← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.

стр. 6336

فِي بَاب قبُول الصَّيْد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة إِلَى آخِره. قَوْله: (أنفجنا) من الإنفاج بالنُّون وَالْفَاء وَالْجِيم وَهُوَ التهييج والإثارة فِي رِوَايَة مُسلم استنفجنا وَهُوَ من بَاب الاستفعال وَمِنْه يُقَال: نفج الأرنب إِذا ثار وَعدا وانتفج كَذَلِك وأنفجته أَنا أثرته من مَوْضِعه، وَوَقع فِي (شرح مُسلم للمازري) بعجنا، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْعين الْمُهْملَة وَالْجِيم، وَفَسرهُ بالشق من بعج بَطْنه إِذا شقَّه، ورده عِيَاض وَنسبه إِلَى التَّصْحِيف لفساد الْمَعْنى لِأَن الَّذِي يشق بَطْنه كَيفَ يسْعَى خَلفه؟ قَوْله: (بمر الظهْرَان) ، قد فسرناه عَن قريب بِأَنَّهُ اسْم مَوضِع على مرحلة من مَكَّة. قَوْله: (فلغبوا) ، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَكسرهَا. أَي: تعبوا وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني بِلَفْظ: تعبوا قَوْله: (فأخذتها) ، وَزَاد فِي كتاب الْهِبَة فأدركتها فأخذتها وَفِي رِوَايَة مُسلم: فسعيت حَتَّى أدركتها وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَكنت غُلَاما حزورا أَي: مراهقا. قَوْله: (إِلَى أبي طَلْحَة) ، هُوَ زوج أم أنس، واسْمه زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ. قَوْله: (فذبحها) ، وَفِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيّ: فذبحها بمروة. قَوْله: (أَو بفخذيها) ، شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (فقبلها) ، أَي: الْهَدِيَّة وَتقدم فِي الْهِبَة قلت: وَأكل مِنْهُ؟ قَالَ: وَأكل مِنْهُ. وَاخْتلفُوا فِيهِ فعامة الْعلمَاء على جَوَاز أكل الأرنب وَكَرِهَهُ عَمْرو بن الْعَاصِ وَابْنه وَعبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى وَعِكْرِمَة، وَحكى الرَّافِعِيّ عَن أبي حنيفَة أَنه حرمهَا وغلطه النَّوَوِيّ فِي النَّقْل عَن أبي حنيفَة. قلت: هَذَا جدير بالتغليظ فَإِن أَصْحَابنَا قَالُوا: لَا خلاف فِيهِ لأحد من الْعلمَاء قَالَ الْكَرْخِي: وَلم يرَوا جَمِيعًا بَأْسا بِأَكْل الأرنب، وَأَنه لَيْسَ من السبَاع وَلَا من أَكلَة الْجِيَف. وَرويت فِيهِ أَحَادِيث وأخبار كَثِيرَة. مِنْهَا: مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة الشّعبِيّ عَن جَابر بن عبد الله أَن رجلا من قومه صَاد أرنبا أَو ثِنْتَيْنِ فذبحهما بمروة فقطعهما حَتَّى لَقِي رَسُول الله ﷺ ، فَسَأَلَهُ فَأمره بأكلهما وَانْفَرَدَ التِّرْمِذِيّ بِهِ. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث الشّعبِيّ عَن مُحَمَّد بن صَيْفِي قَالَ: أتيت النَّبِي ﷺ ، بأرنبين فذبحتهما بمروة فَأمرنِي بأكلهما. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَاد جيد من حَدِيث عمار قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ ، فأهدى إِلَيْهِ رجل من الْأَعْرَاب أرنبا فأكلناه. فَقَالَ الْأَعرَابِي: إِنِّي رَأَيْت بهَا دَمًا فَقَالَ ﷺ : (لَا بَأْس) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن عَائِشَة. قَالَت: أهدي إِلَى رَسُول الله ﷺ ، أرنب وَأَنا نَائِمَة فخبا لي مِنْهَا الْعَجز فَلَمَّا قُمْت أَطْعمنِي، وَفِي سَنَده زيد بن عِيَاض وَهُوَ ضَعِيف. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة حَدثنَا وَكِيع عَن إِبْرَاهِيم أَن رجلا سَأَلَ عبد الله بن عُمَيْر عَن الأرنب؟ فَقَالَ: لَا بَأْس بهَا قَالَ: إِنَّهَا تحيض؟ قَالَ: إِن الَّذِي يعلم حَيْضهَا يعلم طهرهَا، وَإِنَّمَا هِيَ حاملة من الْحَوَامِل وَعَن ابْن الْمسيب عَن سعد أَنه كَانَ يأكلها. قيل لسعد: مَا تَقول؟ قَالَ: كنت آكلها وَعَن عبيد بن سعد أَن بِلَالًا رأى أرنبا فذبحها فَأكلهَا وَعَن الْحسن أَنه كَانَ لَا يرى يأكلها بَأْسا وَقَالَ طَاوُوس: الأرنب حَلَال. وَقَالَ حسن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: أَنا أعافها وَلَا أحرمهَا على الْمُسلمين وَقَالَ ابْن حزم: وَصَحَّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَنه ﵇ أَتَى بأرنب مشوية فَلم يَأْكُل مِنْهَا. وَأمر الْقَوْم بأكلها. وَأما مَا رَوَاهُ عِكْرِمَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه أَتَى بأرنب فَقيل لَهُ: إِنَّهَا تحيض فكرهها فمرسل، وَمَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن إِبْرَاهِيم بن عمر عَن عبد الْكَرِيم بن أُميَّة قَالَ: سَأَلَ جرير بن أنس النَّبِي ﷺ ، عَن الأرنب فَقَالَ: لَا آكلها انبئت أَنَّهَا تحيض. فَقَالَ ابْن حزم: أَبُو أُميَّة هَالك، وَذكر حَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ أَن الْجِنّ تهرب من لعب الأرنب، وَذَلِكَ أَن الأرنب لَيست من مطايا الْجِنّ لِأَنَّهَا تحيض. ٣٣ - (بَابُ: ﴿الضَّبِّ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَحْكَام الضَّب، وَهِي دويبة تشبه الحرذون، وأكبر مِنْهُ، وتكنى أَبَا حسل، بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ وباللام، وَيُقَال للْأُنْثَى: ضبة وَيُقَال للذّكر ذكران لأجل أَن لذكره فرجين وَذكر ابْن خالويه أَن الضَّب يعِيش بسبعمائة سنة وَأَنه لَا يشرب المَاء ويكتفي بالنسيم وَبرد الْهَوَاء، وَلَا يخرج من جُحْره فِي الشتَاء، ويبول فِي كل أَرْبَعِينَ يَوْمًا قَطْرَة، وَلَا يسْقط لَهُ سنّ، وَيُقَال: إِن أَسْنَانه قِطْعَة وَاحِدَة وَيجمع على ضباب وأضب مثل كف وأكف، وَفِي (الْمُحكم) وَالْجمع ضبان وَفِي الْمثل أعق من ضَب لِأَنَّهُ رُبمَا أكل أُصُوله، وَيُقَال ضبب الْبَلَد وأضب إِذا كثر ضبابه، وَأَرْض ضبيبة كَثِيرَة الضباب وَأَرْض مضببة ذَات ضباب، وَالْجمع مضاب، والمضبب الحارس الَّذِي يصب المَاء فِي جُحْره حَتَّى يخرج ليأخذه. ٥٥٣٦ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنِ مُسْلِمٍ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ دِينارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَالَ النبيُّ ﷺ : الضَّبُّ لَسْتُ آكُلهُ وَلا أُُحَرِّمُهُ.

стр. 6337

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَبَين الحَدِيث الْإِبْهَام الَّذِي فِي التَّرْجَمَة. لِأَن قَوْله: وَلَا أحرمهُ يدل على الْإِبَاحَة. وَعبد الْعَزِيز بن مُسلم بِكَسْر اللَّام الْخَفِيفَة الْمروزِي. والْحَدِيث من أَفْرَاده، وَهَذَا الحَدِيث صَرِيح فِي الْإِبَاحَة وَعلل بالعيافة، وَهَذَا الضَّب جَاءَ أَنه أهدته خَالَة ابْن عَبَّاس أم حفيدة، وَفِي لفظ: حفيدة بنت الْحَارِث أُخْت مَيْمُونَة، وَكَانَت بِنَجْد تَحت رجل من بني جَعْفَر. وَفِي لفظ: كلوا فَإِنَّهُ حَلَال، وَفِي لفظ: لَا بَأْس بِهِ، وَفِي لفظ: لَا آكله وَلَا أنهى عَنهُ، وروى أَبُو دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس. قَالَ: كنت فِي بَيت مَيْمُونَة فَدخل النَّبِي ﷺ وَمَعَهُ خَالِد. فجاؤا بضبين مشويين فَتَبَزَّقَ رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ لَهُ خَالِد: إخالك تقذره يَا رَسُول الله؟ قَالَ: أجل وروى مُسلم من حَدِيث أبي سعيد مَرْفُوعا: إِن الله غضب على سبط من بني إِسْرَائِيل فمسخهم دَوَاب يدبون فِي الأَرْض، فَلَا أَدْرِي لَعَلَّ هَذَا مِنْهَا، فلست آكلها وَلَا أنهى عَنْهَا. قَالَ أَبُو سعيد: فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك، قَالَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِن الله لينفع بِهِ غير وَاحِد، وَإنَّهُ لطعام عَامَّة الرُّعَاة، وَلَو كَانَ عِنْدِي لطعمته، وَإِنَّمَا عافه رَسُول الله ﷺ . وَفِي هَذَا الْبَاب أَحَادِيث كَثِيرَة بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة عَن رجال شَتَّى من الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، لم يصحح أحد مِنْهُم عَن النَّبِي ﷺ ، تَحْرِيمهَا، وَأكْثر من روى أَنه أمسك عَن أكلهَا عيافة، وَقد وضع الطَّحَاوِيّ بَابا للضباب فروى أَولا حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن حَسَنَة، قَالَ: نزلنَا أَرضًا كَثِيرَة الضباب فأصابتنا مجاعَة فطبخنا مِنْهَا، وَإِن الْقُدُور لتغلي بهَا إِذْ جَاءَ رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقُلْنَا: ضباب أصبناها فَقَالَ: إِن أمة من بني إِسْرَائِيل مسخت دَوَاب فِي الأَرْض وَإِنِّي أخْشَى أَن تكون هَذِه وَإِسْنَاده لَا بَأْس بِهِ، وَقَالَ ابْن حزم: حَدِيث صَحِيح إلَاّ أَنه مَنْسُوخ بِلَا شكّ. ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: ذهب قوم إِلَى تَحْرِيم لُحُوم الضباب، وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الحَدِيث. قلت: أَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ الْأَعْمَش وَزيد بن وهب وَآخَرين. ثمَّ قَالَ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ فَلم يرَوا بهَا بَأْسا. قلت: أَرَادَ بالآخرين هَؤُلَاءِ عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى وَسَعِيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ ومالكا وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَبِه قَالَت الظَّاهِرِيَّة، ثمَّ قَالَ: وَقد كره قوم أكل الضَّب مِنْهُم أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد. ثمَّ قَالَ: الْأَصَح عِنْد أَصْحَابنَا أَن الْكَرَاهَة كَرَاهَة تَنْزِيه لَا كَرَاهَة تَحْرِيم لتظاهر الْأَحَادِيث الصِّحَاح بِأَنَّهُ لَيْسَ بِحرَام. ٥٥٣٧ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَن ابنِ شِهابٍ عَنْ أبِي أمامَةَ بنِ سَهْلِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَبَّاسٍ، ﵄، عَنْ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ أنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُودٍ فَأهْوَى إلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ ، بِيَدِهِ فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ: أخْبِرُوا رَسُولَ الله ﷺ ، بِمَا يُرِيدُ أنْ يَأكُلَ. فَقَالُوا: هُوَ ضَبٌّ يَا رَسُولَ الله ﴿فَرَفَعَ يَدَهُ، فَقُلْتُ: أحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ الله﴾ فَقَالَ: لَا وَلاكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأرْضِ قَوْمِي فَأجِدُنِي أعافُهُ. قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأكَلْتُهُ وَرَسُولُ الله ﷺ ، يَنْظُرُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله بن مسلمة بِفَتْح الميمين القعني، وَأَبُو أُمَامَة بِضَم الْهمزَة أسعد بن سهل الْأنْصَارِيّ وَله رِوَايَة ولأبيه سهل بن حنيف صُحْبَة. وَفِيه: رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ، وَاخْتلف فِيهِ على الزُّهْرِيّ، هَل هُوَ من مُسْند ابْن عَبَّاس أَو من مُسْند خَالِد بن الْوَلِيد، وَكَذَا اخْتلف فِيهِ على مَالك فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: عَن ابْن عَبَّاس عَن خَالِد، وَقَالَ يحيى ابْن بكير فِي (الْمُوَطَّأ) وَطَائِفَة عَن مَالك بِسَنَدِهِ عَن ابْن عَبَّاس وخَالِد أَنَّهُمَا دخلا وَقَالَ يحيى بن يحيى عَن مَالك بِلَفْظ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: دخلت أَنا وخَالِد على النَّبِي ﷺ أخرجه مُسلم عَنهُ. والْحَدِيث مضى فِي الْأَطْعِمَة فِي: بَاب مَا كَانَ النَّبِي ﷺ لَا يَأْكُل حَتَّى يُسمى لَهُ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن مقَاتل، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (بَيت مَيْمُونَة) ، هِيَ خَالَة خَالِد بن الْوَلِيد. قَوْله: (محنوذ) ، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة أَي: مشوي. قَوْله: (فَأَهوى إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ بِيَدِهِ) ، أَي: أمال يَده إِلَيْهِ ليأخذه، وَقيل: قصد بِيَدِهِ إِلَيْهِ. قَوْله: (فأجدني) ، أَي: فأجد نَفسِي أعافه أَي: أكرهه. قَوْله: (ينظر) ، زَاد يُونُس فِي رِوَايَته إليّ. ٢٤ - (بَابٌ: ﴿إذَا وَقَعَتِ الفَأرَةُ فِي السَّمْنِ الجَامِدِ أوِ الذَّائِبِ﴾ )

стр. 6338

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا إِذا وَقعت الْفَأْرَة فِي السّمن، وَلَيْسَ السّمن بِقَيْد، وَكَذَا الدّهن وَالْعَسَل وَنَحْوهَا وَأَرَادَ بقوله: (الجامد أَو الذائب) هَل يفترقان فِي الحكم أم لَا. وَقد تقدم فِي كتاب الطَّهَارَة على مَا ذَكرْنَاهُ مَا يدل على أَن الْمُخْتَار أَنه لَا ينجس إِلَّا بالتغير. ٥٥٣٨ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا الزَّهْرِيُّ قَالَ: أخْبَرَنِي عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ بِأنَّهُ سَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُهُ عَنْ مَيْمُونَةَ أنَّ فَأرَةَ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ فَسُئِلَ النبيُّ ﷺ ، عَنْها فَقَالَ: ألْقُوهَا وَمَا حَوْلَها وَكُلُوهُ. قِيلَ لِسُفْيَانَ، فَإنَّ مَعَمْرٌ أيُحَدِّثُهُ عَنِ الزّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ﵁؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ إلَاّ عَنْ عُبَيْدِ الله عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ ، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ مِرَارا. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث يبين مَا أبهم فِي التَّرْجَمَة. والْحميدِي عبد الله بن الزبير بن عِيسَى مَنْسُوب إِلَى أحد أجداده حميد وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة ومَيْمُونَة بنت الْحَارِث أم الْمُؤمنِينَ. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب مَا يَقع من النَّجَاسَات فِي السّمن وَالْمَاء فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْمَاعِيل عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن عبيد الله بن عبد الله إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (ألقوها) يدل على أَن السّمن كَانَ جَامِدا، لِأَنَّهُ لَا يُمكن طرح مَا حولهَا من الْمَائِع الذائب لِأَنَّهُ عِنْد الْحَرَكَة يمتزج بعضه بِبَعْض، وَقَامَ الْإِجْمَاع على أَن هَذَا حكم السّمن الجامد، وَأما الْمَائِع من السّمن وَسَائِر الْمَائِعَات فَلَا خلاف فِي أَنه إِذا وَقع فِيهِ فَأْرَة أَو نَحْو ذَلِك لَا يُؤْكَل مِنْهَا شَيْء. وَاخْتلفُوا فِي بَيْعه وَالِانْتِفَاع بِهِ فَقَالَ الْحسن بن صَالح وَأحمد لَا يُبَاع وَلَا ينْتَفع بِشَيْء مِنْهُ كَمَا لَا يُؤْكَل وَقَالَ الثَّوْريّ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ يجوز الإستصباح والإنتفاع بِهِ فِي الصابون وَغَيره، وَلَا يجوز بَيْعه وَلَا أكله. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَاللَّيْث ينْتَفع بِهِ فِي كل شَيْء مَا عدا الْأكل وَيجوز بَيْعه بِشَرْط الْبَيَان، وروى عَن أبي مُوسَى أَنه قَالَ: بيعوه وبينوا لمن تبيعونه مِنْهُ، وَلَا تبيعوه من مُسلم، وَرُوِيَ عَن ابْن وهب عَن الْقَاسِم وَسَالم أَنَّهُمَا أجازا بَيْعه وَأكل ثمنه بعد الْبَيَان. قَوْله: (فَقيل لِسُفْيَان) قيل: الْقَائِل هُوَ شيخ البُخَارِيّ عَليّ بن الْمَدِينِيّ كَذَا ذكره فِي علله قَوْله فَإِن معمراً يحدثه إِلَى آخِره طَرِيق معمر هَذَا وَصله أَبُو دَاوُد عَن الْحسن بن عَليّ الْحلْوانِي وَأحمد بن صَالح كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُور إِلَى أبي هُرَيْرَة، وَنقل التِّرْمِذِيّ عَن البُخَارِيّ أَن هَذَا الطَّرِيق خطأ. وَالْمَحْفُوظ رِوَايَة الزُّهْرِيّ من طَرِيق مَيْمُونَة، وَجزم الذهلي بِأَن الطَّرِيقَيْنِ صَحِيحَانِ قَوْله قَالَ: (مَا سَمِعت الزُّهْرِيّ) أَي: قَالَ سُفْيَان قَوْله: (وَلَقَد سمعته مِنْهُ مرَارًا) يَعْنِي: من طَرِيق مَيْمُونَة فَقَط. ٥٥٣٩ - حدَّثنا عَبْدَانُ أخْبَرَنا عَبْدُ الله عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الدَّابَّةِ تَمُوتُ فِي الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَهُوَ جَامِدٌ أوْ غَيْرُ جَامِدٍ، الفَأْرَةِ أوْ غَيْرِها، قَالَ: بَلَغَنَا أنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، أمَرَ بِفَأْرَةٍ مَاتَتْ فِي سَمْنٍ، فَأمَرَ بِمَا قَرُبَ مِنْها فَطُرِحَ ثُمَّ أُكِلَ عَنْ حَدِيث عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة الْمروزِي، وَعبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي. قَوْله: (عَن الدَّابَّة) أَي: عَن حكم الدَّابَّة تَمُوت فِي الزَّيْت هَل ينجس الْكل أم لَا؟ قَوْله: (وَهُوَ جَامِدا) الْوَاو فِيهِ للْحَال ظَاهر هَذَا يدل على أَن الزُّهْرِيّ فِي هَذَا الحكم مَا كَانَ يفرق بَين الجامد وَغَيره، وَكَذَا لم يفرق بَين السّمن وَغَيره لِأَنَّهُ فِي السُّؤَال هَكَذَا ثمَّ اسْتدلَّ بِالْحَدِيثِ فِي السّمن وَالْحق غير السّمن بِهِ قِيَاسا عَلَيْهِ. قَوْله: (الْفَأْرَة) بِالْجَرِّ لِأَنَّهُ إِمَّا بدل من الدَّابَّة. وَإِمَّا عطف بَيَان لَهَا ويروى بِالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: الدَّابَّة هِيَ فَأْرَة وَأَشَارَ بقوله: (أَو غَيرهَا) إِلَى أَن ذكر الْفَأْرَة لَيْسَ بِقَيْد قَوْله: (بلغنَا أَن رَسُول الله ﷺ هَذَا بَلَاغ صورته صُورَة إرْسَال أَو وقف وَلكنه لَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ مَرْفُوع لِأَنَّهُ صرح أَولا وآخرا بِالرَّفْع، فالآخر هُوَ قَوْله: (عَن حَدِيث عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة) وَكلمَة عَن تتَعَلَّق بقوله: بلغنَا أَي: بلغنَا عَن حَدِيث عبيد الله قَوْله: بِمَا قرب مِنْهَا أَي: من الْفَأْرَة، وَهُوَ فِي الْمَعْنى مثل قَوْله: ألقوها

стр. 6339

وَمَا حولهَا، وَلم يرد بطرِيق صَحِيح قدر مَا يلقى، وَلَكِن جَاءَ فِي مُرْسل عَطاء بن يسَار أَنه يكون قدر الْكَفّ، أخرجه ابْن أبي شيبَة عَنهُ بِسَنَد جيد، وروى الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة يحيى الْقطَّان عَن مَالك فِي هَذَا الحَدِيث فَأمر أَن يقور مَا حولهَا فَيرمى بِهِ، وَهَذَا يُصَرح بِأَنَّهُ كَانَ جَامِدا كَمَا ذكرنَا عَن قريب. ٥٥٤٠ - حدَّثنا عَبْدَ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا مَالِكٌ عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ ﵃ قَالَت: سُئِلَ النبيُّ ﷺ ، عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: ألْقُوها وَمَا حَوْلَها وَكُلُوهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى الأويسي الْمَدِينِيّ. وَفِيه: رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صحابية. والْحَدِيث مر فِي الطَّهَارَة فِي: بَاب مَا يَقع من النَّجَاسَات فِي السّمن وَالْمَاء فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن عبد الله عَن معن عَن مَالك إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (سُئِلَ النَّبِي ﷺ وَأبْهم السَّائِل فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن أَحْمد تعْيين من سَأَلَ وَلَفظه عَن مَيْمُونَة أَنَّهَا استفتت رَسُول الله ﷺ ، عَن فَأْرَة الحَدِيث. ٣٥ - (بَابُ: ﴿الوَسْمِ وَالعَلَمِ فِي الصُّورَةِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الوسم بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة، وَقيل: بِالْمُعْجَمَةِ، ومعناهما وَاحِد، وَهُوَ أَن يعلم الشَّيْء بِشَيْء يُؤثر فِيهِ تَأْثِيرا بليغا يُقَال: وسمه إِذا أثر فِيهِ بعلامة وكية وأصل ذَلِك أَن يَجْعَل فِي الْبَهِيمَة ليميزها عَن غَيرهَا. وَقيل: الوسم بِالْمُهْمَلَةِ فِي الْوَجْه وبالمعجمة فِي سَائِر الْجَسَد، فعلى هَذَا الصَّوَاب بِالْمُهْمَلَةِ لقَوْله: (فِي الصُّورَة) قَوْله: (وَالْعلم) بِفتْحَتَيْنِ بِمَعْنى الْعَلامَة وَفِي بعض النّسخ: بَاب الْعلم والوسم، قَالَ ابْن الْأَثِير: يُقَال: وسمه يسمه وسما وسمة إِذا أثر فِيهِ بالكي، وَمِنْه الحَدِيث أَنه كَانَ يسم إبل الصَّدَقَة أَي: يعلم عَلَيْهَا بالكي انْتهى. قلت: إِذا كَانَ الوسم بالكي يكون عطف الْعلم على الوسم من عطف الْعَام على الْخَاص لِأَن الْعَلامَة أَعم من أَن تكون بالكي وَغَيره، وَأما على النُّسْخَة الَّتِي قدم الْعلم على الوسم فِيهَا يكون عطف الوسم على الْعلم عطفا تفسيريا. قَوْله: (فِي الصُّورَة) صفة للْعلم أَي: الْعلم الْكَائِن فِي الصُّورَة ويروى: فِي الصُّور، على صِيغَة جمع الصُّورَة وَقَالَ الْكرْمَانِي: قيل: المُرَاد بالصورة الْوَجْه كَمَا يعْمل الكي فِي صور سودان الْحَبَشَة وكما يغرز بالإبرة فِي الشّفة وَغَيرهَا ويحشى بنيلة وَنَحْوهَا وَأبْهم الحكم فِي التَّرْجَمَة اكْتِفَاء بِمَا فِي الحَدِيث على عَادَته هَكَذَا فِي غَالب التراجم. ٥٥٤١ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى عَنْ حَنْظَلَةَ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ أنَّهُ كَرِهَ أنْ تُعَلَمَ الصُّورَةُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبيد الله بن مُوسَى بن باذام الْكُوفِي، قَالَ البُخَارِيّ: مَاتَ فِي سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَقَالَ كَاتب الْوَاقِدِيّ مثله، وَزَاد فِي ذِي الْقعدَة، وحَنْظَلَة هُوَ ابْن أبي سُفْيَان الجُمَحِي، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَهُوَ من أَفْرَاده قَوْله الصُّورَة أَي: الْوَجْه وَفِي رِوَايَة الْكشميهني الصُّور: بِصِيغَة الْجمع فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَفِي (التَّوْضِيح) الوسم فِي الصُّورَة مَكْرُوه عِنْد الْعلمَاء كَمَا قَالَه ابْن بطال. وَعِنْدنَا أَنه حرَام، وَفِي أَفْرَاد مُسلم من حَدِيث جَابر أَنه ﷺ ، مر على حمَار قد وسم فِي وَجهه فَقَالَ: لعن الله الَّذِي وسمه، وَإِنَّمَا كرهوه لشرف الْوَجْه وَحُصُول الشين فِيهِ وتغيير خلق الله، وَأما الوسم فِي غير الْوَجْه للعلامة وَالْمَنْفَعَة بذلك فَلَا بَأْس إِذا كَانَ يَسِيرا غير شائن أَلا ترى أَنه يجوز فِي الضَّحَايَا وَغَيرهَا؟ وَالدَّلِيل على أَنه لَا يجوز الشائن من ذَلِك أَنه ﷺ ، حكم على أَن من شان عَبده أَو مثل بِهِ باستئصال أنف أَو أذن أَو جارحة عتقه عَلَيْهِ، وَأَن يعْتق إِن جرحه أَو يشق أُذُنه، وَقد وسم الشَّارِع إبل الْأُضْحِية، وَقد تقدم وسم الْبَهَائِم فِي: بَاب وسم الإِمَام إبل الصَّدَقَة فِي كتاب الزَّكَاة. ﴿وَقَالَ ابنُ عمر: نَهَى النبيُّ ﷺ أَن تَضْرِبَ﴾ هَذَا أَمر مَوْصُول بالسند الْمُتَقَدّم ذكر أَولا الْمَوْقُوف ثمَّ أعقبه بالمرفوع مستدلاً بِهِ على مَا ذكر من الْكَرَاهَة لِأَنَّهُ إِذا ثَبت النَّهْي

стр. 6340

عَن الضَّرْب كَانَ منع الوسم أولى. قَوْله: (أَن تضرب) ، أَي: الصُّورَة، وَجَاء فِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث جَابر نهى رَسُول الله ﷺ ، عَن الضَّرْب فِي الْوَجْه وَعَن الوسم فِي الْوَجْه وَقد ذكرنَا آنِفا عَن جَابر أَيْضا مَا رَوَاهُ فِيهِ. ﴿تَابَعَهُ قُتَيْبَةُ حدَّثنا العَنْقَزِيُّ عَنْ حَنْظَلَةَ وَقَالَ تُضْرَبُ الصُّورَةُ﴾ أَي: تَابع عبد الله بن مُوسَى شيخ البُخَارِيّ الْمَذْكُور قُتَيْبَة بن سعيد شيخ البُخَارِيّ أَيْضا فِي رِوَايَة حَنْظَلَة عَن سَالم، وأوضح قُتَيْبَة فِي هَذِه الْمُتَابَعَة أَن المُرَاد من قَوْله: أَن تعلم الصُّورَة فِي رِوَايَة عبيد الله أَن تضرب الصُّورَة، وَرَوَاهُ قُتَيْبَة عَن عَمْرو بن مُحَمَّد الْكُوفِي الْعَنْقَزِي بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْقَاف بعْدهَا زَاي نِسْبَة إِلَى بيع العنقز. قَالَه ابْن حبَان وَوَثَّقَهُ أَيْضا والعنقز المرزنجوش. وَقيل: الريحان وَفِي (ديوَان الْأَدَب) العنقز المردكوش. قلت: المرزنجوش مُعرب مردكوش وَهُوَ نبت مَشْهُور قَوْله: (عَن حَنْظَلَة) أَي: بالسند الْمَذْكُور، وَهُوَ عَن حَنْظَلَة عَن سَالم عَن أَبِيه عبد الله بن عمر، وَهَذِه الْمُتَابَعَة لَهَا حكم الْوَصْل عِنْد ابْن الصّلاح لِأَن قُتَيْبَة من شُيُوخ البُخَارِيّ، كَمَا ذكرنَا. ٥٥٤٢ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ هِشامِ بنِ زَيْدٍ عَنْ أنَسٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النبيِّ ﷺ ، بأخٍ لِي يُحَنِّكُهُ وَهُوَ فِي مِرْبَدٍ لَهُ فَرَأيْتُهُ يَسِمُ شَاةً حَسَبْتُهُ قَالَ: فِي آذَانِها. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَهِشَام بن زيد بن أنس بن مَالك يروي عَن جده أنس. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي اللبَاس عَن أبي مُوسَى وَغَيره وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن حَفْص بن عمر وَأخرجه ابْن ماجة فِي اللبَاس عَن سُوَيْد بن سعيد. قَوْله: (بِأَخ) ، هُوَ أَخُوهُ من أمه وَهُوَ عبد الله بن أبي طَلْحَة. قَوْله: (يحنكه) من التحنيك وَهُوَ أَن يدلك فِي حنكه ثَمَرَة ممضوغة وَنَحْوهَا. قَوْله: (فِي المربد) بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالدال الْمُهْملَة. وَهُوَ الْموضع الَّذِي تحبس فِيهِ الْإِبِل كالحظيرة للغنم فإطلاق المربد هُنَا على مَوضِع الْغنم إِمَّا مجَاز وَإِمَّا حَقِيقَة بِأَن أَدخل الْغنم إِلَى مربد الْإِبِل ليسمها. قَوْله: (يسم) من الوسم كَمَا ذكرنَا. أَي: يكوي. قَوْله: (شَاة) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني، شَاءَ، بِالْهَمْز جمع شَاة. قَوْله: (حسبته) الْقَائِل شُعْبَة، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى هِشَام بن زيد، وَقد وَقع مبيتا فِي رِوَايَة مُسلم. وَفِيه: جَوَاز الوسم فِي غير الْآدَمِيّ، وَبَيَان مَا كَانَ النَّبِي، ﷺ عَلَيْهِ من التَّوَاضُع وَفعل الأشغال بِيَدِهِ، وَنَظره فِي مصَالح الْمُسلمين. وَفِيه: اسْتِحْبَاب تحنيك الْمَوْلُود وَحمله إِلَى أهل الصّلاح ليَكُون أول مَا يدْخل جَوْفه ريق الصَّالِحين، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الضَّرْب فِي الْوَجْه مَنْهِيّ عَنهُ فِي كل حَيَوَان مُحْتَرم لكنه فِي الْآدَمِيّ أَشد لِأَنَّهُ مجمع المحاسن، وَرُبمَا شانه أَو آذَى بعض حواسه، وَأما الوسم فَفِي الْآدَمِيّ حرَام وَفِي غَيره مَكْرُوه والوسم هُوَ أثر الكي قَالَ الْكرْمَانِي: والوسم فِي نَحْو نعم الصَّدَقَة فِي غير الْوَجْه مُسْتَحبّ وَقَالَ أَبُو حنيفَة: مَكْرُوه لِأَنَّهُ تَعْذِيب ومثلة، وَقد نهى عَنْهُمَا. وَأجِيب: عَنهُ بِأَن ذَلِك النَّهْي عَام وَحَدِيث الوسم خَاص فَوَجَبَ تَقْدِيمه قلت: إِذا علم تقارنهما يقْضِي للخاص على الْعَام، وإلَاّ فَلَا. ٣٦ - (بَابٌ: ﴿إذَا أصابَ قَوْمٌ غَنِيمَةً فَذَبَحَ بَعْضُهُمْ غَنَما أوْ إبْلاً بِغَيْرِ أمْرِ أصْحَابِهِمْ لَمْ تُؤْكَلْ لِحَدِيثِ رَافِعٍ عَنِ النبيِّ ﷺ ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا إِذا أصَاب جمَاعَة غنيمَة، بِفَتْح الْغَيْن على وزن عَظِيمَة فذبح وَاحِد مِنْهُم غنما أَو إبِلا من تِلْكَ الْغَنِيمَة بِغَيْر أَمر الْبَقِيَّة من أَصْحَابه لم تُؤْكَل تِلْكَ الذَّبِيحَة وَلَعَلَّ البُخَارِيّ صَار فِي هَذَا إِلَى أَن من ذبح غير من لَهُ ولَايَة الذّبْح شرعا بالملكية أَو الْوكَالَة أَو نَحْوهَا غير مُعْتَبر قَوْله: (لحَدِيث رَافع) الَّذِي يذكرهُ الْآن، وَجه الِاسْتِدْلَال بِهِ من حَيْثُ إِن سرعَان النَّاس فِي قصَّة حَدِيثه أَصَابُوا من الْغَنَائِم وَالنَّبِيّ ﷺ ، فِي آخر النَّاس فذبحوا وعلقوا الْقُدُور فَلَمَّا جَاءَ النَّبِي ﷺ ، وَرَأى ذَلِك أَمر بإكفاء الْقُدُور لِأَنَّهُ لم يكن لَهُم أَن يَفْعَلُوا ذَلِك قبل الْقِسْمَة. ﴿وَقَالَ طَاوُوس وَعِكْرَمَةُ فِي ذَبِيحَة السَّارِقِ: اطْرَحُوهُ﴾

стр. 6341

يَعْنِي: حرَام لَا تأكلوه وَهَذَا أَيْضا مصير مِنْهُمَا أَن من لَيْسَ لَهُ ولَايَة الذّبْح إِذا ذبح لَا يُؤْكَل، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق عبد الرَّزَّاق من حَدِيثهمَا بِلَفْظ: أَنَّهُمَا سئلا عَن ذَلِك فكرهاها ونهيا عَنْهَا وَقَالَ ابْن بطال: لَا أعلم من تَابع طاووسا وَعِكْرِمَة على كَرَاهِيَة أكلهَا غير إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَجَمَاعَة الْفُقَهَاء على إجازتها. ٥٥٤٣ - حدَّثنا مَسدَّدٌ حدَّثنا أبُو الأحْوصِ حدَّثنا سَعِيدُ بنُ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ بَنِ رَفَاعَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَافِعٍ بنِ خَدِيجٍ قَالَ: قُلْتُ لِلنبيِّ ﷺ : إنَّنَا نَلْقَى العَدُوَّ غَدا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى فَقَالَ: مَا أنْهَرَ الدَّم وَذُكِرَ اسْمُ الله فَكُلُوا مَا لَمْ يَكُنْ سِنٌّ وَلا ظُفُرٌ. وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذالِكَ أمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وَأمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ، وَتَقَدَّمَ سَرَعانُ النَّاسِ فَأصَابُوا مِنَ الغَنَائِمِ وَالنبيُّ ﷺ ، فِي آخِرِ النَّاسِ فَنَصَبُوا قُدُورا فَأمَرَ بِها فَأُكْفِئَتْ وَقَسَمَ بَيْنَهُمْ وَعَدَلَ بَعِيرا بِعَشْرِ شِيَاهٍ، ثُمَّ نَدَّ بَعِيرٌ مِنْ أوَائِلِ القَوْمِ وَلَمْ يَكُنْ مَعْهُمْ خَيْلٌ فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ الله فَقَالَ: إنَّ لِهاذِهِ البَهائِمِ أوَابِدَ كَأوَابِدِ الوَحْشِ فَمَا فَعَلَ مِنْها هاذا فَافْعَلُوا مِثْلَ هاذا. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ذكر أَولا قَوْله لحَدِيث رَافع، وَأورد بعده الحَدِيث بِتَمَامِهِ مُسْندًا. وَأَبُو الْأَحْوَص اسْمه سَلام الْحَنَفِيّ الْكُوفِي، وَسَعِيد بن مَسْرُوق وَالِد سُفْيَان الثَّوْريّ، وعباية بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف يَاء آخر الْحُرُوف ابْن رِفَاعَة بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْفَاء وَقَالَ الغساني: سَائِر رُوَاة هَذَا الحَدِيث يَرْوُونَهُ عَن سعيد بن مَسْرُوق عَن عَبَايَة بن رِفَاعَة عَن جده، وَلم يقل أحد عَن أَبِيه عَن جده غير أبي الْأَحْوَص. وَقيل: أَخطَأ أَبُو الْأَحْوَص فِيهِ حَيْثُ قَالَ: عَن أَبِيه. وَهَذَا الحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب التَّسْمِيَة على الذَّبِيحَة وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (وَتقدم سرعَان النَّاس) قَالَ الْجَوْهَرِي: سرعَان النَّاس بِالتَّحْرِيكِ أوائلهم وَقَالَ الْكسَائي سرعَان النَّاس أخفاؤهم المستعجلون مِنْهُم وَضَبطه بَعضهم بِسُكُون الرَّاء وَضَبطه الْأصيلِيّ وَغَيره سرعَان، وَقَالَ ابْن التِّين: وَضبط بِضَم السِّين، فعلى هَذَا يكون جمع سريع كقفيز وقفزان. وَقَالَ الْخطابِيّ: وَأما قَوْلهم: سرعَان مَا فعلت فبالفتح وَالضَّم وَالْكَسْر وَإِسْكَان الرَّاء وَفتح النُّون أبدا. ٣٧ - (بَابٌ: ﴿إذَا نَدَّ بَعِيرٌ لِقَوْمٍ فَرَمَاهُ بَعْضُهُمْ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ فَأرَادَ صَلاحَهُمْ فَهْوَ جَائِزٌ لِخَبرِ رَافِعٍ عَنِ النَّبِي ﷺ ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا إِذا ندَّ أَي: نفر هَارِبا بعير كَائِن لقوم فَرَمَاهُ بَعضهم أَي: بعض الْقَوْم بِسَهْم فَقتله فَأَرَادَ أَي: الرَّامِي صَلَاحهمْ أَي: صَلَاح الْقَوْم يَعْنِي: إِذا علم مُرَادهم فَأَرَادَ حَبسه على أربابه وَلم يرد إفساده عَلَيْهِم فَلذَلِك لم يضمن الْبَعِير وَحل أكله، وَإِذا قتل بَعِيرًا لقوم بِغَيْر إذْنهمْ فَعَلَيهِ ضَمَانه إِلَّا أَن يُقيم بَيِّنَة بِأَنَّهُ صال عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فَأَرَادَ إِصْلَاحه أَي: إصْلَاح الْبَعِير، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة صَلَاحه، بِغَيْر ألف قَوْله: فَهُوَ جَائِز، جَزَاء إِذا ندَّ إِلَى آخِره أَرَادَ أَنه يجوز أكله وَلَا يلْزمه شَيْء كَمَا ذكرنَا قَوْله: لخَبر رَافع أَي: لحَدِيث رَافع بن خديج الَّذِي تقدم لِأَن فِيهِ بَيَان جَوَاز هَذَا كَمَا مر. ٥٥٤٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلامٍ أخْبَرَنَا عُمَرُ بنُ عُبَيْدٍ الطَّنافِسِيُّ عَنْ سَعِيدِ بنِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ ابنِ رِفَاعَةَ عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ، ﵁، قَالَ: كُنَّا مَعَ النبيِّ ﷺ ، فِي سَفَرٍ، فَنَدَّ بَعِيرٌ مِنَ الإبِلِ، قَالَ: فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ: إنَّ لَهَا أوَابِدَ كَأوَابِدَ الوَحْشِ فَمَّا غَلَبَكُمْ مِنْها فَاصْنَعُوا بِهِ هاكذا قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُوَل الله! إنَّا نَكُونُ فِي المَغَازِي وَالأسْفَارِ، فَنُرِيدُ أنْ نَذْبَحَ فَلا تَكُونُ

стр. 6342

مُدًى قَالَ: أرِنْ مَا نَهَرَ، أوْ أنْهَرَ الدَّمَ وَاذْكُرِ اسْمَ الله فَكُلْ غَيْرَ السِّنِّ وَالظُّفْرِ، فَإنَّ السِنَّ عَظْمٌ وَالظُّفْرَ مُدًى الحَبَشَةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فند بعير من الْإِبِل) وَابْن سَلام هُوَ مُحَمَّد بن سَلام، وَفِي بعض النّسخ صرح بِمُحَمد بن سَلام، وَعَمْرو بِفَتْح الْعين ابْن عبيد بِضَم الْعين الطنافسي نِسْبَة إِلَى بيع الطنافس أَو اتخاذها، وَهُوَ جمع طنفسة وَهِي بِسَاط لَهُ خمل، وَسَعِيد بن مَسْرُوق وَالِد سُفْيَان الثَّوْريّ. والْحَدِيث قد تقدم عَن قريب فِي: بَاب مَا ند من الْبَهَائِم، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (أرن) ويروى أرن. قَوْله: (أَو أنهر الدَّم) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (وَاذْكُر اسْم الله) بِصُورَة الْأَمر، ويروى: وَذكر اسْم الله، بِصِيغَة الْمَجْهُول من الْمَاضِي. ٣٨ - (بَابُ: ﴿أكْلِ المُضْطَرِّ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم أكل الْمُضْطَر الْميتَة وَفِي بعض النّسخ: بَاب إِذا أكل الْمُضْطَر. أَي: من الْميتَة. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتٍ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لله إنْ كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ إنَّمَا حَرَّمَ الله عَلَيْكُمْ المَيِّتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ (الْبَقَرَة: ١٧٢، ١٧٣) وَقَالَ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لاثِمٍ﴾ (الْمَائِدَة: ٣٠) . وَقَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ وَمَا لَكُمْ أنْ لَا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ وَقَدْ فُصِّلَ لَكُمْ مَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ إلَاّ مَا اضْطَرَرْتُمْ إلَيْهِ وَإنَّ كَثِيِرا لَيُضِلُّونَ بِأهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ رَبَّكَ هُوَ أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ﴾ (الْأَنْعَام: ١٤٥) . وَقَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّما عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَاّ أنْ يَكُونَ مَيْتَةٍ أوْ دَما مَسْفُوحا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرِ فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقا أُهِلَّ لِغَيْر الله بِهِ فَمَنْ اضْطرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الْأَنْعَام: ١٤٥) وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مُهَرَاقا. وَقَالَ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ الله حَلالاً طَيِّبا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ الله إنْ كُنْتُمْ إيَاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (النَّحْل: ١١٤) ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ المَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الْبَقَرَة: ١٧٣) . وضع هَذِه التَّرْجَمَة فِي الْمُضْطَر إِلَى أكل الْميتَة وَلم يذكر فِيهَا حَدِيثا أصلا فَقيل: لِأَنَّهُ لم يظفر فِيهِ بِشَيْء على مُقْتَضى شَرطه وَاكْتفى بسوق الْآيَات الْمَذْكُورَة فَإِن فِيهَا بَيَانا لأحوال الْمُضْطَر. وَقيل: لِأَنَّهُ بيض موضعا للْحَدِيث ليكتبه عِنْد الظفرية فَلم يُدْرِكهُ. فانضم بعض تِلْكَ الْآيَات إِلَى بعض عِنْد نسخ الْكتاب. قلت: روى الإِمَام أَحْمد حَدثنَا الْوَلِيد بن مُسلم حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ حَدثنَا حسان عَن عَطِيَّة عَن أبي وَاقد اللَّيْثِيّ أَنهم قَالُوا: يَا رَسُول الله! إنَّا بِأَرْض تصيبنا بهَا المخمصة فَمَتَى تحل لنا بهَا الْميتَة؟ فَقَالَ: إِذا لم تصطبحوا وَلم تغتبقوا وَلم تجتفئوا بقلاً فشأنكم بهَا. قَالَ ابْن كثير: تفرد بهَا أَحْمد من هَذَا الْوَجْه، وَهُوَ إِسْنَاد صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ، وروى ابْن جرير حَدثنِي يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم أخبرنَا ابْن علية عَن ابْن عون. قَالَ: وجدت عِنْد الْحسن كتاب سَمُرَة فَقَرَأته عَلَيْهِ وَكَانَ فِيهِ يجزىء من الِاضْطِرَار صبوح أَو غبوق وروى أَبُو دَاوُد: حَدثنَا هَارُون بن عبد الله أَنبأَنَا الْفضل بن دُكَيْن أخبرنَا وهب بن عقبَة بن وهيب العامري سَمِعت أبي يحدث عَن الفجيع العامري أَنه أَتَى رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: مَا يحل لنا من الْميتَة؟ قَالَ: مَا طَعَامكُمْ؟ قُلْنَا: نغتبق ونصطبح. قَالَ أَبُو نعيم فسره لي عقبَة قدح غدْوَة وقدح عَشِيَّة، قَالَ: ذَاك وَأبي الْجُوع. وَأحل لَهُم الْميتَة على هَذَا الْحَال. قَالَ ابْن كثير: تفرد بِهِ أَبُو دَاوُد، وَكَأَنَّهُم كَانُوا يغتبقون ويصطبحون شَيْئا لَا يكفيهم، فأحل لَهُم الْميتَة لتَمام كفايتهم، وَقد يحْتَج بِهِ من يرى جَوَاز الْأكل مِنْهَا حَتَّى يبلغ حد الشِّبَع وَلَا يتَقَيَّد ذَلِك بسد الرمق. قلت. المخمصة ضمور الْبَطن من الْجُوع. قَوْله: (إِذا لم تصطبحوا) ، يَعْنِي: بِهِ الْغَدَاة. وَلم تغتبقوا يَعْنِي بِهِ الْعشَاء. قَوْله: (وَلم

стр. 6343

تجتفئوا بقلاً) ، أَي: لم تقلوه وترموا بِهِ من جفات الْقدر إِذا رمت مَا يجْتَمع على رَأسهَا من الزّبد والوسخ، ومادته جِيم وَفَاء وهمزة: (فشأنكم بهَا) أَي: الْميتَة اسْتَمْتعُوا بهَا غير مضيق عَلَيْكُم، والشأن فِي الأَصْل الْخطب وَالْحَال وَالْأَمر، وانتصابه بإضمار فعل قَوْله: (صبوح أَو غبوق) أُرِيد بالصبوح الْغَدَاة وبالغبوق الْعشَاء. قَوْله: (عَن الفجيع العامري) بِالْفَاءِ وَالْجِيم وَالْعين الْمُهْملَة، قَالَ أَبُو عمر: الفجيع ابْن عبد الله بن جندح العامري من بني عَامر بن صعصعة سكن الْكُوفَة رُوِيَ عَنهُ وهب ابْن عقبَة الْبكالِي. قَوْله: (لقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كلوا من طَيّبَات﴾ إِلَى قَوْله: ﴿فَلَا أَثم عَلَيْهِ﴾ (الْبَقَرَة: ١٧٢، ١٧٣) آيتان من سُورَة الْبَقَرَة اسْتدلَّ البُخَارِيّ بِذكر هَذِه الْآيَات الْمَذْكُورَة فِي أكل الْمُضْطَر الَّذِي وَضعه تَرْجَمَة فَلذَلِك قَالَ: (لقَوْله تَعَالَى) بلام التَّعْلِيل، وَتَمام الْآيَتَيْنِ: ﴿إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ وَلم يذكر فِي رِوَايَة أبي ذَر إلَاّ إِلَى قَوْله: (فَلَا إِثْم عَلَيْهِ) وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة ذكر آخر الْآيَة. وَهُوَ قَوْله: (إِن الله غَفُور رَحِيم) قَوْله: (من طَيّبَات) أَي: من حلالات مَا رزقناكم. قَوْله: (إِن كُنْتُم إِيَّاه تَعْبدُونَ) أَي: توحدون يَعْنِي: إِن كُنْتُم مُؤمنين بِاللَّه فاشكروا لَهُ فَإِن الْإِيمَان يُوجب ذَلِك، وَهُوَ من شَرَائِطه وَهُوَ مَشْهُور فِي كَلَامهم، يَقُول الرجل لصَاحبه الَّذِي قد عرف أَنه يُحِبهُ: إِن كنت محبا لي فافعل كَذَا فَيدْخل حرف الشَّرْط فِي كَلَامه تحريكا لَهُ على مَا يَأْمر بِهِ وإعلاما لَهُ بِأَن ذَلِك من شَرَائِط الْمحبَّة. وَقيل: إِن كُنْتُم عازمين على الثَّبَات فاشكروا لَهُ فَإِن ترككم الشُّكْر يخرجكم عَنهُ. قَوْله: (إِنَّمَا حرم عَلَيْكُم الْميتَة) ذكر هُنَا أَرْبَعَة أَشْيَاء وَلم يذكر سَائِر الْمُحرمَات لأَنهم كَانُوا يسْتَحلُّونَ هَذِه الْأَشْيَاء فَبين الله أَنه حرمهَا ثمَّ أَبَاحَ التَّنَاوُل مِنْهَا عِنْد الضَّرُورَة وَعند فقد غَيرهَا من الْأَطْعِمَة. فَقَالَ: (فَمن اضْطر غير بَاغ وَلَا عَاد) أَي: فِي غير بغي وَلَا عدوان، وَهُوَ مُجَاوزَة الْحَد (فَلَا إِثْم عَلَيْهِ) فِي أكل ذَلِك (إِن الله غَفُور رَحِيم) قَالَ مُجَاهِد: (فَمن اضْطر غير بَاغ وَلَا عَاد) قَاطعا للسبيل أَو مفارقا للأئمة أَو خَارِجا فِي مَعْصِيّة الله فَلَا رخصَة لَهُ، وَإِن اضْطر إِلَيْهِ، وَكَذَا رُوِيَ عَن سعيد بن جُبَير، وَقيل: غير بَاغ فِي أكلهَا وَلَا مُتَعَدٍّ فِيهِ من غير ضَرُورَة، وَقيل: غير مستحل لَهَا وَلَا عَاد متزود مِنْهَا. وَقيل: غير بَاغ فِي أكلهَا شَهْوَة وتلذذا وَلَا عَاد وَلَا يَأْكُل حَتَّى يشْبع وَلَكِن يَأْكُل مَا يمسك رمقه، وَقيل: عَاد. أَي: عَائِد فَهُوَ من المقلوب كشاكي السِّلَاح أَصله: شائك وَمعنى: الْإِثْم هُوَ أَن يَأْكُل مِنْهَا فَوق الشِّبَع. وَاخْتلف فِي: الشِّبَع وسد الرمق والتزود، فَقَالَ مَالك: أحسن مَا سَمِعت فِي الْمُضْطَر أَنه يشْبع ويتزود فَإِذا وجد غنى عَنْهَا طرحها. وَهُوَ قَول الزُّهْرِيّ وَرَبِيعَة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي قَول: لَا يَأْكُل مِنْهَا إلَاّ مِقْدَار مَا يمسك الرمق وَالنَّفس، وَحكى الدَّاودِيّ قولا إِنَّه يَأْكُل مِنْهَا ثَلَاث لقم، وَقيل: إِن تغدى لَا يتعشى وَإِن تعشى لَا يتغدى قَوْله: ﴿فَمن اضْطر فِي مخمصه﴾ ، (الْمَائِدَة: ٣) الْآيَة فِي سُورَة الْمَائِدَة، وَقَبله: ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا فَمن اضْطر فِي مَخْمَصَة غير متجانف لإثم فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾ (الْمَائِدَة: ٣) قَوْله: (غير متجانف) أَي: غير منحرف إِلَيْهِ كَقَوْلِه: (غير بَاغ وَلَا عَاد فَإِن الله غَفُور رَحِيم) لَا يُؤَاخذ بذلك. قَوْله: (فَكُلُوا مِمَّا ذكر اسْم الله عَلَيْهِ) ، إِلَى قَوْله: ﴿هُوَ أعلم بالمعتدين﴾ (الْأَنْعَام: ١١٩) فِي سُورَة الْأَنْعَام. قَوْله: (فَكُلُوا مِمَّا ذكر اسْم الله عَلَيْهِ) ، إِبَاحَة من الله لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ أَن يَأْكُلُوا من الذَّبَائِح مَا ذكر اسْم الله عَلَيْهِ، مفهومة أَنه لَا يُبَاح مَا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ، ثمَّ ندب إِلَى الْأكل مِمَّا ذكر اسْم الله عَلَيْهِ فَقَالَ: (مَا لكم أَن لَا تَأْكُلُوا مِمَّا ذكر اسْم الله عَلَيْهِ وَقد فصل لكم) أَي: بَين لكم (مَا حرم عَلَيْكُم) ووضحه بقوله: (إِلَّا مَا اضطررتم إِلَيْهِ) أَي: إلَاّ فِي حَال الِاضْطِرَار فَإِنَّهُ يُبَاح لكم مَا وجدْتُم ثمَّ بيّن جَهَالَة الْمُشْركين فِي آرائهم الْفَاسِدَة من استحلالهم الميتات فَقَالَ: (وَإِن كثيرا ليضلون بأهوائهم بِغَيْر علم إِن رَبك هُوَ أعلم بالمعتدين) باعتدائهم وكذبهم وافترائهم. قَوْله: ﴿قل لَا أجد فِيمَا أوحى إليّ محرما على طاعم يطعمهُ﴾ ، (الْأَنْعَام: ٧٤٥) إِلَى قَوْله: (فَإِن رَبك غَفُور رَحِيم) فِي سُورَة الْأَنْعَام أَي: قل يَا مُحَمَّد لهَؤُلَاء الَّذين حرمُوا مَا رزقهم الله افتراءً على الله. قَوْله: (على طاعم يطعمهُ) ، أَي: على آكل يَأْكُلهُ. قَوْله: (أَو دَمًا مسفوحا) قَالَ الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس يَعْنِي مهراقا وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ هَذَا. قَوْله: (فَكُلُوا مِمَّا رزقكم الله حَلَالا طيبا) ، كَذَا ثَبت هُنَا لكريمة والأصيلي وَسقط للباقين، وَتَمَامه ﴿وَاتَّقوا الله الَّذِي أَنْتُم بِهِ مُؤمنُونَ﴾ (الْمَائِدَة: ٨٨) وَهِي فِي سُورَة الْمَائِدَة. قَوْله: ﴿واشكروا نعْمَة الله إِن كُنْتُم إِيَّاه تَعْبدُونَ﴾ (النَّحْل: ١١٤) هَذَا فِي سُورَة النَّحْل. وأوله: ﴿وكلوا مِمَّا رزقكم الله حَلَالا طيبا واشكروا نعْمَة الله﴾ . وَقَوله: ﴿إِنَّمَا حرم عَلَيْكُم الْميتَة﴾ إِلَى آخِره بعد قَوْله: ﴿واشكروا نعْمَة الله﴾ (الْبَقَرَة: ١٧٣) وَهِي فِي سُورَة النَّحْل قد ذكرنَا فِيمَا قبل هَذِه الْآيَة بِعَينهَا فِي سُورَة

стр. 6344

الْبَقَرَة، وَيظْهر هُنَا تكْرَار لَا فَائِدَة فِي إِعَادَتهَا وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن كلا مِنْهُمَا فِي سُورَة، وَلِهَذَا توجدان فِي كثير من النّسخ وَالله أعلم. ٧٣ - ( ﴿كتابُ الأضاحِي﴾ ) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الْأَضَاحِي، وَهِي جمع أضْحِية. قَالَ الْأَصْمَعِي: فِي الْأُضْحِية أَربع لُغَات: أضْحِية، بِضَم الْهمزَة وإضحية، بِكَسْر الْهمزَة وضحية وَجَمعهَا أضاحي، وأضحاة وَجَمعهَا أضحى كَمَا يُقَال: أَرْطَاة وأرطى، قَالَ: وَبِه سمى يَوْم الْأَضْحَى. وَفِي (نَوَادِر اللحياني) وضحية بِكَسْر الضَّاد وَجَمعهَا كجمع الْمَفْتُوحَة الضَّاد وَعند ابْن التياني: أضحاة، بِكَسْر الْهمزَة وَفِي (الدَّلَائِل) لِلسَّرَقُسْطِيِّ: أضْحِية بِضَم الْهمزَة وَتَخْفِيف الْيَاء، وَفِي (نَوَادِر ابْن الْأَعرَابِي) كل ذَلِك للشاة الَّتِي تذبح ضحوة. وَقيل: وَبِه سمى يَوْم الْأَضْحَى وَهُوَ يذكر وَيُؤَنث وَكَانَ تَسْمِيَتهَا اشْتقت من اسْم الْوَقْت الَّذِي تشرع فِيهِ. ١ - (بَابُ: ﴿سَنَّةِ الأضْحِيَّةِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب سنة الْأُضْحِية وَهُوَ من بَاب إِضَافَة الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف مثل جرد قطيفة، أَي: القطيفة الَّتِي انجرد خملها، وخلقت. ﴿قَالَ ابنُ عُمَرَ: هِيَ سُنَّةٌ وَمَعْرُوفٌ﴾ أَي: قَالَ عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: الْأُضْحِية سنة. قَوْله: (ومعروف) ، الْمَعْرُوف اسْم جَامع لكل مَا عرف من طَاعَة الله والتقرب إِلَيْهِ وَالْإِحْسَان إِلَى النَّاس وَلكُل مَا ندب إِلَيْهِ الشَّرْع وَنهى عَنهُ من المحسنات والمقبحات، وَهُوَ من الصِّفَات الْغَالِبَة أَي: أَمر مَعْرُوف بَين النَّاس إِذا رَأَوْهُ لَا ينكرونه. وَاخْتلفُوا فِيهَا فَقَالَ سعيد بن الْمسيب وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وعلقمة وَالْأسود وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر: لاتجب فرضا لَكِنَّهَا مَنْدُوب إِلَيْهَا من فعلهَا كَانَ مثابا وَمن تخلف عَنْهَا لَا يكون آثِما وَرُوِيَ ذَلِك عَن أبي بكر وَعمر وَأبي مَسْعُود البدري وبلال. وَقَالَ اللَّيْث وَرَبِيعَة: لَا نرى أَن يَتْرُكهَا الْمُوسر الْمَالِك لأمر الضحية، وَقَالَ مَالك: لَا يَتْرُكهَا فَإِن تَركهَا بئس مَا صنع إلَاّ أَن يكون لَهُ عذر، وَحكى عَن النَّخعِيّ أَنه قَالَ: الْأَضْحَى وَاجِب على أهل الْأَمْصَار مَا خلا الْحجَّاج وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن: الْأَضْحَى وَاجِب على كل مُقيم فِي الْأَمْصَار إِذا كَانَ مُوسِرًا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف تجب على الْحر الْمُقِيم الْمُسلم الْمُوسر، وَتَخْصِيص ابْن الْمُنْذر يَقُول مُحَمَّد وَحده لَا وَجه لَهُ، وتحرير مَذْهَبنَا مَا قَالَه صَاحب (الْهِدَايَة) بالأضحية وَاجِبَة على كل مُسلم حر مُقيم مُوسر فِي يَوْم الْأَضْحَى عَن نَفسه وَعَن وَلَده الصغار، أما الْوُجُوب فَقَوْل أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَزفر وَالْحسن وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أبي يُوسُف وَعَن أبي أبي يُوسُف، إِنَّهَا سنة وَذكر الطَّحَاوِيّ إِنَّهَا على قَول أبي حنيفَة وَاجِبَة، وعَلى قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد سنة مُؤَكدَة، وَجه السّنيَّة مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَة غير البُخَارِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أم سَلمَة عَن النَّبِي ﷺ ، من رأى هِلَال ذِي الْحجَّة مِنْكُم وَأَرَادَ أَن يُضحي فليمسك عَن شعره وأظفاره وَالتَّعْلِيق بالإرادة يُنَافِي الْوُجُوب، وَبِهَذَا اسْتدلَّ ابْن الْجَوْزِيّ فِي التَّحْقِيق لمَذْهَب أَحْمد وَوجه الْوُجُوب مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن عبد الرَّحْمَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من كَانَ لَهُ سَعَة وَلم يضح فَلَا يقربن مصلانا) وَأخرجه الْحَاكِم وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد، وَمثل هَذَا الْوَعيد لَا يلْحق بترك غير الْوَاجِب وَذكر ابْن حزم عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ: هِيَ فرض. ٥٥٤٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشارٍ حدَّثنا غُنْدَرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ زُبَيْدٍ الأيَامِيِّ عَنِ الشَعْبِيِّ عَنِ البَرَاءِ، ﵁ قَالَ النبيُّ ﷺ : (إنَّ أوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمنَا هَذَا نُصلي ثُمَّ نَرْجعُ فننحرُ من فعله فقد أصابَ سنتنا وَمن ذبح قبل فَإِنَّمَا هُوَ لحم قدَّمه لأهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النُّسْكِ فِي شَيْءٍ) ، فَقَامَ أبُو بُرْدَةَ بنُ نُيَارٍ وَقَدْ ذَبَحَ فَقَالَ: إنَّ عَنْدِي جَذَعَةً فَقَالَ: إذْبَحْها وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أحَدٍ بَعْدَكَ. قَالَ مُطَرِّفٌ عَنْ عَامِرٍ عَنِ البَراءِ قَالَ النبيُّ ﷺ : (مَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلاةِ ثَمَّ نَسْكُهُ وَأصَابَ سُنَّةَ المُسْلِمِينَ) .

стр. 6345

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وغندر لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر الْبَصْرِيّ، وزبيد بِضَم الزاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالدال الْمُهْملَة ابْن عبد الْكَرِيم الأيامي، وَيُقَال: اليامي، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف نِسْبَة إِلَى يام بن أصبي، بطن من هَمدَان، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل. والْحَدِيث مضى فِي الْعِيدَيْنِ فِي: بَاب الْأكل يَوْم النَّحْر بأتم مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (نصلي) ، أَي: أَن نصلي، وَهُوَ من قبيل قَوْلهم: وَتسمع بالمعيدي أَي: وَأَن تسمع، أَو هُوَ تَنْزِيل الْفِعْل منزلَة الْمصدر، ويروى بِأَن أَيْضا فَلَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير. قَوْله: (من ذبح قبل) ، أَي: قبل مُضِيّ وَقت الصَّلَاة. قَوْله: (لَيْسَ من النّسك) ، أَي: الْعِبَادَة أَي: لَا ثَوَاب فِيهَا بل هِيَ لحم ينْتَفع بِهِ أَهله. قَوْله: (فَقَامَ أَبُو بردة) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء وبالدال الْمُهْملَة اسْمه هانىء، بالنُّون بعد الْألف قبل الْهمزَة ابْن نيار بِكَسْر النُّون وَتَخْفِيف الْبَاء آخر الْحُرُوف وبالراء الْبلوى بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَاللَّام وبالواو. قَوْله: (جَذَعَة) ، هِيَ جَذَعَة معز كَانَت لَا تجوز، وَأما الْجَذعَة من الضَّأْن فَتجوز. قَالَ أَبُو عبد الله الزَّعْفَرَانِي: الْجذع من الضَّأْن مَا تمت لَهُ سَبْعَة أشهر وَطعن فِي الشَّهْر الثَّامِن وَيجوز فِي الْأُضْحِية إِذا كَانَ عَظِيم الجثة، وَأما الْجذع من الْمعز فَلَا يجوز إلَاّ مَا تمت لَهُ سنة وَطعن فِي الثَّانِيَة انْتهى. قَوْله: (وَلنْ تجزي) ، أَي: لن تَكْفِي، من جزى يَجْزِي كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَاتَّقوا يَوْمًا لَا تجزي نفس﴾ (الْبَقَرَة: ٤٨، ١٢٣) قَوْله: (عَن أحد بعْدك) يَعْنِي: لغيرك، وَهَذَا من خَصَائِص هَذَا الصَّحَابِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (قَالَ مطرف) بِضَم الْمِيم وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة وبالفاء ابْن طريف الْحَارِثِيّ بالثاء الْمُثَلَّثَة. قَوْله: (عَن عَامر) ، أَي: عَن الشّعبِيّ عَن الْبَراء بن عَازِب، وَتَعْلِيق مطرف هَذَا وَصله البُخَارِيّ فِي الْعِيدَيْنِ، وَيَأْتِي أَيْضا بعد ثَمَانِيَة أَبْوَاب. ٥٥٤٦ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ عَنْ أيُوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ، ﵁، قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : (مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَإنَّما ذَبَحَ لِنَفْسِهِ وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ وَأصَابَ سُنَّةَ المُسْلِمِينَ) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ شرطا من جملَة شُرُوط الْأُضْحِية، وَهُوَ أَن يكون ذَبحهَا بعد الصَّلَاة وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن علية وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَمُحَمّد هُوَ ابْن سِيرِين. والْحَدِيث مضى فِي صَلَاة الْعِيد، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٢ - (بَابُ: ﴿قِسْمَةِ الإمامِ الأضَاحِيَّ بَيْنَ النَّاسِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قسْمَة الإِمَام الْأَضَاحِي بَين النَّاس بِنَفسِهِ أَو بوكيله، وغرضه من هَذِه التَّرْجَمَة بَيَان قسمته، ﷺ ، الضَّحَايَا بَين أَصْحَابه فَإِن كَانَ قسمهَا بَين الْأَغْنِيَاء كَانَت من الْفَيْء أَو مَا يجْرِي مجْرَاه مِمَّا يجوز أَخذه للأغنياء وَإِن كَانَ قسمهَا بَين الْفُقَرَاء خَاصَّة كَانَت من الصَّدَقَة، وَإِنَّمَا أَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا وَالله أعلم إِن إِعْطَاء الشَّارِع الضَّحَايَا لأَصْحَابه دَلِيل على تأكدها وندبهم إِلَيْهَا. قيل: لَو كَانَ الْأَمر كَمَا ذكر لم يخف ذَلِك على الصَّحَابَة الَّذين قصدُوا تَركهَا وهم موسرون. وَأجِيب بِأَن من تَركهَا مِنْهُم لم يَتْرُكهَا لِأَنَّهَا غير وكيدة، وَإِنَّمَا تَركهَا لما رُوِيَ عَن معمر وَالثَّوْري عَن أبي وَائِل. قَالَ: قَالَ أَبُو مَسْعُود الْأنْصَارِيّ: إِنِّي لأدع الْأَضْحَى وَأَنا مُوسر مَخَافَة أَن يرى جيراني أَنه حتم عليّ، وروى الثَّوْريّ عَن ابْن إِبْرَاهِيم بن مهَاجر عَن النَّخعِيّ عَن عَلْقَمَة. قَالَ: لِأَن لَا أضحي أحب أَن أرَاهُ حتما عليّ، وَقَالَ ابْن بطال: وَهَكَذَا يَنْبَغِي للْعَالم الَّذِي يَقْتَدِي بِهِ إِذا خَفِي من الْعَامَّة أَن يلتزموا السّنَن الْتِزَام الْفَرَائِض أَن يَتْرُكهَا لِئَلَّا يتأسى بِهِ، وَلِئَلَّا يخْتَلط على النَّاس أَمر دينهم فَلَا يفرقُوا بَين فرضهم ونفلهم. ٥٥٤٧ - حدَّثنا مُعاذُ بنُ فَضَالَةَ حدَّثنا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ بَعْجَةَ الجُهَنِيِّ عَنْ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ الجُهَنِيِّ قَالَ: قَسَمَ النبيُّ ﷺ ، بَيْنَ أصْحَابِهِ ضَحَايَا فَصَارَتْ لِعُقْبَةَ جَذَعَةٌ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! صَارَتْ جَذَعَةٌ؟ قَالَ: ضَحِّ بِها. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهِشَام هُوَ الدستوَائي، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير، وبعجة بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة

стр. 6346

وَفتح الْجِيم ابْن عبد الله الْجُهَنِيّ، وَهُوَ تَابِعِيّ مَعْرُوف مَا لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَضَاحِي عَن ابْن أبي شيبَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود وَغَيره. قَوْله: (لعقبة) ، أَي: ابْن عَامر. قَوْله: (صَارَت جَذَعَة) أَي: حصلت لي جَذَعَة. وَلَفظه أَعم من أَن يكون من الْمعز لَكِن قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره: كَانَت هَذِه رخصَة لعقبة كَمَا كَانَ مثلهَا رخصَة لأبي بردة فِي حَدِيث الْبَراء، وَيُقَال: الْجَذعَة وصف لسن معِين من بَهِيمَة الْأَنْعَام، فَمن الضَّأْن مَا أكمل السّنة، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، وَقيل: دونهَا، ثمَّ اخْتلف فِي تَقْدِيره، فَقيل: ابْن سِتَّة أشهر، وَقيل: ثَمَانِيَة، وَقيل: عشرَة، وَحكى التِّرْمِذِيّ عَن وَكِيع أَنه ابْن سِتَّة أشهر أَو سَبْعَة أشهر، وَأما الْجذع من الْمعز فَهُوَ مَا دخل فِي السّنة الثَّانِيَة، وَمن الْبَقر مَا أكمل الثَّالِثَة، وَمن الْإِبِل مَا دخل فِي الْخَامِسَة. قَوْله: (ضح) ، أَمر من ضحى يُضحي. قَوْله: (بهَا) ، أَي: بالجذعة الْمَذْكُورَة. ٣ - (بَابُ: ﴿الأضْحِيَّةِ لِلْمُسَافِرِ وَالنِّسَاءِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْأُضْحِية للْمُسَافِر وَالنِّسَاء، وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ إِشَارَة إِلَى خلاف من قَالَ: لَا أضْحِية عَلَيْهِنَّ، وَيحْتَمل أَن يكون أَشَارَ إِلَى خلاف منع تضحيتهن. قلت: لَا إِشَارَة فِيهِ أصلا لما قَالَه. وَإِنَّمَا وضع هَذِه التَّرْجَمَة لبَيَان أَن الْمُسَافِر وَالنِّسَاء هَل عَلَيْهِمَا أضْحِية أم لَا؟ غير أَنه أبهم ذَلِك اكْتِفَاء بِمَا يفهم من حَدِيث الْبَاب: على مَا لَا يخفى على من لَهُ ذوق فِي إِدْرَاك مَعَاني الْأَحَادِيث. وَقَوله: (وَيحْتَمل) إِلَى آخِره أبعد من الأول لِأَن التَّرْجَمَة لَيْسَ فِيهَا مَا يدل على ذَلِك وَلَا فِي حَدِيث الْبَاب. ٥٥٤٨ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ القَاسِمِ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂. أنَّ النبيَّ ﷺ ، دَخَلَ عَلَيْها وَحَاضَتْ بَسَرِفَ قَبْلَ أنْ تَدْخُلَ مَكَةَ وَهِيَ تَبْكِي، فَقَالَ: مَالَكِ؟ أنَفِسْتِ! قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: هاذا أمْرٌ كَتَبَهُ الله عَلَى بَنَاتِ آدَمِ فَاقْضِي مَا يَقْضِي الحَاجُّ غَيْرَ أنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ فَلَمَّا كُنَّا بِمنًى أُتِيتُ بِلَحْمِ بَقَرٍ فَقُلْتُ: مَا هاذا؟ قَالُوا: ضَحَّى رَسُولُ الله ﷺ ، عَنْ أزْوَاجِهِ بِالْبَقَرِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. لِأَن فِيهِ أضْحِية الْمُسَافِر، وَهُوَ أَن النَّبِي ﷺ ، كَانَ مُسَافِرًا وَفِيه تعرض للأضحية للنِّسَاء، وَهُوَ ظَاهر. فَالْكَلَام هُنَا فِي فصلين. الأول: هَل يجب على الْمُسَافِر أضْحِية؟ اخْتلفُوا فِيهِ. فَقَالَ الشَّافِعِي: هِيَ سنة على جَمِيع النَّاس وعَلى الْحَاج بمنى وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر. وَقَالَ مَالك: لَا أضْحِية عَلَيْهِ وَلَا يُؤمر بِتَرْكِهَا إلَاّ الْحَاج بمنى وَذكر ابْن الْمَوَّاز عَن مَالك أَن من لم يحجّ من أهل مَكَّة وَمنى فليضحِّ وَحكى ابْن بطال: أَن مَذْهَب ابْن عمر أَن الْأُضْحِية تلْزم الْمُسَافِر. قلت: قد مر أَن ابْن عمر قَالَ: هِيَ سنة ومعروف، نعم هُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا تجب على الْمُسَافِر أضْحِية، وَعَن النَّخعِيّ: رخص للْحَاج وَالْمُسَافر أَن لَا يُضحي. الْفَصْل الثَّانِي: أَن من أوجب الْأُضْحِية أوجبهَا على النِّسَاء وَمن لم يُوجِبهَا لم يُوجِبهَا عَلَيْهِنَّ، واستحبها فِي حقهن. وسُفْيَان فِي السَّنَد هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعبد الرَّحْمَن يروي عَن أَبِيه الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق. رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ. والْحَدِيث مضى فِي أول كتاب الْغسْل فِي كتاب الطَّهَارَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن عبد الله الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (بسرف) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وَفتح الْفَاء وَهُوَ مَا بَين مَكَّة وَالْمَدينَة بِقرب مَكَّة على أَمْيَال قَالَ النَّوَوِيّ: قبل سِتَّة، وَقيل: سَبْعَة، وَقيل: تِسْعَة، وَقيل: عشرَة، وَقيل: اثْنَي عشر ميلًا. قَوْله: (أنفست) ، مَعْنَاهُ أحضت؟ وَهُوَ بِفَتْح النُّون وَضمّهَا لُغَتَانِ مشهورتان، وَالْفَتْح أفْصح وَالْفَاء مَكْسُورَة فيهمَا. وَأما النّفاس الَّذِي هُوَ الْولادَة فَيُقَال فِيهِ: نفست، بِالضَّمِّ لَا غير. قَوْله: (هَذَا أَمر كتبه الله تَعَالَى على بَنَات آدم) هَذَا تَسْلِيَة لَهَا وَتَخْفِيف لَهَا وَمَعْنَاهُ: أَنَّك لست بمختصة بِهِ بل كل بَنَات آدم يكون هَذَا مِنْهُنَّ كَمَا يكون من الرجل ومنهن الْبَوْل وَالْغَائِط وَغَيرهمَا وَقَالَ النَّوَوِيّ: اسْتدلَّ البُخَارِيّ بِعُمُوم هَذَا الحَدِيث على أَن الْحيض كَانَ فِي جَمِيع بَنَات آدم. وَأنكر بِهِ على من قَالَ: إِن الْحيض أول مَا وَقع فِي بني إِسْرَائِيل. قَوْله: (فاقضي) أَي: افعلي كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: فاصنعي. وَفِيه: دَلِيل على أَن الطّواف

стр. 6347

لَا يَصح من الْحَائِض، وَهَذَا مجمع عَلَيْهِ، وَلَكِن اخْتلفُوا فِي علته على حسب اخْتلَافهمْ فِي اشْتِرَاط الطَّهَارَة للطَّواف. فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: هِيَ شَرط، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَيست بِشَرْط، وَبِه قَالَ دَاوُد فَمن شَرط الطَّهَارَة قَالَ: الْعلَّة فِي بطلَان طواف الْحَائِض عدم الطَّهَارَة، وَمن لم يشترطها قَالَ: الْعلَّة فِيهِ كَونهَا مَمْنُوعَة من اللّّبْث فِي الْمَسْجِد. قَوْله: (ضحى رَسُول الله ﷺ عَن أَزوَاجه) وَفِي رِوَايَة مُسلم: عَن نِسَائِهِ. قَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا مَحْمُول على أَنه ﷺ ، استأذنهن فِي ذَلِك، فَإِن تضحية الْإِنْسَان عَن غَيره لَا تجوز إِلَّا بِإِذْنِهِ. ٤ - (بَابُ: ﴿مَا يُشْتَهي مِنَ اللَّحْمِ يَوْمَ النَّحْرِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يَشْتَهِي كلمة مَا يجوز أَن تكون مَوْصُولَة وَيجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة وَذَلِكَ لِأَن الْعَادة بَين النَّاس الالتذاذ بِأَكْل اللَّحْم. وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَذكرُوا اسْم الله فِي أَيَّام مَعْلُومَات على مَا رزقهم من بَهِيمَة الْأَنْعَام﴾ (الحجرات: ٢٨) وَمن اشْتهى اللَّحْم يَوْم النَّحْر لَا حرج عَلَيْهِ وَلَا يتَوَجَّه عَلَيْهِ مَا قَالَ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حِين لَقِي جَابر بن عبد الله وَمَعَهُ حمال لحم بدرهم. فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قر منا إِلَى اللَّحْم. فَقَالَ لَهُ: أَيْن تذْهب هَذِه الْآيَة. ﴿أَذهَبْتُم طَيِّبَاتكُمْ فِي حَيَاتكُم الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بهَا﴾ (الْأَحْقَاف: ٢٠) لِأَن يَوْم النَّحْر مَخْصُوص بِأَكْل اللَّحْم، وَأما فِي غير زمن النَّحْر فَأَكله مُبَاح إلَاّ أَن السّلف كَانُوا لَا يواظبون على أكله دَائِما لِأَن اللَّحْم ضراوة كضراوة الْخمر. ٥٥٤٩ - حدَّثنا صَدَقَةُ أخْبَرَنَا ابنُ عُلَيَّةَ عَنْ أيُّوبُ عَنِ ابنِ سِيرِينَ عَنْ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : يَوْمَ النَّحْرِ: مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةَ فَلْيُعِدْ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! إنَّ هاذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ وَذَكَرَ جِيرَانَهُ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ. فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَلا أدْرِي أبَلَغت الرُّخْصَةُ مَنْ سَواهُ أمْ لَا. ثُمَّ انْكَفَأَ النبيُّ ﷺ ، إلَى كَبْشَيْنِ فَذَبَحَهُمَا وَقَامَ النَّاسُ إلَى غُنَيْمَةٍ فَتَوَزَّعُوها. أوْ قَالَ فَتَجَزَّعُوها. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَصدقَة هُوَ ابْن الْفضل، وَابْن علية هُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن علية اسْم أمه، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَابْن سِيرِين مُحَمَّد. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْعِيدَيْنِ فِي: بَاب الْأكل يَوْم النَّحْر. قَوْله: (يَوْم النَّحْر) أَي: قَالَ فِي يَوْم النَّحْر. قَوْله: (فَقَامَ رجل) هُوَ أَبُو بردة بن نيار كَمَا فِي حَدِيث الْبَراء، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَوْله: (وَذكر جِيرَانه) أَي: ذكر احْتِيَاج جِيرَانه وفقرهم كَأَنَّهُ يُرِيد بِهِ عذره فِي تَقْدِيم الذّبْح على الصَّلَاة، وَفِي رِوَايَة مُسلم، وَإِنِّي عجلت فِيهِ نسيكتي لَا طعم أَهلِي وجيراني وَأهل دَاري. قَوْله: (وَعِنْدِي جَذَعَة) هِيَ جَذَعَة الْمعز. قَوْله: (خير من شاتَيْ لَحْم) ، أَي: أطيب لَحْمًا وأنفع لسمنها ونفاستها قَوْله: (فِي ذَلِك) أَي: فِي التَّضْحِيَة بِتِلْكَ الْجَذعَة من الْمعز قَوْله: (فَلَا أَدْرِي) كَلَام أنس إِنَّمَا قَالَ: لَا أَدْرِي لِأَنَّهُ لم يبلغهُ مَا قَالَ النَّبِي ﷺ : (لن تجزي عَن أحد بعْدك) . قَوْله: (من سواهُ) ، مَنْصُوب بقوله: (أبلغت) قَوْله: (ثمَّ انكفأ) بِالْهَمْز أَي: مَال وانعطف من كفأت الْإِنَاء إِذا أملته، وَالْمرَاد أَنه رَجَعَ من مَكَان الْخطْبَة إِلَى مَكَان الذّبْح. قَوْله: (غنيمَة) تَصْغِير غنم قَوْله: (فتوزعوها) أَي: فتفرقوها والتوزيع التَّفْرِقَة قَوْله: (أَو قَالَ فتجزعوها) شكّ من الرَّاوِي بِالْجِيم وَالزَّاي من الْجزع وَهُوَ الْقطع أَي: اقتسموها حصصا وَلَيْسَ المُرَاد أَنهم اقتسموها بعد الذّبْح فَأخذ كل وَاحِد قِطْعَة من اللَّحْم، وَإِنَّمَا المُرَاد أَخذ حِصَّة من الْغنم، والقطعة تطلق على الْحصَّة من كل شَيْء. ٥ - (بابُ: ﴿مَنْ قَالَ: الأضْحَى يَوْمَ النَّحْرِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من قَالَ: إِن الْأَضْحَى يَوْم النَّحْر، يَعْنِي: يَوْم وَاحِد وَهُوَ يَوْم النَّحْر، وَهُوَ قَول ابْن سِيرِين، وَحَكَاهُ ابْن حزم عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن أَنه كَانَ لَا يرى النَّحْر إلَاّ يَوْم النَّحْر. وَهُوَ قَول ابْن أبي سُلَيْمَان. وَفِي هَذَا الْبَاب أَقْوَال: أَحدهَا: يَوْم النَّحْر ويومان بعده، وَهُوَ قَول مَالك وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْري وَأحمد، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عمر وَعلي وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة وَأنس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، ذكره ابْن الْقصار، وَذكره ابْن وهب عَن ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ،

стр. 6348

الثَّانِي: أَرْبَعَة أَيَّام، يَوْم النَّحْر وَثَلَاثَة بعده، وَهُوَ قَول عَطاء وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأبي ثَوْر وروى ذَلِك عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس قَالَا: أَيَّام النَّحْر الْأَيَّام المعلومات يَوْم النَّحْر وَثَلَاثَة أَيَّام بعده. الثَّالِث: يَوْم النَّحْر وَسِتَّة أَيَّام بعده وَهُوَ قَول قَتَادَة. الرَّابِع: عشرَة أَيَّام حَكَاهُ ابْن التِّين. الْخَامِس: إِلَى آخر يَوْم من ذِي الْحجَّة يرْوى عَن الْحسن الْبَصْرِيّ، وَقَالَ ابْن التِّين: ويروى عَن عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا وَنَقله ابْن حزم عَن سُلَيْمَان بن يسَار وَأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن قَالَا: الْأَضْحَى إِلَى هِلَال الْمحرم. السَّادِس: يَوْم وَاحِد فِي الْأَمْصَار وَفِي منى ثَلَاثَة أَيَّام. وَهُوَ قَول سعيد بن جُبَير وَجَابِر بن زيد. السَّابِع: يَوْم وَاحِد فَقَط وَعَلِيهِ ترْجم البُخَارِيّ كَمَا ذكرنَا، وَأَخذه من إضافه الْيَوْم إِلَى النَّحْر فِي حَدِيث الْبَاب، وَهُوَ قَوْله ﵇: (أَلَيْسَ يَوْم النَّحْر؟ قُلْنَا بلَى) وَاللَّام فِيهِ للْجِنْس فَلَا يبْقى نحر إلَاّ فِي ذَلِك الْيَوْم. وَأجِيب عَن هَذَا بِأَن المُرَاد النَّحْر الْكَامِل، وَاللَّام تسْتَعْمل كثيرا للكمال كَقَوْلِه: الشَّديد الَّذِي يملك نَفسه عِنْد الْغَضَب، وَفِيه تَأمل. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: التَّمَسُّك بِإِضَافَة النَّحْر إِلَى الْيَوْم الأول ضَعِيف مَعَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِيذكرُوا اسْم الله فِي أَيَّام مَعْلُومَات على مَا رزقهم من بَهِيمَة الْأَنْعَام﴾ (الْحَج: ٢٨) وَقَالَ ابْن بطال: وَلَيْسَ اسْتِدْلَال من اسْتدلَّ من قَوْله ﷺ : (أَلَيْسَ يَوْم النَّحْر؟) أَنه لَا يكون نحر وَلَا ذبح فِي غَيره بِشَيْء لِأَن النَّحْر فِي أَيَّام منى قد فعله الْخلف وَالسَّلَف. وَجرى عَلَيْهِ الْعَمَل فِي جَمِيع الْأَمْصَار فَلَا حجَّة مَعَ من خَالفه وَاسْتدلَّ من قَالَ: الْأَضْحَى يَوْم النَّحْر وَثَلَاثَة أَيَّام بِمَا رُوِيَ فِي صَحِيح ابْن حبَان من حَدِيث جُبَير بن مطعم: أَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: (كل فجاج منى منحر وَفِي كل أَيَّام التَّشْرِيق ذبح) . قلت: هَذَا رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي حُسَيْن عَن جُبَير بن مطعم، وَقَالَ الْبَزَّار فِي مُسْنده لم يلق ابْن أبي حُسَيْن جُبَير بن مطعم فَيكون مُنْقَطِعًا. فَإِن قلت: أخرجه أَحْمد أَيْضا وَالْبَيْهَقِيّ عَن سُلَيْمَان بن مُوسَى عَن جُبَير عَن النَّبِي ﷺ . قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: سُلَيْمَان بن مُوسَى لم يدْرك جُبَير بن مطعم. فَيكون مُنْقَطِعًا. فَإِن قلت: أخرج ابْن عدي فِي (الْكَامِل) عَن مُعَاوِيَة بن يحيى الصَّدَفِي عَن الزُّهْرِيّ عَن ابْن الْمسيب عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، ﵁، عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: أَيَّام التَّشْرِيق كلهَا ذبح. قلت: مُعَاوِيَة بن يحيى ضعفه النَّسَائِيّ وَابْن معِين وَعلي بن الْمَدِينِيّ، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي (كتاب الْعِلَل) قَالَ أبي هَذَا حَدِيث مَوْضُوع بِهَذَا الْإِسْنَاد. فَإِن قلت: أخرج الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث طَلْحَة بن عَمْرو عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس. قَالَ: الْأَضْحَى ثَلَاثَة أَيَّام بعد يَوْم النَّحْر. قلت: خرج الطَّحَاوِيّ بِسَنَد جيد عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ: الْأَضْحَى يَوْمَانِ بعد يَوْم النَّحْر، ولأصحابنا الْحَنَفِيَّة مَا رَوَاهُ الْكَرْخِي فِي (مُخْتَصره) حَدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْجُنَيْد قَالَ: حَدثنَا أَبُو خَيْثَمَة قَالَ: حَدثنَا هشيم قَالَ: أخبرنَا ابْن أبي ليلى عَن الْمنْهَال بن عَمْرو عَن زر بن حُبَيْش وَعبادَة بن عبد الله الْأَسدي عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه كَانَ يَقُول أَيَّام النَّحْر ثَلَاثَة أَيَّام أولهنَّ أفضلهن، وَعَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قَالَا: النَّحْر ثَلَاثَة أَيَّام أَولهَا أفضلهَا. ٥٥٥٠ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلامٍ حدَّثنا عَبْدُ الوَهَابِ حدَّثنا أيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنِ ابنِ أبِي بَكْرَةَ عَنْ أبِي بَكْرَةَ، ﵁ عَنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: الزَّمَانُ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرا مِنْها أرْبَعَةَ حُرُمٌ: ثَلاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ. ذُو القَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمادَى وَشَعْبَانَ. أيُّ شَهْرٍ هاذا؟ قُلْنا: الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ. فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ: ألَيْسَ ذَا الحِجَّةِ؟ قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: أيُّ بَلَدٍ هاذا؟ قُلْنَا: الله وَرَسُولَهُ أعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ: ألَيْسَ البَلْدَةَ؟ قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: فَأيُّ يَوْمٍ هاذا؟ قُلْنا. الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: ألَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قُلْنَا بَلَى قَالَ: فَإنَّ دِماءَكُمْ وَأمْوَالَكُمْ. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأحْسِبُهُ قَالَ: وأعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَّامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمُكُمْ هاذا فِي بَلَدِكُمْ هاذا فِي شَهْرِكُمْ هاذا وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْألُكُمْ عَنْ أعْمَالِكُمْ

стр. 6349

أَلا فَلا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَاّلاً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضَ أَلا لِيُبَلِّغِ الشاهِدُ الغَائِبَ فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ أنْ يَكُونَ أوْعى لَهُ مِنْ بَعْضٍ مَنْ سَمِعَهُ وَكَانَ مُحَمَّدٌ إذَا ذَكَرَهُ قَالَ: صَدَقَ النبيُّ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: أَلا هَلْ بَلَغْتُ! أَلا هَلْ بَلَغْتُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَلَيْسَ يَوْم النَّحْر؟) وَقد مر فِيهِ فِي أول الْبَاب. وَعبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ، وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ، وَمُحَمّد هُوَ ابْن سِيرِين وَابْن أبي بكرَة عبد الرَّحْمَن يروي عَن أَبِيه أبي بكرَة نفيع بن الْحَارِث مولى رَسُول الله ﷺ ، الثَّقَفِيّ الْبَصْرِيّ. والْحَدِيث مضى أَولا فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب قَول النَّبِي ﷺ : (رب مبلغ أوعى من سامع) ، وَأخرج بعضه أَيْضا فِي الْعلم فِي: بَاب ليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب، وَأخرجه أَيْضا فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب الْخطْبَة فِي أَيَّام منى وَأخرج بعضه أَيْضا فِي كتاب بَدْء الْخلق فِي بَاب مَا جَاءَ فِي سبع أَرضين، وَأخرجه أَيْضا فِي التَّفْسِير وَفِي الْفِتَن، وَمضى الْكَلَام فِي هَذِه الْمَوَاضِع. قَوْله: (الزَّمَان) ، قَالَ الْكرْمَانِي: يُرَاد بِهِ هُنَا السّنة. وَالزَّمَان يَقع على جَمِيع الدَّهْر وَبَعضه. قَوْله: (كَهَيْئَته) ، صفة لمصدر مَحْذُوف أَي: اسْتَدَارَ استدارة مثل حَالَته يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: يُقَال: دَار يَدُور واستدار يستدير بِمَعْنى: إِذا طَاف حول الشَّيْء وَعَاد إِلَى الْموضع الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ، وَمعنى الحَدِيث أَن الْعَرَب كَانُوا يؤخرون الْمحرم إِلَى صفر وَهُوَ النسيء لِيُقَاتِلُوا فِيهِ ويفعلون ذَلِك سنة بعد سنة، فَينْتَقل الْمحرم من شهر إِلَى شهر حَتَّى يحملوه فِي جَمِيع شهور السّنة، فَلَمَّا كَانَت تِلْكَ السّنة كَانَ قد عَاد إِلَى زَمَنه الْمَخْصُوص بِهِ قبل النَّقْل، ودارت السّنة كَهَيئَةِ الأولى فَوَافَقَ حجَّة الْوَدَاع أَصله فَوَقع الْحَج فِي ذِي الْحجَّة، وَبَطل النسيء الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة وعادت الْأَشْهر إِلَى الْوَضع الْقَدِيم قَوْله: (أَرْبَعَة حرم) جمع حرَام أَي: يحرم الْقِتَال فِيهَا ثَلَاث مِنْهَا سرد وَوَاحِد فَرد. قَوْله: (ثَلَاث) الْقيَاس ثَلَاثَة، وَلَكِن التَّمْيِيز إِذا كَانَ محذوفا جَازَ فِيهِ الْأَمْرَانِ. قَوْله: (وَرَجَب مُضر) إِنَّمَا خصّه بمضر لأَنهم كَانُوا يعظمونه غَايَة التَّعْظِيم وَلم يغيروه عَن مَوْضِعه الَّذِي بَين جُمَادَى الْآخِرَة وَشَعْبَان، وَإِنَّمَا وَصفه بِهِ تَأْكِيدًا وإزاحة للريب الْحَادِث فِيهِ من النسيء، وَمُضر بِضَم الْمِيم قَبيلَة وَهِي مُضر بن نزار بن معد بن عدنان. قَوْله: (أَلَيْسَ الْبَلدة) ، أَي: الْمَعْهُودَة الَّتِي هِيَ أشرف الْبِلَاد وأكثرها حُرْمَة يَعْنِي: مَكَّة المشرفة، وَذكر ثَابت فِي (غَرِيب الحَدِيث) الْبَلدة بِفَتْح اللَّام. قَالَ: وَمنى أَيْضا يُسمى الْبَلدة. قلت: فِي الْقُرْآن بِإِسْكَان اللَّام (إِنَّمَا أمرت أَن أعبد رب هَذِه الْبَلدة) وَلَا يعرف مَا قَالَ ثَابت إلَاّ أَن يكون لُغَة للْعَرَب أَيْضا بِفَتْح اللَّام. قَوْله: (أَلَيْسَ يَوْم النَّحْر) ؟ أَي: يَوْم ينْحَر فِيهِ الْأَضَاحِي فِي سَائِر الأقطار والهدايا بمنى. قَوْله: (قَالَ مُحَمَّد) هُوَ ابْن سِيرِين. قَوْله: (وَأَحْسبهُ) أَي: وأحسب ابْن أبي بكرَة قَالَ فِي حَدِيثه: (وَأَعْرَاضكُمْ) جمع عرض بِكَسْر الْعين وَهُوَ مَوضِع الْمَدْح والذم من الْإِنْسَان كالغيبة وَذَلِكَ كَالْقَتْلِ فِي الدِّمَاء وَالْغَصْب فِي الْأَمْوَال وَشبههَا فِي الْحُرْمَة بِالْيَوْمِ والشهر والبلد لأَنهم لَا يرَوْنَ اسْتِبَاحَة تِلْكَ الْأَشْيَاء وانتهاك حرمتهَا بِحَال، وَإِنَّمَا قدم السُّؤَال عَنْهَا تذكارا للْحُرْمَة. قَوْله: (ضلالا) بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام جمع ضال. قَوْله: (يضْرب) بِالرَّفْع والجزم. قَوْله: (ليبلغ) من التَّبْلِيغ. قَوْله: (من يبلغهُ) على صِيغَة الْمَعْلُوم ويروى على صِيغَة الْمَجْهُول وَهُوَ مضارع من التَّبْلِيغ. قَوْله: (فَلَعَلَّ) جعل لَعَلَّ بِمَعْنى عَسى فِي دُخُول أَن فِي خَبره. قَوْله: (أوعى) أَي: أحفظ. ويروى: أرعى من الرِّعَايَة. قيل: هُوَ الْأَشْبَه لِأَن الْمَقْصُود الرِّعَايَة لَهُ والامتثال بِهِ. قَوْله: (وَكَانَ مُحَمَّد) هُوَ ابْن سِيرِين أَيْضا. قَوْله: (إِذا ذكره) فِي رِوَايَة الْكشميهني: إِذا ذكر، بِدُونِ الضَّمِير الْمَنْصُوب قَوْله: (أَلا هَل بلغت) الْقَائِل هُوَ النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ بَقِيَّة الحَدِيث وَلَكِن الرَّاوِي فصل بَين قَوْله: (بعض من يسمعهُ) وَبَين قَوْله: (أَلا هَل بلغت) بِكَلَام ابْن سِيرِين الْمَذْكُور وَبَلغت مَذْكُور مرَّتَيْنِ. ٦ - (بَابُ: ﴿الأضْحَى وَالنَّحْرِ بِالمَصَلَّى﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَون الْأَضْحَى والنحر بالمصلى، وَهُوَ الْموضع الَّذِي يصلى فِيهِ صَلَاة الْعِيد وَالْمَقْصُود من هَذِه التَّرْجَمَة بَيَان السّنة فِي ذبح الإِمَام وَهُوَ أَن يذبح فِي الْمصلى لِئَلَّا يذبح أحد قبله ليذبحوا بعده بِيَقِين وليتعلموا أَيْضا صفة الذّبْح فَإِنَّهُ مِمَّا يحْتَاج فِيهِ إِلَى الْبَيَان وليبادروا أَيْضا بعد الصَّلَاة إِلَى الذّبْح كَمَا قَالَ ﷺ : (أول مَا نبدأ بِهِ أَن نصلي) ثمَّ ننصرف فَنحر. قَوْله: والنحر وَفِي بعض النّسخ: والمنحر بِالْمِيم فِي أول النَّحْر.

стр. 6350

٥٥٥١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ حدَّثنا خَالِدُ بنُ الحَارِثِ حدَّثنا عُبَيْدُ الله عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ الله يَنْحَرُ فِي المَنْحَرِ قَالَ: عُبَيْدُ الله يَعْنِي مَنْحَرَ النبيِّ ﷺ . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه لما كَانَ مَعْلُوما منحره ﷺ ، بالمصلى علم مِنْهُ التَّرْجَمَة بجزئيها وَمُحَمّد بن أبي بكر الْمقدمِي، بِفَتْح الدَّال الْمُشَدّدَة: نِسْبَة إِلَى أحد أجداده، وخَالِد بن الْحَارِث أَبُو عُثْمَان الهُجَيْمِي الْبَصْرِيّ، وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ عَن نَافِع مولى ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهَذَا مَوْقُوف وَلم ير مَالك هَذَا لغير الإِمَام. ٥٥٥٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ كَثِيرِ بنِ فَرْقَدٍ عَنْ نَافِعٍ أنَّ ابنَ عُمَرَ ﵄ أخْبَرَهُ. قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ ، يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالمُصَلَّى. هَذَا مَرْفُوع، رَوَاهُ عَن يحيى بن بكير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة عَن اللَّيْث بن سعد عَن كثير بالثاء الْمُثَلَّثَة بن فرقد بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْقَاف وبالدال الْمُهْملَة. ٧ - (بَابٌ: ﴿فِي أضْحِيَّةِ النبيِّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أقْرَنَيْنِ وَيُذْكَرُ سَمِينَيْنِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أضْحِية النَّبِي ﷺ ، بكبشين تَثْنِيَة كَبْش، وَهُوَ فَحل الضَّأْن فِي أَي سنّ كَانَ قَوْله: أقرنين أَي: صاحبا قرن يَعْنِي: لكل مِنْهُمَا قرنان. قَوْله: وَيذكر سمينين، يَعْنِي: كبشين، سمينين وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي أُمَامَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ ، خيرا لأضحى الْكَبْش، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت، وَفِيه الأقرن، وَفِيه اسْتِحْبَاب التَّضْحِيَة بالأقرن وَأَنه أفضل من الأجم مَعَ الِاتِّفَاق على جَوَاز تضحية الأجم، وَهُوَ الَّذِي لَا قرن لَهُ وَاخْتلفُوا فِي مكسور الْقرن وروى الْبَزَّار من حَدِيث أبي رَافع مولى رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ ، إِذا ضحى اشْترى كبشين سميتين أقرنين أملحين الحَدِيث. ﴿وَقَالَ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ: سَمِعْتُ أبَا أُُمَامَةَ بنَ سَهْلٍ قَالَ: كُنَّا نُسِّنُ الأضْحِيَّةَ بِالمَدِينَةِ وَكَانَ المُسْلِمُونَ يُسْمِّنُونَ﴾ يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَأَبُو أُمَامَة بِضَم الْهمزَة واسْمه أسعد الصَّحَابِيّ، وادّعى ابْن التِّين أَنه من كبار التَّابِعين، وَولد فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ ، وَلَيْسَ لَهُ حَدِيث قلت سَمَّاهُ رَسُول الله ﷺ ، وبرك عَلَيْهِ وَهُوَ أحد السِّتَّة من الصَّحَابَة مِمَّن يكنى بِأبي أُمَامَة، وتعليقه وَصله أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق أَحْمد بن حَنْبَل عَن عبَادَة ابْن الْعَوام أَخْبرنِي يحيى بن سعيد بِهِ وَقَالَ ابْن التِّين: كَانَ بعض الْمَالِكِيَّة يكره تسمين الْأُضْحِية لِئَلَّا يتشبه باليهود، وَقَول أبي أُمَامَة أَحَق قَالَه الدَّاودِيّ. ٥٥٥٣ - حدَّثنا آدَمُ بنُ إياسٍ حدَّثنا شَعْبَةُ حدَّثنا عَبْدِ العَزِيزِ بنُ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مَالِكٍ، ﵁، قَالَ: كَانَ النبيُّ ﷺ ، يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ وَأنا أضَحِّي بِكَبْشَيْنِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة والْحَدِيث من أَفْرَاده، وَفِيه أفضيلة الضَّأْن فِي الْأُضْحِية. ٥٥٥٤ - حدَّثنا قُتَيْبَةَ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا عَبْدُ الوَهَابِ عَنْ أيُّوبَ عَنْ أبِي قِلابَةَ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، انْكَفَأَ إلَى كَبْشَيْنِ أقْرَنَيْنِ أمْلَحَيْنِ فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ، وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ، وَأَبُو قلَابَة بِكَسْر الْقَاف عبد الله بن زيد الْجرْمِي. والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (انكفأ) أَي: انعطف وَمَال قَوْله: (أملحين) تَثْنِيَة أَمْلَح وَهُوَ الأغبر وَهُوَ الَّذِي فِيهِ سَواد وَبَيَاض وَعبارَة الْعين الملحة وَالْملح بَيَاض يشوبه شَيْء من سَواد وكبش أَمْلَح وعنب ملاحي لضرب مِنْهُ فِي حبه طول

стр. 6351

وَعبارَة الْجَوْهَرِي وَابْن فَارس الأملح الْأَبْيَض يخالط بياضه سَواد وَقد أَمْلَح الْكَبْش أملاحاً صَار أَمْلَح وَعبارَة ابْن الْأَعرَابِي أَنه التقى الْبيَاض وَقَالَ أَبُو عبيد الْكسَائي وَأَبُو زيد أَنه الَّذِي فِيهِ الْبيَاض والسواد وَيكون الْبيَاض أَكثر قَوْله فذبحهما بِيَدِهِ فِيهِ أَن ذبح الشَّخْص أضحيته بِيَدِهِ أفضل إِذا كَانَ يحسن الذّبْح. ﴿تابَعَهُ وُهَيْبٌ عنْ أَيُّوبَ﴾ أَي تَابع عبد الْوَهَّاب الْمَذْكُور عبد الْوَهَّاب الْمَذْكُور وهيب مصغر وهب ابْن خَالِد الْبَصْرِيّ فِي رِوَايَته عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن أبي قلَابَة عَن أنس وَأخرج الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذِه الْمُتَابَعَة من طَريقَة كَذَلِك كَذَا وَقع مُتَابعَة وهيب مقدما على قَوْله وَقَالَ إِسْمَاعِيل إِلَى آخِره فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر بِالْعَكْسِ. ﴿وَقَالَ إسماعِيلُ وحاتُم بنُ وَرْدان عنْ أَيُّوبَ عنِ ابنِ سِيرينَ عنْ أَنَسِ﴾ أَي قَالَ إِسْمَاعِيل بن علية إِلَى آخِره إِنَّمَا قَالَ هُنَا وَقَالَ إِسْمَاعِيل وَفِي رِوَايَة وهيب تَابعه لِأَن القَوْل إِنَّمَا يسْتَعْمل إِذا كَانَ على سَبِيل المذاكرة وَأما الْمُتَابَعَة فَهِيَ عِنْد النَّقْل والتحميل أما حَدِيث إِسْمَاعِيل فقد وَصله البُخَارِيّ بعد أَرْبَعَة أَبْوَاب فِي أثْنَاء حَدِيث وَأما حَدِيث حَاتِم بن وردان فوصله مُسلم كَذَا قَالَ بَعضهم وَلَيْسَ بِصَحِيح لِأَن مُسلما مَا ذكر حَدِيث حَاتِم بن وردان إِلَّا فِي بَاب من ذبح قبل الصَّلَاة نعم ذكر فِي بَاب الضحية بكبشين أملحين أقرنين من طَرِيق شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أنس قَالَ ضحى النَّبِي ﷺ بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بِيَدِهِ. ٥٥٥٥ - حدَّثنا عَمْرو بنُ خالدِ حدَّثنا اللَّيثُ عنْ يَزِيدَ عَنْ أَبي الخَيْرِ عنْ عُقْبَةَ بنِ عامِر ﵁ أَن النَّبيَّ أَعطاهُ غَنَماً يَقْسِمُها عَلى صَحابَتِه ضَحايا فبَقِيَ عَتُودٌ فَذَكَرَهُ للنبيَّ ﷺ فَقَالَ ضحِّ أنتَ بهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن عطاه النَّبِي ﷺ ضحاياه لأَصْحَابه كَأَنَّهُ ذبح عَنْهُم فيضاف نسبته إِلَيْهِ ﵇ وَعَمْرو بن خَالِد الْجَزرِي الْحَرَّانِي سكن مصر وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن أبي حبيب أَو رَجَاء الْمصْرِيّ وَأَبُو الْخَيْر مرْثَد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وبالدال الْمُهْملَة ابْن عبد الله الْيَزنِي بِالْيَاءِ أخر الْحُرُوف الْمصْرِيّ وَعقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ والْحَدِيث مر فِي أَو الْوكَالَة بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن وَفِي الشّركَة أَيْضا فِي بَاب قسْمَة الْغنم وَالْبدل فِيهَا عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن اللَّيْث إِلَى آخِره نَحوه قَوْله (غنما) يَشْمَل الضَّأْن والمعز قَوْله (على صحابته) ويروى (على أَصْحَابه) قيل الضَّمِير فِيهِ يحْتَمل أَن يكون عَائِدًا إِلَى النَّبِي ﷺ وَيحْتَمل أَن يكون عَائِدًا إِلَى عقبَة قلت الظَّاهِر أَنه عَائِد إِلَى النَّبِي ﷺ وَقيل يحْتَمل أَن يكون الْغنم ملكا للنَّبِي ﷺ وَأمر بقسمتها بَينهم شرعا وَيحْتَمل أَن يكون من الْفَيْء وَإِلَيْهِ مَال الْقُرْطُبِيّ حَيْثُ قَالَ فِي الحَدِيث أَن الإِمَام يَنْبَغِي لَهُ أَن يفرق الضَّحَايَا على من لَا يقدر عَلَيْهَا من بَيت مَال الْمُسلمين وَقَالَ ابْن بطال إِن كَانَ قسمتهَا بَين الْأَغْنِيَاء فَهِيَ من الْفَيْء وَإِن كَانَ خص بهَا الْفُقَرَاء فَهِيَ من الزَّكَاة قَوْله (فبقى عتود) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَضم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَهُوَ من أَوْلَاد الْمعز خَاصَّة وَهُوَ مَا رعى وَلم يبلغ سنة وَقيل العتود الْجذع من الْمعز قَالَ ابْن بطال وَهُوَ ابْن خَمْسَة أشهر وَنقل ابْن التِّين عَن أهل اللُّغَة أَن الصَّغِير من أَوْلَاد الْمعز إِذا قوى ورعى وأتى عَلَيْهِ حول فَهُوَ عتود واعتدة وعتدان وعودان على الأَصْل وَعبارَة الداودى أَنه الْجذع وَلَا يجوز الْجذع من الْمعز فِي الضَّحَايَا وَإِنَّمَا يجوز مِنْهَا الثنى وَهُوَ بعد دُخُوله فِي السّنة الثَّانِيَة فَالْحَدِيث خَاص لعبة لَا يجوز لغيره إِلَّا أَبَا بردة بن نيار الَّذِي رخص لَهُ الشَّارِع مثله دون غَيرهمَا وَجزم ابْن التِّين بِأَنَّهُ مَنْسُوخ بِحَدِيث أبي بردة قَالَ أَو يكون سنّ العتود فَوق الْجذع وَالله أعلم. قَوْله ضح بِهِ أَنْت ويروى ضح أَنْت بِهِ وَزَاد الْبَيْهَقِيّ فِي رِوَايَته من طَرِيق يحيى بن بكير عَن اللَّيْث وَلَا رخصَة لَا حِدة فِيهَا بعْدك. ٨ - ( ﴿بابُ قَول النبيِّ ﷺ لأَبى بُرْدَةَ ضَحِّ بالجَذْعِ مِنَ المَعَزِ وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أحَدِ بَعْدَكَ﴾ ) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول النَّبِي ﷺ لأبي بردة بن نيار وضح بالجذع قَالَ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ

стр. 6352

وَسلم لَهُ فِي حَدِيث الْبَاب الَّذِي أخرجه عَن الْبَراء بن عَازِب على مَا يَأْتِي الْآن وَقَالَ لَهُ أَيْضا وَلنْ تجزى عَن أحد بعْدك أَرَادَ بِهِ أَنه مَخْصُوص بذلك كَمَا ذكرنَا. ٥٥٥٦ - حدَّثنا مُسَدَّدُ حدَّثنا خالِدُ بنُ عبْدِ الله حدَّثنا مُطَرِّفٌ عنْ عامِرٍ عنِ البرَاءِ بنِ عازِبٍ ﵄ ضَحَّى خالٌ لِي يُقالُ لهُ أبُو بُرْدَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَقَالَ لهُ رسولُ الله ﷺ شاتُكَ شاةُ لَحْمٍ فَقَالَ يَا رسولَ الله إنَّ عِنْدِي داجِناً جَذَعَةً مِنَ المَعَزِ قَالَ اذْبَحْها وَلَنْ تَصْلُحَ لِغَيْرِكَ ثُمَّ قَالَ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فإِنَّما يَذْبَحُ لِنَفْسِهِ ومَنْ ذَبَحَ بعْدَ الصَّلَاةِ فقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ وَأصَاب سُنَّة المُسْلِمين. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة ومطرف بِضَم الْمِيم وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وبالفاء ابْن طريف الْحَارِثِيّ وعامر هُوَ الشّعبِيّ وَأخرج البُخَارِيّ حَدِيث الْبَراء هَذَا فِي مَوَاضِع كَثِيرَة فِي الْعِيدَيْنِ أَيْضا عَن آدم وَعَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَفِي الْعِيدَيْنِ وَفِي الْأَضَاحِي عَن بنْدَار عَن غندور وَفِي الْعِيدَيْنِ عَن أبي نعيم وَغَيرهمَا وَمضى الْكَلَام فِيهَا قَوْله فَقَالَ لَهُ أَبُو بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة واسْمه هانىء الْبلوى من حلفاء الْأَنْصَار وَشهد الْعقبَة وبدرا والمشاهد وعاش إِلَى سنة خمس وَأَرْبَعين وَله فِي البُخَارِيّ حَدِيث سَيَأْتِي فِي الْحُدُود قَوْله (شَاة لحم) أَي لسيت بأضحية بل هُوَ لحم ينْتَفع بِهِ كَمَا وَقع فِي رِوَايَة زبيد فَإِنَّمَا هُوَ لحم يقدمهُ لأَهله وَفِي رِوَايَة مُسلم قَالَ شَيْء عجلته لأهْلك قبل فِي إِضَافَة شَاة لحم أشكال لِأَنَّهَا لَيست من الْإِضَافَة اللفظية وَهِي إِضَافَة اسْم الْفَاعِل أَو الصّفة المشبهة إِلَى معمولها كضارب زيد وَحسن الْوَجْه وَلَا هِيَ من أَنْوَاع الْإِضَافَة المعنوية وَهِي الْإِضَافَة بِمَعْنى من كخاتم فضَّة وَبِمَعْنى اللَّام كغلام زيد وَبِمَعْنى فِي كمكر اللَّيْل واجيب بِأَن أَبَا بردة لما اعْتقد أَن شاته أضْحِية أجَاب ﷺ بقوله شَاة لحم مَوضِع شَاة غير أضْحِية قلت هَذَا جَوَاب غير مقنع لظُهُور الأشكال فِيهِ وبقائه أَيْضا وَيُمكن أَن يُقَال أَن الْإِضَافَة فِيهِ بِمَعْنى اللَّام التَّقْدِير شَاة وَاقعَة لأجل لحم ينْتَفع بِهِ لَا لأجل أضْحِية لوُقُوع ذَبحهَا فِي غير وَقتهَا قَوْله داجناً الدَّاجِن بِكَسْر الْجِيم الشَّاة الَّتِي تَالِف الْبيُوت وتستانس وَلَيْسَ لَهَا سنّ معِين قيل إِنَّمَا لم يدْخل التَّاء فِي دَاجِن لِأَن الشَّاة مِمَّا يفرق بَين جنسه وواحده بِالتَّاءِ فتانيثه وتذكيره يظْهر بِالْوَصْفِ ورد هَذَا بِأَن هَذَا التَّقْدِير لَا يَصح هُنَا لِأَن قَوْله جَذَعَة بِالنّصب عطف بَيَان للداجن وَهِي للمؤنث فَيلْزم أَن يكون مُذَكّر أَو مؤنثاً وَالْجَوَاب الموجه أَن يُقَال الدَّاجِن صَار اسْما لما يألف الْبيُوت واضمحل معنى الوصفية عَنهُ فَاسْتَوَى فِيهِ الْمُذكر والمؤنث. ﴿تابَعَهُ عُبَيْدَةُ عنِ الشَّعْبِيِّ وإبْراهِيمَ﴾ أَي تَابع مطرفاً عُبَيْدَة بِضَم الْعين وَفتح الْمُوَحدَة ابْن معتب بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق الْمُشَدّدَة الضبى فِي رِوَايَته عَن عَامر الشّعبِيّ عَن الْبَراء بن عَازِب بِهَذِهِ الْقِصَّة وَلَيْسَ لعبيدة فِي البُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْموضع الْوَاحِد قَوْله (وَإِبْرَاهِيم) أَي وَتَابعه أَيْضا عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن الْبَراء وَهُوَ مُنْقَطع لِأَن إِبْرَاهِيم لم يلق أحدا من الصَّحَابَة قَالَ ابْن الْمَدِينِيّ فَأدْخل على عَائِشَة وَهُوَ صبي وَلم يسمع مِنْهَا شَيْئا وَقَالَ أَبُو حَاتِم وَأدْركَ أنسا وَلم يسمع مِنْهُ وَكَانَ يحيى يَقُول مَرَاسِيل إِبْرَاهِيم أحب إِلَيّ من مَرَاسِيل الشّعبِيّ. ﴿وتابعَهُ وَكِيعٌ عَنْ حُرَيْثٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ﴾ أَي تَابع عُبَيْدَة فِي رِوَايَة عَن الشّعبِيّ وَكِيع عَن حُرَيْث مصغر الْحَرْث أَي الزَّرْع ابْن أبي مطر واسْمه عَمْرو الْأَسدي الْكُوفِي الحناط بالنُّون قَالَ ابْن معِين لَا شَيْء وَقَالَ أَبُو حَاتِم ضَعِيف الحَدِيث بَابه عُبَيْدَة الضَّبِّيّ وَعبد الْأَعْلَى الخزاز ونظرائهما وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث وَقَالَ البُخَارِيّ فِيهِ نظر وَاسْتشْهدَ بِهِ هَهُنَا وروى لَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو الشَّيْخ فِي كتاب الْأَضَاحِي من طَرِيق سهل بن عُثْمَان العسكري عَن وَكِيع عَن حُرَيْث عَن الشّعبِيّ عَن الْبَراء أَن خَاله سَأَلَهُ فَذكر الحَدِيث.

стр. 6353

﴿وَقَالَ عاصمٌ وَدَاوُدُ عنِ الشعْبيِّ عِنْدِي عَناقُ لَبَنٍ﴾ أَي قَالَ عَاصِم بن سُلَيْمَان الْأَحول وَدَاوُد بن أبي هِنْد عَن عَامر الشّعبِيّ فِي رِوَايَته عَن الْبَراء عنَاق لبن العناق بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون الْأُنْثَى من ولد الْمعز وَقَالَ ابْن بطال العناق من الْمعز ابْن خَمْسَة أشهر أَو نَحْوهَا وَقَالَ الْكرْمَانِي العناق من أَوْلَاد الْمعز ذَات سنة أَو قريب مِنْهَا وأضيف إِلَى اللَّبن إِشَارَة إِلَى صغرها قريبَة من الرَّضَاع وَقَالَ الدَّاودِيّ العناق هِيَ الَّتِي اسْتحقَّت أَن تحمل وَأَنَّهَا تطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى وَأَنه بَين بقوله لبن أَنَّهَا أُنْثَى وَقَالَ ابْن التِّين غلط فِي نقل اللُّغَة وَفِي تَأْوِيل الحَدِيث فَإِن معنى عنَاق لبن أَنَّهَا صَغِيرَة ترْضع أمهَا أما تَعْلِيق عَاصِم فقد وَصله مُسلم حَدثنِي أَحْمد بن سعيد بن صَخْر الدَّارمِيّ حدَّثنا أَبُو النُّعْمَان عَارِم بن الْفضل حدَّثنا عبد الْوَاحِد يعْنى ابْن زِيَاد حدَّثنا عَاصِم الْأَحول عَن الشّعبِيّ عَن الْبَراء بن عَازِب قَالَ حدَّثنا رَسُول الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم فِي يَوْم النَّحْر وَقَالَ لَا يضحين أحد حَتَّى يصلى قَالَ رجل عِنْدِي عنَاق لبن هِيَ خير من شاتي لحم قَالَ فَضَح بهَا وَلَا تجزى جَذَعَة عَن أحد بعْدك وَأما تَعْلِيق دَاوُد فقد وَصله مُسلم أَيْضا حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى حدَّثنا ابْن أبي عدي عَن دَاوُد عَن الشّعبِيّ عَن الْبَراء بن عَازِب قَالَ خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ يَوْم النَّحْر فَقَالَ لَا يذبحن أحد حَتَّى يصلى فقد خَالِي يَا رَسُول الله أَن هَذَا يَوْم النَّحْر فِيهِ مَكْرُوه وَأَنِّي عجلت نسيكتي لأطعم أَهلِي وجيراني وَأهل دَاري فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أعد نسكا فَقَالَ يَا رَسُول الله أَن عِنْدِي عنَاق لبن هِيَ خير من شاتي لحم فَقَالَ هِيَ خير نسيكتك وَلَا تجزى جَذَعَة عَن أحد بعْدك. ﴿وَقَالَ زُبَيْدٌ وفِرَاسٌ عنِ الشَّعْبِيِّ عِنْدِي جَذَعَةٌ﴾ زبيد بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة ابْن الْحَارِث اليامى بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَالْمِيم وفراس بِكَسْر الْفَاء وَتَخْفِيف الرَّاء وبالسين الْمُهْملَة ابْن يحيى الْكُوفِي أما تَعْلِيق زبيد فقد وَصله البُخَارِيّ فِي أول الْأَضَاحِي كَذَلِك وَأما تَعْلِيق فراس فوصله البُخَارِيّ أَيْضا فِي بَاب من ذبح قبل الصَّلَاة أعَاد. ﴿وَقَالَ أَبُو الأحْوَصِ حدَّثنا مَنْصُورٌ عَناقٌ جَذَعَةٌ﴾ أَبُو الْأَحْوَص سَلام بن سليم الْحَنَفِيّ الْكُوفِي وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر قَوْله (عنَاق) بِالتَّنْوِينِ وَكَذَلِكَ جَذَعَة بِالتَّنْوِينِ عطف بَيَان وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ عَن مَنْصُور عَن الشّعبِيّ عَن الْبَراء فِي الْعِيدَيْنِ. ﴿وَقَالَ ابنُ عَوْن عَناقٌ جَذَعٌ عَناقُ لَبَنٍ﴾ ابْن عون هُوَ عبد الله بن رطبان الْبَصْرِيّ قَوْله عنَاق جذع عنَاق لبن يَعْنِي أَن فِي رِوَايَة ابْن عون عَن الشّعبِيّ عَن الْبَراء باللفظين جَمِيعًا وعناق جذع صفة مَوْصُوف وعناق لبن مُضَاف ومضاف إِلَيْهِ وَوَصله البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور من طَرِيق معَاذ بن معَاذ باللفط الْمَذْكُور وَقيل قَالَ عنَاق تَارَة وجذعة تَارَة وَجمع بَينهمَا تَارَة وَأجِيب لَا مُنَافَاة بَينهمَا إِذْ المرار بالجذعة مَا هُوَ من الْمعز والعناق أَيْضا ولد الْمعز وَيشْتَرط فيهمَا عدم بلوغهما إِلَى حد النزوان وَقيل أَيْضا قَالَ مرّة جذع مُذَكّر وَتارَة جَذَعَة مؤنث وَأجِيب بِأَن الْجَذعَة للواحدة أَو أرد بالجذع الْجِنْس. ٥٥٥٧ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرِ حَدثنَا شُعْبةُ عنْ سَلمَة عنْ أَبي جُحيَفَةً عنِ البرَاءِ قَالَ ذَبَحَ أَبُو بُرْدَةَ قَبْلَ الصَّلَاة فَقَالَ لَهُ النبيُّ ﷺ أبْدِلْها قَالَ لَيْسَ عِنْدِي إلَاّ جَذَعَةٌ قَالَ شُعْبَةُ وأحْسِبُهُ قَالَ هِيَ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ قَالَ اجْعلْها مَكانَها ولَنْ تَجْزِيَ عنْ أحدٍ بَعْدَكَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَسَلَمَة بِفتْحَتَيْنِ هُوَ ابْن كهيل مصغر كهل الْحَضْرَمِيّ الْكُوفِي وَأَبُو جُحَيْفَة مصغر حجفة بِالْجِيم والحاء الْمُهْملَة وَالْفَاء اسْمه وهب بن عبد الله السوَائِي الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور يرْوى عَن الْبَراء بن عَازِب والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الضَّحَايَا عَن بنْدَار وَهُوَ مُحَمَّد بن بشار شيخ البُخَارِيّ وَغير قَوْله أَبُو بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن نيار الَّذِي تقدم ذكره قَوْله (ابدلها) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة أَمر من الابدال يعْنى اذْبَحْ مَكَانهَا أُخْرَى قَوْله واحسبه

стр. 6354

أَي احسب أَبَا بردة قَالَ هِيَ الْجَذعَة خير من مُسِنَّة يعْنى من مُسِنَّة بَالِغَة والخيرية بِحَسب السّمن والنفاسة قَوْله قَالَ اجْعَلْهَا مَكَانهَا أَي قَالَ النَّبِي ﷺ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم اجْعَل هَذِه الْجَذعَة مَكَان المسنة وَهَذَا أَيْضا مَخْصُوص بِهِ فَلهَذَا قَالَ وَلنْ تجزى عَن أحد بعْدك وَالَّذين ذَهَبُوا إِلَى وجوب الْأُضْحِية احْتَجُّوا بقوله أبدلها لِأَنَّهُ أَمر بالابدال فَلَو لم تكن وَاجِبَة لما أَمر بالابدال وَهُوَ الْعِوَض ووردت أَحَادِيث كَثِيرَة تدل على الْوُجُوب مِنْهَا مَا رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة عَن ابْن عون عَن أبي رَملَة حَدثنَا محفف من سليم قَالَ كُنَّا وقوفاً مَعَ رَسُول الله ﷺ بِعَرَفَات فَقَالَ (يَا أَيهَا النَّاس على كل أهل بَيت فِي كل عَام أضحاة وعتيرة) الحَدِيث قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن غَرِيب فَإِن قلت قَالَ عبد الْحق إِسْنَاده ضَعِيف وَقَالَ ابْن الْقطَّان وعلته الْجَهْل بِحَال أبي رَملَة واسْمه عَامر فَلَا يعرف إِلَّا بِهَذَا يرْوى عَنهُ ابْن عون قلت تَحْسِين التِّرْمِذِيّ إِيَّاه يكفى للاستدلال بِهِ على الْوُجُوب ومحفف بن سليم بن الْحَارِث الْأَزْدِيّ الغامدي روى هَذَا الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ وَذكره أَبُو نعيم فِي تَارِيخ اصبهان أَن عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ اسْتَعْملهُ على أَصْبَهَان وَنزل الْكُوفَة وَأَبُو رَملَة ذكره أَبُو دَاوُد مُصَرحًا باسمه عَامر قَوْله (وَأَن تجزى) بِفَتْح أَوله غير مَهْمُوز أَي أَن تقضى يُقَال جزى فلَان عني كَذَا أَي قضى وَمِنْه (لَا تجزى نفس عَن نفس شَيْئا) أَي لَا تقضى عَنْهَا وَقَالَ ابْن بَرى الْفُقَهَاء يَقُولُونَ لَا تجزىء بِالضَّمِّ والهمزة فِي مَوضِع لَا تقضى وَالصَّوَاب بِالْفَتْح وَترك الْهمزَة وَقَالَ لَكِن يجوز الضَّم والهمزة بِمَعْنى الْكِفَايَة يُقَال أَجْزَأَ عَنْك وَقَالَ صَاحب الأساس بَنو تَمِيم يَقُولُونَ الْبَدنَة تجزى عَن سَبْعَة بِضَم أَوله وَأهل الْحجاز وتجزى بِفَتْح أَوله وَبِهِمَا قرىء (لَا تجزى نفس عَن نفس شَيْئا) وَفِي هَذَا رد على من نقل الِاتِّفَاق على منع ضم أَوله. ﴿وَقَالَ حاتِمُ بنُ ورْدَانَ عنْ أيُّوبَ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ أَنَسٍ عنِ النبيِّ ﷺ : وَقَالَ عَناقٌ جَذَعَةٌ﴾ حَاتِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وانتاء الْمُثَنَّاة من فَوق الْمَكْسُورَة ابْن وردان أَبُو صَالح الْبَصْرِيّ وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَهَذَا التَّعْلِيق أخرجه مُسلم حَدثنِي زِيَاد بن يحيى الحساني حَدثنَا حَاتِم يَعْنِي ابْن وردان حَدثنَا أَيُّوب عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أنس بن مَالك قَالَ خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ يَوْم أضحى قَالَ فَوجدَ ريح لحم فنهاهم أَن يذبحوا قَالَ من كَانَ ضحى فليعد ثمَّ قَالَ يمثل حَدِيثهمَا يعْنى رِوَايَة اسماعيل بن علية عَن أَيُّوب وَرِوَايَة هِشَام عَن مُحَمَّد بن سِيرِين قَوْله عنَاق جَذَعَة بِالتَّنْوِينِ فيهمَا وجذعة عطف بَيَان لعناق. ٩ - ( ﴿بابُ مَنْ ذَبَحَ الأضاحِيَّ بِيَدِهِ﴾ ) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان من ذبح الْأَضَاحِي بِيَدِهِ كَيفَ حكمه هَل يشْتَرط ذبح أضحيته بِيَدِهِ أم لَا أَن هُوَ الأولى وَقد اتَّفقُوا على جَوَاز التَّوْكِيل فِيهَا فَلَا يشْتَرط الذّبْح بِيَدِهِ لَكِن جَاءَت رِوَايَة عَن الْمَالِكِيَّة بِعَدَمِ الْأَجْزَاء عِنْد الْقُدْرَة وَعند أَكْثَرهم يكره لَكِن يسْتَحبّ أَن يشهدها وَيكرهُ أَن يَسْتَنِيب حَائِضًا أَو صَبيا أَو كتابياً. ٥٥٥٨ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبِي إياسِ حَدثنَا شُعْبَةِ حَدثنَا قَتادَةُ عنْ أنَسٍ قَالَ ضَحَّى النبيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أمْلَحَيْنِ فَرَأْيْتُهُ واضِعاً قَدَمَهُ على صِفاحِهِما يُسَمِّى ويْكَبِّرُ فَذَبَحَهُما بِيَدِهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة والْحَدِيث رَوَاهُ مُسلم أَيْضا فِي الذَّبَائِح عَن يحيى بن يحيى وَغَيره وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود وَغَيره وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَضَاحِي عَن نصر بن عَليّ وَغَيره قَوْله على صفاحهما الصفاح جمع صفحة وصفحة كل شَيْء جَانِبه وَقيل الذَّابِح لَا يضع رجله إِلَّا على صفحته فَلم قَالَ على صفاحهما وَأجِيب لَعَلَّه على مَذْهَب من قَالَ إِن أقل الْجمع اثْنَان كَقَوْلِه تَعَالَى فقد صغت قُلُوبكُمَا فَكَأَنَّهُ قَالَ صفحتيهما وَإِضَافَة الْمثنى إِلَى الْمثنى تفِيد التَّوْزِيع فَكَانَ مَعْنَاهُ وضع رجله على صفحة كل مِنْهُمَا وَالْحكمَة فِيهِ التَّقْوَى على الاظهار عَلَيْهَا وَيكون أسْرع لموتها وَلَيْسَ ذَلِك من تعذيبها المنهى عَنهُ إِذْ لَا يقدر على ذَبحهَا إِلَّا بتعافها وَقَالَ ابْن الْقَاسِم الصَّوَاب إِن يضجعها على شقها الْأَيْسَر وعَلى ذَلِك مضى عمل الْمُسلمين

стр. 6355

فَإِن جهل فأضجعها على الشق الآخر لم يحرم أكلهَا. قَوْله: (يُسمى حَال) ، وَكَذَا قَوْله: (وَاضِعا) وَفِيه التَّسْمِيَة وَالتَّكْبِير وَذبح الْأُضْحِية بِيَدِهِ إِن كَانَ يحسن ذَلِك فالتكبير مَعَ التَّسْمِيَة مُسْتَحبّ وَكَذَا وضع الرجل على صفحة عنق الْأُضْحِية الْأَيْمن وَأما التَّسْمِيَة فَهِيَ شَرط وَقد مر بحثها. ١٠ - (بَابُ: ﴿مَنْ ذَبَحَ أُضْحِيَةَ غَيْرِهِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من ذبح أضْحِية غَيره يَعْنِي: بِإِذْنِهِ، وَوضع هَذِه التَّرْجَمَة إِشَارَة إِلَى أَن التَّرْجَمَة الَّتِي قبلهَا للاشتراط. ﴿وَأعانَ رَجُلٌ ابنَ عُمَرَ فِي بَدَنَتِهِ﴾ يَعْنِي: أَعَانَهُ عِنْد ذبحه قيل: لَا يُطَابق هَذَا الْأَثر التَّرْجَمَة لِأَنَّهُ لَا يلْزم من إِعَانَة الرجل إِذا ذبح أضحيته أَن يكون ذابح أضْحِية غَيره لِأَن حَقِيقَة ذبح الرجل أضْحِية غَيره أَن يكون هُوَ الذَّابِح بِنَفسِهِ وإلَاّ فَالَّذِي يُعينهُ فِي مسكها وَنَحْوه لَا يُسمى ذابحا وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار قَالَ: رَأَيْت ابْن عمر ينْحَر بَدَنَة بمنى وَهِي باركة معقولة وَرجل يمسك بِحَبل فِي رَأسهَا وَابْن عمر يطعن، وَأجِيب بِأَن الِاسْتِعَانَة إِذا كَانَت مَشْرُوعَة التحقت بهَا الِاسْتِنَابَة. قلت: وَفِيه تَأمل وَنظر. ﴿وَأمَرَ أبُو مُوسَى بَناتِهِ أنْ يُضَحِّينَ بِأيْدِيهِنَّ﴾ لَا مُطَابقَة لهَذِهِ التَّرْجَمَة بل بَينهمَا مباينة. وَكَانَ مَحَله فِي الْبَاب الَّذِي قبله على مَا لَا يخفى. وَأَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ وَوصل هَذَا التَّعْلِيق الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من طَرِيق الْمسيب بن رَافع أَن أَبَا مُوسَى كَانَ يَأْمر بَنَاته أَن يذبحن نسائكهن بأيديهن، وَسَنَده صَحِيح وَفِيه: أَن ذبح النِّسَاء نسائكهن يجوز إِذا كن يحسنَّ الذّبْح. ٥٥٥٩ - ح دَّثنا قُتَيْبَةُ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ القاسِمِ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂. قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ ، بِسَرِفَ وَأنا أبْكِي فَقَالَ: مَالَك ﴿أنَفِسْت؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: هاذا أمْرٌ كَتَبَهُ الله عَلَى بَنَاتِ آدَمَ اقْضِي مَا يَقْضِي الحَاجُّ غَيْرَ أنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ، وَضَحَّى رَسُولُ الله ﷺ ، عَنْ نِسَائِهِ بِالبَقَرْ. لَيْسَ فِيهِ مُطَابقَة تَامَّة للتَّرْجَمَة فَإِن تعسف فِيهِ فَيُؤْخَذ من قَوْله: (وضحى رَسُول الله ﷺ عَن نِسَائِهِ بالبقر) لأَنهم قَالُوا: إِنَّه ﵇، ضحى عَن نِسَائِهِ بإذنهن. والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي بَاب: الْأُضْحِية للْمُسَافِر وَالنِّسَاء، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن سُفْيَان، وَهنا عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن سُفْيَان إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (اقضي) ، لَا يُرَاد بِهِ الْقَضَاء الاصطلاحي بل الْقَضَاء اللّغَوِيّ الَّذِي هُوَ معنى الْأَدَاء. ١١ - (بَابُ: ﴿الذَّبْحِ بَعْدَ الصَّلاةِ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وَقت ذبح الْأُضْحِية بعد صَلَاة الْعِيد. ٥٥٦٠ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ المِنْهالِ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ أخْبَرَنِي زُبَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ عَنِ البَرَاءِ، ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ ، يَخْطُبُ فَقَالَ: أوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ مِنْ يَوْمِنا هاذا أنْ نُصَلِيَ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَر فَمَنْ فعلَ هاذا فَقَدْ أصَابَ سُنَّتَنا، وَمَنْ نَحَرَ فَإنَّما هُوَ لَحْمٌ يُقَدِّمُهُ لأهْلِهِ لَيْسَ مِنْ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ فَقَالَ أبُو بُرْدَةَ: يَا رَسُولَ الله﴾ ذَبَحْتُ قَبْلَ أنْ أُصَلِيّ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ، فَقَالَ: اجْعَلْها مَكَانَهَا وَلَنْ تَجْرِي أوْ تُوفِيَ عَنْ أحَدٍ بَعْدِكَ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَن نصلي ثمَّ نرْجِع فننحر) وزبيد بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن الْحَارِث اليامي، وَالشعْبِيّ عَامر والْحَدِيث مضى فِي أول كتاب الْأُضْحِية وَمضى الْكَلَام. فِيهِ قَوْله: (أَو توفّي) ، شكّ من الرَّاوِي، من التوفية أَو من الإيقاء أَي: لن تُعْطِي حق التَّضْحِيَة عَن أحد بعْدك أَو لن تكمل ثَوَابه.

стр. 6356

١٢ - (بَابُ: ﴿مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ أعادَ﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن من ذبح نُسكه قبل صَلَاة الْعِيد أَعَادَهُ. ٥٥٦١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ أيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أنَسٍ عَنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصلاةَ فَلْيُعِدْ. فَقَالَ رَجُلٌ: هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ وَذَكَرَ هَنَةً مِنْ جِيرَانِهِ فَكأن النبيَّ ﷺ ، عَذَرَهُ، وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْنِ، فَرَخَّصَ لهُ النبيُّ ﷺ ، فَلا أدْرِي بَلَغَتِ الرُّخْصَةُ أمْ لَا، ثُمَّ انْكَفَأَ إلَى كَبْشَيْنِ، يَعْنِي: فَذَبَحَهُمَا ثُمَّ انْكَفَأَ النَّاسُ إلَى غُنَيْمَهِ فَذَبَحُوها. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَالْأسود بن قيس الْعَبْدي، وجندب بِضَم الْجِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال وَضمّهَا ابْن عبد الله بن سُفْيَان البَجلِيّ بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالْجِيم. والْحَدِيث مضى فِي الْعِيدَيْنِ فِي: بَاب كَلَام الإِمَام وَالنَّاس فِي خطْبَة الْعِيد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسلم عَن شُعْبَة عِنْد الْأسود عَن جُنْدُب إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَمضى عَن قريب أَيْضا فِي الذَّبَائِح فِي: بَاب قَول النَّبِي ﷺ : (فليذبح على اسْم الله) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن قُتَيْبَة عَن أبي عوَانَة عَن الْأسود عَن جُنْدُب إِلَى آخِره. قَوْله: (وَمن لم يذبح) ، أَي: قبل الصَّلَاة (فليذبح) بعد الصَّلَاة وَاحْتج بِهِ من يرى وجوب الْأُضْحِية. ٥٥٦٣ - حدَّثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عَنْ فِرَاسٍ عَنْ عَامِرٍ عَنْ البَرَاءِ قَالَ صَلَّى ﷺ ، ذَاتَ يَوْمٍ. فَقَالَ: مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا فَلا يَذْبَحْ حَتَّى نَنْصَرِفَ، فَقَامَ أبُو بُرْدَةَ بنُ نِيارٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! فَعَلْتُ. فَقَالَ: هُوَ شَيْءٌ عَجَّلْتَهُ. قَالَ: فَإنَّ عِنْدِي جَذَعَةً هِيَ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّتَيْنِ آذْبَحُها؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ لَا نَجْزِي عَنْ أحَدٍ بَعْدَكَ قَالَ عَامِرٌ: هِيَ خَيْرُ نَسِيكَتِهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَلَا يذبح حَتَّى ننصرف) وَمن قَوْله: (هِيَ شَيْء عجلته) ، لِأَن مَعْنَاهُ: لَا يقوم ذَلِك عَن الْأُضْحِية فَلَا بُد من إِعَادَتهَا. وَأَبُو عوَانَة الوضاح، وفراس بِكَسْر الْفَاء وَتَخْفِيف الرَّاء وبالسين الْمُهْملَة ابْن يحيى، وعامر هُوَ الشّعبِيّ ومباحث حَدِيث الْبَراء قد تقدّمت على تكراره. قَوْله: (من صلى صَلَاتنَا واستقبل قبلتنا) مَعْنَاهُ: من كَانَ على دين الْإِسْلَام. قَوْله: (حَتَّى ننصرف) أَي: نَحن أَو ينْصَرف، أَي: هُوَ وَالْمعْنَى إِذا انْصَرف من الصَّلَاة ذبح بعْدهَا. قَوْله: (فعلت) بِضَم التَّاء أَي: فعلت الذّبْح

стр. 6357

قبل الصَّلَاة. قَوْله: (عجلته) من التَّعْجِيل أَي: قَدمته لأهْلك. قَوْله: (مُسنَّتَيْنِ) تَثْنِيَة مُسِنَّة. قَالَ الدَّاودِيّ: هِيَ الَّتِي أسقطت أسنانها للبدل، قَالَ الْجَوْهَرِي: يكون ذَاك فِي الظلْف والحافر فِي السّنة الثَّالِثَة وَفِي الْخُف فِي السَّادِسَة. قَوْله: (آذبحها) همزَة الِاسْتِفْهَام فِيهِ مقدرَة أَي: أأذبحها؟ قَالَ: ﷺ : (نعم أذبحها) . قَوْله: (قَالَ عَامر) هُوَ الشّعبِيّ: (هِيَ خير نسيكته) أَي: الْجَذعَة الموصوفة خير ذَبِيحَة. قيل: اسْم التَّفْضِيل يَقْتَضِي الشّركَة والذبيحة الأولى لم تكن نسيكة. (وَأجِيب) أَنه وَإِن وَقعت لحم شَاة لَهُ فِيهَا ثَوَاب لكَونه قَاصِدا جيران الْجِيرَان، وَهِي أَيْضا عبَادَة، أَو صورتهَا كَانَت صُورَة النسيكة. وَفِي الحَدِيث إِن من ذبح قبل الصَّلَاة فَعَلَيهِ الْإِعَادَة بِالْإِجْمَاع لِأَنَّهُ ذبح قبل وقته، وَاخْتلفُوا فِيمَن ذبح بعد الصَّلَاة وَقبل ذبح الإِمَام فَذهب أَبُو حنيفَة الثَّوْريّ، وَاللَّيْث إِلَى أَنه يجوز. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ: لَا يجوز لأحد أَن يذبح قبل الإِمَام. أَي: مِقْدَار الصَّلَاة وَالْخطْبَة وَاخْتلفُوا فِي ذبح أهل الْبَادِيَة، فَقَالَ عَطاء: يذبح أهل الْقرى بعد طُلُوع الشَّمْس، وَقَالَ الشَّافِعِي: وَقتهَا كَمَا فِي الْحَاضِرَة مِقْدَار رَكْعَتَيْنِ وخطبتين، وَبِه قَالَ أَحْمد، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: من ذبح من أهل السوَاد بعد طُلُوع الْفجْر أَجزَأَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِم صَلَاة الْعِيد، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَإِسْحَاق. ٥٥٦٣ - حدَّثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عَنْ فِرَاسٍ عَنْ عَامِرٍ عَنْ البَرَاءِ قَالَ صَلَّى ﷺ ، ذَاتَ يَوْمٍ. فَقَالَ: مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا فَلا يَذْبَحْ حَتَّى نَنْصَرِفَ، فَقَامَ أبُو بُرْدَةَ بنُ نِيارٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! فَعَلْتُ. فَقَالَ: هُوَ شَيْءٌ عَجَّلْتَهُ. قَالَ: فَإنَّ عِنْدِي جَذَعَةً هِيَ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّتَيْنِ آذْبَحُها؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ لَا نَجْزِي عَنْ أحَدٍ بَعْدَكَ قَالَ عَامِرٌ: هِيَ خَيْرُ نَسِيكَتِهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَمَا يحرم عَلَيْهِ) ، إِلَى آخِره أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى. يُقَال لَهُ: مرْدَوَيْه السمسار الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد. والْحَدِيث مضى فِي الْحَج فِي: بَاب تَقْلِيد الْغنم فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بأخصر مِنْهُ عَن أبي نعيم عَن زَكَرِيَّا عَن عَامر عَن مَسْرُوق عَن عَائِشَة وَقد مضى أَيْضا عَن عمْرَة عَن عَائِشَة، وَعَن الْقَاسِم عَن عَائِشَة وَعَن

стр. 6358

الْأسود عَن عَائِشَة الْكل فِي الْحَج، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مَبْسُوطا. قو لَهُ: (أَن تقلد) على صِيغَة الْمَجْهُول من التَّقْلِيد وَهُوَ أَن يعلق فِي عُنُقهَا شَيْء ليعلم أَنَّهَا هدي قَوْله: (بدنته) هِيَ نَاقَة تنحر بِمَكَّة. قَوْله: (قَالَ: فَسمِعت) أَي: قَالَ مَسْرُوق: فَسمِعت (تصفيقها) أى: تصفيق عَائِشَة وَهُوَ ضرب إِحْدَى الْيَدَيْنِ على الْأُخْرَى ليسمع لَهَا صَوت، وَإِنَّمَا صفقت عَائِشَة إِمَّا تَعَجبا من ذَلِك، وَأما تأسفا على وُقُوع ذَلِك. وَفِي هَذَا الحَدِيث رد على من قَالَ: إِن من بعث بهدية إِلَى الْحرم لزمَه الْإِحْرَام إِذا قَلّدهُ ويجتنب مَا يجتنبه الْحَاج حَتَّى ينْحَر هَدْيه، وَرُوِيَ هَذَا عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عَمْرو بِهِ قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح وأئمة الْفَتْوَى على خِلَافه. وَقَالَ ابْن بطال: هَذَا الحَدِيث يرد مَا رُوِيَ عَن أم سَلمَة عَن رَسُول الله ﷺ ، أَنه قَالَ: من رأى مِنْكُم هِلَال ذِي الْحجَّة وَأَرَادَ أَن يُضحي فَلَا يَأْخُذ من شعره وأظفاره حَتَّى يُضحي رَوَاهُ مُسلم فِي (صَحِيحه) مَرْفُوعا، وَبِه قَالَ سعيد بن الْمسيب وَأحمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ اللَّيْث: قد جَاءَ هَذَا الحَدِيث وَأكْثر النَّاس على خِلَافه، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: حَدِيث عَائِشَة أحسن مجيئا من حَدِيث أم سَلمَة لِأَنَّهُ قد جَاءَ مجيئا متواترا وَحَدِيث أم سَلمَة قد طعن فِي إِسْنَاده، فَقيل: إِنَّه مَوْقُوف على أم سَلمَة وَلم يرفعهُ وَفِي (التَّوْضِيح) ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي وَأَبُو ثَوْر وَأهل الظَّاهِر، فَمن دخل عَلَيْهِ عشر ذِي الْحجَّة وَأَرَادَ أَن يُضحي فَلَا يمس من شعره وَلَا من أَظْفَاره شَيْئا. وَنقل ابْن الْمُنْذر عَن مَالك وَالشَّافِعِيّ أَنَّهُمَا كَانَا يرخصان فِي أَخذ الشّعْر والأظفار لمن أَرَادَ أَن يُضحي مَا لم يحرم غير أَنَّهُمَا يستحبان الْوُقُوف عَن ذَلِك عِنْد دُخُول الْعشْر إِذا أَرَادَ أَن يُضحي، وَرَأى الشَّافِعِي أَن أَمر رَسُول الله ﷺ ، أَمر اخْتِيَار. ١٦ - (بَابُ: ﴿مَا يُؤْكَلُ مِنْ لُحُومِ الأضَاحِي وَمَا يُتَزَوَّدُ مِنْها﴾ ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يجوز أكله من لُحُوم الْأَضَاحِي من غير تَقْيِيد بِثلث أَو نصف كَذَا، قَالَه بَعضهم: قلت: يتَنَاوَل أَيْضا جَوَاز أكلهَا فِي ثَلَاثَة أَيَّام وَأكْثر، فعلى كل حَال هُوَ مُبْهَم توضح إبهامه أَحَادِيث الْبَاب، فَحَدِيث جَابر يدل على جَوَاز التزود مِنْهَا للْمُسَافِر فَيدل على جَوَاز الْأكل فِي أَكثر من ثَلَاثَة أَيَّام، وَحَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع يدل أَولا على عدم الْجَوَاز بعد الثَّلَاث وآخرا يدل على الْجَوَاز أَكثر من ذَلِك لعِلَّة ذكرهَا. وَحَدِيث عَائِشَة ﵂ يدل على الرُّخْصَة فِي ذَلِك أَكثر من ذَلِك وَأثر عَليّ بن أبي طَالب يدل على عدم الْجَوَاز فِي أَكثر من ثَلَاثَة أَيَّام، وَيَأْتِي الْجَواب عَنهُ. قَوْله: (وَمَا يتزود مِنْهَا) أَي: وَفِي بَيَان جَوَاز مَا يتزود مِنْهَا للسَّفر. ٥٥٦٧ - ح دَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ: عَمْرٌ و: أخْبَرَنِي عَطاءٌ سَمِعَ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله ﵄، قَالَ: كُنَّا نَتَزَوَّدُ لُحُومَ الأضَاحِي عَلَى عَهْدِ النَّبِي ﷺ ، إلَى المَدِينَةِ. وَقَالَ غَيْر مَرَّةٍ لُحُومَ الهَدْي. مطابقته للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعلي بن عبد الله بن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح. والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد عَن عَليّ بن عبد الله أَيْضا. قَوْله: (على عهد النَّبِي ﷺ أَي: على زَمَانه، وَقد علم أَن قَول الصَّحَابِيّ: كُنَّا نَفْعل على عهد النَّبِي ﷺ ، فِي حكم الْمَرْفُوع. قَوْله: (وَقَالَ غير مرّة) أَي: قَالَ سُفْيَان غير مرّة، وَابْن الْمَدِينِيّ كَانَ يَقُول: قَالَ سُفْيَان مرّة لُحُوم الْأَضَاحِي، ومرارا يَقُول: لحم الْهَدْي، وَوَقع هُنَا عَن الْكشميهني وَقَالَ غَيره يَعْنِي: غير سُفْيَان وَهُوَ غير صَحِيح، وَالصَّحِيح أَن قَائِله هُوَ سُفْيَان يَحْكِي عَنهُ عَليّ بن عبد الله بن الْمَدِينِيّ. ٥٥٦٨ - ح دَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني سُلَيْمَانُ عَنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عَنِ القَاسِمِ أنَّ ابنَ خَبَّابٍ أخْبَرَهُ أنَّهُ سَمِعَ أبَا سَعِيدٍ يُحَدِّثُ أنَّهُ كَانَ غَائِبا، فَقَدِمَ فَقُدِّمَ إلَيْهِ لَحْمٌ قَالُوا: هاذا مِنْ لَحْمِ ضَحَايَانا، فَقَالَ: أخْروه لَا أذُوقُهُ، قَالَ: ثُمَّ قُمْتُ فَخَرَجْتُ حَتَّى آتِيَ أخِي أبَا قَتَادَةَ وَكَانَ أخَاهُ لأُمِّهِ وَكَانَ بَدْرِيا فَذَكَرْتُ ذالِكَ لَهُ فَقَالَ: إنَّهُ قَدْ حَدَثَ بَعْدَكَ أمْرٌ.

стр. 6359

مطابقته للجزء الأول للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال، وَيحيى بن سعيد هُوَ الْأنْصَارِيّ وَالقَاسِم هوابن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَابْن خباب هُوَ عبد الله بن خباب الْأنْصَارِيّ التَّابِعِيّ، وخباب بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى ابْن الأرث الصَّحَابِيّ، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ اسْمه سعد بن مَالك. والأسناد كُله مدنيون. وَفِيه ثَلَاثَة من التَّابِعين على نسق: يحيى وَالقَاسِم وَشَيْخه، وَفِيه صحابيان أَبُو سعيد وَقَتَادَة بن النُّعْمَان الظفري بِفَتْح الظَّاء الْمُعْجَمَة وَالْفَاء. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَأحمد والطَّحَاوِي، وَلَفظه أَن أَبَا سعيد أَتَى أَهله فَوجدَ عِنْدهم قَصْعَة ثريد وَلحم من لحم الْأَضْحَى، فَأبى أَن يَأْكُلهُ، فَأتى قَتَادَة بن النُّعْمَان أَخَاهُ فحدثه أَن رَسُول الله ﷺ ، عَام الْحَج قَالَ: (إِنِّي كنت نَهَيْتُكُمْ أَن لَا تَأْكُلُوا لُحُوم الْأَضَاحِي فَوق ثَلَاثَة أَيَّام وَإِنِّي أحله لكم، فَكُلُوا مِنْهُ مَا شِئْتُم) . قَوْله: (فَقدم) ، بِفَتْح الْقَاف وَكسر الدَّال أَي: فَقدم من سَفَره. قَوْله: (فَقدم) ، بِضَم الْقَاف وَكسر الدَّال الْمُشَدّدَة من التَّقْدِيم. قَوْله: (حَتَّى آتِي أخي أَبَا قَتَادَة) ، قَالَ أَبُو عَليّ: كَذَا وَقع فِي نُسْخَة أبي مُحَمَّد والقابسي من رِوَايَة أبي زيد وَأبي أَحْمد، وَالصَّوَاب: حَتَّى آتِي أخي قَتَادَة. وَفِي رِوَايَة اللَّيْث: فَانْطَلق إِلَى أَخِيه لأمه قَتَادَة بن النُّعْمَان، وَأم أبي سعيد وَقَتَادَة أنيسَة بنت أبي خَارِجَة عَمْرو بن قيس بن مَالك من بني عدي بن النجار. قَوْله: (وَكَانَ بَدْرِيًّا) ، أَي: مِمَّن حضر غَزْوَة بدر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (فَقَالَ أبي قَتَادَة: إِنَّه حدث بعْدك أَمر) ، أَي: أَمر نَاقض لما كَانُوا ينهون من أكل لُحُوم الْأَضَاحِي بعد ثَلَاثَة أَيَّام، وَقد أخرجه أَحْمد من رِوَايَة مُحَمَّد بن إِسْحَاق قَالَ: حَدثنِي أبي وَمُحَمّد بن عَليّ بن حُسَيْن عَن عبد الله بن خباب مطولا وَلَفظه: عَن أبي سعيد كَانَ رَسُول الله ﷺ ، قد نَهَانَا أَن نَأْكُل لُحُوم نسكنا فَوق ثَلَاث قَالَ: فَخرجت فِي سفر ثمَّ قدمت على أَهلِي، وَذَلِكَ بعد الْأَضْحَى بأيام فأتتني صَاحِبَتي بسلق قد جعلت فِيهِ قديدا. فَقَالَت: هَذَا من ضحايانا. فَقلت لَهَا: أَو لم ينهنا؟ قَالَت: إِنَّه قد رخص للنَّاس بعد ذَلِك، فَلم أصدقهَا حَتَّى بعثت إِلَى أخي قَتَادَة بن النُّعْمَان فَذكره، وَفِيه: قد أرخص رَسُول الله ﷺ ، للْمُسلمين فِي ذَلِك، وَمثله مَا ذَكرْنَاهُ عَن النَّسَائِيّ والطَّحَاوِي. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي هَذَا الْبَاب فَذهب قوم إِلَى تَحْرِيم لُحُوم الْأَضَاحِي بعد ثَلَاث، وهم: عبد الله بن وَاقد بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب وَجَمَاعَة من الظَّاهِرِيَّة، وَاحْتَجُّوا فِيهِ بِمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث عبد الله بن عمر عَن النَّبِي ﷺ ، أَنه قَالَ: لَا يَأْكُل أحدكُم من لحم أضحيته فَوق ثَلَاثَة أَيَّام، وبأحاديث أخر وَردت فِيهِ، وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ فَلم يرَوا بأكلها وادخارها بَأْسا وهم جَمَاهِير الْعلمَاء وفقهاء الْأَمْصَار مِنْهُم الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وأصحابهم، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، وبأحاديث أخر، وَقَالَ ابْن التِّين: اخْتلف فِي النَّهْي الْوَارِد فِيهِ، فَقيل: على التَّحْرِيم ثمَّ طَرَأَ النّسخ بإباحته، وَقيل: للكراهة، فَيحْتَمل نسخهَا وَعَدَمه، وَيحْتَمل أَن يكون الْمَنْع من الإدخار ثَبت لعِلَّة وارتفع لعدمها، يُوضحهُ قَوْله: وَكَانَ بِالنَّاسِ ذَلِك الْعَام جهد. ٥٥٦٩ - حدَّثنا أبُو عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بنِ أبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلا يُصْبِحنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَفِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَمَّا كَانَ العَامُ المُقْبِلُ قَالُوا يَا رَسُولَ الله: نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنا العامَ المَاضِي؟ قَالَ: كُلُوا وَأطْعِمُوا وَادْخِرُوا فَإنَّ ذَلِكَ العامَ كانَ بالناسِ جَهْدٌ فَأرَدْتُ أنْ تُعِينُوا فِيها. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو عَاصِم الضَّحَّاك الملقب بالنبيل بِفَتْح النُّون وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن أبي عبيد. وَهَذَا هُوَ الثَّامِن عشر من ثلاثيات البُخَارِيّ. قَوْله: (فَلَا يصبحن من الإصباح) ، قَوْله: (بعد ثَالِثَة) ، أَي: لَيْلَة ثَالِثَة من وَقت التَّضْحِيَة. قَوْله: (وَفِي بَيته) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (وَادخرُوا) بِالدَّال الْمُهْملَة الْمُشَدّدَة لِأَن أَصْلهَا اذتخروا من ذخر بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة اجْتمع مَعَ تَاء الافتعال وقلبت التَّاء دَالا فَصَارَ إِذْ دخروا. ثمَّ قلبت الذَّال دَالا وأدغمت الدَّال فِي الذَّال فَصَارَ: ادخروا. قَوْله: (جهد) ، أَي: مُشْتَقَّة يُقَال: جهد عيشهم أَي: نكد وَاشْتَدَّ وَبلغ غَايَة الْمَشَقَّة فَفِي الحَدِيث دلَالَة على أَن تَحْرِيم ادخار لحم الْأَضَاحِي كَانَ لعِلَّة، فَلَمَّا زَالَت الْعلَّة زَالَ التَّحْرِيم. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: فَهَل يجب الْأكل من لَحمهَا لظَاهِر الْأَمر وَهُوَ قَوْله: كلوا قلت:

стр. 6360

ظَاهره حَقِيقَة فِي الْوُجُوب إِذا لم تكن قرينَة صارفة عَنهُ، وَكَانَ ثمَّة قرينَة على أَنه لرفع الْحُرْمَة أَي: للْإِبَاحَة ثمَّ إِن الْأُصُولِيِّينَ اخْتلفُوا فِي الْأَمر الْوَارِد بعد الْحَظْر. أهوَ للْوُجُوب أم للْإِبَاحَة، وَلَئِن سلمنَا أَنه الْوُجُوب حَقِيقَة فالإجماع هُنَا مَانع من الْحمل عَلَيْهَا. قَوْله: (فَأَرَدْت أَن تعينُوا فِيهَا) ، من الْإِعَانَة وَفِي رِوَايَة مُسلم، فَأَرَدْت أَن تفشوا فيهم، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: فَأَرَدْت أَن تقسموا فيهم. كلوا واطعموا وَادخرُوا. قَالَ عِيَاض الضَّمِير فِي تعينُوا فِيهَا للْمَشَقَّة المفهومة من الْجهد أَو من الشدَّة. أَو من السّنة لِأَنَّهَا سَبَب الْجهد وَفِي تفشوا فيهم أَي: فِي النَّاس المحتاجين إِلَيْهَا قَالَ فِي (الْمَشَارِق) وَرِوَايَة البُخَارِيّ أوجه وَقَالَ فِي (شرح مُسلم) رِوَايَة مُسلم أشبه، وَقَالَ بَعضهم: قد عرفت أَن مخرج الحَدِيث وَاحِد ومداره على أبي عَاصِم، وَأَنه قَالَ: تَارَة هَذَا وَتارَة قَالَ: هَذَا، وَالْمعْنَى: فِي الْكل صَحِيح فَلَا وَجه للترجيح. قلت: لَا وَجه لنفي التَّرْجِيح فَكل من لَهُ أدنى ذوق يفهم أَن رِوَايَة مُسلم أرجح فَمن دقق النّظر عرف ذَلِك. ٥٥٧٠ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ: حدَّثني أخِي عَنْ سُلَيْمَان عَنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عَنْ عمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ قَالَتِ: الضَّحِيَّةُ كُنَّا نُمَلِّحُ مِنْهَا فَنَقْدَمُ بِهِ إلَى النبيِّ ﷺ ، بِالمَدِينَةِ فَقَالَ: لَا تَأْكُلُوا إلَاّ ثَلاثَةَ أيَّامٍ وَلَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ وَلاكِنْ أرَادَ أنْ يُطْعِمَ مِنْهُ وَالله أعْلَمُ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَلَيْسَت بعريمة) إِلَى آخِره، وَإِسْمَاعِيل بن عبد الله هُوَ ابْن أبي أويس، وَأَبُو أويس اسْمه عبد الله وَأَخُوهُ أَبُو بكر عبد الحميد، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال، وَيحيى بن سعيد هُوَ الْأنْصَارِيّ والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (الضحية) ، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَكسر الْحَاء. قَوْله: (مِنْهَا) ، رَوَاهُ الْكشميهني، أَي: من الضحية. وَفِي رِوَايَة غَيره. مِنْهُ أَي: من لحم الضحية. قَوْله: (فنقدم) بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْقَاف من الْقدوم، وَفِي رِوَايَة: فنقدم، بِضَم النُّون وَفتح الْقَاف وَتَشْديد الدَّال من التَّقْدِيم، أَي نضع بَين يَدَيْهِ قيل هَذَا أوجه. قَوْله: (لَا تَأْكُلُوا) أَي: مِنْهُ، هَذَا صَرِيح فِي النَّهْي عَنهُ. فَإِن قلت: وَقع فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من طَرِيق عَابس بن ربيعَة عَن عَائِشَة أَنَّهَا سُئِلت: أَكَانَ رَسُول الله ﷺ ، نهى عَن لُحُوم الْأَضَاحِي؟ فَقَالَت: لَا وَبَين الرِّوَايَتَيْنِ مُنَافَاة. قلت: لَا مُنَافَاة لِأَنَّهَا نفت نهي التَّحْرِيم لَا مُطلق النَّهْي، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي هَذِه الرِّوَايَة: (وَلَيْسَت بعزيمة وَلَكِن أَرَادَ أَن نطعم مِنْهُ) بِضَم النُّون وَسُكُون الطَّاء أَي: نطعم مِنْهُ غَيرنَا وَمعنى قَوْله: (لَيست بعزيمة) أَي: لَيْسَ النَّهْي للتَّحْرِيم وَلَا ترك الْأكل بعد الثَّلَاثَة وَاجِبا، بل كَانَ غَرَضه أَن يصرف مِنْهُ إِلَى النَّاس. وَاخْتلفُوا فِي هَذَا النَّهْي، فَقَالَ قوم: هُوَ مَنْسُوخ من بَاب نسخ السّنة بِالسنةِ، وَقَالَ آخَرُونَ كَانَ النَّهْي للكراهة لَا للتَّحْرِيم وَالْكَرَاهَة بَاقِيَة إِلَى الْيَوْم، وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ التَّحْرِيم لعِلَّة فَلَمَّا زَالَت تِلْكَ الْعلَّة زَالَ الحكم وَجَاء فِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث عبد الله بن وَاقد. قَالَ: نهى رَسُول الله ﷺ ، عَن أكل لُحُوم الْأَضَاحِي بعد ثَلَاث، إِلَى أَن قَالُوا: نهيت أَن تُؤْكَل لُحُوم الضَّحَايَا بعد ثَلَاث. فَقَالَ: إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ من أجل الدأفة الَّتِي دفت فَكُلُوا وَادخرُوا وتصدقوا. وَقَالَ الْخطابِيّ: الدُّف بِالدَّال الْمُهْملَة وبالفاء الثَّقِيلَة السّير السَّرِيع، والدافة من يطْرَأ من المحتاجين. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الدافة قوم من الْأَعْرَاب يُرِيدُونَ الْمصر يُرِيد أَنهم قوم قدمُوا الْمَدِينَة عيد الْأَضْحَى فنهاهم عَن إدخار لُحُوم الْأَضَاحِي ليفرقوها ويتصدقوا بهَا فينتفع هَؤُلَاءِ القادمون بهَا. فَإِن قلت: قَوْله، ﵊: كلوا يدل على إِيجَاب الْأكل مِنْهَا. قلت: قَالَ الطَّبَرِيّ، ﵀. هُوَ أَمر بِمَعْنى الْإِطْلَاق وَالْإِذْن للآكل لَا بِمَعْنى الايجاب، وَلَا خلاف بَين سلف الْأَئِمَّة وَخَلفهَا فِي عدم الْحَرج على المضحي بترك الْأكل من أضحيته، وَلَا إِثْم، فَدلَّ ذَلِك على أَن الْأَمر بِمَعْنى الْإِذْن وَالْإِطْلَاق، وَقَالَ ابْن التِّين: لم يخْتَلف الْمَذْهَب أَن الْأكل غير وَاجِب، خلاف مَا ذكره القَاضِي أَبُو مُحَمَّد عَن بعض النَّاس أَنه وَاجِب، وَقَالَ ابْن حزم: فرض على كل مضح أَن يَأْكُل من أضحيته وَلَو لقْمَة فَصَاعِدا. ٥٥٧١ - حدَّثنا حِبَّانُ بنُ مُوسَى أخْبَرَنا عَبْدُ الله. قَالَ: أخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حدَّثني

стр. 6361

أبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى ابنِ أزْهَرَ: أنَّهُ شَهِدَ العِيدَ يَوْمَ الأضْحَى مَعَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابَ ﵁ فَصَلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ. فَقَالَ: يَا أيُّهَا النَّاسُ ﴿إنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَدْ نَهَاكُمْ عَنْ صِيَامِ هاذَيْنِ العِيدَيْنِ أمَّا أحَدْهُما فَيَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَأمَّا الآخَرُ فَيَوْمٌ تَأْكُلُونَ نُسُكَكُمْ. ٥٥٧٢ - حدَّثنا قَالَ أبُو عُبَيْدٍ: ثُمَّ شَهِدْتُ مَعَ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ فَكَانَ ذالِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَصَلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: يَا أيُّها النَّاسُ﴾ إنَّ هاذا يَوْمٌ قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِيهِ عِيدَانِ، فَمَنْ أحَبَّ أنْ يَنْتَظِرَ الجُمُعَةَ مِنْ أهْلِ العَوَالِي فَلْيَنْظِرْ وَمَنْ أحَبَّ أنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أذِنْتُ لَهُ. قَالَ أبُو عُبَيْدٍ: ثُمَّ شَهِدْتُهُ مَعَ عَلِيِّ بنِ أبِي طَالِبٍ فَصَلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ ثُمَّ خَطَبَ النًّاسَ فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، نَهَاكُمْ أنْ تَأْكُلُوا لُحُومَ نُسُكَكُمْ فَوْقَ ثلاثٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي أثر عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي آخر الحَدِيث، وَذَلِكَ لِأَن التَّرْجَمَة قَوْله: بَاب مَا يُؤْكَل من لُحُوم الْأَضَاحِي، وَهُوَ يَشْمَل مَا يُؤْكَل مِنْهَا فِي ثَلَاثَة أَيَّام وَمَا يُؤْكَل فِي أَكثر من ذَلِك وَلَكِن فِي أثر على بَين أَنه لَا يجوز فَوق ثَلَاثَة أَيَّام كَمَا ذكرنَا فِي أول الْبَاب. وحبان بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مُوسَى أَبُو مُحَمَّد السّلمِيّ الْمروزِي وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم، وَأَبُو عبيد بِضَم الْعين وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة واسْمه سعد بن عبيد مولى عبد الرَّحْمَن بن أَزْهَر بن عَوْف بن أخي عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وينسب أَيْضا إِلَى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف قَالَ يحيى بن بكير: مَاتَ سنة ثَمَان وَتِسْعين. قَوْله: (نسككم) بِضَمَّتَيْنِ. أَي: أُضْحِيَتكُم. قَوْله: (قَالَ أَبُو عبيد) ، هُوَ مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور. قَوْله: (ثمَّ شهِدت مَعَ عُثْمَان) ، أَي: ثمَّ شهِدت الْعِيد مَعَ عُثْمَان، وَكَذَا فِي بعض النّسخ: لفظ الْعِيد مَذْكُور، وَلكنه لم يبين أَي: عيد. قَالَ بَعضهم: وَالظَّاهِر أَنه عيد الْأَضْحَى الَّذِي قدمه فِي حَدِيثه عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَتكون اللَاّم فِيهِ للْعهد. قلت: يحْتَمل أحد الْعِيدَيْنِ وَلَا سِيمَا فِي الرِّوَايَة الَّتِي لم يذكر فِيهَا لفظ الْعِيد. قَوْله: (فَكَانَ ذَلِك) ، أَي: فَكَانَ يَوْم الْعِيد ذَاك يَوْم الْجُمُعَة. قَوْله: (فِيهِ عيدَان) ، يَعْنِي: عيد الْجُمُعَة وَيَوْم الْعِيد حَقِيقَة وسمى يَوْم الْجُمُعَة عيدا لِأَنَّهُ زمَان اجْتِمَاع الْمُسلمين فِي يَوْم عَظِيم لإِظْهَار شَعَائِر الشَّرِيعَة كَيَوْم الْعِيد وَالْإِطْلَاق على سَبِيل التَّشْبِيه. قَوْله: (من أهل العوالي) وَهُوَ جمع الْعَالِيَة وَهِي قرى بِقرب الْمَدِينَة من جِهَة الشرق، وأقربها من الْمَدِينَة على أَرْبَعَة أَمْيَال أَو ثَلَاثَة، وأبعدها ثَمَانِيَة. قَوْله: (فلينتظر) أَي: فليتأخر إِلَى أَن يُصَلِّي الْجُمُعَة. قَوْله: (أَن يرجع) ، أَي: إِلَى منزله (فقد أَذِنت لَهُ) بِالرُّجُوعِ، وَبِه اسْتدلَّ أَحْمد على سُقُوط الْجُمُعَة على من صلى الْعِيد إِذا وَافق الْعِيد يَوْم الْجُمُعَة، وَبِه قَالَ مَالك مرّة: وَأجِيب بِأَنَّهُم إِنَّمَا كَانُوا يأْتونَ الْعِيد وَالْجُمُعَة من مَوَاضِع لَا يجب عَلَيْهِم الْمَجِيء فَأخْبر بِمَا لَهُم فِي ذَلِك. قَوْله: (ثمَّ شهِدت مَعَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) أَي: ثمَّ شهِدت الْعِيد مَعَ عَليّ، وَالْمرَاد بِهِ عيد الْأَضْحَى لدلَالَة السِّيَاق عَلَيْهِ، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي عبيد أَنه سمع عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: يَوْم الْأَضْحَى. قَوْله: (فَوق ثَلَاث) ، زَاد عبد الرَّزَّاق فِي رِوَايَته، فَلَا تَأْكُلُوهَا بعْدهَا. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: اخْتلف فِي أول الثَّلَاث الَّتِي كَانَ الإدخار فِيهَا جَائِزا فَقيل: أَولهَا يَوْم النَّحْر فَمن ضحى فِيهِ جَازَ لَهُ أَن يمسك يَوْمَيْنِ بعده وَمن ضحى بعده أمسك مَا بَقِي لَهُ من الثَّلَاثَة، وَقيل: أَولهَا يَوْم يُضحي فِيهِ فَلَو ضحى فِي آخر أَيَّام النَّحْر جَازَ لَهُ أَن يمسك ثَلَاثًا بعْدهَا وَيحْتَمل أَن يُؤْخَذ من قَوْله فَوق ثَلَاث أَن لَا يحْسب الْيَوْم الَّذِي يَقع فِيهِ النَّحْر من الثَّلَاث وَتعْتَبر اللَّيْلَة الَّتِي تليه وَمَا بعْدهَا. وَالْجَوَاب عَن أثر عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه مَحْمُول على أَن السّنة الَّتِي خطب فِيهَا عَليّ كَانَ بِالنَّاسِ فِيهَا جهد كَمَا وَقع فِي عهد النَّبِي ﷺ ، وَبِذَلِك أجَاب ابْن حزم فَقَالَ: إِنَّمَا خطب عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِالْمَدِينَةِ فِي الْوَقْت الَّذِي كَانَ عُثْمَان حوصر فِيهِ وَكَانَ أهل الْبَوَادِي قد ألجأتهم الْفِتْنَة إِلَى الْمَدِينَة فَأَصَابَهُمْ الْجهد، فَلذَلِك قَالَ عَليّ مَا قَالَ، وَيُؤَيّد صِحَة هَذَا أَن الطَّحَاوِيّ أخرج من طَرِيق اللَّيْث

стр. 6362

عَن عقيل عَن الزُّهْرِيّ فِي هَذَا الحَدِيث، وَلَفظه: صليت مَعَ عَليّ الْعِيد وَعُثْمَان مَحْصُور، وَعَن الشَّافِعِي: لَعَلَّ عليا لم يبلغهُ النّسخ وَالنَّهْي عَن إمْسَاك لُحُوم الْأَضَاحِي بعد ثَلَاث مَنْسُوخ فِي كل حَال، وَقَالَ أَبُو عمر: لَا خلاف فِيمَا عَلمته بَين الْعلمَاء فِي إجَازَة أكل لُحُوم الْأَضَاحِي بعد ثَلَاث، وَإِن النَّهْي عَن ذَلِك مَنْسُوخ. وَأخرج الطَّحَاوِيّ أَحَادِيث النّسخ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. مِنْهُم: عَليّ بن أبي طَالب. قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي دَاوُد حَدثنَا أَبُو معمر قَالَ: حَدثنَا عبد الْوَارِث قَالَ: حَدثنِي عَليّ ابْن زيد قَالَ: حَدثنِي النَّابِغَة بن مُخَارق بن سليم قَالَ: حَدثنِي أبي أَن عَليّ بن أبي طَالب. قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِنِّي كنت نَهَيْتُكُمْ عَن لُحُوم الْأَضَاحِي أَن تؤخروها فَوق ثَلَاثَة أَيَّام فادخروها مَا بدا لكم) . وَأخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث ربيعَة بن النَّابِغَة عَن أَبِيه عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن رَسُول الله ﷺ ، نهى عَن زِيَارَة الْقُبُور الحَدِيث، وَفِي آخِره: نَهَيْتُكُمْ عَن لُحُوم الْأَضَاحِي أَن تحبسوها بعد ثَلَاث فاحبسوا مَا بدا لكم قَالَ الذَّهَبِيّ: ربيعَة بن النَّابِغَة عَن أَبِيه عَن عَليّ فِي الْأُضْحِية لم يَصح، وَقَالَ ابْن حبَان: ربيعَة روى عَن أَبِيه عَن عَليّ، وعداده فِي أهل الْكُوفَة وَهُوَ ثِقَة، ثمَّ وفْق الطَّحَاوِيّ بَين الرِّوَايَتَيْنِ المتنافيتين بِمَا ذَكرْنَاهُ الْآن بقولنَا وَالْجَوَاب عَن أثر عَليّ، ﵁. ﴿وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أبِي عُبَيح ٦ نَحْوَهُ﴾ هَذَا ظَاهره أَنه مَعْطُوف على السَّنَد الْمَذْكُور، فَيكون من رِوَايَة حبَان بن مُوسَى عَن ابْن الْمُبَارك عَن معمر بن رَاشد، وَيحْتَمل أَن يكون مُعَلّقا رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي (الْأُم) فَقَالَ: حَدثنَا الثِّقَة عَن معمر فَذكره. قَوْله: (نَحوه) ، أَي: نَحْو مَا روى عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ قَوْله: نهاكم أَن تَأْكُلُوا لُحُوم نسككم فَوق ثَلَاث. ٥٥٧٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ سَعْدٍ عَنْ ابنِ أخِي ابنِ شِهابٍ عَنْ عَمِّهِ ابنِ شهابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ ﵄: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : كُلُوا مِنَ الأضَاحِيِّ ثَلاث. وَكَانَ عَبْدُ الله يَأْكُلُ بِالزَّيْتِ حِينَ يَنْفِرُ مِنْ مِنًى مِنْ أجْلِ لُحُومِ الْهَدْيِ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهَا تشمله كَمَا ذكرنَا فِي أول الْبَاب. وَمُحَمّد بن عبد الرَّحِيم أَبُو يحيى كَانَ يُقَال لَهُ: صَاعِقَة، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَابْن أخي ابْن شهَاب مُحَمَّد بن عبد الله بن مُسلم يروي عَن عَمه ابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه عبد الله بن عمر ﵃. والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (ثَلَاثًا) ، أَي: ثَلَاثَة أَيَّام. قَوْله: (وَكَانَ عبد الله يَأْكُل بالزيت) ، أَي: يَأْكُل الْخبز بالزيت حَتَّى يرجع من منى احْتِرَازًا عَن أكل لُحُوم الْهدى، قيل: الْهدى أخص من الْأُضْحِية فَلَا يلْزم مِنْهُ أَنه كَانَ محترزا من لُحُوم الضَّحَايَا. وَأجِيب: بِأَن ذكر الْهدى لمناسبة النَّفر من منى. قَوْله: (حِين ينفر) ، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده: حَتَّى ينفر بدل حِين وَهُوَ تَصْحِيف لِأَنَّهُ مُفسد الْمَعْنى لِأَن ابْن عمر كَانَ لَا يَأْكُل من لحم الْأُضْحِية بعد ثَلَاثَة. فَكَانَ إِذا انْقَضتْ ثَلَاثَة منى إيتدم بالزيت وَلَا يَأْكُل اللَّحْم تمسكا بِالْأَمر الْمَذْكُور، وعَلى رِوَايَة الْكشميهني ينعكس الْأَمر ويعير الْمَعْنى: كَانَ يَأْكُل الزَّيْت إِلَى أَن ينفر، فَإِذا نفر أكل الزَّيْت فَيدْخل فِيهِ لحم الْأُضْحِية وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁، لم يبلغ النَّهْي عليا وَلَا عبد الله بن وَاقد وَلَو بلغهما مَا حَدثا بِالنَّهْي، وَالنَّهْي مَنْسُوخ، بِكُل حَال، وَالله أعلم. ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمانِ الرَّحِيم﴾ ٧٤ - ( ﴿كِتابُ الأشْرِبَةِ﴾ ) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الْأَشْرِبَة مَا يحرم من ذَلِك وَمَا يُبَاح، وَهِي جمع شراب وَهُوَ إسم لما يشرب وَلَيْسَ بمصدر لِأَن الْمصدر: هُوَ الشّرْب بِتَثْلِيث الشين يُقَال: شرب المَاء وَغَيره شربا وشربا. وقرىء (فشاربون شرب الهيم) بالوجوه الثَّلَاثَة قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الشّرْب بِالْفَتْح مصدر، وبالخفض وَالضَّم إسمان من شرب.

стр. 6363

وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿إنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسَرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وَقَول الله بِالْجَرِّ عطف على الْأَشْرِبَة المجرورة بِالْإِضَافَة، وَالْآيَة بِتَمَامِهَا مَذْكُورَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر إِلَى قَوْله: (رِجْس) الْآيَة. وَأول الْآيَة: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر﴾ (الْمَائِدَة: ٩٠) الْآيَة وَذكر البُخَارِيّ هَذِه الْآيَة تمهيدا لما يذكرهُ من الْأَحَادِيث الَّتِي وَردت فِي الْخمر، وَقد ذَكرنَاهَا فِي سُورَة الْمَائِدَة، وَسبب نُزُولهَا مَا قَالَ الإِمَام أَحْمد: حَدثنَا خلف بن الْوَلِيد حَدثنَا إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي ميسرَة عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ: لما نزل تَحْرِيم الْخمر، قَالَ: اللَّهُمَّ بيِّن لنا فِي الْخمر بَيَانا شافيا فَنزلت هَذِه الْآيَة الَّتِي فِي الْبَقَرَة: ﴿يَسْأَلُونَك عَن الْخمر وَالْميسر قل فيهمَا إِثْم كَبِير﴾ (الْبَقَرَة: ١٢٩) فدعي عمر فقرئت عَلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ بيّن لنا فِي الْخمر بَيَانا شافيا. فَنزلت الْآيَة الَّتِي فِي النِّسَاء: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى﴾ (النِّسَاء: ٤٣) فَكَانَ مُنَادِي رَسُول الله ﷺ ، إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة يُنَادي أَن لَا يقرب الصَّلَاة سَكرَان فدعى عمر فقرئت عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بيِّن لنا فِي الْخمر بَيَانا شافيا فَنزلت الَّتِي فِي الْمَائِدَة فدعي عمر فقرئت عَلَيْهِ فَلَمَّا بلغ: ﴿فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ﴾ (الْمَائِدَة: ٦١) قَالَ عمر: انتهينا انتهينا، وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من طرق عَن إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق، وَصحح هَذَا الحَدِيث التِّرْمِذِيّ وَعلي بن الْمَدِينِيّ. قَوْله: (الْخمر) ، اخْتلف أهل اللُّغَة فِي اشتقاق اسْم الْخمر على أَلْفَاظ قريبَة الْمعَانِي، فَقيل: سميت خمرًا لِأَنَّهَا تخمر الْعقل أَي: تغطيه وتستره، وَمِنْه خمار الْمَرْأَة لِأَنَّهُ يُغطي رَأسهَا وَقيل: مُشْتَقَّة من المخامرة. وَهِي المخالطة لِأَنَّهَا تخالط الْعقل، وَقيل: سميت خمرًا لِأَنَّهَا تركت حَتَّى أدْركْت يُقَال: خمر الْعَجِين أَي: بلغ إِدْرَاكه، وَقيل: سميت خمرًا لتغطيتها الدِّمَاغ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: هِيَ مُؤَنّثَة وَقد ذكر ذَلِك الْفراء، وَأنْشد قَول الْأَعْشَى: (وَكَانَ الْخمر الْعَتِيق من الإسف ... ط ممزوجة مَاء زلال) وَذكرهَا حَيْثُ قَالَ: الْعَتِيق لإِرَادَة الشَّرَاب، وَلها أَسمَاء كَثِيرَة وَذكر صَاحب (التَّلْوِيح) مَا يناهز تسعين اسْما، وَذكر ابْن المعتز مائَة وَعشْرين اسْما وَذكر ابْن دحْيَة مائَة وَتِسْعين أسما قَوْله: (وَالْميسر) الغمار، وَعَن عَطاء وَمُجاهد وطاووس كل شَيْء من الْقمَار فَهُوَ الميسر حَتَّى لعب الصّبيان بالجوز، وَقَالَ رَاشد بن سعيد وَحَمْزَة بن حبيب: حَتَّى الكعاب والجوز وَالْبيض الَّتِي يلْعَب بهَا الصّبيان وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الميسر الْقمَار مصدر من يسر كالموعد والمرجع من فعلهمَا، يُقَال: يسرته إِذا قمرته واشتقاقه من الْيُسْر لِأَنَّهُ أَخذ مَال الرجل بيسر ومهولة من غير تَعب وَلَا كد أَو من الْيَسَار لِأَنَّهُ يسلب يسَاره. قَوْله: (والأنصاب) ، جمع نصب بِضَم الصَّاد وسكونها وَهُوَ حجر كَانُوا ينصبونه فِي الْجَاهِلِيَّة ويتخذونه صنما فيعبدونه. وَقيل: كَانُوا ينصبونه ويذبحون عَلَيْهِ فيحمر بِالدَّمِ. قَوْله: (والأزلام) جمع زلم وَهُوَ بِفَتْح الزَّاي، وَهِي عبارَة عَن قداح ثَلَاثَة على أَحدهَا: أَمرنِي رَبِّي، وعَلى الآخر: نهاني رَبِّي، وَالثَّالِث: عطل لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء فَإِذا خرج الْأَمر فعله، وَإِذا خرج الناهي تَركه، وَإِن طلع الفارغ أعَاد الاستقسام، وَقيل: نعتت الْخمر بِأَنَّهَا رِجْسٌ أَي: نَجِسَة وقذرة وَلَا عين تُوصَف بذلك إلَاّ وَهِي مُحرمَة يدل على ذَلِك الْميتَة وَالدَّم، والرجس قد ورد فِي كتاب الله وَالْمرَاد بِهِ الْكفْر. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فزادتهم رجسا إِلَى رجسهم﴾ (التَّوْبَة: ١٢٥) يَعْنِي: الْكفْر، وَلَا يَصح أَن يكون الرجس الْمَذْكُور فِي آيَة الْخمر يُرَاد بِهِ الْكفْر لِأَن الْأَعْيَان لَا يَصح أَن تكون أيمانا وَلَا كفر أَو لِأَن الْخمر لَو كَانَت كفرا لوَجَبَ أَن يكون الْعصير أيمانا لِأَن الْكفْر وَالْإِيمَان طريقهما الِاعْتِقَاد وَالْقَوْل، وَإِنَّمَا أطلق عَلَيْهَا الرجس لكَونهَا أقوى فِي التَّحْرِيم وأوكد عِنْد الْعلمَاء، وَقد مر فِي التَّفْسِير بأبسط من هَذَا. ٥٥٧٥ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخْبَرَنا مَالِكٌ عَنْ نِافَعٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ ﵄. أنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتِبْ مِنْها حُرِمَها فِي الآخِرَةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَشْرِبَة أَيْضا عَن القعني وَيحيى بن يحيى فرقهما. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الْوَلِيمَة عَن قُتَيْبَة وَغَيره. قَوْله: (حرمهَا) بِضَم الْحَاء وَكسر الرَّاء المخففة على صِيغَة الْمَجْهُول وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى المفعولين لِأَنَّهُ

стр. 6364

ضد أَعْطَتْ أَي: لَا يشْربهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وأنهار من خمر لَذَّة للشاربين﴾ (مُحَمَّد: ١٥) فَإِن قلت: الْمعْصِيَة لَا توجب حرمَان الْجنَّة. قلت: يدخلهَا وَلَا يشرب من نهرها فَإِنَّهَا من فاخر شراب أَهلهَا. فَإِن قلت: فِيهَا كل مَا تشْتَهي الْأَنْفس. قلت قيل: إِنَّه ينسى شهوتها، وَقيل: لَا يشتهيها وَإِن ذكرهَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ظَاهر الحَدِيث تأبيد التَّحْرِيم، فَإِن دخل الْجنَّة شرب من جَمِيع أشربتها إلَاّ الْخمر، وَمَعَ ذَلِك فَلَا يتألم لعدم شربهَا وَلَا يحْسد من يشْربهَا وَيكون حَاله كَحال أَصْحَاب الْمنَازل فِي الْخَفْض والرفعة فَكَمَا لَا يَشْتَهِي منزلَة من هُوَ أرفع مِنْهُ لَا يشتهيها أَيْضا، وَلَيْسَ ذَلِك بعقوبة لَهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ من غل إخْوَانًا﴾ (الْحجر: ٤٧) وَقيل: إِنَّه يعذب فِي النَّار فَإِذا خرج من النَّار بِالرَّحْمَةِ وبالشفاعة وَدخل الْجنَّة لم يحرم شَيْئا. قَوْلنَا: فِي لبس الْحَرِير وَالشرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة. وَقَالَ أَبُو عمر: قَالَ بعض من تقدم: إِن من شرب الْخمر ثمَّ لم يتب مِنْهَا لم يدْخل الْجنَّة وَهُوَ مَذْهَب غير مرضِي عندنَا إلَاّ إِذا كَانَ على الْقطع فِي إِنْفَاذ الْوَعيد، ومحمله عندنَا أَنه لَا يدْخل الْجنَّة إلَاّ أَن يغْفر الله لَهُ إِذا مَاتَ غير تائب مِنْهَا كَسَائِر الْكَبَائِر، وَكَذَلِكَ قَوْلهم: لم يشْربهَا فِي الْآخِرَة مَعْنَاهُ: عندنَا إلَاّ أَن يغْفر الله لَهُ فَيدْخل الْجنَّة ويشربها وَهُوَ عندنَا فِي الْمَشِيئَة، إِن شَاءَ غفر لَهُ وَإِن شَاءَ عذبه، فَإِن عذبه بِذَنبِهِ ثمَّ أدخلهُ الْجنَّة برحمته لم يحرمها إِن شَاءَ الله . ٥٥٧٦ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخْبَرَنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أخْبَرَنِي سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، أُُتِيَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِإبْلياءَ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ فَنَظَرَ إلَيْهِمَا ثُمَّ أخَذَ اللَّبَنَ فَقَالَ جِبْرِيلُ: الْحَمْدُ لله الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ وَلَوْ أخَذْتَ الخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. قيل: مَحل التَّرْجَمَة قَوْله: (غوت أمتك) وَأَبُو الْيَمَان بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف الحكم بن نَافِع الْحِمصِي، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي. والْحَدِيث أخرجه بَقِيَّة السِّتَّة بأسانيد مُخْتَلفَة. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: رَوَاهُ مَالك، رَحمَه الله تَعَالَى، عَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، مَوْقُوفا وَلم يرفعهُ. وَفِيه نظر. قَوْله: (أُتِي) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (بإيلياء) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف الْخَفِيفَة مَعَ الْمَدّ وَهُوَ اسْم مَدِينَة بَيت الْمُقَدّس، وَقيل: بِالْقصرِ وَالْمعْنَى: عرض ذَلِك عَلَيْهِ ﷺ ، كَانَ بإيلياء، وَقيل: جِيءَ بِثَلَاثَة أقداح قدح من عسل وقدحان من خمر وَلبن، وَأجِيب بِأَن عرض القدحين فِي إيلياء وَعرض الثَّلَاثَة عِنْد رَفعه إِلَى سِدْرَة الْمُنْتَهى. قَوْله: (للفطرة) أَي: لِلْإِسْلَامِ والاستقامة. قَوْله: (وَلَو أخذت الْخمر غوت أمتك) أَي: ضلت وانهمكت فِي الشّرْب وَلَكِن بلطف الله تَعَالَى اخْتَار اللَّبن لكَونه سهلاً طيبا طَاهِرا سائغا للشاربين سليم الْعَاقِبَة. وَفِيه: اسْتِحْبَاب حمد الله تَعَالَى عِنْد تجدّد النِّعْمَة وَحُصُول مَا كَانَ يتَوَقَّع حُصُوله. واندفاع مَا كَانَ يخَاف وُقُوعه. ﴿تَابَعَهُ مَعْمَر وَابْنُ الهَادِ وَعُثْمَانُ بنُ عُمَرَ وَالزُّبَيْدِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ﴾ أَي: تَابع شعيبا فِي رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ معمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد وَابْن الْهَاد وَيزِيد بن عبد الله بن أُسَامَة بن الْهَاد اللَّيْثِيّ وَعُثْمَان بن عمر بن مُوسَى بن عبد الله بن عبيد الله بن معمر التَّيْمِيّ والزبيدي بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة مُحَمَّد بن الْوَلِيد بن عَامر أَبُو الْهُذيْل الشَّامي الْحِمصِي، والزبيدي هَذَا مَا وَقع مَعَ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين إلَاّ فِي غير رِوَايَة أبي ذَر، أما مُتَابعَة معمر فوصلها البُخَارِيّ فِي قصَّة مُوسَى من أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء ﵈، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر إيلياء، وَفِيه إشرب أَيهمَا شِئْت فَأخذت اللَّبن وشربته، وَأما رِوَايَة ابْن الْهَاد فوصلها النَّسَائِيّ من طَرِيق اللَّيْث عَنهُ عَن عبد الْوَهَّاب بن بخت عَن ابْن شهَاب وَهُوَ الزُّهْرِيّ فعلى هَذَا قد سقط ذكر عبد الْوَهَّاب من الأَصْل بَين ابْن الْهَاد وَابْن شهَاب، عَليّ أَن ابْن الْهَاد قد روى عَن الزُّهْرِيّ أَحَادِيث بِغَيْر وَاسِطَة وَوَصله أَحْمد من طَرِيق ابْن الْهَاد عَن الزُّهْرِيّ بِغَيْر وَاسِطَة وَأما رِوَايَة عُثْمَان بن عمر فوصلها تَمام الرَّازِيّ فِي فَوَائده من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن عُثْمَان بن عمر، وَأما رِوَايَة الزبيدِيّ فوصلها النَّسَائِيّ من طَرِيق مُحَمَّد بن حَرْب عَنهُ لَكِن لَيْسَ فِيهِ ذكر إيلياء. ٥٥٧٧ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا هِشَامٌ حدَّثنا قَتَادَةُ عَنْ أنَسٍ، ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ

стр. 6365

رَسُولِ الله ﷺ ، حَدِيثا لَا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ غَيْرِي. قَالَ: مِنْ أشْرَاطِ السَّاعَةِ أنْ يَظْهَرَ الْجَهْلُ وَيَقِلَّ العِلْمُ وَيَظْهَرَ الزِّنا وَتُشْرَبَ الخَمْرُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ وَتَكْثُرَ النِّسَاءَ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً قَيِّمُهُنَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وتشرب الْخمر) وَهِشَام هُوَ الدستوَائي، والْحَدِيث من أَفْرَاده وَقد مر فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب رفع الْعلم وَظُهُور الْجَهْل. قَوْله: (لَا يُحَدثكُمْ بِهِ غَيْرِي) إِنَّمَا قَالَ هَذَا إِمَّا لِأَنَّهُ كَانَ آخر من بَقِي من الصَّحَابَة ثمَّة أَو لِأَنَّهُ عرف أَنه لم يسمع من رَسُول الله ﷺ ، غَيره. قَوْله: (من أَشْرَاط السَّاعَة) أَي: من علاماتها وَهُوَ جمع شَرط بِفَتْح الرَّاء. قَوْله: (وَيشْرب الْخمر) أَي: ظَاهرا عَلَانيَة. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني، وَشرب الْخمر، بِلَفْظ المصدرين وبالإضافة وَرِوَايَة الْجَمَاعَة أولى للمشاكلة. قَوْله: (ويقل الرِّجَال) لِكَثْرَة الحروب ولقتال الرِّجَال فِيهَا. قَوْله: (حَتَّى يكون لخمسين) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: حَتَّى يكون خَمْسُونَ امْرَأَة (قيمهن رجل وَاحِد) . ٥٥٧٨ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ صَالِحٍ حدَّثنا ابنُ وَهَبٍ قَالَ: أخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابنِ شِهاب، قَالَ: سَمِعْتُ أبَا سَلَمَةَ بنَ عَبْدِ الرَّحْمانِ وَابْنِ المُسَيَّبِ يَقُولانِ: قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ، ﵁ إنَّ النبيَّ ﷺ ، قَالَ: لَا يَزْنِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُها وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ. قَالَ ابنُ شِهابٍ: وَأخْبَرَنِي عَبْدَ المَلِكِ بنِ أبِي بَكْرٍ ابنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ أنَّ أبَا بَكْرٍ كَانَ يُحَدِّثهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ يَقُولُ: كَانَ أبُو بَكْرٍ يُلْحِقُ مَعَهُنَّ وَلا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إلَيْهِ أبْصَارَهُمْ فِيها حِينَ يَنْتَهِبُها وَهُوَ مُؤْمِنٌ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا يشرب الْخمر حِين يشْربهَا وَهُوَ مُؤمن) وَأحمد بن صَالح أَبُو جَعْفَر الْمصْرِيّ وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ وَيُونُس بن يزِيد الايلي وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ والْحَدِيث مر فِي كتاب الْمَظَالِم فِي بَاب النَّهْي بِغَيْر إِذن صَاحبه فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن سعيد بن عفير عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِلَى آخِره وَأخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان عَن حَرْمَلَة بن يحيى عَن ابْن وهب إِلَى آخِره قَوْله وَابْن الْمسيب هُوَ سعيد بن السميب قَوْله يَقُولَانِ فِي مَوضِع الْحَال قَوْله لَا يزنى حِين يزنى وَقع فِي أَكثر الرِّوَايَات هَكَذَا بِلَا ذكر فَاعل لَا يزنى أَي لَا يزنى الْمُؤمن أَو لَا يزنى الزَّانِي أَو لَا يزنى الرجل وَقَالَ ابْن مَالك فِيهِ دلَالَة على جَوَاز حذف الْفَاعِل قلت الأَصْل عدم جَوَاز حذفه إِلَّا عِنْد قيام قرينَة قَطْعِيَّة تدل على ذَلِك وَهنا كَذَلِك قَوْله وَلَا يشرب الْخمر حِين يشْربهَا وَهُوَ مُؤمن وَقَالَ ابْن بطال: هَذَا أَشد مَا ورد فِي شرب الْخمر، وَبِه تعلق الْخَوَارِج فكفَّروا مرتكب الْكَبِيرَة عَامِدًا عَالما بِالتَّحْرِيمِ وَحمل أهل السّنة الْإِيمَان هُنَا على الْكَامِل أَي: لَا يكون كَامِلا فِي الْإِيمَان حَالَة كَونه فِي شرب الْخمر. قيل: هُوَ من بَاب التَّغْلِيظ والتهديد الْعَظِيم نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن كفر فَإِن الله غَنِي عَن الْعَالمين﴾ (آل عمرَان: ٩٧) وَقَالَ الْخطابِيّ: أَي: من فعل ذَلِك مستحلاً لَهُ. قلت: وَكَذَلِكَ الْمَعْنى فِي كل مَا ورد من هَذَا الْقَبِيل فَمن ذَلِك مَا رَوَاهُ ابْن مَنْدَه بِإِسْنَادِهِ عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: ثَلَاثَة لَا يدْخلُونَ الْجنَّة: مدمن الْخمر، وقاطع الرَّحِم، ومصدق بِالسحرِ. وروى ابْن أبي حَاتِم من حَدِيث حَكِيم بن جُبَير عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس يرفعهُ من لَقِي الله وَهُوَ مدمن خمر كَانَ كعابد الوثن، وروى ابْن أبي عدي من حَدِيث أبي هُرَيْرَة يرفعهُ مدمن الْخمر كعابد الوثن. قَوْله: (قَالَ ابْن شهَاب) هُوَ مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور قَوْله: (أَن أَبَا بكر) هُوَ وَالِد عبد الْملك قَوْله: (يلْحق) بِضَم الْيَاء من الْإِلْحَاق، وَمعنى الْإِلْحَاق أَنه كَانَ يزِيد ذَلِك فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (مَعَهُنَّ) أَي: مَعَ الْمَذْكُورَات، وَهِي الزِّنَا وَشرب الْخمر وَالسَّرِقَة. قَوْله: (نهبة) بِفَتْح النُّون وَهُوَ مصدر وبضم النُّون المَال المنهوب. قَوْله: (ذَات شرف) أَي: مَكَان عالٍ يَعْنِي: لَا يَأْخُذ الرجل مَال النَّاس قهرا أَو ظلما مُكَابَرَة وعلو أَو عيَانًا وهم ينظرُونَ إِلَيْهِ

стр. 6366

فيتضرعون وَلَا يقدرُونَ على دَفعه وَقد مرت مباحثه فِي كتاب الْمَظَالِم. ٢ - (بابٌ الخَمْرُ مِنَ العِنَبِ) قَوْله: (الْخمر من الْعِنَب) يحْتَمل وَجْهَيْن من حَيْثُ الْإِعْرَاب: أَحدهمَا: أَن يكون لفظ بَاب مُضَافا إِلَى الْخمر، فالتقدير: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْخمر من الْعِنَب، أَي: الْخمر الكائنة من الْعِنَب وَهَذَا لَا يُنَافِي أَن يكون خمر من غير الْعِنَب. وَالْآخر: أَن يكون الْخمر مَرْفُوعا بِالِابْتِدَاءِ، وَمن الْعِنَب، خَبره، وَهَذَا صورته صُورَة الْحصْر وَهُوَ يمشي على مَذْهَب أبي حنيفَة، فَإِن مذْهبه: الْخمر هِيَ مَاء الْعِنَب إِذا غلا وَاشْتَدَّ وَقذف بالزبد، وَالْخمر من غير الْعِنَب لَا يُسمى خمرًا حَقِيقَة، وعَلى مَذْهَب غَيره لَا يُرَاد مِنْهُ الْحصْر، وَإِن كَانَت صورته صُورَة الْحصْر كَمَا فِي قَوْله ﵇: الْخمر من هَاتين الشجرتين النَّخْلَة والعنبة، رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَإِن ظَاهره يَقْتَضِي أَن ينْحَصر الْخمر على هَاتين الشجرتين، لِأَن قَوْله: الْخمر اسْم للْجِنْس فاستوعب بذلك جَمِيع مَا يُسمى خمرًا، فَانْتفى بذلك أَن يكون الْخَارِج مِنْهُمَا أَن يُسمى باسم الْخمر، مَعَ أَنه ورد فِي حَدِيث ابْن عمر: نزل تَحْرِيم الْخمر: وَهِي من خَمْسَة أَشْيَاء: الْعِنَب وَالتَّمْر وَالْحِنْطَة وَالشعِير وَالْعَسَل، على مَا يَجِيء عَن قريب، فَإِن كَانَ الْأَمر كَذَلِك يؤل الحَدِيث. وَقد أولوه بتأويلات. الأول: أَن يكون المُرَاد من قَوْله: من هَاتين الشجرتين، إِحْدَاهمَا كَمَا فِي قَوْله : ﴿ (٦) يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس ألم يأتكم رسل مِنْكُم﴾ (الْأَنْعَام: ١٣٠) . وَالرسل من الْإِنْس لَا من الْجِنّ، وَقَوله : ﴿يخرج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ والمرجان﴾ (الرَّحْمَن: ٢٢) ، وَإِنَّمَا يخرج من أَحدهمَا فَيكون الْمَقْصُود من قَوْله: الْخمر، هِيَ الكائنة من الْعِنَب لَا من النَّخْلَة، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي حَدِيث ابْن عمر الْمَذْكُور. الثَّانِي: أَن يكون عَنى بِهِ الشجرتين جَمِيعًا، وَيكون مَا خمر من ثمرهما خمرًا. وَالثَّالِث: أَن يكون المُرَاد كَون الْخمر من هَاتين الشجرتين وَإِن كَانَت مُخْتَلفَة، وَلَكِن المُرَاد من الْعِنَب هُوَ الَّذِي يفهم مِنْهُ الْخمر حَقِيقَة، وَلِهَذَا يُسمى خمرًا سَوَاء كَانَ قَلِيلا أَو كثيرا، أسكر أَو لم يسكر، أَو يكون المُرَاد من التَّمْر مَا يكون مُسكرا فَلَا يكون غير الْمُسكر مِنْهُ دَاخِلا فِيهِ، وَكَذَا الْكَلَام فِي كل مَا جَاءَ من إِطْلَاق الْخمر على غير الْعِنَب. فَإِن قلت: كل مَا أسكر يُطلق عَلَيْهِ أَنه خمر، أَلا ترى حَدِيث ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ ، أَنه قَالَ: كل مُسكر خمر، وكل مُسكر حرَام. قلت: الْمَعْنى فِي هَذَا الْخَبَر وَفِيمَا جَاءَ مثله من الْأَخْبَار أَنه يُسمى خمرًا حَالَة وجود السكر دون غَيره، بِخِلَاف مَاء الْعِنَب المشتد فَإِنَّهُ خمر سَوَاء أسكر أَو لم يسكر، وَالدَّلِيل قَوْله ﵇: الْخمر مَا خامر الْعقل، على مَا يَجِيء عَن قريب، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُسمى خمرًا عِنْد مخامرته الْعقل، بِخِلَاف مَاء الْعِنَب المشتد، وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيق فِي هَذَا الْمقَام، فَإِنِّي مَا رَأَيْت أحدا من الشُّرَّاح حرر هَذَا الْموضع، بل أَكْثَرهم غضوا عَنهُ عيونهم، غير أَنِّي رَأَيْت فِي (شرح ابْن بطال) كَذَا ذكر بَاب الْخمر من الْعِنَب وَغَيره، فَإِن صَحَّ هَذَا من البُخَارِيّ فَلَا يحْتَاج إِلَى كَلَام أصلا وإلَاّ فالمخلص فِيهِ مَا ذَكرْنَاهُ مِمَّا فتح لنا من الْفَيْض الإلهي، فَلهُ الشُّكْر والْمنَّة. ٥٥٧٩ - حدّثنا الحَسَنُ بنُ صَبَّاحٍ حَدثنَا مُحَمَّدُ بنُ سابِقٍ حَدثنَا مالِكٌ هُوَ ابنُ مِغْوَل عنْ نافِعٍ عَن ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: لَقدْ حُرِّمَتِ الخَمْرُ وَمَا بالْمَدِينَةِ مِنْها شَيْءٌ. (انْظُر الحَدِيث: ٤٦١٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمُطلق لَا يحمل إلَاّ على الْمَأْخُوذ من الْعِنَب. وَالْحسن بن صباح، بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: الْبَزَّار بالزاي ثمَّ الرَّاء الوَاسِطِيّ، وَمُحَمّد بن سَابق من شُيُوخ البُخَارِيّ، وروى عَنهُ هُنَا بالواسطة، وَمَالك هُوَ ابْن مغول بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفتح الْوَاو وباللام البَجلِيّ بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْجِيم المفتوحتين، وَذكره دفعا للالتباس بِمَالك بن أنس. قَوْله: (لقد حرمت) على صِيغَة الْمَجْهُول من التَّحْرِيم وَتَحْرِيم الْخمر كَانَ فِي سنة الْفَتْح قبل الْفَتْح، وَجزم الدمياطي أَنه كَانَ فِي سنة الْحُدَيْبِيَة، وَالْحُدَيْبِيَة كَانَت سنة سِتّ، وَذكر ابْن إِسْحَاق أَنه كَانَ فِي وقْعَة بني النَّضِير، وَهِي بعد أحد وَذَلِكَ سنة أَربع على الرَّاجِح، وَفِيه نظر لِأَن أنسا كَانَ الساقي يَوْم حرمت وَأَنه لما سمع تَحْرِيمهَا بَادر، فأراقها فَلَو كَانَ ذَلِك سنة أَربع لَكَانَ أنس يصغر عَن ذَلِك. قَوْله: (وَمَا بِالْمَدِينَةِ) أَي: وَمَا فِي الْمَدِينَة (مِنْهَا) ، أَي: من الْخمر (شَيْء) وَمرَاده الْخمر الَّتِي من مَاء الْعِنَب لِأَن غَيرهَا من الأنبذة من غير الْعِنَب كَانَت مَوْجُودَة حينئذٍ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا فِي حَدِيث أنس الْآتِي عَقِيبه، أَو أَن ابْن عمر نفى بِمُقْتَضى علمه من ذَلِك، أَو أَرَادَ الْمُبَالغَة فِي النَّفْي كَمَا يُقَال: فلَان لَيْسَ بِشَيْء.

стр. 6367

٥٥٨٠ - حدّثناأحْمَدُ بنُ يُونُسَ حَدثنَا أبُو شِهابٍ عبْدُ رَبِّهِ بنُ نافِعٍ عنْ يُونُسَ عنْ ثابِتٍ البُنانِيِّ عنْ أنَسٍ، قَالَ: حُرِّمَتْ عَلَيْنا الخَمْرُ حِينَ حُرِّمَتْ وَمَا نَجِدُ يَعْني: بالمَدِينَةِ خَمْرَ الأعْنابِ إلَاّ قَلِيلاً، وعامَّةُ خَمْرِنا البُسْرُ والتَّمْرُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس التَّمِيمِي الْيَرْبُوعي الْكُوفِي، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَأَبُو شهَاب هُوَ كنية عبد ربه بِإِضَافَة العَبْد إِلَى الرب ابْن نَافِع الحناط بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالنُّون الْمُشَدّدَة المدايني، وَيُونُس هُوَ ابْن عبيد الْبَصْرِيّ، وثابت ضد الزائل ابْن أسلم الْبَصْرِيّ أَبُو مُحَمَّد ونسبته إِلَى بنانة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف النونين، وَهِي زَوْجَة سعد بن لؤَي بن غَالب بن فهر، فنسب بنوها إِلَيْهَا وَقيل: كَانَت أمة لسعد حضنت بنيه، وَقيل: كَانَت حاضنة بنته. والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (وَمَا نجد بِالْمَدِينَةِ) أَي: فِي الْمَدِينَة. قَوْله: (وَعَامة خمرنا الْبُسْر وَالتَّمْر) الْبُسْر هُوَ الْمرتبَة الرَّابِعَة لثمرة النّخل: أَولهَا طلع ثمَّ خلال ثمَّ بلح ثمَّ بسر ثمَّ رطب، والخلال بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة جمع خلالة بِالْفَتْح، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: هُوَ الْبُسْر أول إِدْرَاكه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْخمر مَائِع والبسر جامد فَكيف يكون هُوَ إِيَّاه؟ قلت: هُوَ مجَاز عَن الشَّرَاب الَّذِي يُؤْخَذ مِنْهُ عكس: أَرَانِي أعصر خمرًا، أَو ثمَّة إِضْمَار أَي: عَامَّة أصل خمرنا. فَإِن قلت: تقدم أَنه قَالَ: مَا بِالْمَدِينَةِ فِيهَا شَيْء، فَكيف قَالَ: عَامَّة خمرنا؟ قلت: المُرَاد بقوله فِيهَا خمر الْعِنَب إِذْ هُوَ الْمُتَبَادر إِلَى الذِّهْن عِنْد الْإِطْلَاق، أَو الْمُطلق مَحْمُول عَلَيْهَا. وَفِي (التَّوْضِيح) فِي هَذَا الحَدِيث، وَفِي الَّذِي بعده رد على الْكُوفِيّين فِي قَوْلهم: إِن الْخمر من الْعِنَب خَاصَّة، وَإِن كل شراب يتَّخذ من غَيره فَغير محرم مَا دون الْمُسكر مِنْهُ. قلت: فِيمَا ذكرنَا فِي أول الْبَاب يرد مَا قَالَه فراجع إِلَيْهِ، تعرف الْمَرْدُود مَا هُوَ، وَقَالَ الْمُهلب أَيْضا: لَيْسَ لأحد أَن يَقُول: إِن الْخمر من الْعِنَب وَحده فَهَؤُلَاءِ الصَّحَابَة فصحاء الْعَرَب والفهماء عَن الله وَرَسُوله، قَالُوا: إِن الْخمر من خَمْسَة أَشْيَاء، وَقد أخبر الْفَارُوق بذلك حِكَايَة عَمَّا نزل من الْقُرْآن، وَقَالَ: الْخمر مَا خامر الْعقل، وخطب بذلك على منبره ﷺ ، بِحَضْرَة الصَّحَابَة من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَغَيرهم وَلم يُنكره أحد فَصَارَ كالإجماع. قلت: كل من لَا يفهم دقة مَا قَالَه الْكُوفِيُّونَ رد عَلَيْهِم برد مَرْدُود، وَقَول الْكُوفِيّين: الْخمر من الْعِنَب وَحده لَا يُنَافِي قَول الصَّحَابَة إِن الْخمر من خَمْسَة أَشْيَاء وَلَا يضر فصاحتهم لأَنهم استعملوا فِي كَلَامهم الْحَقِيقَة وَالْمجَاز وَهُوَ عين الفصاحة، وَلَا يفرق بَينهمَا من كَلَام الصَّحَابَة إلَاّ من لَهُ ذوق من إِدْرَاك دقائق الْكَلَام. وَقَوله: (فَصَارَ كالإجماع) فِيهِ نظر قوي، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) وَرُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ فِي نَقِيع التَّمْر: إِنَّه خمر، وَقَالَ الشّعبِيّ وَابْن أبي ليلى وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَعبد الله بن إِدْرِيس وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَابْن الْمُبَارك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَعَامة أهل الحَدِيث، الْمُسكر خمر. قلت: إِطْلَاقهم الْخمر على هَذِه الْأَشْيَاء لَيْسَ من طَرِيق الْحَقِيقَة، وَإِنَّمَا قَالُوا: خمر، لمخامرته الْعقل، وَنحن نقُول بِهِ من هَذِه الْحَيْثِيَّة، وَقد مر تَحْقِيقه عَن قريب، وَقَالَ أَيْضا: قَالَ أَبُو حنيفَة: الْمحرم عصير الْعِنَب النيء فَمن شرب مِنْهَا وَلَو نقطة حد وَمَا عَداهَا لَا يحد إلَاّ بالسكر، وَمَوْضِع الرَّد عَلَيْهِ من الحَدِيث أَنهم كَانُوا يشربون بِالْمَدِينَةِ الفضيخ، وَهُوَ مَا يتَّخذ من الْبُسْر وَالتَّمْر، فَلَمَّا جَاءَهُم مُنَادِي رَسُول الله، ﷺ : إِن الْخمر قد حرمت، امْتَنعُوا وكسروا الجرار وَلم ينكروا، وَلَا قَالُوا: كُنَّا نشرب الفضيخ، بل امْتَنعُوا، فلولا أَنه عِنْدهم خمر لما امْتَنعُوا مِنْهُ. قلت: هُوَ لم يحرر مَوضِع الرَّد، حَتَّى رد على الإِمَام، والفضيخ الَّذِي كَانُوا يشربونه حينئذٍ كَانَ مُسكرا، والمسكر يُطلق عَلَيْهِ اسْم الْخمر بِاعْتِبَار مخامرته الْعقل لِأَن حَقِيقَة الْخمر من الْعِنَب النيء المشتد حَتَّى يتَعَلَّق بِهِ الْحَد فِي قَلِيله، وَغير مَاء الْعِنَب من الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة لَا يتَعَلَّق الْحَد إلَاّ بالمسكر مِنْهَا. ٥٥٨١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا يَحْيىَ عنْ أبي حَيَّانَ حَدثنَا عامِرٌ عَن ابنِ عُمَرَ، ﵄ قَالَ: قامَ عُمَرُ عَلى المِنْبَرِ، فَقَالَ: أمَّا بَعْدُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وهْيَ مِنْ خَمْسَةٍ: العِنَبِ والتَّمْرِ والعَسَلِ والحِنْطَةِ والشَّعِيرِ، والخمْرُ مَا خامَرَ العَقْلَ.

стр. 6368

مطابقته للتَّرْجَمَة على تَقْدِير صِحَة النُّسْخَة: بَاب الْخمر من الْعِنَب وَغَيره، كَمَا فِي (شرح ابْن بطال) ظَاهِرَة. وَأما على غَالب النّسخ بِدُونِ لفظ: وَغَيره، فعلى كَون لفظ: بَاب، مُضَافا إِلَى الْخمر من الْعِنَب، وَلَا يُرَاد بِهِ الْحصْر كَمَا ذكرنَا وَجهه فِي أول الْبَاب، وَيدخل فِيهِ كل مَا يخَامر الْعقل. وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَأَبُو حَيَّان بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون اسْمه يحيى بن سعيد التَّيْمِيّ الْكُوفِي، وعامر هُوَ الشّعبِيّ يروي عَن عبد الله بن عمر، ﵄. والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة الْمَائِدَة، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (أما بعد نزل) وَالْقِيَاس أَن يُقَال: فقد نزل، وَلَكِن جَاءَ حذف الْفَاء كَمَا فِي كتاب الْحَج، قَالَ: فَأَما الَّذين جمعُوا بَين الْحَج وَالْعمْرَة طافوا طَوافا وَاحِدًا. قَوْله: (مَا خامر الْعقل) أَي: كتم وغطى، وَهَذَا تَعْرِيف بِحَسب الْعرف وَأما بِحَسب اللُّغَة فَهُوَ مَا يخَامر الْعقل من عصير الْعِنَب خَاصَّة. ٣ - (بابٌ نَزَلَ تَحْرِيِمُ الخَمْرِ وهْيَ مِنَ البُسْرِ والتّمْرِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَنه نزل تَحْرِيم الْخمر إِلَى آخِره. قَوْله: وَهِي أَي: وَالْحَال أَن الْخمر كَانَ يصنع من الْبُسْر وَالتَّمْر. ٥٥٨٢ - حدّثنا إسْماعِيلُ بنُ عبْدِ الله، قَالَ: حدّثني مالِكُ بنُ أنَسٍ عنْ إسْحاقَ بنِ عبْدِ الله بنِ أبي طَلْحَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ، ﵁، قَالَ: كُنْتُ أسقِي أَبَا عُبَيْدَةَ وَأَبا طَلْحَةَ وأُُبَيَّ بنَ كَعْبٍ مِن فَضيخِ زَهْوٍ وتَمْرٍ، فَجاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. فَقَالَ أبُو طَلْحَةَ: قُمْ يَا أنَسُ فأهْرِقْها، فأهْرَقْتُها. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من فضيخ زهو) والفضيخ بِفَتْح الْفَاء وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالخاء الْمُعْجَمَة وَهُوَ اسْم للبسر إِذا شدخ ونبذ، وَقد يُقَال: الفضيخ، من الفضخ وَهُوَ الشدخ وَالْكَسْر: شراب يتَّخذ من الْبُسْر وَيصب عَلَيْهِ المَاء وَيتْرك حَتَّى يغلي. قَوْله: (زهو) بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْهَاء وبالواو، وَقد يضم الزَّاي وَهُوَ الْبُسْر الملون الَّذِي ظهر فِيهِ الْحمرَة والصفرة. واسماعيل هُوَ ابْن أبي أويس واسْمه عبد الله ابْن أُخْت مَالك بن أنس، وَقد تكَرر ذكره. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي خبر الْوَاحِد عَن يحيى بن قزعة. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَشْرِبَة أَيْضا عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح. قَوْله: (أَبَا عُبَيْدَة) هُوَ ابْن الْجراح واسْمه عَامر أحد الْعشْرَة المبشرة، وَأَبُو طَلْحَة زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ زوج أم أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَاسم أم أنس: أم سليم، كَذَا اقْتصر فِي هَذِه الرِّوَايَة على هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة، فَأَما أَبُو طَلْحَة فلكون الْقِصَّة كَانَت فِي منزله، وَأما أَبُو عُبَيْدَة فَلِأَن النَّبِي ﷺ ، آخى بَينه وَبَين أبي طَلْحَة، وَأما أبي بن كَعْب فَلِأَنَّهُ كَانَ كَبِير الْأَنْصَار وعالمهم، وَوَقع فِي رِوَايَة عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس فِي تَفْسِير الْمَائِدَة: إِنِّي لقائم أَسْقِي أَبَا طَلْحَة وَفُلَانًا وَفُلَانًا، كَذَا وَقع بالإبهام، وسمى فِي رِوَايَة مُسلم مِنْهُم أَبَا أَيُّوب، وَسَيَأْتِي بعد أَبْوَاب من رِوَايَة هِشَام عَن قَتَادَة عَن أنس: إِنِّي لأسقي أَبَا طَلْحَة وَأَبا دُجَانَة وَسُهيْل بن بَيْضَاء، وَأَبُو دُجَانَة بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْجِيم وَبعد الْألف نون اسْمه سماك بن خَرشَة بمعجمتين بَينهمَا رَاء مفتوحات وَلمُسلم من طَرِيق سعيد عَن قَتَادَة نَحوه وسمى فيهم: معَاذ بن جبل، وَلأَحْمَد عَن يحيى الْقطَّان عَن حميد عَن أنس كنت أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَة وَأبي بن كَعْب وَسُهيْل بن بَيْضَاء وَنَفَرًا من الصَّحَابَة عِنْد أبي طَلْحَة وَوَقع عِنْد عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن ثَابت وَقَتَادَة وَغَيرهمَا عَن أنس أَن الْقَوْم كَانُوا أحد عشر رجلا، وَوَقع عِنْد ابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره من طَرِيق عِيسَى بن طهْمَان عَن أنس أَن أَبَا بكر وَعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا كَانَا فيهم وَهُوَ مُنكر جدا، وَقيل: إِنَّه غلط، وَقد أخرج أَبُو نعيم فِي (الْحِلْية) من حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قَالَت: حرم أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الْخمر على نَفسه فَلم يشْربهَا فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام، فَإِن قلت: سَنَد حَدِيث ابْن مرْدَوَيْه جيد. قلت: إِن كَانَ مَحْفُوظًا يحْتَمل أَن أَبَا بكر وَعمر زارا أَبَا طَلْحَة فِي ذَلِك الْيَوْم وَلم يشربا. قَوْله: (من فضيخ زهو) وَقد فسرناه عَن قريب. قَوْله: (فَجَاءَهُمْ آتٍ) لم يدر من هُوَ. قَوْله: (فَأَهْرقهَا) أَمر من الإهراق، وَأَصله أرِقها من الإراقة، ويروى: فهرقها، بِفَتْح الْهَاء وَكسر الرَّاء أَي: أرقها فأبدلت الْهمزَة هَاء، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي: أهرقها وهرقتها، وَوَقع فِي رِوَايَة ثَابت عَن أنس فِي التَّفْسِير بِلَفْظ: فإهراقها، وَمن رِوَايَة عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس، فَقَالُوا: أرِق هَذِه القلال يَا أنس، وَهَذَا مَحْمُول على أَن الْمُخَاطب لَهُ بذلك أَبُو طَلْحَة، وَرَضي الْبَاقُونَ بذلك، فنسب الْأَمر بالإراقة إِلَيْهِم جَمِيعًا.

стр. 6369

٥٥٨٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا مُعْتَمِرٌ عنْ أبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أنَساً قَالَ: كُنْتُ قَائِما عَلى الحَيِّ أسْقِيهِمْ عُمُومَتي وَأَنا أصْغَرُهُمُ الفَضِيخَ، فَقيلَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ، فقالُوا: إكْفِئْها، فَكفَأْنا. قُلْتُ لأنَسٍ: مَا شَرَابُهُمْ؟ قَالَ: رُطَبٌ وبُسْرٌ، فَقَالَ أَبُو بَكْر بنُ أنَسٍ: وكانَتْ خَمْرُهُمْ، فَلَمْ يُنْكِرْ أنَسٌ. وحدّثني بَعْضُ أصْحابي أنَّهُ سَمِعَ أنَساً يَقُولُ: كانَتْ خَمْرَهُمْ يَوْمَئذٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَبسر) . ومعتمر هُوَ ابْن سُلَيْمَان يروي عَن أَبِيه سُلَيْمَان بن طرخان الْبَصْرِيّ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَشْرِبَة أَيْضا عَن يحيى بن أَيُّوب وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الْوَلِيمَة عَن سُوَيْد بن نصر. قَوْله: (كنت قَائِما على الْحَيّ أسقيهم عمومتي) الْحَيّ: وَاحِد أَحيَاء الْعَرَب. قَوْله: (عمومتي) جمع عَم، قَالَ الْكرْمَانِي: عمومتي بدل عَن الضَّمِير، أَو مَنْصُوب على الِاخْتِصَاص، وَفِي رِوَايَة مُسلم. إِنِّي لقائم على الْحَيّ على عمومتي أسقيهم من فضيخ لَهُم وَأَنا أَصْغَرهم سنا، وَهَذَا أحسن من ذَاك. وَفِيه: أَن الصَّغِير يخْدم الْكَبِير. قَوْله: إكفئها) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْكَاف وَكسر الْفَاء وَسُكُون الْهمزَة بِمَعْنى: إقلبها يَعْنِي: أرقها. قَوْله: (فكفأنا) لجَماعَة الْمُتَكَلّم من الْمَاضِي أَي: قلبناها قَوْله: (قلت لأنس) الْقَائِل هُوَ سُلَيْمَان والدمعتمر الرَّاوِي. قَوْله: (وَقَالَ أَبُو بكر) هُوَ ابْن أنس بن مَالك فِي حُضُور أَبِيه، فَكَانَت خمرهم أَي: الفضيخ كَانَت خمرهم، وَوجه التَّأْنِيث مَعَ أَن الْمَذْكُور الشَّرَاب بِاعْتِبَار أَنه خمر. قَوْله: فَلم يذكر أنس) وَفِي رِوَايَة مُسلم: فَلم يُنكر أنس ذَلِك، وَكَأن أنسا لم يُحَدِّثهُمْ بِهَذِهِ الزِّيَادَة وَهِي قَوْله: (وَكَانَت خمرهم) إِمَّا نِسْيَانا وَإِمَّا اختصاراً، فَذكره بِهِ ابْنه أَبُو بكر فأقره عَلَيْهَا أنس. قَوْله: (وحَدثني بعض أَصْحَابِي) الْقَائِل بِهَذَا أَيْضا سُلَيْمَان الْمَذْكُور، ويروي: بعض أَصْحَابنَا وَهُوَ مَوْصُول بالسند الأول الْمَذْكُور، قيل: هَذَا الْمُبْهم يحْتَمل أَن يكون بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ، فَإِن رِوَايَته فِي آخر الْبَاب تومىء إِلَى ذَلِك، وَيحْتَمل أَن يكون قَتَادَة، وَسَيَأْتِي بعد أَبْوَاب من طَرِيقه عَن أنس بِلَفْظ: وَأَنا نعدها يَوْمئِذٍ الْخمر. ٥٥٨٤ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ أبي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ حَدثنَا يُوسُفُ أبُو مَعْشَرٍ البَرَّاءُ قَالَ: سَمِعْتُ سَعيدَ بنَ عُبَيْدِ الله: قَالَ حدَّثني بكر بنُ عبد الله أنَّ أنسَ بن مالِكٍ حدَّثَهُمْ: أنَّ الخَمْرَ حُرِّمَتْ والخَمْرُ يَوْمَئِذٍ البُسرُ والتَّمْرُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة والمقدَّمي بِفَتْح الدَّال الْمُشَدّدَة مر عَن قريب، ويوسف هُوَ ابْن يزِيد وكنيته أَبُو معشر وَهُوَ مَشْهُور بكنيته أَكثر من اسْمه، وَيُقَال لَهُ أَيْضا: الْقطَّان، وَكَانَ مَشْهُورا أَيْضا بالبراء بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الرَّاء وبالمد، وَكَانَ يبري السِّهَام وَهُوَ بَصرِي وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث، وَآخر فِي الطِّبّ سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَسَعِيد ابْن عبيد الله بن جُبَير بِالْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة ابْن حَيَّة بِالْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَمَا لَهُ أَيْضا فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَآخر تقدم فِي الْجِزْيَة، وَبكر بن عبد الله الْمُزنِيّ الْبَصْرِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده. قَوْله: (حرمت) على صِيغَة الْمَجْهُول من التَّحْرِيم. قَوْله: (وَالْخمر) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَفِي (التَّوْضِيح) : هَذَا الحَدِيث أَيْضا حجَّة على الْعِرَاقِيّين، إِنَّمَا الْخمر من الْعِنَب وَحده لِأَن الصَّحَابَة الْقدْوَة فِي علم اللِّسَان وَلَا يجوز عَلَيْهِم أَن يفهموا أَن الْخمر إِنَّمَا هِيَ من الْعِنَب خَاصَّة، قلت: قد تكَرر هَذَا الْكَلَام فِي هَذِه الْأَبْوَاب بِلَا فَائِدَة، وَالَّذِي قَالَه نقص فِي حَقهم لنسبته إيَّاهُم إِلَى عدم الْمعرفَة بفنون الْكَلَام وهم الْقدْوَة فِي فنون الْكَلَام، وَإِنَّمَا قَالُوا الْغَيْر الْمُتَّخذ من الْعِنَب خمرًا للتشبيه بالمتخذ مِنْهُ فِي مُخَالطَة الْعقل، وَقد حققنا هَذَا الْموضع فِيمَا مضى عَن قريب. ٤ - (بابٌ الخَمْرُ منَ العَسَلِ وهْوَ البِتعُ) الْكَلَام فِيهِ مثل الْكَلَام فِي: بَاب الْخمر من الْعِنَب فِي الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا. قَوْله (وَهُوَ البتع) بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبالعين الْمُهْملَة، قَالَ الْقَزاز: وَهُوَ يتَّخذ من عسل النَّحْل صلب يكره شربه لدُخُوله فِي جملَة

стр. 6370

مَا يكره من الْأَشْرِبَة لفعله وصلابته وَفِي كتاب (الواعي) صلابته كصلابة الْخمر، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: البتع خمر يَمَانِية وَأهل الْيمن يفتحون تاءه، وَقَالَ ابْن محيريز: سَمِعت أَبَا مُوسَى يخْطب على مِنْبَر الْبَصْرَة: أَلا إِن خمر أهل الْمَدِينَة الْبُسْر وَالتَّمْر، وخمر أهل فَارس الْعِنَب، وخمر أهل الْيمن البتع، وخمر الْحَبَش السكركة وَهُوَ الْأرز. وَقَالَ مَعْنٌ: سألْتُ مالِكَ بنَ أنَسٍ عنِ الفُقَّاعِ؟ فَقَالَ: إِذا لَمْ يُسْكِرْ فَلَا بأسَ، وَقَالَ ابنُ الدَّرَاوَردْيِّ سألْنا عَنْهُ فَقَالُوا: لَا يُسْكِرُ لَا بَأْس بهِ. معن بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وبالنون ابْن عِيسَى الْقَزاز بِالْقَافِ وَتَشْديد الزَّاي الأولى، قَالَ ابْن سعد: مَاتَ بِالْمَدِينَةِ فِي شَوَّال سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هَذَا التَّعْلِيق أَخذه البُخَارِيّ عَن معن مذا كرة فِيمَا قَالَه بعض الْعلمَاء. قلت: كَيفَ يتَصَوَّر أَخذ البُخَارِيّ عَن معن ومولده فِي شَوَّال سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة، وَكَانَ عمره يَوْم مَاتَ معن أَربع سِنِين؟ وَكَأَنَّهُ غره مَا حَكَاهُ ابْن الصّلاح فِي تعاليق البُخَارِيّ عَن شُيُوخه مُطلقًا، لَا فِي خُصُوص هَذَا الْأَثر، وَأَرَادَ بِبَعْض الْعلمَاء ابْن الصّلاح، وَأبْعد صَاحب (التَّوْضِيح) حَيْثُ قَالَ: أَخذ البُخَارِيّ هَذَا التَّعْلِيق عَن معن مذا كرة، وَهُوَ قلد صَاحب (التَّلْوِيح) وَزَاد فِي الْبعد مَسَافَة، قَوْله: (عَن الفقاع) بِضَم الْفَاء وَتَشْديد الْقَاف وبالعين الْمُهْملَة، قَالَ الْكرْمَانِي: المشروب الْمَشْهُور. قلت: الفقاع لَا يشرب بل يمص من كوزه، وَقَالَ بَعضهم: الفقاع مَعْرُوف قد يصنع من الْعَسَل، وَأكْثر مَا يصنع من الزَّبِيب. قلت: لم يقل أحد إِن الفقاع يصنع من الْعَسَل، بل أهل الشَّام يصنعونه من الدبس، وَفِي عَامَّة الْبِلَاد مَا يصنع إلَاّ من الزَّبِيب المدقوق، وَحكم شربه مَا قَالَه مَالك: إِن لم يسكر لَا بَأْس بِهِ، والفقاع لَا يسكر، نعم إِذا بَات فِي إنائه الَّذِي يصنعونه فِيهِ لَيْلَة فِي الصَّيف أَو لَيْلَتَيْنِ فِي الشتَاء يشْتَد جدا، وَمَعَ هَذَا لَا يسكر، وَقد سُئِلَ بعض مَشَايِخنَا: مَا قَول السَّادة الْعلمَاء فِي فقاع يتَّخذ من زبيب بِحَيْثُ أَنه إِذا قلع سداد كوزه لَا يبْقى فِيهِ شَيْء من شدته يخرج وينتثر؟ فَقَالَ: لَا بَأْس بِهِ، وَأما إِذا صَار بِحَال بِحَيْثُ إِنَّه يسكر من شدته فَيحرم حينئذٍ قَلِيلا كَانَ أَو كثيرا. قَوْله: (وَقَالَ ابْن الدَّرَاورْدِي) هُوَ عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد، وَهَذَا من رِوَايَة معن بن عِيسَى عَنهُ أَيْضا. وَالظَّاهِر أَن ابْن الدَّرَاورْدِي سَأَلَ عَن فُقَهَاء أهل الْمَدِينَة فِي زَمَانه، وَهُوَ قد شَارك مَالِكًا فِي لِقَاء أَكثر مشايخه الْمَدَنِيين. ٥٥٨٥ - حدّثناعبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرَنا مالِكٌ عَن ابنِ شهَابٍ عنْ أبي سَلَمَةَ بنِ عبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ عائِشَةَ قالَتْ: سئِلَ رسولُ الله ﷺ ، عَن البِتْعِ فَقَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أسْكَرَ فهْوَ حرَامٌ. (انْظُر الحَدِيث: ٢٤٢ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَقد مضى فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب لَا يجوز الْوضُوء بالنبيذ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: كل شراب أسكر فَهُوَ حرَام، وَلم يعرف اسْم السَّائِل صَرِيحًا. قيل: يحْتَمل أَن يكون السَّائِل أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ لِأَن النَّبِي ﷺ بَعثه إِلَى الْيمن فَسَأَلَهُ ﵇ عَن أشربة تصنع بهَا، فَقَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: البتع والمزر، فَقَالَ: كل مُسكر حرَام. ٥٥٨٦ - حدّثناأبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أخبرَنِي أبُو سَلَمَةَ بنُ عبْد الرَّحْمانِ أنَّ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عَنِ البِتْعِ، وهْوَ نَبِيذُ العَسَلِ، وكانَ أهْلُ اليَمَنِ يَشْرَبُونَهُ، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : كُلُّ شَرَابٍ أسْكَر فهْوَ حرامٌ. (انْظُر الحَدِيث: ٢٤٢ وطرفه) . وعَنِ الزُّهْريِّ قَالَ: حدّثني أنَسُ بنُ مالِكٍ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: لَا تَنْتَبِذُوا فِي الدُّباءِ وَلَا فِي المُزَفَّتِ. وكانَ أبُو هُرَيْرَةَ يُلْحِقُ معَهما الحَنْتَمَ والنَّقِيرَ.

стр. 6371

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع الْحِمصِي، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. والْحَدِيث مضى فِي الطَّهَارَة مُخْتَصرا فِي: بَاب لَا يجوز الْوضُوء بالنبيذ، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب. قَوْله: (كل شراب أسكر) من جَوَامِع الْكَلم لِأَنَّهُ سُئِلَ عَن البتع وَأجَاب عَن جنس المشروب الْمُسكر. قَوْله: (وَعَن الزُّهْرِيّ) هُوَ من رِوَايَة شُعَيْب أَيْضا عَن الزُّهْرِيّ، وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (فِي الدُّبَّاء) بِضَم الدَّال وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالمد وَهُوَ القرع. قَوْله: (والمزفت) بِضَم الْمِيم وَفتح الزَّاي وَتَشْديد الْفَاء الْمَفْتُوحَة وَهُوَ الْإِنَاء المزفت بالزفت، وَهُوَ شَيْء كالقير. قَوْله: (وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة) الْقَائِل بِهَذَا هُوَ الزُّهْرِيّ، وَقع ذَلِك عِنْد شُعَيْب عَنهُ مُرْسلا. وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي عُيَيْنَة عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: لَا تنتبذوا فِي الدُّبَّاء وَلَا فِي المزفت، ثمَّ يَقُول أَبُو هُرَيْرَة: (وَاجْتَنبُوا الحناتم) ، وَرَفعه من طَرِيق سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَزَاد فِيهِ: والدباء. قَوْله: (يلْحق) بِضَم الْيَاء من الْإِلْحَاق. قَوْله: (مَعَهُمَا) أَي: مَعَ الدُّبَّاء والمزفت. قَوْله: (الحنتم) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَهِي الجرة الخضراء، والنقير بِفَتْح النُّون وَكسر الْقَاف وَهُوَ الْخشب المنقور، وخصت هَذِه الظروف بِالنَّهْي لِأَنَّهَا ظروف منبذة فَإِذا انتبذ صَاحبهَا كَانَ على خطر مِنْهَا لِأَن الشَّرَاب فِيهَا قد يصير مُسكرا وَهُوَ لَا يشْعر بهَا. ٥ - (بابُ مَا جاءَ فِي أنَّ الخَمْرَ مَا خامَرَ العَقْلَ مِنَ الشَّرَابِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من الْأَخْبَار فِي أَن الْخمر هُوَ مَا خامر الْعقل من شرب الشَّرَاب. ٥٥٨٨ - حدّثناأحْمَدُ بنُ أبي رَجاءٍ حَدثنَا يَحْياى عنْ أبي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ عَن الشَّعْبِيِّ عَن ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ عَلى مِنْبَرِ رسولِ الله ﷺ فَقَالَ: إنَّهُ قَدْ نَزَلَ تحْرِيمُ الخَمْرِ، وهْيَ مِنْ خَمْسَةِ أشْياءَ: العِنَبِ والتمْر والحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والعسَلِ. والخَمْرُ مَا خامَرَ العَقْلَ، وثَلَاثٌ وَدِدْتُ أنَّ رسولَ الله ﷺ لَمْ يُفارِقْنا حَتَّى يَعْهَدَ إلَيْنا. عَهْداً: الجَدُّ والكَلَالَةُ وأبْوَابُ مِنْ أبْوابِ الرِّبا؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا عَمْرٍ وأفَشَيءٌ يُصْنَعُ بالسِّنْدِ منَ الرُّزِّ؟ قَالَ: ذَاكَ لمْ يَكُنْ عَلى عهْدِ النبيِّ ﷺ أوْ قَالَ: عَلى عهْدِ عُمَرَ. وَقَالَ حجَّاجٌ عنْ حمَّادٍ عنْ أبي حَيَّانَ مكانَ العِنَبِ: الزَّبِيبَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَالْخمر مَا خامر الْعقل) وَأحمد بن أبي رَجَاء بِالْجِيم اسْمه عبد الله بن أَيُّوب أَبُو الْوَلِيد الْحَنَفِيّ الْهَرَوِيّ، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَأَبُو حَيَّان بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون واسْمه يحيى بن سعيد التَّيْمِيّ، وَالشعْبِيّ عَامر بن شرَاحِيل. والْحَدِيث قد مضى فِي تَفْسِير سُورَة الْمَائِدَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ إِلَى قَوْله: (وَالْخمر مَا خامر الْعقل) وَأخرجه أَيْضا فِي الِاعْتِصَام. وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة غير ابْن ماجة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (قد نزل تَحْرِيم الْخمر) أَرَادَ بِهِ عمر ﵁ نزُول الْآيَة الْمَذْكُورَة فِي أول كتاب الْأَشْرِبَة وَهِي آيَة الْمَائِدَة. ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر﴾ (الْمَائِدَة: ٩٠) الْآيَة. وَقَالَ بَعضهم: أَرَادَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى. عَنهُ، التَّنْبِيه على أَن المُرَاد بِالْخمرِ فِي هَذِه الْآيَة لَيْسَ خَاصّا بالمتخذ من الْعِنَب، بل يتَنَاوَل الْمُتَّخذ من غَيرهَا. قلت: نعم يتَنَاوَل غير الْمُتَّخذ من الْعِنَب من حَيْثُ التَّشْبِيه لَا من حَيْثُ الْحَقِيقَة. قَوْله: (وَهِي من خَمْسَة أَشْيَاء) جملَة حَالية لَا تَقْتَضِي الْحصْر وَلَا يَنْبَغِي إِطْلَاق الخمرية على نَبِيذ الذّرة والأرز وَغَيرهمَا، وَقَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا عد عمر ﵁ هَذِه الْأَنْوَاع الْخَمْسَة لاشتهار أسمائها فِي زَمَانه وَلم يكن بوجد بِالْمَدِينَةِ الْوُجُود الْعَام فَإِن الْحِنْطَة كَانَت عزيزة وَالْعَسَل مثلهَا أَو أعز، فعد عمر ﵁ مَا عرف مِنْهَا، وَجعل مَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّا يتَّخذ من الْأرز وَغَيره خمر بمثابتها إِن كَانَ مِمَّا يخَامر الْعقل ويسكر كإسكارها. قَوْله: (وَالْخمر مَا خامر الْعقل) أَي: غطاه وخالطه، وَلم يتْركهُ على حَاله، وَهُوَ من مجَاز التَّشْبِيه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فِيهِ دَلِيل على إِحْدَاث الِاسْم بِالْقِيَاسِ وَأَخذه من طَرِيق الِاشْتِقَاق. قلت: هَذَا

стр. 6372

الْبَاب فِيهِ خلاف. وَقيل: هَذَا تَعْرِيف بِحَسب اللُّغَة لَا بِحَسب الْعرف فَإِنَّهُ بِحَسبِهِ مَا يخَامر الْعقل من عصير الْعِنَب خَاصَّة. قلت: لَا نسلم أَن هَذَا التَّعْرِيف بِحَسب اللُّغَة، بل هُوَ تَعْرِيف بِحَسب الْعرف، وَهَذَا الْقَائِل عكس الْأَمر فِيهِ لِأَن الأَصْل فِي خمر الْعِنَب رِعَايَة الْمَعْنى اللّغَوِيّ، وَفِي الْعرف لَا يسْتَعْمل فِي غَيره إلَاّ بطرِيق الْمجَاز. قَوْله: (وَثَلَاث) قَالَ بَعضهم: هِيَ صفة مَوْصُوف أَي: أُمُور أَو أَحْكَام. قلت: الموجه أَن يُقَال: أَي ثَلَاث قضايا أَو ثَلَاث مسَائِل. قَوْله: (وددت) أَي: تمنيت، وَإِنَّمَا تمنى ذَلِك لِأَنَّهُ أبعد من مَحْذُور الِاجْتِهَاد فِيهِ وَهُوَ الْخَطَأ فِيهِ على تَقْدِير وُقُوعه، وَلَو كَانَ مأجوراً عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يفوتهُ بذلك الْأجر الثَّانِي، وَالْعَمَل بِالنَّصِّ إِصَابَة مَحْضَة. قَوْله: (لم يفارقنا حَتَّى يعْهَد إِلَيْنَا عهدا) أَي: حَتَّى يبين لنا، وَفِي رِوَايَة مُسلم: عهدا ننتهي إِلَيْهِ قَوْله: (الْجد) أَي: الأول من الثَّلَاث الْجد أَي: مَسْأَلَة الْجد فِي أَنه يحجب الْأَخ أَو ينحجب بِهِ أَو يقاسمه وَفِي قدر مَا يَرِثهُ لِأَن الصَّحَابَة اخْتلفُوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا فَروِيَ عَن عُبَيْدَة أَنه قَالَ: حفظت عَن عمر ﵁ فِي الْجد سبعين قَضِيَّة كلهَا يُخَالف بَعْضهَا بَعْضًا، وَعَن عمر أَنه جمع الصَّحَابَة ليجتمعوا فِي الْجد على قَول، فَسَقَطت حَيَّة من السّقف فَتَفَرَّقُوا، فَقَالَ عمر ﵁ أَبى الله إلَاّ أَن يَخْتَلِفُوا فِي الْجد، وَقَالَ عَليّ ﵁: من أَرَادَ أَن يفتح جراثيم جَهَنَّم فليقض فِي الْجد، يُرِيد أُصُولهَا، والجراثيم جمع جرثومة وَهِي الأَصْل. وَقَالَ أَبُو بكر وَابْن الزبير وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَأَبُو مُوسَى ﵃: هُوَ يحجب الْأُخوة. وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة، وَقَالَ زيد: هُوَ كَأحد الْأُخوة مَا لم تنقصه الْمُقَاسَمَة، فَإِذا أنقصته أعطي الثُّلُث وقسموا للأخوة مَا بَقِي، وَبِه قَالَ مَالك وَأَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ، وَرُوِيَ عَن عَليّ ﵁: هُوَ أَخ مَعَهم مَا لم تنقصه الْمُقَاسَمَة من الثُّلُث. قَوْله: (والكلالة) أَي: وَالثَّانِي من الثَّلَاث مَسْأَلَة الْكَلَالَة، بِفَتْح الْكَاف وَتَخْفِيف اللَّام: وَهُوَ من لَا ولد لَهُ وَلَا وَالِد قَالَه أَبُو بكر وَعمر وَعلي وَزيد وَابْن مَسْعُود والمدنيون والبصريون والكوفيون، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس: هُوَ من لَا ولد لَهُ وَإِن كَانَ لَهُ وَالِد، وَقَالَ شَيخنَا أَمِين الدّين فِي (شَرحه للسراجية) : الْكَلَالَة تطلق على ثَلَاثَة: على من لم يخلف ولدا وَلَا والداً، وعَلى من لَيْسَ يُولد وَلَا وَالِد من الْمُخلفين، وعَلى الْقَرَابَة من جِهَة الْوَلَد وَالْوَالِد، قَالَ: وَهُوَ فِي الأَصْل مصدر بِمَعْنى الكلال وَهُوَ ذهَاب الْقُوَّة من الإعياء فاستعيرت لِلْقَرَابَةِ من غير جِهَة الْوَلَد وَالْوَالِد لِأَنَّهَا بِالْإِضَافَة إِلَى قرابتهما ضَعِيفَة، وَإِذا جعل صفة للموروث أَو الْوَارِث فبمعنى ذِي كَلَالَة، كَمَا يُقَال: فلَان من قَرَابَتي أَي: من ذِي قَرَابَتي. قَوْله: (وأبواب من أَبْوَاب الرِّبَا) الثَّالِث من الثَّلَاث، وأبواب الرِّبَا كَثِيرَة غير محصورة حَتَّى قَالَ بَعضهم: لَا رَبًّا إلَاّ فِي النَّسِيئَة، وَقَول عمر ﵁: وأبواب، يدل على أَنه كَانَ عِنْده نَص فِي بعض أبوابه دون بعض وَلِهَذَا تمنى معرفَة الْبَعْض. قَوْله: (يَا أَبَا عمر) وَأَصله يَا أَبَا عمر وحذفت الْألف للتَّخْفِيف وَهُوَ كنية الشّعبِيّ، وَالْقَائِل بِهَذَا أَبُو حَيَّان التَّيْمِيّ. قَوْله: (وَشَيْء) مُبْتَدأ تخصص بِالصّفةِ وَهُوَ قَوْله: (يصنع) وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: وَشَيْء يصنع بالسند من الْأرز مَا حكمه؟ والسند بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون، وبالدال الْمُهْملَة وَهِي بِلَاد بِالْقربِ من الْهِنْد. قَوْله: (من الرز) ويروى: من الْأرز. قَالَ الْجَوْهَرِي: الْأرز حب وَفِيه سِتّ لُغَات: أرز وأرز تتبع الضمة الضمة، وأرز وأرز مثل رسل ورسل، ورز ورنز، وَهِي لعبد الْقَيْس. قلت: وَفِيه لُغَة سابعة: أرز بِفَتْح الْهمزَة مَعَ تَخْفيف الزَّاي، كعضد. قَوْله: (ذَاك) أَي: الَّذِي يصنع من الرز لم يكن مَوْجُودا فِي الْمَدِينَة أَو مَعْرُوفا على زمن النَّبِي ﷺ . قَوْله: (أَو قَالَ) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (وَقَالَ حجاج عَن حَمَّاد) أَي: حجاج بن منهال، وَهُوَ شيخ البُخَارِيّ عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن أبي حَيَّان الْمَذْكُور فِي الحَدِيث مَكَان الْعِنَب الزَّبِيب، يَعْنِي: روى هَذَا الحَدِيث عَن أبي حَيَّان بِهَذَا السَّنَد والمتن فَذكر الزَّبِيب عوض الْعِنَب وَذكر البُخَارِيّ هَذَا عَن الْحجَّاج مذاكرة، وَوَصله عَليّ بن عبد الْعَزِيز فِي (مُسْنده) عَن حجاج بن منهال كَذَلِك. ٥٥٨٩ - حدّثناحَفْصُ بنُ عُمَرَ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ عبْدِ الله بنِ أبي السَّفَرِ عنِ الشَّعْبِيِّ عنِ ابنِ عُمَرَ عنْ عُمَر. قَالَ: الخَمْرُ تُصْنَعُ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الزبِيبِ والتمْرِ والحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والعَسَلِ. هَذَا طَرِيق آخر أخرجه عَن حَفْص بن عمر بن الْحَارِث أَبُو عمر الحوضي النمري الْأَزْدِيّ عَن شُعْبَة بن الْحجَّاج عَن

стр. 6373

عبد الله بن أبي السّفر ضد الْحَضَر واسْمه سعيد مُحَمَّد الْهَمدَانِي الْكُوفِي يروي عَن عَامر الشّعبِيّ عَن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه عمر بن الْخطاب ﵄ وَمر الْكَلَام فِي: بَاب الْخمر من الْعِنَب، فِي حَدِيث عمر مثل هَذَا، لَكِن هُنَاكَ الْعِنَب أحد الْخَمْسَة، وَهنا الزَّبِيب، وَقد قُلْنَا غير مرّة: إِن التَّنْصِيص على عدد معِين لَا يُنَافِي مَا عداهُ، وَإِن إِطْلَاق الْخمر على غير مَاء الْعِنَب المشتد لَيْسَ بطرِيق الْحَقِيقَة، وَإِنَّمَا هُوَ من: بَاب التَّشْبِيه، وَقَالَ بَعضهم: وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) من الْحَنَفِيَّة: الْخمر عندنَا مَا اعتصر من مَاء الْعِنَب إِذا اشْتَدَّ وَهُوَ مَعْرُوف عِنْد أهل اللُّغَة وَأهل الْعلم. قَالَ: وَقيل: هُوَ اسْم لكل مُسكر لقَوْله ﷺ : كل مُسكر خمر، وَقَوله: (الْخمر من هَاتين الشجرتين) وَلِأَنَّهُ من مخامرة الْعقل وَذَلِكَ مَوْجُود فِي كل مُسكر، وَلنَا: إطباق أهل اللُّغَة على تَخْصِيص الْخمر بالعنب، وَلِهَذَا اشْتهر اسْتِعْمَالهَا فِيهِ، وَلِأَن تَحْرِيم الْخمر قَطْعِيّ وَتَحْرِيم مَا عدا الْمُتَّخذ من الْعِنَب ظَنِّي، قَالَ: وَإِنَّمَا سمي الْخمر خمرًا لتخمره لَا لمخامرة الْعقل. قَالَ: وَلَا يُنَافِي ذَلِك كَون الِاسْم خَاصّا بِهِ، كَمَا فِي النَّجْم فَإِنَّهُ مُشْتَقّ من الظُّهُور ثمَّ هُوَ خَاص بِالثُّرَيَّا. انْتهى. ثمَّ قَالَ: هَذَا الْقَائِل: وَالْجَوَاب عَن الْحجَّة الأولى وَأطَال الْكَلَام بِهِ كَمَا نذكرهُ ونرد عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: وَعَن الثَّانِيَة وَعَن الثَّالِثَة كَذَلِك نذكرهما ونرد عَلَيْهِ. قلت: أما أَولا فَذكر صَاحب (الْهِدَايَة) عشرَة أوجه فِي ثُبُوت مَا ادَّعَاهُ من إِطْلَاق اسْم الْخمر على عصير الْعِنَب إِذا غلا وَاشْتَدَّ هُوَ الْمَعْرُوف عِنْد أهل اللُّغَة. وَأهل الْعلم وَبَين وَجه كل وَجه من الْعشْرَة، وَهَذَا الْقَائِل الْمُعْتَرض اعْترض على ثَلَاثَة أوجه مِنْهَا وَسكت عَن الْبَاقِي لعدم الْإِدْرَاك الْكَامِل والفهم النَّاقِص. بَيَان الْوَجْه الأول: من ذَلِك هُوَ قَوْله: وَالْجَوَاب عَن الْحجَّة الأولى ثُبُوت النَّقْل عَن بعض أهل اللُّغَة بِأَن غير الْمُتَّخذ من الْعِنَب يُسمى خمرًا، وَقَالَ الْخطابِيّ: زعم قوم أَن الْعَرَب لَا تعرف الْخمر إلَاّ من الْعِنَب، فَيُقَال لَهُم: إِن الصَّحَابَة الَّذين سموا غير الْمُتَّخذ من الْعِنَب خمرًا عرب فصحاء، فَلَو لم يكن هَذَا الِاسْم صَحِيحا لما أَطْلقُوهُ. انْتهى قلت: سُبْحَانَ الله! كَيفَ يكون هَذَا الْكَلَام جَوَابا عَن الْحجَّة الأولى وَبَيَان بُطْلَانه من وُجُوه. الأول: قَوْله ثُبُوت النَّقْل عَن بعض أهل اللُّغَة إِلَى آخِره، دَعْوَى مُجَرّدَة، فَمن هُوَ ذَلِك الْبَعْض من أهل اللُّغَة؟ بل الْمَنْقُول من أهل اللُّغَة أَن الْخمر من الْعِنَب والمتخذ من غَيره لَا يُسمى خمرًا إلَاّ مجَازًا، وَقد نفى أَبُو الْأسود الدؤَلِي الَّذِي هُوَ من أَعْيَان أهل اللُّغَة اسْم الْخمر عَن الطلاء، بقوله. (دع الْخمر يشْربهَا الغواة فإنني ... رَأَيْت أخاها مغنياً لمكانها) وَجعل الطلاء أَخا للخمر، وأخو الشَّيْء غَيره والطلاء كل مَا خثر من الْأَشْرِبَة وَهُوَ المثلث، وَيُقَال: الْمنصف، وكل ذَلِك بالطبخ من أَي عصير كَانَ. الثَّانِي: اسْتدلَّ بقول الْخطابِيّ، وَهُوَ لَيْسَ من أهل اللُّغَة، وَإِنَّمَا هُوَ ناقل. وَالثَّالِث: هُوَ أَن قَوْله: إِن الصَّحَابَة الَّذين سموا إِلَى آخِره، لَا يُنكره أحد وَلَا يُنكر أحد أَيْضا كَونهم فصحاء وأعيان أهل اللُّغَة، وَلَكِن مَا أطْلقُوا على الْعصير من غير الْعِنَب خمرًا بطرِيق الْوَضع اللّغَوِيّ بل بطرِيق التَّسْمِيَة وَالتَّسْمِيَة غير الْوَضع بِلَا خلاف، وَوجه تسميتهم من بَاب التَّشْبِيه وَالْمجَاز، وَمن جملَة مَا قَالَ فِي الْجَواب عَن الْحجَّة الأولى: وَقَالَ أهل الْمَدِينَة وَسَائِر الْحِجَازِيِّينَ وَأهل الحَدِيث كلهم: كل مُسكر خمر، فَنَقُول نَحن: لَا ننازع فِي هَذَا لِأَن مَعْنَاهُ: كل شراب أسكر فَحكمه حكم الْخمر فِي الْحُرْمَة وَبَقِيَّة الْأَحْكَام، فَلَا يدل هَذَا على إِطْلَاق الْخمر على الْمُتَّخذ من غير الْعِنَب خمرًا على الْحَقِيقَة، بل بطرِيق التَّشْبِيه والتشبيه لَا عُمُوم لَهُ، وَقَالَ أَيْضا: وَمن الْحجَّة لَهُم أَن الْقُرْآن لما نزل بِتَحْرِيم الْخمر فهم الصَّحَابَة، وهم أهل اللِّسَان، أَن كل شَيْء يُسمى خمرًا يدْخل فِي النَّهْي، فأراقوا الْمُتَّخذ من التَّمْر وَالرّطب وَلم يخصوا ذَلِك بالمتخذ من الْعِنَب انْتهى. قُلْنَا: إِنَّمَا أراقوا الْمُتَّخذ من التَّمْر وَالرّطب لِأَنَّهُ كَانَ مُسكرا حينئذٍ، فأطلقوا عَلَيْهِ الْخمر من جِهَة إسكاره. وَالدَّلِيل على أَنه كَانَ مُسكرا حِين بَلغهُمْ الْخَبَر بِتَحْرِيم الْخمر مَا رَوَاهُ أَبُو عَاصِم بِلَفْظ: حِين مَالَتْ رؤوسهم، فَدخل دَاخل فَقَالَ: إِن الْخمر حرمت. قَالَ: فَمَا خرج منا خَارج وَلَا دخل دَاخل حَتَّى كسرنا القلال وأهرقنا الشَّرَاب ... الحَدِيث، فَلَو كَانَ غير مُسكر لما فعلوا ذَلِك. وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث أنس قَالَ: كَانَ أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح وَسُهيْل بن بَيْضَاء وَأبي بن كَعْب عِنْد أبي طَلْحَة وَأَنا أسقيهم من شراب حَتَّى كَاد يَأْخُذ فيهم ... الحَدِيث وَفِي آخِره: وَإِنَّهَا الْبُسْر وَالتَّمْر، وَإِنَّهَا لخمرنا يومئذٍ، وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا، وَفِيه أَيْضا: حَتَّى كَاد الشَّرَاب أَن يَأْخُذ فيهم، وَفِي رِوَايَة للطحاوي: حَتَّى أسرعت فيهم، فَهَذَا يُنَادي بِأَعْلَى صَوته أَن مشروبهم يومئذٍ كَانَ مُسكرا، وَلما بَلغهُمْ الْخَبَر بِتَحْرِيم

стр. 6374

الْخمر بطلوا الشَّرَاب وأراقوا مَا بَقِي مِنْهُ. وَبَيَان الْوَجْه الثَّانِي من ذَلِك هُوَ قَوْله: وَعَن الثَّانِيَة يَعْنِي: الْجَواب عَن الْحجَّة الثَّانِيَة مَا تقدم من أَن اخْتِلَاف المشتركين فِي الحكم فِي الغلظ لَا يلْزم مِنْهُ افتراقهما فِي التَّسْمِيَة كَالزِّنَا مثلا، فَإِنَّهُ يصدق على من وطىء أَجْنَبِيَّة، وعَلى من وطىء امْرَأَة جَاره. وَالثَّانِي أغْلظ من الأول، وعَلى من وطىء محرما لَهُ وَهُوَ أغْلظ، وَاسم الزِّنَا مَعَ ذَلِك شَامِل للثَّلَاثَة. اهـ. قُلْنَا: سُبْحَانَ الله مَا أبعد هَذَا الْجَواب بِشَيْء وَنحن قَائِلُونَ بِهِ، وَذَلِكَ أَن الِاشْتِرَاك فِي الحكم فِي الغلظ لَا يسْتَلْزم افتراقهما فِي التَّسْمِيَة عِنْد وجود السكر فِي الْعصير الْمُتَّخذ من غير الْعِنَب، فَمن قَالَ: إِن الْعصير الْمُتَّخذ من غير الْعِنَب قيل السكر مُشْتَرك مَعَ عصير الْعِنَب المشتد فِي الحكم وَكَيف يكون ذَلِك والعصير الْمُتَّخذ من غير الْعِنَب قبل السكر لَا يُسمى حَرَامًا فضلا عَن أَن يُسمى خمرًا، بِخِلَاف الْعصير من الْعِنَب المشتد فَإِنَّهُ حرَام أسكر أَو لم يسكر؟ فأنِّي يَشْتَرِكَانِ فِي الحكم، وَالزِّنَا حرَام فِي كل حَالَة مُطلقًا من غير تَفْصِيل. وَبَيَان الْوَجْه الثَّالِث من ذَلِك هُوَ قَوْله وَعَن الثَّالِثَة: أَي الْجَواب عَن الْحجَّة الثَّالِثَة ثُبُوت النَّقْل عَن أعلم النَّاس بِلِسَان الْعَرَب بِمَا نَفَاهُ هُوَ، كَيفَ؟ وَهُوَ يستجيز أَن يَقُول: لَا لمخامرة الْعقل مَعَ قَول عمر ﵁ بِمحضر الصَّحَابَة: الْخمر مَا خامر الْعقل، وَكَانَ مُسْتَنده مَا ادَّعَاهُ من اتِّفَاق أهل اللُّغَة فَيحمل قَول عمر على الْمجَاز. اهـ. قُلْنَا: قَول صَاحب (الْهِدَايَة) فَإِنَّمَا سمى خمرًا لتخمره لَا لمخامرته الْعقل غير معَارض لكَلَام عمر ﵁ فَإِن مُرَاده من حَيْثُ الِاشْتِقَاق لِأَن الْخمر ثلاثي فَكيف يشتق من المخامرة الَّذِي هُوَ مزِيد الثلاثي؟ وإنكاره من هَذِه الْجِهَة على أَنه قَالَ بعد ذَلِك: على أَن مَا ذكرْتُمْ لَا يُنَافِي كَون اسْم الْخمر خَاصّا فِي النيء من مَاء الْعِنَب إِذا أسكر، فَإِن النَّجْم مُشْتَقّ من الظُّهُور وَهُوَ اسْم خَاص للنجم الْمَعْرُوف وَهُوَ الثريا، وَلَيْسَ هُوَ باسم لكل مَا ظهر، وَهَذَا كثير النَّظَائِر نَحْو: القارورة فَإِنَّهَا مُشْتَقَّة من الْقَرار وَلَيْسَت اسْما لكل مَا يُقرر فِيهِ شَيْء وَلم أر أحدا من شرَّاح (الْهِدَايَة) حرر هَذَا الْموضع كَمَا يَنْبَغِي، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة وَللَّه الْحَمد. وَمُلَخَّص الْكَلَام بِمَا فِيهِ الرَّد على كل من رد على أَصْحَابنَا فِيمَا قَالُوهُ من إِطْلَاق الْخمر حَقِيقَة على النيء من مَاء الْعِنَب المشتد وعَلى غَيره مجَازًا وتشبيهاً، مِنْهُم: أَبُو عمر والقرطبي والخطابي وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهم بِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ عَن ابْن عَبَّاس بِإِسْنَاد صَحِيح، قَالَ: حرمت الْخمْرَة بِعَينهَا والمسكر من كل شراب، وروى أَيْضا من حَدِيث ابْن شهَاب عَن ابْن أبي ليلى عَن عِيسَى: أَن أَبَاهُ بَعثه إِلَى أنس ﵁ فِي حَاجَة فأبصر عِنْده طلاء شَدِيدا، والطلاء مِمَّا يسكر كَثِيره. فَلم يكن عِنْد أنس ذَلِك خمرًا وَإِن كَثِيره يسكر فَثَبت بذلك أَن الْخمر لم يكن عِنْد أنس من كل شراب يسكر، وَلكنهَا من خَاص من الْأَشْرِبَة، وَهَذَا يدل على أَن أنسا كَانَ يشرب الطلاء، وَمَعَ هَذَا قَالَ الرَّافِعِيّ: ذهب أَكثر الشَّافِعِيَّة إِلَى أَن الْخمر حَقِيقَة فِيمَا يتَّخذ من الْعِنَب مجَاز فِي غَيره، وَقَالَ بَعضهم: وَخَالفهُ ابْن الرّفْعَة فَنقل عَن الْمُزنِيّ وَابْن أبي هُرَيْرَة وَأكْثر الْأَصْحَاب أَن الْجَمِيع يُسمى خمرًا حَقِيقَة. قلت: هَذَا الْقَائِل لم يدر الْفرق بَين الرَّافِعِيّ وَابْن الرّفْعَة، وَالله سُبْحَانَهُ وَأعلم. ٦ - (بابُ مَا جاءَ فِيمَن يَسْتَحِلُّ الخَمْرَ ويُسَمِّيه بِغَيْرِ اسْمِه) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي حق من يرى الْخمر حَلَالا. قَوْله: (ويسميه) أَي: يُسَمِّي الْخمر أَي: وَفِي بَيَان من يُسمى الْخمر بِغَيْر اسْمه، وَإِنَّمَا ذكر ضمير الْخمر بالتذكير مَعَ أَن الْخمر مؤنث سَمَاعي بِاعْتِبَار الشَّرَاب. قَالَ الْكرْمَانِي: ويروى يسميها بِغَيْر اسْمهَا يَعْنِي: بتأنيث الضَّمِير على الأَصْل. ٥٥٩٠ - وَقَالَ هِشامُ بنُ عَمَّارٍ: حَدثنَا صَدَقَةُ بنُ خالِدٍ حَدثنَا عبدُ الرَّحْمانِ بنُ يَزِيدَ بنِ جابِرٍ حَدثنَا عَطِيَّةُ بنُ قَيْسٍ الكِلَابِيُّ حَدثنَا عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ غَنْمٍ الأشْعَرِيُّ قَالَ: حدّثني أبُو عامِرٍ. أوْ أبُو مالِكٍ الأشْعَرِيُّ. وَالله مَا كَذَبَنِي، سَمِعَ النبيِّ ﷺ ، يَقُولُ: لِيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ والحَرِيرَ والخَمْرَ والمَعازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَليْهِمْ بِسارِحَةٍ لَهُمْ يأْتِيهِمْ يَعْني: الفَقِيرَ لحاجَةٍ، فَيَقُولُون: ارْجِعْ إلَيْنا غَداً فَيُبَيِّتُهُمُ الله وَيَضَعُ العَلَمَ، ويَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وخنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ القِيامَةِ.

стр. 6375

مُطَابقَة الْجُزْء الأول للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُطَابق الْجُزْء الثَّانِي قيل: أَشَارَ بقوله (ويسميه) بِغَيْر اسْمه إِلَى حَدِيث رُوِيَ فِي ذَلِك، وَلكنه لم يُخرجهُ لكَونه على غير شَرطه، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من طَرِيق مَالك بن أبي مَرْيَم عَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ عَن النَّبِي ﷺ ، ليشربنَّ ناسٌ الْخمر يسمونها بِغَيْر اسْمهَا، وَصَححهُ ابْن حبَان، وروى ابْن أبي شيبَة من حَدِيث أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول: يشرب نَاس من أمتِي الْخمر يسمونها بِغَيْر اسْمهَا، وَصَححهُ ابْن حبَان، وروى ابْن أبي شيبَة من حَدِيث أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول: يشرب نَاس من أمتِي الْخمر يسمونها بِغَيْر اسْمهَا يضْرب على رؤوسهم بالمعازف والقينات يخسف الله بهم الأَرْض، وَيجْعَل مِنْهُم القردة والخنازير. قَوْله: وَقَالَ هِشَام بن عمار بن نصير بن ميسرَة أَبُو الْوَلِيد السّلمِيّ الدِّمَشْقِي، وَهُوَ أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ وروى عَنهُ فِي فضل أبي بكر ﵁ وَفِي الْبيُوع أسْند عَنهُ فِي هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ، وَفِي ثَلَاث مَوَاضِع يَقُول: قَالَ هِشَام بن عمار فِي الْأَشْرِبَة هَذَا، وَفِي الْمَغَازِي: إِن النَّاس كَانُوا مَعَ رَسُول الله ﷺ ، يَوْم الْحُدَيْبِيَة تفَرقُوا فِي ظلال شجر، وَفِي قَوْله ﷺ : لَا تكن مثل فلَان، كَانَ يقوم اللَّيْل، فَفِي هَذِه الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة لَا يَقُول: حَدثنَا وَلَا أخبرنَا، وَالظَّاهِر أَنه أَخذ هَذَا الحَدِيث عَن هِشَام هَذَا مذاكرة. والْحَدِيث صَحِيح وَإِن كَانَت صورته صُورَة التَّعْلِيق، وَقد تقرر عِنْد الْحفاظ أَن الَّذِي يَأْتِي بِهِ البُخَارِيّ من التَّعَالِيق كلهَا بِصِيغَة الْجَزْم يكون صَحِيحا إِلَى من علقه عَنهُ، وَلَو لم يكن من شبوخه. فَإِن قلت: قَالَ ابْن حزم: هَذَا الحَدِيث مُنْقَطع فِيمَا بَين البُخَارِيّ وَصدقَة بن خَالِد والمنقطع لَا تقوم بِهِ حجَّة. قلت: وهم ابْن حزم فِي هَذَا، فَالْبُخَارِي إِنَّمَا قَالَ: قَالَ هِشَام بن عمار: حَدثنَا صَدَقَة وَلم يقل: قَالَ صَدَقَة بن خَالِد. قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) وليته أعله بِصَدقَة فَإِن يحيى قَالَ فِيهِ: لَيْسَ بِشَيْء، رَوَاهُ ابْن الْجُنَيْد عَنهُ، وروى الْمروزِي عَن أَحْمد: لَيْسَ بِمُسْتَقِيم وَلم يرضه. قلت: هَذَا تمنٍ غير مرجو فِيهِ، المُرَاد فَإِن عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ عَن أَبِيه، فَقِيه ثِقَة لَيْسَ بِهِ بَأْس، أثبت من الْوَلِيد بن مُسلم صَالح الحَدِيث. وَقَالَ دُحَيْم وَالْعجلِي وَمُحَمّد بن سعد وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة، وروى عَن يحيى أَيْضا، وَذهل صَاحب (التَّوْضِيح) وَظن أَنه الْمَنْقُول عَن أَحْمد وَيحيى فِيهِ وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك فِي صَدَقَة بن عبد السمين وَهُوَ أقدم من صَدَقَة بن خَالِد، وَقد شَاركهُ فِي كَونه دمشقياً، وَفِي رِوَايَة عَن بعض شُيُوخه كزيد بن وَاقد وَهُوَ صَدَقَة بن خَالِد الْقرشِي الْأمَوِي أَبُو الْعَبَّاس الدِّمَشْقِي مولى أم الْبَنِينَ أُخْت مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان. قَالَه البُخَارِيّ وَأَبُو حَاتِم، وَقيل: مولى أم الْبَنِينَ أُخْت عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ قَالَه هِشَام بن عمار الرَّاوِي عَنهُ، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَآخر تقدم فِي مَنَاقِب أبي بكر، وَصدقَة هَذَا يروي عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن جَابر الْأَزْدِيّ مر فِي الصَّوْم وَهُوَ يروي عَن عطيةِ بن قيس الْكلابِي الشَّامي التَّابِعِيّ يروي عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون: ابْن كريب بن هانىء مُخْتَلف فِي صحبته، وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ أَبوهُ مِمَّن قدم على رَسُول الله ﷺ فِي صُحْبَة أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَذكر ابْن يُونُس أَن عبد الرَّحْمَن كَانَ مَعَ أَبِيه حِين وَفد، وَقَالَ أَبُو زرْعَة الدِّمَشْقِي وَغَيره من حفاظ الشَّام: إِنَّه أدْرك النَّبِي ﷺ ، وَلم يلقه. وَقَالَ أَبُو عمر عبد الرَّحْمَن بن غنم الْأَشْعَرِيّ جاهلي: كَانَ مُسلما على عهد رَسُول الله ﷺ وَلم يره، وَلم يفد عَلَيْهِ، ولازم معَاذ بن جبل ﵁ مُنْذُ بَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَى الْيمن إِلَى أَن مَاتَ فِي خلَافَة عمر ﵁ وَسمع من عمر بن الْخطاب، وَكَانَ أفقه أهل الشَّام، وَهُوَ الَّذِي فقه عَامَّة التَّابِعين بِالشَّام، وَمَات بِالشَّام سنة ثَمَان وَسبعين. قَوْله: (قَالَ حَدثنِي أَبُو عَامر، أَو أَبُو مَالك الْأَشْعَرِيّ) هَكَذَا رَوَاهُ أَكثر الْحفاظ عَن هِشَام بن عمار بِالشَّكِّ، وَكَذَا وَقع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة بشر بن بكر، لَكِن وَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد من رِوَايَة بشر بن بكر حَدثنِي أَبُو مَالك بِغَيْر شكّ، وَالرَّاجِح أَنه عَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ وَهُوَ صَحَابِيّ مَشْهُور، قيل: اسْمه كَعْب، وَقيل: عَمْرو، وَقيل: عبد الله، وَقيل: عبيد يعد فِي الشاميين، وَأما أَبُو عَامر الْأَشْعَرِيّ فَقَالَ الْمزي: اخْتلف فِي اسْمه، فَقيل: عبيد الله بن هانىء وَقيل: عبد الله بن وهب، وَقيل: عبيد بن وهب، سكن الشَّام وَلَيْسَ بعم أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، ذَاك قتل أَيَّام حنين فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ ، واسْمه عبيد بن حضار، وَهَذَا بَقِي إِلَى زمن عبد الْملك بن مَرْوَان. فَإِن قلت: قَالَ الْمُهلب: هَذَا حَدِيث ضَعِيف لِأَن البُخَارِيّ لم يسْندهُ من أجل شكّ الْمُحدث فِي (الصاحب) فَقَالَ أَبُو عَامر أَو أَبُو مَالك: قلت:
следующие страницы →