← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.

стр. 6476

وَقَالَ عِيَاض: إِنَّه وَقع هُنَا للْجَمِيع بِالْبَاء الْمُوَحدَة، قَالَ: وبالوجهين فِي (الْمُوَطَّأ) وَقد رجح الْخطابِيّ أَنه من الْبطلَان، وَأنْكرهُ ابْن بطال فَقَالَ: كَذَا يَقُول أهل الحَدِيث من طل الدَّم إِذا هدر قيل: لَا وَجه لإنكاره بعد ثُبُوت الرِّوَايَة، وَمَعْنَاهُ يرجع إِلَى الرِّوَايَة الأُخرى. قَوْله: (إِنَّمَا هَذَا من إخْوَان الْكُهَّان) شبهه بهم إِذْ الْأُخوة تَقْتَضِي المشابهة، وَذَلِكَ بِسَبَب السجع، وَقَالَ الْخطابِيّ: لم يردهُ رَسُول الله ﷺ ، لأجل السجع نَفسه لكنه إِنَّمَا أعاب مِنْهُ رد الحكم وتزيينه بالسجع على مَذْهَب الْكُهَّان فِي ترويج أباطيلهم بالأسجاع الَّتِي يروجون بهَا الْبَاطِل ويوهمون النَّاس أَن تحتهَا طائلاً، والسجع هُوَ تناسب آخر الْكَلِمَة لفظا وَالْجمع أسجاع وأساجيع، وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ ذمّ الْكُهَّان وَمن تشبه بهم فِي ألفاظهم حَيْثُ كَانُوا يستعملونه فِي الْبَاطِل، كَمَا أَرَادَ هُوَ بسجعه دفع مَا أوجبه ﷺ فَاسْتحقَّ بذلك الذَّم إلَاّ أَنه ﷺ جبل على الصفح عَن الْجَاهِلين. فَإِن قلت: قد وَقع فِي كَلَامه ﷺ : الأسجاع مثل صدق الله وعده وَنصر عَبده وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده، وَغير ذَلِك. قلت: الْفرق أَنه عَارض بِهِ حكم الشَّرْع ورام إِبْطَاله، وَأَيْضًا أَنه تكلّف فِيهِ بِخِلَاف مَا فِي كَلَام الرَّسُول ﷺ . وَفِيه: وجوب الْغرَّة عِنْد كَافَّة الْعلمَاء، وَخَالف فِيهِ قوم فَقَالُوا لَا شَيْء فِيهِ حَكَاهُ فِي (المعونة) وَهُوَ منابذة للنَّص فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ. وَفِيه: أَن الْغرَّة عبد أَو أمة، وَقَالَ مَالك: الحمران أحب إِلَيّ من السودَان، يُرِيد الْبيض، فَإِن لم يكن فِي الْبَلَد فالسود قَالَه الْأَبْهَرِيّ، وَقَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: لَا يُؤْخَذ إلَاّ من الْبيض لقَوْله: (غرَّة) وإلَاّ لقَالَ: عبدا ووليدة، وَقَالَ مَالك عَن ربيعَة: يقوم بِخَمْسِينَ دِينَارا أَو سِتّمائَة دِرْهَم. وَاخْتلف فِيمَن يَرث الْجَنِين، فَقَالَ مَالك: هُوَ موروث على فَرَائض الله، وَقَالَ أَيْضا: هُوَ كبضعة من أمه تَرثه وَحدهَا، وَقَالَ أَيْضا هُوَ بَيت أَبَوَيْهِ: الثُّلُثَانِ للْأَب وَللْأُمّ الثُّلُث، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ. ٥٧٥٩ - حدّثنا قُتَيْبَةُ عنْ مالِكٍ عَن ابنِ شِهاب عنْ أبي سَلمةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ امْرَأتَيْنِ رَمَتْ إحْدَاهُما الأُخْرَى بِحَجَر، فَطَرَحَتْ جَنِينَها، فَقَضَى فِيهِ النبيُّ ﷺ بِغُرَّةِ عبْدٍ أوْ وَلِيدَةٍ. هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَهُوَ مُخْتَصر. ٥٧٦٠ - وعنِ ابنِ شهابٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَضَى فِي الجَنين يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أوْ وَلِيدَةٍ، فَقَالَ الَّذِي قُضِيَ عَلَيْهِ: كيْفَ أغْرَمُ مَالا أكَلَ وَلَا شَرِبَ ولَا نَطَقَ وَلَا اسْتهَلَّ، ومِثْلُ ذَلِكَ بَطَلَ؟ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : إنَّما هاذَا مِنْ إخُوَانِ الكُهَّانِ. هَذَا مُرْسل. قَوْله: (يقتل) على صِيغَة الْمَجْهُول فِي مَحل الْحَال من الْجَنِين. قَوْله: (قضى عَلَيْهِ) أَي: على ولي الْمَرْأَة لِأَن الْغرَّة مَتى وَجَبت فَهِيَ على الْعَاقِلَة. ٥٧٦١ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبي بَكْرٍ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ ابنِ الحارِثِ عنْ أبي مسْعُودٍ، قَالَ: نَهَى النبيُّ ﷺ عَن ثَمَنِ الكَلْبِ ومَهْرِ البغِيِّ وحُلُوَان الكاهِنِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَعبد الله بن مُحَمَّد المسندي وَابْن عُيَيْنَة سُفْيَان، وَأَبُو مَسْعُود هُوَ عقبَة البدري الْأنْصَارِيّ الْكُوفِي. والْحَدِيث قد مر فِي البيع فِي: بَاب ثمن الْكَلْب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن إِلَى آخِره، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (مهر الْبَغي) الْبَغي فعيل أَو فعول، وَهِي الزَّانِيَة ومهرها هُوَ مَا تَأْخُذهُ على الزِّنَا، والحلوان بِالضَّمِّ مَا يعْطى على الكهانة. ٥٧٦٢ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله حَدثنَا هِشامُ بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ يَحْياى بنِ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عُرْوةَ عنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: سَأَلَ رسُولَ الله صلى الله

стр. 6477

عَلَيْهِ وَسلم ناسٌ عنِ الكُهَّانِ، فَقَالَ: لَيْسَ بِشَيءٍ. فقالُوا: يَا رسولَ الله! إنهُمْ يُحَدِّثُونا أحْياناً بِشيءٍ فَيكُونُ حَقًّا، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَفُها مِنَ الجِنِّيِّ فَيَقُرُّها فِي أُذُنِ ولِيِّه فَيَخْلِطُونَ مَعَها مائَةَ كَذْبَةٍ، قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ عبْدُ الرَّزَّاقِ: مُرْسَلٌ، الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ، ثُمَّ بَلغَني أنَّهُ أسْنَدَهُ بَعْدهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (عَن الْكُهَّان) وَعلي بن عبد الله بن الْمَدِينِيّ، وَيحيى بن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام الْقرشِي الْمدنِي، يروي عَن أَبِيه عُرْوَة، وَالظَّاهِر أَن الزُّهْرِيّ فَاتَهُ هَذَا الحَدِيث عَن عُرْوَة مَعَ كَثْرَة رِوَايَته عَن عُرْوَة، فَجعله عَن ابْنه يحيى وَلَيْسَ ليحيى فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث، وَيحيى وَقع عَن ظهر بَيت تَحت أرجل الدَّوَابّ فقطعته. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي التَّوْحِيد عَن أَحْمد بن صَالح وَفِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن سَلام. وَأخرجه مُسلم فِي الطِّبّ عَن عبد بن حميد وَغَيره. قَوْله: (سَأَلَ رَسُول الله ﷺ ناسٌ) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: سَأَلَ نَاس رَسُول الله ﷺ وَعند مُسلم من رِوَايَة معقل مثله. قَوْله: (فَقَالَ: لَيْسَ بِشَيْء) أَي: لَيْسَ قَوْلهم بِشَيْء يعْتَمد عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: لَيْسُوا بِشَيْء. قَوْله: (يحدثونا) ويروى يحدثوننا بنونين على الأَصْل. قَوْله: (حَقًا) أَي: وَاقعا ثَابتا، وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ ضد الْبَاطِل. قَوْله: (تِلْكَ الْكَلِمَة من الْحق) كَذَا بحاء مُهْملَة وقاف، وَوَقع فِي مُسلم: تِلْكَ الْكَلِمَة المسموعة من الْجِنّ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: كَذَا فِي نسخ: بِلَادنَا، بِالْجِيم وَالنُّون، أَي: الْكَلِمَة المسموعة من الْجِنّ، وَقَالَ: حكى عِيَاض أَنه وَقع فِي مُسلم بِالْحَاء وَالْقَاف. قَوْله: (يَخْطفهَا من الجني) هَكَذَا رِوَايَة السَّرخسِيّ أَن الكاهن يَخْطفهَا من الجني، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: يَخْطفهَا الجني، والخطف الْأَخْذ بالسرعة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: يحفظها، بِتَقْدِيم الْفَاء بعْدهَا ظاء مُعْجمَة من الْحِفْظ. قَوْله: (فيقرها) بِفَتْح الْيَاء وَالْقَاف وَتَشْديد الرَّاء، أَي: يصبهَا، تَقول: قررت على رَأسه دلواً إِذا صببته فَكَأَنَّهُ صب فِي أُذُنه ذَلِك الْكَلَام، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَيصِح أَن يُقَال: مَعْنَاهُ ألفاها فِي أُذُنه بِصَوْت يُقَال: قر الطَّائِر إِذا صَوت، وَفِي رِوَايَة يُونُس: فَيقر قرها، أَي: يُرَدِّدهَا. يُقَال: قرقرت الدَّجَاجَة تقرقر قرقرة إِذا رددت صَوتهَا، وَقَالَ الْخطابِيّ: وَيُقَال أَيْضا: قرت الدَّجَاجَة تقرقراً وقريراً، وَإِذا رجعت فِي صَوتهَا يُقَال: قرقرت قرقرة وقرقرية، وَالْمعْنَى أَن الجني إِذا ألْقى الْكَلِمَة لوَلِيِّه تسامع بهَا الشَّيَاطِين فيناقلوها كَمَا إِذا صوتت الدَّجَاجَة فَسَمعَهَا الدَّجَاج فجاوبتها. قَوْله: (فِي إِذن وليه) أَي: الكاهن إِنَّمَا عدل من الكاهن إِلَى قَوْله: (وليه) للتعميم فِي الكاهن وَغَيره مِمَّن يوالي الْجِنّ. قَوْله: (مائَة كذبة) وَفِي رِوَايَة ابْن جريج: أَكثر من مائَة كذبة، وَيدل هَذَا على أَن ذكر الْمِائَة للْمُبَالَغَة لَا للتعيين. قَوْله: (كذبة) بِالْفَتْح وَحكي الْكسر، قَالَ بَعضهم: وَأنْكرهُ بَعضهم لِأَنَّهُ بِمَعْنى الْهَيْئَة وَالْحَالة وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعه. قلت: هَذَا مَوْضِعه لِأَن كذبتهم بِالْكَسْرِ تدل على أَنْوَاع الكذبات، وَهَذَا أبلغ من معنى الْفَتْح على مَا لَا يخفى قَوْله: (قَالَ عَليّ) هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، (قَالَ عبد الرَّزَّاق: هُوَ مُرْسل الْكَلِمَة الْحق) أَرَادَ أَن ابْن الْمَدِينِيّ قَالَ: إِن عبد الرَّزَّاق كَانَ يُرْسل هَذَا الْقدر من الحَدِيث، ثمَّ إِنَّه بعد ذَلِك وَصله بِذكر عَائِشَة فِيهِ، وَقد أخرجه مُسلم عَن عبد بن حميد من حَدِيث عبد الرَّزَّاق مَوْصُولا كَرِوَايَة هِشَام بن يُوسُف عَن معمر. ٤٧ - (بابُ السِّحْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان السحر وَأَنه ثَابت مُحَقّق، وَلِهَذَا أَكثر البُخَارِيّ فِي الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ بِالْآيَاتِ الدَّالَّة عَلَيْهِ. والْحَدِيث الصَّحِيح وَأكْثر الْأُمَم من الْعَرَب وَالروم والهند والعجم بِأَنَّهُ ثَابت وَحَقِيقَته مَوْجُودَة وَله تَأْثِير، وَلَا إستحالة فِي الْعقل فِي أَن الله تَعَالَى يخرق الْعَادة عِنْد النُّطْق بِكَلَام ملفق أَو تركيب أجسام وَنَحْوه على وَجه لَا يعرفهُ كل أحد، وَأما تَعْرِيف السحر فَهُوَ أَمر خارق للْعَادَة صادر عَن نفس شريرة لَا يتَعَذَّر معارضته، وَأنكر قوم حَقِيقَته وأضافوا مَا يَقع مِنْهُ إِلَى خيالات بَاطِلَة لَا حَقِيقَة لَهَا، وَهُوَ اخْتِيَار أبي جَعْفَر الاستراباذي من الشَّافِعِيَّة وَأبي بكر الرَّازِيّ من الْحَنَفِيَّة وَابْن حزم الظَّاهِرِيّ، وَالصَّحِيح قَول كَافَّة الْعلمَاء يدل عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة. فَإِن قلت: مَا وَجه إِيرَاد: بَاب السحر، فِي كتاب الطِّبّ؟ قلت: لَا شكّ أَن السحر نوع من الْمَرَض وَهُوَ يمرض المسحور، وَلِهَذَا ذكر النَّبِي ﷺ : (أما وَالله لقد شفاني) على مَا يَأْتِي عَن

стр. 6478

قريب فِي: بَاب هَل يسْتَخْرج السحر، والشفاء يكون لمَرض مَوْجُود ثمَّ إِنَّه جمع بَين: بَاب السحر، وَبَاب الكهانة، لِأَن مرجع كل مِنْهُمَا الشَّيَاطِين، وكأنهما من وَاد وَاحِد، وَلَا يُقَال: لم قدم بَاب الكهانة على بَاب السحر؟ لِأَنَّهُ سُؤال دوري وَهُوَ غير وَارِد، فَافْهَم. وقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَلَكِن الشَّيَاطِين كفرُوا يعلمُونَ النَّاس السحر مَا أنزل على الْملكَيْنِ بِبَابِل هاروت وماروت وَمَا يعلمَانِ من أحد حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحن فتْنَة فَلَا تكفْر فيتعلمون مِنْهُمَا مَا يفرقون بِهِ بَين الْمَرْء وزوجه وَمَا هم بضارين بِهِ من أحد إِلَّا بِإِذن الله ويتعلمون مَا يضرهم وَلَا يَنْفَعهُمْ وَلَقَد على الْحق اشْتَرَاهُ مَاله فِي الْآخِرَة من خلاق﴾ (الْبَقَرَة: ٢) ، وقوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يفلح السَّاحر حَيْثُ أَتَى﴾ (طه: ٦٩) ، وقَوْلهِ: ﴿أفتأتون السحر وَأَنْتُم تبصرون﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٣) ، وقَوْلهِ: ﴿يخيل إِلَيْهِ من سحرهم أَنَّهَا تسْعَى﴾ (طه: ٦٦) ، وقَوْلهِ: ﴿وَمن شَرّ النفاثات فِي العقد﴾ (الفلق: ٤) ، والنَّفَّاثاتُ: السَّوَاحِرُ، تُسْحَرُونَ: تُعَمَّوْنَ. وَقَول الله بِالْجَرِّ عطفا على السحر الْمُضَاف إِلَيْهِ لفظ: بَاب، وَالتَّقْدِير: بَاب فِي بَيَان السحر وَفِي بَيَان قَول الله ، وَذكر هَذِه الْآيَات الْكَرِيمَة للاستدلال بهَا على تحقق وجود السحر وإثباته، وعَلى بَيَان حرمته أما الْآيَة الأولى وَهِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِن الشَّيَاطِين كفرُوا﴾ فَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين ﴿وَلَكِن الشَّيَاطِين كفرُوا يعلمُونَ النَّاس السحر﴾ ... الْآيَة فَهَذَا الْمِقْدَار هُوَ الْمَذْكُور، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة سَاقهَا إِلَى قَوْله ﴿من خلاق﴾ فَفِي هَذِه الْآيَة بَيَان أصل السحر الَّذِي تعْمل بِهِ الْيَهُود ثمَّ هُوَ مِمَّا وَضعته الشَّيَاطِين على سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ وَمِمَّا أنزل الله تَعَالَى على هاروت وماروت بِأَرْض بابل وَهَذَا مُتَقَدم على الأول لِأَن قصَّة هاروت وماروت كَانَت من قبل زمن نوح ﵇ وَكَانَ السحر أَيْضا فاشياً فِي زمن فِرْعَوْن، وَمُلَخَّص مَا ذكر فِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة مَا قَالَه السّديّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتبعُوا مَا تتلوا الشَّيَاطِين على ملك سُلَيْمَان﴾ أَي: على عهد سُلَيْمَان، قَالَ: كَانَت الشَّيَاطِين تصعد إِلَى السَّمَاء فتقعد مِنْهَا مقاعد للسمع فيسمعون من كَلَام الْمَلَائِكَة مَا يكون فِي الأَرْض من موت أَو غيث أَو أَمر، فَيَأْتُونَ الكهنة فَيُخْبِرُونَهُمْ فَتحدث الكهنة النَّاس فيجدونه كَمَا قَالُوا، وَزَادُوا مَعَ كل كلمة سبعين كلمة، فاكتتب النَّاس ذَلِك الحَدِيث فِي الْكتب وَفَشَا فِي بني إِسْرَائِيل: أَن الْجِنّ تعلم الْغَيْب، فَبعث سُلَيْمَان ﵇ لجمع تِلْكَ الْكتب فَجَعلهَا فِي صندوق ثمَّ دَفنهَا تَحت كرسيه وَلم يكن أحد من النَّاس يَسْتَطِيع أَن يدنو من الْكُرْسِيّ إلَاّ احْتَرَقَ. وَقَالَ: لَا أسمع أحدا يذكر أَن الشَّيَاطِين يعلمُونَ الْغَيْب إلَاّ ضربت عُنُقه، فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَان وَذهب الْعلمَاء الَّذين كَانُوا يعْرفُونَ أَمر سُلَيْمَان جَاءَ شَيْطَان فِي صُورَة إِنْسَان إِلَى نفر من بني إِسْرَائِيل فَقَالَ لَهُم: هَل أدلكم على كنز لَا تأكلونه أبدا؟ قَالُوا: نعم. قَالَ: فاحفروا تَحت الْكُرْسِيّ، فَحَفَرُوا ووجدوا تِلْكَ الْكتب، فَلَمَّا أخرجوها قَالَ الشَّيْطَان: إِن سُلَيْمَان إِنَّمَا كَانَ يضْبط الْإِنْس وَالْجِنّ وَالطير بِهَذَا السحر، ثمَّ طَار وَذهب وَفَشَا فِي النَّاس أَن سُلَيْمَان كَانَ ساحراً، فاتخذت بَنو إِسْرَائِيل تِلْكَ الْكتب، فَلَمَّا جَاءَ مُحَمَّد ﷺ خاصموه بهَا فَذَلِك قَوْله: تَعَالَى: ﴿وَلَكِن الشَّيَاطِين كفرُوا يعلمُونَ النَّاس السحر﴾ فَقَوله: النَّاس: مفعول أول. وَالسحر مفعول ثَان، وَالْجُمْلَة حَال من فَاعل كفرُوا، أَي: كفرُوا معلمين، وَقيل: هِيَ بدل من كفرُوا. وَقَوله ﴿وَمَا أنزل على الْملكَيْنِ﴾ كلمة: مَا، مَوْصُولَة ومحلها النصب عطفا على السحر، تَقْدِيره يعلمُونَ النَّاس السحر والمنزل على الْملكَيْنِ. قَوْله: (بِبَابِل) يتَعَلَّق: بأنزل، أَي: فِي بابل وَهِي مَدِينَة بناها نمْرُود بن كنعان وينسب إِلَيْهَا السحر وَالْخمر، وَهِي الْيَوْم خراب، وَهِي أقدم أبنية الْعرَاق وَكَانَت مَدِينَة الكنعانيين وَغَيرهم. وَقيل: إِن الضَّحَّاك أول من بنى بابل، وَقَالَ مؤيد الدولة: وببابل ألْقى إِبْرَاهِيم ﵇ فِي النَّار. قَوْله: (هاروت وماروت) بدل من الْملكَيْنِ أَو عطف بَيَان وَفِيهِمَا اخْتِلَاف كثير، وَالأَصَح أَنَّهُمَا كَانَا ملكَيْنِ أنزلا من السَّمَاء إِلَى الأَرْض فَكَانَ من أَمرهمَا مَا كَانَ، وقصتهما مَشْهُورَة. قَوْله: (وَمَا يعلمَانِ) وقرىء: يعلمَانِ، من الْإِعْلَام. قَوْله: (فتْنَة) أَي: محنة وابتلاء، وَقَالَ سنيد عَن حجاج عَن ابْن جريج فِي هَذِه الْآيَة: لَا يجترىء على السحر إلَاّ كَافِر، وَقَالَ النَّوَوِيّ: عمل السحر حرَام، وَهُوَ

стр. 6479

من الْكَبَائِر بِالْإِجْمَاع، وَقد عده النَّبِي ﷺ من الموبقات وَمِنْه مَا يكون كفرا، وَمِنْه مَا لَا يكون كفرا، بل مَعْصِيّة كَبِيرَة فَإِن كَانَ فِيهِ قَول أَو فعل يَقْتَضِي الْكفْر فَهُوَ كفر وإلَاّ فَلَا وَأما تعلمه وتعليمه فَحَرَام، فَإِن كَانَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْكفْر كفر واستتيب مِنْهُ وَلَا يقتل، فَإِن تَابَ قبلت تَوْبَته وَإِن لم يكن فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْكفْر عزّر، وَعَن مَالك: السَّاحر كَافِر يقتل بِالسحرِ وَلَا يُسْتَتَاب بل يتحتم قَتله كالزنديق، قَالَ عِيَاض: وَيَقُول مَالك: قَالَ أَحْمد وَجَمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَفِي (الْفَتَاوَى الصُّغْرَى) : السَّاحر لَا يُسْتَتَاب فِي قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد خلافًا لأبي يُوسُف، والزنديق يُسْتَتَاب عِنْدهمَا، وَعَن أبي حنيفَة رِوَايَتَانِ وَعَن أبي حنيفَة: إِذا أتيت بزنديق استتبته، فَإِن تَابَ قبلت تَوْبَته، وَقَالَ ابْن بطال: وَاخْتلف السّلف هَل يسْأَل السَّاحر عَن حل من سحره فَأَجَازَهُ سعيد بن الْمسيب وَكَرِهَهُ الْحسن الْبَصْرِيّ، وَقَالَ: لَا يعلم ذَلِك إلَاّ سَاحر، وَلَا يجوز إتْيَان السَّاحر لما روى سُفْيَان عَن أبي إِسْحَاق عَن هُبَيْرَة عَن ابْن مَسْعُود: من مشي إِلَى سَاحر أَو كَاهِن فَصدقهُ بِمَا يَقُول فقد كفر بِمَا أنزل الله على مُحَمَّد ﷺ وَقَالَ الطَّبَرِيّ: نَهْيه ﷺ عَن إتْيَان السَّاحر إِنَّمَا هُوَ على التَّصْدِيق لَهُ فِيمَا يَقُول: فَأَما إِذا أَتَاهُ لغير ذَلِك، وَهُوَ عَالم بِهِ وبحاله، فَلَيْسَ بمنهي عَنهُ وَلَا عَن إِتْيَانه، وَقد أجَاز بعض الْعلمَاء تعلم السحر لأحد أَمريْن: إِمَّا لتمييز مَا فِيهِ كفر من غَيره، وَإِمَّا لإزالته عَمَّن. وَقع فِيهِ. قَوْله: ﴿وَلَا يفلح السَّاحر حَيْثُ أَتَى﴾ (طه: ٦٩) فِيهِ نفي الْفَلاح وَهُوَ الْفَوْز عَن السَّاحر وَلَيْسَ فِيهِ مَا يدل على كفره. قَوْله: ﴿أفتأتون السحر وَأَنْتُم تبصرون﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٣) هَذَا خطاب لكفار قُرَيْش يستبعدون كَون مُحَمَّد ﷺ رَسُولا لكَونه بشرا فَقَالَ قَائِلهمْ مُنْكرا على من اتبعهُ: ﴿أفتأتون السحر﴾ أَي: أفتتبعونه حَتَّى تصيروا كمن اتبع السحر، وَهُوَ يعلم أَنه سحر. قَوْله: ﴿يخيل إِلَيْهِ من سحرهم أَنَّهَا تسْعَى﴾ (طه: ٦٦) أَوله ﴿فَإِذا حبالهم وعصيهم يخيل إِلَيْهِ من سحرهم أَنَّهَا تسْعَى﴾ يَعْنِي: يخيل إِلَى مُوسَى ﵇ أَنَّهَا حيات تسْعَى، وَذَلِكَ لأَنهم لطخوا حبالهم بالزيبق، فَلَمَّا حميت الشَّمْس اهتزت وتحركت فَظن مُوسَى أَنَّهَا تقصده احْتج بِهَذَا من زعم أَن السحر إِنَّمَا هُوَ تخييل وَلَا حجَّة لَهُم فِي هَذَا، لِأَن هَذِه وَردت فِي قصَّة سحرة فِرْعَوْن، وَكَانَ سحرهم كَذَلِك وَلَا يلْزم أَن جَمِيع أَنْوَاع السحر كَذَلِك تخييل. قَوْله: ﴿وَمن شَرّ النفاثات﴾ (الفلق: ٤) قد فسر النفاثات: بالسواحر، وَهُوَ تَفْسِير الْحسن الْبَصْرِيّ، وَأُرِيد بِهِ السواحر ينفثن فِي عقد الخيوط للسحر قَوْله: (تسحرون) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿سيقولون الله قل فَأنى تسحرون﴾ (الْبَقَرَة: ١٠٢) أَي: كَيفَ تعمون عَن هَذَا وتصدون عَنهُ. قَوْله: (تعمون) بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمِيم الْمَفْتُوحَة، وَقيل بِسُكُون الْعين، وَقَالَ ابْن عَطِيَّة. السحر هُنَا مستعار لما وَقع مِنْهُم من التَّخْلِيط، وَوضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه كَمَا يَقع من المسحور. فَإِن قلت: هَذَا لَا يقوم بِهِ الِاحْتِجَاج على مَا ذكر البُخَارِيّ فِي هَذِه الْآيَات للإحتجاج على تَحْرِيم السحر. قلت: السحر على أَنْوَاع: مِنْهَا: أَنه بِمَعْنى لطف ودق، وَمِنْه: سحرت الصَّبِي خدعته واستملته، فَكل من استمال شَيْئا فقد سحره، وَفِي هَذِه الْآيَة إِشَارَة إِلَى هَذَا النَّوْع. الثَّانِي: مَا يَقع بخداع أَو تخييلات لَا حَقِيقَة لَهَا، نَحْو مَا يَفْعَله المشعوذ من صرف الْأَبْصَار عَمَّا يتعاطاه بخفة يَده، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله: ﴿يخيل إِلَيْهِ من سحرهم أَنَّهَا تسْعَى﴾ (طه: ٦٦) . الثَّالِث: مَا يحصل بمعاونة الشَّيَاطِين بِضَرْب من التَّقَرُّب إِلَيْهِم وَإِلَى ذَلِك الْإِشَارَة بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَكِن الشَّيَاطِين كفرُوا يعلمُونَ النَّاس السحر﴾ (الْبَقَرَة: ١٠٢) الرَّابِع: مَا يحصل بمخاطبة الْكَوَاكِب واستنزال روحانياتها. الْخَامِس: مَا يُوجد من الطلسمات. ٥٧٦٣ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخبرنَا عيسَى بنُ يُونُسَ عنْ هِشامٍ عنْ أبيهِ عنْ عائِشةَ ﵂ قالَتْ: سَحَرَ رسولَ الله ﷺ رجُلٌ مِنْ بَني زُرَيْقٌ يُقالُ لهُ: لَبيدُ بنُ الأعْصَمِ حتَّى كانَ رسولُ الله ﷺ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ كانَ يَفْعَلُ الشَّيءَ وَمَا فَعَلهُ، حَتَّى إذَا كانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَو ذَاتَ لَيْلةٍ وهْوَ عِنْدي لاكِنَّهُ دَعَا ودعا، ثُمَّ قَالَ: يَا عائِشَةُ أشَعَرْتِ أنَّ الله أفْتأني فِيمَا اسْتَفْتَيْتَهُ فيهِ؟ أتانِي رَجُلانِ فَقَعَدَ أحَدُهُما عِنْدَ رَأسِي والآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: مَا وجَعُ الرَّجُلِ؟ فَقَالَ

стр. 6480

مَطْبُوبٌ. قَالَ: مَنْ طَبهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بنُ الأعْصَمِ. قَالَ: فِي أيِّ شَي؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ ومُشاطةٍ وجُفِّ طَلْعِ نخْلَةٍ ذكَرٍ. قَالَ: وأيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذَرْوانَ، فَأَتَاهَا رسولُ الله ﷺ ، فِي ناسِ مِنْ أصْحابِهِ فَجاءَ فَقَالَ: يَا عائِشةُ! كأنَّ ماءَها نُقاعَةُ الحِنَّاءِ أوْ: كأنَّ رُؤُوسَ نَخْلِها رُؤُوسُ الشَّياطِينِ قُلْتُ: يَا رسولَ الله أفَلا اسْتَخْرَجْتَهُ؟ قَالَ: قَدْ عافانِي الله فَكَرِهْتُ أنْ أُثَوِّرَ عَلى النَّاسِ فيهِ شرّاً، فأمَرَ بِها فَدُفِنَتْ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (سحر رَسُول الله ﷺ رجل) وَعِيسَى بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة ﵂. والْحَدِيث مضى فِي صفة إِبْلِيس، بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد. قَوْله: (حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: حَدثنِي بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: (عَن أَبِيه) وَقع فِي رِوَايَة يحيى الْقطَّان عَن هِشَام: حَدثنِي أبي، وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن جريج: حَدثنِي آل عُرْوَة عَن عُرْوَة، وَفِي رِوَايَة الْحميدِي: عَن سُفْيَان عَن ابْن جريج حَدثنِي بعض آل عُرْوَة عَن عُرْوَة. قَوْله: (من بني زُرَيْق) بِضَم الزَّاي وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالقاف وهم بطن من الْأَنْصَار مَشْهُور من الْخَزْرَج، وَكَانَ بَين كثير من الْأَنْصَار وَبَين كثير من الْيَهُود قبل الْإِسْلَام حلف وود، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام وَدخل الْأَنْصَار فِيهِ تبرؤا مِنْهُم، وَالسّنة الَّتِي وَقع فِيهَا السحر سنة سبع، قَالَه الْوَاقِدِيّ، وَعَن الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَقَامَ فِيهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَة، وَعند أَحْمد: سِتَّة أشهر، وَعَن السُّهيْلي: أَنه لبث سنة، ذكره فِي (جَامع معمر) عَن الزُّهْرِيّ. قَوْله: (حَتَّى كَانَ رَسُول الله ﷺ يخيل إِلَيْهِ) على صِيغَة الْمَجْهُول من التخييل وَبَعض المبتدعة أَنْكَرُوا هَذَا الحَدِيث وَزَعَمُوا أَنه يحط منصب النُّبُوَّة ويشكك فِيهَا لِأَن كل مَا أدّى إِلَى ذَلِك فَهُوَ بَاطِل، وتجويز هَذَا يعْدم الثِّقَة بِمَا شرعوه من الشَّرَائِع، ورد عَلَيْهِم ذَلِك بِقِيَام الدَّلِيل على صدقه فِيمَا بلغه من الله تَعَالَى وعَلى عصمته فِي التَّبْلِيغ، وَأما مَا يتَعَلَّق بِبَعْض أُمُور الدُّنْيَا الَّتِي لم يبْعَث لأَجلهَا فَهُوَ فِي ذَلِك عرضة لما يعْتَرض الْبشر: كالأمراض، وَقيل: لَا يلْزم من أَنه كَانَ يظنّ أَنه فعل الشَّيْء وَلم يكن فعله أَن يجْزم بِفِعْلِهِ ذَلِك، وَقَالَ عِيَاض: السحر تسلط على جسده وظواهر جوارحه لَا على تَمْيِيزه ومعتقده، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا روى فِي مُرْسل سعيد بن الْمسيب: حَتَّى كَاد يُنكر بَصَره. قَوْله: (حَتَّى إِذا كَانَ ذَات يَوْم) لفظ: ذَات، مقحم للتَّأْكِيد. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هُوَ من إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى اسْمه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ذَات يَوْم، بِالرَّفْع، ويروى بِالنّصب. قَوْله: (أَو ذَات لَيْلَة) شكّ من الرَّاوِي، وَقَالَ بَعضهم: الشَّك من البُخَارِيّ لِأَنَّهُ أخرجه فِي صفة إِبْلِيس: حَتَّى كَانَ ذَات يَوْم، وَلم يشك. قلت: الشَّك من عِيسَى بن يُونُس فَإِن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه أخرجه فِي (مُسْنده) عَنهُ على الشَّك. قَوْله: (لكنه دَعَا ودعا) قَالَ الْكرْمَانِي: لكنه، للاستدراك فَمَا الْمُسْتَدْرك مِنْهُ؟ فَأجَاب بقوله: إِمَّا هُوَ عِنْدِي أَي: كَانَ عِنْدِي، لَكِن لم يشْتَغل بِي بل بِالدُّعَاءِ، وَإِمَّا كَانَ يخيل إِلَيْهِ أَنه يَفْعَله أَي: كَانَ المتخيل فِي الْفِعْل لَا فِي القَوْل، وَالْعلم إِذْ كَانَ دعاؤه على الصَّحِيح والقانون الْمُسْتَقيم، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن نمير عِنْد مُسلم: فَدَعَا ثمَّ دَعَا ثمَّ دَعَا، وَهَذَا هُوَ الْمَعْهُود مِنْهُ أَنه كَانَ يُكَرر الدُّعَاء ثَلَاثًا. قَوْله: (أشعرت؟) أَي: أعلمت. قَوْله: (أفتاني فِيمَا استفتيته) أَي: أجابني فِيمَا دَعوته، وَفِي رِوَايَة الْحميدِي: (أفتاني فِي أَمر استفتيته فِيهِ) ، وَوَقع فِي رِوَايَة عمْرَة عَن عَائِشَة: (إِن الله أنبأني بمرضي) . قَوْله: (أَتَانِي رجلَانِ) وَوَقع فِي رِوَايَة أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ كِلَاهُمَا عَن هِشَام: (أَتَانِي ملكان) ، وسماهما ابْن سعد فِي رِوَايَة مُنْقَطِعَة: (جِبْرَائِيل وَمِيكَائِيل ﵉. قَوْله: (فَقعدَ أَحدهمَا عِنْد رَأْسِي) ، الظَّاهِر أَن الَّذِي قعد عِنْد رَأسه جِبْرِيل ﵇ لخصوصيته بِهِ ﷺ . قَوْله: (فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه مَا وجع الرجل؟) روى النَّسَائِيّ من حَدِيث زيد بن أَرقم: (سحر النَّبِي ﷺ رجل من الْيَهُود فاشتكى لذَلِك أَيَّامًا، فَأَتَاهُ جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ: إِن رجلا من الْيَهُود سحرك. عقد لَك عقدا فِي بِئْر كَذَا) . فَدلَّ هَذَا على أَن المسؤول هُوَ جِبْرِيل والسائل مِيكَائِيل ﵉. قَوْله: (مَا وجع الرجل؟) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة: (مَا بَال الرجل؟) وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس عِنْد الْبَيْهَقِيّ: مَا نرى فِيهِ. فَإِن قلت: هَذَا السُّؤَال وَالْجَوَاب: هَل كَانَا وَالنَّبِيّ ﷺ نَائِم أَو فِي الْيَقَظَة؟ قلت: قيل كَانَ ذَلِك فِي الْمَنَام: إِذْ لَو جَاءَ إِلَيْهِ وَهُوَ يقظان كَانَا يخاطبانه، وَهُوَ يسمع، وَأطلق فِي رِوَايَة عمْرَة عَن عَائِشَة أَنه كَانَ نَائِما، وَوَقع عِنْد ابْن سعد من حَدِيث ابْن عَبَّاس

стр. 6481

بِسَنَد ضَعِيف جدا، فهبط عَلَيْهِ ملكان وَهُوَ بَين النَّائِم وَالْيَقظَان، وعَلى كل حَال رُؤْيا الْأَنْبِيَاء ﵈، وَحي. قَوْله: (مطبوب) أَي: مسحور، يُقَال: طب الرجل بِالضَّمِّ إِذا سحر، فَقَالَ: كنوا عَن السحر بالطب تفاؤلاً، كَمَا قَالُوا للديغ: سليم، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي الطِّبّ من الأضداد، يُقَال لعلاج الدَّاء: طب، وَالسحر من الدَّاء، فَيُقَال لَهُ: طب. قَوْله: (فِي مشط ومشاطة) الْمشْط بِضَم الْمِيم وَسُكُون الشين وَبِضَمِّهَا وبكسر الْمِيم وَإِسْكَان الشين، وَأنكر أَبُو زيد كسر الْمِيم وأثبته أَبُو عبيد، وَهُوَ الْآلَة الْمَعْرُوفَة الَّتِي يسرح بهَا الرَّأْس واللحية، والمشط الْعظم العريض فِي الْكَتف وسلاميات الْقدَم وَنبت صَغِير يُقَال لَهُ مشط الذِّئْب، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يحْتَمل أَن يكون الَّذِي سحر فِيهِ النَّبِي أحد هَذِه الْأَرْبَعَة. قلت: الْمَشْهُور هُوَ الأول والمشاطة بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الشين الْمُعْجَمَة مَا يخرج من الشّعْر عِنْد التسريح، وَفِيه خلاف يَأْتِي فِي آخر الْبَاب. قَوْله: (وجف طلع نَخْلَة ذكر) بِإِضَافَة جف إِلَى طلع، وَإِضَافَة طلع إِلَى نَخْلَة، ويروى: طلعة نَخْلَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: التَّاء فِي طلعة ونخلة للْفرق بَين الْجِنْس ومفرده، كتمر وَتَمْرَة، وَقَالَ عِيَاض: وَقع للجرجاني فِي البُخَارِيّ، وللعذري فِي مُسلم: جف، بِالْفَاءِ ولغيرهما بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَفِي رِوَايَة عِيسَى بن يُونُس هُنَا بِالْفَاءِ، وللكشميهني وَلغيره بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَفِي رِوَايَته فِي بَدْء الْخلق بِالْفَاءِ للْجَمِيع، وَفِي رِوَايَة أبي أُسَامَة للمستملي بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وللكشميهني بِالْفَاءِ، وَفِي رِوَايَة أبي ضَمرَة فِي الدَّعْوَات بِالْفَاءِ للْجَمِيع، وَهُوَ بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْفَاء وعَاء طلع النّخل: وَهُوَ الغشاء الَّذِي يكون عَلَيْهِ. وَذكر الْقُرْطُبِيّ: الَّذِي هُوَ بِالْفَاءِ وعَاء الطّلع مثل مَا ذكرنَا، وبالباء الْمُوَحدَة دَاخل الطلعة إِذا خرج مِنْهَا الكفري، قَالَه شمر، وَيُطلق الجف على الذّكر وَالْأُنْثَى فَلذَلِك وَصفه بقوله (ذكر) و (الطّلع) مَا يطلع من النّخل وَهُوَ الكمء قبل أَن ينشق، وَيُقَال: مَا يَبْدُو من الكمء طلع أَيْضا وَهُوَ شَيْء أَبيض يشبه بلونه الْإِنْسَان وبرائحته الْمَنِيّ. قَالَه فِي (الْمغرب) قَوْله: (ذروان) بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء، وَحكى ابْن التِّين فتحهَا وَأَنه قَرَأَهُ كَذَلِك، قَالَ: وَلكنه بِالسُّكُونِ أشبه، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) وَفِي بعض نسخه: ذِي أروان، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وبالواو وَالنُّون، وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ فِي بني زُرَيْق، وَوَقع فِي (كتاب الدَّعْوَات) : مِنْهُ ذروان فِي بني زُرَيْق وَعند الْأصيلِيّ عَن أبي زيد: ذِي أَوَان، بواو من غير رَاء، قَالَ ابْن قرقول: هُوَ وهم إِنَّمَا: ذُو أَوَان، مَوضِع آخر على سَاعَة من الْمَدِينَة وَبِه بنى مَسْجِد الضرار. وَفِي كتاب الْبكْرِيّ: قَالَ القتبي: هِيَ بِئْر أروان، بِالْهَمْزَةِ مَكَان الذَّال، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: وَبَعْضهمْ يخطىء وَيَقُول: ذروان قَوْله: (فَأَتَاهَا) أَي: فَأتى الْبِئْر رَسُول الله ﷺ قَوْله: (فجَاء) أَي: لما أَتَاهَا النَّبِي ﷺ وشاهدها، ثمَّ رَجَعَ فجَاء إِلَى عَائِشَة وأخبرها، وَفِي رِوَايَة وهيب: فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: يَا عَائِشَة، وَفِي رِوَايَة أبي أُسَامَة: فَذهب النَّبِي ﷺ إِلَى الْبِئْر فَنظر إِلَيْهَا ثمَّ رَجَعَ إِلَى عَائِشَة. قَوْله: (نقاعة الْحِنَّاء) بِضَم النُّون وَتَخْفِيف الْقَاف، أَرَادَ أَن مَاء هَذَا الْبِئْر لَونه كلون المَاء الَّذِي ينقع فِيهِ الْحِنَّاء، يَعْنِي: أَحْمَر، والحناء بِالْمدِّ مَعْرُوف. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: كَانَ مَاء الْبِئْر تغير إِمَّا لرداءته وَطول إِقَامَته، وَإِمَّا لما خالطه من الْأَشْيَاء الَّتِي ألقيت فِي الْبِئْر. قَوْله: (وَكَانَ رُؤُوس نخلها رُؤُوس الشَّيَاطِين) وَفِي رِوَايَة بَدْء الْخلق كَأَنَّهُ رُؤُوس الشَّيَاطِين بِدُونِ ذكر النّخل، شبهها برؤوس الشَّيَاطِين فِي وحاشة منظرها وسماجة شكلها، وَهُوَ مثل فِي استقباح الصُّورَة، قَالَ الْفراء: فِيهِ ثَلَاثَة أوجه. أَحدهَا: أَن يشبه طلعها فِي قبحه برؤوس الشَّيَاطِين لأنهاموصوفة بالقبح. الثَّانِي: أَن الْعَرَب تسمى بعض الْحَيَّات شَيْطَانا الثَّالِث: نبت قَبِيح يُسَمِّي رُؤُوس الشَّيَاطِين، قيل إِنَّه يُوجد بِالْيَمِينِ فَإِن قلت: كَيفَ شبهه بهَا وَنحن لم نرها؟ قلت: على قَول من قَالَ: هِيَ نبت أَو حيات، ظَاهر. وعَلى القَوْل الثَّالِث: إِن الْمَقْصُود مَا وَقع عَلَيْهِ التعارف من الْمعَانِي، فَإِذا قيل: فلَان شَيْطَان، فقد علم أَن الْمَعْنى خَبِيث قَبِيح، وَالْعرب إِذا قبحت مذكراً شبهته بالشيطان، وَإِذا قبحت مؤنثاً شبهته بالغول، وَلم تَرَهَا. والشيطان نونه أَصْلِيَّة وَيُقَال: زَائِدَة. قَوْله: (قلت: يَا رَسُول الله) القائلة هِيَ عَائِشَة، ويروى: أَفلا استخرجته. قَوْله: (قد عافاني الله) يحْتَمل مَعْنيين: أَحدهمَا: لما عافاني الله من مرض السحر فَلَا حَاجَة إِلَى استخراجه، وَالْآخر: عافاني الله من الِاشْتِغَال باستخراج ذَلِك، لِأَن فِيهِ تهييج الشَّرّ، وَمَا أَنا بفاعل لذَلِك. قَوْله: (أَن أثور) بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَشْديد الْوَاو، ويروى: أَن أثير، من الإثارة، وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى وَاحِد. قَوْله: (شرا) مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول: أثور، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني سوء وَهُوَ تَعْلِيم الْمُنَافِقين السحر من ذَلِك ويؤذون الْمُسلمين بِهِ، وَهَذَا من بَاب ترك مفْسدَة لخوف مفْسدَة أعظم مِنْهَا، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة أَنه استخرجه، وَأَن

стр. 6482

سُؤال عَائِشَة إِنَّمَا وَقع عَن النشر فأجابها بِلَا، وَفِي رِوَايَة عمْرَة عَن عَائِشَة: فَنزل رجل فاستخرجه، وَفِيه من الزِّيَادَة أَنه وجد فِي الطلعة تمثالاً من شمع، تِمْثَال رَسُول الله ﷺ ، وَإِذا فِيهِ إبر مغروزة وَإِذا وترفيه إِحْدَى عشرَة عقدَة، فَنزل جِبْرِيل ﵇ بالمعوذتين، فَكلما قَرَأَ آيَة انْحَلَّت عقدَة، وَكلما نزع إبرة وجد لَهَا ألماً، ثمَّ يجد بعْدهَا رَاحَة. وَقَوله: (على النَّاس) فِيهِ تَعْمِيم وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن نمير: على أمتِي، وَهُوَ أَيْضا قَابل للتعميم، لِأَن الْأمة تطلق على أمة الْإِجَابَة، وَأمة الدعْوَة، وعَلى مَا هُوَ أَعم، وَهُوَ يرد على من زعم: أَن المُرَاد بِالنَّاسِ هُنَا لبيد بن الأعصم، لِأَنَّهُ كَانَ منافقاً فَأَرَادَ ﷺ أَن لَا يثير عَلَيْهِ شرا، لِأَنَّهُ كَانَ يُؤثر الإغضاء عَمَّن يظْهر الْإِسْلَام وَلَو صدر مِنْهُ مَا صدر، وَوَقع فِي حَدِيث عمْرَة عَن عَائِشَة: فَقيل: يَا رَسُول الله! لَو قتلته. قَالَ: مَا وَرَاءه من عَذَاب الله أَشد، وَفِي رِوَايَة عمْرَة: فَأَخذه النَّبِي ﷺ فاعترف فَعَفَا عَنهُ، وَقد تقدم فِي كتاب الْجِزْيَة قَول ابْن شهَاب: إِن النَّبِي ﷺ لم يقْتله. وَأخرج ابْن سعد من مُرْسل عِكْرِمَة: أَنه لم يقْتله، وَنقل عَن الْوَاقِدِيّ أَن ذَلِك أصح من رِوَايَة من قَالَ: إِنَّه قَتله. قَوْله: (فَأمر بهَا) أَي: بالبئر (فدفنت) . تابَعَهُ أبُو أُسامَةَ وأبُو ضَمرَةَ وابنُ أبي الزِّناد عنْ هِشامٍ. أَي: تَابع عِيسَى يُونُس هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة فِي روايتهم عَن هِشَام بن عُرْوَة. الأول: أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة وَيَأْتِي مَوْصُولا بعد بَابَيْنِ، وَهُوَ: بَاب السحر، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبيد بن إِسْمَاعِيل عَن هِشَام إِلَى آخِره. الثَّانِي: أَبُو ضَمرَة، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الْمِيم وبالراء: أنس بن عِيَاض اللَّيْثِيّ الْمدنِي، وَسَيَأْتِي مَوْصُولا فِي كتاب الدَّعْوَات إِن شَاءَ الله تَعَالَى. الثَّالِث: ابْن أبي الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن ذكْوَان مفتي بَغْدَاد. وَقَالَ اللَّيْثُ وابنُ عُيَيْنَةَ عنْ هِشامٍ: فِي مُشْطٍ ومُشاقَةٍ. أَي: قَالَ اللَّيْث بن سعد وسُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي روايتهما عَن هِشَام بن عُرْوَة: فِي مشط ومشاقة، بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الشين الْمُعْجَمَة وبالقاف، قَالَ الْكرْمَانِي: مَا يغزل من الْكَتَّان. قلت: المشاقة مَا يتقطع من الْكَتَّان عِنْد تخليصه وتسريحه، وَقيل: المشاقة هِيَ المشاطة بِعَينهَا، وَالْقَاف بدل من الطَّاء لقرب الْمخْرج، وَفِيه نظر. ويُقالُ: المُشاطَةُ مَا يخْرُجُ مِنَ الشَّعَرِ إِذا مُشِطَ، والمُشاقَةُ مِنْ مُشاقَةِ الكَتّانِ. وَهِي رِوَايَة أبي ذَر قَوْله: (مشط) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (والمشاقة من مشاقة الْكَتَّان) ، وَالصَّوَاب: المشاقة من الْكَتَّان، إلَاّ إِذا فتح الْمِيم من مشاقة الْكَتَّان، وَيكون معنى المشاقة من: مشق الْكَتَّان، وَهُوَ تَخْلِيص الْكَتَّان مِنْهُ. ٤٨ - (بابٌ الشِّرْكُ والسِّحْرُ مِنَ المُوبقاتِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الشّرك بِاللَّه وَالسحر من الموبقات أَي: المهلكات، وَهُوَ جمع موبقة، من أوبق يُقَال: وبق يبْق من بَاب ضرب يضْرب، ووبق يوبق من بَاب علم إِذا هلك، وأوبقه غَيره فَهُوَ موبق بِفَتْح الْبَاء، وَالْفَاعِل موبق بِكَسْرِهَا، وَهَذَا الْبَاب لم يذكرهُ ابْن بطال وَغَيره، وَحذف الحَدِيث أَيْضا لكَونه سلف فِي الْوَصَايَا. ٥٧٦٤ - حدّثني عبْدُ العَزِيزِ بنُ عبْدِ الله قَالَ: حدّثني سُلَيْمانُ عنْ ثَوْرِ بنِ زَيْدٍ عنْ أبي الغيْثِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَن رسولَ الله ﷺ قَالَ: اجْتَنِبُوا الْمُوبِقاتِ الشِّرْكُ بِاللَّه والسِّحْرُ. (انْظُر الحَدِيث: ٢٧٦٦ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى الأويسي الْمدنِي، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال، وثور بِلَفْظ الْحَيَوَان الْمَشْهُور ابْن زيد الدئلي الْمدنِي، وَأَبُو الْغَيْث بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالثاء الْمُثَلَّثَة سَالم مولى عبد الله بن مُطِيع، وَهَكَذَا أورد الحَدِيث مُخْتَصرا، وَقد تقدم فِي كتاب الْوَصَايَا فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: إِن الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى ظلما﴾ (النِّسَاء: ١٠) الْآيَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ بِكَمَالِهِ بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله عَن سُلَيْمَان الخ ... قَالَ بَعضهم: النُّكْتَة فِي اقْتِصَاره على اثْنَتَيْنِ من السَّبع هُنَا الرَّمْز إِلَى تَأْكِيد أَمر السحر، وَظن بعض النَّاس أَن هَذَا الْقدر جملَة الحَدِيث، فَقَالَ: ذكر الموبقات وَهُوَ صِيغَة جمع وفسرها بِاثْنَتَيْنِ فَقَط، وَهُوَ من قبيل قَوْله تَعَالَى: ﴿فِيهِ آيَات بَيِّنَات مقَام ابراهيم

стр. 6483

وَمن دخله كَانَ آمنا﴾ (آل عمرَان: ٩٧) فاقتصر على اثْنَتَيْنِ فَقَط، فَهَذَا على أحد الْأَقْوَال فِي الْآيَة وَلَكِن لَيْسَ الحَدِيث كَذَلِك فَإِنَّهُ فِي الأَصْل: سَبْعَة، حذف مِنْهَا البُخَارِيّ خَمْسَة، وَلَيْسَ شَأْن الْآيَة كَذَلِك انْتهى. قلت: النُّكْتَة فِي اقْتِصَاره على اثْنَتَيْنِ من السَّبع هُنَا الرَّمْز إِلَى تَأْكِيد أَمر السحر كَلَام واهٍ جدا، لِأَنَّهُ لَو ذكر الحَدِيث كُله مَعَ وضع التَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة لَهُ لما كَانَ فِيهِ رمز إِلَى تَأْكِيد أَمر السحر. قَوْله: (وَظن بعض النَّاس) الخ ... أَرَادَ بِهِ الْكرْمَانِي، وَلَكِن الَّذِي ذكره تَقول على الْكرْمَانِي فَإِنَّهُ لم يقل أَن هَذَا الْقدر جملَة الحَدِيث بل صرح بقوله: هَذَا الَّذِي فِي الْكتاب مُخْتَصر من مطول، وَلِهَذَا ذكر الاثنتين فَقَط. وَقَوله: وَلَيْسَ شَأْن الْآيَة كَذَلِك، كَلَام مَرْدُود، وَكَيف لَا يكون كَذَلِك فَإِنَّهُ ذكر فِيهِ أَولا. ﴿فِيهِ آيَات بَيِّنَات﴾ فَهَذَا يتَنَاوَل الْعدَد الْكثير ثمَّ ذكر مِنْهُ اثْنَيْنِ فَقَط، وهما: مقَام ابراهيم ﷺ . وَقَوله: ﴿وَمن دخله كَانَ آمنا﴾ وَقد ذكر الزَّمَخْشَرِيّ فِيهِ وُجُوهًا كَثِيرَة، فَمن أَرَادَ الْوُقُوف عَلَيْهِ فَليرْجع إِلَيْهِ. قَوْله: (الشّرك بِاللَّه وَالسحر) قَالَ ابْن مَالك: يجوز الرّفْع فيهمَا على تَقْدِير: مِنْهُنَّ. قلت: الْأَحْسَن أَن يُقَال: إِن التَّقْدِير الأول: الشّرك بِاللَّه وَالثَّانِي السحر، وَكَذَلِكَ يقدر فِي الْبَوَاقِي هَكَذَا فَيكون وَجه الرّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. ٤٩ - (بابٌ هَلْ يَسْتَخْرِجُ السِّحْرَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان: هَل يسْتَخْرج السحر، إِنَّمَا ذكره بِحرف الِاسْتِفْهَام إِشَارَة إِلَى الِاخْتِلَاف فِيهِ. وَقَالَ قتادَةُ: قُلْتُ لِسَعِيد بنِ المُسَيَّبِ: رجُلٌ بِهِ طِبُّ أوْ يُؤَخذُ عَن امْرَأتِهِ أيُحَلُّ عَنْهُ أوْ يُنَشَّرُ؟ قَالَ: لَا بأْسَ بِهِ، إنَّما يُرِيدُونَ بِهِ الإصْلاحَ، فَأَما مَا يَنْفَعُ فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ. لما ذكر التَّرْجَمَة بالاستفهام أورد الَّذِي روى عَن قَتَادَة إِشَارَة إِلَى تَرْجِيح جَوَاز اسْتِخْرَاج السحر وعلقه عَن قَتَادَة، وَوَصله أَبُو بكر الْأَثْرَم فِي (كتاب السّنَن) من طَرِيق أبان الْعَطَّار مثله. قَوْله: (بِهِ طب) بِكَسْر الطَّاء وتشديدذ الْبَاء أَي: سحر. قَوْله: (أَو يُؤْخَذ) بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْهمزَة على الْوَاو وَتَشْديد الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالذال الْمُعْجَمَة أَي: يحبس الرجل عَن مُبَاشرَة امْرَأَته وَلَا يصل إِلَى جِمَاعهَا، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور بِعقد الرجل، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الأخذة بِالضَّمِّ الرّقية كالسحر، أَو حرزة يُؤْخَذ بهَا الرِّجَال عَن النِّسَاء من التأخيذ. قَوْله: (أَيحلُّ؟) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أَو ينشر؟) بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح النُّون وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة وبالراء على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا: من التنشير من النشرة، بِضَم النُّون وَسُكُون الشين وَهِي كالتعويذ والرقية يعالج بِهِ الْمَجْنُون ينشر عَنهُ تنشيراً، وَكلمَة: أَو، يحْتَمل أَن تكون شكا وَأَن تكون تنوعاً شَبِيها باللف والنشر، بِأَن يكون الْحل فِي مُقَابلَة الطِّبّ والتنشير فِي مُقَابلَة التأخيذ. قَوْله: (فَأَما) مَا ينفع، ويروى: مَا ينفع النَّاس فَلم ينْه عَنهُ على صِيغَة الْمَجْهُول. ٥٧٦٥ - حدّثني عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمَعْتُ ابنَ عُيَيْنَةَ، يَقُولُ: أوَّلُ مَنْ حَدَّثنا بِهِ ابنُ جُرَيْجٍ يَقُولُ: حَدَّثَني آلُ عُرْوَةَ عنْ عُرْوَةَ، فَسَألْتُ هِشاماً عَنْهُ فَحَدَّثَنا عنْ أبيهِ عنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: كَانَ رسولُ الله ﷺ سُحِرَ حتَّى كَانَ يَراى أنَّهُ يَأْتِي النِّساءَ وَلَا يَأتِيهِنَّ، قَالَ سفْيانُ: وهذَا أشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ إِذا كانَ كَذاا، فَقَالَ: يَا عائِشَةُ! أعَلِمْتِ أنَّ الله قَدْ أفْتانِي فِيما اسْتَفْتَيْتُهُ فيهِ؟ أتانِي رَجلانِ فَقَعَدَ أحَدُهُما عِنْدَ رَأسِي والآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأسِي لِلآخَرِ: مَا بالُ الرَّجُل؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ. قَالَ: ومَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بنُ أعْصَمَ، رَجُلٌ مِنْ بَني زُرَيْقٍ حَلِيفٌ لِيَهُودَ كانَ مُنافِقاً قَالَ: وفِيم؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ ومُشاقَةٍ. قَالَ: وأينَ؟ قَالَ: فِي جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ تَحْتَ رَاعُوفَةٍ فِي بِئْرٍ ذَرْوانَ. قَالَتْ: فأتَى النبيُّ ﷺ البِئْرَ حتَّى اسْتَخْرَجَهُ، فَقَالَ: هاذِهِ البِئْرُ الَّتي أُرِيتُها وكأنَّ ماءَها نُقاعَةُ الحِنَّاءِ

стр. 6484

وكأنَّ نَخْلَها رُؤُوسُ الشَّياطِينِ. قَالَ: فاسْتُخْرِج. قالَتْ: فَقُلْتُ: أفَلا؟ أيْ: تَنَشَّرْتَ. فَقَالَ: أما وَالله فَقَدْ شَفانِي الله وأكْرَهُ أنْ أُثِيرَ عَلى أحَدٍ مِنَ النَّاسِ شَرّاً. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حَتَّى استخرجه) وَفِي قَوْله: (فاستخرج) وَهَذَا الحَدِيث قد مضى فِي: بَاب السحر، عَن قريب أخرجه عَن عبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج عَن آل عُرْوَة إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَهُوَ مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور. قَوْله: (تَحت راعوفة) هَكَذَا بِزِيَادَة ألف فِي رعوفة رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: تَحت رعوفة، وَقَالَ ابْن التِّين: راعوفة رِوَايَة الْأصيلِيّ فَقَط، وَهُوَ عكس مَا قَالَه الْأَكْثَرُونَ، وَوَقع فِي مُرْسل عمر بن الحكم: ارعوفة، وَوَقع عِنْد أَحْمد: رعوثة، بثاء مُثَلّثَة بدل الْفَاء وَالْمَشْهُور فِي الرِّوَايَات راعوفة،. وَهُوَ حجر يوضع على رَأس الْبِئْر لَا يُسْتَطَاع قلعه يقوم عَلَيْهِ المستقي، وَقد يكون فِي أَسْفَل الْبِئْر إِذا حفرت. وَقَالَ أَبُو عبيد: هِيَ صَخْرَة تتْرك فِي أَسْفَل الْبِئْر إِذا حفر تجْلِس عَلَيْهَا الَّذِي ينظف الْبِئْر، وَقيل: هِيَ حجر تَأتي فِي بعض الْبِئْر صلباً لَا يُمكنهُم حفره فَيتْرك على حَاله، وَفِي (التَّلْوِيح) . راعوفة الْبِئْر وراعوفها وأرعوفتها. حجر تَأتي على رَأسهَا إِلَى آخر مَا ذَكرْنَاهُ أَولا وَقَالَ الزُّهْرِيّ: قَالَ شمر عَن خَالِد: راعوفة الْبِئْر النَّظَافَة، قَالَ: وَهِي مثل عين على قدر حجر الْعَقْرَب، نَيط فِي أَعلَى الرّكْبَة، فيجاوزونها فِي الْحفر خمس قيم، وَأكْثر فَرُبمَا وجدوا مَاء كثيرا، قَالَ شمر: من ذهب بالراعوفة إِلَى النَّظَافَة فَكَأَنَّهُ أَخذه من رُعَاف الْأنف وَهُوَ سيلان دَمه وقطراته، وَمن ذهب بالراعوفة إِلَى الْحجر الَّذِي يتَقَدَّم طي الْبِئْر فَهُوَ من رعف الرجل أَو الْفرس إِذا تقدم وَسبق، وَكَذَلِكَ: استرعف. قَوْله: (فَأتى النَّبِي ﷺ الْبِئْر حَتَّى استخرجه) إِلَى أَن قَالَ: (فاستخرج) كَذَا وَقع فِي رِوَايَة سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَفِي رِوَايَة عِيسَى بن يُونُس: قلت: يَا رَسُول الله ﴿أَفلا استخرجته؟ وَفِي رِوَايَة وهيب: فَقلت: يَا رَسُول الله﴾ فَأخْرجهُ للنَّاس. وَفِي رِوَايَة ابْن نمير: أَفلا أخرجته؟ قَالَ: لَا، وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي أُسَامَة الَّتِي تَأتي بعد هَذَا الْبَاب. وَقَالَ ابْن بطال: ذكر الْمُهلب أَن الروَاة اخْتلفُوا على هِشَام فِي إِخْرَاج السحر الْمَذْكُور فأثبته سُفْيَان، وَجعل سُؤال عَائِشَة عَن النشرة ونفاه عِيسَى بن يُونُس، وَجعل سؤالها عَن الاستخراج وَلم يذكر الْجَواب. وَأجِيب: بِأَن رِوَايَة سُفْيَان مر جحة لتقدمه فِي الضَّبْط والإتقان، وَلَا سِيمَا أَنه كرر اسْتِخْرَاج السحر فِي رِوَايَته مرَّتَيْنِ، فَبعد من الْوَهم وَزَاد ذكر النشرة، وَالزِّيَادَة مِنْهُ مَقْبُولَة. وَقيل: اسْتِخْرَاج الْمَنْفِيّ غير اسْتِخْرَاج الْمُثبت فِي رِوَايَة سُفْيَان، فالمثبت هُوَ اسْتِخْرَاج الجف والمنفي اسْتِخْرَاج مَا حواه، وَوَقع فِي رِوَايَة عمْرَة: فاستخرج جف طلعة من تَحت راعوفة. فَإِن قلت: وَقع فِي رِوَايَة أبي أُسَامَة: أَفلا أخرجته، وَوَقع عِنْد مُسلم عَن أبي كريب عَن أبي أُسَامَة: أَفلا أحرقته؟ بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْقَاف من الإحراق قلت: قَالَ النَّوَوِيّ: كلتا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيحَة، كَأَنَّهَا أَي: كَأَن عَائِشَة طلبت أَن يُخرجهُ ثمَّ يحرقه، وَقيل: رِوَايَة أبي كريب شَاذَّة وَأغْرب من هَذَا أَن الْقُرْطُبِيّ جعل الضَّمِير فِي: أحرقته، للبيد بن أعصم. قَوْله: (الَّتِي أريتها) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: فَقلت: أَفلا؟ (أَي: تنشرت) وَوَقع فِي رِوَايَة الْحميدِي: فَقلت: يَا رَسُول الله! فَهَلا؟ قَالَ سُفْيَان: يَعْنِي: تنشرت. قَوْله: (أَي تنشرت) تَفْسِير لقَوْله: (أَفلا) فَكَانَ سُفْيَان عين الَّذِي أَرَادَت بقولِهَا: أَفلا، فَلم يستحضر اللَّفْظ فَذكره بِالْمَعْنَى، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (أَفلا. أَي: تنشرت) بِزِيَادَة كلمة التَّفْسِير، ويروى أَفلا آتِي بنشرة، بِلَفْظ الْمَجْهُول ماضي الْإِتْيَان، ثمَّ قَالَ: والنشرة بِضَم النُّون وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة، وَهِي الرّقية الَّتِي بهَا يحل عقد الرجل عَن مُبَاشرَة الْأَهْل، وَهَذَا يدل على جَوَاز النشرة، وَأَنَّهَا كَانَت مَشْهُورَة عِنْدهم وَمَعْنَاهَا اللّغَوِيّ ظَاهر فِيهَا، وَهُوَ نشر مَا طوى السَّاحر، وتفريق مَا جمعه. فَإِن قلت: روى عبد الرَّزَّاق عَن عقيل بن معقل عَن همام بن مُنَبّه قَالَ: سُئِلَ جَابر بن عبد الله عَن النشرة؟ فَقَالَ: من عمل الشَّيْطَان قلت: ترك النَّبِي ﷺ الْإِنْكَار على عَائِشَة لما ذكرت لَهُ النشرة دَلِيل الْجَوَاز، وَمَا رُوِيَ عَن جَابر فَمَحْمُول على نشرة بِأَلْفَاظ لَا يعلم مَعَانِيهَا. وَقَالَ الشّعبِيّ: لَا بَأْس بالنشرة الْعَرَبيَّة الَّتِي لَا تضر إِذا وطِئت، وَهِي أَن يخرج الْإِنْسَان فِي مَوضِع عضاء فَيَأْخُذ عَن يَمِينه وشماله من كل ثمَّ بذيبه وَيقْرَأ فِيهِ، ثمَّ يغْتَسل بِهِ، وَفِي كتب وهب بن مُنَبّه: أَن يَأْخُذ سبع وَرَقَات من سدر أَخْضَر فيدقها بَين حجرين ثمَّ يضْربهَا بِالْمَاءِ، ثمَّ يقْرَأ

стр. 6485

فِيهِ آيَة الْكُرْسِيّ وَذَوَات: قل، ثمَّ يحسو مِنْهُ ثَلَاث حسوات ويغتسل بِهِ، فَإِنَّهُ يذهب عَنهُ كل عاهة وَهُوَ جيد للرجل إِذا حبس عَن أَهله. ٥٠ - (بابُ السِّحْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان السحر وَهُوَ مُكَرر بِلَا فَائِدَة لِأَنَّهُ ذكر فِيمَا قبل بَابَيْنِ فَلذَلِك بعض الروَاة أسْقطه، وَكَذَا ابْن بطال والإسماعيلي وَغَيرهمَا لم يذكروه، وَهُوَ الصَّوَاب. ٥٧٦٦ - حدّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْماعيلَ حَدثنَا أبُو أُسامَةَ عنْ هِشامٍ عنْ أبيهِ عنْ عائِشَةَ، قالتْ: سُحِرَ رسُولُ الله ﷺ حتَّى إنَّهُ لَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيءَ وَمَا فَعَلَهُ، حتَّى إِذا كَانَ ذاتَ يَوْمٍ وهْوَ عِنْدِي دَعا الله ودَعاهُ، ثُمَّ قَالَ: أشَعَرْتِ يَا عائِشَةُ أنَّ الله قَدْ أفْتانِي فِيما اسْتَفْتَيْتُهُ فيهِ؟ قُلْتُ: وَمَا ذاكَ يَا رسُولَ الله؟ قَالَ: جاءَنِي رَجُلانِ فَجَلَسَ أحَدُهُما عِنْدَ رَأسِي والآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، ثُمَّ قَالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مطْبُوبٌ. قَالَ: ومَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبيدُ بنُ الأعْصَمِ اليَهُودِيُّ مِنْ بَني زُرَيْقٍ، قَالَ: فِيماذا؟ قَالَ: فِي مشْطٍ ومُشاطَةٍ وجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ، قَالَ: فأيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذِي أرْوانَ. قالَ فَذَهَبَ النبيُّ ﷺ فِي أُناسٍ مِنْ أصْحابِهِ إِلَى البئْرِ فَنَظَرَ إلَيْها وعَلَيْها نخْلٌ، ثُمَّ رَجَع إِلَى عائِشَةَ فَقَالَ: وَالله لَكأنَّ ماءَها فُقاعَةُ الحِنَّاءِ ولَكأنَّ نخْلَها رُؤُوسُ الشَّياطِينِ. قُلْتُ: يَا رسولَ الله! أفأخْرَجْتَهُ؟ قَالَ: لَا، أمَّا أَنا فَقَدْ عافانِيَ الله وشَفانِي وخَشِيتُ أنْ أُثَوِّرَ عَلى النَّاس منْهُ شَرّاً وأمَرَ بِها فَدُفِنَتْ. تكَرر هَذَا الحَدِيث على اخْتِلَاف رُوَاته وَأَلْفَاظه، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (أَنه يفعل الشَّيْء وَمَا فعله) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني، هَذَا بِكَمَالِهِ إِلَى آخِره، وَكَذَا الْمُسْتَمْلِي كِلَاهُمَا من رِوَايَة أبي أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة، وَوَقع فِي هَذِه الرِّوَايَة ذِي أروان، وَقد مر الْكَلَام فِي بَيَان اختلافه. ٥١ - (بابٌ مِنَ البَيانِ سِحْرٌ) أَي: هَذَا بَاب يذكر يه من الْبَيَان سحر فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، والكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي السحر بِالْألف وَاللَّام. ٥٧٦٧ - حدّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ زَيْدِ بن أسْلم عنْ عبْدِ الله بنِ عُمَرَ ﵄ أنَّهُ قَدِمَ رجُلانِ مِنَ المشْرِقِ فَخَطَبا فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيانِهِما، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْراً، أوْ: إنَّ بَعْضَ البَيانِ لَسِحْرٌ. (انْظُر الحَدِيث: ٥١٤٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي لفظ: الْبَيَان سحر، فَقَط، لِأَن لفظ الحَدِيث: إِن من الْبَيَان إِلَى آخِره، وَمضى الحَدِيث أَيْضا فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب الْخطْبَة: إِن من الْبَيَان سحرًا، بِدُونِ لَام التَّأْكِيد فِي خبر: إِن، وَكَذَا لفظ أبي دَاوُد أخرجه فِي كتاب الْأَدَب فِي: بَاب رِوَايَة الشّعْر من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄. وَلَفظ التِّرْمِذِيّ: إِن من الْبَيَان سحرًا، أَو: إِن بعض الْبَيَان سحر، أخرجه فِي أَبْوَاب الْبر عَن قُتَيْبَة عَن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن زيد بن أسلم، وَمضى الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب النِّكَاح، ولنذكر بعض شَيْء. فَقَالَ ابْن بشكوال: رَوَاهُ أَكثر رُوَاة (الْمُوَطَّأ) مُرْسلا لَيْسَ فِيهِ ابْن عمر، وَقَالَ ابْن بطال: الرّجلَانِ هما: عَمْرو بن الْأَهْتَم والزبرقان بن بدر، وَقَالَ أَبُو عمر وبن الْأَهْتَم التَّمِيمِي الْمنْقري أَبُو ربعي، والأهتم أَبوهُ اسْمه سِنَان بن خَالِد بن سمي، قدم وافداً فِي وُجُوه قومه من بني تَمِيم فَأسلم، وَذَلِكَ فِي سنة تسع من الْهِجْرَة، وَكَانَ فِيمَن قدم مَعَه الزبْرِقَان بن بدر بن امرىء الْقَيْس بن خلف بن بَهْدَلَة بن عَوْف بن كَعْب بن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم البهدلي السَّعْدِيّ التَّمِيمِي، يكنى أَبَا عَيَّاش، فَأسلم وولاه رَسُول الله ﷺ صدقَات قومه، وَأقرهُ أَبُو بكر وَعمر ﵄ على ذَلِك. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الزبْرِقَان الْقَمَر، والزبرقان الرجل الْخَفِيف

стр. 6486

اللِّحْيَة واسْمه الْحصين بن بدر، وَإِنَّمَا سمى الزبْرِقَان لحسنه شبه بالقمر، وَقد ذكرنَا خطْبَة الزبْرِقَان فِي كتاب النِّكَاح وَمَا جرى لَهُ مَعَ عَمْرو بن الْأَهْتَم. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي تَأْوِيل الحَدِيث الْمَذْكُور، فَقَالَ قوم من أَصْحَاب مَالك: إِنَّه خرج على الذَّم للْبَيَان، وَلِهَذَا مَالك أدخلهُ فِي: بَاب مَا يكره من الْكَلَام، وَقَالُوا: إِنَّه ﷺ شبه الْبَيَان بِالسحرِ وَالسحر مَذْمُوم محرم قَلِيله وَكَثِيره، وَذَلِكَ لما فِي الْبَيَان من التفيهق وتصوير الْبَاطِل فِي صُورَة الْحق، وَقد قَالَ ﷺ : أبغضكم إِلَيّ الثرثارون المتفيهقون، وَيُقَال: الرجل يكون على الْحق فيسحر الْقَوْم ببيانه فَيذْهب بِالْحَقِّ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ كَلَام خرج على مدح الْبَيَان، وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بقوله فِي الحَدِيث. فَعجب النَّاس لبيانهما، قَالُوا. والإعجاب لَا يكون إلَاّ بِمَا يحسن ويطيب سَمَاعه، قَالُوا: وتشبيهه بِالسحرِ مدح لِأَن معنى السحر الاستمالة، وكل من استمالك فقد سحرك، وَكَانَ ﷺ أَمِين النَّاس بِفضل البلاغة لبلاغته فأعجبه ذَلِك القَوْل وَاسْتَحْسنهُ، فَلذَلِك شبهه بِالسحرِ. وَيُقَال: أحسن مَا يُقَال فِي هَذَا الحَدِيث إِنَّه لَيْسَ بذم للْبَيَان كُله وَلَا بمدح لَهُ كُله، أَلا ترى أَن فِيهِ كلمة من للتَّبْعِيض؟ وَقد شكّ الْمُحدث أَنه قَالَ: إِن من الْبَيَان أَو: إِن من بعض الْبَيَان، وَكَيف يذم الْبَيَان كُله وَقد عده نعْمَة على عبيده؟ فَقَالَ: ﴿خلق الْإِنْسَان علمه الْبَيَان﴾ (الرَّحْمَن: ٣ ٤) قَوْله: (من الْمشرق) أَرَادَ بِهِ النجد لِأَنَّهُ فِي شَرق الْمَدِينَة، وَهِي سُكْنى بني تَمِيم من جِهَة الْعرَاق. قَوْله: (سحرًا) أَي: هُوَ شَبيه بِالسحرِ فِي جلب الْعُقُول من حَيْثُ إِنَّه خارق للْعَادَة. ٥٢ - (بابُ الدَّوَاءِ بالعَجُوَةِ لِلسِّحْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّدَاوِي بالعجوة لأجل السحر، أَي: لأجل دَفعه وتبطيله، والعجوة نوع من أَجود التَّمْر بِالْمَدِينَةِ. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ من وسط التَّمْر، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: هُوَ أكبر من التَّمْر الصيحاني يضْرب إِلَى السوَاد، وَهُوَ مِمَّا غرسه النَّبِي ﷺ بيد فِي الْمَدِينَة. ٥٧٦٨ - حدّثنا عَليٌّ حدّثَنا مَرْوَانُ أخبرنَا هاشِمٌ أخبرَنا عامِرُ بنُ سَعْدٍ عنْ أبِيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ مَنِ اصْطَبَحَ كلَّ يَوْمٍ تَمَرَاتٍ عَجُوَةٍ لَمْ يضُرَّهُ سُمُّ وَلَا سِحْرٌ ذَلِكَ اليَوْمَ إِلَى الليْلِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: سَبْعَ تَمَرَاتٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي هُوَ ابْن عبد الله بن الْمَدِينِيّ فِيمَا ذكره أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) والمزي فِي (الْأَطْرَاف) وَقَالَ الْكرْمَانِي فِي بعض النّسخ: عَليّ بن سَلمَة، بِفَتْح اللَّام اللبقى بِالْبَاء الْمُوَحدَة الْمَفْتُوحَة وبالقاف، وَقَالَ بَعضهم: مَا عرفت سلفه فِيهِ. قلت: مَقْصُوده التشنيع على الْكرْمَانِي بِغَيْر وَجه لِأَنَّهُ مَا ادّعى فِيهِ جزما أَنه عَليّ بن سَلمَة، وَإِنَّمَا نَقله عَن نُسْخَة هَكَذَا، وَلَو لم تكن النُّسْخَة مُعْتَبرَة لما نَقله مِنْهَا، ومروان هُوَ ابْن مُعَاوِيَة الْفَزارِيّ، وهَاشِم هُوَ ابْن هَاشم بن عتبَة بن أبي وَقاص يرْوى عَن ابْن عمر عَن أَبِيه عَامر بن سعد بن أبي وَقاص أحد الْعشْرَة. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْأَطْعِمَة فِي: بَاب الْعَجْوَة. قَوْله: (من اصطبح) فِي رِوَايَة أبي أُسَامَة: من تصبح، وَكَذَا فِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة فِي الْأَطْعِمَة، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث ابْن عَمْرو كِلَاهُمَا بِمَعْنى التَّنَاوُل صباحاً، وأصل الصبوح والاصطباح تنَاول الشَّرَاب صبحاً ثمَّ اسْتعْمل فِي الْأكل ومقابلة الصبوح الغبوق والاغتباق، وَحَاصِل معنى قَوْله: (من اصطبح) أَي: من أكل فِي الصَّباح (كل يَوْم تمرات) لم يذكر الْعدَد فِي رِوَايَة عَليّ الْمَذْكُور شيخ البُخَارِيّ، وَوَقع فِي غير هَذِه الرِّوَايَة مُقَيّدا بِسبع تمرات على مَا يَجِيء. قَوْله: (تمرات) مَنْصُوب بقوله: (اصطبح) قَوْله: (عَجْوَة) يجوز فِيهِ الْإِضَافَة بِأَن يكون تمرات مُضَافَة إِلَى الْعَجْوَة كَمَا فِي قَوْلك: ثِيَاب خزو وَيجوز فِيهَا التَّنْوِين على أَنه عطف بَيَان أَو صفة لتمرات، وَقَالَ بَعضهم: يجوز النصب منوناً على تَقْدِير فعل أَو على التَّمْيِيز. قلت: فِيهِ تَأمل لَا يخفى. قَوْله: (سم) بِتَثْلِيث السِّين فِيهِ. قَوْله: (ذَلِك الْيَوْم) أَي: فِي ذَلِك الْيَوْم. قَوْله: (وَقَالَ غَيره) أَي: غير عَليّ شيخ البُخَارِيّ: (سبع تمرات) بِزِيَادَة لَفْظَة سبع. ثمَّ الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع. الأول: قيد بقوله: اصطبح، لِأَن المُرَاد تنَاوله بكرَة النَّهَار حَتَّى إِذا تعشى بتمرات لَا تحصل الْفَائِدَة الْمَذْكُورَة، هَذَا تَقْيِيد بِالزَّمَانِ، وَجَاء فِي رِوَايَة أبي ضَمرَة التَّقْيِيد بِالْمَكَانِ أَيْضا، وَلَفظه: من تصبح

стр. 6487

بِسبع تمرات عَجْوَة من تمر الْعَالِيَة، والعالية الْقرى الَّتِي فِي جِهَة الْعَالِيَة من الْمَدِينَة، وَهِي جِهَة نجد، وَله شَاهد عِنْد مُسلم من طَرِيق ابْن أبي مليكَة عَن عَائِشَة بِلَفْظ: فِي عَجْوَة الْعَالِيَة شِفَاء فِي أول البكرة. الثَّانِي: قيد التمرات بالعجوة لِأَن السِّرّ فِيهَا أَنَّهَا من غرس النَّبِي ﷺ ، كَمَا ذكرنَا، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من حَدِيث جَابر رَفعه: الْعَجْوَة من الْجنَّة، وَهِي شِفَاء من السم، وَقَالَ الْخطابِيّ: كَون الْعَجْوَة تَنْفَع من السم وَالسحر إِنَّمَا هُوَ ببركة دَعْوَة النَّبِي ﷺ لتمر الْمَدِينَة، لَا لخاصية فِي التَّمْر، وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يكون نخلا خَاصّا من الْمَدِينَة لَا يعرف الْآن، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون ذَلِك لخاصية فِيهِ، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون ذَلِك خَاصّا بِزَمَانِهِ ﷺ ، وَهَذَا يردهُ وصف عَائِشَة لذَلِك بعد النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ الْمَازرِيّ: هَذَا مِمَّا لَا يعقل مَعْنَاهُ فِي طَريقَة علم الطِّبّ، وَلَعَلَّ ذَلِك كَانَ لأهل زَمَنه ﷺ خَاصَّة، أَو لأكثرهم. الثَّالِث: التَّقْيِيد بِالْعدَدِ الْمَذْكُور، وَقَالَ النَّوَوِيّ: خُصُوص كَون ذَلِك سبعا لَا يعقل مَعْنَاهُ كأعداد الصَّلَوَات، وَنصب الزكوات، وَقد جَاءَ هَذَا الْعدَد فِي مَوَاطِن كَثِيرَة من الطِّبّ، كَحَدِيث: صبوا عَليّ من سبع قرب، وَقَوله للمفؤد الَّذِي وَجهه لِلْحَارِثِ بن كلدة أَن يلده بِسبع تمرات، وَجَاء تعويذه بِسبع مَرَّات، وَقيل: وَجه التَّخْصِيص فِيهِ لجمعه بَين الْأَفْرَاد والأشفاع لِأَنَّهُ زَاد على نصف الْعشْرَة، وَفِيه أشفاع ثَلَاثَة وأوتار أَرْبَعَة، وَهُوَ من نمط غسل الْإِنَاء من ولوغ الْكَلْب سبعا. الرَّابِع: التَّقْيِيد بقوله: (ذَلِك الْيَوْم إِلَى اللَّيْل) مَفْهُومه أَن الْفَائِدَة الْمَذْكُورَة فِيهِ ترْتَفع إِذا دخل اللَّيْل فِي حق من تنَاوله فِي أول النَّهَار، لِأَن فِي ذَلِك الْوَقْت كَانَ تنَاوله على الرِّيق، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يلْحق بِهِ من يتَنَاوَلهُ أول اللَّيْل على الرِّيق كالصائم، قلت: فِي حَدِيث ابْن أبي مليكَة: شِفَاء فِي أول البكرة، أَو ترياق، وَهَذَا يدْفع الِاحْتِمَال الْمَذْكُور. ٥٧٦٩ - حدّثنا إسْحاقُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنَا أبُو أُسامَةَ حَدثنَا هاشِمُ بنُ هاشِمُ قَالَ: سَمِعْتُ عامِرَ بنَ سَعْدٍ سَمِعْتُ سَعْداً ﵁ يَقولُ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: مَنْ تَصَبَّحَ سَبْعَ تَمَرَات عَجْوَةٍ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ اليَوْمَ سُمُّ وَلَا سِحْرٌ. هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور بن بهْرَام الْمروزِي عَن أبي أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة إِلَى آخِره. قَوْله: (سبع تمرات) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بِسبع تمرات، بِزِيَادَة الْبَاء الْمُوَحدَة. ٥٣ - (بابٌ لَا هامَة) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا هَامة، وَقد مر تَفْسِيره فِي: بَاب الجذام، وَهُوَ بتَخْفِيف الْمِيم فِي رِوَايَة الكافة، وَخَالفهُم أَبُو زيد فَقَالَ: هِيَ بِالتَّشْدِيدِ فَكَأَنَّهُ يَجعله من بَاب: هم بِالْأَمر إِذا عزم عَلَيْهِ، وَمِنْه الحَدِيث: كَانَ يعوذ الْحسن وَالْحُسَيْن ﵉ فَيَقُول: أُعِيذكُمَا بِكَلِمَات الله التَّامَّة من كل سامة وَهَامة، والهامة كل ذَات سم تقتل، وَالْجمع: الْهَوَام، فَأَما مَا يسم وَلَا يقتل فَهُوَ السامة كالعقرب والزنبور، وَقد يَقع الْهَوَام على مَا يدب من الْحَيَوَان وَإِن لم يقتل كالحشرات. ٥٧٧٠ - حدّثني عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حَدثنَا هِشامُ بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : لَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ وَلَا هامَةَ، فَقَالَ أعْرَابيٌّ: يَا رسولَ الله! فَما بالُ الإبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كأنَّها الظِّباءُ، فَيُخالِطها البَعِيرُ الأجْرَبُ فَيُجْرِبها؟ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : فَمَنْ أعْدَى الأوَّلَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا هَامة) وَعبد الله بن مُحَمَّد المسندي، وَبَقِيَّة الرِّجَال قد تَكَرَّرت فِي الْكتاب. والْحَدِيث مضى فِي: بَاب لَا صفر، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الْعَزِيز عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أبي صَالح عَن ابْن شهَاب عَن أبي سَلمَة وَغَيره، وَأخرجه

стр. 6488

أَبُو دَاوُد فِي الطِّبّ عَن مُحَمَّد بن المتَوَكل الْعَسْقَلَانِي وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى. قَوْله: (لَا عدوى) أَي: لَا سرَايَة للمرض عَن صَاحبه إِلَى غَيره، وَقد مر تَحْقِيقه غير مرّة، وَكَذَا مر تَفْسِير قَوْله: (وَلَا صفر وَلَا هَامة) فِي: بَاب الجذام. قَوْله: (فَمَا بَال الْإِبِل) بِالْبَاء الْمُوَحدَة أَي: فَمَا شَأْنهَا. قَوْله: (كَأَنَّهَا الظباء) بِكَسْر الظَّاء الْمُعْجَمَة جمع ظَبْي، شبهها بهَا فِي صفاء بدنهَا وسلامتها من الجرب وَغَيره من الأدواء. قَوْله: (فيخالطها) من المخالطة، يَعْنِي: يدْخل الْبَعِير الأجرب بَين الْإِبِل الصِّحَاح عَن الجرب فيجربها، بِضَم الْيَاء، يَعْنِي: يعدي جربه إِلَيْهَا فتجرب. قَوْله: فَمن أعدى الأول؟ أَي من أجرب الْبَعِير الأُول، يَعْنِي مِمَّن سرى إِلَيْهِ الجرب؟ فَإِن قلت: من بعير آخر يلْزم التسلسل، وَإِن قلت: بِسَبَب آخر، فَعَلَيْك بَيَانه، وَإِن قلت: إِن الَّذِي فعله فِي الأول هُوَ الَّذِي فعله فِي الثَّانِي، ثَبت الْمُدَّعِي، وَهُوَ أَن الَّذِي فعل فِي الْجَمِيع ذَلِك هُوَ الله الْخَالِق الْقَادِر على كل شَيْء، وَهَذَا جَوَاب من النَّبِي ﷺ فِي غَايَة البلاغة والرشاقة. ٥٧٧١ - حدّثنا وعنْ أبي سَلَمَةَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ بَعْدُ يَقُولُ: قَالَ النبيُّ ﷺ : لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ. وأنْكَرَ أبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثَ الأوَّلِ، قُلْنا: ألَمْ تُحَدِّثْ أنَّهُ لَا عَدْوى؟ فَرَطَنَ بالحَبَشِيَّةِ. قَالَ: أبُو سلَمَةَ: فَما رأيْتُهُ نسيَ حَدِيثاً غَيْرَهُ. (انْظُر الحَدِيث: ٥٧٧١ طرفه فِي: ٥٧٧٤) . قَوْله: وَعَن أبي سَلمَة سمع أَبَا هُرَيْرَة، عطف على قَوْله: عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (بعد) أَي بعد أَن سمع مِنْهُ لَا عدوى إِلَى آخِره. يَقُول: قَالَ النَّبِي ﷺ : (لَا يوردن ممرض) إِلَى آخِره. قَوْله: (لَا يوردن) بنُون التَّأْكِيد للنَّهْي عَن الْإِيرَاد وَفِي رِوَايَة مُسلم: لَا يُورد، بِلَفْظ النَّفْي وَهُوَ خبر بِمَعْنى النَّهْي، ومفعول: لَا يوردن مَحْذُوف تَقْدِيره: لَا يوردن ممرض مَاشِيَة على مَاشِيَة مصح. قَوْله: (ممرض) بِضَم الْمِيم الأولى وَسُكُون الثَّانِيَة وَكسر الرَّاء وبالضاد الْمُعْجَمَة، وَهُوَ اسْم فَاعل من الإمراض من أمرض الرجل إِذا وَقع فِي مَاله آفَة، وَالْمرَاد بالممرض هُنَا الَّذِي لَهُ إبل مرضى. قَوْله: (على مصح) بِضَم الْمِيم وَكسر الصَّاد الْمُهْملَة وَتَشْديد الْحَاء، وَهُوَ الَّذِي لَهُ إبل صِحَاح، والتوفيق بَين الْحَدِيثين بِمَا قَالَه ابْن بطال وَهُوَ: أَن لَا عدوى، إِعْلَام بِأَنَّهَا لَا حَقِيقَة لَهَا، وَأما النَّهْي فلئلا يتَوَهَّم المصح أَن مَرضهَا من أجل وُرُود المرضى عَلَيْهَا فَيكون دَاخِلا بتوهمه ذَلِك فِي تَصْحِيح مَا أبْطلهُ النَّبِي ﷺ من الْعَدْوى. وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد بقوله: (لَا عدوى) يَعْنِي: مَا كَانُوا يعتقدونه أَن الْمَرَض يعدي بطبعه، وَلم ينف حُصُول الضَّرَر عِنْد ذَلِك بقدرة الله تَعَالَى وَجعله، وَبِقَوْلِهِ: (لَا يوردن) الْإِرْشَاد إِلَى مجانبة مَا يحصل الضَّرَر عِنْده فِي الْعَادة بِفعل الله وَقدره، وَقيل: النَّهْي لَيْسَ للعدوى بل للتأذي بالرائحة الكريهة وَنَحْوهَا. قَوْله: (وَأنكر أَبُو هُرَيْرَة الحَدِيث الأول) وَهُوَ قَوْله: (لَا عدوى) إِلَى آخِره، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي: حَدِيث الأول، بِالْإِضَافَة وَهُوَ من قبيل قَوْلهم: مَسْجِد الْجَامِع. قَوْله: (قُلْنَا ألم تحدِّث) عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (لَا عدوى) الخ ... الْقَائِل أَبُو سَلمَة وَمن مَعَه فِي ذَلِك الْوَقْت أَي: قُلْنَا لأبي هُرَيْرَة ألم تحدث عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: لَا عدوى إِلَى آخِره. قَوْله: (فرطن بالحبشية) قَالَ الْكرْمَانِي: أَي تكلم بالعجمية أَي: تكلم بِمَا لَا يفهم، وَالْحَاصِل فِي ذَلِك أَنه غضب فَتكلم بِمَا لَا يفهم، وَلَا رطانة بالحبشية هُنَا حَقِيقَة. قَوْله: (فَمَا رَأَيْته) أَي: أَبَا هُرَيْرَة. قَوْله: (غَيره) أَي: غير الحَدِيث الَّذِي هُوَ قَوْله: لَا عدوى إِلَى آخِره. فَإِن قلت: قد مضى فِي: بَاب حفظ الْعلم، أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: فَمَا نسيت شَيْئا بعده أَي: بعد بسط الرِّدَاء بَين يَدي رَسُول الله ﷺ . قلت: هُوَ قَالَ: مَا رَأَيْته نسي، وَلَا يلْزم من عدم رُؤْيَته النسْيَان نسيانه. وَقَالَ فِي (صَحِيح مُسلم) بِهَذِهِ الْعبارَة: لَا أَدْرِي أنسي أَبُو هُرَيْرَة أَو نسخ أحد الْقَوْلَيْنِ الآخر، وَقَالَ ابْن التِّين: لَعَلَّ أَبَا هُرَيْرَة كَانَ سمع هَذَا الحَدِيث قبل أَن يسمع من النَّبِي ﷺ حَدِيث: من بسط رِدَاءَهُ ثمَّ ضمه إِلَيْهِ لم ينس شَيْئا سَمعه من مَقَالَتي، وَقيل: المُرَاد أَنه لَا ينسى تِلْكَ الْمقَالة الَّتِي قَالَهَا ذَلِك الْيَوْم، لَا أَنه يَنْتَفِي عَنهُ النسْيَان أصلا، وَقيل: كَانَ الحَدِيث الثَّانِي نَاسِخا للْأولِ فَسكت عَن الْمَنْسُوخ، وَفِيه نظر لَا يخفى. ٥٤ - (بابٌ لَا عَدْواى)

стр. 6489

أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر لَا عدوى، وَقد أسقط ابْن بطال هَذَا الْبَاب من أَصله وَالصَّوَاب مَعَه. ٥٧٧٢ - حدّثناسَعيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حدّثني ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ: أَخْبرنِي سالِمُ بنُ عبْدِ الله وحَمْزَةُ أنَّ عبدَ الله بنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ إنَّما الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الفَرَسِ والمَرْأةِ والدَّارِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَا عدوى) والْحَدِيث قد مر فِي: بَاب لَا طيرة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن عُثْمَان بن عمر عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر، وَزَاد فِي هَذِه الرِّوَايَة بعد سَالم حَمْزَة وَهُوَ أَخُو سَالم، وَتقدم فِي أَوَائِل النِّكَاح من طَرِيق مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن حَمْزَة وَسَالم ابْني عبد الله بن عمر، وَفِي تَصْرِيح الزُّهْرِيّ فِيهِ بقوله: أَخْبرنِي سَالم، دفع لتوهم انْقِطَاعه بسب مَا رَوَاهُ ابْن أبي ذِئْب عَن الزُّهْرِيّ، فَأدْخل بَين الزُّهْرِيّ وَسَالم رجلا وَهُوَ مُحَمَّد بن زيد بن قنفذ، فَيدل على أَن الزُّهْرِيّ حمله من مُحَمَّد بن زيد عَن سَالم ثمَّ سَمعه عَن سَالم، وَبَقِيَّة مَعْنَاهُ قد مرت هُنَاكَ. ٥٧٧٤ - ق ال أبُو سَلَمَةَ بنُ عبْدِ الرَّحْمانِ: سَمعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: لَا تُورِدُوا المُمْرِضَ عَلى المُصِحِّ (انْظُر الحَدِيث: ٥٧٧١) . ٥٧٧٥ - وعنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبرنِي سِنانُ بنُ أبي سِنانٍ الدُّوَلِيُّ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: إنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: لَا عَدْوى، فقامَ أعْرابيٌّ فَقَالَ: أرَأيْتَ الإبلَ تَكُونُ فِي الرِّمالِ أمْثالَ الظِّباءِ فَيأتِيهَا البَعِيرُ الأجْربُ فَتَجْرَبُ؟ قَالَ النبيُّ ﷺ : فَمَنْ أعْدَى الأوَّلَ؟ . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَا عدوى) وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة: والْحَدِيث مضى فِي: بَاب لَا صفر، عَن قريب وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (لَا توردوا) ويروى على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (وَعَن الزُّهْرِيّ) مَوْصُول بِمَا قبله وَسنَان بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون الأولى ابْن أبي سِنَان واسْمه يزِيد بن أُميَّة، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة سوى هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد، وَله آخر عَن جَابر، والدؤلي بِضَم الدَّال وَكسر الْهمزَة نِسْبَة إِلَى الدئل بن بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة. قَوْله: (فتجرب) بِفَتْح الرَّاء على صِيغَة الْمَعْلُوم. ٥٧٧٦ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّار حَدثنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتادَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرةَ، ويُعْجبُنِي الفألُ. قالُوا: وَمَا الفألُ؟ قَالَ: كَلِمَةٌ طَيِّبةٌ. (انْظُر الحَدِيث: ٥٧٥٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَا عدوى) وَابْن جَعْفَر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر الْمَشْهُور بغندر وَفِي بعض النّسخ صرح باسمه. والْحَدِيث قد مر فِي: بَاب الفأل عَن قريب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. ٥٥ - (بابُ مَا يُذْكَرُ فِي سَمِّ النبيِّ ﷺ أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يذكر من سم النَّبِي، ﷺ وَإِضَافَة السم إِلَى النَّبِي ﷺ من الْإِضَافَة إِلَى الْمَفْعُول وطوى فِيهِ ذكر الْفَاعِل. وَقَالَ الْكرْمَانِي: سم، بالحركات الثَّلَاث. قلت: لَيْسَ فِي هَذَا الْمحل فَإِن السِّين فِيهِ مَفْتُوحَة جزما لِأَنَّهُ مصدر، والحركات الثَّلَاث عِنْد كَونه اسْما، فَافْهَم.

стр. 6490

روَاهُ عُرْوَةُ عنْ عائِشَةَ ﵂ عَن النبيِّ ﷺ أَي: روى سم النَّبِي ﷺ عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ وَقد ذكره مُعَلّقا أَيْضا فِي آخر الْمَغَازِي، فَقَالَ: قَالَ يُونُس عَن ابْن شهَاب، قَالَ عُرْوَة. قَالَت عَائِشَة: كَانَ النَّبِي ﷺ يَقُول فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ: يَا عَائِشَة! مَا أَزَال أجد ألم الطَّعَام الَّذِي أكلت بِخَيْبَر، فَهَذَا أَوَان انْقِطَاع أَبْهَري من ذَلِك السم. وَقد وَصله الْبَزَّار وَغَيره. ٥٧٧٧ - حدّثنا قُتَيْبَةُ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ سَعِيدِ بنِ أبي سَعيدٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّهُ قَالَ: لمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهُدِيَتْ لِرَسولِ الله ﷺ شاةٌ فِيها سَمٌّ، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ إجْمَعُوا لي منْ كانَ هاهُنا مِنَ اليَهُودِ، فَجُمِعُوا لَهُ، فَقَالَ لَهُمْ رسولُ الله ﷺ : إنِّي سائِلكُمْ عنْ شَيءٍ، فَهَلْ أنْتُمْ صادِقِيَّ عَنْهُ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا القاسِمِ، فَقَالَ لَهُمْ رسُولُ الله ﷺ : مَنْ أبُوكُمْ؟ قَالُوا: أبُونا فُلانٌ، فَقَالَ رسُولُ الله ﷺ : كَذَبْتُمْ، بَلْ أبُوكُمْ فُلانٌ فَقَالُوا: صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ، فَقَالَ: هَلْ أنْتُمْ صادِقِيَّ عنْ شَيءٍ إنْ سألْتُكُمْ عنْهُ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا القاسِمِ، وإنْ كَذَبْناكَ عَرَفْتَ كَذِبَنا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبينَا، فَقال لَهُمْ رسُولُ الله ﷺ : مَنْ أهْلُ النارِ؟ فَقَالُوا نَكُونُ فِيهَا يَسيراً ثُمَّ تَخْلُفُونَنا فِيها، فَقَالَ لَهُمْ رسُولُ الله ﷺ : اخْسَؤُا فِيها وَالله لَا نَخْلُفُكُمْ فِيها أبَداً، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: فَهَلْ أنْتُمْ صادِقي عنْ شَيءٍ إنْ سألْتُكُمْ عنْهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ: هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هاذِه الشَّاةِ سُمًّا؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلى ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: أرَدْنا إنْ كُنْتَ كَذَّاباً نَسْتَرِيحُ مِنْكَ، وإنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ. (انْظُر الحَدِيث: ٣١٦٩ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (هَل جعلتم فِي هَذِه الشَّاة سما) والْحَدِيث مضى فِي الْجِزْيَة والمغازي. قَوْله: (أهديت) على صِيغَة الْمَجْهُول من الإهداء. وَقَوله: (شَاة) مَرْفُوع بِهِ وَلم يعرف الْمهْدي من هُوَ، وأوضح ذَلِك مَا تقدم فِي الْهِبَة من حَدِيث أنس أَن يَهُودِيَّة أَتَت النَّبِي ﷺ ، بِشَاة مَسْمُومَة فَأكل مِنْهَا الحَدِيث، فَعلم من ذَلِك أَن الَّتِي أَهْدَت هِيَ امْرَأَة يَهُودِيَّة وَلَكِن لَيْسَ فِيهِ بَيَان اسْمهَا، وَقد تقدم فِي الْمَغَازِي أَنَّهَا زَيْنَب بنت الْحَارِث امْرَأَة سَلام بن مشْكم، فَعلم مِنْهُ أَن اسْمهَا زَيْنَب. قَوْله: (فَهَل أَنْتُم صادقي) بِكَسْر الدَّال وَالْقَاف وَتَشْديد الْيَاء وَأَصله، فَهَل أَنْتُم صادقونني، فَلَمَّا أضيف لفظ: (صَادِقُونَ) إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم حذفت النُّون لأجل الْإِضَافَة، فَالتقى ساكنان: وَاو الْجمع وياء الْمُتَكَلّم، فقلبت الْوَاو يَاء وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء فَصَارَ: صادقي بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الْيَاء، ثمَّ أبدلت ضمة الْقَاف كسرة لأجل الْيَاء، فَصَارَ: صادقي، بِكَسْر الْقَاف وَتَشْديد الْيَاء، وَوَقع فِي بعض النّسخ: فَهَل أَنْتُم صادقوني، فِي ثَلَاث مَوَاضِع، وَقَالَ ابْن التِّين: وَالْأول هُوَ الصَّوَاب، وَقَالَ بَعضهم إِنْكَار ابْن التِّين الرِّوَايَة من جِهَة الْعَرَبيَّة لَيْسَ بجيد، ثمَّ ذكر عَن ابْن مَالك مَا حَاصله أَن نون الْجمع حذفت وَنون الْوِقَايَة أبقيت. قلت: ابْن التِّين لم يُنكر الرِّوَايَة، وَكَيف يشنع عَلَيْهِ بِمَا لم يقل بِهِ. وَقَوله: وَالْأول هُوَ الصَّوَاب، يَعْنِي بِالنِّسْبَةِ إِلَى قَوَاعِد الْعَرَبيَّة، وَلكَون مَا ذكره هُوَ الأَصْل فِيهَا. قَوْله: (وبررت) بِكَسْر الرَّاء الأولى، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَحكي فتحهَا، وَمَعْنَاهُ: أَحْسَنت. قَوْله: (ثمَّ تخلفوننا) بِضَم اللَّام المخففة أَي: تدخلون فتقيمون فِي الْمَكَان الَّذِي كُنَّا فِيهِ، وَقَالَ بَعضهم: وَضَبطه الْكرْمَانِي بتَشْديد اللَّام. قلت: لم يضْبط الْكرْمَانِي كَذَا، وَإِنَّمَا قَالَ: تخلفوننا، بالادغام والفك، وَقد أخرج الطَّبَرِيّ من طَرِيق عِكْرِمَة، قَالَ: خَاصَمت الْيَهُود رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه فَقَالُوا: لن ندخل النَّار إلَاّ أَرْبَعِينَ لَيْلَة وسيخلفنا إِلَيْهَا قوم آخَرُونَ، يعنون مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه،

стр. 6491

فَقَالَ رَسُول الله ﷺ بِيَدِهِ على رؤوسهم: بل أَنْتُم خَالدُونَ مخلدون لَا يخلفنكم فِيهَا أحد، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لن تمسنا إلَاّ أَيَّامًا معدودات﴾ (آل عمرَان: ٢٤) الْآيَة. قَوْله: (اخسؤا فِيهَا) من خسأت الْكَلْب إِذا طردته وخسا الْكَلْب بِنَفسِهِ يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى. قَوْله: (إِن كنت كذابا) هَكَذَا رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: إِن كنت كَاذِبًا. قَوْله: (وَإِن كنت نَبيا لم يَضرك) يَعْنِي: على الْوَجْه الْمَعْهُود من السم، وَفِي مُرْسل الزُّهْرِيّ: أَنَّهَا أكثرت السم فِي الْكَتف والذراع لِأَنَّهُ بلغَهَا أَن ذَلِك كَانَ أحب الْأَعْضَاء إِلَى رَسُول الله ﷺ ، وَفِيه فَتَنَاول رَسُول الله ﷺ الْكَتف فنهس مِنْهَا، وَفِيه: فَلَمَّا ازدرد لقْمَة قَالَ: إِن الشَّاة تُخبرنِي، يَعْنِي أَنَّهَا مَسْمُومَة، وَاخْتلفُوا: هَل قَتلهَا النَّبِي ﷺ أَو تَركهَا؟ وَوَقع فِي حَدِيث أنس ﵁ فَقيل: أَلا تقتلها؟ قَالَ: لَا، وَمن المستغرب قَول ابْن سَحْنُون: أجمع أهل الحَدِيث على أَن رَسُول الله ﷺ قَتلهَا، وَاخْتلف فِيمَن سم طَعَاما أَو شرابًا لرجل فَمَاتَ مِنْهُ، فَذكر ابْن الْمُنْذر عَن الْكُوفِيّين أَنه لَا قصاص عَلَيْهِ وعَلى عَاقِلَته الدِّيَة، وَقَالَ مَالك: إِذا استكرهه فَسَقَاهُ سما فَقتله فَعَلَيهِ الْقود، وَعَن الشَّافِعِي: إِذا سقَاهُ سما غير مكره لَهُ فَفِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه عَلَيْهِ الْقود، وَهُوَ أشبههما، وَثَانِيهمَا: لَا قَود عَلَيْهِ، وَهُوَ آثم. ٥٦ - (بابُ شُرْبِ السَّمِّ والدَّواءِ بِهِ وبِما يُخافُ مِنْهُ والخَبِيثِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شرب السم إِلَى آخِره، وَأبْهم الحكم اكْتِفَاء بِمَا يفهم من حَدِيث الْبَاب، وَهُوَ عدم جَوَازه لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى قتل نَفسه فَإِن قلت: أخرج ابْن أبي شيبَة وَغَيره: أَن خَالِد بن الْوَلِيد ﵁ لما نزل الْحيرَة قيل لَهُ: احذر السم لَا يسقيكه الْأَعَاجِم، فَقَالَ: ائْتُونِي بِهِ، فَأتوهُ بِهِ فَأَخذه بِيَدِهِ، ثمَّ قَالَ: بِسم الله، واقتحمه فَلم يضرّهُ. قلت: وَقع هَكَذَا كَرَامَة لخَالِد فَلَا يتأسى بِهِ، ويؤكد عدم جَوَازه حَدِيث أبي هُرَيْرَة، ﵁ قَوْله: (والدواء بِهِ) أَي: وَفِي بَيَان التَّدَاوِي بِهِ، وَهُوَ أَيْضا لَا يجوز لقَوْله ﷺ إِن الله لم يَجْعَل شفاءكم فِيمَا حرم عَلَيْكُم. قَوْله: (وَبِمَا يخَاف مِنْهُ) عطف على الْجَار وَالْمَجْرُور أَعنِي قَوْله: (بِهِ) وَإِنَّمَا جَازَ لإعادة الْجَار، وَفِي بعض النّسخ: وَمَا يخَاف، بِدُونِ حرف الْبَاء، فعلى هَذَا يكون عطفا على لفظ السم وَهُوَ بِضَم الْيَاء على صِيغَة الْمَجْهُول، وَقَالَ بَعضهم: قَالَ الْكرْمَانِي: يجوز فَتحه، قلت: لم يذكر الْكرْمَانِي شَيْئا من ذَلِك، وَالْمعْنَى بِمَا يخَاف بِهِ من الْمَوْت أَو اسْتِمْرَار الْمَرَض. قَوْله: (والخبيث) أَي: والدواء الْخَبيث وَيَقَع هَذَا بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: من جِهَة نجاسبته كَالْخمرِ وَلحم الْحَيَوَان الَّذِي لَا يُؤْكَل، وَالْآخر: من جِهَة استقذاره، فَتكون كَرَاهَته لإدخال الْمَشَقَّة على النَّفس، قَالَه الْخطابِيّ. وَقد ورد النَّهْي عَن تنَاول الدَّوَاء الْخَبيث، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ، وَصَححهُ ابْن حبَان. ٥٧٧٨ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حدّثنا خالِدُ بنُ الحارِثِ حدّثنا شُعْبَةُ عنْ سُلَيْمانَ قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوان يُحَدِّثُ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: منْ تَرَدَّى منْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهْوَ فِي نارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خالِداً مُخَلَّداً فِيها أبَداً، ومَنْ تَحَسَّى سَمّاً فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسَمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نارِ جهنَّمَ خَالِدا مُخَلّداً فِيهَا أبَداً، ومَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجاءُ بِها فِي بَطْنِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أبَداً. (انْظُر الحَدِيث: ١٣٦٥) . هَذَا الحَدِيث يُوضح إِبْهَام مَا فِي التَّرْجَمَة من الحكم، وَهُوَ وَجه الْمُطَابقَة بَينهمَا. وَعبد الله بن عبد الْوَهَّاب أَبُو مُحَمَّد الحجي الْبَصْرِيّ، مَاتَ فِي سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وخَالِد بن الْحَارِث بن سُلَيْمَان أَبُو عُثْمَان الْبَصْرِيّ، وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وذكوان بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة أَبُو صَالح الزيات السمان الْمَدِينِيّ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن يحيى بن حبيب. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الطِّبّ عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى. قَوْله: (من تردى) أَي: أسقط نَفسه مِنْهُ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: تردى إِذا سقط فِي الْبِئْر. قَوْله: (وَمن تحسى) بالمهملتين من بَاب التفعل بِالتَّشْدِيدِ، وَمَعْنَاهُ: تجرع، وَأَصله من حسوت المرق حسواً، والحسوة بِالضَّمِّ الجرعة من الشَّرَاب بِقدر مَا يحسى مرّة وَاحِدَة، وبالفتح الْمرة. قَوْله: (يجاء) ، بِفَتْح

стр. 6492

الْيَاء وَتَخْفِيف الْجِيم وَبعد الْألف همزَة، من وجأته بالسكين إِذا ضَربته وأصل يجاء يوجيء بِكَسْر الْجِيم فحذفت الْوَاو لوقوعها بَين الْيَاء والكسرة ثمَّ فتحت الْجِيم لأجل الْهمزَة. وَقَالَ ابْن التِّين: فِي رِوَايَة الشَّيْخ أبي الْحسن: يجاء بِضَم أَوله، وَلَا وَجه لذَلِك، وَإِنَّمَا يبْنى للْمَجْهُول بِإِعَادَة الْوَاو فَيُقَال: يوجأ، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: يتوجأ على وزن يتكبر من بَاب التفعل. قَوْله: (خَالِدا مخلداً فِيهَا) أَي: فِي نَار جَهَنَّم، وجهنم اسْم لنار الْآخِرَة غير منصرف إِمَّا للعجمة والعلمية، وَإِمَّا للتأنيث والعلمية، وَالْمرَاد بذلك إِمَّا فِي حق المستحل أَو المُرَاد الْمكْث الطَّوِيل لِأَن الْمُؤمن لَا يبْقى فِي النَّار خَالِدا مُؤَبَّدًا. وَحكى ابْن التِّين عَن غَيره: أَن هَذَا الحَدِيث ورد فِي حق رجل بِعَيْنِه كَافِر، فَحَمله النَّاقِل على ظَاهره، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا بعيد. قلت: لَا بعد فِيهِ، فَمَا الْمَانِع من ذَلِك؟ ٥٧٧٩ - حَدثنَا مُحَمَّدٌ أخبرنَا أحْمَدُ بنُ بَشِيرٍ أبُو بَكْرٍ أخْبرَنا هاشِمُ بنُ هاشِمٍ، قَالَ: أخبرنِي عامِرُ بنُ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أبي يَقُولُ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: مَنِ اصْطَبَحَ بِسَبْعٍ تَمَرَاتٍ عَجْوَةٍ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ اليَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ. لم أر أحدا من الشُّرَّاح ذكر وَجه إِيرَاد هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب، وَلَا سِيمَا الشَّارِح الَّذِي يَدعِي أَن فِي هَذَا الْفَنّ يُرجع إِلَيْهِ، وَظهر لي فِيهِ شَيْء من الْأَنْوَار الإلهية، وَإِن كَانَ فِيهِ تعسف، وَهُوَ أَن التَّرْجَمَة إِنَّمَا وضعت للنَّهْي عَن اسْتِعْمَال السم مُطلقًا. فَفِي الحَدِيث مَا يمْنَع ذَلِك من الأَصْل فَبين ذكرهمَا متعاقبين وَجه لَا يخفى. قَوْله: (حَدثنِي مُحَمَّد) كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين مُجَردا عَن نسبته، وَوَقع لأبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي: مُحَمَّد بن سَلام، وَأحمد بن بشير بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الشين الْمُعْجَمَة أَبُو بكر مولى امْرَأَة عَمْرو بن حُرَيْث الْكُوفِي من أَفْرَاد البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع، وَقَالَ ابْن معِين: لَا بَأْس بِهِ، هَكَذَا رَوَاهُ عَبَّاس الدوري عَنهُ، وَقَالَ عُثْمَان الدَّارمِيّ، عَن ابْن معِين: مَتْرُوك، ورد عَلَيْهِ الْخَطِيب، وَقَالَ: الْتبس على عُثْمَان بآخر، يُقَال لَهُ: أَحْمد بن بشير، لَكِن كنيته أَبُو جَعْفَر وَهُوَ بغدادي من طبقَة صَاحب التَّرْجَمَة، فلأجل ذَلِك قيد البُخَارِيّ أَحْمد بن بشير بِذكر كنيته أَبُو بكر دفعا للالتباس، مَاتَ هُوَ بعد وَكِيع بِخَمْسَة أَيَّام، وَمَات وَكِيع سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَة. والْحَدِيث قد مر عَن قريب فِي: بَاب الدَّوَاء بالعجوة. ٥٧ - (بابُ ألْبانِ الأُُتُنِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم ألبان الأتن، وَبَيَان الحكم فِي الحَدِيث. والأتن بِضَم الْهمزَة وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: جمع أتان، وَهِي الحمارة. ٥٧٨٠ - حدّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا سُفْيانُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبي إدْرِيسَ الخَوْلَانِيِّ عنْ أبي ثَعْلبَةَ الخُشَنِيِّ ﵁ قَالَ: نَهَى النبيُّ ﷺ عنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السَّبُع قَالَ الزُّهْرِيُّ: ولَم أسْمَعْهُ حتَّى أتَيْتُ الشأْمَ. (انْظُر الحَدِيث: ٥٥٣٠ وطرقه) . ٥٧٨١ - وزَادَ اللَّيْثُ، قَالَ: حدّثني يُونُس عنِ ابنِ شِهاب قَالَ: وسألْتُهُ: هَلْ نَتَوَضَّأُ أوْ نَشْرَبُ ألْبانَ الأُُتُنِ أوْ مَرَارَةَ السَّبُعُ أوْ أبْوَالَ الإبِلِ؟ قَالَ: قدْ كانَ المُسْلِمُونَ يَتَدَاوَوْنَ بِها فَلَا يَرَوْنَ بِذَلِكَ بأْساً، فأمَّا ألْبانُ الأُُتُنِ فَقَدْ بَلغَنا أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عنْ لُحومِها ولَمْ يَبْلُغْنا عنْ ألْبانِها أمْرٌ وَلَا نَهْيٌ. وأمَّا مَرارَةُ السَّبُعِ قَالَ ابنُ شِهابٍ: أَخْبرنِي أبُو إدْرِيسَ الخَوْلانِيُّ أنَّ أَبَا ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيَّ أخْبَرَهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهى عنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السَّبُع. (انْظُر الحَدِيث: ٥٥٣٠ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة لَا تخفى. وَعبد الله بن مُحَمَّد هُوَ المسندي، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَأَبُو إِدْرِيس هُوَ عَائِذ الله بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة الْخَولَانِيّ، وَأَبُو ثَعْلَبَة بالثاء الْمُثَلَّثَة فِي اسْمه اخْتِلَاف كثير، وَالْأَكْثَر على أَنه جرهم بِالْجِيم وَالرَّاء. والْحَدِيث مضى فِي الذَّبَائِح فِي: بَاب أكل كل ذِي نَاب من السبَاع. قَوْله: (من السَّبع) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي بِلَفْظ الْإِفْرَاد، وَالْمرَاد الْجِنْس، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين من السبَاع بِالْجمعِ. قَوْله: (وَلم أسمعهُ) أَي: الحَدِيث الْمَذْكُور.

стр. 6493

قَوْله: (وَزَاد اللَّيْث) أَي: زَاد فِيهِ اللَّيْث بن سعد عَن يُونُس بن يزِيد عَن ابْن شهَاب هُوَ الزُّهْرِيّ، وَهَذِه الزِّيَادَة أوردهَا أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق أبي ضَمرَة أنس بن عِيَاض عَن يُونُس بن يزِيد. قَوْله: (قَالَ: وَسَأَلته) أَي: قَالَ ابْن شهَاب: وَسَأَلت أَبَا إِدْرِيس. قَوْله: (هَل نَتَوَضَّأ أَو نشرب؟) فِيهِ نوع من تنَازع الْفِعْلَيْنِ. قَوْله: (بهَا) أَي: بأبوال الْإِبِل. قَوْله: (قَالَ ابْن شهَاب: أَخْبرنِي) ويروى: حَدثنِي، وَهُوَ الْأَصَح. وَقَالَ الْكرْمَانِي. فَإِن قلت: عُلم من الْجَواب جَوَاز التَّدَاوِي بِلَبن الْإِبِل، فَمَا الْمَفْهُوم من جَوَاب الآخرين؟ قلت: حُرْمَة لبن الأتان من جِهَة حُرْمَة لَحْمه لِأَن اللَّبن متولد من اللَّحْم، وَحُرْمَة مرَارَة السَّبع، إِذْ لفظ الحَدِيث عَام فِي جَمِيع أَجْزَائِهِ، وَيحْتَمل أَن يكون غَرَضه أَنه لَيْسَ لنا نَص فيهمَا وَلَا يعرف حكمهَا. وَقَالَ ابْن التِّين: اخْتلف فِي ألبان الأتن على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: على الْخلاف فِي لحومها. هَل هِيَ مُحرمَة أَو مَكْرُوهَة؟ وَالثَّانِي: بعد تَسْلِيم التَّحْرِيم هَل لبنهن حَلَال قِيَاسا على لبن الْآدَمِيَّة ومرارة السَّبع على الِاخْتِلَاف أَيْضا فِي لحومها؟ هَل هِيَ مُحرمَة أَو مَكْرُوهَة؟ ٥٨ - (بابٌ إذَا وقَع الذُّبابُ فِي الإِناءِ) أَي: هَذَا بَاب فِي مَا إِذا وَقع الذُّبَاب فِي الْإِنَاء كَيفَ يكون حكمه، والذباب بِضَم الذَّال الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة. قَالَ أَبُو هِلَال العسكري: الذُّبَاب وَاحِد وَالْجمع ذبان كغربان يَعْنِي: بِكَسْر الذَّال، والعامة تَقول: ذُبَاب، للْجمع والواحدة: ذُبَابَة. كقردانة وَهُوَ خطأ، وَكَذَا نقل عَن أبي حَاتِم السّخْتِيَانِيّ: أَنه خطا، وَنقل ابْن سَيّده فِي (الْمُحكم) عَن أبي عُبَيْدَة عَن خلف الْأَحْمَر تَجْوِيز مَا زعم العسكري أَنه خطأ، وَحكى سِيبَوَيْهٍ فِي الْجمع ذب بِضَم أَوله وَالتَّشْدِيد، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الذُّبَاب مَعْرُوف، الْوَاحِدَة ذُبَابَة، وَلَا تقل: ذُبَابَة وَجمع الْقلَّة أذبة وَالْكثير ذُبَاب مثل غراب وأغربة وغربان، وَأَرْض مذبة ذَات ذُبَاب، وَقيل: سمي ذباباً لِكَثْرَة حركته واضطرابه. وَقد أخرج أَبُو يعلى بِسَنَد لَا بَأْس بِهِ عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: عمر الذُّبَاب أَرْبَعُونَ لَيْلَة، والذباب كُله فِي النَّار إلَاّ النَّحْل، وَقَالَ الجاحظ: كَونه فِي النَّار لَيْسَ تعذيباً لَهُ بل ليعذب أهل النَّار بِهِ، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: إِنَّه لَيْسَ شَيْء من الطُّيُور يلغ إلَاّ الذُّبَاب. وَقَالَ أفلاطون: الذُّبَاب أحرص الْأَشْيَاء حَتَّى إِنَّه يلقِي نَفسه فِي كل شَيْء وَلَو كَانَ فِيهِ هَلَاكه، ويتولد من العفونة، وَلَا جفن للذبابة لصِغَر حدقتها، والجفن يصقل الحدقة فالذبابة تصقل بِيَدَيْهَا فَلَا تزَال تمسح عيينها وَهُوَ من أَكثر الطُّيُور سفاداً، وَرُبمَا بَقِي عَامَّة الْيَوْم على الْأُنْثَى، وَأدنى الْحِكْمَة فِي خلقه: أَذَى الْجَبَابِرَة، وَقيل: لَوْلَا هِيَ لجافت الدُّنْيَا. ٥٧٨٢ - حدّثنا قُتَيْبَةُ حدَّثنا إسْماعِيلُ بنُ مُسْلِمٍ مَوْلَى بَني تَميمٍ عنْ عُبَيْدِ بنُ حُنَيْنٍ مَوْلَى بَني زُرَيْقٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: إذَا وقَعَ الذُّبابُ فِي إناءِ أحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كلَّهُ ثُمَّ ليَطْرَحْهُ، فإنَّ فِي إحْدَى جَناحَيْهِ شِفاءً وَفِي الآخَرِ دَاء. (انْظُر الحَدِيث: ٣٣٢٠) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي صدر الحَدِيث. والْحَدِيث قد مر فِي بَدْء الْخلق فِي: بَاب إِذا وَقع الذُّبَاب فِي شراب أحدكُم إِلَى آخِره. فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن خَالِد بن مخلد عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن عتبَة بن مُسلم إِلَى آخِره، وَلَفظه: إِذا وَقع الذُّبَاب فِي شراب أحدكُم، وَلَفظ الْإِنَاء أشمل، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (كُله) تَأْكِيد رفع توهم الْمجَاز من الِاكْتِفَاء بغمس بعضه. قَوْله: (فَإِن فِي إِحْدَى جناحيه) وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: فَإِن فِي أحد، والجناح يذكر وَيُؤَنث، وَقيل: أنث بِاعْتِبَار الْيَد وَحَقِيقَته للطائر، وَيُقَال لغيره على سَبِيل الْمجَاز كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿واخفض لَهما جنَاح الذل﴾ (الْإِسْرَاء: ٢٤) وَلم يَقع تعْيين الْجنَاح الَّذِي فِيهِ الشِّفَاء، وَذكر عَن بعض الْعلمَاء أَنه تَأمله فَوَجَدَهُ يَتَّقِي بجناحه الْأَيْسَر، فَعرف أَن الْأَيْمن هُوَ الَّذِي فِيهِ الشِّفَاء. قَوْله (دَاء) المُرَاد بِهِ السم الَّذِي فِيهِ، ويوضحه حَدِيث أبي سعيد، فَإِن فِيهِ أَنه يقدم السم وَيُؤَخر الشِّفَاء وَلَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى التَّخْرِيج الَّذِي تكلفه بعض الشُّرَّاح، فَقَالَ: إِن فِي اللَّفْظ مجَازًا، وَهُوَ كَون الدَّاء فِي أحد الجناحين فَهُوَ إِمَّا من مجَاز الْحَذف، وَالتَّقْدِير: فَإِن فِي أحد جناحيه سَبَب دَاء، وَإِمَّا مُبَالغَة بِأَن يَجْعَل كل الدَّاء فِي أحد جناحيه لما كَانَ سَببا لَهُ. وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا مِمَّا يُنكره من لم يشْرَح الله قلبه

стр. 6494

بِنور الْمعرفَة، وَلم يتعجب من النحلة جمع الله فِيهَا الشِّفَاء والسم مَعًا، فتعسل من أَعْلَاهَا وَتَسِم من أَسْفَلهَا بحمتها، والحية سمها قَاتل ولحمها مِمَّا يستشفى بِهِ من الترياق الْأَكْبَر من سمها، فريقها دَاء ولحمها دَوَاء، وَلَا حَاجَة لنا مَعَ قَول رَسُول الله ﷺ الصَّادِق الصدوق إِلَى النَّظَائِر، وأقوال أهل الطِّبّ الَّذين مَا وصلوا إِلَى علمهمْ إلَاّ بالتجربة، والتجربة خطر، وَالله على كل شَيْء قدير، وَإِلَيْهِ التَّوَكُّل والمصير. ﴿بِسْمِ الله الرحْمان الرَّحيم﴾ ٧٧ - (كتابُ اللِّباسِ) أَي: هَذَا فِي كتاب بَيَان أَنْوَاع اللبَاس وأحكامها، واللباس مَا يلبس وَكَذَلِكَ الملبس واللبس بِالْكَسْرِ واللبوس أَيْضا مَا يلبس، وَأورد ابْن بطال هَذَا الْكتاب بعد الاسْتِئْذَان، وَلَا وَجه لَهُ. وقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿قل من حرم زِينَة الله الَّتِي أخرج لِعِبَادِهِ﴾ (الْأَعْرَاف: ٢٣) . وَقَول الله، بِالْجَرِّ عطفا على اللبَاس، وَهَذَا الْمِقْدَار من الْآيَة الْمَذْكُورَة قد ذكر فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَزَاد أَبُو نعيم: ﴿والطيبات من الرزق﴾ وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قل من حرم زِينَة الله﴾ الْآيَة، وَهَذِه الْآيَة عَامَّة فِي كل مُبَاح، وَقيل: أَي من حرم لبس الثِّيَاب فِي الطّواف، وَمن حرم مَا حرمُوا من الْبحيرَة وَغَيرهَا. وَقَالَ الْفراء: كَانَت قبائل الْعَرَب لَا يَأْكُلُون اللَّحْم أَيَّام حجهم ويطوفون عُرَاة، فَأنْزل الله الْآيَة، وَكَذَا رُوِيَ عَن ابراهيم النَّخعِيّ وَالسُّديّ وَالزهْرِيّ وَقَتَادَة وَآخَرين: أَنَّهَا نزلت فِي طواف الْمُشْركين بِالْبَيْتِ وهم عُرَاة. قَوْله: (والطيبات) أَي: المستلذات من الطَّعَام، وَقيل: الْحَلَال من الرزق. وَقَالَ النبيُّ ﷺ : كُلُوا واشْرَبُوا والْبَسُوا وتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ إسْرَاف وَلَا مَخِيلَةٍ. هَذَا التَّعْلِيق فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي فَقَط، وَلم يذكر فِي رِوَايَة البَاقِينَ، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي شيبَة عَن يزِيد بن هَارُون: أَنا همام عَن قَتَادَة عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: قَالَ رَسُول الله ﷺ ، فَذكره. قَوْله: (من غير إِسْرَاف) يتَعَلَّق بالمجموع، والإسراف صرف الشَّيْء زَائِدا على مَا يَنْبَغِي. قَوْله: (وَلَا مخيلة) بِفَتْح الْمِيم الْكبر من الْخُيَلَاء التكبر، وَقَالَ ابْن التِّين: المخيلة على وزن مفعلة من اختال إِذا تكبر، وَقَالَ الْمُوفق عبد اللَّطِيف الْبَغْدَادِيّ: هَذَا الحَدِيث جَامع لفضائل تَدْبِير الْإِنْسَان نَفسه، وَفِيه تَدْبِير مصَالح النَّفس والجسد فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، فَإِن السَّرف فِي كل شَيْء يضر بالمعيشة فَيُؤَدِّي إِلَى الْإِتْلَاف ويضر بِالنَّفسِ إِذا كَانَت تَابِعَة للجسد فِي أَكثر الْأَحْوَال، والمخيلة تضر بِالنَّفسِ حَيْثُ يكسبها الْعجب، ويضر بِالآخِرَة حَيْثُ تكسب الْإِثْم، وبالدنيا حَيْثُ تكسب المقت من النَّاس. وَقَالَ ابنُ عبّاسٍ: كُلْ مَا شِئْتَ والْبَسْ مَا شِئْتَ مَا أخْطأتْكَ اثْنتانِ: سَرَفٌ أوْ مَخيلَةٌ. هَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن ابْن عُيَيْنَة عَن إِبْرَاهِيم بن ميسرَة عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: (مَا خطئتك) كَذَا وَقع لجَمِيع الروَاة بِإِثْبَات الْهمزَة بعد الطَّاء، وَأوردهُ ابْن التِّين بحذفها، ثمَّ قَالَ: وَالصَّوَاب إِثْبَاتهَا. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: خطئت، وَلَا يُقَال: خطيت، وَمَعْنَاهُ. كل مَا شِئْت من الْحَلَال وألبس مَا شِئْت من الْحَلَال مَا دَامَت أَخْطَأتك، أَي: تجاوزتك اثْنَتَانِ: أَي خصلتان. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا أَخْطَأتك أَي: مَا دَامَ تجَاوز عَنْك خصلتان، والإخطاء التجاوز من الصَّوَاب أَو مَا نَافِيَة أَي: لم يوقعك فِي الْخَطَأ اثْنَتَانِ، والخِطء الْإِثْم وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه بعد، وَرِوَايَة معمر ترده حَيْثُ قَالَ: مَا لم يكن سرف أَو مخيلة. قلت: لَا بعد فِيهِ لِأَن مَعْنَاهُ صَحِيح لَا يخفى ذَلِك على من يتأمله، قَوْله: (سرف أَو مخيلة) بَيَان لقَوْله: اثْنَتَانِ، وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: سرف ومخيلة، بِالْوَاو وَلَكِن: أَو تَجِيء بِمَعْنى الْوَاو كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تُطِع مِنْهُم آثِما أَو كفوراً﴾ (الْإِنْسَان: ٢٤) . على تَقْدِير النَّفْي إِذْ انْتِفَاء الْأَمريْنِ لَازم فِيهِ. ٥٧٨٣ - حدّثنا إسْماعيلُ قَالَ: حدّثني مالِك عنْ نافِعٍ وعبْدِ الله بنِ دِينار وزَيْدِ بنِ أسْلمَ

стр. 6495

يُخْبِرُونَهُ عنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: لَا يَنْظُرُ الله إِلَى منْ جرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ. مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث ابْن عَبَّاس الَّذِي قبله ظَاهِرَة لِأَن فِي ذَاك ذمّ المخيلة، وَفِي هَذَا جر الثَّوْب خُيَلَاء، وَهُوَ أَيْضا من المخيلة. وَحَدِيث ابْن عَبَّاس أَيْضا مُطَابق للْحَدِيث الَّذِي قبله من هَذِه الْحَيْثِيَّة، وَهُوَ أَيْضا مُطَابق لِلْآيَةِ الْمَذْكُورَة على مَا لَا يخفى. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي اللبَاس أَيْضا عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بن سعيد وَغَيره. قَوْله: (يخبرونه) أَي: هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة: نَافِع وَعبد الله بن دِينَار وَزيد بن أسلم، يخبرون مَالِكًا عَن ابْن عمر ﵄ قَوْله: (مَن جر ثَوْبه) يدْخل فِيهِ الْإِزَار والرداء والقميص والسراويل والجبة والقباء وَغير ذَلِك مِمَّا يُسمى ثوبا، بل ورد فِي الحَدِيث دُخُول الْعِمَامَة فِي ذَلِك كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة من رِوَايَة سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: الإسبال فِي الْإِزَار والقميص والعمامة من جر مِنْهَا شَيْئا خُيَلَاء لم ينظر الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (لَا ينظر الله) نفي نظر الله تَعَالَى هُنَا كِنَايَة عَن نفي الرَّحْمَة، فَعبر عَن الْمَعْنى الْكَائِن عِنْد النّظر بِالنّظرِ لِأَن من نظر إِلَى متواضع رَحمَه، وَمن نظر إِلَى متكبر متجبر مقته، فالنظر إِلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالة اقْتضى الرَّحْمَة أَو المقت. قَوْله: (خُيَلَاء) بِالضَّمِّ وَالْكَسْر وَهُوَ الْكبر وَالْعجب، يُقَال: اختال فَهُوَ مختال، وانتصابه على الْحَال بالتأويل. ٢ - (بابُ مَنْ جَرَّ إزارَهُ منْ غَيْرِ خُيَلَاءَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من جر إزَاره من غير قصد التخييل، فَإِنَّهُ لَا بَأْس بِهِ من غير كَرَاهَة، وَكَذَلِكَ يجوز لدفع ضَرَر يحصل لَهُ، كَأَن يكون تَحت كعبيه جراح أَو حكة أَو نَحْو ذَلِك، إِن لم يغطها تؤذيه الْهَوَام كالذباب وَنَحْوه بِالْجُلُوسِ عَلَيْهَا، وَلَا يجد مَا يَسْتُرهَا بِهِ إلَاّ إزَاره أَو رِدَائه أَو قَمِيصه، وَهَذَا كَمَا يجوز كشف الْعَوْرَة للتداوي وَغير ذَلِك من الْأَسْبَاب المبيحة للترخص. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: وَأما جَوَازه لغير ضَرُورَة لَا لقصد الْخُيَلَاء، فَقَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّه مَكْرُوه وَلَيْسَ بِحرَام، وَحكي عَن نَص الشَّافِعِي، ﵁ التَّفْرِقَة بَين وجود الْخُيَلَاء وَعَدَمه، وَهَذِه التَّرْجَمَة سَقَطت لِابْنِ بطال ﵀. ٥٧٨٤ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ حدَّثنا زُهَيْرٌ حدَّثنا مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عنْ سالِمِ بنِ عَبْدِ الله عنْ أبِيهِ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: منْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظرِ الله إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، قَالَ أبُو بَكْرٍ ﵁: يَا رسولَ الله! إنَّ أحَدَ شِقَّيْ إزَارِي يَسْتَرْخِي، إلَاّ أنْ أتَعاهَدَ ذالِكَ مِنْهُ فَقَالَ النبيُّ ﷺ لَسْتَ مِمَّنْ يَصْنَعُهُ خُيَلَاءَ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَقَالَ أَبُو بكر، ﵁ الخ ... وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس الْيَرْبُوعي الْكُوفِي، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَزُهَيْر مصغر زهر بن مُعَاوِيَة أَبُو خَيْثَمَة، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر، يروي عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ والْحَدِيث مضى فِي فَضَائِل أبي بكر ﵁ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله عَن مُوسَى بن عقبَة إِلَى آخِره. قَوْله: (إِن أحد شقي إزَارِي) كَذَا بالتثنية فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ والكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا شقّ بِالْإِفْرَادِ، والشق بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة الْجَانِب وَيُطلق أَيْضا على النّصْف. قَوْله: (يسترخي) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، وَسبب استرخائه كَون أبي بكر رجلا أحنى نحيفاً لَا يسْتَمْسك، فإزاره يسترخي عَن حقْوَيْهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يَصح أحنى بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْجِيم، يُقَال: رجل أحنى الظّهْر بِالْمُهْمَلَةِ نَاقِصا أَي فِي ظَهره أحد يداب، وَرجل أجنأ، بِالْجِيم مهموزاً أَي: أحدب الظّهْر، ثمَّ إِن الاسترخاء يحْتَمل أَن يكون من طرف القدام نظرا إِلَى الإحديداب، وَأَن يكون من الْيَمين أَو الشمَال نظرا إِلَى النحافة، إِذْ الْغَالِب أَن النحيف لَا يسْتَمْسك إزَاره على السوء. قَوْله: (إلَاّ أَن أتعاهد ذَلِك مِنْهُ) الِاسْتِثْنَاء من قَوْله (يسترخي) يَعْنِي يسترخي إلَاّ عِنْد التعاهد بذلك، وَحين غفلت عَنهُ يسترخي. قَوْله: (لست مِمَّن يصنعه) أَي: لست أَنْت يَا أَبَا بكر مِمَّن يصنع جر الْإِزَار خُيَلَاء، وَفِي رِوَايَة زيد بن أسلم: لست مِنْهُم، وَفِيه أَنه لَا حرج على من يجر إزَاره بِغَيْر قصد كَمَا ذَكرْنَاهُ. فَإِن قلت: روى ابْن أبي شيبَة عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يكره جر الْإِزَار على كل حَال. قلت: قَالَ ابْن بطال: هُوَ من تشديداته وإلَاّ فقد روى هُوَ حَدِيث الْبَاب فَلم يخف عَلَيْهِ الحكم.

стр. 6496

ح دّثني مُحَمَّدٌ أخبرَنا عبْدُ الأعْلَى عنْ يُونُسَ عنِ الحَسَنِ عنْ أبي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ ونَحْنُ عِنْدَ النبيِّ ﷺ ، فقامَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ مُسْتَعْجِلاً حتَّى أتَى المَسْجِدَ، وثابَ النَّاسُ فَصَلَّى ركْعَتَيْنِ فَجُلِّيَ عنْها، ثُمَّ أقْبَلَ عَليْنَا وَقَالَ: إِن الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتان مِنْ آياتِ الله، فإذَا رأيْتُمْ مِنْها شَيْئاً فَصَلُّوا وادْعُوا الله حتَّى يَكْشِفَها. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَقَامَ يجر ثَوْبه مستعجلاً) وَمُحَمّد شيخ البُخَارِيّ ذكر مُجَردا. فَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ ابْن يُوسُف البُخَارِيّ البيكندي لِأَنَّهُ مِمَّن روى عَن عبد الْأَعْلَى. وَقد أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن الْمثنى عَن عبد الْأَعْلَى، فَيحْتَمل أَن يكون هُوَ أَبَاهُ وَعبد الْأَعْلَى هُوَ ابْن عبد الْأَعْلَى السَّامِي بِالسِّين الْمُهْملَة الْبَصْرِيّ، وَيُونُس هُوَ ابْن عبيد الْبَصْرِيّ، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَأَبُو بكرَة اسْمه نفيعِ بن الْحَارِث الثَّقَفِيّ. والْحَدِيث قد مضى فِي أول أَبْوَاب الْكُسُوف فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَمْرو بن عون عَن خَالِد عَن يُونُس عَن الْحسن عَن أبي بكرَة ﵁ ومنضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (فَقَامَ يجر ثَوْبه مستعجلاً) حالان متداخلان. قَوْله: (يجر) حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: قَامَ، (ومستعجلاً) حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: بَحر، وَفِيه دلَالَة على أَن جر الْإِزَار إِذا لم يكن خُيَلَاء جَازَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَأْس. قَوْله (وثاب النَّاس) بالثاء الْمُثَلَّثَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة يَعْنِي: رجعُوا إِلَى الْمَسْجِد بعد أَن كَانُوا خَرجُوا مِنْهُ. قَوْله: (فَجُليَ) بِضَم الْجِيم وَتَشْديد اللَّام الْمَكْسُورَة أَي: فكشف عَنْهَا، أَي: عَن الشَّمْس. قَوْله: (حَتَّى يكشفها) أَي: حَتَّى يكْشف الله الشَّمْس. ٣ - (بابُ التَّشْمِيرِ فِي الثِّيابِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التشمير فِي الثِّيَاب والتشمير بالشين الْمُعْجَمَة من شمر إزَاره إِذا رَفعه، وشمر فِي أمره أَي: خف. وَقَالَ بَعضهم: بَاب التشمر فِي الثِّيَاب هُوَ بالشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْمِيم رفع أَسْفَل الثَّوْب. قلت: جعله من بَاب التفعل وَلَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ من بَاب التفعيل كَمَا ذكرنَا، وَالَّذِي ذكره مُخَالف للنسخ المعمتد عَلَيْهَا وللفظ الحَدِيث أَيْضا فَإِنَّهُ ذكر فِيهِ مشمراً، وَهُوَ من بَاب التشمير لَا من بَاب التشمر، وَلم يفرق بَين الْبَابَيْنِ. ٥٧٨٦ - حدّثني إسْحاقُ أخبرنَا ابنُ شُمَيْلٍ أخبرنَا عُمَرُ بنُ أبي زَائِدَةَ أخبرنَا عَوْنُ بنُ أبي جُحَيْفَةَ عنْ أبِيِهِ أبي جُحَيْفَةَ قَالَ: فَرَأيْتُ بِلالاً جاءَ بِعَنَزَةٍ فَرَكَزَها ثُمَّ أقامَ الصَّلَاةَ، فَرَأيْتُ رسولَ الله ﷺ خَرَجَ فِي حُلَّةٍ مُشَمِّراً، فَصَلَّى ركْعَتَيْنِ إِلَى العَنَزَةِ، ورأيْتُ النَّاسَ والدَّوابَّ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ وَرَاء العَنَزَةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله (خرج فِي حلَّة مشمراً) وَإِسْحَاق شَيْخه، قَالَ الْكرْمَانِي: إِمَّا ابْن إِبْرَاهِيم وَإِمَّا ابْن مَنْصُور. قلت: ابْن إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، وَابْن مَنْصُور هُوَ إِبْرَاهِيم بن مَنْصُور بن كوسج الْمروزِي، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، جزم بذلك أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) قلت: الظَّاهِر أَنه ابْن رَاهَوَيْه، وَالنضْر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن شُمَيْل. مصغر شَمل. بالشين الْمُعْجَمَة وَعمر بِضَم الْعين ابْن أبي زَائِدَة واسْمه خَالِد، وَهُوَ أَخُو زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة الْهَمدَانِي الْكُوفِي، وَأَبُو جُحَيْفَة بِضَم الْجِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالفاء اسْمه وهب بن عبد الله السوَائِي من صغَار الصَّحَابَة، قيل: مَاتَ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ لم يبلغ الْحلم، نزل الْكُوفَة. والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب ستْرَة الإِمَام ستْرَة لمن خَلفه، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن عون إِلَى آخِره. قَوْله: (بعنزة) بِفَتْح الْعين وَالنُّون وَالزَّاي وَهُوَ أطول من الْعَصَا وأقصر من الرمْح وَفِيه زج. قَوْله: (فِي حلَّة) وَهِي إِزَار ورداء وَلَا تسمى حلَّة حَتَّى تكون ثَوْبَيْنِ، وَتجمع على حلل وَهِي برود الْيمن. وَفِيه: أَن التشمير فِي الصَّلَاة مُبَاح وَعند المهنة وَالْحَاجة إِلَيْهِ، وَهُوَ من التَّوَاضُع، وَنفي التكبر وَالْخُيَلَاء. ٤ - (بابٌ مَا أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْن فَهْوَ فِي النَّارِ)

стр. 6497

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ مَا أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ فِي النَّار، وَيذكر مَعْنَاهُ فِي الحَدِيث لِأَن قَوْله: مَا أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ، من لفظ الحَدِيث. وَقَوله: فَهُوَ فِي النَّار، لَيْسَ لفظ الحَدِيث هَكَذَا بل هُوَ مَا أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ من الْإِزَار فَفِي النَّار، وَاقْتصر فِي التَّرْجَمَة فِي الْجُزْء الثَّانِي وأطلقها وَلم يقيدها بِلَفْظ الْإِزَار قصدا للتعميم فِي الْإِزَار والقيمص وَنَحْو ذَلِك، وَقَالَ بَعضهم: بَاب، منون. قلت: لَيْسَ كَذَلِك لِأَن التَّنْوِين عَلامَة الْإِعْرَاب، وَالْإِعْرَاب لَا يكون إلَاّ فِي الْمركب وَكَيف يَقُول: بَاب، بِالتَّنْوِينِ؟ نعم، لَو قَالَ: تَقْدِيره: هَذَا بَاب، مثل مَا قُلْنَا لَكَانَ منوناً. ٥٧٨٧ - حدّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ حَدثنَا سَعيدُ بنُ أبي سَعيدٍ المقْبُرِيُّ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَن النبيِّ ﷺ قَالَ: مَا أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ منَ الإِِزارِ فَفِي النَّار. مطابقته للجزء الأول من للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ عينهَا. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن شُعْبَة بِهِ. وَفِي (التَّوْضِيح) . وَفِي الحَدِيث تَقْدِيم وَتَأْخِير مَعْنَاهُ: مَا أَسْفَل من الْإِزَار من الْكَعْبَيْنِ فِي النَّار، وَقيل: يَعْنِي: مَا أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ من الرجلَيْن فَأَما الثَّوْب فَلَا ذَنْب لَهُ، وروى عبد الرَّزَّاق عَن عبد الْعَزِيز بن أبي دَاوُد عَن نَافِع أَنه سُئِلَ عَن قَوْله فِي هَذَا الحَدِيث: مَا أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ، فَفِي النَّار من الثِّيَاب ذَلِك، قَالَ: وَمَا ذَنْب الثِّيَاب؟ بل هُوَ من الْقَدَمَيْنِ، وَقَالَ الْخطابِيّ: يُرِيد أَن الْموضع الَّذِي يَنَالهُ الْإِزَار من أَسْفَل الْكَعْبَيْنِ من رجله فِي النَّار، كنى بِالثَّوْبِ عَن بدن لابسه، وَقد أولُوا على وَجْهَيْن. إِن مَا دون الْكَعْبَيْنِ من قدم صَاحبه فِي النَّار عُقُوبَة لَهُ، أَو إِن فعله ذَلِك مَحْسُوب فِي جملَة أَفعَال أهل النَّار. وَقَالَ الْكرْمَانِي: كلمة: مَا، مَوْصُولَة وَبَعض صلته مَحْذُوف. وَهُوَ: كَانَ، وأسفل خَبره، وَيجوز أَن يرفع أَسْفَل أَي: مَا هُوَ أَسْفَل، وَهُوَ أفعل وَيحْتَمل أَن يكون فعلا مَاضِيا وَهَذَا مُطلق يجب حمله على الْمُقَيد وَهُوَ مَا كَانَ للخيلاء قَوْله: (فَفِي النَّار) إِنَّمَا دخلت الْفَاء لتضمن كلمة: مَا معنى الشَّرْط، ويروى بِدُونِ الْفَاء، وَهَكَذَا فِي غَالب نسخ البُخَارِيّ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ بِالْفَاءِ. ٥ - (بَاب مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ منَ الخُيَلَاءِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من جر ثَوْبه لأجل الْخُيَلَاء، وَكلمَة: من، للتَّعْلِيل، وَقد مر تَفْسِيره. ٥٧٨٨ - حدّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبي الزِّناد عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قَالَ: لَا يَنْظُرُ الله يَوْمَ القِيامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إزارَهُ بطَراً. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. والْحَدِيث من أَفْرَاده، وَقد مر تَفْسِير: لَا ينظر الله، عَن قريب. قَوْله: (من) يتَنَاوَل الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي الْوَعيد الْمَذْكُور على هَذَا الْفِعْل الْمَخْصُوص فَلذَلِك سَأَلت أم سَلمَة عِنْد ذَلِك بقولِهَا: فَكيف تصنع النِّسَاء بذيولهن؟ على مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : من جر ثَوْبه خُيَلَاء لم ينظر الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة، فَقَالَت أم سَلمَة: فَكيف تصنع النِّسَاء بذيولهن؟ فَقَالَ: يرخين شبْرًا. فَقَالَت: إِذا تنكشف أقدامهن؟ قَالَ: فيرخينه ذِرَاعا لَا يزدن عَلَيْهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث صَحِيح، وَفِي الحَدِيث رخصَة للنِّسَاء فِي جر الْإِزَار لِأَنَّهُ يكون أستر لَهُنَّ. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، ﵀: الظَّاهِر أَن المُرَاد بالذراع ذِرَاع الْيَد وَهُوَ شبران، وَهُوَ الذِّرَاع الَّذِي يُقَاس بِهِ الْحصْر الْيَوْم، وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن ماجة من حَدِيث ابْن عمر فِي ترخيصه ﷺ لأمهات الْمُؤمنِينَ فِي إرخائه شبْرًا، ثمَّ استزدنه فزادهن شبْرًا آخر. قَوْله: (بطراً) يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون بِفتْحَتَيْنِ وَيكون مصدرا، وَمَعْنَاهُ طغياناً وتكبراً وَالْآخر: أَن يكون بِكَسْر الطَّاء وَيكون مَنْصُوبًا على الْحَال. وَقَالَ الرَّاغِب: البطر دهش يعتري الْمَرْء عِنْد هجوم النِّعْمَة عَن الْقيام بِحَقِّهَا. ٥٧٨٩ - حدّثنا آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ زِيادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ

стр. 6498

النبيُّ أوْ قَالَ أبُو القاسِمِ ﷺ : بَيْنَما رجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ إِذْ خسَفَ الله بِهِ، فَهْوَ يَتَجَلْجَلُ إِلَى يَوْمِ القِيامَةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن الْمَشْي فِي حلَّة من إعجاب النَّفس معنى جر الثَّوْب خُيَلَاء. والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي اللبَاس عَن عبيد الله بن معَاذ وَغَيره. قَوْله: (قَالَ النَّبِي أَو قَالَ أَبُو الْقَاسِم ﷺ الشَّك من آدم شيخ البُخَارِيّ. قَوْله: (بَيْنَمَا) قد ذكرنَا غير مرّة أَن أصل: بَيْنَمَا، بَين فزيدت فِيهِ: مَا، ويضاف إِلَى جملَة وَيحْتَاج إِلَى خبر وَخَبره هُنَا. قَوْله: (إِذْ خسف الله بِهِ) قَوْله: (رجل) قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا الرجل يحْتَمل أَن يكون من هَذِه الْأمة، وسيقع بعد وَأَن يكون من الْأُمَم السالفة فَيكون إِخْبَارًا عَمَّا وَقع، وَقيل: هُوَ قَارون، وَقَالَ السُّهيْلي: إِن اسْمه هيزن من أَعْرَاب فَارس، وَجزم الكلاباذي والجوهري أَنه قَارون. قَوْله: (يمشي فِي حلَّة) وَفِي رِوَايَة لمُسلم: بَيْنَمَا رجل يمشي قد أَعْجَبته جمته وبرداه إِذْ خسف بِهِ الأَرْض، فَهُوَ يتجلجل فِي الأَرْض حَتَّى تقوم السَّاعَة. وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: بَيْنَمَا رجل يتبختر يمشي فِي برديه قد أَعْجَبته نَفسه ... الحَدِيث، والحلة ثَوْبَان، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب. قَوْله: (مرجل) من الترجيل بِالْجِيم وَهُوَ تَسْرِيح شعر الرَّأْس. قَوْله: (جمته) بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْمِيم مُجْتَمع شعر الرَّأْس وَهُوَ أكبر من الوفرة، وَيُقَال: هُوَ الشّعْر الَّذِي يتدلى من الرَّأْس إِلَى الْمَنْكِبَيْنِ وَإِلَى أَكثر من ذَلِك، وَأما الَّذِي لَا يتَجَاوَز الْأُذُنَيْنِ فَهُوَ الوفرة. قَوْله: (يتجلجل) من التجلجل بالجيمين وَهُوَ الْحَرَكَة، وَالْمعْنَى أَنه يَتَحَرَّك وَينزل مضطرباً، وَحكى عِيَاض أَنه روى: يتجلل، بجيم وَاحِدَة وَلَام ثَقيلَة بِمَعْنى يتغطى أَي: تَغْطِيَة الأَرْض، وَحكى أَيْضا: يتخلخل، بخاءين معجمتين واستبعدها. ٥٧٩٠ - حدّثنا سَعيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حدّثني اللَّيْثُ قَالَ: حدّثني عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ خالِدٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سالِمِ بنِ عبْدِ الله أنَّ أباهُ حدَّثَهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: بَيْنا رجُلٌ يَجُرُّ إزَارَهُ إذْ خُسِفَ بِهِ فَهْوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الأرْضِ إِلَى يَوْمِ القِيامَةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى فِي: بَاب مَا ذكر عَن بني إِسْرَائِيل. تابَعَهُ يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ ولَمْ يَرْفَعْهُ شعيْبٌ عنْ أبي هُرَيْرَةَ. أَي: تَابع عبد الرَّحْمَن بن خَالِد يُونُس بن يزِيد فِي رِوَايَته عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَذكر هَذِه الْمُتَابَعَة فِي أَوَاخِر بَاب مَا ذكر عَن بني إِسْرَائِيل: حَدثنَا بشر بن مُحَمَّد أخبرنَا عبد الله أخبرنَا يُونُس عَن الزُّهْرِيّ أَخْبرنِي سَالم أَن ابْن عمر حَدثهُ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: بَيْنَمَا رجل يجر إزَاره من الْخُيَلَاء إِذْ خسف بِهِ فَهُوَ يتجلجل فِي الأَرْض إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (وَلم يرفعهُ) أَي: لم يرفع الحَدِيث شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن الزُّهْرِيّ، وَوَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن أبي الْيَمَان: حَدثنَا محمدِ بن مُسلم وأنبانا الْقَاسِم حَدثنَا ابْن زَنْجوَيْه قَالَا: حَدثنَا أَبُو الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ أَخْبرنِي سَالم أَن عبد الله بن عمر قَالَ: بَينا امرء جر إزَاره الحَدِيث. ح دّثني عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حَدثنَا وهْبُ بنُ جَريرٍ أخبرنَا أبي عنْ عَمِّهِ جَرِيرِ بنِ زَيْدٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ سالِمِ بنِ عبْدِ الله بنِ عُمَر عَلى بَاب دارِهِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، سَمِعَ النبيَّ ﷺ نَحْوَهُ. (انْظُر الحَدِيث: ٣٤٨٥) . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (نَحوه) أَي: نَحْو حَدِيث ابْن عمر السَّابِق فَيكون لَهُ مُطَابقَة مثل مطابقته. ووهب بن جرير يروي عَن أَبِيه جرير بن حَازِم بن زيد الْأَزْدِيّ عَن عَمه جرير بن زيد أبي سَلمَة الْبَصْرِيّ، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن مُحَمَّد بن عبيد الله بن عبد الْعَظِيم الْقرشِي عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ عَن وهب بن جرير بن حَازِم نَحوه: بَيْنَمَا رجل مِمَّن قبلكُمْ يمشي فِي حلَّة لَهُ ... فَذكره. وَقَالَ الْمزي: رَوَاهُ الزُّهْرِيّ وَغَيره عَن

стр. 6499

سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ وَهُوَ الْمَحْفُوظ، وَذكر أَبُو الْقَاسِم فِي تَرْجَمَة عبد الله بن عمر عَن أبي هُرَيْرَة: وَهُوَ وهم لَيْسَ فِيهِ ابْن عمر، إِنَّمَا هُوَ عَن سَالم عَن أبي هُرَيْرَة، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي رِوَايَة أبي الْحسن بن حمويه وَأبي عَليّ السُّيُوطِيّ عَن النَّسَائِيّ على الصَّوَاب، وَقيل: قد خَالف جرير بن زيد الزُّهْرِيّ فَقَالَ: عَن سَالم عَن أبي هُرَيْرَة، وَالزهْرِيّ يَقُول: عَن سَالم عَن أَبِيه، وَلَكِن قوي عِنْد البُخَارِيّ أَنه: عَن سَالم عَن أَبِيه، وَعَن أبي هُرَيْرَة جَمِيعًا، وَالدَّلِيل على صِحَة رِوَايَة جرير بن زيد أَنه قَالَ فِي رِوَايَته: كنت مَعَ سَالم على بَاب دَاره فَقَالَ: سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة فَهَذِهِ قرينَة قَوِيَّة فِي حفظه عَن سَالم عَن أبي هُرَيْرَة. ٥٧٩١ - حدّثنا مَطَرُ بنُ الفَضْلِ حَدثنَا شَبابَةُ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ: لَ قِيتُ مُحارِبَ بن دِثارٍ عَلى فرَسٍ وهْوَ يأتِي مَكانَهُ الَّذِي يَقْضي فِيهِ فَسألْتُهُ عنْ هاذَا الحَدِيثِ، فَحَدَّثَني فَقَالَ: سَمِعْتُ عبدَ الله بن عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مَخِيلَةً لَمْ يَنْظُرِ الله إلَيْهِ يَوْم القِيامَةِ، فَقُلْتُ لِمُحارِبٍ: أذَكَرَ إزَارَهُ؟ قَالَ: مَا خَصَّ إزَاراً وَلَا قَميصاً. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وشبابة بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى ابْن سوار الْفَزارِيّ، ومحارب على وزن اسْم الْفَاعِل من حَارب ابْن دثار بِكَسْر الدَّال الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الثَّاء الْمُثَلَّثَة وبالراء السدُوسِي قَاضِي الْكُوفَة. والْحَدِيث رَوَاهُ مُسلم فِي اللبَاس عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى بِهِ. قَوْله: (مخيلة) بِفَتْح الْمِيم وَكسر الْخَاء الْمُعْجَمَة أَي كبرا وعجباً. قَوْله: (فَقلت لمحارب) أذكر؟ الْقَائِل هُوَ شُعْبَة سَأَلَ عَن محَارب: هَل ذكر عبد الله بن عمر فِي حَدِيثه إزَاره؟ (فَقَالَ: مَا خص إزاراً وَلَا قَمِيصًا) وَحَاصِله أَن التَّعْبِير بِالثَّوْبِ أشمل يتَنَاوَل الْإِزَار وَغَيره. تابَعَهُ جَبَلَةُ بنُ سُحَيْمٍ وزَيْدُ بنُ أسْلَمَ وَزَيْدُ بنُ عبْدِ الله عنِ ابنِ عُمَرَ عنِ النبيِّ ﷺ . أَي: تَابع محَارب بن دثار جبلة بِفَتْح الْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة ابْن سحيم بِضَم السِّين وَفتح الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَتَابعه أَيْضا زيد بن أسلم وَزيد بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب ﵃ يَعْنِي هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة تابعوا مُحَاربًا فِي رِوَايَته عَن ابْن عمر بِلَفْظ الثَّوْب لَا بِلَفْظ الْإِزَار. أما مُتَابعَة جبلة فأخرجها مُسلم: حَدثنَا ابْن الْمثنى حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر حَدثنَا شُعْبَة عَن محَارب ابْن دثار وجبلة بن سحيم عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ بِمثل حَدِيثهمْ، فأحاله على مَا قبله، وَهُوَ حَدِيث نَافِع وَغَيره عَن عبد الله بن عمر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: إِن الَّذِي يجر ثَوْبه من الْخُيَلَاء لَا ينظر الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة. وَأما مُتَابعَة زيد بن أسلم فأخرجها مُسلم أَيْضا: حَدثنَا يحيى بن يحيى قَالَ: قَرَأت على مَالك عَن نَافِع وَعبد الله بن دِينَار وَزيد بن أسلم، كلهم يُخبرهُ عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: لَا ينظر الله إِلَى من جر ثَوْبه خُيَلَاء. وَأما مُتَابعَة زيد بن عبد الله فَلم يظفر بهَا صَرِيحًا، وَلَكِن روى أَبُو عوَانَة من رِوَايَة ابْن وهب عَن عمر بن مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله عَن أَبِيه بِلَفْظ: إِن الَّذِي يجر ثَوْبه من الْخُيَلَاء لَا ينظر الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة. وَقَالَ اللَّيْثُ عنْ نافِعَ عنِ ابنِ عُمَرَ مِثْلَهُ. أَي قَالَ اللَّيْث بن سعد عَن نَافِع مولى ابْن عمر عَن عبد الله بن عمر مثل الحَدِيث الْمَذْكُور، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق مُسلم عَن قُتَيْبَة، وَابْن رمح عَن اللَّيْث بن سعد، الحَدِيث أَحَالهُ مُسلم على مَا رُوِيَ قبله، وَلَفظه: لَا ينظر الله إِلَى من يجر ثَوْبه خُيَلَاء ... وتابَعَهُ مُوساى بنُ عُقْبَةَ وعُمَرُ بنُ مُحَمَّدٍ وقُدَامَةُ بنُ مُوسَى عنْ سالِمٍ عنِ ابنِ عُمَرَ عنِ النبيِّ ﷺ : مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ. أَي: تَابع نَافِعًا فِي رِوَايَته بِلَفْظ الثَّوْب مُوسَى بن عقبَة بن أبي عَيَّاش الْأَسدي الْمَدِينِيّ، وَتَابعه أَيْضا عمر بن مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر، وَقُدَامَة بن مُوسَى بن عمر بن قدامَة بن مَظْعُون الجُمَحِي الْمدنِي التَّابِعِيّ الصَّغِير، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ

стр. 6500

إِلَّا هَذَا الْموضع. أما مُتَابعَة مُوسَى بن عقبَة فَذكرهَا البُخَارِيّ مُسْندًا فِي أول أَبْوَاب اللبَاس عَن أَحْمد بن يُونُس عَن زُهَيْر عَن مُوسَى بن عقبَة عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: من جر ثَوْبه خُيَلَاء ... الحَدِيث. وَأما مُتَابعَة عمر بن مُحَمَّد فوصلها مُسلم: حَدثنِي أَبُو الطَّاهِر أخبرنَا عبد الله أخبرنَا عمر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن سَالم بن عبد الله وَنَافِع عَن عبد الله بن عمر: أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: إِن الَّذِي يجر ثَوْبه من الْخُيَلَاء ... الحَدِيث. وَأما مُتَابعَة قدامَة بِضَم الْقَاف وَتَخْفِيف الدَّال الْمُهْملَة ابْن مُوسَى الجُمَحِي فوصلها أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) بِلَفْظ حَدِيث مَالك الْمَذْكُور فِي أول الْبَاب. ٦ - (بابُ الإزارِ المُهَدَّبِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم لبس الْإِزَار المهدب بِضَم الْمِيم وَفتح الْهَاء وَتَشْديد الدَّال الْمُهْملَة وبالباء الْمُوَحدَة على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول وَهُوَ الْإِزَار الَّذِي لَهُ هدب جمع هدبة وَهِي الخملة، وَمَا على أَطْرَاف الثَّوْب، قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ غَيره: المهدب الَّذِي لَهُ هدب وَهِي أَطْرَاف من سدًى بِغَيْر لحْمَة، وَرُبمَا يقْصد بهَا التجمل، وَقد تفتل صِيَانة لَهَا من الْفساد، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هِيَ مَا يبْقى من الخيوط من أَطْرَاف الأردية. ويُذْكَرُ عنِ الزُّهْرِيِّ وَأبي بَكْرِ بنِ مُحَمَّدٍ وحْمْزَة بنِ أبي أُسَيْدٍ ومُعاوِيَةَ بنِ عبْدِ الله بنِ جَعْفَرٍ أنَّهُمْ لَبِسُوا ثيابًا مُهَدَّبَةً. الزُّهْرِيّ: هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَأَبُو بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم الْأنْصَارِيّ قَاضِي الْمَدِينَة، وَحَمْزَة بن أبي أسيد مصغر أَسد الْأنْصَارِيّ السَّاعِدِيّ، وَمُعَاوِيَة بن عبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب الْمدنِي التَّابِعِيّ، مَا لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع قَالَ ابْن بطال. الثِّيَاب المهدبة من لبس السّلف وَأَنه لَا بَأْس بِهِ وَلَيْسَ ذَلِك من الْخُيَلَاء، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث جَابر: رَأَيْت النَّبِي ﷺ وَهُوَ محتبٍ بشملة قد وَقع هدبها على قدمه، وَفِيه: وَإِيَّاك وإسبال الْإِزَار فَإِنَّهُ من المخيلة. ٥٧٩٢ - حدّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النبيِّ ﷺ ، قالَتْ: جاءَتِ امْرَأةُ رِفاعَةَ القُرَظِيِّ رسولَ الله ﷺ وَأَنا جالِسَةٌ وعِنْدَهُ أبُو بَكْرٍ، فقالَتْ: يَا رسولَ الله ﴿إنِّي كُنْتُ تَحْتَ رفاعَةَ فَطَلَّقَني فَبَتَّ طَلاقِي، فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عبْدَ الرَّحْمانِ بنَ الزَّبِيرِ وإنَّهُ وَالله مَا مَعَهُ يَا رَسُول الله إلَاّ مِثْلُ هاذِهِ الهُدْبَةِ، وأخَذَتْ هُدْبةً مِنْ جِلْبابِها، فَسَمِعَ خالِدُ بنُ سَعيدٍ قَوْلَها وهْوَ بِالْبابِ لَمْ يُؤْذَنْ لهُ، قالَت: فَقَالَ خالِدٌ: يَا أَبَا بَكْرٍ﴾ ألَا تَنْهِي هاذِهِ عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رسولِ الله ﷺ ، فَلا وَالله مَا يَزيدُ رسُولُ الله ﷺ عَلى التَّبَسُّمِ، فَقَالَ لَها رسُولُ الله ﷺ : لَعَلَّكِ تُرِيدينَ أنْ تَرْجِعِي إِلَى رفاعَةَ؟ لَا حتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، فَصارَتْ سُنَّةً بَعْدُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إلَاّ مثل هَذِه الهدبة) وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة. والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الطَّلَاق فِي: بَاب من أجَاز طَلَاق الثَّلَاث، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن سعيد بن عفير عَن اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة ابْن الزبير إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (لَا) أَي: لَا يجوزلك أَن تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَة (حَتَّى يَذُوق عُسَيْلَتك) والعسيلة كِنَايَة عَن لَذَّة الْجِمَاع، وَالْعَسَل يؤنث فِي بعض اللُّغَات. قَوْله: (فَصَارَت سنة بعد) من كَلَام الزُّهْرِيّ أَي: صَارَت هَذِه الْقَضِيَّة شَرِيعَة بعد ذَلِك، يَعْنِي: أَن الْمُطلقَة ثَلَاثًا لَا تحل للزَّوْج الأول إلَاّ بعد جماع الزَّوْج الثَّانِي. قَوْله: (بعد) بِضَم الدَّال، هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: بعده، بالضمير. ٧ - (بابُ الأرْدِيَةِ)

стр. 6501

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر الأردية، وَهُوَ جمع رِدَاء بِالْمدِّ، وَهُوَ مَا يوضع على العاتق أَو بَين الْكَتِفَيْنِ من الثِّيَاب على أَي صفة كَانَ. وَقَالَ أنَسٌ: جَبَذَ أعْرابِيٌّ رِداءَ النبيِّ ﷺ هَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث أخرجه فِي بَاب البرود والحبرة على مَا يَجِيء فِي هَذَا بعد تِسْعَة أَبْوَاب. قَوْله: جبذ بِالْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة والذال الْمُعْجَمَة وَهُوَ بِمَعْنى: جذب. ٥٧٩٣ - حدّثنا عَبْدانُ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبرنِي عَلِيُّ بنُ حُسَيْنٍ أنَّ حُسَيْنَ بنَ عَليٍّ أخبرهُ أنَّ عَلِيًّا ﵁ قَالَ: فدَعا النبيُّ ﷺ بِرِدائِهِ فارْتَدَى بِهِ ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشي واتَّبَعْتُهُ أَنا وزَيْدُ بنُ حارِثَةَ حتَّى جاءَ البَيْتَ الذِي فيهِ حَمْزَةُ، فاسْتَأْذَنَ فأذِنُوا لَهُمْ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَدَعَا النَّبِي ﷺ بردائه فارتدى بِهِ) وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد. والْحَدِيث مضى مطولا فِي: بَاب فرض الْخمس، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ أَيْضا بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه عَن عَبْدَانِ: أخبرنَا عبد الله أخبرنَا يُونُس عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: أَخْبرنِي عَليّ بن الْحُسَيْن أَن الْحُسَيْن بن عَليّ أخبرهُ أَن عليا ﵁ قَالَ: كَانَ لي شَارف من نَصِيبي من الْمغنم يَوْم بدر إِلَى آخِره. قَوْله: (فِيهِ حَمْزَة) هُوَ ابْن عبد الْمطلب. قَوْله: (فأذنوا لَهُم) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِصِيغَة الْجمع وَالْمرَاد حَمْزَة وَمن كَانَ مَعَه، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: فاذن، بِالْإِفْرَادِ أَي: فَأذن حَمْزَة ﵁. ٨ - (بابُ لُبْسِ القَمِيصِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان لبس الْقَمِيص، أَرَادَ أَن لبسه لَيْسَ بحادث، وَإِن كَانَ الشَّائِع فِي الْعَرَب لبس الْإِزَار والرداء. وقَوْلِ الله تَعَالَى حِكايَةً عنْ يُوسُفَ ﴿اذْهَبُوا بقميصي هَذَا فألقوه على وَجه أبي يَأْتِ بَصيرًا﴾ (يُوسُف: ٩٣) . وَقَول الله، مجرور عطفا على قَوْله: لبس الْقَمِيص، ذكر هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة إِشَارَة إِلَى أَن الْقَمِيص قديم، وَقَالَ ابْن بطال: إِن لبس الْقَمِيص من الْأَمر الْقَدِيم. ٥٧٩٤ - حدّثنا قُتَيْبَةُ حَدثنَا حَمادٌ عنْ أيوبَ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رسولَ الله ﴿مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّياب؟ فَقَالَ النبيُّ ﷺ : لَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ القَمِيصَ وَلَا السَّراوِيلَ وَلَا البُرْنسَ وَلَا الخُفَّيْنِ إلَاّ أنْ لَا يَجِدَ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ مَا هُوَ أسْفَلُ مِنَ الكَعْبَيْنِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَا يلبس الْمحرم الْقَمِيص) وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب من أجَاب السَّائِل بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ، وَمضى أَيْضا فِي كتاب الْحَج فِي: بَاب مَا ينْهَى عَن الطّيب للْمحرمِ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٥٧٩٥ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ أخبرنَا ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ عَمْرٍ وسَمِعَ جابِرَ بنَ عبْدِ الله ﵄ قَالَ: أتَى النبيُّ ﷺ عبْدَ الله بنَ أُبَيٍّ بَعْدَما أُدْخِلَ قَبْرَهُ فأمَرَ بِهِ فأُخْرِجَ وَوُضِعَ عَلى رُكْبَتَيْهِ، ونَفَثَ عليْهِ مِنْ رِيقِهِ وألْبَسَهُ قَمِيصَهُ، وَالله أعْلَمُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَألبسهُ قَمِيصه) وَعبد الله بن مُحَمَّد هُوَ المسندي، وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَعَمْرو بن دِينَار. والْحَدِيث مضى بأتم مِنْهُ فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب هَل يخرج الْمَيِّت من الْقَبْر؟ وَمضى الْكَلَام فِيهِ. وَعبد الله بن أبي بن سلول الْمُنَافِق، وَالله أعلم بالحكمة فِي هَذَا الْإِحْسَان إِلَيْهِ. قَوْله: (رُكْبَتَيْهِ) بالتثنية، ويروى: ركبته بِالْإِفْرَادِ. ٥٧٩٦ - حدّثنا صَدَقَةُ أخبرنَا يَحْياى بنُ سَعيدٍ عنْ عُبَيْدِ الله، قَالَ: أَخْبرنِي نافِعٌ عنْ عبْدِ الله قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عبْدُ الله بنُ أُُبَيٍّ جاءَ ابْنُهُ إِلَى رسولِ الله ﷺ فَقَالَ: يَا رسُولَ الله﴾ أعْطِنِي قَمِيصَكَ

стр. 6502

أُكَفِّنْهُ فِيهِ وصَلِّ عَليهِ واسْتغْفِر لَهُ، فأعْطاهُ قَمِيصَهُ، وَقَالَ لهُ: إِذا فَرَغْتَ مِنْهُ فآذِنَّا، فلَمَّا فرَغَ آذَنَهُ بِهِ فَجاءَ لِيُصَلِّيَ عَليْهِ فَجذَبَهُ عُمَرُ، فَقَالَ: ألَيْسَ قَدْ نَهاكَ الله أنْ تُصَلِّيَ على المُنافِقِينَ؟ فَقَالَ: ﴿اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم إِن تستغفر لَهُم سبعين مرّة فَلَنْ يغْفر الله لَهُم﴾ (التَّوْبَة: ٨٠) . فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا وَلَا تقم على قَبره﴾ (التَّوْبَة: ٨٤) فَتَرَك الصَّلاةَ عَليْهِمْ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَعْطِنِي قَمِيصك) وَفِي قَوْله: (فَأعْطَاهُ قَمِيصه) . وَصدقَة هُوَ ابْن الْفضل، وَيحيى بن سعيد الْقطَّان، وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ. والْحَدِيث مضى فِي سُورَة بَرَاءَة وَمضى الْكَلَام فِيهِ. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: لم أر للقميص ذكرا صَحِيحا إِلَّا فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة. وقصة ابْن أبي، وَلم أر لَهما ثَالِثا فِيمَا يتَعَلَّق بِالنَّبِيِّ ﷺ ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ جَاءَ ذكر الْقَمِيص فِي عدَّة أَحَادِيث أخر. مِنْهَا: حَدِيث عَائِشَة الَّذِي مضى فِي الْجَنَائِز: كفن رَسُول الله ﷺ فِي ثَلَاثَة أَثوَاب لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة. وَمِنْهَا: حَدِيث أم سَلمَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: (كَانَ أحب الثِّيَاب إِلَى رَسُول الله ﷺ الْقَمِيص) وَمِنْهَا: حَدِيث أَسمَاء بنت يزِيد بن السكن، قَالَت: (كَانَ كم رَسُول الله ﷺ إِلَى الرسغ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا لبس قَمِيصًا بَدَأَ بميامنه) ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا، ثمَّ قَالَ: رَوَاهُ غير وَاحِد عَن شُعْبَة وَلم يرفعهُ وَإِنَّمَا رَفعه عبد الصَّمد بن عبد الْوَهَّاب عَن شُعْبَة وَمن هَذَا الْوَجْه أخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَمِنْهَا: حَدِيث أبي سعيد أخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا: كَانَ ﷺ إِذا استجد ثوبا سَمَّاهُ باسم عِمَامَة أَو قَمِيصًا أَو رِدَاء وَذكر أَبُو دَاوُد أَن حَمَّاد بن سَلمَة وَعبد الْوَهَّاب أَرْسلَاهُ. ٩ - (بابُ جَيْبِ القَمِيصِ مِنْ عِنْدِ الصَّدْرِ وغيْرِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر جيب الْقَمِيص الْكَائِن من عِنْد الصَّدْر، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا وَقع فِي حَدِيث الْبَاب من قَوْله: وَيَقُول بإصبعه هَكَذَا فِي جيبه، فَإِن الظَّاهِر أَنه كَانَ لابس قَمِيص وَكَانَ فِي طوقه فَتْحة إِلَى صَدره، وَعَن هَذَا قَالَ ابْن بطال: كَانَ الجيب فِي ثِيَاب السّلف عِنْد الصَّدْر، وَاعْترض الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ: كَانَ أَبَا عبد الله أورد الْخَبَر فَيصير مَا يوضع فِيهِ شَيْء فِي الصَّدْر وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا الجيب الَّذِي يُحِيط بالعنق جيب فِي الثَّوْب أَي: جعل فِيهِ ثقب وإدخاله ﷺ إصبعيه من الجيب حَيْثُ يَلِي الصَّدْر. قلت: الجيب بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالباء الْمُوَحدَة، وَهُوَ مَا يقور من الثَّوْب ليخرج مِنْهُ رَأس اللابس، وَيُسمى ذَلِك الْموضع المقور جيباً، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الجيب للقميص، تَقول: جبت الْقَمِيص أجوبة وأجيبه إِذا قورت جيبه، وَذكره فِي بَاب معتل الْعين من الْوَاو، وَفِي (الْمطَالع) : وَقيل: هُوَ من ذَوَات الْيَاء. ٥٧٩٧ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حَدثنَا أبُو عامِرٍ حَدثنَا إبْراهِيمُ بنُ نافِعٍ عنِ الحَسَنِ عنْ طاوُوس عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: ضَرَبَ رسُولُ الله ﷺ مَثَلَ البَخِيلِ والْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَليْهِما جُبَّتانِ مِنْ حَدِيدٍ قَدِ اضْطَرَّتْ أيْدِيهُما إِلَى ثُدِيِّهِما وتَرَاقِيهِما، فَجَعَلَ المتَصَدِّقُ كُلَّما تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ انْبَسَطَتْ عَنْهُ حتَّى تَغْشَى أنامِلَهُ وتعْفُوَ أثَرَهُ، وجَعَلَ البخِيلُ كُلَّما هَمَّ بِصَدَقَةٍ قَلَصَتْ وأخَذَتْ كلُّ حَلْقَةٍ بِمَكانِها، قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ: فَأَنا رأيْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ بإصْبَعِهِ هاكَذَا فِي جَيْبِهِ، فَلوْ رأيْتَهُ يُوَسِّعُها وَلَا تَتَوَسَّعُ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَيَقُول بإصبعه هَكَذَا فِي جيبه) وَتَمام الْكَلَام مر آنِفا، وَعبد الله بن مُحَمَّد هُوَ المنسدي، وَأَبُو عَامر عبد الْملك الْعَقدي بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالْقَاف، وَإِبْرَاهِيم بن نَافِع المَخْزُومِي، وَالْحسن هُوَ ابْن مُسلم بن يناق الْمَكِّيّ. والْحَدِيث قد مرفى الزَّكَاة فِي: بَاب مثل الْمُتَصَدّق والبخيل، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من طَرِيقين، وَأخرجه أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل: مثل الْبَخِيل والمتصدق شبههما برجلَيْن أَرَادَ كل مِنْهُمَا أَن يلبس درعاً، فَجعل مثل الْمُنفق مثل من لبسهَا سابغة فاسترسلت عَلَيْهِ

стр. 6503

حَتَّى سترت جَمِيع بدنه وَزِيَادَة، وَمثل الْبَخِيل كَرجل يَده مغلولة إِلَى عُنُقه مُلَازمَة لتر قوته، وَصَارَت الدرْع ثقلاً ووبالاً عَلَيْهِ لَا يَتَّسِع بل تنزوي عَلَيْهِ من غير وقاية لَهُ. قَوْله: (عَلَيْهِمَا جبتان) بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة تَثْنِيَة جُبَّة. قَوْله: (إِلَى ثديهما) بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَكسر الدَّال الْمُهْملَة جمع ثدي، والثدي يذكر وَيُؤَنث، وَهُوَ للْمَرْأَة وَالرجل وَالْجمع أثد وثدي على فعول وثدي أَيْضا بِكَسْر الثَّاء لما بعْدهَا من الْكسر. قَوْله: (وتراقيهما) تَثْنِيَة ترقوة بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الرَّاء وَضم الْقَاف، وَهِي الْعظم الَّذِي بَين ثغرة النَّحْر والعاتق. قَوْله: (حَتَّى تغشى) أَي: حَتَّى تغطي أنامله، وَهِي رُؤُوس الْأَصَابِع وَاحِدهَا أُنملة، وفيهَا تسع لُغَات بِتَثْلِيث الْهمزَة مَعَ تثليث الْمِيم. قَوْله: (وَتَعْفُو أَثَره) أَي: تمحو آثَار مشْيَة لسبوغها وطولها وإسبال ذيلها. قَوْله: (قلصت) بِالْقَافِ وَالصَّاد الْمُهْملَة، أَي: تَأَخَّرت وانضمت وانزوت. قَوْله: (كل حَلقَة) بِسُكُون اللَّام وَكَذَا حَلقَة الْبَاب وَالْقَوْم وَجَمعهَا حلق على غير قِيَاس، يَعْنِي: بِفَتْح اللَّام وَحكى عَن أبي عَمْرو: أَن الْوَاحِد حَلقَة بِالتَّحْرِيكِ وَالْجمع حلق بِالْفَتْح، وَقَالَ الشَّيْبَانِيّ: لَيْسَ فِي الْكَلَام حَلقَة بِالتَّحْرِيكِ إلَاّ جمع حالق. قَوْله: (يَقُول بإصبعه هَكَذَا فِي جيبه) بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده: جبته، بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا تَاء مثناة من فَوق ثمَّ ضمير، وَالْأول أولى لموافقته للتَّرْجَمَة وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم، وَعَلِيهِ اقْتصر الْحميدِي. وَفِيه: دلَالَة على أَن جيبه ﷺ كَانَ فِي صَدره لِأَنَّهُ لَو كَانَ فِي يَده لم تضطر يَدَاهُ إِلَى ثدييه وتراقيه. قَوْله: (فَلَو رَأَيْته) جَوَابه مَحْذُوف نَحْو: لتعجبت مِنْهُ، أَو: هُوَ لِلتَّمَنِّي فَلَا يحْتَاج إِلَى جَوَاب. قَوْله: (يوسعها) أَي: يُوسع الْبَخِيل الْجُبَّة الَّتِي عَلَيْهِ يَعْنِي: كلما يعالج أَن يوسعها فَلَا تتوسع بل تزداد ضيقا ولزاماً. تابَعَهُ ابنُ طاوُوس عنْ أبِيهِ وأبُو الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ فِي الجُبَّتَيْنِ. وَقَالَ حَنْظَلَة: سَمِعْتُ طاوُوساً سمِعتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: جُبَّتانِ، وَقَالَ جَعْفَرٌ عنِ الأعْرَجِ: جُنَّتانِ. أَي: تَابع الْحسن بن مُسلم ابْن طَاوُوس يَعْنِي عبد الله عَن أَبِيه طَاوُوس عَن أبي هُرَيْرَة فِي رِوَايَته: جبتان، بِالْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة. وَأخرج البُخَارِيّ هَذِه الْمُتَابَعَة مُسندَة فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب مثل الْمُتَصَدّق والبخيل، رَوَاهُ عَن مُوسَى عَن وهيب عَن ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة ... الحَدِيث، وَفِيه: جبتان، بِالْبَاء الْمُوَحدَة الْمُشَدّدَة. قَوْله: (وَأَبُو الزِّنَاد) أَي: وَتَابعه أَيْضا أَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج، وَأخرج هَذِه الْمُتَابَعَة أَيْضا فِي الْبَاب الْمَذْكُور عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن أبي الزِّنَاد عَن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة. وَفِيه أَيْضا: جبتان، بِالْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (وَقَالَ حَنْظَلَة) هُوَ ابْن أبي سُفْيَان إِلَى آخِره ... وَفِيه أَيْضا: جبتان، بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَقد مر فِي الزَّكَاة أَيْضا قَوْله: (وَقَالَ جَعْفَر عَن الْأَعْرَج: جنتان) أَي: قَالَ جَعْفَر بن ربيعَة عَن عبد الرَّحْمَن الْأَعْرَج: جنتان، بالنُّون تَثْنِيَة جنَّة، وَهِي الْوِقَايَة هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: جَعْفَر بن ربيعَة، وَهُوَ الصَّوَاب، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: جَعْفَر بن حَيَّان، وَكَذَا وَقع عِنْد ابْن بطال، وَهُوَ خطأ وَقد ذكرهَا فِي الزَّكَاة، وَقَالَ اللَّيْث: حَدثنِي جَعْفَر عَن ابْن هُرْمُز سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ : جنتان. ١٠ - (بابُ مَنْ لَبِسَ جُبَّةً ضَيِّقَةَ الكُمَّيْنِ فِي السَّفَرِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ من لببس جُبَّة، وَقد ترْجم فِي كتاب الصَّلَاة بقوله: الصَّلَاة فِي الْجُبَّة الشامية، وَفِي الْجِهَاد: الْجُبَّة فِي السّفر وَالْحَرب. ٥٧٩٨ - حدّثنا قَيْسُ بنُ حَفْصٍ حدَّثنا عبْدُ الوَاحِدِ حدَّثنا الأعْمَشُ، قَالَ: حدّثني أبُو الضُّحَى قَالَ حدّثني مَسْرُوقٌ قَالَ: حدّثني المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ قَالَ: انْطلَقَ النبيُّ ﷺ لِحاجَتِهِ ثُمَّ أقْبَلَ فَتَلقَّيْتُهُ بِماءٍ فَتَوَضَّأ وعليْهِ جُبَّةٌ شأْمِيَّةٌ، فَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ وغَسَلَ وجْهَهُ، فَذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْهِ فَكانا ضَيِّقَيْنِ، فأخرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ الجُبَّةِ فَغَسَلَهُما ومَسَحَ برَأسِهِ وعَلى خُفَّيْهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَقيس بن حَفْص الدَّارمِيّ الْبَصْرِيّ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، مَاتَ سنة سبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ

стр. 6504

أَو نَحْوهَا. قَالَه البُخَارِيّ وَعبد الْوَاحِد هُوَ ابْن زِيَاد، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَأَبُو الضُّحَى هُوَ مُسلم بن صبيح. والْحَدِيث قد مر فِي الْوضُوء فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ. قَوْله: (شامية) بتَشْديد الْيَاء وَيجوز تخفيفها. قَوْله: (فَأخْرج يَدَيْهِ من تَحت الْجُبَّة) وَوَقع فِي رِوَايَة على ابْن السكن من تَحت بدنه بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالدال الْمُهْملَة بعْدهَا نون أَي: جبته، وَالْبدن درع ضيقَة الكمين. ١١ - (بابُ لُبْسِ جُبَّةِ الصُّوفِ فِي الغَزْوِ) أَي: هَذَا بَاب فِي لبس جُبَّة الصُّوف، وَفِي بعض النّسخ بِلَفْظ: لبس جُبَّة الصُّوف، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: فِي الْغَزْو، وَأَرَادَ بِلَفْظ: الْغَزْو السّفر، وَعَن مَالك: لَا أكره لبس الصُّوف لمن لم يجد غَيره، وأكرهه لمن يجد غَيره، لِأَن غَيره أبعد من الشُّهْرَة مِنْهُ. ٥٧٩٩ - حدّثنا أبُو نعَيْمٍ حدّثنا زَكَرِيَّا عنْ عامِرٍ عنْ عُرْوَةَ بنِ المُغِيرَةِ عنْ أبِيهِ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النبيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي سَفَرٍ فَقَالَ: أمَعَكَ ماءٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَنزَلَ عنْ راحِلَتِهِ فَمَشَى حتَّى تَوارَى عَنِّي فِي سَوادِ اللَّيْلِ، ثُمَّ جاءَ فأفْرَغْتُ علَيْهِ الإِداوَةَ، فَغَسَلَ وجْهَهُ ويَدَيْهِ، وعَليْهِ جبَّةٌ مِنْ صُوفٍ فَلمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُخْرِجَ ذِراعَيْهِ منْها حتَّى أخْرَجَهُما مِنْ أسْفَلِ الْجُبَّة فَغَسلَ ذرَاعَيْهِ ثُمَّ مسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أهْوَيْتُ لإنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: دَعْهُما فإِنِّي أدْخَلْتُهُما طاهِرَتَيْنِ، فَمَسَحَ عَليْهِما. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَعَلِيهِ جُبَّة من صوف) وَأَبُو نعيم بِضَم النُّون الْفضل بن دُكَيْن وزَكَرِيا هُوَ ابْن أبي زَائِدَة، وعامر هُوَ الشّعبِيّ، وَعُرْوَة بن الْمُغيرَة يروي عَن أَبِيه الْمُغيرَة بن شُعْبَة. والْحَدِيث قد مضى فِي الْوضُوء فِي: بَاب إِذا أَدخل رجلَيْهِ وهما طاهرتان. وَأخرجه بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد عَن أبي نعيم إِلَى آخِره، وَلَكِن هَذَا أتم من ذَاك، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ١٢ - (بابُ القَباءِ وفَرُّوجٍ حَرِير وهْوَ القَباءُ. ويُقالُ: هُوَ الَّذِي لهُ شَقٌّ مِنْ خَلْفِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر القباء، بِفَتْح الْقَاف وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وبالمد، فَارسي مُعرب، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: هُوَ مَأْخُوذ من قبوت الشَّيْء إِذا جمعته. . قَوْله: (وفروج) بِفَتْح الْفَاء وَتَشْديد الرَّاء المضمومة وبالجيم. قَوْله: (حَرِير) ، بِالْجَرِّ صفته. قَوْله: (وَهُوَ القباء) أَي: الْفروج هُوَ القباء. قَوْله: (وَيُقَال: هُوَ الَّذِي) أَي: الْفروج هُوَ الَّذِي لَهُ شقّ بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة من خَلفه، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: القباء والفروج كِلَاهُمَا ثوب ضيق الكمين وَالْوسط مشقوق من خَلفه يلبس فِي السّفر وَالْحَرب لِأَنَّهُ أعون على الْحَرَكَة، وَقَالَ ابْن بطال: القباء من لبس الْأَعَاجِم. ٥٨٠٠ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عنِ ابنِ أبي مُلَيْكَةَ عنِ المِسْوَر بنِ مخْرمَةَ أنَّهُ قَالَ: قَسَمَ رسولُ الله ﷺ أقْبِيَةً ولَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةً شيْئاً، فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا بُنَيَّ انْطَلِقْ بِنا إِلَى رسُولِ الله ﷺ ، فانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَقَالَ: ادْخُلْ فادْعُهُ لي، قَالَ: فَدَعَوْتُهُ لهُ فَخَرَجَ إلَيْهِ وعَليْهِ قَباءٌ مِنْها، فَقَالَ: خَبأْتُ هاذَا لَكَ؟ قَالَ: فَنظَرَ إلَيْهِ فَقَالَ: رضيَ مَخْرَمَةُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَابْن أبي مليكَة بِضَم الْمِيم عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة، والمسور بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو وبالراء ابْن مخرمَة بِفَتْح الميمين وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء كِلَاهُمَا صحابيان، ومخرمة بن نَوْفَل الزُّهْرِيّ كَانَ من رُؤَسَاء قُرَيْش وَمن العارفين بِالنّسَبِ وأنصاب الْحرم، وَتَأَخر إِسْلَامه إِلَى الْفَتْح وَشهد حنيناً وَأعْطى من تِلْكَ الْغَنِيمَة مَعَ الْمُؤَلّفَة، وَمَات مخرمَة سنة أَربع وَخمسين وَهُوَ ابْن مائَة وَخمْس عشرَة سنة، ذكره ابْن سعد. والْحَدِيث قد مضى فِي الْهِبَة فِي: بَاب كَيفَ يقبض العَبْد وَالْمَتَاع بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن، وَمضى فِي الشَّهَادَات أَيْضا وَالْخمس. قَوْله: (ادخل

стр. 6505

فَادعه لي) وَفِي رِوَايَة حَاتِم بن وردان: فَقَامَ أبي على الْبَاب فَتكلم، فَعرف النَّبِي ﷺ صَوته وَقَالَ ابْن التِّين: لَعَلَّ خُرُوج النَّبِي ﷺ عِنْد سَماع صَوت مخرمَة صَادف دُخُول الْمسور إِلَيْهِ. قَوْله: (فَخرج) أَي النَّبِي ﷺ (وَعَلِيهِ قبَاء مِنْهَا) أَي من تِلْكَ الأقبية، ظَاهره اسْتِعْمَال الْحَرِير، قيل: وَيجوز أَن يكون قبل النَّهْي، وَيجوز أَن يكون خرج، وَقد نشرها على يَدَيْهِ فَيكون قَوْله: (وَعَلِيهِ) من إِطْلَاق الْكل على الْجُزْء، وَقد وَقع فِي رِوَايَة حَاتِم: فَخرج وَمَعَهُ قبَاء وَهُوَ يرِيه محاسنه. قَوْله: (قَالَ: رَضِي مخرمَة) قَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا من كَلَام النَّبِي ﷺ ، وَقيل: من كَلَام مخرمَة، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ بأبسط من هَذَا. ٥٨٠١ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ عنْ أبي الخَيْرِ عنْ عُقْبَةَ ابنِ عامِرٍ ﵁ أنَّهُ، قَالَ: أُُهْدِيَ لِرَسُولِ الله ﷺ فَرُّوجُ حَرِيرٍ فَلبِسَهُ ثُمَّ صَلى فيهِ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَزَعَهُ نَزْعاً شَدِيداً كالْكارِهِ لهُ، ثُمَّ قَالَ: لَا يَنْبَغِي هاذَا لِلْمُتقِينَ. (انْظُر الحَدِيث: ٣٧٥) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فروج حَرِير) وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن أبي حبيب واسْمه سُوَيْد الْمصْرِيّ، وَأَبُو الْخَيْر مرْثَد بن عبد الله الْيَزنِي. والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب من صلى فِي فروج حَرِير ثمَّ نَزعه، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن اللَّيْث إِلَى آخِره. قَوْله: (فروج حَرِير) بِالْإِضَافَة، وَفِي رِوَايَة أَحْمد: فروج من حَرِير، وَفِي (التَّوْضِيح) : الْفروج بِفَتْح الْفَاء وَضمّهَا وَقَالَ ابْن فَارس: هُوَ قَمِيص صَغِير، قَالَ: وَيُقَال: هُوَ القباء، وَفِي بعض الرِّوَايَات مخفف الرَّاء وَفِي بَعْضهَا بِالتَّشْدِيدِ، وَيحْتَمل أَن يُرِيد بِأَن أَحدهمَا غير مُضَاف وَالْآخر مُضَاف كَثوب حَرِير وَبَاب حَدِيد، وَفِي بعض الْكتب ضبط أَحدهمَا بِفَتْح الْفَاء وَالْآخر بضَمهَا وَالْفَتْح أوجه فَافْهَم قَوْله: (نزعاً شَدِيدا) وَزَاد فِي رِوَايَة أَحْمد: عنيفاً، أَي: بِقُوَّة ومبادرة لذَلِك على خلاف عَادَته فِي الرِّفْق، وَيجوز أَن يكون ذَلِك لأجل وُقُوع التَّحْرِيم حينئذٍ. قَوْله: (هَذَا) يجوز أَن يكون إِشَارَة إِلَى اللّبْس وَأَن يكون إِشَارَة للحرير لكَونه حرم حينئذٍ، وَقَالَ ابْن بطال: يُمكن أَن يكون نَزعه لكَونه كَانَ حَرِيرًا صرفا، وَيُمكن أَن يكون نَزعه لِأَنَّهُ من جنس لِبَاس الْأَعَاجِم، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: المُرَاد بالمتقين الْمُؤْمِنُونَ، لأَنهم هم الَّذين خَافُوا الله تَعَالَى واتقوه بإيمَانهمْ وطاعتهم لَهُ. تابَعَهُ عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ عنِ اللَّيْثِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: فَرُّوجٌ حَرِيرٌ أَي: تَابع قُتَيْبَة بن سعيد فِي رِوَايَته عَن اللَّيْث عبد الله بن يُوسُف شيخ البُخَارِيّ، وَرَوَاهُ عَن اللَّيْث، وَمر هَذَا مُسْندًا فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب من صلى فِي فروج حَرِير، ثمَّ نَزعه؛ حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف قَالَ: حَدثنَا اللَّيْث عَن يزِيد عَن أبي الْخَيْر عَن عقبَة بن عَامر إِلَى آخِره. قَوْله: (وَقَالَ غَيره) أَي: غير عبد الله بن يُوسُف، قَالَ: فروج، يَعْنِي أَن لفظ حَرِير مَرْفُوع صفة لفروج، وَقد روى هَذِه الرِّوَايَة أَحْمد عَن حجاج بن مُحَمَّد وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ عَن قُتَيْبَة، والْحَارث عَن يُونُس بن مُحَمَّد الْمُؤَدب كلهم عَن اللَّيْث. وَاخْتلفُوا فِي الْمُغَايرَة بَين الرِّوَايَتَيْنِ على خَمْسَة أوجه. الأول: التَّنْوِين وَالْإِضَافَة كَمَا تَقول: ثوبُ خَز بِالْإِضَافَة، وثوبٌ خزٌ بِالصّفةِ. الثَّانِي: ضم الْفَاء فِيهِ وَفتحهَا حَكَاهُ ابْن التِّين من حَيْثُ الرِّوَايَة، قَالَ: وَالْفَتْح أوجه، لِأَن فعولًا لم يرد إلَاّ فِي سبوح وقدوس وفروخ فرخ الدَّجَاج، وَحكى عَن أبي الْعَلَاء المغربي جَوَاز الضَّم، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: حُكيَ الضَّم وَالْفَتْح وَالضَّم هُوَ الْمَعْرُوف. الثَّالِث: تَشْدِيد الرَّاء وتخفيفها، حَكَاهُ عِيَاض. الرَّابِع: هَل هُوَ بجيم فِي آخِره أَو بخاء مُعْجمَة؟ حَكَاهُ عِيَاض أَيْضا الْخَامِس: مَا حَكَاهُ الْكرْمَانِي فَقَالَ: الأول فروج من حَرِير بِزِيَادَة: من، وَالثَّانِي: بحذفها، وَقَالَ بَعضهم: وَزِيَادَة: من، لَيْسَ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) قلت: مَا ادّعى الْكرْمَانِي أَنَّهَا فِي (الصَّحِيحَيْنِ) وَهِي رِوَايَة عَن أَحْمد. ١٣ - (بابُ البَرانِسِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ لبس البرانس وَهُوَ جمع برنس بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَالنُّون وَبَينهمَا رَاء سَاكِنة وبالسين الْمُهْملَة، وَهِي القلنسوة، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ فِي الْحَج. ٥٨٠٢ - وَقَالَ لي مُسَدَّدٌ حدّثنا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْت أبي قَالَ: رأيْتُ عَلى أنَسٍ بُرْنُساً أصْفَرَ منْ خَزٍ.

стр. 6506

مُسَدّد هُوَ شيخ البُخَارِيّ كَأَنَّهُ أَخذ هَذَا عَنهُ مذاكرة، وَلكنه مَوْصُول لقَوْله: قَالَ لي، وَلم يَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ لفظ. لي، فَيكون مُعَلّقا، وَوَصله ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن علية عَن يحيى بن أبي إِسْحَاق قَالَ: رَأَيْت على أنس بن مَالك برنس خَز. ومعتمر الَّذِي هُوَ أَخ الْحَاج يروي عَن أَبِيه سُلَيْمَان التَّيْمِيّ. قَوْله: برنساً ذكر عبد الله بن أبي بكر: مَا كَانَ أحد من الْقُرَّاء إلَاّ لَهُ برنس يَغْدُو فِيهِ وخميصة يروح فِيهَا، وَسُئِلَ مَالك عَن لبسهَا: أتكرهها؟ فَإِنَّهُ يشبه لِبَاس النَّصَارَى، قَالَ: لَا بَأْس بهَا، وَقد كَانُوا يلبسونها هُنَا. قَوْله: (من خَز) بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الزَّاي وَهُوَ مَا غلظ من الديباج وَأَصله من وبر الأرنب، وَيُقَال لذكر الأرنب: خذر، بِوَزْن: عمر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْخَزّ هُوَ المنسوج من الإبريسم وَالصُّوف، وَفِي (التَّوْضِيح) : هُوَ حَرِير يخلط بوبر وَشبهه، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: هُوَ مَا أحد نوعيه السدى أَو اللحمة حَرِير وَالْآخر سواهُ، فقد لبسه جمَاعَة من السّلف، وَكَرِهَهُ آخَرُونَ، فَمِمَّنْ لبسه: الصّديق وَابْن عَبَّاس وَأَبُو قَتَادَة وَابْن أبي أوفى وَسعد بن أبي وَقاص وَجَابِر وَأنس وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَأَبُو هُرَيْرَة وَابْن الزبير وَعَائِشَة ﵃ وَمن التَّابِعين: ابْن أبي ليلى وَشُرَيْح وَالشعْبِيّ وَعُرْوَة وَأَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن وَعمر بن عبد الْعَزِيز أَيَّام إمارته، وَزَاد ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَعبيد الله بن عبد الله وَالْحُسَيْن بن عَليّ وَقيس بن أبي حَازِم وشبيل بن عزْرَة وَأَبا عبيد بن عبد الله وَمُحَمّد بن عَليّ بن حُسَيْن وَعلي بن حُسَيْن وَسَعِيد بن الْمسيب وَعلي بن زيد وَابْن عون، وَعَن خَيْثَمَة: أَن ثَلَاثَة عشر من أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ كَانُوا يلبسُونَ الْخَزّ، وَقَالَ ابْن بطال: رُوِيَ عَن مَالك أَنه قَالَ: لَا يُعجبنِي لبس الْخَزّ وَلَا أحرمهُ، وَقَالَ الْأَبْهَرِيّ: إِنَّمَا كرهه لأجل السَّرف وَلم يحرمه من أجل من لبسه، وَقد كرهه: ابْن عمر وَسَالم وَالْحسن وَمُحَمّد وَابْن جُبَير، وَعند أبي دَاوُد من حَدِيث عبد الله بن سعيد عَن أَبِيه قَالَ: رَأَيْت رجلا ببخارى على بغلة عَلَيْهِ عِمَامَة خَز سَوْدَاء، فَقَالَ: كسانيها رَسُول الله ﷺ قَالَ النَّسَائِيّ: قَالَ بَعضهم: قيل: إِن هَذَا الرجل عبد الله بن حَازِم السّلمِيّ أَمِير خُرَاسَان، وَلما ذكره البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه) قَالَ: مَا أرى أَنه أدْرك سيدنَا رَسُول الله ﷺ . قلت: ذكره الذَّهَبِيّ فِي (تَجْرِيد الصَّحَابَة) ، وَقَالَ عبد الله بن حَازِم بن أَسمَاء بن الصَّلْت: أَبُو صَالح السّلمِيّ أَمِير خُرَاسَان بَطل مَشْهُور، قَلِيل: لَهُ صُحْبَة، وتمت لَهُ حروب كَثِيرَة أوردناها فِي التَّارِيخ الْكَامِل ٥٨٠٣ - حدّثنا إسْماعِيلُ قَالَ: حدّثني مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ: أنَّ رجُلاً قَالَ: يَا رسولَ الله! مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيابِ؟ قَالَ رسولُ الله ﷺ : لَا تَلْبَسُوا القُمُصَ وَلَا العَمائِمَ ولَا السَّرَاويلَاتِ وَلَا البَرانِسَ وَلَا الخِفافَ إلَاّ أحَدٌ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ ولْيَقْطَعْهُما أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِن الثِّيابِ شَيْئاً مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا الوَرْسُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا البرانس) وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس. والْحَدِيث قد مضى فِي الْحَج فِي: بَاب مَا لَا يلبس الْمحرم من الثِّيَاب، حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف أخبرنَا مَالك عَن نَافِع إِلَى آخِره، وَأخرجه فِي آخر كتاب الْعلم عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَعَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر ... الحَدِيث، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. ١٤ - (بابُ السَّرَاوِيلِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ السَّرَاوِيل، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: السَّرَاوِيل مَعْرُوف يذكر وَيُؤَنث، وَالْجمع السراويلات، وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: سَرَاوِيل وَاحِدَة هِيَ عجمية عربت فَأَشْبَهت من كَلَامهم مَا لَا ينْصَرف فِي معرفَة وَلَا نكرَة، فَهِيَ مصروفة فِي النكرَة، وَمن النَّحْوِيين من لَا يصرفهُ أَيْضا فِي النكرَة، وَيَزْعُم أَنه جمع سروال وسروالة، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله تَعَالَى: روينَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا أَن أول من لبس السروايل إِبْرَاهِيم ﵇ رَوَاهُ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ، وَقيل: هَذَا هُوَ السَّبَب فِي كَون أول من يكسى يَوْم الْقِيَامَة، كَمَا ثَبت فِي (الصَّحِيحَيْنِ) من حَدِيث ابْن عَبَّاس، فَلَمَّا كَانَ أول من أَتَّخِذ هَذَا النَّوْع من اللبَاس الَّذِي هُوَ أستر للعورة من سَائِر الملابس جوزي بِأَن يكون أول من يكسى يَوْم الْقِيَامَة. وَفِيه: اسْتِحْبَاب لبس السَّرَاوِيل، وَقد روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث سُوَيْد بن قيس قَالَ: جلبت أَنا ومخرفة الْعَبْدي بزاً من هجر، فجاءنا النَّبِي ﷺ فسادومنا بسراويل ... الحَدِيث، وَرَوَاهُ أَبُو يعلى فِي (مُسْنده) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مطولا. وَفِيه: إخْبَاره صلى الله

стр. 6507

عَلَيْهِ وَسلم عَن نَفسه أَنه يلبس السَّرَاوِيل، وروى التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث ابْن مَسْعُود ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: كَانَ على مُوسَى ﵇ يَوْم كَلمه ربه كسَاء صوف وكمه صوف وجبة صوف وَسَرَاويل صوف وَكَانَت نعلاه من جلد حمَار ميت، والكمة القلنسوة الصَّغِيرَة. ٥٨٠٤ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ عَمْرٍ وعنْ جابِرِ بنِ زيْدٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ لَمْ يَجِدْ إزَاراً فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ ومَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فليلبس سَرَاوِيل) وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار وَجَابِر بن زيد أَبُو الشعْثَاء الْأَزْدِيّ الجوفي بِالْجِيم نَاحيَة عمان الْبَصْرِيّ، وَمضى الحَدِيث فِي الْحَج فِي: بَاب إِذا لم يجد الْإِزَار فليلبس السَّرَاوِيل. ٥٨٠٥ - حدّثنا مُوسَى بنِ إسماعيلَ حَدثنَا جُوَيْرِيَةُ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله قَالَ: قامَ رجُلٌ فَقَالَ: يَا رسولَ الله ﴿مَا تأمُرُنا أنْ نَلْبَسَ إذَا أحْرَمْنا؟ قَالَ: لَا تَلْبَسُوا القَمِيصَ والسَّرَاوِيلَ والعَمائِمَ والبَرانِسَ والخِفافَ إلَاّ أنْ يَكُون رَجُلٌ لَيْسَ لَهُ نَعْلَانِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شيْئاً مِنَ الثِّيابِ مَسَّهُ زَعْفَرانٌ وَلَا وَرْسٌ. هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن عمر الْمَاضِي فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَذكر الْكَلَام فِيهِ فِي الْحَج مستقصىً. ١٥ - (بابُ العَمائِمِ) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر العمائم وَهُوَ جمع عِمَامَة، وعممته ألبسته الْعِمَامَة، وعمم الرجل سود لِأَن العمائم تيجان الْعَرَب كَمَا قيل فِي الْعَجم توج واعتم بالعمامة وتعمم بهَا بِمَعْنى، وَلم يذكر البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب شَيْئا من أُمُور الْعِمَامَة، فَكَأَنَّهُ لم يثبت عِنْده على شَرطه فِي الْعِمَامَة شَيْء، وَفِي (كتاب الْجِهَاد) لِابْنِ أبي عَاصِم: حَدثنَا أَبُو مُوسَى حَدثنَا عُثْمَان بن عمر عَن الزبير ابْن جوان عَن رجل من الْأَنْصَار قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى ابْن عمر فَقَالَ: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن﴾ الْعِمَامَة سنة؟ فَقَالَ: نعم، قَالَ رَسُول الله ﷺ لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف: إذهب فاسدل عَلَيْك ثِيَابك وألبس سِلَاحك، فَفعل ثمَّ أَتَى النَّبِي ﷺ فَقبض مَا سدل بِنَفسِهِ ثمَّ عممه فسدل من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه، وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا الْحسن بن عَليّ حَدثنَا ابْن أبي مَرْيَم عَن رشد عَن ابْن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة: أَن رَسُول الله ﷺ عمم عبد الرَّحْمَن بن عَوْف بعمامة سَوْدَاء من قطن، وَأفضل لَهُ من بَين يَدَيْهِ مثل هَذِه، وَفِي رِوَايَة عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ: عمم رَسُول الله ﷺ ابْن عَوْف بعمامة سَوْدَاء كرابيس وأرخاها من خَلفه قدر أَربع أصباع، وَقَالَ: هَكَذَا فاعتم، وَقَالَ مَالك: الْعمة والاحتباء والانتعال من عمل الْعَرَب، وَسُئِلَ مَالك عَن الَّذِي يعتم بالعمامة وَلَا يَجْعَلهَا من تَحت حلقه فأنكرها، وَقَالَ: ذَلِك من عمل النبط، وَلَيْسَت من عمَّة النَّاس إلَاّ أَن تكون قَصِيرَة لَا تبلغ أَو يفعل ذَلِك فِي بَيته أَو فِي مَرضه فَلَا بَأْس بِهِ، قيل لَهُ) فيرخي بَين الْكَتِفَيْنِ؟ قَالَ: لم أر أحدا مِمَّن أردركته يُرْخِي بَين كَتفيهِ إلَاّ عَامر بن عبد الله بن الزبير، وَلَيْسَ ذَلِك بِحرَام، وَلَكِن يرسلها بَين يَدَيْهِ وَهُوَ أكمل وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث الْحسن بن عَليّ ﵄ قَالَ: رَأَيْت النَّبِي ﷺ على الْمِنْبَر وَعَلِيهِ عِمَامَة سَوْدَاء قد أرْخى طرفها بَين كَتفيهِ، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عمر: كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا اعتم سدل عمَامَته بَين كَتفيهِ، قَالَ نَافِع: وَكَانَ ابْن عمر يَفْعَله، وَقَالَ عبد الله بن عمر: رَأَيْت الْقَاسِم وسالماً يفْعَلَانِ ذَلِك، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث ثَوْبَان ﵁: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذا اعتم أرْخى عمَامَته بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه. وَفِيه: الْحجَّاج بن رشد وَهُوَ ضَعِيف، وَفِي حَدِيث أبي عُبَيْدَة الْحِمصِي عَن عبد الله بن بشر قَالَ: بعث رَسُول الله ﷺ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ يَوْم خَيْبَر فعممه بعمامة سَوْدَاء أرسلها من وَرَائه وَعَن مَنْكِبه الْيُسْرَى، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، ﵀: إِذا

стр. 6508

وَقع إرخاء العذبة من بَين الْيَدَيْنِ كَمَا يَفْعَله طَائِفَة الصُّوفِيَّة وَجَمَاعَة من أهل الْعلم فَهَل الْمَشْرُوع فِيهِ إرخاؤها من الْجَانِب الْأَيْسَر كَمَا هُوَ الْمُعْتَاد أَو إرسالها من الْجَانِب الْأَيْمن لشرفه؟ وَلم أر مَا يدل على تعْيين الْجَانِب الْأَيْمن إلَاّ فِي حَدِيث أبي أُمَامَة وَلكنه ضَعِيف، وَحَدِيث أبي أُمَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة جَمِيع بن ثوب عَن أبي سُفْيَان الرعيني عَن أبي أُمَامَة قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ لَا يولي والياً حَتَّى يعممه ويرخي لَهَا من الْجَانِب الْأَيْمن نَحْو الْأذن وَجَمِيع بن ثوب ضَعِيف، وَقَالَ شَيخنَا: وعَلى تَقْدِير ثُبُوته فَلَعَلَّهُ كَانَ يرخيها من الْجَانِب الْأَيْمن ثمَّ يردهَا من الْجَانِب الْأَيْسَر، كَمَا يَفْعَله بَعضهم، إلَاّ أَنه شعار الإمامية، وَقَالَ: مَا المُرَاد بسدل عمَامَته بَين كَتفيهِ؟ هَل المُرَاد سدل الطّرف الْأَسْفَل حَتَّى تكون عذبة؟ أَو المُرَاد سدل الطّرف الْأَعْلَى بِحَيْثُ يغرزها وَيُرْسل مِنْهَا شَيْئا خَلفه؟ يحْتَمل كلا من الْأَمريْنِ، وَلم أر التَّصْرِيح بِكَوْن المرخي من الْعِمَامَة عذبة إلَاّ فِي حَدِيث عبد الْأَعْلَى بن عدي، رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي (معرفَة الصَّحَابَة) من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن عبد الله بن بشر عَن عبد الرَّحْمَن بن عدي البهراني عَن أَخِيه عبد الْأَعْلَى بن عدي: أَن رَسُول الله ﷺ دَعَا عَليّ بن أبي طَالب ﵁ يَوْم غَد يرخم فعممه وأرخى عذبة الْعِمَامَة من خَلفه، ثمَّ قَالَ: هَكَذَا فاعتموا، فَإِن العمائم سيماء الْإِسْلَام، وَهِي الحاجز بَين الْمُسلمين وَالْمُشْرِكين، وَقَالَ الشَّيْخ: مَعَ أَن العذبة الطّرف كعذبة السَّوْط وكعذبة اللِّسَان أَي: طرفه فالطرف الْأَعْلَى يُسمى عذبة من حَيْثُ اللُّغَة، وَإِن كَانَ مُخَالفا للإصطلاح الْعرفِيّ الْآن، وَفِي بعض طرق حَدِيث ابْن عمر مَا يَقْتَضِي أَن الَّذِي كَانَ يُرْسِلهُ بَين كَتفيهِ من الطّرف الْأَعْلَى رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ وَغَيره من رِوَايَة أبي عبد السَّلَام عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: قلت لِابْنِ عمر: كَيفَ كَانَ رَسُول الله ﷺ ، يعتم؟ قَالَ: كَانَ يُدِير كور الْعِمَامَة على رَأسه ويغرزها من وَرَائه ويرخي لَهُ ذؤابة بَين كَتفيهِ. ٥٨٠٦ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عبْد الله حَدثنَا سُفْيانُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ قَالَ: أَخْبرنِي سالِمٌ عنْ أبِيهِ عنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: لَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ القَمِيصَ وَلَا العِمامَةَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا البُرْنُسَ وَلَا ثَوْباً مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا وَرْسٌ وَلَا الخُفَّيْنِ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، فإِنْ لَمْ يَجِدْهُما فَلْيقْطَعْهُما أسفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا الْعِمَامَة) وَعلي بن عبد الله بن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله يروي عَن أَبِيه عبد الله بن عمر بن الْخطاب ﵃. والْحَدِيث قد مضى فِيمَا قبل: بَاب السَّرَاوِيل، غير أَنه أخرجه هُنَا من غير الطَّرِيق الَّذِي أخرجه هُنَاكَ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. ١٦ - (بابُ التقَنُّعِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التقنع بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَالْقَاف وَضم النُّون الْمُشَدّدَة وبالعين الْمُهْملَة وَهُوَ: تَغْطِيَة الرَّأْس، وَأكْثر الْوَجْه برداء أَو غَيره. وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: خَرَجَ النبيُّ ﷺ وعَليْهِ عِصابَةٌ دَسْماءُ هَذَا طرف من حَدِيث أخرجه مُسْندًا فِي مَوَاضِع مِنْهَا: فِي مَنَاقِب الْأَنْصَار فِي: بَاب قَول النَّبِي ﷺ : اقْبَلُوا من محسنهم وتجاوزوا عَن مسيئهم: حَدثنَا أَحْمد بن يَعْقُوب حَدثنَا ابْن الغسيل سَمِعت عِكْرِمَة يَقُول: سَمِعت ابْن عَبَّاس يَقُول: خرج رَسُول الله ﷺ ملحفة متعطفاً بهَا على مَنْكِبَيْه وَعَلِيهِ عِصَابَة دسماء ... الحَدِيث، والدسماء بمهملتين وَالْمدّ ضد النظيفة، قلت: هَذَا تَفْسِير فِيهِ بشاعة، فَلَا يَنْبَغِي أَن يُفَسر عِصَابَة النَّبِي ﷺ بضد النَّظَافَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ودسماء، قيل: المُرَاد بهَا سَوْدَاء، وَيُقَال: ثوب دسم أَي: وسخ، وَجزم ابْن الْأَثِير أَن دسماء سَوْدَاء. وَفِي (التَّوْضِيح) : والتقنع للرجل عِنْد الْحَاجة مُبَاح، وَقَالَ ابْن وهب: سَأَلت مَالِكًا عَن التقنع بِالثَّوْبِ، فَقَالَ: أما الرجل الَّذِي يجد الْحر وَالْبرد أَو الْأَمر الَّذِي لَهُ فِيهِ عذر فَلَا بَأْس بِهِ، وَأما لغير ذَلِك فَلَا. وَقَالَ الْأَبْهَرِيّ: إِذا تقنع لدفع مضرَّة فمباح وَلغيره فمكروه،

стр. 6509

فَإِنَّهُ من فعل أهل الريب، وَيكرهُ أَن يفعل شَيْئا يظنّ بِهِ الرِّيبَة. وَقَالَ أنَسٌ: عَصَّبَ النبيُّ ﷺ عَلى رَأسِهِ حاشِيَةَ بُرْدٍ. هَذَا أَيْضا طرف من حَدِيث أخرجه فِي الْبَاب الْمَذْكُور فِي مَنَاقِب الْأَنْصَار من طَرِيق هِشَام بن زيد بن أنس: سَمِعت أنس بن مَالك يَقُول فَذكر الحَدِيث، وَفِيه: فَخرج النَّبِي ﷺ وَقد عصب على رَأسه حَاشِيَة برد. قَوْله: (عصب) بتَشْديد الصَّاد، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: حَاشِيَة الْبرد جَانِبه، وَقَالَ الْقَزاز: حَاشِيَة الثَّوْب ناحيتاه اللَّتَان فِي طرفهما المهدب، وَاعْترض الْإِسْمَاعِيلِيّ بِأَن مَا ذكره من الْعِصَابَة لَا يدْخل فِي التقنع لِأَن التقنع تَغْطِيَة الرَّأْس والعصابة شدّ الْخِرْقَة على مَا أحَاط بالعمامة، وَأجَاب بَعضهم بقوله: الْجَامِع بَينهمَا وضع شَيْء زَائِد على الرَّأْس فَوق الْعِمَامَة، قلت: فِي كل من الِاعْتِرَاض وَالْجَوَاب نظر، أما فِي الِاعْتِرَاض فَلِأَن قَوْله: والعصابة شدّ الْخِرْقَة على مَا أحَاط بالعمامة، لَيْسَ كَذَلِك، بل الْعِصَابَة شدّ الرَّأْس بِخرقَة مُطلقًا، وَأما فِي الْجَواب فَلِأَن قَوْله: زَائِد، لَا فَائِدَة فِيهِ، وَكَذَلِكَ قَوْله: فَوق الْعِمَامَة لِأَنَّهُ يلْزم من أَنه إِذا كَانَت تَحت الْعِمَامَة لَا تسمى عِصَابَة. ٥٨٠٧ - حدّثنا إبْراهِيمُ بنُ مُوساى أخبرنَا هِشامٌ عنْ مَعْمَرٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: هاجَرَ إِلَى الحَبَشَةِ رجالٌ مِنَ المُسْلِمِين وتَجَهَّزَ أبُو بَكْرةٍ مُهاجِراً فَقَالَ النَّبِي ﷺ : عَلى رِسْلِكَ! فإِنِّي أرْجُو أنْ يُؤْذَنَ لِي. فَقَالَ أبُو بَكْرٍ أوْ تَرْجُوهُ بِأبِي أنْتَ وأُُمِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، فَحَبَسَ أبُو بَكْرٍ: نَفْسَهُ عَلى النبيِّ ﷺ ليَصْحَبَهُ، وعَلَفَ راحِلَتَيْنِ كانَتا عِنْدِه ورَقَ السَّمُرِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، قَالَ عُرْوَةُ: قالَتْ عائِشَةُ: فَبَيْنا نَحْنُ يَوْماً جُلُوسٌ فِي بَيْتِنا فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَقَالَ قائِلٌ لأبي بَكْرٍ: هاذا رسُولُ الله ﷺ مُقْبِلاً مُتَقَنِّعاً فِي ساعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأتِينا فِيها، قَالَ أبُو بَكْرٍ: فِداً لهُ بِأبي وأُمِّي، وَالله إنْ جاءَ بِهِ فِي هاذِهِ السَّاعَةِ إلَاّ لِأمْرٍ، فَجاءَ النبيُّ ﷺ فاسْتَأذَنَ فأذِنَ لِهُ فَدَخَلَ فَقَالَ حِينَ دَخَلَ لِأبِي بَكْرٍ: أخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ. قَالَ إنَّما هُمْ أهْلُكَ بِأبِي أنْتَ يَا رسولَ الله، قَالَ: فإِنِّي قَدْ أذِنَ لِي فِي الخُرُوجِ. قَالَ: فالصُّحْبةُ بِأبِي أنْتَ يَا رسولَ الله؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَخُذْ بِأبِي أنْت يَا رسولَ الله إحْدَى راحلَتَيَّ هاتَيْنِ، قَالَ النبيُّ ﷺ : بالثَّمَنِ. قالَتْ: فَجهَّزْناهُما أحَثَّ الجهَازِ ووضَعْنا لَهُما سُفْرَةٍ فِي جِرابٍ. فَقَطَعَتْ أسْماءُ بِنْتُ أبي بَكْرٍ قِطْعَةٍ مِنْ نِطاقِها فأوْكَتْ بِهِ الجِرَابَ ولِذالِكَ كانَتْ تسمَّى: ذاتَ النِّطاقَينِ ثُمَّ لَحقَ النبيُّ ﷺ وأبُو بَكْرٍ بِغارٍ فِي جَبَلٍ يُقالُ لهُ: ثَوْرٌ، فَمَكَثَ فِيهِ ثَلاثَ لَيال يَبِيتُ عِنْدَهُما عبْدُ الله بنُ أبي بَكْرٍ وهْو غُلامٌ شابٌّ لَقِنٌ ثَقِفٌ فَيَرْحَلُ مِنْ عِنْدِهِما سَحَراً فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَةَ كبَائِتٍ فَلا يَسْمَعُ أمْراً يُكادانِ بِهِ إلَاّ وَعاهُ حتَّى يَأتِيَهُما بِخَبَرِ ذالِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظلامُ، ويَرْعَى عَليْهِما عامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ مَوْلى أبي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ فَيُرِيحُها عَليْهِما حِينَ تَذْهَبُ ساعَةٌ مِنَ العشاءِ فَيَبِيتانِ فِي رِسْلِها حَتَّى يَنْعِقَ بهَا عامرُ بنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ يَفْعَلُ ذالِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ من تِلْكَ اللَّيالِي الثَّلاثِ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (هَذَا رَسُول الله ﷺ مُقبلا متقنعاً) . وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف، وَمعمر بن رَاشد. والْحَدِيث بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد مضى فِي الْإِجَارَة مُخْتَصرا فِي: بَاب اسْتِئْجَار الْمُشْركين عِنْد الضَّرُورَة، وَمضى أَيْضا فِي: بَاب هِجْرَة النَّبِي ﷺ مطولا جدا أخرجه عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن عقيل، قَالَ ابْن شهَاب: فاخبرني عُرْوَة بن الزبير أَن عَائِشَة ﵂ إِلَى آخِره وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (هَاجر إِلَى الْحَبَشَة رجال من الْمُسلمين) ، ويروى: هَاجر إِلَى الْحَبَشَة

стр. 6510

من الْمُسلمين، قَالَ الْكرْمَانِي: من الْمُسلمين صفة أَي: هَاجر رجال من الْمُسلمين، أَو هُوَ فَاعل بِمَعْنى بعض الْمُسلمين، جوزه بعض النُّحَاة. قَوْله: (على رسلك) بِكَسْر الرَّاء أَي: على هينتك. قَوْله: (أَو ترجوه؟) الِاسْتِفْهَام فِيهِ على سَبِيل الإستخبار أَي: أَو ترجو الْإِذْن؟ يدل عَلَيْهِ قَوْله: (أَن يُؤذن لي) قَوْله: (بِأبي أَنْت) أَي: مفدًى أَنْت بِأبي. قَوْله: (ليصحبه) أَي: لِأَن يَصْحَبهُ، ويروى: لصحبته قَوْله: (راحلتين) تَثْنِيَة رَاحِلَة وَهِي من الْإِبِل الْبَعِير الْقوي على الْأَسْفَار والأحمال وَالذكر وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاء، وَالْهَاء فِيهَا للْمُبَالَغَة وَهِي الَّتِي يختارها الرجل لمركبه ورحله للنجابة وَتَمام الْخلقَة وَحسن المنظر فَإِذا كَانَت فِي جمَاعَة الْإِبِل عرفت. قَوْله: (السمرَة) بِضَم الْمِيم وَهُوَ شجر الطلح. قَوْله: (جُلُوس) أَي: جالسون. قَوْله (فِي نحر الظهيرة) أَي: فِي أول الهاجرة. قَوْله: (مُقبلا) أَي: أقبل أوجاء حَال كَونه مُقبلا، وَالْعَامِل فِيهِ معنى الْإِشَارَة فِي قَوْله هَذَا. قَوْله: (مقنعا) من الْأَحْوَال المترادفة أَو المتداخلة. قَوْله: (فدالة) هَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره فدالك، وَفِي (التَّوْضِيح) : أَن كسرت الْفَاء مددت وَإِن فتحت قصرت. قَالَ ابْن التِّين: وَهُوَ الَّذِي قرأناه. قَوْله: (إِن جَاءَ بِهِ) كلمة أَن نَافِيَة هَذَا على رِوَايَة الْكشميهني وَاللَّام فِيهِ مَكْسُورَة للتَّعْلِيل، وَفِي رِوَايَة غَيره: (لأمر) ، بِفَتْح اللَّام وبالرفع وَهِي لَام التَّأْكِيد، وَكلمَة: إِن على هَذِه مُخَفّفَة من المثقلة. قَوْله: (فَأذن لَهُ) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أخرِج مَن عنْدك) أَمر من الْإِخْرَاج، وَمن عنْدك، فِي مَحل النصب على المفعولية. قَوْله: (فالصحبة) مَنْصُوب تَقْدِيره: أطلب الصُّحْبَة، أَو: أريدها، وَيجوز أَن يكون مَرْفُوعا على تَقْدِير فاختياري أَو مقصودي الصُّحْبَة، والجهاز بِالْفَتْح وَالْكَسْر أَسبَاب السّفر والحث التحضيض والإسراع. قَوْله: (أحث الجهاز) بِالْحَاء الْمُهْملَة والثاء الْمُثَلَّثَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بِالْبَاء الْمُوَحدَة، قيل: إِنَّه تَصْحِيف. قَوْله: (سفرة) بِالضَّمِّ طَعَام يعْمل للْمُسَافِر وَمِنْه سميت السفرة الَّتِي يُؤْكَل عَلَيْهَا. قَوْله: (فِي جراب) بِكَسْر الْجِيم فِيهِ أفْصح من فَتحه، قَالَ الْجَوْهَرِي: والعامة تفتحه. قَوْله: (من نطاقها) ، قَالَ الْجَوْهَرِي: النطاق شقة تلبسها الْمَرْأَة وتشد وَسطهَا ثمَّ ترسل الْأَعْلَى على الْأَسْفَل إِلَى الرّكْبَة، والأسفل ينجر على الأَرْض وَلَيْسَ لَهَا حجزة وَلَا نيفق وَلَا ساقان، وَقَالَ الْهَرَوِيّ نَحوه، وَزَاد: (وَبِه سميت أَسمَاء ذَات النطاقين) لِأَنَّهَا كَانَت لَهَا نطاقاً على نطاق. وَقَالَ ابْن التِّين: شقَّتْ نصف نطاقها للسفرة وانتطقت بِنصفِهِ، وَقَالَ الدَّاودِيّ: النطاق المئزر، وَقَالَ ابْن فَارس: هُوَ إِزَار فِيهِ تكة تلبسه النِّسَاء، وَقَالَ الْكرْمَانِي: سميت ذَات النطاقين لِأَنَّهَا جعلت قِطْعَة من نطاقها للجراب الَّذِي فِيهِ السفرة، وَقطعَة للسقاء، كَمَا جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات، أَو لِأَنَّهَا جعلت نطاقين نطاقاً للجراب، وَآخر لنَفسهَا. قَوْله: (فأوكت) أَي: شدت والوكاء هُوَ الَّذِي يشد بِهِ رَأس الْقرْبَة. قَوْله: (ثَوْر) باسم الْحَيَوَان الْمَشْهُور، وَهُوَ الْغَار الَّذِي بَات فِيهِ النَّبِي ﷺ قَوْله: (لقن) بِفَتْح اللَّام وَكسر الْقَاف وبالنون، وَهُوَ سريع الْفَهم وَجَاء بِسُكُون الْقَاف. قَوْله: (ثقف) بِكَسْر الْقَاف وسكونها أَي: حاذق فطن. قَوْله: (فيرحل) ويروى: فَيدْخل من الدُّخُول. قَوْله: (كبائت) أَي: كَأَنَّهُ بائت بِمَكَّة. قَوْله: (يكادان بِهِ) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: يمكران بِهِ، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ وَإِلَى أبي بكر ﵁ وَحَاصِله مهما يتَكَلَّم بِهِ قُرَيْش فِي حَقّهمَا من الْأُمُور الَّتِي يُرِيدُونَ فعلهَا يضبطه عبد الله ويحفظه ثمَّ يبلغ بِهِ إِلَيْهِمَا. قَوْله: (وعاه) من الوعي وَهُوَ الْحِفْظ. قَوْله: (ويرعى عَلَيْهِمَا) أَي: على النَّبِي ﷺ وَأبي بكر. قَوْله: (منحة) بِكَسْر الْمِيم وَهِي الشَّاة الَّتِي تعطيها غَيْرك ليحتلبها ثمَّ يردهَا عَلَيْك. قَوْله: (فيريحها) أَي فيردها إِلَى المراح، هَكَذَا رَوَاهُ الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: فيريحه، بتذكير الضَّمِير أَي: يرِيح الَّذِي يرعاه. قَوْله: (فِي رسلها) بِكَسْر الرَّاء: اللَّبن، هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني بإفراد الضَّمِير، وَفِي رِوَايَة غَيره: فِي رسلهما، بضمير التَّثْنِيَة، وَكَذَا عِنْد الْكشميهني (حَتَّى ينعق بهَا) بِالْإِفْرَادِ، وَعند غَيره: بهما بالتثنية، يُقَال: نعق الرَّاعِي بغنمه ينعق بِالْكَسْرِ أَي: صَاح بهَا. ١٧ - (بابُ المِغْفَرِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ المغفر بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفتح الْفَاء وَفِي آخِره رَاء. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ زرد ينسج من الدرْع على قدر الرَّأْس يلبس تَحت القلنسوة قلت: هَكَذَا الْمَنْقُول عَن الْأَصْمَعِي، وَقَالَ الدَّاودِيّ: يعْمل على الرَّأْس والكتفين، وَقَالَ ابْن بطال: المغفر من حَدِيد وَهُوَ من آلَات الْحَرْب، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: المغفر هُوَ مَا يلْبسهُ الدارع على رَأسه من الزرد وَنَحْوه. ٥٨٠٨ - حدّثنا أبُو الوَليدِ حَدثنَا مالِكٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أنَسٍ ﵁ أنَّ النبيَّ صلى الله

стр. 6511

عَلَيْهِ وَسلم دَخَلَ عامَ الفَتْحِ وعَلى رَأسِهِ المِغْفَرُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ. والْحَدِيث مضى فِي الْحَج عَن عبد الله بن يُوسُف، وَفِي الْجِهَاد عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، وَفِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن قزعة، وَالْكل عَن مَالك. قَوْله: (دخل) أَي: مَكَّة، وَفِي بعض النّسخ لفظ: مَكَّة، مَذْكُور وَالْوَاو فِي (وعَلى رَأسه) للْحَال فَإِن قلت: كَيفَ الْجمع بَين هَذَا الحَدِيث وَبَين حَدِيث جَابر: أَنه دخل يومئذٍ وَعَلِيهِ عِمَامَة سَوْدَاء؟ قلت: لَا مَانع من لبسهما مَعًا، فقد يكون عَلَيْهِ عِمَامَة سَوْدَاء وفوقها المغفر أَسْفَل والعمامة فَوْقه، أَو نقُول: إِنَّه كَانَ أَولا دخل وَعَلِيهِ المغفر، ثمَّ نَزعه وَلبس الْعِمَامَة السَّوْدَاء فِي بَقِيَّة دُخُوله، وَيدل عَلَيْهِ: أَنه خطب وَعَلِيهِ عِمَامَة سَوْدَاء، وَإِنَّمَا خطب عِنْد بَاب الْكَعْبَة بعد دُخُوله ﷺ وَقَالَ ابْن بطال: دُخُوله ﷺ بالمغفر يَوْم الْفَتْح كَانَ فِي حَال الْقِتَال وَلم يكن محرما، كَمَا قَالَ ابْن شهَاب، وَقد عد هَذَا الحَدِيث فِي أَفْرَاد مَالك عَن الزُّهْرِيّ، وَإِنَّمَا الصَّحِيح أَنه دَخلهَا يَوْم الْفَتْح وَعَلِيهِ عِمَامَة سَوْدَاء، كَمَا أخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة عَن أبي الزبير عَن جَابر، ثمَّ قَالَ حسن، وَلم يكن عَلَيْهِ مغفر لَكِن فِي حَدِيث الزُّهْرِيّ للنسائي أَن الْأَوْزَاعِيّ رَوَاهُ عَن الزُّهْرِيّ كَمَا رَوَاهُ مَالك بِذكر المغفر، ثمَّ وفْق بَين الْحَدِيثين بِمَا ذَكرْنَاهُ الْآن. ١٨ - (بابُ البُرُودِ والحِبرَةِ والشَّمْلَةِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ البرود، وَهُوَ جمع بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء وبالدال الْمُهْملَة وَهِي كسَاء أسود مربع فِيهِ صغر تلبسه الْأَعْرَاب، وَقَالَ الدَّاودِيّ: البرود كالأردية والميازر وَبَعضهَا أفضل من بعض، وَقَالَ ابْن بطال: النمرة والبردة سَوَاء قَوْله: (والحبرة) بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة الْمَفْتُوحَة على وزن: عنبة، وَهِي الْبرد الْيَمَانِيّ، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هِيَ الخضراء لِأَنَّهَا لِبَاس أهل الْجنَّة، وَلذَلِك يسْتَحبّ فِي الْكَفَن، وسجى رَسُول الله ﷺ بهَا وَالْبَيَاض خير مِنْهَا، وَفِيه كفن رَسُول الله ﷺ وَقيل: أحد أَكْفَانه حبرَة وَالْأول أَكثر، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: الموشية المخططة، وَقَالَ ابْن بطال: البرود هِيَ برود الْيمن تصنع من قطن وَهِي الحبرات يشْتَمل بهَا، وَهِي كَانَت أشرف الثِّيَاب عِنْدهم، أَلا ترى أَنه ﷺ سجى بهَا حِين توفّي، وَلَو كَانَ شَيْء أفضل من البرود لسجي بِهِ. قَوْله: (والشملة) بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم وَهِي كسَاء يشْتَمل بهَا أَي: يلتحف بهَا، قَالَه الْجَوْهَرِي، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هِيَ الْبردَة. وَقَالَ خَبَّابٌ: شَكَوْنا إِلَى النبيِّ ﷺ وهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ خباب بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وبباءين موحدتين الأولى مِنْهُمَا مُشَدّدَة: ابْن الْأَرَت. قَوْله: (شَكَوْنَا) أَي: من الْكفَّار وإيذائهم لنا. قَوْله: (بردة لَهُ) هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: بردته، وَهَذَا طرف من حَدِيث مَوْصُول، وَقد مضى فِي المبعث النَّبَوِيّ فِي: بَاب مَا لَقِي النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه بِمَكَّة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٥٨٠٩ - حدّثنا إسْماعيلُ بنُ عبْدِ الله قَالَ: حدّثني مالِكٌ عنْ إسْحااقَ بنِ عبْدِ الله بنِ أبي طَلْحَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ، قَالَ: كُنْتُ أمْشِي مَعَ رسولِ الله ﷺ وعَليْهِ بُرْدٌ نَجْرانِيٌّ غَلِيظُ الحاشِيَةِ، أدْرَكَهُ أعْرًّبِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدائِهِ جَبْذَةً شَديدَةً حتَّى نَظَرْتُ إِلَى صفْحَةِ عاتِقِ رسولِ الله ﷺ قَدْ أثَّرَتْ بِها حاشِيَةُ البُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ. مُرْ لِي مِنْ مالِ الله الَّذي عنْدَكَ، فالْتَفَتَ إلَيْه رسُولُ الله ﷺ ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أمَرَ لَهُ بِعَطاءٍ. (انْظُر الحَدِيث: ٣١٤٩ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَعَلِيهِ برد نجراني) وَإِسْمَاعِيل بن عبد الله هُوَ إِسْمَاعِيل بن أبي أويس. والْحَدِيث قد مضى فِي الْخمس عَن يحيى بن بكير، وَسَيَأْتِي فِي الْأَدَب عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله الأويسي. قَوْله: (وَعَلِيهِ برد) وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ: وَعَلِيهِ رِدَاء. قَوْله: (نجراني) نِسْبَة إِلَى نَجْرَان بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْجِيم وبالراء وَالنُّون، وَهِي بَلْدَة من الْيمن. قَوْله: (فأدركه

стр. 6512

أَعْرَابِي) زَاد همام من أهل الْبَادِيَة. قَوْله: (فجبذه) أَي: فَجَذَبَهُ وهما بِمَعْنى وَاحِد لُغَتَانِ مشهورتان. قَوْله: (فِي صَحْفَة عاتق) وَفِي رِوَايَة مُسلم: عنق، وَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ، وصفح الشَّيْء وصفحته جِهَته وجانبه. قَوْله: (أثرت بهَا) كَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: أثرت فِيهَا، وَفِي رِوَايَة همام: حَتَّى انْشَقَّ الْبرد وَذَهَبت حَاشِيَته فِي عُنُقه، وَزَاد: أَن ذَلِك وَقع من الْأَعرَابِي لما وصل النَّبِي ﷺ إِلَى حجرته، والتوفيق بَين الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ لقِيه خَارج الْمَسْجِد فأدركه لما كَاد يدْخل، فَكَلمهُ وَأمْسك بِثَوْبِهِ لما دخل الْمَسْجِد، فَلَمَّا كَاد يدْخل الْحُجْرَة خشِي أَن يفوتهُ فجبذه. قَوْله: (مرلي) وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ: أَعْطِنِي. قَوْله: (ثمَّ ضحك) وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ: فَتَبَسَّمَ، وَفِي رِوَايَة همام (فَأمر لَهُ بِشَيْء) . وَفِيه: بَيَان حلمه، ﷺ وَصَبره على الْأَذَى فِي النَّفس وَالْمَال والتجاوز عَن جفَاء من يُرِيد تألفه على الْإِسْلَام وليتأسى بِهِ الْوُلَاة من بعده فِي خلقه الْجَمِيل من الصفح والإغضاء وَالدَّفْع بِالَّتِي هِيَ أحسن. ٥٨١٠ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ حَدثنَا يَعْقُوبُ بنُ عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ قَالَ: جاءَتِ امْرَأةٌ بِبُرْدَةٍ قَالَ سَهْلٌ: هلْ تَدْري مَا البُرْدَةُ؟ قَالَ: نَعَمْ، هِيَ الشَّمْلَةُ مَنْسُوجٌ فِي حاشِيَتِها قالَتْ: يَا رسولَ الله ﴿إنِّي نَسَجْتُ هاذِه بيَدِي أكْسُوكَها، فأخَذَها رسُولُ الله ﷺ مُحْتاجاً إلَيها، فَخَرَجَ إليْنا وإنَّها لإزارُهُ، فَجَسَّها رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ فَقَالَ: يَا رسولَ الله﴾ اكْسُنِيها، قَالَ: نَعَمْ، فَجَلَسَ مَا شاءَ الله فِي المَجْلِسِ ثمَّ رَجَعَ فَطَواها، ثُمَّ أرْسَلَ بِها إلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ القَوْمُ: مَا أحْسَنْتَ، سألْتَها إيَّاهُ وقَدْ عرَفْتَ أَنه لَا يَرُدُّ سائِلاً، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالله مَا سألْتُها إلَاّ لِتَكُونَ كَفَنِي يَوْمَ أمُوتُ، قَالَ سَهْلٌ: فَكانَتْ كَفَنَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الله الْقَارِي من القارة، وَهِي حَيّ من الْعَرَب أَصله مدنِي سكن الْإسْكَنْدَريَّة، وَأَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار. والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب من استعد الْكَفَن فِي زمن النَّبِي ﷺ ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن سَلمَة عَن أبي حَازِم عَن أَبِيه عَن سهل، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (هَل تَدْرِي) ويروى: هَل تَدْرُونَ؟ وَفِي رِوَايَة: أَتَدْرُونَ؟ قَوْله: (منسوج) يَعْنِي: كَانَت لَهَا حَاشِيَة، وَفِي نسجها مُخَالفَة لنسج أَصْلهَا لوناً ودقة ورقة. قَوْله: (مُحْتَاجا إِلَيْهَا) ويروى: مُحْتَاج، بِالرَّفْع فالنصب على الْحَال وَالرَّفْع على تَقْدِير: وَهُوَ مُحْتَاج إِلَيْهَا. قَوْله: (فحبسها) بِالْجِيم وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة أَي: مَسهَا، بِيَدِهِ، ويروى: فحسنها، من التحسين بالمهملتين. ٥٨١١ - حدّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حدّثني سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتي زُمْرَةٌ هِيَ سَبْعُونَ ألْفاً تُضِيءٌ وُجُوهُهُمْ إضاءَةَ القَمَرِ، فقامَ عُكَاشَةُ بنُ مِحْصَنٍ الأسَدِيُّ يَرْفَعُ نَمِرَةً عَليْهِ، قَالَ: ادْعُ الله لِي يَا رسولَ الله أنْ يجْعَلَني مِنْهُمْ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ قامَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ فَقَالَ: يَا رسولَ الله! ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : سَبَقَكَ عُكاشَةُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يرفع نمرة لَهُ) والنمرة بِفَتْح النُّون وَكسر الْمِيم هِيَ الشملة الَّتِي فِيهَا خطوط ملونة كَأَنَّهَا أخذت من جلد النمر لَا شتراكهما فِي التلون وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (إضاءة الْقَمَر) أَي: كإضاءة الْقَمَر. قَوْله: (سَبَقَك عكاشة) يَعْنِي بِالدُّعَاءِ لَهُ قيل قد مر فِي كتاب الطِّبّ أَن عكاشة قَالَ ذَلِك فِي قصَّة الَّذين لَا يسْتَرقونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَأجِيب بِأَن الْقِصَّة وَاحِدَة فَلَا مُنَافَاة بَينهمَا. ٥٨١٢ - حدّثنا عَمْرُو بنُ عاصِمٍ حَدثنَا هَمَّامٌ عنْ قَتادَةَ عنْ أنَس، قَالَ: قُلْتُ لهُ: أيُّ الثِّيابِ

стр. 6513

أَي كَانَ أحَبَّ إِلَى النبيِّ ﷺ ؟ قَالَ: الحِبَرَةُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (الْحبرَة) وَقد مر تَفْسِيرهَا عَن قريب. وَعَمْرو بن عَاصِم الْقَيْسِي الْبَصْرِيّ، وَهَمَّام هُوَ ابْن يحيى. والْحَدِيث أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد جَمِيعًا فِي اللبَاس عَن هدبة بن خَالِد، وَإِنَّمَا كَانَت الْحبرَة أحب الثِّيَاب إِلَى النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا كثير زِينَة، وَلِأَنَّهَا أَكثر احْتِمَالا للوسخ. ٥٨١٣ - حدّثني عَبْدُ الله بنُ أبي الأسْوَدِ حَدثنَا مُعاذ قَالَ: حدّثني أبي عنْ قَتادةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكِ ﵁ قَالَ: كَانَ أحَبُّ الثِّيابِ إِلَى النبيِّ ﷺ أنْ يَلْبَسَها الحِبَرَةَ. (انْظُر الحَدِيث: ٥٨١٢) . هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي الْأسود حميد الْبَصْرِيّ الْحَافِظ عَن معَاذ بن هِشَام الدستوَائي، يروي عَن أَبِيه هِشَام بن أبي عبد الله عَن قَتَادَة إِلَى آخِره. ٥٨١٤ - حدّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أخْبرَني أبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَوْفٍ أنَّ عائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النبيِّ ﷺ ، أخْبرَتْهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ ، حينَ تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُردْدٍ حِبَرَةٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَفَاة عَن أبي دَاوُد الْحَرَّانِي. قَوْله: (حِين سجي) بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْجِيم الْمَكْسُورَة أَي: حِين توفّي غطي بِبرد حبرَة بِالْإِضَافَة وَالصّفة وَمر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. تمّ بعون الله وَحسن توفيقه طبع الْجُزْء الْحَادِي وَالْعِشْرين من (عُمْدَة القارىء) شرح (صَحِيح البُخَارِيّ) ويليه إِن شَاءَ الله تَعَالَى الْجُزْء الثَّانِي وَالْعشْرُونَ وأوله بَاب الأكسية والخمائص وفقنا الله لتَمام طبعه، وألهم الْمُسلمين لما فِيهِ خَيرهمْ وصلاحهم آمين.

стр. 6514

١٩ - (بابُ الأكْسِيَةِ والخَمائِصِ) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر الأكسية، جمع كسَاء وَأَصله: كسا، وَلِأَنَّهُ من كسوت إِلَّا أَن الْوَاو لما جَاءَت بعد الْألف قلبت همزَة. والخمائص جمع خميصة بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالصَّاد الْمُهْملَة، وَهُوَ كسَاء من صوف أسود أَو خَز مربعة لَهَا أَعْلَام، وَلَا يُسمى الكساء خميصة إلَاّ إِن كَانَ لَهَا علم، وَقيل: الخميصة كسَاء لَهَا علم من حَرِير وَكَانَت من لِبَاس السّلف. ٥٨١٦ - حدَّثني يَحْياى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهاب قَالَ: أَخْبرنِي عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ أنَّ عائِشَةَ وعَبْدَ الله بن عَبَّاسٍ ﵃، قَالَا: لما نُزِلَ بِرَسُولِ الله ﷺ : طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فإذَا اغْتَمَّ كَشْفَها عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ: وَهْوَ كَذالِكَ: لَعْنَة الله عَلَى اليَهُودِ والنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ، يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يطْرَح خميصة لَهُ) وَيحيى بن بكير هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير المَخْزُومِي الْمصْرِيّ، وَعقيل بِضَم الْعين ابْن خَالِد، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. قَوْله: (عَن عبيد الله) إِلَى آخِره، وَوَقع فِي بعض النّسخ: عَن عبيد الله ابْن عبد الله بن عتبَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة وَابْن عَبَّاس، قَالَ الجياني وَقع هَذَا فِي رِوَايَة أبي مُحَمَّد الْأصيلِيّ عَن أبي أَحْمد الْجِرْجَانِيّ، وَقَالَ: هَذَا وهم وَالصَّوَاب بِدُونِ لفظ: أَبِيه. والْحَدِيث مضى عَن عَائِشَة وَحدهَا بطرِيق آخر فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب مَا يكره من اتِّخَاذ الْمَسَاجِد على الْقُبُور، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (لما نزل) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْمرَاد نزُول الْمَوْت. قَوْله: (طفق) بِكَسْر الْفَاء أَي: جعل الخميصة على وَجهه من الْحمى (فَإِذا اغتم) أَي: احْتبسَ نَفسه كشفها. قَوْله: (وَهُوَ كَذَلِك) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (يحذر) جملَة حَالية لِأَنَّهُ بالتدريج يصير مثل عبَادَة الْأَصْنَام. ٣٤ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ حدَّثنا ابنُ شِهابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: صلَّى رسولُ الله ﷺ ، فِي خَمِيصَةٍ لَهُ لَهَا أعْلَامٌ، فَنَظَرَ إِلَى أعْلَامِها نَظْرَةً، فَلَمَّا سَلّمَ قَالَ: اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هاذِهِ إِلَى أبي جَهْم. فإنَّها ألْهَتْنِي آنِفاً عَنْ صَلَاتِي وائْتُونِي بأنْبَجانِيَّةِ أبِي جَهْم ابنِ حُذَيْفَةَ بنِ غانِمٍ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بن كَعْبٍ. (انْظُر الحَدِيث ٣٧٣ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إذهبوا بخميصتي هَذِه) وَإِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب إِذا صلى فِي ثوب لَهُ أَعْلَام، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أَحْمد بن يُونُس عَن إِبْرَاهِيم بن سعد إِلَى آخِره

стр. 6515

وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (أبي جهم) بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْهَاء عَامر بن حُذَيْفَة إِلَى آخِره. قَوْله: (أبي جهم) هُوَ آخر الحَدِيث، والبقية مدرجة من كَلَام ابْن شهَاب، وَقَالَ أَبُو عمر: كَانَ أَبُو جهم من المعمرين عمل فِي الْكَعْبَة مرَّتَيْنِ: مرّة فِي الْجَاهِلِيَّة حِين بناها قُرَيْش وَكَانَ غُلَاما قَوِيا، وَمرَّة فِي الْإِسْلَام حِين بناها ابْن الزبير، وَكَانَ شَيخا فانياً، وَهُوَ أهْدى إِلَى رَسُول الله ﷺ خميصة شغلته فِي الصَّلَاة فَردهَا عَلَيْهِ، وَقيل: إِن رَسُول الله ﷺ أُتِي بخميصتين فَلبس إِحْدَاهمَا وَبعث الْأُخْرَى إِلَى أبي جهم ثمَّ بعد الصَّلَاة بعث إِلَيْهِ الَّتِي لبسهَا وَطلب الْأُخْرَى مِنْهُ، والأنبجانية، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وخفة الْجِيم وَكسر النُّون وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبتخفيفها أَيْضا: وَهُوَ الكساء الغليظ، وَقيل: إِذا كَانَ فِيهِ علم فَهُوَ خميصة، وَإِذا لم يكن فأنبجانية. ٥٨١٨ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا إسْماعِيلُ حَدثنَا أيُّوبُ عَنْ حُمَيْدِ بنِ هِلالٍ عَنْ أبي بُرْدة قَالَ: أخْرَجَتْ إلَيْنا عائِشَةُ كِساءً وإزَاراً غَلِيظاً، فقالَتْ: قُبِض رُوحُ النبيِّ ﷺ فِي هاذَيْنِ. (انْظُر الحَدِيث ٣١٠٨) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كسَاء) . وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن علية وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَأَبُو بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة اسْمه عَامر ابْن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. والْحَدِيث مضى فِي الْخمس عَن ابْن بشار، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. ١٠ - (بابُ اشْتِمالِ الصَّمَّاءِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ حكم اشْتِمَال الصماء، بِالْمدِّ وَهُوَ أَن يتجلل الرجل بِثَوْبِهِ وَلَا يرفع مِنْهُ جانباً، وَإِنَّمَا قيل لَهَا صماء لِأَنَّهُ يسد على يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ المنافذ كلهَا كالصخرة الصماء الَّتِي لَيْسَ فِيهَا خرق وَلَا صدع، وَالْفُقَهَاء يَقُولُونَ: هُوَ أَن يتغطى بِثَوْب وَاحِد لَيْسَ عَلَيْهِ غَيره ثمَّ يرفعهُ من أحد جانبيه فيضعه على مَنْكِبه فتنكشف عَوْرَته. ٥٨١٩ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّار حَدثنَا عَبْدُ الوَهَّابِ حَدثنَا عُبَيْدُ الله عَنْ خُبَيْب عَنْ حَفْصِ ابنِ عاصِمٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: نَهَى النبيُّ ﷺ ، عَن المُلَامَسَةِ والمُنَابَذَةِ، وعَنْ صَلَاتَيْنِ: بَعْدَ الفَجْرِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ، وأنْ يَحْتَبِيَ بالثَّوْبِ الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّماءِ، وأنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأَن يشْتَمل الصماء) وَعبد الْوَهَّاب هُوَ ابْن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ، وَقَالَ الْمزي فِي: (التَّهْذِيب) : وَقع فِي بعض النّسخ: عبد الْوَهَّاب بن عَطاء، وَفِيه نظر لِأَن ابْن عَطاء لَا يعرف لَهُ رِوَايَة عَن عبيد الله بن عمر الْعمريّ، وَلَيْسَ لعبد الْوَهَّاب ابْن عَطاء ذكر فِي رجال البُخَارِيّ، وخبيب بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبباء مُوَحدَة أُخْرَى ابْن عبد الرَّحْمَن الْأنْصَارِيّ، وَحَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب ﵃. والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب الصَّلَاة بعد الْفجْر حَتَّى ترْتَفع الشَّمْس، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. ٥٨٢٠ - حدَّثنا يَحْياى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ: أَخْبرنِي عامِرُ بنُ سَعْدٍ أنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ قَالَ: نَهاى رسولُ الله ﷺ عَنْ لِبْسَتَيْنِ وعنْ بَيْعَتَيْنِ: نَهاى عَنِ المُلامَسَةِ والمُنابَذَةِ فِي البَيْعِ، والمُلامَسَةُ لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الآخَرِ بِيَدِهِ باللَّيْلِ أوْ بالنَّهارِ وَلَا يُقَلِّبُهُ إلَاّ بِذَلِكَ، والمُنابَذَةُ أنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ بِثَوْبِهِ وَيَنْبِذَ الآخَرُ ثَوْبَهُ وَيَكُونَ ذالِكَ بَيْعَهُما عَنْ غَيْرِ نَظرٍ وَلَا تَراضٍ، واللِّبْسَتَيْنِ: اشْتِمالُ الصَّمَّاءِ، والصَّمَّاءُ أنْ يَجْعَلَ ثَوْبَهُ عَلَى أحَدِ عاتِقَيْهِ فَيَبْدُوَ أحَدُ شِقَّيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، واللِّبْسَةُ الأخْراى احْتِباؤُهُ بِثَوْبِهِ وَهْوَ جالِسٌ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ.
следующие страницы →