← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.

стр. 6581

عَتْبَةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ عَنْ أبي طَلْحَةَ ﵃، قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : لَا تَدْخلُ المَلَائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ ولَا تَصاوِيرُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا تصاوير) وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس يروي عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْمُغيرَة بن الْحَارِث بن أبي ذِئْب بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة واسْمه هِشَام بن سعيد، وَأَبُو طَلْحَة زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ، وَهُوَ رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِيمَا مضى فِي بَدْء الْخلق عَن مُحَمَّد بن مقَاتل وَفِي الْمَغَازِي عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى وَغَيره. وَأخرجه مُسلم فِي اللبَاس عَن يحيى بن يحيى، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (الْمَلَائِكَة) ظَاهره الْعُمُوم وَلَكِن اسْتثْنى الْحفظَة لأَنهم لَا يفارقون الشَّخْص بِكُل حَال، وَبِذَلِك جزم ابْن وضاح والخطابي والداودي وَآخَرُونَ، وَقَالُوا: المُرَاد بِالْمَلَائِكَةِ فِي هَذَا الحَدِيث مَلَائِكَة الْوَحْي مثل جِبْرِيل وإسرافيل، وَأما الْحفظَة فَإِنَّهُم يدْخلُونَ كل بَيت وَلَا يفارقون الْإِنْسَان أصلا إلَاّ عِنْد الْخَلَاء وَالْجِمَاع، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث فِيهِ ضعف، وَقيل: المُرَاد مَلَائِكَة يطوفون بِالرَّحْمَةِ وَالِاسْتِغْفَار. قَوْله: (بَيْتا) المُرَاد بِهِ الْمَكَان الَّذِي يسْتَقرّ بِهِ الشَّخْص سَوَاء كَانَ بَيْتا أَو خيمة أَو غير ذَلِك. قَوْله: (فِيهِ كلب) الظَّاهِر فِيهِ الْعُمُوم وَمَال إِلَيْهِ الْقُرْطُبِيّ وَالنَّوَوِيّ، وَقَالَ الْخطابِيّ: يسْتَثْنى مِنْهُ الْكلاب الَّتِي أذن فِي اتخاذها نَحْو كلاب الصَّيْد والماشية وَالزَّرْع، وَاخْتلفُوا فِي وَجه امْتنَاع الْمَلَائِكَة من دُخُول الْبَيْت الَّذِي فِيهِ الْكَلْب. فَقيل: لكَونه بخس الْعين، وَقيل: لكَونه من الشَّيَاطِين، وَقيل: لأجل النَّجَاسَة الَّتِي تتَعَلَّق بِهِ فَإِنَّهُ يكثر أكل النَّجَاسَة وتتلطخ بِهِ. قلت: كل هَذَا لَا يجدي لِأَن الْخِنْزِير أَشد نَجَاسَة مِنْهُ للنَّص الْوَارِد فِيهِ وَلَا يَخْلُو بَيت من الشَّيَاطِين، والسنور أَيْضا يكثر أكل النَّجَاسَة وَمَعَ هَذَا لم يرد امْتنَاع الْمَلَائِكَة من الدُّخُول فِي الْبَيْت الَّذِي فِيهِ هرة وَلَا خِنْزِير وَغَيرهمَا إلَاّ فِي الْبَيْت الَّذِي فِيهِ الْكَلْب خَاصَّة من دون سَائِر الْحَيَوَانَات النَّجِسَة. قَوْله: (وَلَا تصاوير) وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي تقدّمت فِي بَدْء الْخلق: وَلَا صُورَة، بِالْإِفْرَادِ. وَقَالَ الْخطابِيّ: المُرَاد من الصُّور الَّتِي فِيهَا الرّوح مِمَّا لم يقطع رَأسه أَو لم يمتهن بِالْوَطْءِ، وَأغْرب ابْن حبَان فَادّعى أَن هَذَا الحكم خَاص بِالنَّبِيِّ ﷺ . قَالَ: وَهُوَ نَظِير الحَدِيث الآخر: لَا تصْحَب الْمَلَائِكَة رفْقَة فِيهَا جرس، قَالَ: فَإِنَّهُ مَحْمُول على رفْقَة فِيهَا رَسُول الله ﷺ ؟ إِذْ محَال أَن يخرج الْحَاج أَو الْمُعْتَمِر لقصد بَيت الله على رواحل لَا تصحبها الْمَلَائِكَة وهم وَفد الله . فَإِن قلت: قَالَ الله تَعَالَى عِنْد ذكر سُلَيْمَان، (يعْملُونَ لَهُ مَا يَشَاء من محاريب وتماثيل قَالَ مُجَاهِد: كَانَت صوراً من نُحَاس، أخرجه الطَّبَرَانِيّ، وَقَالَ قَتَادَة: كَانَت من خشب وَمن زجاج، أخرجه عبد الرَّزَّاق. قلت: كَانَ ذَلِك جَائِزا فِي تِلْكَ الشَّرِيعَة، وَكَانُوا يعْملُونَ أشكال الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ مِنْهُم على هيئتهم فِي عِبَادَتهم ليتعبدوا كعبادتهم، ثمَّ جَاءَ شرعنا بِالنَّهْي عَن ذَلِك. وَقَالَ اللَّيْثُ: حدّثني يُونُسُ عَنِ شِهاب أخْبَرَني عُبَيْدُ الله سَمِع ابنَ عبَّاس سَمِعْتُ أَبَا طَلْحَةَ سَمعْتَ النبيَّ ﷺ . هَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من طَرِيق أبي صَالح كَاتب اللَّيْث، وَفَائِدَة هَذَا التَّعْلِيق الْإِشَارَة إِلَى تَصْرِيح ابْن شهَاب وَهُوَ الزُّهْرِيّ، وتصريح شَيْخه بِالتَّحْدِيثِ، وتصريح بِالسَّمَاعِ عبيد الله عَن ابْن عَبَّاس، وَسَمَاع ابْن عَبَّاس عَن ابْن أبي طَلْحَة، وَسَمَاع أبي طَلْحَة من النَّبِي ﷺ . ٨٩ - (بابُ عَذَابِ المُصَوِّرِين يَوْمَ القِيامَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان عَذَاب المصورين أَي: الَّذين يصنعون الصُّور يَوْم الْقِيَامَة. ١٦١ - (حَدثنَا الْحميدِي حَدثنَا سُفْيَان حَدثنَا الْأَعْمَش عَن مُسلم قَالَ كُنَّا مَعَ مَسْرُوق فِي دَار يسَار بن نمير فَرَأى فِي صفته تماثيل فَقَالَ سَمِعت عبد الله قَالَ سَمِعت النَّبِي ﷺ َ - يَقُول إِن أَشد النَّاس عذَابا عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة المصورون)

стр. 6582

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة والْحميدِي مر عَن قريب وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان وَمُسلم هُوَ ابْن الصبيح أَبُو الضُّحَى وَقَالَ بَعضهم وَجوز الْكرْمَانِي أَن يكون مُسلم بن عمرَان البطين ثمَّ قَالَ أَنه الظَّاهِر وَهُوَ مَرْدُود فقد وَقع فِي رِوَايَة مُسلم فِي هَذَا الحَدِيث من طَرِيق وَكِيع عَن الْأَعْمَش عَن أبي الضُّحَى قلت لم يقل الْكرْمَانِي هَذَا بل قَالَ مُسلم يحْتَمل أَن يكون أَبَا الضُّحَى وَأَن يكون البطين لِأَنَّهُمَا يرويان عَن مَسْرُوق وَالْأَعْمَش يروي عَنْهُمَا وَالظَّاهِر هُوَ الثَّانِي وَلَا قدح بِهَذَا الِاشْتِبَاه لِأَن كلا مِنْهُمَا بِشَرْط البُخَارِيّ وَالْعجب من هَذَا الْقَائِل أَنه ينْقل غير صَحِيح ثمَّ يسْتَدلّ على صِحَة قَوْله بِمَا وَقع فِي رِوَايَة مُسلم وَهُوَ اسْتِدْلَال مَرْدُود لِأَن رِوَايَة مُسلم عَن أبي الضُّحَى لَا تَسْتَلْزِم رِوَايَة البُخَارِيّ عَنهُ لوُجُود الِاحْتِمَال الْمَذْكُور ومسروق هُوَ ابْن الأجدع ويسار ضد الْيَمين ابْن نمير بالنُّون الَّذِي سكن الْكُوفَة وَكَانَ مولى عمر وخازنه وَله رِوَايَة عَن عمر وَغَيره وروى عَنهُ أَبُو وَائِل وَهُوَ من أقرانه وَأَبُو إِسْحَق السبيعِي وَهُوَ ثِقَة وَلَا يظْهر لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الْموضع والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي اللبَاس عَن ابْن عمر وَآخَرين وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن أَحْمد بن حَرْب وَغَيره قَوْله فِي صفته صفة الدَّار مَشْهُورَة قَوْله " تماثيل " جمع تِمْثَال بِكَسْر التَّاء وَهُوَ اسْم من الْمِثَال يُقَال مثلت بِالتَّخْفِيفِ والتثقيل إِذا صورت مِثَالا وَقيل لَا فرق بَين الصُّورَة والتمثال وَالصَّحِيح أَن بَينهمَا فرقا وَهُوَ أَن الصُّورَة تكون فِي الْحَيَوَان والتمثال يكون فِيهِ وَفِي غَيره وَقيل التمثال مَا لَهُ جرم وشخص وَالصُّورَة مَا كَانَ رقما أَو تزويقا فِي ثوب أَو حَائِط قَوْله إِن أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة المصورون هَكَذَا وَقع فِي مُسْند الْحميدِي عَن سُفْيَان يَوْم الْقِيَامَة وروى أَن أَشد النَّاس عذَابا عِنْد الله وَيحْتَمل أَن الْحميدِي حدث بِهِ على الْوَجْهَيْنِ وَالَّذِي حدث بِهِ الْحميدِي فِي مُسْنده هُوَ المطابق للتَّرْجَمَة وَمعنى قَوْله عِنْد الله أَي فِي حكم الله تَعَالَى وَوَقع لمُسلم فِي رِوَايَة من طَرِيق أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش أَن من أَشد أهل النَّار يَوْم الْقِيَامَة عذَابا المصورون كَذَا وَقع عِنْد بعض الروَاة وَعند الْأَكْثَرين المصورين وَوجه بِأَن من زَائِدَة وَاسم أَن أَشد ووجهها ابْن مَالك على حذف ضمير الشَّأْن وَالتَّقْدِير أَنه من أَشد النَّاس الخ فَإِن قلت هُنَا أشكال وَهُوَ كَون المصور أَشد النَّاس عذَابا مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَن يكون المصور أَشد عذَابا من آل فِرْعَوْن قلت أجَاب الطَّبَرِيّ بِأَن المُرَاد هُنَا من يصور مَا يعبد من دون الله تَعَالَى وَهُوَ عَارِف بذلك قَاصد لَهُ فَإِنَّهُ يكفر بذلك فَلَا يبعد أَن يدْخل مدْخل آل فِرْعَوْن وَأما من لَا يقْصد ذَلِك فَإِنَّهُ يكون عَاصِيا بتصويره فَقَط وَفِيه نظر وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ أَن النَّاس الَّذِي أضيف إِلَيْهِم أَشد لَا يُرَاد بهم كل النَّاس بل بَعضهم وهم الَّذين شاركوا فِي الْمَعْنى المتوعد عَلَيْهِ بِالْعَذَابِ ففرعون أَشد النَّاس الَّذين ادعوا الآلهية عذَابا وَمن يَقْتَدِي بِهِ فِي ضَلَالَة كفره أَشد عذَابا مِمَّن يَقْتَدِي بِهِ فِي ضَلَالَة فسقه وَمن صور صُورَة ذَات روح لِلْعِبَادَةِ أَشد عذَابا مِمَّن يصورها لَا لِلْعِبَادَةِ وَقيل الرِّوَايَة ثَابِتَة بِإِثْبَات من وبحذفها مَحْمُولَة عَلَيْهَا وَإِذا كَانَ من يفعل التَّصْوِير من أَشد النَّاس عذَابا كَانَ مُشْتَركا مَعَ غَيره وَلَيْسَ فِي الْآيَة مَا يَقْتَضِي اخْتِصَاص آل فِرْعَوْن بأشد الْعَذَاب بل هم فِي الْعَذَاب الأشد فَكَذَلِك غَيرهم يجوز أَن يكون فِي الْعَذَاب الأشد وَقيل الْوَعيد بِهَذِهِ الصِّيغَة أَن ورد فِي حق كَافِر فَلَا إِشْكَال فِيهِ لِأَنَّهُ يكون مُشْتَركا فِي ذَلِك مَعَ آل فِرْعَوْن وَيكون فِيهِ دلَالَة على عظم كفر الْمَذْكُور وَإِن كَانَ ورد فِي حق عَاص فَيكون أَشد عذَابا من غَيره من العصاة وَيكون ذَلِك دَالا على عظم الْمعْصِيَة الْمَذْكُورَة وَفِي التَّوْضِيح قَالَ أَصْحَابنَا وَغَيرهم تَصْوِير صُورَة الْحَيَوَان حرَام أَشد التَّحْرِيم وَهُوَ من الْكَبَائِر وَسَوَاء صنعه لما يمتهن أَو لغيره فَحَرَام بِكُل حَال لِأَن فِيهِ مضاهاة لخلق الله وَسَوَاء كَانَ فِي ثوب أَو بِسَاط أَو دِينَار أَو دِرْهَم أَو فلس أَو إِنَاء أَو حَائِط وَأما مَا لَيْسَ فِيهِ صُورَة حَيَوَان كالشجر وَنَحْوه فَلَيْسَ بِحرَام وَسَوَاء كَانَ فِي هَذَا كُله مَا لَهُ ظلّ وَمَا لَا ظلّ لَهُ وَبِمَعْنَاهُ قَالَ جمَاعَة الْعلمَاء مَالك وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَغَيرهم وَقَالَ القَاضِي إِلَّا مَا ورد فِي لعب الْبَنَات وَكَانَ مَالك يكره شِرَاء ذَلِك - ٥٩٥١ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ حَدثنَا أنَسُ بنُ عِياضٍ عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ نافِعٍ أنَّ عَبْدَ الله ابنَ عُمَرَ ﵄، أخْبَرَهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: إنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هاذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ

стр. 6583

يَوْمَ القِيامَةِ، يُقالُ لَهُمْ: أحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ. (انْظُر الحَدِيث ٥٩٥١ طرفه فِي: ٧٥٥٨) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَغَيره. قَوْله: (أحيوا مَا خلقْتُمْ) أَي: اجعلوه حَيَوَانا ذَا روح، وَهَذَا الْأَمر يُسمى أَمر تعجيز وَمعنى: خلقْتُمْ، قدرتم وصورتم. ٩٠ - (بابُ نَقْضِ الصُّوَرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نقض الصُّور، والنقض بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْقَاف وبالضاد الْمُعْجَمَة من نقض الشَّيْء وَهُوَ تَغْيِير هَيئته بِكَسْر وَنَحْوه. ٥٩٥٢ - حدَّثنا مُعاذُ بنُ فَضالَةَ حدّثنا هِشامٌ عَنْ يَحْياى عَنْ عِمْرَانَ بنِ حطَّانَ أنَّ عائِشَةَ ﵂ حدَّثَتْهُ أنَّ النبيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئاً فِيهِ تَصالِيبُ إلَاّ نَقَضَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ومعاذ بِضَم الْمِيم وبالعين الْمُهْملَة والذال الْمُعْجَمَة ابْن فضَالة بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الضَّاد الْمُعْجَمَة وَهِشَام هُوَ ابْن أبي عبد الله الدستوَائي، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير، وَعمْرَان بن حطَّان بِكَسْر الْمُهْملَة الأولى وَشدَّة الثَّانِيَة وبالنون السدُوسِي. والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي اللبَاس عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود الجحدري. قَوْله: (يتْرك) بِالرَّفْع وبالجزم بَدَلا مِمَّا قبله. قَوْله: (فِيهِ تصاليب) قَالَ الْكرْمَانِي: أَي التصاوير كالصليب، يُقَال: ثوب مصلب أَي: عَلَيْهِ نقش كالصليب الَّذِي لِلنَّصَارَى، وَقَالَ بَعضهم: التصاليب جمع صَلِيب كَأَنَّهُمْ سموا مَا كَانَت فِيهِ صُورَة الصَّلِيب تصليباً تَسْمِيَة بِالْمَصْدَرِ. قلت: على مَا ذكره يكون التصاليب جمع تصليب لَا جمع صَلِيب، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: تصاوير بدل تصاليب. قَوْله: (نقضه) أَي: كَسره وأبطله وَغير صورته، كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَوَقع فِي رِوَايَة أبان: الْأَقْضِيَة بِالْقَافِ وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة المفتوحات، ورجحها بعض شرَّاح (المصابيح) ورده الطَّيِّبِيّ وَقَالَ: رُوَاة البُخَارِيّ أضبط والاعتماد عَلَيْهِم أولى. ٥٩٥٣ - حدَّثنا مُوسَى عَبْدُ الوَاحِدِ حَدثنَا عُمارَةُ حَدثنَا أبُو زُرْعَة قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أبي هُرَيْرَةَ دَارا بالمَدِينَةِ فَرَأى أعْلَاها مُصَوِّراً يُصَوِّرُ، قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ ، يَقُولُ: ومنْ أظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً وَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً ثُمَّ دَعا بِتَوْرٍ مِنْ ماءٍ فَغَسَلَ يَدَيْهِ حَتَّى بَلَغَ إبْطَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ. أشَيْءٌ مِنْ رسولِ الله ﷺ ؟ قَالَ: مُنْتَهى الحِلْيَةِ. (انْظُر الحَدِيث الحَدِيث ٥٩٥٣ طرفه فِي: ٧٥٥٩) . لَيْسَ فِيهِ تعرض إِلَى النَّقْض وَلم تبْق الْمُطَابقَة إلَاّ فِي لفظ: الصُّور، فَقَط. ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل، وَعبد الْوَاحِد هُوَ ابْن زِيَاد، وَعمارَة بِالضَّمِّ هُوَ ابْن الْقَعْقَاع، وَأَبُو زرْعَة هوا بن عَمْرو بن جرير. قَوْله: (دَارا بِالْمَدِينَةِ) هِيَ لمروان بن الحكم، وَقع ذَلِك فِي رِوَايَة مُسلم لَهُ: دَارا تبنى لسَعِيد أَو لمروان بِالشَّكِّ، وَسَعِيد هُوَ ابْن الْعَاصِ بن سعيد الْأمَوِي، وَكَانَ هُوَ ومروان بن الحكم يتعاقبان إمرة الْمَدِينَة لمعاوية بن أبي سُفْيَان، وَالرِّوَايَة الجازمة أولى. قَوْله: (مصوراً) أَي: شخصا مصوراً، وَهُوَ إسم فَاعل من التَّصْوِير وانتصابه على أَنه مفعول رأى. قَوْله: (أَعْلَاهَا) أَي: أَعلَى الدَّار، أَرَادَ سقفها. قَوْله: (يصور) على صِيغَة الْمَعْلُوم من الْمُضَارع فِي مَحل النصب على الْحَال، مَعْنَاهُ: يصنع الصُّور. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مصوراً بِلَفْظ الْمَفْعُول، وبصور بِلَفْظ الْجَار وَالْمَجْرُور. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ بعيد. قلت: لم يبين وَجه بعده فَلَا بعد أصلا بل هُوَ أقرب على مَا لَا يخفى. قَوْله: (وَمن أظلم مِمَّن ذهب يخلق) أَي: وَلَا أحد أظلم مِمَّن قصد حَال كَونه يخلق أَي: يصنع وَيقدر كخلقي، وَفِيه حذف تَقْدِيره: قَالَ رَسُول الله ﷺ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمن أظلم﴾ ... إِلَى آخِره، وَنَحْوه فِي رِوَايَة ابْن فُضَيْل. فَإِن قلت: كَيفَ التَّشْبِيه فِي قَوْله: كخلقي؟ قلت: التَّشْبِيه لَا عُمُوم لَهُ، يَعْنِي: كخلقي فِي فعل الصُّورَة لَا من كل الْوُجُوه، قيل: الْكَافِر أظلم مِنْهُ. وَأجِيب: بِأَن الَّذِي يصور الصَّنَم لِلْعِبَادَةِ هُوَ كَافِر، فَهُوَ هُوَ أَو يزِيد

стр. 6584

عَذَابه على سَائِر الْكفَّار لزِيَادَة قبح كفره. قَوْله (حَبَّة) أَي: حَبَّة فِيهَا طعم يُؤْكَل وَينْتَفع بهَا كالحنطة والذرة بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء النملة الصَّغِيرَة، وَالْغَرَض تعجيزهم تَارَة بِخلق الجماد، وَأُخْرَى بِخلق الْحَيَوَان. قَوْله: (ثمَّ دَعَا) ، أَي: أَبُو هُرَيْرَة. قَوْله: (بتور بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَهُوَ إِنَاء كالطست. قَوْله: (من مَاء) قَالَ بَعضهم: أَي: فِيهِ مَاء. قلت: هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح بل الصَّحِيح أَن كلمة: من، هُنَا بِمَعْنى: الْبَاء، أَي: دَعَا بتور بِمَاء، وَكلمَة: من تَجِيء بِمَعْنى الْبَاء كَمَا كَانَ فِي قَوْله تَعَالَى: (ينظرُونَ من طرف خَفِي) (الشورى: ٤٥) . قَوْله: (فَغسل يَدَيْهِ) غسل الْيَد كِنَايَة عَن الْوضُوء لِأَن الْوضُوء مُسْتَلْزم لَهُ. قَوْله: (إبطية) ويروى (ابطه) بِالْإِفْرَادِ قَوْله: (فَقلت: يَا أَبَا هُرَيْرَة) الْقَائِل أَبُو زرْعَة الرَّاوِي. قَوْله: (أَشَيْء مسمعته؟) أَي: تَبْلِيغ المَاء إِلَى الْإِبِط شَيْء مسمعته من النَّبِي ﷺ ؟ (فَقَالَ: مُنْتَهى الْحِلْية) ، أَي: التَّبْلِيغ إِلَى الْإِبِط مُنْتَهى حلية الْمُؤمن فِي الْجنَّة. وَفِي (صَحِيح مُسلم) : عَن أبي هُرَيْرَة ﵁، تبلغ الْحِلْية من الْمُؤمن حَيْثُ يبلغ الْوضُوء، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: ضمن يبلغ معنى يتَمَكَّن وعدى بِمن أَي: يتَمَكَّن من الْمُؤمن الْحِلْية مبلغا بتمكنه الْوضُوء مِنْهُ، وَقَالَ أَبُو عبيد: الْحِلْية هُنَا التحجيل يَوْم الْقِيَامَة من أثر الْوضُوء، وَقَالَ غَيره: هُوَ من قَوْله تَعَالَى: ﴿ (٨١) يحلونَ فِيهَا من أساور﴾ (الْكَهْف: ٣١ وَالْحج: ٢٣، وفاطر: ٣٣) . ٩١ - (بابُ مَا وُطىءَ منَ التصاوِيرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا وطىء على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: ديس بالأقدام وامتهن من التصاوير. ٥٩٥٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا سفْيانُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ القاسِمِ وَمَا بالمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ أفْضَلُ مِنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ أبي قَالَ: سمعْتُ عائِشَةَ ﵂: قَدِمَ رسولُ الله ﷺ ، مِنْ سَفَر وقَدْ سَتَرْتُ بِقِرَامٍ لي عَلَى سَهْوَةٍ لي فِيهَا تَماثِيلُ، فَلَمَّا رآهُ رسولُ الله ﷺ ، هَتَكَهُ وَقَالَ: أشَدُّ النَّاسِ عَذَاباً يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِينَ يُضاهُونَ بِخَلْقِ الله. قالَتْ: فَجَعَلْناهُ وِسادَةً أوْ سادَتَيْنِ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وسَادَة) لِأَنَّهُ يرتفق بهَا ويمتهن، وَتقدم فِي: بَاب الْمَظَالِم، قَالَت: فاتخذت مِنْهُ نمرقتين، النمرقة الوسادة الَّتِي يتكىء عَلَيْهَا. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم يروي عَن أَبِيه الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق ﵁. والْحَدِيث قد مضى فِي الْمَظَالِم فِي: بَاب هَل تكسر الدنان؟ وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (من سفر) روى الْبَيْهَقِيّ أَنه كَانَ غَزْوَة تَبُوك، وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ: غَزْوَة تَبُوك أَو خَيْبَر، على الشَّك. قَوْله: (بقرام) بِكَسْر الْقَاف وبالراء هُوَ ستر فِيهِ رقم ونقوش، وَقيل: السّتْر الرَّقِيق، وَقيل: ثوب من صوف ملون يفرش فِي الهودج أَو يغطى بِهِ. قَوْله: (سهوة) بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْهَاء وبالواو وَهِي الصّفة تكون بَين يَدي الْبيُوت، وَقيل: الكوة، وَقيل: الرف والطاق، وَقيل: هُوَ بَيت صَغِير منحدر فِي الأَرْض شَبيه بالخزانة الصَّغِيرَة، وَقيل: أَرْبَعَة أَعْوَاد أَو ثَلَاثَة تعَارض بِبَعْض يوضع عَلَيْهَا شَيْء من الْأَمْتِعَة، وَقيل: إِنَّه يبْنى من حَائِط الْبَيْت حَائِط صَغِير وَيجْعَل السّقف على الْجَمِيع، فَمَا كَانَ وسط الْبَيْت فَهُوَ السهوة، وَمَا كَانَ دَاخله فَهُوَ مخدع، وَقيل: دخلة فِي نَاحيَة الْبَيْت. قَوْله: (هتكه) أَي: قطعه ونزعه، وَفِي رِوَايَة تاتي: فَأمرنِي أَن أنزعه فنزعته. قَوْله: (يضاهون) أَي: يشابهون بِخلق الله. قَوْله: (وسَادَة) أَي: مخدة. ٥٩٥٥ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا عبدُ الله بنُ داوُدَ عنْ هِشامٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قَدِمَ النبيُّ ﷺ ، منْ سَفَرٍ وعَلقْتُ دُرْنُوكاً فِيهِ تَماثِيلُ فأمَرَني أنْ أنْزِعَهُ فَنَزَعْتُهُ. وكُنْتُ أغُتَسِلُ أَنا والنبيُّ ﷺ مِنْ إناءٍ واحدٍ. هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عَائِشَة أخرجه عَن مُسَدّد عَن عبد الله بن دَاوُد الْهَمدَانِي الْكُوفِي ثمَّ الْبَصْرِيّ عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير. قَوْله: (درنوكا) بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَضم النُّون وبالكاف، وَيُقَال: درموك، بِالْمِيم بدل النُّون وَهُوَ ضرب من الستور لَهُ خمل، وَقيل: نوع من الْبسط، وَقَالَ الْخطابِيّ: هُوَ ثوب غليظ لَهُ خمل إِذا فرش فَهُوَ بِسَاط، وَإِذا

стр. 6585

علق فَهُوَ ستر. قَوْله: (وَكنت أَغْتَسِل) إِلَى آخِره أورد هَذَا عقيب حَدِيث التَّصْوِير، وَهُوَ حَدِيث مُسْتَقل قد أفرده فِي كتاب الطَّهَارَة، وَوجه ذكره عقيب حَدِيث التَّصْوِير هُوَ كَأَنَّهُ سَمعه على هَذَا الْوَجْه فأورد مثل مَا سَمعه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَعَلَّ الدرنوك كَانَ مُعَلّقا بِبَاب المغتسل، أَو بِحَسب سُؤال أَو غير ذَلِك. ٩٢ - (بابُ مَنْ كَرِهَ القُعُودَ عَلَى الصُّوَرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من كره الْقعُود على شَيْء عَلَيْهِ صُورَة، وَلَو كَانَ يداس ويمتهن. ٥٩٥٧ - حدَّثني حَجَّاجُ بنُ مِنْهالٍ حدَّثنا جُوَيْرِيَّةُ عَنْ نافِعٍ عَنِ القاسِمِ عَنْ عائِشَةَ ﵂، أنَّها اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيها تَصاوِيرُ، فقامَ النبيُّ ﷺ ، بالبابِ فَلَمْ يَدْخُلْ. فَقُلْتُ: أتُوبُ إِلَى الله مِمَّا أذْنَبْتُ ﴿قَالَ: مَا هاذِهِ النُّمرُقَةُ؟ قُلْتُ: لِتَجْلِسَ عَلَيْها وتَوَسَّدَها، قَالَ: إِن أصْحابَ هاذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، يُقالُ لَهُمْ: أحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ، وإنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتاً فِيهِ الصُّورَةُ. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ ، أنكر على عَائِشَة حِين قَالَت: (لتجلس عَلَيْهَا وتوسدها) ، فَدلَّ ذَلِك على كَرَاهَة الْقعُود على الصُّور، وَرُوِيَ ذَلِك عَن اللَّيْث بن سعد وَالْحسن بن حييّ وَبَعض الشَّافِعِيَّة، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: ذهب ذاهبون إِلَى كَرَاهَة اتِّخَاذ مَا فِيهِ الصُّور من الثِّيَاب وَمَا كَانَ يتوطأ من ذَلِك ويمتهن وَمَا كَانَ ملبوساً، وكرهوا كَونه فِي الْبيُوت، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِهَذَا الحَدِيث وَبِحَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي مضى فِي الْبَاب السَّابِق. وَجُوَيْرِية فِي حَدِيث الْبَاب مصغر الْجَارِيَة بِالْجِيم ابْن أَسمَاء بن عبيد وَهُوَ من الْأَسْمَاء الْمُشْتَركَة بَين الذُّكُور وَالْإِنَاث، وَكَذَلِكَ أَسمَاء. والْحَدِيث أخرجه مُسلم: حَدثنَا يحيى بن يحيى قَالَ: قَرَأت على مَالك عَن نَافِع عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن عَائِشَة ﵂، أَنَّهَا اشترت نمرقة فِيهَا تصاوير، فَلَمَّا رَآهَا رَسُول الله ﷺ ، قَامَ على الْبَاب فَلم يدْخل، فَعرفت فِي وَجهه الْكَرَاهِيَة فَقَالَت: يَا رَسُول الله﴾ أَتُوب إِلَى الله وَإِلَى رَسُوله، فَمَاذَا أذنبت؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : فَمَا بَال هَذِه النمرقة؟ قَالَت اشْتَرَيْتهَا لَك تقعد عَلَيْهَا وتوسدها ... الحَدِيث، وَفِي لفظ لَهُ. قَالَت: فَأَخَذته فَجَعَلته مرفقتين فَكَانَ يرتفق بهما فِي الْبَيْت. قَوْله: (النمرقة) بِضَم النُّون وَالرَّاء وبكسرهما وبضم النُّون وَفتح الرَّاء ثَلَاث لُغَات: الوسادة الصَّغِيرَة. قَوْله: (وتوسدها) أَصله تتوسدها، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وتوسدها من التوسيد، ويروى من التوسد، وَقد دلّ حَدِيث الْبَاب على أَنه لَا فرق فِي تَحْرِيم التَّصْوِير بَين أَن تكون الصُّورَة لَهَا ظلّ أَو لَا، وَلَا بَين أَن تكون مدهونة أَو منقوشة أَو منقورة أَو منسوجة، خلافًا لمن اسْتثْنى النسج، وَادّعى أَنه لَيْسَ بتصوير، وَقَالَ بَعضهم: وَظَاهر حَدِيثي عَائِشَة هَذَا وَالَّذِي قبله التَّعَارُض، لِأَن الَّذِي قبله يدل على أَنه ﷺ ، اسْتعْمل السّتْر الَّذِي فِيهِ الصُّورَة بعد أَن قطع وعملت مِنْهُ الوسادة، وَهَذَا يدل على أَنه لم يَسْتَعْمِلهُ أصلا. قلت: لَا تعَارض بَينهمَا أصلا لِأَن هَذَا الحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة كَمَا ذكرنَا الْآن وَفِيه: فَجَعَلته مرفقتين فَكَانَ يرتفق بهما فِي الْبَيْت، فَهَذَا يدل على أَنه اسْتعْمل مَا عملت مِنْهَا وهما المرفقتان، غَايَة مَا فِي الْبَاب أَن البُخَارِيّ لم يرو هَذِه الزِّيَادَة، والْحَدِيث حَدِيث وَاحِد، وَقد ذهل هَذَا الْقَائِل عَن رِوَايَة مُسلم فَلذَلِك قَالَ بالتعارض، وَادّعى الدَّاودِيّ أَن هَذَا الحَدِيث نَاسخ لجَمِيع الْأَحَادِيث الدَّالَّة على الرُّخْصَة، وَاحْتج بِأَنَّهُ خبر وَالْخَبَر لَا يدْخلهُ النّسخ فَيكون هُوَ النَّاسِخ، ورد عَلَيْهِ ابْن التِّين بِأَن الْخَبَر إِذا قارنه الْأَمر جَازَ دُخُول النّسخ فِيهِ. ٥٩٥٨ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ حَدثنَا الَّيْثُ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ بُسْرِ بنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْدِ بنِ خالِدٍ عَنْ أبي طَلْحَةَ صاحِبِ رسُولِ الله ﷺ ، قَالَ: إنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ: إنَّ الملائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتاً فِيهِ الصُّورَةُ، قَالَ بُسْرٌ: ثُمَّ اشْتَكَى زَيْدٌ فَعُدْناهُ فَإِذا عَلَى بابِهِ سِتْرٌ فِيهِ صُورَةٌ، فَقُلْتُ لِعُبَيْدِ الله رَبِيبِ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ ألَمْ يُخْبِرْنا زَيْدٌ عَنِ الصُّورِ يَوْمَ الأوَّلِ؟ فَقَالَ عُبَيْدُ الله:

стр. 6586

ألَمْ تَسْمَعْهُ حِينَ قَالَ: إلَاّ رَقْماً فِي ثَوْب؟ هَذَا الحَدِيث لَيْسَ فِيهِ تعرض إِلَى مَا فِي التَّرْجَمَة، وَبُكَيْر مصغر بكر بن عبد الله بن الْأَشَج بالمعجمتين، وَبسر بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وبالراء ابْن سعيد الْمدنِي، وَزيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ الصَّحَابِيّ، وَأَبُو طَلْحَة زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور. وَفِي السَّنَد تابعيان فِي نسق وصحابيان فِي نسق وَكلهمْ مدنيون. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي بَدْء الْخلق عَن أَحْمد عَن ابْن وهب فِي: بَاب ذكر الْمَلَائِكَة. وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد كِلَاهُمَا عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. قَوْله: (فِيهِ صُورَة) كَذَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَغَيرهَا، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن مشايخه إلَاّ الْمُسْتَمْلِي: فِيهِ صور، بِصِيغَة الْجمع. قَوْله: (قلت) الْقَائِل هُوَ بسر بن سعيد يَقُول لِعبيد الله هُوَ ابْن الْأسود، وَيُقَال ابْن أَسد، وَيُقَال لَهُ: ربيب مَيْمُونَة، لِأَنَّهَا كَانَت ربته وَكَانَ من مواليها وَلم يكن ابْن زَوجهَا، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث آخر تقدم فِي الصَّلَاة من رِوَايَته عَن عُثْمَان ﵁. قَوْله: (يَوْم الأول؟) من إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى صفته وَالْمرَاد بِهِ الْوَقْت الْمَاضِي، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: يَوْم أول. قَوْله: (حِين قَالَ) أَي: زيد بن خَالِد (إِلَّا رقماً) بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْقَاف وَفتحهَا النقش وَالْكِتَابَة، وَقَالَ الْخطابِيّ: المصور هُوَ الَّذِي يصور اشكال الْحَيَوَان، والنقاش الَّذِي ينقش أشكال الشّجر وَنَحْوهَا فَإِنِّي أَرْجُو أَن لَا يدْخل فِي هَذَا الْوَعيد وَإِن كَانَ جملَة هَذَا الْبَاب مَكْرُوها وداخلاً فِيمَا يشغل الْقلب بِمَا لَا يَعْنِي، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: يحْتَمل قَوْله: (إِلَّا رقماً فِي ثوب) إِنَّه أَرَادَ رقماً يُوطأ ويمتهن كالبسط والوسائد. انْتهى. وَقَالُوا: كره رَسُول الله مَا كَانَ سترا وَلم يكره مَا يداس عَلَيْهِ ويوطأ، وَبِهَذَا قَالَ سعد بن أبي وَقاص وَسَالم وَعُرْوَة وَابْن سِيرِين وَعَطَاء وَعِكْرِمَة، وَقَالَ عِكْرِمَة: فِيمَا يُوطأ من الصُّور هوان لَهَا، وَهَذَا أَوسط الْمذَاهب، وَبِه قَالَ مَالك وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَإِنَّمَا نهي الشَّارِع أَولا عَن الصُّور كلهَا وَإِن كَانَت رقماً لأَنهم كَانُوا حَدِيثي عهد بِعبَادة الصُّور، فَنهى عَن ذَلِك جملَة ثمَّ لما تقرر نَهْيه عَن ذَلِك أَبَاحَ مَا كَانَ رقماً فِي ثوب للضَّرُورَة إِلَى إِيجَاد الثِّيَاب، فأباح مَا يمتهن لِأَنَّهُ يُؤمن على الْجَاهِل تَعْظِيم مَا يمتهن، وَبَقِي النَّهْي فِيمَا لَا يمتهن. وَقَالَ ابنُ وَهْبٍ: أخبرنَا عَمْروٌ وهُوَ ابنُ الحارِثِ حدَّثهُ بُكَيْرٌ حدَّثَهُ بُسْرٌ حدّثَهُ زَيْدٌ حدّثَهُ أبُو طَلْحَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ ... أَي: قَالَ عبد الله حَدثنَا ابْن وهب إِلَى آخِره، فَذكره هُنَا مُعَلّقا، وَوَصله فِي بَدْء الْخلق. ٩٣ - (بابُ كَراهِيَّةِ الصَّلاةِ فِي التصاوِيرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَرَاهِيَة الصَّلَاة فِي الْبَيْت الَّذِي فِيهِ الثِّيَاب الَّتِي فِيهَا التصاوير، فَإِذا كرهت فِي مث هَذَا فكراهتها وَهُوَ لَابسهَا أقوى وَأَشد. ١٩٥٩ - حدَّثنا عِمْرَانُ بن مَيْسَرَةً حَدثنَا عَبْدُ الوارِثِ حَدثنَا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ صُهَيْب عَنْ أنَسٍ ﵁، قَالَ: كانَ قِرامٌ لِعائِشَة سَتَرَتْ بِهِ جانِبَ بَيْتِها، فَقَالَ لَها النبيُّ ﷺ : أمِيطِي عَنِّي فإنهُ لَا تَزالُ تَصاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي فِي صَلاتِي. (انْظُر الحَدِيث ٣٧٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ مَا ذَكرْنَاهُ الْآن، وَإِذا قُلْنَا: إِن كلمة: فِي التَّرْجَمَة بِمَعْنى: إِلَى، تكون الْمُطَابقَة حَاصِلَة كَمَا يَنْبَغِي. وَعمْرَان ابْن ميسرَة ضد الميمنة وَعبد الْوَارِث هُوَ ابْن سعيد. والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة عَن أبي معمر. قَوْله: (قرام) بِكَسْر الْقَاف هُوَ السّتْر وَقد مر عَن قريب. قَوْله: (أميطي) من الإماطة وَهِي الْإِزَالَة. فَإِن قلت: هَذَا الحَدِيث يدل على أَنه ﷺ أقره وَصلى، وَحَدِيث عَائِشَة فِي النمرقة يدل على أَنه ﷺ لم يدْخل الْبَيْت الَّذِي فِيهِ السّتْر المصور أصلا حَتَّى نَزعه. قلت: الْجمع بَينهمَا بِأَن هَذَا كَانَت فِيهِ تصاوير من ذَوَات الْأَرْوَاح، وَحَدِيث أنس كَانَت تصاويره من غير الْحَيَوَان. وَفِيه من الْفِقْه: يَنْبَغِي الْتِزَام الْخُشُوع فِي الصَّلَاة وتفريغ البال لله تَعَالَى وَترك التَّعَرُّض لما يشْتَغل الْمُصَلِّي عَن الْخُشُوع، وَفِيه أَيْضا: أَن مَا يعرض للشَّخْص فِي صلَاته من الفكرة فِي أُمُور

стр. 6587

الدُّنْيَا لَا يقطع صلَاته. ٩٤ - (بابٌ لَا تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ صُورَةٌ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ لَا تدخل إِلَى آخِره. ٥٩٦٠ - حدَّثنا يَحْياى بنُ سُلَيْمانَ قَالَ: حدّثني ابنُ وَهْبٍ قَالَ: حدّثني عُمَرُ هُوَ ابنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سالِمٍ عَنْ أبِيهِ قَالَ: وَعَدَ النبيَّ ﷺ ، جِبْرِيلُ فَراثَ عَلَيْهِ حَتَّى اشْتَدَّ عَلَى النبيِّ ﷺ ، فَخَرَجَ النبيُّ ﷺ فَلَقِيَهُ فَشَكا إلَيْهِ مَا وَجَدَ، فَقَالَ لَهُ: إنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتاً فِيهِ صُورَة وَلَا كلْبٌ. (انْظُر الحَدِيث ٣٢٢٧) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعمر بن مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر، وَسَالم شَيْخه هُوَ عَم أَبِيه وَهُوَ ابْن عبد الله بن عمر. والْحَدِيث مضى فِي بَدْء الْخلق فِي: بَاب إِذا قَالَ أحدكُم: آمين، فَإِنَّهُ أخرجه عَن يحيى بن سُلَيْمَان أَيْضا إِلَى آخِره. قَوْله: (جِبْرِيل) مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل: وعد قَوْله: (فَرَاثَ عَلَيْهِ) أَي: أَبْطَأَ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة مُسلم زَادَت عَائِشَة: فِي سَاعَة يَأْتِيهِ فِيهَا. قَوْله: (فَخرج النَّبِي ﷺ أَي: من الْبَيْت فَلَقِيَهُ، أَي: فلقي جِبْرِيل ﵇، خَارج الْبَيْت. قَوْله: (فَشَكا إِلَيْهِ) أَي: فَشَكا النَّبِي ﷺ ، إِلَى جِبْرِيل ﵇. قَوْله: (مَا وجد) أَي: من انْتِظَاره ومكانة مُفَارقَته، وَكَانَ تَحت سَرِير عَائِشَة جرو كلب، وَقيل: تَحت فسطاط لرَسُول الله ﷺ . ٩٥ - (بابُ منْ لَمْ يَدْخُلْ بَيْتاً فِيهِ صُورَةٌ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ من لم يدْخل بَيْتا فِيهِ صُورَة. ٥٩٦١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مالِكٍ عَنْ نافِعٍ عَنِ القاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عائِشَةَ ﵂، زَوْجِ النبيِّ ﷺ أنَّها أخْبَرَتْهُ أنَّها اشتَرَتْ نُمْرِقَةً فِيها تَصاوِيرُ، فَلَمَّا رَآها رسولُ الله ﷺ قَامَ عَلَى البابِ فَلَمْ يَدْخُلْ، فَعَرَفَتْ فِي وجْهِهِ الكراهِيَّةَ، قالَتْ: يَا رسولَ الله ﴿أتُوبُ إِلَى الله وَإِلَى رسُولِهِ﴾ مَاذَا أذْنَبْتُ؟ قَالَ: مَا بالُ هاذِهِ النَّمْرُقَةِ؟ فقالَتْ: اشْتَرَيْتُها لِتَقْعُد عَلَيْها وتَوَسّدَها. فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : إنَّ أصْحابَ هاذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القيامَةِ، ويُقالُ لَهُمْ: أحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ. وَقَالَ: إنَّ البَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ المَلائِكَةُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَقد تقدم هَذَا الحَدِيث فِي الْبيُوع فِي: بَاب التِّجَارَة فِيمَا يكره لبسه للرِّجَال، وَمضى أَيْضا فِي أول: بَاب من كره الْقعُود على الصُّورَة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. وَفَائِدَة التّكْرَار فِيهِ وَفِي أَمْثَاله وضع التراجم وَاخْتِلَاف الروَاة. ٩٦ - (بابُ مَنْ لَعَنَ المُصَوِّرَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ من لعن الَّذِي يصنع الصُّورَة. ٥٩٦٢ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قَالَ: حدّثني غُنْدَرٌ حدّثنا شُعْبَةُ عَنْ عَوْنِ بنِ أبي جحَيْفَةَ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ اشْتَرَى غُلَاماً حَجَّاماً، فَقَالَ: إنَّ النبيَّ ﷺ نَهاى عَنْ ثَمنِ الدَّمِ وثمَنِ الكلْبِ وكَسْبِ البَغِيِّ وَلَعَنَ آكِلَ الرِّبا ومُوكِلَهُ والواشِمَة والمُسْتَوْشمَةَ والمُصَوِّرَ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وغندر هُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَفِي بعض النّسخ صرح باسمه، وَأَبُو جُحَيْفَة وهب. وَقد مضى الحَدِيث فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب ثمن الْكَلْب. وَمضى أَيْضا فِي: بَاب الواشمة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. (وَالْبَغي) : الزَّانِيَة. ٩٧ - (بابٌ مَنْ صَوَّرَ صُورَةً كُلِّفَ يَوْمَ القيامَةِ أنْ يَنْفُخَ فِيها الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنافِخٍ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذمّ من صور ... إِلَى آخِره. وَترْجم بِلَفْظ الحَدِيث وَوَقع عِنْد النَّسَفِيّ: بَاب، بِلَا تَرْجَمَة وَثبتت التَّرْجَمَة عِنْد الْأَكْثَرين، وَسقط الْبَاب.

стр. 6588

٥٩٦٣ - حدَّثنا عَيَّاشُ بنُ الوَلِيدِ حدّثنا عَبْدُ الْأَعْلَى حدّثنا سَعِيدٌ قَالَ: سَمِعْتُ النَّضْرَ بنَ أنَسِ ابنِ مالكٍ يُحَدِّثُ قَتادَةَ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابنِ عَبَّاسٍ وهُمْ يَسْألُونَهُ وَلَا يَذْكُرُ النبيَّ ﷺ حَتَّى سُئِلَ فَقَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّداً ﷺ يَقُولُ: مَنْ صوَّرَ صُورَة فِي الدُّنْيا كلِّفَ يَوْمَ القِيامَةِ أنْ يَنْفُخَ فِيها الرُّوحَ وأَيْسَ بِنافِخٍ. (انْظُر الحَدِيث ٢٢٢٥ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعَيَّاش بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة ابْن الْوَلِيد الرقام، وَعبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى، وَسَعِيد هُوَ ابْن أبي عرُوبَة، وَالنضْر بالنُّون وَالضَّاد الْمُعْجَمَة الساكنة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة فِي: بَاب من صور صُورَة فِي الدُّنْيَا، وَلَفظه عَن النَّضر بن أنس بن مَالك، قَالَ: كنت جَالِسا عِنْد ابْن عَبَّاس فَجعل يُفْتِي وَلَا يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﷺ ، حَتَّى سَأَلَهُ رجل فَقَالَ: إِنِّي رجل أصور هَذِه الصُّورَة، فَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس: أدنه، فَدَنَا الرجل فَقَالَ ابْن عَبَّاس: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: من صور صُورَة ... الحَدِيث. قَوْله: (وَلَيْسَ بنافخ) أَي: لَا يقدر على النفخ فيعذب بتكليف مَا لَا يُطَاق، وَفِي رِوَايَة سعيد بن أبي الْحسن: فَإِن الله يعذبه حَتَّى ينْفخ الرّوح وَلَيْسَ بنافخ فِيهَا أبدا، وَاسْتِعْمَال: حَتَّى، هُنَا نَظِير اسْتِعْمَالهَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ (٧) حَتَّى يلج الْجمل فِي سم الْخياط﴾ (الْأَعْرَاف: ٤٠) وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين ﵀: فِيهِ دلَالَة على أَن المصور لَا يَنْقَطِع تعذيبه لِأَنَّهُ كلف أَن ينْفخ فِي تِلْكَ الصُّورَة الرّوح وَجعل غَايَة عَذَابه إِلَى أَن ينْفخ فِي تِلْكَ الصُّورَة الرّوح، وَأخْبر أَنه لَيْسَ بنافخ فِيهَا، وَهَذَا يَقْتَضِي تخليده فِي النَّار كَقَوْل الْمُعْتَزلَة، ثمَّ أجَاب بِأَن هَذَا مَحْمُول على من يكفر بالتصوير كَالَّذي يصور الْأَصْنَام لتعبد من دون الله، فَإِنَّهُ كفر، وَقَالَ أَيْضا: مَا المُرَاد بقوله: أَن ينْفخ فِيهَا الرّوح؟ هَل المُرَاد بِهِ وجود الْحَيَاة الْمُطلقَة حَتَّى تصير تِلْكَ الصُّورَة حَيَوَانا أَو حَتَّى يصير حَيَوَانا تَاما ناطقاً؟ الظَّاهِر هُوَ الأول. فَإِن قلت: ورد التَّصْرِيح بِالِاحْتِمَالِ الثَّانِي فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: لَا تدخل الْمَلَائِكَة بَيْتا ... الحَدِيث، وَفِيه: فَلَا يزالون يُعَذبُونَ حَتَّى تنطق الصُّورَة وَلَا تنطق. قلت: هَذَا لَا يَصح فَإِنَّهُ من رِوَايَة مُحَمَّد بن أبي الزعير عَنهُ عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن ابْن عَبَّاس، وَذكره ابْن حبَان فِي (الضُّعَفَاء) وَقَالَ فِيهِ: دجال من الدجاجلة، وروى لَهُ حَدِيثا مَوْضُوعا. ٩٨ - (بابُ الإرْتِدافِ عَلَى الدَّابَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الارتداف وَهُوَ إركاب رَاكب الدَّابَّة خَلفه غَيره، وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا وَجه مُنَاسبَة الْبَاب بِالْكتاب؟ يَعْنِي: مُنَاسبَة هَذَا الْبَاب بِكِتَاب اللبَاس، ثمَّ أجَاب بقوله: الْغَرَض مِنْهُ الْجُلُوس على لِبَاس الدَّابَّة وَإِن تعدد أشخاص الراكبين عَلَيْهَا، وَالتَّصْرِيح بِلَفْظ القطيفة فِي الحَدِيث مشْعر بذلك، وَقَالَ بَعضهم، بعد أَن طول مَا لَا فَائِدَة فِيهِ: إِن الَّذِي يرتدف لَا يَأْمَن السُّقُوط فينكشف فيتحفظ المرتدف من السُّقُوط، وَإِذا سقط فيبادر إِلَى السّتْر. قلت: هَذَا جَوَاب فِي غَايَة السُّقُوط، وَمَا معنى تَخْصِيص المرتدف بِعَدَمِ الْأَمْن من السُّقُوط وكل مِنْهُمَا مُشْتَرك فِي هَذَا الْمَعْنى؟ بل الرَّاكِب وَحده أَيْضا لَا يَأْمَن من السُّقُوط غَالِبا، وَمَا قَالَه الْكرْمَانِي أوجه وَإِن كَانَ لَا يَخْلُو عَن تعسف مَا. ١٧٤ - (حَدثنِي قُتَيْبَة حَدثنَا أَبُو صَفْوَان عَن يُونُس بن يزِيد عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن أُسَامَة بن زيد ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ َ - ركب على حمَار على إكاف عَلَيْهِ قطيفة فَدَكِيَّة وَأَرْدَفَ أُسَامَة وَرَاءه) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو صَفْوَان عبد الله بن سعيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان الْأمَوِي والْحَدِيث طرف من حَدِيث طَوِيل مضى فِي الْجِهَاد عَن قُتَيْبَة وَفِي الطِّبّ عَن يحيى بن بكير وَسَيَأْتِي فِي الْأَدَب والاستئذان وَمضى الْكَلَام فِيهِ قَوْله " قطيفة " وَهِي الدثار المخمل والفدكية صفتهَا نِسْبَة إِلَى فدك بِفَتْح الْفَاء وَالدَّال الْمُهْملَة وَهِي قَرْيَة بِخَيْبَر

стр. 6589

وَفِيه مَشْرُوعِيَّة الارتداف - ٩٩ - (بابُ الثَّلاثَةِ عَلَى الدَّابَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ركُوب الْأَنْفس الثَّلَاثَة على دَابَّة وَاحِدَة، أَي: فِي مشروعيته. فَإِن قلت: روى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) عَن جَابر: نهى رَسُول الله ﷺ أَن يركب ثَلَاثَة على دَابَّة، وَأخرج الطَّبَرِيّ عَن أبي سعيد رَفعه: لَا يركب الدَّابَّة فَوق اثْنَيْنِ، وَأخرج ابْن أبي شيبَة من مُرْسل زَاذَان أَنه رأى ثَلَاثَة على بغل، فَقَالَ: لينزل أحدكُم، فَإِن رَسُول الله ﷺ لعن الثَّالِث، وَمن طَرِيق أبي بردة عَن أَبِيه نَحوه، وَمن طَرِيق الْمُهَاجِرين فنفذ ... أَنه لعن فَاعل ذَلِك، وَقَالَ: إِنَّا قد نهينَا أَن نركب الثَّلَاثَة على الدَّابَّة. وَأخرج الطَّبَرِيّ عَن عَليّ ﵁، قَالَ: إِذا رَأَيْتُمْ ثَلَاثَة على دَابَّة فارجموهم حَتَّى ينزل أحدهم. قلت: حَدِيث جَابر ضَعِيف، وَحَدِيث أبي سعيد فِي إِسْنَاده ليّن، وَحَدِيث زادان مُرْسل لَا يُعَارض الْمَرْفُوع الْمُتَّصِل، وَحَدِيث أبي بردة غير مَرْفُوع، وَحَدِيث المُهَاجر ضَعِيف، وَحَدِيث عَليّ مَوْقُوف. وَرُوِيَ مَا يُخَالف ذَلِك، فَأخْرج الطَّبَرِيّ بِسَنَد جيد عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: كَانُوا يَوْم بدر ثَلَاثَة على بعير، وأرج الطَّبَرَانِيّ عَن ابْن أبي شيبَة من طَرِيق الشّعبِيّ عَن ابْن عمر، قَالَ: مَا أُبَالِي أَن أكون عَاشر عشرَة على دَابَّة إِذا طاقت، وَقد جمعُوا بَين مُخْتَلف الحَدِيث فِي ذَلِك أَن النَّهْي مَحْمُول على أَن الدَّابَّة إِذا عجزت عَن ذَلِك كالحمار، وَإِن الْجَوَاز مَحْمُول على أَن الدَّابَّة إِذا أطاقت ذَلِك كالناقة وَالْبَغْلَة، قلت: مُخْتَصر الْجَواب أَن كل مَا جَاءَ من أَخْبَار النَّهْي عَن ركُوب الثَّلَاثَة مرتدفين لَا يُقَاوم حَدِيث الْبَاب وَأَمْثَاله. ٥٩٦٥ - حدَّثنا مُسدَّدٌ حدّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ حدّثنا خالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النبيُّ ﷺ مَكَّةَ اسْتَقْبَلَهُ أُغَيْلِمَةُ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَحَمَلَ واحِداً بَيْنَ يَدَيْهِ والآخَرَ خَلْفَهُ. (انْظُر الحَدِيث ١٧٩٨ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وخَالِد هُوَ ابْن مهْرَان الْحذاء. والْحَدِيث مضى فِي الْحَج فِي: بَاب اسْتِقْبَال الْحَاج القادمين، عَن مُعلى بن أَسد حَدثنَا يزِيد بن زُرَيْع حَدثنَا خَالِد عَن عِكْرِمَة إِلَى آخِره. قَوْله: (لما قدم النَّبِي ﷺ مَكَّة) يَعْنِي: فِي الْفَتْح. قَوْله: (أغيلمة) مصغر أغلمة جمع غُلَام، وَهُوَ شَاذ وَالْقِيَاس غليمة، وَقَالَ ابْن التِّين: كَأَنَّهُمْ صغروا أغلمة على الْقيَاس وَإِن كَانُوا لم ينطقوا بأغلمة، قَالَ: وَنَظِيره: أصيبة. قَوْله: (بني عبد الْمطلب) إِنَّمَا أضافهم إِلَى عبد الْمطلب لكَوْنهم من ذُريَّته، وَيَأْتِي فِي الحَدِيث الَّذِي بعده تَفْسِير الْإِثْنَيْنِ الْمَذْكُورين. ١٠٠ - (بابُ حَمْلِ صاحِبِ الدَّابَةِ غَيْرَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حمل صَاحب الدَّابَّة غَيره بَين يَدَيْهِ، يَعْنِي: أركبه قدامه. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: صاحِبُ الدَّابَةِ أحَقُّ بِصَدْرِ الدَّابَّةِ إلَاّ أنْ يأذَنَ لَهُ هَذَا التَّعْلِيق ثَبت للنسفي وَهُوَ لأبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي وَحده، وَالْبَعْض الْمُبْهم هُوَ عَامر الشّعبِيّ أخرجه ابْن أبي شيبَة عَنهُ، وَقد جَاءَ ذَلِك مَرْفُوعا أخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث حُسَيْن بن عَليّ بن وَاقد: حَدثنِي أبي حَدثنَا عبد الله بن بُرَيْدَة: بَينا رَسُول الله ﷺ ، يمشي إِذْ جَاءَ رجل وَمَعَهُ حمَار، فَقَالَ: يَا رَسُول الله! إركب، وَتَأَخر الرجل فَقَالَ ﷺ : لأَنْت أَحَق بصدر دابتك إلَاّ أَن تَجْعَلهُ لي. فَقَالَ: قد جعلته لَك، فَركب، ثمَّ قَالَ: حسن غَرِيب، وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا، وَأحمد فِي (مُسْنده) وَابْن حبَان وَصَححهُ، وَأخرجه الْحَاكِم أَيْضا، وَهَذَا الرجل هُوَ معَاذ بن جبل، بَينه حبيب بن الشَّهِيد فِي رِوَايَته عَن عبد الله بن بُرَيْدَة، لكنه أرْسلهُ، أخرجه ابْن أبي شيبَة. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : كَأَن البُخَارِيّ لم يرض بِحَدِيث ابْن بُرَيْدَة، وَذكر حَدِيث ابْن عَبَّاس ليدل على مَعْنَاهُ. قلت: الظَّاهِر أَنه مَا وقف على حَدِيث ابْن بُرَيْدَة، وَكَيف لَا يرضى بِهِ وَقد أخرجه هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة الْكِبَار أَصْحَاب الشَّأْن؟ .

стр. 6590

٥٩٦٦ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّار حدَّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ حَدثنَا أيُّوبُ قَالَ: ذُكِرَ الأشَرُّ الثَّلاثَةِ عِنْد عِكْرِمَةَ فَقَالَ: قَالَ ابنُ عبَّاسٍ: أتَى رسولُ الله ﷺ وَقَدْ حَمَلَ قُثَمَ بَيْنَ يَدَيْهِ والفَضْلَ خَلْفَهُ أوْ قُثَمَ خَلْفَهُ والفَضْلَ بَيْنَ يَدَيْهِ فأيُّهُمْ شَرٌّ أوْ أيُّهُمْ خَيْرٌ. (انْظُر الحَدِيث ١٧٩٨ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَقد حمل قثم بَين يَدَيْهِ) ، وَعبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ. والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (ذكر) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (إِلَّا أشر الثَّلَاثَة) ، أَي: على الدَّابَّة، هَكَذَا بِالْألف وَاللَّام فِي الأشر رِوَايَة الْحَمَوِيّ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: شَرّ الثَّلَاثَة، بِدُونِ الْألف وَاللَّام، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: اشر، بِزِيَادَة ألف فِي أَوله، وَقَالَ الْكرْمَانِي مَا ملخصه: إِن فِيهِ ثَلَاثَة أَشْيَاء غَرِيبَة الأول: أَن الْمَشْهُور من اسْتِعْمَال هَذِه الْكَلِمَة أَن يُقَال: شَرّ وَخير، وَلَا يُقَال: أشر وأخير. الثَّانِي: فِيهِ الْإِضَافَة مَعَ لَام التَّعْرِيف على خلاف الأَصْل. وَالثَّالِث: أَن أَفعَال التَّفْضِيل لَا يسْتَعْمل إلَاّ بِأحد الْوُجُود الثَّلَاثَة وَلَا يجوز جمع إثنين مِنْهَا، وَقد جمع هَهُنَا بَينهمَا. الْجَواب عَن الأول: أَن الأشر والأخير أَيْضا لُغَة فصيحة، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث عبد الله بن سَلام: أخيرنا وَابْن أخيرنا. وَعَن الثَّانِي: أَن التَّعْرِيف فِيهِ كالتعريف فِي الْحسن الْوَجْه والضارب الرجل والواهب الْمِائَة. وَعَن الثَّالِث: أَن الأشر فِي حكم الشَّرّ، وَرُوِيَ: الأشر الثَّلَاثَة، برفعهما على الِابْتِدَاء وَالْخَبَر أَي: أشر الركْبَان هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة، وحينئذٍ فَمَعْنَى: أَيهمْ؟ أَي: الركْبَان أشر، أَو: أَيهمْ أخير. قَوْله: (قثم) بِضَم الْقَاف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة المخففة ابْن الْعَبَّاس الْهَاشِمِي كَانَ آخر النَّاس عهدا برَسُول الله ﷺ ، ولي مَكَّة من قبل عَليّ بن أبي طَالب ﵁، ثمَّ سَار أَيَّام مُعَاوِيَة إِلَى سَمَرْقَنْد وَاسْتشْهدَ بهَا، وقبره بهَا. وَقيل: بمرو، وَالْأول أصح، وَوَقع فِي (الْكَمَال) للمقدسي ذكره لَهُ فِي غير الصَّحَابَة، وَأَن البُخَارِيّ روى لَهُ وَلَيْسَ كَمَا ذكره، وَإِنَّمَا وَقع ذكره فِيهِ، وَقثم على وزن عمر معدول عَن قاثم، وَهُوَ الْمُعْطِي، غير منصرف للعدل والعلمية. قَوْله: (وَالْفضل) هُوَ ابْن الْعَبَّاس ثَبت مَعَ رَسُول الله ﷺ ، يَوْم حنين حِين انهزم النَّاس، مَاتَ بِالشَّام سنة ثَمَان عشرَة على الصَّحِيح. قَوْله: (أَو قثم خَلفه) شكّ م الرَّاوِي. قَوْله: (فَأَيهمْ شَرّ أَو أَيهمْ خير) هَذَا كَلَام عِكْرِمَة يرد بِهِ على من ذكر لَهُ شَرّ الثَّلَاثَة، وَحَاصِل هَذِه المذاكرة أَنهم ذكرُوا عِنْد عِكْرِمَة أَن ركُوب الثَّلَاثَة على دَابَّة شَرّ وظلم، وَأَن الْمُقدم أشر أَو الْمُؤخر؟ فَأنْكر عِكْرِمَة ذَلِك، وَاسْتدلَّ بِفعل النَّبِي ﷺ ، إِذْ لَا يجوز نِسْبَة الظُّلم إِلَى أحد مِنْهُم لِأَنَّهُمَا ركبا بِحمْلِهِ ﷺ إيَّاهُمَا. ١٠١ - (بابُ إرْدافِ الرَّجُلِ خَلْفَ الرَّجُلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز إرداف الرجل خلف الرجل على الدَّابَّة، وَوَقع فِي كتاب ابْن بطال: بَاب بِلَا تَرْجَمَة، وَمحل حَدِيث الْبَاب الإرداف، فَلَو ذكره فِيهِ مَعَ حَدِيث أُسَامَة كَانَ أولى. ٥٩٦٧ - حدَّثنا هُدْبَةُ بن خالِدٍ حَدثنَا هَمامٌ حَدثنَا قَتادةُ حدَّثنا أنَسُ بنُ مالِكٍ عَنْ مُعاذِ ابنِ جَبَلٍ ﵁، قَالَ: بَيْنا أَنا رَدِيفُ النبيِّ ﷺ ، لَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَهُ إلَاّ آخِرَهُ الرَّحْلِ، فَقَالَ: يَا مُعاذ ﴿قُلْتُ: لَبَّيْكَ رسولَ الله وسَعْدَيْكَ﴾ ثُمَّ سارَ ساعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعاذُ ﴿قُلْتُ: لَبَّيْكَ رسولَ الله وسَعْدَيْكَ﴾ ثُمَّ سارَ ساعَةَ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعاذُ ﴿قُلْتُ: لَبَّيْكَ رسولَ الله وسَعْدَيْكَ﴾ قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الله عَلَى عِبادِهِ؟ قُلْتُ: الله ورسولهُ أعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ الله عَلَى عِبادِهِ أنْ يَعْبدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، ثُمَّ سارَ ساعَةً ثُمَّ قَالَ: يَا مُعاذُ بنَ جبَلٍ ﴿قُلْتُ: لَبَّيْكَ رسولَ الله وسَعْدَيْكَ﴾ فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ العِبادِ عَلَى الله إذَا فَعَلُوهُ؟ قُلْتُ: الله ورسولُهُ أعْلَمُ. قَالَ: حَقُّ العِبادِ عَلَى الله أنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ.

стр. 6591

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَنا رَدِيف رَسُول الله ﷺ . وَهَمَّام بتَشْديد الْمِيم الأولى ابْن يحيى الْبَصْرِيّ. والْحَدِيث أخرجه أَيْضا فِي الرقَاق عَن هدبة، وَفِي الاسْتِئْذَان عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن هداب ابْن خَالِد وَهُوَ هدبة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن عَمْرو بن عَليّ. قَوْله: (بَينا) قد ذكرنَا غير مرّة أَن أَصله: بَين، فزيدت فِيهِ الْألف، وَرُبمَا تزاد الْمِيم أَيْضا وَهُوَ مُضَاف إِلَى جملَة وَيحْتَاج إِلَى جَوَاب. قَوْله: (رَدِيف النَّبِي ﷺ كَذَا فِي الْأُصُول، وَجَاء: ردف، بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الدَّال والردف والرديف هُوَ الرَّاكِب خلف الرَّاكِب، واصله من ركُوبه على الردف وَهُوَ الْعَجز، وَقَالَ ابْن سَيّده: وَخص بِهِ بَعضهم عجيزة الْمَرْأَة، وردف كل شَيْء مؤخره، والردف مَا تبع الشَّيْء وَالْجمع من كل ذَلِك أرداف، وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: الردف الَّذِي يركب وَرَاءَك وَهُوَ ردفك ورديفك، وَأنكر بَعضهم الرديف، وَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ الردف وكل شَيْء جَاءَ بعْدك فقد ردفك، وَتقول فِي الْقَوْم نزل بهم أَمر: قد ردف لَهُم أَمر أعظم مِنْهُ، والردف مَوضِع مركب الرديف، وَهَذَا يرذون لَا يردف وَلَا يرادف، وَأنكر بَعضهم بردف، وَقَالَ: إِنَّمَا يُقَال: لَا يرادف، وأردفته إِذا ركبت وَرَاءه، وَإِذا جِئْت بعده، وَمِنْه. قَوْله : ﴿مُردفِينَ﴾ قَالُوا: وَالْعرب تَقول: جِئْت مردفاً لفُلَان، أَي: جِئْت بعده وَجَاء الْقَوْم مرادفين، والرداف جمع رَدِيف، وَجَاء الْقَوْم ردافاً أَي: بَعضهم فِي إِثْر بعض، وأرداف الْمُلُوك فِي الْجَاهِلِيَّة هم الَّذين كَانُوا يخلفون الْمُلُوك، وترادفت الْأَشْيَاء إِذا تَتَابَعَت. وَفِي (كتاب الأرداف) لِابْنِ مَنْدَه: أرْدف رَسُول الله ﷺ ، جمَاعَة كَثِيرَة انْتهى بهم نَحْو الثَّلَاثِينَ، مِنْهُم: أَوْلَاد الْعَبَّاس وَعبد الله بن جَعْفَر وَأَبُو هُرَيْرَة وَقيس بن سعد بن عبَادَة وَصفِيَّة وَأم حبيب الجهنية. قَوْله: (لَيْسَ بيني وَبَينه إِلَّا آخِرَة الرحل) المُرَاد بِهِ الْمُبَالغَة فِي شدَّة قربه إِلَيْهِ ليَكُون أوقع فِي نفس السَّامع فيضبط. قَوْله: (وآخرة) بِوَزْن: فاعلة، وَهِي العودة الَّتِي يسْتَند إِلَيْهَا الرَّاكِب من خَلفه، (والرحل) بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة الكور هُنَا وَهُوَ للناقة كالسرج للْفرس. قَوْله: (لبيْك) ، قد مر تَفْسِيره فِي الْحَج. قَوْله: (وَسَعْديك) ، أَي: ساعدت طَاعَتك مساعدة بعد مساعدة. وتكرير قَوْله: (يَا معَاذ) لتأكيد الاهتمام بِمَا يخبر بِهِ. قَوْله: (مَا حق الله؟) الْحق الشَّيْء الثَّابِت، وَيَأْتِي بِمَعْنى: خلاف الْبَاطِل، وَيسْتَعْمل بِمَعْنى الْوَاجِب والجدير. قَوْله: (إِذا فَعَلُوهُ) ، أَي: إِذا أَدّوا حق الله تَعَالَى. قَوْله: (مَا حق الْعباد على الله؟) يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون أَرَادَ حَقًا شَرْعِيًّا لَا وَاجِبا بِالْعقلِ، كَمَا تَقول الْمُعْتَزلَة، وَكَأَنَّهُ لما وعد بِهِ ووعده الصدْق صَار حَقًا من هَذِه الْجِهَة. وَالثَّانِي: أَن يكون هَذَا من بَاب المشاكلة، وَهُوَ نوع من أَنْوَاع البديع الَّذِي يحسن بِهِ الْكَلَام. ١٠٢ - (بابُ إرْدَافِ المَرْأةِ خَلْفَ الرَّجُلِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إرداف الرأة خلف الرجل على الدَّابَّة، هَذِه التَّرْجَمَة هَكَذَا هِيَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: إرداف الْمَرْأَة خلف الرجل ذَا محرم، أَي: حَال كَون الرجل ذَا محرم من الْمَرْأَة، وروى بعض، ذِي محرم، على أَنه صفة للرجل. ٥٩٦٨ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الصَّبَّاحِ حَدثنَا يَحْياى بنُ عبَّادٍ حَدثنَا شُعْبَةُ أَخْبرنِي يَحْياى بنُ أبي إسْحاقَ قَالَ: سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ ﵁، قَالَ: أقْبَلْنا مَع رسُولِ الله ﷺ مِنْ خَيْبَرَ وإنِّي لَرَدِيفُ أبي طَلْحَةَ وَهْوَ يَسِيرُ، وبَعْضُ نِساءِ رسولِ الله ﷺ رَدِيفُ رسولِ الله ﷺ ، إذْ عَثَرَتِ النَّاقَةُ، فَقُلْتُ: المَرْأةَ، فَنَزَلْتُ فَقَالَ رسُولُ الله ﷺ : إنَّها أُمُّكُمْ، فَشَدَدْتُ الرَّحْلَ ورَكِبَ رسولَ الله ﷺ فَلَمَّا دَنأوْ: رَأى المَدِينَةِ قَالَ: آيِبُونَ تائِبُونَ عابِدُونَ، لِرَبِّنا حامِدُونَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والصباح بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الْبَغْدَادِيّ، وَيحيى بن عباد بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، وَيحيى بن أبي إِسْحَاق الْحَضْرَمِيّ الْبَصْرِيّ. والْحَدِيث قد مضى فِي الْجِهَاد عَن أبي معمر، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (رَدِيف أبي طَلْحَة) ، وَهُوَ زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ زوج أم أنس. قَوْله: (فَقلت: الْمَرْأَة) ، بِالنّصب أَي: إحفظها، وبالرفع: جَاءَ، أَي: قلت وَقعت الْمَرْأَة، وَهِي صَفِيَّة بنت حَيّ أم الْمُؤمنِينَ. قَوْله: (فَنزلت) ، بِلَفْظ الْمُتَكَلّم، قَوْله: (إِنَّهَا أمكُم) ، إِنَّمَا

стр. 6592

قَالَ ذَلِك ليذكرهم أَنَّهَا وَاجِبَة التَّعْظِيم. قَوْله: (فشددت الرحل) قَائِله أنس، وَهُوَ الَّذِي نزل وَشد الرحل، وَفِي أَوَاخِر الْجِهَاد من وَجه آخر عَن يحيى بن أبي إِسْحَاق، وَفِيه: أَن الَّذِي فعل ذَلِك أَبُو طَلْحَة، وَأَن الَّذِي قَالَ: الْمَرْأَة، رَسُول الله ﷺ ، وَالِاخْتِلَاف فِيهِ على يحيى بن أبي إِسْحَاق رَاوِيه عَن أنس، قَالَ شُعْبَة: عَنهُ، مَا فِي هَذَا الْبَاب. وَقَالَ عبد الْوَارِث وَبشر بن الْمفضل كِلَاهُمَا عَنهُ: مَا ذكره فِي الْجِهَاد وَهُوَ الْمُعْتَمد، فَإِن الْقِصَّة وَاحِدَة ومخرج الحَدِيث وَاحِد وَلَا سِيمَا أَن أنسا كَانَ إِذْ ذَاك صَغِيرا يعجز عَن تعَاطِي هَذَا الْأَمر، وَلَكِن لَا يمْتَنع أَن يساعد أَبَا طَلْحَة زوج أمه على شَيْء من ذَلِك، فَبِهَذَا يرْتَفع الْإِشْكَال. ١٠٣ - (بابُ الإسْتِلْقاءِ وَوَضْعِ الرِّجْلِ عَلَى الأُخْراى) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان استلقاء الرجل على قَفاهُ وَوضع إِحْدَى رجلَيْهِ على الرجل الْأُخْرَى، وَجه ذكر هَذِه التَّرْجَمَة فِي كتاب اللبَاس، وَبِه خَتمه، وَهُوَ أَنه لَوْلَا اللبَاس لانكشفت عَوْرَته عِنْد استلقائه، أَو: من جِهَة مماسة الظّهْر للباس أَو للبساط. ٥٩٦٩ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ حدّثنا إبْراهِيمُ بنُ سَعْدٍ حدّثنا ابنُ شِهابٍ عَنْ عَبَّادِ بنِ تَميمٍ عَنْ عَمِّهِ أنهُ أبْصرَ النبيَّ ﷺ يَضْطَجِعُ فِي المسْجِدِ رافِعاً إحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى. (انْظُر الحَدِيث ٤٧٥ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس الْكُوفِي نسب إِلَى جده، وَإِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، كَانَ على قَضَاء بَغْدَاد، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَعباد بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن تَمِيم بن زيد بن عَاصِم الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، يروي عَن عَمه عبد الله بن زيد الْأنْصَارِيّ. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الاستلقاء فِي الْمَسْجِد، أخرجه عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن عباد بن تَمِيم ... إِلَى آخِره. وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ، وَاحْتج بِهَذَا الحَدِيث جمَاعَة مِنْهُم: الْحسن الْبَصْرِيّ وَالشعْبِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب وَأَبُو مجَاز وَمُحَمّد ابْن الْحَنَفِيَّة، وَخَالفهُم آخَرُونَ فَقَالُوا: يكره ذَلِك، مِنْهُم: مُحَمَّد بن سِيرِين وَمُجاهد وطاووس وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ فَإِنَّهُم احْتَجُّوا فِيهِ بِمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر: أَن رَسُول الله ﷺ ، (نهى عَن اشْتِمَال الصماء والاحتباء فِي ثوب وَاحِد وَأَن يرفع الرجل إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى وَهُوَ مستلقٍ على ظَهره) ، وَأَجَابُوا عَنهُ بِأَنَّهُ مَنْسُوخ بِفِعْلِهِ ﷺ ، وَهُوَ الَّذِي يدل عَلَيْهِ حَدِيث الْبَاب، وَفعله ﷺ ، على وَجه الرَّاحَة، وَكَذَا فعله الصّديق والفاروق وَعُثْمَان ﵃، وَلَا يجوز أَن يخفى عَلَيْهِم النّسخ فِي ذَلِك. ٧٨ - (كتابُ الأدَبِ) سَقَطت الْبَسْمَلَة عِنْد الْبَعْض. قَوْله: (كتاب الْأَدَب) أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان الْأَدَب وَله أَنْوَاع سنذكرها، وَقد قُلْنَا فِيمَا مضى: إِن الْكتاب يجمع الْأَبْوَاب، والأبواب تجمع الْفُصُول، وَلم يذكر فِي البُخَارِيّ لفظ: فصل، غير أَنه يذكر فِي بعض الْمَوَاضِع لفظ: بَاب، كَذَا مُجَردا وَهُوَ عِنْده بِمَنْزِلَة الْفَصْل يتَعَلَّق بِمَا قبله، أما الْأَدَب فَقَالَ الْقَزاز: يُقَال: أدب الرجل يأدب إِذا كَانَ أديباً كَمَا يُقَال: كرم يكرم إِذا كَانَ كَرِيمًا، وَالْأَدب مَأْخُوذ من المأدبة وَهُوَ طَعَام يتَّخذ ثمَّ يدعى النَّاس إِلَيْهِ فَكَانَ الْأَدَب مِمَّا يدعى كل أحد إِلَيْهِ. يُقَال: أدبه الْمُؤَدب تأديباً فَهُوَ مؤدب بِفَتْح الدَّال. والمعلم مؤدب بِكَسْر الدَّال وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يردد إِلَيْهِ الدعْوَة إِلَى الْأَدَب فَكثر الْفِعْل التَّشْدِيد وَالْأَدب الدَّاعِي، وَفِي كتاب الواعي) لأبي مُحَمَّد: سمي الْأَدَب أدباً لِأَنَّهُ يَدعُوهُ إِلَى المحامد، وَقَالَ ابْن طريف فِي (الْأَفْعَال) : أدب الرجل، وأدب بِضَم الدَّال وَكسرهَا أدباً: صَار أديباً فِي خلق أَو علم. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْأَدَب أدب النَّفس والدرس، تَقول مِنْهُ: أدب رجل فَهُوَ أديب، وَفِي (الْمُنْتَهى) لأبي الْمَعَالِي: استأدب الرجل بِمَعْنى تأدب، وَالْجمع أدباء، وَعَن أبي زيد: الْأَدَب إسم يَقع على كل رياضة محمودة

стр. 6593

يتَخَرَّج بهَا الْإِنْسَان فِي فَضِيلَة من الْفَضَائِل، وَقيل: الْأَدَب اسْتِعْمَال مَا يحمد قولا وفعلاً، وَقيل: الْأَخْذ بمكارم الْأَخْلَاق، وَقيل: الْوُقُوف مَعَ المستحسنات، وَقيل: هُوَ تَعْظِيم من فَوْقك والرفق بِمن دُونك فَافْهَم. ١ - (بابُ البِرِّ والصِّلَةِ وقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿الْإِنْسَان بِوَالِديهِ حسنا﴾ (العنكبوت: ٨) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر الْبر والصلة، وَالْبر وَالْإِحْسَان وَمِنْه الْبر فِي حق الْوَالِدين وَهُوَ فِي حَقّهمَا وَحقّ الْأَقْرَبين من الْأَهْل، ضد العقوق وَهُوَ الْإِسَاءَة إِلَيْهِم والتضييع لحقهم، يُقَال: بريبر فَهُوَ بار وَجمعه بررة، وَجمع الْبر أبرار، والصلة هِيَ صلَة الْأَرْحَام وَهِي كِنَايَة عَن الْإِحْسَان إِلَى الْأَقْرَبين من ذَوي النّسَب والأصهار والتعطف عَلَيْهِم والرفق بهم وَالرِّعَايَة لأحوالهم، وَكَذَلِكَ إِن بعدوا وأساؤوا، وَقطع الرَّحِم قطع ذَلِك كُله، يُقَال: وصل رَحمَه يصلها وصلا وصلَة، وأصل الصِّلَة: وصل، فحذفت الْوَاو تبعا لفعله وعوضت عَنْهَا الْهَاء فَكَأَنَّهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِم قد وصل مَا بَينه وَبينهمْ من علاقَة الْقَرَابَة والصهر. وَقَوله: (بَاب الْبر ... إِلَخ) هَكَذَا وَقع لأكْثر الروَاة وَحذف بَعضهم لفظ: الْبر والصلة، وَاقْتصر النَّسَفِيّ على قَوْله: كتاب الْبر والصلة ... إِلَى آخِره قَوْله: (وَقَول الله) بِالْجَرِّ عطفا على مَا قبله من الْمَجْرُور بِالْإِضَافَة، هَذِه الْآيَة وَقعت بِهَذَا اللَّفْظ فِي العنكبوت وَفِي الأحقاق أما الَّتِي فِي العنكبوت فَهِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَوَصينَا الْإِنْسَان. . لَك بِهِ علم﴾ (الْأَحْقَاف: ١٥) ، وَأما الَّتِي فِي الأحقاق فَهِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿ (١٣) وَوَصينَا الْإِنْسَان بِوَالِديهِ إحساناً حَملته أمه كرها وَوَضَعته كرها﴾ (لُقْمَان: ١٤) وَفِي لُقْمَان أَيْضا: ﴿وَوَصينَا الْإِنْسَان بِوَالِديهِ حَملته أمه وَهنا على وَهن﴾ ... الْآيَة. وَالْمرَاد هُنَا الْآيَة الَّتِي فِي العنكبوت، وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة مَا رُوِيَ عَن سعد بن أبي وَقاص ﵁، أَنه قَالَ: نزلت يَعْنِي: الْآيَة الْمَذْكُورَة فِي خَاصَّة، كنت رجلا باراً بأمي، فَلَمَّا أسلمت قَالَت: يَا سعد! مَا هَذَا الَّذِي أحدثت؟ لتدعن دينك هَذَا أَو لَا آكل وَلَا أشْرب، وَلَا يعلني سقف حَتَّى أَمُوت فتعير فِي فَيُقَال: يَا قَاتل أمه، فَقلت: لَا تفعلي يَا أُمَّاهُ فَإِنِّي لَا أترك ديني هَذَا، فَمَكثت يَوْمًا وَلَيْلَة لَا تَأْكُل، فَلَمَّا أَصبَحت جهدت وَمَكَثت يَوْمًا آخر وَلَيْلَة كَذَلِك، فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك مِنْهَا، قلت: تعلمين وَالله يَا أُمَّاهُ لَو كَانَت لَك مائَة نفس فَخرجت نفسا نفسا مَا تركت ديني هَذَا، فكلي إِن شِئْت أَو لَا تأكلي، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِك أكلت فَنزلت هَذِه الْآيَة، وَالَّتِي فِي لُقْمَان والأحقاف وَأمره ﷺ ، أَن يرضيها وَيحسن إِلَيْهَا وَلَا يطيعها فِي الشّرك. قلت: إسم أم سعد الْمَذْكُورَة: حمْنَة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم بعْدهَا نون بنت سُفْيَان بن أُميَّة وَهِي ابْنة عَم أبي سُفْيَان بن حَرْب بن أُميَّة، وَلم يعلم إسْلَامهَا واقتضت الْآيَة الْكَرِيمَة الْوَصِيَّة بالوالدين وَالْأَمر بطاعتهما وَلَو كَانَا كَافِرين إِلَّا إِذا أمرا بالشرك فَتجب معصيتهما فِي ذَلِك. قَوْله: (حسنا) نصب بِنَزْع الْخَافِض أَي: بِحسن، وقرىء إحساناً على تَقْدِير: أَن تحسن إحساناً، وحسناً أَعم فِي الْبر. ٥٩٧٠ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ: الوَلِيدُ بنُ عَيْزار أَخْبرنِي قَالَ: سمعْتُ أَبَا عَمْرو الشَّيْبانِيّ يَقُولُ: أخبرنَا صاحبُ هاذِهِ الدَّارِ. وأوْمَأ بِيَدِهِ إِلَى دارِ عَبْدِ الله. قَالَ: سألْتُ النبيَّ ﷺ : أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إِلَى الله؟ قَالَ: الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِها، قَالَ: ثُمَّ أيُّ؟ قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الوالِدَيْنِ، قَالَ: ثُمَّ أيُّ. قَالَ: الجهادُ فِي سَبِيلِ الله، قَالَ: حدّثني بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزادَنِي. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن قَوْله: بَاب الْبر، هُوَ بر الْوَالِدين وَالْآيَة أَيْضا فِي بر الْوَالِدين. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، والوليد بن عيزار بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا زَاي ثمَّ رَاء، وَوَقع لبَعض الروَاة: الْعيزَار، بِالْألف وَاللَّام. قَوْله قَالَ: الْوَلِيد بن عيزار أَخْبرنِي، هُوَ من تَقْدِيم اسْم الرَّاوِي على الصِّيغَة، وَهُوَ جَائِز، وَكَانَ شُعْبَة يَسْتَعْمِلهُ كثيرا، وَأَبُو عمر والشيباني اسْمه سعد بن أبي إِيَاس، والشيباني من شَيبَان بن ثَعْلَبَة بن عكامة بن صَعب بن عَليّ بن بكر بن وَائِل، أدْرك زمَان النَّبِي ﷺ وعاش مائَة وَعشْرين سنة، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود ﵁. والْحَدِيث مضى فِي مَوَاقِيت الصَّلَاة فِي: بَاب فضل الصَّلَاة لوَقْتهَا، بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن. فَإِن قلت: تقدم فِي: بَاب الْإِيمَان إِن إطْعَام الطَّعَام خير أَعمال

стр. 6594

الْإِسْلَام وَأحب الْعَمَل أَدْوَمه، فَمَا وَجه الْجمع بَينه وَبَين حَدِيث الْبَاب؟ قلت: الِاخْتِلَاف بِالنّظرِ إِلَى الْأَوْقَات أَو الْأَحْوَال أَو الْحَاضِرين، فَقدم فِي كل مقَام مَا يَلِيق بِهِ أَو بهم. ٢ - (بابٌ مَنْ أحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ من أَحَق النَّاس أَن يصحب بِحسن الصُّحْبَة، يُقَال: صَحبه يَصْحَبهُ صُحْبَة، بِالضَّمِّ وصحابة بِالْفَتْح، قَالَ الْجَوْهَرِي: وَالصَّحَابَة بِالْفَتْح الْأَصْحَاب وَهُوَ فِي الأَصْل مصدر وَالْأَصْحَاب جمع صحب، مثل: فرخ وأفراخ، وَجمع الْأَصْحَاب أصَاحب. ٥٩٧١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمارَةَ بنِ القَعْقاعِ بنِ شُبْرُمَةَ عَنْ أبِي زُرْعَةَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى رسولِ الله ﷺ ، فَقَالَ: يَا رسولَ الله ﴿مَنْ أحَقُّ النَّاس بِحُسْنِ صَحابَتِي؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أبُوكَ. قَالَ ابنُ شُبْرُمَةَ ويَحْياى بنُ أيُّوبَ: حَدثنَا أبُو زُرْعَةَ مِثْلَهُ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَجَرِير بن عبد الحميد، وَعمارَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم ابْن الْقَعْقَاع بِفَتْح القافين وَإِسْكَان الْمُهْملَة الأولى ابْن شبْرمَة بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وتسكين الْبَاء الْمُوَحدَة وَضم الرَّاء ابْن أخي عبد الله بن شبْرمَة الضَّبِّيّ الْكُوفِي، وَأَبُو زرْعَة هرم بن عَمْرو بن جرير بن عبد الله البَجلِيّ الكوفيُّ، وَاعْلَم أَن قَوْله: (عَن عمَارَة بن الْقَعْقَاع بن شبْرمَة) كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَوَقع عِنْد النَّسَفِيّ وَلأبي ذَر عَن الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: عَن عمَارَة بن الْقَعْقَاع وَابْن شبْرمَة، بِزِيَادَة: وَاو، الْعَطف وَالصَّوَاب حذفهَا فَإِن رِوَايَة ابْن شبْرمَة ذكرهَا فِي آخر الحَدِيث، وَهُوَ عبد الله بن شبْرمَة قَاضِي الْكُوفَة عَم عمَارَة بن الْقَعْقَاع ابْن شبْرمَة الْمَذْكُور. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن قُتَيْبَة وَزُهَيْر وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن أبي كريب. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْوَصَايَا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. قَوْله: (جَاءَ رجل) قَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون هَذَا الرجل مُعَاوِيَة بن حيدة لِأَن البُخَارِيّ أخرج فِي (الْأَدَب الْمُفْرد) من حَدِيثه، قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله﴾ من أبر؟ قَالَ: أمك ... الحَدِيث. وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ. قلت: جَاءَت أَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب مِمَّا يشبه حَدِيث الْبَاب فَلَا يتَعَيَّن فِي الِاحْتِمَال مُعَاوِيَة بن حيدة. مِنْهَا حَدِيث أنس رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) قَالَ: أَتَى رجل النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي لأشتهي الْجِهَاد وَلَا أقدر عَلَيْهِ، قَالَ: فَهَل بَقِي أحد من والديك؟ قَالَ: أُمِّي. قَالَ: قَاتل بِاللَّه فِي برهَا فَإِذا فعلت ذَلِك فَأَنت حَاج مُعْتَمر وَمُجاهد، وَمِنْهَا حَدِيث بُرَيْدَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الصَّغِير) أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنِّي حملت أُمِّي على عنقِي فرسخين فِي رَمْضَاءُ شَدِيدَة، لَو ألقيت فِيهَا قِطْعَة لحم لنضجت، فَهَل أدّيت شكرها؟ فَقَالَ: لَعَلَّه أَن يكون بِطَلْقَة وَاحِدَة. وَمِنْهَا حَدِيث ابْن عَبَّاس أخرجه تَمام: أَن رجلا أَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: إِنِّي نذرت إِن فتح الله عَلَيْك مَكَّة أَن آتِي الْبَيْت، فَأقبل أَسْفَل الأسكفة فَقَالَ: قبل قدمي أمك، وَقد وفيت نذرك. وَمِنْهَا حَدِيث ابْن مَسْعُود رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله: إِن لي أَهلا وَأَبا وَأما فَأَيهمْ أَحَق بصلتي؟ قَالَ: أمك وأباك وأختك وأخاك ثمَّ أدناك أدناك. وَمِنْهَا حَدِيث مُعَاوِيَة بن جاهمة أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه بِلَفْظ: أتيت رَسُول الله ﷺ فَقلت: يَا رَسُول الله ﴿إِنِّي كنت أردْت الْجِهَاد مَعَك أَبْتَغِي بذلك وَجه الله وَالدَّار الْآخِرَة﴾ قَالَ: وَيحك! أحية أمك؟ قلت: نعم. قَالَ: إرجع فبرها، ثمَّ أَتَيْته من الْجَانِب الآخر فَذكر الحَدِيث فِي سُؤَاله كَذَلِك ثَانِيَة، فَقَالَ: إرجع وبرها، وسؤاله لَهُ كَذَلِك ثَالِثَة، قَالَ: وَيحك إلزم رجلهَا فشم الْجنَّة، اللَّفْظ لِابْنِ مَاجَه. قَوْله: (إمك) إِلَى قَوْله: (قَالَ ابْن شبْرمَة) كُله مَرْفُوع لجَمِيع الروَاة، وَوَقع عِنْد مُسلم من هَذَا الْوَجْه بِالنّصب وَفِي آخِره: ثمَّ أَبَاك، وَجه الرّفْع على الِابْتِدَاء وَالْخَبَر مَحْذُوف تَقْدِيره: أَبوك أَحَق النَّاس بِحسن الصُّحْبَة، وَيجوز الْعَكْس، وَوجه النصب بإضمار فعل تَقْدِيره: إلزم أَو إحفظ أمك. وَفِيه: دلَالَة على أَن محبَّة الْأُم والشفقة عَلَيْهَا يَنْبَغِي أَن تكون أَمْثَال محبَّة الْأَب لِأَنَّهُ ﷺ كررها ثَلَاثًا. وَذكر الْأَب فِي الرَّابِعَة فَقَط، وَإِذا تؤمل هَذَا الْمَعْنى شهد لَهُ العيان وَذَلِكَ

стр. 6595

أَن صعوبة الْحمل والوضع وَالرّضَاع والتربية تنفرد بهَا الْأُم وتشقى بهَا دون الْأَب، فَهَذِهِ ثَلَاث منَازِل يَخْلُو مِنْهَا الْأَب، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة يدل على أَن طَاعَة الْأُم مُقَدّمَة وَهُوَ حجَّة على من خَالفه، وَزعم المحاسبي أَن تَفْضِيل الْأُم على الْأَب فِي الْبر وَالطَّاعَة هُوَ إِجْمَاع الْعلمَاء، وَقيل لِلْحسنِ: مَا بر الْوَالِدين؟ قَالَ: تبذل لَهما مَا ملكت وتطعيهما فِيمَا أمراك مَا لم يكن مَعْصِيّة. قَوْله: (قَالَ ابْن شبْرمَة) أَي: قَالَ عبد الله بن شبْرمَة قَاضِي الْكُوفَة عَم عمَارَة كَمَا ذكرنَا، وَيحيى بن أَيُّوب حفيد أبي زرْعَة بن عَمْرو بن جرير شَيْخه فِي هَذَا الحَدِيث كِلَاهُمَا رويا بِالتَّعْلِيقِ عَن أبي زرْعَة الْمَذْكُور. قَوْله: (مثله) أَي: مثل الحَدِيث الْمَذْكُور، وَأما تَعْلِيق ابْن شبْرمَة فوصله مُسلم عَن أبي شيبَة: حَدثنَا شريك عَن عمَارَة وَابْن شبْرمَة عَن أبي زرْعَة فَذكره، وَأما تَعْلِيق يحيى بن أَيُّوب فوصله الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيثه عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد عَن مُحَمَّد بن حَفْص: حَدثنَا سهل بن حَمَّاد حَدثنَا يحيى بن أَيُّوب عَن أبي زرْعَة بن عَمْرو بن جرير حَدثنَا جدي أَبُو زرْعَة بِهِ. ٣ - (بابٌ لَا يجاهِدُ إلَاّ بإذْنِ الأبَوَيْنِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يُجَاهد الرجل إلَاّ بِإِذن أَبَوَيْهِ. ٥٩٧٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدّثنا يَحْيَى عَنْ سُفْيانَ وشُعْبَةَ، قَالَا: حَدثنَا حَبِيبُ. (ح) قَالَ: وَحدثنَا مُحَمَّدُ بنُ كَثِير أخْبَرنا سُفْيانُ عَنْ حَبِيب عَنْ أبِي العَبَّاسِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْروٍ قَالَ: قَالَ رجُلٌ لِلنبيِّ ﷺ : أجاهِدُ؟ قَالَ: لَكَ أبَوَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ففِيهِما فَجاهِدْ. (انْظُر الحَدِيث ٣٠٠٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه ﷺ مَا أمره بِالْجِهَادِ إلَاّ فِي أَبَوَيْهِ، فيفهم مِنْهُ أَنه لَا يُجَاهد إلَاّ إِذا أذنا لَهُ بِالْجِهَادِ فيجاهد فَيكون جهاده مَوْقُوفا على إذنهما. وَأخرجه من طَرِيقين: الأول: عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَشعْبَة بن الْحجَّاج كِلَاهُمَا يرويان عَن حبيب بن أبي ثَابت. الثَّانِي: عَن مُحَمَّد بن كثير بالثاء الْمُثَلَّثَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن حبيب عَن أبي الْعَبَّاس السَّائِب الشَّاعِر الْمَكِّيّ عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، والْحَدِيث قد مر فِي الْجِهَاد فِي: بَاب الْجِهَاد بِإِذن الْأَبَوَيْنِ. قَوْله: (ففيهما فَجَاهد) ، الْجَار وَالْمَجْرُور مُتَعَلق بمقدور وَهُوَ: جَاهد، وَالْمَذْكُور مُفَسّر لَهُ وَتَقْدِيره: إِن كَانَ لَك أَبَوَانِ فَجَاهد فيهمَا. ٤ - (بابٌ لَا يَسُبُّ الرَّجُلُ والدَيْهِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يسب الرجل وَالِديهِ، وَهَذَا الْإِسْنَاد مجازي لِأَنَّهُ صَار سَببا لسب وَالِديهِ. ٥٩٧٣ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ حَدثنَا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ حُمَيْد بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْروٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : إنَّ مِنْ أكْبَرِ الكَبائِرِ أنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ والدَيْهِ. قيل: يَا رسولَ الله! وكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ والِدَيْهِ؟ قَالَ: يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أباهُ ويَسُبُّ أُمَّهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم من معنى الحَدِيث. وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس الْكُوفِي، وَإِبْرَاهِيم بن سعد يروي عَن أَبِيه سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَسعد يروي عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْقرشِي الزُّهْرِيّ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن قُتَيْبَة وَآخَرين. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن زِيَاد وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن قُتَيْبَة بِهِ. قَوْله: (من أكبر الْكَبَائِر أَن يلعن الرجل وَالِديهِ) ، وَلَفظ التِّرْمِذِيّ: (من الْكَبَائِر أَن يشْتم الرجل وَالِديهِ) ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَن سبّ الرجل وَالِديهِ كَبِيرَة، وَرِوَايَة البُخَارِيّ تَقْتَضِي أَنه من أكبر الْكَبَائِر وَبَينهمَا فرق من حَيْثُ إِن الْكَبَائِر مُتَفَاوِتَة وَبَعضهَا أكبر من بعض، وَهُوَ قَول الْعلمَاء، وعد أكبر الْكَبَائِر فِي حَدِيث أبي بكرَة على مَا يَجِيء ثَلَاثَة: الْإِشْرَاك بِاللَّه وعقوق الْوَالِدين وَقَول الزُّور، وَهُوَ شَهَادَة الزُّور وَاقْتصر فِي أكبر الْكَبَائِر على هَذِه الثَّلَاثَة، وَزَاد فِي حَدِيث بُرَيْدَة رَوَاهُ الْبَزَّار: منع فضل المَاء وَمنع الفجل، فَصَارَ كل ذَلِك خَمْسَة، وروى التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة أبي أُمَامَة عَن

стр. 6596

عبد الله بن أنيس بِلَفْظ: إِن من أكبر الْكَبَائِر: الشّرك بِاللَّه وعقوق الْوَالِدين وَالْيَمِين الْغمُوس، فَصَارَ سِتَّة. وَحَدِيث عَمْرو بن حزم الطَّوِيل فِي الْمِائَة المنتقاة: (إِن أكبر الْكَبَائِر عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة: الشّرك بِاللَّه، وَقتل النَّفس المؤمنة بِغَيْر حق، والفرار فِي سَبِيل الله يَوْم الزَّحْف، وعقوق الْوَالِدين، وَرمي المحصنة، وَتعلم السحر، وَأكل الرِّبَا، وَأكل مَال الْيَتِيم) . فَصَارَت اثْنَي عشر، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: (الْخمر أم الْفَوَاحِش وأكبر الْكَبَائِر) ، وروى أَيْضا فِيهِ مَوْقُوفا على عبد الله بن عَمْرو: (أعظم الْكَبَائِر شرب الْخمر) ، وَمثله لَا يُقَال من قبل الرَّأْي، وَرُوِيَ أَيْضا فِي (الْكَبِير) من حَدِيث وَاثِلَة بن الْأَسْقَع قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ ، يَقُول: (إِن من أكبر الْكَبَائِر أَن يَقُول الرجل عَليّ مَا لم أقل) ، فَصَارَ الْمَجْمُوع أَربع عشر. وَأما مَا ورد فِي تعديد الْكَبَائِر من غير تَقْيِيد بأكبرها فَفِي (الصَّحِيحَيْنِ) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ : (اجتنبوا السَّبع الموبقات ﴿قَالُوا: يَا رَسُول الله﴾ مَا هِيَ؟ قَالَ: الشّرك بِاللَّه، وَالسحر، وَقتل النَّفس الَّتِي حرم الله إلاّ بِالْحَقِّ، وَأكل الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم والتولي يَوْم الزَّحْف، وَقذف الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات) . وروى الْبَزَّار من حَدِيث ابْن عَبَّاس بِإِسْنَاد حسن: أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله ﴿مَا الْكَبَائِر؟ قَالَ: الشّرك بِاللَّه، واليأس من روح الله، والقنوط من رَحْمَة الله. وروى الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) : من رِوَايَة عبيد بن عُمَيْر عَن أَبِيه أَنه حَدثهُ وَكَانَت لَهُ صُحْبَة: أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ فِي حجَّة الْوَدَاع ... الحَدِيث، وَفِيه: ويجتنب الْكَبَائِر، فَقَالَ: هِيَ تسع وَذكر مَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَزَاد: استحلال بَيت الله الْحَرَام قبلتكم أَحيَاء وأمواتاً، وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: (كل مَا نهى الله عَنهُ فَهُوَ كَبِيرَة) وَحكى الطَّبَرِيّ عَنهُ، قَالَ: (كل ذَنْب خَتمه الله بِنَار أَو لعنة أَو غضب فَهُوَ كَبِيرَة) وَقَالَ طَاوُوس: قيل لِابْنِ عَبَّاس: الْكَبَائِر سبغ؟ قَالَ: هِيَ إِلَى السّبْعين أقرب، وَقَالَ سعيد ابْن جُبَير: قَالَ رجل لِابْنِ عَبَّاس: الْكَبَائِر سبغ؟ قَالَ: هِيَ إِلَى السبعمائة أقرب مِنْهَا إِلَى السَّبع، غير أَنه لَا كَبِيرَة مَعَ اسْتِغْفَار وَلَا صَغِيرَة مَعَ إِصْرَار، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث سهل بن أبي خَيْثَمَة، قَالَ: سَمِعت النَّبِي ﷺ ، يَقُول: اجتنبوا السَّبع الْكَبَائِر ... الحَدِيث. وَفِيه: والتغرب بعد الْهِجْرَة، وروى الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: الْكَبَائِر ... فَذكر أَشْيَاء مِنْهَا: الْيَمين الْغمُوس الْفَاجِرَة، والغلول، وَمنع الزَّكَاة، وكتمان الشَّهَادَة، وَترك الصَّلَاة مُتَعَمدا وَأَشْيَاء مِمَّا فَرضهَا الله وَنقض الْعَهْد. وروى ابْن أبي الدُّنْيَا فِي (كتاب التَّوْبَة) عَن ابْن عَبَّاس: قَالَ: كل ذَنْب أصر عَلَيْهِ العَبْد كَبِيرَة، وَفِيه الرّبيع بن صبيح، وَقد اخْتلف فِيهِ. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين ﵀: اجْتمع من مَجْمُوع هَذِه الْأَحَادِيث المرفوعة والموقوفة نَحْو أَرْبَعِينَ من الْكَبَائِر ثمَّ ذكرهَا، فلنذكر مَا لم يذكر هَهُنَا، وَهُوَ: ادِّعَاء الرجل إِلَى غير أَبِيه، وإراءة عَيْنَيْهِ، والإصرار على الصَّغِيرَة، والانتفاء من ولد لَهُ، وبهت الْمُؤمن، والحقد، وَالزِّنَا، وَالسَّرِقَة، والسعاية ببرىء إِلَى ذِي سُلْطَان فيقتله، والغلول، والغيبة، واللواطة، ونسيان سُورَة أَو آيَة من الْقُرْآن، والنميمة. وَحكى الرَّافِعِيّ عَن جمَاعَة أَنهم عدوا من الْكَبَائِر: غصب المَال، والهروي شَرط فِي الْمَغْصُوب كَونه نِصَابا، وَحكي عَن صَاحب (الْعدة) أَنه أضَاف إِلَيْهَا: الْإِفْطَار فِي رَمَضَان بِلَا عذر، والخيانة فِي كيل أَو وزن، وَتَقْدِيم الصَّلَاة عَن وَقتهَا أَو تَأْخِيرهَا عَنهُ بِلَا عذر، وَضرب مُسلم بِلَا حق، وَسَب الصَّحَابَة، وَأخذ الرِّشْوَة، والدياثة، والقيادة من الرجل وَالْمَرْأَة، وَترك الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر مَعَ الْقُدْرَة، وإحراق الْحَيَوَان، وَامْتِنَاع الْمَرْأَة من زَوجهَا بِلَا سَبَب، وَيُقَال: والوقيعة فِي أهل الْعلم وَحَملَة الْقُرْآن. وَمِمَّا عد من الْكَبَائِر: أكل لحم الْخِنْزِير وَالْميتَة بِلَا عذر، حَكَاهُ الرَّافِعِيّ، وَنقل عَن الشَّافِعِي: أَن الْوَطْء فِي الْحيض كَبِيرَة. وَاخْتلفُوا فِي سَماع الأوتار وَلبس الْحَرِير وَالْجُلُوس عَلَيْهِ وَنَحْوهَا هَل هُوَ من الْكَبَائِر أَو الصَّغَائِر؟ فَمَال إِمَام الْحَرَمَيْنِ إِلَى أَنه من الْكَبَائِر، وَصحح الرَّافِعِيّ أَنه من الصَّغَائِر، وَالله أعلم. قَوْله: (قيل: يَا رَسُول الله﴾ وَكَيف يلعن الرجل وَالِديهِ؟) هَذَا استبعاد من السَّائِل، لِأَن الطَّبْع الْمُسْتَقيم يَأْبَى ذَلِك، فَبين فِي الْجَواب أَنه وَإِن لم يتعاطى ذَلِك بِنَفسِهِ وَلكنه يكون سَببا لذَلِك، وَفِي هَذَا الزَّمَان من النَّاس الطَّعَام من يسب وَالِديهِ بل يضربهما، وَلَقَد شَاهد جمَاعَة ذَلِك من العققة الفجرة، وَرُبمَا

стр. 6597

ذبح وَالِده، أَخْبرنِي بذلك جمَاعَة، وَكَثُرت هَذِه الْمُصِيبَة فِي الديار المصرية، نسْأَل الله الْعَفو والعافية. ٥ - (بابُ إجابَةِ دُعاءِ مَنْ بَرَّ والِدَيْهِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِجَابَة دُعَاء أَي قبُول دُعَاء من بر وَالِديهِ أَي: من أحسن إِلَيْهِمَا وَقَامَ بطاعتهما. ٥٩٧٤ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ حَدثنَا إسْماعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ عُقْبَةَ، قَالَ: أَخْبرنِي نافِعٌ عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ رسولِ الله ﷺ ، قَالَ: بَيْنَما ثَلَاثَةُ نَفَر يَتَماشَوْن أخَذَهُمُ المَطَرُ فَمالُوا إِلَى غارٍ فِي الجَبَلِ فانْحَطتْ عَلَى فَمِ غارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فأطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أعْمالاً عَمِلْتُمُوها لله صالِحَةً فادْعُوا الله بِها لَعَلَّهُ يَفْرِجُها، فَقَالَ أحَدُهُمْ: أللَّهُمَّ إنَّهُ كانَ لي والِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ ولي صِبْيَةٌ صغارٌ كُنْتُ أرْعَى عَلَيْهِمْ فإذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ فَحَلَبْتُ بَدَأتُ بِوَالِدَيَّ أسْقِيهِما قَبْلَ وَلَدي، وإنَّهُ نأَى بِي الشَّجَرُ فَما أتَيْتُ حَتَّى أمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُما قَدْ ناا، فَحَلَبْتُ كَما كُنْتُ أحْلُبُ فَجِئْتُ بالخلَابِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِما أكْرَهُ أنْ أُوقظَهُما مِنْ نَوْمِهِما وأكْرَهُ أنْ أبْدَأ بالصِّبْيَةِ قَبْلهُما، والصِّبْيَةُ يَتضاغوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَاكَ دأبي ودَأبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ فإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي فَعَلْتُ ذالِكَ ابْتِغاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ لَنا فُرْجَةً نَراى مِنْها السَّماءَ، فَفَرَجَ الله لَهُمْ فُرْجَةً حَتَّى يَرَوْنَ مِنْها السَّماءَ. وَقَالَ الثَّاني: اللَّهُمَّ إنَّهُ كانَتْ لِي ابْنَةُ عَمّ أحِبُّها كأشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجالُ النّساءَ فَطَلَبْتُ إلَيْها نَفْسها فأبَتْ حَتّى آتِيهَا بِمائَةِ دِينارٍ، فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مائَةَ دِينارٍ فَلَقِيتُها بِها، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْها قالَتْ: يَا عَبْدَ الله! اتَّقِ الله وَلَا تَفْتَحِ الخاتَمَ، فَقُمْتُ عَنْها. أللَّهُمَّ فإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنّي قَدْ فَعَلْتُ ذالِكَ ابْتِغاءَ وَجْهكَ فافْرُجْ لَنا مِنْها، فَفَرَج لَهُمْ فُرْجَةً. وَقَالَ الآخَرُ: أللَّهُمَّ إنِّي كُنْتُ أسْتَأْجَرْتُ أجِيراً بِفرَقِ أرُزّ، فَلمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أعْطِنِي حَقِّي فَعَرَضتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ فَتَرَكَهُ ورَغَبَ عَنْهُ، فَلَمْ أزَلْ أزْرَعُهُ حَتَّى جَمعْتُ مِنْهُ بَقَراً وراعِيَها، فَجاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ الله وَلَا تَظْلِمْنِي وأعْطِني حَقِّي. فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَاك البَقَرِ وراعِيها، فَقَالَ: اتَّقِ الله وَلَا تَهْزَأْ بِي، فَقُلْتُ: إنِّي لَا أهْزَأُ بِكَ فَخُذْ ذالِكَ البَقَرَ وراعِيهَا. فأخَذَهُ فانْطَلَقَ بِها، فإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي فَعَلْتُ ذالِكَ ابْتِغاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ مَا بَقِيَ، فَفَرَجَ الله عَنْهُمْ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي الرجل الأول من الثَّلَاثَة. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب إِذا اشْترى شَيْئا لغيره بِغَيْر إِذْنه، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن ابْن جريج عَن مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع عَن ابْن عمر، وَمضى أَيْضا فِي الْمُزَارعَة فِي: بَاب إِذا زرع بِمَال قوم بِغَيْر إذْنهمْ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن أبي ضَمرَة عَن مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ، ولنذكر بعض شَيْء لبعد الْمسَافَة. قَوْله: (ثَلَاثَة نفر) النَّفر عدَّة رجال من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة. قَوْله: (فمالوا إِلَى غَار) ويروى: فأووا إِلَى غَار، وَهُوَ الْكَهْف. قَوْله: (على فَم غارهم) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: على بَاب غارهم. قَوْله: (فأطبقت) فِي رِوَايَة الْكشميهني. فتطابقت من أطبقت الشَّيْء إِذا غطيته، وطبق الْغَيْم إِذا أصَاب مطره جَمِيع الأَرْض. قَوْله: (لَعَلَّه يفرجها) بِكَسْر الرَّاء، وَقَالَ ابْن التِّين: وَكَذَا قرأناه. قَوْله: (صبية) جمع: صبي وَهُوَ الْغُلَام. قَوْله: (فَإِذا رحت) من الرواح وَهُوَ الْمَجِيء آخر النَّهَار. قَوْله: (نأى بِي الشّجر) بالشين الْمُعْجَمَة وَالْجِيم عِنْد أَكثر الروَاة وَمَعْنَاهُ: تبَاعد عَن مكانتا الشّجر الَّتِي ترعاها مواشينا، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: السحر بالمهملتين. قَوْله: (أحلب) بِضَم اللَّام. قَوْله: (بالحلاب) بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة

стр. 6598

وَتَخْفِيف اللَّام وبالباء الْمُوَحدَة أَي: المحلوب، وَقيل: هُوَ الْإِنَاء الَّتِي يحلب فِيهَا. قَوْله: (أَن أوقظهما) بِضَم الْهمزَة من الإيقاظ قَوْله: (يتضاغون) بالضاد وبالغين المعجمتين أَي: يصيحون، من ضغا إِذا صَاح وكل صَوت ذليل مقهور يُسمى ضغواً، تَقول: ضغا يضغو ضغواً وضغاء، وَقَالَ الدَّاودِيّ: يتضاغون أَي: يَبْكُونَ ويتوجعون، قيل: نَفَقَة الْأَوْلَاد مُقَدّمَة على نَفَقَة الْأُصُول. وَأجِيب بِأَن دينهم لَعَلَّه كَانَ بِخِلَاف ذَلِك أَو كَانُوا يطْلبُونَ الزَّائِد على سد الرمق، أَو كَانَ صِيَاحهمْ لغير ذَلِك. قَوْله: (فافرج لنا فُرْجَة) بِضَم الْفَاء من فُرْجَة الْحَائِط وَهُوَ المُرَاد هُنَا، وَأما الفرجة بِالْفَتْح فَهِيَ عَن الكرب والهم. قَوْله: (حَتَّى يرَوْنَ) وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: حَتَّى رَأَوْا. قَوْله: (مَا يحب الرِّجَال) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: الرجل، بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: (لَا تفتح الْخَاتم) ، كِنَايَة عَن إِزَالَة الْبكارَة. قَوْله: (اللَّهُمَّ) كرر هَذِه اللَّفْظَة لِأَن هَذَا الْمقَام أصعب المقامات، فَإِنَّهُ ردع لهوى النَّفس. قَوْله: (بفرق) بِفَتْح الرَّاء وَقد تسكن، وَأنكر القتبي إسكانها وَهُوَ مَكِيل مَعْرُوف بِالْمَدِينَةِ: سِتَّة عشر رطلا. قَوْله: (أرز) قد مر فِيمَا مضى أَن فِيهِ تسع لُغَات فَإِن قلت: بَاب الْبيُوع: من ذرة، وَهنا وَفِي بَاب الْإِجَارَة: فرق أرز؟ قلت: لَعَلَّه كَانَ بعضه من ذرة وَبَعضه من أرز. قَوْله: (إذهب إِلَى ذَلِك الْبَقر) ذكر إسم الْإِشَارَة بِاعْتِبَار السوَاد المرئي، وأنث الضَّمِير الرَّاجِع إِلَى الْبَقر بِاعْتِبَار جمعية الْجِنْس. قَوْله: (فَأَخذه وَانْطَلق بهَا) ذكر الضَّمِير فِي: أَخذه، وأنَّثه فِي: بهَا، وَوَجهه مَا ذَكرْنَاهُ، ويروى: فَأَخذهَا، وَرُوِيَ: فَخذ تِلْكَ الْبَقر. ٦ - (بابٌ عُقُوقُ الوالِدَيْنِ مِنَ الكَبائِرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن عقوق الْوَالِدين من الْكَبَائِر، وَقَالَ بَعضهم: بَاب، التَّنْوِين. قلت: لَا يَصح بِالتَّنْوِينِ إلَاّ بِشَيْء مُقَدّر لِأَن شَرط الْإِعْرَاب التَّرْكِيب. والعقوق مُشْتَقّ من العق وَهُوَ الشق وَالْقطع، وَقد فرق الْجَوْهَرِي بَين مصدر قَوْله: عق عَن وَلَده، وَبَين مصدر: عق وَالِده، فَقَالَ: وعق عَن وَلَده يعق عقاً إِذا ذبح عَنهُ يَوْم أسبوعه، وَكَذَلِكَ إِذا حلق عقيقته، وعق وَالِده عقوقاً ومعقة فَهُوَ عَاق وعقق وَالْجمع عققة. مثل كفرة. وَأما صَاحب (الْمُحكم) فصدر كَلَامه بالتسوية بَينهمَا، وَقَالَ: عقه يعقه عقاً فَهُوَ معقق وعقيق شقَّه، قَالَ: وعق عَن ابْنه يعق ويعق حلق عقيقته أَو ذبح عَنهُ شَاة، وَاسم تِلْكَ الشَّاة: الْعَقِيقَة قَالَ: وعق وَالِده يعقه عقوقاً شقّ عَصا طَاعَته، قَالَ: وَرجل عُقُق وعقق وعق وعاقٍ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: عق وَالِده إِذا آذاه وَعَصَاهُ وَخرج عَلَيْهِ، قَالَ: وَهُوَ ضد الْبر، وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: ضبط الْوَاجِب من الطَّاعَة لَهما وَالْمحرم من العوق مَا لَهما فِيهِ عسر. ورتب العقوق مُخْتَلفَة، وَقَالَ ابْن عبد السَّلَام: لم أَقف فِي عقوق الْوَالِدين وَلَا فِيمَا يختصان بِهِ من الْحُقُوق على ضَابِط اعْتمد عَلَيْهِ، فأيما يحرم فِي حق الْأَجَانِب فَهُوَ حرَام فِي حَقّهمَا وَمَا يجب للأجانب فَهُوَ وَاجِب لَهما، وَلَا يجب على الْوَلَد طاعتهما فِي كل مَا يأمران بِهِ وَلَا فِي كل مَا ينهيان عَنهُ بِاتِّفَاق الْعلمَاء، وَقَالَ الشَّيْخ تفي الدّين السُّبْكِيّ: إِن ضَابِط العقوق إيذاؤهما بِأَيّ نوع كَانَ من أَنْوَاع الْأَذَى. قل أَو كثر، نهيا عَنهُ أَو لم ينهيا أَو يخالفهما فِيمَا يأمران أَو ينهيان بِشَرْط انْتِفَاء الْمعْصِيَة فِي الْكل، وَحكى قَول الْغَزالِيّ: أَن أَكثر الْعلمَاء على وجوب طاعتهما فِي الشُّبُهَات، وَوَافَقَهُمَا عَلَيْهِ، وَحكى قَول الطرطوسي من الْمَالِكِيَّة: أَنَّهُمَا إِذا نهياه عَن سنية راتبة الْمرة بعد الْمرة أَطَاعَهُمَا، وَإِن كَانَ ذَلِك على الدَّوَام فَلَا طَاعَة لَهما فِيهِ لما فِيهِ من إماتة الشَّرْع، وَوَافَقَهُ على ذَلِك أَيْضا. قالَهُ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النبيِّ ﷺ هَذَا التَّعْلِيق وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر عمر بِضَم الْعين وَوَقع للأصيلي: عمر، وَبِفَتْحِهَا وَكَذَا فِي بعض النّسخ عَن أبي ذَر، وَهُوَ الْمَحْفُوظ، وَوَصله البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور من رِوَايَة الشّعبِيّ عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: الْكَبَائِر الْإِشْرَاك بِاللَّه وعقوق الْوَالِدين وَقتل النَّفس وَالْيَمِين الْغمُوس، وَأخرج النَّسَائِيّ لِابْنِ عمر حَدِيثا فِي الْعَاق بِلَفْظ: ثَلَاثَة لَا ينظر الله إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة: الْعَاق لوَالِديهِ ومدمن الْخمر والمنان، وَأخرجه الْبَزَّار أَيْضا وَابْن حبَان وَصَححهُ وَالْحَاكِم كَذَلِك. ٥٩٧٥ - حدَّثنا سَعْدُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا شَيْبانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ المُسَيَّبِ عَنْ ورَّادٍ عَنِ المُغِيرَةِ

стр. 6599

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: إنَّ الله حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهاتِ ومَنْعَ وهاتِ وَوَأْدَ البَناتِ، وكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وكَثْرَةَ السُّؤَالِ وإضاعَة المَالِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي عقوق الْأُمَّهَات. والترجمة فِي عقوق الْوَالِدين، وَلَا اعْتِرَاض من هَذِه الْحَيْثِيَّة لِأَن ذكر الْأُمَّهَات فِي الحَدِيث لَيْسَ للتخصيص بالحكم، بل لِأَن الْغَالِب ذَلِك لعجزهن، وَقيل: لِأَن لعقوق الْأُمَّهَات مزية فِي الْقبْح أَو اكْتفى بِذكر أحد الْوَالِدين عَن الآخر. وَسعد بن حَفْص أَبُو مُحَمَّد الطلحي الْكُوفِي، يُقَال لَهُ الضخم، وَانْفَرَدَ بِهِ البُخَارِيّ عَن الْخَمْسَة وَلَيْسَ فِي شيوخهم من اسْمه سعد سَوَاء، مَاتَ سنة خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وشيبان بن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَالْمُسَيب على وزن إسم الْمَفْعُول من التسييب ابْن رَافع الْكَاهِلِي، ووراد بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الرَّاء مولى الْمُغيرَة، والمغيرة هُوَ ابْن شُعْبَة، وَفِي بعض النّسخ ذكر وَالِده. والْحَدِيث مضى فِي الزَّكَاة فِي: بَاب قَول الله : ﴿ (٢) لَا يسْأَلُون النَّاس إلحافاً﴾ (الْبَقَرَة: ٢٧٣) وَمضى فِي الاستقراض أَيْضا عَن عُثْمَان عَن جرير، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (وَمنع وهات) ، أَي: حرم عَلَيْكُم منع مَا عَلَيْكُم إِعْطَاؤُهُ وَطلب مَا لَيْسَ لكم أَخذه، وَقيل: نهى عَن منع الْوَاجِب من مَاله وأقواله وأفعاله وَعَن استدعاء مَا لَا يجب عَلَيْهِم من الْحُقُوق، وَمنع بِغَيْر تَنْوِين وَقع فِيمَا تقدم. قَوْله: (وهات) بِكَسْر التَّاء فعل أَمر من الإيتاء، وَقَالَ الْخَلِيل: أصل هَات آتٍ فقلبت الْهمزَة هَاء، وَقَالَ بَعضهم: فقلبت الْألف وَهَذَا غلط لَا يخفى. قَوْله: (ووأد الْبَنَات) أَي: وَحرم أَيْضا، وأد الْبَنَات وَهُوَ دفنهن بِالْحَيَاةِ، يُقَال: وأدها يئدها وأداً فَهِيَ مؤودة، ذكرهَا الله فِي كِتَابه، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يَفْعَلُونَ ذَلِك كَرَاهَة فِيهِنَّ. وَيُقَال: إِن أول من فعل ذَلِك قيس بن عَاصِم التَّمِيمِي، وَكَانَ بعض أعدائه أغار عَلَيْهِ فَأسر بنته فاتخذها لنَفسِهِ ثمَّ حصل بَينهم صلح فَخير ابْنَته فَاخْتَارَتْ زَوجهَا، فآلى قيس على نَفسه أَن لَا تولد لَهُ بنت إلَاّ دَفنهَا حَيَّة، فَتَبِعَهُ الْعَرَب على ذَلِك، وَكَانَ من الْعَرَب فريق ثَان يقتلُون أَوْلَادهم مُطلقًا إِمَّا نفاسة مِنْهُ على مَا ينقصهُ من مَاله، وَإِمَّا من عدم مَا يُنْفِقهُ عَلَيْهِ، وَقد ذكر الله أَمرهم فِي الْقُرْآن، وَكَانَ صعصعة بن نَاجِية التَّمِيمِي جد الفرزدق همام بن غَالب بن صعصعة أول من فدى المؤودة، وَذَلِكَ أَنه كَانَ يعمد إِلَى من يفعل ذَلِك فيفدي الْوَلَد مِنْهُ بِمَال يتفقان عَلَيْهِ، وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ الفرزدق بقوله: (وجدى الَّذِي منع الوائدات ... وأحي الوئيد فَلم يؤدٍ) قَوْله: (قيل) وَقَالَ فِيهِ ثَلَاثَة أوجه. الأول: أَن يكون كِلَاهُمَا مصدرين، يُقَال: قَالَ قولا وقيلاً وَقَالا، وَلم يكتبا بِالْألف لِأَنَّهَا لُغَة ربيعَة، وَفِي (التَّوْضِيح) كَذَا روينَاهُ بِغَيْر صرف، يَعْنِي بِغَيْر تَنْوِين، ويروى بِالتَّنْوِينِ. قلت: الأَصْل أَن يكون بِالتَّنْوِينِ لِأَنَّهُ إسم وَقع مَفْعُولا وَحقه النصب بِالتَّنْوِينِ وَمَعْنَاهُ: النَّهْي عَن كَثْرَة القَوْل فِيمَا لَا يَعْنِي، وَكرر للتَّأْكِيد. الثَّانِي: أَن يكون كِلَاهُمَا فعلين: الأول: مَجْهُول الْفِعْل الْمَاضِي، وَالثَّانِي: مَعْلُوم الْمَاضِي وهما مبنيان متضمنان للضمير وَمَعْنَاهُ، قيل لفُلَان كَذَا وَقَالَ فلَان كَذَا، وَذَلِكَ للزجر عَن الاستكثار. الثَّالِث: أَن يَكُونَا حِكَايَة أقاويل النَّاس: قَالَ فلَان كَذَا وَقيل كَذَا، أَو فِي أُمُور الَّذين بِأَن ينْقل من غير احْتِيَاط وَدَلِيل. قَوْله: (وَكَثْرَة السُّؤَال) أَي: فِي الْمسَائِل الَّتِي لَا حَاجَة لَهُ إِلَيْهَا أَو من الْأَمْوَال أَو عَن أَحْوَال النَّاس. قَوْله: و (إِضَاعَة المَال) وَهُوَ الْإِسْرَاف فِي الْإِنْفَاق وَقيل: الْإِنْفَاق فِي الْحَرَام. ٥٩٧٦ - حدَّثني إسْحاقُ حَدثنَا خالِدٌ الواسِطِيُّ عَنِ الجُرَيْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبي بَكْرَة عَنْ أبِيهِ ﵁، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : ألَا أُنَبِّئُكُمْ بأكْبَرِ الكَبائِرِ؟ قُلنا: بَلَى يَا رسُولَ الله! قَالَ: الإشْرَاك بِاللَّه وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وكانَ مُتَّكِئاً فَجَلَسَ فَقَالَ: ألَا وَقَوْلُ الزُّورِ وشَهادَةُ الزُّورِ، أَلا وقَوْلُ الزُّورِ وشَهادَةُ الزُّورِ، فَما زَالَ يَقُولُها حَتَّى قُلْتُ لَا يَسْكُتُ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وعقوق الْوَالِدين) وَإِسْحَاق هُوَ ابْن شاهين الوَاسِطِيّ، وخَالِد هُوَ ابْن عبد الله الطَّحَاوِيّ الوَاسِطِيّ، والجريري بِضَم الْجِيم وَفتح الرَّاء الأولى نِسْبَة إِلَى جرير بن عباد أخي الْحَارِث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن بكر بن

стр. 6600

وَائِل هُوَ سعيد بن إِيَاس الْبَصْرِيّ، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة يروي عَن أَبِيه بكرَة نفيع مصغر نفع الثَّقَفِيّ. والْحَدِيث مضى فِي الشَّهَادَات فِي: بَاب مَا قيل فِي شَهَادَة الزُّور، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من طَرِيقين، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (أَلا أنبئكم؟) وَفِي رِوَايَة الإستئذان: أَلا أخْبركُم؟ وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى وَاحِد، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: أَلا أحدثكُم؟ وَفِيه دَلِيل على أَنه يَنْبَغِي للْعَالم أَن يعرض على أَصْحَابه مَا يُرِيد أَن يُخْبِرهُمْ بِهِ إِمَّا لأجل الحض على التفريغ وَالِاسْتِمَاع لَهُ، وَأما السَّبَب يَقْتَضِي التحذير مِمَّا يُحَذرهُمْ وَإِمَّا للحض على الْإِتْيَان بِمَا فِيهِ صَلَاحهمْ. قَوْله: (بأكبر الْكَبَائِر) أَي: بأعظم الذُّنُوب الْكَبَائِر، وَفِي بعض النّسخ، قَالَ: الْكَبَائِر، ثَلَاثًا، أَي: قَالَهَا ثَلَاث مَرَّات على عَادَته فِي التكرير تَأْكِيدًا لتنبيه السَّامع على إِحْضَار قلبه، وفهمه الَّذِي يَقُوله، وَلَا يظنّ أَن المُرَاد بِهِ عدد الْكَبَائِر وَهُوَ بعيد. قَوْله: قَالَ: الْإِشْرَاك بِاللَّه أَي: أحد الْكَبَائِر: الْإِشْرَاك بِاللَّه، وَهَذَا لَيْسَ على ظَاهره من الْحصْر لِأَنَّهُ قد وَردت أَحَادِيث كَثِيرَة تخبر بأكبر الْكَبَائِر على مَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب، فحينئذٍ تقدر فِيهِ كلمة: من، عوض الْبَاء أَي من أكبر الْكَبَائِر، وَهَكَذَا جَاءَت فِي أَحَادِيث قد ذَكرنَاهَا، وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: يحْتَمل أَن يُرَاد بقوله: الْإِشْرَاك بِاللَّه، مُطلق الْكفْر، وَيكون تَخْصِيصه بِالذكر لغلبته فِي الْوُجُود. قَوْله: (وعقوق الْوَالِدين) قد مر تَفْسِيره عَن قريب، قَالَ الْكرْمَانِي: العقوق كَبِيرَة لِأَنَّهَا مَا توعد عَلَيْهَا الشَّارِع بخصوصها، فَمَا وَجه كَونه أكبرها؟ وَأجَاب بقوله: لِأَن الْوَالِد بِحَسب الظَّاهِر كالموجد لَهُ صُورَة وَلِهَذَا قرن الله الْإِحْسَان إِلَيْهِ بتوحيده فَقَالَ: ﴿وَقضى رَبك ... . وبالوالدين إحساناً﴾ (الْإِسْرَاء: ٢٣) . قَوْله: (وَكَانَ مُتكئا) أَي: قَالَ ﷺ مَا قَالَه من صدر الحَدِيث حَال كَونه مُتكئا (فَجَلَسَ فَقَالَ: أَلا وَقَول الزُّور) وَكلمَة: لَا، كلمة تَنْبِيه وتحضيض لضبط مَا يُقَال وفهمه على وَجه، والزور فِي الأثل الانحراف وَفِي الِاسْتِعْمَال هُوَ تمويه الْبَاطِل بِمَا يُوهم أَنه حق وَإِنَّمَا كَرَّرَه بِهَذَا الْوَجْه لِأَن الدَّوَاعِي إِلَيْهِ كَثِيرَة وأسهل وقوعاً على النَّاس والشرك ينبو عَنهُ الْمُسلم وعقوق الْوَالِدين ينبو عَنهُ الطَّبْع، قَوْله: (وَشَهَادَة الزُّور) عطف على قَوْله: (وَقَول الزُّور) عطف تَفْسِير لِأَن: قَول الزُّور، أَعم من أَن يكون كفرا وَمن أَن يكون شَهَادَة أَو كذبا آخر من الكذبات، وَقيل: المُرَاد بقول الزُّور هُنَا الْكفْر، فَإِن الْكَافِر شَاهد بالزور قَائِل بِهِ. قلت: هَذَا فهم من قَوْله: (الْإِشْرَاك بِاللَّه) قَوْله: (حَتَّى قلت: لَا يسكت) الْقَائِل هُوَ أَبُو بكرَة، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: فَمَا زَالَ رَسُول الله ﷺ يَقُولهَا حَتَّى قُلْنَا: ليته سكت إشفاقاً عَلَيْهِ. ٥٩٧٧ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ الوَلِيدِ حَدثنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَر حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ: حدّثني عُبَيْدُ الله بنُ أبي بَكْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ ﵁، قَالَ: ذَكَرَ رسولُ الله ﷺ ، الكَبائِرَ أوْ سئِلَ عَنِ الكَبائِرِ فَقَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّه، وقَتْلُ النَّفْسِ، وعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، فَقَالَ: أَلا أُنَبِّئُكُمْ بأكْبَرِ الكَبائِرِ؟ قَالَ: قَوْلُ الزُّورِ أوْ قَالَ: شَهادَةُ الزُّور. قَالَ شُعْبَةُ: وأكْبَرُ ظَنِّي أنَّهُ قَالَ: شَهادَةُ الزُّورِ. (انْظُر الحَدِيث ٢٦٥٣ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمُحَمّد بن الْوَلِيد عبد الحميد ولقبه حمدَان وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَعبيد الله بن أبي بكر بن أنس يروي عَن جده أنس بن مَالك. والْحَدِيث مضى فِي الشَّهَادَات عَن عبد الله بن مُنِير، وَسَيَأْتِي فِي الدِّيات عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. قَوْله: (أَو سُئِلَ عَن الْكَبَائِر) شكّ من الرَّاوِي، وَفِي الشَّهَادَات: سُئِلَ، فَقَط. ٧ - (بابُ صِلَةِ الوَالِدِ المُشْرِكِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة الصِّلَة من الْمُسلم لوالده الْمُشرك، وَعبر ابْن بطال عَنهُ بِالْوُجُوب، لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿ (١٣) وصاحبهما فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفا﴾ (لُقْمَان: ١٥) فَأمر الله تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَة ببرهما ومصاحبتهما بِالْمَعْرُوفِ وَإِن كَانَا مُشْرِكين. ٩ - (حَدثنَا الْحميدِي حَدثنَا سُفْيَان حَدثنَا هِشَام بن عُرْوَة أَخْبرنِي أبي أَخْبَرتنِي أَسمَاء ابْنة أبي بكر ﵄ قَالَت أَتَتْنِي أُمِّي راغبة فِي عهد النَّبِي ﷺ َ - فَسَأَلت النَّبِي ﷺ َ - آصلها قَالَ نعم: قَالَ ابْن عُيَيْنَة فَأنْزل الله تَعَالَى فِيهَا (لَا يَنْهَاكُم الله عَن الَّذين

стр. 6601

لم يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّين﴾ ) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَنه ﷺ َ - أَمر فِيهِ بصلَة الوالدة المشركة فَيدْخل فِيهِ الْوَالِد بِالطَّرِيقِ الأولى والْحميدِي عبد الله بن الزبير بن عِيسَى وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة وَهِشَام بن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن أَسمَاء بنت أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا والْحَدِيث قد مضى فِي الْهِبَة فِي بَاب الْهَدِيَّة للْمُشْرِكين فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبيد بن إِسْمَاعِيل عَن أبي أُسَامَة عَن هِشَام عَن أَبِيه إِلَى آخِره قَوْله " أَتَتْنِي أُمِّي " اسْمهَا قيلة بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف على الْأَصَح بنت عبد الْعُزَّى وَقيل كَانَت أمهَا من الرضَاعَة قَوْله راغبة بالغين الْمُعْجَمَة وبالباء الْمُوَحدَة أَي راغبة فِي بري وصلتي وَقيل راغبة عَن الْإِسْلَام كارهة لَهُ وَذَلِكَ كَانَ فِي معاهدة النَّبِي ﷺ َ - الْكفَّار مُدَّة مصالحتهم وَقيل هُوَ بِالْمِيم بدل الْبَاء وَقَالَ الطَّيِّبِيّ ﵀ قَوْله راغبة إِن كَانَ بِلَا قيد فَالْمُرَاد راغبة فِي الْإِسْلَام لَا غير وَإِذا قرنت بقوله مُشركَة أَو فِي عهد قُرَيْش فَالْمُرَاد راغبة فِي صلتي وَإِن كَانَت الرِّوَايَة راغمة بِالْمِيم فَمَعْنَاه كارهة لِلْإِسْلَامِ قلت فِي قَوْله فَالْمُرَاد راغبة فِي الْإِسْلَام نظر لِأَنَّهَا لَو كَانَت راغبة فِي الْإِسْلَام لم تحتج أَسمَاء إِلَى الاسْتِئْذَان فِي صلتها قَوْله " قَالَ ابْن عُيَيْنَة " هُوَ سُفْيَان الرَّاوِي قَوْله ﴿لَا يَنْهَاكُم الله﴾ الْآيَة قَالَ مُجَاهِد هم من آمن وَأقَام بِمَكَّة وَلم يُهَاجر وَالَّذين قاتلوهم فِي الدّين كفار مَكَّة وَقَالَ أَبُو صَالح خُزَاعَة وَقَالَ قَتَادَة الْآيَة مَنْسُوخَة بقوله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وَقَول سُفْيَان قَالَه عبد الله بن الزبير - ٨ - (بَاب صلَةِ المَرْأةِ أُمَّها ولَها زوْجٌ) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان صلَة الْمَرْأَة أمهَا وَالْحَال أَن لَهَا زوجا. ٥٩٧٩ - وَقَالَ اللَّيْثُ حدّثني هِشامٌ عَنْ عُرْوَةَ ععَنْ أسْماءَ، قالَتْ: قَدِمَتْ أُمِّي وَهْيَ مِشْرِكَة فِي عَهْد قُرَيْشٍ ومُدَّتِهِمْ إذْ عاهَدُوا النبيَّ ﷺ ، مَعَ أَبِيهَا فاسْتَفْتَيْتُ النبيَّ ﷺ ، فَقُلْتُ: إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهْيَ راغِبَة. قَالَ: نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ذكر فِي التَّرْجَمَة: (وَلها زوج) فَأَيْنَ فِي الحَدِيث مَا يدل عَلَيْهِ؟ وَأجَاب بقوله: إِن كَانَ الضَّمِير فِي: لَهَا رَاجعا إِلَى الْمَرْأَة فَهُوَ ظَاهر. إِذْ أَسمَاء كَانَت زَوْجَة للزبير وَقت قدومها، وَإِن كَانَ رَاجعا إِلَى الْأُم فَذَلِك بِاعْتِبَار أَن يُرَاد يلفظ أَبِيهَا زوج أم أَسمَاء، وَمثل هَذَا الْمجَاز سَائِغ، وَكَونه كَالْأَبِ لأسماء ظَاهر. قَوْله: (وَقَالَ اللَّيْث) أورد هَذَا الحَدِيث عَن اللَّيْث ابْن سعد مُعَلّقا، وَوَصله أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) قَوْله: (فِي مدتهم) أَي: الَّتِي عينوها للصلح وَترك الْمُقَاتلَة. قَوْله: (مَعَ أَبِيهَا) أَي: مَعَ أَب أم أَسمَاء. قَوْله: (قَالَ: صلي) ويروى: قَالَ: نعم، صلي، وَهُوَ بِكَسْر الصَّاد وَاللَّام المخففة أَمر من: وصل يصل، أَصله: أَو صلي، حذفت الْوَاو تبعا لفعله واستغنيت عَن الْهمزَة فَصَارَ: صلي على وزن: عَليّ، فَافْهَم. ٥٩٨٠ - حدَّثنا يَحْياى حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله أنَّ عَبْدَ الله ابنَ عبَّاسٍ أخبَرَهُ أنَّ أَبَا سُفْيانَ أخبَرَهُ أنَّ هِرَقْلَ أرْسَلَ إلَيْهِ ف قَالَ: فَما يأَأْمُرُكُمْ؟ يَعْنِي: النبيَّ ﷺ فَقَالَ: يأمُرُنا بالصَّلَاةِ والصَّدَقَةِ والعَفافِ والصِّلَةِ. مطابقته للتَّرْجَمَة بِعُمُوم لفظ الصِّلَة وإطلاقه، وَيحيى هُوَ ابْن عبد الله بن بكير، وَعقيل بِضَم الْعين ابْن خَالِد، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود. والْحَدِيث طرف من حَدِيث أبي سُفْيَان فِي قصَّة هِرقل، وَقد مر فِي أول الْكتاب، وَمر الْكَلَام فِيهِ. ١١ - (حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن مُسلم حَدثنَا عبد الله بن دِينَار قَالَ

стр. 6602

سَمِعت ابْن عمر ﵄ يَقُول رأى عمر حلَّة سيراء تبَاع فَقَالَ يَا رَسُول الله ابتع هَذِه والبسها يَوْم الْجُمُعَة وَإِذا جَاءَك الْوُفُود قَالَ إِنَّمَا يلبس هَذِه من لَا خلاق لَهُ فَأتي النَّبِي ﷺ َ - مِنْهَا بحلل فَأرْسل إِلَى عمر بحلة فَقَالَ كَيفَ ألبسها وَقد قلت فِيهَا مَا قلت قَالَ إِنِّي لم أعطكها لتلبسها وَلَكِن تبيعها أَو تكسوها فَأرْسل بهَا عمر إِلَى أَخ لَهُ من أهل مَكَّة قبل أَن يسلم) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة والْحَدِيث تقدم فِي كتاب الْهِبَة فِي بَاب هَدِيَّة مَا يكره لبسهَا وَمضى أَيْضا فِي كتاب اللبَاس فِي بَاب الْحَرِير للنِّسَاء وَمضى الْكَلَام فِيهِ قَوْله وَلَكِن تبيعها وَفِي رِوَايَة الْكشميهني لتبيعها قَوْله أَو تكسوها أَي تعطيها غَيْرك قَوْله إِلَى أَخ لَهُ قيل إِنَّه عُثْمَان بن حَكِيم بن أُميَّة بن حَارِثَة بن الأرقص بن مرّة بن هِلَال بن مانح بن ذكْوَان بن ثَعْلَبَة بن بهثة بن سليم حَلِيف بني أُميَّة وبنته أم سعيد بن الْمسيب وَأُخْته خَوْلَة بنت حَكِيم زوج عُثْمَان بن مَظْعُون ولدت لَهُ السَّائِب وَعبد الرَّحْمَن وَلم يكن أَخا لعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِنَّمَا كَانَ أَخا لأخي عمر زيد بن الْخطاب لأمه أَسمَاء بنت وهب بن حبيب بن الْحَارِث بن عِيسَى من بني أَسد بن خُزَيْمَة وَأم عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حنتمة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَيُقَال خَيْثَمَة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالثاء الْمُثَلَّثَة وَهُوَ الْأَشْهر وَالْأول أصح وَهِي بنت هَاشم ذِي الرمحين ابْن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم وَذكر النَّسَائِيّ أَنه كَانَ أَخا لعمر من أمه وَفِي التَّوْضِيح وَالصَّوَاب مَا تقدم من أَنه أَخ لزيد لَا لعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَذكر ابْن هِشَام عَن ابْن إِسْحَق أَن أَبَاهُ حَكِيم بن أُميَّة أسلم قَدِيما بِمَكَّة - ٩ - (بابُ صِلَةِ الأخِ المُشْرِكِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صلَة الْمُسلم لِأَخِيهِ الْمُشرك وَالْإِضَافَة فِي صلَة الْأَخ إِضَافَة إِلَى الْمَفْعُول، وطوى ذكر الْفَاعِل. ١٠ - (بابُ فَضْلِ صِلَةِ الرَّحِمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل صلَة الرَّحِم، وَقَالَ عِيَاض: لَا خلاف فِي أَن صلَة الرَّحِم وَاجِبَة فِي الْجُمْلَة وقطيعتها مُصِيبَة كَبِيرَة، وللصلة دَرَجَات فأدناها: ترك المهاجرة وصلتها بالْكلَام وَلَو بِالسَّلَامِ، وَيخْتَلف ذَلِك باخْتلَاف الْقُدْرَة وَالْحَاجة فَمِنْهَا وَاجِب وَمِنْهَا مُسْتَحبّ، فَلَو وصل بعض الصِّلَة وَلم يصل غايتها لَا يُسمى قَاطعا. وَاخْتلفُوا فِي حد الرَّحِم الَّتِي تجب صلتها فَقيل: كل ذِي رحم محرم بِحَيْثُ لَو كَانَ أَحدهمَا ذكرا وَالْآخر أُنْثَى حرمت منا كحتها، فعلى هَذَا لَا تدخل أَوْلَاد الْأَعْمَام والأخوال، وَقيل: هُوَ عَام فِي كل ذِي رحم من ذَوي الْأَرْحَام فِي الْمِيرَاث، قَالَ: وَهُوَ الصَّوَاب. ٥٩٨٢ - حدَّثني أبُو الوَلِيدِ حدّثنا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبرنِي ابنُ عُثْمانَ قَالَ: سَمِعْتُ مُوساى بنَ طَلْحَةَ عَنْ أبي أيُّوب قَالَ: قيلَ: يَا رسولَ الله! أخْبِرْنِي بِعَمَل يُدْخِلُني الجَنَّةَ. (انْظُر الحَدِيث ١٣٩٦ وطرفه) . ٥٩٨٣ - وحدَّثني عَبْدُ الرَّحْمانِ حدّثنا بَهْزٌ حدّثنا شُعبةُ حَدثنَا ابنُ عُثْمانَ بنِ عَبْدِ الله بنِ مَوْهَبٍ وأبُوهُ عُثْمانُ بنُ عَبْدِ الله أنَّهُما سَمِعا مُوسَى بنَ طَلْحَةَ عَنْ أبي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ ﵁، أنَّ رَجلاً قَالَ: يَا رسُول الله أخبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ. فَقَالَ القَوْمُ: مالَهُ؟ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : أربٌ مَّالَهُ فَقَالَ النبيُّ ﷺ : تَعْبُدُ الله لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصلاةَ وتُؤْتِي الزَّكاةَ وتَصِلُ الرَّحِم ذَرْها قَالَ: كأنَّهُ كَانَ عَلَى راحِلَتِهِ. (انْظُر الحَدِيث ١٣٩٦ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَتصل الرَّحِم) وَأخرجه من طَرِيقين: الأول: عَن أبي الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك عَن شُعْبَة عَن ابْن عُثْمَان وَهُوَ مُحَمَّد بن عُثْمَان، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى عَن عُثْمَان وَكِلَاهُمَا صَحِيح عَن مُوسَى بن طَلْحَة بن عبيد الله التَّيْمِيّ عَن أبي أَيُّوب خَالِد بن زيد الْأنْصَارِيّ. الثَّانِي: عَن عبد الرَّحْمَن بن بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة النَّيْسَابُورِي عَن بهز بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْهَاء وبالزاي ابْن أَسد الْبَصْرِيّ عَن شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن عُثْمَان بن عبد الله بن موهب بِفَتْح الْمِيم وَالْهَاء وَسُكُون الْوَاو، وَقَالَ الكلاباذي: هُوَ عَمْرو بن عُثْمَان، وَوهم شُعْبَة فِي اسْمه فَقَالَ: مُحَمَّد، وَقَالَ البُخَارِيّ بعد

стр. 6603

رِوَايَته لهَذَا الحَدِيث فِي أول الزَّكَاة: أخْشَى أَن يكون مُحَمَّد غير مَحْفُوظ، إِنَّمَا هُوَ عَمْرو. والْحَدِيث مر فِي أول الزَّكَاة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (مَاله؟) اسْتِفْهَام وَكرر للتَّأْكِيد. قَوْله: (أرب) بِفتْحَتَيْنِ الْحَاجة وَتَقْدِيره: لَهُ أرب، فَيكون ارتفاعه على الِابْتِدَاء وَخَبره قَوْله: لَهُ مقدما، وَرُوِيَ بِكَسْر الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة من أرب فِي الشَّيْء إِذا صَار ماهراً فِيهِ فَيكون مَعْنَاهُ التَّعَجُّب من حسن فظنته والتهدي إِلَى مَوضِع حَاجته. قَوْله: (ذرهاً) أَي: أترك الرَّاحِلَة ودعها كَانَ الرجل كَانَ على الرَّاحِلَة حِين سَأَلَ الْمَسْأَلَة، وَفهم رَسُول الله ﷺ ، استعجاله، فَلَمَّا حصل مَقْصُود من الْجَواب قَالَ لَهُ: دع الرَّاحِلَة تمشي إِلَى مَنْزِلك إِذْ لم يبْق لَك حَاجَة فِيمَا قصدته، أَو كَانَ ﷺ رَاكِبًا وَهُوَ كَانَ آخِذا بزمام رَاحِلَته، فَقَالَ بعد الْجَواب: دع زِمَام الرَّاحِلَة. ١١ - (بابُ إثْمِ القاطِعِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم قَاطع الرَّحِم. ١٣ - (حَدثنِي يحيى بن بكير حَدثنَا اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب أَن مُحَمَّد بن جُبَير بن مطعم قَالَ إِن جُبَير بن مطعم أخبرهُ أَنه سمع النَّبِي ﷺ َ - يَقُول لَا يدْخل الْجنَّة قَاطع) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَمُحَمّد بن جُبَير يروي عَن أَبِيه جُبَير بن مطعم والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن ابْن أبي عمر وَغَيره وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الزَّكَاة عَن مُسَدّد وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن ابْن أبي عمر وَغَيره قَوْله قَاطع أَي قَاطع الرَّحِم قَالَ الْكرْمَانِي الْمُؤمن بالمعصية لَا يكفر فَلَا بُد من أَن يدْخل الْجنَّة ثمَّ قَالَ حذف مفعول قَاطع يدل على عُمُومه وَمن قطع جَمِيع مَا أَمر الله بِهِ أَن يُوصل كَانَ كَافِرًا أَو المُرَاد المستحل أَو لَا يدخلهَا مَعَ السَّابِقين - ١٢ - (بابُ مَنْ بُسِطَ لَهُ فِي الرِّزْقِ بِصِلَةِ الرَّحِمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من بسط على صِيغَة الْمَجْهُول لَهُ فِي الرزق بِسَبَب صلَة الرَّحِم. ١٤ - (حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر حَدثنَا مُحَمَّد بن معن قَالَ حَدثنِي أبي عَن سعيد بن أبي سعيد عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول من سره أَن يبسط لَهُ فِي رزقه وَأَن ينسأ لَهُ فِي أَثَره فَليصل رَحمَه) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَمُحَمّد بن معن بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وبالنون ابْن مُحَمَّد بن معِين بن نَضْلَة بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن عَمْرو الْمدنِي الْغِفَارِيّ ونضلة لَهُ صُحْبَة كَانَ يسكن فِي نَاحيَة العرج وَمُحَمّد بن معن يروي عَن أَبِيه معن بن مُحَمَّد وَهُوَ ثِقَة وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَكَذَا أَبوهُ لَيْسَ لَهُ إِلَّا مَوضِع آخر أَو موضعان وَسَعِيد بن أبي سعيد هُوَ المَقْبُري وَاسم أبي سعيد كيسَان والْحَدِيث من أَفْرَاده قَوْله وَأَن ينسأ لَهُ من النسأ بِفَتْح النُّون وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وبالهمزة فِي آخِره وَهُوَ التَّأْخِير أَي يُؤَخر لَهُ فِي أَثَره أَي فِي أَجله وَأثر الشَّيْء هُوَ مَا يدل على وجوده ويتبعه وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا الْأَجَل وَسمي بِهِ لِأَنَّهُ يتبع الْعُمر فَإِن قلت الْآجَال مقدرَة وَكَذَا الأرزاق لَا تزيد وَلَا تنقص ﴿فَإِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ قلت أُجِيب عَن هَذَا بِوَجْهَيْنِ (أَحدهمَا) أَن هَذِه الزِّيَادَة بِالْبركَةِ فِي الْعُمر بِسَبَب التَّوْفِيق فِي الطَّاعَات وصيانته عَن الضّيَاع وَحَاصِله أَنَّهَا بِحَسب الكيف لَا الْكمّ (وَالثَّانِي) أَن الزِّيَادَة على حَقِيقَتهَا وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى علم الْملك الْمُوكل بالعمر وَإِلَى مَا يظْهر لَهُ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ بالمحو وَالْإِثْبَات فِيهِ ﴿يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت﴾ كَمَا أَن عمر فلَان سِتُّونَ سنة إِلَّا أَن يصل رَحمَه فَإِنَّهُ يُزَاد عَلَيْهِ عشرَة وَهُوَ سَبْعُونَ وَقد علم الله بِمَا سيقع لَهُ من ذَلِك فبالنسبة إِلَى الله تَعَالَى لَا زِيَادَة وَلَا نُقْصَان وَيُقَال لَهُ الْقَضَاء المبرم وَإِنَّمَا يتَصَوَّر الزِّيَادَة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم وَيُسمى مثله بِالْقضَاءِ الْمُعَلق وَيُقَال المُرَاد بَقَاء ذكره الْجَمِيل بعده فَكَأَنَّهُ لم يمت وَهُوَ إِمَّا بِالْعلمِ الَّذِي ينْتَفع بِهِ أَو الصَّدَقَة الْجَارِيَة أَو الْخلف الصَّالح

стр. 6604

٥٩٨٦ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنُ ابنِ شِهابٍ قَالَ: أَخْبرنِي أنَسُ بنُ مالِكٍ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: مَنْ أحَبَّ أنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رزْقِهِ ويُنْسَأ لَهُ فِي أثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ. (انْظُر الحَدِيث ٢٠٦٧) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم بِهَذَا النسق. والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْأَدَب عَن عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث بن سعد عَن أَبِيه عَن جده بِهِ. وَقد ورد فِي فضل صلَة الرَّحِم أَحَادِيث كَثِيرَة: مِنْهَا حَدِيث عَليّ ﵁، رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي (زوائده على الْمسند) وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) بِلَفْظ: من سره أَن يمدله فِي عمره ويوسع عَلَيْهِ فِي رزقه وَيدْفَع عَنهُ ميتَة السوء فَليصل رَحمَه. وَمِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه التِّرْمِذِيّ: أَن صلَة الرَّحِم محبَّة فِي الْأَهْل مثراة فِي المَال منسأة فِي الْأَثر. وَمِنْهَا حَدِيث عَائِشَة ﵂، أخرجه أَحْمد بِسَنَد رِجَاله ثِقَات مَرْفُوعا: صلَة الرَّحِم وَحسن الْجوَار وَحسن الْخلق يعمرَانِ الديار وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَار. وَمِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي: (كتاب التَّرْغِيب والترهيب) مَرْفُوعا: والوالدين يزِيد فِي الْعُمر وَالْكذب ينقص الرزق وبر الْوَالِدين من أعظم صلَة الرَّحِم، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس وثوبان مُسْندًا عَن التَّوْرَاة: (ابْن آدم ﴿اتقِ رَبك وبرَّ والديك وصل رَحِمك أمد لَك فِي عمرك) . وَرُوِيَ أَيْضا عَن ثَوْبَان يرفعهُ: لَا يزِيد فِي الْعُمر إلَاّ بر الْوَالِدين وَلَا يزِيد فِي الرزق إلَاّ صلَة الرَّحِم، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث مُحَمَّد بن عَليّ عَن أَبِيه عَن جده عَليّ ﵁، عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ، وَسَأَلَ عَن قَوْله: ﴿يمحو الله مَا يَشَاء﴾ (الرَّعْد: ٣٩) قَالَ: هِيَ الصَّدَقَة على وَجههَا وبر الْوَالِدين واصطناع الْمَعْرُوف وصلَة الرَّحِم تحول الشَّقَاء سَعَادَة وتزيد فِي الْعُمر وتقي مصَارِع السوء، يَا عَليّ وَمن كَانَت فِيهِ خصْلَة وَاحِدَة من هَذِه الْأَشْيَاء أعطَاهُ الله تَعَالَى هَذِه الثَّلَاث الْخِصَال، وَرُوِيَ من حَدِيث عبد الله بن عمر يرفعهُ: أَن الْإِنْسَان ليصل رَحمَه وَمَا بَقِي من عمره إِلَّا ثَلَاثَة أَيَّام فيزيد الله فِي عمره ثَلَاثِينَ سنة، وَأَن الرجل ليقطع رَحمَه وَقد بَقِي من عمره ثَلَاثُونَ سنة فينقص الله عمره حَتَّى لَا يبْقى مِنْهُ إلَاّ ثَلَاثَة أَيَّام. قَالَ أَبُو مُوسَى: هَذَا حَدِيث حسن، وَرُوِيَ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة ﵁، قَالَ: خرج علينا رَسُول الله ﷺ يَوْمًا وَنحن فِي صفة بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت البارحة عجبا، رَأَيْت رجلا من أمتِي أَتَاهُ ملك الْمَوْت ليقْبض روحه فَجَاءَهُ بره بِوَالِديهِ فَرد ملك الْمَوْت عَنهُ، قَالَ أَبُو مُوسَى: هَذَا حَدِيث حسن جدا. ١٣ - (بابٌ مَنْ وَصَلَ وصَلَهُ الله) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من وصل ﵀، يَعْنِي: يعْطف عَلَيْهِ بفضله إِمَّا فِي عَاجل دُنْيَاهُ أَو آجل آخرته، وَالْعرب تَقول إِذا تفضل رجل على رجل آخر بِمَال أَو وهبه هبة: وصل فلَان فلَانا، كَذَا. ٥٩٨٧ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا مُعاوِيَةُ بنُ أبي مُزَرِّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَمِّي سَعِيدَ بنَ يَسار يُحَدِّثُ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: إنَّ الله خَلَقَ الخَلْقَ حَتَّى إذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ قالَتِ الرَّحِمُ: هَذاا مَقامُ العائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ. قَالَ: نَعَمْ﴾ أما تَرْضَيْنَ أنْ أصلَ مِنْ وصَلَكِ وأقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَهْوَ لَكِ. قَالَ رسولُ الله ﷺ : فاقْرَأوا إنْ شِئْتُمْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الَاْرْضِ وَتُقَطِّعُو اْ أَرْحَامَكُمْ﴾ (مُحَمَّد: ٢٢) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَبشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة ابْن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد السّخْتِيَانِيّ الْمروزِي، وَعبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي، وَمُعَاوِيَة بن أبي مزرد بِضَم الْمِيم وَفتح الزَّاي وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة وبالدال الْمُهْملَة الْمدنِي وَله حَدِيث آخر وَهُوَ ثَالِث أَحَادِيث الْبَاب عَن عَائِشَة، وَحَدِيث آخر قد مر فِي الزَّكَاة، يروي عَن عَمه سعيد بن يسَار ضد الْيَمين أبي الْحباب مولى شقران مولى رَسُول الله ﷺ ، مَاتَ سنة تسع عشرَة وَمِائَة. والْحَدِيث مضى

стр. 6605

فِي التَّفْسِير فِي سُورَة مُحَمَّد ﷺ . فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن خَالِد عَن سُلَيْمَان عَن مُعَاوِيَة بن أبي مزرد ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (خلق الْخلق) يحْتَمل أَن يكون المُرَاد خلق جَمِيع الْمَخْلُوقَات، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ الْمُكَلّفين. قَوْله: (حَتَّى إِذا فرغ) المُرَاد بالفراغ قَضَاؤُهُ وإتمامه وَنَحْو ذَلِك بِمَا يشْهد بِأَنَّهُ مجَاز القَوْل، فَإِن الله تَعَالَى لَا يشْغلهُ شَأْن عَن شَأْن، أَو يُطلق عَلَيْهِ الْفَرَاغ الَّذِي هُوَ ضد الشّغل. قَوْله: (قَالَت الرَّحِم) يحْتَمل أَن يكون هَذَا القَوْل بعد خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض. أَو بعد خلقهَا كتبا فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ، أَو بعد انْتِهَاء خلق أَرْوَاح بني آدم عِنْد قَوْله: ﴿ (٧) أَلَسْت بربكم﴾ (الْأَعْرَاف: ١٧٢) . لما أخرجهم من صلب آدم ﵇، مثل الذَّر، ثمَّ إِسْنَاد القَوْل إِلَى الرَّحِم يحْتَمل أَن يكون بِلِسَان الْحَال، وَيحْتَمل أَن يكون بِلِسَان الْمقَال. يتَكَلَّم كَمَا هِيَ، أَو يخلق الله لَهَا عِنْد كَلَامهَا حَيَاة وعقلاً، وَقيل: هُوَ فِي الْحَقِيقَة ضرب مثل واستعادة إِذْ الرَّحْمَن معنى وَهُوَ إِيصَال الْقُرْبَى بَين أهل النّسَب، وَهِي اسْتِعَارَة تمثيلية، وَهِي الَّتِي الْوَجْه فِيهَا منتزع من أُمُور متوهمة للمشبه الْمَعْقُول بِمَا كَانَت تَابِعَة للمشبه بِهِ المحسوس، وَذَلِكَ انه شبهت حَالَة الرَّحِم وَمَا هِيَ عَلَيْهِ من الافتقار إِلَى الصِّلَة والذب مِنْهَا من القطيعة بِحَال مستجير يَأْخُذ بذيل المستجار بِهِ وحقو إزَاره، ثمَّ أَدخل صُورَة حَال الْمُشبه فِي جنس الْمُشبه بِهِ، وَاسْتعْمل فِي حَال الْمُشبه مَا كَانَ مُسْتَعْملا فِي الْمُشبه بِهِ من الْأَلْفَاظ بدلائل قَرَائِن الْأَحْوَال، وَيجوز أَن يكون اسْتِعَارَة مكنية بِأَن يشبه الرَّحِم بِإِنْسَان يستجير بِمن يحميه ويذب عَنهُ مَا يُؤْذِيه، ثمَّ انْعَقَد على سَبِيل الإستعارة التخييلية مَا هُوَ لَازم الْمُشبه بِهِ من الْقيام ليَكُون قرينَة مَانِعَة من إِرَادَة الْحَقِيقَة، ثمَّ رشحت الإستعارة بِأخذ القَوْل. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: الرَّحِم الَّتِي توصل وتقطع إِنَّمَا هِيَ معنى من الْمعَانِي لَيست بجسم، وَإِنَّمَا هِيَ قرَابَة وَنسب يجمعه رحم وَالِده ويتصل بعضه بِبَعْض، فَسُمي ذَلِك الِاتِّصَال رحما. والمعاني لَا يَتَأَتَّى مِنْهَا الْقيام وَلَا الْكَلَام فَيكون ذكر قِيَامهَا هُنَا وتعلقها بالعرش ضرب مثل وَحسن اسْتِعَارَة على عَادَة الْعَرَب فِي اسْتِعْمَال ذَلِك وتعظيم شَأْنهَا وفضيلة واصلها وعظيم إِثْم قاطعها بعقوقه، وَلِهَذَا سمي العقوق قطعا، والعق الشق كَأَنَّهُ قطع ذَلِك السَّبَب الْمُتَّصِل. قَالَ: وَيجوز أَن يكون المُرَاد قيام ملك من الْمَلَائِكَة وَتعلق بالعرش وَتكلم على لسانها بِهَذَا بِأَمْر الله . قَوْله: (أَن أصل من وصلك) الْوَصْل من الله تَعَالَى كِنَايَة عَن عَظِيم إحسانه، وَالْقطع مِنْهُ كِنَايَة عَن حرمَان الْإِحْسَان. ٥٩٨٨ - حدَّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ حَدثنَا سُلَيْمانُ حَدثنَا عَبْدُ الله بنُ دِينَار عنْ أبي صالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَن النبيِّ ﷺ ، قَالَ: إنَّ الرَّحِمَ شِجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمانِ، فَقَالَ الله: مَنْ وصَلَكِ وصَلْتُهُ ومَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وخَالِد بن مخلد بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال، أَبُو أَيُّوب، وَيُقَال: أَبُو مُحَمَّد الْقرشِي التَّيْمِيّ مولى عبد الله بن أبي عَتيق واسْمه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق، وَأَبُو صَالح ذكْوَان السمان. والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (شجنة) بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْجِيم بعْدهَا نون وَجَاء بِضَم أَوله وبفتحه رِوَايَة ولغة وَاصل الشجنة عروق الشّجر المشتبكة. قَوْله: (من الرَّحْمَن) أَي: أَخذ اسْمهَا من هَذَا لإسم كَمَا فِي حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: قَالَ الله: ﴿أَنا الله وَأَنا الرَّحْمَن خلقت الرَّحِم وشققت لَهَا من إسمي من وَصلهَا وصلته وَمن قطعهَا بتته﴾ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَامر بن ربيعَة عَن أَبِيه، قَالَ رَسُول الله ﷺ : قَالَ الله تَعَالَى: ﴿الرَّحِم شجنة مني فَمن وَصلهَا وصلته وَمن قطعهَا قطعته﴾ وَالْمعْنَى أَنَّهَا أثر من آثَار الرَّحْمَة مشتبكة بهَا فالقاطع لَهَا مُنْقَطع من رَحْمَة الله. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: معنى الحَدِيث أَن الرَّحِم مُشْتَقّ اسْمهَا من إسم الرَّحْمَن، فلهَا بِهِ علقَة وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا من ذَات الله تَعَالَى، تَعَالَى الله عَن ذَلِك. ٥٩٨٩ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ حَدثنَا سُلَيْمانُ بنُ بِلَالٍ قَالَ: أَخْبرنِي مُعاوِيَةُ بنُ أبي مُرَزِّدٍ

стр. 6606

عَنْ يَزِيدَ بنِ رُومانَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ ﵂، زَوْجِ النبيّ ﷺ عَنِ النبيّ ﷺ قَالَ: الرحِمُ شِجْنَةٌ فَمَنْ وَصَلَها وصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَها قَطَعْتُهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَهَذَا الحَدِيث بِلَفْظ حَدِيث أبي هُرَيْرَة إلَاّ أَنه بِلَفْظ الْغَيْبَة. ١٤ - (بابٌ يَبُلُّ الرحِمَ بِبِلَالِها) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ يبل الرَّحِم بِبلَالِهَا، وَلَفظ يبل على بِنَاء الْمَعْلُوم وفاعله مَحْذُوف تَقْدِيره: يبل الشَّخْص الْمُكَلف، وَالرحم مَنْصُوب على أَنه مفعول يبل، وَيجوز أَن يكون يبل على صِيغَة الْمَجْهُول مُسْندًا إِلَى الرَّحِم الْمَرْفُوع بِهِ. قَوْله: بِبلَالِهَا، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة، وكل مَا يبل بِهِ الْحلق من المَاء وَاللَّبن يُسمى: بِلَالًا، وَقد يجمع البلة بِالْكَسْرِ وَهِي النداوة على بِلَال، وَقَالَ الْخطابِيّ: البلال مصدر بللت الرَّحِم أبلة، بِلَالًا وبِلالاً بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح إِذا نديتها بِآلَة. ٥٩٩٠ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَبَّاسٍ حَدثنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَر حَدثنَا شُعْبَةُ عَنْ إسْماعِيلَ بنِ أبي خالِدٍ عَنْ قَيْسِ بنِ أبي حازِمٍ أنَّ عَمْرو بنَ العاصِ. قَالَ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ جهاراً غَيْرَ سِرّ يَقُول: إنَّ آلَ أبي فُلَانٍ! قَالَ عَمْروٌ: فِي كِتابِ مُحَمَّد بنِ جَعْفَرٍ بَياضٌ. . لَيْسُوا بِأوْلِيائِي، إنِّما وَلِيِّيَ الله وصالِحُ المُؤْمِنِينَ. زادَ عَنْبَسَةُ بنُ عَبْدِ الواحِدِ عَنْ بَيانٍ عَنْ قَيْسٍ عَنْ عَمْروِ بنِ العاصِ قَالَ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ : ولاكِنْ لَهُمْ رَحمٌ أبُلُّها بِبِلالِها يَعْنِي: أصِلُها بِصِلَتِها. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أبلها بِبلَالِهَا) . وَعَمْرو بِفَتْح الْعين أَبُو عُثْمَان الْبَصْرِيّ، وَمُحَمّد بن جَعْفَر هُوَ غنْدر، وَإِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد البَجلِيّ الْكُوفِي وَاسم أبي خَالِد سعد، وَيُقَال: هُرْمُز، وَقيس بن أبي حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي واسْمه عَوْف البَجلِيّ، قدم الْمَدِينَة بَعْدَمَا قبض النَّبِي ﷺ . والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان عَن أَحْمد بن حَنْبَل عَن غنْدر بِهِ. قَوْله: (جهاراً) أَي: سَمِعت سَمَاعا جهاراً، الْمَعْنى: كَانَ المسموع فِي حَال الجهار دون السِّرّ، وَهَذَا للتَّأْكِيد وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى: أَقُول ذَلِك جهاراً لَا سرا. قَوْله: (يَقُول) أَي: النَّبِي ﷺ : (إِن آل أبي فلَان) هَكَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيره: إِن آل أبي، بِحَذْف مَا يُضَاف إِلَى أَدَاة الكنية، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم كَرِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَذكر الْقُرْطُبِيّ أَنه وَقع فِي أصل مُسلم مَوضِع: فلَان، ولبعضهم أَنه: قَالَ أبي فلَان، بِالْجَزْمِ. قَوْله: (قَالَ عَمْرو) هُوَ ابْن عَبَّاس شيخ البُخَارِيّ فِيهِ. قَوْله: (فِي كتاب مُحَمَّد بن جَعْفَر) وَهُوَ غنْدر شيخ عمر وَالْمَذْكُور فِيهِ. قَوْله: (بَيَاض) قَالَ عبد الْحق فِي كتاب (الْجَمِيع بَين الصَّحِيحَيْنِ) : الصَّوَاب فِي ضبط هَذِه الْكَلِمَة بِالرَّفْع أَي: وَقع فِي كتاب مُحَمَّد بن جَعْفَر مَوضِع أَبيض يَعْنِي بِغَيْر كِتَابَة، وَفهم بَعضهم مِنْهُ أَنه الإسم المكني عَنهُ فِي الرِّوَايَة، فقرأه بِالْجَرِّ على أَنه فِي كتاب مُحَمَّد بن جَعْفَر أَن آل أبي بَيَاض، وَهُوَ فهم بعيد سيء لِأَنَّهُ لَا يعرف فِي الْعَرَب قَبيلَة يُقَال لَهَا: آل أبي بَيَاض فضلا عَن قُرَيْش، وَسِيَاق الحَدِيث يشْعر بِأَنَّهُم من قَبيلَة النَّبِي ﷺ وَهِي قُرَيْش، بل فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّهُم أخص من ذَلِك، لقَوْله: إِن لَهُم لرحماً، وَأبْعد من ذَلِك من حمله على بني بياضة، وهم بطن من الْأَنْصَار لما فِيهِ من التَّغْيِير والترخيم الَّذِي لَا يجوزه الْأَكْثَرُونَ. وَقَالَ عِيَاض: إِن المكني عَنهُ هُوَ الحكم بن أبي الْعَاصِ. قَوْله: (لَيْسُوا بأوليائي) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة لأبي ذَر: بأولياء، وَنقل ابْن التِّين عَن الدَّاودِيّ أَن المُرَاد بِهَذَا النَّفْي من لم يسلم مِنْهُم فَيكون هَذَا من إِطْلَاق الْكل وَإِرَادَة الْبَعْض. وَقَالَ الْخطابِيّ: الْولَايَة المنفية ولَايَة الْقرب والاختصاص لَا ولَايَة الدّين. قَوْله: (وَصَالح الْمُؤمنِينَ) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بإفراد صَالح، وَوَقع فِي رِوَايَة البرقاني: وصالحو الْمُؤمنِينَ، بِالْجمعِ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هُوَ وَاحِد وَأُرِيد بِهِ الْجمع لِأَنَّهُ جنس وَيجوز أَن يكون أَصله: وصالحوا الْمُؤمنِينَ بِالْوَاو، فَكتب بِغَيْر اللَّفْظ على الْوَاو، وَقَالَ النَّوَوِيّ: معنى الحَدِيث أَن وليي

стр. 6607

من كَانَ صَالحا، وَإِن بعد نسبه مني، وَلَيْسَ ولي من كَانَ غير صَالح وَإِن قرب نسبه مني. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فَائِدَة الحَدِيث: انْقِطَاع الْولَايَة بَين الْمُسلم وَالْكَافِر وَلَو كَانَ قَرِيبا جَمِيعًا، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ، شيخ شَيْخي: الْمَعْنى أَنِّي لَا أوالي أحدا بِالْقَرَابَةِ، وَإِنَّمَا أحب الله لمَاله من الْحق الْوَاجِب على الْعباد، وَأحب صَالح الْمُؤمنِينَ لوجه الله تَعَالَى، وَأُوَالِي من أوالي بِالْإِيمَان وَالصَّلَاح سَوَاء كَانُوا من ذَوي رحمي أم لَا، وَلَكِن أراعي لِذَوي الرَّحِم حَقهم لصلة الرَّحِم، هَذَا من فحول الْكَلَام، وَمن فحول الْعلمَاء. وَقد اخْتلفُوا فِي المُرَاد بقوله تَعَالَى: ﴿ (٦٦) وَصَالح الْمُؤمنِينَ﴾ (التَّحْرِيم: ٤) على أَقْوَال: الأول: الْأَنْبِيَاء، أخرجه الطَّبَرِيّ عَن قَتَادَة. الثَّانِي: الصَّحَابَة أخرجه ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ. الثَّالِث: خِيَار الْمُؤمنِينَ، أخرجه ابْن أبي حَاتِم عَن الضَّحَّاك. الرَّابِع: أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان، أخرجه ابْن أبي حَاتِم عَن الْحسن الْبَصْرِيّ. الْخَامِس: أَبُو بكر وَعمر، أخرجه الطَّبَرِيّ عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا، وَسَنَده ضَعِيف. السَّادِس: عمر خَاصَّة، أخرجه ابْن أبي حَاتِم بِسَنَد صَحِيح عَن سعيد بن جُبَير. السَّابِع: أَبُو بكر خَاصَّة، ذكره الْقُرْطُبِيّ عَن الْمسيب بن شريك. الثَّامِن: عَليّ، أخرجه ابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد. قَوْله: (زَاد عَنْبَسَة بن عبد الْوَاحِد) أَي: ابْن أُميَّة بن عبد الله ابْن سعيد بن الْعَاصِ بن أحيحة بمهملتين مُصَغرًا، وَكَانَ يعد من الأبدال، وَمَاله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع الْمُعَلق، وَوَصله البُخَارِيّ فِي كتاب الْبر والصلة، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد بن عَنْبَسَة حَدثنَا جدي فَذكره. قَوْله: (عَن بَيَان) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف، وبالنون ابْن بشر بالشين الْمُعْجَمَة الأحمسي. قَوْله: (عَن قيس) هُوَ قيس بن أبي حَازِم الْمَذْكُور. قَوْله: (لَهُم) أَي: لآل أبي فلَان. قَوْله: (رحم) أَي: قرَابَة. قَوْله: (أبلها) ، أَي: أنديها بِبلَالِهَا، أَي: بِمَا يجب أَن تندى بِهِ، وَمِنْه: بلوا أَرْحَامكُم أَي: ندوها أَي: صلوها، يُقَال: للوصل بَلل، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الِاتِّصَال والقطيعة يبس، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الِانْفِصَال. قَوْله: يَعْنِي: أَصْلهَا بصلتها، هَذَا التَّفْسِير قد سقط من رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَوَقع عِنْد أبي ذَر وَحده: أبلها بِبلَالِهَا، وَبعده فِي الأَصْل: كَذَا وَقع وببلالها أَجود وَأَصَح وببلائها لَا أعرف لَهُ وَجها. انْتهى حَاصِل هَذَا أَن البُخَارِيّ قَالَ: وَقع فِي كَلَام هَؤُلَاءِ الروَاة ببلائها بِالْهَمْزَةِ بعد الْألف، وَلَو كَانَ بِبلَالِهَا بِاللَّامِ لَكَانَ أَجود وَأَصَح يَعْنِي، قَالَ: وَلَا أعرف لبلائها وَجها. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يُقَال: وَجهه أَن الْبلَاء جَاءَ بِمَعْنى الْمَعْرُوف وَالنعْمَة، وَحَيْثُ كَانَ الرَّحِم مصرفها أضيف إِلَيْهَا بِهَذِهِ الملابسة، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أبلها بمعروفها اللَّائِق بهَا، وَوجه أَيْضا الدَّاودِيّ هَذِه الرِّوَايَة على تَقْدِير ثُبُوتهَا بِأَن المُرَاد مَا أوصله إِلَيْهَا من الْأَذَى على تَركهم الْإِسْلَام، ورد عَلَيْهِ ابْن التِّين بِأَنَّهُ: لَا يُقَال فِي الْأَذَى: أبله، وَفِيه نظر لَا يخفى. ١٥ - (بابٌ لَيْسَ الواصِلُ بالمكافىءِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَيْسَ الْوَاصِل بالكافىء، يَعْنِي: لَيْسَ حَقِيقَة الْوَاصِل من يكافىء صَاحبه بِمثل فعله إِذْ ذَاك نوع مُعَاوضَة، وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَمَّن سمع عِكْرِمَة يحدث عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ عمر بن الْخطاب ﵁: لَيْسَ الْوَصْل أَن تصل من وصلك ذَلِك الْقصاص وَلَكِن الْوَصْل أَن تصل من قَطعك، وَهَذَا حَقِيقَة الْوَصْل الَّذِي وعد الله عباده عَلَيْهِ جزيل الْأجر، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يصلونَ ... . يُوصل﴾ (الرَّعْد: ٢١) . ٥٩٩١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنَا سُفْيانُ عَنِ الأعْمَشِ والحَسَنِ بنِ عَمْرو وفِطْرٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْروٍ قَالَ سُفْيانُ: لَمْ يَرْفَعْهُ الأعْمَشُ إِلَى النبيِّ ﷺ ، ورَفَعَهُ الحَسَنُ وفِطْرٌ عَن النبيِّ ﷺ قَالَ: لَيْسَ الواصِلُ بِالمُكافِىءِ، ولاكِنِ الواصِلُ الَّذِي إذَا قَطَعَتْ رَحمُهُ وصَلَها. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَالْحسن بن عَمْرو الْفُقيْمِي، بِضَم الْفَاء وَفتح الْقَاف وَفطر بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون الطَّاء الْمُهْملَة وبالراء ابْن خَليفَة. والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الزَّكَاة عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان الثَّوْريّ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن مُحَمَّد بن يحيى بن أبي عمر عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) هُوَ الثَّوْريّ الرَّاوِي وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (لم يرفعهُ) أَي: الحَدِيث. قَوْله: (وَرَفعه الْحسن وَفطر) هُوَ الْمَحْفُوظ عَن الثَّوْريّ

стр. 6608

وَلم يَخْتَلِفُوا أَن رِوَايَة فطر بن خَليفَة مَرْفُوعَة، وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن الْحسن بن عَمْرو وَحده مَرْفُوعا، وَمن رِوَايَة مُؤَمل بن إِسْمَاعِيل عَن الثَّوْريّ عَن الْحسن بن عَمْرو مَوْقُوفا. قَوْله: (وَلَكِن) قَالَ الطَّيِّبِيّ: الرِّوَايَة فِيهِ بِالتَّشْدِيدِ، وَيجوز التَّخْفِيف. ١٦ - (بابُ مَنْ وَصَلَ رَحمَهُ فِي الشِّرْكِ ثُمَّ أسْلَمَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من وصل رَحمَه حَال كَونه فِي الشّرك، ثمَّ بعد ذَلِك: هَل أسلم يكون لَهُ فِي ذَلِك ثَوَاب وَلم يبين حكمه لوُجُود الِاخْتِلَاف فِيهِ. ٥٩٩٢ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ حَكِيمَ ابنَ حِزامٍ أخْبرَهُ أنَّهُ قَالَ: يَا رسولَ الله ﴿أرَأيْتَ أُمُوراً كُنْتُ أتَحَنَّث بِها فِي الجاهِلِيَّةِ مِنْ صِلَةٍ وعَتاقَةٍ وصَدَقَةٍ، هَلْ لي فِيها مِنْ أجْر؟ قَالَ حَكُيمٌ: قَالَ رسولُ الله ﷺ أسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع. والْحَدِيث قد مضى فِي الزَّكَاة فِي: بَاب من تصدق فِي الشّرك ثمَّ أسلم. قَوْله: (أَرَأَيْت) أَي: أَخْبرنِي. قَوْله: (أتحنث) أَي: أَتَعبد، وَحَقِيقَته التَّجَوُّز عَن الْحِنْث وَهُوَ الْإِثْم، فَكَأَن المتعبد يلقِي الْإِثْم عَن نَفسه بِالْعبَادَة. وَفِيه: أَن الْمُؤمن من يُثَاب على أَعمال الْخَيْر الصادرة عَنهُ حَالَة الْكفْر. ويُقالُ أيْضاً عَنْ أبي اليَمانِ: أتَحَنَّتُ، وَقَالَ مَعْمَرُ وصالِحٌ وابنُ المُسافِرِ: أتَحَنَّثُ. وَقَالَ ابنُ إسْحاقَ: التَّحَنُّثُ التَّبَرُّرُ، وتابَعَهُمْ هشامٌ عَنْ أبِيهِ. أَي: كَمَا حَدثنَا أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع الْمَذْكُور بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، وَفِيه: أتحنث، بالثاء الْمُثَلَّثَة يُقَال أَيْضا عَنهُ: أتحنث، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق بدل الثَّاء الْمُثَلَّثَة، ولضعف هَذَا ذكره بِصِيغَة التمريض، وَهُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر هَكَذَا وَفِي رِوَايَة غَيره. وَقَالَ أَيْضا: عَن أبي الْيَمَان، فَهُوَ من كَلَام البُخَارِيّ، فَيكون فَاعل: قَالَ، هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. وَقَالَ ابْن التِّين: أتحنت بِالْمُثَنَّاةِ لَا أعلم لَهُ وَجها، وَوَقع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ: أتجنب بِالْجِيم وَالنُّون وَالْبَاء الْمُوَحدَة، وَبعد أَن نَقله نسبه إِلَى البُخَارِيّ، ثمَّ قَالَ: والتحنت يَعْنِي بِالْمُثَنَّاةِ تَصْحِيف، وَإِنَّمَا هُوَ التحنث يَعْنِي بالثاء الْمُثَلَّثَة مَأْخُوذ من الْحِنْث وَهُوَ الْإِثْم، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أتوقى مَا يؤثم. قَوْله: (وَقَالَ معمر) ، هُوَ ابْن رَاشد، وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان، وَابْن الْمُسَافِر هُوَ عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن مُسَافر الفهمي الْمصْرِيّ أَمِير مصر، وَوَقع هُنَا لمسافر بِالْألف وَاللَّام والشهور فِيهِ بحذفهما. قَوْله: (أتحنت) ، مقول قَول الثَّلَاثَة يَعْنِي: بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة، أما تَعْلِيق معمر فوصله البُخَارِيّ فِي الزَّكَاة فِي: بَاب من تصدق فِي الشّرك ثمَّ أسلم، وَأما تَعْلِيق صَالح فوصله مُسلم من حَدِيث صَالح عَن ابْن شهَاب، قَالَ: أَخْبرنِي عُرْوَة بن الزبير أَن حَكِيم بن حزَام أخبرهُ أَنه قَالَ لرَسُول الله ﷺ : أَي رَسُول الله﴾ أَرَأَيْت أموراً كنت أتحنت بهَا فِي الْجَاهِلِيَّة؟ الحَدِيث. وَأما تَعْلِيق ابْن مُسَافر فوصله الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من طَرِيق اللَّيْث بن سعد عَنهُ. قَوْله: وَقَالَ ابْن إِسْحَاق، هُوَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق صَاحب السِّيرَة: التحنث، بالثاء الْمُثَلَّثَة التبرر من الْبر بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء الْمُشَدّدَة، هَكَذَا ذكره ابْن إِسْحَاق فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة. قَوْله وتابعهم هِشَام عَن أَبِيه، أَي: تَابع هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة، هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني تَابعهمْ بِالْجمعِ، وَفِي رِوَايَة غَيره: وَتَابعه بِالْإِفْرَادِ، وَهَذَا أولى لِأَن المُرَاد بِهَذِهِ الْمُتَابَعَة خُصُوص تَفْسِير التحنث بالتبرر، وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة البُخَارِيّ فِي الْعتْق من طَرِيق أبي أُسَامَة عَنهُ، وَلَفظه: أَن حَكِيم بن حزَام قَالَ ... فَذكر الحَدِيث، وَفِيه: كنت أتحنث بهَا، يَعْنِي: أتبرر. ١٧ - (بابُ مَنْ تَرَكَ صِبْيَةَ غَيْرِهِ حَتَّى تَلْعَبَ بِهِ، أوْ قَبَّلَها، أوْ مازَحَها) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر من ترك ... إِلَى آخِره. قَوْله: (حَتَّى تلعب) ، أَي: تَركهَا إِلَى أَن تلعب بِبَعْض جسده. قَوْله: (أَو قبلهَا) من التَّقْبِيل وَهَذَا من تَقْبِيل الشَّفَقَة لِأَن التَّقْبِيل على أَنْوَاع. قَوْله: (أَو مازحها) من الممازحة من بَاب المفاعلة الَّذِي يَقْتَضِي الِاشْتِرَاك من الْجَانِبَيْنِ، وَالْأَوْجه أَن يكون: مازح، هُنَا بِمَعْنى: مزح، لِأَن المزح مَا يتَصَوَّر من كل صَغِير. وَقَالَ بَعضهم: وَالَّذِي

стр. 6609

يظْهر أَن ذكر المزح بعد التَّقْبِيل من الْعَام بعد الْخَاص. قلت: لَيْسَ كَذَلِك لِأَن لكل وَاحِد من التَّقْبِيل والمزاح معنى خَاصّا، وَلَيْسَ بَينهمَا عُمُوم وخصوص، والمزح الدُّعَاء بِهِ يُقَال: مزح يمزح، والإسم: المزاح، بِالضَّمِّ والمزاحة أَيْضا، وَأما: المزح، بِالْكَسْرِ فَهُوَ مصدر. ٢٢ - (حَدثنَا حبَان أخبرنَا عبد الله عَن خَالِد بن سعيد عَن أَبِيه عَن أم خَالِد بنت خَالِد بن سعيد قَالَت أتيت رَسُول الله ﷺ َ - مَعَ أبي وَعلي قَمِيص أصفر قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - سنة سنة قَالَ عبد الله وَهِي بالحبشية حَسَنَة قَالَت فَذَهَبت أَلعَب بِخَاتم النُّبُوَّة فزبرني أبي قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - دعها ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - أبلي وأخلقي ثمَّ أبلي وأخلقي ثمَّ أبلي وأخلقي: قَالَ عبد الله فَبَقيت حَتَّى ذكر يَعْنِي من بَقَائِهَا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله فَذَهَبت أَلعَب وَقَالَ ابْن التِّين لَيْسَ المُرَاد فِي الْخَبَر الْمَذْكُور فِي الْبَاب للتقبيل ذكر وَأجِيب بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون أَخذه من الْقيَاس فَإِنَّهُ لما لم ينهها عَن مس جسده صَار كالتقبيل وَفِيه تَأمل وحبان بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن مُوسَى أَبُو مُحَمَّد السّلمِيّ الْمروزِي شيخ مُسلم أَيْضا مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي وخَالِد بن سعيد يروي عَن أَبِيه سعيد بن عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ الْقرشِي الْأمَوِي وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ وَأم خَالِد بنت خَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس وَهِي مَشْهُورَة بكنيتها وَاسْمهَا أمة وَأمّهَا أُمَيْمَة وَيُقَال هميمة بنت خلف بن أسعد بن عَامر بن بياضة من خُزَاعَة تزوج أمة بنت خَالِد بن الزبير بن الْعَوام وخَالِد بن سعيد الْمَذْكُور أسلم قَدِيما يُقَال أَنه أسلم بعد أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَكَانَ ثَالِثا أَو رَابِعا وَقيل خَامِسًا هَاجر إِلَى أَرض الْحَبَشَة مَعَ امْرَأَته الْخُزَاعِيَّة وَولد لَهُ بهَا ابْنه سعيد بن خَالِد وَابْنَته أم خَالِد وَحَدِيث أم خَالِد هَذِه قد تقدم بِوُجُوه مُخْتَلفَة فِي الْجِهَاد وهجرة الْحَبَشَة وَفِي اللبَاس قَوْله سنة بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون قَالَ الْكرْمَانِي وَقيل بتشديدها قَوْله " بِخَاتم النُّبُوَّة " هُوَ مَا كَانَ مثل زر الحجلة بَين كَتِفي رَسُول الله ﷺ َ - قَوْله " فزبرني " أَي نهرني من الزبر بالزاي فِي أَوله وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ الزّجر وَالْمَنْع قَوْله أبلي وأخلقي كِلَاهُمَا أَمر فأبلي من أبليت الثَّوْب إِذا جعلته عتيقا وأخلقي من الْأَخْلَاق وَمن الثلاثي أَيْضا بِمَعْنَاهُ وَقَالَ الدَّاودِيّ يُسْتَفَاد مِنْهُ مَجِيء ثمَّ للمقارنة وَمنعه بعض النُّحَاة فَقَالُوا لَا تَأتي إِلَّا للتراخي وَقَالَ ابْن التِّين مَا علمت أَن أحدا قَالَ أَن ثمَّ للمقارنة وَإِنَّمَا هِيَ للتَّرْتِيب بِالْمُهْمَلَةِ قَالَ وَلَيْسَ فِي الحَدِيث مَا ادَّعَاهُ من الْمُقَارنَة لِأَن الإبلاء يكون بعد الْخلق أَو الْخلف وَقَالَ بَعضهم لَعَلَّ الدَّاودِيّ أَرَادَ بالمقارنة الْعَاقِبَة فَيتَّجه بعض اتجاه قلت آفَة التَّصَرُّف من الْفَهم السقيم فَهَل المعاقبة إِلَّا الْمُقَارنَة قلت قد جوز بعض النُّحَاة مَجِيء ثمَّ بِمَعْنى الْوَاو وَاسْتدلَّ بقوله ﷺ َ - لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم الَّذِي لَا يجْرِي ثمَّ يغْتَسل مِنْهُ قَوْله " قَالَ عبد الله " هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمَذْكُور وَهُوَ مُتَّصِل بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور قَوْله فَبَقيت أَي أم خَالِد الْمَذْكُورَة هَذِه رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة غَيره فَبَقيَ أَي الثَّوْب وَهُوَ الْقَمِيص الْمَذْكُور قَوْله حَتَّى ذكر أَي الْقَمِيص أَي حَتَّى صَار مَذْكُورا بَين النَّاس لخُرُوج بَقَائِهِ عَن الْعَادة قَالَه الْكرْمَانِي وَقَالَ بَعضهم بعد أَن ذكر مَا قَالَه الْكرْمَانِي فَإِنَّهُ قَرَأَ ذكر بِضَم أَوله لكنه لم يَقع عندنَا فِي الرِّوَايَة إِلَّا بِالْفَتْح قَالَ وَوَقع فِي رِوَايَة أبي عَليّ بن السكن حَتَّى ذكر دهرا وَهُوَ يُؤَيّد مَا قَدمته انْتهى قلت الَّذِي قَالَه الْكرْمَانِي هُوَ الصَّحِيح لِأَن قَوْله حَتَّى ذكر مَجْهُول لِأَن الْمَعْنى على هَذَا وَإِذا جعل مَعْلُوما مَا يكون فَاعله وَكَلَام ابْن السكن يُؤَيّد كَلَام الْكرْمَانِي وَلَا يقرب مِمَّا قَالَه هَذَا الْقَائِل فضلا عَن أَن يُؤَيّدهُ وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني حَتَّى دكن بدال مُهْملَة وكاف مَكْسُورَة وبنون أَي حَتَّى صَار أدكن أَي أسود وَالْمعْنَى حَتَّى دكن الْقَمِيص وَقَالَ الْكرْمَانِي أَي عاشت أم خَالِد عَيْشًا طَويلا حَتَّى تغير لون قميصها إِلَى الاسوداد والدكنة لون يضْرب إِلَى السوَاد قَوْله يَعْنِي من بَقَائِهَا يَعْنِي كَون هَذَا الْقَمِيص مَذْكُورا دهرا من أجل بَقَائِهَا أَي من أجل بَقَاء أم خَالِد زَمَانا طَويلا وَفِيه معْجزَة النَّبِي ﷺ َ - وَفِيه جَوَاز مُبَاشرَة الرجل الصَّغِيرَة الَّتِي

стр. 6610

لَا يشتهى مثلهَا وممازحتها وَإِن لم تكن مِنْهُ بِذَات محرم وَكَانَ مزح النَّبِي ﷺ َ - حَقًا فَمن ذَلِك يجوز المزح إِذا كَانَ حَقًا وَأما إِذا كَانَ بِغَيْر حق فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الْفَاحِشَة فَلَا يجوز وَفِيه تواضع النَّبِي ﷺ َ - وحلمه حَيْثُ لم ينهر أم خَالِد عَن لعب خَاتم النُّبُوَّة - ١٨ - (بابُ رَتحْمَةِ الوَلَدِ وتَقْبِيلِهِ ومُعانَقَتِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان رَحْمَة الْوَلَد، وَهِي شفقته وتعطفه عَلَيْهِ وجلب الْمَنْفَعَة إِلَيْهِ وَدفع الْمضرَّة عَنهُ، وَالْإِضَافَة فِيهِ إِضَافَة الْفِعْل إِلَى الْمَفْعُول، وطوى فِيهِ ذكر الْفَاعِل، وَالتَّقْدِير: رَحْمَة الْوَالِد وَلَده، وَكَذَلِكَ الْإِضَافَة فِي تقبيله ومعانقته. قَوْله: وَتَقْبِيله أَي: وَفِي جَوَاز تَقْبِيل الْوَلَد. وَقَالَ ابْن بطال: يجوز تَقْبِيل الْوَلَد الصَّغِير فِي كل عُضْو مِنْهُ، وَكَذَا الْكَبِير عِنْد أَكثر الْعلمَاء مَا لم يكن عَورَة. وَقَالَ ثابِتٌ عَنْ أنَسٍ: أخَذَ النبيُّ ﷺ إبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وشَمَّهُ ثَابت بالثاء الْمُثَلَّثَة هُوَ ابْن أسلم الْبَصْرِيّ أَبُو مُحَمَّد الْبنانِيّ بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف النُّون الأولى نِسْبَة إِلَى بنانة أمة لسعد بن لؤَي بن غَالب، وَهَذَا التَّعْلِيق أخرجه البُخَارِيّ مَوْصُولا فِي الْجَنَائِز، وَهُوَ حَدِيث طَوِيل، وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن النَّبِي ﷺ من ماربة الْقبْطِيَّة. ٥٩٩٤ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ حَدثنَا مَهْدِي حَدثنَا ابنُ أبي يَعْقُوبَ عَنِ ابنِ أبي نُعْمٍ قَالَ: كُنْتُ شاهِداً لابنِ عُمَرَ وسألَهُ رَجُلٌ عَنْ دم البَعُوضِ؟ فَقَالَ: مِمَّنْ أنْتَ؟ فَقَالَ: مِنْ أهْلِ العِراقِ. قَالَ: انْظُرُوا إِلَى هاذا يَسْألُنِي عَنْ دَمِ البَعُوضِ وقَدْ قَتَلُوا ابنَ النبيِّ ﷺ ، وسَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ: هُما رَيْحانَتايَ مِنَ الدُّنْيا. (انْظُر الحَدِيث ٣٧٥٣) . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (هما ريحانتاي من الدُّنْيَا) وَالريحَان مِمَّا يشم وَالْولد مِمَّا يشم وَيقبل. ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة التَّبُوذَكِي، ومهدي هُوَ ابْن مَيْمُون الْأَزْدِيّ، وَذكر هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَابْن أبي يَعْقُوب، هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله ابْن أبي يَعْقُوب الضَّبِّيّ الْبَصْرِيّ، وَابْن أبي نعم بِضَم النُّون وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة هُوَ عبد الرَّحْمَن وَاسم أَبِيه لَا يعرف، وَكَانَ ثِقَة عابداً. والْحَدِيث مضى فِي مَنَاقِب الْحسن وَالْحُسَيْن رضب الله عَنْهُمَا. قَوْله: (كنت شَاهدا) أَي: حَاضرا. قَوْله: (وساله رجل عَن دم البعوض) الْوَاو فِيهِ للْحَال. وَفِي المناقب: سَمِعت عبد الله بن عمر سَأَلَهُ عَن الْمحرم، قَالَ شُعْبَة: أَحْسبهُ يقتل الذُّبَاب. قَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن السُّؤَال كَانَ عَنْهُمَا جَمِيعًا يَعْنِي: عَن البعوض والذباب، وَقيل: أَو أطلق الرَّاوِي الذُّبَاب على البعوض لقرب شبهه مِنْهُ. قَوْله: (مِمَّن أَنْت؟) يَعْنِي: من أَي الْبِلَاد (أَنْت؟ فَقَالَ: من أهل الْعرَاق) وَفِي المناقب: فَقَالَ أهل الْعرَاق يسْأَلُون عَن قتل الذُّبَاب وَقد قتلوا ابْن ابْنة رَسُول الله ﷺ يَعْنِي: الْحُسَيْن بن عَليّ ﵄، وَلم يذكر لفظ: ابْنة. قَوْله: (هما) يَعْنِي: الْحسن وَالْحُسَيْن ﵄. قَوْله: (ريحانتاي) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والحموي: ريحاني، بِكَسْر النُّون وَالتَّخْفِيف على الْإِفْرَاد، وَكَذَا عِنْد النَّسَفِيّ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني: ريحانتي، بِزِيَادَة التَّاء الَّتِي للتأنيث. وَقَالَ ابْن التِّين: المُرَاد بالريحان هُنَا الرزق، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي: (الْفَائِق) : أَي: هما من رزق الله الَّذِي رزقنيه، يُقَال: سُبْحَانَ الله وريحانه، أَي: أسبح الله واسترزقه، وَيجوز أَنِّي راد بالريحان المشموم، يُقَال: حَياتِي بطاقة ر يحان، وَالْمعْنَى: فَإِنَّهُمَا مِمَّا أكرمني الله بِهِ وحباني بِهِ، لِأَن الْأَوْلَاد يُشمُون ويُقبَّلون، فكأنهم من جملَة الرياحين. قَوْله: (من الدُّنْيَا) أَي: نَصِيبي من الريحاني الدنيوي. ٥٩٩٥ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حدّثني عَبْدُ الله بنُ أبي بَكْرٍ: أنَّ عُرْوَة بنَ الزُّبَيْرِ أخبرهُ أنَّ عائِشَةَ زَوْجَ النبيِّ ﷺ ، حدّثَتْهُ قالَتْ: جاءَتْنِي امْرَأةٌ مَعَها ابْنَتان تَسْألُنَي، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ واحِدَةٍ، فأعْطَيْتُها فَقَسَمَتْها بَيْنَ ابْنَتَيْها، ثُمَّ قامَتْ

стр. 6611

فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النبيُّ ﷺ ، فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: مَنْ يَلِي مِنْ هاذِهِ البَناتِ شَيْئاً. فأحْسَنَ إلَيْهِنَّ كُنَّ سِتْراً مِنَ النَّار. (انْظُر الحَدِيث ١٤١٨) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمَرْأَة الَّتِي مَعهَا ابنتان لم تتَنَاوَل شَيْئا من تِلْكَ التمرة الَّتِي أعطتها أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة ﵂، رَحْمَة وشفقة على بنتيها. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَعبد الله بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الدَّارمِيّ وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن أَحْمد بن مُحَمَّد عَن ابْن الْمُبَارك. قَوْله: (فَلم تَجِد عِنْدِي غير تَمْرَة وَاحِدَة فأعطيتها) فَإِن قلت: وَقع فِي رِوَايَة عرَاك بن مَالك عَن عَائِشَة: جَاءَتْنِي مسكينة تحمل ابْنَتَيْن لَهَا، فأطعمتها ثَلَاث تمرات فأعطت كل وَاحِدَة مِنْهُمَا تَمْرَة وَرفعت تَمْرَة إِلَى فِيهَا لتأكلها فاستطعمتا ابنتاها فشقت التمرة الَّتِي كَانَت تُرِيدُ أَن تأكلها فَأَعْجَبَنِي شَأْنهَا ... الحَدِيث أخرجه مُسلم، فَمَا الْجمع بَينهمَا؟ قلت: قيل: يحْتَمل أَنَّهَا لم تكن عِنْدهَا فِي أول الْحَال سوى تَمْرَة وَاحِدَة فأعطتها، ثمَّ وجدت اثْنَتَيْنِ، وَيحْتَمل تعدد الْقِصَّة. قَوْله: (من يَلِي) من الْولَايَة كَذَا فِي رو اية الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: من بلي، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة من الْبلَاء، وَفِي رِوَايَته أَيْضا: بِشَيْء، وَوَقع فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: من ابْتُلِيَ. قَوْله: (من هَذِه الْبَنَات شَيْئا) أَي: بِشَيْء، وَنصب بِنَزْع الْخَافِض، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث أنس: من عَال جاريتين، وَفِي رِوَايَة أَحْمد من حَدِيث أم سَلمَة: من أنْفق على ابْنَتَيْن أَو أُخْتَيْنِ أَو ذاتي قرَابَة يحْتَسب عَلَيْهِمَا. قَوْله: (فَأحْسن اليهن) وَقع فِي أَكثر الرِّوَايَات بِلَفْظ الْإِحْسَان، وَفِي رِوَايَة عبد الْمجِيد: فَصَبر عَلَيْهِنَّ، وَمثله فِي حَدِيث عقبَة بن عَامر فِي: (الْأَدَب الْمُفْرد) وَكَذَا فِي ابْن مَاجَه وَزَاد: وأطعمهن وسقاهن وكساهن، وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس عِنْد الطَّبَرَانِيّ: فأنفق عَلَيْهِنَّ وزوجهن وَأحسن أدبهن، وَفِي حَدِيث جَابر عَن أَحْمد: يؤويهن ويرحمهن ويكفلهن، وَزَاد الطَّبَرَانِيّ فِيهِ: ويزوجهن، وَفِي حَدِيث أبي سعيد فِي: (الْأَدَب الْمُفْرد) : فَأحْسن صحبتهن وَاتَّقَى الله فِيهِنَّ، وَكَذَا فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَنهُ، وللترمذي أَيْضا عَنهُ: أَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: (لَا يكون لأحدكم ثَلَاث بَنَات أَو ثَلَاث أَخَوَات فَيحسن إلَيْهِنَّ إلَاّ دخل الْجنَّة) . وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (من كن لَهُ ثَلَاث بَنَات فعالهن وآواهن وكفلهن دخل الْجنَّة، قُلْنَا: وَوَاحِدَة؟ قَالَ: وَوَاحِدَة) . قَوْله: (سترا) أَي: حِجَابا، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة عبد الْمجِيد، وَفِي هَذِه الْأَحَادِيث تَأَكد حق الْبَنَات على حق الْبَنِينَ لضعفهن عَن الْقيام بمصالحهن من الِاكْتِسَاب وَحسن التَّصَرُّف وجزالة الرَّأْي، فَإِذا تامت رجعت إِلَى أَبِيهَا، كَمَا روينَا فِي (سنَن ابْن مَاجَه) من حَدِيث سراقَة بن مَالك: أَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: (أَلا أدلك على أفضل الصَّدَقَة؟ ابْنَتك مَرْدُودَة إِلَيْك لَيْسَ لَهَا كاسب غَيْرك) . ٥٩٩٦ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ حَدثنَا اللَّيْثُ حَدثنَا سَعِيدٌ المَقْبِرِيُّ حَدثنَا عَمْرُو بنُ سُلَيْمٍ حَدثنَا أبُو قَتادَةَ قَالَ: خَرَج عَلَيْنا النبيُّ ﷺ وأُمامَةُ بِنْتُ أبي العاصِ عَلَى عاتِقِهِ، فَصلَّى فإذَا رَكَعَ وضَعَها وإذَا رَفَعَ رَفَعَها. (انْظُر الحَدِيث ٥١٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من فعله ﷺ ، وَذَلِكَ لِرَحْمَتِهِ وشفقته على ولد الْوَلَد، وَولد الْوَلَد ولد لِأَن أُمَامَة بنت أبي الْعَاصِ بن الرّبيع من زَيْنَب بنت النَّبِي ﷺ . وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك، وَعَمْرو بِفَتْح الْعين ابْن سليم بِضَم السِّين الْأنْصَارِيّ، وَأَبُو قَتَادَة هُوَ الْحَارِث بن ربعي الْأنْصَارِيّ. والْحَدِيث قد مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب من حمل جَارِيَة صَغِيرَة على عُنُقه. قَوْله: (فَإِذا ركع وَضعهَا) وَفِي كتاب الصَّلَاة إِذا سجد وَضعهَا، وَلَا مُنَافَاة لاحْتِمَال أَن الْوَضع كَانَ عِنْد الرُّكُوع وَالسُّجُود جَمِيعًا، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَكَانَت الصَّلَاة فرضا، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٥٩٩٧ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْريِّ حَدثنَا أبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَبْلَ رسولُ الله ﷺ الحَسَنَ بنَ عَلِيّ وعِنْدَهُ الأقْرَعُ بنُ حابِسٍ التَّمِيميُّ جالِساً، فَقَالَ الأقْرَعُ: إنَّ لي عَشَرَةً مِنَ الوَلَد مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أحَداً! فَنَظَرَ إلَيْهِ رسولُ الله ﷺ ثُمَّ قَالَ:

стр. 6612

مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (وَعِنْده الْأَقْرَع) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (جَالِسا) حَال من الْأَقْرَع بن حَابِس التَّمِيمِي، وَهُوَ من الْمُؤَلّفَة، وَحسن إِسْلَامه. قَوْله: (من لَا يرحم لَا يرحم) بِالرَّفْع والجزم فيهمَا قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: الرّفْع على الْخَبَر والجزم على أَن: من شَرْطِيَّة. وَقَالَ السُّهيْلي: جعله على الْخَبَر أشبه لسياق الْكَلَام لِأَنَّهُ سيق للرَّدّ على من قَالَ: إِن لي عشرَة من الْوَلَد ... إِلَى آخِره، أَي: الَّذِي يفعل هَذَا الْفِعْل لَا يرحم، وَلَو كَانَت شَرْطِيَّة لَكَانَ فِي الْكَلَام بعض انْقِطَاع لِأَن الشَّرْط وَجَوَابه كَلَام مُسْتَأْنف. وَقيل: يجوز الرّفْع فِي الجزءين والجزم فيهمَا، وَالرَّفْع فِي الأول والجزم فِي الثَّانِي وَبِالْعَكْسِ، فَيحصل أَرْبَعَة أوجه. ٥٩٩٨ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حَدثنَا سُفْيانُ عَنْ هِشامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ ﵂، قالَتْ: جاءَ أعْرَابِيٌّ إِلَى النبيِّ ﷺ ، فَقَالَ: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيانَ فَما نُقَبِّلُهُمْ؟ فَقَالَ النبيُّ ﷺ : أوَ أمْلِكُ لَكَ أنْ نَزَعَ الله مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ؟ . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة ابْن الزبير ﵁. والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (عَن هِشَام عَن عُرْوَة) وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه. قَوْله: (جَاءَ أَعْرَابِي) قيل: يحْتَمل أَن يكون الْأَقْرَع بن حَابِس، وَيحْتَمل أَن يكون قيس بن عَاصِم التَّمِيمِي ثمَّ السَّعْدِيّ. قلت: وَيحْتَمل أَن يكون عُيَيْنَة بن حصن بن حُذَيْفَة الْفَزارِيّ، لِأَنَّهُ وَقع لَهُ مثل ذَلِك قَوْله: (تقبلون) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِدُونِ حرف الإستهام، وَثبتت فِي رِوَايَة الْكشميهني. قَوْله: (فَمَا نقبلهم) وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: فوَاللَّه مَا نقبلهم، وَفِي رِوَايَة مُسلم: لَكِن وَالله لَا نقبل. قَوْله: (أَو ملك لَك أَن نزع الله؟) الْهمزَة للاستفهام الإنكاري، وَالْوَاو للْعَطْف على مُقَدّر بعد الْهمزَة نَحْو: تَقول. وَقَوله: (أَن نزع) بِفَتْح الْهمزَة مفعول: أملك، أَي: لَا أملك النزع، وَحَاصِل الْمَعْنى: لَا أقدر أَن أجعَل الرَّحْمَة فِي قَلْبك بعد أَن نَزعهَا الله مِنْهُ، وَقيل: كلمة: أَن مَكْسُورَة على أَنَّهَا شَرط وَجَزَاء مَحْذُوف. ٢٨ - (حَدثنَا ابْن أبي مَرْيَم حَدثنَا أَبُو غَسَّان قَالَ حَدثنِي زيد بن أسلم عَن أَبِيه عَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ قدم على النَّبِي ﷺ َ - سبي فَإِذا امْرَأَة من السَّبي قد تحلب ثديها تَسْقِي إِذا وجدت صَبيا فِي السَّبي أَخَذته فَأَلْصَقته بِبَطْنِهَا وأرضعته فَقَالَ لنا النَّبِي ﷺ َ - أَتَرَوْنَ هَذِه طارحة وَلَدهَا فِي النَّار قُلْنَا لَا وَهِي تقدر على أَن لَا تطرحه فَقَالَ الله أرْحم بعباده من هَذِه بِوَلَدِهَا) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث وَابْن أبي مَرْيَم هُوَ سعيد بن مُحَمَّد بن الحكم بن أبي مَرْيَم وَأَبُو غَسَّان مُحَمَّد بن مطرف وَزيد بن أسلم يروي عَن أَبِيه أسلم الحبشي البجاوي مولى عمر بن الْخطاب والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن حسن الْحلْوانِي وَمُحَمّد بن سهل كِلَاهُمَا عَن ابْن أبي مَرْيَم قَوْله قدم على النَّبِي ﷺ َ - سبي أَي أسر من الغلمان والجواري وسبيته سبيا إِذا حَملته من بلد إِلَى بلد وَقَوله قدم على صِيغَة الْمَعْلُوم فعل مَاض وَسبي بِالرَّفْع فَاعله وَفِي رِوَايَة الْكشميهني قدم بسبي على صِيغَة الْمَجْهُول وبالباء الْمُوَحدَة فِي سبي وَكَانَ هَذَا من سبي هوَازن قَوْله " تحلب " على وزن تفعل بِالتَّشْدِيدِ على صِيغَة الْمَعْلُوم قَوْله ثديها بِالرَّفْع فَاعله وَمَعْنَاهُ تهَيَّأ لِأَن تحلب وثديها بِالْإِفْرَادِ فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ ثدياها بالتثنية قَوْله تَسْقِي من السَّقْي بِالسِّين الْمُهْملَة وَالْقَاف وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي تحلب بِضَم اللَّام مضارع حلب وثديها بِالنّصب وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بسقي بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح السِّين الْمُهْملَة وَكسر الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالتنوين وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ تسْعَى بِالْعينِ الْمُهْملَة من السَّعْي وَهُوَ الْمَشْي بِسُرْعَة وَفِي رِوَايَة مُسلم تبتغي من الابتغاء وَهُوَ الطّلب قَالَ عِيَاض وَهُوَ وهم وَقَالَ النَّوَوِيّ كل مِنْهُمَا صَوَاب لِأَنَّهَا

стр. 6613

ساعية وطالبة لولدها قَوْله إِذْ وجدت صَبيا كلمة إِذْ ظرف وَيجوز أَن يكون بدل اشْتِمَال من امْرَأَة وَفِي بعض النّسخ إِذا وجدت صَبيا إِلَى قَوْله فَقَالَ لنا مَعْنَاهُ إِذا وجدت صَبيا أَخَذته فأرضعته فَوجدت صَبيا فَأَخَذته فألزمته بَطنهَا وَعلم من هَذَا أَنَّهَا كَانَت فقدت صَبيا وَكَانَت إِذا وجدت صَبيا أَرْضَعَتْه ليخف عَنْهَا اللَّبن فَلَمَّا وجدت صبيها بِعَيْنِه أَخَذته فالتزمته وألصقته بِبَطْنِهَا من فرحها بوجدانه قَوْله أَتَرَوْنَ بِضَم التَّاء أَي أتظنون قَوْله وَهِي تقدر على أَن لَا تطرحه أَي طائقة ذَلِك قَوْله " لله " اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد وَهِي مَفْتُوحَة وَصرح بالقسم فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ وَالله أرْحم إِلَى آخِره قَوْله بعباده قيل لفظ الْعباد عَام وَمَعْنَاهُ خَاص بِالْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ورحمتي وسعت كل شَيْء فسأكتبها للَّذين يَتَّقُونَ﴾ فَهِيَ عَامَّة من جِهَة الصلاحية وخاصة بِمن كتبت لَهُ وَالظَّاهِر أَنَّهَا على الْعُمُوم لمن سبق لَهُ مِنْهَا نصيب من أَي الْعباد كَانَ حَتَّى الْحَيَوَانَات على مَا يَجِيء فِي حَدِيث الْبَاب الْآتِي حَيْثُ قَالَ فِيهِ وَأنزل فِي الأَرْض جُزْءا وَاحِدًا فَمن ذَلِك الْجُزْء يتراحم الْخلق الحَدِيث - ١٩ - (بابٌ جَعَلَ الله الرَّحْمَةَ مائَةَ جُزْءٍ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: جعل الله الرَّحْمَة مائَة جُزْء، والترجمة بِبَعْض الحَدِيث، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: بَاب من الرَّحْمَة وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ: بَاب، بِغَيْر تَرْجَمَة. وَقَالَ بَعضهم: بَاب، بِالتَّنْوِينِ قلت: تكَرر هَذَا القَوْل مِنْهُ عِنْد ذكر الْأَبْوَاب الْمُجَرَّدَة، وَلَا يَصح هَذَا إلَاّ بمقدر، لِأَن الْإِعْرَاب يَقْتَضِي التَّرْكِيب. ٦٠٠٠ - حدَّثنا الحَكَمُ بنُ نافِع ألْبَهْرَانِيُّ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أخبرنَا سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ: أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: جَعَلَ الله الرَّحْمَةَ مائَةَ جُزْءٍ، فأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتسْعِينَ جُزْءاً وأنْزَلَ فِي الأرْضِ جُزْءاً واحِداً، فَمِنْ ذالِكَ الجُزْءِ يَتَرعًّحَمُ الخَلْقُ حَتَّى تَرْفَعَ الفَرَسُ حافِرَها عَنْ وَلَدِها خَشيةَ أنْ تُصِيبَهُ. (انْظُر الحَدِيث ٦٠٠٠ طرفه فِي: ٦٤٦٩) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَالْحكم بِفتْحَتَيْنِ ابْن نَافِع هُوَ أَبُو الْيَمَان، وَقد ذكره البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع كَثِيرَة بكنيته وَهَهُنَا ذكره باسمه وَلم يذكر باسمه إِلَى هَهُنَا إلَاّ فِي هَذَا الْموضع وَذَلِكَ على قدر سَمَاعه، وَهَذَا السَّنَد بهؤلاء الرِّجَال تكَرر جدا. والْحَدِيث أخرجه مُسلم من طَرِيق عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة: أَن الله مائَة رَحْمَة، وَله من حَدِيث سلمَان: أَن الله خلق مائَة رَحْمَة يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض، كل رَحْمَة طباق مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يجوز أَن يكون معنى: خلق اخترع وأوجد، وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى: قدر، قد ورد خلق بِمَعْنى قدر فِي لُغَة الْعَرَب، فَيكون الْمَعْنى: أَن الله أظهر تَقْدِيره لذَلِك يَوْم أظهر تَقْدِير السَّمَوَات وَالْأَرْض. قَوْله: (مائَة جُزْء) ويروى: فِي مائَة جُزْء، وَكلمَة: فِي هَذِه الرِّوَايَة زَائِدَة كَمَا فِي قَوْله: (وَفِي الرَّحْمَن للضعفاء كافٍ) أَي: الرَّحْمَن لَهُم كَاف. قَوْله: (فَأمْسك عِنْده) وَفِي رِوَايَة عَطاء: وأخَّر عِنْده تِسْعَة وَتِسْعين رَحْمَة، قيل: رَحْمَة الله غير متناهية لَا مائَة وَلَا مِائَتَان. وَأجِيب: بِأَن الرَّحْمَة عبارَة عَن الْقُدْرَة الْمُتَعَلّقَة بإيصال الْخَيْر، وَالْقُدْرَة صفة وَاحِدَة والتعلق غير متناه فحصره فِي مائَة على سَبِيل التَّمْثِيل تسهيلاً للفهم وتقليلاً لما عندنَا وتكثيراً لما عِنْده. قَوْله: (وَأنزل فِي الأَرْض) ، كَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: إِلَى الأَرْض، وَلَكِن حُرُوف الْجَرّ يَنُوب بَعْضهَا عَن بعض، وَفِيه تضمين، وَالْغَرَض مِنْهُ الْمُبَالغَة، يَعْنِي: أنزلهَا منتشرة فِي جَمِيع الأَرْض. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي تعْيين الْمِائَة من بَين الْأَعْدَاد وَلم تجر عَادَة الْعَرَب إلَاّ فِي السّبْعين؟ قلت: أُجِيب بِأَنَّهُ أطلق هَذَا الْعدَد الْخَاص لإِرَادَة التكثير وَالْمُبَالغَة، وَالسَّبْعُونَ من أَجزَاء الْمِائَة، وَقيل: ثَبت أَن نَار الْآخِرَة تفضل نَار الدُّنْيَا بِتِسْعَة وَسِتِّينَ جُزْءا، فَإِذا قوبل كل جُزْء برحمة زَادَت الرحمات ثَلَاثِينَ جُزْءا فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَن الرَّحْمَة فِي الْآخِرَة أَكثر من النقمَة فِيهَا، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله: غلبت رَحْمَتي غَضَبي. قَوْله: (يتراحم الْخلق) بالراء من التفاعل الَّذِي يشْتَرك فِيهِ الْجَمَاعَة. قَوْله: (حَتَّى ترفع الْفرس حافرها) . الْحَافِر للْفرس كالظلف للشاة، وَخص الْفرس بِالذكر لِأَنَّهَا أَشد الْحَيَوَان المألوف الَّذِي يعاين المخاطبون حركتها مَعَ وَلَدهَا، وَلما فِي الْفرس من الخفة والسرعة فِي التنقل، وَمَعَ ذَلِك تتجنب أَن يصل الضَّرَر مِنْهَا إِلَى وَلَدهَا، وَفِي رِوَايَة عَطاء: فِيهَا يتعاطفون وَبهَا

стр. 6614

يتراحمون وَبِهَذَا يعْطف الْوَحْش وَالطير بَعْضهَا على بعض. قَوْله: (أَن تصيبه) كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: خشيَة الْإِصَابَة. ٢٠ - (بابُ قَتْلِ الوَلَدِ خَشْيَّةَ أنْ يأكُلَ مَعَهُ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قتل الرجل وَلَده لأجل خشيَة أكله مَعَه، وَالضَّمِير فِي: مَعَه، يرجع إِلَى الْمُقدر لِأَن قتل الْوَلَد مصدر مُضَاف إِلَى مَفْعُوله، وَذكر الْفَاعِل مطوي، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والكشميهني: بَاب أَي الذَّنب أعظم. ٦٠٠١ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ كَثِير أخبرنَا سُفْيانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أبي وائِلٍ عَنْ عَمْرو بنِ شُرْحَبيلٍ عَن عَبْدِ الله قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله! أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ؟ قَالَ: أنْ تَجْعَلَ لله نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ، قَالَ: ثمَّ أَي؟ قَالَ: أنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يأكُلَ مَعَكَ. قَالَ: ثُمَّ أَي؟ قَالَ: أنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ، وأنْزَلَ الله تَعَالَى تَصْدِيقَ قَوْلِ النبيِّ ﷺ : ﴿الَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر﴾ (الْفرْقَان: ٦٨) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَمَنْصُور هُوَ ابْن المعتر، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَعَمْرو بن شُرَحْبِيل بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وبالياء آخر الْحُرُوف أَبُو ميسرَة الْهَمدَانِي، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة الْفرْقَان عَن مُسَدّد وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (ندا) بِكَسْر النُّون وَتَشْديد الدَّال وَهُوَ مثل الشَّيْء الَّذِي يضاده فِي أُمُوره ويناده أَي يُخَالِفهُ وَيجمع على أنداد. قَوْله: (وَهُوَ خلقك) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (خشيَة أَن يَأْكُل) قَالَ الْكرْمَانِي: مَفْهُومه أَنه إِن لم يكن للخشية لم يكن كَذَلِك ثمَّ أجَاب بِأَن هَذَا الْمَفْهُوم لَا اعْتِبَار لَهُ وَهُوَ خَارج مخرج الْأَغْلَب، وَكَانَت عَادَتهم ذَلِك، وَأَيْضًا لَا شكّ أَن الْقَتْل لهَذِهِ الْعلَّة أعظم من الْقَتْل لغَيْرهَا. قَوْله: (حَلِيلَة جَارك) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة أَي: زَوجته، سميت حَلِيلَة وَالزَّوْج حليلاً لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يحل عِنْد صَاحبه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: تقدم أَن أكبر الْكَبَائِر قَول الزُّور، ثمَّ قَالَ: لَا خلاف أَن أكبر الْكل الْإِشْرَاك بِاللَّه، ثمَّ اعْتبر فِي كل مقَام مَا يَقْتَضِي حَال السامعين زجرا لما كَانُوا يسهلون الْأَمر فِيهِ أَو: قَول الزُّور أكبر الْمعاصِي القولية، وَالْقَتْل أكبر الْمعاصِي الفعلية الَّتِي تتَعَلَّق بِحَق النَّاس، وَالزِّنَا بحليله الْحَار أكبر أَنْوَاع الزِّنَا. قَوْله: (وَأنزل الله) إِلَى آخِره، وَجه تَصْدِيق الْآيَة لذَلِك حَيْثُ أَدخل الْقَتْل وَالزِّنَا فِي سلك الْإِشْرَاك علم أَنَّهَا أكبر الذُّنُوب. ٢١ - (بابُ وَضْعِ الصَّبِيِّ فِي الحَجْر) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وضع الصَّبِي فِي الْحجر شَفَقَة وتعطفاً. وَفِيه الْإِشْعَار بتواضع وَاضعه وحلمه وَلَو بَال عَلَيْهِ. ٦٠٠٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حَدثنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشامٍ قَالَ: أخبرَنِي أبي عَنْ عائِشَةَ أنَّ النبيَّ ﷺ ، وَضَعَ صَبِيًّا فِي حِجْرِهِ يُحَنِّكُهُ فَبالَ عَلَيْهِ، فدَعا بِماء فأتْبَعَهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى بن سعيد الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب بَوْل الصّبيان، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من طَرِيقين وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (فِي حجره) بِفَتْح الْحَاء وَكسرهَا. قَوْله: (يحنكه) جملَة حَالية من التحنيك وَهُوَ دلك الثَّمر الممضوغ وَنَحْوه على حنك الصَّبِي. قَوْله: (فَأتبعهُ) أَي: أتبع الْبَوْل بِالْمَاءِ. ٢٢ - (بابُ وَضْعِ الصَّبِيِّ عَلَى الفَخْذِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وضع الصَّبِي على الْفَخْذ. ٦٠٠٣ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حَدثنَا عارِمٌ حدّثنا المُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمانَ يُحَدِّثُ عَنْ أبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا تَمِيمَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أبي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ يُحَدِّثُهُ أبُو عُثْمانَ عَنْ أُسامَةَ بنِ زَيْدٍ رَضِي الله عَنْهُمَا

стр. 6615

: كَانَ رسُولُ الله ﷺ يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى وَيقْعد الحَسَنَ عَلَى فَخذِهِ الأُخْرَى ثُمَّ يَضمُّهُما، ثُمَّ يَقولُ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُما فإنِّي أرْحَمُهُما. (انْظُر الحَدِيث ٣٧٣٥ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله بن مُحَمَّد هُوَ السندي، وعارم بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء لقب مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي وَهُوَ من مَشَايِخ البُخَارِيّ روى عَنهُ فِي الْإِيمَان بِدُونِ الْوَاسِطَة، والمعتمر بن سُلَيْمَان بن طرخان يروي عَن أَبِيه، وَأَبُو تَمِيمَة بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق طريف بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء ابْن مجَالد بِالْجِيم الهجمي بِضَم الْهَاء وَفتح الْجِيم، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث وَآخر سَيَأْتِي فِي كتاب الْأَحْكَام من رِوَايَته عَن جُنْدُب البَجلِيّ، وَأَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن بن مل النَّهْدِيّ بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْهَاء. وَسليمَان وَأَبُو تَمِيمَة وَأَبُو عُثْمَان كلهم من التَّابِعين. والْحَدِيث مضى فِي فَضَائِل أُسَامَة بن زيد عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَفِي فَضَائِل الْحسن عَن مُسَدّد، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (يحدثه أَبُو عُثْمَان) أَي: يحدث أَبَا تَمِيمَة أَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن. قَوْله: (فيقعدني) بِضَم الْيَاء من الإقعاد. قَوْله: (أللهم ارحمهما) الرَّحْمَة من الله إِيصَال الْخَيْر، وَمن الْعباد الرأفة والتعطف، وَقَالَ الدَّاودِيّ: لَا أرى ذَلِك وَقع فِي وَقت وَاحِد، لِأَن أُسَامَة أكبر من الْحسن، لِأَن عمره عِنْد وَفَاة النَّبِي ﷺ كَانَ ثَمَان سِنِين، وَأُسَامَة كَانَ فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ رجلا وَقد أمره على جَيش وَفِيه عدد كثير فيهم عمر بن الْخطاب، وَأخْبر جمَاعَة أَن عمره عِنْد وَفَاة النَّبِي ﷺ كَانَ عشْرين سنة، وَأجَاب بَعضهم عَن هَذَا بِالِاحْتِمَالِ مَا ملخصه: أَنه أقعده على فَخذه لمَرض مثلا أَصَابَهُ، فَفِي تِلْكَ الْحَالة جَاءَ الْحسن فأقعده على فَخذه الْأُخْرَى، وَقَالَ معتذراً عَن ذَلِك: إِنِّي أحبهما، وَفِيه تَأمل. قلت: إِن كَانَ الْخصم يرضى بِالْجَوَابِ الاحتمالي فَأَقُول أَيْضا: يحْتَمل أَن يكون أقعده بحذاء فَخذه لينْظر فِي مَرضه، فَعبر أُسَامَة بقوله: (يقعدني على فَخذه) إِظْهَار للْمُبَالَغَة فِي محبَّة رَسُول الله ﷺ إِيَّاه، وَالله أعلم. وعَنْ عَلِيّ قَالَ: حَدثنَا يَحْيَّى حَدثنَا سُلَيْمانُ عَنْ أبي عُثْمانَ قَالَ التَّيْمِيُّ: فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مِنْهُ شَيْءٌ. قُلْتُ: حَدَّثْتُ بِهِ كَذَا وكَذَا فَلَمْ أسْمَعْهُ مِنْ أبي عُثْمانَ، فَنَظَرْتُ فَوَجَدْتُهُ عِنْدِي مَكْتُوباً فِيما سَمِعْتُ. عَليّ هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَسليمَان بن طرخان التَّيْمِيّ هُوَ الْمَذْكُور فِيمَا قبله، وَأَبُو عُثْمَان هُوَ عبد الرَّحْمَن النَّهْدِيّ، ثمَّ أعلم أَن قَوْله: (وَعَن عَليّ) ، مَعْطُوف على السَّنَد الَّذِي قبله وَهُوَ قَوْله: حَدثنَا بعد الله بن مُحَمَّد، وَعَن عَليّ إِلَى آخِره. قَوْله: (قَالَ التَّيْمِيّ) هُوَ مَوْصُول بالنسد الْمَذْكُور وَهُوَ سُلَيْمَان. قَوْله: (فَوَقع فِي قلبِي مِنْهُ شَيْء) أَي: دغدغة: هَل سَمعه من أبي تَمِيمَة عَن أبي عُثْمَان، أَو سَمعه من أبي عُثْمَان بِغَيْر وَاسِطَة؟ قَوْله: (قلت: حدثت) بِضَم الْحَاء على صِيغَة الْمَجْهُول بِهِ أَي: بِهَذَا الحَدِيث. قَوْله: (كَذَا وَكَذَا) يَعْنِي: كثيرا فَلم أسمعهُ من أبي عُثْمَان فَنَظَرت فِي كتابي فَوَجَدته مَكْتُوبًا فِيمَا سمعته مِنْهُ فَزَالَتْ الدغدغة. ٢٣ - (بابٌ حُسْنُ العَهْدِ مِنَ الْإِيمَان) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حسن الْعَهْد من كَمَال الْإِيمَان لِأَن جَمِيع أَفعَال الْبر من الْإِيمَان، والعهد هُنَا رِعَايَة الْحُرْمَة، قَالَه أَبُو عبيد، وَقَالَ عِيَاض: هُوَ الاحتفاظ بالشَّيْء والملازمة لَهُ، وَقَالَ الرَّاغِب: حفظ الشَّيْء ومراعاته حَالا بعد حَال، وَلَفظ الْعَهْد باللاشتراك يُطلق على معَان كَثِيرَة: الزَّمَان وَالْمَكَان وَالْيَمِين والذمة والصحبة والميثاق والأمان والنصيحة وَالْوَصِيَّة والمطر، وَيُقَال لَهُ: العهاد أَيْضا. ٦٠٠٤ - حدَّثنا عُبَيْدُ بنُ اسْماعِيلَ حَدثنَا أبُو أُسامَةَ عَنْ هِشامِ عَنْ أبِيهِ عَن عائِشَةَ ﵂، قالَتْ: مَا غرْتُ عَلَى امْرَأةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ وَلَقَدْ هَلَكَتْ قَبْلَ أنْ يَتَزَوَّجَنِي بِثَلاثِ سِنِينَ لِمَا كُنْتُ أسْمَعُهُ يَذْكُرُها، ولَقَدْ أمَرَهُ رَبُّهُ أنْ يُبَشِّرَها بِبَيْت فِي الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، وإنْ كانَ رسولُ الله ﷺ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ ثُمَّ يُهْدِي فِي خُلَّتِها مِنْهَا. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي حسن الْعَهْد وَهُوَ إهداء النَّبِي ﷺ ، اللَّحْم لإخوان خَدِيجَة ومعارفها ورعباً مِنْهُ لذمامها

стр. 6616

وحفظاً لعهدها، وَقد أخرج الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب من طَرِيق صَالح بن رستم عَن ابْن أبي مليكَة عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: جَاءَت عَجُوز إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: كَيفَ أَنْتُم؟ كَيفَ حالكم؟ كَيفَ كُنْتُم بَعدنَا؟ قَالَت: بِخَير بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله، فَلَمَّا خرجت قلت: يَا رَسُول الله ﴿تقبل على هَذِه الْعَجُوز هَذَا الإقبال؟ فَقَالَ: يَا عَائِشَة﴾ إِنَّهَا كَانَت تَأْتِينَا زمَان خَدِيجَة، وَأَن حسن الْعَهْد من الْإِيمَان. وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة. والْحَدِيث مضى فِي المناقب فِي: بَاب تزيج خَدِيجَة ﵂. قَوْله: (مَا غرت) كلمة: مَا فِيهِ نَافِيَة، وَفِي: ماغرت ثَانِيًا مَوْصُولَة أَي: الَّذِي غرت على خَدِيجَة. قَوْله: (لما كنت) يتَعَلَّق بِهِ أَي: لأجل مَا كنت أسمع النَّبِي ﷺ ، يذكرهَا أَي خَدِيجَة. قَوْله: (من قصب) أَي: قصب الدّرّ، وإصطلاح الجوهريين أَن يَقُولُوا: قصب من اللُّؤْلُؤ كَذَا وقصب من الْجَوْهَر كَذَا وَمن الدّرّ كَذَا للخيط مِنْهُ، وَقيل: كَانَ الْبَيْت من الْقصب تفاؤلاً بقصب سبقها إِلَى الْإِسْلَام. قَوْله: (وَإِن كَانَ) كلمة: إِن هَذِه مُخَفّفَة من المثقلة وَأَصله: وَإنَّهُ كَانَ ليذبح الشَّاة، اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد. قَوْله: (فِي خلتها) أَي: فِي أهل بَيتهَا، يَعْنِي أخلاءها وأحبابها. وَقَالَ الْخطابِيّ: الْخلَّة هَهُنَا بِمَعْنى الأخلاء مَوضِع الْمصدر وضع الإسم، وَأَرَادَ بالقصب قصب اللُّؤْلُؤ وَهُوَ المجوف مِنْهُ، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: ثمَّ يهديها إِلَى خلائلها، وَتقدم فِي المناقب: إِلَى أصدقائها. ٢٤ - (بابُ فَضْل مَنْ يَعُولُ يَتِيماً) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من يعول يَتِيما أَي: يربيه وَينْفق عَلَيْهِ وَيقوم بمصلحته. ٦٠٠٥ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الوهَّابِ قَالَ: حَدثنِي عَبْدُ العَزِيزِ بنُ أبي حازِم قَالَ: حَدثنِي أبِي قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بنَ سَعْدٍ عَنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: أَنا وكافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هاكَذا، وَقَالَ بإصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ والوُسْطَى. (انْظُر الحَدِيث ٥٣٠٤) . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث. وَعبد الْعَزِيز يروي عَن أَبِيه أبي حَازِم سَلمَة بن دِينَار عَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ. والْحَدِيث مر فِي الطَّلَاق عَن عَمْرو بن زُرَارَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ. قَوْله: (وكافل الْيَتِيم) ، أَي: الْقَائِم بمصالحة الْمُتَوَلِي لأموره. قَوْله: (وَقَالَ) أَي: أَشَارَ. قَوْله: (السبابَة) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: السباحة، بِالْحَاء الْمُهْملَة مَوضِع الْبَاء الثَّانِيَة وَهِي الإصبع الَّتِي تلِي الْإِبْهَام، سميت بذلك لِأَنَّهَا يسبح بهَا فِي الصَّلَاة ويشار بهَا فِي التَّشَهُّد، وَسميت السبابَة أَيْضا لِأَنَّهُ يسب بهَا الشَّيْطَان حينئذٍ، قيل: دَرَجَات الْأَنْبِيَاء ﵈، أَعلَى دَرَجَات الْخَلَائق لَا سِيمَا دَرَجَة نَبينَا ﷺ وَأجِيب: بِأَن الْغَرَض مِنْهُ الْمُبَالغَة فِي رفع دَرَجَته فِي الْجنَّة. ٢٥ - (بابُ السَّاعِي عَلَى الأرْمَلَةُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل السَّاعِي على الأرملة فِي مصالحها، والأرملة من لَا زوج لَهَا. ٦٠٠٦ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ: حدّثني مالِكٌ عَنْ صَفْوانَ بنِ سُلَيْمٍ يَرْفَعُهُ إِلَى النبيِّ ﷺ قَالَ: السَّاعي عَلَى الأرْمَلَةِ والمِسْكِينِ كالمُجاهِدِ فِي سَبِيلِ الله أوْ كَالَّذي يَصُومُ النَّهارَ ويَقُومُ اللَّيْلَ. (انْظُر الحَدِيث ٥٣٥٣ وطرفه) . مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل بن عبد الله هُوَ إِسْمَاعِيل بن أبي أويس ابْن أُخْت مَالك بن أنس، وَصَفوَان بن سليم مولى حميد بن عبد الرَّحْمَن الْمدنِي الإِمَام الْقدْوَة مِمَّن يستسقى بِذكرِهِ، يُقَال: إِنَّه لم يضع جنبه على الأَرْض أَرْبَعِينَ سنة، وَكَانَ لَا يقبل جوائز السلاطين، وَقد مر فِي الْجُمُعَة. وَهَذَا حَدِيث مُرْسل لِأَنَّهُ تَابِعِيّ، لَكِن لما قَالَ: (يرفعهُ إِلَى النَّبِي ﷺ صَار مُسْندًا مَجْهُولا وَلم يذكر إسم شَيْخه، إِمَّا للنسيان أَو لغَرَض آخر، وَلَا قدح بِسَبَبِهِ. قَوْله: (أَو كَالَّذي يَصُوم) شكّ من الرَّاوِي، وَفِي كتاب الْكرْمَانِي: وكالذي يَصُوم، بواو والعطف، ثمَّ قَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون لفاً ونشراً، وَأَن يكون كل وَاحِد ككليهما، وَفِي بعض الرِّوَايَات: أَو كَالَّذي بِأَو الفاصلة لَا الْوَاصِلَة الَّتِي هِيَ الْوَاو. حدّثنا إسْماعيلُ قَالَ: حَدثنِي مالِكٌ عَنْ ثَوْر بنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ عَنْ أبي الغَيْثِ مَوْلَى ابْن

стр. 6617

مُطِيع عنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ مِثْلهُ. ذكر هَذَا الحَدِيث عَن مَالك من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن صَفْوَان بن سليم مُرْسلا. وَالْآخر: عَن ثَوْر بن زيد مُسْندًا، وَمضى فِي النَّفَقَات عَن يحيى بن قزعة، وثور بِلَفْظ الْحَيَوَان الْمَشْهُور ابْن زيد من الزِّيَادَة والديلي بِكَسْر الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف نِسْبَة إِلَى ديل فِي قبائل الأزد وَفِي ضبة وَفِي تغلب، وَأَبُو الْغَيْث اسْمه سَالم. قَوْله: (مثله) أَي: مثل الحَدِيث الْمَذْكُور. ٢٦ - (بابُ السَّاعي عَلَى المِسْكِينِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل السَّاعِي على الْمِسْكِين، أَي: الكاسب لأجل الْمِسْكِين والقائم بمصلحته، وَيجوز أَن يكون لفظ: على، هُنَا للتَّعْلِيل أَي: لأجل الْمِسْكِين، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ (٢) ولتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ١٨٥) أَي: لهدايته إيَّاكُمْ، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي السَّاعِي على الأرملة، وَذَلِكَ لِأَن معنى: على غَالِبا لاستعلاء وَلَا يَقْتَضِي: على هُنَا هَذَا الْمَعْنى فَافْهَم. ٦٠٠٧ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ حَدثنَا مالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بن زَيْدٍ عَنْ أبي الغَيْثِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : السَّاعِي عَلَى الأرْمَلَةِ والمسْكِينِ كالمُجاهِدِ فِي سَبِيلِ الله، وأحْسِبُهُ قَالَ: يَشُكُّ القَعْنبِي كالْقائِمِ لَا يَفْتُرُ وكالصائِمِ لَا يَفْطِرُ. (انْظُر الحَدِيث ٥٣٥٣ وطرفه) . هَذَا الحَدِيث هُوَ الَّذِي ذكره قبل هَذَا الْبَاب عَن أبي هُرَيْرَة، وَذكره هُنَا أَيْضا مُقْتَصرا على الْمسند دون الْمُرْسل. قَوْله: (وَأَحْسبهُ قَالَ) أَي: مَالك، وفاعل: أَحْسبهُ هُوَ القعْنبِي، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى مَالك. وَقَوله: (كالقائم) إِلَى آخِره مقول قَالَ. وَقَوله: (يشك القعْنبِي) معترض بَين القَوْل ومقوله، وَهُوَ من كَلَام البُخَارِيّ، والقعنبي هُوَ عبد الله بن مسلمة بن فعنب شيخ البُخَارِيّ، والراوي عَن مَالك. قَوْله: (لَا يفتر) أَي: لَا ينكسر وَلَا يضعف من قيام اللَّيْل للتعبد والتهجد، وَلَا يفتر صفة للقائم كَقَوْلِه: وَلَقَد أَمر على اللَّئِيم يسبني ٢٧ - (بابُ رَحْمَةِ النَّاسِ بالبَهائِمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل رَحْمَة النَّاس أَي: الشَّفَقَة والتعطف من النَّاس للبهائم. ٦٠٠٨ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا إسْماعِيلُ حَدثنَا أيُّوبُ عَنْ أبي قِلَابَةَ عَنْ أبي سُلَيْمانَ مالِكِ بنِ الحُوَيْرِثِ، قَالَ: أتَيْنا النبيَّ ﷺ ، ونَحْنُ شَببَةٌ مُتَقارِبُونَ، فأقَمْنا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً فَظَنَّ أنَّا اشْتَقْنا أهْلَنا، وسَألَنا عَمَّنْ تَرَكْنا فِي أهْلِنا فأخْبَرْناهُ، وكانَ رقِيقاً رحِيماً، فَقَالَ: ارْجِعُوا إِلَى أهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ ومُرُوهُمْ وصَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُوني أصَلِّي، وإذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أحَدُ ... مْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أكْبَرُكمْ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكَانَ رَقِيقا رحِيما) . وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن علية وَهُوَ إسم أمه وَأَبوهُ وَإِبْرَاهِيم، وَأَيوب هُوَ ابْن أبي تَمِيمَة السّخْتِيَانِيّ، وَأَبُو قلَابَة بِكَسْر الْقَاف عبد الله بن زيد الْجرْمِي، وَأَبُو سُلَيْمَان مَالك بن الْحُوَيْرِث اللَّيْثِيّ سكن الْبَصْرَة. والْحَدِيث مضى من كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب الآذان للمسافرين إِذا كَانُوا جمَاعَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن عبد الْوَهَّاب عَن أَيُّوب ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (شببة) على وزن فعلة جمع شَاب. قَوْله: (متقاربون) أَي: فِي السن. قَوْله: (أهلنا) ويروي: أَهْلينَا، بِالْجمعِ وَهُوَ من الجموع النادرة. قَوْله: (وَسَأَلنَا) بِفَتْح اللَّام. قَوْله: (رَقِيقا) بقافين من الرقة هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ والأصيلي والكشميهني: رَفِيقًا، بفاء ثمَّ قَاف من الرِّفْق، وانتصابه على أَنه خبر: كَانَ، ويروى بِلَا لفظ: كَانَ فينصب على الْحَال. قَوْله: (ومروهم) أَي: بالمأمورات، وأعلموهم الصَّلَاة وامروهم بهَا. قَوْله: (أكبركم) أَي أفضلكم أَو أسنكم، لأَنهم كَانُوا متقاربين فِي السن.

стр. 6618

٦٠٠٩ - حدَّثنا إسْماعِيلُ حَدثنِي مالِكٌ عَنْ سُمَيّ مَوْلَى أبي بَكْرٍ عَنْ أبِي صالِحٍ السَّمَّانْ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ: بَيْنَما رَجُلٌ يَمْشي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ فَوَجَدَ بِئْراً فَنَزَلَ فِيها فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ، فإذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يأكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هاذَا الكَلْبَ مِنَ العَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ بِي، فَنَزَلَ البِئْرَ فَملأ خُفَّهُ ثُمَّ أمْسَكَهُ بِفِيهِ فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ الله لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، قالُوا: يَا رسولَ الله! وإنَّ لَنا فِي البَهائِمِ أجْراً؟ فَقَالَ: فِي كلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرٌ. مطابقته الْجُزْء الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس واسْمه عبد الله، وَسمي بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف مولى أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي، وَأَبُو صَالح ذكْوَان السمان الزيات. والْحَدِيث مضى فِي الشّرْب فِي: بَاب فضل سقِِي المَاء، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ ع عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك وَمضى أَيْضا فِي الْمَظَالِم فِي: بَاب الْآبَار على الطّرق، عَن عبد الله بن مُسلم عَن مَالك، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (يَلْهَث) أَي: يخرج لِسَانه من الْعَطش. قَوْله: (الثرى) بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة التُّرَاب. قَوْله: (فَشكر الله لَهُ) أَي: جزاه الله فغفر لَهُ. قَوْله: (فِي كل ذَات كبد) أَي: فِي إرواء كل حَيَوَان أجر، والرطوبة كِنَايَة عَن الْحَيَاة، وَقيل: الكبد إِذا ظمئت ترطبت، وَكَذَا إِذا ألقيت على النَّار، والكبد مؤنث سَمَاعي قيل: قد تقدم فِي آخر كتاب بَدْء الْخلق: أَن امْرَأَة هِيَ الَّتِي فعلت هَذِه الفعلة. وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَا مُنَافَاة لاحْتِمَال وقوعهما وحصوله مِنْهَا جَمِيعًا. ٦٠١٠ - حدَّثنا أبُو الْيَمَان أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبرنِي أبُو سَلَمَةَ بن عَبْدِ الرَّحْمانِ أَن أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قامَ رسولُ الله ﷺ فِي صَلَاةٍ وقُمْنا مَعَهُ فَقَالَ أعْرابِيٌّ. وهْوَ فِي الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي ومُحَمَّداً وَلَا تَرْحَمْ مَعَنا أحَداً، فَلَمَّا سَلَّمَ النبيُّ ﷺ ، قَالَ للأعْرَابِيِّ: لَقَدْ حَجَّرْتَ واسِعاً، يُرِيد رَحمَةَ الله. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (لقد حجرت وَاسِعًا) يَعْنِي: ضيقت مَا هُوَ أوسع من ذَلِك، وَرَحمته وسعت كل شَيْء. وَرِجَال الْإِسْنَاد بِهَذَا الطَّرِيق قد مروا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع. والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: (قَالَ أَعْرَابِي) قيل: هُوَ الْأَعرَابِي الَّذِي بَال فِي الْمَسْجِد، وَهُوَ ذُو الْخوَيْصِرَة الْيَمَانِيّ، وَقيل: الْأَقْرَع بن حَابِس، وَيُؤَيّد كَون الْأَعرَابِي هُوَ الَّذِي بَال فِي الْمَسْجِد مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه من وَجه آخر عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: دخل أَعْرَابِي الْمَسْجِد فَقَالَ: أللَّهم اغْفِر لي ولمحمد وَلَا تغْفر لأحد مَعنا، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : لقد احتظرت وَاسِعًا، ثمَّ تنحى الْأَعرَابِي فَبَال فِي نَاحيَة الْمَسْجِد ... الحَدِيث. قَوْله: (لقد حجرت) من الْحجر والتحجير، يُقَال: حجر القَاضِي عَلَيْهِ إِذا مَنعه من التَّصَرُّف، يَعْنِي: ضيقت وَاسِعًا. وخصصت مَا هُوَ عان إِذْ رَحمته وسعت كل شَيْء. واتفقت الرِّوَايَات على أَن حجرت بالراء لَكِن ابْن التِّين نقل أَنَّهَا فِي رِوَايَة أبي ذَر بالزاي، قَالَ: وهما بِمَعْنى قَوْله: احتظرت، بحاء مُهْملَة وظاء مُعْجمَة مَأْخُوذ من الحذار بِالْكَسْرِ وَهُوَ الَّذِي يمْنَع مَا وَرَاءه. قَوْله: يُرِيد الْقَائِل بِهِ بعض رُوَاة الحَدِيث، وَقيل: أَبُو هُرَيْرَة. ٤١ - (حَدثنَا أَبُو نعيم حَدثنَا زَكَرِيَّاء عَن عَامر قَالَ سمعته يَقُول سَمِعت النُّعْمَان بن بشير يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - ترى الْمُؤمنِينَ فِي تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كَمثل الْجَسَد إِذا اشْتَكَى عضوا تداعى لَهُ سَائِر جسده بالسهر والحمى) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن وزكرياء هُوَ ابْن أبي زَائِدَة وعامر هُوَ الشّعبِيّ والنعمان بن بشير بن

стр. 6619

سعد الْأنْصَارِيّ والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَغَيره قَوْله فِي تراحمهم من بَاب التفاعل الَّذِي يَسْتَدْعِي اشْتِرَاك الْجَمَاعَة فِي أصل الْفِعْل قَوْله وتوادهم أَصله تواددهم فأدغمت الدَّال فِي الدَّال من الْمَوَدَّة وَهِي الْمحبَّة قَوْله وتعاطفهم كَذَلِك من بَاب التفاعل أَيْضا قيل هَذِه الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة مُتَقَارِبَة فِي الْمَعْنى لَكِن بَينهَا فرق لطيف أما التراحم فَالْمُرَاد بِهِ أَن يرحم بَعضهم بَعْضًا بأخوة الْإِيمَان لَا بِسَبَب شَيْء آخر وَأما التوادد فَالْمُرَاد بِهِ التواصل الجالب للمحبة كالتزاور والتهادي وَأما التعاطف فَالْمُرَاد بِهِ إِعَانَة بَعضهم بَعْضًا كَمَا يعْطف طرف الثَّوْب عَلَيْهِ ليقويه قَوْله كَمثل الْجَسَد أَي بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيع أَعْضَائِهِ وَوجه التَّشْبِيه التوافق فِي التَّعَب والراحة قَوْله " تداعى " أَي دَعَا بعضه بَعْضًا إِلَى الْمُشَاركَة فِي الْأَلَم وَمِنْه قَوْلهم تداعت الْحِيطَان أَي تساقطت أَو كَادَت أَن تتساقط قَوْله بالسهر والحمى أما السهر فَلِأَن الْأَلَم يمْنَع النّوم وَأما الْحمى فَلِأَن فقد النّوم يثيرها وَقَالَ الْكرْمَانِي الْحمى حرارة غَرِيبَة تشتعل فِي الْقلب وتنبث مِنْهُ فِي جَمِيع الْبدن فيشتعل اشتعالا مضرا بالأفعال الطبيعية وَفِيه تَعْظِيم حُقُوق الْمُسلمين والحض على معاونتهم وملاطفة بَعضهم بَعْضًا - ٦٠١٢ - حدَّثنا أبُو الوليدِ حَدثنَا أبُو عَوانَةَ عَنْ قَتاده عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ عَنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ غَرَسَ غَرْساً فأكَلَ مِنْهُ إنْسانٌ أوْ دَابَّةٌ إلَاّ كانَ لَهُ صَدَفَةً. (انْظُر الحَدِيث ٢٣٢٠) . مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِي غرس الْمُسلم الَّذِي يَأْكُل مِنْهُ الْإِنْسَان وَالْحَيَوَان فِيهِ معنى التَّرْجَمَة والتعطف عَلَيْهِم لِأَن حَال الْمُسلم يدل على أَنه يقْصد ذَلِك وَقت غرسه. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك، وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وبالنون بعد الْألف اسْمه الوضاح الْيَشْكُرِي. والْحَدِيث مضى فِي الْمُزَارعَة عَن قُتَيْبَة وَعبد الرَّحْمَن بن الْمُبَارك. قَوْله: (أَو دَابَّة) إِن كَانَ المُرَاد بِهِ من يدب على الأَرْض فَهُوَ من عطف الْعَام على الْخَاص، وَإِن كَانَ المُرَاد الدَّابَّة الْعُرْفِيَّة فَهُوَ من بَاب عطف الْجِنْس على الْجِنْس، وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ الظَّاهِر هُنَا. قلت: الظَّاهِر هُوَ الأول للْعُمُوم الدَّال على سَائِر الْأَجْنَاس فَتدخل جَمِيع الْبَهَائِم وَغَيرهَا فِي هَذَا الْمَعْنى، وَفِي معنى ذَلِك التَّخْفِيف عَن الدَّوَابّ فِي أحمالها وتكليفها مَا تطِيق حمله، فَذَلِك من رحمتها وَالْإِحْسَان إِلَيْهَا، وَمن ذَلِك ترك التَّعَدِّي فِي ضربهَا وأذاها وتسخيرها فِي اللَّيْل، وَقد نهينَا فِي العبيد أَن نكلفهم الْخدمَة لَيْلًا فَإِن لَهُم اللَّيْل ولمواليهم النَّهَار. ٦٠١٣ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا أبي حَدثنَا الأعْمَشُ قَالَ: حدّثني زَيْدُ بنُ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بنَ عبدِ الله عَنِ النبيِّ ﷺ ، قَالَ: مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمُ. (انْظُر الحَدِيث ٦٠١٣ طرفه فِي: ٧٣٧٦) . مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (من لَا يرحم لَا يرحم) وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان وَزيد بن وهب أَبُو سُلَيْمَان الهدماني وَهَؤُلَاء كلهم كوفيون. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن مُحَمَّد ابْن سَلام. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي ﷺ ، عَن زُهَيْر بن حَرْب وَغَيره. قَوْله: (من لَا يرحم) بِفَتْح الْيَاء وَقَوله: (لَا يرحم) بِضَم الْيَاء على صِيغَة الْمَجْهُول وَلَفظ مُسلم: من لَا يرحم النَّاس لَا يرحمه الله، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ: من لَا يرحم مَنْ فِي الأَرْض لَا يرحمه مَن فِي السَّمَاء، وَفِي لفظ للطبراني فِي (الْأَوْسَط) : من لم يرحم الْمُسلمين لم يرحمه الله، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الله بن عمر وبلفظ: الراحمون يرحمهم الرَّحْمَن، ارحموا من فِي الأَرْض يَرْحَمكُمْ من فِي السَّمَاء، وَيجوز فِي: (من لَا يرحم لَا يرحم) الرّفْع وبالجزم، قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: أما الرّفْع فعلى كَون: من، مَوْصُولَة على معنى: الَّذِي لَا يرحم لَا يرحم، وَأما الْجَزْم فعلى كَون: من، متضمنة معنى الشَّرْط فتجزم الَّذِي دخلت عَلَيْهِ وَجَوَابه، وَفِي إِطْلَاق رَحْمَة الْعباد فِي مُقَابلَة رَحْمَة الله نوع مشاكلة. ٢٨ - (بَاب الوصاءَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الوصاءة، بِفَتْح الْوَاو وَتَخْفِيف الصَّاد الْمُهْملَة وَالْمدّ والهمزة أَي: الْوَصِيَّة، ويروي: الْوِصَايَة بِالْيَاءِ

стр. 6620

آخر الْحُرُوف بعد الْألف بدل الْهمزَة، يُقَال: أوصيت لَهُ بِشَيْء، والإسم الْوِصَايَة بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح، وأوصيته ووصيته بِمَعْنى والإسم الوصاءة وَفِي بعض النّسخ. بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم: كتاب الْبر والصلة بَاب الوصاءة بالجار هَكَذَا وَقع فِي نُسْخَة صَاحب (التَّوْضِيح) ، وَلما فرغ من شرح حَدِيث جرير فِي آخر الْبَاب السَّابِق قَالَ: هَذَا آخر كتاب الْأَدَب، ثمَّ ذكر مَا قُلْنَا من الْبَسْمَلَة وَمَا بعْدهَا، وَرِوَايَة النَّسَفِيّ. بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم: بَاب الوصاءة بالجار وقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿ (٤) واعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وبالوالدين إحساناً﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ (٤) مختالاً فخوراً﴾ (النِّسَاء: ٣٦) وَقَول الله بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: الوصاءة، بالجار وَالْمَقْصُود من إِيرَاد هَذِه الْآيَة: ﴿والجارذي الْقُرْبَى وَالْجَار الْجنب﴾ وَالْمَذْكُور من الْآيَة الْمَذْكُورَة على هَذَا الْوَجْه هُوَ رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر من قَوْله: ﴿واعبدوا الله﴾ إِلَى قَوْله: ﴿إحساناً﴾ ... الْآيَة، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ وَقَوله تَعَالَى: ﴿وبالوالدين إحساناً﴾ الْآيَة. قَوْله: ﴿واعبدوا الله﴾ أَي: وحدوه وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا، ثمَّ أوصى بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدين ثمَّ عطف على الْإِحْسَان إِلَى الْوَالِدين الْإِحْسَان إِلَى الْقرَابَات من الرِّجَال وَالنِّسَاء، ثمَّ أوصى بالجار ذِي الْقُرْبَى، قَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة: عَن ابْن عَبَّاس: ﴿الجارذي الْقُرْبَى﴾ يَعْنِي: الَّذِي بَيْنك وَبَينه قرَابَة. وَالْجَار ذِي الْجنب الَّذِي لَيْسَ بَيْنك وَبَينه قرَابَة، وَكَذَا رُوِيَ عَن عِكْرِمَة وَمُجاهد وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة وَمُقَاتِل وَابْن حبَان، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق عَن نوف الْبكالِي ﴿والجارذي الْقُرْبَى﴾ يَعْنِي الْمَرْأَة، وَقَالَ مُجَاهِد ﴿الْجَار الْجنب﴾ يَعْنِي: الرفيق فِي السّفر. قَوْله والصاحب بالجنب، قَالَ الثَّوْريّ: عَن جَابر الْجعْفِيّ عَن الشّعبِيّ عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود قَالَا: هِيَ الْمَرْأَة، رُوِيَ كَذَلِك عَن الْحسن وَإِبْرَاهِيم وَسَعِيد بن جُبَير فِي رِوَايَة، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: هُوَ الرفيق الصَّالح، وَقَالَ زيد بن أسلم: هُوَ جليسك فِي الْحَضَر ورفيقك فِي السّفر. قَوْله: ﴿وَابْن السَّبِيل﴾ هُوَ الضَّيْف، قَالَه ابْن عَبَّاس، وَقَالَ مُجَاهِد وَالْحسن وَالضَّحَّاك: هُوَ الَّذِي يمر عَلَيْك مجتازاً فِي السّفر. قَوْله: ﴿وَمَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ يَعْنِي الأرقاء، لِأَن الرَّقِيق ضَعِيف الجنبة أَسِير فِي أَيدي النَّاس، قَوْله: ﴿إِن الله لَا يحب من كَانَ مختالاً﴾ أَي: متكبراً معجباً ﴿فخوراً﴾ على النَّاس يرى أَنه خير مِنْهُم، فَهُوَ فِي نَفسه كَبِير وَعند الله حقير وَعند النَّاس بغيض. ٦٠١٤ - حدَّثنا إسْماعِيلُ بنُ أبي أوَيْسِ قَالَ: حدّثني مالِكٌ عَنْ يَحْياى بنِ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبرنِي أبُو بَكْر بن مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عائِشَةَ ﵂، عَن النبيِّ ﷺ ، قَالَ: مَا زَال جِبْرِيلُ يُوصِينِي بالجارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَأَبُو بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، وَعمرَة بنت عبد الرَّحْمَن أم أبي بكر. والسند كُله مدنيون وَالثَّلَاثَة من التَّابِعين على نسق وَاحِد أَوَّلهمْ: يحيى وَهُوَ روى عَن عمْرَة كثيرا وَهَهُنَا أَدخل بَينه وَبَينهَا وَاسِطَة، وَرِوَايَته عَن أبي بكر الْمَذْكُور من الأقران. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن قُتَيْبَة عَن مَالك وَعَن غير قُتَيْبَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن قُتَيْبَة عَن لَيْث بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن رمح بِهِ وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ. قَوْله: (سيورثه) أَي: سيجعله قَرِيبا وَارِثا، وَقيل: مَعْنَاهُ أَي يَأْمُرنِي عَن الله بتوريث الْجَار من جَاره، وَهَذَا خرج مخرج الْمُبَالغَة فِي شدَّة حفظ حق الْجَار، وإسم الْجَار يَشْمَل الْمُسلم وَالْكَافِر والعباد وَالْفَاسِق وَالصديق والعدو والغريب والبلدي والنافع والضار والقريب وَالْأَجْنَبِيّ وَالْأَقْرَب دَارا والأبعد. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْجَار يُطلق وَيُرَاد بِهِ الدَّاخِل فِي الْجوَار، وَيُطلق وَيُرَاد بِهِ المجاور فِي الدَّار وَهُوَ الْأَغْلَب وَهُوَ المُرَاد. وَاخْتلف فِي حد الْجوَار، فَعَن عَليّ ﵁: من سمع النداء فَهُوَ جَاءَ، وَقيل: من صلى مَعَك صَلَاة الصُّبْح فِي الْمَسْجِد فَهُوَ جَار، وَعَن عَائِشَة: حق الْجوَار أَرْبَعُونَ دَارا من كل جَانب، وَعَن الْأَوْزَاعِيّ مثله، ثمَّ كَيْفيَّة حفظ حق الْجَار هِيَ: أَن يعاشر مَعَ كل وَاحِد من الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ بِمَا يَلِيق بِحَالهِ من إِرَادَة الْخَيْر وَدفع الْمضرَّة والنصيحة وَنَحْو ذَلِك.
следующие страницы →