← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

الَّتِي كَانَ ﷺ يُصَلِّي فِيهَا، ويدور نَاقَته حَيْثُ أدارها تبركاً بالاقتداء بِهِ وحرصاً على اقتفاء آثاره. وَفِيه: التبسط على الصاحب واستدعاء مَا كَانَ عِنْده من مَأْكُول ومشروب، وتعظيمه بدعائه بكنيته. ٥٦٣٨ - حدّثنا الحَسَنُ بنُ مُدْرِكٍ قَالَ: حدّثني يَحيى بنُ حَمَّادٍ أخبرنَا أبُو عَوَانَةَ عنْ عاصِمٍ الأحْوَلِ، قَالَ: رَأيْتُ قَدَحَ النبيِّ ﷺ . عِنْدَ أنَسِ بنِ مالِكٍ، وكانَ قَدِ انْصَدَعَ فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ. قَالَ: وهْوَ قَدَحٌ جَيِّدٌ عَرِيضٌ منْ نُضار، قَالَ: قَالَ أنَسٌ: لَقَدْ سَقَيْتُ رسولَ الله ﷺ ، فِي هاذا القَدَحِ أكْثَرَ مِنْ كَذَا وكَذا. قَالَ: وَقَالَ ابنُ سِيرينَ: إنَّهُ كانَ فيهِ حَلْقَة مِنْ حَدِيدٍ فأرَادَ أنَسٌ أنْ يَجْعَلَ مَكَانَها حلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ، فَقَالَ لَهُ أبُو طَلْحَةَ: لَا تُغَيِّرَنَّ شَيْئاً صَنَعَهُ رسولُ الله ﷺ ، فَتَرَكَهُ. (انْظُر الحَدِيث ٣١٠٩) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو عوَانَة الوضاح الْيَشْكُرِي. والْحَدِيث قد مرت مِنْهُ قِطْعَة فِي أَوَاخِر كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب مَا جَاءَ من درع النَّبِي ﷺ وَعَصَاهُ وسيفه وقدحه وخاتمه، أخرجهَا عَن عَبْدَانِ عَن أبي حَمْزَة عَن عَاصِم عَن ابْن سِيرِين عَن أنس ابْن مَالك: أَن قدح النَّبِي ﷺ انْكَسَرَ فَاتخذ مَكَان الشّعب سلسلة من فضَّة، قَالَ عَاصِم: رَأَيْت الْقدح وشربت مِنْهُ. قَوْله: (قد انصدع) أَي: انْشَقَّ. قَوْله: (فسلسله بِفِضَّة) ، أَي: وصل بعضه بِبَعْض، وَظَاهره أَن الَّذِي وَصله هُوَ أنس، وَيحْتَمل أَن يكون النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ ظَاهر رِوَايَة أبي حَمْزَة الْمَذْكُورَة الْآن. قَوْله: (قَالَ: وَهُوَ قدح) الْقَائِل هُوَ عَاصِم الْأَحول. قَوْله: (عريض) يَعْنِي: لَيْسَ بمتطاول، بل طوله أقصر من عمقه. قَوْله: (من نضار) بِضَم النُّون وَتَخْفِيف الضَّاد الْمُعْجَمَة وبالراء. وَقَالَ أَبُو حنيفَة بِضَم النُّون وَكسرهَا وَهُوَ أَجود الْخشب للآنية وَيعْمل مِنْهُ مَا رقّ من الأقداح واتسع وَمَا غلظ، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: النضار النبع، وَقَالَ أَيْضا: هُوَ شجر الأثل، والنضار الْخَالِص من كل شَيْء، وَقَالَ ابْن سَيّده: من التبر والخشب. وَقَالَ ابْن فَارس: النضار أثل يكون بالغور، وَقيل: إِنَّه من الأثل الطَّوِيل الْمُسْتَقيم الغصون، وَقَالَ الْقَزاز: الْعَرَب تَقول: قدح نضار، مُضَاف إِلَى هَذَا الْخشب، وَإِنَّمَا سمى الأثل نضاراً لِأَنَّهُ ينْبت فِي الْجَبَل، وَذكر شمر أَن النضار هَذِه الأقداح الْحمر الحبشانية. قَوْله: (قَالَ: قَالَ أنس) أَي: قَالَ عَاصِم الْأَحول: قَالَ أنس بن مَالك: (لقد سقيت رَسُول الله ﷺ وروى مُسلم من حَدِيث ثَابت عَن أنس قَالَ: لقد سقيت رَسُول الله ﷺ بقدحي هَذَا الشَّرَاب كُله: الْعَسَل والنبيذ وَالْمَاء وَاللَّبن. قَوْله: (قَالَ: وَقَالَ ابْن سِيرِين) أَي: قَالَ عَاصِم: وَقَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين، مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدّم. قَوْله: (أَو فضَّة) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (قَالَ أَبُو طَلْحَة) هُوَ زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ زوج أم سليم وَالِدَة أنس. قَوْله: (لَا تغيرن) كَذَا بنُون التَّأْكِيد فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: لَا تغير، بِدُونِ نون التَّأْكِيد. وَكَلَام أبي طَلْحَة هَذَا إِن كَانَ سَمعه ابْن سِيرِين من أنس وإلَاّ فَيكون أرْسلهُ عَن أبي طَلْحَة لِأَنَّهُ لم يلقه. وَفِي الحَدِيث: جَوَاز اتِّخَاذ ضبة الْفضة، وَكَذَلِكَ السلسلة وَالْحَلقَة، وَلَكِن فِيهِ اخْتِلَاف. فَقَالَ الْخطابِيّ: مَنعه مُطلقًا جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَهُوَ قَول مَالك وَاللَّيْث، وَعَن مَالك: يجوز من الْفضة إِذا كَانَ يَسِيرا، وَكَرِهَهُ الشَّافِعِي، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: فَلَا بَأْس إِذا اتَّقى وَقت الشّرْب مَوضِع الْفضة، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر، وَتحرم ضبة الذَّهَب مُطلقًا وَمِنْهُم من سوّى بَين ضبتي الْفضة وَالذَّهَب. فَإِن قلت: روى الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق زَكَرِيَّاء ابْن إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن مُطِيع عَن أَبِيه عَن ابْن عمر: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: من شرب فِي إِنَاء من ذهب أَو فضَّة، أَو فِي إِنَاء فِيهِ شَيْء من ذَلِك، فَإِنَّمَا يجر جر فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم. قلت: قَالَ أَبُو الْحسن بن الْقطَّان: زَكَرِيَّاء وَأَبوهُ لَا يعرف لَهما حَال، وَقيل: الحَدِيث مَعْلُول بإبراهيم، فَإِنَّهُ مَجْهُول وَكَذَا وَلَده وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث أم عَطِيَّة: أَن النَّبِي ﷺ ، نهى عَن لبس الذَّهَب وتفضيض الأقداح، ثمَّ رخص فِي تفضيض الأقداح، وَهُوَ حجَّة على الشَّافِعِي. ٣١ - (بابُ شُرْبِ البَرَكَةِ والماءِ المُبَارَكِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شرب الْبركَة، وَأَرَادَ بِالْبركَةِ المَاء، وَأطلق عَلَيْهِ هَذَا الِاسْم لِأَن الْعَرَب تسمي الشَّيْء الْمُبَارك فِيهِ: بركَة،

стр. 6407

وَلَا شكّ أَن المَاء مبارك فِيهِ: فَلذَلِك قَالَ جَابر فِي حَدِيث الْبَاب: فَعلمت أَنه بركَة، وَمِنْه قَول أَيُّوب، ﵇: لَا غنى لي عَن بركتك، فَسمى الذَّهَب بركَة، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : بَيْنَمَا أَيُّوب يغْتَسل عُريَانا خر عَلَيْهِ جَراد من ذهب، فَجعل أَيُّوب يحثي فِي ثَوْبه، فناداه ربه : يَا أَيُّوب ﴿ألم أكن أغنيتك عَمَّا ترى؟ قَالَ: بلَى يَا رب، وَلَكِن لَا غنى لي عَن بركتك. ٥٦٣٩ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا جَرِيرٌ عَن الأعْمَشِ قَالَ: حدّثني سالِمُ بنُ أبي الجَعْدِ عنْ جابِرِ بن عبْدِ الله، ﵄، هاذَا الحَدِيثَ قَالَ: قَدْ رَأيْتُنِي مَعَ النبيِّ ﷺ وقَدْ حَضَرَتِ العَصْرُ ولَيْسَ مَعَنا ماءٌ غَيْر فَضْلَةٍ، فَجُعِلَ فِي إناءٍ فأُتِيَ النبيُّ ﷺ ، بِهِ فأدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ وفَرَّجَ أصابِعَهُ ثُمَّ قَالَ: حيَّ عَلى أهْلِ الوَضُوءِ﴾ البَرَكَةُ مِنَ الله، فَلَقَدْ رأيْتُ الماءَ يتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ أصابِعهِ فَتَوَضَّأ النَّاسُ وشَرِبُوا، فَجَعَلْتُ لَا آلُوا مَا جَعَلْتُ فِي بَطْنِي مِنْهُ، فَعَلِمْتُ أنَّهُ بَرَكَةٌ. قُلْتُ لِجابِرٍ: كمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: ألْفاً وأرْبَعَمِائَةٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَعلمت أَنه بركَة) وَيُمكن أَن يجل قَوْله: (الْبركَة من الله) مطابقاً للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة، وَهُوَ قَوْله: (وَالْمَاء الْمُبَارك) . وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان. والْحَدِيث قد مر فِي عَلَامَات النُّبُوَّة من رِوَايَة حُصَيْن عَن سَالم بن أبي الْجَعْد عَن جَابر. قَوْله: (هَذَا الحَدِيث) أَشَارَ بِهِ إِلَى الَّذِي بعده. قَوْله: (قد رَأَيْتنِي) أَي: قد رَأَيْت نَفسِي، وَهَذَا يعد من بَاب التَّجْرِيد. قَوْله: (وَقد حضرت الْعَصْر) أَي: صَلَاة الْعَصْر، وَكَانَ ذَلِك فِي الْحُدَيْبِيَة. قَوْله: (غير فضلَة) ، الفضلة مَا فضل من الشَّيْء. قَوْله: (فَأتي) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (حَيّ على أهل الْوضُوء) هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: حَيّ على الْوضُوء، بِإِسْقَاط لفظ: أهل، وَهَذِه أصوب، وَوجه الأول أَن: حَيّ، مَعْنَاهُ: أَسْرعُوا، وَأهل الْوضُوء مَنْصُوب على النداء، وَحذف مِنْهُ حرف النداء. وَقَالَ بَعضهم: كَأَنَّهُ قَالَ: حَيّ على الْوضُوء الْمُبَارك يَا أهل الْوضُوء. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل تَقْدِيره: حَيّ عَليّ، بتَشْديد الْيَاء يَعْنِي: أَسْرعُوا إِلَيّ يَا أهل الْوضُوء، وَهُوَ بِفَتْح الْوَاو اسْم لما يتَوَضَّأ بِهِ. قَوْله: (يتفجر) من التفجر، وَهُوَ التفتح بِالسَّعَةِ وَالْكَثْرَة. قَوْله: (من بَين أَصَابِعه) يحْتَمل أَن يكون الانفجار من نفس الْأَصَابِع يَنْبع مِنْهَا وَأَن يخرج من بَين الْأَصَابِع لَا من نَفسهَا، وعَلى كل تَقْدِير فَالْكل معْجزَة عَظِيمَة لرَسُول الله ﷺ . وَالْأول أقوى لِأَنَّهُ من اللَّحْم. قَوْله: (لَا آلو) أَي: لَا أقصر فِي الاستكثار من شربه، وَلَا أفتر فِيمَا أقدر أَن أجعله فِي بَطْني من ذَلِك المَاء. وَفِيه: من الْفِقْه: أَن الْإِسْرَاف فِي الطَّعَام وَالشرَاب مَكْرُوه إِلَّا الْأَشْيَاء الَّتِي أرى الله فِيهَا بركَة غير معهودة، وَأَنه لَا بَأْس بالاستكثار مِنْهَا وَلَيْسَ فِي ذَلِك سرف وَلَا استكثار وَلَا كَرَاهِيَة. قَوْله: (قلت لجَابِر) الْقَائِل هُوَ سَالم بن أبي الْجَعْد. قَوْله: (ألفا وَأَرْبَعمِائَة) بِالنّصب على أَنه خبر: كَانَ، وَالتَّقْدِير: كُنَّا ألفا وَأَرْبَعمِائَة، وَعند الْأَكْثَرين: ألف وَأَرْبَعمِائَة، بِالرَّفْع تَقْدِيره: نَحن يومئذٍ ألف وَأَرْبَعمِائَة، فَيكون ارتفاعه على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَقد مر الْكَلَام على الِاخْتِلَاف على جَابر فِي عَددهمْ يَوْم الْحُدَيْبِيَة. ﴿بِسم الله الرحمان الرَّحِيم﴾ ٧٥ - (كتابُ المَرْضَى) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْوَال المرضى، وَهُوَ جمع مَرِيض، وَالْمَرَض خُرُوج الْجِسْم عَن المجرى الطبيعي، ويعبر عَنهُ بِأَنَّهُ حَالَة أَو ملكة تصدر بهَا الْأَفْعَال عَن الْمَوْضُوع لَهَا غير سليمَة، وَقدم ابْن بطال عَلَيْهِ: كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور، وَذكره بعد كتاب الْأَدَب. ١ - (بابُ مَا جاءَ فِي كَفَّارةِ المَرَض) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من الْأَخْبَار فِي كَفَّارَة الْمَرَض، وَالْكَفَّارَة صِيغَة الْمُبَالغَة من الْكفْر، وَهُوَ التغطية قيل: الْمَرَض لَيْسَ لَهُ كَفَّارَة بل هُوَ كَفَّارَة للْغَيْر. وَأجِيب بِأَن الْإِضَافَة بَيَانِيَّة، نَحْو: شجر الْأَرَاك، أَي: كَفَّارَة هِيَ مرض أَو الْإِضَافَة بِمَعْنى: فِي، فَكَانَ

стр. 6408

الْمَرَض ظرف لِلْكَفَّارَةِ، أَو هُوَ من بَاب إِضَافَة الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف، ثمَّ إعلم بِأَنَّهُ قد جرت الْعَادة بَين المؤلفين على أَنهم إِذا ذكرُوا لفظ: الْكتاب، فِي أَي شَيْء كَانَ يذكرُونَ عَقِيبه لفظ: الْبَاب بَابا بعد بَاب إِلَى أَن تَنْتَهِي الْإِشَارَة بالأبواب إِلَى الْأَنْوَاع الَّتِي تَتَضَمَّن الْكتاب وَالْبَاب بِمَعْنى النَّوْع، يَأْتِي: وَهَكَذَا وَقعت هَذِه التَّرْجَمَة عقيب التَّرْجَمَة بِكِتَاب المرضى عِنْد الْأَكْثَرين وَخَالفهُم النَّسَفِيّ فَلم يفرد كتاب المرضى من كتاب الطِّبّ، بل صدر بِكِتَاب الطِّبّ ثمَّ ذكر التَّسْمِيَة، ثمَّ قَالَ: مَا جَاءَ. . إِلَى آخِره، وَلِهَذَا وَقع فِي بعض النّسخ هُنَا مَوضِع كتاب المرضى كتاب الطِّبّ. وقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿من يعْمل سوءا يجز بِهِ﴾ (النِّسَاء: ١٢٣) . وَقَول الله بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: مَا جَاءَ، لِأَنَّهُ مجرور محلا بِالْإِضَافَة. قَالَ الْكرْمَانِي: وَجه مُنَاسبَة الْآيَة بِالْكتاب هُوَ أَن الْآيَة أَعم من يَوْم الْقِيَامَة، فَيتَنَاوَل الْجَزَاء فِي الدُّنْيَا بِأَن يكون مَرضه عُقُوبَة لتِلْك الْمعْصِيَة، فَيغْفر لَهُ بِسَبَب ذَلِك الْمَرَض. وَقيل: الْحَاصِل أَن الْمَرَض كَمَا جَازَ أَن يكون مكفراً للخطايا كَذَلِك يكون جُزْءا لَهَا. وَقَالَ ابْن بطال: ذهب أَكثر أهل التَّأْوِيل إِلَى أَن معنى الْآيَة أَن الْمُسلم يجازى على خطاياه فِي الدُّنْيَا بالمصائب الَّتِي تقع لَهُ فِيهَا، فَتكون كَفَّارَة لَهَا. وَقَالَ اللَّيْث: عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: لما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿من يعْمل سوءا يُجز بِهِ﴾ خرج علينا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: لقد أنزلت عَليّ آيَة هِيَ خير لأمتي من الدُّنْيَا، وَمَا فِيهَا، ثمَّ قَرَأَهَا، ثمَّ قَالَ: إِن العَبْد إِذا أذْنب ذَنبا فتصيبه شدَّة أَو بلَاء فِي الدُّنْيَا فَإِن الله تَعَالَى أكْرم من أَن يعذبه ثَانِيًا. ٥٦٤٠ - حدّثنا أبُو اليَمانِ الحَكَمُ بنُ نافِعٍ أخبرَنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْر أنَّ عائِشَةَ ﵂، زَوُجَ النبيِّ ﷺ قالَتْ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ المسْلِمَ إلَاّ كَفَّرَ الله بِها عنْهُ حتَّى الشَّوْكَةُ يُشاكُها. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن التَّرْجَمَة فِيمَا جَاءَ فِي كَفَّارَة الْمَرَض. وَحَدِيث عَائِشَة مِمَّا جَاءَ فِي ذَلِك. والْحَدِيث أخرجه مُسلم من طَرِيق مَالك بن أنس وَيُونُس بن يزِيد عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: مَا من مُصِيبَة يصاب بهَا الْمُسلم إلَاّ كفر بهَا عَنهُ، حَتَّى الشَّوْكَة يشاكها ... وَأخرج التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْأسود عَن عَائِشَة، قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : لَا يُصِيب الْمُؤمن شَوْكَة فَمَا فَوْقهَا إلَاّ رَفعه الله بهَا دَرَجَة وَحط عَنهُ بهَا خَطِيئَة. قَوْله: (مَا من مُصِيبَة) أصل الْمُصِيبَة الرَّمية بِالسَّهْمِ ثمَّ اسْتعْملت فِي كل نازلة، وَقَالَ الرَّاغِب: أصَاب يسْتَعْمل فِي الْخَيْر وَالشَّر، قَالَ الله : ﴿إِن تصبك حَسَنَة تسؤهم وَإِن تصبك مُصِيبَة﴾ (التَّوْبَة: ٥٠) الْآيَة قَالَ: وَقيل: الْإِصَابَة فِي الْخَيْر مَأْخُوذَة من الصوب، وَهُوَ الْمَطَر الَّذِي ينزل بِقدر الْحَاجة من غير ضَرَر، وَفِي الشَّرّ مَأْخُوذَة من أصابة السهْم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمُصِيبَة فِي اللُّغَة مَا ينزل بالإنسان مُطلقًا، وَفِي الْعرف: مَا نزل بِهِ من مَكْرُوه خَاصَّة، وَهُوَ المُرَاد هُنَا. قَوْله: (حَتَّى الشَّوْكَة يشاكها) قَالَ الطَّيِّبِيّ: الشَّوْكَة مُبْتَدأ، أَو يشاكها خَبره، وَرِوَايَة الْجَرّ ظَاهِرَة، وَالضَّمِير فِي: يشاكها، مَفْعُوله الثَّانِي، وَالْمَفْعُول الأول مُضْمر. أَي: يشاك الْمُسلم تِلْكَ الشَّوْكَة. قيل: وَيجوز النصب بِتَقْدِير عَامل أَي: حَتَّى وجد الشَّوْكَة يشاكها. قَوْله: (يشاكها) بِالضَّمِّ، قَالَ الْكسَائي: شكت الرجل الشَّوْكَة أَي: أدخلت فِي جسده شَوْكَة، وشيك، هُوَ مَا لم يسم فَاعله، يشاك شوكاً، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: شاكتني الشَّوْكَة إِذا دخلت فِي جَسَدِي، وَيُقَال: أشكت فلَانا أَي: آذيته بِالشَّوْكَةِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَهُوَ متعدٍ إِلَى مفعول وَاحِد، فَمَا هَذَا الضَّمِير؟ قلت: هُوَ من بَاب وصل الْفِعْل أَي: يشاك بهَا، فَحذف الْجَار وأوصل الْفِعْل. وَقَالَ ابْن التِّين: حَقِيقَة قَوْله: (يشاكها) أَي: يدخلهَا غَيره. قلت: يردهُ مَا رَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة لَا يُصِيب الْمُؤمن شَوْكَة، بِإِضَافَة الْفِعْل إِلَيْهَا، وَهُوَ الْحَقِيقَة، وَلَكِن لَا يمْنَع: إِرَادَة الْمَعْنى الْأَعَمّ، وَهُوَ أَن تدخل هِيَ بِغَيْر فعل أحد، أَو تدخل بِفعل أحد. فَإِن قلت: على هَذَا يلْزم الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز. قلت: هَذَا لَا يمْنَع عِنْد من يجوز الْجمع بَين إِرَادَة الْحَقِيقَة وَالْمجَاز، وَأما عِنْد من يمْنَع ذَلِك فَيكون من بَاب عُمُوم الْمجَاز. ٥٦٤١ - حدّثني عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حَدثنَا عبْدُ المَلِكِ بنُ عَمرٍ وَحدثنَا زُهَيْرُ بنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَلْحَلَة عنْ عطاءِ بنِ يَسار عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ. وعنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 6409

قَالَ: مَا يُ صِيبُ المُسْلمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ ولَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذَى ولَا غَمٍّ حتَّى الشوْكَةِ يُشاكها، إلَاّ كَفَّرَ الله بِها مِنْ خَطَاياهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي، وَعبد الْملك بن عَمْرو هُوَ أَبُو عَامر الْعَقدي مَشْهُور بكنيته أَكثر من اسْمه، وَزُهَيْر مصغر الزهر هُوَ ابْن مُحَمَّد أَبُو الْمُنْذر التَّمِيمِي، وَتَكَلَّمُوا فِي حفظه لَكِن قَالَ البُخَارِيّ فِي (التَّارِيخ الصَّغِير) : مَا روى عَنهُ أهل الشَّام فَإِنَّهُ مَنَاكِير، وَمَا روى عَنهُ أهل الْبَصْرَة فَإِنَّهُ صَحِيح. وَقَالَ فِي (رجال الصَّحِيحَيْنِ) : زُهَيْر بن مُحَمَّد التَّمِيمِي الْعَنْبَري الْخُرَاسَانِي الْمروزِي روى عَنهُ أَبُو عَامر الْعَقدي عِنْد البُخَارِيّ فِي غير مَوضِع، وَقيل: لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث آخر فِي الاسْتِئْذَان وَمُحَمّد بن عَمْرو بن حلحلة بِفَتْح الحاءين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُون اللَّام الأولى وَعَطَاء بن يسَار ضد الْيَمين وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ اسْمه سعد بن مَالك. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن أبي بكر وَأبي كريب، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجَنَائِز عَن سُفْيَان بن وَكِيع. قَوْله: (من نصب) أَي: من تَعب وَزنه وَمَعْنَاهُ. قَوْله: (وَلَا وصب) وَهُوَ الْمَرَض وَزنه وَمَعْنَاهُ. قَوْله: (وَلَا هم) وَهُوَ الْمَكْرُوه يلْحق الْإِنْسَان بِحَسب مَا يَقْصِدهُ، والحزن مَا يلْحقهُ بِسَبَب حُصُول مَكْرُوه فِي الْمَاضِي وهما من أمراض الْبَاطِن، والأذى مَا يلْحقهُ من تعدِي الْغَيْر عَلَيْهِ، وَالْغَم بالغين الْمُعْجَمَة مَا يضيق على الْقلب، وَقيل: فِي هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة، وَهِي الْهم وَالْغَم والحزن: إِن الْهم ينشأ عَن الْفِكر فِيمَا يتَوَقَّع حُصُوله مِمَّا يتَأَذَّى بِهِ، وَالْغَم كرب يحدث للقلب بِسَبَب مَا حصل، والحزن يحدث لفقد مَا يشق على الْمَرْء فَقده، وَقيل: الْغم والحزن بِمَعْنى وَاحِد، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْغم يَشْمَل جَمِيع المكروهات لِأَنَّهُ إِمَّا بِسَبَب مَا يعرض للبدن أَو للنَّفس، وَالْأول إِمَّا بِحَيْثُ يخرج عَن المجرى الطبيعي أَو لَا، وَالثَّانِي إِمَّا أَن يُلَاحظ فِيهِ الْغَيْر أَو لَا ثمَّ ذَلِك إِمَّا أَن يظْهر فِيهِ الانقباض والاغتمام أَو لَا ثمَّ ذَلِك بِالنّظرِ إِلَى الْمَاضِي أَو لَا. ٥٦٤٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيى عنْ سُفْيانَ عنْ سَعْدٍ عنْ عبْدِ الله بنِ كَعْبٍ عنْ أبِيهِ عَنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: مَثَل المُؤْمِنِ كالخامةِ مِنَ الزَّرْعِ تُفيِّئُها الرِّيحُ مَرَّةً وتعْدِلُها مَرَّةً، ومَثَلُ المُنافق كالأرْزَةِ لَا تَزَالُ حتَّى يَكُونَ انْجِعافُها مَرَّةً واحِدَةً. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (مثل الْمُؤمن كالخامة من الزَّرْع) لِأَن المُرَاد من تَشْبِيه الْمُؤمن بالخامة فِي كَونه تَارَة يَصح وَتارَة يضعف، كالخامة تحمر ثمَّ تصفر فَلَا تبقى على حَالَة وَاحِدَة. وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَسعد هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعبد الله بن كَعْب يروي عَن أَبِيه كَعْب بن مَالك أَبُو عبد الرَّحْمَن الْأنْصَارِيّ، وَهُوَ أحد الثَّلَاثَة الَّذين تيب عَلَيْهِم. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن مُحَمَّد بن بشار بِهِ. قَوْله: (كالخامة) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْمِيم هِيَ الْفضة الرّطبَة من النَّبَات أول مَا ينب، وَفِي (الْمُحكم) هِيَ أول مَا ينْبت على سَاق وَاحِد، وَقيل: هِيَ الطَّاعَة الغضة مِنْهُ. وَقيل: هِيَ الشَّجَرَة الغضة الرّطبَة، وَقَالَ الْقَزاز، وَرُوِيَ الخافة بِالْفَاءِ وَهِي الطَّاقَة، وَقَالَ الْخَلِيل: الخامة الزَّرْع أول مَا ينْبت على سَاق وَاحِد، وَالْألف فِيهَا منقلبة عَن وَاو، وَوَقع فِي (مُسْند أَحْمد) فِي حَدِيث جَابر: مثل الْمُؤمن مثل السنبلة تستقيم مرّة وتخر مرّة، وَله فِي حَدِيث أبي بن كَعْب: مثل الْمُؤمن مثل الخامة تحمر مرّة وَتَصْفَر أُخْرَى. قَوْله: (تفيئها الرّيح) أَي: تميلها، وَعَن أبي عبد الْملك أَي: ترقدها، ومادته: فَاء وياء وهمزة، وَأَصله من فَاء إِذا رَجَعَ، وأفاءه غَيره إِذا رجعه. وَقَالَ ابْن قرقول: وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: تفيأها، بِفَتْح التَّاء وَالْفَاء. قَوْله: (وتعدلها أُخْرَى) بِفَتْح التَّاء وَكسر الدَّال، أَي: ترفعها، ويروى بِضَم أَوله وَفتح ثَانِيه وَالتَّشْدِيد، وَفِي رِوَايَة مُسلم: تفيئها الرّيح تصرعها مرّة وتعدلها أُخْرَى، وَمثل الْمُنَافِق كالأرزة ... وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور بعده: وَمثل الْفَاجِر، وَفِي رِوَايَة مُسلم: وَمثل الْكَافِر. قَوْله: (كالأرزة) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وبالزاي، قَالَ ابْن قرقول: كَذَا الرِّوَايَة، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: إِنَّمَا هُوَ الآرزة على وزن فاعلة وَمَعْنَاهَا الثَّابِتَة فِي الأَرْض، وَأنكر هَذَا أَبُو عبيد بِأَن الروَاة اتَّفقُوا على عدم الْمَدّ وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي سُكُون الرَّاء وتحريكه وَالْأَكْثَر

стр. 6410

على السّكُون وَقَالَ أَبُو حنيفَة: راؤه سَاكِنة وَلَيْسَ هُوَ نَبَات أَرض الْعَرَب وَلَا السباخ بل يطول طولا شَدِيدا ويغلظ. قلت: شاهدته فِي بِلَاد الرّوم فِي أَرَاضِي بَين جبال طرسوس والأرندة وتكيده، أما طوله فَإِن شَجَرَة مِنْهُ قلعهَا هبوب الرِّيَاح الشَّدِيدَة من جبل وَوصل طرفه إِلَى جبل آخر وَبَينهمَا وَاد عَظِيم فَصَارَ كالجسر من جبل إِلَى جبل، وَأما غلظه فَإِن عشْرين نفسا وَأكْثر مسك بَعضهم بأيادي بعض وَلم يقدروا على أَن يحضنوها. قيل: وَلَا يحمل شَيْئا وَإِنَّمَا يسْتَخْرج من أغصانه الزفت، وَقَالَ قوم: الأرزة على وزن فعلة محركة الْعين أَي الرَّاء، قَالُوا: هُوَ ضرب من الشّجر يُقَال لَهُ: الأرزن، لَهُ صلابة. وَقَالُوا: الْأرز مَعْرُوف واحدته أرزة وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ: الصنوبر، وَإِنَّمَا الصنوبر ثَمَر الْأرز. وَقَالَ الْخطابِيّ: الأرزة مَفْتُوحَة الرَّاء الصنوبر، وَقَالَ ابْن فَارس: هِيَ شَجَرَة بالعراق تسمى الصنوبر. قَوْله: (انجعافها) أَي: انقلاعها، قَالَه ابْن سَيّده، وَقَالَ الدَّاودِيّ: يُرِيد كسرهَا من وَسطهَا، ومادته جِيم وَعين مُهْملَة وَفَاء، يُقَال: جعفته فانجعف مثل قلعته فانقلع، وَقَالَ الْمُهلب: معنى هَذَا الحَدِيث أَن الْمُؤمن من حَيْثُ جَاءَهُ أَمر الله انطاع لَهُ ولان لَهُ وَرَضي بِهِ، وَإِن جَاءَ مَكْرُوه رجا فِيهِ الْخَيْر، وَإِذا سكن الْبلَاء اعتدل قَائِما بالشكر لرَبه على الْبلَاء، بِخِلَاف الْكَافِر فَإِن الله لَا يتفقده باختبار بل يعافيه فِي دُنْيَاهُ وييسر عَلَيْهِ أُمُوره ليعسر عَلَيْهِ فِي معاده حَتَّى إِذا أَرَادَ الله إهلاكه قصمه قَصم الأرزة الصماء ليَكُون مَوته أَشد عذَابا عَلَيْهِ وألماً. ﴿وَقَالَ زَكَرِيَّاءُ: حدّثني سَعْدٌ حَدثنَا ابنُ كَعْب عنْ أبِيهِ كَعْبٍ عَنِ النبيِّ ﷺ ﴾ . زَكَرِيَّاء هُوَ ابْن أبي زَائِدَة، وَسعد هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور، وَابْن كَعْب هُوَ عبد الله بن كَعْب بن مَالك، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم من طَرِيق عبيد الله بن نمير وَمُحَمّد بن بشر كِلَاهُمَا عَنهُ، وَأَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذَا التَّعْلِيق إِلَى شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: فِيهِ اسْم ابْن كَعْب مُبْهَم، وَالْآخر: تصريحه بِالتَّحْدِيثِ عَن سعد. ٥٦٤٤ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ: حدّثني مُحَمَّدُ بنُ فُليْحٍ قَالَ: حَدثنِي أبي عنْ هِلَالِ بنِ عَلِيٍّ منْ بَنِي عامِرِ بنِ لَؤَيٍّ عنْ عَطاءٍ بنِ يَسار عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : مَثَلُ المُؤْمِن كَمَثَلِ الْخامَةِ مِنَ الزَّرْعِ منْ حَيْثُ أتَتْها الرِّيحُ كَفَأتْها، فَإِذا اعْتَدَلَتْ تَكَفَّأُ بالبَلاءِ، والفاجِرُ كالأرْزَةِ صَمَّاءَ مُعْتَدَلَةً حَتَّى يَقْصِمَها الله إذَا شاءَ (الحَدِيث ٥٦٤٤ طرفه فِي: ٧٤٦٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذَكرْنَاهُ فِي الحَدِيث السَّابِق وَإِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر بن عبد الله أَبُو إِسْحَاق الْحزَامِي الْمَدِينِيّ، وَمُحَمّد بن فليح مصغر الفلح بِالْفَاءِ وَاللَّام والحاء الْمُهْملَة، يروي عَن أَبِيه فليح بن سُلَيْمَان، وهلال بن عَليّ من بني عَامر بن لؤَي بِضَم اللَّام وَفتح الْوَاو والهمزة على الْقَوْلَيْنِ فِيهِ وَتَشْديد الْيَاء، وَلَيْسَ هِلَال هَذَا من أنفسهم وَإِنَّمَا هُوَ من مواليهم، وَاسم جده أُسَامَة، وَقد ينتسب إِلَى جده وَيُقَال لَهُ أَيْضا: هِلَال بن أبي مَيْمُونَة، وهلال بن أبي هِلَال تَابِعِيّ صَغِير مدنِي موثق، وَفِي الروَاة: هِلَال بن أبي هِلَال الفِهري تَابِعِيّ مدنِي أَيْضا يروي عَن ابْن عمر، روى عَنهُ أُسَامَة بن زيد اللَّيْثِيّ وَحده، وَوهم من خلط فيهمَا، وَفِيهِمْ أَيْضا: هِلَال بن أبي هِلَال، مذحجي تَابِعِيّ أَيْضا يروي عَن أبي هُرَيْرَة، وهلال بن أبي هِلَال أَبُو ظلال بَصرِي تَابِعِيّ أَيْضا يَأْتِي ذكره قَرِيبا فِي: بَاب من ذهب بَصَره، وهلال بن أبي هِلَال شيخ يروي عَن أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَطَاء بن يسَار بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالسين الْمُهْملَة المخففة وبالراء. والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (كفأتها) بِفَتْح الْكَاف وَالْفَاء والهمزة أَي: أمالتها، وَنقل ابْن التِّين أَن مِنْهُم من رَوَاهُ بِغَيْر همزَة كَأَنَّهُ سهلها. قَوْله: (فَإِذا اعتدلت تكفأ بالبلاء) قَالَ عِيَاض: وَصَوَابه فَإِذا انقلبت، ثمَّ يكون قَوْله: (تكفأ) رُجُوعا إِلَى وصف الْمُسلم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْبلَاء إِنَّمَا يسْتَعْمل فِيمَا يتَعَلَّق بِالْمُؤمنِ، فَالْمُنَاسِب أَن يُقَال بِالرِّيحِ، وَأجَاب بِأَن الرّيح أَيْضا بلَاء بِالنِّسْبَةِ إِلَى الخامة أَو أَرَادَ بالبلاء مَا يضر بالخامة، أَو لما شبه الْمُؤمن بالخامة أثبت للمشبه بِهِ مَا هُوَ من خَواص الْمُشبه. قَوْله: (صماء) أَي: الصلبة المكتنزة الشَّدِيدَة لَيست بجوفاء وَلَا خوارة ضَعِيفَة. قَوْله: (حَتَّى يقصمها الله) من القصم بِالْقَافِ وَالصَّاد الْمُهْملَة، وَهُوَ الْكسر عَن إبانة بِخِلَاف القصم بِالْفَاءِ.

стр. 6411

٥٦٤٥ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرَنا مالِكٌ عنْ مُحَمَّد بن عَبْدِ الله بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبي صَعْصَعَةَ أنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ يَسارٍ أَبَا الحُبابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : مَنْ يُرِدِ الله بهِ خَيْراً يُصِبْ مِنْهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (يصب مِنْهُ) وَأَبُو الْحباب، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن سعيد بن نصر وَغَيره. قَوْله: (يصب مِنْهُ) بِضَم الْيَاء وَكسر الصَّاد وَالضَّمِير الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى الله ، وَفِي: مِنْهُ، يرجع إِلَى: من كَذَا، هُوَ فِي راوية الْأَكْثَرين مَعْنَاهُ: يَبْتَلِيه بالمصائب، قَالَه محيى السّنة، وَقَالَ المطهري: يوصله الله إِلَى مُصِيبَة ليطهره من الذُّنُوب، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: أَكثر الْمُحدثين يرويهِ بِكَسْر الصَّاد، وَسمعت ابْن الخشاب بِفَتْح الصَّاد وَهُوَ أحسن وأليق. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الْفَتْح أحسن للأدب كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا مَرضت فَهُوَ يشفين﴾ (الشُّعَرَاء: ٨٠) وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أَي نيل مِنْهُ بالمصائب فعلى الْفَتْح يكون يصب على صِيغَة الْمَجْهُول مفعول مَا لم يسم فَاعله. ٢ - (بابُ شِدَّةِ المَرَضِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا فِي شدَّة الْمَرَض من الْفضل. ٥٦٤٦ - حدّثنا قَبِيصَةُ حَدثنَا سُفْيانُ عنِ الأعْمَشِ، وحدّثني بشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا شُعْبَةُ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبي وائِلٍ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَةَ، ﵂، قالَتْ: مَا رأيْتُ أحَداً أشَدَّ عَلَيْهِ الوَجَعُ مِنْ رسولِ الله ﷺ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن قبيصَة بن عقبَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي وَائِل شَقِيق بن سَلمَة عَن مَسْرُوق بن الأجدع عَن عَائِشَة. وَالْآخر: عَن بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة ابْن مُحَمَّد بن أبي مُحَمَّد السّخْتِيَانِيّ الْمروزِي عَن عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي عَن شُعْبَة بن الْحجَّاج عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش ... إِلَى آخِره. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ وَفِي الْوَفَاة عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد التَّيْمِيّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير بِهِ. قَوْله: (الوجع) أَي: الْمَرَض، وَالْعرب تسمي كل وجع مَرضا، وَقد خص الله تَعَالَى أنبياءه بِشدَّة الأوجاع والأوصاب لما خصهم بِهِ من قُوَّة الْيَقِين وَشدَّة الصَّبْر والاحتساب ليكمل لَهُم الثَّوَاب ويعم لَهُم الْخَيْر. ٥٦٤٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حَدثنَا سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشِ عَن إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عنِ الحارِثِ بنِ سُوَيْدٍ عنْ عَبْدِ الله، ﵁، قَالَ: أتَيْتُ النبيَّ ﷺ فِي مَرَضِهِ وَهُوَ يُوعَكُ وَعْكاً شَدِيداً، وقُلْتُ: إنَّكَ لَتُوعَكُ وعْكاً شَديداً ﴿قُلْتُ: إنَّ ذَاكَ بِأنَّ لَكَ أجْرَيْنِ؟ قَالَ: أجَلْ مَا مِنْ مُسْلِم يُصِيبُهُ أَذَى إلَاّ حاتَّ الله عنهُ خَطاياهُ كَما تحاتُّ ورَقُ الشَّجَرِ. . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَهُوَ يوعك وعكاً شَدِيدا) لِأَن الوعك الَّذِي هُوَ الْحمى مرض شَدِيد. وَمُحَمّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَإِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ هُوَ إِبْرَاهِيم بن يزِيد بن شريك التَّيْمِيّ تيم الربَاب الْكُوفِي، والْحَارث ابْن سُوَيْد بِضَم السِّين الْمُهْملَة مصغر السود الْكُوفِي، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن أبي كريب وَغَيره. قَوْله: (وَهُوَ يوعك) جملَة حَالية بِفَتْح الْعين، يُقَال: وعك﴾ الرجل يوعك فَهُوَ موعوك، والوعك بِسُكُون الْعين وَفتحهَا الْحمى، وَقيل: ألمها وتعبها. وَقَالَ صَاحب (الْمطَالع) : الوعك

стр. 6412

قيل: هُوَ إرعاد الْحمى وتحريكه إِيَّاه. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الوعك شدَّة الْحر فَكَأَنَّهُ أَرَادَ حر الْحمى وشدتها، وَفِي (الْمُحكم) : الوعك الْأَلَم يجده الْإِنْسَان من شدَّة التَّعَب. قَوْله: (إِن ذَاك) لفظ: ذَاك، إِشَارَة إِلَى تضَاعف الْحمى. قَوْله: (أجل) أَي: نعم. قَوْله: (حات الله) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَبعد الْألف تَاء مثناة مُشَدّدَة وَهُوَ من بَاب المفاعلة، وَأَصله حاتت فأدغمت التَّاء فِي التَّاء أَي: نثر الله عَنهُ خطاياه، يُقَال: تحات الشَّيْء أَي: تناثر. قَوْله: (كَمَا تحات) أَي: كَمَا يسْقط ورق الشّجر، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: حاتت عَنهُ ذنُوبه أَي: تساقطت، وَقَالَ الْكرْمَانِي. فَإِن قلت: هَذَا يدل على مَا صدقه بقوله: أجل، إِذْ ذَاك يدل على أَن فِي الْمَرَض زِيَادَة الْحَسَنَات، وَهَذَا يدل على أَنه يحط الخطيئات؟ قلت: أجل تَصْدِيق لذَلِك الْخَبَر فَصدقهُ أَو لأثم اسْتَأْنف الْكَلَام وَزَاد عَلَيْهِ شَيْئا آخر وَهُوَ حط السَّيِّئَات، فَكَأَنَّهُ قَالَ: نعم يزِيد الدَّرَجَات ويحط الخطيئات أَيْضا. وَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ فَقَالَ أَكْثَرهم: فِيهِ رفع الدرجَة وَحط الْخَطِيئَة، وَقَالَ بَعضهم: إِنَّه يكفر الْخَطِيئَة فَقَط. ٣ - (بابٌ أشَدُّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبِياءُ ثُمَّ الأوَّلُ فالأوَّل) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ من قَوْله ﷺ : أَشد النَّاس بلَاء الْأَنْبِيَاء، وَلَفظ الحَدِيث مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا شريك عَن عَاصِم بن مُصعب بن سعد عَن أَبِيه قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله؟ أَي النَّاس أَشد بلَاء؟ قَالَ: الْأَنْبِيَاء ثمَّ الأمثل فالأمثل. . الحَدِيث. وَأخرجه ابْن ماجة أَيْضا وَابْن بطال ذكر التَّرْجَمَة بِلَفْظ الحَدِيث، وَهُوَ أولى قَوْله: (ثمَّ الأول فَالْأول) هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: ثمَّ الأمثل فالأمثل، مثل مَا فِي الحَدِيث، وَالْمُسْتَمْلِي جَمعهمَا فِي رِوَايَته، وَيُمكن أَن قَوْله: (ثمَّ الأول فَالْأول) إِشَارَة إِلَى مَا أخرجه النَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ من حَدِيث فَاطِمَة بنت الْيَمَان أُخْت حُذَيْفَة قَالَت: أتيت النَّبِي ﷺ فِي نسَاء نعوده، فَإِذا سقاء يقطر عَلَيْهِ من شدَّة الْحمى، فَقَالَ: إِن من أَشد النَّاس بلَاء الْأَنْبِيَاء، ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ، وَإِنَّمَا قَالَ أَولا: ثمَّ الأمثل بِلَفْظ: ثمَّ وَقَالَ ثَانِيًا: فالأمثل، بِالْفَاءِ للإعلام بالبعد والتراخي فِي الْمرتبَة بَين الْأَنْبِيَاء وَغَيرهم، وَعدم ذَلِك بَين غير الْأَنْبِيَاء إِذْ لَا شكّ أَن الْبعد بَين النَّبِي وَالْوَلِيّ أَكثر من الْبعد بَين ولي وَولي، إِذْ مَرَاتِب الْأَوْلِيَاء بَعْضهَا قريبَة من الْبَعْض، وَلَفظ الأول تَفْسِير للأمثل. إِذْ معنى الأول الْمُقدم فِي الْفضل، وَلذَا لم يعْطف عَلَيْهِ بثم، والأمثل الْأَفْضَل. ٥٦٤٨ - حدّثنا عَبْدَانُ عنْ أبي حَمزَةَ عنِ الأعمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَن الحارثِ بنِ سُوَيْدٍ عنْ عَبْدِ الله، قَالَ: دَخَلْتُ على رسولِ الله ﷺ وَهُوَ يُوعكُ، فَقُلتُ: يَا رَسُول الله! إنَّكَ تُوعَكُ وَعْكاً شَدِيداً، قَالَ: أجَلْ إنِّي أُوعكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُمْ. قُلْتُ: ذالِكَ أنَّ لَكَ أجْرَيْنِ؟ قَالَ: أجَلْ ذالِكَ كَذالِكَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يصِيبُهُ أَذَى، شَوْكَةٌ فَما فَوْقَها، إلَاّ كَفَّرَ الله بِها سَيِّئاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا. مطابقته للتَّرْجَمَة من جِهَة قِيَاس الْأَنْبِيَاء على نَبينَا ﷺ ، وإلحاق الْأَوْلِيَاء بهم لقربهم مِنْهُم، وَإِن كَانَت درجتهم منحطة عَنْهُم، والسر فِيهِ أَن الْبلَاء فِي مُقَابلَة النِّعْمَة، فَمن كَانَت نعْمَة الله عَلَيْهِ أَكثر كَانَ بلاؤه أَشد، وَمن ثمَّة ضوعف حدا الْحر على العَبْد، قَالَه الْكرْمَانِي. وَهَذَا الحَدِيث مضى قبل هَذَا الْبَاء، غير أَنه من طَرِيق آخر وَبَينهمَا بعض زِيَادَة ونقصان أخرجه عَن عَبْدَانِ وَهُوَ لقب عبد الله بن عُثْمَان عَن أبي حَمْزَة بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي مُحَمَّد بن مَيْمُون السكرِي عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ عَن عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمَعْنَاهُ قد مر هُنَاكَ. قَوْله: (أَذَى) التنكير للتقليل لَا للْجِنْس ليَصِح ترَتّب مَا فَوْقهَا وَمَا دونهَا فِي الْعظم والحقارة عَلَيْهِ بِالْفَاءِ، وَهُوَ يحْتَمل وَجْهَيْن: فَوْقهَا فِي الْعظم، ودونها فِي الحقارة. وَعكس ذَلِك. قَوْله: (شَوْكَة) ، بِالرَّفْع بدل من أَذَى، أَو بَيَان قَوْله: (سيئاته) جمع مُضَاف فَيُفِيد الْعُمُوم فَيلْزم مِنْهُ تَكْفِير جَمِيع الذُّنُوب صَغِيرَة وكبيرة، نرجو ذَلِك مِنْك يَا أكْرم الأكرمين وَيَا أرْحم الرَّاحِمِينَ. قَوْله: (كَمَا تحط) بِفَتْح التَّاء وَضم الْحَاء وَتَشْديد الطَّاء المهلة أَي: تلقيه منتثراً. وَحَاصِل الْمَعْنى: أَن الْمَرَض إِذا اشْتَدَّ ضاعف الْأجر ثمَّ زَاد عَلَيْهِ بعد ذَلِك أَن المضاعفة تَنْتَهِي إِلَى أَن تحط السَّيِّئَات كلهَا، وَقد روى أَحْمد وَابْن أبي شيبَة من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: لَا يزَال الْبلَاء بِالْمُؤمنِ حَتَّى يلقى الله، وَلَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَة. ٤ - (بابُ وُجوبِ عِيادَةِ المَرِيضِ)

стр. 6413

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب عِيَادَة الْمَرِيض، يُقَال: عدت الْمَرِيض أعوده عِيَادَة إِذا زرته، وَسَأَلت عَن حَاله. وأصل عِيَادَة عوادة قلبت الْوَاو يَاء لكسر مَا قبلهَا، وأصل الْعود الرُّجُوع، يُقَال: عَاد إِلَى فلَان يعود عوداً وعودة: إِذا رَجَعَ، وَهَذَا يتَعَدَّى بِنَفسِهِ وبحرف الْجَرّ بإلى وعَلى وَفِي وباللام، وَأطلق الْوُجُوب على عِيَادَة الْمَرِيض لظَاهِر الحَدِيث فَيحْتَمل أَن يكون من فروض الْكِفَايَة، وَيحْتَمل أَن يكون ندبا، ويتأكد فِي حق بعض النَّاس. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ فرض يحملهُ بعض النَّاس عَن بعض. ٥٦٤٩ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ حَدثنَا أبُو عَوانَةَ عنْ مَنْصُورٍ عنْ أبي وائِل عنْ أبي موساى قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : أطْعِمُوا الْجائِعَ وَعُودُوا المَرِيض وفُكُّوا الْعانِي. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وعودوا الْمَرِيض) وَأَبُو عوَانَة الوضاح، وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَأَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس. والْحَدِيث قد مر فِي أول كتاب الْأَطْعِمَة، وَفِي النِّكَاح أَيْضا. قَوْله: (وفكوا العاني) أَي: الْأَسير وفكه تخليصه بِالْفِدَاءِ، وَاسْتدلَّ بِعُمُوم قَوْله: (وعودوا الْمَرِيض) على مشروعيته العيادة فِي كل مرض وَاسْتثنى بَعضهم الأرمد، وَيرد عَلَيْهِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث زيد بن الأرقم، قَالَ: عادني رَسُول الله ﷺ ، من زوج كَانَ بعيني. فَإِن قلت: روى الْبَيْهَقِيّ وَالطَّبَرَانِيّ مَرْفُوعا: ثَلَاثَة لَيْسَ لَهُم عِيَادَة: الْعين والدمل والضرس. قلت: صَحِيح الْبَيْهَقِيّ أَنه مَوْقُوف على يحيى بن أبي كثير، ويستدل بِعُمُوم الحَدِيث أَيْضا على عدم التَّقْيِيد بِزَمَان يمْضِي من ابْتِدَاء مَرضه، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، وَجزم الْغَزالِيّ فِي (الْإِحْيَاء) بِأَنَّهُ لَا يُعَاد إلَاّ بعد ثَلَاث، وَأسْندَ إِلَى حَدِيث أخرجه ابْن مَاجَه عَن أنس: كَانَ النَّبِي ﷺ ، لَا يعود مَرِيضا إلَاّ بعد ثَلَاث. قلت: هَذَا ضَعِيف جدا تفرد بِهِ مسلمة بن عَليّ وَهُوَ مَتْرُوك، وَقد سُئِلَ عَنهُ أَبُو حَاتِم فَقَالَ: هُوَ حَدِيث بَاطِل. فَإِن قلت: لحَدِيث أنس هَذَا شَاهد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) . قلت: فِيهِ راوٍ مَتْرُوك أَيْضا، ويستدل بِإِطْلَاق الحَدِيث أَيْضا على أَن العيادة لَا تقيد بِوَقْت دون وَقت، لَكِن جرت الْعَادة بهَا فِي طرفِي النَّهَار، وَترْجم البُخَارِيّ فِي (الْأَدَب الْمُفْرد) : العيادة فِي اللَّيْل. ٥٦٥٠ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبرنِي أشْعَثُ بنُ سُلَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُعاويَةَ ابنَ سُوَيْدِ بنِ مُقَرِّنٍ عنِ البرَاءِ بنِ عازِب، ﵄، قَالَ: أمَرَنا رسولُ الله ﷺ بِسَبْعٍ ونَهانا عنْ سَبْعٍ، نَهانا عنْ خاتَمِ الذهَبِ ولُبْسِ الحرِيرِ والدِّيباجِ والإسْتَبْرَقِ وعنِ القَسِّيِّ والميثَرَةِ، وأمرَنا أنْ نَتْبَعَ الجَنائِزِ ونَعُودَ المَرِيضَ ونُفْشِيَ السَّلَامَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث قد مضى عَن قريب فِي كتاب الْأَشْرِبَة فِي: بَاب آنِية الْفضة، وَمر أَيْضا فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب الْأَمر بِاتِّبَاع الْجَنَائِز، وَاقْتصر هُنَا فِي النَّهْي على خَمْسَة، وَفِي الْأَمر على ثَلَاثَة، وَلم يذكر إبرار الْمقسم وَإجَابَة الدعْوَة وَنصر الْمَظْلُوم وتشميت الْعَاطِس. ٥ - (بابُ عيادَةِ المُغْمَى عَليهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان عِيَادَة الْمغمى عَلَيْهِ، من: أُغمي، بِضَم الْهمزَة من الْإِغْمَاء وَهُوَ الغشي، وَهُوَ تعطل جلّ القوى المحركة والحساسة: كضعف الْقلب واجتماع الرّوح كُله إِلَيْهِ واستفراغه وتخلله، وَقيل: فَائِدَة هَذِه التَّرْجَمَة أَن لَا يعْتَقد أَن عِيَادَة الْمغمى عَلَيْهِ سَاقِطَة الْفَائِدَة لكَونه لَا يعلم بعائده. ٥٦٥١ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حَدثنَا سُفْيَانُ عنِ ابنِ المُنْكَدِرِ سَمِعَ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله، ﵄، يَقُولُ: مرضِتُ مَرَضاً فَأَتَانِي النبيُّ ﷺ يَعُودُنِي وأبُو بكْرٍ وهُما ماشِيانِ، فَوَجَدَاني أُغْمِيَ عَليَّ، فَتَوَضَّأَ النبيُّ ﷺ ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَليَّ فَأفَقْتُ، فإذَا النبيُّ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُول الله!

стр. 6414

كَيْفَ أصْنَعُ فِي مَالِي؟ كَيْفَ أقْضِى فِي مالِي؟ فَلمْ يُجِبْنِي بِشَيءٍ حتَّى نَزَلَتْ آيَةُ المِيرَاثِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي قَوْله: (فَوجدَ أَنِّي أُغمي عَليّ) وَعبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَابْن الْمُنْكَدر هُوَ مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر بن عبد الله الْمدنِي. والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الطَّهَارَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ فِي: بَاب صب النَّبِي ﷺ وضوءه على الْمغمى عَلَيْهِ عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر. قَوْله: (نزلت آيَة الْمِيرَاث) وَهُنَاكَ: حَتَّى نزلت آيَة الْفَرَائِض، وَمر الحَدِيث أَيْضا فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء، وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم﴾ (النِّسَاء: ١١) الْآيَة. ٦ - (بابُ فَضْلِ مَنْ يُصْرَعُ مِنَ الرِّيحِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من يصرع من الرّيح، كلمة: من، تعليلية أَي: فضل من يحصل لَهُ صرع بِسَبَب الرّيح، أَي: الرّيح الَّتِي تحتبس فِي مناقد الدِّمَاغ وتمنع الْأَعْضَاء الرئيسية عَن انفعالها منعا غير تَامّ، أَو بخار يرْتَفع إِلَيْهِ من بعض الْأَعْضَاء، وَالرِّيح هُوَ مَا يكون منشأ للصرع وَسَببه: شدَّة تعرض فِي بطُون الدِّمَاغ، وَفِي مجاري الأعصاب المحركة، وَسبب الزّبد غلظ الرُّطُوبَة وَالرِّيح وَقد يكون الصرع من الْجِنّ وَلَا يَقع إلَاّ من النُّفُوس الخبيثة مِنْهُم، وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس: صرع الْجِنّ للإنس قد يكون عَن شَهْوَة وَهوى وعشق، كَمَا يتَّفق للإنس مَعَ الْإِنْس، وَقد يتناكح الْإِنْس وَالْجِنّ ويولد بَينهمَا ولد، وَقد يكون عَن بغض ومجازاة مثل أَن يؤذيهم بعض النَّاس أَو يَبُول على بَعضهم أَو يصب مَاء حاراً وَيقتل بَعضهم، وَإِن كَانَ الْإِنْس لَا يعرف ذَلِك، وَأنكر طَائِفَة من الْمُعْتَزلَة كالجبائي وَأبي بكر الرَّازِيّ وَمُحَمّد بن زَكَرِيَّاء الطَّبِيب وَآخَرُونَ دُخُول الْجِنّ فِي بدن المصروع، وأحالوا وجود روحين فِي جَسَد مَعَ إقرارهم بِوُجُود الْجِنّ، وَهَذَا خطأ، وَذكر أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ فِي (مقالات أهل السّنة وَالْجَمَاعَة) أَنهم يَقُولُونَ: إِن الْجِنّ يدْخل فِي بدن المصروع كَمَا قَالَ لله : ﴿الَّذين يَأْكُلُون الرِّبَا أَلا يقومُونَ إلَاّ كَمَا يقوم الَّذِي يتخبطه الشَّيْطَان من الْمس﴾ (الْبَقَرَة: ٢٧٥) وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل: قلت لأبي: إِن قوما يَقُولُونَ: إِن الْجِنّ لَا تدخل فِي بدن الْإِنْس، فَقَالَ: يَا بني! يكذبُون، هُوَ ذَا يتَكَلَّم على لِسَانه، وَفِي حَدِيث أم أبان الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره قَول رَسُول الله ﷺ : أخرج عَدو الله، وَكَذَا فِي حَدِيث أُسَامَة بن زيد: أخرج يَا عَدو الله فَإِنِّي رَسُول الله ﷺ ، وَقَالَ القَاضِي عبد الْجَبَّار: أجسامهم كالهواء فَلَا يمْتَنع دُخُولهمْ فِي أبدان الْإِنْس كَمَا يدْخل الرّيح وَالنَّفس المتردد، وَالله أعلم. ٥٦٥٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا يَحْيَى اعنْ عِمْرانَ أبي بَكْرٍ قَالَ: حدّثني عَطاءٌ بنُ أبي رباحٍ قَالَ: قَالَ لِي ابنُ عبَّاسٍ: ألَا أُرِيكَ امْرأةً منْ أهْلِ الجَنَّةِ؟ قُلْتُ بَلى. قَالَ: هاذِه المَرْأةُ السَّوْدَاءُ أتَتِ النبيَّ ﷺ فقالتْ: إنِّي أُصْرِعُ وإنِّي أتَكَشَّفُ فادْعُ الله لِي. قَالَ: إنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلكِ الجَنَّةُ، وإنْ شِئْتِ دَعَوْتُ الله أنْ يُعافِيَكِ. فقالَتْ: أصْبِرُ. فقالَتْ: إنِّي أتَكَشَّفُ فادْعُ الله أنْ لَا أتكَشَّفَ، فَدَعا لَهَا. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِنِّي أصرع) وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هَذَا الحَدِيث لَيْسَ فِيهِ ذكر الرّيح الَّذِي ترْجم لَهُ. قلت: التَّرْجَمَة معقودة فِي فضل من يصرع، فَالْحَدِيث يدل عَلَيْهِ. وَقَوله: (من الرّيح) بَيَان سَبَب الصرع كَمَا قُلْنَا، وَلَا يلْزم أَن يكون لَهُ شَيْء. وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَعمْرَان هُوَ ابْن مُسلم بَصرِي تَابِعِيّ صَغِير وكنيته أَبُو بكر، فَلذَلِك قَالَ: عَن عمرَان أبي بكر وَهُوَ مَعْرُوف بالقصير. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن القواريري. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم. قَوْله: (ألَا) بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف اللَّام للعرض. قَوْله: (هَذِه الْمَرْأَة السَّوْدَاء) روى أَبُو مُوسَى فِي (الذيل) من رِوَايَة عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن عَطاء بن أبي رَبَاح فِي هَذَا الحَدِيث: فَأرَانِي حبشية صفراء عَظِيمَة، فَقَالَ: هَذِه سعيرة الأَسدِية، وسعيرة بِضَم السِّين وَفتح الْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء، وَيُقَال: شقيرة بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْقَاف، قَالَ الذَّهَبِيّ فِي بَاب الشين الْمُعْجَمَة: شقيرة الأَسدِية مولاتهم حبشية، قيل: هِيَ سعيرة الَّتِي كَانَت تصرع، وَفِي رِوَايَة المستغفري: سكيرة بِالْكَاف قَوْله: (إِنِّي أصرع) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أتكشف) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة من التكشف

стр. 6415

من بَاب التفعل ويروى: انْكَشَفَ، بالنُّون من الانكشاف من بَاب الانفعال، أَرَادَت أَنَّهَا تخشى أَن تظهر عورتها وَهِي لَا تشعر. قَوْله: (إِن شِئْت صبرت) إِلَى الخ، خَيرهَا رَسُول الله ﷺ بَين أَن تصبر على هَذِه الْهَيْئَة وَلها الْجنَّة، وَبَين أَن يَدْعُو الله تَعَالَى فيعافيها، فَاخْتَارَتْ الصَّبْر، ثمَّ قَالَت: أخْشَى من كشف الْعَوْرَة، فَدَعَا لَهَا رَسُول الله ﷺ فَانْقَطع عَنْهَا التكشف. قَوْله: (فَادع الله أَن لَا أتكشف) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق، ويروى: فَادع الله أَن لَا أنكشف، بالنُّون وَبِزِيَادَة كلمة لي، وَفِيه فَضِيلَة مَا يَتَرَتَّب على الصَّبْر على الصرع، وَأَن اخْتِيَار الْبلَاء وَالصَّبْر عَلَيْهِ يُورث الْجنَّة، وَأَن الْأَخْذ بالشدة أفضل من الْأَخْذ بِالرُّخْصَةِ لمن علم من نَفسه أَنه يُطيق التَّمَادِي على الشدَّة، وَلَا يضعف عَن التزامها. ح دّثنا مُحَمَّدٌ أخبرَنا مَخْلَدٌ عنِ ابنِ جُرَيحٍّ أخْبرنِي عطاءٌ أنَّهُ رأى أُمَّ زُفَرَ تِلْكَ امْرَأةٌ طَوِيلَةٌ سَوْدَاءُ علَى سِتْرِ الكَعْبَةِ. الَّذِي: يفهم من هَذِه الرِّوَايَة الَّتِي رَوَاهَا البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن مخلد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة ابْن يزِيد عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج عَن عَطاء بن أبي رَبَاح: أَن أم زفر هِيَ الْمَرْأَة السَّوْدَاء الْمَذْكُورَة، وَبِهَذَا قَالَ الْكرْمَانِي: أم زفر، بِضَم الزَّاي وَفتح الْفَاء وبالراء، كنية تِلْكَ الْمَرْأَة المصروعة، وَلَكِن الَّذِي يفهم من كَلَام الذَّهَبِيّ فِي (تَجْرِيد الصَّحَابَة) أَن أم زفر غير السَّوْدَاء الْمَذْكُورَة لِأَنَّهُ ذكر كل وَاحِدَة مِنْهُمَا فِي بَاب، وَكَذَلِكَ يفهم من كَلَام ابْن الْأَثِير: إِن أم زفر غَيرهَا، حَيْثُ قَالَ: أم زفر ماشطة خَدِيجَة كَانَت عجوزاً سَوْدَاء يَغْشَاهَا ﷺ فِي زمَان خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَذكر الذَّهَبِيّ أَن أم زفر ثِنْتَانِ حَيْثُ قَالَ فِي بَاب الكنى: أم زفر كَانَ بهَا جُنُون، ذكرت فِي حَدِيث مُرْسل، وَقَالَ أَيْضا: أم زفر ماشطة خَدِيجَة فِيمَا قيل، فعلَّم على الأولى عَلامَة البُخَارِيّ وَلم يعلّم على الثَّانِيَة، وَعَن هَذَا قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : ذكرت فِي الصحابيات أم زفر ثِنْتَانِ، ثمَّ طول الْكَلَام من غير تَحْرِير، وَقَول الذَّهَبِيّ: ذكرت فِي حَدِيث مُرْسل، هُوَ مَا ذكره أَبُو عمر فِي (الِاسْتِيعَاب) فَقَالَ: أم زفر الَّتِي كَانَ بهَا مس من الْجِنّ. ذكر حجاج وَغَيره عَن ابْن جريج عَن الْحسن بن مُسلم أَنه أخبرهُ أَنه سمع طاووساً يَقُول: كَانَ النَّبِي ﷺ ، يُؤْتى بالمجانين فَيضْرب صدر أحدهم وَيبرأ، فَأتي بمجنونة يُقَال لَهَا: أم زفر، فَضرب صدرها فَلم تَبرأ وَلم يخرج شيطانها، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : هُوَ مَعهَا فِي الدُّنْيَا وَلها فِي الْآخِرَة خير. قَوْله: (تِلْكَ امْرَأَة) هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: تِلْكَ الْمَرْأَة قَوْله: (على ستر الْكَعْبَة) بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة، أَي: جالسة على ستر الْكَعْبَة أَو مُعْتَمدَة عَلَيْهِ، وعَلى يتَعَلَّق بقوله: رأى، وَقَالَ أَبُو عمر: قَالَ ابْن جريج: أَخْبرنِي عَطاء أَنه رأى أم زفر تِلْكَ الْمَرْأَة سَوْدَاء طَوِيلَة على سلم الْكَعْبَة، وروى الْبَزَّار من حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهَا قَالَت: إِنِّي أَخَاف الْخَبيث أَن يجردني، فَدَعَا لَهَا، فَكَانَت إِذا خشيت أَن يَأْتِيهَا تَأتي أَسْتَار الْكَعْبَة فتتعلق بهَا. ٧ - (بابُ فَضلِ مَنْ ذَهَبَ بَصَرُهُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من ذهب بَصَره، قيل: سَقَطت هَذِه التَّرْجَمَة وحديثها من رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَقد جَاءَ بِلَفْظ التَّرْجَمَة حَدِيث أخرجه الْبَزَّار عَن زيد بن أَرقم بِلَفْظ: مَا ابْتُلِيَ عبد بعد ذهَاب دينه بأشد من ذهَاب بَصَره، وَمن ابْتُلِيَ ببصره فَصَبر حَتَّى يلقى الله لَقِي الله تَعَالَى وَلَا حِسَاب عَلَيْهِ. ٥٦٥٣ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ حدَّثنا الليْثُ قَالَ: حدّثني ابنُ الْهادِ عنْ عَمْروٍ مَوْلى المُطَّلِبِ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ، ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ إنَّ الله تَعَالَى قَالَ: إذَا ابْتَليْتُ عَبْدِي بِحَبِيبتَيْهِ فَصَبَرَ، عَوَّضْتُهُ مِنْهُما الجَنَّةَ يُرِيدُ: عَيْنَيْهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَابْن الْهَاد هُوَ يزِيد بن عبد الله بن أُسَامَة اللَّيْثِيّ عَن عَمْرو بِفَتْح الْعين ابْن أبي عَمْرو وميسرة مولى الْمطلب بن عبد الله بن حنْطَب عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد من أَفْرَاده. قَوْله: (بحبيبتيه) قد فسرهما فِي آخر الحَدِيث بقوله: (يُرِيد: عَيْنَيْهِ) وحبيبتيه بِمَعْنى محبوبتيه لِأَنَّهَا أحب أَعْضَاء الْإِنْسَان إِلَيْهِ، وَلَا يخفى ذَلِك على أحد. قَوْله:

стр. 6416

(فَصَبر) . ويروى: ثمَّ صَبر، وَزَاد التِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَته: واحتسب، وَمَعْنَاهُ صَبر مستحضراً مَا وعد الله بِهِ للصابرين من الثَّوَاب، لَا أَن يصبر مُجَردا عَن ذَلِك، لِأَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ، هَذَا الَّذِي ذَكرُوهُ، وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بصبره أَن لَا يشتكي وَلَا يقلق وَلَا يظْهر عدم الرِّضَا بِهِ. قَوْله: (يُرِيد عَيْنَيْهِ) من كَلَام أنس، أَي: يُرِيد النَّبِي ﷺ بقوله: (حبيبته عَيْنَيْهِ) . ﴿تابعَهُ أشْعَثُ بنُ جابِرٍ، وأبُو ظِلَال عنْ أنسٍ عنِ النبيِّ ﷺ ﴾ . أَي: تَابع عمرا فِي رِوَايَته عَن أنس أَشْعَث بن جَابر وَهُوَ أَشْعَث بن عبد الله بن جَابر نسب إِلَى جده، وَهُوَ أَبُو عبد الله الْبَصْرِيّ الْأَعْمَى الْحدانِي بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الدَّال الْمُهْملَة وبالنون نِسْبَة إِلَى جدان، بطن من الأزد، وَلِهَذَا يُقَال لَهُ: الْأَزْدِيّ أَيْضا. وَاخْتلف فِيهِ، فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: يعْتَبر بِهِ، وَوَثَّقَهُ النَّسَائِيّ وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الْموضع تَعْلِيقا ومتابعة أخرجهَا أَحْمد بِلَفْظ: قَالَ، ربكُم: من أذهبت كريمتيه ثمَّ صَبر واحتسب كَانَ ثَوَابه الْجنَّة. قَوْله: وَأَبُو ظلال أَي: وَتَابعه أَيْضا أَبُو ظلال، بِكَسْر الظَّاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف اللَّام واسْمه هِلَال بن هِلَال وَهُوَ أَيْضا أعمى وَهُوَ ضَعِيف عِنْد الْجَمِيع إلَاّ أَن البُخَارِيّ قَالَ: وَهُوَ مقارب الحَدِيث وَلَيْسَ لَهُ فِي (صَحِيحه) غير هَذِه الْمُتَابَعَة أخرجهَا التِّرْمِذِيّ عَن عبد الله بن مُعَاوِيَة الجُمَحِي حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن مُسلم حَدثنَا أَبُو ظلال عَن أنس بن مَالك، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِن الله يَقُول: إِذا أخذت كَرِيمَتي عَبدِي فِي الدُّنْيَا لم يكن لَهُ جَزَاء عِنْدِي إِلَّا الْجنَّة) . ٨ - (بابُ عِيادَةِ النَّساءِ لِلرِّجالِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم عِيَادَة النِّسَاء للرِّجَال: وَلَو كَانُوا أجانب بِشَرْطِهِ الْمُعْتَبر. وعادَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ رجُلاً مِنْ أهْلِ المَسْجِدِ مِنَ الأنْصارِ أم الدَّرْدَاء هَذِه زَوْجَة أبي الدَّرْدَاء عُوَيْمِر، وَالْمَسْجِد مَسْجِد الْمَدِينَة. فَإِن قلت: أَبُو الدَّرْدَاء لَهُ زوجتان كل مِنْهُمَا تسمى أم الدَّرْدَاء إِحْدَاهمَا: أم الدَّرْدَاء الْكُبْرَى اسْمهَا خيرة بنت أبي حَدْرَد اسْمه عبد الله الْأَسْلَمِيّ كَانَت صحابية من فضلاء النِّسَاء وعقلائهن، مَاتَت بِالشَّام فِي خلَافَة عُثْمَان قبل أبي الدَّرْدَاء بِسنتَيْنِ، وَالْأُخْرَى: أم الدَّرْدَاء الصُّغْرَى اسْمهَا هجيمة بنت حييّ الوصابية، وَقَالَ أَبُو عمر: لَا أعلم لَهَا خَبرا يدل على صُحْبَة أَو رُؤْيَة، وَمن خَبَرهَا أَن مُعَاوِيَة خطبهَا بعد أبي الدَّرْدَاء فَأَبت أَن تتزوجه، فأيتهما الَّتِي عَادَتْ رجلا من أهل الْمَسْجِد من الْأَنْصَار؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَن المرادة هَهُنَا الْكُبْرَى، وَقيل: لَيْسَ كَذَلِك بل هِيَ الصُّغْرَى، لِأَن الْأَثر الْمَذْكُور أخرجه البُخَارِيّ فِي (الْأَدَب الْمُفْرد) من طَرِيق الْحَارِث بن عبيد وَهُوَ شَامي تَابِعِيّ صَغِير لم يلْحق أم الدَّرْدَاء الْكُبْرَى فَإِنَّهَا مَاتَت قبل موت أبي الدَّرْدَاء فِي خلَافَة عُثْمَان، كَمَا قُلْنَا. قَالَ: رَأَيْت أم الدَّرْدَاء على رَاحِلَة أَعْوَاد لَيْسَ لَهَا غشاء تعود رجلا من الْأَنْصَار فِي الْمَسْجِد، وَالصُّغْرَى عاشت إِلَى أَوَاخِر خلَافَة عبد الْملك بن مَرْوَان، وَمَاتَتْ فِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ بعد الْكُبْرَى بِنَحْوِ خمسين سنة، فَإِن قلت: قد جعل ابْن مَنْدَه وَأَبُو نعيم وَأَبُو مسْهر، خيرة وهجمية وَاحِدَة. قلت: قَالُوا: هَذَا وهم وَالصَّحِيح أَنَّهُمَا ثِنْتَانِ كَمَا ذكرنَا، ولي فِيهِ تَأمل لَا يخفى. ٥٦٥٤ - حدّثنا قُتَيْبَةُ عنْ مالِكٍ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عَن عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: لمَّا قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المَدِينَةَ وُعِكَ أبُو بَكْرٍ وبِلالٌ، ﵄، قالَتْ: فَدَخَلْتُ عَليْهِما، قُلْتُ: يَا أبَتِ ﴿كَيْفَ تَجِدُكَ؟ وَيَا بِلَالُ﴾ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قالَتْ: وكانَ أبُو بَكْرٍ إذَا أخَذَتْهُ الحُمَّى يَقُولُ: (كلُّ امْرِىءٍ مُصَبَّحٌ فِي أهْلِهِ ... والمَوْتُ أدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ) وكانَ بِلالٌ إذَا أقْلَعَتْ عنْهُ يَقُولُ: (أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بِوادٍ وحَوْلِي إذْ خِرٌ وجَلِيلُ) (وهَلْ أرِدَنْ يَوْماً مِياهَ مِجَنَّةٍ ... وهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شامَة وطفِيل)

стр. 6417

قالَتْ عائِشَةُ: فَجِئْتُ إِلَى رسولِ الله فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنا المَدِينَةَ كَحُبِّنا مَكَّةَ أوْ أشَدَّ اللَّهُمَّ وصَحِّحْها وباركْ لَنا فِي مُدِّها وصاعِها. وانْقُلْ حُمَّاها فاجْعَلْها بالجُحْفَةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَدخلت عَلَيْهِمَا) لِأَن دُخُول عَائِشَة عَليّ أبي بكر وبلال كَانَ لعيادتهما، وهما متوعكان. والْحَدِيث قد مر فِي: بَاب مقدم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك ... إِلَى آخِره، وَهنا عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن مَالك، وَمر الْكَلَام فِيهِ مَبْسُوطا، تركنَا أَكْثَره هُنَا خوفًا من التّكْرَار. قَوْله: (كَيفَ تجدك؟) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق، أَي: كَيفَ تَجِد نَفسك. قَوْله: (أدنى) أَي: أقرب، والشراك بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة أحد سيور النَّعْل الَّتِي تكون على وَجهه. قَوْله: (بوادٍ) بالتنكير أَي: وَادي مَكَّة، والإذخر والجليل نباتان، ومجنة بِفَتْح الْمِيم وَالْجِيم وَتَشْديد النُّون اسْم مَوضِع على أَمْيَال من مَكَّة، وَكَانَ سوقاً فِي الْجَاهِلِيَّة. قَوْله: (يبدون) بالنُّون الْخَفِيفَة أَي: هَل يظْهر، وشامة وطفيل جبلان بِمَكَّة، والجحفة بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وبالفاء مَوضِع بَين مَكَّة وَالْمَدينَة، وَهِي مِيقَات أهل الشَّام، وَكَانَ اسْمهَا: مهيعة، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْهَاء وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالْعين الْمُهْملَة فأجحف السَّيْل بِأَهْلِهَا فسميت جحفة، وَجوز طَائِفَة نقل الْحمى مَعَ أَنَّهَا عرض. وَالْمعْنَى الصَّحِيح أَن تعدم من الْمَدِينَة وَتظهر فِي الْجحْفَة وَكَانَ أَهلهَا يهود شَدِيد الْإِيذَاء والعداوة للْمُؤْمِنين، فَلذَلِك دَعَا عَلَيْهِم وَأَرَادَ الْخَيْر لأهل الْإِسْلَام. ٩ - (بابُ عِيادَةِ الصِّبْيان) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان عِيَادَة الصّبيان، وعيادة مصدر مُضَاف إِلَى مَفْعُوله، وطوى فِيهِ ذكر الْفَاعِل، وَالتَّقْدِير: بَاب عِيَادَة الرِّجَال الصّبيان. ٥٦٥٥ - حدّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهالٍ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ: أخبرنِي عاصمٌ قَالَ: سمِعْتُ أَبَا عُثْمانَ عنْ أُسامَةَ بنِ زَيْدٍ، ﵄، أنَّ ابْنَةَ للنبيِّ ﷺ أرْسَلَتْ إليهِ وهْوَ مَعَ النبيِّ ﷺ ، وسَعْدٌ وأبَيُّ بنُ كَعْبٍ يَحْسِبُ أنَّ ابْنَتِي قَدْ حُضِرَتْ، فأشْهَدْنا فأرْسَلَ إلَيْها السَّلامَ ويَقُولُ: إنَّ لله مَا أخَذَ وَمَا أعْطَى، وكُلُّ شْيءٍ عِنْدَهُ مُسَمًّى فَلْتَحْتَسِبْ ولْتَصِبْر، فأرْسَلَتْ تُقْسِمُ عَلَيْهِ، فَقامَ النبيُّ ﷺ وقُمْنا فَرُفِعَ الصَّبيُّ فِي حَجْرِ النبيِّ ﷺ ونَفْسُهُ تَقَعْقَعُ فَفاضَتْ عَيْنا النَّبِي ﷺ فَقَالَ لهُ سَعْدٌ: مَا هَذَا يَا رسولَ الله؟ قَالَ: هاذِهِ رَحْمَةٌ وَضَعَها الله فِي قُلُوبِ مَنْ شاءَ منْ عِبادِهِ، وَلَا يَرْحَمُ الله منْ عِبادِهِ إلَاّ الرُّحمَاءِ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ جَاءَ إِلَى ابْنَته فَأخذ ابْنهَا فَوَضعه فِي حجره، وَهَذَا عِيَادَة بِلَا شكّ. وَعَاصِم هُوَ ابْن سُلَيْمَان، وَأَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ بِفَتْح النُّون. وَمضى الحَدِيث فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب قَول النَّبِي ﷺ : يعذب الْمَيِّت ببكاء أَهله عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَبْدَانِ وَمُحَمّد كِلَاهُمَا عَن عبد الله عَن عَاصِم عَن أبي عُثْمَان. قَالَ: حَدثنِي أُسَامَة بن زيد إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (إِن ابْنة للنَّبِي ﷺ وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: إِن بِنْتا للنَّبِي ﷺ ، قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) . وبنته الَّتِي أرْسلت إِلَيْهِ تَدعُوهُ ﷺ هِيَ زَيْنَب، وَابْنهَا اسْمه عَليّ، كَذَا بِخَط شَيخنَا أبي مُحَمَّد الدمياطي، وَقَالَ ابْن بطال: إِن هَذَا الحَدِيث لم يضبطه الرَّاوِي فَمرَّة قَالَ: قَالَت: ابْنَتي قد احتضرت، وَمرَّة قَالَ: فَرفع الصَّبِي وَنَفسه تقَعْقع، فَأخْبر مرّة عَن صبي ورمة عَن صبية. قَوْله: (وَهُوَ مَعَ النَّبِي ﷺ أَي: وَالْحَال أَن أُسَامَة مَعَ النَّبِي ﷺ : (وَسعد) أَي: ابْن عبَادَة وَأبي بن كَعْب قَوْله: (نحسب) أَي: يظنّ الرَّاوِي أَن أَبَيَا كَانَ مَعَه، وَلَا يجْزم بِكَوْن أبي مَعَه فِي ذَلِك الْوَقْت، وَيدل على هَذَا مَا سيجىء فِي كتاب النذور حَيْثُ قَالَ: وَمَعَ رَسُول الله ﷺ أُسَامَة وَسعد أَو أبي، على الشَّك. قَوْله: (قد حضرت) على صِيغَة بِنَاء الْمَجْهُول، ويروى: احتضرت، أَي: حضرها الْمَوْت. قَوْله: (فاشهدنا) أَي احضر إِلَيْنَا قَوْله: (وكل شَيْء مُسَمّى) ويروى: مُسَمّى إِلَى أجل. قَوْله: (فلتحتسب) أَي: لتطلب الْأجر من عِنْد الله، ولتجعل الْوَلَد فِي حِسَابهَا الله تَعَالَى راضية بِقَضَائِهِ. قَوْله: (فِي حجر النَّبِي ﷺ بِفَتْح

стр. 6418

الْحَاء وَكسرهَا. قَوْله: (وَنَفسه) بِسُكُون الْفَاء. قَوْله: (تقَعْقع) أَي: تضطرب وَيسمع لَهَا صَوت. قَوْله: (فَقَالَ سعد: مَا هَذَا؟) إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ اسْتغْرب ذَلِك مِنْهُ لِأَنَّهُ مُخَالف مَا عَهده مِنْهُ من مقاومة الْمُصِيبَة بِالصبرِ. قَوْله: (هَذِه رَحْمَة) ويروى: هَذِه الرَّحْمَة أَي: أثر رَحْمَة جعلهَا الله فِي قُلُوب الرُّحَمَاء، وَلَيْسَ من بَاب الْجزع وَقلة الصَّبْر، وَقد صَحَّ أَن لله مائَة رَحْمَة أنزل مِنْهَا رَحْمَة وَاحِدَة بَين الْجِنّ وَالْإِنْس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون، وفيهَا يتراحمون وَبهَا يعْطف الْوَحْش على وَلَده، وأخرَّ تسعا وَتِسْعين رَحْمَة يرحم بهَا عباده يَوْم الْقِيَامَة، أخرجه مُسلم، وروى البُخَارِيّ نَحوه. ١٠ - (بابُ عِيادَةِ الأعْرَابِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان عِيَادَة الْأَعْرَاب، بِفَتْح الْهمزَة، وهم: سكانو الْبَادِيَة من الْعَرَب الَّذين لَا يُقِيمُونَ فِي الْأَمْصَار وَلَا يدْخلُونَهَا إلَاّ لحَاجَة، وَالْعرب اسْم لهَذَا الجيل من النَّاس وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَسَوَاء أَقَامَ بالبادية أَو المدن وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا أَعْرَابِي وعربي. ١١ - (بابُ عِيادَةِ المشْرِكِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان عِيَادَة الْمُشرك، قَالَ ابْن بطال: إِنَّمَا يُعَاد لِمُشْرِكٍ ليدعى إِلَى الْإِسْلَام إِذا رجى إجَابَته وإلَاّ فَلَا. قلت: الظَّاهِر أَن هَذَا يخْتَلف باخْتلَاف الْمَقَاصِد، فقد تقع لعيادته مصلحَة أُخْرَى، وَلَا يخفى ذَلِك. ٥٦٥٧ - حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْب حَدثنَا حَمادُ بنُ زَيْدٍ عنْ ثابِتٍ عنْ أنَسٍ، ﵁، أنَّ غُلاماً لِيَهُودَ كانَ يَخْدُمُ النبيَّ ﷺ فَمَرِضَ فأتاهُ النبيُّ ﷺ يَعُودُهُ فَقَالَ: أسلِمْ، فأسْلَمَ. (انْظُر الحَدِيث ١٣٥٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مر فِي الْجَنَائِز بأتم مِنْهُ فِي: بَاب إِذا أسلم الصَّبِي فَمَاتَ. ﴿وَقَالَ سَعِيدُ بنُ المُسَيِّبِ عنْ أبِيهِ لَمَّا حُضِرَ أبُو طَالِبٍ جاءَهُ النبيُّ ﷺ ﴾ . هَذَا التَّعْلِيق قد مر موصلاً فِي تَفْسِير سُورَة الْقَصَص، وَفِي الْجَنَائِز أَيْضا، وَأَبُو سعيد هُوَ الْمسيب بن حزن صَحَابِيّ مِمَّن بَايع تَحت الشَّجَرَة. وَأَبُو طَالب عَم النَّبِي ﷺ اسْمه: عبد منَاف.

стр. 6419

١٢ - (بابٌ إِذا عادَ مَريضاً فَحَضَرَتِ الصلاةُ فَصَلى بِهِمْ جَماعَة) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ إِذا عَاد نَاس مَرِيضا. قَوْله: (فحصرت الصَّلَاة فصلى) أَي: الْمَرِيض. بهم أَي بِمن عَاده من النَّاس. ٥٦٥٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حَدثنَا يَحْياى حَدثنَا هِشامٌ قَالَ: أخبرنِي أبي عنْ عائِشَةَ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ دَخلَ عَلَيْهِ ناسٌ يَعُودُونَهُ فِي مَرَضِهِ، فَصَلَّى بِهِمْ جالِساً فَجَعَلُوا يُصَلُّونَ قِياماً، فأشارَ إليْهِمْ أَن اجْلِسُوا، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: إنَّ الإمامَ لِيُؤْتمَّ بهِ، فإِذا ركَعَ فارْكعُوا، وَإِذا رَفَعَ فارْفَعُوا، وإنْ صَلَّى جالِساً فَصَلُّوا جُلُوساً. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة. والْحَدِيث مر فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (قيَاما) الْقيام جمع قَائِم أَو هُوَ مصدر بِمَعْنى: قَائِمين. قَوْله: (ليؤتم بِهِ) على صِيغَة بِنَاء الْمَجْهُول وَهُوَ بِكَسْر اللَّام أبي: لِأَن يؤتم بِهِ وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَبِفَتْحِهَا أَيْضا، قلت: إِن صحت الرِّوَايَة بذلك فَتكون اللَّازِم للتَّأْكِيد ويؤتم يكون مَرْفُوعا. قَوْله: (وَإِذا رفع) أَي: رَأسه فارفعوا أَي: رؤوسكم وَإِن صلى جَالِسا أَي: وَإِن صلى الإِمَام حَال كَونه جَالِسا لعذر فصلوا جُلُوسًا أَي: جالسين. ﴿قَالَ أبُو عَبْدِ الله: قَالَ الحُمَيْدِيُّ: هَذَا الحَدِيثُ مَنْسُوخٌ لأنَّ النبيَّ ﷺ ، آخِرَ مَا صَلَّى صَلى قاعِداً والنَّاسُ خلفَهُ قِيامٌ﴾ . أبوعبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. والْحميدِي قد مر غير مرّة، وَهُوَ عبد الله بن الزبير بن عِيسَى بن عبد الله بن الزبير بن عبد الله بن حميد، والْحميدِي نِسْبَة إِلَى بطن من قُرَيْش يُقَال لَهُ: حميد بن زُهَيْر، وَوجه النّسخ وَبَاقِي الْمَسْأَلَة من الْخلاف قد ذَكرْنَاهُ فِي: بَاب إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ، وَبِالَّذِي قَالَه الْحميدِي. قَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، والمنسوخ مِنْهُ قعودهم مَعَه فَقَط، وَأخذ أَحْمد وَإِسْحَاق بِظَاهِرِهِ وَأَن الإِمَام إِذا صلى جَالِسا تابعوه فِيهِ، وَحمل ابْن الْقَاسِم حَدِيث الْبَاب على أَنه كَانَ نَافِلَة وَهُوَ غلط. ١٣ - (بابُ وَضْعِ اليَدِ عَلى المَرِيضِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وضع عَائِد الْمَرِيض يَده عَلَيْهِ للتأنيس لَهُ ولمعرفة مَرضه، وَيَدْعُو لَهُ على حسب مَا يَبْدُو مِنْهُ، وَرُبمَا يرقيه بِيَدِهِ وَيمْسَح على ألمه فينتفع بِهِ العليل خُصُوصا إِذا كَانَ الْعَائِد صَالحا يتبرك بِيَدِهِ ودعائه، كَمَا كَانَ ﷺ يَفْعَله، وَذَلِكَ من حسن الْأَدَب واللطف بالعليل، وَقد يكون وَاضع يَده عَارِفًا بالعلاج فيصف لَهُ بِمَا يُنَاسِبه. ٥٦٥٩ - حدّثنا المَكِّيُّ بنُ إبْرااهِيمَ أخبرنَا الجُعَيْدُ عنْ عائِشَةَ بِنْتِ سَعْد أنَّ أَبَاهَا قَالَ: تَشَكَّيْتُ بمَكَّةَ شَكْواى شَدِيدَةً، فَجاءَني النبيُّ ﷺ يَعُودُنِي فَقُلْتُ: يَا نبيِّ الله إنِّي أتْرُكُ مَالا وإنِّي لمْ أتْرُكْ إلَاّ ابْنَةً واحِدَةً، فأُوصِي بِثُلُثَيْ مَالِي وأتْرُكُ الثُّلُثَ؟ فَقَالَ: لَا. فَقُلْتُ: فأُوصِي بالنِّصْفِ وأتْرُكُ النِّصْفَ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فأُوصِي بالثُّلُثِ واتْرُكُ لهَا الثُّلُثَيْن؟ قَالَ: الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثِيرٌ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلى جَبْهَتِهِ، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ عَلى وجْهِي وبَطْنِي ثمَّ قَالَ: أللَّهُمَّ اشْفِ سَعْداً وأتْمِمْ لهُ هِجْرَتَهُ، فَمازِلْتُ أجِدُ بَرْدهُ علَى كَبِدِي فِيما يُخالُ إلَيَّ حتَّى السَّاعَةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي قَوْله: (ثمَّ وضع يَده على جَبهته ثمَّ مسح يَده على وَجْهي وبطني) . والمكي بن إِبْرَاهِيم بن بشير بن فرقد البرجمي التَّمِيمِي الْحَنْظَلِي الْبَلْخِي، مَاتَ سنة خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ، والجعيد بِضَم الْجِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال المهلمة ابْن عبد الرَّحْمَن الْكِنْدِيّ، وَيُقَال: الْجَعْد، مكبراً، أَو عَائِشَة بنت سعد بن أبي وَقاص رَضِي الله

стр. 6420

عَنهُ. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْوَصَايَا فِي: بَاب أَن تتْرك وَرثتك أَغْنِيَاء، من رِوَايَة عَامر بن سعد عَن أَبِيه سعد. وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة من هَذَا الْوَجْه. وَأما من رِوَايَة عَائِشَة بنت سعد فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد فِي الْجَنَائِز عَن هَارُون بن عبد الله عَن مكي بن إِبْرَاهِيم بِهِ مُخْتَصرا، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْفَرَائِض عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَغَيره. قَوْله: (تشكيت) من بَاب التفعل الَّذِي يدل على الْمُبَالغَة. قَوْله: (شكوى) بِالتَّنْوِينِ وَبِغَيْرِهِ: الشكوى والشكو والشكاة والشكاية: الْمَرَض. قَوْله: (شَدِيدَة) فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: شَدِيدا بالتذكير على إِرَادَة الْمَرَض. قَوْله: (كثير) بالثاء الْمُثَلَّثَة وبالباء الْمُوَحدَة. قَوْله: (ثمَّ وضع يَده على جَبهته) من بَاب التَّجْرِيد وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: على جبهتي، على الأَصْل. قَوْله: (واتمم لَهُ هجرته) إِنَّمَا دَعَا لَهُ بإتمام الْهِجْرَة لِأَنَّهُ كَانَ مَرِيضا وَخَافَ أَن يَمُوت فِي مَوضِع هَاجر مِنْهُ، فَاسْتَجَاب الله دُعَاء رَسُوله وشفاه، وَمَات بعد ذَلِك بِالْمَدِينَةِ. قَوْله: (بردة) الضَّمِير عَائِد إِلَى الْمسْح أَو إِلَى الْيَد بِاعْتِبَار الْعُضْو. قَوْله: (فِيمَا يخال) أَي: فِيمَا يتخيل وَيتَصَوَّر، وَقَالَ ابْن التِّين: صَوَابه: فِيمَا يتخيل إِلَيّ، بِالتَّشْدِيدِ لِأَنَّهُ من التخيل، قَالَ الله تَعَالَى ﴿يخيل إِلَيْهِ من سحرهم أَنَّهَا تسْعَى﴾ (طه: ٦٦) . قلت: جَاءَ يخال ويتخيل بِمَعْنى وَاحِد، وَفِي (الْمُحكم) : خَال الشَّيْء يخاله يَظُنّهُ وتخيله ظَنّه. قَوْله: (حَتَّى السَّاعَة) حَتَّى هُنَا بِمَعْنى إِلَيّ فَلذَلِك جرت السَّاعَة. ٥٦٦٠ - حدّثنا قُتَيْبةُ حَدثنَا جَرِيرٌ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْراهيمَ التَّيْميِّ عنِ الحارِثِ بنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ الله بنُ مَسْعُودٍ: دَخَلتُ علَى رسولِ الله ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ وعْكاً شَديداً، فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي فَقُلْتُ: يَا رسولَ الله ﴿أنَّكَ تُوعَكُ وعْكاً شَدِيداً. فَقَالَ رسولُ الله ﷺ أجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَما يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُمْ. فَقُلْتُ: ذالِكَ أنَّ لَكَ أجْرَيْنِ. فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : أجَلْ. ثمَّ قَالَ رسولُ الله ﷺ : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذَى مَرَضٌ فَما سِواهُ إِلَاّ حَطَّ الله لهُ سَيئاتِهِ كمَا يَحُطُّ الشَّجَرَةُ ورَقَها. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فمسسته بيَدي) والْحَدِيث قد مر عَن قريب فِي: بَاب أَشد النَّاس بلَاء الْأَنْبِيَاء، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَبْدَانِ عَن أبي حَمْزَة عَن الْأَعْمَش إِلَى آخِره. وَهنا أخرجه عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن جرير بن عبد الحميد عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (أَذَى) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة. قَوْله: (مرض) بَيَان لَهُ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: يرْوى: أدنى مرض، فَمَا سواهُ أَي: أقل مرض فَمَا فَوْقه، ثمَّ قَالَ: ويروى أَذَى بإعجام الذَّال. ١٤ - (بابُ مَا يُقالُ لِلْمَرِيضِ وَمَا يجِيبُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يُقَال للْمَرِيض عِنْد العيادة، وَفِي بَيَان مَا يجِيبه الْمَرِيض. ٥٦٦١ - حدّثنا قَبِيصَةُ حَدثنَا سُفْيانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عنِ الحارِثِ بنِ سُوَيْدٍ عنْ عبْدِ الله ﵁ قَالَ: أتَيْتُ النبيِّ ﷺ فِي مَرَضِهِ فَمَسسْتُهُ وهْوَ يُوعَكُ وعْكاً شَدِيداً فَقُلْتُ: إنَّكَ لَتُوعَكُ وعْكاً شدِيداً، وذالِكَ أنَّ لَكَ أجْرَيْنِ. قَالَ: أجَلْ، وَمَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذَى إلَاّ حاتَّتْ عَنْهُ خَطاياهُ كَما تَحاتُّ ورَقُ الشَّجَرِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَول ابْن مَسْعُود للنَّبِي ﷺ وَجَوَاب النَّبِي ﷺ لَهُ. وَقبيصَة بن عقبَة وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ. والْحَدِيث قد مر الْآن فِي الْبَاب الَّذِي قبله. ٥٦٦٢ - حدّثنا إسْحاقُ حَدثنَا خالِدُ بنُ عبْدِ الله عنْ خالِدٍ عنْ عِكْرمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّ رسُولَ الله ﷺ ، دَخَلَ عَلى رجُلٍ يَعُودُهُ فَقَالَ: لَا بأسَ﴾ طَهُورٌ إنْ شاءَ الله، فَقَالَ: كَلَاّ، بَلْ حُمَّى تَفُورُ عَلى شَيْخٍ كَبِيرٍ كَيْما تُزِيرَهُ القُبُورَ، قَالَ النبيُّ ﷺ : فَنَعَمْ إِذا. (انْظُر الحَدِيث: ٣٦١٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَول النَّبِي ﷺ : (لَا بَأْس طهُور) وَجَوَاب الْمَرِيض لَهُ: كلا إِلَى آخِره.

стр. 6421

وَإِسْحَاق هُوَ ابْن شاهين الوَاسِطِيّ، وخَالِد الأول هُوَ ابْن عبد الله الطَّحَّان، وَالثَّانِي خَالِد الْحذاء. والْحَدِيث قد مر عَن قريب فِي: بَاب عِيَادَة الْأَعْرَاب، وَمر الْكَلَام فِيهِ. ١٥ - (بابُ عِيادَةِ المَرِيضِ راكِباً وماشِياً ورِدْفاً عَلى الحمارِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان عِيَادَة الْمَرِيض حَال كَونه رَاكِبًا. وَحَال كَونه مَاشِيا، وَحَال كَونه ردفاً أَي: مرتدفاً بِغَيْرِهِ على حِمَاره. ٥٦٦٣ - حدّثني يَحْياى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عنِ عَقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ أنَّ أُُسامَةَ بنَ زَيْدٍ أخْبَرَهُ أنَّ النبيَّ ﷺ رَكِبَ عَلى حِمارٍ عَلى إكافٍ عَلى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ وأرْدَفَ أُسامَةَ ورَاءهُ يَعُودُ سَعْدَ بنَ عُبادَةَ قَبْلَ وقْعةِ بَدْرٍ، فَسارَ حتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عبْدُ الله بنُ أُبَيٍّ بنُ سَلُولَ وذلِكَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ عبدُ الله، وَفِي المَجْلسِ أخْلَاطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأوْثانِ واليهُودِ، وَفِي المَجْلِسِ عبْدُ الله بنُ رَوَاحَةَ، فَلمَّا غَشِيَتِ المَجْلِسَ عَجاجَةُ الدَّابَّةِ خَمَّرَ عبْدُ الله بنُ أُُبَيِّ أنْفَهُ بِرِدَائِهِ، قَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَليْنا، فَسَلَّمَ النبيُّ ﷺ وَوقَفَ ونَزَلَ، فَدَعاهُمْ إِلَى الله فقَرأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقَالَ لهُ عبْدُ الله بنُ أُبَيٍّ: يَا أيُّها المَرْءُ ﴿إنَّهُ لَا أحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ إنْ كانَ حَقّاً، فَلَا تُؤْذِنا بِهِ فِي مَجْلِسِنا وارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ، فَمَنْ جاءَكَ مِنَّا فاقْصُصْ عَليْهِ قَالَ ابنُ رَواحَةَ: بَلى يَا رسولَ الله فاغشَنا بِهِ فِي مَجالِسِنا فَإنَّا نُحِبُّ ذالِكَ، فاسْتَبَّ المُسْلِمُونَ والمشْرِكُونَ واليَهُودُ حَتَّى كادُوا يتَثَاورُونَ، فَلَمْ يزَلِ النبيُّ ﷺ ، حتَّى سَكَتُوا فَرَكبَ النبيُّ ﷺ دابَّتَهُ حتَّى دَخلَ عَلى سَعْدِ بنِ عُبادَةَ، فَقَالَ لهُ: أيْ سعْدُ﴾ ألَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أبُو حُباب؟ يُرِيدُ عبدَ الله بنَ أُُبَيٍّ. قَالَ سَعْدٌ: يَا رسولَ الله! اعْفُ عنهُ واصْفَحْ، فَلَقَدْ أعْطاكَ الله مَا أعْطاكَ، ولَقَدِ اجْتَمَعَ أهْلُ هاذِهِ البَحْرَةِ أنْ يُتوِّجُوهُ فَيُعَصِّبُوهُ، فَلمَّا رُدَّ ذَلِكَ بالْحَقِّ الَّذِي أعْطاكَ شَرِقَ بِذالِكَ، فَذَلِكَ الّذِي فَعَلَ بِهِ مَا رَأيْتَ. (انْظُر الحَدِيث: ٢٩٨٧) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَركب على حمَار) وَقَوله: (وَأَرْدَفَ أُسَامَة وَرَاءه يعود سعد بن عبَادَة) . وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. والْحَدِيث قد مر فِي آخر تَفْسِير سُورَة آل عمرَان فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة: أَن أُسَامَة بن زيد أخبرهُ الخ ... وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (على إكاف) بدل من قَوْله (على حمَار) وَقَوله: (على قطيفة) بدل من قَوْله: (على إكاف) وكلا الْبَدَلَيْنِ فِي حكم الطرح، والقطيفة الدثار الْمُهَذّب. قَوْله: (فَدَكِيَّة) نِسْبَة إِلَى فدك بِفَتْح الْفَاء وَالدَّال الْمُهْملَة وَهِي قَرْيَة بِخَيْبَر كَأَن القطيفة صنعت فِيهَا. قَوْله: (سعد بن عبَادَة) بِضَم الْعين المهلمة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة، سيد الْخَزْرَج. قَوْله: (عبد الله بن أبي) بِضَم الْهمزَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وسلول بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَضم اللَّام اسْم أم عبد الله، فَلَا بُد أَن يقْرَأ ابْن سلول بِالرَّفْع لِأَنَّهُ صفة لعبد الله لَا صفة لأبي. قَوْله: (وَالْيَهُود) عطف على: (الْمُشْركين) وَيجوز أَن يكون عطفا على (عَبدة الْأَوْثَان) لأَنهم أَيْضا مشركون حَيْثُ قَالُوا: عُزَيْر ابْن الله، تَعَالَى وتعظم عَن ذَلِك. قَوْله: (عجاجة الدَّابَّة) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْجِيم الأولى، وَهِي الْغُبَار. قَوْله: (خمر) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْمِيم أَي غطى قَوْله: (لَا أحسن مِمَّا تَقول) لفظ: أحسن، أفعل التَّفْضِيل، وَمن، فِي مِمَّا زَائِدَة. قَالَ التَّيْمِيّ: أَي لَيْسَ أحسن مِمَّا تَقول أَي: إِنَّمَا تَقول حسن جدا، قَالَ ذَلِك استهزاء، ويروى: لَا أحسن، بِلَفْظ فعل الْمُتَكَلّم من الْمُضَارع، وَمَا تَقول مَفْعُوله قَوْله: (إِن كَانَ حَقًا) يَصح تعلقه بِمَا قبله وَبِمَا بعده. قَوْله: (إِلَى رحلك) بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة أَي: إِلَى مَنْزِلك، وَيُقَال: الرجل مسكن الرجل وَمَا يستصحبه من الأثاث. قَوْله: (يتثاورون) أَي: يتثاوبون ويتهايجون غَضبا. قَوْله: (حَتَّى سكنوا) بالنُّون من السّكُون، ويروى: سكتوا، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق من السُّكُوت. قَوْله: (أَبُو حباب) بِضَم الْحَاء المهلمة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى كنية عبد الله بن أبي

стр. 6422

قَوْله: (البحرة) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة: الْبَلدة، يُقَال: هَذِه بحرتنا أَي: بَلْدَتنَا. قَوْله: (أَن يُتَوِّجُوهُ) أَي: يجْعَلُوا التَّاج على رَأسه وَهُوَ كِنَايَة عَن الْملك أَي: يجعلونه ملكا ويشدون عِصَابَة السِّيَادَة على رَأسه، وَهَذَا يحْتَمل أَن يكون على سَبِيل الْحَقِيقَة وعَلى الْمجَاز. قَوْله: (فَلَمَّا رد) بِضَم الرَّاء وَتَشْديد الدَّال. قَوْله: (شَرق) بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء أَي: غص بِهِ والشرق: الشجي والغصة. ٥٦٦٤ - حدّثنا عَمْرُو بنُ عبَّاسٍ حَدثنَا عبْدُ الرحْمانِ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ مُحَمَّدٍ هُوَ ابنُ المُنْكَدِرِ عنْ جابِرٍ ﵁ قَالَ: جاءَني النبيُّ ﷺ يَعُودُني لَيْسَ بِرَاكِبِ بَغْلٍ وَلَا بِرْذَوْنٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (لَيْسَ بِرَاكِب بغل وَلَا برذون) أَرَادَ أَنه كَانَ مَاشِيا. وَعَمْرو بن عَبَّاس أَبُو عُثْمَان الْبَصْرِيّ، وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن مهْدي الْعَنْبَري، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، صرح بِهِ الْحَافِظ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) [/ ح. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفَرَائِض وَفِي الِاعْتِصَام. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَرَائِض عَن عمر والناقد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن الْفضل بن الصَّباح وَفِي التَّفْسِير عَن عبد بن حميد عَن يحيى بن آدم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة وَفِي الْفَرَائِض وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور وَفِي الطِّبّ عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن ماجة فِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَفِي الْفَرَائِض عَن هِشَام. قَوْله: (والبرذون) بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الذَّال الْمُعْجَمَة الدَّابَّة لُغَة لَكِن الْعرف خصصه بِنَوْع من الْخَيل، قَالَه الْكرْمَانِي. ١٦ - (بابُ قَوْلِ المَرِيضِ: إنِّي وجِعٌ، أوْ: وَارَأْساه، أوِ: اشْتَدَّ بِي الوَجَعُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الْمَرِيض: إِنِّي وجع، وَفِي بعض النّسخ: بَاب مَا رخص للْمَرِيض أَن يَقُول: إِنِّي وجع، بِفَتْح الْوَاو وَكسر الْجِيم، قَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: وجع فلَان يوجع وييجع وياجع فَهُوَ وجع، وَقوم وجعون ووجعي ووجعات وَقَالَ: الوجع الْمَرَض، وَالْجمع أوجاع ووجاع. قَوْله: أَو وارأساه، أَي: أَو قَول الْمَرِيض: وارأساه، وَهُوَ تفجع على الرَّأْس من شدَّة صداعه، وَهُوَ مَذْكُور صَرِيحًا فِي حَدِيث الْبَاب. قَوْله: أَو اشْتَدَّ بِي الوجع، أَي: أَو قَول الْمَرِيض: اشْتَدَّ بِي الوجع، بِفَتْح الْجِيم وَفِي بعض النّسخ هَذَا غير مَذْكُور. وقَوْل أيُّوبُ ﵊: ﴿أَنِّي مسني الضّر وَأَنت أرْحم الرَّاحِمِينَ﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٨٣) . وَقَول، مجرور عطفا على قَول الْمَرِيض الْمَجْرُور بِالْإِضَافَة، قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : قَول أَيُّوب عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام: إِنِّي مسني الضّر، لَيْسَ مِمَّا يشاكل تبويبه، لِأَن أَيُّوب عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام إِنَّمَا قَالَ ذَلِك دَاعيا وَلم يذكرهُ للمخلوقين، وَقد ذكر أَنه كَانَ إِذا سَقَطت دودة من بعض جراحه ردهَا مَكَانهَا. قلت: هَذَا نَقله ابْن التِّين فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي ذكر هَذَا، وَلَكِن أُجِيب عَن هَذَا بِأَن مُطلق الشكوى لَا يمْنَع، وَلَعَلَّه أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الرَّد على من زعم من الصُّوفِيَّة أَن الدُّعَاء لكشف الْبلَاء يقْدَح فِي الرضى وَالتَّسْلِيم. قلت: المذموم هُوَ الشكوى إِلَى الْخلق، أما إِلَى الْخَالِق فَلَا، وَلَقَد شكى الْأَلَم والوجع النَّبِي ﷺ ، وَأَصْحَابه وَجَمَاعَة مِمَّن يقْتَدى بهم، رُوِيَ أَن الْحسن الْبَصْرِيّ دخل عَلَيْهِ أَصْحَابه وَهُوَ يشكو ضرسه، فَقَالَ: رب مسني الضّر وَأَنت أرْحم الرَّاحِمِينَ، وَلَا أحد من بني آدم إلَاّ وَهُوَ يألم من الوجع ويشتكي من الْمَرَض إلَاّ أَن المذموم من ذَلِك ذكره للنَّاس تضجراً وتسخطاً، وَأما من أخبر بِهِ إخوانه ليدعوا لَهُ بالشفاء والعافية وَأَن أنينه وتأوهه استراحة فَلَيْسَ ذَلِك بشكوى، وَجزم أَبُو الطّيب وَابْن الصّباغ وَجَمَاعَة من الشَّافِعِيَّة أَن أَنِين الْمَرِيض وتأوهه مَكْرُوه، وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا ضَعِيف أَو بَاطِل، فَإِن الْمَكْرُوه مَا ثَبت فِيهِ نهي مَقْصُود، وَهَذَا لم يثبت فِيهِ ذَلِك، وَاحْتج بِحَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب. ٥٦٦٥ - حدّثنا قَبِيصَةُ حَدثنَا سُفْيانُ عنِ ابنِ أبي نَجِيحٍ وأيُّوبَ عنْ مُجاهِدٍ عنْ عبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبي لَيْلَى عنْ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ: مَرَّ بِيَ النبيُّ ﷺ وَأَنا أوقِدِ تَحْتَ القِدْرِ، فَقَالَ: أيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رأْسِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعا الحلَاّقَ فَحَلقَهُ، ثُمَّ أمَرَني بالْفِدَاءِ.

стр. 6423

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَيُؤْذِيك هُوَ أم رَأسك؟ قلت: نعم) فَإِن كَعْبًا أخبر أَن هوَام رَأسه تؤذيه، وَهَذَا لَيْسَ بشكوى مِنْهُ، بل إِنَّمَا أخبرهُ بِهِ لبَيَان الْوَاقِع. وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَابْن أبي نجيح هُوَ عبد الله، وَأَبُو نجيح اسْمه يسَار، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ. والْحَدِيث قد مضى فِي الْحَج فِي: بَاب قَول الله : ﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو بِهِ أَذَى من رَأسه﴾ (الْبَقَرَة: ١٩٦) وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٥٦٦٦ - حدّثنا يَحْيَى بنُ يَحْياى أبُو زَكَرِيَّاءَ أخبرنَا سُلَيْمانُ بنُ بلالٍ عنْ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ القاسمِ بنَ مُحَمَّدٍ قَالَ: قالَتْ عائِشَةُ ﵂: وارَأْساهْ. فَقَالَ رسولُ الله: ذَاكِ لَوْ كانَ وَأَنا حَيٌّ فأسْتَغْفِرُ لَكِ وأدْعُو لكِ، فقالَتْ عائِشَةُ: واثُكْلِياهْ! وَالله إِنِّي لأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي، ولَوْ كانَ ذَاكِ لَظَلِلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعَرِّساً بِبَعضِ أزْوَاجِكَ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : بَلْ أَنا وارأْساهْ لَقدْ هَمَمْتُ أوْ أرَدْتُ أنْ أُرْسِلَ إِلَى أبي بَكْر وابْنِهِ وأعْهَدَ أنْ يَقُولَ القائِلُون أوْ يَتَمَنَّى المُتمَنُّونَ، ثُمَّ قُلْتُ: يأْبَى الله ويَدفَعُ المُؤْمِنُونَ، أوْ: يَدْفَعُ الله ويأْبَى المُؤْمِنُونَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وارأساه) وَيحيى بن يحيى بن بكر بن عبد الرَّحْمَن أَبُو زَكَرِيَّا التَّمِيمِي الْحَنْظَلِي النَّيْسَابُورِي، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ مَوَاضِع يسيرَة فِي الزَّكَاة وَالْوكَالَة وَالتَّفْسِير وَالْأَحْكَام، وَأكْثر عَنهُ مُسلم، وَيُقَال: إِنَّه تفرد بِهَذَا الْإِسْنَاد. وَقَالَ الدمياطي: وَكَانَ من الْعباد الزهاد الْفُضَلَاء، وَقَالَ البُخَارِيّ: مَاتَ يَوْم الْأَرْبَعَاء سلخ صفر سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَيحيى بن سعيد هُوَ الْأنْصَارِيّ، وَالقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق ﵁. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَحْكَام. قَوْله: (ذَاك) بِكَسْر الْكَاف إِشَارَة إِلَى مَا يسْتَلْزم الْمَرَض من الْمَوْت، أَي: لَو مت وَأَنا حَيّ وَأَنا أسْتَغْفر لَك، وَفِي رِوَايَة عبد الله بن عتبَة: لَو مت قبلي فكفنتك ثمَّ صليت عَلَيْك ودفنتك. قَوْله: (واثكلياه) مَنْدُوب، وَقَالَ بَعضهم: واثكلياه بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْكَاف وَفتح اللَّام وبالياء الْخَفِيفَة وَبعد الْألف هَاء ندبة قلت: لَيْسَ كَذَلِك لِأَن ثكلياه لَا يخلوا إِمَّا أَن يكون مصدرا أَو صفة للْمَرْأَة الَّتِي فقدت وَلَدهَا، فَإِن كَانَ مصدرا فالثاء مَضْمُومَة وَاللَّام مَكْسُورَة، وَإِن كَانَ اسْما فالثاء مَفْتُوحَة وَاللَّام كَذَلِك يُقَال: ثكلته أمه ثكلاً بِالضَّمِّ، والثكل فقدان الْمَرْأَة وَلَدهَا، وَكَذَلِكَ الثكل بِفتْحَتَيْنِ، وَامْرَأَة ثاكل وثكلى، وأثكله الله أمه، وَهَذَا لَا يُرَاد بِهِ حَقِيقَته بل هُوَ كَلَام كَانَ يجْرِي على لسانهم عِنْد إِصَابَة مُصِيبَة أَو خوف مَكْرُوه وَنَحْو ذَلِك. قَوْله: (إِنِّي لأظنك تحب موتى) كَأَنَّهَا أخذت ذَلِك من قَوْله (لَهَا: لَو مت قبلي) قَوْله: (وَلَو كَانَ ذَاك) هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني بِغَيْر اللَّام، وَفِي رِوَايَة غَيره: ذَلِك، بِاللَّامِ وَهُوَ إِشَارَة إِلَى مَوتهَا. قَوْله: (لظللت) بِكَسْر اللَّازِم قَوْله: (معرساً) بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْعين وَكسر الرَّاء من أعرس بأَهْله إِذا بنى بهَا، وَكَذَلِكَ إِذا غشيها، ويروى بتَشْديد الرَّاء من التَّعْرِيس يُقَال: أعرس وعرس بِمَعْنى وَاحِد. قَوْله: (بل أَنا وارأساه) أَتَى بِكَلِمَة إضراب لِأَن مَعْنَاهُ دعِي ذكر مَا تجدينه من وجع رَأسك واشتغلي بِي إِذْ لَا بَأْس بك وَأَنت تعيشين بعدِي، عرف ﷺ ، ذَلِك بِالْوَحْي. قَوْله: (أَو أَرَادَت) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (إِلَى أبي بكر وَابْنه) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بعطف لفظ الابْن عَلَيْهِ، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: أَو ابْنه، بِكَلِمَة: أَو الَّتِي هِيَ للشَّكّ أَو للتَّخْيِير، ويروى: إِلَى أبي بكر أَو آتيه، من الْإِتْيَان بِمَعْنى الْمَجِيء، وَنقل عِيَاض عَن بعض الْمُحدثين تصويبها وَخَطأَهُ، وَقَالَ: ويوضح الصَّوَاب قَوْلهَا فِي الحَدِيث الآخر عِنْد مُسلم: ادّعى لي أباكِ وأخاكِ، وَأَيْضًا فَإِن مَجِيئه إِلَى أبي بكر كَانَ متعسراً لِأَنَّهُ عجز عَن حُضُور الصَّلَاة مَعَ قرب مَكَانهَا من بَيته. قَوْله: (واعهد) أَي أوصى بالخلافة لَهُ، يُقَال عهِدت إِلَيْهِ أَي: أوصته. قيل: مَا فَائِدَة ذكر الابْن إِذْ لم يكن لَهُ دخل فِي الْخلَافَة؟ وَأجِيب: بِأَن الْمقَام مقَام استمالة قلب عَائِشَة، يَعْنِي أَن الْأَمر مفوض إِلَى والدك كَذَلِك الايتمار فِي ذَلِك بِحُضُور أَخِيك وأقاربك هم أهل أَمْرِي وَأهل مشورتي، أَو لما أَرَادَ تَفْوِيض الْأَمر إِلَيْهِ بحضورها أَرَادَ إِحْضَار بعض مَحَارمه حَتَّى لَو احْتَاجَ إِلَى رِسَالَة إِلَى أحد أَو قَضَاء حَاجَة لتصدي لذَلِك، وَالله أعلم. قَوْله: (أَن يَقُول الْقَائِلُونَ) أَي: كَرَاهَة أَي: يَقُول الْقَائِلُونَ: الْخلَافَة لفُلَان أَو

стр. 6424

لفُلَان أَو وَاحِد مِنْهُم، يَقُول الْخلَافَة لي، وَكلمَة أَن، مَصْدَرِيَّة، وَيَقُول الْقَائِلُونَ مَحْذُوف. قَوْله: (أَو يتَمَنَّى المتمنون) أَي: الْخلَافَة عينه قطعا للنزاع. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) ، نَاقِلا عَن ابْن التِّين: ضبط فِي غير كتاب بِفَتْح النُّون يَعْنِي النُّون الَّتِي فِي المتمنون، وَإِنَّمَا هُوَ بضَمهَا لِأَن أَصله المتمنيون على زنة المتطهرون، فاستثقلت الضمة على الْيَاء فحذفت فَاجْتمع ساكنان الْيَاء وَالْوَاو فحذفت الْيَاء كَذَلِك وضمت النُّون لأجل الْوَاو إِذْ لَا يَصح وًّو قبلهَا كسرة، وَتبع هَذَا الْكَلَام بَعضهم فِي شَرحه. قلت: ضبط النُّون بِالْفَتْح هُوَ الصَّوَاب وَهُوَ الأَصْل كَمَا فِي قَوْلك: المسمون إِذْ لَا يُقَال فِيهِ بِضَم الْمِيم، وتشبيه الْقَائِل الْمَذْكُور المتمنون بقوله: المتطهرون، غير مُسْتَقِيم لِأَن هَذَا صَحِيح وَذَاكَ معتل اللَّام، وكل هَذَا عجز وقصور عَن قَوَاعِد علم الصّرْف. قَوْله: (يَأْبَى الله) لغير أبي بكر (وَيدْفَع الْمُؤْمِنُونَ) غَيره. قَوْله: (وَيدْفَع) إِلَى آخِره، شكّ من الرَّاوِي فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير. ٥٦٦٧ - حدّثنا مُوسَى حَدثنَا عبْدُ العَزِيزِ بنُ مُسْلِمٍ حَدثنَا سُلَيْمانُ عنْ إبْرَاهيمَ التَّيْمِيِّ عنِ الحارثِ بنِ سُوَيْدٍ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: دخَلْتُ علَى النبيِّ ﷺ وهْوَ يُوعَكُ فَمَسَسْتُهُ فَقُلْتُ: إنَّكَ لَتُوعَكُ وعْكاً شَدِيداً. قَالَ: أجَلْ كَمَا يُوعَكُ رجُلَانِ مِنْكُمْ، قَالَ: لَكَ أجْرَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ مَا منْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أذَى مَرَضٌ فَما سِوَاهُ إلَاّ حَطَّ الله سَيئاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشّجَرَةُ وَرَقَها. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث. ومُوسَى هُوَ ابْن اسماعيل الْمنْقري، وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وَقد مر الحَدِيث عَن قريب فِي: بَاب شدَّة الْمَرَض، وَفِي: بَاب أَشد النَّاس بلَاء، وَفِي: بَاب وضع الْيَد على الْمَرِيض، وَفِي: بَاب مَا يُقَال للْمَرِيض. ٥٦٦٨ - حدّثنا مُوساى بنُ إسْماعِيلَ حَدثنَا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عبْدِ الله بنِ أبي سلَمَةَ أخبرنَا الزُّهْرِيُّ عنْ عامِرٍ بنِ سَعْدٍ عنْ أبيهِ قَالَ: جاءَنَا رسولُ الله ﷺ يَعُودُنِي مِنْ وجَعٍ اشْتَدَّ بِي زَمَنَ حَجَّةِ الوَدَاعِ فَقُلْتُ: بَلَغ بِي مِنَ الوجَعِ مَا تَرَى، وَأَنا ذُو مالٍ وَلَا يَرِثُني إلَاّ ابْنَةٌ لي، أفأتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مالِي؟ قَالَ: لَا قُلْتُ: بالشَّطْرِ؟ قَالَ: لَا قُلْتُ: الثُّلُث؟ قَالَ: الثُّلُثُ كَثيرٌ، أنْ تَدعَ ورَثَتَكَ أغْنِياءَ خَيْرٌ مِنْ أنْ تَذَرهُم عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، ولَنْ تُنْفِقَ نَفَقَة تَبْتَغِي بِها وَجْهَ الله إلَاّ أُجِرْتَ عَليْها حتَّى مَا تَجْعَلُ فِي امرَأتِكَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يعودنِي من وجع اشْتَدَّ بِي) وعامر بن سعد يروي عَن أَبِيه سعد بن أبي وَقاص أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ. والْحَدِيث قد مضى عَن قريب فِي بَاب وضع الْيَد على الْمَرِيض، وَمضى أَيْضا فِي كتاب الْوَصَايَا فِي: بَاب أَن تتْرك وَرثتك أَغْنِيَاء، وَفِي: بَاب الْوَصِيَّة بِالثُّلثِ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مكرراً. قَوْله: (زمن حجَّة الْوَدَاع) وَقد تقدم عَن ابْن عُيَيْنَة: زمن الْفَتْح، وَالْأول أصح. قَوْله: (أَن تدع) أَي: لِأَن تدع. قَوْله: (حَتَّى مَا تجْعَل) كلمة مَا مَوْصُولَة بِمَعْنى: الَّذِي. ١٧ - (بابُ قَوْلِ المَرِيِض قُومُوا عَنِّي) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الْمَرِيض للعواد: قومُوا عني، إِذا وَقع مِنْهُم مَا يَسْتَدْعِي ذَلِك. ٥٦٦٩ - حدّثنا إِبْراهِيمُ بنُ مُوساى حَدثنَا هِشامٌ عنْ مَعْمَر. (ح) وحدّثني عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حَدثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله عَن ابنِ عبَّاسٍ ﵄، قَالَ: لما حُضِرَ رسولُ الله ﷺ وَفِي البَيْتِ رِجالٌ فِيهمْ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ ﵁، قَالَ النبيُّ ﷺ : هَلُمَّ أكْتُبْ لَكُمْ كِتاباً لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ. فَقَالَ عُمَرُ: أنَّ النَّبِي ﷺ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الوَجَعُ وعِنْدَكُمُ القُرآنُ حَسْبُنا كِتابُ الله. فاخْتَلَفَ أهْلُ البَيْتِ فاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمُ النبيُّ ﷺ كِتاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، ومِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ، فَلمَّا أكْثَرُوا اللَّغْوَ والإِخْتِلافَ

стр. 6425

عِنْدَ النبيِّ ﷺ ، قَالَ رسولُ الله ﷺ : قُومُوا. قَالَ عُبَيْدُ الله: فكانَ ابنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرزيَّةِ مَا حالَ بَيْنَ رسولِ الله ﷺ وبَيْنَ أنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذالِكَ الكَتابَ منِ اخْتِلافِهِمْ ولَغَطِهِمْ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (قومُوا) وَلم يقل فِي هَذِه الرِّوَايَة: عني، وَوَقع فِي رِوَايَة كتاب الْعلم: قومُوا عني، وَهُوَ المطابق للتَّرْجَمَة: وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ، وَمعمر هُوَ ابْن رَاشد، وَعبد الله بن مُحَمَّد هُوَ المسندي، وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب كِتَابَة الْعلم وَفِي الْمَغَازِي. قَوْله: (حَدثنَا ابراهيم) ويروى: حَدثنِي إِبْرَاهِيم. قَوْله: (حَدثنَا هِشَام) ويروى: أخبرنَا هِشَام. قَوْله: (لما حضر) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (هَلُمَّ) قيل: كَانَ الْمُنَاسب أَن يَقُول: هلموا. وَأجِيب: بِأَن عِنْد الْحِجَازِيِّينَ يَسْتَوِي فِي: هَلُمَّ الْوَاحِد وَالْجمع. قَوْله: (أكتب لكم) بِالْجَزْمِ وَالرَّفْع. قَوْله: (لن تضلوا) ويروى: لَا تضلوا، بِالنَّفْيِ حذف مِنْهُ النُّون لِأَنَّهُ جَوَاب ثَان لِلْأَمْرِ، أَو بدل عَن الْجَواب الأول. قَوْله: (إِن الرزية) مدغماً وَغير مدغم: الْمُصِيبَة. قَوْله: (ولغطهم) اللَّغط بِفَتْح اللَّام وَفتح الْغَيْن الْمُعْجَمَة: الصَّوْت الْمُخْتَلط. ١٨ - (بابُ مَنْ ذَهَبَ بالصَّبيِّ المَرِيض لِيُدْعاى لهُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من ذهب بِالصَّبِيِّ الْمَرِيض إِلَى الصَّالِحين وَأهل الْفضل ليدعى لَهُ لينْتَفع ببركة الدُّعَاء، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: ليدعو لَهُ، أَي: ليدعو لَهُ من أُتِي بِهِ إِلَيْهِ. ١٩ - (بابُ تَمَنِّي المَرِيضِ المَوْتَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان منع تمني الْمَرِيض الْمَوْت لِشِدَّتِهِ. ٥٦٧١ - حدّثني آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ حَدثنَا ثابِتٌ البُنَانِيُّ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ، ﵁، قالَ النبيُّ ﷺ : لَا يَتَمَنَّيَنْ أحَدُكُمُ المَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أصابَهُ، فإنْ كانَ لَا بُدَّ فاعِلاً فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أحْيني مَا كانَتِ الحَياةُ خَيْراً لِي، وَتَوَفَّنِي إذَا كانَتِ الوَفَاةُ خَيْراً لِي. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الضَّرْب الَّذِي يُصِيب أَعم من أَن يكون من الْمَرَض وَغَيره. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الدَّعْوَات عَن مُحَمَّد بن أَحْمد بن أبي خلف. قَوْله: (لَا يتمنين) بالنُّون الْخَفِيفَة. قَوْله: (أحدكُم) الْخطاب للصحابة وَالْمرَاد هم وَمن بعدهمْ من الْمُسلمين. قَوْله: (من ضرّ) أَي: لأجل ضرّ أَصَابَهُ، وَهُوَ يَشْمَل الْمَرَض وَغَيره من أَنْوَاع الضَّرَر. قَوْله: (فَاعِلا) أَي: متمنياً، وَفِي رِوَايَة الدَّعْوَات: فَإِن كَانَ لَا بُد متمنياً للْمَوْت. قَوْله: (مَا كَانَت الْحَيَاة) أَي: مُدَّة كَون الْحَيَاة خيرا. وَفِيه: النَّهْي عَن تمني الْمَوْت

стр. 6426

عِنْد نزُول البلاءِ. قيل: أَنه مَنْسُوخ بقول يُوسُف ﵇. ﴿توفني مُسلما﴾ (يُوسُف: ١٠١) وَبقول سُلَيْمَان ﵇: ﴿وأدخلني بِرَحْمَتك فِي عِبَادك الصَّالِحين﴾ (الْإِسْرَاء: ٨٠) وَحَدِيث الْبَاب: وألحقني بالرفيق الْأَعْلَى، ودعا عمر بن الْخطاب وَعمر بن عبد الْعَزِيز بِالْمَوْتِ، وردَّ بِأَن هَؤُلَاءِ إِنَّمَا سَأَلُوا مَا قَارن الْمَوْت، فَالْمُرَاد بذلك ألحقنا بدرجاتهم، وَحَدِيث عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ معمر عَن عَليّ بن زيد، وَهُوَ ضَعِيف. ٥٦٧٢ - حدّثني آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةَ عنْ إسْمَاعِيلَ بنِ أبي خالِدٍ عنْ قَيْسِ بنِ أبِي حازِمٍ، قَالَ: دَخَلْنا علَى خَبَّابٍ نَعُودُهُ وقَدِ اكْتَوَى سَبْعَ كيَّاتٍ، فقالَ: إنَّ أصْحابَنا الَّذِينَ سَلَفُوا مَضَوْا ولَمْ تَنْقُصْهُمُ الدُّنْيا، وَإنَّا أصَبْنا مَا لَا نَجِدُ لهُ مَوْضِعاً إلَاّ التُّرابَ، ولَوْلَا أنَّ النبيَّ ﷺ ، نَهَانَا أنْ نَدْعُوَ بالمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ، ثُمَّ أتَيْنَاهُ مَرَّةً أُخْراى وَهُوَ يَبني حائِطاً لَهُ، فَقَالَ: إنَّ المُسْلِمَ يُؤْجَرُ فِي كُلِّ شيءٍ يُنْفِقُهُ إلَاّ فِي شيءٍ يَجْعلُهُ فِي هاذا التُّرابِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَوْلَا أَن النَّبِي ﷺ ، نَهَانَا أَن نَدْعُو بِالْمَوْتِ لَدَعَوْت بِهِ) . وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس، وَإِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد البَجلِيّ وَاسم أبي خَالِد سعد، وَقيل: هُرْمُز، وَقيل: كثير، وَقيس بن أبي حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي، وخباب بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى ابْن الْأَرَت بِفَتْح الْهمزَة وَالرَّاء وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الدَّعْوَات وَفِي الرقَاق. وَأخرجه مُسلم فِي الدَّعْوَات عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن بشار. قَوْله: (نعوده) جملَة حَالية، وَكَذَا قَوْله: (وَقد اكتوى) أَي: فِي بَطْنه، وَالنَّهْي الَّذِي جَاءَ عَن الكي هُوَ لمن يعْتَقد أَن الشِّفَاء من الكي، أما من اعْتقد أَن الله هُوَ الشافي فَلَا بَأْس بِهِ، أَو ذَلِك للقادر على مداواة أُخْرَى وَقد استعجل وَلم يَجعله آخر الدَّوَاء. قَوْله: (إِن أَصْحَابنَا الَّذين سلفوا) كَأَنَّهُ عَنى بهؤلاء الَّذين مَاتُوا فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ . قَوْله: (مضوا وَلم تنقصهم الدُّنْيَا) لأَنهم كَانُوا فِي قلَّة وضيق عَيْش، وَأما الَّذين من بعدهمْ فقد اتسعت لَهُم الدُّنْيَا بِسَبَب الفتوحات وَمَا زَاد من الدُّنْيَا فقد نقص من الْآخِرَة. قَوْله: (وَإِنَّا أصبْنَا) قَول خباب، يَعْنِي: إِنَّا أصبْنَا من الدُّنْيَا مَا لَا نجد لَهُ موضعا يَعْنِي: مصرفاً نصرفه فِيهِ إلَاّ التُّرَاب يَعْنِي: الْبُنيان، فَعلم من هَذَا أَن صرف المَال فِي الْبُنيان مَذْمُوم، لَكِن المذمة فِيمَن بنى مَا يفضل عَنهُ وَلَا يضْطَر إِلَيْهِ، فَذَلِك الَّذِي لَا يُؤجر فِيهِ لِأَنَّهُ من التكاثر الْمنْهِي عَنهُ لَا من بني مَا يكنه، وَلَا غنى بِهِ عَنهُ. قَوْله: (لَدَعَوْت بِهِ) أَي: بِالْمَوْتِ وَذَلِكَ لشدَّة مَا بِهِ من ألم الْمَرَض. قَوْله: (ثمَّ أتيناه مرّة أُخْرَى) هُوَ كَلَام قيس بن أبي حَازِم، أَي: ثمَّ أَتَيْنَا خباباً مرّة ثَانِيَة، وَالْحَال أَن يبْنى حَائِطا لَهُ. قَوْله: (فَقَالَ: إِن الْمُسلم يُؤجر) . . إِلَى آخِره، مَوْقُوف على خباب، وَقد أخرجه الطَّبَرَانِيّ مَرْفُوعا من طَرِيق عمر بن إِسْمَاعِيل بن مجَالد: حَدثنَا أبي عَن بَيَان بن بشر وَإِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد جَمِيعًا عَن قيس بن أبي حَازِم قَالَ: دخلت على خباب نعوده ... فَذكر الحَدِيث وَفِيه: وَهُوَ يعالج حَائِطا لَهُ، فَقَالَ: إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ: الْمُسلم يُؤجر فِي نَفَقَته كلهَا إلَاّ مَا يَجعله فِي التُّرَاب، وَعمر الْمَذْكُور كذبه يحيى بن معِين. ٥٦٧٣ - حدّثنا أبُو اليمَانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبرنِي أبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَوْفٍ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقُولُ: لَنْ يُدْخِلَ أحَداً عَمَلُهُ الجَنَّةَ. قالُوا: وَلَا أنْتَ يَا رسولَ الله؟ قَالَ: وَلَا أَنا، إلَاّ أنْ يَتَغَمَّدَنِي الله بِفَضْلِ مِنْهُ ورَحْمَةٍ، فَسَدِّدُوا وقاربُوا وَلَا يَتَمَنَّيَنْ أحَدُكُمُ المَوْتَ إمَّا مُحْسِناً فَلَعَلَّهُ أنْ يَزْدَاد خَيْراً، وإمَّا مُسِيئاً فَلَعَلَّهُ أنْ يَسْتَعْتبَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا يتمنين) وَأَبُو الْيَمَان بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف الحكم بن نَافِع وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم، وَأَبُو عبيد مصغر العَبْد هُوَ مولى ابْن أَزْهَر واسْمه سعد بن عبيد، وَابْن أَزْهَر هُوَ الَّذِي ينْسب إِلَيْهِ عبد الرَّحْمَن

стр. 6427

بن أَزْهَر بن عَوْف وَهُوَ ابْن أخي عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم إِلَى قَوْله: (فسددوا) بطرق مُخْتَلفَة: مِنْهَا: عَن بشر بن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن رَسُول الله ﷺ إِنَّه قَالَ: لن يُنجي أحدا مِنْكُم عمله، قَالَ رجل: وَلَا إياك يَا رَسُول الله؟ وَلَا إيَّايَ، إِلَّا أَن يتغمدني الله برحمته، وَلَكِن سددوا. وَمِنْهَا: عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: مَا من أحد يدْخلهُ عمله الْجنَّة، فَقيل: وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله؟ قَالَ: وَلَا أَنا إلَاّ أَن يتغمدني رَبِّي برحمة. وَمِنْهَا: عَن سُهَيْل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : لَيْسَ أحد ينجيه عمله، قَالُوا: وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله؟ قَالَ: وَلَا أَنا إِلَّا أَن يتداركني الله مِنْهُ برحمة. وَمِنْهَا: عَن أبي عبيد مولى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن أبي هُرَيْرَة إِلَى آخِره، نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ. وَمِنْهَا: عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : قاربوا وسددوا وَاعْلَمُوا أَنه لن ينجو أحد مِنْكُم بِعَمَلِهِ. . الحَدِيث. قَوْله: (لن يدْخل) بِضَم الْيَاء مضارع مَعْلُوم وفاعله قَوْله: (عمله) و (أحدا) بِالنّصب مَفْعُوله وَالْجنَّة نصبت أَيْضا بِتَقْدِير فِي الْجنَّة. قَوْله: (إِلَّا أَن يتغمدني الله) بالغين الْمُعْجَمَة، يُقَال: تغمده الله برحمته أَي: غمره بهَا وستره بهَا وَألبسهُ رَحمته، وَإِذا اشْتَمَلت على شَيْء فغطيته فقد تغمدته أَي: صرت لَهُ كالغمد للسيف، وَأما الِاسْتِثْنَاء فَهُوَ مُنْقَطع. فَإِن قلت: كل الْمُؤمنِينَ لَا يدْخلُونَ الْجنَّة إلَاّ أَن يتغمدهم الله بفضله فَمَا وَجه تَخْصِيص الذّكر برَسُول الله ﷺ ؟ قلت: تغمد الله لَهُ بِعَيْنِه مَقْطُوع بِهِ، أَو إِذا كَانَ لَهُ بِفضل الله فلغيره بِالطَّرِيقِ الأولى أَن يكون بفضله لَا بِعَمَلِهِ. فَإِن قلت: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَتلك الْجنَّة الَّتِي أورثتموها بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ (الزخرف: ٧٢) قلت الْبَاء لَيست للسَّبَبِيَّة بل للإلصاق أَو المصاحبة أَي: أورثتموها مصاحبة أَو مُلَابسَة لثواب أَعمالكُم. (وَمذهب أهل السّنة) أَنه لَا يثبت بِالْعقلِ ثَوَاب وَلَا عِقَاب بل ثبوتهما بالشريعة، حَتَّى لَو عذب الله تَعَالَى جَمِيع الْمُؤمنِينَ كَانَ عدلا، وَلكنه أخبر بِأَنَّهُ لَا يفعل بل يغْفر للْمُؤْمِنين ويعذب الْكَافرين. (والمعتزلة) يثبتون بِالْعقلِ الثَّوَاب وَالْعِقَاب ويجعلون الطَّاعَة سَببا للثَّواب مُوجبَة لَهُ، وَالْمَعْصِيَة سَببا للعقاب مُوجبَة لَهُ. والْحَدِيث يرد عَلَيْهِم. قَوْله: (فسددوا) أَي أطلبوا السداد أَي الصَّوَاب وَهُوَ مَا بَين الإفراط والتفريط أَي: فَلَا تغلوا وَلَا تقصرُوا وَاعْمَلُوا بِهِ فَإِن عجزتم عَنهُ فقاربوا أَي: أقربوا مِنْهُ، ويروى: فقربوا أَي: قربوا غَيْركُمْ إِلَيْهِ، وَقيل: سددوا مَعْنَاهُ اجعلوا أَعمالكُم مُسْتَقِيمَة وقاربوا أَي: اطْلُبُوا قربَة الله . قَوْله: (وَلَا يتمنين) بنُون التَّأْكِيد الْخَفِيفَة فِي رِوَايَة غير الْكشميهني لَفظه نفي بِمَعْنى النَّهْي، وَفِي رِوَايَته: وَلَا يتمن، بِحَذْف التَّحْتِيَّة وَالنُّون بِلَفْظ النَّهْي. قَوْله: (إِمَّا محسناً) تَقْدِيره: إِمَّا أَن يكون محسناً، ويروى إِمَّا محسن، على تَقْدِير: إِمَّا هُوَ محسن قَوْله: (إِمَّا مسيئاً) فعلى الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورين. قَوْله: (أَن يستعتب) من الاستعتاب وَهُوَ طلب زَوَال العتب، وَهُوَ استفعال من الإعتاب الَّذِي الْهمزَة فِيهِ للسلب لَا من العتب وَهُوَ من الغرائب، أَو من العتبى وَهُوَ الرِّضَا، يُقَال: استعتبته فأعتبني أَي: استرضيته فأرضاني. قَالَ الله : ﴿وَإِن يستعتبوا فَمَا هم من المعتبين﴾ (فصلت: ٢٤) وَالْمَقْصُود يطْلب رضَا الله بِالتَّوْبَةِ ورد الْمَظَالِم. ٥٦٧٤ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ أبي شَيْبَةَ حَدثنَا أبُو أسامَةَ عنْ هِشامٍ عنْ عَبَّادِ بنِ عبْدِ الله بن الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ عائِشَةَ ﵂، قالتْ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ ، وهْوَ مُسْتَنِدٌ إليَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وارْحَمَنِي وألْحِقْنِي بالرَّفِيقِ. (انْظُر الحَدِيث: ٤٤٤٠) . قيل: لَا يُطَابق التَّرْجَمَة لِأَن فِيهِ التَّمَنِّي للْمَوْت إِذْ لَا يُمكن الْإِلْحَاق بالرفيق، وهم أَصْحَاب الْمَلأ الْأَعْلَى، إلَاّ بِالْمَوْتِ. وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَيْسَ بتمنٍ للْمَوْت، غَايَته أَنه مُسْتَلْزم لذَلِك، والمنهي مَا يكون هُوَ الْمَقْصُود لذاته، أَو الْمنْهِي هُوَ الْمُقَيد وَهُوَ مَا يكون من ضرٍ أَصَابَهُ وَهَذَا لَيْسَ مِنْهُ بل للإشتياق إِلَيْهِم، وَيُقَال: إِنَّه قَالَ ذَلِك بعد أَن علم أَنه ميت فِي يَوْمه ذَلِك، وَرَأى الْمَلَائِكَة المبشرين لَهُ عَن ربه بالسرور الْكَامِل، وَلِهَذَا قَالَ لفاطمة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: لَا كرب على أَبِيك بعد الْيَوْم، وَكَانَت نَفسه مفرغة فِي اللحاق بكرامة الله لَهُ وسعادة الْأَبَد، فَكَانَ ذَلِك خيرا لَهُ من كَونه فِي الدُّنْيَا، وَبِهَذَا أَمر أمته حَيْثُ قَالَ: فَلْيقل: اللَّهُمَّ توفني مَا كَانَت الْوَفَاة خيرا لي. وَعبد الله بن أبي شيبَة هُوَ أَبُو بكر صَاحب (المُصَنّف) (والمسند) وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة، وَعباد بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن عبد الله بن الزبير بن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي فِي: بَاب مرض النَّبِي

стр. 6428

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُعلى بن أَسد عَن عبد الْعَزِيز بن مُخْتَار: حَدثنَا هِشَام بن عُرْوَة عَن عباد بن عبد الله بن الزبير ... إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ، والرفيق هم الْمَلَائِكَة أَصْحَاب الْمَلأ الْأَعْلَى. ٢٠ - (بابُ دعاءِ العائِدِ لِلْمَرِيضِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة دُعَاء الْعَائِد للْمَرِيض عِنْد دُخُوله عَلَيْهِ. وقالَتْ عائِشةُ بِنْتُ سَعْدٍ عنْ أبِيها: اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْداً، قالهُ النبيُّ ﷺ . سعد هُوَ سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ طرف من حَدِيثه الطَّوِيل بِالْوَصِيَّةِ بِالثُّلثِ، وَقد مضى مَوْصُولا عَن قريب فِي: بَاب وضع الْيَد على الْمَرِيض. ٥٦٧٥ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ حدّثنَا أبُو عَوانَةَ عنْ مَنْصُور عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَةَ، ﵂، أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ إِذا أتَى مَرِيضاً. أوْ أُتِيَ بِهِ. قَالَ: أذْهِبِ الباسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ وأنْتَ الشَّافي لَا شِفَاءَ إلَاّ شِفاؤُكَ شِفاءً لَا يُغادِرُ سَقَماً. . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو عوَانَة الوضاح، وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، ومسروق بن الأجدع. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عبد الله بن أبي شيبَة وَعَمْرو بن عَليّ فرقهما كِلَاهُمَا عَن يحيى بن سعيد. وَأخرجه مُسلم فِي الطِّبّ عَن شَيبَان بن فروخ وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن مُحَمَّد بن قدامَة وَغَيره. قَوْله: (أَو أَتَى بِهِ) على صِيغَة الْمَجْهُول شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (أذهب) بِفَتْح الْهمزَة من الإذهاب. والبأس بِالنّصب، مَفْعُوله وَهُوَ بِالْبَاء الْمُوَحدَة الشدَّة وَالْعَذَاب والحزن. قَوْله: (رب النَّاس) أَي: يَا رب النَّاس، وحرف النداء مَحْذُوف. قَوْله: (لَا شِفَاء إلَاّ شفاؤك) حصر لتأكيد قَوْله: (أَنْت الشافي) لِأَن خبر الْمُبْتَدَأ إِذا كَانَ مُعَرفا بِاللَّامِ أَفَادَ الْحصْر، لِأَن الدَّوَاء لَا ينفع إِذا لم يخلق الله فِيهِ الشِّفَاء. قَوْله: (شِفَاء لَا يُغَادر سقماً) مكمل لقَوْله: (اشف) ، والجملتان معترضتان بَين الْفِعْل وَالْمَفْعُول الْمُطلق، والتنكير فِي: سقماً، للتقليل، وَمعنى: لَا يُغَادر: لَا يتْرك، من المغادرة وَهُوَ التّرْك، والسقم بِفتْحَتَيْنِ وبضم السِّين وَسُكُون الْقَاف. ﴿وَقَالَ عَمْرُو بنُ أبي قَيْسٍ وإبْرَاهِيمُ بنُ طَهْمَانَ: عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ وَأبى الضُّحَى: إذَا أُتِيَ بالمَريض، وَقَالَ جَرِيرٌ عنْ منْصُورٍ عنْ أبي الضُّحَى وحْدَهُ، وَقَالَ: إذَا أتَى مَرِيضاً﴾ . أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الِاخْتِلَاف فِي قَوْله: (إِذا أَتَى مَرِيضا) أَو: (أَتَى بِهِ) فَقَالَ عَمْرو بن أبي قيس الرَّازِيّ: وَأَصله من الْكُوفَة وَلَا يعرف اسْم أَبِيه وَهُوَ صَدُوق وَلم يخرج لَهُ البُخَارِيّ إلَاّ تَعْلِيقا، وَرِوَايَته: إِذا أَتَى بالمريض، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَكَذَلِكَ رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن طهْمَان كِلَاهُمَا عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَأبي الضُّحَى مُسلم بن صبيح، وَوصل تَعْلِيق إِبْرَاهِيم بن طهْمَان الإسماعلي عَن الْقَاسِم قَالَ: أَنا مُحَمَّد بن إِسْحَاق الصَّنْعَانِيّ حَدثنَا يحيى بن مُعلى الرَّازِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن سَابق حَدثنَا إِبْرَاهِيم بِهِ. قَوْله: (وَقَالَ جرير) أَي: ابْن عبد الحميد عَن مَنْصُور عَن أبي الضُّحَى وَحده أَي: بِدُونِ رِوَايَة إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: (إِذا أَتَى) على صِيغَة بِنَاء الْمَعْلُوم، وَهَذَا وَصله ابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن جرير: إِذا أَتَى الْمَرِيض فَدَعَا لَهُ، وَالله أعلم. ٢١ - (بابُ وُضُوءِ العائِدِ لِلْمَرِيضِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وضوء الْعَائِد عِنْد دُخُوله على الْمَرِيض. ٥٦٧٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حَدثنَا غُنْدَرٌ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ المُنكَدِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عبْدِ الله، ﵄، قَالَ: دَخَلَ علَيَّ النبيُّ ﷺ ، وَأَنا مرِيضٌ، فَتَوَضَّأ فَصَبَّ عَلَيَّ، أوْ قَالَ: صُبُّوا عَليه فَعَقَلْتُ فَقُلْتُ: يَا رسولَ الله ﴿لَا يَرِثُنِي إلَاّ كَلَالَةٌ﴾ فَكَيْفَ المِيرَاثُ؟ فَنَزَلَتْ آيَةُ الفَرَائِضِ.

стр. 6429

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَتَوَضَّأ وصب عَليّ) وغندر لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر. والْحَدِيث قد مضى عَن قريب فِي: بَاب عِيَادَة الْمغمى عَلَيْهِ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. ٢٢ - (بابُ مَنْ دَعا بِرَفْعِ الوَباءِ والحُمَّى) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من دَعَا بِرَفْع الوباء بِالْقصرِ وَالْمدّ، وَهُوَ الطَّاعُون وَالْمَرَض الْعَام، وَقد وبئت الأَرْض فَهِيَ وبئة ووبيئة، ووبئت أَيْضا فَهِيَ موبوءة، والحمى على وزن فعلى اسْم لمَرض مَخْصُوص، وَمِنْه حمَّ الرجل. ٥٦٧٧ - حدّثنا إسْماعِيلُ حدّثني مالِكٌ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ، ﵂، أنَّها قالَتْ: لما قَدِمَ رسولُ الله ﷺ وُعِكَ أبُو بَكْرٍ وبِلَالٌ، قالَتْ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهما فَقُلْتُ: يَا أبَتِ ﴿كَيْفَ تَجِدُكَ؟ وَيَا بِلَالُ﴾ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَتْ: وكانَ أبُو بَكْر إِذا أخَذَتْهُ الحُمَّى يَقُولُ: (كلُّ امْرِىءٍ مُصَبَّحٌ فِي أهْلِهِ ... والمَوْتُ أدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ) وكانَ بِلَالٌ إِذا أُقْلِعَ عنْهُ يَرْفَعُ عَقِيرتَهُ، فَيَقُولُ: (أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادٍ وحَوْلي إذْ خِرٌ وجَليلُ) (وهَلْ أرِدَنْ يَوْماً مِياهَ مِجَنَّةٍ ... وهَلْ يبْدُوَنْ لِي شامةٌ وطَفِيلُ) قَالَ: قالَتْ عائِشَةُ: فَجِئْتُ رسولَ الله ﷺ ، فأخْبَرْتُهُ فَقَالَ: أللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنا المَدِينَة كَحُبِّنا مَكَّةَ أوْ أشَدَّ، وصَحِّحْها وبارِكْ لَنا فِي صاعِها ومُدِّها، وانْقُلْ حُمَّاها فاجْعَلْها بالجُحْفَةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس. والْحَدِيث قد مضى عَن قريب فِي: بَاب عِيَادَة النِّسَاء للرِّجَال. وَمضى الْكَلَام فِي مُسْتَوفى. وَقَالَ ابْن بطال: وضوء الْعَائِد للْمَرِيض إِذا أَتَى فِي الْخَبَر يتبرك بِهِ، وصب المَاء عَلَيْهِ مِمَّا يُرْجَى نَفعه، وَيحْتَمل أَن يكون مرض جَابر الْحمى الَّتِي أمرنَا بإبرادها بِالْمَاءِ، وَيكون صفة الْإِيرَاد هَكَذَا: يتَوَضَّأ الرجل الْفَاضِل وَيصب فضل وضوئِهِ. ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ ٧٦ - (كِتابُ الطِّبِّ) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان الطِّبّ وأنواعه والطب علم يعرف بِهِ أَحْوَال بدن الْإِنْسَان من جِهَة مَا يَصح وَيَزُول عَنهُ الصِّحَّة لتحفظ الصِّحَّة حَاصله وتسترد زائله، والطب على قسمَيْنِ. أَحدهمَا: الْعلم. وَالثَّانِي: الْعَمَل. وَالْعلم هُوَ معرفَة حَقِيقَة الْغَرَض الْمَقْصُود وَهُوَ مَوْضُوع فِي الْفِكر الَّذِي يكون بِهِ التَّدْبِير، وَالْعَمَل: هُوَ خُرُوج ذَلِك الْمَوْضُوع فِي الْفِكر إِلَى الْمُبَاشرَة بالحس وَالْعَمَل بِالْيَدِ. وَالْعلم يَنْقَسِم إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام. أَحدهَا: الْعلم بالأمور الطبيعية. وَالثَّانِي: الْعلم بالأمور الَّتِي لَيست بطبيعية. وَالثَّالِث: الْعلم بالأمور الْخَارِجَة عَن الْأَمر الطبيعي، وَالْمَرَض هُوَ خُرُوج الْجِسْم عَن المجرى الطبيعي والمداواة رده إِلَيْهِ، وَحفظ الصِّحَّة بَقَاؤُهُ عَلَيْهِ، وَذكر ابْن السَّيِّد فِي مثله: أَن الطِّبّ مثلث الطَّاء اسْم الْفِعْل، وَأما الطِّبّ بِفَتْح الطَّاء فَهُوَ الرجل الْعَالم بالأمور، وَكَذَلِكَ الطَّبِيب، وَامْرَأَة طبة، والطب بِالْكَسْرِ السحر، والطب الدَّاء من الإضداد، والطب الشَّهْوَة، هَذِه كلهَا مَكْسُورَة وَفِي (الْمُنْتَهى) لأبي الْمَعَالِي: والطب الحذق بالشَّيْء والرفق، وكل حاذق عِنْد الْعَرَب طَبِيب، وَإِنَّمَا خصوا بِهِ المعالج دون غَيره من الْعلمَاء تَخْصِيصًا وتشريفاً، وَجمع الْقلَّة: أطبة، وَالْكَثْرَة: أطباء، والطب طرائق ترى فِي شُعَاع الشَّمْس إِذا طلعت، وَأما الطِّبّ الَّذِي كَانَ سيدنَا رَسُول الله ﷺ يُشِير إِلَيْهِ يَنْقَسِم إِلَى مَا عرفه من طَرِيق الْوَحْي وَإِلَى مَا عرفه من عادات الْعَرَب، وَإِلَى مَا يُرَاد بِهِ التَّبَرُّك كالاستشفاء بِالْقُرْآنِ. ١ - (بابٌ مَا أنْزَلَ الله دَاءٌ إِلَّا أنْزَلَ لَهُ شِفاءً) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا أنزل الله دَاء أَي: مَا أصَاب الله أحدا بداءٍ إلَاّ قدر لَهُ دواءِ وَالْمرَاد بإنزاله إِنْزَال الْمَلَائِكَة الموكلين بِمُبَاشَرَة

стр. 6430

مخلوقات الأَرْض من الدّاء والداواء. قيل: إِنَّا نجد كثيرا من المرضى يداوون وَلَا يبرؤن. وَأجِيب: إِنَّمَا جَاءَ ذَلِك من الْجَهْل بِحَقِيقَة المداواة، أَو بتشخيص الدَّاء لَا لفقد الدَّوَاء. ٥٦٧٨ - حدّثنا محَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حَدثنَا أبُو أحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ حَدثنَا عَمْرُو بنُ سَعِيدِ بنِ أبي حُسَيْنٍ قَالَ: حدّثني عَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَن النبيِّ ﷺ قَالَ: مَا أنْزَلَ الله دَاءً إلَاّ أنْزَلَ لهُ شِفاءً. الحَدِيث عين التَّرْجَمَة. وَأَبُو أَحْمد هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله الزبيرِي مَنْسُوبا إِلَى مصغر الزبر بالزاي وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء، وَهُوَ جده، وَعمر بن سعيد بن أبي حُسَيْن النَّوْفَلِي الْقرشِي الْمَكِّيّ. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن نصر بن عَليّ وَمُحَمّد بن الْمثنى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَإِبْرَاهِيم بن سعيد الْجَوْهَرِي. قَوْله: (دَوَاء) بِفَتْح الدَّال وَالْمدّ، والدواء فتح داله أفْصح من كسرهَا، قَالَه الْقُرْطُبِيّ: والشفاء مَمْدُود. والْحَدِيث لَيْسَ على عُمُومه، وَاسْتثنى مِنْهُ الْهَرم وَالْمَوْت وَفِيه إِبَاحَة التَّدَاوِي وَجَوَاز الطِّبّ، وَهُوَ رد على الصُّوفِيَّة أَن الْولَايَة لَا تتمّ إلَاّ إِذا رَضِي بِجَمِيعِ مَا نزل بِهِ من الْبلَاء، وَلَا يجوز لَهُ مداواته، وَهُوَ خلاف مَا أَبَاحَهُ الشَّارِع. ٢ - (بابٌ هَلْ يُدَاوِي الرَّجُلُ المَرْأةَ والمَرْأةُ الرَّجُلَ ؟) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ يُقَال: هَل يداوي الرجل الْمَرْأَة؟ اسفهم على سَبِيل الاستخبار، وَلم يجْزم بالحكم اكْتِفَاء بِمَا فِي حَدِيث الْبَاب على عَادَته فِي غَالب التراجم. قَوْله: (وَالْمَرْأَة الرجل؟) أَي: وَهل تداوي الْمَرْأَة الرجل؟ فالرجل فِي الأول مَرْفُوع وَالْمَرْأَة مَنْصُوبَة، وَفِي الثَّانِي بِالْعَكْسِ. ٥٦٧٩ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا بِشْرُ بنُ المُفَضَّلِ عنْ خالِدِ بنِ ذَكْوَانَ عنْ رُبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بنِ عَفْرَاءَ قالَتْ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رسولِ الله ﷺ ، نَسْقِي القَوْمَ ونَخْذُمُهُمْ ونَرُدُّ القَتْلَى والجَرْحَى إِلَى المَدِينَةِ. (انْظُر الحَدِيث ٢٨٨٢ وطرفه) . مطابقته الْجُزْء الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والجزء الأول يعلم بِالْقِيَاسِ. وَبشر بِكَسْر الْبَاء وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة ابْن الْمفضل على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول من التَّفْضِيل بالضاد الْمُعْجَمَة، وخَالِد بن ذكْوَان بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة الْمدنِي، وربيع، بِضَم الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمُشَدّدَة وبالعين الْمُهْملَة: بنت معوذ على صِيغَة اسْم الْفَاعِل من التعويذ بِالْعينِ الْمُهْملَة والذال الْمُعْجَمَة بن عفراء بِالْمدِّ تَأْنِيث الأعفر بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْفَاء وَالرَّاء، وَهِي من الصحابيات المبايعات تَحت الشَّجَرَة، وأبوها معوذ بن الْحَارِث بن رِفَاعَة، وعفراء أمه وَهُوَ الَّذِي قتل أَبَا جهل يَوْم بدر، ثمَّ قَاتل حَتَّى قتل يومئذٍ ببدر شَهِيدا، قَتله أَبُو مسافع. والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب مداواة النِّسَاء الْجَرْحى فِي الْغَزْو. ٣ - (بابٌ الشِّفاءُ فِي ثَلَاثٍ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الشِّفَاء فِي ثَلَاث قَوْله: الشِّفَاء، مُبْتَدأ وَفِي ثَلَاث، خَبره أَي: الشِّفَاء كَائِن فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء، وَلم تقع التَّرْجَمَة فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَكَذَا لم يَقع لفظ: بَاب، للسرخسي. ٥٦٨٠ - حدّثني الحُسَيْنُ حَدثنَا أحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ حَدثنَا مَرْوَانُ بنُ شُجاعٍ حَدثنَا سالِمٌ الأفْطَسُ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، ﵄، قَالَ: الشِّفاء فِي ثَلَاثَةٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ وشَرْطَةِ مِحْجَمٍ وكَيَّةِ نارٍ، وأنْهَى أُمَّتي عنِ الكَيِّ، رَفَعَ الحَديثَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَالْحُسَيْن، كَذَا وَقع غير مَنْسُوب فِي رِوَايَة الْكل، وَجزم جمَاعَة أَنه الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن زِيَاد النَّيْسَابُورِي الْمَعْرُوف بالقباني، وَقَالَ الكلاباذي: كَانَ يلازم البُخَارِيّ لما كَانَ بنيسابور، وعاش بعد البُخَارِيّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سنة، وَكَانَ من أَقْرَان مُسلم، وَرِوَايَة البُخَارِيّ عَنهُ من رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر وَقَالَ الْحَاكِم: هُوَ ابْن يحيى بن جَعْفَر

стр. 6431

البيكندي، وَأحمد بن منبع بِفَتْح الْمِيم وَكسر النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبعين مُهْملَة الْبَغَوِيّ، وَهُوَ من شُيُوخ البُخَارِيّ وَكَانَت وَفَاته فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَله أَربع وَثَمَانُونَ سنة وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث، ومروان ابْن شُجَاع الْجَزرِي، وَسَالم هُوَ ابْن عجلَان الْأَفْطَس الْجَزرِي. والْحَدِيث أخرجه ابْن مَاجَه عَن أَحْمد بن منيع بِهِ، وَهَذَا الحَدِيث أَوله مَوْقُوف لَكِن آخِره يشْعر بِأَنَّهُ مَرْفُوع أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: (رفع الحَدِيث) أَي: رفع ابْن عَبَّاس هَذَا الحَدِيث. قَوْله: (الشِّفَاء فِي ثَلَاث) لم يرد النَّبِي ﷺ ، الْحصْر فِي الثَّلَاثَة فَإِن الشِّفَاء قد يكون فِي غَيرهَا، وَإِنَّمَا نبه بِهَذِهِ الثَّلَاثَة على أصُول العلاج، لِأَن الْمَرَض إِمَّا دموي أَو صفراوي أَو سوداوي أَو بلغمي، فالدموي بِإِخْرَاج الدَّم وَذَلِكَ بالحجامة وَإِنَّمَا خصت بِالذكر لِكَثْرَة اسْتِعْمَال الْعَرَب وإلفهم لَهَا، بِخِلَاف الفصد فَإِنَّهُ، وَإِن كَانَ فِي معنى الحجم، لكنه لم يكن معهوداً، على أَن قَوْله: (وشرطة محجم) يتَنَاوَل الفصد، وَوضع العلق أَيْضا وَغَيرهمَا فِي مَعْنَاهُمَا، والحجم فِي الْبِلَاد الحارة أنجح من الفصد، والفصد فِي الْبِلَاد الَّتِي لَيست بحارة أنجح من الحجم، وَبَقِيَّة الْأَمْرَاض بالدواء المسهل اللَّائِق بِكُل خلط مِنْهَا. وَنبهَ عَلَيْهِ بِذكر الْعَسَل، وَأما الكي فَإِنَّهُ يَقع آخرا لإِخْرَاج مَا يتعسر إِخْرَاجه من الفضلات. فَإِن قلت: كَيفَ نهى عَنهُ مَعَ إثْبَاته الشِّفَاء فِيهِ؟ قلت: هَذَا لكَوْنهم كَانُوا يرَوْنَ أَنه يحسم الدَّاء بطبعه، فكرهه لذَلِك، وَأما إِثْبَات الشِّفَاء فِيهِ عِنْد تَعْيِينه بِالطَّرِيقِ الْموصل إِلَيْهِ فَمَعَ الِاعْتِقَاد بِأَن الله تَعَالَى هُوَ الشافي، وَيُؤْخَذ من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ أَنه لَا يتْرك مُطلقًا وَلَا يسْتَعْمل مُطلقًا، بل يسْتَعْمل بِالْوَجْهِ الَّذِي ذكرنَا، وَكَيف وَقد كوى النَّبِي ﷺ ، سعد بن معَاذ وَغَيره، واكتوى غير وَاحِد من الصَّحَابَة؟ قَوْله: (محجم) ، بِكَسْر الْمِيم الْآلَة الَّتِي يجْتَمع فِيهَا دم الْحجامَة عِنْد المص وَيُرَاد بِهِ هَهُنَا الحديدة الَّتِي يشرط بهَا مَوضِع الْحجامَة، يُقَال: شَرط الحاجم إِذا ضرب على مَوضِع الْحجامَة لإِخْرَاج الدَّم. وَروَاهُ القُمِّيُّ عنْ لَيْثٍ عنْ مُجاهِدٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ عنِ النبيِّ ﷺ : فِي العَسَلِ والحَجْمِ. أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور الفمي بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الْمِيم. قَالَ الجياني: هُوَ يَعْقُوب بن عبد الله بن سعد، ذكره البُخَارِيّ هَاهُنَا اسْتِشْهَادًا. وَفِي (التَّلْوِيح) ، وَوَقع فِي بعض النّسخ الشّعبِيّ، وَالصَّوَاب الأول. قلت: سعد بن مَالك بن هانىء بن عَامر بن أبي عَامر الْأَشْعَرِيّ، فلجده أبي عَامر صُحْبَة، وكنية يَعْقُوب أَبُو الْحسن وَهُوَ من أهل قُم، وَهِي مَدِينَة عَظِيمَة حَصِينَة وَعَلَيْهَا سور، وَأَهْلهَا شيعَة، وَهِي من بِلَاد الجيل، وَهِي عراق الْعَجم، وَمن الرّيّ إِلَى قُم أحد وَعِشْرُونَ فرسخاً، والقمي هَذَا نزل الرّيّ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَقواهُ النَّسَائِيّ، وَمَاله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع، وَلَيْث شَيْخه هُوَ ابْن أبي سليم الْكُوفِي سيء الْحِفْظ، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الْبَزَّار من رِوَايَة عبد الْعَزِيز بن الْخطاب عَنهُ. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَتَبعهُ صَاحب (التَّوْضِيح) وَقَالَ أَبُو نعيم الْحَافِظ فِي (كتاب الطِّبّ) : حَدثنَا عمر بن أَحْمد بن الْحسن أَنا مُحَمَّد بن عُثْمَان بن أبي شيبَة حَدثنَا أَحْمد بن عبد الله بن يُوسُف وجبارة بن الْمُغلس قَالَا: حَدثنَا يَعْقُوب بن عبد الله القمي عَن لَيْث عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ رَسُول الله ﷺ . احتجموا لَا يتبيغ بكم الدَّم فيقتلكم، وَقَالَ بَعضهم: وَقصر بعض الشُّرَّاح فنسبه إِلَى تَخْرِيج أبي نعيم فِي الطِّبّ، وَالَّذِي فِي الطِّبّ عِنْد أبي نعيم حَدِيث آخر فِي الْحجامَة فَذكره. قلت: رمى بِهَذَا التَّقْصِير صَاحِبي (التَّلْوِيح) و (التَّوْضِيح) مَعَ أَن صَاحب (التَّوْضِيح) أحد مشايخه على زَعمه، وَلَيْسَ الَّذِي ذكره بموجه لِأَنَّهُمَا لم يَقُولَا: إِن هَذَا التَّعْلِيق ذكره أَبُو نعيم، ثمَّ ذكر الحَدِيث، وَإِنَّمَا صَاحب (التَّلْوِيح) ذكره من غير تعرض إِلَى ذكر شَيْء، وَإِنَّمَا ذكره لزِيَادَة فَائِدَة نعم شَيْخه. قَالَ: وأسنده أَبُو نعيم، ثمَّ ذكر الحَدِيث، وَلَكِن قَالَ بِلَفْظ: احتجموا، وَلم يَقع مِنْهُ التَّقْصِير إلَاّ فِي قَوْله: وأسنده، أَي: الحَدِيث الْمَذْكُور، وَهَذَا الحَدِيث غير مَذْكُور، وَالله أعلم. قَوْله: (فِي الْعَسَل والحجم) ويروى: والحجامة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني وَلم يَقع ذكر الكي فِي هَذِه الرِّوَايَة، فَلذَلِك ذكره بقوله: (وَرَوَاهُ القمي) إِشَارَة إِلَيْهِ. ٥٦٨١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أخبرنَا سُرَيْجُ بنُ يُونُسَ أبُو الحارِثِ حدَّثنا مَرْوانُ بنُ شُجاعٍ عنْ سالِمٍ الأفْطَسِ عنْ سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَن النبيِّ ﷺ قَالَ:

стр. 6432

الشِّفاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَو شرْبَةِ عَسَلٍ، أَو كَيَّةٍ بِنار، وأنْهَى أمَّتِي عَنِ الكَيِّ. (انْظُر الحَدِيث: ٥٦٨٠) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن عبد الرَّحِيم أَبُو يحيى يُقَال لَهُ صَاعِقَة، وسريج بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء وبالجيم مصغر سرج ابْن يُونُس أَبُو الْحَارِث الْبَغْدَادِيّ، مَاتَ سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. والْحَدِيث قد مر الْآن. ٤ - (بابُ الدَّواءِ بالعَسَلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الدَّوَاء بالعسل، وَهُوَ يذكر وَيُؤَنث، وأسماؤه تزيد على الْمِائَة، وَله مَنَافِع كَثِيرَة. يجلي الأوساخ الَّتِي فِي الْعُرُوق والأمعاء، وَيدْفَع الفضلات، وَيغسل خمل الْمعدة ويسخنها تسخيناً معتدلاً، وَيفتح أَفْوَاه الْعُرُوق، ويشد الْمعدة والكبد والكلى والمثانة، وَفِيه تَحْلِيل للرطوبات أكلا وطلاء وتغذية،. وَفِيه حفظ للمعجونات وإذهاب لكيفية الْأَدْوِيَة المستكرهة، وتنقية للكبد والصدر وإدرار الْبَوْل والطمث، ونفع للسعال الْكَائِن من البلغم، ونفع لأَصْحَاب البلاغم والأمزجة الْبَارِدَة، وَإِذا أضيف إِلَيْهِ الْخلّ نفع أَصْحَاب الصَّفْرَاء، ثمَّ هُوَ غذَاء من الأغذية ودواء من الْأَدْوِيَة وشراب من الْأَشْرِبَة وحلوى من الحلاوات وطلاء من الأطلية ومفرح من المفرحات، وَمن مَنَافِعه أَنه: إِذا شرب حاراً بدهن الْورْد نفع من نهش الْحَيَوَان، وَإِذا شرب بِمَاء نفع من عضة الْكَلْب الْكَلْب، وَإِذا جعل فِيهِ اللَّحْم الطري حفظ طراوته ثَلَاثَة أشهر، وَكَذَا الْخِيَار والقرع والباذنجان والليمون وَنَحْو ذَلِك من الْفَوَاكِه، وَإِذا لطخ بِهِ الْبدن للقمل قتل الْقمل والصيبان، وَطول الشّعْر وَحسنه ونعمه، وَإِن اكتحل بِهِ جلا ظلمَة الْبَصَر، وَإِن اسْتنَّ بِهِ صقل الْأَسْنَان وَحفظ صِحَّتهَا، وَهُوَ عَجِيب فِي حفظ جثة الْمَوْتَى فَلَا يسْرع إِلَيْهَا الْبلَاء وَهُوَ مَعَ ذَلِك مَأْمُون الغائلة قَلِيل الْمضرَّة، وَلم يكن معول قدماء الْأَطِبَّاء فِي الْأَدْوِيَة المركبة إلَاّ عَلَيْهِ، وَلَا ذكر للسكر فِي أَكثر كتبهمْ أصلا، وَهُوَ فِي أَكثر الْأَمْرَاض وَالْأَحْوَال أَنْفَع من السكر لِأَنَّهُ مليح ويجلو ويدر ويحلل وَيغسل، وَهَذِه الْأَفْعَال فِي السكر ضَعِيفَة، وَفِي السكر إرخاء الْمعدة وَلَيْسَ ذَلِك فِي الْعَسَل، وَكَانَ ﷺ يشرب كل يَوْم قدح عسل ممزوجاً بِمَاء على الرِّيق، وَهِي حِكْمَة عَجِيبَة فِي حفظ الصِّحَّة، وَلَا يَعْقِلهَا إلَاّ الْعَالمُونَ، وَكَانَ بعد ذَلِك يتغدى بخبزالشعير مَعَ الْملح أَو الْخلّ وَنَحْوه، ويصابر شطف الْعَيْش وَلَا يضرّهُ لما سبق من شربه الْعَسَل. وقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿فِيهِ شِفَاء للنَّاس﴾ (النَّحْل: ٦٩) . وَقَول الله، بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: الدَّوَاء بالعسل، إِنَّمَا ذكر قَوْله ﴿فِيهِ شِفَاء للنَّاس﴾ (النَّحْل: ٦٩) لينبه بِهِ على فَضِيلَة الْعَسَل على سَائِر مَا يشرب من المشروبات، وَكَيف وَقد أخبر الله بِأَنَّهُ شِفَاء؟ وَكَانَ ابْن عمر ﵄ إِذا خرجت بِهِ قرحَة أَو شَيْء لطخ الْموضع بالعسل، وَيقْرَأ ﴿يخرج من بطونها شراب مُخْتَلف ألوانه فِيهِ شِفَاء للنَّاس﴾ (النَّحْل: ٦٩) وَكَانَ يَقُول: عَلَيْكُم بِالشِّفَاءَيْنِ: الْقُرْآن وَالْعَسَل، وَقَالَ شَقِيق: قَالَ رَسُول الله ﷺ المبطون شَهِيد ودواء المبطون الْعَسَل، فَإِن قلت: الرجل الَّذِي جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: أخي يشتكي بَطْنه! فَقَالَ: اسْقِهِ عسلاً، فَسَقَاهُ فَلم يفده، حَتَّى أَتَى الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة، فَكَذَلِك حَتَّى قَالَ ﷺ : صدق الله وَكذب بطن أَخِيك ... الحَدِيث على مَا يَأْتِي فِي هَذَا الْبَاب. قلت: قد أخبر النَّبِي ﷺ عَن غيب أطلعه الله عَلَيْهِ وأعلمه بِالْوَحْي أَن شفاءه بالعسل، فكرر عَلَيْهِ الْأَمر يسْقِي الْعَسَل ليظْهر مَا وعد بِهِ، وَأَيْضًا قد علم أَن ذَلِك النَّوْع من الْمَرَض يشفيه الْعَسَل. وَقَالَ النَّوَوِيّ: اعْترض بعض الْمَلَاحِدَة فَقَالَ: الْعَسَل مسهل فَكيف يشفي صَاحب الإسهال؟ وَهَذَا جهل من الْمُعْتَرض، وَهُوَ كَمَا قَالَ بل كذبُوا بِمَا لم يحيطوا بِعِلْمِهِ، فَإِن الإسهال يحصل من أَنْوَاع كَثِيرَة، وَمِنْهَا الإسهال الْحَادِث من الهيضة، وَقد أجمع الْأَطِبَّاء على أَن علاجه بِأَن تتْرك الطبيعة وفعلها، وَإِن احْتَاجَت إِلَى معِين على الإسهال أعينت، فَيحْتَمل أَن يكون إسهاله من الهيضة، وَأمره بِشرب الْعَسَل معاونة إِلَى أَن فنيت الْمَادَّة فَوقف الإسهال، وَقد يكون ذَلِك من بَاب التَّبَرُّك، وَمن دُعَائِهِ وَحسن أَثَره وَلَا يكون ذَلِك حكما عَاما لكل النَّاس، وَقد يكون ذَلِك خارقاً للْعَادَة من جملَة المعجزات، وَقيل: الْمَعْنى: فِيهِ شِفَاء لبَعض النَّاس، وَأولُوا الْآيَة وَحَدِيث أبي سعيد الَّذِي يَأْتِي على الْخُصُوص، وَقَالُوا: الْحجامَة وَشرب الْعَسَل والكي إِنَّمَا هِيَ شِفَاء لبَعض الْأَمْرَاض دون بعض، أَلا ترى قَوْله: أَو لذعة بِنَار، توَافق الدَّاء؟ فَشرط ﷺ موافقتها للداء، فَدلَّ هَذَا على أَنَّهَا إِذا لم توَافق الدَّاء فَلَا دَوَاء فِيهَا، وَقد جَاءَ فِي الْقُرْآن مَا لَفظه لفظ الْعُمُوم. وَالْمرَاد بِهِ الْخُصُوص، كَقَوْلِه

стр. 6433

تَعَالَى: ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إلَاّ ليعبدون﴾ يُرِيد الْمُؤمنِينَ، وَقَالَ فِي بلقيس: وَأُوتِيت من كل شَيْء وَلم تؤت ملك سُلَيْمَان ﵊ كثير، وَاخْتلف أهل التَّأْوِيل فِيمَا عَادَتْ عَلَيْهِ الْهَاء فِي قَوْله ﴿فِيهِ شِفَاء للنَّاس﴾ فَقَالَ بَعضهم: على الْقُرْآن وَهُوَ قَول مُجَاهِد، وَقَالَ آخَرُونَ. على الْعَسَل، رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس، وَهُوَ قَول الْحسن وَقَتَادَة وَهُوَ أولى بِدَلِيل حَدِيثي الْبَاب. ٥٦٨٢ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا أبُو أُُسامَةَ قَالَ: أَخْبرنِي هِشامٌ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: كَانَ النبيُّ ﷺ ، يُعْجِبُهُ الحَلْواءُ والعَسَلُ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله (يُعجبهُ) لِأَن الْإِعْجَاب أَعم من أَن يكون على سَبِيل الدَّوَاء أَو الْغذَاء. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْأَشْرِبَة فِي: بَاب شرب الْحَلْوَاء وَالْعَسَل، بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن. ٥٦٨٣ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا عبدُ الرَّحْمانِ بنُ الغَسِيل عنْ عاصِمِ بنِ عُمَرَ بنِ قَتادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ جابِرَ بنِ عبْدِ الله ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النبيَّ، ﷺ ، يَقُولُ: إنْ كانَ فِي شَيءٍ مِنْ أدْوِيَتِكُمْ أوْ: يَكُونُ فِي شيءٍ مِنْ أدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ أوْ لَذْعَةٍ بِنار تُوافِقُ الدَّاءَ، وَمَا أُحِبُّ أنْ أكْتَوِيَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله (أَو شربة عسل) وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وَعبد الرَّحْمَن بن الغسيل، وَاسم الغسيل: حَنْظَلَة بن أبي عَامر الأوسي الْأنْصَارِيّ، اسْتشْهد بِأحد وَهُوَ جنب فغسلته الْمَلَائِكَة، فَقيل لَهُ الغسيل، وَهُوَ فعيل بِمَعْنى مفعول، وَهُوَ جد عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن حَنْظَلَة، وَعبد الرَّحْمَن مَعْدُود فِي صغَار التَّابِعين لِأَنَّهُ رأى أنسا وَسَهل بن سعد، وَجل رِوَايَته عَن التَّابِعين وَهُوَ ثِقَة عِنْد الْأَكْثَرين، وَاخْتلف فِيهِ قَول النَّسَائِيّ، وَقَالَ ابْن حبَان: كَانَ يخطىء كثيرا وَكَانَ قد عمر فجاوز الْمِائَة فَلَعَلَّهُ تغير حفظه فِي الآخر، وَقد احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ، وَعَاصِم بن عمر بن قَتَادَة بن النُّعْمَان الْأنْصَارِيّ الأوسي يكنى أَبَا عمر مَاله فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث وَآخر تقدم فِي: بَاب من بنى مَسْجِدا، فِي أَوَائِل الصَّلَاة، وَهُوَ تَابِعِيّ ثِقَة عِنْدهم، وَقَالَ عبد الْحق فِي (الْأَحْكَام) : وَثَّقَهُ ابْن معِين وَأَبُو زرْعَة وَضَعفه غَيرهمَا، ورد ذَلِك أَبُو الْحسن بن الْقطَّان على عبد الْحق، وَقَالَ: لَا أعرف أحدا ضعفه وَلَا ذكره فِي الضُّعَفَاء. والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الطِّبّ عَن هَارُون بن مَعْرُوف وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن وهب بن بَيَان. قَوْله: (أَو يكون فِي شَيْء) كَذَا وَقع بِالشَّكِّ، وَسَيَأْتِي بعد أَبْوَاب بِاللَّفْظِ الأول بِغَيْر شكّ، وَكَذَا لمُسلم، وَقَالَ ابْن التِّين: الصَّوَاب: أَو يكن لِأَنَّهُ مَعْطُوف على مجزوم فَيكون مَجْزُومًا، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أَحْمد: إِن كَانَ، أَو: إِن يكن، قيل: لَعَلَّ الرَّاوِي أشْبع الضمة فَظن السَّامع أَن فِيهَا واواً فأثبتها، وَفِيه تَأمل. قَوْله: (أَو لذعة) بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وبالعين الْمُهْملَة، واللذع الْخَفِيف من حرق النَّار، وَأما اللدغ بِالدَّال الْمُهْملَة وبالغين الْمُعْجَمَة فَهُوَ عض ذَات السم. قَوْله: (توَافق الدَّاء) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن الكي إِنَّمَا يشرع مِنْهُ مَا يتَعَيَّن أَنه يَزُول الدَّاء بِهِ، وَأَنه لَا يَنْبَغِي التجربة لذَلِك وَلَا اسْتِعْمَاله إلَاّ بعد التحقق. قَوْله: (وَمَا أحب أَن أكتوي) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه يُؤَخر العلاج بِهِ حَتَّى لَا يُوجد الشِّفَاء إلَاّ فِيهِ لما فِيهِ من اسْتِعْمَال الْأَلَم الشَّديد فِي دفع ألم قد يكون أَضْعَف من ألم الكي. ٥٦٨٤ - حدّثنا عَيَّاشُ بنُ الوَلِيدِ حدَّثنا عبْدُ الأعْلى حدَّثنا سَعِيدٌ عنْ قَتادَةَ عنْ أبي المُتَوَكِّلِ عنْ أبي سَعِيدٍ: أنَّ رَجُلاً أتَى النبيَّ ﷺ ، فَقَالَ: أخي يَشْتَكي بَطْنَهُ. فَقَالَ: إسْقِهِ عَسَلاً، ثمَّ أتَى الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: إسْقِهِ عَسَلاً، ثُمَّ أتاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: إسْقِهِ عَسَلاً، ثُمَّ أتَاهُ فَقَالَ: فَعَلْتُ، فَقَالَ: صَدَقَ الله

стр. 6434

وكَذَبَ بَطْنُ أخيكَ، إسْقِهِ عَسَلاً، فَسَقاهُ فَبَرَأ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعَيَّاش بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة ابْن الْوَلِيد النَّرْسِي بالنُّون وَالرَّاء الساكنة وبالسين الْمُهْملَة، وَعبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى، وَسَعِيد بن أبي عرُوبَة، وَأَبُو المتَوَكل هُوَ عَليّ الْبَاجِيّ بالنُّون وَالْجِيم وَالْيَاء الْمُشَدّدَة، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ سعد بن مَالك، والأسناد كلهم بصريون. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن بنْدَار عَن غنْدر. وَأخرجه مُسلم فِي الطِّبّ عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عَليّ وَفِي الْوَلِيمَة أَيْضا عَنهُ بِهِ. قَوْله: (ثمَّ أَتَى الثَّانِيَة) أَي: الْمرة الثَّانِيَة، أَي: فَقَالَ: إِنِّي سقيته فَلم يزده إلَاّ اسْتِطْلَاقًا. قَوْله: (ثمَّ أَتَاهُ) أَي: الْمرة الثَّالِثَة: (فَقَالَ: فعلت) أَي: سقيته فَلم يزده إلَاّ اسْتِطْلَاقًا، قَالَ رَسُول الله ﷺ : (صدق الله) أَي: فِي قَوْله: ﴿يخرج من بطونها شراب مُخْتَلف ألوانه فِيهِ شِفَاء للنَّاس﴾ قَوْله. (وَكذب بطن أَخِيك) إِسْنَاد الْكَذِب إِلَى الْبَطن مجَاز، لِأَن الْكَذِب يخْتَص بالأقوال فَجعل، بطن أَخِيه حَيْثُ لم ينجع فِيهِ الْعَسَل كذبا لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿فِيهِ شِفَاء للنَّاس﴾ . وَيُقَال: الْعَرَب تسْتَعْمل الْكَذِب بِمَعْنى الْخَطَأ وَالْفساد، فَتَقول: كذب سَمْعِي، أَي: زل وَلم يدْرك مَا سَمعه، فكذب بَطْنه حَيْثُ مَا صلح للشفاء فزل عَن ذَلِك. قَوْله: (اسْقِهِ عسلاً) هَذَا بعد الرَّابِعَة (فَسَقَاهُ فبرأ) وأوضح هَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم حَيْثُ قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: إِن أخي اسْتطْلقَ بَطْنه، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إسقه عسلاً فَسَقَاهُ، ثمَّ جَاءَ فَقَالَ: إِنِّي سقيته فَلم يزده إلَاّ اسْتِطْلَاقًا، فَقَالَ لَهُ ثَلَاث مَرَّات، ثمَّ جَاءَ الرَّابِعَة فَقَالَ: إسقه عسلاً، فَقَالَ: لقد سقيته فَلم يزده إلَاّ اسْتِطْلَاقًا، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : صدق الله وَكذب بطن أَخِيك، فَسَقَاهُ فبرأ. يُقَال أَبْرَأ من الْمَرَض برءاً بِالْفَتْح فَأَنا بارىء، وأبرأني من الْمَرَض، وَغير أهل الْحجاز يَقُولُونَ: بَرِئت، بِالْكَسْرِ برءاً بِالضَّمِّ، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يَقُول: بَرِئت مِنْك وَمن الدُّيُون والعيوب بَرَاءَة، وبرئت من الْمَرَض برءاً بِالضَّمِّ، وَأهل الْحجاز يَقُولُونَ: برأت من الْمَرَض برءاً بِالْفَتْح، وَأصْبح فلَان بارئاً من الْمَرَض، وأبرأه الله من الْمَرَض، وبرأ الله الْخلق برأَ أَيْضا، يَعْنِي بِالْفَتْح، وَبَقِيَّة الْكَلَام قد مرت عَن قريب. ٥ - (بابُ الدَّواءِ بألْبانِ الإبِلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الدَّوَاء بألبان الْإِبِل فِي الْمَرَض الملائم لَهُ. ٥٦٨٥ - حدّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهيمَ حدَّثنا سلَاّمُ بنُ مِسْكين حدَّثنا ثابِتٌ عنْ أنَسٍ أنَّ ناسَاً كانَ بِهِم سَقَمٌ قَالُوا: يَا رسولَ الله! آوِنا وأطْعِمْنا، فَلَمَّا صَحُّوا قَالُوا: إنَّ المَدِينَةَ وَخِمَةٌ، فأنْزَلَهُم الحَرَّةَ فِي ذَوْدٍ لهُ، فَقَالَ: اشْرَبُوا مِنْ ألْبانَها، فَلَمَّا صَحُّوا قَتلُوا رَاعِيَ النبيِّ ﷺ واسْتاقوا ذَوْدَهُ، فبَعَثَ فِي آثارِهِمْ فَقَطَعَ أيْدِيَهُمْ وَأرْجُلَهُمْ وسَمَرَ أعْيُنَهُمْ، فَرَأيْتُ الرَّجُلَ مِنْهُمْ يَكْدُمُ الأرْضَ بِلِسانِهِ حتَّى يَمُوتَ. قَالَ سَلَاّمٌ فَبَلَغَني أنَّ الحجَّاج قَالَ لأنَسٍ: حَدِّثْني بِأشَدِّ عُقُوبَةٍ عاقَبَهُ النبيُّ ﷺ فَحَدَّثهُ بهاذَا، فَبَلَغَ الحَسَنَ فَقَالَ: وَدِدْتُ أنَّهُ لَمْ يُحَدِّثْهُ بِهذَا. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله (اشربوا من أَلْبَانهَا) وَسَلام بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد اللَّام بن مِسْكين الْأَزْدِيّ النمري، وَمَا لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَآخر سَيَأْتِي فِي الْأَدَب، قيل: وَقع فِي اللبَاس عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل: حَدثنَا سَلام عَن عُثْمَان بن عبد الله، فَزعم الكلاباذي أَنه سَلام بن مِسْكين، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ سَلام بن أبي مُطِيع، وثابت ضد الزائل الْبنانِيّ عَن أنس بن مَالك ﵁. وَرِجَال هَذَا الْإِسْنَاد كلهم بصريون. وَهَذَا (حَدِيث العرنيين) وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب أَبْوَال الْإِبِل وَالدَّوَاب. قَوْله: (إِن نَاسا) زَاد بهز فِي رِوَايَته: من أهل الْحجاز. قَوْله: (كَانَ بهم سقم) بِفَتْح السِّين وَضمّهَا مثل حزن وحزن بِفتْحَتَيْنِ أَيْضا. قَوْله: (آونا) بِالْهَمْزَةِ الممدودة وَكسر الْوَاو، أَي: أنزلنَا فِي مأوى وَهُوَ الْمنزل، من آوى يؤوي وثلاثيه: أَوَى يأوي، يُقَال: أويت إِلَى الْمنزل، وآويت غَيْرِي، وأويته بِالْقصرِ أَيْضا أنكرهُ بَعضهم. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: هِيَ لُغَة فصيحة. قَوْله: (فَلَمَّا صحوا) فِيهِ حذف تَقْدِيره: فآواهم وأطعمهم فَلَمَّا صحوا قَالُوا: إِن الْمَدِينَة وخمة، بِفَتْح الْوَاو وَكسر

стр. 6435

الْخَاء الْمُعْجَمَة أَي: غير مُوَافقَة لساكنها. قَوْله (فأنزلهم الْحرَّة) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء، وَهِي أَرض ذَات حِجَارَة سود. قَوْله: (فِي ذود) أَي: بَين ذود، بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو وبالدال الْمُهْملَة، وَهُوَ من الْإِبِل مَا بَين ثَلَاثَة إِلَى عشرَة، وَذكر ابْن سعد: كَانَ عدد الذود خمس عشرَة. قَوْله من أَلْبَانهَا وَتقدم فِي رِوَايَة أبي قلَابَة من أَلْبَانهَا وَأَبْوَالهَا. قَوْله: (فَلَمَّا صحوا) فِيهِ حذف أَيْضا تَقْدِيره: فَخَرجُوا فَشَرِبُوا فَلَمَّا صحوا قتلوا الرَّاعِي إِلَى آخِره. قَوْله: (وَسمر أَعينهم) كَذَا بالراء فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وسمل، بِاللَّامِ مَوضِع الرَّاء، وَمعنى: سمر كحلها بالمسامير المحماة، يُقَال: سمرت بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف، وَمعنى: سمل أَعينهم، أَي: فقاها بحديدة محماة أَو غَيرهَا، وَقيل: هُوَ فقؤها بالشوك، وَإِنَّمَا فعل بهم ذَلِك لأَنهم فعلوا بالراعي كَذَلِك، فجازاهم على صنعهم، وَقيل: إِن هَذَا كَانَ قبل أَن ينزل الْحُدُود، فَلَمَّا نزلت نهى عَن الْمثلَة. قَوْله: (يكدم الأَرْض) بِضَم الدَّال وَكسرهَا من الكدم وَهُوَ العض بِأَدْنَى الْفَم كالحمار، وَزَاد بهز فِي رِوَايَته: مِمَّا يجد من الْغم والوجع. قَوْله: (قَالَ سَلام) أَي: سَلام بن مِسْكين، هُوَ مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور. قَوْله: (إِن الْحجَّاج) هُوَ ابْن يُوسُف الثَّقَفِيّ حَاكم الْعرَاق الْمَشْهُور. قَوْله: (عَافِيَة) كَذَا بالتذكير بِاعْتِبَار الْعقَاب، وَفِي رِوَايَة بهز: عاقبها، على ظَاهر اللَّفْظ. قَوْله: (فَبلغ الْحسن) أَي: الْبَصْرِيّ، وَإِنَّمَا قَالَ: وددت، لِأَن الْحجَّاج كَانَ ظَالِما يتَمَسَّك فِي الظُّلم بِأَدْنَى شَيْء، وَفِي رِوَايَة بهز: فوَاللَّه مَا انْتهى الْحجَّاج حَتَّى قَامَ بهَا على الْمِنْبَر، فَقَالَ: حَدثنَا أنس فَذكره، وَقَالَ: قطع النَّبِي ﷺ الْأَيْدِي والأرجل وَسمر الْأَعْين فِي مَعْصِيّة الله، أَفلا نَفْعل نَحْو ذَلِك فِي مَعْصِيّة الله وسَاق الْإِسْمَاعِيلِيّ من وَجه آخر عَن ثَابت: حَدثنِي أنس قَالَ: مَا نَدِمت على شَيْء مَا نَدِمت على حَدِيث حدثت بِهِ الْحجَّاج، فَذكره. ٦ - (بابُ الدَّواءِ بِأبْوَالِ الإِِبِلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّدَاوِي بأبوال الْإِبِل. ٥٦٨٦ - حدّثنا مُوسَى بنُ اسْماعِيلَ حدَّثنا هَمَّامٌ عنْ قَتادَةَ عنْ أنَسِ ﵁ أنَّ نَاسا اجْتَوَوْا فِي المَدِينَةِ فأمَرَهُمُ النبيُّ ﷺ ، أنْ يَلْحَقُوا بِراعِيهِ يَعْني: الإبِلَ فَيَشْرَبُوا مِنْ ألْبانِها وَأبْوالِها، فَلَحِقُوا براعِيهِ فَشَرِبُوا مِنْ ألْبانِها وأبْوالِها حتَّى صَلَحَتْ أبْدانُهُمْ، فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَسَاقُوا الإِبِلَ، فَبَلَغَ النبيَّ ﷺ ، فَبَعَث فِي طَلَبِهِمْ فَجِيءَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أيْدِيَهُمْ وأرْجُلُهمْ وسَمّرَ أعْيُنَهُمْ. قَالَ قَتادَةُ: فَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ أنَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ الحُدُودُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأَبُو الها) وَهَمَّام هُوَ ابْن يحيى بن دِينَار. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن هدبة. قَوْله: (اجتووا فِي الْمَدِينَة) كَذَا هُوَ بِإِثْبَات: فِي، وَهِي ظرفية أَي: حصل لَهُم الجوى بِالْجِيم وهم فِي الْمَدِينَة، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي قلَابَة عَن أنس: اجتووا الْمَدِينَة، بِدُونِ كلمة: فِي، أَي كَرهُوا الْإِقَامَة بهَا. قَالَ الْجَوْهَرِي: اجتويت الْبَلدة إِذا كرهتها، والجوى الْمَرَض وداء الْجوف إِذا تطاول. قَوْله: (براعيه يَعْنِي: الْإِبِل) كَذَا فِي الأَصْل، وَفِي رِوَايَة مُسلم من هَذَا الْوَجْه: أَن يلْحقُوا براعي الْإِبِل. قَوْله: (حَتَّى صلحت) بِفَتْح اللَّام، قَالَ الْجَوْهَرِي: يَقُول: صلح الشَّيْء يصلح صلوحاً، وَحكى الْفراء الضَّم، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: حَتَّى صحت. قَوْله: (قَالَ قَتَادَة) هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (إِن ذَلِك) إِشَارَة إِلَى قَوْله: (وَسمر أَعينهم) وَيُعَكر على قَول قَتَادَة عَن مُحَمَّد بن سِيرِين رِوَايَة مُسلم من طَرِيق سُلَيْمَان التَّيْمِيّ، وَإِنَّمَا سملهم النَّبِي ﷺ لأَنهم سملوا أعين الرُّعَاة. ٧ - (بابُ الحَبَّةِ السَّوْداءِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْحبَّة السَّوْدَاء، وَذكر مَنَافِعهَا، وَقد فَسرهَا الزُّهْرِيّ بِأَنَّهَا الشونيز، على مَا يجيءْ فِي آخر الْبَاب قَالَ الْقُرْطُبِيّ: الشونيز قَيده بعض مَشَايِخنَا بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الشينيز، كَذَا تَقول الْعَرَب، وَقَالَ غَيره الشونيز، بِالضَّمِّ وَهِي الْحبَّة الخضراء، وَالْعرب تسمي الْأَخْضَر أسود وَالْأسود أَخْضَر. وَقَالَ عبد اللَّطِيف الْبَغْدَادِيّ الْمَعْرُوف بالمطجن: هُوَ الكمون الْأسود، وَيُسمى: الكمون الْهِنْدِيّ، وَمن مَنَافِعه أَنه يجلو وَيقطع ويحلل ويشفي من الزُّكَام

стр. 6436

إِذا قلي واشتم، وَيقتل الدُّود إِذا أكل على الرِّيق، وَإِذا وضع فِي الْبَطن من خَارج لطوخاً ودهنه ينفع من دَاء الْحَيَّة، وَمن الثآليل والخيلان، وَإِذا شرب مِنْهُ مِثْقَال نفع من البهر وضيق النَّفس ويحدر الطمث المحتبس، والضماد بِهِ ينفع الصداع الْبَارِدَة، وَإِذ نقع مِنْهُ سبع حبات بِالْعدَدِ فِي لبن امْرَأَة سَاعَة وسعط بِهِ صَاحب اليرقان نفع نفعا بليغاً، وَإِذا طبخ بخلٍّ وخشب الصنوبر نفع من وجع الْأَسْنَان من برد مضمضة، ويدر الطمث وَالْبَوْل وَاللَّبن، وَإِذا شرب بنطرون شفى من عسر النَّفس وينفع من شَرّ الرتيلاء، ودخنته تطرد الْهَوَام، وخاصيته تذْهب الجشاء الحامض الْكَائِن من البلغم والسوداء، وَإِذا تضمد بِهِ مَعَ الْخلّ نفع البثور والجرب المنقرح وحلل الأورام البلغمية المزمنة والأورام الصلبة، وَإِذا خلط ببول عَتيق وَوضع على الثآليل المسمارية قلعهَا، وَإِذا ضمدت بِهِ السن أخرج الدُّود الطّواف، وَإِذا نقع بخل واستعط بِهِ نفع من الأوجاع المزمنة فِي الرَّأْس وَمن اللقوة، وينفع من البهق والبرص طلاء بالخل، ويسقى بِالْمَاءِ الْحَار وَالْعَسَل للحصاة فِي المثانة والكلى، وَإِن عجن بِمَاء الشيح أخرج الْحَيَّات من الْبَطن، وَإِذا حرق وخلط بشمع مذاب ودهن سوسن وطلي على الرَّأْس نفع من تناثر الشّعْر، وَإِذا سحق مَعَ دم الأفاعي أَو دم الخطاطيف وطلي بِهِ الرضخ جبره، وَإِذا استعط بدهنه نفع من الفالج والكززاز وَقطع البلة وَالْبرد الَّذِي يجْتَمع فَيصير مِنْهُ الفالج، وَإِذا سحق ونخل واستف مِنْهُ كل يَوْم دِرْهَمَيْنِ نفع من عضة الْكَلْب الْكَلْب، وَإِذا سحق وَشرب بسكنجبين نفع من حميات الرّبع المتقادمة، وَإِذا عجن بِسمن وَعسل نفع من أوجاع النُّفَسَاء عِنْد امتساك دم النّفاس، وينفع أَيْضا لوجع الْأَرْحَام، وَإِذا نثر على مقدم الرَّأْس سخنه ونفع من توالي النزلات، وَإِذا خلط فِي الأكحال جفف المَاء النَّازِل فِي الْعين، وَإِذا عجن بخل ودهنِ وردٍ نفع من أَنْوَاع الجرب، وَإِذا ضمد بِهِ أوجاع المفاصل نَفعهَا، وَيخرج الأجنة أَحيَاء وموتى والمشيمة. ٥٦٨٧ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ أبي شَيْبَةَ حدَّثنا عُبَيْدُ الله حدَّثنا إسْرائِيلُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ خالِدِ بنِ سَعْدٍ، قَالَ: خَرَجْنا ومَعَنا غالِبُ بنُ أبْجَر فَمَرِضَ فِي الطَّرِيقِ، فقَدِمْنا المَدِينَةَ وَهْوَ مَرِيضٌ، فَعادَهُ ابنُ أبي عَتِيقٍ فَقَالَ لنا: عَلَيْكُمْ بِهاذِهِ الحُبَيْبَةِ السَّوَيْداءِ فَخُذُوا مِنْها خَمْساً أوْ سبْعاً فاسْحَقُوها ثُمَّ اقْطُرُوها فِي أنْفِهِ بِقَطَراتِ زَيْتٍ فِي هاذَا الجانِبِ وَفي هَذَا الجانِبِ، فإِنَّ عائِشةَ ﵂ حدَّثَتْني أنَّها سَمعَتِ النبيَّ ﷺ يَقُولُ: إنَّ هاذِهِ الحَبَّةَ السَّوْداءَ شِفاءٌ مِنْ كُلِّ داءٍ إِلَّا مِنَ السَّامِ. قُلْتُ: وَمَا السَّامُ؟ قَالَ: المَوْتُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِن فِي هَذِه الْحبَّة السَّوْدَاء) وَعبد الله بن أبي شيبَة كَذَا سَمَّاهُ وَنسبه لجده وَهُوَ عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي شيبَة، واسْمه إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان الْعَبْسِي الْكُوفِي، وكنيته أَبُو بكر وشهرته بكنيته أَكثر من اسْمه، مَاتَ فِي الْمحرم سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَعبيد الله هُوَ ابْن مُوسَى الْكُوفِي، وَهُوَ من كبار مَشَايِخ البُخَارِيّ، وروى عَنهُ هُنَا بالواسطة، وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وخَالِد بن سعد مولى أبي مَسْعُود البدري الْأنْصَارِيّ، وَمَا لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث، وغالب بن أبجر بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْجِيم وبالراء، هُوَ الصَّحَابِيّ الَّذِي سَأَلَ النَّبِي ﷺ عَن الْحمر الْأَهْلِيَّة، وَحَدِيثه عِنْد أبي دَاوُد، وَابْن أبي عَتيق هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق ﵁. والْحَدِيث أخرجه ابْن ماجة أَيْضا عَن عبد الله بن أبي شيبَة شيخ البُخَارِيّ، وَهَذَا حَدِيث عَزِيز. قَوْله: (بِهَذِهِ الحبيبة السويداء) وَكَذَا وَقع بِالتَّصْغِيرِ فيهمَا، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: السَّوْدَاء. قَوْله: (فَإِن عَائِشَة حَدَّثتنِي: أَن فِي هَذِه الْحبَّة السَّوْدَاء شِفَاء) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أَن فِي هَذِه الْحبَّة شِفَاء، وَفِي رِوَايَة: هَذِه الْحبَّة السَّوْدَاء الَّتِي تكون فِي الْملح، يُرِيد بِهِ الكمون، وَكَانَت عَادَتهم جرت أَن يخلط بالملح. قَوْله: (من كل دَاء) بِعُمُومِهِ يتَنَاوَل الِانْتِفَاع بالحبة السَّوْدَاء فِي كل دَاء غير الْمَوْت، وأوله الْمُوفق الْبَغْدَادِيّ بأكبر الأدواء، وَعدد جملَة من مَنَافِعهَا، وَكَذَا قَالَ

стр. 6437

الْخطابِيّ: هُوَ من الْعُمُوم الَّذِي أُرِيد بِهِ الْخُصُوص وَلَيْسَ بجتمع فِي شَيْء من النَّبَات جَمِيع القوى الَّتِي تقَابل الطبائع كلهَا فِي معالجة الْأَدْوِيَة، وَإِنَّمَا أَرَادَ: شِفَاء كل دَاء يحدث من الرُّطُوبَة والبلغم لِأَنَّهُ حَار يَابِس، وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل إِرَادَة الْعُمُوم مِنْهُ بِأَن يكون شِفَاء للْكُلّ لَكِن بِشَرْط تركيبه مَعَ الْغَيْر، وَلَا مَحْذُور فِيهِ، بل تجب إِرَادَة الْعُمُوم لِأَن جَوَاز الِاسْتِثْنَاء معيار وُقُوع الْعُمُوم، فَهُوَ أَمر مُمكن. وَقد أخبر الصَّادِق عَنهُ، اللَّفْظ عَام بِدَلِيل الِاسْتِثْنَاء أفيجب القَوْل بِهِ؟ وَقَالَ أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ: الْعَسَل عِنْد الْأَطِبَّاء أقرب إِلَى أَن يكون دَوَاء لكل دَاء من الْحبَّة السَّوْدَاء، وَمَعَ ذَلِك فَإِن من الْأَمْرَاض مَا لَو شرب صَاحبه الْعَسَل لتأذى بِهِ، وَإِذا كَانَ المُرَاد بقوله: فِي الْعَسَل ﴿فِيهِ شِفَاء للنَّاس﴾ (النَّحْل: ٦٩) الْأَكْثَر الْأَغْلَب، فَحمل الْحبَّة السَّوْدَاء على ذَلِك أولى، وَقَالَ غَيره: كَانَ ﷺ يصف الدَّوَاء بِحَسب مَا يُشَاهِدهُ من حَال الْمَرِيض، فَلَعَلَّ قَوْله: (فِي الْحبَّة السَّوْدَاء) وَافق مرض من مزاجه بَارِد فَيكون معنى قَوْله: (شِفَاء من كل دَاء) أَي: من هَذَا الْجِنْس الَّذِي وَقع فِيهِ القَوْل، والتخصيص بالحيثية كثير شَائِع. وَقَالَ ابْن أبي حَمْزَة، ﵀: تكلم نَاس فِي هَذَا الحَدِيث وخصوا عُمُومه وردوه إِلَى قَول أهل الطِّبّ والتجربة، ولإخفاء بغلط قَائِل ذَلِك، وَذَلِكَ لأَنا إِذا صدقنا أهل الطِّبّ ومدار علمهمْ غَالِبا إِنَّا هُوَ على التجربة الَّتِي بناؤها على ظن غَالب فتصديق من لَا ينْطق عَن الْهوى أولى بِالْقبُولِ من كَلَامهم. قَوْله: (إِلَّا من السَّام) بتَخْفِيف الْمِيم. قَوْله: (قلت: وَمَا السام؟ قَالَ: الْمَوْت) لم يدر السَّائِل وَلَا المجبب، وَقيل بِالظَّنِّ: إِن السَّائِل خَالِد بن سعد، والمجيب ابْن أبي عَتيق. ٥٦٨٨ - حدّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرِ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ، قالَ: أخْبَرَنِي أبُو سَلَمَة وسَعيدُ بنُ المسَيِّبِ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أخْبَرَهُما، أنَّهُ سمِعَ رسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: فِي الحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفاءٌ مِنْ كُلِّ داءٍ إلَاّ السَّامَ. قَالَ ابنُ شهابٍ: والسامُ: المَوْتُ، والحَبَّةُ السَّوْدَاءُ: الشُّونِيزُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعقيل بِضَم الْعين بن خَالِد، وَأَبُو سَلمَة هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطِّبّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن رمح. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رمح وَعَمْرو بن الْحَارِث. قَوْله: (قَالَ ابْن شهَاب) هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ الرَّاوِي: (السام الْمَوْت) وَأَنه فسر السام بِالْمَوْتِ والحبة السَّوْدَاء بالشونيز، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي أول الْبَاب، وَقد قَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي (غَرِيب الحَدِيث) عَن الْحسن الْبَصْرِيّ: إِن الْحبَّة السَّوْدَاء الْخَرْدَل، وَحكى أَبُو عبيد الْهَرَوِيّ فِي (الغريبين) : أَنَّهَا ثَمَرَة البطم، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الطَّاء الْمُهْملَة وَاسم شَجَرهَا الضرو، بِكَسْر الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء. قلت: البطم كثيرا مَا ينْبت فِي الْبِلَاد الشمالية، وَهُوَ حب أَخْضَر يُقَارب الحمص يَأْكُلهُ أهل الْبِلَاد كثيرا، ويجعلونه فِي الأقراص يستخرجون مِنْهُ الدّهن ويأكولنه وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: تَفْسِير الْحبَّة السَّوْدَاء بالشونيز أولى من وَجْهَيْن. أَحدهمَا: أَنه قَول الْأَكْثَر. وَالثَّانِي: كَون مَنَافِعهَا أَكثر، بِخِلَاف الْخَرْدَل والبطم. ٨ - (بابُ التَّلْبِينةِ لِلْمَرِيضِ) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر التلبينة وصنعها للْمَرِيض، وَقد مر فِي كتاب الْأَطْعِمَة: بَاب التلبينة، وَزَاد هُنَا لفظ: للْمَرِيض، وَهِي بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون اللَّام وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح النُّون وبالهاء، وَقد يُقَال: بِلَا هَاء، وَقد مر تَفْسِيرهَا هُنَاكَ. ٥٦٨٩ - حدّثنا حِبَّانُ بنُ مُوسَى أخبرنَا عبْدُ الله أخبرنَا يُونُسُ بنُ يَزِيدَ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَة ﵂ أَنَّهَا كانَتْ تَأْمُرُ بِالتَّلْبِينِ لِلْمَرِيض ولِلْمَحْزُونِ عَلَى الْهالِكِ وكانَتْ تَقُولُ: إنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: إنَّ التَّلْبِينَةَ تُجِمُّ فُؤَادَ المَرِيضِ وتَذْهَبُ بِبَعْضِ الحُزْنِ. (انْظُر الحَدِيث ٥٤١٧ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وحبان بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنون الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي. والْحَدِيث مر فِي كتاب الْأَطْعِمَة، وَمر الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (وللمحزون على الْهَالِك) أَي: الْمُصَاب، أَي: أهل الْمَيِّت.

стр. 6438

قَوْله: (تجم) بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَضم الْجِيم، ويروى بِضَم أَوله وَكسر ثَانِيه، وهما بِمَعْنى أَي: تريح، والجمام الرَّاحَة ومادته جِيم وَمِيم، وَقيل: مَعْنَاهُ تجمع وتكمل صَلَاحه ونشاطه، وَقَالَ ابْن بطال: ويروى: تخم، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أَي: تنقي، والمخمة المكنة. قَوْله: (وَتذهب) من الإذهاب. وَفِيه: أَن الْجُوع يزِيد الْحزن وَأَن التلبينة تذْهب الْجُوع، وَقَالَ الدَّاودِيّ: يُؤْخَذ الْعَجِين غير خمير فَيخرج مَاؤُهُ وَيجْعَل حسواً، وَهُوَ كثير النَّفْع على قلَّته لِأَنَّهُ لباب لَا يخالطه شَيْء. ٥٦٩٠ - حدّثنا فَرْوَةُ بنُ أبي المَغْراءِ حدَّثنا عَلِيُّ بنُ مُسْهِرٍ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ: أنَّها كانَتْ تَأْمُرُ بالتَّلْبِينَةِ، وتَقُولُ: هُوَ البَغِيضُ النَّافِعُ. (انْظُر الحَدِيث ٥٤١٧ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وفروة بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وبالواو، وَابْن أبي المغراء بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة وبالراء وَالْمدّ الْكِنْدِيّ بالنُّون وَالدَّال الْمُهْملَة، وَعلي بن مسْهر على صِيغَة اسْم الْفَاعِل من الإسهار بِالسِّين الْمُهْملَة، قَاضِي الْموصل، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (هُوَ البغيض) بِالْبَاء الْمُوَحدَة وبالمعجمتين على وزن عَظِيم من البغض، يَعْنِي: يبغضه الْمَرِيض مَعَ كَونه يَنْفَعهُ كَسَائِر الْأَدْوِيَة، وَحكى عِيَاض أَنه وَقع فِي رِوَايَة أبي زيد الْمروزِي بالنُّون بدل الْمُوَحدَة، قَالَ: وَلَا معنى لَهُ هَهُنَا. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَفِي رِوَايَة الشَّيْخ أبي الْحسن: النغيض، بالنُّون وَلَا أعلم لَهُ وَجها. قلت: إِذا كَانَ بالنُّون والغين الْمُعْجَمَة وَالصَّاد الْمُهْملَة لَهُ وَجه يكون من تنغص الْعَيْش وَهُوَ تكدره. ٩ - (بابُ السَّعُوطِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم السعوط، وَهُوَ بِفَتْح السِّين: الدَّوَاء يصب فِي الْأنف، وَفِي (تَهْذِيب الْأَزْهَرِي) : السعوط والنشوق والنسوع فِي الْأنف، ولخيته ولخوته وألخيته إِذا سعطته، وَيُقَال: أسعطته وَكَذَلِكَ: وجرته وأجرته، لُغَتَانِ وَأما النشوق فَيُقَال: أنشقته إنشاقاً وَهُوَ طيب السعوط والسعاط والإسعاط وَفِي (الْمُحكم) : سعطه الدَّوَاء يسعطه ويسعطه وَالضَّم أَعلَى وَالصَّاد فِي كل ذَلِك لُغَة عَن اللحياني، وأسعطه أدخلهُ فِي أَنفه، والسعوط اسْم الدَّوَاء والسعيط المسعط، والسعيط دهن الْخَرْدَل والسعيط دهن البان وَفِي (الصِّحَاح) : اسعطته، واستعط هُوَ بِنَفسِهِ، وَفِي (الْجَامِع) : المسعوط والمسعط والسعيط: الرجل الَّذِي يفعل بِهِ ذَلِك، والسعطة الْمرة الْوَاحِدَة من الْفِعْل، والإسعاطة مثلهَا. وَقَالَ أَبُو الْفرج: الإسعاط تَحْصِيل الدّهن أَو غَيره فِي أقْصَى الْأنف سَوَاء كَانَ يجذب النَّفس أَو بالتفريغ فِيهِ. ٥٦٩١ - حدّثني مُعَلَّى بنُ أسَدٍ حدَّثنا وهَيْبٌ عَن ابنِ طاُوسٍ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، ﵄، عَن النبيِّ ﷺ : احْتَجَمَ وأعْطى الحَجَّامَ أجْرَهُ واستَعَطَ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (واستعط) ووهيب هُوَ ابْن خَالِد، وَابْن طَاوُوس هُوَ عبد الله بن طَاوس. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْإِجَارَة فِي: بَاب خراج الْحجام، عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (واستعط) أَي: اسْتعْمل السعوط، وَهُوَ أَن يستلقي على ظَهره وَيجْعَل بَين كَتفيهِ مَا يرفعهما لينحدر رَأسه ويقطر فِي أَنفه مَاء أَو دهن فِيهِ دَوَاء مُفْرد أَو مركب ليتَمَكَّن بذلك من الْوُصُول إِلَى دماغه لاستخراج مَا فِيهِ من الدَّاء بالعطاس. ١٠ - (بابُ السَّعُوطِ بالقُسْطِ الهِنْدِيِّ والبَحْرِيِّ وهْوَ الكُسْتُ. مِثْلُ الكافُورِ والقافُورِ مِثْلُ كُشِطَتْ وقُشِطَتْ نُزِعَتْ. وقَرَأ عبْد الله قُشِطَتْ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان السعوط بِالْقِسْطِ، بِضَم الْقَاف قَالَ الْجَوْهَرِي: عقاقير الْبَحْر، وَقَالَ ابْن السّكيت: الْقَاف بدل من الْكَاف، وَفِي (الْمُنْتَهى) لأبي الْمَعَالِي: الكست والكسط والقسط، ثَلَاث لُغَات وَهُوَ جزر الْبَحْر، وَفِي (الْجَامِع) لِابْنِ البيطار: أجوده مَا كَانَ من بِلَاد الْمغرب وَكَانَ أَبيض خَفِيفا، وَهُوَ البحري، وَبعده الَّذِي من بِلَاد الْهِنْد وَهُوَ غليظ أسود خَفِيف مثل الغشاء، وَبعده الَّذِي من بِلَاد سوريا وَهُوَ ثقيل ولونه لون البقس ورائحته ساطعة، وأجودها مَا كَانَ حَدِيثا أَبيض ممتلئاً غير متآكل وَلَا زهم يلْدغ

стр. 6439

اللِّسَان وقوته مسخنة مَدَرَة للبول والطمث وينفع من أوجاع الْأَرْحَام إِذا اسْتعْمل، وَذكر لَهُ مَنَافِع كَثِيرَة. قَوْله: (الْهِنْدِيّ والبحري) قَالَ أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ: الْقسْط نَوْعَانِ: هندي وَهُوَ أسود، وبحري وَهُوَ أَبيض، والهندي أشدهما حرارة. قَوْله: (وَهُوَ الكست) أَي: الْقسْط بِالْقَافِ هُوَ الكست بِالْكَاف، أَرَادَ أَنه يُقَال بِالْقَافِ وبالكاف لقرب مخرج الْقَاف من مخرج الْكَاف. قَوْله: (مثل الكافور والقافور) . كَمَا يُقَال: الكافور بِالْكَاف وَيُقَال بِالْقَافِ، وَقد مر هَذَا فِي: بَاب الْقسْط للحادة، قَوْله: (مثل كشطت وقشطت) بِمَعْنى كَمَا يُقَال أَيْضا فيهمَا بِالْكَاف وَالْقَاف، كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (نزعت) زَاده النَّسَفِيّ فِي رِوَايَته، وَأَرَادَ بِهِ أَن معنى كشطت نزعت، يُقَال: كشطت الْبَعِير كشطاً نزعت جلده، وَلَا يُقَال: سلخت، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: كشطت الجل عَن ظهر الْفرس أَو الغطاء عَن الشَّيْء إِذا كشفته عَنهُ، والقسط لُغَة فِيهِ، وَفِي قِرَاءَة عبد الله: وَإِذا السَّمَاء قشطت، وَهُوَ معنى قَوْله: قَرَأَ عبد الله: قشطت، أَي عبد الله بن مَسْعُود، وَلم تشتهر هَذِه الْقِرَاءَة. ٥٦٩٢ - حدّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ أخبرنَا ابنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ عَن عُبَيْد الله عنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ محْصَنٍ، قالَتْ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ ، يَقُولُ: عَلَيْكُم بِهاذَا العُودِ الهِنْدِيِّ فإنَّ فِيهِ سبْعَة أشْفِيَةٍ: يُسْتَعَطُ بِهِ مِنَ العُذْرَةِ وَيُلَدُّ بِهِ مِن ذاتِ الجَنْبِ. ودَخَلْتُ عَلى النبيِّ ﷺ ، بابْنٍ لِي لَمْ يَأْكُلِ الطَّعامَ فبَالَ علَيْهِ فَدَعَا بِماءٍ فَرَشَّ عَلَيْهِ. (انْظُر الحَدِيث ٢٢٣) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة، وَأم قيس بنت مُحصن الأَسدِية أَسد خُزَيْمَة كَانَت من الْمُهَاجِرَات الأول اللَّاتِي بايعن رَسُول الله ﷺ ، وَهِي أُخْت عكاشة. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب وَعَن مُحَمَّد بن عتاب. وَأخرجه مُسلم فِي الطِّبّ أَيْضا عَن يحيى بن يحيى وَآخَرين. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بن سعيد وَغَيره. قَوْله: (عَلَيْكُم) أَي: إفعلوه، وَهُوَ اسْم للْفِعْل بِمَعْنى: خُذُوا، وَيسْتَعْمل بِالْبَاء وبغيرها، يُقَال: عَلَيْك بزيد، وَعَلَيْك زيدا. قَوْله: (الْعود الْهِنْدِيّ) خشب يُؤْتى بِهِ من بِلَاد الْهِنْد طيب الرَّائِحَة قَابض فِيهِ مرَارَة يسيرَة، وقشره كَأَنَّهُ جلد موشى وَيصْلح إِذا مضغ أَو يمضمض بطبيخه لطيب النكهة، وَإِذا شرب مِنْهُ قدر مِثْقَال نفع من لزوجة الْمعدة وضعفها وَسُكُون لهيبها وَإِذا شرب بِالْمَاءِ نفع من وجع الكبد ووجع الْجنب وقرحة الأمعاء والمغص، وأجود الْعود المندلي ثمَّ الْهِنْدِيّ. قَالَ الشَّافِعِي: الْهِنْدِيّ يفضل على المندلى بِأَنَّهُ لَا يُولد الْقمل. وَالْعود على أَنْوَاع: الْهِنْدِيّ أفضل من الْكل، فَلذَلِك خصّه النَّبِي ﷺ بِالذكر. قَوْله: (سَبْعَة أشفية) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الْفَاء وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف: جمع شِفَاء كأدوية جمع دَوَاء. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: ذكر ﷺ ، سَبْعَة أشفية فِي الْقسْط فَسمى مِنْهَا اثْنَيْنِ ووكل بَاقِيهَا إِلَى طلب الْمعرفَة أَو الشُّهْرَة فِيهَا، وَقد عدد الْأَطِبَّاء فِيهَا عدَّة مَنَافِع. فَإِن قلت: إِذا كَانَ فِيهِ كَثْرَة الْمَنَافِع فَمَا وَجه تخصيصها بِسبع؟ قلت: تعْيين السَّبْعَة لما أَنه ﷺ علمهَا بِالْوَحْي وتحققها وَأما غَيرهَا من الْمَنَافِع فقد علمت بالتجربة، فَذكر مَا علمه بِالْوَحْي دون غَيره، أَو نقُول: إِنَّمَا فصل مِنْهَا مَا دعت الْحَاجة إِلَيْهِ وَسكت عَن غَيره، كَأَنَّهُ لم يبْعَث لبَيَان تفاصيل الطِّبّ وَلَا ليعلم صَنعته، وَقد ذكر الْأَطِبَّاء من مَنَافِع الْقسْط: أَنه يدر الطمث وَالْبَوْل، وَيقتل ديدان الأمعاء، وَيدْفَع السم وَحمى الرّبع والورد، ويسخن الْمعدة، ويحرك شَهْوَة الْجِمَاع، وَيذْهب الكلف طلاء. قَوْله: (من الْعذرَة) ، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسكن الذَّال الْمُعْجَمَة، وَهُوَ وجع فِي الْحلق يهيج من الدَّم، وَقيل: هِيَ قرحَة تخرج بَين الْأنف وَالْحلق تعرض للصبيان عِنْد طُلُوع الْعذرَة، وَهِي خمس كواكب تَحت الشعرى العبور، ويطلع وسط الْحر، وَفِي (الْمُحكم) : الْعذرَة نجم إِذا طلع اشْتَدَّ الْحر، والعذرة والعاذور دَاء فِي الْحلق، وَرجل مَعْذُور أَصَابَهُ ذَلِك، وَقَالَ ابْن التِّين: هُوَ وجع فِي الْحلق من الدَّم، وَذَلِكَ الْموضع يُسمى: عذرة، وَهُوَ قريب من اللهاة، واللهاة هِيَ اللحمة الْحَمْرَاء الَّتِي فِي آخر الْفَم وَأول الْحلق، وَعَادَة النِّسَاء فِي علاجها أَن تَأْخُذ الْمَرْأَة خرقَة فتفتلها فَتلا شَدِيدا وَتدْخلهَا فِي أنف الصَّبِي وتطعن ذَلِك الْموضع

стр. 6440

فينفجر مِنْهُ دم أسود، وَرُبمَا أقرحته، وَذَلِكَ الطعْن يُسمى دغراً. وَمعنى قَوْله فِي الحَدِيث: (تدغرن أَوْلَادكُنَّ) أَنَّهَا تغمز حلق الصَّبِي بإصبعها فَترفع ذَلِك الْموضع وتكبسه. قَوْله: (ويلد بِهِ) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: بِالْقِسْطِ، يُقَال: لدا لرجل فَهُوَ ملدود، واللدود بِفَتْح اللَّام مَا يصب فِي أحد جَانِبي الْفَم. قَوْله: (من ذَات الْجنب) هُوَ ورم فِي الغشاء المستبطن للأضلاع. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: ذَات الْجنب بِالضَّمِّ. قَوْله: (السل) وَفِي (البارع) : هُوَ الَّذِي يطول مَرضه، وَعَن النَّضر: هُوَ الدُّبَيْلَة وَهِي قرحَة تثقب الْبَطن، وَقيل: هِيَ الشوصة، وَفِي (الْمُنْتَهى) : الجناب بِالضَّمِّ دَاء فِي الْجنب. قَوْله: (وَدخلت على النَّبِي ﷺ إِلَى آخِره، قد مر فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب بَوْل الصّبيان: حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف قَالَ: أخبرنَا مَالك عَن ابْن شهَاب عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة عَن أم قيس بنت مُحصن أَنَّهَا أَتَت بِابْن لَهَا صَغِير لم يَأْكُل الطَّعَام إِلَى رَسُول الله ﷺ ، فأجلسه رَسُول الله ﷺ فِي حجره فَبَال على ثَوْبه، فَدَعَا بِمَاء فنضحه وَلم يغسلهُ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ١١ - (بابٌ أيَّ ساعَةٍ يَحْتَجِمُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَي، سَاعَة يحتجم فِيهَا، وَالْمرَاد بالساعة مُطلق الزَّمَان لَا السَّاعَة المتعارفة. قَوْله: (أَي) ، بِدُونِ التَّاء رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: أَيَّة سَاعَة يحتجم، وَقد جَاءَ فِي الْقُرْآن ﴿بِأَيّ أَرض تَمُوت﴾ (لُقْمَان: ٣٤) وَلم تقل: بأية أَرض، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: شبه سِيبَوَيْهٍ تَأْنِيث أَي بتأنيث كل فِي قَوْلهم: كلنهن، وَقَالَ الْكرْمَانِي: غَرَض البُخَارِيّ يَعْنِي: من هَذِه التَّرْجَمَة أَنه لَا كَرَاهَة فِي بعض الْأَيَّام أَو السَّاعَات. قلت: وَقت الْحجامَة فِي أَيَّام الشَّهْر لم يَصح فِيهِ شَيْء عِنْده، فَلذَلِك لم يذكر حَدِيثا وَاحِدًا من الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا تعْيين الْوَقْت. مِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث سعيد بن عبد الرَّحْمَن الجُمَحِي عَن سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ رَسُول الله ﷺ من احْتجم لسبع عشرَة وتسع عشرَة وَإِحْدَى وَعشْرين كَانَ شِفَاء من كل دَاء، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يحتجم فِي الأخدعين والكاهل، وَكَانَ يحتجم التِّرْمِذِيّ عشرَة وتسع عشرَة وَإِحْدَى وَعشْرين، وَقَالَ: حَدِيث حسن، وروى أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ رَسُول الله ﷺ : نعم العَبْد الْحجام يذهب بِالدَّمِ ويخف الصلب ويجلو عَن الْبَصَر، وَإِن خير مَا تحتجمون فِيهِ يَوْم سَبْعَة عشرَة وَيَوْم تِسْعَة عشر وَيَوْم إِحْدَى وَعشْرين، وروى أَبُو نعيم الْحَافِظ من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: الْحجامَة فِي الرَّأْس شِفَاء من سبع: الْجُنُون والجذام والبرص وَالنُّعَاس ووجع الأضراس والصداع والظلمة يجدهَا فِي عينه، وَمن حَدِيث بن عمر بِسَنَد لَا بَأْس بِهِ يرفعهُ: الْحجامَة تزيد فِي الْحِفْظ وَفِي الْعقل وتزيد الْحَافِظ حفظا، فعلى اسْم الله يَوْم الْخَمِيس وَيَوْم الْجُمُعَة وَيَوْم السبت وَيَوْم الْأَحَد وَيَوْم الِاثْنَيْنِ وَيَوْم الثُّلَاثَاء، وَلَا تحتجموا يَوْم الْأَرْبَعَاء، فَمَا ينزل من جُنُون وَلَا جذام وَلَا برص إلَاّ لَيْلَة الْأَرْبَعَاء، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث سلمى، خَادِم رَسُول الله ﷺ : مَا كَانَ أحد يشتكي إِلَى رَسُول الله ﷺ وجعاً فِي رَأسه إلَاّ قَالَ: احْتجم، وَلَا وجعاً فِي رجلَيْهِ إلَاّ قَالَ: اخضبهما. ﴿واحْتَجَمَ أبُو مُوسَى لَيْلاً﴾ . أَبُو مُوسَى هُوَ عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن هشيم عَن إِسْمَاعِيل بن سَالم عَن أبي بردة بن أبي مُوسَى عَن أَبِيه، وَذكره البُخَارِيّ ليدل على أَن الْحجامَة لَا تتَعَيَّن بِوَقْت من النَّهَار أَو اللَّيْل بل يجوز فِي أَي سَاعَة شَاءَ من اللَّيْل أَو النَّهَار. ٥٦٩٤ - حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ حدَّثنا عبْدُ الوَارِث حَدثنَا أيُّوبُ عنْ عِكْرمَةَ عَن ابْن عبَّاسٍ قَالَ: احْتَجَمَ النبيُّ ﷺ وهْوَ صائِمٌ. لما ذكر احتجام أبي مُوسَى لَيْلًا ذكر أَيْضا احتجام النَّبِي ﷺ نَهَارا، لِأَنَّهُ قَالَ: (احْتجم النَّبِي ﷺ وَهُوَ صَائِم) يدل على أَنه كَانَ نَهَارا، وَلم يعين النَّهَار صَرِيحًا، فَدلَّ هَذَا وَالَّذِي قبله أَن الْحجامَة لَا تتَعَيَّن بِوَقْت معِين. وَأَبُو معمر بِفَتْح الميمين عبد الله بن عَمْرو المقعد الْبَصْرِيّ، وَعبد الْوَارِث بن سعيد، وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ. والْحَدِيث قد تقدم فِي الصّيام فِي: بَاب الْحجامَة والقيء للصَّائِم، بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد وَعين الْمَتْن الْمَذْكُور. ١٢ - (بابُ الحَجْمِ فِي السَّفَرِ والإحْرَامِ)

стр. 6441

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْحجامَة فِي السّفر وَحَالَة الْإِحْرَام لِلْحَجِّ. قالهُ ابنُ بُحَيْنَةَ عنِ النبيِّ ﷺ . أَي: قَالَ بالحجم فِي السّفر وَالْإِحْرَام عبد الله بن بُحَيْنَة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون، وبحنية اسْم أمه، وَهُوَ عبد الله بن مَالك بن القشب الْأَزْدِيّ من أزدشنوءة، مَاتَ فِي عمل مَرْوَان الآخر على الْمَدِينَة أَيَّام مُعَاوِيَة، وبحينة بنت الْحَارِث بن الْمطلب بن عبد منَاف، وَسَيَجِيءُ حَدِيثه مَوْصُولا عَن قريب. ٥٦٩٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ عَمْرو عنْ طاوُس وعَطاءِ عَن ابنِ عبَّاسٍ قَالَ: احْتَجَمَ النبيُّ ﷺ وهْوَ مُحْرِمٌ. مطابقته الْجُزْء الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح، والْحَدِيث قد تقدم فِي الْحَج فِي: بَاب الْحجامَة للْمحرمِ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ١٣ - (بابُ الحِجامَةِ منَ الدَّاءِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْحجامَة من أجل الدَّاء، وَكلمَة: من تعليلية، وَذكره ابْن بطال: من الدَّوَاء. ٥٦٩٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أخبرنَا عبدُ الله أخبرنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عنْ أنَسٍ ﵁، أنَّهُ سُئِلَ عنْ أجْرِ الحَجَّامِ فَقَالَ: احْتَجَمَ رسولُ الله ﷺ حَجَمَهُ أبُو طَيْبَةَ وأعْطاهُ صاعَيْنِ مِنْ طَعامٍ وكَلَّمَ مَوَالِيَهُ فَخَفَفُوا عنهُ. وَقَالَ: إنَّ أمْثَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الحِجامَةُ والقُسْطُ البَحْرِيُّ. وَقَالَ: لَا تُعَذِّبُوا صبيْانَكُمْ بالْغَمْزِ مِنَ العُذْرَةِ وعلَيْكُمْ بالْقُسْطِ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث. وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك. والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (عَن أجر الْحجام) أَي: عَن أجرته. قَوْله: (أَبُو طيبَة) بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالباء الْمُوَحدَة واسْمه نَافِع على الْأَكْثَر، كَانَ مولى لبني بياضة. قَوْله: (من طَعَام) أَي: من قَمح. قَوْله: (فخففوا عَنهُ) أَي: خففوا ضريبته يَعْنِي: خراجه الَّذِي عينوه عَلَيْهِ. قَوْله: (وَقَالَ: إِن أمثل) مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَمعنى: إِن أمثل، أَي: إِن أفضل. قَوْله: (الْقسْط) بِضَم الْقَاف وَقد مر تَفْسِيره عَن قريب. قَوْله: (بالغمز) أَي: بالعصر بالأصابع، كَانَت النِّسَاء يغمزن لهاة الصَّبِي لأجل الْعذرَة، وَقد مر تَفْسِيرهَا أَيْضا. وَالْخطاب فِي (لَا تعذبوا) لأهل الْحجاز، وَمن كَانَ فِي معناهم من أهل الْبِلَاد الحارة لِأَن دِمَاءَهُمْ رقيقَة وتميل إِلَى ظَاهر الْأَبدَان لجذب الْحَرَارَة الْخَارِجَة من أبدانهم إِلَى سطح الْبدن، وَيُؤْخَذ من هَذَا أَيْضا أَن الْخطاب لغير الشُّيُوخ لقلَّة الْحَرَارَة فِي أبدانهم. وَقد أخرج الطَّبَرِيّ بِسَنَد صَحِيح عَن ابْن سِيرِين قَالَ: إِذا بلغ الرجل أَرْبَعِينَ سنة لم يحتجم، قَالَ بَعضهم: وَهَذَا مَحْمُول على من لم تتَعَيَّن حَاجته إِلَيْهِ، وعَلى من لم يعْتد بِهِ. قلت: هَذَا أَيْضا يتمشى فِيمَن لَا تتَعَيَّن حَاجته إِلَيْهِ من الشبَّان مِمَّن كَانُوا قبل الْأَرْبَعين، وفيمن لَا يعْتد بِهِ مِنْهُم، وَقيل: الْأَطِبَّاء على خلاف مَا قَالَه ابْن سِيرِين، وَقَالَ ابْن سينا فِي أرجوزته المطولة فِي الفصادة. (وَمن يكن تعود الفصاده ... فَلَا يكن يقطع تِلْكَ الْعَادة) (لَكِن من قد بلغ الستينا ... وَكَانَ ذَا ضخامة مُبينًا) (فافصده فِي سنة مرَّتَيْنِ ... وَلَا تحد فِيهِ عَن الْفَصْلَيْنِ) (إِن بلغ السّبْعين فافصد مره ... وَلَا تزد فِيهِ على ذِي الكره) (وَإِن يزدْ خمْسا فَفِي العامين ... فِي الباسليق افصده مرَّتَيْنِ) (وأمنعه بعد ذَاك كل فصد ... فَإِن ذَاك بالشيوخ مردي) ٥٦٩٧ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ تَليدٍ قَالَ: حدّثني ابنُ وهْبِ قَالَ: أخبْرنِي عَمْروٌ وغَيْرُهُ أنَّ بُكَيْرا

стр. 6442

ً حدَّثَهُ أنَّ عاصِمَ بنَ عُمَرَ بنِ قَتادَةَ حدَّثَهُ أنَّ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله ﵄ عادَ المقَنَّعَ ثُمَّ قَالَ: لَا أبْرَحُ حتَّى تَحْتَجِمَ، فإنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: إنَّ فِيهِ شِفاءً. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إِن فِيهِ شِفَاء) على مَا لَا يخفى، وَسَعِيد بن تليد. بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ سعيد بن عِيسَى بن تليد نسب إِلَى جده، وَهُوَ مصري، وَثَّقَهُ ابْن يُونُس. قَالَ: وَكَانَ فَقِيها ثبتاً فِي الحَدِيث وَكَانَ يكْتب للقضاة، وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَعَمْرو هُوَ ابْن الْحَارِث الْمصْرِيّ وَغَيره، قيل: يحْتَمل أَن يكون عبد الله بن لَهِيعَة الْمصْرِيّ، وَبُكَيْر مصغر بكر بن عبد الله بن الْأَشَج. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ عَن أبي نعيم وَإِسْمَاعِيل بن أبان وَأبي الْوَلِيد. وَأخرجه مُسلم فِي الطِّبّ أَيْضا عَن هَارُون بن مَعْرُوف وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن وهب بن بَيَان. قَوْله: (عَاد الْمقنع) بقاف وَنون ثَقيلَة مَفْتُوحَة هُوَ ابْن سِنَان التَّابِعِيّ يَعْنِي: زَارَهُ فِي مَرضه، ثمَّ قَالَ: لَا أَبْرَح، أَي: لَا أخرج من عنْدك حَتَّى تحتجم. قَوْله: إِن فِيهِ شِفَاء، الضَّمِير يرجع إِلَى الحجم الَّذِي يدل عَلَيْهِ. قَوْله: حَتَّى تحتجم. ١٤ - (بابُ الحِجامَةِ عَلى الرَّأْسِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْحجامَة على الرَّأْس. ٥٦٩٨ - حدّثنا إسْماعِيلُ قَالَ: حدّثنيسُليْمانُ عنْ عَلْقَمَةَ أنَّهُ سَمعَ عَبْدَ الرَّحْمانِ الأعْرَجَ أنَّهُ سَمِعَ عَبْدِ الله بنَ بُحَيْنَةَ يِحَدِّثُ أنَّ رسولَ الله ﷺ ، احتجَمَ بِلَحْيَيْ جمَلٍ مِنْ طَرِيقِ مَكَة وهْوَ مُحْرِمٌ فِي وسَطِ رأْسِهِ. ٥٦٩٩ - وَقَالَ الأنْصارِيُّ: أخبرَنا هِشامُ بنُ حَسَّانَ حَدثنَا عِكْرِمَةُ عَن ابنِ عبَّاسٍ ﵄، أنَّ رسولَ الله ﷺ احْتَجَمَ فِي رَأْسِهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال أَبُو أَيُّوب، وعلقمة بن أبي عَلْقَمَة مولى عَائِشَة، وَعبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج، وَعبد الله بن بُحَيْنَة مر عَن قريب. والْحَدِيث مضى فِي الْحَج فِي: بَاب الْحجامَة للْمحرمِ. قَوْله: (بِلحي جمل) كَذَا وَقع: بحلي جمل، بالتثنية وَقد ضمى فِي الْحَج بِلحي جمل بِالْإِفْرَادِ بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة، والجمل بِفَتْح الْجِيم وَالْمِيم وَهُوَ اسْم مَوضِع، وَقَالَ ابْن وضاح: هِيَ بقْعَة مَعْرُوفَة وَهِي عقبَة الْجحْفَة على سَبْعَة أَمْيَال من السقيا، وَزعم بَعضهم أَنَّهَا الْآلَة الَّتِي احجتم بهَا أَي: احْتجم بِعظم جمل. قلت: الْمُعْتَمد الأول، وَالْبَاء فِيهِ بِمَعْنى: فِي أَي: فِي لحيي جمل، وعَلى الثَّانِي الْبَاء للاستعانة. قَوْله: وَهُوَ محرم جملَة حَالية، قَوْله: وسط رَأسه بِفَتْح السِّين وَيجوز تسكينها وَقد تقدم الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الْحَج. قَوْله: (وَقَالَ الْأنْصَارِيّ) وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن الْمثنى بن عبد الله بن أنس بن مَالك. وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق أبي حَاتِم الرَّازِيّ: حَدثنَا الْأنْصَارِيّ بِلَفْظ: احْتجم وَهُوَ محرم من صداع كَانَ بِهِ أَو دَاء، وَاحْتَجَمَ فِي مَوضِع يُقَال لَهُ: لحي جمل. ١٥ - (بابُ مَنِ احْتَجَمَ مِنَ الشَّقِيقَةِ والصُّدَاعِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من احْتجم من الشَّقِيقَة، وَهِي وجع فِي أحد شقي الرَّأْس، والصداع ألم فِي أَعْضَاء الرَّأْس، وَهُوَ من عطف الْعَام على الْخَاص، وَقد سَقَطت هَذِه التَّرْجَمَة من رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَألْحق حَدِيثهمَا فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَهُوَ الْأَوْجه. ٥٧٠٠ - حدّثني مُحَمِّدُ بنُ بَشَّارٍ حَدثنَا ابنُ أبي عَدِيٍّ عنْ هِشامٍ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: احْتَجَم النبيُّ ﷺ ، فِي رأْسِهِ وهْوَ مُحْرِمٌ مِنْ وجَعٍ كانَ بِهِ بِماءٍ يُقالُ لهُ لَحْيَيْ جَمَلٍ. (انْظُر الحَدِيث ١٨٣٥) . ٥٧٠١ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ سَواء: أخبرنَا هِشامٌ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّ رَسُول الله ﷺ احْتَجَمَ وهْوَ مُحْرِمٌ فِي رأْسِهِ مِنْ شَقِيقَةٍ كانَتْ بِهِ.

стр. 6443

مطابقته للجزء الأول للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن بشار، بفح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة، وَابْن أبي عدي مُحَمَّد وَاسم أبي عدي إِبْرَاهِيم الْبَصْرِيّ، وَهِشَام هُوَ ابْن حسان. والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن عُثْمَان وَلَفظه: احْتجم وَهُوَ محرم فِي رَأسه من دَاء كَانَ بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن أبي دَاوُد. قَوْله: (من وجع كَانَ بِهِ) والوجع هُوَ الْمُفَسّر فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة وَهُوَ قَوْله: (من شَقِيقَة كَانَت بِهِ) . قَوْله: (بِمَاء) أَي: فِي مَاء، أَي: فِي منزل فِيهِ مَاء يُقَال لَهُ لحي جمل. قَوْله: (وَقَالَ مُحَمَّد بن سَوَاء) بِالسِّين الْمُهْملَة وَالْمدّ ابْن عنبر بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالنُّون وَالْبَاء الْمُوَحدَة السدُوسِي الْبَصْرِيّ وَمَاله فِي البُخَارِيّ سوى حَدِيث مَوْصُول مضى فِي المناقب، وَآخر يَأْتِي فِي الْأَدَب، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ قَالَ: حَدثنَا أَبُو يعلى حَدثنَا مُحَمَّد ابْن عبد الله الْأَزْدِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن سَوَاء فَذكره سَوَاء، وَكَانَ ﷺ ، يحتجم فِي أَمَاكِن مُخْتَلفَة لاخْتِلَاف أَسبَاب الْحَاجة إِلَيْهَا، وَرُوِيَ أَن حجمه فِي هامته كَانَ لوجع أَصَابَهُ فِي رَأسه من أكله الطَّعَام المسموم بِخَيْبَر. قَوْله: (من شَقِيقَة) على وزن عَظِيمَة قد ذكرنَا مَعْنَاهَا، وَذكر أهل الطِّبّ أَنَّهَا من الْأَمْرَاض المزمنة وسببها أبخرة مُرْتَفعَة أَو أخلاط حارة أَو بَارِدَة ترْتَفع إِلَى الدِّمَاغ، فَإِن لم يجد منفذاً أحدث الصداع، فَإِن مَال إِلَى أحد شقي الرَّأْس أحدث الشَّقِيقَة، وَإِن ملك قمة الرَّأْس أحدث دَاء الْبَيْضَة، وَقد أخرج أَحْمد من حَدِيث بُرَيْدَة أَنه ﷺ كَانَ رُبمَا أَخَذته الشَّقِيقَة فيمكث الْيَوْم واليومين وَلَا يخرج. ٥٧٠٢ - حدّثنا إسْماعِيلُ بنُ أبانَ حدَّثنا ابنُ الغَسِيل قَالَ: حدّثني عاصمُ بنُ عُمَرَ عنْ جابِرِ بنِ عبْدِ الله قَالَ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يقُولُ: إنْ كانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْبَةَ عَسَلٍ أوْ شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَو لَذْعَةٍ مِنْ نارٍ، وَمَا أُحِبُّ أنْ أكْتَوِيَ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَو شرطة محجم) لِأَنَّهُ يتَنَاوَل الاحتجام من الشَّقِيقَة وَغَيرهَا. وَإِسْمَاعِيل بن أبان بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنون الْوراق الْكُوفِي، وَابْن الغسيل هُوَ عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان إِلَى آخِره. والْحَدِيث قد مر عَن قريب فِي: بَاب الدَّوَاء بالعسل، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ١٦ - (بابُ الحَلْقِ مِنَ الأذَى) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حلق الرَّأْس أَو غَيره بِسَبَب الْأَذَى الْحَاصِل. ٥٧٠٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا حَمَّادٌ عنْ أيُّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ مُجاهِداً عنِ ابنِ أبي لَيْلَى عنْ كَعْبٍ هُوَ ابنُ عُجْرَةَ، قَالَ: أتَى عليَّ النبيُّ ﷺ ، زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ وَأَنا أُوقِدُ تَحْتَ بُرْمَةٍ والقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عنْ راسِي، فَقَالَ: أيُؤْذِيكَ هَوَ امُّكَ؟ قُلْتُ: نَعَم. قَالَ: فاحْلِقْ وصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّام، أوْ أطعِمْ سِتَّةُ، أَو انْسُكْ نُسِيْكَه. قَالَ أيُّوبُ: لَا أدْرِي بأيَّتِهِنَّ بَدأ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَاحْلِقْ) وَوجه أيراده فِي بَاب الطِّبّ من حَيْثُ إِن كل مَا يتَأَذَّى بِهِ الْمُؤمن وَإِن ضعف أَذَاهُ يُبَاح لَهُ إِزَالَته وَإِن كَانَ محرما. وَفِيه: معنى التطبب لِأَنَّهُ إِزَالَة الْأَذَى الَّذِي يشابه الْمَرَض، لِأَن كل مرض أَذَى، وتسلط الْقمل على الرَّأْس أَذَى، وكل أَذَى يُبَاح إِزَالَته فالقمل يُبَاح إِزَالَته. وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَابْن أبي ليلى هُوَ عبد الرَّحْمَن. والْحَدِيث مضى فِي الْحَج فِي: بَاب النّسك شَاة. ١٧ - (بابُ مَنِ اكْتَوَى أوْ كَوَى غَيْرَهُ وفَضْلِ مَنْ لَمْ يَكْتَوِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من اكتوى لنَفسِهِ، أَو كوى غَيره. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْفرق بَينهمَا أَن الأول لنَفسِهِ وَالثَّانِي أَعم مِنْهُ نَحْو اكْتسب لنَفسِهِ وَكسب لَهُ وَلغيره، وَنَحْو اشتوى إِذا اتخذ الشواء لنَفسِهِ، وشوى لَهُ وَلغيره. وللترجمة ثَلَاثَة أَجزَاء فَأَشَارَ بالجزءين الْأَوَّلين إِلَى إِبَاحَة الكي عِنْد الْحَاجة، وَأَشَارَ بالجزء الثَّالِث إِلَى أَن تَرِكَة أفضل عِنْد عدم الْحَاجة إِلَيْهِ.

стр. 6444

٥٧٠٤ - حدّثنا أبُو الولِيدِ هِشامُ بنُ عبْدِ المَلِكِ حدَّثنا عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ سُلَيْمانَ بنِ الغَسيلِ حَدثنَا عاصِمُ بنُ عُمَرَ بنِ قَتادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ جابِراً عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: إنْ كانَ فِي شَيءٍ مِنْ أدْوِيَتِكُمْ شِفاءٌ فَفِي شَرْطةِ مِحْجَمٍ أوْ لَذْعَةٍ بِنارٍ. وَمَا أُحُبُّ أنْ أكْتَوِيَ. مُطَابقَة الْجُزْء الثَّالِث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث قد مر عَن قريب فِي: بَاب الدَّوَاء بالعسل، لَكِن هُنَا اقْتصر على شَيْئَيْنِ وَحذف الثَّالِث وَهُوَ الْعَسَل، وَهُنَاكَ ذكر الثَّلَاثَة وَمر الْكَلَام فِيهِ. ٥٧٠٥ - حدّثنا عِمْرانُ بنُ مَيْسَرَةَ حدَّثنا ابنُ فُضَيْلٍ حدَّثنا حُصَيْنٌ عنْ عامِرٍ عنْ عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: لَا رُقْيَةَ إلَاّ مِنْ عَيْنٍ أوْ حُمَةٍ، فَذَكَرْتُهُ لسَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: حدَّثنا ابنُ عَبَّاسٍ، قَالَ، رسولُ الله ﷺ : عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُُمَمُ فَجَعَلَ النبيُّ والنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمُ الرَّهْطُ، والنبيُّ لَيْسَ مَعَهُ أحَدٌ حَتَّي رُفِعَ لِي سَوادٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ: مَا هَذَا؟ أُُمَّتي هاذِهِ؟ قِيل: هاذَا مُوسَى وقَوْمُهُ. قيلَ: انظُرْ إِلَى الأُُفُقِ، فَإِذا سَوَادٌ يَمْلأُ الأُُفُقَ، ثُمَّ قِيلَ لِي: أُنْظُرْ هاهُنا وهاهُنا فِي آفاقِ السَّماءِ، فإِِذا سَوَادٌ قَدْ مَلأ الأُُفُقَ، قِيلَ: هاذِهِ أُُمَّتُكَ، ويَدْخُلُ الجَنَّةَ من هاؤلَاءِ سَبْعُونَ ألْفاً بِغَيْرِ حِسابٍ، ثُمَّ دَخَلَ ولَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ، فأفاضَ القَوْمُ وَقَالُوا: نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاللَّه واتَّبَعْنا رَسُولَهُ فَنَحْنُ هُمْ، أوْ أوْلَادُنَا الَّذِينَ وُلدُوا فِي الإِسْلَامِ، فإِِنَّا وُلِدْنَا فِي الجاهِلِيَّةِ، فَبَلَغَ النبيَّ ﷺ فَخَرَج فَقَالَ: هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ ولَا يَتَطَيَّرُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ، وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، فَقَالَ عُكَاشَةُ بنُ مِحْصَن: أمِنْهُمْ أَنا يَا رسولَ الله؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقامَ آخَرُ فَقَالَ: أمنْهُمْ أنَا؟ قَالَ: سبَقَكَ بِها عُكَاشَةُ. مُطَابقَة الْجُزْء الثَّالِث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعمْرَان بن ميسرَة ضد الميمنة وَابْن فُضَيْل هُوَ مُحَمَّد بن فُضَيْل مصغر الْفضل بالضاد الْمُعْجَمَة الضَّبِّيّ، وحصين بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ ابْن عبد الرَّحْمَن الوَاسِطِيّ، وعامر هُوَ ابْن شرَاحِيل الشّعبِيّ. والْحَدِيث مضى مُخْتَصرا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي: بَاب وَفَاة مُوسَى ﵇ وَأخرجه أَيْضا فِي الرقَاق عَن أَسد بن زيد وَعَن إِسْحَاق عَن روح. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن سعيد بن مَنْصُور وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن أبي حُصَيْن وَلَفظه: لما أسرِي بِالنَّبِيِّ جعل يمر بِالنَّبِيِّ والنبيين وَمَعَهُمْ الْقَوْم، وَالنَّبِيّ والنبيين وَمَعَهُمْ الرَّهْط، فَذكره بِطُولِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن أبي حُصَيْن بِهِ. وَفِي (التَّلْوِيح) فِي هَذَا عِلَّتَانِ. (الأولى) انْقِطَاع مَا بَين عَامر الشّعبِيّ وَعمْرَان، قَالَ البُخَارِيّ فِي بعض نسخ كِتَابه: استفدنا من هَذَا أَن حَدِيث عمرَان مُرْسل، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس مُسْند. الثَّانِيَة: هُوَ مَعَ إرْسَاله مَوْقُوف، وَالْوَقْف عِلّة عِنْد جمَاعَة من الْعلمَاء وَإِن كَانَ أَبُو دَاوُد لما رَوَاهُ عَن مُسَدّد حَدثنَا عبد الله بن دَاوُد عَن مَالك بن مغول عَن حُصَيْن عَن الشّعبِيّ عَن عمرَان رَفعه، فَقَالَ. قَالَ رَسُول الله ﷺ : لَا رقية إلَاّ من عين أَو حمة، فَكَأَنَّهُ غفل عَن الْعلَّة فِيهِ، وَتَبعهُ فِيمَا أرى التِّرْمِذِيّ لما رَوَاهُ من طَرِيق سُفْيَان عَن حُصَيْن، ثمَّ قَالَ: وَرَوَاهُ شُعْبَة عَن حُصَيْن عَن الشّعبِيّ عَن بُرَيْدَة بِهِ مَرْفُوعا. وَأما مُسلم فَإِنَّهُ لما رَوَاهُ من حَدِيث هشيم عَن حُصَيْن وَقفه، وَعِنْده أَيْضا من حَدِيث أنس بن مَالك مَرْفُوعا أَنه رخص فِي الرّقية من الْعين والحمة والنملة، وَعند أبي دَاوُد من حَدِيث سهل بن حنيف مَرْفُوعا: لَا رقية إلاّ من نفس أَو حمة أَو لدغة. انْتهى. قَوْله: (لَا رقية) بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْقَاف وَهِي العوذة الَّتِي يرقى بهَا صَاحب الآفة كالحمى والصرع وَغير ذَلِك من الْآفَات. قَوْله: (إلَاّ من عين) هُوَ إِصَابَة العائن غَيره بِعَيْنِه، وهوأن يتعجب الشَّخْص من الشَّيْء حِين يرَاهُ فيتضرر ذَلِك الشَّيْء مِنْهُ. قَوْله: (أَو حمة) بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم المخففة وَهُوَ السم، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: حمة الْعَقْرَب سمها وضرها. وَقَالَ ابْن سَيّده: هِيَ الإبرة

стр. 6445

الَّتِي تضرب بهَا الْعَقْرَب والزنبور، وأصل حمة حمو أَو حمى، وَالْهَاء عوض عَن الْوَاو أَو الْيَاء وَجَمعهَا: حمون وحمات، كَمَا قَالُوا برة وبرون وبرأت، قَالَه كرَاع. وَقَالَ: كَأَنَّهَا مَأْخُوذَة من حميت النَّار تحمى إِذا اشتدت حَرَارَتهَا، وَفِي (كتاب اليواقيت) للمطرزي: حمة بِالتَّشْدِيدِ، وَقَالَ الجاحظ: من سمى إبرة الْعَقْرَب حمة فقد أَخطَأ، وَإِنَّمَا الْحمة سموم ذَوَات الشّعْر: كالدبر وَذَوَات الأنياب والأسنان كالأفاعي وَسَائِر الْحَيَّات، وكسموم ذَوَات الإبر من العقارب، وَمعنى قَول سهل بن حنيف: إلَاّ من نفس، هُوَ الْعين يُقَال: أَصَابَت فلَانا نفس أَي: عين، والنملة فِي حَدِيث أنس قُرُوح تخرج فِي الْجنب، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَقد جَاءَ فِي بعض الْأَحَادِيث جَوَاز الرّقية، وَفِي بَعْضهَا النَّهْي. وَالْأَحَادِيث فِي الْقسمَيْنِ كَثِيرَة، وَوجه الْجمع بَينهمَا أَن الرقى يكره مِنْهَا مَا كَانَ بِغَيْر اللِّسَان الْعَرَبِيّ وَبِغير أَسمَاء الله تَعَالَى وَصِفَاته وَكَلَامه فِي كتبه الْمنزلَة، وَأَن يعْتَقد أَن الرقيا نافعة لَا محَالة فيتكل عَلَيْهَا، وَإِيَّاهَا أَرَادَ بقوله ﷺ : مَا توكل من استرقى، وَلَا يكره مِنْهَا مَا كَانَ بِخِلَاف ذَلِك كالتعوذ بِالْقُرْآنِ وَأَسْمَاء الله والرقى المروية، وَقَالَ أَيْضا: معنى قَوْله ﷺ : لَا رقية إلَاّ من عين أَو حمة، لَا رقية أولى وأنفع، وَهَذَا كَمَا قيل: لَا فَتى إِلَّا عَليّ، وَقد أَمر ﷺ غير وَاحِد من الصَّحَابَة بالرقية، وَسمع بِجَمَاعَة يرقون فَلم يُنكر عَلَيْهِم. وَقَالَ الْخطابِيّ: لم يرد بِهِ حصر الرّقية الْجَائِزَة فيهمَا، وَإِنَّمَا المُرَاد: لَا رقية أَحَق وَأولى من رقية الْعين والحمة لشدَّة الضَّرَر فيهمَا. قَوْله: (فَذَكرته لسَعِيد بن جُبَير) الْقَائِل بذلك هُوَ حُصَيْن بن عبد الرَّحْمَن. قَوْله: (وَمَعَهُمْ الرَّهْط) وَهُوَ من الرِّجَال مَا دون الْعشْرَة. وَقيل: إِلَى الْأَرْبَعين، وَلَا يكون فيهم امْرَأَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَيجمع على أرهط وأرهاط، وأراهط جمع الْجمع. قَوْله: (وَالنَّبِيّ لَيْسَ مَعَه أحد) قيل: النَّبِي هُوَ الْمخبر عَن الله لِلْخلقِ فَأَيْنَ الَّذين أخْبرهُم؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ رُبمَا أخبروا لم يُؤمن بِهِ أحد وَلَا يكون مَعَه إلَاّ الْمُؤمن. قَوْله: (حَتَّى رفع لي سَواد) هَذَا رِوَايَة الْكشميهني: حَتَّى رفع، بالراء وَالْفَاء وبلفظ لي، وَفِي رِوَايَة غَيره: حَتَّى وَقع فِي سَواد، بواو وقاف وبلفظ: فِي قَوْله: (بِغَيْر حِسَاب) قيل: هَل يدْخلُونَ وَإِن كَانُوا أَصْحَاب معاصي ومظالم؟ وَأجِيب: بِأَن الَّذين كَانُوا بِهَذِهِ الْأَوْصَاف الْأَرْبَعَة لَا يكونُونَ إلَاّ عُدُولًا مطهرين من الذُّنُوب، أَو ببركة هَذِه الصِّفَات يغْفر الله لَهُم وَيَعْفُو عَنْهُم. قَوْله: (ثمَّ دخل) أَي: الْحُجْرَة وَلم يبين للصحابة من السبعون. قَوْله: (فَأَفَاضَ الْقَوْم) وَيُقَال: أَفَاضَ الْقَوْم فِي الحَدِيث إِذا انْدَفَعُوا فِيهِ وناظروا عَلَيْهِ. قَوْله: (هم الَّذين لَا يسْتَرقونَ) قَالَ أَبُو الْحسن الْقَابِسِيّ: يُرِيد بالاسترقاء الَّذِي كَانُوا يسْتَرقونَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّة، غ وَأما الاسترقاء بِكِتَاب الله فقد فعله ﷺ وَأمر بِهِ وَلَيْسَ بمخرج عَن التَّوَكُّل. قَوْله: (وَلَا يَتَطَيَّرُونَ) أَي: لَا يتشاءمون بالطيور وَنَحْوهَا كَمَا كَانَت عَادَتهم قبل الْإِسْلَام، والطيرة مَا يكون فِي الشَّرّ والفأل مَا يكون فِي الْخَيْر، وَكَانَ ﷺ يحب الفأل. قَوْله: (وَلَا يَكْتَوُونَ) يَعْنِي: لَا يَعْتَقِدُونَ أَن الشِّفَاء من الكي كَمَا كَانَ عَلَيْهِ اعْتِقَاد أهل الْجَاهِلِيَّة. قَوْله: (وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ) والتوكل تَفْوِيض الْأَمر إِلَى الله تَعَالَى فِي تَرْتِيب المسببات على الْأَسْبَاب. قَوْله: (أَمنهم أَنا؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على وَجه الاستخبار والاستعلام. قَوْله: (فَقَامَ آخر) قَالَ الْخَطِيب: هَذَا الرجل سعد بن عبَادَة، وَقيل: إِن الرجل الثَّانِي كَانَ منافقاً فَأَرَادَ النَّبِي ﷺ التسر لَهُ والإبقاء عَلَيْهِ لَعَلَّه أَن يَتُوب فَرده ردا جميلاً. قَالَ الْكرْمَانِي: لَو صَحَّ هَذَا بَطل قَول الْخَطِيب، وَالله أعلم. قَوْله: (سَبَقَك بهَا عكاشة) أَي: فِي الْفضل إِلَى منزلَة أَصْحَاب هَذِه الْأَوْصَاف الْأَرْبَعَة. وَقيل: يحْتَمل أَن يكون سَبَقَك عكاشة بِوَحْي أَنه يُجَاب فِيهِ. وَلم يحصل ذَلِك للْآخر. ١٨ - (بابُ الإِثْمِدِ: والكُحْلِ مِنَ الرَّمَد) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الإثمد، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَكسر الْمِيم وبالدال المهلمة، وَحكي ضم الْهمزَة وَهُوَ حجر يكتحل بِهِ. وَفِي (الْمُحكم) : هُوَ حجر يتَّخذ مِنْهُ الْكحل، وَقيل: هُوَ نفس الْكحل وَقد عطف البُخَارِيّ الْكحل على الإثمد فَدلَّ على أَن الْكحل غير الإثمد، والإثمد هُوَ حجر مَعْرُوف يكتحل بِهِ بعد صحنه كَمَا يَنْبَغِي، والكحل أَعم من الإثمد وَمن غَيره، فعلى هَذَا يكون من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص. قَوْله: (من الرمد) أَي: من عِلّة الرمد وَكلمَة من تعليلية والرمد بِفتْحَتَيْنِ: ورم حَار يعرض فِي الطَّبَقَة الملتحمة من الْعين وَهُوَ بياضها الظَّاهِر وَسَببه انصباب أحد الأخلاط أَو أبخرة
следующие страницы →