Полный текст (7 603 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.
стр. 6511
عَلَيْهِ وَسلم دَخَلَ عامَ الفَتْحِ وعَلى رَأسِهِ المِغْفَرُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الْحَج عَن عبد الله بن يُوسُف، وَفِي الْجِهَاد عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، وَفِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن قزعة، وَالْكل عَن مَالك.
قَوْله: (دخل) أَي: مَكَّة، وَفِي بعض النّسخ لفظ: مَكَّة، مَذْكُور وَالْوَاو فِي (وعَلى رَأسه) للْحَال فَإِن قلت: كَيفَ الْجمع بَين هَذَا الحَدِيث وَبَين حَدِيث جَابر: أَنه دخل يومئذٍ وَعَلِيهِ عِمَامَة سَوْدَاء؟ قلت: لَا مَانع من لبسهما مَعًا، فقد يكون عَلَيْهِ عِمَامَة سَوْدَاء وفوقها المغفر أَسْفَل والعمامة فَوْقه، أَو نقُول: إِنَّه كَانَ أَولا دخل وَعَلِيهِ المغفر، ثمَّ نَزعه وَلبس الْعِمَامَة السَّوْدَاء فِي بَقِيَّة دُخُوله، وَيدل عَلَيْهِ: أَنه خطب وَعَلِيهِ عِمَامَة سَوْدَاء، وَإِنَّمَا خطب عِنْد بَاب الْكَعْبَة بعد دُخُوله ﷺ وَقَالَ ابْن بطال: دُخُوله ﷺ بالمغفر يَوْم الْفَتْح كَانَ فِي حَال الْقِتَال وَلم يكن محرما، كَمَا قَالَ ابْن شهَاب، وَقد عد هَذَا الحَدِيث فِي أَفْرَاد مَالك عَن الزُّهْرِيّ، وَإِنَّمَا الصَّحِيح أَنه دَخلهَا يَوْم الْفَتْح وَعَلِيهِ عِمَامَة سَوْدَاء، كَمَا أخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة عَن أبي الزبير عَن جَابر، ثمَّ قَالَ حسن، وَلم يكن عَلَيْهِ مغفر لَكِن فِي حَدِيث الزُّهْرِيّ للنسائي أَن الْأَوْزَاعِيّ رَوَاهُ عَن الزُّهْرِيّ كَمَا رَوَاهُ مَالك بِذكر المغفر، ثمَّ وفْق بَين الْحَدِيثين بِمَا ذَكرْنَاهُ الْآن.
١٨ - (بابُ البُرُودِ والحِبرَةِ والشَّمْلَةِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ البرود، وَهُوَ جمع بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء وبالدال الْمُهْملَة وَهِي كسَاء أسود مربع فِيهِ صغر تلبسه الْأَعْرَاب، وَقَالَ الدَّاودِيّ: البرود كالأردية والميازر وَبَعضهَا أفضل من بعض، وَقَالَ ابْن بطال: النمرة والبردة سَوَاء قَوْله: (والحبرة) بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة الْمَفْتُوحَة على وزن: عنبة، وَهِي الْبرد الْيَمَانِيّ، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هِيَ الخضراء لِأَنَّهَا لِبَاس أهل الْجنَّة، وَلذَلِك يسْتَحبّ فِي الْكَفَن، وسجى رَسُول الله ﷺ بهَا وَالْبَيَاض خير مِنْهَا، وَفِيه كفن رَسُول الله ﷺ وَقيل: أحد أَكْفَانه حبرَة وَالْأول أَكثر، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: الموشية المخططة، وَقَالَ ابْن بطال: البرود هِيَ برود الْيمن تصنع من قطن وَهِي الحبرات يشْتَمل بهَا، وَهِي كَانَت أشرف الثِّيَاب عِنْدهم، أَلا ترى أَنه ﷺ سجى بهَا حِين توفّي، وَلَو كَانَ شَيْء أفضل من البرود لسجي بِهِ. قَوْله: (والشملة) بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم وَهِي كسَاء يشْتَمل بهَا أَي: يلتحف بهَا، قَالَه الْجَوْهَرِي، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هِيَ الْبردَة.
وَقَالَ خَبَّابٌ: شَكَوْنا إِلَى النبيِّ ﷺ وهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ
خباب بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وبباءين موحدتين الأولى مِنْهُمَا مُشَدّدَة: ابْن الْأَرَت. قَوْله: (شَكَوْنَا) أَي: من الْكفَّار وإيذائهم لنا. قَوْله: (بردة لَهُ) هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: بردته، وَهَذَا طرف من حَدِيث مَوْصُول، وَقد مضى فِي المبعث النَّبَوِيّ فِي: بَاب مَا لَقِي النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه بِمَكَّة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٥٨٠٩ - حدّثنا إسْماعيلُ بنُ عبْدِ الله قَالَ: حدّثني مالِكٌ عنْ إسْحااقَ بنِ عبْدِ الله بنِ أبي طَلْحَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ، قَالَ: كُنْتُ أمْشِي مَعَ رسولِ الله ﷺ وعَليْهِ بُرْدٌ نَجْرانِيٌّ غَلِيظُ الحاشِيَةِ، أدْرَكَهُ أعْرًّبِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدائِهِ جَبْذَةً شَديدَةً حتَّى نَظَرْتُ إِلَى صفْحَةِ عاتِقِ رسولِ الله ﷺ قَدْ أثَّرَتْ بِها حاشِيَةُ البُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ. مُرْ لِي مِنْ مالِ الله الَّذي عنْدَكَ، فالْتَفَتَ إلَيْه رسُولُ الله ﷺ ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أمَرَ لَهُ بِعَطاءٍ. (انْظُر الحَدِيث: ٣١٤٩ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَعَلِيهِ برد نجراني) وَإِسْمَاعِيل بن عبد الله هُوَ إِسْمَاعِيل بن أبي أويس.
والْحَدِيث قد مضى فِي الْخمس عَن يحيى بن بكير، وَسَيَأْتِي فِي الْأَدَب عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله الأويسي.
قَوْله: (وَعَلِيهِ برد) وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ: وَعَلِيهِ رِدَاء. قَوْله: (نجراني) نِسْبَة إِلَى نَجْرَان بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْجِيم وبالراء وَالنُّون، وَهِي بَلْدَة من الْيمن. قَوْله: (فأدركه
стр. 6512
أَعْرَابِي) زَاد همام من أهل الْبَادِيَة. قَوْله: (فجبذه) أَي: فَجَذَبَهُ وهما بِمَعْنى وَاحِد لُغَتَانِ مشهورتان. قَوْله: (فِي صَحْفَة عاتق) وَفِي رِوَايَة مُسلم: عنق، وَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ، وصفح الشَّيْء وصفحته جِهَته وجانبه. قَوْله: (أثرت بهَا) كَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: أثرت فِيهَا، وَفِي رِوَايَة همام: حَتَّى انْشَقَّ الْبرد وَذَهَبت حَاشِيَته فِي عُنُقه، وَزَاد: أَن ذَلِك وَقع من الْأَعرَابِي لما وصل النَّبِي ﷺ إِلَى حجرته، والتوفيق بَين الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ لقِيه خَارج الْمَسْجِد فأدركه لما كَاد يدْخل، فَكَلمهُ وَأمْسك بِثَوْبِهِ لما دخل الْمَسْجِد، فَلَمَّا كَاد يدْخل الْحُجْرَة خشِي أَن يفوتهُ فجبذه. قَوْله: (مرلي) وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ: أَعْطِنِي. قَوْله: (ثمَّ ضحك) وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ: فَتَبَسَّمَ، وَفِي رِوَايَة همام (فَأمر لَهُ بِشَيْء) .
وَفِيه: بَيَان حلمه، ﷺ وَصَبره على الْأَذَى فِي النَّفس وَالْمَال والتجاوز عَن جفَاء من يُرِيد تألفه على الْإِسْلَام وليتأسى بِهِ الْوُلَاة من بعده فِي خلقه الْجَمِيل من الصفح والإغضاء وَالدَّفْع بِالَّتِي هِيَ أحسن.
٥٨١٠ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ حَدثنَا يَعْقُوبُ بنُ عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ قَالَ: جاءَتِ امْرَأةٌ بِبُرْدَةٍ قَالَ سَهْلٌ: هلْ تَدْري مَا البُرْدَةُ؟ قَالَ: نَعَمْ، هِيَ الشَّمْلَةُ مَنْسُوجٌ فِي حاشِيَتِها قالَتْ: يَا رسولَ الله ﴿إنِّي نَسَجْتُ هاذِه بيَدِي أكْسُوكَها، فأخَذَها رسُولُ الله ﷺ مُحْتاجاً إلَيها، فَخَرَجَ إليْنا وإنَّها لإزارُهُ، فَجَسَّها رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ فَقَالَ: يَا رسولَ الله﴾ اكْسُنِيها، قَالَ: نَعَمْ، فَجَلَسَ مَا شاءَ الله فِي المَجْلِسِ ثمَّ رَجَعَ فَطَواها، ثُمَّ أرْسَلَ بِها إلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ القَوْمُ: مَا أحْسَنْتَ، سألْتَها إيَّاهُ وقَدْ عرَفْتَ أَنه لَا يَرُدُّ سائِلاً، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالله مَا سألْتُها إلَاّ لِتَكُونَ كَفَنِي يَوْمَ أمُوتُ، قَالَ سَهْلٌ: فَكانَتْ كَفَنَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الله الْقَارِي من القارة، وَهِي حَيّ من الْعَرَب أَصله مدنِي سكن الْإسْكَنْدَريَّة، وَأَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار.
والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب من استعد الْكَفَن فِي زمن النَّبِي ﷺ ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن سَلمَة عَن أبي حَازِم عَن أَبِيه عَن سهل، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (هَل تَدْرِي) ويروى: هَل تَدْرُونَ؟ وَفِي رِوَايَة: أَتَدْرُونَ؟ قَوْله: (منسوج) يَعْنِي: كَانَت لَهَا حَاشِيَة، وَفِي نسجها مُخَالفَة لنسج أَصْلهَا لوناً ودقة ورقة. قَوْله: (مُحْتَاجا إِلَيْهَا) ويروى: مُحْتَاج، بِالرَّفْع فالنصب على الْحَال وَالرَّفْع على تَقْدِير: وَهُوَ مُحْتَاج إِلَيْهَا. قَوْله: (فحبسها) بِالْجِيم وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة أَي: مَسهَا، بِيَدِهِ، ويروى: فحسنها، من التحسين بالمهملتين.
٥٨١١ - حدّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حدّثني سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتي زُمْرَةٌ هِيَ سَبْعُونَ ألْفاً تُضِيءٌ وُجُوهُهُمْ إضاءَةَ القَمَرِ، فقامَ عُكَاشَةُ بنُ مِحْصَنٍ الأسَدِيُّ يَرْفَعُ نَمِرَةً عَليْهِ، قَالَ: ادْعُ الله لِي يَا رسولَ الله أنْ يجْعَلَني مِنْهُمْ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ قامَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ فَقَالَ: يَا رسولَ الله! ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : سَبَقَكَ عُكاشَةُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يرفع نمرة لَهُ) والنمرة بِفَتْح النُّون وَكسر الْمِيم هِيَ الشملة الَّتِي فِيهَا خطوط ملونة كَأَنَّهَا أخذت من جلد النمر لَا شتراكهما فِي التلون
وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (إضاءة الْقَمَر) أَي: كإضاءة الْقَمَر. قَوْله: (سَبَقَك عكاشة) يَعْنِي بِالدُّعَاءِ لَهُ قيل قد مر فِي كتاب الطِّبّ أَن عكاشة قَالَ ذَلِك فِي قصَّة الَّذين لَا يسْتَرقونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَأجِيب بِأَن الْقِصَّة وَاحِدَة فَلَا مُنَافَاة بَينهمَا.
٥٨١٢ - حدّثنا عَمْرُو بنُ عاصِمٍ حَدثنَا هَمَّامٌ عنْ قَتادَةَ عنْ أنَس، قَالَ: قُلْتُ لهُ: أيُّ الثِّيابِ
стр. 6513
أَي كَانَ أحَبَّ إِلَى النبيِّ ﷺ ؟ قَالَ: الحِبَرَةُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (الْحبرَة) وَقد مر تَفْسِيرهَا عَن قريب. وَعَمْرو بن عَاصِم الْقَيْسِي الْبَصْرِيّ، وَهَمَّام هُوَ ابْن يحيى.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد جَمِيعًا فِي اللبَاس عَن هدبة بن خَالِد، وَإِنَّمَا كَانَت الْحبرَة أحب الثِّيَاب إِلَى النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا كثير زِينَة، وَلِأَنَّهَا أَكثر احْتِمَالا للوسخ.
٥٨١٣ - حدّثني عَبْدُ الله بنُ أبي الأسْوَدِ حَدثنَا مُعاذ قَالَ: حدّثني أبي عنْ قَتادةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكِ ﵁ قَالَ: كَانَ أحَبُّ الثِّيابِ إِلَى النبيِّ ﷺ أنْ يَلْبَسَها الحِبَرَةَ. (انْظُر الحَدِيث: ٥٨١٢) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي الْأسود حميد الْبَصْرِيّ الْحَافِظ عَن معَاذ بن هِشَام الدستوَائي، يروي عَن أَبِيه هِشَام بن أبي عبد الله عَن قَتَادَة إِلَى آخِره.
٥٨١٤ - حدّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أخْبرَني أبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَوْفٍ أنَّ عائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النبيِّ ﷺ ، أخْبرَتْهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ ، حينَ تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُردْدٍ حِبَرَةٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْجَنَائِز عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَفَاة عَن أبي دَاوُد الْحَرَّانِي.
قَوْله: (حِين سجي) بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْجِيم الْمَكْسُورَة أَي: حِين توفّي غطي بِبرد حبرَة بِالْإِضَافَة وَالصّفة وَمر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
تمّ بعون الله وَحسن توفيقه طبع الْجُزْء الْحَادِي وَالْعِشْرين من (عُمْدَة القارىء) شرح (صَحِيح البُخَارِيّ) ويليه إِن شَاءَ الله تَعَالَى الْجُزْء الثَّانِي وَالْعشْرُونَ وأوله بَاب الأكسية والخمائص وفقنا الله لتَمام طبعه، وألهم الْمُسلمين لما فِيهِ خَيرهمْ وصلاحهم آمين.
стр. 6514
١٩ - (بابُ الأكْسِيَةِ والخَمائِصِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر الأكسية، جمع كسَاء وَأَصله: كسا، وَلِأَنَّهُ من كسوت إِلَّا أَن الْوَاو لما جَاءَت بعد الْألف قلبت همزَة. والخمائص جمع خميصة بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالصَّاد الْمُهْملَة، وَهُوَ كسَاء من صوف أسود أَو خَز مربعة لَهَا أَعْلَام، وَلَا يُسمى الكساء خميصة إلَاّ إِن كَانَ لَهَا علم، وَقيل: الخميصة كسَاء لَهَا علم من حَرِير وَكَانَت من لِبَاس السّلف.
٥٨١٦ - حدَّثني يَحْياى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهاب قَالَ: أَخْبرنِي عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ أنَّ عائِشَةَ وعَبْدَ الله بن عَبَّاسٍ ﵃، قَالَا: لما نُزِلَ بِرَسُولِ الله ﷺ : طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فإذَا اغْتَمَّ كَشْفَها عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ: وَهْوَ كَذالِكَ: لَعْنَة الله عَلَى اليَهُودِ والنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ، يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يطْرَح خميصة لَهُ) وَيحيى بن بكير هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير المَخْزُومِي الْمصْرِيّ، وَعقيل بِضَم الْعين ابْن خَالِد، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
قَوْله: (عَن عبيد الله)
إِلَى آخِره، وَوَقع فِي بعض النّسخ: عَن عبيد الله ابْن عبد الله بن عتبَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة وَابْن عَبَّاس، قَالَ الجياني وَقع هَذَا فِي رِوَايَة أبي مُحَمَّد الْأصيلِيّ عَن أبي أَحْمد الْجِرْجَانِيّ، وَقَالَ: هَذَا وهم وَالصَّوَاب بِدُونِ لفظ: أَبِيه.
والْحَدِيث مضى عَن عَائِشَة وَحدهَا بطرِيق آخر فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب مَا يكره من اتِّخَاذ الْمَسَاجِد على الْقُبُور، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (لما نزل) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْمرَاد نزُول الْمَوْت. قَوْله: (طفق) بِكَسْر الْفَاء أَي: جعل الخميصة على وَجهه من الْحمى (فَإِذا اغتم) أَي: احْتبسَ نَفسه كشفها. قَوْله: (وَهُوَ كَذَلِك) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (يحذر) جملَة حَالية لِأَنَّهُ بالتدريج يصير مثل عبَادَة الْأَصْنَام.
٣٤ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ حدَّثنا ابنُ شِهابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: صلَّى رسولُ الله ﷺ ، فِي خَمِيصَةٍ لَهُ لَهَا أعْلَامٌ، فَنَظَرَ إِلَى أعْلَامِها نَظْرَةً، فَلَمَّا سَلّمَ قَالَ: اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هاذِهِ إِلَى أبي جَهْم. فإنَّها ألْهَتْنِي آنِفاً عَنْ صَلَاتِي وائْتُونِي بأنْبَجانِيَّةِ أبِي جَهْم ابنِ حُذَيْفَةَ بنِ غانِمٍ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بن كَعْبٍ. (انْظُر الحَدِيث ٣٧٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إذهبوا بخميصتي هَذِه) وَإِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.
والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب إِذا صلى فِي ثوب لَهُ أَعْلَام، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أَحْمد بن يُونُس عَن إِبْرَاهِيم بن سعد إِلَى آخِره
стр. 6515
وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (أبي جهم) بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْهَاء عَامر بن حُذَيْفَة إِلَى آخِره. قَوْله: (أبي جهم) هُوَ آخر الحَدِيث، والبقية مدرجة من كَلَام ابْن شهَاب، وَقَالَ أَبُو عمر: كَانَ أَبُو جهم من المعمرين عمل فِي الْكَعْبَة مرَّتَيْنِ: مرّة فِي الْجَاهِلِيَّة حِين بناها قُرَيْش وَكَانَ غُلَاما قَوِيا، وَمرَّة فِي الْإِسْلَام حِين بناها ابْن الزبير، وَكَانَ شَيخا فانياً، وَهُوَ أهْدى إِلَى رَسُول الله ﷺ خميصة شغلته فِي الصَّلَاة فَردهَا عَلَيْهِ، وَقيل: إِن رَسُول الله ﷺ أُتِي بخميصتين فَلبس إِحْدَاهمَا وَبعث الْأُخْرَى إِلَى أبي جهم ثمَّ بعد الصَّلَاة بعث إِلَيْهِ الَّتِي لبسهَا وَطلب الْأُخْرَى مِنْهُ، والأنبجانية، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وخفة الْجِيم وَكسر النُّون وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبتخفيفها أَيْضا: وَهُوَ الكساء الغليظ، وَقيل: إِذا كَانَ فِيهِ علم فَهُوَ خميصة، وَإِذا لم يكن فأنبجانية.
٥٨١٨ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا إسْماعِيلُ حَدثنَا أيُّوبُ عَنْ حُمَيْدِ بنِ هِلالٍ عَنْ أبي بُرْدة قَالَ: أخْرَجَتْ إلَيْنا عائِشَةُ كِساءً وإزَاراً غَلِيظاً، فقالَتْ: قُبِض رُوحُ النبيِّ ﷺ فِي هاذَيْنِ. (انْظُر الحَدِيث ٣١٠٨) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كسَاء) . وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن علية وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَأَبُو بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة اسْمه عَامر ابْن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. والْحَدِيث مضى فِي الْخمس عَن ابْن بشار، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
١٠ - (بابُ اشْتِمالِ الصَّمَّاءِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ حكم اشْتِمَال الصماء، بِالْمدِّ وَهُوَ أَن يتجلل الرجل بِثَوْبِهِ وَلَا يرفع مِنْهُ جانباً، وَإِنَّمَا قيل لَهَا صماء لِأَنَّهُ يسد على يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ المنافذ كلهَا كالصخرة الصماء الَّتِي لَيْسَ فِيهَا خرق وَلَا صدع، وَالْفُقَهَاء يَقُولُونَ: هُوَ أَن يتغطى بِثَوْب وَاحِد لَيْسَ عَلَيْهِ غَيره ثمَّ يرفعهُ من أحد جانبيه فيضعه على مَنْكِبه فتنكشف عَوْرَته.
٥٨١٩ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّار حَدثنَا عَبْدُ الوَهَّابِ حَدثنَا عُبَيْدُ الله عَنْ خُبَيْب عَنْ حَفْصِ ابنِ عاصِمٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: نَهَى النبيُّ ﷺ ، عَن المُلَامَسَةِ والمُنَابَذَةِ، وعَنْ صَلَاتَيْنِ: بَعْدَ الفَجْرِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ، وأنْ يَحْتَبِيَ بالثَّوْبِ الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّماءِ، وأنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأَن يشْتَمل الصماء) وَعبد الْوَهَّاب هُوَ ابْن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ، وَقَالَ الْمزي فِي: (التَّهْذِيب) : وَقع فِي بعض النّسخ: عبد الْوَهَّاب بن عَطاء، وَفِيه نظر لِأَن ابْن عَطاء لَا يعرف لَهُ رِوَايَة عَن عبيد الله بن عمر الْعمريّ، وَلَيْسَ لعبد الْوَهَّاب ابْن عَطاء ذكر فِي رجال البُخَارِيّ، وخبيب بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبباء مُوَحدَة أُخْرَى ابْن عبد الرَّحْمَن الْأنْصَارِيّ، وَحَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب ﵃.
والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب الصَّلَاة بعد الْفجْر حَتَّى ترْتَفع الشَّمْس، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
٥٨٢٠ - حدَّثنا يَحْياى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ: أَخْبرنِي عامِرُ بنُ سَعْدٍ أنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ قَالَ: نَهاى رسولُ الله ﷺ عَنْ لِبْسَتَيْنِ وعنْ بَيْعَتَيْنِ: نَهاى عَنِ المُلامَسَةِ والمُنابَذَةِ فِي البَيْعِ، والمُلامَسَةُ لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الآخَرِ بِيَدِهِ باللَّيْلِ أوْ بالنَّهارِ وَلَا يُقَلِّبُهُ إلَاّ بِذَلِكَ، والمُنابَذَةُ أنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ بِثَوْبِهِ وَيَنْبِذَ الآخَرُ ثَوْبَهُ وَيَكُونَ ذالِكَ بَيْعَهُما عَنْ غَيْرِ نَظرٍ وَلَا تَراضٍ، واللِّبْسَتَيْنِ: اشْتِمالُ الصَّمَّاءِ، والصَّمَّاءُ أنْ يَجْعَلَ ثَوْبَهُ عَلَى أحَدِ عاتِقَيْهِ فَيَبْدُوَ أحَدُ شِقَّيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، واللِّبْسَةُ الأخْراى احْتِباؤُهُ بِثَوْبِهِ وَهْوَ جالِسٌ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ.
стр. 6516
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (اشْتِمَال الصماء) وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد. وعامر بن سعد بن أبي وَقاص، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ اسْمه سعد بن مَالك.
والْحَدِيث مضى فِي الْبيُوع مُخْتَصرا فِي: بَاب بيع الْمُلَامسَة.
قَوْله: (لبستين) بِكَسْر اللَّام. قَوْله: (وبيعتين) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (وَلَا يقلبه إلَاّ بذلك) أَي: لَا يتَصَرَّف فِيهِ إلَاّ بِهَذَا الْقدر وَهُوَ اللَّمْس، يَعْنِي: لَا ينشره وَلَا ينظر إِلَيْهِ، فَجعل اللَّمْس مقَام النّظر. قَوْله: (وَلَا ترَاض) أَي: لفظ يدل عَلَيْهِ، وَهُوَ الْإِيجَاب وَالْقَبُول وإلَاّ فَلَا شكّ أَنه لَا بُد من التَّرَاضِي إِذْ بيع الْمُكْره بَاطِل اتِّفَاقًا، وَالظَّاهِر أَن تَفْسِير البيعتين بِمَا ذكر فِي الْكتاب إدراج من الزُّهْرِيّ. قَوْله: (فيبدو) أَي: فَيظْهر. قَوْله: (احتباؤه) قَالَ الْجَوْهَرِي: احتبى الرجل إِذا جمع ظَهره وساقيه بعمامته، وَقيل هُوَ أَن يقْعد الْإِنْسَان على إليتيه وَينصب سَاقيه ويحتوي عَلَيْهِمَا بِثَوْب وَنَحْوه، وَقَالَ الْخطابِيّ: هُوَ أَن يحتبي الرجل بِالثَّوْبِ وَرجلَاهُ متجافيتان عَن بَطْنه، وَالظَّاهِر أَن تفسيرهما أَيْضا لِلزهْرِيِّ.
٢١ - (بابُ الاحْتِباءِ فِي ثَوْبِ واحِدٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الاحتباء فِي ثوب وَاحِد، وَقد مر الْآن تَفْسِيره.
٥٨٢١ - حدَّثنا اسْمااعِيلُ قَالَ: حدّثني مالِكٌ عَنْ أبي الزِّنادِ عَنْ الأعْرجِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: نَهَى رسولُ الله ﷺ ، عَنْ لِبْسَتَيْنِ: أنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ وأنْ يَشْتَمِلَ بالثَّوْبِ الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى أحدِ شِقّيْهِ، وعَنِ المُلَامَسَةِ والمُنابَذَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأخرجه عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة ... إِلَى آخِره. وَقد مر فِي الْبَاب الَّذِي قبله: عَن أبي هُرَيْرَة، من وَجه آخر، وَمر الْكَلَام فِيهِ.
٥٨٢٢ - حدَّثني مُحَمَّدٌ قَالَ: أخْبرني مَخْلَدٌ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أخبرَني ابنُ شِهاب عَنْ عُبَيْدِ الله ابنِ عَبْدِ الله عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ ، نَهَى عَنِ اشْتِمالِ الصَّمَّاءِ وأنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ واحِد لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأخرجه عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن مخلد بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة بَينهمَا وبالدال الْمُهْملَة ابْن يزِيد من الزِّيَادَة الْحَرَّانِي بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالرَّاء وَالنُّون عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بِضَم الْعين ابْن عبد الله بِفَتْحِهَا عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَقد مر فِي الْبَاب الَّذِي قبله: عَن أبي سعيد ... من وَجه آخر، وَمر الْكَلَام فِيهِ.
٢٢ - (بابُ الخَمِيصَةِ السَّوْدَاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر الخميصة السَّوْدَاء، وَمَا فعل بهَا وَقد مر تَفْسِيرهَا عَن قريب.
٥٨٢٣ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حَدثنَا إسْحاقُ بنُ سَعِيدٍ عَنْ أبِيه سَعِيدِ بنِ فُلَانٍ هُوَ عَمْرُو بنُ سَعِيدِ ابنِ العاصِ عَنْ أُمِّ خالِدٍ بِنْتِ خالِدٍ قالَتْ: أُتِيَ النبيُّ ﷺ ، بِثياب فِيها خَمِيصَةٌ سوداءُ صَغِيرَةٌ، فَقَالَ: مَنْ تَرَوْن نَكْسُو هاذِهِ؟ فَسكَتَ القَوْمُ. قَالَ: ائْتُونِي بأُمِّ خالِدٍ، فأتِيَ بِها تُحْمَلُ، فأخَذَ الخَمِيصَةَ بِيَدِهِ فألْبَسَها، وَقَالَ: أبْلِي وأخْلِقي، وكانَ فِيها عَلَمٌ أخْضَرُ أوْ أصْفرُ، فَقَالَ: يَا أمَّ خالِدٍ هاذَا سَناهْ وسَناهْ، بالحَبَشِيَّةِ: حَسَنٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم بِضَم النّوم الْفضل بن دُكَيْن، وَإِسْحَاق بن سعيد بن عَمْرو بن الْعَاصِ أَبُو خَالِد
стр. 6517
ابْن سعيد الْأمَوِي الْقرشِي يروي عَن أَبِيه عَن أم خَالِد اسْمهَا: أمة، بِفَتْح الْهمزَة وَالْمِيم بنت خَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ، كنيت بِوَلَدِهَا خَالِد بن الزبير بن الْعَوام، وَكَانَ الزبير تزَوجهَا فَكَانَ الها مِنْهُ خَالِد وَعمر وابنا الزبير، وَذكر ابْن سعد أَنَّهَا ولدت بِأَرْض الْحَبَشَة وقدمت مَعَ أَبِيهَا بعد خَيْبَر وَهِي تعقل، وَأخرج من طَرِيق أبي الْأسود الْمدنِي عَنْهَا قَالَت: كنت مِمَّن أَقرَأ النَّبِي ﷺ من النَّجَاشِيّ السَّلَام، وأبوها خَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ، أسلم قَدِيما ثَالِث ثَلَاثَة أَو رَابِع أَرْبَعَة، وَاسْتشْهدَ بِالشَّام فِي خلَافَة أبي بكر أَو عمر ﵃.
والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب من تكلم بِالْفَارِسِيَّةِ، عَن حبَان بن مُوسَى عَن عبد الله عَن خَالِد بن سعيد عَن أَبِيه عَن أم خَالِد ... إِلَى آخِره. وَأخرجه أَيْضا فِي: بَاب هِجْرَة الْحَبَشَة أخرجه عَن الْحميدِي عَن سُفْيَان عَن إِسْحَاق بن سعيد إِلَى آخِره، وَسَيَأْتِي فِي الْأَدَب أَيْضا.
قَوْله: (فَأتي بهَا تحمل) كِلَاهُمَا على صِيغَة الْمَجْهُول، وَتحمل جملَة حَالية وَإِنَّمَا حملت لصِغَر سنّهَا، وَلَكِن لَا يمْنَع أَن تكون مُمَيزَة. قَوْله: وَقَالَ: (أبلي) ويروى. قَالَ بِدُونِ الْوَاو، وأبلي، من أبليت الثَّوْب إِذا جعلته عتيقاً، (وأخلقي) بِمَعْنَاهُ وَإِنَّمَا جَازَ عطفه عَلَيْهِ بِاعْتِبَار تغاير اللَّفْظَيْنِ. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَفِي حَدِيث أم خَالِد قَالَ لَهَا: أبلي وأخلقي، يرْوى بِالْقَافِ وَالْفَاء، فالقاف من إخلاق الثَّوْب تقطيعه وَقد خلق الثَّوْب وأخلق، وَأما الْفَاء فبمعنى الْعِوَض وَالْبدل وَهُوَ الْأَشْبَه. قَوْله: (أَو أصفر) شكّ من الرَّاوِي، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد بأحمر، بدل: أَخْضَر، قَوْله: (سناه وسناه) وَقد تقدّمت رِوَايَة خَالِد بن سعيد فِي الْجِهَاد فَقَالَ: سنه سنه، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَإِنَّمَا كَانَ غَرَض رَسُول الله ﷺ من التَّكَلُّم بِهَذِهِ الْكَلِمَة الحبشية استمالة قَلبهَا لِأَنَّهَا كَانَت ولدت بِأَرْض الْحَبَشَة، قَالَه الْكرْمَانِي.
٢٣ - (بابُ ثِياب الخُضْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر ثِيَاب الْخضر بِإِضَافَة الثِّيَاب إِلَى الْخضر بِضَم الْخَاء وَسُكُون الضَّاد المعجمتين من قبيل: مَسْجِد الْجَامِع، هَذَا هَكَذَا رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بَاب الثِّيَاب الْخضر، على الْوَصْف.
стр. 6518
٤٢ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا عبد الْوَهَّاب أخبرنَا أَيُّوب عَن عِكْرِمَة أَن رِفَاعَة طلق امْرَأَته فَتَزَوجهَا عبد الرَّحْمَن بن الزبير الْقرظِيّ قَالَت عَائِشَة وَعَلَيْهَا خمار أَخْضَر فشكت إِلَيْهَا وأرتها خضرَة بجلدها فَلَمَّا جَاءَ رَسُول الله ﷺ َ - وَالنِّسَاء ينصر بَعضهنَّ بَعْضًا قَالَت عَائِشَة مَا رَأَيْت مثل مَا يلقى الْمُؤْمِنَات لجلدها أَشد خضرَة من ثوبها قَالَ وَسمع أَنَّهَا قد أَتَت رَسُول الله ﷺ َ - فجَاء وَمَعَهُ ابْنَانِ لَهُ من غَيرهَا قَالَت وَالله مَا لي إِلَيْهِ من ذَنْب إِلَّا أَن مَا مَعَه لَيْسَ بأغنى عني من هَذِه وَأخذت هدبة من ثوبها فَقَالَ كذبت وَالله يَا رَسُول الله إِنِّي لأنفضها نفض الْأَدِيم وَلكنهَا ناشز تُرِيدُ رِفَاعَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ - فَإِن كَانَ ذَلِك لم تحلي لَهُ أَو لم تصلحي لَهُ حَتَّى يَذُوق من عُسَيْلَتك قَالَ وَأبْصر مَعَه ابْنَيْنِ فَقَالَ بنوك هَؤُلَاءِ قَالَ نعم قَالَ هَذَا الَّذِي تزعمين مَا تزعمين فوَاللَّه لَهُم أشبه بِهِ من الْغُرَاب بالغراب) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله وَعَلَيْهَا خمار أَخْضَر وَعبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ وَعِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس والْحَدِيث من أَفْرَاده قَوْله إِن رِفَاعَة بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْفَاء ابْن شموال الْقرظِيّ من بني قُرَيْظَة قَالَ ابْن عبد الْبر وَيُقَال رِفَاعَة بن رِفَاعَة وَهُوَ أحد الْعشْرَة الَّذين نزلت فيهم ﴿وَلَقَد وصلنا لَهُم القَوْل﴾ الْآيَة كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه وَابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره من حَدِيث رِفَاعَة بِإِسْنَاد صَحِيح قلت لم يَقع فِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَلَا فِي بَقِيَّة الْكتب السِّتَّة تَسْمِيَة امْرَأَة رِفَاعَة وَقد سَمَّاهَا مَالك فِي رِوَايَته تَمِيمَة بنت وهب وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِيعَاب وَلَا أعلم لَهَا غير قصَّتهَا مَعَ رِفَاعَة بن شموال حَدِيث الْعسيلَة من جِهَة مَالك فِي الْمُوَطَّأ وَقَالَ الطَّبَرَانِيّ لَهَا ذكر فِي قصَّة رِفَاعَة وَلَا حَدِيث لَهَا وَأما زَوجهَا الثَّانِي فَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن الزبير بِفَتْح الزَّاي وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن باطا وَقيل باطيا وَقتل الزبير فِي غَزْوَة بني قُرَيْظَة هَذَا هُوَ الصَّوَاب فَإِن عبد الرَّحْمَن بن الزبير من بني قُرَيْظَة وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين ﵀ وَأما مَا ذكره ابْن مَنْدَه وَأَبُو نعيم فِي كِتَابَيْهِمَا معرفَة الصَّحَابَة من أَنه من الْأَنْصَار من الْأَوْس ونسباه أَنه عبد الرَّحْمَن بن الزبير بن زيد بن أُميَّة بن زيد بن مَالك بن عَوْف بن مَالك بن الْأَوْس فَغير جيد قَوْله فشكت إِلَيْهَا أَي إِلَى عَائِشَة وَفِيه الْتِفَات أَو تَجْرِيد قَوْله وأرتها بِفَتْح الْهمزَة من الإراءة أَي أرت امْرَأَة رِفَاعَة عَائِشَة ﵂ خضرَة بجلدها وَتلك الخضرة إِمَّا كَانَت لهزالها وَإِمَّا لضرب عبد الرَّحْمَن لَهَا قَوْله وَالنِّسَاء ينصر بَعضهنَّ بَعْضًا هَذِه جملَة مُعْتَرضَة بَين قَوْله فَلَمَّا جَاءَ رَسُول الله ﷺ َ - وَبَين قَوْله قَالَت عَائِشَة وَهِي من كَلَام عِكْرِمَة قَوْله لجلدها اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد وَهِي مَفْتُوحَة قَوْله قَالَ وَسمع أَنَّهَا قد أَتَت أَي قَالَ عِكْرِمَة وَسمع أَنَّهَا أَي أَن امْرَأَة رِفَاعَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قد أَتَت إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - قَوْله وَمَعَهُ ابْنَانِ الْوَاو فِيهِ للْحَال وَفِي رِوَايَة وهيب بنُون لَهُ قَوْله إِلَّا أَن مَا مَعَه أَي آلَة الْجِمَاع لَيْسَ بأغنى أَي لَيْسَ دافعا عني شهوتي تُرِيدُ قصوره عَن الْجِمَاع قَوْله من هَذِه أشارت بِهِ إِلَى هدبة وفسرتها بقولِهَا وَأخذت هدبة من ثوبها بِضَم الْهَاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَهِي طرف الثَّوْب الَّذِي لم ينسج شبهوها بهدب الْعين وَهِي شعر الجفن قَوْله فَقَالَ كذبت أَي فَقَالَ رِفَاعَة كذبت يَعْنِي امْرَأَته قَوْله إِنِّي لأنفضها من النفض بالنُّون وَالْفَاء وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ كِنَايَة عَن كَمَال قُوَّة الْمُبَاشرَة قَوْله نفض الْأَدِيم أَي كنفض الْأَدِيم قَوْله ناشز من النُّشُوز وَهُوَ امْتنَاع الْمَرْأَة من زَوجهَا إِنَّمَا قَالَ ناشز وَلم يقل نَاشِزَة لِأَنَّهَا من خَصَائِص النِّسَاء كحائض وطامث فَلَا حَاجَة إِلَى التَّاء الفارقة قَوْله لم تحلي بِكَسْر الْحَاء ويروى لَا تحلين وَوجه هَذِه الرِّوَايَة أَن لم بِمَعْنى لَا وَالْمعْنَى أَيْضا عَلَيْهِ لِأَن لَا للاستقبال وَقَالَ الْأَخْفَش أَن لم تَجِيء بِمَعْنى لَا وَأنْشد
(لَوْلَا فوارس من قيس وأسرتهم ... يَوْم الصليفاء لم يُوفونَ بالجار)
стр. 6519
قَوْله والأسرة بِضَم الْهمزَة الرَّهْط قَوْله أَو لم تصلحي لَهُ شكّ من الرَّاوِي أَي لِرفَاعَة قَوْله حَتَّى يَذُوق فَإِن قلت كَيفَ يَذُوق والآلة كالهدبة قلت قد قبل أَنَّهَا كالهدبة فِي رقتها وصغرها بِقَرِينَة الِابْنَيْنِ اللَّذين مَعَه وَلقَوْله أنفضها ولإنكاره ﷺ َ - عَلَيْهَا قَوْله عُسَيْلَتك قد مر الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب النِّكَاح وَهُوَ مصغر عسلة لِأَن الْعَسَل فِيهِ لُغَتَانِ التَّأْنِيث والتذكير وَقيل إِنَّمَا أنثه لِأَنَّهُ أَرَادَ النُّطْفَة وَضَعفه النَّوَوِيّ قَالَ لِأَن الْإِنْزَال لَيْسَ بِشَرْط وَإِنَّمَا هِيَ كِنَايَة عَن الْجِمَاع شبه لذته بلذة الْعَسَل وحلاوته وَقد ورد حَدِيث مَرْفُوع من حَدِيث عَائِشَة أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ الْعسيلَة الْجِمَاع قَوْله " فَقَالَ بنوك " فِيهِ إِطْلَاق اللَّفْظ الدَّال على الْجمع على التَّثْنِيَة وَقد ذكرنَا آنِفا أَن فِي رِوَايَة وهيب بنُون لَهُ قَوْله هَذَا الَّذِي تزعمين مَا تزعمين ويفسره رِوَايَة وهيب هَذَا الَّذِي تزعمين أَنه كَذَا وَكَذَا وَهُوَ كِنَايَة عَمَّا ادَّعَت عَلَيْهِ من الْعنَّة قَوْله فوَاللَّه لَهُم أشبه بِهِ أَي للابنين أشبه بِهِ أَي بِعَبْد الرَّحْمَن من الْغُرَاب بالغراب وَأثبت النَّبِي ﷺ َ - فِيهِ الحكم بِالدَّلِيلِ حَيْثُ اسْتدلَّ بشبههما لَهُ على كذبهَا ودعواها وَفِيه أَن للزَّوْج ضرب زَوجته عِنْد نشوزها عَلَيْهِ وَإِن أثر ضربه فِي جلدهَا وَلَا حرج عَلَيْهِ فِي ذَلِك وَفِيه أَن للنِّسَاء أَن يطالبن أَزوَاجهنَّ عِنْد الإِمَام بقلة الوطىء وَلَا غَار عَلَيْهِنَّ فِي ذَلِك وَفِيه أَن للزَّوْج إِذا ادّعى عَلَيْهِ بذلك أَن يخبر بِخِلَافِهِ ويعرب عَن نَفسه أَلا ترى إِلَى قَوْله يَا رَسُول الله وَالله إِنِّي لأنفضها نفض الْأَدِيم وَهَذِه الْكِنَايَة من الفصاحة العجيبة وَهِي أبلغ فِي الْمَعْنى من الْحَقِيقَة وَفِيه دَلِيل على الحكم بالقافة وَالْحَنَفِيَّة منعُوهُ وَاسْتَدَلُّوا فِي ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ وَخبر الْوَاحِد لَا يُعَارض نَص الْقُرْآن -
٢٤ - (بابُ الثِّيابِ البِيضِ)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر الثِّيَاب الْبيض، وَهِي من أفضل الثِّيَاب وَهِي لِبَاس الْمَلَائِكَة الَّذين نصروا رَسُول الله ﷺ يَوْم أحد وَغَيره، وَكَانَ ﷺ يلبس الْبيَاض ويحض على لِبَاسه، وَيَأْمُر بتكفين الْأَمْوَات فِيهِ، وَقد صَحَّ عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: البسوا من ثيابكم الْبيَاض فَإِنَّهَا من خير ثيابكم، وكفنوا فِيهَا مَوْتَاكُم، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حسن صَحِيح وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم أَيْضا.
٥٨٢٦ - حدَّثنا إسْحاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ أخبرنَا مُحَمَّدُ بنُ بِشر حَدثنَا مِسْعَرٌ عَنْ سَعْدِ بنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أبِيهِ عَنْ سَعْدٍ قَالَ: رَأيْتُ بِشِمالِ النبيِّ ﷺ ، ويَمِينِهِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِما ثِيابٌ بِيضٌ يَوْمَ أُحُدٍ مَا رَأيْتُهُما قَبْلُ وَلَا بَعْدُ. (انْظُر الحَدِيث ٤٠٥٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، وَمُحَمّد بن بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة الْعَبْدي، ومسعر بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وبالعين الْمُهْملَة وَالرَّاء ابْن كدام الْكُوفِي، وَسعد بن إِبْرَاهِيم يروي عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن سعد بن أبي وَقاص.
والْحَدِيث قد مضى فِي غَزْوَة أحد فِي بَاب: ﴿ (٣) إِذْ هَمت طَائِفَتَانِ مِنْكُم﴾ (آل عمرَان: ١٢٢) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه عَن جده عَن سعد بن أبي وَقاص إِلَى آخِره.
قَوْله: (رجلَيْنِ) قَالُوا: هما جِبْرَائِيل وَمِيكَائِيل. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وإسرافيل، وَقَالَ بَعضهم: وَلم يصب زعم أَن أَحدهمَا إسْرَافيل. قلت: هَذَا منع بِالْيَدِ من غير برهَان، وَكَانَ الْملكَانِ تشكلا بشكل رجلَيْنِ يومئذٍ. قَوْله: (قبل) مبْنى على الضَّم، وَكَذَلِكَ: بعد لِأَنَّهُمَا إِذا حذف مِنْهُمَا الْمُضَاف إِلَيْهِ يبنيان على الضَّم تَقْدِيره: قبل ذَلِك، وَلَا بعد ذَلِك.
٥٨٢٧ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ حَدثنَا عَبْدُ الوارِثِ عَنِ الحُسَيْنِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْياى ابنِ يَعْمَرَ حَدَّثَهُ أنَّ أَبَا الأسْوَدِ الدُّؤُلِي حدَّثَهُ أنَّ أَبَا ذَرّ ﵁، حدَّثَهُ قَالَ: أتَيْتُ النبيَّ ﷺ ، وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أبْيَضُ وَهْوَ نائِمٌ، ثُمَّ أتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ فَقَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إلاهَ إِلَّا الله، ثُمَّ ماتَ عَلَى ذالِكَ إلَاّ دَخَلَ الجَنَّةَ. قُلْتُ: وإنْ زَنَى وإنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وإنْ زَنَى وإنْ سَرَق
стр. 6520
قُلْتُ: وإنْ زَنَى وإنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وإنْ زَنَى وإنْ سَرَقَ. قُلْتُ: وإنْ زَنَى وإنْ سَرَق؟ قَالَ: وإنْ زَنَى وإنْ سَرَقَ، عَلَى زَعْمِ أَنْفِ أبي ذَرْ، وَكَانَ أبُوا ذَرْ إِذا حَدَّثَ بِهاذَا قَالَ: وإنْ رَغِمَ أنْفُ أبي ذَرّ.
قَالَ أبُو عَبْدِ الله: هاذا عِنْدَ المَوْتِ أوْ قَبْلَهُ إِذا تابَ ونَدِمَ، وَقَالَ: لَا إلاهَ إِلَّا الله، غُفِرَ لَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أتيت النَّبِي ﷺ وَعَلِيهِ ثوب أَبيض) . وَأَبُو معمر بِفَتْح الميمين عبد الله بن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج المقعد الْبَصْرِيّ، وَعبد الْوَارِث بن سعيد، وَالْحُسَيْن هُوَ الْمعلم، وَعبد الله بن بُرَيْدَة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء القَاضِي بمرو وَيحيى بن يعمر بِلَفْظ مضارع الْعِمَارَة بِفَتْح الْمِيم كَانَ أَيْضا قَاضِيا بهَا، وَأَبُو الْأسود ظَالِم بن عَمْرو الدؤَلِي بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَفتح الْهمزَة، وَهُوَ أول من تكلم فِي النَّحْو بِإِشَارَة عَليّ بن أبي طَالب ﵁.
وَالرِّجَال كلهم بصريون، وَأَبُو ذَر جُنْدُب ابْن جُنَادَة.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن زُهَيْر بن حَرْب وَغَيره.
قَوْله: (وَعَلِيهِ ثوب أَبيض) الْوَاو فِيهِ للْحَال، وَفَائِدَته ذكر الثَّوْب وَالنَّوْم والاستيقاظ لتقرير التثبت والاتقان فِيمَا يرويهِ فِي آذان السامعين ليتَمَكَّن فِي قُلُوبهم. قَوْله: (وَإِن زنى) حرف الِاسْتِفْهَام فِيهِ مُقَدّر، والمعاصي نَوْعَانِ: مَا يتَعَلَّق بِحَق الله تَعَالَى كَالزِّنَا، وبحق النَّاس كالسرقة. قَوْله: (على رغم أنف أبي ذَر) من رغم إِذا لصق بالرغام وَهُوَ التُّرَاب، وَيسْتَعْمل مجَازًا بِمَعْنى: كره أَو ذل إطلاقاً لإسم السَّبَب على الْمُسَبّب، وَأما تَكْرِير أبي ذَر فلاستعظام شَأْن الدُّخُول مَعَ مُبَاشرَة الْكَبَائِر وتعجبه مِنْهُ، وَأما تَكْرِير النَّبِي ﷺ فلإنكار استعظامه وتحجيره وَاسِعًا فَإِن رَحمته وَاسِعَة على خلقه. وَأما حِكَايَة أبي ذَر قَول رَسُول الله ﷺ : (على رغم أنف أبي ذَر) فللشرف والافتخار.
وَفِيه: أَن الْكَبِيرَة لَا تسلب اسْم الْإِيمَان وَأَنَّهَا لَا تحبط الطَّاعَة وَأَن صَاحبهَا لَا يخلد فِي النَّار وَأَن عاقبته دُخُول الْجنَّة، قَالَ الْكرْمَانِي: مَفْهُوم الشَّرْط أَن من لم يزن لم يدْخل الْجنَّة، وَأجَاب بقوله: هَذَا الشَّرْط للْمُبَالَغَة فالدخول لَهُ بِالطَّرِيقِ الأولى نَحْو: نعم العَبْد صُهَيْب لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ.
قَوْله: (قَالَ أَبُو عبد الله) هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. قَوْله: (هَذَا) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله ﷺ : مَا من عبد قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله ثمَّ مَاتَ على ذَلِك إلَاّ دخل الْجنَّة، وَأَرَادَ بِهِ تَفْسِير هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ أَنه مَحْمُول على أَن من وحّد ربه وَمَات على ذَلِك تَائِبًا من الذُّنُوب الَّتِي أُشير إِلَيْهَا فِي الحَدِيث دخل الْجنَّة. وَقَالَ ابْن التِّين: قَول البُخَارِيّ هَذَا خلاف ظَاهر الحَدِيث، وَلَو كَانَت التَّوْبَة شرطا لم يقل: (وَإِن زنى وَإِن سرق) والْحَدِيث على ظَاهره، وَإِن مَاتَ مُسلما دخل الْجنَّة قبل النَّار أَو بعْدهَا؟ انْتهى. قلت: نعم ظَاهر قَول البُخَارِيّ أَنه لم يُوجب الْمَغْفِرَة إلَاّ لمن تَابَ، فَظَاهر هَذَا يُوهم إِنْفَاذ الْوَعيد لمن لم يتب، وَأَيْضًا يحْتَاج تَفْسِير البُخَارِيّ إِلَى تَفْسِير آخر، وَذَلِكَ أَن التَّوْبَة والندم إِنَّمَا ينفع فِي الذَّنب الَّذِي بَين العَبْد وربه، وَأما مظالم الْعباد فَلَا تسقطها عَنهُ التَّوْبَة إلَاّ بردهَا إِلَيْهِم أَو عفوهم، وَمعنى الحَدِيث: أَن من مَاتَ على التَّوْحِيد دخل الْجنَّة وَإِن ارْتكب الذُّنُوب، وَلَا يخلد فِي النَّار.
وَفِيه: رد على المبتدعة من الْخَوَارِج والمعتزلة الَّذين يدعونَ وجوب خُلُود من مَاتَ من مرتكبي الْكَبَائِر من غير تَوْبَة فِي النَّار.
٢٥ - (بابُ لُبْسِ الحَرِيرِ وافْتِراشِهِ لِلرِّجالِ وقَدْرِ مَا يَجُوزُ مِنْهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم لبس الْحَرِير وَفِي بَيَان حكم افتراشه. قَوْله: (للرِّجَال) يتَعَلَّق بالاثنين جَمِيعًا، وَهُوَ قيد يخرج النِّسَاء. قَوْله: (وَقدر) ، أَي فِي بَيَان قدر مَا يجوز اسْتِعْمَاله للرِّجَال. قَوْله: (مِنْهُ) أَي من الْحَرِير، وَلم يذكر فِي: (شرح ابْن بطال) زِيَادَة افتراشه لِأَنَّهُ ترْجم للافتراش مُسْتقِلّا، كَمَا سَيَأْتِي بعد أَبْوَاب، وَالْحَرِير مَعْرُوف وَهُوَ عَرَبِيّ، وَسمي بذلك لخلوصه، يُقَال لكل خَالص: مُحَرر، وحررت الشَّيْء مخلصته من الِاخْتِلَاط بِغَيْرِهِ، وَقيل: هُوَ فَارسي مُعرب.
٥٨٢٨ - حدَّثنا آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةَ حَدثنَا قَتادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمانَ النَّهْدِيَّ قَالَ: أَتَانَا كِتابُ عُمَرَ وَنَحْنُ مَعَ عُتْبَةَ بنِ فَرْقَدٍ بِأذْرَ بِيجانَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهاى عَنِ الحَرِير، إلَاّ هاكَذا ... وأشارَ بإصْبَعَيْهِ اللَّتِيٌ تَلِيانِ الإبْهامَ، قَالَ: فِيما عَلِمْنا أنَّهُ يَعْنِي الأعْلَامَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْهَاء، وَعتبَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة
стр. 6521
وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن فرقد بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْقَاف وبالدال الْمُهْملَة السّلمِيّ أَبُو عبد الله. قَالَ أَبُو عمر: لَهُ صُحْبَة ورؤية، وَكَانَ أَمِيرا لعمر بن الْخطاب ﵁، على بعض فتوحات الْعرَاق، وروى شُعْبَة عَن حُصَيْن عَن امْرَأَة عتبَة بن فرقد أَن عتبَة غزا مَعَ رَسُول الله ﷺ ، غزوتين.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن أَحْمد بن يُونُس وَعَن مُسَدّد وَعَن الْحسن بن عمر فِي هَذَا الْبَاب عَن كلهم. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي اللبَاس عَن أَحْمد بن يُونُس وَعَن جمَاعَة آخَرين. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَغَيره. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْجِهَاد وَفِي اللبَاس عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.
وأذربيجان هُوَ الإقليم الْمَعْرُوف، وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا وَرَاء الْعرَاق. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل الْعرَاق جنوبيها عِنْد ظهر حلوان وَشَيْء من حُدُود الجزيرة وشماليها جبال العقيق وغربيها حُدُود بِلَاد الرّوم شَيْء. من الجزيرة وشرقيها بِلَاد الجيل وَتَمَامه بِلَاد الديلم وَهِي إسم لبلاد تبريز وتبريز أجل مدنها، وَهِي بِفَتْح الْألف الْمَقْصُورَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْجِيم ثمَّ ألف وَنون. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَأَهْلهَا يَقُولُونَ بِفَتْح الْهمزَة وَالْمدّ وَفتح وَإِسْكَان الرَّاء وَفتح الْمُوَحدَة وبالألف وبالجيم وَالْألف وَالنُّون، وَضَبطه المحدثون بِوَجْهَيْنِ بِفَتْح الْهمزَة بِغَيْر الْمَدّ وَإِسْكَان الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَكسر الْمُوَحدَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وبمد الْهمزَة وَفتح الْمُعْجَمَة الْمُعْجَمَة. قلت: الْعُمْدَة فِي ذَلِك على ضبط أَهلهَا.
وَقَالَ النووري: هَذَا الحَدِيث مِمَّا استدركه الدَّارَقُطْنِيّ على البُخَارِيّ، وَقَالَ: لم يسمعهُ أَبُو عُثْمَان من عمر ﵁، بل أخبر عَن كِتَابه وَهَذَا الِاسْتِدْرَاك بَاطِل، فَإِن الصَّحِيح جَوَاز الْعَمَل بِالْكتاب وَرِوَايَته عَنهُ، وَذَلِكَ مَعْدُود عِنْدهم فِي الْمُتَّصِل، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يكْتب إِلَى أمرائه وعماله ويفعلون مَا فِيهَا، وَكتب عمر إِلَى عتبَة بن فرقد وَفِي الْجَيْش خلائق من الصَّحَابَة، فَدلَّ على حُصُول الِاتِّفَاق مِنْهُم، وَأَبُو عُثْمَان هَذَا أسلم على عهد النَّبِي ﷺ ، وَصدق إِلَيْهِ وَلم يلقه، وروى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم: عمر بن الْخطاب وَابْنه عبد الله وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَأم سَلمَة ﵃.
قَوْله: (نهى عَن الْحَرِير) أَي: لبس الْحَرِير. قَوْله: (وَأَشَارَ) أَي: النَّبِي ﷺ . قَوْله: (اللَّتَيْنِ تليان الْإِبْهَام) يَعْنِي: السبابَة وَالْوُسْطَى، وَصرح بذلك فِي رِوَايَة عَاصِم. قَوْله: (قَالَ: فِيمَا علمنَا) أَي: قَالَ أَبُو عُثْمَان: حصل فِي علمنَا أَنه يُرِيد بالمستثنى الْأَعْلَام بِفَتْح الْهمزَة جمع علم وَهُوَ مَا يجوزه الْفُقَهَاء من التطريف والتطريز وَنَحْوهمَا، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم والإسماعيلي: قَالَ أَبُو عُثْمَان: فِيمَا عتمنا أَنه يَعْنِي الْأَعْلَام، وعتمنا بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، يُقَال: عتم إِذا أَبْطَأَ وَتَأَخر يَعْنِي: مَا أَبْطَأَ فِي معرفَة أَنه أَرَادَ بِهِ الْأَعْلَام الَّتِي فِي الثِّيَاب.
وَاخْتلفُوا فِي الْحِكْمَة فِي تَحْرِيم الْحَرِير على الرجل فَقيل: السَّرف، وَقيل: الْخُيَلَاء، وَقيل: للتشبه بِالنسَاء. وَحكى ابْن دَقِيق الْعِيد عَن بَعضهم أَن تَعْلِيل التَّحْرِيم التَّشَبُّه بالكفار وَيدل عَلَيْهِ قَوْله ﷺ فِي حَدِيث: هُوَ لَهُم فِي الدُّنْيَا وَلنَا فِي الْآخِرَة. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: وَالَّذِي يَصح من ذَلِك مَا هُوَ فِيهِ السَّرف، وَقَالَ شَيخنَا: السَّرف مَنْهِيّ عَنهُ فِي حق الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَإِنَّمَا هُوَ من زِينَة النِّسَاء، وَقد أذن للنِّسَاء فِي التزين وَنهى الرِّجَال عَن التَّشَبُّه بِهن، وَلعن الشَّارِع الرِّجَال المتشبهين بِالنسَاء، وَهَذَا الحَدِيث حجَّة لِلْجُمْهُورِ بِأَن الْحَرِير حرَام على الرِّجَال. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْإِجْمَاع انْعَقَد على ذَلِك.
وَحكى القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ فِي الْمَسْأَلَة عشرَة أَقْوَال: الأول: أَنه حرَام على الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَهُوَ قَول عبد الله بن الزبير ﵄. الثَّانِي: أَنه حَلَال للْجَمِيع. الثَّالِث: حرَام إلَاّ فِي الْحَرْب. الرَّابِع: أَنه حرَام إلَاّ فِي السّفر. الْخَامِس: أَنه حرَام إلَاّ فِي الْمَرَض. السَّادِس: أَنه حرَام إلَاّ فِي الْغَزْوَة. السَّابِع: أَنه حرَام إلَاّ فِي الْعلم. الثَّامِن: أَنه حرَام فِي الْأَعْلَى دون الْأَسْفَل، أَي: افتراشه. التَّاسِع: أَنه حرَام وَإِن خلط بِغَيْرِهِ. الْعَاشِر: أَنه حرَام إلَاّ فِي الصَّلَاة عِنْد عدم غَيره. وَفِيه: حجَّة على إِبَاحَة قدر لإصبعين فِي الْأَعْلَام، وَلَكِن وَقع عِنْد أبي دَاوُد من طَرِيق حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَاصِم الْأَحول فِي هَذَا الحَدِيث: أَن النَّبِي ﷺ ، نهى عَن الْحَرِير إلَاّ مَا كَانَ هَكَذَا وَهَكَذَا، إِصْبَعَيْنِ وَثَلَاثَة وَأَرْبَعَة. وروى مُسلم من حَدِيث سُوَيْد بن غَفلَة بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة
стр. 6522
وَالْفَاء وَاللَّام الخفيفتين أَن عمر ﵁، خطب فَقَالَ: نهى رَسُول الله ﷺ ، عَن لبس الْحَرِير إلاّ مَوضِع إِصْبَعَيْنِ أَو ثَلَاثًا أَو أَرْبعا. وَكلمَة: أَو، هُنَا للتنويع والتخيير، وَأخرجه ابْن أبي شيبَة من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ: إِن الْحَرِير لَا يصلح مِنْهُ إلَاّ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، يَعْنِي: إِصْبَعَيْنِ وَثَلَاثًا وأربعاً. وَقَالَ شَيخنَا: فِي حَدِيث عمر ﵁، حجَّة لما قَالَه أَصْحَابنَا من أَنه لَا يرخص فِي التطريز وَالْعلم فِي الثَّوْب إِذا زَاد على أَرْبَعَة أَصَابِع، وَأَنه تجوز الْأَرْبَعَة فَمَا دونهَا، وَمِمَّنْ ذكره من أَصْحَابنَا الْبَغَوِيّ فِي (التَّهْذِيب) وَتَبعهُ الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ. انْتهى. وَذكر الزَّاهدِيّ من أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة أَن الْعِمَامَة إِذا كَانَت طرتها قدر أَربع أَصَابِع من إبريسم بأصابع عمر بن الْخطاب ﵁، وَذَلِكَ قيس شبرنا يرخص فِيهِ. والأصابع لَا مَضْمُومَة كل الضَّم وَلَا منشورة كل النشر. وَقيل: أَربع أَصَابِع كَمَا هِيَ على هيئتها، وَقيل: أَربع أَصَابِع منشورة، وَقيل: التَّحَرُّز عَن مِقْدَار المنشورة أولى، وَالْعلم فِي مَوَاضِع. قَالَ بَعضهم: يجمع، وَقيل: لَا يجمع، وَإِذا كَانَ نظره إِلَى الثَّلج يضرّهُ فَلَا بَأْس أَن يشد على عَيْنَيْهِ خماراً أسود من إبر يسم، قَالَ: وَفِي الْعين الرمدة أولى، وَقيل: لَا يجوز، وَعَن أبي حنيفَة ﵁: لَا بَأْس بِالْعلمِ من الْفضة فِي الْعِمَامَة قدر أَربع أَصَابِع، وَيكرهُ من الذَّهَب، وَقيل: لَا يكره، وَالذَّهَب المنسوج فِي الْعلم كَذَلِك، وَعَن مُحَمَّد لَا يجوز، وَفِي: (جَامع مُخْتَصر) الشَّيْخ أبي مُحَمَّد قيل لمَالِك: ملاحف أعلامها حَرِير قدر إِصْبَعَيْنِ، قَالَ: لَا أحبه، وَمَا أرَاهُ حَرَامًا.
٥٨٢٩ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ حَدثنَا زُهَيْرٌ حَدثنَا عاصِمٌ عَنْ أبي عُثْمانَ قَالَ: كَتَبَ إلَيْنا عُمَرُ وَنَحْنُ بِأذْرَبِيجَانَ: أنَّ النبيَّ ﷺ نَهاى عَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ إلاّ هاكَذَا، وَصَفَّ لنا النبيُّ ﷺ ، إصْبَعَيْهِ، وَرَفَعَ زُهَيْرٌ الوُسْطَى والسَّبابَةَ.
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن أَحْمد بن يُونُس وَهُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُوسُف نسب لجده وَهُوَ بذلك أشهر، يروي عَن زُهَيْر بن مُعَاوِيَة بن أبي خَيْثَمَة الْجعْفِيّ عَن عَاصِم بن سُلَيْمَان الْأَحول عَن أبي عُثْمَان عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور.
قَوْله: (كتب إِلَيْنَا عمر) هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَر، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: كتب إِلَيْهِ، أَي: إِلَى عتبَة بن فرقد، وكلتا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيحَة لِأَنَّهُ كتب إِلَى الْأَمِير لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُخَاطب بِهِ وَكتب إِلَيْهِم أَيْضا بالحكم. قَوْله: (وَرفع زُهَيْر السبابَة وَالْوُسْطَى) ، وَزَاد مُسلم فِي رِوَايَته: وضمهما.
٥٨٣٠ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا يَحْياى عَنِ التَّيْمِيِّ عَنْ أبِي عُثْمانَ قَالَ: كُنَّا مَعَ عُتْبَةَ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ ، قَالَ: لَا يُلْبَسُ الحَرِيرُ فِي الدُّنْيا إلَاّ لَمْ يُلْبَسْ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الآخِرَةِ.
هَذَا طَرِيق آخر أخرجه عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن سُلَيْمَان بن طرخان التَّيْمِيّ ... إِلَى آخِره.
قَوْله: (لَا يلبس) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَكَذَلِكَ قَوْله: (لم يلبس) وَهَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وللنسفي فِي الْأَخِيرَة: مِنْهُ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني على صِيغَة بِنَاء الْفَاعِل فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَالتَّقْدِير: لَا يلبس الرجل الْحَرِير، ويروى: لَا يلبس أحد الْحَرِير فِي الدُّنْيَا إلَاّ لم يلبس مِنْهُ شَيْئا فِي الْآخِرَة، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: لَا يلبس الْحَرِير إلَاّ من لَيْسَ لَهُ مِنْهُ شَيْء فِي الْآخِرَة، وَقَالَ بَعضهم: وَأوردهُ الْكرْمَانِي بِلَفْظ: إلَاّ من لم يلبس، قَالَ: وَفِي الْأُخْرَى: إلَاّ من لَيْسَ يلبس مِنْهُ. قلت: لفظ الْكرْمَانِي هَكَذَا. قَوْله: إلاّ من لم يلبس، وَفِي بَعْضهَا: إلَاّ لَيْسَ يلبس.
حدَّثنا الحَسَنُ بنُ عُمَر حَدثنَا مُعْتَمِرٌ حَدثنَا أبي حَدثنَا أبُو عُثْمانَ، وأشارَ أبُو عُثْمانَ بِإِصْبَعَيْهِ: المُسَبِّحَةِ والوُسْطَى.
هَذَا طَرِيق آخر أخرجه عَن الْحسن بن عمر بن شَقِيق الْجرْمِي بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الرَّاء أبي عُثْمَان الْبَلْخِي، هَكَذَا نَص
стр. 6523
عَلَيْهِ الكلاباذي وَآخَرُونَ، وَعَن ابْن عدي هُوَ ابْن عَمْرو بن إِبْرَاهِيم الْعَبْدي وَلَيْسَ بِشَيْء، ومعتمر يروي عَن أَبِيه سُلَيْمَان التَّيْمِيّ، وَسليمَان عَن أبي عُثْمَان الْمَذْكُور، وَأَبُو عُثْمَان يروي عَن كتاب عمر ضي الله عَنهُ، وَزَاد هَذِه الزِّيَادَة. (المسبحة) بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة الْمُشَدّدَة وَهِي السبابَة وَهِي الَّتِي تلِي الْإِبْهَام، وَسميت بالسبابة لِأَن النَّاس يشيرون بهَا عِنْد السَّبَب، وَسميت بالمسبحة لِأَن الْمُصَلِّي يُشِير بهَا إِلَى التَّوْحِيد وتنزيه الله تَعَالَى عَن الشَّرِيك.
٥٨٣١ - حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ حَدثنَا شُعْبَة عَنِ الحَكمِ عَنِ ابنِ أبي لَيْلَى قَالَ: كَانَ حُذَيْفَةُ بالمَدايِنِ فاسْتَسْقاى. فأتاهُ دِهْقانٌ بماءٍ فِي إناءٍ مِنْ فِضَّةٍ فَرَماهُ بِهِ، وَقَالَ: إنِّي لَمْ أرْمِهِ إلَاّ أنِّي نَهَيْتُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ، قَالَ رسولُ الله ﷺ : الذَّهَبُ والفِضّةُ والحَرِيرُ والدِّيباجُ هِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمَفْهُوم مِنْهُ عدم جَوَاز اسْتِعْمَال هَذِه الْأَشْيَاء للرِّجَال، وَقد تمسك بِهِ من منع اسْتِعْمَال النِّسَاء للحرير والديباج، لِأَن حُذَيْفَة اسْتدلَّ بِهِ على تَحْرِيم الشّرْب فِي الْإِنَاء الْفضة وَهُوَ حرَام على النِّسَاء وَالرِّجَال جَمِيعًا، فَيكون الْحَرِير كَذَلِك. وَأجِيب: بِأَن الْخطاب بِلَفْظ الْمُذكر وَدخُول الْمُؤَنَّث فِيهِ مُخْتَلف فِيهِ، قيل: الرَّاجِح عِنْد الْأُصُولِيِّينَ عدم دخولهن. قلت: هَذَا الْجَواب لَيْسَ بمقنع، بل الأولى أَن يُقَال: قد جَاءَت إِبَاحَة الذَّهَب وَالْحَرِير للنِّسَاء، كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَالْحكم بِفتْحَتَيْنِ هُوَ ابْن عتيبة مصغر عتبَة الْبَاب، وَابْن أبي ليلى هُوَ عبد الرَّحْمَن، وَاسم أبي ليلى يسَار ضد الْيَمين وَكَانَ عبد الرَّحْمَن قَاضِي الْكُوفَة، وَحُذَيْفَة هُوَ ابْن الْيَمَان.
والْحَدِيث مضى فِي الْأَشْرِبَة فِي: بَاب الشّرْب فِي آنِية الذَّهَب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة عَن الحكم ... إِلَى آخِره.
قَوْله: (فَاسْتَسْقَى) أَي: طلب سقِِي المَاء، (والمدائن) إسم مَدِينَة كَانَت دَار مملكة الأكاسرة، (والدهقان) بِكَسْر الدَّال على الْمَشْهُور وَبِضَمِّهَا، وَقيل بِفَتْحِهَا وَهُوَ غَرِيب، وَهُوَ زعيم الفلاحين، وَقيل: زعيم الْقرْيَة وَهُوَ عجمي مُعرب، وَقيل، بأصالة النُّون وزيادتها. قَوْله: (وَلَهُم) أَي: وللكفار، قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا بَيَان للْوَاقِع لَا تَجْوِيز لَهُم لأَنهم مكلفون بالفروع، وَفِيه خلاف، وَظَاهر الحَدِيث يدل على أَنهم لَيْسُوا بمكلفين بالفروع.
٥٨٣٢ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ حَدثنَا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ قَالَ شُعْبَةُ: فَقُلْتُ: أعَنِ النبيِّ ﷺ ؟ فَقَالَ شَدِيداً: عَنِ النبيِّ ﷺ ، فَقَالَ: مَنْ لَبِسَ الحَرِيرَ فِي الدُّنْيا فَلَنْ يَلْبَسَهُ فِي الآخِرَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ يوضحها لِأَن التَّرْجَمَة لَيْسَ فِيهَا بَيَان الحكم والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (قَالَ شُعْبَة: فَقلت) أَي: فَقلت لعبد الْعَزِيز: (أعن النَّبِي ﷺ ؟) أَي: أسمع أنس عَن النَّبِي ﷺ ؟ وَوَقع فِي رِوَايَة عَليّ بن الْجَعْد: شُعْبَة سَأَلت عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن الْحَرِير، فَقَالَ: سَمِعت أنسا، فَقلت: عَن النَّبِي ﷺ ؟ (فَقَالَ شَدِيدا) : أَي: قَالَ عبد الْعَزِيز على سَبِيل الْغَضَب الشَّديد فِي سُؤَاله عَن النَّبِي ﷺ ، يَعْنِي: لَا حَاجَة إِلَى هَذَا السُّؤَال، إِذْ الْقَرِينَة أَو السُّؤَال مشْعر بذلك، قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون تقريراً لكَونه مَرْفُوعا، أَي: أحفظه حفظا شَدِيدا، ثمَّ نقل مَا ذَكرْنَاهُ عَن الْكرْمَانِي ثمَّ قَالَ: كَذَا، وَوَجهه غير وجيه. قلت: الَّذِي قَالَه هُوَ غير وجيه، قلت: الَّذِي قَالَه هُوَ غير وجيه، وَالْأَوْجه مَا ذكره الْكرْمَانِي ليتأمله من لَهُ أدنى تامل. قَوْله: (فَلَنْ يلْبسهُ فِي الْآخِرَة) هُوَ على تَقْدِير: إِمَّا ينساه، أَو تزَال شَهْوَته من نَفسه، أَو يكون ذَلِك فِي وَقت دون وَقت.
٥٨٣٣ - حدَّثنا سُلَيْمانُ بن حَرْبٍ حَدثنَا حَمادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ ثابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ الزُّبَيْرِ يَخْطُبُ يَقُولُ: قَالَ مُحَمَّدٌ ﷺ : مَنْ لَبِسَ الحَرِيرَ فِي الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ.
стр. 6524
[/ نه
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا الْآن وثابت هُوَ الْبنانِيّ وَابْن الزبير هُوَ عبد الله.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة وَفِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد بن زيد بِهِ.
قَوْله: (يخْطب) زَاد النَّسَائِيّ: وَهُوَ على الْمِنْبَر، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن عَفَّان عَن حَمَّاد بِلَفْظ: يَخْطُبنَا. قَوْله: (قَالَ مُحَمَّد ﷺ هَذَا مُرْسل ابْن الزبير ومراسيل الصَّحَابَة مُحْتَج بهَا عِنْد الْجُمْهُور من الَّذين لَا يحتجون بالمراسيل لِأَنَّهُ إِمَّا أَن يكون عِنْد الْوَاحِد مِنْهُم عَن النَّبِي ﷺ ، أَو عَن صَحَابِيّ آخر، فَإِن قلت: يحْتَمل أَن يكون عَن تَابِعِيّ لوُجُود بعض الرِّوَايَة عَن بعض الصَّحَابَة عَن بعض التَّابِعين؟ قلت: هَذَا نَادِر والنادر كَالْمَعْدُومِ. قَوْله: (لم يلْبسهُ) بِكَلِمَة: لم، وَقَالَ بَعضهم: لن يلْبسهُ فِي الْآخِرَة، كَذَا فِي جَمِيع الطّرق عَن ثَابت، يَعْنِي بِكَلِمَة: لن، وَهُوَ اوضح فِي النَّفْي. قلت: وجدت فِي غَالب النّسخ: لم يلْبسهُ بِكَلِمَة: لم.
٥٨٣٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ الجَعْدِ أخبرنَا شُعْبَةُ عَنْ أبِي ذُبْيانَ خَلِيفَةَ بنِ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: سَمعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ النبيُّ ﷺ مَنْ لَبِسَ الحَرِيرَ فِي الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ.
وَقَالَ لَنا أبُو مَعْمَرٍ: حَدثنَا عَبْدُ الوَارِثِ عَنْ يَزِيدَ قالَتْ مُعاذَةُ: أخْبَرَتْنِي أُمُّ عَمْرو بنْتُ عَبْدِ الله سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ الزُّبَيْرِ سَمِعَ عُمَرَ سَمِعَ النبيَّ ﷺ نَحوه.
هَذَا طَرِيق آخر أخرجه عَن عَليّ بن الْجَعْد بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة ابْن عبيد الْجَوْهَرِي الْبَغْدَادِيّ، روى البُخَارِيّ عَنهُ فِي كِتَابه اثْنَي عشر حَدِيثا، قَالَ البُخَارِيّ: مَاتَ بِبَغْدَاد آخر رَجَب سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَأَبُو ذبيان بِضَم الذَّال الْمُعْجَمَة وَكسرهَا وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وبالياء آخر الْحُرُوف وبالنون واسْمه خَليفَة بن كَعْب التَّمِيمِي الْبَصْرِيّ، وَمَاله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع، وَقد وَثَّقَهُ النَّسَائِيّ وَوَقع فِي رِوَايَة عَليّ بن السكن عَن الْفربرِي عَن أبي ظبْيَان بِظَاء مُعْجمَة بدل الذَّال، قَالُوا: هُوَ خطأ، وَأَشد خطأ مِنْهُ فِي رِوَايَة أبي زيد الْمروزِي عَن الْفربرِي عَن أبي دِينَار، بِكَسْر الدَّال الْمُهْملَة وبالياء آخر الْحُرُوف الساكنة وَنون وَبعد الْألف رَاء، وَقد نبه على ذَلِك أَبُو مُحَمَّد الْأصيلِيّ.
قَوْله: (سَمِعت ابْن الزبير يَقُول: سَمِعت عمر يَقُول) وَقع فِي رِوَايَة النَّضر بن شُمَيْل عَن شُعْبَة: حَدثنَا خَليفَة بن كَعْب سَمِعت عبد الله بن الزبير يَقُول: لَا تلبسوا نساءكم الْحَرِير، فَإِنِّي سَمِعت عمر ﵁ ... أخرجه النَّسَائِيّ من طَرِيق جَعْفَر بن مَيْمُون عَن خَليفَة بن كَعْب فَلم يذكر عمر فِي إِسْنَاده، وَشعْبَة أحفظ من جَعْفَر بن مَيْمُون. قَوْله: (لم يلْبسهُ) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: لن يلْبسهُ، وَالْمَحْفُوظ من هَذَا الْوَجْه: لم، وَكَذَا أخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ، وَزَاد النَّسَائِيّ فِي رِوَايَة جَعْفَر بن مَيْمُون فِي آخِره: وَمن لم يلْبسهُ فِي الْآخِرَة لم يدْخل الْجنَّة. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ (٢٢) ولباسهم فِيهَا حَرِير﴾ (الْحَج: ٢٣ وفاطر: ٣٣) قيل: هَذِه الزِّيَادَة مدرجة فِي الْخَبَر، وَهِي مَوْقُوفَة على ابْن الزبير، بيَّن ذَلِك النَّسَائِيّ أَيْضا من طَرِيق شُعْبَة، فَذكر مثل سَنَد حَدِيث الْبَاب، وَفِي آخِره: قَالَ ابْن الزبير، فَذكر الزِّيَادَة، وَكَذَا أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عَليّ بن الْجَعْد عَن شُعْبَة، وَلَفظه: فَقَالَ ابْن الزبير من رَأْيه: وَمن لم يلبس الْحَرِير فِي الْآخِرَة لم يدْخل الْجنَّة، وَذَلِكَ لقَوْله تَعَالَى: ﴿ولباسهم فِيهَا حَرِير﴾ .
قَوْله: (وَقَالَ لنا أَبُو معمر) هَذَا طَرِيق آخر من رِوَايَة ابْن الزبير عَن عمر ﵁، أخرجه عَن أبي معمر عبد الله بن عمر بن الْحجَّاج أحد شُيُوخه بطرِيق المذاكرة حَيْثُ لم يُصَرح بِالتَّحْدِيثِ عَنهُ.
وَعبد الْوَارِث هُوَ ابْن سعيد، وَيزِيد من الزِّيَادَة قَالَ الغساني: هُوَ يزِيد الرشك بِكَسْر الرَّاء وبسكون الشين الْمُعْجَمَة وبالكاف، وَمَعْنَاهُ: القسام كَانَ يقسم الدّور وَيمْسَح بِمَكَّة، مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة بِالْبَصْرَةِ، ومعاذة بِضَم الْمِيم وبالعين الْمُهْملَة وبالذال الْمُعْجَمَة بنت عبد الله العدوية البصرية، وَأم عمر وَبنت عبد الله بن الزبير بن الْعَوام الأَسدِية، سَمِعت أَبَاهَا عبد الله بن الزبير وَابْن الزبير سمع عمر ﵁، وَعمر سمع النَّبِي ﷺ ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: سَمِعت من عبد الله بن الزبير يَقُول فِي خطبَته: إِنَّه سمع عمر بن الْخطاب. . قَوْله: (نَحوه) ، أَي: نَحْو الحَدِيث الْمَذْكُور، وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظ: فَإِنَّهُ لَا يكساه فِي الْآخِرَة، وَله من طَرِيق شَيبَان بن فروخ عَن عبد الْوَارِث: فَلَا كَسَاه الله فِي
стр. 6525
الْآخِرَة، وروى أَحْمد من حَدِيث جَابر عَن خَالَته أم عُثْمَان عَن جوَيْرِية قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : من لبس ثوب حَرِير ألبسهُ الله ثوبا من النَّار يَوْم الْقِيَامَة.
٥٨٣٥ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدّثنا عُثْمانُ بنُ عُمَرَ حَدثنَا عَلِيُّ بنُ المُبارَكِ عَنْ يَحْياى بنِ أبِي كَثِيرٍ عَنْ عِمْرَانَ بنِ حِطَّانَ قَالَ: سألْتُ عائِشَةَ عَن الحَرِيرِ فقالَتِ: ائْتِ ابنَ عَبَّاسٍ فَسَلْهُ، قَالَ: فَسألْتُهُ، فَقَالَ: سَلِ ابنَ عُمَرَ، قَالَ: فَسألْتُ ابنَ عُمَرَ فَقَالَ: أخْبرني أبُو حَفْصٍ يَعْنِي: عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قَالَ: إِنَّمَا يَلْبَسُ الحَرِيرَ فِي الدُّنْيا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ، فَقُلْتُ: صَدَقَ وَمَا كَذَبَ أبُو حَفْصٍ عَلَى رسولِ الله ﷺ .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يوضحها، وَعُثْمَان بن عمر بن فَارس الْبَصْرِيّ الْعَبْدي، وَعلي بن الْمُبَارك الْهنائِي الْبَصْرِيّ، وَعمْرَان بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة ابْن حطَّان بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الطَّاء الْمُهْملَة وبالنون السدُوسِي، كَانَ رَئِيس الْخَوَارِج وشاعرهم، وَهُوَ الَّذِي مدح ابْن ملجم قَاتل عَليّ بن أبي طَالب ﵁، بالأبيات الْمَشْهُورَة. فَإِن قلت: كَانَ تَركه من الْوَاجِبَات، وَكَيف يقبل قَول من مدح قَاتل عَليّ ﵁؟ قلت: قَالَ بَعضهم: إِنَّمَا أخرج لَهُ البُخَارِيّ على قَاعِدَته فِي تَخْرِيج أَحَادِيث المبتدع إِذا كَانَ صَادِق اللهجة متديناً انْتهى. قلت: لَيْسَ للْبُخَارِيّ حجَّة فِي تَخْرِيج حَدِيثه، وَمُسلم لم يخرج حَدِيثه، وَمن أَيْن كَانَ لَهُ صدق اللهجة وَقد أفحش فِي الْكَذِب فِي مدحه ابْن ملجم اللعين، والمتدين كَيفَ يفرح بقتل مثل عَليّ بن أبي طَالب ﵁، حَتَّى يمدح قَاتله؟ وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الْموضع.
قَوْله: (من لَا خلاق لَهُ) أَي: لَا نصيب لَهُ (فِي الْآخِرَة) وَقيل: لَا حُرْمَة لَهُ. قَوْله: (فَقلت: صدق)
إِلَى آخِره الْقَائِل هُوَ عمرَان بن حطَّان الْمَذْكُور.
وَقَالَ عَبْدُ الله بنُ رجاءٍ: حَدثنَا حَرْبٌ عَنْ يَحْيَى حدّثني عِمْرَانُ ... وَقَصَّ الحَدِيثَ
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه عَن عبد الله بن رَجَاء بِالْجِيم وَالْمدّ أحد شُيُوخه مذاكرة وَلم يُصَرح بِالتَّحْدِيثِ عَنهُ، وَأَرَادَ بِهَذِهِ الرِّوَايَة تَصْرِيح يحيى بتحديث عمرَان لَهُ بِهَذَا الحَدِيث، وَحرب ضد الصُّلْح قَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ صَاحب (الكاشف) : حَرْب هُوَ ابْن مَيْمُون أَبُو الْخطاب، روى عَنهُ ابْن رَجَاء، وَقَالَ بَعضهم: حَرْب هُوَ ابْن شَدَّاد، دورد على الْكرْمَانِي مَا ذكره بقوله: وَهُوَ عَجِيب، فَإِن صَاحب (الكاشف) لم يرقم لِحَرْب بن مَيْمُون عَلامَة البُخَارِيّ وَلَا يلْزم من كَون عبد الله بن رَجَاء روى عَنهُ أَن لَا يروي عَن حَرْب بن شَدَّاد، بل رِوَايَته عَن حَرْب بن شَدَّاد مَوْجُودَة فِي غير هَذَا. قلت: العجيب هُوَ مَا ذكره من وَجْهَيْن.
أَحدهمَا: أَن قَول صَاحب (الكاشف) : لم يرقم لِحَرْب بن مَيْمُون عَلامَة البُخَارِيّ، غير مُسلم، لم لَا يجوز أَن يكون قد رقمه وانمحى وَلم يطلع هُوَ عَلَيْهِ؟ أَو يكون قد نسي الرقم لَهُ؟
الثَّانِي: أَن قَوْله: وَلَا يلْزم ... إِلَى آخِره غير مقنع فِي الْجَواب لِأَن لَهُ أَن يَقُول: وَلَا يلْزم من كَون عبد الله بن رَجَاء روى عَنهُ أَن لَا يروي عَن حَرْب بن مَيْمُون، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير وَعمْرَان وَهُوَ ابْن حطَّان الْمَذْكُور.
قَوْله: (وقص الحَدِيث) أَي: الحَدِيث الْمَذْكُور، وَهُوَ مَا سَاقه النَّسَائِيّ مَوْصُولا عَن عَمْرو بن مَنْصُور عَن عبد الله بن رخاء بِلَفْظ: من لبس الْحَرِير فِي الدُّنْيَا فَلَا خلاق لَهُ فِي الْآخِرَة.
٢٦ - (بابُ مَنْ مَسَّ الحَرِيرَ مِنْ غَيْرِ لُبْسٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من مس الْحَرِير وتعجب مِنْهُ وَلم يلْبسهُ، وَأَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة الْإِشَارَة إِلَى أَن الْحَرِير ولبسه حرَام فمسه غير حرَام، وَكَذَا بَيْعه وَالِانْتِفَاع بِثمنِهِ.
ويُرْوَى فِيهِ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 6526
أَي: يرْوى فِي مس الْحَرِير من غير لبس عَن مُحَمَّد بن الْوَلِيد الزبيدِيّ، بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال نِسْبَة إِلَى زبيد، وَهُوَ مُنَبّه بن صَعب وَهُوَ زبيد الْأَكْبَر وَإِلَيْهِ ترجع قبائل زبيد، والزبيدي هَذَا صَاحب الزُّهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم، وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ حَدِيثه فِي (كتاب الْأَفْرَاد والغرائب) : أَن رَسُول الله ﷺ ، أهديت لَهُ حلَّة من استبرق، فَجعل نَاس يلمسونها بِأَيْدِيهِم ويتعجبون مِنْهَا، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : تعجبكم هَذِه؟ فوَاللَّه لمناديل سعد فِي الْجنَّة أحسن مِنْهَا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: تفرد بِهِ مُحَمَّد بن الْوَلِيد عَن الزُّهْرِيّ وَلم يروه غير عبد الله بن سَالم الْحِمصِي.
٥٨٣٦ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ أبي إسْحاق عنِ البَرَاءِ ﵁، قَالَ: أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، ثَوْبُ حَرِير فَجَعَلْنا نَلْمُسُهُ وَنَتَعَجَّبُ مِنْهُ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : أتَعْجَبُونَ مِنْ هاذَا؟ قُلْنا: نَعَمْ. قَالَ: مَنادِيلُ سَعْدِ بنِ مُعاذٍ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ هاذَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَجعلنَا نلمسه ونتعجب مِنْهُ) . وَعبيد الله بن مُوسَى أَبُو مُحَمَّد الْعَبْسِي الْكُوفِي، وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس ابْن أبي إِسْحَاق عَمْرو السبيعِي، وَإِسْرَائِيل يروي عَن جده أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء بن عَازِب.
والْحَدِيث مر فِي: بَاب مَنَاقِب سعد ابْن معَاذ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق ... إِلَى آخِره. أما الثَّوْب الْمَذْكُور فقد أهداه إِلَى النَّبِي ﷺ أكيدر، صَاحب دومة، وَأما وَجه تَخْصِيص سعد بن معَاذ بِالذكر فلكونه سيد الْأَنْصَار، وَلَعَلَّ اللَاّمسين المتعجبين من الْأَنْصَار أَو كَانَ يحب ذَلِك الْجِنْس من الثَّوْب، وَأما تَخْصِيص المناديل بِالذكر فلكونها تمتهن فَيكون مَا فَوْقهَا أَعلَى مِنْهَا بطرِيق الأولى.
٢٧ - (بابُ افْتِرَاشِ الحَرِيرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم افتراش الْحَرِير: هَل هُوَ حرَام كلبسه أم لَا؟ وَحكمه أَنه حرَام كلبسه، وَفِيه خلاف نذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَحَدِيث الْبَاب يُوضح الحكم فِي التَّرْجَمَة.
وَقَالَ عَبِيدَةَ: هُوَ كَلْبْسِهِ
عُبَيْدَة بِفَتْح الْعين ابْن عَمْرو السَّلمَانِي بِسُكُون اللَّام، ومذهبه أَنه لَا فرق بَين لبس الْحَرِير وافتراشه فَإِنَّهُمَا فِي الْحُرْمَة سَوَاء، وَوصل تَعْلِيقه هَذَا الْحَارِث بن أبي أُسَامَة من طَرِيق مُحَمَّد بن سِيرِين، قَالَ: قلت لعبيدة: افتراش الْحَرِير كلبسه؟ قَالَ: نعم.
٥٨٣٧ - حدَّثنا عَلِيٌّ حدَّثنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ حَدثنَا أبي قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ أبي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابنِ أبي لَيْلَى عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁، قَالَ نَبهاناٍ النبيُّ ﷺ ، أنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وأنْ نأكُلَ فِيها وعَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ والدِّباجِ وأنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأَن نجلس عَلَيْهِ) . وَعلي هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، ووهب بن جرير يروي عَن أَبِيه جرير بن حَازِم بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّاي الْأَزْدِيّ، وَابْن أبي نجيح اسْمه عبد الله، وَأَبُو نجيح بِفَتْح النُّون وَكسر الْجِيم اسْمه يسَار ضد الْيَمين وَابْن أبي ليلى هُوَ عبد الرَّحْمَن وَاسم أبي ليلى يسَار مثل إسم أبي نجيح.
والْحَدِيث مضى فِي الْأَطْعِمَة وَفِي الْأَشْرِبَة فِي موضِعين وَفِي اللبَاس فِي موضِعين وَمضى الْكَلَام فِيهِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا كُله لفظ: (وَأَن نجلس عَلَيْهِ) إلَاّ هَهُنَا.
وَهُوَ من مُفْرَدَات البُخَارِيّ، وَلِهَذَا لم يذكرهُ الْحميدِي، وَاحْتج بِهِ الْجُمْهُور من الْمَالِكِيَّة وَالشَّافِعِيَّة على تَحْرِيم الْجُلُوس على الْحَرِير، وَأَجَازَهُ أَبُو حنيفَة ﵁، وَابْن الْمَاجشون وَبَعض الشَّافِعِيَّة وَعبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة وَابْنه عبد الْملك فَإِنَّهُم احْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ وَكِيع عَن مسعر عَن رَاشد مولى بني تَمِيم قَالَ: رَأَيْت فِي مجْلِس ابْن عَبَّاس ﵄، مرفقة حَرِير، وروى ابْن سعد: أخبرنَا عبد الْوَهَّاب بن عَطاء أخبرنَا عَمْرو بن أبي الْمِقْدَام عَن مُؤذن بني ودَاعَة، قَالَ: دخلت على ابْن عَبَّاس وَهُوَ متكىء على مرفقة حَرِير وَسَعِيد ابْن جُبَير عِنْد رجلَيْهِ وَهُوَ يُقَال لَهُ: انْظُر كَيفَ تحدث عني فَإنَّك حفظت عني كثيرا، وَأَجَابُوا بِأَن لفظ: نهى، لَيْسَ صَرِيحًا
стр. 6527
فِي التَّحْرِيم، وَيحْتَمل أَن يكون النَّهْي ورد عَن مَجْمُوع اللّبْس وَالْجُلُوس لَا عَن الْجُلُوس بمفرده، وَأَيْضًا فَإِن الْجُلُوس لَيْسَ بِلبْس فَإِن قَالُوا: فِي حَدِيث أنس: فَقُمْت إِلَى حَصِير لناقد أسود من طول مَا لبس، قُلْنَا: مَعْنَاهُ من طول مَا اسْتعْمل، لِأَن لبس كل شَيْء بِحَسبِهِ، والمرفقة بِكَسْر الْمِيم: الوسادة.
٢٨ - (بابُ لُبْس القَسِّيِّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان لبس الثَّوْب القسي بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة الْمَكْسُورَة وَتَشْديد الْيَاء، وَقَالَ الْكرْمَانِي: القسي، مَنْسُوب إِلَى بلد يُقَال لَهُ: القس، قلت: القس كَانَت بَلْدَة على سَاحل الْبَحْر الْملح بِالْقربِ من دمياط كَانَ ينسج فِيهَا الثِّيَاب من الْحَرِير، وَالْيَوْم خرابة، وَقَالَ أَبُو عبيد: وَأَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ: القسي، بِكَسْر الْقَاف، وَأهل مصر يفتحونها، وَقَالَ ابْن سَيّده: القس والقس مَوضِع ينْسب إِلَيْهِ ثِيَاب تجلب من نَحْو مصر، وَذكر الْحسن بن مُحَمَّد المهلبي الْمصْرِيّ: أَن القس لِسَان خَارج من الْبَحْر عِنْده حصن يسكنهُ النَّاس، بَينه وَبَين الفرما عشرَة فراسخ من جِهَة الشَّام. قلت: الفرما كَذَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قيل: إِنَّه القزي بالزاي مَوضِع السِّين من القز الَّذِي هُوَ غليظ الإبر سم ورديئة، وَفِي (التَّوْضِيح) : القس قَرْيَة من تنيس بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد النُّون الْمَكْسُورَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبسين مُهْملَة، بَلْدَة كَانَت فِي جَزِيرَة بساحل بَحر دمياط، وَقد خربَتْ، وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) : القس قَرْيَة بالصعيد.
وَقَالَ عاصِمٌ: عنْ أبي بُرْدَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيّ: مَا الْقَسِّيَّةُ. قَالَ: ثِيابٌ أتَيْنا مِنَ الشَّأْمِ أوْ مِنْ مِصْرَ مُضَلَّعَةٌ فِيها حَرِيرٌ وفِيها أمْثالُ الأُتْرُنْجِ والمُيثَرَةُ، كانَتِ النِّساءُ تَصْنَعُهُ لِبُعُولَتِهِنَّ مِثْلَ القَطائِف يُصَفِّرْنَها.
عَاصِم هُوَ ابْن كُلَيْب الْجرْمِي بِالْجِيم وَالرَّاء مَاتَ سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة، وَأَبُو بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة اسْمه عَامر بن أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ، وَعلي هُوَ ابْن أبي طَالب ﵁.
وَهَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث وَصله مُسلم من طَرِيق عبد الله بن إِدْرِيس: سَمِعت عَاصِم بن كُلَيْب عَن أبي بردة وَهُوَ ابْن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن عَليّ ﵁، قَالَ: (نَهَانَا رَسُول الله ﷺ عَن لبس القسي وَعَن المياثر) ، قَالَ فَأَما القسي فثياب مضلعة ... الحَدِيث. قَوْله: (أتتنا من الشَّام أَو من مصر) وَفِي رِوَايَة مُسلم: (من مصر وَالشَّام) . قَوْله: (مضلعة فِيهَا حَرِير) ، أَي: فِيهَا خطوط عريضة كالأضلاع، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وتضليع الثَّوْب جعل وشيه على هَيْئَة الأضلاع غَلِيظَة معوجة. قَوْله: (الأترج) ، بتَشْديد الْجِيم وَيُقَال لَهُ: الأترنج، أَيْضا بتَخْفِيف الْجِيم قبلهَا نون سَاكِنة. قَوْله: (والميثرة) ، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالثاء الْمُثَلَّثَة من الوثارة وَهِي اللين ووزنها مفعلة، وَأَصلهَا موثرة قلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا، وَيجمع على: مياثر ومواثر. قَوْله: (كَانَت النِّسَاء تَصنعهُ لبعولتهن) أَي: لِأَزْوَاجِهِنَّ، والبعولة جمع بعل وَهُوَ الزَّوْج، تُوضَع على السُّرُوج يكون من الْحَرِير وَيكون من الصُّوف. قَوْله: (مثل القطائف) ، جمع قطيفة وَهِي الكساء المخمل، وَقيل: هِيَ الدثار. قَوْله: (يصفرنها) ، من التصغير ويروى: يصفونها، أَي: يجعلونها كالصفة من التصفية أَي: صفة السرج، قَالَ أَبُو عبيد: هِيَ كَانَت من مراكب الْأَعَاجِم من ديباج أَو حَرِير، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: الميثرة مرفقة تتَّخذ لصفة السرج وَكَانُوا يحمرونها، وَفِي (الْمُحكم) : الميثرة الثَّوْب يُجَلل بهَا الثِّيَاب فتعلوها، وَقيل: هِيَ أغشية السُّرُوج تتَّخذ من الْحَرِير وَيكون من الصُّوف وَغَيره، وَقيل: هِيَ شَيْء كالفراش الصَّغِير يتَّخذ من الْحَرِير ويحشى بِقطن أَو صوف يَجْعَلهَا الرَّاكِب على الْبَعِير تَحْتَهُ فَوق الرحل.
وَقَالَ جَرِيرٌ عَنْ يَزِيدَ فِي حَدِيثِهِ القَسِّيَّةُ ثِيابٌ مُضَلَّعَة يُجاءُ بِها مِنْ مِصْرَ فِيها الحَرِيرُ، والْميثرَةُ جُلُودُ السِّباعِ. قَالَ أبُو عَبْدِ الله: عاصِمُ أكْثَرُ وأصَحُّ فِي المِيثَرَةِ.
اخْتلف الشُّرَّاح فِي جرير هَذَا، وَفِي شَيْخه فَقَالَ الْكرْمَانِي: جرير هَذَا بِالْجِيم هُوَ ابْن حَازِم الْمَذْكُور آنِفا، يَعْنِي: الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث الَّذِي مضى قبل هَذَا الْبَاب، وَهُوَ قَوْله: حَدثنَا وهب بن جرير حَدثنَا أبي، وَأَبوهُ هُوَ جرير بن حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ جرير بن عبد الحميد، وَأما شَيْخه فضبطه الْحَافِظ الدمياطي ﵀ بِخَط يَده على حَاشِيَة نسخته بِضَم الْبَاء
стр. 6528
الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء، وَهُوَ بريد بن عبد الله بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَضَبطه الْحَافِظ الْمزي فِي (تهذيبه) بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف، وَقَالَ: إِنَّه يزِيد بن أبي زِيَاد الْقرشِي، وَذكر أَن البُخَارِيّ روى لَهُ مُعَلّقا، وروى لَهُ فِي رفع الْيَدَيْنِ وَالْأَدب، وروى لَهُ مُسلم مَقْرُونا بِغَيْرِهِ، وَأَن أَحْمد وَابْن معِين ضعفَاهُ، وَأَن الْعجلِيّ قَالَ: هُوَ جَائِز الحَدِيث، وَأَنه كَانَ بِآخِرهِ يلقن وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن رُومَان بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْوَاو وبالميم وَالنُّون مولى آل الزبير بن الْعَوام، وَنسب بَعضهم الْوَهم إِلَى الدمياطي فِي ضَبطه: بريد، بِالْبَاء الْمُوَحدَة ورد على الْكرْمَانِي فِي ضَبطه جرير بن حَازِم وَفِي ضبط شَيْخه بِأَنَّهُ يزِيد بن رُومَان، وَادّعى أَن جَرِيرًا هُوَ ابْن عبد الحميد وَأَن شَيْخه هُوَ يزِيد بن أبي زِيَاد، وَاعْتمد فِيمَا قَالَه على حَدِيث وَصله إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي: (غَرِيب الحَدِيث) لَهُ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير بن عبد الحميد عَن يزِيد بن أبي زِيَاد عَن الْحسن بن سهل، قَالَ: القسية ثِيَاب مضلعة الحَدِيث. قلت: كل من الحافظين الْمَذْكُورين صَاحب ضبط واتقان فَلَا يظنّ فيهمَا إلَاّ أَنَّهُمَا حررا هَذَا الْموضع كَمَا يَنْبَغِي، وَأما الْكرْمَانِي فَإِنَّهُ أَيْضا لم يقل مَا ذكره من عِنْد رَأْيه، وَلم يكن إلَاّ وقف على نُسْخَة مُعْتَمدَة أَو على كتاب من هَذَا الْفَنّ، وَمَعَ هَذَا الِاحْتِمَال باقٍ فِي الْكل، وَالله أعلم.
قَوْله: (والميثرة جُلُود السبَاع) ، هَذَا لَا يُوجد إلَاّ فِي بعض نسخ البُخَارِيّ، وَقَالَ النَّوَوِيّ: تَفْسِير الميثرة بالجلود قَول بَاطِل مُخَالف للمشهور الَّذِي أطبق عَلَيْهِ أهل الحَدِيث، وَقَالَ الْكرْمَانِي: جُلُود السبَاع لم تكن منهية، وَأجَاب بقوله: إِمَّا أَن يكون فِيهَا الْحَرِير وَإِمَّا أَن يكون من جِهَة إِسْرَاف فهيا، وَإِمَّا لِأَنَّهَا من زِيّ المترفين وَكَانَ كفار الْعَجم يستعملونها. قَوْله: (قَالَ أَبُو عبد الله) ، هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. قَوْله: (عَاصِم أَكثر) أَي: رِوَايَة عَاصِم بن كليف الْمَذْكُور أَكثر طرقاً وَأَصَح من رِوَايَة يزِيد الْمَذْكُور، وَهَذَا أَعنِي قَوْله: وَقَالَ أَبُو عبد الله ... إِلَى آخِره، لم يَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَلَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ.
٥٨٣٨ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلِ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا سُفْيانُ عَنْ أشْعَثَ بنِ أبي الشَّعْثاءِ حَدثنَا مُعاوِيَةُ بنُ سُوَيْدِ بنِ مُقَرِّنٍ عَنِ البَرَاءِ بنِ عازِبٍ قَالَ: نَهانا النبيُّ ﷺ عَنِ المياثِرِ الحُمْر والقَسِّيِّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَعَن القسي) وَمُحَمّد بن مقَاتل الْمروزِي، وَعبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ.
والْحَدِيث طرف من حَدِيث أَوله: أمرنَا بِسبع ونهانا عَن سبع ... وَسَيَأْتِي تَمَامه بعد أَبْوَاب.
قَوْله: (نَهَانَا) فِي رِوَايَة الْكشميهني: نهى. قَوْله: (عَن المياثر الْحمر) بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم، ذكره لبَيَان مَا كَانَ هُوَ الْوَاقِع، وَقَالَ أَبُو عبيد: المياثر الْحمر الْمنْهِي عَنْهَا كَانَت من مراكب الْأَعَاجِم من ديباج أَو حَرِير، وَقَالَ ابْن بطال: كَلَامه يدل على أَنَّهَا إِذا لم تكن من حَرِير أَو ديباج وَكَانَت من صوف أَحْمَر فَإِنَّهُ يجوز الرّكُوب عَلَيْهَا، وَلَيْسَ النَّهْي عَنْهَا كالنهي عَنْهَا إِذا كَانَت مِنْهُمَا، وَقَالَ ابْن وهب: سُئِلَ مَالك عَن ميثرة أرجوان يركب عَلَيْهَا؟ قَالَ: مَا أعلم حَرَامًا ثمَّ قَرَأَ: ﴿ (٧) قل من حرم زِينَة الله الَّتِي أخرج لِعِبَادِهِ﴾ (الْأَعْرَاف: ٣٢) والأرجوان صبغ أَحْمَر، وَقَالَ الْخطابِيّ: وَذكر قَوْله ﷺ لَا أركب الأرجوان، وَقَالَ: الأرجوان الْأَحْمَر، وَأرَاهُ أَرَادَ بِهِ المياثر الْحمر، وَقد تتَّخذ من ديباج وحرير، وَقد ورد فِيهَا النَّهْي لما فِي ذَلِك من السَّفه وَلَيْسَت من لِبَاس الرِّجَال، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث قَتَادَة عَن الْحسن عَن عمرَان بن حُصَيْن أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: لَا أركب الأرجواز وَلَا ألبس المعصفر وَلَا ألبس الْقَمِيص المكفف بالحرير، وروى أَبُو يعلى الْموصِلِي فِي: (مُسْنده) من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ: نهى النَّبِي ﷺ عَن خَوَاتِيم الذَّهَب والقسية والميثرة الْحَمْرَاء المصبغة من العصفر.
٢٩ - (بابُ مَا يُرَخَّصُ لِلرِّجالِ مِنَ الحَرِيرِ لِلْحِكةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ بَيَان مَا يرخص للرِّجَال من لبس الْحَرِير لأجل الحكة، أَي: الجرب.
٥٨٣٩ - حدَّثني مُحَمَّدٌ أخبرنَا وَكِيعٌ أخبرنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ قَالَ: رخَصَ النبيُّ ﷺ ، لِلزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمانِ فِي لُبْسِ الحَرِيرِ لِحِكَّةٍ بِهِما.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام، كَذَا وَقع فِي رِوَايَة عَليّ بن السكن، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: مُحَمَّد مُجَردا عَن
стр. 6529
نِسْبَة.
والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد عَن مُسَدّد. وَأخرجه مُسلم فِي اللبَاس عَن أبي بكر عَن وَكِيع وَعَن غَيره.
قَوْله: (للزبير) وَهُوَ الزبير بن الْعَوام (وَعبد الرَّحْمَن) هُوَ ابْن عَوْف. قَوْله: (لحكة بهما) أَي: لأجل حكة حصلت بهما أَي: بأبدانهما، وَوَقع فِي (الْوَسِيط) للغزالي: أَن الَّذِي رخص لَهُ فِي لبس الْحَرِير هُوَ حَمْزَة بن عبد الْمطلب وَهُوَ غلط، وَعَن الشَّافِعِي فِي وَجه: أَن الرُّخْصَة خَاصَّة بالزبير وَعبد الرَّحْمَن، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَمن الْغَرِيب حِكَايَة صَاحب (التَّنْبِيه) وَجها أَنه لَا يجوز لبسه للْحَاجة الْمَذْكُورَة، وَلم يحكه الرَّافِعِيّ وَصَاحب (الْبَيَان) إلَاّ عَنهُ، وَقد تعلل على بعده باختصاص الرُّخْصَة للمذكورين، وَفرق بعض أَصْحَابنَا فجوزه فِي السّفر دون الْحَضَر لرِوَايَة مُسلم: أَن ذَلِك كَانَ فِي السّفر، وَهَذَا الْوَجْه خصّه فِي (الرَّوْضَة) بالقمل وَلَيْسَ كَذَلِك، فقد نَقله الرَّافِعِيّ فِي الحكة، وَالأَصَح جَوَازه سفرا وحضراً، وَأبْعد من قَالَ باختصاصه بِالسَّفرِ، وَإِن اخْتَارَهُ ابْن الصّلاح لظَاهِر الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ مُسلم وَالْبُخَارِيّ أَنه ﷺ : أرخص لَهما لما شكيا الْقمل فِي غزَاة لَهما، وَالله أعلم.
٣٠ - (بابُ الحَرِيرِ لِلنِّساءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِعْمَال الْحَرِير فِي اللّبْس للنِّسَاء.
٥٨ - (حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب حَدثنَا شُعْبَة ح وحَدثني مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا غنْدر حَدثنَا شُعْبَة عَن عبد الْملك بن ميسرَة عَن زيد بن وهب عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ كساني النَّبِي ﷺ َ - حلَّة سيراء فَخرجت فِيهَا فَرَأَيْت الْغَضَب فِي وَجهه فشققتها بَين نسَائِي) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله فَرَأَيْت الْغَضَب إِلَى آخِره وَأخرجه من طَرِيقين (الأول) عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة عَن عبد الْملك بن ميسرَة إِلَى آخِره (وَالثَّانِي) عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر وَهُوَ لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن عبد الْملك بن ميسرَة بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ثمَّ سين مُهْملَة الْهِلَالِي أبي زيد الزراد بزاي وَرَاء مُشَدّدَة وَزيد بن وهب الْجُهَنِيّ الثِّقَة الْمَشْهُور من كبار التَّابِعين وَمَا لَهُ فِي البُخَارِيّ عَن عَليّ سوى هَذَا الحَدِيث والْحَدِيث مضى فِي الْهِبَة فِي بَاب مَا يكره لبسه فَإِنَّهُ أخرجه عَن حجاج بن منهال عَن شُعْبَة قَالَ أَخْبرنِي عبد الْملك بن ميسرَة قَالَ سَمِعت زيد بن وهب عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِلَى آخِره وَمضى أَيْضا فِي النَّفَقَات فِي بَاب كسْوَة الْمَرْأَة بِالْمَعْرُوفِ فَإِنَّهُ أخرجه فِيهِ أَيْضا عَن حجاج عَن شُعْبَة إِلَى آخِره قَوْله عَن زيد بن وهب كَذَا لأكْثر الروَاة وَوَقع فِي رِوَايَة عَليّ بن السكن وَحده عَن النزال بن سُبْرَة بدل زيد بن وهب قَالُوا إِنَّه وهم كَأَنَّهُ انْتقل من حَدِيث إِلَى حَدِيث لِأَن رِوَايَة عبد الْملك بن ميسرَة عَن النزال بن سُبْرَة عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِنَّمَا هِيَ فِي الشّرْب قَائِما وَقد تقدم فِي الْأَشْرِبَة قَوْله حلَّة سيراء قد مر غير مرّة أَن الْحلَّة إِزَار ورداء وَقَالَ ابْن الْأَثِير الْحلَّة ثَوْبَان إِذا كَانَا من جنس وَاحِد والسيراء بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالرَّاء مَعَ الْمَدّ قَالَ الْخَلِيل لَيْسَ فِي الْكَلَام فعلاء بِكَسْر أَوله سوى سيراء وحولاء وَهُوَ المَاء الَّذِي يخرج على رَأس الْوَلَد والعنباء لُغَة فِي الْعِنَب وَقَالَ مَالك هُوَ الوشي من الْحَرِير والوشي بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف وَقَالَ الْأَصْمَعِي ثِيَاب فِيهَا خطوط من حَرِير أَو قَز وَإِنَّمَا قيل لَهَا سيراء لتسيير الخطوط فِيهَا وَقَالَ الْخَلِيل ثوب مضلع بالحرير وَقيل مُخْتَلف الألوان فِيهِ خطوط ممتدة كَأَنَّهَا السيور وَقَالَ الْجَوْهَرِي برد فِيهِ خطوط صفر وَاخْتلف فِي حلَّة سيراء هَل هُوَ بِالْإِضَافَة أم لَا فَوَقع عِنْد الْأَكْثَرين تَنْوِين حلَّة على أَن السيراء عطف بَيَان أَو صفة وَجزم الْقُرْطُبِيّ بِأَنَّهُ الرِّوَايَة وَقَالَ الْخطابِيّ قَالُوا حلَّة سيراء كَمَا قَالُوا نَاقَة عشراء وَنقل عِيَاض عَن أبي مَرْوَان بن سراج أَنه بِالْإِضَافَة قَالَ عِيَاض وَكَذَا ضبطناه عَن متقني شُيُوخنَا وَقَالَ النَّوَوِيّ أَنه قَول الْمُحَقِّقين ومتقني الْعَرَبيَّة وَأَنه من إِضَافَة الشَّيْء إِلَى صفته كَمَا قَالُوا ثوب خَز قَوْله فَخرجت فِيهَا وَفِي رِوَايَة أبي صَالح عَن عَليّ فلبستها قَوْله " فَرَأَيْت الْغَضَب فِي وَجهه " أَي فِي وَجه رَسُول الله ﷺ َ - وَزَاد مُسلم فِي رِوَايَة أبي صَالح فَقَالَ إِنِّي لم أبعثها إِلَيْك لتلبسها وَإِنَّمَا بعثت بهَا إِلَيْك لتشققها خمرًا بَين النِّسَاء وَفِي أُخْرَى شققتها خمرًا بَين الفواطم وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة المُرَاد بالفواطم فَاطِمَة بنت النَّبِي ﷺ َ - وَفَاطِمَة بنت
стр. 6530
أَسد بن هَاشم أم عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَلَا أعرف الثَّالِثَة وَقد روى الطَّحَاوِيّ حَدثنَا أَحْمد بن دَاوُد قَالَ حَدثنَا يَعْقُوب بن حميد قَالَ حَدثنَا عمرَان بن عُيَيْنَة عَن يزِيد بن أبي زِيَاد عَن أبي فَاخِتَة عَن جعدة عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ أهْدى أَمِير أذربيجان إِلَى النَّبِي ﷺ َ - حلَّة مسيرَة بحرير إِمَّا سداها وَإِمَّا لحمتها فَبعث بهَا إِلَيّ فَأَتَيْته فَقلت يَا رَسُول الله ألبسها قَالَ لَا أكره لَك مَا أكره لنَفْسي اجْعَلْهَا خمرًا بَين الفواطم قَالَ فَقطعت مِنْهَا أَربع خمر خمارا لفاطمة بنت أَسد بن هَاشم أم عَليّ بن أبي طَالب وخمارا لفاطمة بنت رَسُول الله ﷺ َ - وخمارا لفاطمة بنت حَمْزَة بن عبد الْمطلب وخمارا لفاطمة أُخْرَى قد نسيتهَا انْتهى وَقَالَ عِيَاض لَعَلَّهَا فَاطِمَة امْرَأَة عقيل بن أبي طَالب وَهِي بنت شيبَة بن ربيعَة وَقيل بنت عتبَة بن ربيعَة قَوْله " فشققتها بَين نسَائِي " أَي قطعتها ففرقتها عَلَيْهِنَّ خمرًا بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْمِيم جمع خمار بِكَسْر أَوله وَالتَّخْفِيف وَهُوَ مَا تغطي بِهِ الْمَرْأَة رَأسهَا وَالْمرَاد بِنِسَائِي مَا فسره فِي رِوَايَة أبي صَالح حَيْثُ قَالَ بَين الفواطم قَالَه هَكَذَا بَعضهم قلت المُرَاد بِنِسَائِي النِّسَاء اللَّاتِي يقربن مِنْهُ وَهِي الفواطم الْمَذْكُورَة وَلِهَذَا ذكره بِالْإِضَافَة إِلَى نَفسه -
٥٨٤١ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْماعَيلَ قَالَ: حدّثني جُوَيْرِيَّةُ عَنْ نافِعٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ أنَّ عُمَرَ ﵁، رأى حُلَّةً سِيَراءَ تُباعُ فَقَالَ: يَا رسولَ الله لَوِ ابْتَعْتَها تَلْبَسُها لِلْوَفْدِ إِذا أتَوْكَ، والجُمُعَةِ؟ قَالَ: إنَّما يَلْبَسُ هاذِهِ مِنْ لَا خَلَاقَ لَهُ. وأنَّ النبيَّ ﷺ بَعَثَ بَعْدَ ذالِكَ إِلَى عُمَرَ حُلَّةِ سَيَراءَ حَرِيراً كَساها إيَّاهُ، فَقَالَ عُمَرُ: كَسَوْتَنِيها؟ وَقَدْ سَمِعْتُكَ تَقُولُ فِيها مَا قُلْتَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُ إلَيْكَ لَتَبِيعَها أوْ وتَكْسُوَها.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَو تكسوها) لِأَن مَعْنَاهَا: لتعطيها غَيْرك من النِّسَاء بِالْهبةِ وَنَحْوهَا، فَهَذَا يدل على أَنَّهَا حَلَال للنِّسَاء.
وَجُوَيْرِية مصغر الْجَارِيَة ابْن أَسمَاء الضبعِي بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة، والاسمان مشتركان بَين الذُّكُور وَالْإِنَاث.
والْحَدِيث قد مضى فِي الْجُمُعَة فِي: بَاب يلبس أحسن مَا يجد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن نَافِع إِلَى آخِره بأتم مِنْهُ، وَمضى أَيْضا فِي أول الْعِيدَيْنِ، أخرجه عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (للوفد) وَفِي رِوَايَة جرير بن حَازِم: لوفود الْعَرَب. قَوْله: (وَالْجُمُعَة) وَفِي رِوَايَة سَالم: للعيد، بدل: الْجُمُعَة، وَجمع ابْن إِسْحَاق عَن نَافِع مَا تضمنته الرِّوَايَتَانِ أخرجه النَّسَائِيّ بِلَفْظ: (فتجملت بهَا لوفود الْعَرَب إِذا أتوك وَإِذا خطبت النَّاس فِي يَوْم عيد أَو غَيره) ، وَتَخْصِيص الْعَرَب بِالذكر لِكَثْرَة وفودهم. قَوْله: (من لَا خلاق لَهُ) أَي: من لَا نصيب لَهُ يَوْم الْقِيَامَة، أَو: من لَا حظّ لَهُ. قَوْله: (كساها إِيَّاه) أَي: كسى النَّبِي ﷺ الْحلَّة الْمَذْكُورَة (إِيَّاه) أَي: عمر، هَذَا الْإِطْلَاق بِاعْتِبَار مَا فهم عمر من ذَلِك، وإلَاّ فقد ظهر من بَقِيَّة للْحَدِيث أَنه لم يبْعَث بهَا إِلَيْهِ ليلبسها. قَوْله: (أَو تكسوها) قد مر تَفْسِيره آنِفا، وَزَاد مَالك فِي آخر الحَدِيث: فكساها عمر خَاله بِمَكَّة مُشْركًا، وَعند النَّسَائِيّ: أَخا لَهُ من أمه.
٥٨٤٢ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبرنِي أنَسُ بنُ مالِكٍ أنَّهُ رأى عَلَى أُمِّ كُلْثُومٍ ﵍، بِنْتِ رَسُولِ الله ﷺ بُرْدَ حَرِيرٍ سِيَرَاءَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن عمرَان بن بكار عَن أبي الْيَمَان بِهِ. وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من خمس طرق، وَفِي الطَّرِيق الْخَامِس: رَأَيْت على زَيْنَب بنت النَّبِي ﷺ بردا سيراء من حَرِير.
وَأم كُلْثُوم بِضَم الْكَاف وَسُكُون اللَّام وبالمثلثة زوج عُثْمَان ﵄، مَاتَت فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ فِي سنة سبع من الْهِجْرَة، وَزَيْنَب بنت النَّبِي ﷺ هِيَ أكبر بَنَات النَّبِي ﷺ ، وَهِي الَّتِي ردهَا على زَوجهَا أبي الْعَاصِ بن الرّبيع حِين أسلم، قيل: بِنِكَاح جَدِيد، وَقيل: بنكاحها الأول، مَاتَت ثَمَان من الْهِجْرَة فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ . فَإِن قلت: حَدِيث أنس مُضْطَرب؟ قلت: لَا نسلم لِأَن عَادَة الْأَخَوَات أَن تلبس زياً وَاحِدًا. فَإِن قلت: كَيفَ تجوز رُؤْيَة أنس بَنَات النَّبِي ﷺ ؟ قلت: كَانَ ذَلِك قبل بُلُوغ أنس مبلغ الرِّجَال، وَكَانَ بُلُوغه فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ بِالْإِجْمَاع، أَو كَانَ قبل نزُول الْحجاب. فَإِن قلت: قَالَ الطَّحَاوِيّ: إِن
стр. 6531
كَانَ أنس رأى ذَلِك فِي زمن النَّبِي ﷺ فيعارض حَدِيث عقبَة وَهُوَ الَّذِي أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن حبَان وَصَححهُ: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يمْنَع أَهله الْحَرِير والحلية، وَإِن كَانَ بعد النَّبِي ﷺ كَانَ دَلِيلا على نسخ حَدِيث عقبَة. قلت: قد طعن بَعضهم على الطَّحَاوِيّ فِي هَذَا الترديد بِمَا ملخصه: أَنه خَفِي عَلَيْهِ موت أم كُلْثُوم، فَإِنَّهَا مَاتَت فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ كَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا، فدعوى الْمُعَارضَة مَرْدُودَة وَكَذَا دَعْوَى النّسخ، انْتهى، وَيُمكن أَن يُوَجه كَلَام الطَّحَاوِيّ بِأَن يُقَال: معنى قَوْله: وَإِن كَانَ بعد النَّبِي ﷺ ، أَي: وَإِن كَانَ إخْبَاره بذلك بعد النَّبِي ﷺ ، فعلى هَذَا يَصح دَعْوَى النّسخ، ثمَّ إِن الطاعن الْمَذْكُور قَالَ: الْجمع بَينهمَا، أَي: بَين حَدِيث أنس وَحَدِيث عقبَة بن عَامر وَاضح يحمل النَّهْي فِي حَدِيث عقبَة على التَّنْزِيه. قلت: حَدِيث أنس لَا يُعَارضهُ حَدِيث عقبَة، لِأَن تَصْحِيح البُخَارِيّ أقوى من تَصْحِيح غَيره فالمعارضة تَقْتَضِي الْمُسَاوَاة، وَالله أعلم.
٣١ - (بابُ مَا كانَ النبيُّ ﷺ يَتَجَوَّزُ مِنَ اللِّباسِ والبُسْط)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا كَانَ النَّبِي ﷺ يتجوز من التَّجَوُّز وَهُوَ التَّخْفِيف وَحَاصِل مَعْنَاهُ: أَنه كَانَ يتوسع فَلَا يضيق بالاقتصار على صنف وَاحِد من اللبَاس، وَقيل: مَا يطْلب النفيس والعالي بل يسْتَعْمل مَا تيَسّر، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: مَا يتجزى، ضَبطه بَعضهم بجيم وزاي مَفْتُوحَة مُشَدّدَة بعْدهَا ألف، وَمَا أَظُنهُ صَحِيحا إلَاّ بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالرَّاء. قَوْله: (والبسط) ضَبطه بَعضهم بِالْبَاء الْمُوَحدَة الْمَفْتُوحَة، ثمَّ قَالَ: وَهُوَ مَا يبسط وَيجْلس عَلَيْهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْبسط جمع الْبسَاط، فحينئذٍ لَا تكون الْبَاء إلَاّ مَضْمُومَة، وَمَا أَظن الصَّحِيح إلَاّ هَذَا.
٦١ - (حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن يحيى بن سعيد عَن عبيد بن حنين عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ لَبِثت سنة وَأَنا أُرِيد أَن أسأَل عمر عَن الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تظاهرتا على النَّبِي ﷺ َ - فَجعلت أهابه فَنزل يَوْمًا منزلا فَدخل الْأَرَاك فَلَمَّا خرج سَأَلته فَقَالَ عَائِشَة وَحَفْصَة ثمَّ قَالَ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّة لَا نعد النِّسَاء شَيْئا فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام وذكرهن الله رَأينَا لَهُنَّ بذلك علينا حَقًا من غير أَن ندخلهن فِي شَيْء من أمورنا وَكَانَ بيني وَبَين امْرَأَتي كَلَام فأغلظت لي فَقلت لَهَا وَإنَّك لهناك قَالَت تَقول هَذَا لي وابنتك تؤذي النَّبِي ﷺ َ - فَأتيت حَفْصَة فَقلت لَهَا إِنِّي أحذرك أَن تَعْصِي الله وَرَسُوله وَتَقَدَّمت إِلَيْهَا فِي أَذَاهُ فَأتيت أم سَلمَة فَقلت لَهَا فَقَالَت أعجب مِنْك يَا عمر قد دخلت فِي أمورنا فَلم يبْق إِلَّا أَن تدخل بَين رَسُول الله ﷺ َ - وأزواجه فَرددت وَكَانَ رجل من الْأَنْصَار إِذا غَابَ عَن رَسُول الله ﷺ َ - وشهدته أَتَيْته بِمَا يكون وَإِذا غبت عَن رَسُول الله ﷺ َ - وَشهد أَتَانِي بِمَا يكون من رَسُول الله ﷺ َ - وَكَانَ من حول رَسُول الله ﷺ َ - قد استقام لَهُ فَلم يبْق إِلَّا مَالك غَسَّان بالشأم كُنَّا نَخَاف أَن يأتينا فَمَا شَعرت إِلَّا بِالْأَنْصَارِيِّ وَهُوَ يَقُول إِنَّه قد حدث أَمر قلت لَهُ وَمَا هُوَ أجاء الغساني قَالَ أعظم من ذَاك طلق رَسُول الله ﷺ َ - نِسَاءَهُ فَجئْت فَإِذا الْبكاء من حجرهن كلهَا وَإِذا النَّبِي ﷺ َ - قد صعد فِي مشربَة لَهُ وعَلى بَاب الْمشْربَة وصيف فَأَتَيْته فَقلت اسْتَأْذن لي فَأذن لي فَدخلت فَإِذا النَّبِي ﷺ َ - على حَصِير قد أثر فِي جنبه وَتَحْت رَأسه مرفقة من أَدَم حشوها لِيف وَإِذا أهب معلقَة وقرظ فَذكرت الَّذِي قلت لحفصة
стр. 6532
وَأم سَلمَة وَالَّذِي ردَّتْ عَليّ أم سَلمَة فَضَحِك رَسُول الله ﷺ َ - فَلبث تسعا وَعشْرين لَيْلَة ثمَّ نزل) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله فَإِذا النَّبِي ﷺ َ - على حَصِير إِلَى قَوْله لِيف والْحَدِيث مضى مطولا جدا فِي الْمَظَالِم فِي بَاب الغرفة والعلية وَمضى أَيْضا فِي التَّفْسِير فِي سُورَة التَّحْرِيم فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن يحيى عَن عبيد بن حنين أَنه سمع ابْن عَبَّاس إِلَى آخِره وَمضى فِي النِّكَاح أَيْضا وَسَيَجِيءُ أَيْضا فِي خبر الْوَاحِد وَمضى الْكَلَام فِيهِ فِي الْمَظَالِم قَوْله تظاهرتا أَي تعاضدتا وهما عَائِشَة وَحَفْصَة قَوْله فَدخل فِي الْأَرَاك بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الرَّاء وَهُوَ الشّجر المالح المرأى دخل بَينهمَا لقَضَاء الْحَاجة قَوْله فأغلظت لي ويروى على قَوْله وَإنَّك لهناك أَي إِنَّك فِي هَذَا الْمقَام وَلَك جرْأَة أَن تغلظي عَليّ قَوْله " أَن تَعْصِي الله " ويروى " أَن تغضبي " من الإغضاب قَوْله " وَتَقَدَّمت إِلَيْهَا فِي أَذَاهُ " أَي تقدّمت إِلَيْهَا أَولا قبل الدُّخُول على غَيرهَا فِي قصَّة أَذَى رَسُول الله ﷺ َ - وشأنه أَو تقدّمت إِلَيْهَا فِي أَذَى شخصها وإيلام بدنهَا بِالضَّرْبِ وَنَحْوه قَوْله " فَأتيت أم سَلمَة " وَهِي زوج رَسُول الله ﷺ َ - وَاسْمهَا هِنْد وَإِنَّمَا أَتَاهَا عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لِأَنَّهَا قريبته قيل إِنَّهَا خَالَته قَوْله أعجب بِلَفْظ الْمُتَكَلّم قَوْله " فَرددت " من الترديد ويروى فَردَّتْ من الرَّد ويروى فبرزت من البروز أَي الْخُرُوج قَوْله " وَكَانَ من حول رَسُول الله ﷺ َ - " أَي من الْمُلُوك والحكام وغسان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ اسْم قَبيلَة قَوْله فَمَا شَعرت إِلَّا بِالْأَنْصَارِيِّ وَهُوَ يَقُول ويروى فَمَا شَعرت بِالْأَنْصَارِيِّ إِلَّا وَهُوَ يَقُول وَكِلَاهُمَا مَنْقُول عَن الْكشميهني وَقَالَ الْكرْمَانِي فِي جلّ النّسخ أَو فِي كلهَا وَهُوَ يَقُول بِدُونِ كلمة الِاسْتِثْنَاء وَوَجهه أَن إِلَّا مقدرَة والقرينة تدل عَلَيْهِ أَو كلمة مَا زَائِدَة أَو مَصْدَرِيَّة وَيَقُول مُبْتَدأ وَخَبره بِالْأَنْصَارِيِّ أَي شعوري ملتبس بِالْأَنْصَارِيِّ قَائِلا قَوْله أعظم انْتهى قلت الْأَحْسَن أَن يُقَال مَا مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير شعوري بِالْأَنْصَارِيِّ حَال كَونه قَائِلا أعظم من ذَلِك وَقَول الْكرْمَانِي وَيَقُول مُبْتَدأ فِيهِ نظر لِأَن الْفِعْل لَا يَقع مُبْتَدأ إِلَّا بالتأويل قَوْله إِنَّه أَي الشَّأْن قَوْله أجاء الغساني الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار قَوْله أعظم من ذَلِك أَي من مَجِيء الغساني وَهُوَ أَن النَّبِي ﷺ َ - طلق نِسَاءَهُ فَإِن قلت كَيفَ كَانَ الطَّلَاق أعظم من توجه الْعَدو وَاحْتِمَال تسلطه عَلَيْهِم قلت لِأَن فِيهِ ملالة خاطر رَسُول الله ﷺ َ - وَأما بِالنِّسْبَةِ إِلَى عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَظَاهر لِأَن مُفَارقَة رَسُول الله ﷺ َ - بنته أعظم الْأُمُور إِلَيْهِ ولعلمهم بِأَن الله تَعَالَى يعْصم رَسُول الله ﷺ َ - من النَّاس ﴿وَلنْ يَجْعَل الله للْكَافِرِينَ على الْمُؤمنِينَ سَبِيلا﴾ فَإِن قلت كَيفَ قَالَ طلق وَرَسُول الله ﷺ َ - مَا طلق نِسَاءَهُ قلت اعتزل عَنْهُن فَقَالَ بِالظَّنِّ بِأَن الاعتزال تطليق قَوْله من حجرهن بِضَم الْحَاء وَفتح الْجِيم جمع حجرَة ويروى من حجره أَي من حجر رَسُول الله ﷺ َ - قَوْله فِي مشربَة بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَضم الرَّاء وَفتحهَا وبالباء الْمُوَحدَة وَهِي الغرفة قَوْله وصيف أَي خَادِم وَهُوَ غُلَام دون الْبلُوغ قَوْله مرفقة بِكَسْر الْمِيم وَهِي الوسادة قَوْله أهب بِفتْحَتَيْنِ جمع إهَاب وَهُوَ الْجلد مَا لم يدبغ قَوْله وقرظ بِفَتْح الْقَاف وَالرَّاء وبالمعجمة ورق شجر يدبغ بِهِ -
٦٢ - (حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد حَدثنَا هِشَام أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ قَالَ أَخْبَرتنِي هِنْد بنت الْحَارِث عَن أم سَلمَة ﵂ قَالَت اسْتَيْقَظَ النَّبِي ﷺ َ - من اللَّيْل وَهُوَ يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله مَاذَا أنزل اللَّيْل من الْفِتْنَة مَاذَا أنزل من الخزائن من يوقظ صَوَاحِب الحجرات كم من كاسية فِي الدُّنْيَا عَارِية يَوْم الْقِيَامَة: قَالَ الزُّهْرِيّ وَكَانَت هِنْد لَهَا أزرار فِي كميها بَين أصابعها) وَجه ذكر هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب من حَيْثُ أَنه ﷺ َ - حذر أَهله وَجَمِيع الْمُؤْمِنَات من لِبَاس رَقِيق الثِّيَاب الواصفة لأجسامهن بقوله كم من كاسية فِي الدُّنْيَا عَارِية يَوْم الْقِيَامَة وَفهم مِنْهُ أَن عُقُوبَة لابسة ذَلِك أَن تعرى يَوْم الْقِيَامَة وَفِيمَا حَكَاهُ الزُّهْرِيّ عَن هِنْد مَا يُؤَيّد ذَلِك على مَا يَجِيء وَعبد الله بن مُحَمَّد هُوَ المسندي وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ وَمعمر هُوَ ابْن رَاشد
стр. 6533
وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم وَهِنْد بنت الْحَرْث الفراسية وَقيل القرشية كَانَت تَحت معبد بن الْمِقْدَاد بن الْأسود وَأم سَلمَة زوج النَّبِي ﷺ َ - وَاسْمهَا هِنْد والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْعلم فِي بَاب الْعلم والعظة بِاللَّيْلِ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن صَدَقَة عَن ابْن عُيَيْنَة عَن معمر إِلَى آخِره وَمضى فِي صَلَاة اللَّيْل وَسَيَجِيءُ فِي الْفِتَن أَيْضا قَوْله مَاذَا اسْتِفْهَام مُتَضَمّن لِمَعْنى التَّعَجُّب والتعظيم أَي رأى فِي الْمَنَام أَنه ستقع بعده الْفِتَن وَيفتح لَهُم الخزائن أَو عبر عَن الرَّحْمَة بالخزائن كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿خَزَائِن رَحْمَة رَبك﴾ وَعَن الْعَذَاب بالفتن لِأَنَّهَا أَسبَاب مؤدية إِلَيْهِ قَوْله الحجرات ويروى الْحجر بِاعْتِبَار الْجِنْس قَوْله عَارِية بِالْجَرِّ أَي كم كاسية عَارِية عرفتها وبالرفع أَي اللابسات رَقِيق الثِّيَاب الَّتِي لَا تمنع من إِدْرَاك لون الْبشرَة معاقبات فِي الْآخِرَة بفضيحة التعري أَو اللابسات للثياب النفيسة عاريات من الْحَسَنَات فِي الْآخِرَة فَهُوَ حض على ترك السَّرف بِأَن يَأْخُذن أقل الْكِفَايَة ويتصدقن بِمَا سوى ذَلِك قَوْله " قَالَ الزُّهْرِيّ " مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَيْهِ قَوْله " لَهَا أزرار " جمع الزر كَذَا وَقع للأكثرين وَوَقع فِي رِوَايَة أبي أَحْمد الْجِرْجَانِيّ إِزَار برَاء وَاحِدَة وَقيل هُوَ غلط وَالْمعْنَى أَنَّهَا كَانَت تخشى أَن يَبْدُو من جَسدهَا شَيْء بِسَبَب سَعَة كميها فَكَانَت تزرر ذَلِك لِئَلَّا يَبْدُو مِنْهُ شَيْء فَتدخل فِي قَوْله كاسية عَارِية وَقَالَ الْكرْمَانِي مَا غَرَض الزُّهْرِيّ من نقل هَذِه الْحَالة ثمَّ أجَاب بقوله لَعَلَّه أَرَادَ بَيَان ضَبطه وتثبيته وَفِيه بعد -
٣٢ - (بابُ مَا يُدْعاى لِمَنْ لَبِسَ ثَوْباً جَدِيداً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يدعى للَّذي يلبس ثوبا جَدِيدا.
٥٨٤٥ - حدَّثنا أبُو الوَلِيد حَدثنَا إسْحاقُ بنُ سَعِيدِ بنِ عَمْروِ بنِ سَعِيدِ بنِ العاصِ قَالَ: حدّثني أبي قَالَ: حَدَّثَتْني أُمُّ خَالِد بِنْتُ خالِدٍ قالَتْ: أُتِيَ رسولُ الله ﷺ ، بِثيابٍ فِيها خَمِيصَةٌ سَوْداءُ، قَالَ: مَنْ تَرَوْنَ نَكسُوها هاذِهِ الخَمِيصَةَ؟ فأُسْكِتَ القَوْمُ، قَالَ: ائْتُونِي بِأُمِّ خالِدٍ، فأُتِي بِي النبيُّ ﷺ ، فألْبَسَها بِيَدِهِ، وَقَالَ: أبْلِي وأخْلِقي، مَرَّتَيْنِ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَلَمِ الخَمِيصَةِ ويُشِيرُ بِيَدِهِ إلَيَّ وَيَقُولُ: أُمَّ خالِدٍ هاذا سَناه. والسَّنا بِلِسانِ الحَبَشِيَّةِ: الحَسَنُ.
قَالَ إسْحاقُ: حدَّثَتْنِي امْرَأةٌ مِنْ أهْلِي أَنَّهَا رأتْهُ عَلَى أُمِّ خالِدٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أبلي وأخلقي) . وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَأم خَالِد بن الزبير بن الْعَوام بنت خَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ.
والْحَدِيث مضى فِي: بَاب الخميصة السَّوْدَاء عَن قريب.
قَوْله: (فأسكت) من الإسكات بِمَعْنى السُّكُوت، وَيُقَال: تكلم الرجل ثمَّ سكت بِغَيْر ألف وَإِذا انْقَطع كَلَامه فَلم يتَكَلَّم قلت: اسْكُتْ. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وأسكت بِضَم الْهمزَة. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، قَوْله: (أبلى) ، من الإبلاء وَهُوَ جعل الثَّوْب عتيقاً. (وأخلقي) ، من الإخلاق والخلوقة وهما بِمَعْنى وَاحِد، قَالَ الْكرْمَانِي قَالَ هُنَا، خميصة سَوْدَاء، وَقَالَ فِي الْجِهَاد: قَمِيص أصفر، ثمَّ قَالَ: لَا يمْتَنع الْجمع بَينهمَا إِذْ لَا مُنَافَاة فِي وجودهما.
شقوله: (قَالَ إِسْحَاق) ابْن سعيد الْمَذْكُور وَهُوَ مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور. قَوْله: (رَأَيْته) أَي الثَّوْب وأرادت بِهِ الخميصة الْمَذْكُورَة فَهَذَا دلّ على أَنَّهَا بقيت زَمَانا طَويلا، وروى النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن عمر، قَالَ: رأى النَّبِي ﷺ على عمر ثوبا فَقَالَ: إلبس جَدِيدا وعش حميدا ومت شَهِيدا، وَأعله النَّسَائِيّ وَصَححهُ ابْن حبَان، وروى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ من حَدِيث أبي سعيد: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا استجد ثوبا سَمَّاهُ باسمه: عِمَامَة أَو قَمِيصًا أَو رِدَاء، ثمَّ يَقُول: اللَّهم لَك الْحَمد أَنْت كسوتنيه أَسأَلك من خَيره وَخير مَا صنع لَهُ، وَأَعُوذ بك من شَره وَشر مَا صنع لَهُ، وَأخرجه الْحَاكِم أَيْضا وَصَححهُ، وروى التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث عمر رَفعه: من لبس ثوبا جَدِيدا فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي كساني مَا أواري بِهِ عورتي وأتجمل بِهِ فِي حَياتِي، ثمَّ عمد إِلَى الثَّوْب الَّذِي أخلق فَتصدق بِهِ كَانَ فِي حفظ الله وَفِي كنف الله حَيا وَمَيتًا، وروى أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه من حَدِيث معَاذ بن أنس رَفعه: من لبس ثوبا فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي كساني هَذَا ورزقنيه من غير حول مني وَلَا قُوَّة، غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه، وَلم
стр. 6534
يرو البُخَارِيّ حَدِيثا مِنْهَا لِأَنَّهَا لم تثبت على شَرطه.
٣٣ - (بابُ التزَعْفَرِ لِلرِّجالِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم التزعفر، أَي: فِي الْجَسَد للرِّجَال، وَاحْترز بِهِ عَن النِّسَاء فَإِنَّهُ يجوز لَهَا وَفِي بعض النّسخ: بَاب النَّهْي عَن التزعفر للرجل، وَهَذَا أوضح وَأحسن.
٦٤ - (حَدثنَا مُسَدّد حَدثنَا عبد الْوَارِث عَن عبد الْعَزِيز عَن أنس قَالَ نهى النَّبِي ﷺ َ - أَن يتزعفر الرجل) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعبد الْوَارِث بن سعيد الْبَصْرِيّ وَعبد الْعَزِيز بن صُهَيْب والْحَدِيث بِهَذَا السَّنَد من أَفْرَاده قَوْله أَن يتزعفر الرجل هَكَذَا قَيده بِالرجلِ وَكَذَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن علية وَحَمَّاد بن زيد عِنْد مُسلم وَأَصْحَاب السّنَن وَرَوَاهُ شُعْبَة عَن ابْن علية عِنْد النَّسَائِيّ مُطلقًا فَقَالَ نهى عَن التزعفر وَكَأَنَّهُ اخْتَصَرَهُ وَالْمُطلق مَحْمُول على الْمُقَيد وَقَالَ ابْن بطال وَابْن التِّين هَذَا النَّهْي خَاص بالجسد ومحمول على الْكَرَاهَة لِأَن تزعفر الْجَسَد من الرَّفَاهِيَة الَّتِي نهى الشَّارِع عَنْهَا بقوله البذاذة من الْإِيمَان وَالدَّلِيل على كَون النَّهْي مَحْمُولا على الْكَرَاهَة دون التَّحْرِيم حَدِيث أنس أَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف قدم على رَسُول الله ﷺ َ - وَبِه أثر صفرَة وروى وضر صفرَة وَزَاد حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت وَبِه ردع من زعفران فَقَالَ مَهيم الحَدِيث فَلم يُنكر عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ َ - وَلَا أمره بغسلها فَدلَّ على أَن نَهْيه عَنهُ لمن لم يكن عروسا إِنَّمَا هُوَ مَحْمُول على الْكَرَاهَة فَإِن قلت روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عمار قَالَ قدمت على أَهلِي لَيْلًا وَقد تشققت يداي فخلقوني بزعفران فَغَدَوْت على رَسُول الله ﷺ َ - فَسلمت عَلَيْهِ فَلم يرد عَليّ وَلم يرحب بِي فَقَالَ اذْهَبْ فاغسل عَنْك هَذَا فَذَهَبت فغسلته ثمَّ جِئْت وَقد بَقِي عَليّ مِنْهُ ردع فَسلمت فَلم يرد عَليّ وَلم يرحب بِي وَقَالَ اذْهَبْ فاغسل عَنْك هَذَا فَذَهَبت فغسلته ثمَّ جِئْت فَسلمت فَرد عَليّ ورحب بِي وَقَالَ إِن الْمَلَائِكَة لَا تحضر جَنَازَة الْكَافِر بِخَير وَلَا المتضمخ بالزعفران وَلَا الْجنب قلت قيل هُوَ مَعْلُول لِأَن فِي سَنَده مَجْهُولا قلت أخرجه أَبُو دَاوُد من طَرِيقين أَحدهمَا عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن حَمَّاد عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن يحيى بن يعمر عَن عمار بن يَاسر وَهَذَا صَحِيح وَالْآخر عَن نصر بن عَليّ الخ وَفِيه الْمَجْهُول وَمَعَ هَذَا فَالصَّحِيح مِنْهُ لَا يُقَاوم صَحِيح البُخَارِيّ فَافْهَم -
٣٤ - (بابُ الثوْبِ المُزَعْفَرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الثَّوْب المزعفر، أَي: الْمَصْبُوغ بالزعفران.
٥٨٤٧ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حَدثنَا سُفْيانُ عَنْ عَبْدِ الله بنِ دينارٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: نَهاى النبيُّ ﷺ أنْ يَلْبَسَ المُحْرِمُ ثَوْباً مَصْبُوغاً بِوَرْسٍ أوْ بِزَعْفَران.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة. والْحَدِيث مضى فِي الْحَج مطولا، والورس بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الرَّاء وبالسين الْمُهْملَة نبت يكون بِالْيمن، وَالتَّقْيِيد بالمحرم يدل على جَوَاز لبس الثَّوْب المزعفر للْحَلَال. وَقَالَ ابْن بطال: أجَاز مَالك وَجَمَاعَة لِبَاس الثَّوْب المزعفر للْحَلَال، وَقَالُوا: النَّهْي فِي حق الْمحرم خَاصَّة، وَحمله الشَّافِعِي والكوفيون على الْمحرم وَغير الْمحرم، وَحَدِيث ابْن عمر الْآتِي فِي بَاب النِّعَال السبتية، يدل على الْجَوَاز، فَإِن فِيهِ أَن النَّبِي ﷺ ، وَكَانَ يصْبغ بالصفرة وَأخرج الْحَاكِم من حَدِيث عبد الله بن جَعْفَر، ﵄، قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ ، وَعَلِيهِ ثَوْبَان مصبوغان بالزعفران، وَفِي سَنَده عبد الله ابْن مُصعب بن الزبير، وَفِيه ضعف.
٣٥ - (بابُ الثَّوْبِ الأحْمَرِ)
أَي: هَذَا بَاب حكم لبس الثَّوْب الْأَحْمَر وَلم يبين الحكم فِي التَّرْجَمَة اكْتِفَاء بِمَا فِي حَدِيث الْبَاب.
٦٦ - (حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد حَدثنَا شُعْبَة عَن أبي إِسْحَق سمع الْبَراء ﵁ يَقُول كَانَ النَّبِي
стр. 6535
- ﷺ َ - مربوعا وَقد رَأَيْته فِي حلَّة حَمْرَاء مَا رَأَيْت شَيْئا أحسن مِنْهُ) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهُوَ يُوضح الحكم الَّذِي أبهمه فِي التَّرْجَمَة وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك وَأَبُو اسحق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي سمع الْبَراء بن عَازِب حَال كَونه يَقُول كَانَ النَّبِي ﷺ َ - مربوعا أَي بَين الطَّوِيل والقصير يُقَال رجل ربعَة ومربوع وَجَاء فِي صفته ﷺ َ - أطول من المربوع وَمضى الحَدِيث فِي صفة النَّبِي ﷺ َ - عَن حَفْص بن عمر مطولا وَمضى تَفْسِير الْحلَّة عَن قريب والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي اللبَاس عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان وَالْأَدب عَن بنْدَار بِبَعْضِه فِي الشَّمَائِل بِتَمَامِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن عَليّ بن الْحُسَيْن الدرهمي وَغَيره فَإِن قلت أَكثر أَصْحَاب أبي اسحق رَوَوْهُ عَن أبي اسحق عَن الْبَراء وَخَالفهُم أَشْعَث فَقَالَ عَن أبي إِسْحَاق عَن جَابر بن سَمُرَة أخرجه النَّسَائِيّ وَأعله وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَحسنه قلت نقل عَن البُخَارِيّ أَنه قَالَ حَدِيث أبي اسحق عَن الْبَراء وَعَن جَابر بن سَمُرَة صَحِيحَانِ فَإِن قلت رويت أَحَادِيث فِي الْمَنْع عَن لبس الْأَحْمَر مِنْهَا أَن أنسا روى أَن رَسُول الله ﷺ َ - كَانَ يكره الْحمرَة وَقَالَ الْجنَّة لَيْسَ فِيهَا حمرَة وَمِنْهَا حَدِيث عباد بن كثير عَن هِشَام عَن أَبِيه أَن النَّبِي ﷺ َ - كَانَ يحب الخضرة وَلَا يحب الْحمرَة وَمِنْهَا حَدِيث خَارِجَة بن مُصعب عَن عبد الله بن سعيد بن أبي هِنْد عَن أَبِيه مثله (وَمِنْهَا) حَدِيث الْحسن ابْن أبي الْحسن أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ الْحمرَة زِينَة الشَّيْطَان والشيطان يحب الْحمرَة قلت هَذَا كُله غير مُسْتَقِيم الْإِسْنَاد وأكثرها مَرَاسِيل فَإِن قلت أخرج ابْن ماجة من حَدِيث ابْن عمر ﵄ نهى رَسُول الله ﷺ َ - عَن المفدم بِالْفَاءِ وَتَشْديد الدَّال وَهُوَ المشبع بالعصفر قلت هَذَا مَحْمُول على أَنه يصْبغ كُله بلون وَاحِد وَمَعَ هَذَا لَا يُقَاوم حَدِيث الْبَراء وَاعْلَم أَن فِي لبس الثَّوْب الْأَحْمَر سَبْعَة أَقْوَال الأول الْجَوَاز مُطلقًا جَاءَ عَن عَليّ وَطَلْحَة وَعبد الله بن جَعْفَر والبراء وَغير وَاحِد من الصَّحَابَة وَعَن سعيد بن الْمسيب وَالنَّخَعِيّ وَالشعْبِيّ وَأبي قلَابَة وَأبي وَائِل وَجَمَاعَة من التَّابِعين الثَّانِي الْمَنْع مُطلقًا للأحاديث الْمَذْكُورَة الثَّالِث يكره لبس الثَّوْب المشبع بالحمرة دون مَا كَانَ صبغة خَفِيفا رُوِيَ ذَلِك عَن عَطاء وَطَاوُس وَمُجاهد الرَّابِع يكره لبس الْأَحْمَر مُطلقًا لقصد الزِّينَة والشهرة وَيجوز فِي الْبيُوت والمهنة جَاءَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا الْخَامِس يجوز لبس مَا صبغ غزله ثمَّ نسج وَيمْنَع مَا صبغ بعد النسج وَمَال إِلَيْهِ الْخطابِيّ السَّادِس اخْتِصَاص النَّهْي بِمَا يصْبغ بالعصفر لوُرُود النَّهْي عَنهُ وَلَا يمْنَع مَا صبغ بِغَيْرِهِ من الأصباغ السَّابِع تَخْصِيص الْمَنْع بِالثَّوْبِ الَّذِي يصْبغ كُله وَأما مَا فِيهِ لون آخر غير الْأَحْمَر من بَيَاض وَسَوَاد وَغَيرهمَا فَلَا وعَلى ذَلِك تحمل الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْحلَّة الْحَمْرَاء فَإِن الْحلَل اليمانية غَالِبا تكون ذَات خطوط حمر وَغَيرهَا -
٣٦ - (بابُ المِيثَرَةِ الحَمْراءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم اسْتِعْمَال الميثرة الْحَمْرَاء، وَقد تقدم تَفْسِيرهَا.
٥٨٤٩ - حدَّثنا قَبِيصَةُ حَدثنَا سُفْيانُ عَنْ أشْعَثَ عَنْ مُعاوِيَةَ بنِ سُوَيْدِ بنِ مُقَرِّنٍ عَن البَراءِ ﵁، قَالَ: أمَرَنا النبيُّ ﷺ بِسَبْعٍ: عِبادَةِ المَرِيضِ. واتِّباعِ الجَنائِزِ. وتَشْميتِ العاطِسِ ... ونَهانا: عَنْ لُبْس الحَرِيرِ والدِّيباجِ والقَسِّيِّ والاسْتَبْرَقِ ومَياثِرِ الحُمْرِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ومياثر الْحمر) . وَقبيصَة هُوَ ابْن عقبَة، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَأَشْعَث هُوَ ابْن أبي الشعْثَاء.
والْحَدِيث مضى عَن قريب مُخْتَصرا فِي: بَاب لبس القسي، وَمضى مطولا فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب الْأَمر بِاتِّبَاع الْجَنَائِز، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (وتشميت الْعَاطِس) بإعجام الشين وإهمالها، وَالْأَرْبَعَة الْبَاقِيَة هِيَ: إِجَابَة الدَّاعِي. وإفشاء السَّلَام. وَنصر الْمَظْلُوم. وإبرار الْمقسم. (والديباج) فَارسي مُعرب وَهُوَ الرَّقِيق من الحري. (والاستبرق) : الغليظ مِنْهُ، وَلما صَارا جِنْسَيْنِ مستقلين خصصهما بِالذكر. وَمر الْكَلَام فِي القسي والميثرة وَإِنَّمَا قيد بالحمر مَعَ أَنَّهَا مَنْهِيّ عَنْهَا إِذا كَانَت من الْحَرِير سَوَاء كَانَت حَمْرَاء أَو غَيرهَا لبَيَان الْوَاقِع، فَلَا اعْتِبَار لمفهومه، والإثنان المكملان للسبع هما: خَوَاتِيم الذَّهَب، وأواني الْفضة.
стр. 6536
٣٧ - (بابُ النِّعالِ السِّبْتِيَّةِ وغَيْرِها)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان النِّعَال وَهُوَ جمع نعل وَفِي (الْمُحكم) : النَّعْل والنعلة مَا وقيت بِهِ الْقدَم، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: النَّعْل هِيَ الَّتِي تسمى الْآن: تاسومة. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: النَّعْل لِبَاس الْأَنْبِيَاء ﵈، وَإِنَّمَا اتخذ النَّاس غَيرهَا لما فِي أَرضهم من الطين، وَقد تطلق النَّعْل على كل مَا بَقِي الْقدَم قَوْله: (السبتية) صفة النِّعَال بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف نِسْبَة إِلَى مَا سبت عَنْهَا الشّعْر أَي: حلق وَقطع، وَقيل: هِيَ المدبوغة بالقرظ، وَكَانَت عَادَة الْعَرَب لِبَاس النِّعَال بشعرها وَغير مدبوغة. وَقَالَ أَبُو عبيد: وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة لَا يلبس النِّعَال المدبوغة إلَاّ أهل السعَة، وَنقل عَن الْأَصْمَعِي: أَن السبتية المدبوغة، وَعَن أبي عمر والشيباني: بالقرظ، وَقيل: إِنَّمَا قَالُوا: السبتية، لِأَنَّهَا تسبتت أَي: لانت. قَوْله: (وَغَيرهَا) أَي: وَغير النِّعَال السبتية مِمَّا يشابهها.
٥٨٥٠ - حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْب حَدثنَا حَمَّادٌ عَنْ سَعِيدٍ أبي مَسْلَمَةَ قَالَ: سألْتُ أنَساً أكانَ النبيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. (انْظُر الحَدِيث ٣٨٦) [/ ح.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ مِنْهُ، وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وَفِي بعض النّسخ صرح بِهِ، وَسَعِيد هُوَ ابْن يزِيد بالزاي أَبُو مسلمة الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث قد مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب الصَّلَاة فِي النِّعَال فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن آدم عَن شُعْبَة عَن سعيد أبي سَلمَة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
٥٨٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مالِكِ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ بنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قَالَ لِ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ ﵄: رَأيْتُكَ تَصْنَعُ أرْبَعاً لَمْ أرَ أحَداً مِنْ أصْحابِكَ يَصْنَعُها، قَالَ: مَا هِيَ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ؟ قَالَ: رَأيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الأرْكانِ إلَاّ اليَمانِيَيْنِ، ورَأيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعال السِّبْتِيَّةَ، ورَأيْتُكَ تَصْبُغُ بالصُّفْرَةِ، ورَأيْتُكَ إِذا كُنْتَ بِمَكَّةَ أهَلَّ النَّاسُ إِذا رَأوا الهِلالَ ولَمْ تُهِلَّ أنْتَ حَتَّى كانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ: أمَّا الأرْكانُ فإنِّي لَمْ أرَ رسولَ الله ﷺ يَمَسُّ إلَاّ اليَمانِيَيْنِ، وأمَّا النِّعالُ السِّبْتِيَّةُ فإنِّي رَأيْتُ رسولَ الله ﷺ يَلْبَسُ النِّعالَ الَّتِي لَيْسَ فِيها شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيها فَأَنا أُحِبُّ أنْ ألْبَسَها، وأمَّا الصُّفْرَةُ فإنِّي رَأيْتُ رسُولَ الله ﷺ يَصْبُغُ بِها فَأَنا أُحِبُّ أنْ أصْبُغَ بِها، وأمَّا الإهْلالُ فإنِّي لَمْ أرَ رسُولَ الله ﷺ ، يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ راحِلَتُهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى فِي الطَّهَارَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ فِي: بَاب غسل الرجلَيْن فِي النَّعْلَيْنِ، عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (إلَاّ اليمانيين) بِالتَّخْفِيفِ وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الْحجر الْأسود، وَالَّذِي يَلِيهِ من جِهَة الْيمن، وَيُقَال لَهما: اليمانيان تَغْلِيبًا. قَوْله: (يصْبغ) بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَالْمرَاد بِهِ صبغ الثَّوْب، وَقيل: الشّعْر. قَوْله: (أهل) أَي: أحرم، والهلال هُوَ هِلَال ذِي الْحجَّة، وَيَوْم التَّرويَة هُوَ الْيَوْم الثَّامِن من ذِي الْحجَّة.
٥٨٥٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عَنْ عَبْدِ الله بنِ دِينار عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: نَهَى رسُولُ الله ﷺ ، أنْ يَلْبَسَ المحْرِمُ ثَوْباً مَصْبُوغاً بِزَعْفَرَانٍ أوْ وَرْسٍ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْن فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ ولْيَقْطَعْهُما أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمن لم يجد نَعْلَيْنِ) . والْحَدِيث قد مضى فِي الْحَج فِي بَاب مَا لَا يلبس الْمحرم من الثِّيَاب.
стр. 6537
٥٨٥٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُف حَدثنَا سُفْيانُ عَنْ عَمْروِ بنِ دِينارٍ بنْ جابِرِ بنِ زَيْدٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسِ ﵄، قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إزَارٌ فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَعْلَانِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمن لم يكن لَهُ نَعْلَانِ) وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَجَابِر بن زيد أَبُو الشعْثَاء الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ الْفَقِيه، وَمضى الحَدِيث فِي الْحَج عَن حَفْص بن عمر وَأبي الْوَلِيد وآدَم فرقهم ثَلَاثَتهمْ عَن شُعْبَة.
٣٨ - (بابٌ يَبْدَأُ بالنَّعْلِ اليُمْنَى)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن الرجل إِذا لبس نَعْلَيْه يلبس أَولا نَعله الْيُمْنَى. قَوْله: (يبْدَأ) ، ضبط على صِيغَة الْمَجْهُول وَالْأولَى أَن يكون على صِيغَة الْمَعْلُوم.
٥٨٥٤ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهالٍ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبرنِي أشْعَثُ بنُ سُلَيْمٍ سَمِعْتُ أبي يُحَدِّثُ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عائِشَةَ ﵂، قالَتْ: كَانَ النبيُّ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي طُهُورِهِ وتَرَجُّلِهِ وتَنَعُّلِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث. وَأَشْعَث بالثاء الْمُثَلَّثَة فِي آخِره يروي عَن أَبِيه سليم بن الْأَزْدِيّ الْمحَاربي الْكُوفِي، ومسروق بن الأجدع.
والْحَدِيث مضى فِي الْوضُوء فِي: بَاب التَّيَمُّن فِي الْوضُوء وَالْغسْل فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة إِلَى آخِره والترجل: تَسْرِيح الشّعْر.
٣٩ - (بابٌ يَنْزِعُ نَعْلَ اليُسْرَى)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ أَن الرجل إِذا نزع نَعْلَيْه ينْزع أَولا نَعله الْيُسْرَى. قَوْله: (ينْزع) ، على صِيغَة الْمَعْلُوم. قَوْله: (نعل الْيُسْرَى) ، أَي: نعل الرجل الْيُسْرَى، وَفِي بعض النّسخ: ينْزع نَعله الْيُسْرَى، وَفِيه الْيُسْرَى صفة للنعل، وَفِي الأول صفة الرجل الْمقدرَة.
٥٨٥٥ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مالِكٍ عَنْ أبي الزِّنادِ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قَالَ: إذَا انْتَعَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأ باليَمِينِ، وَإِذا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بالشِّمالِ لِتَكُنِ اليُمْنَى أوَّلَهُما تُنْعَلُ وآخِرَهُما تُنْزَعُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي اللبَاس عَن القعْنبِي. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَعَن إِسْحَاق بن مُوسَى.
قَوْله: (إِذا انتعل) أَي: إِذا لبس النَّعْل. قَوْله: (بِالْيَمِينِ) ، أَي: بِيَمِين المنتعل، ويروى: باليمنى، أَي: بالنعل الْيُمْنَى. قَوْله: (أَولهمَا خبر) الْكَوْن. وَقَوله: (تنعل) على صِيغَة الْمَجْهُول جملَة حَالية، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: أَولهمَا، يتَعَلَّق بقوله: تنعل، وَهُوَ خبر كَانَ، ذكره بِتَأْوِيل الْعُضْو وَهُوَ مُبْتَدأ وتنعل خَبره وَالْجُمْلَة خبر كَانَ.
وَفِيه: تَفْضِيل الْيَمين على الشمَال.
٩٣ - (بابٌ لَا يَمْشِي فِي نَعْلٍ واحِدٍ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يمشي الرجل فِي نعل وَاحِد، وَإِنَّمَا وصف النَّعْل بالمذكر مَعَ أَنَّهَا مُؤَنّثَة على مَا يَجِيء لِأَن تأنيثها غير حَقِيقِيّ.
٥٨٥٦ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مالِكٍ عَنْ أبي الزِّنادِ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: لَا يَمْشِي أحَدُكُمْ فِي نَعْل واحِدَة لِيُحْفِهِما جَمِيعاً أوْ لِيُنْعِلُهُما جَمِيعاً.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي اللبَاس عَن يحيى بن يحيى وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة، وَعَن إِسْحَاق بن مُوسَى.
قَوْله: (لَا يمشي أحدكُم فِي نعل وَاحِدَة) قَالَ ابْن الْأَثِير: النَّعْل مُؤَنّثَة
стр. 6538
وَهِي الَّتِي تلبس فِي الْمَشْي. انْتهى، وتصغيرها: نعيلة، تَقول: نعلت وانتعلت إِذا احتذيت من الْحذاء بِالْحَاء الْمُهْملَة وَهُوَ النَّعْل، قَالَ الْخطابِيّ: نَهْيه ﷺ عَن الْمَشْي فِي النَّعْل الْوَاحِدَة لمَشَقَّة الْمَشْي على مثل هَذِه الْحَالة، وَلعدم الْأَمْن من العثار مَعَ سماجته فِي الشكل وقبح منظره فِي الْعُيُون إِذْ كَانَ يتَصَوَّر ذَلِك عِنْد النَّاس بِصُورَة من إِحْدَى رجلَيْهِ أقصر من الْأُخْرَى. وَعَن ابْن الْعَرَبِيّ: أَنَّهَا مشْيَة الشَّيْطَان، وَعَن الْبَيْهَقِيّ لما فِيهِ من الشُّهْرَة وامتداد الْأَبْصَار إِلَى من يرى ذَلِك مِنْهُ. قَوْله: (ليحفهما) من الإحفاء بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي: ليجردهما، يُقَال: حفي يحفي أَي: يمشي بِلَا خف ونعل. قَوْله: (أَو لينعلهما) ضَبطه النَّوَوِيّ بِضَم أَوله من أفعل ورد عَلَيْهِ شَيخنَا زين الدّين ﵀، بِأَن أهل اللُّغَة قَالُوا: نعل، بِفَتْح الْعين وَحكى كسرهَا، وانتعل أَي: لبس النَّعْل. قلت: قَالَ أهل اللُّغَة أَيْضا إِذا أنعل رجله أَي: ألبسها نعلا، وأنعل دَابَّته جعل لَهَا نعلا. وَقَالَ صَاحب (الْمُحكم) : نعل الدَّابَّة وَالْبَعِير ونعلهما بِالتَّشْدِيدِ وَيدخل فِي هَذَا كل لِبَاس شفع كالخفين، وأخراج الْيَد الْوَاحِدَة من الْكمّ دون الْأُخْرَى، والتردي على أحد الْمَنْكِبَيْنِ دون الْأُخْرَى، قَالَه الْخطابِيّ، وَقَالَ فِي (المعونة) : يجوز ذَلِك فِي الْمَشْي الْخَفِيف إِذا كَانَ هُنَاكَ عذر، وَهُوَ أَن يمشي فِي إِحْدَاهمَا متشاغلاً لإِصْلَاح الْأُخْرَى، وَإِن كَانَ الِاخْتِيَار أَن يقف إِلَى الْفَرَاغ مِنْهَا وروى ابْن أبي شيبَة من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: إِذا انْقَطع شسع أحدكُم يمشي فِي الْأُخْرَى حَتَّى يصلحها، وَفِي (الجعديات) من حَدِيث ابْن الزبير عَن جَابر قَالَ رَسُول الله ﷺ : إِذا انْقَطع شسع أحدكُم فَلَا يمشي فِي نعل وَاحِد حَتَّى يصلح شسعه، وَلَا يمشي فِي الْخُف الْوَاحِد. فَإِن قلت: روى ابْن شاهين فِي ناسخه من حَدِيث جبارَة بن الْمُغلس حَدثنَا منْدَل يَعْنِي ابْن عَليّ عَن لَيْث عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: رُبمَا انْقَطع شسع رَسُول الله ﷺ فَيَمْشِي فِي نعل وَاحِد حَتَّى يصلحها أَو تصلح لَهُ؟ قلت: هَذَا حَدِيث واهٍ، كَذَا قَالَه صَاحب (التَّوْضِيح) ، وَلَكِن فِي (علل التِّرْمِذِيّ) من حَدِيث لَيْث عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، قَالَت: رُبمَا مَشى النَّبِي ﷺ فِي نعل وَاحِدَة، وروى ابْن علية وَالثَّوْري عَن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَنْهَا أَنَّهَا مشت فِي خف وَاحِد، قَالَ التِّرْمِذِيّ: سَأَلت مُحَمَّدًا عَن هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: الصَّحِيح عَن عَائِشَة مَوْقُوف، وروى ابْن أبي شيبَة عَن ابْن إِدْرِيس عَن لَيْث عَن نَافِع أَن ابْن عمر كَانَ لَا يرى بَأْسا أَن يمشي فِي نعل وَاحِدَة إِذا انْقَطع شسعه مَا بَينه وَبَين أَن تصلح، وَمن حَدِيث رجل من مزينة: رَأَيْت عليا ﵁، يمشي فِي نعل وَاحِد بِالْمَدَائِنِ، وَعَن زيد بن مُحَمَّد أَنه رأى سالما يمشي فِي نعل وَاحِدَة بِالْمَدَائِنِ، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: لم يَأْخُذ أهل الْعلم بِرَأْي عَائِشَة فِي ذَلِك، وَالَّذِي روى من هَؤُلَاءِ أَن النَّهْي عِنْدهم نهي تَنْزِيه، وَيحْتَمل أَن النَّهْي مَا بَلغهُمْ، وَالله أعلم.
٤١ - (بابُ قِبالانِ فِي نَعْلٍ، ومَنْ رأى قِبالاً واحِداً واسِعاً)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قبالان كائنان فِي نعل وَاحِد وقبالان تَثْنِيَة قبال بِكَسْر الْقَاف زِمَام النَّعْل، وَهُوَ السّير الَّذِي يكون بَين الإصبعين الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِيهَا، يُقَال: أقبل نَعله وقابلها إِذا عمل لَهَا قبالاً، وَفِي الحَدِيث: قابلوا النِّعَال، أَي: اعْمَلُوا عَلَيْهَا القبال وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الزِّمَام هُوَ السّير الَّذِي يعْقد فِيهِ الشسع بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُهْملَة بعْدهَا عين مُهْملَة وَهُوَ أحد سيور النَّعْل الَّذِي يدْخل بَين الإصبعين، وَيدخل طرفه فِي الثقب الَّذِي فِي صدر النَّعْل المشدود فِي الزِّمَام، وَقَالَ عباض: جمعه شسوع. قَوْله: (وَمن رأى قبالاً وَاحِدًا وَاسِعًا) يَعْنِي: جَائِزا، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن قبالين أَو قبالاً وَاحِدًا مُبَاح، وَلَيْسَ فِي ذَلِك شَيْء لَا يَجْزِي غَيره.
٥٨٥٧ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهالٍ حَدثنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتادَةَ حَدثنَا أنَسٌ ﵁، أنَّ نَعلَي النبيِّ ﷺ كانَ لَهُما قِبالانِ. (انْظُر الحَدِيث ٣١٠٧ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَمَّام هُوَ ابْن يحيى العوذي الْبَصْرِيّ، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن عَن الْفربرِي: هِشَام، بدل همام، وَالصَّوَاب هُوَ الأول.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي اللبَاس أَيْضا عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق ابْن مَنْصُور وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن مُحَمَّد بن معمر الْبَصْرِيّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي اللبَاس عَن أبي بكر
стр. 6539
ابْن أبي شيبَة.
قَوْله: (أَن نَعْلي النَّبِي ﷺ كَذَا بالتثنية فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: (لَهما) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: لَهَا بِالْإِفْرَادِ، وَالَّذِي ثَبت فِي الصَّحِيح فِي حَدِيث أنس أَنه كَانَ لنعليه قبالان لَيْسَ فِيهِ زِيَادَة على وصفهما بذلك، وَزَاد ابْن سعد فِي (الطَّبَقَات) : عَن عَفَّان عَن همام من سبت قَالَ أَي: لَيْسَ عَلَيْهَا شعر، قَالَ: والمسبوت مَا لَيْسَ عَلَيْهِ شعر، وَإِسْنَاده صَحِيح، وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: كَانَ شراكهما مثنياً، وَهُوَ صَحِيح الْإِسْنَاد إِلَّا أَنه ورد مُرْسلا من رِوَايَة عبد الله ابْن الْحَارِث دون ذكر ابْن عَبَّاس، وَفِي حَدِيث عَمْرو بن حُرَيْث وَأبي ذَر أَنَّهُمَا مخصوفتان، والمخصوفة المطرقة الَّتِي يطْرق بَعْضهَا على بعض، وَحَدِيث عَمْرو بن حُرَيْث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل، وَحَدِيث أبي ذَر رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ من رِوَايَة حميد بن هِلَال عَن عبد الله بن الصَّامِت عَن أبي ذَر، قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ ، يُصَلِّي فِي نَعْلَيْنِ مخصوفتين من جُلُود الْبَقر، وروى أَبُو الشَّيْخ أَيْضا بِإِسْنَادِهِ إِلَى يزِيد بن أبي زِيَاد، قَالَ: رَأَيْت نعل النَّبِي ﷺ ، مخصرة ملسنة لَيْسَ لَهَا عقب خَارج، والمخصرة الَّتِي لَهَا خصر دَقِيق، قَالَ الْجَوْهَرِي: والملسن من النِّعَال الَّذِي فِيهِ طول ولطافة على هَيْئَة اللِّسَان، وَقَالَ صَاحب (النِّهَايَة) : وَقيل: هِيَ الَّتِي جعل لَهَا لِسَان ولسانها الْهَيْئَة الناتئة فِي مقدمها.
٥٨٥٨ - حدَّثني مُحَمَّدٌ أخبرنَا عَبْدُ الله أخْبَرَنا عِيسَى بنُ طَهْمانَ قَالَ: خَرَجَ إلَيْنا أنَسُ بنُ مالِكٍ بِنَعْلَيْنِ لَهُما قِبالانِ، فَقَالَ ثابِتٌ البنانِيُّ: هاذِهِ نَعْلُ النبيِّ ﷺ . (انْظُر الحَدِيث ٣١٠٧ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد هُوَ ابْن مقَاتل الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَعِيسَى بن طهْمَان بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْهَاء وبالنون البكرى الْكُوفِي.
قَوْله: (خرج) ويروى: أخرج إِلَيْنَا، هَذَا الحَدِيث صورته صُورَة إرْسَال لِأَن ثَابتا لم يُصَرح بِأَن أنسا أخبرهُ بذلك، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: هَذَا مُرْسل.
٤٢ - (بابُ القُبَّةِ الحَمْرَاءِ مِنْ أدَمٍ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْقبَّة الْحَمْرَاء من أَدَم بِفتْحَتَيْنِ، وَهُوَ الْجلد المدبوغ وصبغ بحمرة قبل أَن يتَّخذ مِنْهُ الْقبَّة، وَفِي (الْمغرب) : الْقبَّة الحزكاهة، وَكَذَا كل بِنَاء مدور وَيجمع على قباب، قلت: الْقبَّة من الْأدم يستعملها أهل الْبَادِيَة، وَمن الْبناء يستعملها أهل المدن.
٥٨٥٩ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حدّثني عُمَرُ بنُ أبي زَائِدَةَ عَنْ عَوْنِ بنِ أبي جُحَيْفَةَ عَنْ أبِيهِ، قَالَ: أتَيْتُ النبيَّ ﷺ ، وَهُوَ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أدَمٍ، ورأيْتُ بِلَالاً أخَذَ وَضُوءَ النبيِّ ﷺ ، والناسُ يَبْتَدِرُونَ الوَضُوءَ فَمَنْ أصابَ مِنْهُ شَيْئاً تَمَسَّحَ بِهِ، ومنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئاً أخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صاحِبِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو جُحَيْفَة بِضَم الْجِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالفاء اسْمه وهب ابْن عبد الله السوَائِي.
والْحَدِيث مر فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الصَّلَاة إِلَى العنزة، وَفِي: بَاب الستْرَة بِمَكَّة وَغَيرهَا.
قَوْله: (وضوء النَّبِي ﷺ بِفَتْح الْوَاو. قَوْله: (يبتدرون) أَي: يتسارعون.
٥٨٦٠ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبرنِي أنَسُ بنُ مالِكٍ (ح) وَقَالَ اللَّيْثُ: حدّثني يُونُسُ عَنِ ابنِ شِهاب قَالَ: أخبرَنِي أنَسُ بنُ مالِكٍ ﵁، قَالَ: أرْسَلَ النبيُّ ﷺ ، إِلَى الأنْصارِ فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مِنْ أدَمِ.
قيل: التَّرْجَمَة الْقبَّة الْحَمْرَاء من أَدَم، وَهنا قبَّة من أَدَم فَقَط، وَلم يذكر الْحَمْرَاء فَلَا تدل على أَنَّهَا حَمْرَاء. وَأجِيب: بِأَنَّهُ يدل على
стр. 6540
بعض التَّرْجَمَة وَكَثِيرًا يقْصد البُخَارِيّ ذَلِك، قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ بَعضهم: لَعَلَّه حمل الْمُطلق على الْمُقَيد وَذَلِكَ لقرب الْعَهْد فَإِن الْقِصَّة الَّتِي ذكرهَا أنس كَانَت فِي غَزْوَة خَيْبَر وَالَّتِي ذكرهَا أَبُو جُحَيْفَة كَانَت فِي حجَّة الْوَدَاع وَبَينهمَا نَحْو سنتَيْن، فَالظَّاهِر أَنَّهَا هِيَ تِلْكَ الْقبَّة لِأَنَّهُ ﷺ مَا كَانَ يتأنق فِي مثل ذَلِك حَتَّى يسْتَبْدل، فَإِذا وصفهَا أَبُو جُحَيْفَة بِأَنَّهَا حَمْرَاء فِي الْوَقْت الثَّانِي فَلِأَن تكون حمرتها مَوْجُودَة فِي الْوَقْت الأول أولى. انْتهى. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره غير موجه، وَذَلِكَ أَن قَوْله: حمل الْمُطلق على الْمُقَيد، لَا يَصح أَن يكون فِي مثل هَذَا الْموضع على مَا لَا يخفى على المتأمل مَعَ مَا فِيهِ من الْخلاف، وَبَقِيَّة كَلَامه احْتِمَال بعيد، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال: إِن أنسا رَضِي الله تَعَالَى، عَنهُ اختصر فِيهِ وَترك ذكر لفظ: الْحَمْرَاء، ثمَّ إِنَّه أخرج حَدِيث أنس من طَرِيقين. الأول: عَن أبي الْيَمَان الحكم بن نَافِع عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن أنس بن مَالك ﵁. وَالثَّانِي: علقه عَن اللَّيْث عَن يُونُس بن يزِيد عَن ابْن شهَاب، وَهُوَ الزُّهْرِيّ، وسَاق الحَدِيث على لفظ اللَّيْث، وَوَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق الرَّمَادِي: حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنَا اللَّيْث حَدثنِي يُونُس فَذكره، وَطَرِيق شُعَيْب قد مر فِي فرض الْخمس مطولا، وَفِيه: فَجَمعهُمْ فِي قبَّة من أَدَم ... الحَدِيث.
٤٣ - (بَاب الجُلُوسِ على الحَصِيرِ ونَحْوِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر الْجُلُوس على الْحَصِير، وَهُوَ الَّذِي يتَّخذ من سعف النّخل وَغَيره. قَوْله: وَنَحْوه، إِشَارَة إِلَى الْأَشْيَاء الَّتِي تبسط وَيجْلس عَلَيْهَا مِمَّا لَيْسَ لَهُ قدر.
٥٨٦١ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ أبي بَكْر حَدثنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ سَعِيدِ بنِ أبِي سَعِيدٍ عَنْ أبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ عائِشَةَ ﵂، أنَّ النبَّي ﷺ كانَ يَحْتَجِرُ حَصيراً باللَّيْلِ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ، ويَبْسُطُهُ بالنَّهارِ فَيَجْلِسُ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَثوبُونَ إِلَى النبيِّ ﷺ فَيُصَلُّونَ بِصلاتِهِ حَتَّى كَثُرُوا، فأقْبَلَ فَقَالَ: يَا أيُّها النَّاسُ خُذُوا مِنَ الأعْمالِ مَا تُطِيقُونَ فإنَّ الله لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا وإنَّ أحَبَّ الأعْمالِ إِلَى مَا دامَ وإنْ قَلَّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فيجلس عَلَيْهِ) أَي: على الْحَصِير. وَمُحَمّد بن أبي بكر هُوَ الْمقدمِي، ومعتمر هُوَ ابْن سُلَيْمَان، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ، وَسَعِيد هُوَ المَقْبُري، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة من التَّابِعين الْمَدَنِيين.
والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب صَلَاة الَّيْلِ عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر، وَمضى فِي الْإِيمَان فِي: بَاب أحب الدّين إِلَى الله من غير هَذَا الْوَجْه.
قَوْله: (يحتجر) أَي: يتَّخذ حجرَة لنَفسِهِ، يُقَال: احتجر الأَرْض إِذا ضرب عَلَيْهَا مَا يمْنَعهَا بِهِ عَن غَيره، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: يحتجز، بزاي فِي آخِره. قَوْله: (يثوبون) بالثاء الْمُثَلَّثَة أَي: يَجْتَمعُونَ. قَالَه الْكرْمَانِي: وَالْأَحْسَن أَن يُقَال: يرجعُونَ، لِأَنَّهُ من ثاب إِذا رَجَعَ. قَوْله: (فَأقبل) أَي: النَّبِي ﷺ . قَوْله: (لَا يمل) من الملال وَهُوَ كِنَايَة عَن عدم الْقبُول، وَالْمعْنَى: فَإِن الله يقبل أَعمالكُم حَتَّى تملوا فَإِنَّهُ لَا يقبل مَا يصدر مِنْكُم على سَبِيل الملالة، وَأطلق الملال على طَرِيق المشاكلة. وَقَالَ الْخطابِيّ: هُوَ كِنَايَة عَن التّرْك أَي: لَا يتْرك الثَّوَاب مَا لم تتركوا الْعَمَل، وَهَذَا أحسن من الأول. قَوْله: (مَا دَامَ) أَي: دواماً عرفياً، إِذْ حَقِيقَة الدَّوَام وَهُوَ شُمُول جَمِيع الْأَزْمِنَة غير مَقْدُور، وَوَقع فِي رِوَايَة الكشهميهني: مَا دوَام. فَإِن قلت: يُعَارض حَدِيث الْبَاب مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة من طَرِيق شُرَيْح بن هانىء أَنه سَأَلَ عَائِشَة: أَكَانَ النَّبِي ﷺ يُصَلِّي على الْحَصِير، وَالله يَقُول: ﴿ (٧١) وَجَعَلنَا جَهَنَّم للْكَافِرِينَ حَصِيرا﴾ (الْإِسْرَاء: ٨) . فَقَالَت: لم يكن يُصَلِّي على الْحَصِير. قلت: هَذَا ضَعِيف لَا يُقَاوم مَا فِي الصَّحِيح، وَأَيْضًا يُمكن، الْجمع بِأَن يحمل النَّفْي على المداومة، وَقَالَ بَعضهم: لَكِن يخدش فِيهِ مَا ذكره شُرَيْح من الْآيَة. قلت: لَا خدش فِيهِ أصلا، لِأَن معنى الْآيَة: حَصِيرا، أَي: محبساً، يُقَال للسجن: محصر وحصير.
٤٤ - (بابُ المُزَرَّرِ بالذَّهَبِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر لبس الثِّيَاب المزررة بِالذَّهَب، وَهُوَ المشدود بالأزرار.
٥٨٦٢ - وَقَالَ اللَّيْثُ حدّثني ابنُ أبي مُلَيْكَةَ عَنِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ أنَّ أباهُ مَخْرَمَةَ قَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ!
стр. 6541
إنهُ بَلَغَنِي أنَّ النبيَّ ﷺ ، قَدِمَتْ عَلَيْهِ أقْبِيَةٌ فَهْوَ يَقْسِمُها، فاذْهَبْ بِنَا إلَيْهِ. فَذَهَبْنا فَوَجَدْنا النبيَّ ﷺ ، فِي مَنْزِلِهِ، فَقَالَ لي: يَا بُنَيَّ ادْعُ لِي النبِيَّ ﷺ فأعْظَمْتُ ذالِكَ فَقُلْتُ: أدْعُو لَكَ رَسُولَ الله ﷺ ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إنَّهُ لَيْسَ بِجَبَّارٍ، فَدَعَوْتُهُ فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْ ديباجٍ مُزَرَّرٌ بالذَّهَبِ، فَقَالَ: يَا مَخْرَمَةُ ﴿هاذا خَبَأْناهُ لَكَ، فأعْطاهُ إيَّاهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من ديباج مزرر من ذهب) وَقد أخرجه عَن اللَّيْث مُعَلّقا لِأَنَّهُ لم يدْرك عصره، وَقد تقدم مَوْصُولا عَن قريب فِي: بَاب القباء وفروج حَرِير، عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن اللَّيْث، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (يَا بني) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: قَالَ لَهُ. قَوْله: (فأعظمت ذَلِك) ، أَي: قَوْله: ادْع لي النَّبِي ﷺ ، لِأَن مقَامه ﷺ ، لَا يقتضى ذَلِك. قَوْله: (فَقلت: أَدْعُو لَك رَسُول الله ﷺ قَالَ ذَلِك لِأَبِيهِ على وَجه الْإِنْكَار، فَلَمَّا قَالَ مخرمَة: (إِنَّه) أَي: إِن رَسُول الله ﷺ ، لَيْسَ بجبار دَعَاهُ فَخرج، وَالْحَال أَن عَلَيْهِ قبَاء ... إِلَى آخِره، وَبَقِيَّة الْكَلَام مرت هُنَاكَ.
٤٤ - (بابُ المُزَرَّرِ بالذَّهَبِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر لبس الثِّيَاب المزررة بِالذَّهَب، وَهُوَ المشدود بالأزرار.
٥٨٦٢ - وَقَالَ اللَّيْثُ حدّثني ابنُ أبي مُلَيْكَةَ عَنِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ أنَّ أباهُ مَخْرَمَةَ قَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ﴾ إنهُ بَلَغَنِي أنَّ النبيَّ ﷺ ، قَدِمَتْ عَلَيْهِ أقْبِيَةٌ فَهْوَ يَقْسِمُها، فاذْهَبْ بِنَا إلَيْهِ. فَذَهَبْنا فَوَجَدْنا النبيَّ ﷺ ، فِي مَنْزِلِهِ، فَقَالَ لي: يَا بُنَيَّ ادْعُ لِي النبِيَّ ﷺ فأعْظَمْتُ ذالِكَ فَقُلْتُ: أدْعُو لَكَ رَسُولَ الله ﷺ ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إنَّهُ لَيْسَ بِجَبَّارٍ، فَدَعَوْتُهُ فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْ ديباجٍ مُزَرَّرٌ بالذَّهَبِ، فَقَالَ: يَا مَخْرَمَةُ! هاذا خَبَأْناهُ لَكَ، فأعْطاهُ إيَّاهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (من ديباج مزرر من ذهب) وَقد أخرجه عَن اللَّيْث مُعَلّقا لِأَنَّهُ لم يدْرك عصره، وَقد تقدم مَوْصُولا عَن قريب فِي: بَاب القباء وفروج حَرِير، عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن اللَّيْث، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (يَا بني) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: قَالَ لَهُ. قَوْله: (فأعظمت ذَلِك) ، أَي: قَوْله: ادْع لي النَّبِي ﷺ ، لِأَن مقَامه ﷺ ، لَا يقتضى ذَلِك. قَوْله: (فَقلت: أَدْعُو لَك رَسُول الله ﷺ قَالَ ذَلِك لِأَبِيهِ على وَجه الْإِنْكَار، فَلَمَّا قَالَ مخرمَة: (إِنَّه) أَي: إِن رَسُول الله ﷺ ، لَيْسَ بجبار دَعَاهُ فَخرج، وَالْحَال أَن عَلَيْهِ قبَاء ... إِلَى آخِره، وَبَقِيَّة الْكَلَام مرت هُنَاكَ.
٤٥ - (بابُ خَواتِيمِ الذَّهَبِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم لبس خَوَاتِيم الذَّهَب، وَهُوَ جمع خَاتم، وَفِيه أَربع لُغَات: خَاتم بِفَتْح التَّاء وبكسرها، وخيتام، وخاتام وَالْجمع الخواتيم والخواتم بِلَا يَاء، وخياتيم بياء بدل الْوَاو، وخياتم بِلَا يَاء أَيْضا، وَذكر بعض أهل اللُّغَة أَن فِيهِ ثَمَان لُغَات وَهِي: خاتام وَخَاتم وَخَاتم وختام وخايتام وخيتوم وخيتام.
٥٨٦٣ - حدَّثنا آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ حَدثنَا أشْعَثُ بنُ سُلَيْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعاوِيَةَ بنَ سُوَيْدِ بنِ مُقَرِّنٍ قَالَ: سَمِعْتُ البَراءَ بنَ عازِبٍ ﵄، يَقُولُ: نَهانا النبيُّ ﷺ عَنْ سَبْعٍ: نَهاى عَنْ خاتَمِ الذَّهَبِ، أَو قَالَ: حَلْقَةِ الذَّهَبِ وعنِ الحَرير والاسْتَبْرَقِ والدِّيباجِ والمِيثَرَةِ الحَمْراءِ والقَسِّيِّ وآنِيَةِ الفِضَّةِ، وأمَرَنا بِسَبْعٍ: بِعِيادَةِ المَرِيضِ واتِّباعِ الجَنائِزِ وتَشْمِيتِ العاطِسِ وَرَدِّ السَّلامِ وإجابَةِ الدَّاعي وإبْرارِ المُقْسِمِ ونَصْرِ المَظْلُومِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (عَن خَاتم الذَّهَب) . والْحَدِيث تقدم فِي أول بَاب من أَبْوَاب الْجَنَائِز عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة ... الخ. وَفِيه تَقْدِيم الْأَوَامِر على النواهي، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
٥٨٦٤ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حَدثنَا غُنْدَرٌ حَدثنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتادَةَ عَنِ النَّضْرِ بنِ أنَس عَنْ بَشِيرِ بنِ نَهِيكِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النبيِّ ﷺ ، أنَّهُ نَهاى عَنْ خاتَمِ الذَّهَبِ.
وَقَالَ عَمْروٌ: أخبرنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتادَةَ: سَمِعَ النَّضْرَ سَمِعَ بَشِيراً، مِثْلَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وغندر لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَفِي بعض النّسخ صرح بِهِ، وَالنضْر بِسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن أنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ، وَبشير ضد النذير ابْن نهيك بِفَتْح النُّون وَكسر الْهَاء السدُوسِي الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي اللبَاس أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن أَحْمد بن حَفْص وَغَيره.
قَوْله: (وَقَالَ عَمْرو) وَأي: عَمْرو بن رمزوق الْبَاهِلِيّ، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى إِثْبَات سَماع قَتَادَة عَن النَّضر وَسَمَاع النَّضر عَن بشير، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) عَن أبي قلَابَة الرقاشِي عَن عَمْرو بن مَرْزُوق بِهِ. قَوْله: (مثله) ، أَي: مثل الْمَذْكُور قبله.
٥٨٦٥ - حدَّثنا مُسدَّدٌ حَدثنَا يَحْياى عَنْ عُبَيْدِ الله، قَالَ: حدّثني نافِعٌ عَنْ عبدِ الله ﵁، أنَّ
стр. 6542
رسولَ الله ﷺ ، اتخَذَ خاتَماً مِنْ ذَهَبٍ وَجَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفهُ، فاتَّخَذَهُ النَّاسُ، فَرَمَى بِهِ واتَّخَذَ خاتَماً مِنْ ورقٍ أوْ فِضَّةٍ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (اتخذ خَاتمًا من ذهب) وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي اللبَاس عَن زُهَيْر بن حَرْب.
قَوْله: (اتخذ خَاتمًا) يَعْنِي: أَمر بصياغته فصيغ لَهُ فلبسه أَو وجده مصوغاً فاتخذه. قَوْله: (فصه) ، بِفَتْح الْفَاء والعامة تَقول بِالْكَسْرِ. قَوْله: (فاتخذه النَّاس) ، أَي: فَاتخذ النَّاس الْخَاتم من ذهب. قَوْله: (وَاتخذ) أَي: النَّبِي ﷺ (خَاتمًا من ورق) بِكَسْر الرَّاء وَهُوَ الفصة. قَوْله: (أَو فضَّة) شكّ من الرَّاوِي.
وَهَذَا الحَدِيث وَالَّذِي قبله يدلان على تَحْرِيم خَاتم الذَّهَب على الرِّجَال، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَأَجْمعُوا على تَحْرِيمه على الرِّجَال إلَاّ مَا حُكيَ عَن ابْن أبي بكر مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم فَإِنَّهُ أَبَاحَهُ، وَعَن بَعضهم أَنه مَكْرُوه لَا حرَام. قلت: رُوِيَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ أَنهم لبسوه، فَمن الصَّحَابَة: أنس بن مَالك والبراء بن عَازِب وَجَابِر بن سَمُرَة وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان وَزيد بن أَرقم وَزيد بن حَارِثَة وَسعد ابْن أبي وَقاص وصهيب بن سِنَان وَطَلْحَة بن عبيد الله وَعبد الله بن يزِيد وَأَبُو أسيد. وَمن التَّابِعين: عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس وَأَبُو بكر مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم وَآخَرُونَ.
وَأجِيب عَن فعل الصَّحَابَة ﵃، بجوابين: أَحدهمَا: أَنه لَعَلَّهُم لم يبلغهم النَّهْي. وَالثَّانِي: لَعَلَّهُم حملُوا النَّهْي على التَّنْزِيه وَإِن طَرحه ﷺ ، بِخَاتم الذَّهَب للتنزه عَن الدُّنْيَا كَمَا كَانَ ينْهَى أَهله عَن الْحِلْية مَعَ أَنَّهَا كَانَت مُبَاحَة للنِّسَاء.
فَإِن قلت: أحد من روى النَّهْي فِيهِ الْبَراء بن عَازِب كَمَا مر حَدِيثه الْآن. قلت: قَالَ شَيخنَا، ﵀: الْجَواب عَنهُ أَن هَذَا لَيْسَ عملا للبراء مَحْضا فإمَّا أَنه كَانَ الْبَراء صَغِيرا حِين الْأذن، وَنحن نقُول بِجَوَاز اللبَاس لغير الْبَالِغ على الْخلاف الْمَعْرُوف فِيهِ عندنَا، وَإِمَّا أَن نجعلهما حديثين متعارضين فَيحْتَمل أَن يكون الْإِذْن مُتَقَدما على الْمَنْع. فَإِن عرف التَّارِيخ بذلك كَانَ الحكم للنَّهْي وإلَاّ فَيرجع إِلَى التَّرْجِيح، وَلَا شكّ أَن حَدِيث النَّهْي أصح لِأَنَّهُ مُتَّفق عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ، والْحَدِيث الَّذِي يسْتَند إِلَيْهِ الْبَراء فِي تختمه بِالذَّهَب هُوَ مَا رَوَاهُ أَحْمد فِي: (مُسْنده) من رِوَايَة مُحَمَّد بن مَالك، وَقَالَ: رَأَيْت على الْبَراء خَاتمًا من ذهب وَكَانَ النَّاس يَقُولُونَ: لم تختم بِالذَّهَب وَقد نهى عَنهُ رَسُول الله ﷺ ؟ فَقَالَ الْبَراء: بَينا نَحن عِنْد رَسُول الله ﷺ وَبَين يَدَيْهِ غنيمَة يقسمها سبي وحربي، فَقَالَ: فَقَسمهَا حَتَّى بَقِي هَذَا الْخَاتم فَرفع طرفه إِلَى أَصْحَابه ثمَّ خفض، ثمَّ رفع طرفه فَنظر إِلَيْهِم ثمَّ خفض، ثمَّ رفع طرفه فَنظر إِلَيْهِم ثمَّ قَالَ: أَي برَاء، فَجِئْته حَتَّى قعدت بَين يَدَيْهِ فَأخذ الْخَاتم ثمَّ قبض على كرسوعي ثمَّ قَالَ: خُذ إلبس مَا كساك الله وَرَسُوله ... الحَدِيث، وَقَالَ شَيخنَا مُحَمَّد بن مَالك رَاوِيه عَن الْبَراء: تفرد بِهِ عَنهُ، وَقد ذكره ابْن حبَان فِي: (الضُّعَفَاء) وَقَالَ: وَكَانَ يخطىء كثيرا لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ إِذا انْفَرد وَمَعَ هَذَا فقد ذكره ابْن حبَان أَيْضا فِي (الثِّقَات) إلَاّ أَنه قَالَ: لم يسمع من الْبَراء شَيْئا. قَالَ شَيخنَا: لَكِن ظَاهر هَذَا الحَدِيث يثبت سَمَاعه مِنْهُ، وَحكى ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه أَنه قَالَ فِيهِ: لَا بَأْس بِهِ، قَالَ: وَلَعَلَّ الْبَراء، فهم التَّخْصِيص بِإِذْنِهِ لَهُ فِي لبسه، وَمَعَ ذَلِك فَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَن الْعبْرَة بِمَا رَوَاهُ الرَّاوِي لَا بِمَا رَآهُ انْتهى. قلت: الْعبْرَة عندنَا بِمَا رَآهُ على مَا عرف فِي مَوْضِعه، وَالله أعلم.
٤٦ - (بابُ خاتمِ الفِضَّةِ)
أَي هَذَا بَاب فِيهِ ذكر خات الْفضة وَجَوَاز اسْتِعْمَاله وَالْإِضَافَة فِيهِ مثل إِضَافَة ثوب خَز.
٥٨٦٦ - حدَّثنا يُوسُفُ بنُ مُوسَى حدّثنا أبُو أُسامَةَ حَدثنَا عُبَيْدُ الله عَنْ نافعٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄: أنَّ رسُولَ الله ﷺ ، اتَّخَذَ خاتَماً مِنْ ذَهَبٍ وجَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي باطنَ كَفِّهِ ونَقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رسولُ الله، فاتَّخَذَ النَّاسُ مِثْلَهُ، فَلما رآهُمْ قَدِ اتَّخَذُوها رَمَى بِهِ، وَقَالَ: لَا ألْبَسُهُ أبَداً، ثُمَّ اتَّخَذَ خاتَماً مِنْ فِضَّةٍ فاتخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ الفِضَّة.
قَالَ ابنُ عُمَرَ: فَلَبِسَ الخاتَمَ بَعْدَ النبيِّ ﷺ أبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمانُ حَتَّى وَقَعَ مِنْ عُثْمانَ فِي بِئْرِ أرِيسَ.
стр. 6543
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ اتخذ خَاتمًا من فضَّة) . ويوسف بن مُوسَى بن رَاشد الْقطَّان الْكُوفِي سكن بَغْدَاد وَمَات بهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخَاتم عَن نصير بن الْفرج بِهِ على مَا نذكرهُ. قَوْله: (فصه) بِفَتْح الْفَاء وتقوله الْعَامَّة بِكَسْرِهَا. قَوْله: (مِمَّا يَلِي بَاطِن كَفه) فِي رِوَايَة الكشنيهني، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: بطن كَفه، وَزَاد جوَيْرِية عَن نَافِع: إِذا لبس. قَوْله: (مثله) أَي: مثل مَا اتخذ النَّبِي ﷺ من ذهب، ويوضحه مَا فِي رِوَايَة أبي دَاوُد حَيْثُ قَالَ فِي رِوَايَته: عَن نصير بن الْفرج عَن أبي أُسَامَة عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر: اتخذ النَّبِي ﷺ خَاتمًا من ذهب وَجعل فصه مِمَّا يَلِي بطن كَفه وَنقش: مُحَمَّد رَسُول الله، فَاتخذ النَّاس خَوَاتِيم الذَّهَب، فَلَمَّا رَآهُمْ قد اتَّخَذُوهَا رمى بِهِ ... الحَدِيث، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بالمثلية كَونه من فضَّة وَكَونه على صُورَة النقش الْمَذْكُورَة، وَيحْتَمل أَن يكون لمُطلق الاتخاذ. انْتهى. قلت: هَذَا كُله لَا يجدي شَيْئا، فَقَوله: كَونه من فضَّة، غير مُسْتَقِيم على مَا لَا يخفى، وَكَذَا قَوْله: وَيحْتَمل أَن يكون لمُطلق الاتخاذ، لِأَن النَّهْي اتِّخَاذ من ذهب لَا مُطلق الاتخاذ، وَالْمعْنَى الصَّحِيح مَا ذَكرْنَاهُ كَمَا بَينه مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. قَوْله: (فَلَمَّا رَآهُمْ قد اتَّخَذُوهَا) الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي: رَآهُمْ، يرجع إِلَى النَّاس، وَالَّذِي فِي اتَّخَذُوهَا يرجع إِلَى الخواتيم الَّتِي اتَّخَذُوهَا من ذهب، فالقرينة تدل عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد قد صرح بِهِ كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (رمى بِهِ) جَوَاب: لما، أَي: رمى بالخاتم الَّذِي اتخذ من ذهب وَحصل لَهُ مَا حصل من ذَلِك حَتَّى قَالَ: لَا ألبسهُ أبدا.
قَوْله: (قَالَ ابْن عمر فَلبس الاتم بعد النَّبِي ﷺ أَبُو بكر) يَعْنِي: فِي أَيَّام خِلَافَته. (ثمَّ لبسه عمر) فِي أَيَّام خِلَافَته. (ثمَّ لبسه عُثْمَان حَتَّى وَقع) أَي: إِلَى أَن وَقع (فِي بِئْر أريس) بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الرَّاء وَسُكُون الْبَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة وَهِي حديقة بِالْقربِ من مَسْجِد قبا ينْصَرف وَلَا ينْصَرف، وَالأَصَح الصّرْف وَعند ابْن منجويه الَّذِي وَقع مِنْهُ الْخَاتم رجل من الْأَنْصَار الَّذِي اتخذ عُثْمَان على خَاتمه، وَفِي (الْعِلَل) لأبي جَعْفَر: ذهب يَوْم الدَّار فَلَا يدْرِي أَيْن ذهب، وَعند ابْن منجويه: هلك من يَد معيقيب الدوسي.
٤٧ - (بابٌ)
هَكَذَا هُوَ مُجَرّد، وَهُوَ كالفصل للباب الَّذِي قبله.
٥٨٦٧ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مالِكٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ دِينارٍ عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄، قَالَ: كانَ رسولُ الله ﷺ يَلْبَسُ خاتَماً مِنْ ذَهَب فَنَبذَهُ فَقَالَ: لَا ألْبَسُهُ أبَداً، فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ.
هَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (عَن مَالك عَن عبد الله بن دِينَار) كَذَا رَوَاهُ عَن مَالك عَن عبد الله بن دِينَار، وَرَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ عَن عبد الله بن دِينَار وبأتم مِنْهُ، وَسَاقه نَحْو رِوَايَة نَافِع الَّتِي قبلهَا. قَوْله: (فنبذه) أَي: طَرحه.
٥٨٦٨ - حدَّثني يَحْيَى بنُ بكَيْرٍ حدّثنا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابنِ شِهاب قَالَ: حدّثني أنَسُ ابنُ مالِكٍ ﵁، أنَّهُ رأى فِي يَدِ رسولَ الله ﷺ ، خاتِماً مِنْ وَرق يَوْماً واحِداً، ثُمَّ إنَّ النَّاسَ اصْطَنَعُوا الخَوَاتِيمَ مِنْ وَرِقٍ ولَبِسُوها، فَطَرَحَ رَسولُ الله ﷺ خاتَمَهُ فَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ.
مطابقته لترجمة: بَاب خَاتم الْفضة، ظَاهِرَة وَالْبَاب الْمُجَرّد لَا عُمْدَة عَلَيْهِ، ورواة هَذَا الحَدِيث على التَّرْتِيب الْمَذْكُور وَقد مضوا غير مرّة.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي اللبَاس أَيْضا عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْمَتْن.
قَوْله: (فَطرح رَسُول الله ﷺ خَاتمه) قيل: لم طرح الْخَاتم الَّذِي من ورق وَهُوَ حَلَال؟ قَالَ النَّوَوِيّ نَاقِلا عَن عِيَاض: قَالَ جَمِيع أهل الحَدِيث: هَذَا وهم من ابْن شهَاب، لِأَن الْمَطْرُوح مَا كَانَ إلَاّ خَاتم الذَّهَب، وَمِنْهُم من تَأَوَّلَه ولفق بَينه وَبَين سَائِر الرِّوَايَات، وَقَالَ: الضَّمِير رَاجع إِلَى خَاتم الذَّهَب، يَعْنِي لما أَرَادَ ﷺ تَحْرِيم خَاتم الذَّهَب اتخذ خَاتم فضَّة فهم أَيْضا اصطنعوا لأَنْفُسِهِمْ خَوَاتِم فضَّة، فَبعد
стр. 6544
ذَلِك طرح خَاتم الذَّهَب واستبدل الْفضة فطرحوا الذَّهَب واستبدلوا الْفضة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَيْسَ فِي الحَدِيث أَن الْخَتْم الْمَطْرُوح كَانَ من الْوَرق، بل هُوَ مُطلق فَيحمل على خَاتم من ذهب، وَقد طول بَعضهم هُنَا وَذكر كلَاما كثيرا، وَفِيمَا ذكرنَا كِفَايَة، وَالله أعلم.
تابَعَهُ إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ وزِيادٌ وشُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ ابنُ مُسافِرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ: أرَى خاتَماً مِنْ وَرِقٍ.
أَي: تَابع يُونُس إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَكَذَا تَابعه زِيَاد بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن سعد الْخُرَاسَانِي نزيل مَكَّة ثمَّ الْيمن مَاتَ بهَا، وَكَذَا تَابعه شُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي فِي رِوَايَته عَن مُحَمَّد ابْن مُسلم الزُّهْرِيّ، أما مُتَابعَة إِبْرَاهِيم فوصلها مُسلم: حَدثنَا أَبُو عمرَان مُحَمَّد بن جَعْفَر بن زِيَاد أخبرنَا إِبْرَاهِيم يَعْنِي: ابْن سعد عَن ابْن شهَاب عَن أنس بن مَالك أَنه أبْصر فِي يَد رَسُول الله ﷺ خَاتمًا من ورق يَوْمًا وَاحِدًا فَصنعَ النَّاس الخواتيم من ورق فلبسوه، فَطرح النَّبِي ﷺ خَاتمه فَطرح النَّاس خواتيمهم. وَأما مُتَابعَة زِيَاد فوصلها أَيْضا مُسلم: حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير حَدثنَا روح حَدثنَا ابْن جريج أَخْبرنِي زِيَاد أَن ابْن شهَاب أخبرهُ أَن أنس بن مَالك أخبرهُ أَنه رأى فِي يَد رَسُول الله ﷺ خَاتمًا من ورق يَوْمًا وَاحِدًا ... الحَدِيث نَحْو الْمَذْكُور، غير أَن فِيهِ: اضْطَرَبُوا، بدل اصطنعوا وَأما مُتَابعَة شُعَيْب فوصلها الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن الْفضل بن عبد الله: حَدثنَا عَمْرو بن عُثْمَان حَدثنَا بشر بن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة حَدثنِي أبي عَن الزُّهْرِيّ قَوْله: (وَقَالَ ابْن مُسَافر) هُوَ عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن مُسَافر أَبُو خَالِد الفهمي الْمصْرِيّ وإليها مولى اللَّيْث من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَحَدِيثه رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى: أخبرنَا أَبُو الْأَحْوَص حَدثنَا ابْن عفير حَدثنَا اللَّيْث عَنهُ، وَلَيْسَ فِيهِ لفظ: أرى، قيل: كَأَنَّهُ من البُخَارِيّ.
٤٨ - (بابُ فَصِّ الخاتَمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر فص الْخَاتم، قد ذكرنَا أَن الْفَاء فِيهِ مَفْتُوحَة، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وبكسرها تَقول الْعَامَّة. قيل: وأثبتها غَيره لُغَة، وَزَاد بَعضهم الضَّم وَعَلِيهِ جرى ابْن مَالك فِي: (المثلث) ، وَقَالَ ابْن السّكيت: كل ملتقى عظمين فَهُوَ فص، وفص الْأَمر مفصله.
٥٨٦٩ - حدَّثنا عَبْدَانُ أخبرنَا يزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ أخبرنَا حُمَيْدٌ قَالَ: سُئِلَ أنَسٌ: هَلِ اتَّخَذَ النبيُّ ﷺ خاتَماً؟ قَالَ: أخَّرَ لَيْلَةً صَلَاةَ العِشاءِ إِلَى شَطْرِ الليْلِ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْنا بِوَجْهِهِ فَكأنِّي أنْظُرُ إِلَى وبِيصِ خاتَمِهِ. قَالَ: إنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا ونامُوا وإنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتَمُوها.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (انْظُر إِلَى وبيص خَاتمه) لِأَن الوبيص لَا يكون إلَاّ من الفص غَالِبا، سَوَاء كَانَ فصه مِنْهُ أم لَا، وَيَجِيء مزِيد الْكَلَام فِيهِ.
وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن زُرَيْع مصغر: زرع أَي: حرث، وَحميد هُوَ ابْن أبي حميد الطَّوِيل.
والْحَدِيث من أَفْرَاده، وَقد مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب وَقت الْعشَاء إِلَى نصف اللَّيْل، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (إِلَى شطر اللَّيْل) أَي: إِلَى نصفه. قَوْله: (إِلَى وبيص) بِفَتْح الْوَاو وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالصاد الْمُهْملَة، وَهُوَ البريق واللمعان.
٥٨٧٠ - حدَّثنا إسْحاقُ أخبرنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ حُمَيْداً يُحَدِّثُ عَنْ أنَسٍ ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ ، كانَ خاتَمُهُ مِنْ فِضَّةِ وكانَ فَصُّهُ مِنْهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْحَاق هُوَ ابْن رَاهَوَيْه كَذَا فِي بعض الْحَوَاشِي، وَقَالَ الغساني: لم أَجِدهُ مَنْسُوبا لأحد من الروَاة، وَقد روى مُسلم فِي: (صَحِيحه) عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن مُعْتَمر، وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي: بعد أَن علم.
(ح) فِي اللبَاس عَن إِسْحَاق هُوَ
стр. 6545
ابْن إِبْرَاهِيم. قلت: فِي مَشَايِخ البُخَارِيّ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن يزِيد السَّامِي. وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر السَّعْدِيّ البُخَارِيّ. وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن الْبَغَوِيّ، سكن بَغْدَاد وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الصَّواف الْبَصْرِيّ، وَالَّذِي قَالَه الْمزي يحْتَمل أَن يكون وَاحِدًا من هَؤُلَاءِ، وَلَكِن الْغَالِب أَنه إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن أبي بكر أَحْمد بن عَليّ بن سعيد القَاضِي.
قَوْله: (وَكَأن فصه مِنْهُ) ، أَي: من الْخَاتم الَّذِي هُوَ من الْفضة. فَإِن قلت: فِي حَدِيث معيقيب عِنْد أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ: (كَانَ خَاتم رَسُول الله ﷺ ، من حَدِيد ملوي بِفِضَّة، فَكيف يجمع بَينه وَبَين حَدِيث الْبَاب مَعَ ذمه ﷺ ، الْخَاتم الْحَدِيد؟ قلت: أُجِيب عَنهُ بأوجه: الأول: أَن لَا مَانع أَن يكون لَهُ خَاتم من فضَّة وَخَاتم من حَدِيد ملوي. الثَّانِي: أَنه يحْتَمل أَن يكون خَاتم الْحَدِيد الملوي بِفِضَّة كَانَ لَهُ قبل أَن ينْهَى عَن خَاتم الْحَدِيد. الثَّالِث: أَنه لما كَانَ خَاتم الْحَدِيد قد لوي على ظَاهره فضَّة صَار لَا يرى مِنْهُ إلَاّ الظَّاهِر، فَظن أَنه كُله فضَّة.
وَقَالَ يَحْيَى بنُ أيُّوبَ: حدّثني حُمَيْدٌ سَمِع أنَساً عَنِ النبيِّ ﷺ
يحيى بن أَيُّوب هُوَ الغافقي الْمصْرِيّ أَبُو الْعَبَّاس، وَأَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان سَماع حميد عَن أنس.
٤٩ - (بابُ خاتَمِ الحَدِيدِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْخَاتم من حَدِيد، وَلَا يفهم من هَذِه التَّرْجَمَة وَلَا من حَدِيث الْبَاب كَيفَ الحكم فِي الْخَاتم من الْحَدِيد وَاعْتذر بَعضهم عَنهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَدِيث على شَرطه، فَلذَلِك لم يذكر فِيهِ شَيْئا. قلت: لما كَانَ الْأَمر كَذَلِك لم يبْق فَائِدَة فِي إِيرَاده حَدِيث الْبَاب إلَاّ التَّنْبِيه على اخْتِلَاف إِسْنَاده وَاخْتِلَاف بعض الْمَتْن، وَأما الَّذِي ورد فِي منع خَاتم الْحَدِيد فَمِنْهُ مَا رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة من رِوَايَة عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَعَلِيهِ خَاتم من شبه، فَقَالَ: مَالِي أجد مِنْك ريح الْأَصْنَام؟ فطرحه، ثمَّ جَاءَ وَعَلِيهِ خَاتم من حَدِيد، فَقَالَ: مَالِي أرى عَلَيْك حلية أهل النَّار؟ فطرحه، فَقَالَ: يَا رَسُول الله! من أَي شَيْء أَتَّخِذ؟ قَالَ: اتخذ من ورق، وَلَا تَتِمَّة مِثْقَالا. وَفِي سَنَده أَبُو طيبَة بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا بَاء مُوَحدَة اسْمه عبد الله بن مُسلم الْمروزِي، قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: يكْتب حَدِيثه وَلَا يحْتَج بِهِ. قلت: أخرج ابْن حبَان حَدِيثه وَصَححهُ، وَمن ذَلِك مَا رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ أَنه لبس خَاتمًا من ذهب فَنظر إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ كَأَنَّهُ كرهه فطرحه، ثمَّ لبس خَاتمًا من حَدِيد فَقَالَ لَهُ: هَذَا أَخبث وأخبث فطرحه، ثمَّ لبس خَاتمًا من ورق فَسكت عَنهُ. وَفِي سَنَده عبد الله بن المؤمل وَهُوَ ضَعِيف، وَمن ذَلِك مَا رَوَاهُ أَحْمد أَيْضا من حَدِيث عمار بن عمار: أَن عمر بن الْخطاب ﵁، قَالَ: إِن رَسُول الله ﷺ رأى فِي يَد رجل خَاتمًا من ذهب فَقَالَ: إلقِ ذَا فتختم بِخَاتم من حَدِيد، فَقَالَ: ذَا شَرّ مِنْهُ، فتختم من فضَّة فَسكت. قَالَ شَيخنَا: رِوَايَة عمار بن عمار عَن عمر مُرْسلَة.
٥٨٧١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ حَدثنَا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ أبي حازِمٍ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ سَمِعَ سَهْلاً يَقُولُ: جاءَتِ امْرَأةٌ إِلَى النبيِّ ﷺ ، فقالَتْ: جئْتُ أهَبُ نَفْسي، فقامَتْ طوِيلاً فَنَظَرَ وَصَوَّبَ، فَلمَّا طالَ مَقامُها فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنيها إنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِها حاجَةٌ. قَالَ: عِنْدَكَ شَيْءٌ تُصْدِقُها؟ قَالَ: لَا. قَالَ: انْظُرْ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: وَالله إنْ وجَدْتُ شَيْئاً. قَالَ: إذْهَبْ فالتَمِسْ وَلَوْ خاتِماً مِنْ حَدِيدٍ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، قَالَ: لَا وَالله وَلَا خاتَماً مِنْ حَدِيدٍ، وعَلَيْهِ إزارٌ مَا عَلَيْهِ رِداءٌ، فَقَالَ: أُصْدِقُها إزارِي. فَقَالَ النبيُّ ﷺ : إزارُكَ إنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ، وإنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْها مِنْهُ شَيْءٌ، فَتَنَحَّى الرَّجُلُ فَجَلَسَ، فَرَآهُ النبيُّ ﷺ ، مُوَلِّياً فأمَرَ بِهِ فَدُعِي، فَقَالَ: مَا مَعَكَ مِنَ القُرْآن؟ قَالَ: سُورَةُ كَذا وكذَا، لِسُوَرٍ عَدَّدَها، قَالَ: قَدْ مَلَّكْتُكَها بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآن.
стр. 6546
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَو خَاتمًا من حَدِيد) وَعبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي يروي عَن أَبِيه سَلمَة ابْن دِينَار الْأَعْرَج الْقَاص من عباد أهل الْمَدِينَة وزهادهم، يروي عَن سهل بن سعد الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي النِّكَاح فِي: بَاب عرض الْمَرْأَة نَفسهَا على الرجل الصَّالح، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
قَوْله: (وَصوب) أَي: خفض رَأسه. قَوْله: (مقَامهَا) بِفَتْح الْمِيم أَي: قِيَامهَا. قَوْله: (إِن وجدت شَيْئا) أَي: مَا وجدت شَيْئا. قَوْله: (تصدقها) من الإصداق، وَكَذَلِكَ قَوْله: أصدقهَا.
٥٠ - (بابُ نَقْشِ الخاتَمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نقش الْخَاتم وكيفيته.
٥٨٧٢ - حدَّثنا عَبْدُ الأعْلَى حَدثنَا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ حَدثنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ عَن أنَسِ بنِ مالِكٍ ﵁، أنَّ نَبِيَّ الله ﷺ أَرَادَ أنْ يَكْتُبَ إِلَى رَهْطٍ أوْ أُناسٍ مِنَ الأعاجِمِ، فَقيلَ لَهُ: إنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ كِتاباً عَلَيْهِ خاتَمٌ، فاتَّخَذَ النبيُّ ﷺ ، خاتَماً مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رسولُ الله، فَكأنِّي بِوَبيصِ أوْ بِبَصِيصِ الخاتَمِ فِي إصْبَعِ النبيِّ ﷺ ، أوْ فِي كَفِّهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (نقشه: مُحَمَّد رَسُول الله) وَعبد الْأَعْلَى هُوَ ابْن حَمَّاد، وَسَعِيد هُوَ ابْن أبي عرُوبَة.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخَاتم عَن عبد الرَّحِيم بن مطرف وَغَيره.
قَوْله: (أَو أنَاس) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (من الْأَعَاجِم) فِي رِوَايَة شُعْبَة عَن قَتَادَة يَأْتِي بعد بَاب: إِلَى الرّوم. قَوْله: (فَقيل لَهُ) فِي مُرْسل طَاوُوس عِنْد ابْن سعد: أَن قُريْشًا هم الَّذين قَالُوا ذَلِك للنَّبِي ﷺ : (لَا يقبلُونَ) ويروى: لَا يقرأون. قَوْله: (نقشه: مُحَمَّد رَسُول الله) زَاد ابْن سعد من مُرْسل ابْن سِيرِين: بِسم الله مُحَمَّد رَسُول الله، وَلم يُتَابع على هَذِه الزِّيَادَة. قَوْله: (فَكَأَنِّي بوبيص) بِفَتْح الْوَاو وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة يُقَال: وبص الشَّيْء وبيصاً إِذا برق وتلألأ. قَوْله: (أَو ببصيص) شكّ من الرَّاوِي بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الصَّاد الْمُهْملَة من بص الشَّيْء بصيصاً إِذا برق مثل وبص. قَوْله: (أَو فِي كَفه) شكّ من الرَّاوِي. قَالُوا: إِن الْخَاتم إِنَّمَا اتخذ ليطبع بِهِ على الْكتب حفظا للأسرار أَن تَنْتَشِر وسياسة للتدبير أَن لَا ينخرم، وَفِي الحَدِيث أَنه لَا بَأْس على الْخَاتم ذكر الله، وَقد كره ذَلِك ابْن سِيرِين، وَهَذَا الْبَاب حجَّة عَلَيْهِ وَقد أجَاز ابْن الْمسيب أَن يلبس ويستنجى بِهِ، وَقيل لمَالِك: إِن كَانَ فِي الْخَاتم ذكر الله ويلبس فِي الشمَال أيستنجى بِهِ؟ قَالَ: أَرْجُو أَن يكون خَفِيفا، هَذِه رِوَايَة ابْن الْقَاسِم. وَحكى ابْن حبيب عَن مطرف وَابْن الْمَاجشون: أَنه لَا يجوز ذَلِك وليخلعه أَو ليجعله فِي يَمِينه، وَهُوَ قَول ابْن نَافِع وَأكْثر أَصْحَاب مَالك. قلت: هَذَا قولي أَيْضا، بل الْأَدَب أَن لَا يستنجى والخاتم الَّذِي عَلَيْهِ ذكر الله مَعَه.
وَقَالَ مَالك: لَا خير أَن يكون نقش فصه تمثالاً. وَقد ذكر عبد الرَّزَّاق آثاراً بِجَوَاز اتِّخَاذ التماثيل فِي الخواتيم وَلَيْسَت بصحيحة، مِنْهَا: مَا رَوَاهُ عَن معمر عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عقيل أَنه أخرج خَاتمًا فِيهِ تِمْثَال أَسد، وَزعم أَن النَّبِي ﷺ ، كَانَ يتختم بِهِ، وَمَا رَوَاهُ معمر عَن الْجعْفِيّ: أَن نقش خَاتم ابْن مَسْعُود إِمَّا شَجَرَة وَإِمَّا شَيْء بَين ذبابتين، وَابْن عقيل تَركه مَالك والجعفي مَتْرُوك، وروى عَن معمر عَن قَتَادَة عَن أنس وَعَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَنه كَانَ نقش خَاتمه كركياً لَهُ رأسان، فَهَذَا، وَإِن كَانَ صَحِيحا، فَلَا حجَّة فِيهِ لترك النَّاس الْعَمَل بِهِ ولنهيه ﷺ عَن الصُّور، وَلَا يجوز مُخَالفَة النَّهْي. وَفِي (التَّوْضِيح) : رُوِيَ عَن عَليّ ﵁، أَنه كَانَ لَهُ أَربع خَوَاتِيم يتختم بهَا: ياقوت لِقَلْبِهِ نقشه: لَا إِلَه إِلَّا الله الْملك الْحق الْمُبين، وفيروزج لنصره، ونقشه: الله الْملك، وَخَاتم من حَدِيد صيني لقُوته نقشه: الْعِزَّة لله جَمِيعًا، وعقيق لحرزه نقشه: مَا شَاءَ الله لَا قُوَّة إلَاّ بِاللَّه. قَالَ: حَدِيث مُخْتَلف رُوَاته مأمونون سوى أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن أَحْمد بن سعيد الرَّازِيّ فَلَا أعرف عَدَالَته، فَكَأَنَّهُ هُوَ وَاضعه.
٥٨٧٣ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ سلامٍ أخبرنَا عَبْدُ الله بنُ نُمَيْرٍ عَنْ عُبَيْدِ الله عَن نافِعٍ عَنِ ابنِ عُمَر
стр. 6547
َ ﵄، قَالَ: اتَّخذَ رسولُ الله ﷺ ، خاتَماً مِنْ وَرِق وَكَانَ فِي يَدِهِ ثُمَّ كَانَ بَعْدُ فِي يَدِ أبي بَكْرٍ ثُمَّ كَانَ بَعْدُ فِي يَدِ عُمَرَ ثُمَّ كَانَ بَعْدُ فِي يَدِ عُثْمانَ حَتَّى وَقَعَ بَعْدُ فِي بِئرِ أرِيسَ نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رسولُ الله.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَعبد الله بن نمير مصغر النمر الَّذِي هُوَ الْحَيَوَان الْمَشْهُور، وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ. والْحَدِيث مضى فِي بَاب خَاتم الْفضة.
٥١ - (بابُ الخاتَمِ فِي الخِنْصَرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن مَوضِع الْخَاتم عِنْد التَّخَتُّم فِي الْخِنْصر دون غَيره من السبابَة وَالْوُسْطَى، وروى مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من طَرِيق أبي بردة بن أبي مُوسَى عَن عَليّ ﵁، قَالَ: نهاني رَسُول الله ﷺ أَن ألبس خَاتمًا فِي هَذِه، وَهَذِه يَعْنِي السبابَة الْوُسْطَى.
٥٨٧٤ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ حَدثنَا عَبْدُ الوارِثِ حَدثنَا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ صُهَيْبٍ عَنْ أنَسٍ ﵁، قَالَ: صَنَعَ النبيُّ ﷺ ، خاتَماً قَالَ: إنّا اتَّخَذْنا خاتَماً ونَقَشْنا فِيهِ نَقْشاً فَلا يَنْقُشْ عَلَيْهِ أحَدٌ، قَالَ: فإِنِّي لأراى بَرِيقَهُ فِي خِنْصَرِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَأَبُو معمر بِفَتْح الميمين اسْمه عبد الله بن عمر والمنقري المقعد، وَعبد الْوَارِث بن سعيد وَهُوَ رَاوِيه.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن عمرَان بن مُوسَى.
قَوْله: (فَلَا ينقش) نفي، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فَلَا ينقشن، بالنُّون الثَّقِيلَة وَسبب النَّهْي فِيهِ هُوَ أَنه إِنَّمَا اتخذوه وَنقش فِيهِ ليختم بِهِ كتبه إِلَى الْمُلُوك فَلَو نقش غَيره مثله لحصل الْخلَل ولبطل الْمَقْصُود. قَوْله: (بريقه) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الرَّاء أَي: لمعانه. قَوْله: (فِي خِنْصره) وَهُوَ الْأصْبع الْأَصْغَر، وَالْحكمَة فِي كَونه فِيهِ أَنه أبعد عَن الامتهان فِيمَا يتعاطى بِالْيَدِ لكَونه طرفا، وَلِأَنَّهُ لَا يشغل الْيَد عَمَّا تنَاوله من إشغالها وَلم يبين فِيهِ: هَل هُوَ خنصر الْيَد الْيُمْنَى أَو الْيُسْرَى، وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٥٢ - (بابُه اتِّخاذِ الخاتَمِ لِيُخْتَمَ الشّيءُ، أوْ لِيُكْتَبَ بِهِ إِلَى أهْلِ الكِتاب وغَيْرِهِمْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الْخَاتم إِنَّمَا يتَّخذ لأجل ختم الشَّيْء بِهِ أَو لأجل ختم الْكتاب الَّذِي يُرْسل إِلَى أهل الْكتاب وَغَيرهم، وَسقط لفظ: بَاب، فِي رِوَايَة أبي ذَر.
٥٨٧٥ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبي إياسٍ حَدثنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ ﵁، قَالَ: لَمَّا أرادَ النبيُّ ﷺ ، أنْ يَكْتُبَ إِلَى الرُّومِ قيلَ لَهُ: إنَّهُمْ لَنْ يَقْرَأوا كِتابَكَ إِذا لَمْ يَكُنْ مَخْتُوماً، فاتَّخَذَ خاتَماً مِنْ فِضَّةٍ ونَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رسولُ الله، فَكأنَّما أنْظُرُ إِلَى بَياضهِ فِي يَدِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث. والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب نقش الْخَاتم، وَرُبمَا يحْتَج بِهِ من لَا يرى اسْتِعْمَال الْخَاتم لغير الْحَاكِم، مِنْهُم أَبُو الْحصين وَأَبُو عَامر وَأحمد فِي رِوَايَة، وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِحَدِيث أبي رَيْحَانَة أخرجه الطَّحَاوِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، قَالَ: نهى رَسُول الله ﷺ عَن لبس الْخَاتم إلَاّ لذِي سُلْطَان، وَخَالفهُم آخَرُونَ فأباحوه، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث أنس الْمُتَقَدّم: أَن النَّبِي ﷺ ، لما ألْقى خَاتمه ألْقى النَّاس خواتيمهم، فَهَذَا يدل على أَنه كَانَ يلبس الْخَاتم فِي الْعَهْد من لَيْسَ ذَا سُلْطَان. قَالَ الطَّحَاوِيّ: ملخصه أَن قَائِلا إِذا قَالَ: كَيفَ يحْتَج بِهَذَا وَهُوَ مَنْسُوخ؟ يُقَال لَهُ: الْمَنْسُوخ لبس خَاتم الذَّهَب، ثمَّ رُوِيَ أَن الْحسن وَالْحُسَيْن كَانَا يتختمان فِي يسارهما، وَكَانَ فِي خواتيمهما ذكر الله سُبْحَانَهُ، وَأَن خَاتم عمرَان بن حُصَيْن رجلا مُتَقَلِّدًا بِسيف، وَأَن قيس بن أبي حَازِم وَعبد الله بن الْأسود
стр. 6548
وَقيس بن ثُمَامَة وَالشعْبِيّ تختموا فِي يسارهم، وَأَن نقش خَاتم إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: نَحن بِاللَّه وَله قَالَ: فَهَؤُلَاءِ من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ كَانُوا يتختمون وَلَيْسَ لَهُم سُلْطَان، وَقَالَ بَعضهم وَلم يجب الطَّحَاوِيّ عَن حَدِيث أبي رَيْحَانَة. قلت: مَاذَا يَقُول وَهُوَ حَدِيث صَحِيح عِنْده لِأَن رُوَاته ثِقَات، وَالَّذِي يظْهر من سُكُوته أَن الْعَمَل بِهِ لَا على طَرِيق الْوُجُوب بل على الْأَوْلَوِيَّة، وَإِن تَركه أولى لغير ذِي سُلْطَان لِأَنَّهُ نوع من التزين، واللائق بِالرِّجَالِ خِلَافه وَأَبُو رَيْحَانَة اسْمه شَمْعُون بن زيد الْأَزْدِيّ حَلِيف الْأَنْصَار وَيُقَال لَهُ: مولى رَسُول الله ﷺ .
٥٣ - (بابُ من جَعَلَ فَصَّ الخاتَمِ فِي بَطْنِ كَفِّهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من جعل فص خَاتمه عِنْد لبسه فِي بطن كَفه، وَسقط. لفظ: بَاب، من رِوَايَة أبي ذَر، وَقَالَ ابْن بطال: لَيْسَ فِي كَون فص الْخَاتم فِي بطن الْكَفّ وَلَا ظهرهَا أَمر وَنهي، وكل ذَلِك مُبَاح، وَيُقَال: إِن السِّرّ فِيهِ أَن جعل الفص فِي بَاطِن الْكَفّ أبعد من أَن يظنّ أَن فعله للتزين، والتزين لَا يَلِيق للرِّجَال، وَقد روى أَبُو دَاوُد عَن ابْن إِسْحَاق قَالَ: رَأَيْت على الصَّلْت بن عبد الله بن نَوْفَل بن عبد الْمطلب خَاتمًا فِي خِنْصره الْيُمْنَى، فَقلت: مَا هَذَا؟ قَالَ: رَأَيْت ابْن عَبَّاس يلبس خَاتمه هَكَذَا، وَجعل فصه على ظهرهَا، قَالَ: وَلَا أخال إلَاّ قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يلبس خَاتمه كَذَلِك، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: قَالَ البُخَارِيّ: حَدِيث ابْن إِسْحَاق عَن الصَّلْت حسن.
٥٨٧٦ - حدَّثنا مُوساى بنُ إسْماعيل حَدثنَا جُوَيْرِيَّةُ عَنْ نافِعٍ أنَّ عَبْدَ الله حدَّثَهُ: أنَّ النبيَّ ﷺ اصْطَنَعَ خاتَماً مِنْ ذَهَبٍ وجَعَلَ فَصَّهُ فِي بَطْنِ كَفِّهِ إِذا لَبِسَهُ، فاصْطَنَعَ النَّاسُ خَواتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ، فَرَقِيَ المِنْبَرَ فَحَمِدَ الله وأثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ: إنِّي كُنْتُ اصطَنَعْتُهُ وإنِّي لَا ألْبَسُهُ فَنَبَذَهُ فَنَبَذَ النَّاسُ، قَالَ جُوَيْرِيَّةُ: وَلَا أحْسِبُهُ إلَاّ قَالَ: فِي يَدِهِ اليُمْنَى.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَجعل فصه فِي بَاطِن كَفه) وَجُوَيْرِية مصغر جَارِيَة ابْن أَسمَاء، وَكِلَاهُمَا مشتركان فِي الْمُذكر والمؤنث. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (وَجعل فصه) كَذَا للأكثرين جعل بِلَفْظ الْمَاضِي، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي: وَيجْعَل، بِلَفْظ الْمُضَارع، وَمضى شرح الحَدِيث فِي: بَاب خَاتم الذَّهَب. قَوْله: (فنبذه) أَي: فطرحه. قَوْله: (قَالَ جوَيْرِية) ، مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَقَالَ أَبُو ذَر فِي رِوَايَته: لم يَقع فِي البُخَارِيّ مَوضِع الْخَتْم من أَي الْيَدَيْنِ إلَاّ فِي هَذَا.
وَقد وَردت أَحَادِيث كَثِيرَة فِي التَّخَتُّم فِي الْيُمْنَى: مِنْهَا: حَدِيث ابْن عَبَّاس: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يتختم فِي يَمِينه، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ. وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الله بن جَعْفَر قَالَ: كَانَ النَّبِي ﷺ يتختم فِي يَمِينه، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا وَأَبُو دَاوُد وَأَبُو الشَّيْخ وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) . وَمِنْهَا: حَدِيث عَليّ ﵁: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يتختم فِي يَمِينه، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ. وَمِنْهَا: حَدِيث عَائِشَة: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يتختم فِي يَمِينه، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالْبَزَّار وَأَبُو الشَّيْخ. وَمِنْهَا: حَدِيث أنس: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يتختم فِي يَمِينه، أخرجه النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل: وَمِنْهَا: حَدِيث أبي أُمَامَة: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يتختم فِي يَمِينه، أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي: (الْكَبِير) وَأَبُو الشَّيْخ فِي: (كتاب الْأَخْلَاق) . وَمِنْهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ لم يزل يتختم فِي يَمِينه حَتَّى قَبضه الله إِلَيْهِ، أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي (غرائب مَالك) .
ووردت أَحَادِيث أُخْرَى فِي التَّخَتُّم فِي الْيَسَار. مِنْهَا: حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يلبس خَاتمه فِي يسَاره، وَأخرجه أَبُو الشَّيْخ وَإِسْنَاده ضَعِيف. وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عمر: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يتختم فِي يسَاره وَكَانَ فصه فِي بَاطِن كَفه، أخرجه أَبُو دَاوُد، وَهَذَا يُخَالف حَدِيث الْبَاب. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه قَالَ: كَانَ الْحسن وَالْحُسَيْن يتختمان فِي يسارهما، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح، وَقد جَاءَ فِي بعض طرقه: عَن الْحسن وَالْحُسَيْن رفع ذَلِك إِلَى النَّبِي ﷺ وَأبي بكر وَعَمْرو وَعلي ﵃، رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ فِي (كتاب أَخْلَاق النَّبِي ﷺ وَالْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب الْأَدَب) من رِوَايَة سُلَيْمَان بن بِلَال عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه، قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 6549
وَأَبُو بكر وَعَمْرو وَعلي وَالْحسن وَالْحُسَيْن ﵃، يتختمون فِي الْيَسَار.
وَقد اخْتلف الروَاة عَن أنس: هَل كَانَ يتختم فِي يَمِينه أَو يسَاره؟ وَقد، رَوَاهُ عَنهُ ثَابت الْبنانِيّ، وثمامة بن عبد الله، وَحميد الطَّوِيل، وَشريك بن بَيَان على الشَّك فِيهِ، وَعبد الْعَزِيز بن صُهَيْب، وَقَتَادَة، وَمُحَمّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. فَأَما ثُمَامَة وَحميد وَشريك بن بَيَان وَعبد الْعَزِيز بن صُهَيْب فَلَيْسَ فِي رواياتهم تعرض لذكر الْيَمين أَو الْيَسَار. وَأما رِوَايَة ثَابت وَقَتَادَة وَالزهْرِيّ فَفِيهَا التَّعَرُّض لذَلِك. فَأَما رِوَايَة ثَابت فأخرجها مُسلم من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن أنس قَالَ: كَانَ خَاتم النَّبِي ﷺ ، فِي هَذِه، وَأَشَارَ إِلَى الْخِنْصر من يَده الْيُسْرَى. وَأما رِوَايَة قَتَادَة فَاخْتلف عَلَيْهِ فِيهَا، فَقَالَ سعيد بن أبي عرُوبَة عَنهُ عَن أنس: كَانَ يتختم فِي يَمِينه، وَقَالَ شُعْبَة وَعَمْرو بن عَامر عَن قَتَادَة، عَنهُ: كَانَ يتختم فِي يسَاره، وَأما رِوَايَة الزُّهْرِيّ فرواها طَلْحَة وَيحيى الزرقي وَسليمَان بن بِلَال عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس: أَن النَّبِي ﷺ لبس خَاتم فضَّة فِي يَمِينه، وَرَوَاهُ ابْن وهب ومعتمر ابْن سُلَيْمَان عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس من غير تعرض لذكر لبسه لَهُ فِي يَمِينه.
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَأَلت أَبَا زرْعَة عَن اخْتِلَاف الْأَحَادِيث فِي ذَلِك، فَقَالَ: لَا يثبت هَذَا وَلَا هَذَا، وَلَكِن فِي يَمِينه أَكثر، وَرجح الشَّافِعِيَّة الْيَمين وَهُوَ الْأَشْهر عِنْدهم، وَقَالَ شَيخنَا فِي (شرح التِّرْمِذِيّ) : فِي الْأَحَادِيث اسْتِحْبَاب التَّخَتُّم فِي الْيَمين، وَهُوَ أصح الْوَجْهَيْنِ لأَصْحَاب الشَّافِعِي: أَن التَّخَتُّم فِي الْيَمين أفضل مِنْهُ فِي الْيَسَار، وَذهب مَالك إِلَى اسْتِحْبَاب التَّخَتُّم فِي الْيَسَار، وَكره التَّخَتُّم فِي الْيَمين وَقَالَ: إِنَّمَا يَأْكُل وَيشْرب وَيعْمل بِيَمِينِهِ فَكيف يُرِيد أَن يَأْخُذ باليسار ثمَّ يعْمل؟ قيل لَهُ: أفيجعل الْخَاتم فِي الْيَمين للْحَاجة يذكرهَا؟ قَالَ: لَا بَأْس بذلك، وَأما مَذْهَب الْحَنَفِيَّة فقد ذكر فِي الْأَجْنَاس وَيَنْبَغِي أَن يلبس خَاتمه فِي خِنْصره الْيُسْرَى وَلَا يلْبسهُ فِي الْيَمين وَلَا فِي غير خنصر الْيُسْرَى من أَصَابِعه، وَسوى الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث فِي (شرح الْجَامِع الصَّغِير) بَين الْيَمين واليسار، وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: هُوَ الْحق لاخْتِلَاف الرِّوَايَات، وَيُقَال: جَاءَت أَحَادِيث صَحِيحَة فِي الْيَمين، وَلَكِن اسْتَقر الْأَمر على الْيَسَار. قلت: يدل على ذَلِك مَا قَالَه الْبَغَوِيّ فِي (شرح السّنة) : إِنَّه ﷺ تختم أَولا فِي يَمِينه ثمَّ تختم فِي يسَاره، وَكَانَ ذَلِك آخر الْأَمريْنِ. وَقَالَ بَعضهم: وَالَّذِي يظْهر أَن ذَلِك يخْتَلف باخْتلَاف الْقَصْد، فَإِن كَانَ الْقَصْد للتزين بِهِ فاليمين أفضل، وَإِن كَانَ للتختم بِهِ فاليسار أفضل، انْتهى. قلت: إخفاء هَذَا كَانَ أولى من ظُهُوره، وَمن أَيْن هَذَا التَّفْصِيل وَالْحَال أَن التَّخَتُّم للزِّينَة مَكْرُوه لَا يَلِيق للرِّجَال؟ بل تَركه أولى مُطلقًا إلَاّ لذِي حكم، كَمَا ذَكرْنَاهُ. فَإِن قلت: إِذا تختم فِي غير خِنْصره مَا يكون حكمه؟ قلت: يكره أَشد الْكَرَاهَة، وَفِيه مُخَالفَة للسّنة. حكى صَاحب (الكافى) من الشَّافِعِيَّة وَجْهَيْن فِي جَوَاز لبسه فِي غير خِنْصره، وَذكر الرَّافِعِيّ أَن الْمَرْأَة قد تتختم فِي غير الْخِنْصر. فَإِن قلت: إِذا كَانَ التَّخَتُّم بِغَيْر الْفضة مَاذَا يكون حكمه؟ قلت: أما من الذَّهَب فَحَرَام على الرِّجَال، وَأما من الْحَدِيد والرصاص والنحاس وَنَحْوهَا فَكَذَلِك حرَام مُطلقًا، وَأما العقيق فَلَا بَأْس بالتختم بِهِ، وروى أَصْحَابنَا أثرا فِيهِ، وَهُوَ أَنه ﷺ كَانَ يتختم بالعقيق، وَقَالَ: تختموا بِهِ فَإِنَّهُ مبارك. قلت: فِيهِ نظر، وَلَكِن ابْن منجويه روى عَن إِبْرَاهِيم أَنه ﷺ قَالَ: (من تختم بالياقوت الْأَصْفَر لن يفْتَقر، والزمرد يَنْفِي الْفقر) . وَقَالَ: من لَيْسَ العقيق لم يقْض لَهُ إلَاّ بِالَّذِي هُوَ أسعد فَإِنَّهُ مبارك، وَصَلَاة فِي خَاتم عقيق بِثَمَانِينَ صَلَاة. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَلَا أصل لذَلِك، وروى عَن عَليّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : من تختم بالعقيق وَنقش عَلَيْهِ: وَمَا توفيقي إلَاّ بِاللَّه، وَفقه الله لكل خير وأحبه الْملكَانِ الموكلان بِهِ، ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي (الموضوعات) .
٥٤ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ ﷺ : لَا يَنْقُشُ عَلَى نَقْشِ خاتَمِهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَول رَسُول الله ﷺ ... إِلَى آخِره.
٥٨٧٧ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا حَمَّادٌ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ صُهَيْبٍ عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ ﵁، أنَّ رسولَ الله ﷺ اتَّخَذَ خاتَماً مِنْ فِضَّةٍ وَنَقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رسُولُ الله، وَقَالَ: إنِّي اتَّخَذْتُ خَاتمًا مِن
стр. 6550
ْ وَرِقٍ ونَقَشتُ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله، فَلَا يَنْقُشَنَّ أحَدٌ عَلَى نَقْشِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي اللبَاس عَن يحيى بن يحيى وَغَيره.
قَوْله: (ونقشت فِيهِ مُحَمَّد رَسُول الله) هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف، وَنقل ابْن التِّين عَن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد أَنه قيل: فِيهِ زِيَادَة: لَا إل هـ إلَاّ الله، وَقَالَ ابْن سِيرِين: كَانَ فِي خَاتم رَسُول الله ﷺ : باسم الله مُحَمَّد رَسُول الله، وَقد ورد فِي حَدِيث غَرِيب أخرجه أَبُو الشَّيْخ عَن أنس أَنه كَانَ فص خَاتم رَسُول الله ﷺ حَبَشِيًّا مَكْتُوب عَلَيْهِ: لَا إل هـ إلَاّ الله مُحَمَّد رَسُول الله، سطر، وَمُحَمّد سطر وَرَسُول الله سطر، وَإِسْنَاده جيد وَلكنه شَاذ لمُخَالفَته الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِي زِيَادَة الأولى من كلمتي الشَّهَادَة، وَاسْتدلَّ بِهِ على جَوَاز نقش بعض الْقُرْآن على الْخَاتم يَعْنِي بعض آيَة من الْقُرْآن، وَقد كره بَعضهم نقش الْآيَة بِتَمَامِهَا على الْخَاتم، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن عَطاء وَالشعْبِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وروى عَن الْحسن جَوَازهَا. فَإِن قلت: نَهْيه ﷺ أَن ينقش مثل نقشه خَاص بحياته أَو يعم ذَلِك حَيَاته وَبعدهَا؟ قلت: الظَّاهِر الأول وَيدل عَلَيْهِ لبس الْخُلَفَاء الْخَاتم بعده، ثمَّ جدد عُثْمَان خَاتمًا آخر بعد وُقُوع ذَلِك الْخَاتم فِي بِئْر أريس، وَنقش عَلَيْهِ ذَلِك النقش. فَإِن قلت: نقشه ﷺ هَذَا كَانَ بِرَأْيهِ أَو بِوَحْي إِلَيْهِ؟ قلت: روى ابْن عدي فِي (الْكَامِل) من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ أَرَادَ أَن يكْتب إِلَى الْعَجم، كتابا فَذكر الحَدِيث، وَفِيه: وَأمر بِخَاتم يصاغ لَهُ من ورق فَجعله فِي إصبعه فأقره جِبْرِيل ﵇، وَأمر النَّبِي ﷺ أَن ينقش عَلَيْهِ: مُحَمَّد رَسُول الله ... الحَدِيث. وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ فِي (الْأَفْرَاد) من حَدِيث سَلمَة بن وهرام عَن عِكْرِمَة عَن يعلى بن أُميَّة قَالَ: أَنا صنعت للنَّبِي ﷺ خَاتمًا لم يشركني فِيهِ أحد نقش فِيهِ: مُحَمَّد رَسُول الله، وَقَالَ بَعضهم: يُسْتَفَاد مِنْهُ إسم الَّذِي صاغ خَاتم النَّبِي ﷺ ، ونقشه، قلت: نعم يُسْتَفَاد أَنه صاغه، وَلَكِن لَا يُسْتَفَاد مِنْهُ أَنه نقشه إِذْ لَو كَانَ هُوَ نقشه، لقَالَ: نقشت فِيهِ فَلَا يفهم مِنْهُ نفس الناقش أصلا وروى الطَّبَرِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت ﵁، عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: كَانَ فص خَاتم سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉، سماوياً فَألْقى إِلَيْهِ فَأَخذه فَوَضعه فِي خَاتمه وَكَانَ نقشه: أَنا الله لَا إِلَه إلَاّ أَنا، مُحَمَّد عَبدِي ورسولي.
٥٥ - (بابٌ هَلْ يُجْعَلُ نَقْشُ الخاتَمِ ثَلاثَةَ أسْطُرٍ)
أَي: هَذَا بَاب يُقَال فِيهِ: هَل يَجْعَل ... إِلَى آخِره، وَلم يذكر الْجَواب الَّذِي هُوَ الحكم اكْتِفَاء بِمَا فِي حَدِيث الْبَاب، وَلَيْسَ كَون نقش الْخَاتم ثَلَاثَة أسطر أَو سطرين أفضل من كَونه سطراً وَاحِدًا، وكل ذَلِك مُبَاح.
٥٨٧٨ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله الأنْصارِيُّ قَالَ: حَدثنِي أبي عَنْ ثُمامَةَ عَن أنَسٍ أنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁، لَمَّا اسْتُخْلِفَ كَتَبَ لَهُ، وَكَانَ نَقْشُ الخاتَمِ ثَلاثَةَ أسْطُرٍ: مُحَمَّدٌ سَطْرٌ ورَسُولٌ وَالله سَطْرٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه بَين الحكم الَّذِي لم يبين فِيهَا. وَمُحَمّد بن عبد الله بن عبد الله بن الْمثنى بن عبد الله بن أنس أَبُو عبد الله الْبَصْرِيّ، وثمامة بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الْمِيم ابْن عبد الله بن أنس عَم عبد الله بن الْمثنى الرَّاوِي عَنهُ، كلهم بصريون أنصاريون أنسيون.
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي اللبَاس أَيْضا عَن مُحَمَّد بن بشار وَغَيره.
قَوْله: (كتب لَهُ) أَي: لأنس أَرَادَ بِهِ مقادير الزكوات. قَوْله: (ثَلَاثَة أسطر) ، قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَكُنَّا نبحث قَدِيما هَل الْجَلالَة فَوق وَالرَّسُول فِي الْوسط وَالْبَاقِي أَسْفَل وَبِالْعَكْسِ؟ وَقيل: إِن كِتَابَته كَانَت من أَسْفَل إِلَى فَوق حَتَّى إِن الْجَلالَة فِي أَعلَى الأسطر الثَّلَاثَة وَمُحَمّد فِي أَسْفَلهَا. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: مُحَمَّد سطر والسطر الثَّانِي رَسُول والسطر الثَّالِث الله، وَرَسُول بِالرَّفْع والتنوين على سَبِيل الْحِكَايَة، وَلَفظ الله بِالرَّفْع والجر.
٥٨٧٩ - وزادَ أحْمَدُ حدّثنا الأنْصارِيُّ قَالَ: حدّثني أبي عَنْ ثمامَةَ عَنْ أنَس قَالَ: كانَ خاتَمُ النبيِّ ﷺ فِي يَدِهِ وَفِي يَدِ أبي بَكْر بَعْدَهُ، وَفِي يَدِ عُمَرَ بَعْدَ أبي بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمانُ جَلَسَ عَلَى بِئْر أَريَس، قَالَ: فأخْرَجَ الخاتَمَ فَجَعَلَ يَعْبَثُ بِهِ فَسَقَطَ، قَالَ: فاخْتَلَفْنا ثَلاثَةَ أيَّامٍ مَعَ عُثْمانَ فَنَنْزَحُ البِئْرَ فَلَمْ نَجِدْهُ.
следующие страницы →