Полный текст (7 603 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.
стр. 6301
وَقَتَلَ فَكُلْ، وَإنْ أكَلَ فَلا تَأْكُلْ فَإنَّمَا أمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإذَا خَالَطَ كِلابا لَمْ يُذْكَر اسْمُ الله عَلَيْها فأمْسَكْنَ وَقَتَلْنَ فَلا تَأْكُلْ فَإنَّكَ لَا تَدْرِي أيُّها قَتَلَ، وَإنْ رَمَيْتَ الصَّيْدَ فَوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ لَيْسَ بِهِ إلَاّ أثَرُ سَهْمِكَ فَكُلْ، وَإنْ وَقَعَ فِي المَاءِ فَلا تَأْكُلْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (بعد يَوْم أَو يَوْمَيْنِ) ، وَذكر الثَّلَاثَة فِي الحَدِيث الَّذِي يَأْتِي عقيب هَذَا.
وثابت بالثاء الْمُثَلَّثَة ضد الزائل ابْن يزِيد من الزِّيَادَة الْأَحول الْبَصْرِيّ، وَعَاصِم هُوَ ابْن سُلَيْمَان الْأَحول، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر.
وَهَذَا الحَدِيث مُشْتَمل على أَحْكَام.
الأول: إِذا أرسل كَلْبه وسمى فَأمْسك على صَاحبه يحل أكله.
الثَّانِي: إِن أكل مِنْهُ لَا يحل.
الثَّالِث: إِذا خالط كَلْبه كلابا أُخْرَى لم يذكر اسْم الله عَلَيْهَا فأمسكن وقتلن لَا يحل أكله، وَعلله بقوله: (لَا تَدْرِي أَيهَا) أَي: الْكلاب (قلته) وَفِي (التَّوْضِيح) إِن جُمْهُور الْعلمَاء بالحجاز وَالْعراق متفقون على أَنه إِذا أرسل كَلْبه على الصَّيْد وَوجد مَعَه كَلْبا آخر وَلم يدر أَيهمَا أَخذ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَل هَذَا الصَّيْد، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِك عَطاء وَالْأَرْبَعَة وَأَبُو ثَوْر، وَكَانَ الْأَوْزَاعِيّ يَقُول: إِذا أرسل كَلْبه الْمعلم فَعرض لَهُ كلب آخر معلم فقتلاه فَهُوَ حَلَال، وَإِن كَانَ غير معلم فقتلاه لم يُؤْكَل وَعبارَة الْقُرْطُبِيّ، الْكَلْب المخالط مَجْهُول غير مُرْسل من صائد أخر، وَأَنه إِنَّمَا انْبَعَثَ فِي طلب الصَّيْد بطبعه، وَلَا يخْتَلف فِي هَذَا فَأَما إِذا أرْسلهُ صائد آخر على ذَلِك الصَّيْد فاشترك الكلبان فِيهِ فَإِنَّهُ للصائدين، فَلَو نفذ أحد الكلبين مقاتله ثمَّ جَاءَ الآخر بعد فَهُوَ للْأولِ.
الرَّابِع: إِذا رمى الصَّيْد وَغَابَ عَنهُ ثمَّ وجد بعد يَوْم أَو بعد يَوْمَيْنِ وَلَيْسَ بِهِ إِلَّا أثر سَهْمه فَإِنَّهُ يُؤْكَل، وَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ. فَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: إِذا وجده من الْغَد مَيتا وَوجد سَهْمه أَو أثرا من كَلْبه فليأكله، وَهُوَ قَول أَشهب وَابْن الْمَاجشون وَابْن عبد الحكم، وَرُوِيَ عَن مَالك فِيمَا رَوَاهُ عَنهُ ابْن الْقصار، وَالْمَعْرُوف عَنهُ خِلَافه فَفِي (الْمُوَطَّأ) و (الْمُدَوَّنَة) لَا بَأْس بِأَكْل الصَّيْد وَإِن غَابَ عَنهُ مصرعه إِذا وجدت بِهِ أثر كلبك أَو كَانَ بِهِ سهمك مَا لم يبت فَإِذا بَات لم يُؤْكَل، وَعنهُ الْفرق بَين السهْم فيؤكل وَبَين الْكَلْب فَلَا يُؤْكَل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا توارى عَنهُ الصَّيْد وَالْكَلب فِي طلبه فَوَجَدَهُ مقتولاً وَالْكَلب عِنْده كرهت أكله. وَقَالَ الشَّافِعِي: الْقيَاس أَنه لَا يُؤْكَل إِذا غَابَ عَنهُ لاحْتِمَال أَن غَيره قَتله، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْحل أصح.
الْخَامِس: إِذا وَقع الصَّيْد فِي المَاء فَلَا يُؤْكَل لاحْتِمَال أَن المَاء أهلكه، وَإِذا تحقق أَن سَهْمه أنفذ مقاتله قبل وُقُوعه فِي المَاء فمذهب الْجُمْهُور أكله، وروى ابْن وهب عَن مَالك كَرَاهَته.
وَقَالَ عَبْدُ الأعْلَى عَنْ دَاودَ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عَدِيَ أنَّهُ قَالَ: لِلنبيِّ ﷺ ، يَرْمِي الصَّيْدَ فَيَقْتَفي أثَرَهُ اليَوْمَيْنِ وَالثَّلاثَةَ ثُمَّ يَجِدُهُ مَيِّتا وَفِيهِ سَهْمُهُ؟ قَالَ: يَأكُلُ إنْ شَاءَ عبد الْأَعْلَى هُوَ ابْن عبد الْأَعْلَى السَّامِي بِالسِّين الْمُهْملَة الْبَصْرِيّ، يروي عَنهُ دَاوُد بن أبي هِنْد عَن عَامر الشّعبِيّ.
وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو دَاوُد عَن الْحُسَيْن بن معَاذ بن عبد الْأَعْلَى، فَذكره.
قَوْله: (فيقتفي) ، من الاقتفاء وَهُوَ الِاتِّبَاع، يُقَال: اقتفيته وقفوته وقفيته: إِذا اتبعته، وَهُوَ رِوَايَة الْكشميهني، ويروى: فيقتفر بِالْقَافِ وَالْفَاء وَالرَّاء أَي: يتبع، يُقَال: اقتفرت الْأَثر وقفرته إِذا تَبعته وقفوته، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم وَهِي رِوَايَة الْأصيلِيّ أَيْضا. قَوْله: (الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَة) ، فِيهِ زِيَادَة على رِوَايَة عَاصِم، بعد يَوْم أَو يَوْمَيْنِ وروى مُسلم من حَدِيث أبي ثَعْلَبَة عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: إِذا رميت سهمك فَغَاب عَنْك فادركته فَكل مَا لم ينتن، وَفِي روايه فِي الَّذِي يدْرك صَيْده بعد ثَلَاث إلَاّ أَن ينتن يَدعه وَاخْتلف فِي تَأْوِيله فَمنهمْ من قَالَ: إِذا انتن الْحق بالمستقذر الَّذِي تمجه الطباع، فَلَو أكله جَازَ، كَمَا جَاءَ أَنه أكل إهالة سنخة أَي: مُنْتِنَة، وَمِنْهُم من قَالَ: هُوَ مُعَلل بِمَا يخَاف مِنْهُ الضَّرَر على أكله، وعَلى هَذَا يكون أكله محرما إِن كَانَ الْخَوْف محققا وَالله أعلم.
٩ - (بَابٌ: ﴿إذَا وَجَدَ مَعَ الصَّيْدِ كَلْبا آخَرَ﴾ ؟)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا إِذا وجد الصَّائِد مَعَ كَلْبه الَّذِي أرْسلهُ كَلْبا آخر، وَلم يذكر جَوَاب إِذا اكتفاه بِمَا ذكر فِي الحَدِيث.
٥٤٨٦ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي السَّفَرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بنِ
стр. 6302
حَاتِمٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله ﴿إنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي وَأسَمِّي؟ فَقَالَ النبيُّ ﷺ : إذَا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَأخَذَ فَقَتَلَ فَأكَلَ فَلا تَأْكُلْ فَإنَّما أمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ. قُلْتُ: إنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي أجِدُ مَعَهُ كَلْبا آخَرَ لَا أدْرِي أيُّهُما أخَذَهُ؟ فَقَالَ: لَا تأكُلْ. فإنَّما سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ. وَسَألْتُهُ عَنْ صَيْدِ المِعْرَاضِ؟ فَقَالَ: إذَا أصَبْتَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإذَا أصَبْتَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإنَّهُ وَقِيذٌ فَلا تَأْكُلْ.
هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه متْنا وإسنادا قد مر فِي: بَاب المعراض، غير أَنه هُنَاكَ روى عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة إِلَى آخِره، وَهنا رُوِيَ عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن شُعْبَة إِلَى آخِره، فلأجل اخْتِلَاف شَيْخه وضع لكل مِنْهُمَا تَرْجَمَة يطابقها حَدِيثه. وَالله أعلم.
١٠ - (بَابُ: ﴿مَا جَاءَ فِي التَّصَيُّدِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي التصيد، أَي: فِي التَّكَلُّف بالصيد والاشتغال بِهِ لأجل التكسب، وَقد علم أَن بَاب التفعل للتكلف والاعتمال، وَهَذَا غير مَمْنُوع بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ تولعه بِهِ لأجل اللَّهْو والتنزه فَإِنَّهُ مَمْنُوع، كَمَا قد ذَكرْنَاهُ.
٥٤٨٧ - حدَّثني مُحَمَّدٌ أخْبَرَنِي ابنُ فُضَيْلٍ عَنْ بَيَانٍ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ، ﵁، قَالَ: سَألَتُ رَسُولَ الله ﷺ ، فَقُلْتُ: إنّا قَوْمٌ نَتَصَيَّدُ بِهاذِهِ الكِلابِ؟ فَقَالَ: إذَا أرْسَلْتَ كِلابَكَ المُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمِ الله فَكُلْ مِمَّا أمْسَكْنَ عَلَيْكَ، إلَاّ أنْ يَأْكُلَ الكَلْبُ فَلا تَأْكُلْ، فَإنِّي أخَافُ أنْ يَكُونَ إنَّمَا أمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإنْ خَالَطَها كَلْبٌ مِنْ غَيْرِها فَلا تَأْكُلْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِنَّا قوم نتصيد) ، وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام. قَالَه الغساني: وَابْن فُضَيْل بِضَم الْفَاء وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة مصغر فضل هُوَ مُحَمَّد بن فُضَيْل بن غَزوَان الْكُوفِي، وَبَيَان بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن بشر الْكُوفِي، وعامر هُوَ الشّعبِيّ.
وَقد مر الحَدِيث عَن قريب فِي: بَاب إِذا أكل الْكَلْب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن قُتَيْبَة بن فُضَيْل إِلَى آخِره، وَفِيه (إِنَّا قوم نصيد) وَهَاهُنَا نتصيد، وَمر الْكَلَام فِيهِ.
٥٤٨٨ - حدَّثنا أبُو عَاصِمٍ عَنْ حَيْوَةَ (ح) وَحدَّثَنِي أحْمَدُ بنُ أبِي رَجاءٍ حدَّثنا سَلَمَةُ بنُ سُلَيْمانَ عَنِ ابنِ المُبَارَكِ عَنْ حَيْوَةَ بنِ شُرَيْحٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بنَ يَزِيدَ الدِّمَشْقِي قَالَ: أخْبَرَنِي أبُو إدْرِيسَ عَائِذُ الله قَالَ: سَمِعْتُ أبَا ثَعْلَبَةَ الخَشْنِيَّ، ﵁، يَقُولُ: أتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله﴾ إنَّا بِأرْضِ قَوْمِ أهْلِ الكِتَابِ نَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ، وَأرْضِ صَيْدٍ أصيدُ بِقَوْسِي وَأصِيدُ بِكَلْبِي المُعَلَّمِ وَالَّذِي لَيْسَ مِعَلَّما فَأخْبَرَنِي مَا الَّذِي يَحِلُّ لَنَا مِنْ ذالِكَ؟ فَقَالَ: أمَّا مَا ذَكَرْتَ أنَّكَ بِأرْضِ قَوْمٍ أهْلِ الكِتابِ تَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ فَإنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فَلا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلوها ثُمَّ كُلُوا فِيها، وَأمَّا مَا ذَكَرتَ أنَّكَ بِأرْضِ صَيْدٍ فَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ الله ثُمَّ كُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ المِعَلَّمِ فَاذْكُرْ اسْمَ الله ثُمَّ كُلْ وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ مُعَلَّما فَأدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ.
هَذَا الحَدِيث أَيْضا قد مر عَن قريب فَإِنَّهُ أخرجه فِي: بَاب مَا أصَاب المعراض بعرضه عَن عبد الله بن يزِيد عَن حَيْوَة وَأخرجه هَاهُنَا من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن أبي عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد النَّبِيل عَن حَيْوَة بن شُرَيْح عَن ربيعَة بن يزِيد من الزِّيَادَة عَن أبي إِدْرِيس عائذا لله بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة. وَالْآخر: عَن أَحْمد بن أبي رَجَاء بِفَتْح الرَّاء وَالْجِيم المخففة وبالمد الْهَرَوِيّ عَن سَلمَة بن سُلَيْمَان
стр. 6303
الْمروزِي عَن عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي عَن حَيْوَة إِلَى آخِره، وَهَذَا الطَّرِيق أنزل من الأول، وَمر الْكَلَام فِيهِ.
٥٤٨٩ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حدَّثني هِشامُ بنُ زَيْدٍ عَنْ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ، ﵁، قَالَ: أنْفَجْنا أرْنَبا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَسَعَوْا عَلَيْها حَتَّى لَغِبُوا فَسَعيْتُ عَلَيْها حَتَّى أخَذْتُها فَجِئْتُ بِها إلَى أبِي طَلْحَةَ، فَبَعَثَ إلَى النبيِّ، ﷺ ، بِوَرِكِها وَفَخِذَيْها فَقَبِلَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فسعوا عَلَيْهَا حَتَّى لغبوا) لِأَن مَعْنَاهُ: حَتَّى تعبوا. وَفِيه معنى التصيد وَهُوَ التَّكَلُّف فِي الِاصْطِيَاد.
وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَهِشَام بن زيد بن أنس بن مَالك يروي عَن جده.
والْحَدِيث قد مر فِي الْهِبَة فِي: بَاب قبُول هَدِيَّة الصَّيْد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة عَن هِشَام بن زيد الخ. وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (أنفجنا) ، بالنُّون وَالْفَاء وَالْجِيم أَي: هيجنا، يُقَال: نفج الأرنب إِذا أثاره. قَوْله: (بمر الظهْرَان) ، مَوضِع بِقرب مَكَّة. قَوْله: (حَتَّى لغبوا) ، بالغين الْمُعْجَمَة الْمَكْسُورَة وبالفتح أفْصح، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: حَتَّى تعبوا. قَوْله: (إِلَى أبي طَلْحَة) ، وَهُوَ زوج أم أنس، واسْمه زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ. قَوْله: (بوركها) فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِالْإِفْرَادِ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بوركيها بالتثنية.
٥٤٩٠ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ: حدَّثني مَالِكٌ عَنْ أبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بنِ عُبَيْدِ الله عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أبِي قَتَادَة عَنْ أبِي قَتَادَةَ أنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، حَتَّى إذَا كَانَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ تَخَلَّفَ مَعَ أصْحَابٍ لَهُ مُحَرِمِينَ وَهُوَ غَيْرُ مُحَرِمٍ، فَرَأى حِمَارا وَحْشِيا فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ ثُمَّ سَألَ أصْحَابَهُ أنْ يُناوِلُوهُ سَوْطا فَأبُوا فَسَألَهُمْ رمْحَهُ فَأبَوْا فَأخَذَهُ ثُمَّ شَدَّ عَلَى الحِمارِ فَقَتَلَهُ فَأكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أصْحابِ رَسُولِ الله ﷺ ، وَأبَى بَعْضُهُمْ فَلَمَّا أدْرَكُوا رَسُولَ الله ﷺ ، سَألُوهُ عَنْ ذالِكَ؟ فَقَالَ: إنَّما هِيَ طُعْمَةً أطْعَمْتَكُمُوها الله.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ شدّ على الْحمار) فَإِن فِيهِ معنى التَّكَلُّف فِي التصيد.
وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس عبد الله بن أُخْت مَالك بن أنس، وَأَبُو النَّضر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة سَالم مولى عمر بن عبيد الله بن معمر الْقرشِي، وَأَبُو قَتَادَة الْحَارِث الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الْحَج عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَغَيره. وَفِي الْجِهَاد عَن عبد الله بن يُوسُف، وَمر الْكَلَام فِيهِ قَوْله: (طعمة) بِضَم الطَّاء أَي: مأكلة.
٥٤٩١ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ: حدَّثني مَالِكٌ عَنْ زَيْدٍ بنِ أسْلَمَ عَنْ عَطاء بنِ يَسَارٍ عَنْ أبِي قَتَادَةَ مِثْلَهُ إلَاّ أنَّهُ قَالَ: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحمِهِ شَيْءٌ.
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، وَمضى حَدِيث أبي قَتَادَة فِي كتاب الْحَج فِي أَرْبَعَة أَبْوَاب مُتَوَالِيَة بطرق مُخْتَلفَة ومتون بِزِيَادَة ونقصان وَأخرجه مُسلم مثله فِي رِوَايَة حَدثنَا قُتَيْبَة عَن مَالك عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن أبي قَتَادَة فِي حمَار الوحشي مثل حَدِيث أبي النَّضر، غير أَن فِي حَدِيث زيد بن أسلم أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: هَل مَعكُمْ من لَحْمه شَيْء؟ .
١١ - (بَابُ: ﴿التَّصَيُّد عَلَى الجِبَالِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التصيد على الْجبَال، جمع جبل بِفَتْح الْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة.
٥٤٩٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ سُلَيْمَانَ الجُعَفِيُّ قَالَ: حدَّثني ابنُ وَهْبٍ أخْبَرَنا عَمْروٌ أنَّ أبَا النَّضْر حدَّثَهُ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أبِي قَتَادَةَ وَأبِي صَالِحٍ مَوْلَى التَوْأمَةِ قَالا: سَمِعْنا أبَا قَتَادَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ
стр. 6304
وَسلم، فِيما بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ وَأنَا رَجُلٌ حِلٌّ عَلَى فَرَسٍ وَكُنْتُ رَقَّاءً عَلَى الجِبَالِ، فَبَيْنا أنَا عَلَى ذالِكَ إذْ رَأيْتُ النَّاسَ مُتَشَوِّفِينَ لِشَيْء فَذَهَبْتُ أنْظُرُ فَإذا هُوَ حِمارُ وَحْشِ، فَقُلْتُ لَهُمْ: مَا هاذا قَالُوا: لَا نَدْرِي. قُلْتُ هُوَ حِمَارٌ وَحْشِيٌ؟ فَقَالُوا: هُوَ مَا رَأيْتَ، وَكُنْتُ نَسِيتُ سَوْطِي فَقُلْتُ لَهُمْ: نَاوِلُونِي سَوْطِي فَقَالُوا: لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ، فَنَزَلْتُ فَأخَذْتُهُ ثُمَّ ضَرَبْتُ فِي أثَرِهِ فَلَمْ يَكُنْ إلَاّ ذَاكَ حَتَّى عَقَرْتُهُ فَأتَيْتُ إلَيْهِمْ فَقُلْتُ لَهُمْ: قُومُوا فَاحْتَمِلُوا قَالُوا: لَا تَمَسُّهُ فَحَمَلْتُهُ حَتَّى جِئْتُهُمْ بِهِ، فَأبَى بَعْضُهُمْ وَأكَلَ بَعْضُهُمْ. فَقُلْتُ: أنَا أسْتَوقْفُ لَكُمْ النبيِّ ﷺ ، فَأدْرَكْتُهُ فَحَدَّثْتُهُ الحَدِيثَ فَقَالَ لِي: أبَقِيَ مَعَكُمْ شَيْءٌ مِنْهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: كُلُوا فَهُوَ طُعْمٌ أطْعَمَكُمُوهَا الله.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَكنت رقاء على الْجبَال) لِأَن مَعْنَاهُ: كنت كثير الرقي على الْجبَال، من رقى يرقى من بَاب علم يعلم رقيا ورقيا بِالتَّشْدِيدِ للْمُبَالَغَة، والرقي الصعُود والارتفاع، وَلَا يَخْلُو من الْمَشَقَّة والتكلف والترجمة فِيهَا معنى التَّكَلُّف، وَمرَاده. كَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت على الْجَبَل، وَلِهَذَا يَقُول: فَنزلت. أَي: من الْجَبَل أَو من الْفرس.
وَيحيى بن سُلَيْمَان أَبُو سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي نزل مصر، يروي عَن عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ يروي عَن عَمْرو بن الْحَارِث الْمصْرِيّ عَن أبي النَّضر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة سَالم عَن نَافِع مولى أبي قَتَادَة، وَأبي صَالح نَبهَان بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة مولى التؤمة، حكى عِيَاض عَن الْمُحدثين بِضَم الثَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقَالَ: الصَّوَاب فتح أَوله، وَحكى ابْن التِّين والتؤمة، بِوَزْن الحطمة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مولى التؤمة بِفَتْح الفوقانية، يُقَال: أتأمت الْمَرْأَة إِذا وضعت اثْنَيْنِ فِي بطن، والولدان توأمان، يُقَال: هَذَا توأم لهَذَا، وَهَذِه توأمة لهَذِهِ، وَالْجمع توائم نَحْو: جَعْفَر وجعافر، وَهِي بنت أُميَّة بن خلف الجُمَحِي وَسميت بهَا لِأَنَّهَا كَانَت مَعَ أُخْت لَهَا فِي بطن أمهَا وَلَيْسَ لنبهان هَذَا فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث وَنَافِع الْمَذْكُور وَأَبُو صَالح كِلَاهُمَا يرويان عَن أبي قَتَادَة والْحَدِيث مَحْفُوظ لأبي صَالح نَبهَان لَا لِابْنِهِ صَالح، وَمن ظن غير هَذَا فقد غلط.
قَوْله: (وهم محرمون) الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَكَذَلِكَ الْوَاو فِي (وَأَنا رجل حل) بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد اللَّام أَي: حَلَال قَوْله: (فَبينا) طرف مُضَاف إِلَى جملَة. قَوْله: (إِذْ رَأَيْت النَّاس) جَوَابه. قَوْله: (متشوفين) من قَوْلهم: تشوف فلَان للشَّيْء أَي: لمح لَهُ وَنظر إِلَيْهِ، ومادته شين مُعْجمَة، وواو وَفَاء. قَوْله: (فِي أَثَره) أَي: وَرَاءه، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: خرجت فِي أَثَره وأثره يَعْنِي: بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وبفتحهما أَيْضا. قَوْله: (عقرته) أَي: جرحته. قَوْله: (فاحتملوا) صِيغَة أَمر للْجَمَاعَة قَوْله: (فَأبى بَعضهم) يَعْنِي: امْتنع بَعضهم من الْأكل. قَوْله: (استوقف لكم) أَي: أسأله أَن يقف لكم. قَوْله: (أبقى) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على وَجه الاستخبار.
١٢ - (بَابُ: ﴿قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْر﴾ (الْمَائِدَة: ٩٦)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله : ﴿أحل لكم صيد الْبَحْر﴾ وَهَذَا الْمِقْدَار رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: ﴿أحل لكم صيد الْبَحْر وَطَعَامه مَتَاعا لكم﴾ وروى سعيد بن جُبَير وَسَعِيد بن الْمسيب عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: ﴿أحل لكم صيد الْبَحْر﴾ . يَعْنِي: مَا يصطاد مِنْهُ طريا وَطَعَامه مَا يتزود مِنْهُ مليحا يَابسا قَوْله: (مَتَاعا لكم) أَي: مَنْفَعَة وقوتا لكم أَيهَا المخاطبون وانتصابه على أَنه مفعول لَهُ. أَي: تمتيعا لكم. قَوْله: (وللسيارة) جمع سيار، وَقَالَ عِكْرِمَة: لمن كَانَ بِحَضْرَة الْبَحْر وَالسّفر.
﴿وَقَالَ عُمَرُ: صَيْدُهُ مَا اصْطِيدَ وَطعامُهُ مَا رَمَى بِهِ﴾
أَي: قَالَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ صَيْده. أَي: صيد الْبَحْر (مَا اصطيد) أَي: الَّذِي اصطيد، وَطَعَام الْبَحْر مَا رمى بِهِ أَي: مَا قذفه، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد بن حميد من طَرِيق عمر بن أبي سَلمَة عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة. قَالَ: لما قدمت الْبَحْرين سَأَلَني أَهلهَا عَمَّا قذف الْبَحْر فَأَمَرتهمْ أَن يأكلوه فَلَمَّا قدمت على عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَذكرت قصَّته. قَالَ: فَقَالَ عمر: قَالَ الله فِي كِتَابه: (أحل لكم صيد الْبَحْر وَطَعَامه) فصيده مَا صيد، وَطَعَامه مَا قذف بِهِ.
стр. 6305
﴿وَقَالَ أبُو بَكْرٍ: الطَّافِي حَلالٌ﴾
أَي: قَالَ أَبُو بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (الطافي) ، هُوَ الَّذِي يَمُوت فِي الْبَحْر ويعلو فَوق المَاء، وَلَا يرسب فِيهِ، وَهُوَ من طفا يطفو، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن سُفْيَان عَن عبد الْملك بن أبي بشير عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: أشهد على أبي بكر أَنه قَالَ: السَّمَكَة الطافية على المَاء حَلَال، زَاد الطَّحَاوِيّ فِي (كتاب الصَّيْد) حَلَال لمن أَرَادَ أكله. وَقَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: يكره أكل الطافي، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد والظاهرية، لَا بَأْس بِهِ لإِطْلَاق قَوْله ﷺ : (الْبَحْر هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ والحل ميتَته) . وَاحْتج أَصْحَابنَا بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه عَن يحيى بن سليم عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن أبي الزبير عَن جَابر أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: (مَا أَلْقَاهُ الْبَحْر أَو جزر عَنهُ فكلوه، وَمَا مَاتَ فِيهِ وطفا فَلَا تأكلوه) . فَإِن قلت: ضعف الْبَيْهَقِيّ هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ يحيى بن سليم: كثير الْوَهم سيء الْحِفْظ وَقد رَوَاهُ غَيره مَوْقُوفا. قلت: يحيى بن سليم أخرج لَهُ الشَّيْخَانِ فَهُوَ ثِقَة وَزَاد فِيهِ الرّفْع، وَنقل ابْن الْقطَّان فِي كِتَابه عَن يحيى أَنه ثِقَة. فَإِن قلت: قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: إِسْمَاعِيل بن أُميَّة مَتْرُوك. قلت: لَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ ظن أَنه إِسْمَاعِيل بن أُميَّة أَبُو الصَّلْت الزَّارِع، وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث، وَأما هَذَا فَهُوَ إِسْمَاعِيل بن أُميَّة الْقرشِي الْأمَوِي، وَالَّذِي ظَنّه لَيْسَ فِي طبقته. فَإِن قلت: قَالَ أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ الثَّوْريّ وَأَيوب وَحَمَّاد عَن أبي الزبير مَوْقُوفا على جَابر، وَقد أسْند من وَجه ضَعِيف عَن ابْن أبي ذِئْب عَن أبي الزبير عَن جَابر عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: مَا اصطدتموه وَهِي حَيّ فكلوه. وَمَا وجدْتُم مَيتا طافيا فَلَا تأكلوه. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: سَأَلت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: لَيْسَ بِمَحْفُوظ، وروى عَن جَابر خلاف هَذَا، وَلَا أعرف لِابْنِ أبي ذِئْب عَن أبي الزبير شَيْئا. قلت: قَول البُخَارِيّ: أعرف لِابْنِ أبي ذِئْب عَن أبي الزبير شَيْئا على مذْهبه فِي أَنه يشْتَرط لاتصال الْإِسْنَاد المعنعن ثُبُوت السماع، وَقد أنكر مُسلم ذَلِك إنكارا شَدِيدا. وَزعم أَنه قَول مخترع، وَأَن الْمُتَّفق عَلَيْهِ أَنه يَكْفِي للاتصال إِمْكَان اللِّقَاء وَالسَّمَاع، وَابْن أبي ذِئْب أدْرك زمَان أبي الزبير بِلَا خلاف وسماعه مِنْهُ مُمكن. فَإِن قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرَوَاهُ عبد الْعَزِيز بن عبد الله عَن وهب بن كيسَان عَن جَابر مَرْفُوعا وَعبد الْعَزِيز ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ. قلت: أخرج الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) حَدِيثا عَنهُ وَصحح سَنَده. وَأخرج حَدِيثه هَذَا الطَّحَاوِيّ فِي (أَحْكَام الْقُرْآن) . فَقَالَ: حَدثنَا الرّبيع بن سُلَيْمَان الْمرَادِي حَدثنَا أَسد بن مُوسَى حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش حَدثنِي عبد الْعَزِيز بن عبد الله عَن وهب بن كيسَان ونعيم بن عبد الله المجمر عَن جَابر بن عبد الله عَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: مَا جزر الْبَحْر فَكل وَمَا ألْقى فَكل وَمَا وجدته طافيا فَوق المَاء فَلَا تَأْكُل. وَقَوله تَعَالَى: ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة﴾ (الْمَائِدَة: ٣) عَام خص مِنْهُ غير الطافي من السّمك بالِاتِّفَاقِ، والطافي مُخْتَلف فِيهِ فَبَقيَ دَاخِلا فِي عُمُوم الْآيَة.
﴿وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: طَعَامُهُ مَيْتَتْهُ إلَاّ مَا قَذِرْتَ مِنْها﴾
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير: وَطَعَامه فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأحل لكم صيد الْبَحْر وَطَعَامه﴾ (الْمَائِدَة: ٩٦) أَي: ميتَة الْبَحْر إلَاّ مَا قدرت مِنْهَا. أَي: من الْميتَة. وقذرت بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة وَفتحهَا وَتَعْلِيق ابْن عَبَّاس هَذَا وَصله الطَّبَرِيّ من طَرِيق أبي بكر بن حَفْص عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أحل لكم صيد الْبَحْر وَطَعَامه﴾ قَالَ: وَطَعَامه ميتَته.
﴿وَالجِرِّيُّ لَا تَأْكُلُهُ اليَهُودُ وَنَحْنُ نَأْكُلُهُ﴾
أَي: هَذَا قَول ابْن عَبَّاس أَيْضا وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن وَكِيع عَن الثَّوْريّ بِهِ، وَقَالَ فِي رِوَايَة سَأَلت ابْن عَبَّاس عَن الجري فَقَالَ: لَا بَأْس بِهِ إِنَّمَا تحرمه الْيَهُود وَنحن نأكله، والجري، بِفَتْح الْجِيم وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة وبالياء آخر الْحُرُوف الْمُشَدّدَة قَالَ عِيَاض: وَجَاء فِيهِ كسر الْجِيم أَيْضا وَهُوَ من السّمك مَا لَا قشر لَهُ وَقَالَ عَطاء: لما سُئِلَ عَن الجري قَالَ: كُلْ كُلْ ذنيب سمين مِنْهُ. وَقَالَ ابْن التِّين: وَيُقَال لَهُ أَيْضا: الجريث. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الجريث نوع من السّمك يشبه الْحَيَّات وَيُقَال لَهُ أَيْضا: الْمَار مَا هِيَ والسلور مثله، وَقيل: هُوَ سمك عريض الْوسط دَقِيق الطَّرفَيْنِ. قلت: الجريث السّمك السود، والمار مَا هِيَ لفظ فَارسي لِأَن مار بِالْفَارِسِيَّةِ الحيكة وَمَا هِيَ: هُوَ السّمك والمضاف إِلَيْهِ يتَقَدَّم على الْمُضَاف فِي لغتهم.
стр. 6306
﴿وَقَالَ شُرَيْحٌ: صَاحِبُ النبيِّ ﷺ ، كلُّ شَيْءٍ فِي البَحْرِ مَذْبُوحٌ﴾
هَذَا التَّعْلِيق لم يثبت فِي رِوَايَة أبي زيد وَابْن السكن والجرجاني، وَإِنَّمَا ثَبت فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، وَقَالَ: أَبُو شُرَيْح، وَهُوَ وهم نبه على ذَلِك أَبُو عَليّ الغساني وَقَالَ مثله عِيَاض. وَزَاد وَهُوَ شُرَيْح بن هانىء وَالصَّوَاب أَنه غَيره وَهُوَ شُرَيْح بن هانىء بن يزِيد بن كَعْب الْحَارِثِيّ جاهلي إسلامي يكنى أَبَا الْمِقْدَام، وَأَبوهُ هانىء بن يزِيد لَهُ صُحْبَة، وَأما ابْنه شُرَيْح فَلهُ إِدْرَاك وَلم يثبت لَهُ سَماع وَلَا لقى، وَشُرَيْح الْمَذْكُور هُنَا هُوَ الَّذِي ذكره أَبُو عمر فَافْهَم. وَقَالَ الجياني: الحَدِيث مَحْفُوظ لشريح لَا لأبي شُرَيْح، وَكَذَا ذكره البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه) عَن مُسَدّد حَدثنَا يحيى بن سعيد عَن ابْن جريج أَخْبرنِي عَمْرو وَأَبُو الزبير سمعا شريحا. وَقَالَ أَبُو عمر: شُرَيْح رجل من الصَّحَابَة حجازي روى عَنهُ أَبُو الزبير وَعَمْرو بن دِينَار سمعاه يحدث عَن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: كل شَيْء فِي الْبَحْر مَذْبُوح ذبح الله لكم كل دَابَّة خلقهَا فِي الْبَحْر، قَالَ أَبُو الزبير وَعَمْرو بن دِينَار، وَكَانَ شُرَيْح هَذَا قد أدْرك النَّبِي ﷺ . وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَهُ صُحْبَة وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ ذكر إلَاّ فِي هَذَا الْموضع.
﴿وَقَالَ عَطَاءٌ: أمَّا الطَّيْرُ فَأرَى أنْ يَذْبَحَهُ﴾
أَي: قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح هَذَا التَّعْلِيق ذكره أَبُو عبد الله بن مَنْدَه فِي (كتاب الصَّحَابَة) أثر حَدِيث شُرَيْح الْمَذْكُور من طَرِيق ابْن جريج قَالَ: فَذكرت ذَلِك لعطاء فَقَالَ: (أما الطير فَأرى أَن يذبحه) .
﴿وَقَالَ ابنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطاء: صَيْدُ الأنْهَارِ وَقِلاةِ السَّيْلِ أصَيْدُ بَحْرٍ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ تَلا ﴿هاذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغُ شَرابُهُ وَهاذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْما طَرِيّا﴾ (فاطر: ١٢)
أَي: قَالَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج قلت لعطاء بن أبي رَبَاح: قلات السَّيْل بِكَسْر الْقَاف وَتَخْفِيف اللَّام وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق جمع. قلت: وَهِي النقرة الَّتِي تكون فِي الصَّخْرَة يستنقع فِيهَا المَاء، وكل نقرة فِي الْجَبَل أَو غَيره فَهِيَ. قلت: وَإِنَّمَا أَرَادَ مَا سَاق السَّيْل من المَاء وَبَقِي فِي الغدير وَكَانَ فِيهِ حيتان، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو قُرَّة مُوسَى بن طَارق السكْسكِي فِي سنَنه عَن ابْن جريج، وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق أَيْضا فِي (تَفْسِيره) عَن ابْن جريج نَحوه سَوَاء.
﴿وَرِكبَ الحَسَنُ ﵇ عَلَى سَرْجٍ مِنْ جُلُودِ كِلابِ المَاءِ﴾
قيل: الْحسن هُوَ ابْن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقيل: هُوَ الْحسن الْبَصْرِيّ، وَقَالَ بَعضهم: وَيُؤَيّد القَوْل الأول أَنه وَقع فِي رِوَايَة وَركب الْحسن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قلت: فِيهِ نوع مناقشة لَا تخفى قَوْله: (من جُلُود) أَي: سرج متخذ من جُلُود كلاب المَاء.
﴿وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَوْ أنَّ أهْلِي أكَلُوا الضَّفَادِعَ لأطْعَمْتُهُمْ﴾
أَي: قَالَ عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ إِلَى آخِره والضفادع جمع ضفدع بِكَسْر الضَّاد وَسُكُون الْفَاء وَفتح الدَّال وَكسرهَا وَحكى بِضَم الضَّاد، وَفتح الدَّال، وَفِي (الْمُحكم) الضفدع والضفدع لُغَتَانِ فصيحتان وَالْأُنْثَى ضفدعة وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وناس يَقُولُونَ: ضفدع: بِفَتْح الدَّال، وَقد زعم الْخَلِيل أَنه لَيْسَ فِي الْكَلَام فعلل إلَاّ أَرْبَعَة أحرف دِرْهَم وهجرع وهبلع وقلعم الهجرع: الطَّوِيل، والهبلع الأكول، والقلعم الْجَبَل، وَزَاد غَيره الضفدع، وَجزم صَاحب ديوَان الْأَدَب بِكَسْر الضَّاد وَالدَّال، وَحكى ابْن سَيّده فِي (الإقتضاب) بِضَم الضَّاد وَفتح الدَّال وَهُوَ نَادِر، وَحكى ابْن دحْيَة ضمهما وَقَالَ الجاحظ الضفدع لَا يَصِيح وَلَا يُمكنهُ الصياح حَتَّى يدْخل حنكه الْأَسْفَل فِي المَاء وَهُوَ من الْحَيَوَان الَّذِي يعِيش فِي المَاء ويبيض فِي الشط مثل السلحفاة وَنَحْوهَا وَهِي تنق فَإِذا أَبْصرت النَّار أَمْسَكت وَهِي من الْحَيَوَان الَّذِي يخلق من أَرْحَام الْحَيَوَان وَمن أَرْحَام الْأَرْضين إِذا لقحها المَاء، وَأما قَول من قَالَ: إِنَّهَا من السَّحَاب فكذب وَهِي لَا عِظَام لَهَا وتزعم الْأَعْرَاب فِي خرافاتها أَنَّهَا كَانَت ذَات ذَنْب، وَأَن الضَّب سلبه إِيَّاهَا، وَتقول الْعَرَب: لَا يكون ذَلِك حَتَّى يجمع بَين الضَّب وَالنُّون، وَحَتَّى يجمع بَين الضَّب والضفدع، أجحظ الْخلق عينا ويصبر عَن المَاء الْأَيَّام الصَّالِحَة. وَهِي تعظم وَلَا تسمن كالأرنب
стр. 6307
والأسد ينتابها فِي الرّبيع فيأكلها أكلا شَدِيدا والحيات تَأتي مناقع الْمِيَاه لطلبها، وَيُقَال لَهُ: نيق وتهدر. وَلم يبين الشّعبِيّ هَل تذكى الضفادع أم لَا.
وَاخْتلف مَذْهَب مَالك فِي ذَلِك. فَقَالَ ابْن الْقَاسِم فِي (الْمُدَوَّنَة) عَن مَالك: أكل الضفدع والسرطان والسلحفاة جَائِز من غير ذَكَاة، وروى عَن ابْن الْقَاسِم: مَا كَانَ مَأْوَاه المَاء يُؤْكَل من غير ذَكَاة وَإِن كَانَ يرْعَى فِي الْبر، وَمَا كَانَ مَأْوَاه ومستقره الْبر لَا يُؤْكَل إِلَّا بِذَكَاة وَعَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم: لَا يؤكلان إلَاّ بِذَكَاة. قَالَ ابْن التِّين: وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ.
ثمَّ اعْلَم أَن قَول الشّعبِيّ يردهُ مَا رَوَاهُ أَبُو سعيد عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ فِي (كتاب الْأَطْعِمَة) بِسَنَد صَحِيح أَن ابْن عمر قَالَ: سُئِلَ رَسُول الله ﷺ ، عَن ضفدع يَجعله فِي دَوَاء فَنهى ﷺ ، عَن قَتله، قَالَ أَبُو سعيد فَيكْرَه أكله إِذْ نهى رَسُول الله ﷺ ، عَن قَتله لِأَنَّهُ لَا يُمكن أكله إلَاّ مقتولاً. وَإِن أكل غير مقتول فَهُوَ ميتَة وَزعم ابْن حزم أَن أكله لَا يحل أصلا ووى أَبُو دَاوُد فِي الطِّبّ وَفِي الْأَدَب، وَالنَّسَائِيّ فِي الصَّيْد عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد بن خَالِد عَن سعيد بن الْمسيب عَن عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان الْقرشِي: أَن طَبِيبا سَأَلَ رَسُول الله ﷺ ، عَن الضفدع يَجْعَلهَا فِي دَوَاء فَنهى عَن قَتلهَا. وَرَوَاهُ أَحْمد وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مسانيدهم) وَالْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) فِي الطِّبّ، وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَأقوى مَا ورد فِي الضفدع هَذَا الحَدِيث وَقَالَ الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ فِيهِ دَلِيل على تَحْرِيم أكل الضفدع لِأَن النَّبِي ﷺ ، نهى عَن قَتله، وَالنَّهْي عَن قتل الْحَيَوَان إِمَّا لِحُرْمَتِهِ كالآدمي، وَإِمَّا لتَحْرِيم أكله كالصرد، والهدهد، والضفدع لَيْسَ بِمحرم فَكَانَ النَّهْي منصرفا إِلَى الْوَجْه الآخر.
وَلَمْ يَرَ الحَسَنُ بِالسُّلحَفَاةِ بَأسا
أَي: الْحسن الْبَصْرِيّ، وَوَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق مبارك بن فضَالة عَن الْحسن. قَالَ: لَا بَأْس بأكلها، وروى من حَدِيث يزِيد بن أبي زِيَاد عَن جَعْفَر: أَنه أَتَى بسلحفاة فَأكلهَا وَمن حَدِيث حجاج عَن عَطاء. لَا بَأْس بأكلها يَعْنِي: السلحفاة. وَزعم ابْن حزم أَن أكلهَا لَا يحل إلَاّ بِذَكَاة، وأكلها حَلَال بريها وبحريها. وَأكل بيضها وَرُوِيَ عَن عَطاء إِبَاحَة أكلهَا، وَعَن طَاوُوس وَمُحَمّد بن عَليّ وفقهاء الْمَدِينَة إِبَاحَة أكلهَا، وَعِنْدنَا يكره أكل مَا سوى السّمك من دَوَاب الْبَحْر، كالسرطان والسلحفاة والضفدع وخنزير المَاء، وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى: ﴿وَيحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث﴾ (الْأَعْرَاف: ١٥٧) وَمَا سوى السّمك خَبِيث، وَقَالَ مقَاتل: إِن السلحفاة من المسوخ، وَفِي (الصِّحَاح) إِنَّهَا بِفَتْح اللَّام وَحكي إسكانها وَحكي سُقُوط الْهَاء، وَحكي الرواسِي: سلحفية. مثل: بلهنية، وهما مِمَّا يلْحق بالخماسي بِأَلف وَفِي (الْمُحكم) السلحفات والسلحفاه من دَوَاب المَاء.
﴿وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلْ مِنْ صَيْدِ البَحْرِ نَصْرَانِيُّ أوْ يَهُودِيُّ أوْ مَجُوسِيُّ﴾
قَالَ الْكرْمَانِي: كَذَا وَقع فِي النّسخ الْقَدِيمَة، وَفِي بعض النّسخ: كل من صيد الْبَحْر وَإِن صَاده نَصْرَانِيّ أَو يَهُودِيّ أَو مَجُوسِيّ. قلت: الْمَعْنى لَا يَصح إلَاّ على هَذَا، وَلَا بُد من هَذَا التَّقْدِير على قَول النّسخ الْقَدِيمَة ويروى كل من صيد الْبَحْر مَا صَاده نَصْرَانِيّ أَو يَهُودِيّ أَو مَجُوسِيّ وروى الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق سماك بن حَرْب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس. قَالَ: كل مَا القى الْبَحْر وَمَا صيد مِنْهُ صَاده يَهُودِيّ أَو نَصْرَانِيّ أَو مَجُوسِيّ، قَالَ ابْن التِّين: مَفْهُومه أَن صيد الْبَحْر لَا يُؤْكَل إِن صَاده غير هَؤُلَاءِ وَهُوَ كَذَلِك عِنْد قوم.
﴿وَقَالَ أبُو الدَّرْدَاءِ فِي الْمرِي ذَبَحَ الخَمْرَ النِّينانُ وَالشَّمْسُ﴾
أَبُو الدَّرْدَاء اسْمه عُوَيْمِر بن مَالك الْأنْصَارِيّ الخزرجي، والمري، بِضَم الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَتَخْفِيف الْيَاء، وَكَذَا ضَبطه النَّوَوِيّ، وَقَالَ: لَيْسَ عَرَبيا وَهُوَ يشبه الَّذِي يُسَمِّيه النَّاس: الكامخ، بإعجام الْخَاء. وَقَالَ الجواليقي: التحريك لحن، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: بِكَسْر الرَّاء وتشديدها وَتَشْديد الْيَاء كَأَنَّهُ مَنْسُوب إِلَى المرارة، والعامة يخففونه، وَقَالَ الْحَرْبِيّ: هُوَ مري يعْمل بِالشَّام يُؤْخَذ الْخمر فَيحمل فِيهَا الْملح والسمك وَيُوضَع فِي الشَّمْس فيتغير طعمه إِلَى طعم المري، يَقُول: كَمَا أَن الْميتَة وَالْخمر حرامان والتنذكية تحل الْميتَة بِالذبْحِ، فَكَذَلِك الْملح. قَوْله: والنينان: بِكَسْر النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف النُّون الثَّانِيَة وَهُوَ جمع، نون وَهُوَ الْحُوت، ثمَّ تَفْسِير كَلَام أبي الدَّرْدَاء بقوله: (فِي المري) مقدم لفظا، وَلَكِن فِي الْمَعْنى مُتَأَخّر تَقْدِيره: ذبح الْخمر النينان
стр. 6308
وَالشَّمْس فِي المري، وَذبح فعل مَاض على صِيغَة الْمَعْلُوم، وَالْخمر مَنْصُوب بِهِ لِأَنَّهُ مفعول، والنينان بِالرَّفْع فَاعله وَالشَّمْس عطف عَلَيْهِ، وَقيل: لفظ ذبح مصدر مُضَاف إِلَى الْخمر فَيكون مَرْفُوعا بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره هُوَ قَوْله النينان، وَالْمعْنَى: زَوَال الْخمر فِي المري النينان وَالشَّمْس أَي: تطهيرها فَهَذَا يدل على أَن أَبَا الدَّرْدَاء مِمَّن يرى جَوَاز تَخْلِيل الْخمر، وَهُوَ مَذْهَب الْحَنَفِيَّة. وَقَالَ أَبُو مُوسَى فِي: (ذيل الْغَرِيب) عبر عَن قُوَّة الْملح وَالشَّمْس وغلبتهما على الْخمر وإزالتهما طعمها ورائحتها بِالذبْحِ، وَإِنَّمَا ذكر النينان دون الْملح لِأَن الْمَقْصُود من ذَلِك يحصل بِدُونِهِ، وَلم يرد أَن النينان وَحدهَا هِيَ الَّتِي خللته وَقَالَ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاء: يُفْتِي بِجَوَاز تَخْلِيل الْخمر فَقَالَ: إِن السّمك بالآلة الَّتِي أضيفت إِلَيْهِ تغلب على ضراوة الْخمر وتزيل شدتها، وَالشَّمْس تُؤثر فِي تخليلها فَتَصِير حَلَالا. قَالَ: وَكَانَ أهل الرِّيف من الشَّام يعجنون الرّيّ بِالْخمرِ وَرُبمَا يجْعَلُونَ فِيهِ السّمك الَّذِي يربى بالملح والأبزار مِمَّا يسمونه الصحناء، وَالْقَصْد من المري هضم الطَّعَام يضيفون إِلَيْهِ كل ثَقِيف أَو حريف ليزِيد فِي جلاء الْمعدة واستدعاء الطَّعَام بحرافته، وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاء وَجَمَاعَة من الصَّحَابَة يَأْكُلُون هَذَا المري الْمَعْمُول بِالْخمرِ. قَالَ: وَأدْخلهُ البُخَارِيّ فِي طَهَارَة صيد الْبَحْر يُرِيد أَن السّمك طَاهِر حَلَال وَأَن طَهَارَته وحله يتَعَدَّى إِلَى غَيره كالملح حَتَّى تصير الْحَرَام النَّجِسَة بإضافتها إِلَيْهِ طَاهِرَة حَلَالا وَفِي (التَّوْضِيح) وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة وَأَبُو الدَّرْدَاء وَابْن عَبَّاس وَغَيرهم من التَّابِعين يَأْكُلُون هَذَا المري الْمَعْمُول بِالْخمرِ وَلَا يرَوْنَ بِهِ بَأْسا، وَيَقُول أَبُو الدَّرْدَاء: إِنَّمَا حرم الله الْخمر بِعَينهَا وسكرها وَمَا ذبحته الشَّمْس وَالْملح فَنحْن نأكله وَلَا نرى بِهِ بَأْسا.
٥٤٩٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثَنا يَحْيَى عنِ ابنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أخْبَرَنِي عَمْروٌ أنَّهُ سَمِعَ جَابِرا، ﵁ يَقُولُ: غَزَوْنَا جَيْشَ الخَبطِ وَأُمِّرَ أبُو عُبَيْدَةَ فَجُعْنا جَوْعا شَدِيدا فَألْقَى البَحْرُ حُوتا مَيِّتا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ يُقالُ لَهُ: العَنْبَرُ فَأكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ فَأخذ أبُو عُبَيْدَةَ عَظْما مِنْ عِظامِهِ فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى هُوَ الْقطَّان وَابْن جريج عبد الْملك وَعمر وَهُوَ ابْن دِينَار.
والْحَدِيث قد مضى فِي الْمَغَازِي فِي: بَاب غَزْوَة سيف الْبَحْر، بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد عَن مُسَدّد عَن يحيى وَفِيه زِيَادَة على مَا تقف عَلَيْهَا.
قَوْله: (جَيش الْخبط) قيل: إِنَّه مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي: مصاحبين الْجَيْش الْخبط أَو فِيهِ الْخبط بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْوَرق الَّذِي يخبط لعلف الْإِبِل قَوْله: (وَأمر أَبُو عُبَيْدَة) وَهُوَ عَامر بن عبد الله بن الْجراح أحد الْعشْرَة المبشرة. وَقَوله: (أَمر) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: جعل عَلَيْهِم أَمِيرا، ويروى: وأميرنا أَبُو عُبَيْدَة، قَوْله: (العنبر) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالراء.
٥٤٩٤ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ أخْبَرَنا سُفْيَانُ عَنْ عَمْروٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرا يَقُولُ: بَعَثَنَا النبيّ ﷺ ، ثَلاثَمَائَةِ رَاكِبٍ وَأمِيرُنا أبُو عُبَيْدَةَ نَرْصُد عيرًا لِقُرَيْشٍ، فَأصابَنا جُوعٌ شَدِيدٌ حَتَّى أكَلْنا الخَبَطَ، فَسُمِّيَ جَيْشَ الخَبَطِ، وَألْقَى البَحْرَ حُوتا يُقَالُ لَهُ: العَنْبَرُ فَأكَلْنَا نِصْفَ شَهْرٍ وَادَّهَنَّا بِوَدَكهِ حتَّى صَلَحَتْ أجْسَامُنا قَالَ: فَأخَذَ أبُو عُبَيْدَةَ ضِلَعا مِنْ أضْلاعِهِ فَنَصَبَهُ فَمرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ، وَكَانَ فِينا رَجُلٌ فَلَمَّا اشْتَدَّ الجُوعُ نَحَرَ ثَلاثَ جَزَائِرَ ثُمَّ ثَلاثَ جَزَائِرَ ثُمَّ نَهَاهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن عبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار.
قَوْله: (عيرًا لقريش) بِكَسْر الْعين الْإِبِل الَّتِي تحمل الْميرَة. قَوْله: (بودكه) بِفَتْح الْوَاو وَالدَّال الْمُهْملَة وَهُوَ دهنه. قَوْله: (ضلعا) بِكَسْر الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح اللَّام. قَوْله: (رجل) هُوَ قيس بن سعد بن عبَادَة الْأنْصَارِيّ. قَوْله: (ثَلَاث جزائر) غَرِيب لِأَن الجزائر جمع جَزِيرَة
стр. 6309
وَالْقِيَاس جزر جمع الْجَزُور، وَمر الْكَلَام فِيهِ فِي الْمَغَازِي مُسْتَوفى.
١٣ - (بَابُ: ﴿أكْلِ الجَرَادِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز أكل الْجَرَاد الْوَاحِدَة جَرَادَة الذّكر وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاء كالحمامة قيل: إِنَّه مُشْتَقّ من الجرد لِأَنَّهُ لَا ينزل على شَيْء إِلَّا جرده، وَالْجَرَاد يلحس التُّرَاب وكل شَيْء يمر عَلَيْهِ، وَنقل عَن الْأَصْمَعِي: إِنَّه إِذا خرج من بيضه فَهُوَ دباب والواحدة دباة. قَالَ: ولعابه سم على الْأَشْجَار لَا يَقع على شَيْء إِلَّا أحرقه وَقَالَ: الذّكر من الْجَرَاد هُوَ العنظب أَو الحنطب زَاد الْكسَائي، والعنطوب، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: الجندب ضرب مِنْهُ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: وَأَبُو جحادب شيخ الجنادب وسيدها، وَقَالَ ابْن خالويه لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب للجراد اسْم أغرب من العصفود، وللجراد نَيف وَسِتُّونَ اسْما فَذكرهَا وَصفَة الْجَرَاد عَجِيبَة فِيهَا صفة عشرَة من الْحَيَوَانَات وَذكر بَعْضهَا ابْن الشهرزوري فِي قَوْله:
(لَهَا فخذا بكر وساقا نعَامَة ... وقادمتا نسر وجوءجوء ضيغم)
(حبتها أفاعي الرمل بَطنا وأنعمت ... عَلَيْهَا جِيَاد الْخَيل بِالرَّأْسِ والفم)
قيل: وَفَاته: عين الْفِيل وعنق الثور وَقرن الْإِبِل وذنب الْحَيَّة، وَاخْتلف فِي أَصله فَقيل: نثرة حوت، ورد فِي حَدِيث ضَعِيف أخرجه ابْن مَاجَه عَن أنس رَفعه بِأَن الْجَرَاد نثرة حوت من الْبَحْر، وَقيل: إِنَّه بري، وَقيل: هُوَ صنفان أَحدهمَا يطير فِي الْهَوَاء يُقَال لَهُ الْفَارِس، وَالْآخر ينزو نَزْوًا يُقَال لَهُ: الراجل، وَله سِتَّة أرجل، إِذا كَانَ أَيَّام الرّبيع وَأَرَادَ أَن يبيض التمس الأَرْض الصلبة والصخرة الصلدة الَّتِي لَا تعْمل فِيهَا المعاول فيضربه بِيَدِهِ فينفرج فيلقي فِيهَا بيضه ويلقي كل وَاحِد مائَة بَيْضَة ويطير وَيَتْرُكهَا فَإِذا أَتَى أَيَّام الرّبيع واعتدل الزَّمَان وينشق ذَلِك الْبيض فَيظْهر مثل الذَّر الصغار فيسيح على وَجه الأَرْض وَيَأْكُل زَرعهَا حَتَّى يُقَوي فينهض إِلَى أَرض أُخْرَى ويبيض كَمَا فعل فِي الْعَام الأول، وآفتها الطير وَالْبرد، وَأجْمع الْعلمَاء على جَوَاز أكله بِغَيْر تذكية إلَاّ أَن الْمَشْهُور عِنْد الْمَالِكِيَّة اشْتِرَاط تذكيته، وَاخْتلفُوا فِي صفتهَا فَقيل: يقطع رَأسه. وَقَالَ ابْن وهب: أَخذه ذَكَاته، وَعَن مَالك إِذا أَخذه حَيا ثمَّ قطع رَأسه أَو شواء أَو قلاه فَلَا بَأْس بِأَكْلِهِ، وَمَا أَخذه حَيا فَغَفَلَ عَنهُ حَتَّى مَاتَ لَا يُؤْكَل، وَذكر الطَّحَاوِيّ فِي (كتاب الصَّيْد) أَن أَبَا حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قيل لَهُ أَرَأَيْت الْجَرَاد هُوَ عنْدك بِمَنْزِلَة السّمك من أصَاب مِنْهُ شَيْئا أكله سمى أَو لم يسم؟ قَالَ: نعم. قلت: وأينما وجدت الْجَرَاد آكله؟ قَالَ: نعم. قلت: وَإِن وجدته مَيتا على الأَرْض؟ قَالَ: نعم. قلت: وَإِن أَصَابَهُ مطر فقلته؟ قَالَ: نعم. لَا يحرم الْجَرَاد شَيْء على حَال.
٥٤٩٥ - حدَّثنا أبُو الوَلِيد حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ أبِي يَعْفُورِ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ أبِي أوْفَى، ﵄. قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النبيِّ ﷺ ، سَبْعَ غَزَوَاتٍ. أوْ سِتّا كُنَّا نَأكُلُ مَعَهُ الجَرَادَ.
قَالَ سُفْيَانُ وأبُو عَوَانَةَ وَإسْرَائِيلُ عَنْ أبِي يَعْفُورٍ عَنِ ابنِ أبِي أوفَى سَبْعَ غَزَوَاتٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَأَبُو يَعْفُور بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَضم الْفَاء وبالواو وبالراء متصرفا اسْمه وقدان بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْقَاف وبالدال الْمُهْملَة وبالنون، وَيُقَال: اسْمه وَاقد، ووقدان لقبه، وَكَذَا قَالَه مُسلم وَهُوَ الْأَكْبَر وَلَهُم أَبُو يَعْفُور الْأَصْغَر اسْمه عبد الرَّحْمَن بن عبيد وَكِلَاهُمَا ثِقَة من أهل الْكُوفَة. وَلَيْسَ للأكبر فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَآخر تقدم فِي الصَّلَاة فِي أَبْوَاب الرُّكُوع من صفة الصَّلَاة، وَجزم النَّوَوِيّ بِأَنَّهُ الْأَصْغَر هُنَا. وَتبع فِي ذَلِك ابْن الْعَرَبِيّ وَغَيره، وَالصَّوَاب أَنه الْأَكْبَر، وَبِه جزم الكلاباذي، وَالَّذِي يرجح كَلَامه جزم التِّرْمِذِيّ بعد تَخْرِيجه هَذَا الحَدِيث بِأَن رَاوِي حَدِيث الْجَرَاد هُوَ الَّذِي اسْمه وَاقد، وَيُقَال: وقدان، وَهَذَا هُوَ الْأَكْبَر، وَيُؤَيِّدهُ أَيْضا أَن ابْن أبي حَاتِم جزم فِي تَرْجَمَة الْأَصْغَر بِأَنَّهُ لم يسمع من عبد الله بن أبي أوفى، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: ﵀، أَبُو يَعْفُور الْأَصْغَر لم يسمع من أحد من الصَّحَابَة، وَأَبُو يَعْفُور الْأَكْبَر سمع من جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم ابْن عمر وَأنس وَعبد الله بن أبي أوفي، وَمَات سنة عشْرين وَمِائَة، وَاسم أبي أوفى عَلْقَمَة بن خَالِد الْأَسْلَمِيّ.
والْحَدِيث أخرجه
стр. 6310
مُسلم فِي الذَّبَائِح عَن مُحَمَّد بن مثنى وَغَيره وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَطْعِمَة عَن حَفْص بن عَمْرو وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد ابْن منيع وَغَيره وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّيْد عَن قُتَيْبَة وَغَيره.
قَوْله: (سبع غزوات أَو سِتا) ، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: أَو سِتّ وَقَالَ شَيخنَا: اخْتلفت أَلْفَاظ الحَدِيث فِي عدد الْغَزَوَات وَذكر التِّرْمِذِيّ بعد أَن رَوَاهُ بِلَفْظ: غزوت مَعَ رَسُول الله ﷺ سِتّ غزوات تَأْكُل الْجَرَاد هَكَذَا روى سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن أبي يَعْفُور هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: سِتّ غزوات. وروى سُفْيَان الثَّوْريّ هَذَا الحَدِيث عَن أبي يَعْفُور وَقَالَ: سبع غزوات، وَذكر الِاخْتِلَاف بَين السفيانين، وَلم يذكر فِي رِوَايَة شُعْبَة عَن أبي يَعْفُور عدد الْغَزَوَات، وَهُوَ عِنْد البُخَارِيّ على الشَّك، وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي دَاوُد. وَقَالَ النَّسَائِيّ: سِتّ غزوات من غير شكّ، وَنقل بَعضهم عَن ابْن مَالك: سبع غزوات أَو ثَمَان، وَأطَال الْكَلَام عَنهُ فَلَا فَائِدَة فِيهِ هُنَا لِأَنَّهُ لم يثبت عَن أحد مِمَّن رُوِيَ هَذَا الحَدِيث لفظ أَو ثَمَان. وَالله أعلم.
قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) ، هُوَ الثَّوْريّ (وَأَبُو عوَانَة) الوضاح الْيَشْكُرِي (وَإِسْرَائِيل) بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي كلهم رووا عَن أبي يَعْفُور عَن عبد الله بن أبي أوفى (سبع غزوات) وَأما رِوَايَة سُفْيَان فقد وَصلهَا الدَّارمِيّ عَن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ عَن سُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَلَفظه غزونا مَعَ النَّبِي ﷺ ، سبع غزوات نَأْكُل الْجَرَاد وَأما رِوَايَة أبي عوَانَة فقد وَصلهَا مُسلم عَن أبي كَامِل عَنهُ، وَأما رِوَايَة إِسْرَائِيل فقد وَصلهَا الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق عبد الله بن رَجَاء، عَنهُ وَلَفظه سبع غزوات كُنَّا نَأْكُل مَعَه الْجَرَاد.
وَهَذَا الحَدِيث يدل على جَوَاز أكل الْجَرَاد قَالُوا أكل الْجَرَاد حَلَال بِالْإِجْمَاع، وَخَصه ابْن الْعَرَبِيّ بِغَيْر جَراد الأندلس لما فِيهِ من الضَّرَر الْمَحْض، وَعَن الْمَالِكِيَّة فِي الْمَشْهُور خِلَافه ووردت أَحَادِيث أُخْرَى بِأَكْلِهِ.
وَمِنْهَا حَدِيث ابْن عمر أخرجه ابْن مَاجَه من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم عَن أَبِيه عَن عبد الله بن عمر: أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: أحلّت لنا ميتَتَانِ الْحُوت وَالْجَرَاد. كَذَا رَوَاهُ فِي أَبْوَاب الصَّيْد ثمَّ رَوَاهُ فِي أَبْوَاب الْأَطْعِمَة وَزَاد فِيهِ وَدَمَانِ: الكبد وَالطحَال، وَعبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم ضَعِيف ضعفه يحيى بن معِين وَغَيره. وَمِنْهَا حَدِيث جَابر رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) من رِوَايَة جَابر الْجعْفِيّ وَهُوَ ضَعِيف عَن جَابر بن عبد الله، قَالَ: غزونا مَعَ رَسُول الله ﷺ ، فأصبنا جَرَادًا فأكلنا. وَمِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة أبي المهزم وَهُوَ ضَعِيف عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ ، فِي حج أَو عمْرَة فَاسْتقْبلنَا رجل من جَراد فَجعلنَا نضربهن بأسواطنا ونعالنا. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : (كلوه فَإِنَّهُ من صيد الْبَحْر) .
ووردت أَحَادِيث أُخْرَى بِالْوَقْفِ وبالمنع. مِنْهَا: مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث زَيْنَب بنت منجل، وَيُقَال: منخل عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَن رَسُول الله ﷺ زجر صبياننا عَن الْجَرَاد وَكَانُوا يَأْكُلُونَهُ قَالَ أَبُو الْحسن: وَالصَّوَاب أَنه مَوْقُوف. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن سُلَيْمَان سُئِلَ رَسُول الله ﷺ ، عَن الْجَرَاد فَقَالَ: لَا أحله وَلَا أحرمهُ. قَالَ: وَقد رُوِيَ مُرْسلا وروى ابْن أبي عَاصِم من حَدِيث بَقِيَّة: حَدثنِي نمير ابْن يزِيد حَدثنِي أبي أَنه سمع صدي بن عجلَان يحدث أَن النَّبِي، ﷺ ، قَالَ: إِن مَرْيَم بنت عمرَان، ﵍، سَأَلت رَبهَا أَن يطْعمهَا لَحْمًا لَا دم لَهُ، فأطعمها الْجَرَاد فَقَالَت: اللَّهُمَّ أنعشه بِغَيْر رضَاع وتابع بَينه وَبَين بنيه بِغَيْر شياع، يَعْنِي: الصَّوْت وروى أَيْضا من حَدِيث مُحَمَّد بن عِيسَى الْهُذلِيّ عَن ابْن الْمُنْكَدر عَن جَابر قَالَ: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، سَمِعت رَسُول الله ﷺ ، يَقُول: إِن الله خلق ألف أمة: سِتّمائَة فِي الْبَحْر، وَأَرْبَعمِائَة فِي الْبر، فَأول شَيْء يهْلك من هَذِه الْأمة الْجَرَاد فَإِذا هلك الْجَرَاد تَتَابَعَت الْأُمَم مثل سلك النظام.
١٤ - (بَابُ: ﴿آنِيَةِ المَجُوسِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم آنِية الْمَجُوس فِي الْأكل وَالشرب مِنْهَا، وَقد ترْجم هَكَذَا، وَلَيْسَ فِي حَدِيث الْبَاب ذكر الْمَجُوس وَإِنَّمَا فِيهِ ذكر أهل الْكتاب، فَقيل: لَعَلَّ البُخَارِيّ يرى أَن الْمَجُوس من أهل الْكتاب، وَقيل: بني الحكم هَكَذَا لِأَن الْمَحْذُور من ذَلِك وَاحِد وَهُوَ عدم توقيهم النَّجَاسَات، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هما متساويان فِي عدم التوقي عَن النَّجَاسَات فَحكم بِأَحَدِهِمَا على الآخر بِالْقِيَاسِ، وَبِاعْتِبَار أَن الْمَجُوس يَزْعمُونَ التَّمَسُّك بِالْكتاب، وَقيل: نَص فِي بعض طرق الحَدِيث على الْمَجُوس، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن أبي ثَعْلَبَة: سُئِلَ رَسُول الله ﷺ ، عَن قدور الْمَجُوس؟ فَقَالَ: اتقوها غسلا واطبخوا فِيهَا وَمن عَادَة البُخَارِيّ أَنه يترجم بِهِ ثمَّ يُورد على الْبَاب مَا يُؤْخَذ مِنْهُ الحكم بطرِيق الْإِلْحَاق.
стр. 6311
٥٤٩٦ - حدَّثنا أبُو عَاصِمٍ عَنْ حَيْوَةَ بنِ شُرَيْحٍ قَالَ حدَّثني رَبِيعَةَ بنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: حدَّثني أبُو إدْرِيسَ الخَولانِيُّ قَالَ: حدَّثني أبُو ثَعْلَبَةَ الخُشْنِيُّ قَالَ: أتَيْتُ النبيُّ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله ﴿إنَّا بأرْضِ أهْلِ الكِتَابِ﴾ فَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ وَبِأرْضِ صَيْدٍ أصِيدُ بِقَوْسِي وَأصِيدُ بِكَلْبِي المُعَلِّمِ وبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلِّمٍ فَقَالَ: النبيُّ ﷺ : أمَّا مَا ذكَرْتَ أنَّكَ بِأرْضِ أهْلِ كِتَابٍ فَلا تَأْكُلُوا فِي آنِيَتِهِمْ إلَاّ أنْ لَا تَجِدُوا بِدّا فَإنْ لَمْ تَجِدُوا بُدّا مَا ذَكَرْتَ أنَّكَ بِأرْضِ أهْلِ كِتَابٍ فَلا تَأْكُلُوا فِي آنِيَتِهِمْ إلَاّ أنْ لَا تَجِدُوا فَإنْ لَمْ تَجِدُوا بُدّا فَاغْسِلُوها وَكُلُوا فِيهَا، وَأمَّا مَا ذَكَرْتَ أنَّكُمْ بِأرْضِ صَيْدٍ فَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ الله وَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعَلَّمِ فَاذْكُر اسْمَ الله. وَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَأدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْهُ.
وَجه الْمُطَابقَة قد ذَكرنَاهَا وَأَبُو عَاصِم النَّبِيل الضَّحَّاك بن مخلد وَأَبُو ادريس عَائِذ الله بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة والْحَدِيث قد مر عَن قريب فِي بَاب مَا جَاءَ فِي التصيد وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ قَوْله بدا أَي فراقاً وَقَالَ الْجَوْهَرِي قَوْلهم لَا بُد من كَذَا كَأَنَّهُ قَالَ لَا فِرَاق مِنْهُ وَيُقَال البد الْعرض.
٥٤٩٧ - حدَّثنا المَكِّيُّ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثني يَزِيدُ بنُ أبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ قَالَ: لَمَّا أمْسَوْا يَوْمَ فَتَحُوا خَيْبَر أوْ قَدُوا النِّيرَانَ قَالَ النبيُّ ﷺ : عَلَى مَا أوْقَدْتُمْ هاذهِ النِّيرَانَ؟ قَالُوا: لحُومِ الْحُمْرِ الإنْسِيَّةِ ﴿قَالَ: أهْرِيقُوا مَا فِيهَا وَاكْسِرُوا قُدُورَها فَقَامَ رَجلٌ مِنْ القَوْمِ فَقَالَ: نُهَرِيقُ مَا فِيهَا وَنَغْسلُها﴾ فَقَالَ النبيُّ ﷺ : أوْ ذَاكَ.
وَجه إِيرَاد هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب هُوَ أَنه لما ثَبت تَحْرِيم الْحمر الْأَهْلِيَّة صَارَت كالميتة، وَلما أَبَاحَ ﷺ ، اسْتِعْمَال الْقُدُور بعد غسلهَا صَارَت كَذَلِك آنِية الْمَجُوس، فَيجوز اسْتِعْمَالهَا بعد غسلهَا، لِأَن ذَبَائِحهم ميتَة وَهَذَا الحَدِيث هُوَ السَّابِع عشر من ثلاثيات البُخَارِيّ.
والمكي علم بِخِلَاف مَا قَالَه الْكرْمَانِي إِنَّه مَنْسُوب إِلَى مَكَّة المشرفة، وَقد مضى فِي الْمَظَالِم فِي: بَاب هَل تكسر الدنان الَّتِي فِيهَا الْخمر؟ بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (أهريقوا) ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْهَاء من أهراق يهريق، وَالْهَاء فِيهِ زَائِدَة. قَوْله: (أَو ذَاك) ، إِشَارَة إِلَى التَّخْيِير بَين الْكسر وَالْغسْل. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَا أَمر أَولا بِكَسْرِهَا جزما يحْتَمل أَنه كَانَ بِوَحْي أَو اجْتِهَاد، ثمَّ نسخ أَو تغير الِاجْتِهَاد.
١٥ - (بَابُ: ﴿التَّسْمِيَّةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ وَمَنْ تَرَكَ مُتَعَمِّدا﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم التَّسْمِيَة على الذَّبِيحَة، وَفِي بَيَان من ترك التَّسْمِيَة على الذَّبِيحَة حَالَة كَونه مُتَعَمدا وَهَذِه التَّرْجَمَة هَكَذَا هِيَ عِنْد الْأَكْثَرين، وَفِي بعض النّسخ كتاب الذَّبَائِح، وَلَيْسَ بِصَحِيح لِأَنَّهُ ترْجم أَولا. كتاب الصَّيْد والذبائح وَكتاب الذَّبَائِح، وَيكون ذكره تَكْرَارا بِلَا فَائِدَة وَقيد بقوله: (مُتَعَمدا) إِشَارَة إِلَى أَنه إِذا ترك التَّسْمِيَة نَاسِيا على الذَّبِيحَة لَا يكون مَانِعا من الْحل كَمَا مر الْخلاف فِيهِ.
﴿قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ مَنْ نَسِيَ فَلا بَأْسَ﴾
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس من نسبي التَّسْمِيَة على الذَّبِيحَة فَلَا بَأْس، يَعْنِي: لَا تحرم الذَّبِيحَة، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق شُعْبَة عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن أبي الشعْثَاء. قَالَ: حَدثنِي عين عَن ابْن عَبَّاس أَنه لم ير بِهِ بَأْسا. يَعْنِي: إِذا نسي. وَأخرجه سعيد بن مَنْصُور عَن ابْن عُيَيْنَة بِهَذَا الْإِسْنَاد فَقَالَ فِي سَنَده. عَن عين، يَعْنِي: عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس فِيمَن ذبح وَنسي التَّسْمِيَة فَقَالَ الْمُسلم فِيهِ اسْم الله وَإِن لم يذكر التَّسْمِيَة، وَسَنَده صَحِيح وَهُوَ مَوْقُوف، وَذكره مَالك بلاغا عَن ابْن عَبَّاس وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من وَجه آخر عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا.
﴿وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ وَإنَّهُ لَفِسْق﴾ وَالنَّاسِي: لَا يُسَمَّى فَاسِقا. وَقَوْلُهُ:
стр. 6312
وَإنَّ الشيَّاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أوْلِيَائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإنْ أطَعْتُمُوهُمْ إنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (الْأَنْعَام: ١٢١)
أورد هَذِه الْآيَة تَقْوِيَة لاحتجاج الْحَنَفِيَّة بهَا فِي قَوْلهم: إِن التَّسْمِيَة شَرط فَإِن تَركهَا عَامِدًا فَلَا يحل أكله وَإِن تَركهَا نَاسِيا فَلَا عَلَيْهِ شَيْء وَبَين وَجه ذَلِك بقوله: (وَالنَّاسِي لَا يُسمى فَاسِقًا) وَذكر الْآيَة الْأُخْرَى الَّتِي هِيَ من تَمام الْآيَة. تَقْوِيَة لاحتجاج الشَّافِعِيَّة حَيْثُ قَالُوا: مَا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ كِنَايَة عَن الْميتَة أَو مَا ذكر اسْم غير الله عَلَيْهِ. قرينَة وَإنَّهُ لفسق وَهُوَ مؤول بِمَا أهل بِهِ لغير الله وَقَوله: (وَإِن الشَّيَاطِين ليوحون) أَي: ليوسوسون إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ من الْمُشْركين ليجادلوكم بقَوْلهمْ: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا قَتله الله قَالُوا: وَبِهَذَا ترجح تَأْوِيل من أَوله بالميتة وَالتَّحْقِيق فِي هَذَا الْمقَام أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ الْآيَة. نهى، وَالنَّهْي الْمُطلق للتَّحْرِيم وَيدل عَلَيْهِ قَوْله: (وَأَنه لفسق) وأكدا النَّهْي بِحرف من لِأَنَّهُ فِي مَوضِع النَّهْي للْمُبَالَغَة فَيَقْتَضِي حُرْمَة كل جُزْء مِنْهُ وَالْهَاء فِي قَوْله: (وَإنَّهُ لفسق) إِن كَانَت كِتَابَة من الْأكل فالفسق أكل الْحَرَام، وَإِن كَانَت كِنَايَة عَن الْمَذْبُوح فالمذبوح الَّذِي يُسمى فسقا يكون حَرَامًا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو فسقا أهل لغير الله﴾ وَفِي الْآيَة. بَيَان أَن الْحُرْمَة لعدم ذكر اسْم الله تَعَالَى لِأَن التَّحْرِيم يُوصف بذلك الْوَصْف وَهُوَ الْمُوجب للْحُرْمَة كالميتة والموقوذة، وَبِهَذَا تبين فَسَاد حمل الْآيَة على الْميتَة وذبائح الْمُشْركين فَإِن الْحُرْمَة هُنَاكَ لَيست لعدم ذكر اسْم الله تَعَالَى حَتَّى إِنَّه، وَإِن ذكر اسْم الله لم يحل فَإِن قلت: النَّص مُجمل لِأَنَّهُ يحْتَمل الذّكر حَالَة الذّبْح وَحَالَة الطَّبْخ وَحَالَة الْأكل فَلم يَصح الِاحْتِجَاج بِهِ قلت: مَا سوى حَالَة الذّبْح لَيْسَ بِمُرَاد بِالْإِجْمَاع، وَأجْمع السّلف على أَن المُرَاد حَالَة الذّبْح فَلَا يكون مُجملا وَقد حررنا الْكَلَام فِي هَذَا الْمقَام مَبْسُوطا فِي شرحنا البناية فِي شرح الْهِدَايَة، فَمن أَرَادَ التَّحْقِيق فِيهِ فَليرْجع إِلَيْهِ.
٥٤٩٨ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عَنْ سَعِيدٍ بنِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ بنِ رَفَاعَةَ ابنِ رَافِعٍ عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النبيِّ ﷺ ، بِذِي الخُلِيفَةِ فَأصَابَ النَّاسَ جُوعٌ فَأصَبْنا إبِلاً وَغَنَما وَكَانَ النبيُّ ﷺ ، فِي أُخْرَياتِ النَّاسِ فَعَجِلُوا فَنَصَبُوا القُدُورَ فَدُفِعَ إلَيْهِمُ النبيُّ ﷺ ، فَأمَر بِالْقُدُورِ فَأكْفِئْتْ ثُمَّ قَسَمَ فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنَ الغَنَمِ بِبَعِيرٍ، فَنَدَّ مِنْها بَعِيرٌ وَكَانَ فِي القَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ فَطَلَبُوهُ فَأعْياهُمْ فَأهْوَى إلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ الله تَعَالَى فَقَالَ النبيُّ ﷺ : إنَّ لِهاذِهِ البَهَائِمِ أوَابِدَ كَأوَابِدِ الوَحْشِ فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ مِنْهَا فَاصْنعُوا بِهِ هاكَذَا قَالَ: وَقَالَ جَدِّي: إنَّا لَنَرْجُو أوْ نَخافُ أنْ نَلْقَى العَدُوَّ غَدا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًي، أفَنَذْبَحُ بَالْقَصَبِ؟ فَقَالَ: مَا أنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْهُ أمَّا السِّنُّ فَعظْمٌ، وَأمَّا الظُّفُرُ فَمدَى الحَبَشَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَذكر اسْم الله عَلَيْهِ فَكل) ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة الْبَصْرِيّ الَّذِي يُقَال لَهُ: التَّبُوذَكِي، وَأَبُو عوَانَة الوضاح الْيَشْكُرِي، وَسَعِيد بن مَسْرُوق هُوَ وَالِد سُفْيَان الثَّوْريّ وعباية، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف يَاء آخر الْحُرُوف ابْن رِفَاعَة بِكَسْر الرَّاء وبالفاء وبالعين الْمُهْملَة ابْن رَافع ضد الْخَافِض ابْن خديج بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الدَّال الْمُهْملَة وبالجيم ابْن رَافع الْأنْصَارِيّ، وعباية هَذَا يروي عَن جده رَافع بن خديج. وَقَالَ الغساني فِي بعض الرِّوَايَات عَبَايَة عَن أَبِيه عَن جده زِيَادَة لفظ عَن أَبِيه وَهُوَ سَهْو.
والْحَدِيث مضى فِي الشّركَة فِي: بَاب من عدل عشرَة من الْغنم بجزور فِي الْقسم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد عَن وَكِيع عَن سُفْيَان عَن أَبِيه عَن عَبَايَة بن رِفَاعَة عَن جده رَافع بن خديج إِلَى آخِره، وَفِيه أَيْضا: عَن عَليّ بن الحكم الْأنْصَارِيّ، وَفِي الْجِهَاد فِي: بَاب مَا يكره من ذبح الْإِبِل وَالْغنم فِي الْمَغَانِم، ومضي الْكَلَام فِيهِ مَبْسُوطا.
قَوْله: (بِذِي الحُليقة) ، قَالَ الدَّاودِيّ: والحليفة الْمَذْكُورَة هُنَا من أَرض تهَامَة بَين الطَّائِف وَمَكَّة وَلَيْسَت الَّتِي بِالْقربِ من الْمَدِينَة
стр. 6313
وَكَذَا قَالَ يَعْقُوب: هِيَ مَوضِع بَين حادة وَذَات عرق من تهَامَة وَلَيْسَت بالمهل، وَذكر ابْن بطال عَن الْقَابِسِيّ أَنَّهَا الْمهل فَقَالَ عَنهُ وَكَانَ فِي هَذِه الْغَنِيمَة بِذِي الحليفة من الْمَدِينَة، وَكَذَا ذكره النَّوَوِيّ، وَقَالَ: كَانَ ذَلِك عِنْد رجوعهم من الطَّائِف سنة ثَمَان. قَوْله: (أخريات النَّاس) ، جمع الْأُخْرَى تَأْنِيث الآخر. قَوْله: (كفئت) ، أَي: قلبت قَالُوا: إِنَّمَا أَمرهم بالإكفاء وإراقة مَا فِيهَا عُقُوبَة لَهُم لاستعجالهم فِي السّير وتركهم النَّبِي ﷺ ، فِي الأخريات معرضًا لمن يَقْصِدهُ من الْعَدو وَنَحْوه. وَقيل: لِأَن الْأكل من الْغَنِيمَة الْمُشْتَركَة قبل الْقِسْمَة لَا يحل فِي دَار الْإِسْلَام. قَوْله: (فَعدل) ، أَي: قَابل وَكَانَ هَذَا بِالنّظرِ إِلَى قيمَة الْوَقْت، وَلَيْسَ هَذَا مُخَالفا لقاعدة الْأُضْحِية فِي إِقَامَة الْبَعِير مقَام سبع شِيَاه إِذْ ذَاك بِحَسب الْغَالِب فِي قيمَة الشَّاة وَالْإِبِل المعتدلة. قَوْله: (فند) ، أَي: نفر وَذهب على وَجهه هَارِبا. قَوْله: (فأعياهم) ، أَي: أتعبهم وأعجزهم. قَوْله: (أوابد) ، جمع الآبدة الَّتِي تأبدت أَي: توحشت ونفرت من الْإِنْس. قَوْله: (هَكَذَا) ، أَي: مجروحا بِأَيّ وَجه كَانَ قدرتم عَلَيْهِ فَإِن حكمه حكم الصَّيْد فِي ذَلِك. قَوْله: (قَالَ: وَقَالَ جدي) أَي: قَالَ عَبَايَة: قَالَ جدي رَافع بن خديج. قَوْله: (إِنَّا لنرجوا ونخاف) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (نرجو) إِشَارَة إِلَى حرصهم على لِقَاء الْعَدو لما يرجونه من فضل الشَّهَادَة أَو الْغَنِيمَة. وَقَوله: (نَخَاف) إِشَارَة إِلَى أَنهم لَا يحبونَ أَن يهجم عَلَيْهِم الْعَدو بَغْتَة وَفِي رِوَايَة أبي الْأَحْوَص أَن نلق الْعَدو غَدا بِالْجَزْمِ ولعلهم عرفُوا ذَلِك بالقرائن وَالْغَرَض من ذكر لِقَاء الْعَدو عِنْد السُّؤَال عَن الذّبْح بالقصب أَنهم لَو استعملوا السيوف فِي المذابح لكلت عِنْد اللِّقَاء ولعجزوا عَن الْمُقَاتلَة بهَا. قَوْله: (مدى) ، جمع مدية وَهِي الشَّفْرَة. قَوْله: (مَا أنهر الدَّم) أَي: مَا أسَال الدَّم كَمَا يسيل المَاء فِي النَّهر، وَكلمَة إِمَّا شَرْطِيَّة وَإِمَّا مَوْصُولَة وَقَالَ عِيَاض: هَذَا هُوَ الْمَشْهُور فِي الرِّوَايَات بالراء، وَذكره أَبُو ذَر الْخُشَنِي بالزاي، وَقَالَ النَّهر بِمَعْنى الدّفع وَهُوَ غَرِيب. قَوْله: (لَيْسَ السن وَالظفر) بِالنّصب على الِاسْتِثْنَاء بِكَلِمَة لَيْسَ، وَيجوز الرّفْع أَي: لَيْسَ السن وَالظفر مجزيا وَفِي رِوَايَة أبي الْأَحْوَص: مَا لم يكن سنّ أَو ظفر، وَفِي رِوَايَة عمر بن عبيد غير السن وَالظفر، وَفِي رِوَايَة دَاوُد بن عِيسَى إِلَّا سنا أَو ظفرا. قَوْله: (وَسَأُخْبِرُكُمْ) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: سأحدثكم. قَوْله: (فَعظم) يَعْنِي: لَا يجوز بِهِ فَإِنَّهُ يَتَنَجَّس بِالدَّمِ، وَهُوَ زَاد الْجِنّ أَو لِأَنَّهُ غَالِبا لَا يقطع إِنَّمَا يجرح فتزهق النَّفس من غير أَن يتَيَقَّن وُقُوع الذَّكَاة بِهِ. وَأما الظفر فَإِن مَعْنَاهُ أَن الْحَبَشَة يدمون مذابح الشَّاة بأظفارهم حَتَّى تزهق النَّفس خنقا وتعذيبا.
١٦ - (بابُ: ﴿مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَالأصْنَامِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فَسَاد مَا ذبح على النصب بِضَم النُّون وَاحِد الأنصاب، وَقيل: النصب جمع وَالْوَاحد نِصَاب، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: النصب بِسُكُون الصَّاد وَضمّهَا مَا نصب وَعبد من دون الله. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: كَانَت لَهُم أَحْجَار مَنْصُوبَة حول الْبَيْت يذبحون عَلَيْهَا ويشرحون اللَّحْم عَلَيْهَا تَعْظِيمًا لَهَا بذلك ويتقربون بِهِ إِلَيْهَا تسمى الأنصاب قَوْله: والأصنام أَي: مَا ذبح على الْأَصْنَام، وَهُوَ جمع صنم، وَهُوَ مَا اتخذ إلاها من دون الله. وَقيل: هُوَ مَا كَانَ لَهُ جسم أَو صُورَة فَإِن لم يكن لَهُ جسم أَو صُورَة فَهُوَ وثن، وَوجه عطف الْأَصْنَام على النصب أَن النصب إِذا كَانَت أحجارا فَهُوَ ظَاهر، وعَلى تَقْدِير أَن تكون هِيَ المعبودة فَهُوَ من الْعَطف التفسيري كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي: قلت النصب كَانَت أحجارا وَكَانَت ثَلَاثمِائَة وَسِتِّينَ حجرا مَجْمُوعَة عِنْد الْكَعْبَة كَانُوا يذبحون عِنْدهَا لآلهتهم، وَلم تكن أصناما، لِأَن الْأَصْنَام كَانَت صورا مصورة وتماثيل.
٥٤٩٩ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ حدَّثنا عَبْدِ العَزِيزِ يَعْني ابنَ المُخْتَار أخبرنَا مُوسَى بنُ عُقْبَةَ قَالَ: أخبرَنِي سَالِمٌ أنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الله يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، أَنه لَقِيَ زَيْدَ بنَ عَمْرو ابنِ نُفَيْلٍ بأسْفَل بَلْدَحِ وَذَاكَ قَبْلَ أنْ يُنْزَلَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ، الوَحْيُ، فَقَدَمَ إلَيْهِ رسولُ الله ﷺ ، سُفْرَةً فِيهَا لَحْمٌ فَأبى أنْ يأكُلَ مِنْها، ثُمَّ قَالَ: إنِّي لَا آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أنْصَابِكُمْ وَلا آكُلُ إلَاّ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله يروي عَن أَبِيه عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
والْحَدِيث مضى فِي آخر
стр. 6314
المناقب فِي بَاب حَدِيث زيد بن عَمْرو بن نفَيْل فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ مطولا عَن مُحَمَّد بن أبي بكر عَن فُضَيْل بن سُلَيْمَان عَن مُوسَى إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ وَزيد بن عَمْرو بن نفَيْل بِضَم النُّون الْقرشِي وَالِد سعيد أحد الْعشْرَة المبشرة كَانَ يتعبد فِي الْجَاهِلِيَّة على دين إِبْرَاهِيم ﵊: قَوْله: (بلدح) ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون اللَّام وَفتح الدَّال الْمُهْملَة، وَفِي آخِره حاء مُهْملَة منصرفا وَغير منصرف وَهُوَ اسْم مَوضِع بالحجاز قريب من مَكَّة قَوْله: (فَقدم إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ ، سفرة وَفِي هَذَا الْموضع اخْتِلَاف فرواية الْأَكْثَرين هَكَذَا وَهُوَ أَن الضَّمِير فِي إِلَيْهِ يرجع إِلَى زيد وَرَسُول الله مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل قدم وسفرة مَنْصُوب على المفعولية وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فَقدم إِلَى رَسُول الله ﷺ ، سفرة على أَن قدم على صِيغَة الْمَجْهُول وسفرة مَرْفُوع بِهِ وَالْجمع بَينهمَا بِأَن الْقَوْم الَّذين كَانُوا هُنَاكَ قدمُوا إِلَى رَسُول ﷺ ، سفرة فَقَدمهَا رَسُول الله ﷺ ، إِلَى زيد. قَوْله: (سفرة فِيهَا لحم) ، رِوَايَة أبي ذَر. وَفِي رِوَايَة غَيره: (سفرة لحم) . قَوْله: (قابى) ، أَي: زيد. أَي: امْتنع عَن الْأكل وَقَالَ الْخطابِيّ: امْتنَاع زيد من أكل مَا فِي السفرة إِنَّمَا هُوَ من خَوفه أَن يكون اللَّحْم مِمَّا ذبح على الأنصاب المنصوبة لِلْعِبَادَةِ وَقد كَانَ رَسُول الله ﷺ ، أَيْضا لَا يَأْكُل من ذَبَائِحهم الَّتِي كَانُوا يذبحونها لأنصابهم وَأما ذبحهم لمآكلهم فَلم نجد فِي الحَدِيث أَنه كَانَ يتنزه عَنهُ وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَكَونه فِي سفرته لَا يدل على أَنه كَانَ يَأْكُل مِنْهُ وَقَالَ ابْن زيد: (مَا ذبح) . على النصب وَمَا أهل بِهِ لغير الله وَاحِد وَمعنى: مَا أهل بِهِ لغير الله ذكر عَلَيْهِ غير اسْم الله من أَسمَاء الْأَوْثَان الَّتِي كَانُوا يعبدونها وَكَذَا الْمَسِيح وكل اسْم سوى الله . وَاخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك فكره عمر وَابْنه وَعلي وَعَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، مَا أهل بِهِ لغير الله وَعَن النَّخعِيّ وَالْحسن وَالثَّوْري، مثله وَكره مَالك ذَبَائِح النَّصَارَى لكنائسهم وأعيادهم وَقَالَ: يكره مَا سمى عَلَيْهِ الْمَسِيح من غير تَحْرِيم وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يُؤْكَل مَا سمى الْمَسِيح عَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يحل مَا ذبح لغير الله وَلَا مَا ذبح للأصنام وَرخّص فِي ذَلِك آخَرُونَ وروى ذَلِك عَن عبَادَة بن الصَّامِت وَأبي الدَّرْدَاء وَأبي أُمَامَة وَقَالَ عَطاء وَالشعْبِيّ: قد أحل الله مَا أهل بِهِ لغير الله، لِأَنَّهُ قد علم أَنهم سيقولون هَذَا القَوْل وَأحل ذَبَائِحهم وَإِلَيْهِ ذهب اللَّيْث وفقهاء أهل الشَّام مَكْحُول وَسَعِيد بن عبد الْعَزِيز وَالْأَوْزَاعِيّ، وَقَالُوا: (سَوَاء) سمى الْمَسِيح على ذَبِيحَة أَو ذبح لعيد أَو كَنِيسَة وكل ذَلِك حَلَال لِأَنَّهُ كتابي قد ذبح لدينِهِ وَكَانَت هَذِه ذَبَائِحهم قبل نزُول الْقُرْآن وأحلها الله تَعَالَى فِي كِتَابه.
١٦ - (بَابُ: ﴿قَوْلِ النبيِّ ﷺ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ الله﴾ )
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَول النَّبِي ﷺ : (فليذبح أضحيته على اسْم الله .
٣٢ - (حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن الْأسود بن قيس عَن جُنْدُب بن سُفْيَان البَجلِيّ قَالَ ضحينا مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - أضْحِية ذَات يَوْم فَإِذا أنَاس قد ذَبَحُوا ضحاياهم قبل الصَّلَاة فَلَمَّا انْصَرف رَآهُمْ النَّبِي ﷺ َ - أَنهم قد ذَبَحُوا قبل الصَّلَاة فَقَالَ من ذبح قبل الصَّلَاة فليذبح مَكَانهَا أُخْرَى وَمن كَانَ لم يذبح حَتَّى صلينَا فليذبح على اسْم الله) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث قيل فَائِدَة هَذِه التَّرْجَمَة بعد تقدم التَّرْجَمَة على التَّسْمِيَة التَّنْبِيه على أَن النَّاسِي يذبح على اسْم الله لِأَنَّهُ لم يقل فِيهِ فليسم وَإِنَّمَا جعل أصل ذبح الْمُسلم على اسْم الله من صفة فعله ولوازمه كَمَا ورد ذكر الله على قلب كل مُسلم سمى أَو لم يسم انْتهى (قلت) التَّنْبِيه هُنَا على أَن من ذبح قبل صَلَاة الْعِيد يُعِيدهَا بِالتَّسْمِيَةِ حَيْثُ قَالَ فليذبح على اسْم الله وَاعْلَم بِهِ أَن وَقت الْأُضْحِية بعد الصَّلَاة يذبحها مقرونة بِالتَّسْمِيَةِ لِأَن كلمة على هُنَا فِيهَا معنى المصاحبة كَمَا فِي قَوْله اركب على اسْم الله أَي مصاحبا باسم الله وَقَالَ بَعضهم قَوْله فليذبح على اسْم الله يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ الْإِذْن فِي الذَّبِيحَة حِينَئِذٍ أَو المُرَاد بِهِ الْأَمر بِالتَّسْمِيَةِ (قلت) المُرَاد بِهِ أَن الذَّبِيحَة بعد الصَّلَاة بِالتَّسْمِيَةِ وَأَنه لَا يجوز قبل الصَّلَاة وَلَا بِدُونِ التَّسْمِيَة وَهَذَا هُوَ الَّذِي يفهم من الحَدِيث والقرائن أَيْضا تدل عَلَيْهِ وَمَا ذكره هَذَا الْقَائِل بالاحتمالين من سوء التَّصَرُّف من غير تَأمل فِي معنى الحَدِيث
стр. 6315
وَأَبُو عوَانَة الوضاح الْيَشْكُرِي وَالْأسود بن قيس الْعَبْدي أَبُو قيس الْكُوفِي وجندب بِضَم الْجِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وَضمّهَا ابْن عبد الله بن سُفْيَان البَجلِيّ بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالْجِيم والْحَدِيث مر فِي الْعِيدَيْنِ فِي بَاب كَلَام الإِمَام وَالنَّاس فِي خطْبَة الْعِيد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسلم عَن شُعْبَة عَن الْأسود عَن جُنْدُب إِلَى آخِره وَمر الْكَلَام فِيهِ قَوْله ضحينا من ضحى يُضحي بِالتَّشْدِيدِ قَوْله أضْحِية بِضَم الْهمزَة وَكسرهَا وَفِيه لُغَتَانِ أخراوان الضحية والأضحى قَوْله ذَات يَوْم أَي فِي يَوْم وَلَفظ ذَات مقحم للتَّأْكِيد قَالَت النُّحَاة هُوَ من بَاب إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى اسْمه قَوْله على اسْم الله قَالَ الدَّاودِيّ أَي باسم الله وَقد ذَكرْنَاهُ وَقَالَ بعض النَّاس لَا يُقَال على اسْم الله لِأَن اسْم الله تَعَالَى على كل شَيْء وَيرد بِمَا ذَكرْنَاهُ وَفِيه الْعقُوبَة بِالْمَالِ لمُخَالفَة السّنة والتقرير عَلَيْهَا وَفِيه أَن أصل السّنة أَن من استعجل شَيْئا قبل وُجُوبه أَنه يحرمه كقاتل مورئه
١٨ - (بَابُ: ﴿مَا أنْهَرَ الدَّمَ مِنَ القَصَبِ وَالمَرْوَةِ وَالحَدِيدِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا أنهر الدَّم أَي: أساله قَوْله: (من الْقصب والمروة وَالْحَدِيد) ذكر هَذِه الثَّلَاثَة. وَلَيْسَ فِي أَحَادِيث الْبَاب شَيْء مِنْهَا وَلَيْسَ فِيهَا إِلَّا الذّبْح بِالْحجرِ، أما الذّبْح بالقصب فقد ورد فِي بعض طرق حَدِيث رَافع عِنْد الطَّبَرَانِيّ: أفأذبح بالقصب والمروة؟ وَأما الذّبْح بالمروة فَفِي حَدِيث أخرجه أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من طَرِيق الشّعبِيّ عَن مُحَمَّد بن صَفْوَان. وَفِي رِوَايَة عَن مُحَمَّد بن صَيْفِي قَالَ: ذبحت أرنبين بمروة فَأمرنِي النَّبِي ﷺ ، يأكلهما وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم، والمروة قَالَ الْأَصْمَعِي: هِيَ حِجَارَة بيض رقاق يقْدَح مِنْهَا النَّار، وَأما الذّبْح بالحديد فَيُؤْخَذ من حَدِيث أخرجه ابْن مَاجَه من رِوَايَة جرير بن حَازِم عَن أَيُّوب عَن زيد بن أسلم قَالَ جرير: فَلَقِيت زيد بن أسلم فَحَدثني عَن عَطاء بن يسَار عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: كَانَت لرجل من الْأَنْصَار نَاقَة ترعى فِي قبل أحد فَعرض لَهَا فنحرها بوتد فَقلت لزيد: وتد من خشب أَو حَدِيد قَالَ لَا بل من خشب فَأتى النَّبِي ﷺ فَأمره بأكلها، انْتهى فَإِذا كَانَ بوتد من خشب جَازَ فَمن وتد من حَدِيد بِالطَّرِيقِ الأولى، وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة سماك بن حَرْب عَن مُوسَى بن قطري عَن عدي بن حَاتِم قَالَ: قلت: يَا رَسُول أَرَأَيْت أَن أَحَدنَا أصَاب صيدا وَلَيْسَ مَعَه سكين أيذبح بالمروة وشقة الْعَصَا؟ فَقَالَ: أنهر الدَّم بِمَا شِئْت وَاذْكُر اسْم الله ، هَذَا لفظ أبي دَاوُد، وَقَالَ النَّسَائِيّ: فاذبحه بالمروة والعصا وَقَالَ ابْن مَاجَه: فَلَا نجد سكينا إلَاّ الظرارة وشقة الْعَصَا. قلت: الظرارة جمع ظررة، وَهُوَ حجر صلب محدد، وَيجمع أَيْضا على ظران، وروى أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث سفينة أَن رجلا شاط نَاقَته بجذل فَسَأَلَ النَّبِي ﷺ ، فَأَمرهمْ بأكلها. قلت: الجذل بِكَسْر الْجِيم وَفتحهَا أصل الشَّجَرَة يقطع وَقد يَجْعَل الْعود جدلاً وَمعنى شاط نَاقَته ذَبحهَا بِعُود.
٥٥٠١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبِي بَكَرٍ المُقَدَّمِيُّ حدَّثنا عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ نَافِعٍ سَمِعَ ابنَ كَعْبٍ ابنِ مَالِكٍ يُخْبِرُ ابنَ عُمَرَ أنَّ أبَاهُ أخْبَرَهُ أنَّ جَارِيَةً لَهُمْ كَانَتْ ترعى غَنَما بِسَلْعٍ، فَأبْصَرْت بِشاةٍ مِنْ غَنَمِها مَوْتا فَكَسَرَتْ حَجَرا فَذَبَحْتُها بِهِ فَقَالَ لأهْلِهِ لَا تَأْكُلُوا حَتَّى آتِيَ النبيُّ ﷺ ، فَأسْأَلَهُ أوْ حَتَّى أُرْسِلْ إلَيْهِ مَنْ يَسَأَلُهُ فَأُتِيَ النبيَّ ﷺ ، أوْ بَعَثَ إلَيْهِ فَأمَرَ النبيُّ ﷺ ، بِأَكْلِها.
يُمكن أَن تؤخذا الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث من قَوْله: (فَكسرت حجرا) لِأَن الْمَرْوَة أَيْضا حجر.
وَمُحَمّد بن أبي بكر بن عَليّ بن عَطاء بن مقدم أَبُو عبد الله الْمَعْرُوف بالمقدمي بتَشْديد الدَّال مَفْتُوحَة، وروى عَنهُ مُسلم أَيْضا ومعتمر هُوَ ابْن سُلَيْمَان، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ، وَنَافِع مولى ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَابْن كَعْب جزم الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) أَنه عبد الله بن كَعْب. وَقيل: عبد الرَّحْمَن بن كَعْب بن مَالك يروي عَن أَبِيه كَعْب بن مَالك الْأنْصَارِيّ أحد الثَّلَاثَة الَّذين تيب عَلَيْهِم.
وَفِي (التَّوْضِيح) وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد لَطِيفَة وَهِي رِوَايَة صَحَابِيّ عَن تَابِعِيّ، لِأَن ابْن عمر رَوَاهُ عَن ابْن كَعْب بن مَالك وَهُوَ تَابِعِيّ. قلت: ابْن عمر لم يرو هَذَا الحَدِيث عَن أحد هُنَا، وَإِنَّمَا ابْن كَعْب أخبرهُ بِهِ.
وَمضى الحَدِيث فِي الْوكَالَة فِي بَاب إِذا أبْصر الرَّاعِي
стр. 6316
أَو الْوَكِيل شَاة تَمُوت، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن مُعْتَمر إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (أَن جَارِيَة) ، ذكر هُنَا بِلَفْظ الْجَارِيَة فِي ثَلَاث مَوَاضِع، وَفِي الْوكَالَة أَيْضا وَأكْثر مَا تسْتَعْمل هَذِه اللَّفْظ فِي الْأمة وَقد جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي رِوَايَة أُخْرَى، وَذكره البُخَارِيّ بعد بِلَفْظ: امْرَأَة وبلفظ: جَارِيَة. قَوْله: (بسلع) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام وَبِفَتْحِهَا وبالعين الْمُهْملَة. جبل مَعْرُوف بِالْمَدِينَةِ. قَوْله: (فَأَبْصَرت بِشَاة) ، هَكَذَا رِوَايَة أبي ذَر. وَفِي رِوَايَة غَيره فأصيبت شَاة من غنمها. قَوْله: (موتا) ، مَنْصُوب بقوله: (أَبْصرت) وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ وَالْمُسْتَمْلِي مَوتهَا. قَوْله: (فذبحتها) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فذكتها. قَوْله: (بِهِ) ، أَي: بِالْحجرِ، وَسَقَطت هَذِه اللَّفْظَة لغير أبي ذَر. قَوْله: (أَو حَتَّى أرسل إِلَيْهِ) شكّ من الرَّاوِي.
وَفِي هَذَا الحَدِيث خمس فَوَائِد ذَبِيحَة الْمَرْأَة، وذبيحة الْأمة والذكاة بِالْحجرِ، وذكاة مَا أشرف على الْمَوْت، وذكاة غير الْمَالِك بِلَا وكَالَة. وَاخْتلف إِذا ذبح الرَّاعِي شَاة، وَقَالَ: خشيت عَلَيْهَا الْمَوْت. قَالَ ابْن الْقَاسِم: لَا ضَمَان عَلَيْهِ، وَضَمنَهُ غَيره.
٥٥٠٢ - حدَّثنا مُوسَى حدَّثنا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ أخْبَرَنا عَبْدَ الله أنَّ جَارِيَةَ لِكَعْبٍ بنِ مَالِكٍ تَرْعَى غَنما لهُ بالجُبَيْلِ الَّذِي بِالسُّوقِ وَهُوَ بِسَلْعٍ؟ فأُصِيبَتْ شَاةٌ فَكَسَرَتْ حَجَرا فَذَبَحَتْها بِهِ، فَذَكُرُوا لِلنبيِّ ﷺ ، فَأمَرَهُمْ بِأكْلِها.
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري عَن جوَيْرِية بن أَسمَاء الْبَصْرِيّ عَن نَافِع مولى ابْن عمر عَن رجل من بني سَلمَة إِلَى آخِره، وَبَنُو سَلمَة بِفَتْح السِّين وَكسر اللَّام. قَالَ الْكرْمَانِي: وَإسْنَاد الحَدِيث مَجْهُول لِأَن الرجل غير مَعْلُوم، وَقيل: هُوَ ابْن لكعب بن مَالك السّلمِيّ الْأنْصَارِيّ.
٥٥٠٣ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ: أخْبَرَنِي أبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سَعِيدٍ بنِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ بنِ رَافِعٍ عَنْ جَدِّهِ أنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ الله! لَيْسَ لَنَا مُدًى؟ فَقَالَ: مَا أنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ الله فَكُلْ لَيْسَ الظُّفْرَ وَالسِّنَّ. أمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الحَبَشَةَ وَأمَّا السِّنُّ فَنَظْمٌ. وَنَدَّ بَعِيرٌ فَحَبْسَهُ فَقَالَ: إنَّ لِهاذِهِ الإبِلِ أوَابِدَ كَأوَابِدَ الوَحْشِ فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْها فَاصْنَعُوا هاكذا.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أنهر الدَّم) والْحَدِيث مضى فِي: بَاب التَّسْمِيَة على الذَّبِيحَة عَن قريب.
وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة يروي عَن أَبِيه عَن شُعْبَة عَن سعيد بن مَسْرُوق، وَهُوَ أَبُو سُفْيَان الثَّوْريّ عَن عَبَايَة بن رِفَاعَة هَكَذَا رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: عَبَايَة بن رَافع، وَرَافِع جد عَبَايَة وَأَبوهُ رِفَاعَة فنسبه فِي هَذِه الرِّوَايَة. أَعنِي: رِوَايَة غير أبي ذَر. إِلَى جده، وَلَو أَخذ بِظَاهِرِهِ لَكَانَ الحَدِيث عَن خديج وَالِد رَافع وَلَيْسَ كَذَلِك.
قَوْله: (فحبسه) فِيهِ حذف تَقْدِيره: فحسبه رجل بِسَهْم، وَالْبَاقِي قد مر.
١٩ - (بَابُ: ﴿ذَبِيحَةِ المَرْأَةِ وَالأَُمَّةِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز ذَبِيحَة الْمَرْأَة وذبيحة الْأمة وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى رد من منع هَذَا. وَقد نقل مُحَمَّد بن عبد الحكم عَن مَالك كَرَاهَته. وَفِي الْمُدَوَّنَة جَوَازه، وَهُوَ قَول جُمْهُور الْفُقَهَاء، وَذَلِكَ إِذا أَحْسَنت الذّبْح، وَكَذَلِكَ الصَّبِي إِذا أحْسنه: وَاخْتلف فِي كَرَاهَة ذبح الْخصي، وروى ابْن حزم عَن طَاوُوس منع ذَبِيحَة الزنْجِي، كَمَا يَجِيء إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٥٥٠٤ - حدَّثنا صَدَقَةُ أخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدُ الله عَنْ نِافِعِ عَنْ ابنٍ لِكَعْبٍ بنِ مَالِكٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ امْرَأَةً ذَبَحَتْ شَاةً بِحَجْرٍ فَسُئِلَ النبيُّ ﷺ ، عَنْ ذَلِكَ فَأمَرَ بِأكْلِها.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَصدقَة هُوَ ابْن الْفضل الْمروزِي، وَعَبدَة هُوَ ابْن سُلَيْمَان الْكُوفِي، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ. والْحَدِيث مضى قبل الْبَاب من طَرِيق جوَيْرِية عَن نَافِع.
стр. 6317
﴿وَقَالَ اللَّيْثُ: حدَّثنا نَافِعٌ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ يُخْبِرُ عَبْدَ الله عَنِ النبيِّ ﷺ ، أنَّ جَارِيَةً لِكَعْبٍ بِهاذا﴾
هَذَا التَّعْلِيق وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة أَحْمد بن يُونُس عَن اللَّيْث بِهِ وَهَذَا أَيْضا فِيهِ مَجْهُول. قَوْله: (بِهَذَا) ، أَي: بِهَذَا الحَدِيث الْمَذْكُور.
٥٥٠٥ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ: حدَّثني مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ عَنْ مُعاذٍ بنِ سَعْدٍ. أوْ سَعْدٍ بنِ مُعاذٍ أخْبرهُ أنَّ جَارِيَةَ لِكَعْبٍ بنِ مَالِكٍ كَانَتْ تَرْعَى غَنَما بِسَلْعٍ فَأُصِيبَتْ شَاة مِنْها فَأدْرَكْتَها فَذَبَحَتْها بِحَجْرٍ فَسُئِلَ النبيُّ ﷺ ، فَقَالَ: كُلُوها.
هَذَا أَيْضا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، وَفِيه مَجْهُول: وَتردد فِي معَاذ بن سعد أخرجه عَن إِسْمَاعِيل ابْن أبي أويس عَن مَالك عَن نَافِع إِلَى آخِره قَالَ الْكرْمَانِي: وَالشَّكّ من الرَّاوِي فِي معَاذ لَا يقْدَح لِأَن كلا مِنْهُمَا صَحَابِيّ وَالصَّحَابَة كلهم عدُول. قلت: لَيْسَ هُنَا اثْنَان، وَإِنَّمَا هُوَ وَاحِد غير أَن التَّرَدُّد فِي أَن معَاذًا هُوَ ابْن وَسعد أَبوهُ أَو أَن سَعْدا ابْن ومعاذ أَبوهُ وَلِهَذَا لم يذكر فِي (الِاسْتِيعَاب) معَاذ بن سعد، وَذكر الذَّهَبِيّ: معَاذ بن سعد أَو سعد بن معَاذ. كَذَا روى مَالك عَن نَافِع فِي الذَّكَاة بِحجر.
٢٠ - (بَابٌ: ﴿لَا يُذَكَّى بِالسِّنِّ وَالعَظْمِ وَالظُّفْرُ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ لَا يذكى إِلَى آخِره. قَالَ الْكرْمَانِي: مَا هَذَا الْعَطف؟ وَالسّن عظم خَاص وَكَذَا الظفر. وَأجَاب بقوله: لَعَلَّ البُخَارِيّ نظر إِلَى أَنَّهُمَا ليسَا بعظمين عرفا قَالَ الْأَطِبَّاء أَيْضا ليسَا بعظمين، وَالصَّحِيح أنهماعظم وَعطف الْعظم على مَا قبله عطف الْعَام على الْخَاص، وَعطف مَا بعده عَلَيْهِ عطف الْخَاص على الْعَام، وَقَالَ أَيْضا ترْجم بالعظم وَلَيْسَ فِي الحَدِيث ذكره. وَأجَاب بِأَن حكم الْعظم يعلم مِنْهُ، وَقيل: عَادَة البُخَارِيّ أَنه يُشِير إِلَى مَا فِي أصل الحَدِيث، فَإِن فِيهِ أما السن فَعظم.
٥٥٠٦ - حدَّثنا قُبَيْصَةُ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَبَايَةَ بنِ رِفَاعَةَ عَنْ رَافِعٍ بنِ خَدِيجٍ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : كُلْ. يَعْنِي: مَا أنْهَرَ الدَّمَ إلَاّ السِّنَّ وَالظُّفْرَ.
هَذَا قِطْعَة من حَدِيث رَافع بن خديج، وَمر الْكَلَام فِيهِ أخرجه عَن قبيصَة بن عقبَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أَبِيه سعد بن مَسْرُوق عَن عَبَايَة بن رِفَاعَة إِلَى آخِره.
٢١ - (بَابُ: ﴿ذَبِيحَةِ الأعْرَابِ وَنَحْوِهِمْ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم ذَبِيحَة الْأَعْرَاب، وهم ساكنو الْبَادِيَة من الْعَرَب الَّذين لَا يُقِيمُونَ فِي الْأَمْصَار وَلَا يدْخلُونَ المدن إلَاّ لحَاجَة، وَالْعرب اسْم لهَذَا الْجَبَل الْمَعْرُوف من النَّاس لَا وَاحِد لَهُ من لَفظه أَقَامَ بالبادية أَو المدن، والنسية إِلَيْهِمَا أَعْرَابِي وعربي. قَوْله: (وَنَحْوهم) ، بِالْوَاو فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والنسفي، ونحرهم بالراء من نحر الْإِبِل.
٥٥٠٧ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدِ الله حدَّثنا أُسَامَةَ بنُ حَفْص المَدَنِيُّ عَنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، ﵂. أنَّ قَوْما قَالُوا لِلنبيِّ ﷺ ، إنَّ قَوْما يأتُونا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أذُكِرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ أمْ لَا؟ فَقَالَ: سَمُّوا عَلَيْهِ أنْتُمْ وَكُلُوهُ. قَالَت: وَكَانُوا حَدِيثي عَهْدٍ بِالْكُفْرِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إِن قوما يأْتونَ) لِأَن المُرَاد مِنْهُم الْأَعْرَاب الَّذين يأْتونَ إِلَيْهِم من الْبَادِيَة.
وَمُحَمّد بن عبيد الله بن زيد أَبُو ثَابت بالثاء الْمُثَلَّثَة وَالْمُوَحَّدَة والمثناة، مولى عُثْمَان بن عَفَّان الْقرشِي الْأمَوِي الْمدنِي، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَأُسَامَة بن حَفْص الْمدنِي يروي عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة، وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (يَأْتُونَا) ، بِالْإِدْغَامِ والفك. قَوْله: (بِاللَّحْمِ) ، فِي رِوَايَة أبي خَالِد باللحمان، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: إِن نَاسا من الْأَعْرَاب، وَفِي رِوَايَة مَالك:
стр. 6318
من الْبَادِيَة. قَوْله: (أذكر) ، على صِيغَة الْمَجْهُول والهمزة فِيهِ للاستفهام، وَفِي رِوَايَة الطفَاوِي الَّتِي مَضَت فِي الْبيُوع: اذْكروا وَفِي رِوَايَة أبي خَالِد: لَا نَدْرِي يذكرُونَ، وَزَاد أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَته: أم لم يذكرُوا أفنأكل مِنْهَا؟ قَوْله: (وَكَانُوا) ، أَي: الْقَوْم السائلون.
وَقد اسْتدلَّ قوم بِهَذَا الحَدِيث على أَن التَّسْمِيَة على الذَّبِيحَة لَيست بواجبة، إِذْ لَو كَانَت وَاجِبَة لما أَمرهم ﷺ ، بِأَكْل ذَبِيحَة الْأَعْرَاب أهل الْبَادِيَة. وَأجِيب: بِأَن هَذَا كَانَ فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن مَالِكًا زَاد فِي آخِره. وَذَلِكَ فِي أول الْإِسْلَام، وَيُمكن أَنهم لم يَكُونُوا جاهلين بِالتَّسْمِيَةِ.
﴿تَابَعَهُ عَلِيٌّ عَنْ الدَّراوَرْدِيِّ﴾
يَعْنِي: تَابع أُسَامَة بن حَفْص عَن هِشَام عَليّ بن الْمَدِينِيّ عَن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد الدَّرَاورْدِي بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَالرَّاء وَالْوَاو وَسُكُون الرَّاء وبالدال الْمُهْملَة نِسْبَة إِلَى دراورد قَرْيَة من قرى خُرَاسَان وَمرَاده من مُتَابَعَته إِيَّاه أَنه رَوَاهُ عَن هِشَام بن عُرْوَة مَرْفُوعا، كَمَا رَوَاهُ أُسَامَة بن حَفْص، وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق يَعْقُوب بن حميد عَن الدَّرَاورْدِي.
﴿وَتَابَعَهُ أبُو خَالِدٍ وَالطُّفاوِيُّ﴾
أَي: وتابع أُسَامَة بن حَفْص أَيْضا أَبُو خَالِد سُلَيْمَان بن حَيَّان الْأَحْمَر فِي رِوَايَته عَن هِشَام بن عُرْوَة مَرْفُوعا وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة البُخَارِيّ فِي كتاب التَّوْحِيد مُتَّصِلا عَن يُوسُف بن مُوسَى عَنهُ قَوْله: والطفاوي أَي: وَتَابعه أَيْضا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الطفَاوِي بِضَم الطَّاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْفَاء وَالْوَاو نِسْبَة إِلَى طفاوة بنت حزم بن زِيَاد بن ثَعْلَب بن حلوان بن عمرَان بن ألحاف بن قضاعة، وَوصل مُتَابَعَته البُخَارِيّ فِي كتاب الْبيُوع عَن أَحْمد بن الْمِقْدَام الْعجلِيّ عَنهُ وَسَماهُ هُنَاكَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن، وَزَاد الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنه تَابعه أَيْضا عبد الرَّحِيم بن سُلَيْمَان وَيُونُس بن بكير ومحاضر وَمَالك بن أنس، وَزَاد الدَّارَقُطْنِيّ: تَابعه أَيْضا النَّضر بن شُمَيْل وَعمر بن مجمع، وَقَالَ فِي (غرائب الْمُوَطَّأ) تفرد بِهِ عبد الْوَهَّاب عَن مَالك مُتَّصِلا وَغَيره يرويهِ عَن مَالك عَن هِشَام عَن أَبِيه مُرْسلا وادّعى أَبُو عمر أَنه لم يخْتَلف عَن مَالك فِي إرْسَاله، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (علله) وَرَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة وَحَمَّاد بن زيد وَابْن عُيَيْنَة وَيحيى الْقطَّان ومفضل بن فضَالة عَن هِشَام عَن أَبِيه مُرْسلا لَيْسَ فِيهِ عَن عَائِشَة، والمرسل أشبه بِالصَّوَابِ وَله طَرِيق آخر مُرْسل أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن الشّعبِيّ: أَنِّي رَسُول الله ﷺ ، فِي غَزْوَة تَبُوك بمحنية، فَقيل: إِن هَذَا طَعَام يصنعه الْمَجُوس، فَقَالَ: اذْكروا اسْم الله عَلَيْهِ وكلوه.
٢٢ - (بَابُ: ﴿ذَبَائِحِ أهْلِ الكِتابِ وَشُحُومِها مِنْ أهْلِ الحَرْبِ وَغَيْرِهِمْ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم ذَبَائِح أهل الْكتاب. قَوْله: وشحومها. أَي: شحوم أهل الْكتاب قَوْله: من أهل الْحَرْب كلمة من يجوز أَن تكون بَيَانِيَّة، وَيجوز أَن تكون للتَّبْعِيض أَي: من أهل الْحَرْب الَّذين لَا يُعْطون الْجِزْيَة. قَوْله: (وَغَيرهم) ، أَي: وَغير أهل الْحَرْب من الَّذين يُعْطون الْجِزْيَة، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى جَوَاز ذَبَائِح أهل الْكتاب وَجَوَاز أكل شحومهم، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور وَعَن مَالك وَأحمد: تَحْرِيم مَا حرم أهل الْكتاب كالشحوم.
﴿وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمُ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتِ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾
وَقَوله: بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: الذَّبَائِح، أَي: وَبَيَان قَوْله تَعَالَى: ﴿الْيَوْم أحل لكم الطَّيِّبَات﴾ وَهَذَا الْمِقْدَار فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره إِلَى قَوْله: ﴿حل لكم﴾ وَأورد هَذِه الْآيَة فِي معرض الِاسْتِدْلَال على جَوَاز أكل ذَبَائِح أهل الْكتاب من الْيَهُود وَالنَّصَارَى من أهل الْحَرْب وَغَيرهم لِأَن المُرَاد من قَوْله : ﴿وَطَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب﴾ ذَبَائِحهم، وَبِه قَالَ ابْن عَبَّاس وَأَبُو أُمَامَة وَمُجاهد وَسَعِيد بن جُبَير وَعِكْرِمَة وَعَطَاء وَالْحسن وَمَكْحُول وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالسُّديّ، وَمُقَاتِل بن حَيَّان، وَهَذَا أَمر مجمع عَلَيْهِ بَين الْعلمَاء أَن ذَبَائِحهم حَلَال للْمُسلمين لأَنهم يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيم الذّبْح لغير الله تَعَالَى وَلَا يذكرُونَ على ذَبَائِحهم إِلَّا اسْم الله وَإِن اعتقدوا فِيهِ مَا هُوَ منزه عَنهُ، وَلَا تُبَاح ذَبَائِح من عداهم من أهل الشّرك وَمن شابههم لأَنهم
стр. 6319
لَا يذكرُونَ اسْم الله على ذَبَائِحهم وقرابينهم، وهم لَا يتعبدون بذلك وَلَا يتوقفون فِيمَا يَأْكُلُونَهُ من اللَّحْم على ذَكَاة، بل يَأْكُلُون الْميتَة بِخِلَاف أهل الْكتاب وَمن شاكلهم من السامرة والصابئة وَمن تمسك بدين إِبْرَاهِيم وشيث وَغَيرهمَا من الْأَنْبِيَاء ﵈، على أحد قولي الْعلمَاء ونصارى الْعَرَب كبني تغلب وتنوخ وبهزام وجذام ولخم وعاملة وَمن أشبههم لَا تُؤْكَل ذَبَائِحهم عِنْد الْجُمْهُور.
﴿وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ نَصَارَى العَرَبِ وَإنْ سَمِعْتَهُ يُسَمَّى لِغَيْرِ الله فَلا تَأْكُلْ وَإنْ لَمْ تَسْمَعْهُ فَقَدْ أحَلَّهُ الله وَعَلِمَ كُفْرَهُمْ﴾
أَي: قَالَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره، وَقد وصل هَذَا عبد الرَّزَّاق عَن معمر. قَالَ: سَأَلت الزُّهْرِيّ عَن ذَبَائِح نَصَارَى الْعَرَب فَذكر نَحوه، وَقَالَ فِي آخِره: وإهلاله أَن يَقُول: باسم الْمَسِيح. قلت: وَهُوَ فِي (الْمُوَطَّأ) مَرْفُوعا.
﴿وَنُذْكِرُ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوهُ﴾
ذكره بِصِيغَة التمريض إِشَارَة إِلَى ضعفه أَي: وَيذكر عَن عَليّ بن أبي طَالب نَحْو: مَا روى عَن الزُّهْرِيّ، وَجَاء عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من وَجه صَحِيح الْمَنْع من ذَبَائِح بعض نَصَارَى الْعَرَب أخرجه الشَّافِعِي وَعبد الرَّزَّاق بأسانيد صَحِيحَة عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن عُبَيْدَة السَّلمَانِي عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لَا تَأْكُلُوا ذَبَائِح نَصَارَى بني تغلب فَإِنَّهُم لم يَتَمَسَّكُوا من دينهم إلَاّ بِشرب الْخمر.
﴿وَقَالَ الحَسَنُ وَإبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ بِذَبيحَةِ الأقْلَفِ﴾
أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ. لَا بَأْس بذبيحة الأقلف، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْقَاف وَفتح اللَّام وبالفاء، وَهُوَ الَّذِي لم يختتن، والقلفة بِالْقَافِ وَيُقَال بالغين الْمُعْجَمَة الغرلة وَهِي الْجلْدَة الَّتِي تستر الْحَشَفَة، وإثر الْحسن رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر قَالَ: كَانَ الْحسن يرخص فِي الرجل إِذا أسلم بعد مَا يكبر فيخاف على نَفسه إِن اختتن أَن لَا يختتن وَكَانَ لَا يرى بِأَكْل ذَبِيحَته بَأْسا وَأثر إِبْرَاهِيم أخرجه أَبُو بكر الْخلال من طَرِيق سعيد بن أبي عرُوبَة عَن مُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ قَالَ: لَا بَأْس بذبيحة الأقلف.
﴿وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: طَعَامُهُمْ ذَبَائِحِهِمْ﴾
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَطَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب﴾ إِن المُرَاد من طعامهم ذَبَائِحهم، وَقَامَ الِاتِّفَاق على أَن المُرَاد من طعامهم ذَبَائِحهم دون مَا أكلوه لأَنهم يَأْكُلُون الْميتَة وَلحم الْخِنْزِير وَالدَّم، وَلَا يحل لنا شَيْء من ذَلِك بِالْإِجْمَاع، وَقد مر هَذَا عَن قريب، وَهَذَا التَّعْلِيق ذكره هُنَا عِنْد الْمُسْتَمْلِي، وَعند السَّرخسِيّ والحموي فِي آخر الْبَاب عقيب الحَدِيث الْمَذْكُور بعده.
٥٥٠٨ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ حُمَيْدِ بنِ هِلالٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ مُغْفَّلٍ ﵁، قَالَ: كُنَّا مُحَاصِرِينَ قَصْرَ خَيْبَرَ فَرَمَى إنْسَانٌ بِجرَابٍ فِيهِ شَحْمٌ فَنَزَوْتُ لآخذَهُ فَالتَفَتُّ فَإذا النبيُّ ﷺ ، فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فِيهِ شَحم) وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ.
والْحَدِيث مر فِي الْخمس فِي: بَاب مَا يُصِيب من الْمَغَانِم فِي أَرض الْحَرْب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة إِلَى آخِره. وَأخرجه أَيْضا فِي الْمَغَازِي، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (فنزوت) بنُون وزاي أَي: وَثَبت من النزو، وَهُوَ الوثبة وَفِي رِوَايَة الْكشميهني، فبدرت أَي: سارعت.
وَفِيه: حجَّة على من منع مَا حرم عَلَيْهِم كالشحوم لِأَن النَّبِي ﷺ ، أقرّ عبد الله بن معفل على الِانْتِفَاع بالجراب الْمَذْكُور. وَفِيه: جَوَاز أكل الشَّحْم مِمَّا ذبحه أهل الْكتاب. وَلَو كَانُوا أهل الْحَرْب.
٢٣ - (بَابُ: ﴿مَا نَدَّ مِنَ البَهَائِمِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الوَحْشِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم مَا ند أَي: نفر من الْبَهَائِم فَهُوَ أَي الَّذِي ند بِمَنْزِلَة الْوَحْش أَي: فِي جَوَاز عقره كَيفَ مَا اتّفق.
стр. 6320
﴿وَأجازَهُ ابنُ مَسْعُودٍ﴾
أَي: أجَاز عبد الله بن مَسْعُود كَون حكم مَا ند من الْبَهَائِم كَحكم الْحَيَوَان الوحشي فِي الْعقر كَيفَ مَا كَانَ، وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن ابْن مَسْعُود مَا يُؤَدِّي هَذَا الْمَعْنى. قَالَ: حَدثنِي وَكِيع عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة أَن حمارا لأهل عبد الله ضرب رجل عُنُقه بِالسَّيْفِ، فَسئلَ عبد الله فَقَالَ: كلوه فَإِنَّمَا هُوَ صيد.
﴿وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: مَا أعْجَزَكَ مِنَ البَهَائِمِ مِمَّا فِي يَدَيْكَ فَهُوَ كَالصَّيْدِ وَفِي بَعِيرٍ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ مِنْ حَيْثُ قَدَرْتَ عَلَيْهِ فَذَكِّهِ﴾
هَذَانِ أثران معلقان، وصل الأول ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عِكْرِمَة عَنهُ بِهَذَا قَالَ: فَهُوَ بِمَنْزِلَة الصَّيْد، وَوصل الثَّانِي عبد الرَّزَّاق عَن عِكْرِمَة عَنهُ قَالَ: إِذا وَقع الْبَعِير فِي الْبِئْر فاطعنه من قبل خاصرته وَاذْكُر اسْم الله وكل. قَوْله: (مِمَّا فِي يَديك) أَي: مِمَّا كَانَ لَك، وَفِي تصرفك وعجزت عَن ذبحه الْمَعْهُود.
﴿وَرَأي ذَلِكَ عَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ﴾
ذَلِك إِشَارَة إِلَى مَا ذكر من أَن حكم الْبَهِيمَة الَّتِي تند مثل حكم الْحَيَوَان الوحشي، فَرَأى ذَلِك عَليّ بن أبي طَالب، وَعبد الله بن عمر وَعَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فأثر عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ أَبُو بكر عَن حَفْص عَن جَعْفَر عَن أَبِيه أَن ثورا مر فِي بعض دور الْمَدِينَة فَضَربهُ رجل بِالسَّيْفِ وَذكر اسْم الله قَالَ: فَسئلَ عَنهُ عَليّ، فَقَالَ: ذَكَاة، وَأمرهمْ بِأَكْلِهِ وَأثر عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أخرجه عبد الرَّزَّاق عَن شُعْبَة وسُفْيَان كِلَاهُمَا عَن سعيد بن مَسْرُوق عَن عَبَايَة بن رَافع بن خديج عَنهُ. وَأثر عَائِشَة ذكره ابْن حزم فَقَالَ: هُوَ أَيْضا قَول عَائِشَة وَلَا يعرف لَهُم من الصَّحَابَة مُخَالف. قَالَ: وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأبي ثَوْر وَأحمد وَإِسْحَاق وأصحابهم وأصحابنا. وَقَالَ مَالك: لَا يجوز أَن يذكي أصلا إلَاّ فِي الْحلق واللبة، وَهُوَ قَول اللَّيْث وَرَبِيعَة، وَقَالَ ابْن بطال: وَقَالَ سعيد بن الْمسيب: لَا تكون ذَكَاة كل أنسي إلَاّ بِالذبْحِ والنحر، وَإِن شرد لَا يحل إلَاّ بِمَا يحل بِهِ الصَّيْد.
٥٥٠٩ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ حدَّثنا يَحْيَى حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا أبِي عَنْ عَبَايَةَ بنِ رِفاعَةَ بنِ رَافِعٍ بنِ خَدِيجٍ عَنْ رافِعٍ بنِ خَدِيجٍ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! إنَّا لاقُو العَدُوِّ مُدا وَلَيْسَتْ مَعَنَا عدّا. فَقَالَ: أعْجَلْ. أوْ أرنْ مَا أنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْم الله عَلَيْهِ فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأُحَدِّثُكَ أمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ. وَأمَّ الظُّفُرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ، وَأصَبْنا نَهْبَ إبِلٍ وَغَنَمٍ فَنَدَّ مِنْها بَعِيرٌ فَرَماهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : إنَّ لِهاذِهِ الإبِلِ أوَابِدَ كَأوَابِدَ الوَحْشِ، فَإذا غَلَبَكُمْ مِنْها شَيْءٌ فَافْعَلُوا بِهِ هاكذا.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعَمْرو بن عَليّ بن بَحر الْبَصْرِيّ الصَّيْرَفِي، وَيحيى الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ يروي عَن أَبِيه سعيد بن مَسْرُوق عَن عَبَايَة بن رِفَاعَة بن خديج يروي عَن جده رَافع بن خديج كَذَا وَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَفِي رِوَايَة غَيره. عَن عَبَايَة بن رَافع بن خديج فنسبه إِلَى جده.
والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب التَّسْمِيَة على الذَّبِيحَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن أبي عوَانَة عَن سعيد بن مَسْرُوق وَهُوَ أَبُو سُفْيَان الثَّوْريّ عَن عَبَايَة إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (فَقَالَ: أعجل) أَو أرن شكّ من الرَّاوِي أَي: قَالَ أعجل أَو قَالَ أرن، وإعجل بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْعين وَفتح الْجِيم، أَمر من العجلة ثمَّ إِن الروَاة اخْتلفُوا فِي ضبط أرن فَفِي رِوَايَة كَرِيمَة بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الرَّاء وَسُكُون النُّون، وَكَذَا ضَبطه الْخطابِيّ فِي (سنَن أبي دَاوُد) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر بِسُكُون الرَّاء وَكسر النُّون، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَرِنِي، بِإِثْبَات الْيَاء، وَفِي رِوَايَة ذكرهَا الْخطابِيّ. فَقَالَ: قَوْله: (إعجل أَو أرن) صَوَابه ائرن بِوَزْن إعجل من أرن يأرن إِذا خف أَي:
стр. 6321
أعجل ذَبحهَا لِئَلَّا تَمُوت حتفا، وَوجه الْخطابِيّ وَجها آخر وَهُوَ: ائزز، من أزز الرجل إصبعه فِي الشَّيْء إِذا أدخلها فِيهِ، وأززت الجرادة إِذا أدخلت ذنبها فِي الأَرْض وادّعى أَن غَيره تَصْحِيف وَأَن هَذَا هُوَ الصَّوَاب.
قلت: قد أَطَالَ الشُّرَّاح هُنَا كلَاما كثيرا أَكْثَره على خلاف الْقَوَاعِد الصرفية، وَلم يذكر أحد مِنْهُم كَيفَ أَعْرَاب: مَا أنهر الدَّم، فَنَقُول بعون الله وتوفيقه: هُنَا أوجه.
الْوَجْه الأول: رِوَايَة كَرِيمَة أرن بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الرَّاء وَسُكُون النُّون على وزن: إفل لِأَن عين الْفِعْل حذفت فِي الْأَمر لِأَنَّهُ أَمر من أران يرين، وَالْأَمر: أرن كأطع من أطَاع يُطِيع، يُقَال: أرأنت الْقَوْم إِذا هَلَكت مَوَاشِيهمْ وَالْمعْنَى، هُنَا أهلك الَّذِي تذبحه بِمَا أنهر الدَّم وحرف الصِّلَة مَحْذُوف.
وَالْوَجْه الثَّانِي: رِوَايَة أبي ذَر: أرن، بِسُكُون الرَّاء وَكسر النُّون قَالَ بَعضهم: بِوَزْن أعْط بِمَعْنى أَدَم الحز من قَوْلك: رنوت إِذا أدمت النّظر إِلَى الشَّيْء. قلت: هَذَا غلط فَاحش لِأَن رنوت من بَاب رنا يرنو رنوا من بَاب نصر ينصر وَالْأَمر فِيهِ لَا يَأْتِي أَلا ارن بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء مثل انصر وَلَيْسَ هُوَ الْأَمر من أَرِنِي يرني من بَاب أفعل، وَالْأَمر مِنْهُ أرن، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وَكسر النُّون، وَالْمعْنَى على هَذَا: أنظر مَا أنهر الدَّم إِلَى الَّذِي تذبحه فَيكون مَحل مَا أنهر الدَّم، نصبا على أَنه مفعول: أنظر من الإنظار.
الْوَجْه الثَّالِث: رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَرِنِي، هُوَ مثل مَا قبله غير أَن النُّون لما أشبعت بالكسرة تولدت مِنْهَا الْيَاء.
الْوَجْه الرَّابِع: مَا قَالَ الْخطابِيّ، وَهُوَ ائزز، بِكَسْر الْهمزَة الأولى وَسُكُون الثَّانِيَة وَفتح الزَّاي الأولى إِن كَانَ من بَاب: أزز مثل علم فَلَا يَجِيء الْأَمر مِنْهُ إِلَّا أئزز مثل اعْلَم، وَإِن كَانَ من أزز الشَّيْء من بَاب نصر ينصر يكون الْأَمر مِنْهُ أؤزز، بِضَم الْهمزَة الأولى وَسُكُون الثَّانِيَة وَضم الزَّاي الأولى فَمَعْنَى الْبَاب الأول الإغراء والتهييج، وَمعنى الْبَاب الثَّانِي: ضم بعض الشَّيْء إِلَى بعض.
٢٤ - (بَابُ: ﴿النَّحْرِ وَالذَّبْحِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان النَّحْر وَالذّبْح، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر. والذبائح، وَقَالَ بَعضهم: الذَّبَائِح بِصِيغَة الْجمع وَكَأَنَّهُ جمع بِاعْتِبَار أَنه الْأَكْثَر. قلت: كل أحد يعرف أَن صِيغَة الذَّبَائِح صِيغَة جمع، وَقَوله: وَكَأَنَّهُ إِلَى آخِره يشْعر بِأَن الذَّبَائِح جمع ذبح وَلَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ جمع ذَبِيحَة، وَمَعَ هَذَا ذكره بِصِيغَة الْجمع لَا طائل تَحْتَهُ بل قَوْله: وَالذّبْح أحسن مَا يكون لِأَنَّهُ مصدر يعم كل ذبح فِي كل ذَبِيحَة، وَقَالَ ابْن التِّين: الأَصْل فِي الْإِبِل النَّحْر، وَفِي الشَّاة وَنَحْوهَا الذّبْح، وَأما الْبَقر فجَاء فِي الْقُرْآن ذكر ذَبحهَا وَفِي السّنة ذكر نحرها، وَاخْتلف فِي نحر مَا يذبح وَذبح مَا ينْحَر، فَأَجَازَهُ الْجُمْهُور وَمنعه ابْن الْقَاسِم، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: رُوِيَ عَن أبي حنيفَة وَالثَّوْري وَاللَّيْث وَمَالك وَالشَّافِعِيّ جَوَاز ذَلِك إلَاّ أَنه يكره، وَقَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر: لَا يكره وَهُوَ قَول عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة وَقَالَ أَشهب: إِن ذبح بَعِيرًا من غير ضَرُورَة لَا يُؤْكَل.
﴿وَقَالَ ابنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ: لَا ذَبْحَ وَلا مَنْحَرَ إلَاّ فِي المَذْبَحِ وَالمَنْحَرِ. قُلْتُ: أيَجِزىء مَا يُذْبَحُ أنْ أنْحَرَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، ذَكَرَ الله ذَبْحَ البَقَرَةِ فَإنْ ذَبَحْتَ شَيْئا يَنْحَرُ جَازَ وَالنَّحْرُ أحَبُّ إلَيَّ، وَالذَّبْحُ قَطْعُ الأوْدَاجِ. قُلْتُ: فَيُخَلَّفُ الأوْدَاجُ حَتَّى يَقْطَعَ النِّخاعَ. قَالَ: لَا إخَالُ وَأخْبَرنِي نَافِعٌ أنَّ ابنَ عُمَرَ: نَهَى عَنِ النَّخْع، يَقُولُ: يَقْطَعُ مَا دُونَ العَظْمِ ثُمَّ يَدَعُ حَتَّى تَمُوتَ﴾
ابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح. قَوْله: (لَا ذبح وَلَا نحر إلَاّ فِي المذبح والمنحر) ، هَذَا لف وَنشر على التَّرْتِيب، فالذبح والنحر مصدران والمذبح والمنحر اسْم مَكَان الذّبْح والنحر. قَوْله: (قلت) ، الْقَائِل هُوَ ابْن جريج. قَوْله: (أيجزىء) ، من الْإِجْزَاء. قَوْله: (مَا يذبح) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أَن أنحر) على صِيغَة نفس الْمُتَكَلّم وَحده. قَوْله: (ذكر الله) فعل وفاعل. وَذبح الْبَقَرَة بِالنّصب مَفْعُوله. وَهُوَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة﴾ وروت عمْرَة عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَت: دخل علينا يَوْم النَّحْر بِلَحْم فَقيل: نحر رَسُول الله ﷺ ، عَن أَزوَاجه الْبَقر فَجَاز فِيهَا الْوَجْهَانِ. قَوْله: (فَإِن ذبحت) ، شَيْئا خطاب من عَطاء لِابْنِ جريج. قَوْله: (ينْحَر) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (والنحر أحب إليَّ) ، من كَلَام عَطاء وإليَّ بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (وَالذّبْح قطع الْأَوْدَاج) ، تَفْسِير الذّبْح، والأوداج جمع ودج بِفَتْح
стр. 6322
الْوَاو وَالدَّال وبالجيم، وَقَالَ بَعضهم: وَذكره الْأَوْدَاج فِيهِ نظر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَاّ ودجان بالتثنية وهما عرقان غليظان متقابلان. قلت: لما كَانَ الشَّرْط قطع الْعُرُوق الْأَرْبَعَة: وَهِي الْحُلْقُوم والمريء والودجان أطلق عَلَيْهَا لفظ: الْأَوْدَاج، بطرِيق الْغَلَبَة وَلِهَذَا ورد فِي بعض الحَدِيث: أفر الأودج وأنهر بِمَا شِئْت، حَيْثُ أطلق على الْأَرْبَعَة: الْأَوْدَاج، وأفر، بِالْفَاءِ بِمَعْنى: اقْطَعْ وَقَالَ الصغافي: الودج عرق فِي الْعُنُق وهما ودجان. وَقَالَ اللَّيْث: الودج عرق مُتَّصِل من الرَّأْس إِلَى النَّحْر.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي اشْتِرَاط قطع الْأَوْدَاج كلهَا فعندنا أَن قطع الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة حل الْأكل وَإِن قطع أَكْثَرهَا فَكَذَلِك عِنْد أبي حنيفَة. وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد لَا بُد من قطع الْحُلْقُوم والمريء وَأحد الودجين حَتَّى لَو قطع بعض الْحُلْقُوم أَو المريء لم يحل، هَكَذَا ذكر الْقَدُورِيّ الإختلاف فِي (مُخْتَصره) وَالْمَشْهُور فِي كتب مَشَايِخنَا أَن هَذَا قَول أبي يُوسُف وَحده، وَالْحَاصِل أَن عِنْد أبي حنيفَة: إِذا قطع الثَّلَاث أَي: ثَلَاث كَانَ من الْأَرْبَعَة جَازَ وَعَن أبي يُوسُف ثَلَاث رِوَايَات: إِحْدَاهَا: هَذِه. وَالثَّانيَِة: اشْتِرَاط قطع الْحُلْقُوم مَعَ الآخرين. وَالثَّالِثَة: اشْتِرَاط قطع الْحُلْقُوم والمري وَأحد الودجين وَعَن مُحَمَّد: يعْتَبر أَكثر كل فَرد، يَعْنِي: أَكثر كل وَاحِد من الْأَرْبَعَة، وَفِي (وجيز الشَّافِعِيَّة) يعْتَبر قطع الْحُلْقُوم والمريء دون الآخرين، وَبِه قَالَ أَحْمد، وَعَن الاصطخري يَكْفِي قطع الْحُلْقُوم أَو المريء وَفِي (الْحِلْية) هَذَا خلاف نَص الشَّافِعِي وَخلاف الْإِجْمَاع، وَعَن الثَّوْريّ: إِن قطع الودجان أَجْزَأَ وَلَو لم يَقع الْحُلْقُوم والمري، وَعَن مَالك وَاللَّيْث يشْتَرط قطع الودجين والحلقوم فَقَط.
قَوْله قلت: (فيخلف الْأَوْدَاج) ، الْقَائِل هُوَ ابْن جريج سَأَلَ عَطاء بقوله: فيخلف الْأَوْدَاج على صِيغَة الْمَجْهُول يَعْنِي: تتْرك الْأَوْدَاج وَلَا يَكْتَفِي بقطعها حَتَّى يقطع النخاع، بِتَثْلِيث النُّون، وَهُوَ خيط أَبيض يكون دَاخل عظم الرَّقَبَة وَيكون ممتدا إِلَى الصلب حَتَّى يبلغ عجب الذَّنب. هَكَذَا فسره الْكرْمَانِي، وَهَذَا أَخذه من صَاحب (الْمغرب) فَإِنَّهُ فسره هَكَذَا، ورد عَلَيْهِ بعض أَصْحَابنَا بِأَن بدن الْحَيَوَان مركب من عِظَام، وأعصاب وعروق وشرايين وأوتار وَمَا ثمَّة شَيْء يُسمى بالخيط أصلا وَقَالَ الْكَرْخِي فِي (مُخْتَصره) وَيكرهُ إِذا ذَبحهَا أَن يبلغ النخاع وَهُوَ الْعرق الْأَبْيَض الَّذِي يكون فِي عظم الرَّقَبَة. قَوْله: (قَالَ لَا إخال) أَي: قَالَ عَطاء: لَا أَظن وإخال بِفَتْح الْهمزَة وَكسرهَا وَالْكَسْر أفْصح. قَوْله: (وَأَخْبرنِي نَافِع) هَذَا من كَلَام ابْن جريج أَي: قَالَ ابْن جريج، وَأَخْبرنِي مولى ابْن عمرَان بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، نهى عَن النخع بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة، وَهُوَ أَن يَنْتَهِي بِالذبْحِ إِلَى النخاع. وَقَالَ اصحب (الْهِدَايَة) وَمن بلغ بالسكين النخاع أَو قطع الرَّأْس كره لَهُ ذَلِك، وتؤكل ذَبِيحَته وَأما الْكَرَاهَة فَلَمَّا روى عَن رَسُول الله ﷺ ، أَنه نهى أَن تنخع الشَّاة إِذا ذبحت. قلت: هَذَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن الْحسن فِي (كتاب الصَّيْد) من الأَصْل عَن سعيد بن الْمسيب عَن رَسُول الله ﷺ ، وَهُوَ مُرْسل، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه) حَدثنَا أَبُو خَليفَة الْفضل بن الْحَارِث حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ حَدثنَا عبد الحميد بهْرَام عَن شهر بن حَوْشَب عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَن النَّبِي ﷺ ، نهى عَن الذَّبِيحَة أَن تفرس، وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي (غَرِيب الحَدِيث) الْفرس أَن تذبح الشَّاة فتنخع. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الْفرس النخع، يُقَال: فرست الشَّاة ونخعتها، وَذَلِكَ أَن يَنْتَهِي الذَّابِح إِلَى النخاع. قَوْله: (يَقُول) إِلَى آخِره إِشَارَة إِلَى تَفْسِير النخع وَهُوَ قطع مَا دون الْعظم ثمَّ يدع أَي: ثمَّ يتْرك حَتَّى يَمُوت.
﴿وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وإذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إنَّ الله يَأمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَة﴾ وَقَالَ: ﴿فَذَبَحُوها وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾
وَقَول الله بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: النَّحْر وَالذّبْح المجروران بِالْإِضَافَة والعطف، تَقْدِيره: بَاب فِي بَيَان النَّحْر وَالذّبْح، وَفِي بَيَان قَول الله : ﴿وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ إِلَى آخِره، وَهَذَا من تَمام التَّرْجَمَة وفيهَا إِشْعَار بِأَن الْبَقَرَة لَهَا اخْتِصَاص بِالذبْحِ قَوْله: (إِذا قَالَ) أَي: اذكر يَا مُحَمَّد حِين (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِن الله يَأْمُركُمْ) . وَقَالَ أَبُو عبد الله. وَكَانَ نزُول قصَّة الْبَقَرَة على مُوسَى، ﵇، فِي أَمر الْقَتِيل قبل نزُول الْقسَامَة فِي الْقَتِيل، وقصته مَشْهُورَة. قَوْله: (وَقَالَ فذبحوها) أَي: الْبَقَرَة الَّتِي جاؤوا بهَا على الْوَصْف الْمَذْكُور الَّذِي وَصفه الله تَعَالَى. قَوْله: ﴿وَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ لِكَثْرَة ثمنهَا. وَقيل: خوف الفضيحة إِن اطلع الله على قَاتل النَّفس الَّذِي اخْتَصَمُوا فِيهِ.
﴿وَقَالَ سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ الذَّكاةُ فِي الحَلْقِ وَاللَّبَّةِ﴾
стр. 6323
أَي: قَالَ سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس: الذَّكَاة فِي الْحلق واللبة. قَالَ بَعضهم: اللبة، بِكَسْر اللَّام وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: هِيَ مَوضِع القلادة من الصَّدْر وَهِي المنحر قلت: لَيست اللبة بِكَسْر اللَّام وَإِنَّمَا هِيَ بِفَتْحِهَا وَقَالَ الدودى: هِيَ أَعلَى الْعُنُق مَا دون الخرزة. وَفِي (الْمَبْسُوط) مَا بَين اللبة واللحيين، واللبة رَأس الصَّدْر، واللحيان الذقن، وَفِي الْجَامِع (الصَّغِير) لَا بَأْس بِالذبْحِ فِي الْحلق كُله وَسطه وَأَعلاهُ وأسفله، وَقَول ابْن عَبَّاس الذَّكَاة فِي الْحلق واللبة أَي: بَين الْحلق واللبة وَكلمَة فِي بِمَعْنى: بَين كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فادخلي فِي عبَادي﴾ (الْفجْر: ٢٩) أَي: بَين عبَادي وَتَعْلِيق ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، رَوَاهُ أَبُو بكر عَن ابْن الْمُبَارك عَن خَالِد عَن عِكْرِمَة عَنهُ.
﴿وَقَالَ ابنُ عُمَرَ وَابنُ عَبَّاسٍ وَأنَسٌ: إذَا قَطَعَ الرَّأْسَ فَلا بَأْسَ﴾
أثر ابْن عمر وَصله أَبُو مُوسَى الزَّمن من رِوَايَة أبي مجَاز: سَأَلت ابْن عمر عَن ذَبِيحَة قطع رَأسهَا؟ فَأمر ابْن عمر بأكلها وَأثر ابْن عَبَّاس وَصله ابْن أبي شيبَة بِسَنَد صَحِيح عَن ابْن عَبَّاس سَأَلَ عَن ذبح دجَاجَة طير رَأسهَا. فَقَالَ: ذَكَاة وحية بِفَتْح الْوَاو وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف أَي: شَرِيعَة منسوبة إِلَى الوحاء وَهُوَ الْإِسْرَاع والعجلة، وَأثر أنس بن مَالك وَصله أَبُو بكر بن أبي شيبَة من طَرِيق عبيد الله بن أبي بكر بن أنس أَن جزارا لأنس ذبح دجَاجَة فاضطربت فذبحها من قفاها فأطار رَأسهَا فأرادوا طرحها فَأَمرهمْ أنس بأكلها.
٥٥١٠ - حدَّثنا خَلَاّدُ بنُ يَحْيَى حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةِ قَالَ: أخْبَرَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ المُنْذِرِ امْرَأَتِي عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ، ﵄، قَالَتْ: نَحَرْنا عَلَى عهد النبيِّ ﷺ ، فَرَساً فَأَكَلْناهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وخلاد بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام ابْن يحيى بن صَفْوَان أَبُو مُحَمَّد السّلمِيّ الْكُوفِي سكن مَكَّة وَمَات بهَا قَرِيبا من سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَفَاطِمَة بنت الْمُنْذر زَوْجَة هِشَام الرَّاوِي.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الذَّبَائِح أَيْضا عَن مُحَمَّد بن نمير وَغَيره وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عِيسَى بن أَحْمد وَغَيره. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَقَالَ بعض الْعلمَاء: حكم الْخَيل فِي الذَّكَاة حكم الْبَقر يُرِيد أَنَّهَا تنحر وتذبح وَأَن الْأَحْسَن فِيهَا الذّبْح.
وَفِيه حجَّة للشَّافِعِيّ، وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد بن الْحسن على جَوَاز أكل لحم الْخَيل، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك يكره كَرَاهَة تَحْرِيم، وَقيل: تَنْزِيه.
٥٥١١ - حدَّثنا إسْحَاقُ سَمِعَ عَبْدَةَ عَنْ هِشامٍ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أسْمَاءَ قَالَتْ: ذَبَحْنا عَلى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَرَسا وَنَحْنُ بِالمَدِينَةِ فَأكَلْناهُ.
هَذَا طَرِيق آخر أخرجه إِسْحَاق قَالَ الكلاباذي: لَعَلَّه إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَعَبدَة بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن سُلَيْمَان إِلَى آخِره، وَهنا قَالَ: ذبحنا وَفِي الحَدِيث السَّابِق قَالَ: نحرنا، وَجه الْجمع بَينهمَا أَنهم مرّة نحروها وَمرَّة ذبحوها أَو أحد اللَّفْظَيْنِ مجَاز وَالْأول هُوَ الصَّحِيح الْمعول عَلَيْهِ إِذْ لَا يعدل إِلَى الْمجَاز إلَاّ إِذا تَعَذَّرَتْ الْحَقِيقَة، وَلَا تعذر هَاهُنَا. بل فِي الْحَقِيقَة فَائِدَة وَهِي ذبح المنحور وَنحر الْمَذْبُوح، وَقيل: هَذَا الِاخْتِلَاف على هِشَام، وَفِيه إِشْعَار بِأَنَّهُ تَارَة يرويهِ بِلَفْظ: نحرنا، وَتارَة بِلَفْظ: ذبحنا، وَهُوَ مصير مِنْهُ إِلَى اسْتِوَاء اللَّفْظَيْنِ فِي الْمَعْنى، وَإِن النَّحْر يُطلق على الذّبْح، وَالذّبْح يُطلق على النَّحْر.
٥٥١٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ حدَّثنا جَرِيرٌ عَنْ هِشامٍ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ أنَّ أسْمَاءَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ قَالَتْ: نَحَرْنا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ فَرَسا فَأكَلْناهُ.
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، أخرجه عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن جرير بن عبد الحميد إِلَى آخِره.
﴿تَابَعَهُ وَكِيعٌ وَابنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامٍ: فِي النَّحْرِ﴾
أَي: تَابع جَرِيرًا وَكِيع وسُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن هِشَام فِي لفظ النَّحْر، فرواية وَكِيع أخرجهَا أَحْمد عَنهُ بِلَفْظ: نحرنا، وَكَذَلِكَ
стр. 6324
مُسلم أخرجه عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أَبِيه وَحَفْص بن غياث ووكيع، ثَلَاثَتهمْ عَن هِشَام بِلَفْظ: نحرنا وَرِوَايَة ابْن عُيَيْنَة أخرجهَا البُخَارِيّ بعد بَابَيْنِ عَن الحمدي عَن سُفْيَان عَن هِشَام إِلَى آخِره بِلَفْظ: نحرنا.
٢٥ - (بَابُ: ﴿مَا يُكْرَهُ مِنَ المُثْلَةِ وَالمَصْبُورَةِ وَالمُجَثَّمَةِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَرَاهَة الْمثلَة بِضَم الْمِيم وَهُوَ قطع أَطْرَاف الْحَيَوَان أَو بَعْضهَا يُقَال: مثل بِالْحَيَوَانِ يمثل مثلا كَقَتل يقتل قتلا إِذا قطع أَطْرَافه أَو أَنفه أَو أُذُنه وَنَحْو ذَلِك، والمثلة الِاسْم. قَوْله: (والمصبورة) ، هِيَ الدَّابَّة الَّتِي تحبس وَهِي حَيَّة لتقتل بِالرَّمْي وَنَحْوه، (وَالْمُجَثمَة) بِالْجِيم والثاء الْمُثَلَّثَة الْمَفْتُوحَة الَّتِي تجثم ثمَّ ترمى حَتَّى تقتل، وَقيل: إِنَّهَا فِي الطير خَاصَّة والأرنب وَأَشْبَاه ذَلِك. وَقَالَ الْخطابِيّ: الْمُجثمَة هِيَ المصبورة بِعَينهَا. وَقَالَ: بَين الْمُجثمَة والجاثمة فرق لِأَن الجاثمة هِيَ الَّتِي جثمت بِنَفسِهَا فَإِذا صيدت على تِلْكَ الْحَال لم تحرم، وَالْمُجَثمَة هِيَ الَّتِي ربطت وحبست قهرا وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء قَالَ: نهى رَسُول الله ﷺ ، عَن أكل الْمُجثمَة وَهِي الَّتِي تصبر بِالنَّبلِ، وَقَالَ: حَدِيث غَرِيب وَهُوَ من أَفْرَاده وروى التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث الْعِرْبَاض بن سَارِيَة أَن رَسُول الله ﷺ ، نهى يَوْم خَيْبَر عَن كل ذِي نَاب من السَّبع وَعَن كل ذِي مخلب من الطير وَعَن لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة وَعَن الْمُجثمَة وَعَن الخليسة وَأَن تُوطأ الحبالى حَتَّى يَضعن مَا فِي بطونهن. قَالَ مُحَمَّد بن يحيى هُوَ شيخ التِّرْمِذِيّ: فِي هَذَا الحَدِيث سَأَلَ أَبُو عَاصِم عَن الْمُجثمَة فَقَالَ: أَن ينصب الطير أَو الشَّيْء فَيرمى وَسُئِلَ عَن الخليسة فَقَالَ: الذِّئْب أَو السَّبع يُدْرِكهُ الرجل فَيَأْخُذ مِنْهُ فَيَمُوت فِي يَده قبل أَن يذكيه. قلت: الخليسة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر اللَّام وَسُكُون الْبَاء آخر الْحُرُوف وبسين مُهْملَة وَهِي فعيلة بِمَعْنى مفعولة، والجثوم من جثم الطَّائِر جثوما إِذا لزم الأَرْض والتصق بهَا، وَهُوَ بِمَنْزِلَة البروك لِلْإِبِلِ.
٥٥١٣ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ هِشام بنِ زَيْدٍ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أنَسٍ عَلَى الحَكَمِ بنِ أيُّوبَ فَرَأى غِلْمانا أوْ فِتْيانا نَصَبُوا دَجَاجَةَ يَرْمُونَها. فَقَالَ أنَسٌ: نَهَى النبيُّ ﷺ ، أنْ تُصبَرَ البَهَائِمُ.
مطابقته للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَهِشَام بن زيد بن أنس بن مَالك يروي عَن جده أنس بن مَالك.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الذَّبَائِح عَن أبي مُوسَى عَن غنْدر وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَضَاحِي عَن أبي الْوَلِيد، وَفِيه قصَّة أُخْرَى. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن وَكِيع.
قَوْله: (على الحكم بن أَيُّوب) ، بن أبي عقيل الثَّقَفِيّ ابْن عَم الْحجَّاج بن يُوسُف نَائِبه على الْبَصْرَة وَزوج أُخْت زَيْنَب بنت يُوسُف، وَهُوَ الَّذِي يَقُول فِيهِ جرير يمدحه:
(حَتَّى انخناها على بَاب الحكم ... خَليفَة الْحجَّاج غير الْمُتَّهم)
وَقع ذكره فِي عدَّة أَحَادِيث، وَكَانَ يضاهي فِي الْجور ابْن عَمه. قَوْله: (وفتيانا) ، شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (أَن تصبر) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: تحبس لترمى حَتَّى تَمُوت، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَضْييع لِلْمَالِ وتعذيب للحيوان. وَأخرج الْعقيلِيّ فِي (الضُّعَفَاء) من طَرِيق الْحسن عَن سَمُرَة. قَالَ: نهى النَّبِي ﷺ ، أَن تصبر الْبَهِيمَة وَأَن يُؤْكَل لَحمهَا إِذا صبرت وَقَالَ الْعقيلِيّ: جَاءَ فِي النَّهْي عَن صَبر الْبَهِيمَة أَحَادِيث جيادا وَأما النَّهْي عَن أكلهَا فَلَا يعرف إلَاّ فِي هَذَا. وَقَالَ شَيخنَا فِي (شرح التِّرْمِذِيّ) فِيهِ تَحْرِيم أكل المصبورة لِأَنَّهُ قتل مَقْدُور عَلَيْهِ بِغَيْر ذَكَاة شَرْعِيَّة. قلت: إِن أدْركْت وذكيت فَلَا بَأْس كَمَا فِي الْمَقْتُول بالبندقة.
٥٥١٤ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يَعْقُوبَ أخْبَرَنَا إسْحَاقَ بنُ سَعِيدِ بنِ عَمَرو عَنْ أبِيهِ أنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄. أنَّهُ دَخَلَ عَلَى يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ وَغُلامٌ مِنْ بَنِي يَحْيَى رَابِطٌ دَجَاجَةً يَرْمِيهَا فَمَشَى إلَيْها ابنُ عُمَرَ حَتَّى حَلَّها، ثُمَّ أقْبَل بِها وَبِالْغُلام مَعَهُ فَقَالَ: ازْجُرُوا غُلامَكُمْ عَنْ أنْ يَصْبِرَ هَذَا الطَيْرَ لِلْقَتْلِ فَإنِّي سَمِعْتُ النبيِّ ﷺ نَهَى أنْ تُصْبَرَ بِهِيمَةٌ أوْ غَيْرُها لِلْقَتْلِ.
стр. 6325
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأحمد بن يَعْقُوب المَسْعُودِيّ الْكُوفِي، وَإِسْحَاق بن سعيد يروي عَن أَبِيه سعيد بن عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ الْأمَوِي، وَهُوَ أَخُو عَمْرو الْمَعْرُوف بالأشدق، وَسَعِيد هَذَا يروي عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (وَغُلَام من بني يحيى) . يَعْنِي: ابْن سعيد الْمَذْكُور، وَكَانَ ليحيى أَوْلَاد ذُكُور وهم: عُثْمَان وعنبسة وَأَبَان وَإِسْمَاعِيل وَسَعِيد وَمُحَمّد وَهِشَام وَعَمْرو، وَكَانَ يحيى بن سعيد قد ولى إمرة الْمَدِينَة مرّة كَذَلِك أَخُوهُ عمر. وَقَوله: (حَتَّى حلهَا) بتَشْديد اللَّام هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: حملهَا من الحملان، وَوَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) ، فَحل الدَّجَاجَة انْتهى. قَوْله: (غلامكم) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: غِلْمَانكُمْ قَوْله: (عَن أَن يصبر) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أَن يصبروا قَوْله: (هَذَا الطير) قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا على لُغَة قَليلَة فِي إِطْلَاق الطير على الْوَاحِد وإلَاّ فَالْمَشْهُور أَن الْوَاحِد يُقَال لَهُ: الطَّائِر، وَالْجمع: الطير. وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ هُنَا مُحْتَمل لإِرَادَة الْجمع، بل الأولى أَنه لإِرَادَة الْجِنْس. قلت: هَذَا غير موجه لِأَنَّهُ أَشَارَ بقوله: هَذَا الطير. إِلَى قَوْله: دجا جة، وَهِي وَاحِدَة فَكيف يحْتَمل إِرَادَة الْجمع ودعواه الْأَوْلَوِيَّة لإِرَادَة الْجِنْس أبعد من الأول لِأَن الْإِشَارَة إِلَيْهَا تنَافِي ذَلِك على مَا لَا يخفى. قَوْله: (وَغَيرهَا) ، فلفظة أَو هُنَا للتنويع لَا للشَّكّ فَيتَنَاوَل الطُّيُور والبهائم.
٥٥١٥ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عَنْ أبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ. قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابنِ عُمَرَ فَمَرُّوا بِفَتِيَةٍ أوْ بِنَفَرٍ نَصَبُوا دَجَاجَةً يَرْمُونَهَا، فَلَمَّا رَأوُا ابنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا عَنْها. وَقَالَ ابنُ عُمَرَ مَنْ فَعَلَ هاذا؟ إنَّ النبيَّ ﷺ ، لَعَنَ مَنْ فَعَلَ هاذا.
مطابقته للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة فَإِن المنصوبة هِيَ المصبرة وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل، وَأَبُو عوَانَة الوضاح، وَأَبُو بشر جَعْفَر بن أبي وحشية وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه لمتون أُخْرَى قد مر غير مرّة.
قَوْله: (بفتية) ، جمع فَتى. قَوْله: (وبنفر) ، شكّ من الرَّاوِي، وَهُوَ رَهْط الْإِنْسَان وعشيرته وَهُوَ اسْم جمع يَقع على جمَاعَة من الرِّجَال خَاصَّة مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه قَوْله: (من فعل هَذَا) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى نصبهم دجَاجَة للرمي، وَفِي رِوَايَة مُسلم: لعن الله من اتخذ شَيْئا فِيهِ الرّوح فرضا بالمعجمتين وَفتح الرَّاء، وَهُوَ الَّذِي ينصب للرمي، وَفِي رِوَايَة مُسلم وَابْن مَاجَه من حَدِيث جَابر بن عبد الله يَقُول: نهى رَسُول الله ﷺ ، أَن يقتل شَيْء من الدَّوَابّ صبرا وروى الْبَزَّار من حَدِيث سَمُرَة أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: لَا تَتَّخِذُوا شَيْئا فِيهِ الرّوح غَرضا وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة أَن النَّبِي ﷺ مر على قوم من الْأَنْصَار يرْمونَ حمامة فَقَالَ: لَا تَتَّخِذُوا الرّوح عرضا. وَإِسْنَاده حسن، وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث عبد الله بن جَعْفَر قَالَ: مر رَسُول الله ﷺ ، على نَاس وهم يرْمونَ كَبْشًا بِالنَّبلِ، فكره ذَلِك، فَقَالَ: لَا تمثلوا بالبهائم وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ. قَالَ: نهى رَسُول الله ﷺ ، أَن يمثل بالبهائم وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) من حَدِيث أبي أَيُّوب قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ ، نهى عَن صَبر الْبَهِيمَة.
تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ عَنْ شُعْبَةَ ﴿حدَّثنا المِنْهالُ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ ابنِ عُمَرَ لَعَنَ النبيِّ ﷺ مَنْ مَثَّلَ بِالْحَيَوَانِ﴾
أَي: تَابع أَبَا بشر الْمَذْكُور سُلَيْمَان بن حَرْب، وَرَوَاهُ عَن شُعْبَة عَن الْمنْهَال بِكَسْر الْمِيم ابْن عَمْرو عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَمْرو، وصل هَذِه الْمُتَابَعَة الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق القَاضِي عَن سُلَيْمَان بن حَرْب. قَوْله: (من مثل) ، بِالتَّشْدِيدِ أَي: صيره مثلَة.
﴿وَقَالَ عَدِيٌّ: عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِي ﷺ ﴾
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن عدي بن ثَابت خَالف أَبَا بشر والمنهال فروى الحَدِيث الْمَذْكُور عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ ، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة شُعْبَة عَن عدي بن ثَابت عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ ، أَنه قَالَ: (لَا تَتَّخِذُوا شَيْئا فِيهِ الرّوح عرضا) ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الثَّوْريّ عَن سماك عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: نهى النَّبِي ﷺ ، أَن يتَّخذ شَيْء فِيهِ الرّوح غَرضا.
стр. 6326
٥٥١٥ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عَنْ أبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ. قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابنِ عُمَرَ فَمَرُّوا بِفَتِيَةٍ أوْ بِنَفَرٍ نَصَبُوا دَجَاجَةً يَرْمُونَهَا، فَلَمَّا رَأوُا ابنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا عَنْها. وَقَالَ ابنُ عُمَرَ مَنْ فَعَلَ هاذا؟ إنَّ النبيَّ ﷺ ، لَعَنَ مَنْ فَعَلَ هاذا.
مطابقته للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة فَإِن المنصوبة هِيَ المصبرة وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل، وَأَبُو عوَانَة الوضاح، وَأَبُو بشر جَعْفَر بن أبي وحشية وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه لمتون أُخْرَى قد مر غير مرّة.
قَوْله: (بفتية) ، جمع فَتى. قَوْله: (وبنفر) ، شكّ من الرَّاوِي، وَهُوَ رَهْط الْإِنْسَان وعشيرته وَهُوَ اسْم جمع يَقع على جمَاعَة من الرِّجَال خَاصَّة مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه قَوْله: (من فعل هَذَا) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى نصبهم دجَاجَة للرمي، وَفِي رِوَايَة مُسلم: لعن الله من اتخذ شَيْئا فِيهِ الرّوح فرضا بالمعجمتين وَفتح الرَّاء، وَهُوَ الَّذِي ينصب للرمي، وَفِي رِوَايَة مُسلم وَابْن مَاجَه من حَدِيث جَابر بن عبد الله يَقُول: نهى رَسُول الله ﷺ ، أَن يقتل شَيْء من الدَّوَابّ صبرا وروى الْبَزَّار من حَدِيث سَمُرَة أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: لَا تَتَّخِذُوا شَيْئا فِيهِ الرّوح غَرضا وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة أَن النَّبِي ﷺ مر على قوم من الْأَنْصَار يرْمونَ حمامة فَقَالَ: لَا تَتَّخِذُوا الرّوح عرضا. وَإِسْنَاده حسن، وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث عبد الله بن جَعْفَر قَالَ: مر رَسُول الله ﷺ ، على نَاس وهم يرْمونَ كَبْشًا بِالنَّبلِ، فكره ذَلِك، فَقَالَ: لَا تمثلوا بالبهائم وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ. قَالَ: نهى رَسُول الله ﷺ ، أَن يمثل بالبهائم وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) من حَدِيث أبي أَيُّوب قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ ، نهى عَن صَبر الْبَهِيمَة.
تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ عَنْ شُعْبَةَ ﴿حدَّثنا المِنْهالُ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ ابنِ عُمَرَ لَعَنَ النبيِّ ﷺ مَنْ مَثَّلَ بِالْحَيَوَانِ﴾
أَي: تَابع أَبَا بشر الْمَذْكُور سُلَيْمَان بن حَرْب، وَرَوَاهُ عَن شُعْبَة عَن الْمنْهَال بِكَسْر الْمِيم ابْن عَمْرو عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَمْرو، وصل هَذِه الْمُتَابَعَة الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق القَاضِي عَن سُلَيْمَان بن حَرْب. قَوْله: (من مثل) ، بِالتَّشْدِيدِ أَي: صيره مثلَة.
﴿وَقَالَ عَدِيٌّ: عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِي ﷺ ﴾
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن عدي بن ثَابت خَالف أَبَا بشر والمنهال فروى الحَدِيث الْمَذْكُور عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ ، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة شُعْبَة عَن عدي بن ثَابت عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ ، أَنه قَالَ: (لَا تَتَّخِذُوا شَيْئا فِيهِ الرّوح عرضا) ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الثَّوْريّ عَن سماك عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: نهى النَّبِي ﷺ ، أَن يتَّخذ شَيْء فِيهِ الرّوح غَرضا.
٥٥١٦ - حدَّثنا حَجَّاجُ بن مِنهالٍ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ: أخْبرَنِي عَدِيُّ بنُ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ يَزِيدَ عَنِ النبيِّ ﷺ ، أنَّهُ نَهَى عَنِ النُّهْبَةِ وَالمُثْلَةِ.
مطابقته للجزء الأول للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعبد الله بن يزِيد بن زيد الخطمي الْأنْصَارِيّ أَمِير الْكُوفَة.
والْحَدِيث مضى فِي الْمَظَالِم فِي: بَاب النَّهْي بِغَيْر إِذن صَاحبه، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن شُعْبَة إِلَى آخِره.
قَوْله: (النهبة) ، بِضَم النُّون وَسُكُون الْهَاء ويروى عَن النَّهْي مَقْصُورا وَهُوَ أَخذ مَال الْغَيْر قهرا جَهرا وَمِنْه أَخذ مَال الْغَنِيمَة قبل الْقِسْمَة اختطافا بِغَيْر تَسْوِيَة انْتهى.
٢٦ - (بَابُ: ﴿الدَّجاجِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أكل الدَّجَاج وَفِي بعض النّسخ: بَاب لحم الدَّجَاج، مثلث الدَّال وَقيل: الضَّم ضَعِيف، وَهُوَ اسْم جنس والواحدة دجَاجَة وَقَالَ الْجَوْهَرِي: دَخَلتهَا الْهَاء الْمُوَحدَة مثل الْحَمَامَة وَعَن إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ أَن الدَّجَاج بِالْكَسْرِ إسم للذكران دون الْإِنَاث، والواحدة مِنْهَا ديك وبالفتح الْإِنَاث دون الذكران والواحدة دجَاجَة. قَالَ: وسمى بِهِ لإسراعه فِي الإقبال والإدبار من دج يدج إِذا أسْرع.
٥٥١٧ - حدَّثنا يَحْيَى حدَّثنا وكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أيُّوبَ عَنْ أبِي قِلابَةَ عَنْ زَهْدَمٍ الجَرْمِيِّ عَنْ أبِي مُوسَى. يَعْنِي: الأشْعَرِيَّ ﵁. قَالَ: رَأيْتُ النبيَّ ﷺ ، يَأْكُلُ دَجاجا.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَيحيى. قَالَ الْكرْمَانِي: قيل: هُوَ إِمَّا ابْن مُوسَى وَإِمَّا ابْن جَعْفَر. قلت: قَالَ ابْن السكن: أَنه ابْن مُوسَى الْبَلْخِي، وَجزم الكلاباذي وَأَبُو نعيم بِأَنَّهُ ابْن جَعْفَر بن أعين أَبُو زَكَرِيَّا البُخَارِيّ البيكندي، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَأَبُو قلَابَة بِكَسْر الْقَاف عبد الله بن زيد الجزمي، وزهدم بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْهَاء بن مضرب الْجرْمِي بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الرَّاء نِسْبَة إِلَى جرم بطن من قضاعة وجرم أَيْضا بطن من طي، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى حديثين: هَذَا الحَدِيث وَقد أخرجه فِي مَوَاضِع، وَحَدِيث آخر عَن عمرَان بن حُصَيْن مضى فِي المناقب، وَأَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس.
وَأخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع مِنْهَا فِي الْمَغَازِي فِي: بَاب قدوم الْأَشْعَرِيين وَأهل الْيمن، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي نعيم عَن عبد السَّلَام عَن أَيُّوب عَن أبي قلاب عَن زَهْدَم إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَرَوَاهُ هُنَا مُخْتَصرا.
٥٥١٨ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ حدَّثنا أيُّوبُ بنُ أبِي تَمِيمَةَ عَنِ القَاسِمِ عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذا الحِيِّ مِنْ جَرْمِ إخاءٌ، فَأُتِيَ بِطَعامٍ فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ، وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ جَالِسٌ أحْمَرُ فَلَمْ يَدْنُ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ: ادْنُ فَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، يَأكُلُ مِنْهُ. قَالَ: إنِّي رَأيْتُهُ أكَلَ شَيْئا فَقَذِرْتُهُ فَحَلَفْتُ أنْ لَا آكُلَهُ. فَقَالَ: أدْنُ أُخْبِرْكَ أنْ أُحَدِّثْكَ إنِّي أتَيْتُ النبيَّ ﷺ ، فِي نَفَرٍ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ فَوَافَقُتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ وَهُوَ يَقْسِمُ نَعَما مِنْ نَعَمِ الصَّدَّقَةِ فَاسْتَحْمَلْناهُ فَحَلَفَ أنْ لَا يَحْمِلْنا قَالَ: مَا عِنْدِي مَا أحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَّ رَسُولُ الله ﷺ ، بِنَهْبٍ مِنْ إبِلٍ فَقَالَ: أيْنَ الأشْعَرِيُّونَ أيْنَ الأشْعَرِيُّونَ؟ قَالَ: فَأعْطانا خَمْسَ ذَوْدٍ غرَّ الذُّرَي، فَلَبِثْنا غَيْرَ بَعِيدٍ فَقُلْتُ لأصْحَابِي: نَسِيَ رَسُولُ الله ﷺ ، يَمِينَهُ فَوَالله لَئِنْ تَفَفَّلْنا رَسُولَ الله ﷺ ، يَمِينَهُ لَا نُفْلِحُ أبَدا فَرَجَعْنا إلَى النبيِّ ﷺ ، فَقُلْنَا يَا رَسُولَ الله ﴿إنَّا اسْتَحْمَلْنَاكَ فَحَلَفْت أنْ لَا تَحْمِلَنا فَظَنَنَّا أنَّكَ نَسِيت يَمِينَكَ﴾
стр. 6327
فَقَالَ: إنَّ الله هُوَ حَمَلَكُمْ إنَّي وَالله إنْ شَاءَ الله لَا أحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأرَى غَيْرَها خَيْرا مِنْها إلَاّ أتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُها.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو معمر بِفَتْح الميمين عبد الله بن عَمْرو المقعد الْبَصْرِيّ، وَعبد الْوَارِث هُوَ ابْن سعيد الْبَصْرِيّ، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَذكره هُنَا بكنية أَبِيه أبي تَمِيمَة واسْمه كيسَان أَبُو بكر الْبَصْرِيّ، وَالقَاسِم ابْن عَاصِم الْكَلْبِيّ التَّمِيمِي الْبَصْرِيّ، وَهنا روى أَيُّوب عَن الْقَاسِم عَن زَهْدَم، وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي سبقت عَن أَيُّوب عَن أبي قلَابَة عَن زَهْدَم.
وَمضى الحَدِيث فِي: بَاب قدوم الْأَشْعَرِيين وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
قَوْله: (بَيْننَا وَبَين هَذَا الْحَيّ) ، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَقَالَ ابْن التِّين: بَيْننَا وَبَينه هَذَا الْحَيّ، وَهَذَا الْحَيّ بِالْجَرِّ بَدَلا من الضَّمِير فِي بَينه، قيل: رد هَذَا لفساد الْمَعْنى لِأَنَّهُ يصير تَقْدِير الْكَلَام أَن زَهْدَم الْجرْمِي قَالَ: كَانَ بَيْننَا وَبَين هَذَا الْحَيّ من جرم أخاء، وَلَيْسَ المُرَاد، إِنَّمَا المُرَاد أَن أَبَا مُوسَى وَقَومه الْأَشْعَرِيين كَانُوا أهل مَوَدَّة وإخاء لقوم زَهْدَم، وهم بَنو جرم. قَوْله: (إخاء) ، بِكَسْر الْهمزَة وَالْمدّ أَي: مؤاخاة. وَقَالَ ابْن التِّين ضَبطه بَعضهم بِالْقصرِ وَهُوَ خطأ انْتهى قَوْله: (أَحْمَر) أَي: أَحْمَر اللَّوْن، وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بن زيد، رجل من بني تيم الله أَحْمَر كَأَنَّهُ من الموَالِي، أَي: الْعَجم. قيل: هَذَا الرجل هُوَ زَهْدَم الرَّاوِي أبهم نَفسه. فَإِن قلت: وَقد وصف الرجل فِي رِوَايَة حَمَّاد بِأَنَّهُ من تيم الله، وزهدم من بني جرم. قلت: لَا يعد فِي هَذَا لِأَنَّهُ يَصح أَن ينْسب زَهْدَم تَارَة إِلَى بني تيم الله وَتارَة إِلَى بني جرم، وَقد روى أَحْمد هَذَا الحَدِيث عَن عبد الله بن الْوَلِيد الْعَدنِي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، فَقَالَ فِي رِوَايَته: رجل من بني تيم الله. يُقَال لَهُ: زَهْدَم قَالَ: كُنَّا عِنْد أبي مُوسَى فَأتى بِلَحْم دَجَاج. قَوْله: (فقذِرته) ، بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة وَفتحهَا. أَي: كرهته، وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة إِنِّي رَأَيْتهَا تَأْكُل قذرا. قَوْله: (فَقَالَ: أدن أخْبرك) ، كَذَا هُوَ عِنْد الْأَكْثَرين أَمر من الدنو. وَوَقع عِنْد الْمُسْتَمْلِي والسرخسي: إِذن، بِكَسْر الْهمزَة وبذال مُعْجمَة مَعَ التَّنْوِين وَهُوَ تَحْرِيف، فعلى الأول: أخْبرك مجزوم وعَلى الثَّانِي مَنْصُور. قَوْله: (أَو أحَدثك) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (خمس ذود) ، بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو وبالدال الْمُهْملَة، وَهُوَ من الْإِبِل مَا بَين الثَّلَاث إِلَى الْعشْرَة. وَقَوله: (خمس ذود) بِالْإِضَافَة، واستنكره أَبُو الْبَقَاء فِي (غَرِيبه) فَقَالَ: الصَّوَاب تَنْوِين خمس، وَأَن يكون ذود بَدَلا من خمس فَإِنَّهُ لَو كَانَ من غير تَنْوِين لتغير الْمَعْنى لِأَن الْعدَد الْمُضَاف غير الْمُضَاف إِلَيْهِ، فَيلْزم أَن يكون خمس ذود خَمْسَة عشر بَعِيرًا لِأَن الْإِبِل الذود ثَلَاثَة ورده بَعضهم بقوله: وَلَكِن عدد الْإِبِل خَمْسَة عشر بَعِيرًا فَمَا الَّذِي يضر؟ وَقد ثَبت فِي بعض طرقه خُذ هذَيْن القرنين وهذين القرينين، إِلَى أَن عد سِتّ مَرَّات قلت: رده مَرْدُود عَلَيْهِ لِأَن أَبَا الْبَقَاء إِنَّمَا قَالَ مَا قَالَه فِي هَذِه الرِّوَايَة وَلم يقل: إِن الَّذِي قَالَه يَتَأَتَّى فِي جَمِيع طرق هَذَا الحَدِيث. قَوْله: (غر الذرى) الغر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة جمع أغر وَهُوَ الْأَبْيَض، والذرى، بِضَم الذَّال الْمُعْجَمَة وَالْقصر جمع ذرْوَة، وذروة كل شَيْء أَعْلَاهُ، وَالْمرَاد هُنَا أسنمة الْإِبِل، ولعلها كَانَت بَيْضَاء حَقِيقَة أَو أَرَادَ وصفهَا بِأَنَّهَا لَا عِلّة فِيهَا وَلَا دبر. قَوْله: (فاستحملناه) أَي: طلبنا مِنْهُ إبِلا تحملنا. قَوْله: (تغفلنا) أَي: طلبنا غفلته أَو سألناه فِي وَقت شغله. قَوْله: (حملكم) أَي: سَاق هَذَا النهب إِلَيْنَا ورزقنا هَذِه الْغَنِيمَة. قَوْله: (وتحللتها) من التَّحَلُّل وَهُوَ التفصي عَن عُهْدَة الْيَمين وَالْخُرُوج مِنْهَا بِالْكَفَّارَةِ أَو الِاسْتِثْنَاء.
وَفِي الحَدِيث: جَوَاز أكل لحم الدَّجَاج، وَفِي (التَّوْضِيح) قَامَ الْإِجْمَاع على حلّه، وَهُوَ من رَقِيق المطاعم وناعمها، وَمن كره ذَلِك من المتقشفين من الزهاد فَلَا عِبْرَة بكراهته، وَقد أكل مِنْهَا سيد الزهاد وَإِن كَانَ يحْتَمل أَن تكون جلالة وروى الطَّبَرَانِيّ عَن ابْن عمر أَنه كَانَ لَا يأكلها حَتَّى يقصرها أَيَّامًا. وَرُوِيَ عَنهُ أَيْضا أَنه كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يَأْكُل بيض الدَّجَاجَة قصرهَا ثَلَاثَة أَيَّام وَقَالَ أَبُو حنيفَة الدَّجَاجَة تخلط وَالْجَلالَة لَا تَأْكُل غير الْعذرَة وَهِي الَّتِي تكره: وَزعم ابْن حزم أَن الْجَلالَة من ذَوَات الْأَرْبَع خَاصَّة وَلَا يُسمى الطير والدجاجة جلالة وَقَالَ ابْن بطال: وَالْعُلَمَاء مجمعون على جَوَاز أكل الْجَلالَة. وَقد سُئِلَ سَحْنُون عَن خروف أَرْضَعَتْه خنزيرة فَقَالَ: لَا بَأْس بِأَكْلِهِ وَقَالَ الطَّبَرِيّ: وَالْعُلَمَاء مجمعون على أَن جملا أَو جديا غذي بِلَبن كلبة أَو خنزيرة غير حرَام أكله. وَلَا خلاف أَن ألبان الْخَنَازِير نَجِسَة كالعذرة وَالله تَعَالَى أعلم.
٢٧ - (بَابُ: ﴿لُحُومِ الخَيْلِ﴾ )
стр. 6328
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز أكل لُحُوم الْخَيل، وَإِنَّمَا لم يُصَرح بالحكم لتعارض الْأَدِلَّة فِيهِ.
٥٥١٩ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا هِشامٌ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أسْمَاءَ قَالَتْ: نَحَرْنا فَرَسا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَأكَلْناهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحميدِي عبد الله بن حميد بن عِيسَى وَنسبه إِلَى أحد أجداده، وَحميد بِضَم الْحَاء وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة وَفَاطِمَة هِيَ بنت الْمُنْذر زَوْجَة هِشَام الرَّاوِي، وَأَسْمَاء هِيَ بنت أبي بكر الصّديق، ﵄.
والْحَدِيث مضى عَن قريب: فِي بَاب النَّحْر وَالذّبْح، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن خَلاد بن يحيى عَن سُفْيَان إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ، والصحابي إِذا قَالَ: كُنَّا نَفْعل كَذَا على عهد رَسُول الله ﷺ ، كَانَ لَهُ حكم الرّفْع.
٥٥٢٠ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرو بنِ دِينارٍ عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ عَلِيٍّ عَنْ جَابِرٍ بنِ عَبْدِ الله، ﵃، قَالَ: نَهَى النبيُّ ﷺ ، يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ، وَرَخَّصَ فِي لُحُومِ الخَيْلِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب، وَهُوَ الباقر أَبُو جَعْفَر.
والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي فِي غَزْوَة خَيْبَر، وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الذَّبَائِح عَن يحيى بن يحيى وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَطْعِمَة عَن سُلَيْمَان بن حَرْب بِهِ وَعَن غَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّيْد وَفِي الْوَلِيمَة عَن قُتَيْبَة وَأحمد بن عَبدة. وَاحْتج بِهَذَا الحَدِيث عَطاء وَابْن سِيرِين وَالْحسن وَالْأسود بن يزِيد وَسَعِيد بن جُبَير وَاللَّيْث وَابْن الْمُبَارك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد وَأَبُو ثَوْر على جَوَاز أكل لحم الْخَيل وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَأَبُو عبيد: يكره أكله ثمَّ قيل: الْكَرَاهَة عِنْد أبي حنيفَة: كَرَاهَة تَحْرِيم، وَقيل: كَرَاهَة تَنْزِيه وَقَالَ فَخر الْإِسْلَام وَأَبُو معِين: هَذَا هُوَ الصَّحِيح، وَأخذ أَبُو حنيفَة فِي ذَلِك بقوله تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحمير لتركبوها وزينة﴾ (النَّحْل: ٨) خرج مخرج الامتنان وَالْأكل من أَعلَى مَنَافِعهَا والحكيم لَا يتْرك الامتنان بِأَعْلَى النعم ويمتن بأدناها وَلِأَنَّهُ آلَة إرهاب الْعَدو فَيتْرك أكله احتراما لَهُ. وَاحْتج أَيْضا بِحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد عَن خَالِد بن الْوَلِيد أَن رَسُول الله ﷺ ، نهى عَن أكل لُحُوم الْخَيل وَالْبِغَال وَالْحمير. وَأخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه والطَّحَاوِي، وَلما رَوَاهُ أَبُو دَاوُد سكت عَنهُ فسكوته دلَالَة رِضَاهُ بِهِ غير أَنه قَالَ: وَهَذَا مَنْسُوخ، وَقَالَ النَّسَائِيّ: وَيُشبه أَن كَانَ هَذَا صَحِيحا أَن يكون مَنْسُوخا ويعارض حَدِيث جَابر وَالتَّرْجِيح للْمحرمِ، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ فِي غَزْوَة خَيْبَر. وَأما لحم الْحمر الْأَهْلِيَّة. فَقَالَ: ابْن عبد الْبر: لَا خلاف بَين عُلَمَاء الْمُسلمين الْيَوْم فِي تَحْرِيمه، وَإِنَّمَا حكى عَن ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة إِبَاحَته بِظَاهِر قَوْله تَعَالَى: ﴿قل لَا أجد فِيمَا أوحى إِلَى محرما﴾ (الْأَنْعَام: ١٤٥) الْآيَة. قلت: ذكر فِي التَّفْرِيع للمالكية وَلَا بَأْس بِأَكْل لحم الْحمر الْأَهْلِيَّة وَلَا الْبَغْل، وَيكرهُ أكل لُحُوم الْخَيل، وَسَيَجِيءُ الْكَلَام فِيهِ عَن قريب، وَالله أعلم.
٢٨ - (بَابُ: ﴿لُحُومِ الحُمُرِ الإنْسِيَّةِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم لُحُوم الْحمر الأنسية وَاحْترز بالإنسية عَن الوحشية فَإِنَّهَا تُؤْكَل والإنسية بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون النُّون نِسْبَة إِلَى الْإِنْس، وَيُقَال فِيهِ: إنسية بِفتْحَتَيْنِ نِسْبَة إِلَى الْإِنْس بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ ضد الوحشة.
﴿فِيهِ عَنْ سَلَمَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ ﴾
أَي: فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع، وَمضى حَدِيثه مَوْصُولا مطولا فِي الْمَغَازِي فِي أَوَائِل بَاب غَزْوَة خَيْبَر.
٥٥٢١ - حدَّثنا صَدَقَةُ أخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ سَالِمٍ وَنَافِعٍ عَنِ ابنِ عمَرَ ﵄ نَهَى النبيُّ ﷺ ، عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَصدقَة هُوَ ابْن الْفضل الْمروزِي، وَعَبدَة هُوَ ابْن سُلَيْمَان، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ.
وَمضى الحَدِيث فِي غَزْوَة خَيْبَر فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبيد بن إِسْمَاعِيل عَن أبي إِسْمَاعِيل عَن أبي أُسَامَة
стр. 6329
عَن عبيد الله إِلَى آخِره.
٥٥٢٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ الله حدَّثني نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ الله قَالَ: نَهَى النبيُّ ﷺ ، عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ.
هَذَا طَرِيق آخر عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن عبيد الله الْعمريّ إِلَى آخِره.
﴿تَابَعَهُ ابنُ المُبَارَكِ عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ نَافِعٍ، وَقَالَ أبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ سَالِمٍ﴾
أَي: تَابع يحيى عبد الله بن الْمُبَارك فِي رِوَايَته عَن عبيد الله الْعمريّ عَن نَافِع، وَأسْندَ هَذِه الْمُتَابَعَة البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن عبيد الله. قَوْله: (وَقَالَ أَبُو أُسَامَة) ، هُوَ حَمَّاد بن أُسَامَة عَن عبيد الله بن عمر الْعمريّ عَن سَالم بن عبد الله بن عمر، وأسنده أَيْضا البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي عَن عبيد الله بن إِسْمَاعِيل عَن أبي أُسَامَة بِهِ.
٥٥٢٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخْبَرَنَا مَالِك عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ عَبْدِ الله وَالحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدٍ بنِ عَلِيٍّ عَنْ أبِيهِمَا عَنْ عَلِيٍّ ﵃. قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ ، عَنِ المُتْعَةِ عَامَ خَيْبَرَ وَلُحُومِ حُمُرِ الإنْسِيَّةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب النِّكَاح فِي بَاب نهى رَسُول الله ﷺ ، عَن نِكَاح الْمُتْعَة آخرا، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٥٥٢٤ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنا حَمَّادٌ عَنْ عَمْروٍ عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ عَلِيٍّ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله قَالَ: نَهَى النبيُّ ﷺ ، يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، وَرَخَصَ فِي لُحُومِ الخَيْلِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَحَمَّاد بن زيد، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَمُحَمّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵁. والْحَدِيث قد مضى فِي الْمَغَازِي فِي غَزْوَة خَيْبَر بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن.
٥٥٢٦ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ قَالَ حدَّثني عَدِيٌّ عَنِ البَرَاءِ وَابْنِ أبِي أوْفَى، ﵃ قَالا: نَهَى النبيُّ ﷺ ، عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَيحيى هُوَ الْقطَّان وعدي هُوَ ابْن ثَابت، والبراء هُوَ ابْن عَازِب وَابْن أبي أوفى هُوَ عبد الله وَاسم ابْن أبي أوفى عَلْقَمَة، والْحَدِيث مضى فِي غَزْوَة خَيْبَر بأتم مِنْهُ.
٥٥٢٧ - حدَّثنا إسْحَاقُ أخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا أبِي عَنْ صَالحٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ أنَّ أبَا إدْرِيسَ أخْبَرَهُ أنَّ أبَا ثَعْلَبَةَ قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ الله ﷺ ، لُحُومَ الْحُمُرِ الأهْلِيَّةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْحَاق هُوَ ابْن راهيوه، وَقَالَ الغساني: وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم يروي عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْقرشِي الزُّهْرِيّ، وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَأَبُو إِدْرِيس عَائِذ الله بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة الْخَولَانِيّ، وَأَبُو ثَعْلَبَة اخْتلف فِي اسْمه وَاسم أَبِيه اخْتِلَافا شَدِيدا فَقيل: جرهم، وَقيل: جرنون، وَقيل: ابْن ناشب، وَقيل: ابْن جرثومة، وَلم يَخْتَلِفُوا فِي صحبته، وَكَانَ بَايع تَحت الشَّجَرَة ثمَّ نزل الشَّام وَمَات فِي خلَافَة مُعَاوِيَة. وَقيل: مَاتَ فِي سنة خمس وَسبعين فِي ولَايَة عبد الْملك بن مَرْوَان.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم عَن حسن الْحلْوانِي فِي الذَّبَائِح.
﴿تَابَعَهُ الزُّبَيْدِيُّ وَعُقَيْلٌ عَنِ ابنِ شِهابٍ﴾
أَي: تَابع صَالحا مُحَمَّد بن الْوَلِيد الزبيدِيّ بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة نِسْبَة
стр. 6330
إِلَى زبيد قَبيلَة وَوصل النَّسَائِيّ رِوَايَة الزبيدِيّ من طَرِيق بَقِيَّة قَالَ: حَدثنِي الزبيدِيّ. قَوْله: (عقيل) ، أَي: وَتَابعه أَيْضا عقيل بِضَم الْعين ابْن خَالِد فِي رِوَايَة عَن الزُّهْرِيّ، وَوصل هَذَا أَحْمد فِي (مُسْنده) .
﴿وَقَالَ مَالِكٌ وَمَعْمَرٌ وَالمَاجِشُونُ وَيُونُسُ وَابنُ إسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ نَهَى النبيُّ ﷺ ، عَنْ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ﴾
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن هَؤُلَاءِ الْخَمْسَة. أَعنِي: مَالِكًا وَمن مَعَه لم يتَعَرَّضُوا فِي حَدِيث أبي ثَعْلَبَة الْمَذْكُور لذكر الْحمر وَإِنَّمَا قَالُوا: نهى النَّبِي ﷺ ، عَن كل ذِي نَاب من السبَاع. أما حَدِيث مَالك فقد رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا الْبَاب فَقَالَ: حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف أخبرنَا مَالك عَن ابْن شهَاب عَن أبي إِدْرِيس الْخَولَانِيّ عَن أبي ثَعْلَبَة أَن رَسُول الله ﷺ ، نهى عَن كل ذِي نَاب من السبَاع. وَأما حَدِيث معمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد وَيُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي فوصل حَدِيثهمَا الْحسن بن سُفْيَان من طَرِيق عبد الله بن الْمُبَارك عَنْهُمَا. وَأما حَدِيث الْمَاجشون بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا. وَقيل: بضَمهَا وبضم الشين الْمُعْجَمَة وبالواو وبالنون فوصله مُسلم عَن يحيى بن يحيى عَنهُ، والماجشون مُعرب (ماه وَكَون) يَعْنِي: الْمُشبه بالقمر، وَالْمرَاد بِهِ هُنَا يُوسُف بن يَعْقُوب بن عبد الله بن أبي سَلمَة. واسْمه دِينَار، وَهَكَذَا صرح بِيُوسُف مُسلم فِي (صَحِيحه) وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن أبي سَلمَة الْقرشِي الْمدنِي. قلت: هُوَ أَيْضا يلقب بالماجشون. وَلَكِن الْأَصَح مَا قَالَه مُسلم. وَأما حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن يسَار فوصله إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه عَن عَبدة بن سُلَيْمَان وَمُحَمّد بن عبيد كِلَاهُمَا عَنهُ.
٥٥٢٨ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلامٍ أخْبَرَنا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ، ﵁ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، جَاءَهُ جَاءٍ فَقَالَ: أُُكِلَتِ الْحُمُرُ ثُمَّ جَاءَهُ جَاءٍ فَقَالَ: أُكِلَتْ الحُمُرُ، ثُمَّ جَاءَهُ جَاءٍ فَقَالَ: أُُفْنِيَت الْحُمُرُ، فَأمَرَ مُنَادِيا فَنَادَى فِي النَّاسِ: إنَّ الله وَرَسُولَهُ يَنْهيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأهْلِيَّةِ فَإنَّها رِجْسٌ فَأُُكْفِئت القُدُورُ وَإنَّها لَتَفُورُ بِاللَّحْمِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَمُحَمّد هُوَ ابْن سِيرِين، وَفِي بعض النّسخ صرح بِابْن سِيرِين.
والْحَدِيث مضى فِي أَوَائِل غَزْوَة خَيْبَر فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن عبد الْوَهَّاب عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب عَن مُحَمَّد عَن أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَوَقع فِي مُسلم أَن الَّذِي نَادَى بذلك هُوَ أَبُو طَلْحَة. فَإِن قلت: وَقع عِنْد النَّسَائِيّ أَن الْمُنَادِي بذلك عبد الرَّحْمَن بن عَوْف قلت لَعَلَّ عبد الرَّحْمَن نَادَى أَولا بِالنَّهْي مُطلقًا ثمَّ نَادَى أَبُو طَلْحَة ثَانِيًا بِزِيَادَة على ذَلِك. وَهُوَ قَوْله: (فَإِنَّهَا رِجْس) إِلَى آخِره.
قَوْله: (جَاءَهُ جَاءَ) ذكر ثَلَاث مَرَّات. قَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يَكُونُوا يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الجائين وَاحِدًا فَإِنَّهُ قَالَ: أَولا أكلت فإمَّا لم يسمعهُ النَّبِي ﷺ ، وَإِمَّا لم يكن أَمر فِيهَا بِشَيْء، وَكَذَا فِي الثَّانِيَة فَلَمَّا قَالَ الثَّالِثَة: (أفنيت الْخمر) أَي: لِكَثْرَة مَا ذبح مِنْهَا. ليطبخ صَادف نزُول الإمر بتحريمها. قلت: (قَوْله) (فَإِنَّهَا رِجْس) . أَي: نجس، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ من حَدِيث أنس قَالَ: لما افْتتح النَّبِي ﷺ ، خَيْبَر أَصَابُوا مِنْهَا حمرا فطبخوا مِنْهَا مطبخة فَنَادَى رَسُول الله ﷺ ، أَلا إِن الله وَرَسُوله ينهيانكم عَنْهَا فَإِنَّهَا نجس فأكفؤا الْقُدُور قَوْله: (فأكفئت) أَي: قلبت قَوْله: (وَإِنَّهَا لتفور) أَي: لتغلي وَالْوَاو فِيهِ للْحَال.
٥٥٢٩ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌ و: قُلْتُ لِ جَابِرِ بنِ زَيْد: يَزْعَمُونَ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، نَهَى عَنْ الْحُمُر الأهْلِيَّةِ؟ فَقَالَ: قَدْ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ الحَكَمُ
стр. 6331
بنُ عَمْروٍ الغِفَارِيُّ عِنْدَنا بِالبَصْرَةِ، وَلاكِنْ أبَى ذَاكَ البَحْرُ ابنُ عَبَّاسٍ، وَقَرَأ: ﴿قُلْ لَا أجِدُ فِيما أُوحِي إلَيَّ مُحَرَّما﴾ (الْأَنْعَام: ١٤٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبيد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَجَابِر بن زيد هُوَ أَبُو الشعْثَاء الْبَصْرِيّ، وَالْحكم بن عَمْرو الْغِفَارِيّ بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْفَاء الصَّحَابِيّ وَقَالَ الْكرْمَانِي: نزل الْبَصْرَة وَمَات بمرو سنة خمس وَأَرْبَعين وَقَالَ أَبُو عمر: بَعثه زِيَاد بن أُميَّة على الْبَصْرَة، واليافي أول ولَايَة زِيَاد على العراقين ثمَّ عَزله عَن الْبَصْرَة وولاه بعض أَعمال خُرَاسَان وَمَات بهَا وَقيل: مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة خمسين.
والْحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْأَطْعِمَة عَن إِبْرَاهِيم بن الْحسن عَن حجاج عَن ابْن جريج عَن عَمْرو بن دِينَار بِمَعْنَاهُ.
قَوْله: (يَقُول ذَاك) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: (نهى عَن الْحمر الْأَهْلِيَّة) قَوْله: (وَلَكِن أَبى) ، أَي: منع ذَلِك القَوْل. قَوْله: (الْبَحْر) ، صفة لِابْنِ عَبَّاس سمي بِهِ لسعة علمه وَيُرَاد بِهِ: بَحر الْعلم وَقَالَ بَعضهم: هُوَ من تَقْدِيم الصّفة على الْمَوْصُوف مُبَالغَة فِي تَعْظِيم الْمَوْصُوف. قلت: لَا تتقدم الصّفة على الْمَوْصُوف. بل قَوْله: (ابْن عَبَّاس) عطف بَيَان لقَوْله: (الْبَحْر) ويروى: الحبر، سمي بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يزين مَا قَالَه. قَوْله: (وَقَرَأَ) ، أَي: ابْن عَبَّاس قَوْله تَعَالَى: ﴿قل لَا أجد فِيمَا أوحى إليّ محرما﴾ الْآيَة. يَعْنِي: أَنه اسْتدلَّ بِهَذِهِ الْآيَة لِأَن الْمحرم فِي هَذِه الْآيَة مَا ذكره الله فِيهَا فتقتصر الْحُرْمَة عَلَيْهَا وَمَا وَرَاء ذَلِك فعلى أصل الْإِبَاحَة.
وفقهاء الْأَمْصَار مجمعون على تَحْرِيم الْحمر الْأَهْلِيَّة إلَاّ أَنه رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه أَبَاحَ أكلهَا، وَرُوِيَ مثله عَن عَائِشَة وَالشعْبِيّ. فَإِن قلت: قد ذكر فِي أول الْمَائِدَة تَحْرِيم المنخنقة والموقوذة وَمَا ذكر مَعَهُمَا وَهِي خَارِجَة عَن هَذِه الْآيَة. قلت: المنخنقة وَمَا ذكر مَعهَا دَاخِلَة فِي الْميتَة أَو نقُول: أَن سُورَة الْأَنْعَام مَكِّيَّة فَيجوز أَن لَا يكون حرم فِي ذَلِك الْوَقْت إلاّ مَا ذكر فِي هَذِه الْآيَة. وَسورَة الْمَائِدَة مَدَنِيَّة وَهِي آخر مَا نزل من الْقُرْآن فَإِن قلت: الْأَحَادِيث الَّتِي وَردت فِي تَحْرِيم لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة أَخْبَار آحَاد وَالْعَمَل بهَا يُوجب نسخ الْآيَة الْمَذْكُورَة، وَهَذَا لَا يجوز. قلت: قد خصت من هَذِه الْآيَة أَشْيَاء كَثِيرَة بِالتَّحْرِيمِ غير مَذْكُورَة فِيهَا كالنجاسات والحمر وَلحم القردة فَحِينَئِذٍ يجوز تخصيصها بأخبار الْآحَاد.
وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: اخْتلف فِي تَحْرِيم الْحمر على أَرْبَعَة أَقْوَال: الأول: حرمت شرعا. الثَّانِي: حرمت لِأَنَّهَا كَانَت جوال الْقرى. أَي: تَأْكُل الجلة وَهِي النَّجَاسَة. وَالثَّالِث: أَنَّهَا كَانَت حمولة الْقَوْم. الرَّابِع: أَنَّهَا حرمت لِأَنَّهَا أفنيت قبل الْقِسْمَة. فَمنع النَّبِي ﷺ ، عَن أكلهَا حَتَّى تقسم. قلت: ذكر الطَّحَاوِيّ هَذِه الْأَقْوَال فَأخْرج فِي القَوْل الأول: عَن اثْنَي عشر نَفرا من الصَّحَابَة فِي تَحْرِيم أكل الْحمر الْأَهْلِيَّة من غير قيد، وَقد ذَكَرْنَاهُمْ فِي (شرحنا لمعاني الْآثَار) وَأخرج فِي القَوْل الثَّانِي: عَن ابْن مَرْزُوق عَن وهب عَن شُعْبَة عَن الشَّيْبَانِيّ، قَالَ: ذكرت لسَعِيد بن جُبَير حَدِيث ابْن أبي أوفى فِي أَمر النَّبِي ﷺ ، إيَّاهُم بإكفاء الْقُدُور يَوْم خَيْبَر، فَقَالَ: إِنَّمَا نهى عَنْهَا لِأَنَّهَا كَانَت تَأْكُل الْعذرَة. وَأخرج فِي القَوْل الثَّالِث: من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى قَالَ قَالَ ابْن عَبَّاس: مَا نهى رَسُول الله ﷺ ، يَوْم خَيْبَر عَن أكل لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة إلَاّ من أجل أَنَّهَا ظهر وَأخرج فِي القَوْل الرَّابِع: من حَدِيث عدي بن ثَابت عَن الْبَراء أَنهم أَصَابُوا من الْفَيْء حمرا فذبحوها فَفِيهِ أَنَّهَا كَانَت نهبة وَلم تكن قسمت.
ثمَّ أجَاب عَن الْأَقْوَال الثَّلَاثَة بِحَدِيث أبي ثَعْلَبَة أَنه قَالَ: أتيت النَّبِي ﷺ فَقلت: يَا رَسُول الله! حَدثنِي مَا يحل لي مِمَّا يحرم عليَّ؟ فَقَالَ: لَا تَأْكُل الْحمار الأهلي رَوَاهُ من حَدِيث مُسلم بن مشْكم كَاتب أبي الدَّرْدَاء عَنهُ، ثمَّ قَالَ: فَكَانَ كَلَام النَّبِي ﷺ ، جَوَابا لسؤال أبي ثَعْلَبَة إِيَّاه عَمَّا يحل لَهُ مِمَّا يحرم عَلَيْهِ، فَدلَّ ذَلِك على نَهْيه ﷺ ، عَن أكل لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة لَا لعِلَّة بل كَانَ التَّحْرِيم فِي نَفسه مُطلقًا. وَقَالَ بَعضهم: قَالَ الطَّحَاوِيّ: لَوْلَا تَوَاتر الحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ ، بِتَحْرِيم الْحمر الْأَهْلِيَّة لَكَانَ النّظر يَقْتَضِي حلهَا لِأَن كلما حرم من الأهلي الْحَيَوَان أجمع على تَحْرِيمه إِذا كَانَ وحشيا كالخنزير، وَقد أجمع على حل الْحمار الوحشي فَكَانَ النّظر يَقْتَضِي حل الْحمار الأهلي ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل. قلت: وَمَا ادَّعَاهُ من الْإِجْمَاع مَرْدُود، فَإِن كثيرا من الْحَيَوَان الأهلى مُخْتَلف فِي نَظِيره من الْحَيَوَان الوحشي كالهر. قلت: دَعْوَاهُ الرَّد عَلَيْهِ مَرْدُودَة لِأَنَّهُ فهم عكس مَا أَرَادَهُ الطَّحَاوِيّ، لِأَن مُرَاده كلما حرم من الْحَيَوَان الأهلي، أجمع على تَحْرِيمه إِذا كَانَ وحشيا. وَمثل لذَلِك بالخنزير فَإِنَّهُ مجمع على
стр. 6332
حرمته من غير فرق بَين كَونه أهليا يَعْنِي: مستأنسا أَو وحشيا غير مستأنس، وَلَيْسَ مُرَاده أَن كلما أجمع على تَحْرِيمه من الوحشي يَقْتَضِي حلّه من الأهلي كالضيون فَإِنَّهُ مُخْتَلف فِيهِ فَلَا يَقْتَضِي حل السنور الأهلي، وَقد روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي الزبير عَن جَابر قَالَ: نهى رَسُول الله ﷺ ، عَن أكل الهر، وثمنه. وَقَالَ: هَذَا حَدِيث غَرِيب.
٢٩ - (بَابُ: ﴿أكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّباعِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم كل أكل ذِي نَاب من سِبَاع الْبَهَائِم وَالْمرَاد بالناب مَا يعدو بِهِ على الْحَيَوَان ويتقوى بِهِ، وَلم يبين حكمه اكْتِفَاء بِمَا بَينه فِي الحَدِيث.
٥٥٣٠ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخْبَرَنا مَالِكٌ عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ أبِي إدْرِيسَ الخَوْلانِيِّ عَنْ أبِي ثَعْلَبَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، نَهَى عَنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّباعِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو إِدْرِيس هُوَ عَائِذ الله الْخَولَانِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ عَن عبد الله بن مُحَمَّد. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّيْد عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّيْد عَن القضى عَن مَالك بِهِ وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الصَّيْد عَن أَحْمد بن الْحسن التِّرْمِذِيّ وَغَيره. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الصَّباح.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث فَذهب الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ إِلَى أَن النَّهْي فِيهِ للتَّحْرِيم، وَلَا يُؤْكَل ذُو الناب من السبَاع وَلَا ذُو المخلب من الطير، وَاسْتثنى الشَّافِعِي مِنْهُ الضبع والثعلب خَاصَّة لِأَن نابهما ضَعِيف. قلت: هَذَا التَّعْلِيل فِي مُقَابلَة النَّص فَهُوَ فَاسد. وَقَالَ ابْن الْقصار: حمل النَّهْي فِي هَذَا الحَدِيث على الْكَرَاهَة عِنْد مَالك، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن السبَاع لَيست بمحرمة كالخنزير لاخْتِلَاف الصَّحَابَة فِيهَا، وَقد رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ ، أَنه أجَاز أكل الضبع. وَأخرجه الْحَاكِم من حَدِيث جَابر. وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد، وَهُوَ ذُو نَاب فَدلَّ بِهَذَا أَن النَّبِي ﷺ ، أَرَادَ بِتَحْرِيم كل ذِي نَاب من السبَاع الْكَرَاهَة وَالْحَاصِل فِي هَذَا الْبَاب أَن عَطاء بن أبي رَبَاح ومالكا وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق أباحوا أكل الضبع وَهُوَ مَذْهَب الظَّاهِرِيَّة، وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَعبد الله بن الْمُبَارك وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: لَا يُؤْكَل الضبع وحجتهم فِيهِ الحَدِيث الْمَذْكُور، فَإِنَّهُ بِعُمُومِهِ يتَنَاوَل كل ذِي نَاب والضبع ذُو نَاب. وَحَدِيث جَابر لَيْسَ بِمَشْهُور، وَهُوَ مُحَلل وَالْمحرم يقْضِي على الْمُبِيح احْتِيَاطًا وَقيل: حَدِيث جَابر مَنْسُوخ، وَوَجهه أَن طلب المخلص عَن التَّعَارُض فِي الْأَحَادِيث بِوُجُوه مِنْهَا طلب المخلص بِدلَالَة التَّارِيخ والتعارض ظَاهر بَين الْحَدِيثين، وَدلَالَة التَّارِيخ فِيهِ أَن النَّص الْمحرم ثَابت من حَيْثُ الظَّاهِر فَيكون مُتَأَخِّرًا عَن الْمُبِيح، فالأخذ بِهِ يكون أولى، وَلَا يَجْعَل الْمُبِيح مُتَأَخِّرًا لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ إِثْبَات النّسخ مرَّتَيْنِ فَلَا يجوز. وَقيل: حَدِيث جَابر انْفَرد بِهِ عبد الرَّحْمَن بن أبي عمار وَلَيْسَ بِمَشْهُور بِنَقْل الْعلم وَلَا هُوَ حجَّة إِذا انْفَرد فَكيف إِذا خَالفه من هُوَ أثبت مِنْهُ.
﴿تَابَعَهُ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَالمَاجِشُنُ عَنِ الزُّهْرِيِّ﴾
أَي: تَابع مَالِكًا يُونُس بن يزِيد وَمعمر بن رَاشد وسُفْيَان بن عُيَيْنَة ويوسف بن يَعْقُوب الْمَاجشون فِي روايتهم عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَقد ذكرنَا مُتَابعَة هَؤُلَاءِ فِي الْبَاب الَّذِي قبله غير ابْن عُيَيْنَة فمتابعة ابْن عُيَيْنَة أخرجهَا البُخَارِيّ فِي أخر الطِّبّ فِي بَاب البان الاتن فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن مُحَمَّد حَدثنَا سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي إِدْرِيس الْخَولَانِيّ عَن أبي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي. قَالَ: نهى النَّبِي ﷺ ، عَن أكل كل ذِي نَاب من السبَاع، ويروى من السَّبع وَالله أعلم.
٣٠ - (بَابُ: ﴿جُلُودِ المَيْتَةِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم جُلُود الْميتَة قبل أَن تدبغ.
٥٥٣١ - حدَّثنا زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا أبِي عَنْ صَالِحٍ قَالَ: حدَّثني
стр. 6333
ابنُ شِهابٍ أنَّ عُبَيْدَ الله بنَ عَبْدِ الله أخْبَرَهُ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عَبَّاسٍ، ﵄، أخْبَرَهُ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، مَرَّ بِشاةٍ مَيِّتَةٍ، فَقَالَ: هَلَاّ اسْتَمْتَعْتُمْ بِإهابِها؟ قَالُوا: إنَّها مَيِّتَةٌ. قَالَ: إنَّما حُرِّمَ أكْلُها.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ. وَهُوَ أَيْضا يبين حكم التَّرْجَمَة.
وَزُهَيْر مصغر زهر. بالزاي وَالرَّاء ابْن حَرْب ضد الصُّلْح وَيَعْقُوب ابْن إِبْرَاهِيم يروي عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن مُضِيّ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَعبيد الله بِضَم الْعين بن عبد الله بِفَتْح الْعين ابْن عتبَة بن مَسْعُود أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة.
والْحَدِيث مضى فِي الزَّكَاة فِي: بَاب الصَّدَقَة على موَالِي أَزوَاج النَّبِي ﷺ ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن سعيد بن عفير، وَمضى فِي الْبيُوع أَيْضا.
قَوْله: (ميتَة) التَّخْفِيف والتثقيل فِيهِ سَوَاء على قَول أَكثر أهل اللُّغَة، وَقيل بِالتَّخْفِيفِ لما مَاتَ، وبالتشديد لما لم يمت بعد، وَعند حذاق أهل الْبَصْرَة والكوفيين هما وَاحِد. قَوْله: (بإهابها) الإهاب بِكَسْر الْهمزَة وَتَخْفِيف الْهَاء اسْم لجلد لم يدبغ. وَقيل: هُوَ اسْم لجلد دبغ، وَيجمع على أهب، بِفتْحَتَيْنِ وَيجوز بِضَمَّتَيْنِ أَيْضا على الأَصْل، وَالْأول على غير الْقيَاس. قَوْله: (حرم) بِالتَّشْدِيدِ على صِيغَة الْمَجْهُول، ويروى بِالتَّخْفِيفِ بِفَتْح الْحَاء وَضم الرَّاء.
وَبِهَذَا الحَدِيث احْتج جُمْهُور الْفُقَهَاء وأئمة الْفَتْوَى على جَوَاز الِانْتِفَاع بجلد الْميتَة بعد الدّباغ، وَذكر ابْن الْقصار أَنه آخر قَول مَالك، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَرُوِيَ عَن ابْن شهَاب أَنه أَبَاحَ الِانْتِفَاع بهَا قبل الدّباغ مَعَ كَونهَا نَجِسَة وَأما أَحْمد فَذهب إِلَى تَحْرِيم الْجلد وَتَحْرِيم الِانْتِفَاع بِهِ قبل الدّباغ وَبعده وَاحْتج بِحَدِيث عبد الله بن عكيم قَالَ: أَتَانَا كتاب رَسُول الله ﷺ ، قبل مَوته: أَن لَا تنتفعوا من الْميتَة بإهاب وَلَا عصب، أخرجه الشَّافِعِي وَأحمد وَالْأَرْبَعَة وَصَححهُ ابْن حبَان وَحسنه التِّرْمِذِيّ، وَفِي رِوَايَة للشَّافِعِيّ وَأحمد وَأبي دَاوُد قبل مَوته بِشَهْر، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: كَانَ أَحْمد يذهب إِلَيْهِ، وَيَقُول هَذَا آخر الْأَمر ثمَّ تَركه لما اضْطر بوافي إِسْنَاده، وَكَذَا قَالَ الْجلَال نَحوه، ورد ابْن حبَان على من ادّعى فِيهِ الِاضْطِرَاب. وَقَالَ: سمع ابْن عكيم الْكتاب يقْرَأ وسَمعه من مَشَايِخ جُهَيْنَة عَن النَّبِي ﷺ فَلَا اضْطِرَاب، وَأعله بَعضهم بالانقطاع وَهُوَ مَرْدُود، وَبَعْضهمْ بِكَوْنِهِ كتابا وَلَيْسَ بعلة قادحة وَبَعْضهمْ بِأَن ابْن أبي ليلى راوية عَن ابْن عكيم لم يسمعهُ مِنْهُ. لما وَقع عِنْد أبي دَاوُد عَنهُ أَنه انْطلق وأناس مَعَه إِلَى عبد الله بن عكيم قَالَ: فَدَخَلُوا وَقَعَدت على الْبَاب، فَخَرجُوا إِلَيّ فَأَخْبرُونِي، فَهَذَا يَقْتَضِي أَن فِي السَّنَد من لم يسم وَلَكِن صَحَّ بتصريح عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى بِسَمَاعِهِ من ابْن عكيم فَلَا أثر لهَذِهِ الْعلَّة أَيْضا. وَالْجَوَاب الصَّحِيح عَنهُ أَن حَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَذْكُور من الصِّحَاح، وَإنَّهُ سَماع، وَحَدِيث ابْن عكيم كِتَابَة فَلَا يُقَاوم ذَلِك لما فِي الْكِتَابَة من شُبْهَة الِانْقِطَاع. قلت: وَذكر فِيهِ أَيْضا من الْعِلَل الِاخْتِلَاف فِي صُحْبَة ابْن عكيم، فَقَالَ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره: لَا صُحْبَة لَهُ فَهُوَ مُرْسل. فَإِن قلت: روى الطَّبَرِيّ فِي (تَهْذِيب الْآثَار) من حَدِيث جَابر قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ ، لَا تنتفعوا من الميتتة بِشَيْء وروى أَيْضا من حَدِيث ابْن عمر قَالَ نهى رَسُول الله ﷺ أَن ينْتَفع من الْميتَة بإهاب وروى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ أَنه ﵊ نهى عَن جُلُود السبَاع أَن تفترش. قلت: فِي رُوَاة حَدِيث جَابر زَمعَة وَهُوَ مِمَّن لَا يعْتَمد على نَقله وَفِي عَامَّة إِسْنَاد حَدِيث ابْن عمر مَجَاهِيل لَا يعْرفُونَ. وَأما النَّهْي عَن جُلُود السبَاع فقد قيل: إِنَّهَا كَانَت تسْتَعْمل قبل الدّباغ.
٥٥٣٢ - حدَّثنا خَطَّابُ بنُ عُثْمانَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جُبَيْرٍ عَنْ ثَابِتِ بنِ عَجْلانَ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ جُبَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ، ﵄ يَقُولُ: مَرَّ النبيُّ ﷺ ، بَعَنْزٍ مَيِّتَةٍ. فَقَالَ: مَا عَلَى أهْلِها لَوْ انُتَفَعُوا بِإهابِها.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وخطاب، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الطَّاء الْمُهْملَة وبالباء الْمُوَحدَة الفوزي، بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الْوَاو وبالزاي: نِسْبَة إِلَى فوز قَرْيَة من قرى حمص، وَمُحَمّد بن حمير، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء، وَقَالَ الغساني: وَفِي بعض النّسخ حمير بِضَم الْحَاء وَفتح الْمِيم وَهُوَ تَصْحِيف وَقَالَ بَعضهم: وَأَخْطَأ من قَالَ بِالتَّصْغِيرِ، أَخذه
стр. 6334
من الغساني وأظهره فِي صُورَة يظنّ الْوَاقِف عَلَيْهِ أَنه من كَلَامه، وثابت بالثاء الْمُثَلَّثَة ضد الزَّائِد ابْن عجلَان أَبُو عبد الله الْأنْصَارِيّ التَّابِعِيّ.
وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة كلهم شَامِيُّونَ حمصيون مَا لَهُم فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث، إلَاّ مُحَمَّد بن حمير فَلهُ حَدِيث آخر سبق فِي الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة فَإِن قلت: هَؤُلَاءِ مُتَكَلم فيهم، فَكيف وَضعه البُخَارِيّ فِي (صَحِيحه) أما خطاب فقد قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: رُبمَا أَخطَأ وَأما مُحَمَّد بن حمير فَقَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم لَا يحْتَج بِهِ وَأما ثَابت فَقَالَ أَحْمد أَنا أتوقف فِيهِ. وَقَالَ الْعقيلِيّ: لَا يُتَابع فِي حَدِيثه؟ قلت: قَالَ بَعضهم: إنّ هَؤُلَاءِ من المتابعات لَا من الْأُصُول وَالْأَصْل فِيهِ الَّذِي قبله انْتهى. وَهَذَا غير كَاف للرَّدّ وَلَكِن نقُول: أما خطاب فَإِنَّهُ كَانَ يعد من الأبدال، وَذكره ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) وَوَثَّقَهُ أَيْضا الدَّارَقُطْنِيّ مَعَ قَوْله: رُبمَا أَخطَأ. وَأما مُحَمَّد بن حمير، فَعَن يحيى ودحيم ثِقَة وَعَن النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِهِ بَأْس وروى لَهُ. وَأما ثَابت فقد قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم: صَالح الحَدِيث، وَلما ذكره الْعقيلِيّ فِي (الضُّعَفَاء) أنكر عَلَيْهِ ابْن الْقطَّان.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الذَّبَائِح عَن سَلمَة بن أَحْمد بن عُثْمَان الفوزي عَن جده لأمه خطاب بن عُثْمَان بِهِ.
قَوْله: (بعنز) ، بِفَتْح الْعين وَسُكُون النُّون وبالزاي، أَي قَالَ بَعضهم: هِيَ وَاحِدَة الْمعز، وَكَذَا قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) هِيَ وَاحِدَة الْمعز. قلت: هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح، وَالصَّحِيح مَا قَالَه الْجَوْهَرِي: العنز الماعزة وَهِي الْأُنْثَى من الْمعز، وَكَذَلِكَ العنز من الظباء والأوغال. قَوْله: (فَقَالَ مَا على أَهلهَا) أَي: لَيْسَ على أَهلهَا حرج.
٣١ - (بَابُ: ﴿المِسكِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْمسك، وَهُوَ بِكَسْر الْمِيم، وَهُوَ مَعْرُوف عِنْد كل أحد، وَهُوَ فَارسي مُعرب، وَأَصله بالشين الْمُعْجَمَة وَالْعرب إِذا استعملوا لفظا أعجميا غيروه بِزِيَادَة أَو نُقْصَان أَو بقلب حرف بِحرف غَيره. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَجه إِيرَاد هَذَا الْبَاب فِي كتاب الصَّيْد لكَون الْمسك فضلَة الظبي، والظبي مِمَّا يصاد. وَقَالَ الجاحظ: الْمسك هُوَ من دويبة تكون فِي الصين تصاد لتوافجها وسررها، فَإِذا صيدت شدت بعصائب وَهِي مدلية يجْتَمع فِيهَا دم فَإِذا ذبحت فورت السُّرَّة الَّتِي عصبت ودفنت فِي الشّعْر حَتَّى يَسْتَحِيل ذَلِك الدَّم المتخمر الجامد مسكا ذكيا بعدأن كَانَ لَا يرام من النتن وَنقل ابْن الصّلاح أَن النافجة فِي جَوف الظبية كالأنفحة فِي جَوف الجدي، وَقيل: غزال الْمسك كالظبأ إلَاّ أَن لَهُ نابين معتنقين خَارِجين من فَمه كالفيل وَالْخِنْزِير، وَيُؤْخَذ الْمسك من سرته وَله وَقت مَعْلُوم من السّنة يجْتَمع فِي سرته. فَإِذا اجْتمع ورم الْموضع فَمَرض الغزال إِلَى أَن يسْقط مِنْهُ، وَيُقَال: إِن أهل تِلْكَ الْبِلَاد يجْعَلُونَ لَهَا أوتادا فِي الْبَريَّة تَحْتك بهَا فَتسقط وَقَالَ النَّوَوِيّ: أَجمعُوا على أَن الْمسك طَاهِر يجوز اسْتِعْمَاله فِي الْبدن وَالثَّوْب وَيجوز بَيْعه، وَحكى ابْن التِّين عَن ابْن شعْبَان من الْمَالِكِيَّة أَن فَأْرَة الْمسك إِنَّمَا تُؤْخَذ فِي حَال الْحَيَاة أَو بِذَكَاة من لَا تصح ذَكَاته من الْكَفَرَة وَهِي مَعَ ذَلِك مَحْكُوم بطهارتها لَا يَسْتَحِيل عَن كَونهَا دَمًا حَتَّى تصير مسكان كَمَا يَسْتَحِيل فِي حَال الدَّم إِلَى اللَّحْم فيطهر وَيحل أكله، وَلَيْسَت بحيوان حَتَّى يُقَال: تنجست بِالْمَوْتِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْء يحدث بِالْحَيَوَانِ كالبيض.
وَقد أجمع الْمُسلمُونَ على طَهَارَة الْمسك إِلَّا مَا حكى عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من كَرَاهَته، وَهَكَذَا حكى ابْن الْمُنْذر عَن جمَاعَة ثمَّ قَالَ: وَلَا يَصح الْمَنْع فِيهِ إلَاّ عَن عَطاء بِنَاء على أَنه جُزْء مُنْفَصِل، وَقَالَ أَصْحَابنَا: الْمسك حَلَال للرِّجَال وللنساء وَفِي (التَّوْضِيح) قَالَ ابْن الْمُنْذر: وَمِمَّنْ أجَاز الِانْتِفَاع بالمسك عَليّ بن أبي طَالب وَابْن عمر وَأنس وسلمان الْفَارِسِي، وَمن التَّابِعين: سعيد بن الْمسيب وَابْن سِيرِين وَجَابِر بن زيد، وَمن الْفُقَهَاء مَالك وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَخَالف ذَلِك آخَرُونَ، وَذكر ابْن أبي شيبَة عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه كره الْمسك، وَقَالَ: لَا تحنطوني بِهِ وَكَرِهَهُ عمر بن عبد الْعَزِيز وَعَطَاء وَالْحسن وَمُجاهد وَالضَّحَّاك وَقَالَ أَكْثَرهم لَا يصلح للحي وَلَا للْمَيت، وَهُوَ عِنْدهم بِمَنْزِلَة مَا قطع من الْميتَة وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: لَا يَصح ذَلِك إلَاّ عَن عَطاء، وَهَذَا قِيَاس غير صَحِيح، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ مَرْفُوعا: أطيب طيبكم الْمسك، وَهَذَا نَص قَاطع للْخلاف. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَقد روينَا عَن رَسُول الله ﷺ ، بِإِسْنَاد جيد أَنه كَانَ لَهُ مسك يتطيب بِهِ.
٥٥٣٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ عَنْ عَبْدِ الوَاحِدِ حدَّثنا عُمارَةُ بنُ القَعْقَاعِ عَنْ أبِي زُرْعَةَ بنِ عَمْروٍ بنِ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ ، مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكَلَمُ فِي الله إلَاّ جَاءَ يَوْمَ
стр. 6335
القِيَامَةِ وَكَلَّمُهُ يَدْمَى. اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ريح مسك) وَعبد الْوَاحِد هُوَ ابْن زِيَاد الْبَصْرِيّ، وَعمارَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم ابْن الْقَعْقَاع بِفَتْح القافين وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة الأولى، وَأَبُو زرْعَة بِضَم الزَّاي وَسُكُون الرَّاء وبالعين الْمُهْملَة واسْمه هرم بن عَمْرو بن جرير بِفَتْح الْجِيم وَكسر الرَّاء الأولى البَجلِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب من يخرج فِي سَبِيل الله، وَلَكِن بِغَيْر هَذَا الْإِسْنَاد قيل: وَجه اسْتِدْلَال البُخَارِيّ بِهَذَا الحَدِيث على طَهَارَة الْمسك، وَكَذَا بِالَّذِي بعده وُقُوع تَشْبِيه دم الشَّهِيد بِهِ لِأَنَّهُ فِي سِيَاق التكريم والتعظيم، فَلَو كَانَ نجسا لَكَانَ من الْخَبَائِث، وَلم يحسن التَّمْثِيل بِهِ فِي هَذَا الْمقَام.
قَوْله: (يكلم) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: يجرح، من الْكَلم بِالْفَتْح وَهُوَ الْجرْح. قَوْله: (فِي الله) أَي: فِي سَبِيل الله، وَهَكَذَا فِي بعض الرِّوَايَات. قَوْله: (وَكَلمه) بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون اللَّام أَي: جرحه. قَوْله: (يدمي) بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الدَّال وَفتح الْمِيم من دمى يدمى من بَاب علم يعلم أَي: يسيل مِنْهُ الدَّم. قَوْله: (اللَّوْن لون دم) تَشْبِيه بليغ بِحَذْف أَدَاة التَّشْبِيه، وَكَذَلِكَ (الرّيح ريح مسك) .
٥٥٣٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاءِ حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ عَنْ يَزِيدِ عَنْ أبِي بُرْدَةَ عَنْ أبِي مُوسَى، ﵁، عَنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: مَثَلُ الْجَلِيسَ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ: إمَّا أنْ يُحْذِيكَ وَإمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِير: إمَّا أنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإمَّا أنْ تَجِدَ رِيحا خَبِيثَةً.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وبُرَيد بِضَم الْبَاء وَفتح الرَّاء مصغر برد ابْن عبد الله بن أبي بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَاسم أبي بردة عَامر، وَقيل: الْحَارِث، وَاسم أبي مُوسَى عبد الله بن قيس، وبريد بن عبد الله يكنى أَبَا بردة يروي عَن جده أبي بردة عَن أبي مُوسَى.
والْحَدِيث مضى فِي الْبيُوع فِي: بَاب الْعَطَّار وَبيع الْمسك فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْوَاحِد عَن أبي بردة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (مثل الجليس الصَّالح) ، ويروى: مثل جليس الصَّالح، بِإِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى صفته. قَوْله: (الْكِير) ، بِكَسْر الْكَاف وَهُوَ زق غليظ ينْفخ فِيهِ. قَوْله: (يحذيك) ، بِضَم الْيَاء وَسُكُون الْحَاء وَكسر الذَّال الْمُعْجَمَة بِمَعْنى: يعطيك وزنا وَمعنى من الإحذاء وَهُوَ الْإِعْطَاء يُقَال: أحذيت الرجل إِذا أَعْطيته الشَّيْء واتحفته بِهِ.
وَفِيه: مدح الْمسك المستلزم لطهارته ومدح الصَّحَابَة حَيْثُ كَانَ جليسهم رَسُول الله ﷺ ، حَتَّى قيل: لَيْسَ للصحابي فَضِيلَة أفضل من فَضِيلَة الصُّحْبَة، وَلِهَذَا سموا بالصحابة مَعَ أَنهم عُلَمَاء كرماء شجعاء إِلَى تَمام فضائلهم.
٣٢ - (بَابُ: ﴿الأرْنَبِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم أكل الأرنب، وَلم يُبينهُ فِي التَّرْجَمَة اكْتِفَاء بِمَا فِي الحَدِيث، وَنَذْكُر حكمه عَن قريب.
الأرنب دويبة مَعْرُوفَة تشبه العناق وَلَكِن فِي رِجْلَيْهَا طول بِخِلَاف يَديهَا وَهُوَ اسْم جنس للذّكر وَالْأُنْثَى، وَيُقَال للذّكر أَيْضا الخزز، على وزن عمر بمعجمات، وَالْأُنْثَى عكرشية وَيُقَال للصَّغِير: خرنق، بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح النُّون بعْدهَا قَاف، وَقَالَ الجاحظ: لَا يُقَال الأرنب إلَاّ للْأُنْثَى، وَيُقَال الأرنب شَدِيدَة الْجُبْن كَثِيرَة الشبق وَإِنَّهَا تكون سنة ذكر أَو سنة أُنْثَى، وَأَنَّهَا تحيض، وَإِنَّهَا تنام مَفْتُوحَة الْعين انْتهى.
٥٥٣٥ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ هِشامٍ بنِ زَيْدٍ عَنْ أنَسٍ، ﵁، قَالَ: أنْفَجْنا أرْنَبا وَنَحْنُ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَسَعَى القَوْمُ فَلَغَنُوا فَأخَذْتُها فَجِئْتُ بِها إلَى أبِي طَلْحَةَ فَذَبَحَهَا فَبَعَثَ بِوَركَيْها أوْ قَالَ: بِفَخْذَيْها إلَى النبيِّ ﷺ ، فَقَبِلَها.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك، وَهِشَام بن زيد بن أنس يروي عَن جده أنس.
والْحَدِيث مضى فِي الْهِبَة
стр. 6336
فِي بَاب قبُول الصَّيْد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة إِلَى آخِره.
قَوْله: (أنفجنا) من الإنفاج بالنُّون وَالْفَاء وَالْجِيم وَهُوَ التهييج والإثارة فِي رِوَايَة مُسلم استنفجنا وَهُوَ من بَاب الاستفعال وَمِنْه يُقَال: نفج الأرنب إِذا ثار وَعدا وانتفج كَذَلِك وأنفجته أَنا أثرته من مَوْضِعه، وَوَقع فِي (شرح مُسلم للمازري) بعجنا، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْعين الْمُهْملَة وَالْجِيم، وَفَسرهُ بالشق من بعج بَطْنه إِذا شقَّه، ورده عِيَاض وَنسبه إِلَى التَّصْحِيف لفساد الْمَعْنى لِأَن الَّذِي يشق بَطْنه كَيفَ يسْعَى خَلفه؟ قَوْله: (بمر الظهْرَان) ، قد فسرناه عَن قريب بِأَنَّهُ اسْم مَوضِع على مرحلة من مَكَّة. قَوْله: (فلغبوا) ، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَكسرهَا. أَي: تعبوا وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني بِلَفْظ: تعبوا قَوْله: (فأخذتها) ، وَزَاد فِي كتاب الْهِبَة فأدركتها فأخذتها وَفِي رِوَايَة مُسلم: فسعيت حَتَّى أدركتها وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَكنت غُلَاما حزورا أَي: مراهقا. قَوْله: (إِلَى أبي طَلْحَة) ، هُوَ زوج أم أنس، واسْمه زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ. قَوْله: (فذبحها) ، وَفِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيّ: فذبحها بمروة. قَوْله: (أَو بفخذيها) ، شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (فقبلها) ، أَي: الْهَدِيَّة وَتقدم فِي الْهِبَة قلت: وَأكل مِنْهُ؟ قَالَ: وَأكل مِنْهُ.
وَاخْتلفُوا فِيهِ فعامة الْعلمَاء على جَوَاز أكل الأرنب وَكَرِهَهُ عَمْرو بن الْعَاصِ وَابْنه وَعبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى وَعِكْرِمَة، وَحكى الرَّافِعِيّ عَن أبي حنيفَة أَنه حرمهَا وغلطه النَّوَوِيّ فِي النَّقْل عَن أبي حنيفَة. قلت: هَذَا جدير بالتغليظ فَإِن أَصْحَابنَا قَالُوا: لَا خلاف فِيهِ لأحد من الْعلمَاء قَالَ الْكَرْخِي: وَلم يرَوا جَمِيعًا بَأْسا بِأَكْل الأرنب، وَأَنه لَيْسَ من السبَاع وَلَا من أَكلَة الْجِيَف.
وَرويت فِيهِ أَحَادِيث وأخبار كَثِيرَة. مِنْهَا: مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة الشّعبِيّ عَن جَابر بن عبد الله أَن رجلا من قومه صَاد أرنبا أَو ثِنْتَيْنِ فذبحهما بمروة فقطعهما حَتَّى لَقِي رَسُول الله ﷺ ، فَسَأَلَهُ فَأمره بأكلهما وَانْفَرَدَ التِّرْمِذِيّ بِهِ. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث الشّعبِيّ عَن مُحَمَّد بن صَيْفِي قَالَ: أتيت النَّبِي ﷺ ، بأرنبين فذبحتهما بمروة فَأمرنِي بأكلهما. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَاد جيد من حَدِيث عمار قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ ، فأهدى إِلَيْهِ رجل من الْأَعْرَاب أرنبا فأكلناه. فَقَالَ الْأَعرَابِي: إِنِّي رَأَيْت بهَا دَمًا فَقَالَ ﷺ : (لَا بَأْس) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن عَائِشَة. قَالَت: أهدي إِلَى رَسُول الله ﷺ ، أرنب وَأَنا نَائِمَة فخبا لي مِنْهَا الْعَجز فَلَمَّا قُمْت أَطْعمنِي، وَفِي سَنَده زيد بن عِيَاض وَهُوَ ضَعِيف. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة حَدثنَا وَكِيع عَن إِبْرَاهِيم أَن رجلا سَأَلَ عبد الله بن عُمَيْر عَن الأرنب؟ فَقَالَ: لَا بَأْس بهَا قَالَ: إِنَّهَا تحيض؟ قَالَ: إِن الَّذِي يعلم حَيْضهَا يعلم طهرهَا، وَإِنَّمَا هِيَ حاملة من الْحَوَامِل وَعَن ابْن الْمسيب عَن سعد أَنه كَانَ يأكلها. قيل لسعد: مَا تَقول؟ قَالَ: كنت آكلها وَعَن عبيد بن سعد أَن بِلَالًا رأى أرنبا فذبحها فَأكلهَا وَعَن الْحسن أَنه كَانَ لَا يرى يأكلها بَأْسا وَقَالَ طَاوُوس: الأرنب حَلَال. وَقَالَ حسن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: أَنا أعافها وَلَا أحرمهَا على الْمُسلمين وَقَالَ ابْن حزم: وَصَحَّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَنه ﵇ أَتَى بأرنب مشوية فَلم يَأْكُل مِنْهَا. وَأمر الْقَوْم بأكلها. وَأما مَا رَوَاهُ عِكْرِمَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه أَتَى بأرنب فَقيل لَهُ: إِنَّهَا تحيض فكرهها فمرسل، وَمَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن إِبْرَاهِيم بن عمر عَن عبد الْكَرِيم بن أُميَّة قَالَ: سَأَلَ جرير بن أنس النَّبِي ﷺ ، عَن الأرنب فَقَالَ: لَا آكلها انبئت أَنَّهَا تحيض. فَقَالَ ابْن حزم: أَبُو أُميَّة هَالك، وَذكر حَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ أَن الْجِنّ تهرب من لعب الأرنب، وَذَلِكَ أَن الأرنب لَيست من مطايا الْجِنّ لِأَنَّهَا تحيض.
٣٣ - (بَابُ: ﴿الضَّبِّ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَحْكَام الضَّب، وَهِي دويبة تشبه الحرذون، وأكبر مِنْهُ، وتكنى أَبَا حسل، بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ وباللام، وَيُقَال للْأُنْثَى: ضبة وَيُقَال للذّكر ذكران لأجل أَن لذكره فرجين وَذكر ابْن خالويه أَن الضَّب يعِيش بسبعمائة سنة وَأَنه لَا يشرب المَاء ويكتفي بالنسيم وَبرد الْهَوَاء، وَلَا يخرج من جُحْره فِي الشتَاء، ويبول فِي كل أَرْبَعِينَ يَوْمًا قَطْرَة، وَلَا يسْقط لَهُ سنّ، وَيُقَال: إِن أَسْنَانه قِطْعَة وَاحِدَة وَيجمع على ضباب وأضب مثل كف وأكف، وَفِي (الْمُحكم) وَالْجمع ضبان وَفِي الْمثل أعق من ضَب لِأَنَّهُ رُبمَا أكل أُصُوله، وَيُقَال ضبب الْبَلَد وأضب إِذا كثر ضبابه، وَأَرْض ضبيبة كَثِيرَة الضباب وَأَرْض مضببة ذَات ضباب، وَالْجمع مضاب، والمضبب الحارس الَّذِي يصب المَاء فِي جُحْره حَتَّى يخرج ليأخذه.
٥٥٣٦ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنِ مُسْلِمٍ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ دِينارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَالَ النبيُّ ﷺ : الضَّبُّ لَسْتُ آكُلهُ وَلا أُُحَرِّمُهُ.
стр. 6337
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَبَين الحَدِيث الْإِبْهَام الَّذِي فِي التَّرْجَمَة. لِأَن قَوْله: وَلَا أحرمهُ يدل على الْإِبَاحَة.
وَعبد الْعَزِيز بن مُسلم بِكَسْر اللَّام الْخَفِيفَة الْمروزِي.
والْحَدِيث من أَفْرَاده، وَهَذَا الحَدِيث صَرِيح فِي الْإِبَاحَة وَعلل بالعيافة، وَهَذَا الضَّب جَاءَ أَنه أهدته خَالَة ابْن عَبَّاس أم حفيدة، وَفِي لفظ: حفيدة بنت الْحَارِث أُخْت مَيْمُونَة، وَكَانَت بِنَجْد تَحت رجل من بني جَعْفَر. وَفِي لفظ: كلوا فَإِنَّهُ حَلَال، وَفِي لفظ: لَا بَأْس بِهِ، وَفِي لفظ: لَا آكله وَلَا أنهى عَنهُ، وروى أَبُو دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس. قَالَ: كنت فِي بَيت مَيْمُونَة فَدخل النَّبِي ﷺ وَمَعَهُ خَالِد. فجاؤا بضبين مشويين فَتَبَزَّقَ رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ لَهُ خَالِد: إخالك تقذره يَا رَسُول الله؟ قَالَ: أجل وروى مُسلم من حَدِيث أبي سعيد مَرْفُوعا: إِن الله غضب على سبط من بني إِسْرَائِيل فمسخهم دَوَاب يدبون فِي الأَرْض، فَلَا أَدْرِي لَعَلَّ هَذَا مِنْهَا، فلست آكلها وَلَا أنهى عَنْهَا. قَالَ أَبُو سعيد: فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك، قَالَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِن الله لينفع بِهِ غير وَاحِد، وَإنَّهُ لطعام عَامَّة الرُّعَاة، وَلَو كَانَ عِنْدِي لطعمته، وَإِنَّمَا عافه رَسُول الله ﷺ .
وَفِي هَذَا الْبَاب أَحَادِيث كَثِيرَة بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة عَن رجال شَتَّى من الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، لم يصحح أحد مِنْهُم عَن النَّبِي ﷺ ، تَحْرِيمهَا، وَأكْثر من روى أَنه أمسك عَن أكلهَا عيافة، وَقد وضع الطَّحَاوِيّ بَابا للضباب فروى أَولا حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن حَسَنَة، قَالَ: نزلنَا أَرضًا كَثِيرَة الضباب فأصابتنا مجاعَة فطبخنا مِنْهَا، وَإِن الْقُدُور لتغلي بهَا إِذْ جَاءَ رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقُلْنَا: ضباب أصبناها فَقَالَ: إِن أمة من بني إِسْرَائِيل مسخت دَوَاب فِي الأَرْض وَإِنِّي أخْشَى أَن تكون هَذِه وَإِسْنَاده لَا بَأْس بِهِ، وَقَالَ ابْن حزم: حَدِيث صَحِيح إلَاّ أَنه مَنْسُوخ بِلَا شكّ. ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: ذهب قوم إِلَى تَحْرِيم لُحُوم الضباب، وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الحَدِيث. قلت: أَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ الْأَعْمَش وَزيد بن وهب وَآخَرين. ثمَّ قَالَ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ فَلم يرَوا بهَا بَأْسا. قلت: أَرَادَ بالآخرين هَؤُلَاءِ عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى وَسَعِيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ ومالكا وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَبِه قَالَت الظَّاهِرِيَّة، ثمَّ قَالَ: وَقد كره قوم أكل الضَّب مِنْهُم أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد. ثمَّ قَالَ: الْأَصَح عِنْد أَصْحَابنَا أَن الْكَرَاهَة كَرَاهَة تَنْزِيه لَا كَرَاهَة تَحْرِيم لتظاهر الْأَحَادِيث الصِّحَاح بِأَنَّهُ لَيْسَ بِحرَام.
٥٥٣٧ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَن ابنِ شِهابٍ عَنْ أبِي أمامَةَ بنِ سَهْلِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَبَّاسٍ، ﵄، عَنْ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ أنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُودٍ فَأهْوَى إلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ ، بِيَدِهِ فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ: أخْبِرُوا رَسُولَ الله ﷺ ، بِمَا يُرِيدُ أنْ يَأكُلَ. فَقَالُوا: هُوَ ضَبٌّ يَا رَسُولَ الله ﴿فَرَفَعَ يَدَهُ، فَقُلْتُ: أحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ الله﴾ فَقَالَ: لَا وَلاكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأرْضِ قَوْمِي فَأجِدُنِي أعافُهُ. قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأكَلْتُهُ وَرَسُولُ الله ﷺ ، يَنْظُرُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله بن مسلمة بِفَتْح الميمين القعني، وَأَبُو أُمَامَة بِضَم الْهمزَة أسعد بن سهل الْأنْصَارِيّ وَله رِوَايَة ولأبيه سهل بن حنيف صُحْبَة.
وَفِيه: رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ، وَاخْتلف فِيهِ على الزُّهْرِيّ، هَل هُوَ من مُسْند ابْن عَبَّاس أَو من مُسْند خَالِد بن الْوَلِيد، وَكَذَا اخْتلف فِيهِ على مَالك فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: عَن ابْن عَبَّاس عَن خَالِد، وَقَالَ يحيى ابْن بكير فِي (الْمُوَطَّأ) وَطَائِفَة عَن مَالك بِسَنَدِهِ عَن ابْن عَبَّاس وخَالِد أَنَّهُمَا دخلا وَقَالَ يحيى بن يحيى عَن مَالك بِلَفْظ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: دخلت أَنا وخَالِد على النَّبِي ﷺ أخرجه مُسلم عَنهُ.
والْحَدِيث مضى فِي الْأَطْعِمَة فِي: بَاب مَا كَانَ النَّبِي ﷺ لَا يَأْكُل حَتَّى يُسمى لَهُ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن مقَاتل، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (بَيت مَيْمُونَة) ، هِيَ خَالَة خَالِد بن الْوَلِيد. قَوْله: (محنوذ) ، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة أَي: مشوي. قَوْله: (فَأَهوى إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ بِيَدِهِ) ، أَي: أمال يَده إِلَيْهِ ليأخذه، وَقيل: قصد بِيَدِهِ إِلَيْهِ. قَوْله: (فأجدني) ، أَي: فأجد نَفسِي أعافه أَي: أكرهه. قَوْله: (ينظر) ، زَاد يُونُس فِي رِوَايَته إليّ.
٢٤ - (بَابٌ: ﴿إذَا وَقَعَتِ الفَأرَةُ فِي السَّمْنِ الجَامِدِ أوِ الذَّائِبِ﴾ )
стр. 6338
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا إِذا وَقعت الْفَأْرَة فِي السّمن، وَلَيْسَ السّمن بِقَيْد، وَكَذَا الدّهن وَالْعَسَل وَنَحْوهَا وَأَرَادَ بقوله: (الجامد أَو الذائب) هَل يفترقان فِي الحكم أم لَا. وَقد تقدم فِي كتاب الطَّهَارَة على مَا ذَكرْنَاهُ مَا يدل على أَن الْمُخْتَار أَنه لَا ينجس إِلَّا بالتغير.
٥٥٣٨ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا الزَّهْرِيُّ قَالَ: أخْبَرَنِي عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ بِأنَّهُ سَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُهُ عَنْ مَيْمُونَةَ أنَّ فَأرَةَ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ فَسُئِلَ النبيُّ ﷺ ، عَنْها فَقَالَ: ألْقُوهَا وَمَا حَوْلَها وَكُلُوهُ.
قِيلَ لِسُفْيَانَ، فَإنَّ مَعَمْرٌ أيُحَدِّثُهُ عَنِ الزّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ﵁؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ إلَاّ عَنْ عُبَيْدِ الله عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ ، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ مِرَارا.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث يبين مَا أبهم فِي التَّرْجَمَة.
والْحميدِي عبد الله بن الزبير بن عِيسَى مَنْسُوب إِلَى أحد أجداده حميد وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة ومَيْمُونَة بنت الْحَارِث أم الْمُؤمنِينَ.
والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب مَا يَقع من النَّجَاسَات فِي السّمن وَالْمَاء فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن عبيد الله بن عبد الله إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (ألقوها) يدل على أَن السّمن كَانَ جَامِدا، لِأَنَّهُ لَا يُمكن طرح مَا حولهَا من الْمَائِع الذائب لِأَنَّهُ عِنْد الْحَرَكَة يمتزج بعضه بِبَعْض، وَقَامَ الْإِجْمَاع على أَن هَذَا حكم السّمن الجامد، وَأما الْمَائِع من السّمن وَسَائِر الْمَائِعَات فَلَا خلاف فِي أَنه إِذا وَقع فِيهِ فَأْرَة أَو نَحْو ذَلِك لَا يُؤْكَل مِنْهَا شَيْء.
وَاخْتلفُوا فِي بَيْعه وَالِانْتِفَاع بِهِ فَقَالَ الْحسن بن صَالح وَأحمد لَا يُبَاع وَلَا ينْتَفع بِشَيْء مِنْهُ كَمَا لَا يُؤْكَل وَقَالَ الثَّوْريّ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ يجوز الإستصباح والإنتفاع بِهِ فِي الصابون وَغَيره، وَلَا يجوز بَيْعه وَلَا أكله. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَاللَّيْث ينْتَفع بِهِ فِي كل شَيْء مَا عدا الْأكل وَيجوز بَيْعه بِشَرْط الْبَيَان، وروى عَن أبي مُوسَى أَنه قَالَ: بيعوه وبينوا لمن تبيعونه مِنْهُ، وَلَا تبيعوه من مُسلم، وَرُوِيَ عَن ابْن وهب عَن الْقَاسِم وَسَالم أَنَّهُمَا أجازا بَيْعه وَأكل ثمنه بعد الْبَيَان.
قَوْله: (فَقيل لِسُفْيَان) قيل: الْقَائِل هُوَ شيخ البُخَارِيّ عَليّ بن الْمَدِينِيّ كَذَا ذكره فِي علله قَوْله فَإِن معمراً يحدثه إِلَى آخِره طَرِيق معمر هَذَا وَصله أَبُو دَاوُد عَن الْحسن بن عَليّ الْحلْوانِي وَأحمد بن صَالح كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُور إِلَى أبي هُرَيْرَة، وَنقل التِّرْمِذِيّ عَن البُخَارِيّ أَن هَذَا الطَّرِيق خطأ. وَالْمَحْفُوظ رِوَايَة الزُّهْرِيّ من طَرِيق مَيْمُونَة، وَجزم الذهلي بِأَن الطَّرِيقَيْنِ صَحِيحَانِ قَوْله قَالَ: (مَا سَمِعت الزُّهْرِيّ) أَي: قَالَ سُفْيَان قَوْله: (وَلَقَد سمعته مِنْهُ مرَارًا) يَعْنِي: من طَرِيق مَيْمُونَة فَقَط.
٥٥٣٩ - حدَّثنا عَبْدَانُ أخْبَرَنا عَبْدُ الله عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الدَّابَّةِ تَمُوتُ فِي الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَهُوَ جَامِدٌ أوْ غَيْرُ جَامِدٍ، الفَأْرَةِ أوْ غَيْرِها، قَالَ: بَلَغَنَا أنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، أمَرَ بِفَأْرَةٍ مَاتَتْ فِي سَمْنٍ، فَأمَرَ بِمَا قَرُبَ مِنْها فَطُرِحَ ثُمَّ أُكِلَ عَنْ حَدِيث عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة الْمروزِي، وَعبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي.
قَوْله: (عَن الدَّابَّة) أَي: عَن حكم الدَّابَّة تَمُوت فِي الزَّيْت هَل ينجس الْكل أم لَا؟ قَوْله: (وَهُوَ جَامِدا) الْوَاو فِيهِ للْحَال ظَاهر هَذَا يدل على أَن الزُّهْرِيّ فِي هَذَا الحكم مَا كَانَ يفرق بَين الجامد وَغَيره، وَكَذَا لم يفرق بَين السّمن وَغَيره لِأَنَّهُ فِي السُّؤَال هَكَذَا ثمَّ اسْتدلَّ بِالْحَدِيثِ فِي السّمن وَالْحق غير السّمن بِهِ قِيَاسا عَلَيْهِ. قَوْله: (الْفَأْرَة) بِالْجَرِّ لِأَنَّهُ إِمَّا بدل من الدَّابَّة. وَإِمَّا عطف بَيَان لَهَا ويروى بِالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: الدَّابَّة هِيَ فَأْرَة وَأَشَارَ بقوله: (أَو غَيرهَا) إِلَى أَن ذكر الْفَأْرَة لَيْسَ بِقَيْد قَوْله: (بلغنَا أَن رَسُول الله ﷺ هَذَا بَلَاغ صورته صُورَة إرْسَال أَو وقف وَلكنه لَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ مَرْفُوع لِأَنَّهُ صرح أَولا وآخرا بِالرَّفْع، فالآخر هُوَ قَوْله: (عَن حَدِيث عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة) وَكلمَة عَن تتَعَلَّق بقوله: بلغنَا أَي: بلغنَا عَن حَدِيث عبيد الله قَوْله: بِمَا قرب مِنْهَا أَي: من الْفَأْرَة، وَهُوَ فِي الْمَعْنى مثل قَوْله: ألقوها
стр. 6339
وَمَا حولهَا، وَلم يرد بطرِيق صَحِيح قدر مَا يلقى، وَلَكِن جَاءَ فِي مُرْسل عَطاء بن يسَار أَنه يكون قدر الْكَفّ، أخرجه ابْن أبي شيبَة عَنهُ بِسَنَد جيد، وروى الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة يحيى الْقطَّان عَن مَالك فِي هَذَا الحَدِيث فَأمر أَن يقور مَا حولهَا فَيرمى بِهِ، وَهَذَا يُصَرح بِأَنَّهُ كَانَ جَامِدا كَمَا ذكرنَا عَن قريب.
٥٥٤٠ - حدَّثنا عَبْدَ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا مَالِكٌ عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ ﵃ قَالَت: سُئِلَ النبيُّ ﷺ ، عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: ألْقُوها وَمَا حَوْلَها وَكُلُوهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى الأويسي الْمَدِينِيّ. وَفِيه: رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صحابية.
والْحَدِيث مر فِي الطَّهَارَة فِي: بَاب مَا يَقع من النَّجَاسَات فِي السّمن وَالْمَاء فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن عبد الله عَن معن عَن مَالك إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (سُئِلَ النَّبِي ﷺ وَأبْهم السَّائِل فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن أَحْمد تعْيين من سَأَلَ وَلَفظه عَن مَيْمُونَة أَنَّهَا استفتت رَسُول الله ﷺ ، عَن فَأْرَة الحَدِيث.
٣٥ - (بَابُ: ﴿الوَسْمِ وَالعَلَمِ فِي الصُّورَةِ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الوسم بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة، وَقيل: بِالْمُعْجَمَةِ، ومعناهما وَاحِد، وَهُوَ أَن يعلم الشَّيْء بِشَيْء يُؤثر فِيهِ تَأْثِيرا بليغا يُقَال: وسمه إِذا أثر فِيهِ بعلامة وكية وأصل ذَلِك أَن يَجْعَل فِي الْبَهِيمَة ليميزها عَن غَيرهَا. وَقيل: الوسم بِالْمُهْمَلَةِ فِي الْوَجْه وبالمعجمة فِي سَائِر الْجَسَد، فعلى هَذَا الصَّوَاب بِالْمُهْمَلَةِ لقَوْله: (فِي الصُّورَة) قَوْله: (وَالْعلم) بِفتْحَتَيْنِ بِمَعْنى الْعَلامَة وَفِي بعض النّسخ: بَاب الْعلم والوسم، قَالَ ابْن الْأَثِير: يُقَال: وسمه يسمه وسما وسمة إِذا أثر فِيهِ بالكي، وَمِنْه الحَدِيث أَنه كَانَ يسم إبل الصَّدَقَة أَي: يعلم عَلَيْهَا بالكي انْتهى. قلت: إِذا كَانَ الوسم بالكي يكون عطف الْعلم على الوسم من عطف الْعَام على الْخَاص لِأَن الْعَلامَة أَعم من أَن تكون بالكي وَغَيره، وَأما على النُّسْخَة الَّتِي قدم الْعلم على الوسم فِيهَا يكون عطف الوسم على الْعلم عطفا تفسيريا. قَوْله: (فِي الصُّورَة) صفة للْعلم أَي: الْعلم الْكَائِن فِي الصُّورَة ويروى: فِي الصُّور، على صِيغَة جمع الصُّورَة وَقَالَ الْكرْمَانِي: قيل: المُرَاد بالصورة الْوَجْه كَمَا يعْمل الكي فِي صور سودان الْحَبَشَة وكما يغرز بالإبرة فِي الشّفة وَغَيرهَا ويحشى بنيلة وَنَحْوهَا وَأبْهم الحكم فِي التَّرْجَمَة اكْتِفَاء بِمَا فِي الحَدِيث على عَادَته هَكَذَا فِي غَالب التراجم.
٥٥٤١ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى عَنْ حَنْظَلَةَ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ أنَّهُ كَرِهَ أنْ تُعَلَمَ الصُّورَةُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبيد الله بن مُوسَى بن باذام الْكُوفِي، قَالَ البُخَارِيّ: مَاتَ فِي سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَقَالَ كَاتب الْوَاقِدِيّ مثله، وَزَاد فِي ذِي الْقعدَة، وحَنْظَلَة هُوَ ابْن أبي سُفْيَان الجُمَحِي، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَهُوَ من أَفْرَاده قَوْله الصُّورَة أَي: الْوَجْه وَفِي رِوَايَة الْكشميهني الصُّور: بِصِيغَة الْجمع فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَفِي (التَّوْضِيح) الوسم فِي الصُّورَة مَكْرُوه عِنْد الْعلمَاء كَمَا قَالَه ابْن بطال. وَعِنْدنَا أَنه حرَام، وَفِي أَفْرَاد مُسلم من حَدِيث جَابر أَنه ﷺ ، مر على حمَار قد وسم فِي وَجهه فَقَالَ: لعن الله الَّذِي وسمه، وَإِنَّمَا كرهوه لشرف الْوَجْه وَحُصُول الشين فِيهِ وتغيير خلق الله، وَأما الوسم فِي غير الْوَجْه للعلامة وَالْمَنْفَعَة بذلك فَلَا بَأْس إِذا كَانَ يَسِيرا غير شائن أَلا ترى أَنه يجوز فِي الضَّحَايَا وَغَيرهَا؟ وَالدَّلِيل على أَنه لَا يجوز الشائن من ذَلِك أَنه ﷺ ، حكم على أَن من شان عَبده أَو مثل بِهِ باستئصال أنف أَو أذن أَو جارحة عتقه عَلَيْهِ، وَأَن يعْتق إِن جرحه أَو يشق أُذُنه، وَقد وسم الشَّارِع إبل الْأُضْحِية، وَقد تقدم وسم الْبَهَائِم فِي: بَاب وسم الإِمَام إبل الصَّدَقَة فِي كتاب الزَّكَاة.
﴿وَقَالَ ابنُ عمر: نَهَى النبيُّ ﷺ أَن تَضْرِبَ﴾
هَذَا أَمر مَوْصُول بالسند الْمُتَقَدّم ذكر أَولا الْمَوْقُوف ثمَّ أعقبه بالمرفوع مستدلاً بِهِ على مَا ذكر من الْكَرَاهَة لِأَنَّهُ إِذا ثَبت النَّهْي
стр. 6340
عَن الضَّرْب كَانَ منع الوسم أولى. قَوْله: (أَن تضرب) ، أَي: الصُّورَة، وَجَاء فِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث جَابر نهى رَسُول الله ﷺ ، عَن الضَّرْب فِي الْوَجْه وَعَن الوسم فِي الْوَجْه وَقد ذكرنَا آنِفا عَن جَابر أَيْضا مَا رَوَاهُ فِيهِ.
﴿تَابَعَهُ قُتَيْبَةُ حدَّثنا العَنْقَزِيُّ عَنْ حَنْظَلَةَ وَقَالَ تُضْرَبُ الصُّورَةُ﴾
أَي: تَابع عبد الله بن مُوسَى شيخ البُخَارِيّ الْمَذْكُور قُتَيْبَة بن سعيد شيخ البُخَارِيّ أَيْضا فِي رِوَايَة حَنْظَلَة عَن سَالم، وأوضح قُتَيْبَة فِي هَذِه الْمُتَابَعَة أَن المُرَاد من قَوْله: أَن تعلم الصُّورَة فِي رِوَايَة عبيد الله أَن تضرب الصُّورَة، وَرَوَاهُ قُتَيْبَة عَن عَمْرو بن مُحَمَّد الْكُوفِي الْعَنْقَزِي بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْقَاف بعْدهَا زَاي نِسْبَة إِلَى بيع العنقز. قَالَه ابْن حبَان وَوَثَّقَهُ أَيْضا والعنقز المرزنجوش. وَقيل: الريحان وَفِي (ديوَان الْأَدَب) العنقز المردكوش. قلت: المرزنجوش مُعرب مردكوش وَهُوَ نبت مَشْهُور قَوْله: (عَن حَنْظَلَة) أَي: بالسند الْمَذْكُور، وَهُوَ عَن حَنْظَلَة عَن سَالم عَن أَبِيه عبد الله بن عمر، وَهَذِه الْمُتَابَعَة لَهَا حكم الْوَصْل عِنْد ابْن الصّلاح لِأَن قُتَيْبَة من شُيُوخ البُخَارِيّ، كَمَا ذكرنَا.
٥٥٤٢ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ هِشامِ بنِ زَيْدٍ عَنْ أنَسٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النبيِّ ﷺ ، بأخٍ لِي يُحَنِّكُهُ وَهُوَ فِي مِرْبَدٍ لَهُ فَرَأيْتُهُ يَسِمُ شَاةً حَسَبْتُهُ قَالَ: فِي آذَانِها.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَهِشَام بن زيد بن أنس بن مَالك يروي عَن جده أنس.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي اللبَاس عَن أبي مُوسَى وَغَيره وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن حَفْص بن عمر وَأخرجه ابْن ماجة فِي اللبَاس عَن سُوَيْد بن سعيد.
قَوْله: (بِأَخ) ، هُوَ أَخُوهُ من أمه وَهُوَ عبد الله بن أبي طَلْحَة. قَوْله: (يحنكه) من التحنيك وَهُوَ أَن يدلك فِي حنكه ثَمَرَة ممضوغة وَنَحْوهَا. قَوْله: (فِي المربد) بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالدال الْمُهْملَة. وَهُوَ الْموضع الَّذِي تحبس فِيهِ الْإِبِل كالحظيرة للغنم فإطلاق المربد هُنَا على مَوضِع الْغنم إِمَّا مجَاز وَإِمَّا حَقِيقَة بِأَن أَدخل الْغنم إِلَى مربد الْإِبِل ليسمها. قَوْله: (يسم) من الوسم كَمَا ذكرنَا. أَي: يكوي. قَوْله: (شَاة) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني، شَاءَ، بِالْهَمْز جمع شَاة. قَوْله: (حسبته) الْقَائِل شُعْبَة، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى هِشَام بن زيد، وَقد وَقع مبيتا فِي رِوَايَة مُسلم.
وَفِيه: جَوَاز الوسم فِي غير الْآدَمِيّ، وَبَيَان مَا كَانَ النَّبِي، ﷺ عَلَيْهِ من التَّوَاضُع وَفعل الأشغال بِيَدِهِ، وَنَظره فِي مصَالح الْمُسلمين. وَفِيه: اسْتِحْبَاب تحنيك الْمَوْلُود وَحمله إِلَى أهل الصّلاح ليَكُون أول مَا يدْخل جَوْفه ريق الصَّالِحين، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الضَّرْب فِي الْوَجْه مَنْهِيّ عَنهُ فِي كل حَيَوَان مُحْتَرم لكنه فِي الْآدَمِيّ أَشد لِأَنَّهُ مجمع المحاسن، وَرُبمَا شانه أَو آذَى بعض حواسه، وَأما الوسم فَفِي الْآدَمِيّ حرَام وَفِي غَيره مَكْرُوه والوسم هُوَ أثر الكي قَالَ الْكرْمَانِي: والوسم فِي نَحْو نعم الصَّدَقَة فِي غير الْوَجْه مُسْتَحبّ وَقَالَ أَبُو حنيفَة: مَكْرُوه لِأَنَّهُ تَعْذِيب ومثلة، وَقد نهى عَنْهُمَا. وَأجِيب: عَنهُ بِأَن ذَلِك النَّهْي عَام وَحَدِيث الوسم خَاص فَوَجَبَ تَقْدِيمه قلت: إِذا علم تقارنهما يقْضِي للخاص على الْعَام، وإلَاّ فَلَا.
٣٦ - (بَابٌ: ﴿إذَا أصابَ قَوْمٌ غَنِيمَةً فَذَبَحَ بَعْضُهُمْ غَنَما أوْ إبْلاً بِغَيْرِ أمْرِ أصْحَابِهِمْ لَمْ تُؤْكَلْ لِحَدِيثِ رَافِعٍ عَنِ النبيِّ ﷺ ﴾ )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا إِذا أصَاب جمَاعَة غنيمَة، بِفَتْح الْغَيْن على وزن عَظِيمَة فذبح وَاحِد مِنْهُم غنما أَو إبِلا من تِلْكَ الْغَنِيمَة بِغَيْر أَمر الْبَقِيَّة من أَصْحَابه لم تُؤْكَل تِلْكَ الذَّبِيحَة وَلَعَلَّ البُخَارِيّ صَار فِي هَذَا إِلَى أَن من ذبح غير من لَهُ ولَايَة الذّبْح شرعا بالملكية أَو الْوكَالَة أَو نَحْوهَا غير مُعْتَبر قَوْله: (لحَدِيث رَافع) الَّذِي يذكرهُ الْآن، وَجه الِاسْتِدْلَال بِهِ من حَيْثُ إِن سرعَان النَّاس فِي قصَّة حَدِيثه أَصَابُوا من الْغَنَائِم وَالنَّبِيّ ﷺ ، فِي آخر النَّاس فذبحوا وعلقوا الْقُدُور فَلَمَّا جَاءَ النَّبِي ﷺ ، وَرَأى ذَلِك أَمر بإكفاء الْقُدُور لِأَنَّهُ لم يكن لَهُم أَن يَفْعَلُوا ذَلِك قبل الْقِسْمَة.
﴿وَقَالَ طَاوُوس وَعِكْرَمَةُ فِي ذَبِيحَة السَّارِقِ: اطْرَحُوهُ﴾
следующие страницы →