ وَعَرِيشٌ بِناءٌ. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: مَعْرُوشاتٍ مَا يُعَرِشُ مِنَ الكُرُومِ وَغَيْرِ ذالِكَ، يُقالُ: عُرُوشُها أبْنِيَتُها قَالَ مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ: قَالَ أبُو جَعْفَرِ: قَالَ مُحَمَّدُ بنُ إسْمَاعِيلَ فَخَلَّى لَيْسَ عِنْدِي مُقيَّدا ثُمَّ قَالَ: نَخْلاً لَيْسَ فِيهِ شَكٌّ) . هَذَا كُله لم يثبت إلَاّ للمستملي. قَوْله: (عرش وعريش بِنَاء) يَعْنِي: أَن الْعَرْش بِفَتْح الْعين وَسُكُون الرَّاء، وعريش بِكَسْر الرَّاء بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة مَعْنَاهُمَا بِنَاء هَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة. قَوْله: (وَقَالَ ابْن عَبَّاس: معروشات) قد مر هَذَا فِي آخر تَفْسِير سُورَة الْأَنْعَام. قَوْله: (يُقَال: عروشها أبنيتها) أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿خاوية على عرشها﴾ (الْبَقَرَة: ٢٥٩) أَي: على أبنيتها، وَهُوَ تَفْسِير أبي عُبَيْدَة أَيْضا. وَمُحَمّد بن يُوسُف هُوَ الْفربرِي، وَأَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن أبي حَاتِم، وَمُحَمّد بن إِسْمَاعِيل هُوَ البُخَارِيّ قَوْله: (فَخَلا لَيْسَ عِنْدِي مُقَيّدا) أَي: مضبوطا، ثمَّ قَالَ: (نخلا) يَعْنِي: بالنُّون وَالْخَاء الْمُعْجَمَة (لَيْسَ فِيهِ شكّ) هَذَا هُوَ الَّذِي يظْهر، وَالله أعلم. ٤٢ - (بَابُ: ﴿أكْلِ الجُمَّارِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أكل الْجمار، وَهُوَ بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْمِيم جمع جمارة، وَهِي قلب النَّخْلَة وشحمتها. ٥٤٤٤ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ بنِ غَيَّاثٍ حدَّثنا أبِي حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ: حدَّثني مُجاهِدٌ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ، ﵄. قَالَ: بَيْنا نَحْنُ عِنْدَ النبيِّ ﷺ ، جُلُوسٌ إذْ أُتِيَ بِجُمَّارِ نَخْلَةٍ. فَقَالَ النبيُّ ﷺ : إنّ مِنَ الشَّجَرِ لما بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ المُسْلِمِ فَظَنَنْتُ أنَّهُ يَعْنِي النَّخْلَةِ، فَأرَدْتُ أنْ أقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ يَا رَسُولَ الله؟ ثُمَّ الْتَفَتُّ فَإذا أنَا عَاشِرُ عَشْرَةٍ أنَا أحْدَثُّهُمْ فَسَكَتُّ فَقَالَ النبيُّ ﷺ : هِيَ النَّخْلَةُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. من حَدِيث ذكر الْجمار، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر أكلهَا، وَلَكِن من الْمَعْلُوم أَنه إِنَّمَا أَتَى بهَا إِلَى النَّبِي ﷺ لأجل أكلهَا. وَهَذَا الحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْعلم فَإِنَّهُ أخرجه فِيهِ فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع: الأول: فِي: بَاب قَول الْمُحدث حَدثنَا قُتَيْبَة عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر. وَالثَّانِي: فِي: بَاب طرح الإِمَام الْمَسْأَلَة عَن خَالِد بن مخلد عَن سُلَيْمَان عَن عبد الله بن دِينَار. الثَّالِث: بَاب الْفَهم فِي الْعلم، عَن عَليّ عَن سُفْيَان عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد. الرَّابِع: فِي: بَاب الْحيَاء فِي الْعلم، عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك عَن عبد الله بن دِينَار، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (لما بركته) كلمة مَا زَائِدَة وَاللَّام للتَّأْكِيد ويروى: لَهَا بركَة أَي: للشجر فأنث بِاعْتِبَار النَّخْلَة أَو نظرا إِلَى اعْتِبَار الْجِنْس. قَوْله: (فَظَنَنْت أَنه) أَي: أَن النَّبِي ﷺ يَعْنِي أَي: يقْصد النَّخْلَة. قَوْله: (أحدثهم) أَي: أَصْغَرهم سنا، فَسكت رِعَايَة لحق الأكابر.

стр. 6271

٤٣ - (بَابُ: ﴿العَجْوَةِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فضل الْعَجْوَة على غَيرهَا من التَّمْر وَفِي (التَّرْغِيب) على أكلهَا وَهِي بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم وَهِي أَجود تمر الْمَدِينَة ويسمونه: لينَة، وَقيل: هِيَ أكبر من الصيحاني يضْرب إِلَى السوَاد، وَذكر ابْن التِّين أَن الْعَجْوَة غرس النَّبِي ﷺ . ٥٤٤٥ - حدَّثنا جُمْعَةُ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا مَرْوَانُ أخبرنَا هَاشِمُ بنُ هَاشِمٍ أخْبَرنا عَامِرُ بنُ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : مَنْ تَصَبَّحَ كلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةٍ لَمْ يَضُرَّهُ فِي ذالِكَ اليَوْمِ سُمٌّ وَلا سِحْرٌ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وجمعة، بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْمِيم: ابْن عبد الله بن زِيَاد بن شَدَّاد السّلمِيّ أَبُو بكر الْبَلْخِي، وَيُقَال: اسْمه يحيى وجمعة لقب، وَيُقَال لَهُ أَيْضا: أَبُو خاقَان وَكَانَ من أَئِمَّة الرَّأْي أَولا ثمَّ صَار من أَئِمَّة الحَدِيث. قَالَ ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) : مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ بل وَلَا فِي الْكتب السِّتَّة سوى هَذَا الحَدِيث، ومروان هُوَ ابْن مُعَاوِيَة الْفَزارِيّ بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الزَّاي وبالراء، وهَاشِم بن هَاشم بن عتبَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق ابْن أبي وَقاص الزُّهْرِيّ، وعامر بن سعد يروي عَن أَبِيه سعد بن أبي وَقاص، وَأَبُو وَقاص اسْمه مَالك بن أهيب الزُّهْرِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ عَن عَليّ بن عبد الله وَأخرجه مُسلم فِي الْأَطْعِمَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطِّبّ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَغَيره. قَوْله: (من تصبح) ، أَي: أكل صباحا قبل أَن يَأْكُل شَيْئا. قَوْله: (عَجْوَة) ، مجرور بِالْإِضَافَة من إِضَافَة الْعَام إِلَى الْخَاص، ويروى: عَجْوَة بِالنّصب على التَّمْيِيز. قَوْله: (لم يضرّهُ) ، بِضَم الضَّاد وَتَشْديد الرَّاء من الضَّرَر، ويروى: لم يضرّهُ، بِكَسْر الضَّاد وَسُكُون الرَّاء من ضاره يضيره ضيرا إِذا أضره. قَوْله: (سم) ، يجوز الحركات الثَّلَاث فِي السِّين، وَقَالَ الْخطابِيّ: كَونهَا عوذة من السحر والسم إِنَّمَا هُوَ من طَرِيق التَّبَرُّك لدَعْوَة سلفت من النَّبِي ﷺ فِيهَا، لَا لِأَن من طبع التَّمْر ذَلِك. وَقَالَ النَّوَوِيّ: تَخْصِيص من عَجْوَة الْمَدِينَة وَعدد السَّبع من الْأُمُور الَّتِي علمهَا الشَّارِع وَلَا نعلم نَحن حكمتها فَيجب الْإِيمَان بهَا وَهُوَ كأعداد الصَّلَوَات وَنصب الزَّكَاة، وَقَالَ الْمظهر: يجوز أَن يكون فِي ذَلِك النَّوْع مِنْهُ هَذِه الخاصية، وَفِي (الْعِلَل الْكَبِير: الدَّارَقُطْنِيّ: من أكل مِمَّا بَين لابثي الْمَدِينَة سبع تمرات على الرِّيق، وَفِي لفظ: من عَجْوَة الْعَالِيَة الحَدِيث، وروى الدَّارمِيّ بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: فِي عَجْوَة الْعَالِيَة شِفَاء أَو ترياق أول البكرة على الرِّيق، وَعَن شهر بن حَوْشَب عَن أبي سعيد وَأبي هررة رَفَعَاهُ الْعَجْوَة من الْجنَّة وفيهَا شِفَاء من السم، وَعَن مشمعل بن إِيَاس: حَدثنِي عَمْرو بن سليم حَدثنِي، رَافع بن عَمْرو الْمُزنِيّ مَرْفُوعا: الْعَجْوَة والصخرة من الْجنَّة، روى ابْن عدي من حَدِيث الطفَاوِي عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة مَرْفُوعا، يمْنَع من الجذام أَن يَأْخُذ سبع تمرات من عَجْوَة الْمَدِينَة كل يَوْم يفعل ذَلِك سَبْعَة أَيَّام ثمَّ قَالَ: لَا أعلم رَوَاهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد غير الطفَاوِي، وَله غرائب وإفرادات وَكلهَا يحْتَمل وَلم أر للْمُتَقَدِّمين فِيهِ كلَاما. قلت: قَالَ ابْن معِين: فِيهِ صَالح. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق، والطفاوي بِضَم الطَّاء وَتَخْفِيف الْفَاء نِسْبَة إِلَى بني طفاوة وَقيل: الطفاوة منزل بِالْبَصْرَةِ، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ فِي قَوْله ﷺ : من عَجْوَة الْمَدِينَة تَخْصِيص الْمَدِينَة، أما لما فِيهَا من الْبركَة الَّتِي حصلت فِيهَا بدعائه أَو لِأَن تمرها أوفق لمزاجه من أجل قعوده بهَا. ٤٤ - (بَابُ: ﴿القِرَانِ فِي التَّمْرِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْقرَان فِي التَّمْر وَلم يذكر حكمه اكْتِفَاء بِالَّذِي ذكره فِي حَدِيث الْبَاب، وَهُوَ أَنه ﷺ نهى عَنهُ وَالْقرَان: بِكَسْر الْقَاف من قرن بَين الشَّيْئَيْنِ يقرن ويقرن بِضَم الرَّاء وَكسرهَا قرانا وَالْمرَاد ضم تَمْرَة إِلَى تَمْرَة لمن أكل مَعَ جمَاعَة، وَقد ورد فِي لفظ الحَدِيث الْقرَان والإقران من أقرن، وَالْمَشْهُور اسْتِعْمَاله ثلاثيا وَعَلِيهِ اقْتصر الْجَوْهَرِي. وَحكى ابْن الْأَثِير: الإقران.

стр. 6272

٥٤٤٦ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ حدَّثنا جَبَلَةُ بنُ سُحَيْمٍ قَالَ: أصابَنا عَامُ سَنةٍ مَعَ ابنِ الزُّبَيْرِ رُزِقَنا تَمْرا فَكَانَ عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ يَمُرُّ بِنا وَنَحْنُ نَأْكُلُ وَيَقُولُ: لَا تُقارِنُوا فَإنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عَنِ القِرَانِ، ثُمَّ يَقُولُ: إلَاّ أنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أخاهُ. قَالَ شُعْبَةُ: الإذْنُ مِنْ قَوْلِ ابنِ عُمَرَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وجبلة بِفَتْح الْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْخَفِيفَة، من سحيم، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف التَّابِعِيّ الْكُوفِي الثِّقَة مَاله فِي البُخَارِيّ عَن غير ابْن عمر شَيْء. والْحَدِيث قد مضى فِي الْمَظَالِم عَن حَفْص ابْن عمر، وَفِي الشّركَة عَن أبي الْوَلِيد. وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (عَام سنة) بِالْإِضَافَة أَي: عَام قحط وَغَلَاء. قَوْله: (مَعَ ابْن الزبير) ، وَهُوَ عبد الله بن الزبير بن الْعَوام أَرَادَ أَيَّامه فِي الْحجاز. قَوْله: (رزقنا) ، ويروى: فرزقنا بِالْفَاءِ أَي أَعْطَانَا فِي أرزاقنا. وَهُوَ الْقدر الَّذِي كَانَ يصرف لَهُم فِي كل سنة من الْخراج وَغَيره بدل النَّقْد تَمرا لقلَّة النَّقْد إِذْ ذَاك بِسَبَب المجاعة الَّتِي حصلت. قَوْله: (وَنحن نَأْكُل) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (لَا تقارنوا) وَفِي رِوَايَة أبي الْوَلِيد فِي الشّركَة. فَيَقُول: لَا تقرنوا، وَكَذَا لأبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) قَوْله: (نهى عَن الْقرَان) وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: عَن الإقران من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ قَوْله: (أَخَاهُ) أَي: صَاحبه الَّذِي اشْترك مَعَه فِي أكل التَّمْر، فَإِذا أذن لَهُ فِي ذَلِك جَازَ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: اخْتلفُوا فِي هَذَا النَّهْي: هَل هُوَ على التَّحْرِيم أَو الْكَرَاهَة؟ الصَّوَاب: التَّفْصِيل فَإِن كَانَ الطَّعَام مُشْتَركا بَينهم فالقران حرَام إلَاّ برضاهم، وَيحصل بتصريحهم أَو بِمَا يقوم مقَامه من قرينَة حَال بِحَيْثُ يغلب على الظَّن ذَلِك، وَإِن كَانَ الطَّعَام لغَيرهم حرم، وَإِن كَانَ لأَحَدهم وَأذن لَهُم فِي الْأكل اشْترط وَيحرم بِغَيْرِهِ، وَذكر الْخطابِيّ: أَن شَرط هَذَا الاسْتِئْذَان إِنَّمَا كَانَ فِي زمنهم حَيْثُ كَانُوا فِي قلَّة من الشَّيْء فأمَّا الْيَوْم مَعَ اتساع الْحَال لَا يحْتَاج إِلَى الاسْتِئْذَان، وَاعْترض عَلَيْهِ النَّوَوِيّ بِأَن الصَّوَاب التَّفْصِيل لِأَن الْعبْرَة لعُمُوم اللَّفْظ لَا لخُصُوص السَّبَب لَو ثَبت السَّبَب كَيفَ وَهُوَ غير ثَابت؟ وَيُقَوِّي هَذَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه الْبَزَّار من طَرِيق الشّعبِيّ عَنهُ قَالَ: قسم رَسُول الله ﷺ تَمرا بَين أَصْحَابه فَكَانَ بَعضهم يقرن فَنهى رَسُول الله ﷺ أَن يقرن إلاّ بِإِذن أَصْحَابه، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) بِلَفْظ: كنت فِي الصّفة فَبعث إِلَيْنَا النَّبِي ﷺ بِتَمْر عَجْوَة. فَسَكَبت بَيْننَا وَكُنَّا نقرن الثِّنْتَيْنِ من الْجُوع، فَكُنَّا إِذا قرن أَحَدنَا قَالَ لأَصْحَابه: أَنِّي قد قرنت فأقرنوا، قَالَ هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ، وَقَالَ الْبَزَّار: لم يروه عَن عَطاء بن السَّائِب عَن الشّعبِيّ إلَاّ جرير بن عبد الحميد، وَرَوَاهُ عمرَان بن عُيَيْنَة عَن عَطاء عَن مُحَمَّد بن عجلَان عَن أبي هُرَيْرَة انْتهى. قَالَ: شَيخنَا وَعَطَاء بن السَّائِب تغير حفظه بِآخِرهِ، وَجَرِير مِمَّن روى عَنهُ بعد اخْتِلَاطه، قَالَه أَحْمد بن حَنْبَل: فَلَا يَصح الحَدِيث إِذا وَالله أعلم. فَإِن قلت: روى الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من رِوَايَة يزِيد بن يزِيغ عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : كنت نَهَيْتُكُمْ عَن الإقران فِي التَّمْر، فَإِن الله قد وسع عَلَيْكُم فأقرنوا. قلت: يزِيد بن يزِيغ ضعفه يحيى بن معِين وَالدَّارَقُطْنِيّ. قَوْله: (قَالَ شُعْبَة: الْإِذْن من قَول ابْن عمر) ، هُوَ مَوْصُول بالسند الَّذِي قبله، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه مدرج، وَالْحَاصِل أَن أَصْحَاب شُعْبَة اخْتلفُوا فأكثرهم رَوَاهُ عَنهُ. مدرجا وَطَائِفَة مِنْهُم رووا عَنهُ التَّرَدُّد فِي كَون هَذِه الزِّيَادَة مَرْفُوعَة أَو مَوْقُوفَة. وآدَم فِي رِوَايَة البُخَارِيّ جزم عَن شُعْبَة بِأَن هَذِه الزِّيَادَة من قَول ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. ٤٥ - (بَابُ: ﴿القثَّاء ٢٧﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذكر القثاء، وَهَذِه التَّرْجَمَة زَائِدَة لَا فَائِدَة تحتهَا لِأَنَّهُ ذكر عَن قريب: بَاب الرطب بالقثاء، وَذكر الحَدِيث الَّذِي ذكره فِي هَذَا الْبَاب وَالِاخْتِلَاف بَينهمَا فِي شَيْخه فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله، وَهنا عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله، وَكِلَاهُمَا عَن إِبْرَاهِيم بن سعد. ٥٤٤٧ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ: حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ. قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ جَعْفَرٍ قَالَ: رَأيْتُ النبيَّ ﷺ يَأكُلُ الرُّطَبَ بِالْقِثَّاءِ.

стр. 6273

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: بالقثاء وَإِسْمَاعِيل بن عبد الله هُوَ إِسْمَاعِيل بن أويس، وَهنا صرح سعد وَالِد إِبْرَاهِيم بِالسَّمَاعِ عَن عبد الله بن جَعْفَر وَهُنَاكَ روى بالعنعنة. فَافْهَم. ٤٦ - (بَابُ: ﴿بَرَكَةِ النَّخْلِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان بركَة النّخل. ٥٤٤٨ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ طَلْحَةَ عَنْ زُبَيْدٍ عَنْ مجاهِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عُمَرُ عَنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: مِنَ الشَّجَرِ تَكُونُ مِثْلَ المُسْلِمِ وَهِيَ النَّخْلَةُ. هَذَا الحَدِيث قد مر عَن قريب فِي: بَاب أكل الْجمار، وَقد أنهينا الْكَلَام هُنَاكَ. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وزبيد بِضَم الزَّاي وَفتح الْيَاء الْمُوَحدَة وَالْبَاء آخر الْحُرُوف الساكنة وبالدال الْمُهْملَة مصغر الزّبد. ٤٧ - (بَابُ: ﴿جَمْعِ اللَّوْنَيْنِ أوْ الطَّعامَيْنِ بِمَرَّةٍ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم جمع اللونين أَو الطعامين بِمرَّة. أَي: فِي حَالَة وَاحِدَة. وَهَذِه التَّرْجَمَة سَقَطت. وحديثها من رِوَايَة النَّسَفِيّ وَلم يذكرهما الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضا. قَالَ الْمُهلب: لَا أعلم من نهى عَن خلط الْأدم إلَاّ شَيْئا يرْوى عَن عمر وَيُمكن أَن يكون ذَلِك من السَّرف، وَالله أعلم، لِأَنَّهُ كَانَ يُمكن أَن يأتدم بِأَحَدِهِمَا وَيرْفَع لآخر إِلَى مرّة أُخْرَى، وَلم يحرم ذَلِك عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لأجل الِاتِّبَاع فِي أكل الرطب بالقثاء والقديد مَعَ الدُّبَّاء، وَقد رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ مَا يبين هَذَا روى عبد الله بن عمر القواريري: حَدثنَا حَمْزَة بن نجيح الرقاشِي حَدثنَا سَلمَة بن حبيب عَن أهل بَيت رَسُول الله ﷺ أَنه، ﵊، نزل بقباء ذَات يَوْم وَهُوَ صَائِم فانتظره رجل يُقَال لَهُ: أَوْس بن خولي، حَتَّى إِذا دنا إفطاره أَتَاهُ بقدح فِيهِ لبن وَعسل، فَنَاوَلَهُ ﷺ قدامه فَوَضعه على الأَرْض. ثمَّ قَالَ: يَا أَوْس بن خولي مَا شرابك هَذَا؟ قَالَ: هَذَا لبن وَعسل يَا رَسُول الله. قَالَ: إِنِّي لَا أحرمهُ، وَلَكِنِّي أَدَعهُ تواضعا لله، فَإِن من تواضع لله رَفعه الله، وَمن تكبر قصمه الله وَمن بذر أفقره الله، وَمن اقتصد أغناه الله، وَمن ذكر الله أحبه الله. ٥٤٤٩ - حدَّثنا ابنُ مُقاتِلٍ أخْبَرَنا عَبْدُ الله أخْبَرَنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ عَبْدِ الله ابنِ جَعْفَرٍ، ﵄، قَالَ: رَأيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالقِثَّاءِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَابْن مقَاتل هُوَ مُحَمَّد بن مقَاتل الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَقد مر الحَدِيث عَن قريب فِي: بَاب القثاء، وَفِي بَاب: الرطب بالقثاء، وَمر الْكَلَام فِيهِ. ٤٨ - (بَابُ: ﴿مَنْ أدْخَلَ الضّيفانَ بَيْنَهُ عَشْرَةً عَشْرَةً، وَالجُلُوس عَلَى الطَّعَامِ عَشَرَةً عَشَرَةً﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر من أَدخل الضيفان بَيته عشرَة عشرَة، وَفِي ذكر الْجُلُوس أَيْضا على الْمَائِدَة عشرَة عشرَة، وَذَلِكَ لضيق الطَّعَام أَو لضيق الْمجْلس. ٥٤٥٠ - حدَّثنا الصَّلْتُ بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا حَمَّاد بنُ زَيْدٍ عَنْ الجَعْدِ أبِي عُثْمَانَ عَنْ أنَسٍ. ح وَعَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أنَس. ح وَعَنْ سِنانٍ أبِي رَبيعَةَ عَن أنَسٍ: أنَّ أُُمَّ سُلَيْمٍ أُمَّهُ عَمَدَتْ إلَى مُدٍّ مِنْ شَعِيرٍ جَشَّتْهُ وَجَعَلْتْ مِنْهُ خَطِيفَةُ وَعَصَرَتْ عُكَّةً عِنْدَها ثُمَّ بَعَثَتنِي إلَى النبيِّ ﷺ ، فأتَيْتُهُ وَهُوَ فِي أصْحَابِهِ فَدَعَوْتُهُ، قَالَ: وَمَنْ مَعِي؟ فَجِئْتُ فَقُلْتُ: إنَّهُ يَقُولُ: وَمَنْ مَعِي؟ فَخَرَجَ إلَيْهِ أبُو طَلْحَةَ، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، إنَّما هُوَ شَيْءٌ صَنَعْتْهُ أُُمُّ سُلَيْمٍ فَدَخَلَ فَجِيءَ بِهِ، وَقَالَ: أدْخِلْ عَلَيَّ عَشَرَةً، فَدَخَلُوا فَأكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ قَالَ: أدْخِلْ عَلَيَّ عَشَرَةً، فَدَخَلُوا فَأكَلُوا حَتَّى

стр. 6274

شَبِعُوا، ثُمَّ قَالَ: أدْخِلْ عَلَيَّ عَشَرَةً، حَتَّى عَدَّ أرْبَعِينَ ثُمَّ أكَلَ النبيُّ ﷺ ثُمَّ قَامَ فَجَعَلْتُ أنْظُرُ هَلْ نَقَصَ مِنْها شَيْءٌ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد مرت هَذِه الْقِصَّة فِي عَلَامَات النُّبُوَّة بأتم مِنْهَا، وَمضى الْكَلَام فِيهَا. وَأخرجه من ثَلَاث طرق: الأول: عَن الصَّلْت بن مُحَمَّد الخاركي عَن حَمَّاد بن زيد عَن الْجَعْد بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة ابْن دِينَار الْيَشْكُرِي الْبَصْرِيّ الصَّيْرَفِي المكني بِأبي عُثْمَان عَن أنس. الطَّرِيق الثَّانِي: عَن حَمَّاد بن يزِيد عَن هِشَام بن حسان الأزري عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أنس. الطَّرِيق الثَّالِث: عَن حَمَّاد بن زيد عَن سِنَان، بِكَسْر السِّين المهلمة وخفة النُّون المكنى بِأبي ربيعَة عَن أنس، وَقَالَ عِيَاض: وَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن: سِنَان بن أبي ربيعَة، وَهُوَ خطأ، وَإِنَّمَا هُوَ سِنَان أَبُو ربيعَة وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ مقرون بِغَيْرِهِ لِأَن يحيى بن معِين وَأَبا حَاتِم تكلما فِيهِ، وَقَالَ ابْن عدي لَهُ أَحَادِيث قَليلَة. وَأَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ. قَوْله: (أَن أُم سليم أُمه) ، أَي: أُم أنس، وَفِي اسْمهَا أَقْوَال، وَقد مر ذكرهَا مرَارًا عديدة. قَوْله: (عَمَدت) ، أَي: قصدت. قَوْله: (جشته) بجيم وشين مُعْجمَة من التجشية أَي: جعلته جشيشا، والجشيش دَقِيق غير ناعم. قَوْله: (خطيفة) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الطَّاء وبالفاء وَهِي لبن يدر عَلَيْهِ الدَّقِيق ثمَّ يطْبخ فيلعقه النَّاس ويختطفونه بِسُرْعَة، وَقَالَ الْخطابِيّ: هِيَ الكبولاء، بِفَتْح الْكَاف وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة، تسمى بهَا لِأَنَّهَا قد تختطف بالملاعق. قَوْله: (عكة) بِالضَّمِّ آنِية السّمن. قَوْله: (أَبُو طَلْحَة) هُوَ زيد بن سهل زوج أم سليم. قَوْله: (إِنَّمَا هُوَ شَيْء صَنعته أم سليم) يَعْنِي شَيْء قَلِيل، وَفِيه اعتذار لنَفسِهِ. قَوْله: (أَدخل) بِفَتْح الْهمزَة أَمر من الإدخال. قَوْله: (عشرَة) لَيْسَ للتنصيص عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا ذكرهَا لِأَنَّهَا كَانَت قَصْعَة وَاحِدَة وَلَا يتمكنون من التَّنَاوُل مِنْهَا إِذا كَانُوا أَكثر من عشرَة مَعَ قلَّة الطَّعَام قَالَ ابْن بطال: الِاجْتِمَاع على الطَّعَام من أَسبَاب الْبركَة، وَقد روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث وَحشِي بن حَرْب رَفعه: اجْتَمعُوا على طَعَامكُمْ واذْكُرُوا اسْم الله يُبَارك لكم قَوْله: (فَجعلت أنظر) إِلَى آخِره. قَائِله: أنس. وَفِيه: معْجزَة من معجزاته ﷺ حَيْثُ شبع أَرْبَعُونَ وَأكْثر من مد وَاحِد وَلم يظْهر فِيهِ نُقْصَان. ٤٩ - (بَابُ: ﴿مَا يُكْرَهُ مِنَ الثَّومِ وَالبُقُولِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يكره من أكل الثوم من نيئه ومطبوخه، وَمَا يكره أَيْضا من أَنْوَاع الْبُقُول، مثل الكراث وَنَحْوه مِمَّا لَهُ رَائِحَة كريهة، والثوم بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة ولغة البلدين: توم بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق. (فِيهِ عَنْ ابنِ عُمَرَ عَنِ النبيِّ ﷺ أَي: فِي بَيَان هَذَا الْبَاب رُوِيَ عَن عبد الله بن عمر عَن النَّبِي ﷺ ، وَمر هَذَا مُسْندًا فِي آخر كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي الثوم النيء والبصل والكراث، قَالَ: حَدثنَا مُسَدّد قَالَ: حَدثنَا يحيى عَن عبيد الله. قَالَ: حَدثنَا نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: فِي غَزْوَة خَيْبَر: من أكل من هَذِه الشَّجَرَة. يَعْنِي: الثوم، فَلَا يقربن مَسْجِدنَا وَمر الْكَلَام فِيهِ. ٥٤٥١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ قَالَ: قِيلَ لأنسٍ: مَا سَمِعْتَ النبيَّ ﷺ فِي الثُّومِ؟ فَقَالَ: مَنْ أكَلَ فَلَا يَقْرَبَنَ مَسْجِدَنا. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبد الْوَارِث هُوَ ابْن سعيد، وَعبد الْعَزِيز هُوَ ابْن صُهَيْب، والْحَدِيث مضى فِي الْبَاب الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي معمر عَن عبد الْوَارِث إِلَى آخرهِ. قَوْله: (من أكل الثوم) يتَنَاوَل النيء والنضيج، وَهَذَا عذر فِي ترك الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة وَذَلِكَ لِأَن رَائِحَته تؤذي جَاره فِي الْمَسْجِد وتنقر الْمَلَائِكَة عَنْهَا وَمَرَّتْ مباحثه هُنَاكَ. ٥٤٥٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا أبُو صَفْوَانَ عَبْدُ الله بنُ سَعِيدٍ أخْبرنا يُونُسُ عَنِ ابنِ

стр. 6275

شِهابٍ قَالَ حدَّثني عَطاءٌ أنَّ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله ﵄ زَعَمَ عَنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: مَنْ أكَلَ ثُوما أوْ بَصَلاً فَلْيَعْتَزِ لَنَا أوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنا. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من أكل ثوما) وَلم يُورد حَدِيثا فِي كَرَاهَة شَيْء من الْبُقُول نَحْو الكراث، وَهَذَا الحَدِيث أَيْضا مضى فِي الْبَاب الْمَذْكُور بأتم مِنْهُ. وَمر الْكَلَام فِيهِ. ٥٠ - (بَابُ: ﴿الكباث وَهُوَ تَمَرُ الأرَاكِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حل أكل الكباث، وَهُوَ بِفَتْح الْكَاف وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْخَفِيفَة والثاء الْمُثَلَّثَة، وَهُوَ ثَمَر الْأَرَاك، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الرَّاء وبالكاف، وَهُوَ شجر مَعْرُوف لَهُ حمل كعناقيد الْعِنَب، واسْمه الكباث، وَإِذا نضج سمي المرد وَالْأسود مِنْهُ أَشد نضجا وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن مشايخه: وَهُوَ ورق الْأَرَاك وَاعْترض عَلَيْهِ ابْن التِّين فَقَالَ ورق الْأَرَاك لَيْسَ بِصَحِيح وَالَّذِي فِي اللُّغَة أَنه تمر الْأَرَاك وَقَالَ أَبُو عبيد هُوَ تمر الْأَرَاك إِذا يبس وَلَيْسَ لَهُ عجم، وَقَالَ أَبُو زِيَاد: يشبه التِّين يَأْكُلهُ النَّاس وَالْإِبِل وَالْغنم، وَقَالَ أَبُو عمر: وَهُوَ حَار مالح كَانَ فِيهِ ملحا. ٥٤٥٣ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ حدَّثنا ابنُ وَهَبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ: أخْبَرَنِي أبُو سَلَمَةَ قَالَ: أخبرَنِي جَابِرُ بنُ عَبْدِ الله. قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ بِمَرِّ الظِّهْرَانِ نَجْنِي الكَبَاثَ، فَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالأسْوَدِ مِنْهُ فَإنَّهُ أيْطَبُ، فَقَالَ: أكُنْتَ تَرْعَى الغَنَمَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إلَاّ رَعَاهَا. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. والْحَدِيث قد مضى فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء ﵈. قَوْله: (بمر الظهْرَان) بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء، والظهران بِلَفْظ تَثْنِيَة الظّهْر وَهُوَ مَوضِع على مرحلة من مَكَّة. قَوْله: (نجني) أَي: نقتطف الكبات، وَكَانَ هَذَا فِي أول الْإِسْلَام عِنْد عدم الأقوات فَإذْ قد أغْنى الله عباده بِالْحِنْطَةِ والحبوب الْكَثِيرَة وسعة الرزق فَلَا حَاجَة بهم إِلَى ثَمَر الْأَرَاك. قَوْله: (أيطب) ، مقلوب: أطيب، مثل أجذب وأجبذ، ومعناهما وَاحِد. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: جَابر: (أَكنت ترعى الْغنم) ؟ ويروى: فَقيل الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار، وَنقل ابْن التِّين عَن الدَّاودِيّ الْحِكْمَة فِي اخْتِصَاص الْغنم بذلك لكَونهَا لَا تركب فَلَا تزهو نفس راكبها. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) كَانَ بَعضهم يركب تيوس الْمعز فِي الْبِلَاد الْكَثِيرَة الْجبَال والحرارة كَمَا ذكره المَسْعُودِيّ وَغَيره. قلت: قَول من قَالَ: إِنَّه يركب تيوس الْمعز، عبارَة عَن كَون تيوسهم كَبِيرَة جدا حَتَّى إِن أحدا يركب على تَيْس وَلَا يفكر، وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ أَنهم يركبونها كركوب غَيرهَا من الدَّوَابّ الَّتِي تركب. قَوْله: (وَهل من نَبِي) أَي: وَمَا من نَبِي (إلَاّ رعى الْغنم) ؟ وَالْحكمَة فِيهِ أَن يَأْخُذ الْأَنْبِيَاء ﵈، لأَنْفُسِهِمْ بالتواضع وتصفي قُلُوبهم بالخلوة ويترفوا من سياستها بِالنَّصِيحَةِ إِلَى سياسة أممهم بالشفقة عَلَيْهِم، وهدايتهم إِلَى الصّلاح. ٥١ - (بَابُ: ﴿المَضْمَضَةَ بَعْدَ الطَّعامِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فعل الْمَضْمَضَة بعد أكل الطَّعَام. ٥٤٥٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ سَمِعْتُ يَحْيَى بنَ سَعِيدٍ عَنْ بُشَيْرٍ بنِ يَسارٍ عَنْ سُوَيْدٍ بنِ النُّعْمَانِ قَالَ: خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ إلَى خَيْبَر، فَلَمَّا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ دَعا بِطعام فَما أُتِيَ إلَاّ بِسَوِيقٍ. فَأَكَلْنا فَقَامَ إلَى الصَّلاةِ فَتَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنا. قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ بُشَيْرا يَقُولُ: حَدَّثنا سُوَيْدٌ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ إلَى خَيْبَرَ فَلَمَّا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ قَالَ يَحْيَى وَهِيَ مِنْ خَيْبَرَ عَلَى رَوْحَةٍ، دَعَا بِطَعامٍ فَما أُتِيَ إلَاّ بِسَوِيقٍ، فَلُكْناهُ فَأكلْنا مَعَهُ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنا مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّى بِنا المَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَأُ، وَقَالَ سُفْيَانُ: كَأنَّكَ تَسْمَعْهُ مِنْ يَحْيَى.

стр. 6276

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعلي هُوَ ابْن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَبشير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء آخر الْحُرُوف ابْن يسَار ضد الْيَمين. وَهَذَا الحَدِيث بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن مَعَ بعض اخْتِلَاف فِيهِ بِزِيَادَة ونقصان قد مر فِي كتاب الْأَطْعِمَة فِي بَاب ﴿لَيْسَ على الْأَعْمَى حرج﴾ (النُّور: ٦١) وَقد مر الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (كَأَنَّك تسمعه من يحيي) ، أَي: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: نقلت الحَدِيث من يحيى بن سعيد بِلَفْظِهِ بِعَيْنِه صَحِيحا فكأنك مَا تسمعه إلَاّ مِنْهُ. ٥٤٥٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ سَمِعْتُ يَحْيَى بنَ سَعِيدٍ عَنْ بُشَيْرٍ بنِ يَسارٍ عَنْ سُوَيْدٍ بنِ النُّعْمَانِ قَالَ: خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ إلَى خَيْبَر، فَلَمَّا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ دَعا بِطعام فَما أُتِيَ إلَاّ بِسَوِيقٍ. فَأَكَلْنا فَقَامَ إلَى الصَّلاةِ فَتَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنا. قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ بُشَيْرا يَقُولُ: حَدَّثنا سُوَيْدٌ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ إلَى خَيْبَرَ فَلَمَّا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ قَالَ يَحْيَى وَهِيَ مِنْ خَيْبَرَ عَلَى رَوْحَةٍ، دَعَا بِطَعامٍ فَما أُتِيَ إلَاّ بِسَوِيقٍ، فَلُكْناهُ فَأكلْنا مَعَهُ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنا مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّى بِنا المَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَأُ، وَقَالَ سُفْيَانُ: كَأنَّكَ تَسْمَعْهُ مِنْ يَحْيَى. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعلي هُوَ ابْن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَبشير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء آخر الْحُرُوف ابْن يسَار ضد الْيَمين. وَهَذَا الحَدِيث بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن مَعَ بعض اخْتِلَاف فِيهِ بِزِيَادَة ونقصان قد مر فِي كتاب الْأَطْعِمَة فِي بَاب ﴿لَيْسَ على الْأَعْمَى حرج﴾ (النُّور: ٦١) وَقد مر الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (كَأَنَّك تسمعه من يحيي) ، أَي: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: نقلت الحَدِيث من يحيى بن سعيد بِلَفْظِهِ بِعَيْنِه صَحِيحا فكأنك مَا تسمعه إلَاّ مِنْهُ. ٥٢ - (بابُ: ﴿لَعْقِ الأصَابِعِ وَمَصِّها قَبْلَ أنْ تُمْسَحَ بِالمِنْدِيلِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِحْبَاب لعلق الْأَصَابِع ومصها بعد الْفَرَاغ من أكل الطَّعَام قبل أَن يمسح يَده بالمنديل، وَإِنَّمَا قَيده بالمنديل إِشَارَة إِلَى مَا وَقع فِي بعض طرق الحَدِيث كَمَا أخرجه مُسلم من طَرِيق سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي الزبير عَن جَابر بِلَفْظ: فَلَا يمسح يَده بالمنديل، وَأَشَارَ بقوله: (ومصها) إِلَى مَا وَقع فِي بعض طرقه عَن جَابر أَيْضا، فِيمَا أخرجه ابْن أبي شيبَة من رِوَايَة أبي سُفْيَان عَنهُ بِلَفْظ: إِذا طعم أحدكُم فَلَا يمسح يَده حَتَّى يمصها. ٥٤٥٦ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ عَمْروٍ بنِ دِينارٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: إذَا أكَلَ أحَدُكُمْ فَلا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا أوْ يُلْعِقَها. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَطْعِمَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَغَيره، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن مُحَمَّد بن يزِيد وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَطْعِمَة عَن ابْن أبي عَمْرو بِهِ. قَوْله: (إِذا أكل أحدكُم) أَي: طَعَاما وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (حَتَّى يلعقها) بِفَتْح الْيَاء من لعق يلعق من بَاب علم يعلم لعقا. قَوْله: (أَو يلعقها) بِضَم الْيَاء. وَكلمَة: أَو لَيست للشَّكّ. وَإِنَّمَا هِيَ للتنويع أَي: أَو يلعقها غَيره. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ وَالله أعلم لَا يمسح يَده حَتَّى يلعقها هُوَ، فَإِن لم يفعل فحتى يلعقها غَيره مِمَّن لَا يتقذر ذَلِك كَزَوْجَة أَو ولدا وخادم يحبونه وَلَا يتقذرونه، وَكَذَا من كَانَ فِي معناهم كتلميذ يعْتَقد الْبركَة بلعقها، وَكَذَا لَو ألعقها شَاة وَنَحْوهَا. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ كلمة: أَو للشَّكّ من الرَّاوِي، فَإِن كَانَا جَمِيعًا محفوظين فَإِنَّمَا أَرَادَ أَن يلعقها صَغِيرا أَو من يعلم أَنه لَا يتقذر بهَا وَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ أَن يلعق إصبعه فَمه، فَيكون بِمَعْنى: يلعقها، فَتكون: أَو للشَّكّ. وَالْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب على أَنْوَاع. الأول: أَن نفس اللعق مُسْتَحبّ مُحَافظَة على تنظيفها ودفعا للكبر، وَالْأَمر فِيهِ مَحْمُول على النّدب والإرشاد عِنْد الْجُمْهُور، وَحمله أهل الظَّاهِر على الْوُجُوب، وَقَالَ الْخطابِيّ: قد عَابَ قوم لعق الْأَصَابِع، لِأَن الترفة أفسد عُقُولهمْ وَغير طباعهم الشِّبَع والتخمة، وَزَعَمُوا أَن لعق الْأَصَابِع مستقبح أَو مستقذر أَو لم يعلمُوا أَن الَّذِي على أَصَابِعه جُزْء من الَّذِي أكله فَلَا يتحاشى مِنْهُ إلَاّ متكبر ومترفه تَارِك للسّنة. الثَّانِي: أَن من الْحِكْمَة فِي لعق الْأَصَابِع مَا ذكره فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِذا أكل أحدكُم فليلعق أَصَابِعه فَإِنَّهُ لَا يدْرِي فِي أَي طَعَامه الْبركَة) . وَأخرجه مُسلم أَيْضا وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي الزبير عَن جَابر. قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : إِذا وَقعت لقْمَة أحدكُم فليأخذها فليُمِطْ مَا كَانَ بهَا من أَذَى وليأكلها وَلَا يَدعهَا للشَّيْطَان. وَلَا يمسح يَده بالمنديل حَتَّى يلعق أَصَابِعه فَإِنَّهُ لَا يدْرِي فِي أَي طَعَامه الْبركَة، يَعْنِي: فِيمَا أكل أَو فِيمَا بَقِي فِي الْإِنَاء، فيلعق يَده وَيمْسَح الْإِنَاء رَجَاء حُصُول الْبركَة. وَالْمرَاد بِالْبركَةِ. وَالله أعلم مَا يحصل بِهِ التغذية وتسلم عاقبته من أَذَى ويقوى على طَاعَة الله تَعَالَى، وَغير ذَلِك، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وأصل الْبركَة الزِّيَادَة وَثُبُوت الْخَيْر والامتناع بِهِ. وَالثَّالِث: أَنه يَنْبَغِي فِي لعق الْأَصَابِع الِابْتِدَاء بالوسطى ثمَّ السبابَة ثمَّ الْإِبْهَام. كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث كَعْب بن عجْرَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ ، يَأْكُل بأصابعه الثَّلَاث قبل أَن يمسحها بالإبهام وَالَّتِي تَلِيهَا وَالْوُسْطَى، ثمَّ رَأَيْته يلعق أَصَابِعه الثَّلَاث فيلعق الْوُسْطَى ثمَّ الَّتِي تَلِيهَا ثمَّ الْإِبْهَام، وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن الْوُسْطَى أَكثر الثَّلَاثَة تلويثا بِالطَّعَامِ لِأَنَّهَا أعظم الْأَصَابِع وأطولها. فَينزل فِي الطَّعَام مِنْهُ أَكثر مِمَّا ينزل من السبابَة، وَينزل من السبابَة فِي الطَّعَام أَكثر من الْإِبْهَام لطول السبابَة على الْإِبْهَام وَيحْتَمل أَن يكون البدء بالوسطى لكَونهَا أول مَا ينزل فِي الطَّعَام لطولها. وَالرَّابِع: أَن فِي الحَدِيث: فَلَا يمسح يَده حَتَّى يلعقها، وَهَذَا

стр. 6277

مُطلق، وَالْمرَاد بِهِ الْأَصَابِع الثَّلَاث الَّتِي أَمر بِالْأَكْلِ بهَا كَمَا فِي حَدِيث أنس أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن أنس، أَن رَسُول الله ﷺ ، كَانَ إِذا أكل طَعَاما لعق أَصَابِعه الثَّلَاث وَبَين الثَّلَاث فِي حَدِيث كَعْب بن عجْرَة الْمَذْكُور أنفًا: وَهَذَا يدل على أَنه ﷺ ، كَانَ يَأْكُل بِهَذِهِ الثَّلَاث الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث كَعْب. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: فَإِن شَاءَ أحد أَن يَأْكُل بالخمس فَليَأْكُل فقد كَانَ النَّبِي ﷺ ، يتعرق الْعظم وينهش اللَّحْم وَلَا يُمكن أَن يكون ذَلِك فِي الْعَادة إلَاّ بالخمس كلهَا. وَقَالَ شَيخنَا: فِيهِ نظر لِأَنَّهُ يُمكن بِالثلَاثِ، وَلَئِن سلمنَا مَا قَالَه: فَلَيْسَ هَذَا أكلا بالأصابع الْخمس، وَإِنَّمَا هُوَ مُمْسك بالأصابع فَقَط لَا آكل بهَا، وَلَئِن سلمنَا أَنه آكل بهَا لعدم الْإِمْكَان فَهُوَ مَحل الضَّرُورَة كمن لَيْسَ لَهُ يَمِين، فَلهُ الْأكل بالشمال. قلت: حَاصِل هَذَا أَن شَيخنَا منع اسْتِدْلَال ابْن الْعَرَبِيّ بِمَا ذكره، وَالْأَمر فِيهِ أَن السّنة أَن يَأْكُل بالأصابع الثَّلَاث وَإِن أكل بالخمس فَلَا يمْنَع، وَلكنه يكون تَارِكًا للسّنة إلَاّ عِنْد الضَّرُورَة فَافْهَم. الْخَامِس: أَنه ورد أَيْضا اسْتِحْبَاب لعق الصحفة أَيْضا على مَا روى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث الْعِرْبَاض بن سَارِيَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : من لعق الصحفة ولعق أَصَابِعه أشبعه الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي الْيَمَان. قَالَ: حَدَّثتنِي أم عَاصِم، وَكَانَت أم ولد لسنان بن سَلمَة قَالَت: دخل علينا نُبَيْشَة الْخَيْر وَنحن نَأْكُل فِي قَصْعَة، فحدثنا أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: من أكل فِي قِطْعَة ثمَّ لحسها استغفرت لَهُ الْقَصعَة، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث غَرِيب، ونبيشة، بِضَم النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبشين مُعْجمَة: ابْن عبد الله بن عَمْرو بن عتاب بن الْحَارِث بن نصير بن حُصَيْن بن رابغة، وَقيل: لرابغة بن لحيان بن هُذَيْل بن مدركة بن الياس بن مُضر بن نزار الْهُذلِيّ، وَيُقَال لَهُ نُبَيْشَة الْخَيْر، وَيُقَال: الْخَيل بِاللَّامِ، وَهُوَ ابْن عَم سَلمَة بن المحبق. السَّادِس: مَا المُرَاد باستغفار الْقَصعَة؟ يحْتَمل أَن الله تَعَالَى يخلق فِيهَا تمييزا أَو نطقا تطلب بِهِ الْمَغْفِرَة، وَقد ورد فِي بعض الْآثَار أَنَّهَا تَقول: آجرك الله كَمَا آجرتني من الشَّيْطَان، وَلَا مَانع من الْحَقِيقَة. وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك مجَازًا كنى بِهِ. ٥٣ - (بَابُ: ﴿المِنْدِيلِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر المنديل. قَالَ الْجَوْهَرِي: المنديل مَعْرُوف. تَقول مِنْهُ: تندلت بالمنديل وتمندلت، وَأنكر الْكسَائي تمندلت. قلت: هَذَا يدل على أَن الْمِيم فِيهِ زَائِدَة وَذكره أَيْضا. فِي بَاب ندل، وَذكر فِي بَاب منديل: تمدل بالمنديل لُغَة فِي تندل، وَهَذَا يدل على أَن النُّون فِيهِ زَائِدَة. ٥٤٥٧ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِر قَال حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ فُلَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أبِي عَنْ سَعِيدٍ بنِ الحَارِثِ عَنْ جَابِرٍ بنِ عَبْدِ الله ﵄ أنَّهُ سَألَهُ عَن الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ فَقَالَ: لَا قَدْ كُنَّا زمَانَ النَبِيِّ ﷺ ، لَا نَجِدُ مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ الطَّعامِ إلَاّ قَلِيلاً فَإذا نَحْنُ وَجَدْنَاهُ لَمْ يَكُنْ لَنَا مَنَادِيلُ إلَاّ أكُفَّنا وَسَوَاعِدَنا وَأقْدَامَنَا ثُمَّ نُصَلِّي وَلا نَتَوَضَأُُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لم يكن لنا مناديل) . وَمُحَمّد بن فليح: بِضَم الْفَاء وَفتح اللَّام يروي عَن أَبِيه فليح بن سُلَيْمَان الْمدنِي، وَسَعِيد بن الْحَارِث بن أبي الْعلَا الْأنْصَارِيّ قَاضِي الْمَدِينَة. والْحَدِيث أخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا فِي الْأَطْعِمَة عَن أبي الْحَارِث مُحَمَّد بن سَلمَة الْمصْرِيّ. قَوْله: (أَنه) ، أَي: أَن سعيد بن الْحَارِث سَأَلَ جَابر بن عبد الله عَن الْوضُوء مِمَّا مسته النَّار، يجب أم لَا؟ فَقَالَ جَابر: لَا يجب. قَوْله: (مثل ذَلِك) ، أَي: مِمَّا مست النَّار. قَوْله: (إلَاّ أكفنا) ، بِفَتْح الْهمزَة وَضم الْكَاف جمع كف، أَرَادَ أَنهم إِذا أكلُوا من الْأَطْعِمَة مِمَّا يَحْتَاجُونَ فِيهَا إِلَى مسح أياديهم وَلم يكن لَهُم مناديل يمسحون بأكفهم وسواعدهم وأقدامهم، وَكَانَ عمر، ﵁، يمسحها برجليه. قَالَه مَالك عَنهُ، وَحكم الْوضُوء مِمَّا مسته النَّار قد تقدم فِي كتاب الطَّهَارَة. ٥٤ - (بَاب: ﴿مَا يَقُولُ إذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يَقُول الْآكِل إِذا فرغ من أكل طَعَامه، وَحَدِيث الْبَاب يبين مَا يَقُوله. ٥٤٥٨ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ ثَوْرٍ عَنْ خَالِدِ بنِ مَعْدَانَ عَنْ أبِي أُُمَامَةَ أنَّ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 6278

كَانَ إذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ: الحَمْدُ لله كَثِيرا طَيِّبا مُبَارَكا فِيهِ غَيْرَ مَكْفىً وَلا مُوَدَّع وَلا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنا. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يُوضح معنى التَّرْجَمَة ويبينها. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وثور بِلَفْظ الْحَيَوَان الْمَشْهُور وَهُوَ ابْن يزيدالشامي، وخَالِد بن معدان بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة الكلَاعِي بِفَتْح الْكَاف وَتَخْفِيف اللَّام، وَأَبُو أُمَامَة بِضَم الْهمزَة صدي بن عجلَان الْبَاهِلِيّ. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن أبي عَاصِم، يَأْتِي عَن قريب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الْأَطْعِمَة عَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الدَّعْوَات عَن بنْدَار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن عَمْرو بن مَنْصُور عَن أبي نعيم بِهِ، وَعَن غَيره، وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَطْعِمَة عَن دُحَيْم. قَوْله: (مائدته) ، قد تقدم أَنه ﷺ ، لم يَأْكُل على الخوان، وَهنا يَقُول: إِذا رفع مائدته، وَالْجَوَاب عَن هَذَا إِمَّا أَن يُرِيد بالمائدة الطَّعَام أَو ذَلِك الرَّاوِي، وَهُوَ أنس لم ير أَنه أكل عَلَيْهَا. أَو كَانَ لَهُ مائدة لَكِن لم يَأْكُل هُوَ بِنَفسِهِ ﷺ ، عَلَيْهَا وَسُئِلَ البُخَارِيّ أَنه هَاهُنَا يَقُول: على الْمَائِدَة وثمة قَالَ: على السفرة لَا على الْمَائِدَة. فَقَالَ: إِذا أكل الطَّعَام على شَيْء ثمَّ رفع ذَلِك الشَّيْء وَالطَّعَام يُقَال: رفعت الْمَائِدَة. قَوْله: (كثيرا) ، أَي: حمدا كثيرا وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه. قَوْله: (طيبا) . أَي: خَالِصا. قَوْله: (مُبَارَكًا فِيهِ) . أَي: فِي الْحَمد. ومباركا من الْبركَة، وَهِي الزِّيَادَة. قَوْله: (غير مكفي) ، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْكَاف وَكسر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء، قَالَ ابْن بطال: يحْتَمل أَن يكون من كفأت الْإِنَاء إِذا كببته. فَالْمَعْنى غير مَرْدُود عَلَيْهِ إنعامه وإفضاله إِذا فضل الطَّعَام على الشِّبَع فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَيست تِلْكَ الفضلة مَرْدُودَة وَلَا مهجورة، وَيحْتَمل أَن يكون من الْكِفَايَة، وَمَعْنَاهُ: أَن الله تَعَالَى غير مكفي رزق عباده أَي: لَيْسَ أحد يرزقهم غَيره. وَقَالَ الْخطابِيّ: غير مُحْتَاج إِلَى أحد فَيَكْفِي لكنه، يطعم وَيَكْفِي، وَقَالَ الْقَزاز: غير مستكفي أَي: غير مكتف بنفسي عَن كِفَايَته، وَقَالَ الدَّاودِيّ: غير مكفي أَي: لم يكتف من فضل الله ونعمه، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: غير مكفي إِشَارَة إِلَى الطَّعَام وَالْمعْنَى: رفع هَذَا الطَّعَام غير مكفي أَي: غير مقلوب عَنَّا من قَوْلك: كفأت الْإِنَاء إِذا قلبته، وَالْمعْنَى غير مُنْقَطع هَذَا كُله على أَن الضَّمِير لله. وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ: الضَّمِير للطعام ومكفي بِمَعْنى مقلوب من الإكفاء وَهُوَ الْقلب غير أَنه لَا يَكْفِي الْإِنَاء للاستغناء عَنهُ، وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ عَن أبي مَنْصُور الجواليقي، أَن الصَّوَاب غير مكافأ بِالْهَمْزَةِ. أَي: أَن نعْمَة الله لَا تكافأ. قلت: هَذَا التَّطْوِيل بِلَا طائل، بل لفظ مكفي، من الْكِفَايَة وَهُوَ اسْم مفعول أَصله مكفوي على وزن مفعول، وَلما اجْتمعت الْوَاو وَالْيَاء قلبت الْوَاو يَاء وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء ثمَّ أبدلت ضمة الْيَاء كسرة لأجل الْيَاء وَالْمعْنَى: هَذَا الَّذِي أكلنَا لَيْسَ فِيهِ كِفَايَة لما بعده بِحَيْثُ إِنَّه يَنْقَطِع وَيكون هَذَا آخر الْأكل، بل هُوَ غير مُنْقَطع عَنَّا بعد هَذَا، بل تستمر هَذِه النِّعْمَة لنا طول أعمارنا، وَلَا تَنْقَطِع وَالله أعلم. قَوْله: (وَلَا مُودع) ، بِضَم الْمِيم وَفتح الْوَاو، وَتَشْديد الدَّال الْمَفْتُوحَة قَالَت الشُّرَّاح: مَعْنَاهُ: غير مَتْرُوك الطّلب إِلَيْهِ وَالرَّغْبَة فِيمَا عِنْده. قلت: مَعْنَاهُ غير مُودع منا من الْوَدَاع يَعْنِي: لَا يكون آخر طعامنا وَيجوز كسر الدَّال يَعْنِي: غير تَارِك الطَّعَام لما بعده. قَوْله: (وَلَا مستغني عَنهُ) يُؤَكد الْمَعْنى الَّذِي قُلْنَا: وَحَاصِله لَا يكون لنا اسْتغْنَاء مِنْهُ. قَوْله: (رَبنَا) ، أَي: يَا رَبنَا فَحذف مِنْهُ حرف النداء، وَيجوز رَفعه بِأَن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: هُوَ رَبنَا. قَالُوا: وَيصِح أَن ينصب بإضمار أَعنِي، وَكَذَلِكَ ضبط فِي بعض الْكتب، وَيصِح خفضه بَدَلا من الضَّمِير فِي عَنهُ، قيل: وَيصِح أَن يرْتَفع بِالِابْتِدَاءِ وَيكون خَبره مقدما عَلَيْهِ وَهُوَ غير مكفي. ٥٤٥٩ - حدَّثنا أبُو عَاصِمٍ عَنْ ثَوْرٍ بنِ يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بنِ مَعْدَانَ عَنْ أبِي أُُمَامَةَ أنَّ النبيِّ ﷺ ، كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ وَقَالَ مَرَّةً: إذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ: الحمدُ لله الَّذِي كَفَانَا وَأرْوَانَا غَيْرَ مَكْفِيِّ وَلا مَكْفُورٍ، وَقَالَ مَرَّةً: الحَمْدُ لله رَبِّنا غَيْرَ مَكْفِيِّ وَلا مُوَدَّعٍ وَلا مُسْتَغْنًى رَبَّنا. هَذَا طَرِيق آخر أخرجه عَن أبي عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد النَّبِيل إِلَى آخِره. قَوْله: (وَقَالَ مرّة: إِذا رفع مائدته) أَي: طَعَامه، كَمَا ذكرنَا أَن الْمَائِدَة تَأتي بِمَعْنى الطَّعَام. وَقَوله: (كفانا) هَذَا يدل على أَن الضَّمِير فِيمَا تقدم يرجع إِلَى الله تَعَالَى لِأَن الله تَعَالَى. هُوَ الْكَافِي لَا مكفي قَوْله: (وأروانا) من عطف الْخَاص على الْعَام لِأَن: كفانا من الْكِفَايَة وَهِي: أَعم من الشِّبَع

стр. 6279

والري، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن: وآوانا بِالْمدِّ من الإيواء قَوْله: (وَلَا مكفور) أَي: وَلَا غير مشكور. وَوَقع فِي حَدِيث أبي سعيد أخرجه أَبُو دَاوُد: (الْحَمد لله الَّذِي أطعمنَا وَسَقَانَا وَجَعَلنَا مُسلمين) . وَوَقع فِي حَدِيث أبي أَيُّوب أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ (الْحَمد لله الَّذِي أطْعم وَسَقَى وسوغه وَجعل لَهُ مخرجا) ، وَوَقع فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه النَّسَائِيّ وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم مَا فِي حَدِيث أبي سعيد، وَزِيَادَة فِي حَدِيث مطول. ٥٥ - (بابُ: ﴿الأكْلِ مَعَ الخَادِمِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْأكل مَعَ الْخَادِم على قصد التَّوَاضُع والتذلل وَترك الْكبر، وَذَلِكَ من آدَاب الْمُؤمنِينَ وأخلاق الْمُرْسلين وَالْخَادِم يُطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى، وأعم من أَن يكون رَقِيقا أَو حرا. ٥٤٦٠ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدٍ هُوَ ابنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: إذَا أتَى أحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعامِهِ فَإنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُناولْهُ أُُكْلَةً أوْ أُُكْلَتَيْنِ أوْ لُقْمَةً أوْ لُقْمَتَيْنِ فَإنَّهُ وَلِيَ حَرَّهُ وَعِلاجَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث والْحَدِيث مضى فِي الْعتْق عَن حجاج بن منهال. قَوْله: (أحدكُم) ، بِالنّصب على المفعولية، (وخادمه) بِالرَّفْع على الفاعلية. قَوْله: (فَإِن لم يجلسه) ، بِضَم الْيَاء من الإجلاس، وَفِي رِوَايَة مُسلم: فليقعده مَعَه فَليَأْكُل، وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن خَالِد عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة عِنْد أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ: فليجلسه مَعَه فَإِن لم يجلسه مَعَه فليتناوله، وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد عَن عجلَان عَن أبي هُرَيْرَة: فَادعه فَإِن أَُبى فأطعمه مِنْهُ، وفاعل: أَبى، يحْتَمل أَن يكون السَّيِّد، وَالْمعْنَى: إِذا ترفع عَن مواكلة غُلَامه، وَيحْتَمل أَن يكون الْخَادِم يَعْنِي: إِذا تواضع عَن مواكلة سَيّده، وَيُؤَيّد الِاحْتِمَال الأول أَن فِي رِوَايَة جَابر عِنْد أَحْمد: أمرنَا أَن نَدْعُوهُ، فَإِن كره أَحَدنَا أَن يطعم مَعَه فليطعمه فِي يَده. قَوْله: (فليناوله أكله) ، بِضَم الْهمزَة اللُّقْمَة قَوْله: (وأكلتين) ، كلمة أَو، فِيهِ للتقسيم. وَفِي قَوْله: أَو لقْمَة للشَّكّ من الرَّاوِي وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن خَالِد عَن أَبِيه عَن أبير هُرَيْرَة يُخْبِرهُمْ ذَلِك عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: إِذا كفى أحدكُم خادمه طَعَامه حره ودخانه فليأخذ بِيَدِهِ فليقعده مَعَه، فَإِن أَبى فليأخذ لقْمَة فليطعمها إِيَّاه. وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَأَبُو خَالِد وَالِد إِسْمَاعِيل اسْمه سعد، وَفِي رِوَايَة مُسلم: فَإِن كَانَ الطَّعَام مشفوها قَلِيلا فليصنع فِي يَده مِنْهُ أَكلَة أَو أكلتين، يَعْنِي: لقْمَة أَو لقمتين. قَوْله: (فَإِنَّهُ) ، أَي: فَإِن الْخَادِم (ولي حره) أَي: حر الطَّعَام حَيْثُ طبخه. قَوْله: (وعلاجه) ، أَي: وَولي علاجه. أَي: تركيبه وتهيئته وإصلاحه وَنَحْو ذَلِك. وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد فَإِنَّهُ ولي حره ودخانه، وروى أَبُو يعلى من حَدِيث ابْن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : مَا يَنْبَغِي للرجل أَن يَلِي مَمْلُوكه حر طَعَامه وبرده فَإِذا حضر عَزله عَنهُ، وَفِي إِسْنَاده حُسَيْن بن قيس وَهُوَ مَتْرُوك، وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: إِذا صلى مَمْلُوك أحدكُم طَعَاما فولي حره وَعَمله فقربه إِلَيْهِ فليدعه فَليَأْكُل مَعَه، فَإِن أَبى فليضع فِي يَده مِمَّا يضع، وَإِسْنَاده مُنْقَطع الْأَمر فِي هَذِه الْأَحَادِيث مَحْمُول على الِاسْتِحْبَاب. وَقَالَ الْمُهلب: هَذَا الحَدِيث يُفَسر حَدِيث أبي ذَر فِي الْأَمر بالتسوية مَعَ الْخَادِم فِي الْمطعم والملبس فَإِنَّهُ جعل الْخِيَار إِلَى السَّيِّد فِي إجلاس الْخَادِم مَعَه وَتَركه قيل: لَيْسَ فِي الْأَمر فِي قَوْله فِي حَدِيث أبي ذَر: أطعموهم مِمَّا تطْعمُونَ إِلْزَام بمواكلة الْخَادِم، بل فِيهِ أَن لَا يستأثر عَلَيْهِ بِشَيْء بل يشركهُ فِي كل شَيْء لَكِن بِحَسب مَا يدْفع بِهِ شَرّ عَيْنَيْهِ، وَنقل ابْن الْمُنْذر عَن جَمِيع أهل الْعلم أَن الْوَاجِب إطْعَام الْخَادِم من غَالب الْقُوت الَّذِي أكل مِنْهُ مثله فِي تِلْكَ الْبَلدة، وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْأدم وَالْكِسْوَة، وَأَن للسَّيِّد أَن يستأثر بالنفيس من ذَلِك، وَإِن كَانَ الْأَفْضَل أَن يُشْرك مَعَه الْخَادِم فِي ذَلِك وَفِي (التَّوْضِيح) قَوْله: فَإِن لم يجلسه، دَال على أَنه لَا يجب على الْمَرْء أَن يطعمهُ مِمَّا يَأْكُل، قيل لمَالِك: أيأكل الرجل من طَعَام لَا يَأْكُلهُ أَهله وَعِيَاله ورقيقه ويلبس غير مَا يكسوهم؟ قَالَ: أَي: وَالله، وَأرَاهُ فِي سَعَة من ذَلِك وَلَكِن يحسن إِلَيْهِم. قيل: فَحَدِيث أبي ذَر؟ قَالَ: كَانَ النَّاس لَيْسَ لَهُم هَذَا الْقُوت. ٥٦ - (بابُ: ﴿الطَّاعِمُ الشاكِرُ مِثْلُ الصَّائِمِ الصَّابِرِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب يُقَال فِيهِ: الطاعم الشاكر، وَهُوَ مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ. قَوْله: مثل الصَّائِم الصابر، خَبره أَي: الشاكر الَّذِي يَأْكُل ويشكر

стр. 6280

الله ثَوَابه مثل ثَوَاب الَّذِي يَصُوم ويصبر على الْجُوع. قيل: الشُّكْر نتيجة النعماء وَالصَّبْر نتيجة الْبلَاء، فَكيف يشبه الشاكر بالصابر؟ وَأجِيب بِأَن التَّشْبِيه فِي أصل الِاسْتِحْقَاق لَا فِي الكمية وَلَا فِي الْكَيْفِيَّة وَلَا تلْزم الْمُمَاثلَة فِي جَمِيع الْوُجُوه. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: ورد الْإِيمَان نِصْفَانِ: نصف صَبر وَنصف شكر، وَرُبمَا يتَوَهَّم متوهم أَن ثَوَاب الشُّكْر يقصر عَن ثَوَاب الصَّبْر فأزيل توهمه بِهِ، يَعْنِي: هما متساويان فِي الثَّوَاب: وَوجه الشّبَه حبس النَّفس إِذْ الشاكر يحبس نَفسه على محبَّة الْمُنعم بِالْقَلْبِ والإظهار بِاللِّسَانِ وَقَالَ أهل اللُّغَة: رجل طاعم حسن الْحَال فِي الْمطعم، ومطعامٌ كثير القِرى، ومطعم كثير الْأكل، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: سوى بَين درجتي الطَّاعَة من الْغَنِيّ وَالْفَقِير فِي الْأجر. ﴿فِيهِ: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبي ﷺ ﴾ أَي: رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ ، وَلم يذكر ابْن بطال هَذِه الزِّيَادَة فِي شَرحه، بل وصل الْبَاب بِالْبَابِ الْآتِي بعده، وَابْن حبَان قد خرج هَذَا فِي (صَحِيحه) فَقَالَ: حَدثنَا بكر بن أَحْمد العابد حَدثنَا نصر بن عَليّ حَدثنَا مُعْتَمر بن سُلَيْمَان عَن معمر عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : الطاعم الشاكر بِمَنْزِلَة الصَّائِم الصابر. وَأخرجه الْحَاكِم بِلَفْظ: مثل الصَّائِم الصابر نَحْو التَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة، وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ. وَأخرجه ابْن مَاجَه من حَدِيث الدَّرَاورْدِي عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي حرَّة عَن حَكِيم بن أبي حرَّة عَن سِنَان بن سنة الْأَسْلَمِيّ، أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: الطاعم الشاكر لَهُ مثل أجر الصَّائِم. قلت: سِنَان بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون ابْن سنة بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَالنُّون الْمُشَدّدَة لَهُ صُحْبَة وَرِوَايَة، وَقَالَ ابْن حبَان: معنى الحَدِيث أَن يطعم ثمَّ لَا يَعْصِي بإرثه بقوته، وَيتم شكره بإتيان طَاعَته بجوارحه لِأَن الصَّائِم قرن بِهِ الصَّبْر وَهُوَ صبره عَن الْمَحْظُورَات، وَقرن بالطاعم الشُّكْر فَيجب أَن يكون هَذَا الشُّكْر الَّذِي يقوم بِإِزَاءِ ذَلِك الصَّبْر أَن يُقَارِبه ويشاركه وَهُوَ ترك الْمَحْظُورَات. فَإِن قيل: هَل يُسمى الحامد شاكرا قيل: نعم، لما روى معمر عَن قَتَادَة عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: الْحَمد رَأس الشُّكْر مَا شكر الله عبد لَا يحمده، وَقَالَ الْحسن: مَا أنعم الله على عبد نعْمَة فَحَمدَ الله عَلَيْهَا إلَاّ كَانَ حَمده أعظم مِنْهَا كائنة مَا كَانَت، وَقَالَ النَّخعِيّ: شكر الطَّعَام أَن تسمي إِذا أكلت وتحمد إِذا فرغت، وَفِي علل ابْن أبي حَاتِم، قَالَ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: شكر الطَّعَام أَن تَقول: الْحَمد لله. ٥٧ - (بابُ: ﴿الرَّجُلِ يُدْعَى إلَى طَعَامٍ فَيَقُولُ: وَهَذا مَعِي﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر الرجل الَّذِي يُدعى على صِيغَة الْمَجْهُول إِلَى طَعَام، وَتَبعهُ رجل لم يدع فَيَقُول الْمَدْعُو: وَهَذَا رجل معي، يَعْنِي: تَبِعنِي. ﴿وَقَالَ أنَسٌ: إذَا دَخَلْتَ عَلَى مُسْلِمٍ لَا يُتَّهَمُ فَكُلْ مِنْ طَعَامِهِ وَاشْرَبْ مِنْ شَرَابِهِ﴾ مُطَابقَة هَذَا التَّعْلِيق عَن أنس بن مَالك للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الرجل إِذا دخل على رجل مُسلم سَوَاء بدعوة أَو بغَيْرهَا فَوجدَ عِنْده أكلا أَو شربا هَل يتَنَاوَل من ذَلِك شَيْئا فَقَالَ أنس: يَأْكُل وَيشْرب إِذا لم يكن الرجل الْمَدْخُول عَلَيْهِ لَا يتهم فِي دينه وَلَا فِي مَاله، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عُمَيْر الْأنْصَارِيّ، سَمِعت أنسا يَقُول مثله لَكِن قَالَ على رجل لَا يتهمه، وَقد روى أَحْمد وَالْحَاكِم وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة نَحوه مَرْفُوعا بِلَفْظ: إِذا دخل أحدكُم على أَخِيه الْمُسلم فأطعمه طَعَاما فَليَأْكُل من طَعَامه وَلَا يسْأَله عَنهُ. ٥٤٦١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ أبِي الأسْوَدِ حَدَّثنا أبُو أُسَامَةَ حدَّثنا الأعْمَشُ حدَّثنا شَقِيقٌ حدَّثنا أبُو مَسْعُودٍ الأنْصَارِيُّ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ يُكْنَى أبَا شُعَيْبٍ، وَكَانَ لَهُ غُلامٌ لَحَامٌ فَأتَى النبيَّ ﷺ ، وَهُوَ فِي أصْحَابِهِ فَعَرَفَ الْجُوعَ فِي وَجْهِ النبيِّ ﷺ ، فَذَهَبَ إلَى غُلامِهِ اللحَّامِ فَقَالَ: إصْنَعْ لِي طَعَاما يَكْفِي خَمْسَةً لَعَلِّي أدْعُو النَّبِي ﷺ ، خَامِس خَمْسَةٍ، فَصَنَعَ لَهُ طُعَيِّما ثُمَّ أتاهُ

стр. 6281

فَدَعَاهُ فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ النبيُّ ﷺ : (يَا أبَا شُعَيْبٍ إنَّ رَجُلاً تَبِعَنَا فَإنْ شِئْتَ أذِنْتَ لَهُ وَإنْ شِئْتَ تَرَكْتَهُ) ، قَالَ: لَا. بَلْ أذِنْتُ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: فَتَبِعهُمْ رجل إِلَى آخِره. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْأَطْعِمَة فِي: بَاب الرجل يتَكَلَّف الطَّعَام لإخوانه فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش عَن أبي وَائِل عَن أبي مَسْعُود عقبَة بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ، وَهنا أخرجه عَن عبد الله بن أبي الْأسود، وَاسم أبي الْأسود حميد بن الْأسود الْبَصْرِيّ الْحَافِظ عَن أبي أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي وَائِل شَقِيق بن سَلمَة عَن أبي مَسْعُود الْأنْصَارِيّ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ. ٥٨ - (بَابٌ: ﴿إذَا حَضَرَ العَشَاءُ فَلا يَعْجَلْ عَنْ عَشائِهِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا حضر الْعشَاء، قَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: إِذا حضر الْعشَاء رُوِيَ بِفَتْح الْعين وَكسرهَا وَهُوَ بِالْكَسْرِ من صَلَاة الْمغرب إِلَى الْعَتَمَة، وبالفتح الطَّعَام خلاف الْغَدَاء، وَلَفظ: عَن عشائه، هُوَ بِالْفَتْح لَا غير. ٥٤٦٢ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخْبَرَنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ (ح) وَقَالَ اللَّيْثُ حدَّثني يُونُسُ عَنِ ابنِ شهابٍ قَالَ: أخْبَرَنِي جَعْفَرُ بنُ عَمْرو بنِ أُُمَيَّةَ: أَن أباهُ عَمْرَو بنَ أُُمَيَّةَ أخْبَرَهُ أنَّهُ رَأى رَسُولَ الله ﷺ ، يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فِي يَدِهِ فَدُعِيَ إلَى الصَّلاةِ فَألْقاها وَالسَّكينَ الَّتِي كَانَ يَحْتَزُّ بِهَا ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَأُُ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من استنباطه من اشْتِغَاله ﷺ ، بِالْأَكْلِ وَقت الصَّلَاة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: من أَيْن خصص بالعشاء وَالصَّلَاة أَعم مِنْهُ. قلت: هُوَ من بَاب حمل الْمُطلق على الْمُقَيد بِقَرِينَة الحَدِيث بعده، وَمر فِي صَلَاة الْجَمَاعَة. فَإِن قلت: ذكر ثمَّة أَنه كَانَ يَأْكُل ذِرَاعا هَاهُنَا قَالَ: كتف شَاة؟ قلت: لَعَلَّه كَانَا حاضرين عِنْده يَأْكُل مِنْهُمَا أَو أَنَّهُمَا متعلقان بِالْيَدِ فكأنهما عُضْو وَاحِد انْتهى. كَلَامه. ثمَّ إِنَّه أخرج الحَدِيث الْمَذْكُور من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن جَعْفَر بن عَمْرو بن أُميَّة إِلَى آخِره. وَالْآخر: مُعَلّق حَيْثُ قَالَ: وَقَالَ اللَّيْث إِلَى آخِره، وَوَصله الذهلي فِي الزهريات، عَن أبي صَالح عَن اللَّيْث. قَوْله: (يحتز) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي. أَي: يقطع قَوْله: (فدعى) ، بِضَم الدَّال على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فألقاها) أَي: قِطْعَة اللَّحْم الَّتِي كَانَ احتزها. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الضَّمِير يرجع إِلَى الْكَتف وَإِنَّمَا أنث بِاعْتِبَار أَنه اكْتسب التَّأْنِيث من الْمُضَاف إِلَيْهِ أَو هُوَ مؤنث سَمَاعي قَوْله: (والسكين) أَي: وَألقى السكين أَيْضا، وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى أَن السكين تذكر وتؤنث. ٥٤٦٣ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ حدَّثنا وُهَيْبٌ عَنْ أيُّوبَ عَنْ أبِي قِلابَةَ عَنْ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ، ﵁، عَنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: إذَا وُضِعَ العَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَابْدَؤا بِالعَشَاءِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمعلى، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين وَتَشْديد اللَّام الْمَفْتُوحَة بِلَفْظ الْمَفْعُول من التعلية، ووهيب مصغر وهب ابْن خَالِد الْبَصْرِيّ، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَأَبُو قلَابَة بِكَسْر الْقَاف عبد الله بن زيد الْجرْمِي، والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (الْعشَاء) بِالْفَتْح فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَإِنَّمَا تُؤخر الصَّلَاة عَن الطَّعَام تفريغا للقلب عَن الْغَيْر تَعْظِيمًا لَهَا كَمَا أَنَّهَا تقدم على الْغَيْر لذَلِك فلهَا الْفضل تَقْدِيمًا وتأخيرا. ﴿وَعَنْ أيُّوبَ عَنْ نَافِعِ عَنِ ابنِ عُمَرَ عَنِ النبيِّ ﷺ نَحْوَهُ﴾ هُوَ مَعْطُوف على السَّنَد الَّذِي قبله، وَهُوَ من رِوَايَة وهيب عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن نَافِع، وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن سهل عَن مُعلى بن أَسد شيخ البُخَارِيّ فِيهِ. وَعَنْ أيُّوبَ عَنْ نَافِعِ عَنِ ابنِ عُمَرَ أنَّهُ تَعَشَّى مَرَّةً وَهُوَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإمَامِ.

стр. 6282

هُوَ أَيْضا عطف على مَا قبله وَأخرجه ابْن أبي عمر من طَرِيق عبد الْوَارِث عَن أَيُّوب وَلَفظه قَالَ: فتعشى ابْن عمر لَيْلَة وَهُوَ يمسع قِرَاءَة الإِمَام. ٥٤٦٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: إذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ وَحَضَرَ العَشَاءُ فَابْدَأوا بالعَشَاءِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَمُحَمّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (وَحضر الْعشَاء) بِكَسْر الْعين. قَوْله: (فابدأوا بالعشاء) بِفَتْح الْعين. ﴿قَالَ وُهَيْبٌ وَيَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشامٍ: إذَا وُضِعَ العَشَاءُ﴾ . أَي: قَالَ وهيب بن خَالِد الْمَذْكُور وَيحيى بن سعيد الْقطَّان إِلَى آخِره فرواية وهيب أخرجهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة يحيى ابْن حسان وَمعلى بن أَسد قَالَا: حَدثنَا وهيب بِهِ. وَلَفظه: إِذا وضع الْعشَاء وأقيمت الصَّلَاة فابدأوا بالعشاء، وَرِوَايَة يحيى بن سعيد وَصلهَا أَحْمد عَنهُ أَيْضا بِهَذَا اللَّفْظ. ٥٩ - (بَابُ: ﴿قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿فَإذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ (الْأَحْزَاب: ٥٣) وَهَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا طَعِمْتُمْ﴾ إِلَى آخِره، المُرَاد بالانتشار هُنَا بعد الْأكل التَّوَجُّه عَن مَكَان الطَّعَام وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب. ٥٤٦٦ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثني أبِي عَنْ صَالِحٍ عَن ابنِ شِهابٍ أنَّ أنَسا قَالَ: أنَا أعْلَمُ النَّاسِ بِالحِجَابِ كَانَ أُُبِيُّ بنُ كَعْبٍ يَسْأَلَنِي عَنْهُ أصْبَحَ رَسُولُ الله ﷺ ، عَرُوسا بِزَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ وَكَانَ تَزَوَّجَهَا بِالمَدِينَةِ فَدَعَا النَّاسَ لِلطَّعامِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَجَلَسَ رَسُولُ الله ﷺ ، وَجَلَسَ مَعَهُ رِجَالٌ بَعْدَ مَا قَامَ القَوْمُ حَتَّى قَامَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَمَشَى وَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ ثُمَّ ظَنَّ أنَّهُمْ خَرَجُوا فَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإذا هُمْ جُلُوس مَكَانَهُمْ فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَرَجَعَ وَرَجَعَتُ مَعَهُ فَإذَا هُمْ قَدْ قَامُوا فَضَرَبَ بَيْنِي وَبَيْنهُ سِتْرا وَأُُنْزِلَ الحِجابُ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَأنزل الْحجاب) . أَي: آيَة الْحجاب، وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تدْخلُوا بيُوت النَّبِي إِلَّا أَن يُؤذن لكم إِلَى طَعَام غير ناظرين إناه وَلَكِن إِذا دعيتم فادخلوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشرُوا﴾ (الْأَحْزَاب: ٥٣) الْآيَة. وَعبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي، وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم يروي عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان الْمدنِي يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بطرق كَثِيرَة عَن أنس، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مستقصىً وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن عَمْرو الناقذ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن عبيد الله بن سعد. قَوْله: (بالحجاب) أَي: بشأن نزُول آيَة الْحجاب. قَوْله: (عروسا) هُوَ يُطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى. ٧١ - ( ﴿كِتابُ العَقِيقَةِ﴾ ) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الْعَقِيقَة. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْعَقِيقَة أَصْلهَا الشّعْر الَّذِي يكون على رَأس الصَّبِي حِين يُولد، وَسميت الشَّاة الَّتِي تذبح عَنهُ فِي تِلْكَ الْحَال عقيقة لِأَنَّهُ يحلق عَنهُ ذَلِك الشّعْر عِنْد الذّبْح. وَقَالَ الْخطابِيّ: هِيَ اسْم الشَّاة المذبوحة عَن الْوَلَد، وَسميت بهَا لِأَنَّهَا تعق عَن ذابحها. أَي: تشق وتقطع، وَيُقَال: وَرُبمَا يُسمى الشّعْر عقيقة بعد الْحلق على الِاسْتِعَارَة، وَإِنَّمَا سمي الذّبْح عَن الصَّبِي يَوْم سابعه عقيقة باسم الشّعْر لِأَنَّهُ يحلق فِي ذَلِك الْيَوْم وعق عَن ابْنه يعق عقا: حلق عقيقته وَذبح عَنهُ شَاة وَتسَمى الشَّاة الَّتِي ذبحت لذَلِك عقيقة وَقَالَ: أصل العق الشق فَكَأَنَّهَا قيل لَهَا: عقيقة. أَي: مشقوقة وكل

стр. 6283

مَوْلُود من الْبَهَائِم فشعره عقيقة. ١ - (بَابُ: ﴿تَسْمِيَةِ المَوْلُودِ غَدَاةَ يُولَدُلِمَنْ يَعُقَّ عَنهُ وَتحْنِيكِهِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَسْمِيَة الْمَوْلُود غَدَاة يُولد لمن لم يعق عَنهُ وتحنيكه كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني، وَسَقَطت لَفْظَة عَن عِنْد الْجُمْهُور وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: وَإِن لم يعق عَنهُ بدل: لمن لم يعق عَنهُ وَأَرَادَ بِالْغَدَاةِ الْوَقْت لِأَنَّهَا تطلق وَيُرَاد بهَا مُطلق الْوَقْت ويقهم من قَوْله: (لمن لم يعق) ، أَنه يُسمى الْمَوْلُود وَقت الْولادَة إِن لم تحصل الْعَقِيقَة وَإِن حصلت يُسمى فِي الْيَوْم السَّابِع وَيفهم من رِوَايَة النَّسَفِيّ أَنه يُسمى وَقت الْولادَة سَوَاء حصلت الْعَقِيقَة أَو لم تحصل وَالْأول أولى لِأَن الْأَخْبَار وَردت فِي التَّسْمِيَة يَوْم السَّابِع لما سَيَجِيءُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَيفهم من رِوَايَة النَّسَفِيّ أَيْضا أَن الْعَقِيقَة غير وَاجِبَة. وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي هَذَا الْفضل أَي: الْعَقِيقَة، فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبُو ثَوْر وَإِسْحَاق: سنة لَا يَنْبَغِي تَركهَا لمن قدر عَلَيْهَا، وَقَالَ أَحْمد: هِيَ أحب إليّ من التَّصَدُّق بِثمنِهَا على الْمَسَاكِين وَقَالَ مرّة: إِنَّهَا من الْأَمر الَّذِي لم يزل عَلَيْهِ أَمر النَّاس عندنَا. وَقَالَ مَالك: هِيَ من الْأَمر الَّذِي لَا اخْتِلَاف فِيهِ عِنْدهم، وَقَالَ يحيى بن سعيد: أدْركْت النَّاس وَمَا يدعونها عَن الْغُلَام وَالْجَارِيَة. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَمِمَّنْ كَانَ يَرَاهَا ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وروى عَن فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وروى عَن الْحسن وَأهل الظَّاهِر أَنَّهَا وَاجِبَة، وتأولوا قَوْله ﷺ : (مَعَ الْغُلَام عقيقة) على الْوُجُوب وَقَالَ ابْن حزم: هِيَ فرض وَاجِب يجْبر الْإِنْسَان عَلَيْهَا إِذا فضل لَهُ من قوته مقدارها وَفِي (شرح السّنة) وأوجبها الْحسن قَالَ: يجب عَن الْغُلَام يَوْم سابعه فَإِن لم يعق عَنهُ عق عَن نَفسه، وَقَالَ ابْن التِّين قَالَ أَبُو وَائِل: هِيَ سنة فِي الذُّكُور دون الْإِنَاث، وَكَذَا ذكره فِي (المُصَنّف) عَن مُحَمَّد وَالْحسن، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَيست بِسنة. وَقَالَ مُحَمَّد بن الْحسن: هِيَ تطوع كَانَ النَّاس يفعلونها ثمَّ نسخت بالأضحى، وَنقل صَاحب (التَّوْضِيح) عَن أبي حنيفَة والكوفيين: أَنَّهَا بِدعَة وَكَذَلِكَ قَالَ بَعضهم فِي شَرحه وَالَّذِي نقل عَنهُ أَنَّهَا بِدعَة أَبُو حنيفَة. قلت: هَذَا افتراء فَلَا يجوز نسبته إِلَى أبي حنيفَة وحاشاه أَن يَقُول مثل هَذَا: وَإِنَّمَا قَالَ: لَيست بِسنة فمراده إِمَّا لَيست بِسنة ثَابِتَة، وَإِمَّا لَيست بِسنة مُؤَكدَة وروى عبد الرَّزَّاق عَن دَاوُد بن قيس. قَالَ: سَمِعت عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده، سُئِلَ رَسُول الله ﷺ ، عَن الْعَقِيقَة فَقَالَ: لَا أحب العقوق. قَالُوا: يَا رَسُول الله! ينْسك أَحَدنَا عَمَّن يُولد لَهُ فَقَالَ: من أحب مِنْكُم أَن ينْسك عَن وَلَده فَلْيفْعَل عَن الْغُلَام شَاتَان مكافأتان، وَعَن الْجَارِيَة شَاة، فَهَذَا يدل على الِاسْتِحْبَاب. قَوْله: (وتحنيكه) ، بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: تَسْمِيَة الْمَوْلُود. أَي: فِي بَيَان تحنيك الْمَوْلُود، وَهُوَ مضغ الشَّيْء وَوَضعه فِي فَم الصَّبِي، وَذَلِكَ تحنيكه بِهِ، يُقَال: حنكت الصَّبِي إِذا مضغت التَّمْر أَو غَيره ثمَّ دلكته بحنكه وَالْأولَى فِيهِ التَّمْر فَإِن لم يَتَيَسَّر فالرطب وإلَاّ فشيء حُلْو، وَعسل النَّحْل أولى من غَيره. ثمَّ مَا لم تمسه النَّار. ٥٤٦٧ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ نَصْرٍ حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ قَالَ؛ حدَّثني بُرَيْدٌ عَنْ أبِي بُرْدَةَ عَنْ أبِي مُوسَى، ﵁، قَالَ: وُلِدَ لي غُلامٌ فَأتَيْتُ بِهِ النبيِّ ﷺ ، فَسمَّاهُ إبْرَاهِيمَ فَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ وَدَعَا لَهُ بِالبَرَكَةِ وَدَفَعَهُ إلَيَّ وَكَانَ أكْبَرَ وَلَدِ أبِي مُوسَى. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. لِأَنَّهَا فِي تَسْمِيَة الْمَوْلُود وتحنيكه والْحَدِيث يشملها. وَإِسْحَاق هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم بن نصر البُخَارِيّ، نزل الْمَدِينَة. فَالْبُخَارِي: تَارَة يَقُول: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَتارَة ينْسبهُ إِلَى جده، وَهُوَ من أَفْرَاده وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وبريد بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة ابْن عبد الله بن أبي بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء واسْمه عَامر بن أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ، وَيُرِيد الْمَذْكُور يروي عَن جده أبي مُوسَى. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن أبي كريب، وَأخرجه مُسلم فِي الاسْتِئْذَان عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَغَيره. وَفِيه (حكمان) . الأول: تَسْمِيَة الْمَوْلُود أَنه يعجل تَسْمِيَة الْمَوْلُود وَلَا ينْتَظر بهَا إِلَى السَّابِع أَلا يرى كَيفَ أسْرع أَبُو مُوسَى بإحضار مولوده إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَسَماهُ إِبْرَاهِيم، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: تَسْمِيَة الْمَوْلُود حِين يُولد أصح من الْأَحَادِيث فِي تَسْمِيَته يَوْم السَّابِع

стр. 6284

وَأورد عَلَيْهِ بِمَا رَوَاهُ الْبَزَّار وَابْن حبَان وَالْحَاكِم فِي (صَحِيحَيْهِمَا) عَن عَائِشَة. قَالَت: عق رَسُول الله ﷺ ، عَن الْحسن وَالْحُسَيْن، ﵄، يَوْم السَّابِع وسماهما وروى التِّرْمِذِيّ من طَرِيق عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: أَمرنِي رَسُول الله ﷺ ، بِتَسْمِيَة الْمَوْلُود لسابعه، وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: سَبْعَة من السّنة فالصبي يَوْم السَّابِع: يُسمى، ويختن، يماط عَنهُ الْأَذَى، ويثقب أُذُنه ويعق عَنهُ، ويحلق رَأسه، ويلطخ من عقيقته، وَيتَصَدَّق بِوَزْن شعره ذهب أَو فضَّة أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي (الْأَوْسَط) وَفِي سَنَده ضعف، وَفِيه أَيْضا عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، رَفعه إِذا كَانَ يَوْم السَّابِع للمولود فأهريقوا عَنهُ دَمًا واميطوا عَنهُ الْأَذَى وسموه، وَإِسْنَاده حسن. وَقَالَ الْخطابِيّ: ذهب كثير من النَّاس إِلَى أَن التَّسْمِيَة تجوز قبل ذَلِك. وَقَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين وَقَتَادَة وَالْأَوْزَاعِيّ: إِذا ولد وَقد تمّ خلقه يُسمى فِي الْوَقْت إِن شَاءَ. وَقَالَ الْمُهلب: وَتَسْمِيَة الْمَوْلُود حِين يُولد وَبعد ذَلِك بليلة أَو لَيْلَتَيْنِ وَمَا شَاءَ إِذا لم ينْو الْأَب الْعَقِيقَة عِنْد يَوْم سابعه جَائِز، وَإِن أَرَادَ أَن ينْسك عَنهُ فَالسنة أَن تُؤخر تَسْمِيَته إِلَى يَوْم النّسك وَهُوَ السَّابِع. وَالْحكم الثَّانِي: تحنيك الْمَوْلُود، وَقد ذَكرْنَاهُ. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي تحنيكه؟ قلت: قَالَ بَعضهم: يصنع ذَلِك بِالصَّبِيِّ ليتمرن على الْأكل فيقوى عَلَيْهِ، فيا سُبْحَانَ الله مَا أبرد هَذَا الْكَلَام، وَأَيْنَ وَقت الْأكل من وَقت التحنيك؟ وَهُوَ حِين يُولد وَالْأكل غَالِبا بعد سنتَيْن أَو أقل أَو أَكثر؟ وَالْحكمَة فِيهِ أَنه يتفاءل لَهُ بِالْإِيمَان لِأَن التَّمْر ثَمَرَة الشَّجَرَة الَّتِي شبهها رَسُول الله ﷺ ، بِالْمُؤمنِ، وبحلاوته أَيْضا، وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ المحنك من أهل الْفضل وَالْعُلَمَاء وَالصَّالِحِينَ لِأَنَّهُ يصل إِلَى جَوف الْمَوْلُود من ريقهم أَلا ترى أَن رَسُول الله ﷺ ، لما حنك عبد الله بن الزبير حَاز من الْفَضَائِل والكمالات مَا لَا يُوصف؟ وَكَانَ قَارِئًا لِلْقُرْآنِ عفيفا فِي الْإِسْلَام، وَكَذَلِكَ عبد الله بن أبي طَلْحَة كَانَ من أهل الْعلم وَالْفضل والتقدم فِي الْخَيْر ببركة رِيقه الْمُبَارك. ٥٤٦٨ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيَى عَنْ هِشامٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂. قَالَتْ: أُُتِيَ النبيُّ ﷺ ، بِصَبِيِّ يُحَنِّكُهُ فَبَالَ عَلَيْهِ فَأتْبَعَهُ المَاء. مطابقته للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير. والْحَدِيث من أَفْرَاده وَأخرجه أَيْضا فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب بَوْل الصّبيان عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة الحَدِيث. ٥٤٦٩ - حدَّثنا إسْحَاقَ بنُ نَصْرٍ حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ حدَّثنا هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ أسْمَاءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ ﵄ أنَّها حَمَلَتْ بِعَبْدِ الله بنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ قَالَتْ: فَخَرَجْتُ وَأنَا مُتِم، فَأتَيْتُ المَدِينَةَ فَنَزَلْتُ قُبَاءً فَوَلَدَتُهُ بِقُباء، ثُمَّ أتَيْتُ بِهِ رَسُولَ الله ﷺ ، فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ فَمَضَغَها ثُمَّ تَفَلَ فِي فِيهِ، فَكَانَ أوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ رَسُولِ الله ﷺ ، ثُمَّ حَنَّكَهُ بِالتَّمْرَةِ ثُمَّ دَعَا لَهُ فَبَرَكَ عَلَيْهِ، وَكَانَ أوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الإسْلامِ فَفَرِحُوا بِهِ فَرَحا شَدِيدا لأنَّهُمْ قِيلَ لَهُمْ: إنَّ اليَهُودَ قَدْ سَحَرَتْكُمْ فَلا يُولَدُ لَكُمْ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَإِسْحَاق بن نصر وَشَيْخه قد ذكرا عَن قريب. والْحَدِيث قد مضى فِي هِجْرَة النَّبِي ﷺ ، عَن زَكَرِيَّاء بن يحيى، وَأخرجه مُسلم فِي الاسْتِئْذَان عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَغَيره. قَوْله: (وَأَنا متم) ، بِضَم الْمِيم وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، يُقَال: اتمت الحبلى فَهِيَ متم إِذا أتمت أَيَّام حملهَا. قَوْله: (قبَاء) ، والفصيح فِيهِ الْمَدّ وَالصرْف وَحكى الْقصر وَكَذَا ترك الصّرْف. قولهّ (فِي حجره) بِفَتْح الْحَاء وَكسرهَا. قَوْله: (ثمَّ تقل) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وَالْفَاء أَي: بزق. قَوْله: (فِي فِيهِ) أَي: فِي فَمه. قَوْله: (فبرك عَلَيْهِ) بتَشْديد الرَّاء أَي: دَعَا لَهُ بِالْبركَةِ. قَوْله: (أول مَوْلُود فِي الْإِسْلَام) أَي: أول مَوْلُود بِالْمَدِينَةِ بعد الْهِجْرَة من أَوْلَاد الْمُهَاجِرين وَإِلَّا فالنعمان بن بشير الْأنْصَارِيّ ولد قبله بعد الْهِجْرَة.

стр. 6285

٥٤٧٠ - حدَّثنا مَطَرُ بنُ الفَضْلِ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أخْبَرَنا عَبْدُ الله بنُ عَوْنٍ عَنْ أنَسٍ بنِ سِيرِينَ عَنْ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ، ﵁. قَالَ: كَانَ ابنٌ لأبِي طَلْحَةَ يَشْتَكِي فَخَرَجَ أبُو طَلْحَةَ فَقُبِضَ الصَّبِيُّ. فَلَمَّا رَجَعَ أبُو طَلْحَةَ قَالَ: مَا فَعَلَ ابْنِي؟ فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: هُوَ أسْكَنُ مَا كَانَ فَقَرَّبَتْ إلَيْهِ العَشَاءَ فَتَعَشَى ثُمَّ أصَابَ مِنْهَا، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَتْ: وَارِ الصَّبِيَّ فَلَمَّا أصْبَحَ أبُو طَلْحَةَ أتَى رَسُولَ الله ﷺ ، فَأخُبَرَهُ. فَقَالَ: أعْرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمَا فِي لَيْلَتِهِمَا فَوَلَدَتْ غُلاما قَالَ لِي أبُو طَلْحَةَ: احْفَظِيهِ حَتَّى نَأتِيَ بِهِ النبيَّ ﷺ ، فَأتَى بِهِ النبيَّ ﷺ ، وَأرْسَلَتْ مَعَهُ بِتَمَرَاتٍ. فَأخَذَهُ النبيُّ ﷺ ، فَقَالَ: أمَعَهُ شَيْءٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ! تَمْرَاتٌ. فَأخَذَها النبيُّ ﷺ ، فَمَضَغَهَا ثُمَّ أخَذَ مِنْ فِيه فَجَعَلَها فِي فِي الصَّبِيِّ وَحَنَّكَهُ بِهِ، وَسَمَّاهُ عَبْدَ الله. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث ومطر بن الْفضل الْمروزِي وَيزِيد من الزِّيَادَة وَأنس بن سِيرِين أَخُو مُحَمَّد بن سِيرِين. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الاسْتِئْذَان عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. قَوْله: (لأبي طَلْحَة) ، وَهُوَ يزِيد بن سهل زوج أم أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (يشتكي) ، من الاشتكاء من الشكو وَهُوَ الْمَرَض. قَوْله: (أم سليم) ، هِيَ: أم أنس بن مَالك. قَوْله: (أسكن مَا كَانَ) أَرَادَت بِهِ سُكُون الْمَوْت، وَهُوَ أفعل التَّفْضِيل، وَظن أَبُو طَلْحَة أَنَّهَا تُرِيدُ سُكُون الشِّفَاء. قَوْله: (ثمَّ أصَاب مِنْهَا) أَي: جَامعهَا. قَوْله: (وارِ الصَّبِي) أَي: ادفنه من المواراة، ويروى: وأروا الصَّبِي. قَوْله: (أعرستم) من الإعراس وَهُوَ الْوَطْء. يُقَال: أعرس بأَهْله إِذا غشيها، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، أعرستم؟ بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الرَّاء وَقَالَ عِيَاض: هُوَ غلط لِأَن التَّعْرِيس النُّزُول فِي آخر اللَّيْل، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لُغَة يُقَال: أعرس وعرس إِذا دخل بأَهْله، والأفصح: أعرس، وَهَذَا السُّؤَال للتعجب من صنعهما وصبرهما وسروره بِحسن رضائها بِقَضَاء الله تَعَالَى. قَوْله: (احفظيه) هَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: احفظه. وَفِيه: اسْتِحْبَاب تحنيك الْمَوْلُود عِنْد وِلَادَته وَحمله إِلَى صَالح يحنكه، والتمسية يَوْم وِلَادَته، وتفويض التَّسْمِيَة إِلَى الصَّالِحين، ومنقبة أم سليم من عَظِيم صبرها وَحسن رضائها بِالْقضَاءِ، وجزالة عقلهَا فِي إخفائها مَوته عَن أَبِيه فِي أول اللَّيْل ليبيت مستريحا وَاسْتِعْمَال المعاريض، وأجابة دُعَاء رَسُول الله ﷺ ، فِي حَقّهمَا حَيْثُ حملت بِعَبْد الله بن أبي طَلْحَة، وَجَاء من عبد الله عشرَة صَالِحُونَ عُلَمَاء، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. ﴿حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدَّثنا ابنُ أبِي عَدِيٍّ عَنِ ابنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أنَسٍ، وَسَاقَ الحَدِيثَ﴾ . أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن الحَدِيث الْمَذْكُور دائر بَين الْأَخَوَيْنِ فَالَّذِي مضى عَن أنس بن سِيرِين، وَهَذَا عَن أَخِيه مُحَمَّد بن سِيرِين كِلَاهُمَا رويا عَن أنس بن مَالك فروى البُخَارِيّ هَذَا عَن مُحَمَّد بن الْمثنى ضد الْمُفْرد عَن مُحَمَّد بن أبي عدي عَن عبد الله بن عون عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أنس بن مَالك. قَوْله: (وسَاق الحَدِيث) ، أَي: الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ مُحَمَّد بن الْمثنى وَسَاقه البُخَارِيّ فِي كتاب اللبَاس فِي بَاب الخميصة السَّوْدَاء. قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن الْمثنى. قَالَ: حَدثنِي ابْن أبي عدي عَن ابْن عون عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أنس. قَالَ: لما ولدت أم سليم الحَدِيث. ٢ - (بَابُ: ﴿إمَاطَةِ الأذَى عَنِ الصَّبِيِّ فِي العَقِيقَةِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إمَاطَة الْأَذَى أَي: إِزَالَة الْأَذَى. قَالَ: الْكسَائي: مطت عَنهُ الْأَذَى، وأمطت نحيت، وَكَذَلِكَ، مطت غَيْرِي وأمطته وَأنكر ذَلِك الْأَصْمَعِي. وَقَالَ: مطت أَنا وأمطت غَيْرِي، وَفِي (التَّوْضِيح) . وإماطة الْأَذَى عَن الصَّبِي: حلق الشّعْر الَّذِي على رَأسه. ٥٤٧١ - حدَّثنا أبُو النُّعمَانِ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ أيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ سَلْمَانَ بنِ عَامِرٍ قَالَ: مَعَ الغُلامِ عَقِيقَةٌ.

стр. 6286

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله فِي الْعَقِيقَة، وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَمُحَمّد هُوَ ابْن سِيرِين، وَسليمَان بن عَامر الضَّبِّيّ بالضاد الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْمُشَدّدَة صَحَابِيّ سكن الْبَصْرَة مَاله فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث. وَقد أخرج البُخَارِيّ حَدِيثه من عدَّة طرق فَهَذَا الحَدِيث مَوْقُوف مُخْتَصر، وَقَالَ الكلاباذي: روى عَن سلمَان الضَّبِّيّ مُحَمَّد ابْن سِيرِين حَدِيثا مَوْقُوفا فِي الْأَطْعِمَة، وَهُوَ فِي الأَصْل مَرْفُوع، وَمَعْنَاهُ: عقيقة مصاحبة للغلام بعد وِلَادَته، يَعْنِي: يعق عَنهُ، وَاعْترض عَلَيْهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ هُنَا بِأَنَّهُ، وَإِن كَانَ مَوْصُولا لكنه مَوْقُوف وَلَيْسَ فِيهِ ذكر إمَاطَة الْأَذَى الَّذِي ترْجم بِهِ وَأجِيب عَنهُ بِأَن الْمُعْتَمد عَلَيْهِ فِي طرق هَذَا الحَدِيث الَّتِي أخرجهَا هُوَ طَرِيق حَمَّاد بن زيد لَكِن أوردهُ مُخْتَصرا اكْتِفَاء بِمَا ورد تَمَامه فِي بعض طرقه على مَا يَجِيء وَذَلِكَ على عَادَته هَكَذَا فِي مَوَاضِع كَثِيرَة فَافْهَم. وَفِيه: حجَّة على أَنه لَا يعق عَن الْكَبِير، وَعَلِيهِ أَئِمَّة الْفَتْوَى بالأمصار. ﴿وَقَالَ حَجَّاجٌ: حدَّثنا حَمَّادٌ أخْبَرنا أيُّوبُ وَقَتَادَةُ وَهِشَامٌ وَحَبِيبٌ عَنِ ابنِ سِيرينَ عَنْ سَلْمَانَ عَنِ النبيِّ ﷺ ،﴾ . هَذَا الطَّرِيق مَرْفُوع، وَلكنه مُعَلّق أخرجه عَن حجاج بن منهال عَن حَمَّاد هُوَ ابْن سَلمَة عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وَقَتَادَة ابْن دعامة السدُوسِي، وَهِشَام بن حسان الْأَزْدِيّ وحبِيب بن شَهِيد عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن سلمَان عَن النَّبِي ﷺ ، وَوَصله الطَّحَاوِيّ وَابْن عبد الْبر وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق القَاضِي عَن حجاج بن منهال حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة بِهِ. وَاعْترض الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ: حَمَّاد بن سَلمَة لَيْسَ من شَرطه فِي الِاحْتِجَاج، وَأجِيب عَنهُ بِأَنا سلمنَا أَن حَمَّاد بن سَلمَة لَيْسَ من شَرطه، وَلَكِن لَا يضرّهُ إِيرَاده للاستشهاد بِهِ. ﴿وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَاصِمٍ وَهِشامٍ عَنْ حَفْصَةَ بِنْت سِيرِينَ عَنِ الرَّبابِ عَنْ سَلْمَانَ بنِ عَامِرٍ الضَّبِيِّ عَنِ النبيِّ ﷺ ﴾ . هَذَا طَرِيق آخر، وَهُوَ مُعَلّق مَرْفُوع، وَفِيه مُبْهَم وَهُوَ قَوْله: (غير وَاحِد) . فَمن الَّذين أبهمهم عَن عَاصِم بن سُلَيْمَان الْأَحول سُفْيَان بن عُيَيْنَة أخرجه أَحْمد عَنهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد وَصرح بِرَفْعِهِ. قَوْله: (وَهشام) ، عطف على عَاصِم، وَهُوَ هِشَام بن حسان وَمِمَّنْ أخرج عَنهُ عبد الرَّزَّاق أخرجه أَحْمد عَنهُ عَن هِشَام بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من طَرِيق عبد الرَّزَّاق، وَمِمَّنْ أخرج عَن هِشَام أَيْضا عبد الله بن نمير أخرجه ابْن مَاجَه من طَرِيقه. وَحَفْصَة بنت سِيرِين أُخْت مُحَمَّد بن سِيرِين رَوَت عَن الربَاب بِفَتْح الرَّاء وبباءين موحدتين بَينهمَا ألف، وَالْأولَى مِنْهُمَا مُخَفّفَة إبنت صليعٍ مصغر الصلع بالمهملتين ابْن عَامر الضَّبِّيّ يروي عَن عَمها سلمَان عَن النَّبِي ﷺ . ﴿وَرَوَاهُ يَزِيدُ بنُ إبْرَاهِيمَ عَنِ ابنِ سِيرينَ عَنْ سَلْمَانَ قَوْلَهُ﴾ . هَذَا طَرِيق آخر مُعَلّق مُصَرح فِيهِ بِالْوَقْفِ أخرجه عَن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن إِبْرَاهِيم التسترِي عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن سلمَان الضَّبِّيّ. قَوْله: (قَوْله) ، أَي: قَول سلمَان، وَصرح بِهِ أَنه مَوْقُوف عَلَيْهِ، وَوَصله الطَّحَاوِيّ فِي كِتَابه (مُشكل الْآثَار) وَقَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن خُزَيْمَة حَدثنَا حجاج بن منهال حَدثنَا يزِيد بن إِبْرَاهِيم بِهِ مَوْقُوفا. وَقَالَ أصْبَغُ: أخْبَرَنِي ابنُ وَهْبٍ عَنْ جَرِيرِ بنِ حَازِمِ عَنْ أيُّوبَ السَّخْتَيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ حدَّثنا سَلْمَانُ بنُ عَامِرِ الضَّبِّيُّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، يَقُولُ: مَعَ الغُلامِ عَقِيقَةٌ فَأهْريقوا عَنْهُ دَما وَأمِيطُوا عَنْهُ الأذَى. هَذَا طَرِيق آخر مَرْفُوع، وَلكنه مُعَلّق أخرجه عَن أصبغ بن الْفرج الْمصْرِيّ أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ عَن عبد الله بن

стр. 6287

وهب الْمصْرِيّ، وَأحد مَشَايِخ الطَّحَاوِيّ عَن جرير بن حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ مَنْسُوب إِلَى عمل السختيان أَو بَيْعه، وَهُوَ فَارسي مُعرب، وَهِي جُلُود عَن مُحَمَّد بن سِيرِين إِلَى آخِره، وَوَصله الطَّحَاوِيّ عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى عَن بن وهب بِهِ وَاعْترض عَلَيْهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضا. فَقَالَ: ذكر هَذَا الحَدِيث بِلَا خبر، وَقد قَالَ أَحْمد: حَدِيث جرير بِمصْر كَانَ على التَّوَهُّم. أَو كَمَا قَالَ: وَقَالَ السَّاجِي حدث بالوهم بِمصْر وَلم يكن يحفظ وَأجِيب بِأَنَّهُ قد وَافقه غَيره عَن أَيُّوب وَفِي الْجُمْلَة هَذِه الطّرق الْخَمْسَة يُقَوي بَعْضهَا بَعْضًا والْحَدِيث فِي الأَصْل مَرْفُوع فَلَا يضرّهُ الْوَقْف. قَوْله: (مَعَ الْغُلَام عقيقة) ، تمسك بِظَاهِر لَفْظَة الْحسن وَقَتَادَة، وَقَالَ: يعق عَن الْغُلَام وَلَا يعق عَن الْجَارِيَة وَعند الْجُمْهُور: يعق عَنْهُمَا لوُرُود الْأَحَادِيث الْكَثِيرَة بِذكر الْجَارِيَة أَيْضا على مَا يَجِيء الْآن. قَوْله: (فأهريقوا) ، يُقَال: هراق المَاء يهريقه هراقة أَي: صبه، وَأَصله: أراق يريق إِرَاقَة. وَفِيه لُغَة أُخْرَى: أهرق المَاء يهرقه إهراقا على أفعل يفعل إفعالاً لُغَة ثَالِثَة أهرق يهريق إهرياقا وَاعْلَم أَنه أبهم فِيهِ مَا يهراق، وَكَذَا فِي حَدِيث سَمُرَة الْآتِي، وَبَين ذَلِك فِي عدَّة أَحَادِيث. وَمِنْهَا: حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أخرجه التِّرْمِذِيّ مصححا من رِوَايَة يُوسُف بن مَاهك بِأَنَّهُم دخلُوا على حَفْصَة بنت عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن النَّبِي ﷺ ، أَمرهم عَن الْغُلَام شَاتَان مكافيتان وَعَن الْجَارِيَة شَاة وأخرجت الْأَرْبَعَة من حَدِيث أم كرز أَنَّهَا سَأَلت النَّبِي ﷺ ، عَن الْعَقِيقَة فَقَالَ: عَن الْغُلَام شَاتَان وَعَن الْجَارِيَة وَاحِدَة وَلَا يضركم ذكرانا كن أم أناثا. قَالَ التِّرْمِذِيّ: صَحِيح وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده رَفعه فِي أثْنَاء حَدِيث قَالَ: من أحب أَن ينْسك عَن وَلَده فَلْيفْعَل عَن الْغُلَام شَاتَان مكافيتان وَعَن الْجَارِيَة شَاة. وَقَالَ دَاوُد بن قيس، رِوَايَة عَن عَمْرو: سَأَلت زيد بن أسلم عَن قَوْله: (مكافأتان) ، فَقَالَ: متشابهتان تذبحان جَمِيعًا. أَي: لَا يُؤَخر ذبح إِحْدَاهمَا عَن الْأُخْرَى، وَحكى أَبُو دَاوُد عَن أَحْمد المتكافيان المتقاربان. قَالَ الْخطابِيّ: أَي: فِي السن، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: معادلتان لما تجزي فِي الزَّكَاة وَفِي الْأُضْحِية، وَوَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ فِي حَدِيث آخر، قيل: مَا المتكافيتان؟ قَالَ: المثلان. قَوْله: (وأميطوا) ، أَي: أزيلوا وَقد مر فِي أول الْبَاب. قَوْله: (والأذى) ، قيل: هُوَ إِمَّا الشّعْر أَو الدَّم أَو الْخِتَان، وَقَالَ الْخطابِيّ: قَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين: لما سمعنَا هَذَا الحَدِيث طلبنا من يعرف معنى إمَاطَة الْأَذَى فَلم نجد، وَقيل: المُرَاد بالأذى هُوَ شعره الَّذِي علق بِهِ دم الرَّحِم فيماط عَنهُ بِالْحلقِ، وَقيل: إِنَّهُم كَانُوا يلطمون بِرَأْس الصَّبِي بِدَم الْعَقِيقَة، وَهُوَ أَذَى فَنهى عَن ذَلِك، وَقد جزم الْأَصْمَعِي بِأَنَّهُ حلق الرَّأْس، وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن الْحسن كَذَلِك، وَالْأَوْجه أَن يحمل الْأَذَى على الْمَعْنى الْأَعَمّ، وَيُؤَيّد ذَلِك أَن فِي بعض طرق حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب ويماط عَنهُ أقذاره، رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ. ﴿حدَّثني عَبْدُ الله بنُ أبِي الأسْوَدِ حدَّثنا قُرَيْشُ بنُ أنَسٍ عَنْ حَبِيبٍ بنِ الشَّهِيدِ قَالَ: أمَرَنِي ابنُ سِيرِينَ أنْ أسْألَ الحَسَنَ: مِمَّنْ سَمَعَ حَدِيثَ العَقِيقَةَ؟ فَسَأَلْتُهُ. فَقَالَ: مِنْ سَمُرَةَ بنِ جُنْدَبٍ﴾ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله بن أبي الْأسود هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي الْأسود، وَاسم أبي الْأسود حميد، وقريش مصغر القرش، بِالْقَافِ وَالرَّاء والشين الْمُعْجَمَة ابْن أنس بِفَتْح الْهمزَة وَالنُّون الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة تسع وَمِائَتَيْنِ وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع، وحبِيب بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة، وَسمرَة بن جُنْدُب بِضَم الْجِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وَضمّهَا الْفَزارِيّ بِالْفَاءِ وَتَخْفِيف الزَّاي وبالراء الْكُوفِي الصَّحَابِيّ. والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن قُرَيْش بن أنس بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعَقِيقَة عَن هَارُون بن عبد الله عَن قُرَيْش بِهِ، وَقد توقف الْبرد نجي فِي صِحَة هَذَا الحَدِيث من أجل اخْتِلَاط قُرَيْش، هَذَا وَزعم أَنه تفرد بِهِ وَأَنه وهم، وَكَأَنَّهُ تبع فِي ذَلِك مَا حَكَاهُ الْأَثْرَم عَن أَحْمد أَنه ضعف حَدِيث قُرَيْش هَذَا، وَقَالَ: مَا أرَاهُ بِشَيْء قلت: قُرَيْش تغير سنة ثَلَاث وَمِائَتَيْنِ وَاسْتمرّ على ذَلِك سِتّ سِنِين، وَمَات سنة تسع وَمِائَتَيْنِ، ولقريش متابع، روى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من أَن أَبَا حَمْزَة رَوَاهُ عَن الْحسن كَرِوَايَة قُرَيْش سَوَاء، وَلَعَلَّ سَماع شيخ البُخَارِيّ عَن قُرَيْش كَانَ قبل الِاخْتِلَاط، وَقَالَ ابْن حزم: لَا يَصح لِلْحسنِ سَماع عَن سَمُرَة إلَاّ حَدِيث الْعَقِيقَة وَحده، ورد عَلَيْهِ بِمَا رَوَاهُ

стр. 6288

البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه الْكَبِير) . قَالَ لي عَليّ بن الْمَدِينِيّ: سَماع الْحسن من سَمُرَة صَحِيح. قَوْله: (أَمرنِي ابْن سِيرِين) أَي: مُحَمَّد بن سِيرِين (أَن أسأَل) أَي: بِأَن أسأَل الْحسن الْبَصْرِيّ. قَوْله: (فَسَأَلته) أَي: قَالَ ابْن الشَّهِيد فَسَأَلت الْحسن فَقَالَ: سَمِعت من سَمُرَة بن جُنْدُب. فَإِن قلت: لم يبين البُخَارِيّ حَدِيث الْعَقِيقَة. قلت: كَأَنَّهُ اكْتفى عَن إِيرَاده بشهرته، وَقد أخرجه أَصْحَاب السّنَن من رِوَايَة قَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: الْغُلَام مُرْتَهن بعقيقته، يذبح عَنهُ يَوْم السَّابِع ويحلق رَأسه وَيُسمى. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حسن صَحِيح. قَالَ: وَالْعَمَل على هَذَا عِنْد أهل الْعلم يستحبون أَن يذبح عَن الْغُلَام الْعَقِيقَة يَوْم السَّابِع. فَإِن لم يتهيأ يَوْم السَّابِع فَيوم الرَّابِع عشر، فَإِن لم يتهيأ عق عَنهُ يَوْم إِحْدَى وَعشْرين قَوْله: مُرْتَهن، بِفَتْح التَّاء مَعْنَاهُ: رهن بعقيقته يَعْنِي: العقيق لَازِمَة لَهُ لَا بُد مِنْهَا، فشبهه بلزومها لَهُ وَعدم انفكاكه مِنْهَا بِالرَّهْنِ فِي يَد الْمُرْتَهن. وَقَالَ الْخطابِيّ: تكلم النَّاس فِي هَذَا وأجود مَا قيل فِيهِ مَا ذهب إِلَيْهِ أَحْمد بن حَنْبَل، ﵀. قَالَ: هَذَا فِي الشَّفَاعَة، يُرِيد أَنه إِذا لم يعق عَنهُ فَمَاتَ طفْلا لم يشفع فِي وَالِديهِ، وَقيل: مَرْهُون بأذى شعره، ويروى: كل غُلَام رهينة بعقيقته الرهينة الرَّهْن وَالْهَاء للْمُبَالَغَة كالشتيمة والشتم ثمَّ استعملا بِمَعْنى الْمَرْهُون، يُقَال: هُوَ رهن بِكَذَا ورهينة بِكَذَا. قَوْله: (يذبح عَنهُ يَوْم السَّابِع) ، على صِيغَة الْمَجْهُول وَقد احْتج بِهِ من قَالَ: إِن الْعَقِيقَة مُؤَقَّتَة بِالْيَوْمِ السَّابِع، فَإِن ذبح قبله لم يَقع الموقوع، وَإِنَّهَا تفوت بعده، وَهَذَا قَول مَالك، وَعند الْحَنَابِلَة فِي اعْتِبَار الأسابيع بعد ذَلِك رِوَايَتَانِ، وَعند الشَّافِعِيَّة أَن ذكر السَّابِع للاختيار لَا للتعيين، وَنقل الرَّافِعِيّ أَنه يدْخل وَقتهَا بِالْولادَةِ، قَالَ: وَذكر السَّابِع فِي الْخَبَر بِمَعْنى أَن لَا يُؤَخر عَنهُ إختيارا، ثمَّ قَالَ: وَالِاخْتِيَار أَن لَا يُؤَخر عَن الْبلُوغ فَإِن أخرت إِلَى الْبلُوغ سَقَطت عَمَّن كَانَ يُرِيد أَن يعق عَنهُ. لَكِن إِن أَرَادَ هُوَ أَن يعق عَن نَفسه فعل. وَقَوله: يَوْم السَّابِع، أَي: من يَوْم الْولادَة، وَهل يحْسب يَوْم الْولادَة؟ وَقَالَ ابْن عبد الْبر: نَص مَالك على أَن أول السَّبْعَة الْيَوْم الَّذِي يَلِي يَوْم الْولادَة إِلَّا أَن ولد قبل طُلُوع الْفجْر، وَكَذَا نَقله الْبُوَيْطِيّ عَن الشَّافِعِي. قَوْله: (ويحلق رَأسه) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. أَي: يحلق جَمِيع رَأسه لثُبُوت النَّهْي عَن القزع، وَحكى الْمَاوَرْدِيّ كَرَاهَة حلق رَأس الْجَارِيَة. وَعَن بعض الْحَنَابِلَة يحلق. قلت: هَذَا أولى لِأَن فِي حَدِيث سلمَان: أميطوا عَنهُ الْأَذَى وَمن جملَة الْأَذَى شعر رَأسه الملوث من الْبَطن، وبعمومه يتَنَاوَل الذّكر وَالْأُنْثَى وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَليّ بن أبي طَالب. رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: عق النَّبِي ﷺ ، عَن الْحسن بِشَاة. وَقَالَ: يَا فَاطِمَة أحلقي رَأسه وتصدقي بزنة شعره فضَّة، فوزناه فَكَانَ وَزنه درهما أَو بعض دِرْهَم. وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب. قَوْله: (ويسمي) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا وَإِن لم يستهل لم يسم. وَقَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين وَقَتَادَة وَالْأَوْزَاعِيّ: إِذا ولد وَقد تمّ خلقه يُسمى فِي الْوَقْت إِن شاؤا قَالَ الْمُهلب: وَتَسْمِيَة الْمَوْلُود حِين يُولد وَبعد ذَلِك بليلة وليلتين وَمَا شَاءَ إِذا لم ينْو الْأَب الْعَقِيقَة عِنْد يَوْم سابعه جَائِز وَإِن أَرَادَ أَن ينْسك عَنهُ فَالسنة أَن يُؤَخر تَسْمِيَته إِلَى يَوْم النّسك، وَهُوَ السَّابِع. ٥٤٧١ - حدَّثنا أبُو النُّعمَانِ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ أيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ سَلْمَانَ بنِ عَامِرٍ قَالَ: مَعَ الغُلامِ عَقِيقَةٌ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله فِي الْعَقِيقَة، وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَمُحَمّد هُوَ ابْن سِيرِين، وَسليمَان بن عَامر الضَّبِّيّ بالضاد الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْمُشَدّدَة صَحَابِيّ سكن الْبَصْرَة مَاله فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث. وَقد أخرج البُخَارِيّ حَدِيثه من عدَّة طرق فَهَذَا الحَدِيث مَوْقُوف مُخْتَصر، وَقَالَ الكلاباذي: روى عَن سلمَان الضَّبِّيّ مُحَمَّد ابْن سِيرِين حَدِيثا مَوْقُوفا فِي الْأَطْعِمَة، وَهُوَ فِي الأَصْل مَرْفُوع، وَمَعْنَاهُ: عقيقة مصاحبة للغلام بعد وِلَادَته، يَعْنِي: يعق عَنهُ، وَاعْترض عَلَيْهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ هُنَا بِأَنَّهُ، وَإِن كَانَ مَوْصُولا لكنه مَوْقُوف وَلَيْسَ فِيهِ ذكر إمَاطَة الْأَذَى الَّذِي ترْجم بِهِ وَأجِيب عَنهُ بِأَن الْمُعْتَمد عَلَيْهِ فِي طرق هَذَا الحَدِيث الَّتِي أخرجهَا هُوَ طَرِيق حَمَّاد بن زيد لَكِن أوردهُ مُخْتَصرا اكْتِفَاء بِمَا ورد تَمَامه فِي بعض طرقه على مَا يَجِيء وَذَلِكَ على عَادَته هَكَذَا فِي مَوَاضِع كَثِيرَة فَافْهَم. وَفِيه: حجَّة على أَنه لَا يعق عَن الْكَبِير، وَعَلِيهِ أَئِمَّة الْفَتْوَى بالأمصار. ﴿وَقَالَ حَجَّاجٌ: حدَّثنا حَمَّادٌ أخْبَرنا أيُّوبُ وَقَتَادَةُ وَهِشَامٌ وَحَبِيبٌ عَنِ ابنِ سِيرينَ عَنْ سَلْمَانَ عَنِ النبيِّ ﷺ ،﴾ . هَذَا الطَّرِيق مَرْفُوع، وَلكنه مُعَلّق أخرجه عَن حجاج بن منهال عَن حَمَّاد هُوَ ابْن سَلمَة عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وَقَتَادَة ابْن دعامة السدُوسِي، وَهِشَام بن حسان الْأَزْدِيّ وحبِيب بن شَهِيد عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن سلمَان عَن النَّبِي ﷺ ، وَوَصله الطَّحَاوِيّ وَابْن عبد الْبر وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق القَاضِي عَن حجاج بن منهال حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة بِهِ. وَاعْترض الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ: حَمَّاد بن سَلمَة لَيْسَ من شَرطه فِي الِاحْتِجَاج، وَأجِيب عَنهُ بِأَنا سلمنَا أَن حَمَّاد بن سَلمَة لَيْسَ من شَرطه، وَلَكِن لَا يضرّهُ إِيرَاده للاستشهاد بِهِ. ﴿وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَاصِمٍ وَهِشامٍ عَنْ حَفْصَةَ بِنْت سِيرِينَ عَنِ الرَّبابِ عَنْ سَلْمَانَ بنِ عَامِرٍ الضَّبِيِّ عَنِ النبيِّ ﷺ ﴾ . هَذَا طَرِيق آخر، وَهُوَ مُعَلّق مَرْفُوع، وَفِيه مُبْهَم وَهُوَ قَوْله: (غير وَاحِد) . فَمن الَّذين أبهمهم عَن عَاصِم بن سُلَيْمَان الْأَحول سُفْيَان بن عُيَيْنَة أخرجه أَحْمد عَنهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد وَصرح بِرَفْعِهِ. قَوْله: (وَهشام) ، عطف على عَاصِم، وَهُوَ هِشَام بن حسان وَمِمَّنْ أخرج عَنهُ عبد الرَّزَّاق أخرجه أَحْمد عَنهُ عَن هِشَام بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من طَرِيق عبد الرَّزَّاق، وَمِمَّنْ أخرج عَن هِشَام أَيْضا عبد الله بن نمير أخرجه ابْن مَاجَه من طَرِيقه. وَحَفْصَة بنت سِيرِين أُخْت مُحَمَّد بن سِيرِين رَوَت عَن الربَاب بِفَتْح الرَّاء وبباءين موحدتين بَينهمَا ألف، وَالْأولَى مِنْهُمَا مُخَفّفَة إبنت صليعٍ مصغر الصلع بالمهملتين ابْن عَامر الضَّبِّيّ يروي عَن عَمها سلمَان عَن النَّبِي ﷺ . ﴿وَرَوَاهُ يَزِيدُ بنُ إبْرَاهِيمَ عَنِ ابنِ سِيرينَ عَنْ سَلْمَانَ قَوْلَهُ﴾ . هَذَا طَرِيق آخر مُعَلّق مُصَرح فِيهِ بِالْوَقْفِ أخرجه عَن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن إِبْرَاهِيم التسترِي عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن سلمَان الضَّبِّيّ. قَوْله: (قَوْله) ، أَي: قَول سلمَان، وَصرح بِهِ أَنه مَوْقُوف عَلَيْهِ، وَوَصله الطَّحَاوِيّ فِي كِتَابه (مُشكل الْآثَار) وَقَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن خُزَيْمَة حَدثنَا حجاج بن منهال حَدثنَا يزِيد بن إِبْرَاهِيم بِهِ مَوْقُوفا. وَقَالَ أصْبَغُ: أخْبَرَنِي ابنُ وَهْبٍ عَنْ جَرِيرِ بنِ حَازِمِ عَنْ أيُّوبَ السَّخْتَيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ حدَّثنا سَلْمَانُ بنُ عَامِرِ الضَّبِّيُّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، يَقُولُ: مَعَ الغُلامِ عَقِيقَةٌ فَأهْريقوا عَنْهُ دَما وَأمِيطُوا عَنْهُ الأذَى. هَذَا طَرِيق آخر مَرْفُوع، وَلكنه مُعَلّق أخرجه عَن أصبغ بن الْفرج الْمصْرِيّ أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ عَن عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَأحد مَشَايِخ الطَّحَاوِيّ عَن جرير بن حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ مَنْسُوب إِلَى عمل السختيان أَو بَيْعه، وَهُوَ فَارسي مُعرب، وَهِي جُلُود عَن مُحَمَّد بن سِيرِين إِلَى آخِره، وَوَصله الطَّحَاوِيّ عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى عَن بن وهب بِهِ وَاعْترض عَلَيْهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضا. فَقَالَ: ذكر هَذَا الحَدِيث بِلَا خبر، وَقد قَالَ أَحْمد: حَدِيث جرير بِمصْر كَانَ على التَّوَهُّم. أَو كَمَا قَالَ: وَقَالَ السَّاجِي حدث بالوهم بِمصْر وَلم يكن يحفظ وَأجِيب بِأَنَّهُ قد وَافقه غَيره عَن أَيُّوب وَفِي الْجُمْلَة هَذِه الطّرق الْخَمْسَة يُقَوي بَعْضهَا بَعْضًا والْحَدِيث فِي الأَصْل مَرْفُوع فَلَا يضرّهُ الْوَقْف. قَوْله: (مَعَ الْغُلَام عقيقة) ، تمسك بِظَاهِر لَفْظَة الْحسن وَقَتَادَة، وَقَالَ: يعق عَن الْغُلَام وَلَا يعق عَن الْجَارِيَة وَعند الْجُمْهُور: يعق عَنْهُمَا لوُرُود الْأَحَادِيث الْكَثِيرَة بِذكر الْجَارِيَة أَيْضا على مَا يَجِيء الْآن. قَوْله: (فأهريقوا) ، يُقَال: هراق المَاء يهريقه هراقة أَي: صبه، وَأَصله: أراق يريق إِرَاقَة. وَفِيه لُغَة أُخْرَى: أهرق المَاء يهرقه إهراقا على أفعل يفعل إفعالاً لُغَة ثَالِثَة أهرق يهريق إهرياقا وَاعْلَم أَنه أبهم فِيهِ مَا يهراق، وَكَذَا فِي حَدِيث سَمُرَة الْآتِي، وَبَين ذَلِك فِي عدَّة أَحَادِيث. وَمِنْهَا: حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أخرجه التِّرْمِذِيّ مصححا من رِوَايَة يُوسُف بن مَاهك بِأَنَّهُم دخلُوا على حَفْصَة بنت عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن النَّبِي ﷺ ، أَمرهم عَن الْغُلَام شَاتَان مكافيتان وَعَن الْجَارِيَة شَاة وأخرجت الْأَرْبَعَة من حَدِيث أم كرز أَنَّهَا سَأَلت النَّبِي ﷺ ، عَن الْعَقِيقَة فَقَالَ: عَن الْغُلَام شَاتَان وَعَن الْجَارِيَة وَاحِدَة وَلَا يضركم ذكرانا كن أم أناثا. قَالَ التِّرْمِذِيّ: صَحِيح وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده رَفعه فِي أثْنَاء حَدِيث قَالَ: من أحب أَن ينْسك عَن وَلَده فَلْيفْعَل عَن الْغُلَام شَاتَان مكافيتان وَعَن الْجَارِيَة شَاة. وَقَالَ دَاوُد بن قيس، رِوَايَة عَن عَمْرو: سَأَلت زيد بن أسلم عَن قَوْله: (مكافأتان) ، فَقَالَ: متشابهتان تذبحان جَمِيعًا. أَي: لَا يُؤَخر ذبح إِحْدَاهمَا عَن الْأُخْرَى، وَحكى أَبُو دَاوُد عَن أَحْمد المتكافيان المتقاربان. قَالَ الْخطابِيّ: أَي: فِي السن، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: معادلتان لما تجزي فِي الزَّكَاة وَفِي الْأُضْحِية، وَوَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ فِي حَدِيث آخر، قيل: مَا المتكافيتان؟ قَالَ: المثلان. قَوْله: (وأميطوا) ، أَي: أزيلوا وَقد مر فِي أول الْبَاب. قَوْله: (والأذى) ، قيل: هُوَ إِمَّا الشّعْر أَو الدَّم أَو الْخِتَان، وَقَالَ الْخطابِيّ: قَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين: لما سمعنَا هَذَا الحَدِيث طلبنا من يعرف معنى إمَاطَة الْأَذَى فَلم نجد، وَقيل: المُرَاد بالأذى هُوَ شعره الَّذِي علق بِهِ دم الرَّحِم فيماط عَنهُ بِالْحلقِ، وَقيل: إِنَّهُم كَانُوا يلطمون بِرَأْس الصَّبِي بِدَم الْعَقِيقَة، وَهُوَ أَذَى فَنهى عَن ذَلِك، وَقد جزم الْأَصْمَعِي بِأَنَّهُ حلق الرَّأْس، وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن الْحسن كَذَلِك، وَالْأَوْجه أَن يحمل الْأَذَى على الْمَعْنى الْأَعَمّ، وَيُؤَيّد ذَلِك أَن فِي بعض طرق حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب ويماط عَنهُ أقذاره، رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ. ﴿حدَّثني عَبْدُ الله بنُ أبِي الأسْوَدِ حدَّثنا قُرَيْشُ بنُ أنَسٍ عَنْ حَبِيبٍ بنِ الشَّهِيدِ قَالَ: أمَرَنِي ابنُ سِيرِينَ أنْ أسْألَ الحَسَنَ: مِمَّنْ سَمَعَ حَدِيثَ العَقِيقَةَ؟ فَسَأَلْتُهُ. فَقَالَ: مِنْ سَمُرَةَ بنِ جُنْدَبٍ﴾ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله بن أبي الْأسود هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي الْأسود، وَاسم أبي الْأسود حميد، وقريش مصغر القرش، بِالْقَافِ وَالرَّاء والشين الْمُعْجَمَة ابْن أنس بِفَتْح الْهمزَة وَالنُّون الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة تسع وَمِائَتَيْنِ وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع، وحبِيب بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة، وَسمرَة بن جُنْدُب بِضَم الْجِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وَضمّهَا الْفَزارِيّ بِالْفَاءِ وَتَخْفِيف الزَّاي وبالراء الْكُوفِي الصَّحَابِيّ. والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن قُرَيْش بن أنس بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعَقِيقَة عَن هَارُون بن عبد الله عَن قُرَيْش بِهِ، وَقد توقف الْبرد نجي فِي صِحَة هَذَا الحَدِيث من أجل اخْتِلَاط قُرَيْش، هَذَا وَزعم أَنه تفرد بِهِ وَأَنه وهم، وَكَأَنَّهُ تبع فِي ذَلِك مَا حَكَاهُ الْأَثْرَم عَن أَحْمد أَنه ضعف حَدِيث قُرَيْش هَذَا، وَقَالَ: مَا أرَاهُ بِشَيْء قلت: قُرَيْش تغير سنة ثَلَاث وَمِائَتَيْنِ وَاسْتمرّ على ذَلِك سِتّ سِنِين، وَمَات سنة تسع وَمِائَتَيْنِ، ولقريش متابع، روى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من أَن أَبَا حَمْزَة رَوَاهُ عَن الْحسن كَرِوَايَة قُرَيْش سَوَاء، وَلَعَلَّ سَماع شيخ البُخَارِيّ عَن قُرَيْش كَانَ قبل الِاخْتِلَاط، وَقَالَ ابْن حزم: لَا يَصح لِلْحسنِ سَماع عَن سَمُرَة إلَاّ حَدِيث الْعَقِيقَة وَحده، ورد عَلَيْهِ بِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه الْكَبِير) . قَالَ لي عَليّ بن الْمَدِينِيّ: سَماع الْحسن من سَمُرَة صَحِيح. قَوْله: (أَمرنِي ابْن سِيرِين) أَي: مُحَمَّد بن سِيرِين (أَن أسأَل) أَي: بِأَن أسأَل الْحسن الْبَصْرِيّ. قَوْله: (فَسَأَلته) أَي: قَالَ ابْن الشَّهِيد فَسَأَلت الْحسن فَقَالَ: سَمِعت من سَمُرَة بن جُنْدُب. فَإِن قلت: لم يبين البُخَارِيّ حَدِيث الْعَقِيقَة. قلت: كَأَنَّهُ اكْتفى عَن إِيرَاده بشهرته، وَقد أخرجه أَصْحَاب السّنَن من رِوَايَة قَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: الْغُلَام مُرْتَهن بعقيقته، يذبح عَنهُ يَوْم السَّابِع ويحلق رَأسه وَيُسمى. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حسن صَحِيح. قَالَ: وَالْعَمَل على هَذَا عِنْد أهل الْعلم يستحبون أَن يذبح عَن الْغُلَام الْعَقِيقَة يَوْم السَّابِع. فَإِن لم يتهيأ يَوْم السَّابِع فَيوم الرَّابِع عشر، فَإِن لم يتهيأ عق عَنهُ يَوْم إِحْدَى وَعشْرين قَوْله: مُرْتَهن، بِفَتْح التَّاء مَعْنَاهُ: رهن بعقيقته يَعْنِي: العقيق لَازِمَة لَهُ لَا بُد مِنْهَا، فشبهه بلزومها لَهُ وَعدم انفكاكه مِنْهَا بِالرَّهْنِ فِي يَد الْمُرْتَهن. وَقَالَ الْخطابِيّ: تكلم النَّاس فِي هَذَا وأجود مَا قيل فِيهِ مَا ذهب إِلَيْهِ أَحْمد بن حَنْبَل، ﵀. قَالَ: هَذَا فِي الشَّفَاعَة، يُرِيد أَنه إِذا لم يعق عَنهُ فَمَاتَ طفْلا لم يشفع فِي وَالِديهِ، وَقيل: مَرْهُون بأذى شعره، ويروى: كل غُلَام رهينة بعقيقته الرهينة الرَّهْن وَالْهَاء للْمُبَالَغَة كالشتيمة والشتم ثمَّ استعملا بِمَعْنى الْمَرْهُون، يُقَال: هُوَ رهن بِكَذَا ورهينة بِكَذَا. قَوْله: (يذبح عَنهُ يَوْم السَّابِع) ، على صِيغَة الْمَجْهُول وَقد احْتج بِهِ من قَالَ: إِن الْعَقِيقَة مُؤَقَّتَة بِالْيَوْمِ السَّابِع، فَإِن ذبح قبله لم يَقع الموقوع، وَإِنَّهَا تفوت بعده، وَهَذَا قَول مَالك، وَعند الْحَنَابِلَة فِي اعْتِبَار الأسابيع بعد ذَلِك رِوَايَتَانِ، وَعند الشَّافِعِيَّة أَن ذكر السَّابِع للاختيار لَا للتعيين، وَنقل الرَّافِعِيّ أَنه يدْخل وَقتهَا بِالْولادَةِ، قَالَ: وَذكر السَّابِع فِي الْخَبَر بِمَعْنى أَن لَا يُؤَخر عَنهُ إختيارا، ثمَّ قَالَ: وَالِاخْتِيَار أَن لَا يُؤَخر عَن الْبلُوغ فَإِن أخرت إِلَى الْبلُوغ سَقَطت عَمَّن كَانَ يُرِيد أَن يعق عَنهُ. لَكِن إِن أَرَادَ هُوَ أَن يعق عَن نَفسه فعل. وَقَوله: يَوْم السَّابِع، أَي: من يَوْم الْولادَة، وَهل يحْسب يَوْم الْولادَة؟ وَقَالَ ابْن عبد الْبر: نَص مَالك على أَن أول السَّبْعَة الْيَوْم الَّذِي يَلِي يَوْم الْولادَة إِلَّا أَن ولد قبل طُلُوع الْفجْر، وَكَذَا نَقله الْبُوَيْطِيّ عَن الشَّافِعِي. قَوْله: (ويحلق رَأسه) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. أَي: يحلق جَمِيع رَأسه لثُبُوت النَّهْي عَن القزع، وَحكى الْمَاوَرْدِيّ كَرَاهَة حلق رَأس الْجَارِيَة. وَعَن بعض الْحَنَابِلَة يحلق. قلت: هَذَا أولى لِأَن فِي حَدِيث سلمَان: أميطوا عَنهُ الْأَذَى وَمن جملَة الْأَذَى شعر رَأسه الملوث من الْبَطن، وبعمومه يتَنَاوَل الذّكر وَالْأُنْثَى وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَليّ بن أبي طَالب. رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: عق النَّبِي ﷺ ، عَن الْحسن بِشَاة. وَقَالَ: يَا فَاطِمَة أحلقي رَأسه وتصدقي بزنة شعره فضَّة، فوزناه فَكَانَ وَزنه درهما أَو بعض دِرْهَم. وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب. قَوْله: (ويسمي) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا وَإِن لم يستهل لم يسم. وَقَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين وَقَتَادَة وَالْأَوْزَاعِيّ: إِذا ولد وَقد تمّ خلقه يُسمى فِي الْوَقْت إِن شاؤا قَالَ الْمُهلب: وَتَسْمِيَة الْمَوْلُود حِين يُولد وَبعد ذَلِك بليلة وليلتين وَمَا شَاءَ إِذا لم ينْو الْأَب الْعَقِيقَة عِنْد يَوْم سابعه جَائِز وَإِن أَرَادَ أَن ينْسك عَنهُ فَالسنة أَن يُؤَخر تَسْمِيَته إِلَى يَوْم النّسك، وَهُوَ السَّابِع. ٣ - (بَابُ: ﴿الفَرَعِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْفَرْع بِفَتْح الْفَاء وَالرَّاء وبالعين الْمُهْملَة، وَذكر أَبُو عبيد أَنه بِفَتْح الرَّاء، وَكَذَلِكَ الفرعة، وَهُوَ أول مَا تلده النَّاقة، وَكَانُوا يذبحون ذَلِك لآلهتهم وَقد أفرع الْقَوْم إِذا فعلت إبلهم ذَلِك، وَذكر شمر أَن أَبَا مَالك قَالَ: كَانَ الرجل إِذا تمت إبِله مائَة قدم بكرا فذبحه لصنمه، فَذَلِك الْفَرْع. ٥٤٧٣ - حدَّثنا عَبْدَانُ حدَّثنا عَبْدُ الله أخْبرنا مَعْمَرٌ أخْبَرَنا الزُّهْرِيُّ عَنِ ابنِ المُسَيِّبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: لَا فَرَعَ وَلا عَتِيرَةَ. وَالفَرَعُ أوَّلُ النِّتاجِ كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِطواغِيتِهِمْ. وَالعَتِيرَةُ فِي رَجَبٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي يروي عَن عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي عَن معمر بن رَاشد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَضَاحِي عَن مُحَمَّد بن رَافع وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مَحْمُود بن غيلَان. قَوْله: (لَا فرع وَلَا عتيرة) ، قد مر الْآن تَفْسِير الْفَرْع، وَالْعَتِيرَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة

стр. 6289

وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْبَاء آخر الْحُرُوف وبالراء، وَهِي النسيكة الَّتِي تعتر أَي: تذبح، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يذبحونها فِي الْعشْر الأول من رَجَب ويسمونها الرجبية، وأوله الشَّافِعِي على أَن المُرَاد لَا فرع وَاجِب وَلَا عتيرة وَاجِبَة. قلت: يرد هَذَا التَّأْوِيل إِحْدَى روايتي النَّسَائِيّ فِي هَذَا الحَدِيث بِلَفْظ: نهى رَسُول الله ﷺ ، عَن الْفَرْع وَالْعَتِيرَة، وَقد جَاءَ هَكَذَا فِي رِوَايَة لِأَحْمَد أَيْضا. لَا فرع وَلَا عتيرة فصورته نفي وَمَعْنَاهُ نهي. وَقد اخْتلفت الْأَحَادِيث فِي حكم الْفَرْع وَالْعَتِيرَة فروى النَّسَائِيّ من حَدِيث الْحَارِث بن عَمْرو أَنه لَقِي رَسُول الله ﷺ ، فِي حجَّة الْوَدَاع الحَدِيث، وَفِيه قَالَ رجل من النَّاس: يَا رَسُول الله ﴿العتائر والفرائع؟ قَالَ: من شَاءَ عتر وَمن شَاءَ لم يعتر، وَمن شَاءَ فرع وَمن شَاءَ لم يفرع، وروى النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي ذَر بن لَقِيط بن عَامر الْعقيلِيّ قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله﴾ إِنَّا كُنَّا نذبح فِي الْجَاهِلِيَّة فِي رَجَب فنأكل ونطعم من جَاءَنَا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : لَا بَأْس بِهِ، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ ، سُئِلَ عَنْهَا يَوْم عَرَفَة فَقَالَ: هِيَ حق، يَعْنِي: العتيرة وروى أَيْضا فِيهِ من حَدِيث أنس قَالَ: قَالَ رجل: يَا رَسُول الله ﴿إِنَّا كُنَّا نعتر فِي الْجَاهِلِيَّة. قَالَ: اذبحوا فِي أَي شهر كَانَ وأطعموا. وروى أَيْضا فِيهِ من حَدِيث يزِيد بن عبد الله الْمُزنِيّ عَن أَبِيه أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: فِي الْإِبِل فرع، وَفِي الْغنم فرع. وروى عبد الرَّزَّاق من حَدِيث حَفْصَة بنت عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق عَن عَائِشَة. قَالَت: أَمر رَسُول الله ﷺ ، بالفرع من كل خمسين وَاحِدَة، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث مخنف سمع النَّبِي ﷺ بِعَرَفَة يَقُول: يَا أَيهَا النَّاس إِن على كل أهل بَيت فِي كل عَام أضْحِية وعتيرة، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب، وروى أَبُو دَاوُد عَن نُبَيْشَة، قَالَ: نَادَى رجل: يَا رَسُول الله﴾ إِنَّا كُنَّا نعتر عتيرة فِي الْجَاهِلِيَّة فِي رَجَب، فَمَا تَأْمُرنَا؟ قَالَ: اذبحوا لله فِي أَي شهر كَانَ. قَالَ: إِنَّا كُنَّا نفرع فرعا فِي الْجَاهِلِيَّة فَمَا تَأْمُرنَا؟ فَقَالَ: فِي كل سَائِمَة فرع قَالَ أَبُو قلَابَة: السَّائِمَة مائَة. فَهَذِهِ الْأَحَادِيث كلهَا تدل على الْإِبَاحَة. وَقَالَ ابْن بطال: وَكَانَ ابْن سِيرِين من بَين الْعلمَاء يذبح العتيرة فِي رَجَب، وَفِي (الْآثَار) للطحاوي، وَكَانَ ابْن عمر يعتر، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا وَهُوَ نَص الشَّافِعِي، اسْتِحْبَاب الْفَرْع وَالْعَتِيرَة، وَزعم القَاضِي عِيَاض والحازمي أَن حَدِيث النَّهْي نَاسخ لأحاديث الْإِبَاحَة، وَعَلِيهِ جَمَاهِير الْعلمَاء، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَمَعْلُوم أَن النَّهْي لَا يكون إلَاّ عَن شَيْء قد كَانَ يفعل، وَلَا نعلم أَن أحدا من أهل الْعلم يَقُول: إِن النَّبِي ﷺ ، كَانَ نَهَاهُم عَنْهُمَا أَي: عَن الْفَرْع وَالْعَتِيرَة، ثمَّ أذن فيهمَا. قَوْله: (وَالْفرع أول النتيجة) ، إِلَى آخِره ذكر أَبُو قُرَّة مُوسَى بن طَارق فِي (كتاب السّنَن) تأليفه: أَن تَفْسِير العتيرة وَالْفرع من كَلَام الزُّهْرِيّ. ٤ - (بَابٌ: ﴿فِي العَتِيرَةِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان العتيرة، وَقد مر تَفْسِيرهَا. ٥٤٧٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ الزُّهْرِيُّ حدَّثَنا عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: لَا فَرَعَ وَلا عَتِيرَةِ. قَالَ: وَالفَرَعُ أوَّلُ نِتاجٍ كَانَ يُنْتَجُ لَهُمْ كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِطَوَاغِيتِهِمْ. وَالعَتِيرَةُ فِي رَجَبٍ. أعَاد الحَدِيث الْمَذْكُور فِيمَا قبله بِعَيْنِه من رِوَايَة عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. وَاخْتلف فِي سُفْيَان هَذَا فَفِي مُسلم: هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَقَالَ النَّسَائِيّ: حَدثنَا ابْن مثنى عَن أبي دَاوُد عَن شُعْبَة، قَالَ: أخبرنَا حَدِيث أبي إِسْحَاق عَن معمر وسُفْيَان بن حُسَيْن عَن الزُّهْرِيّ قَالَ أَحدهمَا: لَا فرع وَلَا عتيرة، وَقَالَ الآخر: نهى عَن الْفَرْع وَالْعَتِيرَة. وَالصَّوَاب الأول. قَوْله: (قَالَ الزُّهْرِيّ: حَدثنَا عَن سعيد) أَي: قَالَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ حَال كَونه حَدثنَا عَن سعيد بن الْمسيب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (لطواغيتهم) جمع طاغية وَهِي مَا كَانُوا يعبدونه من الْأَصْنَام وَغَيرهَا. ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ وَقعت الْبَسْمَلَة هَكَذَا قبل ذكر الْكتاب فِي رِوَايَة أبي الْوَقْت، وَوَقعت فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ بعد ذكر الْكتاب، وَالْأول أوجه. ٧٢ - (كِتابُ: ﴿الذَّبائِح والصَّيْدِ﴾ )

стр. 6290

أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الذَّبَائِح وَأَحْكَام الصَّيْد وَبَيَان التَّسْمِيَة عِنْد إرْسَال الْكَلْب على الصَّيْد، وَهَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة وَأبي ذَر فِي رِوَايَة وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ، وَلأبي الْوَقْت: بَاب بدل كتاب وَسقط للنسفي أصلا، والذبائح جمع ذَبِيحَة بِمَعْنى المذبوحة. قَوْله: (وَالتَّسْمِيَة على الصَّيْد) أَي: وَفِي بَيَان وجوب التَّسْمِيَة على الصَّيْد. ١ - (بَابُ: ﴿التَّسْمِيَةِ عَلَى الصَّيْدِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب التَّسْمِيَة على الصَّيْد، وَلَفظ: بَاب لم يثبت فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَلَا فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَأبي ذَر، وَثَبت للباقين. وَالصَّيْد مصدر من صَاد يصيد صيدا فَهُوَ صائد وَذَاكَ مصيد وَقد يَقع الصَّيْد على المصيد نَفسه تَسْمِيَة بِالْمَصْدَرِ كَمَا فِي قَوْله : ﴿لَا تقتلُوا الصَّيْد وَأَنْتُم حرم﴾ (الْمَائِدَة: ٩٥) قيل: لَا يُقَال للشَّيْء صيد حَتَّى يكون مُمْتَنعا حَلَالا لَا مَالك لَهُ. وقَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ الله بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿عَذَابٌ ألِيمٌ﴾ (الْمَائِدَة: ٩٤) وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ إلَاّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ (الْمَائِدَة: ١) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ المَيِّتَةُ وَالدَّمُ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ (الْمَائِدَة: ٣) . فِي كثير من النّسخ ذكر هَذِه الْآيَات الثَّلَاث وَهِي فِي الْمَائِدَة الأولى: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا ليبلونكم الله بِشَيْء من الصَّيْد تناله أَيْدِيكُم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بِالْغَيْبِ فَمن اعْتدى بعد ذَلِك فَلهُ عَذَاب أَلِيم﴾ الثَّانِيَة: قَوْله تَعَالَى: ﴿أحلّت لكم بَهِيمَة الْأَنْعَام إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُم غير محلى الصَّيْد وَأَنْتُم حرم إِن الله يحكم مَا يُرِيد﴾ الثَّالِثَة: قَوْله تَعَالَى: ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير وَمَا أهل لغير الله بِهِ والمنخنقة والموقودة والمتردية والنطيحة وَمَا أكل السَّبع إِلَّا مَا ذكيتم وَمَا ذبح على النصب وَأَن تستقيموا بالأزلام ذَلِكُم فسق الْيَوْم يئس الَّذين كفرُوا من دينكُمْ فَلَا تخشوهم واخشون﴾ (الْمَائِدَة: ٣) وَفِي بعض النّسخ: وَقَول الله تَعَالَى: ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة﴾ إِلَى قَوْله: ﴿فَلَا تخشوهم واخشون﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا ليبلونكم الله بِشَيْء من الصَّيْد﴾ قَالَ بعض الشُّرَّاح. كَذَا لأبي ذَر، وَقدم وَأخر فِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي، وَزَاد بعدقوله: ﴿تناله أَيْدِيكُم ورماحكم﴾ الْآيَة. إِلَى قَوْله: ﴿عَذَاب أَلِيم﴾ وَعند النَّسَفِيّ فِي قَوْله: ﴿أحلّت لكم بَهِيمَة الْأَنْعَام﴾ . الْآيَتَيْنِ وَكَذَا لأبي الْوَقْت لَكِن قَالَ إِلَى قَوْله: ﴿فَلَا تخشوهم واخشون﴾ وفرقهما فِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي. قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا ليبلونكم﴾ الْآيَة. نزلت فِي عمْرَة الْحُدَيْبِيَة فَكَانَت الْوَحْش وَالطير تغشاهم فِي رحالهم فيتمكنون من صيدها أخذا بِالْأَيْدِي وطعنا بِالرِّمَاحِ جَهرا أَو سرا لتظهر طَاعَة من يُطِيع مِنْهُم فِي سره وجهره، وَقَالَ الْوَالِبِي عَن ابْن عَبَّاس: ليبلونكم الله بِشَيْء من الصَّيْد تناله أَيْدِيكُم ورماحكم. قَالَ: هُوَ الضَّعِيف من الصَّيْد وصغيره يَبْتَلِي الله بِهِ عباده فِي إحرامهم حَتَّى لَو شاؤوا لتناولوه بِأَيْدِيهِم فنهاهم الله أَن يقربوه، قَالَ مُجَاهِد: تناله أَيْدِيكُم، يَعْنِي: صغَار الصَّيْد وفراخه، ورماحكم كباره. قَوْله: (فَمن اعْتدى بعد ذَلِك) ، أَي: بعد هَذَا الْإِعْلَام والإنذار ﴿فَلهُ عَذَاب أَلِيم﴾ أَي: لمُخَالفَة أَمر الله وشرعه. قَوْله: (أحلّت لكم بَهِيمَة الْأَنْعَام) ، هِيَ: الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم. قَالَه الْحسن وَقَتَادَة. قَوْله: (إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُم) ، اسْتثِْنَاء من قَوْله: (أحلّت لكم) قَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: يَعْنِي بذلك الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير وَمَا أهل لغير الله بِهِ، والمنخنقة والموقودة والمتردية والنطيحة وَمَا أكل السَّبع، فَإِن هَذِه وَإِن كَانَت من الْأَنْعَام إِلَّا أَنَّهَا تحرم بِهَذِهِ الْعَوَارِض، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِلَّا مَا ذكيتم وَمَا ذبح على النصب﴾ مِنْهَا فَإِنَّهُ حرَام لَا يُمكن استدراكه. قَوْله: (غير محلى الصَّيْد) نصب على الْحَال، وَالْمرَاد بالأنعام مَا يعم الْإِنْسِي من الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم، وَمَا يعم الوحشي كالظباء وَنَحْوه، فاستثنى من الْإِنْس مَا تقدم، واستثني من الوحشي الصَّيْد فِي حَال الْإِحْرَام، وَالْحرم جمع حرَام. قَوْله: (إِن الله يحكم مَا يُرِيد) يَعْنِي: أَن الله حَكِيم فِي جَمِيع مَا يَأْمر بِهِ وَينْهى عَنهُ. قَوْله: (حرمت عَلَيْكُم الْميتَة) اسْتثْنى مِنْهَا السّمك وَالْجَرَاد. قَوْله: (وَالدَّم) يَعْنِي: المسفوح. قَوْله: (وَلحم الْخِنْزِير) ، سَوَاء كَانَ إنسيا أَو وحشيا. وَقَوله: (وَاللَّحم يعم جَمِيع أَجْزَائِهِ. قَوْله: (وَمَا أهل لغير الله بِهِ) أَي: مَا ذبح

стр. 6291

على اسْم غير الله من صنم أَو وثن أَو طاغوت، أَو غير ذَلِك، من سَائِر الْمَخْلُوقَات فَإِنَّهُ حرَام بِالْإِجْمَاع. قَوْله: (والمنخنقة) ، هِيَ الَّتِي تَمُوت بالخنق إِمَّا قصدا أَو اتِّفَاقًا بِأَن تتخبل فِي وثاقها فتموت فَهِيَ حرَام. قَوْله: (والموقوذة) هِيَ الَّتِي تضرب بِشَيْء ثقيل غير مَحْدُود حَتَّى تَمُوت، وَقَالَ قَتَادَة: كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يضربونها بالعصا حَتَّى إِذا مَاتَت أكلوها. قَوْله: (والمتردية) ، هِيَ الَّتِي تقع من شَاهِق فتموت بذلك فَتحرم، وَعَن ابْن عَبَّاس: إِنَّهَا الَّتِي تسْقط من جبل، وَقَالَ قَتَادَة: هِيَ الَّتِي تتردى فِي بِئْر. قَوْله: (النطيحة) ، هِيَ الَّتِي تَمُوت بِسَبَب نطح غَيرهَا لَهَا وَإِن جرحها الْقرن وسال مِنْهَا الدَّم وَلَو من مذبحها. قَوْله: (وَمَا أكل السَّبع) ، أَي: مَا عدا عَلَيْهَا أَسد أَو فَهد، أَو نمر، أَو ذِئْب أَو كلب فَأكل بَعضهم فَمَاتَتْ بذلك فَهِيَ حرَام وَإِن كَانَ قد سَالَ مِنْهَا الدَّم وَلَو من مذبحها فَهِيَ حرَام بِالْإِجْمَاع. قَوْله: (إِلَّا مَا ذكيتم) ، عَائِد على مَا يُمكن عوده عَلَيْهِ مِمَّا اتّفق سَبَب مَوته وَأمكن تَدَارُكه وَفِيه حَيَاة مُسْتَقِرَّة. وَعَن ابْن عَبَّاس إِلَّا مَا ذبحتم من هَذِه الْأَشْيَاء وَفِيه روح فكلوه فَهُوَ ذكي، وَكَذَا رُوِيَ عَن سعيد بن جُبَير وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالسُّديّ، وَرُوِيَ عَن طَاوُوس وَالْحسن وَقَتَادَة وَعبيد بن عُمَيْر وَالضَّحَّاك وَغير وَاحِد، أَن المذكاة مَتى تحركت حَرَكَة تدل على بَقَاء الرّوح فِيهَا بعد الذّبْح فَهِيَ حَلَال وَهَذَا مَذْهَب جُمْهُور الْفُقَهَاء، وَبِه يَقُول أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، ﵏. قَوْله: (وَمَا ذبح على النصب) ، قَالَ مُجَاهِد وَابْن جريج: كَانَت النصب حِجَارَة حول الْكَعْبَة قَالَ ابْن جريج: وَهِي ثَلَاثمِائَة وَسِتُّونَ نصبا كَانَت الْعَرَب فِي جَاهِلِيَّتهَا يذبحون عِنْدهَا ويلطخون مَا أقبل مِنْهَا إِلَى الْبَيْت بدماء تِلْكَ الذَّبَائِح ويشرحون اللَّحْم ويضعونه على النصب. قَوْله: (وَأَن تستقسموا بالأزلام) ، أَي: وَحرم عَلَيْكُم أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ الاستقسام بالأزلام، وَهُوَ جمع زلم بِفَتْح الزَّاي، وَهِي عبارَة عَن أقداح ثَلَاثَة على أَحدهَا مَكْتُوب افْعَل، وعَلى الآخر: لَا تفعل، وَالثَّالِث: غفل لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء. وَقيل: مَكْتُوب على الْوَاحِد أَمرنِي رَبِّي، وعَلى الآخر: نهاني رَبِّي، وَالثَّالِث غفل لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء، فَإِذا جَاءَ السهْم الْآمِر فعله، أَو الناهي تَركه وَإِن طلع الفارغ أعَاد الاستقسام. قَوْله: (ذَلِكُم فسق) ، أَي: تعاطيه فسق وغي وضلال وجهالة وشرك. قَوْله: (الْيَوْم يئس الَّذين كفرُوا) ، يَعْنِي: يئسوا أَن يراجعوا دينهم. وَقيل: يئسوا من مشابهة الْمُسلمين بِمَا تميز بِهِ الْمُسلمُونَ من هَذِه الصِّفَات الْمُخَالفَة للشرك وَأَهله وَلِهَذَا أَمر الله عباده الْمُؤمنِينَ أَن يصيروا ويثبتوا فِي مُخَالفَة الْكفَّار وَلَا يخَافُوا أحدا إلَاّ الله تَعَالَى. فَقَالَ: ﴿فَلَا تخشوهم واخشون﴾ . حَتَّى: أَنْصُركُمْ عَلَيْهِم وأظفركم بهم وأشف صدوركم مِنْهُم وأجعلكم فَوْقهم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. ﴿وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: العُقُودُ العُهُودُ مَا أُحِلَّ وَحُرِّمَ إلَاّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ الخِنْزِيرِ﴾ . أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ﴾ (الْمَائِدَة: ١) وَفسّر الْعُقُود بالعهود، وَحكى ابْن جرير الْإِجْمَاع على ذَلِك. وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: الْعُقُود يَعْنِي: مَا أحل الله وَمَا حرمه وَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآن كُله. وَلَا تغدروا وَلَا تنكثوا قَوْله: (إلَاّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُم) . قَالَ ابْن عَبَّاس: يَعْنِي: الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير، وَقد مر تَفْسِيره عَن قريب. ﴿يَجْرِمَنَّكُمْ: يَحْمِلَنَّكُمْ شَنآنُ: عَدَاوَةُ﴾ ) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يجرمنكم شنآن قوم إِن صدوكم عَن الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ (الْمَائِدَة: ٢) أَي: لَا يحملنكم بغض قوم على الْعدوان، وَقَرَأَ الْأَعْمَش بِضَم الْيَاء فِي: لَا يجرمنكم وَفسّر قَوْله: شنآن بقوله: عَدَاوَة وقرىء بِسُكُون النُّون أَيْضا، وَأنكر السّكُون من قَالَ: لَا يكون الْمصدر على فعلان. ﴿المُنْخَنِقَةُ: تُخْنَقُ فَتَمُوتُ. المَوْقُودَةُ، تُضْرَبُ بِالخَشَبِ يُوقِذُها فَتَمُوتُ، وَالمُتَرَدِّيَةُ: تَتَرَدَّى مِنَ الجَبَلِ. وَالنَّطِيحَةُ، تُنْطحُ الشَّاةُ، فَما أدْرَكْتَهُ يَتَحَرَّكُ بِذَنَبِهِ أوْ بِعَيْنِهِ فَاذْبَحْ وَكُلْ﴾ . قد مر تَفْسِير هَذِه الْأَشْيَاء عَن قريب قَوْله: يوقذها من أَو قذ والموقودة من وقذ يُقَال: وقذه وأوقذه، والوقذ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة فِي الأَصْل: الضَّرْب المثخن، وَالْكَسْر الْمُؤَدِّي للْمَوْت. قَوْله: (فَمَا أَدْرَكته) ، بِفَتْح التَّاء على خطاب الْحَاضِر. قَوْله: (يَتَحَرَّك) فِي مَوضِع الْحَال أَي: فَمَا أَدْرَكته حَالَة كَونه متحركا بِذَنبِهِ قَوْله: (فاذبح) أَمر من ذبح (وكل) أَمر من أكل.

стр. 6292

٥٤٧٥ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا زَكَريَّاءُ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ، ﵁، قَالَ: سألْتُ النبيِّ ﷺ ، عَنْ صَيْدِ المِعْرَاضِ؟ قَالَ: مَا أصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْهُ وَمَا أصَابَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ وَقِيذٌ وَسَألْتُهُ عَنْ صَيْدِ الكَلْبِ؟ فَقَالَ: مَا أمْسَكَ عَلَيْكَ فَكُلْ فَإنَّ أخْذَ الكَلْبِ ذَكَاةٌ وَإنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلَبِكَ أوْ كِلابِكَ كَلَبا غَيْرَهُ فَخَشِيتَ أنْ يَكُونَ أخَذَهُ مَعَهُ وَقَدْ قَتَلَهُ فَلا تَأْكُلْ فَإنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ الله عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تَذْكُرْهُ عَلَى غَيْرِهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة على تَقْدِير وجود قَوْله: بَاب التَّسْمِيَة على الصَّيْد وإلَاّ فَلقَوْله: كتاب الصَّيْد والذبائح وَالتَّسْمِيَة على الصَّيْد أظهر لِأَن فِي الحَدِيث ثَلَاثَة أَشْيَاء مَشْرُوعِيَّة الصَّيْد، وَوُجُوب ذَكَاته حَقِيقَة أَو حكما وَوُجُوب التَّسْمِيَة وللترجمة ثَلَاثَة أَجزَاء يُطَابق كل وَاحِد من الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة، وكل وَاحِد من أَجزَاء التَّرْجَمَة. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن؟ وزَكَرِيا هُوَ ابْن أبي زَائِدَة، وعامر هُوَ الشّعبِيّ، وعدي بن حَاتِم بن عبد الله بن سعد الطَّائِي الْجواد بن الْجواد، وَكَانَ إِسْلَامه سنة الْفَتْح، وَثَبت هُوَ وَقَومه على الْإِسْلَام نزل الْكُوفَة وَشهد الْفتُوح بالعراق، ثمَّ كَانَ مَعَ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمَات بِالْكُوفَةِ زمن الْمُخْتَار سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَهُوَ ابْن عشْرين وَمِائَة سنة، وَيُقَال: مَاتَ بقرقيسيا، وَقَالَ أَبُو حَاتِم فِي (كتاب المعمرين) . قَالُوا: عَاشَ عدي بن حَاتِم مائَة وَثَمَانِينَ سنة، وَكَانَ أَعور. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب المَاء الَّذِي يغسل بِهِ شعر الْإِنْسَان، من غير ذكر قصَّة المعراض، وَمضى أَيْضا فِي أَوَائِل كتاب الْبيُوع فِي: بَاب تَفْسِير المشبهات بِتَمَامِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّيْد عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَغَيره، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن يُوسُف بن عِيسَى وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سُوَيْد بن نصر وَآخَرين. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَمْرو بن عبد الله الْأَزْدِيّ وَغَيره. قَوْله: ﴿عَن عدي بن حَاتِم﴾ وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: حَدثنَا عَامر حَدثنَا عدي بن حَاتِم، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن زَكَرِيَّاء مُدَلّس وَقد عنعن. قلت: عَن قريب يَأْتِي عَن الشّعبِيّ: سَمِعت عدي بن حَاتِم. قَوْله: (المعراض) بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفِي آخِره ضاد مُعْجمَة. قَالَ الْخَلِيل وَآخَرُونَ: هُوَ سهم لَا ريش لَهُ وَلَا نصل. وَقَالَ ابْن دُرَيْد وَابْن سَيّده: سهم طَوِيل لَهُ أَربع قذذ رقاق فَإِذا رمى بِهِ اعْترض، وَقَالَ الْخطابِيّ: المعراض نصل عريض لَهُ ثقل ورزانة. وَقيل: عود رَقِيق الطَّرفَيْنِ غليظ الْوسط وَهُوَ الْمُسَمّى بالحذافة، وَقيل: خَشَبَة ثَقيلَة آخرهَا عَصا محدد رَأسهَا وَقد لَا يحدد. وَقَالَ ابْن التِّين: المعراض عَصا فِي طرفها حَدِيدَة يَرْمِي الصَّائِد بهَا الصَّيْد فَمَا أصَاب بحده فَهُوَ ذكي فيؤكل، وَمَا أصَاب بِغَيْر حَده فَهُوَ وقيذ، وَهُوَ معنى قَوْله: (فَهُوَ وقيذ) بِفَتْح الْوَاو وَكسر الْقَاف وبالذال الْمُعْجَمَة على وزن فعيل، بِمَعْنى مفعول، وَقد مر تَفْسِير الموقوذة عَن قريب. قَوْله: (فَإِن أَخذ الْكَلْب ذَكَاة) أَي: حكمه حكم التذكية فَيحل أكله كَمَا يحل أكل المذكاة. قَوْله: (أَو كلابك) ، شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (كَلْبا غَيره) أَرَادَ بِهِ كَلْبا لم يُرْسِلهُ من هُوَ أَهله. وَهَذَا الحَدِيث مُشْتَمل على أَحْكَام قد ذَكرنَاهَا فِيمَا مضى من الْأَبْوَاب الَّتِي ذَكرنَاهَا، وَلَكِن نذْكر بعض شَيْء من ذَلِك لبعد الْمسَافَة فَنَقُول. الأول من الْأَحْكَام: مَشْرُوعِيَّة الصَّيْد بِهِ وَبِالْقُرْآنِ أَيْضا. وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا حللتم فاصطادوا﴾ وَقَالَ عِيَاض: الِاصْطِيَاد يُبَاح لمن اصطاده للاكتساب وَالْحَاجة وَالِانْتِفَاع بِالْأَكْلِ وَالثمن، وَاخْتلفُوا فِيمَن اصطاد للهو، وَلَكِن يقْصد التذكية وَالْإِبَاحَة وَالِانْتِفَاع فكرهه مَالك وَأَجَازَهُ اللَّيْث وَابْن عبد الحكم فَإِن فعله بِغَيْر نِيَّة التذكية فَهُوَ حرَام لِأَنَّهُ فَسَاد فِي الأَرْض وَإِتْلَاف نفس عَبَثا وَقد نهى سيدنَا رَسُول الله ﷺ ، عَن قتل الْحَيَوَان إلَاّ لمأكلة وَنهى أَيْضا عَن الْإِكْثَار من الصَّيْد، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا مَرْفُوعا: من سكن الْبَادِيَة فقد جَفا، وَمن اتبع الصَّيْد فقد غفل، وَمن لزم السُّلْطَان افْتتن وَقَالَ: حسن غَرِيب وَأعله الْكَرَابِيسِي بِأبي مُوسَى أحد رُوَاته، وَقَالَ حَدِيثه لَيْسَ بالقائم، وروى أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بأسناد ضَعِيف، وَأَيْضًا من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: تفرد بِهِ شريك. الثَّانِي: أَن سيد

стр. 6293

المعراض إِن لم يصبهُ بحده فَلَا يحل أكله. الثَّالِث: أَن قتل الْكَلْب الْمعلم ذَكَاة فَإِذا أكل فَلَيْسَ بمعلم، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ ومذهبهما أَن تَعْلِيمه أَن لَا يَأْكُل وَهُوَ شَرط عِنْدهمَا وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق، وَأَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذر وَدَاوُد، وَقَالَ الشَّافِعِي فِي قَول ضَعِيف وَمَالك: لَيْسَ بِشَرْط، وَهُوَ قَول سلمَان الْفَارِسِي وَسعد بن أبي وَقاص وَعلي وَابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَمن التَّابِعين قَول سعيد بن الْمسيب وَسليمَان بن يسَار وَالْحسن وَالزهْرِيّ، وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أمسكن عَلَيْكُم﴾ (الْمَائِدَة: ٤) وَإنَّهُ ذَكَاة يستباح بهَا الصَّيْد فَلَا يفْسد بِأَكْلِهِ مِنْهُ وَحجَّة الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة. قَوْله ﷺ : (فَإِن أكل فَلَا تَأْكُل) فَإِنَّهُ لم يمسك عَلَيْك إِنَّمَا أمسك على نَفسه، على مَا يَأْتِي عَن قريب فِي الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا الْبَاب. فَإِن قلت: قَالَ القَاضِي فِي حَدِيث عدي خلاف يَعْنِي: فِي الحَدِيث الَّذِي يَأْتِي، وَهُوَ أَن قَوْله: فَإِنَّهُ لم يمسك عَلَيْك إِلَى آخِره، ذكره الشّعبِيّ وَلم يذكرهُ هِشَام وَابْن أبي مطر وَأَيْضًا هُوَ معَارض بِمَا رُوِيَ أَبُو ثَعْلَبَة الخشنى أَنه قَالَ لَهُ: النَّبِي ﷺ كل وَأَن أكل مِنْهُ، أخرجه أَبُو دَاوُد وَسكت وَلم يُضعفهُ. قلت: فِي إِسْنَاده دَاوُد بن عَمْرو الدِّمَشْقِي، قَالَ ابْن حزم: هَذَا حَدِيث لَا يَصح، وَدَاوُد هَذَا ضَعِيف ضعفه أَحْمد وَقد ذكر بِالْكَذِبِ فَإِن قلت: دَاوُد بن عَمْرو الْمَذْكُور وَثَّقَهُ يحيى بن معِين، وَقَالَ أَبُو زرْعَة: لَا بَأْس بِهِ، وَقَالَ ابْن عدي: لَا أرى بروايته بَأْسا، وَقَالَ أَبُو دَاوُد صَالح: وَذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات. قلت: وَإِن سلمنَا هَذَا فَهُوَ لَا يُقَاوم الَّذِي فِي (الصَّحِيح) وَلَا يُقَارِبه، وَقيل: حَدِيث أبي ثَعْلَبَة مَحْمُول على مَا إِذا أكل مِنْهُ بعد أَن قَتله وخلاه وفارقه ثمَّ عَاد فَأكل مِنْهُ فَهَذَا لَا يضر، وَمِنْهُم من حمله على الْجَوَاز وَحَدِيث عدي على التَّنْزِيه لِأَنَّهُ كَانَ موسعا عَلَيْهِ فأفتاه بالكف تورعا وَأَبُو ثَعْلَبَة كَانَ مُحْتَاجا فأفتاه بِالْجَوَازِ. الرَّابِع: اشْتِرَاط التَّسْمِيَة لِأَنَّهُ علل بقوله: فَإِنَّمَا ذكرت اسْم الله على كلبك وَلم تذكره على غَيره، وَقَالَ ابْن بطال: اخْتلف الْعلمَاء فِي التَّسْمِيَة على الصَّيْد والذبيحة فَروِيَ عَن مُحَمَّد بن سِيرِين وَنَافِع مولى عبد الله وَالشعْبِيّ: أَنَّهَا فَرِيضَة فَمن تَركهَا عَامِدًا أَو سَاهِيا لم يُؤْكَل مَا ذبحه وَهُوَ قَول أبي ثَوْر والظاهرية وَذهب مَالك وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة، وأصحابهم إِلَى أَنه إِن تَركهَا عَامِدًا لم يُؤْكَل، وَأَن تَركهَا سَاهِيا أكلت. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة وَابْن الْمسيب وَالْحسن بن صَالح وطاووس وَعَطَاء وَالْحسن بن أبي الْحسن النَّخعِيّ وَعبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى وجعفر بن مُحَمَّد وَالْحكم وَرَبِيعَة وَأحمد وَإِسْحَاق وَرَوَاهُ فِي (المُصَنّف) عَن الزُّهْرِيّ وَقَتَادَة وَفِي (المغنى) وَعَن أَحْمد رِوَايَة وَهُوَ الْمَذْهَب أَنَّهَا شَرط إِن تَركهَا عمدا أَو سَهوا فَهِيَ ميتَة وَفِي رِوَايَة إِن تَركهَا على إرْسَال السهْم نَاسِيا أكل، وَإِن تَركهَا على الْكَلْب أَو الفهد لم يُؤْكَل. وَقَالَ الشَّافِعِي: يُؤْكَل الصَّيْد والذبيحة فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا تعمد ذَلِك أَو نَسيَه، رُوِيَ ذَلِك عَن أبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَعَطَاء. ٢ - (بَابُ: ﴿صَيْدِ المِعْرَاضِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم صيد المعراض، وَقد مر تَفْسِير المعراض عَن قريب. ﴿وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي المَقْتُولَةِ بِالبُنْدُقَةِ: تِلْكَ المَوْقُوذَةُ﴾ قيل: لَا وَجه لذكر أثر ابْن عمر وَلَا للآثار الَّتِي بعده فِي هَذَا الْبَاب قلت: فِيهِ وَجه حسن وَهُوَ أَن المقتولة بالبندقة موقوذة، كَمَا أَن مقتولة المعراض بِغَيْر حَده موقوذة فَهَذَا الْمِقْدَار كافٍ فِي الْمُطَابقَة وَتَعْلِيق ابْن عمر وَصله الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق ابْن عَامر الْعَقدي عَن زُهَيْر هُوَ ابْن مُحَمَّد عَن زيد بن أسلم عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يَقُول: المقتولة بالبندقة تِلْكَ الموقوذة. ﴿وَكَرِهَهُ سَائِمٌ وَالقَاسِمُ وَمُجَاهِدٌ وَإبْرَاهِيمُ وَعَطَاءٌ وَالحَسَنُ. وَكَرِهَ الحَسَنُ رَمِي البنْدُقَةِ فِي القُرَى وَالأمْصَارِ، وَلا يَرَى بِهِ بَأسا فِيما سِوَاهُ. أَي: كره سَالم بن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، أكل مقتولة البندقة، وَكَذَلِكَ كرهه الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَمُجاهد بن جبر وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَالْحسن الْبَصْرِيّ، أما أثر سَالم وَالقَاسِم فَأخْرجهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن الثَّقَفِيّ عَن عبد الله بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُمَا كَانَا يكرهان البندقة إلَاّ مَا أدْركْت ذَكَاته وَأما أثر مُجَاهِد فاخرجه ابْن أبي شيبَة أَيْضا عَن ابْن الْمُبَارك عَن معمر عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد أَنه كرهه، وَأما أثر إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ فاخرجه ابْن أبي شيبَة أَيْضا عَن حَفْص عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم: لَا تَأْكُل مَا أصبت بالبندقية إلَاّ أَن تذكي.

стр. 6294

وَأما أثر عَطاء فَأخْرجهُ عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج قَالَ عَطاء: إِذا رميت صيدا ببندقة فأدركت ذَكَاته فكله وإلَاّ فَلَا تؤكله. وَأما أثر الْحسن فَأخْرجهُ ابْن أبي شيبَة عَن عبد الْأَعْلَى عَن هِشَام عَن الْحسن، إِذْ رمى الرجل الصَّيْد بالجلاهقة فَلَا تَأْكُل إِلَّا أَن تدْرك ذَكَاته وَقَالَ بَعضهم: والجلاهقة بِضَم الْجِيم وَتَشْديد اللَّام وَكسر الْهَاء بعْدهَا قَاف هِيَ: البندقة بِالْفَارِسِيَّةِ، وَالْجمع جلاهق قلت: الْمَشْهُور فِي لِسَان الفارسية أَن اسْم البندقة كل كمان. قَوْله: (وَكره الْحسن) ، أَي: الْبَصْرِيّ (رمى البندقة فِي الْقرى) الخ. إِنَّمَا كرهه فِي الْقرى والأمصار تَحَرُّزًا عَن إِصَابَة النَّاس بِخِلَاف الصَّحرَاء، وَهَذَا ظَاهر. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَمِمَّنْ روينَا عَنهُ أَنه كره صيد البندقة ابْن عمر وَالنَّخَعِيّ وَمَالك وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر. ٥٤٧٦ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي السَّفَرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيٍّ بنَ حَاتِمٍ، ﵁، قَالَ: سألْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، عَنِ المِعْرَاضِ؟ فَقَالَ: إذَا أصَبْتَ بِحَدِّهِ فَكُلْ فَإذَا أصَابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإنَّهُ وَقِيذٌ فَلا تَأْكُلْ فَقُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِي؟ قَالَ: إذَا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَكُلْ قُلْتُ: فِإنْ أكَلَ؟ قَالَ: فَلا تَأْكُلْ فَإنَّهُ لَمْ يُمْسِكْ عَلَيْكَ إنَّمَا أمَسَكَ عَلَى نَفْسِهِ قُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِي فأجِدُ مَعَهُ كَلْبا آخَرَ؟ قَالَ: لَا تَأْكُلْ فَإنَّكَ إنَّما سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى آخَرَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَقد مضى الحَدِيث الْآن، وَالْكَلَام فِيهِ وَعبد الله بن أبي السّفر بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء، وَاسم أبي السّفر سعيد بن يحمد الْهَمدَانِي الْكُوفِي يروي عَن عَامر الشّعبِيّ. قَوْله: (فَإِنَّهُ لم يمسك عَلَيْك) ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أمسكن عَلَيْكُم﴾ (الْمَائِدَة: ٤) . ٣ - (بَابُ: ﴿مَا أصَابَ المِعْرَاضُ بِعَرْضِهِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم مَا أصَاب المعراض بعرضه. ٥٤٧٧ - حدَّثنا قَبِيصَةُ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامِ بنِ الحَارِثِ عَنْ عَدِيٍّ بنِ حَاتِمٍ، ﵁، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله! إنَّا نُرْسِلُ الكِلابَ المُعَلَّمَةَ؟ قَالَ: كُلْ مِمَّا أمْسَكْنَ عَلَيْكَ قُلْتُ وَإنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ: وَإنْ قَتَلْنَ. قُلْتُ: وَإنَّا نَرْمِي بِالمِعْرَاضِ؟ قَالَ: كُلْ مَا خَزَقَ وَمَا أصَابَ بِعَرْضِهِ فَلا تَأُُكُلْ. هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور قبله، أخرجه عَن قبيصَة بن عقبَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن همام بتَشْديد الْمِيم ابْن الْحَارِث النَّخعِيّ الْكُوفِي. قَوْله: (كل مَا خزق) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالزَّاي بعْدهَا قَاف أَي: نفذ يُقَال: سهم خازق أَي: نَافِذ، وَيُقَال: خسق، بِالسِّين الْمُهْملَة أَيْضا إِذا أصَاب الرَّمية وَنفذ مِنْهَا وخزق يخزق خزوقا وَسَهْم خازق وخاسق، وَقَالَ ابْن التِّين: خزق أصَاب مجده وأصل الخزق فِي اللُّغَة الطعْن. قَوْله: (وَمَا أصَاب بعرضه) ، بِفَتْح الْعين يَعْنِي: بِغَيْر طرفه الحاد فَلَا تَأْكُل، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَالثَّوْري وَأحمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ الشّعبِيّ وَابْن جُبَير: يُؤْكَل إِذا خزق وَبلغ الْمقَاتل، وَقَالَ ابْن بطال: وَذهب الْأَوْزَاعِيّ وَمَكْحُول وفقهاء الشَّام إِلَى جَوَاز أكل مَا قتل بالمعراض خزقه أَو لم يخزق وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاء وفضالة بن عبيد لَا يريان بِهِ بَأْسا. ٤ - (بَابُ: ﴿صَيْدِ القَوْسِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّيْد بِالْقَوْسِ، والقوس يذكر وَيُؤَنث، فَمن أنثه يَقُول فِي تصغيره، قويسة، وَمن ذكره يَقُول: أَسْفَل قويس وَيجمع على قسي وأقواس وَقِيَاس، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة منشدا. (ووتر الأساود القياسا.) والقوس أَيْضا بَقِيَّة التَّمْر فِي الْحلَّة والقوس برج فِي السَّمَاء وَتقول: قست الشَّيْء بِغَيْرِهِ وعَلى غَيره أَقيس قيسا وَقِيَاسًا فانقاس إِذا قدرته على مِثَاله.

стр. 6295

وَقَالَ الحَسَنُ وَإبْرَاهِيمُ: إذَا ضَرَبَ صَيْدا فَبَانَ مِنْهُ يَدٌ أوْ رِجْلٌ لَا تَأْكُلُ الَّذِي بَانَ وَتَأْكُلُ سَائِرَهُ﴾ . قيل: لَا وَجه لإيراد الْأَثر الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْبَاب قلت: الْوَجْه لِأَنَّهُ يُمكن ضرب صيد بِسَهْم قَوس فأبان مِنْهُ يَده أَو رجله. وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ أما أثر الْحسن فَأخْرجهُ ابْن أبي شيبَة عَن هشيم عَن يُونُس عَنهُ فِي رجل ضرف صيدا فأبان مِنْهُ بدا أَو رجلا، وَهُوَ حَيّ ثمَّ مَاتَ تَأْكُله وَلَا تَأْكُل مَا بَان مِنْهُ إلَاّ أَن تضربه فتقطعه فَيَمُوت من سَاعَته فَإِذا كَانَ ذَلِك فلتأكله كُله وَفِي (الْأَشْرَاف) عَن الْحسن خلاف هَذَا، قَالَ فِي الصَّيْد يقطع مِنْهُ عُضْو، قَالَ: يَأْكُلهُ جَمِيعًا مَا بَان وَمَا بَقِي وَأما أثر إِبْرَاهِيم فَأخْرجهُ ابْن أبي شيبَة أَيْضا: حَدثنَا أَبُو بكر بن عَيَّاش عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة. قَالَ: إِذا ضرب رجل الصَّيْد فَبَان عُضْو مِنْهُ ترك مَا سقط وَأكل مَا بَقِي، وَإِبْرَاهِيم لما روى هَذَا وَلم يعْتَرض عَلَيْهِ بِشَيْء فَكَأَنَّهُ رضيه. قَوْله: (سائره) ، أَي: بَاقِيه، وَقيل: لَا يسْتَعْمل سائره إلَاّ بِمَعْنى جَمِيعه، وَلَيْسَ كَذَلِك بل اللُّغَة الفصيحة أَنه يسْتَعْمل بِمَعْنى بَاقِيه قلَّ الْبَاقِي أَو كثر. ﴿وَقَالَ إبْرَاهِيمُ إذَا ضَرَبْتَ عُنُقَهُ أوْ وَسَطَهُ فَكُلْهُ﴾ . أَي: قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ. قَوْله: (أَو وَسطه) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة لِأَنَّهُ اسْم لِمَعْنى مَا بَين طرفِي الشَّيْء كمركز الدائرة، وبالسكون اسْم مُبْهَم لداخل الدائرة. ﴿وَقَالَ الأعْمَشُ عَنْ زَيْدٍ: اسْتَعْصَى عَلَى رَجُلٍ مِنْ آلِ عَبْدِ الله حِمارٌ فَأمَرَهُمْ أنْ يَضْرِبُوهُ حَيْثُ تَيَسَّرَ، دَعُوا مَا سَقَطَ مِنْهُ وَكُلُوهُ﴾ . الْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَزيد هُوَ ابْن وهب، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو بكر بن أبي شيبَة عَن عِيسَى بن يُونُس عَن الْأَعْمَش عَن زيد بن وهب قَالَ: سُئِلَ ابْن مَسْعُود عَن رجل ضرب رجل حمَار وَحشِي فقطعها فَقَالَ: دعوا سقط وذكوا مَا بَقِي وكلوه، وَحَكَاهُ ابْن أبي شيبَة أَيْضا عَن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من حَدِيث الْحَارِث عَنهُ، وَحَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَعَطَاء: لَا تَأْكُل الْعُضْو وذَكِ، الصَّيْد وَكله. وَقَالَ عِكْرِمَة: إِن عدا حَيا بعد سُقُوط الْعُضْو مِنْهُ فَلَا تَأْكُل الْعُضْو، وذِك الصَّيْد وَكله، وَإِن مَاتَ حِين ضرب فكله كُله وَبِه قَالَ قَتَادَة وَأَبُو ثَوْر وَالشَّافِعِيّ: كَذَلِك قَالَ: إِذا كَانَ لَا يعِيش بعد ضَرْبَة سَاعَة أَو مُدَّة أَكثر مِنْهَا وَفِي التَّمْهِيد عَن مَالك إِن قطع عضوه لَا يُؤْكَل الْعُضْو وَأكل الْبَاقِي وَقَالَ الشَّافِعِي إِن قطع قطعتين أكله وَإِن كَانَت إِحْدَاهمَا أقل من الْأُخْرَى إِذا مَاتَ من تِلْكَ الضَّرْبَة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري: إِذا قطعه نِصْفَيْنِ أكلا جَمِيعًا وَإِن قطع الثُّلُث فَإِن كَانَ مِمَّا يَلِي الرَّأْس أكله جَمِيعه، وَإِن كَانَ من الَّذِي يَلِي الْعَجز أكل الثُّلثَيْنِ مِمَّا يَلِي الرَّأْس وَلَا يَأْكُل الثُّلُث الَّذِي يَلِي الْعَجز. ٥٤٧٨ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ حدَّثنا حَيْوَةُ، قَالَ: أخْبَرَنِي رَبِيعَةُ بنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ أبِي إدْرِيس عَنْ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشْنِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله ﴿إنَّا بِأرْضِ قَوْمٍ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ، أفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ﴾ وَبِأرْضِ صَيْد أصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُسْلِمٍ وَبِكَلْبِي المُسْلِّم، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: أمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أهْلِ الكِتابِ؟ فَإنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَها فَلا تَأْكُلُوا فِيها، وَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوها وَكُلُوا فِيهَا، وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْت اسْمَ الله فَكُلْ، وَما صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ الله فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ مُعلِّمٍ فَأدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبد الله بن يزِيد من الزِّيَادَة الْمقري، وحيوة ابْن شُرَيْح. مصغر شرح بالشين الْمُعْجَمَة وَالرَّاء الْمصْرِيّ أَبُو زرْعَة، وَرَبِيعَة بن يزِيد من الزِّيَادَة الدِّمَشْقِي الْقصير، وَأَبُو إِدْرِيس عَائِذ الله بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة الْخَولَانِيّ، وَأَبُو ثَعْلَبَة بِلَفْظ الْحَيَوَان الْمَشْهُور الْخُشَنِي بِضَم الْخَاء وَفتح الشين المعجمتين وبالنون نِسْبَة إِلَى خشين بن النمر بن وبرة بن ثَعْلَب

стр. 6296

ابْن حلوان بن عمرَان بن الحاف بن قضاعة. وَفِي اسْمه وَاسم أَبِيه خلاف، وَالْأَكْثَر على أَنه: جرهم بِضَم الْجِيم وَالْهَاء وَسُكُون الرَّاء، ابْن ناشم بالنُّون وَكسر الشين الْمُعْجَمَة وَهُوَ من الْمُبَايِعين تَحت الشَّجَرَة مَاتَ سنة خمس وَسبعين. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الذَّبَائِح عَن أبي عَاصِم فِي موضِعين مِنْهُ على مَا يَجِيء وَعَن أَحْمد بن أبي رَجَاء وَأخرجه مُسلم فِي الصَّيْد عَن هناد وَغَيره وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن هناد بِقصَّة الْكَلْب وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي السّير عَن هناد بِقصَّة الْآنِية. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّيْد عَن مُحَمَّد بن عبيد بِقصَّة الْقوس وَالْكَلب. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى بِتَمَامِهِ. قَوْله: (أَنا بِأَرْض قوم) يَعْنِي: بِالشَّام وَكَانَت جمَاعَة من قبائل الْعَرَب سكنوا الشَّام وَتنصرُوا مِنْهُم آل غَسَّان وتنوخ وبهراء وبطون من قضاعة. مِنْهُم: بَنو خشين من آل أبي ثَعْلَبَة قَوْله: (فِي آنيتهم) جمع إِنَاء وَفِي (الْمغرب) الْإِنَاء وعَاء المَاء، وَجمع التقليل آنِية والتكثير: الْأَوَانِي. وَنَظِيره سوار وأسورة وأساور. واستغتى أَبُو ثَعْلَبَة الْمَذْكُور رَسُول الله ﷺ ، من مَسْأَلَتَيْنِ. الأولى: عَن الْأكل فِي آنِية أهل الْكتاب فَأجَاب النَّبِي ﷺ بقوله: (فَإِن وجدْتُم غَيرهَا) أَي: غير آنِية أهل الْكتاب فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا وَإِلَّا فاغسلوها وكلوا فِيهَا. وَهَذَا التَّفْصِيل يَقْتَضِي كَرَاهَة اسْتِعْمَالهَا إِن وجد غَيرهَا مَعَ أَن الْفُقَهَاء قَالُوا بِجَوَاز اسْتِعْمَالهَا بعد الْغسْل بِلَا كَرَاهَة سَوَاء وجد غَيرهَا أَو لَا وَأجِيب أَن المُرَاد النَّهْي عَن الْآنِية الَّتِي يطبخون فِيهَا لُحُوم الْخَنَازِير وَيَشْرَبُونَ فِيهَا الْخُمُور، وَإِنَّمَا نهى عَنْهَا بعد الْغسْل للاستقذار وَكَونهَا معدة للنَّجَاسَة، وَمُرَاد الْفُقَهَاء أواني الْكفَّار الَّتِي لَيست مستعملة فِي النَّجَاسَات غَالِبا. قلت: التَّحْقِيق فِي هَذَا أَن فِي حَدِيث أبي ثَعْلَبَة هَذَا تَرْجِيح الظَّاهِر على الأَصْل لِأَن الأَصْل فِي آنِية أهل الْكتاب وَالْمَجُوس الطَّهَارَة، وَمَعَ هَذَا فقد أَمر بغسلها عِنْد عدم وجود غَيرهَا. وَالصَّحِيح أَن الحكم للْأَصْل حَتَّى تتَحَقَّق النَّجَاسَة ثمَّ يحْتَاج إِلَى الْجَواب عَن الحَدِيث فَأُجِيب بجوابين: أَحدهمَا: أَن الْأَمر بِالْغسْلِ للِاحْتِيَاط والاستحباب. وَالثَّانِي: أَن المُرَاد بِالْحَدِيثِ حَالَة تحقق نجاستها، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله فِي رِوَايَة أبي دَاوُد: إِنَّا نجاور أهل الْكتاب وهم يطبخون فِي قدورهم الْخِنْزِير وَيَشْرَبُونَ فِي آنيتهم الْخمر فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِن وجدْتُم غَيرهَا فَكُلُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا وَإِن لم تَجدوا غَيرهَا فاغسلوها بِالْمَاءِ وكلوا وَاشْرَبُوا) . فَافْهَم. الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة: عَن الصَّيْد بِالْقَوْسِ وبالكلب الْمعلم وَغير الْمعلم فَأجَاب بقوله: (وَمَا صدت) إِلَى آخر. وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَحْكَام. الأول: فِيهِ جَوَاز الصَّيْد بِالْقَوْسِ إِذا ذكر اسْم الله عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن أَعْرَابِيًا يُقَال لَهُ: أَبُو ثَعْلَبَة، قَالَ: يَا رَسُول الله! إِن لي كلابا معلمة الحَدِيث، وَفِيه: افتني فِي قوسي، قَالَ: كل مَا ردَّتْ عَلَيْك قوسك ذكيا وَغير ذكي، قَالَ: وَإِن تغيب عني؟ قَالَ: وَإِن تغيب عَنْك مَا لم يصل أَو تَجِد فِيهِ أثر غير سهمك. قَوْله: (مَا لم يصل) بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وَاللَّام الثَّقِيلَة أَي: مَا لم ينتن. الثَّانِي: وجوب اشْتِرَاط التَّسْمِيَة، وَقد مرت مباحثها عَن قريب. الثَّالِث: أَن الْكَلْب لَا بُد أَن يكون معلما؟ فَإِذا صَاد بكلبه الْمعلم وَذكر اسْم الله عِنْد الْإِرْسَال فَإِنَّهُ يُؤْكَل، وَإِذا صَاد بكلب غير معلم فَإِن أدْرك ذَكَاته يذكى ويؤكل، وإلَاّ فَلَا يُؤْكَل. الرَّابِع: أَن ذكر الْكَلْب مُطلقًا يتَنَاوَل أَي لون كَانَ أَبيض أَو أسود أَو أَحْمَر، فَيجوز بِأَيّ لون كَانَ، وَفِيه حجَّة على أَحْمد حَيْثُ لَا يجوز بالكلب الْأسود، وَإِن كَانَ معلما. الْخَامِس: أَن فِيهِ شرطين: كَون معلما. وَالتَّسْمِيَة فَإِذا أرسل كَلْبا غير معلم أَو أرسل معلما بِغَيْر تَسْمِيَة، أَو وجد كَلْبا قد صَاد من غير إرْسَال فَلَا يحل صَيْده إِلَّا بِأَن يُدْرِكهُ وَفِيه حَيَاة مُسْتَقِرَّة ثمَّ يذكيه. ٥ - (بابُ: ﴿الخَذْفِ وَالبُنْدُقَةِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْخذف، وَهُوَ بِالْخَاءِ والذال المعجمتين، وَهُوَ الرَّمْي بالحصى بالأصابع. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: الْخذف رميك حَصَاة أَو نواة تَأْخُذ بَين سبابتيك وَتَرْمِي بهَا، أَو تتَّخذ مخذفة من خشب ثمَّ ترمي بهَا الْحَصَاة بَين إبهامك والسبابة، وَأما الْحَذف بِالْحَاء الْمُهْملَة فَهُوَ الرَّمْي بالعصا وَقَالَ ابْن الْأَثِير: يسْتَعْمل فِي الرَّمْي وَالضَّرْب مَعًا، والبندقة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون النُّون طِينَة مُدَوَّرَة مجففة يرْمى بهَا عَن الجلاهق، وَهُوَ بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف اللَّام وَكسر الْهَاء وبالقاف: اسْم لقوس البندقة.

стр. 6297

٥٤٧٩ - حدَّثنا يُوسُفُ بنُ رَاشِدٍ حدَّثنا وَكِيعٌ وَيَزِيدُ بنُ هَارُونَ، وَاللَّفْظُ لِ يَزِيدَ عَنْ كَهْمَسٍ بنِ الحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ الله بنِ مُغفَّلٍ: أنَّهُ رَأى رَجُلاً يَخْذِفُ فَقَالَ لَهُ: لَا تَخْذِفْ فَإنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، نَهَى عَنِ الخَذْفِ، أوْ كَانَ يَكْرَهُ الخَذْفَ. وَقَالَ: إنَّهُ لَا يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ وَلا يُنْكَى بِهِ وَعَدُوٌّ وَلاكِنَّها قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ العَيْنَ، ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذالِكَ يَخْذِفُ فَقَالَ لَهُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، أنَّهُ نَهَى عَنِ الخَذْفِ. أوْ كَرِهَ الخَذْفَ، وَأنْتَ تَخْذِف؟ لَا أكلِّمك كَذا وَكَذا. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَقد أوضح الحَدِيث الْإِبْهَام الَّذِي فِي التَّرْجَمَة وَقَالَ بَعضهم: يَأْتِي تَفْسِير الْخذف فِي الْبَاب. قلت: لم يُفَسر الْخذف فِي الْبَاب قطّ، وَإِنَّمَا بَين حكمه، وَهَذَا ظَاهر. ويوسف بن رَاشد هُوَ يُوسُف بن مُوسَى بن رَاشد بن بِلَال الْقطَّان الرَّازِيّ نزيل بَغْدَاد، نسبه البُخَارِيّ إِلَى جده، ووكيع هُوَ ابْن الْجراح الْكُوفِي، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن هَارُون الوَاسِطِيّ من مَشَايِخ أَحْمد بن حَنْبَل، وكهمس بِفَتْح الْكَاف وَالْمِيم وبالسين الْمُهْملَة ابْن الْحسن أَبُو الْحسن التَّمِيمِي، نزل الْبَصْرَة فِي بني قيس، وَعبد الله بن بُرَيْدَة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْبَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة ابْن خصيب الْأَسْلَمِيّ قَاضِي مرو أَبُو سهل الْمروزِي أَخُو سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة، وَكَانَا توأمين وَلم يزل قَاضِيا بمرو إِلَى أَن مَاتَ بهَا. وَقَالَ الدمياطي: قيل: مَاتَ عبد الله وَسليمَان فِي يَوْم وَاحِد سنة خمس وَمِائَة وَكَانَ عمرهما مائَة سنة وَالأَصَح أَن سُلَيْمَان تولى الْقَضَاء قبله وَمَات بمرو وَهُوَ على الْقَضَاء بهَا سنة خمس وَمِائَة، وَولي أَخُوهُ الْقَضَاء بهَا بعده، وَمَات وَهُوَ على الْقَضَاء سنة خمس عشرَة وَمِائَة، فعلى هَذَا يكون عمر سُلَيْمَان تسعين سنة، وَعمر عبد الله مائَة سنة، وَعبد الله بن مُغفل بِضَم الْمِيم وَفتح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْفَاء الْمَفْتُوحَة ابْن عبد نهم بن عفيف بن أسحم الْمُزنِيّ، نزل الْبَصْرَة وَمَات بهَا سنة سِتِّينَ، وصلَّى عَلَيْهِ أَبُو بَرزَة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الذَّبَائِح أَيْضا عَن عبد الله بن معَاذ وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الدِّيات عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان. قَوْله: (رأى رجلا) لم يدر اسْمه وَفِي رِوَايَة مُسلم: رأى رجلا من أَصْحَابه، وَله من رِوَايَة سعيد بن جُبَير عَن عبد الله بن مُغفل: إِنَّه قريب لعبد الله بن مُغفل. قَوْله: (يخذف) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، وَقد مر تَفْسِيره آنِفا. وَهُوَ الَّذِي يَرْمِي الْحَصَاة بالمخذفة بِكَسْر الْمِيم وَهُوَ الَّذِي يُسمى بالمقلاع بِكَسْر الْمِيم. قَوْله: (أَو كَانَ يكره) ، الْخذف شكّ من الرَّاوِي، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن وَكِيع: نهى عَن الْخذف من غير شكّ، وَأخرجه عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن كهمس بِالشَّكِّ، وبيَّن أَن الشَّك من كهمس. قَوْله: (إِنَّه لَا يصاد بِهِ صيد) قَالَ الْمُهلب: أَبَاحَ الله الصَّيْد على صفة فَقَالَ: ﴿تناله أَيْدِيكُم ورماحكم﴾ (الْمَائِدَة: ٩٤) وَلَيْسَ الرَّمْي بالبندقة وَنَحْوهَا من ذَلِك، وَإِنَّمَا هُوَ وقيذ، وَإِنَّمَا نهى عَن الْخذف لِأَنَّهُ يقتل الصَّيْد بِقُوَّة رامية لَا بحده. قَوْله: (وَلَا ينكى بِهِ) قَالَ عِيَاض: الرِّوَايَة بِفَتْح الْكَاف والهمزة فِي آخِره وَهِي لُغَة، وَالْأَشْهر بِكَسْر الْكَاف بِغَيْر همزَة وَفِي (شرح مُسلم) لَا ينْكَأ، بِفَتْح الْكَاف مَهْمُوز. قلت: الْمُنَاسب هُنَا كسر الْكَاف بِغَيْر همزَة لِأَن مَعْنَاهُ من نكيت فِي الْعد وأنكي نكاية. فَأَنا ناك إِذا أكثرت فيهم الْجراح وَالْقَتْل فوهنوا لذَلِك، وَأما الَّذِي بِالْهَمْز فَمن قَوْلهم: نكأت القرحة أنكؤها إِذا قشرتها وَلَا يُنَاسب هُنَا إلَاّ الأول على مَا لَا يخفى. وَقَالَ ابْن سَيّده: نكيت الْعَدو نكاية أصبت مِنْهُم نكأت الْعَدو أنكؤهم لُغَة فِي نكيت. فعلى هَذَا الْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ. قَوْله: (وَلكنهَا) ، أَي: الرَّمية، وَأطلق السن ليشْمل سنّ الْآدَمِيّ وَغَيره. قَوْله: (كَذَا وَكَذَا) ، وَفِي رِوَايَة معَاذ وَمُحَمّد بن جَعْفَر: لَا أُكَلِّمك كلمة كَذَا وَكَذَا. وَكلمَة، بِالنّصب والتنوين، وَكَذَا وَكَذَا لإبهام الزَّمَان، وَوَقع فِي رِوَايَة سعيد بن جُبَير عِنْد مُسلم لَا أُكَلِّمك أبدا. وَفِيه: جَوَاز هجران من خَالف السّنة وَترك كَلَامه وَلَا يدْخل ذَلِك فِي النَّهْي عَن الهجران فَوق ثَلَاث لِأَنَّهُ يتَعَلَّق بِمن هجر لحظ نَفسه. وَفِيه: تَغْيِير الْمُنكر وَمنع الرَّمْي بالبندق فَلَا يحل مَا قَتله إلَاّ إِذا أدْرك ذَكَاته فَيحل حِينَئِذٍ، وَقَالَ أَبُو الْفَتْح الْقشيرِي: الْمَنْقُول عَن بعض مُتَقَدِّمي الشَّافِعِيَّة منع الِاصْطِيَاد بالبندق إِمَّا تَحْرِيمًا وَإِمَّا كَرَاهَة وَعَن بعض الْمُتَأَخِّرين جَوَازه وَاسْتدلَّ على ذَلِك

стр. 6298

بِحَدِيث الِاصْطِيَاد بالكلب الَّذِي لَيْسَ بمعلم، وبالعلة الَّتِي فِي الحَدِيث الْمَذْكُور لِأَنَّهُ قَالَ: (لَا ينكى بِهِ الْعَدو) فمفهوم هَذَا أَن مَا ينكي الْعَدو ويقتُل الصَّيْد: لَا ينْهَى عَنهُ لزوَال عِلّة النَّهْي، وَهَذَا دَلِيل مَفْهُوم. قلت: هَذَا لَيْسَ بِحجَّة عِنْد الْجُمْهُور. ٦ - (بَابُ: ﴿مَنِ اقْتَنَى كَلْبا لَيْسَ بِكَلْبٍ صَيْد أوْ ماشِيَةٍ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من اقتنى من الاقتناء. وَهُوَ الاتخاذ والإدخار للْقنية. قَوْله: (لَيْسَ بكلب صيد) صفة لقَوْله: (كَلْبا) وماشية، أَي: أَو لَيْسَ بكلب مَاشِيَة، وَهُوَ اسْم يَقع على الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم، وَلَكِن أَكثر مَا يسْتَعْمل فِي الْغنم، وَيجمع على الْمَوَاشِي وَلم يبين الحكم اكْتِفَاء بِمَا فِي الحَدِيث. ٥٤٨٠ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ مُسْلِمٍ حدَّثنا عَبْدِ الله بنُ دِينارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ ﵄، عَنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: مَنْ اقْتَنَى كَلْبا لَيْسَ بِكَلْبِ مَاشِيَةٍ أوْ ضَارِيَةٍ نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيراطان. مطابقته للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة وَهُوَ قَوْله أَو مَاشِيَة صَرِيحًا، وللجزء الأول من حَيْثُ الْمَعْنى، وَهُوَ قَوْله: (وضارية) لِأَنَّهُ من ضرى الْكَلْب بالصيد ضراوة أَي: تعود. وَكَانَ حَقه أَن يُقَال: أَو ضار، وَلكنه أنث للتناسب للفظ مَاشِيَة نَحْو: لَا دَريت وَلَا تليت، وَحقه تَلَوت وَكَذَلِكَ نَحْو الغدايا والعشايا وَقيل: صفة للْجَمَاعَة الصائدين أَصْحَاب الْكلاب الْمُعْتَادَة للصَّيْد فسموا ضارية اسْتِعَارَة. والْحَدِيث قد مضى فِي الْمُزَارعَة فِي: بَاب اقتناء الْكَلْب للحرث، من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة، وَفِيه أَيْضا من رِوَايَة سُفْيَان بن أبي زُهَيْر كِلَاهُمَا عَن النَّبِي ﷺ ، وَمضى أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي كتاب بَدْء الْخلق فِي: بَاب إِذا وَقع الذُّبَاب فِي شراب أحدكُم، وَعَن سُفْيَان بن أبي زُهَيْر أَيْضا فِيهِ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: (قيراطان) وَجَاء فِي حَدِيث آخر: قِيرَاط قَالَ ابْن بطال: إِنَّه غلظ عَلَيْهِم فِي اتخاذها لِأَنَّهَا تروع النَّاس فَلم ينْتَهوا. فَزَاد فِي التَّغْلِيظ فَجعل مَكَان قِيرَاط قيراطين وَفِي (التَّوْضِيح) هَل هَذَا النَّقْص من ماضي عمله أَو من مستقبله؟ أَو قِيرَاط من عمل النَّهَار وقيراط من عمل اللَّيْل، أَو قِيرَاط من الْفَرْض وقيراط من النَّفْل؟ فِيهِ خلاف حَكَاهُ فِي (الْبَحْر) والقيراط فِي الأَصْل نصف دانق وَالْمرَاد هُنَا مِقْدَار مَعْلُوم عِنْد الله. أَي: ننقص الْجُزْء من أَجْزَأَ عمله. ٥٤٨١ - حدَّثنا المَكِّيُّ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرنَا حَنْظَلَة بنُ أبِي سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِما يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ ، يَقُولُ: مَنِ اقْتَنَى كَلْبا إلَاّ كَلْبُ ضَارٍ لِصَيْدٍ أوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ فَإنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيراطان. هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن الْمَكِّيّ بن إِبْرَاهِيم بن بشير الْبَلْخِي، وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَنْسُوب إِلَى مَكَّة شرفها الله، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ علم لَهُ يروي عَن حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان الجُمَحِي، وَاسم أبي سُفْيَان الْأسود بن عبد الرَّحْمَن مَاتَ سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَة. قَوْله: (إلَاّ كلب ضار) من إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى صفته، نَحْو: شجر الْأَرَاك، وَقيل: لفظ ضار صفة للرجل الصَّائِد أَي: إلَاّ كلب الرجل الْمُعْتَاد للصَّيْد، ويروى: ضاري، وَالْقِيَاس حذف الْيَاء مِنْهُ، وَلَكِن جَاءَ فِي لُغَة إِثْبَات الْيَاء فِي المنقوص. فَإِن قلت: مَا وَجه هَذَا الِاسْتِثْنَاء؟ قلت: إلَاّ هَاهُنَا بِمَعْنى غير، وَالِاسْتِثْنَاء مُتَعَذر اللَّهُمَّ إلَاّ أَن ينزل النكرَة منزلَة الْمعرفَة فَيكون اسْتثِْنَاء. قَوْله: (قيراطان) ، ويروى: قيراطين، وَفِيمَا مضى أَيْضا وَجه الرّفْع ظَاهر لِأَنَّهُ فَاعل ينقص هُنَا، وَهُنَاكَ نقص، وَأما وَجه النصب فَلِأَن نقص جَاءَ لَازِما مُتَعَدِّيا بِاعْتِبَار اشتقاقه من النُّقْصَان وَالنَّقْص. وَاخْتلفُوا فِي سَبَب نُقْصَان الْأجر باقتناء الْكَلْب، فَقيل: لِامْتِنَاع الْمَلَائِكَة من دُخُول بَيته، وَقيل: لما يلْحق المارين من الْأَذَى، وَقيل: لما يبتلى بِهِ من ولوغه فِي الْإِنَاء عِنْد غَفلَة صَاحبه وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ يجمع بَين الحصرين؟ إِذْ المحصور هُنَا كلب الْمَاشِيَة والحرث، وَمَفْهُوم أَحدهمَا دُخُول كلب الصَّيْد فِي الْمُسْتَثْنى مِنْهُ، وَمَفْهُوم الآخر خُرُوجه عَنهُ وهما متنافيان وَكَذَا حكم كلب الْحَرْث، فَإِنَّهُ مُسْتَثْنى وَغير مُسْتَثْنى قلت:

стр. 6299

مدَار أَمر الْحصْر على المقامات واعتقاد السامعين لَا على مَا فِي الْوَاقِع فالمقام الأول اقْتضى اسْتثِْنَاء كلب الصَّيْد، وَالثَّانِي اسْتثِْنَاء كلب الْحَرْث، فصارا مستثنيين فَلَا مُنَافَاة فِي ذَلِك. ٥٤٨٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرَنا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمر قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : مَنِ اقْتَنَى كَلْبا إلَاّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ أوْ ضارٍ نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمِ قِيراطانِ. هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن عبد الله بن يُوسُف إِلَى آخِره. قَوْله: (أَو ضار) . أَي: أَو إلَاّ كلب ضار، وَالْمعْنَى إلَاّ كَلْبا ضاريا. قَوْله: (من عمله) ويروى: من أجره. ٧ - (بَابٌ: ﴿إذَا أكَلَ الكَلْبُ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أكل الْكَلْب من الصَّيْد، وَجَوَاب: إِذا مَحْذُوف تَقْدِيره إِذا أكل الْكَلْب من الصَّيْد لَا يُؤْكَل، وَلم يذكرهُ اعْتِمَادًا على مَا يفهم من متن الحَدِيث. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ الصَّوَائِدُ وَالكَوَاسِبُ، اجْتَرَحُوا: اكْتَسَبُوا ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ الله فَكُلُوا مِمَّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿سَرِيعُ الحِساب﴾ (الْمَائِدَة: ٤) . قَوْله: مَرْفُوع عطفا على قَوْله: (بَاب) ، لِأَنَّهُ مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. كَمَا قُلْنَا، وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة مَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أَبُو زرْعَة حَدثنَا يحيى بن عبد الله بن بكير حَدثنِي عبد الله بن لَهِيعَة حَدثنِي عَطاء بن دِينَار وَعَن سعيد بن جُبَير أَن عدي بن حَاتِم وَيزِيد بن المهلهل الطائيين سَأَلَا رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَا: يَا رَسُول الله! قد حرم الله الْميتَة، فَمَاذَا يحل لنا مِنْهَا؟ فَنزلت: ﴿يَسْأَلُونَك﴾ الْآيَة. قَوْله: (قل أحل لكم الطَّيِّبَات) يَعْنِي: الذَّبَائِح الْحَلَال طيبَة لَهُم قَالَه سعيد بن جُبَير: وَقَالَ مقَاتل بن حَيَّان: الطَّيِّبَات مَا أحل لَهُم من كل شَيْء أَن يصيبوه، وَهُوَ الْحَلَال من الرزق. قَوْله: (وَمَا علمْتُم من الْجَوَارِح) أَي: وَأحل لكم مَا اصطدتموه بِمَا علمْتُم من الْجَوَارِح وَهِي الْكلاب والفهود والصقور وَأَشْبَاه ذَلِك، وَهَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّة وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِك: عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا علمْتُم من الْجَوَارِح مكلبين﴾ وَهِي: الْكلاب المعلمة والبازي وكل طير يعلم للصَّيْد، وروى ابْن أبي حَاتِم عَن خَيْثَمَة وطاووس وَمُجاهد وَمَكْحُول وَيحيى ابْن أبي كثير: أَن الْجَوَارِح الْكلاب الضواري والفهود والصقور وأشباهها. قَوْله: (مكلبين) ، حَال من قَوْله: (مِمَّا علمْتُم) وَهُوَ جمع مكلب وَهُوَ مؤدب الْجَوَارِح ومضربها بالصيد لصَاحِبهَا ورائضها لذَلِك، وَقَالَ بَعضهم: مكلبين مؤدبين فَلَيْسَ هُوَ تفعيل من الْكَلْب الْحَيَوَان الْمَعْرُوف إِنَّمَا هُوَ من الْكَلْب بِفَتْح اللَّام وَهُوَ الْحِرْص. انْتهى. قلت: هَذَا تركيب فَاسد وَمعنى غير صَحِيح وَدَعوى اشتقاق من غير أَصله، وَلم يقل بِهِ أحد، بل الَّذِي يُقَال هُنَا مَا قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ الَّذِي هُوَ الْمرجع إِلَيْهِ فِي التَّفْسِير، وَهُوَ أَنه قَالَ: واشتقاقه أَي: اشتقاق مكلبين من الْكَلْب لِأَن التَّأْدِيب أَكثر مَا يكون فِي الْكلاب فاشتق من لَفظه لكثرته فِي جنسه. فَإِن قلت: قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ أَيْضا: وَمن الْكَلْب الَّذِي هُوَ بِمَعْنى الضراوة؟ يُقَال: هُوَ كلب بِكَذَا إِذا كَانَ ضَارِبًا بِهِ قلت: نَحن مَا ننكر أَن يكون اشتقاق مكلبين من غير الْكَلْب الَّذِي هُوَ الْحَيَوَان، وَإِنَّمَا أَنْكَرْنَا على هَذَا الْقَائِل قَوْله: وَلَيْسَ هُوَ تفعيل من الْكَلْب، وَإِنَّمَا هُوَ الْكَلْب بِفَتْح اللَّام، فَالَّذِي لَهُ أدنى مسكة من علم التصريف لَا يَقُول بِهَذِهِ الْعبارَة. وَأَيْضًا فقد فسر الْكَلْب بِفَتْح اللَّام بِمَعْنى الْحِرْص وَلَيْسَ كَذَلِك مَعْنَاهُ هَاهُنَا، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مثل مَا قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ، وَهُوَ معنى الضراوة. قَوْله: (الصوائد) ، جمع صائدة. (والكواسب) جمع كاسبة وَهُوَ صفة لقَوْله: (الْجَوَارِح) وَقَالَ بَعضهم: صفة مَحْذُوف تَقْدِيره: الْكلاب الصوائد. قلت: هَذَا أَيْضا فِيهِ مَا فِيهِ، بل هِيَ صفة للجوارح كَمَا قُلْنَا. وَقَوله: الصوائد، رِوَايَة الْكشميهني وَلغيره، الكواسب. قَوْله: (الصوائد والكواسب) وَقَوله: (اجترحوا: اكتسبوا) لَيْسَ من الْآيَة الْكَرِيمَة بل هُوَ معترض بَين قَوْله: (مكلبين) وَبَين قَوْله: (تعلمونهن) فَذكر الصوائد والكواسب تَفْسِيرا للجوارح، وَذكر اجترحوا بِمَعْنى اكتسبوا اسْتِطْرَادًا لبَيَان أَن

стр. 6300

الاجتراح يُطلق على الِاكْتِسَاب. قَوْله: (تعلمونهن) ، أَي: الْجَوَارِح، وتعليمهن أَنه إِذا أرسل استرسل وَإِذا أشلاه استشلى وَإِذا أَخذ الصَّيْد أمْسكهُ على صَاحبه حَتَّى يَجِيء إِلَيْهِ وَلَا يمسِكهُ لنَفسِهِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أمسكن عَلَيْكُم واذْكُرُوا اسْم الله عَلَيْهِ وَاتَّقوا الله﴾ (الْمَائِدَة: ٤) فِي مُخَالفَة أمره. ﴿وَإِن الله سريع الْحساب﴾ . ﴿وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: إنْ أكَلَ الكَلْبُ فَقَدْ أفْسَدَهُ إنَّما أمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ وَالله يَقُولُ: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ الله﴾ فَتُضْرَبُ وَتُعْلَّمُ حَتَّى تَتْرُك﴾ . هَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور مُخْتَصرا من طَرِيق عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: إِذا أكل الْكَلْب فَلَا تَأْكُل فَإِنَّمَا أمسك على نَفسه. قَوْله: (أفْسدهُ) ، أَي: أخرجه عَن صلاحيته للْأَكْل. وَقَوله: (إِنَّمَا أمسك) إِلَى آخِره تَعْلِيل لما قَالَ. قَوْله: (فَتضْرب) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. وَكَذَلِكَ (تعلم) قَوْله: (حَتَّى تتركه) ، أَي: الْأكل. ﴿وَكَرِهَهُ ابنُ عُمَرَ ﵄﴾ أَي: كره أكل الصَّيْد الَّذِي أكل مِنْهُ الْكَلْب عبد الله بن عمر بن الْخطاب، وَوَصله وَكِيع بن الْجراح حَدثنَا سُفْيَان ابْن سعيد عَن لَيْث عَن مُجَاهِد عَنهُ. ﴿وَقَالَ عَطَاءٌ: إنْ شَرِبَ الدَّمَ وَلَمْ يَأْكُلْ فَكُلْ﴾ أَي: قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح: إِن شرب الْكَلْب دم الصَّيْد وَلم يَأْكُل من لَحْمه فَكل، يَعْنِي: كل هَذَا الصَّيْد. وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن حَفْص بن غياث عَن ابْن جريج عَنهُ، وَذكر عَن عدي بن أبي حَاتِم: إِن شرب من دَمه فَلَا تَأْكُل فَإِنَّهُ لم يتَعَلَّم مَا عَلمته وَعَن الْحسن: إِن أكل فَكل فَإِن شرب فَكل، وَزعم ابْن حزم أَن الْجَارِح إِذا شرب من دم الصَّيْد لم يضر ذَلِك شَيْئا لِأَن سيدنَا رَسُول الله ﷺ ، حرم علينا أكل مَا قَتِيل: إِذا أكل وَلم يحرم إِذا ولغَ قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَهُوَ قَول سعد بن أبي وَقاص وَابْن عمر وسلمان، ﵃، قَالُوا: إِذا أكل الْجَارِح يُؤْكَل مَا أكل، وَهُوَ قَول مَالك. وَقَالَ ابْن بطال، وَهُوَ قَول عَليّ بن أبي طَالب وَسَعِيد بن الْمسيب وَسليمَان بن يسَار وَالْحسن بن أبي الْحسن وَمُحَمّد بن شهَاب وَرَبِيعَة وَاللَّيْث، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد بن إِدْرِيس وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق: إِن أكل لَا يُؤْكَل وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَهُوَ قَول الْجُمْهُور من السّلف وَغَيرهم مِنْهُم ابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة وَابْن شهَاب فِي رِوَايَة، وَالشعْبِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَالنَّخَعِيّ وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة. ٥٤٨٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةَ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ عَنْ بَيَانٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، قُلْتُ: إنَّا قَوْمٌ نَصِيدُ بِهاذِهِ الكِلابِ؟ فَقَالَ: إذَا أرْسَلْتَ كِلابِكَ المُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ الله فعل مِمَّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ، وَإنْ قَتَلْنَ، إلَاّ أنْ يَأْكُلَ الكَلْبُ فَإنِّي أخافُ أنْ يَكُونَ إنَّمَا أمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَإنْ خَالَطَها كِلابٌ مِنْ غَيْرِها فَلا تَأْكُلْ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَبَيَان، بِفَتْح الْيَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْبَاء آخر الْحُرُوف، ابْن بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة الأحمسي بالمهملتين، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل. والْحَدِيث قد مر بِوُجُوه مُخْتَلفَة وطرق عديدة. قَوْله: (إِذا أرْسلت) ، فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّهُ إِذا استرسل بِنَفسِهِ فَلَا يُؤْكَل صَيْده، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور إلَاّ مَا حُكيَ عَن الْأَصَم من إِبَاحَته، وَإِذا غصب كَلْبا واصطاد هَل يكون للْمَالِك أَو للْغَاصِب؟ فَقيل: للْمَالِك. لِأَن الصَّيْد بكلبه، وَقيل: للْغَاصِب لِأَن الْكَلْب يتَمَلَّك. ٨ - (بَابُ: ﴿الصَّيْدِ إذَا غَابَ عَنْهُ يَوْمَيْنِ أوْ ثَلاثَةَ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّيْد إِذا غَابَ عَنهُ أَي: عَن الصَّائِد يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة أَيَّام. ٥٤٨٤ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا ثَابِتُ بنُ يَزِيد حدَّثنا عَاصمٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ، ﵁ عَنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: إذَا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَيْتَ فَأمْسَكَ

стр. 6301

وَقَتَلَ فَكُلْ، وَإنْ أكَلَ فَلا تَأْكُلْ فَإنَّمَا أمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإذَا خَالَطَ كِلابا لَمْ يُذْكَر اسْمُ الله عَلَيْها فأمْسَكْنَ وَقَتَلْنَ فَلا تَأْكُلْ فَإنَّكَ لَا تَدْرِي أيُّها قَتَلَ، وَإنْ رَمَيْتَ الصَّيْدَ فَوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ لَيْسَ بِهِ إلَاّ أثَرُ سَهْمِكَ فَكُلْ، وَإنْ وَقَعَ فِي المَاءِ فَلا تَأْكُلْ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (بعد يَوْم أَو يَوْمَيْنِ) ، وَذكر الثَّلَاثَة فِي الحَدِيث الَّذِي يَأْتِي عقيب هَذَا. وثابت بالثاء الْمُثَلَّثَة ضد الزائل ابْن يزِيد من الزِّيَادَة الْأَحول الْبَصْرِيّ، وَعَاصِم هُوَ ابْن سُلَيْمَان الْأَحول، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر. وَهَذَا الحَدِيث مُشْتَمل على أَحْكَام. الأول: إِذا أرسل كَلْبه وسمى فَأمْسك على صَاحبه يحل أكله. الثَّانِي: إِن أكل مِنْهُ لَا يحل. الثَّالِث: إِذا خالط كَلْبه كلابا أُخْرَى لم يذكر اسْم الله عَلَيْهَا فأمسكن وقتلن لَا يحل أكله، وَعلله بقوله: (لَا تَدْرِي أَيهَا) أَي: الْكلاب (قلته) وَفِي (التَّوْضِيح) إِن جُمْهُور الْعلمَاء بالحجاز وَالْعراق متفقون على أَنه إِذا أرسل كَلْبه على الصَّيْد وَوجد مَعَه كَلْبا آخر وَلم يدر أَيهمَا أَخذ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَل هَذَا الصَّيْد، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِك عَطاء وَالْأَرْبَعَة وَأَبُو ثَوْر، وَكَانَ الْأَوْزَاعِيّ يَقُول: إِذا أرسل كَلْبه الْمعلم فَعرض لَهُ كلب آخر معلم فقتلاه فَهُوَ حَلَال، وَإِن كَانَ غير معلم فقتلاه لم يُؤْكَل وَعبارَة الْقُرْطُبِيّ، الْكَلْب المخالط مَجْهُول غير مُرْسل من صائد أخر، وَأَنه إِنَّمَا انْبَعَثَ فِي طلب الصَّيْد بطبعه، وَلَا يخْتَلف فِي هَذَا فَأَما إِذا أرْسلهُ صائد آخر على ذَلِك الصَّيْد فاشترك الكلبان فِيهِ فَإِنَّهُ للصائدين، فَلَو نفذ أحد الكلبين مقاتله ثمَّ جَاءَ الآخر بعد فَهُوَ للْأولِ. الرَّابِع: إِذا رمى الصَّيْد وَغَابَ عَنهُ ثمَّ وجد بعد يَوْم أَو بعد يَوْمَيْنِ وَلَيْسَ بِهِ إِلَّا أثر سَهْمه فَإِنَّهُ يُؤْكَل، وَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ. فَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: إِذا وجده من الْغَد مَيتا وَوجد سَهْمه أَو أثرا من كَلْبه فليأكله، وَهُوَ قَول أَشهب وَابْن الْمَاجشون وَابْن عبد الحكم، وَرُوِيَ عَن مَالك فِيمَا رَوَاهُ عَنهُ ابْن الْقصار، وَالْمَعْرُوف عَنهُ خِلَافه فَفِي (الْمُوَطَّأ) و (الْمُدَوَّنَة) لَا بَأْس بِأَكْل الصَّيْد وَإِن غَابَ عَنهُ مصرعه إِذا وجدت بِهِ أثر كلبك أَو كَانَ بِهِ سهمك مَا لم يبت فَإِذا بَات لم يُؤْكَل، وَعنهُ الْفرق بَين السهْم فيؤكل وَبَين الْكَلْب فَلَا يُؤْكَل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا توارى عَنهُ الصَّيْد وَالْكَلب فِي طلبه فَوَجَدَهُ مقتولاً وَالْكَلب عِنْده كرهت أكله. وَقَالَ الشَّافِعِي: الْقيَاس أَنه لَا يُؤْكَل إِذا غَابَ عَنهُ لاحْتِمَال أَن غَيره قَتله، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْحل أصح. الْخَامِس: إِذا وَقع الصَّيْد فِي المَاء فَلَا يُؤْكَل لاحْتِمَال أَن المَاء أهلكه، وَإِذا تحقق أَن سَهْمه أنفذ مقاتله قبل وُقُوعه فِي المَاء فمذهب الْجُمْهُور أكله، وروى ابْن وهب عَن مَالك كَرَاهَته. وَقَالَ عَبْدُ الأعْلَى عَنْ دَاودَ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عَدِيَ أنَّهُ قَالَ: لِلنبيِّ ﷺ ، يَرْمِي الصَّيْدَ فَيَقْتَفي أثَرَهُ اليَوْمَيْنِ وَالثَّلاثَةَ ثُمَّ يَجِدُهُ مَيِّتا وَفِيهِ سَهْمُهُ؟ قَالَ: يَأكُلُ إنْ شَاءَ عبد الْأَعْلَى هُوَ ابْن عبد الْأَعْلَى السَّامِي بِالسِّين الْمُهْملَة الْبَصْرِيّ، يروي عَنهُ دَاوُد بن أبي هِنْد عَن عَامر الشّعبِيّ. وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو دَاوُد عَن الْحُسَيْن بن معَاذ بن عبد الْأَعْلَى، فَذكره. قَوْله: (فيقتفي) ، من الاقتفاء وَهُوَ الِاتِّبَاع، يُقَال: اقتفيته وقفوته وقفيته: إِذا اتبعته، وَهُوَ رِوَايَة الْكشميهني، ويروى: فيقتفر بِالْقَافِ وَالْفَاء وَالرَّاء أَي: يتبع، يُقَال: اقتفرت الْأَثر وقفرته إِذا تَبعته وقفوته، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم وَهِي رِوَايَة الْأصيلِيّ أَيْضا. قَوْله: (الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَة) ، فِيهِ زِيَادَة على رِوَايَة عَاصِم، بعد يَوْم أَو يَوْمَيْنِ وروى مُسلم من حَدِيث أبي ثَعْلَبَة عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: إِذا رميت سهمك فَغَاب عَنْك فادركته فَكل مَا لم ينتن، وَفِي روايه فِي الَّذِي يدْرك صَيْده بعد ثَلَاث إلَاّ أَن ينتن يَدعه وَاخْتلف فِي تَأْوِيله فَمنهمْ من قَالَ: إِذا انتن الْحق بالمستقذر الَّذِي تمجه الطباع، فَلَو أكله جَازَ، كَمَا جَاءَ أَنه أكل إهالة سنخة أَي: مُنْتِنَة، وَمِنْهُم من قَالَ: هُوَ مُعَلل بِمَا يخَاف مِنْهُ الضَّرَر على أكله، وعَلى هَذَا يكون أكله محرما إِن كَانَ الْخَوْف محققا وَالله أعلم. ٩ - (بَابٌ: ﴿إذَا وَجَدَ مَعَ الصَّيْدِ كَلْبا آخَرَ﴾ ؟) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا إِذا وجد الصَّائِد مَعَ كَلْبه الَّذِي أرْسلهُ كَلْبا آخر، وَلم يذكر جَوَاب إِذا اكتفاه بِمَا ذكر فِي الحَدِيث. ٥٤٨٦ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي السَّفَرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بنِ

стр. 6302

حَاتِمٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله ﴿إنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي وَأسَمِّي؟ فَقَالَ النبيُّ ﷺ : إذَا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَأخَذَ فَقَتَلَ فَأكَلَ فَلا تَأْكُلْ فَإنَّما أمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ. قُلْتُ: إنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي أجِدُ مَعَهُ كَلْبا آخَرَ لَا أدْرِي أيُّهُما أخَذَهُ؟ فَقَالَ: لَا تأكُلْ. فإنَّما سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ. وَسَألْتُهُ عَنْ صَيْدِ المِعْرَاضِ؟ فَقَالَ: إذَا أصَبْتَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإذَا أصَبْتَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإنَّهُ وَقِيذٌ فَلا تَأْكُلْ. هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه متْنا وإسنادا قد مر فِي: بَاب المعراض، غير أَنه هُنَاكَ روى عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة إِلَى آخِره، وَهنا رُوِيَ عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن شُعْبَة إِلَى آخِره، فلأجل اخْتِلَاف شَيْخه وضع لكل مِنْهُمَا تَرْجَمَة يطابقها حَدِيثه. وَالله أعلم. ١٠ - (بَابُ: ﴿مَا جَاءَ فِي التَّصَيُّدِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي التصيد، أَي: فِي التَّكَلُّف بالصيد والاشتغال بِهِ لأجل التكسب، وَقد علم أَن بَاب التفعل للتكلف والاعتمال، وَهَذَا غير مَمْنُوع بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ تولعه بِهِ لأجل اللَّهْو والتنزه فَإِنَّهُ مَمْنُوع، كَمَا قد ذَكرْنَاهُ. ٥٤٨٧ - حدَّثني مُحَمَّدٌ أخْبَرَنِي ابنُ فُضَيْلٍ عَنْ بَيَانٍ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ، ﵁، قَالَ: سَألَتُ رَسُولَ الله ﷺ ، فَقُلْتُ: إنّا قَوْمٌ نَتَصَيَّدُ بِهاذِهِ الكِلابِ؟ فَقَالَ: إذَا أرْسَلْتَ كِلابَكَ المُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمِ الله فَكُلْ مِمَّا أمْسَكْنَ عَلَيْكَ، إلَاّ أنْ يَأْكُلَ الكَلْبُ فَلا تَأْكُلْ، فَإنِّي أخَافُ أنْ يَكُونَ إنَّمَا أمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإنْ خَالَطَها كَلْبٌ مِنْ غَيْرِها فَلا تَأْكُلْ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِنَّا قوم نتصيد) ، وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام. قَالَه الغساني: وَابْن فُضَيْل بِضَم الْفَاء وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة مصغر فضل هُوَ مُحَمَّد بن فُضَيْل بن غَزوَان الْكُوفِي، وَبَيَان بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن بشر الْكُوفِي، وعامر هُوَ الشّعبِيّ. وَقد مر الحَدِيث عَن قريب فِي: بَاب إِذا أكل الْكَلْب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن قُتَيْبَة بن فُضَيْل إِلَى آخِره، وَفِيه (إِنَّا قوم نصيد) وَهَاهُنَا نتصيد، وَمر الْكَلَام فِيهِ. ٥٤٨٨ - حدَّثنا أبُو عَاصِمٍ عَنْ حَيْوَةَ (ح) وَحدَّثَنِي أحْمَدُ بنُ أبِي رَجاءٍ حدَّثنا سَلَمَةُ بنُ سُلَيْمانَ عَنِ ابنِ المُبَارَكِ عَنْ حَيْوَةَ بنِ شُرَيْحٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بنَ يَزِيدَ الدِّمَشْقِي قَالَ: أخْبَرَنِي أبُو إدْرِيسَ عَائِذُ الله قَالَ: سَمِعْتُ أبَا ثَعْلَبَةَ الخَشْنِيَّ، ﵁، يَقُولُ: أتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله﴾ إنَّا بِأرْضِ قَوْمِ أهْلِ الكِتَابِ نَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ، وَأرْضِ صَيْدٍ أصيدُ بِقَوْسِي وَأصِيدُ بِكَلْبِي المُعَلَّمِ وَالَّذِي لَيْسَ مِعَلَّما فَأخْبَرَنِي مَا الَّذِي يَحِلُّ لَنَا مِنْ ذالِكَ؟ فَقَالَ: أمَّا مَا ذَكَرْتَ أنَّكَ بِأرْضِ قَوْمٍ أهْلِ الكِتابِ تَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ فَإنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فَلا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلوها ثُمَّ كُلُوا فِيها، وَأمَّا مَا ذَكَرتَ أنَّكَ بِأرْضِ صَيْدٍ فَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ الله ثُمَّ كُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ المِعَلَّمِ فَاذْكُرْ اسْمَ الله ثُمَّ كُلْ وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ مُعَلَّما فَأدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ. هَذَا الحَدِيث أَيْضا قد مر عَن قريب فَإِنَّهُ أخرجه فِي: بَاب مَا أصَاب المعراض بعرضه عَن عبد الله بن يزِيد عَن حَيْوَة وَأخرجه هَاهُنَا من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن أبي عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد النَّبِيل عَن حَيْوَة بن شُرَيْح عَن ربيعَة بن يزِيد من الزِّيَادَة عَن أبي إِدْرِيس عائذا لله بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة. وَالْآخر: عَن أَحْمد بن أبي رَجَاء بِفَتْح الرَّاء وَالْجِيم المخففة وبالمد الْهَرَوِيّ عَن سَلمَة بن سُلَيْمَان

стр. 6303

الْمروزِي عَن عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي عَن حَيْوَة إِلَى آخِره، وَهَذَا الطَّرِيق أنزل من الأول، وَمر الْكَلَام فِيهِ. ٥٤٨٩ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حدَّثني هِشامُ بنُ زَيْدٍ عَنْ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ، ﵁، قَالَ: أنْفَجْنا أرْنَبا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَسَعَوْا عَلَيْها حَتَّى لَغِبُوا فَسَعيْتُ عَلَيْها حَتَّى أخَذْتُها فَجِئْتُ بِها إلَى أبِي طَلْحَةَ، فَبَعَثَ إلَى النبيِّ، ﷺ ، بِوَرِكِها وَفَخِذَيْها فَقَبِلَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فسعوا عَلَيْهَا حَتَّى لغبوا) لِأَن مَعْنَاهُ: حَتَّى تعبوا. وَفِيه معنى التصيد وَهُوَ التَّكَلُّف فِي الِاصْطِيَاد. وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَهِشَام بن زيد بن أنس بن مَالك يروي عَن جده. والْحَدِيث قد مر فِي الْهِبَة فِي: بَاب قبُول هَدِيَّة الصَّيْد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة عَن هِشَام بن زيد الخ. وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (أنفجنا) ، بالنُّون وَالْفَاء وَالْجِيم أَي: هيجنا، يُقَال: نفج الأرنب إِذا أثاره. قَوْله: (بمر الظهْرَان) ، مَوضِع بِقرب مَكَّة. قَوْله: (حَتَّى لغبوا) ، بالغين الْمُعْجَمَة الْمَكْسُورَة وبالفتح أفْصح، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: حَتَّى تعبوا. قَوْله: (إِلَى أبي طَلْحَة) ، وَهُوَ زوج أم أنس، واسْمه زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ. قَوْله: (بوركها) فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِالْإِفْرَادِ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بوركيها بالتثنية. ٥٤٩٠ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ: حدَّثني مَالِكٌ عَنْ أبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بنِ عُبَيْدِ الله عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أبِي قَتَادَة عَنْ أبِي قَتَادَةَ أنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، حَتَّى إذَا كَانَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ تَخَلَّفَ مَعَ أصْحَابٍ لَهُ مُحَرِمِينَ وَهُوَ غَيْرُ مُحَرِمٍ، فَرَأى حِمَارا وَحْشِيا فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ ثُمَّ سَألَ أصْحَابَهُ أنْ يُناوِلُوهُ سَوْطا فَأبُوا فَسَألَهُمْ رمْحَهُ فَأبَوْا فَأخَذَهُ ثُمَّ شَدَّ عَلَى الحِمارِ فَقَتَلَهُ فَأكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أصْحابِ رَسُولِ الله ﷺ ، وَأبَى بَعْضُهُمْ فَلَمَّا أدْرَكُوا رَسُولَ الله ﷺ ، سَألُوهُ عَنْ ذالِكَ؟ فَقَالَ: إنَّما هِيَ طُعْمَةً أطْعَمْتَكُمُوها الله. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ شدّ على الْحمار) فَإِن فِيهِ معنى التَّكَلُّف فِي التصيد. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس عبد الله بن أُخْت مَالك بن أنس، وَأَبُو النَّضر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة سَالم مولى عمر بن عبيد الله بن معمر الْقرشِي، وَأَبُو قَتَادَة الْحَارِث الْأنْصَارِيّ. والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الْحَج عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَغَيره. وَفِي الْجِهَاد عَن عبد الله بن يُوسُف، وَمر الْكَلَام فِيهِ قَوْله: (طعمة) بِضَم الطَّاء أَي: مأكلة. ٥٤٩١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ: حدَّثني مَالِكٌ عَنْ زَيْدٍ بنِ أسْلَمَ عَنْ عَطاء بنِ يَسَارٍ عَنْ أبِي قَتَادَةَ مِثْلَهُ إلَاّ أنَّهُ قَالَ: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحمِهِ شَيْءٌ. هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، وَمضى حَدِيث أبي قَتَادَة فِي كتاب الْحَج فِي أَرْبَعَة أَبْوَاب مُتَوَالِيَة بطرق مُخْتَلفَة ومتون بِزِيَادَة ونقصان وَأخرجه مُسلم مثله فِي رِوَايَة حَدثنَا قُتَيْبَة عَن مَالك عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن أبي قَتَادَة فِي حمَار الوحشي مثل حَدِيث أبي النَّضر، غير أَن فِي حَدِيث زيد بن أسلم أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: هَل مَعكُمْ من لَحْمه شَيْء؟ . ١١ - (بَابُ: ﴿التَّصَيُّد عَلَى الجِبَالِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التصيد على الْجبَال، جمع جبل بِفَتْح الْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة. ٥٤٩٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ سُلَيْمَانَ الجُعَفِيُّ قَالَ: حدَّثني ابنُ وَهْبٍ أخْبَرَنا عَمْروٌ أنَّ أبَا النَّضْر حدَّثَهُ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أبِي قَتَادَةَ وَأبِي صَالِحٍ مَوْلَى التَوْأمَةِ قَالا: سَمِعْنا أبَا قَتَادَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ

стр. 6304

وَسلم، فِيما بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ وَأنَا رَجُلٌ حِلٌّ عَلَى فَرَسٍ وَكُنْتُ رَقَّاءً عَلَى الجِبَالِ، فَبَيْنا أنَا عَلَى ذالِكَ إذْ رَأيْتُ النَّاسَ مُتَشَوِّفِينَ لِشَيْء فَذَهَبْتُ أنْظُرُ فَإذا هُوَ حِمارُ وَحْشِ، فَقُلْتُ لَهُمْ: مَا هاذا قَالُوا: لَا نَدْرِي. قُلْتُ هُوَ حِمَارٌ وَحْشِيٌ؟ فَقَالُوا: هُوَ مَا رَأيْتَ، وَكُنْتُ نَسِيتُ سَوْطِي فَقُلْتُ لَهُمْ: نَاوِلُونِي سَوْطِي فَقَالُوا: لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ، فَنَزَلْتُ فَأخَذْتُهُ ثُمَّ ضَرَبْتُ فِي أثَرِهِ فَلَمْ يَكُنْ إلَاّ ذَاكَ حَتَّى عَقَرْتُهُ فَأتَيْتُ إلَيْهِمْ فَقُلْتُ لَهُمْ: قُومُوا فَاحْتَمِلُوا قَالُوا: لَا تَمَسُّهُ فَحَمَلْتُهُ حَتَّى جِئْتُهُمْ بِهِ، فَأبَى بَعْضُهُمْ وَأكَلَ بَعْضُهُمْ. فَقُلْتُ: أنَا أسْتَوقْفُ لَكُمْ النبيِّ ﷺ ، فَأدْرَكْتُهُ فَحَدَّثْتُهُ الحَدِيثَ فَقَالَ لِي: أبَقِيَ مَعَكُمْ شَيْءٌ مِنْهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: كُلُوا فَهُوَ طُعْمٌ أطْعَمَكُمُوهَا الله. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَكنت رقاء على الْجبَال) لِأَن مَعْنَاهُ: كنت كثير الرقي على الْجبَال، من رقى يرقى من بَاب علم يعلم رقيا ورقيا بِالتَّشْدِيدِ للْمُبَالَغَة، والرقي الصعُود والارتفاع، وَلَا يَخْلُو من الْمَشَقَّة والتكلف والترجمة فِيهَا معنى التَّكَلُّف، وَمرَاده. كَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت على الْجَبَل، وَلِهَذَا يَقُول: فَنزلت. أَي: من الْجَبَل أَو من الْفرس. وَيحيى بن سُلَيْمَان أَبُو سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي نزل مصر، يروي عَن عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ يروي عَن عَمْرو بن الْحَارِث الْمصْرِيّ عَن أبي النَّضر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة سَالم عَن نَافِع مولى أبي قَتَادَة، وَأبي صَالح نَبهَان بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة مولى التؤمة، حكى عِيَاض عَن الْمُحدثين بِضَم الثَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقَالَ: الصَّوَاب فتح أَوله، وَحكى ابْن التِّين والتؤمة، بِوَزْن الحطمة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مولى التؤمة بِفَتْح الفوقانية، يُقَال: أتأمت الْمَرْأَة إِذا وضعت اثْنَيْنِ فِي بطن، والولدان توأمان، يُقَال: هَذَا توأم لهَذَا، وَهَذِه توأمة لهَذِهِ، وَالْجمع توائم نَحْو: جَعْفَر وجعافر، وَهِي بنت أُميَّة بن خلف الجُمَحِي وَسميت بهَا لِأَنَّهَا كَانَت مَعَ أُخْت لَهَا فِي بطن أمهَا وَلَيْسَ لنبهان هَذَا فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث وَنَافِع الْمَذْكُور وَأَبُو صَالح كِلَاهُمَا يرويان عَن أبي قَتَادَة والْحَدِيث مَحْفُوظ لأبي صَالح نَبهَان لَا لِابْنِهِ صَالح، وَمن ظن غير هَذَا فقد غلط. قَوْله: (وهم محرمون) الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَكَذَلِكَ الْوَاو فِي (وَأَنا رجل حل) بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد اللَّام أَي: حَلَال قَوْله: (فَبينا) طرف مُضَاف إِلَى جملَة. قَوْله: (إِذْ رَأَيْت النَّاس) جَوَابه. قَوْله: (متشوفين) من قَوْلهم: تشوف فلَان للشَّيْء أَي: لمح لَهُ وَنظر إِلَيْهِ، ومادته شين مُعْجمَة، وواو وَفَاء. قَوْله: (فِي أَثَره) أَي: وَرَاءه، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: خرجت فِي أَثَره وأثره يَعْنِي: بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وبفتحهما أَيْضا. قَوْله: (عقرته) أَي: جرحته. قَوْله: (فاحتملوا) صِيغَة أَمر للْجَمَاعَة قَوْله: (فَأبى بَعضهم) يَعْنِي: امْتنع بَعضهم من الْأكل. قَوْله: (استوقف لكم) أَي: أسأله أَن يقف لكم. قَوْله: (أبقى) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على وَجه الاستخبار. ١٢ - (بَابُ: ﴿قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْر﴾ (الْمَائِدَة: ٩٦) أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿أحل لكم صيد الْبَحْر﴾ وَهَذَا الْمِقْدَار رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: ﴿أحل لكم صيد الْبَحْر وَطَعَامه مَتَاعا لكم﴾ وروى سعيد بن جُبَير وَسَعِيد بن الْمسيب عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: ﴿أحل لكم صيد الْبَحْر﴾ . يَعْنِي: مَا يصطاد مِنْهُ طريا وَطَعَامه مَا يتزود مِنْهُ مليحا يَابسا قَوْله: (مَتَاعا لكم) أَي: مَنْفَعَة وقوتا لكم أَيهَا المخاطبون وانتصابه على أَنه مفعول لَهُ. أَي: تمتيعا لكم. قَوْله: (وللسيارة) جمع سيار، وَقَالَ عِكْرِمَة: لمن كَانَ بِحَضْرَة الْبَحْر وَالسّفر. ﴿وَقَالَ عُمَرُ: صَيْدُهُ مَا اصْطِيدَ وَطعامُهُ مَا رَمَى بِهِ﴾ أَي: قَالَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ صَيْده. أَي: صيد الْبَحْر (مَا اصطيد) أَي: الَّذِي اصطيد، وَطَعَام الْبَحْر مَا رمى بِهِ أَي: مَا قذفه، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد بن حميد من طَرِيق عمر بن أبي سَلمَة عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة. قَالَ: لما قدمت الْبَحْرين سَأَلَني أَهلهَا عَمَّا قذف الْبَحْر فَأَمَرتهمْ أَن يأكلوه فَلَمَّا قدمت على عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَذكرت قصَّته. قَالَ: فَقَالَ عمر: قَالَ الله فِي كِتَابه: (أحل لكم صيد الْبَحْر وَطَعَامه) فصيده مَا صيد، وَطَعَامه مَا قذف بِهِ.

стр. 6305

﴿وَقَالَ أبُو بَكْرٍ: الطَّافِي حَلالٌ﴾ أَي: قَالَ أَبُو بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (الطافي) ، هُوَ الَّذِي يَمُوت فِي الْبَحْر ويعلو فَوق المَاء، وَلَا يرسب فِيهِ، وَهُوَ من طفا يطفو، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن سُفْيَان عَن عبد الْملك بن أبي بشير عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: أشهد على أبي بكر أَنه قَالَ: السَّمَكَة الطافية على المَاء حَلَال، زَاد الطَّحَاوِيّ فِي (كتاب الصَّيْد) حَلَال لمن أَرَادَ أكله. وَقَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: يكره أكل الطافي، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد والظاهرية، لَا بَأْس بِهِ لإِطْلَاق قَوْله ﷺ : (الْبَحْر هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ والحل ميتَته) . وَاحْتج أَصْحَابنَا بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه عَن يحيى بن سليم عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن أبي الزبير عَن جَابر أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: (مَا أَلْقَاهُ الْبَحْر أَو جزر عَنهُ فكلوه، وَمَا مَاتَ فِيهِ وطفا فَلَا تأكلوه) . فَإِن قلت: ضعف الْبَيْهَقِيّ هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ يحيى بن سليم: كثير الْوَهم سيء الْحِفْظ وَقد رَوَاهُ غَيره مَوْقُوفا. قلت: يحيى بن سليم أخرج لَهُ الشَّيْخَانِ فَهُوَ ثِقَة وَزَاد فِيهِ الرّفْع، وَنقل ابْن الْقطَّان فِي كِتَابه عَن يحيى أَنه ثِقَة. فَإِن قلت: قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: إِسْمَاعِيل بن أُميَّة مَتْرُوك. قلت: لَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ ظن أَنه إِسْمَاعِيل بن أُميَّة أَبُو الصَّلْت الزَّارِع، وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث، وَأما هَذَا فَهُوَ إِسْمَاعِيل بن أُميَّة الْقرشِي الْأمَوِي، وَالَّذِي ظَنّه لَيْسَ فِي طبقته. فَإِن قلت: قَالَ أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ الثَّوْريّ وَأَيوب وَحَمَّاد عَن أبي الزبير مَوْقُوفا على جَابر، وَقد أسْند من وَجه ضَعِيف عَن ابْن أبي ذِئْب عَن أبي الزبير عَن جَابر عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: مَا اصطدتموه وَهِي حَيّ فكلوه. وَمَا وجدْتُم مَيتا طافيا فَلَا تأكلوه. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: سَأَلت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: لَيْسَ بِمَحْفُوظ، وروى عَن جَابر خلاف هَذَا، وَلَا أعرف لِابْنِ أبي ذِئْب عَن أبي الزبير شَيْئا. قلت: قَول البُخَارِيّ: أعرف لِابْنِ أبي ذِئْب عَن أبي الزبير شَيْئا على مذْهبه فِي أَنه يشْتَرط لاتصال الْإِسْنَاد المعنعن ثُبُوت السماع، وَقد أنكر مُسلم ذَلِك إنكارا شَدِيدا. وَزعم أَنه قَول مخترع، وَأَن الْمُتَّفق عَلَيْهِ أَنه يَكْفِي للاتصال إِمْكَان اللِّقَاء وَالسَّمَاع، وَابْن أبي ذِئْب أدْرك زمَان أبي الزبير بِلَا خلاف وسماعه مِنْهُ مُمكن. فَإِن قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرَوَاهُ عبد الْعَزِيز بن عبد الله عَن وهب بن كيسَان عَن جَابر مَرْفُوعا وَعبد الْعَزِيز ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ. قلت: أخرج الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) حَدِيثا عَنهُ وَصحح سَنَده. وَأخرج حَدِيثه هَذَا الطَّحَاوِيّ فِي (أَحْكَام الْقُرْآن) . فَقَالَ: حَدثنَا الرّبيع بن سُلَيْمَان الْمرَادِي حَدثنَا أَسد بن مُوسَى حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش حَدثنِي عبد الْعَزِيز بن عبد الله عَن وهب بن كيسَان ونعيم بن عبد الله المجمر عَن جَابر بن عبد الله عَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: مَا جزر الْبَحْر فَكل وَمَا ألْقى فَكل وَمَا وجدته طافيا فَوق المَاء فَلَا تَأْكُل. وَقَوله تَعَالَى: ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة﴾ (الْمَائِدَة: ٣) عَام خص مِنْهُ غير الطافي من السّمك بالِاتِّفَاقِ، والطافي مُخْتَلف فِيهِ فَبَقيَ دَاخِلا فِي عُمُوم الْآيَة. ﴿وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: طَعَامُهُ مَيْتَتْهُ إلَاّ مَا قَذِرْتَ مِنْها﴾ أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير: وَطَعَامه فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأحل لكم صيد الْبَحْر وَطَعَامه﴾ (الْمَائِدَة: ٩٦) أَي: ميتَة الْبَحْر إلَاّ مَا قدرت مِنْهَا. أَي: من الْميتَة. وقذرت بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة وَفتحهَا وَتَعْلِيق ابْن عَبَّاس هَذَا وَصله الطَّبَرِيّ من طَرِيق أبي بكر بن حَفْص عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أحل لكم صيد الْبَحْر وَطَعَامه﴾ قَالَ: وَطَعَامه ميتَته. ﴿وَالجِرِّيُّ لَا تَأْكُلُهُ اليَهُودُ وَنَحْنُ نَأْكُلُهُ﴾ أَي: هَذَا قَول ابْن عَبَّاس أَيْضا وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن الثَّوْريّ بِهِ، وَقَالَ فِي رِوَايَة سَأَلت ابْن عَبَّاس عَن الجري فَقَالَ: لَا بَأْس بِهِ إِنَّمَا تحرمه الْيَهُود وَنحن نأكله، والجري، بِفَتْح الْجِيم وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة وبالياء آخر الْحُرُوف الْمُشَدّدَة قَالَ عِيَاض: وَجَاء فِيهِ كسر الْجِيم أَيْضا وَهُوَ من السّمك مَا لَا قشر لَهُ وَقَالَ عَطاء: لما سُئِلَ عَن الجري قَالَ: كُلْ كُلْ ذنيب سمين مِنْهُ. وَقَالَ ابْن التِّين: وَيُقَال لَهُ أَيْضا: الجريث. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الجريث نوع من السّمك يشبه الْحَيَّات وَيُقَال لَهُ أَيْضا: الْمَار مَا هِيَ والسلور مثله، وَقيل: هُوَ سمك عريض الْوسط دَقِيق الطَّرفَيْنِ. قلت: الجريث السّمك السود، والمار مَا هِيَ لفظ فَارسي لِأَن مار بِالْفَارِسِيَّةِ الحيكة وَمَا هِيَ: هُوَ السّمك والمضاف إِلَيْهِ يتَقَدَّم على الْمُضَاف فِي لغتهم.
следующие страницы →