← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 7351–7390 · переход к 7356.

стр. 7351

وكل مِنْهُم لَا يروي إِلَّا مَا حفظه. قَوْله: صَاحب الشَّرْط بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء جمع شرطة وهم أول الْجَيْش سموا بذلك لأَنهم أعلمُوا أنفسهم بعلامات والأشراط الْأَعْلَام، وَصَاحب الشَّرْط مَعْنَاهُ العلامات يعرف بهَا، الْوَاحِد شرطة وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا شرطي بِضَمَّتَيْنِ، وَقد تفتح الرَّاء. وَقيل: المُرَاد بِصَاحِب الشرطة كَبِيرهمْ، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: شرطة كل شَيْء خِيَاره، وَمِنْه الشرطة لأَنهم نخبة الْجند. وَقيل: سموا بذلك لأَنهم أعدُّوا أنفسهم لذَلِك، يُقَال: أشرط فلَان نَفسه لأمر كَذَا إِذا أعدهَا، قَالَه أَبُو عُبَيْدَة، وَقيل: مَأْخُوذ من الشريط وَهُوَ الْحَبل المبرم لما فيهم من الشدَّة. وَفِي الحَدِيث: تَشْبِيه مَا مضى بِمَا حدث بعده، لِأَن صَاحب الشرطة لم يكن مَوْجُودا فِي الْعَهْد النَّبَوِيّ عِنْد أحد من الْعمَّال، وَإِنَّمَا حدث فِي دولة بني أُميَّة، فَأَرَادَ أنس بن مَالك تقريب حَال قيس بن سعد عِنْد السامعين فشبهه بِمَا يعهدونه. ٧١٥٦ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حَدثنَا يَحْياى عنْ قُرَّةَ، حدّثني حُمَيْدُ بنُ هِلال، حدّثنا أبُو بُرْدَةَ عنْ أبي مُوساى أنَّ النبيَّ ﷺ بَعَثَهُ وأتْبَعَهُ بِمُعاذٍ مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن هَذَا الحَدِيث قِطْعَة من الحَدِيث الَّذِي أخرجه مطولا فِي كتاب استتبابة الْمُرْتَدين بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن قُرَّة بن خَالِد السدُوسِي عَن حميد بن هِلَال عَن أبي بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة عَامر أَو الْحَارِث عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عبد الله بن قيس، وَفِيه: قتل معَاذ الْمُرْتَد دون أَن يرفع أمره إِلَى رَسُول الله وَبِه احْتج من رأى أَن للْحَاكِم والوالي إِقَامَة الْحُدُود دون الإِمَام الَّذِي فَوْقه. قَوْله: بَعثه أَي: أرْسلهُ إِلَى الْيمن قاضيه ثمَّ أتبعه بمعاذ بن جبل، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. ٧١٥٧ - حدّثني عَبْدُ الله بنُ الصَّبَّاحِ، حدّثنا مَحْبُوبُ بنُ الحَسَنِ، حدّثنا خالِد، عنْ حُمَيْدِ بنِ هِلالٍ، عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي مُوساى أنَّ رَجُلاً أسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، فأتَى مُعاذُ بن جَبَلٍ وهْو عِنْدَ أبي مُوسَى، فَقَالَ: مَا لِهاذَا؟ قَالَ: أسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، قَالَ: لَا أجْلِسُ حتَّى أقْتُلَهُ، قَضاءَ الله ورسولِهِ مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذَكرْنَاهُ فِي الحَدِيث السَّابِق على أَنه أَيْضا أخرجه من طَرِيق آخر عَن عبد الله بن الصَّباح بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة العطاردي الْبَصْرِيّ عَن مَحْبُوب ضد المبغوض ابْن الْحسن الْقرشِي الْبَصْرِيّ، وَيُقَال: اسْمه مُحَمَّد ومحبوب لقب لَهُ وَهُوَ بِهِ أشهر، وَهُوَ مُخْتَلف فِي الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع، وَهُوَ فِي حكم الْمُتَابَعَة لِأَنَّهُ قد تقدم فِي اسْتِتَابَة الْمُرْتَدين من وَجه آخر: عَن حميد بن هِلَال، وخَالِد الَّذِي روى عَنهُ مَحْبُوب هُوَ الْحذاء. ١٣ - (بابٌ هَلْ يَقْضِي الحاكِمُ أوْ يُفْتِي وهْوَ غَضْبانُ ؟) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان هَل يقْضِي الْحَاكِم، هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: هَل يقْضِي القَاضِي؟ وَجَوَاب الِاسْتِفْهَام مَحْذُوف يُوضحهُ حَدِيث الْبَاب. ٧١٥٨ - حدّثنا آدَمُ، حدّثنا شُعْبَةُ، حدّثنا عَبْدُ المَلِكِ بنُ عُمَيْرٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ أبي بَكْرَةَ قَالَ: كَتَبَ أبُو بَكْرَةَ إِلَى ابْنِهِ وَكَانَ بِسِجسْتانَ بِأَن لَا تَقْضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وأنْتَ غَضْبانُ فإنِّي سَمِعْتُ النبيَّ يَقُولُ لَا يَقْضِينَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وهْوَ غَضْبانُ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة. وَأَبُو بكرَة اسْمه نفيع بن الْحَارِث الثَّقَفِيّ. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَحْكَام أَيْضا عَن قُتَيْبَة وَغَيره. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن هِشَام بن عمار وَغَيره. قَوْله كتب أَبُو بكرَة إِلَى ابْنه وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: عَن عبد الرحمان بن أبي بكرَة، قَالَ: كتب أبي إِلَى عبيد الله بن أبي بكرَة، وَهَذَا يُفَسر رِوَايَة البُخَارِيّ

стр. 7352

المبهمة، وَكَذَا وَقع فِي أَطْرَاف الْمزي: إِلَى ابْنه عبيد الله، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم عَن عبد الرحمان قَالَ: كتب أبي، وكتبت إِلَى عبيد الله بن أبي بكرَة، قيل: مَعْنَاهُ كتب أَبُو بكرَة بِنَفسِهِ مرّة، وَأمر وَلَده عبد الرحمان أَن يكْتب لِأَخِيهِ فَكتب لَهُ مرّة أُخْرَى. انْتهى. وَقَالَ بَعضهم: وَلَا يتَعَيَّن ذَلِك بل الَّذِي يظْهر أَن قَوْله: كتب أبي أَي: أَمر بِالْكِتَابَةِ. وَقَوله: وكتبت لَهُ أَي: باشرت الْكِتَابَة الَّتِي أَمر بهَا، وَالْأَصْل عدم التَّعَدُّد. انْتهى. قلت: الأَصْل عدم التَّعَدُّد وَالْأَصْل عدم ارْتِكَاب الْمجَاز والعدول عَن ظَاهر الْكَلَام لَا لعِلَّة، وَمَا الْمَانِع من التَّعَدُّد؟ . قَوْله: وَكَانَ بسجستان وَفِي رِوَايَة مُسلم: وَهُوَ قَاضِي بسجستان، وَهِي جملَة حَالية وَهِي فِي الأَصْل اسْم إقليم من الأقاليم العراقية وَهُوَ إقليم عَظِيم وَاسم قصبته زرنج، بِفَتْح الزَّاي وَالرَّاء وَسُكُون النُّون وبالجيم، وَهِي مَدِينَة كَبِيرَة من سجستان. وَقَالَ ابْن حوقل: وَقد يُطلق على زرنج نَفسهَا سجستان. قلت: اسْم سجستان أنسي هَذَا الْيَوْم وَأطلق اسْم الإقليم على الْمَدِينَة وَهِي بَين خُرَاسَان ومكران والسند، وَبَين كرمان بَينهمَا وَبَين كرمان مائَة فَرسَخ مِنْهَا أَرْبَعُونَ فرسخاً مفازة لَيْسَ فِيهَا مَاء، وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا سجستاني وسجزي بزاي بدل السِّين الثَّانِيَة وَالتَّاء وَهُوَ على غير قِيَاس. قَوْله: غَضْبَان الْغَضَب غليان دم الْقلب لطلب الانتقام، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي سعيد مَرْفُوعا أَلا وَإِن الْغَضَب جَمْرَة فِي قلب ابْن آدم، أما ترَوْنَ إِلَى حمرَة عَيْنَيْهِ وانتفاخ أوداجه؟ قَوْله: حكم بِفتْحَتَيْنِ هُوَ الْحَاكِم. وَقَالَ الْمُهلب: سَبَب هَذَا النَّهْي أَن الحكم حَالَة الْغَضَب قد يتَجَاوَز إِلَى غير الْحق فَمنع. وَبِذَلِك قَالَ فُقَهَاء الْأَمْصَار، وَقَالَ الْغَزالِيّ: فهم من هَذَا الحَدِيث أَنه لَا يقْضِي حاقناً أَو جائعاً أَو متألماً بِمَرَض. وَقَالَ الرَّافِعِيّ: وَكَذَلِكَ لَا يقْضِي بِكُل حَال يسوء خلقه فِيهَا ويتغير عقله فِيهَا. بجوع وشبع مفرط وَمرض مؤلم وَخَوف مزعج وحزن وَفَرح شديدين وكغلبة نُعَاس وملال، وَكَذَا لَو حَضَره طَعَام وَنَفسه تتوق إِلَيْهِ. قَالَ: وَالْمَقْصُود أَن يتَمَكَّن من اسْتِيفَاء الْفِكر وَالنَّظَر. فَإِن قلت: هَل هَذَا النَّهْي نهي تَحْرِيم أَو كَرَاهَة؟ . قلت: نهي تَحْرِيم عِنْد أهل الظَّاهِر، وَحمله الْعلمَاء على الْكَرَاهَة حَتَّى لَو حكم فِي حَال غَضَبه بِالْحَقِّ نفذ حكمه، وَهُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور. فَإِن قلت: قد صَحَّ عَنهُ، أَنه قد حكم فِي حَالَة غَضَبه كحكمه للزبير فِي شراج الْحرَّة حِين قَالَ لَهُ الْأنْصَارِيّ: إِن كَانَ ابْن عَمَّتك؟ فَتَلَوَّنَ وَجه رَسُول الله، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، وَقَالَ: اسْقِ يَا زبير ... الحَدِيث، وَفِي الصَّحِيح أَيْضا فِي قصَّة عبد الله بن عمر حِين طلق امْرَأَته وَهِي حَائِض، فَذكره عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لرَسُول الله، فتغيظ رَسُول الله، قلت: أجابوا عَنهُ بأجوبة أحْسنهَا أَنه كَانَ مَعْصُوما فَلَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ احْتِمَال مَا يخْشَى من غَيره فِي الحكم وَغَيره. ٧١٥٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ، أخبرنَا عَبْدُ الله، أخبرنَا إسماعِيلُ بنُ أبي خالِدٍ، عنْ قَيْسِ بنِ أبي حازمٍ، عنْ أبي مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ قَالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُول الله فَقَالَ: يَا رسولَ الله إنِّي وَالله لأَتَأخَّرُ عنْ صَلاةِ الغَداةِ مِنْ أجْلِ فُلانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فِيها قَالَ: فَما رَأيْتُ النبيَّ قَطُّ أشَدَّ غَضَباً فِي مَوْعِظَةٍ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: يَا أيُّها النَّاسُ إنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرينَ، فأيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُوجِزْ، فإنَّ فِيهِمْ الكَبيرَ والضَّعِيفَ وَذَا الحاجَةِ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله الَّذِي روى عَنهُ شيخ البُخَارِيّ عبد الله بن الْمُبَارك، وَأَبُو مَسْعُود عقبَة بن عَمْرو. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب الْغَضَب فِي الموعظة، عَن مُحَمَّد بن كثير، وَمضى أَيْضا فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب تَخْفيف الإِمَام فِي الْقيام عَن أَحْمد بن يُونُس، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: فليوجز أَي: فليختصر، ويروى: فليتجوز. ٧١٦٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبي يَعْقُوبَ الكِرْمانيُّ، حدّثنا حَسَّان بنُ إبْراهِيمَ، حدّثنا يُونُسُ قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبرنِي سالِمٌ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ أخبرهُ أنّهُ طَلَّقَ امْرأتَهُ وهْيَ حائِضٌ، فَذَكَرَ عُمَرُ لِلنبيِّ

стр. 7353

فَتَغَيَظَ فِيهِ رسولُ الله ثُمَّ قَالَ: لِيُراجِعْها ثُمَّ لِيُمْسكْها، حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحيضَ فَتَطْهُرَ، فإنْ بَدا لَهُ أنْ يُطَلِّقَها فَلْيُطَلِّقْها مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَاسم أبي يَعْقُوب إِسْحَاق الْكرْمَانِي نسبته إِلَى كرمان، قَالَ الْكرْمَانِي: الْمَشْهُور عِنْد الْمُحدثين فتح الْكَاف لَكِن أَهلهَا يَقُولُونَ بِالْكَسْرِ وَأهل مَكَّة أعرف بشعابها وَهُوَ بلد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، وَلَا يكَاد يُوجد فِيهَا شَيْء من العقائد الْفَاسِدَة وَهِي مولدِي وَأول أَرض مس جلدي ترابها، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَمُحَمّد هُوَ الزُّهْرِيّ. قَوْله: فتغيظ فِيهِ وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فتغيظ عَلَيْهِ، وَالضَّمِير فِي: فِيهِ، يرجع إِلَى الْفِعْل الْمَذْكُور وَهُوَ الطَّلَاق الْمَوْصُوف، وَفِي: عَلَيْهِ، للْفَاعِل وَهُوَ ابْن عمر. والْحَدِيث مضى فِي الطَّلَاق فِي مَوَاضِع فِي أَوَائِله. ١٤ - (بابُ مَنْ رَأى لِلْقاضِي أنْ يَحْكُمْ بِعِلْمِهِ فِي أمْرِ النَّاسِ إِذا لَمْ يَخَفِ الظُّنُونَ والتُّهَمَةَ، كَمَا قَالَ النبيُّ ﷺ لِهِنْدٍ: (خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ) وذالِكَ إِذا كَانَ أمْرٌ مَشْهُورٌ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من رأى من الْفُقَهَاء أَن للْقَاضِي، ويروي: للْحَاكِم أَن يحكم بِعِلْمِهِ فِي أَمر النَّاس، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَول الإِمَام أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَإِن مذْهبه أَن للْقَاضِي أَن يحكم بِعِلْمِهِ فِي حُقُوق النَّاس، وَقيد بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَن يقْضِي بِعِلْمِهِ فِي حُقُوق الله كالحدود. قَوْله: إِذا لم يخف أَي: القَاضِي الظنون والتهمة بِفَتْح الْهَاء، وَشرط شرطين فِي جَوَاز ذَلِك: أَحدهمَا: عدم التُّهْمَة. وَالْآخر: وجود شهرة الْقَضِيَّة، أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: إِذا كَانَ أَمر مَشْهُور قَوْله: كَمَا قَالَ النَّبِي إِلَى آخِره، ذكره فِي معرض الِاحْتِجَاج لمن رأى أَن للْقَاضِي أَن يحكم بِعِلْمِهِ، فَإِن النَّبِي قضى لهِنْد بنفقتها وَنَفَقَة وَلَدهَا على أبي سُفْيَان لعلمه بِوُجُوب ذَلِك، وَهِنْد هِيَ بنت عتبَة بن ربيعَة بن عبد شمس بن عبد منَاف أم مُعَاوِيَة زَوْجَة أبي سُفْيَان بن حَرْب أسلمت عَام الْفَتْح بعد إِسْلَام زَوجهَا. وَهَذَا وَصله البُخَارِيّ فِي النَّفَقَات. ثمَّ هَذِه الْمَسْأَلَة فِيهَا أَقْوَال للْعُلَمَاء، فَقَالَ الشَّافِعِي: يجوز للْقَاضِي ذَلِك فِي حُقُوق النَّاس سَوَاء علم ذَلِك قبل الْقَضَاء أَو بعده، وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: مَا علمه قبل الْقَضَاء من حُقُوق النَّاس لَا يحكم فِيهِ بِعِلْمِهِ وَيحكم فِيمَا إِذا علمه بعد الْقَضَاء. وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد يحكم فِيمَا علمه قبل الْقَضَاء، وَقَالَ شُرَيْح وَالشعْبِيّ وَمَالك فِي الْمَشْهُور عَنهُ، وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو عبيد: لَا يقْضِي بِعِلْمِهِ أصلا. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: مَا أقرّ بِهِ الخصمان عِنْده أخذهما بِهِ وأنفذه عَلَيْهِمَا إلَاّ الْحَد. وَقَالَ عبد الْملك: يحكم بِعِلْمِهِ فِيمَا كَانَ فِي مجْلِس حكمه، وَقَالَ الْكَرَابِيسِي: الَّذِي عِنْدِي أَن شَرط جَوَاز الحكم بِالْعلمِ أَن يكون الْحَاكِم مَشْهُورا بالصلاح والعفاف والصدق، وَلم يعرف بِكَثِير زلَّة وَلم يُوجد عَلَيْهِ جريمة بِحَيْثُ تكون أَسبَاب التقى فِيهِ مَوْجُودَة، وَأَسْبَاب التهم فِيهِ مفقودة، فَهَذَا الَّذِي يجوز لَهُ أَن يحكم بِعِلْمِهِ مُطلقًا. ٧١٦١ - حدّثنا أبُو اليَمانِ، أخبرنَا شُعَيْبٌ، عنِ الزُّهْرِيِّ، حدّثني عُرْوَةُ أنَّ عائِشَةَ، ﵂، قالَتْ: جاءَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ فقالَتْ: يَا رسولَ الله وَالله مَا كَانَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أهْلُ خِباءٍ أحَبَّ إلَيَّ أنْ يَذِلُّوا مِنْ أهْلِ خِبائِكَ، وَمَا أصْبَحَ اليَوْمَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أهْلُ خِباءٍ أحَبَّ إلَيَّ أنْ يَعِزُّوا مِنْ أهْلِ خِبائِكَ، ثُمَّ قالَتْ: إنَّ أَبَا سُفْيانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ فَهَلْ عَلَيَّ مِنْ حَرَجٍ أنْ أُطْعِمَ الّذِي لهُ عِيالَنا؟ قَالَ لَها: لَا حَرَجَ عَليْكِ أنْ تُطْعِمِيهِمْ مِنْ مَعْرُوف. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من آخر الحَدِيث فَإِن فِيهِ قَضَاء النَّبِي بِعِلْمِهِ، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَقد مَضَت فِي كتاب النَّفَقَات قَضِيَّة هِنْد حَيْثُ قَالَ البُخَارِيّ: بَاب إِذا لم ينْفق الرجل فللمرأة أَن تَأْخُذ ... إِلَى آخِره. وَأخرجه عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن يحيى عَن هِشَام عَن أَبِيه ... إِلَى آخِره، وَهنا من طَرِيق الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، وَفِيه زِيَادَة على ذَلِك قَوْله: خبائك بِالْمدِّ هِيَ الْخَيْمَة، قيل: أَرَادَت بقولِهَا أهل خبائك نَفسه وَكنت عَنهُ بِأَهْل الخباء إجلالاً لَهُ، وَيحْتَمل أَنَّهَا

стр. 7354

أَرَادَت بِهِ أهل بَيته أَو صحابته، وَقيل: الدَّار يُسمى خباء والقبيل يُسمى خباء، وَهَذَا من الِاسْتِعَارَة وَالْمجَاز. قَوْله: أَن يذلوا كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: ذلتهم، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي: أَن يعزوا قَوْله: مسيك بِكَسْر الْمِيم وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة صِيغَة مُبَالغَة فِي مسك الْيَد يَعْنِي بخيل جدا، وَيجوز فتح الْمِيم وَكسر السِّين المخففة. قَوْله: من حرج أَي: من إِثْم. قَوْله: إِن أطْعم أَي: بِأَن أطْعم وعيالنا مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول: أطْعم. قَوْله: لَا حرج عَلَيْك أَي: لَا إِثْم عَلَيْك وَلَا منع من أَن تطعميهم من مَعْرُوف يَعْنِي: لايكون فِيهِ إِسْرَاف وَنَحْوه. فَإِن قلت: كَيفَ يَصح الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الحَدِيث على جَوَاز حكم القَاضِي بِعِلْمِهِ لِأَنَّهُ خرج مخرج الْفتيا؟ . قلت: الْأَغْلَب من أَحْوَال النَّبِي الحكم والإلزام. ١٥ - (بابُ الشَّهادَةِ عَلى الخَطِّ المَخْتُومِ وَمَا يَجُوزُ مِنْ ذالِكَ وَمَا يَضيقُ عَلَيْهِمْوكِتابِ الحاكمِ إِلَى عامِلهِ، والقاضِي إِلَى القاضِي) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشَّهَادَة على الْخط الْمَخْتُوم بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: الْمَحْكُوم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْكَاف، وَلَيْسَت هَذِه اللَّفْظَة بموجودة عِنْد ابْن بطال، وَمَعْنَاهُ: هَل تصح الشَّهَادَة على خطّ بِأَنَّهُ خطّ فلَان؟ وَقيد: بالمختوم، لِأَنَّهُ أقرب إِلَى عدم التزوير على الْخط. قَوْله: وَمَا يجوز من ذَلِك أَي: من الشَّهَادَة على الْخط. قَوْله: وَمَا يضيق أَي: وَمَا لَا يجوز من ذَلِك، وَحَاصِل الْمَعْنى أَن القَوْل بِجَوَاز الشَّهَادَة على الْخط لَيْسَ على الْعُمُوم نفيا وإثباتاً لِأَنَّهُ لَو منع مُطلقًا تضيع الْحُقُوق وَلَا يعْمل بِهِ مُطلقًا، لِأَنَّهُ لَا يُؤمن فِيهِ التزوير، فحينئذٍ يجوز ذَلِك بِشُرُوط، قَوْله: وَكتاب الْحَاكِم إِلَى عماله عطف على قَوْله: بَاب الشَّهَادَة، أَي: وَفِي بَيَان جَوَاز كتاب الْحَاكِم إِلَى عماله، بِضَم الْعين وَتَشْديد الْمِيم جمع عَامل. قَوْله: وَكتاب القَاضِي إِلَى القَاضِي أَي: وَفِي بَيَان جَوَاز كتاب القَاضِي إِلَى القَاضِي، وَهَذِه التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على ثَلَاثَة أَحْكَام كَمَا رَأَيْتهَا وَيَجِيء الْآن بَيَان حكم كل مِنْهَا مَعَ بَيَان الْخلاف فِيهَا. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: كِتابُ الحاكِمِ جائِزٌ إِلَّا فِي الحُدُودِ، ثمَّ قَالَ: إنْ كانَ القتْلُ خَطَأً فَهْوَ جائِزٌ لأنَّ هاذَا مالٌ بِزَعْمِهِ، وإنَّما صارَ مَالا بَعْدَ أنْ ثَبَتَ القَتْلُ، فالخَطَأُ والعَمْدُ واحِدٌ. أَرَادَ بِبَعْض النَّاس الْحَنَفِيَّة، وَلَيْسَ غَرَضه من ذكر هَذَا وَنَحْوه مِمَّا مضى إلَاّ التشنيع على الْحَنَفِيَّة لأمر جرى بَينه وَبينهمْ، وَحَاصِل غَرَض البُخَارِيّ من هَذَا الْكَلَام إِثْبَات المناقضة فِيمَا قَالَه الْحَنَفِيَّة، فَإِنَّهُم قَالُوا: كتاب القَاضِي إِلَى القَاضِي جَائِز إلَاّ فِي الْحُدُود، ثمَّ قَالُوا: إِن كَانَ الْقَتْل خطأ يجوز فِيهِ كتاب القَاضِي إِلَى القَاضِي، لِأَن قتل الْخَطَأ فِي نفس الْأَمر مَال لعدم الْقصاص، فَيلْحق بِسَائِر الْأَمْوَال فِي هَذَا الحكم، وَقَوله: وَإِنَّمَا صَار مَالا إِلَى آخِره بَيَان وَجه المناقضة فِي كَلَام الْحَنَفِيَّة حَاصله إِنَّمَا يصير قتل الْخَطَأ مَالا بعد ثُبُوته عِنْد الْحَاكِم، وَالْخَطَأ والعمد وَاحِد يَعْنِي فِي أول الْأَمر حكمهمَا وَاحِد لَا تفَاوت فِي كَونهمَا حدا، وَالْجَوَاب عَن هَذَا أَن يُقَال: لَا نسلم أَن الْخَطَأ والعمد وَاحِد، وَكَيف يَكُونَا وَاحِدًا وَمُقْتَضى الْعمد الْقصاص، وَمُقْتَضى الْخَطَأ عدم الْقصاص وَوُجُوب المَال لِئَلَّا يكون دم الْمَقْتُول خطأ هدرا، وَسَوَاء كَانَ هَذَا قبل الثُّبُوت أَو بعده. وقَدْ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى عامِلِهِ فِي الحُدُودِ. أَي: كتب عمر بن الْخطاب إِلَى عَامله فِي الْحُدُود، وغرضه من إِيرَاد هَذَا، الردُّ على الْحَنَفِيَّة أَيْضا فِي عدم رُؤْيَتهمْ جَوَاز كتاب القَاضِي إِلَى القَاضِي فِي الْحُدُود، وَلَا يرد على مَا نذكرهُ، وَذكر هَذَا الْأَثر عَن عمر للرَّدّ عَلَيْهِم فِيمَا قَالُوهُ. قَوْله: فِي الْحُدُود، رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي والكشميهني: فِي الْجَارُود، بِالْجِيم وبالراء المضمومة وَفِي آخِره دَال مُهْملَة وَهُوَ الْجَارُود بن الْمُعَلَّى يكنى أَبَا غياث كَانَ سيداً فِي عبد الْقَيْس رَئِيسا، قَالَ ابْن إِسْحَاق: قدم على رَسُول الله فِي سنة عشر فِي وَفد عبد الْقَيْس وَكَانَ نَصْرَانِيّا فَأسلم وَحسن إِسْلَامه، وَيُقَال: إِن اسْمه بشر بن عَمْرو، وَإِنَّمَا قيل لَهُ: الْجَارُود، لِأَنَّهُ أغار فِي الْجَاهِلِيَّة على بكر بن وَائِل وَمن مَعَه فَأَصَابَهُمْ وجردهم وَسكن الْبَصْرَة إِلَى أَن مَاتَ وَقيل: بِأَرْض فَارس،

стр. 7355

وَقيل: قتل بِأَرْض نهاوند مَعَ النُّعْمَان بن مقرن فِي سنة إِحْدَى وَعشْرين، وَله قصَّة مَعَ قدامَة بن مَظْعُون عَامل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على الْبَحْرين أخرجهُمَا عبد الرَّزَّاق من طَرِيق عبد الله بن عَامر بن ربيعَة قَالَ: اسْتعْمل عمر قدامَة بن مَظْعُون، فَقدم الْجَارُود سيد عبد الْقَيْس على عمر فَقَالَ: إِن قدامَة شرب فَسَكِرَ، فَكتب عمر إِلَى قدامَة فِي ذَلِك، فَذكر الْقِصَّة بِطُولِهَا فِي قدوم قدامَة وَشَهَادَة الْجَارُود وَأبي هُرَيْرَة عَلَيْهِ، وَجلده الْحَد ... وَالْجَوَاب عَنهُ أَن كتاب عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِلَى عَامله لم يكن فِي إِقَامَة الْحَد، وَإِنَّمَا كَانَ لأجل كشف الْحَال. أَلا يرى أَن عمر هُوَ الَّذِي أَقَامَ الْحَد فِيهِ بِشَهَادَة الْجَارُود وَأبي هُرَيْرَة؟ . وكَتَبَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ فِي سِنَ كُسِرَتْ. أَي: كتب إِلَى عَامله زُرَيْق بن حَكِيم فِي شَأْن سنّ كسرت، وَكَانَ كتب إِلَيْهِ كتابا أجَاز فِيهِ شَهَادَة رجل على سنّ كسرت، وَهَذَا وَصله أَبُو بكر الْخلال فِي كتاب الْقصاص والديات من طَرِيق عبد الله بن الْمُبَارك عَن حَكِيم بن زُرَيْق عَن أَبِيه، فَذكر مَا ذَكرْنَاهُ. وَقَالَ إبْراهِيمُ كِتابُ القاضِي إِلَى القاضِي جائِز إِذا عَرَفَ الكِتابَ والخاتِمَ. إِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَوَصله ابْن أبي شيبَة عَن عِيسَى بن يُونُس عَن عُبَيْدَة عَنهُ. وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يُجيزُ الكِتابَ المَخْتُومَ بِما فِيهِ مِنَ القاضِي. الشّعبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل التَّابِعِيّ الْكَبِير، وَوَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عِيسَى بن أبي عزة، قَالَ: كَانَ عمر يَعْنِي: الشّعبِيّ يُجِيز الْكتاب الْمَخْتُوم يَجِيئهُ من القَاضِي. ويُرْواى عنِ ابْن عُمَرَ نَحْوُهُ. أَي: يرْوى عَن عبد الله بن عمر نَحْو مَا رُوِيَ عَن الشّعبِيّ، وَلم يَصح هَذَا، فَلذَلِك ذكره بِصِيغَة التمريض. وَقَالَ مُعاوِيَةُ بنُ عَبْدِ الكَرِيم الثَّقَفِيُّ: شَهِدْتُ عَبْدَ المَلِكِ بنَ يَعْلَى قاضِي البَصْرَةِ وإياسَ بنَ مُعاوِيَةَ والحَسَنِ وثُمامَةَ بنَ عَبْدِ الله بنِ أنَسٍ وبلالَ بنَ أبي بُرْدَةَ وعَبْدَ الله بن بُرَيْدَةَ الأسْلَمِيَّ وعامِرَ بنَ عُبِيدَةَ وعَبَّادَ بنَ مَنْصُورٍ يُجِيزُونَ كُتُبَ القُضاةِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنَ الشُّهُودِ، فإنْ قَالَ الّذِي جِيءَ عَلَيْهِ بِالكِتابِ: إنّه زُورٌ، قيلَ لهُ: اذْهَبْ فالْتَمِسِ المَخْرَجَ مِنْ ذالِكَ. مُعَاوِيَة بن عبد الْكَرِيم الثَّقَفِيّ الْمَعْرُوف بالضال بالضاد الْمُعْجَمَة وَاللَّام الْمُشَدّدَة، سمي بذلك لِأَنَّهُ ضل فِي طَرِيق مَكَّة، وَثَّقَهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، وَمَات سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة، وَوصل أَثَره وَكِيع فِي مُصَنفه عَنهُ. قَوْله: شهِدت أَي: حضرت عبد الْملك بن يعلى بِوَزْن. يرضى، التَّابِعِيّ الثِّقَة، ولاه يزِيد بن هُبَيْرَة قَضَاء الْبَصْرَة لما ولي إمارتها من قبل يزِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان، وَمَات على الْقَضَاء بعد الْمِائَة بِسنتَيْنِ أَو ثَلَاث، وَيُقَال: بل عَاشَ إِلَى خلَافَة هِشَام بن عبد الْملك، فَعَزله. قَوْله: وَإيَاس بِكَسْر الْهمزَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالسين الْمُهْملَة ابْن مُعَاوِيَة الْمُزنِيّ الْمَعْرُوف بالذكاء، وَكَانَ قد ولي قَضَاء الْبَصْرَة فِي خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ولاه عدي بن أَرْطَأَة عَامل عمر عَلَيْهَا بعد امْتنَاع مِنْهُ، مَاتَ سنة ثِنْتَيْنِ وَمِائَة وَهُوَ ثِقَة عِنْد الْجَمِيع. قَوْله: وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ الإِمَام الْمَشْهُور، وَكَانَ ولي قَضَاء الْبَصْرَة مُدَّة لَطِيفَة، ولاه عدي بن أَرْطَاة عاملها وَأَبوهُ يسَار رأى مائَة وَعشْرين من أَصْحَاب رَسُول الله، مَاتَ فِي شهر رَجَب سنة عشر وَمِائَة وَهُوَ ابْن تسع وَثَمَانِينَ سنة. قَوْله: وثمامة، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الميمين ابْن عبد الله بن أنس بن مَالك، وَكَانَ تابعياً ثِقَة، ولي قَضَاء الْبَصْرَة فِي أَوَائِل خلَافَة ابْن هِشَام بن عبد الْملك، ولاه خَالِد الْقَسرِي سنة سِتّ وَمِائَة، وعزله سنة عشر، وَولى بِلَال بن

стр. 7356

أبي بردة، وَمَات ثُمَامَة بعد ذَلِك، روى عَن جده أنس بن مَالك والبراء بن عَازِب. قَوْله: وبلال بن أبي بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة اسْمه عَامر أَو الْحَارِث بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَكَانَ صديق خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي فولاه قَضَاء الْبَصْرَة لما ولي إمرتها من قبل هِشَام بن عبد الْملك، وَضم إِلَيْهِ الشرطة وَكَانَ أَمِيرا وقاضياً، إِلَى أَن قَتله يُوسُف بن عمر الثَّقَفِيّ لما ولي الإمرة بعد خَالِد، وَلم يكن مَحْمُودًا فِي أَحْكَامه. قَوْله: وَعبد الله بن بُرَيْدَة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء الْأَسْلَمِيّ التَّابِعِيّ الْمَشْهُور، وَكَانَ ولي قَضَاء مرو بعد أَخِيه سُلَيْمَان سنة خمس وَمِائَة إِلَى أَن مَاتَ وَهُوَ على قَضَائهَا سنة خمس عشرَة وَمِائَة، وَذَلِكَ فِي ولَايَة أَسد بن عبد الله الْقَسرِي على خُرَاسَان، وَهُوَ أَخُو خَالِد الْقَسرِي. وَحَدِيث عبد الله بن بُرَيْدَة الْحصيب هَذَا فِي الْكتب السِّتَّة. قَوْله: وعامر بن عُبَيْدَة بِضَم الْعين وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَقيل: عَبدة، بِفتْحَتَيْنِ، وَقيل: عَبدة، بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء وَهُوَ تَابِعِيّ قديم ثِقَة، وَحَدِيثه عِنْد النَّسَائِيّ وعامر كَانَ ولي الْقَضَاء بِالْكُوفَةِ مرّة. قَوْله: وَعباد بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن مَنْصُور النَّاجِي بالنُّون وَالْجِيم أَبُو سَلمَة الْبَصْرِيّ، قَالَ أَبُو دَاوُد: ولي قَضَاء الْبَصْرَة خمس مَرَّات، وَكَانَ يرْمى بِالْقدرِ فَلذَلِك ضَعَّفُوهُ، وَحَدِيثه فِي السّنَن الْأَرْبَعَة وعلق لَهُ البُخَارِيّ شَيْئا، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَة. قَوْله: يجيزون جملَة حَالية. قَوْله: فالتمس الْمخْرج بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة أَي: اطلب الْخُرُوج من عُهْدَة ذَلِك إِمَّا بالقدح فِي الْبَيِّنَة بِمَا يقبل فَتبْطل الشَّهَادَة، وَإِمَّا بِمَا يدل على الْبَرَاءَة من الْمَشْهُود بِهِ. وأوَّلُ مَنْ سَألَ عَلى كِتابِ القاضِي البَيِّنَةَ ابنُ أبي لَيْلَى وسَوَّارُ بنُ عَبْدِ الله. ابْن أبي ليلى هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرحمان بن أبي ليلى، وَاسم أبي ليلى يسَار قَاضِي الْكُوفَة، وَأول مَا وَليهَا فِي زمن يُوسُف بن عمر الثَّقَفِيّ فِي خلَافَة الْوَلِيد بن يزِيد، وَمَات سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة وَهُوَ صَدُوق اتَّفقُوا على ضعف حَدِيثه من قبل سوء حفظه وَحَدِيثه فِي السّنَن الْأَرْبَعَة. وسوار بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْوَاو ابْن عبد الله الْعَنْبَري نِسْبَة إِلَى بني العنبر من بني تَمِيم قَالَ ابْن حبَان فِي الثِّقَات: كَانَ فَقِيها ولاه الْمَنْصُور قَضَاء الْبَصْرَة سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَة فَبَقيَ على قَضَائهَا إِلَى أَن مَاتَ فِي ذِي الْقعدَة سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَة. ﴿وَقَالَ لنا أبُو نُعَيْمٍ: حدّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُحْرِزٍ جِئْتُ بِكِتابٍ مِنْ مُوساى بن أنَسٍ قاضِي البَصْرَةِ وأقَمْتُ عِنْدَهُ البَيِّنَةَ أنَّ لي عِنْدَ فُلانٍ كَذاا وكَذاا وهْوَ بِالكُوفَةِ وجِئْتُ بِهِ القَاسِمَ بنَ عَبْدِ الرَّحْمانِ فأجازَهُ﴾ . أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ نَقله عَنهُ مذاكرة، وَعبيد الله بن مُحرز بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء وَفِي آخِره زَاي هُوَ كُوفِي، وَمَاله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْأَثر، ومُوسَى بن أنس بن مَالك قَاضِي الْبَصْرَة التَّابِعِيّ الْمَشْهُور ثِقَة، وَحَدِيثه فِي الْكتب السِّتَّة، وَكَانَ ولي الْقَضَاء بِالْبَصْرَةِ فِي ولَايَة الحكم بن أَيُّوب الثَّقَفِيّ، وَالقَاسِم بن عبد الرحمان بن عبد الله بن مَسْعُود وَكَانَ على قَضَاء الْبَصْرَة من عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ لَا يَأْخُذ على الْقَضَاء أجرا، وَكَانَ ثِقَة صَالحا من التَّابِعين، لَقِي جَابر بن سَمُرَة، قيل: إِنَّه مَاتَ سنة سِتّ عشرَة وَمِائَة. قَوْله: فَأَجَازَهُ بِالْجِيم أَي: أَمْضَاهُ وَعمل بِهِ، وَفِي مُغنِي الْحَنَابِلَة يشْتَرط فِي قَول أَئِمَّة الْفَتْوَى أَن يشْهد بِكِتَاب القَاضِي إِلَى القَاضِي شَاهِدَانِ عَدْلَانِ وَلَا يَكْفِي مَعْرفَته خطّ القَاضِي وختمه، وَحكى عَن الْحسن وسوار وَالْحسن الْعَنْبَري أَنهم قَالُوا: إِذا كَانَ يعرف خطه وختمه قبله، وَهُوَ قَول أبي ثَوْر أَيْضا. وَفِي التَّوْضِيح وَاخْتلفُوا إِذا أشهد القَاضِي شَاهِدين على كِتَابه وَلم يقرأه عَلَيْهِمَا وَلَا عرفهما بِمَا فِيهِ، فَقَالَ مَالك: يجوز ذَلِك وَيلْزم القَاضِي الْمَكْتُوب إِلَيْهِ قبُوله. بقول الشَّاهِدين: هَذَا كِتَابه دَفعه إِلَيْنَا مَخْتُومًا، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر: إِذا لم يقرأه عَلَيْهِمَا القَاضِي وَلم يحرره لم يعْمل القَاضِي الْمَكْتُوب إِلَيْهِ بِمَا فِيهِ، وَرُوِيَ عَن مَالك مثله، وَاخْتلفُوا إِذا انْكَسَرَ ختم الْكتاب، فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَزفر: لَا يقبله الْحَاكِم، وَقَالَ أَبُو يُوسُف: يقبله وَيحكم بِهِ إِذا شهِدت بِهِ الْبَيِّنَة، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي.

стр. 7357

وكَرِهَ الحَسَنُ وأبُو قِلَابَةَ أنْ يَشْهَدَ عَلى وَصِيَّةٍ حَتَّى يَعْلَمَ مَا فِيها لأنَّه لَا يَدْرِي لَعَلَّ فِيها جَوْراً. الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَأَبُو قلَابَة بِكَسْر الْقَاف وَتَخْفِيف اللَّام هُوَ عبد الله بن زيد الْجرْمِي بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الرَّاء. قَوْله: أَن يشْهد بِفَتْح الْيَاء وفاعله مَحْذُوف تَقْدِير: أَن يشْهد أحد على وَصِيَّة ... إِلَى آخِره. قَوْله: جوراً بِفَتْح الْجِيم وَهُوَ فِي الأَصْل: الظُّلم، وَالْمرَاد بِهِ هُنَا غير الْحق، وَقَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا هُوَ الصَّوَاب الَّذِي لَا شكّ فِيهِ أَنه لَا يشْهد على وَصِيَّة حَتَّى يعلم مَا فِيهَا، وَتعقبه ابْن التِّين فَقَالَ: لَا أَدْرِي لم صَوبه وَهِي إِن كَانَ فِيهَا جور يُوجب الحكم أَن لَا يمْضِي لَا يمض وَإِن كَانَ يُوجب الحكم إمضاءه يمض، وَمذهب مَالك: جَوَاز الشَّهَادَة على الْوَصِيَّة وَإِن لم يعلم الشَّاهِد مَا فِيهَا. وقَدْ كَتَبَ النبيُّ إِلَى أهْلِ خَيْبَرَ: إمَّا أنْ يَدُوا صاحِبَكُمْ وإمَّا أنْ تُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ. هَذَا قِطْعَة من حَدِيث سهل بن أبي حثْمَة فِي قصَّة حويصة ومحيصة وَقتل عبد الله بن سهل بِخَيْبَر، وَسَيَأْتِي هَذَا بعد عدَّة أَبْوَاب فِي: بَاب كتاب الْحَاكِم إِلَى عماله. قَوْله: إِمَّا أَن يدوا أَي: إِمَّا أَن يُعْطوا الدِّيَة، وَهُوَ من ودى يَدي إِذا أعْطى الدِّيَة، وأصل: يدوا، يوديوا، فحذفت الْوَاو الَّتِي هِيَ فَاء الْفِعْل فِي الْمُفْرد لوقوعها بَين الْيَاء والكسرة، ثمَّ حذفت فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع تبعا للمفرد، ثمَّ نقلت ضمة الْيَاء إِلَى الدَّال فَالتقى ساكنان وهما الْيَاء وَالْوَاو فحذفت الْيَاء وَلم يحذف الْوَاو لِأَنَّهُ عَلامَة الْجمع، فَصَارَ: يدوا، على وزن: يعلوا. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي شَهادَةٍ عَلى المَرْأةِ مِنْ وراءِ السِّتْرِ: إنْ عَرَفْتَها فاشْهَدْ، وَإِلَّا فَلَا تَشْهَدْ. أَي: قَالَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ فِي حكم الشَّهَادَة على الْمَرْأَة: إِن عرفهَا الشَّاهِد يشْهد لَهَا وَعَلَيْهَا، وَإِن لم يعرفهَا فَلَا يشْهد. قَوْله: فِي شَهَادَة ويروى: فِي الشَّهَادَة، بِالْألف وَاللَّام. قَوْله: من وَرَاء السّتْر إِمَّا بالتنقب وَإِمَّا بِغَيْر ذَلِك، وَحَاصِله أَنه إِذا عرفهَا بِأَيّ طَرِيق كَانَ يجوز الشَّهَادَة عَلَيْهَا، وَلَا يشْتَرط أَن يَرَاهَا حَال الْإِشْهَاد. وَأثر الزُّهْرِيّ هَذَا وَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق جَعْفَر بن يرقان عَنهُ، وَمذهب مَالك: جَوَاز شَهَادَة الْأَعْمَى فِي الْإِقْرَار وَفِي كل مَا طَرِيقه الصَّوْت سَوَاء عِنْده تحملهَا أعمى أَو بَصيرًا ثمَّ عمي، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: لَا تقبل إِذا تحملهَا أعمى، وَدَلِيل مَالك أَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ رووا عَن أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ من وَرَاء حجاب وميزوا أشخاصهن بالصوت، وَكَذَا آذان ابْن أم مَكْتُوم، وَلم يفرقُوا بَين ندائه ونداء بِلَال إلَاّ بالصوت، وَلِأَن الْإِقْدَام على الْفروج أَعلَى من الشَّهَادَة بالحقوق، وَالْأَعْمَى لَهُ وَطْء زَوجته وَهُوَ لَا يعرفهَا إِلَّا بالصوت، وَهَذَا لم يمْنَع مِنْهُ أحد. ٧١٦٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، حدّثنا غُنْدَرٌ، حدّثنا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَة عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ قَالَ: لَمَّا أرادَ النبيُّ أنْ يَكْتُبَ إِلَى الرُّومِ قالُوا: إنَّهُمْ لَا يَقْرَأونَ كِتاباً إلاّ مَخْتُوماً، فاتَّخَذَ النبيُّ خاتَماً مِنْ فِضَّةٍ كأنِّي أنْظُرُ إِلَى وَبِيصِهِ، ونَقَّشُهُ: مُحَمَّدٌ رسولُ الله. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهَا مُشْتَمِلَة على أَحْكَام. مِنْهَا الشَّهَادَة على الْخط الْمَخْتُوم، وَهَذَا الحَدِيث فِيهِ الْخط والختم. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يُسْتَفَاد مِنْهُ أَن الْكتاب إِذا لم يكن مَخْتُومًا فالحجة بِمَا فِيهِ قَائِمَة لكَونه أَرَادَ أَن يكْتب إِلَيْهِم. قَالُوا: إِنَّهُم لَا يقرؤون كتابا إِلَّا مَخْتُومًا فَلذَلِك اتخذ خَاتمًا من فضَّة. والْحَدِيث تقدم بَيَانه شرح حَدِيث أبي سُفْيَان مطولا فِي بَدْء الْوَحْي. وَأخرجه هُنَا عَن مُحَمَّد بن بشار الَّذِي يُقَال لَهُ بنْدَار عَن غنْدر بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَهُوَ لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر. قَوْله: وبيصه بِفَتْح الْوَاو وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالصاد الْمُهْملَة أَي: بريقه ولمعانه.

стр. 7358

١٦ - (بابٌ مَتَى يَسْتَوْجِبُ الرَّجُلُ القَضاءَ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: مَتى يسْتَوْجب الرجل. أَي: مَتى يسْتَحق أَن يكون قَاضِيا؟ وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَي مَتى يصير أَهلا للْقَضَاء، أَو: مَتى يجب عَلَيْهِ الْقَضَاء؟ . وَقَالَ الحَسَنُ: أخَذَ الله على الحُكَّامِ أنْ لَا يَتَّبِعُوا الهَواى وَلَا يَخْشَوُا النَّاسَ وَلَا يَشْترُوا بِآياتِهِ ثَمَناً قَلِيلاً، ثُمَّ قَرَأ: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ وقرأَ ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالَاْحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ فَلَا تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُواْ بِئَايَاتِى ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ وقَرَأ ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ فَحَمِدَ سُلَيْمانَ وَلَمْ يَلُمْ دَاودَ وَلَوْلا مَا ذَكَرَ الله مِنْ أمْرِ هاذَيْنِ لَرَأيْتُ أنَّ القُضاةَ هَلَكُوا، فإنَّهُ أثْنى عَلى هاذَا بِعِلْمِهِ وعَذَرَ هاذَا باجْتِهَادِهِ. أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ، ﵀: أَخذ الله أَي ألزم الله على الْحُكَّام بِضَم الْحَاء جمع حَاكم أَن لَا يتبعوا الْهوى أَي: هوى النَّفس وَهُوَ مَا تحبه وتشتهيه، من هوى يهوى من بَاب علم يعلم، هوى وَالنَّهْي عَن اتِّبَاع الْهوى أَمر بالحكم بِالْحَقِّ. قَوْله: وَلَا يخشوا النَّاس نهي عَن خشيتهم، وَفِي النَّهْي عَن خشيتهم أَمر بخشية الله وَمن لَازم خشيَة الله الحكم بِالْحَقِّ. قَوْله: وَلَا يشتروا بآياته أَي: بآيَات الله ثمنا قَلِيلا وَهَكَذَا فِي بعض النّسخ، وَفِي بَعْضهَا: وَلَا تشتروا بآياتي، وَفِي النَّهْي عَن بيع آيَاته الْأَمر بِاتِّبَاع مَا دلّت عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وصف الثّمن بالقلة إِشَارَة إِلَى أَنه وصف لَازم لَهُ بِالنِّسْبَةِ للعوض، فَإِنَّهُ أَعلَى من جَمِيع مَا حوته الدُّنْيَا. قَوْله: ثمَّ قَرَأَ أَي: قَرَأَ الْحسن الْبَصْرِيّ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا دَاوُود إِنَّا جعلناك خَليفَة﴾ أَي صيرناك خلفا عَمَّن كَانَ قبلك ﴿فِي الأَرْض﴾ أَي: على الْملك من الأَرْض كمن يستخلفه بعض السلاطين على بعض الْبِلَاد ويملكه عَلَيْهَا. قَوْله: ﴿فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ﴾ أَي: بِالْعَدْلِ الَّذِي هُوَ حكم الله. قَوْله: ﴿وَلَا تتبع الْهوى﴾ أَي: لَا تمل مَعَ مَا تشْتَهي إِذا خَالف أَمر الله تَعَالَى. قَوْله: ﴿فيضلك﴾ مَنْصُوب على الْجَواب، وَقيل: مجزوم عطفا على النَّهْي، وَفتح اللَّام لالتقاء الساكنين. قَوْله: ﴿عَن السَّبِيل الله﴾ أَي: عَن دلائله الَّتِي نصبها فِي الْعُقُول أَو عَن شرائعه الَّتِي شرعها وَأوحى بهَا. قَوْله: ﴿بِمَا نسوا﴾ أَي: بنسيانهم يَوْم الْحساب، وَيَوْم الْحساب مُتَعَلق بنسوا أَو بقوله: لَهُم أَي: لَهُم عَذَاب شَدِيد يَوْم الْقِيَامَة بِسَبَب نسيانهم، وَهُوَ ضلالهم عَن سَبِيل الله. قَوْله: وَقَرَأَ أَي: الْحسن الْبَصْرِيّ قَوْله: ﴿فِيهَا هدى﴾ أَي: بَيَان وَنور الْفتيا الكاشف للشبهات، وَذَلِكَ أَن الْيَهُود استفتوا النَّبِي فِي أَمر الزَّانِيَيْنِ، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة. قَوْله: وَصفهم بِالْإِسْلَامِ لَا على أَن غَيرهم من النَّبِيين لم يَكُونُوا مُسلمين، وَهُوَ كَقَوْلِه ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الأُمِّىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالَاْغْلَالَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَءَامَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ قُلْ ياَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالَاْرْضِ لَا إِلَاهَ إِلَاّ هُوَ يُحْىِ وَيُمِيتُ فَئَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِىِّ الأُمِّىِّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ الْآيَة لَا أَن غَيره لم يُؤمن بِاللَّه، وَقيل: أَرَادَ الَّذين انقادوا لحكم الله لَا الْإِسْلَام الَّذِي هُوَ ضد الْكفْر، وَقيل: أَسْلمُوا أنفسهم لله، وَقيل: بِمَا فِي التَّوْرَاة. قَوْله ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالَاْحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ فَلَا تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُواْ بِئَايَاتِى ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ أَي: تَابُوا من الْكفْر، قَالَه ابْن عَبَّاس، وَقَالَ الْحسن: هم الْيَهُود، وَيجوز أَن يكون فِيهَا تَقْدِيم وَتَأْخِير. أَي: للَّذين هادوا يحكم بهَا النَّبِيُّونَ. قَوْله: ﴿والربانيون﴾ الْعلمَاء الْحُكَمَاء وَهُوَ جمع رباني، وَأَصله: رب الْعلم، وَالْألف وَالنُّون فِيهِ للْمُبَالَغَة، وَقَالَ مُجَاهِد: هم فرق الْأَحْبَار، والأحبار الْعلمَاء لأَنهم يحبرون الشَّيْء وَهُوَ فِي صُدُورهمْ محبر. قَوْله: ﴿بِمَا استحفظوا من كتاب الله﴾ استودعوا هَذَا

стр. 7359

تَفْسِير أبي عُبَيْدَة، وَقد ثَبت هَذَا للمستملي يُقَال: استحفظته كَذَا استودعته إِيَّاه. قَوْله: أَي: على الْكتاب أَو على مَا فِي التَّوْرَاة. قَوْله: ﴿فَلَا تخشوا النَّاس﴾ أَي: فِي إِظْهَار صفة النَّبِي ﴿واخشون﴾ فِي كتمان صفته، وَالْخطاب لعلماء الْيَهُود، وَقيل: ليهود الْمَدِينَة بِأَن لَا يخشوا يهود خَيْبَر، وَقيل: نهي للحكام عَن خشيتهم غير الله تَعَالَى فِي حكوماتهم. قَوْله: ﴿وَلَا تشتروا بآياتي ثمنا قَلِيلا﴾ أَي: وَلَا تستبدلوا بأحكامي وفرائضي، وَقيل: بِصفة النَّبِي قَوْله: ﴿وَمن لم يحكم﴾ إِلَى آخِره، هَذِه والآيتان بعْدهَا نزلت فِي الْكفَّار وَمن غير حكم الله من الْيَهُود وَلَيْسَ فِي أهل الْإِسْلَام مِنْهَا شَيْء لِأَن الْمُسلم وَإِن ارْتكب كَبِيرَة لَا يُقَال لَهُ: كَافِر. قَوْله: وَقَرَأَ أَي الْحسن الْبَصْرِيّ ﴿وَدَاوُد وَسليمَان إِذْ يحكمان﴾ يَعْنِي: يحكمان ﴿فِي الْحَرْث﴾ وَأخرج عبد الرَّزَّاق بِسَنَد صَحِيح عَن مَسْرُوق قَالَ: كَانَ حرثهم عنباً نفشت فِيهِ الْغنم أَي: رعت لَيْلًا يُقَال: نفشت الدَّابَّة تنفش نفوشاً إِذا رعت لَيْلًا بِلَا رَاع، وأهملت إِذا رعت نَهَارا بلَيْل، فتحاكم أَصْحَاب الْحَرْث مَعَ أَصْحَاب الْغنم عِنْد دَاوُد، ﵇، فَقضى بالغنم لأَصْحَاب الْحَرْث، فَمروا بِسُلَيْمَان فأخبروه الْخَبَر فَقَالَ سُلَيْمَان: لَا، وَلَكِن أَقْْضِي بَينهم أَن يَأْخُذُوا الْغنم فَيكون لَهُم لَبنهَا وصوفها وسمنها ومنفعتها، وَيقوم هَؤُلَاءِ على حرثهم حَتَّى إِذا عَاد كَمَا كَانَ ردوا عَلَيْهِم غَنمهمْ، فَدخل أَصْحَاب الْغنم على دَاوُد فأخبروه، فَأرْسل إِلَى سُلَيْمَان فعزم عَلَيْهِ بِحَق النُّبُوَّة وَالْملك وَالْولد: كَيفَ رَأَيْت فِيمَا قضيت؟ فَقَالَ: عدل الْملك وَأحسن، وَغَيره كَانَ أرْفق بهما جَمِيعًا، قَالَ: مَا هُوَ؟ فَأخْبرهُ بِمَا حكم بِهِ. فَقَالَ دَاوُد، ﵇: نعم مَا قضيت. قَوْله: ﴿ففهمناها﴾ يَعْنِي: الْقَضِيَّة. قَوْله: ﴿وكلا﴾ أَي: كل وَاحِد من دَاوُد وَسليمَان، ﵉. ﴿آتَيْنَا﴾ أَي: أعطينا ﴿حكما وعلماً﴾ وَقَالَ الدَّاودِيّ: أثنى الله عَلَيْهِمَا بذلك، فَحَمدَ سُلَيْمَان وَلم يلم دَاوُد من اللوم، وَفِي بعض النّسخ؛ وَلم يذم، من الذَّم. قيل: قَول الْحسن الْبَصْرِيّ: وَلم يذم دَاوُد بِأَن فِيهِ نقصا لحق دَاوُد، ﵇، وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿وكلا إتينا حكما وعلماً﴾ فجمعهما فِي الحكم وَالْعلم وميز سُلَيْمَان بالفهم وَهُوَ علم خَاص زَاد على الْعَام بفصل الْخُصُومَة. قَالَ: وَالأَصَح فِي الْوَاقِعَة أَن دَاوُد أصَاب الحكم وَسليمَان أرشد إِلَى الصُّلْح، وَقيل: الِاخْتِلَاف بَين الْحكمَيْنِ فِي الْأَوْلَوِيَّة لَا فِي الْعمد وَالْخَطَأ. وَمعنى قَول الْحسن: فَحَمدَ سُلَيْمَان، يَعْنِي لموافقته الطَّرِيق الْأَرْجَح، وَلم يذم دَاوُد لاقتصاره على الطَّرِيق الرَّاجِح، واستبدل بِهَذِهِ الْقِصَّة على أَن للنَّبِي أَن يجْتَهد فِي الْأَحْكَام وَلَا ينْتَظر نزُول الْوَحْي، لِأَن دَاوُد، ﵇، اجْتهد فِي الْمَسْأَلَة الْمَذْكُورَة قطعا لِأَنَّهُ لَو كَانَ قضى فِيهَا بِالْوَحْي مَا خص الله سُلَيْمَان بفهمها دونه، وَقد اخْتلف من أجَاز للنَّبِي أَن يجْتَهد: هَل يجوز عَلَيْهِ الْخَطَأ فِي اجْتِهَاده؟ فاستدل من أجَاز ذَلِك بِهَذِهِ الْقِصَّة، ورد عَلَيْهِ بِأَن الله تَعَالَى أثنى على دَاوُد فِيهَا بالحكم وَالْعلم، وَالْخَطَأ لَيْسَ حكما وَلَا علما. وَإِنَّمَا هُوَ ظن غير مُصِيب. قَوْله: وَلَوْلَا مَا ذكر الله من أَمر هذَيْن يَعْنِي: دَاوُد وَسليمَان، ﵈. قَوْله: لرأيت جَوَاب لَو وَاللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد وَهِي مَفْتُوحَة وَفِي رِوَايَة الْكشميهني لرئيت على صِيغَة الْمَجْهُول قَوْله: إِن الْقُضَاة أَي قُضَاة هَذَا الزَّمَان هَلَكُوا لما تضمنه قَوْله : ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالَاْحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ فَلَا تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُواْ بِئَايَاتِى ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ وَدخل فِي عُمُومه الْعَامِد والمخطىء. فاستدل بقوله: ٤ ٥ الْآيَة على أَن الْوَعيد خَاص بالعامد، وَأَشَارَ إِلَى ذَلِك بقوله فَإِنَّهُ أَي: فَإِن الله أثنى على هَذَا أَي: على سُلَيْمَان بِعِلْمِهِ. قَوْله: وَعذر بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة. قَوْله: هَذَا، يَعْنِي دَاوُد بِاجْتِهَادِهِ، فَلذَلِك لم يلمه. وَقَالَ مُزَاحِمُ بنُ زُفَرَ: قَالَ لَنا عُمَرُ بنُ عبْدِ العَزِيزِ: خَمْسٌ إذَا أخْطأ القاضِي مِنْهُنَّ خُطةً كانَتْ فِيهِ وصمْةٌ: أنْ يَكُونَ فَهِماً حَليماً عَفيفاً صَليباً عالِماً سَؤُلاً عنِ العِلْمِ. مُزَاحم بِضَم الْمِيم وبالزاي وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة ابْن زفر بِضَم الزَّاي وَفتح الْفَاء وبالراء الْكُوفِي، وَهُوَ مِمَّن أخرج لَهُ مُسلم، وَعمر بن عبد الْعَزِيز الْخَلِيفَة الْمَشْهُور الْعَادِل. قَوْله: خمس أَي: خمس خِصَال. قَوْله: إِذا أَخطَأ أَي: إِذا تجَاوز وَفَاتَ مِنْهُنَّ أَي: من الْخمس الْمَذْكُورَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى: مِنْهُم، أَي: من الْقُضَاة. قَوْله: خطة، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الطَّاء، كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن غير الْكشميهني، وَفِي رِوَايَته عَنهُ: خصْلَة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وهما بِمَعْنى. قَوْله: وصمة بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة أَي: عيب وعار. قَوْله: أَن يكون تَفْسِير لحَال القَاضِي الْمَذْكُور وَهُوَ جملَة فِي مَحل

стр. 7360

الرّفْع على الخبرية تَقْدِيره: وَهِي أَن يكون. قَوْله: فهما بِفَتْح الْفَاء وَكسر الْهَاء، قَالَ بَعضهم: هُوَ من صِيغ الْمُبَالغَة. قلت: هُوَ من الصِّفَات المشبهة، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: فَقِيها، قَوْله: حَلِيمًا يَعْنِي على من يُؤْذِيه وَلَا يُبَادر بالانتقام، وَقيل: الْحلم هُوَ الطُّمَأْنِينَة يَعْنِي: يكون متحملاً لسَمَاع كَلَام المتحاكمين وَاسع الْخلق غير ضجور وَلَا غضوب. قَوْله: عفيفاً أَي: يكف عَن الْحَرَام فَإِنَّهُ إِذا كَانَ عَالما وَلم يكن عفيفاً كَانَ ضَرَره أَشد من ضَرَر الْجَاهِل، وَيُقَال: الْعِفَّة النزاهة عَن القبائح أَي: لَا يَأْخُذ الرِّشْوَة بِصُورَة الْهَدِيَّة وَلَا يمِيل إِلَى ذِي جاه وَنَحْوه، قَوْله: صليباً على وزن فعيل من الصَّلَاة أَي: قَوِيا شَدِيدا يقف عِنْد الْحق وَلَا يمِيل مَعَ الْهوى ويستخلص حق المحق من الْمُبْطل وَلَا يتهاون فِيهِ وَلَا يحاميه. قَوْله: سؤولاً على وزن فعول أَي: كثير السُّؤَال عَن الْعلم مذاكراً مَعَ أهل الْعلم لِأَنَّهُ رُبمَا يظْهر لَهُ من غَيره مَا هُوَ أقوى مِمَّا عِنْده. وَهَذَا الْأَثر وَصله سعيد بن مَنْصُور فِي السّنَن عَن عبَادَة بن عباد وَمُحَمّد بن سعد فِي الطَّبَقَات عَن عَفَّان كِلَاهُمَا قَالَ: حَدثنَا مُزَاحم بن زفر قَالَ: قدمنَا على عمر بن عبد الْعَزِيز فِي خِلَافَته وَقد أَمر أهل الْكُوفَة فسألنا عَن بِلَادنَا وقاضينا وَأمره، وَقَالَ: خمس إِذا أَخطَأ ... إِلَى آخِره. فَإِن قلت: هَذِه سِتَّة لَا خَمْسَة. قلت: السَّادِس من تَتِمَّة الْخَامِس، لِأَن كَمَال الْعلم لَا يحصل إلَّا بالسؤال. ١٧ - (بابُ رزْقِ الحُكّامِ والعامِلِينَ عَلَيْها) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ بَيَان رزق الْحُكَّام بِضَم الْحَاء وَتَشْديد الْكَاف جمع حَاكم والعاملين جمع عَامل وَهُوَ الَّذِي يتَوَلَّى أمرا من أَعمال الْمُسلمين كالولاة وجباة الْفَيْء وعمال الصَّدقَات وَنَحْوهم، وَفِي بعض النّسخ: بَاب رزق الْحَاكِم، وَفِي بَعْضهَا: بَاب رزق القَاضِي، والرزق مَا يرتبه الإِمَام من بَيت المَال لمن يقوم بمصالح الْمُسلمين. قَوْله: عَلَيْهَا، قَالَ بَعضهم: أَي على الحكومات. قلت: الصَّوَاب أَن يُقَال: على الصَّدقَات، بِقَرِينَة ذكر الرزق والعاملين. وكانَ شُرَيْحٌ القاضِي يأخُذُ عَلى القَضاءِ أجْراً. شُرَيْح هُوَ ابْن الْحَارِث بن قيس النَّخعِيّ الْكُوفِي قَاضِي الْكُوفَة، ولاه عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثمَّ قضى من بعده بِالْكُوفَةِ دهراً طَويلا، ثِقَة مخضرم أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام، وَيُقَال: إِن لَهُ صُحْبَة، مَاتَ قبل الثَّمَانِينَ وَقد جَاوز الْمِائَة. قَوْله: أجرا أَي: أُجْرَة، وَفِي التَّلْوِيح هَذَا التَّعْلِيق ضَعِيف وَهُوَ يرد على من قَالَ: التَّعْلِيق المجزوم بِهِ عِنْد البُخَارِيّ صَحِيح. قلت: رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق وَسَعِيد بن مَنْصُور من طَرِيق مجَالد عَن الشّعبِيّ بِلَفْظ: كَانَ مَسْرُوق لَا يَأْخُذ على الْقَضَاء أجرا، وَكَانَ شُرَيْح يَأْخُذ، وروى ابْن أبي شيبَة عَن الْفضل بن دُكَيْن عَن الْحسن بن صَالح عَن ابْن أبي ليلى قَالَ: بلغنَا أَو قَالَ: بَلغنِي أَن عليّاً، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رزق شريحاً خَمْسمِائَة. قلت: هَذَا يُؤَيّد قَول من قَالَ: التَّعْلِيق الْمَذْكُور ضَعِيف، لِأَن القَاضِي إِذا كَانَ لَهُ شَيْء من بَيت المَال لَيْسَ لَهُ أَن يَأْخُذ شَيْئا من الْأُجْرَة. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: ذهب الْجُمْهُور إِلَى جَوَاز أَخذ القَاضِي الْأُجْرَة على الحكم لكَونه يشْغلهُ الحكم عَن الْقيام بمصالحه. غير أَن طَائِفَة من السّلف كرهت ذَلِك وَلم يحرموه مَعَ ذَلِك، وَقَالَ أَبُو عَليّ الْكَرَابِيسِي: لَا بَأْس للْقَاضِي أَن يَأْخُذ الرزق على الْقَضَاء عِنْد أهل الْعلم قاطبة من الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ، وَهُوَ قَول فُقَهَاء الْأَمْصَار، وَلَا أعلم بَينهم اخْتِلَافا، وَقد كره ذَلِك قوم مِنْهُم مَسْرُوق، وَلَا أعلم أحدا مِنْهُم حرمه. وَقَالَ صَاحب الْهِدَايَة ثمَّ إِن القَاضِي إِذا كَانَ فَقِيرا فَالْأَفْضَل بل الْوَاجِب أَخذ كِفَايَته، وَإِن كَانَ غَنِيا فَالْأَفْضَل الِامْتِنَاع عَن أَخذ الرزق من بَيت المَال رفقا بِبَيْت المَال. وَقيل: الْأَخْذ هُوَ الْأَصَح صِيَانة للْقَضَاء عَن الهوان ونظراً لمن يُولى بعده من المحتاجين وَيَأْخُذ بِقدر الْكِفَايَة لَهُ ولعياله. وقالَتْ عَائِشَةُ: يأكُلُ الوَصِيُّ بِقَدْرِ عُمالَتِهِ. العمالة بِضَم الْعين وَتَخْفِيف الْمِيم، وَقيل: هُوَ من المثلثات وَهِي أُجْرَة الْعَمَل، وَوصل ابْن أبي شيبَة هَذَا التَّعْلِيق من طَرِيق هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْءَانَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ قَالَت: أنزل ذَلِك فِي ولي مَال الْيَتِيم يقوم عَلَيْهِ بِمَا يصلحه إِن كَانَ مُحْتَاجا يَأْكُل مِنْهُ.

стр. 7361

وأكَلَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، ﵄. أكلهما كَانَ فِي أَيَّام خِلَافَتهمَا لاشتغالهما بِأُمُور الْمُسلمين، وَلَهُمَا من ذَلِك حق، وَأثر أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَصله أَبُو بكر بن أبي شيبَة من طَرِيق ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَت: لما اسْتخْلف أَبُو بكر قَالَ: قد علم قومِي أَن حرفتي لم تكن تعجز عَن مؤونة أَهلِي، وَقد شغلت بِأَمْر الْمُسلمين، وَفِيه: فيأكل آل أبي بكر من هَذَا المَال، وَأثر عمر وَصله ابْن أبي شيبَة أَيْضا وَابْن سعد من طَرِيق حَارِثَة بن مضرب بِضَم الْمِيم وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء الْمَكْسُورَة بعْدهَا مُوَحدَة. قَالَ: قَالَ عمر: إِنِّي أنزلت نَفسِي من مَال الله منزلَة قيم الْيَتِيم إِن اسْتَغْنَيْت عَنهُ تركت، وَإِن افْتَقَرت إِلَيْهِ أكلت بِالْمَعْرُوفِ. حدّثنا أبُو اليَمانِ، أخبرنَا شُعَيْبٌ، عنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبرنِي السَّائِبُ بنُ يَزِيدَ ابنُ أُخْتِ نَمِر أنَّ حُوَيْطِبَ بنَ عبْدِ العُزَّى أخْبَرَهُ أنَّ عَبْدَ الله بنَ السَّعْدِيِّ أخْبَرَهُ أنَّهُ قَدِمَ عَلى عُمَرَ فِي خِلافَتِهِ فَقَالَ لهُ عُمَرُ: ألَمْ أُحَدَّثْ أنَّك تَلِي مِنْ أعْمالِ الناسِ أعْمالاً؟ فَإِذا أُعْطِيتَ العُمالَةَ كَرِهْتَها؟ فَقُلْتُ: بَلاى. فَقَالَ عُمَرُ: مَا تُرِيدُ إِلَى ذالِكَ؟ قُلْتُ: إنَّ لي أفْراساً وأعْبُداً وَأَنا بِخَيْر، وأُرِيدُ أَن تَكُونَ عُمالَتِي صَدَقَةً عَلى المُسْلِمِينَ. قَالَ عُمَرُ: لَا تَفْعَلْ فإنِّي كُنْتُ أرَدْتُ الّذِي أرَدْتَ. فَكَانَ رسولُ الله يُعْطِيني العَطاءَ فأقُولُ: أعْطِهِ أفْقَرَ إلَيْهِ مِنِّي، حَتَّى أعْطاني مَرَّةً مَالا فَقُلْتُ: أعْطهِ أفْقرَ إلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ النبيُّ خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وتَصَدَّقْ بِهِ فَما جاءَكَ مِنْ هَذَا المالِ وأنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سائِلٍ فَخُذْهُ وإلاّ فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ وعنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حدّثني سالِمُ بنُ عَبْدِ الله أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمرَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمرَ يَقُولُ: كانَ النبيُّ يُعْطِيني العَطاءَ فأقُولُ: أعْطِهِ أفْقَرَ إلَيْهِ مِنِّي، حَتَّى أعْطانِي مَرَّةً مَالا فَقُلْتُ: أعْطِهِ مَنْ هُوَ أفْقَرُ إلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ النبيُّ خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وتَصَدَّقْ بِهِ فَما جاءَكَ مِنْ هَذَا المالِ وأنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سائِلٍ فَخذْهُ وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ انْظُر الحَدِيث ١٤٧٣ وطرفه مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم، والسائب بن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن أُخْت نمر بِفَتْح النُّون وَكسر الْمِيم بعْدهَا رَاء هُوَ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور، وَأدْركَ من زمن النَّبِي سِتّ سِنِين وَحفظ عَنهُ، وَهُوَ من أَوَاخِر الصَّحَابَة موتا، وَآخر من مَاتَ مِنْهُم بِالْمَدِينَةِ. وَقَالَ أَبُو عمر: قيل: إِنَّه توفّي سنة ثَمَانِينَ، وَقيل: سِتّ وَثَمَانِينَ، وَقيل: سنة إِحْدَى وَتِسْعين، وَهُوَ ابْن أَربع وَتِسْعين، وَقيل: سِتّ وَتِسْعين، وَحُوَيْطِب تَصْغِير الحاطب بالمهملتين ابْن عبد الْعُزَّى، اسْم الصَّنَم الْمَشْهُور، العامري من الطُّلَقَاء كَانَ من مسلمة الْفَتْح وَهُوَ أحد الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم، أدْرك الْإِسْلَام وَهُوَ ابْن سِتِّينَ سنة أَو نَحْوهَا، وَأعْطِي من غَنَائِم بدر مائَة بعير وَكَانَ مِمَّن دفن عُثْمَان بن عَفَّان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَبَاعَ من مُعَاوِيَة دَارا بِالْمَدِينَةِ بِأَرْبَعِينَ ألف دِينَار، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ فِي آخر خلَافَة مُعَاوِيَة. وَهُوَ ابْن مائَة وَعشْرين سنة، وَعبد الله بن السَّعْدِيّ هُوَ عبد الله بن وقدان بن عبد شمس بن عبدود، وَإِنَّمَا قيل لَهُ: ابْن السَّعْدِيّ، لِأَن أَبَاهُ كَانَ مسترضعاً فِي بني سعد، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة سبع وَخمسين وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد. وَهَذَا الْإِسْنَاد من الغرائب اجْتمع فِيهِ أَرْبَعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وَغَيره، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ وَفِي الْجراح عَن أبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ عَن لَيْث بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزَّكَاة عَن قُتَيْبَة بِهِ وَغَيره. قَوْله: ألم أحدث بِضَم الْهمزَة وَفتح الْحَاء وَتَشْديد الدَّال. قَوْله: تلِي من أَعمال النَّاس أَي: الولايات من إمرة أَو قَضَاء أَو نَحْوهمَا، وَوَقع فِي رِوَايَة بشر بن سعيد عِنْد مُسلم: استعملني عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على الصَّدَقَة، فعين الْولَايَة. قَوْله: فَإِذا

стр. 7362

أَعْطَيْت على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: العمالة بِالضَّمِّ أُجْرَة الْعَمَل وبالفتح نفس الْعَمَل. قَوْله: مَا تُرِيدُ إِلَى ذَلِك؟ يَعْنِي: مَا غَايَة قصدك بِهَذَا الرَّد؟ قَوْله: أفراساً جمع فرس. قَوْله: وأعبداً جمع عبد، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أعتداً، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق جمع عتيد وَهُوَ المَال المدخر. قَوْله: الَّذِي أردْت بِفَتْح التَّاء. قَوْله: يعطيني الْعَطاء أَي: المَال الَّذِي يقسمهُ الإِمَام فِي الْمصَالح. قَوْله: أعْطه أفقر إِلَيْهِ مني أَي: أعطِ بِهَمْزَة الْقطع الَّذِي هُوَ أفقر إِلَيْهِ مني، وَفصل بَين أفعل التَّفْضِيل وَبَين كلمة: من، لِأَنَّهُ إِنَّمَا لم يجز عِنْد النُّحَاة، إِذا كَانَ أَجْنَبِيّا وَهنا هُوَ ألصق بِهِ من الصِّلَة لِأَن ذَلِك مُحْتَاج إِلَيْهِ بِحَسب جَوْهَر اللَّفْظ والصلة مُحْتَاج إِلَيْهَا بِحَسب الصِّيغَة. قَوْله: غير مشرف أَي: غير طامع وَلَا نَاظر، إِلَيْهِ قَوْله: وإلَاّ أَي: وَإِن لم يَجِيء إِلَيْك فَلَا تتبعه نَفسك فِي طلبه واتركه، قيل: لم مَنعه رَسُول الله من الإيثار؟ أُجِيب بِأَنَّهُ أَرَادَ الْأَفْضَل والأعلى من الْأجر، لِأَن عمر، وَإِن كَانَ مأجوراً بإيثاره الأحوج، لَكِن أَخذه ومباشرته الصَّدَقَة بِنَفسِهِ أعظم، وَذَلِكَ لِأَن التَّصَدُّق بعد التمول إِنَّمَا هُوَ دفع الشُّح الَّذِي هُوَ مستولٍ على النُّفُوس. قَوْله: وَعَن الزُّهْرِيّ حَدثنِي سَالم، هُوَ مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور أَولا إِلَى الزُّهْرِيّ، وَقد أخرج النَّسَائِيّ عَن عَمْرو بن مَنْصُور عَن أبي الْيَمَان شيخ البُخَارِيّ الْحَدِيثين الْمَذْكُورين بالسند الْمَذْكُور إِلَى عمر، ﵁، وَفِيه: أَخذ الرزق لمن اشْتغل بِشَيْء من مصَالح الْمُسلمين، وَذكر ابْن الْمُنْذر أَن زيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ يَأْخُذ الْأجر على الْقَضَاء، وروى ذَلِك عَن ابْن سِيرِين وَشُرَيْح، وَهُوَ قَول اللَّيْث وَإِسْحَاق وَأبي عبيد. وَقَالَ الشَّافِعِي: إِذا أَخذ القَاضِي جعلا لم يجز عِنْدِي، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَحَدِيث ابْن السَّعْدِيّ حجَّة فِي جَوَاز إرزاق الْقُضَاة من وجوهها. وَفِيه: إِن أَخذ مَا جَاءَ من المَال بِغَيْر مَسْأَلَة أفضل من تَركه لِأَنَّهُ يَقع فِي إِضَاعَة المَال، وَقد نهى الشَّرْع عَن ذَلِك، وَذهب بعض الصُّوفِيَّة، إِلَى أَن المَال إِذا جَاءَ من غير إشراف نفس وَلَا سُؤال لَا يرد، فَإِن رد عُوقِبَ بالحرمان، ويحكى عَن أَحْمد أَيْضا، وَأهل الظَّاهِر، وَقَالَ ابْن التِّين: فِي هَذَا الحَدِيث كَرَاهَة أَخذ الرزق على الْقَضَاء مَعَ الِاسْتِغْنَاء وَإِن كَانَ المَال طيبا. ١٨ - (بابُ مَنْ قَضَى ولاعَنَ فِي المَسْجدِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من قضى ولاعن فِي الْمَسْجِد. قَوْله: قضى ولاعن فعلان تنَازعا فِي الْمَسْجِد، وَمعنى: لَاعن، أَمر بِاللّعانِ على سَبِيل الْمجَاز نَحْو: كسى الْخَلِيفَة الْكَعْبَة. ولاعَنَ عُمَرُ عِنْد مِنْبَرِ النبيِّ أَي: أَمر عمر، ﵁، بِاللّعانِ عِنْد مِنْبَر النَّبِي وَإِنَّمَا خص عمر الْمِنْبَر لِأَنَّهُ كَانَ يرى التَّحْلِيف عِنْد الْمِنْبَر أبلغ فِي التَّغْلِيظ، وَيُؤْخَذ مِنْهُ التَّغْلِيظ فِي الْأَيْمَان بِالْمَكَانِ، وقاسوا عَلَيْهِ الزَّمَان. وَفِي التَّوْضِيح يغلظ فِي اللّعان بِالزَّمَانِ وَالْمَكَان وَهِي سنة عندنَا لَا فرض على الْأَصَح. وَقَالَ مَالك بالتغليظ، وَأَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَنعه وروى ابْن كنَانَة عَن مَالك: يجزىء فِي المَال الْعَظِيم والدماء، وزمن اللّعان بعد الْعَصْر عندنَا، وَعند الْمَالِكِيَّة: أثر الصَّلَاة، واختصاص الْعَصْر لاختصاصه بِالْمَلَائِكَةِ، أَعنِي: مَلَائِكَة اللَّيْل وَالنَّهَار. وقَضَى شُرَيْحٌ والشَّعْبِيُّ ويَحْياى بنُ يَعْمَرَ فِي المَسْجِدِ. شُرَيْح هُوَ القَاضِي الْمَشْهُور، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل، وَيحيى بن يعمر بِفَتْح الْيَاء وَالْمِيم بَينهمَا عين مُهْملَة الْبَصْرِيّ القَاضِي بمرو، وَأثر شُرَيْح وَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد قَالَ: رَأَيْت شريحاً يقْضِي فِي الْمَسْجِد وَعَلِيهِ برنس خَز، وَأثر الشّعبِيّ وَصله سعيد بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي فِي جَامع سُفْيَان عَن طَرِيق عبد الله بن شبْرمَة، قَالَ: رَأَيْت الشّعبِيّ جلد يَهُودِيّا فِي فِرْيَة فِي الْمَسْجِد، وَأثر يحيى بن يعمر وَصله ابْن أبي شيبَة من رِوَايَة عبد الرحمان بن قيس، قَالَ: رَأَيْت يحيى بن يعمر يقْضِي فِي الْمَسْجِد.

стр. 7363

وقَضَى مَرْوانُ عَلى زَيْدِ بنِ ثابِتٍ باليَمِينِ عِنْدَ المِنْبَرِ. مَرْوَان هُوَ ابْن الحكم. قَوْله: عِنْد الْمِنْبَر وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: على الْمِنْبَر، وَهَذَا طرف من أثر مضى فِي كتاب الشَّهَادَات. وكانَ الحَسَنُ وزُرَارَةُ بنُ أوْفَى يَقْضِيانِ فِي الرَّحَبَةِ خارِجاً مِنَ المَسْجِدِ. الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وزرارة بِضَم الزَّاي وَتَخْفِيف الرَّاء الأولى ابْن أوفى بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْوَاو وبالفاء مَقْصُورا العامري قَاضِي الْبَصْرَة. قَوْله: فِي الرحبة، بِفَتْح الْحَاء وسكونها قَالَه الْكرْمَانِي، وَالظَّاهِر أَن الَّتِي بِالسُّكُونِ هِيَ الْمَدِينَة الْمَشْهُورَة وَهِي الساحة وَالْمَكَان المتسع أَمَام بَاب الْمَسْجِد، غير مُنْفَصِل عَنهُ، وَحكمهَا حكم الْمَسْجِد فَيصح فِيهَا الِاعْتِكَاف فِي الْأَصَح بِخِلَاف مَا إِذا كَانَت مُنْفَصِلَة. ٧١٦٥ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله، حدّثنا سُفْيانُ قَالَ الزُّهْرِيُّ: عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ قَالَ: شَهِدْتُ المُتَلاعِنَيْنِ وَأَنا ابنُ خَمْسَ عَشَرَةَ فُرِّقَ بَيْنَهُما. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ ذكر اللّعان. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَسَهل بن سعد السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، وَقد مضى هَذَا مطولا فِي اللّعان. وَقَالَ مَالك وَابْن الْقَاسِم: يَقع الْفِرَاق بِنَفس اللّعان وَلَا تحل لَهُ أبدا، وَقَالَ ابْن أبي صفرَة: اللّعان لَا يرفع الْعِصْمَة حَتَّى يُوقع الزَّوْج الطَّلَاق. ٧١٦٦ - حدّثنا يَحْياى، حدّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ، أَخْبرنِي ابْن شِهاب، عنْ سَهْل أخي بَنِي ساعِدَةَ: أنَّ رجُلاً مِنَ الأنْصارِ جاءَ إِلَى النبيِّ فَقَالَ: أرَأيْتَ رجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأتِهِ رجُلاً أيْقْتُلُه؟ فَتَلَاعَنا فِي المَسْجِدِ وَأَنا شاهِدٌ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَيحيى هَذَا يحْتَمل أَن يكون يحيى بن جَعْفَر بن أعين البُخَارِيّ البيكندي، وَأَن يكون يحيى بن مُوسَى بن عبد ربه السّخْتِيَانِيّ الْبَلْخِي الَّذِي يُقَال لَهُ: خت، لِأَن كلّاً مِنْهُمَا روى عَن عبد الرَّزَّاق بن همام، وروى البُخَارِيّ عَن كلَ مِنْهُمَا. وَهَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث سهل أخرجه عَن يحيى عَن عبد الرَّزَّاق عَن عبد الْملك بن جريج عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن سهل بن سعد ... إِلَى آخِره. قَوْله: أَخْبرنِي ابْن شهَاب وَفِي الطَّرِيق الأول: قَالَ الزُّهْرِيّ، إِشَارَة إِلَى أَن قَوْله: قَالَ فلَان، دون قَوْله: أَخْبرنِي فلَان، أَو: عَن فلَان. قَوْله: أخي بني سَاعِدَة أَي: وَاحِد مِنْهُم كَمَا يُقَال: هُوَ أَخُو الْعَرَب أَي، وَاحِد مِنْهُم، وَبَنُو سَاعِدَة ينْسب إِلَى سَاعِدَة بن كَعْب بن الْخَزْرَج. قَوْله: إِن رجلا هُوَ عُوَيْمِر الْعجْلَاني. والْحَدِيث مر مطولا فِي اللّعان، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. ١٩ - (بابُ مَنْ حَكَمَ فِي المَسْجِدِحتَّى إذَا أتَى عَلى حَدَ أمَرَ أنْ يُخْرَجَ مِنَ المَسْجِدِ فَيُقامَ) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ بَيَان من كَانَ لَا يكره الحكم فِي الْمَسْجِد إِذا حكم فِيهِ ثمَّ أَتَى إِلَى حكم فِيهِ إِقَامَة حد من الْحُدُود يَنْبَغِي أَن يَأْمر أَن يخرج من وَجب عَلَيْهِ الْحَد من الْمَسْجِد فيقام الْحَد عَلَيْهِ خَارج الْمَسْجِد، وَقد فسر بَعضهم هَذِه التَّرْجَمَة بقوله: كَأَنَّهُ يُشِير بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى من خصص جَوَاز الحكم فِي الْمَسْجِد بِمَا إِذا لم يكن هُنَاكَ شَيْء يتَأَذَّى بِهِ من فِي الْمَسْجِد، أَو يَقع بِهِ نقص لِلْمَسْجِدِ كالتلويث. انْتهى. قلت: تَفْسِير هَذِه التَّرْجَمَة بِمَا ذَكرْنَاهُ وَلَيْسَ مَا ذكره تَفْسِيرهَا أصلا يقف عَلَيْهِ من لَهُ أدنى ذوق من مَعَاني التراكيب، نعم الَّذِي ذكره يَنْبَغِي أَن يحْتَرز عَنهُ وَلَكِن لَا مُنَاسبَة لَهُ فِي معنى التَّرْجَمَة، وَاخْتلف الْعلمَاء فِي إِقَامَة الْحُدُود فِي الْمَسْجِد. فَروِيَ عَن عمر وَعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، منع ذَلِك كَمَا

стр. 7364

يَجِيء الْآن، وَهُوَ قَول مَسْرُوق وَالشعْبِيّ وَعِكْرِمَة والكوفيين وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، وَرُوِيَ عَن الشّعبِيّ أَنه أَقَامَ على رجل من أهل الذِّمَّة حدا فِي الْمَسْجِد، وَهُوَ قَول ابْن أبي ليلى، وَرُوِيَ عَن مَالك الرُّخْصَة فِي الضَّرْب بالسياط الْيَسِيرَة فِي الْمَسْجِد، فَإِذا كثرت الْحُدُود فَلَا تُقَام فِيهِ، وَهُوَ قَول أبي ثَوْر أَيْضا، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَلَا ألزم من أَقَامَ الْحَد فِي الْمَسْجِد مأثماً لِأَنِّي لَا أجد دَلِيلا عَلَيْهِ. وَفِي التَّوْضِيح وَأما الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا النَّهْي عَن إِقَامَة الْحُدُود فِي الْمَسْجِد فضعيفة. وَقَالَ عُمَرُ: أخْرِجاهُ مِنَ المَسْجِد. أَي: قَالَ عمر بن الْخطاب: أَخْرجَاهُ، أَي الَّذِي وَجب عَلَيْهِ الْحَد من الْمَسْجِد، وَفِي بعض النّسخ: وضربه بعد قَوْله: من الْمَسْجِد، وَهَذَا الْأَثر وَصله ابْن أبي شيبَة وَعبد الرَّزَّاق كِلَاهُمَا من طَرِيق طَارق بن شهَاب، قَالَ: أُتِي عمر بن الْخطاب بِرَجُل فِي حد. فَقَالَ: أَخْرجَاهُ من الْمَسْجِد، ثمَّ اضرباه، وَسَنَده على شَرط الشَّيْخَيْنِ. ويُذْكَرُ عنْ عَلِيَ نَحْوُه. أَي: يذكر عَن عَليّ بن أبي طَالب نَحْو مَا ذكر عَن عمر بن الْخطاب وَوَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق ابْن معقل بِسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَالْقَاف الْمَكْسُورَة: أَن رجلا جَاءَ إِلَى عَليّ فساره، فَقَالَ: يَا قنبر أخرجه من الْمَسْجِد فأقم عَلَيْهِ الْحَد، وَفِي سَنَده من فِيهِ مقَال فَلذَلِك ذكره بِصِيغَة التمريض حَيْثُ قَالَ: وَيذكر. ٧١٦٧ - حدّثنا يَحْياى بنُ بُكَيْرٍ، حدّثنا اللَّيْثُ، عنْ عُقَيْلٍ، عنِ ابنِ شِهابٍ، عنْ أبي سَلَمَةَ وسعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: أتَى رجُلٌ رسولَ الله وهْوَ فِي المَسْجدِ، فَنادَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُول الله إنِّي زَنَيْتُ، فأعْرَضَ عنْهُ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ أرْبعاً قَالَ: أبِكَ جُنُونٌ قَالَ: لَا. قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فارْجُمُوهُ ٢٠ - (بابُ مَوْعِظَةِ الإمامِ لِلْخُصُومِ) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ بَيَان موعظة الإِمَام للخصوم عِنْد الدَّعْوَى. ٧١٦٩ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مُسْلَمَةَ، عنْ مالِكٍ، عنْ هِشامٍ، عنْ أبيهِ عنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أبي سَلَمَةَ عنْ أمِّ

стр. 7365

سَلمَةَ، ﵂. أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: إنَّما أَنا بَشَرٌ، وإنكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، ولَعَّلَ بَعْضَكُمْ أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فأقْضِي نَحَوَ مَا أسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لهُ بِحَقِّ أخِيهِ شَيْئاً فَلا يَأخُذْهُ، فإنّما أقْطَعُ لهُ قِطْعةً مِنَ النَّار. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَهِشَام يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير، وَاسم أم سَلمَة هِنْد المخزومية أم الْمُؤمنِينَ. والْحَدِيث قد مضى فِي الْمَظَالِم وَفِي أَوَائِل كتاب الْحِيَل وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: إِنَّمَا أَنا بشر على معنى الْإِقْرَار على نَفسه بِصفة البشرية من أَنه لَا يعلم من الْغَيْب إلَاّ مَا علمه الله مِنْهُ. قَوْله: إِنَّكُم تختصمون إليّ يُرِيد وَالله أعلم وَأَنا لَا أعرف المحق مِنْكُم من الْمُبْطل حَتَّى يُمَيّز المحق مِنْكُم من الْمُبْطل فَلَا يَأْخُذ الْمُبْطل مَا أعْطِيه. قَوْله: أَلحن بحجته يَعْنِي: أفطن لَهَا وأجدل. وَقَالَ ابْن حبيب: أنطق وَأقوى مَأْخُوذ من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ أَي: فِي بطن القَوْل. وَقيل: مَعْنَاهُ أَن يكون أَحدهمَا أعلم بمواقع الْحجَج وَأهْدى لإيرادها وَلَا يخلطها بغَيْرهَا. وَقَالَ أَبُو عبيد: اللّحن بِفَتْح الْحَاء النُّطْق، وبالإسكان الْخَطَأ فِي القَوْل، وَذكر ابْن سَيّده: لحن الرجل لحناً تكلم بلغته، ولحن لَهُ يلحن لحناً، قَالَ لَهُ قولا يفهمهُ عَنهُ وَيخْفى على غَيره، وألحنه القَوْل أفهمهُ إِيَّاه، ولحنه لحناً فهمه، وَرجل لحن عَالم بعواقب الْكَلَام ظريف، ولحن لحناً فطن لحجته وانتبه لَهَا، ولاحن النَّاس فألحنهم. قَوْله: فأقضي نَحْو مَا أسمع فِيهِ أَن الْحَاكِم مَأْمُور بِأَن يقْضِي بِمَا يقر بِهِ الْخصم عِنْده. قَوْله: فَمن قضيت لَهُ خطاب للمقضي لَهُ، لِأَنَّهُ يعلم من نَفسه هَل هُوَ محق أَو مُبْطل. ٢١ - (بَاب الشَّهادَةِ تَكُونُ عِنْدَ الحاكِمِ فِي وِلايَتِهِ القَضاءَ أوْ قَبْلَ ذالِكَ لِلْخَصْمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشَّهَادَة الَّتِي تكون عِنْد الْحَاكِم يَعْنِي: إِذا كَانَ الْحَاكِم شَاهدا للخصم الَّذِي هُوَ أحد المتحاكمين عِنْده سَوَاء تحملهَا قبل تَوليته للْقَضَاء أَو فِي زمَان التولي هَل لَهُ أَن يحكم بهَا؟ اخْتلفُوا فِي أَن لَهُ ذَلِك أم لَا، فَلذَلِك لم يجْزم بِالْجَوَابِ لقُوَّة الْخلاف فِي الْمَسْأَلَة. وَإِن كَانَ آخر كَلَامه يَقْتَضِي اخْتِيَار أَن لَا يحكم بِعِلْمِهِ فِيهَا، وَبَيَان الْخلاف فِيهِ يَأْتِي عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَفِي التَّوْضِيح تَرْجَمَة البُخَارِيّ فِيهَا دَلِيل على أَن الْحَاكِم إِنَّمَا يشْهد عِنْد غَيره بِمَا تقدم عِنْده من شَهَادَة فِي ولَايَته أَو قبلهَا وَهُوَ قَول مَالك وَأكْثر أَصْحَابه، وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا يَعْنِي من الشَّافِعِيَّة: يحكم بِمَا علمه فِيمَا أقرّ بِهِ أحد الْخَصْمَيْنِ عِنْده فِي مَجْلِسه. وَقَالَ شُرَيحٌ القاضِي، وسَألَهُ إنْسانٌ الشَّهادَةَ فَقَالَ: ائْتِ الأمِيرَ حتَّى أشْهَدَ لَكَ. هَذَا وَصله عبد الرَّزَّاق عَن ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن شبْرمَة، قَالَ: قلت لِلشَّعْبِيِّ: يَا أَبَا عَمْرو: أَرَأَيْت رجلَيْنِ استشهدا على شَهَادَة فَمَاتَ أَحدهمَا واستقضي الآخر؟ فَقَالَ: أُتِي شُرَيْح فِيهَا، وَأَنا جَالس. فَقَالَ: ائْتِ الْأَمِير وَأَنا أشهد لَك. قَوْله: ائْتِ الْأَمِير، أَي السُّلْطَان أَو من هُوَ فَوْقه. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: قَالَ عُمَرُ لِعَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ عَوْفٍ: لَوْ رَأيْتَ رَجُلاً عَلى حَدَ زِنًى أوْ سَرِقَةٍ وأنْتَ أمِيرٌ، فَقَالَ: شَهَادَتُكَ شَهادَةُ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ. قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ عُمَرُ: لَوْلا أنْ يَقُولَ النَّاسُ زادَ عُمَرُ فِي كِتابِ الله لَكَتَبْتُ آيةَ الرَّجْمِ بِيَدِيِ. مولى ابْن عَبَّاس. قَالَ عمر أَي: ابْن الْخطاب إِلَى آخِره. وَأخرجه ابْن أبي شيبَة عَن شريك عَن عبد الْكَرِيم الْجَزرِي عَن عِكْرِمَة بِلَفْظ: أَرَأَيْت لَو كنت القَاضِي والوالي وأبصرت إنْسَانا أَكنت مقيمه عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا، حَتَّى يشْهد معي غَيْرِي. قَالَ: أصبت، لَو قلت غير ذَلِك لم تَجِد، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الْجِيم وَسُكُون الدَّال من الإجادة. وَهَذَا السَّنَد مُنْقَطع لِأَن عِكْرِمَة لم يدْرك عبد الرحمان فضلا عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: قَالَ عمر: لَوْلَا أَن يَقُول النَّاس ... إِلَى آخِره، قَالَ

стр. 7366

الْمُهلب، ﵀: اسْتشْهد البُخَارِيّ بقول عبد الرحمان بن عَوْف الْمَذْكُور بقول عمر هَذَا أَنه كَانَت عِنْده شَهَادَة فِي آيَة الرَّجْم أَنَّهَا من الْقُرْآن فَلم يلْحقهَا بِنَصّ الْمُصحف بِشَهَادَتِهِ فِيهِ وَحده، وأفصح بِالْعِلَّةِ فِي ذَلِك بقوله: لَوْلَا أَن يَقُول النَّاس زَاد عمر فِي كتاب الله، فَأَشَارَ إِلَى أَن ذَلِك من قطع الذرائع، لِئَلَّا يجد حكام السوء السَّبِيل إِلَى أَن يدعوا الْعلم لمن أَحبُّوا لَهُ الحكم بِشَيْء. وأقَرَّ ماعِزٌ عِنْدَ النبيِّ بِالزِّنى أرْبعاً، فأمَرَ بِرَجْمِهِ، ولَمْ يُذْكَرْ أنَّ النبيَّ أشْهَدَ مَنْ حَضَرَهُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن حكم رَسُول الله على مَاعِز بِالرَّجمِ كَانَ بِإِقْرَارِهِ دون أَن يشْهد من حَضَره. وَحَدِيث مَاعِز قد تكَرر ذكره. وَقَالَ حَمَّادٌ: إِذا أقَرَّ مَرَّةً عِنْدَ الحاكِمِ رُجِم، وَقَالَ الحَكَمُ: أرْبعاً. حَمَّاد هُوَ ابْن سُلَيْمَان فَقِيه الْكُوفَة، وَالْحكم بِفتْحَتَيْنِ ابْن عتيبة مصغر عتبَة الْبَاب فَقِيه الْكُوفَة أَيْضا. قَوْله: أَرْبعا، يَعْنِي لَا يرْجم حَتَّى يقر، أَربع مَرَّات، وَوَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق شُعْبَة قَالَ: سَأَلت حماداً عَن الرجل يقر بالزنى كم يردد؟ قَالَ: مرّة. قَالَ: وَسَأَلت الحكم فَقَالَ: أَربع مَرَّات، وَالله أعلم. ٧١٧٠ - حدّثنا قُتَيْبَةُ، حدّثنا اللَّيْثُ، عنْ يَحْياى، عنْ عُمَرَ بنِ كَثِيرٍ، عنْ أبي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أبي قَتَادَةَ أنَّ أَبَا قَتَادةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله يَوْمَ حُنَيْنٍ مَنْ لهُ بَيِّنَةٌ عَلى قَتِيلٍ قَتَلهُ فَلَه سَلَبُهُ فَقُمْتُ لألْتمِسَ بَيَّنَةً عَلى قَتِيل فَلَمْ أرَ أحَداً يَشْهَدُ لِي، فَجَلَسْتُ، ثُمَّ بَدَا لِي فَذَكَرْتُ أمْرَهُ إِلَى رسولِ الله فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسائِه: سِلاحُ هاذَا القَتِيلِ الّذِي يَذْكُرُ عِنْدِي. قَالَ: فأرْضِهِ مِنْهُ فَقَالَ أبُو بَكْرٍ: كلَاّ لَا يُعْطِهِ أُصَيْبِغَ مِنْ قُرَيْشٍ ويَدَعَ أسَداً مِنْ أُسْدِ الله يُقاتِلُ عنِ الله ورَسُولِهِ، قَالَ: فأمَرَ رسولُ الله فأدَّاهُ إلَيَّ فاشْتَرَيْتُ مِنْهُ خِرافاً فَكان أوَّلَ مالٍ تأَثَّلْتُهُ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: فَأمر رَسُول الله هَكَذَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة، فأُمر بِفَتْح الْهمزَة وَالْمِيم بعْدهَا رَاء، وَفِي رِوَايَة: فَقَامَ رَسُول الله فأداه إليّ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن غير الْكشميهني: فَحكم، وَكَذَا الْأَكْثَر رُوَاة الْفربرِي. وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَعمر بن كثير ضد الْقَلِيل مولى أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ، وَأَبُو مُحَمَّد هُوَ نَافِع مولى أبي قَتَادَة الْحَارِث الْأنْصَارِيّ الخزرجي. والْحَدِيث مضى فِي الْخمس والبيوع عَن القعْنبِي وَفِي الْمَغَازِي فِي غَزْوَة حنين عَن عبد الله بن يُوسُف، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: سلبه بِفَتْح اللَّام مَال مَعَ الْقَتِيل من الثِّيَاب والأسلحة وَنَحْوهمَا. قَوْله: فأرضه مِنْهُ هِيَ رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَعند الْكشميهني: مني. قَوْله: كلا كلمة ردع. قَوْله: أصيبغ بِضَم الْهمزَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وبالغين الْمُعْجَمَة تَصْغِير أصْبع صغره تحقيراً لَهُ بوصفه باللون الرَّدِيء، وَقَالَ الْخطابِيّ: الأصيبغ بالصَّاد الْمُهْملَة نوع من الطير ونبات ضَعِيف كالثمام، ويروى بالضاد الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة مصغر الضبع على غير قِيَاس، كَأَنَّهُ لما عظم أَبَا قَتَادَة بِأَنَّهُ أَسد صغر هَذَا وَشبهه بالضبع لضعف افتراسه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأسد، وأصيبغ مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول ثَان لقَوْله: لَا يُعْطه قَوْله: ويدع قَالَ الْكرْمَانِي: بِالرَّفْع وَالنّصب والجزم، وَلم يين وَجه ذَلِك اعْتِمَادًا على أَن القارىء الَّذِي لَهُ يَد فِي الْعَرَبيَّة لَا يخفى عَلَيْهِ ذَلِك. قَوْله: أسداً بِفتْحَتَيْنِ، و: من أَسد الله بِضَم الْهمزَة وَسُكُون السِّين جمع: أَسد. قَوْله: يُقَاتل فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ صفة. قَوْله: أسداً قَوْله: فأداه إليّ بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: خرافاً بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الرَّاء هُوَ الْبُسْتَان. قَوْله: تأثلته أَي: اتخذته أصل المَال واقتنيته، وَيُقَال: مَال مؤثل ومجد مؤثل أَي: مَجْمُوع ذُو أصل. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: أول الْقِصَّة وَهُوَ طلب الْبَيِّنَة

стр. 7367

تخَالف آخرهَا حَيْثُ حكم بِدُونِهَا، قلت: لَا تخَالف لِأَن الْخصم اعْترف بذلك مَعَ أَن المَال لرَسُول الله لَهُ أَن يُعْطي من شَاءَ وَيمْنَع من شَاءَ. قَالَ لِي عَبْدُ الله عنِ اللَّيْثِ: فَقامَ النبيُّ فأدَّاهُ إلَي عبد الله هُوَ ابْن صَالح كَاتب اللَّيْث بن سعد، وَالْبُخَارِيّ يعتمده فِي الشواهد. قَوْله: فَقَامَ، يَعْنِي مَوضِع فَأمر. وَقَالَ أهْلُ الحِجازِ: الحاكِمُ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ شَهِدَ بِذالِكَ فِي وِلايَتِهِ أوْ قَبْلَها، ولَوْ أقَرَّ خَصْمٌ عِنْدَهُ لآخَرَ بِحَقَ فِي مَجْلِسِ القَضاءِ فإنَّهُ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ حتَّى يَدْعُو بِشاهِدَيْنِ فَيُحْضِرَهُما إقْرارَهُ. وَقَالَ بَعْضُ أهْلِ العِراقِ: مَا سَمِعَ أوْ رآهُ فِي مَجْلِس القَضاءِ قَضاى بِهِ، وَمَا كانَ فِي غَيْرِهِ لَمْ يَقْضِ إلاّ بِشاهِدَيْنِ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بلْ يَقْضِي بِهِ لأنَّهُ مُؤْتَمَنٌ، وإنَّما يُرادُ مِنَ الشَّهادَةِ مَعْرِفَةُ الحَقِّ. فَعِلْمُهُ أكْثَرُ مِنَ الشَّهادَةِ. وَقَالَ بَعْضَهُمْ: يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي الأمْوالِ وَلَا يَقْضي فِي غَيْرِها. أَرَادَ بِأَهْل الْحجاز مَالِكًا وَمن وَافقه فِي هَذِه الْمَسْأَلَة. قَوْله: وَلَو أقرّ خصم إِلَى قَوْله: فيحضرهما إِقْرَاره، بِضَم الْيَاء من الْإِحْضَار، وَهُوَ قَول ابْن الْقَاسِم وَأَشْهَب. قَوْله: وَقَالَ بعض أهل الْعرَاق أَرَادَ بهم أَبَا حنيفَة وَمن تبعه، وَهُوَ قَول مطرف وَابْن الْمَاجشون وَأصبغ وَسَحْنُون من الْمَالِكِيَّة، وَقَالَ ابْن التِّين: وَجرى بِهِ الْعَمَل، وَيُوَافِقهُ مَا أخرجه عبد الرَّزَّاق بِسَنَد صَحِيح عَن ابْن سِيرِين قَالَ: اعْترف رجل عِنْد شُرَيْح بِأَمْر ثمَّ أنكرهُ، فَقضى عَلَيْهِ باعترافه، فَقَالَ: أتقضي عليّ بِغَيْر بَيِّنَة؟ فَقَالَ: شهد عَلَيْك ابْن أُخْت خالتك يَعْنِي نَفسه. قَوْله: وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُم أَي: من أهل الْعرَاق، وَأَرَادَ بهم أَبَا يُوسُف وَمن تبعه، وَوَافَقَهُمْ الشَّافِعِي، رَحمَه الله تَعَالَى. قَوْله: وَقَالَ بَعضهم يَعْنِي من أهل الْعرَاق وَأَرَادَ بهم أَبَا حنيفَة وَأَبا يُوسُف فِيمَا نَقله الْكَرَابِيسِي عَنهُ. وَقَالَ القاسِمُ: لَا يَنْبَغِي لِلْحاكِمِ أنْ يُمْضِيَ قَضاءً بِعِلْمِهِ دُونَ عِلْمٍ غَيْرِهِ، مَعَ أنَّ عِلْمَهُ أكْثَرُ مِنْ شَهادَةِ غَيْرِهِ، ولاكِنَّ فِيهِ تَعَرُّضاً لِتُهَمَةِ نَفْسِهِ عِندَ المُسْلِمِينَ وإيقاعاً لَهُمْ فِي الظُّنُونِ، وقَدْ كَرِهَ النبيُّ ﷺ الظَّنَّ فَقَالَ: إنَّما هاذِهِ صَفِيَّةُ الْقَاسِم إِذا أطلق يُرَاد بِهِ ابْن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَه الْكرْمَانِي: وَقَالَ بَعضهم: كنت أَظن أَنه ابْن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة من أهل الْمَدِينَة لِأَنَّهُ إِذا أطلق فِي الْفُرُوع الْفِقْهِيَّة انْصَرف الذِّهْن إِلَيْهِ، لَكِن رَأَيْت فِي رِوَايَة عَن أبي ذَر أَنه: الْقَاسِم بن عبد الرحمان بن عبد الله بن مَسْعُود، فَإِن كَانَ كَذَلِك فقد خَالف أَصْحَابه الْكُوفِيّين وَوَافَقَ أهل الْمَدِينَة. انْتهى. قلت: الْكَلَام فِي صِحَة رِوَايَة أبي ذَر على أَن هَذِه الْمَسْأَلَة فقهية، وَعند الْفُقَهَاء إِذا أطلق الْقَاسِم يُرَاد بِهِ الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، وَلَئِن سلمنَا صِحَة رِوَايَة أبي ذَر فإطباق الْفُقَهَاء على أَنه إِذا أطلق يُرَاد بِهِ ابْن مُحَمَّد بن أبي بكر أرجح من كَلَام غَيرهم. قَوْله: أَن يمْضِي بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف من الْإِمْضَاء، هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: أَن يقْضِي. قَوْله: دون علم غَيره أَي: إِذا كَانَ وَحده عَالما بِهِ لَا غَيره. قَوْله: وَلَكِن فِيهِ تعرضاً بتَشْديد النُّون، وتعرضاً مَنْصُوب لِأَنَّهُ اسْم لَكِن، وَفِي بعض النّسخ بِالتَّخْفِيفِ فعلى هَذَا قَوْله: تعرض، بِالرَّفْع وارتفاعه على أَنه مُبْتَدأ، وَخَبره. قَوْله: فِيهِ، مقدما. قَوْله: وإيقاعاً نصب عطفا على: تعرضاً، وَقَالَ الْكرْمَانِي مَنْصُوب بِأَنَّهُ مفعول مَعَه وَالْعَامِل هَاهُنَا مَا يلْزم الظّرْف. قَوْله: وَقد كره النَّبِي الظَّن ... ذكره فِي معرض الِاسْتِدْلَال فِي نفي قَضَاء الْحَاكِم فِي أَمر بِعِلْمِهِ دون علم غَيره، لِأَن فِيهِ إِيقَاع نَفسه فِي الظَّن، وَالنَّبِيّ كره الظَّن، إِلَّا يرى أَنه قَالَ للرجلين اللَّذين مرا بِهِ وَصفِيَّة بنت حييّ زَوجته مَعَه: إِنَّمَا هَذِه صَفِيَّة على مَا يَأْتِي الْآن عقيب هَذَا الْأَثر، إِنَّمَا قَالَ ذَلِك خوفًا من وُقُوع الظَّن الْفَاسِد لَهما فِي قلبهما، لِأَن الشَّيْطَان

стр. 7368

يوسوس، فَقَالَ ذَلِك دفعا لذَلِك. ٧١٧١ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله، حدّثنا إبْراهِيمُ بنُ سَعْدٍ، عَن ابنِ شِهابٍ، عنْ عَلِيِّ بنِ حُسَيْنٍ أنَّ النبيَّ أتَتْهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُييَ فَلمَّا رَجَعَتِ انْطَلَقَ مَعَها فَمَرَّ بِهِ رَجُلانِ مِنَ الأنْصارِ فَدَعاهُما فَقَالَ: إنَّما هِي صَفِيَّةُ قَالَا: سُبْحانَ الله. قَالَ: إنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِي مِنِ ابنِ آدَمَ مَجْراى الدَّمِ ذكر هَذَا الحَدِيث بَيَانا لقَوْله فِي الْأَثر الْمَذْكُور: إِنَّمَا هَذِه صَفِيَّة أخرجه عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله الأويسي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن عَليّ بن حُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب، وَهُوَ الملقب بزين العابدين، وَهَذَا مُرْسل لِأَن عَليّ بن حُسَيْن تَابِعِيّ، وَلأَجل ذَلِك عقبه البُخَارِيّ بقوله: رَوَاهُ شُعَيْب ... إِلَى آخِره. قَوْله: أَتَتْهُ صَفِيَّة كَانَت أَتَتْهُ وَهُوَ معتكف فِي الْمَسْجِد وزارته، فَلَمَّا رجعت انْطلق النَّبِي مَعهَا. فِيهِ: زِيَارَة الْمَرْأَة زَوجهَا، وَجَوَاز حَدِيث الْمُعْتَكف مَعَ امْرَأَته وَخُرُوجه مَعهَا ليشيعها. قَوْله: فدعاهما أَي: طلبهما فَقَالَ: إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّة إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِئَلَّا يظنا ظنا فَاسِدا. قَوْله: قَالَا سُبْحَانَ الله تَعَجبا من قَول رَسُول الله فَقَالَ: إِن الشَّيْطَان يوسوس فَخفت أَن يُوقع فِي قلبكما، شَيْئا من الظنون الْفَاسِدَة فتأثمان بِهِ، فقلته دفعا لذَلِك. وَقَالَ الْخطابِيّ: وَقد بَلغنِي عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ فِي معنى هَذَا الحَدِيث: أشْفق عَلَيْهِمَا من الْكفْر لَو ظنا بِهِ ظن التُّهْمَة، فبادر لإعلامهما دفعا لوسواس الشَّيْطَان وَقيل: قَوْلهمَا: سُبْحَانَ الله، يبعده. رَواهُ شُعَيْبٌ وابنُ مُسافِرٍ وابنُ أبي عَتِيقٍ وإسْحاقُ بنُ يَحْياى عَن الزُّهْرِيِّ عنْ عَلِيَ، يَعْنِي: ابنَ حُسَيْنٍ، عنْ صَفِيَّةَ عنِ النبيِّ أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور شُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وَابْن مُسَافر هُوَ عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن مُسَافر الفهمي مولى اللَّيْث بن سعد، وَابْن أبي عَتيق هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِسْحَاق بن يحيى بن عَلْقَمَة الْكَلْبِيّ الْحِمصِي، كلهم رَوَوْهُ عَن ابْن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن عَليّ بن حُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَرِوَايَة شُعَيْب وَصلهَا البُخَارِيّ فِي الِاعْتِكَاف، وَرِوَايَة ابْن مُسَافر وَصلهَا أَيْضا فِي الصَّوْم وَفِي فرض الْخمس، وَرِوَايَة ابْن أبي عَتيق وَصلهَا البُخَارِيّ فِي الِاعْتِكَاف، وأوردها فِي الْأَدَب أَيْضا مقرونة بِرِوَايَة شُعَيْب. وَرِوَايَة إِسْحَاق بن يحيى وَصلهَا الذهلي فِي الزهريات ٢٢ - (بابُ أمْرِ الوَالِي إِذا وجَّهَ أمِيرَيْنِ إِلَى مَوْضِعٍ أنْ يتَطاوَعا وَلَا يَتَعاصيَا .) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر الْوَالِي إِلَى آخِره، قَوْله: أَن يتطاوعا، كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: تطاوعهما يَعْنِي: كل مِنْهُمَا يُطِيع الآخر وَلَا يُخَالِفهُ. قَوْله: وَلَا يتعاصيا أَي: لَا يظْهر أَحدهمَا الْعِصْيَان للْآخر لِأَنَّهُ مَتى وَقع الْخلاف بَينهمَا يفْسد الْحَال، ويروى: يتغاضبا، بالغين وَالضَّاد المعجمتين وبالباء الْمُوَحدَة، قيل: قد ذكر هذَيْن اللَّفْظَيْنِ من بَاب التفاعل، وَكَانَ الَّذِي يَنْبَغِي أَن يذكرهما من: بَاب المفاعلة، لِأَن بَاب التفاعل يكون بَين الْقَوْم على مَا عرف فِي مَوْضِعه. قلت: تبع لفظ الحَدِيث فَإِنَّهُ ذكر فِيهِ من بَاب التفاعل. ٧١٧٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّار، حدّثنا العَقَدِيُّ، حَدثنَا شُعْبَةُ، عنْ سَعِيدِ بنِ أبي بُرْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أبي قَالَ: بَعَثَ النبيُّ أبي ومُعاذَ بنَ جَبَلٍ إِلَى اليَمَنِ، فَقَالَ: يَسِّرا وَلَا تُعَسِّرا، وبَشِّرا وَلَا تُنَفِّرا، وتَطاوَعا فَقَالَ لهُ أبُو مُوساى: إنَّهُ يُصْنَعُ بِأرْضِنا البِتْعُ، فَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ

стр. 7369

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: وتطاوعا الْعَقدي هُوَ عبد الْملك بن عَمْرو بن قيس ونسبته إِلَى العقد بِفتْحَتَيْنِ وهم قوم من قيس وهم صنف من الأزد، وَسَعِيد بن أبي بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة عَامر بن عبد الله أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. والْحَدِيث مُرْسل لِأَن أَبَا بردة من التَّابِعين سمع أَبَاهُ وَجَمَاعَة آخَرين من الصَّحَابَة، كَانَ على قَضَاء الْكُوفَة فَعَزله الْحجَّاج وَجعل أَخَاهُ مَكَانَهُ، مَاتَ سنة أَربع وَمِائَة. والْحَدِيث مضى فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي فِي بعث أبي مُوسَى ومعاذ بن جبل إِلَى الْيمن قبل حجَّة الْوَدَاع فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من طرق وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: بعث النَّبِي، أبي الْقَائِل هُوَ أَبُو بردة، وَأَبوهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. قَوْله: يسرا وَلَا تعسرا أَي: خذا بِمَا فِيهِ الْيُسْر وَأَخذهمَا ذَلِك هُوَ عين تَركهمَا للعسر. قَوْله: وبشرا أَي: بِمَا فِيهِ تطييب للنفوس وَلَا تنفرا بِمَا لَا يقْصد إِلَى مَا فِيهِ الشدَّة. قَوْله: وتطاوعا أَي: تحابا فَإِنَّهُ مَتى وَقع الْخلاف وَقع التباغض. قَوْله: فَقَالَ لَهُ أَي: فَقَالَ للنَّبِي، إِنَّه يصنع بأرضنا البتع وَالدَّلِيل على أَن الْقَائِل للنَّبِي أَبُو مُوسَى مَا تقدم فِي آخر الْمَغَازِي الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن عَن أبي مُوسَى: أَن النَّبِي بَعثه إِلَى الْيمن فَسَأَلَهُ عَن أشربة تصنع بهَا، فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: البتع والمزر، والبتع بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبالعين الْمُهْملَة، وَقد فسره أَبُو بردة فِي الحَدِيث الَّذِي تقدم بِأَنَّهُ نَبِيذ الْعَسَل، والمزر بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الزَّاي وبالراء نَبِيذ الشّعير. قَوْله: فَقَالَ أَي: رَسُول الله كل مُسكر حرَام وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح فِيهِ رد على أبي حنيفَة وَمن وَافقه. قلت: هَذَا كَلَام سَاقِط سمج فَفِي أَي مَوضِع قَالَ أَبُو حنيفَة: إِن الْمُسكر لَيْسَ بِحرَام حَتَّى يشنع هَذَا التشنيع الْبَاطِل؟ . وَقَالَ النَّضْرُ وأبُو داوُدَ ويَزِيدُ بنُ هارُونَ ووَكِيعٌ: عنْ شُعْبَةَ عنْ سَعِيدٍ عنْ أبِيهِ عنْ جَدِّهِ عنِ النبيِّ أَشَارَ بِهَذَا التَّعْلِيق إِلَى أَن الحَدِيث السَّابِق قد رَفعه هَؤُلَاءِ المذكورون، وهم النَّضر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن شُمَيْل مصغر شَمل بالشين الْمُعْجَمَة ابْن حرشة أَبُو الْحسن الْمَازِني، مَاتَ أول سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ، وَأَبُو دَاوُد سُلَيْمَان بن دَاوُد الطَّيَالِسِيّ من رجال مُسلم، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن هَارُون الوَاسِطِيّ، ووكيع بن الْجراح الْكُوفِي أربعتهم رووا عَن شُعْبَة بن الْحجَّاج عَن سعيد بن أبي بردة عَن أَبِيه أبي بردة عَن جده أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن النَّبِي وَالضَّمِير فِي: جده، يرجع إِلَى سعيد، وَرِوَايَة النَّضر وَأبي دَاوُد ووكيع تقدّمت فِي أَوَاخِر الْمَغَازِي فِي: بَاب بعث أبي مُوسَى ومعاذ إِلَى الْيمن، وَرِوَايَة يزِيد بن هَارُون وَصلهَا أَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه وَفِيه تَقْدِيم أفاضل الصَّحَابَة على الْعَمَل واختصاص الْعلمَاء مِنْهُم، وَفِي التَّوْضِيح وَفِي الحَدِيث اشتراكهما فِي الْعَمَل فِي الْيمن، وَالْمَذْكُور فِي غَيره أَنه قدم كل وَاحِدَة مِنْهُمَا على مخلاف، والمخلاف الكورة، واليمن مخلافان. قلت: كَانَ عمل معَاذ النجُود وَمَا تَعَالَى من بِلَاد الْيمن، وَعمل أبي مُوسَى التهايم وَمَا انخفض مِنْهَا. ٢٣ - (بابُ إجابةَ الحاكِمِ الدَّعْوَةَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِجَابَة الْحَاكِم الدعْوَة بِفَتْح الدَّال وبالكسر فِي النّسَب، وَادّعى ابْن بطال الِاتِّفَاق على وجوب إِجَابَة دَعْوَة الْوَلِيمَة وَاخْتِلَافهمْ فِي غَيرهَا من الدَّعْوَات، ونظروا فِيهِ. وقَدْ أجابَ عُثْمانُ عَبْداً لِلْمُغِيرَةَ بنِ شُعْبَةَ. هَذَا يُوضح معنى التَّرْجَمَة، فَإِنَّهُ لم يذكر فِيهَا الحكم، وَإجَابَة عُثْمَان لعبد الْمُغيرَة دَلِيل الْوُجُوب، وَظَاهر الْأَمر أَيْضا فِي قَوْله، أجِيبُوا الدَّاعِي وَلَكِن لإِيجَاب الْإِجَابَة شَرَائِط مَذْكُورَة فِي الْفُرُوع الْفِقْهِيَّة، والأثر الْمَذْكُور وَصله أَبُو مُحَمَّد بن صاعد فِي فَوَائده بِسَنَد صَحِيح إِلَى أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ: أَن عُثْمَان بن عَفَّان أجَاب عبدا للْمُغِيرَة بن شُعْبَة دَعَاهُ وَهُوَ صَائِم، فَقَالَ: أردْت أَن أُجِيب الدَّاعِي، وأدعو بِالْبركَةِ. ٧١٧٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حدّثنا يَحْياى بنُ سَعيدٍ عنْ سُفْيانَ حدّثني مَنْصُورٌ عنْ أبي وائِلٍ

стр. 7370

عنْ أبي مُوساى عنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: فُكوا العانِي وأجيِبُوا الدَّاعِي مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى هُوَ الْقطَّان وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة. والْحَدِيث قد مضى فِي الْوَلِيمَة وَغَيرهَا بأتم من هَذَا. قَوْله: العاني أَي: الْأَسير فِي أَيدي الْكفَّار. قَوْله: الدَّاعِي أَي: إِلَى الطَّعَام. ٢٤ - (بابُ هَدايا العُمَّالِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْهَدَايَا الَّتِي تهدى إِلَى الْعمَّال، بِضَم الْعين وَتَشْديد الْمِيم جمع عَامل، وَهُوَ الَّذِي يتَوَلَّى أمرا من أُمُور الْمُسلمين، وروى أَحْمد من حَدِيث أبي حميد، رَفعه: هَدَايَا الْعمَّال غلُول، ويروى: هَدَايَا الْأُمَرَاء غلُول. ٧١٧٤ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله، حدّثنا سُفْيانُ، عنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ أخبرنَا أبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ النبيُّ رَجُلاً مِنْ بَنِي أسْدٍ يُقالُ لهُ ابنُ الأُتبِيَّةِ عَلى صَدَقَةٍ، فَلمَّا قَدِمَ قَالَ: هاذا لَكُمْ، وهاذا هُدِيَ لِي. فقامَ النبيُّ عَلى المِنْبَرِ، قَالَ سُفْيانُ أيْضاً: فَصَعِدَ المِنْبَرَ فَحَمِدَ الله وأثْناى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: مَا بالُ العامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَأتِي يَقُولُ: هاذا لَكَ وهاذا لِي؟ فَهَلَاّ جَلَسَ فِي بَيْتِ أبِيهِ وأُمِّهِ فَيَنْظُرُ أيُهْداى لهُ أمْ لَا؟ والّذِي نَفْسي بِيَدِهِ لَا يَأتِي بِشَيْءٍ إلاّ جاءَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ يَحْمِلُهُ عَلى رَقَبَتِهِ، إنْ كَانَ بَعِيراً لهُ رُغاءٌ، أوْ بَقَرَةً لَها خُوارٌ، أوْ شَاة تَيْعَرُ ثمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رأيْنا عُفرَةَ إبْطَيْهِ: أَلا هَلْ بَلَّغْتُ ثَلاثاً مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَأَبُو حميد اسْمه عبد الرحمان، وَقيل: الْمُنْذر. وَقد مضى فِي الزَّكَاة عَن يُوسُف بن مُوسَى، وَفِي الْجُمُعَة وَالنُّذُور عَن أبي الْيَمَان، وَفِي الْهِبَة عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَفِي ترك الْحِيَل عَن عبيد بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن أبي الطَّاهِر وَغَيره. قَوْله: من بني أَسد قيل: وَقع هُنَا بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة، وَوَقع فِي الْهِبَة من بني الأزد، وَالسِّين تقلب زاياً، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: من بني الْأسد، بِالْألف وَاللَّام. قَوْله: ابْن الأتبية بِضَم الْهمزَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَيُقَال: اللتبية، بِضَم اللَّام وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق وَبِفَتْحِهَا وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، وَوَقع لمُسلم بِاللَّامِ وَهِي اسْم أمه، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: بَنو لتب بطن من الْعَرَب مِنْهُم ابْن اللتبية رجل من الأزد وَيُقَال فِيهِ الْأسد بِالسِّين، واسْمه: دراء، على وزن فعال. قَوْله: قَالَ سُفْيَان أَيْضا أَي قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة تَارَة، قَامَ، وَتارَة: صعد. قَوْله: إِن كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاء أَي: إِن كَانَ الَّذِي غله بَعِيرًا، الْبَعِير يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى من الْإِبِل وَيجمع على أَبْعِرَة وبعران، والرغاء بِضَم الرَّاء وَتَخْفِيف الْغَيْن الْمُعْجَمَة مَعَ الْمَدّ وَهُوَ صَوت الْبَعِير، والخوار بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْوَاو صَوت الْبَقَرَة، ويروى: جؤار بِالْجِيم والهمزة من يجأرون كصوت الْبَقَرَة وَسَيَأْتِي هَذَا. قَوْله: أَو شَاة تَيْعر بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبفتح الْعين الْمُهْملَة وَيجوز كسرهَا، وَوَقع عِنْد ابْن التِّين: أَو شَاة لَهَا يعار، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف الْعين الْمُهْملَة وَهُوَ صَوت الشَّاة الشَّديد، قَالَه الْقَزاز، وَقَالَ غَيره: بِضَم أَوله صَوت الْمعز، يعرت العنز تَيْعر بِالْفَتْح وَالْكَسْر تعار إِذا صاحت. قَوْله: عفرَة إبطَيْهِ بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْفَاء وبالراء: الْبيَاض المخالط للحمرة وَنَحْوه، ويروى عفرتي إبطَيْهِ. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عفر إبطَيْهِ بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْفَاء، ويروى بِفَتْح الْفَاء أَيْضا بِلَا هَاء. قَوْله: أَلا بِالتَّخْفِيفِ وَبَلغت بِالتَّشْدِيدِ. قَوْله: ثَلَاثًا أَي: قَالَهَا ثَلَاث مَرَّات، وَفِي الْهِبَة: اللَّهُمَّ هَل بلغت؟ ثَلَاثًا. وَفِي رِوَايَة مُسلم: هَل بلغت، مرَّتَيْنِ وَالْمعْنَى: بلغت حكم الله إِلَيْكُم امتثالاً لقَوْله تَعَالَى: ﴿يَ اأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾

стр. 7371

قَالَ سفيْانُ: قَصَّهُ عَليْنا الزُّهْرِيُّ، وزادَ هِشامٌ عنْ أبِيهِ عنْ أبي حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعَ أُذنايَ وأبْصَرَتْهُ عَيْنِي، وسَلُوا زَيْدَ بنَ ثابِتٍ، فإنّهُ سَمِعَهُ مَعِي ولَمْ يَقُلِ الزُّهْرِيُّ. . سَمِعَ أُذُنِي. سُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة. قَوْله: وَزَاد هِشَام عَن أَبِيه أَي: عُرْوَة هُوَ أَيْضا من مقول سُفْيَان، وَلَيْسَ تَعْلِيقا من البُخَارِيّ. قَوْله: سمع أذناي بالتثنية ويروى بِالْإِفْرَادِ، وَسمع بِصِيغَة الْمَاضِي، وَقَالَ عِيَاض: بِسُكُون الصَّاد وَالْمِيم وَفتح الرَّاء وَالْعين للْأَكْثَر وَفِي رِوَايَة لمُسلم: بصر وَسمع بِالسُّكُونِ فيهمَا. والتثنية فِي أُذُنِي وعيني، وَفِي رِوَايَة لَهُ: بصر عَيْنَايَ وَسمع أذناي، وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة: بصر عينا أبي حميد وَسمع أذنَاهُ. فِي رِوَايَة لمُسلم عَن عُرْوَة: قلت لأبي حميد: أسمعته من رَسُول الله؟ قَالَ: من فِيهِ إِلَى أُذُنِي. قَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ أنني أعلمهُ علما يَقِينا لَا أَشك فِي علمي بِهِ. قَوْله: وسلوا أَي: اسألوا. قَوْله: فَإِنَّهُ أَي: فَإِن زيد بن ثَابت سَمعه معي وَفِي رِوَايَة الْحميدِي: فَإِنَّهُ كَانَ حَاضرا معي. قَوْله: وَلم يقل الزُّهْرِيّ: سمع أُذُنِي هُوَ أَيْضا من مقول سُفْيَان. خُوارٌ صَوْتٌ والجُؤَارُ مِنْ تَجْأرُونَ كَصَوْتِ البَقَرَةِ. هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ وَقع هُنَا فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني. قَوْله: خوار بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفَسرهُ بقوله: صَوت. قَوْله: والجؤار بِضَم الْجِيم وبالهمزة، وَأَشَارَ بقوله: من تجأرون إِلَى مَا فِي سُورَة قد أُفلح ﴿حَتَّى إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْئَرُونَ﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَي: يرفعون أَصْوَاتهم كَمَا يجأر الثور، وَالْحَاصِل أَنه بِالْجِيم وبالخاء الْمُعْجَمَة بِمَعْنى، إلَاّ أَنه بِالْخَاءِ للبقر وَغَيرهَا من الْحَيَوَان، وبالجيم للبقر وَالنَّاس. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ﴾ وَفِيه: أَن مَا أهدي إِلَى الْعمَّال وخدمة السُّلْطَان بِسَبَب السلطة أَنه لبيت المَال، إلَاّ أَن الإِمَام إِذا أَبَاحَ لَهُ قبُول الْهَدِيَّة لنَفسِهِ فَهُوَ يطيب لَهُ، كَمَا قَالَ، لِمعَاذ حِين بَعثه إِلَى الْيمن: قد علمت الَّذِي دَار عَلَيْك فِي مَالك، وَإِنِّي قد طيبت لَك الْهَدِيَّة، فقبلها معَاذ وأتى بِمَا أهدي إِلَيْهِ رَسُول الله فَوَجَدَهُ قد توفّي، فَأخْبر بذلك الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأَجَازَهُ، ذكره ابْن بطال. وَقَالَ ابْن التِّين: هَدَايَا الْعمَّال رشوة وَلَيْسَت بهدية إِذْ لَوْلَا الْعَمَل لم يهد لَهُ، كَمَا نبه عَلَيْهِ الشَّارِع، وهدية القَاضِي سحت وَلَا تملك. ٢٥ - (بابُ اسْتِقْضاءِ المَوالِي واسْتِعمْالِهِمْ) أَي: هَذَا بَاب استقضاء الموَالِي أَي: توليتهم الْقَضَاء واستعمالهم أَي: على إمرة الْبِلَاد حَربًا أَو خراجاً أَو صَلَاة، وَالْمرَاد بِالْمَوَالِي العتقاء وَالْأَصْل فِي هَذَا الْبَاب مَا ذكره الله فِي كِتَابه الْكَرِيم ﴿ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُو اْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ وَقد قدم الشَّارِع فِي الْعَمَل وَالصَّلَاة والسعاية الْمَفْضُول مَعَ وجود الْفَاضِل توسعة مِنْهُ على النَّاس ورفقاً بهم. ٧١٧٥ - حدّثنا عُثْمانُ بنُ صالحٍ، حدّثنا عبْدُ الله بنُ وهْب أَخْبرنِي ابنُ جُرَيْجٍ أنَّ نافِعاً أخْبَرَهُ أنَّ ابنَ عُمَرَ، ﵄، أخْبَرَهُ قَالَ: كانَ سالِمٌ مَوْلَى أبي حُذَيْفَةَ يَؤُمُ المُهاجِرِينَ الأوَّلِين وأصْحابَ النبيِّ فِي مَسْجِدِ قُباءٍ، فِيهِمْ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وأبُو سَلَمَةَ وزَيْدٌ وعامِرُ بنُ رَبِيعَةَ. انْظُر الحَدِيث ٦٩٢ مطابقته للتَّرْجَمَة وَهُوَ أَن سالما تقدم وَهُوَ مولى على من ذكر من الْأَحْرَار ظَاهِرَة. وَعُثْمَان بن صَالح السَّهْمِي الْمصْرِيّ. وَابْن جريج عبد الْملك والْحَدِيث من أَفْرَاده، وَسَالم مولى أبي حُذَيْفَة قَالَ أَبُو عمر: سَالم بن معقل، بِفَتْح الْمِيم وَكسر الْقَاف مولى أبي حُذَيْفَة بن عتبَة من أهل فَارس من اصطخر، وَقيل: إِنَّه من الْعَجم وَكَانَ من فضلاء الموَالِي وَمن خِيَار الصَّحَابَة وكبارهم، ويعد فِي الْقُرَّاء. وَكَانَ عبدا لبثينة بنت يعار زوج أبي حُذَيْفَة فأعتقته سائبة فَانْقَطع إِلَى أبي حُذَيْفَة فَتَبَنَّاهُ وزوجه من بنت أُخْته فَاطِمَة بنت الْوَلِيد بن عتبَة. قَوْله: يؤم الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين هم الَّذين صلوا إِلَى الْقبْلَتَيْنِ، وَفِي الْكَشَّاف هم الَّذين شهدُوا بَدْرًا. قَوْله: قبَاء ممدوداً وَغير مَمْدُود منصرفاً وَغير منصرف. قَوْله: وَأَبُو سَلمَة بن عبد الْأسد المَخْزُومِي زوج

стр. 7372

أم سَلمَة قبل النَّبِي أم الْمُؤمنِينَ، وَزيد بن حَارِثَة، كَذَا قَالَه بَعضهم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: زيد بن الْخطاب الْعَدوي من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين شهد الْمشَاهد كلهَا، وَالظَّاهِر أَن الصَّوَاب مَعَه، وعامر بن ربيعَة الْعَنزي بالنُّون وَالزَّاي أسلم قَدِيما وَشهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا وَمَات سنة ثَلَاث، وَقيل: خمس وَثَلَاثِينَ. فَإِن قلت: عد أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي هَؤُلَاءِ مُشكل جدا لِأَنَّهُ إِنَّمَا هَاجر فِي صُحْبَة النَّبِي قلت: لَا إِشْكَال إلَاّ على قَول ابْن عمر: إِن ذَلِك كَانَ قبل مقدم النَّبِي وَأجَاب الْبَيْهَقِيّ بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون سَالم اسْتمرّ يؤمهم بعد أَن تحول النَّبِي إِلَى الْمَدِينَة وَنزل بدار أبي أَيُّوب قبل بِنَاء مَسْجده بهَا فَيحْتَمل أَن يُقَال: وَكَانَ أَبُو بكر يُصَلِّي خَلفه إِذا جَاءَهُ إِلَى قبَاء. ٢٦ - (بابُ العُرَفاءِ لِلنَّاسِ) أَي: هَذَا بَاب فِي أَمر العرفاء وَهُوَ جمع عريف وَهُوَ الْقَائِم بِأَمْر طَائِفَة من النَّاس وَفِي التَّوْضِيح اتِّخَاذ العرفاء النظار سنة لِأَن الإِمَام لَا يُمكنهُ أَن يُبَاشر بِنَفسِهِ جَمِيع الْأُمُور فَلَا بُد من قوم يختارهم لعونه وكفايته. ٧١٧٦ -، ٧١٧٧ حدّثنا إسْماعِيلُ بنُ أبي أوَيْسِ، حدّثني إسْماعيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ عنْ عَمِّهِ مُوسَى بنِ عُقْبَة، قَالَ ابنُ شِهابٍ: حدّثني عرْوَةُ بنُ الزبَيْرِ أنَّ مَرْوانَ بنَ الحَكَمِ والمِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَة أخبراهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ حِينَ أذِنَ لَهُمُ المُسْلِمُونَ فِي عِتْقِ سَبْيَ هَوَازِنَ، فَقَالَ: إنِّي لَا أدْرِي مَنْ أذِنَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يأذَنْ، فارْجِعُوا حتَّى يَرْفَعَ إلَيْنا عُرَفاؤكُمْ أمْرَكُمْ فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفاؤهُمْ فَرَجَعُوا إِلَى رسولِ الله فأخْبَرُوهُ أنَّ الناسَ قَدْ طَيَّبُوا وأذِنُوا. مَا مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن عقبَة بن أبي عَيَّاش يروي عَن عَمه مُوسَى بن عقبَة. وَرِجَال هَذَا الحَدِيث كلهم مدنيون، والمسور بِكَسْر الْمِيم ابْن مخرمَة بِفَتْح الميمين وبالخاء الْمُعْجَمَة. والْحَدِيث مضى فِي غَزْوَة حنين. قَوْله: حِين أذن لَهُم الْمُسلمُونَ أَي: النَّبِي وَمن تبعه، أَو من أَقَامَهُ فِي ذَلِك، ويروى: حِين أذن لَهُ بِالْإِفْرَادِ، وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ. قَوْله: هوَازن قَبيلَة. قَوْله: من أذن مِنْكُم مِمَّن لم يَأْذَن كَذَا فِي رِوَايَة غير الْكشميهني، وَكَذَا للنسائي، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: من أذن فِيكُم. قَوْله: قد طيبُوا أَي: تركُوا السبايا بِطيب أنفسهم وأذنوا فِي إعتاقهم وإطلاقهم. ٢٧ - (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ ثَناءِ السُّلْطانِ، وإذَا خَرَجَ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يكره من ثَنَاء السُّلْطَان أَي: من ثَنَاء النَّاس على السُّلْطَان، وَالْإِضَافَة فِيهِ إِضَافَة إِلَى الْمَفْعُول أَي: الثَّنَاء بِحَضْرَتِهِ بِقَرِينَة قَوْله: وَإِذا خرج، يَعْنِي: من عِنْده، قَالَ غير ذَلِك، أَي: غير الثَّنَاء بالمدح وَغَيره الهجو والخوض فِيهِ بِذكر مساويه. ٧١٧٨ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ، حَدثنَا عاصِمُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ زَيْدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ، عنْ أبِيهِ قَالَ أُناسٌ لابنِ عُمرَ: إنّا نَدْخُلُ عَلى سُلْطاننا فَنَقُولُ لَهُمْ خِلَافَ مَا نَتَكَلَّمُ إذَا خَرَجْنا مِنْ عِنْدِهمْ. قَالَ: كُنَّا نَعُدُّهُ نِفاقاً. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن. قَوْله: قَالَ أنَاس سمى مِنْهُم عُرْوَة بن الزبير وَمُجاهد وَأَبُو إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ، وَوَقع عِنْد الْحسن بن سُفْيَان من طَرِيق معَاذ عَن عَاصِم عَن أَبِيه: دخل رجل على ابْن عمر. أخرجه أَبُو نعيم من طَرِيقه قَوْله: على سلطاننا وَفِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيّ عَن عَاصِم: سلاطيننا، بِصِيغَة الْجمع. قَوْله: فَنَقُول لَهُم أَي: نثني عَلَيْهِم، وَفِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيّ:

стр. 7373

فنتكلم بَين أَيْديهم بِشَيْء، وَفِي رِوَايَة عُرْوَة بن الزبير عِنْد الْحَارِث بن أبي أُسَامَة قَالَ: أتيت ابْن عمر فَقلت: إِنَّا نجلس إِلَى أَئِمَّتنَا هَؤُلَاءِ فيتكلمون بِشَيْء نعلم أَن الْحق غَيره، فنصدقهم فَقَالَ: كُنَّا نعد هَذَا نفَاقًا، فَلَا أَدْرِي كَيفَ هُوَ عنْدكُمْ؟ قَوْله: كُنَّا نعده من الْعد هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَله عَن الْكشميهني، كُنَّا نعد هَذَا، وَعند ابْن بطال: كُنَّا نعد ذَلِك بدل هَذَا. قَوْله: نفَاقًا لِأَنَّهُ إبطان أَمر وَإِظْهَار أَمر آخر وَلَا يُرَاد بِهِ أَنه كفر بل إِنَّه كالكفر، وَلَا يَنْبَغِي لمُؤْمِن أَن يثني على سُلْطَان أَو غَيره فِي وَجهه وَهُوَ عِنْده مُسْتَحقّ للذم، وَلَا يَقُول بِحَضْرَتِهِ خلاف مَا يَقُوله إِذا خرج من عِنْده لِأَن ذَلِك نفاق، كَمَا قَالَ ابْن عمر وَقَالَ فِيهِ، شَرّ النَّاس ذُو الْوَجْهَيْنِ ... الحَدِيث لِأَن يظْهر لأهل الْبَاطِل الرِّضَا عَنْهُم وَيظْهر لأهل الْحق مثل ذَلِك ليرضى كل فريق مِنْهُم وَيُرِيد أَنه مِنْهُم، وَهَذِه الْمذَاهب مُحرمَة على الْمُؤمنِينَ. فَإِن قلت: هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي يَأْتِي الْآن يعارضان قَوْله، للَّذي اسْتَأْذن عَلَيْهِ: بئس ابْن الْعشْرَة، ثمَّ تَلقاهُ بِوَجْه طلق وترحيب؟ قلت: لَا يُعَارضهُ لِأَنَّهُ لم يقل خلاف مَا قَالَه عَنهُ، بل أبقاه على التجريح عِنْد السَّامع، ثمَّ تفضل عَلَيْهِ بِحسن اللِّقَاء والترحيب لما كَانَ يلْزمه، من الاستئلاف، وَكَانَ يلْزمه التَّعْرِيف لخاصته بِأَهْل التَّخْلِيط والتهمة بالنفاق. ٧١٧٩ - حدّثنا قُتَيْبَةُ، حَدثنَا اللَّيْثُ، عنْ يَزِيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ، عنْ عِراكٍ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ إنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الوَجْهَيْنِ، الّذِي يأتِي هاؤلاءِ بِوَجْهٍ وهاؤلاءِ بِوَجْهٍ انْظُر الحَدِيث ٣٤٩٤ وطرفه مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن ذَا الْوَجْهَيْنِ أَيْضا يثني على قوم ثمَّ يَأْتِي إِلَى قوم آخر فيتكلم بِخِلَافِهِ. وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن حبيب الْمصْرِيّ من صغَار التَّابِعين، وعراك بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء وبالكاف ابْن مَالك الْغِفَارِيّ الْمدنِي. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَدَب عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح كِلَاهُمَا عَن اللَّيْث. قَوْله: ذُو الْوَجْهَيْنِ لَيْسَ المُرَاد مِنْهُ حَقِيقَة الْوَجْه بل هُوَ مجَاز عَن الْجِهَتَيْنِ مثل المدحة والمذمة، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَءَامَنُواْ قَالُو اءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُو اْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ أَي: شَرّ النَّاس المُنَافِقُونَ. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: هَذَا عَام لكل نفاق سَوَاء كَانَ كفرا أم لَا، فَكيف يكون سَوَاء فِي الْقسم الثَّانِي؟ . قلت: هُوَ للتغليظ وللمستحل أَو المُرَاد شَرّ النَّاس عِنْد النَّاس لِأَن من اشْتهر بذلك لَا يُحِبهُ أحد من الطَّائِفَتَيْنِ. ٢٨ - (بابُ القَضاءِ عَلى الغائِبِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْقَضَاء أَي: الحكم على الْغَائِب أَي: فِي حُقُوق الْآدَمِيّين دون حُقُوق الله بالِاتِّفَاقِ حَتَّى لَو قَامَت الْبَيِّنَة على غَائِب بِسَرِقَة مثلا حكم بِالْمَالِ دون الْقطع، وَقَالَ ابْن بطال: أجَاز مَالك وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو عبيد وَالْجَمَاعَة الحكم على الْغَائِب، وَاسْتثنى ابْن الْقَاسِم عَن مَالك مَا يكون للْغَائِب فِيهِ حجج كالأرض وَالْعَقار إلَاّ إِن طَالَتْ غيبته أَو انْقَطع خَبره، وَأنكر ابْن الْمَاجشون صِحَة ذَلِك عَن مَالك، وَقَالَ: الْعَمَل بِالْمَدِينَةِ على الْغَائِب، مُطلقًا حَتَّى لَو غَابَ بعد أَن يتَوَجَّه عَلَيْهِ الحكم قضى عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْن أبي ليلى وَأَبُو حنيفَة: لَا يقْضِي على الْغَائِب مُطلقًا، وَأما من هرب أَو استتر بعد إِقَامَة الْبَيِّنَة فينادي القَاضِي عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِن جَاءَ وإلَاّ أنفذ الحكم عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن قدامَة: أجَازه أَيْضا ابْن شبْرمَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد، وَمنعه أَيْضا الشّعبِيّ وَالثَّوْري، وَهِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى عَن أَحْمد. ٧١٨٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ، أخبرنَا سُفْيانُ، عنْ هِشامٍ، عنْ أبِيهِ، عنْ عائِشَةَ، ﵂، أنَّ هِنْدَ قالَتْ لِلنبيِّ إنَّ أَبَا سُفْيان رجُلٌ شَحِيحٌ فأحْتاجُ أنْ آخُذَ مِنْ مالِهِ قَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وولَدَكِ بالمَعْرُوفِ.

стр. 7374

لَا مُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة وَحَدِيث الْبَاب لِأَنَّهُ لَا حكم فِيهِ على الْغَائِب، لِأَن أَبَا سُفْيَان كَانَ حَاضرا فِي الْبَلَد، وَأَيْضًا، فَإِن الحَدِيث استفتاء وَجَوَاب وَلَيْسَ بِحكم، لِأَن الحكم لَهُ شُرُوط. واحتجاج الشَّافِعِي وَمن تبعه بِهَذَا الحَدِيث على جَوَاز الْقَضَاء على الْغَائِب غير موجه أصلا على مَا لَا يخفى. وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح وَقد تنَاقض الْكُوفِيُّونَ فِي ذَلِك فَقَالُوا: لَو ادّعى رجل عِنْد حَاكم أَن لَهُ على غَائِب حقّاً، وَجَاء رجل فَقَالَ: إِنَّه كفيله واعتف لَهُ الرجل بِأَنَّهُ كفيله إلَّا أَنه قَالَ: لَا شَيْء لَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يحكم على الْغَائِب وَيَأْخُذ الْحق من الْكَفِيل، وَكَذَلِكَ إِذا قَامَت وَطلبت النَّفَقَة من مَال زَوجهَا فَإِنَّهُ يحكم لَهَا عَلَيْهِ بهَا عِنْدهم. انْتهى. قلت: سُبْحَانَ الله كَيفَ يَقُول صَاحب التَّوْضِيح قَالَ أَبُو حنيفَة يحكم على الْغَائِب وَيَأْخُذ الْحق من الْكَفِيل، وَأَبُو حنيفَة لم يحكم على الْغَائِب، وَإِنَّمَا حكم على الْكَفِيل وَهُوَ حَاضر، وَفِي ضمن هَذَا يَقع على الْغَائِب والضمنيات لَا تعلل، وَأَيْضًا إِنْكَار الْمُدعى عَلَيْهِ شَرط جَوَاز الْقَضَاء بِالْبَيِّنَةِ ليَقَع قَاطعا للخصومة، وَلم يُوجد الْإِنْكَار فَلَا يجوز إلَاّ أَن يحضر من يقوم مقَامه كالكفيل وَالْوَكِيل وَالْوَصِيّ، وَكَذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة لَا يحكم القَاضِي على الْغَائِب بل يفْرض فِي مَاله الْمُودع عِنْد أحد أَو الدّين أَو الْمُضَاربَة، وَلَكِن بِشُرُوط وَهِي: أَن يعلم القَاضِي بذلك المَال وبالنكاح أَو باعتراف من كَانَ المَال فِي يَده بِالْمَالِ وَالنِّكَاح، وبتحليفه إِيَّاهَا على عدم النَّفَقَة وَأخذ الْكَفِيل مِنْهَا. وَشَيخ البُخَارِيّ مُحَمَّد بن كثير ضد الْقَلِيل وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة. والْحَدِيث قد مضى عَن قريب فِي: بَاب من رأى للْقَاضِي أَن يحكم بِعِلْمِهِ. ٢٩ - (بابُ مَنْ قُضِيَ لهُ بِحَقِّ أخيهِ فَلا يأخُذْهُ، فَإِن قَضاءَ الحاكِمِ لَا يُحِلُّ حَراماً وَلَا يُحَرِّمُ حَلالاً) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ من قضى لَهُ على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: بِحَق أَخِيه إِنَّمَا ذكر بالأخوة بِاعْتِبَار الجنسية لِأَن المُرَاد خَصمه وَهُوَ أَعم من أَن يكون مُسلما أَو ذِمِّيا أَو معاهداً أَو مُرْتَدا، لِأَن الحكم فِي الْكل سَوَاء، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون هَذَا من بَاب التهييج وَعبر بقوله بِحَق أَخِيه، مُرَاعَاة للفظ الْخَبَر الَّذِي تقدم فِي ترك الْحِيَل من طَرِيق الثَّوْريّ عَن هِشَام بن عُرْوَة. قَوْله: فَإِن قَضَاء الْحَاكِم إِلَى آخِره، هَذَا الْكَلَام من كَلَام الشَّافِعِي فَإِنَّهُ لما ذكر هَذَا الحَدِيث قَالَ: فِيهِ دلَالَة على أَن الْأمة إِنَّمَا كلفوا الْقَضَاء على الظَّاهِر، وَفِيه أَن قَضَاء القَاضِي لَا يحرم حَلَالا وَلَا يحل حَرَامًا. وتحرير هَذَا الْكَلَام أَن مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد وَأبي ثَوْر وَدَاوُد وَسَائِر الظَّاهِرِيَّة: أَن كل قَضَاء قضى بِهِ الْحَاكِم من تمْلِيك مَال أَو إِزَالَة ملك أَو إِثْبَات نِكَاح أَو من حلّه بِطَلَاق أَو بِمَا أشبه ذَلِك، أَن ذَلِك كُله على حكم الْبَاطِن، فَإِن كَانَ ذَلِك فِي الْبَاطِن كَهُوَ فِي الظَّاهِر، وَجب ذَلِك على مَا حكم بِهِ، وَإِن كَانَ ذَلِك فِي الْبَاطِن على خلاف مَا شهد بِهِ الشَّاهِد أَن على خلاف مَا حكم بِهِ بِشَهَادَتِهِمَا على الحكم الظَّاهِر لم يكن قَضَاء القَاضِي مُوجبا شَيْئا من تمْلِيك وَلَا تَحْرِيم وَلَا تَحْلِيل، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَأبي يُوسُف أَيْضا. وَقَالَ ابْن حزم: لَا يحل مَا كَانَ حَرَامًا قبل قَضَائِهِ، وَلَا يحرم مَا كَانَ حَلَالا قبل قَضَائِهِ، إِنَّمَا القَاضِي منفذ على الْمُمْتَنع فَقَط لَا مزية لَهُ سوى هَذَا، وَقَالَ الشّعبِيّ وَأَبُو حنيفَة وَمُحَمّد: مَا كَانَ من تمْلِيك مَال فَهُوَ على حكم الْبَاطِن، وَمَا كَانَ من ذَلِك من قَضَاء بِطَلَاق أَو نِكَاح بِشُهُود ظَاهِرهمْ الْعَدَالَة وَبَاطِنهمْ الْجراحَة فَحكم الْحَاكِم بِشَهَادَتِهِم على ظَاهِرهمْ الَّذِي تعبد الله أَن يحكم بِشَهَادَة مثلهم مَعَه، فَذَلِك يجزيهم فِي الْبَاطِن لكفايته فِي الظَّاهِر. ٧١٨١ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله، حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ، عنْ صالِحٍ، عنْ ابنِ شهابٍ قَالَ: أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ أبي سَلَمَةَ أخْبَرَتْهُ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النبيِّ أخْبَرَتْها عنْ رسولِ الله أنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبابِ حُجْرَتِهِ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ

стр. 7375

فَقَالَ: إنّما أَنا بَشَرٌ، وإنَّهُ يَأتِينِي الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أنْ يَكُونَ أبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فأحْسِبُ أنَّهُ صادِقٌ فأقْضِيَ لهُ بِذالِكَ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فإنَّما هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلَيأْخُذْها أوْ لِيَتْرُكْها مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: فاقضي لَهُ بذلك إِلَى آخر الحَدِيث. وَإِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَهِيمُ بن عبد الرحمان بن عَوْف، وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان. والْحَدِيث قد مضى فِي الْمَظَالِم عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله أَيْضا وَفِي الشَّهَادَات وَفِي الْأَحْكَام عَن القعْنبِي وَفِي الْأَحْكَام أَيْضا عَن أبي الْيَمَان وَفِي ترك الْحِيَل عَن مُحَمَّد بن كثير، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. وَفِي رِوَايَة شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ: جلبة، بِفَتْح الْجِيم وَاللَّام وَهُوَ اخْتِلَاط الْأَصْوَات، وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: جلبة خصام عِنْد بَابه، وَالْخِصَام جمع خصيم كالكرام جمع كريم، وَفِي رِوَايَة مُسلم: جلبة خصم، وَله فِي رِوَايَة من طَرِيق معمر عَن هِشَام: لجبة بِتَقْدِيم اللَّام على الْجِيم، وَهِي لُغَة فِي جلبة وَلم يعين أَصْحَاب الجلبة، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: أَتَى رَسُول الله رجلَانِ يختصمان، وَأما الْخُصُومَة فَفِي رِوَايَة عبد الله بن رَافع: أَنَّهَا كَانَت فِي مَوَارِيث لَهما، وروى الطَّحَاوِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى عبد الله بن رَافع مولى أم سَلمَة عَن أم سَلمَة قَالَت: جَاءَ رجلَانِ من الْأَنْصَار يختصمان إِلَى رَسُول الله فَقَالَ: إِنَّمَا أَنا بشر ... الحَدِيث. قَوْله: بِبَاب حجرته وَفِي رِوَايَة مُسلم: عِنْد بَابه، والحجرة هِيَ منزل أم سَلمَة، وَكَانَت الْخُصُومَة فِي مَوَارِيث وَأَشْيَاء بَينهمَا قد درست وَلَيْسَت لَهما بَيِّنَة، فَقَالَ رَسُول الله وَفِي رِوَايَة مُسلم فِي رِوَايَة معمر: بِبَاب أم سَلمَة. قَوْله: إِنَّمَا أَنا بشر الْبشر يُطلق على الْجَمَاعَة الْوَاحِد يَعْنِي: أَنه مِنْهُم، وَالْمرَاد أَنه مشارك للبشر فِي أصل الْخلقَة وَلَو زَاد عَلَيْهِم بالمزايا الَّتِي اخْتصَّ بهَا فِي ذَاته وَصِفَاته، وَقد ذكرت فِي شرح مَعَاني الْآثَار وَفِي قَوْله: إِنَّمَا أَنا بشر أَي: من الْبشر وَلَا أَدْرِي بَاطِن مَا يتحاكمون فِيهِ عِنْدِي ويختصمون فِيهِ لدي، وَإِنَّمَا أَقْْضِي بَيْنكُم على ظَاهر مَا تَقولُونَ، فَإِذا كَانَ الْأَنْبِيَاء، ﵈، لَا يعلمُونَ ذَلِك فَغير جَائِز أَن تصح دَعْوَة غَيرهم من كَاهِن أَو منجم الْعلم، وَإِنَّمَا يعلم الْأَنْبِيَاء من الْغَيْب مَا أعلمُوا بِهِ بِوَجْه من الْوَحْي. قَوْله: فَلَعَلَّ اسْتعْمل اسْتِعْمَال: عَسى، وَبَينهمَا مُعَاوضَة. قَوْله: أبلغ من بعض أَي: أفْصح فِي كَلَامه وأقدر على إِظْهَار حجَّته، وَفِي رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْريّ فِي ترك الْحِيَل: لَعَلَّ بَعْضكُم أَن يكون أَلحن بحجته من بعض قَوْله: فأحسب أَنه صَادِق هَذَا يُؤذن أَن فِي الْكَلَام حذفا تَقْدِيره: هُوَ فِي الْبَاطِن كَاذِب، وَفِي رِوَايَة معمر: فأظنه صَادِقا. قَوْله: فأقضي لَهُ بذلك أَي: أحكم لَهُ بِمَا يذكرهُ بظني أَنه صَادِق، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد من طَرِيق الثَّوْريّ: فأقضي لَهُ عَلَيْهِ على نَحْو مَا أسمع وَفِي رِوَايَة عبد الله بن رَافع: إِنِّي إِنَّمَا أَقْْضِي بَيْنكُم برأيي فِيمَا لم ينزل عليّ فِيهِ. قَوْله: فَمن قضيت لَهُ بِحَق مُسلم وَفِي رِوَايَة مَالك وَمعمر: فَمن قضيت لَهُ بِشَيْء من حق أَخِيه، وَفِي رِوَايَة الثَّوْريّ: فَمن قضيت لَهُ من أَخِيه شَيْئا، وَكَأَنَّهُ ضمن: قضيت معنى: أَعْطَيْت، وَعند أبي دَاوُد عَن مُحَمَّد بن كثير شيخ البُخَارِيّ فِيهِ: فَمن قضيت لَهُ من حق أَخِيه بِشَيْء فَلَا يَأْخُذهُ. قَوْله: فَإِنَّمَا هِيَ الضَّمِير للحكومة الَّتِي تقع بَيْنكُم على هَذَا الْوَجْه يَعْنِي بِحَسب الظَّاهِر. قَوْله: قِطْعَة من النَّار تَمْثِيل يفهم مِنْهُ شدَّة التعذيب، وَهُوَ من مجَاز التَّشْبِيه كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ قَوْله: قَوْله: فليأخذها أَو ليتركها وَفِي رِوَايَة يُونُس: فليحملها أَو ليذرها. وَزَاد عبد الله بن رَافع فِي آخر الحَدِيث فِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ بعد أَن قَالَ: فليأخذها أَو لِيَدَعْهَا، فَبكى الرّجلَانِ. وَقَالَ كل وَاحِد مِنْهُمَا حَقي لأخي الآخر. فَقَالَ رَسُول الله أما إِذا فعلتما هَذَا فاذهبا فاقتسما وتوخيا الْحق. ثمَّ أستهما، ثمَّ ليحلل كل وَاحِد مِنْكُمَا صَاحبه. قَوْله: توخيا الْحق، أَي: تحرياه. قَوْله: ثمَّ اسْتهمَا أَي: ثمَّ اقترعا. فَإِن قلت: مَا معنى: أَو، هُنَا. قلت: التَّخْيِير على سَبِيل التهديد إِذْ مَعْلُوم أَن الْعَاقِل لَا يخْتَار أَخذ النَّار الَّتِي تحرقه. وَفِيه من الْفَوَائِد: أَن الْبشر لَا يعلمُونَ مَا غيب عَنْهُم وَستر عَن الضمائر وَأَن بعض النَّاس أدرى بمواضع الْحجَّة وَتصرف القَوْل من بعض، وَأَن القَاضِي إِنَّمَا يقْضِي على الْخصم بِمَا يسمع مِنْهُ من إِقْرَار وإنكار أَو بَيِّنَات على حسب مَا أحكمته السّنة فِي ذَلِك. وَأَن التَّحَرِّي جَائِز فِي أَدَاء الْمَظَالِم، وَأَن الْحَاكِم يجوز لَهُ الِاجْتِهَاد فِيمَا لم يكن فِيهِ نَص. وَأَن الصُّلْح على الْإِنْكَار جَائِز خلافًا للشَّافِعِيّ، قَالَه أَبُو عمر. وَأَن الاقتراع والاستهام جَائِز، وَقَالَ أَبُو عمر: وَقد احْتج أَصْحَابنَا بِهَذَا الحَدِيث فِي رد حكم القَاضِي بِعِلْمِهِ.

стр. 7376

٧١٨٢ - حدّثنا إسْماعِيلُ قَالَ: حدّثني مالِكٌ، عنِ ابنِ شِهابٍ، عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ، عنْ عائِشَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ أنَّها قالَتْ: كانَ عُتْبَةُ بنُ أبي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أخِيهِ سَعْدِ بنِ أبي وَقّاصٍ أنَّ ابنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي، فاقْبِضْهُ إلَيْكَ، فَلَمَّا كانَ عامُ الفَتحِ أخَذَهُ سَعْدٌ، فَقَالَ: ابنُ أخِي، قَدْ كانَ عَهِدَ إلَيَّ فِيهِ، فَقامَ إلَيْهِ عَبْدُ بنُ زَمْعَةَ، فَقَالَ: أخِي وابنُ وَلِيدَةِ أبي، وُلِدَ عَلى فراشِهِ. فَتَساوَقا إِلَى رسولِ الله فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رسولَ الله ابنُ أخِي كانَ عَهِدَ إلَيَّ فِيهِ، وَقَالَ عَبْدُ بنُ زَمْعَةَ: أخِي وابنُ وَلِيدَةِ أبي وُلِدَ عَلى فِراشِهِ، فَقَالَ رسولُ الله هوَ لَكَ يَا عَبْدُ بنَ زَمْعَةَ ثُمَّ قَالَ رسولُ الله الوَلَدُ لِلْفِراشِ ولِلْعاهِرِ الحَجَرُ ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بنْتِ زَمْعَةَ: احْتَجِبِي مِنْهُ لِما رَأى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، فَما رَآها حتَّى لَقِيَ الله تَعَالَى. وَجه إِيرَاد هَذَا الحَدِيث السَّابِق أَن الحكم بِحَسب الظَّاهِر وَلَو كَانَ فِي نفس الْأَمر خلاف ذَلِك فَإِنَّهُ حكم فِي ابْن وليدة زَمعَة بِحَسب الظَّاهِر، وَإِن كَانَ فِي نفس الْأَمر لَيْسَ من زَمعَة وَلَا يُسمى ذَلِك خطأ فِي الِاجْتِهَاد فَيدْخل هَذَا فِي معنى التَّرْجَمَة. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس. والْحَدِيث قد مضى فِي الْبيُوع فِي: بَاب تَفْسِير المشتبهات فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن قزعة عَن مَالك، وَفِي الْفَرَائِض عَن قُتَيْبَة وَفِي الْمُحَاربين عَن أبي الْوَلِيد وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: كَانَ عتبَة بِضَم الْعين وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق. قَوْله: ابْن وليدة زَمعَة الوليدة الْجَارِيَة، وَزَمعَة بِسُكُون الْمِيم وَفتحهَا وَاسم الابْن: عبد الرَّحْمَن. قَوْله: عهد إليّ بتَشْديد الْيَاء، وعهد أوصى. قَوْله: فتساوقا من التساوق وَهُوَ مَجِيء وَاحِد بعد وَاحِد، وَالْمرَاد هُنَا: المسارعة. قَوْله: هُوَ لَك أَي: إِنَّه ابْن أمته. قَوْله: وللعاهر أَي: الزَّانِي. قَوْله: الْحجر أَي: الخيبة كَمَا يُقَال بِفِيهِ الْحجر، وَقيل: يُرَاد بِهِ الْحجر الَّذِي يرْجم بِهِ الْمُحصن، وَلَيْسَ بِظَاهِر. قَوْله: احتجبي مِنْهُ أَي: من الابْن الْمُتَنَازع فِيهِ إِنَّمَا قَالَ ذَلِك تورعاً واحتياطاً. ٣٠ - (بابُ الحُكْمِ فِي البِئرِ ونَحْوِها) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الحكم فِي الْبِئْر وَنَحْوهَا مثل الْحَوْض وَالشرب، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة. ٧١٨٣ - حدّثنا إسْحاقُ بنُ نَصْرٍ، حدّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أخبرنَا سُفْيانُ، عنْ مَنْصُورٍ والأعْمَشِ عنْ أبي وائِلٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الله: قَالَ النبيُّ ﷺ لَا يَحْلِفُ عَلى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ مَالا، وهْوَ فِيها فاجِرٌ إلاّ لَقِيَ الله وهْوَ عَلَيْهِ غَضْبانُ فأنْزَلَ الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا أُوْلَائِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِى الَاْخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الآيَةَ. فَجاءَ الأشْعَثُ وعَبْدُ الله يحَدِّثُهُمْ فَقَالَ: فِيَّ نَزَلَتْ وَفِي رَجُلٍ خاصَمْتُهُ فِي بِئرٍ، فَقَالَ النبيُّ ألَكَ بَيِّنَةٌ قُلْتُ لَا. قَالَ: فَلْيَحْلِفْ قُلْتُ إذَاً يَحْلِفَ فَنَزَلَتْ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا أُوْلَائِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِى الَاْخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الآيَةَ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَقيل: وَجه دُخُول هَذِه التَّرْجَمَة فِي الْقِصَّة مَعَ أَنه لَا فرق بَين الْبِئْر وَالدَّار وَالْعَبْد حَتَّى ترْجم على الْبِئْر وَحدهَا، أَنه أَرَادَ الرَّد على من زعم أَن المَاء لَا يملك فحقق بالترجمة أَنه يملك لوُقُوع الحكم بَين المتخاصمين فِيهَا. انْتهى. قلت: فِي أول كَلَامه نظر لِأَنَّهُ لم يقْتَصر فِي التَّرْجَمَة على الْبِئْر وَحدهَا، بل قَالَ: وَنَحْوهَا، وَفِي آخر كَلَامه أَيْضا نظر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَر تَصْرِيح بِذكر المَاء، فَكيف يَصح الرَّد؟ . وَإِسْحَاق بن نصر هُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر السَّعْدِيّ البُخَارِيّ روى عَنهُ البُخَارِيّ، فَتَارَة يَقُول: حَدثنَا إِسْحَاق بن نصر، وَتارَة يَقُول: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر، وَعبد الرَّزَّاق بن همام بِالتَّشْدِيدِ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل هُوَ شَقِيق بن سَلمَة

стр. 7377

وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. والْحَدِيث مضى فِي الشّرْب. قَوْله: على يَمِين صَبر أَي: يَمِين على حبس الشَّخْص عِنْدهَا. قَوْله: يقتطع أَي: يكْتَسب قِطْعَة من المَال لنَفسِهِ. قَوْله: وَهُوَ فِيهَا فَاجر أَي: كَاذِب. وَالْجُمْلَة حَالية. قَوْله: غَضْبَان المُرَاد من الْغَضَب لَازمه وَهُوَ الْعَذَاب لِأَن الْغَضَب لَا يَصح على الله لِأَنَّهُ غليان دم الْقلب لإِرَادَة الانتقام. قَوْله: الْأَشْعَث بالشين الْمُعْجَمَة وبالثاء الْمُثَلَّثَة ابْن قيس الْكِنْدِيّ. قَوْله: وَعبد الله يُحَدِّثهُمْ الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: فِي بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: وَفِي رجل اسْمه الجفشيش الْكِنْدِيّ، وَيُقَال الْحَضْرَمِيّ، قَالَ أَبُو عمر: يُقَال فِيهِ بِالْجِيم وَبِالْحَاءِ وبالخاء، يكنى أَبَا الْخَيْر، وَيُقَال: اسْمه جرير بن معدان قدم على النَّبِي فِي وَفد كِنْدَة. قَوْله: يحلف بِالنّصب. ٣١ - (بابُ القَضاءِ فِي كَثِيرِ المَال وقَليلِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْقَضَاء أَي الحكم فِي كثير المَال وقليله، يَعْنِي: لَا فرق فِي الحكم بَين الْكثير والقليل، لِأَن كل ذَلِك مَال، وَلَكِن الْأَقَل من دِرْهَم لَا يعد مَالا فِي الْعرف حَتَّى إِنَّه لَو قَالَ: لفُلَان عليّ مَال، فَإِنَّهُ لَا يصدق فِي أقل من دِرْهَم، وَالْكثير مَا لَهُ حد، وَالْمَال الْكثير نِصَاب الزَّكَاة، وَقيل: نِصَاب السّرقَة عشرَة دَرَاهِم، ثمَّ قَوْله: بَاب، مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر، وَقَوله: الْقَضَاء، مُبْتَدأ أَو قَوْله: فِي كثير المَال، خَبره تَقْدِيره: الْقَضَاء وَاقع أَو ثَابت أَو سَوَاء فِي كثير المَال وقليله، وَفِي بعض النّسخ: بَاب الْقَضَاء فِي كثير المَال وقليله، سَوَاء بالْخبر البارز، وَقَالَ بَعضهم: بَاب، بِالتَّنْوِينِ. قلت: لَا يُقَال بِالتَّنْوِينِ إلَاّ إِذا قدر مُبْتَدأ قبله نَحْو: هَذَا بَاب، كَمَا ذَكرْنَاهُ لِأَن الْإِعْرَاب لَا يكون إلَاّ فِي الْمركب. وَقَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ عنِ ابنِ شُبْرُمَةَ: القَضاءُ فِي قَلِيلِ المَال وكَثِيرهِ سَوَاءٌ. أَي: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عبد الله بن شبْرمَة قَاضِي الْكُوفَة، وَهَكَذَا ذكر سُفْيَان فِي جَامعه عَن ابْن شبْرمَة. ٧١٨٥ - حدّثنا أبُو اليَمانِ، أخبرنَا شُعَيْبٌ، عنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ: أنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أبي سَلَمَةَ أخْبَرَتْهُ عنْ أُمِّها أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: سَمِعَ النبيُّ جَلَبَةَ خِصامٍ عِنْدَ بابِهِ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ لَهُمْ: إنَّما أَنا بَشَرٌ وإنهُ يأتِيني الخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضاً أنْ يَكُونُ أبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، أقْضِي لهُ بِذَلِكَ، وأحْسِبُ أنَّهُ صادِقٌ، فَمَنْ قَضَيْتُ لهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فإنّما هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلْيأخُذْها أوْ لِيَدعْها مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: بِحَق مُسلم لِأَن الْحق يتَنَاوَل الْقَلِيل وَالْكثير. والْحَدِيث مضى قبل هَذَا الْبَاب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. ٣٢ - (بابُ بَيْعِ الإمامِ عَلَى النَّاسِ أمْوالَهُمْ وضِياعَهُمْ، وقَدْ بَاعَ النبيُّ ﷺ مُدَبَّراً مِنْ نُعَيْمِ بنِ النَّحَّامِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الإِمَام على النَّاس أَمْوَالهم وضياعهم، وَهُوَ جمع ضَيْعَة وَهِي الْعقار، قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ أَيْضا هُوَ من عطف الْخَاص على الْعَام. قلت: وَقد فسر الْجَوْهَرِي الضَّيْعَة بالعقار أَيْضا، وَقَالَ صَاحب دستور اللُّغَة الضَّيْعَة الْقرْيَة. قلت: وَفِي اصْطِلَاح النَّاس كَذَلِك لَا يطلقون الضَّيْعَة إلَاّ على الْقرْيَة وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْن الْأَثِير أَيْضا: مَا يكون مِنْهُ معاش الرجل كالضيعة وَالتِّجَارَة والزراعة وَنَحْو ذَلِك، وَذكره فِي بَاب الضَّاد مَعَ الْيَاء. ثمَّ قيل: إِنَّمَا أضَاف البيع إِلَى الإِمَام ليشير إِلَى أَن ذَلِك يَقع مِنْهُ فِي مَال السَّفِيه، أَو فِي وَفَاء دين الْغَائِب، أَو من يمْتَنع أَو غير ذَلِك ليتَحَقَّق أَن للْإِمَام التَّصَرُّف فِي الْأَمْوَال فِي الْجُمْلَة. وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا يَبِيع الإِمَام على النَّاس أَمْوَالهم إِذا رأى مِنْهُم سفهاً فِي أَحْوَالهم، فَأَما من لَيْسَ بسفيه فَلَا يُبَاع عَلَيْهِ شَيْء من مَاله إِلَّا فِي حق يكون عَلَيْهِ. قَوْله: وَقد بَاعَ النَّبِي مُدبرا من نعيم بن النحام: وَإِنَّمَا ذكره فِي معرض الِاسْتِدْلَال لما ذكره قبله، وَإِنَّمَا بَاعَ مدبره لِأَنَّهُ أنفد جَمِيع ذَات يَده فِي الْمُدبر لِأَنَّهُ تعرض للهلكة فنقض فعله، وَإِنَّمَا لم ينْقض على الَّذِي قَالَ لَهُ:

стр. 7378

لَا خلابة، لِأَنَّهُ لم يفوت على نَفسه جَمِيع مَاله ونعيم مُصَغرًا هُوَ النحام لِأَنَّهُ قَالَ: سَمِعت نحمة نعيم أَي: سلْعَته فِي الْجنَّة وَلَفظ الابْن زَائِد، وَقَالَ أَبُو عمر: نعيم بن عبد الله النحام الْقرشِي الْعَدوي، وَإِنَّمَا سمي النحام لِأَنَّهُ، قَالَ: دخلت الْجنَّة فَسمِعت نحمة من نعيم فِيهَا، والنحمة السعلة، وَقيل: النحنحة الْمَمْدُود آخرهَا فَسُمي بذلك: النحام، كَانَ قديم الْإِسْلَام، يُقَال إِنَّه أسلم بعد عشرَة أنفس قبل إِسْلَام عمر، ﵁، وَكَانَ يكتم إِسْلَامه، وَكَانَت هجرته عَام خَيْبَر، وَقيل: بل هَاجر فِي أَيَّام الْحُدَيْبِيَة، وَقيل أَقَامَ بِمَكَّة حَتَّى كَانَ قبل الْفَتْح قتل بأجنادين شَهِيدا سنة ثَلَاث عشرَة فِي آخر خلَافَة أبي بكر، ﵁، وَقيل: قتل يَوْم اليرموك فِي رَجَب سنة خمس عشرَة. ٧١٨٦ - حدّثنا ابنُ نُمَيْرٍ، حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بِشْرٍ، حَدثنَا إسْماعِيل، حدّثنا سَلَمَةُ بنُ كُهَيْلٍ، عنْ عَطاءٍ، عنْ جابِرٍ قَالَ: بَلَغَ النبيَّ أَن رَجُلاً مِنْ أصْحابِهِ أعْتَقَ غُلَاما عنْ دُبُرٍ لَمْ يَكُنْ لهُ مالٌ غيْرَهُ، فَباعَهُ بِثَمانِمائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ أرْسَلَ بِثَمَنِهِ إلَيْهِ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَابْن نمير هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير مصغر نمر الْحَيَوَان الْمَشْهُور، وَمُحَمّد بن بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد، وَسَلَمَة بن كهيل مصغر كهل وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح بِفَتْح الرَّاء وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة، وَجَابِر هُوَ ابْن عبد الله، وَكَذَا وَقع فِي بعض النّسخ. والْحَدِيث مضى فِي الْبيُوع. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْعتْق عَن أَحْمد بن حَنْبَل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أبي دَاوُد الْحَرَّانِي وَغَيره. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن شيخ البُخَارِيّ وَغَيره. قَوْله: عَن دبر يَعْنِي: علق عتقه بعد مَوته وَوَقع هُنَا للكشميهني: عَن دين، بِفَتْح الدَّال وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون، قيل: هُوَ تَصْحِيف، وَالْمَشْهُور هُوَ الأول. وَالرجل الْمَذْكُور هُوَ أَبُو مَذْكُور، وَاسم الْغُلَام: يَعْقُوب، وَالْمُشْتَرِي: نعيم النحام. ٣٣ - (بابُ مَنْ لَمْ يَكْثَرتْ بِطَعْنِ مَنْ لَا يَعْلَمُ فِي الأُمَرَاءِ حَدِيثاً) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر من لم يكترث أَي: لم يبال وَلم يلْتَفت، وَأَصله من الكرث بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون الرَّاء وبالثاء الْمُثَلَّثَة يُقَال: مَا اكترثت أَي: مَا أُبَالِي، وَلَا يسْتَعْمل إلَاّ فِي النَّفْي، واستعماله فِي الْإِثْبَات شَاذ. وَقَالَ الْمُهلب: معنى هَذِه التَّرْجَمَة أَن الطاعن إِذا لم يعلم حَال المطعون عَلَيْهِ فَرَمَاهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ لَا يعبأ بذلك الطعْن وَلَا يعْمل بِهِ. قَوْله: بطعن من لَا يعلم إِشَارَة إِلَى أَن من طعن فَعلم أَنه يعْمل بِهِ فَلَو طعن بِأَمْر مُحْتَمل كَانَ ذَلِك رَاجعا إِلَى رَأْي الإِمَام. ٧١٨٧ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ، حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ مُسْلِمٍ، حدّثنا عَبْدُ الله بنُ دِينارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ، ﵄، يَقُولُ: بَعَثَ رسولُ الله بَعْثاً وأمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسامَةَ بنَ زَيْدٍ فَطُعِنَ فِي إمارَتِهِ، وَقَالَ: إنْ تَطْعُنُوا فِي إمارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إمارَةِ أبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ، وايْمُ الله إنْ كانَ لخَلِيقاً للإمْرَةِ، وإنْ كانَ لِمَنْ أحَبِّ النَّاسِ إلَيَّ، وإنْ هاذا لَمِنْ أحَبَّ النَّاسِ إليَّ بَعْدَهُ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى فِي آخر الْمَغَازِي فِي: بَاب بعث النَّبِي أُسَامَة بن زيد فِي مَرضه الَّذِي توفّي فِيهِ وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: بعثاً أَي: جَيْشًا قَوْله: وَأمر بتَشْديد الْمِيم أَي: جعله أَمِيرا على الْجَيْش. قَوْله: فطعن على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: فِي إمارته بِكَسْر الْهمزَة. قَوْله: أَن تطعنوا فِي إمارته أَي: فِي إِمَارَة أُسَامَة قَوْله: فقد كُنْتُم تطعنون فِي إِمَارَة أَبِيه أَي أبي أُسَامَة وَهُوَ زيد. قَوْله: من قبله وَذَلِكَ أَنهم طعنوا فِي إِمَارَة زيد من قبل طعن أُسَامَة، وَكَانَ رَسُول الله بعث أُسَامَة إِلَى الحرقات من جُهَيْنَة وَبَعثه أَمِيرا فِي غَزْوَة مُؤْتَة فاستشهد هُنَاكَ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَت النُّحَاة: الشَّرْط سَبَب للجزاء مُتَقَدم عَلَيْهِ، وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِك، ثمَّ أجَاب بِأَنَّهُ يؤول مثله بالإخبار عِنْدهم، أَي: إِن طعنتم فِيهِ فأخبركم بأنكم طعنتم من قبل فِي أَبِيه،

стр. 7379

ويلازمه عِنْد البيانيين أَي: إِن طعنتم فِيهِ تأثمتم بذلك لِأَنَّهُ لم يكن حَقًا، وَالْغَرَض أَنه كَانَ خليقاً بالإمارة، أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: وَايْم الله ... إِلَى آخِره، وَلَفظ: ايم الله، من أَلْفَاظ الْقسم كَقَوْلِك: وَالله، وفيهَا لُغَات كَثِيرَة، وتفتح همزتها وتكسر وهمزتها همزَة وصل، وَقد تقطع، وَأهل الْكُوفَة من النُّحَاة يَزْعمُونَ أَنَّهَا جمع يَمِين، وَغَيرهم يَقُول: هُوَ اسْم مَوْضُوع للقسم. قَوْله: إِن كَانَ لَفظه: إِن، مُخَفّفَة من المثقلة أَصله، إِنَّه كَانَ، أَي: إِن زيد بن أُسَامَة كَانَ لخليقاً أَي لائقاً للإمرة ومستحقاً لَهَا، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: للإمارة. قَوْله: وَإِن كَانَ أَي: وَإنَّهُ كَانَ لمن أحب النَّاس إليّ بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: وَإِن هَذَا أَي: وَإِن زيدا هَذَا وَأَشَارَ إِلَيْهِ لمن أحب النَّاس إليّ بعده أَي: بعد أُسَامَة. فَإِن قلت: قد طعن على أُسَامَة وَأَبِيهِ مَا لَيْسَ فيهمَا وَلم يعْزل الشَّارِع وَاحِدًا مِنْهُمَا، بل بيَّن فضلهما، وَلم يعْتَبر عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِهَذَا القَوْل فِي سعد وعزله حِين قذفه أهل الْكُوفَة بِمَا هُوَ بَرِيء مِنْهُ. قلت: عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لم يعلم من مغيب أَمر سعد مَا علمه الشَّارِع من أَمر زيد وَأُسَامَة، وَإِنَّمَا قَالَ عمر لسعد حِين ذكر أَن صلَاته تشبه صَلَاة رَسُول الله ذَلِك الظَّن بك، وَلم يقطع على ذَلِك كَمَا قطع رَسُول الله فِي أَمر زيد: إِنَّه خليق للإمارة، وَقيل: الطاعنون فيهمَا من استصغار سنهما على من قدما عَلَيْهِ من مشيخة الصَّحَابَة، وَقيل: هم المُنَافِقُونَ الَّذِي كَانُوا يطعنون على رَسُول الله ويقبحون آراءه. ٣٤ - (بابُ الألَدِّ الخَصِمِ، وهْوَ الدَّائِمُ فِي الخُصُومَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر الألد بِفَتْح الْهمزَة وَاللَّام وَتَشْديد الدَّال الْخصم بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الصَّاد الْمُهْملَة، وَفَسرهُ البُخَارِيّ بقوله وَهُوَ الدَّائِم الْخُصُومَة، أَرَادَ أَن خصومته لَا تَنْقَطِع. ﴿لُدّاً عُوجاً﴾ إِلَى قَوْله: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلَسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً﴾ واللد بِضَم اللَّام جمع أَلد، والعوج بِضَم الْعين جمع أَعْوَج، وَفَسرهُ بِهِ وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أَلد: أَعْوَج، وَفِي تَفْسِير عبد بن حميد من طَرِيق معمر عَن قَتَادَة فِي قَوْله: قَالَ: جدلاً بِالْبَاطِلِ. ٧١٨٨ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا يَحْياى بنُ سَعِيدٍ، عنِ ابنِ جُرَيْجٍ سَمِعْتُ ابنَ أبي مُلَيْكَةَ يُحَدِّثُ عنْ عائِشَةَ، ﵂، قالَتْ: قَالَ رسولُ الله ﷺ أبْغَضُ الرَّجال إِلَى الله الألَدُّ الخَصِمُ انْظُر الحَدِيث ٢٤٥٧ وطرفه التَّرْجَمَة والْحَدِيث وَاحِد. وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَابْن أبي مليكَة هُوَ عبد الله، وَاسم أبي مليكَة بِضَم الْمِيم زُهَيْر. والْحَدِيث مضى فِي الْمَظَالِم عَن أبي عَاصِم وَفِي التَّفْسِير عَن قبيصَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَالَ الْكرْمَانِي: الأبغض هُوَ الْكَافِر، ثمَّ قَالَ: مَعْنَاهُ أبْغض الْكفَّار وَالْكَافِر المعاند، وَأبْغض الرِّجَال المخاصمين الألد الْخصم، وَقيل: الْمَعْنى الثَّانِي هُوَ الأصوب، وَهُوَ أَعم من أَن يكون كَافِرًا أَو مُسلما. ٣٥ - (بابٌ إذَا قَضَى الحاكِمُ بِجَوْرٍ أوْ خِلَافِ أهْل العِلْمِ فَهْوَ ردٌّ) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ إِذا قضى الْحَاكِم بجور أَي بظُلْم، أَو قضى بِحكم هُوَ يُخَالف أهل الْعلم. قَوْله: قَوْله: فَهُوَ رد جَوَاب: إِذا، أَي: مَرْدُود، يَعْنِي: ينْقض، وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ بَين أهل الْعلم، فَإِن كَانَ وَجه الِاجْتِهَاد والتأويل كَمَا صنع خَالِد بن الْوَلِيد، ﵁، على مَا يَأْتِي الْآن، فَإِن الْإِثْم فِيهِ سَاقِط وَالضَّمان لَازم فِي ذَلِك عِنْد عَامَّة أهل الْعلم، إلَاّ أَنهم اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَت طَائِفَة: إِذا أَخطَأ الْحَاكِم فِي حكمه فِي قتل أَو جراح فديَّة ذَلِك فِي بَيت المَال، وَكَذَا عِنْد الثَّوْريّ وَأبي حنيفَة وَأحمد وَإِسْحَاق، وَعند الْأَوْزَاعِيّ وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ: على عَاقِلَة الإِمَام.

стр. 7380

٧١٨٩ - حدّثنا مَحْمُودٌ، حدّثنا عبْدُ الرَّزَّاقِ، أخبرنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ، عنْ سالِمٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ بَعَثَ النبيُّ خالِداً ح وحدّثني: نُعَيْمٌ أخبرنَا عبْدُ الله أخبرنَا مَعْمَرٌ، عنِ الزُّهْرِيِّ، عنْ سالِمٍ عنْ أبِيهِ قَالَ: بعَثَ النبيُّ خالِدَ بنَ الوَلِيدِ إِلَى بَني جَذِيمَةَ فَلَمْ يُحْسنُوا أَن يَقولُوا: أسْلمنا، فقالُوا: صَبأْنا صَبأْنا، فَجَعَل خالِدٌ يَقْتُلُ ويأسِرُ، ودَفَعَ إِلَى كلِّ رجُلٍ مِنَّا أسِيرَهُ، فأمَرَ كلَّ رُجلٍ مِنّا أنْ يَقْتُلَ أسِيرَهُ، فَقُلْتُ: وَالله لَا أقْتُلُ أسِيرِي وَلَا يَقْتُلُ رجُلٌ مِنْ أصْحابي أسِيرَهُ، فَذَكَرْنا ذَلِكَ لِلنبيِّ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أبْرَأُ إليْكَ مِمَّا صَنَعَ خالِدُ بنُ الوَلِيدِ، مَرَّتَيْنِ انْظُر الحَدِيث ٤٣٣٩ مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأ إِلَيْك مِمَّا صنع خَالِد يَعْنِي: من قَتله الَّذين قَالُوا: صبأنا، قبل أَن يستفسرهم عَن مُرَادهم بذلك القَوْل، فَإِن فِيهِ إِشَارَة إِلَى تصويب فعل ابْن عمر وَمن تبعه فِي تَركهم مُتَابعَة خَالِد على قتل من أَمرهم بِقَتْلِهِم من الْمَذْكُورين، وَقَالَ الْخطابِيّ: الْحِكْمَة فِي تبريه من فعل خَالِد مَعَ كَونه لم يعاتبه على ذَلِك لكَونه مُجْتَهدا أَن يعرف أَنه لم يَأْذَن لَهُ فِي ذَلِك خشيَة أَن يعْتَقد أحد أَنه كَانَ بِإِذْنِهِ، ولينزجر غير خَالِد بعد ذَلِك عَن فعل مثله. وَقَالَ ابْن بطال: الْإِثْم، وَإِن كَانَ سَاقِطا عَن الْمُجْتَهد فِي الحكم إِذا تبين أَنه بِخِلَاف جمَاعَة أهل الْعلم، لَكِن الضَّمَان لَازم للمخطىء عِنْد الْأَكْثَر مَعَ الِاخْتِلَاف، وَقد بَيناهُ الْآن. ثمَّ إِنَّه أخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين. أَحدهمَا: عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن عبد الرَّزَّاق بن همام عَن معمر بن رَاشد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه عبد الله بن عمر بن الْخطاب، ﵁. وَالْآخر عَن نعيم بِضَم النُّون وَفتح الْعين الْمُهْملَة ابْن حَمَّاد الرفاء بتَشْديد الْفَاء الْمروزِي الْأَعْوَر ذُو التصانيف، امتحن فِي الْقُرْآن وَقيد فَمَاتَ بسامرا سنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وحَدثني أَبُو عبد الله نعيم بن حَمَّاد، وَفِي رِوَايَة غَيره: قَالَ أَبُو عبد الله حَدثنِي أَبُو نعيم، وَأَبُو عبد الله هَذَا هُوَ البُخَارِيّ، ونعيم يروي عَن عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي عَن معمر إِلَى آخِره. والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي فِي: بَاب بعث النَّبِي خَالِد بن الْوَلِيد إِلَى بني جذيمة، وَهِي قَبيلَة من عبد قيس. قَوْله: صبأنا من صَبأ الرجل إِذا خرج من دين إِلَى دين. قَوْله: مِمَّا صنع خَالِد أَي: من العجلة فِي قَتلهمْ وَترك التثبت فِي أُمُورهم. ٣٦ - (بابُ الإمامُ يأْتِي قَوْماً فَيُصْلِحُ بَيْنَهُمْ) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ: الإِمَام ... إِلَى آخِره، وارتفاع الإِمَام بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره: يَأْتِي قوما، قَوْله: فيصلح وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: ليصلح بَينهم، بِاللَّامِ بدل الْفَاء وَيجوز إِضَافَة الْبَاب إِلَى الإِمَام أَي: هَذَا بَاب فِي أَمر الإِمَام حَال كَونه يَأْتِي قوما لأجل الْإِصْلَاح بَينهم. ٧١٩٠ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ، حَدثنَا حَمَّادٌ، أبُو حازِمٍ المَدِينيُّ، عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: كانَ قِتالٌ بَيْنَ بَني عَمْرٍ وفَبَلَغَ ذلِكَ النبيَّ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أتاهُمْ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فَلَمَّا حَضَرَتْ صَلَاةُ العَصْرِ فأذَّنَ بِلالٌ وأقامَ وأمَرَ أَبَا بَكْرٍ، فَتَقَدَّمَ وجاءَ النبيُّ وأبُو بَكْرٍ فِي الصلَاةِ، فَشَقَّ النّاسَ حتَّى قامَ خَلْفَ أبي بَكْرٍ فَتَقَدَّمَ فِي الصَّفِّ الّذِي يَلِيهِ، قَالَ: وصَفَّحَ القَوْمُ، وكانَ أبُو بَكْرٍ إِذا دَخَلَ فِي الصَّلاةِ لَمْ يَلْتَفِتْ حتَّى يَفْرُغَ، فَلمَّا رَأى التَّصْفِيحَ لَا يُمْسَكُ عَليْهِ الْتَفَتَ فَرَأى النبيَّ خَلْفَهُ فأوْمَأ إلَيْهِ النبيُّ أنِ امْضِهْ وأوْمَأ بِيَدِهِ هاكَذا، ولَبِثَ أبُو بَكْرٍ

стр. 7381

هُنَّيةً يَحْمَدُ الله عَلى قَوْلِ النبيِّ ثمَّ مَشَى القَهْقَراى، فَلمَّا رأى النبيُّ ذالِكَ تَقَدَّمَ فصَلَّى النبيُّ بالنَّاسِ فَلمَّا قَضَى صَلاتَهُ قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ إذْ أوْمَأْتُ إلَيْكَ أنْ لَا تكُونَ مَضَيْتَ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنْ لابْنِ أبي قُحافَةَ أنْ يَؤُمَّ النَّبيَّ وَقَالَ لِلْقَوْمِ: إِذا نابَكُمْ أمْرٌ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجالُ، ولْيُصَفِّح النِّساءُ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل وَحَمَّاد بن زيد، وَكَذَا فِي بعض النّسخ وَأَبُو حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي سَلمَة بن دِينَار الْمدنِي. والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب من دخل ليؤم النَّاس. قَوْله: بَين بني عَمْرو أَي: ابْن عَوْف بِالْفَاءِ وَهِي قَبيلَة. قَوْله: فَأذن بِلَال قيل: لَيْسَ هَذَا مَحل الْفَاء سَوَاء كَانَ: لما، للشّرط أَو للظرفية. وَأجِيب بِأَن جزاءه مَحْذُوف وَهُوَ: جَاءَ الْمُؤَذّن، وَالْفَاء للْعَطْف عَلَيْهِ. قَوْله: فشق النَّاس فَإِن قلت: جَاءَ عَنهُ، أَنه نهى عَن التخطي ... ؟ الحَدِيث. قلت: الإِمَام مُسْتَثْنى من ذَلِك، فَلهُ أَن يتخطى إِلَى مَوْضِعه. وَقَالَ الْمُهلب: الشَّارِع لَيْسَ كَغَيْرِهِ فِي أَمر الصَّلَاة وَغَيرهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ لأحد أَن يتَقَدَّم عَلَيْهِ فِيهَا. قَوْله: وصفح الْقَوْم بتَشْديد الْفَاء من التصفيح وَهُوَ التصفيق وَهُوَ التصويت بِالْيَدِ، قَوْله: لَا يمسك عَلَيْهِ بِلَفْظ الْمَجْهُول، ويروى: عَنهُ. قَوْله: امضه من الْإِمْضَاء وَهُوَ الإنقاذ. قَوْله: هَكَذَا أَي: مُشِيرا بالمكث فِي مَكَانَهُ. قَوْله: هنيَّة مصغر الهنة أَصْلهَا: الهنوة. أَي: زَمَانا يَسِيرا. قَوْله: يحمد الله حَال: أَي: يحمد الله على قَول النَّبِي الْمُسْتَفَاد من الْإِشَارَة بالإمضاء والمكث فِي الْمَكَان، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فَحَمدَ الله بِالْفَاءِ. قَوْله: الْقَهْقَرَى نوع من الْمَشْي وَهُوَ رُجُوع إِلَى خلف. قَوْله: يَا أَبَا بكر أَصله: يَا أَبَا بكر، حذفت الْألف للتَّخْفِيف. قَوْله: إِذا أَي: حِين قَوْله: أَوْمَأت إِلَيْك قَوْله: مضيت أَي: تقدّمت. قَوْله: لم يكن لِابْنِ أبي قُحَافَة بِضَم الْقَاف وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وبالفاء وَهُوَ كنية وَالِد أبي بكر واسْمه عُثْمَان التَّيْمِيّ، أسلم عَام الْفَتْح وعاش إِلَى خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِنَّمَا قَالَ هَكَذَا وَلم يقل: لي أَو: لأبي بكر تحقيراً لنَفسِهِ واستصغاراً لمرتبته عِنْد رَسُول الله قَوْله: إِذا نابكم بالنُّون أَي: إِذا أَصَابَكُم أَمر ويروى: إِذا رابكم، أَي: سنح لكم حَاجَة فليسبح الرِّجَال أَي: لِيَقُولُوا: سُبْحَانَ الله. قَوْله: وليصفح النِّسَاء من التصفيح، وَقد مر تَفْسِيره، وَهُوَ أَن تضرب بِيَدِهَا على ظهر يَدهَا الْأُخْرَى. ٣٧ - (بابٌ يُسْتَحَبُّ لِلْكاتِبِ أنْ يَكُونَ أمِيناً عاقِلاً) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يسْتَحبّ لكاتب الحكم أَن يكون أَمينا فِي كِتَابَته بَعيدا من الطمع وَلَا يَأْخُذ أَكثر من أُجْرَة الْمثل فِي مَوضِع يجوز لَهُ الْأَخْذ وَلَا يَأْخُذ مثل مَا يَأْخُذ غَالب شُهُود مصر. قَوْله: عَاقِلا يَعْنِي: لَا يكون مغفلاً مثل بعض قُضَاة مصر، لِأَن الْمُغَفَّل يخدع ويضيع حُقُوق النَّاس وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ لَا يخرج من كَلَام بعض خواصه من أكالين أَمْوَال النَّاس المفسدين، وَعَن الشَّافِعِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يَنْبَغِي لكاتب القَاضِي أَن يكون عَاقِلا لِئَلَّا يخدع ويحرص على أَن يكون فَقِيها لِئَلَّا يُؤْتى من جَهله، وَيكون بَعيدا. ٧١٩١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدِ الله أبُو ثابِتٍ، حدّثنا إبْراهِيمُ بنُ سَعْدٍ، عنِ ابنِ شِهابٍ، عنْ عُبيْدِ بن السَّبَّاقِ، عنْ زيْدِ بنِ ثابِتٍ قَالَ: بَعَثَ إلَيَّ أبُو بَكْرٍ لِمقْتَلِ أهْلِ اليَمامَةِ، وعِنْدَهُ عُمَرُ، فَقَالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمامةِ بقُرَّاءِ القُرْآنِ، وإنِّي أخْشَى أنْ يَسْتَحِرَّ القَتلُ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ فِي المَواطِنِ كُلِّها، فَيَذْهَبَ قُرْآنٌ كَثِير، وإنِّي أرَى أنْ تأَمُرَ بِجَمْعِ القُرآنِ قُلْتُ: كَيْفَ أفْعَلُ شَيْئاً لَمْ يَفْعَلْهُ رسولُ الله فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ وَالله خَيْرٌ، فَلَمْ

стр. 7382

يَزَلْ عُمَرُ يُراجِعُنِي فِي ذالِكَ حَتَّى شَرَحَ الله صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ عُمَرَ، ورَأيْتُ فِي ذالِكَ الّذِي رَأى عُمَرُ، قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أبُو بَكْرٍ: وإنَّكَ رَجُلٌ شابٌّ عاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسولِ الله فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فاجْمَعْهُ قَالَ زَيْدٌ: فَوالله لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبالِ مَا كانَ بِأثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا كَلَّفَنِي مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ. قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلانِ شَيْئاً لَمْ يَفْعَلْهُ رسولُ الله قَالَ أبُو بَكْرٍ: هُوَ وَالله خيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ يَحُثُّ مُراجَعتِي حتَّى شَرَح الله صَدْرِي لِلّذي شَرَحَ الله لهُ صَدْرَ أبي بَكْرٍ وعُمَرَ، ورَأيْتُ فِي ذالِكَ الّذِي رَأياً، فَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أجْمَعُهُ مِنَ العُسْبِ والرِّقاعِ واللِّخاف وصُدُورِ الرِّجالِ، فَوَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ إِلَى آخِرِها مَعَ خُزَيْمَةَ: أوْ أبي خُزَيْمَةَ فألْحَقْتُها فِي سُورَتِها، وكانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أبي بَكْرٍ حَياتَهُ حتَّى تَوَفَّاهُ الله ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَياتَهُ حتَّى تَوَفَّاهُ الله، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ. قَالَ مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدِ الله: اللِّخافُ، يَعْنِي: الخَزَفَ. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: وَإنَّك رجل شَاب عَاقل لَا نتهمك وَمُحَمّد بن عبيد الله بتصغير العَبْد أَبُو ثَابت مولى عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَعبيد مصغر عبد بن السباق، بِالسِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة الثَّقَفِيّ. والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة بَرَاءَة وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: الْيَمَامَة بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف الْمِيم الأولى: جَارِيَة زرقاء كَانَت تبصر الرَّاكِب من مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام، وبلاد الجون منسوبة إِلَيْهَا وَهِي من الْيمن وفيهَا قتل مُسَيْلمَة الْكذَّاب، وَقتل من الْقُرَّاء سَبْعُونَ أَو سَبْعمِائة. قَوْله: استحر أَي: اشْتَدَّ وَكثر. قَوْله: خير يحْتَمل أَن يكون أفعل التَّفْضِيل، وَأَن لَا يكون. قيل: كَيفَ يكون فعلهم خيرا مِمَّا كَانَ فِي زمن رَسُول الله، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم؟ وَأجِيب: يَعْنِي هُوَ خير فِي زمانهم، وَكَذَا التّرْك كَانَ خيرا فِي زَمَانه لعدم تَمام النُّزُول وَاحْتِمَال النّسخ، فَلَو جمعت بَين الدفتين وسارت بِهِ الركْبَان إِلَى الْبلدَانِ ثمَّ نسخ لَأَدَّى ذَلِك إِلَى اخْتِلَاف عَظِيم. قَوْله: من العسب بِضَم الْعين وَسُكُون السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ جمع عسيب، وَهُوَ جريد النّخل إِذا نزع مِنْهُ الخوص. قَوْله: والرقاع جمع رقْعَة. قَوْله: واللخاف بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة جمع اللخفة وَهُوَ الْحجر الْأَبْيَض، وَقيل: الخزف. قَوْله: مَعَ خُزَيْمَة بن ثَابت الْأنْصَارِيّ قَوْله: أَو أبي خُزَيْمَة شكّ من الرَّاوِي، وَأَبُو خُزَيْمَة بن أَوْس بن يزِيد بن أَصْرَم شهد بَدْرًا وَمَا بعْدهَا من الْمشَاهد وَتُوفِّي فِي خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قيل: قد مر فِي: بَاب جمع الْقُرْآن أَن الْآيَة الَّتِي مَعَ خُزَيْمَة: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ من سُورَة الْأَحْزَاب؟ أُجِيب: بِأَن آيَة التَّوْبَة كَانَت عِنْد النَّقْل من العسب إِلَى الصُّحُف، وَآيَة الْأَحْزَاب عِنْد النَّقْل من الصَّحِيفَة إِلَى الْمُصحف قيل: كَيفَ ألحقها بِالْقُرْآنِ وَشَرطه التَّوَاتُر؟ قيل لَهُ: مَعْنَاهُ لم أَجدهَا مَكْتُوبَة عِنْد غَيره، قيل: لما كَانَ متواتراً فَمَا هَذَا التتبع؟ أُجِيب: للاستظهار، لَا سِيمَا وَقد كتب بَين يَدي رَسُول الله وليعلم هَل فِيهَا قِرَاءَة أُخْرَى أم لَا. قيل: مَا وَجه مَا اشْتهر أَن عُثْمَان هُوَ جَامع الْقُرْآن؟ أُجِيب: بِأَن الصُّحُف كَانَت مُشْتَمِلَة على جَمِيع أحرفه ووجوهه الَّتِي نزل بهَا، فَجرد عُثْمَان اللُّغَة القرشية مِنْهَا، أَو كَانَت صحفاً فَجَعلهَا مُصحفا وَاحِدًا جمع النَّاس عَلَيْهَا، وَأما الْجَامِع الْحَقِيقِيّ سوراً وآيات فَهُوَ رَسُول الله بِالْوَحْي. قَوْله: قَالَ مُحَمَّد بن عبيد الله هُوَ شيخ البُخَارِيّ. فَإِنَّهُ فسر اللخاف بالخزف. ٣٨ - (بابُ كِتابِ الحاكِمِ إِلَى عُمَّالِهِ وَالْقَاضِي إِلَى أمنائِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كتاب الْحَاكِم إِلَى عماله، بِضَم الْعين وَتَشْديد الْمِيم جمع عَامل، وَهُوَ الَّذِي يوليه الْحَاكِم على بلد لجمع خراجها.

стр. 7383

أَو زَكَاتهَا أَو الصَّلَاة بِأَهْلِهَا أَو التأميل على جِهَاد عدوها، وَكتاب القَاضِي إِلَى أمنائه جمع أَمِين وَهُوَ الَّذِي يوليه القَاضِي فِي ضبط أَمْوَال النَّاس نَحْو الجباة وَالشُّهُود وَالَّذين يَكْتُبُونَ مَعَهم. ٧١٩٢ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ، أخبرنَا مالِكٌ، عنْ أبي لَيْلى ا. ح وحدّثنا إسْماعِيلُ، حدّثني مالِكٌ، عنْ أبي لَيْلاى بنِ عَبْدِ الله بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ سَهْلٍ، عنْ سَهْلِ بنِ أبي حَثْمَةَ أنَّهُ أخْبَرَهُ هُوَ ورِجالٌ مِنْ كُبَراءِ قَوْمِهِ: أنَّ عَبْدَ الله بنِ سَهْلٍ ومُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أصابَهُمْ، فأُخْبَرَ مُحَيِّصَةُ أنَّ عَبْدَ الله قَتِلَ وطُرِحَ فِي فَقِيرٍ أوْ عَيْنٍ فأتَى يَهُودَ فَقَالَ: أنْتُم وَالله قَتَلْتُمُوهُ؟ قالُوا: مَا قَتَلناهُ وَالله، ثُمَّ أقْبَلَ حَتَّى قَدِمَ عَلى قَوْمِهِ فَذَكَرَ لَهُمْ وأقْبَلَ هُوَ وأخُوهُ حُوَيْصَةُ، وهْوَ أكْبَرُ مِنْهُ وعَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ لِيَتَكَلَّمَ وهْوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ، فَقَالَ النبيُّ لِمُحَيِّصَةَ كَبِّرْ كَبِّرْ يُرِيدُ السِّنْ فَتَكَلَّمَ حُوَيْصَةُ ثمَّ تَكَلَّمُ مُحَيِّصَةُ فَقَالَ رسولُ الله إمَّا أنْ يَدُوا صاحِبَكُمْ، وإمَّا أنْ يُؤْذِنُوا بِحرْبٍ فَكَتبَ رسولُ الله إلَيْهِمْ بِهِ فَكُتِبَ مَا قَتَلْناهُ، فَقَالَ رسولُ الله لِحُوَيِّصَةَ ومُحَيِّصَةَ وعَبْدِ الرَّحْمانِ أتَحْلِفُونَ وتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صاحِبِكُمْ قالُوا: لَا. قَالَ: أفَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟ قالُوا: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ، فَوَداهُ رسولُ الله مِنْ عِنْدِهِ مِائَة ناقَةٍ حتَّى أُدْخِلَتِ الدَّارَ، قَالَ سَهْلٌ: فَرَكَضَتْنِي مِنْها ناقَةٌ. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: فَكتب رَسُول الله أَي: إِلَى أهل خَيْبَر بِهِ أَي: بالْخبر الَّذِي نقل إِلَيْهِ. وَأخرجه من طَرِيقين أَحدهمَا: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن أبي ليلى بِفَتْح اللامين مَقْصُورا ابْن عبد الله بن عبد الرحمان بن سهل بن أبي حثْمَة، وَقيل: أَبُو ليلى هُوَ عبد الله بن سهل بن عبد الرحمان بن سهل، قَالَ الْكرْمَانِي: وَقيل: لم يرو عَنهُ إلَاّ مَالك فَقَط. فَهُوَ نقض على قَاعِدَة البُخَارِيّ حَيْثُ قَالُوا: شَرطه أَن يكون لراويه راويان وَالطَّرِيق الآخر عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن مَالك إِلَى آخِره والْحَدِيث مضى فِي الْقسَامَة. قَوْله: من كبراء قومه أَي: عظمائهم. قَوْله: أَن عبد الله بن سهل أَي: ابْن زيد بن كَعْب الْحَارِثِيّ محيصة بِضَم الْمِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة، وَأما الْيَاء آخر الْحُرُوف فمشددة مَكْسُورَة أَو مُخَفّفَة سَاكِنة وبإهمال الصَّاد ابْن مَسْعُود بن كَعْب الْحَارِثِيّ. قَوْله: من جهد بِفَتْح الْجِيم الْفقر والاشتداد ونكاية الْعَيْش. قَوْله: وَطرح فِي فَقير بِالْفَاءِ الْمَفْتُوحَة وَالْقَاف الْمَكْسُورَة وَالْيَاء آخر الْحُرُوف الساكنة وَالرَّاء، وَهُوَ فَم الْقَنَاة والحفيرة الَّتِي يغْرس فِيهَا الفسيلة. قَوْله: وَأَخُوهُ حويصة بالمهملتين على وزن محيصة فِي الْوَجْهَيْنِ. قَوْله: وَهُوَ حويصة. قَوْله: كبر أَي: قدم الأسن فِي الْكَلَام. قَوْله: إِمَّا أَن يدوا أَي: إِمَّا أَن يُعْطي الْيَهُود الدِّيَة وَمن ودى إِذا أعْطى الدِّيَة ومضارعه: يَدي أَصله يودي حذفت الْوَاو لوقوعها بَين الْيَاء والكسرة فَصَارَ على وزن: يعل. قَوْله: فَكتب: مَا قَتَلْنَاهُ فِي رِوَايَة الْكشميهني: فَكَتَبُوا، وَهَذَا أوجه. قَالَ الْكرْمَانِي: فَكتب أَي كتب الْحَيّ الْمُسَمّى باليهود، وَفِيه تكلّف، وَقَالَ بَعضهم: وَأقرب مِنْهُ أَن يُرَاد الْكَاتِب عَنْهُم لِأَن الَّذِي يُبَاشر الْكِتَابَة إِنَّمَا هُوَ وَاحِد. قلت: هَذَا أَيْضا فِيهِ تكلّف. وَالْأَقْرَب مِنْهُ والأصوب: كتبُوا، بِصِيغَة الْجمع، وَالْأولَى أَن يكون: كتب، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَلَفظ: قَوْله: مَا قَتَلْنَاهُ مَرْفُوع بِهِ محلا أَي: كتب هَذَا اللَّفْظ. قَوْله: أتحلفون؟ قَالَ الْكرْمَانِي: كَيفَ عرضت الْيَمين على الثَّلَاثَة، وَإِنَّمَا هِيَ للْوَارِث خَاصَّة وَهُوَ أَخُوهُ؟ قلت: كَانَ مَعْلُوما عِنْدهم أَن الْيَمين يخْتَص بِهِ فَأطلق الْخطاب لَهُم لِأَنَّهُ كَانَ لَا يعْمل شَيْئا إلَاّ بمشورتهما، إِذْ هُوَ كَانَ كَالْوَلَدِ لَهما. قَوْله: فواده أَي: فَأعْطى دِيَته رَسُول الله إِنَّمَا أعطَاهُ من عِنْده قطعا للنزاع وجبراً لخاطرهم، وإلَاّ فاستحقاقهم لم يثبت.

стр. 7384

(بابٌ هَلْ يَجُوزُ لِلْحاكِمِ أنْ يَبْعَثَ رجُلاً وحْدَهُ لِلنَّظَرِ فِي الأمُورِ) أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يجوز للْحَاكِم أَن يبْعَث رجلا حَال كَونه وَحده للنَّظَر فِي الْأُمُور أَي: فِي أُمُور الْمُسلمين؟ وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والكشميهني: أَن يبْعَث رجلا وَحده ينظر فِي الْأُمُور؟ وَجَوَاب الِاسْتِفْهَام مَحْذُوف لم يذكرهُ اكْتِفَاء بِمَا يُوضح ذَلِك فِي حَدِيث الْبَاب. وَفِيه خلاف: فَعِنْدَ مُحَمَّد بن الْحسن: لَا يجوز للْقَاضِي أَن يَقُول: أقرّ عِنْدِي فلَان بِكَذَا لَا يقْضِي بِهِ عَلَيْهِ من قتل أَو مَال أَو عتق أَو طَلَاق حَتَّى يشْهد مَعَه على ذَلِك غَيره، وَأجَاب عَن حَدِيث الْبَاب أَنه خَاص بِالنَّبِيِّ، قَالَ: وَيَنْبَغِي أَن يكون فِي مجْلِس القَاضِي أبدا عَدْلَانِ يسمعان من يقر ويشهدان على ذَلِك، فَينفذ الحكم بِشَهَادَتِهِمَا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف: إِذا أقرّ رجل عِنْد القَاضِي بِأَيّ شَيْء كَانَ وَسعه أَن يحكم بِهِ. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم على مَذْهَب مَالك: إِن كَانَ القَاضِي عدلا وَحكم بِهِ ينفذ، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: وَإِن لم يكن عدلا لم يقبل قَوْله. وَقَالَ الْمُهلب: فِي هَذَا الحَدِيث حجَّة لمَالِك فِي جَوَاز إِنْفَاذ الْحَاكِم رجلا وَاحِدًا يَثِق بِهِ يكْشف لَهُ عَن حَال الشُّهُود فِي السِّرّ، كَمَا يجوز قبُول الْفَرد فِيمَا طَرِيقه الْخَبَر لَا الشَّهَادَة، وَقَالَ: وَقد اسْتدلَّ بِهِ قوم فِي جَوَاز تَنْفِيذ الحكم دون إعذار إِلَى الْمَحْكُوم عَلَيْهِ، قَالَ: وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء لِأَن الْإِعْذَار يشْتَرط فِيمَا كَانَ الحكم فِيهِ بِالْبَيِّنَةِ لَا مَا كَانَ بِالْإِقْرَارِ كَمَا فِي هَذِه الْقِصَّة، لقَوْله فَإِن اعْترفت. ٧١٩٣ -، ٧١٩٤ حدّثنا آدَمُ، حَدثنَا ابنُ أبي ذِئْبٍ، حدّثنا الزُّهْرِيُّ، عنْ عُبَيْدِ الله، بنِ عَبْدِ الله عنْ أبي هُرَيْرَةَ، وزَيْدِ بنِ خالِدٍ الجُهَنيِّ قَالَا: جاءَ أعْرابيٌّ فَقَالَ: يَا رسولَ الله اقْضِ بَيْنَنا بِكِتابِ الله فقامَ خَصْمُهُ فَقَالَ: صَدَقَ، فاقْضِ بَيْنَنا بِكِتابِ الله. فَقَالَ الأعْرَابِيُّ: إنَّ ابْني كانَ عَسِيفاً عَلى هَذَا فَزَنَى بامْرَأتِهِ، فقالُوا لي: عَلى ابْنِكَ الرَّجْمُ، فَفَدَيْتُ ابْني مِنْهُ بِمائَةٍ مِنَ الغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ. ثُمَّ سألْتُ أهْلَ العِلْمِ فقالُوا: إنَّما عَلى ابْنِكَ جَلْدُ مائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، فَقَالَ النبيُّ لأقْضَيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتاب الله أمَّا الوَلِيدَةُ والغَنَمُ فَرَدُّ عَلَيْكَ، وعَلى ابْنِكَ جَلْدُ مائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، وأمَّا أنْتَ يَا أنَيْسُ لِرَجُلٍ فاغْدُ عَلى امْرَأةِ هاذَا فارْجُمْها فَغَدَا عَليْها أُنَيْسٌ فَرَجَمَها. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: فاغد يَا أنيس على امْرَأَة هَذَا وَشَيخ البُخَارِيّ آدم بن إِيَاس واسْمه عبد الرَّحْمَن أَصله من خُرَاسَان سكن عسقلان وَهُوَ من أَفْرَاده، وَابْن أبي ذِئْب مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْمُغيرَة بن الْحَارِث بن أبي ذِئْب بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة واسْمه هِشَام، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم، وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة. والْحَدِيث مضى مكرراً فِي الشُّرُوط عَن قُتَيْبَة، وَفِي الْوكَالَة عَن أبي الْوَلِيد وَفِي الصُّلْح عَن آدم وَفِي النذور عَن إِسْمَاعِيل وَفِي الْمُحَاربين عَن عبد الله بن يُوسُف وَعَن عَاصِم بن عَليّ وَعَن مَالك بن إِسْمَاعِيل وَغير ذَلِك، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: كَانَ عسيفاً أَي: أَجِيرا قَوْله: لأقضين بَيْنكُمَا بِكِتَاب الله أَي: بِحكم الله وَلَيْسَ هُوَ فِي كتاب الله صَرِيحًا. قَوْله: ووليدة هِيَ الْجَارِيَة. قَوْله: فَرد أَي: مَرْدُود يجب الرَّد عَلَيْك. قَوْله: يَا أنيس مصغر أنس ابْن الضَّحَّاك الْأَسْلَمِيّ على الْأَصَح وَالْمَرْأَة كَانَت أسلمية. قَوْله: فارجمها يَعْنِي: إِن اعْترفت فارجمها، صرح بِهِ فِي سَائِر الرِّوَايَات. (بابُ تَرْجَمَةِ الحُكّام، وهَلْ يَجُوزُ تُرْجُمانٌ واحِدٌ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَرْجَمَة الْحُكَّام، جمع حَاكم، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني تَرْجَمَة الْحَاكِم بِالْإِفْرَادِ التَّرْجَمَة تَفْسِير الْكَلَام بِلِسَان غير لِسَانه، يُقَال: ترْجم كَلَامه إِذا فسره بِلِسَان آخر، وَمِنْه الترجمان، وَالْجمع التراجم. قَالَ الْجَوْهَرِي: وَلَك أَن تضم التَّاء لضم الْجِيم فَتَقول: ترجمان. قَوْله: وَهل يجوز ترجمان وَاحِد؟ إِنَّمَا ذكره بالاستفهام لأجل الْخلاف الَّذِي فِيهِ. فَعِنْدَ أبي حنيفَة وَأحمد يكْتَفى بِوَاحِد، وَاخْتَارَهُ البُخَارِيّ وَابْن الْمُنْذر وَآخَرُونَ. وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد فِي الْأَصَح: إِذا لم يعرف الْحَاكِم لِسَان الْخصم

стр. 7385

لَا يقبل فِيهِ إلَاّ عَدْلَانِ كَالشَّهَادَةِ، وَقَالَ أَشهب وَابْن نَافِع عَن مَالك وَابْن حبيب عَن مطرف وَابْن الْمَاجشون: إِذا اخْتصم إِلَى القَاضِي من لَا يتَكَلَّم بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَا يفقه كَلَامه فليترجم لَهُ عَنْهُم ثِقَة مُسلم مَأْمُون، وَاثْنَانِ أحب إليّ، وَالْمَرْأَة تجزىء، وَلَا يقبل تَرْجَمَة كَافِر، وَشرط الْمَرْأَة عِنْد من يرَاهُ أَن تكون عدلة، وَلَا يترجم من لَا تجوز شَهَادَته. ٧١٩٥ - وَقَالَ خارِجَةُ بنُ زَيْدِ بنِ ثابِتٍ: عنْ زَيْدِ بنِ ثابِتٍ، أنَّ النبيَّ أمَرَهُ أنْ يَتَعَلّمَ كِتابَ اليَهُودِ حتَّى كَتَبْتُ لِلنبيِّ كُتُبَهُ وأقْرَأتُهُ كُتُبَهُمْ إذَا كَتَبُوا إلَيْهِ. هَذَا التَّعْلِيق من الْأَحَادِيث الَّتِي لم يُخرجهَا البُخَارِيّ إلَاّ معلقَة وَقد وَصله مطولا فِي كتاب التَّارِيخ عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس: حَدثنِي عبد الرحمان بن أبي الزِّنَاد عَن أَبِيه عَن خَارِجَة بن زيد بن ثَابت الحَدِيث. قَوْله: كتاب الْيَهُود أَي: كتابتهم يَعْنِي: خطهم، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: كتاب الْيَهُودِيّ. بياء النِّسْبَة. قَوْله: حَتَّى كتبت بِلَفْظ الْمُتَكَلّم. قَوْله: كتبه يَعْنِي: إِلَيْهِم. قَوْله: وَأَقْرَأْته كتبهمْ يَعْنِي: الَّتِي يكتبونها إِلَيْهِ. وَقَالَ عُمَرُ وعِنْدَهُ عَلِيٌّ وعَبْدُ الرَّحْمانِ وعُثْمانُ: ماذَا تَقُولُ هَذِهِ؟ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ حاطِبٍ: فَقُلْت: تخْبِرُكَ بِصاحِبِهما الَّذِي صَنَعَ بِهِما. أَي: قَالَ عمر بن الْخطاب. وَالْحَال أَن عِنْده عَليّ بن أبي طَالب وَعبد الرحمان بن عَوْف وَعُثْمَان بن عَفَّان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قَوْله: مَاذَا تَقول هَذِه؟ مقول عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَشَارَ بقوله: هَذِه، إِلَى امْرَأَة كَانَت حَاضِرَة عِنْدهم، فترجم عبد الرحمان بن حَاطِب بن أبي بلتعة مترجماً عَنْهَا لعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بإخبارها عَن فعل صَاحبهمَا، وَهِي كَانَت نوبية بِضَم النُّون وَسُكُون الْوَاو وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف أَعْجَمِيَّة من جملَة عُتَقَاء حَاطِب، وَقد زنت وحملت فأقرت أَن ذَلِك من عبد اسْمه: برغوس، بالراء والغين الْمُعْجَمَة وبالسين الْمُهْملَة بِدِرْهَمَيْنِ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق وَسعد بن مَنْصُور من طرق عَن يحيى بن عبد الرحمان بن حَاطِب عَن أَبِيه نَحوه. وَقَالَ أبُو جَمْرَةَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابنِ عباسٍ وبَيْنَ النَّاس. أَبُو جَمْرَة بِالْجِيم وَالرَّاء واسْمه نصر بن عمرَان الضبعِي الْبَصْرِيّ. وَأخرجه النَّسَائِيّ بِزِيَادَة بعد قَوْله: وَبَين النَّاس، وأتته امْرَأَة فسالته عَن نَبِيذ الْجَرّ فَنهى عَنهُ ... الحَدِيث. وَقَالَ بَعْضُ النّاسِ: لَا بُدَّ لِلْحاكِمِ مِنْ مُتَرْجِمَيْنِ. قَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ مغلطاي الْمصْرِيّ: كَأَنَّهُ يُرِيد بِبَعْض النَّاس الشَّافِعِي، وَهُوَ رد لقَوْل من قَالَ: إِن البُخَارِيّ إِذا قَالَ: بعض النَّاس، أَرَادَ بِهِ أَبَا حنيفَة، ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي: أَقُول غرضهم بذلك غَالب الْأَمر أَو فِي مَوضِع تشنيع عَلَيْهِ وقبح الْحَال، أَو أَرَادَ بِهِ هَاهُنَا أَيْضا بعض الْحَنَفِيَّة، لِأَن مُحَمَّد بن الْحسن قَالَ بِأَنَّهُ لَا بُد من اثْنَيْنِ، غَايَة مَا فِي الْبَاب أَن الشَّافِعِيَّة أَيْضا قَائِل بِهِ، لَكِن لم يكن مَقْصُودا بِالذَّاتِ انْتهى. وَقَالَ بَعضهم: المُرَاد بِبَعْض النَّاس مُحَمَّد بن الْحسن فَإِنَّمَا الَّذِي اشْترط أَنه لَا بُد فِي التَّرْجَمَة من اثْنَيْنِ، ونزلها منزلَة الشَّهَادَة. وَوَافَقَهُ الشَّافِعِي فَتعلق بذلك مغلطاي، فَقَالَ: فِيهِ رد لقَوْل من قَالَ: إِن البُخَارِيّ ... الخ. قلت: سُبْحَانَ الله مَا هَذَا التعصب الْبَاطِل حَتَّى يوقعوا بِهِ أنفسهم فِي الْمَحْذُور فمآله لكرماني الَّذِي طرح جِلْبَاب الْحيَاء وَبقول أَو فِي مَوضِع تشنيع عَلَيْهِ وقبح الْحَال وَمَا التشنيع وقبح الْحَال، إِلَّا على من يتَكَلَّم فِي الْأَئِمَّة الْكِبَار الَّذين سَبَقُوهُمْ بِالْإِسْلَامِ وَقُوَّة الدّين وَكَثْرَة الْعلم وَشدَّة الْوَرع والقرب من زمن النَّبِي وَمَعَ هَذَا فالكرماني مَا جزم بِأَن مُرَاد البُخَارِيّ بِبَعْض النَّاس أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد بن الْحسن لِأَنَّهُ ردد فِي كَلَامه، وَالْعجب من بَعضهم الَّذِي جزم بِأَن المُرَاد بِهِ مُحَمَّد بن الْحسن، فهروبهم عَن المُرَاد بِهِ الشَّافِعِي مثل مَا ذكره الشَّيْخ

стр. 7386

عَلَاء الدّين مغلطاي، لماذا وَالْحَال أَن المُرَاد لَو كَانَ الشَّافِعِي لما يلْزم بِهِ النَّقْص للشَّافِعِيّ وَلَا ينقص من جلالة قدره شَيْء، على أَن البُخَارِيّ لَا يراع الشَّافِعِي قطّ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه مَا روى عَنهُ قطّ فِي جَامعه الصَّحِيح وَلَو كَانَ يعْتَرف بِهِ لروى عَنهُ كَمَا روى عَن الإِمَام مَالك جملَة مستكثرة، وَكَذَلِكَ روى عَن أَحْمد بن حَنْبَل فِي آخر الْمَغَازِي فِي مُسْند بُرَيْدَة أَنه: غزا مَعَ النَّبِي سِتّ عشرَة غَزْوَة، وَقَالَ فِي كتاب الصَّدقَات: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ حَدثنَا أبي حَدثنَا ثُمَامَة ... الحَدِيث، ثمَّ قَالَ عَقِيبه: وَزَادَنِي أَحْمد بن حَنْبَل عَن مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، وَقَالَ فِي كتاب النِّكَاح: قَالَ لنا أَحْمد بن حَنْبَل. ٧١٩٦ - حدّثنا أبُو اليمانِ، أخبرنَا شُعَيْبٌ، عنِ الزهْرِيِّ أَخْبرنِي عُبَيْدُ الله بنُ عبْدِ الله أنَّ عَبْدَ الله بنَ عَبَّاسٍ أخبرَهُ أنَّ أَبَا سُفْيانَ بنَ حَرْبٍ أخبَرَهُ أنَّ هِرْقَلْ أرْسَلَ إلَيْهِ فِي ركْبٍ مِنْ قُرَيشٍ ثُمَّ، قَالَ لِتَرْجُمانِهِ: قُلْ لَهُمْ: إنِّي سائِلٌ هاذا، فإنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ، فَقَالَ للتَّرْجمانِ: قُلْ لهُ: إنْ كانَ مَا تَقُولُ حَقّاً فَسَيمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هاتَيْنِ. قَالَ الْكرْمَانِي ذكر تَرْجَمَة الْحَاكِم وَلَا حكم فِيهَا، وَنصب الْأَدِلَّة فِي غير مَا ترْجم عَلَيْهِ. قلت: غَرَض البُخَارِيّ ذكر لفظ التَّرْجَمَة لَيْسَ إلَاّ وَلَيْسَ مُرَاده الحكم بالترجمة. وَرِجَال الحَدِيث قد تكَرر ذكرهم، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع. والْحَدِيث مضى فِي أول الْكتاب مطولا. وَأَبُو سُفْيَان اسْمه صَخْر بن حَرْب. ٤١ - (بابُ مُحاسَبَةِ الإمامِ عُمَّالَهُ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان محاسبة الإِمَام عماله، بِضَم الْعين جمع عَامل. ٧١٩٧ - حدّثنا مُحَمَّدٌ، أخبرنَا عَبْدَة، حدّثنا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ، عنْ أبِيهِ عنْ أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أنَّ النبيَّ اسْتَعْمَلَ ابنَ الأُتَبِيَّةِ عَلى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ، فَلَمَّا جاءَ إِلَى رسُولِ الله وحاسبَهُ قَالَ: هَذَا الّذِي لَكُمْ وهاذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لي، فَقَالَ رسولُ الله فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أبِيكِ وبَيْتِ أُمِّكَ حتَّى تأتِيَكَ هَدَيَّتُكَ إنْ كُنْتَ صَادِقا ثُمَّ قامَ رسولُ الله فَخَطَبَ النَّاسَ وحَمِدَ الله وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أمَّا بَعْدُ فإنِّي اسْتَعْمِلُ رِجالاً مِنْكُمْ عَلى أُمُور مِمَّا ولَّاني الله، فَيأتِي أحَدُكُمْ فَيَقُولُ: هاذا لَكُمْ وهاذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، فَهَلَاّ جَلَسَ فِي بَيْتِ أبِيهِ وبَيْتِ أُمِّهِ حتَّى تأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ إنْ كَانَ صَادِقا؟ فَوالله لَا يَأخُذُ أحَدُكُمْ مِنْها شَيْئاً قَالَ هِشامٌ: بِغَيْرِ حَقِّهِ إلاّ جاءَ الله يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، أَلا فَلَا أعْرفَنَّ مَا جاءَ الله رجُلٌ بِبَعِيرٍ لَهُ رُغاءٌ، أوْ بِبَقَرَةٍ لَها خُوارٌ، أوْ شاةٍ تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حتَّى رَأيْتُ بَياضَ إبْطَيْهِ: أَلا هَلْ بَلَّغْتُ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام، وَعَبدَة هُوَ ابْن سُلَيْمَان. والْحَدِيث مضى عَن قريب فِي: بَاب هَدَايَا الْعمَّال، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. قَوْله: ابْن الأتبية بِضَم الْهمزَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَيُقَال: ابْن اللتبية بِاللَّامِ بدل الْهمزَة واسْمه عبد الله. قَوْله: فَهَلا جلس هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَفِي رِوَايَة غَيره: أَلا، وهما بِمَعْنى. قَوْله: فَلَا أَعرفن بِلَفْظ النَّهْي ويروى: فلأعرفن، وَاللَّام جَوَاب الْقسم. قَوْله: مَا جَاءَ الله أَي: مَجِيئه ربه وَكلمَة: مَا، مَصْدَرِيَّة أَو مَوْصُوفَة أَي: رجل جَاءَ الله. قَوْله: رجل بِبَعِير أَي: يَجِيء رجل بِبَعِير أَو هُوَ خبر مُبْتَدأ أَي: هُوَ رجل. قَوْله: تَيْعر بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَفتحهَا من

стр. 7387

اليعارة وَهُوَ صَوت الْغنم. قَوْله: أَلا كلمة تَنْبِيه وحث على مَا يَجِيء بعْدهَا. ٤٢ - (بابُ بِطانَةِ الإمامِ وأهْلِ مَشُورَتِهِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان بطانة الإِمَام، وَيَجِيء تَفْسِير البطانة الْآن. قَوْله: وَأهل مشورته من عطف الْخَاص على الْعَام، والمشورة بِفَتْح الْمِيم وَضم الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الرَّاء وَهُوَ اسْم من: شاورت فلَانا فِي كَذَا، وَتَشَاوَرُوا واستشوروا، والشورى التشاور، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: المشورة الشورى، وَكَذَا المشورة بِضَم الشين، تَقول مِنْهُ: شاورته فِي الْأَمر واستشرته بِمَعْنى. انْتهى. قلت: قد يُنكر سُكُون الشين فِيهِ. وَهَذَا كَلَام الْجَوْهَرِي يدل على صِحَّته، وَحَاصِل معنى شاورته: عرضت عَلَيْهِ أَمْرِي حَتَّى يدلني على الصَّوَاب مِنْهُ. البِطانَةُ: الدُّخَلاءُ. البطانة بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة الصاحب الوليجة والدخيل والمطلع على السريرة، وَفَسرهُ البُخَارِيّ بقوله: الدخلاء، وَهُوَ جمع دخيل وَهُوَ الَّذِي يدْخل على الرئيس فِي مَكَان خلوته ويفضي إِلَيْهِ بسره ويصدقه فِيمَا يخبر بِهِ مِمَّا يخفى عَلَيْهِ من أَمر رَعيته وَيعْمل بِمُقْتَضَاهُ. ٧١٩٨ - حدّثنا أصْبَغُ، أخبرنَا ابنُ وَهْبٍ، أَخْبرنِي يُونُسُ، عنِ ابنِ شِهابٍ، عنْ أبي سَلَمَةَ، عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عنِ النَّبيِّ قَالَ: مَا بَعَثَ الله مِنْ نَبِيَ وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إلاّ كانَتْ لهُ بِطانَتانِ: بِطانَةٌ تَأمُرُهُ بِالمَعْرُوفِ وتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وبِطانَةٌ تَأمُرُه بِالشَّرِّ وتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، فالمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ الله تَعَالَى انْظُر الحَدِيث ٦٦١١ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأصبغ هُوَ ابْن الْفرج الْمصْرِيّ، وَابْن وهب هُوَ عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرحمان بن عَوْف، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ واسْمه سعد بن مَالك. والْحَدِيث مضى فِي الْقدر عَن عَبْدَانِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْبيعَة وَفِي السّير عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى عَن عبد الله بن وهب بِهِ. قَوْله: مَا بعث الله من نَبِي وَلَا اسْتخْلف من خَليفَة وَفِي رِوَايَة صَفْوَان بن سليم: مَا بعث الله من نَبِي وَلَا بعده من خَليفَة، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ وَمُعَاوِيَة بن سَلام: مَا من والٍ، وَهُوَ أَعم. قَوْله: بِالْمَعْرُوفِ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان بِالْخَيرِ. قَوْله: وتحضه بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة الْمُشَدّدَة أَي: يرغبه فِيهِ ويدله عَلَيْهِ. فَإِن قلت: هَذَا التَّقْسِيم مُشكل فِي حق النَّبِي قلت: فِي بَقِيَّة الحَدِيث الْإِشَارَة إِلَى سَلامَة النَّبِي من بطانة الشَّرّ بقوله: والمعصوم من عصم الله وَهُوَ مَعْصُوم لَا شكّ فِيهِ. وَلَا يلْزم من وجود من يُشِير على النَّبِي بِالشَّرِّ أَن يقبل مِنْهُ. وَقيل: المُرَاد بالبطانتين فِي حق النَّبِي الْملك والشيطان، وشيطانه قد أسلم فَلَا يَأْمُرهُ إلَاّ بِخَير. قَوْله: والمعصوم من عصم الله أَي: من عصمه الله، وَكَذَا فِي بعض الرِّوَايَة وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَي لكل نَبِي وَخَلِيفَة جلساء صَالِحَة وجلساء طالحة، والمعصوم من عصمه الله من الطالحة، أَو لكل مِنْهُمَا نفس أَمارَة بالسوء وَنَفس لوامة، والمعصوم من أعطَاهُ الله نفسا مطمئنة، أَو لكل قُوَّة ملكية وَقُوَّة حيوانية والمعصوم من رجح الله لَهُ جَانب الملكية، قَالَ الْمُهلب: غَرَضه إِثْبَات الْأُمُور لله تَعَالَى، فَهُوَ الَّذِي يعْصم من نزغات الشَّيَاطِين والمعصوم من عصمه الله لَا من عصم نَفسه. وَقَالَ سُلَيْمانُ عنْ يَحْياى: أَخْبرنِي ابنُ شِهابٍ بِهاذا. سُلَيْمَان هُوَ ابْن بِلَال، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ. قَوْله: بِهَذَا، أَي: بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، وَوَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ

стр. 7388

من طَرِيق أَيُّوب بن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن أبي بكر بن أبي أويس عَن سُلَيْمَان بن بِلَال، قَالَ: قَالَ يحيى بن سعيد: أَخْبرنِي ابْن شهَاب ... فَذكره. وَعَن ابْن أبي عَتِيقٍ ومُوساى عنِ ابنِ شهَاب، مِثْلَهُ. هَذَا عطف على يحيى بن سعيد، وَابْن أبي عَتيق هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرحمان بن أبي بكر الصّديق، ومُوسَى هُوَ ابْن عقبَة وَوَصله الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق أبي بكر بن أبي أويس عَن سُلَيْمَان بن بِلَال عَن مُحَمَّد بن أبي عَتيق ومُوسَى بن عقبَة بِهِ. قَوْله: مثله، أَي: مثل الحَدِيث الْمَذْكُور، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَالْفرق بَينهمَا أَي: بَين قَوْله: بِهَذَا، وَبَين قَوْله: مثله، أَن الْمَرْوِيّ فِي الطَّرِيق الأول هُوَ الحَدِيث الْمَذْكُور بِعَيْنِه، وَفِي الثَّانِي هُوَ مثله. وَقَالَ بَعضهم: وَلَا يظْهر بَين هذَيْن فرق. قلت: كَيفَ يَنْفِي الْفرق وَمثل الشَّيْء غير عينه. وَقَالَ شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ: حدّثني أَبُو سَلَمَةَ عنْ أبي سَعِيدٍ قَوْلَهُ. شُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة الْحِمصِي يَعْنِي: روى شُعَيْب عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، قَالَ: حَدثنِي أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ. قَوْله: يَعْنِي لم يرفعهُ بل جعله من كَلَام أبي سعيد، وانتصاب: قَوْله، بِنَزْع الْخَافِض أَي: من قَوْله. قيل: هَذِه الرِّوَايَة الْمَوْقُوفَة وَصلهَا الذهلي فِي الزهريات وَقَالَ الأوْزاعِيُّ ومُعاوِيَةُ بنُ سَلامٍ: حدّثني الزُّهْرِيُّ حدّثني أبُو سَلَمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ الْأَوْزَاعِيّ هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو، وَمُعَاوِيَة بن سَلام بتَشْديد اللَّام الدِّمَشْقِي أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الْأَوْزَاعِيّ وَمُعَاوِيَة خالفا من تقدم فَجعلَا الحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة بدل أبي سعيد، وخالفا شعيباً أَيْضا فَإِن شعيباً وَقفه وهما رَفَعَاهُ، فرواية الْأَوْزَاعِيّ وَصلهَا أَحْمد من رِوَايَة الْوَلِيد بن مُسلم عَنهُ، وَرِوَايَة مُعَاوِيَة بن سَلام وَصلهَا النَّسَائِيّ من رِوَايَة معمر بِالتَّشْدِيدِ بن يعمر بِفَتْح الْبَاء وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة: حَدثنَا مُعَاوِيَة بن سَلام حَدثنَا الزُّهْرِيّ حَدثنِي أَبُو سَلمَة أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ ... فَذكره. وَقَالَ ابنُ أبي حُسَيْنٍ وسَعيدُ بنُ أبي زِيادٍ عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ أبي سَعيدٍ قَوْلَهُ. ابْن أبي حُسَيْن هُوَ عبد الله بن عبد الرحمان بن أبي حُسَيْن النَّوْفَلِي الْمَكِّيّ، وَسَعِيد بن أبي زِيَادَة الْأنْصَارِيّ الْمدنِي من صغَار التَّابِعين روى عَن جَابر وَحَدِيثه عَنهُ عِنْد أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَمَاله راوٍ إلَاّ سعيد بن أبي هِلَال، وَقد قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: مَجْهُول، وَمَا لَهُ فِي البُخَارِيّ ذكر إلَاّ فِي هَذَا الْموضع. وَقَالَ عُبَيْدُ الله بنُ أبي جَعْفَرٍ: حدّثني صَفْوَانُ عنْ أبي سَلمَةَ عنْ أبي أيُّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ النبيَّ عبيد الله بن أبي جَعْفَر اسْمه يسَار ضد الْيَمين الْمصْرِيّ من التَّابِعين الصغار، وَصَفوَان هُوَ ابْن سليم بِالضَّمِّ مولى آل عَوْف، وَأَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ اسْمه خَالِد بن زيد، وَوصل هَذَا الطَّرِيق النَّسَائِيّ من طَرِيق اللَّيْث عَن عبيد الله بن جَعْفَر عَن صَفْوَان عَن أبي سَلمَة عَن أبي أَيُّوب، قَالَ الْكرْمَانِي: والْحَدِيث مَرْفُوع من ثَلَاثَة أنفس من الصَّحَابَة. قلت: هم أَبُو سعيد وَأَبُو هُرَيْرَة وَأَبُو أَيُّوب. ٤٣ - (بابٌ كَيْفَ يُبايِعُ الإمامُ النَّاس) أَي: هَذَا بَاب فِيهِ كَيفَ يُبَايع الإِمَام النَّاس، قيل: المُرَاد بالكيفية الصِّيَغ القولية لَا الفعلية بِدَلِيل مَا ذكره فِيهِ سِتّ أَحَادِيث،

стр. 7389

وَهِي الْبيعَة على السّمع وَالطَّاعَة وعَلى الْهِجْرَة وعَلى الْجِهَاد وعَلى الصَّبْر وعَلى عدم الْفِرَار وَلَو وَقع الْمَوْت وعَلى بيعَة النِّسَاء وعَلى الْإِسْلَام، وكل ذَلِك وَقع عِنْد الْبيعَة بَينهم بالْقَوْل. حدّثنا إسْماعِيلُ، حدّثني مالِكٌ عنْ يَحْياى بنِ سَعيدٍ قَالَ أَخْبرنِي عُبادَةُ بنُ الوَلِيدِ أَخْبرنِي أبي عنْ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ قَالَ: بايَعْنا رسولَ الله عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ فِي المَنْشَطِ والمَكْرَهِ. وأنْ لَا نُنازِعَ الأمْرَ أهْلَهُ، وأنْ نَقُومَ أَو نَقُولَ بالحَقِّ حَيْثُما كُنَّا لَا نَخافُ فِي الله لَوْمَةَ لائِمٍ. ي: ٧٢٠٥، ٧٢٧٢ وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ. والْحَدِيث من أَفْرَاده. قَوْله: عبد الْملك هُوَ ابْن مَرْوَان بن الحكم الْأمَوِي، وَالْمرَاد باجتماع النَّاس عَلَيْهِ عقدهم لَهُ بالخلافة وَكَانَ بُويِعَ لَهُ فِي حَيَاة أَبِيه، فَلَمَّا مَاتَ أَبوهُ فِي ثَالِث رَمَضَان فِي سنة خمس وَسِتِّينَ جددت لعبد الْملك الْبيعَة بِدِمَشْق ومصر وأعمالهما، واستقرت يَده على مَا كَانَت يَد أَبِيه عَلَيْهِ. قَوْله: كتب أَي: ابْن عمر إِنِّي أقرّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة إِلَى آخِره. قَوْله: مَا اسْتَطَعْت أَي: قدر استطاعتي. قَوْله: إِن بني قد أقرُّوا بذلك أَي: بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة، وأبناؤه هم عبد الله وَأَبُو بكر وَأَبُو عُبَيْدَة وبلال وَعمر أمّهم صَفِيَّة بنت أبي عبيد بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ وَعبد الرحمان أمه أم عَلْقَمَة بنت نافس

стр. 7390

بن وهب وَسَالم وَعبيد الله وَحَمْزَة أمّهم أم ولد وَزيد أمه أم وَلَده. ٧٢٠٤ - حدّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا هُشيمٌ، أخبرنَا سَيَّارٌ، عَن الشعبيِّ، عَن جرير بن عبد الله قَالَ: بايعتُ النبيّ على السّمع وَالطَّاعَة، فلقنني: فِيمَا است ٧٢٠٥ - حدّثنا عَمْرو بن عَليّ، حَدثنَا يحيى عَن سُفْيَان قَالَ: حَدثنِي عبد الله بن دِينَار قَالَ: لما بَايع النَّاس عبد الْملك كتب إِلَيْهِ عبدُ الله بن عمر: إِلَى عبد الله عبد الْملك أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنِّي أُقر بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة لعبد الله عبد الْملك أَمِير الْمُؤمنِينَ على سنة الله وَسنة رَسُوله، فِيمَا اسْتَطَعْت، وَإِن بني قد أقرُّوا بذلك انْظُر الحَدِيث ٧٢٠٣ وطرفه ٧٢٠٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، حَدثنَا حاتِمٌ عنْ يَزِيدَ قَالَ: قُلْتُ لِسَلَمَةَ: عَلى أيِّ شَيءٍ بايَعْتُمُ النبيَّ يَوْمَ الحُدَيْبيَةِ قَالَ: عَلى المَوْتِ. انْظُر الحَدِيث ٢٩٦٠ وطرفه مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وحاتم بِالْحَاء الْمُهْملَة ابْن إِسْمَاعِيل الْكُوفِي سكن الْمَدِينَة، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن أبي عبيد مولى سَلمَة بن الْأَكْوَع يروي عَن مَوْلَاهُ سَلمَة بن الْأَكْوَع وَهُوَ الْقَائِل لَهُ: على أَي شَيْء بايعتم قَوْله: على الْمَوْت يَعْنِي: لَا نفر وَإِن قتلنَا، وَهَذَا الحَدِيث مُخْتَصر، وَتَمَامه فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب الْبيعَة على الْحَرْب أَن لَا يَفروا. ٧٢٠٧ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدِ بنِ أسْماءَ، حدّثنا جُوَيْرِيَةُ، عنْ مالِكٍ عنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ حُمَيْدَ بنَ عَبْدِ الرَّحْمانِ، أخْبَرَهُ أنَّ المِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ أخبرهُ أنَّ الرَّهْطَ الّذِينَ وَلاهُمْ عُمَرُ اجْتَمَعُوا فَتَشاوَرُوا فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمان: لَسْتُ بِالّذِي أنافِسُكُمْ عَلى هاذَا الأمْرِ، ولاكِنَّكُمْ إنْ شئْتُمُ اخْتَرْتُ لَكُمْ مِنْكُمُ، فَجَعَلُوا ذالِكَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمانِ، فَلمَّا وَلَّوْا عَبْدَ الرَّحْمانِ أمْرَهُمْ فمالَ النَّاسُ عَلى عَبْدِ الرَّحْمانِ حتَّى مَا أراى أحدا مِنَ النَّاسِ يَتْبَعُ أُولائِكَ الرَّهْطَ وَلَا يَطَأَ عَقِبَهُ، ومالَ النَّاسُ عَلى عَبْدِ الرَّحْمانِ يُشاوِرُونَهُ تِلْكَ اللّيالي، حتَّى إِذا كانَتِ اللّيْلَة الّتِي أصْبَحْنا مِنْها فبايَعْنا عُثْمانَ، قَالَ المِسْوَرُ: طَرَقني عَبْدُ الرَّحْمانِ بَعْدَ هَجْعٍ مِنَ اللَّيْلِ، فَضَرَبَ البابَ حتَّى اسْتَيْقَظْتُ، فَقَالَ: أراكَ نائِماً فَوالله مَا اكْتَحَلْتُ هاذِهِ اللَّيْلَةَ بِكَثِيرِ نَوْمٍ، انْطَلِقْ فادْعُ الزُّبَيْرَ وسَعْداً، فَدَعُوتُهُما لهُ فَشاوَرَهُما، ثُمَّ دَعاني فَقَالَ: ادْعُ لي عَلِيّاً فَدَعَوْتُهُ فَناجاهُ حتَّى ابْهارَّ اللَّيْلُ، ثُمَّ قامَ عَلِيٌّ مِنْ عِنْدِهِ، وهْوَ عَلى طَمَعٍ وقَدْ كانَ عَبْدُ الرَّحْمانِ يَخْشَى مِنْ عَلِيَ شَيْئاً، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي عُثْمانَ فَدَعَوْتُهُ فَنجاهُ، حتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُما المُؤَذِّنُ بِالصُّبْحِ، فَلمَّا صَلّى للنَّاسِ الصُّبْحَ، واجْتَمَعَ أُولائِكَ الرَّهْطُ عِنْدَ المِنْبَرِ، فأرْسَلَ إِلَى مَنْ كانَ حاضِراً مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وأرْسَلَ إِلَى أُمَراءِ الأجْناد وَكَانُوا وافَوْا تِلْكَ الحَجَّةَ مَعَ عُمَرَ، فَلمَّا اجْتَمَعُوا تَشَهَّدَ عَبْدُ الرَّحْمانِ ثُمَّ قَالَ: أمَّا بَعْدُ يَا عَلِيُّ إنِّي قَدْ نَظَرْتُ فِي أمْرِ النَّاسِ فَلَمْ أرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمانَ، فَلا تَجْعَلَنَّ عَلى نَفْسِكَ سَبِيلاً، فَقَالَ: أُبايِعُكَ عَلى سُنَّةِ الله وسُنَّةِ رسُولِهِ والخَليفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ، فبايَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمانِ وبايَعَهُ النَّاسُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ وأُمَراءُ الأجْناد والمُسْلِمُونَ. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَهَذَا آخر الْأَحَادِيث السِّتَّة الَّتِي أخرج كلّاً مِنْهَا لكل من الْبيعَة السِّتَّة. وَجُوَيْرِية مصغر جَارِيَة ابْن أَسمَاء الضبعِي وَهُوَ عَم عبد الله بن مُحَمَّد بن أَسمَاء الرَّاوِي عَنهُ، وَحميد بن عبد الرحمان بن عَوْف، والمسور بِكَسْر الْمِيم ابْن مخرمَة بِفَتْح الْمِيم ابْن نَوْفَل ابْن أُخْت عبد الرحمان بن عَوْف يكنى أَبَا عبد الرحمان، سمع النَّبِي قَوْله: إِن الرَّهْط الَّذين ولاهم عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم عُثْمَان وَعلي وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعبد الرحمان بن عَوْف وَسعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَقَالَ: إِن عجل بِي أَمر فالشورى فِي هَؤُلَاءِ السِّتَّة الَّذين توفّي رَسُول الله وَهُوَ عَنْهُم راضٍ. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: فَلم يكن أحد من أهل الْإِسْلَام يومئذٍ لَهُ مَنْزِلَتهمْ من الدّين وَالْهجْرَة السَّابِقَة وَالْفضل وَالْعلم بسياسة الْأَمر. قَوْله: فَقَالَ لَهُم عبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن عَوْف. قَوْله: أنافسكم أَي: أنازعكم فِيهِ إِذْ لَيْسَ لي فِي الِاسْتِقْلَال بالخلافة رَغْبَة. قَوْله: على هَذَا الْأَمر هَكَذَا فِي
следующие страницы →