Полный текст (7 603 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.
стр. 7036
بِنَاء على تعدد الْقَضِيَّة -
٦٠٧٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ سَلَمَة حَدثنَا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ عنْ يُونُسَ عنْ زِيادِ بنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابنِ عُمَرَ فَسألهُ رجُلٌ فَقَالَ: نَذَرْتُ أنْ أصُومَ كُلَّ يَوْمِ ثُلَاثَاءَ أوْ أرْبِعَاءَ مَا عِشْتُ، فَوَافَقْتُ هَذَا اليَوْمَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ: أمَرَ الله بِوَفاءِ النَّذْرِ، ونُهِينا أنْ نَصُومَ يَوْمَ النَّحْرِ، فأعادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ مِثْلَهُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ. (انْظُر الحَدِيث ٤٩٩١ وطرفه) .
هَذَا وَجه آخر فِي حَدِيث ابْن عمر، وَيُونُس هوابن عبيد مُصَغرًا، أَو زِيَاد بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن جُبَير بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة مصغر جبر.
والْحَدِيث مضى فِي أَوَاخِر كتاب الصَّوْم فِي: بَاب الصَّوْم فِي يَوْم النَّحْر.
قَوْله: (ثلاثاء أَو أربعاء) شكّ من الرَّاوِي وهما لَا ينصرفان لأجل ألف التَّأْنِيث الممدودة كألف حَمْرَاء وسمراء وَنَحْوهمَا، ويجمعان على ثلاثاوات والأربعاوات، بِكَسْر الْبَاء، وَحكي عَن بعض بني أَسد فتحهَا. قَوْله: (أَمر الله) حَيْثُ قَالَ: ﴿وليوفوا نذورهم﴾ (الْحَج: ٩٢) قَوْله: (ونهينا) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْعرْف شَاهد بِأَن رَسُول الله ﷺ هُوَ الناهي. قَوْله: (فَأَعَادَ إِلَيْهِ) أَي: أعَاد الرجل كَلَامه على ابْن عمر. قَوْله: (فَقَالَ مثله) أَي: فَقَالَ ابْن عمر مثل مَا قَالَ فِي الأول (لَا يزِيد عَلَيْهِ) أَي: لَا يقطع بِلَا أَو نعم، وَهَذَا من غَايَة ورعه حَيْثُ توقف فِي الْجَزْم بِأَحَدِهِمَا لتعارض الدَّلِيلَيْنِ عِنْده، وَفِي (التَّوْضِيح) : جَوَاب ابْن عمر جَوَاب من أشكل عِنْده الحكم فتوقف، نعم جَوَابه أَن لَا يصام وَهُوَ مَذْهَب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة. انْتهى.
قلت: وَفِي سِيَاق الرِّوَايَة إِشْعَار بِأَن الرَّاجِح عِنْده الْمَنْع على مَا لَا يخفى.
٣٣ - (بابٌ هَلْ يَدْخلُ فِي الأيْمانِ والنُّذُور الأرْضُ والغَنَمُ والزُّرُوعُ والأمْتِعَةُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يدْخل فِي الْأَيْمَان ... إِلَى آخِره، يَعْنِي: هَل يَصح الْيَمين وَالنّذر على الْأَعْيَان؟ فصورة الْيَمين نَحْو قَوْله ﷺ : (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن هَذِه الشملة لتشتعل، عَلَيْهِ نَارا) ، وَصُورَة النّذر مثل أَن يَقُول: هَذِه الأَرْض لله نذرا، وَنَحْوه. وَقَالَ الْمُهلب: أَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا أَن يبين أَن المَال يَقع على كل متملك، أَلا ترى قَول عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أصبت أَرضًا لم أصب مَالا قطّ أنفس مِنْهُ، وَقَول أبي طَلْحَة: أحب الْأَمْوَال إِلَيّ بيرحاء، وهم الْقدْوَة فِي الفصاحة وَمَعْرِفَة لِسَان الْعَرَب؟ وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : أَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا الرَّد على أبي حنيفَة، فَإِنَّهُ يَقُول: إِن من حلف أَو نذر أَن يتَصَدَّق بِمَالِه كُله فَإِنَّهُ لَا يَقع يَمِينه ونذره من الْأَمْوَال إلَاّ على مَا فِيهِ الزَّكَاة خَاصَّة. انْتهى.
قلت: قد كثر اخْتلَافهمْ فِي تَفْسِير المَال حَيْثُ قَالَ ابْن عبد الْبر وَآخَرُونَ: إِن المَال فِي لُغَة دوس، قَبيلَة أبي هُرَيْرَة، غير الْعين كالعروض وَالثيَاب، وَعند جمَاعَة: المَال هُوَ الْعين كالذهب وَالْفِضَّة خَاصَّة، وَحكى المطرزي أَن المَال هُوَ الصَّامِت كالذهب وَالْفِضَّة والناطق، وَحكى القالي عَن ثَعْلَب أَنه قَالَ: المَال عِنْد الْعَرَب أَقَله مَا تجب فِيهِ الزَّكَاة، وَمَا نقص عَن ذَلِك فَلَا يُقَال لَهُ مَال. وَقَالَ ابْن سَيّده فِي (العريض) : الْعَرَب لَا توقع اسْم المَال مُطلقًا إلَاّ على الْإِبِل لشرفها عِنْدهم وَكَثْرَة غنائها، قَالَ: وَرُبمَا أوقعوه على أَنْوَاع الْمَوَاشِي كلهَا، وَمِنْهُم من أوقعه على جَمِيع مَا يملكهُ الْإِنْسَان لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُم﴾ (النِّسَاء: ٥) فَلم يخص شَيْئا دون شَيْء، وَهُوَ اخْتِيَار كثير من الْمُتَأَخِّرين، فَلَمَّا رأى البُخَارِيّ هَذَا الِاخْتِلَاف أَشَارَ إِلَى أَن المَال يَقع على كل متملك، كَمَا حكى عَنهُ الْمُهلب، كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، فتبيَّن من ذَلِك أَنه اخْتَار هَذَا القَوْل فَلَا حَاجَة إِلَى قَول صَاحب (التَّوْضِيح) : إِنَّه أَرَادَ بِهِ الرَّد على أبي حنيفَة، لِأَنَّهُ اخْتَار قولا من الْأَقْوَال فَكَذَلِك اخْتَار أَبُو حنيفَة قولا من الْأَقْوَال، فَلَا اخْتِصَاص بِذكر الرَّد عَلَيْهِ خَاصَّة، وَلَكِن عرق العصبية الْبَاطِلَة نَزعه إِلَى ذَلِك.
وَقَالَ ابنُ عُمَرَ: قَالَ عُمَرُ للنبيِّ ﷺ : أصَبْتُ أرْضاً لَمْ أصِبْ مَالا قَطُّ أنْفَسَ مِنْهُ، قَالَ: (إنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أصْلَها وتَصَدَّقْتَ بِها) .
ذكر هَذَا إِشَارَة إِلَى أَن الأَرْض يُطلق عَلَيْهَا المَال، وَهَذَا تَعْلِيق ذكره البُخَارِيّ فِي كتاب الْوَصَايَا مَوْصُولا. قَوْله: حبست،
стр. 7037
أَي: وقفت، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
وَقَالَ أبُو طَلْحَةَ لِلنبيِّ ﷺ أحبُّ أمْوالي إلَيَّ بَيْرُحاءٍ، لِحَائِطٍ لهُ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجدِ
ذكر هَذَا التَّعْلِيق أَيْضا عَن أبي طَلْحَة زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ، إِشَارَة إِلَى أَن الْحَائِط الَّذِي هُوَ الْبُسْتَان من النّخل يُطلق عَلَيْهِ المَال، وَقد تقدم هَذَا مَوْصُولا فِي: بَاب الزَّكَاة على الْأَقَارِب. قَوْله: (إِلَيّ) بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (بيرحاء) قد مر ضَبطه هُنَاكَ. قَوْله: (لحائط) ، اللَّام فِيهِ للتبيين كَمَا فِي نَحْو ﴿هيت لَك﴾ أَي: هَذَا الِاسْم لحائط. قَوْله: (مُسْتَقْبلَة الْمَسْجِد) أَي: مُقَابِله. وتأنيثه بِاعْتِبَار الْبقْعَة.
٧٠٧٦ - حدّثنا إسْماعِيلُ قَالَ: حدّثنيمالِكٌ عنْ ثَوْرِ بنِ زَيْدٍ الدِّيليِّ عنْ أبي الغَيْثِ مَوْلَى ابنِ مُطِيعٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رسولِ الله ﷺ يَوْم خَيْبَرَ فَلع نَغْنَمْ ذَهَباً وَلَا فِضةً إلَاّ الأمْوالَ والثِّيابَ والمَتاعَ، فأهْدَى رجُلٌ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ يُقالُ لَهُ: رِفاعَة بنُ زَيْدٍ، لِرَسُولِ الله ﷺ غُلَاماً يُقالُ لَهُ: مِدْعَمٌ، فَوَجَّهَ رسولُ الله ﷺ إِلَى وَادي القُرَى حتَّى إذَا كانَ بِوَادِي القُرَى، بَيْنَما مِدْعَمٌ يَحُطُّ رَحْلاً لِرَسُولِ الله ﷺ ، إذَا سَهْمٌ عائِزٌ فَقَتَلهُ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئاً لهُ الجَنَّةُ، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : (كَلَاّ! والَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ إنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ المَغانِمِ لَمْ تُصِبْها المقاسِمِ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارا) ، فَلمَّا سَمِعَ ذالِكَ النّاسُ جاءَ رجلٌ بِشِرَاكٍ أوْ شِرَاكَيْنِ إِلَى النبيِّ ﷺ فَقَالَ: شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أوْ: شِرَاكَانِ مِنْ نارٍ.
(انْظُر الحَدِيث ٤٣٢٤) .
أَشَارَ بِهَذَا الحَدِيث إِلَى أَن المَال لَا يُطلق إلَاّ على الثِّيَاب والأمتعة وَنَحْوهمَا، لِأَن الِاسْتِثْنَاء فِي قَوْله: إلَاّ الْأَمْوَال، مُنْقَطع يَعْنِي: لَكِن الْأَمْوَال هِيَ الثِّيَاب وَالْمَتَاع، قيل: هَذَا على لُغَة دوس قَبيلَة أبي هُرَيْرَة كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَقد اخْتلفت الرِّوَايَات فِي هَذَا الحَدِيث عَن مَالك، فروى ابْن الْقَاسِم مثل رِوَايَة البُخَارِيّ، وروى يحيى بن يحيى وَجَمَاعَة عَن مَالك: الْأَمْوَال وَالثيَاب من الْمَتَاع، بواو الْعَطف.
وَإِسْمَاعِيل شيخ البُخَارِيّ هُوَ ابْن أويس، وثور بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة ابْن زيد الديلِي بِكَسْر الدَّال وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف نِسْبَة إِلَى ديل بن هداد بن زيد قَبيلَة من الأزد فِي تغلب وَفِي ضبة، وَأَبُو الْغَيْث بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالثاء الْمُثَلَّثَة واسْمه سَالم مولى ابْن مُطِيع.
والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي فِي غَزْوَة خَيْبَر فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَاق عَن مَالك بن أنس عَن ثَوْر بن زيد عَن سَالم ... إِلَى آخِره. قَوْله: (من بني ضبيب) بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وبباء أُخْرَى، وَقَالَ ابْن الرشاطي: فِي جذام الضبيب. قَوْله: (رِفَاعَة) بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْفَاء وبالعين الْمُهْملَة ابْن زيد بن وهب، قدم على النَّبِي ﷺ ، فِي هدنة الْحُدَيْبِيَة فِي جمَاعَة من قوم فأسلموا، وَعقد لَهُ رَسُول الله ﷺ ، على قومه. قَوْله: (مدعم) بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة، وَكَانَ أسود. قَوْله: (فَوجه) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (وَادي الْقرى) جمع الْقرْيَة مَوضِع بِقرب الْمَدِينَة. قَوْله: (عاير) بِالْعينِ الْمُهْملَة وَبعد ألف يَاء آخر الْحُرُوف وبالراء: لَا يُدري من رمى بِهِ، كَذَا ضَبطه بَعضهم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: العائر بِالْعينِ المهلمة والهمزة بعد الْألف وبالراء: الجائر عَن قَصده. قَوْله: (أَن الشملة) هِيَ الكساء. قَوْله: (لم تصبها المقاسم) أَي: أَخذهَا قبل قسْمَة الْغَنَائِم وَكَانَ غلولاً. قَوْله: (بِشِرَاك) بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الرَّاء وَهُوَ سير النَّعْل الَّذِي يكون على وَجهه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤٨ - (كتابُ كَفَارَاتِ الأيْمانِ)
أَي هَذَا كتاب فِي بَيَان حكم كَفَّارَات الْأَيْمَان، هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي وَفِي رِوَايَة غَيره: بَاب كَفَّارَات الْأَيْمَان.
стр. 7038
وَالْكَفَّارَات جمع كَفَّارَة على وزن فعالة بِالتَّشْدِيدِ من الْكفْر وَهُوَ التغطية، وَمِنْه قيل للزراع: كَافِر، لِأَنَّهُ يُغطي الْبذر، وَكَذَلِكَ الْكَفَّارَة لِأَنَّهَا تكفر الذَّنب أَي: تستره، وَمِنْه تكفر الرجل بِالسِّلَاحِ إِذا تستر بِهِ، وَفِي الِاصْطِلَاح: الْكَفَّارَة مَا يكفر بِهِ من صَدَقَة وَنَحْوهَا.
١ - (بَاب وقَوْلِ الله تَعَالَى ﴿ (٥) فكفارته إطْعَام عشرَة مَسَاكِين﴾ (الْمَائِدَة: ٩٨)
وَقَول الله بِالْجَرِّ عطف على كَفَّارَات الْأَيْمَان، وأوله: ﴿لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم وَلَكِن يُؤَاخِذكُم بِمَا عقدتم الْأَيْمَان فكفارته إطْعَام عشرَة مَسَاكِين﴾ (الْمَائِدَة: ٩٨) الْآيَة أَي: فكفارة مَا عقدتم الْأَيْمَان إطْعَام عشر مَسَاكِين.
وَاخْتلفُوا فِي مِقْدَار الْإِطْعَام فَقَالَت طَائِفَة: يجْزِيه لكل إِنْسَان مد من طَعَام بِمد الشَّارِع، رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عَمْرو زيد بن ثَابت وَأبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهُوَ قَول عَطاء وَالقَاسِم وَسَالم وَالْفُقَهَاء السَّبْعَة، وَبِه قَالَ مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَت طَائِفَة: يطعم لكل مِسْكين نصف صَاع من حِنْطَة، وَإِن أعْطى تَمرا أَو شَعِيرًا فصاعاً صَاعا، رُوِيَ هَذَا عَن عمر ابْن الْخطاب وَعلي وَزيد بن ثَابت فِي رِوَايَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهُوَ قَول النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ وَالثَّوْري وَأبي حنيفَة وَسَائِر الْكُوفِيّين.
وَمَا أمَرَ النبيُّ ﷺ حِينَ نَزَلَتْ ﴿ففدية من صِيَام أَو صَدَقَة أَو نسك﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١)
كلمة: مَا، مَوْصُولَة أَي: وَالَّذِي أَمر النَّبِي ﷺ حِين نزل قَوْله : ﴿ففدية من صِيَام أَو صَدَقَة أَو نسك﴾ يُشِير بهَا إِلَى حَدِيث كَعْب بن عجْرَة ﵁، الَّذِي يَأْتِي فِي هَذَا الْبَاب، وَإِنَّمَا ذكر البُخَارِيّ حَدِيث كَعْب بن عجْرَة فِي هَذَا الْبَاب من أجل التَّخْيِير فِي كَفَّارَة الْأَذَى كَمَا هِيَ فِي كَفَّارَة الْيَمين بِاللَّه، وَمَا كَانَ فِي الْقُرْآن كلمة: أَو، نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿فكفارته إطْعَام عشرَة مَسَاكِين من أَوسط مَا تطْعمُونَ أهليكم أَو كسوتهم أَو تَحْرِير رَقَبَة﴾ (الْمَائِدَة: ٩٨) فصاحبه بِالْخِيَارِ، يَعْنِي: هُوَ الْوَاجِب الْمُخَير على مَا يَأْتِي الْآن، وَيُقَال معنى قَوْله: وَمَا أَمر الله، الْكَفَّارَة المخيرة.
ويُذْكَرُ عنِ ابنِ عَباسٍ وعَطاءٍ وعِكْرَمَةَ: مَا كانَ فِي القُرْآنِ: أوْ أوْ، فصاحِبُهُ بالخِيارِ، وقَدْ خَيَّرَ النبيُّ ﷺ كَعْباً فِي الفِدْيَةِ.
إِنَّمَا ذكر هَذَا عَن ابْن عَبَّاس بِصِيغَة التمريض لِأَنَّهُ رَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ فِي (تَفْسِيره) : عَن لَيْث بن أبي سليم عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كل شَيْء فِي الْقُرْآن: أَو أَو نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿ففدية من صِيَام أَو صَدَقَة أَو نسك﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) فَهُوَ فِيهِ مُخَيّر، وَمَا كَانَ ﴿فَمن لم يجد﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) فَهُوَ على الْوَلَاء أَي التَّرْتِيب، وَأما أثر عَطاء بن أبي رَبَاح فوصله الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن جريج قَالَ: قَالَ عَطاء: مَا كَانَ فِي الْقُرْآن: أَو أَو فلصاحبه أَن يخْتَار أَيهَا شَاءَ، وَأما أثر عِكْرِمَة فوصله الطَّبَرِيّ أَيْضا من طَرِيق دَاوُد بن أبي هِنْد عَنهُ قَالَ: كل شَيْء فِي الْقُرْآن: أَو أَو، فليتخير فَإِذا كَانَ ﴿فَمن لم يجد﴾ فَالْأول فَالْأول. قَوْله: (كَعْبًا) أَي: كَعْب بن عجْرَة، على مَا يَأْتِي الْآن.
٨٠٧٦ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ يُونس حَدثنَا أبُو شِهابٍ عنِ ابنِ عَوْنٍ عنْ مِجاهِدٍ عَن عَبْدِ الرَّحْمان ابنِ أبي ليْلَى عنْ كَعْبٍ بنِ عُجْرَةَ قَالَ: أتَيْتُهُ يَعْنِي: النبيَّ ﷺ فَقَالَ: (ادْنُ) فَدَنْوتُ فَقَالَ: (أيُؤْذِيكَ هُوَامُّكَ) قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ﴿ (٢) فديَة من صِيَام أَو صَدَقَة أَو نسك﴾ (الْبَقَرَة: ٦٩١) .
وَأَخْبرنِي ابنُ عَوْنٍ عنْ أيُّوبَ قَالَ: صِيامُ ثَلَاثَةٍ أيَّامٍ، والنُّسُكُ شاةٌ، والمَساكِينُ سِتَّةٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ التَّخْيِير كَمَا فِي كَفَّارَة الْأَيْمَان.
وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس نسب إِلَى جده، وَأَبُو شهَاب هُوَ الْأَصْغَر واسْمه عبد ربه بن نَافِع الْخياط صَاحب الْمَدَائِنِي، وَابْن عون هُوَ عبد الله بن عون بن أرطبان الْبَصْرِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الْحَج بشرحه.
قَوْله: (أَتَيْته) وَفِي رِوَايَة أبي نعيم: فَأتيت النَّبِي ﷺ . قَوْله: (هوامك) جمع هَامة
стр. 7039
وَكَانَ يَتَنَاثَر الْقمل من رَأسه.
قَوْله: (وَأَخْبرنِي) عطف على مُقَدّر أَي: قَالَ أَبُو شهَاب: أَخْبرنِي فلَان كَذَا، وَأَخْبرنِي ابْن عون عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ أَن المُرَاد بالصيام ثَلَاثَة أَيَّام وبالنسك شَاة وبالصدقة إطْعَام سِتَّة مَسَاكِين.
٢ - (بابُ قَوْل الله تَعَالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (التَّحْرِيم: ٢) مَتَى تَجِبُ الكَفَّارَةُ عَلى الغِنَيِّ والفَقِيرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله : ﴿قد فرض الله لكم﴾ ... الْآيَة، وَفِي بعض النّسخ: بَاب مَتى تجب الْكَفَّارَة على الْغَنِيّ وَالْفَقِير. وَقَول الله : ﴿قد فرض الله لكم تَحِلَّة أَيْمَانكُم﴾ إِلَى قَوْله: ﴿الْعَلِيم الْحَكِيم﴾ كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَلغيره: بَاب قَول الله ... وَسَاقُوا الْآيَة، وَبعدهَا: مَتى تجب الْكَفَّارَة على الْغَنِيّ وَالْفَقِير، كَمَا فِي نسختنا، وَقد سقط ذكر الْآيَة عِنْد الْبَعْض. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمُنَاسب أَن يذكر هَذِه الْآيَة فِي أول الْبَاب الَّذِي قبله.
قلت: الْأَنْسَب أَن يذكر فِي التَّفْسِير فِي سُورَة التَّحْرِيم. قَوْله: (قد فرض الله) أَي: قد بيَّن ﴿الله لكم تَحِلَّة أَيْمَانكُم﴾ أَي: تحليلها بِالْكَفَّارَةِ.
٩٠٧٦ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا سفْيانُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ فِيهِ عنْ حُمَيْدِ بنِ عبْدِ الرحمانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جاءَ رجُلٌ إِلَى النبيِّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ. قَالَ ﷺ : (وَمَا شأنُكَ؟) قَالَ: وقَعْت عَلى امْرأتِي فِي رَمضانَ. قَالَ: (تَسْتَطِيعُ أنَّ تُعْتِقَ رَقَبَة؟) قَالَ: لَا. قَالَ: (فَهَلْ تَستَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ؟) قَالَ: لَا. قَالَ: (فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينَا؟) قَالَ: لَا. قَالَ: (اجْلِسْ) فَجَلَسَ فأُتِيَ النبيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، والعَرَقُ المكْتَلُ الضَّخْمُ، قَالَ: (خُذْ هاذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ) قَالَ: أعَلى أفْقَرَ مِنِّي؟ فَضَحَك النبيُّ ﷺ حتَّى بَدَتْ نَوَاجذُهُ. قَالَ: (أطْعِمْهُ عِيالَكَ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم، وَحميد بِضَم الْحَاء ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه الْجَمَاعَة. وَأخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع: فِي الصَّوْم عَن أبي الْيَمَان وَفِي الْهِبَة وَالنُّذُور عَن مُحَمَّد بن مَحْبُوب وَفِي الْأَدَب عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَن القعْنبِي وَعَن مُحَمَّد بن مقَاتل وَفِي النَّفَقَات عَن أَحْمد بن يُونُس وَفِي الْمُحَاربين عَن قُتَيْبَة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ فِي الصَّوْم.
قَوْله: (سمعته من فِيهِ) أَي: قَالَ سُفْيَان سمعته من فَم الزُّهْرِيّ، وغرضه أَنه لَيْسَ مُعَنْعنًا موهماً للتدليس. قَوْله: (جَاءَ رجل) قيل اسْمه سَلمَة بن صَخْر البياضي. قَوْله: (هَلَكت) يُرِيد بِمَا وَقع فِيهِ من الْإِثْم، وَقد يُقَال: إِنَّه وَاقع مُتَعَمدا. وَفِي النَّاسِي خلاف، فمذهب مَالك أَنه لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ، خلافًا لِابْنِ الْمَاجشون. قَوْله: (وَمَا شَأْنك؟) أَي: وَمَا حالك وَمَا جرى عَلَيْك؟ قَوْله: (تَسْتَطِيع أَن تعْتق رَقَبَة؟) احْتج بِهِ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ على أَن كَفَّارَة الوقاع مرتبَة، وَهُوَ أحد قولي ابْن حبيب، وَعَن مَالك فِي (الْمُدَوَّنَة) : لَا أعرف غير الْإِطْعَام. وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: عَلَيْهِ عتق رَقَبَة، أَو هدي بَدَنَة، أَو عشرُون صَاعا لأربعين مِسْكينا. قَوْله: (فَأتى) على صِيغَة الْمَجْهُول (بعرق) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالرَّاء: القفة المنسوجة من الخوص. قَوْله: (المكتل) بِكَسْر الْمِيم الزنبيل الَّذِي يسع خَمْسَة عشر صَاعا وَأكْثر. قَوْله: (أَعلَى أفقر مني؟) ويروى: (منا) . والهمزة فِي (أَعلَى) للاستفهام. قَوْله: (حَتَّى بَدَت) أَي: ظَهرت (نَوَاجِذه) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة آخر الْأَسْنَان وأولها الثنايا ثمَّ الرباعيات ثمَّ الأنياب ثمَّ الضواحك ثمَّ الأرحاء ثمَّ النواجذ. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: النواجذ الأضراس، وَهُوَ ظَاهر الحَدِيث، وَقَالَ غَيره هِيَ: الضواحك، وَقَالَ ابْن فَارس: الناجذ السن بَين الأنياب والضرس، وَقيل: الأضراس كلهَا النواجذ، وَقيل: سَبَب ضحكه وجوب الْكَفَّارَة على هَذَا المجامع وَأَخذه ذَلِك صَدَقَة وَهُوَ غير آثم. قيل: هَذَا مَخْصُوص بِهِ، وَقيل: مَنْسُوخ.
٣ - (بابُ مَنْ أعانَ المُعْسِرَ فِي الكَفَّارَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أعَان الْمُعسر الْعَاجِز فِي الْكَفَّارَة الْوَاجِبَة عَلَيْهِ.
стр. 7040
٠١٧٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مَحْبُوبٍ حدّثنا عبْدُ الوَاحِدِ حَدثنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ حُمَيْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: جاءَ رجُلٌ إِلَى رسولِ الله ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ. فَقَالَ: (وَمَا ذاكَ؟) قَالَ: وقَعْتُ بأهْلِي فِي رَمضانَ. قَالَ: (تَجِدُ رَقَبَةً؟) قَالَ: لَا. قَالَ: (هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتتابِعَيْنِ) قَالَ: لَا. قَالَ: (فَتَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِيناً؟) قَالَ: لَا. قَالَ: فَجاءَ رجَلٌ مِنَ الأنْصارِ بِعَرَقٍ، والعَرَقُ المِكْتَلُ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: (إذْهَبْ بِهَذا فَتَصَدَّقْ بِهِ) قَالَ: عَلى أحْوَجَ مِنَّا يَا رسُولَ الله؟ والَّذِي بَعثكَ بالحقِّ مَا بَيْنَ لابَتَيْها أهْلُ بَيْتٍ أحْوَجُ مِنَّا، ثُمَّ قَالَ: (اذْهَبْ فأطْعِمْهُ أهْلَكَ) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة ترْجم لَهُ بالترجمة الْمَذْكُورَة.
وَأخرجه عَن مُحَمَّد بن مَحْبُوب الْبَصْرِيّ عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد الْعَبْدي عَن معمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد عَن الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره.
قَوْله: (مَا بَين لابتيها) تَثْنِيَة: لابة، بتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَهِي الْحرَّة يَعْنِي: بَين طرفِي الْمَدِينَة والحرة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء: أَرض ذَات حِجَارَة سود.
٤ - (بابٌ يُعْطِي فِي الكَفَّارَةِ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ قَرِيباً كَانَ أوْ بَعِيداً)
أَي: هَذَا بَاب مترجم بقوله: يُعْطي فِي الْكَفَّارَة. أَي: فِي كَفَّارَة الْيَمين عشرَة مَسَاكِين، كَمَا فِي نَص الْقُرْآن. قَوْله: قَرِيبا أَي: سَوَاء كَانَت الْمَسَاكِين قريبَة أَو بعيدَة، وَإِنَّمَا قَالَ: قَرِيبا أَو بَعيدا بالتذكير إِمَّا بِاعْتِبَار لفظ: مَسَاكِين، فَلذَلِك قَالَ: كَانَ وَلم يقل: كَانَت وَلَا كَانُوا، وَإِمَّا بِاعْتِبَار أَن فعيلاً يَسْتَوِي فِيهِ التَّذْكِير والتأنيث، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن رَحْمَة الله قريب من الْمُحْسِنِينَ﴾ (الْأَعْرَاف: ٦٥) قيل: لَا وَجه لذكر الْعشْرَة هُنَا، لِأَنَّهَا فِي كَفَّارَة الْيَمين، وَحَدِيث الْبَاب فِي كَفَّارَة الوقاع، فَلَا يُطَابق الحَدِيث التَّرْجَمَة. وَأجَاب الْمُهلب بِمَا حَاصله: أَن حكم الْعشْرَة مَسَاكِين فِي كَفَّارَة الْيَمين مُبْهمَة من حَيْثُ لم يذكر فِيهِ قريب وَلَا بعيد، وَجَاء فِي كَفَّارَة الوقاع فِي حَدِيث الْبَاب: (أطْعمهُ أهلك) وَهُوَ مُفَسّر، والمفسر يقْضِي على الْمُجْمل، وقاس كَفَّارَة الْيَمين على كَفَّارَة الْجِمَاع فِي إجَازَة الصّرْف على الأقرباء لِأَنَّهُ إِذا جَازَ إِعْطَاء الأقرباء فالبعداء أجوز. انْتهى.
قلت: هَذَا إِنَّمَا يمشي إِذا حمل قَوْله: (أطْعمهُ أهلك) على وَجه الْكَفَّارَة لَا على وَجه الصَّدَقَة، لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يُعْطي الْكَفَّارَة أحدا من أَهله إِذا كَانَ مِمَّن يلْزمه نَفَقَته، وَأما إِذا كَانَ مِمَّن لَا يلْزمه نَفَقَته فَيجوز. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقيل: لَعَلَّ أَهله كَانُوا عشرَة، وَلَيْسَ بِشَيْء.
١١٧٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ حدّثنا سفيْانُ عنِ الزُّهرِيِّ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: جاءَ رَجلٌ إِلَى النبيِّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ! قَالَ: (وَمَا شَأْنُكَ؟) قَالَ وَقَعْتُ عَلى امْرَأتِي فِي رَمَضانَ. قَالَ: (هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟) قَالَ: لَا. قَالَ: (فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ متتابِعَيْنِ؟) قَالَ: لَا. قَالَ: (فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِيناً؟) قَالَ: لَا أجِدُ، فأُتِيَ النبيُّ ﷺ بَعَرِقٍ فِيه تَمْرٌ فَقَالَ: (خذْ هاذا فَتَصَدَّقْ بِهِ) فَقَالَ: أَعلَى أفْقَرَ مِنَّا؟ مَا بَيْنَ لابَتَيْها أفْقَرُ مِنَّا. ثُمَّ قَالَ: (خُذْهُ فأطْعِمْهُ أهْلَكَ) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة السَّابِق أخرجه عَن عبد الله بن مسلمة القعْنبِي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ.
٥ - (بابُ صاعِ المَدِينَةِ ومُدِّ النبيِّ ﷺ وبَرَكَتِهِ وَمَا تَوَارَثَ أهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذالِكَ قَرْناً بَعْدَ قَرْنٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَاع مَدِينَة النَّبِي ﷺ ، وَأَشَارَ بذلك إِلَى وجوب الْإِخْرَاج فِي الْوَاجِبَات بِصَاع أهل الْمَدِينَة، لِأَن التشريع وَقع أَولا على ذَلِك حَتَّى زيد فِيهِ فِي زمن عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على مَا يَجِيء. قَوْله: (وَمد
стр. 7041
النَّبِي ﷺ أَي: وَفِي بَيَان مد النَّبِي ﷺ . قَوْله: (وبركته) قَالَ الْكرْمَانِي: أَي بركَة الْمَدّ أَو بركَة كل مِنْهُمَا.
قلت: الْأَحْسَن أَن يُقَال: وبركة النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ دَعَا حَيْثُ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارك لَهُم فِي مكيالهم، وصاعهم ومدهم، وَيَجِيء عَن قريب فِي حَدِيث أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (وَمَا توارث أهل الْمَدِينَة) أَي: وَفِي بَيَان مَا توارث أهل الْمَدِينَة قرنا أَي: جيلاً بعد جيل على ذَلِك، وَلم يتَغَيَّر إِلَى زَمَنه، أَلا ترى أَن أَبَا يُوسُف لما اجْتمع مَعَ مَالك فِي الْمَدِينَة فَوَقَعت بَينهمَا المناظرة فِي قدر الصَّاع فَزعم أَبُو يُوسُف أَنه ثَمَانِيَة أَرْطَال، وَقَامَ مَالك وَدخل بَيته وَأخرج صَاعا وَقَالَ: هَذَا صَاع النَّبِي ﷺ . قَالَ أَبُو يُوسُف: فَوَجَدته خَمْسَة أَرْطَال وَثلثا، فَرجع أَبُو يُوسُف إِلَى قَول مَالك وَخَالف صَاحِبيهِ فِي هَذَا. وَجَهل مُنَاسبَة ذكر هَذَا الْبَاب بِكِتَاب الْكَفَّارَات هُوَ أَن فِي كَفَّارَة الْيَمين إطْعَام عشرَة أَمْدَاد لعشرة مَسَاكِين، وَكَفَّارَة الوقاع إطْعَام سِتِّينَ مِسْكينا سِتِّينَ مدا بِهِ، وَفِي كَفَّارَة الْحلف إطْعَام ثَلَاثَة آصَع لسِتَّة مَسَاكِين.
٢١٧٦ - حدّثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ حدّثنا القاسِمُ بنُ مالِكٍ المُزَنِيُّ حَدثنَا الجُعَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنِ السَّائِبِ بنِ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ الصَّاعُ عَلى عَهْدِ النبيِّ ﷺ مُدًّا وثُلُثاً بِمُدِّكُمُ اليَوْمَ، فَزِيدَ فِيهِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ. (انْظُر الحَدِيث ٩٥٨١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَالقَاسِم بن مَالك الْمُزنِيّ بِضَم الْمِيم وَفتح الزَّاي وبالنون، والجعيد بِضَم الْجِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة، وَيُقَال بِالتَّكْبِيرِ ابْن أَوْس الْكِنْدِيّ الْمدنِي، والسائب بِالسِّين الْمُهْملَة والهمزة بعد الْألف وبالباء الْمُوَحدَة ابْن يزِيد من الزِّيَادَة الْكِنْدِيّ، وَيُقَال: اللَّيْثِيّ، وَيُقَال: الْأَزْدِيّ الْمدنِي، سمع النَّبِي ﷺ فِي حجَّة الْوَدَاع وَهُوَ ابْن سبع سِنِين، وَيُقَال: ابْن عشر سِنِين، مَاتَ سنة إِحْدَى وَتِسْعين.
والْحَدِيث مضى فِي الْحَج وَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَام. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزَّكَاة عَن عَمْرو بن زُرَارَة.
قَوْله: (بمدكم الْيَوْم) يَعْنِي: حِين حَدثهمْ السَّائِب كَانَ مدهم أَرْبَعَة أَرْطَال فَإِذا زيد عَلَيْهِ ثلثه وَهُوَ رَطْل وَثلث يكون خَمْسَة أَرْطَال وَثلثا، وَهُوَ الصَّاع الْبَغْدَادِيّ، بِدَلِيل أَن مده ﷺ ، رَطْل وَثلث وصاعه أَرْبَعَة أَمْدَاد، وَقَالَ ابْن بطال: أما مَا زيد فِيهِ فِي زمن عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَلَا نعلمهُ، وَإِنَّمَا الحَدِيث يدل على أَن مدهم ثَلَاثَة أَمْدَاد بمده، وَمضى الْكَلَام فِي الطَّهَارَة فِي: بَاب الْوضُوء بِالْمدِّ وَالِاخْتِلَاف فِي الْمَدّ والصاع.
٣١٧٦ - حدّثنا مُنْذِرُ بنُ الوَلِيدِ الجارُودِيُّ حدّثنا أبُو قُتَيْبَةَ وهْوَ سَلْمٌ حدّثنا مالِك عنْ نافِعٍ قَالَ: كانَ ابنُ عُمَرَ يُعْطِي زَكاةَ رَمَضانَ بِمُدِّ النَّبِي ﷺ المدِّ الأوَّلِ، وَفِي كَفَّارَةٍ اليَمِين بِمُدِّ النبيِّ ﷺ .
قَالَ أبُو قُتَيْبَةَ: قَالَ لَنا مالِكٌ: مُدُّنا أعْظَمُ مِنْ مُدِّكُمْ وَلَا نَرَى الفَضْلَ إلاّ فِي مُدِّ النبيِّ ﷺ . وَقَالَ لِي مالِكٌ: لَوْ جاءَكمْ أمِيرٌ فَضَرَبَ مُدًّا أصْغَرَ مِنْ مُدِّ النبيِّ ﷺ ، بِأيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تُعْطُونَ؟ .
قُلْتُ: كُنَّا نُعْطِي بمُدِّ النبيِّ ﷺ . قَالَ: أفَلا تَرى أنَّ الأمْرَ إنّما يَعُودُ إِلَى مُدِّ النبيِّ ﷺ ؟ .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُنْذِر بِصِيغَة اسْم الْفَاعِل من الْإِنْذَار ابْن الْوَلِيد الجارودي بِالْجِيم، قَالَ الرشاطي: الجارودي فِي عبد الْقَيْس نسب إِلَى الْجَارُود وَهُوَ بشر بن عَمْرو من الجرد، وَأَبُو قُتَيْبَة بِضَم الْقَاف مصغر قُتَيْبَة الرحل واسْمه سلم بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام ابْن قُتَيْبَة الشعيري بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الْعين الْمُهْملَة الْخُرَاسَانِي، سكن الْبَصْرَة مَاتَ بعد الْمِائَتَيْنِ أدْركهُ البُخَارِيّ بِالسِّنِّ وَمَات قبل أَن يلقاه، وَهُوَ غير سلم بن قُتَيْبَة الْبَاهِلِيّ ولد أَمِير خُرَاسَان قُتَيْبَة بن مُسلم وَقد ولي هُوَ إمرة الْبَصْرَة وَهُوَ أكبر من الشعيري وَمَات قبله بِأَكْثَرَ من خمسين سنة.
والْحَدِيث من أَفْرَاده، وَهُوَ حَدِيث غَرِيب
стр. 7042
مَا رَوَاهُ عَن مَالك إِلَّا أَبُو قُتَيْبَة، وَلَا عَنهُ إِلَّا الْمُنْذر.
قَوْله: (يُعْطي زَكَاة رَمَضَان) أَرَادَ بهَا: صَدَقَة الْفطر. قَوْله: (الْمَدّ الأول) صفة لَازِمَة لَهُ وَأَرَادَ نَافِع بذلك أَنه كَانَ لَا يُعْطي بِالْمدِّ الَّذِي أحدثه هِشَام بن الْحَارِث، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمَدّ الأول هُوَ مد النَّبِي ﷺ وَأما الثَّانِي فَهُوَ الْمَزِيد فِيهِ الْعمريّ. قَوْله: (فِي كَفَّارَة الْيَمين) أَي: يُعْطي فِي كَفَّارَة الْيَمين. قَوْله: (وَقَالَ لي ذَلِك) أَي: قَالَ أَبُو قُتَيْبَة: قَالَ لي مَالك بن أنس، وَهُوَ مَوْصُول بالسند الأول. قَوْله: (لَو جَاءَكُم أَمِير)
إِلَى آخِره، أرادبه مَالك إِلْزَام خَصمه بِأَنَّهُ لَا مرجع إلَاّ إِلَى مد النَّبِي ﷺ .
٤١٧٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسَفَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ إسْحاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبي طَلْحَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ: أنَّ رَسُول الله ﷺ قَالَ: (اللَّهُمَّ بارِكْ لَهُمْ فِي مِكيالِهِمْ وصاعِهِمْ ومُدِّهِمْ) . (انْظُر الحَدِيث ٠٣١٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى فِي الْبيُوع عَن القعْنبِي.
وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ كِلَاهُمَا فِي الْمَنَاسِك عَن قُتَيْبَة.
قَوْله: (لَهُم) أَي: لأهل الْمَدِينَة. قَوْله: (فِي مكيالهم) بِكَسْر الْمِيم وَهُوَ مَا يُكَال بِهِ. قيل: يحْتَمل أَن تخْتَص هَذِه الدعْوَة بِالْمدِّ الَّذِي كَانَ حينئذٍ حَتَّى لَا يدْخل الْمَدّ الْحَادِث بعده، وَيحْتَمل أَن تعم كل مكيال لأهل الْمَدِينَة إِلَى الْأَبَد. وَالظَّاهِر هُوَ الثَّانِي، وَلَكِن كَلَام مَالك الَّذِي سبق الْآن يُؤَيّد الأول وَعَلِيهِ الْعُمْدَة.
٦ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿أَو تَحْرِير رَقَبَة﴾ (الْمَائِدَة: ٩٨) وأيُّ الرِّقابِ أزْكَى)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله تَعَالَى: ﴿أَو تَحْرِير رَقَبَة﴾ ذكر هَذَا الْجُزْء من الْآيَة وَاقْتصر عَلَيْهِ اعْتِمَادًا على المستنبط، فَإِن تَحْرِير الرَّقَبَة على نَوْعَيْنِ: أَحدهمَا: فِي كَفَّارَة الْيَمين وَهِي مُطلقَة فِيهَا وَالْآخر: فِي كَفَّارَة الْقَتْل وَهِي مُقَيّدَة بِالْإِيمَان، وَمن هُنَا اخْتلف الْفُقَهَاء: (فَذهب) الْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق إِلَى أَن الْمُطلق يحمل على الْمُقَيد. (وَذهب) أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَأَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذر إِلَى جَوَاز تَحْرِير الْكَافِرَة، وَبَقِيَّة الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب فِي كتب الْأُصُول وَالْفُرُوع قَوْله: وَأي الرّقاب أزكى أَي: أفضل، وَالْأَفْضَل فِيهَا أَعْلَاهَا ثمنا وأنفسها عِنْد أَهلهَا، وَقد مر فِي أَوَائِل الْعتْق عَن أبي ذَر ﵁، وَفِيه: فَقلت: فَأَي الرّقاب أفضل؟ قَالَ: أغلاها ثمنا. وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن البُخَارِيّ جنح إِلَى قَول الْحَنَفِيَّة، لِأَن أفعل التَّفْضِيل يستدعى الِاشْتِرَاك فِي أصل التَّفْضِيل. فَإِن قلت: لم لَا يجوز أَن يكون مُرَاده من قَوْله: أزكى الْإِسْلَام، وَبِه أَشَارَ الْكرْمَانِي حَيْثُ قَالَ قَوْله: مسلمة، إِشَارَة إِلَى بَيَان أزكى الرّقاب، فَلَا تجوز الرَّقَبَة الْكَافِرَة.
قلت: حَدِيث أبي ذَر يحكم عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُطلق، وَقد فسر الْأَفْضَلِيَّة بغلاء الثّمن والنفاسة عِنْد أَهلهَا.
٥١٧٦ - حدّثنا مُحَمدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حدّثنا داوُدُ بنُ رُشَيْدٍ حَدثنَا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ عنْ أبي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بنِ مُطَرِّفٍ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ عَلِيِّ بنِ حُسَيْنٍ عنْ سَعِيدٍ بنِ مَرْجانَةَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَن النبيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ أعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً أعْتَقَ الله بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْواً مِنَ النّارِ، حتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ) . (انْظُر الحَدِيث ٧١٥٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي (رَقَبَة) وَمُحَمّد بن عبد الرَّحِيم هُوَ الْمَعْرُوف بصاعقة وَهُوَ من أَفْرَاده، وَدَاوُد بن رشيد مصغر الرشد بالراء والشين الْمُعْجَمَة وبالدال الْمُهْملَة الْبَغْدَادِيّ مَاتَ سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، والوليد بن مُسلم الْقرشِي الْأمَوِي الدِّمَشْقِي، وَأَبُو غَسَّان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة وبالنون كنية مُحَمَّد بن مطرف على صِيغَة اسْم الْفَاعِل من التطريف بِالطَّاءِ الْمُهْملَة، وَزيد بن أسلم مولى عمر بن الْخطاب أَبُو أُسَامَة الْعَدوي، وَعلي بن حُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. الْمَشْهُور بزين العابدين، وَسَعِيد بن مرْجَانَة بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وبالجيم وَالنُّون وَهِي اسْم أمه، وَأما أَبوهُ فَهُوَ عبد الله العامري.
وَفِي هَذَا السَّنَد ثَلَاثَة من التَّابِعين فِي نسق وَاحِد: زيد وَعلي وَسَعِيد، وَالثَّلَاثَة مدنيون.
والْحَدِيث قد مضى فِي أَوَائِل الْعتْق من وَجه آخر عَن سعيد بن مرْجَانَة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
وَقد أخرج مُسلم هَذَا الحَدِيث عَن دَاوُد بن رشيد شيخ شيخ
стр. 7043
البُخَارِيّ، وَبَينه وَبَين البُخَارِيّ مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم صَاعِقَة وَلَيْسَ لداود فِي كتاب البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد.
قَوْله: (حَتَّى فُرْجَة) بِالنّصب قَالَ الْكرْمَانِي وَلم يبين وَجهه، وَقَالَ بَعضهم: حَتَّى، هَهُنَا عاطفة لوُجُود شَرَائِط الْعَطف فِيهَا فَيكون فرجه بِالنّصب.
قلت: هُوَ أَيْضا مَا بَين شَرَائِط الْعَطف مَا هِيَ؟ فَأَقُول: حَتَّى، إِذا كَانَت عاطفة تكون كالواو وإلَاّ أَن بَينهمَا فرقا من ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَن الْمَعْطُوف بحتى لَهُ ثَلَاثَة شُرُوط: أَحدهَا: أَن يكون ظَاهرا لَا مضمراً. وَالثَّانِي: إِمَّا أَن يكون بَعْضًا من جمع قبلهَا كقدم الْحجَّاج حَتَّى المشاة، أَو جُزْءا من كل نَحْو: أكلت السَّمَكَة حَتَّى رَأسهَا، أَو كجزء نَحْو: أعجبتني الْجَارِيَة حَتَّى حَدِيثهَا. وَيمْتَنع أَن يُقَال: حَتَّى وَلَدهَا. وَالثَّالِث: أَن يكون غَايَة لما قبلهَا إِمَّا بِزِيَادَة أَو نقص. فَالْأول: نَحْو: مَاتَ النَّاس حَتَّى الْأَنْبِيَاء، وَالثَّانِي: نَحْو: زارك النَّاس حَتَّى الحجامون، والشروط الثَّلَاثَة مَوْجُودَة هُنَا أما الأول: فَهُوَ قَوْله: رَقَبَة، فَإِنَّهُ ظَاهر مَنْصُوب وَأما الثَّانِي: فَإِن الْفرج جُزْء مِمَّا قبله. وَأما الثَّالِث: فَإِن قَوْله: فُرْجَة، غَايَة لما قبلهَا بِزِيَادَة، وَاعْلَم أَن أهل الْكُوفَة يُنكرُونَ الْعَطف بحتى الْبَتَّةَ وَلَهُم فِي هَذَا دَلَائِل مَذْكُورَة فِي موضعهَا، وَوُقُوع الْعَطف بحتى عِنْد الْجُمْهُور أَيْضا قَلِيل. فَافْهَم. وَبَعض الشُّرَّاح ذكر هُنَا كلَاما لَا يشفي العليل وَلَا يروي الغليل.
٧ - (بابُ عِتْقِ المُدَبَّرِ وأُمِّ الوَلَدِ والمُكاتَبِ فِي الكَفَّارَةِ وعِتْقِ وَلَدِ الزِّنا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْمُدبر وَأم الْوَلَد ... إِلَى آخِره، وَلم يبين حكمه على عَادَته كَمَا ذكرنَا غير مرّة.
وَقَالَ طاوُوسٌ: يُجْزِيءُ المُدَبَّرُ وأمُّ الوَلَدِ
أَي: قَالَ طَاوُوس بن كيسَان الْخَولَانِيّ الْهَمدَانِي: يجوز عتق الْمُدبر وَأم المولد فِي الْكَفَّارَة، وروى هَذَا الْأَثر ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَاد فِيهِ لين، وَوَافَقَ طاووساً فِي الْمُدبر الْحسن وَإِبْرَاهِيم فِي أم الْوَلَد، وَخَالفهُ فِي الْمُدبر الزُّهْرِيّ وَالشعْبِيّ وَإِبْرَاهِيم.
وَاخْتلف الْفُقَهَاء فِي هَذَا الْبَاب فَقَالَ مَالك: لَا يجوز أَن يعْتق فِي الرّقاب الْوَاجِبَة مكَاتب وَلَا مُدبر وَلَا أم ولد وَلَا الْمُعَلق عُنُقه، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالْأَوْزَاعِيّ: إِن كَانَ الْمكَاتب أدّى شَيْئا من كِتَابَته فَلَا يجوز وإلَاّ جَازَ، وَبِه قَالَ اللَّيْث وَأحمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو ثَوْر: يجوز عتق الْمُدبر، وَأما عتق أم الْوَلَد فَلَا يجوز فِي الرّقاب الْوَاجِبَة عِنْد أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر، وَعَلِيهِ فُقَهَاء الْأَمْصَار، وَأما عتق ولد الزِّنَا فِي الرّقاب الْوَاجِبَة فَيجوز، رُوِيَ ذَلِك عَن عمر وَعلي وَعَائِشَة وَجَمَاعَة من الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَبِه قَالَ سعيد بن الْمسيب وَالْحسن وطاووس وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو عبيد، وَقَالَ عَطاء وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ: لَا يجوز عتقه. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا أَنه شَرّ الثَّلَاثَة.
قلت: رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة إِنْكَار ذَلِك، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَو كَانَ شَرّ الثَّلَاثَة (وانتظر الْحَاكِم) بِأُمِّهِ حَتَّى تضعه. وَقَالَت عَائِشَة: مَا عَلَيْهِ من ذَنْب أَبَوَيْهِ شَيْء. ثمَّ قَرَأت ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ (الْأَنْعَام: ٤٦١ وَغَيرهَا) .
٦١٧٦ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ أخبرنَا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ عَمْرو عنْ جابرٍ: أنَّ رَجُلاً مِنَ الأنْصارِ دَبَّرَ مَمْلُوكاً لهُ ولَمْ يَكُنْ لهُ مالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ النبيَّ ﷺ فَقَالَ: (مَنْ يَشْترِيه مِنِّي؟) فاشْتَراهُ نُعَيْمُ النحَّامِ بِثَمانِمائَةِ دِرْهَمٍ، فَسَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: عَبْداً قِبْطِيًّا مَاتَ عامَ أوَّلَ.
قَالَ الْكرْمَانِي كَيفَ دلّ الحَدِيث على التَّرْجَمَة؟ ثمَّ قَالَ: إِذا جَازَ بيع الْمُدبر جَازَ إِعْتَاقه، وقاس الْبَاقِي عَلَيْهِ. وَقَالَ بَعضهم: أَشَارَ بالترجمة إِلَى أَنه إِذا جَازَ بَيْعه جَازَ ماذكر مَعَه بطرِيق الأولى.
قلت: كَلَام الْكرْمَانِي لَهُ وَجه مَا لِأَنَّهُ قَالَ: إِذا جَازَ بيع الْمُدبر جَازَ إِعْتَاقه، وَقد علم أَنه مِمَّن يجوز بيع الْمُدبر. وَأما كَلَام هَذَا الْقَائِل فَلَا وَجه لَهُ أصلا لِأَنَّهُ قَالَ: أَشَارَ فِي التَّرْجَمَة إِلَى أَنه إِذا جَازَ بَيْعه. . إِلَى آخِره، فسبحان الله! فِي أَي مَوضِع أَشَارَ فِي التَّرْجَمَة أَنه أجَاز بَيْعه حَتَّى يَبْنِي عَلَيْهِ جَوَاز الْعتْق؟ على أَن كَلَام الْكرْمَانِي
стр. 7044
أَيْضا لَا يمشي إلَاّ بالتعسف.
وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي الْبَصْرِيّ يعرف بعارم، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْإِكْرَاه عَن أبي النُّعْمَان. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن أبي الرّبيع.
قَوْله: (أَن رجلا) هُوَ أَبُو مَذْكُور بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة. قَوْله: (دبر مَمْلُوكا لَهُ) اسْمه يَعْقُوب (فَاشْتَرَاهُ نعيم) النحام قَالَ الْكرْمَانِي: فِي بعض النّسخ: نعيم بن النحام، بِزِيَادَة الابْن وَالصَّوَاب عَدمه، ونعيم بِضَم النُّون وَفتح الْعين الْمُهْملَة مصغر النعم والنحام بِفَتْح النُّون وَتَشْديد الْحَاء الْمُهْملَة لقب بِهِ لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ: سَمِعت نحمة، نعيم، أَي: سعلته فِي الْجنَّة لَيْلَة الْإِسْرَاء. قَوْله: (عبدا قبطياً) بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة نِسْبَة إِلَى قبط، وهم أهل مصر. قَوْله: (عَام أول) بِفَتْح اللَّام على الْبناء وَهُوَ من قبيل إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى الصّفة. والبصريون يَقُولُونَ: إِنَّه مِمَّا يقدر فِيهِ الْمُضَاف نَحْو: عَام الزَّمن الأول.
(بابٌ إِذا أعْتَقَ عَبْداً بَيْنَهُ وبَيْنَ آخَرَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم شخص إِذا أعتق عبدا مُشْتَركا بَينه وَبَين آخر فِي الْكَفَّارَة، هَل يجوز أم لَا؟ وَلَكِن لم يذكر فِيهِ حَدِيثا قَالَ الْكرْمَانِي: قَالُوا: إِن البُخَارِيّ ترْجم الْأَبْوَاب بَين تَرْجَمَة وترجمة ليلحق الحَدِيث بهَا، فَلم يجد حَدِيثا بِشَرْطِهِ يُنَاسِبهَا، أَو لم يَفِ عمره بذلك. وَقيل: بل أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن مَا نقل فِيهِ من الْأَحَادِيث لَيست بِشَرْطِهِ، وَقَالَ بَعضهم: ثبتَتْ هَذِه التَّرْجَمَة للمستملي وَحده بِغَيْر حَدِيث، فَكَأَن المُصَنّف أَرَادَ أَن يكْتب حَدِيث الْبَاب الَّذِي بعده من وَجه آخر فَلم يتَّفق لَهُ، أَو تردد فِي الترجمتين فاقتصر الْأَكْثَر على التَّرْجَمَة الَّتِي تلِي هَذِه، وَكتب الْمُسْتَمْلِي الترجمتين احْتِيَاطًا. والْحَدِيث الَّذِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ صَالح لَهما بِضَرْب من التَّأْوِيل. انْتهى.
قلت: هَذَا الَّذِي ذكرَاهُ كُله تخمين وحسبان أما الْوَجْه الأول: مِمَّا قَالَه الْكرْمَانِي فَلَيْسَ بسديد لِأَن الظَّاهِر أَنه كَانَ لَا يكْتب تَرْجَمَة إلَاّ بعد وُقُوفه على حَدِيث يُنَاسِبهَا وَأما الْوَجْه الثَّانِي: فَكَذَلِك وَأما الْوَجْه الثَّالِث: فأبعد من الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلين لِأَن الْإِشَارَة تكون للحاضر، فَكيف يُطلق النَّاظر فِيهَا على أَن هَهُنَا أَحَادِيث لَيست بِشَرْطِهِ؟ وَأما الَّذِي قَالَ بَعضهم: إِن الْمُسْتَمْلِي كتب الترجمتين احْتِيَاطًا فَأَي احْتِيَاط فِيهِ؟ وَمَا وَجه هَذَا الِاحْتِيَاط؟ يَعْنِي: لَو ترك التَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ بِلَا حَدِيث لَكَانَ يرتكب إِثْمًا حَتَّى ذكره احْتِيَاطًا؟ وَأما قَوْله: والْحَدِيث الَّذِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ ... إِلَى آخِره، فَلَيْسَ بموجه أصلا وَلَا صَالح لما ذكره، لِأَن الْوَلَاء لمن أعتق فَالْعَبْد الَّذِي أعْتقهُ لَهُ وَوَلَاؤُهُ أَيْضا لَهُ، فَأَيْنَ الإشتراك بَين الْإِثْنَيْنِ فِي هَذَا غَايَة؟ مَا فِي الْبَاب إِذا أعتق عبدا بَينه وَبَين آخر عَن الْكَفَّارَة فَإِنَّهُ إِن كَانَ مُوسِرًا أَجزَأَهُ وَيضمن لشَرِيكه حِصَّته، وَإِن كَانَ مُعسرا لم يجزه، وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ وَأبي ثَوْر، وَعند أبي حنيفَة: لَا يجْزِيه عَن الْكَفَّارَة مُطلقًا، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: إِن هَذِه التَّرْجَمَة لَيْسَ لَهَا وضع من البُخَارِيّ، وَلِهَذَا لم تثبت عِنْد غير الْمُسْتَمْلِي من الروَاة، وَمَعَ هَذَا فِي ثُبُوتهَا عِنْده نظر وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
٦١٧٦ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ أخبرنَا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ عَمْرو عنْ جابرٍ: أنَّ رَجُلاً مِنَ الأنْصارِ دَبَّرَ مَمْلُوكاً لهُ ولَمْ يَكُنْ لهُ مالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ النبيَّ ﷺ فَقَالَ: (مَنْ يَشْترِيه مِنِّي؟) فاشْتَراهُ نُعَيْمُ النحَّامِ بِثَمانِمائَةِ دِرْهَمٍ، فَسَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: عَبْداً قِبْطِيًّا مَاتَ عامَ أوَّلَ.
قَالَ الْكرْمَانِي كَيفَ دلّ الحَدِيث على التَّرْجَمَة؟ ثمَّ قَالَ: إِذا جَازَ بيع الْمُدبر جَازَ إِعْتَاقه، وقاس الْبَاقِي عَلَيْهِ. وَقَالَ بَعضهم: أَشَارَ بالترجمة إِلَى أَنه إِذا جَازَ بَيْعه جَازَ ماذكر مَعَه بطرِيق الأولى.
قلت: كَلَام الْكرْمَانِي لَهُ وَجه مَا لِأَنَّهُ قَالَ: إِذا جَازَ بيع الْمُدبر جَازَ إِعْتَاقه، وَقد علم أَنه مِمَّن يجوز بيع الْمُدبر. وَأما كَلَام هَذَا الْقَائِل فَلَا وَجه لَهُ أصلا لِأَنَّهُ قَالَ: أَشَارَ فِي التَّرْجَمَة إِلَى أَنه إِذا جَازَ بَيْعه. . إِلَى آخِره، فسبحان الله! فِي أَي مَوضِع أَشَارَ فِي التَّرْجَمَة أَنه أجَاز بَيْعه حَتَّى يَبْنِي عَلَيْهِ جَوَاز الْعتْق؟ على أَن كَلَام الْكرْمَانِي أَيْضا لَا يمشي إلَاّ بالتعسف.
وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي الْبَصْرِيّ يعرف بعارم، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْإِكْرَاه عَن أبي النُّعْمَان. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن أبي الرّبيع.
قَوْله: (أَن رجلا) هُوَ أَبُو مَذْكُور بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة. قَوْله: (دبر مَمْلُوكا لَهُ) اسْمه يَعْقُوب (فَاشْتَرَاهُ نعيم) النحام قَالَ الْكرْمَانِي: فِي بعض النّسخ: نعيم بن النحام، بِزِيَادَة الابْن وَالصَّوَاب عَدمه، ونعيم بِضَم النُّون وَفتح الْعين الْمُهْملَة مصغر النعم والنحام بِفَتْح النُّون وَتَشْديد الْحَاء الْمُهْملَة لقب بِهِ لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ: سَمِعت نحمة، نعيم، أَي: سعلته فِي الْجنَّة لَيْلَة الْإِسْرَاء. قَوْله: (عبدا قبطياً) بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة نِسْبَة إِلَى قبط، وهم أهل مصر. قَوْله: (عَام أول) بِفَتْح اللَّام على الْبناء وَهُوَ من قبيل إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى الصّفة. والبصريون يَقُولُونَ: إِنَّه مِمَّا يقدر فِيهِ الْمُضَاف نَحْو: عَام الزَّمن الأول.
(بابٌ إِذا أعْتَقَ عَبْداً بَيْنَهُ وبَيْنَ آخَرَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم شخص إِذا أعتق عبدا مُشْتَركا بَينه وَبَين آخر فِي الْكَفَّارَة، هَل يجوز أم لَا؟ وَلَكِن لم يذكر فِيهِ حَدِيثا قَالَ الْكرْمَانِي: قَالُوا: إِن البُخَارِيّ ترْجم الْأَبْوَاب بَين تَرْجَمَة وترجمة ليلحق الحَدِيث بهَا، فَلم يجد حَدِيثا بِشَرْطِهِ يُنَاسِبهَا، أَو لم يَفِ عمره بذلك. وَقيل: بل أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن مَا نقل فِيهِ من الْأَحَادِيث لَيست بِشَرْطِهِ، وَقَالَ بَعضهم: ثبتَتْ هَذِه التَّرْجَمَة للمستملي وَحده بِغَيْر حَدِيث، فَكَأَن المُصَنّف أَرَادَ أَن يكْتب حَدِيث الْبَاب الَّذِي بعده من وَجه آخر فَلم يتَّفق لَهُ، أَو تردد فِي الترجمتين فاقتصر الْأَكْثَر على التَّرْجَمَة الَّتِي تلِي هَذِه، وَكتب الْمُسْتَمْلِي الترجمتين احْتِيَاطًا. والْحَدِيث الَّذِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ صَالح لَهما بِضَرْب من التَّأْوِيل. انْتهى.
قلت: هَذَا الَّذِي ذكرَاهُ كُله تخمين وحسبان أما الْوَجْه الأول: مِمَّا قَالَه الْكرْمَانِي فَلَيْسَ بسديد لِأَن الظَّاهِر أَنه كَانَ لَا يكْتب تَرْجَمَة إلَاّ بعد وُقُوفه على حَدِيث يُنَاسِبهَا وَأما الْوَجْه الثَّانِي: فَكَذَلِك وَأما الْوَجْه الثَّالِث: فأبعد من الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلين لِأَن الْإِشَارَة تكون للحاضر، فَكيف يُطلق النَّاظر فِيهَا على أَن هَهُنَا أَحَادِيث لَيست بِشَرْطِهِ؟ وَأما الَّذِي قَالَ بَعضهم: إِن الْمُسْتَمْلِي كتب الترجمتين احْتِيَاطًا فَأَي احْتِيَاط فِيهِ؟ وَمَا وَجه هَذَا الِاحْتِيَاط؟ يَعْنِي: لَو ترك التَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ بِلَا حَدِيث لَكَانَ يرتكب إِثْمًا حَتَّى ذكره احْتِيَاطًا؟ وَأما قَوْله: والْحَدِيث الَّذِي فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ ... إِلَى آخِره، فَلَيْسَ بموجه أصلا وَلَا صَالح لما ذكره، لِأَن الْوَلَاء لمن أعتق فَالْعَبْد الَّذِي أعْتقهُ لَهُ وَوَلَاؤُهُ أَيْضا لَهُ، فَأَيْنَ الإشتراك بَين الْإِثْنَيْنِ فِي هَذَا غَايَة؟ مَا فِي الْبَاب إِذا أعتق عبدا بَينه وَبَين آخر عَن الْكَفَّارَة فَإِنَّهُ إِن كَانَ مُوسِرًا أَجزَأَهُ وَيضمن لشَرِيكه حِصَّته، وَإِن كَانَ مُعسرا لم يجزه، وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ وَأبي ثَوْر، وَعند أبي حنيفَة: لَا يجْزِيه عَن الْكَفَّارَة مُطلقًا، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: إِن هَذِه التَّرْجَمَة لَيْسَ لَهَا وضع من البُخَارِيّ، وَلِهَذَا لم تثبت عِنْد غير الْمُسْتَمْلِي من الروَاة، وَمَعَ هَذَا فِي ثُبُوتهَا عِنْده نظر وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
٨ - (بابٌ إِذا أعْتَقَ فِي الكَفَّارَةِ لِمَنْ يَكُونُ وَلاؤُهُ ؟)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ إِذا أعتق شخص فِي الْكَفَّارَة لمن يكون وَلَاؤُه؟ أَي: وَلَاء الْعتْق، وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف تَقْدِيره: يَصح عِنْد الْبَعْض فِي صُورَة وَلَا يَصح فِي صُورَة. صورته مَا ذَكرْنَاهُ الْآن، وَهِي عبد مُشْتَرك بَين اثْنَيْنِ فَأعتق أَحدهمَا عَن الْكَفَّارَة فَإِن كَانَ مُوسِرًا يَصح وَيضمن لشَرِيكه حِصَّته وَوَلَاؤُهُ لَهُ، وَإِن كَانَ مُعسرا فَلَا يَصح، وَهنا صُورَة أُخْرَى وَهِي أَن تَقول لرجل: أعتق عَبدك عني لأجل كَفَّارَة عَليّ، فَأعتق عَنهُ أَجزَأَهُ، وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر: وَإِن أعْتقهُ عَنهُ بأَمْره على غير شَيْء فَفِي قَول الشَّافِعِي: يجزىء وَيكون وَلَاؤُه للْمُعْتق عَنهُ، وَقَالَ أَبُو ثَوْر: يجزىء ذَلِك وَوَلَاؤُهُ للَّذي أعْتقهُ، وَعند أبي حنيفَة: الْوَلَاء للْمُعْتق وَلَا يجزىء ذَلِك.
٧١٧٦ - حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ حدّثنا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ عنْ إبْراهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ أنَّها أرادَتْ أنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ فاشْتَرَطُوا عَليْها الوَلاءَ، فَذَكَرَتْ ذالِكَ للنبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 7045
فَقَالَ: (اشْتَرِيها، إِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إِنِّي وَالله إِن شَاءَ الله) قيل: إِن قَوْله: إِن شَاءَ الله، لم يَقع فِي أَكثر الطّرق لحَدِيث أبي مُوسَى، وَلَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ ثَابت فِي الْأُصُول، وَأَرَادَ البُخَارِيّ بإيراده بَيَان صفة الِاسْتِثْنَاء بِالْمَشِيئَةِ. وَعَن أبي مُوسَى الْمَدِينِيّ إِنَّمَا قَالَ النَّبِي ﷺ ذَلِك للتبرك لَا للاستثناء، وَهُوَ خلاف الظَّاهِر.
وَحَمَّاد فِي السَّنَد هُوَ ابْن زيد لِأَن قُتَيْبَة لم يدْرك حَمَّاد بن سَلمَة، وغيلان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن جرير بِفَتْح الْجِيم، وَأَبُو بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء اسْمه عَامر، وَقيل: الْحَارِث، يروي عَن أَبِيه أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي النّذر عَن أبي النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (استحمله) أَي: أطلق مِنْهُ مَا يحملنا وأثقالنا. قَوْله: (فَأتي بِإِبِل) كَذَا فِي رِوَايَة
стр. 7046
الْأَكْثَرين، وَوَقع فِي رِوَايَة الأصليي وَأبي ذَر عَن السَّرخسِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: بشائل، بالشين الْمُعْجَمَة والهمزة بعد الْألف، أَي: قطيع من الْإِبِل، وَقَالَ الْخطابِيّ: جَاءَ بِلَفْظ الْوَاحِد وَالْمرَاد بِهِ الْجمع كالسامر، يُقَال: نَاقَة شائل إِذا قل لَبنهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَات: شوائل، وَقَالَ ابْن بطال: فِي رِوَايَة أبي ذَر: بشائل، مَكَان قَوْله: بِإِبِل، وَأَظنهُ بشوائل إِن صحت الرِّوَايَة، وبخط الدمياطي: الشائل بِلَا هَاء النَّاقة الَّتِي تشول بذنبها للقاح وَلَا لبن لَهَا أصلا وَالْجمع شول، مثل رَاكِع وَركع، والشائلة بِالتَّاءِ، هِيَ الَّتِي جف لَبنهَا وارتفع ضرْعهَا وأتى عَلَيْهَا من نتاجها سَبْعَة أشهر أَو ثَمَانِيَة. قَوْله: (بِثَلَاثَة ذود) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر بِثَلَاث ذود، وَهُوَ الصَّوَاب لِأَن الذود مؤنث، والذود بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو وبالدال الْمُهْملَة من الثَّلَاث إِلَى الْعشْرَة، وَقيل: إِلَى السَّبع، وَقيل: من الِاثْنَيْنِ إِلَى التسع من النوق وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَالْكثير أذواد، وَالْأَكْثَر على أَنه خَاص بالإناث، وَقد يُطلق على الذُّكُور. فَإِن قلت: مضى فِي الْمَغَازِي بِلَفْظ: خمس ذود.
قلت: الْجمع بَينهمَا بِأَنَّهُ يحمل على أَنه أَمر لَهُم أَولا بِثَلَاثَة ثمَّ زادهم اثْنَيْنِ. قَوْله: (فحملنا) بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام. قَوْله: (إِنِّي وَالله إِن شَاءَ الله) هَذَا مَوضِع الِاسْتِثْنَاء فِيهِ. قَوْله: (إلَاّ كفرت عَن يَمِيني وأتيت الَّذِي هُوَ خير وكفرت) كَذَا وَقع لفظ: كفرت، مكرراً فِي رِوَايَة السَّرخسِيّ، وَبَقِيَّة الْكَلَام مَضَت فِي النّذر.
٩١٧٦ - حدّثنا أبُو النُعْمان حدّثنا حَمَّادٌ وَقَالَ: (إلاّ كَفَّرْتُ عنْ يَمِيني وأتَيْتُ الّذِي هُوَ خَيْرٌ، أوْ أتيْتُ الّذِي هُوَ خَيْرٌ وكَفَّرْتُ) .
أَبُو النُّعْمَان هُوَ مُحَمَّد بن الْفضل، وَحَمَّاد هُوَ ابْن زيد، وَأَرَادَ بِذكر طَرِيق أبي النُّعْمَان هَذَا بَيَان التَّخْيِير بَين تَقْدِيم الْكَفَّارَة على الْحِنْث وتأخيرها عَنهُ. وَفِيه الْخلاف، وَقد ذَكرْنَاهُ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَو هُوَ شكّ من الرَّاوِي.
قلت: كَذَا أخرجه أَبُو دَاوُد عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد بالترديد أَيْضا.
٠٢٧٦ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدّثنا سُفْيانُ عَنْ هِشام بنِ حُجَيْرٍ عنْ طاوُوس سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ سُلَيْمانُ: لأطُوفنَّ اللَّيْلَةَ عَل تِسْعِينَ امْرأةً كُلٌّ تَلِدُ غُلاماً يُقاتِلُ فِي سَبيلِ الله، فَقَالَ لَهُ صاحِبُهُ، قَالَ سُفْيانُ: يَعْنِي المَلَكَ: قُلْ إنْ شاءَ الله! فَنَسِي فَطافَ بِهِنَّ فَلَمْ تَأْتِ امْرأة منْهُنَّ بِوَلَدٍ إلاّ واحِدَةٌ بِشقِّ غلامٍ، فَقَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ يَرْوِيهِ، قَالَ: لَوْ قَالَ: إنْ شاءَ الله لَمْ يَحْنَثْ، وكانَ دَرَكاً فِي حاجَتِهِ. وَقَالَ مَرة: قَالَ رسولُ الله ﷺ : لَوْ اسْتَثْنَى.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَو اسْتثْنى) أَي: لَو قَالَ: إِن شَاءَ الله.
وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَهِشَام بن حُجَيْر بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْجِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء الْمَكِّيّ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لم يتَقَدَّم ذكره يَعْنِي فِيمَا مضى.
والْحَدِيث مضى بِغَيْر هَذَا الطَّرِيق فِي الْجِهَاد فِي: بَاب من طلب الْوَلَد للْجِهَاد فَإِنَّهُ قَالَ هُنَاكَ. وَقَالَ اللَّيْث: حَدثنِي جَعْفَر بن ربيعَة عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: قَالَ سُلَيْمَان بن دَاوُد، ﵉: لأطوفن اللَّيْلَة على مائَة امْرَأَة أَو تسع وَتِسْعين ... الحَدِيث.
قَوْله: (لأطوفن) اللَّام جَوَاب الْقسم كَأَنَّهُ قَالَ مثلا؛ وَالله لأطوفن، وَالنُّون فِيهِ للتَّأْكِيد، يُقَال طَاف بِهِ يَعْنِي ألم بِهِ وقاربه. قَوْله: (اللَّيْلَة) نصب على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (على تسعين امْرَأَة) وَقَالَ الْكرْمَانِي: قيل: لَيْسَ فِي حَدِيث الصَّحِيح أَكثر اخْتِلَافا فِي الْعدَد من حَدِيث سُلَيْمَان ﵇، فِيهِ: مائَة وَتِسْعَة وَتسْعُونَ وَسِتُّونَ، وَلَا مُنَافَاة إِذْ لَا اعْتِبَار لمَفْهُوم الْعدَد. قَوْله: (كل تَلد) أَي: كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ تَلد غُلَاما. قَوْله: (بشق غُلَام) بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْقَاف أَي: نصف غُلَام، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْحِنْث مَعْصِيّة، كَيفَ يجوز على سُلَيْمَان ﵇؟ ثمَّ قَالَ: لم يكن بِاخْتِيَارِهِ، أَو هُوَ صَغِيرَة مَعْفُو عَنْهَا.
قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى، لِأَنَّهُ حمل الْحِنْث على مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ وَلَيْسَ كَذَلِك، بل مَعْنَاهُ هُنَا عدم وُقُوع مَا أَرَادَ، وَفِيه نِسْبَة وُقُوع الصَّغِيرَة من النَّبِي ﷺ ، وَفِيه مَا فِيهِ، وَأول الحَدِيث مَوْقُوف
стр. 7047
على أبي هُرَيْرَة، وَلكنه رَفعه بقوله: يرويهِ، قَالَ: لَو قَالَ: إِن شَاءَ الله، لم يَحْنَث لِأَن قَوْله: يرويهِ، كِنَايَة عَن رفع الحَدِيث، وَهُوَ كَمَا لَو قَالَ مثلا: قَالَ رَسُول الله ﷺ ، وَقد وَقع فِي رِوَايَة الْحميدِي التَّصْرِيح بذلك، وَلَفظه: قَالَ رَسُول الله ﷺ ... وَكَذَا أخرجه مُسلم عَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان.
قَوْله: (لم يَحْنَث) بالثاء الْمُثَلَّثَة المُرَاد بِعَدَمِ الْحِنْث عدم وُقُوع ماأراد، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروي: لم يخب، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة من الخيبة وَهِي الحرمان. قَوْله: (وَكَانَ دركاً) بِفَتْح الرَّاء وسكونها. أَي: إدراكاً أَو لحَاقًا أَو بُلُوغ أمل فِي حَاجته. قَوْله: (وَقَالَ مرّة) أَي: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ رَسُول الله ﷺ : لَو اسْتثْنى مَعْنَاهُ أَيْضا، لَو قَالَ: إِن شَاءَ الله، وَلَكِن قَالَ مرّة: لَو قَالَ: إِن شَاءَ الله، وَمرَّة أُخْرَى قَالَ: لَو اسْتثْنى، فاللفظ مُخْتَلف وَالْمعْنَى وَاحِد. وَجَوَاب: لَو، مَحْذُوف أَي: لَو اسْتثْنى لم يَحْنَث، وَقَالَ ابْن التِّين: لَيْسَ الِاسْتِثْنَاء فِي قصَّة سُلَيْمَان ﵇، الَّذِي يرفع حكم الْيَمين وَيحل عقده، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنى الْإِقْرَار لله بِالْمَشِيئَةِ وَالتَّسْلِيم لحكمه، فَهُوَ نَحْو قَوْله: ﴿وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ (الْكَهْف: ٣٢) وَإِنَّمَا يرفع حكم الْيَمين إِذا نوى بِهِ الِاسْتِثْنَاء فِي الْيَمين.
وحدّثنا أبُو الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ مِثْلَ حَدِيثٍ أبي هُرَيْرَةَ
الْقَائِل بقوله: وَحدثنَا، هُوَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَقد أفْصح بِهِ مُسلم فِي رِوَايَته، وَهُوَ مَوْصُول بالسند الأول. وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج هُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز. قَوْله: (مثل حَدِيث أبي هُرَيْرَة) أَي: مثل الَّذِي سَاقه من طَرِيق طَاوُوس عَن أبي هُرَيْرَة، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن لِسُفْيَان فِيهِ سندان إِلَى أبي هُرَيْرَة: هِشَام عَن طَاوس، وَأَبُو الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج.
٠١ - (بابُ الكَفَّارَة قَبْلَ الحِنْثِ وبَعْدَهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز الْكَفَّارَة قبل الْحِنْث وَبعده وَاخْتلف الْعلمَاء فِي جَوَاز الْكَفَّارَة قبل الْحِنْث، فَقَالَ ربيعَة وَمَالك وَالثَّوْري وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ: تجزىء قبل الْحِنْث، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر، وَرُوِيَ مثله عَن ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَابْن عمر، وَقَالَ الشَّافِعِي: يجوز تَقْدِيم الرَّقَبَة وَالْكِسْوَة وَالطَّعَام قبل الْحِنْث، وَلَا يجوز تَقْدِيم الصَّوْم. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: لَا تجزىء الْكَفَّارَة قبل الْحِنْث. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح: لَا سلف لأبي حنيفَة فِيهِ، وَاحْتج لَهُ الطَّحَاوِيّ بقوله تَعَالَى: ﴿ذَلِك كَفَّارَة أَيْمَانكُم إِذا حلفتم﴾ (الْمَائِدَة: ٩٨) وَالْمرَاد إِذا حلفتم وحنثتم.
قلت: أَبُو حنيفَة مَا انْفَرد بِهَذَا، وَقَالَ بِهِ أَيْضا أَشهب من الْمَالِكِيَّة، وَدَاوُد الظَّاهِرِيّ وَصَاحب (التَّوْضِيح) : مَا يَقُول فِيمَا ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي وَهُوَ أَن الْكَفَّارَة اسْم لجَمِيع أَنْوَاعهَا فَبعد الْحِنْث حمل اللَّفْظ على جَمِيعهَا، وَقبل الْحِنْث خصص اللَّفْظ بِبَعْضِهَا، فَترك الظَّاهِر من ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا تَسْمِيَتهَا كَفَّارَة وَلَيْسَ هُنَاكَ مَا يكفر. وَالثَّانِي: صرف الْأَمر عَن الْوُجُوب إِلَى الْجَوَاز. وَالثَّالِث: تَخْصِيص الْكَفَّارَة بِبَعْض الْأَنْوَاع.
١٢٧٦ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ حُجْرٍ حدّثنا إسْماعِيلُ بنُ إبْراهِيمَ عنْ أيُّوبَ عنِ القاسِمِ التَّمِيمِيِّ عنْ زَهْدَمٍ الجَرْمِيِّ قَالَ: كنَّا عِنْدَ أبي مُوسى وَكَانَ بَيْننا وبَيْنَ هاذا الحَيِّ مِنْ جَرْمٍ إخَاءٌ ومَعْرُوفٌ، وَقَالَ: فَقُدِّمَ طَعَام، قَالَ: وقُدِّمَ فِي طَعامِهِ لَحْمُ دَجاجٍ، قَالَ: وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ الله أحْمَرُ كأنَّهُ مَوْلًى، قَالَ: فَلَمْ يَدْنُ، فَقَالَ لهُ أبُو مُوسى: ادْنُ فإنِّي قَدْ رَأيْتُ رسولَ الله ﷺ يأكُلُ مِنْهُ، قَالَ: إنِّي رَأيْتُهُ يَأْكلُ شَيْئاً قَذِرَتُهُ فَحَلَفْتُ أنْ لَا أطْعَمَهُ أبدا، فَقَالَ: أدْنُ أُخْبِرْكَ عنْ ذالِكَ: أتَيْنا رسولَ الله ﷺ فِي رَهْطٍ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ أسْتَحْملُهُ وهْوَ يَقْسِمُ نَعَماً مِنْ نَعَمِ الصَّدَقةِ قَالَ أيُّوبُ أحْسِبُهُ قَالَ: وهْوَ غَضْباُ قَالَ: (وَالله لَا أحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي
стр. 7048
مَا أحْمِلُكُمْ) قَالَ: فانَطَلْقَنا، فأُتِيَ رسولُ الله ﷺ بِنَهْبٍ إبِلٍ، فَقِيلَ: أيْنَ هاؤلاءِ الأشْعَرِيُّونَ؟ أيْنَ هاؤُلاءِ الأشْعَرِيُّونَ؟ فأتَينا فأمَرَ لَنا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرى، قَالَ: فانْدَفَعْنا، فَقُلْتُ لأصْحابي: أتَيْنا رسولَ الله ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أنْ لَا يَحْمِلَنا، ثُمَّ أرْسَلَ إلَيْنا فَحَمَلَنا، نَسِيَ رسُولُ الله ﷺ يَمِينَهُ، وَالله لَئِنْ تَغَفَّلْنا رسولَ الله ﷺ يَمِينَهُ لَا نُفْلِحُ أبَداً، ارْجِعُوا بِنا إِلَى رسولِ الله ﷺ فَلْنُذَكَرْهُ يَمِينَهُ، فَرَجَعْنا فَقُلْنا: يَا رسولَ الله ﴿أتَيْناكَ نَسْتَحْمِلُكَ فَحَلَفَتَ أنْ لَا تَحْمِلَنا، ثُمَّ حَمَلْتَنا فَظَنَنَّا أوْ فعَرَفْنا أنّكَ نَسِيتَ يَمِينَك. قَالَ: (انْطِلقوا﴾ فإنَّما حَمَلَكُمُ الله! إنِّي وَالله إنْ شاءَ الله لَا أحْلِفُ عَلى يَمِينِ فأرَى غَيْرَها خَيْراً مِنْها إلاّ أتَيْتَ الّذِي هُوَ خَيْرٌ وتَحَلّلْتُها) .
هَذَا الحَدِيث لَا يدل إلَاّ على أَن الْكَفَّارَة بعد الْحِنْث، فحينئذٍ لَا تكون الْمُطَابقَة بَينه وَبَين التَّرْجَمَة إلَاّ فِي قَوْله: (وَبعده) أَي: وَبعد الْحِنْث، وَكَذَلِكَ الحَدِيث الآخر الَّذِي يَأْتِي فِي هَذَا الْبَاب لَا يدل إلَاّ على أَن الْكَفَّارَة بعد الْحِنْث، وَلم يذكر شَيْئا فِي هَذَا الْبَاب يدل على أَن الْكَفَّارَة قبل الْحِنْث أَيْضا، فَكَأَنَّهُ اكْتفى بِمَا ذكره قبل هَذَا الْبَاب عَن أبي النُّعْمَان عَن حَمَّاد.
وَهَذَا الحَدِيث قد مر فِي مَوَاضِع كَثِيرَة فِي فرض الْخمس عَن عبد الله بن عبد الْوَهَّاب وَفِي الْمَغَازِي عَن أبي نعيم وَفِي الذَّبَائِح عَن أبي معمر وَعَن يحيى عَن وَكِيع وَفِي النذور عَن أبي معمر وَعَن قُتَيْبَة، وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد عَن عبد الله بن عبد الْوَهَّاب، وَمضى أَكثر الْكَلَام فِي شَرحه فِي: بَاب لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ.
وَعلي بن حجر بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم وبالراء السَّعْدِيّ مَاتَ سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن علية اسْم أمه، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَالقَاسِم بن عَاصِم التَّمِيمِي، وزهدم بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْهَاء وَفتح الدَّال الْمُهْملَة الْجرْمِي بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الرَّاء، وَأَبُو مُوسَى هُوَ عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ.
قَوْله: (وَكَانَ بَيْننَا وَبَين هَذَا الْحَيّ) إِلَى قَوْله: (أَتَيْنَا رَسُول الله ﷺ من كَلَام زَهْدَم مَعَ تخَلّل بعض القَوْل عَن أبي مُوسَى رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لَا يخفى على النَّاظر المتأمل ذَلِك، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وَكَانَ بَيْننَا وَبينهمْ هَذَا الْحَيّ. . قَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَن يُقَال: بَينه، يَعْنِي: أَبَا مُوسَى، كَمَا تقدم: فِي: بَاب لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ، حَيْثُ قَالَ: كَانَ بَين هَذَا الْحَيّ من جرم وَبَين الْأَشْعَرِيين ... ثمَّ قَالَ: لَعَلَّه جعل نَفسه من أَتبَاع أبي مُوسَى كواحد من الأشاعرة؟ وَأَرَادَ بقوله: بَيْننَا، أَبَا مُوسَى وَأَتْبَاعه الْحَقِيقَة والأدعائية. قَوْله: (إخاء) بِكَسْر الْهمزَة وبالخاء الْمُعْجَمَة وبالمد أَي: صداقة. قَوْله: (ومعروف) أَي: إِحْسَان وبر. قَوْله: (فَقدم طَعَام) هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: فَقدم طَعَامه، أَي: وضع بَين يَدَيْهِ. قَوْله: (رجل من بني تيم الله) هواسم قَبيلَة يُقَال لَهُم أَيْضا تيم اللات، وهم من قصاعة. قَوْله: (أَحْمَر) صفة رجل أَي: لم يكن من الْعَرَب الخلص. قَوْله: (كَأَنَّهُ مولى) قد تقدم فِي فرض الْخمس: كَأَنَّهُ من الموَالِي. قَوْله: (فَلم يدن) أَي: فَلم يقرب إِلَى الطَّعَام. قَوْله: (أدن) ، بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الدَّال أَمر من دنا يدنو. قَوْله: (قذرته) بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة وَفتحهَا أَي: كرهته لِأَنَّهُ كَانَ من الْجَلالَة. قَوْله: (أخْبرك) مجزوم لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر. قَوْله: (عَن ذَلِك) أَي: عَن الطَّرِيق فِي حل الْيَمين. قَوْله: (استحمله) أَي: أطلب مِنْهُ مَا نركبه. قَوْله: (نعما) بِفَتْح النُّون وَالْعين الْمُهْملَة. قَوْله: (قَالَ أَيُّوب) هُوَ السّخْتِيَانِيّ أحد الروَاة. قَوْله: (وَالله لَا أحملكم) قَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِيهِ جَوَاز الْيَمين عِنْد الْمَنْع ورد السَّائِل الْمُلْحِف. قَوْله: (بِنَهْب) بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْهَاء بعْدهَا بَاء مُوَحدَة، وَأَرَادَ بِهِ الْغَنِيمَة. قَوْله: (بِخمْس ذود) قد مر تَفْسِيره عَن قريب وَقد مر فِي الْمَغَازِي: بِسِتَّة أَبْعِرَة، وَلَا مُنَافَاة إِذْ ذكر الْقَلِيل لَا يَنْفِي الْكثير. قَوْله: (غر الذرى) أَي: بيض الأسنمة، والغر بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء جمع أغر. أَي: أَبيض، والذرى بِضَم الذَّال الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء المخففة جمع ذرْوَة، وذروة الشَّيْء أَعْلَاهُ. وَأَرَادَ بهَا السنام. قَوْله: (فاندفعنا) أَي: سرنا مُسْرِعين، وَالدَّفْع السّير بِسُرْعَة. قَوْله: (وَالله لَئِن تغفلنا) أَي: لَئِن طلبنا غفلته فِي يَمِينه
стр. 7049
من غير أَن نذكرهُ (لَا نفلح أبدا) وَفِي رِوَايَة عبد الْوَهَّاب وَعبد السَّلَام: فَلَمَّا قبضناها قُلْنَا: تغفلنا رَسُول الله ﷺ ، لَا نفلح أبدا، وَفِي رِوَايَة حَمَّاد: فَلَمَّا انطلقنا قُلْنَا: مَا صنعنَا؟ لَا يُبَارك لنا. وَلم يذكر النسْيَان. وَفِي رِوَايَة غيلَان: لَا يُبَارك الله لنا، وخلت رِوَايَة يزِيد عَن هَذِه الزِّيَادَة كَمَا خلت عَمَّا بعْدهَا إِلَى آخر الحَدِيث. قَوْله: (فلنذكره) من الإذكار أَو من التَّذْكِير، أَي: فلنذكر رَسُول الله ﷺ يَمِينه. قَوْله: (أَو فَعرفنَا) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (أَحْلف على يَمِين) أَي: محلوف يَمِين، فَأطلق عَلَيْهِ لفظ يَمِين للملابسة. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: أطلق الْيَمين فَقَالَ: أَحْلف أَي: أعقد شَيْئا بالعزم وَالنِّيَّة. وَقَوله: (على يَمِين) تَأْكِيد لعقده وإعلام بِأَنَّهُ لَيْسَ لَغوا. قَوْله: (غَيرهَا) يرجع الضَّمِير للْيَمِين الْمَقْصُود مِنْهَا الْمَحْلُوف عَلَيْهِ مثل الْخصْلَة المفعولة أَو المتروكة، إِذْ لَا معنى لإِطْلَاق إلَاّ أَحْلف على الْحلف. قَوْله: (وتحللتها) أَي: كفرتها.
وَفِيه: حجَّة للحنفية، قَالَ الْكرْمَانِي: الْحِنْث مَعْصِيّة، ثمَّ قَالَ: لَا خلاف فِي أَنه إِذا أَتَى بِمَا هُوَ خير من الْمَحْلُوف عَلَيْهِ لَا يكون مَعْصِيّة.
تابَعَهُ حَمادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أيُّوبَ عنْ أبي قِلَابَةَ والقاسِمِ بنِ عاصِمٍ الْكُلَيْبِيِّ
أَي: تَابع إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الَّذِي يُقَال لَهُ ابْن علية حَمَّاد بن زيد، وَهُوَ مَرْفُوع بالفاعلية فِي رِوَايَته، عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن أبي قلَابَة بِكَسْر الْقَاف عبد الله بن زيد الْجرْمِي، وَالقَاسِم بن عَاصِم، وَالقَاسِم مجرور لِأَنَّهُ عطف على أبي قلَابَة، يَعْنِي أَن أَيُّوب روى عَنْهُمَا جَمِيعًا، والكلبي بِضَم الْكَاف وَفتح اللَّام وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالباء الْمُوَحدَة: نِسْبَة إِلَى كُلَيْب بن حبشية فِي خُزَاعَة، وَإِلَى كُلَيْب بن وَائِل فِي تغلب، وَإِلَى كُلَيْب بن يَرْبُوع فِي تَمِيم، وَإِلَى كُلَيْب بن ربيعَة فِي نخع، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا يحْتَمل التَّعْلِيق، وَقَالَ بَعضهم: كَلَامه هَذَا يسْتَلْزم عدم التَّعْلِيق، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ فِي حكم التَّعْلِيق.
قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا الْكَلَام، بل هَذِه مُتَابعَة وَقعت فِي الرِّوَايَة عَن الْقَاسِم، وَلَكِن حماداً ضم إِلَيْهِ أَبَا قلَابَة.
حدّثنا قُتَيْبَةَ حَدثنَا عَبْدُ الوَهَّابِ عنْ أيُّوبَ عنْ أبي قِلَابَةَ، والقاسِمِ التَّمِيميِّ عنْ زَهْدَمِ بِهَذا.
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. أخرجه عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن عبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ ... الخ، وَقد مر هَذَا فِي: بَاب لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ، وَسَيَجِيءُ أَيْضا فِي كتاب التَّوْحِيد عَن عبد الله بن عبد الْوَهَّاب. قَوْله: (بِهَذَا) أَي: بِجَمِيعِ الحَدِيث.
حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ حدّثنا عَبْدُ الوَارِثِ حَدثنَا أيُّوبُ عنِ القاسِمِ عنْ زَهْدَمٍ بِهَذَا.
هَذَا طَرِيق آخر أخرجه عَن أبي معمر، بِفَتْح الميمين عبد الله بن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج التَّمِيمِي المقعد الْبَصْرِيّ عَن عبد الْوَارِث بن سعيد رِوَايَته عَن أَيُّوب إِلَى آخِره ... وَقد مضى هَذَا فِي كتاب الذَّبَائِح، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لم قَالَ أَولا تَابعه، وَثَانِيا وثالثاً: حَدثنَا؟ ثمَّ أجَاب بِأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَن الْأَخيرينِ حَدَّثَاهُ بالاستقلال وَالْأول مَعَ غَيره بِأَن قَالَ هُوَ كَذَلِك أَو صَدَقَة أَو نَحوه قلت قَالَ بَعضهم لم يظْهر لي معنى قَوْله مَعَ غَيره قلت مَعْنَاهُ أَنه سمع غَيره يذكر هَذَا الحَدِيث، وَصدقه هُوَ، أَو قَالَ هُوَ كَذَلِك بِخِلَاف قَوْله: حَدثنَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِأَنَّهُ سَمعه فيهمَا اسْتِقْلَالا بِنَفسِهِ، وَفِي نفس الْأَمر هَذَا كُله كَلَام حَشْو لِأَن الأول مُتَابعَة ظَاهرا والأخيرين تحديثه: إيَّاهُمَا ظَاهرا.
٢٢٧٦ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله حدّثنا عُثْمانُ بنُ عُمَرَ بنِ فارِسٍ أخبرنَا ابنُ عَوْنٍ عنِ الحَسَنِ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : (لَا تَسْألِ الإمارَةَ فَإِن إنْ أُعْطِيتَها عَنْ غَيْرِ مَسألَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْها، وإنْ أعْطِيتَها عنْ مَسألَة وُكِلْتَ إلَيْها، وإذَا حَلَفْتَ عَلى يَمِينٍ فَرَأيْتُ غَيْرها خَيْراً مِنْها فأْت الّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ) .
قد ذكرنَا على رَأس الحَدِيث السَّابِق أَن هَذَا أَيْضا يُطَابق من التَّرْجَمَة قَوْله: (أَو بعده) أَي: بعد الْحِنْث.
وَمُحَمّد بن عبد الله
стр. 7050
هُوَ مُحَمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خَالِد بن فَارس بن ذُؤَيْب الذهلي النَّيْسَابُورِي الْحَافِظ الْمَشْهُور، وَقَالَ صَاحب كتاب (رجال الصَّحِيحَيْنِ) : روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي قريب من ثَلَاثِينَ موضعا وَلم يقل: حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى الذهلي مُصَرحًا بل يَقُول: حَدثنَا مُحَمَّد تَارَة وَلَا يزدْ عَلَيْهِ، وَتارَة يَقُول: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله، فينسبه إِلَى جده، وَتارَة يَقُول: حَدثنَا مُحَمَّد بن خَالِد فينسبه إِلَى جد أَبِيه، وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَن البُخَارِيّ لما دخل نيسابور، شغب عَلَيْهِ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي فِي مَسْأَلَة خلق اللَّفْظ وَكَانَ قد سمع مِنْهُ وَلم يتْرك الرِّوَايَة عَنهُ وَلم يُصَرح باسمه. وَمَات مُحَمَّد بن يحيى بعد البُخَارِيّ بِيَسِير، تَقْدِيره نَحْو سنة سبع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، وَعُثْمَان بن عمر بن فَارس الْبَصْرِيّ مر فِي الْغسْل يروي عَن عبد الله بن عون عَن الْحسن الْبَصْرِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة الْقرشِي سكن الْبَصْرَة وَمَات بِالْكُوفَةِ سنة خمسين.
والْحَدِيث مضى فِي أول كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (الْإِمَارَة) ، بِكَسْر الْهمزَة أَي: الْأَمر قَوْله: (إِن أعطيتهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ على صِيغَة الْمَجْهُول وَكَذَلِكَ قَوْله (أعنت) (ووكلت) وَهُوَ بتَخْفِيف الْكَاف وَمَعْنَاهُ: وكلت إِلَى نَفسك وعجزت. قَوْله: (فَرَأَيْت) من الرَّأْي لَا من الرُّؤْيَة بالبصر. قَوْله: (غَيرهَا) قد ذكرنَا عَن قريب أَن مرجع الضَّمِير للْيَمِين وَلكنه بالتأويل وَهُوَ بِاعْتِبَار الْخصْلَة الْمَوْجُودَة فِيهِ. قَوْله: (وَكفر عَن يَمِينك) هَكَذَا بِالْوَاو وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، ويروى: فيكفر، بِالْفَاءِ.
تابَعَهُ أشْهَلُ عنِ ابْن عَوْنِ
أَي: تَابع عُثْمَان بن عمر فِي رِوَايَته عَن عبد الله بن عون أشهل على وزن أَحْمد بالشين الْمُعْجَمَة ابْن حَاتِم، وَفِي بعض النّسخ صرح باسم أَبِيه، وأشهل مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل وَالضَّمِير فِي: تَابعه، مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول ووصول هَذِه الْمُتَابَعَة أَبُو عوَانَة وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق أبي قلَابَة الرقاشِي عَن مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، وأشهل بن حَاتِم قَالَا: حَدثنَا ابْن عون بِهِ.
وتابَعَهُ يُونُسُ وسِماكُ بنُ عَطِيّةَ وسِماكُ بنُ حَرْبٍ وحُمَيْدٌ وقَتادةُ ومَنْصُورٌ وهِشامٌ والرَّبِيعُ
يَعْنِي هَؤُلَاءِ الثَّمَانِية تابعوا عبد الله بن عون فِي رِوَايَته عَن الْحسن عَن سَمُرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قيل: وَقع فِي نُسْخَة من رِوَايَة أبي ذَر: وَحميد عَن قَتَادَة، وَهُوَ خطأ وَالصَّوَاب: وَحميد وَقَتَادَة، بواو الْعَطف.
أما مُتَابعَة يُونُس وَهُوَ ابْن عبيد بن دِينَار الْعَبْدي الْبَصْرِيّ فوصلها البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَحْكَام فِي: بَاب من سَأَلَ الْإِمَارَة وكل إِلَيْهَا. قَالَ: حَدثنَا أَبُو معمر حَدثنَا عبد الْوَارِث حَدثنَا يُونُس عَن الْحسن قَالَ: حَدثنِي عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة قَالَ: قَالَ لي رَسُول الله ﷺ : يَا عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة! لَا تسْأَل الْإِمَارَة ... الحَدِيث. وَأما مُتَابعَة سماك بِكَسْر السِّين المهلمة وَتَخْفِيف الْمِيم وبكاف ابْن عَطِيَّة المربدي من أهل الْبَصْرَة. فوصلها مُسلم، وَقَالَ: حَدثنَا أَبُو كَامِل الجحدري حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن سماك بن عَطِيَّة وَيُونُس بن عبيد وَهِشَام بن حسان كلهم عَن الْحسن عَن عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة عَن النَّبِي ﷺ ، ثمَّ أَحَالهُ على حَدِيث جرير بن حَازِم، فَإِنَّهُ أخرجه عَنهُ فَقَالَ: حَدثنَا شَيبَان بن فروخ حَدثنَا جرير بن حَازِم حَدثنَا الْحسن حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة قَالَ: قَالَ لي رَسُول الله ﷺ : يَا عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة ... الحَدِيث. وَأما مُتَابعَة سماك بن حَرْب ضد الصُّلْح أبي الْمُغيرَة الْكُوفِي فوصلها عبد الله بن أَحْمد فِي (زياداته) وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من طَرِيق حَمَّاد بن زيد عَنهُ عَن الْحسن. وَأما مُتَابعَة حميد بن أبي حميد الطَّوِيل فوصلها مُسلم من طَرِيق هشيم قَالَ: حَدثنِي عَليّ بن حجر السَّعْدِيّ حَدثنَا هشيم عَن يُونُس وَمَنْصُور وَحميد عَن الْحسن. وَأما مُتَابعَة قَتَادَة فوصلها مُسلم أَيْضا قَالَ: حَدثنَا عقبَة بن المكرم الْعمي حَدثنَا سعيد بن عَامر عَن سعيد عَن قَتَادَة، وَذكر جمَاعَة آخَرين قبله، ثمَّ قَالَ: كلهم عَن الْحسن عَن عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة ... الحَدِيث. وَأما مُتَابعَة مَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر فوصلها مُسلم أَيْضا، وَقد مر الْآن. وَأما مُتَابعَة هِشَام هُوَ ابْن حسان الفردوسي فوصلها أَبُو نعيم فِي (مستخرج مُسلم) من طَرِيق حَمَّاد بن زيد عَن هِشَام عَن الْحسن. وَأما مُتَابعَة الرّبيع بِفَتْح الرَّاء ابْن مُسلم الجُمَحِي
стр. 7051
الْبَصْرِيّ جزم بِهِ الْحَافِظ الدمياطي وَهُوَ من رجال مُسلم. وَقَالَ بَعضهم بِالظَّنِّ: إِنَّه الرّبيع بن صبيح بِفَتْح الصَّاد وَهُوَ من رجال التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه، فوصلها أَبُو عوَانَة من طَرِيق الْأسود بن عَامر عَن الرّبيع بن صبيح عَن الْحسن، وَوَصلهَا الْحَافِظ يُوسُف بن خَلِيل فِي الْجُزْء الَّذِي جمع فِيهِ طرق هَذَا الحَدِيث من طَرِيق وَكِيع عَن الرّبيع عَن الْحسن وَلم ينْسب الرّبيع، فَيحْتَمل أَن يكون مثل مَا قَالَ الْحَافِظ الدمياطي، وَيحْتَمل أَن يكون مثل مَا روى أَبُو عوَانَة، وَلَكِن يُؤَكد قَول من يَقُول بِالْجَزْمِ دون الظَّن. وَالله أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٥٨ - (كتابُ الفَرَائِضِ)
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الْفَرَائِض، وَهُوَ جمع فَرِيضَة، وَهِي فِي اللُّغَة اسْم مَا يفْرض على الْمُكَلف، وَمِنْه فَرَائض الصَّلَوَات والزكوات، وَسميت أَيْضا الْمَوَارِيث فَرَائض وفروضاً لما أَنَّهَا مقدرات لأصحابها ومبينات فِي كتاب الله تَعَالَى ومقطوعات لَا تجوز الزِّيَادَة عَلَيْهَا وَلَا النُّقْصَان مِنْهَا، وَهِي فِي الأَصْل مُشْتَقَّة من الْفَرْض وَهُوَ الْقطع وَالتَّقْدِير وَالْبَيَان، يُقَال: فرضت لفُلَان كَذَا أَي: قطعت لَهُ شَيْئا من المَال. وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿سُورَة أنزلناها وفرضناها﴾ (النُّور: ١) أَي: قَدرنَا فِيهَا الْأَحْكَام، وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿قد فرض الله لكم تَحِلَّة أَيْمَانكُم﴾ (التَّحْرِيم: ٢) أَي: بيَّن كَفَّارَة أَيْمَانكُم.
١ - (بَاب وقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُْنْثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلَاِبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلاُِمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلاُِمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍءَابَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُو اْ أَكْثَرَ مِن ذالِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (النِّسَاء: ١١ ٢١)
وَقَول الله بِالْجَرِّ عطف على قَوْله الْفَرَائِض، والآيتان المذكورتان سبقتا بتمامهما فِي رِوَايَة أبي ذَر وَغَيره، سَاق الْآيَة الأولى وَقَالَ بعده قَوْله: ﴿عليماً حكيماً﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَالله عليم حَلِيم﴾ هَاتَانِ الْآيَتَانِ الكريمتان وَالْآيَة الَّتِي هِيَ خَاتِمَة السُّورَة الَّتِي هما مِنْهَا، وَهِي سُورَة النِّسَاء، آيَات علم الْفَرَائِض وَهُوَ مستنبط من هَذِه الْآيَات وَمن الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِك مِمَّا هِيَ كالتفسير لذَلِك، وَكَانَت الوراثة فِي الْجَاهِلِيَّة بالرجولية وَالْقُوَّة، أَي: كَانُوا يورثون الرِّجَال دون النِّسَاء، وَكَانَ فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام أَيْضا بالمحالفة قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين عَاقَدَتْ أَيْمَانكُم﴾ يَعْنِي: الحلفاء ﴿آتوهم نصِيبهم﴾ (النِّسَاء: ٣٣) أَي: أعطوهم حظهم من الْمِيرَاث، فَصَارَت بعده بِالْهِجْرَةِ، فنسخ هَذَا كُله وَصَارَت الوراثة بِوَجْهَيْنِ: بِالنّسَبِ وَالسَّبَب، فالسبب النِّكَاح وَالْوَلَاء، وَالنّسب الْقَرَابَة. وَبحث ذَلِك فِي علم الْفَرَائِض. وَالَّذين لَا يسقطون من الْمِيرَاث أصلا سِتَّة: الأبوان والولدان والزوجان، وَالَّذين لَا يَرِثُونَ أصلا سِتَّة: العَبْد وَالْمُرْتَدّ وَالْمكَاتب وَأم الْوَلَد وَقَاتل الْعمد وَأهل الملتين. وَزَاد بَعضهم أَرْبَعَة أُخْرَى هِيَ: التبني وجهالة الْوَارِث وجهالة تَارِيخ الْمَوْتَى والارتداد، وَسَيَجِيءُ تَفْسِير هَذِه الْآيَات وَبَيَان سَبَب نُزُولهَا فِي الْأَبْوَاب الَّتِي تذكر هَهُنَا، ولنذكر بعض شَيْء.
стр. 7052
قَوْله: ﴿يُوصِيكُم الله﴾ أَي: يَأْمُركُمْ بِالْعَدْلِ فِي أَوْلَادكُم، وَبِذَلِك نسخ مَا كَانَت الْجَاهِلِيَّة تَفْعَلهُ من عدم تَوْرِيث النِّسَاء، فَجعل للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ لاحتياج الرجل إِلَى مُؤمنَة النَّفَقَة والكلفة ومقاساة التِّجَارَة والتكسب وَتحمل الْمَشَقَّة. قَوْله: ﴿فَإِن كن نسَاء﴾ أَي: فَإِن كَانَت المتروكات نسَاء فَوق اثْنَتَيْنِ يَعْنِي اثْنَتَيْنِ فَصَاعِدا، قيل: لفظ فَوق صلَة كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فاضربوا فَوق الْأَعْنَاق﴾ وَقيل: هَذَا غير مُسلم لَا هُنَا وَلَا هُنَاكَ وَلَيْسَ فِي الْقُرْآن شَيْء زَائِد لَا فَائِدَة فِيهِ. قَوْله: ﴿وَإِن كَانَت وَاحِدَة﴾ أَي: وَإِن كَانَت المتروكة وَاحِدَة بِنْتا كَانَت أَو امْرَأَة، وَوَاحِدَة نصب على أَنه خبر: كَانَت، وقرىء بِالرَّفْع على معنى: وَإِن وَقعت وَاحِدَة، فحينئذٍ لَا خبر لَهُ لِأَن كَانَ تكون تَامَّة. قَوْله: ﴿ولأبويه﴾ أَي: ولابوي الْمَيِّت، كِنَايَة عَن غير مَذْكُور، والقرينة دَالَّة عَلَيْهِ. قَوْله: ﴿لكل وَاحِد مِنْهُمَا﴾ أَي: من الْأَبَوَيْنِ ﴿السُّدس مِمَّا ترك﴾ أَي: الْمَيِّت إِن كَانَ لَهُ أَي للْمَيت ولد. وَقَوله: ﴿ولد﴾ يَشْمَل ولد الابْن، وَالْأَب هُنَا صَاحب فرض فَإِن لم يكن لَهُ أَي للْمَيت ولد، وَالْحَال أَن أَبَوَيْهِ يرثانه فلأمه الثُّلُث من التَّرِكَة، وَيعلم مِنْهُ أَن الْبَاقِي وَهُوَ الثُّلُثَانِ للْأَب. قَوْله: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ﴾ أَي للْمَيت إخْوَة اثْنَيْنِ كَانَ أَو أَكثر ذكراناً أَو إِنَاثًا فلإمه السُّدس، هَذَا قَول عَامَّة الْفُقَهَاء، وَكَانَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، لَا يحجب الْأُم عَن الثُّلُث إِلَى السُّدس بِأَقَلّ من ثَلَاثَة أخوة، وَكَانَ يَقُول فِي أبوين وأخوين: للْأُم الثُّلُث وَمَا بَقِي فللأب، اتبع ظَاهر اللَّفْظ. قَوْله: ﴿من بعد وَصِيَّة يُوصي بهَا﴾ أَي: الْمَيِّت. قَوْله: ﴿أَو دين﴾ أَي: بعددين. أجمع الْعلمَاء سلفا وخلفاً على أَن الدَّين مقدم على الْوَصِيَّة، وَلَكِن الدَّين على نَوْعَيْنِ: دين الله وَدين الْعباد، فدين الله إِن لم يوص بِهِ يسْقط عندنَا، سَوَاء كَانَ صَلَاة أَو زَكَاة، وَيبقى عَلَيْهِ المأثم والمطالبة يَوْم الْقِيَامَة، وَعند الشَّافِعِي: يلْزم قَضَاؤُهُ كَدين الْعباد، أوصى أَولا: وَإِن بعض الدّين أولى من بعض، فدين الصِّحَّة وَمَا ثَبت بالمعاينة فِي الْمَرَض أَو بِالْبَيِّنَةِ أولى مِمَّا يثبت عَلَيْهِ بِالْإِقْرَارِ عندنَا. وَقَالَ الشَّافِعِي: دين الصِّحَّة وَمَا أقرّ بِهِ فِي مَرضه سَوَاء، وَمَا أقرّ بِهِ فِيهِ مقدم على الْوَصِيَّة، وَلَا يَصح إِقْرَاره فِيهِ لوَارِثه بدين أَو عين عندنَا، خلافًا قَالَه فِي أحد قوليه: إلَاّ أَن تجيزه بَقِيَّة الْوَرَثَة فَيجوز، وَإِذا اجْتمع الدَّينان فدين الْعباد أولى عندنَا، وَعِنْده دين الله أولى، وَعنهُ: أَنَّهُمَا سَوَاء. وَأما الْوَصِيَّة فِي مِقْدَار الثُّلُث فمقدمة على الْمِيرَاث بعد قَضَاء الدُّيُون فَلَا يحْتَاج إِلَى إجَازَة الْوَرَثَة. قَوْله: ﴿آباؤكم وأبناؤكم﴾ أَي: لَا تَدْرُونَ من أَنْفَع لكم من آبائكم وأبنائكم الَّذين يموتون أَمن أوصى مِنْهُم أم من لم يوص؟ يَعْنِي: إِن من أوصى بِبَعْض مَاله فعركضم لثواب الْآخِرَة بإمضاء الْوَصِيَّة فَهُوَ أقرب لكم نفعا. قَالَ مُجَاهِد: فِي الدُّنْيَا وَقَالَ الْحسن: لَا تَدْرُونَ أَيهمْ أسعد فِي الدّين وَالدُّنْيَا. قَوْله: ﴿فَرِيضَة﴾ نصب على الصَّدْر أَي: هَذَا الَّذِي ذكرنَا من تَفْصِيل الْمِيرَاث وَإِعْطَاء بعض الْوَرَثَة أَكثر من بعض هُوَ فرض من الله حَاصله: فرض الله ذَلِك فَرِيضَة وَحكم بِهِ وَقَضَاء وَهُوَ الْعَلِيم الْحَكِيم الَّذِي يضع الْأَشْيَاء فِي محلهَا وَيُعْطِي كلَاما يسْتَحقّهُ بحسه. قَوْله: ﴿وَلكم﴾ أَي: وَلكم أَيهَا الرِّجَال ﴿نصف مَا ترك أزواجكم﴾ إِذا متن وَلم يكن لَهُنَّ ولد. قَوْله: ﴿ولهن﴾ أَي: المزوجات، وَسَوَاء فِي الرّبع أَو الثّمن الزَّوْجَة والزوجتان وَالثَّلَاث والأربع يشتركن فِيهِ قَوْله: ﴿وَإِن كَانَ رجل يُورث﴾ صفة لرجل، وكلالة نصب على أَنه خبر: كَانَ، وَهِي مُشْتَقَّة من الإكليل وَهُوَ الَّذِي يُحِيط بِالرَّأْسِ من جوانبه، وَالْمرَاد هُنَا من يَرِثهُ من حَوَاشِيه لَا أُصُوله وَلَا فروعه: وَهُوَ من لَا وَالِد لَهُ وَلَا ولد، وَهَكَذَا قَالَ عَليّ بن أبي طَالب وَابْن مَسْعُود وَعبد الله بن عَبَّاس وَزيد بن ثَابت رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَبِه قَالَ الشّعبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَقَتَادَة وَجَابِر بن زيد وَالْحكم، وَبِه يَقُول أهل الْمَدِينَة والكوفة وَالْبَصْرَة، وَهُوَ قَول الْفُقَهَاء السَّبْعَة والأثمة الْأَرْبَعَة وَجُمْهُور الْخلف وَالسَّلَف بل جَمِيعهم، وَقد حكى الْإِجْمَاع على ذَلِك غير وَاحِد. وَقَالَ طَاوُوس: الْكَلَالَة مَا دون الْوَلَد، وَقَالَ عَطِيَّة: هِيَ الْأُخوة للْأُم: وَقَالَ عبيد بن عُمَيْر: هِيَ الْأُخوة للْأَب، وَقيل: هِيَ الْأُخوة وَالْأَخَوَات. وَقيل: هِيَ مَا دون الْأَب. قَوْله: ﴿أَو امْرَأَة﴾ عطف على رجل. قَوْله: ﴿وَله أَخ أَو أُخْت﴾ وَلم يقل: وَلَهُمَا، لِأَن الْمَذْكُور الرجل وَالْمَرْأَة لِأَن الْعَرَب إِذا ذكرت اسْمَيْنِ وأخبرت عَنْهُمَا وَكَانَا فِي الحكم سَوَاء رُبمَا أضافت إِلَى أَحدهمَا وَرُبمَا أضافت إِلَيْهِمَا جَمِيعًا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ (٢) وَاسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة إِنَّهَا لكبيرة﴾ (الْبَقَرَة: ٥٤) . قَوْله: ﴿وَله أَخ﴾ أَي: لأم أَو أُخْت لأم، دَلِيله قِرَاءَة سعد بن أبي وَقاص رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: وَله أَخ أَو أُخْت من أم. قَوْله: ﴿فهم شُرَكَاء فِي الثُّلُث﴾ بَينهم بِالسَّوِيَّةِ ذكورهم وإناثهم سَوَاء. قَوْله: ﴿أَو دين﴾ غير مضار يَعْنِي: على الْوَرَثَة وَهُوَ أَن يُوصي بدين لَيْسَ عَلَيْهِ. وروى ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: الْإِضْرَار فِي الْوَصِيَّة من الْكَبَائِر. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: قَوْله: غير مضار، حَال أَي: يُوصي بهَا وَهُوَ غير مضار لوَرثَته، وَذَلِكَ بِأَن يُوصي بِزِيَادَة على الثُّلُث.
стр. 7053
٣٢٧٦ - حدّثنا قتيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدّثنا سُفيْانُ عنْ مُحَمَّدِ بن المُنْكَدِرِ سَمِعَ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله ﵄، يَقُولُ: مَرِضْتُ فَعادَني رسولُ الله ﷺ وأبُو بَكْرٍ وهُما ماشيان فأتياني وقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأ رسولُ الله ﷺ فَصَبَّ عَلَيَّ وَضُوءَهُ فأفَقْتُ فَقُلْتُ: يَا رسُولَ الله! كَيْفَ أصْنَعُ فِي مَالِي؟ كَيْفَ أقْضِي فِي مَالِي؟ فلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ حتَّى نَزَلَتْ آيَةُ المَوَارِيثِ.
مطابقته للآيتين المذكورتين اللَّتَيْنِ هما كالترجمة ظَاهِرَة لِأَن فيهمَا ذكر الْمَوَارِيث. وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة.
والْحَدِيث مضى فِي الطِّبّ عَن عبد الله بن مُحَمَّد.
قَوْله: (وهما ماشيان) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (فأتياني) ويروى فَأَتَانِي أَي رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (وَقد أغمى) بِلَفْظ الْمَجْهُول، (وَعلي) بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (وضوءه) بِفَتْح الْوَاو على الْمَشْهُور. قَوْله: (آيَة الْمَوَارِيث) ويروى: آيَة الْمِيرَاث، وَهِي قَوْله: ﴿يُوصِيكُم الله﴾ (النِّسَاء: ١١)
إِلَى آخِره. فَإِن قلت: رُوِيَ أَنَّهَا نزلت فِي سعد بن أبي وَقاص رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
قلت: لَا مُنَافَاة لاحْتِمَال أَن بَعْضهَا نزل فِي هَذَا وَبَعضهَا فِي ذَلِك، أَو كَانَ فِي وَقت وَاحِد.
وَقَالَ الْكرْمَانِي: فِيهِ: أَنه كَانَ ينْتَظر الْوَحْي وَلَا يحكم بِالِاجْتِهَادِ ثمَّ أجَاب بقوله: وَلَا يلْزم من عدم اجْتِهَاده فِي هَذِه الْمَسْأَلَة عدم اجْتِهَاده مُطلقًا، أَو كَانَ يجْتَهد بعد الْيَأْس من الْوَحْي، أَو حَيْثُ مَا تيَسّر عَلَيْهِ، أَو لم يكن من الْمسَائِل التعبدية. وَفِيه: عِيَادَة الْمَرِيض وَالْمَشْي فِيهَا والتبرك بآثار الصَّالِحين وطهارة المَاء الْمُسْتَعْمل وَظُهُور بركَة أثر الرَّسُول ﷺ .
٢ - (بابُ تَعْلِيمِ الفَرائِضِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَعْلِيم الْفَرَائِض. قيل: لَا وَجه لدُخُول هَذَا فِي هَذَا الْبَاب، ورد بِأَنَّهُ حث على تَعْلِيم الْعلم وَمن الْعلم الْفَرَائِض، وَقد ورد حَدِيث فِي الْحَث على تَعْلِيم الْفَرَائِض وَلَكِن لم يكن على شَرطه فَلذَلِك لم يذكرهُ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ من حَدِيث ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: تعلمُوا الْفَرَائِض وعلموها النَّاس، فَإِنِّي امْرُؤ مَقْبُوض، وَإِن الْعلم سيقبض حَتَّى يخْتَلف الإثنان فِي الْفَرِيضَة فَلَا يجدان من يفصل بَينهمَا.
وَقَالَ عُقْبَةُ بنُ عامِرٍ: تَعَلَّمُوا قَبْلَ الظَّانِّينَ، يَعْنِي: الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بالظَّنِّ
عقبَة بِالْقَافِ ابْن عَامر الْجُهَنِيّ وَالِي مصر من قبل مُعَاوِيَة، وَليهَا سنة أَربع وَأَرْبَعين ثمَّ عَزله بِمسلمَة بن مخلد، وَجمع لَهُ مُعَاوِيَة بَين مصر وَالْمغْرب، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ بِالْمَدِينَةِ، وَقيل: بِمصْر، وَقَالَ ابْن يُونُس: توفّي بإسكندرية، وَكَانَ عقبَة ابتنى بِمصْر دَارا وَقَالَ أَبُو عمر: توفّي فِي آخر خلَافَة مُعَاوِيَة. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: وَدفن فِي المقطم. وَقَالَ خَليفَة: توفّي سنة ثَمَان وَخمسين. قَوْله: (تعلمُوا) أَي الْعلم حذف مَفْعُوله ليشْمل كل علم وَيدخل فِيهِ علم الْفَرَائِض أَيْضا، وَهَذَا وَجه الْمُنَاسبَة، وَبِهَذَا يرد كَلَام (التَّوْضِيح) : حَيْثُ قَالَ: وَأما كَلَام عقبَة والْحَدِيث الَّذِي بعده فَلَا مُنَاسبَة بَينهمَا لما ذكره.
قلت: من لَهُ أدنى فهم يَقُول بالمناسبة لما ذكرنَا، على أَنه يجوز أَن يكون مُرَاد عقبَة من قَوْله: تعلمُوا، أَي: علم الْفَرَائِض، يُرِيد بِهِ هَذَا الْعلم الْمَخْصُوص شدَّة الاهتمام بِهِ لِأَن الحَدِيث الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن يدل على شدَّة الاعتناء بِعلم الْفَرَائِض وبتعلمه وتعليمه، وَكَيف لَا وَقد جعله النَّبِي ﷺ نصف الْعلم فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَنهُ: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (تعلمُوا الْفَرَائِض وعلموها النَّاس فَإِنَّهَا نصف الْعلم، وَهُوَ أول شَيْء ينسى من أمتِي) وروى الْحَاكِم من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (الْعلم ثَلَاثَة مَا سوى ذَلِك فَهُوَ فضل: آيَة محكمه، أَو سنة قَائِمَة، أَو فَرِيضَة عادلة. قَوْله: (قبل الظانين) فسره بقوله: يَعْنِي الَّذين يَتَكَلَّمُونَ بِالظَّنِّ، قَالَ الْكرْمَانِي: أَي قبل اندراس الْعلم وَالْعُلَمَاء وحدوث الَّذين لَا يعلمُونَ شَيْئا ويتكلمون بِمُقْتَضى ظنونهم الْفَاسِدَة.
٤٢٧٦ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ حدّثنا وُهَيْبٌ حَدثنَا ابنُ طاوُوس عَنْ أبِيهِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : (إيَّاكُمْ والظَّنَّ فإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا
стр. 7054
تَجَسَّسُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وكُونُوا عِبادَ الله إخْواناً) .
مطابقته لأثر عقبَة ظَاهِرَة فِي قَوْله: (إيَّاكُمْ وَالظَّن) ووهيب مصغر وهب هُوَ ابْن خَالِد الْبَصْرِيّ، يروي عَن عبد الله بن طَاوُوس عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب لَا يخْطب على خطْبَة أَخِيه.
قَوْله: (إيَّاكُمْ وَالظَّن) مَعْنَاهُ: اجتنبوه، قَالَ الْمُهلب: هَذَا الظَّن لَيْسَ هُوَ الِاجْتِهَاد على الظَّن وَإِنَّمَا هُوَ الظَّن الْمنْهِي عَنهُ فِي الْكتاب وَالسّنة وَهُوَ الَّذِي لَا يسْتَند إِلَى أصل. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَالْأَظْهَر أَن المُرَاد بِهِ ظن السوء بِالْمُسْلِمين لَا مَا يتَعَلَّق بِالْأَحْكَامِ. قَوْله: (أكذب الحَدِيث) قيل: الْكَذِب لَا يقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان. فَكيف جَاءَ مِنْهُ أفعل التَّفْضِيل؟ وَأجِيب: بِأَن مَعْنَاهُ الظَّن أَكثر كذبا من سَائِر الْأَحَادِيث. قيل: الظَّن لَيْسَ بِحَدِيث. وَأجِيب: بِأَنَّهُ حَدِيث نفساني وَمَعْنَاهُ: الحَدِيث الَّذِي منشؤه الظَّن أَكثر كذبا من غَيره. وَقَالَ الْخطابِيّ أَي: الظَّن منشأ أَكثر الْكَذِب. (وَلَا تجسسوا) بِالْجِيم وَهُوَ مَا تطلبه لغيرك (وَلَا تحسسوا) بِالْحَاء وَهُوَ مَا تطلبه لنَفسك. وَقيل: التَّجَسُّس بِالْجِيم الْبَحْث عَن بواطن الْأُمُور وَأكْثر مَا يُقَال ذَلِك فِي الشَّرّ، وَقيل: بِالْجِيم فِي الْخَيْر وَبِالْحَاءِ فِي الشَّرّ، وَقَالَ الْجرْمِي: مَعْنَاهُمَا وَاحِد وهما تطلب معرفَة الْأَخْبَار. قَوْله: (وَلَا تدابروا) أَي: وَلَا تقاطعوا وَلَا تهاجروا.
٣ - (بابُ قَوْل النبيِّ ﷺ : (لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنا صَدَقَةٌ))
: أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول النَّبِي ﷺ : (لَا نورث) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَلَو رُوِيَ بِكَسْر الرَّاء على صِيغَة الْمَعْلُوم لَكَانَ لَهُ وَجه لصِحَّة الْمَعْنى.
قلت: وَوجه هَذَا أَن الله لما بَعثه إِلَى عباده ووعده على التَّبْلِيغ لدينِهِ والصدع بأَمْره الْجنَّة، وَأمره أَن لَا يَأْخُذ أجرا وَلَا شَيْئا من مَتَاع الدُّنْيَا بقوله: ﴿ (٢٥) قل مَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ من أجر﴾ (الْفرْقَان: ٧٥، وص: ٦٨) أَرَادَ ﷺ أَن لَا ينْسب إِلَيْهِ من مَتَاع الدُّنْيَا شَيْء يكون عِنْد النَّاس فِي معنى الْأجر وَالثمن، فَلم يحل لَهُ شَيْء مِنْهَا، وَمَا وصل إِلَى الْمَرْء وَأَهله فَهُوَ وَاصل إِلَيْهِ فَلذَلِك حرم الْمِيرَاث على أَهله لِئَلَّا يظنّ بِهِ أَنه جمع المَال لوَرثَته، كَمَا حرم عَلَيْهِم الصَّدقَات الْجَارِيَة على يَدَيْهِ فِي الدُّنْيَا لِئَلَّا ينْسب إِلَى مَا تَبرأ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا، وَكَذَلِكَ سَائِر الرُّسُل على مَا عرف فِي مَوْضِعه. قَوْله: (مَا تركنَا صَدَقَة) كلمة: مَا، مَوْصُولَة (تركنَا) صلَة (وَصدقَة) بِالرَّفْع خَبره أعنى: خبر: مَا، وَيجوز أَن يقدر فِيهِ لَفْظَة هُوَ: أَي الَّذِي تَرَكْنَاهُ هُوَ صَدَقَة، وَهُوَ معنى قَوْله: إِن آل مُحَمَّد لَا تحل لَهُم الصَّدَقَة، وَعَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (أَنا معشر الْأَنْبِيَاء لَا نورث مَا تركنَا صَدَقَة) فَهَذَا عَام فِي جَمِيع الْأَنْبِيَاء ﵈، وَلَا يُعَارضهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَورث سُلَيْمَان دَاوُد﴾ (النَّمْل: ٦١) لِأَن المُرَاد إِرْث النُّبُوَّة وَالْعلم وَالْحكم، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَرِثنِي وَيَرِث من آل يَعْقُوب﴾ (مَرْيَم: ٦) .
٥٢٧٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حَدثنَا هِشامٌ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوةَ عنْ عائِشَةَ أنَّ فاطِمَة والعَبَّاسَ ﵉، أتَيا أَبَا بَكْرٍ يَلْتَمِسانِ مِيرَاثَهُما مِنْ رسولِ الله ﷺ وهُما حِينَئِذٍ يَطْلُبان أرْضَيْهِما مِنْ فَدَكٍ وسَهْمَهُما مِنْ خَيْبَرَ. فَقَالَ لَهما أَبُو بكر سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول لَا نورث مَا تركنَا صَدَقَة إِنَّمَا يَأْكُل آل مُحَمَّد من هَذَا المَال قَالَ أَبُو بكر وَالله لَا أدع أمرا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ َ - يصنعه فِيهِ إِلَّا صَنعته قَالَ فَهجرَته فَاطِمَة فَلم تكَلمه حَتَّى مَاتَت) مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي وَهِشَام هُوَ ابْن يُوسُف الْيَمَانِيّ قاضيها وَمعمر بِفَتْح الميمين هُوَ ابْن رَاشد يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ والْحَدِيث مضى بأتم مِنْهُ فِي بَاب فرض الْخمس وَمضى الْكَلَام فِيهِ قَوْله من فدك بِفَتْح الْفَاء وَالدَّال الْمُهْملَة وبالكاف مَوضِع على مرحلَتَيْنِ من الْمَدِينَة كَانَ النَّبِي ﷺ َ - صَالح أَهله على نصف أرضه وَكَانَ خَالِصا لَهُ قَوْله من خَيْبَر كَانَ ﷺ َ - فتحهَا عنْوَة وَكَانَ خمسها لَهُ لكنه كَانَ ﷺ َ - لَا يستأثر بِهِ بل ينْفق حَاصله
стр. 7055
على أَهله وعَلى الْمصَالح الْعَامَّة قَوْله من هَذَا المَال أَشَارَ بِهِ إِلَى المَال الَّذِي يحصل من خمس خَيْبَر وَكلمَة من للتَّبْعِيض أَي يَأْكُلُون الْبَعْض من هَذَا المَال مِقْدَار نَفَقَتهم قَوْله " لَا أدع " أَي لَا أترك قَوْله فَهجرَته فَاطِمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَي هجرت أَبَا بكر يَعْنِي انقبضت عَن لِقَائِه وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ الهجران الْمحرم من ترك الْكَلَام وَنَحْوه وَهِي مَاتَت قَرِيبا من ذَلِك بِسِتَّة أشهر بل أقل مِنْهَا -
٧٢٧٦ - حدّثنا إسْماعِيلُ بنُ أبانَ أخبرنَا ابنُ المُبارَكِ عنْ يُونسَ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: (لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنا صَدَقَةٌ) . (انْظُر الحَدِيث ٤٣٤ وطرفه) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور أخرجه عَن إِسْمَاعِيل بن أبان بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْبَاب الْمُوَحدَة وبالنون أبي إِسْحَاق الْوراق الْأَزْدِيّ الْكُوفِي عَن عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي عَن يُونُس بن يزِيد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
٨٢٧٦ - حدّثنا يَحْيَاى بنُ بُكَيْرٍ حدّثنا اللَّيْثُ عنْ عَقِيْلٍ عَن ابنِ شِهابٍ قَالَ: أَخْبرنِي مالِكُ بنُ أوْسِ بنِ الحَدَثانِ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بنُ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ ذَكَرَ لِي ذِكْراً مِنْ حَدِيثِهِ ذالِك، فانْطَلقْتُ حتَّى دَخَلْتُ عَلَيْه فَسألْتُهُ، فَقَالَ: انْطَلَقْتُ حتَّى أدْخُلَ على عُمَرَ فأتاهُ حاجِبُهُ يَرْفَأُ فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي عُثْمانَ وعَبْدِ الرَّحْمانِ والزُّبَيْرِ وسَعْدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فأذِنَ لَهُمْ ثُمَّ قَالَ: هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ وعَبَّاسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ عَبَّاسٌ: يَا أميرَ المؤْمِنِينَ ﴿اقْضه بَيْنِي وبيْنَ هاذا. قَالَ: أنْشدُكُمْ بِالله الّذِي بإذْنِهِ تَقُوم السَّماءُ والأرضُ، هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: (لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنا صَدَقَةُ) يُرِيدُ رسولُ الله ﷺ نَفْسَهُ، فَقَالَ الرَّهْطُ: قَدْ قَالَ ذالِكَ، فأقْبَلَ عَلى عَلِيٍّ وعَبَّاسٍ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمانِ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالَا: قَدْ قَالَ ذَلِكَ. قَالَ عُمَرُ: فإنِّي أُحدِّثُكُمْ عنْ هاذا الأمْرِ، إنَّ الله قَدْ كَانَ خَصَّ رسولَهُ ﷺ فِي هاذا الفَيْءه بِشَيءٍ لَمْ يُعْطِهِ أحَداً غَيْرَهُ، فَقَالَ : ﴿مَا أَفَاء الله على رَسُوله﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿قدير﴾ (الْحَشْر: ٦) فكانَتْ خالصَةَ لرسولِ الله ﷺ وَالله مَا احْتازَها دُونَكُمْ وَلَا اسْتَأْثَرَ بِها عَليْكُمْ، لَقَدْ أعْطاكُمُوهُ وبَثَّها فِيكُمْ حتَّى بَقِيَ مِنْها هاذا المالُ، فَكَانَ النبيُّ ﷺ يُنْفِقُ عَلى أهْلِهِ مِنْ هاذا المَال نَفَقَة سَنتِهِ ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مالِ الله، فَعَمِلَ بِذَلِكَ رسولُ الله ﷺ حَياتَهُ، أنْشُدُكُمْ بِاللَّه﴾ هَلْ تَعْلَمُون ذالِكَ؟ قالُوا: نَعَمْ. ثُمَّ قَالَ لِعَليٍّ وعَبَّاسٍ: أنْشدُكُما بِاللَّه! هَلْ تَعْلَمانِ ذالِك؟ قَالَا: نَعمْ. فَتَوفَّى الله نَبِيِّهُ ﷺ فَقَالَ أبُو بَكْر: أَنا وَلِيُّ رسولِ الله ﷺ ، فَقَبَضَها فَعَمِلَ بِما عَمِلَ بِهِ رسولُ الله ﷺ ، ثُمَّ تَوَفَّى الله أَبَا بَكْر، فَقُلْتُ: أَنا وَلِيُّ وَلِيِّ رسولِ الله ﷺ ، فَقَبَضْتُها سَنَتَيْنِ أعْمَلُ فِيهَا مَا عَمِلَ رسولُ الله ﷺ وأبُو بَكْرٍ، ثمَّ جِئتُمانِي وكَلِمَتُكُما واحِدٌ وأمْرُكُما جَمِيعٌ، جِئتَنِي تَسْألُنِي نَصِيبَكَ مِن ابنِ أخِيكَ. وأتانِي هاذا يَسْألنِي نَصِيبَ امْرأتِهِ مِنْ أبِيها، فَقُلْتُ: إنْ شِئْتُما دَفَعْتُها إلَيْكُما بِذالِكَ، فَتَلْتَمِسانِ مِنِّي قَضاءً غَيْرَ ذالِكَ فَوَالله الّذِي بإذْنِهِ تَقُومُ السَّماءُ والأرْضُ لَا أقْضِي فِيها قَضاءً غَيْرَ
стр. 7056
ذالِكَ حتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فإنْ عَجَزْتُما فادْفعاها إلَيَّ فَأَنا أكْفِيكُماها.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَا نورث مَا تركنَا صَدَقَة) وَيحيى بن بكير وَهُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة مصغر بكر الْمصْرِيّ، يروي عَن لَيْث بن سعد الْمصْرِيّ عَن عقيل بِضَم الْعين المهلمة ابْن خَالِد الْأَيْلِي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن مَالك بن أَوْس بن الْحدثَان بِفَتْح الْحَاء المهلمة وَالدَّال الْمُهْملَة وبالثاء الْمُثَلَّثَة إِلَى آخِره.
والْحَدِيث مضى فِي: بَاب فرض الْخمس بأطول مِنْهُ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْحَاق بن مُحَمَّد الْفَروِي: حَدثنَا مَالك بن أنس عَن ابْن شهَاب عَن مَالك بن أَوْس بن الْحدثَان وَمُحَمّد بن جُبَير ذكر لي من حَدِيثه ذَلِك إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (من حَدِيثه) أَي: من حَدِيث مَالك ابْن أَوْس. قَوْله: (يرفأ) بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الرَّاء وبالفاء مَهْمُوز وَغير مهموزاً وَهُوَ علم حَاجِب عمر ﵁. قَوْله: (هَل لَك فِي عُثْمَان؟) يَعْنِي ابْن عَفَّان (وَعبد الرَّحْمَن) يَعْنِي ابْن عَوْف (وَالزُّبَيْر) يَعْنِي: ابْن الْعَوام (وَسعد) يَعْنِي: ابْن أبي وَقاص رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، أَرَادَ: هَل لَك رَغْبَة من دُخُولهمْ عَلَيْك؟ قَوْله: (أنْشدكُمْ الله) بِضَم الشين أَي: أَسأَلكُم بِاللَّه. قَوْله: (يُرِيد نَفسه) وَسَائِر الْأَنْبِيَاء ﵈: فَلذَلِك قَالَ: لَا نورث، بالنُّون. قَوْله: (قَالَ الرَّهْط) أَرَادَ بِهِ الصَّحَابَة الْمَذْكُورين. قَوْله: (وَلم يُعْطه غَيره) حَيْثُ خصص الْفَيْء كُله برَسُول الله ﷺ ، وَقيل: أَي حَيْثُ حلل الْغَنِيمَة لَهُ وَلم تحل لسَائِر الْأَنْبِيَاء ﵈. قَوْله: (فَكَانَت خَالِصَة) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والكشميهني: خَاصَّة. قَوْله: (مَا احتازها) بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي أَي: مَا جمعهَا لنَفسِهِ دونكم. قَوْله: (وَلَا أستأثر) أَي: وَلَا استبد بهَا وَتفرد. قَوْله: (لقد أعطاكموه) أَي: المَال وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: لقد أعطاكموها أَي الْخَالِصَة. قَوْله: (وبثها فِيكُم) أَي: نشرها وفرقها عَلَيْكُم. قَوْله: (هَذَا المَال) أَشَارَ بِهِ إِلَى الْمِقْدَار من المَال الَّذِي يطلبان حصتهما مِنْهُ. قَوْله: (مجعل مَال الله) أَي: الْموضع الَّذِي جعل مَال الله فِي جِهَة مصَالح الْمُسلمين. قَوْله: (وكلمتكما وَاحِدَة) أَي: متفقان لَا نزاع بَيْنكُمَا. قَوْله: (بذلك) أَي: بِأَن تعملا فِيهِ كَمَا عمل رَسُول الله ﷺ وَعمل أَبُو بكر فِيهَا، فدفعتها، إلَيْكُمَا هَذَا الْوَجْه فاليوم جئتما وتسألان مني قَضَاء غير ذَلِك، وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذِه الْقَضِيَّة مشكلة لِأَنَّهُمَا إِذا كَانَا قد أخذا هَذِه الصَّدَقَة من عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على الشريطة فَمَا الَّذِي بدا لَهما بعد حَتَّى تخاصما؟ وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْجَواب أَنه كَانَ شقّ عَلَيْهِمَا الشّركَة فطلبا أَن تقسم بَينهمَا ليستقل كل مِنْهُمَا بِالتَّدْبِيرِ وَالتَّصَرُّف فِيمَا يصير إِلَيْهِ، فمنعهما عمر الْقِسْمَة لِئَلَّا يجْرِي عَلَيْهَا اسْم الْملك، لِأَن الْقِسْمَة إِنَّمَا تقع فِي الْأَمْلَاك ويتطاول الزَّمَان يظنّ بِهِ الملكية. قَوْله: (فتلتمسان) أَي: فتطلبان. قَوْله: (فوَاللَّه الَّذِي) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فوالذي بِحَذْف الْجَلالَة.
٩٢٧٦ - حدّثنا إسْماعِيلُ قَالَ: حدّثني مالِكٌ عنْ أبي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: (لَا يَقْتَسِمُ وَرَثتِي دِيناراً، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسِائِي ومَؤُونَةِ عامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ) . (انْظُر الحَدِيث ٦٧٧٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن ابْن هُرْمُز.
والْحَدِيث مضى فِي الْخمس والوصايا عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك.
قَوْله: (لَا يقتسم) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني: لَا يقسم بِحَذْف التَّاء الْفَوْقِيَّة وَهُوَ بِرَفْع الْمِيم على أَن لَا للنَّفْي. وَقَالَ ابْن التِّين: كَذَلِك قرأته، وَكَذَلِكَ فِي (الْمُوَطَّأ) وَرُوِيَ: لَا يقسم، بِالْجَزْمِ كَأَنَّهُ نَهَاهُم إِن خلف شَيْئا أَن لَا يقسم بعده. فَإِن قلت: يُعَارضهُ مَا تقدم فِي الْوَصَايَا من حَدِيث عَمْرو ابْن الْحَارِث الْخُزَاعِيّ: مَا ترك رَسُول الله ﷺ دِينَارا وَلَا درهما.
قلت: نَهَاهُم هُنَا عَن الْقِسْمَة على غير قطع بِأَنَّهُ لَا يخلف دِينَارا وَلَا درهما، لِأَنَّهُ يجوز أَن يملك ذَلِك قبل مَوته وَلكنه نَهَاهُم عَن قسمته. وَفِي حَدِيث الْخُزَاعِيّ: الْمَعْنى مَا ترك دِينَارا وَلَا درهما لأجل الْقِسْمَة فيتحد مَعْنَاهُمَا. قَوْله: (لَا يقتسم ورثتي) أَي: لَا يقتسمون بِالْقُوَّةِ لَو كنت مِمَّن يُورث، أَو لَا يقتسمون مَا تركته لجِهَة الْإِرْث، فَلذَلِك أَتَى بِلَفْظ: الْوَرَثَة، وقيدها ليَكُون اللَّفْظ مشعراً بِمَا بِهِ الِاشْتِقَاق، وَهُوَ الْإِرْث، فَظهر أَن الْمَنْفِيّ الاقتسام
стр. 7057
بطرِيق الْإِرْث عَنهُ. قَوْله: (دِينَارا) التَّقْيِيد بالدينار من بَاب التَّنْبِيه على مَا سواهُ كَمَا قَالَ الله : ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ (الزلزلة: ٧) قَوْله: (بعد نَفَقَة نسَائِي) يُرِيد أَنه تُؤْخَذ نَفَقَة نِسَائِهِ لأَنهم محبوسات عِنْده مُحرمَات على غَيره بِنَصّ الْقُرْآن قَوْله: (ومؤونة عَامِلِي) قيل: هُوَ الْقَائِم على هَذِه الصَّدقَات والناظر فِيهَا، وَقيل: كل عَامل للْمُسلمين من خَليفَة وَغَيره، لِأَنَّهُ عَامل للنَّبِي ﷺ ، وناب عَنهُ فِي أمته. وَقيل: خادمه ﷺ ، وَقيل: حافر قَبره، وَقيل: الْأَجِير. فَإِن قيل: كَيفَ اخْتصّت النِّسَاء بِالنَّفَقَةِ وَالْعَامِل بالمؤونة وَهل بَينهمَا فرق؟ قيل لَهُ: بِأَن المؤونة الْقيام بالكفاية، والإنفاق بذل الْقُوَّة، وَهَذَا يَقْتَضِي أَن النَّفَقَة دون المؤونة وَكَانَ لَا بُد من النَّفَقَة لِأَزْوَاج النَّبِي ﷺ ، فاقتصر على مَا يدل عَلَيْهِ. وَالْعَامِل فِي صُورَة الْأَجِير فَيحْتَاج إِلَى مَا يَكْفِيهِ فاقتصر على مَا يدل عَلَيْهِ. قَوْله: (فَهُوَ صَدَقَة) يَعْنِي: لَا تحل لآله.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد من الحَدِيث: جَوَاز الْوَقْف وَأَن يجْرِي بعد الْوَفَاة كالحياة فَلَا يُبَاع وَلَا يملك حكم الشَّارِع فِيمَا أَفَاء الله عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يُورث، وَلَكِن يصرف لما ذكره وَالْبَاقِي لمصَالح الْمُسلمين، وَهَهُنَا أَسَاءَ الْأَدَب صَاحب (التَّوْضِيح) : حَيْثُ قَالَ: وبيَّن أَي: الحَدِيث الْمَذْكُور فَسَاد قَول أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
قلت: الْفساد قَول من لَا يدْرك الْأُمُور، فَأَبُو حنيفَة لم ينْفَرد بِبُطْلَان الْوَقْف ولإقالة بِرَأْيهِ، وَهَذَا شُرَيْح قَالَ: جَاءَ مُحَمَّد بِبيع الْحَبْس وَلِأَن الْملك فِيهِ باقٍ، وَلِأَنَّهُ يتَصَدَّق بالغلة وبالمنفعة المعدومة وَهُوَ غير جَائِز إلَاّ فِي الْوَصِيَّة.
٠٣٧٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَة عنْ مالكٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ ﵂، أنَّ أزْوَاجَ النبيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ رسُولُ الله ﷺ أرَدْنَ أنْ يَبْعَثْنَ عُثْمانَ إِلَى أبي بَكْرٍ يَسْألْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ، فقالَتْ عائِشَةُ: ألَيْسَ قَدْ قَالَ رسُولَ الله ﷺ : (لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنا صَدَقَة) (انْظُر الحَدِيث ٤٣٠٤ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن القعْنبِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْفَرَائِض عَن قُتَيْبَة، ثَلَاثَتهمْ عَن مَالك بِهِ.
٤ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ ﷺ : (مَنْ تَرَكَ مَالا فِلأهْلِهِ))
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول النَّبِي ﷺ : (من ترك مَالا فلأهله) أَي: فَهُوَ لأَهله.
١٣٧٦ - حدّثنا عَبْدَانُ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا يُونُسُ عنِ ابنِ شِهاب حدّثني أبُو سَلَمَة عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَن النبيِّ ﷺ قَالَ: (أَنا أوْلَى بالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ، فَمَنْ ماتَ وعَلَيْهِ دَيْنٌ ولَمْ يَتْرُكْ وَفَاء فعَلَيْنا قَضاؤُهُ، ومَنْ تَرَك مَالا فَلِوَرَثَتِهِ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث، لِأَن ورثته هم أَهله.
وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة الْمروزِي، يروي عَن: عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي عَن يُونُس بن يزِيد عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن أبي هُرَيْرَة.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْفَرَائِض عَن زُهَيْر بن حَرْب وَغَيره.
قَوْله: (أَنا أولى بِالْمُؤْمِنِينَ) هَكَذَا أوردهُ مُخْتَصرا، وَقد مضى فِي الْكفَالَة من طَرِيق عقيل عَن ابْن شهَاب وَلَفظه: أَن رَسُول الله ﷺ ، كَانَ يُؤْتى بِالرجلِ المتوفي عَلَيْهِ الدّين فَيَقُول: هَل ترك لدينِهِ قَضَاء؟ فَإِن قيل: نعم صلى عَلَيْهِ، وإلَاّ قَالَ: صلوا على صَاحبكُم، فَلَمَّا فتح الله عَلَيْهِ الْفتُوح قَالَ: أَنا أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم ... الحَدِيث. قَوْله: (فَمن مَاتَ) يَعْنِي من الْمُسلمين، وَالْحَال أَن عَلَيْهِ دينا وَلم يتْرك وَفَاء أَي: مَا بَقِي بِدِينِهِ. قَوْله: (فعلينا قَضَاؤُهُ) قَالَ الْمُهلب: هَذَا، لوعد مِنْهُ لما وعد الله بِهِ من الفتوحات من ملك الكسرى وَقَيْصَر، وَلَيْسَ على الضَّمَان بِدَلِيل تَأَخره عَن الصَّلَاة على الْمديَان حَتَّى ضمنه بعض من حضر، وَقَالَ غَيره: إِنَّه نَاسخ لترك الصَّلَاة على من مَاتَ وَعَلِيهِ دين. وَقَوله: (فعلينا قَضَاؤُهُ) أَي: فعلينا الضَّمَان اللَّازِم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَضَاء دين الْمُعسر الْمَيِّت كَانَ من خَصَائِصه ﷺ ، وَكَانَ من خَالص مَاله
стр. 7058
وَقيل: من بَيت المَال، وَفِيه: أَنه قَائِم بمصالح الْأمة حَيا وَمَيتًا وَولي أَمرهم فِي الْحَالين. قَوْله: (وَمن ترك مَالا فلورثته) وَهَذَا مجمع عَلَيْهِ وَكَذَا ثَبت فِي رِوَايَة الْكشميهني هُنَا، يَعْنِي: لوَرثَته. وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم وَفِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن عمْرَة: فلورثة عصبته من كَانُوا، قَالَ الدَّاودِيّ: المُرَاد بالعصبة هُنَا الْوَرَثَة لَا من يَرث بِالتَّعْصِيبِ، لِأَن العاصب فِي الِاصْطِلَاح من لَيْسَ لَهُ سهم مُقَدّر من الْمجمع على توريثهم، وَيَرِث كل المَال إِذا انْفَرد، وَيَرِث مَا فضل بعد الْفُرُوض، وَقيل: المُرَاد من الْعصبَة هُنَا قرَابَة الرجل وَهُوَ من يلتقي مَعَ الْمَيِّت فِي أَب وَلَو علا.
٥ - (بابُ مِيرَاث الوَلَدِ مِنْ أبِيهِ وأُمِّهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مِيرَاث الْوَلَد من أَبِيه وَأمه، وَالْولد يَشْمَل الذّكر وَالْأُنْثَى وَولد الْوَلَد وَإِن سفل.
وَقَالَ زَيْدُ بنُ ثابِتٍ: إذَا تَرَكَ رجُلٌ أوِ امْرَأةٌ بِنْتاً فَلَها النِّصْفُ، وإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ أوْ أكْثَرَ فَلَهُنَّ الثُّلُثانِ، وإنْ كانَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ بُدِيءَ بِمَنْ شَرِكَهُمْ، فَيُؤْتَى فَرِيضَتَهُ فَما بَقِيَ ﴿فللذكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (النِّسَاء: ٦٧١) .
زيد بن ثَابت بن الضَّحَّاك الْأنْصَارِيّ النجاري الْمدنِي كَاتب وَحي النَّبِي ﷺ ، وَكَانَ من فضلاء الصَّحَابَة وَمن أَصْحَاب الْفَتْوَى، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ، سنة خمس وَأَرْبَعين، وَقَالَ أَبُو عمر: أصل مَا بنى عَلَيْهِ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأهل الْحجاز وَمن وافقهم فِي الْفَرَائِض قَول زيد بن ثَابت، وأصل مَا بنى عَلَيْهِ أهل الْعرَاق وَمن وافقهم فِيهَا قَول عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وكل من الْفَرِيقَيْنِ لَا يُخَالف صَاحبه إلَاّ فِي الْيَسِير النَّادِر، إِذا ظهر، وَوصل أَثَره سعيد بن مَنْصُور عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد عَن أَبِيه عَن خَارِجَة بن زيد بن ثَابت عَن أَبِيه فَذكر مثله. قَوْله: فلهَا النّصْف، أَي: فللبنت الْوَاحِدَة النّصْف، هَذَا قَول الْجَمَاعَة إلَاّ من يَقُول بِالرَّدِّ، وَكَذَا فِي الابنتين فَأكْثر إلَاّ من يَقُول بِالرَّدِّ، وإلَاّ ابْن عَبَّاس فَإِنَّهُ كَانَ يَجْعَل للبنتين النّصْف. قَوْله: وَإِن كَانَ مَعَهُنَّ، أَي: مَعَ الْبَنَات ذكر بدىء على صِيغَة الْمَجْهُول بِمن شركهم أَي: بِمن شرك الْبَنَات وَالذكر، فغلب التَّذْكِير على التَّأْنِيث يَعْنِي: إِن كَانَ مَعَ الْبَنَات أَخ لَهُنَّ وَكَانَ مَعَهم غَيرهم فَمن لَهُ فرض مُسَمّى كالأم مثلا، كَمَا لَو مَاتَ عَن بَنَات وَابْن وَأم، يبْدَأ بِالْأُمِّ فتعطى فَرضهَا وَمَا بَقِي فَهُوَ بَين الْبَنَات وَالِابْن ﴿للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ وَقَالَ ابْن بطال: قَوْله: وَإِن كَانَ مَعَهُنَّ ذكر، يُرِيد: إِن كَانَ مَعَ الْبَنَات أَخ من أبيهن وَكَانَ مَعَهم غَيرهم مِمَّن لَهُ فرض مُسَمّى كَالْأَبِ مثلا، قَالَ: فَلذَلِك قَالَ: شركهم، وَلم يقل: شركهن. فَيعْطى الْأَب مثلا فَرْضه وَيقسم مَا بَقِي بَين الابْن وَالْبَنَات ﴿للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ قَالَ: وَهَذَا تَأْوِيل حَدِيث الْبَاب، وَهُوَ قَوْله ألْحقُوا الْفَرَائِض بِأَهْلِهَا.
٢٣٧٦ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ حدّثنا وُهَيْبٌ حَدثنَا ابنُ طَاوُوس عنْ أبِيهِ عَن ابْن عبَّاسٍ ﵄، عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: (ألْحَقُوا الفَرائِضَ بأهْلِها، فَمَا بَقِيَ فَهْوَ لأوْلَى رَجلٍ ذَكَرٍ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يدْخل فِيهِ مِيرَاث الابْن على مَا لَا يخفى.
ووهيب هوابن خَالِد يروي عَن عبد الله بن طَاوس عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَرَائِض أَيْضا عَن أُميَّة بن بسطَام وَعَن غَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ أَيْضا عَن أَحْمد بن صَالح وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن عبد بن حميد بِهِ وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن معمر وَغَيره، وَقيل: تفرد بوصله وهيب وَرَوَاهُ الثَّوْريّ عَن طَاوُوس وَلم يذكر ابْن عَبَّاس، بل أرْسلهُ. أخرجه النَّسَائِيّ والطَّحَاوِي، وَأَشَارَ النَّسَائِيّ إِلَى تَرْجِيح الْإِرْسَال والمرجح فِي (الصَّحِيحَيْنِ) : الْوَصْل وَإِذا تعَارض الْوَصْل والإرسال وَلم يرجح أحد الطَّرفَيْنِ قدم الْوَصْل.
قَوْله: (ألْحقُوا الْفَرَائِض) أَي: الْأَنْصِبَاء الْمقدرَة فِي كتاب الله، وَهِي النّصْف وَالرّبع وَالثمن وَالثُّلُثَانِ وَالثلث وَالسُّدُس، وأصحابها مَذْكُورَة فِي الْفَرَائِض. قَوْله: (بِأَهْلِهَا) هُوَ من يَسْتَحِقهَا بِنَصّ الْقُرْآن، وَوَقع فِي رِوَايَة روح بن الْقَاسِم عَن ابْن طَاوُوس: اقسموا المَال بَين أهل الْفَرَائِض على كتاب الله، أَي: على وفْق مَا أنزل الله فِي كِتَابه. قَوْله: (فَمَا بَقِي) أَي: من أَصْحَاب الْفَرَائِض. قَوْله: (فَهُوَ لأولى رجل) قَالَ النَّوَوِيّ المُرَاد بِالْأولَى الْأَقْرَب وإلَاّ لخلا عَن الْفَائِدَة، لأَنا لَا نَدْرِي من هُوَ
стр. 7059
الأحق. وَقَالَ الْخطابِيّ الأولى الْأَقْرَب رجل من الْعصبَة.
وَفِي (التَّلْوِيح) : قَوْله: (فَهُوَ لأولى رجل) يُرِيد إِذا كَانَ فِي الذُّكُور من هُوَ أولى من صَاحبه بِقرب أَو بطن فَأَما إِذا اسْتَووا فِي التَّعَدُّد، وأدلوا بالإناث والأمهات مَعًا كالإخوة وشبههم فَلم يقصدوا بِهَذَا الحَدِيث لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْبَنِينَ من هُوَ أولى مِنْهُم، لأَنهم قد اسْتَووا فِي الْمنزلَة وَلَا يجوز أَن يُقَال: أولى، وهم سَوَاء فَلم يرد الْبَنِينَ بِهَذَا الحَدِيث، وَإِنَّمَا أَرَادَ غَيرهم. وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: فَلأولى رجل، بِفَتْح الْهمزَة وَاللَّام بَينهمَا وَاو سَاكِنة على وزن: أفعل التَّفْضِيل من الْوَلِيّ بِسُكُون اللَّام وَهُوَ الْقرب، أَي: لمن يكون أقرب فِي النّسَب إِلَى الْمَوْرُوث، وَلَيْسَ المُرَاد هُنَا الأحق. وَقَالَ عِيَاض: إِن فِي رِوَايَة ابْن الْحذاء عَن ابْن ماهان فِي (مُسلم) : فَهُوَ لأدنى، بدال وَنون، وَهُوَ بِمَعْنى الْأَقْرَب، وَقَالَ ابْن التِّين: إِنَّمَا المُرَاد بِهِ الْعمة مَعَ الْعم وَبنت الْأَخ مَعَ ابْن الْأَخ وَبنت الْعم مَعَ ابْن الْعم، وَخرج من ذَلِك الْأَخ وَالْأُخْت لِأَبَوَيْنِ أَو لأَب فَإِنَّهُم يَرِثُونَ. بِنَصّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن كَانُوا إخْوَة رجَالًا وَنسَاء فللذكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (النِّسَاء: ٦٧١) وَيسْتَثْنى من ذَلِك من يحجب، كالأخ للْأَب مَعَ الْبِنْت ولأخت الشَّقِيقَة، وَكَذَا يخرج الْأَخ وَالْأُخْت لأم بقوله تَعَالَى: ﴿فَلِكُل وَاحِد مِنْهُمَا السُّدس﴾ (النِّسَاء: ١١) وَقد نقل الْإِجْمَاع على أَن المُرَاد بهَا الْأُخوة من الْأُم. قَوْله: (رجل ذكر) فِيهِ أَقْوَال كَثِيرَة، أَعنِي: فِي توصيف الرجل بالذكورة.
الأول: قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وَالْمُنْذِرِي: هَذِه اللَّفْظَة لَيست بمحفوظة، وَقَالَ ابْن الصّلاح: فِيهَا بعد عَن الصِّحَّة من حَيْثُ اللُّغَة، فضلا عَن الرِّوَايَة. الثَّانِي: إِنَّمَا وصف الرجل بِالذكر للتّنْبِيه على سَبَب اسْتِحْقَاقه وَهِي الذُّكُورَة الَّتِي هِيَ سَبَب الْعُصُوبَة وَسبب التَّرْجِيح فِي الْإِرْث. الثَّالِث: قَالَ السُّهيْلي: قَوْله: (ذكر) صفة لأولي لَا: لرجل، والأولي بِمَعْنى: الْقَرِيب الْأَقْرَب فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَهُوَ لقريب الْمَيِّت ذكر من جِهَة الرجل وصلب لَا من جِهَة بطن ورحم، فالأولي من حَيْثُ الْمَعْنى مُضَاف إِلَى الْمَيِّت. وَقد أُشير بِذكر الرجل إِلَى جِهَة الْأَوْلَوِيَّة، فأفيد بذلك نفي الْمِيرَاث عَن الأولي الَّذِي هُوَ من جِهَة الْأُم كالخال، وَبِقَوْلِهِ: ذكر، إِلَى نَفيهَا عَن النِّسَاء بالعصوبة، وَإِن كن من الْأَوَّلين للْمَيت من جِهَة الصلب، وَلَو جَعَلْنَاهُ صفة لرجل يلْزم اللَّغْو، وَأَن لَا يبْقى مَعَه حكم الطِّفْل الرَّضِيع إِذْ لَا يُطلق الرجل إلاّ على الْبَالِغ، وَقد علم أَنه يَرث وَلَو ابْن سَاعَة، وَأَن لَا تحصل التَّفْرِقَة بَين قرَابَة الْأَب وقرابة الْأُم. الرَّابِع: قَالَ الْخطابِيّ إِنَّمَا قَالَ: (ذكر) لبَيَان إِرْثه بالذكورة ليعلم أَن الْعصبَة إِذا كَانَ عَمَّا أَو ابْن عَم مثلا وَكَانَ مَعَه أُخْت لَهُ لَا تَرث وَلَا يكون المَال بَينهمَا للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ، ورد بِأَنَّهُ ظَاهر من التَّعْبِير بقوله: (رجل) الْخَامِس: قَالَ ابْن التِّين: إِنَّه للتَّأْكِيد كَمَا فِي قَوْله: ابْن لبون ذكر، ورد بِأَن هَذَا لَيْسَ بتأكيد لَفْظِي وَلَا معنوي. السَّادِس: قَالَ غَيره: هَذَا التَّأْكِيد لمتعلق الحكم وَهُوَ الذُّكُورَة، لِأَن الرجل قد يُرَاد بِهِ معنى النجدة وَالْقُوَّة فِي الْأَمر، فقد حكى سِيبَوَيْهٍ: مَرَرْت بِرَجُل رجل أَبوهُ، فَلهَذَا احْتَاجَ الْكَلَام إِلَى زِيَادَة التوكيد: بِذكر حَتَّى لَا يظنّ أَن المُرَاد بِهِ خُصُوص الْبَالِغ. السَّابِع: إِنَّمَا قيد: بِذكر، خشيَة أَن يظنّ أَن المُرَاد من الرجل الشَّخْص، وَهُوَ أَعم من الذّكر وَالْأُنْثَى، وَفِيه مَا فِيهِ على مَا لَا يخفى. الثَّامِن: مَا قَالَه بعض الفرضيين: إِنَّه احْتِرَاز عَن الْخُنْثَى. التَّاسِع: مَا قيل: إِن المُرَاد بِالرجلِ الْمَيِّت لِأَن الْغَالِب فِي الْأَحْكَام أَن تذكر الرِّجَال وَتدْخل النِّسَاء فيهم بالتبعية. الْعَاشِر: أَنه للْإِشَارَة إِلَى الْكَمَال فِي ذَلِك، كَمَا يُقَال: امْرَأَة أُنْثَى، وَفِيه مَا فِيهِ. وَقيل غير ذَلِك مِمَّا الْغَالِب فِيهِ النّظر والتردد.
٦ - (بَاب مِيرَاثِ البَناتِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مِيرَاث الْبَنَات، وَالْأَصْل فِيهِ الْآيَة الَّتِي تقدّمت فِي أول الْكتاب وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الْآيَة وَإِن الْجَاهِلِيَّة كَانُوا لَا يورثون الْبَنَات فَأبْطل الله ذَلِك وشاركهن مَعَ الذُّكُور وَقد مر بَيَانه هُنَاكَ.
٣٣٧٦ - حدّثنا الحُمَيْدِيُّ حدّثنا سُفْيانُ حدّثنا الزُّهرِيُّ قَالَ: أَخْبرنِي عامِر بنُ سَعْدِ بنِ أبِي وِقَاصٍ عنْ أبِيهِ قَالَ: مَرِضْتُ بِمَكَّةَ مَرَضاً فأشْفَيْتُ مِنْهُ عَلى المَوْتِ، فَأَتَانِي النبيُّ ﷺ يَعُودُونِي فَقُلْتُ: يَا رسولَ الله! إنَّ لِي مَالا كَثِيراً ولَيْسَ يَرِثُنْي إلاّ ابْنَتِي، أفأتَصَدَّقُ بِثلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: (لَا) . قَالَ:
стр. 7060
قُلْتُ: فالشَّطْرُ؟ قَالَ: (لَا) . قُلْتُ: الثُّلُثَ؟ قَالَ: (الثُّلُثُ كَبِيرٌ، إنّكَ إنْ تَرَكْتَ وَلَدَكَ أغْنياءَ خَيْرٌ مِنْ أنْ تَتْرُكَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وإنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةَ إلاّ أُجِرْتَ عَلَيْها، حَتَّى اللُّقمَةَ تَرْفَعُها إِلَى فِي امْرَأتِكَ) فَقُلْتُ: يَا رسولَ الله! آاخَلَّفُ عنْ هِجْرَتِي؟ فَقَالَ: (لَنْ تُخَلَّفَ بَعْدِي فَتَعْمَلَ عَمَلاً تُرِيدُ بِهِ وجْهَ الله إلاّ ازْدَدْتَ بِهِ رفْعَةً ودَرَجَةً، ولَعَلَّ أنْ تُخَلَّفَ بَعْدي حتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أقْوَامٌ ويُضَرَّبِكَ آخَرُونَ) . لَكِنِ البائِسُ سَعْدُ بنُ خَوْلَةَ يَرْثِي لهُ رسولُ الله ﷺ أنْ ماتَ بِمَكَةَ. قَالَ سُفْيانُ: وسَعْدُ بنُ خَوْلَةَ رَجلٌ مِنْ بَنِي عامِرِ بنِ لُؤَي.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَيْسَ يَرِثنِي إلَاّ ابْنَتي) والْحميدِي عبد الله بن الزبير بن عِيسَى نِسْبَة إِلَى حميد بِالضَّمِّ أحد أجداده، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب رثاء النَّبِي ﷺ ، سعد بن خَوْلَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن عَامر بن سعد بن أبي وَقاص ... إِلَى آخِره، وَأَيْضًا مضى فِي كتاب الْوَصَايَا فِي: بَاب أَن تتْرك وَرثتك أَغْنِيَاء، أخرجه فِيهِ عَن أبي نعيم عَن سُفْيَان، وَفِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن سُفْيَان، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (فأشفيت) أَي: فَأَشْرَفت قَوْله: (مَالا كثيرا) بالثاء الْمُثَلَّثَة وبالباء الْمُوَحدَة قَوْله: (فَالشَّطْر) بِالْجَرِّ وَالرَّفْع، قَالَه الْكرْمَانِي وَلم يبين وجههما.
قلت: أما الْجَرّ فبالعطف على قَوْله: (بِثُلثي مَالِي) وَأما الرّفْع فعلى أَنه مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: فَالشَّطْر أَتصدق بِهِ، أَي: النّصْف. قَوْله: (إِن تركت) بِكَسْر الْهمزَة وَفتحهَا. قَوْله: (خير) أَي: فَهُوَ خير ليَكُون جَزَاء للشّرط. قَوْله: (عَالَة) جمع عائل وَهُوَ الْفَقِير. قَوْله: (يَتَكَفَّفُونَ) أَي يمدون إِلَى النَّاس أكفهم للسؤال. قَوْله: (أجرت) على صِيغَة الْمَجْهُول من الْأجر. قَوْله: (وأخلف) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: أبقى بِمَكَّة مُتَخَلِّفًا عَن الْهِجْرَة؟ قَوْله: (لَعَلَّ) ويروى: ولعلك، اسْتعْمل هُنَا اسْتِعْمَال عَسى. قَوْله: (ويضربك) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (البائس) بِالْبَاء الْمُوَحدَة شَدِيد الْحَاجة أَو الْفَقِير. قَوْله: (يرثي) بِكَسْر الثَّاء الْمُثَلَّثَة أَي: يرق وَيرْحَم. قيل: هُوَ كَلَام سعد، وَقيل: كَلَام الزُّهْرِيّ، وَسعد بن خَوْلَة مَاتَ بِمَكَّة فِي حجَّة الْوَدَاع وَتَقَدَّمت فِيهِ مبَاحث فِي كتاب الْجَنَائِز.
٤٣٧٦ - حدّثني مَحْمُودٌ حدّثنا أبُو النضْرِ حَدثنَا أبُو مُعاوِيَةَ شَيْبانُ عنْ أشْعَثَ عنِ الأسْوَدِ بن يَزِيدَ قَالَ: أَتَانَا مُعاذُ بنُ جُبَلٍ باليَمنِ مُعَلِّماً وأمِيراً، فَسألْناهُ عنْ رجُلٍ تُوُفِّيَ وتَرَكَ ابْنَتَهُ وأُخْتَهُ، فأعْطَى الإبْنَةَ النِّصْفَ والأُخْتَ النِّصْفَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أعْطى الِابْنَة النّصْف) ومحمود هُوَ ابْن غيلَان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة أَبُو أَحْمد الْمروزِي، وَأَبُو النَّضر هُوَ هَاشم التَّمِيمِي الملقب بقيصر، وَأَشْعَث بالشين الْمُعْجَمَة وبالعين الْمُهْملَة وبالثاء الْمُثَلَّثَة ابْن سليم يكنى بالشعثاء الْكُوفِي، وَالْأسود ابْن يزِيد بن قيس النَّخعِيّ الْكُوفِي.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْفَرَائِض عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل.
قَوْله: (فَأعْطى الِابْنَة النّصْف) أجمع الْعلمَاء على أَن مِيرَاث الْبِنْت الْوَاحِدَة النّصْف، وَللْأُخْت النّصْف، بِنَصّ الْقُرْآن.
٧ - (بابُ مِيرَاثِ ابنِ الابِنِ إذَا لَمْ يَكُنِ ابنٌ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِرْث ابْن ابْن الرجل إِذا لم يكن لَهُ ابْن لصلبه.
وَقَالَ زَيْدٌ: ولَدُ الأبْناءِ بِمَنْزِلَةِ الوَلَدَ إذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهُمْ وَلَدٌ ذَكَرٌ ذَكَرُهُمْ كَذَكَرِهِمْ، وأُنْثاهُمْ كأُنْثاهُمْ يَرِثُونَ كَمَا يَرِثُونَ ويَحْجُبُونَ كَما يَحْجُبُونَ، وَلَا يَرِثُ ولَدُ الابِنِ مَعَ الابِنِ.
أَي: قَالَ زيد بن ثَابت الْأنْصَارِيّ ... إِلَى آخِره، وَهَذَا الَّذِي قَالَه زيد إِجْمَاع، وَوصل أَثَره سعيد بن مَنْصُور عَن عبد الرَّحْمَن
стр. 7061
ابْن أبي الزِّنَاد عَن أَبِيه. وَأخرجه عَن خَارِجَة بن زيد عَن أَبِيه أَيْضا يزِيد بن هَارُون عَن مُحَمَّد بن سَالم عَن الشّعبِيّ عَنهُ. قَوْله: بِمَنْزِلَة الْوَلَد، أَي: بِمَنْزِلَة الْوَلَد للصلب، قَوْله: (دونهم) أَي: إِذا لم يكن بَينهم وَبَين الْمَيِّت ولد للصلب. قَوْله: (ذكر) كَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين لفظ: ذكر. وَاحْترز بِالذكر عَن الأثنى. قَوْله: (ذكرهم كذكرهم) أَي: ذكر ولد الْأَبْنَاء كذكر الْأَبْنَاء، وأنثاهم أَي أُنْثَى ولد الْأَبْنَاء كأنثى الْأَبْنَاء، يَرِثُونَ أَي ولد الْأَبْنَاء كَمَا يَرث الْأَبْنَاء، وَهُوَ ظَاهر. قَوْله: (ويحجبون) أَي: يَرِثُونَ جَمِيع المَال إِذا انفردوا ويحجبون دونهم فِي الطَّبَقَة مِمَّن بَينهم وَبَين الْمَيِّت. وَقَالَ ابْن بطال: قَالَ أَكثر الْفُقَهَاء فِيمَن خلفت زوجا وَأما وبنتاً وَابْن ابْن وَبنت ابْن: يقدم الْفَرْض: للزَّوْج الرّبع، وَللْأُمّ السُّدس، وللبنت النّصْف، وَمَا بَقِي بَين وَلَدي الابْن للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ، فَإِن كَانَت الْبِنْت أَسْفَل من الابْن فالباقي لَهُ دونهَا، وَقيل الْبَاقِي لَهُ مُطلقًا. لقَوْله: فَمَا بَقِي فَلَا ولي رجل ذكر. قَوْله: (وَلَا يَرث ولد الابْن مَعَ الابْن) ذكر هَذَا تَأْكِيدًا لما تقدم فَإِن حجب أَوْلَاد الابْن بالابن إِنَّمَا يُؤْخَذ من قَوْله: إِذا لم يكن دونهم ... إِلَى آخِره، بطرِيق الْمَفْهُوم.
٨ - (بابُ مِيرَاثِ ابْنَةِ ابنٍ مَعَ ابْنَةٍ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مِيرَاث ابْنة ابْن مَعَ وجود ابْنة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: مَعَ بنت.
٦٣٧٦ - حدّثنا آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ حَدثنَا أبُو قَيْسٍ سَمِعْتُ هُزَيْلَ بنَ شُرَحْبِيلَ قَالَ: سُئِلَ أبُو مُوسَى عَنْ ابْنَةٍ وابْنَةٍ ابنٍ وأُخْتٍ فَقَالَ: لِلابْنَةِ النِّصْفُ، وللاخْتِ النِّصْفُ وأتِ ابنَ مَسْعُودٍ فَسَيُتابِعُنِي، فَسُئِلَ ابنُ مَسْعُودٍ وأُخْبِرَ بِقَوْلِ أبي مُوسَى، فَقَالَ: لَقَدْ ﴿ (٦) ضَلَلْتُ إذَا وَمَا أَنا مِنَ المُهْتَدِين﴾ (الْأَنْعَام: ٦٥) أقْضِي فِيها بِما قَضَي النبيُّ ﷺ : للابْنَةِ النِّصْفُ ولابْنَةِ الابنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ فلِلأخْتِ. فأتَيْنا أَبَا مُوسَى فأخْبرَناهُ بِقَوْلِ ابنِ مسْعُودٍ، فَقَالَ: لَا تَسألوني مَا دَامَ هاذَا الخَبْرُ فِيكُمْ. (الحَدِيث ٦٣٧٦ طرفه فِي: ٢٤٧٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس، وَأَبُو قيس بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالسين الْمُهْملَة واسْمه عبد الرَّحِم بن ثروان بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الرَّاء وبالواو وَالنُّون الأودي بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْوَاو وبالدال الْمُهْملَة، مَاتَ سنة عشْرين وَمِائَة، وهزيل بِضَم الْهَاء وَفتح الزَّاي وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وباللام، وَلَقَد صحف من قَالَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة مَوضِع الزَّاي، ابْن شُرَحْبِيل بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وباللام، قَالَ الْكرْمَانِي: وَلم يتَقَدَّم ذكرهمَا.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْفَرَائِض عَن عبد الله بن عَامر بن زُرَارَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن الْحسن بن عَرَفَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن وَكِيع.
قَوْله: (سُئِلَ أَبُو مُوسَى) وَرِوَايَة غنْدر عَن شُعْبَة عَن النَّسَائِيّ: جَاءَ رجل إِلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَهُوَ الْأَمِير، وَإِلَى سلمَان بن ربيعَة الْبَاهِلِيّ فَسَأَلَهُمَا. . وَكَذَا أخرجه أَبُو دَاوُد، وَكَذَا لِلتِّرْمِذِي وَابْن مَاجَه والطَّحَاوِي والدارمي من طرق عَن سُفْيَان الثَّوْريّ بِزِيَادَة: سلمَان بن ربيعَة، مَعَ أبي مُوسَى، وَقد ذكرُوا أَن سلمَان الْمَذْكُور كَانَ على قَضَاء الْكُوفَة. قَوْله: (وائتِ ابْن مَسْعُود) ، قَالَ ذَلِك للاستثبات. قَوْله: ﴿لقد ضللت إِذا وَمَا أَنا من المهتدين﴾ (الْأَنْعَام: ٦٥) قَالَ الْكرْمَانِي: غَرَض عبد الله بن مَسْعُود من قِرَاءَة هَذِه الْآيَة هُوَ أَنه لَو قَالَ بحرمان بنت الابْن لَكَانَ ضَالًّا.
قلت: الْحَاصِل من ذَلِك أَن قَول ابْن مَسْعُود
стр. 7062
هَذَا جَوَاب عَن قَول أبي مُوسَى أَنه سيتابعني، وَأَشَارَ إِلَى أَنه لَو تَابعه لخالف صَرِيح السّنة الَّتِي عِنْده، وَأَنه لَو خالفها عَامِدًا لضل. قَوْله: (أقضى فِيهَا) أَي فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَو فِي هَذِه الْقَضِيَّة (بِمَا قضى النَّبِي ﷺ وَالَّذِي قَضَاهُ هُوَ قَوْله: (للابنة النّصْف) إِلَى آخِره، وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق حجاج بن أَرْطَأَة عَن عبد الرَّحْمَن بن ثروان: فَقَالَ ابْن مَسْعُود: كَيفَ أَقُول يَعْنِي مثل قَول أبي مُوسَى وَقد سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول؟ ... فَذكره، وَكَانَت هَذِه الْقَضِيَّة فِي زمن عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أمَّر أَبَاهُ مُوسَى على الْكُوفَة، وَكَانَ ابْن مَسْعُود قبل ذَلِك أميرها ثمَّ عزل قبل ولَايَة أبي مُوسَى عَلَيْهَا بِمدَّة. قَوْله: (فأتينا أَبَاهُ مُوسَى) فِيهِ إِشْعَار بِأَن هزيلاً الرَّاوِي الْمَذْكُور توجه مَعَ السَّائِل إِلَى ابْن مَسْعُود فَسمع جَوَابه، فَعَاد، إِلَى أبي مُوسَى مَعَه فَأخْبرهُ، فَلذَلِك ذكر الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) : هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة هزيل عَن ابْن مَسْعُود. قَوْله: (مَا دَامَ هَذَا الحبر) بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وبالراء، وَأَرَادَ بِهِ ابْن مَسْعُود، والحبر هُوَ الَّذِي يحسن الْكَلَام ويزينه. وَذكر الْجَوْهَرِي الحبر بِالْفَتْح وَالْكَسْر وَرجح الْكسر، وَجزم الْفراء بِالْكَسْرِ، وَقَالَ سمي: بالحبر الَّذِي يكْتب بِهِ. قلت: هُوَ بِالْفَتْح فِي رِوَايَة جَمِيع الْمُحدثين، وَأنكر أَبُو الْهَيْثَم الْكسر.
وَفِيه: أَن الْحجَّة عِنْد التَّنَازُع سنة النَّبِي ﷺ ، فَيجب الرُّجُوع إِلَيْهَا. وَفِيه: بَيَان مَا كَانُوا عَلَيْهِ من الْإِنْصَاف وَالِاعْتِرَاف بِالْحَقِّ وَالرُّجُوع إِلَيْهِ وَشَهَادَة بَعضهم لبَعض بِالْعلمِ وَالْفضل وَكَثْرَة إطلاع ابْن مَسْعُود على السّنة، وَتثبت أبي مُوسَى عَن الْفتيا حَيْثُ دلّ على من ظن أَنه أعلم مِنْهُ. قَالَ ابْن بطال: وَلَا خلاف بَين الْعلمَاء فِيمَا رَوَاهُ ابْن مَسْعُود، وَفِي جَوَاب أبي مُوسَى إِشْعَار بِأَنَّهُ رَجَعَ عَمَّا قَالَه، وَقَالَ أَبُو عمر: لم يُخَالف فِي ذَلِك إلَاّ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وسلمان بن ربيعَة الْبَاهِلِيّ، وَقد رَجَعَ أَبُو مُوسَى عَن ذَلِك، وَلَعَلَّ سلمَان أَيْضا رَجَعَ كَأبي مُوسَى، وسلمان هَذَا مُخْتَلف فِي صحبته وَله أثر فِي فتوح الْعرَاق أَيَّام عمر وَعُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَاسْتشْهدَ فِي زمَان عُثْمَان وَكَانَ يُقَال لَهُ: سلمَان الْخَيل، لمعرفته بهَا، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: يُؤْخَذ من قصَّة أبي مُوسَى وَابْن مَسْعُود جَوَاز الْعَمَل بِالْقِيَاسِ قبل معرفَة الْخَبَر وَالرُّجُوع إِلَى الْخَبَر بعد مَعْرفَته، وَنقض الحكم إِذا خَالف النَّص.
٩ - (بابُ مِيراثِ الجَدِّ مَعَ الأبِ والإخْوَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم مِيرَاث الْجد الَّذِي من قبل الْأَب مَعَ الْأَب والأخوة الأشقاء، وَمن الْأَب وَقد انْعَقَد الْإِجْمَاع على أَن الْجد لَا يَرث مَعَ وجود الْأَب.
وَقَالَ أبُو بَكْرٍ ابنُ عَبَّاسٍ وابنُ الزُّبَيْرِ: الجَدُّ أبٌ
أَي: الْجد الصَّحِيح أَب أَي: حكمه حكم الْأَب عِنْد عَدمه بِالْإِجْمَاع. وَالْجد الصَّحِيح هُوَ الَّذِي لَا يدْخل فِي نسبته إِلَى الْمَيِّت أم، وَقد يُطلق على الْجد أَب فِي قَوْله : ﴿كَمَا أخرج أبويكم من الْجنَّة﴾ (الْأَعْرَاف: ٧٢) والمخرج من الْجنَّة آدم جدنا الْأَعْلَى فَإِذا أطلق على الْجد الْأَعْلَى أَب فإطلاقه على أَب الْأَب بطرِيق الأولى، فَإِذا كَانَ أَبَا فَلهُ أَحْوَال ثَلَاث: الْفَرْض الْمُطلق وَالْفَرْض والنصيب والتعصيب الْمَحْض فَهُوَ كَالْأَبِ فِي جَمِيع أَحْوَاله إلَاّ فِي أَربع مسَائِل فَإِنَّهُ لَا يقوم مقَام الْأَب فِيهَا. الأولى: أَن بني الْأَعْيَان والجدات كلهم يسقطون بِالْأَبِ بِالْإِجْمَاع وَلَا يسقطون بالجد إلَاّ عِنْد أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الثَّالِثَة: أَن الْأُم مَعَ أحد الزَّوْجَيْنِ وَالْأَب تَأْخُذ ثلث مَا يبْقى، وَمَعَ الْجد تَأْخُذ ثلث الْجَمِيع إلَاّ عِنْد أبي يُوسُف فَإِن عِنْده الْجد كَالْأَبِ فِيهِ. وَالثَّانيَِة: أَن أم الْأَب، وَإِن علت تسْقط بِالْأَبِ وَلَا تسْقط بالجد وَإِن علت. الرَّابِعَة: أَن الْمُعْتق إِذا ترك أَبَا الْمُعْتق وَابْنه فسدس الْوَلَاء للْأَب وَالْبَاقِي للِابْن عِنْد أبي يُوسُف، وَعِنْدَهُمَا: كُله للِابْن، وَلَو ترك ابْن الْمُعْتق وجده فَالْولَاء كُله للِابْن بالِاتِّفَاقِ، وَهَذَا هُوَ شرح كَلَام هَؤُلَاءِ الصَّحَابَة، وَلم أر أحدا من الشُّرَّاح ذكر شَيْئا من ذَلِك. وَقَالَ بَعضهم: قَوْله: (الْجد أَب) أَي: هُوَ أَب حَقِيقَة.
قلت: لم يقل بذلك أحد مِمَّن يُمَيّز بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز، وَأما قَول أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فوصله الدَّارمِيّ بِسَنَد على شَرط مُسلم عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ: أَن أَبَا بكر جعل الْجد أَبَا. وَأما قَول ابْن عَبَّاس فَأخْرجهُ
стр. 7063
مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي فِي كتاب الْفَرَائِض من طَرِيق عَمْرو بن دِينَار عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: الْجد أَب، وَأما قَول عبد الله بن الزبير فَمضى فِي المناقب مَوْصُولا من طَرِيق ابْن أبي مليكَة، قَالَ: كتب أهل الْكُوفَة إِلَى ابْن الزبير فِي الْجد فَقَالَ: إِن أَبَا بكر أنزلهُ أَبَا.
وقَرَأ ابنُ عَبَّاسٍ ﴿يَا بني آدم﴾ (الْأَعْرَاف: ٦٢، وَغَيرهَا) ﴿وَاتَّبَعت مِلَّة آبَائِي إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب﴾ (يُوسُف: ٨٣) ولَمْ يَذْكُرْ أنَّ أحَداً خالَفَ أَبَا بَكْرٍ فِي زَمانِهِ وأصْحابُ النبيِّ ﷺ مُتَوَافِرُونَ.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: يَرِثُنِي ابنُ ابْني دُونَ إخْوَتِي وَلَا أرِثُ أَنا ابنَ ابْنِي.
أَشَارَ بقوله: وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس ﴿يَا بني آدم﴾ إِلَى احتجاجه بِأَن الْجد أَب بقوله تَعَالَى: ﴿يَا بني آدم﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبَعت مِلَّة آبَائِي إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب﴾ فَإِنَّهُ أطلق على هؤلا الْأَب مَعَ أَنهم أجداد، وروى سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق عَطاء عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الْجد أَب، وَقَرَأَ ﴿وَاتَّبَعت مِلَّة آبَائِي إِبْرَاهِيم﴾ الْآيَة. قَوْله: وَلم يذكر، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: خَالف أَبَا بكر أَي: فِيمَا قَالَه من الْجَسَد حكمه حكم الْأَب. قَوْله: (وَأَصْحَاب النَّبِي ﷺ الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (متوافرون) أَي: فيهم كَثْرَة وَعدد، وَهُوَ إِجْمَاع سكوتي. وَمِمَّنْ قَالَ مثل قَول ابْن عَبَّاس: معَاذ وَأَبُو الدَّرْدَاء وَأَبُو مُوسَى وَأبي بن كَعْب وَأَبُو هُرَيْرَة وَعَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَمن التَّابِعين أَيْضا: عَطاء وطاووس وَشُرَيْح وَالشعْبِيّ، وَقَالَ أَيْضا من الْفُقَهَاء: عُثْمَان البتي وَأَبُو حنيفَة وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد والمزني وَابْن شُرَيْح، وَذهب عمر وَعلي وَزيد بن ثَابت وَابْن مَسْعُود إِلَى تَوْرِيث الْإِخْوَة مَعَ الْجد، لَكِن اخْتلفُوا فِي كَيْفيَّة ذَلِك، وموضعه كتب الْفَرَائِض.
قَوْله: (وَقَالَ ابْن عَبَّاس يَرِثنِي)
إِلَى آخِره أَرَادَ بِهِ الْإِنْكَار أَي: لم لَا يَرث الْجد فَيكون ردا على من حجب الْجد بالإخوة، أَو مَعْنَاهُ: فَلم لَا يَرث الْجد وَحده دون الْإِخْوَة، كَمَا فِي الْعَكْس، فَهُوَ رد على من قَالَ بِالشّركَةِ بَينهمَا. وَقَالَ أَبُو عمر: وَجه قِيَاس ابْن عَبَّاس أَن ابْن الابْن لما كَانَ كالابن عِنْد عدم الابْن كَانَ أَبُو الْأَب عِنْد عدم الْأَب كَالْأَبِ.
ويُذْكَرُ عنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابنِ مَسْعُودٍ وزَيْدٍ أقاوِيلُ مُخْتَلِفَةٌ
وَيذكر على صِيغَة الْمَجْهُول إِشَارَة إِلَى التمريض، وَقد ذكرنَا الْآن أَنهم ذَهَبُوا إِلَى تَوْرِيث الْإِخْوَة مَعَ الْجد وَلَكِن باخْتلَاف بَينهم فِي ذَلِك. وَقَول عمر: إِنَّه كَانَ يقاسم الْجد مَعَ الْأَخ والأخوين فَإِذا زادوا أعطَاهُ الثُّلُث وَكَانَ يُعْطِيهِ مَعَ الْوَلَد السُّدس، رَوَاهُ الدَّارمِيّ من طَرِيق عِيسَى الحناط عَن الشّعبِيّ فَذكره، وَقَول عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَرَوَاهُ الشّعبِيّ: كتب ابْن عَبَّاس إِلَى عَليّ يسْأَله عَن سِتَّة إخْوَة وجد، فَكتب إِلَيْهِ أَن أجعله كأحدهم وامح كتابي، وروى الْحسن الْبَصْرِيّ أَن عليا كَانَ يُشْرك الْجد مَعَ الْإِخْوَة إِلَى السُّدس، وَله أَقْوَال أخر، وَقَول ابْن مَسْعُود رُوِيَ فِي امْرَأَة تركت زَوجهَا وَأمّهَا وجدهَا وأخاها لأَبِيهَا أَن للزَّوْج ثَلَاثَة أسْهم: النّصْف وَللْأُمّ ثلث مَا بَقِي وَهُوَ السُّدس من رَأس المَال، وللأخ سهم وللجد سهم. وَقَول زيد بن ثَابت فَرَوَاهُ الدَّارمِيّ من طَرِيق الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: كَانَ زيد يُشْرك الْجد مَعَ الْأُخوة إِلَى الثُّلُث، وَأخرج عبد الرَّزَّاق من طَرِيق إِبْرَاهِيم قَالَ: كَانَ زيد يُشْرك الْجد مَعَ الْإِخْوَة إِلَى الثُّلُث، فَإِذا بلغ الثُّلُث أعطَاهُ إِيَّاه وللأخوة مَا بَقِي ويقاسم الْأَخ للْأَب ثمَّ يرد على أَخِيه ويقاسم الْأُخوة من الْأَب مَعَ الْأُخوة الأشقاء، وَلَا يُورث الْأُخوة للْأَب شَيْئا، وَلَا يُعْطي أَخا لأم مَعَ الْجد شَيْئا، وَله أَقْوَال أُخْرَى طوينا ذكرهَا طلبا للاختصار.
٧٣٧٦ - حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ حدّثنا وُهَيْبٌ عَن ابنِ طاوُوسٍ عَن أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَن النبيِّ ﷺ قَالَ: (ألْحِقُوا الفَرائِضَ بِأهْلِها، فَما بَقِيَ فَلأولَى رَجُلٍ ذَكَرٍ) .
وَجه إِيرَاد هَذَا الحَدِيث هُنَا، مَعَ أَنه تقدم عَن قريب وَتقدم شَرحه، هُوَ أَن الَّذِي يبْقى بعد الْفَرْض يصرف لأَقْرَب النَّاس إِلَى الْمَيِّت، فَكَانَ الْجد أقرب فَيقدم. وَقَالَ ابْن بطال: وَقد احْتج بِهِ من يُشْرك بَين الْجد وَالْأَخ فَإِنَّهُ أقرب إِلَى الْمَيِّت وَهُوَ ظَاهر
стр. 7064
ووهيب هُوَ ابْن خَالِد يروي عَن عبد الله بن طَاوُوس عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس.
٨٣٧٦ - حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ حدّثنا عَبْدُ الوارِثِ حدّثنا أيُّوبَ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أمَّا الّذِي قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذاً مِنْ هاذِهِ الأُمَّةِ خَلِيلاً لاتَّخَذْتُهُ ولاكِنْ خلَّةُ الإسْلامِ أفْضَلُ) أوْ قَالَ: خَيْرٌ فإنَّهُ أنْزَلَهُ أَبَا، أوْ قَالَ قَضاهُ أَبَا.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَإِنَّهُ أنزلهُ أَبَا) فَإِن أَبَا بكر أنزل الْجد أَبَا.
وَأَبُو معمر بِفَتْح الميمين اسْمه عبد الله بن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج الْمنْقري المقعد، وَعبد الْوَارِث بن سعيد الْبَصْرِيّ، وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب الخوخة فِي الْمَسْجِد.
قَوْله: (لَو كنت متخذاً) يَعْنِي: لَو كنت مُنْقَطِعًا إِلَى غير الله لانقطعت إِلَى أبي بكر، لَكِن هَذَا مُمْتَنع لِامْتِنَاع ذَلِك (وَلَكِن خلة الْإِسْلَام) مَعَه أفضل من الْخلَّة مَعَ غَيره. قَوْله: (أَو قَالَ خير) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (أَو قَالَ: قَضَاء أَبَا) أَيْضا شكّ من الرَّاوِي أَي: حكم بِأَنَّهُ أَب.
٠١ - (بابُ مِيراثِ الزَّوْجِ مَعَ الوَلَدِ وغَيْرِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مِيرَاث الزَّوْج مَعَ الْوَلَد وَغَيره من الْوَارِثين، فَلَا يسْقط الزَّوْج بِحَال، وَإِنَّمَا ينحط بِالْوَلَدِ من النّصْف إِلَى الرّبع.
١١ - (بابُ مِيراثِ المَرْأةِ والزَّوْجِ مَعَ الوَلَدِ وغَيْرِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مِيرَاث الْمَرْأَة ... إِلَى آخِره، قَوْله: وَغَيره، أَي: من الْوَارِثين، فَلَا يحط إِرْث وَاحِد من الْمَرْأَة وَالزَّوْج بِحَال، بل يحط الْوَلَد الزَّوْج من النّصْف إِلَى الرّبع، ويحط الْمَرْأَة من الرّبع إِلَى الثّمن.
٠٤٧٦ - حدّثنا قُتَيْبَةُ حدّثنا اللَّيْثُ عنِ ابنِ شِهابٍ عَن ابْن المُسَيَّبِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قَالَ: قضَى رسولُ الله ﷺ فِي جَنِينِ امْرَأةٍ منْ بَي لَحْيانَ سَقَطَ مَيِّتاً بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أوْ أمَةٍ، ثمَّ إنَّ المَرْأةَ الَّتِي قَضَى عَلَيْها بالغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ، فَقَضى رسولُ الله ﷺ بِأنَّ مِيراثَها لِبَنِيها وزَوْجِها، وأنَّ العَقْلَ علَى عَصَبَتِها. (انْظُر الحَدِيث ٨٥٧٥ وأطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَابْن الْمسيب سعيد.
والْحَدِيث ذكره أَيْضا فِي الدِّيات عَن عبد الله بن يُوسُف. وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة مَا خلا ابْن مَاجَه كلهم عَن قُتَيْبَة، فَمُسلم فِي الْحُدُود، وَالتِّرْمِذِيّ فِي الْفَرَائِض، وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي الدِّيات، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن النَّبِي ﷺ ، مُرْسلا.
قَوْله: (فِي جَنِين امْرَأَة) قَالَ البُخَارِيّ فِي الدِّيات: اقْتتلَتْ امْرَأَتَانِ من هُذَيْل فرمت إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى بِحجر
стр. 7065
فَقَتلهَا وَمَا فِي بَطنهَا ... الحَدِيث يُقَال: إِن الضاربة يُقَال لَهَا أم عفيف بنت مسروج، والمضروبة مليكَة بنت عويم، وَقيل: عُوَيْمِر، برَاء ذكره أَبُو عمر، وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ: أَن امْرَأتَيْنِ من هُذَيْل رمت إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى فطرحت جَنِينهَا ... الحَدِيث، وَهنا قَالَ: إِن المضروبة من بني لحيان. وَلَا تخَالف بَينهمَا. فَإِن لحيان بِكَسْر اللَّام وَقيل بِفَتْحِهَا بطن من هُذَيْل وَهُوَ لحيان بن هُذَيْل بن مدركة. قَالَ الْجَوْهَرِي: لحيان أَبُو قَبيلَة وَضَبطه بِكَسْر اللَّام، وَفِي رِوَايَة: هذلية وعامرية، وَفِي إسنادها ابْن أبي فَرْوَة وَهُوَ ضَعِيف، وظاهرهما التَّعَارُض، وَفِي (الصَّحِيح) : أَن إِحْدَاهمَا كَانَت ضرَّة الْأُخْرَى، وَفِي رِوَايَة من طَرِيق مجَالد: وكل مِنْهُمَا تَحت زوج، وَلَا مُنَافَاة أَيْضا لاحْتِمَال إِرَادَة كَونهمَا ليستا ضرتين، وَجَاء أَيْضا أَنَّهَا ضربتها بعمود فسطاط، وَجَاء: فحذفتها، وَجَاء: فدقت إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى بِحجر، وَلَا تخَالف لاحْتِمَال تكَرر الْفِعْل. قَوْله: (سقط) أَي: الْجَنِين حَال كَونه مَيتا. قَوْله: (بغرة) مُتَعَلق بقوله: (قضى) قَوْله: (عبد) بِالتَّنْوِينِ بَيَان لغرة ويروى، بِالْإِضَافَة أَيْضا. قَوْله: (أَو أمة) كلمة: أَو، للتنويع وَلَيْسَت للشَّكّ، وَعَن أبي دَاوُد: فَقضى رَسُول الله ﷺ ، فِي جَنِينهَا بغرة عبد أَو أمة أَو فرس أَو بغل أَو حمَار، والْحَدِيث مَعْلُول، وَفِي رِوَايَة لِابْنِ أبي شبيبة من حَدِيث عَطاء مُرْسلا: أَو بغل، فَقَط وَأُخْرَى: أَو فرس من حَدِيث هِشَام عَن أَبِيه، وَقَالَ بِهِ مُجَاهِد وطاووس. وَفِي الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث معمر عَن ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه أَن عمر قَالَ: أَو فرس، وَقَالَ ابْن سِيرِين: يجزىء مائَة شَاة، وَفِي بعض طرق أبي دَاوُد: وَخَمْسمِائة شَاة، وَهُوَ وهم، وَصَوَابه: مائَة شَاة كَمَا نبه عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد. وَفِي (مُسْند الْحَارِث بن أبي أُسَامَة) من حَدِيث حمل بن مَالك: أَو عشر من الْإِبِل، أَو مائَة شَاة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرَوَاهُ أَبُو الْمليح أَيْضا عَن أَبِيه عَن رَسُول الله ﷺ ، إلَاّ أَنه قَالَ: أَو عشرُون وَمِائَة شَاة، وَإسْنَاد ضَعِيف، وروى وَكِيع عَن عبد الله بن أبي بكر عَن أبي الْمليح الْهُذلِيّ قَالَ: كَانَت تَحت حمل بن مَالك امْرَأَتَانِ: امْرَأَة من بني سعد، وَامْرَأَة من بني لحيان. فرمت السعدية اللحيانية فقتلتها وأسقطت غُلَاما، فَقضى ﷺ فِي الْجَنِين بغرة. فَقَالَ عُوَيْمِر، أحد من قضى عَلَيْهِم بالغرة: يَا رَسُول الله ﴿لَا غرَّة لي قَالَ: فعشر من الْإِبِل. قَالَ: يَا رَسُول الله﴾ لَا إبل لي قَالَ: فعشرون وَمِائَة من الشَّاة لَيْسَ فِيهَا عوراء وَلَا فارض وَلَا عضباء، قَالَ: يَا رَسُول الله! فاعني بهَا من صَدَقَة بني لحيان. فَقَالَ لرجل: فأعنه بهَا، وروى عبد الرَّزَّاق عَن أبي جَابر البياضي وَهُوَ واهٍ عَن سعيد بن الْمسيب عَن رَسُول الله ﷺ ، فِي جَنِين يقتل فِي بطنن الْمَرْأَة بغرة فِي الذّكر غُلَام وَفِي الْأُنْثَى جَارِيَة، وَقَالَ أَبُو عمر: الْغرَّة مَعْنَاهَا الْأَبْيَض فَلَا يُؤْخَذ فِيهَا الْأسود. وَقَالَ مَالك: الحمران أحب إِلَيّ من السودَان، وَقَالَ الْأَبْهَرِيّ: يَعْنِي الْبيض، فَإِن لم يكن عبيد تِلْكَ الْبَلدة بيضًا كَانَ من السودَان، وَقَالَ مَالك: وَيكون من أَوسط عبيد تِلْكَ الْبَلدة فَإِن كَانَ أَكْثَرهم الحمران فَمن أوسطهم وَقَالَ مَالك هُوَ عبد أَو وليدة. قَوْله: (بِأَن مِيرَاثهَا) أَي: مِيرَاث هَذِه الْمَرْأَة المقتولة لبنيها وَزوجهَا، وَقَالَ أَبُو عمر: جُمْهُور النَّاس على الْمِيرَاث فِي هَذِه الْغرَّة للْوَرَثَة وَالْعقل على الْعصبَة.
وَاخْتلفُوا على من تجب الْغرَّة؟ فَقَالَت طَائِفَة، مِنْهُم مَالك وَالْحسن بن حَيّ: هِيَ فِي مَال الْجَانِي ثمَّ الْكَفَّارَة، وَهُوَ قَول الْحسن وَالشعْبِيّ، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَبِه جزم إِبْرَاهِيم وَعَطَاء وَالْحكم. وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ على الْعَاقِلَة، وَمِمَّنْ قَالَ: الثَّوْريّ وَالنَّخَعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وأصحابهم، وَهُوَ قَول ابْن سِيرِين وَإِبْرَاهِيم فِي رِوَايَة، وحجتهم حَدِيث الْمُغيرَة الَّذِي فِيهِ: وَجعل الْغرَّة عل عَاقِلَة الْمَرْأَة، وَقَالَ أَبُو عمر: وَهُوَ نَص ثَابت صَحِيح فِي مَوضِع الْخلاف يجب الحكم بِهِ.
وَاخْتلفُوا فِي قيمَة الْغرَّة، فَقَالَ مَالك: تقوم بِخَمْسِينَ دِينَارا أَو بستمائة دِرْهَم نصف عشر دِيَة الْحر الْمُسلم الذّكر، وَعشر دِيَة الْحرَّة، وَهُوَ قَول الزُّهْرِيّ. وَرَبِيعَة وَسَائِر أهل الْمَدِينَة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَسَائِر الْكُوفِيّين: قيمتهَا خَمْسمِائَة دِرْهَم، وَهُوَ قَول إِبْرَاهِيم وَالشعْبِيّ. وَاخْتلفُوا فِي صفة الْجَنِين الَّذِي تجب فِيهِ الْغرَّة مَا هِيَ؟ فَقَالَ مَالك: مَا طرحته من مُضْغَة أَو علقَة أَو مَا علم أَنه ولد فَفِيهِ الْغرَّة. فَإِن سقط وَلم يستهل فَفِيهِ غرَّة وَسَوَاء تحرّك أَو عطس فَفِيهِ الْغرَّة أَيْضا حَتَّى يستهل فَفِيهِ الدِّيَة كَامِلَة. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا شَيْء فِيهِ حَتَّى يتَبَيَّن من خلقه شَيْء. فَإِن علمت حَيَاته بحركة أَو بعطاس أَو باستهلال أَو بِغَيْر ذَلِك مِمَّا يستيقن بِهِ حَيَاته ثمَّ مَاتَ فَفِيهِ الدِّيَة، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: وَهُوَ قَول سَائِر الْفُقَهَاء، وَأجْمع الْفُقَهَاء على أَن الْجَنِين إِذا خرج ثمَّ مَاتَ كَانَت فِيهِ الدِّيَة وَالْكَفَّارَة مَعهَا، فَقَالَ مَالك: بقسامة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: بِدُونِهَا. وَاخْتلفُوا فِي الْكَفَّارَة إِذا خرج مَيتا، فَقَالَ مَالك: فِيهِ الْغرَّة وَالْكَفَّارَة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: فَفِيهِ
стр. 7066
الْغرَّة وَلَا كَفَّارَة وَبِه. قَالَ دَاوُد: قَوْله: (وَإِن الْعقل على عصبتها) الْعقل الدِّيَة. وَأَصله أَن الْقَاتِل كَانَ إِذا قتل قَتِيلا جمع الدِّيَة من الْإِبِل فعقلها بِفنَاء أَوْلِيَاء الْمَقْتُول. أَي: شدها فِي عقالها ليسلمها إِلَيْهِم ويقبضوها مِنْهُ، فسميت الدِّيَة: عقلا، بِالْمَصْدَرِ يُقَال: عقل الْبَعِير يعقله عقلا وَجمعه عقول والعصبة الْأَقَارِب من جِهَة الْأَب لأَنهم يعصبونه ويعتصب بهم أَي: يحيطون بِهِ ويشد بهم.
٢١ - (بابُ مِيراثِ الأخَوَاتِ مَعَ البَناتِ عَصَبَةٌ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مِيرَاث الْأَخَوَات مَعَ اجْتِمَاع الْبَنَات. قَوْله: عصبَة، بِالنّصب حَال وبالرفع خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هِيَ عصبَة وَأَجْمعُوا على أَن الْأَخَوَات عصبَة الْبَنَات، فَمن مَاتَ وَترك بِنْتا وأختاً فللبنت النّصْف وَللْأُخْت النّصْف.
١٤٧٦ - حدّثنا بِشْرُ بنُ خالِدٍ حَدثنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ شعْبَةَ عَن سَلَيْمانَ عنْ إبْراهِيمَ عنِ الأسْوَدِ قَالَ: قَضَي فِينا مُعاذُ بنُ جَبَلٍ عَلى عَهْدِ رسولِ الله ﷺ : النِّصْفُ للابْنَةِ والنِّصُفُ لْلأخْتِ، ثُمَّ قَالَ سُلَيْمانُ: قَضَى فِينا ولمْ يَذْكُرْ: عَلى عَهْدِ رسولِ الله ﷺ . (انْظُر الحَدِيث ٤٣٧٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَبشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة ابْن خَالِد أَبُو مُحَمَّد العسكري وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، وَمُحَمّد بن جَعْفَر هُوَ غنْدر، وسلميان هُوَ الْأَعْمَش، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَالْأسود بن يزِيد خَال إِبْرَاهِيم الرَّاوِي عَنهُ.
والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب مِيرَاث الْبَنَات.
قَوْله: (قضى فِينَا معَاذ بن جبل) أَرَادَ أَنه قضى فِي الْيَمين وَكَانَ أرْسلهُ رَسُول الله ﷺ ، إِلَيْهِم أَمِيرا ومعلماً. قَوْله: (قَالَ سُلَيْمَان) أَي: قَالَ شُعْبَة: ثمَّ قَالَ سُلَيْمَان أَي: الْأَعْمَش (قضى فِينَا) وَلم يذكر: على عهد رَسُول الله ﷺ ، وَالْحَاصِل أَن الْأَعْمَش روى الحَدِيث أَولا بِإِثْبَات قَوْله: (على عهد رَسُول الله ﷺ فَيكون مَرْفُوعا على الرَّاجِح، وَمرَّة بِدُونِهَا فَيكون مَوْقُوفا.
٢٤٧٦ - حدّثني عَمْرُو بنُ عَبَّاسٍ حدّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ حدّثنا سُفْيانُ عَنْ أبي قيْسٍ عنْ هُذَيْلٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الله: لأقْضِينَّ فِيها بِقَضاءِ النبيِّ ﷺ أوْ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : قَوْله: (لابْنَةِ النِّصْفُ ولابْنَةِ الابنِ السُّدُسُ وَمَا بَقِيَ فَلِلأخْتِ) . (انْظُر الحَدِيث ٦٣٧٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعَمْرو بن عَبَّاس بالمهملتين الْبَصْرِيّ، وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن مهْدي، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَأَبُو قيس هُوَ عبد الرَّحْمَن بن ثروان، وهذيل مصغر هذل هُوَ ابْن شُرَحْبِيل وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.
والْحَدِيث مضى قبل هَذَا الْبَاب بأَرْبعَة أَبْوَاب.
قَوْله: (لأقضين فِيهَا) أَي: فِي هَذِه الْمَسْأَلَة الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا، وَمرَاده: الْقَضَاء بِسنة رَسُول الله ﷺ ، بطرِيق الْفَتْوَى فَإِن ابْن مَسْعُود يومئذٍ لم يكن قَاضِيا وَلَا أَمِيرا. قَوْله: (وَقَالَ النَّبِي ﷺ هُوَ شكّ من بعض الروَاة، فَفِي رِوَايَة وَكِيع وَغَيره عَن سُفْيَان عِنْد النَّسَائِيّ وَغَيره سأقضي فِيهَا بِمَا قضى رَسُول الله ﷺ وَجَمَاعَة الْعلمَاء إلَاّ من شَذَّ على أَن الْأَخَوَات عصبات الْبَنَات يرثن مَا فضل عَن الْبِنْت كَبِنْت وَأُخْت للْبِنْت النّصْف وَللْأُخْت الْبَاقِي، وكبنتين وَأُخْت لَهما الثُّلُثَانِ وَللْأُخْت مَا بَقِي، وكبنت وَبنت ابْن وَأُخْت وَهِي فَتْوَى ابْن مَسْعُود: للأولى النّصْف وللثانية السُّدس وللثالثة الْبَاقِي.
٣١ - (بابُ مِيراثِ الأخَواتِ والإخْوَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مِيرَاث الْأَخَوَات وَهِي جمع أُخْت، وَالإِخْوَة جمع أَخ.
стр. 7067
٣٤٧٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ عُثْمانَ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا شُعْبَةُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جابِراً ﵁، قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ النبيُّ ﷺ وَأَنا مَرِيضٌ فَدَعا بِوَضُوءِ فَتَوَضَّأ ثُمَّ نَضَحَ عَلَيَّ مِنْ وُضُوئِهِ، فأفَقْتُ فَقُلْتُ: يَا رسولَ الله! إنّما لِي أخَواتٌ ... فَنَزَلَتْ آيَةُ الفَرائِضِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إِنَّمَا لي أَخَوَات) لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنه لم يكن لَهُ ولد. واستنبط البُخَارِيّ الْإِخْوَة وَقدم الْأَخَوَات فِي التَّرْجَمَة للتصريح بِهن فِي الحَدِيث.
وَعبد الله بن عُثْمَان بن جبلة الملقب بعبدان الْمروزِي يروي عَن عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي ... إِلَى آخِره.
والْحَدِيث مضى فِي أول كتاب الْفَرَائِض بأتم مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (بِوضُوء) بِفَتْح الْوَاو وَهُوَ المَاء الَّذِي يتَوَضَّأ بِهِ. قَوْله: (ثمَّ نضح) بالنُّون وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة أَي: رش. قَوْله: (فَنزلت آيَة الْفَرَائِض) أَي: آيَة الْمَوَارِيث، وَبَين فِيهَا أَن الْأَخَوَات يرثن، وَأَجْمعُوا على أَن الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات من الْأَبَوَيْنِ أَو من الْأَب ذُكُورا كَانُوا أَو إِنَاثًا لَا يَرِثُونَ مَعَ الابْن وَلَا مَعَ ابْن الابْن وَإِن سفل وَلَا مَعَ الْأَب.
وَاخْتلفُوا فِي مِيرَاث الْأَخَوَات مَعَ الْجد على مَا سبق وَمَا عدا ذَلِك فللواحدة من الْأَخَوَات النّصْف وللبنتين فَصَاعِدا الثالثان إلَاّ فِي الأكدرية وَهِي زوج وَأم وجد وَأُخْت شَقِيقَة، أَو لأَب فَللزَّوْج النّصْف وَللْأُمّ الثُّلُث وللجد السُّدس وَللْأُخْت النّصْف وتعول إِلَى تِسْعَة، ثمَّ يجمع نصيب الْجد وَنصِيب الْأُخْت وَهُوَ أَرْبَعَة فَيقسم بَينهمَا للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ فَأَرْبَعَة على ثَلَاثَة لَا يَصح فَيضْرب ثَلَاثَة فِي تِسْعَة يكون سَبْعَة وَعشْرين للزَّوْج تِسْعَة وَللْأُمّ سِتَّة وللجد ثَمَانِيَة وَللْأُخْت أَرْبَعَة، وَإِنَّمَا سميت أكدرية، لِأَن عبد الْملك بن مَرْوَان سَأَلَ عَنْهَا رجلا. يُقَال لَهُ أكدر فأخطا فِيهَا فنسبت إِلَيْهِ. وَقيل: كَانَ اسْم الْمَيِّت أكدر، وَقيل: سميت بذلك لِأَنَّهَا كدرت على زيد بن ثَابت أَصْلهَا لِأَنَّهُ لَا يفْرض للْأُخْت مَعَ الْجد إلَاّ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة.
٤١
- (بابٌ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَالَةِ إِن امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُو اْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُْنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ (النِّسَاء: ٦٧١) ٢.
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَوْله : ﴿يستفتونك﴾ الْآيَة، وَإِنَّمَا ترْجم بِهَذِهِ الْآيَة لِأَن فِيهَا التَّنْصِيص على مِيرَاث الْأُخوة قَوْله: ﴿يستفتونك﴾ من الإستفتاء وَهُوَ طلب الْفَتْوَى وَهِي جَوَاب الْحَادِثَة وَالتَّقْدِير: يستفتونك فِي الْكَلَالَة. ﴿قل الله يفتيكم فِي الْكَلَالَة﴾ فَحذف الأول لدلَالَة الثَّانِي عَلَيْهِ. قَوْله: ﴿إِن امْرُؤ هلك﴾ أَي: إِن هلك امْرُؤ فَحذف لدلَالَة الثَّانِي عَلَيْهِ أَي: إِن امْرُؤ مَاتَ، وَقد مر تَفْسِير الْكَلَالَة عَن قريب قَوْله: ﴿وَله أُخْت﴾ أَي: من أَبِيه وَأمه أَو أَبِيه لِأَن ذكر أَوْلَاد الْأُم قد سبق فِي أول السُّورَة. قَوْله: ﴿فلهَا نصف مَا ترك﴾ بَيَان فَرضهَا عِنْد الِانْفِرَاد. قَوْله: ﴿أَن تضلوا﴾ أَي: لِئَلَّا تضلوا. وَقَالَ البصريون: هَذَا خطأ لَا يجوز إِضْمَار وَالْمعْنَى عِنْدهم: كَرَاهِيَة أَن تضلوا، وَقيل: مَعْنَاهُ يبين الله لكم الضلال كَمَا فِي قَوْلك: يُعجبنِي أَن تقوم، أَي: قيامك.
حدّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسى عنْ إسْرائِيلَ عنْ أبي إسْحاق عنِ البَراءِ ﵁، قَالَ: آخِرُ آيَة نَزَلَتْ خاتِمَةُ سُورَةِ النِّساءِ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَالَةِ إِن امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُو اْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُْنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ (النِّسَاء: ٦٧١) .
الْمُطَابقَة بَين الْآيَة وَحَدِيث الْبَاب ظَاهِرَة. وَعبيد الله بن موس بن باذام أَبُو مُحَمَّد الْكُوفِي، وروى عَنهُ مُسلم بالواسطة، وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق عَمْرو السبيعِي يروي عَن جده أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء بن عَازِب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي عَن عبد الله بن رَجَاء، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: تقدم فِي الْبَقَرَة أَن آخر آيَة نزلت آيَة الرِّبَا؟ .
قلت: الرَّاوِي فِي الْمَوْضِعَيْنِ لم ينْقل عَن رَسُول الله ﷺ ، بل قَالَ ثمَّة: ابْن عَبَّاس عَن ظَنّه وَهنا الْبَراء، عَن ظَنّه. انْتهى.
قلت: وَجَاء عَن
стр. 7068
ابْن عَبَّاس أَيْضا: إِن آخر آيَة نزلت ﴿لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم﴾ (التَّوْبَة: ٨٢١) وَجَاء عَنهُ أَيْضا: إِن آخر آيَة نزلت ﴿وَاتَّقوا يَوْمًا ترجعون فِيهِ إِلَى الله﴾ (الْبَقَرَة: ١٨٢) وَهَذِه ثَلَاث رِوَايَات عَن ابْن عَبَّاس، فَهَل قَالَهَا كُله بِالظَّنِّ؟ فَلَا يُقَال ذَلِك.
٥١ - (بَاب ابْنَيْ عَمٍّ أحَدُهُما أخٌ لِلأمِّ والآخَرُ زَوْجٌ)
أَي: هَذَا بَاب فِي شَأْن امْرَأَة مَاتَت عَن ابْني عَم: أَحدهمَا أَخُوهَا لأمها وَالْآخر زَوجهَا، وَهَذِه التَّرْجَمَة مثل اللغز لَيْسَ فِيهَا بَيَان صورتهَا وَلَا بَيَان حكمهَا وَلَكِن حكمهَا يظْهر من قَول عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَصورتهَا: رجل تزوج بِامْرَأَة فَجَاءَت مِنْهُ بِابْن ثمَّ تزوج بِأُخْرَى فَجَاءَت مِنْهُ بِابْن، ثمَّ فَارق الْمَرْأَة الثَّانِيَة فَتَزَوجهَا أَخُوهُ فَجَاءَت مِنْهُ ببنت فَهِيَ أُخْت الإبن الثَّانِي لأمه وَابْنَة عَمه، فَتزوّجت هَذِه الْبِنْت الابْن الأول وَهُوَ ابْن عَمها ثمَّ مَاتَت عَن ابْني عَم أَحدهمَا أَخُوهَا لأمها وَالْآخر زَوجهَا.
وَقَالَ عَلِيٌّ: لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ولِلأخِ منَ الأُمِّ السُّدْسُ وَمَا بَقِيَ بَيْنَهُما نِصْفانِ
أَي: قَالَ عَليّ بن أبي طَالب فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة: للزَّوْج النّصْف لِأَنَّهُ زوج وفرضه النّصْف، وللأخ من الْأُم السُّدس لكَونه أَخا من أم وفرضه السُّدس، وَمَا بَقِي وَهُوَ الثُّلُث بَينهمَا أَي: بَين ابْني عَمها أَحدهمَا الزَّوْج وَالْآخر أَخُوهَا من أمهَا نِصْفَانِ بطرِيق الْعُصُوبَة فَيصح للْأولِ الَّذِي هُوَ الزَّوْج الثُّلُثَانِ النّصْف بطرِيق الْفَرْض وَالسُّدُس بطرِيق التَّعْصِيب، وَيصِح للثَّانِي وَهُوَ ابْن عَمها الآخر الثُّلُث بطرِيق الْفَرْض والتعصيب. قَالَ ابْن بطال: وَبقول عَليّ قَالَ المدنيون وَالثَّوْري وَمَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ عَمْرو بن مَسْعُود: جَمِيع المَال للَّذي جمع القرابتين لِأَنَّهُمَا قَالَا فِي ابْني الْعم أَحدهمَا أَخ لَام أَن الْأَخ للْأُم أَحَق بِالْمَالِ لَهُ السُّدس بِالْفَرْضِ وَبَاقِي المَال بِالتَّعْصِيبِ، وَهُوَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ وَعَطَاء وَالنَّخَعِيّ وَابْن سِيرِين وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو ثَوْر وَأهل الظَّاهِر، وَتَعْلِيق عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ يزِيد بن هَارُون عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن أَوْس بن ثَابت عَن حَكِيم بن عقال قَالَ: أفتى شُرَيْح فِي امْرَأَة تركت ابْني عَمها أَحدهمَا زَوجهَا وَالْآخر أَخُوهَا لأمها، فَأعْطِي الزَّوْج النّصْف وَأعْطِي الْأَخ من الْأُم مَا بَقِي فَبلغ ذَلِك عَليّ بن أبي طَالب ﵁، فَقَالَ: ادْع لي العَبْد لأنظر، فَدَعَا شُرَيْح فَقَالَ: مَا قضيت أبكتاب الله أَو بِسنة رَسُول الله ﷺ ؟ فَقَالَ شُرَيْح: بِكِتَاب الله. قَالَ: أَيْن؟ قَالَ: ﴿وَأولُوا الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتاب الله﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٣) فَقَالَ عَليّ، فَهَل قَالَ للزَّوْج النّصْف وَله مَا بَقِي؟ ثمَّ أعْطى الزَّوْج النّصْف وَالْأَخ من الْأُم السُّدس ثمَّ قسم مَا بَقِي بَينهمَا.
٥٤٧٦ - حدّثنا مَحْمُودٌ أخبرنَا عُبَيْدُ الله عنْ إسْرائِيلَ عنْ أبي حَصِينٍ عنْ أبي صالحٍ عنْ أبي هُرَّيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : (أَنا أوْلَى بالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ، فَمَنْ ماتَ وتَرَكَ مَالا فَمالُهُ لِمَوالِي العَصَبَةِ، ومَنْ تَرَك كَلاًّ أوْ ضَياعاً فَأَنا وَلِيُّهُ فَلأُدْعى لهُ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة بالتعسف تُؤْخَذ من قَوْله: (فَمَاله لموَالِي الْعصبَة) لِأَن التَّرْجَمَة الَّتِي صورتهَا مَا ذكرنَا فِيهَا الْفَرْض والتعصيب فيطابق قَوْله: (لموَالِي الْعصبَة) ، وَالْإِضَافَة فِيهِ للْبَيَان نَحْو: شجر الْأَرَاك أَي: الموَالِي الَّذين هم الْعصبَة. قيل: قد يكون لأَصْحَاب الْفُرُوض، قيل لَهُ: أَصْحَاب الْفُرُوض مقدمون على الْعصبَة فَإِذا كَانَ للأبعد فبالطريق الأولى يكون للأقرب.
ومحمود شيخ البُخَارِيّ هُوَ ابْن غيلَان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة يروي عَن عبيد الله بن مُوسَى وَهُوَ أَيْضا شيخ البُخَارِيّ يروي عَنهُ كثيرا بِلَا وَاسِطَة، وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، وَأَبُو حُصَيْن بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ واسْمه عُثْمَان بن عِصَام، وَأَبُو صَالح هُوَ ذكْوَان السمان.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الْفَرَائِض عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان.
قَوْله: (أَنا أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم) يَعْنِي: الأولولية النُّصْرَة أَي: أَنا أتولى أُمُورهم بعد وفاتهم فأنصرهم فَوق مَا كَانَ مِنْهُم لَو عاشوا، فَإِن تركُوا شَيْئا من المَال فأذب المستأكل من الظلمَة أَن يحوم حوله فيخلص لورثتهم، وَإِن لم يتْركُوا وَتركُوا ضيَاعًا وكلاًّ من الْأَوْلَاد
стр. 7069
فَأَنا كافلهم وَإِلَى ملجؤهم ومأواهم، وَإِن تركُوا دينا فعلي أَدَاؤُهُ فَلذَلِك وَصفَة الله فِي كِتَابه بقوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رؤوف رَحِيم﴾ (التَّوْبَة: ٨٢١) وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَن تفسر الْآيَة أَيْضا وَزَاد فِي رِوَايَة الْأَصْلِيّ هُنَا: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ (الْأَحْزَاب: ٦) وَقَالَ عِيَاض: وَهِي زِيَادَة فِي الحَدِيث لَا معنى لَهَا هُنَا، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: إِنَّمَا يلتئم قَوْله: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ إِذا قُلْنَا إِنَّه ﷺ ، كَالْأَبِ المشفق لَهُم بل هُوَ أراف وأرحم بهم. قَوْله: (فَمن مَاتَ) الْفَاء فِيهِ تفسيرية مفصلة لما أجمل من قَوْله: (أَنا أولى بِالْمُؤْمِنِينَ) قَوْله: (فَمَاله لموَالِي الْعصبَة) قد مر تَفْسِيره الْآن قَوْله: (وَمن ترك كلاًّ) بِفَتْح الْكَاف وَتَشْديد اللَّام وَهُوَ الثّقل، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ كل على مَوْلَاهُ﴾ (النَّحْل: ٦٧) . وَجمعه: كلول، وَهُوَ يَشْمَل الدّين والعيال. قَوْله: (أَو ضيَاعًا) بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة مصدر من ضَاعَ الشَّيْء يضيع ضَيْعَة وضياعاً أَي: هلك، قيل: فَهُوَ على تَقْدِير مَحْذُوف أَي: ذَا ضيَاع، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الضّيَاع اسْم مَا هُوَ فِي معرض أَن يضيع إِن لم يتعهد: كالذرية الصغار والزمن الَّذين لَا يقومُونَ بِكُل أنفسهم وَمن يدْخل فِي معناهم، وَقَالَ أَيْضا: رُوِيَ الضّيَاع بِالْكَسْرِ على أَنه جمع ضائع كجياع فِي جمع جَائِع. قَوْله: (فلأدعى لَهُ) بِلَفْظ أَمر الْغَائِب الْمَجْهُول، وَالْأَصْل فِي لَام الْأَمر أَن تكون مَكْسُورَة كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وليوفوا نذورهم وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ (الْحَج: ٩٢) قرىء بِكَسْر اللَّام وإسكانها وَقد تسكن مَعَ الْفَاء أَو الْوَاو غَالِبا فيهمَا، وَإِثْبَات الْألف بعد عين (لادعى) جَائِز على قَول من قَالَ:
ألم يَأْتِيك والأنباء تنمي
وَكَانَ الْقيَاس: فلادع لَهُ أَي: فادعوني لَهُ حَتَّى أقوم بكله وضياعه، لِأَن حذفهَا عَلامَة الْجَزْم لِأَنَّهُ مجزوم بلام الْأَمر، لِأَن كل فعل فِي آخِره واوا وياء أَو ألف فجزمه بِحَذْف آخِره، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور فِي اللُّغَة، وَفِي رِوَايَة لِابْنِ كثير أَنه قَرَأَ: ﴿من يَتَّقِي ويصبر﴾ (يُوسُف: ٠٩) بِإِثْبَات الْيَاء وَإِسْكَان الرَّاء وَهِي لُغَة أَيْضا.
٦٤٧٦ - حدّثنا أُمَيَّةُ بنُ بِسْطامٍ حدّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ عنْ رَوح عنْ عَبْدِ الله بنِ طاوُوسٍ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: (أَلْحِقُوا الفَرائِضَ بِأهْلِها فَما تَرَكَتِ الفَرائِضُ فَلأوْلَى رَجلٍ ذَكَرٍ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن يُوَجه مثل مَا وَجه فِي تَرْجَمَة الحَدِيث السَّابِق. وَأُميَّة بِضَم الْهمزَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن بسطَام بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسرهَا الْبَصْرِيّ، وروح بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْوَاو ابْن الْقَاسِم الْعَنْبَري.
والْحَدِيث قد مر عَن قريب فِي: بَاب مِيرَاث الْوَلَد من أَبِيه وَأمه، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٦١ - (بابُ ذَوِي الأرْحامِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم ذَوي الْأَرْحَام هَل يَرِثُونَ أم لَا؟ وَمن هم؟ وذوو الْأَرْحَام جمع ذِي الرَّحْمَن وَهُوَ خلاف الْأَجْنَبِيّ، والأرحام جمع الرَّحِم وَالرحم فِي الأَصْل منبت الْوَلَد ووعاؤه فِي الْبَطن ثمَّ سميت الْقَرَابَة والوصلة من جِهَة الْولادَة رحما وَفِي الشَّرِيعَة: عبارَة عَن كل قريب لَيْسَ بِذِي سهم وَلَا عصبَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وذوو الرَّحِم هم الأقراب، وَيَقَع على كل من يجمع بَيْنك وَبَينه نسب وَيُطلق فِي الْفَرَائِض على الْأَقَارِب من جِهَة النِّسَاء، يُقَال: ذَوُو رحم محرم ومحرم هُوَ من لَا يحل نِكَاحه كالأم وَالْبِنْت وَالْأُخْت والعمة وَالْخَالَة. انْتهى. وَقَالَ فِي (التَّلْوِيح) : ذَوُو الْأَرْحَام هم الَّذين لَا سهم لَهُم فِي الْكتاب وَالسّنة من قرَابَة الْمَيِّت وَلَيْسوا بعصبة الْبَنَات كأولادها وَأَوْلَاد الْأَخَوَات وَأَوْلَاد الْأُخوة لأم وَبَنَات الْأَخ والعمة وَالْخَالَة وعمة الْأَب وَالْعم أَخُو الْأَب لأمه وَالْجد أبي الْأُم وَالْجدّة أم أبي الْأُم وَمن أدلى بهم.
وَاخْتلفُوا فِي هَذَا الْبَاب. فَقَالَت طَائِفَة: إِذا لم يكن للْمَيت وَارِث لَهُ فرض مُسَمّى فَمَاله لموَالِي الْعتَاقَة الَّذين أعتقوه، فَإِن لم يكن فَمَاله لبيت مَال الْمُسلمين، وَلَا يَرث من فرض لَهُ من ذَوي الْأَرْحَام، رُوِيَ هَذَا عَن أبي بكر وَزيد بن ثَابت وَابْن عمر، وَرِوَايَة عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهُوَ قَول أهل الْمَدِينَة وَالزهْرِيّ وَأبي الزِّنَاد وَرَبِيعَة وَمَالك وروى عَن مَكْحُول وَالْأَوْزَاعِيّ، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي، وَكَانَ عمر بن الْخطاب وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس ومعاذ وَأَبُو الدَّرْدَاء يورثون ذَوي الْأَرْحَام وَلَا يُعْطون الْوَلَاء مَعَ الرَّحِم شَيْئا، وبتوريث ذَوي الْأَرْحَام قَالَ ابْن أبي ليلى وَالنَّخَعِيّ وَعَطَاء وَجَمَاعَة من التَّابِعين، وَهُوَ قَول الْكُوفِيّين وَأحمد وَإِسْحَاق.
стр. 7070
٧٤٧٦ - حدّثني إسْحَاقُ بنُ إبْراهِيمَ قَالَ: قُلْتُ ل أبي أُسامَةَ: حَدَّثَكُمْ إدْرِيسُ حدّثنا طَلْحَةُ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلكُل جعلنَا موالى وَالَّذين عاقلت أَيْمَانكُم﴾ (النِّسَاء: ٣٣) قَالَ: كَانَ المُهاجِرُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ يَرِثُ الأنْصارِيُّ المُهاجِرِيُّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لْلأُخُوَّةِ الّتِي آخَى النبيُّ ﷺ ، بَيْنَهُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلكُل جعلنَا موالى﴾ قَالَ: نَسَخَتْها: ﴿وَالَّذين عقدت أَيْمَانكُم﴾ .
مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُؤْخَذ من قَوْله: ﴿جعلنَا موالى﴾ لِأَن الموالى الْوَرَثَة، وَكَذَا فسر ابْن عَبَّاس فِي هَذَا الحَدِيث لِأَنَّهُ ذكره فِي الْكفَالَة بقوله: حَدثنَا الصَّلْت بن مُحَمَّد حَدثنَا أَبُو أُسَامَة بن إِدْرِيس عَن طَلْحَة بن مصرف عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس ﴿وَلَك جعلنَا موالى﴾ (النِّسَاء: ٣٣) قَالَ: وَرَثَة ... الحَدِيث، وَلَفظ الْوَرَثَة يُطلق على ذَوي الْأَرْحَام، فترجم بقوله: بَاب ذَوي الْأَرْحَام، لكنه مُبْهَم لَا يفهم مِنْهُ أَنهم يَرِثُونَ أم لَا، وَلَكِن ذكره هَذَا الحَدِيث بِهَذَا السِّيَاق يدل على أَنهم لَا يَرِثُونَ، وَلَكِن فِي هَذَا السِّيَاق نظر لِأَنَّهُ يشْعر بِأَن قَوْله: ﴿وَالَّذين عاقدت أَيْمَانكُم﴾ (النِّسَاء: ٣٣) هُوَ نَاسخ، وَالصَّوَاب أَنه هُوَ الْمَنْسُوخ نبه عَلَيْهِ الطَّبَرِيّ وَغَيره فِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، وَجُمْهُور السّلف على أَن النَّاسِخ لهَذِهِ الْآيَة هُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأولُوا الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض﴾ (الْأَحْزَاب: ٣٣) رُوِيَ هَذَا عَن ابْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَالْحسن وَهُوَ الَّذِي أثْبته أَبُو عبيد فِي ناسخه ومسوخه.
وَفِيه قَول آخر: روى الزُّهْرِيّ عَن الْمسيب قَالَ: أَمر الله تَعَالَى الَّذين تبنوا غير أبنائهم فِي الْجَاهِلِيَّة وورثوهم فِي الْإِسْلَام أَن يجْعَلُوا لَهُم نَصِيبا فِي الْوَصِيَّة، ورد الْمِيرَاث إِلَى ذِي الرَّحِم والعصبة. وَقَالَت طَائِفَة: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين عاقدت أَيْمَانكُم﴾ محكمَة وَإِنَّمَا أَمر الله الْمُؤمنِينَ أَن يُعْطوا الحلفاء أنصبائهم من النُّصْرَة والنصيحة والرفادة وَمَا أشبه ذَلِك دون الْمِيرَاث، ذكره أَيْضا الطَّبَرِيّ عَن ابْن عَبَّاس، وَهُوَ قَول مُجَاهِد وَالسُّديّ، وَقَالَ فُقَهَاء الْأَمْصَار وَالْعراق والكوفة وَالْبَصْرَة وَجَمَاعَة من الْعلمَاء فِي سَائِر الْآفَاق بتوريث ذَوي الْأَرْحَام، وَقد روى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث الْمِقْدَام بن معدي كرب: الْخَال وَارِث من لَا وَارِث لَهُ يعقل عَنهُ ويرثه وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم، وروى التِّرْمِذِيّ مَرْفُوعا محسناً، عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (الْخَال وَارِث من لَا وَارِث لَهُ) ، وَأخرجه النَّسَائِيّ من حَدِيث عَائِشَة، وَأخرجه عبد الرَّزَّاق أَيْضا عَن ابْن جريج عَن عَمْرو بن مُسلم حَدثنَا طَاوُوس عَنْهَا رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. فَإِن قلت: روى الْحَاكِم من حَدِيث عبد الله بن جَعْفَر عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر قَالَ: أقبل رَسُول الله ﷺ ، على حمَار فَلَقِيَهُ رجل فَقَالَ: يَا رَسُول الله ﴿رجل ترك عمَّة وَخَالَة لَا وَارِث لَهُ غَيرهمَا، فَرفع رَأسه إِلَى السَّمَاء فَقَالَ: اللَّهُمَّ﴾ رجل ترك عمته وخالته لَا وَارِث لَهُ غَيرهمَا، ثمَّ قَالَ: أَيْن السَّائِل؟ قَالَ: هَا أَنا ذَا. قَالَ: لَا مِيرَاث لَهما، وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح الْإِسْنَاد.
قلت: عبد الله بن جَعْفَر الْمَدِينِيّ فِيهِ مقَال، قَالَ أَبُو حَاتِم: مُنكر الحَدِيث جدا يحدث عَن الثِّقَات بِالْمَنَاكِيرِ يكْتب حَدِيثه وَلَا يحْتَج بِهِ، وَقَالَ الْجِرْجَانِيّ: واهي الحَدِيث، وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك الحَدِيث، وَعنهُ: لَيْسَ بِثِقَة. وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أبي عَاصِم مَوْقُوفا.
وَشَيخ البُخَارِيّ فِي هَذَا الحَدِيث هُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه، وَأَبُو أُسَامَة هُوَ حَمَّاد بن أُسَامَة وَإِدْرِيس هُوَ ابْن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن عبد الرَّحْمَن الأودي، وَطَلْحَة هُوَ ابْن مصرف بِكَسْر الرَّاء الْمُشَدّدَة وبالفاء.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد جَمِيعًا فِي الْفَرَائِض عَن هَارُون بن عبد الله عَن أبي أُسَامَة.
قَوْله: (يَرث الْأنْصَارِيّ) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ فَاعل. وَقَوله: (الْمُهَاجِرِي) بِالنّصب مَفْعُوله، ولسيت الْيَاء فِيهِ للنسبة وَإِنَّمَا هِيَ للْمُبَالَغَة كَمَا يُقَال الأحمري فِي الْأَحْمَر، وَقيل: زيدت فِيهِ يَاء النِّسْبَة للمشاكلة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَيْن الْعَائِد إِلَى اسْم كَانَ؟ .
قلت: وضع الْمُهَاجِرِي مَكَانَهُ وَاللَّازِم فِي مثله الارتباط بَينهمَا سَوَاء كَانَ بالضمير أَو بِغَيْرِهِ، وَقَالَ أَيْضا: تقدم فِي سُورَة النِّسَاء بِالْعَكْسِ، وَقَالَ: يَرث الْمُهَاجِرِي الْأنْصَارِيّ.
قلت: الْمَقْصُود مِنْهُمَا بَيَان إِثْبَات الوراثة بَينهمَا فِي الْجُمْلَة ثمَّ قَالَ: وَفِيه آخر عكس ذَلِك وَهُوَ أَنه قَالَ ثمَّة: ﴿وَلكُل جعلنَا﴾ والمنسوخ ﴿وَالَّذين عاقدت﴾ وَالْمَفْهُوم هُنَا عَكسه.
قلت: فَاعل نسختها آيَة ﴿وَلكُل جعلنَا﴾ ﴿وَالَّذين عاقدت﴾ مَنْصُوب على الْعِنَايَة أَي: أَعنِي ﴿وَالَّذين عاقدت﴾ وَقيل: الضَّمِير فِي نسختها عَائِد على المؤاخاة لَا على الْآيَة وَالضَّمِير فِي نسختها وَهُوَ الْفَاعِل الْمُسْتَتر يعود على قَوْله: ﴿وَلكُل جعلنَا موالى﴾ وَقَوله: ﴿وَالَّذين عاقدت أَيْمَانكُم﴾ يدل
стр. 7071
من الضَّمِير، وأصل الْكَلَام: لما نزلت ﴿لكل جعلنَا موَالِي﴾ نسخت ﴿وَالَّذين عاقدت أَيْمَانكُم﴾ .
٧١ - (بابُ ميراثِ المُلاعَنَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم مِيرَاث الْمُلَاعنَة بِكَسْر الْعين وَهِي الَّتِي وَقع اللّعان بَينهَا وَبَين زَوجهَا. وَقَالَ بَعضهم بِفَتْح الْعين، وَيجوز كسرهَا.
قلت: الْأَمر بِالْعَكْسِ وَالْمَقْصُود من مِيرَاث الْمُلَاعنَة بَيَان من يَرث ولد الْمُلَاعنَة وَمَا تَرث الْمُلَاعنَة من ابْنهَا، فَقَالَ مَالك: بَلغنِي أَنه قَالَ عُرْوَة فِي ولد الْمُلَاعنَة وَولد الزِّنَا: إِذا مَاتَ ورثت أمه حَقّهَا فِي كتاب الله وَإِخْوَته للْأُم حُقُوقهم. وَيُورث الْبَقِيَّة مولى أَبِيه إِن كَانَ مَوْلَاهُ، وَإِن كَانَت عَرَبِيَّة ورثت حَقّهَا وورثت إخْوَته لأمه حُقُوقهم وَكَانَ مَا بَقِي للْمُسلمين. قَالَ مَالك: وَبَلغنِي عَن سُلَيْمَان بن يسَار كَذَلِك، قَالَ: وعَلى ذَلِك أدْركْت أهل الْعلم ببلدنا، وَقَالَ أَبُو عمر: هَذَا مَذْهَب زيد بن ثَابت، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس مثل ذَلِك، وَرُوِيَ عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود: أَن مَا بَقِي يكون لعصبة أمه إِذا لم يخلف ذَا رحم لَهُ سهم وَإِن خَلفه جعل فَاضل المَال ردا عَلَيْهِ، وَحكى عَن عَليّ أَيْضا أَنه ورث ذَوي الْأَرْحَام برحمهم وَلَا شَيْء لبيت المَال، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه، وَمن قَالَ بِالرَّدِّ يرد الْبَاقِي على أمه، وَيَقُول زيد: قَالَ جُمْهُور أهل الْمَدِينَة وَابْن الْمسيب وَعُرْوَة وَسليمَان وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَالزهْرِيّ وَرَبِيعَة وَأَبُو الزِّنَاد وَمَالك، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَالْأَوْزَاعِيّ.
٨٤٧٦ - حدّثني يَحْيَاى بنُ قَزَعَةَ حدّثنا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ ﵄، أنَّ رَجلاً لَا عَنَ امْرَأتَهُ فِي زَمَنِ النبيِّ ﷺ وانْتَفى منْ وَلَدِها، فَفَرَّقَ النبيُّ ﷺ بَيْنَهُما وألْحَقَ الوَلَدَ بالمَرْأةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من آخر الحَدِيث، لِأَن المُرَاد من إِلْحَاق الْوَلَد بِالْأُمِّ جَرَيَان الْإِرْث بَينهمَا لِأَنَّهُ لما ألحقهُ بهَا قطع نسب أَبِيه فَصَارَ كمن لَا أَب لَهُ من أَوْلَاد الْفَيْء الَّذِي لم يخْتَلف أَن الْمُسلمين عصبته.
وَيحيى بن قزعة بِالْقَافِ وَالزَّاي وَالْعين الْمُهْملَة المفتوحات الْحِجَازِي.
والْحَدِيث مضى فِي الطَّلَاق عَن يحيى بن بكير عَن مَالك، وروى أَبُو دَاوُد من رِوَايَة عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: جعل النَّبِي ﷺ مِيرَاث ابْن الْمُلَاعنَة لأمه ولورثتها من بعْدهَا، وروى أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة عَن وَاثِلَة رَفعه: تحوز الْمَرْأَة ثَلَاثَة مَوَارِيث: عتيقها ولقيطها وَوَلدهَا الَّذِي لاعنت عَلَيْهِ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: لَيْسَ بِثَابِت، ورد عَلَيْهِ بِأَن التِّرْمِذِيّ حسنه وَالْحَاكِم صَححهُ وَلَيْسَ فِيهِ سوى عَمْرو بن رؤبة بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْوَاو وبباء مُوَحدَة مُخْتَلف فِيهِ، قَالَ البُخَارِيّ: فِيهِ نظر، وَوَثَّقَهُ جمَاعَة.
٨١ - (بابٌ الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ حُرَّةً كانَتْ أوْ أمَةً)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْوَلَد للْفراش أَي الصاحب الْفراش، قَالَ أَصْحَابنَا: الْفراش كِنَايَة عَن الزَّوْج، وَقَالَ جرير.
(باتت تعانقه وَبَات فراشها)
يَعْنِي: زَوجهَا وَيُقَال: الْفراش وَإِن كَانَ يَقع على الزَّوْج فَإِنَّهُ يَقع على الزَّوْجَة أَيْضا لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا فرَاش لصَاحبه. قَوْله: حرَّة كَانَت أَي الْمَرْأَة، أَو أمة، فَعِنْدَ مَالك وَالشَّافِعِيّ تصير الْأمة فراشا لسَيِّدهَا بِوَطْئِهِ إِيَّاهَا أَو بِإِقْرَارِهِ أَنه وَطئهَا، وَبِهَذَا حكم عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ قَول ابْن عمر أَيْضا، فَمَتَى أَتَت بِولد لسِتَّة أشهر من يَوْم وَطئهَا ثَبت نِسْبَة مِنْهُ وَصَارَت بِهِ أم ولد لَهُ، وَله أَن يَنْفِيه إِذا ادّعى الِاسْتِبْرَاء، وَلَا يكون فراشا بِنَفس الْملك دون الْوَطْء عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يكون فراشا بِالْوَطْءِ وَلَا بِالْإِقْرَارِ بِهِ أصلا، فَلَو وَطئهَا أَو أقرّ بِوَطْئِهَا فَأَتَت بِولد لم يلْحقهُ وَكَانَ مَمْلُوكا وَأمه مَمْلُوكَة لَهُ، وَإِنَّمَا يلْحقهُ وَلَدهَا إِذا أقرّ بِهِ وَله أَن يَنْفِيه بِمُجَرَّد قَوْله، وَلَا يحْتَاج أَن يَدعِي الِاسْتِبْرَاء.
٩٤٧٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ ﵂، قالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ عَهِدَ إِلَى أخِيهِ سَعْدٍ أنَّ ابنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي، فاقْبِضُهُ إلَيْكَ، فَلمَّا
стр. 7072
كَانَ عامُ الفَتْحِ أخَذَهُ سَعْدٌ، فَقَالَ: ابنُ أخِي عَهِدَ إلَيَّ فِيهِ، فَقام عَبْدَ بنُ زَمْعَةَ فَقَالَ: أخِي وابنُ وَلِيدَةِ أبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَتَساوَقا إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رسولَ الله ﴿ابنُ أخِي قَدْ كَانَ عَهِدَ إلَيَّ فِيهِ، فَقَالَ عَبْدُ بنُ زَمْعَةَ: أخِي وابنُ وَلِيدَةِ أبي وُلِدَ عَلى فِراشِهِ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : (هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِرِاشِ وللْعاهِرِ الحَجَرُ) . ثمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ: احْتَجِبِي مِنْهُ، لِما رَأى منْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، فَما رَآها حتَّى لَقِيَ الله.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (الْوَلَد للْفراش وللعاهد الْحجر) .
والْحَدِيث مضى فِي الْبيُوع عَن يحيى بن قزعة عَن مَالك وَمضى فِي الْوَصَايَا وَفِي الْمَغَازِي عَن القعْنبِي عَن مَالك، وَسَيَجِيءُ فِي الْأَحْكَام عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله عَن مَالك وَمضى الْكَلَام فِيهِ، وَلَكِن نذْكر بعض شَيْء لبعد الْمسَافَة.
وَعتبَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبالباء الْمُوَحدَة ابْن أبي وَقاص وَهُوَ أَخُو سعد بن أبي وَقاص، مُخْتَلف فِي صحبته فَذكره العسكري فِي الصَّحَابَة وَذكر أَنه أصَاب دَمًا بِمَكَّة فِي قُرَيْش فانتقل إِلَى الْمَدِينَة، وَلما مَاتَ أوصى إِلَى سعد، وَذكره ابْن مَنْدَه فِي الصَّحَابَة وَلم يذكر مُسْتَندا إلَاّ قَول سعد: عهد إِلَى أخي أَنه وَلَده، وَأنكر أَبُو نعيم ذَلِك وَذكر أَنه الَّذِي شج وَجه رَسُول الله ﷺ بِأحد، وَمَا علمت لَهُ إسلاماً، بل قد روى عبد الرَّزَّاق من طَرِيق عُثْمَان الْجَزرِي عَن مقسم أَن النَّبِي ﷺ دَعَا بِأَن لَا يحول على عتبَة الْحول حَتَّى يَمُوت كَافِرًا فَمَاتَ قبل الْحول، وَهَذَا مُرْسل، وَجزم الدمياطي وَابْن التِّين بِأَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا، وَأم عتبَة هِنْد بنت وهب بن الْحَارِث ابْن زهرَة وَأم أَخِيه سعد حمْنَة بنت سُفْيَان بن أُميَّة.
قَوْله: (عهد إِلَى أَخِيه) أَي: أوصى إِلَى أَخِيه سعد بن أبي وَقاص عِنْد مَوته. قَوْله: (إِن ابْن وليدة زَمعَة مني) أَي: ابْن أمة زَمعَة مني، وَكَذَا وَقع فِي الْمَظَالِم والوليدة: فعيلة من الْولادَة. قَالَ الْجَوْهَرِي: هِيَ الصبية وَالْأمة وَالْجمع ولائد وَكَانَت أمة يَمَانِية وَزَمعَة آخر غَيره، وَنبهَ عَلَيْهِ الطَّحَاوِيّ أَيْضا، وَقَالَ: عبد بن زَمعَة، بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْمِيم وَقد يُحَرك، وَقَالَ النَّوَوِيّ: السّكُون أشهر، وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد الوقشي: التحريك هُوَ الصَّوَاب، وَهُوَ قيس بن عبد شمس الْقرشِي العامري وَالِد سَوْدَة زوج النَّبِي ﷺ . قَوْله: (فَلَمَّا كَانَ عَام الْفَتْح أَخذه سعد) أَي: سعد بن أبي وَقاص وَكَانَ رَآهُ يَوْم الْفَتْح فَعرفهُ بالشبه فَاحْتَضَنَهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ: ابْن أخي وَرب الْكَعْبَة. وَفِي رِوَايَة اللَّيْث قَالَ سعد: يَا رَسُول الله﴾ هَذَا ابْن أخي عتبَة بن أبي وَقاص، عهد إِلَى أَنه ابْنه. قَوْله: (فَقَامَ عبد بن زَمعَة، فَقَالَ: أخي) أَي: هَذَا أخي وَابْن وليدة أبي، أَي: ابْن أمته ولد على فرَاشه، وَعبد هَذَا بِغَيْر إِضَافَة إِلَى شَيْء. قيل: وَقع فِي (مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب) : عبد الله، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ غلط لِأَن عبد الله بن زَمعَة هُوَ ابْن الْأسود بن عبد الْمطلب بن أَسد بن عبد الْعُزَّى، وَقيل: قد وَقع لِابْنِ مَنْدَه فِيهِ خبط فِي تَرْجَمَة عبد الرَّحِم بن زَمعَة فَإِنَّهُ زعم أَن عبد الرَّحْمَن وَعبد الله، وعبداً بِغَيْر إِضَافَة أخوة ثَلَاثَة أَوْلَاد زَمعَة بن الْأسود وَلَيْسَ كَذَلِك، بل عبد بِغَيْر إِضَافَة وَعبد الرَّحْمَن أَخَوان عامريان من قُرَيْش، وَعبد الله بن زَمعَة أسدي من قُرَيْش أَيْضا. قَوْله: (فتساوقا) من التساوق وَهُوَ الْمُتَابَعَة كَانَ أَحدهمَا يتبع الآخر ويسوقه. قَوْله: (أخي) أَي: هُوَ أخي (وَابْن وليدة أبي) أَي: ابْن أمته. قَوْله: (هُوَ لَك يَا عبد بن زَمعَة) حكم لَهُ بِأَن يَأْخُذهُ، وَيقْرَأ بِنصب عبد وَرَفعه، قَالَه صَاحب (التَّوْضِيح) وَمَعْنَاهُ: بِأَنَّهُ يكون لَك أَخا على دعواك فأقره وَلم يقل إِن الْأمة لَا تكون فراشا. وَقَالَ بَعضهم: وَقد سلك الطَّحَاوِيّ فِيهِ مسلكاً آخر فَقَالَ: معنى قَوْله: (هُوَ لَك) أَي: يدك عَلَيْهِ لَا أَنَّك تملكه، وَلَكِن تمنع غَيْرك مِنْهُ إِلَى أَن يتَبَيَّن أمره كَمَا قَالَ لصَاحب اللّقطَة: هِيَ لَك، وَقَالَ لَهُ: إِذا جَاءَ صَاحبهَا فَردهَا إِلَيْهِ، قَالَ: وَلما كَانَت سَوْدَة شريكة لعبد فِي ذَلِك لَكِن لم يعلم مِنْهَا تَصْدِيق ذَلِك وَلَا الدَّعْوَى بِهِ ألزم عبدا بِمَا أقربه على نَفسه وَلم يَجْعَل ذَلِك حجَّة عَلَيْهَا فَأمرهَا بالاحتجاب ثمَّ قَالَ هَذَا النَّاقِل عَن الطَّحَاوِيّ: هَذَا الْكَلَام وَكَلَامه متعقب بالرواية الْمُصَرّح، فِيهَا بقوله: (هُوَ أَخُوك) فَإِنَّهَا رفعت الْإِشْكَال وَكَأَنَّهُ لم يقف عَلَيْهَا وَلَا على حَدِيث ابْن الزبير وَسَوْدَة الدَّال على أَن سَوْدَة وَافَقت أخاها: عبدا فِي الدَّعْوَى بذلك. انْتهى.
قلت: روى أَبُو دَاوُد هَذَا الحَدِيث عَن سعيد بن مَنْصُور ومسدد، وَفِيه: وَزَاد مُسَدّد فِي حَدِيثه: هُوَ أَخُوك، وَالصَّحِيح مَا رَوَاهُ سعيد
стр. 7073
ابْن مَنْصُور وَزِيَادَة مُسَدّد لم يُوَافقهُ عَلَيْهَا أَحْمد، وَلَئِن سلمنَا صِحَة هَذِه الزِّيَادَة وَلَكِن يُرَاد بِهِ أَخُوك فِي الدّين، وَيحْتَمل أَن يكون أصل الحَدِيث: هُوَ لَك، فَظن الرَّاوِي أَن مَعْنَاهُ: أَخُوهُ فِي النّسَب فَحَمله على الْمَعْنى الَّذِي عِنْده. وَالْخَبَر الَّذِي يرويهِ عبد الله بن الزبير صرح بِأَنَّهُ ﷺ قَالَ: فَإِنَّهُ لَيْسَ لَك بِأَخ. وَقَالَ الْخطابِيّ وَغَيره: كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يقررون على ولائدهم الضرائب فيكتسبن بِالْفُجُورِ وَكَانُوا يلحقون بالزناة إِذا دعوا كَمَا فِي النِّكَاح، وَكَانَت لزمعة أمة وَكَانَ يلم بهَا فَظهر بهَا حمل وَزعم عتبَة بن أبي وَقاص أَنه مِنْهُ وعهد إِلَى أَخِيه سعد أَن يستلحقه، فخاصم فِيهِ عبد بن زَمعَة فَقَالَ سعد: هُوَ ابْن أخي على مَا كَانَ الْأَمر فِي الْجَاهِلِيَّة، وَقَالَ عبد هُوَ أخي على مَا اسْتَقر عَلَيْهِ الحكم فِي الْإِسْلَام، فَأبْطل النَّبِي ﷺ ، حكم الْجَاهِلِيَّة وألحقه بزمعة. قَوْله: (الْوَلَد للْفراش) مر تَفْسِيره عَن قريب. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَعند جُمْهُور الْعلمَاء أَن الْحرَّة لَا تكون فراشا إلَاّ بِإِمْكَان الْوَطْء وَيلْحق الْوَلَد فِي مُدَّة تَلد فِي مثلهَا واقل ذَلِك سِتَّة أشهر، وشذ أَبُو حنيفَة فَقَالَ: إِذا طَلقهَا عقيب النِّكَاح من غير إِمْكَان وَطْء فَأَتَت بِولد لسِتَّة أشهر من وَقت العقد فَإِنَّهُ يلْحقهُ، وَقَالَ أَيْضا وَمَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة خلاف مَا أجْرى الله تَعَالَى بِهِ الْعَادة من أَن الْوَلَد إِنَّمَا يكون من مَاء الرجل وَمَاء الْمَرْأَة.
قلت: أَبُو حنيفَة لم يشذ فِيمَا ذهب إِلَيْهِ وَلَا خَالف مَا أجْرى الله بِهِ الْعَادة، وَأَن صَاحب (التَّوْضِيح) : وَمن سلك مسلكة لم يدركا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة مَا أدْركهُ أَبُو حنيفَة، لِأَنَّهُ احْتج فِيمَا ذهب إِلَيْهِ بقوله: (الْوَلَد للْفراش) أَي: لصَاحب الْفراش، وَلم يذكر فِيهِ اشْتِرَاط الْوَطْء، وَلَا ذكره وَلِأَن العقد فِيهَا كَالْوَطْءِ بِخِلَاف الْأمة فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهَا فرَاش فَلَا يثبت نسب مَا وَلدته الْأمة إلَاّ باعتراف مَوْلَاهَا. قَوْله: (وللعاهر الْحجر) أَي: وللزاني الخيبة والحرمان والعهر بِفتْحَتَيْنِ الزِّنَا، وَمعنى الخيبة الحرمان من الْوَلَد الَّذِي يَدعِيهِ، وَعَادَة الْعَرَب أَن تَقول لمن خَابَ: لَهُ الْحجر وَبَقِيَّة الْحجر وَالتُّرَاب، وَنَحْو ذَلِك وَقيل: المُرَاد بِالْحجرِ هُنَا أَنه يرْجم قَالَ النَّوَوِيّ: وَهُوَ ضَعِيف لِأَن الرَّجْم مُخْتَصّ بالمحصن. قَوْله: (ثمَّ قَالَ لسودة بنت زَمعَة) أَي: زوج النَّبِي ﷺ : احتجبي مِنْهُ، أَي: من ابْن الوليدة الْمُدعى تورعاً واحتياطاً، وَذَلِكَ لشبهه بِعتبَة بن أبي وَقاص.
٠٥٧٦ - حدّثنا مُسَدَّدٌ عنْ يَحْيَاى عنْ شُعْبَةَ عنْ مُحَمَّدِ بنِ زِيادٍ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: (الوَلَدُ لِصاحِبِ الفِراشِ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَفِيه تَفْسِير لقَوْله فِي الحَدِيث الْمَاضِي: (الْوَلَد للْفراش) أَي: لصَاحب الْفراش، وَهَذَا الحَدِيث مُسْتَقل بِنَفسِهِ بِخِلَاف الحَدِيث الْمَاضِي فَإِنَّهُ ذكر تبعا لحَدِيث عبد بن زَمعَة. قَالَ الطَّحَاوِيّ: فِيهِ: فَإِن قيل: فَمَا معنى قَوْله الَّذِي وَصله بِهَذَا: (الْوَلَد للْفراش وللعاهر الْحجر) قيل: لَهُ ذَلِك على التَّعْلِيم مِنْهُ لسعد أَي: أَنْت تَدعِي لأخيك وأخوك لم يكن لَهُ فرَاش، وَإِنَّمَا يثبت النّسَب مِنْهُ لَو كَانَ فرَاش فَهُوَ عاهر وللعاهر الْحجر. انْتهى.
وَقَالَ ابْن عبد الْبر: حَدِيث (الْوَلَد للْفراش) هُوَ من أصح مَا يرْوى عَن النَّبِي ﷺ ، جَاءَ عَن بضعَة وَعشْرين من الصَّحَابَة، فَذكر البُخَارِيّ هُنَا حَدِيث عَائِشَة وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ عقيب حَدِيث أبي هُرَيْرَة: وَفِي الْبَاب عَن عمر وَعُثْمَان وَعبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن الزبير وَعبد الله بن عَمْرو وَأبي أُمَامَة وَعَمْرو بن خَارِجَة والبراء وَزيد بن أَرقم فَحَدِيث عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد ابْن مَاجَه، وَحَدِيث عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد أبي دَاوُد، وَحَدِيث عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النَّسَائِيّ، وَحَدِيث عبد الله بن الزبير عِنْد النَّسَائِيّ أَيْضا، وَحَدِيث عبد الله بن عَمْرو عَن أبي دَاوُد، وَحَدِيث أبي أُمَامَة عِنْد أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه، وَحَدِيث عَمْرو بن خَارِجَة عِنْد التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، وَحَدِيث الْبَراء عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) ، وَحَدِيث زيد بن أَرقم عِنْد الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِيهِ، وَزَاد شَيخنَا زين الدّين على هَؤُلَاءِ: مُعَاوِيَة وَابْن عمر، فَحَدِيث مُعَاوِيَة عِنْد أبي يعلى الْموصِلِي، وَحَدِيث ابْن عمر عِنْد الْبَزَّار، وَوَقع عِنْد هَؤُلَاءِ جَمِيعهم: (الْوَلَد للْفراش وللعاهر الْحجر) وَمِنْهُم من اقْتصر على الْجُمْلَة الأولى.
٩١ - (بابٌ الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ)
أَي هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْوَلَاء لمن أعتق، وَفِي أَكثر النّسخ، بَاب إِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق، الْوَلَاء بِفَتْح الْوَاو مُشْتَقّ من الْولَايَة بِالْفَتْح
стр. 7074
وَهِي النُّصْرَة والمحبة لِأَن فِي وَلَاء الْعتَاقَة والموالاة تناصر أَو محبَّة من الْوَلِيّ وَهُوَ الْقرب، وَهِي قرَابَة حكمِيَّة حَاصِلَة من الْعتْق أَو من الْمُوَالَاة، وَهِي الْمُتَابَعَة لِأَن فِي وَلَاء الْعتَاقَة إِرْثا يوالي وجود الشَّرْط، وَكَذَا فِي وَلَاء الْمُوَالَاة، وَفِي الشَّرْع: هُوَ عبارَة عَن التناصر بولاء الْعتَاقَة، أَو بولاء الْمُوَالَاة وَمن إثارة الْإِرْث وَالْعقل. قَوْله: (الْوَلَاء لمن أعتق) ، لفظ الحَدِيث أخرجه الْأَئِمَّة السِّتَّة عَن عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ .
ومِيراثُ اللَّقِيطِ
هُوَ بِالرَّفْع عطف على مَا قبله، وَيجوز بِالْجَرِّ على تَقْدِير أَن يُقَال: وَفِي مِيرَاث اللَّقِيط، وَلكنه لم يذكر شَيْئا فِيهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لِأَنَّهُ لم يتَّفق لَهُ حَدِيث على شَرطه وَأَرَادَ بِهِ أَنه ذكر هَذِه اللَّفْظَة وبيض لَهَا حَتَّى يذكرهَا فِيهِ فَلم يجد شَيْئا وَاسْتمرّ على التَّرْجَمَة، وَالظَّاهِر أَنه اكْتفى بأثر عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِن فِيهِ بَيَان حكمه، كَمَا نقُول الْآن.
وَقَالَ عُمَرُ: اللَّقِيطُ حُرٌّ
أَي: قَالَ عمر بن الْخطاب: اللَّقِيط حر فَإِذا كَانَ حرا يكون وَلَاؤُه فِي بَيت المَال لِأَن ولاءه يكون لجَمِيع الْمُسلمين، وَإِلَيْهِ ذهب مَالك وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبُو ثَوْر، وَقَالَ شُرَيْح: إِن ولاءه لملتقطه، وَبِه قَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَاحْتج بِحَدِيث سِنِين أبي جميلَة عَن عمر أَنه قَالَ لَهُ فِي المنبوذ: اذْهَبْ فَهُوَ حر وَلَك وَلَاؤُه، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر أَبُو جميلَة مَجْهُول لَا يعرف لَهُ خبر غير هَذَا الحَدِيث، وَحمل قَول عمر: لَك وَلَاؤُه، على أَنه أَنْت الَّذِي تتولى تَرْبِيَته وَالْقِيَام بأَمْره، وَهَذِه ولَايَة الْإِسْلَام لَا ولَايَة الْعتْق. وَقَالَ عَطاء وَابْن شهَاب، إِنَّه حر، فَإِن أحب أَن يوالي الَّذِي التقطه فَلهُ أَن يواليه، وَإِن أحب أَن يوالي غَيره فَلهُ أَن يواليه. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَهُ أَن ينْقل بولائه حَيْثُ شَاءَ، فَإِن عقل عَنهُ الَّذِي وَالَاهُ جِنَايَة لم يكن لَهُ أَن ينْقل ولاءه عَنهُ ويرثه.
قلت: سِنِين، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره نون أَبُو جميلَة الضمرِي. وَيُقَال: السّلمِيّ، روى عَنهُ ابْن شهَاب. قَالَ عَنهُ معمر: حَدثنِي أَبُو جميلَة وَزعم أَنه أدْرك النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ الزبيدِيّ عَن الزُّهْرِيّ: أدْركْت ثَلَاثَة من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ : أنس بن مَالك، وَسَهل بن سعد، وَأَبا جميلَة سِنِين، وَقَالَ مَالك عَن ابْن شهَاب: أَخْبرنِي سِنِين أَبُو جميلَة أَنه أدْرك النَّبِي ﷺ عَام الْفَتْح، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: أَبُو جميلَة سِنِين السّلمِيّ أدْرك النَّبِي ﷺ وَخرج مَعَه عَام الْفَتْح، وَحَدِيثه فِي التِّرْمِذِيّ. وروى عَنهُ الزُّهْرِيّ.
١٥٧٦ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حدّثنا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ عنْ إبْراهِيمَ عَن الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ قالَتْ: اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : (اشْتَرِيها فإنَّ الوَلاءَ لِمَنْ أعْتَقَ) وأُهْدِيَ لَها شاةٌ فَقَالَ: (هُوَ لَها صَدَقَةٌ ولَنا هَدِيَّةٌ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَحَفْص بن عمر بن الْحَارِث أَبُو عمر الحوضي وَالْحكم بِفتْحَتَيْنِ هُوَ ابْن عتيبة مصغر عتبَة الْبَاب وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ وَالْأسود هُوَ ابْن يزِيد، وَالثَّلَاثَة تابعيون كوفيون.
والْحَدِيث مضى فِي كَفَّارَة الْأَيْمَان عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَفِي الطَّلَاق عَن عبد الله بن رَجَاء وَفِيه وَفِي الزَّكَاة عَن آدم، وَمر الْكَلَام فِيهِ غير مرّة.
قَوْله: (بَرِيرَة) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (وأهدي) على صِيغَة الْمَجْهُول.
وَقَالَ الحَكَمُ: وَكَانَ زَوْجُها حُرًّا، وقَوْلُ الحَكَمِ مُرْسَلٌ
هَذَا مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَلَكِن قَوْله: مُرْسل، يَعْنِي: لَيْسَ بِمُسْنَد إِلَى عَائِشَة صَاحِبَة الحَدِيث، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: قَول الحكم لَيْسَ من الحَدِيث إِنَّمَا هُوَ مدرج، وَقيل: قَول البُخَارِيّ مُرْسل مُخَالف للإصلاح إِذْ الْكَلَام الْمَوْقُوف على بعض الروَاة لَا يُسمى مُرْسلا. قَوْله: وَكَانَ زَوجهَا، أَي: زوج بَرِيرَة.
стр. 7075
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: رَأيْتُهُ عَبْداً
أَي: قَالَ عبد الله بن عَبَّاس: رَأَيْت زوج بَرِيرَة عبدا وَهَذَا أصح لِأَنَّهُ رَآهُ كَمَا سَيَجِيءُ. قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ يُقَال لَهُ: مغيث، وَكَانَ عبدا لآل الْمُغيرَة من بني مَخْزُوم، فَخير رَسُول الله ﷺ بَرِيرَة وأمرها أَن تَعْتَد. قَالُوا: إِنَّمَا خَيرهَا رَسُول الله ﷺ لأجل كَون زَوجهَا عبدا. وَقَول ابْن عَبَّاس هَذَا مضى فِي الطَّلَاق مَوْصُولا فِي: بَاب خِيَار الْأمة تَحت العَبْد، وَفِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ.
٠٢ - (بابُ مِيراثِ السَّائِبَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مِيرَاث السائبة بِالسِّين الْمُهْملَة على وزن فاعلة أَي: الْمُهْملَة كَالْعَبْدِ يعْتق على أَن لَا وَلَاء لأحد عَلَيْهِ وَقد قيل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ (٥) مَا جعل الله من بحيرة وَلَا سائبة﴾ (الْمَائِدَة: ٣٠١) هُوَ أَن يَقُول لعَبْدِهِ: أَنْت سائبة لم يكن عَلَيْهِ وَلَاء وَأول من سيب السوائب عَمْرو بن لحي. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي مِيرَاث السائبة، فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر: وَلَاؤُه لمعتقه، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث الْبَاب، وَقَالَت طَائِفَة: مِيرَاثه للْمُسلمين، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب، وَرُوِيَ أَيْضا عَن عمر بن عبد الْعَزِيز وَرَبِيعَة وَأبي الزِّنَاد، وَهُوَ قَول مَالك وَهُوَ مَشْهُور مذْهبه. وَقَالَ الزُّهْرِيّ: بوالي الْمُعْتق سائبته من شَاءَ فَإِن مَاتَ وَلم يوالِ أحدا فولاؤه للْمُسلمين.
٣٥٧٦ - حدّثنا قَبِيصَةُ بنُ عُقْبةَ حدّثنا سُفْيانُ عنْ أبي قَيْسٍ عنْ هُزَيْلٍ عنْ عَبْدِ الله قَالَ: إنَّ أهْل الإسْلامِ لَا يُسَيِّبُونَ وإنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كَانُوا يُسَيِّبُون.
وَهَذَا الحَدِيث مُخْتَصر ومطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ مَا جَاءَ فِيهِ وَهُوَ أَنه جَاءَ رجل إِلَى عبد الله فَقَالَ: إِنِّي أعتقت عبدا سائبة فَمَاتَ وَترك مَالا وَلم يدع وَارِثا، فَقَالَ عبد الله: إِن أهل الْإِسْلَام لَا يسيبون، وَإِنَّمَا كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يسيبون وَأَنت ولي نعْمَته فلك مِيرَاثه.
وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ. وسُفْيَان فِي السَّنَد هُوَ الثَّوْريّ، وَأَبُو قيس هُوَ عبد الرَّحْمَن بن مَرْوَان، وهزيل مصغر هزل بالزاي ابْن شُرَحْبِيل يروي عَن عبد الله بن مَسْعُود.
٤٥٧٦ - حدّثنا مُوسى احدّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبراهِيمَ عنِ الأسْوَدِ أنَّ عائِشَةَ ﵂، اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ لِتُعْتِقَها واشْتَرَطَ أهْلُها وَلاءَها، فقالَتْ: يَا رسولَ الله! إنِّي اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ لأعْتِقَها وإنَّ أهْلها يَشْتَرِطُونَ وَلاءَها، فَقَالَ: (أعْتَقِيها، فإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ) . أوْ قَالَ: (أعْطى الثَّمَنَ) قَالَ: فاشْتَرَتْها فأعْتَقَتْها، قَالَ: وخُيِّرَتْ فاخْتارَتْ نَفْسَها، وقالَتْ: لَوْ أُعْطِيتُ كَذَا وكَذا مَا كُنْتُ مَعَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْوَلَاء لما كَانَ للْمُعْتق اسْتَوَى السائبة وَغَيرهَا.
ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي، وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو وَبعد الْألف نون واسْمه الوضاح الْيَشْكُرِي، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَالْأسود هُوَ ابْن يزِيد.
والْحَدِيث قد مضى أَكثر من عشْرين مرّة.
قَوْله: (وَاشْترط أَهلهَا) يَعْنِي: يبيعونها بِشَرْط أَن يكون الْوَلَاء لَهُم.
следующие страницы →