Полный текст (7 603 стр.). Показаны 7211–7250 · переход к 7216.
стр. 7211
بِهِ عَن أَهله وَمَاله قَالَ صدق لَا تَقولُوا لَهُ إِلَّا خيرا قَالَ فَعَاد فعمر فَقَالَ يَا رَسُول الله قد خَان الله وَرَسُوله وَالْمُؤمنِينَ دَعْنِي فلأضرب عُنُقه قَالَ أَو لَيْسَ من أهل بدر وَمَا يدْريك لَعَلَّ الله اطلع عَلَيْهِم فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد أوجبت لَهُ الْجنَّة فاغرورقت عَيناهُ فَقَالَ الله وَرَسُوله أعلم) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن النَّبِي ﷺ َ - عذره فِي تَأْوِيله وَشهد بصدقه وَأخرجه عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن أبي عوَانَة الوضاح الْيَشْكُرِي عَن حُصَيْن بِضَم الْخَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ ابْن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ عَن فلَان قَالَ الْكرْمَانِي هُوَ سعد بن عُبَيْدَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة مُصَغرًا أَبُو حَمْزَة بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي ختن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ انْتهى قلت وَقع فلَان هُنَا مُبْهما وَسمي فِي رِوَايَة هِشَام فِي الْجِهَاد وَعبد الله بن إِدْرِيس فِي الاسْتِئْذَان سعد بن عُبَيْدَة وَكَانَ الْكرْمَانِي مَا اطلع عَلَيْهِ ذاهلا حَتَّى قَالَ قيل سعد بن عُبَيْدَة وَسعد تَابِعِيّ روى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم ابْن عمر والبراء رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَوْله " تنَازع أَبُو عبد الرَّحْمَن " هُوَ السّلمِيّ الْمَذْكُور وَصرح بِهِ فِي رِوَايَة عَفَّان قَوْله " وحبان " بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وَحكى أَبُو عَليّ الجياني أَن بعض رُوَاة أبي ذَر ضَبطه بِفَتْح أَوله قَالَ بَعضهم وَهُوَ وهم قلت حكى الْمزي أَن ابْن مَاكُولَا ذكره بِالْكَسْرِ وَأَن ابْن الفرضي ضَبطه بِالْفَتْح وَكَذَا ذكره فِي الْمطَالع قَوْله " لقد علمت مَا الَّذِي " كَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَكَذَا فِي أَكثر الطّرق وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي من الَّذِي ويروى لقد علمت الَّذِي بِدُونِ مَا وَمن وَوَقع فِي الْجِهَاد فِي بَاب إِذا اضْطر الرجل إِلَى النّظر فِي شُعُور أهل الذِّمَّة بِلَفْظ مَا الَّذِي قَوْله " جرأ " بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الرَّاء وبالهمزة من الجرأة وَهُوَ الْإِقْدَام على الشَّيْء قَوْله " يَعْنِي عليا " أَي يَعْنِي بقوله من الَّذِي جرأ عَليّ بن أبي طَالب قَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت كَيفَ جَازَ نِسْبَة الجرأة على الْقَتْل إِلَى عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قلت غَرَضه أَنه لما كَانَ جَازَ مَا بِأَنَّهُ من أهل الْجنَّة عرف أَنه إِن وَقع مِنْهُ خطأ فِيمَا اجْتهد فِيهِ عُفيَ عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة قطعا قَوْله " قَالَ مَا هُوَ " أَي قَالَ حبَان مَا هُوَ الَّذِي جرأه قَوْله " لَا أَبَا لَك " بِفَتْح الْهمزَة جوزوا هَذَا التَّرْكِيب تَشْبِيها لَهُ بالمضاف وَإِلَّا فَالْقِيَاس لَا أَب لَك وَهَذَا إِنَّمَا يسْتَعْمل دعامة للْكَلَام وَلَا يُرَاد بِهِ الدُّعَاء عَلَيْهِ حَقِيقَة وَقيل هِيَ كلمة تقال عِنْد الْحَث على الشَّيْء وَالْأَصْل فِيهِ أَن الْإِنْسَان إِذا وَقع فِي شدَّة عاونه أَبوهُ فَإِذا قيل لَا أَبَا لَك فَمَعْنَاه لَيْسَ لَك أَب جد فِي الْأَمر جد من لَيْسَ لَهُ معاون ثمَّ أطلق فِي الِاسْتِعْمَال فِي مَوضِع استبعاد مَا يصدر من الْمُخَاطب من قَول أَو فعل قَوْله شَيْء مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل جرأ قَوْله " يَقُوله " جملَة وَقعت صفة لقَوْله شَيْء وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى شَيْء وَكَذَا بالضمير فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَفِي رِوَايَة الْكشميهني يَقُول بِحَذْف الضَّمِير قَوْله " قَالَ مَا هُوَ " أَي قَالَ حبَان الْمَذْكُور مَا هُوَ أَي ذَلِك الشَّيْء قَوْله قَالَ بَعَثَنِي أَي قَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن قَالَ عَليّ بَعَثَنِي وَسَقَطت قَالَ الثَّانِيَة على عَادَتهم بإسقاطها فِي الْخط وَالتَّقْدِير قَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن قَالَ عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ َ - قَوْله وَالزُّبَيْر بِالنّصب عطف على نون الْوِقَايَة لِأَن محلهَا النصب وَفِي مثل هَذَا الْعَطف خلاف بَين الْبَصرِيين والكوفيين قَوْله " وَأَبا مرْثَد " بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة واسْمه كناز بِفَتْح الْكَاف وَتَشْديد النُّون وبالزاي الغنوي بالغين الْمُعْجَمَة وَتقدم فِي غَزْوَة الْفَتْح من طَرِيق عبيد الله بن أبي رَافع عَن عَليّ ذكر الْمِقْدَاد بدل أبي مرْثَد وَمضى فِي الْجِهَاد فِي بَاب إِذا اضطروا الزبير وَفِي بَاب الجاسوس بَعَثَنِي أَنا وَالزُّبَيْر والمقداد قَالَ الْكرْمَانِي ذكر الْقَلِيل لَا يَنْفِي الْكثير قَوْله فَارس أَي رَاكب فرس قَوْله رَوْضَة حَاج بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالجيم وَهُوَ مَوضِع قريب من مَكَّة قَالَه فِي التَّوْضِيح وَقَالَ النَّوَوِيّ وَهِي بِقرب الْمَدِينَة وَقَالَ الْوَاقِدِيّ هِيَ بِالْقربِ من ذِي الحليفة وَقيل من الْمَدِينَة نَحْو اثْنَي عشر ميلًا قَوْله قَالَ أَبُو سَلمَة هُوَ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل شيخ البُخَارِيّ الْمَذْكُور فِيهِ قَوْله هَكَذَا قَالَ أَبُو عوَانَة هُوَ أحد الروَاة حَاج بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْجِيم قَالَ النَّوَوِيّ قَالَ الْعلمَاء هُوَ غلط من أبي عوَانَة
стр. 7212
وَكَأَنَّهُ اشْتبهَ عَلَيْهِ بمَكَان آخر يُقَال فِيهِ ذَات حَاج بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْجِيم وَهُوَ مَوضِع بَين الْمَدِينَة وَالشَّام يسلكه الْحَاج وَزعم السُّهيْلي أَن هشيما كَانَ يَقُولهَا أَيْضا حَاج بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْجِيم وَهُوَ وهم أَيْضا وَالأَصَح خَاخ بمعجمتين قَوْله تسير من السّير جملَة وَقعت حَالا من الْمَرْأَة الَّتِي مَعهَا الْكتاب وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن فُضَيْل عَن حُصَيْن تشتد من الاشتداد بالشين الْمُعْجَمَة قَوْله فابتغينا أَي طلبنا قَوْله فَقَالَ صَاحِبَايَ وهما الزبير وَأَبُو مرْثَد ويروى فَقَالَ صَاحِبي بِالْإِفْرَادِ بِاعْتِبَار أَن وَاحِدًا مِنْهُمَا قَالَ قَوْله لقد علمنَا وَفِي رِوَايَة الْكشميهني لقد علمتما بِالْخِطَابِ لصاحبيه قَوْله ثمَّ حلف عَليّ وَالَّذِي يحلف بِهِ أَي قَالَ وَالله لِأَن الَّذِي يحلف بِهِ هُوَ لَفْظَة الله قَوْله " أَو لأجردنك " أَي أنزع ثِيَابك حَتَّى تَكُونِي عُرْيَانَة وَكلمَة أَو هُنَا بِمَعْنى إِلَى وينتصب الْمُضَارع بعْدهَا بِأَن مضمرة نَحْو قَوْله لألزمنك أَو تقضيني حَقي أَي إِلَى أَن تقضيني حَقي وَفِي رِوَايَة ابْن فُضَيْل أَو لأَقْتُلَنك ويروى لأجزرنك بجيم ثمَّ زَاي أَي أصيرك مثل الْجَزُور إِذا ذبحت ويروى لتخْرجن الْكتاب أَو لتلْقين الثِّيَاب قَالَ ابْن التِّين كَذَا وَقع بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَشْديد النُّون قَالَ وَالْيَاء زَائِدَة وَقَالَ الْكرْمَانِي هُوَ بِكَسْر الْيَاء وَفتحهَا كَذَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة بِإِثْبَات الْيَاء وَالْقَوَاعِد التصريفية تَقْتَضِي حذفهَا لَكِن إِذا صحت الرِّوَايَة فلتحمل على أَنَّهَا وَقعت على طَرِيق المشاكلة لتخْرجن وَهَذَا تَوْجِيه الكسرة وَأما الفتحة فَتحمل على خطاب المؤنثة الغائبة على طَرِيق الِالْتِفَات من الْخطاب إِلَى الْغَيْبَة قَالَ وَيجوز فتح الْقَاف على الْبناء للْمَجْهُول فعلى هَذَا فَترفع الثِّيَاب وَاخْتلف هَل كَانَت هَذِه الْمَرْأَة مسلمة أَو على دين قَومهَا فالأكثر على الثَّانِي فقد عدت فِيمَن أهْدر النَّبِي ﷺ َ - دمهم يَوْم الْفَتْح وَكَانَت مغنية فأهدر دَمهَا لِأَنَّهَا كَانَت تغني بهجائه وهجاء أَصْحَابه وَذكر الْوَاقِدِيّ أَنَّهَا من مزينة وَأَنَّهَا من أهل العرج بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وبالجيم وَهِي قَرْيَة بَين مَكَّة وَالْمَدينَة وَذكر الثَّعْلَبِيّ أَنَّهَا كَانَت مولاة أبي صَيْفِي بن عَمْرو بن هَاشم بن عبد منَاف وَقيل عمرَان بدل عَمْرو وَقيل مولاة بني أَسد ابْن عبد الْعُزَّى وَقيل كَانَت من موَالِي الْعَبَّاس وَفِي تَفْسِير مقَاتل بن حبَان أَن حَاطِبًا أَعْطَاهَا عشرَة دَنَانِير وَكَسَاهَا برداء وَقَالَ الواحدي أَنَّهَا قدمت الْمَدِينَة فَقَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ َ - جِئْت مسلمة قَالَت لَا وَلَكِن احتجت قَالَ فَأَيْنَ أَنْت عَن شباب قُرَيْش وَكَانَت مغنية قَالَت مَا طلبت من بعد وقْعَة بدر شَيْئا من ذَلِك فكساها وَحملهَا فَأَتَاهَا حَاطِب فَكتب مَعهَا كتابا إِلَى أهل مَكَّة أَن رَسُول الله ﷺ َ - يُرِيد أَن يَغْزُو فَخُذُوا حذركُمْ قَوْله فأهوت أَي مَالَتْ قَوْله " إِلَى حجزَتهَا " بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم وبالزاي وَهِي معقد الْإِزَار قَوْله وَهِي محتجزة بكساء من احتجز بِإِزَارِهِ شده على وَسطه وَقد مر فِي بَاب الجاسوس أَنَّهَا أخرجته من عقاصها أَي من شعورها قَالَ الْكرْمَانِي لَعَلَّهَا أخرجته من الحجزة أَولا وأخفته فِي الشّعْر ثمَّ اضطرت إِلَى الْإِخْرَاج مِنْهُ أَو بِالْعَكْسِ قَوْله " فاتوا بهَا " أَي بالصحيفة قَوْله " رَسُول الله ﷺ َ - " ويروى " فاتوا بهَا إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - " قَوْله " فَإِذا فِيهِ " أَي فِي الْكتاب من حَاطِب إِلَى نَاس من الْمُشْركين من أهل مَكَّة سماهم الْوَاقِدِيّ فِي رِوَايَته سُهَيْل بن عَمْرو العامري وَعِكْرِمَة بن أبي جهل المَخْزُومِي وَصَفوَان بن أُميَّة الجُمَحِي قَوْله " مَا لي أَن لَا أكون مُؤمنا بِاللَّه وَرَسُوله " وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي " مَا بِي أَن لَا أكون " بِالْبَاء الْمُوَحدَة بدل اللَّام وَفِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن حَاطِب " أما وَالله مَا ارتبت مُنْذُ أسلمت فِي الله " وَفِي رِوَايَة ابْن عَبَّاس قَالَ " وَالله إِنِّي لناصح لله وَرَسُوله " قَوْله " يَد " أَي منَّة أدفَع بهَا عَن أَهلِي وَمَالِي وَفِي رِوَايَة أعشى ثَقِيف " وَالله وَرَسُوله أحب إِلَيّ من أَهلِي وَمَالِي " وَفِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن حَاطِب " وَلَكِنِّي كنت امْرأ غَرِيبا فِيكُم وَكَانَ لي بنُون وأخوة بِمَكَّة فَكتبت لعَلي أدفَع عَنْهُم " قَوْله " هُنَالك " وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي هُنَاكَ قَوْله " قَالَ صدق " أَي قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " صدق حَاطِب " فَيحْتَمل أَن يكون قد عرف صدقه من كَلَامه وَيحْتَمل أَن يكون بِالْوَحْي قَوْله " فَعَاد عمر " أَي إِلَى كَلَامه الأول فِي حَاطِب وَفِيه إِشْكَال حَيْثُ عَاد إِلَى كَلَامه الأول بعد أَن صدق النَّبِي ﷺ َ - حَاطِبًا وَأجِيب عَنهُ بِأَنَّهُ ظن أَن صدقه فِي عذره لَا يدْفع عَنهُ مَا وَجب عَلَيْهِ من الْقَتْل قَوْله " فلأضرب عُنُقه " قَالَ الْكرْمَانِي فلأضرب بِالنّصب وَهُوَ فِي تَأْوِيل مصدر مَحْذُوف وَهُوَ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي اتركني فتركك للضرب وبالجزم
стр. 7213
وَالْفَاء زَائِدَة على مَذْهَب الْأَخْفَش وَاللَّام لِلْأَمْرِ وَيجوز فتحهَا على لُغَة سليم وتسكينها مَعَ الْفَاء عِنْد قُرَيْش وَأمر الْمُتَكَلّم نَفسه بِاللَّامِ فصيح قَلِيل الِاسْتِعْمَال وبالرفع أَي فوَاللَّه لأضرب قَوْله أَو لَيْسَ من أهل بدر وَفِي رِوَايَة الْحَارِث أَلَيْسَ قد شهد بَدْرًا وَهُوَ اسْتِفْهَام تَقْرِير وَجزم فِي رِوَايَة عبيد الله بن أبي رَافع أَنه شهد بَدْرًا وَزَاد الْحَارِث فَقَالَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بلَى وَلكنه نكث وَظَاهر أعداءك عَلَيْك قَوْله لَعَلَّ الله اطلع عَلَيْهِم أَي على أهل بدر فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد أوجبت لكم الْجنَّة قَالَ الْعلمَاء مَعْنَاهُ الغفران لَهُم فِي الْآخِرَة وَإِلَّا فَلَو توجه على أحد مِنْهُم حد أَو غَيره أقيم عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَنقل القَاضِي عِيَاض الْإِجْمَاع على إِقَامَة الْحَد قَالَ وَضرب النَّبِي ﷺ َ - مسطحًا الْحَد وَكَانَ بَدْرِيًّا وَفِي التَّوْضِيح وَقد اعْترض بعض أهل الْبدع بِهَذَا الحَدِيث على قَضِيَّة مسطح حِين جلد فِي قذف عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وَكَانَ بَدْرِيًّا قَالُوا وَكَانَ يَنْبَغِي أَن لَا يحد كحاطب وَالْجَوَاب أَن المُرَاد غفر لَهُم عِقَاب الْآخِرَة دون الدُّنْيَا وَقد قَامَ الْإِجْمَاع على أَن كل من ارْتكب من أهل بدر ذَنبا بَينه وَبَين الله فِيهِ حد وَبَينه وَبَين الْخلق من القف أَو الْجراح أَو الْقَتْل فَإِن عَلَيْهِ فِيهِ الْحَد وَالْقصاص وَلَيْسَ يدل عَفْو العَاصِي فِي الدُّنْيَا وَإِقَامَة الْحُدُود عَلَيْهِ على أَنه يُعَاقب فِي الْآخِرَة لقَوْله ﷺ َ - فِي مَاعِز والغامدية لقد تَابَ تَوْبَة لَو قسمت على أهل الأَرْض لوسعتهم قَوْله فاغرورقت عَيناهُ أَي عينا عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَهُوَ من الاغريراق
(قَالَ أَبُو عبد الله خَاخ أصح وَلَكِن كَذَا قَالَ أَبُو عوَانَة حَاج وحاج تَصْحِيف وَهُوَ مَوضِع. وهشيم يَقُول خَاخ) أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه خَاخ أصح يَعْنِي بخاءين معجمتين قَوْله وَلَكِن كَذَا قَالَ أَبُو عوَانَة وَهُوَ الوضاح الْيَشْكُرِي أحد رُوَاة حَدِيث الْبَاب قَوْله وحاج تَصْحِيف يَعْنِي بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْجِيم مصحف وَقد مر بَيَانه عَن قريب قَوْله وَهُوَ مَوضِع يَعْنِي حَاج بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالجيم اسْم مَوضِع وَقد ذَكرْنَاهُ قَوْله وهشيم بِضَم الْهَاء وَفتح الشين الْمُعْجَمَة ابْن بشير الوَاسِطِيّ يَقُول خَاخ يَعْنِي بالمعجمتين يَعْنِي فِي قَول الْأَكْثَرين وَقيل بل هُوَ أَيْضا يَقُول مثل قَول أبي عوَانَة وَبِه جزم السُّهيْلي وَيُؤَيِّدهُ أَن البُخَارِيّ لما أخرجه من طَرِيقه فِي الْجِهَاد عبر بقوله رَوْضَة كَذَا فَلَو كَانَ بالمعجمتين لما كنى عَنهُ -
٨٩ - (كِتابُ الإكْراهِ)
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان حكم الْإِكْرَاه، وَالْإِكْرَاه بِكَسْر الْهمزَة هُوَ إِلْزَام الْغَيْر بِمَا لَا يُريدهُ، وَهُوَ يخْتَلف باخْتلَاف الْمُكْره وَالْمكْره عَلَيْهِ وَالْمكْره بِهِ.
وقَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿من كفر بِاللَّه من بعد إيمَانه إِلَّا من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان وَلَكِن من شرح بالْكفْر صَدرا فَعَلَيْهِم غضب من الله وَلَهُم عَذَاب عَظِيم﴾
وَقَول الله بِالْجَرِّ عطف على لفظ الْإِكْرَاه، وَهَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي سُورَة النَّحْل وأولها الْآيَة. وَاخْتلف النُّحَاة فِي الْعَامِل فِي قَوْله: ﴿وَمن كفر﴾ وَفِي قَوْله: ﴿من شرح بالْكفْر صَدرا﴾ فَقَالَت نجاة الْكُوفَة: جوابهما وَاحِد فِي قَوْله: ﴿فَعَلَيْهِم غضب﴾ لِأَنَّهُمَا جزءان اجْتمعَا أَحدهمَا مُنْعَقد بِالْآخرِ فجوابهما وَاحِد كَقَوْل الْقَائِل من يأتنا من يحسن نكرمه، يَعْنِي من يحسن مِمَّن يأتينا نكرمه. وَقَالَت نحاة الْبَصْرَة، قَوْله: ﴿من كفر﴾ مَرْفُوع بِالرَّدِّ على الَّذين فِي قَوْله: ﴿إِنَّمَا يفتري الْكَذِب﴾ الْآيَة وَمعنى الْكَلَام: إِنَّمَا يفتري الْكَذِب من كفر بِاللَّه من بعد إيمَانه، ثمَّ اسْتثْنى ﴿من كفر بِاللَّه من بعد إيمَانه إِلَّا من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان وَلَكِن من شرح بالْكفْر صَدرا فَعَلَيْهِم غضب من الله وَلَهُم عَذَاب عَظِيم﴾
وَقَالَ ابْن عَبَّاس: نزلت هَذِه الْآيَة فِي عمار بن يَاسر لِأَن الْكفَّار أَخَذُوهُ وَقَالُوا لَهُ: اكفر بِمُحَمد
стр. 7214
فطاوعهم على ذَلِك وَقَلبه كَارِه ذَلِك مطمئن بِالْإِيمَان، ثمَّ جَاءَ إِلَى رَسُول الله وَهُوَ يبكي، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة. قَوْله: من شرح بالْكفْر صَدرا أَي: طَابَ نَفسه بذلك وأتى بِهِ على اخْتِيَار وَقبُول.
وَقَالَ ﴿لَا يتَّخذ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافرين أَوْلِيَاء من دون الْمُؤمنِينَ وَمن يفعل ذَلِك فَلَيْسَ من الله فِي شَيْء إِلَّا أَن تتقوا مِنْهُم تقاةً ويحذركم الله نَفسه وَإِلَى الله الْمصير﴾ وهْيَ تَقِيَّةٌ
هَذَا من آيَة أَولهَا ﴿لَا يتَّخذ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافرين أَوْلِيَاء من دون الْمُؤمنِينَ وَمن يفعل ذَلِك فَلَيْسَ من الله فِي شَيْء إِلَّا أَن تتقوا مِنْهُم تقاةً ويحذركم الله نَفسه وَإِلَى الله الْمصير﴾
أَي: تقية، وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى وَاحِد أَشَارَ إِلَيْهِ البُخَارِيّ بقوله: وَهِي تقية، وَالْمعْنَى: إلَاّ أَن تتقوا مِنْهُم تقية، وَهِي الحذر عَن إِظْهَار مَا فِي الضَّمِير من العقيدة وَنَحْوهَا عِنْد النَّاس.
وَقَالَ: ﴿إِنَّ الذِينَ توفاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَا كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرُضُ الله واسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولئِكَ مَأُواهُمْ جَهَنَّمْ وسآءَت مَصِيراً﴾
إِلَى قَوْله: ﴿وسَاءَتْ مَصِيراً﴾
أَي: وَقَالَ الله : ﴿فِيهِءَايَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَءَامِناً وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ هَكَذَا وَقع فِي بعض النّسخ وَفِيه تَغْيِير لِأَن قَوْله: ﴿فِيهِءَايَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَءَامِناً وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿فِيهِءَايَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَءَامِناً وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ من آيَة وتمامها ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الَاْرْضِ قَالْو اْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَائِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ قَوْله: من آيَة أُخْرَى مُتَقَدّمَة على الْآيَة الْمَذْكُورَة، وأولها قَوْله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَاذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً﴾ وَالصَّحِيح هُوَ الَّذِي وَقع فِي بعض النّسخ، وَنسب إِلَى أبي ذَر، وَهُوَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الَاْرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَائِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ إِلَى قَوْله: ﴿فَأُوْلَائِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ قَالَ: ﴿فَأُوْلَائِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ هَاتَانِ آيتان: الأولى هِيَ قَوْله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الَاْرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَائِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ إِلَى قَوْله ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الَاْرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَائِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ وَهِي أَيْضا آيتان. الثَّانِيَة قَوْله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَاذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَاذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً﴾ وَهِي مُتَقَدّمَة على الْآيَة الأولى وأولها قَوْله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَاذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً﴾ الْآيَة أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: وَقَالَ، أَي: وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ إِلَى آخِره.
وَقد اخْتلف الشُّرَّاح فِي هَذَا الْموضع حَتَّى خرج بَعضهم عَن مَسْلَك الصَّوَاب، فَقَالَ ابْن بطال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الَاْرْضِ قَالْو اْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَائِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ إِلَى قَوْله: ﴿فَأُوْلَائِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ وَقَالَ: انْتهى. قلت: ذكر هُنَا آيَتَيْنِ متواليتين أولاهما هِيَ قَوْله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الَاْرْضِ قَالْو اْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَائِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ إِلَى قَوْله: وتمامها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الَاْرْضِ قَالْو اْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَائِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ وَالْأُخْرَى هِيَ قَوْله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الَاْرْضِ قَالْو اْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَائِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً إِلَاّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ وَلَيْسَ فِيهِ تَغْيِير للتلاوة. وَقَالَ بَعضهم: إِلَّا أَن فِيهِ تَصرفا فِيمَا سَاقه المُصَنّف. قلت: فِيمَا سَاقه أَيْضا نظر لَا يخفى، وَقَالَ ابْن التِّين: قَوْله ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الَاْرْضِ قَالْو اْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَائِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ : إِلَى قَوْله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الَاْرْضِ قَالْو اْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَائِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ لَيْسَ التِّلَاوَة كَذَلِك لِأَن قَوْله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الَاْرْضِ قَالْو اْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَائِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ قبل هَذَا قَالَ وَوَقع فِي بعض النّسخ إِلَى قَوْله: غَفُور رَحِيم وَفِي بَعْضهَا ﴿فَأُوْلَائِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ وَقَالَ: ﴿إِلَاّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ إِلَى قَوْله: ﴿من لَدُنْك نَصِيرًا﴾ وَهَذَا على سَبِيل التَّنْزِيل، وَقَالَ بَعضهم: كَذَا قَالَ فَأَخْطَأَ فالآية الَّتِي آخرهَا: أَولهَا ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ بِالْوَاو لَا بِلَفْظ: إِلَّا، وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح وَوَقع فِي الْآيَتَيْنِ تَخْلِيط فِي شرح ابْن التِّين قلت: وَالصَّوَاب مَا ذكرنَا. ثمَّ نذْكر شرح الْآيَات الْمَذْكُورَة.
فَقَوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الَاْرْضِ قَالْو اْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَائِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ روى ابْن حَاتِم بِإِسْنَادِهِ إِلَى عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كَانَ قوم من أهل مَكَّة أَسْلمُوا وَكَانُوا يخفون إسْلَامهمْ، فَأخْرجهُمْ الْمُشْركُونَ يَوْم بدر مَعَهم فأصيب بَعضهم، قَالَ الْمُسلمُونَ: كَانَ أَصْحَابنَا هَؤُلَاءِ مُسلمين وأكرهوا فاستغفروا لَهُم، فَنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الَاْرْضِ قَالْو اْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَائِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ الْآيَة قَوْله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الَاْرْضِ قَالْو اْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَائِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ أَي: بترك الْهِجْرَة. قَوْله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الَاْرْضِ قَالْو اْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَائِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ : مكثتم هَاهُنَا، وتركتم الْهِجْرَة. قَالُوا: كُنَّا مستضعفين فِي
стр. 7215
الأَرْض أَي: لَا نقدر على الْخُرُوج من الْبَلَد وَلَا الذّهاب فِي الأَرْض ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الَاْرْضِ قَالْو اْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَائِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ الْآيَة وَقَالَ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ إِلَى سَمُرَة بن جُنْدُب: أما بعد، قَالَ رَسُول الله من جَاءَ مَعَ الْمُشرك وَسكن مَعَه فَإِنَّهُ مثله. قَوْله: ﴿إِلَاّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ الْآيَة، عذر من الله لهَؤُلَاء فِي ترك الْهِجْرَة وَذَلِكَ لأَنهم لَا يقدرُونَ على التَّخَلُّص من أَيدي الْمُشْركين، وَلَو قدرُوا مَا عرفُوا يسلكون الطَّرِيق، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأُوْلَائِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ وَقَالَ عِكْرِمَة: يَعْنِي نهوضاً إِلَى الْمَدِينَة، وَقَالَ السّديّ: يَعْنِي مَالا، وَقَالَ الضَّحَّاك: يَعْنِي طَرِيقا. قَوْله: ﴿فَأُوْلَائِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ أَي: يتَجَاوَز عَنْهُم تَركهم الْهِجْرَة، وَعَسَى من الله مُوجبَة. قَوْله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَاذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً﴾ أَي: فِي الْجِهَاد. قَوْله: ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ أَي: وَفِي الْمُسْتَضْعَفِينَ أَي: فِي استنقاذهم. قَوْله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَاذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً﴾ كلمة: من، بَيَانِيَّة قَوْله: من هَذِه الْقرْيَة، يَعْنِي: مَكَّة ووصفها بقوله: ﴿الظَّالِم أَهلهَا﴾ قَوْله: ﴿وليا﴾ أَي: ناصراً.
فَعَذَرَ الله المُسْتَضْعَفِينَ الّذينَ لَا يَمْتَنِعُونَ مِنْ تَرْكِ مَا أمَرَ الله بِهِ، والمُكْرَهُ لَا يَكُونُ إلَاّ مُسْتَضْعَفاً غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنْ فِعْلِ مَا أُمِر بِهِ.
قَوْله: فعذر الله أَي: جعلهم معذورين. قَوْله: غير مُمْتَنع غَرَضه أَن المستضعف لَا يقدر على الِامْتِنَاع من الْفِعْل فَهُوَ فَاعل لأمر الْمُكْره. فَهُوَ مَعْذُور.
وَقَالَ الحَسَنُ التَّقِيَّةُ إِلَى يَوْمِ القِيامَةِ.
أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: التقية ثَابِتَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، لم تكن مُخْتَصَّة بعصره وَوَصله ابْن أبي شيبَة عَن هشيم عَن وَكِيع عَن قَتَادَة عَنهُ.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ، فِيمَنْ يُكْرِهُهُ اللُّصُوصُ فَيُطَلِّقُ: لَيْسَ بِشَيْءٍ.
أَي: قَالَ عبد الله بن عَبَّاس فِيمَن يكرههُ اللُّصُوص على طَلَاق امْرَأَته فيطلق امْرَأَته، قَوْله: لَيْسَ بِشَيْء، أَي: لَا يَقع طَلَاقه، وَهَذَا كَأَنَّهُ مَبْنِيّ على أَن الْإِكْرَاه يتَحَقَّق من كل قَادر عَلَيْهِ، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا إِكْرَاه إلَاّ من سُلْطَان وَأثر ابْن عَبَّاس أخرجه عبد الرَّزَّاق بِسَنَد صَحِيح عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ لَا يرى طَلَاق الْمُكْره شَيْئا، وَذكر ابْن وهب عَن عمر بن الْخطاب وَعلي وَابْن عَبَّاس أَنهم كَانُوا لَا يرَوْنَ طَلَاقه شَيْئا، وَذكره ابْن الْمُنْذر عَن ابْن الزبير وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَعَطَاء وَطَاوُس وَالْحسن وَشُرَيْح وَالقَاسِم وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر، وأجازت طَائِفَة طَلَاقه، رُوِيَ ذَلِك عَن الشّعبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَأبي قلَابَة وَالزهْرِيّ وَقَتَادَة، وَهُوَ قَول الْكُوفِيّين.
وبِهِ قَالَ ابنُ عُمَرَ وابنُ الزُّبَيْرِ والشَّعْبِيُّ والحَسَنُ.
أَي: وَبقول ابْن عَبَّاس قَالَ عبد الله بن عمر وَعبد الله بن الزبير وعامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ، وَعَن الشّعبِيّ إِن أكرهه اللُّصُوص فَلَيْسَ بِطَلَاق، وَإِن أكرهه السُّلْطَان فَهُوَ طَلَاق. قلت: هُوَ مَذْهَب أَبُو حنيفَة. رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَمَا ذَكرْنَاهُ.
وَقَالَ النَّبيُّ ﷺ الأعْمالُ بِالنِّيَّةِ
هَذَا الحَدِيث قد مضى فِي أول الْكتاب مطولا مَوْصُولا، وَقد بَينا هُنَاكَ اخْتِلَاف لفظ الْعَمَل ثمَّ وَجه إِيرَاد هَذَا الحَدِيث هُنَا الْإِشَارَة إِلَى الرَّد على من فرق فِي الْإِكْرَاه بَين القَوْل وَالْفِعْل وَهُوَ مَذْهَب الظَّاهِرِيَّة، فَإِنَّهُم فرقوا بَينهمَا. قَالَ ابْن حزم: الْإِكْرَاه قِسْمَانِ: إِكْرَاه على كَلَام، وإكراه على فعل. فَالْأول لَا يجب بِهِ شَيْء: كالكفر وَالْقَذْف وَالْإِقْرَار بِالنِّكَاحِ وَالرَّجْعَة وَالطَّلَاق وَالْبيع والابتياع وَالنُّذُور والأيمان وَالْعِتْق وَالْهِبَة وَغير ذَلِك. وَالثَّانِي: على قسمَيْنِ:
стр. 7216
أَحدهمَا مَا تبيحه الضَّرُورَة كَالْأَكْلِ وَالشرب، فَهَذَا يبيحه الْإِكْرَاه فَمن أكره على شَيْء من ذَلِك فَلَا يلْزمه شَيْء لِأَنَّهُ أَتَى مُبَاحا لَهُ إِتْيَانه. وَالْآخر: مَا لَا تبيحه كَالْقَتْلِ والجراح وَالضَّرْب وإفساد الْأَمْوَال، فَهَذَا لَا يبيحه الْإِكْرَاه، فَمن أكره على شَيْء من ذَلِك لزمَه. وَفِي التَّوْضِيح وَقَالَت طَائِفَة: الْإِكْرَاه فِي القَوْل وَالْفِعْل سَوَاء إِذا أسر الْإِيمَان، رُوِيَ ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب، وَهُوَ قَول مَكْحُول وَمَالك وَطَائِفَة من أهل الْعرَاق.
ثمَّ وَجه الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور على التَّسْوِيَة بَين القَوْل وَالْفِعْل وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور، هُوَ أَن الْعَمَل يتَنَاوَل فعل الْجَوَارِح والقلوب والأقوال. فَإِن قلت: إِذا كَانَ كَذَلِك يحْتَاج كل فعل إِلَى نِيَّة وَالْمكْره لَا نِيَّة لَهُ، فَلَا يُؤَاخذ. قلت: لَهُ نِيَّة وَهِي نِيَّة عدم الْفِعْل الَّذِي أكره عَلَيْهِ. فَإِن قلت: يَنْبَغِي على هَذَا أَن لَا يُؤَاخذ النَّاس والمخطىء فِي الطَّلَاق وَالْعتاق وَنَحْوهمَا، لِأَنَّهُ لَا نِيَّة لَهما. قلت: بل يُؤَاخذ فَيصح طَلَاقه حَتَّى لَو قَالَ: اسْقِنِي، فَجرى على لِسَانه: أَنْت طَالِق، وَقع الطَّلَاق لِأَن الْقَصْد أَمر باطني لَا يُوقف عَلَيْهِ فَلَا يتَعَلَّق الحكم لوُجُود حَقِيقَته بل يتَعَلَّق بِالسَّبَبِ الظَّاهِر الدَّال وَهُوَ أَهْلِيَّته، وَالْقَصْد بِالْبُلُوغِ وَالْعقل. فَإِن قلت: يَنْبَغِي على هَذَا أَن يَقع طَلَاق النَّائِم. قلت: الْمَانِع هُوَ قَوْله، ﵇: رفع الْقَلَم عَن ثَلَاث.
٦٩٤٠ - حدّثنا يَحْياى بنُ بُكَيْرٍ، حدّثنا اللَّيْثُ، عنْ خالِدِ بنِ يَزِيدَ، عنْ سعيدِ بنِ أبي هِلالٍ، عنْ هِلالِ بنِ أُسامَةَ أنَّ أَبَا سَلَمَة بنَ عَبْدِ الرَّحْمانِ أخْبَرَهُ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ النبيَّ كانَ يَدْعُو فِي الصَّلاةِ: اللَّهُم أنْجِ عيَّاشَ بنَ أبي رَبِيعَةَ، وسَلَمَةَ بنَ هِشامٍ والوَلِيدَ، بنَ الوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أنْجِ المُسْتَضعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأتَكَ عَلى مُضَرَ وابْعَثْ عَلَيْهِمْ سِنينَ كَسِنِي يُوسُفَ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن هَؤُلَاءِ الَّذين كَانَ النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، يَدْعُو لَهُم كَانُوا مكرهين فِي مَكَّة أَو من حَيْثُ إِن الْمُكْره لَا يكون إلَاّ مستضعفاً.
وخَالِد بن يزِيد من الزِّيَادَة الجُمَحِي الإسْكَنْدراني الْفَقِيه، وَسَعِيد بن أبي هِلَال اللَّيْثِيّ الْمدنِي، وهلال بن أُسَامَة مَنْسُوب إِلَى جده هُوَ هِلَال بن عَليّ، وَيُقَال لَهُ: هِلَال بن أبي مَيْمُونَة وَيُقَال: ابْن أبي هِلَال.
والْحَدِيث مضى فِي الاسْتِسْقَاء عَن قُتَيْبَة عَن مُغيرَة بن عبد الرحمان عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ... الخ.
قَوْله: فِي الصَّلَاة أَي: فِي الْقُنُوت، وَكَانَ هَذَا سَبَب الْقُنُوت، وَعَيَّاش بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة ابْن أبي ربيعَة من بني مخروم، وَسَلَمَة بن هِشَام أَخُو أبي جهل، والوليد بن الْوَلِيد ابْن عَم أبي جهل، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ من الْمُؤمنِينَ من بعدهمْ من بَاب ذكر الْعَام بعد الْخَاص. قَوْله: وطأتك الْوَطْأَة الدوس بالقدم، وَهَذَا مجَاز عَن الْأَخْذ بالقهر والشدة. قَوْله: على مُضر بِضَم الْمِيم وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة: أَبُو قُرَيْش.
١ - (بابُ مَنِ اخْتارَ الضّرْبَ والقَتلَ والهَوانَ عَلى الكُفْرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من اخْتَار فِي الْإِكْرَاه الضَّرْب وَالْقَتْل والهوان أَي: الذلة والتضعف والتحقر.
٦٩٤١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ حَوْشَبٍ الطَّائِفِيُّ، حدّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ أيُّوبُ عنْ أبي قِلابَةَ، عنْ أنَسٍ، ﵁، قَالَ: قَالَ رسولُ الله ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإيمانِ أنْ يَكُونَ الله ورسولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُما، وأنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لله، وأنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من آخر الحَدِيث من حَيْثُ إِنَّه سوى بَين كَرَاهِيَة الْكفْر وَبَين كَرَاهَة دُخُول النَّار وَالْقَتْل وَالضَّرْب، والهوان أسهل عِنْد الْمُؤمن من دُخُول النَّار، فَيكون أسهل من الْكفْر إِن اخْتَار الْأَخْذ بالشدة.
وَعبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد
стр. 7217
الثَّقَفِيّ، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَأَبُو قلَابَة بِكَسْر الْقَاف عبد الله بن زيد الْجرْمِي.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب حلاوة الْإِيمَان بِهَذَا السَّنَد، غير أَن شَيْخه هُنَاكَ مُحَمَّد بن الْمثنى، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: ثَلَاث أَي: ثَلَاث خِصَال. قَالَ الْكرْمَانِي وَالْجُمْلَة بعده إِمَّا صفة أَو خبر لَهُ. قلت: على قَوْله: صفة، كَلَامه ظَاهر، وَأما على قَوْله: أَو خبر، فَفِيهِ نظر. قَوْله: أَن يكون كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة وَهُوَ خبر لمبتدأ مَحْذُوف تَقْدِيره، أَو الثَّلَاث كَون الله وَرَسُوله فِي محبته إيَّاهُمَا أَكثر محبَّة من محبَّة سواهُمَا. قَوْله: وَأَن يحب الْمَرْء أَي: وَالثَّانِي أَن يحب الْمَرْء بالتقدير الْمَذْكُور. قَوْله: وَأَن يكره أَي: وَالثَّالِث أَن يكره، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ لمن قَالَ: وَمن عصاهما فقد غوي: بئس الْخَطِيب أَنْت ثمَّ أجَاب بقوله: ذمه لِأَن الْخطْبَة لَيْسَ مَحل الِاخْتِصَار فَكَانَ غير مُوَافق لمقْتَضى الْمقَام.
٦٩٤٢ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ سُلَيْمانَ، حدّثنا عَبَّادٌ، عنْ إسْماعِيلَ سَمِعْتُ قَيْساً سَمِعْتُ سَعيد بنَ زَيْدٍ يَقُولُ: لَقَدْ رَأيْتُني وإنَّ عُمَرَ موثِقِي عَلى الإسْلامِ وَلَو انْقَضَّ أُحُدٌ مِمَّا فَعَلْتُمْ بِعُثْمانَ كانَ مَحْقُوقاً أنْ يَنْقَضَّ.
انْظُر الحَدِيث ٣٨٦٢ وطرفه
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن عُثْمَان بن عَفَّان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، اخْتَار الْقَتْل على الْإِتْيَان بِمَا يُرْضِي القتلة، فاختياره على الْكفْر بِالطَّرِيقِ الأولى.
وَسَعِيد بن سُلَيْمَان الوَاسِطِيّ سكن بَغْدَاد يلقب بسعدويه، وَعباد بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن الْعَوام بتَشْديد الْوَاو والواسطى، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد، وَقيس هُوَ ابْن أبي حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي، وَسَعِيد بن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل وَهُوَ ابْن عَم عمر بن الْخطاب بن نفَيْل.
والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب إِسْلَام سعيد بن زيد، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن قُتَيْبَة بن سعيد عَن سُفْيَان عَن إِسْمَاعِيل عَن قيس، قَالَ: سَمِعت سعيد بن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل فِي مَسْجِد الْكُوفَة يَقُول: وَالله لقد رَأَيْتنِي وَإِن عمر لموثقي على الْإِسْلَام قبل أَن يسلم عمر، وَلَو أَن أحدا انقض للَّذي صَنَعْتُم بعثمان لَكَانَ محقوقاً أَن ينْقض.
قَوْله: لقد رَأَيْتنِي أَي: لقد رَأَيْت نَفسِي وَهُوَ من خَصَائِص أَفعَال الْقُلُوب. قَوْله: وَإِن عمر أَي: عمر بن الْخطاب، ﵁. الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: موثقي اسْم فَاعل من الإيثاق وَهُوَ الإحكام وَأَرَادَ بِهِ يثبتني على الْإِسْلَام، وأصل هَذَا من الوثاق وَهُوَ حَبل أَو قيد يشد بِهِ الْأَسير وَالدَّابَّة. قَوْله: وَلَو انقض من الانقضاض بِالْقَافِ وَهُوَ الانصداع والانشقاق، وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة انفض بِالْفَاءِ. قَوْله: أحد بِضَمَّتَيْنِ وَهُوَ الْجَبَل الْمَعْرُوف بِالْمَدِينَةِ. قَوْله: مِمَّا فَعلْتُمْ أَي: بِسَبَب مَا فَعلْتُمْ بعثمان بن عَفَّان من الْمُخَالفَة لَهُ وَالْخُرُوج عَن طَاعَته وَهُوَ أَمِير الْمُؤمنِينَ ثمَّ حصرهم إِيَّاه ثمَّ قَتلهمْ لَهُ ظلما وعدواناً. قَوْله: محقوقاً أَي: جَدِيرًا أَن ينْقض أَي: ينشق وينصدع.
٦٩٤٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا يَحْياى عنْ إسْماعِيل، حدّثنا قَيْسٌ عنْ خَبَّابِ بنِ الأرَتِّ قَالَ: شَكَوْنا إِلَى رسولِ الله وهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةَ فَقُلْنا: أَلا تَسْتَنْصرُ لَنا؟ أَلا تَدْعُو لَنا؟ فَقَالَ: قَدْ كانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لهُ فِي الأرْضِ فَيُجْعَلُ فِيها فَيُجاءُ بِالمِنْشارِ فَيُوضَعُ عَلى رَأسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ ويُمْشَطُ بِأمْشاطِ الحَدِيدِ مَا دونَ لَحْمِهِ وعَظْمِهِ فَما يَصُدُّهُ ذالِكَ عنْ دِينِهِ، وَالله لَيَتِمَّنَّ هاذا الأمْرُ حتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخافُ إلاّ الله والذِّئْبَ عَلى غَنَمِهِ، ولاكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ
انْظُر الحَدِيث ٣٦١٢ وطرفه
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ دلَالَة طلب خباب دُعَاء من النَّبِي ﷺ على الْكفَّار لكَوْنهم تَحت قهرهم وأذاهم كالمكرهين بِمَا لَا يُرِيدُونَ.
وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْقطَّان، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد، وَقيس هُوَ ابْن أبي حَازِم الْمَذْكُورَان عَن قريب، وخباب بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى ابْن الْأَرَت بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق ابْن جندلة مولى خُزَاعَة.
والْحَدِيث مضى فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى، وَفِي مبعث النَّبِي وَمضى
стр. 7218
الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: بَردة لَهُ ويروى: مُتَوَسِّد بردة فِي ظلّ الْكَعْبَة، وَهُوَ كسَاء أسود مربع وَالْجمع برود وأبراد. قَوْله: أَلا فِي الْمَوْضِعَيْنِ للتحضيض، قَالَ ابْن بطال: إِنَّمَا يجب النَّبِي سُؤال خباب وَمن مَعَه بِالدُّعَاءِ على الْكفَّار مَعَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ لِأَنَّهُ علم أَنه قد سبق الْقدر بِمَا جرى عَلَيْهِم من الْبلوى ليؤجروا عَلَيْهَا، وَأما غير الْأَنْبِيَاء فَوَاجِب عَلَيْهِم الدُّعَاء عِنْد كل نازلة لعدم اطلاعهم على مَا اطلع عَلَيْهِ النَّبِي وَقَالَ بَعضهم: وَلَيْسَ فِي الحَدِيث تَصْرِيح بِأَنَّهُ لم يدعُ لَهُم بل يحْتَمل أَنه قد دَعَا. قلت: هَذَا احْتِمَال بعيد لِأَنَّهُ لَو كَانَ دَعَا لَهُم لما قَالَ: قد كَانَ من كَانَ قبلكُمْ الخ وَقَوله هَذَا تَسْلِيَة لَهُم وَإِشَارَة إِلَى الصَّبْر على ذَلِك لينقضي أَمر الله ، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَإِلَى ذَلِك الْإِشَارَة يَعْنِي إِلَى مَا قَالَه من الِاحْتِمَال بقوله: وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُون قلت: هَذَا لَا يدل على أَنه دَعَا لَهُم بل هَذَا يدل على أَنهم لَا يستعجلون فِي إِجَابَة الدُّعَاء فِي الدُّنْيَا، على أَن الظَّاهِر مِنْهُ ترك الاستعجال فِي هَذَا الْوَقْت وَلَو كَانَ يُجَاب لَهُم فِيمَا بعد. قَوْله: يُؤْخَذ يَعْنِي مِنْهُم. قَوْله: بِالْمِنْشَارِ بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون وَهِي الْآلَة الَّتِي ينشر بهَا الأخشاب ويروى الميشار، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف من وَشر الْخَشَبَة إِذا نشرها غير مَهْمُوز، وَفِيه لُغَة بِالْهَمْزَةِ من: أشر الْخَشَبَة. قَوْله: مَا دون لَحْمه وعظمه أَي: من تحتهما، ويروى: من دون لَحْمه. قَوْله: فَمَا يصده أَي: فَمَا يمنعهُ. قَوْله: هَذَا الْأَمر أَي: الْإِسْلَام. قَوْله: من صنعاء بِالْمدِّ، وَهِي قَاعِدَة الْيمن ومدينتها الْعُظْمَى وحضرموت بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَالْمِيم وبضم الْمِيم أَيْضا وبالهمزة بَلْدَة أَيْضا بِالْيمن. وَهُوَ كبعلبك فِي الْإِعْرَاب. قَوْله: وَالذِّئْب بِالنّصب عطف على لَفْظَة: الله أَي: وَلَا يخَاف الذِّئْب على غنمه. فَافْهَم.
٢ - (بابٌ فِي بَيْعِ المُكْرَهِ ونَحْوِهِ فِي الحَقِّ وغَيْرِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان بيع الْمُكْره. قَوْله: وَنَحْوه الْمُضْطَر. قَوْله: فِي الْحق أَي: فِي المالي. قَوْله: وَغَيره أَي: غير الْحق. قيل: لَا دخل لهَذِهِ اللَّفْظَة فِيهِ لِأَن الحَدِيث فِي بيع الْيَهُود وَهُوَ إِكْرَاه بِحَق، وَأجَاب الْكرْمَانِي بِأَن المُرَاد بِالْحَقِّ المالي وَغَيره الْجلاء بِالْجِيم أَو المُرَاد بِالْحَقِّ الْجلاء، وَالْمرَاد بِغَيْر مثل الْجِنَايَات.
٦٩٤٤ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله، حدّثنا اللَّيْثُ عنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عنْ أبِيهِ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: بَيْنَما نَحْنُ فِي المَسْجِدِ إذْ خَرَجَ عَليْنا رسولُ الله فَقَالَ: انْطَلِقُوا إِلَى يهُودَ فَخَرَجْنا مَعَهُ حتَّى جِئْنا بَيْتَ المِدْراسِ، فقامَ النبيُّ فَناداهُمْ يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أسْلِمُوا تَسْلَمُوا فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يابا القاسِمِ، فَقَالَ: ذالِك أُريدُ ثُمَّ قالَها الثَّانِيَةَ، فقالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يابا القاسِمِ، ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: اعْلَمُوا أنَّ الأرْضَ لله ورَسولِهِ، وإنِّي أُرِيدُ أنْ أُجْلِيَكُمْ فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمالِهِ شَيْئاً فَلْيَبِعْهُ، وإلَاّ فاعْلَمُوا أنَّ الأرْضَ لله ورسُولِهِ
انْظُر الحَدِيث ٣١٦٧ وطرفه
قيل: لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة لِأَن الحَدِيث أشبه بِبيع الْمُضْطَر، فَإِن الْمُكْره على البيع هُوَ الَّذِي يحمل على بيع الشَّيْء أَرَادَ أَو لم يرد، وَالْيَهُود شحوا على أَمْوَالهم فَاخْتَارُوا بيعهَا فصاروا كَأَنَّهُمْ اضطروا إِلَى بيعهَا فصاروا كالمضطرب إِلَى بيع مَاله عِنْد تضييق دائنه عَلَيْهِ، فَيكون جَائِزا، وَلَو أكره عَلَيْهِ لم يجز وَأجِيب بِأَنَّهُ لَو كَانَ الْإِلْزَام بِالْبيعِ من جِهَة الشَّرْع لجَاز على أَنا قد ذكرنَا أَن المُرَاد بقوله فِي التَّرْجَمَة: بِبيع الْمُكْره، وَنَحْوه، هُوَ الْمُضْطَر، وَقيل: ترْجم بِالْحَقِّ وَغَيره وَلم يذكر إِلَّا الشق الأول. وَأجِيب: بِأَن مُرَاده بِالْحَقِّ الدّين، وَبِغَيْرِهِ مَا عداهُ مِمَّا يكون بَيْعه لَازِما، لِأَن الْيَهُود أكْرهُوا على بيع أَمْوَالهم لَا لدين عَلَيْهِم.
وَعبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى الأويسي الْمدنِي يروي عَن اللَّيْث بن سعد عَن سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه كيسَان عَن أبي هُرَيْرَة.
والْحَدِيث مضى فِي الْجِزْيَة عَن عبد الله بن يُوسُف عَن اللَّيْث وَسَيَجِيءُ فِي الِاعْتِصَام عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي. وَأَبُو دَاوُد فِي الْخراج. وَالنَّسَائِيّ فِي السّير جَمِيعًا عَن قُتَيْبَة.
قَوْله: يهود غير منصرف. قَوْله: بَيت الْمِدْرَاس بكسرالميم وبالسين الْمُهْملَة
стр. 7219
على وزن مفعال وزن الْآلَة وَهُوَ الْموضع الَّذِي كَانُوا يقرأُون فِيهِ التَّوْرَاة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: مفعال غَرِيب فِي الْمَكَان، وَالظَّاهِر أَنه للْمُبَالَغَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَإِضَافَة الْبَيْت إِلَيْهِ من إِضَافَة الْعَام إِلَى الْخَاص نَحْو شجر الْأَرَاك. قَوْله: فناداهم وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فَنَادَى. قَوْله: أَسْلمُوا بِكَسْر اللَّام أَمر، و: تسلموا من السَّلامَة جَوَابه. قَوْله: يَا أَبَا الْقَاسِم أَصله يَا أَبَا الْقَاسِم. حذفت الْهمزَة للتَّخْفِيف. قَوْله: ذَلِك أُرِيد أَي: بِقَوْلِي: أَسْلمُوا يَعْنِي: إِن اعترفتم أنني بلغتكم سقط عني الْحَرج. قَوْله: اعلموا أَن الأَرْض وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: إِنَّمَا الأَرْض فِي الْمَوْضِعَيْنِ. قَوْله: وَرَسُوله قَالَ الدَّاودِيّ: لله افْتِتَاح كَلَام. وَقَوله: وَرَسُوله، حَقِيقَة لِأَنَّهَا فِيمَا لم يوجف الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ بخيل وَلَا ركاب، وَقَالَ غَيره: المُرَاد أَن الحكم لله فِي ذَلِك وَلِلرَّسُولِ لكَونه الْمبلغ عَنهُ الْقَائِم بتنفيذ أوامره. قَوْله: أجليكم بِضَم الْهمزَة من الإجلاء وَهُوَ الْإِخْرَاج عَن أَرضهم. قَوْله: فَمن وجد مِنْكُم بِمَالِه، قَالَ الْكرْمَانِي: الْبَاء فِيهِ للمقابلة.
٣ - (بابٌ لَا يَجُوزُ نِكاحُ المكْرَهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَنه لَا يجوز نِكَاح الْمُكْره.
﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَءَاتُوهُمْ مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِىءَاتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الْحَيَواةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ اللَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
قَالَ صَاحب التَّوْضِيح إِدْخَال البُخَارِيّ هَذِه الْآيَة فِي هَذَا الْبَاب لَا أَدْرِي مَا وَجهه، ثمَّ استدرك مَا ذكره بِمَا فِيهِ الْجَواب وَهُوَ أَنه إِذا نهى عَن الْإِكْرَاه فِيمَا لَا يحل فالنهي عَن الْإِكْرَاه فِيمَا يحل بِالطَّرِيقِ الأولى. قَالَ الثَّعْلَبِيّ: هَذِه الْآيَة نزلت فِي معَاذَة ومسيكة جاريتي عبد الله بن أبي الْمُنَافِق، كَانَ يكرههما على الزِّنَا بضريبة يَأْخُذهَا مِنْهُمَا، وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي الْجَاهِلِيَّة يؤاجرون إماءهم، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام قَالَت معَاذَة لمسيكة: إِن هَذَا الْأَمر الَّذِي نَحن فِيهِ لَا يخل من وَجْهَيْن: فَإِن يكن خيرا فقد استكثرنا مِنْهُ، وَإِن يكن شرا فقد آن لنا أَن ندعه: فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة. قَوْله: فَتَيَاتكُم أَي: إماءكم جمع فتاة. قَوْله: على الْبغاء أَي: على الزِّنَا. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: يُقَال بَغت الْمَرْأَة تبغي بغياً بِالْكَسْرِ إِذا زنت فَهِيَ بغي فَجعلُوا الْبغاء على زنة الْعُيُوب كالحران والشراد لِأَن الزِّنَى عيب. قَوْله: إِن أردن كلمة: إِن، هُنَا بِمَعْنى إِذا أردن وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الشَّرْط، لِأَنَّهُ لَا يجوز إكراههن على الزِّنَى إِن لم يردن تَحَصُّنًا نظيرها. قَوْله تَعَالَى: ﴿ال م﴾ والتحصن التعفف. قَوْله: وَمن يكرههن أَي: بعد النَّهْي لَهُنَّ فَإِن الله غَفُور رَحِيم والوزر على الْمُكْره.
٦٩٤٥ - حدّثنا يَحْياى بنُ قَزَعَةَ، حدّثنا مالِكٌ، عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ القاسِمِ، عنْ أبِيهِ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ ومُجَمِّعِ ابْنَيْ يَزِيدَ بنِ جارِيَةَ الأنْصارِيِّ، عنْ خَنْساءَ بِنْتِ خِذَامٍ الأنْصارِيَّةِ، أنَّ أَبَاهَا زَوَّجهَا وهِيَ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى بن قزعة بِفَتْح الْقَاف وَالزَّاي وَالْعين الْمُهْملَة الْحِجَازِي من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَعبد الرحمان بن الْقَاسِم يروي عَن أَبِيه الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمجمع على وزن اسْم الْفَاعِل من التجمع ابْن يزِيد بن جَارِيَة بِالْجِيم وبالياء آخر الْحُرُوف. قَالَ أَبُو عمر: يزِيد بن جَارِيَة وَالِد عبد الرحمان، شهد خطْبَة الْوَدَاع وروى مِنْهَا ألفاظاً، وخنساء بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وبالسين الْمُهْملَة وبالمد بنت خذام بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الذَّال الْمُعْجَمَة ابْن وَدِيعَة الْأَنْصَارِيَّة من الْأَوْس.
والْحَدِيث مضى فِي النِّكَاح فِي: بَاب لَا ينْكح الْأَب وَغَيره الْبكر والثيبِ إلَاّ بِرِضَاهَا، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: وَهِي ثيب كَذَا فِي رِوَايَة مَالك، وروى مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن حجاج بن السَّائِب عَن أَبِيه عَن جدته خنساء بنت خذام، قَالَ: وَكَانَت أَيّمَا من رجل فَزَوجهَا أَبوهَا رجلا من بني عَوْف ... الحَدِيث، وَقَالَ مُحَمَّد بن سَحْنُون: جمع أَصْحَابنَا على إبِْطَال نِكَاح الْمُكْره والمكرهة، قَالُوا: وَلَا يجوز الْمقَام عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم ينْعَقد، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم:
стр. 7220
لَا يلْزم الْمُكْره مَا أكره عَلَيْهِ من نِكَاح أَو طَلَاق أَو عتق أَو غَيره، وَقَالَ مُحَمَّد بن سَحْنُون: وَأَجَازَ أهل الْعرَاق نِكَاح الْمُكْره.
٦٩٤٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ، حدّثنا سُفيْانُ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عنِ ابنِ أبي مُلَيْكَةَ، عنْ أبي عَمْرٍ ووهُوَ ذَكْوَانُ عنْ عائِشَةَ، ﵂، قالَتْ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله تُسْتأْمَرُ النِّساءُ فِي أبْضاعِهنَّ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ فإنَّ البِكْرَ تَسْتَأْمَرُ فَتَسْتَحِي فَتَسْكُتُ، قَالَ: سُكاتُها إذْنُها
انْظُر الحَدِيث ٥١٣٧ وطرفه
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ يفهم مِنْهُ أَن نِكَاح الْبكر لَا يجوز إلَاّ بِرِضَاهَا وَبِغير رِضَاهَا يكون حكمهَا حكم الْمُكْره.
وَمُحَمّد بن يُوسُف يجوز أَن يكون الْفرْيَابِيّ وَشَيْخه سُفْيَان الثَّوْريّ، وَيجوز أَن يكون البيكندي البُخَارِيّ وَشَيْخه سُفْيَان بن عُيَيْنَة، فَإِن كلّاً من السفيانين مَشْهُور بالرواية عَن ابْن جريج وَهُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج وَلَكِن جزم أَبُو نعيم أَن هَذَا الحَدِيث إِنَّمَا هُوَ عَن الْفرْيَابِيّ فَإِنَّهُ إِذا أطلق سُفْيَان وَلم ينْسبهُ فَهُوَ الثَّوْريّ، وَإِذا أَرَادَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة نسبه، وَابْن أبي مليكَة هُوَ عبيد الله بن عبد الله أَو عبد الرحمان بن أبي مليكَة بِضَم الْمِيم واسْمه زُهَيْر التَّيْمِيّ الْمَكِّيّ الْأَحول القَاضِي على عهد ابْن الزبير، وَأَبُو عَمْرو بِفَتْح الْعين اسْمه ذكْوَان مولى عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَكَانَت قد دَبرته.
وَمضى الحَدِيث فِي النِّكَاح.
قَوْله: تستأمر على صِيغَة الْمَجْهُول يَعْنِي: تستشار النِّسَاء فِي عقد نِكَاحهَا. قَوْله: فِي إبضاعهن قَالَ الْكرْمَانِي: جمع بضع. قلت: لَيْسَ كَذَلِك وَلَيْسَ بِجمع بل هُوَ بِكَسْر الْهمزَة من أبضعت الْمَرْأَة إبضاعاً، إِذا زوجتها. قَوْله: فتستحي بياء وَاحِدَة وَفِيه لُغَة أُخْرَى: فتستحيي، بياءين. قَوْله: سكاتها وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: سكُوتهَا، وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي تقدّمت فِي النِّكَاح بِلَفْظ: صمتها.
٤ - (بابٌ إِذا أُكْرِهَ حتَّى وهَبَ عَبْداً أوْ باعَهُ لَمْ يَجُزْ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أكره الرجل حَتَّى وهب عَبده لشخص أَو بَاعه لَهُ لم يجز، أَي: لم يَصح لَا الْهِبَة وَلَا البيع، وَالْعَبْد بَاقٍ على ملكه.
وبِهِ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ.
أَي: بالحكم الْمَذْكُور قَالَ بعض النَّاس وَهُوَ: عدم جَوَاز هبة الْمُكْره عَبده، وَكَذَا بَيْعه. قلت: إِن أَرَادَ بِبَعْض النَّاس الْحَنَفِيَّة فمذهبهم لَيْسَ كَذَلِك، فَإِن مَذْهَبهم أَن شخصا إِذا أكره على بيع مَاله أوهبته لشخص أَو على إِقْرَاره بِأَلف مثلا لشخص وَنَحْو ذَلِك، فَبَاعَ أَو وهب وَأقر، ثمَّ زَالَ الْإِكْرَاه فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ أمضى هَذِه الْأَشْيَاء وَإِن شَاءَ فَسخهَا، لِأَن الْملك ثَبت بِالْعقدِ لصدوره من أَهله فِي مَحَله إلَاّ أَنه قد شَرط الْحل، وَهُوَ التَّرَاضِي، فَصَارَ كَغَيْرِهِ من الشُّرُوط الْمفْسدَة، حَتَّى لَو تصرف فِيهِ تَصرفا لَا يقبل النَّقْض: كَالْعِتْقِ وَالتَّدْبِير وَنَحْوهمَا، لَا ينفذ وَتلْزَمهُ الْقيمَة، وَإِن، أجَازه جَازَ لوُجُود التَّرَاضِي، بِخِلَاف البيع الْفَاسِد لِأَن الْفساد لحق الشَّرْع.
فإنْ نذَرَ المُشْتَرِي فِيهِ نَذْراً فَهْوَ جائِزٌ بِزَعْمِهِ.
أَرَادَ بِهَذَا الْكَلَام التشنيع على هَؤُلَاءِ الْبَعْض من النَّاس، وَإِثْبَات تناقضهم فِي كَلَامهم أَي: قَالَ هَؤُلَاءِ الْبَعْض: فَإِن نذر المُشْتَرِي يَعْنِي: المُشْتَرِي من الْمُكْره فِي الَّذِي اشْتَرَاهُ نذرا فَهُوَ جَائِز قَوْله: بِزَعْمِهِ، أَي: بقوله.
وكَذَلِكَ إنْ دَبَّرهُ.
أَي: وَكَذَلِكَ قَالَ هَؤُلَاءِ الْبَعْض: إِن دبر المُشْتَرِي من الْمُكْره العَبْد الَّذِي اشْتَرَاهُ، وَبَيَان التَّنَاقُض الَّذِي زَعمه البُخَارِيّ فِيمَا قَالَه الْكرْمَانِي: قَالَ: قَالَ الْمَشَايِخ: إِذا قَالَ البُخَارِيّ بعض النَّاس يُرِيد بِهِ الْحَنَفِيَّة، وغرضه أَن يبين أَن كَلَامهم متناقض
стр. 7221
لِأَن بيع الْإِكْرَاه هَل هُوَ ناقل للْملك إِلَى المُشْتَرِي أم لَا، فَإِن قَالُوا: نعم، فصح مِنْهُ جَمِيع التَّصَرُّفَات، وَلَا يخْتَص بِالنذرِ وَالتَّدْبِير، وَإِن قَالُوا: لَا، فَلَا يصحان هما أَيْضا، وَأَيْضًا فِيهِ تحكم وَتَخْصِيص. قلت: أَولا لَيْسَ مَذْهَب الْحَنَفِيَّة فِي هَذَا كَمَا زَعمه البُخَارِيّ كَمَا ذكرنَا، وَثَانِيا: إِنَّا نمْنَع هَذَا الترديد فِي نقل الْملك وَعَدَمه بل الْملك يثبت بِالْعقدِ لصدوره من أَهله فِي مَحَله، إلَاّ أَنه قد شَرط الْحل وَهُوَ التَّرَاضِي، فَصَارَ كَغَيْرِهِ من الشُّرُوط الْمفْسدَة حَتَّى لَو تصرف فِيهِ تَصرفا لَا يقبل النَّقْض: كَالْعِتْقِ وَالتَّدْبِير وَنَحْوهمَا، ينفذ وَتلْزَمهُ الْقيمَة، وَإِن أجَازه جَازَ لوُجُود التَّرَاضِي، بِخِلَاف البيع الْفَاسِد لِأَن الْفساد لحق الشَّرْع.
٦٩٤٧ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ، حدّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، عنْ عَمْرِو بنِ دِينارٍ، عنْ جابِرٍ، ﵁، أنَّ رجُلاً مِنَ الأنْصارِ دَبَّرَ مَمْلُوكاً ولَمْ يكُنْ لهُ مالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رسولَ الله فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ فاشْتَرَاهُ نعَيْمُ النَّحَّامُ بِثَمَانِمائَةِ دِرْهَمٍ قَالَ: فَسَمِعْتُ جابِراً يَقُولُ: عَبْداً قِبْطِيّاً ماتَ عامَ أوَّلَ.
قَالَ الدَّاودِيّ مَا حَاصله: أَنه لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة لِأَنَّهُ لَا إِكْرَاه فِيهِ، ثمَّ قَالَ: إلَاّ أَن يُرَاد أَنه، بَاعه وَكَانَ كالمكره لَهُ على بَيْعه.
وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل والْحَدِيث مضى فِي الْعتْق.
قَوْله: أَن رجلا اسْمه أَبُو مَذْكُور، والمملوك اسْمه يَعْقُوب، وَالْمُشْتَرِي نعيم بِضَم النُّون وَفتح الْعين الْمُهْملَة، وَقد وَقع فِي بعض النّسخ: نعيم بن النحام، وَالصَّوَاب: نعيم النحام، بِدُونِ لفظ الابْن لِأَنَّهُ قَالَ سَمِعت فِي الْجنَّة نحمة نعيم، أَي: سعلته فَهُوَ صفته لَا صفة أَبِيه. قَوْله: عبدا قبطياً أَي: من قبط مصر.
وَفِيه: جَوَاز بيع الْمُدبر، قيل: هُوَ حجَّة على الْحَنَفِيَّة فِي منع بيع الْمُدبر، وَأَجَابُوا بِأَن هَذَا مَحْمُول على الْمُدبر الْمُقَيد، وَهُوَ يجوز بَيْعه إلَاّ أَن يثبتوا أَنه كَانَ مُدبرا مُطلقًا، وَلَا يقدرُونَ على ذَلِك، وَكَونه لم يكن لَهُ مَال غَيره لَيْسَ عِلّة لجَوَاز بَيْعه، لِأَن الْمَذْهَب فِيهِ أَن يسْعَى فِي قِيمَته، وَجَوَاب آخر: أَنه مَحْمُول على بيع الْخدمَة وَالْمَنْفَعَة لَا بيع الرَّقَبَة، لما روى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن أبي جَعْفَر أَنه قَالَ: شهِدت الحَدِيث من جَابر إِنَّمَا أذن فِي بيع خدمته، وَأَبُو جَعْفَر ثِقَة.
٥ - (بابٌ مِنَ الإكْرَاهِ. كَرْهٌ وكُرْهٌ واحِدٌ)
أَي: هَذَا بَاب فِي جملَة مَا ورد فِي أَمر الْإِكْرَاه مِمَّا تضمنته الْآيَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب، وفيهَا لفظ: كرها، بِفَتْح الْكَاف أَشَارَ البُخَارِيّ بِأَن لفظ: كره، بِالْفَتْح وَكره بِالضَّمِّ وَاحِد فِي الْمَعْنى. قَوْله: كره وَكره بِالرَّفْع ويروى: كرها وَكرها على مَا فِي الْآيَة وَهُوَ الْأَوْجه، وَلم يَقع هَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَقيل: الكره بِالضَّمِّ مَا أكرهت نَفسك عَلَيْهِ، وبالفتح مَا أكرهك عَلَيْهِ غَيْرك.
٦٩٤٨ - حدّثنا حُسَيْنُ بنُ مَنْصُورٍ، حدّثنا أسْباطُ بنُ مُحَمدٍ حدّثنا الشَّيْبانِيُّ سُلَيْمانُ بنُ فَيْرُوزِ، عنْ عِكْرِمَةَ، عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ الشَّيْبانِيُّ. وحدّثني عَطاءٌ أبُو الحَسَنِ السُّوَائِيُّ وَلَا أظُنُّهُ إلاّ ذَكَرَهُ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، ﵄: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهاً وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَاّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ الآيَة، قَالَ: كانُوا إذَا ماتَ الرَّجُلُ كَانَ أوْلِياؤُهُ أحَقَّ بامْرَأتِهِ، إنْ شاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَها وإنْ شاؤُوا زَوَّجَها، وإنْ شاؤُوا لَمْ يُزَوِّجْها، فَهُمْ أحَقُّ بِها مِنْ أهْلها، فَنَزَلَتْ هاذِهِ الآيَةُ بِذَلِكَ.
انْظُر الحَدِيث ٤٥٧٩
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: كرها فِي الْآيَة.
وحسين بن مَنْصُور النَّيْسَابُورِي مَا لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الْموضع، مَاتَ سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وأسباط بِلَفْظ الْجمع ابْن مُحَمَّد الْقرشِي الْكُوفِي، وَعَطَاء أَبُو الْحسن السوَائِي بِضَم السِّين الْمُهْملَة وخفة الْوَاو وبالهمزة بعد الْألف نِسْبَة إِلَى سَوَاء بن عَامر بن صعصعة بن مُعَاوِيَة بن بكر بن هوَازن بطن كَبِير، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ.
والْحَدِيث مر تَفْسِيره فِي سُورَة النِّسَاء.
قَوْله: قَالَ: كَانَ ويروى: كَانُوا، وَهِي الْأَصَح. قَوْله: فهم أَي: أهل الرجل، ويروى:
стр. 7222
وهم، بِالْوَاو. قَوْله: فِي ذَلِك ويروى: بذلك.
وَقَالَ الْمُهلب: فَائِدَة: هَذَا الْبَاب وَالله أعلم التَّعْرِيف بِأَن كل من أمسك امْرَأَة لأجل الْإِرْث مِنْهَا طَمَعا أَن تَمُوت فَلَا يحل لَهُ ذَلِك بِنَصّ الْقُرْآن.
٦ - (بابٌ إذَا اسْتُكْرِهَتِ المَرْأة عَلى الزِّنى فلَا حَدَّ عَلَيْها)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا استكرهت الْمَرْأَة على الزِّنَى فَلَا يجب الْحَد عَلَيْهَا لِأَنَّهَا مُكْرَهَة.
لِقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَءَاتُوهُمْ مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِىءَاتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الْحَيَواةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ اللَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
ويروى: فِي قَوْله تَعَالَى، وَالْأول أصوب. وَجه مُنَاسبَة الْآيَة للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهَا دلَالَة على أَن لَا إِثْم على المكرهة على الزِّنَا فَيلْزم أَن لَا يجب عَلَيْهَا الْحَد. قَوْله: وَمن يكرههن أَي: بعد النَّهْي بقوله تَعَالَى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَءَاتُوهُمْ مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِىءَاتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الْحَيَواةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ اللَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ قَوْله: غَفُور رَحِيم أَي: لَهُنَّ وَقد قرىء فِي الشاذ: فَإِن الله من بعد إكراهن لَهُنَّ غَفُور رَحِيم، وَهِي قراء ابْن مَسْعُود وَجَابِر وَسَعِيد بن جُبَير، ونسبت أَيْضا إِلَى ابْن عَبَّاس، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: يُسْتَفَاد مِنْهُ الْوَعيد الشَّديد للمكرهين لَهُنَّ، وَفِي ذكر الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة تَعْرِيض وَتَقْدِيره: انْتَهوا أَيهَا المكرهون فَإِنَّهُنَّ مَعَ كونهن مكرهات قد يؤاخذن لَوْلَا رَحْمَة الله ومغفرته فَكيف بكم أَنْتُم؟ .
٦٩٤٩ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حدّثني نافِعٌ أنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أبي عُبَيْدٍ أخْبَرَتْهُ: أنَّ عبدا مِنْ رَقِيقِ الإمارَةِ وقَعَ عَلى ولِيدَةٍ مِنَ الخُمسِ، فاسْتكْرَهَها حتَّى افْتَضَّها، فَجَلَدَهُ عُمَرُ الحَدَّ ونَفاهُ، ولَمْ يَجْلِدِ الوَلِيدَةَ مِنْ أجْلِ أنهُ اسْتَكْرَهَها.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَتَعْلِيق اللَّيْث بن سعد الَّذِي رَوَاهُ عَن نَافِع مولى ابْن عمر وَصله أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ عَن الْعَلَاء بن مُوسَى عَن اللَّيْث، وَصفِيَّة بنت أبي عبيد الثقفية امْرَأَة عبد الله بن عمر، ويروى: ابْنة أبي عبيد.
قَوْله: الْإِمَارَة بِكَسْر الْهمزَة أَي: من مَال الْخَلِيفَة وَهُوَ عمر ﵁.
قَوْله: من الْخمس أَي: من مَال خمس الْغَنِيمَة الَّذِي يتَعَلَّق التَّصَرُّف فِيهِ بِالْإِمَامِ وَمعنى قَوْله: وَقع على وليدة زنا بهَا. قَوْله: افتضها أَي أَزَال بَكَارَتهَا. ومادته قَاف وضاد مُعْجمَة مَأْخُوذَة من القضة بِكَسْر الْقَاف وَهِي عذرة البكرة.
وَفِيه: إِن عمر كَانَ يرى نفي الرَّقِيق كَالْحرِّ من الْبَلَد يَعْنِي: يغربه نصف سنة لِأَن حَده نصف حد الْحر فِي الْجلد، وَاخْتلفُوا فِي وجوب الصَدَاق لَهَا، فَقَالَ عَطاء وَالزهْرِيّ: نعم، وَهُوَ قَول مَالك وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر، وَقَالَ الشّعبِيّ: إِذا أقيم عَلَيْهَا الْحَد فَلَا صدَاق لَهَا وَهُوَ قَول الْكُوفِيّين.
قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي الأمَةِ البِكْرِ يَفْتَرِعُها الحُرُّ: يُقيمُ ذالكَ الحَكَمُ مِنَ الأمَةِ العَذْراءِ بِقدْرِ قِيمَتها، ويُجْلَدُ ولَيْسَ فِي الأمَةِ الثَّيِّبِ فِي قَضاءِ الأئِمَّةِ غُرْمٌ، ولَكِنْ علَيْهِ الحَدُّ.
أَي: قَالَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ ... إِلَى آخِره. قَوْله: يفترعها بِالْفَاءِ وَالرَّاء وَالْعين الْمُهْملَة أَي: يفتضها. قَوْله: يُقيم قَالَ الْكرْمَانِي: وَيُقِيم إِمَّا بِمَعْنى يقوم وَإِمَّا من قَامَت الْأمة مائَة دِينَار إِذا بلغت قيمتهَا. قَوْله: ذَلِك أَي: الاقتراع. قَوْله: الحكم بِفتْحَتَيْنِ أَي: الْحَاكِم. قَوْله: الْعَذْرَاء أَي: الْبكر. قَوْله: بِقدر قيمتهَا أَي: على الَّذِي افتضها، ويروى: بِقدر ثمنهَا، وَالْمعْنَى: أَن الْحَاكِم يَأْخُذ من المفترع دِيَة الافتراع نِسْبَة قيمتهَا أَي أرش النَّقْص وَهُوَ التَّفَاوُت بَين كَونهَا بكرا وثيباً. وَفَائِدَة قَوْله: ويجلد دفع توهم من يظنّ أَن الْغرم يُغني عَن الْجلد. قَوْله: غرم أَي: غَرَامَة، وَقَول مَالك كَقَوْل الزُّهْرِيّ كَمَا نقل عَن الْمُهلب.
٦٩٥٠ - حدّثنا أبُو اليَمانِ، حدّثنا شُعَيْبٌ، حدّثنا أبُو الزِّنادِ، عنِ الأعْرَجِ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله هاجَرَ إبْرَاهِيمُ بِسارَةَ دَخَلَ بِها قَرْيَةً فِيها مَلِكٌ مِن المُلُوكِ أوْ جَبَّارٌ مِنَ الجَبابرَة فأرْسَلَ إلَيْهِ: أنْ أرْسِلْ إلَيَّ بهَا، فأرْسَلَ بِها، فقامَ إلَيْها فقامَتْ تَوَضَّأ وتصَلِّي. فقالَت:
стр. 7223
اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وبِرَسُولِكَ، فَلا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الكافِرِ، فَغُطَّ حتَّى ركَضَ بِرِجْلِهِ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة من حَيْثُ إِنَّه كَمَا لَا ملامة عَلَيْهَا فِي الْخلْوَة مَعَه إِكْرَاها، فَكَذَلِك المستكرهة فِي الزِّنَا لَا حد عَلَيْهَا، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي، وَصَاحب التَّوْضِيح قلت: الْأَقْرَب أَن يُقَال: وَجه الْمُطَابقَة من حَيْثُ إِنَّه أكره إِبْرَاهِيم، ﵇، على إرسالها إِلَيْهِ.
وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرحمان بن هُرْمُز.
وَمضى الحَدِيث فِي آخر البيع، وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، ﵈.
قَوْله: هَاجر إِبْرَاهِيم ﵇ قَالَ الْكرْمَانِي: من الْعرَاق إِلَى الشَّام. قلت: قَالَ أهل السّير: من بَيت الْمُقَدّس إِلَى مصر، وَسَارة أم إِسْحَاق ﵉. قَوْله: دخل بهَا قَرْيَة قَالَ الْكرْمَانِي: هِيَ حران بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء وبالنون، وَهِي كَانَت مَدِينَة عَظِيمَة تعدل ديار مصر فِي حد الجزيرة بَين الْفُرَات ودجلة، وَالْيَوْم هِيَ خرابة، قيل: كَانَ مولد إِبْرَاهِيم بهَا، وَقَول الْكرْمَانِي: قَرْيَة هِيَ حران فِيهِ نظر، وَالَّذِي ذكره أهل السّير: هِيَ مصر، وَمِمَّا يُؤَيّد هَذَا الَّذِي ذكره قَول من قَالَ: إِن حران هِيَ الَّتِي ولد فِيهَا إِبْرَاهِيم ﵇. قَوْله: أَو جَبَّار شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: فَأرْسل إِلَيْهِ أَي: أرسل ذَلِك الْجَبَّار إِلَى إِبْرَاهِيم، ﵇، فَأرْسل بهَا إِبْرَاهِيم ﵇، كرها. قَوْله: تَوَضَّأ بِضَم الْهمزَة أَصله: تتوضأ، فحذفت مِنْهُ إِحْدَى التَّاءَيْنِ. قَوْله: إِن كنت لَيْسَ على الشَّك لِأَنَّهَا لم تكن شاكة فِي إيمَانهَا، وَإِنَّمَا هُوَ على خلاف مُقْتَضى الظَّاهِر، فيؤول بِنَحْوِ: إِن كنت مَقْبُولَة الْإِيمَان. قَوْله: فغط بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الطَّاء الْمُهْملَة أَي: خنق وصرع، وَقَالَ الدَّاودِيّ: ورويناه هُنَا بِالْعينِ الْمُهْملَة، وَيحْتَمل أَن يكون من العطعطة وَهِي حِكَايَة صَوت، وَقَالَ الشَّيْبَانِيّ: العطوط المغلوب ذكره الْجَوْهَرِي فِي بَاب الْعين الْمُهْملَة. قَوْله: حَتَّى ركض بِرجلِهِ أَي: حركه وَدفع وَجمع، وَلم يذكر البُخَارِيّ حكم إِكْرَاه الرجل على الزِّنَى، فَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَنه لَا حد عَلَيْهِ. وَقَالَ مَالك وَجَمَاعَة: عَلَيْهِ الْحَد لِأَنَّهُ لَا تَنْتَشِر الْآلَة إلَاّ بلذة، وَسَوَاء أكرهه سُلْطَان أَو غَيره، وَعَن أبي حنيفَة: لَا يحد إِن أكرهه سُلْطَان، وَخَالفهُ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد، رحمهمَا الله تَعَالَى.
٧ - (بابُ يَمِينِ الرَّجُلِ لِصاحِبهِ إنَّهُ أخُوهُ إِذا خافَ عَلَيْهِ القَتْل أوْ نَحْوَهُ، وكَذالِكَ كُلُّ مُكْرَهٍ يَخافُ فإنَّهُ يَذُبُّ عَنْهُ الظَّالِمَ ويُقاتِلُ دُونَهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، فإنْ قاتَلَ دُونَ المَظْلُومِ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَلَا قِصاصَ.)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان يَمِين الرجل أَنه أَخُوهُ إِذا خَافَ عَلَيْهِ الْقَتْل بِأَن يقْتله ظَالِم إِن لم يحلف الْيَمين الَّذِي أكرهه الظَّالِم عَلَيْهَا قَوْله: أَو نَحوه أَي: أَو نَحوه الْقَتْل، مثل قطع الْيَد أَو قطع عُضْو من أَعْضَائِهِ. قَوْله: فَإِنَّهُ يذب بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَضم الذَّال الْمُعْجَمَة أَي: يدْفع عَنهُ الظَّالِم، ويروى: الْمَظَالِم، جمع مظْلمَة ويروى: ويدرء عَنهُ الظَّالِم، أَي: يَدْفَعهُ ويمنعه مِنْهُ. قَوْله: وَيُقَاتل دونه أَي: يُقَاتل عَنهُ وَلَا يَخْذُلهُ لَهُ أَي: لَا يتْرك نصرته. قَوْله: فَإِن قَاتل دون الْمَظْلُوم أَي: عَن الْمَظْلُوم. قَوْله: فَلَا قَود عَلَيْهِ وَلَا قصاص قَالَ صَاحب التَّوْضِيح يُرِيد وَلَا دِيَة لِأَن الدِّيَة تسمى أرشاً، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لم كرر الْقود إِذْ هُوَ الْقصاص بِعَيْنِه ثمَّ أجَاب بِأَنَّهُ لَا تكْرَار إِذْ الْقصاص أَعم من أَن يكون فِي النَّفس، وَيسْتَعْمل غَالِبا فِي القواد أَو هُوَ تَأْكِيد. قلت: فِي الْجَواب الثَّانِي نظر لَا يخفى، وَقَالَ ابْن بطال: ذهب مَالك وَالْجُمْهُور إِلَى أَن من أكره على يَمِين إِن لم يحلفها قتل أَخُوهُ الْمُسلم أَنه لَا حنث عَلَيْهِ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ يَحْنَث لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ أَن يوري، فَلَمَّا ترك التورية صَار قَاصِدا للْيَمِين، فَيحنث.
وإنْ قِيلَ لهُ: لَتَشْرَبَنَّ الخَمْرَ أوْ لَتَأْكُلَنَّ المَيْتَةَ أوْ لَتَبيعَنَّ عَبْدَكَ أوْ تُقِرُّ بِدَيْنٍ أوْ تَهَبُ هِبَةً وكُلَّ عُقْدَةٍ أوْ لَنَقْتُلَنَّ أباكَ أوْ أخاكَ فِي الإسْلامِ، وَسعَهُ ذالِكَ لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ المُسْلِمُ أخُو المُسلِمِ.
стр. 7224
أَي: إِن قيل لرجل يَعْنِي: لَو قَالَ رجل لرجل لتشربن الْخمر وأكرهه على ذَلِك، أَو قَالَ: لتأكلن الْميتَة وأكرهه على ذَلِك، أَو قَالَ لَهُ: لتبيعن عَبدك وأكرهه على ذَلِك، وَهَذِه الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة كلهَا مُؤَكدَة بالنُّون الثَّقِيلَة وباللامات الْمَفْتُوحَة فِي أوائلها. قَوْله: أَو تقر أَي: أَو قَالَ لَهُ: لتقر بدين لفُلَان وأكرهه على ذَلِك، أَو قَالَ لَهُ: تهب هبة لفُلَان وأكرهه على ذَلِك، قَوْله: وكل عقدَة لفظ كل مُضَافَة إِلَى لفظ عقدَة وَهُوَ مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف أَي: كَذَلِك، نَحْو أَن يَقُول: لتقرضن أَو لتؤجرن وَنَحْوهمَا. ويروى: أَو تحل عقدَة، عطف على مَا قبله، وَتحل فعل مضارع مُخَاطب من الْحل بِالْحَاء الْمُهْملَة، قَالَ الْكرْمَانِي: المُرَاد بِحل الْعقْدَة فَسخهَا. قَوْله: أَبَاك أَو أَخَاك فِي الْإِسْلَام، إِنَّمَا قيد بِالْإِسْلَامِ ليجعله أَعم من الْأَخ الْقَرِيب من النّسَب. قَوْله: وَسعه ذَلِك، أَي: جَازَ لَهُ لَهُ لَنَقْتُلَنَّ أَبَاك أَو قَالَ أَي الْأكل وَالشرب وَالْإِقْرَار وَالْهِبَة لتخليص الْأَب وَالْأَخ فِي الدّين، يَعْنِي: الْمُؤمن عَن الْقَتْل. وَقَالَ ابْن بطال: مُرَاد البُخَارِيّ أَن من هدد بقتل وَالِده أَو بقتل أَخِيه فِي الْإِسْلَام إِن لم يفعل شَيْئا من الْمعاصِي أَو يقر على نَفسه بدين لَيْسَ عَلَيْهِ، أَو يهب شَيْئا لغيره بِغَيْر طيب نفس مِنْهُ، أَو يحل عقدا كَالطَّلَاقِ وَالْعتاق بِغَيْر اخْتِيَاره، فَلهُ أَن يفعل جَمِيع مَا هدده بِهِ لينجو أَبوهُ من الْقَتْل، وَكَذَا أَخُوهُ الْمُسلم. قَوْله: لقَوْل النَّبِي دَلِيل. قَوْله: أَو أَخَاك فِي الْإِسْلَام، وَقد تقدم هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب الْمَظَالِم.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لوْ قِيلَ لهُ لَتَشْرَبَنَّ الخَمْرَ أوْ لَتأْكُلَّنَّ المَيْتَةَ. أوْ لَتَقْتُلَنَّ ابْنَكَ أوْ أباكَ أوْ ذَا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ لم يَسَعْهُ، لأنَّ هاذا لَيْسَ بِمُضْطَرَ ثُمَّ ناقَضَ، فَقَالَ: إنْ قِيلَ لهُ لَنَقْتُلَنَّ أباكَ أوِ ابْنَكَ أوْ لَتَبِيعَنَّ هاذا العَبْدَ أوْ تُقِرُّ بِدِينٍ أَو تَهَبُ، يَلْزَمُهُ فِي القِياسِ، ولاكِنَّا نَسْتَحْسِنُ ونَقُولُ: البَيْعُ والهِبَةُ وكُلُّ عُقْدَةٍ فِي ذالِكَ باطِلٌ، فَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مُحَرِّمٍ وغَيْرِهِ بِغَيْرِ كِتابٍ وَلَا سُنَّةٍ.
قيل أَرَادَ بِبَعْض النَّاس الْحَنَفِيَّة. قَوْله: لَو قيل لَهُ أَي: قَالَ ظَالِم لرجل وَأَرَادَ قتل وَالِده: لتشربن الْخمر أَو لتأكلن الْميتَة. قَوْله: أَو لَنَقْتُلَنَّ ابْنك أَي: أَو قَالَ: لَنَقْتُلَنَّ ابْنك إِن لم تفعل مَا أَقُول لَك. قَوْله: أَو ذَا رحم محرم أَي: أَو قَالَ: لَنَقْتُلَنَّ ذَا رحم محرم لَك إِن لم تفعل كَذَا، وَالْمحرم هُوَ من لَا يحل نِكَاحهَا أبدا لِحُرْمَتِهِ. قَوْله: لم يَسعهُ أَي: لم يَسعهُ أَن يفعل مَا أمره بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بمضطر فِي ذَلِك لِأَن الْإِكْرَاه إِنَّمَا يكون فِيمَا يتَوَجَّه إِلَى الْإِنْسَان فِي خَاصَّة نَفسه لَا فِي غَيره، وَلَيْسَ لَهُ أَن يدْفع بهَا معاصي غَيره، فَإِن فعل يَأْثَم، وَعند الْجُمْهُور: لَا يَأْثَم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يُقَال: إِنَّه لَيْسَ بمضطر لِأَنَّهُ مُخَيّر فِي أُمُور مُتعَدِّدَة والتخيير يُنَافِي الْإِكْرَاه. وَقَالَ بَعضهم. قَوْله: فِي أُمُور مُتعَدِّدَة لَيْسَ كَذَلِك، بل الَّذِي يظْهر أَن: أَو، فِيهِ للتنويع لَا للتَّخْيِير وَأَنَّهَا أَمْثِلَة لأمثال وَاحِد. قلت: مَا الَّذِي يظْهر أَن: أَو، فِيهِ للتنويع؟ بل هِيَ للتَّخْيِير لِأَنَّهَا وَقعت بعد الطّلب. قَوْله: ثمَّ نَاقض الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى بعض النَّاس بَيَان التَّنَاقُض على زَعمه أَنهم قَالُوا بِعَدَمِ الْإِكْرَاه فِي الصُّورَة الأولى، وَقَالُوا بِهِ فِي الصُّورَة الثَّانِيَة من حَيْثُ الْقيَاس، ثمَّ قَالُوا بِبُطْلَان البيع وَنَحْوه اسْتِحْسَانًا، فقد ناقضوا إِذْ يلْزم القَوْل بِالْإِكْرَاهِ، وَقد قَالُوا بِعَدَمِ الْإِكْرَاه. قلت: هَذِه المناقضة مَمْنُوعَة لِأَن الْمُجْتَهد يجوز لَهُ أَن يُخَالف قِيَاس قَوْله بالاستحسان، وَالِاسْتِحْسَان حجَّة عِنْد الْحَنَفِيَّة. قَوْله: فرقوا بَين كل ذِي رحم محرم وَغَيره بِغَيْر كتاب وَلَا سنة أَرَادَ بِهِ أَن مَذْهَب الْحَنَفِيَّة فِي ذِي الرَّحِم بِخِلَاف مَذْهَبهم فِي الْأَجْنَبِيّ، فَلَو قيل لرجل: لتقتلن هَذَا الرجل الْأَجْنَبِيّ أَو لتبيعن كَذَا، فَفعل لينجيه من الْقَتْل لزمَه البيع، وَلَو قيل لَهُ ذَلِك فِي ذِي رحم محرم لم يلْزمه مَا عقده. قلت: هَذَا أَيْضا بطرِيق الِاسْتِحْسَان، وَهُوَ غير خَارج عَن الْكتاب وَالسّنة. أما الْكتاب فَقَوله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَائِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَائِكَ هُمْ أُوْلُو الَاْلْبَابِ﴾ وَأما السّنة فَقَوله مَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَمَا ذكره البُخَارِيّ من أَمْثَال هَذِه المباحث غير مُنَاسِب لوضع هَذَا الْكتاب إِذْ هُوَ خَارج عَن فنه. قلت: أنكر عَلَيْهِ بَعضهم هَذَا الْكَلَام، فَقَالَ: للْبُخَارِيّ أُسْوَة بالأئمة الَّذين سلك طريقهم: كالشافعي وَأبي ثَوْر والْحميدِي وَأحمد وَإِسْحَاق، فَهَذِهِ طريقتهم فِي الْبَحْث. انْتهى. قلت: لم يسْلك أحد مِنْهُم فِيمَا جمعه من الحَدِيث خَاصَّة هَذَا المسلك، وَإِنَّمَا ذكرُوا فِي مؤلفات مُشْتَمِلَة على الْأُصُول وَالْفُرُوع، وَإِن ذكر أحد
стр. 7225
مِنْهُم هَذِه المباحث فِي كتب الحَدِيث خَاصَّة فَالْكَلَام عَلَيْهِ أَيْضا وَارِد على أَن أحدا لَا يُنَازع أَن البُخَارِيّ لَا يُسَاوِي الشَّافِعِي فِي الْفِقْه، وَلَا فِي الْبَحْث عَن مثل هَذِه المباحث.
وَقَالَ النبيُّ قَالَ إبْراهِيمُ لامْرَأتهِ: هاذِهِ أُخْتِي وذالِكَ فِي الله.
هَذَا اسْتشْهد بِهِ البُخَارِيّ على عدم الْفرق بَين الْقَرِيب وَالْأَجْنَبِيّ فِي هَذَا الْبَاب، وَبَيَان ذَلِك أَن إِبْرَاهِيم، ﵇، قَالَ لامْرَأَته وَهِي سارة. وَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني: هَذِه أُخْتِي، يَعْنِي فِي الْإِسْلَام، فَإِذا كَانَت أُخْته فِي الْإِسْلَام وَجَبت عَلَيْهِ حمايتها وَالدَّفْع عَنْهَا. قَوْله: وَذَلِكَ فِي الله من كَلَام البُخَارِيّ، يَعْنِي: قَوْله: هَذِه أُخْتِي، لإِرَادَة التَّخَلُّص فِيمَا بَينه وَبَين الله. قلت: فرقهم. بَين الْقَرِيب وَالْأَجْنَبِيّ أَيْضا استسحان لِأَنَّهُ إِذا وَجَبت حماية أَخِيه الْمُسلم فِي الدّين على مَا قَالُوا، فحماية قَرِيبه أوجب.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ: إِذا كانَ المُسْتَخلِفُ ظالِماً فَنِيَّةُ الحالِفِ، وإنْ كَانَ مَظْلُوماً فَنِيَّةُ المُسْتَحْلِفِ.
أَي: قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: إِذا كَانَ المستحلف ظَالِما فَالْمُعْتَبر نِيَّة الْحَالِف، وَإِن كَانَ مَظْلُوما فَالْمُعْتَبر نِيَّة المستحلف. قيل: كَيفَ يكون المستحلف مَظْلُوما. وَأجِيب: بِأَن الْمُدَّعِي المحق إِذا لم تكن لَهُ نِيَّة ويستحلفه الْمُدعى عَلَيْهِ فَهُوَ مظلوم، وَأثر إِبْرَاهِيم هَذَا وَصله مُحَمَّد بن الْحسن فِي كتاب الْآثَار عَن أبي حنيفَة عَن حَمَّاد عَنهُ بِلَفْظ: إِذا اسْتحْلف الرجل وَهُوَ مظلوم فاليمين على مَا نوى وعَلى مَا روى، وَإِذا كَانَ ظَالِما فاليمين على نِيَّة من استحلفه. وَقَالَ ابْن بطال: قَول النَّخعِيّ يدل على أَن النِّيَّة عِنْده نِيَّة الْمَظْلُوم أبدا، أَو إِلَى مثله ذهب مَالك وَالْجُمْهُور، وَعند أبي حنيفَة: النِّيَّة نِيَّة الْحَالِف أبدا، وَقَالَ غَيره: وَمذهب الشَّافِعِي أَن الْحلف إِذا كَانَ عِنْد الْحَاكِم فالنية نِيَّة الْحَاكِم. وَهِي رَاجِعَة إِلَى نِيَّة صَاحب الْحق، وَإِن كَانَ فِي غير الْحَاكِم فالنية نِيَّة الْحَالِف.
٦٩٥١ - حدّثنا يَحْيى بنُ بُكَيْرٍ، حَدثنَا اللَّيْثُ، عنْ عُقَيْلٍ، عنِ ابنِ شِهابٍ أنَّ سالِماً أخبَرَهُ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ، ﵄، أخْبَرَهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: المُسْلَمُ أخُو المُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُه وَلَا يُسْلِمُهُ، ومَنْ كانَ فِي حاجَةِ أخِيهِ كانَ الله فِي حاجَتِهِ
انْظُر الحَدِيث ٢٤٤٢
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمُسلم تجب عَلَيْهِ حماية أَخِيه الْمُسلم.
والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الْمَظَالِم بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد بأتم مِنْهُ.
قَوْله: وَلَا يُسلمهُ من الْإِسْلَام وَهُوَ الخذلان. قَوْله: فِي حَاجته أَي: فِي قَضَاء حَاجته.
٦٩٥٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عبْدِ الرَّحِيمِ، حدّثنا سَعيدُ بنُ سُلَيْمانَ، حَدثنَا هُشَيْمٌ، أخبرنَا عُبَيْدُ الله بنُ أبي بَكْره بنِ أنَسٍ عنْ أنَسٍ، ﵁، قَالَ: قَالَ رسولُ الله انْصُرْ أخاكَ ظالِماً أوْ مَظْلُوماً فَقَالَ رجُلٌ: يَا رسولَ الله أنْصُرُهُ إذَا كانَ مَظْلُوماً؟ أفَرَأيْتَ إذَا كَانَ ظالِماً كَيْفَ أنْصُرُهُ؟ قَالَ: تَحْجُزُه أوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ، فإنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ
انْظُر الحَدِيث ٢٤٤٣ وطرفه
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن عبد الرَّحِيم الْبَزَّاز بمعجمتين الملقب بصاعقة وَهُوَ من طبقَة البُخَارِيّ فِي أَكثر شُيُوخه، وَسَعِيد بن سُلَيْمَان الوَاسِطِيّ سكن بَغْدَاد وَهُوَ أَيْضا من شُيُوخ البُخَارِيّ. وَقد روى عَنهُ بِغَيْر وَاسِطَة فِي مَوَاضِع، وهشيم مصغر هشيم ابْن بشير مصغر بشر الوَاسِطِيّ، وَعبيد الله بن أبي بكر بن أنس يروي عَن جده أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث مر فِي كتاب الْمَظَالِم من حَدِيث عبيد الله بن أبي بكر بن أنس وَحميد الطَّوِيل سمعا أنس بن مَالك يَقُول: قَالَ رَسُول الله انصر أَخَاك ظَالِما أَو مَظْلُوما انْتهى هَذَا الْمِقْدَار. وَأخرجه فِيهِ أَيْضا عَن مُسَدّد عَن مُعْتَمر عَن حميد عَن أنس، قَالَ: قَالَ رَسُول الله انصر أَخَاك ظَالِما أَو مَظْلُوما. قَالُوا: يَا رَسُول الله هَذَا ننصره مَظْلُوما
стр. 7226
فَكيف ننصره ظَالِما؟ قَالَ: تَأْخُذ فَوق يَده
قَوْله: أَفَرَأَيْت أَي: أَخْبرنِي وَالْفَاء عاطفة على مُقَدّر بعد الْهمزَة، وَفِيه نَوْعَانِ من الْمجَاز أطلق الرُّؤْيَة وَأَرَادَ، الْإِخْبَار، وَأطلق الِاسْتِفْهَام وَأَرَادَ الْأَمر، والعلاقتان ظاهرتان، وَكَذَا الْقَرِينَة. قَوْله إِذا كَانَ ظَالِما كَيفَ أنصره؟ أَي: كَيفَ أنصره على ظلمه؟ قَوْله: تحجزه بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْجِيم وَالزَّاي: تَمنعهُ، ويروى: تحجره بالراء مَوضِع الزَّاي من الْحجر وَهُوَ الْمَنْع. قَوْله: أَو تَمنعهُ شكّ من الرَّاوِي قَوْله: فَإِن ذَلِك أَي: مَنعه عَن الظُّلم نَصره
(كتابُ الحِيَلِ)
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان الْحِيَل وَهُوَ جمع حِيلَة وَهِي مَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْمَقْصُود بطرِيق خَفِي. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْحِيلَة بِالْكَسْرِ اسْم من الاحتيال. ذكره فِي فصل الْيَاء. ثمَّ قَالَ: وَهُوَ من الْوَاو: وَيُقَال هُوَ أُحِيل مِنْك وأحول مِنْك أَي: أَكثر حِيلَة، وَمَا أحيله لُغَة فِيمَا أحوله.
١ - (بابٌ فِي تَركِ الحِيَلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ترك الْحِيَل، قيل: أَشَارَ بِلَفْظ التّرْك إِلَى دفع توهم جَوَاز الْحِيَل فِي التَّرْجَمَة الأولى. قلت: التَّرْجَمَة الأولى بعمومها تتَنَاوَل الْحِيلَة الْجَائِزَة وَالْحِيلَة الْغَيْر الْجَائِزَة، وأطلقها لِأَن من الْحِيَل مَا لَا يمْنَع مِنْهَا، وَفِي هَذِه التَّرْجَمَة بيَّن أحد النَّوْعَيْنِ وَهُوَ التّرْك.
وأنَّ لِكلِّ امْرِىءٍ مَا نَوَي فِي الأَيْمانِ وغَيْرِهَا.
أَي: هَذَا فِي بَيَان أَن لكل امرىء مَا نوى، وَهَذَا قِطْعَة من الحَدِيث الَّذِي يَأْتِي الْآن، وَأَيْضًا مضى فِي أول الْكتاب. وَهُوَ قَوْله إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امرىء مَا نوى الحَدِيث. وَمضى الْكَلَام فِيهِ مَبْسُوطا. قَوْله: فِي الْأَيْمَان وَغَيرهَا من كَلَام البُخَارِيّ، والأيمان بِفَتْح الْهمزَة جمع يَمِين. قَوْله: وَغَيرهَا وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: قيل: وَجه ذَلِك إِرَادَة الْيَمين المستفادة من الْأَيْمَان، وَفِيه نظر لَا يخفى، وَهَذَا الحَدِيث مَحْمُول على الْعِبَادَات، وَالْبُخَارِيّ عمم فِي ذَلِك بِحَيْثُ يشْتَمل كَلَامه على الْمُعَامَلَات أَيْضا.
٦٩٥٣ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ، حدّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، عنْ يَحْياى بنِ سَعيد، عنْ مُحَمَّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ، عنْ عَلْقَمَة بنِ وقَّاصٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، ﵁، يَخْطُبُ قَالَ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ يَا أيُّها النَّاسُ إنَّما الأعْمالُ بالنِّيَّةِ، وإنَّما لاِمْرِىءٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الله ورسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى الله ورسولِهِ، ومَنْ هاجَرَ إِلَى دُنيا يُصِيبُها، أوِ امْرأةٍ يَتَزَوَّجُها، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هاجَرَ إليْهِ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن مهَاجر أم قيس جعل الْهِجْرَة حِيلَة فِي تَزْوِيج أم قيس.
وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل، وَيحيى بن سعيد الْقطَّان، وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ. وَقد شرحت هَذَا الحَدِيث فِي أول الْكتاب لم يشْرَح أحد مثله من الشُّرَّاح الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين، وَاحْتج بِهَذَا الحَدِيث من قَالَ بِإِبْطَال الْحِيَل، وَمن قَالَ بإعمالها لِأَن مرجع كل من الْفَرِيقَيْنِ إِلَى نِيَّة الْعَامِل. وَفِي الْمُحِيط كتاب الْحِيَل ومشروعيته بقوله تَعَالَى فِي قصَّة أَيُّوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ وَهِي الْفِرَار والهروب عَن الْمَكْرُوه، والاحتيال للهروب عَن الْحَرَام والتباعد عَن الْوُقُوع فِي الآثام لَا بَأْس بِهِ، بل هُوَ
стр. 7227
مَنْدُوب إِلَيْهِ، وَأما الاحتيال لإبطال حق الْمُسلم فإثم وعدوان. وَقَالَ النَّسَفِيّ فِي الْكَافِي عَن مُحَمَّد بن الْحسن قَالَ: لَيْسَ من أَخْلَاق الْمُؤمنِينَ الْفِرَار من أَحْكَام الله بالحيل الموصلة إِلَى إبِْطَال الْحق.
٢ - (بابٌ فِي الصلاةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان دُخُول الْحِيلَة فِي الصَّلَاة.
٦٩٥٤ - حدّثني إسْحَاق بنُ نَصْرِ، حدّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عنْ مَعْمَرِ، عنْ هَمَّامٍ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَقْبَلُ الله صَلاةَ أحَدِكُمْ إِذا أحْدَثَ حتَّى يَتَوضَّأ
انْظُر الحَدِيث ١٣٥
وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه تعلق الحَدِيث بِالْكتاب؟ . قلت: قَالُوا مَقْصُود البُخَارِيّ الرَّد على الْحَنَفِيَّة حَيْثُ صححوا صَلَاة من أحدث فِي الجلسة الْأَخِيرَة، وَقَالُوا: إِن التَّحَلُّل يحصل بِكُل مَا يضاد الصَّلَاة فهم متحيلون فِي صِحَة الصَّلَاة مَعَ وجود الْحَدث. وَوجه الرَّد أَنه مُحدث فِي الصَّلَاة فَلَا تصح لِأَن التَّحَلُّل مِنْهَا ركن فِيهَا لحَدِيث: وتحليلها التَّسْلِيم، كَمَا أَن التَّحْرِيم بِالتَّكْبِيرِ ركن مِنْهَا، وَحَيْثُ قَالُوا: الْمُحدث فِي الصَّلَاة يتَوَضَّأ وَيَبْنِي، وَحَيْثُ حكمُوا بِصِحَّتِهَا عِنْد عدم النِّيَّة فِي الْوضُوء بعلة أَنه لَيْسَ بِعبَادة. انْتهى.
وَقَالَ ابْن الْمُنِير: أَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى رد قَول من قَالَ بِصِحَّة صَلَاة من أحدث عمدا فِي أثْنَاء الْجُلُوس الْأَخير، وَيكون حَدثهُ كسلامه بِأَن ذَلِك من الْحِيَل لتصحيح الصَّلَاة مَعَ الْحَدث. انْتهى. وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ رد على من قَالَ: إِن من أحدث فِي الْقعدَة الْأَخِيرَة إِن صلَاته صَحِيحَة. انْتهى. وَقيل: التَّحْرِيم يُقَابله التَّسْلِيم لحَدِيث: تَحْرِيمهَا التَّكْبِير وتحليلها التَّسْلِيم، فَإِذا كَانَ أحد الطَّرفَيْنِ ركنا كَانَ الطّرف الآخر ركنا
قلت: لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة أصلا فَإِنَّهُ لَا يدل أصلا على شَيْء من الْحِيَل، وَقَول الْكرْمَانِي: فهم متحيلون فِي صِحَة الصَّلَاة مَعَ وجود الْحَدث، كَلَام مَرْدُود غير مَقْبُول أصلا لِأَن الْحَنَفِيَّة مَا صححوا صَلَاة من أحدث فِي الْقعدَة الْأَخِيرَة بالحيلة، وَمَا للحيلة دخل أصلا فِي هَذَا، بل حكمُوا بذلك بقوله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، لِابْنِ مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِذا قلت هَذَا أَو فعلت هَذَا فقد تمت صَلَاتك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه وَلَفظه: إِذا قلت هَذَا أَو قضيت هَذَا فقد قضيت صَلَاتك إِن شِئْت أَن تقوم وَإِن شِئْت أَن تقعد فَاقْعُدْ. وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَهَذَا يُنَافِي فَرضِيَّة السَّلَام فِي الصَّلَاة لِأَنَّهُ ﷺ ، خير الْمُصَلِّي بعد الْقعُود بقوله إِن شِئْت أَن تقوم ... إِلَى آخِره، وَهُوَ حجَّة على الشَّافِعِي فِي قَوْله: السَّلَام فرض وَمَا حملهمْ على هَذَا الْكَلَام السَّاقِط إلَاّ فرط تعصبهم الْبَاطِل.
وَقَوله: وَجه الرَّد أَنه مُحدث فِي صلَاته، فَلَا تصح غير صَحِيح لِأَن صلَاته قد تمت. وَقَوله: لحَدِيث: وتحليلها التَّسْلِيم، اسْتِدْلَال غير صَحِيح، لِأَنَّهُ خبر من أَخْبَار الْآحَاد فَلَا يدل على الْفَرْضِيَّة، وَكَذَلِكَ استدلالهم على فَرضِيَّة تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح بقوله تَحْرِيمهَا التَّكْبِير، غير صَحِيح لما ذكرنَا، بل فرضيته بقوله تَعَالَى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ المُرَاد بِهِ فِي الصَّلَاة إِذْ لَا يجب خَارج الصَّلَاة بِإِجْمَاع أهل التَّفْسِير، وَلَا مَكَان يجب فِيهِ إلَاّ فِي افْتِتَاح الصَّلَاة. وَقَوله: بعلة أَنه لبس بِعبَادة، كَلَام سَاقِط أَيْضا، لِأَن الْحَنَفِيَّة لم يَقُولُوا: إِن الْوضُوء لَيْسَ بِعبَادة مُطلقًا، بل قَالُوا: إِنَّه عبَادَة غير مُسْتَقلَّة بذاتها بل هُوَ وَسِيلَة إِلَى إِقَامَة الصَّلَاة، وَقَول ابْن الْمُنِير أَيْضا، بِأَن ذَلِك من الْحِيَل لتصحيح الصَّلَاة، مَرْدُود كَمَا ذكرنَا وَجهه، وَقَول ابْن بطال: فِيهِ رد ... الخ كَذَلِك مَرْدُود. لِأَن الحَدِيث لَا يدل على مَا قَالَه قطعا. وَقَول من قَالَ: فَإِذا كَانَ أحد الطَّرفَيْنِ ركنا كَانَ الطّرف الآخر ركنا، غير سديد وَلَا موجة أصلا لعدم استلزام ذَلِك على مَا لَا يخفى.
قَوْله: حَدثنِي إِسْحَاق ويروى: حَدثنَا إِسْحَاق، وَهُوَ ابْن نصر أَبُو إِبْرَاهِيم السَّعْدِيّ البُخَارِيّ كَانَ ينزل بِالْمَدِينَةِ بِبَاب سعد، يروي عَن عبد الرَّزَّاق بن همام عَن معمر بن رَاشد عَن همام بتَشْديد الْمِيم ابْن مُنَبّه الأبناوي الصَّنْعَانِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الطَّهَارَة وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
٣ - (بابٌ فِي الزَّكاةِ)
стр. 7228
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ترك الْحِيَل فِي إِسْقَاط الزَّكَاة، وَفِيه خلاف سَيَأْتِي.
وأنْ لَا يُفَرَّقَ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، وَلَا يَجْمَعَ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ.
أَي: وَفِي بَيَان أَن لَا يفرق. . إِلَى آخِره، وَهُوَ لفظ الحَدِيث الأول فِي الْبَاب، وَهُوَ قِطْعَة من حَدِيث طَوِيل مضى فِي الزَّكَاة بالسند الْمَذْكُور، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
٦٩٥٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله الأنصارِيُّ، حدّثنا أبي، حدّثنا ثُمامَةُ بنُ عَبْده الله بنِ أنَسٍ أنَّ أنَساً حَدَّثهُ أنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ لهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رسولُ الله وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن عبد الله يروي عَن أَبِيه عبد الله بن الْمثنى بن أنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ يروي عَن عَمه ثُمَامَة بن عبد الله بن أنس، وثمامة بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الْمِيم.
قَوْله: وَلَا يجمع عطف على: فَرِيضَة، أَي: لَو كَانَ لكل شريك أَرْبَعُونَ شَاة فَالْوَاجِب شَاتَان لَا يجمع بَينهمَا ليَكُون الْوَاجِب شَاة وَاحِدَة. وَلَا يفرق كَمَا لَو كَانَ بَين الشَّرِيكَيْنِ أَرْبَعُونَ، لِئَلَّا تجب فِيهِ الزَّكَاة لِأَنَّهُ حِيلَة فِي إِسْقَاطهَا أَو تنقيصها.
٦٩٥٦ - حدّثنا قُتَيْبَةُ، حدّثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ، عنْ أبي سُهَيْلٍ، عنْ أبِيهِ عنْ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ الله: أنَّ أعْرَابِيّاً جاءَ إِلَى رسولِ الله ثائِرَ الرَّأسِ فَقَالَ: يَا رسولَ الله أخْبِرْنِي مَاذَا فَرضَ الله عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ؟ فَقَالَ: الصَّلَواتِ الخَمْسَ إلَاّ أنْ تَطَوَّعَ شَيْئاً فَقَالَ: أخْبِرْنِي بِما فَرَضَ الله عَلَيَّ مِنَ الصِّيامِ؟ قَالَ: شَهْرَ رَمَضَانَ إلَاّ أنْ تَطوَّعَ شَيْئاً قَالَ: أخْبِرْنِي بِما فَرَض الله عَلَيَّ مِنَ الزِّكاةِ؟ قَالَ: أخْبَرَهُ رسولُ الله شَرائِعَ الإسْلام، قَالَ: والَّذي أكْرَمَكَ لَا أتَطوَّعُ شَيْئاً وَلَا أنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ الله عَلَيَّ شَيْئاً، فَقَالَ رسولُ الله أفْلَحَ إنْ صَدَقَ أوْ دَخَلَ الجَنَّةَ إنْ صَدَقَ.
وَجه الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة لَا يَتَأَتَّى إِلَّا بالتعسف، وَأَبُو سُهَيْل مصغر السهل اسْمه نَافِع بن مَالك، وَطَلْحَة بن عبيد الله مُصَغرًا التَّيْمِيّ أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ. قَتله مَرْوَان بن الحكم يَوْم الْجمل.
والْحَدِيث مضى فِي الْإِيمَان، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: شرائع الْإِسْلَام أَي: وَاجِبَات الزَّكَاة وَغَيرهَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَفْهُوم الشَّرْط يُوجب أَنه إِن تطوع لَا يفلح. قلت: شَرط اعْتِبَار مَفْهُوم الْمُخَالفَة عدم مَفْهُوم الْمُوَافقَة، وَهَاهُنَا مَفْهُوم الْمُوَافقَة ثَابت، إِذْ من تطوع يفلح بِالطَّرِيقِ الأولى.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: فِي عِشْرِينَ ومِائَةِ بَعيرٍ حِقَّتانِ، فَإِن أهْلَكَها مُتَعَمِّداً أوْ وَهَبَها أوِ احْتالَ فِيها فِراراً مِنَ الزَّكاةِ، فَلا شَيْءَ عَليْهِ.
قيل: أَرَادَ بعض النَّاس أَبَا حنيفَة والتشنيع عَلَيْهِ لِأَن مذْهبه أَن كل حِيلَة يتحيل بهَا أحد فِي إِسْقَاط الزَّكَاة فأثم ذَلِك عَلَيْهِ. وَأَبُو حنيفَة يَقُول: إِذا نوى بتفويته الْفِرَار من الزَّكَاة قبل الْحول بِيَوْم لم تضره النِّيَّة، لِأَن ذَلِك لَا يلْزمه إلَاّ بِتمَام الْحول، وَلَا يتَوَجَّه إِلَيْهِ معنى قَوْله خشيَة الصَّدَقَة إلَاّ حينئذٍ، وَقد قَامَ الْإِجْمَاع على جَوَاز التَّصَرُّف قبل دُخُول الْحول كَيفَ شَاءَ، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي أَيْضا، فَكيف يُرِيد بقوله: بعض النَّاس أَبَا حنيفَة على الْخُصُوص؟ وَقيل: أَرَادَ بِهِ أَبَا يُوسُف، فَإِنَّهُ قَالَ: فِي عشْرين وَمِائَة
стр. 7229
بعير. . إِلَى آخِره، وَقَالَ: لَا شَيْء عَلَيْهِ لِأَنَّهُ امْتنَاع عَن الْوُجُوب لَا إِسْقَاط الْوَاجِب، وَقَالَ مُحَمَّد: يكره لم فِيهِ من الْقَصْد إِلَى إبِْطَال حق الْفُقَرَاء بعد وجود سَببه، وَهُوَ النّصاب.
٦٩٥٧ - حدّثنا إسْحاق، حدّثنا عبْدُ الرَّزَّاقِ، حدّثنا مَعْمَرٌ، عنْ هَمَّام، عنْ أبي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: قَالَ رسولُ الله يَكُونُ كَنْزُ أحَدِكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعاً أقْرَعَ يَفِرُّ مِنْهُ صاحِبُهُ فَيَطْلُبُهُ ويَقُولُ أَنا كنْزُكَ قَالَ: وَالله لَنْ يَزَالَ يَطْلُبُهُ حتَّى يَبْسُطَ يَدَهُ فيُلْقِمَها فاهُ
٠ - انْظُر الحَدِيث ١٤٠٣ ف
٦٩٥٨ - وَقَالَ رسولُ الله إِذا مَا رَبُّ النَّعْمِ لَمْ يُعْطِ حَقَّها تُسَلَّطُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ تَخْبطُ وَجْهَهُ بأخْفافِها
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ منع الزَّكَاة بِأَيّ وَجه كَانَ من الْوُجُوه الْمَذْكُورَة.
وَإِسْحَاق قيل: إِنَّه ابْن رَاهَوَيْه كَمَا جزم بِهِ أَبُو نعيم فِي الْمُسْتَخْرج وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ الكلاباذي: يروي البُخَارِيّ عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم السَّعْدِيّ عَن عبد الرَّزَّاق. انْتهى. قلت: مُقْتَضى كَلَام الْكرْمَانِي أَن إِسْحَاق هُنَا يحْتَمل أَن يكون أحد الثَّلَاثَة الْمَذْكُورين بِغَيْر تعْيين. والْحَدِيث مضى فِي الزَّكَاة.
قَوْله كنز أحدكُم الْكَنْز المَال الَّذِي يخبأ وَلَا تُؤَدّى زَكَاته. قَوْله: شجاعاً من المثلثات وَهُوَ حَيَّة، والأقرع بِالْقَافِ أَي المتناثر شعر رَأسه لِكَثْرَة سمه. قَوْله: لن يزَال وَفِي رِوَايَة الْكشميهني. لَا يزَال. قَوْله: حَتَّى يبسط يَده أَي: صَاحب المَال. قَوْله: فيلقمها أَي: يَده.
قَوْله: وَقَالَ رَسُول الله وَهُوَ مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور. قَوْله: إِذا مَا رب النعم كلمة: مَا، زَائِدَة والرب الْمَالِك وَالنعَم بِفتْحَتَيْنِ الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم، وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بِهِ هُنَا هُوَ الْإِبِل بِقَرِينَة ذكر أخفافها لِأَنَّهُ لِلْإِبِلِ خَاصَّة وَهُوَ جمع خف والخف لِلْإِبِلِ كالظلف للشاة.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ، فِي رَجُلٍ لهُ إبِلٌ فَخافَ أنْ تَجِبَ عَليْهِ الصَّدَقَة فباعَها. بإبِلٍ مِثْلها أوْ بِغَنَمٍ أوْ بِبَقرٍ أوْ بِدَراهمَ فِراراً مِنَ الصَّدَقَةِ بِيَوْمٍ احْتِيالاً: فَلا بَأْسَ عَلَيْهِ، وهْوَ يَقُولُ: إنْ زَكَّى إبلَهُ قَبْلَ أنْ يَحُولَ الحَوْلُ بِيَوْمِ أوْ بِسَنَةٍ جازَتْ عَنْهُ.
قَالَ بعض الشُّرَّاح أَرَادَ البُخَارِيّ بِبَعْض النَّاس أَبَا حنيفَة يُرِيد بِهِ التشنيع عَلَيْهِ بِإِثْبَات التَّنَاقُض، فَمَا قَالَه بَيَان مَا يُريدهُ من التَّنَاقُض. هُوَ أَنه: نقل مَا قَالَه فِي رجل لَهُ إبل ... إِلَى آخِره، ثمَّ قَالَ: وَهُوَ يَقُول: أَي: وَالْحَال أَن بعض النَّاس الْمَذْكُور يَقُول: إِن زكى إبِله ... الخ، يَعْنِي: جَازَ عِنْده التَّزْكِيَة قبل الْحول بِيَوْم، فَكيف يسْقطهُ فِي ذَلِك الْيَوْم؟ وَقَالَ صَاحب التَّلْوِيح مَا ألزم البُخَارِيّ أَبَا حنيفَة من التَّنَاقُض فَلَيْسَ بتناقض لِأَنَّهُ لَا يُوجب الزَّكَاة إلَاّ بِتمَام الْحول، وَيجْعَل من قدمهَا كمن قدم دينا مُؤَجّلا، وَقد سبقه بِهَذَا ابْن بطال.
٦٩٥٩ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، حدّثنا لَ يْثٌ، عنِ ابنِ شهابٍ، عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ أنَّهُ قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بنُ عبادَةَ الأنْصاري رسولَ الله فِي نذْرٍ كَانَ عَلى أُمِّهِ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أنْ تَقْضَيَهُ، فَقَالَ رسولُ الله اقْضِهِ عَنْها
انْظُر الحَدِيث ٢٧٦١ وطرفه
مطابقته للتَّرْجَمَة تظهر بتعسف من كَلَام الْمُهلب حَيْثُ قَالَ: فِي هَذَا الحَدِيث حجَّة على أَن الزَّكَاة لَا تسْقط بالحيلة وَلَا بِالْمَوْتِ، لِأَن النّذر لما لم يسْقط بِالْمَوْتِ وَالزَّكَاة أوكد مِنْهُ فَلَا تسْقط. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى. أما الحَدِيث فَإِنَّهُ لَا يدل على حكم الزَّكَاة لَا بالسقوط وَلَا بِعَدَمِ السُّقُوط، وَأما قِيَاس عدم سُقُوط النّذر بِالْمَوْتِ فَقِيَاس غير صَحِيح. لِأَن النّذر حق
стр. 7230
معِين لوَاحِد وَالزَّكَاة حق الله وَحقّ الْفُقَرَاء فَمن أَيْن الْجَامِع بَينهمَا؟ وَمَعَ هَذَا فَهَذَا الحَدِيث وَالْحَدِيثَانِ اللَّذَان قبله لَا تطابق التَّرْجَمَة إِذا حققت النّظر فِيهَا، وَأَنَّهَا بمعزل عَنْهَا.
وَرِجَال الحَدِيث الْمَذْكُور ذكرُوا غير مرّة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِذا بَلَغتِ الإبِلُ عِشْرِينَ فَفِيها أرْبَعُ شِياهٍ، فإنْ وَهَبها قَبْلَ الحَوْلِ، أوْ باعَها فِراراً واحْتِيالاً لإسْقاطِ الزَّكاةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وكَذالِكَ إنْ أتْلفَها فَماتَ فَلا شَيءَ فِي مالِهِ.
أَرَادَ بقوله بعض النَّاس أَبَا حنيفَة أَو الْحَنَفِيَّة كَمَا ذكرنَا. وَالْكَلَام فِيهِ مثل الْكَلَام فِي الفرعين الْمُتَقَدِّمين، وَهُوَ أَن الْحَنَفِيَّة إِنَّمَا قَالُوا: لَا شَيْء عَلَيْهِ فِي هَذِه الثَّلَاثَة، لِأَنَّهُ إِذا أَزَال عَن ملكه قبل الْحول فَمن أَيْن يكون عَلَيْهِ شَيْء؟ فَلَا يرد عَلَيْهِم مَا زَعمه البُخَارِيّ، فحينئذٍ لَا فَائِدَة فِي تكْرَار هَذِه الْفُرُوع، وَذكرهَا مفرقة. فَإِن قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: إِنَّمَا كررها لإِرَادَة زِيَادَة التشنيع ولبيان مخالفتهم لثَلَاثَة أَحَادِيث. قلت: التشنيع على الْمُجْتَهدين الْكِبَار لَا يجوز وَلَيْسَ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مُخَالفَة لأحاديث الْبَاب كَمَا ترَاهُ، وَهِي بمعزل عَمَّا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، وَمن لَهُ إِدْرَاك دَقِيق فِي دقائق الْكَلَام يقف على هَذَا، وَيظْهر لَهُ الْحق الْبَاطِل وَالصَّوَاب من الْخَطَأ، وَالله ولي الْعِصْمَة والتوفيق.
٤ - (بابٌ الحِيلَةُ فِي النِّكاحِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ترك الْحِيلَة فِي النِّكَاح.
٦٩٦٠ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا يَحْياى بنُ سعِيدٍ، عنْ عُبَيْدِ الله، قَالَ: حَدثنِي نافِعٌ، عنْ عَبْدِ الله، ﵁، أنَّ رسولَ الله نَهاى عَنِ الشِّغارِ. قُلْتُ لِنافِعٍ: مَا الشِّغار؟ قَالَ: يَنْكِحُ ابْنةَ الرَّجُلِ ويُنْكِحُهُ ابْنَتهُ بِغَيْرِ صَداقٍ، ويَنْكِحُ أُخْتَ الرَّجُلِ ويُنْكِحُهُ أُخْتَهُ بِغَيْرِ صَداقٍ.
انْظُر الحَدِيث ٥١١٢
لَا مُطَابقَة أصلا بَين التَّرْجَمَة والْحَدِيث حَتَّى قيل: إِن إِدْخَال البُخَارِيّ الشّغَار فِي بَاب الْحِيلَة فِي النِّكَاح مُشكل لِأَن الْقَائِل بِالْجَوَابِ يبطل الشّغَار وَيُوجب مهر الْمثل.
وَعبيد الله بِالتَّصْغِيرِ ابْن عمر الْعمريّ، وَعبد الله هُوَ ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، والْحَدِيث مضى فِي النِّكَاح، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِن احْتَالَ حتَّى تَزَوَّجَ عَلى الشِّغار فَهْوَ جائِزٌ والشَّرْطُ باطِلٌ.
وَقَالَ فِي المُتْعَةِ: النِّكاحُ فاسِدٌ والشَّرْطُ باطِلٌ.
وَقَالَ بَعْضُهُمُ: المُتْعَةُ والشِّغارُ جائِزٌ والشَّرْطُ باطِلٌ.
أَرَادَ بِبَعْض النَّاس الْحَنَفِيَّة على مَا قَالُوا: إِن فِي كل مَوضِع قَالَ البُخَارِيّ: قَالَ بعض النَّاس، فمراده الْحَنَفِيَّة أَو أَبُو حنيفَة وَحده، وَهَذَا غير وَارِد عَلَيْهِم لأَنهم قَالُوا بِصِحَّة الْعقْدَيْنِ فِيهِ وبوجوب مهر الْمثل لوُجُود ركن النِّكَاح من أَهله فِي مَحَله، وَالنَّهْي فِي الحَدِيث لإخلاء العقد عَن الْمهْر فَصَارَ كالعقد بِالْخمرِ. قَوْله: إِن احتال، لم يذكر أحد من الْحَنَفِيَّة أَنهم احْتَالُوا فِي الشّغَار وَإِنَّمَا قَالُوا: صُورَة نِكَاح الشّغَار أَن يَقُول الرجل: إِنِّي أزَوجك ابْنَتي على أَن تزَوجنِي ابْنَتك أَو أختك، فَيكون أحد الْعقْدَيْنِ عوضا عَن الآخر فالعقدان جائزان وَلكُل مِنْهُمَا مهر مثلهَا. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: نِكَاح الشّغَار بَاطِل لظَاهِر الحَدِيث.
قَوْله: وَقَالَ فِي الْمُتْعَة أَي: وَقَالَ بعض النَّاس فِي نِكَاح الْمُتْعَة: النِّكَاح فَاسد وَالشّرط بَاطِل، وَصورته أَن يتَزَوَّج الْمَرْأَة بِشَرْط أَن يتمتع بهَا أَيَّامًا ثمَّ يخلي سَبِيلهَا، هَكَذَا ذكره الْكرْمَانِي، وَعند أبي حنيفَة صورته أَن يَقُول: متعيني نَفسك، أَو أتمتع بك مُدَّة مَعْلُومَة، طَوِيلَة أَو قَصِيرَة، فَتَقول: متعتك نَفسِي وَلَا بُد من لفظ التَّمَتُّع فِيهِ، هَذَا مجمع عَلَيْهِ.
قَوْله: وَقَالَ بَعضهم ... الخ لم أر أحدا من الشُّرَّاح بَين من هَؤُلَاءِ الْبَعْض، وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح المُرَاد بِهِ بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة. قلت: لم يذكر أحد من أَصْحَاب أبي حنيفَة شَيْئا من هَذَا، وَقَالَ بَعضهم: كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى مَا نقل عَن زفر أَنه أجَاز الموقت وألغى الشَّرْط لِأَنَّهُ شَرط فَاسد
стр. 7231
وَالنِّكَاح لَا يبطل بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَة. انْتهى. قلت: مَذْهَب زفر لَيْسَ كَذَلِك، بل عِنْده مَا صورته أَن يتَزَوَّج امْرَأَة إِلَى مُدَّة مَعْلُومَة فَالنِّكَاح صَحِيح وَيلْزم، وَاشْتِرَاط الْمدَّة بَاطِل، وَعند أبي حنيفَة وصاحبيه: النِّكَاح بَاطِل.
٦٩٦١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا يَحْياى عنْ عُبَيْدِ الله بن عُمَرَ، حدّثنا الزُّهْريُّ عَن الحَسَنِ وعَبْدِ الله ابْنَيْ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيَ، عنْ أبِيهِما: أنَّ عَلِيّاً، ﵁، قِيلَ لهُ: إنَّ ابنَ عَبَّاسٍ لَا يَرى بمُتْعَةِ النِّساءِ بأْساً فَقَالَ: إنَّ رسولَ الله نَهى عَنْها يَوْمَ خَيْبَرَ وعنْ لُحُومِ الحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ.
هَذَا أَيْضا غير مُطَابق لعدم التَّعَرُّض إِلَى الْحِيلَة فِي الْمُتْعَة، وَإِنَّمَا صورتهَا مَا ذكرنَا.
وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ، وَمُحَمّد بن عَليّ هُوَ الْمَعْرُوف بِابْن الْحَنَفِيَّة، وَعلي هُوَ ابْن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب النِّكَاح وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِن احْتالَ حتَّى تَمَتَّعَ فالنِّكاحُ فاسِدٌ.
وَقَالَ بَعْضُهُمُ النِّكاحُ جائِزٌ والشَّرْطُ باطِلٌ.
لَا مُنَاسبَة لذكر هَذَا هُنَا لِأَن بطلَان الْمُتْعَة مجمع عَلَيْهِ. وَقَوله: إِن احتال لَيْسَ لَهُ دخل فِي الْمُتْعَة، وَإِنَّمَا ذكره ليشنع بِهِ على الْحَنَفِيَّة من غير وَجه.
قَوْله: وَقَالَ بَعضهم الخ، قَالَ بَعضهم: إِنَّه قَول زفر، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا قَول زفر قد بَيناهُ عَن قريب، فَافْهَم.
٥ - (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الاحْتِيالِ فِي البُيُوعِ وَلَا يُمْنَعُ فَضْلُ الماءِ لِيُمْنَعَ بِهِ فَضْلُ الكَلأ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يكره من الاحتيال فِي الْبيُوع وَلم يذكر فِيهِ حَدِيثا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ من قبيل مَا ترْجم لَهُ وَلم يلْحق الحَدِيث بِهِ، هَذَا هُوَ الْغَالِب. قلت: لما لم يظفر بِحَدِيث يتَعَلَّق بالترجمة كَانَ تَركهَا هُوَ الْأَوْجه. قَوْله: وَلَا يمْنَع فضل المَاء ... الخ التَّقْدِير فِيهِ: وَبَاب فِي بَيَان لَا يمْنَع ... الخ، وَيَجِيء الْكَلَام فِيهِ الْآن.
٦٩٦٢ - حدّثنا إسْماعِيلُ، حَدثنَا مالِكٌ عنْ أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَجِ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ: أنَّ رسولَ الله قَالَ: لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الماءِ لِيُمْنَعَ بِهِ فَضْلُ الكَلإ
انْظُر الحَدِيث ٢٣٥٣ وطرفه
الْجُزْء الثَّانِي من التَّرْجَمَة هُوَ عين حَدِيث الْبَاب، قَالَ الْكرْمَانِي: كَيْفيَّة تعلقه بِكِتَاب الْحِيَل هُوَ إِرَادَة صِيَانة الْكلأ الْمُبَاح للْكُلّ الْمُشْتَرك فِيهِ، فيحيل بصيانة المَاء لتلزم صيانته.
وَإِسْمَاعِيل هُوَ بن أويس، وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج هُوَ عبد الرحمان بن هُرْمُز.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الشّرْب.
قَوْله: لَا يمْنَع على صِيغَة الْمَجْهُول يَعْنِي: لَا يمْنَع فضل المَاء عَنهُ بِوَجْه من الْوُجُوه لِأَنَّهُ إِذا لم يمْنَع بِسَبَب غَيره فأحرى أَن يمْنَع بِسَبَب نَفسه، وَفِي تَسْمِيَته: فضلا، إِشَارَة إِلَى أَنه إِذا لم يكن زِيَادَة عَن حَاجَة صَاحب الْبِئْر جَازَ لصَاحب الْبِئْر مَنعه، صورته: رجل لَهُ بِئْر وحولها كلأ مُبَاح وَهُوَ بِفَتْح الْكَاف وَاللَّام المخففة وبالهمزة وَهُوَ مَا يرْعَى، فَأَرَادَ الرجل الِاخْتِصَاص بِهِ فَيمْنَع فضل مَاء بئره أَن يردهُ نِعَمُ غَيره للشُّرْب وَهُوَ لَا حَاجَة لَهُ فِي المَاء الَّذِي يمنعهُ، وَإِنَّمَا حَاجته إِلَى الْكلأ، وَهُوَ لَا يقدر على مَنعه لكَونه غير مَمْلُوك لَهُ فَيمْنَع المَاء فيتوفر لَهُ الْكلأ، وَأمر الشَّارِع صَاحب الْبِئْر أَن لَا يمْنَع فضل المَاء لِئَلَّا يكون مَانِعا للكلأ.
٦ - (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّناجُشِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يكره من التناجش، وَهُوَ أَن يزِيد فِي الثّمن بِلَا رَغْبَة فِيهِ ليوقع الْغَيْر فِيهِ، وَأَنه ضرب من التحيل فِي تَكْثِير
стр. 7232
الثّمن، وَالْمرَاد من الْكَرَاهَة كَرَاهَة التَّحْرِيم.
٦٩٦٣ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، عنْ مالِكٍ، عنْ نافِع، عنِ ابنِ عُمَرَ: أَن رسولَ الله نهى عَنِ النجْشِ. انْظُر الحَدِيث ٢١
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، ودخوله فِي كتاب الْحِيَل من حَيْثُ إِن فِيهِ نوعا من الْحِيلَة لإضرار الْغَيْر.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْبيُوع وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
٧ - (بابُ مَا يُنْهاى مِن الخِداعِ فِي البُيُوعِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا جَاءَ فِي النَّهْي من الخداع، وَيُقَال لَهُ: الخدع، بِالْفَتْح وَالْكَسْر، وَرجل خَادع، وَفِي الْمُبَالغَة: خدوع وخداع. قَوْله: من الخداع وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: عَن الخداع.
وَقَالَ أيُّوبُ: يُخادِعُونَ الله كَمَا يُخادِعُونَ آدَمِيّاً لوْ أتَوْا الأمْرَ عِياناً كانَ أهْوَنَ عَلَيَّ.
أَيُّوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ. قَوْله: كَمَا يخادعون ويروى: كَأَنَّمَا يخادعون. قَوْله: عيَانًا قَالَ الْكرْمَانِي: لَو علمُوا هَذِه الْأُمُور بِأَن أَخذ الزَّائِد على الثّمن مُعَاينَة بِلَا تَدْلِيس لَكَانَ أسهل لِأَنَّهُ مَا جعل الدّين آلَة لَهُ، وَقَول أَيُّوب هَذَا رَوَاهُ وَكِيع عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن أَيُّوب.
٦٩٦٤ - حدّثنا إسْماعِيلُ، حدّثنا مالِك عنْ عَبْدِ الله بنِ دِينارٍ، عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ، ﵄: أنَّ رَجُلاً ذَكَرَ لِلنبيِّ أنَّهُ يخْدَعُ فِي البُيُوعِ، فَقَالَ: إِذا بايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلابَةَ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس. والْحَدِيث مضى فِي الْبيُوع.
قَوْله: أَن رجلا هُوَ حبَان بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن منقذ على صِيغَة اسْم الْفَاعِل من الإنقاذ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة. قَوْله: يخدع على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: لَا خلابة بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف اللَّام وبالباء الْمُوَحدَة وَمَعْنَاهُ: لَا خديعة. وَقَالَ الْمُهلب: معنى قَوْله: لَا خلابة أَي: لَا تخلبوني أَي لَا تخدعوني فَإِن ذَلِك لَا يحل، وَقَالَ: لَا يدْخل فِي الخداع الثَّنَاء على السّلْعَة والإطناب فِي مدحها فَإِنَّهُ متجاوز عَنهُ وَلَا ينْقض بِهِ البيع.
٨ - (بابُ مَا يُنْهاى عَنَ الاحْتِيالِ لِلْوَلِيِّ فِي اليَتِيمَةِ المَرْغُوبَةِ وأنْ لَا يُكَمِّلَ صَداقَها)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا ينْهَى عَن الاحتيال للْوَلِيّ فِي الْيَتِيمَة الَّتِي يرغب وَليهَا فِيهَا، وَفِي بَيَان مَا ينْهَى أَن لَا يكمل صَدَاقهَا، ويروى أَن لَا يكمل لَهَا صَدَاقهَا.
٦٩٦٥ - حدّثنا أبُو اليَمانِ، حدّثنا شُعَيْبٌ، عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ عُرْوَةُ يُحَدِّثُ أنَّهُ سَألَ عائِشَةَ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ تُقْسِطُواْ فِى الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذالِكَ أَدْنَى أَلَاّ تَعُولُواْ﴾ قالَتْ هِيَ اليَتِيمَةُ فِي حَجْر وَلِيِّها. فَيَرْغَبُ فِي مالِها وجَمالها فَيُرِيدُ أنْ يَتَزَوَّجَهَا بِأدْنَى مِنْ سُنَّةِ نِسائِها، فَنُهُوا عَنْ نِكاحِهِنَّ إِلَّا أنْ يُقْسِطُوا لهُنَّ فِي إكْمالِ الصَّداقِ، ثمَّ اسْتَفْتَى النَّاسُ رسولَ الله بَعْدُ فأنْزلَ الله ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النِّسَآءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَابِ فِى يَتَامَى النِّسَآءِ الَّلَاتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً﴾ فَذَكَرَ الحَدِيثَ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة.
والْحَدِيث مضى فِي التَّفْسِير فِي مَوَاضِع فِي سُورَة النِّسَاء، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
قَوْله: فِي حجر وَليهَا بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسرهَا. قَوْله: بِأَدْنَى من سنة نسائها أَي: أقل من
стр. 7233
مهر مثل أقاربها. قَوْله: فنهوا على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: إِلَّا أَن يقسطوا بِضَم الْيَاء من الإقساط وَهُوَ الْعدْل. قَوْله: فَذكر الحَدِيث أَي: بَاقِي الحَدِيث. واليتيمة إِذا كَانَت ذَات جمال وَمَال رَغِبُوا فِي نِكَاحهَا وَإِذا كَانَت مرغوباً عَنْهَا فِي قلَّة المَال وَالْجمال تركوها، وَأخذُوا غَيرهَا من النِّسَاء. قلت: فَكَمَا يتركونها مرغوبين عَنْهَا فَلَيْسَ لَهُم أَن ينكحوها إِذا رَغِبُوا فِيهَا إِلَّا أَن يقسطوا لَهَا ويعطوها حَقّهَا الأوفى من الصَدَاق.
٩ - (بابٌ إذَا غَصَبَ جارِيَةً فَزَعَمَ أنّها ماتَتْ، فَقُضِيَ بَقِيمَةِ الجارِيَةِ المَيِّتَةِ ثموجَدَهَا صاحِبُها فَهْيَ لهُ وتُرَدُّ القِيمَةُ وَلَا تَكونُ القِيمَةُ ثَمَناً)
أَي: هَذَا بَاب مترجم بِمَا إِذا غصب رجل جَارِيَة لشخص، يَعْنِي: أَخذهَا قهرا، فَلَمَّا ادّعى عَلَيْهِ المغصب مِنْهُ زعم أَي: الْغَاصِب أَن الْجَارِيَة مَاتَت، فقضي، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَيجوز أَن يكون على صِيغَة الْمَعْلُوم، أَي: فَقضى الْحَاكِم بِقِيمَة تِلْكَ الْجَارِيَة الَّتِي زعم الْغَاصِب أَنَّهَا مَاتَت ثمَّ وجدهَا صَاحبهَا وَهُوَ الْمَغْصُوب مِنْهُ فَهِيَ أَي الْجَارِيَة لَهُ أَي: للْمَالِك، وَيرد الْقيمَة الَّتِي حكم بهَا إِلَى الْغَاصِب وَلَا تكون الْقيمَة ثمنا، إِذْ لَيْسَ ذَلِك بيعا إِنَّمَا أَخذ الْقيمَة لزعم هلاكها، فَإِذا زَالَ ذَلِك وَجب الرُّجُوع إِلَى الأَصْل.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الجارِيَةُ لِلْغاصِبِ لأخْذِهِ القيمةَ، وَفِي هاذَا احْتِيالٌ لِمَنِ اشْتَهَى جارِيَةَ رجُلٍ لَا يَبِيعُها فَغَصَبَها، واعْتَلَّ بأنّها ماتَتْ حتَّى يأخُذَ ربُّها قِيمَتَها، فَيَطِيبُ لِلْغاصِبِ جاريَةُ غَيْرِهِ.
أَرَادَ بِبَعْض النَّاس: أَبَا حنيفَة، وَلَيْسَ لذكر هَذَا الْبَاب هُنَا وَجه لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعه، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ التشنيع على الْحَنَفِيَّة، وَلَيْسَ هَذَا من دأب الْمَشَايِخ. قَوْله: لأَخذه أَي: صَاحبهَا. قَوْله: واعتل أَي: تعلل وَاعْتذر.
قَالَ النبيُّ أمْوَالُكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ ولِكُلِّ غادِرٍ لِواءٌ يَوْمَ القِيامَةِ
هَذَانِ طَرِيقَانِ للحديثين الْمَذْكُورين ذكرهمَا فِي معرض الِاحْتِجَاج على مَا ذكره، وَلَيْسَ فيهمَا مَا يدل على دَعْوَاهُ أما الأول فَمَعْنَاه: أَن أَمْوَالكُم عَلَيْكُم حرَام إِذا لم يُوجد التَّرَاضِي، وَهنا قد وجد التَّرَاضِي بِأخذ الْمَالِك الْقيمَة وَأما الثَّانِي: فَلَا يُقَال للْغَاصِب فِي اللُّغَة: إِنَّه غادر، لِأَن الْغدر ترك الْوَفَاء وَالْغَصْب هُوَ أَخذ شَيْء قهرا أَو عُدْوانًا. وَقَول الْغَاصِب: إِنَّهَا مَاتَت، كذب ثمَّ أَخذ الْمَالِك الْقيمَة رضَا، فَالْحَدِيث الأول وَصله البُخَارِيّ مطولا من حَدِيث أبي بكر فِي أَوَاخِر الْحَج، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: أَمْوَالكُم عَلَيْكُم مُقَابلَة الْجمع بِالْجمعِ، وَهِي تفِيد التَّوْزِيع فَيلْزم أَن يكون مَال كل شخص حَرَامًا عَلَيْهِ، وَأجَاب بِأَن هَذَا مثل قَوْلهم: بَنو تَمِيم قتلوا أنفسهم، أَي: قتل بَعضهم بَعْضًا، فَهُوَ مجَاز أَو إِضْمَار فِيهِ للقرينة الصارفة عَن ظَاهرهَا، كَمَا علم من الْقَوَاعِد الشَّرْعِيَّة. والْحَدِيث الثَّانِي ذكره مَوْصُولا هُنَا على مَا يَجِيء الْآن.
٦٩٦٦ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ، حدّثنا سُفْيانُ، عنْ عَبْدِ الله بنِ دِينارٍ، عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ، ﵄، عنِ النبيِّ قَالَ: لِكُلِّ غادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيامَةِ يُعْرَفُ بِهِ
أَبُو نعيم هُوَ الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ: والْحَدِيث من أَفْرَاده.
١٠ - (بابٌ)
أَي: هَذَا بَاب كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِغَيْر تَرْجَمَة، وَقد مر أَمْثَال هَذَا فِيمَا مضى وَقد ذكرنَا أَنه كالفصل لما قبله، وحذفه النَّسَفِيّ والإسماعيلي وَابْن بطال وَلم يذكروه أصلا، وأضاف ابْن بطال مَسْأَلَة الْبَاب إِلَى الْبَاب الَّذِي قبله. وَأما الْكرْمَانِي فَإِنَّهُ لَا يذكر غَالب التراجم.
٦٩٦٧ - حدّثنا مُحَمَّدٌ بنُ كَثِيرٍ، عنْ سُفْيانَ، عنْ هِشامٍ، عنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلمَةَ عنْ أُمِّ سَلَمَةَ عنِ النبيِّ قَالَ: إنَّما أَنا بَشَرٌ، وإنّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، ولَعَلَّ
стр. 7234
بَعْضَكُمْ أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ وأقْضِي لهُ عَلى نَحْوِ مَا أسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لهُ مِنْ حَقِّ أخِيهِ شَيْئاً فَلَا يأخُذْ، فإنّما أقْطَعُ لهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ
لما كَانَ هَذَا الْبَاب غير مترجم وَهُوَ كالفصل يكون حَدِيثه مُضَافا إِلَى الْبَاب الَّذِي قبله، وَوجه التطابق ظَاهر لنَهْيه عَن أَخذ مَال الْغَيْر إِذا كَانَ يعلم أَنه فِي نفس الْأَمر للْغَيْر.
وَمُحَمّد بن كثير بالثاء الْمُثَلَّثَة، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير، وَزَيْنَب ابْنة أم سَلمَة تروي عَن أمهَا أم سَلمَة وَاسْمهَا هِنْد بنت أبي أُميَّة.
والْحَدِيث مضى فِي الْمَظَالِم عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله، وَفِي الشَّهَادَات عَن القعْنبِي وَسَيَأْتِي فِي الْأَحْكَام عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب.
قَوْله إِنَّمَا أَنا بشر يَعْنِي: كواحد مِنْكُم وَلَا أعلم الْغَيْب وبواطن الْأُمُور كَمَا هُوَ مُقْتَضى الْحَالة البشرية، وَأَنا أحكم بِالظَّاهِرِ. قَوْله: وَلَعَلَّ اسْتعْمل هُنَا اسْتِعْمَال: عَسى. قَوْله: أَلحن أفعل التَّفْضِيل من: لحن، بِكَسْر الْحَاء إِذا فطن، وَالْمرَاد أَنه إِذا كَانَ أفطن كَانَ قَادِرًا على أَن يكون أقدر من حجَّته من الآخر، وَفِي رِوَايَة الْمَظَالِم بِلَفْظ: أبلغ بحجته. قَوْله: على نَحْو مَا اسْمَع كلمة: مَا، مَوْصُولَة هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: على نَحْو مِمَّا أسمع. قَوْله: من حق أَخِيه ويروى: من أَخِيه، وَتَفْسِيره: من حق أَخِيه. قَوْله: فَلَا يَأْخُذ وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فَلَا يَأْخُذهُ. قَوْله: قِطْعَة من النَّار قَالَ الْكرْمَانِي: حرَام عَلَيْهِ ومرجعه إِلَى النَّار، وَقيل: مَعْنَاهُ إِن أَخذهَا مَعَ علمه بِأَنَّهَا حرَام عَلَيْهِ دخل النَّار.
١١ - (بابُ شَهادَةِ الزُّورِ فِي النِّكاحِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم شَهَادَة الزُّور فِي النِّكَاح، وَقد مضى عَن قريب فِي: بَاب الْحِيلَة فِي النِّكَاح، وَذكر فِيهِ الشّغَار والمتعة وأتى بِهَذَا الْبَاب هُنَا لبَيَان حكم شَهَادَة الزُّور، كَمَا ذكرنَا.
٦٩٦٨ - حدّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ، حدّثنا هِشامٌ، حدّثنا يَحْياى بنُ أبي كَثِير عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: لَا تُنْكَحُ البِكْرُ حتّى تُسْتأذَنَ، وَلَا الثَّيِّبُ حتَّى تُسْتَأمَرَ فَقِيلَ يَا رسولَ الله كَيْفَ إذْنُها؟ قَالَ: إِذا سَكَتَتْ
انْظُر الحَدِيث ٥١٣٦ وطرفه
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَهِشَام هُوَ الدستوَائي والْحَدِيث قد مر فِي النِّكَاح.
قَوْله: لَا تنْكح على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: لَا تزوج. قَوْله: حَتَّى تستأذن على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا، أَي: حَتَّى يُؤْخَذ مِنْهَا الْإِذْن. قَوْله: حَتَّى تستأمر على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا أَي: حَتَّى تستشار.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِذا لَمْ تُسْتأذَنِ البِكْرُ ولَمْ تُزَوَّجْ فاحْتال رجُلٌ فأقامَ شاهِدَيْ زُورٍ أنّهُ تَزَوَّجَها بِرِضاها، فأثْبَتَ القاضِي نِكاحَها، والزَّوْجُ يَعْلَمُ أنَّ الشهادَةَ باطِلةٌ فَلا بأسَ أنْ يَطأها، وهْوَ تَزْويجٌ صَحِيحٌ.
أَرَادَ بِهِ أَيْضا أَبَا حنيفَة، وَأَرَادَ بِهِ التشنيع عَلَيْهِ، وَلَا وَجه لَهُ فِي ذكره هَاهُنَا. قَوْله: إِذا لم تُستأذن وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: إِن لم تستأذن. قَوْله: شَاهِدي زور بِإِضَافَة شَاهِدي إِلَى زور، ويروى: فَأَقَامَ شَاهِدين زوراً. قَوْله: وَالزَّوْج يعلم الْوَاو فِيهِ للْحَال. وَأَبُو حنيفَة إِمَام مُجْتَهد أدْرك صحابة وَمن التَّابِعين خلقا كثيرا، وَقد تكلم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِأَصْل وَهُوَ: أَن الْقَضَاء لقطع الْمُنَازعَة بَين الزَّوْجَيْنِ من كل وَجه، فَلَو لم ينفذ الْقَضَاء بِشَهَادَة الزُّور بَاطِنا كَانَ تمهيداً للمنازعة بَينهمَا، وَقد عهدنا بنفوذ مثل ذَلِك فِي الشَّرْع. ألَاّ ترى أَن التَّفْرِيق بِاللّعانِ ينفذ بَاطِنا وَأَحَدهمَا كَاذِب بِيَقِين؟ وَالْقَاضِي إِذا حكم بِطَلَاقِهَا بشاهدي زور، وَهُوَ لَا يعلم أَنه يجوز أَن يَتَزَوَّجهَا من لَا يعلم بِبُطْلَان النِّكَاح وَلَا يحرم عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاع، وَقَالَ بعض المشنعين: هَذَا خطأ فِي الْقيَاس، ثمَّ مثل لذَلِك بقوله: وَلَا خلاف بَين
стр. 7235
الْأَئِمَّة أَن رجلا لَو أَقَامَ شَاهِدي زور على ابْنَته أَنَّهَا أمته وَحكم الْحَاكِم بذلك لَا يجوز لَهُ وَطْؤُهَا، فَكَذَلِك الَّذِي شهد على نِكَاحهَا هما فِي التَّحْرِيم سَوَاء. قلت: هَذَا الْقيَاس الَّذِي فِيهِ الْخَطَأ الظَّاهِر، يفرق بَين القياسين من لَهُ إِدْرَاك مُسْتَقِيم.
٦٩٦٩ - حدّثنا علِيُّ بنُ عَبْدِ الله، حَدثنَا سُفْيانُ، حدّثنا يَحْياى بنُ سَعِيد، عنِ القاسِمِ: أنَّ امْرأةً مِنْ ولَدِ جَعْفَرِ تَخَوَّفَتْ أنْ يُزَوِّجَها ولِيُّها وهْيَ كارِهَةٌ، فأرْسلَتْ إِلَى شَيْخَيْنِ مِنَ الأنْصارِ: عَبْد الرَّحْمانِ ومُجَمِّعٍ ابْنَيْ جارِيَةَ، قالَا: فَلَا تَخْشَيْنَ فإنَّ خَنْساءَ بِنْتَ خِذَامٍ أنْكَحَها أبُوها وهْيَ كارِهَةٌ فَرَدَّ النبيُّ ذالِكَ.
قَالَ سُفْيانُ: وأمَّا عبدُ الرَّحْمانِ فَسَمِعْتهُ يَقُولُ عنْ أبِيهِ: إنَّ خَنْساءَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عَيْنِيَّة، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَالقَاسِم هُوَ ابْن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث مضى فِي النِّكَاح فِي: بَاب إِذا زوج ابْنَته وَهِي كارهة فنكاحها مَرْدُود.
قَوْله: أَن امْرَأَة من ولد جَعْفَر وَفِي رِوَايَة ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان: أَن امْرَأَة من آل جَعْفَر، أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ وَلم يدر اسْم الْمَرْأَة، وَقَالَ بَعضهم: ويغلب على الظَّن أَنه جَعْفَر بن أبي طَالب، ثمَّ قَالَ: وتجاسر الْكرْمَانِي فَقَالَ: المُرَاد بِهِ جَعْفَر الصَّادِق بن مُحَمَّد الباقر، وَكَانَ الْقَاسِم بن مُحَمَّد جد جَعْفَر الصَّادِق لأمه انْتهى. ثمَّ قَالَ: وخفي عَلَيْهِ أَن الْقِصَّة الْمَذْكُورَة وَقعت وجعفر الصَّادِق صَغِير لِأَن مولده سنة ثَمَانِينَ وَكَانَت وَفَاة عبد الرحمان بن يزِيد بن جَارِيَة فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين من الْهِجْرَة، وَقد وَقع فِي الحَدِيث أَنه أخبر الْمَرْأَة بِحَدِيث خنساء بنت خذام، فَكيف تكون الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة فِي مثل تِلْكَ الْحَالة وأبوها ابْن ثَلَاث عشرَة سنة أَو دونهَا؟ انْتهى. قلت: هُوَ أَيْضا تجاسر حَيْثُ قَالَ بِغَلَبَة الظَّن: إِنَّه جَعْفَر بن أبي طَالب، والكرماني لم يقل هَذَا من عِنْده، وَإِنَّمَا نَقله عَن أحد فَلَا ينْسب إِلَيْهِ التجاسر، وَيُمكن أَن يكون جَعْفَر غير مَا قَالَا. قَوْله: وَهِي كارهة الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: عبد الرحمان بِالْجَرِّ وَمجمع على وزن اسْم الْفَاعِل من التجميع عطف عَلَيْهِ، وهما ابْنا يزِيد بن جَارِيَة بِالْجِيم وَهنا قد نسبا إِلَى جدهما، وَتقدم فِي النِّكَاح أَنَّهُمَا نسبا إِلَى أَبِيهِمَا، وَلَقَد صحف من قَالَ: حَارِثَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة والثاء الْمُثَلَّثَة. قَوْله: فَلَا تخشين قَالَ الْكرْمَانِي: بِلَفْظ الْجمع خطاب للْمَرْأَة المتخوفة، وأصحابها، وَقَالَ ابْن التِّين: صَوَابه بِكَسْر الْبَاء وَتَشْديد النُّون، وَلَو كَانَ بِلَا نون التَّأْكِيد لحذفت النُّون فِي النَّهْي على مَا عرف. قَوْله: فَإِن خنساء بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وبالسين الْمُهْملَة وبالمد بنت خذام بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالذال الْمُعْجَمَة الْخَفِيفَة ابْن وَدِيعَة الْأَنْصَارِيَّة من الْأَوْس، وَقَالَ أَبُو عمر: اخْتلفت الْأَحَادِيث فِي حَالهَا فِي ذَلِك الْوَقْت، فرواية مَالك عَن عبد الرحمان بن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن عبد الرحمان وَمجمع ابْني يزِيد بن جَارِيَة عَن خنساء أَنَّهَا كَانَت ثَيِّبًا، وَرِوَايَة ابْن الْمُبَارك عَن الثَّوْريّ عَن عبد الرحمان بن الْقَاسِم عَن عبد الله بن يزِيد ابْن وَدِيعَة عَن خنساء بنت خذام أَنَّهَا كَانَت يومئذٍ بكرا، وَالصَّحِيح نقل مَالك إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قَوْله: قَالَ سُفْيَان: وَأما عبد الرحمان يَعْنِي: ابْن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: فَسَمعته يَقُول عَن أَبِيه عَن خنساء أَرَادَ أَنه أرْسلهُ فَلم يذكر فِيهِ عبد الرحمان بن يزِيد وَلَا أَخَاهُ.
٦٩٧٠ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ، حَدثنَا شَيْبَانُ، عنْ يَحْياى عنْ أبي سَلَمَةَ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله لَا تُنْكَحُ الأيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَر، وَلَا تُنْكَحُ البِكْرُ حتَّى تُسْتأذنَ قالُوا: كَيْفَ إذنُها؟ قَالَ: أنْ تسْكُتَ
انْظُر الحَدِيث ٥١٣٦ وطرفه
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وشيبان هُوَ ابْن عبد الرحمان النَّحْوِيّ، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرحمان بن عَوْف، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي النِّكَاح.
قَوْله: الأيم هِيَ من لَا زوج لَهَا بكرا كَانَت أَو ثَيِّبًا، لَكِن المُرَاد مِنْهَا هُنَا الثّيّب بِقَرِينَة الْمُقَابلَة للبكر، وَالْأَفْعَال هُنَا كلهَا على صِيغَة الْمَجْهُول، وَمضى الْكَلَام
стр. 7236
فِيهِ فِي النِّكَاح.
وَقَالَ بَعْضُ النّاس: إِن احْتالَ إنْسانٌ بِشاهِدَيْ زُورٍ عَلى تَزْوِيجِ امْرأةٍ ثَيِّبٍ بأمْرِها، فأثْبَتَ القاضِي نِكاحَها إيَّاهُ، والزَّوْجُ يَعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجُها قَطُّ، فإنَّهُ يَسَعُهُ هاذَا النِّكاحُ، وَلَا بأسَ بالمُقامِ لهُ مَعَها.
أَرَادَ بِهِ التشنيع أَيْضا على أبي حنيفَة. قَوْله: يَسعهُ أَي: يجوز لَهُ وَيحل لَهُ، قَالَ الْكرْمَانِي: وَهَذَا تشنيع عَظِيم لِأَنَّهُ أقدم على الْحَرَام الْبَين عَالما بِالتَّحْرِيمِ مُتَعَمدا لركوب الْإِثْم. انْتهى. وَقد ذكرنَا أَن أَبَا حنيفَة بنى هَذِه الْأَشْيَاء على أَن حكم الْحَاكِم بشاهدي زور ينفذ ظَاهرا وَبَاطنا.
٦٩٧١ - حدّثنا أبُو عاصِمٍ، عنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عنِ ابنِ أبي مُلَيْكَةَ عنْ ذَكْوَانَ، عنْ عائِشَةَ ﵂، قالَتْ: قَالَ رسولُ الله البِكْرُ تُسْتَأذَنُ قُلْتُ إنَّ البكْرَ تَسْتَحي. قَالَ: إذْنُها صُماتُها
انْظُر الحَدِيث ٥١٣٧ وطرفه
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو عَاصِم هُوَ الضَّحَّاك بن مخلد، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَابْن أبي مليكَة هُوَ عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة بِضَم الْمِيم واسْمه زُهَيْر، وذكوان بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وبالواو مولى عَائِشَة ﵂. والْحَدِيث قد مضى فِي النِّكَاح.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنْ هَوِيَ رجُلٌ جارِيَةً يَتيمَةً أوْ بِكْراً، فأبتْ، فاحتالَ فَجاءَ بِشاهِدْي زُورٍ عَلى أنهُ تَزَوَّجَها، فأدْرَكَتْ فَرَضيَتِ اليتيمَةُ فَقَبِلَ القاضِي شَهادَةَ الزُّورِ والزَّوْجَ يَعْلَمُ بِبُطلَان ذَلِكَ حَلَّ لهُ الوَطْءُ.
هَذَا تشنيع آخر على الْحَنَفِيَّة، وَقَوله هَذَا تكْرَار بِلَا فَائِدَة لِأَن حَاصِل هَذِه الْفُرُوع الثَّلَاثَة وَاحِد، وَذكره إِيَّاهَا وَاحِدًا بعد وَاحِد لَا يُفِيد شَيْئا لِأَنَّهُ قد علم أَن حكم الْحَاكِم ينفذ ظَاهرا وَبَاطنا ويحلل وَيحرم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَائِدَة التّكْرَار كَثْرَة التشنيع. قَوْله: إِن هوي بِكَسْر الْوَاو يَعْنِي: أحب. قَوْله: جَارِيَة هِيَ الْفتية من النِّسَاء يتيمة أَو بكرا ويروى عَن الْكشميهني: ثَيِّبًا أَو بكرا. قَوْله: فأدركت ظَاهِرَة أَنَّهَا بعد الشَّهَادَة بلغت ورضيت، وَيحْتَمل أَن يُرِيد أَنه جَاءَ بِشَاهِدين على أَنَّهَا أدْركْت ورضيت فَتَزَوجهَا فَيكون دَاخِلا تَحت الشَّهَادَة. وَالْفَاء للسَّبَبِيَّة فَقبل القَاضِي بِشَهَادَة الزُّور. كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: بِشَهَادَة، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بِحَذْف الْبَاء. قَوْله: جَازَ لَهُ الْوَطْء ويروى: حل لَهُ الْوَطْء.
١٢ - (بابُ مَا يُكْرَهُ مِن احْتِيالِ المَرْأةِ مَعَ الزَّوْجِ والضَّرَائِرِ، وَمَا نَزَلَ على النبيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يكره ... الخ كلمة: مَوْصُولَة، والضرائر جمع ضرَّة بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء. قَوْله: وَمَا نزل أَي: وَفِي بَيَان مَا نزل على النَّبِي قَوْله: فِي ذَلِك أَي: فِيمَا ذكر من احتيال الْمَرْأَة مَعَ الزَّوْج والضرائر، وَأَرَادَ بقوله: وَمَا نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي لَا تحرم مَا أحل الله لَك﴾ وَذَلِكَ لما قَالَ شربت عسلاً وَلنْ أَعُود، وَقبل: إِنَّمَا حرم جَارِيَته مَارِيَة فَحلف أَن لَا يَطَأهَا، وَأسر ذَلِك إِلَى حَفْصَة فأفشته إِلَى عَائِشَة، وَنزل الْقُرْآن فِي ذَلِك.
٦٩٧٢ - حدّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْماعِيلَ، حدّثنا أبُو أُسامَةَ، عنْ هشامٍ، عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كانَ رسولُ الله يُحِبُّ الحَلْوَاءَ ويُحِبُّ العَسَلَ وكانَ إذَا صَلَّى العَصْرَ أجازَ عَلى نِسائِهِ فَيَدْنو مِنْهُنَّ، فَدَخَلَ عَلى حَفْصَةَ فاحْتَبَسَ عِنْدَها، أكْثَرَ مِما كانَ يَحْتَبِسُ، فَسْألْتُ عنْ ذَلِكَ فَقَالَ لي: أهْدَتِ امْرأةٌ مِنْ قَوْمِها عُكَّةَ عَسَلِ، فَسَقَتْ رسولَ الله مِنْهُ شَرْبَةً فَقُلْتُ أما واللَّهِ لَنَحْتالَنَّ لهُ،
стр. 7237
فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَوْدَةَ، قُلْتُ: إذَا دَخَلَ عَلَيْكِ فإنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ، فقُولِي لهُ: يَا رسولَ الله أكَلْتَ مَغافِيرَ؟ فإنَّهُ سَيَقُولُ: لَا، فَقُولي لهُ: مَا هاذِهِ الرِّيحُ؟ وكانَ رسولُ الله يَشْتَدُّ عَلَيْهِ أنْ يُوجَدَ مِنْهُ الرِّيحُ فإنَّهُ سَيَقُولُ سَقَتْنِي حَفْصةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فَقُولي لهُ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ العرْفُطَ، وسأقُولُ ذالِكِ، وقُولِيهِ أنْتِ يَا صَفِيّةُ، فَلمَّا دَخَلَ عَلى سَوْدَةَ قُلْتُ: تَقُولُ سَوْدَةُ: والّذِي لَا إلاهَ إلاّ هُوَ لَقَدْ كِدْتُ أنْ أُبادِرَهُ بالَّذِي قُلْتِ لي، وإنّهُ لَعَلى البابِ فَرَقاً مِنْكِ، فَلَمَّا دنا رسولُ الله قُلْتُ يَا رسوُلَ اللَّهِ أكَلْتَ مَغافِيرِ؟ قَالَ: لَا قُلْتُ فَما هاذِهِ الرِّيحُ؟ قَالَ: سَقَتْني حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ قُلْتُ جَرَسَتْ نَحْلُهُ العُرْفُطَ فلمَّا دَخلَ عَليَّ قُلْتُ لهُ مثْلَ ذَلِكَ، ودَخَلَ عَلى صَفِيّةَ فقالَتْ لهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلمَّا دَخَلَ عَلى حَفْصَةَ قالَتْ لَهُ: يَا رسُولَ الله أَلا أسْقِيكَ مِنْهُ؟ قَالَ: لَا حاجةَ لي بِهِ قالَتْ تَقُولُ سَوْدَةُ سُبْحانَ الله لَقَدْ حرَمْناهُ. قالَتْ: قُلْتُ لَهَا: اسْكُتِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: وَالله لنحتالن لَهُ
وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
والْحَدِيث قد مضى فِي الْأَطْعِمَة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَفِي الْأَشْرِبَة عَن عبد الله بن أبي شيبَة وَفِيه وَفِي الطِّبّ عَن عَليّ بن عبد الله وَهنا عبيد بن إِسْمَاعِيل أربعتهم عَن أبي أُسَامَة. وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة وَقد ذَكرْنَاهُ.
قَوْله: الْحَلْوَاء بِمد وبقصر، قَالَ الدَّاودِيّ: يُرِيد التَّمْر وَشبهه. قَوْله: أجَاز أَي: تمم النَّهَار وأنفده، يُقَال: جَازَ الْوَادي جَوَازًا، وَأَجَازَهُ إِذا قطعه، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: جَازَ مَشى فِيهِ، وَأَجَازَهُ قطعه، وَذكره ابْن التِّين بِلَفْظ: جَازَ، قَالَ: كَذَا وَقع فِي الْمُجْمل وَقَالَ الضَّحَّاك: جزت الْموضع سرت فِيهِ وأجزته خلفته وقطعته. قَوْله: عكة بِالضَّمِّ الْآنِية من الْجلد. قَوْله: فسقت رَسُول الله شربة يَعْنِي: حَفْصَة، قَالَ صَاحب التَّوْضِيح هَذِه غلط لِأَن حَفْصَة هِيَ الَّتِي تظاهرت مَعَ عَائِشَة فِي هَذِه الْقِصَّة، وَإِنَّمَا شربه عِنْد صَفِيَّة بنت حييّ، وَقيل: عِنْد زَيْنَب، وَالأَصَح أَنَّهَا زَيْنَب، وَقَالَ الْكرْمَانِي: تقدم فِي كتاب الطَّلَاق أَنه شرب فِي بَيت زَيْنَب والمتظاهرتان على هَذَا القَوْل عَائِشَة وَحَفْصَة، ثمَّ قَالَ: لَعَلَّه شرب فِي بيتهما فهما قضيتان. قَوْله: لنحتالن من الاحتيال. فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ على أَزوَاجه الاحتيال؟ . قلت: هَذِه من مقتضيات الطبيعة للنِّسَاء، وَقد عفى عَنْهُن. قَوْله: مَغَافِير جمع مغْفُور بالغين الْمُعْجَمَة وبالفاء وَالْوَاو وَالرَّاء وَهُوَ صبغ كالعسل لَهُ رَائِحَة كريهة. قَوْله: جرست بِالْجِيم وَالرَّاء وبالسين الْمُهْملَة أَي: لحست بِاللِّسَانِ وأكلت. قَوْله: العرفط بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَالْفَاء وَإِسْكَان الرَّاء وبالطاء الْمُهْملَة وَهُوَ شجر خَبِيث الثَّمر، وَقيل: العرفط مَوضِع، وَقيل: شجر من العضاء وثمرته بَيْضَاء مدحرجة، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: ثَمَرَة كل العضاء صفراء إلَاّ أَن العرفط ثَمَرَته بَيْضَاء. قَوْله: أَن أبادره من الْمُبَادرَة ويروى أَن أبادئه بِالْبَاء الْمُوَحدَة من المبادأة، يُقَال: أبادئهم أَمرهم أَي: أظهره، ويروى: أَن أناديه، بالنُّون مَوضِع الْبَاء. قَوْله: أَلا أسقيك؟ بِضَم الْهمزَة وَفتحهَا، وَفِي الصِّحَاح سقيته وأسقيته. قَوْله: حرمناه أَي: منعناه من الْعَسَل.
١٣ - (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الاحْتِيالِ فِي الفِرَارِ مِنَ الطّاعُونِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يكره من الاحتيال فِي الْفِرَار أَي: الهروب من الطَّاعُون، قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ بثر مؤلم جدا يخرج غَالِبا فِي الآباط مَعَ لهيب وخفقان وقيء وَنَحْوه.
٦٩٧٣ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عنْ مالِكٍ، عنِ ابنِ شِهابٍ، عنْ عَبْدِ الله بنِ عامِرِ بنِ رَبِيَةَ أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطابِ، ﵁، خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ، فَلمَّا جاءَ بِسَرْغَ بَلَغَهُ أنَّ الوَباءَ وقَعَ
стр. 7238
بالشَّأْمِ، فأخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ عَوْفٍ أنَّ رسولَ الله قَالَ: إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بأرْض فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وإذَا وقَعَ بأرْضٍ وأنْتُمْ بِها فَلَا تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْه فَرَجعَ عُمَرُ مِنْ سَرْغَ
وعنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سالِمِ بن عَبْدِ الله: أنَّ عُمَرَ إنّما انْصَرَفَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمانِ.
انْظُر الحَدِيث ٥٧٢٩ وطرفه
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: وَإِذا وَقع بِأَرْض الخ.
وَعبد الله بن مسلمة القعْنبِي يروي عَن مَالك بن أنس عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن عبد الله بن عَامر بن ربيعَة الْعَنزي حَيّ من الْيمن، ولد على عهد رَسُول الله وروى عَنهُ وَقبض النَّبِي وَهُوَ ابْن أَربع أَو خمس سِنِين، وَمَات فِي سنة تسع وَثَمَانِينَ، وَقيل: خمس وَثَمَانِينَ، وَذكره الذَّهَبِيّ فِي الصَّحَابَة وَقَالَ ولد سنة سِتّ من الْهِجْرَة روى عَنهُ الزُّهْرِيّ وَغَيره، وَقد وعى عَن النَّبِي
والْحَدِيث مضى فِي الطِّبّ عَن عبد الله بن يُوسُف وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: خرج إِلَى الشَّام كَانَ خُرُوج عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِلَى الشَّام فِي ربيع الثَّانِي سنة ثَمَانِي عشرَة. قَوْله: يسرغ بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وبالغين الْمُعْجَمَة منصرف وَغير منصرف وَهِي قَرْيَة فِي طرف الشَّام مِمَّا يَلِي الْحجاز وَقَالَ الْبكْرِيّ: سرغ مَدِينَة بِالشَّام افتتحها أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هِيَ واليرموك والجابية والرمادة مُتَّصِلَة. قَوْله: أَن الوباء بِالْمدِّ وَالْقصر وَجمع الْمَقْصُور: أوباء، وَجمع الْمَمْدُود: أوبئة، وَهُوَ الْمَرَض الْعَام. قَوْله: فَلَا تقدمُوا بِفَتْح الدَّال، قيل: لَا يَمُوت أحد إلَاّ بأجله ولايتقدم وَلَا يتَأَخَّر، فَمَا وَجه النَّهْي عَن الدُّخُول وَالْخُرُوج؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لم ينْه عَن ذَلِك حذرا عَلَيْهِ إِذْ لَا يُصِيبهُ إلَاّ مَا كتب عَلَيْهِ، بل حذرا من الْفِتْنَة فِي أَن يظنّ أَن هَلَاكه كَانَ من أجل قدومه عَلَيْهِ وَأَن سَلَامَته كَانَت من أجل خُرُوجه. وَفِي التَّوْضِيح وَلَا يتحيل فِي الْخُرُوج فِي تِجَارَة أَو زِيَارَة أَو شبههما نَاوِيا بذلك الْفِرَار مِنْهُ، وَيبين هَذَا الْمَعْنى قَوْله إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ قَالَ: وَالْمعْنَى فِي النَّهْي عَن الْفِرَار مِنْهُ كَأَنَّهُ يفر من قدر الله وقضائه، وَهَذَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ لأحد لِأَن قدره لَا يغلب.
قَوْله: وَعَن ابْن شهَاب مَوْصُول بِمَا قبله. قَوْله: عَن سَالم بن عبد الله يَعْنِي: ابْن عمر بن الْخطاب، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن انصراف عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من سرغ كَانَ من حَدِيث عبد الرحمان بن عَوْف، وَرُوِيَ أَن انْصِرَافه كَانَ من أبي عُبَيْدَة بن الْجراح، وَذَلِكَ أَنه لما اسْتقْبل عمر فَقَالَ: جِئْت بأصحاب رَسُول الله تدخلهم أَرضًا فِيهَا الطَّاعُون الَّذين هم أَئِمَّة يقْتَدى بهم؟ فَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يَا أَبَا عُبَيْدَة أشككت؟ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كَأَنِّي يَعْقُوب إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ ﴿لَا تدْخلُوا من بَاب وَاحِد﴾ فَقَالَ عمر: وَالله لأدخلنها. فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَالله لَا تدْخلهَا، فَرده.
وَفِيه: قبُول خبر الْوَاحِد، وَفِيه: أَنه يُوجد عِنْد بعض الْعلمَاء مَا لَيْسَ عِنْد أكبر مِنْهُ قيل. وَفِيه: دَلِيل على تقدم خبر الْوَاحِد على الْقيَاس وموضعه فِي كتب الْأُصُول.
حدّثنا أبُو اليَمانِ، حَدثنَا شُعَيْبٌ، عَن الزُّهْرِيِّ، حَدثنَا عامِرُ بنُ سَعْدِ بنِ أبي وِقّاصٍ أنّهُ سَمعَ أُسامةَ بنَ زَيْدٍ يُحَدِّثُ سَعْداً أنَّ رسُولَ الله ذَكرَ الوَجَعَ فَقَالَ: رِجْزٌ أوْ عَذَابٌ عُذِّبَ بِهِ بَعْضُ الأُمَمِ ثُمَّ بَقِيَ مِنْهُ بَقِيّةٌ، فَيَذْهَبُ المَرَّةَ وَيَأْتِي الأُخْرَى، فَمَنْ سَمِعَ بأرْضٍ فَلا يَقْدَمَنَّ عَليْهِ، ومَنْ كانَ بأرْضٍ وقَعَ بهَا فَلَا يَخْرُجْ فِراراً مِنْهُ
انْظُر الحَدِيث ٣٤٧٣ وطرفه
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع.
والْحَدِيث مضى فِي ذكر بني إِسْرَائِيل عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله عَن مَالك، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: ذكر الوجع أَي: الطَّاعُون. قَوْله: رجز بِكَسْر الرَّاء وَضمّهَا الْعَذَاب. قَوْله: أَو عَذَاب شكّ من الرَّاوِي قَوْله: فَيذْهب الْمرة أَي: لَا يكون دَائِما بل فِي بعض الْأَوْقَات. قَوْله: فَلَا يقدمن بِفَتْح الدَّال وبالنون الْمُؤَكّدَة الثَّقِيلَة.
١٤ - (بابٌ فِي الهِبَةِ والشُّفْعَةِ)
стр. 7239
أَي: هَذَا بَاب فِيمَا يكره من الاحتيال فِي الرُّجُوع عَن الْهِبَة والاحتيال فِي إِسْقَاط الشُّفْعَة.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنْ وَهَبَ هِبَةً ألْفَ دِرْهَمٍ أوْ أكْثَرَ حتَّى مَكُثَ عِنْدَهُ سِنينَ، واحْتال فِي ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ الواهبُ فِيها فَلَا زَكاة على واحِدٍ مِنْهُما، فَخَالَف الرَّسولَ فِي الهبةِ وأسْقَطَ الزَّكاةَ.
أَرَادَ بِهِ التشنيع أَيْضا على أبي حنيفَة من غير وَجه لِأَن أَبَا حنيفَة فِي أَي مَوضِع قَالَ هَذِه الْمَسْأَلَة على هَذِه الصُّورَة بل الَّذِي قَالَه أَبُو حنيفَة هُوَ أَن الْوَاهِب لَهُ أَن يرجع فِي هِبته، وَلَكِن لصِحَّة الرُّجُوع قيود. الأول: أَن يكون أَجْنَبِيّا. وَالثَّانِي: أَن يكون قد سلمهَا إِلَيْهِ لِأَنَّهُ قبل التَّسْلِيم يجوز مُطلقًا. وَالثَّالِث: أَن لَا يقْتَرن بِشَيْء من الْمَوَانِع، وَهِي مَذْكُورَة فِي موضعهَا، وَاسْتدلَّ فِي جَوَاز الرُّجُوع بقوله ﷺ من وهب هبة فَهُوَ أَحَق بهبته مَا لم يثب مِنْهَا. أَي: مَا لم يعوض، رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
أما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَأخْرجهُ ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام من حَدِيث عَمْرو بن دِينَار عَن أبي هُرَيْرَة. وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عَطاء عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله من وهب هبة فَهُوَ أَحَق بهبته مَا لم يثب مِنْهَا. وَأما حَدِيث ابْن عمر فَأخْرجهُ الْحَاكِم من حَدِيث سَالم بن عبد الله يحدث عَن ابْن عمر: أَن النَّبِي قَالَ: من وهب هبة فَهُوَ أَحَق بهَا مَا لم يثب مِنْهَا. وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ، فَكيف يحل أَن يُقَال فِي حق هَذَا الإِمَام الَّذِي علمه وزهده لَا يُحِيط بهما الواصفون أَنه خَالف الرَّسُول؟ وَكَيف خَالفه وَقد احْتج فِيمَا قَالَه بِأَحَادِيث هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة من الصَّحَابَة الْكِبَار؟ وَأما الحَدِيث الَّذِي احْتج بِهِ مخالفوه وَهُوَ مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ الَّذِي يَأْتِي الْآن، وَرَوَاهُ أَيْضا الْجَمَاعَة غير التِّرْمِذِيّ: عَن قَتَادَة عَن سعيد بن الْمسيب عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي قَالَ: الْعَائِد فِي هِبته كَالْكَلْبِ يعود فِي قيئه، فَلم يُنكره أَبُو حنيفَة بل عمل بِالْحَدِيثين مَعًا فَعمل بِالْحَدِيثِ الأول فِي جَوَاز الرُّجُوع وَبِالثَّانِي فِي كَرَاهَة الرُّجُوع، لَا فِي حرمه الرُّجُوع كَمَا زَعَمُوا، وَقد شبه النَّبِي رُجُوعه بِعُود الْكَلْب فِي قيئه، وَفعل الْكَلْب يُوصف بالقبح لَا بِالْحُرْمَةِ وَهُوَ يَقُول بِهِ لِأَنَّهُ مستقبح، وَلقَائِل أَن يَقُول: للقائل الَّذِي قَالَ: إِن أَبَا حنيفَة خَالف الرَّسُول: أَنْت خَالَفت الرَّسُول فِي الحَدِيث الَّذِي يحْتَج بِهِ على عدم الرُّجُوع لِأَن هَذَا الحَدِيث يعم منع الرُّجُوع مُطلقًا سَوَاء كَانَ الَّذِي يرجع مِنْهُ أَجْنَبِيّا أَو والداً لَهُ. فَإِن قلت: روى أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة عَن حُسَيْن الْمعلم عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن طَاوس عَن ابْن عَمْرو بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، عَن النَّبِي قَالَ: لَا يحل لرجل أَن يُعْطي عَطِيَّة أَو يهب هبة فَيرجع فِيهَا إلَاّ الْوَالِد فِيمَا يُعْطي وَلَده. قلت: هَذَا بِنَاء على أصلهم أَن للْأَب حق التَّمَلُّك فِي مَال الابْن لِأَنَّهُ جزؤه، فالتمليك مِنْهُ كالتمليك من نَفسه من وَجه قَوْله، واحتال فِي ذَلِك، فسره بَعضهم بقوله بِأَن تواطأ مَعَ الْمَوْهُوب لَهُ على ذَلِك. قلت: لم يقل أحد من أَصْحَاب أبي حنيفَة: إِن أَبَا حنيفَة أَو أحدا من أَصْحَابه قَالَ ذَلِك، وَإِنَّمَا هَذَا اخْتِلَاق لتمشية التشنيع عَلَيْهِم.
٦٩٧٥ - حدّثنا أبُو نُعَيْم، حدّثنا سُفْيانُ، عنْ أيُّوبَ السَّختِيانيِّ، عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، ﵄، قَالَ: قَالَ النبيُّ العائِدُ فِي هِبَتِهِ كالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ، لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ.
مطابقته للجزء الأول من التَّرْجَمَة. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْهِبَة.
قَوْله: وَلَيْسَ لنا مثل السوء أَي: الصّفة الرَّديئَة.
٦٩٧٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ، حدّثنا هِشامُ بنُ يُوسُفَ، أخبرنَا مَعْمَرٌ، عنِ الزُّهْرِيِّ، عَن أبي سَلَمَةَ، عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله قَالَ: إنّما جَعَلَ النبيُّ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذا وَقَعَت الحُدُودُ وصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلا شفْعَةَ.
مطابقته للجزء الثَّانِي من التَّرْجَمَة. وَعبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي.
والْحَدِيث مضى فِي الْبيُوع عَن مُحَمَّد بن مَحْبُوب وَعَن مَحْمُود عَن عبد الرَّزَّاق وَفِيه وَفِي الشُّفْعَة وَفِي الشّركَة عَن مُسَدّد.
قَوْله: فِي كل مَا لم يقسم أَي: ملكا مُشْتَركا مشَاعا
стр. 7240
بَين الشُّرَكَاء. قَوْله: وصرفت بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد أَي: منعت، وَقَالَ ابْن مَالك: أَي خلصت وَثبتت من الصّرْف وَهُوَ الْخَالِص، قَالَ: وَلَا شُفْعَة، لِأَنَّهُ صَار مقسوماً وَصَارَ فِي حكم الْجوَار وَخرج عَن الشّركَة، وَقد ذكرنَا فِيهِ من الْخلاف وَغَيره غير مرّة.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الشُّفْعَةُ للْجِوارِ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى مَا شَدَّدَهُ فأبْطَلَهُ، وَقَالَ: إنِ اشْتَرَى دَارا فَخافَ أنْ يَأْخذَها الجارُ بِالشُّفْعَةِ فاشْتَرَى سَهْماً مِنْ مِائَةِ سَهْمٍ ثُم اشْتَرَى الباقيَ وَكَانَ لِلْجارِ الشُّفْعَةُ فِي السَّهْمِ الأوَّلِ وَلَا شُفْعَةَ لهُ فِي باقِي الدَّارِ، ولهُ أنْ يَحْتالَ فِي ذالِكَ.
هَذَا تشنيع آخر على أبي حنيفَة. وَهُوَ غير صَحِيح لِأَن هَذِه الْمَسْأَلَة فِيهَا خلاف بَين أبي يُوسُف وَمُحَمّد، فَأَبُو يُوسُف هُوَ الَّذِي يرى ذَلِك، وَقَالَ مُحَمَّد: يكره ذَلِك، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي. قَوْله: للجوار بِكَسْر الْجِيم وَضمّهَا وَهُوَ الْمُجَاورَة. قَوْله: ثمَّ عمد إِلَى مَا شدده بالشين الْمُعْجَمَة ويروى بِالْمُهْمَلَةِ وَأَرَادَ بِهِ إِثْبَات الشُّفْعَة للْجَار. قَوْله: فأبطله يَعْنِي أبطل مَا شدده وَيُرِيد بِهِ إِثْبَات التَّنَاقُض وَهُوَ أَنه قَالَ: الشُّفْعَة للْجَار ثمَّ أبْطلهُ حَيْثُ قَالَ فِي هَذِه الصُّورَة: لَا شُفْعَة للْجَار فِي بَاقِي الدَّار، وناقض كَلَامه. قلت: لَا تنَاقض هُنَا أصلا لِأَنَّهُ لما اشْترى سَهْما من مائَة سهم كَانَ شَرِيكا لمَالِكهَا، ثمَّ إِذا اشْترى مِنْهُ الْبَاقِي يصير هُوَ أَحَق بِالشُّفْعَة من الْجَار لِأَن اسْتِحْقَاق الْجَار الشُّفْعَة إِنَّمَا يكون بعد الشَّرِيك فِي نفس الدَّار وَبعد الشَّرِيك فِي حَقّهَا. قَوْله: إِن اشْترى دَارا أَي: إِذا أَرَادَ اشتراءها.
٦٩٧٧ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله، حدّثنا سُفْيانُ، عنْ إبْراهِيمَ بنِ مَيْسَرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بنَ الشَّرِيدِ قَالَ: جاءَ المِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَة فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى مَنْكِبي، فانْطَلَقْتُ مَعَهُ إِلَى سَعْدٍ فَقَالَ أبُو رافِعٍ لِلْمِسْوَر: أَلا تَأْمُرُ هاذا أنْ يَشْتَرِيَ مِنِّي بَيْتِي الَّذِي فِي دَاري؟ فَقَالَ: لَا أزِيدُهُ عَلى أرْبَعمِائَةٍ إمَّا مُقَطَّعَةٍ وإمَّا مُنَجَّمَةٍ. قَالَ: أُعْطِيتُ خمْسَمِائةٍ نَقْداً، فَمَنَعْتُهُ، ولوْلا أنِّي سَمِعْتُ النبيَّ يَقُولُ الجَارُ أحَقُّ بِسَقَبِهِ مَا بِعْتُكَهُ. أوْ قَالَ: مَا أعْطَيْتُكَهُ.
قُلْتُ لِسُفْيانَ: إنَّ مَعْمَراً لَمْ يَقُلْ هاكذا، قَالَ: لاكِنَّهُ قَالَ لي هاكذا.
مطابقته للجزء الثَّانِي من التَّرْجَمَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَإِبْرَاهِيم بن ميسرَة ضد الميمنة الطَّائِفِي، وَعَمْرو بن الشريد بالشين الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة الثَّقَفِيّ، والمسور بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وبالواو ثمَّ بالراء ابْن مخرمَة بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة ابْن نَوْفَل الْقرشِي ولد بِمَكَّة بعد الْهِجْرَة بِسنتَيْنِ وَقدم بِهِ الْمَدِينَة فِي عقب ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَقبض النَّبِي وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين، وَسمع من النَّبِي وَحفظ عَنهُ، وَفِي حِصَار الْحصين بن نمير مَكَّة لقِتَال ابْن الزبير أَصَابَهُ حجر من حجر المنجنيق وَهُوَ يُصَلِّي فِي الْحجر فَقتله، وَذَلِكَ فِي مستهل ربيع الأول سنة أَربع وَسِتِّينَ، وَصلى عَلَيْهِ ابْن الزبير بالحجون وَهُوَ ابْن اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، وَأَبوهُ مخرمَة من مسلمة الْفَتْح وَهُوَ أحد الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم وَمِمَّنْ حسن إِسْلَامه مِنْهُم، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة أَربع وخمسن وَقد بلغ مائَة سنة وَخمْس عشرَة سنة، وَسعد هُوَ ابْن أبي وَقاص وَهُوَ خَال الْمسور الْمَذْكُور، وَأَبُو رَافع مولى رَسُول الله واسْمه أسلم القبطي.
قَوْله: أَلا تَأمر هَذَا يَعْنِي: سعد بن أبي وَقاص، وَالْمرَاد أَنه يسْأَله أَو يُشِير عَلَيْهِ. قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِيه أَن الْأَمر لَا يشْتَرط فِيهِ الْعُلُوّ وَلَا الاستعلاء. قَوْله: بَيْتِي الَّذِي فِي دَاري كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِالْإِفْرَادِ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بَيْتِي اللَّذين، بالتثنية. قَوْله: إِمَّا مقطعَة
стр. 7241
وَإِمَّا منجمة ويروى: مقطعَة أَو منجمة، بِالشَّكِّ من الرَّاوِي وَالْمرَاد أَنَّهَا مُؤَجّلَة على نقدات مفرقة، والنجم الْوَقْت الْمعِين الْمَضْرُوب. قَوْله: أَعْطَيْت على صِيغَة الْمَجْهُول وَالْقَائِل هُوَ أَبُو رَافع. قَوْله: بسقبه ويروى: بصقبه، بالصَّاد وبفتح الْقَاف وسكونها وَهُوَ الْقرب، يُقَال: سقبت دَاره بِالْكَسْرِ والمنزل سقب والساقب الْقَرِيب وَيُقَال للبعيد أَيْضا، جَعَلُوهُ من الأضداد. وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي كتاب غَرِيب الحَدِيث الصقب بالصَّاد مَا قرب من الدَّار وَيجوز أَن يُقَال: سقب، بِالسِّين وَاسْتدلَّ بِهِ أَصْحَابنَا أَن للْجَار الشُّفْعَة بعد الخليط فِي نفس الْمَبِيع، وَهُوَ الشَّرِيك ثمَّ للخليط فِي حق الْمَبِيع كالشرب بِالْكَسْرِ وَالطَّرِيق، وَهُوَ حجَّة على الشَّافِعِي حَيْثُ لم يثبت الشُّفْعَة للْجَار. قَوْله: مَا بعتكه أَي: الشَّيْء، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: مَا بِعْتُك بِحَذْف الْمَفْعُول. قَوْله: أَو قَالَ: مَا أعطيتكه شكّ من الرَّاوِي، قيل: هُوَ سُفْيَان ويروى: مَا أَعطيتك، بِحَذْف الضَّمِير.
قَوْله: قلت لِسُفْيَان الْقَائِل هُوَ عَليّ بن عبد الله شيخ البُخَارِيّ. قَوْله: أَن معمراً لم يقل هَكَذَا يُشِير بِهِ إِلَى مَا رَوَاهُ عبد الله بن الْمُبَارك عَن معمر عَن إِبْرَاهِيم بن ميسرَة عَن عَمْرو بن الشريد عَن أَبِيه بِالْحَدِيثِ دون الْقِصَّة.
أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَن حُسَيْن الْمعلم عَن عَمْرو بن الشريد عَن أَبِيه: أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول أرضي لَيْسَ فِيهَا لأحد شرك وَلَا قسم إِلَّا الْجوَار، فَقَالَ: إِنَّمَا الْجَار أَحَق بسقبه مَا كَانَ، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا، وَهَذَا صَرِيح بِوُجُوب الشُّفْعَة لجوار لَا شركَة فِيهِ. انْتهى. قلت: الشريد بن سُوَيْد الثَّقَفِيّ عداده فِي أهل الطَّائِف لَهُ صُحْبَة النَّبِي وَيُقَال: إِنَّه من حَضرمَوْت، وَيُقَال: إِنَّه من هَمدَان حَلِيف لثقيف، روى عَنهُ عَمْرو، وَالْمرَاد على هَذَا بالمخالفة إِبْدَال الصَّحَابِيّ بصحابي آخر، وَقَالَ الْكرْمَانِي: يُرِيد أَن معمراً لم يقل هَكَذَا أَي: إِن الْجَار أَحَق بِالشُّفْعَة، بِزِيَادَة لفظ: الشُّفْعَة، ورد عَلَيْهِ بِأَن الَّذِي قَالَه لَا أصل لَهُ وَلم يعلم مُسْتَنده فِيهِ مَا هُوَ، بل لفظ معمر: الْجَار أَحَق بصقبه، كَرِوَايَة أبي رَافع سَوَاء. قَوْله: لكنه أَي: قَالَ سُفْيَان: لَكِن إِبْرَاهِيم بن ميسرَة قَالَ لي هَكَذَا وَحكى التِّرْمِذِيّ عَن البُخَارِيّ: إِن الطَّرِيقَيْنِ صَحِيحَانِ، وَالله أعلم.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاس: إِذا أرادَ أنْ يَبِيعَ الشُّفْعَةَ فَلَهُ أنْ يَحْتَالَ حتَّى يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ، فَيَهَبُ البائِعُ لِلْمُشْتَرِي الدَّارَ ويَحُدُّها ويَدْفَعُها إلَيْهِ ويُعوِّضُهُ المُشْتري ألْفَ دِرْهَمٍ، فَلَا يَكُون لِلشَّفِيعِ فِيها شُفْعَةٌ.
هَذَا تشنيع على الْحَنَفِيَّة بِلَا وَجه على مَا نذكرهُ. قَوْله: أَن يَبِيع الشُّفْعَة من البيع قَالَ الْكرْمَانِي: لفظ الشُّفْعَة، من النَّاسِخ أَو المُرَاد لَازم البيع وَهُوَ الْإِزَالَة. قلت: فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَأبي ذَر عَن غير الْكشميهني: إِذا أَرَادَ أَن يقطع الشُّفْعَة، ويروى: إِذا أَرَادَ أَن يمْنَع الشُّفْعَة. قَوْله: ويحدها أَي: يصف حُدُودهَا الَّتِي تميزها، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى فِي بعض النّسخ: وَنَحْوهَا، وَهُوَ أظهر، وَإِنَّمَا سَقَطت الشُّفْعَة فِي هَذِه الصُّورَة لِأَن الْهِبَة لَيست مُعَاوضَة مَحْضَة فَأَشْبَهت الْإِرْث.
٦٩٧٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسفَ، حدّثنا سُفْيانُ، عنْ إبْراهِيمَ بنِ مَيْسَرَةَ، عنْ عَمْرِو بنِ الشَّرِيدِ، عنْ أبي رافِعٍ أنَّ سَعْداً ساوَمَهُ بَيْتاً بأرْبَعِمِائَةِ مِثْقالٍ، فَقَالَ: لوْلا أنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله يَقُولُ الجارُ أحَقُّ بِصَقَبِهِ لمَا أعْطَيْتُكَ.
أَي: هَذَا حَدِيث أبي رَافع الْمَذْكُور ذكره مُخْتَصرا من طَرِيق سُفْيَان الثَّوْريّ عَن إِبْرَاهِيم بن ميسرَة، وَأوردهُ فِي آخر كتاب الْحِيَل بأتم مِنْهُ.
سعد هُوَ ابْن أبي وَقاص، قيل: ذكر البُخَارِيّ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة حَدِيث أبي رَافع ليعرفك إِنَّمَا جعله النَّبِي حَقًا للشَّفِيع لقَوْله: الْجَار أَحَق بصقبه لَا يحل إِبْطَاله انْتهى. قلت: لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على أَن البيع وَقع وَالشَّفِيع لَا يسْتَحق إلَاّ بعد صُدُور البيع، فحينئذٍ لَا يَصح أَن، يُقَال: لَا يحل إِبْطَاله، وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح إِنَّمَا أَرَادَ البُخَارِيّ أَن يلْزم أَبَا حنيفَة التَّنَاقُض لِأَنَّهُ يُوجب الشُّفْعَة للْجَار وَيَأْخُذ فِي ذَلِك بِحَدِيث: الْجَار أَحَق بصقبه، فَمن اعْتقد هَذَا وَثَبت ذَلِك عِنْده من قَضَائِهِ وتحيل بِمثل هَذِه الْحِيلَة فِي إبِْطَال شُفْعَة الْجَار فقد أبطل السّنة الَّتِي اعتقدها. انْتهى. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه كَلَام
стр. 7242
من غير إِدْرَاك وَلَا فهم، لِأَنَّهُ لَا جَار فِي هَذِه الصُّورَة لِأَن الَّذِي فِيهَا الشَّرِيك فِي نفس الْمَبِيع وَالْجَار لَا يتَقَدَّم عَلَيْهِ وَلَا يسْتَحق الْجَار الشُّفْعَة إِلَّا بعده بل وَبعد الشَّرِيك فِي حق الْمَبِيع أَيْضا فَكيف يحل لهَذَا الْقَائِل أَن يفتري على هَذَا الإِمَام الَّذِي سبق إِمَامه وَإِمَام غَيره وينسب إِلَيْهِ أبطال السّنة.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنِ اشْتَراى نَصِيبَ دارٍ فأرادَ أنْ يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ وهَبَ لابْنِهِ الصغيرِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ يَمِينٌ.
هَذَا أَيْضا تشنيع على الْحَنَفِيَّة. قَوْله: وهب أَي: مَا اشْتَرَاهُ لِابْنِهِ الصَّغِير وَلَا يكون عَلَيْهِ يَمِين فِي تحقق الْهِبَة، وَلَا فِي جَرَيَان شُرُوطهَا. وَقيد بالصغير لِأَن الْهِبَة لَو كَانَت للكبير وَجب عَلَيْهِ الْيَمين فتحيل إِلَى إِسْقَاطهَا بجعلها للصَّغِير، وَأَشَارَ بِالْيَمِينِ أَيْضا إِلَى أَن لَو وهب لأَجْنَبِيّ فَإِن للشَّفِيع أَن يحلف الْأَجْنَبِيّ أَن الْهِبَة حَقِيقِيَّة وَأَنَّهَا جرت بشروطها: وَالصَّغِير لَا يحلف لَكِن عِنْد الْمَالِكِيَّة: أَن أَبَاهُ الَّذِي يقبل لَهُ يحلف، وَعَن مَالك: لَا تدخل الشُّفْعَة فِي الْمَوْهُوب مُطلقًا، كَذَا ذكره فِي الْمُدَوَّنَة
١٥ - (بابُ احْتيالِ العامِلِ لِيُهْدَى لهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَرَاهَة حِيلَة الْعَامِل لأجل أَن يهدى لَهُ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْعَامِل هُوَ الَّذِي يتَوَلَّى أُمُور الرجل فِي مَاله وَملكه وَعَمله وَمِنْه قيل للَّذي يسْتَخْرج الزَّكَاة: عَامل.
٦٩٧٩ - حدّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْماعِيلَ، حدّثنا أَبُو أسامةَ عنْ هِشامِ، عنْ أبِيهِ عنْ أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رسولُ الله رَجُلاً عَلى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعاى ابنَ اللُّتْبِيَّةِ، فَلمَّا جاءَ حاسَبَهُ قَالَ: هاذا مالُكُمْ وهاذا هَدِيَّةٌ، فَقَالَ رسولُ الله فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أبِيكَ وأُمِّكَ حتَّى تَأْتِيكَ هَدِيَّتُكَ، إنْ كُنْتَ صادِقاً ثُمَّ خَطَبَنا فَحَمِدَ الله وأثْناى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أمَّا بَعْدُ فإنِّي أسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلى العَمَلِ مِمَّا ولَاّني الله، فَيَأتِي فَيَقُولُ: هاذا مالُكُمْ وهاذا هَدِيَّةٌ، أُهْدِيَتْ لِي، أفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أبِيهِ وأُمِّهِ حتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ؟ وَالله لَا يأخُذُ أحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئاً بِغَيْرِ حَقِّهِ إلَاّ لَقِيَ الله يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلَا أعْرفَنَّ أحَداً مِنْكُمْ لَقِيَ الله يَحْمِلُ بَعِيراً لَهُ رُغاءٌ، أوْ بَقَرَةً لَها خُوارٌ، أوْ شَاة تَيْعَرُ ثُم رَفَعَ يَدَيْهِ حتَّى رُئِيَ بَياضُ إبِطَيْهِ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ بصْرَ عَيْنِي وسَمْعَ أُذُنِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: وَهَذَا هَدِيَّة قَالَ الْمُهلب حِيلَة الْعَامِل ليهدى لَهُ تقع بِأَن يسامح بعض من عَلَيْهِ الْحق فَلذَلِك قَالَ: هلا جلس فِي بَيت أَبِيه وَأمه لينْظر هَل يهدى لَهُ؟ وَيُقَال: احتيال الْعَامِل هُوَ بِأَن مَا أهدي لَهُ فِي عمالته يستأثر بِهِ وَلَا يَضَعهُ فِي بَيت المَال، وهدايا الْعمَّال والأمراء هِيَ من جملَة حُقُوق الْمُسلمين.
وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن أبي حميد بِضَم الْحَاء عبد الرحمان، وَقيل: الْمُنْذر السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الْهِبَة عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَفِي النذور عَن أبي الْيَمَان وَفِي الزَّكَاة عَن يُوسُف بن مُوسَى، وَمضى الْكَلَام فِيهِ فِي الزَّكَاة.
قَوْله: ابْن اللتبيه بِضَم اللَّام وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبالباء الْمُوَحدَة وياء النِّسْبَة، وَقيل: بفح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقيل: بِالْهَمْزَةِ المضمومة بدل اللَّام واسْمه عبد الله. قَوْله: فَلَا أَعرفن نهي للمتكلم صُورَة وَفِي الْمَعْنى نهي لقَوْله: أحدا ويروى فلأعرفن أَي: وَالله لأعرفن. قَوْله: رُغَاء هُوَ صَوت ذَات الْخُف. قَوْله: تَيْعر بِالْكَسْرِ وَقيل بِالْفَتْح من اليعار بِضَم الْيَاء آخر
стр. 7243
الْحُرُوف وَتَخْفِيف الْعين الْمُهْملَة وَهُوَ صَوت الشَّاة. قَوْله: بَيَاض إبطَيْهِ ويروى بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: بصر عَيْني بِلَفْظ الْمَاضِي وَكَذَلِكَ لفظ: سمع أَي: أَبْصرت عَيْنَايَ رَسُول الله ناطقاً ورافعاً يَدَيْهِ وَسمعت كَلَامه، وَهُوَ قَول أبي حميد الرَّاوِي لَهُ. وَقَالَ عِيَاض: ضبط أَكْثَرهم بِسُكُون الصَّاد وبسكون الْمِيم وَفتح الرَّاء وَالْعين مصدرين مضافين وَهُوَ مفعول: بلغت، وَهُوَ مقول رَسُول الله
٦٩٨٠ - حدّثنا أبُو نُعَيْمِ، حدّثنا سُفْيانُ، عنْ إبْراهِيمَ بنِ مَيْسَرَةَ، عنْ عَمْرِو بنِ الشَّريدِ، عنْ أبي رافِعِ قَالَ: قَالَ النبيُّ الجَارُ أحَقُّ بِصَقَبِهِ.
هَذَا الحَدِيث وَالَّذِي يَأْتِي فِي آخر الْبَاب يتعلقان بِبَاب الْهِبَة وَالشُّفْعَة، فَلَا وَجه لذكرهما فِي هَذَا الْبَاب. وَمن هَذَا قَالَ الْكرْمَانِي: كَانَ موضعهما الْمُنَاسب قيل: بَاب احتيال الْعَامِل، لِأَنَّهُ من بَقِيَّة مسَائِل الشُّفْعَة، وتوسيط هَذَا الْبَاب بَينهمَا أَجْنَبِي، ثمَّ قَالَ: وَلَعَلَّه من جملَة تَصَرُّفَات النقلَة عَن الأَصْل. وَلَعَلَّه كَانَ فِي الْحَاشِيَة وَنَحْوهَا فنقلوه إِلَى غير مَكَانَهُ، وَرِجَاله قد ذكرُوا عَن قريب، وَكَذَلِكَ شَرحه.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِن اشْتَرَى دَارا بِعِشْرِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ، فَلَا بَأسَ أنْ يَحْتالَ حتَّى يَشْتَرِيَ الدَّارَ بِعِشْرِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ، ويَنْقُدَهُ تِسْعَةَ آلافِ دِرْهَمٍ وتِسْعَمِائَةِ درْهَمٍ، وتِسْعَةً وتِسْعِينَ ويَنْقُدَهُ دِيناراً بِمَا بَقِيَ مِنَ العِشْرينَ الألْفَ، فإنْ طَلَبَ الشَّفِيعُ أخْذَها بِعِشْرينَ ألْفَ دِرْهَمٍ، وإلاّ فَلا سَبِيلَ لهُ عَلى الدَّارِ، فإنِ اسْتُحِقَّتِ الدَّارُ رَجَعَ المُشْتَرِي عَلى البائِعِ بِما دَفَعَ إلَيْه، وهْو تِسْعَةُ آلافِ دِرْهَمِ وتِسْعُمِائَةٍ وتسْعَةٌ وتِسْعُونَ دِرْهَماً ودِينارٌ، لِأَن البَيْعَ حِينَ اسْتُحِقَّ انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي الدِّينارِ، فإنْ وَجَدَ بِهاذِهِ الدِّارِ عَيْباً ولمْ تُسْتَحَقَّ فإنَّهُ يَرُدُّها عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ. قَالَ: فأجازَ هَذا الخِداعَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وَقَالَ: قَالَ النَّبيُّ لَا داءَ وَلَا خِبْثَةَ وَلَا غائِلَةَ
هَذَا أَيْضا تشنيع بعد تشنيع بِلَا وَجه. قَوْله: إِن اشْترى دَارا أَي: أَرَادَ اشْتِرَاء دَار بِعشْرين ألف دِرْهَم. قَوْله: فَلَا بَأْس أَن يحتال أَي: على إِسْقَاط الشُّفْعَة حَتَّى يَشْتَرِي الدَّار بِعشْرين ألف دِرْهَم. قَوْله: وينقده أَي: ينْقد البَائِع تِسْعَة آلَاف دِرْهَم وَتِسْعمِائَة وَتِسْعَة وَتِسْعين وينقده دِينَارا بِمَا بَقِي أَي: بِمُقَابلَة مَا بَقِي من الْعشْرين الْألف، ويروى: من الْعشْرين ألفا يَعْنِي: مصارفه عَنْهَا. قَوْله: فَإِن طلب الشَّفِيع أَي: أَخذهَا بِالشُّفْعَة. قَوْله: أَخذهَا بِصِيغَة الْمَاضِي، أَي: أَخذهَا بِعشْرين ألف دِرْهَم يَعْنِي: بِثمن الَّذِي وَقع عَلَيْهِ العقد. قَوْله: وإلَاّ فَلَا سَبِيل لَهُ على الدَّار يَعْنِي: وَإِن لم يرض أَخذهَا بِعشْرين ألفا فَلَا سَبِيل لَهُ على الدَّار لسُقُوط الشُّفْعَة لكَونه امْتنع من بدل الثّمن الَّذِي وَقع عَلَيْهِ العقد. قَوْله: فَإِن اسْتحقَّت على صِيغَة الْمَجْهُول، يَعْنِي: إِذا ظَهرت الدَّار مُسْتَحقَّة لغير البَائِع. قَوْله: لِأَن البيع أَي: لِأَن الْمَبِيع. قَوْله: حِين اسْتحق أَي: للْغَيْر. قَوْله: انْتقض الصّرْف أَي: الَّذِي وَقع بَين البَائِع وَالْمُشْتَرِي فِي الدَّار الْمَذْكُورَة بالدينار، وَهِي رِوَايَة الْكشميهني أَعنِي فِي الدِّينَار، وَفِي رِوَايَة غَيره فِي الدَّار وَالْأول أوجه. قَوْله: فَإِن وجد بِهَذِهِ الدَّار أَي: الدَّار الْمَذْكُورَة عَيْبا. قَوْله: وَلم تسْتَحقّ الْوَاو فِيهِ للْحَال أَي: وَالْحَال أَنَّهَا لم تخرج مُسْتَحقَّة فَإِنَّهُ يردهَا، أَي: الدَّار عَلَيْهِ أَي: على البَائِع بِعشْرين ألفا. قَالَ: وَهَذَا تنَاقض بيّن لِأَن الْأمة مجمعة وَأَبُو حنيفَة مَعَهم على أَن البَائِع لَا يرد فِي الِاسْتِحْقَاق وَالرَّدّ بِالْعَيْبِ إلَاّ مَا قبض، فَكَذَلِك الشَّفِيع لَا يشفع إلَاّ بِمَا نقد المُشْتَرِي وَمَا قَبضه من البَائِع لَا بِمَا عقد، وَأَشَارَ إِلَى ذَلِك بقوله: قَالَ: فَأجَاز هَذَا الخداع بَين الْمُسلمين أَي: أجَاز الْحِيلَة فِي إِيقَاع الشَّرِيك فِي الْعين إِن أَخذ الشُّفْعَة وَإِبْطَال حَقه بِسَبَب الزِّيَادَة فِي الثّمن بِاعْتِبَار العقد لَو تَركهَا، وَالضَّمِير فِي: قَالَ، يرجع إِلَى
стр. 7244
البُخَارِيّ وَفِي: أجَاز إِلَى بعض النَّاس، فَإِن كَانَ مُرَاده من قَوْله: فَأجَاز، أَي: أَبُو حنيفَة فَفِيهِ سوء الْأَدَب فحاشا أَبُو حنيفَة من ذَلِك، فدينه المتين وورعه الْمُحكم يمنعهُ عَن ذَلِك. قَوْله: وَقَالَ: قَالَ النَّبِي أَي: قَالَ البُخَارِيّ: قَالَ النَّبِي وَأَرَادَ بِهَذَا الحَدِيث الْمُعَلق الَّذِي مضى مَوْصُولا بأتم مِنْهُ فِي أَوَائِل كتاب الْبيُوع الِاسْتِدْلَال على حُرْمَة الخداع بَين الْمُسلمين فِي معاقداتهم قَوْله: لَا دَاء أَي: لَا مرض وَلَا خبثة بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة أَي: لَا يكون، وَحكى الضَّم أَيْضا وَقَالَ الْهَرَوِيّ: الخبثة، أَن يكون البيع غير طيب كَأَن يكون من قوم لم يحل سَبْيهمْ لعهد تقدم لَهُم، وَقَالَ ابْن التِّين: وَهَذَا فِي عهد الرَّقِيق، قيل: إِنَّمَا خصّه بذلك لِأَن الْخَبَر إِنَّمَا ورد فِيهِ قَوْله: وَلَا غائلة وَهُوَ أَن يَأْتِي أمرا سوءا كالتدليس وَنَحْوه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الغائلة الْهَلَاك أَي: لَا يكون فِيهِ هَلَاك مَال المُشْتَرِي، وَالْأَصْل عِنْده من يرى هَذَا الاحتيال فِي هَذِه الصُّورَة وَغَيرهَا هُوَ أَن إبِْطَال الْحُقُوق الثَّابِتَة بِالتَّرَاضِي جَائِز.
٦٩٨١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا يَحْياى، عنْ سُفْيانَ، قَالَ: حدّثني إبْراهِيمُ بنُ مَيْسَرَةَ، عنْ عَمْرِو بنِ الشَّرِيدِ، أنَّ أَبَا رافِعٍ ساوَمَ سَعْدَ بنَ مالِكٍ بَيْتاً بِأرْبَعِمائَةِ مِثْقالٍ، وَقَالَ: لوْلا أنِّي سَمِعْتُ النبيَّ يَقُول: الجَارُ أحَقُّ بِصَقَبِهِ مَا أعْطَيْتُكَ.
قد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب عِنْد قَوْله: حَدثنَا أَبُو نعيم حَدثنَا سُفْيَان ... الخ، وَهُوَ بِعَين ذَلِك الحَدِيث غير أَنه أخرجه هُنَا: عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، وَهُنَاكَ: عَن أبي نعيم عَن سُفْيَان عَن إِبْرَاهِيم ... الخ وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
﴿بِسم الله الرحمان الرَّحِيم﴾
ثبتَتْ الْبَسْمَلَة هُنَا لجَمِيع الروَاة.
(كِتابُ التَّعْبِيرِ)
أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان التَّعْبِير. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالُوا الفصيح الْعبارَة لَا التَّعْبِير وَهِي التَّفْسِير والإخبار بِمَا يؤول إِلَيْهِ أَمر الرُّؤْيَا، وَالتَّعْبِير خَاص بتفسير الرُّؤْيَا وَهِي العبور من ظَاهرهَا إِلَى بَاطِنهَا، وَقيل: هُوَ النّظر فِي الشَّيْء فتعبير بعضه بِبَعْض حَتَّى يحصل على فهمه، وَأَصله من العبر، بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء وَهُوَ التجاوز من حَال إِلَى حَال وَالِاعْتِبَار وَالْعبْرَة الْحَالة الَّتِي يتَوَصَّل بهَا من معرفَة الْمشَاهد إِلَى مَا لَيْسَ بمشاهد، وَيُقَال: عبرت الرُّؤْيَا بِالتَّخْفِيفِ إِذا فسرتها، وعبرتها بِالتَّشْدِيدِ لأجل الْمُبَالغَة فِي ذَلِك.
١ - (بابٌ أوَّلُ مَا بُدِىءَ بِهِ رسولُ الله ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤُيا الصَّالِحَةُ)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ أول مَا بدىء بِهِ، وَهَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ والقابسي، وَكَذَا وَقع لأبي ذَر مثله إلَاّ أَنه سقط لَهُ عَن غير الْمُسْتَمْلِي لفظ: بَاب. وَوَقع لغَيرهم، بَاب التَّعْبِير وَأول مَا بدىء بِهِ ... الخ. والرؤيا مَا يرَاهُ الشَّخْص فِي مَنَامه، وَهِي على وزن فعلى وَقد تسهل الْهمزَة، وَقَالَ الواحدي: هُوَ فِي الأَصْل مصدر كالبشري فَلَمَّا جعلت اسْما لما يتخيله النَّائِم أجريت مجْرى الْأَسْمَاء. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: الرُّؤْيَا إدراكات يخلقها الله فِي قلب العَبْد على يَدي ملك أَو شَيْطَان إِمَّا بأسمائها أَي: حَقِيقَتهَا وَإِمَّا بكناها أَي: بعبارتها، وَإِمَّا تَخْلِيط، ونظيرها فِي الْيَقَظَة: الخواطر، فَإِنَّهَا قد تَأتي على نسق فِي قصد وَقد تَأتي مسترسلة غير محصلة.
وروى الْحَاكِم والعقيلي من رِوَايَة مُحَمَّد بن عجلَان عَن سَالم بن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه قَالَ: لَقِي عمر عليّاً، ﵄، فَقَالَ: يَا أَبَا الْحسن الرجل يرى الرُّؤْيَا فَمِنْهَا مَا يصدق وَمِنْهَا مَا يكذب؟ قَالَ: نعم. سَمِعت رَسُول الله يَقُول: مَا من عبد وَلَا أمة ينَام فيمتلىء نوماً إِلَّا يخرج بِرُوحِهِ إِلَى الْعَرْش. فَالَّذِي لَا يَسْتَيْقِظ دون الْعَرْش فَتلك الرُّؤْيَا الَّتِي تصدق وَالَّذِي يَسْتَيْقِظ دون الْعَرْش فَتلك الَّتِي تكذب قَالَ الذَّهَبِيّ فِي تلخيصه هَذَا حَدِيث مُنكر وَلم يُصَحِّحهُ الْمُؤلف، وَلَعَلَّ الآفة من
стр. 7245
الرَّاوِي عَن ابْن عجلَان. انْتهى. الرَّاوِي عَن ابْن عجلَان هُوَ أَزْهَر بن عبد الله الْأَزْدِيّ الخرساني، ذكره الْعقيلِيّ فِي تَرْجَمته، وَقَالَ: إِنَّه غير مَحْفُوظ. قَوْله: الرُّؤْيَا الصادقة، قد ذكرنَا أَن الرُّؤْيَا فِي الْمَنَام، والرؤية هِيَ النّظر بِالْعينِ والرأي بِالْقَلْبِ، والصادقة هِيَ رُؤْيا الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَمن تَبِعَهُمْ من الصَّالِحين، وَقد تقع لغَيرهم بندور والأحلام الملتبسة أضغاث وَهِي لَا تندر بِشَيْء.
٦٩٨٢ - حدّثنا يَحْياى بنُ بُكَيْرٍ، حدّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ، عنِ ابنِ شِهابٍ. ح وحدّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ، حدّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حدّثنا مَعْمَرٌ قَالَ، الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبرنِي عُرْوَةُ عنْ عائِشَةَ، ﵂، أنَّها قالَتْ: أوَّلُ مَا بُدِىءَ بِهِ رسولُ الله مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكانَ لَا يَرى رُؤْيا إلَاّ جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، فكانَ يَأتِي حِراءً فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وهْوَ التَّعَبُّدُ اللَّيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ ويَتَزَوَّدُ لِذالِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَة فَتُزَوِّدُ لِمِثْلِها حتَّى فَجِئَهُ الحَقُّ وهْوَ فِي غارِ حِراءِ، فَجاءَهُ المَلَكُ فِيهِ فَقَالَ: فَقَالَ لهُ النبيُّ فَقُلْتُ مَا أَنا بِقارِىءٍ، فأخَذَنِي فَغَطَّني حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهُدَ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقَالَ: ع فَقُلْتُ مَا أَنا بِقَارِىءٍ، فأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حتَّى بَلَغَ مِنِّي الجُهْدَ، ثمَّ أرْسَلَنِي فَقَالَ: ع فَقُلْتُ مَا أَنا بِقارِىءٍ، فَغَطَنِي الثَّالِثَةَ حتَّى بَلَغَ مِنِّي الجُهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ﴾ حتَّى بَلَغَ: ﴿عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ فَرَجَعَ بهَا تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ حتّى دَخَلَ عَلى خَدِيجَةَ فَقَالَ: زَمِّلُونِي زَمُلُونِي فَزَمَّلُوه حتّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ: يَا خَدِيجَةُ مَا لِي وأخْبَرَها الخَبَرَ، وَقَالَ: قَدْ خَشِيتُ على نَفْسِي فقالَتْ لهُ كَلاّ أبْشِرْ فَوالله لَا يخْزِيكَ الله أبَداً إنِّكَ لَتَصلُ الرَّحِمَ وتَصْدُقُ الحَديثَ وتَحْمِلُ الكَلَّ وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ عَلى نَوائِبِ الحَقِّ، ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حتَّى أتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بنَ نَوْفَل بن أسَدِ بنِ عَبْدِ العُزَّى بنِ قُصَيَ، وهْوَ ابنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أخُو أبِيها. وَكَانَ امْرأً تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتابَ العَرَبِيَّ، فَيَكْتُبُ بِالعَرَبِيَّةِ مِنَ الإنْجِيلِ مَا شاءَ الله أنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخاً كَبِيراً قَدْ عَمِيَ. فقالَتْ لهُ خَدِيجَةُ: أَي ابنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنِ ابنِ أخِيكَ. فَقَالَ ورَقَةُ: ابنَ أخي مَاذَا تَراى؟ فأخْبَرَهُ النبيُّ مَا رأى، فَقَالَ وَرَقَةُ: هاذا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُوساى يَا لَيْتَنِي فِيها جَذَعاً، أكُونُ حَيّاً حينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رسولُ الله أوْ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ فَقَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِما جِئْتَ بِهِ إلاّ عُودِيَ، وإنْ يُدْرِكْني يَوْمُكَ أنْصُرْك نَصْراً مُؤزَّراً، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ ورَقَةُ أَن تُوفِّيَ وفَتَرَ الوَحْيُ فَتْرَةً حتَّى حَزِنَ النبيُّ فِيما بَلَغَنا حُزْناً غَدا مِنْهُ مِراراً كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُؤُوسِ شَواهِقِ الجِبالِ، فَكُلَّما أوْفاى بِذرْوَةِ جبلٍ لِكَيْ يُلْقِيَ مِنْهُ نَفْسَهُ تَبَدَّى لهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إنَّكَ رسولُ الله حَقّاً فَيَسْكُنُ لِذالِكَ جَأْشُهُ وتَقِرُّ نَفْسُهُ فَيَرْجِعُ فَإِذا طالَتْ عَليْهِ فَتْرَةُ الوَحْيِ غَدا لِمِثْلِ ذالِكَ، فَإِذا أوْفاى بِذِرْوَةِ جَبَلِ تَبَدَّى لهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لهُ مِثْلَ ذالِكَ.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فالِقُ
стр. 7246
الإصْباحِ: ضَوْءُ الشَّمْسِ بِالنَّهارِ وضَوْءُ القَمَرِ بِاللَّيْلِ.
ف
هَذَا الحَدِيث قد مر فِي أول الْكتاب وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
وَعَائِشَة لم تدْرك هَذَا الْوَقْت فإمَّا أَنَّهَا سمعته من النَّبِي أَو من صَحَابِيّ آخر.
وَأخرجه هُنَا من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن يحيى بن عبد الله بن بكير المَخْزُومِي الْمصْرِيّ عَن اللَّيْث بن سعد الْمصْرِيّ عَن عقيل بِضَم الْعين ابْن خَالِد عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ وَالْآخر عَن عبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي عَن عبد الرَّزَّاق بن همام عَن معمر بن رَاشد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَكتب بَين الْإِسْنَاد حرف ح إِشَارَة إِلَى التَّحْوِيل من إِسْنَاد قبل ذكر الحَدِيث إِلَى إِسْنَاد آخر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَو الْإِشَارَة إِلَى صَحَّ أَو إِلَى الْحَائِل أَو إِلَى الحَدِيث.
قَوْله فَأَخْبرنِي عُرْوَة ذكر حرف الْفَاء إشعاراً بِأَنَّهُ روى لَهُ حَدِيثا ثمَّ عقبه بِهَذَا الحَدِيث، فَهُوَ عطف على مُقَدّر، وَوَقع عِنْد مُسلم: عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق مثله، لَكِن فِيهِ: وَأَخْبرنِي، بِالْوَاو لَا بِالْفَاءِ. قَوْله: الصادقة وَفِي رِوَايَة: الصَّالِحَة، وهما بِمَعْنى وَاحِد بِالنِّسْبَةِ إِلَى أُمُور الْآخِرَة فِي حق الْأَنْبِيَاء، ﵈. وَأما بِالنِّسْبَةِ إِلَى أُمُور الدُّنْيَا فالصالحة أخص فرؤيا النَّبِي صَادِقَة وَقد تكون صَالِحَة وَهِي الْأَكْثَر وَغير صَالِحَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الدُّنْيَا، كَمَا وَقع فِي الرُّؤْيَا يَوْم أحد، وَأما رُؤْيا غير الْأَنْبِيَاء، ﵈، فبينهما عُمُوم وخصوص إِن فسرنا الصادقة بِأَنَّهَا الَّتِي لَا تحْتَاج إِلَى تَعْبِير، وَإِن فسرناها بِأَنَّهَا غير الأضغاث فالصالحة أخص مُطلقًا. وَقيل: الرُّؤْيَا الصادقة مَا يَقع بِعَيْنِه أَو مَا يعبر فِي الْمَنَام أَو يخبر بِهِ من لَا يكذب، والصالحة مَا يسر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الصَّالِحَة مَا صلح صورتهَا أَو مَا صلح تعبيرها، والصادقة الْمُطَابقَة للْوَاقِع. قَوْله: جَاءَت هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: جَاءَتْهُ قَوْله: فلق الصُّبْح بِفَتْح الْفَاء: ضوء الصُّبْح وَشقه من الظلمَة وافتراقها مِنْهُ. وَجه التَّشْبِيه بفلق الصُّبْح دون غَيره هُوَ أَن شمس النُّبُوَّة كَانَت الرُّؤْيَا مبادىء أنوارها فَمَا زَالَ ذَلِك النُّور يَتَّسِع حَتَّى أشرقت الشَّمْس، فَمن كَانَ بَاطِنه نورياً كَانَ فِي التَّصْدِيق بكرياً كَأبي بكر، وَمن كَانَ بَاطِنه مظلماً كَانَ فِي التَّكْذِيب خفاشاً كَأبي جهل، وَبَقِيَّة النَّاس بَين هَاتين المنزلتين كل مِنْهُم بِقدر مَا أعطي من النُّور. قَوْله: جراء بِكَسْر الْحَاء وبالمد وَهُوَ الْأَفْصَح وَحكى بِتَثْلِيث أَوله مَعَ الْمَدّ وَالْقصر وَالصرْف وَعَدَمه، فتجتمع فِيهِ عدَّة لُغَات مَعَ قلَّة أحرفه وَنَظِيره: قبَاء، والخطابي جزم بِأَن فتح أَوله لحن وَكَذَا ضمه وَكَذَا قصره، قيل: الْحِكْمَة فِي تَخْصِيصه بالتخلي فِيهِ أَن الْمُقِيم فِيهِ كَانَت تمكنه فِيهِ رُؤْيَة الْكَعْبَة فتجتمع فِيهِ لمن يَخْلُو فِيهِ ثَلَاث عبادات: الْخلْوَة والتعبد وَالنَّظَر إِلَى الْبَيْت. وَقيل: إِن قُريْشًا كَانَت تَفْعَلهُ، وَأول من فعل ذَلِك من قُرَيْش عبد الْمطلب وَكَانُوا يعظمونه لجلالته وَكبر سنه، فَتَبِعَهُ على ذَلِك من كَانَ يتأله وَكَانَ يَخْلُو بمَكَان جده وَسلم لَهُ ذَلِك أَعْمَامه لكرامته عَلَيْهِم. قَوْله: وَهُوَ التَّعَبُّد تَفْسِير للتحنث الَّذِي فِي ضمن: يَتَحَنَّث، وَهُوَ إدراج من الرَّاوِي. قَوْله: اللَّيَالِي ذَوَات الْعدَد قَالَ الْكرْمَانِي: اللَّيَالِي مفعول يَتَحَنَّث وَذَوَات بِالْكَسْرِ أَي كَثِيرَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: اللَّيَالِي ذَوَات الْعدَد، يحْتَمل الْكَثْرَة إِذْ الْكثير يحْتَاج إِلَى الْعدَد، وَقَالَ غَيره: المُرَاد بِهِ الْكَثْرَة لِأَن الْعدَد على قسمَيْنِ فَإِذا أطلق أُرِيد بِهِ مَجْمُوع الْقلَّة وَالْكَثْرَة فَكَأَنَّهَا قَالَت ليَالِي كَثِيرَة، أَي: مَجْمُوع قسم الْعدَد. قَوْله: فتزود لمثلهاكذا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: فتزوده، بالضمير. وَقَوله: لمثلهَا أَي: لمثل اللَّيَالِي، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون للمرة أَو الفعلة أَو الْخلْوَة أَو الْعِبَادَة، وَقَالَ بعض من عاصرناه: إِن الضَّمِير للسّنة فَذكر من رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: كَانَ يخرج إِلَى غَار حراء فِي كل عَام شهرا من السّنة يتنسك فِيهِ يطعم من جَاءَهُ من الْمَسَاكِين. قَالَ: وَظَاهره التزود لمثلهَا كَانَ فِي السّنة الَّتِي تَلِيهَا لَا لمرة أُخْرَى من تِلْكَ السّنة، وَاعْترض عَلَيْهِ بعض تلامذته بِأَن مُدَّة الْخلْوَة كَانَت شهرا كَانَ يتزود لبَعض ليَالِي الشَّهْر، فَإِذا نفد ذَلِك الزَّاد رَجَعَ إِلَى أَهله فيتزود قدر ذَلِك من جِهَة أَنهم لم يَكُونُوا فِي سَعَة بَالِغَة من الْعَيْش، وَكَانَ غَالب زادهم اللَّبن وَاللَّحم، وَذَلِكَ لَا يدّخر مِنْهُ كِفَايَة الشَّهْر لِئَلَّا يسْرع إِلَيْهِ الْفساد، وَلَا سِيمَا وَقد وصف بِأَنَّهُ كَانَ يطعم من يرد عَلَيْهِ. قَوْله: حَتَّى فجئه الْحق كلمة: حَتَّى، هُنَا على أَصْلهَا لانْتِهَاء الْغَايَة، وَالْمعْنَى: انْتهى توجهه لغَار حراء بمجيء الْملك وَترك ذَلِك، وفجئه بِفَتْح الْفَاء وَكسر الْجِيم وبهمزة فعل مَاض أَي: جَاءَهُ الْوَحْي بَغْتَة، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الْحق أَي: أَمر الْحق وَهُوَ الْوَحْي أَو: رَسُول الْحق وَهُوَ جِبْرِيل،
стр. 7247
عَلَيْهِ السَّلَام، وَقيل: الْحق الْأَمر الْبَين الظَّاهِر أَو المُرَاد: الْملك بِالْحَقِّ، أَي: الْأَمر الَّذِي بعث بِهِ. قَوْله: فَجَاءَهُ الْفَاء فَاء التفسيرية، وَقيل: يحْتَمل أَن تكون للتعقيب، وَقيل: يحْتَمل أَن تكون سَبَبِيَّة. قَوْله: فِيهِ أَي: فِي الْغَار، وَهَذَا يرد قَول من قَالَ: إِن الْملك لم يدْخل إِلَيْهِ الْغَار بل كَلمه وَالنَّبِيّ دَاخل الْغَار وَالْملك على الْبَاب، وَالْملك هُنَا جِبْرِيل، ﵇، وَقيل: اللَّام فِيهِ لتعريف الْمَاهِيّة لَا للْعهد إلَاّ أَن يكون المُرَاد بِهِ مَا عَهده، ﵇، قبل ذَلِك لما كَلمه فِي صباه وَكَانَ سنّ النَّبِي حِين جَاءَهُ جِبْرِيل، ﵇، فِي غَار حراء أَرْبَعِينَ سنة على الْمَشْهُور، وَكَانَ ذَلِك يَوْم الِاثْنَيْنِ نَهَارا فِي شهر رَمَضَان فِي سَابِع عشرَة، وَقيل: فِي سابعه، وَقيل فِي: رَابِع عشْرين، وَقيل: كَانَ فِي سَابِع عشْرين شهر رَجَب، وَقيل: فِي أول شهر ربيع الأول، وَقيل: فِي ثامنه. قَوْله: فَقَالَ اقْرَأ ظَاهره أَنه لم يتَقَدَّم من جِبْرِيل شَيْء قبل هَذِه الْكَلِمَة وَلَا السَّلَام، وَقيل: يحْتَمل أَنه سلم وَحذف ذكره، وروى الطَّيَالِسِيّ أَن جِبْرِيل سلم أَولا وَلم ينْقل أَنه سلم عِنْد الْأَمر بِالْقِرَاءَةِ. قَوْله: فَقَالَ اقْرَأ قيل: دلّت الْقِصَّة على أَن مُرَاد جِبْرِيل، ﵇ أَن يَقُول النَّبِي نَص مَا قَالَه، وَهُوَ قَوْله: اقْرَأ وَإِنَّمَا لم يقل لَهُ: قل: اقْرَأ لِئَلَّا يظنّ أَن لَفْظَة: قل، أَيْضا من الْقُرْآن. فَإِن قلت: مَا الَّذِي أَرَادَ باقرأ. قلت: هُوَ الْمَكْتُوب الَّذِي فِي النمط، كَذَا فِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق، فَلذَلِك قَالَ: مَا أَنا بقارىء يَعْنِي: أَنا أُمي لَا أحسن قِرَاءَة الْكتب، فَإِن قلت: مَا كَانَ الْمَكْتُوب فِي ذَلِك النمط؟ . قلت: الْآيَات الأول من ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ﴾ وَقيل: وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك جملَة الْقُرْآن نزل بِاعْتِبَار ثمَّ نزل منجماً بِاعْتِبَار آخر، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن أمره تكمل بِاعْتِبَار الْجُمْلَة ثمَّ تكمل بِاعْتِبَار التَّفْصِيل. فغطني من الغط بالغين الْمُعْجَمَة وَهُوَ الْعَصْر الشَّديد والكبس، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: قيل: إِنَّمَا غطه ليختبره، هَل يَقُول من تِلْقَاء نَفسه شَيْئا وَقيل: لتنبيهه واستحضاره وَنفي منافيات الْقِرَاءَة عَنهُ. وَقَالَ السُّهيْلي: تَأْوِيل الغطات الثَّلَاث أَنَّهَا كَانَت فِي النّوم أَنه ستقع لَهُ ثَلَاث شَدَائِد يبتلى بهَا ثمَّ يَأْتِي الْوَحْي، وَكَذَا كَانَت: الأولى: فِي الشّعب لما حصرتهم قُرَيْش فَإِنَّهُ لَقِي وَمن تبعه شدَّة عَظِيمَة. الثَّانِيَة: لما خَرجُوا توعدوهم بِالْقَتْلِ حَتَّى فروا إِلَى الْحَبَشَة. وَالثَّالِثَة: لما هموا بِهِ مَا هموا من الْمَكْر بِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ الْآيَة، فَكَانَت لَهُ الْعَاقِبَة فِي الشدائد الثَّلَاث، وَقَالَ من عاصرنا من الْمَشَايِخ مَا ملخصه: إِن هَذِه الْمُنَاسبَة حَسَنَة وَلَا يتَعَيَّن للنوم بل يكون بطرِيق الْإِشَارَة فِي الْيَقَظَة وَقَالَ: وَيُمكن أَن تكون الْمُنَاسبَة أَن الْأَمر الَّذِي جَاءَ بِهِ ثقيل من حَيْثُ القَوْل وَالْعَمَل وَالنِّيَّة، أَو من جِهَة التَّوْحِيد وَالْأَحْكَام والإخبار بِالْغَيْبِ الْمَاضِي والآتي، وَأَشَارَ بالإرسالات الثَّلَاث إِلَى حُصُول التَّيْسِير والتسهيل والخفيف فِي الدُّنْيَا والبرزخ وَالْآخِرَة عَلَيْهِ وعَلى أمته قَوْله: حَتَّى بلغ مني الْجهد؟ بِضَم الْجِيم الطَّاقَة وَبِفَتْحِهَا الْغَايَة، وَيجوز فِيهِ رفع الدَّال ونصبها، أما الرّفْع فعلى أَنه فَاعل بلغ، وَهِي الْقِرَاءَة الَّتِي عَلَيْهَا الْأَكْثَرُونَ وَهِي المرجحة، وَأما النصب فعلى أَن فَاعل: بلغ، هُوَ الغط الَّذِي دلّ عَلَيْهِ قَوْله: غطني وَالتَّقْدِير: بلغ مني الغط جهده أَي: غَايَته، وَقَالَ الشَّيْخ التوربشتي: لَا أرى الَّذِي قَالَه بِالنّصب إلَاّ وهما فَإِنَّهُ يصير الْمَعْنى أَنه غطه حَتَّى استفرغ الْملك قوته فِي ضغطه بِحَيْثُ لم يبْق فِيهِ مزِيد، وَهُوَ قَول غير سديد، فَإِن البنية البشرية لَا تطِيق استنفاد الْقُوَّة الملكية لَا سِيمَا فِي مُبْتَدأ الْأَمر، وَقد صرح فِي الحَدِيث بِأَنَّهُ دخله الرعب من ذَلِك. انْتهى. وَقيل: لَا مَانع أَن يكون الله قوَّاه على ذَلِك وَيكون من جملَة معجزاته، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ فِي جَوَابه، بِأَن جِبْرِيل لم يكن حينئذٍ على صورته الملكية فَيكون استفراغ جهده بِحَسب صورته الَّتِي جَاءَ بهَا حِين غطه، وَقَالَ: وَإِذا صحت الرِّوَايَة اضمحل الاستبعاد. انْتهى، وَفِيه تَأمل. قَوْله: فَرجع بهَا أَي: مصاحباً بِالْآيَاتِ الْمَذْكُورَة الْخمس. قَوْله: ترجف بوادره جملَة حَالية والبوادر جمع البادرة وَهِي اللحمة بَين الْعُنُق والمنكب، وَقد تقدم فِي بَدْء الْوَحْي بِلَفْظ: فُؤَاده قيل: الْحِكْمَة فِي الْعُدُول عَن الْقلب إِلَى الْفُؤَاد أَن الْفُؤَاد وعَاء الْقلب فَإِذا حصل الرجفان للفؤاد حصل لما فِيهِ. قَوْله: الروع بِفَتْح الرَّاء الْفَزع. قَوْله: مَالِي أَي: مَا كَانَ الَّذِي حصل لي؟ قَوْله: قد خشيت على نَفسِي هَكَذَا رِوَايَة الكشمهيني: وَفِي رِوَايَة غَيره: خشيت عَليّ، بِالتَّشْدِيدِ يَعْنِي: من أَن يكون مَرضا أَو عارضاً من الْجِنّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالُوا: الأولى: خشيت أَنِّي لَا أقوى على تحمل أعباء الرسَالَة ومقاومة الْوَحْي. قَوْله: فَقَالَت لَهُ كلا أَي: فَقَالَت خَدِيجَة للنَّبِي كلا، أَي: لَيْسَ الْأَمر كَمَا زعمت بل لَا خشيَة عَلَيْك،
стр. 7248
وأصل كلمة: كلا، للردع والإبعاد وَقد يَجِيء بِمَعْنى: حَقًا. قَوْله: أبشر خطاب من خَدِيجَة للنَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، وَهُوَ أَمر من الْبشَارَة بِكَسْر الْبَاء وَضمّهَا وَهُوَ اسْم والمصدر بشر وبشور من بشرت الرجل أُبَشِّرهُ بِالضَّمِّ أَي: أدخلت لَهُ سُرُورًا وفرحاً وَلم يعين فِيهِ المبشر بِهِ وَوَقع فِي دَلَائِل النُّبُوَّة للبيهقي من طَرِيق أبي ميسرَة مُرْسلا مطولا، وَفِي آخر: فأبشر فَإنَّك رَسُول الله حَقًا، وَفِيه: لَا يفعل الله بك إلَاّ خيرا. قَوْله: لَا يخزيك الله أبدا من الخزي بالمعجمتين وَهُوَ الذل والهوان، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: لَا يحزنك الله، من الْحزن بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالنُّون. قَوْله: الْكل أَي: ثقل من النَّاس. قَوْله: على نَوَائِب الْحق جمع نائبة وَهِي مَا يَنُوب الْإِنْسَان أَي: ينزل بِهِ من الْمُهِمَّات والحوادث. قَوْله: وَهُوَ ابْن عَم خَدِيجَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَخُو أَبِيهَا كَذَا وَقع هُنَا، وأخو صفة للعم فَكَانَ حَقه أَن يذكر مجروراً. وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر: أخي أَبِيهَا، وَوجه رِوَايَة الرّفْع أَنه مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ أَخُو أَبِيهَا، فَائِدَته دفع الْمجَاز فِي إِطْلَاق الْعم عَلَيْهِ. قَوْله: تنصر أَي: دخل فِي دين النَّصْرَانِيَّة. قَوْله: فِي الْجَاهِلِيَّة أَي: قبل الْبعْثَة المحمدية. قَوْله: بالعبرانية بِكَسْر الْعين وَكَذَلِكَ العبري، قَالَ الْجَوْهَرِي: هُوَ لُغَة الْيَهُود وَقد ذكرنَا فِي أول الْكتاب فِي هَذَا الحَدِيث أَن العبراني نِسْبَة إِلَى العبر، وزيدت فِيهِ الْألف وَالنُّون فِي النِّسْبَة على غير الْقيَاس، وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: مَا أَخذ على غربي الْفُرَات فِي قَرْيَة الْعَرَب يُسمى العبر وَإِلَيْهِ ينْسب العبريون من الْيَهُود لأَنهم لم يَكُونُوا عبروا الْفُرَات. قَوْله: اسْمَع من ابْن أَخِيك إِنَّمَا قالته تَعْظِيمًا وإظهاراً للشفقة لِأَنَّهُ لم يكن ابْن أخي ورقة. قَوْله: هَذَا الناموس هُوَ صَاحب السِّرّ يَعْنِي جِبْرِيل، ﵇، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مطولا. قَوْله: جذعاً بِفَتْح الْجِيم والذال الْمُعْجَمَة وَهُوَ الشَّاب الْقوي، وانتصابه على تَقْدِير: لَيْتَني أكون جذعاً، أَو هُوَ مَنْصُوب على مَذْهَب من ينصب: بليت، الجزأين، أَو: حَال، قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: لَا يكون حَالا إلَاّ بالتأويل. قَوْله: أَو مخرجي هم؟ الْهمزَة للاستفهام، وَالْوَاو للْعَطْف على مُقَدّر بعْدهَا، وهم مُبْتَدأ، ومخرجي مقدما خَبره وَأَصله: مخرجين، فَلَمَّا أضيف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم سَقَطت النُّون. قَوْله: بِمَا جِئْت بِهِ وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بِمثل مَا جِئْت بِهِ. قَوْله: إلَاّ عودي على صِيغَة الْمَجْهُول من المعاداة. قَوْله: نصرا مؤزراً بِالْهَمْزَةِ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين من التأزير وَهُوَ التقوية وَأَصله من الأزر وَهُوَ الْقُوَّة، وَقَالَ الْقَزاز: الصَّوَاب موازراً بِغَيْر همز من وازرته إِذا عاونته، وَمِنْه أَخذ: وَزِير الْملك، وَيجوز حذف الْألف فَتَقول نصرا موزراً وَيرد عَلَيْهِ قَول الْجَوْهَرِي: أزرت فلَانا عاونته والعامة تَقول: وازرته. قَوْله: ثمَّ لم ينشب بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة أَي: لم يلبث. قَوْله: حزن النَّبِي من الْحزن بِضَم الْحَاء وَسُكُون الزَّاي وَبِفَتْحِهَا. قَوْله: عدا بِالْعينِ الْمُهْملَة من الْعَدو وَهُوَ الذّهاب بِسُرْعَة. وَمِنْهُم من أعجمها فَيكون من الذّهاب: غدْوَة. قَوْله: يتردى أَي: يسْقط. قَوْله: شَوَاهِق الْجبَال الشواهق جمع شَاهِق وَهُوَ الْمُرْتَفع العالي من الْجَبَل. قَوْله: فَلَمَّا أوفى بِذرْوَةِ جبل أَي: فَلَمَّا أشرف بِذرْوَةِ جبل بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة وَبِفَتْحِهَا وَضمّهَا وَالضَّم أَعلَى، وذروة كل شَيْء أَعْلَاهُ. قَوْله: تبدَّى لَهُ أَي: ظهر لَهُ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني، بدا لَهُ، وَهُوَ بِمَعْنى ظهر أَيْضا. قَوْله: جاشه بِالْجِيم والشين الْمُعْجَمَة وَهُوَ النَّفس وَالِاضْطِرَاب.
قَوْله: وَقَالَ ابْن عَبَّاس. . الخ ذكره هَذَا الْمُعَلق عَن ابْن عَبَّاس لأجل مَا وَقع فِي حَدِيث الْبَاب إلَاّ جَاءَت مثل فلق الصُّبْح ثَبت هَذَا للنسفي وَلأبي زيد الْمروزِي وَلأبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والكشميهني، وَوَصله الطَّبَرِيّ من طَرِيق عَليّ بن طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: فالق الإصباح يَعْنِي بالإصباح ضوء الشَّمْس بِالنَّهَارِ وضوء الْقَمَر بِاللَّيْلِ وَاعْترض على البُخَارِيّ بِأَن ابْن عَبَّاس فسر: الإصباح، لَا لفظ: فالق، الَّذِي هُوَ المُرَاد هُنَا. وَأجِيب عَنهُ: بِأَن مُجَاهدًا فسر قَوْله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ﴾ بِأَن الفلق الصُّبْح، فلعى هَذَا فَالْمُرَاد بفلق الصُّبْح إضاءته، والفالق اسْم فَاعل من ذَلِك.
٢ - (بابُ رُؤيا الصَّالِحِينَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان عَامَّة رُؤْيا الصَّالِحين، وَهِي الَّتِي يُرْجَى صدقهَا، لِأَنَّهُ قد يجوز على الصَّالِحين الأضغاث فِي رؤياهم لَكِن الْأَغْلَب عَلَيْهِم الصدْق وَالْخَيْر وَقلة تحكم الشَّيْطَان عَلَيْهِم فِي النّوم أَيْضا لما جعل الله عَلَيْهِم من الصّلاح، وَبَقِي سَائِر النَّاس
стр. 7249
غير الصَّالِحين تَحت تحكم الشَّيْطَان عَلَيْهِم فِي النّوم مثل تحكمه عَلَيْهِم فِي الْيَقَظَة فِي أغلب أُمُورهم، وَإِن كَانَ قد يجوز مِنْهُم الصدْق فِي الْيَقَظَة فَكَذَلِك يكون فِي رؤياهم صدق أَيْضا.
وقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾
وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على الصَّالِحين، وَالتَّقْدِير: وَفِي بَيَان قَوْله، : ﴿لقد صدق الله﴾ لآيَة وسيقت هَذِه الْآيَة كلهَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة. وَأخرج عبد بن حميد والطبري من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة قَالَ: أرِي النَّبِي وَهُوَ بِالْحُدَيْبِية أَنه دخل مَكَّة هُوَ وَأَصْحَابه مُحَلِّقِينَ، فَلَمَّا نحر الْهَدْي بِالْحُدَيْبِية قَالَ أَصْحَابه: أَيْن رُؤْيَاك؟ فَنزلت. وَقَوله: ﴿فَجعل من دون ذَلِك فتحا قَرِيبا﴾ قَالَ: النَّحْر بِالْحُدَيْبِية، فَرَجَعُوا ففتحوا خَيْبَر، وَالْمرَاد بِالْفَتْح فتح خَيْبَر، قَالَ: ثمَّ اعْتَمر بعد ذَلِك فَكَانَ تَصْدِيق رُؤْيَاهُ فِي السّنة الْقَابِلَة، وَكَانَت الْحُدَيْبِيَة سنة سِتّ، وَفِي قَوْله: إِن شَاءَ الله أَقْوَال. فَقيل: هَل هُوَ مِمَّا خُوطِبَ الْعباد أَن يقولوه مثل: الْآيَة وَالِاسْتِثْنَاء لمن مَاتَ مِنْهُم قبل ذَلِك أَو قتل، أَو هُوَ حِكَايَة لما قيل لرَسُول الله فِي مَنَامه.
٦٩٨٣ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَة، عنْ مالِكٍ، عنْ إسْحاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبي طَلْحَةَ، عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ أنَّ رسولَ الله قَالَ: الرُّؤْيا الحَسَنَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُبُوَّةِ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي تَعْبِير الرُّؤْيَا عَن قُتَيْبَة وَغَيره. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن هِشَام بن عمار.
قَوْله: الْحَسَنَة هِيَ إِمَّا بِاعْتِبَار حسن ظَاهرهَا أَو حسن تَأْوِيلهَا، وقسموا الرُّؤْيَا إِلَى الْحَسَنَة ظَاهرا وَبَاطنا كالتكلم مَعَ الْأَنْبِيَاء، ﵈، أَو ظَاهرا لَا بَاطِنا كسماع الملاهي، وَإِلَى رَدِيئَة ظَاهرا وَبَاطنا كلدغ الْحَيَّة، أَو ظَاهرا لَا بَاطِنا كذبح الْوَلَد. قَوْله: من الرجل ذكر للْغَالِب فَلَا مَفْهُوم لَهُ فَإِن الْمَرْأَة الصَّالِحَة كَذَلِك، قَالَه ابْن عبد الْبر. قَوْله: جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا من النُّبُوَّة قَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: من النُّبُوَّة أَي: فِي حق الْأَنْبِيَاء دون غَيرهم وَكَانَ الْأَنْبِيَاء يُوحى إِلَيْهِم فِي منامهم كَمَا يُوحى إِلَيْهِم فِي الْيَقَظَة، وَقيل: مَعْنَاهُ أَن الرُّؤْيَا تَأتي على مُوَافقَة النُّبُوَّة لَا أَنَّهَا جُزْء باقٍ من النُّبُوَّة. وَقَالَ الزّجاج: تَأْوِيل قَوْله: جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا من النُّبُوَّة أَن الْأَنْبِيَاء، ﵈، يخبرون بِمَا سَيكون والرؤيا تدل على مَا يكون. وَقَالَ الْخطابِيّ نَاقِلا عَن بَعضهم مَا ملخصه: إِن أول مَا بدىء بِهِ الْوَحْي إِلَى أَن توفّي ثَلَاث وَعِشْرُونَ سنة أَقَامَ بِمَكَّة ثَلَاث عشرَة سنة وبالمدينة عشرا وَكَانَ يُوحى إِلَيْهِ فِي مَنَامه فِي أول الْأَمر بِمَكَّة سِتَّة أشهر وَهِي نصف سنة فَصَارَت، هَذِه الْمدَّة جُزْءا من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا من النُّبُوَّة بنسبتها من الْوَحْي فِي الْمَنَام، ثمَّ اعْلَم أَن قَوْله: جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا هُوَ الَّذِي وَقع فِي أَكثر الْأَحَادِيث، وَفِي رِوَايَة لمُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: جُزْء من خَمْسَة وَأَرْبَعين، وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث ابْن عمر جُزْء من سبعين جُزْءا، وَكَذَا أخرجه ابْن أبي شيبَة عَن ابْن مَسْعُود مَوْقُوفا. وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ عَنهُ من وَجه آخر مَرْفُوعا. وللطبراني من وَجه آخر عَنهُ: من سِتَّة وَسبعين. وَسَنَده ضَعِيف. وَأخرجه ابْن عبد الْبر من طَرِيق عبد الْعَزِيز بن الْمُخْتَار عَن ثَابت عَن أنس مَرْفُوعا: جُزْء من سِتَّة وَعشْرين، وَأخرج أَحْمد وَأَبُو يعلى حَدِيثا فِي هَذَا الْبَاب، وَفِيه: قَالَ ابْن عَبَّاس: إِنِّي سَمِعت الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب يَقُول: سَمِعت رَسُول الله يَقُول: الرُّؤْيَا الصَّالِحَة من الْمُؤمن جُزْء من خمسين جُزْءا من النُّبُوَّة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ والطبري من حَدِيث أبي ذَر بن الْعقيلِيّ: جُزْء من أَرْبَعِينَ. وَأخرجه الطَّبَرِيّ من وَجه آخر عَن ابْن عَبَّاس: أَرْبَعِينَ. وَأخرج الطَّبَرِيّ أَيْضا من حَدِيث عبَادَة: جُزْء من أَرْبَعَة وَأَرْبَعين. وَأخرج أَيْضا أَحْمد من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ: جُزْء من تِسْعَة وَأَرْبَعين. وَذكر الْقُرْطُبِيّ فِي الْمُفْهم بِلَفْظ: سَبْعَة، بِتَقْدِيم السِّين فحصلت من هَذِه عشرَة أوجه. وَوَقع فِي شرح النَّوَوِيّ
стр. 7250
وَفِي رِوَايَة عبَادَة: أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ، وَفِي رِوَايَة ابْن عمر: سِتَّة وَعِشْرُونَ، وَقيل: جَاءَ فِيهِ اثْنَان وَسَبْعُونَ، وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ، وَسَبْعَة وَعِشْرُونَ، وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ فعلى هَذَا يَنْتَهِي الْعدَد إِلَى سِتَّة عشر وَجها. وَأجَاب من تكلم فِي بَيَان وَجه الِاخْتِلَاف الْأَعْدَاد بِأَنَّهُ وَقع بِحَسب الْوَقْت الَّذِي حدث فِيهِ النَّبِي بذلك كَأَن يكون لما أكمل ثَلَاث عشرَة سنة بعد مَجِيء الْوَحْي إِلَيْهِ حدث بِأَن الرُّؤْيَا جُزْء من سِتَّة وَعشْرين إِن ثَبت الْخَبَر بذلك، وَذَلِكَ وَقت الْهِجْرَة، وَلما أكمل عشْرين حدث بِأَرْبَعِينَ وَلما أكمل اثْنَيْنِ وَعشْرين حدث بأَرْبعَة وَأَرْبَعين، ثمَّ بعْدهَا بِخَمْسَة وَأَرْبَعين، ثمَّ حدث بِسِتَّة وَأَرْبَعين فِي آخر حَيَاته. وَأما مَا عدا ذَلِك من الرِّوَايَات بعد الْأَرْبَعين فضعيف، وَرِوَايَة الْخمسين يحْتَمل أَن تكون لجبر الْكسر، وَرِوَايَة السّبْعين للْمُبَالَغَة وَمَا عدا ذَلِك لم يثبت. وَالله أعلم.
٣ - (بابُ الرُّؤيا مِنَ الله)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الرُّؤْيَا من الله، وَإِضَافَة الرُّؤْيَا إِلَى الله للتشريف كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ والرؤيا المضافة إِلَى الله لَا يُقَال لَهَا: حلم، وَالَّتِي تُضَاف إِلَى الشَّيْطَان لَا يُقَال لَهَا رُؤْيا، وَهَذَا تصرف شَرْعِي وإلَاّ فَالْكل يُسمى: رُؤْيا.
٦٩٨٤ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ، حدّثنا زُهَيْرٌ، حدّثنا يَحْياى هُوَ ابنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادةَ عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: الرُّؤْيا مِنَ الله، والحُلُمُ مِنَ الشَّيْطانِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة هَذَا على هَذِه الرِّوَايَة من غير ذكر الْوَصْف للرؤيا، وَهِي رِوَايَة أَحْمد بن يحيى الْحلْوانِي عَن أَحْمد بن يُونُس شيخ البُخَارِيّ، ويروى الرُّؤْيَا الصادقة من الله وَفِي رِوَايَة الْكشميهني الرُّؤْيَا الصَّالِحَة وَهِي الَّتِي وَقعت فِي مُعظم الرِّوَايَات.
وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن يُونُس الْيَرْبُوعي الْكُوفِي، وَزُهَيْر هُوَ ابْن مُعَاوِيَة أَبُو خَيْثَمَة الْكُوفِي، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرحمان بن عَوْف، وَأَبُو قَتَادَة الْحَارِث بن ربعي الْأنْصَارِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الطِّبّ عَن خَالِد بن مخلد. وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة.
قَوْله: والحلم بِضَم الْحَاء وَاللَّام قَالَ ابْن التِّين: كَذَا قرأناه وَفِي ضبط الْجَوْهَرِي بِسُكُون اللَّام وَهُوَ مَا يرَاهُ النَّائِم وحلم بِفَتْح الْحَاء وَاللَّام كضرب تَقول: حلمت بِكَذَا وحلمته، وَقَالَ ابْن سَيّده فِي مثلثه: وَيجمع على أَحْلَام لَا غير، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الحالم النَّائِم يرى فِي مَنَامه شَيْئا وَإِذا لم ير شَيْئا فَلَيْسَ بحالم. وَقَالَ الزّجاج: الْحلم بِالضَّمِّ لَيْسَ بمصدر، وَإِنَّمَا هُوَ اسْم، وَحكى ابْن التياني فِي الموعب عَن الْأَصْمَعِي فِي الْمصدر حلماً وحلماً والحلم بِالْكَسْرِ الأناءة يُقَال مِنْهُ: حلم، بِضَم اللَّام. قَوْله: من الشَّيْطَان أضيفت إِلَيْهِ لكَونهَا على هَوَاهُ وَمرَاده، وَقيل: لِأَنَّهُ الَّذِي يخيل بهَا وَلَا حَقِيقَة لَهَا فِي نفس الْأَمر.
٦٩٨٥ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ، حدّثنا اللَّيْثُ، حدّثني ابنُ الهادِ، عنْ عَبدِ الله بنِ خَبَّابٍ عنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ سَمِعَ النبيَّ يَقُولُ إِذا رَأى أحَدُكُمْ رُؤْيا يُحِبُّها فإنّما هِيَ مِنَ الله، فَلْيَحْمَدِ الله عَلَيْها، ولْيُحَدِّثْ بِها، وَإِذا رَأى غَيْرَ ذالِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فإنَّما هِيَ مِنَ الشَّيْطانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّها وَلَا يَذْكرْها لأحَدٍ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ
الحَدِيث ٦٩٨٥ طرفه فِي: ٧٠٤٥
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: فَإِنَّمَا هِيَ من الله وَابْن الْهَاد هُوَ يزِيد بن عبد الله بن أُسَامَة بن عبد الله بن شَدَّاد بن الْهَاد اللَّيْثِيّ، وَعبد الله بن خباب بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى الْأنْصَارِيّ، وَأَبُو سعيد بن مَالك الْخُدْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي الرُّؤْيَا وَالْيَوْم وَاللَّيْلَة جَمِيعًا عَن قُتَيْبَة.
قَوْله: وليحدث بهَا هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: وليتحدث بهَا. قَوْله: فليستعذ وَفِي بعض النّسخ: فليستعذ بِاللَّه. قَوْله: لَا تضره وَفِي رِوَايَة
следующие страницы →