Полный текст (7 603 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.
стр. 7071
من الضَّمِير، وأصل الْكَلَام: لما نزلت ﴿لكل جعلنَا موَالِي﴾ نسخت ﴿وَالَّذين عاقدت أَيْمَانكُم﴾ .
٧١ - (بابُ ميراثِ المُلاعَنَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم مِيرَاث الْمُلَاعنَة بِكَسْر الْعين وَهِي الَّتِي وَقع اللّعان بَينهَا وَبَين زَوجهَا. وَقَالَ بَعضهم بِفَتْح الْعين، وَيجوز كسرهَا.
قلت: الْأَمر بِالْعَكْسِ وَالْمَقْصُود من مِيرَاث الْمُلَاعنَة بَيَان من يَرث ولد الْمُلَاعنَة وَمَا تَرث الْمُلَاعنَة من ابْنهَا، فَقَالَ مَالك: بَلغنِي أَنه قَالَ عُرْوَة فِي ولد الْمُلَاعنَة وَولد الزِّنَا: إِذا مَاتَ ورثت أمه حَقّهَا فِي كتاب الله وَإِخْوَته للْأُم حُقُوقهم. وَيُورث الْبَقِيَّة مولى أَبِيه إِن كَانَ مَوْلَاهُ، وَإِن كَانَت عَرَبِيَّة ورثت حَقّهَا وورثت إخْوَته لأمه حُقُوقهم وَكَانَ مَا بَقِي للْمُسلمين. قَالَ مَالك: وَبَلغنِي عَن سُلَيْمَان بن يسَار كَذَلِك، قَالَ: وعَلى ذَلِك أدْركْت أهل الْعلم ببلدنا، وَقَالَ أَبُو عمر: هَذَا مَذْهَب زيد بن ثَابت، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس مثل ذَلِك، وَرُوِيَ عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود: أَن مَا بَقِي يكون لعصبة أمه إِذا لم يخلف ذَا رحم لَهُ سهم وَإِن خَلفه جعل فَاضل المَال ردا عَلَيْهِ، وَحكى عَن عَليّ أَيْضا أَنه ورث ذَوي الْأَرْحَام برحمهم وَلَا شَيْء لبيت المَال، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه، وَمن قَالَ بِالرَّدِّ يرد الْبَاقِي على أمه، وَيَقُول زيد: قَالَ جُمْهُور أهل الْمَدِينَة وَابْن الْمسيب وَعُرْوَة وَسليمَان وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَالزهْرِيّ وَرَبِيعَة وَأَبُو الزِّنَاد وَمَالك، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَالْأَوْزَاعِيّ.
٨٤٧٦ - حدّثني يَحْيَاى بنُ قَزَعَةَ حدّثنا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ ﵄، أنَّ رَجلاً لَا عَنَ امْرَأتَهُ فِي زَمَنِ النبيِّ ﷺ وانْتَفى منْ وَلَدِها، فَفَرَّقَ النبيُّ ﷺ بَيْنَهُما وألْحَقَ الوَلَدَ بالمَرْأةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من آخر الحَدِيث، لِأَن المُرَاد من إِلْحَاق الْوَلَد بِالْأُمِّ جَرَيَان الْإِرْث بَينهمَا لِأَنَّهُ لما ألحقهُ بهَا قطع نسب أَبِيه فَصَارَ كمن لَا أَب لَهُ من أَوْلَاد الْفَيْء الَّذِي لم يخْتَلف أَن الْمُسلمين عصبته.
وَيحيى بن قزعة بِالْقَافِ وَالزَّاي وَالْعين الْمُهْملَة المفتوحات الْحِجَازِي.
والْحَدِيث مضى فِي الطَّلَاق عَن يحيى بن بكير عَن مَالك، وروى أَبُو دَاوُد من رِوَايَة عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: جعل النَّبِي ﷺ مِيرَاث ابْن الْمُلَاعنَة لأمه ولورثتها من بعْدهَا، وروى أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة عَن وَاثِلَة رَفعه: تحوز الْمَرْأَة ثَلَاثَة مَوَارِيث: عتيقها ولقيطها وَوَلدهَا الَّذِي لاعنت عَلَيْهِ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: لَيْسَ بِثَابِت، ورد عَلَيْهِ بِأَن التِّرْمِذِيّ حسنه وَالْحَاكِم صَححهُ وَلَيْسَ فِيهِ سوى عَمْرو بن رؤبة بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْوَاو وبباء مُوَحدَة مُخْتَلف فِيهِ، قَالَ البُخَارِيّ: فِيهِ نظر، وَوَثَّقَهُ جمَاعَة.
٨١ - (بابٌ الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ حُرَّةً كانَتْ أوْ أمَةً)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْوَلَد للْفراش أَي الصاحب الْفراش، قَالَ أَصْحَابنَا: الْفراش كِنَايَة عَن الزَّوْج، وَقَالَ جرير.
(باتت تعانقه وَبَات فراشها)
يَعْنِي: زَوجهَا وَيُقَال: الْفراش وَإِن كَانَ يَقع على الزَّوْج فَإِنَّهُ يَقع على الزَّوْجَة أَيْضا لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا فرَاش لصَاحبه. قَوْله: حرَّة كَانَت أَي الْمَرْأَة، أَو أمة، فَعِنْدَ مَالك وَالشَّافِعِيّ تصير الْأمة فراشا لسَيِّدهَا بِوَطْئِهِ إِيَّاهَا أَو بِإِقْرَارِهِ أَنه وَطئهَا، وَبِهَذَا حكم عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ قَول ابْن عمر أَيْضا، فَمَتَى أَتَت بِولد لسِتَّة أشهر من يَوْم وَطئهَا ثَبت نِسْبَة مِنْهُ وَصَارَت بِهِ أم ولد لَهُ، وَله أَن يَنْفِيه إِذا ادّعى الِاسْتِبْرَاء، وَلَا يكون فراشا بِنَفس الْملك دون الْوَطْء عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يكون فراشا بِالْوَطْءِ وَلَا بِالْإِقْرَارِ بِهِ أصلا، فَلَو وَطئهَا أَو أقرّ بِوَطْئِهَا فَأَتَت بِولد لم يلْحقهُ وَكَانَ مَمْلُوكا وَأمه مَمْلُوكَة لَهُ، وَإِنَّمَا يلْحقهُ وَلَدهَا إِذا أقرّ بِهِ وَله أَن يَنْفِيه بِمُجَرَّد قَوْله، وَلَا يحْتَاج أَن يَدعِي الِاسْتِبْرَاء.
٩٤٧٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ ﵂، قالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ عَهِدَ إِلَى أخِيهِ سَعْدٍ أنَّ ابنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي، فاقْبِضُهُ إلَيْكَ، فَلمَّا
стр. 7072
كَانَ عامُ الفَتْحِ أخَذَهُ سَعْدٌ، فَقَالَ: ابنُ أخِي عَهِدَ إلَيَّ فِيهِ، فَقام عَبْدَ بنُ زَمْعَةَ فَقَالَ: أخِي وابنُ وَلِيدَةِ أبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَتَساوَقا إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رسولَ الله ﴿ابنُ أخِي قَدْ كَانَ عَهِدَ إلَيَّ فِيهِ، فَقَالَ عَبْدُ بنُ زَمْعَةَ: أخِي وابنُ وَلِيدَةِ أبي وُلِدَ عَلى فِراشِهِ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : (هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِرِاشِ وللْعاهِرِ الحَجَرُ) . ثمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ: احْتَجِبِي مِنْهُ، لِما رَأى منْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، فَما رَآها حتَّى لَقِيَ الله.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (الْوَلَد للْفراش وللعاهد الْحجر) .
والْحَدِيث مضى فِي الْبيُوع عَن يحيى بن قزعة عَن مَالك وَمضى فِي الْوَصَايَا وَفِي الْمَغَازِي عَن القعْنبِي عَن مَالك، وَسَيَجِيءُ فِي الْأَحْكَام عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله عَن مَالك وَمضى الْكَلَام فِيهِ، وَلَكِن نذْكر بعض شَيْء لبعد الْمسَافَة.
وَعتبَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبالباء الْمُوَحدَة ابْن أبي وَقاص وَهُوَ أَخُو سعد بن أبي وَقاص، مُخْتَلف فِي صحبته فَذكره العسكري فِي الصَّحَابَة وَذكر أَنه أصَاب دَمًا بِمَكَّة فِي قُرَيْش فانتقل إِلَى الْمَدِينَة، وَلما مَاتَ أوصى إِلَى سعد، وَذكره ابْن مَنْدَه فِي الصَّحَابَة وَلم يذكر مُسْتَندا إلَاّ قَول سعد: عهد إِلَى أخي أَنه وَلَده، وَأنكر أَبُو نعيم ذَلِك وَذكر أَنه الَّذِي شج وَجه رَسُول الله ﷺ بِأحد، وَمَا علمت لَهُ إسلاماً، بل قد روى عبد الرَّزَّاق من طَرِيق عُثْمَان الْجَزرِي عَن مقسم أَن النَّبِي ﷺ دَعَا بِأَن لَا يحول على عتبَة الْحول حَتَّى يَمُوت كَافِرًا فَمَاتَ قبل الْحول، وَهَذَا مُرْسل، وَجزم الدمياطي وَابْن التِّين بِأَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا، وَأم عتبَة هِنْد بنت وهب بن الْحَارِث ابْن زهرَة وَأم أَخِيه سعد حمْنَة بنت سُفْيَان بن أُميَّة.
قَوْله: (عهد إِلَى أَخِيه) أَي: أوصى إِلَى أَخِيه سعد بن أبي وَقاص عِنْد مَوته. قَوْله: (إِن ابْن وليدة زَمعَة مني) أَي: ابْن أمة زَمعَة مني، وَكَذَا وَقع فِي الْمَظَالِم والوليدة: فعيلة من الْولادَة. قَالَ الْجَوْهَرِي: هِيَ الصبية وَالْأمة وَالْجمع ولائد وَكَانَت أمة يَمَانِية وَزَمعَة آخر غَيره، وَنبهَ عَلَيْهِ الطَّحَاوِيّ أَيْضا، وَقَالَ: عبد بن زَمعَة، بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْمِيم وَقد يُحَرك، وَقَالَ النَّوَوِيّ: السّكُون أشهر، وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد الوقشي: التحريك هُوَ الصَّوَاب، وَهُوَ قيس بن عبد شمس الْقرشِي العامري وَالِد سَوْدَة زوج النَّبِي ﷺ . قَوْله: (فَلَمَّا كَانَ عَام الْفَتْح أَخذه سعد) أَي: سعد بن أبي وَقاص وَكَانَ رَآهُ يَوْم الْفَتْح فَعرفهُ بالشبه فَاحْتَضَنَهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ: ابْن أخي وَرب الْكَعْبَة. وَفِي رِوَايَة اللَّيْث قَالَ سعد: يَا رَسُول الله﴾ هَذَا ابْن أخي عتبَة بن أبي وَقاص، عهد إِلَى أَنه ابْنه. قَوْله: (فَقَامَ عبد بن زَمعَة، فَقَالَ: أخي) أَي: هَذَا أخي وَابْن وليدة أبي، أَي: ابْن أمته ولد على فرَاشه، وَعبد هَذَا بِغَيْر إِضَافَة إِلَى شَيْء. قيل: وَقع فِي (مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب) : عبد الله، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ غلط لِأَن عبد الله بن زَمعَة هُوَ ابْن الْأسود بن عبد الْمطلب بن أَسد بن عبد الْعُزَّى، وَقيل: قد وَقع لِابْنِ مَنْدَه فِيهِ خبط فِي تَرْجَمَة عبد الرَّحِم بن زَمعَة فَإِنَّهُ زعم أَن عبد الرَّحْمَن وَعبد الله، وعبداً بِغَيْر إِضَافَة أخوة ثَلَاثَة أَوْلَاد زَمعَة بن الْأسود وَلَيْسَ كَذَلِك، بل عبد بِغَيْر إِضَافَة وَعبد الرَّحْمَن أَخَوان عامريان من قُرَيْش، وَعبد الله بن زَمعَة أسدي من قُرَيْش أَيْضا. قَوْله: (فتساوقا) من التساوق وَهُوَ الْمُتَابَعَة كَانَ أَحدهمَا يتبع الآخر ويسوقه. قَوْله: (أخي) أَي: هُوَ أخي (وَابْن وليدة أبي) أَي: ابْن أمته. قَوْله: (هُوَ لَك يَا عبد بن زَمعَة) حكم لَهُ بِأَن يَأْخُذهُ، وَيقْرَأ بِنصب عبد وَرَفعه، قَالَه صَاحب (التَّوْضِيح) وَمَعْنَاهُ: بِأَنَّهُ يكون لَك أَخا على دعواك فأقره وَلم يقل إِن الْأمة لَا تكون فراشا. وَقَالَ بَعضهم: وَقد سلك الطَّحَاوِيّ فِيهِ مسلكاً آخر فَقَالَ: معنى قَوْله: (هُوَ لَك) أَي: يدك عَلَيْهِ لَا أَنَّك تملكه، وَلَكِن تمنع غَيْرك مِنْهُ إِلَى أَن يتَبَيَّن أمره كَمَا قَالَ لصَاحب اللّقطَة: هِيَ لَك، وَقَالَ لَهُ: إِذا جَاءَ صَاحبهَا فَردهَا إِلَيْهِ، قَالَ: وَلما كَانَت سَوْدَة شريكة لعبد فِي ذَلِك لَكِن لم يعلم مِنْهَا تَصْدِيق ذَلِك وَلَا الدَّعْوَى بِهِ ألزم عبدا بِمَا أقربه على نَفسه وَلم يَجْعَل ذَلِك حجَّة عَلَيْهَا فَأمرهَا بالاحتجاب ثمَّ قَالَ هَذَا النَّاقِل عَن الطَّحَاوِيّ: هَذَا الْكَلَام وَكَلَامه متعقب بالرواية الْمُصَرّح، فِيهَا بقوله: (هُوَ أَخُوك) فَإِنَّهَا رفعت الْإِشْكَال وَكَأَنَّهُ لم يقف عَلَيْهَا وَلَا على حَدِيث ابْن الزبير وَسَوْدَة الدَّال على أَن سَوْدَة وَافَقت أخاها: عبدا فِي الدَّعْوَى بذلك. انْتهى.
قلت: روى أَبُو دَاوُد هَذَا الحَدِيث عَن سعيد بن مَنْصُور ومسدد، وَفِيه: وَزَاد مُسَدّد فِي حَدِيثه: هُوَ أَخُوك، وَالصَّحِيح مَا رَوَاهُ سعيد
стр. 7073
ابْن مَنْصُور وَزِيَادَة مُسَدّد لم يُوَافقهُ عَلَيْهَا أَحْمد، وَلَئِن سلمنَا صِحَة هَذِه الزِّيَادَة وَلَكِن يُرَاد بِهِ أَخُوك فِي الدّين، وَيحْتَمل أَن يكون أصل الحَدِيث: هُوَ لَك، فَظن الرَّاوِي أَن مَعْنَاهُ: أَخُوهُ فِي النّسَب فَحَمله على الْمَعْنى الَّذِي عِنْده. وَالْخَبَر الَّذِي يرويهِ عبد الله بن الزبير صرح بِأَنَّهُ ﷺ قَالَ: فَإِنَّهُ لَيْسَ لَك بِأَخ. وَقَالَ الْخطابِيّ وَغَيره: كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يقررون على ولائدهم الضرائب فيكتسبن بِالْفُجُورِ وَكَانُوا يلحقون بالزناة إِذا دعوا كَمَا فِي النِّكَاح، وَكَانَت لزمعة أمة وَكَانَ يلم بهَا فَظهر بهَا حمل وَزعم عتبَة بن أبي وَقاص أَنه مِنْهُ وعهد إِلَى أَخِيه سعد أَن يستلحقه، فخاصم فِيهِ عبد بن زَمعَة فَقَالَ سعد: هُوَ ابْن أخي على مَا كَانَ الْأَمر فِي الْجَاهِلِيَّة، وَقَالَ عبد هُوَ أخي على مَا اسْتَقر عَلَيْهِ الحكم فِي الْإِسْلَام، فَأبْطل النَّبِي ﷺ ، حكم الْجَاهِلِيَّة وألحقه بزمعة. قَوْله: (الْوَلَد للْفراش) مر تَفْسِيره عَن قريب. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَعند جُمْهُور الْعلمَاء أَن الْحرَّة لَا تكون فراشا إلَاّ بِإِمْكَان الْوَطْء وَيلْحق الْوَلَد فِي مُدَّة تَلد فِي مثلهَا واقل ذَلِك سِتَّة أشهر، وشذ أَبُو حنيفَة فَقَالَ: إِذا طَلقهَا عقيب النِّكَاح من غير إِمْكَان وَطْء فَأَتَت بِولد لسِتَّة أشهر من وَقت العقد فَإِنَّهُ يلْحقهُ، وَقَالَ أَيْضا وَمَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة خلاف مَا أجْرى الله تَعَالَى بِهِ الْعَادة من أَن الْوَلَد إِنَّمَا يكون من مَاء الرجل وَمَاء الْمَرْأَة.
قلت: أَبُو حنيفَة لم يشذ فِيمَا ذهب إِلَيْهِ وَلَا خَالف مَا أجْرى الله بِهِ الْعَادة، وَأَن صَاحب (التَّوْضِيح) : وَمن سلك مسلكة لم يدركا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة مَا أدْركهُ أَبُو حنيفَة، لِأَنَّهُ احْتج فِيمَا ذهب إِلَيْهِ بقوله: (الْوَلَد للْفراش) أَي: لصَاحب الْفراش، وَلم يذكر فِيهِ اشْتِرَاط الْوَطْء، وَلَا ذكره وَلِأَن العقد فِيهَا كَالْوَطْءِ بِخِلَاف الْأمة فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهَا فرَاش فَلَا يثبت نسب مَا وَلدته الْأمة إلَاّ باعتراف مَوْلَاهَا. قَوْله: (وللعاهر الْحجر) أَي: وللزاني الخيبة والحرمان والعهر بِفتْحَتَيْنِ الزِّنَا، وَمعنى الخيبة الحرمان من الْوَلَد الَّذِي يَدعِيهِ، وَعَادَة الْعَرَب أَن تَقول لمن خَابَ: لَهُ الْحجر وَبَقِيَّة الْحجر وَالتُّرَاب، وَنَحْو ذَلِك وَقيل: المُرَاد بِالْحجرِ هُنَا أَنه يرْجم قَالَ النَّوَوِيّ: وَهُوَ ضَعِيف لِأَن الرَّجْم مُخْتَصّ بالمحصن. قَوْله: (ثمَّ قَالَ لسودة بنت زَمعَة) أَي: زوج النَّبِي ﷺ : احتجبي مِنْهُ، أَي: من ابْن الوليدة الْمُدعى تورعاً واحتياطاً، وَذَلِكَ لشبهه بِعتبَة بن أبي وَقاص.
٠٥٧٦ - حدّثنا مُسَدَّدٌ عنْ يَحْيَاى عنْ شُعْبَةَ عنْ مُحَمَّدِ بنِ زِيادٍ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: (الوَلَدُ لِصاحِبِ الفِراشِ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَفِيه تَفْسِير لقَوْله فِي الحَدِيث الْمَاضِي: (الْوَلَد للْفراش) أَي: لصَاحب الْفراش، وَهَذَا الحَدِيث مُسْتَقل بِنَفسِهِ بِخِلَاف الحَدِيث الْمَاضِي فَإِنَّهُ ذكر تبعا لحَدِيث عبد بن زَمعَة. قَالَ الطَّحَاوِيّ: فِيهِ: فَإِن قيل: فَمَا معنى قَوْله الَّذِي وَصله بِهَذَا: (الْوَلَد للْفراش وللعاهر الْحجر) قيل: لَهُ ذَلِك على التَّعْلِيم مِنْهُ لسعد أَي: أَنْت تَدعِي لأخيك وأخوك لم يكن لَهُ فرَاش، وَإِنَّمَا يثبت النّسَب مِنْهُ لَو كَانَ فرَاش فَهُوَ عاهر وللعاهر الْحجر. انْتهى.
وَقَالَ ابْن عبد الْبر: حَدِيث (الْوَلَد للْفراش) هُوَ من أصح مَا يرْوى عَن النَّبِي ﷺ ، جَاءَ عَن بضعَة وَعشْرين من الصَّحَابَة، فَذكر البُخَارِيّ هُنَا حَدِيث عَائِشَة وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ عقيب حَدِيث أبي هُرَيْرَة: وَفِي الْبَاب عَن عمر وَعُثْمَان وَعبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن الزبير وَعبد الله بن عَمْرو وَأبي أُمَامَة وَعَمْرو بن خَارِجَة والبراء وَزيد بن أَرقم فَحَدِيث عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد ابْن مَاجَه، وَحَدِيث عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد أبي دَاوُد، وَحَدِيث عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النَّسَائِيّ، وَحَدِيث عبد الله بن الزبير عِنْد النَّسَائِيّ أَيْضا، وَحَدِيث عبد الله بن عَمْرو عَن أبي دَاوُد، وَحَدِيث أبي أُمَامَة عِنْد أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه، وَحَدِيث عَمْرو بن خَارِجَة عِنْد التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، وَحَدِيث الْبَراء عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) ، وَحَدِيث زيد بن أَرقم عِنْد الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِيهِ، وَزَاد شَيخنَا زين الدّين على هَؤُلَاءِ: مُعَاوِيَة وَابْن عمر، فَحَدِيث مُعَاوِيَة عِنْد أبي يعلى الْموصِلِي، وَحَدِيث ابْن عمر عِنْد الْبَزَّار، وَوَقع عِنْد هَؤُلَاءِ جَمِيعهم: (الْوَلَد للْفراش وللعاهر الْحجر) وَمِنْهُم من اقْتصر على الْجُمْلَة الأولى.
٩١ - (بابٌ الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ)
أَي هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْوَلَاء لمن أعتق، وَفِي أَكثر النّسخ، بَاب إِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق، الْوَلَاء بِفَتْح الْوَاو مُشْتَقّ من الْولَايَة بِالْفَتْح
стр. 7074
وَهِي النُّصْرَة والمحبة لِأَن فِي وَلَاء الْعتَاقَة والموالاة تناصر أَو محبَّة من الْوَلِيّ وَهُوَ الْقرب، وَهِي قرَابَة حكمِيَّة حَاصِلَة من الْعتْق أَو من الْمُوَالَاة، وَهِي الْمُتَابَعَة لِأَن فِي وَلَاء الْعتَاقَة إِرْثا يوالي وجود الشَّرْط، وَكَذَا فِي وَلَاء الْمُوَالَاة، وَفِي الشَّرْع: هُوَ عبارَة عَن التناصر بولاء الْعتَاقَة، أَو بولاء الْمُوَالَاة وَمن إثارة الْإِرْث وَالْعقل. قَوْله: (الْوَلَاء لمن أعتق) ، لفظ الحَدِيث أخرجه الْأَئِمَّة السِّتَّة عَن عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ .
ومِيراثُ اللَّقِيطِ
هُوَ بِالرَّفْع عطف على مَا قبله، وَيجوز بِالْجَرِّ على تَقْدِير أَن يُقَال: وَفِي مِيرَاث اللَّقِيط، وَلكنه لم يذكر شَيْئا فِيهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لِأَنَّهُ لم يتَّفق لَهُ حَدِيث على شَرطه وَأَرَادَ بِهِ أَنه ذكر هَذِه اللَّفْظَة وبيض لَهَا حَتَّى يذكرهَا فِيهِ فَلم يجد شَيْئا وَاسْتمرّ على التَّرْجَمَة، وَالظَّاهِر أَنه اكْتفى بأثر عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِن فِيهِ بَيَان حكمه، كَمَا نقُول الْآن.
وَقَالَ عُمَرُ: اللَّقِيطُ حُرٌّ
أَي: قَالَ عمر بن الْخطاب: اللَّقِيط حر فَإِذا كَانَ حرا يكون وَلَاؤُه فِي بَيت المَال لِأَن ولاءه يكون لجَمِيع الْمُسلمين، وَإِلَيْهِ ذهب مَالك وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبُو ثَوْر، وَقَالَ شُرَيْح: إِن ولاءه لملتقطه، وَبِه قَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَاحْتج بِحَدِيث سِنِين أبي جميلَة عَن عمر أَنه قَالَ لَهُ فِي المنبوذ: اذْهَبْ فَهُوَ حر وَلَك وَلَاؤُه، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر أَبُو جميلَة مَجْهُول لَا يعرف لَهُ خبر غير هَذَا الحَدِيث، وَحمل قَول عمر: لَك وَلَاؤُه، على أَنه أَنْت الَّذِي تتولى تَرْبِيَته وَالْقِيَام بأَمْره، وَهَذِه ولَايَة الْإِسْلَام لَا ولَايَة الْعتْق. وَقَالَ عَطاء وَابْن شهَاب، إِنَّه حر، فَإِن أحب أَن يوالي الَّذِي التقطه فَلهُ أَن يواليه، وَإِن أحب أَن يوالي غَيره فَلهُ أَن يواليه. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَهُ أَن ينْقل بولائه حَيْثُ شَاءَ، فَإِن عقل عَنهُ الَّذِي وَالَاهُ جِنَايَة لم يكن لَهُ أَن ينْقل ولاءه عَنهُ ويرثه.
قلت: سِنِين، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره نون أَبُو جميلَة الضمرِي. وَيُقَال: السّلمِيّ، روى عَنهُ ابْن شهَاب. قَالَ عَنهُ معمر: حَدثنِي أَبُو جميلَة وَزعم أَنه أدْرك النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ الزبيدِيّ عَن الزُّهْرِيّ: أدْركْت ثَلَاثَة من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ : أنس بن مَالك، وَسَهل بن سعد، وَأَبا جميلَة سِنِين، وَقَالَ مَالك عَن ابْن شهَاب: أَخْبرنِي سِنِين أَبُو جميلَة أَنه أدْرك النَّبِي ﷺ عَام الْفَتْح، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: أَبُو جميلَة سِنِين السّلمِيّ أدْرك النَّبِي ﷺ وَخرج مَعَه عَام الْفَتْح، وَحَدِيثه فِي التِّرْمِذِيّ. وروى عَنهُ الزُّهْرِيّ.
١٥٧٦ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حدّثنا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ عنْ إبْراهِيمَ عَن الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ قالَتْ: اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : (اشْتَرِيها فإنَّ الوَلاءَ لِمَنْ أعْتَقَ) وأُهْدِيَ لَها شاةٌ فَقَالَ: (هُوَ لَها صَدَقَةٌ ولَنا هَدِيَّةٌ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَحَفْص بن عمر بن الْحَارِث أَبُو عمر الحوضي وَالْحكم بِفتْحَتَيْنِ هُوَ ابْن عتيبة مصغر عتبَة الْبَاب وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ وَالْأسود هُوَ ابْن يزِيد، وَالثَّلَاثَة تابعيون كوفيون.
والْحَدِيث مضى فِي كَفَّارَة الْأَيْمَان عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَفِي الطَّلَاق عَن عبد الله بن رَجَاء وَفِيه وَفِي الزَّكَاة عَن آدم، وَمر الْكَلَام فِيهِ غير مرّة.
قَوْله: (بَرِيرَة) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (وأهدي) على صِيغَة الْمَجْهُول.
وَقَالَ الحَكَمُ: وَكَانَ زَوْجُها حُرًّا، وقَوْلُ الحَكَمِ مُرْسَلٌ
هَذَا مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَلَكِن قَوْله: مُرْسل، يَعْنِي: لَيْسَ بِمُسْنَد إِلَى عَائِشَة صَاحِبَة الحَدِيث، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: قَول الحكم لَيْسَ من الحَدِيث إِنَّمَا هُوَ مدرج، وَقيل: قَول البُخَارِيّ مُرْسل مُخَالف للإصلاح إِذْ الْكَلَام الْمَوْقُوف على بعض الروَاة لَا يُسمى مُرْسلا. قَوْله: وَكَانَ زَوجهَا، أَي: زوج بَرِيرَة.
стр. 7075
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: رَأيْتُهُ عَبْداً
أَي: قَالَ عبد الله بن عَبَّاس: رَأَيْت زوج بَرِيرَة عبدا وَهَذَا أصح لِأَنَّهُ رَآهُ كَمَا سَيَجِيءُ. قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ يُقَال لَهُ: مغيث، وَكَانَ عبدا لآل الْمُغيرَة من بني مَخْزُوم، فَخير رَسُول الله ﷺ بَرِيرَة وأمرها أَن تَعْتَد. قَالُوا: إِنَّمَا خَيرهَا رَسُول الله ﷺ لأجل كَون زَوجهَا عبدا. وَقَول ابْن عَبَّاس هَذَا مضى فِي الطَّلَاق مَوْصُولا فِي: بَاب خِيَار الْأمة تَحت العَبْد، وَفِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ.
٠٢ - (بابُ مِيراثِ السَّائِبَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مِيرَاث السائبة بِالسِّين الْمُهْملَة على وزن فاعلة أَي: الْمُهْملَة كَالْعَبْدِ يعْتق على أَن لَا وَلَاء لأحد عَلَيْهِ وَقد قيل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ (٥) مَا جعل الله من بحيرة وَلَا سائبة﴾ (الْمَائِدَة: ٣٠١) هُوَ أَن يَقُول لعَبْدِهِ: أَنْت سائبة لم يكن عَلَيْهِ وَلَاء وَأول من سيب السوائب عَمْرو بن لحي. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي مِيرَاث السائبة، فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر: وَلَاؤُه لمعتقه، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث الْبَاب، وَقَالَت طَائِفَة: مِيرَاثه للْمُسلمين، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب، وَرُوِيَ أَيْضا عَن عمر بن عبد الْعَزِيز وَرَبِيعَة وَأبي الزِّنَاد، وَهُوَ قَول مَالك وَهُوَ مَشْهُور مذْهبه. وَقَالَ الزُّهْرِيّ: بوالي الْمُعْتق سائبته من شَاءَ فَإِن مَاتَ وَلم يوالِ أحدا فولاؤه للْمُسلمين.
٣٥٧٦ - حدّثنا قَبِيصَةُ بنُ عُقْبةَ حدّثنا سُفْيانُ عنْ أبي قَيْسٍ عنْ هُزَيْلٍ عنْ عَبْدِ الله قَالَ: إنَّ أهْل الإسْلامِ لَا يُسَيِّبُونَ وإنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كَانُوا يُسَيِّبُون.
وَهَذَا الحَدِيث مُخْتَصر ومطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ مَا جَاءَ فِيهِ وَهُوَ أَنه جَاءَ رجل إِلَى عبد الله فَقَالَ: إِنِّي أعتقت عبدا سائبة فَمَاتَ وَترك مَالا وَلم يدع وَارِثا، فَقَالَ عبد الله: إِن أهل الْإِسْلَام لَا يسيبون، وَإِنَّمَا كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يسيبون وَأَنت ولي نعْمَته فلك مِيرَاثه.
وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ. وسُفْيَان فِي السَّنَد هُوَ الثَّوْريّ، وَأَبُو قيس هُوَ عبد الرَّحْمَن بن مَرْوَان، وهزيل مصغر هزل بالزاي ابْن شُرَحْبِيل يروي عَن عبد الله بن مَسْعُود.
٤٥٧٦ - حدّثنا مُوسى احدّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبراهِيمَ عنِ الأسْوَدِ أنَّ عائِشَةَ ﵂، اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ لِتُعْتِقَها واشْتَرَطَ أهْلُها وَلاءَها، فقالَتْ: يَا رسولَ الله! إنِّي اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ لأعْتِقَها وإنَّ أهْلها يَشْتَرِطُونَ وَلاءَها، فَقَالَ: (أعْتَقِيها، فإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ) . أوْ قَالَ: (أعْطى الثَّمَنَ) قَالَ: فاشْتَرَتْها فأعْتَقَتْها، قَالَ: وخُيِّرَتْ فاخْتارَتْ نَفْسَها، وقالَتْ: لَوْ أُعْطِيتُ كَذَا وكَذا مَا كُنْتُ مَعَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْوَلَاء لما كَانَ للْمُعْتق اسْتَوَى السائبة وَغَيرهَا.
ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي، وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو وَبعد الْألف نون واسْمه الوضاح الْيَشْكُرِي، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَالْأسود هُوَ ابْن يزِيد.
والْحَدِيث قد مضى أَكثر من عشْرين مرّة.
قَوْله: (وَاشْترط أَهلهَا) يَعْنِي: يبيعونها بِشَرْط أَن يكون الْوَلَاء لَهُم.
стр. 7076
قَوْله: (أَو قَالَ: أعْطى الثّمن) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (وخيرت) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: لما عتقت خيرت بَين فسخ نِكَاحهَا وَاخْتِيَار نَفسهَا وإمضاء النِّكَاح وَاخْتِيَار الزَّوْج، وَقد مر أَن اسْمه: مغيث. قَوْله: (وَقَالَت: لَو أَعْطَيْت) أَي قَالَت بَرِيرَة: لَو أَعْطَانِي زَوجي كَذَا وَكَذَا من المَال مَا كنت مَعَه. أَي: مَا كنت أَصْحَبهُ وَلَا أَقمت عِنْده، وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ حَيْثُ قَالَ: فَخَيرهَا رَسُول الله ﷺ ، من زَوجهَا، قَالَت: لَو أَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا مَا أَقمت عِنْده، فَاخْتَارَتْ نَفسهَا وَكَانَ زَوجهَا حرا.
قَالَ الأسْوَدُ: وَكَانَ زَوْجُها حُرًّا. قَوْلُ الأسْوَدِ مُنْقَطَعٌ
أَي: قَول الْأسود بن يزِيد الرَّاوِي عَن عَائِشَة: كَانَ زوج بَرِيرَة حرا، ثمَّ قَالَ البُخَارِيّ: قَول الْأسود مُنْقَطع، فَقيل: الْمُنْقَطع هُوَ أَن يسْقط من الْإِسْنَاد رجل أَو يذكر فِيهِ رجل مُبْهَم، وَقَالَ الْخَطِيب: الْمُنْقَطع مَا روى عَن التَّابِعِيّ فَمن دونه مَوْقُوفا عَلَيْهِ من قَوْله أَو فعله، وَقيل: الْمُنْقَطع مثل الْمُرْسل وَهُوَ كل مَا لَا يتَّصل إِسْنَاده، غير أَن الْمُرْسل أَكثر مَا يُطلق على مَا رَوَاهُ التَّابِعِيّ عَن رَسُول الله ﷺ وَالْمَشْهُور أَن الْمُرْسل قَول غير الصَّحَابِيّ: قَالَ رَسُول الله ﷺ .
وقَوْلُ ابنِ عَبَّاسٍ: رَأيْتهُ عَبْداً، أصَحُّ
أَي: قَول ابْن عَبَّاس: رَأَيْت زوج بَرِيرَة عبدا أصح من قَول الْأسود، لِأَنَّهُ رَآهُ وَشَاهده، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ.
١٢ - (بابُ إثْمِ مَنْ تَبَرَّأ مِنْ مَوالِيهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم من تَبرأ من موَالِيه بِأَن نفى كَونه من موَالِي فلَان أَو وَالِي غَيره، وروى أَحْمد فِي (مُسْنده) : من طَرِيق سهل بن معَاذ بن أنس عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: (إِن لله عباداً لَا يكلمهم الله) الحَدِيث وَفِيه: رجل أنعم عَلَيْهِ قوم فَكفر نعمتهم وتبرأ مِنْهُم.
٥٥٧٦ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدّثنا جَرِيرٌ عنِ الأعْمَشِ عنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عنْ أبِيهِ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ ﵁ عندنَا كِتابٌ نَقْرَؤُهُ إلاّ كِتابُ الله غَيْرَ هاذِهِ الصَّحِيفَةِ، قَالَ: فأخْرَجَها فَإِذا فِيهَا أشْياءُ مِنَ الجِراحاتِ وأسْنانِ الإبِلِ. قَالَ وفيهَا: المَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَيْرِ إِلَى ثَوْرٍ فَمَنْ أحْدَثَ فِيهَا حَدَثاً أوْ آوَى مُحْدثاً فَعَليْهِ لَعْنَةُ الله والمَلائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، ومَنْ والَى قَوْماً بِغَيْرِ إذْن مَوالِيهِ فَعَليْهِ لَعْنَةُ الله والمَلائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وذِمَّةُ المُسْلِمِينَ واحِدَةٌ يَسْعاى بِها أدْناهُمْ فَمَنْ أخْفَرَ مُسْلِماً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله والمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَمن والى قوما) إِلَى قَوْله: (وَذمَّة الْمُسلمين) فَإِن قلت: التَّرْجَمَة مُطلقَة والْحَدِيث:. (من والى قوما بِغَيْر إِذن موَالِيه) فَإِن الْمَفْهُوم مِنْهُ أَنه إِذا والى بإذنهم لَا يَأْثَم وَلَا يكون متبرءاً.
قلت: لَيْسَ هَذَا لتقييد الحكم وَإِنَّمَا هُوَ إِيرَاد الْكَلَام على الْغَالِب، وَقيل: هُوَ للتَّأْكِيد لِأَنَّهُ إِذا اسْتَأْذن موَالِيه فِي ذَلِك منعُوهُ.
وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَإِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ هُوَ إِبْرَاهِيم بن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن شريك التَّيْمِيّ تيم الربَاب وَلَيْسَ هُوَ إِبْرَاهِيم بن يزِيد بن الْأسود بن عَمْرو، وَقيل: ابْن عمر بن يزِيد بن الْأسود بن عمر، وَأَبُو عمرَان النَّخعِيّ الْكُوفِي، وَإِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ يروي عَن أَبِيه يزِيد بن شريك بن طَارق التَّيْمِيّ، عداده فِي أهل الْكُوفَة سمع عَليّ بن أبي طَالب وَغَيره من الصَّحَابَة.
والْحَدِيث مضى فِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن بشار وَفِي الْجِزْيَة عَن مُحَمَّد بن وَكِيع وَسَيَجِيءُ فِي الِاعْتِصَام عَن عمر بن حَفْص.
قَوْله: (غير هَذِه الصَّحِيفَة) حَال
стр. 7077
أَو هُوَ اسْتثِْنَاء آخر، وحرف الْعَطف مُقَدّر كَمَا فِي: التَّحِيَّات المباركات الصَّلَوَات تَقْدِيره: والصلوات. قَوْله: (أَشْيَاء) جمع شَيْء وَهُوَ لَا ينْصَرف. قَالَ الْكسَائي: تركُوا صرفه لِكَثْرَة اسْتِعْمَاله. قَوْله: (من الْجِرَاحَات) أَي: من أَحْكَام الْجِرَاحَات وأسنان الْإِبِل الدِّيات. قَوْله: (حرَام) ويروى: حرم. قَوْله: (عير) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء وَهُوَ اسْم جبل بِالْمَدِينَةِ. قَوْله: (إِلَى ثَوْر) بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: أما ثَوْر بِلَفْظ الْحَيَوَان الْمَشْهُور فَمنهمْ من ترك مَكَانَهُ بَيَاضًا لأَنهم اعتقدوا أَن ذكر ثَوْر خطأ إِذْ لَيْسَ فِي الْمَدِينَة مَوضِع يُسمى ثوراً وَمِنْهُم من كنى عَنهُ بِلَفْظ: كَذَا، وَقيل: الصَّحِيح أَن بدله: أحد أَي: عير إِلَى أحد، وَقيل: إِن ثوراً كَانَ اسْما لجبل هُنَاكَ أما أحدا وَغَيره فخفى إسمه. قَوْله: (حَدثا) بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْأَمر الْحَادِث الْمُنكر الَّذِي لَيْسَ بمعتاد وَلَا مَعْرُوف فِي السّنة. قَوْله: (أَو أَوَى) الْقصر فِي اللَّازِم وَالْمدّ فِي الْمُتَعَدِّي. قَوْله: (مُحدثا) بِكَسْر الدَّال وَفتحهَا على الْفِعْل وَالْمَفْعُول، فَمَعْنَى الْكسر من نصر جانباً وآواه وَأَجَارَهُ من خَصمه وَحَال بَينه وَبَين أَن يقْتَصّ مِنْهُ، وَمعنى الْفَتْح هُوَ الْأَمر المبتدع نَفسه، وَيكون معنى الإيواء فِيهِ الرِّضَا بِهِ وَالصَّبْر عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ إِذا رَضِي ببدعته وَأقر فاعلها عَلَيْهَا وَلم ينكرها فقد آواه. قَوْله: (لعنة الله) المُرَاد باللعنة الْبعد عَن الْجنَّة الَّتِي هِيَ دَار الرَّحْمَة فِي أول الْأَمر لَا مُطلقًا. قَوْله: (صرف) الصّرْف الْفَرِيضَة، وَالْعدْل النَّافِلَة، وَقيل بِالْعَكْسِ، وَقيل: الصّرْف التَّوْبَة وَالْعدْل الْفِدْيَة. قَوْله: (من والى قوما) أَي: اتخذهم أَوْلِيَاء لَهُ. قَوْله: (بِغَيْر إِذن موَالِيه) قد مر الْكَلَام فِيهِ الْآن. قَوْله: (وَذمَّة الْمُسلمين) المُرَاد بِالذِّمةِ الْعَهْد والأمان يَعْنِي: أَمَان الْمُسلم للْكَافِرِ صَحِيح والمسلمون كَنَفس وَاحِدَة فِيهِ. قَوْله: (أَدْنَاهُم) أَي: مثل الْمَرْأَة وَالْعَبْد فَإِذا أَمن أحدهم حَرْبِيّا لَا يجوز لأحد أَن ينْقض ذمَّته. قَوْله: (وَمن أَخْفَر) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالْفَاء أَي من نقض عَهده، يُقَال: خفرته أَي كنت لَهُ خفيراً أمْنَعهُ، وأخفرته أَيْضا.
وَفِيه: جَوَاز لعنة أهل الْفسق من الْمُسلمين وَمن تَبرأ من موَالِيه لم تجز شَهَادَته وَعَلِيهِ التَّوْبَة وَالِاسْتِغْفَار لِأَن الشَّارِع لَعنه، وكل من لَعنه فَهُوَ فَاسق.
٦٥٧٦ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا سُفْيان عنْ عَبْدِ الله بنِ دِينارٍ عنْ ابنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: نَهَى النبيُّ ﷺ عنْ بَيْعِ الوَلاءِ وعنْ هِبَتِهِ. (انْظُر الحَدِيث ٥٣٥٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِي هَذَا الحَدِيث قد صرح بِالنَّهْي عَن بيع الْوَلَاء وهبته فَيُؤْخَذ مِنْهُ عدم اعْتِبَار الْإِذْن فِي ذَلِك الحَدِيث بِالطَّرِيقِ الأولى لِأَن السَّيِّد إِذا منع من بيع الْوَلَاء مَعَ مَا فِيهِ من الْعِوَض، وَعَن الْهِبَة مَعَ مَا فِيهَا من الْمِنَّة فَمَنعه من الْإِذْن فِيهِ مجَّانا وَبلا منَّة أولى.
وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْعتْق عَن مُحَمَّد بن عبد الله. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبيُوع عَن بنْدَار عَن ابْن مهْدي، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْفَرَائِض عَن عَليّ بن سعيد بن مَسْرُوق. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن وَكِيع. وَقَالَ الْمزي: روى يحيى بن سليم هَذَا عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَهُوَ وهم، وروى الثَّقَفِيّ وَعبد الله بن نمير وَغير وَاحِد عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر وَهَذَا أصح، وَإِنَّمَا نهى عَن بيع الْوَلَاء لِأَنَّهُ حق إِرْث الْمُعْتق من الْعَتِيق، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ غير مَقْدُور التَّسْلِيم وَنَحْوه. فَإِن قلت: روى ابْن أبي شيبَة عَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم أَن امْرَأَة من محَارب اعتقت عبدا ووهبت ولاءه لعبد الرَّحْمَن بن أبي بكر، فَأَجَازَهُ عُثْمَان. وَعَن الشّعبِيّ وَقَتَادَة وَابْن الْمسيب نَحوه.
قلت: حَدِيث الْبَاب يرد هَذَا، وَقيل: بيع الْوَلَاء وهبته منسوخان بِحَدِيث الْبَاب، وَيحْتَمل أَن الحَدِيث مَا بلغ هَؤُلَاءِ، وَالله أعلم.
٢٢ - (بابٌ إذَا أسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته إِذا أسلم على يَدَيْهِ، كَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، أَي: إِذا أسلم رجل على يَدي رجل، وَفِي رِوَايَة الْفربرِي: إِذا أسلم على يَدي رجل، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: إِذا أسلم على يَدي الرجل، بِالْألف وَاللَّام، وبدونهما أولى.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِيمَن أسلم على يَدي رجل من الْمُسلمين، فَقَالَ الْحسن وَالشعْبِيّ: لَا مِيرَاث للَّذي أسلم على يَدَيْهِ وَوَلَاؤُهُ للْمُسلمين إِذا لم يدع
стр. 7078
وَارِثا، وَلَا ولاءه للَّذي أسلم على يَدَيْهِ وَهُوَ قَول ابْن أبي ليلى وَالثَّوْري وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، وحجتهم حَدِيث الْبَاب، وَذكر ابْن وهب عَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: لَا وَلَاء للَّذي أسلم على يَدَيْهِ، وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود وَزِيَاد بن أبي سُفْيَان، وَرُوِيَ عَن النَّخعِيّ وَأَيوب: أَن ولاءه للَّذي أسلم على يَدَيْهِ وَإنَّهُ يَرِثهُ وَيعْقل عَنهُ وَله أَن يحول عَنهُ إِلَى غَيره مَا لم يعقل عَنهُ، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وصاحبيه.
وكَانَ الحَسَنَ لَا يَرَى لهُ ولايَةً
أَي: وَكَانَ الْحسن الْبَصْرِيّ لَا يرى للَّذي أسلم على يَدَيْهِ رجل ولَايَة ويروى: وَلَاء عَن الْكشميهني، وَوصل سُفْيَان الثَّوْريّ أثر الْحسن هَذَا فِي (جَامعه) : عَن مطرف عَن الشّعبِيّ وَعَن يُونُس هُوَ ابْن عبيد عَن الْحسن قَالَ فِي الرجل يوالي الرجل، قَالَا: هُوَ بَين الْمُسلمين. قَالَ سُفْيَان: وَبِذَلِك أَقُول.
وَقَالَ النبيُّ ﷺ : (الولاءُ لِمَنْ أعْتَقَ)
احْتج بِهِ الْحسن وَقَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : (الْوَلَاء لمن أعتق) يَعْنِي: أَن الْوَلَاء لَا يكون إلَاّ للْمُعْتق.
ويُذْكَرُ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رَفَعَهُ قَالَ: هُوَ أوْلَى النَّاسِ بِمَحْياهُ ومَماتِهِ
يذكر على صِيغَة الْمَجْهُول إِشَارَة إِلَى تمريضه. قَوْله: عَن تَمِيم، هُوَ ابْن أَوْس الدَّارِيّ بِالدَّال الْمُهْملَة وبالراء نِسْبَة إِلَى بني الدَّار بطن من لحم. قَوْله: (رَفعه) الضَّمِير الْمَنْصُوب يرجع إِلَى حَدِيث: إِذا أسلم على يَدَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي ذكره بعده، وَهُوَ قَوْله: أولى النَّاس بمحياه ومماته، وَمعنى: رَفعه، مثل معنى قَوْله: قَالَ رَسُول الله ﷺ ، وَسَنذكر الحَدِيث وَمن أخرجه. قَوْله: (بمحياه) ، أَي: فِي حَيَاته بالنصرة (ومماته) أَي: فِي مَوته بِالْغسْلِ والتكفين وَالصَّلَاة عَلَيْهِ لَا فِي مِيرَاثه، لِأَن الْوَلَاء لمن أعتق، والمحيا وَالْمَمَات مصدران ميميان.
واخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ هَذَا الخَبَرِ
أَي: فِي خبر تَمِيم الدَّارِيّ الْمَذْكُور، فَقَالَ البُخَارِيّ: قَالَ بَعضهم: عَن ابْن موهب سمع تميماً، وَلَا يَصح لقَوْل النَّبِي ﷺ : (الْوَلَاء لمن أعتق) . وَقَالَ الشَّافِعِي: هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِثَابِت إِنَّمَا يرويهِ عبد الْعَزِيز بن عمر عَن ابْن موهب، وَابْن موهب لَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا نعلمهُ لَقِي تميماً، وَمثل هَذَا لَا يثبت. وَقَالَ الْخطابِيّ: ضعف هَذَا الحَدِيث أَحْمد، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: لَيْسَ إِسْنَاده بِمُتَّصِل قَالَ: وَأدْخل بَعضهم بَين ابْن موهب وَبَين تَمِيم قبيصَة رَوَاهُ يحيى بن حَمْزَة، وَقيل: إِنَّه تفرد فِيهِ بِذكر قبيصَة، وَقد رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق السبيعِي عَن ابْن موهب بِدُونِ ذكر تَمِيم، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: هَذَا الحَدِيث مُضْطَرب، هَل هُوَ عَن ابْن موهب عَن تَمِيم أَو بَينهمَا قبيصَة؟ وَقَالَ بعض الروَاة فِيهِ: عَن عبد الله بن موهب، وَبَعْضهمْ: ابْن موهب، وَعبد الْعَزِيز رَاوِيه لَيْسَ بِالْحَافِظِ. وَقَالَ بَعضهم: ابْن موهب لم يدْرك تميماً، وَقد أَشَارَ النَّسَائِيّ إِلَى أَن الرِّوَايَة الَّتِي وَقع التَّصْرِيح فِيهَا بِسَمَاعِهِ من تَمِيم خطأ، وَلَكِن وَثَّقَهُ بَعضهم، وَكَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ولَاّه الْقَضَاء بفلسطين. وَنقل أَبُو زرْعَة الدِّمَشْقِي فِي (تَارِيخه) : بِسَنَد لَهُ صَحِيح عَن الْأَوْزَاعِيّ: أَنه كَانَ يدْفع هَذَا الحَدِيث وَلَا يرى لَهُ وَجها. انْتهى كَلَامه.
قلت: صحّح هَذَا الحَدِيث أَبُو زرْعَة الدِّمَشْقِي وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن الْمخْرج مُتَّصِل، ورد على الْأَوْزَاعِيّ فَقَالَ: وَلَيْسَ كَذَلِك وَلم أر أحدا من أهل الْعلم يرفعهُ، وَأخرجه الْحَاكِم من طَرِيق ابْن موهب عَن تَمِيم، ثمَّ قَالَ: صَحِيح على شَرط مُسلم. وَأخرجه الْأَرْبَعَة فِي الْفَرَائِض: فَأَبُو دَاوُد رَوَاهُ عَن يزِيد بن خَالِد بن موهب الرَّمْلِيّ وَهِشَام بن عمار الدِّمَشْقِي قَالَا: حَدثنَا يحيى هُوَ ابْن حَمْزَة عَن عبد الْعَزِيز بن عمر قَالَ: سَمِعت عبد الله بن موهب يحدث عمر بن عبد الْعَزِيز عَن قبيصَة بن ذُؤَيْب، وَقَالَ هِشَام: عَن تَمِيم الدَّارِيّ أَنه قَالَ: يَا رَسُول الله ﴿وَقَالَ يزِيد: إِن تميماً قَالَ: يَا رَسُول الله﴾ مَا السّنة فِي الرجل يسلم على يَدي الرجل من الْمُسلمين؟ فَقَالَ: هُوَ أولى النَّاس بمحياه ومماته. انْتهى. وَقد علم من عَادَة أبي دَاوُد أَنه إِذا روى حَدِيثا وَسكت عَنهُ فَإِنَّهُ يدل
стр. 7079
على صِحَة عِنْده، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا أَبُو كريب قَالَ: حَدثنَا أَبُو أُسَامَة وَابْن نمير ووكيع عَن عبد الْعَزِيز عَن عبد الله بن موهب، وَقَالَ بَعضهم: عبد الله بن موهب عَن تَمِيم الدَّارِيّ قَالَ: سَأَلت رَسُول الله ﷺ ، مَا السّنة؟ ... الحَدِيث، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ: أخبرنَا عَمْرو بن عَليّ بن حَفْص قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن دَاوُد عَن عبد الْعَزِيز بن عمر بن عبد الْعَزِيز عَن عبد الله بن موهب عَن تَمِيم الدَّارِيّ قَالَ: سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن الرجل من الْمُشْركين أسلم على يَدي الرجل من الْمُسلمين، قَالَ: هُوَ أولى النَّاس بِهِ حَيَاته وَمَوته، وَأخرجه من طَرِيقين آخَرين وَلم يتَعَرَّض إِلَى شَيْء مِمَّا قيل فِيهِ. وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة قَالَ: حَدثنَا وَكِيع عَن عبد الْعَزِيز بن عمر بن عبد الْعَزِيز عَن عبد الله بن موهب قَالَ: سَمِعت تميماً الدَّارِيّ يَقُول: قلت: يَا رَسُول الله ﴿مَا السّنة فِي الرجل من أهل الْكتاب يسلم على يَدي الرجل؟ قَالَ: هُوَ أولى النَّاس بمحياه ومماته.
وَمِمَّا يُؤَيّد صِحَة حَدِيث تَمِيم الدَّارِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَا رَوَاهُ ابْن جرير الطَّبَرِيّ فِي (التَّهْذِيب) : وروى خصيف عَن مُجَاهِد قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: إِن رجلا أسلم على يَدي وَمَات وَترك ألف دِرْهَم فَلِمَنْ مِيرَاثه؟ قَالَ: أَرَأَيْت لَو جنى جِنَايَة من كَانَ يعقل عَنهُ؟ قَالَ: أَنا. قَالَ: فميراثه لَك. وَرَوَاهُ مَسْرُوق عَن ابْن مَسْعُود، وَقَالَهُ إِبْرَاهِيم وَابْن الْمسيب وَمَكْحُول وَعمر بن عبد الْعَزِيز، وَفِي (الاستذكار) : هُوَ قَول أبي حنيفَة وصاحبيه وَرَبِيعَة، قَالَه يحيى بن سعيد فِي الْكَافِر الْحَرْبِيّ إِذا أسلم على يَد مُسلم. وَرُوِيَ عَن عمر وَعُثْمَان وَعلي وَابْن مَسْعُود أَنهم أَجَازُوا الْمُوَالَاة وورثوا، وَقَالَ اللَّيْث عَن عَطاء وَالزهْرِيّ وَمَكْحُول نَحوه.
وَالْجَوَاب عَمَّا قَالَه الشَّافِعِي: هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِثَابِت يردهُ كَلَام أبي زرْعَة الدِّمَشْقِي الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَحكم الْحَاكِم بِصِحَّتِهِ على شَرط مُسلم، وَرِوَايَة الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة فِي كتبهمْ أَلا يرى أَن البُخَارِيّ لما ذكره مُعَلّقا لم يجْزم بضعفه؟ وَكَيف يَقُول: وَابْن موهب لَيْسَ بِمَعْرُوف. وَقد روى عَنهُ عبد الْعَزِيز بن عمر وَالزهْرِيّ وَابْنه زيد بن عبد الله وَعبد الْملك بن أبي جميلَة وَعمر بن مهَاجر؟ وَقَالَ صَاحب (الْكَمَال) : ابْن موهب ولاه عمر بن عبد الْعَزِيز قَضَاء فلسطين، وَهَذَا كُله يدل على أَنه لَيْسَ بِمَجْهُول لَا عينا وَلَا حَالا، وَكَفاهُ شهرة وثقة تَوْلِيَة عمر بن عبد الْعَزِيز إِيَّاه.
وَقَالَ يَعْقُوب بن سُفْيَان: حَدثنَا أَبُو نعيم حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن عمر وَهُوَ ثِقَة عَن ابْن موهب الْهَمدَانِي وَهُوَ ثِقَة قَالَ: سَمِعت تميماً. . وَكَذَا ذكر الصريفيني فِي كِتَابه بِخَطِّهِ.
وَكَيف يَقُول: وَلَا نعلمهُ لَقِي تميماً وَقد قَالَ فِي رِوَايَة يَعْقُوب بن سُفْيَان الْمَذْكُور: سَمِعت تميماً، وَقد صرح بِالسَّمَاعِ عَنهُ، وَهل يتَصَوَّر السماع إلَاّ باللقى؟ وَعدم علمه بلقيه تميماً لَا يسْتَلْزم نفي علم غَيره بلقيه، وَعبد الْعَزِيز بن عمر ثِقَة من رجال الْجَمَاعَة، وَقَالَ يحيى وَأَبُو دَاوُد: ثِقَة، وَعَن يحيى: ثَبت، وَقَالَ بَعضهم: عبد الْعَزِيز لَيْسَ بِالْحَافِظِ كَلَام سَاقِط، لِأَن الِاعْتِبَار كَونه ثِقَة وَهُوَ مَوْجُود. وَقَالَ مُحَمَّد بن عمار: الْمُشبه فِي الْحِفْظ بِالْإِمَامِ أَحْمد ثِقَة لَيْسَ بَين النَّاس فِيهِ اخْتِلَاف، وَقَول الْخطابِيّ: ضعف أَحْمد هَذَا الحَدِيث، لَيْسَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ لم يبين وَجه ضعفه. وَقَول التِّرْمِذِيّ: لَيْسَ إِسْنَاده بِمُتَّصِل، يردهُ أَنه سمع من تَمِيم بِوَاسِطَة وَبلا وَاسِطَة، وَلَئِن سلمنَا أَنه لم يسمع مِنْهُ وَلَا لحقه فالواسطة هُوَ قبيصَة وَهُوَ ثِقَة أدْرك زمَان تَمِيم بِلَا شكّ، فعنعنته مَحْمُولَة على الِاتِّصَال. وَقَول ابْن الْمُنْذر: هَذَا الحَدِيث مُضْطَرب، كَلَام مُضْطَرب لِأَن رُوَاته كلهم ثقاة فَلَا يضر هَل هُوَ عَن ابْن موهب عَن تَمِيم أَو بَينهمَا قبيصَة؟ وَالِاضْطِرَاب لَا يضر الحَدِيث إِذا كَانَت رِجَاله ثقاة.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: إِنَّه حَدِيث غَرِيب من حَدِيث أبي إِسْحَاق السبيعِي عَن ابْن موهب، تفرد بِهِ عَنهُ ابْنه يُونُس، وَتفرد بِهِ أَبُو بكر الْحَنَفِيّ عَنهُ فَأفَاد الدَّارَقُطْنِيّ مُتَابعًا لعبد الْعَزِيز وَهُوَ أَبُو إِسْحَاق، والغرابة لَا تدل على الضعْف، فقد تكون فِي الصَّحِيح والإسناد الَّذِي ذكره صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَفِيه رد لقَوْل ابْن الْمُنْذر أَيْضا: وَكَيف يُشِير النَّسَائِيّ إِلَى أَن الرِّوَايَة الَّتِي وَقع فِيهَا التَّصْرِيح بِسَمَاعِهِ من تَمِيم خطأ؟ ثمَّ يَقُول: وَلكنه وَثَّقَهُ بَعضهم فآخر كَلَامه ينْقض أَوله، وَكَيف يحكم بالْخَطَأ وَقد ذكرنَا عَن ثقتين جليلين أَنَّهُمَا صرحا بِسَمَاع ابْن موهب عَن تَمِيم؟ وروى ابْن بنت منيع عَن جمَاعَة عَن عبد الْعَزِيز بِلَفْظ: سَمِعت تميماً، فَيجوز أَن تكون رِوَايَته عَن قبيصَة عَن تَمِيم، وَعَن تَمِيم بِلَا وَاسِطَة؟﴾ .
٧٥٧٦ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعْدٍ عنْ مالِكٍ عنْ نافعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ أنَّ عائِشَةَ ﵂، أُمَّ المُؤْمِنِينَ أرادَتْ أنْ تَشْتَرِيَ جارِيَةً تُعْتِقُها، فَقَالَ أهْلُها: نبِيعُكِها على أنَّ ولاءَها لنا، فَذَكَرَتْ
стр. 7080
لِرَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: (لَا يَمْنعُكِ ذالِكِ فإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة مَا قَالَه الْكرْمَانِي: اللَّام للاختصاص يَعْنِي الْوَلَاء مُخْتَصّ بِمن أعْتقهُ وبذل المَال فِي إِعْتَاقه.
قلت: حَاصِل كَلَامه أَن من أسلم على يَده رجل لَيْسَ لَهُ وَلَاء لِأَنَّهُ مُخْتَصّ بِمن أعْتقهُ واختصاصه بِهِ بِاللَّامِ وَلَكِن كَون اللَّام فِيهِ للاختصاص فِيهِ نظر لَا يخفى لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون للاستحقاق، وَهِي الْوَاقِعَة بَين معنى وَذَات كاللام فِي نَحْو: ﴿ويل لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ (المطففين: ١) وَاسْتِحْقَاق الْمُعْتق الْوَلَاء لَا يُنَافِي اسْتِحْقَاق غَيره، وَيجوز أَن تكون للصيرورة، لِأَن صيرورة الْوَلَاء للْمُعْتق لَا تنَافِي صَيْرُورَته لغيره، وَقد ذكرنَا أَن هَذَا الحَدِيث قد مر غير مرّة.
قَوْله: (تعتقها) أَصله: لِأَن تعتقها. قَوْله: (فَذكرت ذَلِك) أَي: ذكرت عَائِشَة قَوْلهم: (نبيعكها على أَن ولاءها لنا) قَوْله: (لَا يمنعك ذَلِك) أَي: قَوْلهم هَذَا، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: لَا يمنعنك، بنُون التوكيد.
٨٥٧٦ - حدّثنا مُحَمَّدٌ أخبرنَا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْودِ عنْ عائشَةَ ﵂، قالَتِ: اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ فاشْتَرَطَ أهْلُها ولاءَها فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنبيِّ ﷺ فَقَالَ: (أعْتِقِيها، فإنَّ الوَلاءَ لِمَنْ أعْطَى الوَرِقَ) قَالَتْ: فاعْتَقْتُها. قالَتْ: فَدَعاها رسولُ الله ﷺ فخَيَّرَها مَنْ زَوْجِها، فقالَتْ: لَوْ أعْطانِي كَذَا وكَذَا مَا بتُّ عِنْدَهُ، فاخْتارَتْ نَفْسَها.
الْكَلَام فِي مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا فِي الحَدِيث السَّابِق. وَمُحَمّد شيخ البُخَارِيّ قَالَ الغساني: هُوَ مُحَمَّد بن سَلام وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني: مُحَمَّد بن يُوسُف البيكندي، وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَوَقع فِي الاستقراض: حَدثنَا مُحَمَّد، حَدثنَا جرير، وَلَيْسَ فِي الْكتاب مُحَمَّد عَن جرير سوى هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ وَالْأسود هُوَ ابْن يزِيد خَال إِبْرَاهِيم.
قَوْله: (الْوَرق) بِفَتْح الْوَاو وَكسر الرَّاء هُوَ الْفضة، وَالْبَاقِي ظَاهر، وَفِي بعض النّسخ فِي آخر الحَدِيث قَالَ: وَكَانَ زَوجهَا حرا.
٣٢ - (بابُ مَا يَرِثُ النِّساءُ مِنَ الوَلاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يَرث النِّسَاء من الْوَلَاء.
٩٥٧٦ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حدّثنا هَمَّامٌ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: أرَادَتْ عائِشَةُ أنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ، فقالَتْ لِلنبيِّ ﷺ : إنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ الوَلاءَ! فَقَالَ النبيُّ ﷺ : (اشْتَرِيها، فإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَق) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ دلَالَة على أَن النِّسَاء إِذا أعتقن تسْتَحقّ الْوَلَاء وَهَمَّام بِالتَّشْدِيدِ هُوَ ابْن يحيى. والْحَدِيث كَمَا مر.
٠٦٧٦ - حدّثنا ابنُ سَلَامٍ أخبرنَا وَكِيعٌ عنْ سُفْيانَ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْراهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ قالَتْ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : (الوَلَاءُ لِمَنْ أعْطَى الوَرِقَ وَوَلِيَ النِّعْمَةَ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا الْآن. وَابْن سَلام هُوَ مُحَمَّد ابْن سَلام بتَخْفِيف اللَّام على الْأَشْهر وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ وَالْبَاقِي ظَاهر، وَتفرد الثَّوْريّ بقوله: (وَولي النِّعْمَة) مَعْنَاهُ: لمن أعتق بعد إِعْطَاء الثّمن لِأَن ولَايَة النِّعْمَة الَّتِي تسْتَحقّ بهَا الْمِيرَاث لَا تكون إِلَّا بِالْعِتْقِ، وكل مَوضِع يكون فِيهِ: الْوَلَاء للْمُعْتق، الرجل وَالْمَرْأَة الْمُعتقَة كَذَلِك، فَإِذا أعتق رجل وَامْرَأَة عبدا ثَبت الْوَلَاء لَهما وَوَلَاء وَلَده ذكورهم وإناثهم، وَوَلَاء ولد الذُّكُور كَذَلِك.
стр. 7081
٤٢ - (بابُ مَوْلَى القَوْمِ مِنْ أنْفْسِهِمْ، وابنُ الأُخْتِ مِنْهُمْ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن مولى الْقَوْم أَي: عتيقهم مِنْهُم فِي النِّسْبَة إِلَيْهِم وَالْمِيرَاث مِنْهُ قَوْله: (وَابْن الْأُخْت مِنْهُم) أَي: ابْن أُخْت الْقَوْم مِنْهُم فِي أَنه يرثهم تَوْرِيث ذَوي الْأَرْحَام. وَفِي (التَّوْضِيح) : أما ابْن أُخْت الْقَوْم مِنْهُم فَهُوَ مَحْمُول عِنْد أهل الْمَدِينَة على أَن يكون ابْن أختهم من عتيقهم، وَعند أهل الْعرَاق الَّذين يورثون ذَوي الْأَرْحَام: ابْن أُخْت الْقَوْم مِنْهُم يرثهم ويرثونه.
١٦٧٦ - حدّثنا آدَمُ حَدثنَا شعْبَةُ حدّثنا مُعاوِيَةُ بنُ قُرَّةَ وقتَادة عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ ﵁، عَن النبيِّ ﷺ قَالَ: (مَوْلَى القَوْمِ مِنْ أنْفُسِهِم) أوْ كَما قَالَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة آدم عَن شُعْبَة مَقْرُونا، وَأكْثر الروَاة قَالُوا: عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة وَحده عَن أنس.
٢٦٧٦ - حدّثنا أبُو الوَلِيدِ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ قَتَادَةَ عنْ أنَسٍ عَن النبيِّ ﷺ قَالَ: (ابنُ أُخْتِ القَوْمِ مِنْهُمْ) أوْ: مِنْ أنْفسِهِمْ.
مطابقته للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة وَهُوَ قَوْله: (وَابْن أُخْت الْقَوْم مِنْهُم) .
وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك، وَاخْتَصَرَهُ هُنَا وبأتم مِنْهُ مضى فِي مَنَاقِب قُرَيْش فِي: بَاب ابْن أُخْت الْقَوْم وَمولى الْقَوْم مِنْهُم: حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب حَدثنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أنس قَالَ: دَعَا النَّبِي ﷺ ، الْأَنْصَار خَاصَّة فَقَالَ: (هَل فِيكُم أحد من غَيْركُمْ؟) قَالُوا: لَا إلَاّ ابْن أُخْت لنا. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : (ابْن أُخْت الْقَوْم مِنْهُم) وَاحْتج بِهِ من قَالَ بتوريث ذَوي الْأَرْحَام، وَبِه قَالَ شُرَيْح وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ ومسروق وعلقمة بن الْأسود وطاووس وَالثَّوْري وَابْن أبي ليلى وَالْحسن بن صَالح وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد وَإِسْحَاق وَيحيى بن آدم وَضِرَار بن صرد ونوح بن دراج وَغَيرهم من الْأَئِمَّة، وَهُوَ قَول عَامَّة الصَّحَابَة مِنْهُم عَليّ بن أبي طَالب وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس فِي أشهر الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ، ومعاذ بن جبل وَأَبُو الدَّرْدَاء وَأَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح وَالْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة، على مَا قَالَه القَاضِي أَبُو حَازِم. وَذهب عُثْمَان بن عَفَّان وَزيد بن ثَابت وَعبد الله بن الزبير رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. إِلَى أَن لَا مِيرَاث لِذَوي الْأَرْحَام، فَمن مَاتَ وَلم يخلف وَارِثا فرض أَو عصبَة فَمَاله لبيت المَال، وَبِه أَخذ مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَكْحُول وَسَعِيد بن الْمسيب وَالشَّافِعِيّ، وَأهل الْمَدِينَة وَأهل الظَّاهِر إِلَّا أَن أَصْحَاب الشَّافِعِي يفتون الْيَوْم بتوريث ذَوي الْأَرْحَام على قَول أهل التَّنْزِيل لفساد بَيت المَال. وَعَن أبي بكر الصّديق رِوَايَتَانِ فِيهِ.
٥٢ - (بابُ مِيراَثِ الأسِيرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم مِيرَاث الْأَسير الَّذِي فِي أَيدي الْعَدو. وَاخْتلف فِيهِ فَعَن سعيد بن الْمسيب لَا يُورث الْأَسير الَّذِي فِي أَيدي الْعَدو، وَرَوَاهُ أَبُو بكر بن أبي شيبَة عَنهُ، وَفِي رِوَايَة عَنهُ، يُورث، وَعَن الزُّهْرِيّ رِوَايَتَانِ نَحوه، وَعنهُ: لَا يجوز للأسير فِي مَاله إلَاّ الثُّلُث، وَنقل ابْن بطال عَن أَكثر الْعلمَاء أَنهم ذَهَبُوا إِلَى أَن الْأَسير إِذا وَجب لَهُ مِيرَاث أَنه يُوقف لَهُ، هَذَا قَول مَالك والكوفيين وَالشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور، وَذَلِكَ لِأَن الْأَسير إِذا كَانَ مُسلما فَهُوَ دَاخل تَحت عُمُوم قَوْله: من ترك مَالا فلورثته الْمُسلمين، وَهُوَ من جملَة الْمُسلمين الَّذين يجْرِي عَلَيْهِم أَحْكَام الْمُسلمين، وَلَا يتَزَوَّج امْرَأَته وَلَا يقسم مَاله مَا تحققت حَيَاته وَعلم مَكَانَهُ، فَإِذا انْقَطع خَبره وَجَهل حَاله فَهُوَ مَفْقُود يجْرِي فِيهِ أَحْكَام الْمَفْقُود.
قَالَ: وكانَ شُرَيْحٌ يُوَرِّثُ الأسيرَ فِي أيْدي العَدُوِّ، ويَقُولُ: هُوَ أحْوَجُ إلَيْهِ
стр. 7082
لَيْسَ فِي كثير من النّسخ لفظ: قَالَ، فعلى تَقْدِير وجوده يكون فَاعله البُخَارِيّ أَي: قَالَ البُخَارِيّ، وَكَانَ شُرَيْح بن الْحَارِث القَاضِي الْكِنْدِيّ الْكُوفِي ... إِلَى آخِره، وَوَصله ابْن أبي شيبَة والدارمي من طَرِيق دَاوُد بن أبي هِنْد عَن الشّعبِيّ عَن شُرَيْح، فَذكره.
وَقَالَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العزِيزِ: أجِزْ وصِيَّةَ الأسِير وَعَتاقَهُ وَمَا صَنَعَ فِي مالِهِ مَا لمْ يَتَغَيَّرْ عنْ دِينِهِ فإنَّما هُوَ مالُهُ يَصْنَعُ فِيهِ مَا يَشاءُ.
هَذَا أَيْضا يُوضح الْإِبْهَام الَّذِي فِي التَّرْجَمَة. قَوْله: (أجز) أَمر من الْإِجَازَة. قَوْله: (وَصِيَّة الْأَسير) مَنْصُوب. قَوْله: (وعتاقه) ، عطف عَلَيْهِ ويروى: عتاقته. قَوْله: (مَا يَشَاء) . بِصُورَة الْمُضَارع وَعند الْكشميهني: مَا شَاءَ، بِلَفْظ الْمَاضِي، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن إِسْحَاق بن رَاشد أَن عمر كتب إِلَيْهِ: أجز وَصِيَّة الْأَسير.
٣٦٧٦ - حدّثنا أبُو الوَلِيدِ حدّثنا شُعْبَةُ عنْ عَدِيٍّ عنْ أبي حازِمٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَن النبيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ تَرَكَ مَالا فَلِوَرَثَتِهِ ومَنْ تَرَكَ كَلاًّ فإلَيْنا) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن الْأَسير فِي أَيدي الْعَدو دَاخل تَحت قَوْله: (من ترك) .
وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك، وعدي هُوَ ابْن ثَابت الْأنْصَارِيّ، وَأَبُو حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي سلمَان الْأَشْجَعِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الاستقراص عَن أبي الْوَلِيد أَيْضا.
قَوْله: (كلاًّ) بِفَتْح الْكَاف وَتَشْديد اللَّام أَي: عيالاً.
٦٢ - (بابٌ لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكافِرِ وَلَا الكافِرُ المُسْلِمَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله ﷺ : (لَا يَرث الْمُسلم الْكَافِر وَلَا يَرث الْكَافِر الْمُسلم) ، أما الْكَافِر فَإِنَّهُ لَا يَرث الْمُسلم بِالْإِجْمَاع. وَبِالْحَدِيثِ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلنْ يَجْعَل الله للكفارين على الْمُؤمنِينَ سَبِيلا﴾ (النِّسَاء: ١٤١) وَفِي الْمِيرَاث إِثْبَات السَّبِيل للْكَافِرِ على الْمُسلم وَالْمرَاد مِنْهُ نفي السَّبِيل من حَيْثُ الحكم لَا من حَيْثُ الْحَقِيقَة ليتَحَقَّق حَقِيقَة السَّبِيل. وَأما الْمُسلم فَهَل يَرث من الْكَافِر أم لَا؟ فَقَالَت عَامَّة الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، لَا يَرث، وَبِه أَخذ عُلَمَاؤُنَا وَالشَّافِعِيّ، وَهَذَا اسْتِحْسَان، وَالْقِيَاس أَن يَرث وَهُوَ قَول معَاذ بن جبل وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَبِه أَخذ مَسْرُوق وَالْحسن وَمُحَمّد بن الْحَنَفِيَّة وَمُحَمّد بن عَليّ بن حُسَيْن، وَأما إِرْث الْمُسلم من الْمُرْتَد فباعتبار الِاسْتِنَاد إِلَى حَال الْإِسْلَام، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِنَّه يُورث عَنهُ كسب إِسْلَامه دون كسب ردته، وَلَا يَرث هُوَ من الْمُسلم عُقُوبَة لَهُ على ردته.
وَإِذا أسْلَمَ قَبْلَ أنْ يُقْسَمَ المِيرَاثُ فَلَا مِيرَاثَ لهُ
أَي: إِذا أسلم الْكَافِر قبل أَن يقسم مِيرَاث أَبِيه أَو أَخِيه مثلا فَلَا مِيرَاث لَهُ لِأَن الِاعْتِبَار بِوَقْت الْمَوْت لَا بِوَقْت الْقِسْمَة وَهُوَ قَول جُمْهُور الْفُقَهَاء، وَقَالَت طَائِفَة: إِذا أسلم قبل الْقِسْمَة فَلهُ نصِيبه، رُوِيَ عَن عمر وَعُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، من طَرِيق لَا يَصح، وَبِه قَالَ الْحسن وَعِكْرِمَة وَحَكَاهُ ابْن هُبَيْرَة عَن أَحْمد، وَحَكَاهُ ابْن التِّين عَن جَابر، وَرُوِيَ عَن الْحسن أَيْضا: الْإِرْث فِيمَا لم يقسم خَاصَّة.
٤٦٧٦ - حدّثنا أبُو عاصِمٍ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ عنِ ابْن شِهابٍ عنْ عَليِّ بنِ حُسَيْنِ عنْ عُمَرَ ابنِ عُثْمانَ عنْ أُسامةَ بنِ زَيْدٍ ﵄، أَن النبيَّ ﷺ قَالَ: (لَا يَرِث المُسْلِمَ الكافِرَ وَلَا الكافِرُ المُسْلِمَ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَنَّهَا لفظ الحَدِيث. وَأَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد النَّبِيل الْبَصْرِيّ، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَعلي بن حُسَيْن الْمَعْرُوف بزين العابدين، وَعمر بن عُثْمَان بن
стр. 7083
عَفَّان الْقرشِي الْأمَوِي، وكل من رَوَاهُ عَن ابْن شهَاب قَالَ: عَمْرو، بِالْوَاو إلَاّ مَالِكًا فَإِنَّهُ قَالَ: عمر، بِدُونِ الْوَاو وَلم يَخْتَلِفُوا أَنه كَانَ لعُثْمَان ابْن يُسمى: عمر بِلَا وَاو وَآخر يُسمى: عمر وبالواو إلَاّ أَن هَذَا الحَدِيث كَانَ لعَمْرو عِنْد الْجَمَاعَة، قَالَ الكلاباذي: وهم مَالك فِيهِ فَقَالَ: عمر بِدُونِ الْوَاو.
والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن عَن سَعْدَان بن يحيى عَن مُحَمَّد ابْن أبي حَفْصَة عَن الزُّهْرِيّ بِهِ.
٧٢ - (بابُ مِيرَاثِ العَبْدِ النَّصْرَانِيِّ والمُكاتَبِ النَّصْرَانِيِّ وإثْمِ مَنِ انْتَفَى مِنْ وَلَدِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي مِيرَاث العَبْد النَّصْرَانِي. . إِلَى آخِره. كَذَا وَقع عَن الْأَكْثَرين بِغَيْر حَدِيث، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والكشميهني: بَاب من ادّعى أَخا وَابْن أَخ. وَلم يذكر فِيهِ حَدِيثا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُنَا ثَلَاث تراجم مُتَوَالِيَة: بَاب مِيرَاث العَبْد النَّصْرَانِي، بَاب إِثْم من انْتَفَى من وَلَده بَاب من ادّعى أَخا. وَقد ذكرُوا أَن البُخَارِيّ ترْجم الْأَبْوَاب واراد أَن يلْحق بهَا الْأَحَادِيث وَلم يتَّفق لَهُ وخلا بَين الترجمتين بَيَاضًا والنقلة ضمُّوا الْبَعْض إِلَى الْبَعْض. انْتهى. وَجعلُوا فِي: بَاب إِثْم من انْتَفَى من وَلَده قصَّة سعد وَعبد بن زَمعَة، وَجرى ابْن بطال وَابْن التِّين على حذف: بَاب من انْتَفَى من وَلَده، وَجعلا قصَّة ابْن زَمعَة لباب من ادّعى أَخا، وَلم يذكرَا فِي: بَاب مِيرَاث العَبْد النَّصْرَانِي، حَدِيثا على مَا وَقع عِنْد الْأَكْثَرين، وَوَقع عِنْد النَّسَفِيّ: بَاب مِيرَاث العَبْد النَّصْرَانِي وَالْمكَاتب النَّصْرَانِي، وَقَالَ: لم يكْتب فِيهِ حَدِيثا، وَفِي عقبه: بَاب إِثْم من انْتَفَى من وَلَده وَمن ادّعى، أَخا أَو ابْن أَخ، وَذكر فِيهِ قصَّة عبد بن زَمعَة، وَقَالَ ابْن بطال: مَذْهَب الْعلمَاء أَن العَبْد النَّصْرَانِي إِذا مَاتَ فَمَاله لسَيِّده بِالرّقِّ، لِأَن ملك العَبْد غير صَحِيح وَهُوَ مَال السَّيِّد يسْتَحقّهُ لَا بطرِيق الْإِرْث، وَعَن ابْن سِيرِين: مَاله لبيت المَال وَلَيْسَ للسَّيِّد فِيهِ شَيْء، وَأما الْمكَاتب فَإِذا مَاتَ قبل أَدَاء الْكِتَابَة وَكَانَ فِي مَاله وَفَاء لباقي كِتَابَته أَخذ ذَلِك فِي كِتَابَته، فَمَا فضل فَهُوَ لبيت المَال، وَحكى ابْن التِّين فِي مِيرَاث النَّصْرَانِي إِذا أعْتقهُ الْمُسلم ثَمَانِيَة أَقْوَال: فَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ: هُوَ كالمولى الْمُسلم إِن كَانَت لَهُ وَرَثَة وإلَاّ فَمَاله لسَيِّده، وَقيل: يَرِثهُ الْوَلَد خَاصَّة، وَقيل: الْوَلَد وَالْوَالِد خَاصَّة، وَقيل: هما والأخوة، وَقيل: هم والعصبة، وَقيل: مِيرَاثه لِذَوي رَحمَه، وَقيل: لبيت المَال، وَقيل: يُوقف فَمن ادَّعَاهُ من النَّصَارَى كَانَ لَهُ.
٨١ - (بابُ مَن ادَّعَى أَخا أوِ ابنَ أخِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من ادّعى أَخا وَابْن أَخ، وَفِي بعض النّسخ وَقع هَكَذَا: بَاب إِثْم من انْتَفَى من وَلَده وَمن ادّعى أَخا أَو ابْن أَخ.
٥٦٧٦ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ حدّثنا اللَّيْثُ عنِ ابنِ شهابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قالَتِ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بنُ أبي وقَّاصٍ وعَبْدُ بنُ زَمْعَةَ فِي غُلَامٍ، فَقَالَ سَعْدٌ: هاذَا يَا رسولَ الله ابنُ أخِي عُتْبَةَ بنِ أبي وقَّاصٍ، عَهدَ إلَيَّ أنَّهُ ابْنُهُ، انْظُرْ إِلَى شَبَهِه. وَقَالَ عبْدُ بنُ زَمْعَةَ: هاذَا أخِي يَا رسُولَ الله ﴿وُلِدَ عَلى فِرَاشِ أبي مِنْ ولِيدَتِهِ، فَنَظَر رسولُ الله ﷺ إِلَى شَبَهِهِ فَرَأى شبهَاً بَيِّناً بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: (هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ﴾ الولَدُ لِلْفِرَاشِ لِلْعاهِرِ الحَجَرُ، واحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمعَةَ) قَالَتْ: فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن فِيهِ دَعْوَى أَخ وَدَعوى ابْن أَخ، وَهُوَ ظَاهر.
والْحَدِيث مر عَن قريب فِي: بَاب الْوَلَد للْفراش وَفِي غَيره وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (من وليدته) أَي: أمته. وَسَوْدَة بنت زَمعَة زوج النَّبِي ﷺ . قَوْله: (فَلم ير سَوْدَة قطّ) أَي: وَلم ير سَوْدَة ذَلِك الْغُلَام قطّ واسْمه عبد الرَّحْمَن، وَقد مضى أَنه لَا يجوز استلحاق غير الْأَب.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِيمَا إِذا مَاتَ الرجل وَخلف ابْنا وَاحِدًا لَا وَارِث لَهُ غَيره فَأقر بِأَخ، فَقَالَ ابْن الْقصار: عِنْد مَالك والكوفيين لَا يثبت نسبه وَهُوَ الْمَشْهُور عَن أبي حنيفَة، وَقَالَ
стр. 7084
الشَّافِعِي: يثبت، فَقَالَ: هُوَ قَائِم مقَام الْمَيِّت فَصَارَ إِقْرَاره كإقراره فِي حَيَاته. وَاحْتج هَؤُلَاءِ بِأَنَّهُ حمل النّسَب على الْغَيْر فَلَا يجوز، وَأما من انْتَفَى من وَلَده فقد ورد فِيهِ وَعِيد شَدِيد، وروى مُجَاهِد عَن ابْن عمر رَفعه: من انْتَفَى من ولد ليفضحه فِي الدُّنْيَا فضحه الله يَوْم الْقِيَامَة، وَفِي سَنَده: الْجراح وَالِد وَكِيع مُخْتَلف فِيهِ، وَأخرج ابْن عدي عَن ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، من انْتَفَى من وَلَده فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار، وَفِي سَنَده: مُحَمَّد بن الزعيزعة، رَاوِيه عَن نَافِع قَالَ أَبُو حَاتِم: مُنكر الحَدِيث، وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَن أبي هُرَيْرَة وَصَححهُ الْحَاكِم وَابْن حبَان بِلَفْظ: وَأَيّمَا رجل جحد وَلَده وَهُوَ ينظر إِلَيْهِ احتجب الله مِنْهُ، وَفِي سَنَده عبد الله بن يُونُس حجازي، مَا روى عَنهُ سوى يزِيد بن الْهَاد.
٩٢ - (بَاب مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أبِيهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم من انتسب إِلَى غير أَبِيه، وَجَوَاب: من، مَحْذُوف يظْهر من الحَدِيث.
٦٦٧٦ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حدّثنا خالِدٌ هُوَ بنُ عَبْدِ الله حدّثنا خالِدٌ عنْ أبي عُثْمانَ عنْ سَعْدٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ: (مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أبِيهِ وهْوَ يَعْلَمُ أنَّهُ غَيْرُ أبِيهِ فالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ) فَذَكَرْتُهُ لأبي بَكْرَةَ فَقَالَ: وَأَنا سَمِعَتْهُ أُذُنايَ ووعاهُ قَلْبِي مِنْ رَسُولِ الله ﷺ . (انْظُر الحَدِيث ٧٢٣٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهَا بعض الحَدِيث.
وخَالِد شيخ شيخ البُخَارِيّ هُوَ ابْن عبد الله الطَّحَّان الوَاسِطِيّ وَشَيْخه خَالِد ابْن مهْرَان الْحذاء يروي عَن أبي عُثْمَان عبد الرَّحْمَن النَّهْدِيّ، وَسعد هُوَ ابْن أبي وَقاص رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي فِي غَزْوَة حنين من رِوَايَة عَاصِم الْأَحول عَن أبي عُثْمَان: سَمِعت سَعْدا وَأَبا بكرَة.
قَوْله: (من ادّعى) أَي: من انتسب إِلَى غير أَبِيه، وَالْحَال يعلم أَنه غير أَبِيه، وَفِي رِوَايَة مُسلم: من ادّعى أَبَا فِي الْإِسْلَام غير أَبِيه، وَالْبَاقِي مثله. قَوْله: (فالجنة عَلَيْهِ حرَام) وَفِي الحَدِيث الْآتِي: فقد كفر، يَعْنِي: إِذا اسْتحلَّ لِأَن الْجنَّة مَا حرمت إلَاّ على الْكَافرين، أَو المُرَاد: كفران النِّعْمَة وإنكار حق الله وَحقّ أَبِيه أَو هُوَ للتغليظ. كَقَوْلِه: ﴿وَمن كفر فَإِن الله غَنِي﴾ (آل عمرَان: ٧٩، ولقمان: ٢١) قَوْله: (فَذَكرته) أَي: قَالَ أَبُو عُثْمَان: فَذكرت الحَدِيث لأبي بكرَة بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة واسْمه نفيع مصغر نفع الثَّقَفِيّ.
٨٦٧٦ - حدّثنا أصْبَغُ بنُ الفَرَجِ حدّثنا ابْن وَهْب أخبَرني عمْروٌ وعنْ جَعْفَرِ بنِ رَبِيعَةَ عنْ عِراكٍ عَن أبي هُرَيْرَةَ عَن النبيِّ ﷺ قَالَ: (لَا تَرْغَبُوا عنْ آبائِكُمْ فَمَنْ رَغبَ عنْ أبِيهِ فَقَدْ كَفَرَ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ مَعْنَاهُ: وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَعمر وَهُوَ ابْن الْحَارِث الْمصْرِيّ، وعراك بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء وبالكاف هُوَ ابْن مَالك الْغِفَارِيّ، والْحَدِيث مر فِي مَنَاقِب قُرَيْش.
قَوْله: (لَا ترغبوا) هَذِه الْكَلِمَة إِذا اسْتعْملت بِكَلِمَة: عَن، تكون بِمَعْنى الْإِعْرَاض وَالتّرْك، وَإِذا اسْتعْملت بِكَلِمَة: فِي، تكون بِمَعْنى الإقبال والتوجه. قَوْله: (فقد كفر) قد مر مَعْنَاهُ الْآن، هَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: فَهُوَ كفر، وكذ رِوَايَة مُسلم.
٠٣ - (بابٌ إذَا ادَّعَتِ المَرْأةُ ابْناً)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا ادَّعَت الْمَرْأَة ابْنا.
٩٦٧٦ - حدّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنَا شُعَيْبٌ قَالَ: حدّثنا أَبُو الزِّنادِ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁. أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: (كانَتِ امْرَأتانِ مَعَهُما ابْناهُما جاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بابْنِ إحْداهُما، فقالَتْ لِصاحِبَتِها: إنّما ذَهَبَ بابْنِكِ. وقالَتِ الأُخْرَى: إنّما ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَتا إِلَى داوُدَ ﵇ فَقَضى بِهِ لِلْكُبْرى، فَخَرَجَتا عَلى سُلَيْمانَ بنِ داوُدَ، ﵉، فأخْبَرَتاهُ
стр. 7085
فَقَالَ: ائْتُونِي بالسِّكِين أشُقُّهُ بَيْنَهُما. فَقالتِ الصُّغْرى: لَا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ الله هُوَ ابْنُها فَقَضى بِهِ لِلصُّغْرَى)
قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ: وَالله إنْ سَمِعْتُ بالسِّكِينِ قَطُّ إلاّ يَوْمَئذٍ، وَمَا كُنَّا نَقُولُ إلاّ: المُدْيَةَ. (انْظُر الحَدِيث ٧٢٤٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ دَعْوَى كل وَاحِدَة من الْمَرْأَتَيْنِ أَن الابْن لَهَا، قيل: مَا وَجه إِيرَاده هَذَا الحَدِيث وَلَا يتَعَلَّق بِهِ حكم؟ .
قلت: يستنبط مِنْهُ حكم، وَهُوَ أَن امْرَأَة لَا زوج لَهَا إِذا قَالَت لِابْنِ لَا يعرف لَهُ أَب: هَذَا ابْني، وَلم ينازعها أحد فَإِنَّهُ يعْمل بقولِهَا: وترثه ويرثها وترثه إخْوَته لأمه، وَإِذا كَانَ لَهَا زوج، وَادعت أَن هَذَا ابْني وَأنْكرهُ لَا يعْمل بقولِهَا إلَاّ إِذا أَقَامَت الْبَيِّنَة فحينئذٍ تقبل.
قَوْله: (حَدثنَا أَبُو الْيَمَان) أَي: الحكم بن نَافِع. قَوْله: (حَدثنَا أَبُو الزِّنَاد) بالزاي وَالنُّون وَهُوَ عبد الله بن ذكْوَان يروي عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة.
والْحَدِيث مضى فِي تَرْجَمَة سُلَيْمَان من أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء ﵈.
قَوْله: (فتحاكمتا) أَي: الْمَرْأَتَانِ المذكورتان، ويروى: فتحاكما، بالتذكير بِاعْتِبَار الشَّخْص، قيل: كَيفَ نقض سُلَيْمَان حكم دَاوُد ﵉؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُمَا حكما بِالْوَحْي. وَحكم سُلَيْمَان كَانَ نَاسِخا أَو بِالِاجْتِهَادِ، وَجَاز النَّقْض لدَلِيل أقوى على أَن الضَّمِير فِي قَوْله: (فَقضى) يحْتَمل أَن يكون رَاجعا إِلَى دَاوُد.
قلت: فِي الْجَواب الأول نظر، لِأَن عمر سُلَيْمَان ﵇، كَانَ حينئذٍ أحد عشر سنة وَلم يكن يُوحى إِلَيْهِ، قَالُوا: اسْتَخْلَفَهُ دَاوُد وعمره كَانَ اثْنَي عشرَة سنة. وَقَالَ مقَاتل: كَانَ سُلَيْمَان أقضى من دَاوُد وَكَانَ دَاوُد أَشد تعبداً من سُلَيْمَان. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لما اعْترف الْخصم بِأَن الْحق لصَاحبه كَيفَ حكم بِخِلَافِهِ؟ ثمَّ قَالَ: لَعَلَّه علم بِالْقَرِينَةِ أَنه لَا يُرِيد حَقِيقَة الْأَمر، وَقَالَ النَّوَوِيّ: اسْتدلَّ سُلَيْمَان ﵇، بشفقة الصُّغْرَى على أَنَّهَا أمه وَلَعَلَّ الْكُبْرَى أقرَّت بعد ذَلِك بِهِ للصغرى.
قَوْله: (إِن سَمِعت بالسكين) ، يَعْنِي باسم السكين قطّ إلَاّ يومئذٍ يَعْنِي: يَوْم سمع الحَدِيث. قَوْله: (إلَاّ المدية) بِضَم الْمِيم وَفتحهَا وَكسرهَا وَسُكُون الدَّال سميت بهَا لِأَنَّهَا تقطع مدى حَيَاة الْحَيَوَان، والسكين لِأَنَّهَا تسكن حركته.
١٣ - (بابُ القائِفِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْقَائِف، وَهُوَ على وزن فَاعل من القيافة، وَهِي معرفَة الْآثَار. وَفِي اصْطِلَاح الْفُقَهَاء: هُوَ الَّذِي يعرف الشّبَه ويميز الْأَثر، وَسمي بذلك لِأَنَّهُ يقفو الْأَشْيَاء أَي: يتبعهَا. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: هُوَ الَّذِي يقفو الْأَثر ويقتافه قفواً وقيافة، وَيجمع الْقَائِف على الْقَافة. قيل: لَا وَجه لذكر: بَاب الْقَائِف فِي كتاب الْفَرَائِض. وَأجِيب: بِجَوَاب لَا يمشي إلَاّ على مَذْهَب من يعْمل بالقافة، وَهُوَ الرَّد على من لَا يعْمل بهَا، وَيلْزم من قَول من يعْمل بهَا التَّوَارُث بَين الملحق والملحق بِهِ فَلهُ تعلق بالفرائض من هَذَا الْوَجْه.
٠٧٧٦ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدّثنا اللَّيْثُ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ ﵂، قالَتْ: إنَّ رسولَ الله ﷺ دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُوراً تَبْرُقُ أساريرُ وَجْهِهِ، فَقَالَ: (ألَمْ تَرَيْ أنَّ مُجَزِّزاً نَظَرَ آنِفاً إِلَى زَيْدِ بنِ حارثَةَ وأُسامَةَ بنِ زَيْدٍ فَقَالَ: إنَّ هاذِهِ الأقْدامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن مجززاً الْمَذْكُور حكم بالقيافة فِي زيد بن حَارِثَة وَأُسَامَة بن زيد، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يقدحون فِي نسب أُسَامَة لِأَنَّهُ كَانَ أسود شَدِيد السوَاد لَكِن أمه كَانَت سَوْدَاء، وَكَانَ أَبوهُ زيد أَبيض من الْقطن، فَلَمَّا قَالَ هَذَا الْقَائِف مَا قَالَ مَعَ اخْتِلَاف اللَّوْن سر النَّبِي ﷺ بذلك لكَونه كافاً لَهُم عَن الطعْن فِيهِ لاعتقادهم ذَلِك.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن يحيى بن يحيى وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّلَاق. وَالتِّرْمِذِيّ فِي الْوَلَاء. وَالنَّسَائِيّ فِي الطَّلَاق.
قَوْله: (دخل عليَّ مَسْرُورا) أَي: دخل إِلَى حجرَة عَائِشَة حَال كَونه مَسْرُورا أَي: فرحاناً. قَوْله: (تبرق أسارير وَجهه) جملَة حَالية والأسارير هِيَ الخطوط الَّتِي تجمع فِي الْجَبْهَة وتنكسروا وَاحِدهَا سرو سرر وجمها أسرار وأسرة وَجمع الْجمع أسارير، وَرُوِيَ عَن عَائِشَة أَنَّهَا
стр. 7086
قَالَت: دخل عَليّ رَسُول الله ﷺ ، تبرق أكاليل وَجهه، جمع إكليل وَهِي نَاحيَة الْجَبْهَة وَمَا يتَّصل بهَا من الجبين، وَذَلِكَ إِنَّمَا يوضع الإكليل هُنَاكَ وكل مَا أحَاط بالشَّيْء وتكاله من جوانبه فَهُوَ إكليل قَالَه الْخطابِيّ. قَوْله: (ألم تري) ويروى: ألم تَرين، بالنُّون فِي آخِره وَالْمرَاد بِالرُّؤْيَةِ هُنَا الْإِخْبَار أَو الْعلم. قَوْله: (أَن مجززاً) بِضَم الْمِيم وَفتح الْجِيم وَتَشْديد الزَّاي الْمَكْسُورَة ويحكى فتحهَا وَفِي آخِره زَاي أُخْرَى، وَسمي بذلك لِأَنَّهُ كَانَ إِذا أَخذ أَسِيرًا فِي الْجَاهِلِيَّة جزنا صيته وَأطْلقهُ وَهُوَ ابْن الْأَعْوَر ابْن جعدة المدلجي نِسْبَة إِلَى مُدْلِج بن مرّة بن عبد منَاف بن كنَانَة. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: روى عَن النَّبِي ﷺ ، وَذكره ابْن يُونُس فِيمَن شهد فتح مصر، وَقَالَ: لَا أعلم لَهُ رِوَايَة. وَقَالَ ابْن مَاكُولَا: إِن مجززاً لَهُ صُحْبَة روى عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَه الطَّبَرِيّ، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: بَعثه عمر بن الْخطاب فِي جَيش إِلَى الْحَبَشَة فهلكوا كلهم، وَقَالَ ابْن مَاكُولَا أَيْضا، بعد أَن ضبط مجززاً كَمَا ذَكرْنَاهُ. قَالَ ابْن عُيَيْنَة: مُحرز، يَعْنِي: بِسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وَفِي آخِره زَاي. فَإِن قلت: هَل كَانَت القيافة مَخْصُوصَة ببني مُدْلِج أم لَا؟ .
قلت: كَانَت القيافة فيهم وَفِي بني أَسد وَالْعرب تعترف لَهُم بذلك، وَالصَّحِيح أَنَّهَا لَيست خَاصَّة بهم قد أخرج يزِيد بن هَارُون فِي الْفَرَائِض بِسَنَد صَحِيح إِلَى سعيد بن الْمسيب أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ قائفاً أوردهُ فِي قصَّته وَعمر قرشي لَيْسَ مدلجياً وَلَا أسدياً لَا أَسد قُرَيْش وَلَا أَسد خُزَيْمَة. قَوْله: (نظر آنِفا) بِالْمدِّ وَيجوز بِالْقصرِ أَي: السَّاعَة، من قَوْلك: استأنفت أَي: ابتدأت وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفا﴾ (مُحَمَّد: ٦١) أَي: فِي وَقت يقرب منا. قَوْله: (إِلَى زيد بن حَارِثَة) الخ ذكر فِي الرِّوَايَة الَّتِي بعْدهَا: دخل عَليّ فَرَأى أُسَامَة بن زيد وزيداً وَعَلَيْهِمَا قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما، فَقَالَ: إِن هَذِه الْأَقْدَام بَعْضهَا من بعض. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بعضهما لمن بعض.
فِيهِ: إِثْبَات الحكم بالقافة، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ أنس بن مَالك وَهُوَ أصح الرِّوَايَتَيْنِ عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَبِه قَالَ عَطاء وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبُو ثَوْر، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: الحكم بهَا بَاطِل لِأَنَّهَا حدس، وَلَا يجوز ذَلِك فِي الشَّرِيعَة وَلَيْسَ فِي حَدِيث لباب حجَّة فِي إِثْبَات الحكم بهَا لِأَن أُسَامَة قد كَانَ ثَبت نِسْبَة قبل ذَلِك وَلم يحْتَج الشَّارِع فِي إِثْبَات ذَلِك إِلَى قَول أحد، وَإِنَّمَا تعجب من إِصَابَة مجزز كَمَا يتعجب من ظن الرجل الَّذِي يُصِيب ظَنّه حَقِيقَة الشَّيْء الَّذِي ظَنّه، وَلَا يجب الحكم بذلك. وَترك رَسُول الله ﷺ ، الْإِنْكَار عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يتعاط بذلك إِثْبَات مَا لم يكن ثَابتا وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ (الْإِسْرَاء: ٦٣) .
١٧٧٦ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدّثنا سُفْيانُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ قالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رسولُ الله ﷺ ذاتَ يَوْمٍ وهْوَ مَسْرُورٌ، فَقَالَ: (يَا عائِشَةُ! ألَمْ تَرَيْ أنَّ مُجَزِّزاً المُدْلِجِيَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَرَأى أسامَةَ وزَيْداً وعَلَيْهِما قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيا رُؤُوسَهُما وبَدَتْ أقْدَامُهُما، فَقَالَ: إنَّ هاذِهِ الأقْدامَ بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ) .
هَذَا هُوَ الحَدِيث الْمَذْكُور غير أَنه أخرجه عَن قُتَيْبَة من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث ... الخ. وَالْآخر: عَن قُتَيْبَة أَيْضا عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة ... الخ. وَفِيه زِيَادَة تَفْسِير مَا ذكر فِي الحَدِيث السَّابِق من اختصاره على ذكر الْأَقْدَام. والقطيفة كسَاء، وَفِي (الْمغرب) : دثار مخمل، وَالْجمع: قطائف وقطف.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٦٨ - (كِتابُ الحُدُودِ)
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الْحُدُود، وَهُوَ جمع حد وَهُوَ الْمَنْع لُغَة وَلِهَذَا يُقَال للبواب حداداً لمَنعه النَّاس عَن الدُّخُول، وَفِي الشَّرْع: الْحَد عُقُوبَة مقدرَة لله تَعَالَى وَإِنَّمَا جمعه لاشْتِمَاله على أَنْوَاع وَهِي: حد الزِّنَا وحد الْقَذْف وحد الشّرْب، وَالْمَذْكُور فِيهِ حد الزِّنَا وَالْخمر وَالسَّرِقَة، وَقد تطلق الْحُدُود وَيُرَاد بهَا نفس الْمعاصِي كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُود الله فَلَا تقربوها﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨١) وعَلى فعل فِيهِ شَيْء مُقَدّر، وَمِنْه ﴿وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فقد ظلم نَفسه﴾ (الطَّلَاق: ١) والبسملة ثَابِتَة قبل. قَوْله: كتاب الْحُدُود فِي غير رِوَايَة أبي ذَر
стр. 7087
وَلَا تتْرك الْبَسْمَلَة عِنْد ذكر كل أَمر ذِي بَال. وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ جعل الْبَسْمَلَة بَين الْكتاب وَالْبَاب، ثمَّ قَالَ: لَا يشرب الْخمر ... وَقَالَ ابْن عَبَّاس.
(بابُ مَا يُحْذَرُ مِنَ الحُدُودِ)
أَي: بَاب فِي ذكر مَا يحذر من الْحُدُود وَلم يذكر فِيهِ حَدِيثا، وَفِي رِوَايَة غَيره: كتاب الْحُدُود وَمَا يحذر من الْحُدُود. عطفا على الْحُدُود، وَتَقْدِيره: كتاب فِي بَيَان الْحُدُود وَفِي بَيَان مَا يحذر من الْحُدُود.
١ - (بابٌ لَا يُشْرَبُ الخَمْرُ)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ لَا يشرب الْمُسلم الْخمر، وَهَذَا مِمَّا حذف فَاعله، قَالَه ابْن مَالك، وَيجوز أَن يكون: لَا يشرب، على صِيغَة الْمَجْهُول وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: بَاب الزِّنَا وَشرب الْخمر. أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الزِّنَا وَشرب الْخمر.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ يُنْزِعُ مِنْهُ نُورُ الْإِيمَان فِي الزِّنا.
هَذَا مُطَابق للجزء الأول للتَّرْجَمَة. قَوْله: (ينْزع مِنْهُ) أَي: من الزَّانِي، وَوَصله أَبُو بكر بن أبي شيبَة فِي كتاب الْإِيمَان من طَرِيق عُثْمَان بن أبي صَفِيَّة قَالَ: كَانَ ابْن عَبَّاس يَدْعُو بغلمانه غُلَاما غُلَاما فَيَقُول: أَلا أزَوجك؟ مَا من عبد يَزْنِي إلَاّ نزع الله مِنْهُ نور الْإِيمَان. وَقد روى مَرْفُوعا أخرجه الطَّبَرِيّ من طَرِيق مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس: سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول: من زنى نزع الله نور الْإِيمَان من قلبه، فَإِن شَاءَ أَن يردهُ إِلَيْهِ رده.
٢٧٧٦ - حدّثني يَحْيَاى بنُ بُكَيْرٍ حدّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ أبي بَكْرِ بن عَبدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وهْوَ مُؤْمِنٌ، ولَا يَسْرِق حِينَ يَسْرِقُ وهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إلَيْهِ فِيها أبْصارَهُمْ وهْوَ مُؤْمِنٌ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعقيل بِضَم الْعين ابْن خَالِد، وَأَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام المَخْزُومِي وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق شُعَيْب بن اللَّيْث عَن أَبِيه عَن جده: حَدثنِي عقيل بن خَالِد قَالَ: قَالَ ابْن شهَاب: أَخْبرنِي أَبُو بكر ابْن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم كَمَا ذكرنَا من طَرِيق عقيل عَن ابْن شهَاب. وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا فِي الْفِتَن من طَرِيق عقيل عَن الزُّهْرِيّ.
وَذكر الطَّبَرِيّ أَن من قبلنَا اخْتلفُوا فِي هَذَا الحَدِيث: فَأنْكر بَعضهم أَن يكون رَسُول الله ﷺ قَالَه، قَالَ عَطاء: اخْتلف الروَاة فِي أَدَاء لفظ النَّبِي ﷺ بذلك، فَقَالَ مُحَمَّد بن زيد بن وَاقد بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب، وَسُئِلَ عَن تَفْسِير هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: إِنَّمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ : لَا يَزْنِين مُؤمن وَلَا يَسْرِقن مُؤمن. . وَقَالَ آخَرُونَ. عَنى بذلك لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مستحل للزنى غير مُؤمن بِتَحْرِيم الله ذَلِك عَلَيْهِ، فَأَما إِن زنى وَهُوَ مُعْتَقد تَحْرِيمه فَهُوَ مُؤمن، روى ذَلِك عِكْرِمَة من مَوْلَاهُ، وحجتهم فِيهِ حَدِيث أبي ذَر يرفعهُ: من قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة وَإِن زنى وَإِن سرق، وَقَالَ آخَرُونَ: ينْزع مِنْهُ الْإِيمَان فيزول عَنهُ، فَيُقَال لَهُ: مُنَافِق وفاسق، رُوِيَ هَذَا عَن الْحسن قَالَ: النِّفَاق نفاقان: تَكْذِيب بِمُحَمد ﷺ فَهَذَا لَا يغْفر، ونفاق خَطَايَا وذنوب يُرْجَى لصَاحبه، وَعَن الْأَوْزَاعِيّ: كَانُوا لَا يكفرون أحدا بذنب وَلَا يشْهدُونَ على أحد بِكفْر ويتخوفون نفاق الْأَعْمَال على أنفسهم، وَقَالَ آخَرُونَ: إِذا أَتَى الْمُؤمن كَبِيرَة نزع مِنْهُ الْإِيمَان فَإِذا فَارقهَا عَاد إِلَيْهِ الْإِيمَان. وَقَالَ بعض الْخَوَارِج والرافضة والأباضية: من فعل شَيْئا من ذَلِك فَهُوَ كَافِر خَارج عَن الْإِيمَان لأَنهم يكفرون الْمُؤمن بالذنب ويوجبون عَلَيْهِ التخليد فِي النَّار بِالْمَعَاصِي، وحجتهم ظَاهر حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا، وَقَالَ الْمُهلب: قَوْله: (ينْزع مِنْهُ نور الْإِيمَان) يَعْنِي: ينْزع نور بصيرته فِي طَاعَة الله لغَلَبَة شَهْوَته عَلَيْهِ، فَكَأَن تِلْكَ البصيرة نور طفته الشَّهْوَة من قلبه، يشْهد لهَذَا قَوْله ﴿كلا بل ران على قُلُوبهم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (المطففين: ٤١) وَقيل: هَذَا من بَاب التَّغْلِيظ أَو مَعْنَاهُ نفي الْكَمَال. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: المُرَاد مِنْهُ الْإِنْذَار بِزَوَال الْإِيمَان إِذا اعتاده، فَمن حام حول الْحمى أَو شكّ أَن يَقع
стр. 7088
فِيهِ) قَوْله: (حِين يَزْنِي) قَالَ الْكرْمَانِي كلمة: حِين مُتَعَلقَة بِمَا قبلهَا أَو بِمَا بعْدهَا ثمَّ قَالَ: تحتملهما أَي: لَا يَزْنِي فِي أَي حِين كَانَ أَو وَهُوَ مُؤمن حِين يَزْنِي. وَفِيه: تَنْبِيه على جَمِيع أَنْوَاع الْمعاصِي لِأَنَّهَا إِمَّا بدنية كَالزِّنَا، أَو مَالِيَّة إِمَّا سرا كالسرقة أَو جَهرا كالنهب أَو عقلية كَالْخمرِ فَإِنَّهَا مزيلة لَهُ. قَوْله: (نهبة) بِضَم النُّون وَهُوَ المَال المنهوب، وَقَالَ الْكرْمَانِي: النهبة، بِالْفَتْح مصدر وَبِضَمِّهَا المَال المنهوب يَعْنِي: لَا يَأْخُذ الرجل مَال غَيره قهرا وظلماً وهم ينظرُونَ إِلَيْهِ ويتضرعون ويبكون وَلَا يقدرُونَ على دَفعه، ثمَّ قَالَ: مَا فَائِدَة ذكر الْأَبْصَار؟ فَأجَاب بِأَنَّهُ إِخْرَاج الْمَوْهُوب الْمشَاع والموائد الْعَامَّة، فَإِن رَفعهَا لَا يكون عَادَة إلاّ فِي الغارات ظلما صَرِيحًا. انْتهى. وَقيل: يحْتَمل أَن يكون كِنَايَة عَن عدم التستر بذلك، فَيكون صفة لَازِمَة للنهب بِخِلَاف السّرقَة والاختلاس فَإِنَّهُ يكون فِي خُفْيَة والانتهاب أَشد لما فِيهِ من مزِيد الجرأة وَعدم المبالاة.
وعنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَّيبِ وَأبي سَلَمَةَ عَن أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، إلَاّ النُّهْبَةَ.
هَذَا مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور أَي: وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب وَأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ ، مثله أَي: مثل الحَدِيث الْمَذْكُور إلَاّ لفظ: النهبة لَيْسَ فِيهِ، وَأخرجه مُسلم من طَرِيق شُعَيْب بن اللَّيْث بِلَفْظ: قَالَ ابْن شهَاب. وحَدثني سعيد بن الْمسيب وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله ﷺ بِمثل حَدِيث أبي بكر هَذَا إلَاّ النهبة.
٢ - (بابُ مَا جاءَ فِي ضَرْبِ شارِبِ الخَمْر)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ مَا جَاءَ من الْخَبَر فِي ضرب شَارِب الْخمر.
٣٧٧٦ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حَدثنَا هِشام عنْ قَتادَةَ عنْ أنَسٍ أنَّ النبيَّ ﷺ . (الحَدِيث ٤٧٧٦ طرفَة فِي: ٦٧٧٦) .
(ح) وحدّثنا آدَمُ حدّثنا شُعْبَةُ حدّثنا قَتادَةُ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ ﵁، أنَّ النبيِّ ﷺ ضَرَبَ فِي الخَمْرِ بالجَرِيده النِّعالِ، وجَلَدَ أبُو بَكْرِ أرْبَعِين.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأخرجه من طَرِيقين.
الأول: عَن حَفْص بن عمر عَن هِشَام الدستوَائي عَن قَتَادَة.
وَالثَّانِي: عَن آدم بن إِيَاس عَن شُعْبَة الخ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحُدُود أَيْضا عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار. وَأخرجه أَبُو دادو فِيهِ عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن بنْدَار بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد مُخْتَصرا، وَلم يذكر: (وَجلد أَبُو بكر أَرْبَعِينَ) وَاحْتج الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق وَأهل الظَّاهِر على أَن حد السَّكْرَان أَرْبَعُونَ سَوْطًا. وَقَالَ ابْن حزم: وَهُوَ قَول أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَالْحسن بن عَليّ وَعبد الله بن جَعْفَر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَبِه يَقُول الشَّافِعِي وَأَبُو سُلَيْمَان وأصحابنا، وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَالشعْبِيّ وَأَبُو حنيفَة وَمَالك وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَأحمد فِي رِوَايَة: ثَمَانُون سَوْطًا، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ وخَالِد بن الْوَلِيد وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، قَالَ أَبُو عمر: الْجُمْهُور من عُلَمَاء السّلف وَالْخلف على أَن الْحَد فِي الشّرْب ثَمَانُون، وَهُوَ قَول مَالك وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَعبيد الله بن الْحسن وَالْحسن بن حَيّ وَإِسْحَاق وَأحمد، وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي. وَقَالَ: اتّفق إِجْمَاع الصَّحَابَة فِي زمن عمر على الثَّمَانِينَ فِي حد الْخمر وَلَا مُخَالف لَهُم مِنْهُم وعَلى ذَلِك جمَاعَة التَّابِعين وَجُمْهُور فُقَهَاء الْمُسلمين. وَالْخلاف فِي ذَلِك كالشذوذ المحجوج بالجمهور، وَقَالَ ابْن مَسْعُود: مَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن. وَقَالَ ﷺ : عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي، وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث يحيى بن فليح عَن مُحَمَّد بن يزِيد عَن عِكْرِمَة عَن مَوْلَاهُ أَن الشُّرَّاب كَانُوا يضْربُونَ فِي عهد رَسُول الله ﷺ ، بِالْأَيْدِي وَالنعال والعصي حَتَّى توفّي، وَكَانَ فِي خلَافَة أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فجلدهم أَرْبَعِينَ ثمَّ عمر كَذَلِك ... الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ: فَقَالَ عمر: مَاذَا ترَوْنَ؟ فَقَالَ عَليّ: إِذا شرب سكر وَإِذا سكر هذى وَإِذا هذى افترى وعَلى المفتري ثَمَانُون جلدَة، فَأمر عمر فجلده ثَمَانِينَ أَي: جلد السَّكْرَان ثَمَانِينَ سَوْطًا.
стр. 7089
٣ - (بابُ مَنْ أمَرَ بِضَرْبِ الحَدِّ فِي البَيْتِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر من أَمر بِضَرْب الْحَد فِي الْبَيْت فَكَأَنَّهُ ترْجم هَذَا الْبَاب ردا على من قَالَ: لَا يضْرب الْحَد سرا، وروى ابْن سعد عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي قصَّة وَلَده أبي شحمة لما شرب بِمصْر فحده عَمْرو بن الْعَاصِ فِي الْبَيْت فَأنْكر عمر عَلَيْهِ وأحضره إِلَى الْمَدِينَة وضربه الْحَد جَهرا، وَحمل الْعلمَاء على الْمُبَالغَة فِي تَأْدِيب وَلَده لَا لِأَن إِقَامَة الْحَد لَا تصح إلَاّ جَهرا.
٤ - (بابُ الضَّربِ بالجَرِيدِ والنِّعالِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الضَّرْب فِي شرب الْخمر بِالْجَرِيدِ وَالنعال، وَأَشَارَ بذلك إِلَى جَوَاز الِاكْتِفَاء فِي شرب الْخمر بِالضَّرْبِ بِالْجَرِيدِ وَالنعال، وَقَالَ النَّوَوِيّ: أجمعو على الِاكْتِفَاء فِي الْخمر بِالْجَرِيدِ وَالنعال، وأطراف الثِّيَاب، ثمَّ قَالَ: وَالأَصَح جَوَازه بِالسَّوْطِ، وشذ من قَالَ: هُوَ شَرط وَهُوَ غلط منابذ للأحاديث الصَّحِيحَة.
قلت: اخْتلف فِيهِ بعض الْأَئِمَّة من الشَّافِعِيَّة فَصرحَ أَبُو الطّيب وَمن تبعه بِأَنَّهُ لَا يجوز بِالسَّوْطِ، وَصرح القَاضِي حُسَيْن بِتَعْيِين السَّوْط، وَاحْتج بِأَنَّهُ إِجْمَاع الصَّحَابَة.
٥٧٧٦ - حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ حدّثنا وُهَيْبُ بنُ خالِدٍ عنْ أيُّوبَ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبي مُلَيْكَةَ عنْ عُقْبَةَ بنِ الحارِثِ أنَّ النبيَّ ﷺ أُتِيَ بِنُعَيْمانَ أَو: بابنِ نُعَيْمانِ وهْوَ سَكْرَان فَشَقَّ عَلَيْهِ وأمَرَ مَنْ فِي البَيْتِ أنْ يَضْرِبُوهُ، فَضَرَبُوهُ بالجَرِيدِ والنِّعال، وكُنْتُ فِيمَنْ ضَرَبَهُ. (انْظُر الحَدِيث ٦١٣٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَهُوَ الحَدِيث الَّذِي تقدم فِي الْبَاب الَّذِي قبله، أخرجه عَن قُتَيْبَة بن عبد الْوَهَّاب عَن أَيُّوب إِلَى
стр. 7090
آخِره، وَتقدم الْكَلَام فِيهِ.
٦٧٧٦ - حدّثنا مُسْلِمٌ حدّثنا هِشامٌ حدّثنا قَتادَةُ عنْ أنَسِ، قَالَ: جَلدَ النبيُّ ﷺ فِي الخَمْرِ بالجَرِيدِ والنِّعالِ، وجَلَدَ أبُو بَكْرِ أرْبَعِينَ. (انْظُر الحَدِيث ٣٧٧٦) .
مُطَابقَة هَذَا أَيْضا للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَقد تقدم هَذَا أَيْضا عَن قريب فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي ضرب شَارِب الْخمر. فَإِن قلت: ذكر هُنَاكَ أَن النَّبِي ﷺ ، ضرب فِي الْخمر وَهَهُنَا قَالَ: جلد؟ .
قلت: لَا مُنَافَاة بَينهمَا لِأَن المُرَاد هُنَا من قَوْله: (جلد ضربه) فَأصَاب جلده، وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ: ضربه بِالْجلدِ، وَمُسلم شيخ البُخَارِيّ وَهُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الْبَصْرِيّ وَهِشَام هُوَ الدستوَائي.
٧٧٧٦ - حدّثنا قُتَيْبَةُ حدّثنا أبُو ضَمْرَةَ أنَسٌ عنْ يَزِيدَ بنِ الهادِ عنْ مُحَمَّدٍ بنِ إبْرَاهِيمَ عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: أُتِيَ النبيُّ ﷺ بِرَجلٍ قَدْ شَرِبَ قَالَ: (اضْرِبُوه) قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ والضَّارِبُ بِنَعْلِهِ والضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فلمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ القَوْمِ: أحْزَاكَ الله. قَالَ: لَا تَقُولُوا هكَذا، لَا تُعينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطانَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو ضَمرَة بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم وبالراء اسْمه أنس بن عِيَاض، وَيزِيد من الزِّيَادَة هُوَ يزِيد بن عبد الله بن أُسَامَة بن عبد الله بن شَدَّاد بن الْهَاد نسب إِلَى جده الْأَعْلَى، وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث بن خَالِد التَّيْمِيّ، وَسَلَمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَيزِيد وَشَيْخه وَشَيخ شَيْخه مدنيون تابعيون.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحُدُود أَيْضا عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن غَيره. قَوْله: (بِرَجُل) قيل: يحْتَمل أَن يكون هَذَا عبد الله الَّذِي كَانَ يلقب حمارا، وَسَيَأْتِي فِي الحَدِيث عَن عمر فِي الْبَاب الَّذِي بعده، وَيحْتَمل أَن يكون نعيمان وَيحْتَمل أَن يكون ثَالِثا. قَوْله: (قَالَ: اضْرِبُوهُ) لم يعين فِيهِ الْعدَد لِأَنَّهُ لم يكن مؤقتاً حينئذٍ، وَقد روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله ﷺ ، لم يقت فِي الْخمر حدا أَي لم: يُوَقت، وَيُقَال أَي: لم يقدر رَسُول الله ﷺ ، لَهُ مِقْدَارًا، وَلم يحدده بِعَدَد مَخْصُوص. قَوْله: (أخزاك الله) أَي: لَا تدعوا عَلَيْهِ بالخزي بالمعجمتين، وَهُوَ الذل والهوان، يُقَال: خزى يخزى من بَاب علم بِعلم خزياً بِالْكَسْرِ وَأما خزي يخزى خزاية بِالْفَتْح فَمَعْنَاه اسْتَحى. قَوْله: (لَا تعينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَان) يَعْنِي: إِذا دعوتم عَلَيْهِ بالخزي فقد اعنتم الشَّيْطَان، فَإِنَّهُ إِذا دعِي عَلَيْهِ بِحَضْرَتِهِ ﷺ ، وَلم ينْه عَنهُ ينفر عَنهُ، أَو لِأَنَّهُ يتَوَهَّم أَنه مُسْتَحقّ لذَلِك، فيوقع الشَّيْطَان فِي قلبه وساوس.
٨٧٧٦ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ عبْدِ الوَهَّابِ حدّثنا خالِدُ بنُ الحارِثِ حَدثنَا سُفْيانُ حَدثنَا أَبُو حَصِينٍ: سَمِعْتُ عُمَيْرَ بنَ سَعِيدٍ النَّخَعِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلَيَّ بنَ أبي طالِبٍ ﵁، قَالَ: مَا كُنْتُ لأقِيمَ حَدًّا عَلَى أحَدٍ فَيَمُوتَ فأجدَ فِي نَفْسِي إلَاّ صاحِبَ الخَمْرِ، فإنَّه لوْ ماتَ ودَيْتُهُ وذالِكَ أنَّ رسولَ الله ﷺ لَمْ يَسُنَّهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث لِأَن معنى قَوْله: (لم يسنه) لم يقدر فِيهِ حدا، مضبوطاً كَذَا فسره النَّوَوِيّ، وَقيل: مَعْنَاهُ لم يُعينهُ بِضَرْب السِّيَاط، وَهُوَ مُطَابق للتَّرْجَمَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حد مَعْلُوم.
وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَأَبُو حُصَيْن بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ واسْمه عُثْمَان بن عَاصِم الْأَسدي الْكُوفِي، وَعُمَيْر بِضَم الْعين وَفتح الْمِيم بن سعيد بِالْيَاءِ بعد الْعين النَّخعِيّ كَذَا ضَبطه الْكرْمَانِي وَقَالَ: لم يتَقَدَّم ذكره، ويروى: سعد، بِدُونِ الْيَاء، وَهُوَ سَهْو قَالَه الغساني، وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَكَذَا وَقع فِي جَمِيع النّسخ من (الصَّحِيحَيْنِ) : وَوَقع للحميدي فِي الْجَمِيع: سعد، بِسُكُون الْعين وَهُوَ غلط، وَوَقع فِي (الْمُهَذّب) : عمر بن سعد بِحَذْف الْيَاء
стр. 7091
مِنْهُمَا وَهُوَ غلط فَاحش، وَقَالَ بَعضهم: وَوَقع للنسائي والطَّحَاوِي: عمر، بِضَم الْعين وَفتح الْمِيم.
قلت: لم يَقع للطحاوي مَا ذكره فَإِنِّي شرحت (مَعَاني الْآثَار) : لَهُ وَلَيْسَ فِيهِ إلَاّ عُمَيْر بن سعيد، مثل مَا وَقع للْبُخَارِيّ وَغَيره، وَهُوَ تَابِعِيّ كَبِير ثِقَة مَاتَ سنة خمس عشرَة وَمِائَة.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحُدُود أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الْمنْهَال وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن إِسْمَاعِيل بن مُوسَى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن إِسْمَاعِيل بِهِ وَعَن غَيره.
قَوْله: (مَا كنت لأقيم) اللَّام فِيهِ مَكْسُورَة لتأكيد النَّفْي كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع أَيْمَانكُم﴾ (الْبَقَرَة: ٣٤١) وأقيم مَنْصُوب بِأَن الْمقدرَة فِيهِ. قَوْله: (فَيَمُوت) ، بِالنّصب. قَوْله: (فأجد) بِالرَّفْع قَالَه الْكرْمَانِي من وجد الرجل يجد إِذا حزن، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ. قَوْله: (فَيَمُوت) مسبب عَن أقيم. وَقَوله: (فأجد) مسبب عَن مَجْمُوع السَّبَب، والمسبب وَالِاسْتِثْنَاء فِي قَوْله: (إلَاّ صَاحب الْخمر) ، مُنْقَطع أَي: لَكِن أجد من صَاحب الْخمر إِذا مَاتَ شَيْئا وَيجوز أَن يكون التَّقْدِير: مَا أجد من موت أحد يُقَام عَلَيْهِ الْحَد شَيْئا، إلَاّ من موت صَاحب الْخمر فَيكون مُتَّصِلا. قَوْله: (وديته) أَي: أَعْطَيْت دِيَته وغرمتها من ودى يَدي دِيَة أَصْلهَا ودية. قَوْله: (وَذَلِكَ) إِشَارَة إِلَى مَا قَالَه: (مَا كنت لأقيم. .) إِلَى آخِره. قَوْله: (لم يسنه) قد مر تَفْسِيره الْآن، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه فَإِن رَسُول الله ﷺ لم يسن فِيهِ شَيْئا إِنَّمَا هُوَ شَيْء جَعَلْنَاهُ نَحن. فَإِن قلت: روى الطَّحَاوِيّ حَدثنَا ابْن أبي دَاوُد قَالَ: حَدثنَا مُسَدّد بن مسرهد قَالَ: حَدثنَا يحيى، قَالَ: حَدثنَا سعيد بن أبي عرُوبَة عَن الداناج عَن حُصَيْن بن الْمُنْذر الرقاشِي أبي ساسان عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: جلد رَسُول الله ﷺ فِي الْخمر أَرْبَعِينَ، وَأَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَرْبَعِينَ وكملها عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثَمَانِينَ وكل سنة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد نَحوه. قَوْله: (وكل سنة) أَي: كل وَاحِد من الْأَرْبَعين والثمانين سنة. وَقَالَ الْخطابِيّ: تَقول: إِن الْأَرْبَعين سنة قد عمل بهَا النَّبِي ﷺ ، فِي زَمَانه، والثمانين سنة قد عمل بهَا عمر ﵁، فِي زَمَانه.
قلت: وَلما روى الطَّحَاوِيّ هَذَا قَالَ: ذهب قوم إِلَى أَن الْحَد الَّذِي يجب على شَارِب الْخمر إِنَّمَا هُوَ أَرْبَعُونَ، وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الحَدِيث، ثمَّ قَالَ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، فَادعوا فَسَاد هَذَا الحَدِيث، وأنكروا أَن يكون عَليّ ﵁، قَالَ من ذَلِك شَيْئا، لِأَنَّهُ قد روى عَنهُ مَا يُخَالف ذَلِك، ويدفعه ثمَّ روى حَدِيث عُمَيْر بن سعيد عَنهُ الَّذِي مضى الْآن، ثمَّ أَطَالَ الْكَلَام فِي دفع هَذَا الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الداناج الْمَذْكُور عَن حُصَيْن عَنهُ، وَقَالَ غَيره: حَدِيث الداناج غير صَحِيح لِأَن حَدِيث البُخَارِيّ، أَعنِي: الْمَذْكُور هُنَا يردهُ وَيُخَالِفهُ، وَفِي قَول عَليّ ﵁: مَا كنت لأقيم حدا ... الخ حجَّة لمن قَالَ: لَا قَود على أحد إِذا مَاتَ الْمَحْدُود فِي الضَّرْب. وَقَالَ أَصْحَابنَا: لَا دِيَة فِيهِ على الإِمَام وَعَلِيهِ الْكَفَّارَة، وَقيل: على بَيت المَال، لكِنهمْ اخْتلفُوا فِيمَن مَاتَ من التَّعْزِير، فَقَالَ الشَّافِعِي: عقله على عَاقِلَة الإِمَام وَعَلِيهِ الْكَفَّارَة، وَقيل: على بَيت المَال، وَجُمْهُور الْعلمَاء على أَنه: لَا يجب شَيْء على أحد. وَفِي (التَّوْضِيح) : اخْتلف إِذا مَاتَ فِي ضربه على أَقْوَال: فَقَالَ مَالك وَأحمد: لَا ضَمَان على الإِمَام وَالْحق قَتله. وَقَالَ الشَّافِعِي إِن مَاتَ الْمَحْدُود وَكَانَ ضربه بأطراف الثِّيَاب وَالنعال لَا يضمن الإِمَام قولا وَاحِدًا، وَإِن كَانَ ضربه بِالسَّوْطِ فَإِنَّهُ يضمن، وَفِي صفة مَا يضمن وَجْهَان: أَحدهمَا: يضمن جَمِيع الدِّيَة، وَالثَّانِي: لَا يضمن إلَاّ مَا زَاد على ألم النِّعَال، وَعنهُ أَيْضا إِن ضرب بالنعال وأطراف الثِّيَاب ضربا يُحِيط الْعلم أَنه لَا يبلغ الْأَرْبَعين، أَو يبلغهَا أَو لَا يتجاوزها فَمَاتَ، فَالْحق قَتله. فَإِن كَانَ كَذَلِك فَلَا عقل وَلَا دِيَة وَلَا كَفَّارَة على الإِمَام، وَإِن ضربه أَرْبَعِينَ سَوْطًا فَمَاتَ، فديته على عَاقِلَة الإِمَام دون بَيت المَال.
٩٧٧٦ - حدّثنا مَكْيٌّ بنُ إبْراهِيمَ عنِ الجُعَيْدِ عنْ يَزِيدَ بنِ خُصَيْفَةَ عنِ السَّائِبِ بنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنَّا نُؤْتَى بالشَّارِبِ عَلَى عَهْدِ رسولِ الله ﷺ وإمْرَةِ أبي بَكْرٍ وصَدْراً مِنْ خِلَافَةِ عُمَر، فَنَقُومُ إلَيْهِ بأيْدِينا ونعالِنا وأرْدِيَتِنا حتَّى كانَ آخِرُ إمْرَةِ عُمَرَ فَجلَدَ أرْبَعِينَ، حتَّى إذَا عَتَوْا وفَسَقُوا جَلَدَ ثَمانِينَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والجعيد بِضَم الْجِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة مصغر جعد بن عبد الرَّحْمَن التَّابِعِيّ من صغَار التَّابِعين وَسَنَد البُخَارِيّ هَذَا فِي غَايَة الْعُلُوّ لِأَن بَينه وَبَين التَّابِعِيّ فِيهِ وَاحِد فَهُوَ فِي حكم الثلاثيات، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن خصيفَة بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالفاء الْكُوفِي، والسائب بِالْهَمْزَةِ بعد
стр. 7092
الْألف ابْن يزِيد من الزِّيَادَة الْكِنْدِيّ. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (كُنَّا نؤتى) على صِيغَة الْمَجْهُول. فَإِن قلت: كَانَ السَّائِب صَغِيرا جدا على عهد النَّبِي ﷺ وَكَانَ ابْن سِتّ سِنِين فَكيف أَدخل نَفسه فِي جمَاعَة الْحَاضِرين وَقت إتْيَان الشَّارِب فِي زَمَنه ﷺ ؟ .
قلت: الظَّاهِر أَن مُرَاده من قَوْله: كُنَّا الصَّحَابَة، وَلَكِن يحْتَمل أَن يكون قد حضر هُنَاكَ مَعَ أَبِيه أَو غَيره فشاركهم فِيهِ فَيكون الْإِسْنَاد على الْحَقِيقَة. قَوْله: (وإمرة أبي بكر) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْمِيم أَي: إمارته. قَوْله: (وصدراً) من خلَافَة عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَي: أَوَائِل خِلَافَته. قَوْله: (وأرديتنا) جَمِيع رِدَاء. قَوْله: (حَتَّى كَانَ آخر إمرة عمر) أَي آخر خِلَافَته. قَوْله: (حَتَّى إِذا عتوا) أَي: إِذا انهمكوا فِي الطغيان وبالغوا فِي الْفساد. قَوْله: (وفسقوا) أَي: خَرجُوا عَن الطَّاعَة فَلم يرتدعوا جلدهمْ ثَمَانِينَ جلدَة، وَلَو أدْرك هَذَا الزَّمَان لجلدهم أَضْعَاف ذَلِك، وروى عبد الرَّزَّاق بِسَنَد صَحِيح عَن عبيد بن عُمَيْر، أحد كبار التَّابِعين، نَحْو حَدِيث السَّائِب وَفِيه: أَن عمر جعله أَرْبَعِينَ سَوْطًا، فَلَمَّا رَآهُمْ لَا يتناهون جعله سِتِّينَ سَوْطًا، فَلَمَّا رَآهُمْ لَا يتناهون جعله ثَمَانِينَ سَوْطًا. وَقَالَ: هَذَا أدنى الْحُدُود.
٥ - (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ لَعْنِ شارِبِ الخَمْرِ وإنَّهُ لَيْسَ بِخارجٍ مِنَ المِلَّةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يكره من لعن شَارِب الْخمر، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة وَجه التَّوْفِيق بَين حَدِيث الْبَاب الَّذِي فِيهِ النَّهْي عَن لعن الشَّارِب وَبَين قَوْله ﷺ : لَا يشرب الْخمر وَهُوَ مُؤمن، وَقد مر عَن قريب، وَهُوَ أَن المُرَاد بِحَدِيث: لَا يشرب الْخمر وَهُوَ مُؤمن نفي كَمَال الْإِيمَان لَا أَنه يخرج عَن الْإِيمَان، وَهُوَ معنى قَوْله: (وَإنَّهُ) أَي: إِن شَارِب الْخمر لَيْسَ بِخَارِج عَن الْملَّة، فَإِذا لم يكن خَارِجا عَن الْملَّة لَا يسْتَحق اللَّعْن. فَإِن قلت: قد لعن رَسُول الله ﷺ شَارِب الْخمر وَكَثِيرًا من أهل الْمعاصِي مِنْهُم: المصورون وَمن ادّعى إِلَى غير أَبِيه وَغير ذَلِك.
قلت: أَرَادَ النَّبِي ﷺ ، باللعنة الملازمين لَهَا غير التائبين مِنْهَا ليرتدع بذلك من فعلهَا، وَالَّذِي نهى عَن لَعنه هَهُنَا قد كَانَ أَخذ مِنْهُ حد الله تَعَالَى الَّذِي جعله مطهراً لَهُ من الذُّنُوب فَنهى عَن ذَلِك خشيَة أَن يُوقع الشَّيْطَان فِي قلبه أَن من لعن بِحَضْرَتِهِ وَلم يُغير ذَلِك وَلَا نهى عَنهُ أَنه مُسْتَحقّ الْعقُوبَة فِي الْآخِرَة، وَأَنه يقره على ذَلِك ويقويه، وَقيل: الَّذِي لعن الشَّارِع إِنَّمَا لعن الْجِنْس على معنى الإرداع وَلم يعين أحدا، وَمِنْهُم من منع مُطلقًا فِي الْمعِين وَجوز فِي حق غير الْمعِين لِأَن فِيهِ زجرا عَن تعَاطِي ذَلِك الْفِعْل وَفِي حق الْمعِين أَذَى وَسَب وَقد ثَبت النَّهْي عَن أَذَى الْمُسلم.
٠٨٧٦ - حدّثنا يَحْيَاى بنُ بُكَيْرٍ حدّثنا اللَّيْثُ قَالَ: حدّثني خالِدُ بنُ يَزِيدَ عنْ سَعِيدِ بنِ أبي هِلالٍ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ أبِيهِ عنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: أنَّ رَجُلاً كانَ عَلَى عَهْدِ النبيِّ ﷺ كانَ اسْمُهُ عَبْدَ الله وَكَانَ يُلَقَّبُ حِماراً. وَكَانَ يُضْحِكُ رسولَ الله ﷺ ، وَكَانَ النبيُّ ﷺ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرابِ، فأُتِيَ بِهِ يَوْماً فأمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ، فَقَالَ النبيُّ ﷺ : (لَا تَلْعَنُوهُ فَوَالله مَا عَلِمْتُ إلاّ أنَّهُ يُحِبُّ الله ورسُولَهُ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى بن بكر مصغر بكير هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير أَبُو زَكَرِيَّا المَخْزُومِي الْمصْرِيّ، وخَالِد بن يزِيد من الزِّيَادَة البَجلِيّ الْفَقِيه، وَسَعِيد بن أبي هِلَال اللَّيْثِيّ الْمدنِي، وَزيد بن أسلم مولى عمر بن الْخطاب يروي عَن أَبِيه أسلم مولى عمر الحبشي البُخَارِيّ كَانَ من سبي عين التَّمْر ابتاعه عمر بن الْخطاب بِمَكَّة سنة إِحْدَى عشر لما بَعثه أَبُو بكر الصّديق ليقيم للنَّاس الْحَج والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (وَكَانَ يلقب حمارا) لَعَلَّه كَانَ لَا يكره ذَلِك اللقب وَكَانَ قد اشْتهر بِهِ، وَجوز ابْن عبد الْبر أَنه ابْن النُّعْمَان الْمُبْهم فِي حَدِيث عقبَة بن الْحَارِث، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَكَانَ يهدي إِلَى النَّبِي ﷺ ، العكة من السّمن والعكة من الْعَسَل، فَإِذا جَاءَ صَاحبهَا يتقاضاه جَاءَ بِهِ، وَقَالَ: يَا رَسُول الله! أعْط هَذَا ثمن
стр. 7093
مَتَاعه، فَمَا يزِيد رَسُول الله ﷺ ، على أَن يتبسم وَيَأْمُر بِهِ فَيعْطى ثمنه.
قلت: هَذَا رَوَاهُ أَبُو يعلى الْموصِلِي من طَرِيق هِشَام بن سعد عَن زيد بن أسلم. قَوْله: (وَكَانَ يضْحك) بِضَم الْيَاء من الإضحاك. وَفِيه: جَوَاز إضحاك الإِمَام والعالم بنادرة من الْحق لَا من الْبَاطِل. قَوْله: (فَقَالَ رجل) قيل: هُوَ عمر بن الْخطاب. لِأَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَة الْوَاقِدِيّ: فَقَالَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَذَا فِي رِوَايَة الْوَاقِدِيّ أَيْضا: لَا تفعل يَا عمر فَإِنَّهُ يحب الله وَرَسُوله، وَذَلِكَ عِنْد قَوْله ﷺ : (لَا تلعنوه) . قَوْله: (ماأكثر مَا يُؤْتى بِهِ) فِيهِ دلَالَة على تكرره مِنْهُ. قَوْله: (فوَاللَّه مَا علمت إلَاّ أَنه) أَي: الملقب بِحِمَار (يحب الله وَرَسُوله) ويروى: فوَاللَّه مَا علمت أَنه يحب الله وَرَسُوله. قَالَ الْكرْمَانِي: مَا، مَوْصُولَة لَا نَافِيَة فَكيف وَقع جَوَابا بالقسم. ثمَّ أجَاب بقوله: (أَنه يحب الله وَرَسُوله) وَهُوَ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ مَا علمت مِنْهُ، وَالْجُمْلَة مُعْتَرضَة بَين الْقسم وَجَوَابه، أَو: مَا، نَافِيَة ومفعول: علمت، مَحْذُوف.
قلت: إِذا كَانَ: مَا، نَافِيَة يكون همزَة أَنه مَفْتُوحَة مَعَ أَن رِوَايَة الْأَكْثَرين أَن الْهمزَة مَكْسُورَة إلَاّ على رِوَايَة ابْن السكن فَإِنَّهُ جوز الْفَتْح وَالْكَسْر. وَقَالَ صَاحب (الْمطَالع) : مَا مَوْصُولَة وَإنَّهُ بِكَسْر الْهمزَة مُبْتَدأ، وَقيل: بِفَتْحِهَا وَهُوَ مفعول: علمت، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ شيخ شَيْخي: فعلى هَذَا علمت بِمَعْنى عرفت، وَأَنه خبر الْمَوْصُول، وَقيل: مَا، زَائِدَة أَي: فوَاللَّه علمت والهمزة على هَذَا مَفْتُوحَة وَقيل يحْتَمل أَن يكون الْمَفْعُول محذوفاً أَي مَا علمت عَلَيْهِ أَو فِيهِ سوءا ثمَّ اسْتَأْنف فَقَالَ إِنَّه يجب الله وَرَسُوله، وَقيل: مَا زَائِدَة للتَّأْكِيد وَالتَّقْدِير: علمت، وَقد جَاءَ هَكَذَا فِي بعض الرِّوَايَات وعَلى هَذَا فالهمزة مَفْتُوحَة. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: جعل: مَا، نَافِيَة أظهر لاقْتِضَاء الْقسم أَن يتقى بِحرف النَّفْي وَبِأَن وباللام بِخِلَاف الموصولة، وَيُؤَيِّدهُ أَنه وَقع فِي (شرح السّنة) : فوَاللَّه مَا علمت إلَاّ أَنه. قَالَ: فَمَعْنَى الْحصْر فِي هَذِه الرِّوَايَة بِمَنْزِلَة تَاء الْخطاب فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى لإِفَادَة مزِيد الْإِنْكَار على الْمُخَاطب، وَقيل: قد وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني مثل مَا وَقع فِي (شرح السّنة) .
١٨٧٦ - حدّثنا عَلِيٌّ بنُ عَبْدِ الله بنِ جَعْفَرٍ حدّثنا أنَسُ بنُ عِياض حدّثنا ابنُ الهادِ عنْ مُحَمَّدِ بنِ إبْراهِيمَ عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُتِيَ النبيُّ ﷺ بِسَكْرَانَ فأمَرَ بِضَرْبِهِ، فَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِيَدِهِ، ومنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِنَعْلِهِ، ومِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رَجُلٌ: مالَهُ أخْزاهُ الله؟ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : (لَا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطانِ عَلَى أخِيكُمْ) . (انْظُر الحَدِيث ٧٧٧٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وَابْن الْهَاد هُوَ عبد الله بن شَدَّاد بن الْهَاد وَاسم الْهَاد أُسَامَة اللَّيْثِيّ الْكُوفِي، وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث التَّيْمِيّ، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.
والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب الضَّرْب بِالْجَرِيدِ وَالنعال، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
٦ - (بابُ السَّارِقِ حِينَ يَسْرِقُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ السَّارِق حِين يسرق مَا يكون حَاله، وَقد بَينه فِي الحَدِيث بقوله: وَلَا يسرق السَّارِق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: بَاب لَا يسرق السَّارِق، وَفِي رِوَايَة غَيره سقط لفظ: السَّارِق.
٢٨٧٦ - حدّثني عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ حدّثنا عَبْدُ الله بنُ دَاوُدَ حدّثنا فُضَيْلُ بنُ غَزْوانَ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَن النبيِّ ﷺ قَالَ: (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وهْوَ مُؤْمِنٌ) .
مطابقته للترجمتة من حَيْثُ إِنَّه يوضحها لِأَنَّهُ اختصر التَّرْجَمَة بِحَيْثُ إِنَّهَا لَا تفِيد إِلَّا بِحَدِيث الْبَاب.
وَعَمْرو بن عَليّ ابْن بَحر الصَّيْرَفِي وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَعبد الله بن دَاوُد بن عَامر الْكُوفِي سكن الخريبة من الْبَصْرَة وَهُوَ من أَفْرَاده، وفضيل بِضَم الْفَاء وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن غَزوَان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الزَّاي الْكُوفِي.
والْحَدِيث يَأْتِي فِي الْمُحَاربين عَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرَّجْم عَن عبد الرَّحْمَن بن سَلام، وَمضى شَرحه فِي حَدِيث أبي
стр. 7094
هُرَيْرَة فِي أول: بَاب الْحُدُود.
٧ - (بابُ لَعْنِ السَّارِقِ إِذا لَمْ يُسَمَّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم لعن السَّارِق إِذا لم يُعينهُ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى وَجه التَّوْفِيق بَين النَّهْي عَن لعن الشَّارِب الْمعِين وَبَين حَدِيث الْبَاب، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : قَوْله فِي التَّرْجَمَة: بَاب لعن السَّارِق إِذا لم يسم، كَذَا فِي جَمِيع النّسخ فَإِن صحت التَّرْجَمَة فَهُوَ أَنه لَا يَنْبَغِي تعيير أهل الْمعاصِي ومواجهتهم باللعن، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يلعن فِي الْجُمْلَة من فعل فعلهم ليَكُون ذَلِك ردعاً وزحراً عَن انتهاك شَيْء مِنْهَا، فَإِذا وَقعت من معِين لم يلعن بِعَيْنِه لِئَلَّا يقنط وييأس، ولنهي النَّبِي ﷺ ، عَن لعن النعيمان، وَقَالَ ابْن بطال: فَإِن كَانَ البُخَارِيّ أَشَارَ إِلَى هَذَا فَهُوَ غيرصحيح، لِأَن الشَّارِع إِنَّمَا نهى عَن لَعنه بعد إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ، فَدلَّ على أَن الْفرق بَين من يجب لَعنه وَبَين من لَا يجب، وَبِأَن بَيَانه أَن من أقيم عَلَيْهِ الْحَد لَا يَنْبَغِي لعنته، وَأَن من لم يقم عَلَيْهِ فاللعنة متوجهة إِلَيْهِ سَوَاء سمي وَعين أم لَا، لِأَن النَّبِي ﷺ لَا يلعن إلَاّ من تجب عَلَيْهِ اللَّعْنَة مَا دَامَ على تِلْكَ الْحَالة الْمُوجبَة لَهَا، فَإِذا تَابَ مِنْهَا وطهره الْحَد فَلَا لعنة تتَوَجَّه إِلَيْهِ.
٣٨٧٦ - حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ حدّثني أبي حدّثنا الأعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صالحِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: (لَعَنَ الله السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، ويَسْرقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ) . قَالَ الأعْمَشُ: كانُوا يَرَوْنَ أنَّهُ بَيْضُ الحَدِيدِ، والحَبْلُ كانُوا يَرَوْنَ أنَّهُ مِنْها مَا يُساوِي دَرَاهِمَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأخرج الحَدِيث عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه حَفْص بن غياث بن طلق النَّخعِيّ الْكُوفِي قاضيها عَن سلميان الْأَعْمَش عَن أبي صَالح ذكْوَان الزيات عَن أبي هُرَيْرَة.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحُدُود أَيْضا عَن أبي بكر وَأبي كريب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقطع عَن عبد الله بن مُحَمَّد المَخْزُومِي وَأحمد بن حَرْب. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْحُدُود عَن أبي بكر.
قَوْله: (قَالَ الْأَعْمَش) مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. قَوْله: (كَانُوا يرَوْنَ) بِفَتْح الرَّاء من الرَّأْي يُرِيد بِهِ أَن الَّذين رووا هَذَا الحَدِيث كَانُوا يَقُولُونَ: إِن المُرَاد بالبيضة بيض الْحَدِيد وَهُوَ الْبَيْضَة الَّتِي تكون على رَأس الْمقَاتل، وبالحبل مَا يُسَاوِي مِنْهَا دَرَاهِم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: يُرَاد بِهِ ثَلَاثَة دَرَاهِم.
قلت: نظر فِي ذَلِك إِلَى أَن أقل الْجمع ثَلَاثَة وَأَنه أَيْضا أَشَارَ بِهِ إِلَى مذْهبه، فَإِن عِنْده يقطع يَد السَّارِق فِي ربع دِينَار وَهُوَ ثَلَاثَة دَرَاهِم، ثمَّ قَالَ: وغرضه أَنه لَا قطع فِي الشَّيْء الْقَلِيل بل مَاله نِصَاب كربع الدِّينَار، وَعِنْدنَا لَا قطع فِي أقل من عشر دَرَاهِم على مَا يَجِيء بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَقَول الْأَعْمَش: الْبَيْضَة هُنَا بَيْضَة الْحَدِيد الَّتِي تغْفر الرَّأْس فِي الْحَرْب، وَالْحَبل من حبال السفن، تَأْوِيل لَا يجو عِنْد من يعرف صَحِيح كَلَام الْعَرَب، لِأَن كل وَاحِد من هذَيْن بِدَنَانِير كَثِيرَة وَفِي الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أبي خباب الدَّلال: حَدثنَا مُخْتَار بن نَافِع حَدثنَا أَبُو حَيَّان التَّيْمِيّ عَن أَبِيه عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن رَسُول الله ﷺ ، أَنه قطع فِي بَيْضَة من حَدِيد قيمتهَا إِحْدَى وَعِشْرُونَ درهما، وَلَيْسَ من عَادَة الْعَرَب والعجم أَن يَقُولُوا: قبح الله فلَانا عرض نَفسه للضرب فِي عقد جَوْهَر وَتعرض للعقوبة بالغلول فِي جراب مسك، وَإِنَّمَا الْعَادة فِي مثل هَذَا أَن يُقَال: لَعنه الله تعرض لقطع الْيَد فِي حَبل رت، أَو كبة شعر، أَو رِدَاء خلق. وَكلما كَانَ من هَذَا الْفَنّ أَحْقَر فَهُوَ أبلغ. وَقَالَ الْخطابِيّ: إِن ذَلِك من بَاب التدريج لِأَنَّهُ إِذا اسْتمرّ ذَلِك بِهِ لم يَأْمَن أَن يُؤَدِّيه ذَلِك إِلَى سَرقَة مَا فَوْقهَا حَتَّى يبلغ فِيهِ الْقطع فتقطع يَده فليحذر هَذَا الْفِعْل وليتركه قبل أَن تملكه الْعَادة وَيَمُوت عَلَيْهَا ليسلم من سوء عاقبته، وَقَالَ الدَّاودِيّ: مَا قَالَه الْأَعْمَش مُحْتَمل، وَقد يحْتَمل أَن يكون هَذَا قبل أَن يبين الشَّارِع الْقدر الَّذِي يقطع فِيهِ السَّارِق، وَقيل: هَذَا مَحْمُول على الْمُبَالغَة فِي التَّنْبِيه على عظم مَا خسر وحقر مَا حصل، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَنَظِير حمله على الْمُبَالغَة مَا حمل عَلَيْهِ قَوْله ﷺ : من بنى لله مَسْجِدا وَلَو كمفحص قطاة فَإِن أحدا لم يقل فِيهِ إِنَّه أَرَادَ الْمُبَالغَة فِي ذَلِك، وإلَاّ فَمن الْمَعْلُوم أَن مفحص الْقُضَاة وَهُوَ قدر مَا تحصن بِهِ بيضها لَا يتَصَوَّر أَن يكون مَسْجِدا. وَمِنْه: تصدقن وَلَو
стр. 7095
بظلف محرق، وَهُوَ مِمَّا لَا يتَصَدَّق بِهِ، وَمثله كثير فِي كَلَامهم. وَاحْتج الْخَوَارِج بِهَذَا الحَدِيث على أَن الْقطع يجب فِي قَلِيل الْأَشْيَاء وكثيرها وَلَا حجَّة لَهُم فِي ذَلِك لِأَن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ (الْمَائِدَة: ٨٣) لما نزل قَالَ ﷺ : ذَلِك على ظَاهر مَا نزل، ثمَّ أعلمهُ الله أَن الْقطع لَا يكون إلَاّ فِي مِقْدَار مَعْلُوم، فَكَانَ بَيَانا لما أجمل فَوَجَبَ الْمصير إِلَيْهِ، وَفِي هَذَا الْمِقْدَار اخْتِلَاف بَين الْعلمَاء على مَا يَجِيء بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٨ - (بابٌ الحُدُودُ كَفَّارَةٌ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ معنى الْحُدُود كَفَّارَة، فَقَوله: الْحُدُود مُبْتَدأ، أَو كَفَّارَة خَبره.
٤٨٧٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عَن الزُّهْرِيِّ عنْ أبي إدْرِيسَ الخَوْلانِيِّ عنْ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ ﵁، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النبيِّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ فَقَالَ: (بايعُونِي عَلى أنْ لَا تُشْرِكُوا بِالله شَيْئاً وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزُنُوا) وقَرَأ هاذِهِ الآيَةَ كُلَّها فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فأجْرُهُ عَلى الله ومَنْ أصابَ مِنْ ذالِكَ شَيْئاً فَعُوقِبَ بِهِ فَهْوَ كَفَّارَتُهُ ومَنْ أصابَ مِنْ ذالِكَ شَيْئاً فَسَتَرَهُ الله عَلَيْهِ إنْ شاءَ غَفَرَ لهُ وإنْ شاءَ عَذَّبَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَته) .
وَمُحَمّد بن يُوسُف جزم بِهِ أَبُو نعيم أَنه الْفرْيَابِيّ، وَيحْتَمل أَن يكون البيكندي، وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن أبي إِدْرِيس عَائِذ الله بِالْعينِ الْمُهْملَة وبالهمزة بعد الْألف وبالذال الْمُعْجَمَة الْخَولَانِيّ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو وبالنون فِي آخِره. يروي عَن عبَادَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن الصَّامِت.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب حَدثنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: أخبرنَا أَبُو إِدْرِيس عَائِذ الله بن عبد الله: أَن عبَادَة بن الصَّامِت، وَكَانَ شهد بَدْرًا وَهُوَ أحد النُّقَبَاء لَيْلَة الْعقبَة. أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: وَحَوله عِصَابَة من أَصْحَابه: بايعوني ... الحَدِيث، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (وَقَرَأَ هَذِه الْآيَة) قَالَ الْكرْمَانِي: وَهَذِه الْآيَة هِيَ: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات يبايعنك﴾ (الممتحنة: ٢١)
الْآيَة.
قلت: قد مر فِي كتاب الْإِيمَان: بايعوني على أَن لَا تُشْرِكُوا بِاللَّه شَيْئا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تقتلُوا أَوْلَادكُم وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَان تفترونه بَين أَيْدِيكُم وأرجلكم، وَلَا تعصوا فِي مَعْرُوف. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: لَا أَدْرِي الْحُدُود كَفَّارَة أم لَا؟ .
قلت: قَالَ ابْن بطال: سَنَد حَدِيث عبَادَة أصح من إِسْنَاد حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَقَالَ ابْن التِّين: حَدِيث أبي هُرَيْرَة قبل حَدِيث عبَادَة، ثمَّ أعلمهُ الله تَعَالَى أَنَّهَا مطهرة على مَا فِي حَدِيث عبَادَة. فَإِن قلت: حَدِيث أبي هُرَيْرَة مُتَأَخّر لِأَنَّهُ مُتَأَخّر الْإِسْلَام عَن بيعَة الْعقبَة لِأَن بيعَة الْعقبَة كَانَت قبل إِسْلَام أبي هُرَيْرَة بست سِنِين.
قلت: أجابوا بِأَن الْبيعَة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث الْبَاب كَانَت متراخية عَن إِسْلَام أبي هُرَيْرَة بِدَلِيل أَن الْآيَة الْمشَار إِلَيْهَا فِي قَوْله: (وَقَرَأَ الْآيَة) وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات يبايعنك على أَن لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا﴾ (الممتحنة: ٢١)
إِلَى آخرهَا كَانَ نُزُولهَا فِي فتح مَكَّة، وَذَلِكَ بعد إِسْلَام أبي هُرَيْرَة بِنَحْوِ سنتَيْن، والإشكال إِنَّمَا وَقع من قَوْله هُنَاكَ: إِن عبَادَة بن الصَّامِت، وَكَانَ أحد النُّقَبَاء لَيْلَة الْعقبَة، قَالَ: إِن النَّبِي ﷺ قَالَ: بايعوني على أَن لَا تُشْرِكُوا ... الحَدِيث، فَإِنَّهُ يُوهم أَن ذَلِك كَانَ لَيْلَة الْعقبَة، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل الْبيعَة الَّتِي وَقعت فِي لَيْلَة الْعقبَة كَانَت على السّمع وَالطَّاعَة فِي الْعسر واليسر والمنشط وَالْمكْره الخ. فَإِن قلت: آيَة الْمُحَاربَة تعَارض حَدِيث عبَادَة وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك لَهُم خزي فِي الدُّنْيَا﴾ يَعْنِي الْحُدُود ﴿وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم﴾ (الْمَائِدَة: ٣٣) فدلت على أَن الْحُدُود لَيست كَفَّارَة.
قلت: الْوَعيد فِي الْمُحَاربَة عِنْد جَمِيع الْمُؤمنِينَ مُرَتّب على قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ﴾ (النِّسَاء: ٨٤ و ٦١١)
الْآيَة فَتَأْوِيل الْآيَة: إِن شَاءَ الله ذَلِك لقَوْله: ﴿لمن يَشَاء﴾ فَهَذِهِ الْآيَة تبطل نَفاذ الْوَعيد على غير أهل الشّرك إلَاّ أَن ذكر الشّرك فِي حَدِيث عبَادَة مَعَ سَائِر الْمعاصِي لَا يُوجب أَن من عُوقِبَ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ مُشْرك كَانَ ذَلِك كَفَّارَة لَهُ، لِأَن الْأمة
стр. 7096
مجمعة على تخليد الْكفَّار فِي النَّار، وَبِذَلِك نطق الْكتاب وَالسّنة، فَحَدِيث عبَادَة مَعْنَاهُ الْخُصُوص فِيمَن أقيم عَلَيْهِ الْحَد من الْمُسلمين خَاصَّة أَن ذَلِك كَفَّارَة لَهُ، وَالله أعلم.
٩ - (بابٌ ظَهْرُ المُؤْمِنِ حِمًى إلاّ فِي حَدٍّ أوْ حَقٍّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن ظهر الْمُؤمن حمى بِكَسْر الْحَاء أَي: محمي أَي: مَحْفُوظ عَن الإيذا. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: أحميت الْمَكَان فَهُوَ محمي إِذا جعلته حمى أَي: مَحْظُورًا لَا يقرب وحميته حماية إِذا دفعت عَنهُ ومنعت مِنْهُ من يقربهُ.
قلت: أصل حمى حمى على وزن فعل قَوْله: إلَاّ فِي حق أَي: لَا يحمي فِي حد وَجب عَلَيْهِ أَو حق أَي أَو فِي حق أحد. وَقَالَ الْمُهلب: قَوْله: (ظهر الْمُؤمن حمى) يَعْنِي: أَنه لَا يحل للْمُسلمِ أَن يستبيح ظهر أَخِيه وَلَا بَشرته لنائرة تكون بَينه وَبَينه أَو عَدَاوَة كَمَا كَانَت الْجَاهِلِيَّة تَفْعَلهُ وتستبيحه من الْأَعْرَاض والدماء، وَإِنَّمَا يجوز اسْتِبَاحَة ذَلِك فِي حُقُوق الله أَو حُقُوق الْآدَمِيّين أَو فِي أدب لمن قصر فِي الدّين كتأديب عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِالدرةِ، وَهَذِه التَّرْجَمَة لفظ حَدِيث أخرجه أَبُو الشَّيْخ فِي كتاب السّرقَة من طَرِيق مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن الزُّهْرِيّ عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (ظُهُور الْمُسلمين حمى إلَاّ فِي حُدُود الله) ، وَمُحَمّد ابْن عبد الْعَزِيز ضَعِيف. وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عصمَة بن الْملك الخطمي بِلَفْظ: ظهر الْمُؤمن حمى إلَاّ بِحقِّهِ، وَفِي سَنَده الْفضل بن مُخْتَار وَهُوَ ضَعِيف، وَمن حَدِيث أبي أُمَامَة: (من جرد ظهر مُسلم بِغَيْر حق لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان) ، وَفِي سَنَده أَيْضا مقَال.
٥٨٧٦ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله حدّثنا عاصِمُ بنُ عَلِيٍّ حدّثنا عاصِمُ بنُ مُحَمَّدٍ عنْ واقِدٍ ابنِ مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ أبي قَالَ، عَبْدُ الله: قَالَ رسولُ الله ﷺ فِي حَجَّةِ الوَداعِ: (ألَا أيُّ شَهْرٍ تَعْلَمُونَهُ أعْظَمُ حُرْمَةً؟) قالُوا: ألَا شَهْرُنا هاذا. قَالَ: (أَلا أيُّ بَلَدٍ تَعْلَمُونَهُ أعْظَمُ حُرْمَةً؟) قالُوا: ألَا بَلَدُنا هَذَا. قَالَ: (أَلا أيُّ يَوْمٍ تَعْلَمُونَهُ أعْظَمُ حُرْمَةً؟) قالُوا: ألَا يَوْمُنا هاذا. قَالَ: (فإنَّ الله ﵎ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِماءَكُمْ وأمْوالَكُمْ وأعْراضَكُمْ إلاّ بِحَقِّها كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هاذا فِي بَلَدِكُمْ هاذا فِي شَهْرِكُمْ هاذا ألَا هَلْ بَلَّغْتُ) ثَلَاثاً كُلُّ ذالِكَ يُجِيبُونهُ: ألَا نَعَمْ، قَالَ: (وَيْحَكُمْ أوْ وَيْلَكُمْ لَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْضٍ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَإِن الله تَعَالَى قد حرم عَلَيْكُم دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ) بَيَان ذَلِك أَن دم الْمُؤمن وَمَاله وَعرضه حمى لِلْمُؤمنِ، وَلَا يحل لأحد أَن يستبيحه إلَاّ بِحَق.
وَشَيخ البُخَارِيّ مُحَمَّد بن عبد الله. قَالَ الْحَاكِم: مُحَمَّد بن عبد الله هَذَا هُوَ الذهلي.
قلت: هُوَ مُحَمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خَالِد بن فَارس بن ذُؤَيْب أَبُو عبد الله الذهلي النَّيْسَابُورِي، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي الصَّوْم والطب والجنائز وَالْعِتْق وَغَيرهَا فِي قريب من ثَلَاثِينَ موضعا، وَلم يقل مُحَمَّد بن يحيى الذهلي مُصَرحًا. وَيَقُول: حَدثنَا مُحَمَّد وَلَا يزِيد عَلَيْهِ، وَرُبمَا يَقُول: مُحَمَّد بن عبد الله ينْسبهُ إِلَى جده، وَيَقُول: مُحَمَّد بن خَالِد ينْسبهُ إِلَى جد أَبِيه. قَوْله: حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الله، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: حَدثنَا، بنُون الْجمع، وَعَاصِم بن عَليّ بن عَاصِم بن صُهَيْب أَبُو الْحُسَيْن مولى قريبَة بنت مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْقرشِي من أهل وَاسِط وَهُوَ أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ روى عَنهُ فِي الصَّلَاة ومواضع بِغَيْر وَاسِطَة، مَاتَ سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَعَاصِم الثَّانِي هُوَ ابْن مُحَمَّد ابْن زيد بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب الْعَدوي الْقرشِي، يروي عَن أَخِيه وَاقد بن مُحَمَّد بن زيد يروي عَن أَبِيه مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَعبد الله هُوَ ابْن عمر بن الْخطاب جد الرَّاوِي.
والْحَدِيث مضى فِي الْحَج فِي: بَاب الْخطْبَة أَيَّام منى فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يزِيد بن هَارُون عَن عَاصِم بن مُحَمَّد بن زيد عَن
стр. 7097
أَبِيه عَن ابْن عمر ... الخ. وَأخرجه فِي مَوَاضِع كَثِيرَة ذَكرْنَاهُ هُنَاكَ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ أَيْضا.
قَوْله: (أَلا) بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف اللَّام تزاد فِي أول الْكَلَام للتّنْبِيه لما يُقَال، وَقد ذكر هُنَا سؤالاً وجواباً. قَوْله: (أَي شهر؟) قَالَ ابْن التِّين: أَي: هُنَا مَرْفُوعَة وَيجوز نصبها وَالِاخْتِيَار الرّفْع. قَوْله: (يونا هَذَا) يَعْنِي: يَوْم النَّحْر، قيل: صَحَّ أَن أفضل الْأَيَّام يَوْم عَرَفَة. وَأجِيب: بِأَن المرا د بِالْيَوْمِ وَقت أَدَاء الْمَنَاسِك، وهما فِي حكم شَيْء وَاحِد. قَوْله: (ثَلَاثًا) أَي: قَالَه ثَلَاث مَرَّات. قَوْله: (أَو وَيْلكُمْ) شكّ من الرَّاوِي، وويحكم كلمة رَحْمَة وويلكم كلمة عَذَاب. قَوْله: (وَلَا ترجعن) بِضَم الْعين وبالنون الثَّقِيلَة خطاب للْجَمَاعَة ويروى: لَا ترجعوا، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم. قَوْله: (بعدِي) قَالَ الطَّبَرِيّ، مَعْنَاهُ بعد فراقي من موقفي، وَكَانَ يَوْم النَّحْر فِي حجَّة الْوَدَاع أَو يكون: بعدِي، بِمَعْنى خلا فِي أَي: لَا تخلفوا فِي أَنفسكُم بِغَيْر الَّذِي أَمرتك بِهِ، أَو يكون تحقق، ﵇، أَن هَذَا لَا يكون فِي حَيَاته فنهاهم عَنهُ بعد مماته. قَوْله: (كفَّارًا يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض) وَفِي مَعْنَاهُ سَبْعَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَن ذَلِك كفر فِي حق المستحل بِغَيْر حق وَالثَّانِي: أَن المُرَاد كفر النِّعْمَة وَحقّ الْإِسْلَام وَالثَّالِث: أَنه يقرب من الْكفْر وَيُؤَدِّي إِلَيْهِ وَالرَّابِع: أَنه فعل كَفعل الْكفَّار. وَالْخَامِس: المُرَاد حَقِيقَة الْكفْر وَمَعْنَاهُ لَا تكفرُوا بل دوموا مُسلمين. وَالسَّادِس: حَكَاهُ الْخطابِيّ وَغَيره: المُرَاد المتكفرون بِالسِّلَاحِ، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: يُقَال للابس السِّلَاح: كَافِر وَالسَّابِع: مَعْنَاهُ: لَا يكفر بَعْضكُم بَعْضًا فتستحلوا قتال بَعْضكُم بَعْضًا، وَأظْهر الْأَقْوَال القَوْل الرَّابِع، قَالَه النَّوَوِيّ وَاخْتَارَهُ القَاضِي عِيَاض. قَوْله: (يضْرب) بِضَم الْبَاء كَذَا رَوَاهُ المتقدمون والمتأخرون وَبِه يَصح الْمَقْصُود هُنَا، وَحكى عِيَاض عَن بَعضهم ضَبطه بِإِسْكَان الْبَاء، وَكَذَا قَالَه أَبُو الْبَقَاء العكبري على تَقْدِير شَرط مُضْمر أَي: أَن ترجعوا يضْرب وَصوب عِيَاض وَالنَّوَوِيّ الأول.
٠١ - (بابُ إقامَةِ الحُدُودِ والإنتِقامِ لِحُرُماتِ الله)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب إِقَامَة الْحُدُود وَوُجُوب الانتقام لحرمات الله تَعَالَى، وَهِي جمع حُرْمَة كظلمات جمع ظلمَة، وَالْحُرْمَة مَا لَا يحل انتهاكه. وَقَالَ الْمُهلب: لَا يحل لأحد من الْأَئِمَّة ترك حرمات الله أَن تنتهك وَعَلَيْهِم تَغْيِير ذَلِك، والانتقام افتعال من نقم ينقم من بَاب علم يعلم، ونقم ينقم من بَاب ضرب يضْرب، ونقم من فلَان الْإِحْسَان إِذا جعله مِمَّا يُؤَدِّيه إِلَى كفر النِّعْمَة، وَمعنى الانتقام لحرمات الله الْمُبَالغَة فِي عُقُوبَة من ينتهكها.
٦٨٧٦ - حدّثنا يَحْيَاى بنُ بُكَيْرٍ حدّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ ﵂، قالَتْ: مَا خُيِّرَ النبيُّ ﷺ بَيْنَ أمْرَيْنِ إلاّ اخْتارَ أيْسَرَهُما مَا لَمْ يَأَثَمْ، فَإِذا كانَ الإثْجمُ كانَ أبْعَدَهُمَا مِنْهُ، وَالله مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إلَيْهِ قَطُّ حتَّى تُنْتَهَكُ حُرَماتُ الله فَيَنْتَقِمُ لله.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَالله مَا انتقم لنَفسِهِ) أَي: مَا عاقب أحدا على مَكْرُوه أَتَاهُ من قبله.
وَأخرج الحَدِيث عَن يحيى بن عبد الله بن بكير الْمصْرِيّ عَن اللَّيْث بن سعد عَن عقيل بِضَم الْعين ابْن خَالِد عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير الخ، وَمضى فِي: بَاب صفة النَّبِي ﷺ ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة الخ.
قَوْله: (مَا خير رَسُول الله ﷺ قَالَ ابْن بطال: هَذَا التَّخْيِير لَيْسَ من الله، لِأَن الله لَا يُخَيّر رَسُوله بَين أَمريْن أَحدهمَا إِثْم إلَاّ إِن كَانَ فِي الدّين أَحدهمَا يؤول إِلَى الْإِثْم كالغلو فَإِنَّهُ مَذْمُوم كَمَا لَو أوجب على نَفسه شَيْئا شاقاً من الْعِبَادَة فيعجر عَنهُ، وَمن ثمَّة نهى النَّبِي ﷺ عَن الترهب. وَقَالَ ابْن التِّين: المُرَاد التخير فِي أَمر الدُّنْيَا، وَأما أَمر الْآخِرَة فَكل مَا صَعب كَانَ أعظم ثَوابًا. وَقَالَ الْكرْمَانِي ﵀: إِن كَانَ التَّخْيِير من الْكفَّار فَظَاهر، وَإِن كَانَ من الله وَالْمُسْلِمين فَمَعْنَاه مَا لم يؤده إِلَى إِثْم كالتخيير فِي المجاهدة والاقتصاد فِيهَا، فَإِن المجاهدة بِحَيْثُ تنجر إِلَى الْهَلَاك لَا تجوز. قَوْله: (مَا لم يَأْثَم) وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: مَا لم يكن إِثْم قَوْله: (كَانَ أبعدهُمَا مِنْهُ) أَي: كَانَ الْإِثْم أبعد الْأَمريْنِ من النَّبِي ﷺ . قَوْله: (يُؤْتى) على
стр. 7098
صِيغَة الْمَجْهُول بِالنّصب حول قَوْله: (فيتقم) يجوز فِيهِ النصب وَالرَّفْع فالنصب عطف على تنتهك وَالرَّفْع على التَّقْدِير فَهُوَ ينْتَقم لله
١١ - (بابُ إقامَةِ الحُدُودِ على الشَّرِيفِ والوضِيعِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب إِقَامَة الْحُدُود على الشريف أَي: على الرجل الْوَجِيه الْمُحْتَرَم عِنْد النَّاس، والوضيع أَي: الحقير الَّذِي لَا يُبَالِي بِهِ يَعْنِي: لَا يفرق بَينهمَا فَيتْرك الشريف وَيحد الوضيع. وَقَالَ الْمُهلب: لَا يحل للأئمة ترك الْحُدُود على الشريف لوضيع وَأَن من ترك ذَلِك من الْأَئِمَّة فقد خَالف سنة رَسُول الله ﷺ وَرغب عَن اتِّبَاع سَبيله.
٧٨٧٦ - حدّثنا أبُو الوَلِيدِ حدّثنا اللَّيْثُ عنِ ابْن شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ أنَّ أُسامَةَ كَلَّمَ النبيَّ ﷺ فِي امْرَأةٍ فَقَالَ: قَوْله: (إنّما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أنَّهُمْ كانُوا يُقيمُونَ الحَدَّ عَلى الوَضِيعِ وَيَتُرُكُونَ الشرِيفَ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ﴿لَوْ أنَّ فَاطِمَةَ فَعَلَتْ ذالِكَ لَقَطَعْتُ يَدَهَا) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي ذكر بني إِسْرَائِيل وَفِي فضل أُسَامَة عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة، وَأُسَامَة هُوَ ابْن زيد بن حَارِثَة مولى النَّبِي ﷺ من أَبَوَيْهِ.
قَوْله: (كلم النَّبِي فِي امْرَأَة) يَعْنِي: شفع فِيهَا، وَهِي فَاطِمَة المخزومية. قَوْله: (والوضيع) وَقع هُنَا بِلَفْظ: الوضيع، وَفِي الطَّرِيق الَّذِي يَلِيهِ بِلَفْظ: الضَّعِيف. وَهِي رِوَايَة الْأَكْثَرين فِي هَذَا الحَدِيث، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا بِلَفْظ: الضَّعِيف، وَفِي رِوَايَة لَهُ بِلَفْظ: الدون الضَّعِيف. قَوْله: (ويتركون الشريف) أَي: يتركون إِقَامَة الْحَد على الشريف، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني: ويتركون على الشريف، أَي: يتركون الْحَد الَّذِي وَجب عَلَيْهِ. قَوْله: (أَن فَاطِمَة فعلت ذَلِك) كَذَا وَقع فِي الْأُصُول، وَأوردهُ ابْن التِّين بِحَذْف: أَن، ثمَّ قَالَ: تَقْدِيره: لَو فعلت ذَلِك لِأَن: لَو، يَليهَا الْفِعْل دون الِاسْم، وَقد أنكر بَعضهم على ابْن التِّين إِيرَاده هُنَا بِحَذْف: أَن، وَلَيْسَ بموجه، لِأَن ذَلِك ثَابت هُنَا فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن غير الْكشميهني، وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَوَقع عِنْد النَّسَائِيّ: لَو سرقت فَاطِمَة، وَفَاطِمَة هَذِه هِيَ بنت النَّبِي ﷺ .
٢١ - (بابُ كَراهِيَةِ الشَّفاعَةِ فِي الحَدِّ إِذا رُفِعَ إِلَى السُّلْطانِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَرَاهِيَة الشَّفَاعَة فِي الْحَد يَعْنِي فِي تَركه إِذا رفع إِلَى السُّلْطَان، وتقييده بقوله: إِذا رفع إِلَى السُّلْطَان، يدل على جَوَاز الشَّفَاعَة فِي الْحُدُود قبل وصولها إِلَى السُّلْطَان، رُوِيَ ذَلِك عَن أَكثر أهل الْعلم، وَبِه قَالَ الزبير بن الْعَوام وَابْن عَبَّاس وعمار، وَقَالَ بِهِ من التَّابِعين: سعيد بن جُبَير وَالزهْرِيّ، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ، قَالُوا: لَيْسَ على الإِمَام التَّجَسُّس على مَا لم يبلغهُ، وَكره ذَلِك طَائِفَة، فَقَالَ ابْن عمر: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: من حَالَتْ شَفَاعَته دون حد من حُدُود الله فقد ضاد الله فِي حكمه، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأحمد وَالْحَاكِم وَصَححهُ.
٨٨٧٦ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ سُلَيْمانَ حدّثنا اللَّيْثُ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ ﵂، أنَّ قُرَيْشاً أهَمَّهُمُ المَرْأةُ المَخْزُومِيةُ الّتِي سَرَقَتْ، فقالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ رسولَ الله ﷺ ؟ ومَنْ يَجْترِى عَلَيهِ إلاّ أسُامَةُ حِبُّ رَسُول الله ﷺ ؟ فَكَلَّمَ رسولَ الله ﷺ فَقَالَ: (أتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله؟) ثُمَّ قامَ فَخَطَبَ، قَالَ: (يَا أيُّها النَّاس﴾ إنّما ضَلَّ مِنْ قَبْلَكُمْ أنّهُمْ كانُوا إِذا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذا سَرقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أقامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وأيْمُ الله لَوْ أنَّ فاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا) .
стр. 7099
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي قبله بأتم مِنْهُ، أخرجه عَن سعيد بن سُلَيْمَان الْبَزَّاز بتَشْديد الزَّاي الأولى الْبَغْدَادِيّ عَن اللَّيْث بن سعد ... الخ، كَذَا هُوَ عَن عَائِشَة عِنْد الْحفاظ من أَصْحَاب ابْن شهَاب، وشذ عمر بن قيس الماصر بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة، فَقَالَ: عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن أم سَلمَة، فَذكر كَحَدِيث الْبَاب سَوَاء. وَأخرجه أَبُو الشَّيْخ فِي كتاب السّرقَة وَالطَّبَرَانِيّ، وَقَالَ: تفرد بِهِ عمر بن قيس، يَعْنِي: من حَدِيث أم سَلمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: الصَّوَاب رِوَايَة الْجَمَاعَة.
قلت: مَا الْمَانِع من رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عَن عَائِشَة وَعَن أم سَلمَة كلتيهما.
قَوْله: (أَن قُريْشًا) أَي: الْقَبِيلَة الْمَشْهُورَة، وَلَكِن الظَّاهِر أَن المُرَاد بهم هَهُنَا من أدْرك، مِنْهُم الْقِصَّة الَّتِي بِمَكَّة. قَوْله: (أهمتهم) أَي: جلبت إِلَيْهِم هما، أَو صيرتهم فِي هموم بِسَبَب مَا وَقع مِنْهَا، يُقَال: أهمني الْأَمر أَي: أقلقني، وَالْمعْنَى: أهمتهم شَأْن الْمَرْأَة الَّتِي سرقت وَهِي فَاطِمَة بنت الْأسود بن عبد الْأسد بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم، وَهِي بنت أخي أبي سَلمَة بن عبد الْأسد الصَّحَابِيّ الْجَلِيل الَّذِي كَانَ زوج أم سَلمَة قبل النَّبِي ﷺ ، قتل أَبوهَا كَافِرًا يَوْم بدر قَتله حَمْزَة بن عبد الْمطلب، وَوهم من زعم أَن لَهُ صُحْبَة، وَقيل: هِيَ أم عمر وَبنت سُفْيَان بن عبد الْأسد وَهِي بنت عمر الْمَذْكُورَة، وَفِيه نظر. قَوْله: (الَّتِي سرقت) زَاد يُونُس فِي رِوَايَته: فِي عهد رَسُول الله ﷺ فِي غَزْوَة الْفَتْح، وَبَين ابْن مَاجَه فِي رِوَايَته أَن الْمَسْرُوق القطيفة من بَيت رَسُول الله ﷺ ، وَوَقع فِي مُرْسل حبيب بن أبي ثَابت أَنَّهَا سرقت حليا، وَيُمكن الْجمع بِأَن الْحلِيّ كَانَ فِي القطيفة، وَوَقع فِي رِوَايَة معمر عَن الزُّهْرِيّ فِي هَذَا الحَدِيث أَن الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة كَانَت تستعير الْمَتَاع وتجحده، أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد، وَقد تعلق بِهِ قوم فَقَالُوا: من اسْتعَار مَا يجب الْقطع فِيهِ وجحده فَعَلَيهِ الْقطع، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ أَحْمد: لَا أعلم شَيْئا يَدْفَعهُ، وَخَالفهُم المدنيون والكوفيون وَجُمْهُور الْعلمَاء وَالشَّافِعِيّ، وَقَالُوا: لَا قطع فِيهِ، وحجتهم حَدِيث الْبَاب، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: قد يجوز أَن تستعير الْمَتَاع وتجحده، ثمَّ سرقت فَوَجَبَ الْقطع للسرقة. قَوْله: (من يكلم رَسُول الله ﷺ ؟) أَي: من يشفع عِنْده فِيهَا أَن لَا تقطع إِمَّا بفعو وَإِمَّا بِفِدَاء، وَأمر الْفِدَاء جَاءَ فِي حَدِيث مَسْعُود بن الْأسود، وَلَفظه بعد قَوْله: (أعظمنا ذَلِك فَجِئْنَا إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالُوا: نَحن نفديها بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّة، فَقَالَ: تطهر خير لَهَا، وَكَأَنَّهُم ظنُّوا أَن الْحَد يسْقط بالفدية. قلت: مَسْعُود بن الْأسود بن حَارِثَة الْقرشِي الْعَدوي كَانَ من أَصْحَاب الشَّجَرَة وأستشهد يَوْم مُؤْتَة قَوْله: (وَمن يجترىء عَلَيْهِ) من الاجتراء وَقَالَ بَعضهم يجترىء يفتعل من الجرأة
قلت: بل من الاجتراء كَمَا قُلْنَا، والجرأة الْإِقْدَام على الشَّيْء. قَوْله: (حب رَسُول الله ﷺ بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: محبوبه، وَكَانَ السَّبَب فِي اخْتِصَاص أُسَامَة بذلك مَا أخرجه ابْن سعد من طَرِيق جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن، رضوَان الله عَلَيْهِم، عَن أَبِيه: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لأسامة فِي حد، وَكَانَ إِذا شفع شفعه بتَشْديد الْفَاء أَي: قيل شَفَاعَته. قَوْله: (فَكلم رَسُول الله ﷺ بِالنّصب، وَفِي رِوَايَة قُتَيْبَة: فَكَلمهُ أُسَامَة. قَوْله: (أَتَشفع؟) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام على سَبِيل الْإِنْكَار. قَوْله: (وأيم الله) بِهَمْزَة الْوَصْل وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الْأَيْمَان، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي الْوَلِيد: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، وَفِي رِوَايَة يُونُس، وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ، قَوْله: (لَو أَن فَاطِمَة بنت مُحَمَّد) إِنَّمَا خص فَاطِمَة ابْنَته ﵂، لِأَنَّهَا أعز أَهله عِنْده. قَوْله: (لقطع مُحَمَّد يَدهَا) وَفِي رِوَايَة أبي الْوَلِيد والأكثرين: لقطعتُ يَدهَا. وَفِي الأول تَجْرِيد.
٣١ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ (الْمَائِدَة: ٨٣)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِق والسارقة﴾ ... إِلَى آخِره، إِنَّمَا ترْجم الْبَاب بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة لبَيَان أَن قطع يَد السَّارِق ثَبت بِالْقُرْآنِ وبالأحاديث أَيْضا، وَأطلق الْيَد، وَالْمرَاد مِنْهَا: الْيَمين، يدل عَلَيْهِ قِرَاءَة ابْن مَسْعُود ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أيمانهما﴾ رَوَاهُ الثَّوْريّ عَن جَابر بن يزِيد عَن عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ عَن ابْن مَسْعُود. وَالسَّرِقَة على وزن فعلة بِفَتْح الْفَاء وَكسر الْعين من سرق يسرق من بَاب ضرب يضْرب وَهِي فِي اللُّغَة: أَخذ الشَّيْء خُفْيَة بِغَيْر إِذن صَاحبه مَالا كَانَ أَو غَيره، وَفِي الشَّرْع: هِيَ أَخذ مُكَلّف خُفْيَة قدر عشرَة دَرَاهِم مَضْرُوبَة محرزة بمَكَان أَو حَافظ، وَفِي الْمِقْدَار خلاف سَنذكرُهُ.
стр. 7100
وَفِي كمْ يُقْطَعُ.
أَي: فِي مِقْدَار كم من المَال يقطع؟ وَفِيه خلاف كثير، فَقَالَت الظَّاهِرِيَّة: يقطع فِي الْقَلِيل وَالْكثير وَلَا نِصَاب لَهُ، وَعند الْحَنَفِيَّة: عشرَة دَرَاهِم، وَعند الشَّافِعِي: ربع دِينَار، وَعند مَالك: قدر ثَلَاثَة دَرَاهِم، وروى ابْن أبي شيبَة عَن أبي هُرَيْرَة وَعَن أبي سعيد أَنَّهُمَا قَالَا: لَا تقطع الْيَد إلَاّ فِي أَرْبَعَة دَرَاهِم فَصَاعِدا، أَو قطع ابْن الزبير فِي نَعْلَيْنِ، وَقَالَ ابْن معمر: كَانُوا يتسارقون السِّيَاط، فَقَالَ عُثْمَان: لَئِن عدتم لأقطعن فِيهِ، وَكَانَ عُرْوَة بن الزبير وَالزهْرِيّ وَسليمَان بن يسَار يَقُولُونَ: ثمن الْمِجَن خَمْسَة دَرَاهِم، وَحكى أَبُو عمر فِي (استذكاره) : عَن عُثْمَان البتي: يقطع فِي دِرْهَم، وروى مَنْصُور عَن الْحسن أَنه كَانَ لَا يُوَقت فِي السّرقَة شَيْئا وَيَتْلُو ﴿وَالسَّارِق والسارقة﴾ وَفِي رِوَايَة قَتَادَة عَنهُ: أجمع على دِرْهَمَيْنِ، وَذكر عَن النَّخعِيّ: أَرْبَعُونَ درهما، وَعَن ابْن الزبير: أَنه قطع فِي نصف دِرْهَم، وَعَن زِيَاد: فِي دِرْهَمَيْنِ، وَعَن أبي سعيد: فِي أَرْبَعَة، وَقيل: تقطع فِي كل مَاله قمية قل أَو كثر.
وقَطَع عَلَيٌّ ﵁ مِنَ الكَفِّ.
أَي: قطع عَليّ بن أبي طَالب يَد السَّارِق من الْكَفّ، رَوَاهُ أَبُو بكر عَن وَكِيع عَن سَمُرَة ابْن معبد أبي عبد الرَّحْمَن. قَالَ: رَأَيْت أَبَا خيرة مَقْطُوعًا من الْمفصل، فَقلت: من قَطعك؟ فَقَالَ: الرجل الصَّالح عَليّ، أما أَنه لم يظلمني. وَحكى ابْن التِّين عَن بَعضهم قطع الْيَد من الْإِبِط، وَهُوَ بعيد عَجِيب، وروى سعيد بن مَنْصُور عَن حَمَّاد بن زيد عَن عَمْرو بن دِينَار قَالَ: كَانَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يقطع عَن الْمفصل، وَعلي يقطع من مشط الْقدَم، وروى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق أبي خبْرَة أَن عليا قطعه من الْمفصل، وَذكر الشَّافِعِي فِي كتاب (اخْتِلَاف عَليّ وَابْن مَسْعُود) : أَن عليا كَانَ يقطع من يَد السَّارِق الْخِنْصر والبنصر وَالْوُسْطَى خَاصَّة، وَيَقُول: أستحي من الله أَن أتركه بِلَا عمل، وَوَقع فِي بعض نسخ البُخَارِيّ: وَقطع عَليّ الْكَفّ بِدُونِ كلمة: من.
وَقَالَ قَتادَةُ فِي امْرَأةٍ سَرَقَتْ: فَقُطِعَتْ شِمالُها لَيْسَ إلاّ ذالِكَ.
وَصله أَحْمد فِي (تَارِيخه) : عَن مُحَمَّد بن الْحسن الوَاسِطِيّ عَن عَوْف الْأَعرَابِي عَنهُ هَكَذَا، وَقَالَ قَتَادَة: قَالَ مَالك وَابْن الْمَاجشون: لَا يجزىء ذَلِك، وَإِذا تعمد الْقَاطِع قطع شِمَاله قَالَ الْأَبْهَرِيّ: فِيهِ نظر، وَيجوز أَن يُقَال: عَلَيْهِ الْقود. وَعَن مَالك وَأبي حنيفَة: إِذا غلط الْقَاطِع فَقطع الْيُسْرَى أَنه يجزىء عَن قطع الْيَمين وَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ، وَعَن الشَّافِعِي وَأحمد: على الْقَاطِع المخطىء الدِّيَة وَفِي وجوب إِعَادَة الْقطع قَولَانِ عِنْد الشَّافِعِي، وروايتان عِنْد أَحْمد، ﵀.
٩٨٧٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ حدّثنا إبْراهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عَمْرَةَ عنْ عائِشَةَ قالَتْ: قَالَ النبيُّ ﷺ : (تُقْطَعُ اليَدُ فِي رُبُعٍ دِينارٍ فَصاعِداً) .
مطابقته لقَوْله فِي التَّرْجَمَة: فِي كم يقطع؟ ظَاهِرَة. والْحَدِيث يوضحها أَيْضا لِأَنَّهَا مُبْهمَة.
وَإِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن ابْن شهَاب عَن عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث أخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة: فَمُسلم فِي الْحُدُود أَيْضا عَن يحيى بن يحيى وَآخَرين. وَأَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل. وَالتِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن عَليّ بن حجر. وَالنَّسَائِيّ فِي الْقطع عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَغَيره. وَابْن مَاجَه فِي الْحُدُود عَن أبي مَرْوَان مُحَمَّد بن عُثْمَان، وَقَالَ الْمزي: رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة وَحده، وَرُوِيَ عَنهُ عَن عمْرَة وَحدهَا، وَرُوِيَ عَنهُ وعنها جَمِيعًا، وَرُوِيَ عَنهُ عَن عمْرَة عَن عَائِشَة.
قَوْله: (الْيَد) أَي: يَد السَّارِق. قَوْله: (فَصَاعِدا) ، نصب على الْحَال الْمُؤَكّدَة أَي: ذهب ربع دِينَار حَال كَونه صاعداً إِلَى مَا فَوْقه، وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقع فِي رِوَايَة مُسلم عَن سُلَيْمَان بن يسَار عَن عمْرَة فَمَا فَوْقه. وَقَالَ صَاحب (الْمُحكم) : يخْتَص هَذَا بِالْفَاءِ وَيجوز ثمَّ بدلهَا وَلَا يجوز الْوَاو ... واحتجت الشَّافِعِيَّة بِهَذَا الحَدِيث على أَن ربع الدِّينَار أصل فِي الْقطع، وَنَصّ فِيهِ لَا فِيمَا سواهُ.
стр. 7101
قَالُوا: وَحَدِيث ثمن الْمِجَن أَنه كَانَ ثَلَاثَة دَرَاهِم لَا يُنَافِي هَذَا لِأَنَّهُ إِذْ ذَاك كَانَ الدِّينَار اثْنَي عشر درهما فَهِيَ ثمن ربع دِينَار فَأمكن الْجمع بِهَذَا الطَّرِيق، ويروى هَذَا عَن عمر بن الْخطاب وَعُثْمَان بن عَفَّان وَعلي بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَبِه يَقُول عمر ابْن عبد الْعَزِيز وَمَالك وَاللَّيْث بن سعد وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق فِي رِوَايَة، وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد بن عَليّ الظَّاهِرِيّ، وَقَالَ أَحْمد: إِذا سرق من الذَّهَب ربع دِينَار قطعت، وَإِذا سرق من الدَّرَاهِم ثَلَاثَة دَرَاهِم قطعت، وَعنهُ: أَن نصابها ربع دِينَار أَو ثَلَاثَة دَرَاهِم أَو قيمَة ثَلَاثَة دَرَاهِم من الْعرُوض والتقويم بِالدَّرَاهِمِ خَاصَّة والأثمان أصُول لَا يقوم بَعْضهَا بِبَعْض، وَعنهُ: أَن نصابها ثَلَاثَة دَرَاهِم أَو قيمَة ذَلِك من الذَّهَب وَالْعرُوض، وَقَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وأيمن الحبشي وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَزفر: لَا تقطع حَتَّى يكون عشرَة دَرَاهِم مَضْرُوبَة، وَقَالَ الكاساني: وَرُوِيَ عَن عمر وَعُثْمَان وَعلي وَعبد الله بن مَسْعُود مثل مَذْهَبنَا، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا ابْن أبي دَاوُد وَعبد الرَّحْمَن بن عمر والدمشقي قَالَا: نَا أَحْمد بن خَالِد الْوَهْبِي قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن أَيُّوب بن مُوسَى عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كَانَ قيمَة الْمِجَن الَّذِي قطع فِيهِ رَسُول الله ﷺ عشرَة دَرَاهِم، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ: حَدثنَا عبيد الله بن سعد أَنا عمي حَدثنَا أبي عَن ابْن إِسْحَاق حَدثنِي عَمْرو بن شُعَيْب أَن عَطاء بن أبي رَبَاح حَدثهُ أَن عبد الله بن عَبَّاس كَانَ يَقُول: ثمنه عشرَة دَرَاهِم. وَأخرج النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: كَانَ ثمن الْمِجَن على عهد رَسُول الله ﷺ ، عشرَة دَرَاهِم.،
تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ خالِدٍ وابنُ أخِي الزُّهْرِيِّ ومَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ.
أَي: تَابع إِبْرَاهِيم بن سعد عبد الرَّحْمَن بن خَالِد الفهمي الْمصْرِيّ واليها، وَتَابعه أَيْضا ابْن أخي الزُّهْرِيّ وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن مُسلم. وَتَابعه أَيْضا معمر بن رَاشد، وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة تابعوا إِبْرَاهِيم بن سعد فِي روايتهم عَن الزُّهْرِيّ فِي الِاقْتِصَار على عمْرَة، أما مُتَابعَة عبد الرَّحْمَن بن خَالِد وَابْن أخي الزُّهْرِيّ فَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَتَبعهُ صَاحب (التَّوْضِيح) : فرواها مُحَمَّد بن يحيى الذهلي فِي كِتَابه (علل أَحَادِيث الزُّهْرِيّ) : عَن روح بن عبَادَة وَمُحَمّد بن بكر عَنْهُمَا، وَقَالَ بَعضهم: قَرَأت بِخَط مغلطاي وقلده شَيخنَا ابْن الملقن: أَن الذهلي أخرجه فِي (علل أَحَادِيث الزُّهْرِيّ) : عَن مُحَمَّد بن بكر وروح بن عبَادَة جَمِيعًا عَن عبد الرَّحْمَن وَهَذَا الَّذِي قَالَه لَا وجود لَهُ بل لَيست لروح وَلَا لمُحَمد بن بكر عَن عبد الرَّحْمَن رِوَايَة أصلا.
قلت: أَرَادَ بمغلطاي صَاحب (التَّلْوِيح) : وبشيخه صَاحب (التَّوْضِيح) : وَهَذَا مِنْهُ كَلَام لَا وَجه لَهُ من وُجُوه: الأول: أَنه نافٍ والمثبت مقدم وَالثَّانِي: أَن عدم اطِّلَاعه على ذَلِك لَا يسْتَلْزم عدم اطلَاع صَاحب (التَّلْوِيح) : عَلَيْهِ أَيْضا وَالثَّالِث: فِيهِ الْقدح لصَاحب (التَّلْوِيح) : مَعَ أَنه تبعه شَيْخه باعترافه، فَلَا يتْرك كَلَام شيخين عارفين بِهَذِهِ الصَّنْعَة مَعَ اطلاعهما عل كتب كَثِيرَة من هَذَا الْفَنّ ويصغى إِلَى كَلَام من يعطن فِي الأكابر. وَالرَّابِع: أَن نفي رِوَايَة روح وَرِوَايَة مُحَمَّد بن بكر عَن عبد الرَّحْمَن بن خَالِد يحْتَاج إِلَى معرفَة تَارِيخ زمانهم، فَلَا يحكم بذلك بِلَا دَلِيل. وَأما مُتَابعَة معمر فرواها مُسلم فِي (صَحِيحه) : عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَابْن حميد كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر، وَلَكِن لم يسق لَفظه.
٠٩٧٦ - حدّثنا إسْماعِيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ عنِ ابنِ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ ابنِ الزُّبَيْرِ وعمْرَةَ عنْ عائِشَةَ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: (تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي رُبُع دِينارٍ) . (انْظُر الحَدِيث ٩٨٧٦ وطرفه) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عَائِشَة وَلَكِن فِيهِ: عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة بن الزبير وَعمرَة بنت عبد الرَّحْمَن كِلَاهُمَا عَن عَائِشَة بِخِلَاف الطَّرِيق الَّذِي مضى فَإِن فِيهِ الِاقْتِصَار على عمْرَة، وَهَذَا أَيْضا مِمَّا يحْتَج بِهِ الشَّافِعِيَّة فِي قطع يَد السَّارِق فِي ربع دِينَار. وَقَالُوا: هَذَا إِخْبَار من عَائِشَة عَن قَول النَّبِي ﷺ فَدلَّ ذَلِك على أَن مَا ذكر عَنْهَا فِي الحَدِيث السَّابِق من قطع النَّبِي ﷺ فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا أَنَّهَا إِنَّمَا أخذت ذَلِك عَن رَسُول الله ﷺ مِمَّا وَقفهَا عَلَيْهِ، على مَا فِي هَذَا الحَدِيث، لَا من جِهَة تقويمها لما كَانَ
стр. 7102
قطع فِيهِ. وَأجَاب الطَّحَاوِيّ عَن ذَلِك بِأَنا كُنَّا نسلم مَا ذكترم من ذَلِك لَو لم يخْتَلف فِي ذَلِك عَن عَائِشَة، فقد روى ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن عمْرَة عَن عَائِشَة، قَالَت: كَانَ يقطع النَّبِي ﷺ ، فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا. فَفِي رِوَايَة سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن عمْرَة عَنْهَا إِخْبَار عَن قَوْله ﷺ .
وَيُونُس هَذَا لَا يُقَارب عنْدكُمْ وَلَا عِنْد غَيْركُمْ سُفْيَان بن عُيَيْنَة فَكيف تحتجون بقول يُونُس وتتركون قَول سُفْيَان؟ وَقَالَ بَعضهم: نقل الطَّحَاوِيّ عَن الْمُحدثين أَنهم يقدمُونَ ابْن عُيَيْنَة فِي الزُّهْرِيّ على يُونُس، فَلَيْسَ مُتَّفقا عَلَيْهِ عِنْدهم بل أَكْثَرهم على الْعَكْس، وَمِمَّنْ جزم بِتَقْدِيم يُونُس على سُفْيَان فِي الزُّهْرِيّ يحيى بن معِين وَأحمد بن صَالح الْمصْرِيّ. انْتهى.
قلت: سُفْيَان إِمَام عَالم ورع زاهد حجَّة ثَبت مجمع على صِحَة حَدِيثه، وَكَيف يقارنه يُونُس بن يزِيد، وَقد قَالَ ابْن سعد: كَانَ يُونُس حُلْو الحَدِيث وَكَثِيره، وَلَيْسَ بِحجَّة، وَرُبمَا جَاءَ بالشَّيْء الْمُنكر.
١٩٧٦ - حدّثنا عِمْرانُ بنُ مَيْسَرَةَ حَدثنَا عبْدُ الوارِثِ حَدثنَا الحُسَيْنُ عنْ يَحْيَاى عنْ محَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ الأنْصارِيِّ عنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عبْدِ الرَّحْمانِ حدَّثَتْهُ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله عَنَّا، حدَّثَتْهُمْ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: (تُقْطَعُ اليَدُ فِي رُبُعِ دِينارٍ) . (انْظُر الحَدِيث ٩٨٧٦ وطرفه) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عَائِشَة أخرجه عمرَان بن ميسرَة ضد الميمنة عَن عبد الْوَارِث بن سعيد الْبَصْرِيّ عَن الْحُسَيْن ابْن ذكْوَان الْمعلم الْبَصْرِيّ عَن يحيى بن كثير ضد الْقَلِيل عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْأنْصَارِيّ عَن عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن، وَهِي بنت عمته. وَأجَاب الْحَنَفِيَّة عَن هَذَا بِأَنَّهُ روى أَيْضا مَوْقُوفا على عَائِشَة، رَوَاهُ أَيُّوب عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، وَقَالُوا أَيْضا: إِنَّه تعارضه الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا الْقطع فِيمَا دون الْعشْرَة، وَهَذَا يبيحه، وَخبر الْحَظْر أولى من خبر الْإِبَاحَة.
٢٩٧٦ - حدّثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ حَدثنَا عَبْدَةَ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ قَالَ: أخبرَتْني عائِشَةُ أنَّ يَدَ السَّارِقِ لَمْ تُقْطَعْ عَلى عَهْدِ النبيِّ ﷺ إلَاّ فِي ثَمَنِ مِجَنٍّ حَجَفَةٍ أوْ تُرْسٍ.
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عَائِشَة أخرجه عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة هُوَ عُثْمَان بن مُحَمَّد بن أبي شيبَة واسْمه إِبْرَاهِيم الْعَبْسِي الْكُوفِي أَخُو أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عَبدة بن سُلَيْمَان عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا عَن عُثْمَان فِي الْحُدُود.
قَوْله: (مجن) بِكَسْر الْمِيم وَفتح الْجِيم من الاجتنان وَهُوَ الاستتار، وَقَالَ صَاحب (الْمغرب) : الْمِجَن الترس لِأَن صَاحبه يسْتَتر بِهِ. وَفِي (التَّوْضِيح) : الْمِجَن والحجفة والترس وَاحِد، والحجفة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْجِيم وَالْفَاء وَهِي الدرفة، وَالَّذِي يدل عَلَيْهِ لفظ الحَدِيث أَن الْمِجَن والحجفة وَاحِد لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا بِالتَّنْوِينِ، فالجحفة بَيَان لَهُ. قَوْله: (أَو ترس) كلمة: أَو، للشَّكّ لِأَن الترس يطارق فِيهِ بَين جلدين والحجفة قد تكون من خشب أَو عظم وتغلف بِالْجلدِ وَغَيره، وَلم يعين فِيهِ مِقْدَار ثمن هَذِه الْأَشْيَاء فَيحْتَمل أَن تكون كل قيمَة وَاحِد مِنْهَا ربع دِينَار، وَيحْتَمل أَن تكون عشرَة دَرَاهِم، فَلَا تقوم بِهِ حجَّة لأحد فِيمَا ذهب إِلَيْهِ.
حدّثنا عُثْمانُ حَدثنَا حُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ حَدثنَا هِشامٌ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ.
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث السَّابِق أخرجه عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن حميد بِضَم الْحَاء ابْن عبد الرَّحْمَن بن حميد الرواسِي ابْن رواس بن كلاب الْكُوفِي عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة. وَأخرجه مُسلم أَيْضا عَن عُثْمَان. قَوْله: (مثله) أَي: مثل الحَدِيث السَّابِق عَن عُثْمَان أَيْضا.
٣٩٧٦ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ مُقاتلٍ أخبرنَا عَبْد الله أخبرنَا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَمْ تَكُنْ تُقْطَعْ يَدُ السَّارِقِ فِي أدْنَى مِنْ حَجَفَةٍ أوْ تُرْسٍ كلُّ واحِدٍ مِنْهُما ذُو ثَمَنٍ. (انْظُر الحَدِيث ٢٩٧٦ وطرفه) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عَائِشَة وَهُوَ مَوْقُوف أخرجه عَن مُحَمَّد بن مقَاتل الْمروزِي عَن عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي إِلَى
стр. 7103
آخِره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقطع عَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك.
قَوْله: (فِي أدنى) أَي: فِي أقل. قَوْله: (كل وَاحِد مِنْهُمَا) أَي: من الحجفة والترس، وكل وَاحِد كَلَام إضافي مَرْفُوع على أَنه مُبْتَدأ. قَوْله: (ذُو ثمن) خَبره وَقَالَ بَعضهم: وَكَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا ذَا ثمن، وَزَاد فِيهِ لفظ: كَانَ، وَنصب: ذَا ثمن، ثمَّ قَالَ: كَذَا ثَبت فِي الْأُصُول ثمَّ قَالَ: وَأفَاد الْكرْمَانِي أَنه وَقع فِي بعض النّسخ: وَكَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا ذُو ثمن، بِالرَّفْع وخرجه على تَقْدِير ضمير الشان فِي كَانَ. انْتهى.
قلت: هَذَا التَّصَرُّف مِنْهُمَا مَا أبعده، أما قَول هَذَا الْقَائِل: كَذَا ثَبت فِي الْأُصُول غير مُسلم، بل الَّذِي ثَبت فِي الْأُصُول هُوَ الْعبارَة الَّتِي ذَكرنَاهَا لِأَنَّهَا على الْقَاعِدَة السالمة عَن الزِّيَادَة فِيهِ المؤدية إِلَى تَقْدِير شَيْء، وَأما كَلَام الْكرْمَانِي بِأَنَّهُ وَقع فِي بعض النّسخ غير مُسلم أَيْضا، لِأَن مثل هَذَا الَّذِي يحْتَاج فِيهِ إِلَى تَأْوِيل غَالِبا من النساخ الجهلة، وَقَالَ الْكرْمَانِي أَيْضا: قَوْله: (ذُو ثمن) إِشَارَة إِلَى أَن الْقطع لَا يكون فِيمَا قل بل يخْتَص بِمَالِه ثمن ظَاهر.
قلت: زَاد الْإِبْهَام على مَا فِي الحَدِيث من الْإِبْهَام فَإِذا كَانَ الترس الْمَسْرُوق يُسَاوِي أقل من ربع دِينَار يَنْبَغِي أَن يقطع لِأَنَّهُ ثمن ظَاهر، وَلَو كَانَ درهما وَاحِدًا، وإمامه لم يقل بِهِ.
روَاهُ وكِيعٌ وَابْن إدْرِيسَ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ مُرْسلاً.
أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور وَكِيع بن الْجراح الْكُوفِي وَعبد الله بن إِدْرِيس الأودي الْكُوفِي عَن هِشَام عَن أَبِيه مُرْسلا، لِأَنَّهُ لم يرفع إِسْنَاده، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَعَلَّه خلاف الِاصْطِلَاح الْمَشْهُور فِي المرسلات، أما رِوَايَة وَكِيع فأخرجها ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : عَنهُ وَلَفظه: عَن هِشَام عَن أَبِيه قَالَ: كَانَ السَّارِق فِي عهد النَّبِي ﷺ ، يقطع فِي ثمن الْمِجَن، وَكَانَ الْمِجَن يومئذٍ لَهُ ثمن وَلم يكن قطع فِي الشَّيْء التافه، وَأما رِوَايَة عبد الله بن إِدْرِيس فأخرجها الدَّارَقُطْنِيّ فِي (الْعِلَل) : وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق يُوسُف بن مُوسَى عَن جرير ووكيع وَعبد الله بن إِدْرِيس ثَلَاثَتهمْ عَن هِشَام عَن أَبِيه، فَذكره.
٤٩٧٦ - حدّثني يُوسُفُ بنُ مُوسَى حَدثنَا أبُو أُسامَةَ قَالَ هِشامُ بنُ عُرْوةَ: أخبرنَا عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ ﵂، قالَتْ: لَمْ تُقْطَعْ يَدُ سارِقٍ عَلى عَهْدِ النبيِّ ﷺ فِي أدْنَى مِنْ ثَمَنِ المِجَنَّ تَرْسٍ أوْ حَجَفَةٍ وكانَ كلُّ واحِدٍ مِنْهُما ذَا ثَمَن. (انْظُر الحَدِيث ٢٩٧٦ وطرفه) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عَائِشَة أخرجه عَن يُوسُف بن مُوسَى بن رَاشد بن بِلَال الْقطَّان الْكُوفِي سكن بَغْدَاد عَن أبي أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة عَن هِشَام ... الخ وَأخرجه مُسلم عَن أبي كريب عَن أبي أُسَامَة بِهِ.
قَوْله: (أخبرنَا) أَي: أخبرنَا هِشَام عَن أَبِيه عُرْوَة عَن عَائِشَة، وَبَقِيَّة الشَّرْح قد مرت عَن قريب.
٥٩٧٦ - حدّثني إسْماعِيلُ حدّثني مالِكُ بنُ أنَسٍ عنْ نافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ ﵄، أنَّ رسولَ الله ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلاثَةُ دَراهَمَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس واسْمه عبد الله ابْن أُخْت مَالك.
وَأخرجه مُسلم عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك. وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من خمس طرق صِحَاح بينتها فِي (شرح مَعَاني الْآثَار) : قَالَ ابْن حزم: لم يروه عَن عمر إلَاّ نَافِع، وَقَالَ أَبُو عمر: هُوَ أصح حَدِيث رُوِيَ فِي ذَلِك، وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ: كَانَ قيمَة الْمِجَن الَّذِي قطع بِهِ رَسُول الله ﷺ عشرَة دَرَاهِم، وَعَن عمر بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده مثله. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا، وروى عَن أم أَيمن مثله، وَلما وَقع الِاخْتِلَاف فِي مِقْدَار قيمَة الْمِجَن اختبط فِي ذَلِك، فَلم يقطع إلَاّ فِيمَا أجمع عَلَيْهِ، وَهُوَ عشرَة دَرَاهِم أَو دِينَار.
تابَعَهُ مُحَمَّدُ بنُ إسْحاقَ.
يَعْنِي عَن نَافِع فِي قَوْله: عَنهُ، وَوَصلهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عبد الله بن الْمُبَارك عَن مَالك وَمُحَمّد بن إِسْحَاق، وَعبيد الله بن عمر
стр. 7104
ثَلَاثَتهمْ عَن نَافِع عَن النَّبِي ﷺ أَنه قطع فِي مجن ثمنه ثَلَاثَة دَرَاهِم.
وَقَالَ اللَّيْثُ: حدّثني نافِعٌ: قِيمَتُهُ.
أَرَادَ أَن اللَّيْث بن سعد رَوَاهُ عَن نَافِع كالجماعة لَكِن قَالَ: قِيمَته، بدل قَوْلهم: ثمنه، وَرَوَاهُ مُسلم عَن قُتَيْبَة، وَمُحَمّد بن رمج عَن اللَّيْث عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ قطع سَارِق فِي مجن، قِيمَته ثَلَاثَة دَرَاهِم، قَوْله: قطع، مَعْنَاهُ أَمر بِالْقطعِ لِأَنَّهُ ﷺ لم يُبَاشر الْقطع بِنَفسِهِ، وَقد رُوِيَ أَن بِلَالًا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هُوَ الَّذِي بَاشر قطع يَد الْمَرْأَة المخزومية، فَيحْتَمل أَنه كَانَ موكلاً بذلك، وَيحْتَمل غَيره. قَوْله: (قِيمَته) قيمَة الشَّيْء مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ الرَّغْبَة فِيهِ، وَمن رَوَاهُ بِلَفْظ الثّمن متجوز، وَأما أَن الْقيمَة وَالثمن كَانَا حينئذٍ مستويين.
٦٩٧٦ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ حدّثنا جُوَيْرِيَةُ عنْ نافعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: قَطَعَ النبيُّ ﷺ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَة دَراهِمَ.
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث عبد الله بن عمر أخرجه عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي عَن جوَيْرِية بن أَسمَاء الضبعِي عَن نَافِع ... الخ. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
٧٩٧٦ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا يَحْيَاى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ: حدّثني نافِعٌ عنْ عَبْدِ الله قَالَ: قَطَعَ النبيُّ ﷺ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثةُ دَرَاهِمَ.
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن عمر أخرجه عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن عبيد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب عَن نَافِع. وَأخرجه مُسلم عَن ابْن نمير عَن أَبِيه عَن عبيد الله نَحوه.
٨٩٧٦ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ حدّثنا أبُو ضَمْرَةَ حدّثنا مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عنْ نافِعٍ أنَّ عبدَ الله بنَ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَطَعَ النبيُّ ﷺ يَدَ سارِقٍ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ درَاهِمِ.
هَذَا طَرِيق آخر أخرجه عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر الْحزَامِي الْمَدِينِيّ عَن أبي ضَمرَة بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم وبالراء واسْمه أنس بن عِيَاض عَن مُوسَى بن عقبَة بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف ... الخ، وَهُوَ من أَفْرَاده.
٩٩٧٦ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلُ حَدثنَا عَبْدُ الوَاحِدِ حَدثنَا الأعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صالِحٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : (لَعِنَ الله السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، ويَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ) . (انْظُر الحَدِيث ٣٨٧٦) .
هَذَا حَدِيث قد مضى عَن قريب فِي: بَاب لعن السَّارِق إِذا لم يسم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة. وَهنا أخرجه عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري الْبَصْرِيّ الَّذِي يُقَال لَهُ التَّبُوذَكِي عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي صَالح ذكْوَان الزيات عَن أبي هُرَيْرَة ... الخ وَوجه إِعَادَته فِي هَذَا الْبَاب يُمكن أَن يكون إِشَارَة إِلَى أَن الْبَيْضَة وَالْحَبل الْمَذْكُور فيهمَا الْقطع مِمَّا يبلغ قيمتهمَا ربع دِينَار أَو عشرَة دَرَاهِم على الِاخْتِلَاف بِقَرِينَة الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْبَاب، فَلذَلِك خَتمهَا بِهَذَا الحَدِيث، وَقد ذكر بَعضهم هُنَا كلَاما لَا يعجب سامعه فَلذَلِك تركته.
٤١ - (بابُ تَوْبَةِ السَّارِقِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَوْبَة السَّارِق إِذا تَابَ أَي: هَل تفيده فِي رفع اسْم الْفسق عَنهُ حَتَّى تقبل شَهَادَته أم لَا؟ فَحَدِيث الْبَاب يدل
стр. 7105
على قبُول تَوْبَته لقَوْل عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: فتابت وَحسنت توبتها، فَإِذا كَانَ كَذَلِك تسمع شَهَادَته، وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي قبُول شَهَادَته فِي كل شَيْء مِمَّا حد فِيهِ وَفِي غَيره فَقَالَ مَالك فِي الْقَذْف وَالزِّنَا وَالسَّرِقَة وَغَيرهَا، إِذا تَابُوا قبلت شَهَادَتهم إِذا زادوا فِي الصّلاح، وَعنهُ: تقبل فِي كل شَيْء إلَاّ فِي الْقَذْف وَالزِّنَا وَالسَّرِقَة، وَقَالَ أَصْحَابنَا: لَا تقبل شَهَادَة الْقَاذِف وَإِن تَابَ وَحسنت تَوْبَته وحاله، وَنقل الْبَيْهَقِيّ عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ: يحْتَمل أَن يسْقط كل حق لله تَعَالَى بِالتَّوْبَةِ، وَعَن اللَّيْث وَالْحسن: لَا يسْقط شَيْء من الْحُدُود، وَعَن الطَّحَاوِيّ: لَا يسْقط إلَاّ قطع الطَّرِيق لوُرُود النَّص فِيهِ.
٠٠٨٦ - حدّثنا إسْماعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ: حدّثني ابنُ وهْبٍ عنْ يُونسَ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قَطَعَ يَدَ امْرأةٍ، قالَتْ عائِشَةَ وكانَتْ تأتِي بَعْدَ ذلِكَ فأرْفَعُ حاجَتَها إِلَى النبيِّ ﷺ ، فتابَتْ وحَسُنَتْ تَوْبَتُها.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من آخر الحَدِيث لِأَن الْوَصْف بالْحسنِ يَقْتَضِي أَن هَذَا الْوَصْف إِنَّمَا يثبت للتائب مثل هَذَا.
وَإِسْمَاعِيل بن عبد الله هُوَ إِسْمَاعِيل بن أبي أويس يروي عَن عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ عَن يُونُس بن يزِيد عَن مُحَمَّد بن مُسلم ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
والْحَدِيث مضى بأتم مِنْهُ فِي الشَّهَادَات عَن إِسْمَاعِيل ابْن عبد الله إِلَى آخِره وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
١٠٨٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِيُّ حدّثنا هِشامُ بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبي إدْرِيسَ عنْ عُبادَةَ بن الصَّامِتِ ﵁، قَالَ: بايَعْتُ رسولَ الله ﷺ فِي رَهْطٍ فَقَالَ: (أُبايِعُكُمْ عَلى أنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّه شَيْئاً وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ وَلَا تَأْتوا بِبُهْتانٍ تَفْتَرُونهُ بَيْنَ أيْدِيَكُمْ وأرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوف، فَمَنْ وَفاى مِنْكُمْ فأجْرُهُ عَلى الله، ومَنْ أصابَ من ذالِكَ شَيْئاً فأُخِذَ بِهِ فِي الدُّنيْا فَهْوَ كَفَّارَةٌ لهُ وطهُورٌ، ومَنْ سَتَرَهُ الله فَذالِكَ إِلَى الله إنْ شاءَ عَذَّبَهُ وإنْ شاءَ غَفَرَ لهُ) .
طابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن من أقيم عَلَيْهِ الْحَد وصف بالتطهر فَإِذا انْضَمَّ إِلَى ذَلِك أَنه تَابَ فَإِنَّهُ يعود إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فيقتضى ذَلِك قبُول شَهَادَته أَيْضا.
وَأخرجه عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن الْيَمَان أبي جَعْفَر الْجعْفِيّ بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وبالفاء نِسْبَة إِلَى جَعْفَر بن سعد الْعَشِيرَة من مذْحج، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هُوَ أَبُو قَبيلَة من الْيمن وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ كَذَلِك وَهُوَ الْمَعْرُوف بالمسندي، وَمعمر بِفَتْح الميمين هُوَ ابْن رَاشد، وَأَبُو إِدْرِيس عَائِذ الله.
والْحَدِيث مضى فِي الْإِيمَان عقيب: بَاب عَلامَة الْإِيمَان فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي إِدْرِيس عَائِد الله بن عبد الله عَن عبَادَة بن الصَّامِت إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَالَ أبُو عَبْدِ الله: إِذا تابَ السَّارِقُ بَعْدَ مَا قُطِعَ يَدُهُ قُبِلَتْ شَهادَتُهُ، وكُلُّ مَحْدُودٍ كَذالِكَ إِذا تَابَ قُبِلَتْ شَهادَتُهُ.
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، هَذَا ثَبت فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني وَحده، وَفِيه خلاف، وَمضى الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (إِذا تَابَ قبلت شَهَادَته) وَفِي بعض النّسخ: إِذا تَابَ أَصْحَابهَا قبلت شَهَادَتهم، وَالله أعلم.
стр. 7106
٥١ - (كِتابُ المُحارِبِينَ مِنْ أهْلِ الكُفْرِ والرِّدَّةِ)
أَي هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الْمُحَاربين من أهل الْكفْر وَالرِّدَّة، وَقَالَ بَعضهم فِي كَون هَذِه التَّرْجَمَة فِي هَذَا الْموضع إِشْكَال وأظنها مِمَّا انْقَلب على الَّذين نسخوا كتاب الْبَارِي من المسودة، وَالَّذِي يظْهر أَن محلهَا بَين كتاب الدِّيات وَبَين اسْتِتَابَة الْمُرْتَدين، وَأطَال الكلامم فِيهِ.
قلت: هَذَا بعيد جدا لتوفر الدَّوَاعِي من ضباط هَذَا الْكتاب من حِين أَلفه البُخَارِيّ إِلَى يَوْمنَا وَلَا سِيمَا اطلَاع خلق كثير من أكَابِر الْمُحدثين وأكابر الشُّرَّاح عَلَيْهِ. والمناسبة فِي وضع هَذِه التَّرْجَمَة هُنَا مَوْجُودَة لِأَن كتاب الحدودالذي قبله مُشْتَمل على أَبْوَاب مُشْتَمِلَة على شرب الْخمر وَالسَّرِقَة وَالزِّنَا، وَهَذِه معاصٍ دَاخِلَة فِي محاربة الله وَرَسُوله. وَأَيْضًا قد ثَبت فِي بعض النّسخ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ بعد قَوْله: من أهل الْكفْر وَالرِّدَّة، وَمن يجب عَلَيْهِ حد الزِّنَا، وقدضم حد الزِّنَا إِلَى الْمُحَاربين فَيكون دَاخِلا فِيهَا لإفضائه إِلَى الْقَتْل فِي بعض الصُّور، وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وعَلى هَذَا فَالْأولى أَن يُبدل لفظ كتاب بِبَاب وَتَكون الْأَبْوَاب كلهَا دَاخِلَة فِي كتاب الْحُدُود.
قلت: فِيهِ أَبْوَاب لَا تتَعَلَّق إلَاّ بِغَيْر مَا تتَعَلَّق بالمحاربين فحينئذٍ ذكره بِلَفْظ كتاب أولى لِأَنَّهُ يشْتَمل على أَبْوَاب.
وقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَآءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الَاْرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُو اْ أَوْ يُصَلَّبُو اْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الَاْرْضِ ذاَلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى الَاْخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (الْمَائِدَة: ٣٣) [/ ح.
وَقَول الله: بِالْجَرِّ عطف على الْمُحَاربين، سيقت هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة إِلَى ﴿من الأَرْض﴾ فِي رِوَايَة كَرِيمَة وَغَيرهَا، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله﴾ . . الْآيَة. وَظَاهر كَلَام البُخَارِيّ أَنه يُرِيد بالذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله فِي الْآيَة الْكَرِيمَة الْكفَّار لَا قطاع الطَّرِيق. وَقَالَ الْجُمْهُور: هِيَ فِي حق القطاع، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر، وَمِمَّنْ قَالَ: إِن هَذِه الْآيَة نزلت فِي أهل الشّرك: الْحسن وَالضَّحَّاك وَعَطَاء وَالزهْرِيّ، وَقَالَ ابْن الْقصار: وَقيل: نزلت فِي أهل الذِّمَّة الَّذين نقضوا الْعَهْد، وَقيل: فِي الْمُرْتَدين، وَكله خطأ، وَلَيْسَ قَول من قَالَ: إِن الْآيَة، وَإِن كَانَت نزلت فِي الْمُسلمين، منَاف فِي الْمَعْنى لقَوْل من قَالَ: إِنَّهَا نزلت فِي أهل الرِّدَّة وَالْمُشْرِكين، لِأَن الْآيَة، وَإِن كَانَت نزلت فِي الْمُرْتَدين بأعيانهم فلفظها عَام يدْخل فِي مَعْنَاهُ كل من فعل مثل فعلهم من الْمُحَاربَة وَالْفساد فِي الأَرْض.
وَأما تَرْتِيب أَقْوَال الْعلمَاء الَّذين جعلُوا الْآيَة نزلت فِي الْمُسلمين فِي حد الْمُحَارب الْمُسلم. فَقَالَ مَالك: إِذا أشهر السِّلَاح وأخاف السَّبِيل وَلم يقتل وَلم يَأْخُذ مَالا كَانَ الإِمَام مُخَيّرا فِيهِ، فَإِن رأى أَن يقْتله أَو يصلبه أَو يقطع يَده وَرجله من خلاف، أَو يَنْفِيه فعل ذَلِك. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ: إِذا لم يقتل وَلَا أَخذ مَالا لم يكن عَلَيْهِ إلَاّ التعزيز وَإِنَّمَا يقْتله الإِمَام إِن قتل ويقطعه إِن سرق ويصلبه إِذا أَخذ المَال وَقتل وينفيه إِذا لم يفعل شَيْئا من ذَلِك، وَلَا يكون الإِمَام مُخَيّرا فِيهِ، وَالنَّفْي عِنْد الشَّافِعِي التَّعْزِير بِالْإِخْرَاجِ من بَلَده. وَقَالَ: الْجُمْهُور من الْمَالِكِيَّة: النَّفْي الْحَبْس فِي بلد آخر وَفِي (التَّلْوِيح) : قَول أبي حنيفَة: الْحَبْس ضد النَّفْي وَالنَّفْي هُوَ الْإِخْرَاج عَن الوطن لِأَنَّهُ أبلغ فِي الردع ثمَّ يحبس فِي الْمَكَان الَّذِي يخرج إِلَيْهِ حَتَّى تظهر تَوْبَته، هَذِه حَقِيقَة النَّفْي.
٢٠٨٦ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدّثنا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ حدّثنا الأوْزاعِيُّ حدّثني يَحْيَاى بنُ أبي كَثِير قَالَ: حدّثني أبُو قِلابَةَ الجرْمِيُّ عنْ أنَسٍ ﵁، قَالَ: قَدِمَ عَلى النبيِّ ﷺ نَفَرٌ منْ عُكْلٍ فأسْلَمُوا، فاجْتَوَوْا المَدِينَة فأمَرَهُمْ أنْ يَأْتُوا إبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أبْوالِها وألْبانِها، فَفَعَلُوا فَصَحُّوا فارْتَدُّوا وقَتلُوا رُعاتَها واسْتاقوها، فَبَعَثَ فِي آثارِهمْ فأُتِي بِهِمْ فَقَطَعَ أيْدِيَهُمْ وأرْجُلَهُمْ وسَمَلَ أعْيُنَهُمْ ثمَّ لَمْ يَحْسِمْهُمْ حَتَّى ماتُوا.
стр. 7107
قَالَ ابْن بطال: ذهب البُخَارِيّ إِلَى أَن آيَة الْمُحَاربَة نزلت فِي أهل الْكفْر وَالرِّدَّة، وسَاق حَدِيث العرنيين، وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بذلك، وَلَكِن روى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة حَدِيث العرنيين وَفِي آخِره قَالَ: فَبَلغنَا أَن هَذِه الْآيَة نزلت فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله﴾ (الْمَائِدَة: ٣٣)
الْآيَة. وَوَقع مثله فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَشَيخ البُخَارِيّ عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، والوليد بن مُسلم الْأمَوِي، وَالْأَوْزَاعِيّ عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو، وَأَبُو قلَابَة بِكَسْر الْقَاف عبد الله بن الْجرْمِي بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الرَّاء أُرِيد على الْقَضَاء بِالْبَصْرَةِ فهرب إِلَى الشَّام فَمَاتَ بهَا سنة أَربع أَو خمس وَمِائَة فِي ولَايَة يزِيد بن عبد الْملك.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْوضُوء فِي: بَاب أَبْوَال الْإِبِل وَالدَّوَاب وَالْغنم، عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَفِي الْجِهَاد عَن مُعلى بن أَسد وَفِي التَّفْسِير عَن عَليّ بن عبد الله وَفِي الدِّيات عَن قُتَيْبَة.
قَوْله: (نفر من عكل) النَّفر رَهْط الْإِنْسَان وعشيرته وَهُوَ اسْم جمع يَقع على جمَاعَة من الرِّجَال خَاصَّة مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة، وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وعكل بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْكَاف قَبيلَة. قَوْله: (فاجتووا) من الاجتواء أَي: كَرهُوا الْإِقَامَة بِالْمَدِينَةِ لسقم أَصَابَهُم. قَوْله: (وسمل أَعينهم) ، أَي: فقأها وأذهب مَا فِيهَا. قَوْله: (وَلم يحسمهم) يُقَال: حسم الْعرق كواه بالنَّار لينقطع دَمه، وقدمرا لكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
٦١ - (بابٌ لَمْ يَحْسِمِ النبيُّ ﷺ المُحارِبِينَ مِنْ أهْلِ الرِّدَّةِ حتَّى هَلَكُوا)
أَي: هَذَا بَاب يذكرفيه لم يحسم النَّبِي ﷺ ، وقدمر تَفْسِير الحسم الْآن، وَقَالَ الدَّاودِيّ: الحسم هُنَا أَن تُوضَع اليدبعد الْقطع فِي زَيْت حَار، هَذَا من صور الحسم وَلَيْسَ مَقْصُورا عَلَيْهِ.
٣٠٨٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ الصَّلْتِ أبُو يَعْلَى حدّثنا الوَلِيدُ حدّثني الأوْزاعِيُّ عنْ يَحْيَاى عنْ أبي قِلابَةَ عَن أنَسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ قَطَعَ العُرَنِيِّينَ ولَمْ يحسِمْهُمْ حتَّى ماتُوا.
стр. 7108
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أنس وضع لَهُ تَرْجَمَة سمر الْأَعْين.
وَأخرجه عَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن أبي قلَابَة عبد الله عَن أنس.
قَوْله: (بلقاح) بِكَسْر اللَّام جمع اللقحة وَهِي النَّاقة الحلوب. قَوْله: (حَتَّى إِذا برئوا) من برأت من الْمَرَض أَبْرَأ بِالْفَتْح فَأَنا بارىء، وأبرأني الله من الْمَرَض وغي أهل الْحجاز يَقُولُونَ: بَرِئت بِالْكَسْرِ برأَ بِالضَّمِّ. قَوْله: (النعم) بِفتْحَتَيْنِ واحدالأنعام وَهِي المَال الراعية وَأكْثر مَا يَقع هَذَا الِاسْم على الْإِبِل، قَالَ الْفراء: هَذَا ذكر لَا يؤنث، يقولو: هَذَا نعم وَارِد، وَيجمع على: نعْمَان، مثل: جمل وجملان، والإنعام يذكر وَيُؤَنث. قَوْله: (حَتَّى جِيءَ بهم) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: حَتَّى أُتي بهم. قَوْله: (وألقوا) بِضَم الْهمزَة على صِيغَة الْمَجْهُول.
قَوْله: (قَالَ أَبُو قلَابَة) هُوَ عبد الله الرَّاوِي. قَوْله: (هَؤُلَاءِ) أَي: العكليون أَو العرنيون (قوم سرقوا)
الخ.
стр. 7109
٩١ - (بابُ فَضْلِ مَنْ تَرَكَ الفَواحِشَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من ترك الْفَوَاحِش جمع فَاحِشَة وَهِي كل مَا اشْتَدَّ قبحه من الذُّنُوب فعلا أَو قولا، وَكَذَا الْفَحْشَاء وَالْفُحْش، وَمِنْه الْكَلَام الْفَاحِش، وَيُطلق غَالِبا على الزِّنَا وَمِنْه قَوْله : ﴿وَلَا تقربُوا الزِّنَا إِنَّه كَانَ فَاحِشَة﴾ (الْإِسْرَاء: ٢٣) .
٦٠٨٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلامِ أخبرنَا عَبْدُ الله عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ عنْ خُبَيْبِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ حَفْصٍ بنِ عاصِمٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله يَوْمَ القِيامَةِ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلاّ ظِلُّهُ: إمامٌ عادِلٌ، وشابٌّ نَشَأ فِي عِبادَةِ الله، ورَجُلٌ ذَكَرَ الله فِي خَلاءِ فَفاضَتْ عَيْناهُ، ورَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسْجِدِ، ورَجُلانِ تَحابَّا فِي الله، ورَجُلٌ دَعَتْهُ امْرأةٌ ذاتُ مَنْصِبٍ وجَمالٍ إِلَى نَفْسِها، قَالَ: إِنِّي أخافُ الله، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فأخْفاها حتَّى لَا تَعْلَمَ شِمالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَرجل دَعَتْهُ امْرَأَة) إِلَى قَوْله: (وَرجل تصدق) وَلَا يخفى فضل هَذَا، عِنْد الله تَعَالَى.
قَوْله: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام ويروى حَدثنِي مُحَمَّد بن سَلام، وَقد وَقع فِي غَالب النّسخ: مُحَمَّد، غير مَنْسُوب فَقَالَ أَبُو عَليّ الغساني: وَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ مُحَمَّد بن مقَاتل، وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ مُحَمَّد بن سَلام. قَالَ الْكرْمَانِي: وَالْأول هُوَ الصَّوَاب.
قلت: لِأَنَّهُ قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد أخبرنَا عبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك وَمُحَمّد بن مقَاتل مَشْهُور بالرواية عَنهُ وَكِلَاهُمَا مروزيان، وَعبيد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وخبيب بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ثمَّ بَاء مُوَحدَة ابْن عبد الرَّحْمَن بن خبيب الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، وَحَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث مضى فِي الزَّكَاة عَن مُسَدّد، وَفِي الصَّلَاة وَفِي الرقَاق عَن مُحَمَّد بن بشار، ومضي الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (إلَاّ ظله) إِضَافَة الظل إِلَى الله تَعَالَى إِضَافَة تشريف إِذْ الظل الْحَقِيقِيّ هُوَ منزه عَنهُ لِأَنَّهُ من خَواص الْأَجْسَام، وَقيل: ثمَّة مَحْذُوف أَي: ظلّ عَرْشه، وَقيل: المُرَاد مِنْهُ الكنف من المكاره فِي ذَلِك الْموقف الَّذِي تَدْنُو الشَّمْس مِنْهُم ويشتد عَلَيْهِم الْحر ويأخذهم الْعرق، يُقَال: فلَان فِي ظلّ فلَان أَي: فِي كنفه وحمايته. قَوْله: (عَادل) هُوَ الْوَاضِع كل شَيْء فِي مَوْضِعه. قَوْله: (وشاب) قيل: لم يقل: رجل، لِأَن الْعِبَادَة فِي الشَّاب أشق وَأَشد لغَلَبَة الشَّهَوَات. قَوْله: (فِي خلاء) أَي: فِي مَوضِع هُوَ وَحده إِذْ لَا يكون فِيهِ شَائِبَة الرِّيَاء. قَوْله: (فَفَاضَتْ عَيناهُ) قيل: الْعين لَا تقبض بل الدمع. وَأجِيب: أَنه أسْند الْفَيْض إِلَيْهَا مُبَالغَة كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿ترى أَعينهم تفيض من الدمع﴾ (الْمَائِدَة: ٣٨) قَوْله: (فِي الْمَسْجِد) أَي: بِالْمَسْجِدِ، وَمَعْنَاهُ شَدِيد الْمُلَازمَة للْجَمَاعَة فِيهِ. قَوْله: (تحابا) أَصله: تحابيا أدغمت الْبَاء فِي الْبَاء قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ نَحْو تبَاعد، إِلَّا نَحْو: تجاهلا، قَوْله: (فِي الله) أَي: بِسَبَبِهِ كَمَا ورد: فِي النَّفس المؤمنة مائَة من إبل أَي: بِسَبَبِهَا أَي: لَا تكون الْمحبَّة لغَرَض دُنْيَوِيّ. قَوْله: (ذَات منصب) أَي: ذَات حسب وَنسب وخصصها بِالذكر لِكَثْرَة الرَّغْبَة فِيهَا. قَوْله: (لَا تعلم) يجوز بِالرَّفْع وَالنّصب وَذكر الْيَمين وَالشمَال مُبَالغَة فِي الْإخْفَاء أَي: لَو قدرت الشمَال رجلا متيقظاً لما علم صَدَقَة الْيَمين لمبالغته فِي الْإِسْرَار وَهَذَا فِي صَدَقَة التَّطَوُّع.
٧٠٨٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبي بَكْرٍ حدّثنا عُمَرُ بنُ عَلِيٍّ.
(ح) وحدّثني خَلِيفَةُ حدّثنا عُمَرُ بنُ عَليٍّ حدّثنا أبُو حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ النبيُّ ﷺ : (مَنْ تَوَكَّلَ لِي مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ وَمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ تَوَكَّلْتُ لهُ بالجَنَّةِ) . (انْظُر الحَدِيث ٤٧٤٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن من حفظ لِسَانه وفرجه يكون لَهُ فضل من ترك الْفَوَاحِش.
وَمُحَمّد بن أبي بكر الْمقدمِي بِلَفْظ اسْم الْمَفْعُول من التَّقْدِيم، يروي عَن عَمه عمر بن عَليّ وَهُوَ مَوْصُوف بالتدليس، لكنه صرح بِالتَّحْدِيثِ فِي هَذِه
стр. 7110
الرِّوَايَة، وَقد أوردهُ فِي الرقَاق عَن مُحَمَّد بن أبي بكر وَحده وقرنه هُنَا بخليفة بن خياط. وسَاق الحَدِيث على لفظ خَليفَة وَهُوَ أَيْضا من مشايخه، وَأَبُو حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي واسْمه سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج.
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب.
قَوْله: (من توكل) أَي: من تكفل، وأصل التَّوْكِيل الِاعْتِمَاد على الشَّيْء والوثوق بِهِ. قَوْله: (مَا بَين رجلَيْهِ) أَي: فرجه. قَوْله: (وَمَا بَين لحييْهِ) أَي: لِسَانه، وَقيل: نطقه ولحييه بفت اللَّام وَهُوَ مبنت اللِّحْيَة والأسنان وَيجوز كسر اللَّام، وَإِنَّمَا ثنى لِأَن لَهُ أَعلَى وأسفل، وَأكْثر بلَاء الْإِنْسَان من هذَيْن العضوين، فَمن سلم من ضررهما فقد سلم من الْعَذَاب. قَوْله: (لَهُ بِالْجنَّةِ) ، بِالْبَاء عِنْد الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والسرخسي بِحَذْف الْبَاء.
٠٢ - (بابُ إثْمِ الزُّناةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم الزناة، وَهُوَ جمع زانٍ كعصاة جمع عَاص، وَتعلق هَذَا الْبَاب بِالْكتاب ارْتِكَاب مَا حرم الله وَهُوَ دَاخل فِي محاربة الله وَرَسُوله.
وقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا يزنون﴾ (الْفرْقَان: ٨٦) ﴿وَلَا تقربُوا الزِّنَا إِنَّه كَانَ فَاحِشَة وساء سَبِيلا﴾ (الْإِسْرَاء: ٢٣)
وَقَول الله بِالْجَرِّ عطف على إِثْم الزناة. قَوْله: ﴿وَلَا يزنون﴾ من الْآيَة الَّتِي فِي الْفرْقَان وأولها: ﴿وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إلاّ بِالْحَقِّ وَلَا يزنون﴾ ... الْآيَة وَعَن ابْن عَبَّاس أَن نَاسا من أهل الشّرك قد قتلوا فَأَكْثرُوا وزنوا فَأَكْثرُوا ثمَّ أَتَوا النَّبِي ﷺ ، وَقَالُوا: إِن الَّذِي تَقول وتدعونا إِلَيْهِ لحسن لَو تخبرنا أَن لما عَمِلْنَاهُ كَفَّارَة، فَنزلت: ﴿وَالَّذين لَا يدعونَ﴾ الْآيَة وَقيل: نزلت فِي وَحشِي غُلَام بن مطعم. قَوْله: ﴿وَلَا تقربُوا﴾ الْآيَة بِالْقصرِ على الْأَكْثَر والمدلغة، وَالْمرَاد مِنْهُ النَّهْي عَن مُقَدمَات الزِّنَا كالمس والتقبيل وَنَحْوهمَا، وَلَو كَانَ المُرَاد مِنْهُ نفس الزِّنَا لقَالَ: لَا تَزْنُوا.
٩٠٨٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى أخبرنَا إسْحاقُ بنُ يُوسُفَ أخبرنَا الفُضَيْلُ بنُ غَزْوانَ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : (لَا يَزْنِي العَبْدُ حِينَ يَزْنِي وهْوَ مُؤْمنٌ،
следующие страницы →