Полный текст (7 603 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.
стр. 6371
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع الْحِمصِي، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.
والْحَدِيث مضى فِي الطَّهَارَة مُخْتَصرا فِي: بَاب لَا يجوز الْوضُوء بالنبيذ، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب.
قَوْله: (كل شراب أسكر) من جَوَامِع الْكَلم لِأَنَّهُ سُئِلَ عَن البتع وَأجَاب عَن جنس المشروب الْمُسكر.
قَوْله: (وَعَن الزُّهْرِيّ) هُوَ من رِوَايَة شُعَيْب أَيْضا عَن الزُّهْرِيّ، وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (فِي الدُّبَّاء) بِضَم الدَّال وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالمد وَهُوَ القرع. قَوْله: (والمزفت) بِضَم الْمِيم وَفتح الزَّاي وَتَشْديد الْفَاء الْمَفْتُوحَة وَهُوَ الْإِنَاء المزفت بالزفت، وَهُوَ شَيْء كالقير.
قَوْله: (وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة) الْقَائِل بِهَذَا هُوَ الزُّهْرِيّ، وَقع ذَلِك عِنْد شُعَيْب عَنهُ مُرْسلا. وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي عُيَيْنَة عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: لَا تنتبذوا فِي الدُّبَّاء وَلَا فِي المزفت، ثمَّ يَقُول أَبُو هُرَيْرَة: (وَاجْتَنبُوا الحناتم) ، وَرَفعه من طَرِيق سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، وَزَاد فِيهِ: والدباء. قَوْله: (يلْحق) بِضَم الْيَاء من الْإِلْحَاق. قَوْله: (مَعَهُمَا) أَي: مَعَ الدُّبَّاء والمزفت. قَوْله: (الحنتم) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَهِي الجرة الخضراء، والنقير بِفَتْح النُّون وَكسر الْقَاف وَهُوَ الْخشب المنقور، وخصت هَذِه الظروف بِالنَّهْي لِأَنَّهَا ظروف منبذة فَإِذا انتبذ صَاحبهَا كَانَ على خطر مِنْهَا لِأَن الشَّرَاب فِيهَا قد يصير مُسكرا وَهُوَ لَا يشْعر بهَا.
٥ - (بابُ مَا جاءَ فِي أنَّ الخَمْرَ مَا خامَرَ العَقْلَ مِنَ الشَّرَابِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من الْأَخْبَار فِي أَن الْخمر هُوَ مَا خامر الْعقل من شرب الشَّرَاب.
٥٥٨٨ - حدّثناأحْمَدُ بنُ أبي رَجاءٍ حَدثنَا يَحْياى عنْ أبي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ عَن الشَّعْبِيِّ عَن ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ عَلى مِنْبَرِ رسولِ الله ﷺ فَقَالَ: إنَّهُ قَدْ نَزَلَ تحْرِيمُ الخَمْرِ، وهْيَ مِنْ خَمْسَةِ أشْياءَ: العِنَبِ والتمْر والحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والعسَلِ. والخَمْرُ مَا خامَرَ العَقْلَ، وثَلَاثٌ وَدِدْتُ أنَّ رسولَ الله ﷺ لَمْ يُفارِقْنا حَتَّى يَعْهَدَ إلَيْنا. عَهْداً: الجَدُّ والكَلَالَةُ وأبْوَابُ مِنْ أبْوابِ الرِّبا؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا عَمْرٍ وأفَشَيءٌ يُصْنَعُ بالسِّنْدِ منَ الرُّزِّ؟ قَالَ: ذَاكَ لمْ يَكُنْ عَلى عهْدِ النبيِّ ﷺ أوْ قَالَ: عَلى عهْدِ عُمَرَ.
وَقَالَ حجَّاجٌ عنْ حمَّادٍ عنْ أبي حَيَّانَ مكانَ العِنَبِ: الزَّبِيبَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَالْخمر مَا خامر الْعقل) وَأحمد بن أبي رَجَاء بِالْجِيم اسْمه عبد الله بن أَيُّوب أَبُو الْوَلِيد الْحَنَفِيّ الْهَرَوِيّ، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَأَبُو حَيَّان بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون واسْمه يحيى بن سعيد التَّيْمِيّ، وَالشعْبِيّ عَامر بن شرَاحِيل.
والْحَدِيث قد مضى فِي تَفْسِير سُورَة الْمَائِدَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ إِلَى قَوْله: (وَالْخمر مَا خامر الْعقل) وَأخرجه أَيْضا فِي الِاعْتِصَام. وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة غير ابْن ماجة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (قد نزل تَحْرِيم الْخمر) أَرَادَ بِهِ عمر ﵁ نزُول الْآيَة الْمَذْكُورَة فِي أول كتاب الْأَشْرِبَة وَهِي آيَة الْمَائِدَة. ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر﴾ (الْمَائِدَة: ٩٠) الْآيَة. وَقَالَ بَعضهم: أَرَادَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى. عَنهُ، التَّنْبِيه على أَن المُرَاد بِالْخمرِ فِي هَذِه الْآيَة لَيْسَ خَاصّا بالمتخذ من الْعِنَب، بل يتَنَاوَل الْمُتَّخذ من غَيرهَا. قلت: نعم يتَنَاوَل غير الْمُتَّخذ من الْعِنَب من حَيْثُ التَّشْبِيه لَا من حَيْثُ الْحَقِيقَة. قَوْله: (وَهِي من خَمْسَة أَشْيَاء) جملَة حَالية لَا تَقْتَضِي الْحصْر وَلَا يَنْبَغِي إِطْلَاق الخمرية على نَبِيذ الذّرة والأرز وَغَيرهمَا، وَقَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا عد عمر ﵁ هَذِه الْأَنْوَاع الْخَمْسَة لاشتهار أسمائها فِي زَمَانه وَلم يكن بوجد بِالْمَدِينَةِ الْوُجُود الْعَام فَإِن الْحِنْطَة كَانَت عزيزة وَالْعَسَل مثلهَا أَو أعز، فعد عمر ﵁ مَا عرف مِنْهَا، وَجعل مَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّا يتَّخذ من الْأرز وَغَيره خمر بمثابتها إِن كَانَ مِمَّا يخَامر الْعقل ويسكر كإسكارها. قَوْله: (وَالْخمر مَا خامر الْعقل) أَي: غطاه وخالطه، وَلم يتْركهُ على حَاله، وَهُوَ من مجَاز التَّشْبِيه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فِيهِ دَلِيل على إِحْدَاث الِاسْم بِالْقِيَاسِ وَأَخذه من طَرِيق الِاشْتِقَاق. قلت: هَذَا
стр. 6372
الْبَاب فِيهِ خلاف. وَقيل: هَذَا تَعْرِيف بِحَسب اللُّغَة لَا بِحَسب الْعرف فَإِنَّهُ بِحَسبِهِ مَا يخَامر الْعقل من عصير الْعِنَب خَاصَّة. قلت: لَا نسلم أَن هَذَا التَّعْرِيف بِحَسب اللُّغَة، بل هُوَ تَعْرِيف بِحَسب الْعرف، وَهَذَا الْقَائِل عكس الْأَمر فِيهِ لِأَن الأَصْل فِي خمر الْعِنَب رِعَايَة الْمَعْنى اللّغَوِيّ، وَفِي الْعرف لَا يسْتَعْمل فِي غَيره إلَاّ بطرِيق الْمجَاز. قَوْله: (وَثَلَاث) قَالَ بَعضهم: هِيَ صفة مَوْصُوف أَي: أُمُور أَو أَحْكَام. قلت: الموجه أَن يُقَال: أَي ثَلَاث قضايا أَو ثَلَاث مسَائِل. قَوْله: (وددت) أَي: تمنيت، وَإِنَّمَا تمنى ذَلِك لِأَنَّهُ أبعد من مَحْذُور الِاجْتِهَاد فِيهِ وَهُوَ الْخَطَأ فِيهِ على تَقْدِير وُقُوعه، وَلَو كَانَ مأجوراً عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يفوتهُ بذلك الْأجر الثَّانِي، وَالْعَمَل بِالنَّصِّ إِصَابَة مَحْضَة. قَوْله: (لم يفارقنا حَتَّى يعْهَد إِلَيْنَا عهدا) أَي: حَتَّى يبين لنا، وَفِي رِوَايَة مُسلم: عهدا ننتهي إِلَيْهِ قَوْله: (الْجد) أَي: الأول من الثَّلَاث الْجد أَي: مَسْأَلَة الْجد فِي أَنه يحجب الْأَخ أَو ينحجب بِهِ أَو يقاسمه وَفِي قدر مَا يَرِثهُ لِأَن الصَّحَابَة اخْتلفُوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا فَروِيَ عَن عُبَيْدَة أَنه قَالَ: حفظت عَن عمر ﵁ فِي الْجد سبعين قَضِيَّة كلهَا يُخَالف بَعْضهَا بَعْضًا، وَعَن عمر أَنه جمع الصَّحَابَة ليجتمعوا فِي الْجد على قَول، فَسَقَطت حَيَّة من السّقف فَتَفَرَّقُوا، فَقَالَ عمر ﵁ أَبى الله إلَاّ أَن يَخْتَلِفُوا فِي الْجد، وَقَالَ عَليّ ﵁: من أَرَادَ أَن يفتح جراثيم جَهَنَّم فليقض فِي الْجد، يُرِيد أُصُولهَا، والجراثيم جمع جرثومة وَهِي الأَصْل. وَقَالَ أَبُو بكر وَابْن الزبير وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَأَبُو مُوسَى ﵃: هُوَ يحجب الْأُخوة. وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة، وَقَالَ زيد: هُوَ كَأحد الْأُخوة مَا لم تنقصه الْمُقَاسَمَة، فَإِذا أنقصته أعطي الثُّلُث وقسموا للأخوة مَا بَقِي، وَبِه قَالَ مَالك وَأَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ، وَرُوِيَ عَن عَليّ ﵁: هُوَ أَخ مَعَهم مَا لم تنقصه الْمُقَاسَمَة من الثُّلُث. قَوْله: (والكلالة) أَي: وَالثَّانِي من الثَّلَاث مَسْأَلَة الْكَلَالَة، بِفَتْح الْكَاف وَتَخْفِيف اللَّام: وَهُوَ من لَا ولد لَهُ وَلَا وَالِد قَالَه أَبُو بكر وَعمر وَعلي وَزيد وَابْن مَسْعُود والمدنيون والبصريون والكوفيون، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس: هُوَ من لَا ولد لَهُ وَإِن كَانَ لَهُ وَالِد، وَقَالَ شَيخنَا أَمِين الدّين فِي (شَرحه للسراجية) : الْكَلَالَة تطلق على ثَلَاثَة: على من لم يخلف ولدا وَلَا والداً، وعَلى من لَيْسَ يُولد وَلَا وَالِد من الْمُخلفين، وعَلى الْقَرَابَة من جِهَة الْوَلَد وَالْوَالِد، قَالَ: وَهُوَ فِي الأَصْل مصدر بِمَعْنى الكلال وَهُوَ ذهَاب الْقُوَّة من الإعياء فاستعيرت لِلْقَرَابَةِ من غير جِهَة الْوَلَد وَالْوَالِد لِأَنَّهَا بِالْإِضَافَة إِلَى قرابتهما ضَعِيفَة، وَإِذا جعل صفة للموروث أَو الْوَارِث فبمعنى ذِي كَلَالَة، كَمَا يُقَال: فلَان من قَرَابَتي أَي: من ذِي قَرَابَتي. قَوْله: (وأبواب من أَبْوَاب الرِّبَا) الثَّالِث من الثَّلَاث، وأبواب الرِّبَا كَثِيرَة غير محصورة حَتَّى قَالَ بَعضهم: لَا رَبًّا إلَاّ فِي النَّسِيئَة، وَقَول عمر ﵁: وأبواب، يدل على أَنه كَانَ عِنْده نَص فِي بعض أبوابه دون بعض وَلِهَذَا تمنى معرفَة الْبَعْض. قَوْله: (يَا أَبَا عمر) وَأَصله يَا أَبَا عمر وحذفت الْألف للتَّخْفِيف وَهُوَ كنية الشّعبِيّ، وَالْقَائِل بِهَذَا أَبُو حَيَّان التَّيْمِيّ. قَوْله: (وَشَيْء) مُبْتَدأ تخصص بِالصّفةِ وَهُوَ قَوْله: (يصنع) وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: وَشَيْء يصنع بالسند من الْأرز مَا حكمه؟ والسند بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون، وبالدال الْمُهْملَة وَهِي بِلَاد بِالْقربِ من الْهِنْد. قَوْله: (من الرز) ويروى: من الْأرز. قَالَ الْجَوْهَرِي: الْأرز حب وَفِيه سِتّ لُغَات: أرز وأرز تتبع الضمة الضمة، وأرز وأرز مثل رسل ورسل، ورز ورنز، وَهِي لعبد الْقَيْس. قلت: وَفِيه لُغَة سابعة: أرز بِفَتْح الْهمزَة مَعَ تَخْفيف الزَّاي، كعضد. قَوْله: (ذَاك) أَي: الَّذِي يصنع من الرز لم يكن مَوْجُودا فِي الْمَدِينَة أَو مَعْرُوفا على زمن النَّبِي ﷺ . قَوْله: (أَو قَالَ) شكّ من الرَّاوِي.
قَوْله: (وَقَالَ حجاج عَن حَمَّاد) أَي: حجاج بن منهال، وَهُوَ شيخ البُخَارِيّ عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن أبي حَيَّان الْمَذْكُور فِي الحَدِيث مَكَان الْعِنَب الزَّبِيب، يَعْنِي: روى هَذَا الحَدِيث عَن أبي حَيَّان بِهَذَا السَّنَد والمتن فَذكر الزَّبِيب عوض الْعِنَب وَذكر البُخَارِيّ هَذَا عَن الْحجَّاج مذاكرة، وَوَصله عَليّ بن عبد الْعَزِيز فِي (مُسْنده) عَن حجاج بن منهال كَذَلِك.
٥٥٨٩ - حدّثناحَفْصُ بنُ عُمَرَ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ عبْدِ الله بنِ أبي السَّفَرِ عنِ الشَّعْبِيِّ عنِ ابنِ عُمَرَ عنْ عُمَر. قَالَ: الخَمْرُ تُصْنَعُ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الزبِيبِ والتمْرِ والحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والعَسَلِ.
هَذَا طَرِيق آخر أخرجه عَن حَفْص بن عمر بن الْحَارِث أَبُو عمر الحوضي النمري الْأَزْدِيّ عَن شُعْبَة بن الْحجَّاج عَن
стр. 6373
عبد الله بن أبي السّفر ضد الْحَضَر واسْمه سعيد مُحَمَّد الْهَمدَانِي الْكُوفِي يروي عَن عَامر الشّعبِيّ عَن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه عمر بن الْخطاب ﵄ وَمر الْكَلَام فِي: بَاب الْخمر من الْعِنَب، فِي حَدِيث عمر مثل هَذَا، لَكِن هُنَاكَ الْعِنَب أحد الْخَمْسَة، وَهنا الزَّبِيب، وَقد قُلْنَا غير مرّة: إِن التَّنْصِيص على عدد معِين لَا يُنَافِي مَا عداهُ، وَإِن إِطْلَاق الْخمر على غير مَاء الْعِنَب المشتد لَيْسَ بطرِيق الْحَقِيقَة، وَإِنَّمَا هُوَ من: بَاب التَّشْبِيه، وَقَالَ بَعضهم: وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) من الْحَنَفِيَّة: الْخمر عندنَا مَا اعتصر من مَاء الْعِنَب إِذا اشْتَدَّ وَهُوَ مَعْرُوف عِنْد أهل اللُّغَة وَأهل الْعلم. قَالَ: وَقيل: هُوَ اسْم لكل مُسكر لقَوْله ﷺ : كل مُسكر خمر، وَقَوله: (الْخمر من هَاتين الشجرتين) وَلِأَنَّهُ من مخامرة الْعقل وَذَلِكَ مَوْجُود فِي كل مُسكر، وَلنَا: إطباق أهل اللُّغَة على تَخْصِيص الْخمر بالعنب، وَلِهَذَا اشْتهر اسْتِعْمَالهَا فِيهِ، وَلِأَن تَحْرِيم الْخمر قَطْعِيّ وَتَحْرِيم مَا عدا الْمُتَّخذ من الْعِنَب ظَنِّي، قَالَ: وَإِنَّمَا سمي الْخمر خمرًا لتخمره لَا لمخامرة الْعقل. قَالَ: وَلَا يُنَافِي ذَلِك كَون الِاسْم خَاصّا بِهِ، كَمَا فِي النَّجْم فَإِنَّهُ مُشْتَقّ من الظُّهُور ثمَّ هُوَ خَاص بِالثُّرَيَّا. انْتهى. ثمَّ قَالَ: هَذَا الْقَائِل: وَالْجَوَاب عَن الْحجَّة الأولى وَأطَال الْكَلَام بِهِ كَمَا نذكرهُ ونرد عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: وَعَن الثَّانِيَة وَعَن الثَّالِثَة كَذَلِك نذكرهما ونرد عَلَيْهِ. قلت: أما أَولا فَذكر صَاحب (الْهِدَايَة) عشرَة أوجه فِي ثُبُوت مَا ادَّعَاهُ من إِطْلَاق اسْم الْخمر على عصير الْعِنَب إِذا غلا وَاشْتَدَّ هُوَ الْمَعْرُوف عِنْد أهل اللُّغَة. وَأهل الْعلم وَبَين وَجه كل وَجه من الْعشْرَة، وَهَذَا الْقَائِل الْمُعْتَرض اعْترض على ثَلَاثَة أوجه مِنْهَا وَسكت عَن الْبَاقِي لعدم الْإِدْرَاك الْكَامِل والفهم النَّاقِص. بَيَان الْوَجْه الأول: من ذَلِك هُوَ قَوْله: وَالْجَوَاب عَن الْحجَّة الأولى ثُبُوت النَّقْل عَن بعض أهل اللُّغَة بِأَن غير الْمُتَّخذ من الْعِنَب يُسمى خمرًا، وَقَالَ الْخطابِيّ: زعم قوم أَن الْعَرَب لَا تعرف الْخمر إلَاّ من الْعِنَب، فَيُقَال لَهُم: إِن الصَّحَابَة الَّذين سموا غير الْمُتَّخذ من الْعِنَب خمرًا عرب فصحاء، فَلَو لم يكن هَذَا الِاسْم صَحِيحا لما أَطْلقُوهُ. انْتهى قلت: سُبْحَانَ الله! كَيفَ يكون هَذَا الْكَلَام جَوَابا عَن الْحجَّة الأولى وَبَيَان بُطْلَانه من وُجُوه.
الأول: قَوْله ثُبُوت النَّقْل عَن بعض أهل اللُّغَة إِلَى آخِره، دَعْوَى مُجَرّدَة، فَمن هُوَ ذَلِك الْبَعْض من أهل اللُّغَة؟ بل الْمَنْقُول من أهل اللُّغَة أَن الْخمر من الْعِنَب والمتخذ من غَيره لَا يُسمى خمرًا إلَاّ مجَازًا، وَقد نفى أَبُو الْأسود الدؤَلِي الَّذِي هُوَ من أَعْيَان أهل اللُّغَة اسْم الْخمر عَن الطلاء، بقوله.
(دع الْخمر يشْربهَا الغواة فإنني ... رَأَيْت أخاها مغنياً لمكانها)
وَجعل الطلاء أَخا للخمر، وأخو الشَّيْء غَيره والطلاء كل مَا خثر من الْأَشْرِبَة وَهُوَ المثلث، وَيُقَال: الْمنصف، وكل ذَلِك بالطبخ من أَي عصير كَانَ. الثَّانِي: اسْتدلَّ بقول الْخطابِيّ، وَهُوَ لَيْسَ من أهل اللُّغَة، وَإِنَّمَا هُوَ ناقل. وَالثَّالِث: هُوَ أَن قَوْله: إِن الصَّحَابَة الَّذين سموا إِلَى آخِره، لَا يُنكره أحد وَلَا يُنكر أحد أَيْضا كَونهم فصحاء وأعيان أهل اللُّغَة، وَلَكِن مَا أطْلقُوا على الْعصير من غير الْعِنَب خمرًا بطرِيق الْوَضع اللّغَوِيّ بل بطرِيق التَّسْمِيَة وَالتَّسْمِيَة غير الْوَضع بِلَا خلاف، وَوجه تسميتهم من بَاب التَّشْبِيه وَالْمجَاز، وَمن جملَة مَا قَالَ فِي الْجَواب عَن الْحجَّة الأولى: وَقَالَ أهل الْمَدِينَة وَسَائِر الْحِجَازِيِّينَ وَأهل الحَدِيث كلهم: كل مُسكر خمر، فَنَقُول نَحن: لَا ننازع فِي هَذَا لِأَن مَعْنَاهُ: كل شراب أسكر فَحكمه حكم الْخمر فِي الْحُرْمَة وَبَقِيَّة الْأَحْكَام، فَلَا يدل هَذَا على إِطْلَاق الْخمر على الْمُتَّخذ من غير الْعِنَب خمرًا على الْحَقِيقَة، بل بطرِيق التَّشْبِيه والتشبيه لَا عُمُوم لَهُ، وَقَالَ أَيْضا: وَمن الْحجَّة لَهُم أَن الْقُرْآن لما نزل بِتَحْرِيم الْخمر فهم الصَّحَابَة، وهم أهل اللِّسَان، أَن كل شَيْء يُسمى خمرًا يدْخل فِي النَّهْي، فأراقوا الْمُتَّخذ من التَّمْر وَالرّطب وَلم يخصوا ذَلِك بالمتخذ من الْعِنَب انْتهى. قُلْنَا: إِنَّمَا أراقوا الْمُتَّخذ من التَّمْر وَالرّطب لِأَنَّهُ كَانَ مُسكرا حينئذٍ، فأطلقوا عَلَيْهِ الْخمر من جِهَة إسكاره. وَالدَّلِيل على أَنه كَانَ مُسكرا حِين بَلغهُمْ الْخَبَر بِتَحْرِيم الْخمر مَا رَوَاهُ أَبُو عَاصِم بِلَفْظ: حِين مَالَتْ رؤوسهم، فَدخل دَاخل فَقَالَ: إِن الْخمر حرمت. قَالَ: فَمَا خرج منا خَارج وَلَا دخل دَاخل حَتَّى كسرنا القلال وأهرقنا الشَّرَاب ... الحَدِيث، فَلَو كَانَ غير مُسكر لما فعلوا ذَلِك. وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث أنس قَالَ: كَانَ أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح وَسُهيْل بن بَيْضَاء وَأبي بن كَعْب عِنْد أبي طَلْحَة وَأَنا أسقيهم من شراب حَتَّى كَاد يَأْخُذ فيهم ... الحَدِيث وَفِي آخِره: وَإِنَّهَا الْبُسْر وَالتَّمْر، وَإِنَّهَا لخمرنا يومئذٍ، وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا، وَفِيه أَيْضا: حَتَّى كَاد الشَّرَاب أَن يَأْخُذ فيهم، وَفِي رِوَايَة للطحاوي: حَتَّى أسرعت فيهم، فَهَذَا يُنَادي بِأَعْلَى صَوته أَن مشروبهم يومئذٍ كَانَ مُسكرا، وَلما بَلغهُمْ الْخَبَر بِتَحْرِيم
стр. 6374
الْخمر بطلوا الشَّرَاب وأراقوا مَا بَقِي مِنْهُ.
وَبَيَان الْوَجْه الثَّانِي من ذَلِك هُوَ قَوْله: وَعَن الثَّانِيَة يَعْنِي: الْجَواب عَن الْحجَّة الثَّانِيَة مَا تقدم من أَن اخْتِلَاف المشتركين فِي الحكم فِي الغلظ لَا يلْزم مِنْهُ افتراقهما فِي التَّسْمِيَة كَالزِّنَا مثلا، فَإِنَّهُ يصدق على من وطىء أَجْنَبِيَّة، وعَلى من وطىء امْرَأَة جَاره. وَالثَّانِي أغْلظ من الأول، وعَلى من وطىء محرما لَهُ وَهُوَ أغْلظ، وَاسم الزِّنَا مَعَ ذَلِك شَامِل للثَّلَاثَة. اهـ. قُلْنَا: سُبْحَانَ الله مَا أبعد هَذَا الْجَواب بِشَيْء وَنحن قَائِلُونَ بِهِ، وَذَلِكَ أَن الِاشْتِرَاك فِي الحكم فِي الغلظ لَا يسْتَلْزم افتراقهما فِي التَّسْمِيَة عِنْد وجود السكر فِي الْعصير الْمُتَّخذ من غير الْعِنَب، فَمن قَالَ: إِن الْعصير الْمُتَّخذ من غير الْعِنَب قيل السكر مُشْتَرك مَعَ عصير الْعِنَب المشتد فِي الحكم وَكَيف يكون ذَلِك والعصير الْمُتَّخذ من غير الْعِنَب قبل السكر لَا يُسمى حَرَامًا فضلا عَن أَن يُسمى خمرًا، بِخِلَاف الْعصير من الْعِنَب المشتد فَإِنَّهُ حرَام أسكر أَو لم يسكر؟ فأنِّي يَشْتَرِكَانِ فِي الحكم، وَالزِّنَا حرَام فِي كل حَالَة مُطلقًا من غير تَفْصِيل.
وَبَيَان الْوَجْه الثَّالِث من ذَلِك هُوَ قَوْله وَعَن الثَّالِثَة: أَي الْجَواب عَن الْحجَّة الثَّالِثَة ثُبُوت النَّقْل عَن أعلم النَّاس بِلِسَان الْعَرَب بِمَا نَفَاهُ هُوَ، كَيفَ؟ وَهُوَ يستجيز أَن يَقُول: لَا لمخامرة الْعقل مَعَ قَول عمر ﵁ بِمحضر الصَّحَابَة: الْخمر مَا خامر الْعقل، وَكَانَ مُسْتَنده مَا ادَّعَاهُ من اتِّفَاق أهل اللُّغَة فَيحمل قَول عمر على الْمجَاز. اهـ. قُلْنَا: قَول صَاحب (الْهِدَايَة) فَإِنَّمَا سمى خمرًا لتخمره لَا لمخامرته الْعقل غير معَارض لكَلَام عمر ﵁ فَإِن مُرَاده من حَيْثُ الِاشْتِقَاق لِأَن الْخمر ثلاثي فَكيف يشتق من المخامرة الَّذِي هُوَ مزِيد الثلاثي؟ وإنكاره من هَذِه الْجِهَة على أَنه قَالَ بعد ذَلِك: على أَن مَا ذكرْتُمْ لَا يُنَافِي كَون اسْم الْخمر خَاصّا فِي النيء من مَاء الْعِنَب إِذا أسكر، فَإِن النَّجْم مُشْتَقّ من الظُّهُور وَهُوَ اسْم خَاص للنجم الْمَعْرُوف وَهُوَ الثريا، وَلَيْسَ هُوَ باسم لكل مَا ظهر، وَهَذَا كثير النَّظَائِر نَحْو: القارورة فَإِنَّهَا مُشْتَقَّة من الْقَرار وَلَيْسَت اسْما لكل مَا يُقرر فِيهِ شَيْء وَلم أر أحدا من شرَّاح (الْهِدَايَة) حرر هَذَا الْموضع كَمَا يَنْبَغِي، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة وَللَّه الْحَمد.
وَمُلَخَّص الْكَلَام بِمَا فِيهِ الرَّد على كل من رد على أَصْحَابنَا فِيمَا قَالُوهُ من إِطْلَاق الْخمر حَقِيقَة على النيء من مَاء الْعِنَب المشتد وعَلى غَيره مجَازًا وتشبيهاً، مِنْهُم: أَبُو عمر والقرطبي والخطابي وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهم بِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ عَن ابْن عَبَّاس بِإِسْنَاد صَحِيح، قَالَ: حرمت الْخمْرَة بِعَينهَا والمسكر من كل شراب، وروى أَيْضا من حَدِيث ابْن شهَاب عَن ابْن أبي ليلى عَن عِيسَى: أَن أَبَاهُ بَعثه إِلَى أنس ﵁ فِي حَاجَة فأبصر عِنْده طلاء شَدِيدا، والطلاء مِمَّا يسكر كَثِيره. فَلم يكن عِنْد أنس ذَلِك خمرًا وَإِن كَثِيره يسكر فَثَبت بذلك أَن الْخمر لم يكن عِنْد أنس من كل شراب يسكر، وَلكنهَا من خَاص من الْأَشْرِبَة، وَهَذَا يدل على أَن أنسا كَانَ يشرب الطلاء، وَمَعَ هَذَا قَالَ الرَّافِعِيّ: ذهب أَكثر الشَّافِعِيَّة إِلَى أَن الْخمر حَقِيقَة فِيمَا يتَّخذ من الْعِنَب مجَاز فِي غَيره، وَقَالَ بَعضهم: وَخَالفهُ ابْن الرّفْعَة فَنقل عَن الْمُزنِيّ وَابْن أبي هُرَيْرَة وَأكْثر الْأَصْحَاب أَن الْجَمِيع يُسمى خمرًا حَقِيقَة. قلت: هَذَا الْقَائِل لم يدر الْفرق بَين الرَّافِعِيّ وَابْن الرّفْعَة، وَالله سُبْحَانَهُ وَأعلم.
٦ - (بابُ مَا جاءَ فِيمَن يَسْتَحِلُّ الخَمْرَ ويُسَمِّيه بِغَيْرِ اسْمِه)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي حق من يرى الْخمر حَلَالا. قَوْله: (ويسميه) أَي: يُسَمِّي الْخمر أَي: وَفِي بَيَان من يُسمى الْخمر بِغَيْر اسْمه، وَإِنَّمَا ذكر ضمير الْخمر بالتذكير مَعَ أَن الْخمر مؤنث سَمَاعي بِاعْتِبَار الشَّرَاب. قَالَ الْكرْمَانِي: ويروى يسميها بِغَيْر اسْمهَا يَعْنِي: بتأنيث الضَّمِير على الأَصْل.
٥٥٩٠ - وَقَالَ هِشامُ بنُ عَمَّارٍ: حَدثنَا صَدَقَةُ بنُ خالِدٍ حَدثنَا عبدُ الرَّحْمانِ بنُ يَزِيدَ بنِ جابِرٍ حَدثنَا عَطِيَّةُ بنُ قَيْسٍ الكِلَابِيُّ حَدثنَا عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ غَنْمٍ الأشْعَرِيُّ قَالَ: حدّثني أبُو عامِرٍ. أوْ أبُو مالِكٍ الأشْعَرِيُّ. وَالله مَا كَذَبَنِي، سَمِعَ النبيِّ ﷺ ، يَقُولُ: لِيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ والحَرِيرَ والخَمْرَ والمَعازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَليْهِمْ بِسارِحَةٍ لَهُمْ يأْتِيهِمْ يَعْني: الفَقِيرَ لحاجَةٍ، فَيَقُولُون: ارْجِعْ إلَيْنا غَداً فَيُبَيِّتُهُمُ الله وَيَضَعُ العَلَمَ، ويَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وخنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ القِيامَةِ.
стр. 6375
مُطَابقَة الْجُزْء الأول للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُطَابق الْجُزْء الثَّانِي قيل: أَشَارَ بقوله (ويسميه) بِغَيْر اسْمه إِلَى حَدِيث رُوِيَ فِي ذَلِك، وَلكنه لم يُخرجهُ لكَونه على غير شَرطه، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من طَرِيق مَالك بن أبي مَرْيَم عَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ عَن النَّبِي ﷺ ، ليشربنَّ ناسٌ الْخمر يسمونها بِغَيْر اسْمهَا، وَصَححهُ ابْن حبَان، وروى ابْن أبي شيبَة من حَدِيث أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول: يشرب نَاس من أمتِي الْخمر يسمونها بِغَيْر اسْمهَا، وَصَححهُ ابْن حبَان، وروى ابْن أبي شيبَة من حَدِيث أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول: يشرب نَاس من أمتِي الْخمر يسمونها بِغَيْر اسْمهَا يضْرب على رؤوسهم بالمعازف والقينات يخسف الله بهم الأَرْض، وَيجْعَل مِنْهُم القردة والخنازير.
قَوْله: وَقَالَ هِشَام بن عمار بن نصير بن ميسرَة أَبُو الْوَلِيد السّلمِيّ الدِّمَشْقِي، وَهُوَ أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ وروى عَنهُ فِي فضل أبي بكر ﵁ وَفِي الْبيُوع أسْند عَنهُ فِي هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ، وَفِي ثَلَاث مَوَاضِع يَقُول: قَالَ هِشَام بن عمار فِي الْأَشْرِبَة هَذَا، وَفِي الْمَغَازِي: إِن النَّاس كَانُوا مَعَ رَسُول الله ﷺ ، يَوْم الْحُدَيْبِيَة تفَرقُوا فِي ظلال شجر، وَفِي قَوْله ﷺ : لَا تكن مثل فلَان، كَانَ يقوم اللَّيْل، فَفِي هَذِه الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة لَا يَقُول: حَدثنَا وَلَا أخبرنَا، وَالظَّاهِر أَنه أَخذ هَذَا الحَدِيث عَن هِشَام هَذَا مذاكرة.
والْحَدِيث صَحِيح وَإِن كَانَت صورته صُورَة التَّعْلِيق، وَقد تقرر عِنْد الْحفاظ أَن الَّذِي يَأْتِي بِهِ البُخَارِيّ من التَّعَالِيق كلهَا بِصِيغَة الْجَزْم يكون صَحِيحا إِلَى من علقه عَنهُ، وَلَو لم يكن من شبوخه. فَإِن قلت: قَالَ ابْن حزم: هَذَا الحَدِيث مُنْقَطع فِيمَا بَين البُخَارِيّ وَصدقَة بن خَالِد والمنقطع لَا تقوم بِهِ حجَّة. قلت: وهم ابْن حزم فِي هَذَا، فَالْبُخَارِي إِنَّمَا قَالَ: قَالَ هِشَام بن عمار: حَدثنَا صَدَقَة وَلم يقل: قَالَ صَدَقَة بن خَالِد. قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) وليته أعله بِصَدقَة فَإِن يحيى قَالَ فِيهِ: لَيْسَ بِشَيْء، رَوَاهُ ابْن الْجُنَيْد عَنهُ، وروى الْمروزِي عَن أَحْمد: لَيْسَ بِمُسْتَقِيم وَلم يرضه. قلت: هَذَا تمنٍ غير مرجو فِيهِ، المُرَاد فَإِن عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ عَن أَبِيه، فَقِيه ثِقَة لَيْسَ بِهِ بَأْس، أثبت من الْوَلِيد بن مُسلم صَالح الحَدِيث. وَقَالَ دُحَيْم وَالْعجلِي وَمُحَمّد بن سعد وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة، وروى عَن يحيى أَيْضا، وَذهل صَاحب (التَّوْضِيح) وَظن أَنه الْمَنْقُول عَن أَحْمد وَيحيى فِيهِ وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك فِي صَدَقَة بن عبد السمين وَهُوَ أقدم من صَدَقَة بن خَالِد، وَقد شَاركهُ فِي كَونه دمشقياً، وَفِي رِوَايَة عَن بعض شُيُوخه كزيد بن وَاقد وَهُوَ صَدَقَة بن خَالِد الْقرشِي الْأمَوِي أَبُو الْعَبَّاس الدِّمَشْقِي مولى أم الْبَنِينَ أُخْت مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان. قَالَه البُخَارِيّ وَأَبُو حَاتِم، وَقيل: مولى أم الْبَنِينَ أُخْت عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ قَالَه هِشَام بن عمار الرَّاوِي عَنهُ، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَآخر تقدم فِي مَنَاقِب أبي بكر، وَصدقَة هَذَا يروي عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن جَابر الْأَزْدِيّ مر فِي الصَّوْم وَهُوَ يروي عَن عطيةِ بن قيس الْكلابِي الشَّامي التَّابِعِيّ يروي عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون: ابْن كريب بن هانىء مُخْتَلف فِي صحبته، وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ أَبوهُ مِمَّن قدم على رَسُول الله ﷺ فِي صُحْبَة أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَذكر ابْن يُونُس أَن عبد الرَّحْمَن كَانَ مَعَ أَبِيه حِين وَفد، وَقَالَ أَبُو زرْعَة الدِّمَشْقِي وَغَيره من حفاظ الشَّام: إِنَّه أدْرك النَّبِي ﷺ ، وَلم يلقه. وَقَالَ أَبُو عمر عبد الرَّحْمَن بن غنم الْأَشْعَرِيّ جاهلي: كَانَ مُسلما على عهد رَسُول الله ﷺ وَلم يره، وَلم يفد عَلَيْهِ، ولازم معَاذ بن جبل ﵁ مُنْذُ بَعثه رَسُول الله ﷺ إِلَى الْيمن إِلَى أَن مَاتَ فِي خلَافَة عمر ﵁ وَسمع من عمر بن الْخطاب، وَكَانَ أفقه أهل الشَّام، وَهُوَ الَّذِي فقه عَامَّة التَّابِعين بِالشَّام، وَمَات بِالشَّام سنة ثَمَان وَسبعين.
قَوْله: (قَالَ حَدثنِي أَبُو عَامر، أَو أَبُو مَالك الْأَشْعَرِيّ) هَكَذَا رَوَاهُ أَكثر الْحفاظ عَن هِشَام بن عمار بِالشَّكِّ، وَكَذَا وَقع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة بشر بن بكر، لَكِن وَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد من رِوَايَة بشر بن بكر حَدثنِي أَبُو مَالك بِغَيْر شكّ، وَالرَّاجِح أَنه عَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ وَهُوَ صَحَابِيّ مَشْهُور، قيل: اسْمه كَعْب، وَقيل: عَمْرو، وَقيل: عبد الله، وَقيل: عبيد يعد فِي الشاميين، وَأما أَبُو عَامر الْأَشْعَرِيّ فَقَالَ الْمزي: اخْتلف فِي اسْمه، فَقيل: عبيد الله بن هانىء وَقيل: عبد الله بن وهب، وَقيل: عبيد بن وهب، سكن الشَّام وَلَيْسَ بعم أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، ذَاك قتل أَيَّام حنين فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ ، واسْمه عبيد بن حضار، وَهَذَا بَقِي إِلَى زمن عبد الْملك بن مَرْوَان. فَإِن قلت: قَالَ الْمُهلب: هَذَا حَدِيث ضَعِيف لِأَن البُخَارِيّ لم يسْندهُ من أجل شكّ الْمُحدث فِي (الصاحب) فَقَالَ أَبُو عَامر أَو أَبُو مَالك: قلت:
стр. 6376
هَذَا لَيْسَ بِشَيْء إِذْ الترديد فِي الصَّحَابِيّ لَا يضر إِذْ كلهم عدُول. قَوْله (وَالله مَا كَذبَنِي) هَذَا تَأْكِيد ومبالغة فِي صدق الصَّحَابِيّ لِأَن عَدَالَة الصَّحَابَة مَعْلُومَة، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا يُؤَيّد رِوَايَة الْجَمَاعَة أَنه عَن وَاحِد لَا عَن اثْنَيْنِ قيل: هَذَا كَلَام سَاقِط لِأَنَّهُ من قَالَ: إِن هَذَا الحَدِيث من اثْنَيْنِ حَتَّى يُؤَيّد بِهَذَا اللَّفْظ أَنه من وَاحِد. قلت: لَا بل هُوَ كَلَام موجه لِأَن ابْن حبَان روى عَن الْحُسَيْن بن عبد الله عَن هِشَام بِهَذَا السَّنَد إِلَى عبد الرَّحْمَن بن غنم أَنه سمع أَبَا عَامر وَأَبا مَالك الْأَشْعَرِيين يَقُولَانِ فَذكر الحَدِيث، كَذَا قَالَ، وَالْمَحْفُوظ رِوَايَة الْجَمَاعَة بِالشَّكِّ. قَوْله (من أمتِي) قَالَ ابْن التِّين. قَوْله (من أمتِي) يحْتَمل أَن يُرِيد من تسمى بهم ويستحل مَا لَا يحل فَهُوَ كَافِر إِن أظهر ذَلِك، ومنافق إِن أسره أَو يكون مرتكب الْمَحَارِم تهاوناً واستخفافاً فَهُوَ يُقَارب الْكفْر، وَالَّذِي يُوضح فِي النّظر أَن هَذَا لَا يكون إلَاّ مِمَّن يعْتَقد الْكفْر ويتسمَّ بِالْإِسْلَامِ، لِأَن الله لَا يخسف من تعود عَلَيْهِ رَحمته فِي الْمعَاد، وَقيل: كَونهم من الْأمة يبعد مَعَه أَن يستحلوها بِغَيْر تَأْوِيل وَلَا تَحْرِيف، فَإِن ذَلِك مجاهرة بِالْخرُوجِ عَن الْأمة إِذْ تَحْرِيم الْخمر مَعْلُوم ضَرُورَة. قَوْله: (يسْتَحلُّونَ الْحر) بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء أَي: الْفرج، وَأَصله: الْجرْح، فحذفت إِحْدَى الحائين مِنْهُ، كَذَا ضَبطه ابْن نَاصِر، وَكَذَا هُوَ فِي مُعظم الرِّوَايَات من (صَحِيح البُخَارِيّ) وَقَالَ ابْن التِّين: هُوَ بالمعجمتين يَعْنِي: الْخَزّ وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: هُوَ تَصْحِيف، وَإِنَّمَا روينَاهُ بالمهملتين وَهُوَ الْفرج، وَالْمعْنَى: يسْتَحلُّونَ الزِّنَا، وَقَالَ أَبُو الْفَتْح الْقشيرِي: إِن فِي كتاب أبي دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ مَا يَقْتَضِي أَنه الْخَزّ بالزاي وَالْخَاء الْمُعْجَمَة، وَقَالَ ابْن بطال: وَهُوَ الْفرج وَلَيْسَ كَمَا أَوله من صحفه، فَقَالَ: الْخَزّ من أجل مقارنته الْحَرِير فَاسْتعْمل التَّصْحِيف بالمقارنة، وَحكى عِيَاض فِيهِ تَشْدِيد الرَّاء، وَقَالَ ابْن قرقول: مخفف الرَّاء، فرج الْمَرْأَة وَهُوَ الأصوب، وَقيل: أَصله بِالتَّاءِ بعد الرَّاء فحذفت، وَقَالَ الدَّاودِيّ: أَحسب أَن قَوْله: (من الْخَزّ) لَيْسَ بِمَحْفُوظ لِأَن كثيرا من الصَّحَابَة لبسوه، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: أورد أَبُو دَاوُد هَذَا الْخَبَر فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي الْخَزّ، كَذَا الرِّوَايَة فَدلَّ أَنه عِنْده كَذَلِك وَكَذَا وَقع فِي البُخَارِيّ، وَهِي ثِيَاب مَعْرُوفَة لبسهَا غير وَاحِد من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، فَيكون النَّهْي عَنهُ لأجل التَّشَبُّه. قلت: الصَّوَاب مَا قَالَه ابْن بطال، وَقد جَاءَ فِي حَدِيث يرويهِ أَبُو ثَعْلَبَة عَن النَّبِي ﷺ يسْتَحل الْخَزّ وَالْحَرِير، يُرَاد بِهِ استحلال الْحَرَام من الْفرج. قَوْله: (وَالْحَرِير) قَالَ ابْن بطال: واستحلالهم الْحَرِير أَي: يسْتَحلُّونَ النَّهْي عَنهُ، وَالنَّهْي عَنهُ فِي كتاب الله تَعَالَى: ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره﴾ (النُّور: ٦٣) . قَوْله وَالْمَعَازِف الملاهي جمع معزفة، يُقَال: هِيَ آلَات الملاهي، وَنقل الْقُرْطُبِيّ عَن الْجَوْهَرِي: إِن المعازف القيان، وَالَّذِي ذكره فِي (الصِّحَاح) أَنَّهَا آلَات اللَّهْو، وَقيل: أصوات الملاهي، وَفِي (حَوَاشِي الدمياطي) : المعازف الدفوف وَغَيرهَا مِمَّا يضْرب بِهِ، وَيُطلق على الْغناء عزف، وعَلى كل لعب عزف، وَوَقع فِي رِوَايَة مَالك بن أبي مَرْيَم تَغْدُو عَلَيْهِم القيان وَتَروح عَلَيْهِم المعازف. قَوْله (علم) بِفتْحَتَيْنِ الْجَبَل وَالْجمع أَعْلَام، وَقيل: الْعلم رَأس الْجَبَل. قَوْله: (يروح عَلَيْهِم) فَاعل يروح مَحْذُوف أَي: يروح عَلَيْهِم الرَّاعِي بِقَرِينَة السارحة لِأَن السارحة هِيَ الْغنم الَّتِي تسرح لَا بُد لَهَا من الرَّاعِي، ويروى: تروح عَلَيْهِم سارحة، بِدُونِ حرف الْبَاء، فعلى هَذَا سارحة مَرْفُوع بِأَنَّهُ فَاعل يروح أَي: تروح سارحة كائنة لَهُم، الْمَعْنى: أَن الْمَاشِيَة الَّتِي تسرح بِالْغَدَاةِ إِلَى رعيها، وَتَروح أَي: ترجع بالْعَشي إِلَى مألفها. قَوْله (يَأْتِيهم) فَاعله (الْفَقِير) وَلِهَذَا قَالَ: يَعْنِي الْفَقِير، وَفِي رِوَايَة يَأْتِيهم فَقَط فَاعله مَحْذُوف، وَهُوَ الْفَقِير يدل عَلَيْهِ قَوْله (لحَاجَة) وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض المخرجات: يَأْتِيهم رجل لحَاجَة، تَصْرِيحًا بِلَفْظ: رجل، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: فيأتيهم طَالب حَاجَة. قَوْله: (فيبيتهم الله) أَي: يُهْلِكهُمْ بِاللَّيْلِ، والبيات هجوم الْعَدو لَيْلًا. قَوْله: (وَيَضَع الْعلم) أَي: يضع الْجَبَل بِأَن يدكدكه عَلَيْهِم ويوقعه على رؤوسهم، ويروى: وَيَضَع الْعلم عَلَيْهِم بِزِيَادَة لفظ: عَلَيْهِم. قَوْله: (ويمسخ آخَرين) أَي: يمسخ جمَاعَة آخَرين مِمَّن لم يُهْلِكهُمْ البيات، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: يحْتَمل الْحَقِيقَة كَمَا وَقع فِي الْأُمَم الْمَاضِيَة، وَيحْتَمل أَن يكون كِنَايَة عَن تبدل أَخْلَاقهم، وَقَالَ ابْن بطال: المسخ فِي حكم الْجَوَاز فِي هَذِه الْأمة إِن لم يأتِ خبر يُهْلِكهُمْ يرفع جَوَازه، وَقد وَردت أَحَادِيث بَيِّنَة الْأَسَانِيد أَنه يكون فِي هَذِه الْأمة خسف ومسخ، وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث أَن الْقُرْآن يرفع من الصُّدُور، وَأَن الْخُشُوع وَالْأَمَانَة ينزعان مِنْهُم، وَلَا مسخ أَكثر من هَذَا، وَقد يكون الحَدِيث على ظَاهره فيمسخ الله من أَرَادَ تَعْجِيل عُقُوبَته، كَمَا أهلك قوما بالخسف، وَقد رَأينَا ذَلِك عيَانًا، فَكَذَلِك المسخ يكون، وَزعم
стр. 6377
الْخطابِيّ أَن الْخَسْف وَالْمَسْخ يكونَانِ فِي هَذِه الْأمة كَسَائِر الْأُمَم، خلافًا لمن زعم أَن ذَلِك لَا يكون، وَإِنَّمَا مسخها بقلوبها، وَفِي كتاب سعيد بن مَنْصُور: حَدثنَا أَبُو دَاوُد وَسليمَان بن سَالم الْبَصْرِيّ حَدثنَا حسان بن سِنَان عَن رجل عَن أبي هُرَيْرَة يرفعهُ: يمسخ قوم من أمتِي آخر الزَّمَان قردة وَخَنَازِير، قَالُوا: يَا رَسُول الله! وَيشْهدُونَ أَنَّك رَسُول الله وَأَن لَا إِلَه إِلَّا الله؟ قَالَ: نعم، وَيصلونَ وَيَصُومُونَ ويحجون. قَالُوا: فَمَا بالهم يَا رَسُول الله؟ قَالَ: اتَّخذُوا المعازف والقينات والدفوف وَيَشْرَبُونَ هَذِه الْأَشْرِبَة فَبَاتُوا على لهوهم وشرابهم فَأَصْبحُوا قردة وَخَنَازِير، وَلما رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ قَالَ: هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إلَاّ من هَذَا الْوَجْه، وَفِي (النَّوَادِر) لِلتِّرْمِذِي: حَدثنَا عَمْرو بن أبي عمر حَدثنَا هِشَام بن خَالِد الدِّمَشْقِي عَن اسماعيل بن عَيَّاش عَن أَبِيه عَن ابْن سابط عَن أبي أُمَامَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : تكون فِي أمتِي فزعة، فَيصير النَّاس إِلَى عُلَمَائهمْ، فَإِذا هم قردة وَخَنَازِير.
٧ - (بابُ الأنْتباذِ فِي الأوْعِيَةِ والتَّوْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الانتباذ أَي: اتِّخَاذ النَّبِيذ فِي الأوعية وَهُوَ جمع وعَاء. قَوْله: والتور، من عطف الْخَاص على الْعَام، وَهُوَ بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْوَاو وبالراء، وَهُوَ ظرف من صفر، وَقيل: هُوَ قدح كَبِير كالقدر، وَقيل: مثل الأجانة، وَقيل: هُوَ مثل الطشت، وَقيل: هُوَ من الْحجر، وَيُقَال: لَا يُقَال لَهُ تور إلَاّ إِذا كَانَ صَغِيرا، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَكَانَ هَذَا التور الَّذِي ينتبذ فِيهِ لرَسُول الله ﷺ من حِجَارَة.
٥٥٩١ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ حَدثنَا يَعْقُوبُ بنُ عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي حازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلاً يَقُولُ: أتَى أبُو أُُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ فَدَعا رسولَ الله ﷺ فِي عُرُسِهِ فَكانَتِ امْرَأتُهُ خادِمَهُمْ وهْيَ العَرُوسُ، قَالَ: أتَدْرُونَ مَا سَقَتْ رسُولَ الله ﷺ ؟ أنْقَعَتْ لهُ ثَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَأَبُو حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي سَلمَة بن دِينَار وَسَهل هُوَ ابْن سعد بن مَالك الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، كَانَ اسْمه حزنا، فَسَماهُ النَّبِي ﷺ : سهلاً، وَكَانَ آخر من مَاتَ بِالْمَدِينَةِ من الصَّحَابَة سنة إِحْدَى وَتِسْعين، وَقيل: ثَمَان وَثَمَانِينَ، وَأَبُو أسيد بِضَم الْهمزَة وَفتح السِّين مصغر أَسد اسْمه مَالك بن ربيعَة السَّاعِدِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب قيام الْمَرْأَة على الرِّجَال فِي الْعرس.
قَوْله: (خادمهم) وَالْخَادِم يُطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى. قَوْله: (قَالَ: أَتَدْرُونَ؟) الْقَائِل هُوَ سهل. قَوْله: (انقعت لَهُ) أَي: للنَّبِي ﷺ ، وَقَالَ الْمُهلب: النقيع حَلَال مَا لم يشْتَد، فَإِذا اشْتَدَّ وغلا حرم، وَشرط الْحَنَفِيَّة أَن يقذف بالزبد. قلت: لم يشْتَرط الْقَذْف بالزبد إلَاّ أَبُو حنيفَة فِي عصير الْعِنَب، وَعند صَاحِبيهِ: لَا يشْتَرط الْقَذْف، فبمجرد الغليان والاشتداد يحرم. قَوْله (من اللَّيْل) قَالَ الْمُهلب: ينقع من اللَّيْل وَيشْرب يَوْمًا آخر، وينقع بِالنَّهَارِ وَيشْرب من ليلته.
٨ - (بابُ تَرْخِيصِ النبيِّ ﷺ فِي الأوْعِيَةِ والظُّرُوفِ بَعْدَ النَّهْيِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ترخيص النَّبِي ﷺ فِي الانتباذ فِي الأوعية، والظروف جمع ظرف وَفِي (الْمغرب) : الظّرْف الْوِعَاء، فعلى قَوْله، لَا فرق بَين الْوِعَاء والظرف، وَوجه الْعَطف على هَذَا بِاعْتِبَار اخْتِلَاف اللَّفْظَيْنِ، وَيُقَال: الظّرْف هُوَ الزق، فَإِن صَحَّ هَذَا فالعطف من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام.
٥٥٩٢ - حدّثنا يُوسُفُ بنُ مُوسَى حَدثنَا مُحَمدُ بنُ عبْدِ الله أبُو أحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ مَنْصُور عنْ سالِمٍ عنْ جابِرٍ ﵁ قَالَ: نَهَى رسولُ الله ﷺ عَن الظروفِ، فقالَتِ الأنْصارُ: إنَّهُ لَا بدَّ لَنا مِنْها، قَالَ: فَلَا إِذا.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من آخر الحَدِيث. ويوسف بن مُوسَى بن رَاشد الْقطَّان الْكُوفِي سكن بَغْدَاد وَمَات بهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، والزبيري نِسْبَة إِلَى زبير أحد أجداده، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَسَالم هُوَ
стр. 6378
ابْن أبي الْجَعْد بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَشْرِبَة أَيْضا عَن مُسَدّد عَن يحيى بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مَحْمُود بن غيلَان وَكَذَلِكَ النَّسَائِيّ.
قَوْله: (عَن الظروف) أَي: عَن الانتباذ فِي الظروف: قَوْله: (إِنَّه) أَي: الشَّأْن (لَا بُد لنا مِنْهَا) أَي: من الظروف، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: فشكت إِلَيْهِ الْأَنْصَار فَقَالُوا: لَيْسَ لنا وعَاء. قَوْله: (قَالَ) أَي النَّبِي ﷺ ، قَوْله: (فَلَا إِذن) جَوَاب وجزاءُ أَي: إِذا كَانَ لَا بُد لكم مِنْهَا فَلَا نهي عَنْهَا، وَحَاصِله أَن النَّهْي كَانَ على تَقْدِير عدم الإحتياج إِلَيْهَا، فَلَمَّا ظَهرت الضَّرُورَة إِلَيْهَا قررهم على استعمالهم إِيَّاهَا، أَو نسخ ذَلِك بِوَحْي نزل إِلَيْهِ فِي الْحَال، أَو كَانَ الحكم فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة مفوضاً إِلَى رَأْيه ﷺ ، وَقَالَ ابْن بطال: النَّهْي عَن الأوعية إِنَّمَا كَانَ قطعا للذريعة، فَلَمَّا قَالُوا: لَا بُد لنا، قَالَ: انتبذوا فِيهَا وَكَذَلِكَ كل نهي كَانَ لِمَعْنى النّظر إِلَى غَيره، كنهيه عَن الْجُلُوس فِي الطرقات، فَلَمَّا ذكرُوا أَنهم لَا يَجدونَ بدا من ذَلِك قَالَ: إِذا أَبَيْتُم فأعطوا الطَّرِيق حَقه. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: الانتباذ فِي جَمِيع الأوعية كلهَا مُبَاح وَأَحَادِيث النَّهْي عَن الانتباذ مَنْسُوخَة بِحَدِيث جَابر هَذَا، أَلا ترى أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام أطلق لَهُم جَمِيع الأوعية والظروف حِين قَالَ لَهُ الْأَنْصَار: لَا بُد لنا مِنْهَا، فَقَالَ: فَلَا إِذا، وَلم يسْتَثْن مِنْهَا شَيْئا.
وَقَالَ لي خلِيفَةُ: حَدثنَا يَحْياى بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ سالِمٍ بن أبي الجَعْدِ عنْ جابِرٍ بِهَذَا.
خَليفَة هُوَ ابْن خياط أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ رَوَاهُ عَنهُ مذاكرة عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن سَالم بن أبي الْجَعْد، واسْمه رَافع الْأَشْجَعِيّ الْكُوفِي قَوْله: (بِهَذَا) أَي: بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، ويروى عَن سَالم بن أبي الْجَعْد عَن جَابر بِهَذَا، وَأفَاد هَذَا أَن سالما الَّذِي ذكر مُجَردا فِي الحَدِيث السَّابِق هُوَ ابْن أبي الْجَعْد، وَأَن سُفْيَان هُنَاكَ الثَّوْريّ وَهَاهُنَا ابْن عُيَيْنَة.
ح دّثنا عبْدُ لله بنُ مُحَمَّدٍ حَدثنَا سُفْيانُ بِهَذَا، وَقَالَ فِيهِ: لمَّا نَهَى النبيُّ ﷺ عَن الأوْعِيَةِ.
هَذَا وَقع فِي بعض النّسخ فِي آخر الْبَاب ويروى: حَدثنِي عبد الله بن مُحَمَّد هُوَ الْجعْفِيّ البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي يروي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِهَذَا أَي: بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور. قَوْله: وَقَالَ، أَي: قَالَ سُفْيَان فِي رِوَايَته. قَوْله: وَقَالَ: لما نهى النَّبِي ﷺ ، عَن الأوعية أَرَادَ بِهَذَا أَن قَول جَابر ﵁ فِي الحَدِيث الَّذِي ذكر من رِوَايَة يُوسُف بن مُوسَى عَن مُحَمَّد بن عبد الله عَنهُ فِي الحَدِيث الَّذِي ذكر عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن سَالم عَن جَابر، قَالَ: نهى رَسُول الله ﷺ عَن الظروف، وَقع فِي رِوَايَة عبد الله بن مُحَمَّد عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن سَالم عَن جَابر، قَالَ: لما نهى رَسُول الله ﷺ عَن الأوعية، قَالَ: قَالَت الْأَنْصَار: إِنَّه لَا بُد لنا، قَالَ: فَلَا إِذا. وَهَذِه رِوَايَة أبي دَاوُد فِي (سنَنه) أخرجه عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن سُفْيَان إِلَى آخِره، مثل مَا ذكرنَا.
٥٥٩٣ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله حدّثنا سُفْيانُ عنْ سُلَيْمانَ بنِ أبي مُسْلِمٍ الأحْوَلِ عنْ مُجاهِدٍ عنْ أبي عياضٍ عنْ عبْدِ الله بنِ عَمْرو، ﵄، قَالَ: لمَّا نَهَى النبيُّ ﷺ عنِ الأسْقِيَةِ قِيل لِلنبيِّ ﷺ : لَيْسَ كلُّ النَّاس يَجِدُ سِقاءً، فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي الجَرِّ غَيْرِ المُزَفَّتِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَرخص لَهُم) وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَأَبُو عِيَاض بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعد الْألف ضاد مُعْجمَة، وَاخْتلف فِي اسْمه فَقَالَ النَّسَائِيّ فِي (الكنى) : أَبُو عِيَاض عَمْرو بن الْأسود الْعَبْسِي، وَقيل: قيس بن ثَعْلَبَة، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: إِن لم يكن اسْم أبي عِيَاض قيس بن ثَعْلَبَة فَلَا أَدْرِي، وَقَالَ الْكرْمَانِي: اسْمه عَمْرو، وَيُقَال عُمَيْر بن الْأسود العنبسي بالنُّون بَين الْمُهْمَلَتَيْنِ الزَّاهِد، وروى أَحْمد فِي (الزّهْد) أَن عمر أثنى على أبي عِيَاض، وَذكره أَبُو مُوسَى فِي (ذيل الصَّحَابَة) وَعَزاهُ لِابْنِ أبي عَاصِم، وَكَأَنَّهُ أدْرك النَّبِي ﷺ وَلَكِن لم يثبت لَهُ صُحْبَة، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي (تَجْرِيد الصَّحَابَة) عَمْرو بن الْأسود الْعَنسِي أدْرك الْجَاهِلِيَّة وروى عَن عمر وَسكن داريا، وَيُقَال لَهُ: عُمَيْر، وَقد عمر دهراً طَويلا ثمَّ قَالَ: عَمْرو بن الْأسود ذكره بَعضهم فِي الصَّحَابَة، وَلَعَلَّه الَّذِي قبله، وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة قَلِيل الحَدِيث، وَقَالَ
стр. 6379
ابْن عبد الْبر: أَجمعُوا على أَنه كَانَ من الْعلمَاء الثِّقَات، وَقيل: إِذا ثَبت هَذَا فالراجح أَن الَّذِي روى عَنهُ مُجَاهِد عَمْرو بن الْأسود وَأَنه شَامي، وَأما قيس بن ثَعْلَبَة فَهُوَ أَبُو عِيَاض آخر، وَهُوَ كُوفِي ذكره ابْن حبَان فِي ثِقَات التَّابِعين، وَقَالَ: إِنَّه يرْوى عَن عمر وَعلي وَابْن مَسْعُود وَغَيرهم، روى عَنهُ أهل الْكُوفَة، وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نسخ البُخَارِيّ، وَوَقع فِي بعض نسخ مُسلم: عبد الله بن عمر، بِضَم الْعين وَهُوَ تَصْحِيف نبه عَلَيْهِ أَبُو عَليّ الجياني.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَشْرِبَة أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَابْن أبي عمر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الْوَلِيمَة عَن إِبْرَاهِيم بن سعيد مُخْتَصرا: أَن النَّبِي ﷺ أرخص فِي الْجَرّ غير المزفت.
قَوْله: (عَن الأسقية) قَالَ الْكرْمَانِي: السِّيَاق يَقْتَضِي أَن يُقَال: إلَاّ عَن الأسقية، بِزِيَادَة إلَاّ على سَبِيل الِاسْتِثْنَاء، أَي: نهى عَن الانتباذ إلَاّ عَن الانتباذ فِي الأسقية، وَقَالَ: يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: لما نهى رَسُول الله ﷺ فِي مَسْأَلَة الأنبذة عَن الجرار بِسَبَب الأسقية وَعَن جِهَتهَا كَقَوْلِه.
(يرْمونَ عَن أكل وَعَن شرب)
أَي: يسمنون بِسَبَب الْأكل وَالشرب ويتباهون فِي السّمن بِهِ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي مثله فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فأزلهما الشَّيْطَان عَنْهَا﴾ (الْبَقَرَة: ٢) أَي: بِسَبَبِهَا. وَقَالَ الْحميدِي: وَلَعَلَّه نقص مِنْهُ عِنْد الرِّوَايَة وَكَانَ أَصله: نهى عَن النَّبِيذ إلَاّ فِي الأسقية، وَكَذَا فِي رِوَايَة عبد الله بن مُحَمَّد: عَن الأوعية، وَقَالَ عِيَاض: ذكر الأسقية وهم من الرَّاوِي، وَإِنَّمَا هُوَ: عَن الأوعية، لِأَنَّهُ ﷺ لم ينْه قطّ عَن الأسقية، وَإِنَّمَا نهى عَن الظروف قلت: الأسقية جمع سقاء وَهُوَ ظرف المَاء من الْجلد، وَقَالَ ابْن السّكيت: السقاء يكون للبن وَالْمَاء، والوطب للبن خَاصَّة، والنحي للسمن، والقربة للْمَاء. قلت: لَا وهم هُنَا لِأَن سُفْيَان كَانَ يرى اسْتِوَاء اللَّفْظَيْنِ، أَعنِي: الأوعية والأسقية، فَحدث بِأَحَدِهِمَا مرّة وبالأُخرى مرّة، أَلا ترى أَن البُخَارِيّ لم يعد هَذَا وهما خُصُوصا على قَول من يرى جَوَاز الْقيَاس فِي اللُّغَة؟ لَا اعْتِرَاض أصلا هَاهُنَا، فَافْهَم. قَوْله: (قيل للنَّبِي) ﷺ قيل: الْقَائِل بذلك أَعْرَابِي. قَوْله: (فَرخص) ، وَفِي رِوَايَة: (فأرخص) ، وَهِي لُغَة يُقَال: رخص وأرخص، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي شيبَة، (وأذنْ لَهُم فِي شَيْء مِنْهُ) . قَوْله: (فِي الْجَرّ) بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الرَّاء وَهُوَ جمع جرة وَهِي الْإِنَاء الْمَعْمُول من الفخار، وَإِنَّمَا قَالَ: (غير المزفت) لِأَن المزفت أسْرع فِي الشدَّة والتخمير، والمزفت المطلي بالزفت.
٥٥٩٤ - حدّثنامُسَدَّدٌ حَدثنَا يَحْياى عنْ سُفْيانَ حدّثني سُلَيْمانُ عنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عنِ الحارِثِ بنِ سُوَيْدٍ عَن علِيٍّ ﵁ قَالَ: نَهَى النبيُّ ﷺ عنِ الدُّبَّاءِ والمُزَفَّتِ.
وَجه ذكر هَذَا فِي هَذَا الْبَاب لمطابقته لقَوْله فِي الحَدِيث السَّابِق: فِي الْجَرّ غير المزفت، وَصرح هُنَا بِالنَّهْي عَن المزفت، أخرجه عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن سُفْيَان، يحْتَمل أَن يكون سُفْيَان هَذَا هُوَ الثَّوْريّ، وَيحْتَمل أَن يكون ابْن عُيَيْنَة لِأَن يحيى الْقطَّان روى عَن السفيانين كليهمَا، وكل مِنْهُمَا روى عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش، وَالْأَعْمَش روى عَن إِبْرَاهِيم بن يزِيد بن شريك التَّيْمِيّ عَن الْحَارِث بن سُوَيْد التَّيْمِيّ أَيْضا عَن عَليّ بن أبي طَالب، ﵁.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْأَشْرِبَة عَن سعيد بن عَمْرو وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى الْقطَّان بِهِ، وَتَفْسِير الدُّبَّاء قد مر غير مرّة.
حدّثنا عُثْمانُ حَدثنَا جَرِيرٌ عنِ الأعْمَشِ بِهاذَا.
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير بن عبد الحميد عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش بِهَذَا أَي: بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور وَبِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَى عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن عمرَان بن مُوسَى عَن عُثْمَان إِلَى آخِره نَحوه.
٥٥٩٥ - حدّثني عُثْمانُ حَدثنَا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ قُلْتُ لِ لأسْوَدِ: هَلْ سألْتَ عائِشَةَ أُُمَّ المُؤْمِنينَ عمَّا يُكْرَهُ أنْ يُنْتَبذَ فِيهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ! عَمَّا نَهَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ
стр. 6380
وَسلم أنْ يُنْتَبَذَ فِيهِ؟ قالَتْ: نَهانا فِي ذَلِكَ أهْلَ البَيْتِ أنْ نَنْتَبِذَ فِي الدُّبَّاءِ والمزَفّتِ. قُلْتُ: أما ذَكرَت الجَرَّ والحَنْتَم؟ قَالَ: إنَّما أُحَدِّثُكَ مَا سَمِعْتُ أحَدِّثُ مَا لَمْ أسْمَعْ.
وَجه ذكر هَذَا أَيْضا فِي هَذَا الْبَاب مثل الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي الحَدِيث السَّابِق. أخرجه عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير بن عبد الحميد عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن خَالِد الْأسود بن يزِيد النَّخعِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَشْرِبَة أَيْضا عَن زُهَيْر بن حَرْب، وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الْوَلِيمَة عَن مَحْمُود بن غيلَان.
قَوْله: (عَمَّا يكره) أَصله: عَن مَا فادغمت الْمِيم فِي الْمِيم بَعْدَمَا قلبت النُّون ميماً، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مَا نهى بِحَذْف عَن قَوْله: (أَن ينتبذ فِيهِ) على صِيغَة الْمَجْهُول فِي الْمَوْضِعَيْنِ. قَوْله: (أهل الْبَيْت) مَنْصُوب على الِاخْتِصَاص، وَيجوز أَن يكون نصبا على الْبَدَل من الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي نَهَانَا. قَوْله: (قلت: أما ذكرت) ، الْقَائِل إِبْرَاهِيم يُخَاطب الْأسود بذلك. قَوْله: (والحنتم) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَهِي جرار خضر مدهونة كَانَت تحمل الْخمر فِيهَا إِلَى الْمَدِينَة ثمَّ اتَّسع فِيهَا، فَقيل للخزف كُله: حنتم، واحدتها حنتمة، وَإِنَّمَا نهى النَّبِي ﷺ عَن الانتباذ فِيهَا لِأَنَّهَا تسرع الشدَّة فِيهَا لأجل دهنها، وَقيل: لِأَنَّهَا كَانَت تعْمل من طين يعجن بِالدَّمِ، فَنهى عَنْهَا ليمتنع عَن عَملهَا. قَالَ ابْن الْأَثِير: وَالْأول أوجه. قَوْله (أحدث مَا لم أسمع؟) أَصله أأحدث؟ بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام الإنكاري وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أفأ حدث؟) بِالْإِفْرَادِ، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين أفنحدث؟ بنُون الْجمع، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: أفأحدثك مَا لم أسمع؟ .
٥٥٩٦ - حدّثنامُوسَى بنُ إسْماعِيلَ حَدثنَا عبْدُ الوَاحِدِ حَدثنَا الشَّيْبانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عبدَ الله بنَ أبي أوْفَى ﵄ قَالَ: نَهى النبيُّ ﷺ عَن الجَرِّ الأخْضَرِ، قُلْتُ: أنَشْرَبُ فِي الأبْيَضِ؟ قَالَ: لَا.
وَجه ذكر هَذَا أَيْضا هُنَا مثل مَا ذكرنَا فِي الحَدِيث السَّابِق. أخرجه عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد الْبَصْرِيّ عَن سُلَيْمَان بن أبي سُلَيْمَان فَيْرُوز الشَّيْبَانِيّ بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنون عَن عبد الله بن أبي أوفى ﵄ وَاسم أبي أوفى: عَلْقَمَة، لَهُ ولأبيه صُحْبَة.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الْأَشْرِبَة عَن مَحْمُود بن غيلَان وَغَيره. قَوْله: (عَن الْجَرّ الْأَخْضَر) أَي: عَن نَبِيذ الْجَرّ الْأَخْضَر. قَوْله: (قلت: أنشرب؟) الْقَائِل عبد الله بن أبي أوفى. قَوْله: (قَالَ: لَا) يَعْنِي: أَن حكمه حكم الْأَخْضَر، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: قلت: والأبيض؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. وَفِي رِوَايَة: نهى عَن نَبِيذ الْجَرّ الْأَخْضَر والأبيض. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَفْهُوم الْأَخْضَر يَقْتَضِي مُخَالفَة حكم الْأَبْيَض لَهُ، وَأجَاب بِأَن شَرط اعْتِبَار الْمَفْهُوم أَن لَا يكون الْكَلَام خَارِجا مخرج الْغَالِب، وَكَانَت عَادَتهم الانتباذ فِي الجرار الْخضر، فَذكر الْأَخْضَر لبَيَان الْوَاقِع لَا للِاحْتِرَاز. وَقَالَ الْخطابِيّ: لم يعلق الحكم فِي ذَلِك بخضرة الْجَرّ وبياضه، وَإِنَّمَا يعلق بالإسكار، وَذَلِكَ أَن الجرار أوعية مُنْتِنَة قد يتَغَيَّر فِيهَا الشَّرَاب وَلَا يشْعر بِهِ فنهوا عَن الانتباذ فِيهَا، وَأمرُوا أَن ينتبذوا فِي الأسقية لزفتها، فَإِذا تغير الشَّرَاب فِيهَا يعلم حَالهَا فيجتنب عَنهُ، وَأما ذكر الخضرة فَمن أجل أَن الجرار الَّتِي كَانُوا ينتبذون فِيهَا كَانَت خضرًا والأبيض بمثابته فِيهِ والآنية لَا تحرم شَيْئا وَلَا تحلله، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: هَذَا عِنْدِي كَلَام خرج على جَوَاب سُؤال، كَأَنَّهُ قيل: الْجَرّ الْأَخْضَر؟ فَقَالَ: لَا تنتبذوا فِيهِ، فَسَمعهُ الرَّاوِي فَقَالَ: نهى عَن الْجَرّ الْأَخْضَر، وَأخرجه الشَّافِعِي، ﵀، عَن سُفْيَان عَن أبي إِسْحَاق عَن ابْن أبي أوفى: نهى رَسُول الله ﷺ عَن نَبِيذ الْجَرّ الْأَخْضَر والأبيض والأحمر. قلت: حَاصِل الْكَلَام أَن النَّهْي يتَعَلَّق بالإسكار لَا بالخضرة وَلَا بغَيْرهَا، وَقد أخرج ابْن أبي شيبَة عَن ابْن أبي أوفى: أَنه كَانَ يشرب نَبِيذ الْجَرّ الْأَخْضَر. وَأخرج أَيْضا بِسَنَد صَحِيح عَن ابْن مَسْعُود: أَنه كَانَ ينتبذ لَهُ فِي الْجَرّ الْأَخْضَر.
٩ - (بابُ نَقِيع التَّمْرِ مَا لَمْ يُسْكِرْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم شرب نَقِيع التَّمْر مَا لم يسكر قيد بقوله: مَا لم يسكر، لِأَنَّهُ مُبَاح وَإِذا أسكر يكون حَرَامًا.
حدّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا يَعْقُوبُ بنُ عبْدِ الرَّحْمانِ القارِيُّ عنْ أبي حازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ
стр. 6381
سَهْلَ بنَ سَعْدٍ السّاعِدِيَّ أنَّ أَبَا أُسَيْدٍ السَّاعِدِيَّ دَعا النبيَّ ﷺ لِعُرُسِهِ فَكانَتِ امْرَأتُهُ خادِمَهُمْ يَوْمَئِذٍ وهْيَ العَرُوسُ، فقالَتْ: مَا تَدْرُونَ مَا أنْقَعْتُ لِرَسُولِ الله ﷺ ؟ أنْقَعْتُ لهُ تَمَرَاتِ مِنَ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والقارى بِالْقَافِ وَالرَّاء وَالْيَاء الْمُشَدّدَة نِسْبَة إِلَى القارة قَبيلَة، وَأَبُو حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي سَلمَة بن دِينَار، وَأَبُو أسيد بِضَم الْهمزَة وَفتح السِّين الْمُهْملَة السَّاعِدِيّ، واسْمه مَالك بن ربيعَة. والْحَدِيث قد تقدم عَن قريب فِي: بَاب الانتباذ فِي الأوعية، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
١٠ - (بابُ الباذَقِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الباذق بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الذَّال الْمُعْجَمَة، وَنقل عَن الْقَابِسِيّ أَنه حدث بِهِ بِكَسْر الذَّال، وَسُئِلَ عَن فتحهَا فَقَالَ: مَا وقفنا عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: هُوَ اسْم فَارسي عربته الْعَرَب، وَقَالَ الجواليقي: باذه أَي: باذق وَهُوَ الْخمر الْمَطْبُوخ، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ يشبه الفقاع إلَاّ أَنه رُبمَا يشْتَد، وَقَالَ ابْن قرقول: الباذق الْمَطْبُوخ من عصير الْعِنَب إِذا أسكر أَو إِذا طبخ بعد أَن اشْتَدَّ، وَقَالَ ابْن سَيّده: إِنَّه من أَسمَاء الْخمر، وَيُقَال: الباذق المثلث وَهُوَ الَّذِي بالطبخ ذهب ثُلُثَاهُ، وَقَالَ الْقَزاز: هُوَ ضرب من الْأَشْرِبَة، وَيُقَال: هُوَ الطلاء الْمَطْبُوخ من عصير الْعِنَب، كَانَ أول من صنعه وَسَماهُ بَنو أُميَّة لينقلوه عَن اسْم الْخمر، وَكَانَ مُسكرا، وَالِاسْم لَا ينْتَقل عَن مَعْنَاهُ الْمَوْجُود فِيهِ. وَقَالَت الْحَنَفِيَّة: الْعصير الْمُسَمّى بالطلاء إِذا طبخ فَذهب أقل من ثُلثَيْهِ يحرم شربه، وَقيل: الطلاء هُوَ الَّذِي ذهب ثلثه فَإِن ذهب نصفه فَهُوَ الْمنصف وَإِن طبخ أدنى طبخه فَهُوَ الباذق، وَالْكل حرَام إِذا غلا وَاشْتَدَّ وَقذف بالزبد، وَكَذَا يحرم نَقِيع الرطب، وَهُوَ الْمُسَمّى بالسكر إِذا غلا وَاشْتَدَّ، وَقذف بالزبد وَكَذَا نَقِيع الزَّبِيب إِذا غلا وَاشْتَدَّ وَقذف بالزبد، وَلَكِن حُرْمَة هَذِه الْأَشْيَاء دون حُرْمَة الْخمر حَتَّى لَا يكفر مستحلها وَلَا يجب الْحَد بشربها مَا لم يسكر ونجاستها خَفِيفَة، وَفِي رِوَايَة: غَلِيظَة، وَيجوز بيعهَا عِنْد أبي حنيفَة، وَيضمن قيمتهَا بالاتلاف، وَقَالَ: لَا يحرم بيعهَا وَلَا يضمنهَا بِالْإِتْلَافِ.
﴿ومَنْ نَهَى عنْ كلِّ مُسْكِرٍ مِنَ الأشْرِبَةِ﴾
أَي: وَفِي بَيَان من نهى عَن كل مُسكر من الْأَشْرِبَة بأنواعها لقَوْله ﷺ : كل مُسكر حرَام، وَيدخل فِيهِ سَائِر مَا يتَّخذ من الْحُبُوب وَمن النَّبَات كالحشيش وَجوز الطّيب وَلبن الخشخاش إِذا أسكر.
﴿وَرَأى عُمَرُ وأبُو عُبَيْدَةَ ومُعاذٌ شُرْبَ الطِّلَاءِ عَلى الثُّلُثِ﴾
أَي: رأى عمر بن الْخطاب وَأَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح ومعاذ بن جبل ﵃ جَوَاز شرب الطلاء إِذا طبخ فَصَارَ على الثُّلُث، وَنقص مِنْهُ الثُّلُثَانِ، أما أثر عمر، ﵁ فَأخْرجهُ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) من طَرِيق مَحْمُود بن لبيد الْأنْصَارِيّ أَن عمر بن الْخطاب حِين قدم الشَّام شكى إِلَيْهِ أهل الشَّام وباء الأَرْض وثقلها، وَقَالُوا: لَا يُصْلِحنَا إلَاّ هَذَا الشَّرَاب، فَقَالَ: اشربوا الْعَسَل، قَالُوا: لَا يُصْلِحنَا، فَقَالَ رجل من أهل الأَرْض: هَل لَك أَن نجْعَل لَك من هَذَا الشَّرَاب شَيْئا لَا يسكر؟ فَقَالَ: نعم، فطبخوه حَتَّى ذهب مِنْهُ الثُّلُثَانِ وَبَقِي الثُّلُث وَأتوا بِهِ عمر فَأدْخل فِيهِ إصبعه ثمَّ رفع يَده فتبعها يتمطط، فَقَالَ: هَذَا الطلاء مثل طلاء الْإِبِل، فَأَمرهمْ عمر أَن يشربوه، وَقَالَ عمر ﵁: لَا أحل لَهُم شَيْئا حرم عَلَيْهِم، وَأما أثر أبي عُبَيْدَة ومعاذ فَأخْرجهُ أَبُو مُسلم الْكَجِّي وَسَعِيد بن مَنْصُور وَابْن أبي شيبَة من طَرِيق قَتَادَة عَن أنس أَن أَبَا عُبَيْدَة ومعاذ بن جبل، وَأَبا طَلْحَة كَانُوا يشربون من الطلاء مَا طبخ على الثُّلُث وَذهب ثُلُثَاهُ.
﴿وشَرِبَ البرَاءُ وأبُو جُحَيْفَةَ عَلى النِّصْفِ﴾
أَي: شرب الْبَراء بن عَازِب وَأَبُو جُحَيْفَة وهب بن عبد الله على النّصْف أَي: إِذا طبخ فَصَارَ على النّصْف وَأثر الْبَراء أخرجه ابْن أبي شيبَة من رِوَايَة عدي بن ثَابت عَنهُ أَنه كَانَ يشرب الطلاء على النّصْف وَأثر أبي جُحَيْفَة أخرجه ابْن أبي شيبَة أَيْضا من طَرِيق حُصَيْن بن عبد الرَّحْمَن، قَالَ: رَأَيْت أَبَا جُحَيْفَة ... فَذكر مثله.
﴿وَقَالَ ابنُ عبَّاسٍ: اشْرَبِ العَصِيرَ مَا دامَ طَرِيًّا﴾
هَذَا وَصله النَّسَائِيّ من طَرِيق أبي ثَابت الثَّعْلَبِيّ، قَالَ: كنت عِنْد ابْن عَبَّاس فَجَاءَهُ رجل يسْأَله عَن عصير؟ فَقَالَ:
стр. 6382
اشربه مَا كَانَ طرياً قَالَ: إِنِّي طبخت شرابًا، وَفِي نَفسِي مِنْهُ شَيْء، قَالَ: أَكنت شَاربه قبل أَن تطبخه؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَإِن النَّار لَا تحل شَيْئا قد حرم.
﴿وَقَالَ عُمَرُ: وجَدْتُ مِنْ عُبَيْدِ الله رِيحَ شَرَابٍ وَأَنا سائِلٌ عنْهُ، فإنْ كانَ يُسْكِرُ جَلَدْتُهُ﴾ .
أَي: قَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ إِلَى آخِره، وَعبيد الله بِالتَّصْغِيرِ هُوَ ابْن عمر ﵁ وَوَصله مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن السَّائِب بن يزِيد أَنه أخبرهُ أَن عمر بن الْخطاب ﵁ خرج عَلَيْهِم فَقَالَ: إِنِّي وجدت من فلَان ريح شراب فَزعم أَنه شرب الطلاء، وَإِنِّي سَائل عَمَّا يشرب فَإِن كَانَ يسكر جلدته، فجلده عمر الْحَد تَاما، وَسَنَده صَحِيح وَفِيه حذف تَقْدِيره: فَسَأَلَ عَنهُ فَوَجَدَهُ يسكر فجلده، وَأخرجه سعيد بن مَنْصُور عَن ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ: سمع السَّائِب بن يزِيد يَقُول: قَامَ عمر ﵁ على الْمِنْبَر فَقَالَ: ذكر لي أَن عبيد الله بن عمر وَأَصْحَابه شربوا شرابًا، وَأَنا سَائل عَنهُ، فَإِن كَانَ يسكر جلدته، قَالَ ابْن عُيَيْنَة: فَأَخْبرنِي معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن السَّائِب قَالَ: رَأَيْت عمر يجلدهم. وَاخْتلف فِي جَوَاز الْحَد بِمُجَرَّد وجدان الرّيح، وَالأَصَح لَا، وَاخْتلف فِي السَّكْرَان فَقيل: من اخْتَلَط كَلَامه المنظوم وانكشف ستره المكتوم، وَقيل: من لَا يعرف السَّمَاء من الأَرْض وَلَا الطول من الْعرض.
٥٥٩٨ - حدّثنامُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرَنا سُفْيانُ عنْ أبي الجُوَيْرِيَةِ قَالَ: سألْتُ ابنَ عَبَّاسٍ عنِ الباذَقِ، فَقَالَ: سَبَقَ مُحَمَّدٌ ﷺ الباذَقَ، فَما أسْكَرَ فَهْوَ حَرَامٌ. قَالَ: الشَّرَابُ الحَلَالُ الطَّيِّبُ؟ قَالَ: لَيْسَ بَعْدَ الحَلَالِ الطَّيِّبِ إلَاّ الحَرَامُ الخَبِيثُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَأَبُو الجويرية بِالْجِيم مصغر واسْمه حطَّان بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الطَّاء وبالنون ابْن خفاف بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْفَاء الأولى الْجرْمِي بِفَتْح الْجِيم وَالرَّاء.
قَوْله: (سبق مُحَمَّد ﷺ أَي: سبق حكمه بِتَحْرِيمِهِ حَيْثُ قَالَ: كل مَا أسكر فَهُوَ حرَام. وَقَالَ ابْن بطال: أَي سبق مُحَمَّد ﷺ بِالتَّحْرِيمِ للخمر قبل تسميتهم لَهَا بالباذق وَهُوَ من شراب الْعَسَل، وَلَيْسَ تسميتهم لَهَا بِغَيْر اسْمهَا بِنَافِع إِذا أسكرت، وَرَأى ابْن عَبَّاس أَن سائله أَرَادَ استحلال الشَّرَاب الْمحرم بِهَذَا الِاسْم فَمَنعه بقوله: (فَمَا أسكر فَهُوَ حرَام) وَأما معنى: (لَيْسَ بعد الْحَلَال الطّيب إِلَّا الْحَرَام الْخَبيث) فَهُوَ أَن الشُّبُهَات تقع فِي حيّز الْحَرَام وَهِي الْخَبَائِث، وَقيل: قَوْله: (الشَّرَاب الطّيب) إِلَى آخِره، هَكَذَا وَقع فِي جَمِيع النّسخ الْمَشْهُورَة بَين النَّاس وَلم يعين الْقَائِل هَل هُوَ قَول ابْن عَبَّاس أَو قَول غَيره من بعده، وَالظَّاهِر أَنه من قَول ابْن عَبَّاس، وَبِذَلِك جزم القَاضِي إِسْمَاعِيل فِي أَحْكَامه فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق.
٥٥٩٩ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ أبي شَيْبَةَ حَدثنَا أبُو أُسامَةَ حَدثنَا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: كانَ النبيُّ ﷺ يُحِبُّ الحَلْوَاءَ والعَسَلَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الَّذِي يحل من الْمَطْبُوخ هُوَ مَا كَانَ فِي معنى الْحَلْوَاء، وَالَّذِي يجوز شربه من عصير الْعِنَب بِغَيْر طبخ فَهُوَ مَا كَانَ فِي معنى الْعَسَل، والْحَدِيث قد تقدم فِي الْأَطْعِمَة فِي: بَاب الْحَلْوَاء وَالْعَسَل.
١١ - (بابُ مَنْ رَأى أنْ لَا يَخْلِطَ البُسْرَ والتَّمْرَ إذَا كانَ مُسْكِراً وأنْ لَا يَجْعَلَ إدَامَيْنِ فِي إدَامٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من رأى أَن لَا يخلط الْبُسْر وَالتَّمْر إِذا كَانَ أَي: خلطهما مُسكرا فَقَالَ ابْن بطال. قَوْله: إِذا كَانَ مُسكرا خطأ، لِأَن النَّهْي عَن الخليطين عَام وَإِن لم يسكر كثيرهما لسرعة سريان الْإِسْكَار إِلَيْهِمَا من حَيْثُ لَا يشْعر صَاحبه، وَلَيْسَ النَّهْي عَن الخليطين لِأَنَّهُمَا يسكران حَالا، بل لِأَنَّهُمَا يسكران مَآلًا، فَإِنَّهُمَا إِذا كَانَا مسكرين فِي الْحَال لَا خلاف فِي النَّهْي عَنْهُمَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَيْسَ خطأ بل غَايَته أَنه أطلق مجَازًا مَشْهُورا، وَقيل: لَا يلْزم البُخَارِيّ ذَلِك، إِمَّا لِأَنَّهُ يرى جَوَاز الخليطين قبل
стр. 6383
الْإِسْكَار، وَإِمَّا لِأَنَّهُ ترْجم على مَا يُطَابق الحَدِيث الأول فِي الْبَاب، وَهُوَ حَدِيث أنس، لِأَنَّهُ لَا شكّ أَن الَّذِي كَانَ يسْقِيه حينئذٍ للْقَوْم مُسكرا، وَلِهَذَا دخل عِنْدهم فِي عُمُوم تَحْرِيم الْخمر. وَقد قَالَ أنس: وَإِنَّا لنعدها يومئذٍ الْخمر، دلّ على أَنه مُسكر. قلت: وَمِمَّنْ يرى جَوَاز الخليطين قبل الْإِسْكَار أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف ﵁ قَالَا: وكل مَا طبخ على الِانْفِرَاد حل، كَذَلِك إِذا طبخ مَعَ غَيره، ويروى مثل ذَلِك عَن ابْن عمر وَالنَّخَعِيّ. قَوْله: (وَأَن لَا يَجْعَل إدامين فِي إدام) أَي: وَمِمَّنْ رأى أَن لَا يَجْعَل إدامين فِي إدام، نَحْو أَن يخلط التَّمْر وَالزَّبِيب فيصيران كإدام وَاحِد لوُرُود الحَدِيث الصَّحِيح بِالنَّهْي عَن الخليطين، رَوَاهُ أَبُو سعيد. وَفِي حَدِيث أبي قَتَادَة: نهى أَن يجمع بَين التَّمْر وَالزَّبِيب، وَفِي حَدِيث جَابر: بَين الزَّبِيب وَالتَّمْر، والبسر وَالرّطب، وَالْعلَّة فِيهِ إِمَّا توقع الْإِسْكَار بالاختلاط، وَإِمَّا تحقق الْإِسْكَار بالكثير، وَإِمَّا الْإِسْرَاف والشره، وَالتَّعْلِيل بالإسراف مُبين فِي حَدِيث النَّهْي عَن الْقُرْآن فِي التَّمْر، هَذَا وَالتَّمْرَتَانِ نوع وَاحِد فَكيف بالتعدد؟
٥٦٠٠ - حدّثنامُسْلِمٌ حَدثنَا هشامٌ حَدثنَا قَتادَةُ عنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ: إنِّي لأسْقِي أَبَا طَلْحَةَ وَأَبا دُجانَةَ وسُهَيْلَ بنَ البَيْضاءِ خَلِيطَ بُسْرٍ وتَمْرٍ إذْ حُرِّمَتِ الخَمْرُ فَقَذَفْتُها وَأَنا ساقِيهِمْ وأصْغَرُهُمْ، وإنَّا نَعُدُّها يَوْمَئِذٍ الخَمْرَ. وَقَالَ عَمْرُو بنُ الحارِثِ: حَدثنَا قَتادَةُ سَمِعَ أنَساً
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (خليط بسر وتمر) وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا كَانَا خليطين وَقت شرب هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين فِي الحَدِيث، فَلَمَّا بَلغهُمْ تَحْرِيم الْخمر قَذَفُوهُ وتركوه فصاروا مِمَّن رأى أَن لَا يخلط الْبُسْر وَالتَّمْر.
وَمُسلم هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الْأَزْدِيّ، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي.
والْحَدِيث عَن أنس قد تقدم فِي أَوَائِل الْكتاب فِي: بَاب نزل تَحْرِيم الْخمر وَهِي من الْبُسْر وَالتَّمْر بِوُجُوه مُخْتَلفَة فِي الْمَتْن والإسناد، وَهُنَاكَ قَالَ أنس: أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَة وَأبي بن كَعْب، وَهنا ذكر أَبَا دُجَانَة وسهيلاً، وَلَا يضر ذَلِك على مَا لَا يخفى، وَأَبُو دُجَانَة سماك بن خَرشَة.
قَوْله: (وَقَالَ عَمْرو بن الْحَارِث) إِلَى آخِره، تَعْلِيق أَرَادَ بِهِ بَيَان سَماع قَتَادَة لِأَنَّهُ فِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة بالعنعنة، وَوَصله أَبُو نعيم عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن سعد حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد حَدثنَا أَبُو الطَّاهِر حَدثنَا بن وهب أخبرنَا عَمْرو فَذكره.
٥٦٠١ - حدّثنا أبُو عاصِمٍ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ أخْبرني عَطاءٌ أنَّهُ سَمِعَ جابِراً ﵁ يَقُولُ: نَهَى النبيُّ ﷺ ، عَن الزَّبِيبِ والتَّمْرِ والبُسْرِ والرُّطَبِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو عَاصِم النَّبِيل الضَّحَّاك بن مخلد الْبَصْرِيّ يروي عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْأَشْرِبَة عَن مُحَمَّد بن حَاتِم وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الْوَلِيمَة عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم. قَوْله: (عَن الزَّبِيب) إِلَى آخِره لَيْسَ فِيهِ بَيَان الْخَلْط صَرِيحًا، وَقد بَينه مُسلم بِلَفْظ: (لَا تجمعُوا بَين الرطب والبسر وَبَين الزَّبِيب وَالتَّمْر) ، وَحِكْمَة النَّهْي خوف إسراع الشدَّة إِلَيْهِ مَعَ الْخَلْط. وَقَالَ الدَّاودِيّ: لِأَن أَحدهمَا لَا يصير نبيذاً حلواً حَتَّى يشْتَد الآخر فيسرع إِلَى الشدَّة فَيصير خمرًا، وهم لَا يظنون.
وَاخْتلف هَل ترك ذَلِك وَاجِب أَو مُسْتَحبّ؟ فَقَالَ مُحَمَّد يُعَاقب عَلَيْهِ، وَقَالَ القَاضِي عبد الْوَهَّاب: أَسَاءَ فِي تخليطه، فَإِن لم تحدث الشدَّة المطربة جَازَ شربه، وَعَن بعض الْعلمَاء أَنه كره أَن يخلط للْمَرِيض شرابان مثل شراب ورد وَغَيره، وَأنكر ذَلِك غَيره، وَسُئِلَ الشَّافِعِي عَن رجل شرب خليطين مُسكرا فَقَالَ: هَذَا بِمَنْزِلَة رجل أكل لحم خِنْزِير ميت، فَهُوَ حرَام من جِهَتَيْنِ: الْخِنْزِير حرَام، وَالْميتَة حرَام، وَالسكر حرَام.
قلت: فِي هَذَا الْبَاب أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه يحرم، وَرُوِيَ ذَلِك عَن أبي مُوسَى الْأنْصَارِيّ وَأنس وَجَابِر وَأبي سعيد ﵃ وَمن التَّابِعين عَطاء وطاووس، وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر. وَالثَّانِي: يحرم خليط كل نَوْعَيْنِ مِمَّا ينتبذ فِي الانتباذ، وَبعد الانتباذ لَا يخص شَيْء من شَيْء، وَهُوَ قَول بعض الْمَالِكِيَّة. وَالثَّالِث: أَن النَّهْي مَحْمُول على التَّنْزِيه وَأَنه لَيْسَ بِحرَام مَا لم يصر مُسكرا، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: حَكَاهُ النَّوَوِيّ عَن مَذْهَبنَا، وَأَنه قَول جُمْهُور الْعلمَاء. وَالرَّابِع: رُوِيَ عَن اللَّيْث أَنه قَالَ: لَا بَأْس أَن يخلط نَبِيذ الزَّبِيب ونبيذ التَّمْر ثمَّ يشربان جَمِيعًا، وَإِنَّمَا
стр. 6384
جَاءَ النَّهْي عَن أَن ينتبذا جَمِيعًا، لِأَن أَحدهمَا يشد صَاحبه. وَالْخَامِس: أَنه لَا كَرَاهَة فِي شَيْء من ذَلِك، وَلَا بَأْس بِهِ، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة فِي رِوَايَة عَن أبي يُوسُف: قَالَ النَّوَوِيّ: أنكر عَلَيْهِ الْجُمْهُور، وَقَالُوا: هَذِه منابذة لصَاحب الشَّرْع، فقد ثبتَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة فِي النَّهْي عَنهُ، فَإِن لم يكن حَرَامًا كَانَ مَكْرُوها. قلت: هَذِه جرْأَة شنيعة على إِمَام أجل من ذَلِك، وَأَبُو حنيفَة لم يكن قَالَ ذَلِك بِرَأْيهِ، وَإِنَّمَا مُسْتَنده فِي ذَلِك أَحَادِيث مِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن عبد الله الْحَرْبِيّ عَن مسعر عَن مُوسَى بن عبد الله عَن امْرَأَة من بني أَسد عَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ ، كَانَ ينْبذ لَهُ زبيب فيلقي فِيهِ تمر، أَو تمر فَيلقى فِيهِ زبيب، وروى أَيْضا عَن زِيَاد الحساني: حَدثنَا أَبُو بَحر حَدثنَا عتاب بن عبد الْعَزِيز حَدَّثتنِي صَفِيَّة بنت عَطِيَّة قَالَت: دخلت مَعَ نسْوَة من عبد الْقَيْس على عَائِشَة، ﵂، فسألنا عَن التَّمْر وَالزَّبِيب، فَقَالَت: كنت أَخذ قَبْضَة من تمر وقبضة من زبيب فألقيه فِي الْإِنَاء فأمرسه ثمَّ أسقيه النَّبِي ﷺ ، وروى مُحَمَّد بن الْحسن فِي (كتاب الْآثَار) أخبرنَا أَبُو حنيفَة عَن ابْني إِسْحَاق وَسليمَان الشَّيْبَانِيّ عَن ابْن زِيَاد: أَنه أفطر عِنْد عبد الله بن عمر ﵄ فَسَقَاهُ شرابًا فَكَأَنَّهُ أَخذ مِنْهُ، فَلَمَّا أصبح غَدا إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا الشَّرَاب؟ مَا كدت أهتدي إِلَى منزلي. فَقَالَ ابْن عمر: مَا زدناك على عَجْوَة وزبيب. فَإِن قلت: قَالَ ابْن حزم: فِي الحَدِيث الأول لأبي دَاوُد امْرَأَة لم تسم، وَفِي الثَّانِي أَبُو بَحر لَا يدْرِي من هُوَ عَن عتاب، وَهُوَ مَجْهُول عَن صَفِيَّة وَلَا يدْرِي من هِيَ؟ قلت: هَذِه ثَلَاثَة أَحَادِيث بشد بَعْضهَا بَعْضًا على أَن ابْن عدي قَالَ: أَبُو بَحر مَشْهُور مَعْرُوف وَله أَحَادِيث غرائب عَن شُعْبَة وَغَيره من الْبَصرِيين، وَهُوَ مِمَّن يكْتب حَدِيثه، وَفِي (كتاب السَّاجِي) : قَالَ يحيى بن سعيد: هُوَ صَدُوق صَاحب حَدِيث، وَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان بن أُميَّة بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة البكراوي، وَذكره ابْن شاهين وَابْن حبَان فِي كتاب الثِّقَات، وَقَالَ البُخَارِيّ: لم يستبن لي طَرحه. وَقَالَ أَبُو عمر وَأحمد بن صَالح الْعجلِيّ: هُوَ ثِقَة بَصرِي، وَفِي (كتاب الصريفيين) ذكره ابْن حبَان فِي كتاب (الثِّقَات) وَخرج حَدِيثه فِي (صَحِيحه) كَذَلِك الْحَاكِم وعتاب بن عبد الْعَزِيز، روى عَنهُ يزِيد بن هَارُون وَأحمد بن سعيد الدَّارمِيّ وَآخَرُونَ، وَذكره ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) .
٥٦٠٢ - حدّثنامُسْلِمٌ حَدثنَا هِشامٌ أخبرنَا يَحْيَى بنُ أبي كَثِيرٍ عنْ عبْدِ الله بن أبي قَتادةَ عنْ أبِيهِ، قَالَ: نَهَى النبيُّ ﷺ أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ التَّمْرِ والزَّهْوِ والتَّمْرِ والزَّبِيبِ ولْيُنْبَذْ كلُّ واحِدٍ مِنْهُما عَلى حِدَةٍ.
مُطَابقَة الْجُزْء الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث يدل على منع الْجمع بَين الإدامين، أَشَارَ إِلَيْهِ فِي التَّرْجَمَة بقوله: وَأَن لَا يَجْعَل إدامين فِي إدام.
وَمُسلم هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي وَأَبُو قَتَادَة اسْمه الْحَارِث بن ربعي الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَشْرِبَة أَيْضا عَن يحيى بن أَيُّوب وَعَن آخَرين. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن يحيى بن درست. وَأخرجه ابْن ماجة فِي الْأَشْرِبَة عَن هِشَام بن عمار.
قَوْله: (والزهو) بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْهَاء وَهُوَ الملون من الْبُسْر. قَوْله: (ولينبذ) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي رِوَايَة مُسلم: لَا تنتبذوا الزهو وَالرّطب جَمِيعًا، وَلَا تنتبذوا الزَّبِيب وَالتَّمْر جَمِيعًا وانتبذوا كل وَاحِد مِنْهُمَا على حِدته. قَوْله: (مِنْهُمَا) إِنَّمَا ثنى الضَّمِير وَلم يقل: مِنْهَا بِاعْتِبَار أَن الْجمع بَين الِاثْنَيْنِ لَا بَين الثَّلَاثَة أَو الْأَرْبَعَة أَي من كل اثْنَيْنِ مِنْهَا، فَيكون الْجمع بَين أَكثر بطرِيق الأولى. قَوْله: (على حِدة) بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الدَّال أَي على انْفِرَاده. وَقَالَ بَعضهم: بعْدهَا هَاء تَأْنِيث. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل هَذِه التَّاء عوض عَن الْوَاو الَّتِي فِي أَوله، لِأَن أَصله: وحد، فَلَمَّا حذفت الْوَاو عوضت عَنْهَا التَّاء كَمَا فِي: عدَّة أَصْلهَا: وعد، فَلَمَّا حذفت الْوَاو تبعا لفعله عوضت عَنْهَا التَّاء، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: على حِدته، بِالْهَاءِ بعد التَّاء.
وَفِيه: كَرَاهَة الْجمع بَين الإدامين وَلَكِن كَرَاهَة تَنْزِيه لَا تَحْرِيم. وَاخْتلف فِي وَجه النَّهْي، فَقيل: لضيق الْعَيْش، وَقيل: للسرف، وَقَالَ الْمُهلب: لَا يَصح عَن سيدنَا رَسُول الله ﷺ النَّهْي عَن خلط الْأدم، وَإِنَّمَا رُوِيَ ذَلِك عَن عمر ﵁ من أجل السَّرف لِأَنَّهُ كَانَ يُمكن أَن يأتدم بِأَحَدِهِمَا وَيرْفَع الآخر إِلَى مرّة أُخرى.
стр. 6385
١٢ - (بابُ شُرْبِ اللَّبَنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شرب اللَّبن. وضع هَذِه التَّرْجَمَة للرَّدّ على قَول من قَالَ: إِن الْكثير من شرب اللَّبن يسكر، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء. قَالَ الْمُهلب: شرب اللَّبن حَلَال بِكِتَاب الله تَعَالَى، وَلَيْسَ قَول من قَالَ: إِن الْكثير مِنْهُ يسكر، بِشَيْء. وَقَالَ ابْن بطال: إِنَّمَا كَانَ السكر مِنْهُ لصناعة تدخله.
وقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿من بَين فرث وَدم لَبَنًا خَالِصا سائغاً للشاربين﴾ (النَّحْل: ٦٦) .
وَقَول الله، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: شرب اللَّبن، وَوَقع فِي مُعظم النّسخ يخرج ﴿من بَين فرث وَدم﴾ هَذَا الْمِقْدَار، وَزَاد فِي رِوَايَة أبي ذَر لَبَنًا خَالِصا، وَفِي رِوَايَة غير موقع تَمام الْآيَة وَقَوله يخرج، لَيْسَ فِي الْقُرْآن، وَالَّذِي فِي الْقُرْآن ﴿نسقيكم مِمَّا فِي بطونه من بَين فرث وَدم﴾ وَلَفظ: يخرج، فِي آيَة أُخرى من السُّورَة ﴿يخرج من بطونها شراب مُخْتَلف ألوانه﴾ وَالظَّاهِر أَن زِيَادَة لفظ: يخرج، هُنَا لَيست من البُخَارِيّ، بل هِيَ مِمَّن دونه، وَبِدُون لفظ. يخرج، جرى الْإِسْمَاعِيلِيّ وَابْن بطال وَغَيرهمَا، وَهَذِه الْآيَة صَرِيحَة فِي إحلال شرب ألبان الْأَنْعَام بِجَمِيعِ أَنْوَاعهَا لوُقُوع الامتنان بِهِ، والفرث مَا يجمع فِي الكرش، وَقَالَ الْقَزاز: هُوَ مَا ألقِي من الكرش، يُقَال: فرثت الشَّيْء إِذا أخرجته من وعائه، وَبعد خُرُوجه يُقَال لَهُ السرجين وزبل. وَأخرج عَن ابْن عَبَّاس: أَن الدَّابَّة إِذا أكلت الْعلف واستقل فِي كرشها فَكَانَ أَسْفَله فرثاً وأوسطه لَبَنًا وَأَعلاهُ دَمًا، والكبد مسلطة عَلَيْهِ فتقسم الدَّم وتجريه فِي الْعُرُوق وتجري اللَّبن فِي الضَّرع وَيبقى الفرث فِي الكرش وَحده. قَوْله: (خَالِصا) أَي: من حمرَة الدَّم وقذارة الفرث. قَوْله: (سائغاً) أَي: لذيذاً هَنِيئًا لَا يغص بِهِ شَارِب.
٥٦٠٣ - حدّثناعَبْدانَ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا يُونُسُ عَن الزُّهْرِيِّ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أُُتِيَ رسولُ الله ﷺ لَيْلَةَ أُُسْرِيَ بِهِ بِقَدَحٍ لَبَنٍ وقَدَحِ خَمْرٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي ﷺ لما أُتِي لَيْلَة الْإِسْرَاء بِلَبن وخمر اخْتَار اللَّبن، وَهُوَ من أعظم نعم الله على عبيده. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي أَنه ﷺ خير ليلتئذٍ بَين اللَّبن وَالْخمر مَعَ أَن اللَّبن حَلَال وَالْخمر حرَام؟ قلت: لِأَن الْخمر كَانَت من الْجنَّة وخمر الْجنَّة لَيست بِحرَام. وَقيل: لِأَن الْخمر حينئذٍ لم تكن حرمت.
وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي وَقد تكَرر ذكره، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم.
والْحَدِيث قد مضى فِي تَفْسِير سُورَة ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ قَوْله (لَيْلَة) قَالَ الْكرْمَانِي بِالتَّنْوِينِ وَعَدَمه، وَقَالَ بَعضهم: حكى فِيهِ تَنْوِين لَيْلَة، وَالَّذِي أعرفهُ فِي الرِّوَايَة الْإِضَافَة. قلت: إِذا جَازَ الْوَجْهَانِ فإسناد هَذَا الْقَائِل مَعْرفَته إِلَى الْإِضَافَة تعمق فِي الْمُفَاخَرَة الْبَارِدَة.
٥٦٠٤ - حدّثناالحُمَيْدِيُّ سَمِعَ سُفْيانَ أخبرنَا سالِمٌ أبُو النَّضْرِ أنَّهُ سَمِعَ عُمَيْراً مَوْلَى أمِّ الفَضْلِ يُحَدِّثُ عنْ أمِّ الفَضْلِ قالَتْ: شَكَّ النَّاسُ فِي صِيامِ رسولِ الله ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فأرْسَلْتُ إلَيْهِ بإناءٍ فِيهِ لَبَنٌ فَشَرِبَ، فَكانَ سُفْيانُ رُبما قالَ: شَكَّ النَّاسُ فِي صِيامِ رَسُول الله ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فأرْسَلَتْ إليْهِ أُُمُّ الفَضْلِ، فإِذا وُقِّفَ عَلَيْهِ، قَالَ: هُوَ عنْ أُُمِّ الفَضْلِ
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فِيهِ لبن فَشرب) والْحميدِي عبد الله بن الزبير نِسْبَة إِلَى أحد أجداده حميد، وَقد تكَرر ذكره، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَأَبُو النَّضر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة، وَعُمَيْر مصغر عمر وَمولى أم الْفضل زَوْجَة الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب. وَقد مر الحَدِيث فِي الْحَج وَالصَّوْم.
قَوْله: (فَإِذا وقف عَلَيْهِ) بِضَم الْوَاو وَكسر الْقَاف الْمُشَدّدَة وبالفاء، مَعْنَاهُ: أَن سُفْيَان رُبمَا كَانَ أرسل الحَدِيث فَلم يقل فِي الْإِسْنَاد: عَن أم الْفضل، فَإِذا سُئِلَ عَنهُ، هَل هُوَ مَوْصُول أَو مُرْسل؟ قَالَ: هُوَ عَن أم
стр. 6386
الْفضل، وَهُوَ فِي قُوَّة هُوَ مَوْصُول. وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: فَإِذا أوقف، بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الْوَاو وَكسر الْقَاف من الإيقاف وَالْأول يجوز أَن يكون من التَّوْقِيف، وَيجوز أَن يكون من الْوَقْف.
٥٦٠٥ - حدّثناقُتَيْبَةُ حَدثنَا جَرِيرٌ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبي صالِحٍ وَأبي سُفْيان عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله قَالَ: جاءَ أبُو حُمَيْدٍ بقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ منَ النَّقِيعِ، فَقَالَ لهُ رسولُ الله ﷺ : ألَاّ خَمَّرْتَهُ ولوْ أنْ تَعْرُضَ عليْهِ عُوداً؟ . (انْظُر الحَدِيث: ٥٦٠٥ طرفه فِي: ٥٦٠٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (بقدح من لبن) وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَأَبُو صَالح ذكْوَان، وَأَبُو سُفْيَان طَلْحَة بن نَافِع الْقرشِي.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَشْرِبَة أَيْضا عَن أبي شيبَة عَن جرير، وَأَبُو حميد مصغر حمد عبد الرَّحْمَن، وَقيل: الْمُنْذر بن سعد السَّاعِدِيّ.
قَوْله: (من النقيع) بِفَتْح النُّون وَكسر الْقَاف وبالعين الْمُهْملَة وَهُوَ مَوضِع بوادي العقيق وَهُوَ الَّذِي حماه رَسُول الله ﷺ لرعي الْغنم، وَقيل: إِنَّه غير الْحمى، وَقد تقدم فِي الْجُمُعَة: نَقِيع الْخُصُومَات، وَهُوَ يدل على التَّعَدُّد، وَكَانَ وَاديا يجْتَمع فِيهِ المَاء، وَالْمَاء الناقع هُوَ الْمُجْتَمع، وَقيل: كَانَت تعْمل فِيهِ الْآنِية. وَقَالَ ابْن التِّين: رَوَاهُ أَبُو الْحسن يَعْنِي: الْقَابِسِيّ بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَكَذَا نَقله عِيَاض عَن أبي بَحر سُفْيَان بن الْعَاصِ وَهُوَ تَصْحِيف، فَإِن البقيع مَقْبرَة الْمَدِينَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْأَكْثَر على النُّون وَهُوَ من نَاحيَة العقيق على عشْرين فرسخاً من الْمَدِينَة. قَوْله: (ألَاّ) بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد اللَّام بِمَعْنى: هلا. قَوْله: خمرته بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْمِيم أَي هلا عطيته وَمِنْه خمار الْمَرْأَة لِأَنَّهُ يَسْتُرهَا قَوْله: (وَلَو أَن تعرض) بِضَم الرَّاء، قَالَه الْأَصْمَعِي، وَعَلِيهِ الْجُمْهُور، وَأَجَازَ أَبُو عبيد كسر الرَّاء وَهُوَ مَأْخُوذ من الْعرض، أَي: تجْعَل الْعود عَلَيْهِ بِالْعرضِ، وَالْمعْنَى: إِن لم تغطه فَلَا أقل من عود تعرض بِهِ عَلَيْهِ، أَي: تمده عرضا لَا طولا.
وَمن فَوَائده: صيانته من الشَّيْطَان فَإِنَّهُ لَا يكْشف الغطاء، وَمن الوباء الَّذِي ينزل من السَّمَاء فِي لَيْلَة من السّنة، وَمن النَّجَاسَة والمقذورات، وَمن الهامة والحشرات وَنَحْوهَا.
٥٦٠٦ - حدّثناعُمَرُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صالِحٍ يَذْكُرُ أُُرَاهُ عنْ جابِرٍ ﵁ قَالَ: جاءَ أبُو حُمَيْدٍ رجُلٌ مِنَ الأنْصارِ مِنَ النَّقِيعِ بإناءٍ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النبيِّ ﷺ ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : ألَاّ خَمَّرْتَهُ ولوْ أنْ تَعْرُضَ عليْهِ عُوداً
وحدّثني أبُو سُفْيانَ عنْ جابِرٍ عنِ النبيِّ ﷺ بهاذَا. (انْظُر الحَدِيث: ٥٦٠٥) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث السَّابِق أخرجه عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي صَالح ذكْوَان.
قَوْله: (أرَاهُ) أَي: أَظُنهُ.
قَوْله: (وحَدثني) كَلَام الْأَعْمَش أَي: حَدثنِي أَبُو سُفْيَان طَلْحَة بن نَافِع عَن جَابر عَن النَّبِي ﷺ ، وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن حَفْص بن غياث عَن الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان عَن جَابر، وَعَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، وَالْمَحْفُوظ: عَن جَابر.
٥٦٠٧ - حدّثني مَحْمُودٌ أخبرنَا النَّضْرُ أخبرنَا شُعْبَةُ عنْ أبي إسْحاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ البَراءَ ﵁ قَالَ: قَدِمَ النبيُّ ﷺ ، مِنْ مَكَّةَ وأبُو بَكْرٍ مَعَهُ: قَالَ أبُو بَكْرٍ: مَرَرْنا بِراعٍ وقَدْ عَطِشَ رسولُ الله ﷺ ، قَالَ أبُو بَكْرٍ ﵁ فَحَلَبْتُ كُثْبَةً مِنْ لَبَن فِي قَدَحٍ فَشَرِبَ حتَّى رَضِيتُ، وأتانا سُراقَةُ بنُ جُعْشُمٍ عَلى فَرَس فَدَعا عَلَيهِ، فَطَلَبَ إلَيْه سُراقَةُ أنْ لَا يَدْعُوَ عَليهِ وأنْ يَرْجِعَ، فَفَعَلَ النبيُّ ﷺ .
стр. 6387
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فحلبت كثبة من لبن فِي قدح فَشرب) .
ومحمود هُوَ ابْن غيلَان، وَالنضْر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة هُوَ ابْن شُمَيْل، وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ عَمْرو السبيعِي، والبراء هُوَ ابْن عَازِب.
وَمضى الحَدِيث فِي: بَاب هِجْرَة النَّبِي ﷺ ، وَأَصْحَابه إِلَى الْمَدِينَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (وَأَبُو بكر مَعَه) الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَكَذَلِكَ الْوَاو فِي قَوْله: (وَقد عَطش) قَوْله: (فحلبت) أسْند هُنَا الْحَلب إِلَى نَفسه مجَازًا، وَتقدم هُنَاكَ: فَأمرت الرَّاعِي فَحلبَ. قَوْله: (كثبة) بِضَم الْكَاف وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، قَالَ ابْن فَارس: هِيَ الْقطعَة من اللَّبن أَو التَّمْر، وَقَالَ الْخَلِيل: كل قَلِيل جمعته فَهُوَ كثبة، وَقَالَ أَبُو زيد: هِيَ من اللَّبن ملْء الْقدح، وَقيل: قدر حلبة تَامَّة. قَوْله: (حَتَّى رضيت) أَي: حَتَّى علمت أَنه شرب حَاجته وكفايته، فَإِن قيل: كَيفَ شرب هَذَا اللَّبن من مَال الْغَيْر؟ (أُجِيب) بأجوبة (مِنْهَا) أَن صَاحبه كَانَ حَرْبِيّا لَا أَمَان لَهُ، أَو كَانَ صديق رَسُول الله ﷺ ، أَو صديق أبي بكر ﵁ يحب شربهما، أَو كَانَ فِي عرفهم التسامح بِمثلِهِ، أَو كَانَ صَاحب الْغنم أجَاز لِلرَّاعِي مثل ذَلِك أَو كَانَا مضطرين. قَوْله: (سراقَة) بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء وبالقاف ابْن مَالك بن جعْشم بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَضم الشين الْمُعْجَمَة الْكِنَانِي بالنونين المدلجي، أسلم آخرا وَحسن إِسْلَامه. قَوْله: (فَدَعَا عَلَيْهِ) أَي: فَأَرَادَ أَن يَدْعُو عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ سراقَة: لَا تدع عَليّ وَأَنا أرجع، فَترك النَّبِي ﷺ الدُّعَاء عَلَيْهِ، وَقد مر فِي المناقب مطولا.
٥٦٠٨ - حدّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ حَدثنَا أبُو الزِّنادِ عنْ عَبْد الرَّحْمانِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قَالَ: نِعْمَ الصَّدَقَةُ اللِّفْحَةُ الصَّفِيُّ مِنْحةً، والشَّاةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً، تَغْدُو بِإناء وتَرُوحُ بآخَرَ. (انْظُر الحَدِيث: ٢٦٢٩) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث على مَا لَا يخفى، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان، وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن هُرْمُز الْأَعْرَج.
والْحَدِيث قد مضى فِي الْعَارِية فِي: بَاب فضل المنحة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن يحيى بن بكير عَن أبي الزِّنَاد، وَعَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (اللقحة) بِكَسْر اللَّام وَيجوز فتحهَا وَسُكُون الْقَاف وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة، قَالَ الْكرْمَانِي: هِيَ الحلوب من النَّاقة، وَقَالَ بَعضهم: هِيَ الَّتِي قرب عهدها بِالْولادَةِ. قلت: الأول أولى وَأظْهر. قَوْله: (الصفي) بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَكسر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء، أَصله صفي بياءين على وزن فعيل بِمَعْنى مفعول، وَمَعْنَاهُ: المختارة، وَقيل: غزيرة اللَّبن، وفعيل إِذا كَانَ بِمَعْنى مفعول يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث. قَوْله: (منحة) بِكَسْر الْمِيم وَهِي الْعَطِيَّة، نصب على التَّمْيِيز نَحْو: نعم الزَّاد زَاد أَبِيك زاداً، وَهِي نَاقَة تعطيها غَيْرك ليحتلبها ثمَّ يردهَا عَلَيْك. قَوْله: (تَغْدُو) من الغدو وَهُوَ أول النَّهَار، (وَتَروح) من الرواح وَهُوَ آخر النَّهَار، وَهَذِه كِنَايَة عَن كَثْرَة اللَّبن.
٥٦٠٩ - حدّثناأبُو عاصِمٍ عنِ الأوْزاعِيِّ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُبَيْد الله بنِ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّ رسولَ الله ﷺ شَرِبَ لَبناً فَمَضْمَضَ، وَقَالَ: إنَّ لَهُ دَسَماً. (انْظُر الحَدِيث: ٢١١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو عَاصِم النَّبِيل الضَّحَّاك بن مخلد، وَالْأَوْزَاعِيّ عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو، وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْوضُوء فِي: بَاب هَل يمضمض من اللَّبن؟ وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٥٦١٠ - وَقَالَ إبْراهِيمُ بنُ طَهْمانَ: عنْ شُعْبَةَ عنْ قَتادَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : رُفِعَتْ إليَّ السِّدْرَةُ فإِذا أرْبَعَةُ أنْهارٍ: نَهْرانِ ظاهِرانِ ونَهْرانِ باطِنانِ، فأمَّا الظَّاهِرانِ: فالنِّيلُ والفُراتُ، وأمَّا الباطِنانِ: فَنَهْرانِ فِي الجنَّةِ فأُتِيتُ بِثَلاثَةِ أقْداحٍ: قَدَحٌ فِيهِ لَبَنٌ، وقَدَحٌ فيهِ عَسَلٌ،
стр. 6388
وقَدَحٌ فيهِ خَمْرٌ، فأخَذْت الَّذِي فيهِ اللَّبَنُ فَشَرِبْتُ فَقِيلَ لي: أصَبْتَ الفِطْرَةَ أنْتَ وأُُمَّتُكَ.
إِبْرَاهِيم بن طهْمَان بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْهَاء الْهَرَوِيّ أَبُو سعيد، سكن نيسابور ثمَّ سكن مَكَّة، مَاتَ سنة سِتِّينَ وَمِائَة، وتعليقه رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ: أخبرنَا أَبُو حَاتِم مكي بن عَبْدَانِ وَأَبُو عمرَان مُوسَى الْعَبَّاس قَالَا أخبرنَا أَحْمد بن يُوسُف السّلمِيّ أخبرنَا مُحَمَّد بن عقيل أخبرنَا حَفْص بن عبد الله أَنبأَنَا ابْن طهْمَان بِهِ، وَرَوَاهُ أَبُو نعيم أَيْضا: حَدثنَا أَبُو بكر الْآجُرِيّ أخبرنَا عبد الله بن عَبَّاس الطَّيَالِسِيّ أخبرنَا مُحَمَّد بن عقيل أخبرنَا حَفْص بن عبد الله بن طهْمَان.
قَوْله: (رفعت) فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِضَم الرَّاء وَكسر الْفَاء وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (إِلَيّ) بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (السِّدْرَة) مَرْفُوع بقوله: (رفعت) وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: دفعت، بِالدَّال مَوضِع الرَّاء على صِيغَة الْمَجْهُول للمتكلم. وَقَوله: إِلَى، حرف جر، والسدرة مجرور بِهِ، وَهِي سِدْرَة الْمُنْتَهى سميت بهَا لِأَن علم الْمَلَائِكَة يَنْتَهِي إِلَيْهَا. قَوْله (فَإِذا) كلمة مفاجأة. قَوْله (النّيل) هُوَ نهر مصر، وَقَالَ الْكرْمَانِي: (والفرات) نهر بَغْدَاد. قلت: لَيْسَ كَذَلِك بل الْفُرَات نهر الْكُوفَة، قَالَه الْجَوْهَرِي، وَأَصله من أَطْرَاف إرمينية يَأْتِي ويمر بِأَرْض ملطية على مسيرَة ميلين مِنْهَا، ثمَّ على سميساط وقلعة الرّوم والبيرة وجسر منبج وبالس وقلعة حَصِير والرقة والرحبة وقرقيسيتا وعانة والحديثة وهيت والأنبار، ثمَّ يمر بالطفوف ثمَّ بالحلة ثمَّ بِالْكُوفَةِ وَيَنْتَهِي إِلَى البطائح وَيصب فِي الْبَحْر الشَّرْقِي، وَأما نهر بَغْدَاد فَهُوَ دجلة يخرج من أصل جبل بِقرب آمد ثمَّ يَمْتَد إِلَى ميا فارقين ثمَّ إِلَى حصن كيفا ثمَّ إِلَى جَزِيرَة ابْن عمر ثمَّ إِلَى الْموصل وَينصب فِيهِ الزابان ومنهما يعظم إِلَى بَغْدَاد ثمَّ إِلَى وَاسِط ثمَّ إِلَى الْبَصْرَة ثمَّ ينصب فِي بَحر فَارس. قَوْله: (فنهران فِي الْجنَّة) قيل: هما السلسبيل والكوثر، وهما النهران الباطنان، وَقَالَ ابْن بطال: فِي حَدِيث أنس: إِذا بدلت الأَرْض ظهرا إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (فَأتيت) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (بِثَلَاثَة أقداح) وَقد مر عَن قريب أَنه قدحان فلاتنا فِي بَينهمَا لِأَن مَفْهُوم الْعدَد لَا اعْتِبَار لَهُ مَعَ احْتِمَال أَن القدحين كَانَا قبل رَفعه إِلَى سِدْرَة الْمُنْتَهى، وَالثَّلَاثَة بعده. قَوْله: (قدح فِيهِ لبن) يجوز فِي: قدح، الرّفْع والجر، أما الرّفْع فعلى أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: أَحدهَا قدح فِيهِ لبن، وَأما الْجَرّ فعلى أَنه بَيَان لقَوْله (بِثَلَاثَة أقداح) هُوَ وَمَا عطف عَلَيْهِ من قدحين، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي (قدح فِيهِ عسل، وقدح فِيهِ خمر) قَوْله: (أصبت الْفطْرَة) أَي: عَلامَة الْإِسْلَام والاستقامة. قَوْله: (أَنْت) تَأْكِيد للضمير الَّذِي فِي: (أصبت) قَوْله: (وَأمتك) أَي: ولتصب أمتك، وَإِعْرَابه كإعراب قَوْله تَعَالَى: ﴿اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة﴾ تَقْدِيره: وليسكن زَوجك.
قَالَ هِشامٌ وسَعِيدٌ وهمَّامٌ عنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ عنْ مالِكِ بنِ صَعْصَعَةَ عنْ النَّبيِّ ﷺ فِي الأنْهارِ نَحْوَهُ، ولَمْ يَذْكُرُوا ثَلاثَةَ أقْداحٍ.
أَي: قَالَ هِشَام الدستوَائي، وَسَعِيد بن أبي عرُوبَة وَهَمَّام بتَشْديد الْمِيم ابْن يحيى يَعْنِي: كلهم رووا الحَدِيث الْمَذْكُور عَن قَتَادَة عَن أنس بن مَالك، وَزَادُوا فِي الْإِسْنَاد: مَالك بن صعصعة عَن النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ أَبُو عمر: مَالك بن صعصعة الْأنْصَارِيّ الْمَازِني من بني مَازِن بن النجار، روى عَنهُ أنس بن مَالك حَدِيث الْإِسْرَاء، وَتَعْلِيق هِشَام وَسَعِيد وَهَمَّام قد وَصله البُخَارِيّ فِي كتاب بَدْء الْخلق فِي: بَاب ذكر الْمَلَائِكَة، مطولا أخرجه عَن هدبة بن خَالِد عَن همام عَن قَتَادَة وَعَن خَليفَة عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن سعيد وَهِشَام كِلَاهُمَا عَن قَتَادَة عَن أنس بن مَالك عَن مَالك بن صعصعة عَن النَّبِي ﷺ . قَوْله: (فِي الْأَنْهَار نَحوه) أَرَادَ أَنهم توافقوا فِي الْمَتْن على ذكر الْأَنْهَار نحوالمذكور فِي الحَدِيث السَّابِق. قَوْله: (وَلم يذكرُوا الأقداح) أَي: لم يذكر هَؤُلَاءِ ثَلَاثَة الأقداح فِي روايتهم، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وَلم يذكر ثَلَاثَة أقداح، بإفراد: لم يذكر، فَظَاهر هَذَا أَنه لم يَقع ذكر الأقداح أصلا فِي رِوَايَة هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة. فَإِن قلت: قد ذكرت ثَلَاثَة أقداح فِي رِوَايَة همام، ثمَّ أتيت بِإِنَاء من خمر وإناء من لبن، وإناء من عسل قلت: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِالنَّفْيِ ذكر لفظ الأقداح بخصوصها، وَيحْتَمل أَن تكون رِوَايَة الْكشميهني هِيَ الصَّحِيحَة أَعنِي لم يذكر بِالْإِفْرَادِ، وَيكون فَاعل: لم يذكر، هِشَام الدستوَائي، فَإِنَّهُ تقدم فِي بَدْء الْخلق من طَرِيق يزِيد بن زُرَيْع عَن سعيد
стр. 6389
وَهِشَام جَمِيعًا عَن قَتَادَة بِطُولِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر الْآنِية أصلا.
١٣ - (بابُ اسْتِعْذَاب المَاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان استعذاب المَاء أَي: فِي طلب المَاء العذب، أَي: الحلو.
٥٦١١ - حدّثناعَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ إسْحاقَ بنِ عَبْدِ الله أنهُ سمِع أنَسَ بنَ مالِك يَقُولُ: كانَ أبُو طَلْحَةَ أكْثَرَ أنْصارِيّ بالمَدِينَةِ مَالا منْ نَخْلٍ، وكانَ أحَبَّ مالِهِ إلَيْهِ بَيْرُحاءٍ، وكانَتْ مُسْتَقْبِلَ المَسْجِدِ، وكانَ رسولُ الله ﷺ يَدْخُلُها ويَشْرَبُ منْ ماءٍ فِيها طَيِّبٍ، قَالَ أنَسٌ: فَلمَّا نَزَلَتْ: ﴿لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون﴾ (آل عمرَان: ٩٢) . قامَ أبُو طَلْحَة فَقَالَ: يَا رسولَ الله! إنَّ الله يَقُولُ: ﴿لَنْ تنالُو البِرَّ حتاى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإنَّ أحَبَّ مَالِي إلَيَّ بَيْرُحاءَ، وإنَّها صَدَقَةٌ لله أرْجُو بِرَّها وذُخْرَها عِنْدَ الله، فَضَعْها يَا رسُولَ الله حَيْثُ أراكَ الله. فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : بَخِ ذالِكَ مالٌ رابِحٌ أوْ: رايِحٌ شَكَّ عَبْدُ الله، وقدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ وإنِّي أرَى أنْ تَجْعَلَها فِي الأقْرَبِينَ. فَقَالَ أبُو طَلحَةَ: أفْعَلُ يَا رسُولَ الله، فَقَسَمَها أبُو طَلْحَةَ فِي أقارِبِهِ وَفِي بَني عَمِّه، وَقَالَ إسْماعيلُ ويَحْياى بنُ يَحْياى: رايِحٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَكَانَ رَسُول الله ﷺ ، يدخلهَا وَيشْرب من مَاء فِيهَا طيب) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يستعذب ماءها، وَذكر الْوَاقِدِيّ من حَدِيث سلمى امْرَأَة أبي رَافع كَانَ أَبُو أَيُّوب ﵁ حِين نزل عِنْده النَّبِي ﷺ يستعذب لَهُ المَاء من بِئْر مَالك بن النَّضر والدانس، ثمَّ كَانَ أنس وَهِنْد وحارثة أَبنَاء أَسمَاء يحملون المَاء إِلَى بيُوت نِسَائِهِ من بيُوت السقيا، وَكَانَ رَبَاح الْأسود عِنْده يَسْتَقِي لَهُ من بِئْر عروس مرّة وَمن بيُوت سقيا مرّة، وَقَالَ ابْن بطال: استعذاب المَاء لَا يُنَافِي الزّهْد وَلَا يدْخل فِي الترفه المذموم، بِخِلَاف تطيب المَاء بالمسك وَنَحْوه، فقد كرهه مَالك لما فِيهِ من السَّرف، وَأما شرب المَاء الحلو وَطَلَبه فمباح قد فعله الصالحون، وَلَيْسَ فِي شرب المَاء الْملح فَضِيلَة.
والْحَدِيث مضى فِي الزَّكَاة فِي: بَاب الزَّكَاة على الْأَقَارِب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ أَيْضا فِي الْوَصَايَا عَن عبد الله بن يُوسُف، وَفِي الْوكَالَة عَن يحيى بن يحيى، وَفِي التَّفْسِير عَن إِسْمَاعِيل، وَفِي تَفْسِير بيرحاء وُجُوه تقدّمت فِي الزَّكَاة، وَهُوَ اسْم بُسْتَان.
قَوْله: (بخ) بِفَتْح الْمُوَحدَة وبالخاء الْمُعْجَمَة كلمة تقال عِنْد الْمَدْح وَالرِّضَا بالشَّيْء، وتكرر للْمُبَالَغَة، فَإِن وصلت خففت ونونت وَرُبمَا شددت. قَوْله: (رابح أَو: ريَاح شكّ عبد الله) بن مسلمة فِيهِ فَالْأول بِالْبَاء الْمُوَحدَة من الرِّبْح، وَالثَّانِي بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف من الرواح. قَوْله: (وَقَالَ إِسْمَاعِيل) هُوَ ابْن أبي أويس ابْن أُخْت مَالك بن أنس، وَيحيى بن يحيى بن بكير أَبُو زَكَرِيَّا التَّمِيمِي الْحَنْظَلِي. قَوْله: (رَايِح) يَعْنِي بِالْيَاءِ من الرواح.
١٤ - (بَاب شُرْبِ اللّبَنِ بالمَاء)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شرب اللَّبن ممزوجاً بِالْمَاءِ، وَقَيده بالشرب احْتِرَازًا عَن الْخَلْط عِنْد البيع، فَإِنَّهُ غش، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: بَاب شوب اللَّبن بِالْمَاءِ، بِالْوَاو بدل الرَّاء، والشوب الْخَلْط. قيل: مَقْصُود البُخَارِيّ أَن ذَلِك لَا يدْخل فِي النَّهْي عَن الخليطين، وَإِنَّمَا كَانُوا يمزجون اللَّبن بِالْمَاءِ عِنْد الشّرْب، لِأَن اللَّبن عِنْد الْحَلب يكون حاراً، وَتلك الْبِلَاد فِي الْغَالِب حارة فَكَانُوا يكسرون حر اللَّبن بِالْمَاءِ الْبَارِد.
٥٦١٢ - حدّثنا عبْدانُ أخبرنَا عبْدُ الله أخبرنَا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبرنِي أنَسُ بنُ مالِكٍ ﵁ أنَّهُ رَأي رسولَ الله ﷺ شَرِبَ لَبَناً وأتَى دَاره فَحَلبْتُ شَاة فَشُبْتُ لِرَسُولِ الله ﷺ مِن البِئْرِ، فَتَناوَل القَدح فَشَربَ وعنْ يَسارِهِ أبُو بَكْرٍ وعنْ يَمِينِهِ أعْرَابيُّ فأعْطَى الأعْرَابِيَّ فَضْلَهُ ثُمَّ، قَالَ: الأيْمَنَ فالأيْمَنَ.
стр. 6390
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي، وَقد تكَرر ذكره وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْهِبَة، وَلَكِن من رِوَايَة أبي طوالة عَن أنس.
قَوْله: (وأتى دَاره) أَي: دَار أنس، وَالْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (فشبت) أَي: خلطت لأجل رَسُول الله ﷺ مَاء من الْبِئْر وَهُوَ من الشوب بِلَفْظ الْمُتَكَلّم، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: شيب، بِكَسْر الشين وَسُكُون الْيَاء وَفتح الْبَاء على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (وَعَن يسَاره أَبُو بكر) وَفِي رِوَايَة أبي طوالة عَن يُونُس الَّتِي تقدّمت فِي الْهِبَة: وَعمر ﵁ تجاهه. قَوْله: (فَأعْطى الْأَعرَابِي فَضله) أَي: فضل اللَّبن الَّذِي فضل مِنْهُ فِي الْإِنَاء بعد شربه، قيل: الْأَعرَابِي هُوَ خَالِد بن الْوَلِيد، وَلم يَصح لِأَنَّهُ لَا يُقَال لمثل خَالِد أَعْرَابِي قَوْله: (الْأَيْمن) تَقْدِيره يقدم الْأَيْمن، أَو الْأَيْمن مقدم لفضل الْأَيْمن على الْأَيْسَر.
٥٦١٣ - حدّثناعبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا أبُو عامِرٍ حَدثنَا فُليْحُ بن سُليْمانَ عَن سَعيدِ بنِ الحارثِ عنْ جابِر بنِ عبْدِ الله ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ ، دَخَلَ عَلى رجُلٍ مِنَ الأنْصارِ ومَعَهُ صاحبٌ لهُ، فَقَالَ لهُ النبيُّ ﷺ : إِن كَانَ عِنْدَكَ ماءٌ باتَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي شَنةٍ وإلَاّ كَرَعْنا، قَالَ: والرَّجُلُ يُحَوِّلُ الماءَ فِي حائِطِهِ قَالَ: فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رسُولَ الله! عِنْدِي ماءٌ بائِتٌ، فانْطَلِقْ إِلَى العَرِيشِ، قَالَ: فانْطَلَقَ بِهِما فَسَكَبَ فِي قَدَح ثمَّ حَلَبَ عَلَيْهِ منْ دَاجِنٍ لهُ، قَالَ: فَشَرِبَ رسولُ الله ﷺ ثمَّ شَرِبَ الرَّجُلُ الَّذِي جاءَ مَعَهُ. (انْظُر الحَدِيث: ٥٦١٣ طرفه فِي ٥٦٢١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي، وَأَبُو عَامر عبد الْملك بن عَمْرو الْعَقدي بِفتْحَتَيْنِ.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَشْرِبَة عَن أبي عَامر أَيْضا، وَعَن يحيى بن صَالح. وَأخرجه ابْن ماجة فِيهِ عَن أَحْمد بن مَنْصُور الزيَادي.
قَوْله: (على رجل من الْأَنْصَار) قيل: إِنَّه أَبُو الْهَيْثَم بن التيهَان الْأنْصَارِيّ. قَوْله: (وَمَعَهُ) أَي: وَمَعَ النَّبِي ﷺ صَاحب لَهُ، وَهُوَ أَبُو بكر ﵁. (قَوْله: (فِي شنة) بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد النُّون، وَهِي الْقرْبَة الْخلقَة. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هِيَ الَّتِي زَالَ شعرهَا من الْبلَاء بِكَسْر الْبَاء. قلت: من كَثْرَة الِاسْتِعْمَال. قَوْله: (وإلَاّ كرّ عَنَّا) فِيهِ حذف تَقْدِيره: إِن كَانَ عنْدك إِنَاء فاسقنا وإلَاّ كرعنا، من الكرع، وَهُوَ تنَاول المَاء بالفم من غير إِنَاء وَلَا كف، وَقَالَ ابْن النين: حكى عبد الْملك أَنه الشّرْب باليدين مَعًا، قَالَ: وَأهل اللُّغَة على خِلَافه، وكرع بِفَتْح الرَّاء، وَقَالَ الْجَوْهَرِي بِالْكَسْرِ أَيْضا: يكرع كرعاً، وَالنَّهْي عَن الشّرْب بالكرع لِئَلَّا يعذب نَفسه بكراهته فِي كَثْرَة الجرعات. قَوْله: (وَالرجل يحول المَاء فِي حَائِطه) أَيْضا أَي: ينْقل المَاء من مَكَان إِلَى مَكَان آخر من الْبُسْتَان ليعم أشجاره بالسقي. قَوْله: (إِلَى الْعَريش) أَرَادَ بِهِ مَا يستظل بِهِ. وَقيل: هُوَ خيمة من خشب وثمام بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة مخففاً، وَهُوَ نَبَات ضَعِيف لَهُ خوص، وَقد يَجْعَل من الجريد كالقبة أَو من العيدان، ويظلل عَلَيْهَا وَلَيْسَ منافياً للزهد. قَوْله: (فسكب فِي قدح) فِي رِوَايَة أَحْمد: فسكب مَاء فِي قدح. قَوْله: (من دَاجِن) بِكَسْر الْجِيم وَهُوَ الشَّاة الَّتِي تألف الْبيُوت. قَوْله: (ثمَّ شرب الرجل) فِي رِوَايَة أَحْمد: شرب النَّبِي ﷺ ، وَسَقَى صَاحبه.
وَفِيه: أَنه لَا بَأْس بِطَلَب المَاء الْبَارِد فِي سموم الْحر. وَفِيه: قصد الرجل الْفَاضِل بِنَفسِهِ حَيْثُ يعرف موَاضعه عِنْد إخوانه، وَقد روى أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَن أول مَا يُحَاسب بِهِ العَبْد يَوْم الْقِيَامَة أَن يُقَال لَهُ: ألم أصح جسمك وأرويك من المَاء الْبَارِد؟ وَفِيه: جَوَاز خلط اللَّبن بِالْمَاءِ عِنْد الشّرْب، وَلَا يجوز عِنْد البيع: وَفِيه: أَن من قدم إِلَيْهِ طَعَام لَا يلْزمه أَن يسْأَل من أَيْن صَار إِلَيْهِ؟ إلَاّ إِذا علم أَن أَكثر مَاله حرَام، فَإِنَّهُ لَا يَأْكُلهُ فضلا عَن أَن يسْأَله.
١٥ - (بابُ شَرَابِ الحَلْوَاءِ والعَسلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شراب الْحَلْوَاء، وَهُوَ بِالْمدِّ عِنْد الْمُسْتَمْلِي، وَعند غَيره بِالْقصرِ، وَقيل: هما لُغَتَانِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْقصر أظهر لِأَنَّهُ لَا يشرب غَالِبا، وَقَالَ ابْن التِّين عَن الدَّاودِيّ: هُوَ النقيع الحلو، وَعَلِيهِ يدل تبويب البُخَارِيّ: بشراب الْحَلْوَاء، وَقَالَ الْخطابِيّ: الْحَلْوَاء مَا يعْقد من الْعَسَل وَنَحْوه، وَيُقَال: الْعَرَب لَا تعرف هَذِه الْحَلْوَاء المعقودة الَّتِي هِيَ الْآن معهودة، فَتعين أَن
стр. 6391
الْمَقْصُود مَا يُمكن شربه وَهُوَ المَاء المنبوذ فِيهِ التَّمْر، وَنَحْوه وَكَذَلِكَ الْعَسَل. فَإِن قلت: قَوْله: (الْحَلْوَاء) يَشْمَل الْعَسَل وَغَيره من كل حُلْو، فَمَا فَائِدَة ذكر الْعَسَل بالخصوصية؟ قلت: هَذَا من قبيل التَّخْصِيص بعد التَّعْمِيم كَمَا فِي قَوْله: تَعَالَى: ﴿فيهمَا فَاكِهَة ونخل ورمان﴾ (الرَّحْمَن: ٦٨) . وَيحْتَمل أَن يكون ذكره للتّنْبِيه على جَوَاز شرب الْعَسَل إِذْ قد يتخيل أَن شربه من السَّرف.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا يَحِلُّ شُرب بوْلِ النَّاسِ لِشِدَّةٍ تَنْزِلُ لأنَّهُ رِجْسٌ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أحل لكم الطَّيِّبَات﴾ (الْمَائِدَة: ٥) .
قيل: ترْجم البُخَارِيّ على شَيْء ثمَّ أعقبه بضده، قلت: أَرَادَ هَذَا الْقَائِل أَن البُخَارِيّ قَالَ: بَاب شراب الْحَلْوَاء وَالْعَسَل، ثمَّ قَالَ عَن الزُّهْرِيّ: لَا يحل شرب بَوْل النَّاس إِلَى آخِره، وَبَينهمَا تضَاد. أَقُول: مَقْصُود البُخَارِيّ من إِيرَاد قَول الزُّهْرِيّ، هُوَ قَوْله: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أحل لكم الطَّيِّبَات﴾ والحلواء وَالْعَسَل، وكل شَيْء يُطلق عَلَيْهِ أَنه حول من الطَّيِّبَات، وَهَذَا فِي معرض التَّحْلِيل للتَّرْجَمَة غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه ذكر أَولا عَن الزُّهْرِيّ مَسْأَلَة شرب الْبَوْل تَنْبِيها على أَنه لَيْسَ من الطَّيِّبَات، وَتَعْلِيق الزُّهْرِيّ هَذَا أخرجه عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَنهُ. قَوْله: (لشدَّة) أَي: لضَرُورَة، وَهَذَا خلاف مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور، وتعليله بقوله: (لِأَنَّهُ رِجْس) أَي: لِأَن الْبَوْل نجس غير ظَاهر، لِأَن الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير رِجْس أَيْضا مَعَ أَنه يجوز التَّنَاوُل مِنْهَا عِنْد الضَّرُورَة. وَقَالَت الشَّافِعِيَّة: يجوز التَّدَاوِي بالبول وَنَحْوه من النَّجَاسَات خلا الْخمر والمسكرات، وَقَالَ مَالك: لَا يشْربهَا لِأَنَّهَا لَا تزيده إلَاّ عطشاً وجوعاً، وَأَجَازَ أَبُو حنيفَة أَن يشرب مِنْهَا مِقْدَار مَا يمسك بِهِ رمقه.
وَقَالَ ابنُ مَسْعُودٍ فِي السَّكَرِ: إنَّ الله لَمْ يَجْعَلْ شِفاءَكُمْ فِيما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ.
الَّذِي قيل فِي إِيرَاد أثر الزُّهْرِيّ قيل: هُنَا أَيْضا: وَالْجَوَاب من جِهَة الزُّهْرِيّ قد مر، وَأما الْجَواب عَن إِيرَاده أثر ابْن مَسْعُود هُنَا، فَهُوَ أَنه أَشَارَ بِذكر هَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فِيهِ شِفَاء للنَّاس﴾ (النَّحْل: ٦٩) . فَدلَّ على ضِدّه أَن الله لم يَجْعَل الشِّفَاء فِيمَا حرمه، وَأما تعْيين السكر هُنَا من دون سَائِر الْمُحرمَات من هَذَا الْجِنْس فَهُوَ أَن ابْن مَسْعُود سُئِلَ عَن ذَلِك على التَّعْيِين، فَلذَلِك قَالَ: إِن الله لم يَجْعَل شفاءكم فِيمَا حرم عَلَيْكُم، وأوضح ذَلِك عَليّ بن حَرْب الطَّائِي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مَنْصُور عَن أبي وَائِل، قَالَ: اشْتَكَى رجل منا يُقَال لَهُ: خَيْثَم بن العدا دَاء ببطنه يُقَال لَهُ الصفر، فنعت لَهُ السكر، فَأرْسل إِلَى ابْن مَسْعُود يسْأَله فَذكره، وَأخرجه ابْن أبي شيبَة عَن جرير عَن مَنْصُور وَسَنَده صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ، فَهَذَا وَجه تعْيين السكر فِي هَذَا الْأَثر، وَالسكر بِفتْحَتَيْنِ الْخمر فِيمَا نَقله ابْن التِّين عَن بَعضهم، وَقيل: هُوَ نَبِيذ التَّمْر إِذا اشْتَدَّ، وَقيل: المُرَاد من السكر والمسكر، وَقَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) ونقيع التَّمْر وَهُوَ السكر، ونقيع الزَّبِيب إِذا اشْتَدَّ، وغلا عد هذَيْن الْقسمَيْنِ من أَنْوَاع الْأَشْرِبَة الْمُحرمَة الْأَرْبَعَة، وعد قبلهمَا اثْنَيْنِ آخَرين، وهما الْخمر والطلاء وَفِي (الْمُحِيط) والمتخذ من التَّمْر ثَلَاثَة: السكر والفضيخ والنبيذ، وَقَالَ أَبُو الْحسن: إِن كَانَ البُخَارِيّ أَرَادَ سكر الْأَشْرِبَة فَيمكن أَن يكون سقط من الْكَلَام، شَيْء، وَهُوَ ذكر السُّؤَال عَن ذَلِك، وَإِن كَانَ أَرَادَ السكر بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْكَاف، فَهُوَ الَّذِي يسد بِهِ النَّهر فَيكون السُّؤَال من ابْن مَسْعُود عَن السكر عِنْد التَّدَاوِي بِشَيْء من الْمُحرمَات، فَقَالَ: إِن الله لم يَجْعَل شفاءكم فِيمَا حرم عَلَيْكُم.
٥٦١٤ - حدّثنا علِيُّ بن عبدِ الله حَدثنَا أبُو أُسامَةَ، قَالَ: أَخْبرنِي هِشامٌ عنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: كانَ النبيُّ ﷺ ، يُعْجِبُهُ الحَلْوَاءُ والعَسَلُ.
هَذَا يُطَابق التَّرْجَمَة من غير تعسف، وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وَأَبُو أُسَامَة هُوَ حَمَّاد بن أُسَامَة يروي عَن هِشَام بن عُرْوَة، يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة. والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الْأَطْعِمَة فِي بَاب الْحَلْوَاء وَالْعَسَل، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
١٦ - (بابُ الشُّرْبِ قائِماً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشّرْب حَال كَونه قَائِما، وَقَالَ ابْن بطال: أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي كَرَاهَة الشّرْب قَائِما لم تصح عِنْده، وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ بجيد، بل إِذا تَعَارَضَت عِنْده الْأَحَادِيث لَا يتَعَرَّض إِلَى الحكم.
стр. 6392
قلت: كَلَام ابْن بطال فِي وَاد وَكَلَام هَذَا الْقَائِل فِي وَاد آخر، وَلَيْسَ بجيد نِسْبَة كَلَامه إِلَى عدم الْجَوْدَة، وَإِنَّمَا عَادَته فِي الْغَالِب أَنه يبهم الحكم فِي التَّرْجَمَة وَلَا يُصَرح بِالْجَوَازِ وَلَا بِالْعدمِ على عَادَته فِي ذَلِك اعْتِمَادًا على مَا يفهم من الحكم فِي أَحَادِيث الْبَاب.
٥٦١٥ - حدّثناأبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا مسْعَرٌ عنْ عَبْدِ المَلِكِ بنِ مَيْسَرَةَ عنِ النّزَّالِ. قَالَ: أتَى عَلِيُّ ﵁ علَى بابِ الرَّحَبَةِ فَشَرِبَ قائِماً، فَقَالَ: إنَّ نَاسا يَكْرَهُ أحَدُهُمْ أنْ يَشْرَبَ وَهُوَ قائِمٌ، وإِنِّي رَأيْتُ النبيَّ ﷺ فَعَلَ كَما رَأيْتُمُوني فَعَلْتُ. (انْظُر الحَدِيث: ٥٦١٥ طرفه فِي: ٥٦١٦) .
هَذَا الحَدِيث يُطَابق التَّرْجَمَة فِي الشّرْب قَائِما، ويوضح الحكم بِأَنَّهُ جَائِز أخرجه عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن عَن مسعر بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين وَفتح الْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالراء ابْن كدام الْكُوفِي عَن عبد الله بن ميسرَة ضد الميمنة الزراد بالزاي وَالرَّاء وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ عَن النزال بِفَتْح النُّون وَتَشْديد الزَّاي بن سُبْرَة بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وبالراء، وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة كلهم هلاليون كوفيون وَأَبُو نعيم أَيْضا كُوفِي، وَعلي أَيْضا نزل الْكُوفَة وَمَات بهَا، والنزال تقدّمت لَهُ رِوَايَة عَن ابْن مَسْعُود فِي فَضَائِل الْقُرْآن وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هذَيْن الْحَدِيثين.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الْأَشْرِبَة عَن مُسَدّد عَن يحيى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن أبي كريب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة عَن عَمْرو بن يزِيد الْجرْمِي.
قَوْله: (على بَاب الرحبة) أَرَادَ بِهِ رحبة مَسْجِد الْكُوفَة، وَفِي رِوَايَة شُعْبَة أَنه صلى الظّهْر ثمَّ قعد فِي حوائج النَّاس فِي رحبة الْكُوفَة، والرحبة بِفَتَحَات: الْمَكَان الْوَاسِع والرحب بِسُكُون الْحَاء أَيْضا الْمَكَان المتسع. قَوْله: (أَن يشرب) أَي: بِأَن يشرب، وَأَن، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: يكره الشّرْب وَهُوَ قَائِم أَي: فِي حَالَة الْقيام. قَوْله: (فعل) أَي: شرب قَائِما. قَوْله: (كَمَا رَأَيْتُمُونِي) أَي: كرؤيتكم إيَّايَ فعلت، أَي: شربت.
وَاعْلَم أَن لفظ: فعل، أَعم الْأَفْعَال، يسْتَعْمل فِي معنى كل فعل، وَلِهَذَا عينه أهل الصّرْف فِي الأوزان. وَاعْلَم أَنه قد وَردت أَحَادِيث بِجَوَاز الشّرْب قَائِما، ووردت أَحَادِيث بِمَنْعه.
(فَمن أَحَادِيث الْجَوَاز) حَدِيث عَليّ، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس. رَوَاهُمَا البُخَارِيّ هُنَا، وَحَدِيث ابْن عمر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث نَافِع عَنهُ، وَقَالَ: كُنَّا نَأْكُل على عهد رَسُول الله ﷺ ، وَنحن نمشي وَنَشْرَب وَنحن قيام، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَأخرجه ابْن ماجة وَابْن حبَان، وَحَدِيث سعد بن أبي وَقاص ﵁ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَنهُ: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يشرب قَائِما، وَإِسْنَاده حسن، وَحَدِيث عَائِشَة أخرجه النَّسَائِيّ من حَدِيث مَسْرُوق عَنْهَا، قَالَت: رَأَيْت النَّبِي ﷺ يشرب قَائِما وَقَاعِدا ... الحَدِيث، وَحَدِيث أنس رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) أَن النَّبِي ﷺ دخل وقربة معلقَة فَشرب من فَم الْقرْبَة وَهُوَ قَائِم الحَدِيث، وَحَدِيث الْحُسَيْن بن عَليّ روينَاهُ عَن شَيخنَا زين الدّين، ﵀، رَوَاهُ فِي الْجُزْء الْعَاشِر من (فَوَائِد أبي بكر الشَّافِعِي) من رِوَايَة زِيَاد بن الْمُنْذر عَن بشير بن غَالب عَن حُسَيْن بن عَليّ ﵄ قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يشرب قَائِما، وَحَدِيث خباب بن الْأَرَت. روينَاهُ عَن شَيخنَا، وَهُوَ يرويهِ عَن مُجَاهِد من حَدِيث الطَّبَرَانِيّ عَنهُ قَالَ: بعثنَا رَسُول الله ﷺ فِي سَرِيَّة فأصابنا الْعَطش وَلَيْسَ مَعنا مَاء، فتنوخت نَاقَة لبعضنا فَإِذا بَين رِجْلَيْهَا مثل السقاء فشربنا من لَبنهَا، فَهَذَا من فعل الصَّحَابَة فِي زَمَنه فَيكون فِي حكم الْمَرْفُوع، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ روينَاهُ عَن شَيخنَا وَهُوَ يرْوى من حَدِيث سعيد بن جُبَير فِي (المعجم الصَّغِير) للطبراني أَنه قَالَ: حَدثنِي أَبُو هُرَيْرَة أَنه رأى النَّبِي ﷺ يشرب من زَمْزَم قَائِما، وَحَدِيث أم سليم روينَاهُ عَن شَيخنَا وَهُوَ يرْوى من حَدِيث أنس عَن أمه فِي (مُسْند أَحْمد) قَالَت: دخل رَسُول الله ﷺ وَفِي الْبَيْت قربَة معلقَة فَشرب مِنْهَا قَائِما، وَحَدِيث كَبْشَة أخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن ماجة عَنْهَا، قَالَت: دخل عَليّ رَسُول الله ﷺ فَشرب من فِي قربَة معلقَة قَائِما، وَحَدِيث كلثم رَوَاهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي كتاب (معرفَة الصَّحَابَة) قَالَت: دخل عَليّ رَسُول الله ﷺ فَشرب من قربَة معلقَة وَهُوَ قَائِم، وَحَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ أخرجه عبد الرَّزَّاق عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ شرب قَائِما وَقَاعِدا، وَحَدِيث عبد الله بن السَّائِب بن خباب عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ:
стр. 6393
رَأَيْت رَسُول الله ﷺ قَامَ إِلَى فخارة فِيهَا مَاء فَشرب قَائِما، رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد بن أبي حَاتِم الرَّازِيّ بِسَنَد صَحِيح.
(وَمن أَحَادِيث الْمَنْع) مَا رَوَاهُ الْأَثْرَم عَن معمر عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: لَو يعلم الَّذِي يشرب وَهُوَ قَائِم لاستتاء وروى مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يشربن أحدكُم قَائِما، فَمن نسي فليستقىء، وروى من حَدِيث أنس أَن النَّبِي ﷺ زجر عَن الشّرْب قَائِما، وروى أَيْضا من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ: أَن النَّبِي ﷺ زجر عَن الشّرْب قَائِما، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْجَارُود بن الْمُعَلَّى: أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن الشّرْب قَائِما، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب.
وَاسْتدلَّ أهل الظَّاهِر بِهَذِهِ الْأَحَادِيث على تَحْرِيم الشّرْب قَائِما ثمَّ كَيْفيَّة الْجمع بَينهمَا على أَقْوَال: أَحدهَا: أَن النَّهْي مَحْمُول على التَّنْزِيه لَا على التَّحْرِيم، وَهُوَ الَّذِي صَار إِلَيْهِ الْأَئِمَّة الجامعون بَين الحَدِيث وَالْفِقْه كالخطابي وَأبي مُحَمَّد الْبَغَوِيّ وَأبي عبد الله الْمَازرِيّ، وَالْقَاضِي عِيَاض وَأبي الْعَبَّاس الْقُرْطُبِيّ، وَأبي زَكَرِيَّا النَّوَوِيّ، رَحِمهم الله تَعَالَى. الثَّانِي: أَن المُرَاد بالقائم هُنَا الْمَاشِي لِأَن الْمَاشِي يُسمى قَائِما، قَالَ الله : ﴿إِلَّا مَا دمت عَلَيْهِ قَائِما﴾ (آل عمرَان: ٧٥) . أَي: مواظباً بِالْمَشْيِ إِلَيْهِ، وَالْعرب تَقول: قُم فِي حاجتنا أَي: امش فِيهَا، قَالَه ابْن التِّين. الثَّالِث: أَنه مَحْمُول على أَن يَأْتِي الرجل أَصْحَابه بشراب فَيبْدَأ قبل أَصْحَابه فيشرب قَائِما، ذكره أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ والمازري. الرَّابِع: تَضْعِيف أَحَادِيث النَّهْي عَن الشّرْب قَائِما، قَالَه جمَاعَة من الْمَالِكِيَّة، مِنْهُم: أَبُو عمر بن عبد الْبر، وَفِيه نظر. الْخَامِس: أَن أَحَادِيث النَّهْي مَنْسُوخَة قَالَه أَبُو حَفْص بن شاهين وَابْن حبَان فِي صَحِيحه. السَّادِس: مَا قَالَه ابْن حزم أَن أَحَادِيث النَّهْي ناسخة لأحاديث الشّرْب قَائِما، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) : الصَّوَاب أَن النَّهْي مَحْمُول على كَرَاهَة التَّنْزِيه، وَأما شربه ﷺ قَائِما فبيانه للْجُوَاز فَلَا إِشْكَال وَلَا تعَارض، قَالَ: وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ يتَعَيَّن الْمصير إِلَيْهِ، قَالَ: وَأما من زعم نسخا أَو غَيره فقد غلط غَلطا فَاحِشا، وَكَيف يُصَار إِلَى النّسخ مَعَ إِمْكَان الْجمع لَو ثَبت التَّارِيخ؟ وأنَّى لَهُ بذلك، وَالله أعلم. قلت: جزم النَّوَوِيّ هُنَا بِالْكَرَاهَةِ، وَخَالف ذَلِك فِي (الرَّوْضَة) تبعا للرافعي، فَقَالَ: إِن الشّرْب قَائِما لَيْسَ بمكروه.
٥٦١٦ - حدّثناآدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ حَدثنَا عَبْدُ المَلِكِ بنُ مَيْسَرَةَ سَمِعْتُ النَّزَّالَ بنَ سَبرَةَ يُحَدِّثُ عنِ عَلِيٍّ ﵁ أنَّهُ صلَّى الظُّهْرَ ثمَّ قَعَدَ فِي حَوائِجِ الناسِ فِي رَحَبَةِ الكُوفَةِ حتَّى حَضَرَتْ صَلاة العَصْرِ، ثُمَّ أُتِيَ بِماءٍ فَشَرِبَ وغَسَلَ وجْهَهُ ويَدَيْهِ، وذَكَرَ رأسَهُ ورِجْلَيْهِ، ثُمَّ قامَ فَشَرِبَ فَضْلَهُ وهْوَ قائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ نَاسا يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قائِماً، وإنَّ النبيَّ ﷺ صنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ. (انْظُر الحَدِيث: ٥٦١٥) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عَليّ ﵁ أخرجه عَن آدم بن أبي إِيَاس إِلَى آخِره.
قَوْله: (فِي حوائج النَّاس) الْحَوَائِج جمع حَاجَة على غير الْقيَاس، وَذكر الْأَصْمَعِي أَنه مولد، وَالْجمع حاجات وحاج، وَقَالَ ابْن ولاد: الحوجاء الْحَاجة وَجَمعهَا حواجي بتَشْديد الْيَاء، وَيجوز التخيف، قَالَ: فَلَعَلَّ حوائج مَقْلُوبَة من حواجي مثل: سوايع من سواعي، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: قيل: الأَصْل حائجة فَيصح الْجمع على حوائج. قَوْله: (ثمَّ أَتَى بِمَاء) وَفِي رِوَايَة عَمْرو بن مَرْزُوق عَن شُعْبَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ: فَدَعَا بِوضُوء، وللترمذي من طَرِيق الْأَعْمَش عَن عبد الْملك بن ميسرَة: ثمَّ أُتِي عَليّ بكوز من مَاء، وَمثله فِي رِوَايَة بهز بن أَسد عِنْد النَّسَائِيّ، وَكَذَا لأبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) عَن شُعْبَة. قَوْله: (وَذكر رَأسه) أَي: وَذكر آدم رَأسه وَرجلَيْهِ، وَكَانَ آدم توقف فِي سِيَاقه فَعبر بقوله: (وَذكر رَأسه وَرجلَيْهِ) وَفِي رِوَايَة بهز: فَأخذ مِنْهُ كفا فَمسح وَجهه وذراعيه وَرَأسه وَرجلَيْهِ، وَعند الطَّيَالِسِيّ: فَغسل وَجهه وَيَديه وَمسح على رَأسه وَرجلَيْهِ، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأَعْمَش: فَغسل يَدَيْهِ ومضمض واستنشق وَمسح بِوَجْهِهِ وذراعيه وَرَأسه، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: فَمسح بِوَجْهِهِ وَرَأسه وَرجلَيْهِ، وَقد ثَبت فِي آخر الحَدِيث قَول عَليّ ﵁: هَذَا وضوء من لم يحدث، وَقعت هَذِه الزِّيَادَة فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ والإسماعيلي من طَرِيق شُعْبَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لِمَ فصل الرَّأْس وَالرّجلَيْنِ عَمَّا تقدم وَلم يذكرهَا على وتيرة وَاحِدَة؟ قلت: حَيْثُ لم يكن الرَّأْس مغسولاً بل ممسوحاً فَصله عَنهُ وَعطف الرجل عَلَيْهِ وَإِن كَانَت مغسولة، على نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم﴾ (لمائدة: ٦) إِذْ كَانَ
стр. 6394
لابس الْخُف فمسحه أَيْضا، وَقيل ذَلِك لِأَن الرَّاوِي الثَّانِي نسي مَا ذكره الرَّاوِي الأول فِي شَأْن الرَّأْس وَالرّجلَيْنِ. قَوْله: (فَضله) أَي: فضل المَاء الَّذِي تَوَضَّأ مِنْهُ. قَوْله: (قَائِما) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: قيَاما، وَهَذِه أولى، وَفِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيّ: أَن يشْربُوا قيَاما. قَوْله: (صنع مثل مَا صنعت) ويروى: صنع كَمَا صنعت، أَي: من الشّرْب قَائِما، وَصرح بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته، فَقَالَ: شرب فضل وضوئِهِ. قَائِما كَمَا شربت.
٥٦١٧ - حدّثناأبُو نُعَيْمٍ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ عاصِمٍ الأحْوَلِ عنِ الشَّعْبيِّ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: شَرِبَ النبيُّ ﷺ قائِماً مِنْ زَمْزَمَ. (انْظُر الحَدِيث: ١٦٣٧) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن روى عَن سُفْيَان، قَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ الكلاباذي: أَبُو نعيم سمع الثَّوْريّ وَابْن عُيَيْنَة وهما سمعا عَاصِمًا الْأَحول، فَهَذَا سُفْيَان يحْتَمل أَن يكون هَذَا وَأَن يكون ذَاك، وَقَالَ بَعضهم بعد نَقله كَلَام الْكرْمَانِي: لَيْسَ الاحتمالان فيهمَا هُنَا على السوَاء، فَإِن أَبَا نعيم مَشْهُور بالرواية عَن الثَّوْريّ مَعْرُوف بملازمته وَرِوَايَته عَن ابْن عُيَيْنَة قَليلَة وَإِذا أطلق اسْم شَيْخه حمل على من هُوَ أشهر بِصُحْبَتِهِ وَرِوَايَته أَكثر انْتهى قلت بعد أَن ثبتَتْ رِوَايَة أبي نعيم عَن ابْن عُيَيْنَة الِاحْتِمَال باقٍ وَلَا تَرْجِيح لأحد الِاحْتِمَالَيْنِ على الآخر بِمَا ذكره، لِأَن ابْن عُيَيْنَة روى هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه عِنْد مُسلم وَأحمد فِي (مُسْنده) وَأخرجه التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا أَحْمد بن منيع حَدثنَا هشيم أخبرنَا عَاصِم الْأَحول ومغيرة عَن الشّعبِيّ عَن ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي ﷺ ، شرب من زَمْزَم وَهُوَ قَائِم، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا، وَفِي لفظ: سقيت النَّبِي ﷺ من زَمْزَم فَشرب وَهُوَ قَائِم.
١٧ - (بابُ مَنْ شَرِبَ وَهُوَ واقِفٌ عَلى بَعِيرِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من شرب وَالْحَال أَنه وَاقِف على بعيره، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: لَا حجَّة فِي هَذَا على الشّرْب قَائِما، لِأَن الرَّاكِب على الْبَعِير قَاعد غير قَائِم، وأُجيب بِأَن البُخَارِيّ أَرَادَ بِهَذَا بَيَان حكم هَذِه الْحَالة، وَلَيْسَ فِي صدد بَيَان الِاسْتِدْلَال بِهِ على جَوَاز الشّرْب قَائِما. وَبَين حكم هَذِه الْهَيْئَة بِفعل النَّبِي ﷺ لِأَن الرَّاكِب يشبه الْقَائِم من حَيْثُ كَونه سائراً، وَيُشبه الْقَاعِد من حَيْثُ كَونه مُسْتَقرًّا على الدَّابَّة.
٥٦١٨ - حدّثنامالِكُ بنُ إسْماعيلَ حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ أبي سَلَمَةَ أخْبرنا أبُو النَّضْرِ عنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ عنْ أمِّ الفَضْلِ بِنْتِ الحَارِثِ أَنَّهَا أرْسَلَتْ إِلَى النبيِّ ﷺ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ واقِفٌ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فأخَذَ بِيَدِهِ فَشَرِبَهُ.
زَادَ مالِكٌ عنْ أبي النَّضْرِ: عَلى بَعِيرِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمَالك بن إِسْمَاعِيل أَبُو غَسَّان النَّهْدِيّ الْكُوفِي من كبار شُيُوخ البُخَارِيّ، وروى مُسلم عَن هَارُون بن عبد الله عَنهُ فِي الْحُدُود، قَالَ البُخَارِيّ: مَاتَ سنة تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَعبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة بِفتْحَتَيْنِ الْمَاجشون وَاسم أبي سَلمَة دِينَار وَهُوَ جد عبد الْعَزِيز لِأَنَّهُ ابْن عبد الله بن أبي سَلمَة، وَأَبُو النَّضر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة، واسْمه سَالم بن أبي أُميَّة مولى عمر بن عبيد الله بن معمر الْقرشِي التَّيْمِيّ الْمدنِي، وَعُمَيْر مصغر عَمْرو مولى ابْن عَبَّاس ﵄ وَأم الْفضل بنت الْحَارِث وَاسْمهَا لبَابَة بِضَم اللَّام وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى وَالثَّانيَِة، زوج الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب.
والْحَدِيث قد مر عَن قريب فِي: بَاب شرب اللَّبن، أخرجه عَن الْحميدِي عَن سُفْيَان عَن سَالم أبي النَّضر إِلَى آخِره، وَقد ذكرنَا أَنه أخرجه أَيْضا فِي الْحَج عَن القعْنبِي، وَفِي الصَّوْم عَن عبد الله بن يُوسُف، وَعَن مُسَدّد. فَإِن قلت: ذكر فِي: بَاب شرب اللَّبن، أَن عُمَيْرًا مولى أم الْفضل، وَذكر هُنَا أَنه مولى ابْن عَبَّاس. قلت: أم الْفضل أم ابْن عَبَّاس، وَلما كَانَ عُمَيْر مولى للْأُم وملازماً للِابْن صحت النسبتان، وَالْإِضَافَة صَحِيحَة بِأَدْنَى مُلَابسَة، وَمر الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (زَاد مَالك عَن أبي النَّضر) أَي: زَاد مَالك بن أنس فِي رِوَايَته عَن أبي النَّضر سَالم لفظ: (على بعيره) يَعْنِي: شرب وَهُوَ على بعيره،
стр. 6395
وبهذه الزِّيَادَة تتضح الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة، فَإِذا جَازَ الشّرْب قَائِما على الأَرْض فالشرب على الدَّابَّة أَحْرَى بِالْجَوَازِ لِأَن الرَّاكِب أشبه بالحالين.
١٨ - (بابٌ الأيْمَنُ فالأيْمَنُ فِي الشُّرْبِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ يقدم الَّذِي على يَمِين الشَّارِب، فارتفاع الْأَيْمن بِالْفِعْلِ الْمُقدر الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَيجوز أَن يكون مَرْفُوعا على أَنه مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر، وَالتَّقْدِير: الْأَيْمن أَحَق لفضيلة الْيَمين على الشمَال. قَوْله: (فالأيمن) عطف عَلَيْهِ، وَيجوز فيهمَا النصب أَيْضا أَي: أعْط الْأَيْمن. فالأيمن. قَوْله: (فِي الشّرْب) أَعم من شرب المَاء وَغَيره من المشروبات، وَنقل عَن مَالك وَحده أَنه خصّه بِالْمَاءِ قَالَ ابْن عبد الْبر: لَا يَصح هَذَا عَن مَالك.
٥٦١٩ - حدّثنا إسْماعيلُ قَالَ: حدّثني مالِكٌ عنِ ابنِ شِهاب عنْ أنَسِ ابْن مالِكٍ ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ أُتِيَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ بِماءٍ وعَنْ يَمينِه أعْرَابِيُّ وعَنْ شِمالهِ أبُو بَكرٍ، فَشَرِبَ ثمَّ أعْطَى الأعْرَابِيَّ، وَقَالَ: الأيْمَنَ فالأيْمَنَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل بن أبي أويس. والْحَدِيث مر عَن قريب فِي أول شرب اللَّبن بِالْمَاءِ.
قَوْله: (قد شيب) على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمَاضِي من الشوب وَهُوَ الْخَلْط، وأصل شيب شوب قلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا. قَوْله: (وَعَن يَمِينه أَعْرَابِي) الْوَاو فِيهِ للْحَال أَي: وَالْحَال أَن الَّذِي عَن يَمِينه أَعْرَابِي، وَالَّذِي عَن شِمَاله أَبُو بكر ﵁ فَإِن قلت: يُقَال: عَن يَمِينه وعَلى يَمِينه، وَعَن شِمَاله وعَلى شِمَاله، فَمَا الْفرق بَينهمَا؟ قلت: معنى: على يَمِينه، أَنه تمكن من جِهَة الْيَمين تمكن المستعلي من المستعلى عَلَيْهِ، وَمعنى: عَن يَمِينه، أَنه جلس متجافياً عَن صَاحب الْيَمين، ثمَّ كثر اسْتِعْمَاله فِي المتجافي وَغَيره، وَقَالَ الملهب: التَّيَامُن فِي الْأكل وَالشرب وَجَمِيع الْأَشْيَاء من السّنَن، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ ، يحب التَّيَامُن استشعاراً مِنْهُ بِمَا شرف الله بِهِ أهل الْيَمين. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: إِنَّمَا أعْطى الْأَعرَابِي لِأَنَّهُ كَانَ من كبار قومه، وَلذَلِك جلس عَن يَمِينه. قلت: الْأَظْهر أَنه سنة، أَو لَعَلَّه سبق إِلَى الْيَمين، فَلذَلِك لم يقمه لأجل الصدِّيق، فَإِنَّهُ سبقه بِهِ بِخِلَاف الصَّلَاة، لقَوْله: ليلني مِنْكُم أولو الأحلام والنهى، وَإِن لم يكن فِي الْيَمين أحد فالأكبر الْأَكْبَر، كَمَا مضى فِي مَوْضِعه.
١٩ - (بابٌ هَلْ يَسْتَأذِنُ الرَّجُلُ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ فِي الشُّرْبِ لِيُعْطِيَ الأكْبَر)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ: هَل يسْتَأْذن الرجل أَي: يطْلب الْإِذْن من الَّذِي هُوَ جَالس على يَمِينه، وَقَوله: من، بِفَتْح الْمِيم مَوْصُولَة، وَإِنَّمَا لم يجْزم الحكم وَذكره بِصُورَة الِاسْتِفْهَام على سَبِيل الاستخبار لكَونهَا وَاقعَة عين فيتطرق إِلَيْهَا احْتِمَال التَّخْصِيص، فَلَا يطرد الحكم فِيهَا لكل جليس.
٥٦٢٠ - حدّثناإسْماعيلُ قَالَ: حَدثنِي مالِكٌ عنْ أبي حازِمِ بنِ دِينارٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وعنْ يَمِينِهِ غُلامٌ وعنْ يَسارِهِ الأشْياخُ، فَقَالَ لِلْغُلامِ: أتأذَنُ لِي أنْ أُعْطِيَ هاؤلاءِ؟ فَقَالَ الغُلامُ: وَالله يَا رسولَ الله لَا أُوثِرُ بِنَصِيبي منْكَ أحَداً. قَالَ: فَتَلَّهُ رسولُ الله ﷺ فِي يَدِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَأَبُو حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي واسْمه سَلمَة بن دِينَار، وَسَهل بن سعد بن مَالك السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الْمَظَالِم فِي: بَاب إِذا أذن لَهُ أَو أحله، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك إِلَى آخِره نَحوه سواهُ وَمضى أَيْضا فِي الْهِبَة عَن يحيى بن قزعة وقتيبة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي: بَاب الْمَظَالِم.
قَوْله: (غُلَام) الْأَصَح أَنه كَانَ عبد الله بن عَبَّاس، والأشياخ: خَالِد بن الْوَلِيد وَغَيره. قَوْله: (أتأذن لي؟) فَإِن قلت: لم يقل فِي حَدِيث أنس: أتأذن لي؟ قلت: أجَاب النَّوَوِيّ وَغَيره بِأَن السَّبَب فِيهِ أَن الْغُلَام كَانَ ابْن عَمه وَله عَلَيْهِ إدلال، وَكَانَ من الْيَسَار أقَارِب الْغُلَام أَيْضا
стр. 6396
وَطيب نَفسه مَعَ ذَلِك بالإستئذان لبَيَان الحكم وَأَن السّنة تَقْدِيم الْأَيْمن، وَلَو كَانَ مفضولاً بِالنِّسْبَةِ إِلَى من على الْيَسَار. فَإِن قلت: قد يُعَارض حَدِيث سهل هَذَا وَحَدِيث أنس الَّذِي مضى عَن قريب حَدِيث سهل بن أبي خَيْثَمَة الْآتِي فِي الْقسَامَة: كَبركبر، وَتقدم فِي الطَّهَارَة حَدِيث ابْن عمر فِي الْأَمر بمناولة السِّوَاك الْأَكْبَر، وأخص من هَذَا حَدِيث ابْن عَبَّاس الَّذِي أخرجه أَبُو يعلى بِسَنَد قوي قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا سقِِي قَالَ: ابدأوا بالأكبر. قلت: الْجَواب فِي هَذَا أَنه مَحْمُول على الْحَالة الَّتِي يَجْلِسُونَ فِيهَا متساويين، إِمَّا بَين يَدي الْكَبِير أَو عَن يسَاره كلهم أَو خَلفه أَو حَيْثُ لَا يكون فيهم، فيخص هَذِه الصُّورَة من عُمُوم تَقْدِيم الْأَيْمن، أَو يخص من عُمُوم هَذَا الْأَثر بالبداءة بالكبير مَا إِذا جلس بعض عَن يَمِين الرئيس وَبَعض عَن يسَاره، فَفِي هَذِه الصُّورَة يقدم الصَّغِير على الْكَبِير والمفضول على الْفَاضِل، وَيظْهر من هَذَا أَن الْأَيْمن مَا امتاز بِمُجَرَّد الْجُلُوس فِي الْجِهَة الْيُمْنَى، بل لحُصُول كَونهَا يَمِين الرئيس، فالفضل إِنَّمَا فاض عَلَيْهِ من الْأَفْضَل. قَوْله أتأذن لي؟ ظَاهره أَنه لَو أذن لَهُ لأعطاهم، وَيُؤْخَذ من ذَلِك جَوَاز الإيثار بِمثل ذَلِك. قيل: إِنَّه مُشكل على مَا اشْتهر من أَنه لَا إِيثَار بِالْقربِ، وَإِنَّمَا الإيثار الْمَحْمُود مَا كَانَ من حظوظ النَّفس دون الطَّاعَات، وَقد اقْتصر القَاضِي فِي النَّقْل عَن الْعلمَاء على كَرَاهَة الإيثار بِالْقربِ بِخِلَاف مَا يتوهمه كثير من النَّاس أَنه يحرم الإيثار بِالْقربِ. قَوْله: (فتله) بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد اللَّام أَي: وَضعه، وَقَالَ الْخطابِيّ: وَضعه بعنف، وَأَصله من الرَّمْي على التل وَهُوَ الْمَكَان العالي الْمُرْتَفع، ثمَّ اسْتعْمل فِي كل شَيْء يرْمى بِهِ وَفِي كل إِلْقَاء.
٢٠ - (بابُ الكَرْعِ فِي الحَوْضِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الكرع بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون الرَّاء وَهُوَ الشّرْب من الْحَوْض أَو من النَّهر بالفم، وَهُوَ من كرع يكرع من بَاب فتح يفتح، وَقد جَاءَ بِالْكَسْرِ فِي الْمَاضِي من بَاب علم يعلم، وَقَالَ ابْن سَيّده: كرع تنَاول بِفِيهِ من غير إِنَاء، وَقيل: هُوَ أَن يدْخل النَّهر فيشرب، وَقيل: هُوَ أَن يصوب رَأسه فِي المَاء وَإِن لم يشرب، وَفِي (الْجَامِع) : كل خائض فِي المَاء فَهُوَ كارع شرب أَو لم يشرب، وَفِي (التَّهْذِيب) : كرع فِي الْإِنَاء إِذا أمال نَحوه عينه فَشرب مِنْهُ.
٥٦٢١ - حدّثنايَحياى بنُ صالِحِ حدَّثنا فُلَيْحُ بنُ سُلَيْمانَ عنْ سَعِيدِ بنِ الحارِثِ عنْ جابِرِ ابنِ عَبْدِ الله ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ دَخَلَ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَار ومَعَه صاحِبٌ لهُ، فَسَلَّمَ النَّبِي ﷺ وصاحِبُهُ، فَرَدَّ الرَّجُلُ فَقَالَ: يَا رسولَ الله ﴿بِأبي أنْتَ وأُمِّي، وهْيَ ساعَةٌ حارَّةٌ، وهْوَ يُحَوِّلُ فِي حائِطٍ لَهُ يَعْنِي المَاء فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إِن كانَ عندِكَ مَاء بَات فِي شَنَّةٍ وَإِلَّا كرعنا وَالرجل يحول الماءَ فِي حَائِط. فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رسولَ الله﴾ عِنْدِي ماءٌ باتَ فِي شَنَّةٍ، فانْطَلَقَ إِلَى العَرِيشِ فَسكَبَ فِي قَدَحٍ مَاء ثُمَّ حَلَبَ عليْه مِنْ داجِنٍ لهُ فَشَرِبَ النبيُّ ﷺ ، ثُمَّ أعادَ فَشَرِبَ الرَّجُلُ الَّذِي جاءَ مَعَهُ. (انْظُر الحَدِيث: ٥٦٤٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وإلَاّ كرعنا) وَيحيى بن صَالح الوحاظي أَبُو زَكَرِيَّا، وَيُقَال: أَبُو صَالح الشَّامي الدِّمَشْقِي، وَيُقَال: الْحِمصِي وَهُوَ من جملَة الْأَئِمَّة الْحَنَفِيَّة وَأَصْحَاب الإِمَام أبي حنيفَة وَكَانَ عديل مُحَمَّد بن الْحسن إِلَى مَكَّة وَمَات سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ.
والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب شرب اللَّبن بِالْمَاءِ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَشْرِبَة عَن عُثْمَان ابْن أبي شيبَة. وَأخرجه ابْن ماجة فِيهِ عَن أَحْمد بن مَنْصُور الزيَادي.
قَوْله: (فَرد الرجل) أَي: السَّلَام. قَوْله (بِأبي أَنْت وَأمي) أَي: أَنْت مفدًى بِأبي وَأمي. قَوْله: (وَالرجل يحول المَاء) إِنَّمَا كَرَّرَه لِأَنَّهُمَا حالان بِاعْتِبَار فعلين مُخْتَلفين، والتحويل هُوَ النَّقْل من قَعْر الْبِئْر إِلَى ظَاهره، أَو إِجْرَاء المَاء من جَانب إِلَى جَانب فِي بستانه.
٢١ - (بابُ خِدْمَةِ الصِّغارِ الكِبارَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان خدمَة الصغار الْكِبَار.
٥٦٢٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا مُعْتَمِرٌ عنْ أبيهِ وَقَالَ: سَمِعْتُ أنَساً ﵁ قَالَ: كُنْتُ قَائِما عَلى
стр. 6397
الحَيِّ أسْقِيهِمْ عُمُومَتي وَأَنا أصْغَرُهُمُ الفَضِيخَ، فَقيلَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ، فَقَالَ: اكْفِئْها، فَكفَأنا. قُلْتُ. لأنَسٍ: مَا شَرَابهُمْ؟ قَالَ: رُطَبٌ وبُسْرٌ، فَقَالَ أبُو بَكْرٍ بنُ أنَسٍ: وكانَتْ خَمْرَهُمْ فَلَمْ يُنْكِرْ أنَسٌ.
وحدَّثني بَعْضُ أصْحابي أنَّهُ سَمِعَ أنَساً يَقُولُ: كانتْ خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ومعتمر يرْوى عَن أَبِيه سُلَيْمَان. والْحَدِيث مضى فِي أَوَائِل الْأَشْرِبَة فِي: بَاب نزل تَحْرِيم الْخمر وَهِي من الْبُسْر وَالتَّمْر، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِعَين هَذَا االإسناد وَعين هَذَا الْمَتْن، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: (عمومتي) بدل أَو مَنْصُوب على الِاخْتِصَاص، والفضيخ بالمعجمتين.
٢٢ - (بابُ تَغْطِيَةِ الإناءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم تَغْطِيَة الْإِنَاء.
٥٦٢٣ - حدّثناإسْحاقُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنَا رَوْحُ بنُ عُبادَةَ أخبرَنا ابنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبرنِي عَطاءٌ أنَّهُ سَمِعَ جابرَ بنَ عَبْدِ الله ﵄ يَقُولُ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : إِذا كانَ جُنْحُ اللَّيْلِ أوْ أمْسَيْتُمْ فَكُفُّوا صِبْيانَكُمْ، فإنَّ الشَّياطينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فإِذا ذَهَبَ ساعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَحُلُّوهُمْ وأغْلِقُوا الأَبْوابَ واذْكُرُوا اسْمَ الله، فإِنَّ الشَّيْطانَ لَا يَفْتَحُ بَابا مُغْلَقاً، وأوْكُوا قِرَبَكُمْ واذْكُرُوا اسْمَ الله، وخَمِّرُوا آنيَتَكُمْ واذْكُروا اسْمَ الله، ولوْ أنْ تَعْرُضُوا عَلَيْها شَيْئاً، وأطْفِؤوا مَصابِيحَكُمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وخمروا آنيتكم) لِأَن مَعْنَاهُ: غطوا آنيتكم.
وَإِسْحَاق بن مَنْصُور بن بهْرَام الكوسج أَبُو يَعْقُوب الْمروزِي، انْتقل بِآخِرهِ إِلَى نيسابور، وَابْن جريج عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح.
والْحَدِيث قد مر فِي صفة إِبْلِيس فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن يحيى بن جَعْفَر عَن مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ عَن ابْن جريج إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (جنح اللَّيْل) بِكَسْر الْجِيم وَضمّهَا الظلام مَعْنَاهُ طَائِفَة من ظلام اللَّيْل. قَوْله: (أَو أمسيتم) أَي: دَخَلْتُم فِي الْمسَاء. قَوْله: (فكفوا صِبْيَانكُمْ) أَي: امنعوهم من الْخُرُوج فِي هَذَا الْوَقْت أَي: يخَاف عَلَيْهِم حينئذٍ لِكَثْرَة الشَّيَاطِين وإيذائهم، وَقَالَ ابْن بطال: خشِي ﷺ على الصّبيان عِنْد انتشار الْجِنّ أَن تلم بهم فتصرعهم، فَإِن الشَّيْطَان قد أعطَاهُ الله تَعَالَى قُوَّة عَلَيْهِ. وَأَعْلَمنَا رَسُول الله ﷺ أَن التَّعَرُّض للفتن. مِمَّا لَا يَنْبَغِي وَأَن الاحتراس مِنْهَا أحزم على أَن ذَلِك الاحتراس لَا يرد قدرا، وَلَكِن ليبلغ النَّفس عذرها، وَلِئَلَّا يتسبب لَهُ الشَّيْطَان إِلَى لوم نَفسه فِي التَّقْصِير. قَوْله: (فحلوهم) بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة، وَقَالَ: الْكرْمَانِي: فحلوهم بإعجام الْخَاء. قَوْله: (وأوكوا) من أوكى مَا فِي سقائه إِذا شده بالوكاء وَهُوَ مَا يشد بِهِ رَأس الْقرْبَة. قَوْله: (وخمروا) من التخمير وَهُوَ التغطية. قَوْله: (وَلَو أَن تعرضوا) بِضَم الرَّاء وَكسرهَا أَي: إِن لم يَتَيَسَّر التغطية بكمالها فَلَا أقل من وضع عود على عرض الْإِنَاء، وَجَوَاب: لَو مَحْذُوف نَحْو: لَكَانَ كَافِيا. وَإِنَّمَا أَمر بالتغطية لِأَن فِي السّنة لَيْلَة ينزل فِيهَا وباء وبلاء لَا يمر بِإِنَاء مَكْشُوف إلَاّ نزل فِيهِ من ذَلِك، والأعاجم يتوقعون ذَلِك فِي كانون الأول. قَوْله: (واطفئوا مصابيحكم) وَهُوَ جمع مِصْبَاح، وَذَلِكَ لأجل الْفَأْرَة فَإِنَّهَا تضرم على النَّاس بُيُوتهم، وَأما الْقَنَادِيل الْمُعَلقَة فِي الْمَسَاجِد والبيوت فَإِن خيف مِنْهَا أَيْضا فتطفأ وإلَاّ فَلَا.
٥٦٢٤ - حدّثنامُوسَى بنُ إسْماعيلَ حَدثنَا هَمَّامٌ عنْ عَطاءٍ عنْ جابِرٍ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: أطْفِئُوا المَصابِيحَ إذَا رقَدْتُمْ، وغَلِّقُوا الأبْوَابَ وأوْكُوا الأسْقِيَةَ وخَمِّرُوا الطَّعامَ والشَّرَابَ، وأحْسِبُهُ قَالَ: ولَوْ بِعُودٍ تَعْرُضُهُ عليْهِ.
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث جَابر الْمَذْكُور أخرجه عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْبَصْرِيّ التَّبُوذَكِي عَن همام بن يحيى
стр. 6398
عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن جَابر ﵁ قَوْله: (الأسقية) جمع سقاء بِكَسْر السِّين وَهُوَ ظرف المَاء. قَوْله: (خمروا) أَي: غطوا من التخمير.
٢٣ - (بَاب اخْتِناثِ الأسْقِيَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم اختناث الأسقية الاختناث من اختنث السقاء إِذا ثنيته إِلَى خَارج فَشَرِبت مِنْهُ، وَأَصله التكسر والانطواء، وَمِنْه سمي الرجل المتشبه بِالنسَاء فِي أَفعاله مخنثاً، والأسقية جمع سقاء وَهُوَ ظرف مَاء.
٥٦٢٥ - حدّثنا آدَمُ حَدثنَا ابنُ أبي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ عنْ أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: نَهَى رسولُ الله ﷺ عنِ اخْتِناثِ الأسْقِيَةِ، يَعْنِي: أنْ تُكْسَرَ أفْوَاهُها فَيَشْرَبَ مِنْها. (انْظُر الحَدِيث: ٥٦٢٥ طرفه فِي: ٥٦٢٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس، وَابْن أبي ذِئْب هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْمُغيرَة بن الْحَارِث، فَقِيه أهل الْمَدِينَة مِمَّن كَانَ يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ، وَاسم أبي سعيد الْخُدْرِيّ سعد بن مَالك.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَشْرِبَة عَن عمر والناقد عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة إِلَى آخِره نَحوه، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن ماجة من رِوَايَة يُونُس.
قَوْله: (يَعْنِي: أَن تكسر أفواهها) المُرَاد من كسرهَا ثنيها لَا كسرهَا حَقِيقَة وَلَا إبانتها، ولأفواه جمع فَم على سَبِيل الرَّد إِلَى الأَصْل لِأَن أصل فَم فوه حذفت مِنْهُ الْهَاء لاستثقالها عِنْد الضَّمِير لَو قيل: فوهه، فَلَمَّا حذفت عوضت عَنْهَا الْمِيم. وَقَالَ الْخطابِيّ: أَحسب أَن قَوْله: يَعْنِي: أَن تكسر أفواهها عَن الزُّهْرِيّ فَيكون هَذَا التَّفْسِير مدرجاً، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن أَحْمد رَوَاهُ عَن أبي النَّضر عَن ابْن أبي ذِئْب بِحَذْف لفظ: يَعْنِي وَقَالَ الْمُهلب: معنى هَذَا النَّهْي وَالله أعلم على وَجه الْأَدَب لجَوَاز أَن يكون فِي أفواهها حَيَّة أَو بعض الْهَوَام لَا يدريها الشَّارِب فَيدْخل فِي جَوْفه. وروى ابْن ماجة وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) من رِوَايَة زَمعَة بن صَالح عَن سَلمَة بن وهرام قَالَ: نهى رَسُول الله ﷺ عَن اختناث الأسقية وَأَن رجلا بَعْدَمَا نهى رَسُول الله قَامَ من اللَّيْل إِلَى السقاء فاختنثه فَخرجت مِنْهُ حَيَّة.
٥٦٢٦ - حدّثنامُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أخْبَرنا عبْدُ الله أخْبرنا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حدّثني عُبَيْدُ الله بنُ عبْدِ الله أنَّهُ سمِعَ أَبَا سَعيدٍ الخُدْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَنْهَى عَنِ اخْتِنَاثِ الأسْقِيَةِ. قَالَ عبْدُ الله: قَالَ مَعْمَرٌ، أوْ غَيْرُهُ: هُوَ الشُّرْبُ مِنْ أفْوَاهِها. (انْظُر الحَدِيث: ٥٦٢٥) .
هَذَا طَرِيق آخر من حَدِيث أبي سعيد أخرجه عَن مُحَمَّد بن مقَاتل الْمروزِي عَن عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي عَن يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَعَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة أَنه سمع أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ، وَهنا صرح عبيد الله بِالسَّمَاعِ عَن أبي سعيد، بِخِلَاف الطَّرِيق الأول، فَإِنَّهُ بالعنعنة وَكَذَلِكَ صرح أَبُو سعيد هُنَا بِالسَّمَاعِ من النَّبِي ﷺ ، بِخِلَاف الطَّرِيق الأول.
قَوْله: (قَالَ عبد الله) هُوَ ابْن الْمُبَارك وَقَالَ معمر بن رَاشد أَو غَيره أَي: غير معمر: (هُوَ الشّرْب) يَعْنِي اختناث الأسقية هُوَ الشّرْب من أَفْوَاه الأسقية، وَشك عبد الله فِي هَذَا التَّفْسِير، هَل قَالَه معمر أَو غَيره؟ وَأخرجه مُسلم من غير تردد: حَدثنِي حَرْمَلَة بن يحيى أخبرنَا ابْن وهب عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: نهى رَسُول الله ﷺ عَن اختناث الأسقية أَن يشرب من أفواهها، فَإِن قلت: قَالَ ابْن حزم: فَإِن قيل: إِنَّه ﷺ شرب من فَم قربَة؟ قُلْنَا: لَا حجَّة فِي شَيْء مِنْهُ، لِأَن أَحدهمَا من طَرِيق الْحَارِث بن أبي أُسَامَة وَقد ترك، وَفِيه الْبَراء ابْن بنت أنس وَهُوَ مَجْهُول، وَآخر من طَرِيق رجل لم يسم قلت: أحد الْحَدِيثين اللَّذين ذكرهمَا رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) وَالتِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل من رِوَايَة عبد الْكَرِيم الْجَزرِي عَن الْبَراء ابْن بنت أنس بن مَالك عَن أنس بن مَالك: أَن النَّبِي ﷺ دخل وقربة معلقَة فَشرب من فَم الْقرْبَة ... الحَدِيث، والبراء هَذَا ذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات، وَبَاقِي رُوَاته مُحْتَج بهم، وتابع الْبَراء
стр. 6399
عَلَيْهِ حميد الطَّوِيل، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ فِي كتاب (شرح مَعَاني الْآثَار) من رِوَايَة شريك عَن حميد عَن أنس: أَن النَّبِي ﷺ شرب من قربَة مَاء معلقَة وَهُوَ قَائِم ... والْحَدِيث الآخر الَّذِي فِيهِ رجل لم يسم.
٢٤ - (بابُ الشُّرْبِ مِنْ فَمِ السِّقاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا ورد من النَّهْي عَن الشّرْب من فَم السقاء، وَيجوز تَشْدِيد الْمِيم، ويروى: من فِي السقاء، قيل: لم يكتف البُخَارِيّ بالترجمة الَّتِي قبلهَا لِئَلَّا يظنّ أَن النَّهْي خَاص بِصُورَة الاختناث، وَأَشَارَ بِأَن النَّهْي يعم مَا يُمكن اختناثه وَمَا لَا يُمكن كالفخار مثلا. قلت: روى أَحَادِيث تدل على جَوَاز الشّرْب من فَم السقاء، مِنْهَا: مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي عمْرَة عَن جدته كَبْشَة، قَالَت: دخل على رَسُول الله ﷺ فَشرب من فِي قربَة معلقَة، وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح. وَمِنْهَا: حَدِيث أنس بن مَالك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل، وَقد ذَكرْنَاهُ قبل هَذَا الْبَاب. وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الله بن أنيس عَن أَبِيه قَالَ: رَأَيْت النَّبِي ﷺ قَامَ إِلَى قربَة معلقَة فخنقها ثمَّ شرب من فمها، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد، وَقد صَحَّ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فعل ذَلِك، فروى ابْن أبي شيبَة فِي (المُصَنّف) عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا بالشرب من فِي الْإِدَاوَة، وَعَن سعيد بن جُبَير قَالَ: رَأَيْت ابْن عمر ﵄ يشرب من فِي الْإِدَاوَة، وَعَن نَافِع، أَن ابْن عمر كَانَ يشرب من فِي السقاء، وَعَن عباد بن مَنْصُور قَالَ: رَأَيْت سَالم بن عبد الله بن عمر يشرب من فِي الْإِدَاوَة.
فَإِن قلت: كَيفَ يجمع بَين هَذِه الْأَحَادِيث الَّتِي تدل على الْجَوَاز وَبَين حَدِيثي الْبَاب اللَّذين يدلان على الْمَنْع؟ قلت: قَالَ شَيخنَا، ﵀: لَو فرق بَين مَا يكون لعذر كَأَن تكون الْقرْبَة معلقَة وَلم يجد الْمُحْتَاج إِلَى الشّرْب إِنَاء متيسراً وَلم يتَمَكَّن من التَّنَاوُل بكفه فَلَا كَرَاهَة حينئذٍ، وعَلى هَذَا تحمل هَذِه الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة، وَبَين مَا يكون لغير عذر فَيحمل عَلَيْهِ أَحَادِيث النَّهْي. قيل: لم يرد حَدِيث من الْأَحَادِيث الَّتِي تدل على الْجَوَاز إلَاّ بِفِعْلِهِ ﷺ وَأَحَادِيث النَّهْي كلهَا من قَوْله فَهِيَ أرجح، وَالله أعلم.
٥٦٢٧ - حدّثنا علِيُّ بنُ عبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ حَدثنَا أيُّوبُ قَالَ: قَالَ لَنا عِكْرِمَةُ: ألَا أُخْبرُكُمْ بأشْياءَ قِصارٍ حَدثنَا بِها أبُو هُرَيْرَةَ: نَهَى رسولُ الله ﷺ عَنِ الشُّرْبِ مِنْ فَمِ القِرْبَةِ أوِ السِّقاءِ وأنْ يَمْنَعَ جَارَهُ أنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي دَارِهِ. (انْظُر الحَدِيث: ٢٤٦٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ يُوضح الْإِبْهَام الَّذِي فِيهَا وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَعِكْرِمَة هُوَ مولى ابْن عَبَّاس ﵄.
والْحَدِيث أخرجه ابْن ماجة فِي الْأَشْرِبَة عَن بشر بن هِلَال الصَّواف عَن عبد الْوَارِث بن سعيد عَن أَيُّوب بِهِ.
قَوْله: (حَدثنَا) فَاعل حَدثنَا أَبُو هُرَيْرَة، وَالضَّمِير فِي: بهَا، يرجع إِلَى قَوْله: (بأَشْيَاء) وَالَّذِي أخبر بِهِ شَيْئَانِ، وَقد قَالَ: أَلا أخْبركُم بأَشْيَاء؟ وَلَعَلَّه أخبر بهَا وَلم يذكرهَا بعض الروَاة، وَيجوز أَن يكون ذَلِك عمدا أَو نِسْيَانا، وَقيل: أَو يكون أقل الْجمع عِنْده اثْنَان، وَبَين قَوْله: حَدثنَا، وَبَين قَوْله: أَلا أخْبركُم؟ شَيْء مُقَدّر تَقْدِيره: أَلا أخْبركُم بأَشْيَاء قصار؟ قُلْنَا: نعم، أَو نَحْو ذَلِك، فَقَالَ: حَدثنَا بهَا. قَوْله: (أَو السقاء) شكّ من الرَّاوِي، وَالْفرق بَين الْقرْبَة والسقاء أَن الْقرْبَة للْمَاء والسقاء للْمَاء وَاللَّبن. قَوْله: (وَأَن يمْنَع) أَي: وَنهى أَن يمْنَع الشَّخْص جَاره أَن يغرز أَي: بِأَن يغرز، وَأَن مَصْدَرِيَّة أَي: غرز خَشَبَة، بِإِضَافَة الْخشب إِلَى الضَّمِير الَّذِي يرجع إِلَى الْجَار، ويروى: خَشَبَة بِالتَّنْوِينِ. قَوْله: (فِي دَاره) ويروى: فِي جِدَاره، وَهَذَا أوضح (. وَفِي (التَّوْضِيح) : هُوَ عندنَا وَعند مَالك مَحْمُول على الِاسْتِحْبَاب، وَالْقَدِيم عندنَا وُجُوبه، وَبِه قَالَ ابْن حبيب وَغَيره.
٥٦٢٨ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا إسْماعيلُ أخبرنَا أيُّوبُ عنْ عِكْرِمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى النبيُّ ﷺ أنْ يُشْرَبَ مِنْ فِي السِّقاءِ. (انْظُر الحَدِيث: ٢٤٦٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا فِي الحَدِيث السَّابِق. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن علية، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: اتَّفقُوا على أَن النَّهْي هُنَا للتنزيه لَا للتَّحْرِيم قيل فِي دَعْوَاهُ الِاتِّفَاق نظر، لِأَن أَبَا بكر الْأَثْرَم صَاحب أَحْمد أطلق أَن أَحَادِيث النَّهْي
стр. 6400
ناسخة للْإِبَاحَة لأَنهم كَانُوا أَولا يَفْعَلُونَ ذَلِك حَتَّى وَقع دُخُول الْحَيَّة فِي بطن الَّذِي شرب من فَم السقاء، فنسخ الْجَوَاز. وَوجه الْحِكْمَة فِي النَّهْي مَا قَالَه قوم من أَنه لَا يُؤمن من دُخُول شَيْء من الْهَوَام مَعَ المَاء فِي جَوف السقاء فَيدْخل فَم الشَّارِب وَلَا يدْرِي فعلى هَذَا لَو مَلأ السقاء وَهُوَ يُشَاهد المَاء الَّذِي يدْخل فِيهِ، ثمَّ ربطه ربطاً محكماً، ثمَّ لما أَرَادَ أَن يشرب حلّه فَشرب مِنْهُ لَا يتَنَاوَلهُ النَّهْي، وَقيل: مَا أخرجه الْحَاكِم من حَدِيث عَائِشَة ﵂ بِسَنَد قوي بِلَفْظ: نهى أَن يشرب من فِي السقاء، لِأَن ذَلِك ينتنه، وَهَذَا عَام، وَقيل: إِن الَّذِي يشرب المَاء من فَم السقاء قد يغلبه المَاء فينصب مِنْهُ أَكثر من حَاجته فَلَا يَأْمَن أَن يشرق بِهِ أَو تبتل ثِيَابه. وَقيل: ينزل بِقُوَّة فَيقطع الْعُرُوق الضعيفة الَّتِي بِإِزَاءِ الْقلب، فَرُبمَا كَانَ سَببا للهلاك.
٥٦٢٩ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ حدَّثنا خالِدٌ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عبَّاسِ ﵄ قَالَ: نَهَى النبيُّ ﷺ عَن الشُّرْبِ مِنْ فِي السِّقاءِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وخَالِد هُوَ الْحذاء. والْحَدِيث أخرجه ابْن ماجة فِي الْأَشْرِبَة عَن بكر بن خلف عَن يزِيد بن زُرَيْع بِهِ.
٢٥ - (بابُ النَّهْيِ عنِ التَّنفُّسِ فِي الإِناء)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان النَّهْي عَن التنفس فِي الْإِنَاء عِنْد الشّرْب، والتنفس أَخذ النَّفس.
٥٦٣٠ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ حَدثنَا شَيْبانُ عنْ يَحْيَى عنْ عبْدِ الله بنِ أبي قَتادَةَ عنْ أبِيه قَالَ: قَالَ رَسولُ الله ﷺ : إذَا شَرِبَ أحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإناءِ، وإذَا بَال أحَدُكُمْ فَلَا يَمْسَحْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وإِذَا تَمَسَّحَ أحَدُكُمْ فَلا يَتَمَسَّحْ بِيَمينِهِ. (انْظُر الحَدِيث: ١٥٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وشيبان بن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير، وَاسم أبي قَتَادَة الْحَارِث بن ربعي الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب النَّهْي عَن الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن معَاذ بن فضَالة عَن هِشَام عَن يحيى بن أبي كثير إِلَى آخِره، وَلَفظه هُنَاكَ: وَإِذا أَتَى الْخَلَاء فَلَا يمس ذكره بِيَمِينِهِ وَلَا يتمسح بِيَمِينِهِ، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَرُوِيَ: لَا يتنفس وَلَا يمسح وَلَا يتمسح، بِالنَّفْيِ وَالنَّهْي. وَقَالَ الملهب: التنفس إِنَّمَا نهى عَنهُ كَمَا نهى عَن النفخ فِي الطَّعَام وَالشرَاب وَالله أعلم من أجل أَنه لَا بُد أَن يَقع فِيهِ شَيْء من رِيقه فيعافه الطاعم لَهُ ويستقذر أكله فَنهى لذَلِك لِئَلَّا يفْسد على من يُرِيد تنَاوله، وَهَذَا إِذا أكل أَو شرب مَعَ غَيره، وَإِذا كَانَ وَحده أَو مَعَ من يعلم أَنه لَا يستقذر شَيْئا مِنْهُ فَلَا بَأْس بالتنفس فِي الْإِنَاء.
٢٦ - (بابُ الشُّرْبِ بِنَفَسَيْنِ أوْ ثَلَاثَةٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الشّرْب بنفسين أَو ثَلَاثَة أنفاس قيل: بَين الترجمتين مَعَ حديثيهما تعَارض، لِأَن التَّرْجَمَة الأولى فِي النَّهْي عَن التنفس فِي الْإِنَاء، وَهَذِه فِي ثُبُوت التنفس. وَأجِيب بأجوبة مُخْتَلفَة، وأحسنها أَن البُخَارِيّ جعل الْإِنَاء فِي التَّرْجَمَة الأولى ظرفا للتنفس، وَالنَّهْي عَنهُ لاستقذاره، وَقَالَ فِي هَذِه التَّرْجَمَة: الشّرْب بنفسين فَجعل التنفس للشُّرْب أَن لَا يقْتَصر على نفس وَاحِد بل يفصل بَين الشربين بنفسين أَو ثَلَاثَة خَارج الْإِنَاء، فَبِهَذَا يَنْتَفِي التَّعَارُض.
٥٦٣١ - حدّثناأبُو عاصِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ قَالَا: حَدثنَا عَزْرَةُ بنُ ثابِتٍ قَالَ: أَخْبرنِي ثُمامَةُ بنُ عبْدِ الله قَالَ: كانَ أنَسٌ يَتَنَفَّسُ فِي الإناءٍ مرَّتَيْنِ أوْ ثَلَاثاً، وزَعَم أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يَتَنَفَّسُ ثَلَاثاً.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد النَّبِيل، وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وعزرة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الزَّاي بعْدهَا رَاء ابْن ثَابت بالثاء الْمُثَلَّثَة فِي أَوله الْأنْصَارِيّ التَّابِعِيّ أَصله من الْمَدِينَة نزل الْبَصْرَة، وَقد سمع من جده لأمه عبد الله بن يزِيد الخطمي، وَعبد الله بن أبي أوفى وَغَيرهمَا، وثمامة بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الْمِيم ابْن عبد الله بن أنس ﵁ يروي عَن جده.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَشْرِبَة عَن أبي بكر وقتيبة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن بنْدَار. وَأخرجه
стр. 6401
النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن ابراهيم بن مَسْعُود وَغَيره. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَشْرِبَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
قَوْله: (أَو ثَلَاثًا) يحْتَمل أَن يكون أَو للتنويع أَي: ثَلَاث مَرَّات، وَيحْتَمل أَن يكون للشَّكّ، وَقد أخرج إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه الحَدِيث عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن عزْرَة بِلَفْظ: كَانَ يتنفس ثَلَاثًا، وَلم يقل: أَو، وروى التِّرْمِذِيّ قَالَ: حَدثنَا أَبُو كريب حَدثنَا وَكِيع عَن يزِيد بن سِنَان الْجَزرِي عَن ابْن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : لَا تشْربُوا وَاحِدًا كشرب الْبَعِير، وَلَكِن اشربوا مثنى وَثَلَاث وَسموا إِذا أَنْتُم شربتم، واحمدوا إِذا أَنْتُم رفعتم. وَقَالَ: هَذَا حَدِيث غَرِيب، وَقَالَ بَعضهم: سَنَده ضَعِيف، فَإِن كَانَ مَحْفُوظًا. فَهُوَ يقوى مَا تقدم من التنويع. قلت: قَالَ شَيخنَا: حسّن التِّرْمِذِيّ حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَفِيه: من لم يسم، وَهُوَ ابْن عَطاء بن أبي رَبَاح، وَكَانَ لَهُ ولدان روى كل وَاحِد مِنْهُمَا عَنهُ وهما: خَلاد وَيَعْقُوب، وَيَعْقُوب روى لَهُ النَّسَائِيّ باسمه، وَضَعفه أَحْمد وَابْن معِين وَأَبُو زرْعَة وَالنَّسَائِيّ، وَذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات. وَأما خَلاد فَلَيْسَ لَهُ رِوَايَة فِي الْكتب السِّتَّة. قَالَ البُخَارِيّ فِيهِ: مُنكر الحَدِيث، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ وَيزِيد بن سِنَان: هُوَ أَبُو فَرْوَة الرهاوي، وَقَالَ شَيخنَا: ضعفه أَحْمد وَابْن معِين وَابْن الْمَدِينِيّ، وَتَركه النَّسَائِيّ، وَقَالَ البُخَارِيّ: مقارب الحَدِيث، وَإِنَّمَا قَالَ التِّرْمِذِيّ وَيزِيد بن سِنَان هُوَ أَبُو فَرْوَة الرهاوي لِأَن لَهُم يزِيد بن سِنَان المقرىء الْبَصْرِيّ ثِقَة، روى عَنهُ النَّسَائِيّ، مُتَأَخّر الطَّبَقَة عَن هَذَا. قَوْله: (وَزعم) أَي: قَالَ: (أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يتنفس ثَلَاثًا) أَي: ثَلَاث مَرَّات. وَأخرج التِّرْمِذِيّ أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذا شرب تنفس مرَّتَيْنِ، ثمَّ قَالَ: وَهَذَا حَدِيث حسن غَرِيب فَإِن قلت: مَا التَّوْفِيق بَينهمَا؟ قلت: هَذَا لَيْسَ بِنَصّ على الْمَرَّتَيْنِ بل هُوَ من بَاب الِاكْتِفَاء، وَالْأَصْل أَن الْمُسْتَحبّ الشّرْب فِي ثَلَاثَة أنفاس. وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَذْكُور عَن قريب، وَهُوَ قَوْله اشربوا مثنى وَثَلَاث، وَفِيه الِاقْتِصَار على الشّرْب مرَّتَيْنِ إِذا حصل الِاكْتِفَاء بذلك، وَلَكِن يَنْبَغِي أَن يزِيد ثَالِثَة، وَإِن اكْتفى بمرتين.
وَاخْتلفُوا: هَل يجوز الشّرْب بِنَفس وَاحِد؟ فَروِيَ عَن ابْن الْمسيب وَعَطَاء بن أبي رَبَاح أَنَّهُمَا أجازاه بِنَفس وَاحِد، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وطاووس وَعِكْرِمَة كَرَاهَة الشّرْب بِنَفس وَاحِد، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ شرب الشَّيْطَان، وَقَالَ الْأَثْرَم: هَذِه الْأَحَادِيث فِي ظَاهرهَا مُخْتَلفَة وَالْوَجْه فِيهَا عندنَا أَنه يجوز الشّرْب بِنَفس وباثنين وبثلاثة وبأكثر مِنْهَا، لِأَن اخْتِلَاف الرِّوَايَة فِي ذَلِك يدل على التسهيل فِيهِ، وَإِن اخْتَار الثَّلَاث فَحسن.
٢٧ - (بابُ الشُّرْب فِي آنِيَةِ الذَّهَب)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشّرْب فِي آنِية الذَّهَب، وَلم يُصَرح بالحكم اكْتِفَاء بِمَا فِي الحَدِيث من صَرِيح النَّهْي عَن ذَلِك.
٥٦٣٢ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حَدثنَا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ عنِ ابنِ أبي لَيْلى قَالَ: كَانَ حُذَيْفَةُ بالمَدَائِنِ فاسْتَسْقاى فأتاهُ دِهُقْانٌ بِقَدح فِضَّةٍ فَرَماهُ بِهِ، فَقَالَ: إنِّي لَمْ أرْمهِ إلَاّ أنِّي نَهَيْتُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ، وإنَّ النبيَّ ﷺ نهنا عنِ الحَرِيرِ والدِّيباجِ والشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَب والفِضَّة. وَقَالَ: هُنَّ لَهُمْ فِي الدُّنْيا. وَهْيَ لَكُمْ فِي الآخِرَةِ. ابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَالشرب فِي آنِية الذَّهَب) . وَالْحكم بِفتْحَتَيْنِ هُوَ ابْن عتيبة مصغر عتبَة الدَّار وَابْن أبي ليلى هُوَ عبد الرَّحْمَن، وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان وَاسم الْيَمَان حسل بن جَابر واليمان لقب، وَهُوَ من كبار الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْأَطْعِمَة فِي: بَاب الْأكل فِي إِنَاء مفضض، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي نعيم عَن سيف بن أبي سُلَيْمَان عَن مُجَاهِد عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، وَانْظُر التَّفَاوُت بَينهمَا فِي الْمَتْن والإسناد.
قَوْله: (بِالْمَدَائِنِ) وَهِي مَدِينَة عَظِيمَة على دجلة بَينهَا وَبَين بَغْدَاد سَبْعَة فراسخ، وَكَانَت مسكن مُلُوك الْفرس، وَبهَا إيوَان كسْرَى الْمَشْهُور، وَكَانَ فتحهَا على يَد سعد بن أبي وَقاص فِي خلَافَة عمر، ﵁، سنة عشر. وَقيل قبل ذَلِك، وَكَانَ حُذَيْفَة عَاملا عَلَيْهَا فِي خلَافَة عمر ثمَّ عُثْمَان إِلَى أَن مَاتَ بعد قتل عُثْمَان سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ فِي أول خلَافَة عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (فَاسْتَسْقَى) أَي طلب المَاء للشُّرْب. قَوْله: (دهقان) بِكَسْر الدَّال الْمُهْملَة وَضمّهَا بعْدهَا هَاء سَاكِنة ثمَّ قَاف وَبعد الْألف نون، وَهُوَ زعيم الْقَوْم وكبير الْقرْيَة بِالْفَارِسِيَّةِ منصرفاً وَغير منصرف، وَفِي
стр. 6402
رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: فَأَتَاهُ إِنْسَان، وَقد مر فِي كتاب الْأَطْعِمَة: فَسَقَاهُ مَجُوسِيّ، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن وَكِيع عَن شُعْبَة: استسقى حُذَيْفَة من دهقان أَو علج. قَوْله: (بقدح فضَّة) بِالْإِضَافَة مثل خَاتم فضَّة، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن حَفْص شيخ البُخَارِيّ فِيهِ: بِإِنَاء من فضَّة، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق عبد الله بن عكيم: كُنَّا عِنْد حُذَيْفَة فجَاء دهقان بشراب فِي إِنَاء من فضَّة، وَيَأْتِي فِي اللبَاس عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة بِلَفْظ: بِمَاء فِي إِنَاء. قَوْله: (فَرَمَاهُ بِهِ) أَي: رمى الدهْقَان بالقد، ويوضحه رِوَايَة وَكِيع: فجذفه بِهِ، قَوْله: (إِنِّي لم أرمه) أَي الْقدح، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: لم أكسره، وَهَذَا اعتذار من حُذَيْفَة لِأَنَّهُ تقدم إِلَى دهقان مرّة أَو مرَّتَيْنِ، وَيَقُول: لم أفعل بِهِ هَذَا، وَهُوَ معنى قَوْله: (إلَاّ أَنِّي نهيته) أَي: الدهْقَان فَلم ينْتَه، ويوضح هَذَا رِوَايَة يزِيد: لَوْلَا أَنِّي تقدّمت إِلَيْهِ مرّة أَو مرَّتَيْنِ، وَرِوَايَة عبد الله بن عكيم: إِنِّي أَمرته أَن لَا يسقيني فِيهِ، ثمَّ قَالَ: إِن النَّبِي ﷺ نَهَانَا ... إِلَى آخِره. قَوْله: (والديباج) هُوَ الثِّيَاب المتخذة من الإبريسم، وَهُوَ فَارسي مُعرب. قَوْله: (هن) كَذَا هُوَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَفِي رِوَايَة، أبي دَاوُد: هِيَ، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: هُوَ، أَي: جَمِيع مَا ذكر. قَوْله: (لَهُم) أَي: للْكفَّار، والسياق يدل عَلَيْهِ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَيْسَ المُرَاد بقوله: (هن لَهُم فِي الدُّنْيَا) إِبَاحَة استعمالهم إِيَّاه، وَإِنَّمَا الْمَعْنى بقوله: (لَهُم) أَي: هم يستعملونه مُخَالفَة لزي الْمُسلمين، وَكَذَا قَوْله: (وَلكم فِي الْآخِرَة) أَي: تستعملونه مُكَافَأَة لكم على تَركه فِي الدُّنْيَا، ويمنعه أُولَئِكَ جَزَاء لَهُم على معصيتهم بِاسْتِعْمَالِهِ. قلت: الظَّاهِر أَن الَّذِي يَسْتَعْمِلهُ فِي الدُّنْيَا لَا يتعاطاه فِي الْآخِرَة، كَمَا فِي شرب الْخمر. وَالْكَلَام فِيهِ مثل الْكَلَام فِي الْخمر على الْوَجْه الَّذِي فِيهَا.
٢٨ - (بابُ آنِيةَ الفِضَّةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم اسْتِعْمَال آنِية الْفضة. وَإِنَّمَا أفرد هَذِه التَّرْجَمَة مَعَ أَنَّهَا دَاخِلَة فِي التَّرْجَمَة السَّابِقَة لِأَن فِي حَدِيث التَّرْجَمَة الأولى بيَّن حُرْمَة الذَّهَب وَالْفِضَّة بِلَفْظ الْإِخْبَار بِالْفِعْلِ الْمَاضِي من النَّهْي، وَهنا بيّن بِلَفْظ: لَا تشْربُوا، وَبَينهمَا فرق لَا يخفى.
٥٦٣٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حَدثنَا ابنُ أبي عَدِيٍّ عنِ ابنِ عَوْنٍ عنْ مُجاهدٍ عنِ ابنِ أبي لَيْلَى، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ حُذَيْفَةَ، وَذَكَر النبيَّ ﷺ قَالَ: لَا تَشْرِبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وَلَا تَلْبِسُوا الحَرِيرَ والدِّيباجَ فإنَّها لَهُمْ فِي الدُّنْيا ولَكُمْ فِي الآخِرَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَابْن أبي عدي هُوَ مُحَمَّد، وَاسم أبي عدي إِبْرَاهِيم الْبَصْرِيّ، وَابْن عون عبد الله بن عون، وَابْن أبي ليلى عبد الرَّحْمَن.
قَوْله: (خرجنَا مَعَ حُذَيْفَة وَذكر النَّبِي ﷺ ، وَكَذَا ذكره مُخْتَصرا، وَفِيه حذف كثير بَينه الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ: خرجنَا مَعَ حُذَيْفَة إِلَى بعض السوَاد، فَاسْتَسْقَى فَأَتَاهُ دهقان بِإِنَاء من فضَّة فَرمى بِهِ فِي وَجهه، قَالَ: فَقُلْنَا: اسْكُتُوا، فَإنَّا إِن سألناه لم يحدثنا، قَالَ: فسكتنا، فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك قَالَ: أَتَدْرُونَ لِمَ رميت بِهَذَا فِي وَجهه؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ: ذَلِك أَنِّي كنت نهيته. قَالَ: فَذكر النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (لَا تشْربُوا فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة) . الحَدِيث، وَأَصله فِي (صَحِيح مُسلم) إلَاّ أَنه ذكر بعضه مقطعاً.
٥٦٣٤ - حدّثنا إسْماعِيلُ قَالَ: حدّثني مالِكُ بنُ أنَسٍ عنْ نافِعٍ عنْ زَيْدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبي بَكْرٍ الصِّدِّيق عنْ أمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ أنَّ رسولَ الله قَالَ: الَّذِي يَشْرَبُ فِي إناءٍ الفِضَّةِ إنَّما يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نارَ جَهَنَّم.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فِي إِنَاء الْفضة) وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَزيد بن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هُوَ تَابِعِيّ ثِقَة، وَقد مَضَت رِوَايَته عَن أَبِيه فِي إِسْلَام عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هذَيْن الْحَدِيثين، وَهَذَا الْإِسْنَاد كُله مدنيون، وَعبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق هُوَ ابْن أُخْت أم سَلمَة الَّتِي روى عَنْهَا هَذَا الحَدِيث، وَأمه قريبَة بنت أبي أُميَّة بن الْمُغيرَة المخزومية، وَهُوَ ثِقَة مَاله فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث، وَأم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ اسْمهَا هِنْد بنت أبي أُميَّة.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَطْعِمَة عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ، وَعَن آخَرين. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن عَليّ بن حجر بِهِ، وَعَن غَيره. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَشْرِبَة عَن مُحَمَّد بن رمح بِهِ.
قَوْله: (يجرجر) بِضَم الْيَاء وَفتح الْجِيم وَسُكُون الرَّاء
стр. 6403
وَكسر الْجِيم الثَّانِيَة من الجرجرة، وَهُوَ صَوت يردده الْبَعِير فِي حنجرته إِذا هاج نَحْو صَوت اللجام فِي فك الْفرس، وَالْمعْنَى يصوت فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم، وَقَالَ الدَّاودِيّ: يتجرع نَار جَهَنَّم، وَقَالَ النَّوَوِيّ: اتَّفقُوا على كسر الْجِيم الثَّانِيَة من يجرجر، قيل: رد عَلَيْهِ بِمَا حكى الْمُوفق بن حَمْزَة الْفَتْح فِي كَلَامه على الْمُهَذّب، وَجوز ابْن مَالك كَون: يجرجر على الْبناء للْفَاعِل وَالْمَفْعُول، ورد عَلَيْهِ بِأَن أحدا من الْحفاظ قَدِيما وحديثاً لم يرو على الْبناء للْمَفْعُول، مَعَ أَن الأَصْل إِسْنَاد الْفِعْل إِلَى الْفَاعِل. قَوْله: (نَار جَهَنَّم) قَالَ الطَّيِّبِيّ: اخْتلفُوا فِي نَار جَهَنَّم بِالنّصب أم بِالرَّفْع، وَالصَّحِيح الْمَشْهُور النصب، وَرجحه الزّجاج والخطابي وَالْأَكْثَرُونَ، وَيُؤَيِّدهُ الرِّوَايَة الثَّانِيَة. قلت: أَرَادَ بِهِ مَا رَوَاهُ مُسلم بِلَفْظ، فَإِنَّمَا يجرجر فِي بَطْنه نَارا من جَهَنَّم، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الْأَكْثَر النصب، والشارب هُوَ الْفَاعِل، وَالنَّار مَفْعُوله. يُقَال: جرجر فلَان المَاء إِذا جرعه جرعاً متواتراً صَوت، فَالْمَعْنى: كَأَنَّمَا يجرع نَار جَهَنَّم، وَأما الرّفْع فمجاز لِأَن جَهَنَّم على الْحَقِيقَة لَا تجرجر فِي جَوْفه، وَلكنه جعل صَوت تجرع الْإِنْسَان للْمَاء فِي هَذِه الْأَوَانِي الْمَخْصُوصَة لوُقُوع النَّهْي عَنْهَا وَاسْتِحْقَاق الْعقَاب على اسْتِعْمَالهَا كجرجرة نَار جَهَنَّم فِي بَطْنه بطرِيق الْمجَاز، وَأَجَازَ الْأَزْهَرِي النصب على أَن الْفِعْل عدى إِلَيْهِ وَابْن السَّيِّد الرّفْع على أَنه خبر: أَن، وَاسْمهَا: مَا، الموصولة. قَالَ: وَمن نصب جعل: مَا، زَائِدَة كَافَّة لِأَن عَن الْعَمَل وَهُوَ نَحْو: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كيد سَاحر﴾ (طه: ٦٩) . فقرىء يرفع: كيد، ونصبه قيل: ويدفعه أَنه لم يَقع فِي شَيْء من النّسخ بفصل: مَا، من: إِن قلت: عدم وُقُوعه بِالْفَصْلِ لَا يدْفع مَا قَالَه، فَافْهَم.
٥٦٣٥ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنِ الأشْعَثِ بنِ سلَيْمٍ عنْ مُعاويَة بنِ سُوَيْدِ بنِ مُقَرِّنٍ عنِ البَرَاءِ بنِ عازِبٍ قَالَ: أمَرَنا رسولُ الله ﷺ ، بِسَبْعٍ ونَهانا عنْ سَبْعٍ، أمَرَنا بِعِيادَة المَرِيضِ واتِّباعِ الجنازَةِ وتَشْميتِ الْعاطِسِ وإجابَةِ الداعِي وإفشاءِ السَّلامِ ونَصرِ المَظْلُوم وإبْرَارِ المُقْسِمِ، ونهانا عنْ خواتِيمِ الذَّهَب وعنِ الشُّرْبِ فِي الفِضَّةِ أَو قَالَ: آنِيةِ الفِضةِ وعنِ المَياثِرِ والقَسِّيِّ وعنْ لُبْسِ الحَرِيرِ والدِّيباجِ والإسْتَبْرَقِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَو آنِية الْفضة) . وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وبالنون بعد الْألف، اسْمه الوضاح الْيَشْكُرِي، والأشعث بالشين الْمُعْجَمَة ثمَّ بِالْعينِ الْمُهْملَة ثمَّ بالثاء الْمُثَلَّثَة ابْن سليم مصغر السّلم، وسُويد مصغر السود ومقرن اسْم فَاعل من التقرين.
والْحَدِيث قد مضى فِي أوائيل الْجَنَائِز فِي: بَاب الْأَمر بِاتِّبَاع الْجَنَائِز، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن الْأَشْعَث ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (وتشميت الْعَاطِس) . بالشين الْمُعْجَمَة والمهملة، وَهُوَ قَوْلك للعاطس: يَرْحَمك الله، وَهُوَ سنة على الْكِفَايَة. قَوْله: (وإفشاء السَّلَام) من أفشى كَلَامه إِذا أذاعه ونشره بَين النَّاس، وَذكر فِي كتاب الْجِنَازَة: ورد السَّلَام، وَهنا قَالَ: وإفشاء السَّلَام، لِأَن الْمَقْصُود من السَّلَام مَا يجْرِي بَين الْمُسلمين عِنْد الملاقاة مِمَّا يدل على الدُّعَاء لِأَخِيهِ الْمُسلم، وَإِرَادَة الْخَيْر لَهُ ثمَّ لَا شكّ أَن بعض هَذِه الْأُمُور سنة وَبَعضهَا فَرِيضَة، فالرد من الْوَاجِبَات والإفشاء من السّنَن، فصح الاعتباران، وَإِنَّمَا جَازَ إِرَادَة الْفَرِيضَة وَالسّنة بِإِطْلَاق وَاحِد وَهُوَ لفظ: أمرنَا، بِاعْتِبَار عُمُوم الْمجَاز عِنْد الْحَنَفِيَّة وَجَوَاز إِرَادَة الْحَقِيقَة وَالْمجَاز كليهمَا من لفظ وَاحِد عِنْد الشَّافِعِيَّة. قَوْله: (وإبرار الْمقسم) بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْقَاف وَكسر السِّين وَهُوَ أَن يفعل مَا سَأَلَهُ الملتمس. قَوْله: (وخواتيم الذَّهَب) قَالَ الْجَوْهَرِي: الْخَاتم والخاتِم بِكَسْر التَّاء والخيتام والخاتام كُله بِمَعْنى الْجمع وَالْخَوَاتِيم. قَوْله: (أَو قَالَ: آنِية الْفضة) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (والمياثر) جمع الميثرة بِكَسْر الْمِيم من الوثارة بِالْمُثَلثَةِ يَعْنِي: اللين، وَهِي وطاء كَانَت النِّسَاء تَصنعهُ لِأَزْوَاجِهِنَّ على السُّرُوج وأكثرها من الْحَرِير، وَقيل: هِيَ من الأرجوان الْأَحْمَر، وَقيل: هِيَ جُلُود السبَاع. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: المياثر الْحمر كَانَت من مراكب الْأَعَاجِم من ديباج أَو حَرِير، وَقَالَ ابْن التِّين، وَهَذَا أبين لِأَن الأرجوان لم يَأْتِ فِيهِ تَحْرِيم وَلَا فِي جُلُود السبَاع إِذا ذكيت. قَوْله: (وَعَن القسي) بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة الْمَكْسُورَة، قَالَ الْكرْمَانِي: القسي مَنْسُوب إِلَى بلد بِالشَّام: ثوب مضلع بالحرير. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا القسي ثِيَاب من كتَّان مخلوط بحرير يُؤْتى بهَا من مصر، نسبت إِلَى قَرْيَة على سَاحل الْبَحْر قَرِيبا من تنيس يُقَال لَهَا: القس، بِفَتْح الْقَاف، وَبَعض أهل الحَدِيث يكسرها
стр. 6404
كَذَا قَالَه ابْن الْأَثِير. قلت: القس وتنيس والفرماء كلهَا كَانَت بلاداً على سَاحل الْبَحْر بِالْقربِ من دمياط، وَقد خربَتْ واندرست، وَقيل: أصل القسي القزي بالزاي مَنْسُوب إِلَى القز وَهُوَ ضرب من الإبريسم، فأبدل من الزَّاي سين، وَقيل: مَنْسُوب إِلَى القس، وَهُوَ الصقيع لبياضه. قَوْله: (والديباج) قد مر تَفْسِيره، (والإستبرق) ضرب من الديباج غليظ، قيل: وَفِيه ذهب وَهُوَ فَارسي مُعرب أَصله: استبره، وَالْمَعْرُوف أَن الإستبرق غليظ الديباج، وَقَالَ الدَّاودِيّ: رَقِيقه.
٢٩ - (بابُ الشُّرْبِ فِي الأقْدَاح)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الشّرْب فِي الأقداح وَهُوَ جمع قدح، وَقَالَ فِي (الْمغرب) : الْقدح بِفتْحَتَيْنِ الَّذِي يشرب بِهِ، وَقَالَ بَعضهم: لَعَلَّه أَشَارَ إِلَى أَن الشّرْب فِيهَا وَإِن كَانَ من شعار الفسقه لَكِن ذَلِك بِالنّظرِ إِلَى المشروب وَإِلَى الْهَيْئَة الْخَاصَّة. قلت: هَذَا كَلَام غير مُسْتَقِيم، وَكَيف يَقُول: إِن الشّرْب فِيهَا من شَعَائِر الفسقة وَقد وضع البُخَارِيّ عقيب هَذَا: بَاب الشّرْب من قدح النَّبِي ﷺ ؟ وَذكر فِيهِ أَن للنَّبِي ﷺ ، قدحاً كَانَ عِنْد أنس، على مَا يَأْتِي الْآن، وَذكروا أَيْضا أَنه كَانَ للنَّبِي ﷺ ، قدح يُقَال لَهُ: الريان، وَآخر يُقَال لَهُ: المغيث، وَآخر مضبب بِثَلَاث ضبات من فضَّة، وَقيل: من حَدِيد، وَفِيه حَلقَة يعلق بهَا أَصْغَر من الْمَدّ وَأكْثر من نصف الْمَدّ. وَعَن عَاصِم قَالَ: رَأَيْت عِنْد أنس قدح النَّبِي ﷺ ، فِيهِ ضبة من فضَّة، رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد، وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ: وَكَانَ قد انصدع فسلسله من فضَّة، قَالَ: وَهُوَ قدح عريض من نضار، والقدح الَّذِي يشرب بِهِ الفسقة مَعْلُوم بَين النَّاس أَنه من زجاج وَمن بلور وَمن فضَّة وَنَحْوهَا، وَكَانَت أقداح النَّبِي ﷺ كلهَا من جنس الْخشب، فَإِن قلت: روى الْبَزَّار من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن الْمُقَوْقس أهْدى إِلَى رَسُول الله ﷺ قدح قَوَارِير فَكَانَ يشرب مِنْهُ؟ قلت: هَذَا حَدِيث ضَعِيف، وَلَئِن سلمنَا صِحَّته فَنَقُول: لم يكن شرب النَّبِي ﷺ مِنْهُ مثل شرب غَيره من المترفين، وَلَا شرابه مثل شرابهم.
٥٦٣٦ - حدّثني عَمْرُو بنُ عَبَّاسٍ حَدثنَا عَبْدُ الرَّحْمانِ حَدثنَا سفْيانُ عنْ سالِمٍ أبي النَّضْرِ عنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى أُمِّ الفَضْلِ عنْ أُمِّ الفَضْلِ: أَنَّهُمْ شَكُّوا فِي صَوْم النبيِّ ﷺ يَومَ عَرَفَة، فَبُعِثَ إليهِ بِقَدحٍ مِنْ لَبنٍ فَشَرِبَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فشربه) وَعمر وبفتح الْعين ابْن عَبَّاس بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْبَصْرِيّ، وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن مهْدي، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ: والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب من شرب وَهُوَ وَاقِف على بعيره.
٣٠ - (بابُ الشُّرْبِ منْ قَدَحِ النبيِّ ﷺ وآنِيَتِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شرب جمَاعَة من قدح النَّبِي ﷺ . قَوْله: (وآنيته) أَي: وَالشرب من آنِية النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ من عطف الْعَام على الْخَاص لِأَن الْآنِية أَعم من أَن تكون قدحاً أَو قَصْعَة أَو مخضباً أَو طشتاً أَو نَحْو ذَلِك، وَقيل: أَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة دفع توهم من يَقع فِي خياله أَن الشّرْب فِي قدح النَّبِي ﷺ بعد وَفَاته تصرف فِي ملك الْغَيْر بِغَيْر إِذن، فَبين أَن السّلف كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك لِأَن النَّبِي ﷺ لَا يُورث وَمَا تَركه فَهُوَ صَدَقَة، وَلَا يُقَال: إِن الْأَغْنِيَاء كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك، وَالصَّدَََقَة لَا تحل للغني لِأَن الْجَواب: أَن الْمُمْتَنع على الْأَغْنِيَاء من الصَّدَقَة هُوَ الْمَفْرُوض مِنْهَا، وَهَذَا لَيْسَ من الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة. قلت: الْأَحْسَن أَن يُقَال: إِنَّمَا كَانُوا يشربون من قدح النَّبِي ﷺ ، لأجل التَّبَرُّك بِهِ، أما فِي حَيَاته فَلَا نزاع فِيهِ، وَأما بعد مَوته فَكَذَلِك للتبرك بِهِ، وَلَا يُقَال: إِن من كَانَ عِنْده شَيْء من ذَلِك أَنه استولى عَلَيْهِ بِغَيْر وَجه شَرْعِي، أَلا ترى أَنه كَانَ عِنْد أنس قدح، وَعند سهل قدح، وَعند عبد الله بن سَلام آخر؟ وَكَانَت جبته عِنْد أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَلَا يُقَال: إِنَّهُم حازوا هَذِه الْأَشْيَاء بِغَيْر وَجه شَرْعِي.
﴿وَقَالَ أبُو بُرْدَةَ: قَالَ لِي عَبْدُ الله بنُ سَلامٍ: أَلا أسْقِيكَ فِي قَدَحٍ شَرِبَ النبيُّ ﷺ فيهِ؟﴾ .
стр. 6405
أَبُو بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء هُوَ ابْن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، واسْمه عَامر، وَعبد الله بن سَلام بتَخْفِيف اللاّم صَحَابِيّ مَشْهُور، وَهُوَ طَرِيق من حَدِيث سَيَأْتِي مَوْصُولا فِي كتاب الِاعْتِصَام. قَوْله: (أَلا) بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف اللَّام للعرض والحث، وَهَذَا يدل على أَن هَذَا الْقدح كَانَ للنَّبِي ﷺ لِأَن التَّرْجَمَة تدل عَلَيْهِ، ثمَّ حازه عبد الله بن سَلام بِوَجْه شَرْعِي، وَلَا يظنّ فِيهِ أَنه استولى عَلَيْهِ بِغَيْر طَرِيق شَرْعِي.
٥٦٣٧ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ حدَّثنا أبُو غَسَّانَ قَالَ حدّثني أبُو حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، ﵁ قَالَ: ذُكِرَ للنبيِّ ﷺ امْرأةٌ منَ العَرَب، فأمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ السَّاعِدِيَّ أنْ يُرْسِلَ إلَيْها، فأرْسلَ إلَيْها فَقَدِمَتْ فَنَزَلَتْ فِي أُجُمِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَخَرَجَ النبيُّ ﷺ حتَّى جاءَها، فَدَخَلَ عَلَيْها فإذَا امْرَأةٌ مُنَكِّسَةٌ رَأْسَها، فَلمَّا كلَّمَها النبيُّ ﷺ قالَتْ: أعوذُ بِاللَّه مِنْكَ. فَقَالَ: قَدْ أعَذْتُكِ مِنِّي. فقالُوا لَها: أتَدْرِينَ مَنْ هاذا؟ قالَتْ: لَا. قالُوا: هاذا رسُولُ الله ﷺ جاءَ لِيخْطُبَكِ. قالَتْ: كنْتُ أَنا أشْقَى مِنْ ذالِكَ. فأقْبَلَ النبيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ حتَّى جلَسَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي ساعِدَةَ هُوَ وأصْحابُهُ، ثُمَّ قَالَ: اسْقِنا يَا سَهْلُ. فَخَرجْتُ لَهُمْ بِهاذا القَدَحِ فأسْقَيْتُهُمْ فِيهِ، فأخْرَجَ لَنا سَهْلٌ ذالكَ القَدَحَ فَشَربْنا مِنْهُ قَالَ: ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ عُمَرُ بنُ عبْدِ العَزِيزِ بعْدَ ذالكَ فَوَهَبَهُ لهُ. (انْظُر الحَدِيث ٥٢٥٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَخرجت لَهُم بِهَذَا الْقدح فأسقيتهم فِيهِ) وَوجه الْمُطَابقَة أَن التَّرْجَمَة فِي شربهم من قدح النَّبِي ﷺ ، فَلَو لم يكن الْقدح فِي الأَصْل للنَّبِي ﷺ ، لم تُوجد الْمُطَابقَة، وَمِمَّا يدل عَلَيْهِ استيهاب عمر بن عبد الْعَزِيز هَذَا الْقدح من سهل لِأَنَّهُ إِنَّمَا استوهبه مِنْهُ لكَونه فِي الأَصْل للنَّبِي ﷺ ، لأجل التَّبَرُّك بِهِ، وَهَذَا شَيْء ظَاهر لَا يخفى، وَلم أر أحدا من الشُّرَّاح وَلَا مِمَّن يعتني بِبَيَان التراجم ومطابقة الْأَحَادِيث لَهَا ذكر شَيْئا هُنَا.
بَيَان رِجَاله: سعيد بن أبي مَرْيَم هُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم أَو الحكم بن مُحَمَّد بن أبي مَرْيَم، وَاسم أبي مَرْيَم سَالم الجُمَحِي مَوْلَاهُم الْمصْرِيّ، مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَأَبُو غَسَّان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة وبالنون اسْمه مُحَمَّد بن مطرف على صِيغَة اسْم الْفَاعِل من التطريف وَأَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار، وَسَهل بن سعد بن مَالك السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ، وَأَبُو أسيد مصغر أَسد مَالك بن ربيعَة السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْأَشْرِبَة عَن مُحَمَّد بن سهل وَأبي بكر بن إِسْحَاق، كِلَاهُمَا عَن ابْن أبي مَرْيَم بِهِ.
قَوْله: (ذكر امْرَأَة) وَهِي الْجَوْنِية بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْوَاو وبالنون، قيل: اسْمهَا أُمَيْمَة، بِضَم الْهمزَة وَقد تقدّمت قصَّة خطبتها فِي أول كتاب الطَّلَاق. قَوْله: (فِي أجم) بِضَم الْهمزَة وَالْجِيم، هُوَ بِنَاء يشبه الْقصر وَهُوَ من حصون الْمَدِينَة، وَالْجمع آجام مثل أَطَم وآطام. وَقَالَ الْخطابِيّ: الأجم والأطم بِمَعْنى، وَأغْرب الدَّاودِيّ فَقَالَ: الآجام الْأَشْجَار والحوائط، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الأجم جمع أجمة وَهِي الغيضة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هُوَ حصن بناهُ أهل الْمَدِينَة من الْحِجَارَة وَهُوَ الصَّوَاب. قَوْله: (فَإِذا امْرَأَة) كَلمه: إِذا، للمفاجأة. قَوْله: (منكسة) قَالَ الْكرْمَانِي: على صِيغَة اسْم الْفَاعِل من الإنكاس والتنكيس. قَوْله: (كنت أَشْقَى من ذَلِك) لَيْسَ أفعل التَّفْضِيل هُنَا على بَابه، وَإِنَّمَا مرادها إِثْبَات الشَّقَاء لَهَا لما فاتها من التَّزَوُّج برَسُول الله ﷺ . قَوْله: (فِي سَقِيفَة بني سَاعِدَة) وَهِي ساباط كَانَت لبني سَاعِدَة الأنصاريين، وَهُوَ الْمَكَان الَّذِي وَقعت فِيهِ الْبيعَة لأبي بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (فَخرجت لَهُم بِهَذَا الْقدح) هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة المستملى، وَفِي رِوَايَة غَيره: فأخرجت لَهُم هَذَا الْقدح. قَوْله: (فَأخْرج لنا سهل) قَائِل هَذَا أَبُو حَازِم الرَّاوِي، وَصرح بذلك مُسلم. قَوْله: (ثمَّ استوهبه عمر بن عبد الْعَزِيز) ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (كَانَ استيهابه لما كَانَ هُوَ مُتَوَلِّي إمرة الْمَدِينَة) .
وَفِيه: أَن الشّرْب من قدحه ﷺ وآنيته من بَاب التَّبَرُّك بآثاره.
(لعَلي أَرَاهُم أَو أرى من يراهُمُ)
وَمن بَاب الْإِمْسَاك بفضله، كَمَا كَانَ ابْن عمر ﵄، يُصَلِّي فِي الْمَوَاضِع
стр. 6406
الَّتِي كَانَ ﷺ يُصَلِّي فِيهَا، ويدور نَاقَته حَيْثُ أدارها تبركاً بالاقتداء بِهِ وحرصاً على اقتفاء آثاره. وَفِيه: التبسط على الصاحب واستدعاء مَا كَانَ عِنْده من مَأْكُول ومشروب، وتعظيمه بدعائه بكنيته.
٥٦٣٨ - حدّثنا الحَسَنُ بنُ مُدْرِكٍ قَالَ: حدّثني يَحيى بنُ حَمَّادٍ أخبرنَا أبُو عَوَانَةَ عنْ عاصِمٍ الأحْوَلِ، قَالَ: رَأيْتُ قَدَحَ النبيِّ ﷺ . عِنْدَ أنَسِ بنِ مالِكٍ، وكانَ قَدِ انْصَدَعَ فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ. قَالَ: وهْوَ قَدَحٌ جَيِّدٌ عَرِيضٌ منْ نُضار، قَالَ: قَالَ أنَسٌ: لَقَدْ سَقَيْتُ رسولَ الله ﷺ ، فِي هاذا القَدَحِ أكْثَرَ مِنْ كَذَا وكَذا.
قَالَ: وَقَالَ ابنُ سِيرينَ: إنَّهُ كانَ فيهِ حَلْقَة مِنْ حَدِيدٍ فأرَادَ أنَسٌ أنْ يَجْعَلَ مَكَانَها حلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ، فَقَالَ لَهُ أبُو طَلْحَةَ: لَا تُغَيِّرَنَّ شَيْئاً صَنَعَهُ رسولُ الله ﷺ ، فَتَرَكَهُ. (انْظُر الحَدِيث ٣١٠٩) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو عوَانَة الوضاح الْيَشْكُرِي.
والْحَدِيث قد مرت مِنْهُ قِطْعَة فِي أَوَاخِر كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب مَا جَاءَ من درع النَّبِي ﷺ وَعَصَاهُ وسيفه وقدحه وخاتمه، أخرجهَا عَن عَبْدَانِ عَن أبي حَمْزَة عَن عَاصِم عَن ابْن سِيرِين عَن أنس ابْن مَالك: أَن قدح النَّبِي ﷺ انْكَسَرَ فَاتخذ مَكَان الشّعب سلسلة من فضَّة، قَالَ عَاصِم: رَأَيْت الْقدح وشربت مِنْهُ.
قَوْله: (قد انصدع) أَي: انْشَقَّ. قَوْله: (فسلسله بِفِضَّة) ، أَي: وصل بعضه بِبَعْض، وَظَاهره أَن الَّذِي وَصله هُوَ أنس، وَيحْتَمل أَن يكون النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ ظَاهر رِوَايَة أبي حَمْزَة الْمَذْكُورَة الْآن. قَوْله: (قَالَ: وَهُوَ قدح) الْقَائِل هُوَ عَاصِم الْأَحول. قَوْله: (عريض) يَعْنِي: لَيْسَ بمتطاول، بل طوله أقصر من عمقه. قَوْله: (من نضار) بِضَم النُّون وَتَخْفِيف الضَّاد الْمُعْجَمَة وبالراء. وَقَالَ أَبُو حنيفَة بِضَم النُّون وَكسرهَا وَهُوَ أَجود الْخشب للآنية وَيعْمل مِنْهُ مَا رقّ من الأقداح واتسع وَمَا غلظ، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: النضار النبع، وَقَالَ أَيْضا: هُوَ شجر الأثل، والنضار الْخَالِص من كل شَيْء، وَقَالَ ابْن سَيّده: من التبر والخشب. وَقَالَ ابْن فَارس: النضار أثل يكون بالغور، وَقيل: إِنَّه من الأثل الطَّوِيل الْمُسْتَقيم الغصون، وَقَالَ الْقَزاز: الْعَرَب تَقول: قدح نضار، مُضَاف إِلَى هَذَا الْخشب، وَإِنَّمَا سمى الأثل نضاراً لِأَنَّهُ ينْبت فِي الْجَبَل، وَذكر شمر أَن النضار هَذِه الأقداح الْحمر الحبشانية. قَوْله: (قَالَ: قَالَ أنس) أَي: قَالَ عَاصِم الْأَحول: قَالَ أنس بن مَالك: (لقد سقيت رَسُول الله ﷺ وروى مُسلم من حَدِيث ثَابت عَن أنس قَالَ: لقد سقيت رَسُول الله ﷺ بقدحي هَذَا الشَّرَاب كُله: الْعَسَل والنبيذ وَالْمَاء وَاللَّبن.
قَوْله: (قَالَ: وَقَالَ ابْن سِيرِين) أَي: قَالَ عَاصِم: وَقَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين، مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدّم. قَوْله: (أَو فضَّة) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (قَالَ أَبُو طَلْحَة) هُوَ زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ زوج أم سليم وَالِدَة أنس. قَوْله: (لَا تغيرن) كَذَا بنُون التَّأْكِيد فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: لَا تغير، بِدُونِ نون التَّأْكِيد. وَكَلَام أبي طَلْحَة هَذَا إِن كَانَ سَمعه ابْن سِيرِين من أنس وإلَاّ فَيكون أرْسلهُ عَن أبي طَلْحَة لِأَنَّهُ لم يلقه.
وَفِي الحَدِيث: جَوَاز اتِّخَاذ ضبة الْفضة، وَكَذَلِكَ السلسلة وَالْحَلقَة، وَلَكِن فِيهِ اخْتِلَاف. فَقَالَ الْخطابِيّ: مَنعه مُطلقًا جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَهُوَ قَول مَالك وَاللَّيْث، وَعَن مَالك: يجوز من الْفضة إِذا كَانَ يَسِيرا، وَكَرِهَهُ الشَّافِعِي، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: فَلَا بَأْس إِذا اتَّقى وَقت الشّرْب مَوضِع الْفضة، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر، وَتحرم ضبة الذَّهَب مُطلقًا وَمِنْهُم من سوّى بَين ضبتي الْفضة وَالذَّهَب. فَإِن قلت: روى الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق زَكَرِيَّاء ابْن إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن مُطِيع عَن أَبِيه عَن ابْن عمر: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: من شرب فِي إِنَاء من ذهب أَو فضَّة، أَو فِي إِنَاء فِيهِ شَيْء من ذَلِك، فَإِنَّمَا يجر جر فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم. قلت: قَالَ أَبُو الْحسن بن الْقطَّان: زَكَرِيَّاء وَأَبوهُ لَا يعرف لَهما حَال، وَقيل: الحَدِيث مَعْلُول بإبراهيم، فَإِنَّهُ مَجْهُول وَكَذَا وَلَده وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث أم عَطِيَّة: أَن النَّبِي ﷺ ، نهى عَن لبس الذَّهَب وتفضيض الأقداح، ثمَّ رخص فِي تفضيض الأقداح، وَهُوَ حجَّة على الشَّافِعِي.
٣١ - (بابُ شُرْبِ البَرَكَةِ والماءِ المُبَارَكِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شرب الْبركَة، وَأَرَادَ بِالْبركَةِ المَاء، وَأطلق عَلَيْهِ هَذَا الِاسْم لِأَن الْعَرَب تسمي الشَّيْء الْمُبَارك فِيهِ: بركَة،
стр. 6407
وَلَا شكّ أَن المَاء مبارك فِيهِ: فَلذَلِك قَالَ جَابر فِي حَدِيث الْبَاب: فَعلمت أَنه بركَة، وَمِنْه قَول أَيُّوب، ﵇: لَا غنى لي عَن بركتك، فَسمى الذَّهَب بركَة، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : بَيْنَمَا أَيُّوب يغْتَسل عُريَانا خر عَلَيْهِ جَراد من ذهب، فَجعل أَيُّوب يحثي فِي ثَوْبه، فناداه ربه : يَا أَيُّوب ﴿ألم أكن أغنيتك عَمَّا ترى؟ قَالَ: بلَى يَا رب، وَلَكِن لَا غنى لي عَن بركتك.
٥٦٣٩ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا جَرِيرٌ عَن الأعْمَشِ قَالَ: حدّثني سالِمُ بنُ أبي الجَعْدِ عنْ جابِرِ بن عبْدِ الله، ﵄، هاذَا الحَدِيثَ قَالَ: قَدْ رَأيْتُنِي مَعَ النبيِّ ﷺ وقَدْ حَضَرَتِ العَصْرُ ولَيْسَ مَعَنا ماءٌ غَيْر فَضْلَةٍ، فَجُعِلَ فِي إناءٍ فأُتِيَ النبيُّ ﷺ ، بِهِ فأدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ وفَرَّجَ أصابِعَهُ ثُمَّ قَالَ: حيَّ عَلى أهْلِ الوَضُوءِ﴾ البَرَكَةُ مِنَ الله، فَلَقَدْ رأيْتُ الماءَ يتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ أصابِعهِ فَتَوَضَّأ النَّاسُ وشَرِبُوا، فَجَعَلْتُ لَا آلُوا مَا جَعَلْتُ فِي بَطْنِي مِنْهُ، فَعَلِمْتُ أنَّهُ بَرَكَةٌ.
قُلْتُ لِجابِرٍ: كمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: ألْفاً وأرْبَعَمِائَةٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَعلمت أَنه بركَة) وَيُمكن أَن يجل قَوْله: (الْبركَة من الله) مطابقاً للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة، وَهُوَ قَوْله: (وَالْمَاء الْمُبَارك) .
وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان.
والْحَدِيث قد مر فِي عَلَامَات النُّبُوَّة من رِوَايَة حُصَيْن عَن سَالم بن أبي الْجَعْد عَن جَابر.
قَوْله: (هَذَا الحَدِيث) أَشَارَ بِهِ إِلَى الَّذِي بعده. قَوْله: (قد رَأَيْتنِي) أَي: قد رَأَيْت نَفسِي، وَهَذَا يعد من بَاب التَّجْرِيد. قَوْله: (وَقد حضرت الْعَصْر) أَي: صَلَاة الْعَصْر، وَكَانَ ذَلِك فِي الْحُدَيْبِيَة. قَوْله: (غير فضلَة) ، الفضلة مَا فضل من الشَّيْء. قَوْله: (فَأتي) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (حَيّ على أهل الْوضُوء) هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: حَيّ على الْوضُوء، بِإِسْقَاط لفظ: أهل، وَهَذِه أصوب، وَوجه الأول أَن: حَيّ، مَعْنَاهُ: أَسْرعُوا، وَأهل الْوضُوء مَنْصُوب على النداء، وَحذف مِنْهُ حرف النداء. وَقَالَ بَعضهم: كَأَنَّهُ قَالَ: حَيّ على الْوضُوء الْمُبَارك يَا أهل الْوضُوء. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل تَقْدِيره: حَيّ عَليّ، بتَشْديد الْيَاء يَعْنِي: أَسْرعُوا إِلَيّ يَا أهل الْوضُوء، وَهُوَ بِفَتْح الْوَاو اسْم لما يتَوَضَّأ بِهِ. قَوْله: (يتفجر) من التفجر، وَهُوَ التفتح بِالسَّعَةِ وَالْكَثْرَة. قَوْله: (من بَين أَصَابِعه) يحْتَمل أَن يكون الانفجار من نفس الْأَصَابِع يَنْبع مِنْهَا وَأَن يخرج من بَين الْأَصَابِع لَا من نَفسهَا، وعَلى كل تَقْدِير فَالْكل معْجزَة عَظِيمَة لرَسُول الله ﷺ . وَالْأول أقوى لِأَنَّهُ من اللَّحْم. قَوْله: (لَا آلو) أَي: لَا أقصر فِي الاستكثار من شربه، وَلَا أفتر فِيمَا أقدر أَن أجعله فِي بَطْني من ذَلِك المَاء.
وَفِيه: من الْفِقْه: أَن الْإِسْرَاف فِي الطَّعَام وَالشرَاب مَكْرُوه إِلَّا الْأَشْيَاء الَّتِي أرى الله فِيهَا بركَة غير معهودة، وَأَنه لَا بَأْس بالاستكثار مِنْهَا وَلَيْسَ فِي ذَلِك سرف وَلَا استكثار وَلَا كَرَاهِيَة.
قَوْله: (قلت لجَابِر) الْقَائِل هُوَ سَالم بن أبي الْجَعْد. قَوْله: (ألفا وَأَرْبَعمِائَة) بِالنّصب على أَنه خبر: كَانَ، وَالتَّقْدِير: كُنَّا ألفا وَأَرْبَعمِائَة، وَعند الْأَكْثَرين: ألف وَأَرْبَعمِائَة، بِالرَّفْع تَقْدِيره: نَحن يومئذٍ ألف وَأَرْبَعمِائَة، فَيكون ارتفاعه على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَقد مر الْكَلَام على الِاخْتِلَاف على جَابر فِي عَددهمْ يَوْم الْحُدَيْبِيَة.
﴿بِسم الله الرحمان الرَّحِيم﴾
٧٥ - (كتابُ المَرْضَى)
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْوَال المرضى، وَهُوَ جمع مَرِيض، وَالْمَرَض خُرُوج الْجِسْم عَن المجرى الطبيعي، ويعبر عَنهُ بِأَنَّهُ حَالَة أَو ملكة تصدر بهَا الْأَفْعَال عَن الْمَوْضُوع لَهَا غير سليمَة، وَقدم ابْن بطال عَلَيْهِ: كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور، وَذكره بعد كتاب الْأَدَب.
١ - (بابُ مَا جاءَ فِي كَفَّارةِ المَرَض)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من الْأَخْبَار فِي كَفَّارَة الْمَرَض، وَالْكَفَّارَة صِيغَة الْمُبَالغَة من الْكفْر، وَهُوَ التغطية قيل: الْمَرَض لَيْسَ لَهُ كَفَّارَة بل هُوَ كَفَّارَة للْغَيْر. وَأجِيب بِأَن الْإِضَافَة بَيَانِيَّة، نَحْو: شجر الْأَرَاك، أَي: كَفَّارَة هِيَ مرض أَو الْإِضَافَة بِمَعْنى: فِي، فَكَانَ
стр. 6408
الْمَرَض ظرف لِلْكَفَّارَةِ، أَو هُوَ من بَاب إِضَافَة الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف، ثمَّ إعلم بِأَنَّهُ قد جرت الْعَادة بَين المؤلفين على أَنهم إِذا ذكرُوا لفظ: الْكتاب، فِي أَي شَيْء كَانَ يذكرُونَ عَقِيبه لفظ: الْبَاب بَابا بعد بَاب إِلَى أَن تَنْتَهِي الْإِشَارَة بالأبواب إِلَى الْأَنْوَاع الَّتِي تَتَضَمَّن الْكتاب وَالْبَاب بِمَعْنى النَّوْع، يَأْتِي: وَهَكَذَا وَقعت هَذِه التَّرْجَمَة عقيب التَّرْجَمَة بِكِتَاب المرضى عِنْد الْأَكْثَرين وَخَالفهُم النَّسَفِيّ فَلم يفرد كتاب المرضى من كتاب الطِّبّ، بل صدر بِكِتَاب الطِّبّ ثمَّ ذكر التَّسْمِيَة، ثمَّ قَالَ: مَا جَاءَ. . إِلَى آخِره، وَلِهَذَا وَقع فِي بعض النّسخ هُنَا مَوضِع كتاب المرضى كتاب الطِّبّ.
وقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿من يعْمل سوءا يجز بِهِ﴾ (النِّسَاء: ١٢٣) .
وَقَول الله بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: مَا جَاءَ، لِأَنَّهُ مجرور محلا بِالْإِضَافَة. قَالَ الْكرْمَانِي: وَجه مُنَاسبَة الْآيَة بِالْكتاب هُوَ أَن الْآيَة أَعم من يَوْم الْقِيَامَة، فَيتَنَاوَل الْجَزَاء فِي الدُّنْيَا بِأَن يكون مَرضه عُقُوبَة لتِلْك الْمعْصِيَة، فَيغْفر لَهُ بِسَبَب ذَلِك الْمَرَض. وَقيل: الْحَاصِل أَن الْمَرَض كَمَا جَازَ أَن يكون مكفراً للخطايا كَذَلِك يكون جُزْءا لَهَا. وَقَالَ ابْن بطال: ذهب أَكثر أهل التَّأْوِيل إِلَى أَن معنى الْآيَة أَن الْمُسلم يجازى على خطاياه فِي الدُّنْيَا بالمصائب الَّتِي تقع لَهُ فِيهَا، فَتكون كَفَّارَة لَهَا. وَقَالَ اللَّيْث: عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: لما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿من يعْمل سوءا يُجز بِهِ﴾ خرج علينا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: لقد أنزلت عَليّ آيَة هِيَ خير لأمتي من الدُّنْيَا، وَمَا فِيهَا، ثمَّ قَرَأَهَا، ثمَّ قَالَ: إِن العَبْد إِذا أذْنب ذَنبا فتصيبه شدَّة أَو بلَاء فِي الدُّنْيَا فَإِن الله تَعَالَى أكْرم من أَن يعذبه ثَانِيًا.
٥٦٤٠ - حدّثنا أبُو اليَمانِ الحَكَمُ بنُ نافِعٍ أخبرَنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْر أنَّ عائِشَةَ ﵂، زَوُجَ النبيِّ ﷺ قالَتْ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ المسْلِمَ إلَاّ كَفَّرَ الله بِها عنْهُ حتَّى الشَّوْكَةُ يُشاكُها.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن التَّرْجَمَة فِيمَا جَاءَ فِي كَفَّارَة الْمَرَض. وَحَدِيث عَائِشَة مِمَّا جَاءَ فِي ذَلِك.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم من طَرِيق مَالك بن أنس وَيُونُس بن يزِيد عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: مَا من مُصِيبَة يصاب بهَا الْمُسلم إلَاّ كفر بهَا عَنهُ، حَتَّى الشَّوْكَة يشاكها ... وَأخرج التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْأسود عَن عَائِشَة، قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : لَا يُصِيب الْمُؤمن شَوْكَة فَمَا فَوْقهَا إلَاّ رَفعه الله بهَا دَرَجَة وَحط عَنهُ بهَا خَطِيئَة.
قَوْله: (مَا من مُصِيبَة) أصل الْمُصِيبَة الرَّمية بِالسَّهْمِ ثمَّ اسْتعْملت فِي كل نازلة، وَقَالَ الرَّاغِب: أصَاب يسْتَعْمل فِي الْخَيْر وَالشَّر، قَالَ الله : ﴿إِن تصبك حَسَنَة تسؤهم وَإِن تصبك مُصِيبَة﴾ (التَّوْبَة: ٥٠)
الْآيَة قَالَ: وَقيل: الْإِصَابَة فِي الْخَيْر مَأْخُوذَة من الصوب، وَهُوَ الْمَطَر الَّذِي ينزل بِقدر الْحَاجة من غير ضَرَر، وَفِي الشَّرّ مَأْخُوذَة من أصابة السهْم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمُصِيبَة فِي اللُّغَة مَا ينزل بالإنسان مُطلقًا، وَفِي الْعرف: مَا نزل بِهِ من مَكْرُوه خَاصَّة، وَهُوَ المُرَاد هُنَا. قَوْله: (حَتَّى الشَّوْكَة يشاكها) قَالَ الطَّيِّبِيّ: الشَّوْكَة مُبْتَدأ، أَو يشاكها خَبره، وَرِوَايَة الْجَرّ ظَاهِرَة، وَالضَّمِير فِي: يشاكها، مَفْعُوله الثَّانِي، وَالْمَفْعُول الأول مُضْمر. أَي: يشاك الْمُسلم تِلْكَ الشَّوْكَة. قيل: وَيجوز النصب بِتَقْدِير عَامل أَي: حَتَّى وجد الشَّوْكَة يشاكها. قَوْله: (يشاكها) بِالضَّمِّ، قَالَ الْكسَائي: شكت الرجل الشَّوْكَة أَي: أدخلت فِي جسده شَوْكَة، وشيك، هُوَ مَا لم يسم فَاعله، يشاك شوكاً، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: شاكتني الشَّوْكَة إِذا دخلت فِي جَسَدِي، وَيُقَال: أشكت فلَانا أَي: آذيته بِالشَّوْكَةِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَهُوَ متعدٍ إِلَى مفعول وَاحِد، فَمَا هَذَا الضَّمِير؟ قلت: هُوَ من بَاب وصل الْفِعْل أَي: يشاك بهَا، فَحذف الْجَار وأوصل الْفِعْل. وَقَالَ ابْن التِّين: حَقِيقَة قَوْله: (يشاكها) أَي: يدخلهَا غَيره. قلت: يردهُ مَا رَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة لَا يُصِيب الْمُؤمن شَوْكَة، بِإِضَافَة الْفِعْل إِلَيْهَا، وَهُوَ الْحَقِيقَة، وَلَكِن لَا يمْنَع: إِرَادَة الْمَعْنى الْأَعَمّ، وَهُوَ أَن تدخل هِيَ بِغَيْر فعل أحد، أَو تدخل بِفعل أحد. فَإِن قلت: على هَذَا يلْزم الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز. قلت: هَذَا لَا يمْنَع عِنْد من يجوز الْجمع بَين إِرَادَة الْحَقِيقَة وَالْمجَاز، وَأما عِنْد من يمْنَع ذَلِك فَيكون من بَاب عُمُوم الْمجَاز.
٥٦٤١ - حدّثني عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حَدثنَا عبْدُ المَلِكِ بنُ عَمرٍ وَحدثنَا زُهَيْرُ بنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَلْحَلَة عنْ عطاءِ بنِ يَسار عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ. وعنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 6409
قَالَ: مَا يُ صِيبُ المُسْلمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ ولَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذَى ولَا غَمٍّ حتَّى الشوْكَةِ يُشاكها، إلَاّ كَفَّرَ الله بِها مِنْ خَطَاياهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي، وَعبد الْملك بن عَمْرو هُوَ أَبُو عَامر الْعَقدي مَشْهُور بكنيته أَكثر من اسْمه، وَزُهَيْر مصغر الزهر هُوَ ابْن مُحَمَّد أَبُو الْمُنْذر التَّمِيمِي، وَتَكَلَّمُوا فِي حفظه لَكِن قَالَ البُخَارِيّ فِي (التَّارِيخ الصَّغِير) : مَا روى عَنهُ أهل الشَّام فَإِنَّهُ مَنَاكِير، وَمَا روى عَنهُ أهل الْبَصْرَة فَإِنَّهُ صَحِيح. وَقَالَ فِي (رجال الصَّحِيحَيْنِ) : زُهَيْر بن مُحَمَّد التَّمِيمِي الْعَنْبَري الْخُرَاسَانِي الْمروزِي روى عَنهُ أَبُو عَامر الْعَقدي عِنْد البُخَارِيّ فِي غير مَوضِع، وَقيل: لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث آخر فِي الاسْتِئْذَان وَمُحَمّد بن عَمْرو بن حلحلة بِفَتْح الحاءين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُون اللَّام الأولى وَعَطَاء بن يسَار ضد الْيَمين وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ اسْمه سعد بن مَالك.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن أبي بكر وَأبي كريب، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجَنَائِز عَن سُفْيَان بن وَكِيع.
قَوْله: (من نصب) أَي: من تَعب وَزنه وَمَعْنَاهُ. قَوْله: (وَلَا وصب) وَهُوَ الْمَرَض وَزنه وَمَعْنَاهُ. قَوْله: (وَلَا هم) وَهُوَ الْمَكْرُوه يلْحق الْإِنْسَان بِحَسب مَا يَقْصِدهُ، والحزن مَا يلْحقهُ بِسَبَب حُصُول مَكْرُوه فِي الْمَاضِي وهما من أمراض الْبَاطِن، والأذى مَا يلْحقهُ من تعدِي الْغَيْر عَلَيْهِ، وَالْغَم بالغين الْمُعْجَمَة مَا يضيق على الْقلب، وَقيل: فِي هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة، وَهِي الْهم وَالْغَم والحزن: إِن الْهم ينشأ عَن الْفِكر فِيمَا يتَوَقَّع حُصُوله مِمَّا يتَأَذَّى بِهِ، وَالْغَم كرب يحدث للقلب بِسَبَب مَا حصل، والحزن يحدث لفقد مَا يشق على الْمَرْء فَقده، وَقيل: الْغم والحزن بِمَعْنى وَاحِد، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْغم يَشْمَل جَمِيع المكروهات لِأَنَّهُ إِمَّا بِسَبَب مَا يعرض للبدن أَو للنَّفس، وَالْأول إِمَّا بِحَيْثُ يخرج عَن المجرى الطبيعي أَو لَا، وَالثَّانِي إِمَّا أَن يُلَاحظ فِيهِ الْغَيْر أَو لَا ثمَّ ذَلِك إِمَّا أَن يظْهر فِيهِ الانقباض والاغتمام أَو لَا ثمَّ ذَلِك بِالنّظرِ إِلَى الْمَاضِي أَو لَا.
٥٦٤٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيى عنْ سُفْيانَ عنْ سَعْدٍ عنْ عبْدِ الله بنِ كَعْبٍ عنْ أبِيهِ عَنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: مَثَل المُؤْمِنِ كالخامةِ مِنَ الزَّرْعِ تُفيِّئُها الرِّيحُ مَرَّةً وتعْدِلُها مَرَّةً، ومَثَلُ المُنافق كالأرْزَةِ لَا تَزَالُ حتَّى يَكُونَ انْجِعافُها مَرَّةً واحِدَةً.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (مثل الْمُؤمن كالخامة من الزَّرْع) لِأَن المُرَاد من تَشْبِيه الْمُؤمن بالخامة فِي كَونه تَارَة يَصح وَتارَة يضعف، كالخامة تحمر ثمَّ تصفر فَلَا تبقى على حَالَة وَاحِدَة.
وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَسعد هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعبد الله بن كَعْب يروي عَن أَبِيه كَعْب بن مَالك أَبُو عبد الرَّحْمَن الْأنْصَارِيّ، وَهُوَ أحد الثَّلَاثَة الَّذين تيب عَلَيْهِم.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن مُحَمَّد بن بشار بِهِ.
قَوْله: (كالخامة) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْمِيم هِيَ الْفضة الرّطبَة من النَّبَات أول مَا ينب، وَفِي (الْمُحكم) هِيَ أول مَا ينْبت على سَاق وَاحِد، وَقيل: هِيَ الطَّاعَة الغضة مِنْهُ. وَقيل: هِيَ الشَّجَرَة الغضة الرّطبَة، وَقَالَ الْقَزاز، وَرُوِيَ الخافة بِالْفَاءِ وَهِي الطَّاقَة، وَقَالَ الْخَلِيل: الخامة الزَّرْع أول مَا ينْبت على سَاق وَاحِد، وَالْألف فِيهَا منقلبة عَن وَاو، وَوَقع فِي (مُسْند أَحْمد) فِي حَدِيث جَابر: مثل الْمُؤمن مثل السنبلة تستقيم مرّة وتخر مرّة، وَله فِي حَدِيث أبي بن كَعْب: مثل الْمُؤمن مثل الخامة تحمر مرّة وَتَصْفَر أُخْرَى. قَوْله: (تفيئها الرّيح) أَي: تميلها، وَعَن أبي عبد الْملك أَي: ترقدها، ومادته: فَاء وياء وهمزة، وَأَصله من فَاء إِذا رَجَعَ، وأفاءه غَيره إِذا رجعه. وَقَالَ ابْن قرقول: وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: تفيأها، بِفَتْح التَّاء وَالْفَاء. قَوْله: (وتعدلها أُخْرَى) بِفَتْح التَّاء وَكسر الدَّال، أَي: ترفعها، ويروى بِضَم أَوله وَفتح ثَانِيه وَالتَّشْدِيد، وَفِي رِوَايَة مُسلم: تفيئها الرّيح تصرعها مرّة وتعدلها أُخْرَى، وَمثل الْمُنَافِق كالأرزة ... وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور بعده: وَمثل الْفَاجِر، وَفِي رِوَايَة مُسلم: وَمثل الْكَافِر. قَوْله: (كالأرزة) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وبالزاي، قَالَ ابْن قرقول: كَذَا الرِّوَايَة، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: إِنَّمَا هُوَ الآرزة على وزن فاعلة وَمَعْنَاهَا الثَّابِتَة فِي الأَرْض، وَأنكر هَذَا أَبُو عبيد بِأَن الروَاة اتَّفقُوا على عدم الْمَدّ وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي سُكُون الرَّاء وتحريكه وَالْأَكْثَر
стр. 6410
على السّكُون وَقَالَ أَبُو حنيفَة: راؤه سَاكِنة وَلَيْسَ هُوَ نَبَات أَرض الْعَرَب وَلَا السباخ بل يطول طولا شَدِيدا ويغلظ. قلت: شاهدته فِي بِلَاد الرّوم فِي أَرَاضِي بَين جبال طرسوس والأرندة وتكيده، أما طوله فَإِن شَجَرَة مِنْهُ قلعهَا هبوب الرِّيَاح الشَّدِيدَة من جبل وَوصل طرفه إِلَى جبل آخر وَبَينهمَا وَاد عَظِيم فَصَارَ كالجسر من جبل إِلَى جبل، وَأما غلظه فَإِن عشْرين نفسا وَأكْثر مسك بَعضهم بأيادي بعض وَلم يقدروا على أَن يحضنوها. قيل: وَلَا يحمل شَيْئا وَإِنَّمَا يسْتَخْرج من أغصانه الزفت، وَقَالَ قوم: الأرزة على وزن فعلة محركة الْعين أَي الرَّاء، قَالُوا: هُوَ ضرب من الشّجر يُقَال لَهُ: الأرزن، لَهُ صلابة. وَقَالُوا: الْأرز مَعْرُوف واحدته أرزة وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ: الصنوبر، وَإِنَّمَا الصنوبر ثَمَر الْأرز. وَقَالَ الْخطابِيّ: الأرزة مَفْتُوحَة الرَّاء الصنوبر، وَقَالَ ابْن فَارس: هِيَ شَجَرَة بالعراق تسمى الصنوبر. قَوْله: (انجعافها) أَي: انقلاعها، قَالَه ابْن سَيّده، وَقَالَ الدَّاودِيّ: يُرِيد كسرهَا من وَسطهَا، ومادته جِيم وَعين مُهْملَة وَفَاء، يُقَال: جعفته فانجعف مثل قلعته فانقلع، وَقَالَ الْمُهلب: معنى هَذَا الحَدِيث أَن الْمُؤمن من حَيْثُ جَاءَهُ أَمر الله انطاع لَهُ ولان لَهُ وَرَضي بِهِ، وَإِن جَاءَ مَكْرُوه رجا فِيهِ الْخَيْر، وَإِذا سكن الْبلَاء اعتدل قَائِما بالشكر لرَبه على الْبلَاء، بِخِلَاف الْكَافِر فَإِن الله لَا يتفقده باختبار بل يعافيه فِي دُنْيَاهُ وييسر عَلَيْهِ أُمُوره ليعسر عَلَيْهِ فِي معاده حَتَّى إِذا أَرَادَ الله إهلاكه قصمه قَصم الأرزة الصماء ليَكُون مَوته أَشد عذَابا عَلَيْهِ وألماً.
﴿وَقَالَ زَكَرِيَّاءُ: حدّثني سَعْدٌ حَدثنَا ابنُ كَعْب عنْ أبِيهِ كَعْبٍ عَنِ النبيِّ ﷺ ﴾ .
زَكَرِيَّاء هُوَ ابْن أبي زَائِدَة، وَسعد هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور، وَابْن كَعْب هُوَ عبد الله بن كَعْب بن مَالك، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم من طَرِيق عبيد الله بن نمير وَمُحَمّد بن بشر كِلَاهُمَا عَنهُ، وَأَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذَا التَّعْلِيق إِلَى شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: فِيهِ اسْم ابْن كَعْب مُبْهَم، وَالْآخر: تصريحه بِالتَّحْدِيثِ عَن سعد.
٥٦٤٤ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ: حدّثني مُحَمَّدُ بنُ فُليْحٍ قَالَ: حَدثنِي أبي عنْ هِلَالِ بنِ عَلِيٍّ منْ بَنِي عامِرِ بنِ لَؤَيٍّ عنْ عَطاءٍ بنِ يَسار عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : مَثَلُ المُؤْمِن كَمَثَلِ الْخامَةِ مِنَ الزَّرْعِ منْ حَيْثُ أتَتْها الرِّيحُ كَفَأتْها، فَإِذا اعْتَدَلَتْ تَكَفَّأُ بالبَلاءِ، والفاجِرُ كالأرْزَةِ صَمَّاءَ مُعْتَدَلَةً حَتَّى يَقْصِمَها الله إذَا شاءَ (الحَدِيث ٥٦٤٤ طرفه فِي: ٧٤٦٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذَكرْنَاهُ فِي الحَدِيث السَّابِق وَإِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر بن عبد الله أَبُو إِسْحَاق الْحزَامِي الْمَدِينِيّ، وَمُحَمّد بن فليح مصغر الفلح بِالْفَاءِ وَاللَّام والحاء الْمُهْملَة، يروي عَن أَبِيه فليح بن سُلَيْمَان، وهلال بن عَليّ من بني عَامر بن لؤَي بِضَم اللَّام وَفتح الْوَاو والهمزة على الْقَوْلَيْنِ فِيهِ وَتَشْديد الْيَاء، وَلَيْسَ هِلَال هَذَا من أنفسهم وَإِنَّمَا هُوَ من مواليهم، وَاسم جده أُسَامَة، وَقد ينتسب إِلَى جده وَيُقَال لَهُ أَيْضا: هِلَال بن أبي مَيْمُونَة، وهلال بن أبي هِلَال تَابِعِيّ صَغِير مدنِي موثق، وَفِي الروَاة: هِلَال بن أبي هِلَال الفِهري تَابِعِيّ مدنِي أَيْضا يروي عَن ابْن عمر، روى عَنهُ أُسَامَة بن زيد اللَّيْثِيّ وَحده، وَوهم من خلط فيهمَا، وَفِيهِمْ أَيْضا: هِلَال بن أبي هِلَال، مذحجي تَابِعِيّ أَيْضا يروي عَن أبي هُرَيْرَة، وهلال بن أبي هِلَال أَبُو ظلال بَصرِي تَابِعِيّ أَيْضا يَأْتِي ذكره قَرِيبا فِي: بَاب من ذهب بَصَره، وهلال بن أبي هِلَال شيخ يروي عَن أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَطَاء بن يسَار بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالسين الْمُهْملَة المخففة وبالراء. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (كفأتها) بِفَتْح الْكَاف وَالْفَاء والهمزة أَي: أمالتها، وَنقل ابْن التِّين أَن مِنْهُم من رَوَاهُ بِغَيْر همزَة كَأَنَّهُ سهلها. قَوْله: (فَإِذا اعتدلت تكفأ بالبلاء) قَالَ عِيَاض: وَصَوَابه فَإِذا انقلبت، ثمَّ يكون قَوْله: (تكفأ) رُجُوعا إِلَى وصف الْمُسلم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْبلَاء إِنَّمَا يسْتَعْمل فِيمَا يتَعَلَّق بِالْمُؤمنِ، فَالْمُنَاسِب أَن يُقَال بِالرِّيحِ، وَأجَاب بِأَن الرّيح أَيْضا بلَاء بِالنِّسْبَةِ إِلَى الخامة أَو أَرَادَ بالبلاء مَا يضر بالخامة، أَو لما شبه الْمُؤمن بالخامة أثبت للمشبه بِهِ مَا هُوَ من خَواص الْمُشبه. قَوْله: (صماء) أَي: الصلبة المكتنزة الشَّدِيدَة لَيست بجوفاء وَلَا خوارة ضَعِيفَة. قَوْله: (حَتَّى يقصمها الله) من القصم بِالْقَافِ وَالصَّاد الْمُهْملَة، وَهُوَ الْكسر عَن إبانة بِخِلَاف القصم بِالْفَاءِ.
следующие страницы →