Полный текст (7 603 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.
стр. 6441
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْحجامَة فِي السّفر وَحَالَة الْإِحْرَام لِلْحَجِّ.
قالهُ ابنُ بُحَيْنَةَ عنِ النبيِّ ﷺ .
أَي: قَالَ بالحجم فِي السّفر وَالْإِحْرَام عبد الله بن بُحَيْنَة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون، وبحنية اسْم أمه، وَهُوَ عبد الله بن مَالك بن القشب الْأَزْدِيّ من أزدشنوءة، مَاتَ فِي عمل مَرْوَان الآخر على الْمَدِينَة أَيَّام مُعَاوِيَة، وبحينة بنت الْحَارِث بن الْمطلب بن عبد منَاف، وَسَيَجِيءُ حَدِيثه مَوْصُولا عَن قريب.
٥٦٩٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ عَمْرو عنْ طاوُس وعَطاءِ عَن ابنِ عبَّاسٍ قَالَ: احْتَجَمَ النبيُّ ﷺ وهْوَ مُحْرِمٌ.
مطابقته الْجُزْء الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح، والْحَدِيث قد تقدم فِي الْحَج فِي: بَاب الْحجامَة للْمحرمِ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
١٣ - (بابُ الحِجامَةِ منَ الدَّاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْحجامَة من أجل الدَّاء، وَكلمَة: من تعليلية، وَذكره ابْن بطال: من الدَّوَاء.
٥٦٩٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أخبرنَا عبدُ الله أخبرنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عنْ أنَسٍ ﵁، أنَّهُ سُئِلَ عنْ أجْرِ الحَجَّامِ فَقَالَ: احْتَجَمَ رسولُ الله ﷺ حَجَمَهُ أبُو طَيْبَةَ وأعْطاهُ صاعَيْنِ مِنْ طَعامٍ وكَلَّمَ مَوَالِيَهُ فَخَفَفُوا عنهُ. وَقَالَ: إنَّ أمْثَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الحِجامَةُ والقُسْطُ البَحْرِيُّ. وَقَالَ: لَا تُعَذِّبُوا صبيْانَكُمْ بالْغَمْزِ مِنَ العُذْرَةِ وعلَيْكُمْ بالْقُسْطِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث. وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (عَن أجر الْحجام) أَي: عَن أجرته. قَوْله: (أَبُو طيبَة) بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالباء الْمُوَحدَة واسْمه نَافِع على الْأَكْثَر، كَانَ مولى لبني بياضة. قَوْله: (من طَعَام) أَي: من قَمح. قَوْله: (فخففوا عَنهُ) أَي: خففوا ضريبته يَعْنِي: خراجه الَّذِي عينوه عَلَيْهِ. قَوْله: (وَقَالَ: إِن أمثل) مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَمعنى: إِن أمثل، أَي: إِن أفضل. قَوْله: (الْقسْط) بِضَم الْقَاف وَقد مر تَفْسِيره عَن قريب. قَوْله: (بالغمز) أَي: بالعصر بالأصابع، كَانَت النِّسَاء يغمزن لهاة الصَّبِي لأجل الْعذرَة، وَقد مر تَفْسِيرهَا أَيْضا. وَالْخطاب فِي (لَا تعذبوا) لأهل الْحجاز، وَمن كَانَ فِي معناهم من أهل الْبِلَاد الحارة لِأَن دِمَاءَهُمْ رقيقَة وتميل إِلَى ظَاهر الْأَبدَان لجذب الْحَرَارَة الْخَارِجَة من أبدانهم إِلَى سطح الْبدن، وَيُؤْخَذ من هَذَا أَيْضا أَن الْخطاب لغير الشُّيُوخ لقلَّة الْحَرَارَة فِي أبدانهم.
وَقد أخرج الطَّبَرِيّ بِسَنَد صَحِيح عَن ابْن سِيرِين قَالَ: إِذا بلغ الرجل أَرْبَعِينَ سنة لم يحتجم، قَالَ بَعضهم: وَهَذَا مَحْمُول على من لم تتَعَيَّن حَاجته إِلَيْهِ، وعَلى من لم يعْتد بِهِ. قلت: هَذَا أَيْضا يتمشى فِيمَن لَا تتَعَيَّن حَاجته إِلَيْهِ من الشبَّان مِمَّن كَانُوا قبل الْأَرْبَعين، وفيمن لَا يعْتد بِهِ مِنْهُم، وَقيل: الْأَطِبَّاء على خلاف مَا قَالَه ابْن سِيرِين، وَقَالَ ابْن سينا فِي أرجوزته المطولة فِي الفصادة.
(وَمن يكن تعود الفصاده ... فَلَا يكن يقطع تِلْكَ الْعَادة)
(لَكِن من قد بلغ الستينا ... وَكَانَ ذَا ضخامة مُبينًا)
(فافصده فِي سنة مرَّتَيْنِ ... وَلَا تحد فِيهِ عَن الْفَصْلَيْنِ)
(إِن بلغ السّبْعين فافصد مره ... وَلَا تزد فِيهِ على ذِي الكره)
(وَإِن يزدْ خمْسا فَفِي العامين ... فِي الباسليق افصده مرَّتَيْنِ)
(وأمنعه بعد ذَاك كل فصد ... فَإِن ذَاك بالشيوخ مردي)
٥٦٩٧ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ تَليدٍ قَالَ: حدّثني ابنُ وهْبِ قَالَ: أخبْرنِي عَمْروٌ وغَيْرُهُ أنَّ بُكَيْرا
стр. 6442
ً حدَّثَهُ أنَّ عاصِمَ بنَ عُمَرَ بنِ قَتادَةَ حدَّثَهُ أنَّ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله ﵄ عادَ المقَنَّعَ ثُمَّ قَالَ: لَا أبْرَحُ حتَّى تَحْتَجِمَ، فإنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: إنَّ فِيهِ شِفاءً.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إِن فِيهِ شِفَاء) على مَا لَا يخفى، وَسَعِيد بن تليد. بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ سعيد بن عِيسَى بن تليد نسب إِلَى جده، وَهُوَ مصري، وَثَّقَهُ ابْن يُونُس. قَالَ: وَكَانَ فَقِيها ثبتاً فِي الحَدِيث وَكَانَ يكْتب للقضاة، وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَعَمْرو هُوَ ابْن الْحَارِث الْمصْرِيّ وَغَيره، قيل: يحْتَمل أَن يكون عبد الله بن لَهِيعَة الْمصْرِيّ، وَبُكَيْر مصغر بكر بن عبد الله بن الْأَشَج.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ عَن أبي نعيم وَإِسْمَاعِيل بن أبان وَأبي الْوَلِيد. وَأخرجه مُسلم فِي الطِّبّ أَيْضا عَن هَارُون بن مَعْرُوف وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن وهب بن بَيَان.
قَوْله: (عَاد الْمقنع) بقاف وَنون ثَقيلَة مَفْتُوحَة هُوَ ابْن سِنَان التَّابِعِيّ يَعْنِي: زَارَهُ فِي مَرضه، ثمَّ قَالَ: لَا أَبْرَح، أَي: لَا أخرج من عنْدك حَتَّى تحتجم. قَوْله: إِن فِيهِ شِفَاء، الضَّمِير يرجع إِلَى الحجم الَّذِي يدل عَلَيْهِ. قَوْله: حَتَّى تحتجم.
١٤ - (بابُ الحِجامَةِ عَلى الرَّأْسِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْحجامَة على الرَّأْس.
٥٦٩٨ - حدّثنا إسْماعِيلُ قَالَ: حدّثنيسُليْمانُ عنْ عَلْقَمَةَ أنَّهُ سَمعَ عَبْدَ الرَّحْمانِ الأعْرَجَ أنَّهُ سَمِعَ عَبْدِ الله بنَ بُحَيْنَةَ يِحَدِّثُ أنَّ رسولَ الله ﷺ ، احتجَمَ بِلَحْيَيْ جمَلٍ مِنْ طَرِيقِ مَكَة وهْوَ مُحْرِمٌ فِي وسَطِ رأْسِهِ.
٥٦٩٩ - وَقَالَ الأنْصارِيُّ: أخبرَنا هِشامُ بنُ حَسَّانَ حَدثنَا عِكْرِمَةُ عَن ابنِ عبَّاسٍ ﵄، أنَّ رسولَ الله ﷺ احْتَجَمَ فِي رَأْسِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال أَبُو أَيُّوب، وعلقمة بن أبي عَلْقَمَة مولى عَائِشَة، وَعبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج، وَعبد الله بن بُحَيْنَة مر عَن قريب.
والْحَدِيث مضى فِي الْحَج فِي: بَاب الْحجامَة للْمحرمِ.
قَوْله: (بِلحي جمل) كَذَا وَقع: بحلي جمل، بالتثنية وَقد ضمى فِي الْحَج بِلحي جمل بِالْإِفْرَادِ بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة، والجمل بِفَتْح الْجِيم وَالْمِيم وَهُوَ اسْم مَوضِع، وَقَالَ ابْن وضاح: هِيَ بقْعَة مَعْرُوفَة وَهِي عقبَة الْجحْفَة على سَبْعَة أَمْيَال من السقيا، وَزعم بَعضهم أَنَّهَا الْآلَة الَّتِي احجتم بهَا أَي: احْتجم بِعظم جمل. قلت: الْمُعْتَمد الأول، وَالْبَاء فِيهِ بِمَعْنى: فِي أَي: فِي لحيي جمل، وعَلى الثَّانِي الْبَاء للاستعانة. قَوْله: وَهُوَ محرم جملَة حَالية، قَوْله: وسط رَأسه بِفَتْح السِّين وَيجوز تسكينها وَقد تقدم الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الْحَج. قَوْله: (وَقَالَ الْأنْصَارِيّ) وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن الْمثنى بن عبد الله بن أنس بن مَالك.
وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق أبي حَاتِم الرَّازِيّ: حَدثنَا الْأنْصَارِيّ بِلَفْظ: احْتجم وَهُوَ محرم من صداع كَانَ بِهِ أَو دَاء، وَاحْتَجَمَ فِي مَوضِع يُقَال لَهُ: لحي جمل.
١٥ - (بابُ مَنِ احْتَجَمَ مِنَ الشَّقِيقَةِ والصُّدَاعِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من احْتجم من الشَّقِيقَة، وَهِي وجع فِي أحد شقي الرَّأْس، والصداع ألم فِي أَعْضَاء الرَّأْس، وَهُوَ من عطف الْعَام على الْخَاص، وَقد سَقَطت هَذِه التَّرْجَمَة من رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَألْحق حَدِيثهمَا فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَهُوَ الْأَوْجه.
٥٧٠٠ - حدّثني مُحَمِّدُ بنُ بَشَّارٍ حَدثنَا ابنُ أبي عَدِيٍّ عنْ هِشامٍ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: احْتَجَم النبيُّ ﷺ ، فِي رأْسِهِ وهْوَ مُحْرِمٌ مِنْ وجَعٍ كانَ بِهِ بِماءٍ يُقالُ لهُ لَحْيَيْ جَمَلٍ. (انْظُر الحَدِيث ١٨٣٥) .
٥٧٠١ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ سَواء: أخبرنَا هِشامٌ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّ رَسُول الله ﷺ احْتَجَمَ وهْوَ مُحْرِمٌ فِي رأْسِهِ مِنْ شَقِيقَةٍ كانَتْ بِهِ.
стр. 6443
مطابقته للجزء الأول للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن بشار، بفح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة، وَابْن أبي عدي مُحَمَّد وَاسم أبي عدي إِبْرَاهِيم الْبَصْرِيّ، وَهِشَام هُوَ ابْن حسان.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن عُثْمَان وَلَفظه: احْتجم وَهُوَ محرم فِي رَأسه من دَاء كَانَ بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن أبي دَاوُد.
قَوْله: (من وجع كَانَ بِهِ) والوجع هُوَ الْمُفَسّر فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة وَهُوَ قَوْله: (من شَقِيقَة كَانَت بِهِ) . قَوْله: (بِمَاء) أَي: فِي مَاء، أَي: فِي منزل فِيهِ مَاء يُقَال لَهُ لحي جمل.
قَوْله: (وَقَالَ مُحَمَّد بن سَوَاء) بِالسِّين الْمُهْملَة وَالْمدّ ابْن عنبر بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالنُّون وَالْبَاء الْمُوَحدَة السدُوسِي الْبَصْرِيّ وَمَاله فِي البُخَارِيّ سوى حَدِيث مَوْصُول مضى فِي المناقب، وَآخر يَأْتِي فِي الْأَدَب، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ قَالَ: حَدثنَا أَبُو يعلى حَدثنَا مُحَمَّد ابْن عبد الله الْأَزْدِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن سَوَاء فَذكره سَوَاء، وَكَانَ ﷺ ، يحتجم فِي أَمَاكِن مُخْتَلفَة لاخْتِلَاف أَسبَاب الْحَاجة إِلَيْهَا، وَرُوِيَ أَن حجمه فِي هامته كَانَ لوجع أَصَابَهُ فِي رَأسه من أكله الطَّعَام المسموم بِخَيْبَر. قَوْله: (من شَقِيقَة) على وزن عَظِيمَة قد ذكرنَا مَعْنَاهَا، وَذكر أهل الطِّبّ أَنَّهَا من الْأَمْرَاض المزمنة وسببها أبخرة مُرْتَفعَة أَو أخلاط حارة أَو بَارِدَة ترْتَفع إِلَى الدِّمَاغ، فَإِن لم يجد منفذاً أحدث الصداع، فَإِن مَال إِلَى أحد شقي الرَّأْس أحدث الشَّقِيقَة، وَإِن ملك قمة الرَّأْس أحدث دَاء الْبَيْضَة، وَقد أخرج أَحْمد من حَدِيث بُرَيْدَة أَنه ﷺ كَانَ رُبمَا أَخَذته الشَّقِيقَة فيمكث الْيَوْم واليومين وَلَا يخرج.
٥٧٠٢ - حدّثنا إسْماعِيلُ بنُ أبانَ حدَّثنا ابنُ الغَسِيل قَالَ: حدّثني عاصمُ بنُ عُمَرَ عنْ جابِرِ بنِ عبْدِ الله قَالَ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يقُولُ: إنْ كانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْبَةَ عَسَلٍ أوْ شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَو لَذْعَةٍ مِنْ نارٍ، وَمَا أُحِبُّ أنْ أكْتَوِيَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَو شرطة محجم) لِأَنَّهُ يتَنَاوَل الاحتجام من الشَّقِيقَة وَغَيرهَا.
وَإِسْمَاعِيل بن أبان بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنون الْوراق الْكُوفِي، وَابْن الغسيل هُوَ عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان إِلَى آخِره.
والْحَدِيث قد مر عَن قريب فِي: بَاب الدَّوَاء بالعسل، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
١٦ - (بابُ الحَلْقِ مِنَ الأذَى)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حلق الرَّأْس أَو غَيره بِسَبَب الْأَذَى الْحَاصِل.
٥٧٠٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا حَمَّادٌ عنْ أيُّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ مُجاهِداً عنِ ابنِ أبي لَيْلَى عنْ كَعْبٍ هُوَ ابنُ عُجْرَةَ، قَالَ: أتَى عليَّ النبيُّ ﷺ ، زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ وَأَنا أُوقِدُ تَحْتَ بُرْمَةٍ والقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عنْ راسِي، فَقَالَ: أيُؤْذِيكَ هَوَ امُّكَ؟ قُلْتُ: نَعَم. قَالَ: فاحْلِقْ وصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّام، أوْ أطعِمْ سِتَّةُ، أَو انْسُكْ نُسِيْكَه.
قَالَ أيُّوبُ: لَا أدْرِي بأيَّتِهِنَّ بَدأ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَاحْلِقْ) وَوجه أيراده فِي بَاب الطِّبّ من حَيْثُ إِن كل مَا يتَأَذَّى بِهِ الْمُؤمن وَإِن ضعف أَذَاهُ يُبَاح لَهُ إِزَالَته وَإِن كَانَ محرما. وَفِيه: معنى التطبب لِأَنَّهُ إِزَالَة الْأَذَى الَّذِي يشابه الْمَرَض، لِأَن كل مرض أَذَى، وتسلط الْقمل على الرَّأْس أَذَى، وكل أَذَى يُبَاح إِزَالَته فالقمل يُبَاح إِزَالَته.
وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَابْن أبي ليلى هُوَ عبد الرَّحْمَن. والْحَدِيث مضى فِي الْحَج فِي: بَاب النّسك شَاة.
١٧ - (بابُ مَنِ اكْتَوَى أوْ كَوَى غَيْرَهُ وفَضْلِ مَنْ لَمْ يَكْتَوِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من اكتوى لنَفسِهِ، أَو كوى غَيره. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْفرق بَينهمَا أَن الأول لنَفسِهِ وَالثَّانِي أَعم مِنْهُ نَحْو اكْتسب لنَفسِهِ وَكسب لَهُ وَلغيره، وَنَحْو اشتوى إِذا اتخذ الشواء لنَفسِهِ، وشوى لَهُ وَلغيره. وللترجمة ثَلَاثَة أَجزَاء فَأَشَارَ بالجزءين الْأَوَّلين إِلَى إِبَاحَة الكي عِنْد الْحَاجة، وَأَشَارَ بالجزء الثَّالِث إِلَى أَن تَرِكَة أفضل عِنْد عدم الْحَاجة إِلَيْهِ.
стр. 6444
٥٧٠٤ - حدّثنا أبُو الولِيدِ هِشامُ بنُ عبْدِ المَلِكِ حدَّثنا عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ سُلَيْمانَ بنِ الغَسيلِ حَدثنَا عاصِمُ بنُ عُمَرَ بنِ قَتادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ جابِراً عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: إنْ كانَ فِي شَيءٍ مِنْ أدْوِيَتِكُمْ شِفاءٌ فَفِي شَرْطةِ مِحْجَمٍ أوْ لَذْعَةٍ بِنارٍ. وَمَا أُحُبُّ أنْ أكْتَوِيَ.
مُطَابقَة الْجُزْء الثَّالِث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث قد مر عَن قريب فِي: بَاب الدَّوَاء بالعسل، لَكِن هُنَا اقْتصر على شَيْئَيْنِ وَحذف الثَّالِث وَهُوَ الْعَسَل، وَهُنَاكَ ذكر الثَّلَاثَة وَمر الْكَلَام فِيهِ.
٥٧٠٥ - حدّثنا عِمْرانُ بنُ مَيْسَرَةَ حدَّثنا ابنُ فُضَيْلٍ حدَّثنا حُصَيْنٌ عنْ عامِرٍ عنْ عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: لَا رُقْيَةَ إلَاّ مِنْ عَيْنٍ أوْ حُمَةٍ، فَذَكَرْتُهُ لسَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: حدَّثنا ابنُ عَبَّاسٍ، قَالَ، رسولُ الله ﷺ : عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُُمَمُ فَجَعَلَ النبيُّ والنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمُ الرَّهْطُ، والنبيُّ لَيْسَ مَعَهُ أحَدٌ حَتَّي رُفِعَ لِي سَوادٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ: مَا هَذَا؟ أُُمَّتي هاذِهِ؟ قِيل: هاذَا مُوسَى وقَوْمُهُ. قيلَ: انظُرْ إِلَى الأُُفُقِ، فَإِذا سَوَادٌ يَمْلأُ الأُُفُقَ، ثُمَّ قِيلَ لِي: أُنْظُرْ هاهُنا وهاهُنا فِي آفاقِ السَّماءِ، فإِِذا سَوَادٌ قَدْ مَلأ الأُُفُقَ، قِيلَ: هاذِهِ أُُمَّتُكَ، ويَدْخُلُ الجَنَّةَ من هاؤلَاءِ سَبْعُونَ ألْفاً بِغَيْرِ حِسابٍ، ثُمَّ دَخَلَ ولَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ، فأفاضَ القَوْمُ وَقَالُوا: نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاللَّه واتَّبَعْنا رَسُولَهُ فَنَحْنُ هُمْ، أوْ أوْلَادُنَا الَّذِينَ وُلدُوا فِي الإِسْلَامِ، فإِِنَّا وُلِدْنَا فِي الجاهِلِيَّةِ، فَبَلَغَ النبيَّ ﷺ فَخَرَج فَقَالَ: هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ ولَا يَتَطَيَّرُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ، وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، فَقَالَ عُكَاشَةُ بنُ مِحْصَن: أمِنْهُمْ أَنا يَا رسولَ الله؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقامَ آخَرُ فَقَالَ: أمنْهُمْ أنَا؟ قَالَ: سبَقَكَ بِها عُكَاشَةُ.
مُطَابقَة الْجُزْء الثَّالِث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعمْرَان بن ميسرَة ضد الميمنة وَابْن فُضَيْل هُوَ مُحَمَّد بن فُضَيْل مصغر الْفضل بالضاد الْمُعْجَمَة الضَّبِّيّ، وحصين بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ ابْن عبد الرَّحْمَن الوَاسِطِيّ، وعامر هُوَ ابْن شرَاحِيل الشّعبِيّ.
والْحَدِيث مضى مُخْتَصرا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء فِي: بَاب وَفَاة مُوسَى ﵇ وَأخرجه أَيْضا فِي الرقَاق عَن أَسد بن زيد وَعَن إِسْحَاق عَن روح. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن سعيد بن مَنْصُور وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن أبي حُصَيْن وَلَفظه: لما أسرِي بِالنَّبِيِّ جعل يمر بِالنَّبِيِّ والنبيين وَمَعَهُمْ الْقَوْم، وَالنَّبِيّ والنبيين وَمَعَهُمْ الرَّهْط، فَذكره بِطُولِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن أبي حُصَيْن بِهِ.
وَفِي (التَّلْوِيح) فِي هَذَا عِلَّتَانِ.
(الأولى) انْقِطَاع مَا بَين عَامر الشّعبِيّ وَعمْرَان، قَالَ البُخَارِيّ فِي بعض نسخ كِتَابه: استفدنا من هَذَا أَن حَدِيث عمرَان مُرْسل، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس مُسْند.
الثَّانِيَة: هُوَ مَعَ إرْسَاله مَوْقُوف، وَالْوَقْف عِلّة عِنْد جمَاعَة من الْعلمَاء وَإِن كَانَ أَبُو دَاوُد لما رَوَاهُ عَن مُسَدّد حَدثنَا عبد الله بن دَاوُد عَن مَالك بن مغول عَن حُصَيْن عَن الشّعبِيّ عَن عمرَان رَفعه، فَقَالَ. قَالَ رَسُول الله ﷺ : لَا رقية إلَاّ من عين أَو حمة، فَكَأَنَّهُ غفل عَن الْعلَّة فِيهِ، وَتَبعهُ فِيمَا أرى التِّرْمِذِيّ لما رَوَاهُ من طَرِيق سُفْيَان عَن حُصَيْن، ثمَّ قَالَ: وَرَوَاهُ شُعْبَة عَن حُصَيْن عَن الشّعبِيّ عَن بُرَيْدَة بِهِ مَرْفُوعا. وَأما مُسلم فَإِنَّهُ لما رَوَاهُ من حَدِيث هشيم عَن حُصَيْن وَقفه، وَعِنْده أَيْضا من حَدِيث أنس بن مَالك مَرْفُوعا أَنه رخص فِي الرّقية من الْعين والحمة والنملة، وَعند أبي دَاوُد من حَدِيث سهل بن حنيف مَرْفُوعا: لَا رقية إلاّ من نفس أَو حمة أَو لدغة. انْتهى.
قَوْله: (لَا رقية) بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْقَاف وَهِي العوذة الَّتِي يرقى بهَا صَاحب الآفة كالحمى والصرع وَغير ذَلِك من الْآفَات. قَوْله: (إلَاّ من عين) هُوَ إِصَابَة العائن غَيره بِعَيْنِه، وهوأن يتعجب الشَّخْص من الشَّيْء حِين يرَاهُ فيتضرر ذَلِك الشَّيْء مِنْهُ. قَوْله: (أَو حمة) بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم المخففة وَهُوَ السم، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: حمة الْعَقْرَب سمها وضرها. وَقَالَ ابْن سَيّده: هِيَ الإبرة
стр. 6445
الَّتِي تضرب بهَا الْعَقْرَب والزنبور، وأصل حمة حمو أَو حمى، وَالْهَاء عوض عَن الْوَاو أَو الْيَاء وَجَمعهَا: حمون وحمات، كَمَا قَالُوا برة وبرون وبرأت، قَالَه كرَاع. وَقَالَ: كَأَنَّهَا مَأْخُوذَة من حميت النَّار تحمى إِذا اشتدت حَرَارَتهَا، وَفِي (كتاب اليواقيت) للمطرزي: حمة بِالتَّشْدِيدِ، وَقَالَ الجاحظ: من سمى إبرة الْعَقْرَب حمة فقد أَخطَأ، وَإِنَّمَا الْحمة سموم ذَوَات الشّعْر: كالدبر وَذَوَات الأنياب والأسنان كالأفاعي وَسَائِر الْحَيَّات، وكسموم ذَوَات الإبر من العقارب، وَمعنى قَول سهل بن حنيف: إلَاّ من نفس، هُوَ الْعين يُقَال: أَصَابَت فلَانا نفس أَي: عين، والنملة فِي حَدِيث أنس قُرُوح تخرج فِي الْجنب، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَقد جَاءَ فِي بعض الْأَحَادِيث جَوَاز الرّقية، وَفِي بَعْضهَا النَّهْي. وَالْأَحَادِيث فِي الْقسمَيْنِ كَثِيرَة، وَوجه الْجمع بَينهمَا أَن الرقى يكره مِنْهَا مَا كَانَ بِغَيْر اللِّسَان الْعَرَبِيّ وَبِغير أَسمَاء الله تَعَالَى وَصِفَاته وَكَلَامه فِي كتبه الْمنزلَة، وَأَن يعْتَقد أَن الرقيا نافعة لَا محَالة فيتكل عَلَيْهَا، وَإِيَّاهَا أَرَادَ بقوله ﷺ : مَا توكل من استرقى، وَلَا يكره مِنْهَا مَا كَانَ بِخِلَاف ذَلِك كالتعوذ بِالْقُرْآنِ وَأَسْمَاء الله والرقى المروية، وَقَالَ أَيْضا: معنى قَوْله ﷺ : لَا رقية إلَاّ من عين أَو حمة، لَا رقية أولى وأنفع، وَهَذَا كَمَا قيل: لَا فَتى إِلَّا عَليّ، وَقد أَمر ﷺ غير وَاحِد من الصَّحَابَة بالرقية، وَسمع بِجَمَاعَة يرقون فَلم يُنكر عَلَيْهِم. وَقَالَ الْخطابِيّ: لم يرد بِهِ حصر الرّقية الْجَائِزَة فيهمَا، وَإِنَّمَا المُرَاد: لَا رقية أَحَق وَأولى من رقية الْعين والحمة لشدَّة الضَّرَر فيهمَا. قَوْله: (فَذَكرته لسَعِيد بن جُبَير) الْقَائِل بذلك هُوَ حُصَيْن بن عبد الرَّحْمَن. قَوْله: (وَمَعَهُمْ الرَّهْط) وَهُوَ من الرِّجَال مَا دون الْعشْرَة. وَقيل: إِلَى الْأَرْبَعين، وَلَا يكون فيهم امْرَأَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَيجمع على أرهط وأرهاط، وأراهط جمع الْجمع. قَوْله: (وَالنَّبِيّ لَيْسَ مَعَه أحد) قيل: النَّبِي هُوَ الْمخبر عَن الله لِلْخلقِ فَأَيْنَ الَّذين أخْبرهُم؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ رُبمَا أخبروا لم يُؤمن بِهِ أحد وَلَا يكون مَعَه إلَاّ الْمُؤمن. قَوْله: (حَتَّى رفع لي سَواد) هَذَا رِوَايَة الْكشميهني: حَتَّى رفع، بالراء وَالْفَاء وبلفظ لي، وَفِي رِوَايَة غَيره: حَتَّى وَقع فِي سَواد، بواو وقاف وبلفظ: فِي قَوْله: (بِغَيْر حِسَاب) قيل: هَل يدْخلُونَ وَإِن كَانُوا أَصْحَاب معاصي ومظالم؟ وَأجِيب: بِأَن الَّذين كَانُوا بِهَذِهِ الْأَوْصَاف الْأَرْبَعَة لَا يكونُونَ إلَاّ عُدُولًا مطهرين من الذُّنُوب، أَو ببركة هَذِه الصِّفَات يغْفر الله لَهُم وَيَعْفُو عَنْهُم. قَوْله: (ثمَّ دخل) أَي: الْحُجْرَة وَلم يبين للصحابة من السبعون. قَوْله: (فَأَفَاضَ الْقَوْم) وَيُقَال: أَفَاضَ الْقَوْم فِي الحَدِيث إِذا انْدَفَعُوا فِيهِ وناظروا عَلَيْهِ. قَوْله: (هم الَّذين لَا يسْتَرقونَ) قَالَ أَبُو الْحسن الْقَابِسِيّ: يُرِيد بالاسترقاء الَّذِي كَانُوا يسْتَرقونَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّة، غ وَأما الاسترقاء بِكِتَاب الله فقد فعله ﷺ وَأمر بِهِ وَلَيْسَ بمخرج عَن التَّوَكُّل. قَوْله: (وَلَا يَتَطَيَّرُونَ) أَي: لَا يتشاءمون بالطيور وَنَحْوهَا كَمَا كَانَت عَادَتهم قبل الْإِسْلَام، والطيرة مَا يكون فِي الشَّرّ والفأل مَا يكون فِي الْخَيْر، وَكَانَ ﷺ يحب الفأل. قَوْله: (وَلَا يَكْتَوُونَ) يَعْنِي: لَا يَعْتَقِدُونَ أَن الشِّفَاء من الكي كَمَا كَانَ عَلَيْهِ اعْتِقَاد أهل الْجَاهِلِيَّة. قَوْله: (وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ) والتوكل تَفْوِيض الْأَمر إِلَى الله تَعَالَى فِي تَرْتِيب المسببات على الْأَسْبَاب. قَوْله: (أَمنهم أَنا؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على وَجه الاستخبار والاستعلام. قَوْله: (فَقَامَ آخر) قَالَ الْخَطِيب: هَذَا الرجل سعد بن عبَادَة، وَقيل: إِن الرجل الثَّانِي كَانَ منافقاً فَأَرَادَ النَّبِي ﷺ التسر لَهُ والإبقاء عَلَيْهِ لَعَلَّه أَن يَتُوب فَرده ردا جميلاً. قَالَ الْكرْمَانِي: لَو صَحَّ هَذَا بَطل قَول الْخَطِيب، وَالله أعلم. قَوْله: (سَبَقَك بهَا عكاشة) أَي: فِي الْفضل إِلَى منزلَة أَصْحَاب هَذِه الْأَوْصَاف الْأَرْبَعَة. وَقيل: يحْتَمل أَن يكون سَبَقَك عكاشة بِوَحْي أَنه يُجَاب فِيهِ. وَلم يحصل ذَلِك للْآخر.
١٨ - (بابُ الإِثْمِدِ: والكُحْلِ مِنَ الرَّمَد)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الإثمد، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَكسر الْمِيم وبالدال المهلمة، وَحكي ضم الْهمزَة وَهُوَ حجر يكتحل بِهِ. وَفِي (الْمُحكم) : هُوَ حجر يتَّخذ مِنْهُ الْكحل، وَقيل: هُوَ نفس الْكحل وَقد عطف البُخَارِيّ الْكحل على الإثمد فَدلَّ على أَن الْكحل غير الإثمد، والإثمد هُوَ حجر مَعْرُوف يكتحل بِهِ بعد صحنه كَمَا يَنْبَغِي، والكحل أَعم من الإثمد وَمن غَيره، فعلى هَذَا يكون من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص. قَوْله: (من الرمد) أَي: من عِلّة الرمد وَكلمَة من تعليلية والرمد بِفتْحَتَيْنِ: ورم حَار يعرض فِي الطَّبَقَة الملتحمة من الْعين وَهُوَ بياضها الظَّاهِر وَسَببه انصباب أحد الأخلاط أَو أبخرة
стр. 6446
تصعد من الْمعدة إِلَى الدِّمَاغ، فَإِن انْدفع إِلَى الخياشيم أحدث الزُّكَام أَو إِلَى الْعين أحدث الرمد أَو إِلَى اللهات والمنخزين أحدث الخنان، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالنُّون أَو إِلَى الصَّدْر أحدث النزلة أَو إِلَى الْقلب أحدث الشوصة وَإِن لم ينحدر وَطلب نفاذاً وَلم يجد أحدث الصداع.
فِيه أُُمُّ عَطِيَّةَ.
أَي: فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث أم عَطِيَّة، وَاسْمهَا نسيبة بنت كَعْب، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى حَدِيثهَا الَّذِي أخرجه فِي كتاب الطَّلَاق فِي: بَاب الْقسْط للحادة، أخرجه عَن عبد الله بن عبد الْوَهَّاب حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن حَفْصَة عَن أم عَطِيَّة، قَالَت: كُنَّا ننهى أَن نحد على ميت فَوق ثَلَاث إلَاّ على زوج أَرْبَعَة أشهر وَعشرا، وَلَا نكتحل الحَدِيث وَأخرج أَيْضا بعضه من حَدِيثهَا، قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن تحد فَوق ثَلَاث إلَاّ على زوج وَلَا تكتحل الحَدِيث. فَإِن قلت: لَيْسَ فِي حَدِيث أم عَطِيَّة بِطرقِهِ ذكر للإثمد! قلت: كَأَن البُخَارِيّ اعْتمد على أَن الإثمد يدْخل فِي غَالب الأكحال لاسيما أكحال الْعَرَب، وَأما ذكره والتنصيص عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ لم يَصح على شَرطه، وَقد ذكر ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) من حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: إِن خير أكحالكم الإثمد يجلو الْبَصَر وينبت الشّعْر، وَعند التِّرْمِذِيّ محسناً: اكتحلوا بالإثمد فَإِنَّهُ يجلو الْبَصَر وينبت الشّعْر، وَكَانَ للنَّبِي ﷺ مكحلة يكتحل مِنْهَا كل لَيْلَة ثَلَاثَة فِي هَذِه وَثَلَاثَة فِي هَذِه، وَفِي رِوَايَة: وثنتين فِي الْيُسْرَى، وَفِي (الْعِلَل الْكَبِير) : سَأَلت مُحَمَّدًا عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: هُوَ حَدِيث مَحْفُوظ.
٥٧٠٦ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْياى عنْ شُعْبَةَ قَالَ: حدّثني حُميْدُ بنُ نافِعٍ عنْ زَيْنَبَ عنْ أُُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أنَّ امْرَأةً تُوُفِّيَ زَوْجُها فَاشْتَكَتْ عَيْنَها، فَذَكَرُوها لِلنبيِّ ﷺ وذَكَرُوا لهُ الكُحْلَ وَأنَّهُ يُخافُ عَلى عَيْنِها، فَقَالَ: لَقَدْ كانَتْ إحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ فِي بَيْتِها فِي شَرِّ أحْلَاسِها، أوْ: فِي أحْلَاسِها فِي شَرِّ بَيْتِها فَإِذا مَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بَعْرَةً فَلا أرْبعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْراً. (انْظُر الحَدِيث: ٥٣٣٦ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَذكروا لَهُ الْكحل) وَلَيْسَ فِيهِ ذكر للإثمد، كَمَا ذكرنَا الْآن.
وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَزَيْنَب هِيَ بنت أم سَلمَة وأبوها أَبُو سَلمَة عبد الله بن عبد الْأسد المَخْزُومِي، وَكَانَ اسْمهَا برة فسماها رَسُول الله ﷺ زَيْنَب، سَمِعت النَّبِي ﷺ ، وَسمعت أمهَا أم سَلمَة.
والْحَدِيث قد مضى فِي الطَّلَاق فِي: بَاب الْكحل للحادة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن شُعْبَة عَن حميد عَن نَافِع عَن زَيْنَب ابْنة أم سَلمَة عَن أمهَا: أَن امْرَأَة ... الحَدِيث.
قَوْله: (فاشتكت عينهَا) بِالرَّفْع وَالنّصب. وَقَوله: (فِي شَرّ أحلاسها) جمع حلْس بِالْكَسْرِ وَهُوَ كسَاء للبعير يكون تَحت البردعة، وَالْمرَاد هُنَا من شَرّ أحلاسها مَا يبسط تَحت الثِّيَاب، قَالَه الْجَوْهَرِي وَقَالَ الدَّاودِيّ: هِيَ الثِّيَاب الَّتِي تلبس، وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة اعْتِدَاد الْمَرْأَة هُوَ أَن تمكث فِي بَيتهَا فِي شَرّ ثِيَابهَا سنة، فَإِذا مر كلب بعد ذَلِك رمت ببعرة إِلَيْهِ يَعْنِي: أَن مكثها هَذِه السّنة أَهْون عِنْدهَا من هَذِه البعرة ورميها. قَوْله: (فَلَا) تكتحل حَتَّى تمْضِي أَرْبَعَة أشهر وَعشرا، وَتَكون: لَا هَذِه لنفي الْجِنْس نَحْو: لَا غُلَام رجل، والاستفهام الإنكاري مُقَدّر، فَافْهَم.
١٩ - (بابُ الجُذَامِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر الجذام، وَأَنه مِمَّا يفر من الَّذِي بِهِ الجذام، وَهُوَ بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الذَّال الْمُعْجَمَة: عِلّة يحمر بهَا اللَّحْم ثمَّ يَنْقَطِع ويتناثر، وَقيل: هُوَ عِلّة تحدث من انتشار السَّوْدَاء فِي الْبدن كُله بِحَيْثُ يفْسد مزاج الْأَعْضَاء وهيآتها، وَقَالَ ابْن سيدة: سمي بذلك لتجذم الْأَصَابِع وتقطعها.
٥٧٠٧ - وَقَالَ عَفَّانُ: حدّثنا سَلِيمُ بنُ حَيَّانَ حدَّثنا سَعِيدُ بنُ ميناءَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هامَةَ وَلَا صَفَرَ، وفِرَّ مِنَ المَجْذومِ كَما تَفِرُّ مِنَ الأسَد. .
стр. 6447
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فر من المجذوم) وَعَفَّان هُوَ ابْن مُسلم الصفار وَهُوَ من شُيُوخ البُخَارِيّ، وَلَكِن أَكثر مَا يخرج عَنهُ بِوَاسِطَة، وَهَذَا تَعْلِيق صَحِيح وَقد جزم أَبُو نعيم أَنه أخرجه عَنهُ بِلَا رِوَايَة، وعَلى طَريقَة ابْن الصّلاح يكون مَوْصُولا، وَوَصله أَبُو نعيم من طَرِيق أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ، وَأَبُو قُتَيْبَة مُسلم بن قُتَيْبَة كِلَاهُمَا عَن سليم بن حَيَّان شيخ عَفَّان فِيهِ، وسليم بِفَتْح السِّين المهلمة وَكسر اللَّام ابْن حَيَّان بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَسَعِيد بن ميناء بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون بِالْمدِّ وَالْقصر.
والْحَدِيث رَوَاهُ ابْن حبَان بِزِيَادَة: وَلَا نوء، وروى أَبُو نعيم من حَدِيث الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: اتَّقوا المجذوم كَمَا يَتَّقِي الْأسد، وروى أَيْضا من حَدِيث ابْن أبي أوفى: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (كلم المجذوم وَبَيْنك وَبَينه قيد رمح أَو رُمْحَيْنِ) . فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد عَن جَابر أَن رَسُول الله ﷺ أَخذ بيد مجذوم فَأدْخلهُ مَعَه فِي الْقَصعَة، ثمَّ قَالَ: (كل بِسم الله، وثقة بِاللَّه، وتوكلاً عَلَيْهِ) . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: غَرِيب، فَكيف وَجه الْجمع بَين هَذَا وَبَين حَدِيث الْبَاب؟ قلت: أُجِيب بأجوبة: مِنْهَا: أَن هَذَا الحَدِيث لَا يُقَاوم حَدِيث الْبَاب، والمعارضة لَا تكون إلَاّ مَعَ التَّسَاوِي. الثَّانِي: أَن النَّبِي ﷺ لم يَأْكُل مَعَه، وَإِنَّمَا أذن لَهُ بِالْأَكْلِ، ذكره الكلاباذي. وَالثَّالِث: على تَقْدِير أكله مَعَه أَن هَذِه الْأَمْرَاض لَا تعدِي بطبعها، وَلَكِن الله تَعَالَى جعل مُخَالطَة الْمَرِيض بهَا للصحيح سَببا لإعدائه مَرضه، ثمَّ قد يتَخَلَّف ذَلِك عَن سَببه كَمَا فِي سَائِر الْأَسْبَاب. فَفِي الحَدِيث الأول نفي مَا كَانَ يَعْتَقِدهُ الجاهلي من أَن ذَلِك يعدي بطبعه، وَلِهَذَا قَالَ: فَمن أعدى الأول؟ وَفِي قَوْله: (فر من المجذوم) أعلم أَن الله تَعَالَى جعل ذَلِك سَببا، فحذَّر من الضَّرَر الَّذِي يغلب وجوده عِنْد وجوده بِفعل الله . الرَّابِع: مَا قَالَه عِيَاض: اخْتلفت الْآثَار فِي المجذوم، فجَاء عَن جَابر أَن النَّبِي ﷺ أكل مَعَ مجذوم، وَقَالَ: ثِقَة بِاللَّه وتوكلاً عَلَيْهِ، قَالَ: فَذهب عمر ﵁ وَجَمَاعَة من السّلف إِلَى الْأكل مَعَه، وَرَأَوا أَن الْأَمر باجتنابه مَنْسُوخ، وَمِمَّنْ قَالَ بذلك عِيسَى بن دِينَار من الْمَالِكِيَّة. (الْخَامِس) مَا قَالَه الطَّبَرِيّ: اخْتلف السّلف فِي صِحَة هَذَا الحَدِيث، فَأنْكر بَعضهم أَن يكون ﷺ أَمر بالبعد من ذِي عاهة جذاماً كَانَ أَو غَيره، قَالُوا: قد أكل مَعَ مجذوم وَأَقْعَدَهُ مَعَه، وَفعله أَصْحَابه المهديون، وَكَانَ ابْن عمر وسلمان يصنعان الطَّعَام للمجذومين ويأكلان مَعَهم، وَعَن عَائِشَة: أَن امْرَأَة سَأَلتهَا أَكَانَ رَسُول الله ﷺ قَالَ (فر من المجذوم فرارك من الْأسد؟ فَقَالَت عَائِشَة: كلا وَالله، وَلكنه قَالَ: لَا عدوى، وَقَالَ: فَمن أعدى الأول؟ وَكَانَ مولى لنا أَصَابَهُ ذَلِك الدَّاء فَكَانَ يَأْكُل فِي صحافي وَيشْرب فِي أقداحي وينام على فِرَاشِي) . قَالُوا: وَقد أبطل ﷺ الْعَدْوى (السَّادِس) مَا قَالَه بَعضهم: إِن الْخَبَر صَحِيح، وَأمره بالفرار مِنْهُ لنَهْيه عَن النّظر إِلَيْهِ.
قَوْله: (لَا عدوى) هُوَ اسْم من الإعداء كالرعوى والبقوي من الإرعاء والإبقاء، يُقَال: أعداه الدَّاء يعديه إعداء وَهُوَ أَن يُصِيبهُ مثل مَا يصاحب الدَّاء، وَكَانُوا يظنون أَن الْمَرَض بِنَفسِهِ يعدي فأعلمهم النَّبِي ﷺ أَن الْأَمر لَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا الله هُوَ الَّذِي يمرض وَينزل الدَّاء، وَلِهَذَا قَالَ: فَمن أعدى الأول؟ أَي: من أَيْن صَار فِيهِ الجرب. قَوْله: (وَلَا طيرة) بِكَسْر الطَّاء وَفتح الْيَاء وَقد تسكن هِيَ التشاؤم بالشَّيْء، وَهُوَ مصدر تطير يُقَال: تطير طيرة وتحير حيرة، وَلم يَجِيء من المصادر هَكَذَا غَيرهمَا، وَأَصله فِيمَا يُقَال: التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وَغَيرهمَا، وَكَانَ ذَلِك يصدهم عَن مقاصدهم، فنفاه الشَّرْع وأبطله وَنهى عَنهُ، وَأخْبر أَنه لَيْسَ لَهُ تَأْثِير فِي جلب نفع أَو دفع ضرّ. قَوْله: (وَلَا هَامة) الهامة الرَّأْس وَاسم طَائِر وَهُوَ المُرَاد فِي الحَدِيث، وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا يتشاءمون بهَا وَهِي من طير اللَّيْل، وَقيل: هِيَ البومة، وَقيل: كَانَت الْعَرَب تزْعم أَن روح الْقَتِيل الَّذِي لَا يدْرك بثأره يصير هَامة فَيَقُول: اسقوني اسقوني، فَإِذا أدْرك بثأره طارت، وَقيل: كَانُوا يَزْعمُونَ أَن عِظَام الْمَيِّت وَقيل: روحه تصير هَامة فتطير ويسمونه: الصدى، فنفاه الْإِسْلَام ونهاهم عَنهُ، وَذكره الْهَرَوِيّ فِي الْهَاء وَالْوَاو، وَذكره الْجَوْهَرِي فِي الْهَاء وَالْيَاء. قَوْله: (وَلَا صفر) كَانَت الْعَرَب تزْعم أَن فِي الْبَطن حَيَّة يُقَال لَهَا: الصفر، تصيب الْإِنْسَان إِذا جَاع وتؤذيه، وَإِنَّهَا تعدِي فَأبْطل الْإِسْلَام ذَلِك، وَقيل: أَرَادَ بِهِ النسيء الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة وَهُوَ تَأْخِير الْمحرم إِلَى صفر ويجعلون صفر هُوَ الشَّهْر الْحَرَام، فأبطله الْإِسْلَام. قَوْله: (فر) من فر يفر من بَاب ضرب يضْرب، وَيجوز فِيهِ فتح الرَّاء وَكسرهَا، وَيجوز الفك أَيْضا على مَا عرف فِي علم الصّرْف. قَوْله: (كَمَا تَفِر) كلمة مَا مَصْدَرِيَّة أَي: كفرارك من الْأسد.
٢٠ - (بابٌ المنُّ شِفاءٌ لِلْعَيْنِ)
стр. 6448
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: الْمَنّ شِفَاء للعين، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة االأكثرين بِاللَّامِ، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: شِفَاء من الْعين، وَوَجهه أَن الْمُضَاف فِيهِ مَحْذُوف تَقْدِيره: الْمَنّ شِفَاء من دَاء الْعين مثل: ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ (يُوسُف: ٨٢) أَي: أهل الْقرْيَة، وَلَيْسَ المُرَاد من قَوْلهم: الْمَنّ الْمصدر الَّذِي هُوَ الامتنان، بل المُرَاد بِهِ هُوَ الْعَسَل الحلو الَّذِي ينزل من السَّمَاء على شجر فَيُؤْخَذ مِنْهُ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ ينزل من السَّمَاء على بني إِسْرَائِيل، وَوجه كَونه شِفَاء للعين أَنه يُربي بِهِ الْكحل والتوتيا وَنَحْوهمَا مِمَّا يكتحل بِهِ فينتفع بذلك، وَلَيْسَ بِأَن يكتحل بِهِ وَحده لِأَنَّهُ يُؤْذِي الْعين ويقذيها.
٥٧٠٨ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدَّثنا غُنْدَرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عبْدِ المَلِكِ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرو بنَ حُرَيْثٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعيدَ بنُ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ: الكَمْأةُ مِنَ المَنِّ وماؤها شِفاءٌ لِلْعَيْنِ. (انْظُر الحَدِيث: ٤٤٧٨ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الكمأة لما كَانَت من الْمَنّ وَأَن ماءها شِفَاء للعين كَانَ الْمَنّ أَيْضا شِفَاء للعين لِأَنَّهُ الَّذِي ثَبت للفرع فثبوته للْأَصْل بِالطَّرِيقِ الأولى. وَأما معنى كَون الكمأة من الْمَنّ فَهُوَ أَن الْمَنّ ينزل من السَّمَاء عفوا بِلَا علاج، وَكَذَلِكَ الكمأة لَا مُؤنَة فِيهَا ببذر وَلَا سقِِي، وَيُقَال: المُرَاد بِالْعينِ الَّتِي هِيَ النظرة للشَّيْء يتعجب مِنْهُ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ رِوَايَة من روى: شِفَاء من الْعين.
وغندر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال وَضمّهَا هُوَ لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَعبد الْملك هُوَ ابْن عُمَيْر وَقد صرح بِهِ أَحْمد فِي رِوَايَته عَن غنْدر، وَعَمْرو بن حُرَيْث المَخْزُومِي الصَّحَابِيّ، وَسَعِيد بن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل الْعَدوي أحد الْعشْرَة الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ. وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ.
وَقد مر الحَدِيث فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة، وَمر الْكَلَام فِيهِ من أَن الكمأة جمع وَاحِدهَا (كمء) على غير قِيَاس، وَهُوَ من النَّوَادِر.
قَالَ شُعْبَةُ وَأَخْبرنِي الحَكَمُ بنُ عُتَيْبَةَ عنِ الحَسَنِ العُرَنِيِّ عنْ عَمْرو بنِ حُرَيْث عنْ سَعيدِ بنِ زَيْدٍ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ شُعْبَةُ: لَمَّا حدَّثني بِهِ الحَكَمُ لَمْ أُنْكِرْهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ المَلِك.
قَوْله: (قَالَ شُعْبَة) مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: وَقَالَ شُعْبَة، بواو الْعَطف وَصورته صُورَة التَّعْلِيق.
وَالْحكم بِفتْحَتَيْنِ ابْن عتيبة مصغر عتبَة الْبَاب، وَالْحسن العرني بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء وبالنون هُوَ ابْن عبد الله البَجلِيّ الْكُوفِي وَثَّقَهُ أَبُو زرْعَة وَالْعجلِي وَابْن سعد، وَقَالَ يحيى بن معِين: صَدُوق وَمَاله فِي البُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الْموضع.
قَوْله: (لم أنكرهُ من حَدِيث عبد الْملك) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن عبد الْملك لما كبر وَتغَير حفظه توقف شُعْبَة فِي حَدِيثه، فَلَمَّا تَابعه الحكم فِي رِوَايَته ثَبت عِنْد شُعْبَة فَلم يُنكره، وانتفى عَنهُ التَّوَقُّف. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لم أنكرهُ، أَي: مَا أنْكرت على الحكم من جِهَة مَا حَدثنِي بِهِ عبد الْملك، وَذَلِكَ لِأَن الحكم روى مُعَنْعنًا وَعبد الْملك بِلَفْظ: سَمِعت أوَ لِأَن الحكم مُدَلّس، فَلَمَّا تقوى بِرِوَايَة عبد الْملك لم يبْق مَحل للإنكار، أَو مَعْنَاهُ: لم يكن الحَدِيث منكوراً أَي: مَجْهُولا لي من جِهَة أَنِّي كنت حفظته من عبد الْملك، فعلى الأول الضَّمِير للْحكم، وَهُوَ بِمَعْنى الْإِنْكَار، وعَلى الثَّانِي للْحَدِيث، وَهُوَ من النكرَة ضد الْمعرفَة، وَيحْتَمل الْعَكْس بِأَن يُرَاد: لم أنكر شَيْئا من حَدِيث عبد الْملك.
٢١ - (بابُ اللدُودِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اللدود، بِفَتْح اللَّام وبدالين مهملتين الأولى مضومة وَهُوَ الَّذِي يصب من أحد جَانِبي فَم الْمَرِيض، يُقَال: لددت الْمَرِيض لداً ألقيت الدَّوَاء فِي شقّ فِيهِ، وَهُوَ التحنيك بالإصبع كَمَا قَالَ سُفْيَان.
٥٧٠٩ - ٥٧١٠ ٥٧١١ ح دّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله حدَّثنا يَحْياى بنُ سَعيدٍ حدَّثنا سُفْيانُ قَالَ: حدّثني مُوسَى بنُ أبي عائِشةَ عَن عُبَيْدِ الله بنِ عبْدِ الله عنِ ابنِ عبَّاسٍ وعائِشَةَ أنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ قَبَّلَ النبيَّ ﷺ وهْوَ مَيِّتٌ. ٥٧٠٩ (انْظُر الحَدِيث: ٤٤٥٦) ، ٥٧١
٥٧١٢ - قَالَ: وقالَتْ عائِشَةُ: لَدَدْناهُ فِي مَرَضِهِ فَجَعَلَ يُشيرُ إلَيْنا أنْ لَا تَلُدُّونِي. فَقُلْنا: كَراهِيَةُ المَرِيضِ
стр. 6449
لِلدَّواءِ فَلمَّا أفاقَ قَالَ: ألَمْ أنهَكُمْ أنْ تَلُدُّونِي؟ قلْنا: كَراهِيَةُ المَرِيضِ لِلدَّواءِ. فَقَالَ: لَا يَبْقاى فِي البَيْتِ أحَدٌ إلَاّ لُدَّ وَأَنا أنْظُرُ إلَاّ العَبَّاسَ فإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، ويحيىِ بن سعيد الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، ومُوسَى بن أبي عَائِشَة الْكُوفِي، وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة.
والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب مرض النَّبِي ﷺ ووفاته، عَن عَليّ عَن يحيى، وَمر الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (لَا تلدوني) بِضَم اللَّام وَكسرهَا. قَوْله: (كَرَاهِيَة الْمَرِيض) بِالنّصب وبالرفع. قَوْله: (وَأَنا أنظر) جملَة حَالية أَي: لَا يبْقى أحد فِي الْبَيْت إلَاّ يلد فِي حضوري، وَحَال نَظَرِي إِلَيْهِم مُكَافَأَة لفعلهم، أَو عُقُوبَة لَهُم حَيْثُ خالفوا إِشَارَته فِي اللد بِنَحْوِ مَا فَعَلُوهُ بِهِ. قَوْله: (لم يشهدكم) أَي: لم يحضركم حَالَة الْأَمر.
٥٧١٣ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ عنِ الزُّهْرِيِّ أخْبرِني عَبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله عنْ أُُمِّ قَيْسٍ، قالَتْ: دَخَلْتُ بابْنٍ لِي عَلَى رسولِ الله ﷺ وَقَدْ أعْلقْتُ عَليهِ مِنَ العُذْرَةِ، فقالَ: عَلَى مَا تدْغَرْنَ أوْلادَكُنَّ بِهاذا العلَاقِ؟ عَليْكُنَّ بِهاذَا العُودِ الهِندِيِّ فإِنَّ فِيهِ سبْعَةَ أشْفِيَةٍ مِنْها ذاتُ الجَنْبِ يُسْعَطُ مِنَ العُذْرَةِ وَيُلَدُّ مِنْ ذاتِ الجَنْبِ، فَسَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: بَيَّنَ لَنا اثْنَيْنِ ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا خَمْسَةً. قُلْتُ لِسُفْيانَ: فإِنَّ مَعْمَراً يَقُولُ: أعْلَقْتُ عَلَيْهِ. قَالَ: لَمْ يَحْفَظْ، إِنَّمَا قَالَ: أعْلَقْتُ عَنْهُ حَفِظتُهُ مِنْ فِي الزُّهْرِيِّ، وَوَصَفَ سُفْيانُ الغُلامَ يُحَنَّكُ بالإِصْبَعِ. وأدْخَلَ سُفْيانُ فِي حَنَكِهِ إنَّما يَعْني رَفْعَ حَنَكِهِ بإِصْبَعِهِ ولَمْ يَقُلْ: اعْلِقُوا عَنْهُ شَيْئاً.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ويلد من ذَات الْجنب) وَحَدِيث أم قيس قد مر عَن قريب فِي: بَاب السعوط بِالْقِسْطِ الْهِنْدِيّ، وَلَكِن هُنَا أتم مِنْهُ.
قَوْله: (أعلقت عَلَيْهِ) من الإعلاق بِالْعينِ الْمُهْملَة وَهُوَ معالجة عذرة الصَّبِي ورفعها بالإصبع، والعذرة بِضَم الْعين المهلمة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وبالراء وجع الْحلق، وَذَلِكَ الْموضع أَيْضا يُسمى عذرة، يُقَال: أعلقت عَنهُ أمه إِذا فعلت ذَلِك بِهِ وغمزت ذَلِك الْمَكَان بإصبعها. قَوْله: (تدغرن) بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة من الدغر بِالدَّال الْمُهْملَة والغين الْمُعْجَمَة وَالرَّاء، وَهُوَ رفع لهاة الْمَعْذُور، وأصل الدغر الرّفْع. قَوْله: (العلاق) بِكَسْر الْعين وَفتحهَا، ويروى: بِهَذَا الإعلاق، مصدر وَمَعْنَاهُ: إِزَالَة الْعلُوق وَهِي الداهية والآفة. قَوْله: (ويسعط من الْعذرَة) يُقَال: سعطته وأسعطته فاستعط، وَالِاسْم: السعوط، بِالْفَتْح وَهُوَ مَا يَجْعَل من الدَّوَاء فِي الْأنف: ويسعط، على بِنَاء الْمَجْهُول، وَكَذَلِكَ قَوْله: (ويلد) قَوْله: (من ذَات الْجنب) قد مر تَفْسِيره. قَوْله: (فَسمِعت الزُّهْرِيّ) الْقَائِل سُفْيَان. قَوْله: (بَين لنا) أَي: بَين رَسُول الله ﷺ اثْنَيْنِ وهما اللدود والسعوط، وَلم يبين الْخَمْسَة الْبَاقِيَة من السَّبْعَة، وَقَالَ التَّيْمِيّ: قَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: قَالَ سُفْيَان: بيّن لنا الزُّهْرِيّ اثْنَيْنِ. قَوْله: (قلت لِسُفْيَان) الْقَائِل هُوَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ. قَوْله: (معمراً) بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد يَقُول: أعلقت عَلَيْهِ. قَوْله: (قَالَ: لم يحفظ) أعلقت عَلَيْهِ أَي: قَالَ سُفْيَان: لم يحفظ أعلقت عَلَيْهِ بل أعلقت عَنهُ حفظته من فِي الزُّهْرِيّ، أَي: من فَمه، وَقَالَ الْخطابِيّ: صَوَابه مَا حفظه سُفْيَان، وَقد يَجِيء: على، بِمَعْنى: عَن. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذا اكتالوا على النَّاس﴾ (المطففين: ٢) . أَي: عَنْهُم، وَقَالَ ابْن بطال: الصَّحِيح أعلقت عَنهُ، وَقَالَ النَّوَوِيّ: أعلقت عَنهُ وَعَلِيهِ لُغَتَانِ. قَوْله: (وَوصف سُفْيَان) غَرَضه من هَذَا الْكَلَام التَّنْبِيه على أَن الأعلاق هُوَ رفع الحنك لَا تَعْلِيق شَيْء مِنْهُ على مَا هُوَ الْمُتَبَادر إِلَى الذِّهْن، وَنعم التَّنْبِيه.
٢٢ - (بابٌ)
أَي: هَذَا بَاب كَذَا وَقع: بَاب، مُجَردا عَن التَّرْجَمَة، وَلم يذكر ابْن بطال لفظ: بَاب، وَأدْخل الحَدِيث فِي الْبَاب الَّذِي قبله.
٥٧١٤ - حدّثنا بشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا مَعْمَرٌ ويُونُسُ قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبرنِي عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ أَن عائِشةَ ﵂ زَوْجَ النبيِّ ﷺ ، قالَتْ: لما ثَقُلَ رسولُ الله ﷺ واشْتَدَّ بِهِ وجَعُهُ اسْتأذَنَ أزْوَاجَهُ فِي أنْ يُمَرِّضَ فِي بَيْتِي، فأذِنَّ لَهُ
стр. 6450
فَخرَجَ بَيْنَ رجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الأرْضِ بَيْنَ عَبَّاسٍ وآخَرَ، فأخْبَرْتُ ابنَ عبَّاسٍ فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الآخَرُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عائِشةُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: هُوَ عَلِيٌّ. قالَتْ عائشَةُ: فَقَالَ النبيُّ ﷺ ، بَعْدَما دخَلَ بَيتُهَا واشْتَدَّ بِهِ وجَعُهُ: هَريقُوا عَليَّ مِنْ سَبْعِ قِرَب لَمْ تُحْلَلْ أوْ كيَتُهُنَّ لَعَلِّي أعْهَدُ إِلَى النَّاسِ، قالَتْ: فأجْلَسْناهُ فِي مِخْضَبٍ لِحَفْصَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ ، ثُمَّ طفِقْنا نصُبُّ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ القِرَبِ حتَّى جَعَلَ يُشِيرُ إلَيْنا أنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ. قالتْ: وخَرَجَ إِلَى النَّاس فَصَلَّى لَهُمْ وخَطَبَهُمْ.
قيل: لَا وَجه لذكر هَذَا الحَدِيث هُنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذكر اللدود، وَلَا للباب الْمُجَرّد تَرْجَمَة حَتَّى يطْلب بَينهمَا الْمُطَابقَة. وَأجِيب بِجَوَاب فِيهِ تعسف، وَهُوَ أَنه: يحْتَمل أَن يكون بَينه وَبَين الحَدِيث السَّابِق نوع تضَاد، لِأَن فِي الأول. فعلوا مَا لم يَأْمر بِهِ النَّبِي ﷺ فَحصل عَلَيْهِم الْإِنْكَار واللوم بذلك، وَفِي هَذَا فعلوا مَا أَمر بِهِ وَهُوَ ضد ذَاك فِي الْمَعْنى، والأشياء تتبين بضدها.
وَبشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة ابْن مُحَمَّد السّخْتِيَانِيّ الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي.
والْحَدِيث مضى فِي مَوَاضِع بِطُولِهِ أَولهَا فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب الْغسْل وَالْوُضُوء فِي المخضب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ الخ ... وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (أَن يمرض) على صِيغَة الْمَجْهُول من التمريض وَهُوَ الْقيام على الْمَرِيض وتعاهده. قَوْله. (فَأذن) بنُون الْجمع الْمُشَدّدَة. قَوْله: (هريقوا) ويروى: (أريقوا وأهريقوا) ، أَي: صبوا. قَوْله: (أوكيتهن) جع الوكاء وَهُوَ مَا يشد بِهِ رَأس الْقرْبَة، وَإِنَّمَا اشْترط هَذَا لِأَن الْأَيْدِي لم تخالطه، وَأول المَاء أطهره وأصفاه. قَوْله: (لعَلي أَعهد) أَي: أوصِي. قَوْله: (فِي مخضب) بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْمُعْجَمَة الأولى وَهِي الإجانة الَّتِي تغسل فِيهَا الثِّيَاب. قَوْله: (طفقنا) أَي: شرعنا نصب المَاء عَلَيْهِ. قَوْله: (أَن قد فعلتن) ويروى: أَن قد فَعلْتُمْ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح بِاعْتِبَار الْأَنْفس والأشخاص، أَو بِاعْتِبَار التغليب، وَهَذَا كثير.
٢٣ - (بابُ العُذْرَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْعذرَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وبالراء، وَهُوَ وجع الْحلق وَهُوَ الَّذِي يُسمى: سُقُوط اللهاة، بِفَتْح اللَّام وَهِي اللحمة الَّتِي تكون فِي أقْصَى الْحلق.
٥٧١٥ - حدّثنا أبُو اليَمان أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبرنِي عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله أنَّ أُُمَّ قَيْسٍ بِنْتَ مِحْصَنٍ الأسَديَّةَ أسَدَ خُزَيْمةَ وكانَتْ منَ المُهاجِرَاتِ الأَُوَلِ اللاتِي بايَعْنَ النبيَّ ﷺ وهْيَ أُخْتُ عُكاشَةَ أخْبَرَتْهُ أنَّها أتَتْ رسولَ الله ﷺ ، بابنٍ لَهَا قَدْ أعْلَقَتْ عليْهِ مِنَ العُذْرَةِ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : عَلى مَا تَدْغَرْنَ أوْلادَكُنَّ بِهَذَا العِلَاقِ؟ عَليْكُمْ بِهَذَا العُودِ الْهِنْدِيِّ فإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أشْفِيَةٍ مِنْها ذَاتُ الجَنْبِ.
يُرِيدُ الكُسْتَ وهْوَ العُودُ الْهِنْدِيُّ.
وَقَالَ يُونُسُ وإسْحاقُ بنُ رَاشِدٍ عنِ نالزُّهْرِيِّ: عَلَّقَتْ علَيْهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث قد مر عَن قريب فِي: بَاب اللدود عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن حَمْزَة، وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة.
قَوْله: (وَكَانَت من الْمُهَاجِرَات) يحْتَمل أَن يكون من كَلَام الزُّهْرِيّ فَيكون مدرجاً، وَيحْتَمل أَن يكون من كَلَام شَيْخه فَيكون مَوْصُولا. قَوْله: (أَسد خُزَيْمَة) إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِئَلَّا يتَوَهَّم أَنه من أَسد بن عبد الْعُزَّى، أَو من أَسد بن ربيعَة، أَو من أَسد بن سُوَيْد بِضَم السِّين. قَوْله: (قد أعلقت عَلَيْهِ) أَي: قد عالجته بِرَفْع الحنك بإصبعها، قَوْله: (تدغرن) بِالْمُهْمَلَةِ والمعجمة وَالرَّاء خطاب للنسوة، قَوْله: (بِهَذَا العلاق) بالحركات الثَّلَاث وَمر عَن قريب. قَوْله: (عَلَيْكُم) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (عليكن) .
قَوْله: (وَقَالَ يُونُس) تَعْلِيق هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَإِسْحَاق بن رَاشد الْجَزرِي بِالْجِيم وَالزَّاي
стр. 6451
وَالرَّاء أَرَادَ أَنَّهُمَا رويا عَن الزُّهْرِيّ بِلَفْظ: أعلقت عَلَيْهِ وَحَدِيث يُونُس أخرجه مُسلم أَبُو دَاوُد وَابْن ماجة، وَحَدِيث إِسْحَاق يَأْتِي عَن قريب فِي: بَاب ذَات الْجنب .
٢٤ - (بابُ دَوَاءِ المَبْطُونِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان دَوَاء المبطون، وَهُوَ الَّذِي يشتكي بَطْنه لإسهال مفرط، وَأَسْبَاب ذَلِك كَثِيرَة.
٥٧١٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّار حَدثنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ قَتادَةَ عنْ أبي المُتَوَكِّلِ عنْ أبي سَعِيدٍ قَالَ: جاءَ رجُلٌ إِلَى النبيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إنَّ أخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ، فَقَالَ: إسْقِهِ عَسَلاً فسقَاهُ، فَقَالَ: إنِّي سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إلَاّ اسْتِطلاْقاً، فَقَالَ: صَدَقَ الله وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطِّبّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن حَاتِم وَغَيره.
قَوْله: (لَا عدوى وَلَا صفر وَلَا هَامة) مر تَفْسِيرهَا عَن قريب فِي بَاب الجذام. قَوْله: (فَمن أعدى الأول) أَي: الْبَعِير الَّذِي جرب أَولا، وَلَو كَانَ الجرب بالعدوى بالطبع لم يجرب بِالْأولِ لعدم المعدي، فَإِذا جَازَ فِي الأول جَازَ فِي غَيره لَا سِيمَا وَالدَّلِيل قَائِم على أَن لَا مُؤثر فِي الْوُجُود إلَاّ الله تَعَالَى. قَوْله: (وَرَوَاهُ الزُّهْرِيّ) أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَسنَان بن أبي سِنَان بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون الأولى فِي اللَّفْظَيْنِ الدؤَلِي الْمدنِي، وَاسم أبي سِنَان يزِيد بن أُميَّة، يَعْنِي: كِلَاهُمَا رويا عَن أبي هُرَيْرَة، وَتَأْتِي راية كل مِنْهُمَا مفصلة فِي: بَاب لَا عدوى.
٢٦ - (بابُ ذَاتِ الجَنْبِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذَات الْجنب، وَهُوَ ورم حَار يعرض الغشاء المستبطن للأضلاع وَقد يُطلق على مَا يعرض فِي نواحي الْجنب من ريَاح غَلِيظَة تحبس بَين الصفافات والعضل الَّتِي فِي الصَّدْر والأضلاع فَتحدث وجعاً، وَالْأول هُوَ ذَات الْجنب الْحَقِيقِيّ الَّذِي تكلم عَلَيْهِ الْأَطِبَّاء، وَالْمرَاد بِذَات الْجنب فِي حَدِيثي الْبَاب الثَّانِي، لِأَن الْقسْط، وَهُوَ الْعود الْهِنْدِيّ، هُوَ الَّذِي يداوي بِهِ الرّيح الغليظة.
٥٧١٨ - حدّثني مُحَمَّدٌ أخبرنَا عَتَّابُ بنُ بَشِير عنْ إسْحاقَ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبرنِي عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله أنَّ أمَّ قَيْسٍ بِنْتَ مِحْصَنٍ وكانتْ مِنَ المُهاجِراتِ الأُوَلِ الَّلاتِي بايَعْنَ رسولَ الله ﷺ ، وهْيَ أُخْتَ عُكاشَة بنِ مِحْصَنٍ أخْبَرَتْهُ أنَّها أتَتْ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 6452
بابنٍ لَهَا قَدْ عَلَّقَتْ عَلَيْهِ مِنَ العُذْرَةِ، فَقَالَ: اتَّقُوا الله! عَلى مَا تَدْغرُونَ أوْلَادَكُمْ بِهاذِهِ الأعْلاقِ؟ عَلَيْكُمْ بِهذَا العُود الهنْديِّ فإنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أشْفِيَةٍ مِنْهَا ذَاتُ الجَنْبِ، يُرِيدُ الكُسْت، يَعْني: القُسْطَ، قَالَ: وهْي لُغَة.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (مِنْهَا ذَات الْجنب) وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام، قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ الْهُذلِيّ يَعْنِي: مُحَمَّد بن يحيى الْهُذلِيّ النَّيْسَابُورِي. قلت: الَّذِي قَالَه الْكرْمَانِي هُوَ الصَّوَاب لِأَن صَاحب (رجال الصَّحِيحَيْنِ) قَالَ فِي تَرْجَمَة عتاب بن بشير: روى عَنهُ مُحَمَّد غير مَنْسُوب، قَالَ أَبُو أَحْمد الْحَافِظ النَّيْسَابُورِي: هُوَ ابْن سَلام، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي الطِّبّ والاعتصام، وعتاب بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَبعد الْألف مُوَحدَة ابْن بكير بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الشين الْمُعْجَمَة الْحَرَّانِي بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء وبالنون، مَاتَ سنة تسعين وَمِائَة، وَإِسْحَاق هُوَ ابْن رَاشد الْجَزرِي.
والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب اللدود.
قَوْله: (على مَا تدغرون) بخطاب جمع الْمُذكر، ويروى: علام تدغرن، بخطاب جمع الْمُؤَنَّث وبإسقاط الْألف من كلمة: مَا، وَقد ذكرنَا أَنه من الدغر بِالدَّال الْمُهْملَة والغين الْمُعْجَمَة وَالرَّاء وَهُوَ غمز الْحلق بالإصبع، وَذَلِكَ أَن الصَّبِي تَأْخُذهُ الْعذرَة، وَهِي وجع يهيج فِي الْحلق من الدَّم، فَتدخل الْمَرْأَة إصبعها فتدفع بهَا ذَلِك الْموضع وتكبسه. قَوْله: (بِهَذِهِ الأعلاق) بِفَتْح الْهمزَة جمع العلق، قَالَ الْكرْمَانِي: نَحْو الوطب والأوطاب وَهِي الدَّوَاهِي والآفات، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: ويروى: بِهَذِهِ العلاق، وَفِي أُخْرَى: بِهَذِهِ العلق، وَالْمَعْرُوف: الأعلاق، بِكَسْر الْهمزَة مصدر أعلقت، والعلق بِضَم الْعين وَفتح اللَّام جمع علوق وَهِي الداهية، وأعلقت عَنهُ أزلت عَنهُ الْعلُوق أَي: مَا عَذبته بِهِ من دغرها. قَوْله: (يُرِيد الكست) بِضَم الْكَاف وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق، يَعْنِي: يُرِيد من الْقسْط الكست. قَوْله: (قَالَ: وَهِي لُغَة) أَي: قَالَ الزُّهْرِيّ: الكست لُغَة فِي الْقسْط.
٥٧١٩ - حدّثنا عارِمٌ حَدثنَا حَمَّادٌ قَالَ: قُرِىءَ علَى أيُّوبَ مِنْ كُتبِ أبِي قِلَابَةَ مِنْهُ مَا حَدَّثَ بِهِ ومِنهُ مَا قُرِىءَ عَلَيْهِ وكانَ هاذَا فِي الكتابِ عَن أنَسٍ: أنَّ أَبَا طَلْحَةَ وأنَسَ بنَ النَّضْرِ كَوَياهُ وكَوَاهُ أبُو طَلْحَةَ بِيَدِهِ.
٥٧٢٠ - وَقَالَ عبَّادُ بنُ مَنْصُور: عنْ أيُّوبَ عنْ أبي قِلَابَةَ عنْ أنسِ بنِ مالِكٍ، قَالَ: أذِنَ رسولُ الله ﷺ ، لأهْلِ بَيْتٍ مِن الأنْصارِ أنْ يرْقُوا منَ الحُمَةِ وَالْأُذن.
٥٧٢١ - ق ال أنَسٌ: كوِيتُ مِنْ ذَاتِ الجَنْبِ ورسولُ الله ﷺ ، حَي، وشَهِدَنِي أبُو طَلْحَةَ وأنَسُ بنُ النَّضْرِ وزَيْدُ بنُ ثابِتٍ، وأبُو طَلْحَةَ كَوَانِي. (الحَدِيث ٥٧١٩ طرفَة فِي: ٥٧٢١) (انْظُر الحَدِيث ٥٧١٩) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من ذَات الْجنب) . وعارم بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالرَّاء لقب مُحَمَّد بن الْفضل أَبُو النُّعْمَان السدُوسِي، وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَأَبُو قلَابَة بِكَسْر الْقَاف وَتَخْفِيف اللَّام وبالباء الْمُوَحدَة عبد الله بن زيد الْجرْمِي.
قَوْله: (قرىء على أَيُّوب) قيل: كَيفَ جَازَ الرِّوَايَة بِمَا قرىء فِي الْكتاب؟ وَأجِيب: بِأَن الْكتاب كَانَ مسموعاً لأيوب، وَمَعَ هَذَا مرتبته دون مرتبَة الرِّوَايَة عَن الْحِفْظ، نعم، لَو لم يكن مسموعاً لجَاز الرِّوَايَة عَن الْكتاب الموثوق بِهِ عِنْد الْمُحَقِّقين، ويسم هَذَا بالوجادة، وَفِي الْمَسْأَلَة مبَاحث واختلافات. قَوْله: (وَكَانَ هَذَا فِي الْكتاب) أَي: فِي كتاب أبي قلَابَة، وَوَقع فِي رِوَايَة الكشمهني: قَرَأَ الْكتاب بدل قَوْله: فِي الْكتاب، قيل: هُوَ تَصْحِيف. قَوْله: (عَن أنس) هُوَ ابْن مَالك. قَوْله: (أَن أَبَا طَلْحَة) هُوَ زيد بن سهل زوج وَالِدَة أنس أم سليم. قَوْله: (وَأنس بن النَّضر) بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة عَم أنس بن مَالك بن النَّضر. قَوْله: (كوياه) ، أَي: كويا أنس بن مَالك، أسْند الكي إِلَيْهِمَا ثمَّ أسْندهُ إِلَى أبي طَلْحَة لِأَنَّهُ بَاشرهُ بِيَدِهِ وَأما إِسْنَاده إِلَى أبي طَلْحَة وَأنس بن النَّضر فلرضاهما بِهِ.
قَوْله: (وَقَالَ عباد بن مَنْصُور)
إِلَى آخِره، تَعْلِيق نذكرهُ الْآن، وَعباد بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن مَنْصُور النَّاجِي بالنُّون وبالجيم وكنيته أَبُو سَلمَة وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع الْمُعَلق، وَهُوَ من كبار أَتبَاع التَّابِعين، وَفِيه مقَال من وُجُوه. الأول: أَنه رمي بِالْقدرِ لكنه لم يكن دَاعِيَة. الثَّانِي: أَنه كَانَ مدلساً. الثَّالِث: أَنه كَانَ قد
стр. 6453
تغير حفظه. وَقَالَ ابْن عدي: هُوَ مِمَّن يكْتب حَدِيثه وَوصل أَبُو يعلى هَذَا التَّعْلِيق عَن إِبْرَاهِيم بن سعد الْجَوْهَرِي عَن ريحَان بن سعيد عَن عباد بِطُولِهِ، وَفَائِدَة هَذَا التَّعْلِيق شَيْئَانِ: أَحدهمَا: من جِهَة الْإِسْنَاد وَهُوَ أَنه بيّن أَن حَمَّاد بن زيد بَين فِي رِوَايَته صُورَة أَخذ أَيُّوب هَذَا الحَدِيث عَن أبي قلَابَة وَأَنه كَانَ قَرَأَهُ عَلَيْهِ من كِتَابه، وَأطلق عباد بن مَنْصُور وَرِوَايَته بالعنعنة. وَالْآخر: من جِهَة الْمَتْن، وَهِي الزِّيَادَة الَّتِي فِيهِ، وَهِي أَن الكي الْمَذْكُور كَانَ بِسَبَب ذَات الْجنب، وَأَن ذَلِك كَانَ فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ وَأَن زيد بن ثَابت كَانَ فِيمَن حضر ذَلِك، وَفِي رِوَايَة عباد بن مَنْصُور زِيَادَة أُخْرَى فِي أَوله، أفردها بَعضهم وَهِي حَدِيث أذن رَسُول الله ﷺ لأهل بَيت من الْأَنْصَار أَن يرقوا من الْحمة وَالْأُذن، وَقَالَ ابْن بطال: أَي، وجع الْأذن أَي: رخص فِي رقية الْأذن إِذا كَانَ بهَا وجع. فَإِن قلت: قد مر أَن لَا رقية إلَاّ من عين أَو حمة، فَكيف الْجمع بَينهمَا؟ قلت: يجوز أَن يكون رخص فِيهِ بعد أَن منع مِنْهُ أَو يكون الْمَعْنى: لَا رقية أَنْفَع من رقية الْعين والحمة، وَلم يرد نفي الرقى عَن غَيرهمَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ ابْن بطال: الأدر جمع الأدر، أَقُول: يَعْنِي نَحْو الْحمر والأحمر من الأدرة وَهِي نفخة الخصيتين وَهُوَ غَرِيب شَاذ، وَقَالَ بَعضهم: وَحكى الْكرْمَانِي عَن ابْن بطال أَن ضبط الأدر بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الْمُهْملَة بعْدهَا رَاء، وَأَنه جمع أدرة وَهِي نفخة الخصية. قلت: الَّذِي قَالَه الْكرْمَانِي ذكرته، فَانْظُر: هَل قَالَ: إِن الأدر جمع أدرة وَلم يقل إلَاّ جمع آدر وَلِهَذَا مثل بقوله: نَحْو الْحمر والأحمر. وَقَوله: وَلم أر ذَلِك فِي كتاب ابْن بطال، لَا يسْتَلْزم نفي رُؤْيَة غَيره، وَمن الْبعد أَن يرى الْكرْمَانِي هَذَا فِي مَوضِع ثمَّ ينْسبهُ إِلَى ابْن بطال. قَوْله: (لأهل بَيت من الْأَنْصَار) هم آل عَمْرو بن حزم، وَوَقع ذَلِك عِنْد مُسلم فِي حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (أَن يرقوا) ، أَصله بِأَن يرقوا فَإِن مَصْدَرِيَّة أَي: بالرقية، وأصل يرقوا يرقووا استثقلت الضمة على الْوَاو فحذفت فَصَارَ يرقوا. قَوْله: (من الْحمة) ، قد مر ضَبطه وَتَفْسِيره عَن قريب وَكَذَلِكَ مر الْآن تَفْسِير الْأذن.
قَوْله: (كويت) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (من ذَات الْجنب) ، أَي: بِسَبَب ذَات الْجنب، وَكلمَة: من، تعليلية وَقد مر تَفْسِيره الْآن، وروى الْحَاكِم على شَرط مُسلم: ذَات الْجنب من الشَّيْطَان، وَمَا كَانَ الله ليسلطه عَليّ. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: مَاتَ ﷺ من ذَات الْجنب. قلت: قَالُوا: إِن هَذَا خبر واه.
٢٧ - (بابُ حَرْقِ الحَصِيرِ لِيُسَدَّ بِهِ الدَّمُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حرق الْحَصِير ليؤخذ رماده ويسد بِهِ الدَّم، أَي: يقطع بِهِ الدَّم النَّازِل من الْجرْح، وَهُوَ بِالسِّين الْمُهْملَة وَقَالَ بَعضهم: أَي مجاري الدَّم. قلت: الْمَقْصُود سد الدَّم لَا سد مجاريه، فَرُبمَا سد مجاريه يضر لانحباس الدَّم الْمُنْفَصِل من الْبدن فِيهَا فيتضرر الْمَجْرُوح من ذَلِك، فَمن طبع الرماد أَنه يقطع الدَّم وينشف مجْرَاه، وَقَالَ بَعضهم أَيْضا: الْقيَاس إحراق الْحَصِير لِأَنَّهُ من أحرق، وَقَالَ ابْن التِّين، أَو يُقَال: تحريق الْحَصِير. قلت: يُقَال: حرقت الشَّيْء، وَأما أحرقت وَحرقت بِالتَّشْدِيدِ فَلَا يُقَال إلَاّ إِذا أُرِيد بِهِ الْمُبَالغَة، وَأطلق الْحَصِير ليشْمل أَنْوَاع الْحَصِير كلهَا. قَالَ أهل الطِّبّ: الْحَصِير كلهَا إِذا أحرقت تبطل زِيَادَة الدَّم، والرماد كُله كَذَلِك.
٦٧٢٢ - حدّثني سعَيدُ بنُ عُفَيْرٍ حَدثنَا يَعْقُوبُ بنُ عبْدِ الرحْمانِ القارِيُّ عنْ أبي حارِمٍ عنْ سَهْل بنِ سعْدٍ السَّاعِدِي قَالَ: لمَّا كُسِرَتْ علَى رأسِ رسولِ الله ﷺ البَيْضَةُ وَأُدْمِيَ وجْهُهُ وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَخْتَلِفُ بالماءِ فِي المِجَنِّ، وجاءَتْ فاطِمَةُ تَغْسِلُ عنْ وجْهِهِ الدَّمَ، فَلَمَّا رأتْ فاطِمَةُ، ﵍، الدَّمَ يَزِيدُ عَلى الماءِ كَثْرَةً عَمَدَتْ إِلَى حَصِير فأحْرَقَتْها وألْصَقَتْها علَى جُرْحِ رسولِ الله ﷺ فَرَقأ الدَّمُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَسَعِيد بن عفير مصغر عفر بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْفَاء وَالرَّاء وَهُوَ سعيد بن كثير بن عفير الْمصْرِيّ، وَأَبُو حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي سَلمَة بن دِينَار.
والْحَدِيث قد مضى فِي غَزْوَة أحد فِي: بَاب مَا أصَاب النَّبِي ﷺ من الْجراح يَوْم أحد وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (الْبَيْضَة) مَا يتَّخذ من الْحَدِيد كالقلنسوة: قَوْله: (رباعيته) ، بِفَتْح الرَّاء
стр. 6454
وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَالْيَاء آخر الْحُرُوف مثل الثَّمَانِية الأضراس، وأولها من مقدم الْفَم الثنايا ثمَّ الرباعيات ثمَّ الأنياب ثمَّ الضواحك ثمَّ الأرحاء وَكلهَا رباع إثنان من فَوق وَاثْنَانِ من أَسْفَل. قَوْله: (يخْتَلف) أَي: يَجِيء وَيذْهب. قَوْله: (فِي الْمِجَن) ، بِكَسْر الْمِيم وَهُوَ الترس. قَوْله: (فأحرقتها) أَي: الْحَصِير، وَإِنَّمَا ذكرهَا بالتأنيث باعتار الْقطعَة مِنْهُ. قَوْله: (فرقأ) مَهْمُوز أَي: سكن.
وَقَالَ الْمُهلب فِيهِ: إِن قطع الدَّم بالرماد من الْمَعْلُوم الْقَدِيم الْمَعْمُول بِهِ لَا سِيمَا إِذا كَانَ الْحَصِير من ديس السعد فَهِيَ مَعْلُومَة بِالْقَبْضِ وَطيب الرَّائِحَة، فالقبض يسد أَفْوَاه الْجرْح وَطيب الرَّائِحَة يذهب بزهم الدَّم، وَأما غسل الدَّم أَولا فَيَنْبَغِي أَن يكون إِذا كَانَ الْجرْح غير غائر، أما إِذا كَانَ غائراً فَلَا يُؤمن ضَرَر المَاء إِذا صب فِيهِ. قلت: بعد الإحراق هَل يبْقى طيب الرَّائِحَة؟
٢٨ - (بابٌ الحمَّى مِنْ فَيْحِ جَهنَّم)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الْحمى من فيح جَهَنَّم، بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبحاء مُهْملَة، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث رَافع آخر الْبَاب من فوح بِالْوَاو، وَتقدم فِي صفة النَّار بِلَفْظ فَور بالراء بدل الْحَاء وَالْكل بِمَعْنى وَاحِد. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الفيح والفوح لُغَتَانِ، يُقَال: فاحت رَائِحَة الْمسك تفيح وتفوح فيحاً وفوحاً وفووحاً، وَلَا يُقَال: فاحت ريح خبيثة. وَيجوز أَن يكون قَوْله: (من فيح جَهَنَّم) حَقِيقَة، وَيكون اللهب الْحَاصِل فِي جسم المحموم قِطْعَة من جَهَنَّم، وَقدر الله ظُهُورهَا بِأَسْبَاب تقتضيها لتعتبر الْعباد بذلك، كَمَا أَن أَنْوَاع الْفَرح وللذة من نعيم الْجنَّة أظهرها الله فِي هَذِه الدَّار عِبْرَة وَدلَالَة، وَيجوز أَن يكون من بَاب التَّشْبِيه على معنى أَن حر الْحمى شَبيه بَحر جَهَنَّم تَنْبِيها للنفوس على شدَّة حر النَّار. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ وَهُوَ شيخ شَيْخي: من، لَيست بَيَانِيَّة حَتَّى يكون تَشْبِيها، وَهِي إِمَّا ابتدائية أَي: الْحمى نشأت وحصلت من فيح جَهَنَّم، أَو تبعيضية أَي: بعض مِنْهَا، وَيدل على هَذَا مَا ورد فِي (الصَّحِيح) : اشتكت النَّار إِلَى رَبهَا، فَقَالَت: رب أكل بَعْضِي بَعْضًا، فَأذن لَهَا بنفسين: نفس فِي الشتَاء وَنَفس فِي الصَّيف ... الحَدِيث، فَكَمَا أَن حرارة الصَّيف أثر من فيحها كَذَلِك الْحمى.
٥٧٢٣ - حدّثني يَحْيَى بنُ سُلَيْمانَ حدّثني ابنُ وهبٍ قَالَ: حدّثني مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ، ﵄، عَن النبيِّ ﷺ ، قَالَ: الحَمَّى مِنْ فَيْحِ جَهنَّمَ فأطْفِئُوها بالماءِ.
قَالَ نافِعٌ: وكانَ عبْدُ الله يَقُولُ: اكْشِفْ عنَّا الرِّجْزَ. (انْظُر الحَدِيث ٣٢٦٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى بن سُلَيْمَان أَبُو سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي، سكن مصر وروى عَن عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطِّبّ أَيْضا عَن هَارُون بن سعيد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن الْحَارِث بن مِسْكين.
قَوْله: (فأطفئوها) بِهَمْزَة قطع من الإطفاء وَلما كَانَ الْحمى من فيح جَهَنَّم وَهُوَ سطوع حرهَا ووهجه، وَالنَّار تطفأ بِالْمَاءِ كَذَلِك حرارة الْحمى تزَال بِالْمَاءِ، وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن الإطفاء والإبراد تحقن الْحَرَارَة فِي الْبَاطِن فتزيد الْحمى وَرُبمَا تهْلك الْجَواب أَن أَصْحَاب الصِّنَاعَة الطبية يسلمُونَ أَن الْحمى الصفراوية صَاحبهَا يسْقِي المَاء الْبَارِد وَيغسل أَطْرَافه بِهِ.
قَوْله: (قَالَ نَافِع وَكَانَ عبد الله) أَي: ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهَذَا مَوْصُول بالسند الَّذِي قبله. قَوْله: (اكشف عَنَّا الرجز) أَي: الْعَذَاب، وَلَا شكّ أَن الْحمى نوع مِنْهُ.
٥٧٢٤ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ هِشام عنْ فاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ أنَّ أَسْماءَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ ﵄، كانَتْ إذَا أُتِيَتْ بالمْرأةِ قَدْحُمَّتْ تَدْعُو لَهَا أخَذَتِ الماءَ فَصَبَّتْهُ بَيْنَها وبَيْنَ جَيْبِها. قالَتْ: وكانَ رسولُ الله ﷺ يأمُرُنا أنْ نَبْرُدَها بالماءِ.
مطابقته للْحَدِيث السَّابِق فِي قَوْله: (فاطفئوها بِالْمَاءِ) والمطابق للشَّيْء مُطَابق لذَلِك الشَّيْء.
وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة، وَفَاطِمَة بنت الْمُنْذر بن الزبير، وَهِي بنت عَمه وَزَوجته، وَأَسْمَاء بنت أبي بكر جدتيهما لأبويهما مَعًا.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطِّبّ أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن هَارُون بن إِسْحَاق. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة
стр. 6455
وَغَيره. وأخره ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
قَوْله: (إِذا أتيت) على صِيغَة الْمَجْهُول وَكَذَلِكَ قَوْله: (حمت) وَهِي فِي مَوضِع الْحَال. قَوْله: (تَدْعُو لَهَا) فِي مَوضِع النصب على الْحَال أَيْضا. قَوْله: (أخذت المَاء) خبر كَانَ. قَوْله: (جيبها) ، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالباء الْمُوَحدَة وَهُوَ مَا يكون مفرجاً من الثَّوْب كالطوق والكم. قَوْله: (أَن نبردها بِالْمَاءِ) ، بِفَتْح النُّون وَضم الرَّاء المخففة وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: أَن نبردها، بِضَم النُّون وَفتح الْبَاء وَتَشْديد الرَّاء من التبريد. وَقَالَ الْكرْمَانِي: نبردها من التبريد، والإبراد يَعْنِي إِمَّا من بَاء التفعيل نبردها بِالتَّشْدِيدِ، وَإِمَّا من بَاب الإفعال نبردها بِضَم النُّون وَسُكُون الْبَاء، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: لَا يُقَال: أبردته يَعْنِي من بَاب الإفعال إلَاّ فِي لُغَة رَدِيئَة، واللغة الفصيحة هِيَ الَّتِي ضبطناها أَولا. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: برد الشَّيْء بِالضَّمِّ وبردته أَنا فَهُوَ مبرود وبردته تبريداً.
٥٧٢٥ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ المُثنَّى حَدثنَا يَحْيى احدثنا هِشامٌ أَخْبرنِي أبي عنْ عائِشَةَ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمِ فأبْرُدُوها بالماءِ. (انْظُر الحَدِيث ٣٢٦٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يرْوى عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا من حَدِيث ابْن نمير عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة إِلَى آخِره نَحوه.
قَوْله: (فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ) وَعَن ابْن الْأَنْبَارِي: أَن معنى: فابردوها بِالْمَاءِ، تصدقوا بِالْمَاءِ أَي: عَن الْمَرِيض يشفه الله لما رُوِيَ: أَن أفضل الصَّدَقَة سقِِي المَاء.
٥٧٢٦ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا أَبُو الأحْوَصِ حَدثنَا سَعيدُ بنُ مَسْرُوق عنْ عَبَايَة بنِ رِفاعَةَ عنْ جَدِّهِ رافِعِ بنِ خَدِيجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ: الحُمَّى مِنْ فوْحِ جَهنَّمَ فأبْردُوها بالماءِ. (انْظُر الحَدِيث ٣٢٦٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْأَحْوَص سَلام بتَشْديد اللَّام ابْن سليم الْحَنَفِيّ الْكُوفِي، وَسَعِيد بن مَسْرُوق أَبُو سُفْيَان الثَّوْريّ، وعباية بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن رِفَاعَة بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْفَاء، وخديج بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الدَّال الْمُهْملَة وبالجيم.
وَلِلْحَدِيثِ مضى فِي صفة النَّار عَن عَمْرو بن الْعَبَّاس.
قَوْله: (من فوح جَهَنَّم) ، هَكَذَا هُوَ رِوَايَة السَّرخسِيّ، وَفِي رِوَايَة غَيره: من فيح جَهَنَّم، وَقد ذكرنَا أَن الفيح والفوح والفور بِمَعْنى وَاحِد. قَوْله: (فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ) قَالَ ابْن بطال: قد تخْتَلف أَحْوَال المحمومين، فَمنهمْ من يصلح بصب المَاء عَلَيْهِ وَهِي الْحمى الَّتِي يكون أَصْلهَا من الْحر، فَالْحَدِيث يُرَاد بِهِ الْخُصُوص.
٢٩ - (بابُ مَنْ خَرَجَ مِنْ أرْضٍ لَا تُلَايِمُهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من خرج من أَرض لَا تلايمه، أَي: لَا توافقه، وأصل: لَا تلايمه، بِالْهَمْزَةِ وسهلت طلبا للتَّخْفِيف، وَفِي بعض النّسخ: من خرج من الأَرْض الَّتِي لَا تلايمه.
٤٢ - (حَدثنَا عبد الْأَعْلَى بن حَمَّاد حَدثنَا يزِيد بن زُرَيْع حَدثنَا سعيد حَدثنَا قَتَادَة أَن أنس بن مَالك حَدثهمْ أَن نَاسا أَو رجَالًا من عكل وعرينة قدمُوا على رَسُول الله ﷺ َ - وَتَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ وَقَالُوا يَا نَبِي الله إِنَّا كُنَّا أهل ضرع وَلم نَكُنْ أهل ريف واستوخموا الْمَدِينَة فَأمر لَهُم رَسُول الله ﷺ َ - بذود وبراع وَأمرهمْ أَن يخرجُوا فِيهِ فيشربوا من أَلْبَانهَا وَأَبْوَالهَا فَانْطَلقُوا حَتَّى كَانُوا نَاحيَة الْحرَّة كفرُوا بعد إسْلَامهمْ وَقتلُوا راعي رَسُول الله ﷺ َ - وَاسْتَاقُوا الذود فَبلغ النَّبِي ﷺ َ - فَبعث الطّلب فِي آثَارهم وَأمر بهم فسمروا أَعينهم وَقَطعُوا أَيْديهم وَتركُوا فِي نَاحيَة الْحرَّة حَتَّى مَاتُوا على حَالهم) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله واستوخموا الْمَدِينَة فَإِنَّهُم لما استوخموا طلبُوا الْخُرُوج لِأَن الْمَدِينَة لم تلائمهم فَأَمرهمْ النَّبِي
стр. 6456
- ﷺ َ - بِالْخرُوجِ وَسَعِيد هُوَ ابْن أبي عرُوبَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَضم الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة والْحَدِيث قد مر فِي الْمَغَازِي عَن عبد الْأَعْلَى بن حَمَّاد أَيْضا فِي بَاب قصَّة عكل وعرينة وَفِي الْجِهَاد عَن مُعلى بن أَسد فِي بَاب إِذا حرق الْمُشرك الْمُسلم هَل يحرق وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى وعكل بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْكَاف وباللام وعرينة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء وبالنون قبيلتان قَوْله أهل ضرع أَي أهل مواشي وَأهل ريف بِكَسْر الرَّاء أَي أهل أَرض فِيهَا زرع قَوْله واستوخموا من قَوْلهم بَلْدَة وخيمة إِذا لم توَافق ساكنها قَوْله " بذود " بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَهُوَ من الْإِبِل مَا بَين الثَّلَاث إِلَى الْعشْرَة قَوْله " وَأَبْوَالهَا " وَجه شربهَا إِمَّا أَنه كَانَ قبل التَّحْرِيم وَإِمَّا أَنه كَانَ للمداواة قَوْله " الْحرَّة " بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وبالراء الْمُشَدّدَة أَرض ذَات حِجَارَة سود قَوْله فَبعث الطّلب بِفتْحَتَيْنِ جمع طَالب قَوْله فسمروا أَعينهم أَي كحلوا أَعينهم بالمسامير المحماة بالنَّار -
٣٠ - (بابُ مَا يُذْكَرُ فِي الطَّاعُونِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يذكر فِي أَمر الطَّاعُون وَهُوَ على وزن فاعول من الطعْن وضعوه على هَذَا الْوَزْن ليدل على الْمَوْت الْعَام. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الطَّاعُون الْمَرَض الْعَام الَّذِي يفْسد لَهُ الْهَوَاء وتفسد بِهِ الأمزجة والأبدان. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الطَّاعُون الْمَوْت الْعَام. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الطَّاعُون بثر مؤلم جدا يخرج غَالِبا فِي الآباط مَعَ لهيب واسوداد حواليه وخفقان الْقلب والقيء. قلت: هَذَا من كَلَام النَّوَوِيّ، فنقله عَنهُ، يُقَال: طعن الرجل فَهُوَ مطعون وطعين إِذا أَصَابَهُ الطَّاعُون. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: الطَّاعُون الوجع الْغَالِب الَّذِي يطعن الرّوح كالذبحة، سمي بذلك لعُمُوم مصابه وَسُرْعَة قَتله، وَقَالَ الْبَاجِيّ: وَهُوَ مرض يعم الْكثير من النَّاس فِي جِهَة من الْجِهَات بِخِلَاف الْمُعْتَاد من أمراض النَّاس، وَيكون مرضهم وَاحِدًا بِخِلَاف بَقِيَّة الْأَوْقَات فَتكون الْأَمْرَاض مُخْتَلفَة. وَقَالَ الدَّاودِيّ: الطَّاعُون حَبَّة تخرج فِي الأرفاغ وَفِي كل طي من الْجَسَد، وَالصَّحِيح أَنه الوباء، وَقَالَ عِيَاض: أصل الطَّاعُون القروح الْخَارِجَة فِي الْجَسَد، والوباء عُمُوم الْأَمْرَاض فسميت طاعوناً لشبهها بهَا فِي الْهَلَاك، وإلَاّ فَكل طاعون وباء وَلَيْسَ كل وباء طاعوناً، قَالَ: وَيدل على ذَلِك أَن وباء الشَّام الَّذِي وَقع فِي عمواس إِنَّمَا كَانَ طاعوناً.
وَمَا ورد فِي الحَدِيث: أَن الطَّاعُون وخز الْجِنّ. قلت: طاعون عمواس كَانَ فِي سنة ثَمَان عشرَة، وعمواس قَرْيَة بَين الرملة وَبَيت الْمُقَدّس، وطاعون عمواس هُوَ أول طاعون وَقع فِي الْإِسْلَام وَمَات فِي الشَّام فِي هَذَا الطَّاعُون ثَلَاثُونَ ألفا. وَأما الحَدِيث الْمَذْكُور فَرَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث أبي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : فنَاء أمتِي بالطعن والطاعون. قَالُوا: يَا رَسُول الله! هَذَا الطعْن قد عَرفْنَاهُ، فَمَا الطَّاعُون؟ قَالَ: وخز إخْوَانكُمْ من الْجِنّ، وَفِي كل شَهَادَة. وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي (كتاب الطواعين) وَقَالَ فِيهِ: وخز أعدائكم من الْجِنّ، وَلَا تنَافِي بَين اللَّفْظَيْنِ لِأَن الْأُخوة فِي الدّين لَا تنَافِي الْعَدَاوَة لِأَن عَدَاوَة الْإِنْس وَالْجِنّ بالطبع، وَإِن كَانُوا مُؤمنين فالعداوة مَوْجُودَة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الوخز طعن لَيْسَ بنافذ، وَقَالَ بَعضهم: لم أر لفظ: إخْوَانكُمْ، بعد التتبع الطَّوِيل الْبَالِغ فِي شَيْء من طرق الحَدِيث. قلت: هَذِه اللَّفْظَة ذكرهَا هُنَا ابْن الْأَثِير وَذكرهَا أَيْضا نَاقِلا من (مُسْند أَحْمد) قَاضِي الْقُضَاة بدر الدّين مُحَمَّد بن عبد الله أبي الْبَقَاء الشبلي الْحَنَفِيّ، وَكفى بهما الِاعْتِمَاد على صِحَّتهَا، وَعدم اطلَاع هَذَا الْقَائِل لَا يدل على الْعَدَم. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: الطَّاعُون غُدَّة تخرج فِي المراق والآباط، وَقد تخرج فِي الْأَيْدِي والأصابع وَحَيْثُ شَاءَ الله تَعَالَى، وَقيل: الطَّاعُون انصباب الدَّم إِلَى عُضْو، وَقيل: هيجان الدَّم وانتفاخه، وَقَالَ الْمُتَوَلِي: وَهُوَ قريب من الجذام من أَصَابَهُ تآكلت أعضاؤه وتساقط لَحْمه. وَقَالَ الْغَزالِيّ: هُوَ انتفاخ جَمِيع الْبدن من الدَّم مَعَ الْحمى، أَو انصباب الدَّم إِلَى بعض الْأَطْرَاف، فينتفخ ويحمر وَقد يذهب ذَلِك الْعُضْو. وَقَالَ ابْن سينا: الطَّاعُون مَادَّة سميَّة تحدث ورماً قتالاً لَا يحدث إلَاّ فِي الْمَوَاضِع الرخوة والمغاير من الْبدن، وأغلب مَا يكون تَحت الْإِبِط أَو خلف الْأذن أَو عِنْد الأرنبة، قَالَ: وَسَببه دم رَدِيء مائل إِلَى العفونة وَالْفساد يَسْتَحِيل إِلَى جَوْهَر سمي يفْسد الْعُضْو ويغير مَا يَلِيهِ وَيُؤَدِّي إِلَى الْقلب كَيْفيَّة ردية فَيحدث الْقَيْء والغثيان والغشي والخفقان، وَهُوَ لرداءته لَا يقبل من الْأَعْضَاء إلَاّ مَا كَانَ أَضْعَف بالطبع، وأردؤه مَا يَقع فِي الْأَعْضَاء الرئيسة، وَالْأسود مِنْهُ قل من يسلم مِنْهُ، وأسلمه الْأَحْمَر ثمَّ الْأَصْفَر، فَإِن قلت إِن
стр. 6457
الشَّارِع أخبر بِأَن الطَّاعُون من وخزالجن فبينه وَبَين مَا ذكر من الْأَقْوَال فِي تَفْسِير الطَّاعُون مُنَافَاة ظَاهرا أقلت: الْحق مَا قَالَه الشَّارِع، والأطباء تكلمُوا فِي ذَلِك على مَا افتضته قواعدهم، وَطعن الْجِنّ أَمر لَا يدْرك بِالْعقلِ فَلم يذكروه على أَنه يحْتَمل أَن تحدث هَذِه الْأَشْيَاء فِيمَن يطعن عِنْد وخز الْجِنّ، وَمِمَّا يُؤَيّد أَن الطَّاعُون من وخز الْجِنّ وُقُوعه غَالِبا فِي أعدل الْفُصُول وَفِي أصح الْبِلَاد هَوَاء وأطيبها مَاء، وَلَو كَانَ من فَسَاد الْهَوَاء لعم النَّاس الَّذين يَقع فيهم الطَّاعُون ولطعنت الْحَيَوَانَات أَيْضا.
٥٧٢٨ - حدّثنا حَفْصُ بن عُمَرَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبرنِي حَبيبُ بنُ أبي ثابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْرَاهيمَ بنَ سعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أُُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ يُحَدِّثُ سَعْداً عنِ النبيِّ ﷺ أنهُ قَالَ: إِذا سَمَعْتُمْ بالطَّاعُونِ بأرْضٍ فَلا تَدْخُلُوها وَإِذا وَقَعَ بأرْض وأنْتُمْ بِها فَلا تَخرُجُوا مِنْها، فَقُلْتُ: أنْتَ سَمِعْتَهُ يحدِّثُ سَعْداً وَلَا يُنْكِرُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. (انْظُر الحَدِيث: ٣٤٧٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ مِمَّا ذكر فِي الطَّاعُون، وَسعد هُوَ ابْن أبي وَقاص أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطِّبّ أَيْضا عَن وهب بن بَقِيَّة.
قَوْله (يحدث سعد) أَي: وَالِد إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور وَوَقع فِي رِوَايَة الْأَعْمَش عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن ابراهيم بن سعد عَن أُسَامَة بن زيد، وَسعد أخرجه مُسلم.
قَوْله: (بِأَرْض) أَي: وَقع بِأَرْض. قَوْله: (وَأَنْتُم بهَا) جملَة حَالية قَوْله: (فَقلت) الْقَائِل هُوَ حبيب بن أبي ثَابت يُخَاطب إِبْرَاهِيم بن سعد. بقوله: (أَنْت سمعته) يَعْنِي أُسَامَة بن زيد يحدث سَعْدا وَلَا يُنكر ذَلِك، (قَالَ: نعم) .
٥٧٢٩ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عبْدِ الحَميدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ بن زَيْدِ بنُ الخَطَّابِ عنْ عَبْدِ الله بنِ عبْد الله بنِ الحارِث بنِ نَوْفَلٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَبَّاسٍ أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ حتَّى إِذا كَانَ بِسرْغَ لَقِيَهُ أُمَراءُ الأجنادِ: أبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ وأصْحابُهُ، فأخْبرُوهُ أنَّ الوَباءَ قَدْ وقَعَ بأرْضِ الشَّأْمِ. قَالَ ابنُ عبَّاسٍ فَقَالَ عُمَرُ: ادْعُ لِي المُهاجِرين الأوَّلِينَ، فَدَعاهُمْ فاسْتَشارَهُم وأخْبرَهُمْ أنَّ الْوَباءَ قَدْ وقَعَ بالشَّأْم فاختَلفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ خَرَجْتَ لإمْرٍ وَلَا نَرَى أنْ تَرْجِعَ عَنْهُ، وَقَالَ بَعْضُهُم: مَعَك بَقِيَّةُ النَّاسِ وأصْحابُ رَسُول الله ﷺ وَلَا نَرَى أنْ تُقْدِمَهُمْ عَلى هاذَا الْوَباءِ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي الأنْصارَ، فَدَعَوْتُهُمْ فاسْتَشارَهُمْ فَسَلَكُوا سَبِيلَ المُهاجِرِينَ واخْتَلَفُوا كاخْتِلافِهِمْ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي مَنْ كانَ هاهُنا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشِ منْ مُهاجِرَةِ الفَتْحِ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ عَليهِ رَجُلانِ، فَقَالُوا: نَرَى أنْ تَرْجِعَ بالنَّاسِ وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلى هاذا الْوَباءِ، فَنادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: إنِّي مُصبِّحٌ عَلى ظَهْرٍ فأصْبِحُوا عَليْهِ. قَالَ أبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ: أفِراراً مِنْ قَدَرِ الله؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غيْرُكَ قالَها يَا أَبَا عُبَيْدَةَ؟ نَعَمْ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ الله إِلَى قَدَرِ الله، أرأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ إبِلٌ هَبَطَتْ وادِياً لهُ عُدْوَتانِ إحْدَاهُما خَصِبةٌ والأُخْرى جَدْبَة، ألَيْسَ إنْ رَعَيْتَ الخَصِبَةَ رَعَيْتَها بِقَدَرِ الله؟ وإنْ رَعَيْتَ الجَدْبَةَ رَعَيْتَها بِقَدرِ الله؟ قَالَ: فجاءَ عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَوْفٍ، وَكَانَ مُتَغَيِّباً فِي بَعْض حاجَتهِ، فَقَالَ: إنَّ عِنْدِي فِي هاذَا عِلْماً، سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقولُ: إِذا سَمِعْتُمْ بِهِ بأرْض فَلا تَقْدَمُوا عَليْهِ، وَإِذا وَقَعَ
стр. 6458
بأرْضٍ وأنْتُمْ بِها فَلا تَخْرُجُوا فِراراً مِنْهُ، قَالَ: فَحَمِدَ الله عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ. (
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِذا سَمِعْتُمْ بِهِ) إِلَى آخِره. وَعبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن بن زيد بن الْخطاب بن نفَيْل بن عبد الْعُزَّى الْقرشِي الْعَدوي، كَانَ والياً لعمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ على الْكُوفَة، وَعبد الله بن عبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب لجد أَبِيه نَوْفَل ابْن عَم النَّبِي ﷺ صُحْبَة وَكَذَا لوَلَده الْحَارِث، وَولد عبد الله بن الْحَارِث فِي عهد النَّبِي ﷺ فعد لذَلِك فِي الصَّحَابَة فهم ثَلَاثَة من الصَّحَابَة فِي نسق، وَكَانَ عبد الله بن الْحَارِث يلقب ببّه، بباءين موحدتين الثَّانِيَة مُشَدّدَة، وَمَعْنَاهُ: الممتلىء الْبدن من النِّعْمَة، ويكنى أَبَا مُحَمَّد، مَاتَ سنة أَربع وَثَمَانِينَ، وَأما وَلَده رَاوِي هَذَا الحَدِيث فَهُوَ مِمَّن وَافق اسْمه اسْم أَبِيه، وَكَانَ يكنى أَبَا يحيى، وَمَات سنة تسع وَتِسْعين وَمَاله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث.
وَفِي هَذَا السَّنَد: ثَلَاثَة من التَّابِعين فِي نسق وَاحِد، وصحابيان فِي نسق، وَكلهمْ مدنيون.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطِّبّ أَيْضا عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجَنَائِز عَن القعْنبِي عَن مَالك مُخْتَصرا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن هَارُون بن عبد الله وَعَن الْحَارِث بن مِسْكين مُخْتَصرا.
قَوْله: (خرج إِلَى الشَّام) كَانَ ذَلِك فِي ربيع الآخر سنة ثَمَان عشرَة، وَذكر خَليفَة بن خياط: أَن خُرُوج عمر إِلَى الشَّام هَذِه الْمرة كَانَ سنة سبع عشرَة يتفقد فِيهَا أَحْوَال الرّعية وأمرائهم، وَكَانَ قد خرج قبل ذَلِك سنة سِتّ عشرَة لما حاصر أَبُو عُبَيْدَة بَيت الْمُقَدّس، فَقَالَ أَهله: يكون الصُّلْح على يَدي عمر ﵁ فَخرج لذَلِك. قَوْله: (بسرغ) بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وبالغين الْمُعْجَمَة منصرفاً وَغير منصرف، قَرْيَة فِي طَرِيق الشَّام مِمَّا يَلِي الْحجاز، وَيُقَال: هِيَ مَدِينَة افتتحها أَبُو عُبَيْدَة هِيَ واليرموك والجابية متصلات، وَبَينهَا وَبَين الْمَدِينَة ثَلَاث عشرَة مرحلة. وَقَالَ أَبُو عمر: قيل: إِنَّه وَادي تَبُوك، وَقيل: بِقرب تَبُوك، وَقَالَ الْحَازِمِي: هِيَ أول الْحجاز وَهِي من منَازِل حَاج الشَّام. قَوْله: (أُمَرَاء الأجناد أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح وَأَصْحَابه) هم خَالِد بن الْوَلِيد وَيزِيد بن أبي سُفْيَان وشرحبيل بن حَسَنَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ، وَكَانَ أَبُو بكر ﵁ قد قسم الْبِلَاد بَينهم وَجعل أَمر الْقِتَال إِلَى خَالِد، ثمَّ رده عمر ﵁ إِلَى أبي عُبَيْدَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لأجناد. قيل: المُرَاد بهم أُمَرَاء مدن الشَّام الْخمس، وَهِي: فلسطين والأردن وحمص وقنسرين ودمشق. قَوْله: (فأخبروه) أَي: أخبروا عمر ﵁ أَن الوباء قد وَقع، وَفِي رِوَايَة يُونُس: أَن الوجع قد وَقع بِأَرْض الشَّام، والوباء بِالْمدِّ وَالْقصر، وَقَالَ الْخَلِيل: هُوَ الطَّاعُون، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ الْمَرَض الْعَام، فَكل طاعون وباء دون الْعَكْس، وَهَذَا الوباء الْمَذْكُور هُنَا كَانَ طاعوناً، وَهُوَ طاعون عمواس. قَوْله: (قَالَ عمر: ادْع لي الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين) وهم الَّذين صلوا إِلَى الْقبْلَتَيْنِ، وَفِي رِوَايَة يُونُس: إجمع لي الْمُهَاجِرين. قَوْله: (بَقِيَّة النَّاس) أَي: بَقِيَّة الصَّحَابَة وَإِنَّمَا قَالَ كَذَلِك تَعْظِيمًا لَهُم، أَي: كَانَ النَّاس لم يَكُونُوا إلَاّ الصَّحَابَة قَالَ الشَّاعِر.
(هم الْقَوْم كل الْقَوْم يَا أم خَالِد)
قَوْله: (وَأَصْحَاب رَسُول الله ﷺ عطف تفسيري قَوْله: (أَن تقدمهم) بِضَم التَّاء من الْإِقْدَام بِمَعْنى التَّقْدِيم وَالْمعْنَى: لَا نرى أَن تجعلهم قادمين عَلَيْهِ. قَوْله: (فَقَالَ: ارتفعوا عني) أَي: فَقَالَ عمر: أخرجُوا عني، وَفِي رِوَايَة يُونُس: فَأَمرهمْ فَخَرجُوا عَنهُ. قَوْله: (فسلكوا سَبِيل الْمُهَاجِرين) أَي: مَشوا على طريقتهم فِيمَا قَالُوا. قَوْله: (من مشيخة قُرَيْش) ضَبطه بَعضهم بِوَجْهَيْنِ الأول بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَالثَّانِي بِفَتْح الْمِيم وَكسر الشين وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف جمع شيخ. قلت: الَّذِي قَالَه أهل اللُّغَة هُوَ الْوَجْه الثَّانِي، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: جمع الشَّيْخ شُيُوخ وأشياخ وشيخة وشيخان ومشيخة ومشايخ ومشيوخاء، وَالْمَرْأَة شيخة. قَوْله: (من مهاجرة الْفَتْح) أَي: الَّذين هَاجرُوا إِلَى الْمَدِينَة عَام الْفَتْح، أَو المُرَاد: مسلمة الْفَتْح أَو أطلق على من تحول إِلَى الْمَدِينَة بعد فتح مَكَّة مُهَاجرا صُورَة وَإِن كَانَت الْهِجْرَة بعد الْفَتْح حكما قد ارْتَفَعت وَأطلق ذَلِك عَلَيْهِم احْتِرَازًا عَن غَيرهم من مشيخة قُرَيْش مِمَّن أَقَامَ بِمَكَّة وَلم يُهَاجر أصلا. قَوْله: (إِنِّي مصبح) بِضَم الْمِيم وَسُكُون الصَّاد وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: مُسَافر فِي الصَّباح رَاكِبًا على ظهر الرَّاحِلَة رَاجعا إِلَى الْمَدِينَة، فَأَصْبحُوا راكبين متأهبين للرُّجُوع إِلَيْهَا. قَوْله: (عَلَيْهِ) أَي على الظّهْر وَهُوَ الْإِبِل الَّذِي يحمل عَلَيْهِ ويركب. يُقَال: عِنْد فلَان ظهر أَي: إبل. قَوْله: (فِرَارًا من قدر الله؟) أَي: أترجع فِرَارًا من قدر الله تَعَالَى؟ وَفِي رِوَايَة هِشَام بن سعد: فَقَالَت طَائِفَة، مِنْهُم أَبُو عُبَيْدَة: أَمن الْمَوْت نفر؟ إِنَّمَا نَحن نقدر ﴿قل لن يصيبنا إلَاّ مَا كتب الله لنا﴾ (التَّوْبَة: ٥١) فَإِن قلت: مَا الْفرق بَين الْقَضَاء وَالْقدر؟ قلت: الْقَضَاء عبارَة عَن الْأَمر الْكُلِّي الإجمالي الَّذِي حكم الله بِهِ فِي الْأَزَل، وَالْقدر
стр. 6459
عبارَة عَن جزئيات ذَلِك الْكُلِّي ومفصلات ذَلِك الْمُجْمل الَّتِي حكم الله بوقوعها وَاحِدًا بعد وَاحِد فِي الْإِنْزَال، قَالُوا: وَهُوَ المُرَاد بقوله تَعَالَى: ﴿وَإِن من شَيْء إلَاّ عندنَا خزائنه وَمَا ننزله إلَاّ بِقدر مَعْلُوم﴾ (الْحجر: ٢١) . قَوْله: (لَو غَيْرك قَالَهَا) جَزَاء: لَو، مَحْذُوف أَي: لَو قَالَ غَيْرك لأدبته، وَذَلِكَ لاعتراضه على مَسْأَلَة اجتهادية وَافقه عَلَيْهَا أَكثر النَّاس من أهل الْحل وَالْعقد، أَو لم أتعجب مِنْهُ، وَلَكِنِّي أتعجب مِنْك مَعَ علمك وفضلك كَيفَ تَقول هَذَا، أَو كلمة: لَو هُنَا لِلتَّمَنِّي. فَلَا تحْتَاج إِلَى جَوَاب، وَالْمعْنَى: أَن غَيْرك مِمَّن لَا فهم لَهُ إِذا قَالَ ذَلِك يعْذر. قَوْله: (نعم نفر من قدر الله إِلَى قدر الله) وَفِي رِوَايَة هِشَام بن سعد: إِن تقدمنا فبقدر الله وَإِن تأخرنا فبقدر الله، أطلق عَلَيْهِ فِرَارًا لشبهه فِي الصُّورَة، وَإِن كَانَ لَيْسَ فِرَارًا شرعا، وَالْمرَاد أَن هجوم الْمَرْء على مَا يهلكه مَنْهِيّ عَنهُ، وَلَو فعل لَكَانَ من قدر الله وتجنبه مَا يُؤْذِيه مَشْرُوع، وَقد يقدر الله وُقُوعه فِيمَا فر مِنْهُ، فَلَو كَانَ فعله أَو تَركه لَكَانَ من قدر الله، وَحَاصِل الْكَلَام أَن شَيْئا مَا لَا يخرج عَن الْقدر. قَوْله: (أَرَأَيْت) أَي: أَخْبرنِي قَوْله: (لَهُ عدوتان) بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَكسرهَا يَعْنِي طرفان والعدوة هُوَ الْمَكَان الْمُرْتَفع من الْوَادي وَهُوَ شاطئه. قَوْله: (خصبة) بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الصَّاد الْمُهْملَة وبالباء الْمُوَحدَة، كَذَا ضبط فِي كتب اللُّغَة، وَفِي (الْمطَالع) : خصبة بِكَسْر الْخَاء وَسُكُون الصَّاد وَالْخصب بِالْكَسْرِ نقيض الجدب، وَقَالَ بَعضهم: خصيبة على وزن عَظِيمَة، وَلَيْسَ كَذَلِك، والخصبة بِفَتْح الْخَاء وَسُكُون الصَّاد وَاحِدَة الخصاب، وَهُوَ النّخل الْكثير الْحمل. قَوْله: (جدبة) بِسُكُون الدَّال وَكسرهَا يَعْنِي: الْكل بِتَقْدِير الله سَوَاء ندخل أَو نرْجِع، فرجوعنا أَيْضا بِقدر الله تَعَالَى، فعمر ﵁ اسْتعْمل الحذر وَأثبت الْقدر مَعًا فَعمل بالدليلين اللَّذين كل متمسك بِهِ من التَّسْلِيم للْقَضَاء والاحتراز عَن الْإِلْقَاء فِي التَّهْلُكَة. قَوْله: (فجَاء عبد الرَّحْمَن بن عَوْف) مَوْصُول عَن ابْن عَبَّاس بالسند الْمَذْكُور. قَوْله: (وَكَانَ متغيباً) من بَاب التفعل مَعْنَاهُ: لم يكن حَاضرا فِي الْمُشَاورَة. قَوْله: (علما) وَفِي رِوَايَة مُسلم: لعلما، بلام التَّأْكِيد. قَوْله: (إِذا سَمِعْتُمْ بِهِ) أَي: بالطاعون. قَوْله: (فَلَا تقدمُوا) بِفَتْح الدَّال. قَوْله: (فِرَارًا) أَي: لأجل الْفِرَار، وَفِيه: دَلِيل على جَوَاز الْخُرُوج لغَرَض آخر لَا بِقصد الْفِرَار مِنْهُ. قَوْله: (فَحَمدَ الله عمر ﵁ يَعْنِي: على مُوَافقَة اجْتِهَاده واجتهاد مُعظم أَصْحَابه حَدِيث رَسُول الله ﷺ . قَالَ ابْن بطال: فَإِن قيل: لَا يَمُوت أحد إلَاّ بأجله فَلَا يتَقَدَّم وَلَا يتَأَخَّر، فَمَا وَجه النَّهْي عَن الدُّخُول وَالْخُرُوج؟ قُلْنَا: لم ينْه عَن ذَلِك إلَاّ حذرا من أَن يظنّ أَن هَلَاكه كَانَ من أجل قدومه عَلَيْهِ وَأَن سَلَامَته كَانَت من أجل خُرُوجه، فَنهى عَن الدنو كَمَا نهى عَن الدنو من المجذوم مَعَ علمه بِأَنَّهُ لَا عدوى، وَقيل: إِذْنه ﷺ للَّذين استوخموا الْمَدِينَة بِالْخرُوجِ حجَّة لمن أجَاز الْفِرَار. وَأجِيب بِأَنَّهُ: لم يكن ذَلِك فِرَارًا من الوباء إِذْ هم كَانُوا مستوخمين خَاصَّة دون سَائِر النَّاس، بل للاحتياج إِلَى الضَّرع ولاعتيادهم المعاش فِي الصَّحَارِي.
وَفِي هَذَا الحَدِيث من الْفَوَائِد: خُرُوج الإِمَام بِنَفسِهِ لمشاهدة أَحْوَال رَعيته، وَإِزَالَة ظلم الْمَظْلُوم وكشف الكرب، وتخويف أهل الْفساد وَإِظْهَار شَعَائِر الْإِسْلَام، وتلقي الْأُمَرَاء والمشاورة مَعَهم، والاجتماع بالعلماء، وتنزيل النَّاس مَنَازِلهمْ، واجتهاد فِي الحروب، وَقبُول خبر الْوَاحِد، وَصِحَّة الْقيَاس، وَاجْتنَاب أَسبَاب الْهَلَاك.
٥٧٣٠ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخْبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عبْدِ الله بنِ عامِرٍ: أنَّ عمَرَ خَرَجَ إِلَى الشَّأمِ، فَلَمَّا كانَ بِسَرْغَ بَلَغَهُ أنَّ الْوَباءَ قَدْ وَقَعَ بالشَّامِ، فأخْبرَهُ عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَوْفٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قَالَ: إِذا سَمِعْتُمْ بِهِ بأرْض فَلا تَقْدَمُوا عَليْهِ، وَإِذا وَقَعَ بأرْضٍ وأنْتُمْ بِها فَلا تَخْرُجُوا فِراراً مِنْهُ. (انْظُر الحَدِيث: ٥٧٢٩ وطرفه) .
هَذَا طَرِيق آخر لحَدِيث عبد الرحمان بن عَوْف: وَعبد الله بن عَامر بن ربيعَة الْأَصْغَر ولد على عهد النَّبِي ﷺ ، قيل: سنة سِتّ من الْهِجْرَة، وَحفظ عَنهُ وَهُوَ صَغِير، وَتُوفِّي رَسُول الله ﷺ وَهُوَ ابْن أَربع سِنِين، وَمَات سنة خمس وَثَمَانِينَ، وَأَبُو عَامر ابْن ربيعَة من كبار الصَّحَابَة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا.
стр. 6460
٥٧٣١ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نُعَيْمٍ المُجْمِرِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : لَا يَدْخُلُ المدِينَةَ المَسِيحُ وَلَا الطَّاعُونُ. (انْظُر الحَدِيث: ١٨٨٠ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا الطَّاعُون) ونعيم بِضَم النُّون وَفتح الْعين الْمُهْملَة ابْن عبد الله الْقرشِي الْمدنِي مولى عمر ابْن الْخطاب ﵁ والمجمر بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْجِيم وبالراء على صِيغَة اسْم الْفَاعِل من الإجمار من أجمرت الثَّوْب إِذا بخرته بالبخور وَالطّيب، وَالَّذِي يتَوَلَّى ذَلِك مجمر ومجمر بِالتَّشْدِيدِ أَيْضا نعيم هَذَا وَكَانَ يجمر مَسْجِد النَّبِي ﷺ فَسُمي المجمر.
والْحَدِيث مضى فِي الْحَج فِي: بَاب لَا يدْخل الدَّجَّال الْمَدِينَة، أخرجه عَن اسماعيل عَن مَالك عَن نعيم بن عبد الله المجمر عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : على انقاب الْمَدِينَة مَلَائِكَة لَا يدخلهَا الطَّاعُون وَلَا الدَّجَّال، وَأخرجه هُنَا مُخْتَصرا، وَذكر هُنَاكَ الدَّجَّال وَهنا الْمَسِيح، والمسيح هُوَ الدَّجَّال، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
فَإِن قلت: الطَّاعُون شَهَادَة، وَكَيف منعت من الْمَدِينَة وَمَا وَجه ذكر الْمَسِيح مُقَارنًا بالطاعون؟ قلت: قد تكلمُوا فِي الْجَواب بِكَلَام كثير، وَالْحَاصِل أَن المُرَاد بالطاعون هُوَ وخز الْجِنّ وكفار الْجِنّ وشياطينهم ممنوعون من دُخُول الْمَدِينَة، وَمن اتّفق دُخُوله إِلَيْهَا لَا يتَمَكَّن من طعن أحد مِنْهُم. فَإِن قلت: طعن الْجِنّ لَا يخْتَص بكفارهم بل قد يَقع من مؤمنيهم قلت: دُخُول كفار الْإِنْس الْمَدِينَة مَمْنُوع وَلَا يسكنهَا إِلَّا الْمُسلمُونَ، وَإِن كَانَ فيهم من لَيْسَ بخالص الْإِسْلَام فَيحصل الْأَمْن من وُصُول الْجِنّ إِلَى طعنهم فَلذَلِك لَا يحصل فِيهَا الطَّاعُون أصلا، وَقد روى أَحْمد من رِوَايَة أبي عسيب قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ أَتَانِي جِبْرَائِيل ﵇ بالحمى والطاعون، فَأَمْسَكت الْحمى بِالْمَدِينَةِ وَأرْسلت الطَّاعُون إِلَى الشَّام، وَالْحكمَة فِي ذَلِك أَن النَّبِي ﷺ لما دخل الْمَدِينَة كَانَ فِي قلَّة من أَصْحَابه عددا ومدداً، وَكَانَت الْمَدِينَة وبئة، ثمَّ خير النَّبِي ﷺ فِي أَمريْن يحصل بِكُل مِنْهُمَا الْأجر الجزيل فَاخْتَارَ الْحمى حينئذٍ لقلَّة الْمَوْت بهَا غَالِبا، بِخِلَاف الطَّاعُون، ثمَّ لما احْتَاجَ إِلَى جِهَاد الْكفَّار وَأذن لَهُ فِي الْقِتَال كَانَت قَضِيَّة اسْتِمْرَار الْحمى بِالْمَدِينَةِ أَن تضعف أجساد الَّذين يَحْتَاجُونَ إِلَى التقوية لأجل الْجِهَاد، فَدَعَا بِنَقْل الْحمى من الْمَدِينَة إِلَى الْجحْفَة، فَعَادَت الْمَدِينَة أصح بِلَاد الله بعد أَن كَانَت بِخِلَاف ذَلِك وَأَبُو عسيب، بِفَتْح الْعين وَكسر السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالباء الْمُوَحدَة، وَقَالَ أَبُو عمر: أَبُو عسيب مولى رَسُول الله ﷺ لَهُ صُحْبَة وَرِوَايَة، أسْند عَن رَسُول الله ﷺ حديثين أَحدهمَا فِي الْحمى والطاعون، قيل: اسْم أبي عسيب: أَحْمَر.
٥٧٣٢ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ حدَّثنا عبدُ الوَاحِد حَدثنَا عاصِمٌ حدَّثَتْنِي حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ قالَتْ: قَالَ لي أنَسُ بنُ مالِكٍ ﵁: يَحْياى بِما ماتَ؟ قُلْتُ مِنَ الطَّاعُونِ. قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : الطَّاعُونُ شَهادَةٌ لِكلِّ مُسْلِمٍ. (انْظُر الحَدِيث: ٢٨٣٠) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْوَاحِد هُوَ ابْن زِيَاد، وَعَاصِم هُوَ ابْن سُلَيْمَان الْأَحول.
والأسناد كُله بصريون، وَلَيْسَ لحفصة بنت سِيرِين عَن أنس فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَمضى الحَدِيث فِي الْجِهَاد عَن بشر بن مُحَمَّد عَن عبد الله بن الْمُبَارك. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الطِّبّ.
قَوْله: (يحيى بِمَا مَاتَ؟) يحيى هُوَ ابْن سِيرِين أَخُو حَفْصَة الْمَذْكُورَة، سَأَلَهَا أنس: بِمَا مَاتَ يحيى؟ فَقَالَت. مَاتَ من الطَّاعُون، ويروى: بِمَ مَاتَ؟ بِحَذْف الْألف من رُبمَا يَعْنِي: من أَي شَيْء؟ وَهُوَ الْأَشْهر، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: يحيى بن أبي عمْرَة، وَهُوَ ابْن سِيرِين لِأَنَّهَا كنية سِيرِين، وَكَانَت وَفَاة يحيى فِي حُدُود التسعين من الْهِجْرَة. قَوْله: (شَهَادَة لكل مُسلم) يَعْنِي: إِذا مَاتَ مطعوناً صَار كالشهيد فِي سَبِيل الله لمشاركته إِيَّاه فِيمَا كابده من الشدَّة.
٥٧٣٣ - حدّثنا أبُو عاصِمٍ عَنْ مالِكٍ عَنْ سُميٍّ عَنْ أبي صالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: المَبْطُونُ شَهيدٌ، والمَطْعُونُ شَهِيدٌ.
стр. 6461
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله. (والمطعون شَهِيد) وَأَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد النَّبِيل، وَسمي بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء مولى أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي، وَأَبُو صَالح ذكْوَان السمان.
والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد من رِوَايَة عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك مطولا بِلَفْظ: الشُّهَدَاء خَمْسَة ... الحَدِيث، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
(والمبطون) الَّذِي مَاتَ بِمَرَض الْبَطن، (والمطعون) الَّذِي مَاتَ بالطاعون. أَي: لَهما ثَوَاب الشَّهَادَة. وَقَالَ القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ: من مَاتَ بالطاعون أَو بوجع الْبَطن مُلْحق بِمن قتل فِي سَبِيل الله لمشاركته إِيَّاه فِي بعض مَا يَنَالهُ من الْكَرَامَة بِسَبَب مَا كابده من الشدَّة، لَا فِي جملَة الْأَحْكَام والفضائل.
٣١ - (بابُ أجْرِ الصَّابِرِ فِي الطَّاعُونِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أجر الصابر على الطَّاعُون سَوَاء وَقع بِهِ أَو وَقع فِي بلد هُوَ مُقيم بهَا، وَوَقع فِي (مُسْند أَحْمد) من حَدِيث جَابر رَفعه: الفار من الطَّاعُون كالفار من الزَّحْف، والصابر فِيهِ كالصابر فِي الزَّحْف، وَفِي رِوَايَة لَهُ: وَمن صَبر كَانَ لَهُ أجر شَهِيد، وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة باللفظين فِي (كتاب التَّوَكُّل) .
٥٧٣٤ - حدّثنا إسْحاقُ أخبرَنا حَبَّانُ حدَّثنا داوُدُ بنُ أبي الفُراتِ حَدثنَا عبْدُ الله بنُ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيى بنِ يَعْمَرَ عَنْ عائِشَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ أَنَّهَا أخْبَرَتْنا أنَّها سألَتْ رسولَ الله ﷺ عَنِ الطّاعُونِ؟ فأخْبَرَها نَبيُّ الله ﷺ أنَّهُ كانَ عَذَاباً يَبْعَثُهُ الله عَلى مَنْ يَشاءُ، فَجعَلَهُ الله رحْمَةً لِلْمؤْمِنينَ فَليْسَ مِنْ عبْدٍ يَقَعُ الطاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا يَعْلَمُ أنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إلَاّ مَا كَتَبَ الله لهُ إلَاّ كانَ لهُ مِثْلُ أجْرِ الشهِيدِ. (انْظُر الحَدِيث: ٣٤٧٤ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَلَيْسَ من عبد) إِلَى آخِره. وَإِسْحَاق، قَالَ بَعضهم: ابْن رَاهَوَيْه، وَقَالَ الغساني: لَعَلَّه ابْن مَنْصُور. قلت: إِسْحَاق بن مَنْصُور بن بهْرَام الكوسج أَبُو يَعْقُوب الْمروزِي، انْتقل بِآخِرهِ إِلَى نيسابور وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وحبان بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنون ابْن هِلَال الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ، وَمن جملَة من روى عَنهُ إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَهُوَ يدل على أَن الصَّوَاب مَعَ الغساني، وَدَاوُد بن أبي الْفُرَات بِضَم الْفَاء وبالراء المخففة وَفِي آخِره تَاء مثناة من فَوق، اسام أبي فرات عَمْرو، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَعبد الله بن بُرَيْدَة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء مصغر الْبردَة الْأَسْلَمِيّ التَّابِعِيّ الْبَصْرِيّ القَاضِي بمرو، وَيحيى بن يعمر بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَضمّهَا الْمروزِي قاضيها.
والْحَدِيث مضى فِي بني إِسْرَائِيل فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن دَاوُد بن أبي الْفُرَات إِلَى آخِره، وَمضى أَيْضا فِي التَّفْسِير، وَمضى الْكَلَام فِيهِ فِي بني إِسْرَائِيل.
قَوْله: (على من يَشَاء) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: على من شَاءَ، بِلَفْظ الْمَاضِي، يَعْنِي: على من شَاءَ من كَافِر أَو عاصٍ. قَوْله: (رَحْمَة للْمُؤْمِنين) أَي: من هَذِه الْأمة، ويروى: رَحْمَة للْمُسلمين، وَهُوَ رَحْمَة من حَيْثُ إِنَّه يتَضَمَّن مثل (أجر الشَّهِيد) وَإِن كَانَ هُوَ محنة صُورَة. قَوْله: (فَلَيْسَ من عبد) أَي: مُسلم يَقع الطَّاعُون فِي أَي مَكَان هُوَ فِيهِ فيمكث فِي بَلَده، وَفِي رِوَايَة أَحْمد فِي بَيته. قَوْله: (فِي بَلَده) مِمَّا تنَازع الفعلان فِيهِ، أَعنِي: قَوْله: يَقع، وَقَوله: فيمكث، قَوْله: (صَابِرًا) حَال مُفْرد أَي: غير منزعج وَلَا قلق بل مُسلما الْأَمر الله رَاضِيا بِقَضَائِهِ. قَوْله: (يعلم) حَال جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل. قَوْله: (إلَاّ كَانَ لَهُ مثل أجر الشَّهِيد) فَإِن قلت: مَا معنى المثلية هُنَا مَعَ أَنه جَاءَ: من مَاتَ بالطاعون كَانَ شَهِيدا؟ قلت: معنى المثلية أَن من أتصف بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَة وَوَقع بِهِ الطَّاعُون ثمَّ لم يمت مِنْهُ أَنه يحصل لَهُ مثل أجر الشَّهِيد، وَإِذا مَاتَ بالطاعون يحصل لَهُ أجر الشَّهِيد. قَوْله: (من مَاتَ بالطاعون كَانَ شَهِيدا) يَعْنِي: حكما لَا حَقِيقَة.
تابَعَهُ النَّضْرُ عنْ داوُدَ.
أَي: تَابع حبانَ بن هِلَال النضرُ بن شُمَيْل فِي رِوَايَته عَن دَاوُد.
٣٢ - (بابُ الرُّقَى بالقُرْآنِ والمعَوِّذَاتِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الرقى، بِضَم الرَّاء وبالقاف مَقْصُور، جمع رقية بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْقَاف، وَيُقَال: رقى بِالْفَتْح يرقي بِالْكَسْرِ
стр. 6462
من بَاب رمى يَرْمِي، ورقيت فلَانا بِكَسْر الْقَاف أرقيه، واسترقى طلب الرّقية وَالْكل بِلَا همز، وَمعنى الرّقية: التعويذ، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الرّقية والرقى والاسترقاء: العوذة الَّتِي يرقى بهَا صَاحب الآفة كالحمى والصرع وَغير ذَلِك من الْآفَات. قَوْله: (بِالْقُرْآنِ) أَي: بِقِرَاءَة شَيْء من الْقُرْآن. قَوْله: (والمعوذات) من عطف الْخَاص على الْعَام. قَالَ الْكرْمَانِي: وَكَانَ حَقه أَن يَقُول: والمعوذتين لِأَنَّهُمَا سورتان فَجمع إِمَّا لإِرَادَة هَاتين السورتين وَمَا يشبههما من الْقُرْآن، أَو بِاعْتِبَار أَن أقل الْجمع اثْنَان، وَيُقَال: المُرَاد بالمعوذات: سُورَة الفلق وَالنَّاس وَسورَة الْإِخْلَاص ٧ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يرقي بِسُورَة الْإِخْلَاص والمعوذتين، وَهُوَ من بَاب التغليب.
٥٧٣٥ - حدّثني إبْرَاهيمُ بنُ مُوسَى أخبرنَا هِشامٌ عنْ مَعْمَرٍ عَن الزُّهْريِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ ، كانَ يَنْفُثُ عَلى نَفْسِهِ فِي المَرَضِ الَّذِي ماتَ فيهِ بالمُعَوِّذاتِ، فَلَمّا ثَقُلَ كُنْتُ أنْفِثُ عنهُ بِهِنَّ، وأمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِبَرَكَتها.
فَسَألْتُ الزُّهْرِيَّ: كَيْفَ يَنْفِثُ؟ قَالَ: كَانَ يَنْفِثُ على يَدَيْهِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِما وجْهَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (بالمعوذات) وَإِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الرَّازِيّ يعرف بالصغير، وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ، وَمعمر بِفَتْح الميمين هُوَ ابْن رَاشد.
والْحَدِيث أخرجه فِي الْأَدَب أَيْضا عَن عبد الله بن مُحَمَّد. وَأخرجه مُسلم فِي الطِّبّ عَن عبد بن حميد.
قَوْله: (كَانَ ينفث) بِضَم الْفَاء وَكسرهَا والنفث شبه النفخ وَهُوَ أقل من التفل والتفل لَا بُد فِيهِ شَيْء من الرِّيق. قَوْله: (فِي الْمَرَض الَّذِي مَاتَ فِيهِ) أشارت بِهِ عَائِشَة ﵂ إِلَى أَن ذَلِك وَقع فِي آخر حَيَاته: وَأَن ذَلِك لم ينْسَخ. قَوْله: (كنت أنفث عَنهُ) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: عَلَيْهِ. قَوْله: (وامسح بيد نَفسه) هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: وامسح بِيَدِهِ نَفسه، وَنَفسه مَنْصُوب على المفعولية، أَي: أَمسَح بجسده بِيَدِهِ. قَوْله: (لبركتها) أَي: للتبرك بِتِلْكَ الرُّطُوبَة أَو الْهَوَاء وَالنَّفس الْمُبَاشر لتِلْك الرّقية وَالذكر، وَقد يكون على وَجه التفاؤل بِزَوَال الْأَلَم عَن الْمَرِيض وانفصاله عَنهُ، كَمَا ينْفَصل ذَلِك النفث عَن الراقي.
قَوْله: (فَسَأَلت الزُّهْرِيّ) السَّائِل هُوَ معمر وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور.
وَفِيه: التَّبَرُّك بِالرجلِ الصَّالح وَسَائِر أَعْضَائِهِ خُصُوصا الْيَد الْيُمْنَى.
ثمَّ الْكَلَام هُنَا على أَنْوَاع.
الأول: قَالَ ابْن الْأَثِير: وَقد جَاءَ فِي بعض الْأَحَادِيث جَوَاز الرقى، وَفِي بَعْضهَا النَّهْي عَنْهَا، فَمن الْجَوَاز قَوْله ﷺ استرقوا لَهَا فَإِن بهَا النظرة، أَي: اطْلُبُوا لَهَا من يرقيها، وَمن النَّهْي قَوْله: لَا يسْتَرقونَ وَلَا يَكْتَوُونَ، وَالْأَحَادِيث فِي الْقسمَيْنِ كَثِيرَة، وَوجه الْجمع بَينهمَا أَن الرقى يكره مِنْهَا مَا كَانَ بِغَيْر اللِّسَان الْعَرَبِيّ وَبِغير أَسمَاء الله تَعَالَى وَصِفَاته وَكَلَامه فِي كتبه الْمنزلَة، وَأَن يعْتَقد أَن الرّقية نافعة لَا محَالة، فيتكل عَلَيْهَا، وَإِيَّاهَا أَرَادَ بقوله ﷺ : مَا توكل من استرقى، وَلَا يكره مِنْهَا مَا كَانَ بِخِلَاف ذَلِك، كالتعوذ بِالْقُرْآنِ وَأَسْمَاء الله تَعَالَى والرقى المروية. وَفِي (موطأ مَالك) ﵁: أَن أَبَا بكر الصّديق ﵁ دخل على عَائِشَة وَهِي تَشْتَكِي وَيَهُودِيَّة ترقيها، فَقَالَ أَبُو بكر: إرقيها بِكِتَاب الله، يَعْنِي بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل، وَلما ذكره ابْن حبَان ذكره مَرْفُوعا: أَن رَسُول الله ﷺ دخل ... الحَدِيث.
الثَّانِي: هَل يجوز رقية الْكَافِر للْمُسلمِ؟ فَروِيَ عَن مَالك جَوَاز رقية الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ للْمُسلمِ إِذا رقى بِكِتَاب الله، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، وَرُوِيَ عَن مَالك أَنه قَالَ: أكره رقي أهل الْكتاب وَلَا أحبه لأَنا لَا نعلم هَل يرقون بِكِتَاب الله أَو بالمكروه الَّذِي يضاهي السحر، وروى ابْن وهب أَن مَالِكًا سُئِلَ عَن الْمَرْأَة ترقي بالحديدة وَالْملح، وَعَن الَّذِي يكْتب الْكتاب يعلقه عَلَيْهِ، ويعقد فِي الْخَيط الَّذِي يرْبط بِهِ الْكتاب سبع عقد، وَالَّذِي يكْتب خَاتم سُلَيْمَان فِي الْكتاب، فكرهه كُله مَالك، وَقَالَ: لم يكن ذَلِك من أَمر النَّاس.
الثَّالِث: فِيهِ إِبَاحَة النفث فِي الرقى وَالرَّدّ على من أنكر ذَلِك من الإسلاميين، وَقد روى الثَّوْريّ عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: إِذا رقيت بآي الْقُرْآن فَلَا تنفث. وَقَالَ الْأسود: أكره النفث، وَكَانَ لَا يرى بالنفخ بَأْسا، وَكَرِهَهُ أَيْضا عِكْرِمَة وَالْحكم وَحَمَّاد، قَالَ أَبُو عمر: أَظن حجَّة من كرهه ظَاهر قَوْله : ﴿وَمن شَرّ النفاثات فِي العقد﴾ (الفلق: ٤) ، وَذَلِكَ نفث سحر وَالسحر محرم، وَمَا جَاءَ عَن رَسُول الله ﷺ ، أولى، وَفِيه الْخَيْر وَالْبركَة.
الرَّابِع: فِيهِ
стр. 6463
الْمسْح بِالْيَدِ عِنْد الرّقية، وَفِي مَعْنَاهُ الْمسْح بِالْيَدِ على مَا يُرْجَى بركته وشفاؤه وخيره، مثل الْمسْح على رَأس الْيَتِيم وَشبهه.
٣٣ - (بابُ الرُّقَى بِفاتِحَةِ الكِتابِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الرّقية بِقِرَاءَة فَاتِحَة الْكتاب، أَرَادَ بِهِ جَوَاز ذَلِك. فَإِن قلت: روى شُعْبَة عَن الركين قَالَ: سَمِعت الْقَاسِم بن حسان يحدث عَن عبد الرَّحْمَن بن حَرْمَلَة عَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَنه ﷺ كَانَ يكره الرقي إلَاّ بالمعوذات. قلت: قَالَ الطَّبَرِيّ: هَذَا حَدِيث لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِمثلِهِ إِذْ فِيهِ من لَا يعرف، ثمَّ إِنَّه لَو صَحَّ لَكَانَ إِمَّا غَلطا أَو مَنْسُوخا بقوله ﷺ : وَمَا أَدْرَاك أَنَّهَا رقية.
ويُذْكَرُ عنِ ابنِ عَبَّاس عَن النبيِّ ﷺ .
يذكر على صِيغَة الْمَجْهُول وَهُوَ صِيغَة التمريض، وَلَا يذكر صِيغَة التمريض إلَاّ إِذا كَانَ الحَدِيث على غير شَرطه مَعَ أَنه ذكر حَدِيث ابْن عَبَّاس فِي الرّقية بِفَاتِحَة الْكتاب وَهُوَ الَّذِي أخرجه فِي الْبَاب الَّذِي يَأْتِي عقيب هَذَا الْبَاب، وَهُوَ: بَاب الشَّرْط فِي الرّقية أخرجه عَن سيدان بن مضَارب، على مَا يَأْتِي عَن قريب، وَهَذَا يُعَكر عَلَيْهِ. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : هَذَا يرد قَول ابْن الصّلاح وَغَيره: إِن البُخَارِيّ إِذا علق بِصِيغَة التمريض يكون غير صَحِيح عِنْده. قلت: ابْن الصّلاح وَغَيره من أهل الحَدِيث على أَن الَّذِي يُورِدهُ البُخَارِيّ بِصِيغَة التمريض لَا يكون على شَرطه، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس على شَرطه كَمَا ذكرنَا، وَإِلَّا يُرَاد عَلَيْهِ بَاقٍ غير أَن أحد مَشَايِخنَا ساعد البُخَارِيّ، وَذكر أَنه قد يصنع ذَلِك إِذا ذكر الْخَبَر بِالْمَعْنَى، وَلَا شكّ أَن الَّذِي ذكره عَن ابْن عَبَّاس لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيح عَن النَّبِي ﷺ ، بالرقية بِفَاتِحَة الْكتاب، وَفِيه نظر لَا يخفى.
٥٧٣٦ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا غُنْدَرٌ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبي بُشْرٍ عنْ أبي المُتَوَكِّلِ عنْ أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أنَّ نَاسا مِنْ أصْحابِ النبيِّ ﷺ ، أتَوْا عَلى حيٍّ مِنْ أحْياءٍ العَرَب فلَمْ يَقْرُوهُمْ، فَبَيْنَما هُم كَذالِكَ إذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولائِكَ، فَقَالُوا: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ دَواءٍ أوْراقٍ؟ فَقَالُوا: إنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونا وَلَا نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنا جُعْلاً، فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعاً مِنَ الشَّاءِ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ بِأُمِّ القُرْآنِ ويجْمَعُ بُزاقَهُ ويَتفِل، فَبَرَأ، فأتَوْا بالشَّاءِ فَقَالُوا: لَا نَأْخُذَهُ حتَّى نَسْألَ النبيَّ ﷺ فَسَألوهُ فَضَحِكَ، وَقَالَ: وَمَا أدْراكَ أنَّها رُقْيَةٌ؟ خُذُوها واضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ. (انْظُر الحَدِيث: ٢٢٧٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَجعل يقْرَأ بِأم الْكتاب) وَهِي الْفَاتِحَة، وغندر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَفِي بعض النّسخ صرح باسمه، وَأَبُو بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة جَعْفَر بن أبي وحشية واسْمه إِيَاس الْيَشْكُرِي الْبَصْرِيّ، وَيُقَال: الوَاسِطِيّ، وَأَبُو المتَوَكل عَليّ بن دَاوُد النَّاجِي بالنُّون وَالْجِيم السَّامِي بِالسِّين الْمُهْملَة من سامة بن لؤَي، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ سعد بن مَالك والْحَدِيث مضى فِي الْإِجَارَة فِي: بَاب مَا يعْطى فِي الرّقية بِفَاتِحَة الْكتاب، وَمر الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (فَلم يقروهم) أَي: فَلم يضيفوهم. قَوْله: (فبيناهم) ويروى: فبينماهم، بِزِيَادَة الْمِيم. قَوْله: (أَو راقٍ) أَصله: راقي، فَاعل إعلال قاضٍ قَوْله: (جعلا) بِضَم الْجِيم مَا جعل للْإنْسَان الْغَيْر الْمعِين من الشَّيْء على عمل يعمله (والقطيع) بِفَتْح الْقَاف: الطَّائِفَة من الْغنم، وَقيل: كَانَ ثَلَاثِينَ. قَوْله: (بالشاء) جمع شَاة. قَوْله: (فَجعل يقْرَأ) أَي: طفق يقْرَأ أَبُو سعيد لما ثَبت أَنه كَانَ الراقي. قَوْله: (ويتفل) بِالْيَاءِ وَضم الْفَاء وَكسرهَا. قَوْله: (بِسَهْم) أَي: نصيب.
٣٤ - (بَاب الشَّرطِ فِي الرُّقْيَةِ بِقَطِيعٍ مِنَ الغَنَمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الشَّرْط فِي قِرَاءَة الرّقية بقطيع بطَائفَة من الْغنم لَيَأْتُونَ بِهِ.
٥٧٣٧ - حدّثني سِيدانُ بنُ مُضارِبٍ أبُو مُحَمَّدٍ الباهِلِيُّ حدَّثنا أبُو مَعْشَرٍ البَصْرِيُّ هُوَ صَدُوقٌ يُوسُفُ بنُ يَزِيدَ البَرَّاءُ، قَالَ: حدَّثني عُبَيْدُ الله بنُ الأخْنَسِ أبُو مالِكٍ عَن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ عنِ
стр. 6464
ابنِ عَبَّاسٍ: أنَّ نَفراً مِنْ أصْحابِ النبيِّ ﷺ مَرُّوا بِماءٍ فِيهِمْ لَدِيغٌ أوْ: سَليمٌ فَعَرَض لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أهْلِ الماءِ، فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ راقٍ؟ إنَّ فِي الماءِ رَجُلاً لَدِيغاً أوْ: سَلِيماً، فانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَرَأ بِفاتِحَةِ الكِتابِ عَلى شاءٍ فبَرَأ، فجاءَ بالشَّاءِ إِلَى أصحابِهِ، فَكرِهُوا ذالِكَ وَقَالُوا: أخَذْتَ عَلى كِتابِ الله أجْراً؟ حتَّى قَدِمُوا المَدينَةَ، فَقَالُوا: يَا رسولَ الله! أخَذَ عَلى كِتابِ الله أجْراً. فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : إنَّ أحَقَّ مَا أخَذْتُمْ عَليْهِ أجْراً كِتابُ الله.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَقَرَأَ بِفَاتِحَة الْكتاب على شَاءَ) وسيدان، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة وبالنون ابْن مضَارب اسْم فَاعل من الْمُضَاربَة بالضاد الْمُعْجَمَة وَالرَّاء وَالْبَاء الْمُوَحدَة أَبُو مُحَمَّد الْبَاهِلِيّ بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْهَاء نِسْبَة إِلَى باهلة بنت صَعب بن سعد الْعَشِيرَة قَبيلَة، مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاد الْأَسْمَاء غَرِيب، وَأَبُو معشر اسْمه يُوسُف بن يزِيد الْبَراء بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الرَّاء، كَانَ يبري السهْم وَكَانَ عطاراً، أَو إِنَّمَا قَالَ: (هُوَ صَدُوق) لكَونه صَدُوقًا عِنْده فَلذَلِك خرج لَهُ، وَكَذَلِكَ خرج لَهُ مُسلم، وَقَالَ يحيى بن معِين: ضَعِيف، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يكْتب حَدِيثه، وَقَالَ الْمقدمِي: ثِقَة، وَعبيد الله بِضَم الْعين ابْن الْأَخْنَس بخاء مُعْجمَة سَاكِنة وَنون مَفْتُوحَة وسين مُهْملَة، نخعي كُوفِي يكنى أَبَا مَالك، وَثَّقَهُ الْأَئِمَّة، وَقَالَ ابْن حبَان: يخطىء كثيرا. وَمَا لهَؤُلَاء الثَّلَاثَة فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث، وَلَكِن لِعبيد الله بن الْأَخْنَس حَدِيث آخر فِي الْحَج، وَلأبي معشر آخر فِي الْأَشْرِبَة، وَابْن أبي مليكَة عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة واسْمه: زُهَيْر قَاضِي ابْن الزبير.
والْحَدِيث من أَفْرَاده، وَهَذَا وَحَدِيث أبي سعيد الْمَذْكُور فِي قصَّة وَاحِدَة، وَأَنَّهَا وَقعت لَهُم مَعَ الَّذِي لدغ.
قَوْله: (مروا بِمَاء) أَي: بِقوم نازلين على مَاء. قَوْله: (أَو: سليم) شكّ من الرَّاوِي، سمي اللديغ سليما على الْعَكْس تفاؤلاً، كَمَا قيل للمهلكة: مفازة. قَوْله: (إِن فِي المَاء رجلا) ويروى: رجل، بِالرَّفْع على لُغَة بني ربيعَة. قَوْله: (فَانْطَلق رجل مِنْهُم) وَهُوَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ. قَوْله: (على شَاءَ) أَي: قَرَأَ مَشْرُوطًا على شَاءَ أَو مقرراً أَو مصالحاً عَلَيْهِ، وَالشَّاء جمع شَاة أَصله شاهة. فحذفت الْهَاء وَجَمعهَا: شِيَاه وَشاء وشوي. قَوْله: (إِن أَحَق مَا أَخَذْتُم عَلَيْهِ أجرا كتاب الله) قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) فِيهِ: حجَّة على أبي حنيفَة ﵁ فِي مَنعه أَخذ الْأُجْرَة على تَعْلِيم الْقُرْآن. قلت: من لَهُ ذوق من مَعَاني الْأَحَادِيث لَا يتَلَفَّظ بِهَذَا الْكَلَام الَّذِي لَيْسَ لَهُ معنى، وَلَيْسَ معنى هَذَا مَا فهمه هُوَ حَتَّى يُورِدهُ على الإِمَام، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ فِي أَخذ الْأُجْرَة على الرّقية بِالْفَاتِحَةِ أَو غَيرهَا من الْقُرْآن، فالإمام لَا يمْنَع هَذَا، وَإِنَّمَا الَّذِي يمنعهُ عَن أَخذ تَعْلِيم الْقُرْآن وَتَعْلِيم الْقُرْآن غير الرّقية بِهِ، وَمَعَ هَذَا أَبُو حنيفَة مَا انْفَرد بِهَذَا، وَهُوَ مَذْهَب عبد الله بن شَقِيق وَالْأسود بن ثَعْلَبَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَعبد الله بن يزِيد وَشُرَيْح القَاضِي وَالْحسن بن حييّ، وَتَعْيِين هَذَا الْمُعْتَرض الإِمَام من بَين هَؤُلَاءِ من أريحة التعصب الْبَارِد وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا عَفَّان بن مُسلم حَدثنَا أبان بن يزِيد الْعَطَّار حَدثنِي يحيى بن أبي كثير عَن زيد هُوَ ابْن أبي سَلام مَمْطُور الحبشي عَن أبي رَاشد الحبراني عَن عبد الرَّحْمَن بن شبْل: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول؛ (تعلمُوا الْقُرْآن وَلَا تغلوا فِيهِ وَلَا تجفوا عَنهُ وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ) . قَوْله: (لَا تغلوا) من الغلو بالغين الْمُعْجَمَة: وَهُوَ التشدد والمجاوزة عَن الْحَد. قَوْله: (وَلَا تجفوا) أَي: تعاهدوه وَلَا تبعدوا عَن تِلَاوَته وَهُوَ من الْجفَاء وَهُوَ الْبعد عَن الشَّيْء. قَوْله: (وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ) أَي: بِمُقَابلَة الْقُرْآن أَرَادَ: لَا تجْعَلُوا لَهُ عوضا من سحت الدُّنْيَا.
٣٥ - (بابُ رُقْيَةِ العَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان رقية الْعين أَي: رقية الَّذِي يصاب بِالْعينِ، وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ الرمد، بل الْإِضْرَار بِالْعينِ والإصابة بهَا كَمَا يتعجب الشَّخْص من الشَّيْء بِمَا يرَاهُ بِعَيْنِه فيتضرر ذَلِك الشَّيْء من نظره. وَقَالَ النَّوَوِيّ: أنْكرت طَائِفَة الْعين، قَالُوا: لَا أثر لَهَا، وَالدَّلِيل على فَسَاد قَوْلهم أَنه أَمر مُمكن، والصادق أخبر بذلك، يَعْنِي بِوُقُوعِهِ فَلَا يجوز رده، وَقَالَ بَعضهم: العائن تنبعث من عينه قُوَّة سمِّية تتصل بالمعين فَيهْلك، كَمَا تنبعث من الأفعى، وَالْمذهب أَن الله تَعَالَى أجْرى الْعَادة بِخلق الضَّرَر عِنْد مُقَابلَة هَذَا الشَّخْص
стр. 6465
لشخص آخر، وَأما انبعاث شَيْء مِنْهُ إِلَيْهِ فَهُوَ من الممكنات. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: الْعين نظر باستحسان وَأَن يشوبه شَيْء من الْحَسَد وَيكون النَّاظر خَبِيث الطَّبْع كذوات السمُوم، وَلَوْلَا هَذَا لَكَانَ كل عاشق يُصِيب معشوقه بِالْعينِ، يُقَال: عنت الرجل إِذا أصبته بِعَيْنِك فَهُوَ معِين ومعيون وَالْفَاعِل عائن.
٥٧٣٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنَا سُفْيان قَالَ: حدّثني مَعْبَدُ بنُ خالِد قَالَ: سمِعْتُ عبْدَ الله بنَ شَدَّادٍ عنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: أمَرَني رسولِ ﷺ أوْ: أمَرَ أَن يُسْتَرْقَى مِن العَيْن.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن كثير، قَالَ الْكرْمَانِي ضد الْقَلِيل وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : شيخ البُخَارِيّ مُحَمَّد بن كَبِير بِالْبَاء الْمُوَحدَة بعد الْكَاف. قلت: هَذَا غلط، وَالظَّاهِر أَنه من النَّاسِخ الْجَاهِل، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، ومعبد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن خَالِد القَاضِي الْكُوفِي التَّابِعِيّ، وَعبد الله بن شَدَّاد هُوَ الْمَعْرُوف بِابْن الْهَاد، لَهُ رُؤْيَة وَأَبوهُ صَحَابِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطِّبّ عَن أبي بكر وَأبي كريب وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن مَنْصُور وَأخرجه ابْن ماجة فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد.
قَوْله: (أَو أَمر) ، شكّ من الرَّاوِي، وَأخرجه أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) عَن شيخ البُخَارِيّ فِيهِ فَقَالَ: أَمرنِي، جزما، وَكَذَا أخرجه النَّسَائِيّ والإسماعيلي من طَرِيق أبي نعيم عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، وَفِي رِوَايَة لمُسلم من طَرِيق عبد الله بن نمير عَن سُفْيَان: كَانَ يَأْمُرنِي أَن أسترقي، وَعِنْده من طَرِيق مسعر عَن معبد بن خَالِد: كَانَ يأمرها. قَوْله: (أَن يسترقي) أَي: بِطَلَب الرّقية مِمَّن يعرف الرقي بِسَبَب الْعين، وَقَالَ الْخطابِيّ: الرّقية الَّتِي أَمر بهَا رَسُول الله ﷺ هُوَ مَا يكون بقوارع الْقُرْآن، وَبِمَا فِيهِ ذكر الله تَعَالَى على ألسن الْأَبْرَار من الْخلق الطاهرة النُّفُوس، وَهُوَ الطِّبّ الروحاني، وَعَلِيهِ كَانَ مُعظم الْأَمر فِي الزَّمَان الْمُتَقَدّم الصَّالح أَهله، فَلَمَّا عز وجود هَذَا الصِّنْف من أبرار الخليقة مَال النَّاس إِلَى الطِّبّ الجسماني حَيْثُ لم يَجدوا الطِّبّ الروحاني نجوعاً فِي الأسقام لعدم الْمعَانِي الَّتِي كَانَ يجمعها الرقاة المقدسة من البركات، وَمَا نهى عَنهُ هُوَ رقية العزامين وَمن يدعى تسخير الْجِنّ.
٥٧٣٩ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ خالِدٍ حَدثنَا مُحَمَّدُ بنُ وَهْبِ بنِ عَطِيَّةَ الدِّمَشْقِيُّ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ حَرْبٍ حَدثنَا مُحَمَّدُ بنُ الوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ أخبرنَا الزُّهْرِيُّ عنْ عُرْوَةَ بن الزُبَيْرِ عنْ زيْنَبَ ابْنَةِ أبي سَلَمَةَ عنْ أُُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ ، رَأى فِي بَيْتِها جارِيَةً فِي وَجْهِها سَفْعَةٌ، فَقَالَ: اسْتَرْقُوا لَها فإِنَّ بِها النَّظْرَةَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. قَوْله: (مُحَمَّد بن خَالِد) هُوَ مُحَمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خَالِد الذهلي بِضَم الذَّال الْمُعْجَمَة، وَقد نسبه إِلَى جد أَبِيه، وَكَذَا قَالَ الْحَاكِم والجوزقي والكلاباذي وَأَبُو مَسْعُود وَمن تَبِعَهُمْ، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ هُنَا: حَدثنَا مُحَمَّد بن خَالِد الذهلي، فَانْتفى الظَّن بِهَذَا أَن يذهب الْوَهم إِلَى مُحَمَّد بن خَالِد بن جبلة الرَّافِعِيّ الَّذِي ذكره ابْن عدي فِي شُيُوخ البُخَارِيّ، وَمُحَمّد بن وهب بن عَطِيَّة سلمي قد أدْركهُ البُخَارِيّ وَلَا يدْرِي لقبه، وَمَا لَهُ عِنْده إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَمُحَمّد بن حَرْب الْخَولَانِيّ الْحِمصِي كَانَ كَاتبا لمُحَمد بن الْوَلِيد الزبيدِيّ وَهُوَ ثِقَة عِنْد الْجَمِيع.
وَفِي هَذَا السَّنَد نُكْتَة غَرِيبَة جدا، وَهِي أَنه اجْتمع من نفس البُخَارِيّ إِلَى عُرْوَة سِتَّة أنفس اسْم كل مِنْهُم مُحَمَّد فَهُوَ مسلسل بالمحمدين الأول: البُخَارِيّ اسْمه مُحَمَّد، وَالثَّانِي: مُحَمَّد بن خَالِد، وَالثَّالِث: مُحَمَّد بن وهب، وَالرَّابِع: مُحَمَّد بن حَرْب، وَالْخَامِس: مُحَمَّد بن الْوَلِيد، وَالسَّادِس: مُحَمَّد بن مُسلم، وَهُوَ الزُّهْرِيّ، وَمن روى البُخَارِيّ من طَرِيق الفراوي عَن الحفصي عَن الْكشميهني عَن الْفربرِي كَانُوا عشرَة، وَهَذَا السَّنَد مِمَّا نزل فِيهِ البُخَارِيّ فِي حَدِيث عُرْوَة ثَلَاث دَرَجَات فَإِنَّهُ أخرجه فِي (صَحِيحه) : حَدثنَا عبيد الله بن مُوسَى عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه، وَهُوَ فِي الْعتْق، فَكَانَ بَينه وَبَين
стр. 6466
عُرْوَة رجلَانِ وَهَاهُنَا بَينه وَبَينه خَمْسَة أنفس.
وَأخرجه مُسلم عَالِيا بِالنِّسْبَةِ لرِوَايَة البُخَارِيّ هَذِه، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الرّبيع حَدثنَا مُحَمَّد بن حَرْب فَذكره.
قَوْله: (سفعة) بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَبِضَمِّهَا وَسُكُون الْفَاء وبعين مُهْملَة، قَالَ الْكرْمَانِي: السفعة الصُّفْرَة والشحوب فِي الْوَجْه، وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ: هُوَ سَواد فِي الْوَجْه، وَعَن أبي الْعَلَاء المعري: هِيَ بِفَتْح السِّين أَجود وَقد يضم سينها من قَوْلهم: رجل أسفع أَي: لَونه أسود، وأصل السفع الْأَخْذ بالناصية، قَالَ الله تَعَالَى ﴿لنسفعاً بالناصية﴾ (العلق: ١٥) ، وَقيل: كل أصفر أسفع. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هُوَ سَواد فِي خد الْمَرْأَة الشاحبة. قَوْله: (استرقوا لَهَا) أَي: اطْلُبُوا من يرقي لَهَا. قَوْله: (فَإِن بهَا النظرة) أَي: أصابتها عين، يُقَال: رجل مَنْظُور إِذا أَصَابَته الْعين، وَقَالَ ابْن قرقول: النظرة بِفَتْح النُّون وَسُكُون الظَّاء أَي: عين من نظر الْجِنّ، وَقَالَ أَبُو عبيد: أَي: أَن الشَّيْطَان أَصَابَهَا وَقَالَ الْخطابِيّ: عُيُون الْجِنّ أنفذ من الأسنة، وَلما مَاتَ سعد سمع قَائِل من الْجِنّ يَقُول:
(نَحن قتلنَا سيد الْخَزْرَج سعد بن عبَادَة ... ورميناه بِسَهْم فَلم يخط فُؤَاده)
قَالَ: فتأوله بَعضهم أَي: أصبناه بِعَين.
وَقَالَ عُقَيْلٌ عنِ الزُّهْرِيِّ: أخْبرني عُرْوَةُ عنِ النبيِّ ﷺ .
هَذَا تَعْلِيق مُرْسل لم يذكر فِي إِسْنَاده زَيْنَب وَلَا أم سَلمَة، وَعقيل بِضَم الْعين ابْن خَالِد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وروى رِوَايَة عقيل عبد الله بن وهب عَن أبي لَهِيعَة عَن عقيل، وَلَفظه: أَن جَارِيَة دخلت على رَسُول الله ﷺ وَهُوَ فِي بَيت أم سَلمَة، فَقَالَ: كَانَ بهَا سفعة.
تابَعَهُ عبْدُ الله بنُ سالِمٍ عنِ الزُّبَيْدِيِّ
أَي: تَابع مُحَمَّد بن حَرْب عبد الله بن سَالم أَبُو يُوسُف الْحِمصِي فِي رِوَايَته عَن مُحَمَّد بن الْوَلِيد الزبيدِيّ، وروى هَذِه الْمُتَابَعَة الذهلي فِي (الزهريات) وَالطَّبَرَانِيّ فِي (مُسْند الشاميين) من طَرِيق إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن الْعَلَاء الْحِمصِي عَن عَمْرو بن الْحَارِث الْحِمصِي عَن عبد الله بن سَالم بِهِ سنداً أَو متْنا.
٣٦ - (بابٌ العَيْنُ حَقٌّ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْعين حق أَي: الْإِصَابَة بِالْعينِ ثَابِتَة مَوْجُودَة، وَلها تَأْثِير فِي النُّفُوس، وَأنكر طَائِفَة من الطبايعين الْعين وَأَنه لَا شَيْء إلَاّ مَا تُدْرِكهُ الْحَواس الْخمس وَمَا عَداهَا فَلَا حَقِيقَة لَهُ. والْحَدِيث يرد عَلَيْهِم، وروى مُسلم من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَفعه: الْعين حق وَلَو كَانَ شَيْء سَابق الْقدر سبقته الْعين، وَإِذا استغسلتم فَاغْسِلُوا، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت: كَانَ يُؤمر العائن فيتوضأ ثمَّ يغْتَسل مِنْهُ الْمعِين، وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث عَامر بن ربيعَة: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: إِذا رأى أحدكُم من نَفسه أَو مَاله أَو أَخِيه شَيْئا يُعجبهُ فَليدع بِالْبركَةِ، فَإِن الْعين حق، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أَسمَاء بنت عُمَيْس أَنَّهَا قَالَت: يَا رَسُول الله! إِن ولد جَعْفَر تسرع إِلَيْهِم الْعين أَو نسترقي لَهُم؟ قَالَ: نعم، فَإِنَّهُ لَو كَانَ شَيْء سَابق الْقدر لسبقته الْعين، وَفِي كتاب ابْن أبي عَاصِم من طَرِيق صعصعة: أَكثر مَا يحْفر لأمتي من الْقُبُور الْعين، وَقَالَ أَبُو عمر. قَوْله ﷺ : علام يقتل أحدكُم أَخَاهُ؟ دَلِيل على أَن الْعين رُبمَا قتلت، وَكَانَت سَببا من أَسبَاب الْمنية وَقَوله: (وَلَو كَانَ شَيْء يسْبق الْقدر لسبقته الْعين) دَلِيل على أَن الْمَرْء لَا يُصِيبهُ إلَاّ مَا قدر لَهُ، وَأَن الْعين لَا تسبق الْقدر وَلكنهَا من الْقدر، قَوْله: فَليدع بِالْبركَةِ، فِيهِ دَلِيل على أَن الْعين لَا تضر وَلَا تعدو إِذا برك العائن فَوَاجِب على كل من أعجبه شَيْء أَن يبرك فَإِنَّهُ إِذا دَعَا بِالْبركَةِ صرف الْمَحْذُور لَا محَالة، والتبريك أَن يَقُول: تبَارك الله أحسن الْخَالِقِينَ، اللَّهُمَّ بَارك فِيهِ، وَيُؤمر العائن بالاغتسال وَيجْبر إِن أَبى، لِأَن الْأَمر حَقِيقَة للْوُجُوب وَلَا يَنْبَغِي لأحد أَن يمْنَع أَخَاهُ مَا ينْتَفع بِهِ أَخُوهُ وَلَا يضرّهُ هُوَ لاسيما إِذا كَانَ سَببه، وَهُوَ الْجَانِي عَلَيْهِ، والاغتسال هُوَ أَن يغسل وَجهه وَيَديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجلَيْهِ وداخلة إزَاره فِي قدح ثمَّ صب عَلَيْهِ، ويروى: وَيَديه إِلَى الْمرْفقين والركبتين، وَقَالَ أَبُو عمر: وَأحسن شَيْء فِي تَفْسِير الِاغْتِسَال مَا وَصفه الزُّهْرِيّ رَاوِي الحَدِيث الَّذِي عِنْد مُسلم: يُؤْتى بقدح من مَاء ثمَّ يصب بِيَدِهِ الْيُسْرَى على كَفه الْيُمْنَى، ثمَّ بكفه الْيُمْنَى على كَفه الْيُسْرَى ثمَّ يدْخل يَده الْيُسْرَى فَيصب بهَا على مرفق يَده الْيُمْنَى ثمَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى على مرفق يَده الْيُسْرَى، ثمَّ يغسل قدمه الْيُمْنَى ثمَّ يدْخل الْيُمْنَى فَيغسل قدمه الْيُسْرَى، ثمَّ يدْخل يَده الْيُمْنَى فَيغسل الرُّكْبَتَيْنِ، ثمَّ يَأْخُذ دَاخِلَة إزَاره فَيصب على رَأسه صبة وَاحِدَة وَلَا يضع الْقدَم حَتَّى يفرغ، وَأَن يصب من خَلفه صبة وَاحِدَة يجْرِي على جسده، وَلَا يوضع الْقدح فِي الأَرْض، وَيغسل أَطْرَافه
стр. 6467
وركبتيه وداخلة إزَاره فِي الْقدح. قَالَ النَّوَوِيّ: وَلَا يوضع الْقدح فِي الأَرْض وَلَا يغسل مَا بَين الْمرْفقين وَالْكَفَّيْنِ، وَاخْتلفُوا فِي دَاخِلَة إزَاره، فَقيل: هُوَ الطّرف المتدلى الَّذِي يَلِي حقوه الْأَيْمن، وَقيل: دَاخِلَة الْإِزَار هِيَ المئزر، وَالْمرَاد بداخلته مَا يَلِي الْجَسَد مِنْهُ، وَقيل: المُرَاد مَوْضِعه من الْجَسَد، وَقيل: مذاكره، وَقيل: المُرَاد وركه إِذْ هُوَ معقد الْإِزَار، قَالَ عِيَاض: قَالَ بعض الْعلمَاء يَنْبَغِي إِذا عرف وَاحِد بالإصابة بِالْعينِ أَن يتَجَنَّب ويحترز مِنْهُ، وَيَنْبَغِي للْإِمَام مَنعه من مداخلته النَّاس وَيلْزمهُ بِلُزُوم بَيته، وَإِن كَانَ فَقِيرا رزقه مَا يَكْفِيهِ فضرره أَكثر من آكل الثوم والبصل الَّذِي مَنعه النَّبِي ﷺ من دُخُول الْمَسْجِد لِئَلَّا يُؤْذِي النَّاس، وَمن ضَرَر المجذوم الَّذِي مَنعه عمر، ﵁ وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَو انْتَهَت إِصَابَة الْعين إِلَى أَن يعرف بذلك وَيعلم من حَاله أَنه كلما تكلم بِشَيْء مُعظما لَهُ أَو مُتَعَجِّبا مِنْهُ أُصِيب ذَلِك الشَّيْء، وتكرر ذَلِك بِحَيْثُ يصير ذَلِك عَادَة فَمَا أتْلفه بِعَيْنِه غرمه وَإِن قتل أحدا بِعَيْنِه عَامِدًا لقَتله قتل بِهِ كالساحر الْقَاتِل بسحره عِنْد من لَا يقْتله كفرا، وَأما عندنَا فَيقْتل على كل حَال، قتل بسحره أَو لَا لِأَنَّهُ كالزنديق.
٥٧٤٠ - حدّثنا إسحاقُ بنُ نَصْرٍ حدَّثنا عبْدُ الرَّزَّاقِ عنْ مَعْمَرٍ عنْ هَمَّامٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَن النبيِّ ﷺ ، قَالَ: العَيْنُ حَقٌّ وَنَهَى عنِ الوشْمِ. (انْظُر الحَدِيث: ٥٧٤٠ طرفه فِي: ٥٩٤٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَإِسْحَاق بن نصر هُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر السَّعْدِيّ البُخَارِيّ كَانَ ينزل بِالْمَدِينَةِ بِبَاب بني سعد، وَعبد الرَّزَّاق بن همام، وَمعمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد، وَهَمَّام بتَشْديد الْمِيم ابْن مُنَبّه الْأَنْبَارِي الصَّنْعَانِيّ أَخُو وهب بن مُنَبّه.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن يحيى وَأخرجه مُسلم فِي الطِّبّ عَن مُحَمَّد بن رَافع. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل، وَلم يذكر الوشم.
قَوْله: (الْعين حق) مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (وَنهى) أَي: رَسُول الله ﷺ عَن الوشم بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَهُوَ غرز بالإبرة فِي الْعُضْو ثمَّ التحشية بالكحل فيخضر وَقَالَ بَعضهم لم تظهر الْمُنَاسبَة بَين هَاتين الجملتين فكأنهما حديثان مستقلان، وَلِهَذَا حذف مُسلم وَأَبُو دَاوُد الْجُمْلَة الثَّانِيَة من روايتيهما مَعَ أَنَّهُمَا أَخْرجَاهُ من رِوَايَة عبد الرَّزَّاق الَّذِي أخرجه البُخَارِيّ، وَيحْتَمل أَن يُقَال: الْمُنَاسبَة بَينهمَا اشتراكهما فِي أَن كلاًّ مِنْهُمَا يحدث فِي الْعُضْو لوناً غير لَونه الْأَصْلِيّ. قلت: فِي كُله نظر أما قَوْله: فكأنهما حديثان مستقلان، زعم بِالظَّنِّ والتخمين أَن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا، واستدلاله على هَذَا الظَّن بِعَدَمِ إِخْرَاج مُسلم وَأبي دَاوُد الْجُمْلَة الثَّانِيَة اسْتِدْلَال فَاسد، لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ نِسْبَة رِوَايَة البُخَارِيّ إِلَى زِيَادَة لم يقلها رَسُول الله ﷺ فِي هَذَا الحَدِيث، وَنسبَة مُسلم وَأبي دَاوُد إِلَى نقص شَيْء مِنْهُ قَالَه ﷺ ، بل هَذَا حَدِيث مُسْتَقل كَمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ، والاقتصار فِي رِوَايَة مُسلم وَأبي دَاوُد من الروَاة. وَأما قَوْله: (وَيحْتَمل أَن يُقَال) إِلَى آخِره، احْتِمَال بعيد لِأَن دَعْوَاهُ الْمُنَاسبَة بَين الجملتين بالاشتراك غير مطردَة لِأَن إِحْدَاث الْعين اللَّوْن غير اللَّوْن الْأَصْلِيّ غير مَقْصُور على عُضْو، بل إحداثها يعم الْبدن كُله، وَالْوَجْه فِي الْمُنَاسبَة بَين الجملتين أَن يُقَال: الظَّاهِر أَن قوما سَأَلُوا النَّبِي ﷺ عَن الْعين، وقوماً آخَرين سَأَلُوهُ عَن الوشم، فِي مجْلِس وَاحِد، فَأجَاب النَّبِي ﷺ لمن سَأَلَهُ عَن الْعين بقوله: الْعين حق، وَنهى عَن الوشم تَنْبِيها لمن سَأَلَهُ عَنهُ بِأَنَّهُ: لَا يجوز، فَحصل الجوابان فِي مجْلِس وَاحِد، وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة بالجملتين، وَيحْتَمل أَن يكون أَبُو هُرَيْرَة سمع من النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: الْعين حق، وَحضر فِي مجْلِس آخر سَأَلُوهُ عَن الوشم فَنهى عَنهُ، ثمَّ إِن أَبَا هُرَيْرَة رَوَاهُ عِنْد رِوَايَته بِالْجمعِ بَينهمَا لكَونه سُئِلَ: هَل لَهُ علم من الْعين والوشم؟ فَقَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : الْعين حق وَنهى عَن الوشم.
٣٧ - (بابُ رُقْيَةِ الحَيَّةِ والعَقْرَبِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة الرّقية عِنْد لدغ الْحَيَّة وَالْعَقْرَب.
٥٧٤١ - حدّثنا مُوسَى بنُ اسْماعيلَ حدَّثنا عبْدُ الواحدِ حدّثنا سُلَيْمانُ الشَّيْبانِيُّ حدّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ الأسْوَدِ عنْ أبِيهِ قَالَ: سَألْتُ عائِشَةَ عنِ الرُّقْيَةِ منَ الحُمَةِ؟ فقالتْ: رَخَّصَ النبيُّ ﷺ فِي الرُّقْيَةِ مِنْ كُلِّ ذِي حُمَةٍ. (انْظُر الحَدِيث: ٥٧٤٠ طرفه فِي: ٥٩٤٤) .
стр. 6468
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (الرّقية من كل ذِي حمة) لِأَن الْحمة كل شَيْء يلْدغ أَو يلسع، قَالَه الْخطابِيّ، وَقيل: هِيَ شَوْكَة الْعَقْرَب، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب، وَهِي بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم بعْدهَا هَاء.
وَعبد الْوَاحِد هُوَ ابْن زِيَاد وَسليمَان الشَّيْبَانِيّ بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالباء الْمُوَحدَة وبالنون، وكنيته أَبُو إِسْحَاق، وَعبد الرحمان بن الْأسود يرْوى عَن أَبِيه الْأسود بن يزِيد النَّخعِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطِّبّ أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رَافع وَغَيره.
قَوْله: (رخص) مشْعر بِأَنَّهُ كَانَ مَنْهِيّا، وَلَعَلَّه نَهَاهُم عَنْهَا لما عَسى أَن يكون فِيهَا من أَلْفَاظ الْجَاهِلِيَّة، فَلَمَّا علم أَنَّهَا عَارِية عَنْهَا أَبَاحَ لَهُم، وروى ابْن وهب عَن يُونُس بن يزِيد عَن ابْن شهَاب قَالَ: بَلغنِي عَن رجال من أهل الْعلم أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّه ﷺ نهى عَن الرقي حَتَّى قدم الْمَدِينَة، وَكَانَ الرقي فِي ذَلِك الزَّمن فِيهَا كثير من كَلَام الشّرك فَلَمَّا قدم الْمَدِينَة لدغ رجل من أَصْحَابه، قَالُوا: يَا رَسُول الله! قد كَانَ آل حزم يرقون من الْحمة، فَلَمَّا نهيت عَن الرقى تركوها، فَقَالَ ﷺ : ادعوا لي عمَارَة، وَكَانَ قد شهد بَدْرًا، قَالَ: اعْرِض عَليّ رقيتك، فعرضها عَلَيْهِ وَلم ير بهَا بَأْسا وَأذن لَهُ فِيهَا.
٣٨ - (بابُ رُقْيَةِ النبيِّ ﷺ
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان رقية النَّبِي ﷺ الَّتِي كَانَ يرقي بهَا.
٥٧٤٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حدّثنا عبْدُ الوارِثِ عنْ عَبدِ العَزِيزِ قَالَ: دَخَلْتُ أَنا وثابِتٌ عَلى أنَسِ بنِ مالِكٍ فَقَالَ ثابِتٌ: يَا أَبَا حَمْزَةَ اشْتَكَيْتُ؟ فَقَالَ أنَسٌ: أَلا أرْقِيكَ بِرُقْيَةِ رسولِ الله ﷺ ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: اللهُمَّ رَبَّ النَّاسِ مُذْهِبَ الْباسِ إشْفِ أنْتَ الشَّافِي لَا شافِيَ إلَاّ أنْتَ شِفاءً لَا يُغادِرُ سَقَماً.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعبد الْوَارِث هُوَ ابْن سعدو عبد الْعَزِيز هُوَ ابْن صُهَيْب وثابت بالثاء الْمُثَلَّثَة هُوَ ابْن أسلم الْبنانِيّ بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف النُّون الأولى والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن مُسَدّد فِي الطِّبّ وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجَنَائِز وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة جَمِيعًا عَن قُتَيْبَة قَوْله (يَا با حَمْزَة) أَصله يَا أَبَا حَمْزَة فحذفت الْألف للتَّخْفِيف وَأَبُو حَمْزَة كنية أنس بن مَالك قَوْله (اشتكيت) أَي مَرضت قَوْله (أَلا) بتَخْفِيف اللَّام للعرض والتنبيه قَوْله (أرقيك) بِفَتْح الْهمزَة قَوْله (مَذْهَب الباس) على صُورَة اسْم الْفَاعِل ويروى اذْهَبْ الباس بِصُورَة الْأَمر من الأذهاب والباس الْهمزَة فِي الأَصْل فحذفت للمواخاة والباس الشدَّة وَالْعَذَاب قَوْله (اشف) أَمر من شفي يشفى قَوْله (أَنْت الشافي) قيل يُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز تَسْمِيَة الله تَعَالَى بِمَا لَيْسَ فِي الْقُرْآن بِشَرْطَيْنِ (أَحدهمَا) أَن لَا يكون فِي ذَلِك مَا يُوهم نقصا وَالْآخر أَن يكون لَهُ أصل فِي الْقُرْآن وَهَذَا من ذَاك فَإِن فِي الْقُرْآن (وَإِذا مَرضت فَهُوَ يشفين) قلت هَذَا الْبَاب فِيهِ خلاف مِنْهُم من قَالَ أَسمَاء الله توقيفية فَلَا يجوز أَن يُسمى بِمَا لم يسمع فِي الشَّرْع وَمِنْهُم من قَالَ غير توقيفية وَلَكِن اشترطوا الشَّرْط الأول فَقَط فَافْهَم قَوْله (لَا شافي إِلَّا أَنْت) إِشَارَة إِلَى أَن كل مَا يَقع من الدَّوَاء والتداوى إِن لم يُصَادف تَقْدِير الله فَلَا ينجح قَوْله (شِفَاء) مَنْصُوب بقوله اشف وَقَالَ بَعضهم يجوز الرّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ أَي هُوَ قلت هَذَا تصرف غير مُسْتَقِيم على مَا لَا يخفى قَوْله لَا يُغَادر سقماً هَذِه الْجُمْلَة صفة لقَوْله شِفَاء وَمعنى لَا يُغَادر لَا يتْرك وسقما بِفتْحَتَيْنِ مَفْعُوله وَيجوز فِيهِ ضم السِّين وتسكين الْقَاف.
٥٧٤٣ - حدَّثنا عُمْرُ بن عَليّ حدَّثنا سُفْيانُ حَدثنِي سَليْمان عَن مُسْلِمٍ عَن مسْرُوقٍ عَن عَائِشَة ﵂ أنَّ النبيّ ﷺ كانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أهْلِهِ يَمْسَحُ بِيَدِهِ اليُمْنى ويَقُولُ اللَّهُمَّ ربَّ النَّاسِ أذْهِبِ الباسَ اشْفِهْ وأنْتَ الشَّافِي لَا شِفاءَ إِلَاّ شِفاؤكَ شِفاءَ إِلَّا يُغادِرُ سَقمَاً.
قَالَ سُفْيانُ: حدَّثْتُ بِهِ مَنْصُوراً فَحَدَّثَني عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ مَسْرُوق عنْ عائِشَةَ نحْوَهُ.
стр. 6469
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعَمْرو بِفَتْح الْعين ابْن عَليّ بن بَحر الصَّيْرَفِي الْبَصْرِيّ، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش وَمُسلم بِضَم الْمِيم وَسُكُون السِّين وَكسر اللَّام. قَالَ بَعضهم هُوَ أَبُو الضُّحَى مَشْهُور بكنيته أَكثر من اسْمه، ثمَّ قَالَ: وَجوز الْكرْمَانِي أَن يكون مُسلم بن عمرَان لكَونه يروي عَن مَسْرُوق ويروي الْأَعْمَش عَنهُ، وَهُوَ تَجْوِيز عَقْلِي مَحْض يمجه سمع الْمُحدث، على أَنِّي لم أر لمُسلم بن عمرَان البطين رِوَايَة عَن مسورق. قلت: الَّذِي قَالَه هَذَا الْقَائِل يمجه سمع كل أحد، ودعواه أَنه لم ير لمُسلم بن عمرَان رِوَايَة عَن مَسْرُوق بَاطِلَة، لِأَن جَامع (رجال الصَّحِيحَيْنِ) ذكر فِيهِ مُسلم بن أبي عمارن، وَيُقَال: ابْن عمرَان، وَيُقَال: ابْن أبي عبد الله البطين، يكنى أَبَا عبد الله سمع سعيد بن جُبَير عِنْدهمَا، يَعْنِي (: عِنْد الشَّيْخَيْنِ، ومسروقاً عِنْد البُخَارِيّ، وروى عَنهُ الْأَعْمَش عِنْدهمَا، وَتُوفِّي فِي خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ وَكَيف يدعى هَذَا الْمُدعى بِدَعْوَاهُ الْفَاسِدَة ردا على من سبقه فِي شرح هَذَا الحَدِيث مشنعاً عَلَيْهِ بِسوء أدب قل كل يعْمل على شاكلته؟
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطِّبّ عَن شَيبَان بن فروخ وَغَيره وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن مُحَمَّد بن قدامَة وَعَن آخَرين.
قَوْله: (يعوذ) من التعويذ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة. قَوْله: (يمسح) أَي: يمسح على مَوضِع الوجع بِيَدِهِ الْيُمْنَى، قَالَ الطَّبَرِيّ: هُوَ على طَرِيق التفاؤل لزوَال ذَلِك الوجع. قَوْله: (لَا شِفَاء) بِالْمدِّ مَبْنِيّ على الْفَتْح وَخَبره مَحْذُوف أَي: لَا شِفَاء حَاصِل لنا أَوله إلَاّ بشفائكِ قَوْله: (إلَاّ شفاؤك) بِالرَّفْع بَدَلا من مَوضِع: لَا شِفَاء قَوْله: (شِفَاء) بِالنّصب على أَنه مصدر: إشفه.
قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) هُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (حدثت بِهِ) أَي: بِهَذَا الحَدِيث منصوراً يَعْنِي: ابْن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَالْحَاصِل أَن فِيهِ طَرِيقين: طَرِيق عَن مُسلم عَن مَسْرُوق، وَطَرِيق عَن إِبْرَاهِيم عَنهُ.
٥٧٤٤ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ أبي رجاءٍ حَدثنَا النَّضْرُ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبرنِي أبي عنْ عائِشَةَ أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يَرْقِي، يَقُولُ: امْسَحِ الباسَ ربَّ النَّاسَ بِيَدِكَ الشِّفاءُ لَا كاشِفَ لهُ إلَاّ أنْتَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأحمد بن أبي رَجَاء بِالْجِيم وَالْمدّ واسْمه عبد الله أَبُو الْوَلِيد الْحَنَفِيّ الْهَرَوِيّ، وَالنضْر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن شُمَيْل، وَهِشَام يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة ﵂ والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (يَقُول) حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: يرقي قَوْله: (رب النَّاس) أَي: يَا رب النَّاس. قَوْله: (لَا كاشف لَهُ) أَي: للمرض أَو للْمَرِيض الَّذِي يرقي لَهُ، فقرينة الْحَال تدل على ذَلِك.
٥٧٤٥ - حدّثناعَليُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ قَالَ: حدّثني عبْدُ ربِّهِ بنُ سَعيدٍ عنْ عَمْرَةَ عنْ عائِشَةَ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يَقُولُ لِلْمَرِيضِ: بِسْمِ الله تُرْبَةُ أرْضِنا بِرِيقَة بَعْضِنا يُشْفَى سَقِيمُنا بإِذْنِ رَبِّنا. (انْظُر الحَدِيث: ٥٧٤٥ طرفه فِي: ٥٧٤٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعلي بن عبد الله بن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعبد ربه بِإِضَافَة عبد إِلَى ربه وَإِضَافَة الرب إِلَى الضَّمِير هُوَ الْأنْصَارِيّ أَخُو يحيى بن سعيد، وَعمرَة هِيَ بنت عبد الرَّحْمَن التابعية.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطِّبّ أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَغَيره وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن زُهَيْر بن حَرْب وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن أبي قدامَة السَّرخسِيّ. وَأخرجه ابْن ماجة فِي الطِّبّ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
قَوْله: (كَانَ يَقُول للْمَرِيض) وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: كَانَ يَقُول للْإنْسَان إِذا اشْتَكَى. قَوْله: (تربة أَرْضنَا) مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هَذِه تربة أَرْضنَا أَو: هَذَا الْمَرِيض. قَوْله: (بريقة بَعْضنَا) فِيهِ دلَالَة على أَنه كَانَ يتفل عِنْد الرّقية، وَقَالَ النَّوَوِيّ: معنى الحَدِيث أَنه إِذا أَخذ من ريق نَفسه على إصبعه السبابَة ثمَّ وَضعهَا على التُّرَاب فعلق بِهِ شَيْء مِنْهُ ثمَّ مسح بِهِ الْموضع العليل أَو الجريح قَائِلا الْكَلَام الْمَذْكُور فِي حَالَة الْمسْح، وَتَكَلَّمُوا فِي هَذَا الْموضع بِكَلَام كثير، وَأحسنه مَا قَالَه التوربشتي: بِأَن المُرَاد بالتربة الْإِشَارَة إِلَى فطْرَة آدم، والريقة الْإِشَارَة إِلَى النُّطْفَة، كَأَنَّهُ تضرع بِلِسَان الْحَال أَنَّك اخترعت الأَصْل الأول من التُّرَاب ثمَّ أبدعته مِنْهُ من مَاء مهين
стр. 6470
فهين عَلَيْك أَن تشفي من كَانَت هَذِه نشأته. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قيل المُرَاد بأرضنا أَرض الْمَدِينَة خَاصَّة لبركتها، وبعضنا رَسُول الله ﷺ لشرف رِيقه، فَيكون ذَلِك مَخْصُوصًا، وَفِيه نظر لَا يخفى. قَوْله: (يشفي سقيمنا) على بِنَاء الْمَجْهُول، وسقيمنا مَرْفُوع، بِهِ ويروى: يشفي بِهِ سقيمنا، ويروى يشفي سقيمنا، على بِنَاء الْفَاعِل فَاعله مُقَدّر، وسقيمنا بِالنّصب على المفعولية.
٥٧٤٦ - حدّثني صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ أخبرَنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ عبْدِ ربِّهِ بنِ سَعيدٍ عنْ عَمْرَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ النبيُّ ﷺ يَقُولُ فِي الرُّقْيَةِ: بسْمِ الله تُرْبَةُ أرْضِنا ورِيقَةُ بَعْضِنا يُشْفَى سَقِيمُنا بإِِذْنِ رَبِّنا. (انْظُر الحَدِيث: ٥٧٤٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا طَرِيق آخر أخرجه عَن صَدَقَة عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة إِلَى آخِره.
٣٩ - (بابُ النفْثِ فِي الرُّقْيَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز النفث بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْفَاء وبالثاء الْمُثَلَّثَة فِي الرّقية، وَفِيه رد على من كره النفث فِيهَا كالأسود ابْن يزِيد التَّابِعِيّ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
٥٧٤٧ - حدّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ حَدثنَا سُليْمانُ عَنْ يَحْيَى بنِ سَعيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلمَةَ، قَالَ: سَمِعتُ أَبَا قَتادَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ: الرُّؤْيا من الله والْحُلُمُ مِنَ الشيْطانِ، فإِذَا رأى أحَدُكُمْ شَيْئاً يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفِثْ حِينَ يَسْتَيْقِظُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ويَتَعَوَّذْ مِنْ شَرِّها، فإِِنَّها لَا تضُرُّهُ: وَقَالَ أبُو سَلَمَةَ: فإنْ كُنْتُ لأرَى الرُّويا أثْقَلَ عَليَّ منَ الجَبَلِ، فَما هُوَ إلَاّ أنْ سَمِعْتُ هاذَا الحَدِيثَ فَما أُُبالِيها.
قَالَ بَعضهم. قَوْله: (فلينفث) هُوَ المُرَاد من الحَدِيث الْمَذْكُور فِي هَذِه التَّرْجَمَة. قلت: التَّرْجَمَة فِي النفث فِي الرّقية، وَفِي الحَدِيث: النفث فِي الرُّؤْيَا، فَلَا مُطَابقَة إلَاّ فِي مُجَرّد ذكر النفث، وَلَكِن النفث إِذا كَانَ مَشْرُوعا فِي هَذَا الْموضع، يكون مَشْرُوعا فِي غير هَذَا الْموضع أَيْضا قِيَاسا عَلَيْهِ، وَبِهَذَا يحصل التطابق بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه تعلقه بالترجمة إِذْ لَيْسَ فِيهِ ذكر الرّقية؟ قلت التَّعَوُّذ هُوَ الرّقية انْتهى. قلت: هَذَا أَيْضا مثل كَلَام الْبَعْض الْمَذْكُور، وَلَيْسَ فِيمَا قَالَاه مَا يشفي العليل، وَلَا مَا يروي الغليل، وَالْوَجْه مَا ذَكرْنَاهُ.
قَوْله: (حَدثنَا خَالِد) ويروى: حَدثنِي خَالِد بن مخلد بِفَتْح الْمِيم، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَأَبُو قَتَادَة الْحَارِث بن ربعي الْأنْصَارِيّ، وَقيل غير ذَلِك.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّعْبِير عَن أَحْمد بن يُونُس وَغَيره. وَأخرجه مُسلم فِي الرُّؤْيَا عَن عمر والناقد وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عبد الله بن مُحَمَّد النُّفَيْلِي. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الرُّؤْيَا عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَعَن آخَرين. وَأخرجه ابْن ماجة فِي الدِّيات عَن مُحَمَّد بن رمح بِهِ.
قَوْله: (الرُّؤْيَا) أَي: الصَّالِحَة من الله، يَعْنِي: بِشَارَة من الله يبشر بهَا عَبده ليحسن بِهِ ظَنّه وَيكثر عَلَيْهَا شكره. قَوْله: (والحلم) بِضَم اللَّام وسكونها أَي: الرُّؤْيَا الْمَكْرُوهَة هِيَ الَّتِي يريها الشَّيْطَان الْإِنْسَان ليحزنه فيسوء ظَنّه بربه، ويقل حَظه من الشُّكْر، فَلذَلِك أمره أَن ينفث أَي: يبصق من جِهَة شِمَاله ثَلَاث مَرَّات، ويتعوذ من شَره كَأَنَّهُ يقْصد بِهِ طرد الشَّيْطَان وتحقيره، واستقذاره. قَوْله: (ويتعوذ) بِالْجَزْمِ قَوْله: (وَقَالَ أَبُو سَلمَة) مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (فَإِن كنت) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: إِن كنت بِدُونِ الْفَاء. قَوْله: (أثقل عَليّ من الْجَبَل) أَي: لأجل مَا كَانَ يتَوَقَّع من شَرها. قَوْله: (فَمَا هُوَ إلَاّ أَن سَمِعت) أَي: مَا الشَّأْن إلَاّ سَمَاعي، وَقَالَ الْمَازرِيّ: حَقِيقَة الرُّؤْيَا أَن الله تَعَالَى يخلق فِي قلب النَّائِم اعتقادات، فَإِن كَانَ ذَلِك الِاعْتِقَاد عَلامَة على الْخَيْر كَانَ خلقه بِغَيْر حَضْرَة الشَّيْطَان، وَإِن كَانَ على الشَّرّ فَهُوَ بِحَضْرَتِهِ، فنسب إِلَى الشَّيْطَان مجَازًا إِذْ لَا فعل لَهُ حَقِيقَة، إِذْ الْكل خلق الله تَعَالَى، وَقيل: أضيفت المحبوبة إِلَى الله تَعَالَى إِضَافَة تشريف بِخِلَاف الْمَكْرُوهَة وَإِن كَانَا بِخلق الله تَعَالَى.
٥٧٤٨ - حدّثنا عبدَ العَزِيزِ بنُ عبْدِ الله الأُوَيْسِيُّ، حَدثنَا سُليْمانُ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهاب
стр. 6471
ٍ عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عائِشَةَ. ﵂، قالَتْ: كانَ رسولُ الله ﷺ إذَا أوَى إِلَى فِرَاشِه نَفَثَ فِي كَفَّيْهِ ﴿بِقَلْ هُوَ الله أحَدٌ﴾ وبالمُعَوِّذَتَيْنِ جَميعاً، ثُمَّ يَمْسَح بِهِما وجْهَهُ، وَمَا بَلَغَتْ يَدَاهُ منْ جَسَدِهِ، قالَتْ عائِشَةُ: فَلمَّا اشْتَكَى كانَ يأمُرُنِي أنْ أفْعَلَ ذالِكَ بِهِ.
قَالَ يُونُسُ: كُنْتُ أرَى ابْن شِهاب يَصْنَعُ ذَلِكَ إذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ. (انْظُر الحَدِيث: ٥٠١٧ وطرفه) .
وَجه الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث. والترجمة هُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ عِنْد الحَدِيث السَّابِق، والأويسي نِسْبَة إِلَى أحد أجداده أويس بن سعد، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد.
والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي عَن حبَان عَن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي الطِّبّ عَن أبي الطَّاهِر بن السرج وَغَيره.
قَوْله: ﴿بقل هُوَ الله أحد) ﴾ أَي: يقْرؤهَا وَيقْرَأ مَعهَا المعوذتين بِكَسْر الْوَاو وينفث حَالَة الْقِرَاءَة. قَوْله: (فَلَمَّا اشْتَكَى) أَي: فَلَمَّا مرض. قَوْله: (كَانَ) أَي النَّبِي ﷺ ، قَوْله: (قَالَ يُونُس) أَي: الرَّاوِي عَن ابْن شهَاب.
٥٧٤٩ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيل حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عَنْ أبي بِشْرٍ عنْ أبي المُتَوَكِّلِ عَنْ أبي سَعيدٍ أنَّ رَهْطاً مِنْ أصْحابِ رسولِ الله ﷺ انْطَلَقُوا فِي سفْرَةٍ سافَرُوها حتَّى نَزَلُوا بِحَيٍ مِنْ أحْياءٍ العَرَبِ، فاسْتَضافُوهُمْ فأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيِّ فَسَعَوْا لهُ بِكُلَ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لوْ أتَيْتُمْ هاؤُلَاءِ الرَّهْطَ الذِينَ قَدْ نزَلوا بِكُمْ لَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ، فأَتَوْهُمْ فقالُوا: يَا أيُّها الرَّهْطُ إنَّ سَيِّدَنا لُدِغَ فَسعَيْنا لهُ بِكُلِّ شَيءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيءٌ فَهَلْ عِنْدَ أحَدٍ مِنْكُمْ شَيءٌ؟ فقالَ بَعْضُهُمْ: نعَمْ، وَالله إنِّي لَرَاقٍ، ولاكِنْ وَالله لَقَدِ اسْتَضَفْناكَمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونا فَما أَنا بِرَاقٍ لَكُمْ حتَّى تَجْعَلُوا لَنا جُعْلاً، فَصالَحُوهُمْ عَلى قَطِيعٍ مِنَ الغَنَم، فانْطلَقَ فَجَعَلَ يَتْفِلُ ويَقْرَأُ الحْمْدُ لله ربِّ العالَمِينَ حتَّى لَكأنَّما نُشِطَ مِنْ عِقال، فانْطَلَقَ يَمْشِي مَا بِهِ قَلَبَةٌ، قَالَ: فأوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذي صالَحُوهُمْ عَليْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْسمُوا. فَقَالَ الَّذِي رَقى: لَا تَفْعَلُوا حتَّى نأتِيَ رسولَ الله ﷺ ، فَنَذْكُرَ لهُ الَّذِي كانَ فَنَنْظُرَ مَا يأمُرُنا، فَقَدِمُوا عَلى رسولَ الله ﷺ فَذَكَرُوا لهُ، فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ أصَبْتُمْ، اقْسِمُوا واضْرِبُوا لي مَعَكُمْ بِسَهْم.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَجعل يتفل) على الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ عِنْد أول حَدِيث الْبَاب.
وَأَبُو عوَانَة الوضاح الْيَشْكُرِي، وَأَبُو بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة جَعْفَر بن أبي إِيَاس الْيَشْكُرِي الْبَصْرِيّ، وَأَبُو المتَوَكل عَليّ بن دَاوُد النَّاجِي بالنُّون وَالْجِيم.
والْحَدِيث قد مضى عَن قريب فِي: بَاب الرّقية بِفَاتِحَة الْكتاب.
قَوْله: (فَجعل يتفل) وَقد مضى أَن النفث دون التفل فَإِذا جَازَ التفل جَازَ النفث بِالطَّرِيقِ الأولى. قَوْله: (نشط) قيل: صَوَابه أنشط. قَالَ الْجَوْهَرِي: أنشطته أَي: حللته، ونشطته أَي: عقدته والعقال بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وبالقاف: الْحَبل الَّذِي يشد بِهِ. قَوْله: (يمشي) حَال وَكَذَا قَوْله: (مَا بِهِ قلبة) بالفتحات وَمَعْنَاهُ: مَا بِهِ ألم يقلب على الْفراش لأَجله، وَقيل: أَصله من القلاب بِضَم الْقَاف وَهُوَ دَاء يَأْخُذ الْبَعِير فَيمسك على قلبه فَيَمُوت من يَوْمه. قَوْله: (فَقَالَ الَّذِي رقى) هُوَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ. قَوْله: (فَذكرُوا لَهُ) أَي للنَّبِي ﷺ قَوْله: (وَمَا يدْريك؟) أَي: أَي شَيْء دراك أَنَّهَا أَي: إِن قِرَاءَة الْفَاتِحَة رقية. قَوْله: (اقسموا) هَذِه الْقِسْمَة من بَاب المروآت والتبرعات وإلَاّ فَهُوَ ملك للراقي مُخْتَصّ بِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ ﷺ : (اضربوا إِلَى مَعكُمْ بِسَهْم) أَي: بِنَصِيب، تطييباً
стр. 6472
لقُلُوبِهِمْ ومبالغة فِي تعريفهم أَنه حَلَال.
٤٠ - (بابُ مَسْحِ الرَّاقِي الوَجَعَ بِيَدِهِ اليُمْنَى)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مسح الَّذِي يرقي الوجع بِيَدِهِ.
٥٧٥٠ - حدّثني عبْدُ الله بنُ أبي شَيْبَةَ حَدثنَا يَحْيَى عنْ سُفْيانَ عنِ الأعْمَشِ عنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: كانَ النبيُّ ﷺ يُعَوِّذُ بَعْضَهُمْ يَمْسَحُهُ بيَمِينِهِ أذْهِبِ الباسَ ربَّ النَّاس واشْفِ أنْتَ الشَّافي لَا شِفاءً إلاّ شِفاؤُكَ شِفاءً لَا يُغَادِرُ سَقماً، فَذَكَرْتُهُ لِمَنْصُورٍ فَحَدَّثَني عنْ إبْرَاهِيمَ عنْ مَسْرُوق عنْ عائِشَةَ ﵂ بِنَحْوِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يمسحه بِيَمِينِهِ) وَعبد الله بن أبي شيبَة هُوَ أَبُو بكر عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي شيبَة إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان الْعَبْسِي الْكُوفِي شيخ مُسلم أَيْضا، وَيحيى الْقطَّان، وسُفْيَان الثَّوْريّ، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَمُسلم هُوَ أَبُو الضُّحَى، ومسروق ابْن الأجدع. والْحَدِيث مر عَن قريب وَمر الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (يعوذ بَعضهم) وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة: يعوذ بعض أَهله. قَوْله: (يمسحه بِيَمِينِهِ) جملَة حَالية، قَوْله: (أذهب الباس) مقول قَول مُقَدّر. قَوْله: (فَذَكرته) قَائِله سُفْيَان الثَّوْريّ أَي: فَذكرت الحَدِيث لمنصور بن مُعْتَمر فَحَدثني عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن مَسْرُوق. قَوْله: (بِنَحْوِهِ) أَي: بنحوالحديث الْمَذْكُور فِي رِوَايَة مُسلم عَن مَسْرُوق.
٤١ - (بابٌ المَرْأةُ تَرْقِي الرجُلَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْمَرْأَة ترقي الرجل.
٥٧٥١ - حدّثني عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِيُّ حَدثنَا هِشامٌ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ ، كانَ يَنْفِثُ عَلى نَفْسِهِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ بالمُعوِّذَاتِ، فَلمَّا ثَقُلَ كُنْتُ أَنا أنْفِثُ عليْهِ بِهِنَّ فأمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِبَرَكَتِها، فَسألْتُ ابنَ شِهابٍ: كَيْف كانَ يَنْفِثُ؟ قَالَ: يَنْفِثُ عَلى يَدَيْهِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِما وجْهَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كنت أَنا أنفث عَلَيْهِ) وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف. والْحَدِيث قد مر عَن قريب فِي: بَاب النفث فِي الرّقية.
قَوْله: (بالمعوذات) هِيَ سُورَة الْإِخْلَاص والمعوذتان. وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٤٢ - (بابُ مَنْ لَمْ يَرْق)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان من لم يرقِ بِفَتْح الْيَاء وَكسر الْقَاف وبضم الْيَاء وَفتح الْقَاف أَعنِي على صِيغَة الْمَعْلُوم وَصِيغَة الْمَجْهُول.
٥٧٥٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا حُصَيْنُ بنُ نُميْرٍ عنْ حُصَيْنِ بنِ عَبْدِ الرحامانِ عَن سَعِيد بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عبّاسٍ ﵄ قَالَ: خَرَجَ عَليْنا النبيُّ ﷺ يوْماً، فَقَالَ: عُرِضَتْ عَليَّ الأُمَمُ فَجعَلَ يَمُرُّ النبيُّ ومعَهُ الرَّجُلُ، وَالنَّبِيّ ومعَهُ الرَّجُلانِ، والنبيُّ ومَعَهُ الرَّهْطُ، والنبيُّ لَيْسَ مَعَهُ أحَدٌ، ورَأيْتُ سَواداً كَثيراً سَدَّ الأُفُقَ فَرَجَوْتُ أنْ يَكُونَ أُمَّتي، فَقيلَ: هذَا مُوساى وقَوْمُهُ، ثُمَّ قِيل لي: انْظُرْ فَرَأيْتُ سَواداً كَثيراً سَدَّ الأُفُقَ، فَقيلَ لِي: انْظُرْ هاكَذَا وهاكَذَا، فرَأيْتُ سَواداً كَثيراً سَدَّ الأُفُقَ فقيلَ: هاؤُلاءِ أُمَّتُكَ ومعَ هاؤلاءِ سَبْعُونَ ألْفاً يَدْخُلُون الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ ولمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ، فَتَذاكَرَ أصْحابُ النبيِّ ﷺ فَقَالُوا: أما نحْنُ فَوُلدْنا فِي الشِّرْكِ ولاكِنَّا آمَنَّا بِاللَّه ورَسُولِهِ، ولاكِنْ هاؤُلاءِ هُمْ أبْناؤُنا، فَبَلَغَ النبيَّ ﷺ فَقَالَ: هُمُ الذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ وَلَا يَسْتَرْقونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وعلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكلُون، فقامَ عُكَاشَةُ بنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: أمِنْهُمْ أَنا يَا رسولَ الله؟ قَالَ: نَعَمْ، فقامَ آخرُ فَقَالَ: أمِنْهُمْ أَنا؟ فَقَالَ: سَبَقَكَ بِها عُكَاشَةُ.
стр. 6473
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا يسْتَرقونَ) وحصين بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ وبنون ابْن نمير مصغر نمر الْحَيَوَان الْمَشْهُور الوَاسِطِيّ الضَّرِير، وَمَا لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث، وحصين كَذَلِك ابْن عبد الرَّحْمَن الْكُوفِي.
والْحَدِيث قد مر فِي: بَاب من اكتوى، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (وَمَعَهُ الرجل) ، هَذِه الْكَلِمَة فِي هَذِه الْمَوَاضِع جَاءَت بِالْوَاو وبدونها.
٤٣ - (بابُ الطِّيَرَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الطَّيرَة بِكَسْر الطَّاء وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَقد تسكن وَهُوَ التشاؤم بالشَّيْء، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَهُوَ مصدر تطير يُقَال تطير طيرة وتخير خيرة، وَلم يَجِيء من المصادر هَكَذَا غير هذَيْن. قلت: قد ذكر هُوَ أَيْضا طيبَة بِكَسْر الطَّاء وَفتح الْيَاء فعلة من الطّيب، وَلَكِن الظَّاهِر أَنه اسْم لَا مصدر كالتولة بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة وَفتح الْوَاو، وَجَاء فِي الحَدِيث التولة من الشّرك، وَهُوَ مَا يحبب الْمَرْأَة إِلَى زَوجهَا من السحر وَغَيره، وَجعله من الشّرك لاعتقادهم أَن ذَلِك يُؤثر وَيفْعل خلاف مَا قدره الله تَعَالَى.
٥٧٥٣ - حدّثني عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حَدثنَا عُثْمانُ بنُ عُمَرَ حَدثنَا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ عَن سالِمٍ عنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ والشُّؤْمُ فِي ثلاثٍ. فِي المَرْأةِ والدارِ والدَّابَّةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا طيرة) وَعبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ المسندي، وَعُثْمَان بن عمر بن فَارس الْبَصْرِيّ، وَيُونُس بن يزِيد، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن مُحَمَّد بن الْمثنى.
قَوْله: (لَا عدوى) أَي: لَا تَعديَة للمرض من صَاحبه إِلَى غَيره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب قَوْله: (وَلَا طيرة) قد فسرناها الْآن. قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: اخْتلفُوا فِي تَأْوِيل قَوْله: (لَا طيرة) فَمنهمْ من قَالَ مَعْنَاهُ الْأَخْبَار عَمَّا يَعْتَقِدهُ الْجَاهِلِيَّة، وَقيل: مَعْنَاهُ الْإِخْبَار عَن حكم الله الثَّابِت فِي الدَّار وَالْمَرْأَة وَالْفرس بِأَن الشؤم فِيهَا عَادَة، أجراها الله تَعَالَى وقضاه أنفذه يوجده حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا مَتى شَاءَ، وَالْأول سَاقِط لِأَن النَّبِي ﷺ لم يبْعَث ليخبر عَن النَّاس مَا كَانُوا يعتقدونه، وَإِنَّمَا بعث ليعلم النَّاس مَا يلْزمهُم أَن يعملوه ويعتقدوه، وأصل الطَّيرَة أَنهم كَانُوا ينفرون الظباء والطيور فَإِن أخذت ذَات الْيَمين تبركوا بِهِ ومضوا فِي حوائجهم، وَإِن أخذت ذَات الشمَال رجعُوا عَن ذَلِك وتشاءموا بهَا، فأبطله الشَّرْع، وَأخْبر بِأَنَّهُ لَا تَأْثِير لَهُ فِي نفع أَو ضَرَر. وَيُقَال: إِنَّهُم كَانُوا يعتمدون فِي الْجَاهِلِيَّة على الطير فَإِذا كَانَ لأَحَدهم أَمر، فَإِن رأى الطير طَار يمنة تيمن بِهِ وَاسْتمرّ، وَإِن رَآهُ طَار يسرة تشاءم بِهِ وَرجع، وَكَانُوا يسمونه: السانح والبارح، فالسانح بسين مُهْملَة ثمَّ نون مَكْسُورَة وبحاء مُهْملَة وَهُوَ مَا والاك ميامنة بِأَن يمر عَن يسارك إِلَى يَمِينك، والبارح بباء مُوَحدَة وَرَاء مَكْسُورَة ثمَّ حاء مُهْملَة هُوَ بعكس ذَلِك. قَوْله: (والشؤم فِي ثَلَاث) أَي: فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء، هَذَا معَارض فِي الظَّاهِر لقَوْله: (لَا طيرة) وَدفع الْخطابِيّ هَذِه الْمُعَارضَة حَيْثُ قَالَ: هَذَا عَام مَخْصُوص إِذْ هُوَ فِي معنى الِاسْتِثْنَاء من الطَّيرَة، أَي: الطَّيرَة مَنْهِيّ عَنْهَا إلَاّ أَن يكون لَهُ دَار يكره سكناهَا، أَو امْرَأَة يكره صحبتهَا، أَو فرس كَذَلِك فليفارقهن، وَقيل: شُؤْم الدَّار ضيقها وَسُوء جارها، وشؤم الْمَرْأَة سلاطة لسانها وَعدم وِلَادَتهَا، وشؤم الْفرس أَن لَا يغزى عَلَيْهَا. وَقَالَ مَالك: هُوَ على ظَاهره، فَإِن الدَّار قد يَجْعَل الله سكناهَا سَببا للضَّرَر، وَكَذَا الْمَرْأَة الْمعينَة أَو الْفرس قد يحصل الضَّرَر عِنْده بِقَضَاء الله تَعَالَى، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ. قَوْله: (الشؤم فِي ثَلَاث) وَلم يقل فِيهِ إِن وَفِي رِوَايَة أُخرى: إِن كَانَ الشؤم فِي شَيْء، وَفِي أُخرى: إِن كَانَ فِي شَيْء فَفِي كَذَا وَكَذَا، فَكيف يجمع بَين هَذِه وَبَين قَوْله: (لَا طيرة؟) الْجَواب: إِن عَائِشَة ﵂ قد غلظت على من روى هَذَا الحَدِيث، وَقَالَت: إِنَّمَا كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يَقُولُونَ: الطَّيرَة فِي الْمَرْأَة وَالدَّار وَالدَّابَّة. قَالَ: وَهَذَا رد لصريح خبر رُوَاته ثِقَات، وَالصَّحِيح أَن الْمَعْنى إِن خيف من شَيْء أَن يكون سَببا لما يخَاف شَره ويتشاءم بِهِ فَهَذِهِ الْأَشْيَاء لَا على السَّبِيل الَّذِي يَظُنهَا أهل الْجَاهِلِيَّة من الطَّيرَة والعدوى. وَقَالَ الْخطابِيّ: لما كَانَ الْإِنْسَان لَا يَسْتَغْنِي عَن هَذِه الْأَشْيَاء: الدَّار وَالْفرس وَالزَّوْجَة، وَكن لَا يسلمن من عَارض مَكْرُوه، فأضيف إِلَيْهَا الشؤم إِضَافَة مَحل، وَقَالَ ابْن التِّين: الشؤم مَهْمُوز وَيُسمى كل مَحْذُور ومكروه شؤماً ومشامة والشومى الْجِهَة الْيُسْرَى.
стр. 6474
٥٧٥٤ - حدّثنا أبُو اليَمَانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبرنِي عُبَيْدُ الله بنُ عبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: لَا طِيرَةَ وخيْرُها الفَأْلُ، قَالُوا: وَمَا الفَأْلُ؟ قَالَ: الكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُها أحَدُكُمْ. (انْظُر الحَدِيث: ٥٧٥٤ طرفه فِي: ٥٧٥٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الطِّبّ أَيْضا عَن عبد بن حميد وَغَيره.
قَوْله: (وَخَيرهَا) أَي: خير الطَّيرَة، قَالَ الطَّيِّبِيّ: وَقد علم أَن الطَّيرَة كلهَا لَا خير فِيهَا فَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿أَصْحَاب الْجنَّة يؤمئذٍ خير مُسْتَقرًّا﴾ (الْفرْقَان: ٢٤) . وَهُوَ مَبْنِيّ على زعمهم أَو هُوَ من بَاب قَوْلهم: الصَّيف خير من الشتَاء، أَي: الفال فِي بَابه أبلغ من الطَّيرَة فِي بَابهَا، وَمعنى التَّرَخُّص فِي الفأل وَالْمَنْع من الطَّيرَة هُوَ أَن الشَّخْص لَو رأى شَيْئا فَظَنهُ حسنا وحرضه على طلب حَاجته فَلْيفْعَل ذَلِك، وَإِن رأى مَا يعده مشئوماً ويمنعه من الْمُضِيّ إِلَى حَاجته فَلَا يجوز قبُوله، بل يمْضِي لسبيله، فَإِذا قبل وانْتهى عَن الْمُضِيّ فِي طلب حَاجته فِيهِ فَهُوَ الطبيعة لِأَنَّهَا اخْتصّت أَن تسْتَعْمل فِي الشؤم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: إِضَافَة الْخَيْر إِلَى الطَّيرَة مشعرة بِأَن الفأل من جملَة الطَّيرَة، ثمَّ قَالَ: الْإِضَافَة لمُجَرّد التَّوْضِيح فَلَا يلْزم أَن يكون مِنْهَا وَأَيْضًا الطَّيرَة فِي الأَصْل أَعم من أَن يكون فِي الشَّرّ، لَكِن الْعَرَب خصصته بِالشَّرِّ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الطَّيرَة بِمَعْنى الْجِنْس والفأل بِمَعْنى النَّوْع، وَمِنْه الحَدِيث: أصدق الطَّيرَة الفأل، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الفأل يسْتَعْمل فِيمَا يسر وَفِيمَا يسوء، وَالْغَالِب فِي السرُور، والطيرة لَا تكون إلَاّ فِي السوء، وَقد تسْتَعْمل مجَازًا فِي السرُور. وَقَالَ الْخطابِيّ: الْفرق بَين الفأل والطيرة أَن الفأل إِنَّمَا هُوَ من طَرِيق حسن الظَّن بِاللَّه، والطيرة إِنَّمَا هِيَ من طَرِيق الاتكال على مَا سواهُ. قَوْله: (قَالُوا) ويروى: قَالَ. قَوْله: (الْكَلِمَة الصَّالِحَة يسْمعهَا أحدكُم) مثل من خرج من دَاره لطلب حَاجَة فَسمع شخصا يَقُول للْآخر، يَا نجاح، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: سَأَلت ابْن عون عَن الفأل فَقَالَ: هُوَ أَن يكون مَرِيضا فَيسمع: يَا سَالم، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث بُرَيْدَة أَن النَّبِي ﷺ كَانَ لَا يتطير من شَيْء وَكَانَ إِذا بعث غُلَاما سَأَلَ عَن اسْمه، فَإِذا أعجبه اسْمه فَرح بِهِ وَإِن كره اسْمه رئي كَرَاهَة ذَلِك فِي وَجهه، وَإِذا دخل قَرْيَة سَأَلَ عَن اسْمهَا فَإِن أعجبه فَرح بِهِ ورئي بشر ذَلِك فِي وَجهه، وَإِن كره اسْمهَا رئي كَرَاهَة ذَلِك فِي وَجهه.
٤٤ - (بابُ الفَأْلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر الفأل وَأَصله الْهمزَة وَقد يسهل، وَالْجمع فؤول بِالْهَمْزَةِ جزما، يُقَال: تفاءلت وتفاولت على التَّخْفِيف وَالْقلب.
٥٧٥٥ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ أخبرنَا هِشامٌ أخبرنَا مَعْمَرٌ عَن الزُّهْرِيِّ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : لَا طِيَرَةَ وخَيْرُها الفأْلُ، قالَوا: وَمَا الفَأْلُ يَا رسُولَ الله؟ قَالَ: الكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُها أحَدُكُمْ. (انْظُر الحَدِيث: ٥٧٥٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله بن مُحَمَّد المسندي، وَهِشَام الدستوَائي عَن معمر بن رَاشد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود عَن أبي هُرَيْرَة.
وَأخرجه مُسلم فِي الطِّبّ عَن عبد بن حميد وَمضى الْكَلَام فِيهِ الْآن. قَوْله: (قَالُوا) بِصِيغَة الْجمع رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: قَالَ، بِالْإِفْرَادِ.
٥٧٥٦ - حدّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْراهيمَ حدَّثنا هِشامٌ عنْ قَتادةَ عنْ أنَسٍ ﵁ عَن النبيِّ ﷺ قَالَ: لَا عَدْواى وَلَا طِيَرَةَ، ويُعْجِبُني الفأْلُ الصَّالِحُ: الكَلِمَةُ الحَسَنَةُ. (انْظُر الحَدِيث: ٥٧٥٦ طرفه فِي: ٥٧٧٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ويعجبني الفأل) وَهِشَام هُوَ الدستوَائي كَمَا فِي الحَدِيث السَّابِق.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم شيخ البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي السّير عَن مُحَمَّد بن بشار.
قَوْله: (الْكَلِمَة الْحَسَنَة) بَيَان لقَوْله: (الفأل الصَّالح) وَكَانَ ﷺ يسْتَحبّ الِاسْم الْحسن والفأل الصَّالح، وَقد جعل الله فِي النّظر محبَّة ذَلِك كَمَا جعل فيهم الارتياح بالمنظر
стр. 6475
الأنيق وَالْمَاء الصافي وَإِن لم يشربه وَلم يَسْتَعْمِلهُ.
٤٥ - (بابٌ لَا هامَةَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا ورد فِي الحَدِيث: لَا هَامة، وَفِي بعض النّسخ: بَاب لَا هَامة وَلَا صفر.
٥٧٥٧ - حدّثنامُحَمَّدُ بنُ الْحكَمِ حَدثنَا النَّضْرُ أخبرنَا إسْرائِيلُ أخبرنَا أبُو حَصَيْن عنْ أبي صالِحٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هامَةَ وَلَا صفَرَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا هَامة) وَمُحَمّد بن الحكم بالفتحتين الْأَحول الْمروزِي وَالنضْر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن شُمَيْل بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، وَأَبُو حُصَيْن بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ عُثْمَان بن عَاصِم الْأَسدي، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات السمان.
والْحَدِيث من أَفْرَاده وَتَفْسِير هَذِه الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة قد مر فِي: بَاب الجذام، مستقصىً.
٤٦ - (بابُ الكَهانةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أُمُور الكهانة وَوَقع لِابْنِ بطال: بَاب الكهانة وَالسحر وَقد ترْجم البُخَارِيّ للسحر بَابا مُفردا على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَهِي بِكَسْر الْكَاف وَفتحهَا وَالْفَتْح أشهر، وَهِي ادِّعَاء علم الْغَيْب كالإخبار بِمَا سيقع فِي الأَرْض مَعَ الِاسْتِنَاد إِلَى سَبَب، وَيُقَال: هِيَ الْإِخْبَار بِمَا يكون فِي أقطار الأَرْض أما من جِهَة التنجيم أَو العرافة وَهِي الِاسْتِدْلَال على الْأُمُور بأسبابها أَو بالزجر أَو نَحوه، والكاهن يُطلق على العراف والمنجم الَّذِي يضْرب بالحصى، وَفِي (الْمُحكم) : الكاهن القَاضِي بِالْغَيْبِ. وَقَالَ فِي (الْجَامِع) : الْعَرَب تسمى كل من آذن بِشَيْء قبل وُقُوعه كَاهِنًا. وَقَالَ الْخطابِيّ: الكهنة قوم لَهُم أذهان حادة ونفوس شَدِيدَة وطباع نارية فألفتهم الشَّيَاطِين لما بَينهم من التناسب فِي هَذِه الْأُمُور وساعدتهم بِكُل مَا اتَّصَلت بِهِ قدرتهم إِلَيْهِ، وَكَانَت الكهانة فِي الْجَاهِلِيَّة فَاشِية خُصُوصا فِي الْعَرَب لانْقِطَاع النُّبُوَّة فيهم، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام ندر ذَلِك جدا حَتَّى كَاد يضمحل.
٥٧٥٨ - حدّثنا سَعيدُ بنُ عُفَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ قَالَ: حدّثني عَبْدُ الرحْمانِ بنُ خالِدٍ عنِ ابنِ شِهاب عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قَضَى فِي امْرَأتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ اقْتَتَلَتا، فَرَمَتْ إحْدَاهُما الأُخْرَى بحَجَر فأصابَتْ بَطْنَها وهْيَ حامِلٌ فَقَتَلَتْ وَلَدهَا الّذي فِي بَطْنِها، فاخْتَصَمُوا إِلَى النبيِّ ﷺ فَقضَى أنَّ دِيَّةَ مَا فِي بطْنِها غُرَّة عبْدٌ أوْ أمَةٌ فَقَالَ ولِيُّ المَرْأةِ الَّتِي غَرِمَتْ: كَيْفَ أغْرَمُ يَا رَسُول الله مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أكَلَ وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ؟ فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ. فَقَالَ النبيُّ ﷺ إنَّما هَذَا منْ إخْوَانِ الكُهَّانِ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِنَّمَا هَذَا من إخْوَان الْكُهَّان) وَسَعِيد بن عفير بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْحَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء. وَهُوَ سعيد بن كثير بن عفير الْمصْرِيّ.
والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (هُذَيْل) بِضَم الْهَاء وَفتح الذَّال الْمُعْجَمَة وَهُوَ ابْن مدركة بن الياس بن مُضر قَبيلَة. قَوْله: (اقتتلتا) أَي: تقاتلتا. قَوْله: (وَهِي حَامِل) جملَة حَالية. قَوْله: (فاختصموا) مثل قَوْله: ﴿هَذَانِ خصمان اخْتَصَمُوا﴾ (الْحَج: ١٩) . قَوْله: (غرَّة) بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء وَهِي بَيَاض فِي الْوَجْه وَعبر بالغرة عَن الْجِسْم كُله إطلاقاً للجزء وَإِرَادَة الْكل وَلَفظ: غرَّة بِالتَّنْوِينِ وَلَفظ: عبد أَو أمة بدل مِنْهُ، ويروى بِالْإِضَافَة وَكلمَة: أَو، هُنَا للتقسيم لَا للشَّكّ. قَوْله: (فَقَالَ وليُّ الْمَرْأَة) هُوَ حمل بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم ابْن مَالك بن النَّابِغَة الْهُذلِيّ الصَّحَابِيّ نزل الْبَصْرَة وكنيته أَبُو فضلَة. قَوْله: (وَلَا اسْتهلّ) يُقَال اسْتهلّ الصَّبِي إِذا صَاح عِنْد الْولادَة. قَوْله: (يطلّ) بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الطَّاء وَتَشْديد اللَّام، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَمَعْنَاهُ: يهدر، يُقَال: طل الدَّم بِضَم الطَّاء وَبِفَتْحِهَا، وَحكي: أطل. وَأنْكرهُ الْأَصْمَعِي، وَقَالَ أَبُو زيد: طل دَمه فَهُوَ مطلول وأطل دَمه وطله الله وأطله، قَالَ: وَلَا يُقَال: طل دَمه، بِالْفَتْح، وَأَبُو عُبَيْدَة وَالْكسَائِيّ يقولانه، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بَطل، بِالْبَاء الْمُوَحدَة من الْبطلَان
стр. 6476
وَقَالَ عِيَاض: إِنَّه وَقع هُنَا للْجَمِيع بِالْبَاء الْمُوَحدَة، قَالَ: وبالوجهين فِي (الْمُوَطَّأ) وَقد رجح الْخطابِيّ أَنه من الْبطلَان، وَأنْكرهُ ابْن بطال فَقَالَ: كَذَا يَقُول أهل الحَدِيث من طل الدَّم إِذا هدر قيل: لَا وَجه لإنكاره بعد ثُبُوت الرِّوَايَة، وَمَعْنَاهُ يرجع إِلَى الرِّوَايَة الأُخرى. قَوْله: (إِنَّمَا هَذَا من إخْوَان الْكُهَّان) شبهه بهم إِذْ الْأُخوة تَقْتَضِي المشابهة، وَذَلِكَ بِسَبَب السجع، وَقَالَ الْخطابِيّ: لم يردهُ رَسُول الله ﷺ ، لأجل السجع نَفسه لكنه إِنَّمَا أعاب مِنْهُ رد الحكم وتزيينه بالسجع على مَذْهَب الْكُهَّان فِي ترويج أباطيلهم بالأسجاع الَّتِي يروجون بهَا الْبَاطِل ويوهمون النَّاس أَن تحتهَا طائلاً، والسجع هُوَ تناسب آخر الْكَلِمَة لفظا وَالْجمع أسجاع وأساجيع، وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ ذمّ الْكُهَّان وَمن تشبه بهم فِي ألفاظهم حَيْثُ كَانُوا يستعملونه فِي الْبَاطِل، كَمَا أَرَادَ هُوَ بسجعه دفع مَا أوجبه ﷺ فَاسْتحقَّ بذلك الذَّم إلَاّ أَنه ﷺ جبل على الصفح عَن الْجَاهِلين. فَإِن قلت: قد وَقع فِي كَلَامه ﷺ : الأسجاع مثل صدق الله وعده وَنصر عَبده وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده، وَغير ذَلِك. قلت: الْفرق أَنه عَارض بِهِ حكم الشَّرْع ورام إِبْطَاله، وَأَيْضًا أَنه تكلّف فِيهِ بِخِلَاف مَا فِي كَلَام الرَّسُول ﷺ .
وَفِيه: وجوب الْغرَّة عِنْد كَافَّة الْعلمَاء، وَخَالف فِيهِ قوم فَقَالُوا لَا شَيْء فِيهِ حَكَاهُ فِي (المعونة) وَهُوَ منابذة للنَّص فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ. وَفِيه: أَن الْغرَّة عبد أَو أمة، وَقَالَ مَالك: الحمران أحب إِلَيّ من السودَان، يُرِيد الْبيض، فَإِن لم يكن فِي الْبَلَد فالسود قَالَه الْأَبْهَرِيّ، وَقَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: لَا يُؤْخَذ إلَاّ من الْبيض لقَوْله: (غرَّة) وإلَاّ لقَالَ: عبدا ووليدة، وَقَالَ مَالك عَن ربيعَة: يقوم بِخَمْسِينَ دِينَارا أَو سِتّمائَة دِرْهَم. وَاخْتلف فِيمَن يَرث الْجَنِين، فَقَالَ مَالك: هُوَ موروث على فَرَائض الله، وَقَالَ أَيْضا: هُوَ كبضعة من أمه تَرثه وَحدهَا، وَقَالَ أَيْضا هُوَ بَيت أَبَوَيْهِ: الثُّلُثَانِ للْأَب وَللْأُمّ الثُّلُث، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ.
٥٧٥٩ - حدّثنا قُتَيْبَةُ عنْ مالِكٍ عَن ابنِ شِهاب عنْ أبي سَلمةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ امْرَأتَيْنِ رَمَتْ إحْدَاهُما الأُخْرَى بِحَجَر، فَطَرَحَتْ جَنِينَها، فَقَضَى فِيهِ النبيُّ ﷺ بِغُرَّةِ عبْدٍ أوْ وَلِيدَةٍ.
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَهُوَ مُخْتَصر.
٥٧٦٠ - وعنِ ابنِ شهابٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَضَى فِي الجَنين يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أوْ وَلِيدَةٍ، فَقَالَ الَّذِي قُضِيَ عَلَيْهِ: كيْفَ أغْرَمُ مَالا أكَلَ وَلَا شَرِبَ ولَا نَطَقَ وَلَا اسْتهَلَّ، ومِثْلُ ذَلِكَ بَطَلَ؟ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : إنَّما هاذَا مِنْ إخُوَانِ الكُهَّانِ.
هَذَا مُرْسل. قَوْله: (يقتل) على صِيغَة الْمَجْهُول فِي مَحل الْحَال من الْجَنِين. قَوْله: (قضى عَلَيْهِ) أَي: على ولي الْمَرْأَة لِأَن الْغرَّة مَتى وَجَبت فَهِيَ على الْعَاقِلَة.
٥٧٦١ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبي بَكْرٍ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ الحارِثِ عنْ أبي مسْعُودٍ، قَالَ: نَهَى النبيُّ ﷺ عَن ثَمَنِ الكَلْبِ ومَهْرِ البغِيِّ وحُلُوَان الكاهِنِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَعبد الله بن مُحَمَّد المسندي وَابْن عُيَيْنَة سُفْيَان، وَأَبُو مَسْعُود هُوَ عقبَة البدري الْأنْصَارِيّ الْكُوفِي.
والْحَدِيث قد مر فِي البيع فِي: بَاب ثمن الْكَلْب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (مهر الْبَغي) الْبَغي فعيل أَو فعول، وَهِي الزَّانِيَة ومهرها هُوَ مَا تَأْخُذهُ على الزِّنَا، والحلوان بِالضَّمِّ مَا يعْطى على الكهانة.
٥٧٦٢ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله حَدثنَا هِشامُ بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ يَحْياى بنِ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عُرْوةَ عنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: سَأَلَ رسُولَ الله صلى الله
стр. 6477
عَلَيْهِ وَسلم ناسٌ عنِ الكُهَّانِ، فَقَالَ: لَيْسَ بِشَيءٍ. فقالُوا: يَا رسولَ الله! إنهُمْ يُحَدِّثُونا أحْياناً بِشيءٍ فَيكُونُ حَقًّا، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَفُها مِنَ الجِنِّيِّ فَيَقُرُّها فِي أُذُنِ ولِيِّه فَيَخْلِطُونَ مَعَها مائَةَ كَذْبَةٍ، قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ عبْدُ الرَّزَّاقِ: مُرْسَلٌ، الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ، ثُمَّ بَلغَني أنَّهُ أسْنَدَهُ بَعْدهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (عَن الْكُهَّان) وَعلي بن عبد الله بن الْمَدِينِيّ، وَيحيى بن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام الْقرشِي الْمدنِي، يروي عَن أَبِيه عُرْوَة، وَالظَّاهِر أَن الزُّهْرِيّ فَاتَهُ هَذَا الحَدِيث عَن عُرْوَة مَعَ كَثْرَة رِوَايَته عَن عُرْوَة، فَجعله عَن ابْنه يحيى وَلَيْسَ ليحيى فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَيحيى وَقع عَن ظهر بَيت تَحت أرجل الدَّوَابّ فقطعته.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي التَّوْحِيد عَن أَحْمد بن صَالح وَفِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن سَلام. وَأخرجه مُسلم فِي الطِّبّ عَن عبد بن حميد وَغَيره.
قَوْله: (سَأَلَ رَسُول الله ﷺ ناسٌ) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: سَأَلَ نَاس رَسُول الله ﷺ وَعند مُسلم من رِوَايَة معقل مثله. قَوْله: (فَقَالَ: لَيْسَ بِشَيْء) أَي: لَيْسَ قَوْلهم بِشَيْء يعْتَمد عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: لَيْسُوا بِشَيْء. قَوْله: (يحدثونا) ويروى يحدثوننا بنونين على الأَصْل. قَوْله: (حَقًا) أَي: وَاقعا ثَابتا، وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ ضد الْبَاطِل. قَوْله: (تِلْكَ الْكَلِمَة من الْحق) كَذَا بحاء مُهْملَة وقاف، وَوَقع فِي مُسلم: تِلْكَ الْكَلِمَة المسموعة من الْجِنّ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: كَذَا فِي نسخ: بِلَادنَا، بِالْجِيم وَالنُّون، أَي: الْكَلِمَة المسموعة من الْجِنّ، وَقَالَ: حكى عِيَاض أَنه وَقع فِي مُسلم بِالْحَاء وَالْقَاف. قَوْله: (يَخْطفهَا من الجني) هَكَذَا رِوَايَة السَّرخسِيّ أَن الكاهن يَخْطفهَا من الجني، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: يَخْطفهَا الجني، والخطف الْأَخْذ بالسرعة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: يحفظها، بِتَقْدِيم الْفَاء بعْدهَا ظاء مُعْجمَة من الْحِفْظ. قَوْله: (فيقرها) بِفَتْح الْيَاء وَالْقَاف وَتَشْديد الرَّاء، أَي: يصبهَا، تَقول: قررت على رَأسه دلواً إِذا صببته فَكَأَنَّهُ صب فِي أُذُنه ذَلِك الْكَلَام، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَيصِح أَن يُقَال: مَعْنَاهُ ألفاها فِي أُذُنه بِصَوْت يُقَال: قر الطَّائِر إِذا صَوت، وَفِي رِوَايَة يُونُس: فَيقر قرها، أَي: يُرَدِّدهَا. يُقَال: قرقرت الدَّجَاجَة تقرقر قرقرة إِذا رددت صَوتهَا، وَقَالَ الْخطابِيّ: وَيُقَال أَيْضا: قرت الدَّجَاجَة تقرقراً وقريراً، وَإِذا رجعت فِي صَوتهَا يُقَال: قرقرت قرقرة وقرقرية، وَالْمعْنَى أَن الجني إِذا ألْقى الْكَلِمَة لوَلِيِّه تسامع بهَا الشَّيَاطِين فيناقلوها كَمَا إِذا صوتت الدَّجَاجَة فَسَمعَهَا الدَّجَاج فجاوبتها. قَوْله: (فِي إِذن وليه) أَي: الكاهن إِنَّمَا عدل من الكاهن إِلَى قَوْله: (وليه) للتعميم فِي الكاهن وَغَيره مِمَّن يوالي الْجِنّ. قَوْله: (مائَة كذبة) وَفِي رِوَايَة ابْن جريج: أَكثر من مائَة كذبة، وَيدل هَذَا على أَن ذكر الْمِائَة للْمُبَالَغَة لَا للتعيين. قَوْله: (كذبة) بِالْفَتْح وَحكي الْكسر، قَالَ بَعضهم: وَأنْكرهُ بَعضهم لِأَنَّهُ بِمَعْنى الْهَيْئَة وَالْحَالة وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعه. قلت: هَذَا مَوْضِعه لِأَن كذبتهم بِالْكَسْرِ تدل على أَنْوَاع الكذبات، وَهَذَا أبلغ من معنى الْفَتْح على مَا لَا يخفى قَوْله: (قَالَ عَليّ) هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، (قَالَ عبد الرَّزَّاق: هُوَ مُرْسل الْكَلِمَة الْحق) أَرَادَ أَن ابْن الْمَدِينِيّ قَالَ: إِن عبد الرَّزَّاق كَانَ يُرْسل هَذَا الْقدر من الحَدِيث، ثمَّ إِنَّه بعد ذَلِك وَصله بِذكر عَائِشَة فِيهِ، وَقد أخرجه مُسلم عَن عبد بن حميد من حَدِيث عبد الرَّزَّاق مَوْصُولا كَرِوَايَة هِشَام بن يُوسُف عَن معمر.
٤٧ - (بابُ السِّحْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان السحر وَأَنه ثَابت مُحَقّق، وَلِهَذَا أَكثر البُخَارِيّ فِي الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ بِالْآيَاتِ الدَّالَّة عَلَيْهِ. والْحَدِيث الصَّحِيح وَأكْثر الْأُمَم من الْعَرَب وَالروم والهند والعجم بِأَنَّهُ ثَابت وَحَقِيقَته مَوْجُودَة وَله تَأْثِير، وَلَا إستحالة فِي الْعقل فِي أَن الله تَعَالَى يخرق الْعَادة عِنْد النُّطْق بِكَلَام ملفق أَو تركيب أجسام وَنَحْوه على وَجه لَا يعرفهُ كل أحد، وَأما تَعْرِيف السحر فَهُوَ أَمر خارق للْعَادَة صادر عَن نفس شريرة لَا يتَعَذَّر معارضته، وَأنكر قوم حَقِيقَته وأضافوا مَا يَقع مِنْهُ إِلَى خيالات بَاطِلَة لَا حَقِيقَة لَهَا، وَهُوَ اخْتِيَار أبي جَعْفَر الاستراباذي من الشَّافِعِيَّة وَأبي بكر الرَّازِيّ من الْحَنَفِيَّة وَابْن حزم الظَّاهِرِيّ، وَالصَّحِيح قَول كَافَّة الْعلمَاء يدل عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة. فَإِن قلت: مَا وَجه إِيرَاد: بَاب السحر، فِي كتاب الطِّبّ؟ قلت: لَا شكّ أَن السحر نوع من الْمَرَض وَهُوَ يمرض المسحور، وَلِهَذَا ذكر النَّبِي ﷺ : (أما وَالله لقد شفاني) على مَا يَأْتِي عَن
стр. 6478
قريب فِي: بَاب هَل يسْتَخْرج السحر، والشفاء يكون لمَرض مَوْجُود ثمَّ إِنَّه جمع بَين: بَاب السحر، وَبَاب الكهانة، لِأَن مرجع كل مِنْهُمَا الشَّيَاطِين، وكأنهما من وَاد وَاحِد، وَلَا يُقَال: لم قدم بَاب الكهانة على بَاب السحر؟ لِأَنَّهُ سُؤال دوري وَهُوَ غير وَارِد، فَافْهَم.
وقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَلَكِن الشَّيَاطِين كفرُوا يعلمُونَ النَّاس السحر مَا أنزل على الْملكَيْنِ بِبَابِل هاروت وماروت وَمَا يعلمَانِ من أحد حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحن فتْنَة فَلَا تكفْر فيتعلمون مِنْهُمَا مَا يفرقون بِهِ بَين الْمَرْء وزوجه وَمَا هم بضارين بِهِ من أحد إِلَّا بِإِذن الله ويتعلمون مَا يضرهم وَلَا يَنْفَعهُمْ وَلَقَد على الْحق اشْتَرَاهُ مَاله فِي الْآخِرَة من خلاق﴾ (الْبَقَرَة: ٢) ، وقوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يفلح السَّاحر حَيْثُ أَتَى﴾ (طه: ٦٩) ، وقَوْلهِ: ﴿أفتأتون السحر وَأَنْتُم تبصرون﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٣) ، وقَوْلهِ: ﴿يخيل إِلَيْهِ من سحرهم أَنَّهَا تسْعَى﴾ (طه: ٦٦) ، وقَوْلهِ: ﴿وَمن شَرّ النفاثات فِي العقد﴾ (الفلق: ٤) ، والنَّفَّاثاتُ: السَّوَاحِرُ، تُسْحَرُونَ: تُعَمَّوْنَ.
وَقَول الله بِالْجَرِّ عطفا على السحر الْمُضَاف إِلَيْهِ لفظ: بَاب، وَالتَّقْدِير: بَاب فِي بَيَان السحر وَفِي بَيَان قَول الله ، وَذكر هَذِه الْآيَات الْكَرِيمَة للاستدلال بهَا على تحقق وجود السحر وإثباته، وعَلى بَيَان حرمته أما الْآيَة الأولى وَهِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِن الشَّيَاطِين كفرُوا﴾ فَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين ﴿وَلَكِن الشَّيَاطِين كفرُوا يعلمُونَ النَّاس السحر﴾ ... الْآيَة فَهَذَا الْمِقْدَار هُوَ الْمَذْكُور، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة سَاقهَا إِلَى قَوْله ﴿من خلاق﴾ فَفِي هَذِه الْآيَة بَيَان أصل السحر الَّذِي تعْمل بِهِ الْيَهُود ثمَّ هُوَ مِمَّا وَضعته الشَّيَاطِين على سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ وَمِمَّا أنزل الله تَعَالَى على هاروت وماروت بِأَرْض بابل وَهَذَا مُتَقَدم على الأول لِأَن قصَّة هاروت وماروت كَانَت من قبل زمن نوح ﵇ وَكَانَ السحر أَيْضا فاشياً فِي زمن فِرْعَوْن، وَمُلَخَّص مَا ذكر فِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة مَا قَالَه السّديّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتبعُوا مَا تتلوا الشَّيَاطِين على ملك سُلَيْمَان﴾ أَي: على عهد سُلَيْمَان، قَالَ: كَانَت الشَّيَاطِين تصعد إِلَى السَّمَاء فتقعد مِنْهَا مقاعد للسمع فيسمعون من كَلَام الْمَلَائِكَة مَا يكون فِي الأَرْض من موت أَو غيث أَو أَمر، فَيَأْتُونَ الكهنة فَيُخْبِرُونَهُمْ فَتحدث الكهنة النَّاس فيجدونه كَمَا قَالُوا، وَزَادُوا مَعَ كل كلمة سبعين كلمة، فاكتتب النَّاس ذَلِك الحَدِيث فِي الْكتب وَفَشَا فِي بني إِسْرَائِيل: أَن الْجِنّ تعلم الْغَيْب، فَبعث سُلَيْمَان ﵇ لجمع تِلْكَ الْكتب فَجَعلهَا فِي صندوق ثمَّ دَفنهَا تَحت كرسيه وَلم يكن أحد من النَّاس يَسْتَطِيع أَن يدنو من الْكُرْسِيّ إلَاّ احْتَرَقَ. وَقَالَ: لَا أسمع أحدا يذكر أَن الشَّيَاطِين يعلمُونَ الْغَيْب إلَاّ ضربت عُنُقه، فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَان وَذهب الْعلمَاء الَّذين كَانُوا يعْرفُونَ أَمر سُلَيْمَان جَاءَ شَيْطَان فِي صُورَة إِنْسَان إِلَى نفر من بني إِسْرَائِيل فَقَالَ لَهُم: هَل أدلكم على كنز لَا تأكلونه أبدا؟ قَالُوا: نعم. قَالَ: فاحفروا تَحت الْكُرْسِيّ، فَحَفَرُوا ووجدوا تِلْكَ الْكتب، فَلَمَّا أخرجوها قَالَ الشَّيْطَان: إِن سُلَيْمَان إِنَّمَا كَانَ يضْبط الْإِنْس وَالْجِنّ وَالطير بِهَذَا السحر، ثمَّ طَار وَذهب وَفَشَا فِي النَّاس أَن سُلَيْمَان كَانَ ساحراً، فاتخذت بَنو إِسْرَائِيل تِلْكَ الْكتب، فَلَمَّا جَاءَ مُحَمَّد ﷺ خاصموه بهَا فَذَلِك قَوْله: تَعَالَى: ﴿وَلَكِن الشَّيَاطِين كفرُوا يعلمُونَ النَّاس السحر﴾ فَقَوله: النَّاس: مفعول أول. وَالسحر مفعول ثَان، وَالْجُمْلَة حَال من فَاعل كفرُوا، أَي: كفرُوا معلمين، وَقيل: هِيَ بدل من كفرُوا. وَقَوله ﴿وَمَا أنزل على الْملكَيْنِ﴾ كلمة: مَا، مَوْصُولَة ومحلها النصب عطفا على السحر، تَقْدِيره يعلمُونَ النَّاس السحر والمنزل على الْملكَيْنِ. قَوْله: (بِبَابِل) يتَعَلَّق: بأنزل، أَي: فِي بابل وَهِي مَدِينَة بناها نمْرُود بن كنعان وينسب إِلَيْهَا السحر وَالْخمر، وَهِي الْيَوْم خراب، وَهِي أقدم أبنية الْعرَاق وَكَانَت مَدِينَة الكنعانيين وَغَيرهم. وَقيل: إِن الضَّحَّاك أول من بنى بابل، وَقَالَ مؤيد الدولة: وببابل ألْقى إِبْرَاهِيم ﵇ فِي النَّار. قَوْله: (هاروت وماروت) بدل من الْملكَيْنِ أَو عطف بَيَان وَفِيهِمَا اخْتِلَاف كثير، وَالأَصَح أَنَّهُمَا كَانَا ملكَيْنِ أنزلا من السَّمَاء إِلَى الأَرْض فَكَانَ من أَمرهمَا مَا كَانَ، وقصتهما مَشْهُورَة. قَوْله: (وَمَا يعلمَانِ) وقرىء: يعلمَانِ، من الْإِعْلَام. قَوْله: (فتْنَة) أَي: محنة وابتلاء، وَقَالَ سنيد عَن حجاج عَن ابْن جريج فِي هَذِه الْآيَة: لَا يجترىء على السحر إلَاّ كَافِر، وَقَالَ النَّوَوِيّ: عمل السحر حرَام، وَهُوَ
стр. 6479
من الْكَبَائِر بِالْإِجْمَاع، وَقد عده النَّبِي ﷺ من الموبقات وَمِنْه مَا يكون كفرا، وَمِنْه مَا لَا يكون كفرا، بل مَعْصِيّة كَبِيرَة فَإِن كَانَ فِيهِ قَول أَو فعل يَقْتَضِي الْكفْر فَهُوَ كفر وإلَاّ فَلَا وَأما تعلمه وتعليمه فَحَرَام، فَإِن كَانَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْكفْر كفر واستتيب مِنْهُ وَلَا يقتل، فَإِن تَابَ قبلت تَوْبَته وَإِن لم يكن فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْكفْر عزّر، وَعَن مَالك: السَّاحر كَافِر يقتل بِالسحرِ وَلَا يُسْتَتَاب بل يتحتم قَتله كالزنديق، قَالَ عِيَاض: وَيَقُول مَالك: قَالَ أَحْمد وَجَمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَفِي (الْفَتَاوَى الصُّغْرَى) : السَّاحر لَا يُسْتَتَاب فِي قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد خلافًا لأبي يُوسُف، والزنديق يُسْتَتَاب عِنْدهمَا، وَعَن أبي حنيفَة رِوَايَتَانِ وَعَن أبي حنيفَة: إِذا أتيت بزنديق استتبته، فَإِن تَابَ قبلت تَوْبَته، وَقَالَ ابْن بطال: وَاخْتلف السّلف هَل يسْأَل السَّاحر عَن حل من سحره فَأَجَازَهُ سعيد بن الْمسيب وَكَرِهَهُ الْحسن الْبَصْرِيّ، وَقَالَ: لَا يعلم ذَلِك إلَاّ سَاحر، وَلَا يجوز إتْيَان السَّاحر لما روى سُفْيَان عَن أبي إِسْحَاق عَن هُبَيْرَة عَن ابْن مَسْعُود: من مشي إِلَى سَاحر أَو كَاهِن فَصدقهُ بِمَا يَقُول فقد كفر بِمَا أنزل الله على مُحَمَّد ﷺ وَقَالَ الطَّبَرِيّ: نَهْيه ﷺ عَن إتْيَان السَّاحر إِنَّمَا هُوَ على التَّصْدِيق لَهُ فِيمَا يَقُول: فَأَما إِذا أَتَاهُ لغير ذَلِك، وَهُوَ عَالم بِهِ وبحاله، فَلَيْسَ بمنهي عَنهُ وَلَا عَن إِتْيَانه، وَقد أجَاز بعض الْعلمَاء تعلم السحر لأحد أَمريْن: إِمَّا لتمييز مَا فِيهِ كفر من غَيره، وَإِمَّا لإزالته عَمَّن. وَقع فِيهِ. قَوْله: ﴿وَلَا يفلح السَّاحر حَيْثُ أَتَى﴾ (طه: ٦٩) فِيهِ نفي الْفَلاح وَهُوَ الْفَوْز عَن السَّاحر وَلَيْسَ فِيهِ مَا يدل على كفره. قَوْله: ﴿أفتأتون السحر وَأَنْتُم تبصرون﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٣) هَذَا خطاب لكفار قُرَيْش يستبعدون كَون مُحَمَّد ﷺ رَسُولا لكَونه بشرا فَقَالَ قَائِلهمْ مُنْكرا على من اتبعهُ: ﴿أفتأتون السحر﴾ أَي: أفتتبعونه حَتَّى تصيروا كمن اتبع السحر، وَهُوَ يعلم أَنه سحر. قَوْله: ﴿يخيل إِلَيْهِ من سحرهم أَنَّهَا تسْعَى﴾ (طه: ٦٦) أَوله ﴿فَإِذا حبالهم وعصيهم يخيل إِلَيْهِ من سحرهم أَنَّهَا تسْعَى﴾ يَعْنِي: يخيل إِلَى مُوسَى ﵇ أَنَّهَا حيات تسْعَى، وَذَلِكَ لأَنهم لطخوا حبالهم بالزيبق، فَلَمَّا حميت الشَّمْس اهتزت وتحركت فَظن مُوسَى أَنَّهَا تقصده احْتج بِهَذَا من زعم أَن السحر إِنَّمَا هُوَ تخييل وَلَا حجَّة لَهُم فِي هَذَا، لِأَن هَذِه وَردت فِي قصَّة سحرة فِرْعَوْن، وَكَانَ سحرهم كَذَلِك وَلَا يلْزم أَن جَمِيع أَنْوَاع السحر كَذَلِك تخييل. قَوْله: ﴿وَمن شَرّ النفاثات﴾ (الفلق: ٤) قد فسر النفاثات: بالسواحر، وَهُوَ تَفْسِير الْحسن الْبَصْرِيّ، وَأُرِيد بِهِ السواحر ينفثن فِي عقد الخيوط للسحر قَوْله: (تسحرون) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿سيقولون الله قل فَأنى تسحرون﴾ (الْبَقَرَة: ١٠٢) أَي: كَيفَ تعمون عَن هَذَا وتصدون عَنهُ. قَوْله: (تعمون) بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمِيم الْمَفْتُوحَة، وَقيل بِسُكُون الْعين، وَقَالَ ابْن عَطِيَّة. السحر هُنَا مستعار لما وَقع مِنْهُم من التَّخْلِيط، وَوضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه كَمَا يَقع من المسحور.
فَإِن قلت: هَذَا لَا يقوم بِهِ الِاحْتِجَاج على مَا ذكر البُخَارِيّ فِي هَذِه الْآيَات للإحتجاج على تَحْرِيم السحر. قلت: السحر على أَنْوَاع: مِنْهَا: أَنه بِمَعْنى لطف ودق، وَمِنْه: سحرت الصَّبِي خدعته واستملته، فَكل من استمال شَيْئا فقد سحره، وَفِي هَذِه الْآيَة إِشَارَة إِلَى هَذَا النَّوْع. الثَّانِي: مَا يَقع بخداع أَو تخييلات لَا حَقِيقَة لَهَا، نَحْو مَا يَفْعَله المشعوذ من صرف الْأَبْصَار عَمَّا يتعاطاه بخفة يَده، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله: ﴿يخيل إِلَيْهِ من سحرهم أَنَّهَا تسْعَى﴾ (طه: ٦٦) . الثَّالِث: مَا يحصل بمعاونة الشَّيَاطِين بِضَرْب من التَّقَرُّب إِلَيْهِم وَإِلَى ذَلِك الْإِشَارَة بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَكِن الشَّيَاطِين كفرُوا يعلمُونَ النَّاس السحر﴾ (الْبَقَرَة: ١٠٢) الرَّابِع: مَا يحصل بمخاطبة الْكَوَاكِب واستنزال روحانياتها. الْخَامِس: مَا يُوجد من الطلسمات.
٥٧٦٣ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخبرنَا عيسَى بنُ يُونُسَ عنْ هِشامٍ عنْ أبيهِ عنْ عائِشةَ ﵂ قالَتْ: سَحَرَ رسولَ الله ﷺ رجُلٌ مِنْ بَني زُرَيْقٌ يُقالُ لهُ: لَبيدُ بنُ الأعْصَمِ حتَّى كانَ رسولُ الله ﷺ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ كانَ يَفْعَلُ الشَّيءَ وَمَا فَعَلهُ، حَتَّى إذَا كانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَو ذَاتَ لَيْلةٍ وهْوَ عِنْدي لاكِنَّهُ دَعَا ودعا، ثُمَّ قَالَ: يَا عائِشَةُ أشَعَرْتِ أنَّ الله أفْتأني فِيمَا اسْتَفْتَيْتَهُ فيهِ؟ أتانِي رَجُلانِ فَقَعَدَ أحَدُهُما عِنْدَ رَأسِي والآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: مَا وجَعُ الرَّجُلِ؟ فَقَالَ
стр. 6480
مَطْبُوبٌ. قَالَ: مَنْ طَبهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بنُ الأعْصَمِ. قَالَ: فِي أيِّ شَي؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ ومُشاطةٍ وجُفِّ طَلْعِ نخْلَةٍ ذكَرٍ. قَالَ: وأيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذَرْوانَ، فَأَتَاهَا رسولُ الله ﷺ ، فِي ناسِ مِنْ أصْحابِهِ فَجاءَ فَقَالَ: يَا عائِشةُ! كأنَّ ماءَها نُقاعَةُ الحِنَّاءِ أوْ: كأنَّ رُؤُوسَ نَخْلِها رُؤُوسُ الشَّياطِينِ قُلْتُ: يَا رسولَ الله أفَلا اسْتَخْرَجْتَهُ؟ قَالَ: قَدْ عافانِي الله فَكَرِهْتُ أنْ أُثَوِّرَ عَلى النَّاسِ فيهِ شرّاً، فأمَرَ بِها فَدُفِنَتْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (سحر رَسُول الله ﷺ رجل) وَعِيسَى بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة ﵂.
والْحَدِيث مضى فِي صفة إِبْلِيس، بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد.
قَوْله: (حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: حَدثنِي بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: (عَن أَبِيه) وَقع فِي رِوَايَة يحيى الْقطَّان عَن هِشَام: حَدثنِي أبي، وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن جريج: حَدثنِي آل عُرْوَة عَن عُرْوَة، وَفِي رِوَايَة الْحميدِي: عَن سُفْيَان عَن ابْن جريج حَدثنِي بعض آل عُرْوَة عَن عُرْوَة. قَوْله: (من بني زُرَيْق) بِضَم الزَّاي وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالقاف وهم بطن من الْأَنْصَار مَشْهُور من الْخَزْرَج، وَكَانَ بَين كثير من الْأَنْصَار وَبَين كثير من الْيَهُود قبل الْإِسْلَام حلف وود، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام وَدخل الْأَنْصَار فِيهِ تبرؤا مِنْهُم، وَالسّنة الَّتِي وَقع فِيهَا السحر سنة سبع، قَالَه الْوَاقِدِيّ، وَعَن الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَقَامَ فِيهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَة، وَعند أَحْمد: سِتَّة أشهر، وَعَن السُّهيْلي: أَنه لبث سنة، ذكره فِي (جَامع معمر) عَن الزُّهْرِيّ. قَوْله: (حَتَّى كَانَ رَسُول الله ﷺ يخيل إِلَيْهِ) على صِيغَة الْمَجْهُول من التخييل وَبَعض المبتدعة أَنْكَرُوا هَذَا الحَدِيث وَزَعَمُوا أَنه يحط منصب النُّبُوَّة ويشكك فِيهَا لِأَن كل مَا أدّى إِلَى ذَلِك فَهُوَ بَاطِل، وتجويز هَذَا يعْدم الثِّقَة بِمَا شرعوه من الشَّرَائِع، ورد عَلَيْهِم ذَلِك بِقِيَام الدَّلِيل على صدقه فِيمَا بلغه من الله تَعَالَى وعَلى عصمته فِي التَّبْلِيغ، وَأما مَا يتَعَلَّق بِبَعْض أُمُور الدُّنْيَا الَّتِي لم يبْعَث لأَجلهَا فَهُوَ فِي ذَلِك عرضة لما يعْتَرض الْبشر: كالأمراض، وَقيل: لَا يلْزم من أَنه كَانَ يظنّ أَنه فعل الشَّيْء وَلم يكن فعله أَن يجْزم بِفِعْلِهِ ذَلِك، وَقَالَ عِيَاض: السحر تسلط على جسده وظواهر جوارحه لَا على تَمْيِيزه ومعتقده، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا روى فِي مُرْسل سعيد بن الْمسيب: حَتَّى كَاد يُنكر بَصَره. قَوْله: (حَتَّى إِذا كَانَ ذَات يَوْم) لفظ: ذَات، مقحم للتَّأْكِيد. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هُوَ من إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى اسْمه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ذَات يَوْم، بِالرَّفْع، ويروى بِالنّصب. قَوْله: (أَو ذَات لَيْلَة) شكّ من الرَّاوِي، وَقَالَ بَعضهم: الشَّك من البُخَارِيّ لِأَنَّهُ أخرجه فِي صفة إِبْلِيس: حَتَّى كَانَ ذَات يَوْم، وَلم يشك. قلت: الشَّك من عِيسَى بن يُونُس فَإِن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه أخرجه فِي (مُسْنده) عَنهُ على الشَّك. قَوْله: (لكنه دَعَا ودعا) قَالَ الْكرْمَانِي: لكنه، للاستدراك فَمَا الْمُسْتَدْرك مِنْهُ؟ فَأجَاب بقوله: إِمَّا هُوَ عِنْدِي أَي: كَانَ عِنْدِي، لَكِن لم يشْتَغل بِي بل بِالدُّعَاءِ، وَإِمَّا كَانَ يخيل إِلَيْهِ أَنه يَفْعَله أَي: كَانَ المتخيل فِي الْفِعْل لَا فِي القَوْل، وَالْعلم إِذْ كَانَ دعاؤه على الصَّحِيح والقانون الْمُسْتَقيم، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن نمير عِنْد مُسلم: فَدَعَا ثمَّ دَعَا ثمَّ دَعَا، وَهَذَا هُوَ الْمَعْهُود مِنْهُ أَنه كَانَ يُكَرر الدُّعَاء ثَلَاثًا. قَوْله: (أشعرت؟) أَي: أعلمت. قَوْله: (أفتاني فِيمَا استفتيته) أَي: أجابني فِيمَا دَعوته، وَفِي رِوَايَة الْحميدِي: (أفتاني فِي أَمر استفتيته فِيهِ) ، وَوَقع فِي رِوَايَة عمْرَة عَن عَائِشَة: (إِن الله أنبأني بمرضي) . قَوْله: (أَتَانِي رجلَانِ) وَوَقع فِي رِوَايَة أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ كِلَاهُمَا عَن هِشَام: (أَتَانِي ملكان) ، وسماهما ابْن سعد فِي رِوَايَة مُنْقَطِعَة: (جِبْرَائِيل وَمِيكَائِيل ﵉. قَوْله: (فَقعدَ أَحدهمَا عِنْد رَأْسِي) ، الظَّاهِر أَن الَّذِي قعد عِنْد رَأسه جِبْرِيل ﵇ لخصوصيته بِهِ ﷺ . قَوْله: (فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه مَا وجع الرجل؟) روى النَّسَائِيّ من حَدِيث زيد بن أَرقم: (سحر النَّبِي ﷺ رجل من الْيَهُود فاشتكى لذَلِك أَيَّامًا، فَأَتَاهُ جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ: إِن رجلا من الْيَهُود سحرك. عقد لَك عقدا فِي بِئْر كَذَا) . فَدلَّ هَذَا على أَن المسؤول هُوَ جِبْرِيل والسائل مِيكَائِيل ﵉. قَوْله: (مَا وجع الرجل؟) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة: (مَا بَال الرجل؟) وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس عِنْد الْبَيْهَقِيّ: مَا نرى فِيهِ. فَإِن قلت: هَذَا السُّؤَال وَالْجَوَاب: هَل كَانَا وَالنَّبِيّ ﷺ نَائِم أَو فِي الْيَقَظَة؟ قلت: قيل كَانَ ذَلِك فِي الْمَنَام: إِذْ لَو جَاءَ إِلَيْهِ وَهُوَ يقظان كَانَا يخاطبانه، وَهُوَ يسمع، وَأطلق فِي رِوَايَة عمْرَة عَن عَائِشَة أَنه كَانَ نَائِما، وَوَقع عِنْد ابْن سعد من حَدِيث ابْن عَبَّاس
следующие страницы →