Полный текст (4 665 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَدَلَّسَ الزُّهْرِيُّ وَرَوَى عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ لَكِنْ لَفْظَ أَحْمَدَ وَذِكْرُ الزُّهْرِيِّ أَنَّ قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ حَدَّثَهُ يَدْفَعُ هَذَا التَّأْوِيلَ
كَذَا فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
وَذَكَرَ أَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ أَنَّ حَدِيثَ عُبَيْدِ اللَّهِ هَذَا مُرْسَلٌ
٠ - (بَاب مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى فَاطِمَةَ)
(مع الأسود) أي بن يَزِيدَ (فَقَالَ) أَيِ الْأَسْوَدُ (مَا كُنَّا لِنَدَعَ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا) قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ الَّذِي فِي كِتَابِ رَبِّنَا إِنَّمَا هُوَ إِثْبَاتُ السُّكْنَى
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا هَذِهِ زِيَادَةٌ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ لَمْ يَذْكُرْهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الثِّقَاتِ
انْتَهَى وَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ السُّنَّةُ بِيَدِ فَاطِمَةَ قَطْعًا وَأَيْضًا تِلْكَ الرِّوَايَةُ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَمَوْلِدُهُ بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ بِسَنَتَيْنِ (لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا نَدْرِي أَحَفِظَتْ ذَلِكَ أَمْ لا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَسَائِل سَمِعْت أحمد بن حنبل وذكر له قول عمر لَا نَدَع كِتَاب رَبّنَا وَسُنَّة نَبِيّنَا لِقَوْلِ اِمْرَأَة فَلَمْ يُصَحَّح هَذَا عَنْ عُمَر وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ هَذَا الْكَلَام لَا يَثْبُت عَنْ عُمَر يَعْنِي قَوْله سُنَّة نَبِيّنَا ثُمَّ ذَكَر أَحَادِيث الْبَاب ثُمَّ قَالَ بَعْد اِنْتِهَاء آخِر الْبَاب اِخْتَلَفَ النَّاس فِي الْمَبْتُوتَة هَلْ لَهَا نَفَقَة أَوْ سُكْنَى عَلَى ثَلَاثَة مَذَاهِب وَعَلَى ثَلَاث رِوَايَات عَنْ أَحْمَد أَحَدهَا أَنَّهُ لَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَة وَهُوَ ظَاهِر مَذْهَبه
وَهَذَا قَوْل عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَعَبْد اللَّه بْن عَبَّاس وَجَابِر وَعَطَاء وَطَاوُس وَالْحَسَن وَعِكْرِمَة وَمَيْمُون بْن مِهْرَانَ وَإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وداود بْن عَلِيّ وَأَكْثَر فُقَهَاء الْحَدِيث وَهُوَ مَذْهَب صَاحِبَة الْقِصَّة فَاطِمَة بِنْت قَيْس وَكَانَتْ تُنَاظِر عَلَيْهِ
وَالثَّانِي وَيُرْوَى عَنْ عُمَر وَعَبْد اللَّه بْن مَسْعُود أَنَّ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَة
وَهُوَ قول أكثر أهل
стр. 2032
فَإِنْ قُلْتَ إِنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ مِنْ عُمَرَ يَتَضَمَّنُ الطَّعْنَ عَلَى رِوَايَةِ فَاطِمَةَ قُلْتُ هَذَا مَطْعَنٌ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ رَدَّ خَبَرَ الْمَرْأَةِ لِكَوْنِهَا امْرَأَةً
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
العراق وقول بن شبرمة وبن أَبِي لَيْلَى وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ وَالْحَسَن بْن أَبِي صَالِح وَأَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَعُثْمَان الْبَتِّيُّ وَالْعَنْبَرِيُّ
وَحَكَاهُ أَبُو يَعْلَى الْقَاضِي فِي مُفْرَدَاته رِوَايَة عَنْ أَحْمَد وَهِيَ غَرِيبَة جِدًّا وَالثَّالِث أَنَّ لَهَا السُّكْنَى دُون النَّفَقَة وَهَذَا قَوْل مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَفُقَهَاء الْمَدِينَة السَّبْعَة وَهُوَ مَذْهَب عَائِشَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ
وَأَسْعَد النَّاس بِهَذَا الْخَبَر مَنْ قال بِهِ وَأَنَّهُ لَا نَفَقَة لَهَا وَلَا سُكْنَى وَلَيْسَ مَعَ رَدّه حُجَّة تُقَاوِمهُ وَلَا تُقَارِبهُ
قال بن عَبْد الْبَرّ أَمَّا مِنْ طَرِيق الْحُجَّة وَمَا يَلْزَم مِنْهَا فَقَوْل أَحْمَد بْن حَنْبَل وَمَنْ تَابَعَهُ أَصِحّ وَأَرْجَح لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيّ ﷺ نَصًّا صَرِيحًا فَأَيّ شَيْء يُعَارِض هَذَا إِلَّا مِثْله عَنْ النَّبِيّ ﷺ الَّذِي هُوَ الْمُبَيِّن عَنْ اللَّه مُرَاده وَلَا شَيْء يَدْفَع ذَلِكَ وَمَعْلُوم أَنَّهُ أَعْلَم بِتَأْوِيلِ قَوْل اللَّه تَعَالَى ﴿أُسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾
وَأَمَّا قَوْل عُمَر وَمَنْ وَافَقَهُ فقد خالفه علي وبن عَبَّاس وَمَنْ وَافَقَهُمَا وَالْحُجَّة مَعَهُمْ وَلَوْ لَمْ يُخَالِفهُمْ أَحَد مِنْهُمْ لَمَا قُبِلَ قَوْل الْمُخَالِف لِقَوْلِ رَسُول اللَّه ﷺ فَإِنَّ قَوْل رَسُول اللَّه ﷺ حُجَّة عَلَى عُمَر وَعَلَى غَيْره
وَلَمْ يَصِحّ عَنْ عُمَر أَنَّهُ قَالَ لَا نَدَع كِتَاب رَبّنَا وَسُنَّة نَبِيّنَا لِقَوْلِ اِمْرَأَة فَإِنَّ أَحْمَد أَنْكَرَهُ وَقَالَ أَمَّا هَذَا فَلَا
وَلَكِنْ قَالَ لَا نَقْبَل فِي دِينِنَا قَوْل اِمْرَأَة وَهَذَا أَمْر يَرُدّهُ الْإِجْمَاع عَلَى قَبُول الْمَرْأَة فِي الرِّوَايَة فَأَيّ حُجَّة فِي شَيْء يُخَالِفهُ الْإِجْمَاع وَتَرُدّهُ السُّنَّة وَيُخَالِفهُ فِيهِ عُلَمَاء الصَّحَابَة وَقَالَ إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق نَحْنُ نَعْلَم أَنَّ عُمَر لَا يَقُول لَا نَدَع كِتَاب رَبّنَا إِلَّا لِمَا هُوَ مَوْجُود فِي كِتَاب اللَّه تَعَالَى وَاَلَّذِي فِي الْكِتَاب أَنَّ لَهَا النَّفَقَة إِذَا كَانَتْ حَامِلًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنَّ أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾ وَأَمَّا غَيْر ذَوَات الْحَمْل فَلَا يَدُلّ إِلَّا عَلَى أَنَّهُنَّ لَا نَفَقَة لَهُنَّ لِاشْتِرَاطِهِ الْحَمْل في الأمر بالإنفاق
آخر كلامه
والذي رَدُّوا خَبَر فَاطِمَة هَذَا ظَنُّوهُ مُعَارِضًا لِلْقُرْآنِ فإن الله تعالى قال ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدكُمْ﴾ وَقَالَ ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتهنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ وَهَذَا لَوْ كَانَ كَمَا ظَنُّوهُ لَكَانَ فِي السُّكْنَى خَاصَّة وَأَمَّا إِيجَاب النَّفَقَة لَهَا فَلَيْسَ فِي الْقُرْآن إِلَّا مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَا نَفَقَة لَهُنَّ كَمَا قَالَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيل لِأَنَّ اللَّه شَرَطَ فِي وُجُوب الْإِنْفَاق أَنْ يَكُنَّ مِنْ أُولَات الْحَمْل وَهُوَ يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ حَامِلًا فَلَا نَفَقَة لَهَا كَيْف وَإِنَّ الْقُرْآن لَا يَدُلّ عَلَى وجوب السكنى للمبتوتة بِوَجْهٍ مَا فَإِنَّ السِّيَاق كُلّه إِنَّمَا هُوَ فِي الرَّجْعِيَّة
يُبَيِّن ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّه يُحْدِث بَعْد ذَلِكَ أَمْرًا﴾ وَقَوْله ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلهنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ وَهَذَا فِي الْبَائِن
стр. 2033
فَكَمْ مِنْ سُنَّةٍ قَدْ تَلَقَّتْهَا الْأُمَّةُ بَالْقَبُولِ عَنِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَهَذَا لَا يُنْكِرهُ مَنْ لَهُ أَدْنَى نَصِيبٍ مِنْ عِلْمِ السُّنَّةِ وَلَمْ يُنْقَلْ أَيْضًا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ يَرُدُّ الْخَبَرَ بِمُجَرَّدِ تَجْوِيزِ نِسْيَانِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
مُسْتَحِيل ثُمَّ قَالَ (أَسْكِنُوهُنَّ) وَاَللَّاتِي قَالَ فِيهِنَّ ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بِمَعْرُوفٍ﴾ قَالَ فِيهِنَّ ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ و ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتهنَّ﴾ وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا
وَشُبْهَة مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْآيَة فِي الْبَائِن قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَات حَمْل فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلهنَّ﴾ قَالُوا وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّجْعِيَّة لَهَا النَّفَقَة حَامِلًا كَانَتْ أَوْ حَائِلًا وَهَذَا لَا حُجَّة فِيهِ فَإِنَّهُ إِذَا أَوْجَبَ نَفَقَتهَا حَامِلًا لَمْ يَدُلّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا نَفَقَة لَهَا إِذَا كَانَتْ حَائِلًا بَلْ فَائِدَة التَّقْيِيد بِالْحَمْلِ التَّنْبِيه عَلَى اِخْتِلَاف جِهَة الْإِنْفَاق بِسَبَبِ الحمل قبل الوضع وبعده فقبل الْوَضْع لَهَا النَّفَقَة حَتَّى تَضَعهُ فَإِذَا وَضَعَتْهُ صارت النفقة بحكم الإجارة وَرَضَاعَة الْوَلَد وَهَذِهِ قَدْ يَقُوم غَيْرهَا مَقَامهَا فيه فلا تستحقها لقوله تعالى ﴿وإن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ وَأَمَّا النَّفَقَة حَال الْحَمْل فَلَا يَقُوم غَيْرهَا مَقَامهَا فِيهِ بَلْ هِيَ مُسْتَمِرَّة حَتَّى تَضَعهُ
فَجِهَة الْإِنْفَاق مُخْتَلِفَة
وَأَمَّا الْحَائِل فَنَفَقَتهَا مَعْلُومَة مِنْ نَفَقَة الزَّوْجَات فَإِنَّهَا زَوْجَة مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّة فَلَا حَاجَة إِلَى بَيَان وُجُوب نَفَقَتهَا
وَأَمَّا الْحَامِل فَلَمَّا اِخْتَلَفَ جِهَة النَّفَقَة عَلَيْهَا قَبْل الْوَضْع وَبَعْده ذَكَر سُبْحَانه الْجِهَتَيْنِ وَالسَّبَبَيْنِ وَهَذَا مِنْ أَسْرَار الْقُرْآن وَمَعَانِيه الَّتِي يَخْتَصّ اللَّه بِفَهْمِهَا مَنْ يَشَاء
وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَات حَمْل فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلهنَّ﴾ فِي الْبَوَائِنِ لَكَانَ دَلِيلًا ظَاهِرًا عَلَى أَنَّ الْحَائِل الْبَائِن لَا نَفَقَة لَهَا لا شتراط الْحَمْل فِي وُجُوب الِاتِّفَاق وَالْحُكْم الْمُعَلَّق بِالشَّرْطِ يَعْدَم عِنْد عَدَمه وَأَمَّا آيَة السُّكْنَى فَلَا يَقُول أَحَد إِنَّهَا مُخْتَصَّة بِالْبَائِنِ لِأَنَّ السِّيَاق يُخَالِفهُ وَيُبَيِّن أَنَّ الرَّجْعِيَّة مُرَادَة مِنْهَا فَإِمَّا أَنْ يُقَال هِيَ مُخْتَصَّة بِالرَّجْعِيَّةِ كَمَا يَدُلّ عَلَيْهِ سِيَاق الْكَلَام وَتَتَّحِد الضَّمَائِر وَلَا تَخْتَلِف مُفَسَّرَاتهَا بَلْ يَكُون مُفَسَّر قَوْله ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ هُوَ مُفَسَّر قَوْله ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ وَعَلَى هَذَا فَلَا حُجَّة فِي سُكْنَى الْبَائِن
وَإِمَّا أَنْ يُقَال هِيَ عَامَّة لِلْبَائِنِ وَالرَّجْعِيَّة وَعَلَى هَذَا فَلَا يَكُون حَدِيث فَاطِمَة مُنَافِيًا لِلْقُرْآنِ بَلْ غَايَته أَنْ يَكُون مُخَصِّصًا لِعُمُومِهِ وَتَخْصِيص الْقُرْآن بِالسُّنَّةِ جَائِز وَاقِع هَذَا لَوْ كَانَ قَوْله (أَسْكِنُوهُنَّ) عَامًّا فَكَيْف وَلَا يَصِحّ فِيهِ الْعُمُوم لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَقَوْل النَّبِيّ ﷺ لَا نَفَقَة لَك وَلَا سُكْنَى وَقَوْله فِي اللَّفْظ الْآخَر إِنَّمَا النَّفَقَة وَالسُّكْنَى لِلْمَرْأَةِ إِذَا كَانَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَة رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد وَالنَّسَائِيّ وَإِسْنَاده صَحِيح
وَفِي لَفْظ لِأَحْمَد إِنَّمَا النَّفَقَة وَالسُّكْنَى لِلْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجهَا مَا
стр. 2034
نَاقِلِهِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُقْدَحُ بِهِ لَمْ يَبْقَ حَدِيثٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ إِلَّا وَكَانَ مَقْدُوحًا فِيهِ لِأَنَّ تَجْوِيزَ النِّسْيَانِ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُفْضِيًا إِلَى تَعْطِيلِ السُّنَنِ بِأَسْرِهَا مَعَ كَوْنِ فَاطِمَةَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
كَانَتْ عَلَيْهَا الرَّجْعَة فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَة فَلَا نَفَقَة وَلَا سُكْنَى وَهَذَا يُبْطِل كُلّ مَا تَأَوَّلُوا بِهِ حَدِيث فَاطِمَة فَإِنَّ هَذَا فَتْوَى عَامَّة وَقَضَاء عَامّ فِي حَقّ كُلّ مُطَلَّقَة فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِشَأْنِ فَاطِمَة ذِكْر فِي الْمُبَيِّن لَكَانَ هَذَا اللَّفْظ الْعَامّ مُسْتَقِلًّا بِالْحُكْمِ لَا مُعَارِض لَهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوه
فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْقُرْآن لَا يَدُلّ عَلَى خِلَاف هَذَا الْحَدِيث بَلْ إِنَّمَا يَدُلّ عَلَى مُوَافَقَته كَمَا قَالَتْ فَاطِمَة بَيْنِي وَبَيْنكُمْ الْقُرْآن
وَلَمَّا ذُكِرَ لِأَحْمَد قَوْل عُمَر لَا نَدَع كِتَاب رَبّنَا لِقَوْلِ اِمْرَأَة تَبَسَّمَ أَحْمَد وَقَالَ أَيّ شَيْء فِي الْقُرْآن خِلَاف هَذَا وَأَمَّا قَوْله فِي الْحَدِيث وَسُنَّة نَبِيّنَا فَإِنَّ هَذِهِ اللَّفْظَة وَإِنْ كَانَ مُسْلِم رَوَاهَا فَقَدْ طَعَنَ فِيهَا الْأَئِمَّة كَالْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْره
قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَاب الْمَسَائِل سَمِعْت أحمد بن حنبل وذكر له قول عمر لَا نَدَع كِتَاب رَبّنَا وَسُنَّة نَبِيّنَا لِقَوْلِ اِمْرَأَة قُلْت أَيَصِحُّ هَذَا عَنْ عُمَر قَالَ لَا
وَرَوَى هَذِهِ الْحِكَايَة الْبَيْهَقِيّ فِي السُّنَن والآثار عن الحاكم عن بن بَطَّة عَنْ أَبِي حَامِد الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِي دَاوُدَ
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ هَذَا اللَّفْظ لَا يَثْبُت يَعْنِي قَوْله وَسُنَّة نَبِيّنَا وَيَحْيَى بْن آدَم أَحْفَظ مِنْ أَبِي أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ وَأَثْبَت مِنْهُ وَقَدْ تَابِعه قَبِيصَة بْن عُقْبَة فَرَوَاهُ عَنْ عَمَّار بْن رُزَيْق مِثْل قَوْل يَحْيَى بْن آدم سواء والحسن بن عمارة متروك وأشعت بْن سَوَّار ضَعِيف وَرَوَاهُ الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم دُون قَوْله وَسُنَّة نَبِيّنَا وَالْأَعْمَش أَثْبَت مِنْ أشعت وَأَحْفَظ وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ هَذِهِ اللَّفْظَة أَخْرَجَهَا مُسْلِم فِي صَحِيحه
وَذَهَبَ غَيْره مِنْ الْحُفَّاظ إِلَى أن قوله وسنة نبينا غسر مَحْفُوظَة فِي هَذَا الْحَدِيث فَقَدْ رَوَاهُ يَحْيَى بْن آدَم وَغَيْره عَنْ عَمَّار بْن رُزَيْق فِي السُّكْنَى دُون هَذِهِ اللَّفْظَة وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ الْأَسْوَد عَنْ عُمَر دُون قَوْله وَسُنَّة نَبِيّنَا وَإِنَّمَا ذَكَره أَبُو أَحْمَد عَنْ عَمَّار وَأَشْعَث عَنْ الْحُكْم وَحَمَّاد عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ الْأَسْوَد عَنْ عُمَر وَالْحَسَن بْن عُمَارَة عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْل عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْخَلِيل الْحَضْرَمِيّ عَنْ عُمَر ثُمَّ ذَكَر كَلَام الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّهَا لَا تَثْبُت
فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي السُّنَّة مَا يُعَارِض حَدِيث فَاطِمَة كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكِتَاب مَا يُعَارِضهُ
وَفَاطِمَة اِمْرَأَة جَلِيلَة مِنْ فُقَهَاء الصَّحَابَة غَيْر مُتَّهَمَة فِي الرِّوَايَة
وَمَا يَرْوِيه بَعْص الْأُصُولِيِّينَ لَا نَدَع كِتَاب رَبّنَا وَسُنَّة نَبِيّنَا لِقَوْلِ اِمْرَأَة لَا نَدْرِي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ غَلَط لَيْسَ فِي الْحَدِيث وَإِنَّمَا الَّذِي فِي الْحَدِيث حَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ هَذَا لَفْظ مُسْلِم
قَال هُشَيْم عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد أَنَّهُ ذَكَر عِنْد الشَّعْبِيّ قَوْل عُمَر هَذَا حَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ فَقَالَ الشَّعْبِيّ اِمْرَأَة مِنْ قُرَيْش ذَات عَقْل وَرَأْي تَنْسَى قَضَاءً قُضِيَ بِهِ عَلَيْهَا قَالَ وَكَانَ الشَّعْبِيّ يأخذ بقولها
стр. 2035
الْمَذْكُورَةِ مِنَ الْمَشْهُورَاتِ بَالْحِفْظِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُهَا الطَّوِيلُ فِي شَأْنِ الدَّجَّالِ وَلَمْ تَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً يَخْطُبُ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ فَوَعَتْهُ جَمِيعَهُ فَكَيْفَ يُظَنُّ بِهَا أَنْ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَقَالَ مَيْمُون بْن مِهْرَانَ لِسَعِيدِ بْن الْمُسَيِّب تِلْكَ اِمْرَأَة فَتَنَتْ النَّاس لَئِنْ كَانَتْ إِنَّمَا أَخَذَتْ بِمَا أَفْتَاهَا رَسُول اللَّه ﷺ مَا فَتَنَتْ النَّاس وَإِنَّ لَنَا فِي رَسُول اللَّه أُسْوَة حَسَنَة
ثُمَّ رَدَّ خَبَرهَا بِأَنَّهَا اِمْرَأَة مِمَّا لَا يَقُول بِهِ أَحَد وَقَدْ أَخَذَ النَّاس بِرِوَايَةِ مَنْ هُوَ دُون فَاطِمَة وَبِخَبَرِ الْفُرَيْعَة وَهِيَ اِمْرَأَةٌ وَبِحَدِيثِ النِّسَاء كَأَزْوَاجِ النَّبِيّ ﷺ وَغَيْرهنَّ مِنْ الصَّحَابِيَّات بَلْ قَدْ اِحْتَجَّ الْعُلَمَاء بِحَدِيثِ فَاطِمَة هَذَا بِعَيْنِهِ فِي أَحْكَام كَثِيرَة
مِنْهَا نَظَرَ الْمَرْأَة إِلَى الرَّجُل وَوَضْعهَا ثِيَابهَا فِي الْخَلْوَة وَجَوَاز الْخِطْبَة عَلَى خِطْبَة الْغَيْر إِذَا لَمْ تُجِبْهُ الْمَرْأَة وَلَمْ يَسْكُن إِلَيْهَا وَجَوَاز نِكَاح الْقُرَشِيَّة لِغَيْرِ الْقُرَشِيّ وَنَصِيحَة الرَّجُل لِمَنْ اِسْتَشَارَهُ فِي أَمْر يَعِيب مَنْ اِسْتَشَارَهُ فِيهِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِغِيبَةٍ وَمِنْهَا الْإِرْسَال بِالطَّلَاقِ فِي الْغَيْبَة
وَمِنْهَا التَّعْرِيض بِخُطْبَةِ الْمُعْتَدَّة الْبَائِن بِقَوْلِهِ لَا تَفُوتِينِي بِنَفْسِك
وَمِنْهَا اِحْتِجَاج الْأَكْثَرِينَ بِهِ عَلَى سُقُوط النَّفَقَة لِلْمَبْتُوتَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِحَامِلٍ
فَمَا بَال حَدِيثهَا مُحْتَجًّا بِهِ فِي هَذِهِ الْأَحْكَام دُون سُقُوط السُّكْنَى فَإِنْ حَفِظَتْهُ فَهُوَ حُجَّة فِي الْجَمِيع وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَحْفُوظًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْتَجّ بِهِ فِي شَيْء
وَاَللَّه أَعْلَم
وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم فَإِنْ قَالَ قَائِل فَإِنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب اِتَّهَمَ حَدِيث فَاطِمَة بِنْت قَيْسٍ وَقَالَ لَا نَدَع كِتَاب رَبّنَا لِقَوْلِ اِمْرَأَة قُلْنَا لَا نَعْرِف أَنَّ عُمَر اِتَّهَمَهَا وَمَا كَانَ فِي حَدِيثهَا مَا تُتَّهَم لَهُ مَا حَدَّثَتْ إِلَّا بِمَا يَجِب وَهِيَ اِمْرَأَهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَهَا شَرَف وَعَقْل وَفَضْل وَلَوْ رُدَّ شَيْء مِنْ حَدِيثهَا كَانَ إِنَّمَا يُرَدّ مِنْهُ أَنَّهُ أَمَرَهَا بِالْخُرُوجِ مِنْ بَيْت زَوْجهَا فَلَمْ تَذْكُر هِيَ لِمَ أُمِرَتْ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا أُمِرَتْ بِهِ لِأَنَّهَا اِسْتَطَالَتْ عَلَى أَحْمَائِهَا فَأَمَرَتْ بِالتَّحَوُّلِ عَنْهُمْ لِلشَّرِّ بَيْنهَا وَبَيْنهمْ فَكَأَنَّهُمْ أَحَبُّوا لَهَا ذِكْر السَّبَب الَّذِي لَهُ أُخْرِجَتْ لِئَلَّا يَذْهَب ذَاهِب إِلَى أَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَضَى أَنْ تَعْتَدّ الْمَبْتُوتَة حَيْثُ شَاءَتْ فِي غَيْر بَيْت زَوْجهَا
وَهَذَا الَّذِي ذَكَره الشَّافِعِيّ هُوَ تَأْوِيل عَائِشَة بِعَيْنِهِ وَبِهِ أَجَابَتْ مَرْوَان لَمَا اِحْتَجَّ عَلَيْهَا بِالْحَدِيثِ كَمَا تَقَدَّمَ
وَلَكِنَّ هَذَا التَّأْوِيل مِمَّا لَا يَصِحّ دَفْع الْحَدِيث بِهِ مِنْ وُجُوهٍ
أَحَدهَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَذْكُورٍ فِي الْقِصَّة وَلَا عَلَّقَ عَلَيْهِ الْحُكْم قَطّ لَا بِاللَّفْظِ وَلَا بِالْمَفْهُومِ وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا فَتَعْلِيق الْحُكْم بِهِ تَعْلِيقٌ عَلَى وَصْف لَمْ يَعْتَبِرهُ النَّبِيّ ﷺ وَلَا فِي لَفْظه قَطّ مَا يَدُلّ عَلَى إِسْقَاط السُّكْنَى بِهِ وَتَرْكٌ لِتَعْلِيقِ الْحُكْم بِالْوَصْفِ الَّذِي اِعْتَبَرَهُ وَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْم وَهُوَ عَدَم ثُبُوت الرَّجْعَة
الثَّانِي أَنَّكُمْ لَا تَقُولُونَ بِهِ فَإِنَّ الْمَرْأَة وَلَوْ اِسْتَطَالَتْ وَلَوْ عَصَتْ بِمَا عَسَى أَنْ تَعْصَى بِهِ لَا يَسْقُط
стр. 2036
تَحْفَظَ مِثْلَ هَذَا وَتَنْسَى أَمْرًا مُتَعَلِّقًا بِهَا مُقْتَرِنًا بِفِرَاقِ زَوْجِهَا وَخُرُوجِهَا مِنْ بَيْتِهِ
كَذَا فِي النَّيْلِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا
(لَقَدْ عَابَتْ ذَلِكَ) أَيْ قَوْلَ فَاطِمَةَ بِأَنَّهُ لَا نَفَقَةَ وَلَا سُكْنَى لِلْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنِ (فِي مَكَانٍ وَحْشٍ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ أَيْ خَالٍ لَيْسَ بِهِ أَنِيسٌ (فَلِذَلِكَ رَخَّصَ لَهَا) أي في الانتقال
قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
حَقّهَا مِنْ السُّكْنَى كَمَا لَوْ كَانَتْ حَامِلًا بَلْ كَانَ يُسْتَكْرَى لَهَا مِنْ حَقّهَا فِي مَال زَوْجهَا وَتَسْكُن نَاحِيَة
وَقَدْ أَعَاذَ اللَّه فَاطِمَة بِنْت قَيْس مِنْ ظُلْمهَا وَتَعَدِّيهَا إِلَى هَذَا الْحَدّ كَيْف وَالنَّبِيّ ﷺ لَمْ يُعَنِّفهَا بِذَلِكَ وَلَا نَهَاهَا عَنْهُ وَلَا قَالَ لَهَا إِنَّمَا أُخْرِجْت مِنْ بَيْتك بِظُلْمِك لِأَحْمَائِك بَلْ قَالَ لَهَا إِنَّمَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَة لِلْمَرْأَةِ إِذَا كَانَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا رَجْعَة وَهَذَا هُوَ الْوَجْه الثَّالِث وَهُوَ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ ذَكَر لَهَا السَّبَب الَّذِي مِنْ أَجْله سَقَطَ حَقّهَا مِنْ السُّكْنَى وَهُوَ سُقُوط حَقّ الزَّوْج مِنْ الرَّجْعَة وَجَعَلَ هَذَا قَضَاء عَامًّا لَهَا وَلِغَيْرِهَا فَكَيْف يُعْدَل عَنْ هَذَا الْوَصْف إِلَى وَصْف لَوْ كَانَ وَاقِعًا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْثِير فِي الْحُكْم أَصْلًا وَقَدْ رَوَى الْحُمَيْدِيّ فِي مُسْنَده هَذَا الْحَدِيث وَقَالَ فِيهِ يَا اِبْنَة قَيْس إِنَّمَا لَك السُّكْنَى وَالنَّفَقَة مَا كَانَ لِزَوْجِك عَلَيْك الرَّجْعَة وَرَوَاهُ الْأَثْرَم فَأَيْنَ التَّعْلِيل بِسَلَاطَةِ اللِّسَان مَعَ هَذَا الْبَيَان ثُمَّ لَوْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا لَمَا اِحْتَاجَ عُمَر فِي رَدّه إِلَى قَوْله لَا نَدَع كِتَاب رَبّنَا لِقَوْلِ اِمْرَأَة بَلْ كَانَ يَقُول لَمْ يُخْرِجهَا مِنْ السُّكْنَى إِلَّا بَذَاؤُهَا وَسَلَطُهَا وَلَمْ يُعَلِّلهَا بِانْفِرَادِ الْمَرْأَة بِهِ وَقَدْ كَانَ عُمَر ﵁ يَقِف أَحْيَانًا فِي اِنْفِرَاد بَعْض الصَّحَابَة كَمَا طَلَب مِنْ أَبِي مُوسَى شَاهِدًا عَلَى رِوَايَته وَغَيْره
وَقَدْ أَنْكَرَتْ فَاطِمَة عَلَى مَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهَا وَرَدَّتْ عَلَى مَنْ رَدَّ عَلَيْهَا وَانْتَصَرَتْ لِرِوَايَتِهَا وَمَذْهَبهَا
﵃ أَجْمَعِينَ
وَقَدْ قَضَى النَّبِيّ ﷺ فِي المتلاعنين أن لا يبت لَهَا عَلَيْهِ وَلَا قُوت وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَة نَصّ لَكَانَ الْقِيَاس يَقْتَضِي سُقُوط النَّفَقَة وَالسُّكْنَى لِأَنَّهَا إِنَّمَا تَجِب فِي مُقَابَلَة التَّمْكِين مِنْ الِاسْتِمْتَاع وَالْبَائِن قَدْ فُقِدَ فِي حَقّهَا ذَلِكَ وَلِهَذَا وَجَبَتْ لِلرَّجْعِيَّةِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الِاسْتِمْتَاع بِهَا وَأَمَّا الْبَائِن فَلَا سَبِيل لَهُ إِلَى الِاسْتِمْتَاع بِهَا إِلَّا بِمَا يَصِل بِهِ إِلَى الْأَجْنَبِيَّة وَحَبْسهَا لِعِدَّتِهِ لَا يُوجِب نَفَقَة كَمَا لَوْ وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ وَكَالْمُلَاعَنَةِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجهَا
وَاَللَّه أَعْلَم
стр. 2037
(أَلَمْ تَرَيْ) بِحَذْفِ النُّونِ (إِلَى قَوْلِ فَاطِمَةَ) أَيْ بِنْتِ قَيْسٍ (قَالَتْ) أَيْ عَائِشَةُ (أَمَا) بَالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (إِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنُ (لَا خَيْرَ لَهَا) أَيْ لِفَاطِمَةَ (فِي ذِكْرِ ذَلِكَ) فَإِنَّهَا تَذْكُرُ عَلَى وَجْهٍ يَقَعُ النَّاسُ فِي الْخَطَأِ
قَالَهُ السِّنْدِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ
(إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ) أَيِ انْتِقَالُهَا مِنْ مَسْكَنِ الزَّوْجِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ هَذَا مُرْسَلٌ
(طَلَّقَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ) هِيَ بِنْتُ أَخِي مَرْوَانَ وَاسْمُهَا عَمْرَةُ (فَانْتَقَلَهَا) أَيْ نَقَلَهَا مِنْ مَسْكَنِهَا الَّذِي طُلِّقَتْ فِيهِ (وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ) أَيْ يَوْمَئِذٍ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ وَوَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَ ذَلِكَ (وَارْدُدِ الْمَرْأَةَ) أَيْ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (إِلَى بَيْتِهَا) أَيِ الَّذِي طُلِّقَتْ فِيهِ (فَقَالَ مَرْوَانُ فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ غَلَبَنِي) وَهُوَ مَوْصُولٌ بَالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ الَّذِي فَصَلَ بَيْنَ حَدِيثَيْ شَيْخَيْهِ فَسَاقَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ ثُمَّ بَيَّنَ لَفْظَ سُلَيْمَانَ وَحْدَهُ وَلَفْظَ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَحْدَهُ وَقَوْلُ مَرْوَانَ إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ غَلَبَنِي أَيْ لَمْ يُطِعْنِي فِي رَدِّهَا إِلَى بَيْتِهَا وَقِيلَ مُرَادُهُ غَلَبَنِي بَالْحُجَّةِ لِأَنَّهُ احْتَجَّ بَالشَّرِّ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمَا كَذَا فِي الْفَتْحِ (لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَذْكُرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ) لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِجَوَازِ انْتِقَالِ الْمُطَلَّقَةِ مِنْ مَنْزِلِهَا بِغَيْرِ سَبَبٍ
وَقَالَ فِي الْكَوَاكِبِ كَانَ لِعِلَّةٍ وَهُوَ أَنَّ مَكَانَهَا كَانَ وَحْشًا مَخُوفًا عَلَيْهَا أَوْ لِأَنَّهَا كَانَتْ لَسِنَةً اسْتَطَالَتْ عَلَى أَحْمَائِهَا كَذَا فِي الْقَسْطَلَّانِيِّ (فَقَالَ مَرْوَانُ إِنْ كَانَ بِكَ الشَّرُّ) أَيْ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ أَنَّ سَبَبَ خُرُوجِ
стр. 2038
فَاطِمَةَ مَا وَقَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَقَارِبِ زَوْجِهَا مِنَ الشَّرِّ فَهَذَا السَّبَبُ مَوْجُودٌ وَلِذَلِكَ قَالَ (فَحَسْبُكَ) أَيْ فَيَكْفِيكَ (مَا كَانَ بَيْنَ هَذَيْنِ) أَيْ عَمْرَةَ وَزَوْجِهَا يَحْيَى وَهَذَا مَصِيرٌ مِنْ مَرْوَانَ إِلَى الرُّجُوعِ عَنْ رَدِّ خَبَرِ فَاطِمَةَ فَقَدْ كَانَ أَنْكَرَ الْخُرُوجَ مُطْلَقًا كَمَا مَرَّ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْجَوَازِ بِشَرْطِ وُجُودِ عَارِضٍ يَقْتَضِي جَوَازَ خُرُوجِهَا مِنْ مَنْزِلِ الطَّلَاقِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ مُخْتَصَرًا
(فَدُفِعْتُ) بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَجْهُولِ (تِلْكَ امْرَأَةٌ فَتَنَتِ النَّاسَ) أَيْ بِذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى وَجْهٍ يَقَعُ النَّاسُ فِي الْخَطَأِ (كَانَتْ لَسِنَةً) بِكَسْرِ السِّينِ أَيْ كَانَتْ تَأْخُذُ النَّاسَ وَتَجْرَحُهُمْ بِلِسَانِهَا (فَوُضِعَتْ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ أُخْرِجَتْ مِنْ بَيْتِ زوجها وجعلت كالوديعة عند بن أُمِّ مَكْتُومٍ
وَهَذَا الْأَثَرُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
١ - (بَاب فِي الْمَبْتُوتَةِ تَخْرُجُ بِالنَّهَارِ)
(طُلِّقَتْ) بِضَمِّ الطَّاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ (ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ أَوْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (تَجُدُّ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْجِيمِ بَعْدَهَا دَالٌ مُهْمَلَةٌ أَيْ تَقْطَعُ ثَمَرَ نخلها (لعلك أن تصدقي) بحذف إحدى التائين (أَوْ) لِلتَّنْوِيعِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَجْهُ اسْتِدْلَالِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَنَّ لِلْمُعْتَدَّةِ فِي الطَّلَاقِ أَنْ تَخْرُجَ بَالنَّهَارِ هُوَ أَنَّ جِدَادَ النَّخْلِ فِي غَالِبِ الْعُرْفِ لَا يَكُونُ إِلَّا نَهَارًا وَقَدْ نُهِيَ عَنْ جِدَادِ اللَّيْلِ وَنَخْلُ الْأَنْصَارِ قَرِيبٌ مِنْ دُورِهِمْ فَهِيَ إِذَا خرجت بكرة للجداد أمكنها أن تسمي فِي بَيْتِهَا لِقُرْبِ الْمَسَافَةِ وَهَذَا فِي الْمُعْتَدَّةِ مِنَ التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ فَأَمَّا الرَّجْعِيَّةُ فَإِنَّهَا لَا تَخْرُجُ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَخْرُجُ الْمَبْتُوتَةُ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا كَالرَّجْعِيَّةِ
وقال الشافعي
стр. 2039
تَخْرُجُ نَهَارًا وَلَا تَخْرُجُ لَيْلًا عَلَى ظَاهِرِ الحديث انتهى
قال القارىء تعليل للخروج ويعلم منه أنه لولا التصدق لَمَا جَازَ لَهَا الْخُرُوجُ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ بِأَنْ يُرَادَ بَالتَّصَدُّقِ الْفَرْضُ وَبَالْخَيْرِ التَّطَوُّعُ وَالْهَدِيَّةُ وَالْإِحْسَانُ إِلَى الْجَارِ يَعْنِي أَنْ يَبْلُغَ مَالُكِ نِصَابًا فَتُؤَدِّي زَكَاتَهُ وَإِلَّا فَافْعَلِي مَعْرُوفًا مِنَ التَّصَدُّقِ وَالتَّقَرُّبِ وَالتَّهَادِي
وَفِيهِ أَنَّ حِفْظَ الْمَالِ وَاقْتِنَاءَهُ لِفِعْلِ الْمَعْرُوفِ مُرَخَّصٌ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مسلم والنسائي وبن مَاجَهْ
٢ - (بَاب نَسْخِ مَتَاعِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا)
بِمَا فَرَضَ لَهَا مِنْ الْمِيرَاثِ (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ منكم ويذرون) أَيْ يَتْرُكُونَ (أَزْوَاجًا وَصِيَّةً) بَالنَّصْبِ أَيْ فَلْيُوصُوا وَصِيَّةً
وَفِي قِرَاءَةٍ بَالرَّفْعِ أَيْ عَلَيْكُمْ وَصِيَّةٌ (مَتَاعًا) أَيْ مَتِّعُوهُنَّ مَتَاعًا وَهُوَ نَفَقَةُ سَنَةٍ لِطَعَامِهَا وَكِسْوَتِهَا وَسُكْنَاهَا وَمَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ (غَيْرَ إِخْرَاجٍ) حَالٌ أَيْ غَيْرَ مُخْرَجَاتٍ مِنْ مَسْكَنِهِنَّ
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ قَوْلِ عِكْرِمَةَ وَفِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ وَفِيهِ مَقَالٌ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ
٣ - (بَاب إِحْدَادِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا)
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْإِحْدَادُ وَالْحِدَادُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْحَدِّ وَهُوَ الْمَنْعُ لِأَنَّهَا تُمْنَعُ الزِّينَةَ وَالطِّيبَ يُقَالُ أَحَدَّتِ الْمَرْأَةُ تُحِدُّ إِحْدَادًا وَحَدَّتْ تَحُدُّ بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَحِدُّ بِكَسْرِهَا حَدًّا
كَذَا قَالَ
стр. 2040
الْجُمْهُورُ إِنَّهُ يُقَالُ أَحَدَّتْ وَحَدَّتْ
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ لَا يُقَالُ إِلَّا أَحَدَّتْ رُبَاعِيًّا وَيُقَالُ امْرَأَةٌ حَادٌّ وَلَا يُقَالُ حَادَّةٌ
وَأَمَّا الْإِحْدَادُ فِي الشَّرْعِ فَهُوَ تَرْكُ الطِّيبِ وَالزِّينَةِ
(عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ) أَيْ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ (فَدَعَتْ بِطِيبٍ) أَيْ طَلَبَتْ طِيبًا (فِيهِ صُفْرَةٌ خَلُوقٌ) عَلَى وَزْنِ صَبُورٍ ضَرْبٌ مِنَ الطِّيبِ وَهُوَ إِمَّا مَجْرُورٌ عَلَى إِضَافَةِ صُفْرَةَ إِلَيْهِ أَوْ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِصُفْرَةَ (ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا) أَيْ بِجَانِبَيْ وَجْهِ نَفْسِهَا وَهُمَا جَانِبَا الْوَجْهِ فَوْقَ الذَّقَنِ إِلَى مَا دُونَ الْأُذُنِ (لَا يَحِلُّ) أَيْ لَا يَجُوزُ (لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بَاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ الْوَصْفُ بَالْإِيمَانِ إِشْعَارٌ بَالتَّعْلِيلِ وَأَنَّ مَنْ آمَنَ بَاللَّهِ وَبِعِقَابِهِ لَا يجترىء عَلَى مِثْلِهِ مِنَ الْعِظَامِ (أَنْ تُحِدَّ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْإِحْدَادِ أَوْ بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَضَمِّ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا أَيْ أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا مِنَ الزِّينَةِ وَتَتْرُكَ الطِّيبَ (إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْإِحْدَادِ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي تَفْصِيلِهِ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُعْتَدَّةٍ عَنْ وَفَاةٍ سَوَاءً الْمَدْخُولُ بِهَا وَغَيْرُهُ وَالصَّغِيرَةُ وَالْكَبِيرَةُ وَالْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ وَالْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ وَالْمُسْلِمَةُ وَالْكَافِرَةُ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ لَا يَجِبُ عَلَى الزَّوْجَةِ الْكِتَابِيَّةِ بَلْ يَخْتَصُّ بَالْمُسْلِمَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بَاللَّهِ فَخَصَّهُ بَالْمُؤْمِنَةِ
وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ هُوَ الَّذِي يَسْتَثْمِرُ خِطَابَ الشَّارِعِ وَيَنْتَفِعُ بِهِ وَيَنْقَادُ لَهُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَيْضًا لَا إِحْدَادَ عَلَى الصَّغِيرَةِ وَلَا عَلَى الزَّوْجَةِ الْأَمَةِ
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا إِحْدَادَ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ وَلَا عَلَى الْأَمَةِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهُمَا سَيِّدُهُمَا وَلَا عَلَى الزَّوْجَةِ الرَّجْعِيَّةِ
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا فقال عطاء وربيعة ومالك والليث والشافعي وبن الْمُنْذِرِ لَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا
قَالَ وَقَالَ الْحَكَمُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ عَلَيْهَا الْإِحْدَادُ انْتَهَى
(حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا) سُمِّيَ فِي بَعْضِ الْمُوَطَّآتِ عَبْدُ اللَّهِ وَكَذَا هُوَ في صحيح بن حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُصْعَبٍ وَإِنَّ الْمَعْرُوفَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ قُتِلَ بِأُحُدٍ شَهِيدًا وَزَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي
стр. 2041
سَلَمَةَ يَوْمَئِذٍ طِفْلَةٌ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ دَخَلَتْ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُبَيْدُ اللَّهِ الْمُصَغَّرُ فَإِنَّ دُخُولَ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ بُلُوغِ الْخَبَرِ إِلَى الْمَدِينَةِ بِوَفَاتِهِ كَانَ وَهِيَ مُمَيِّزَةٌ أَوِ الْمَيِّتُ كَانَ أَخَا زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ مِنْ أُمِّهَا أَوْ مِنَ الرَّضَاعَةِ كَذَا فِي الْفَتْحِ
(قَالَتْ زَيْنَبُ وَسَمِعْتُ أُمِّي أُمَّ سلمة) هذا هو الحديث الثالث وأما سَلَمَةَ بَدَلٌ مِنْ أُمِّي (إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ زَوْجُهَا عَنْهَا) وَاسْمُهُ الْمُغِيرَةُ الْمَخْزُومِيُّ (وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَيْنَيْهَا بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ
قال بن دَقِيقِ الْعِيدِ يَجُوزُ فِيهِ وَجْهَانِ ضَمُّ النُّونِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ عَلَى أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ هِيَ الْمُشْتَكِيَةُ وَفَتْحُهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ فِي اشْتَكَتْ ضَمِيرُ الْفَاعِلِ وَهِيَ الْمَرْأَةُ وَرَجَّحَ هَذَا وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَيْنَاهَا يَعْنِي وَهُوَ يُرَجِّحُ الضَّمَّ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ فِي مُسْلِمٍ وَعَلَى الضَّمِّ اقْتَصَرَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ الْأَرْجَحُ وَالَّذِي رَجَّحَ الْأَوَّلَ هو المنذري (فنكحلها) بَالنُّونِ الْمَفْتُوحَةِ وَبِضَمِّ الْحَاءِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَفَنَكْحُلُهَا بِذِكْرِ الْهَمْزَةِ وَفِي بَعْضِهَا أَفَتَكْحُلُهَا بِتَاءِ التَّأْنِيثِ وَالضَّمِيرُ الْبَارِزُ إِلَيْهَا أَوْ إِلَى عَيْنِهَا (لَا) أَيْ لَا تَكْحُلُهَا (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) أَيْ قَالَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا (كُلَّ ذَلِكَ) بَالنَّصْبِ (يَقُولُ لَا) قَالَ الطِّيبِيُّ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِقَوْلِهِ ثَلَاثًا
قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الِاكْتِحَالِ عَلَى الْحَادَّةِ سَوَاءٌ احْتَاجَتْ إِلَيْهِ أَمْ لَا
وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ اجْعَلِيهِ بَاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بَالنَّهَارِ
وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَحْتَجْ إِلَيْهِ لَا يَحِلُّ لَهَا وَإِنِ احْتَاجَتْ لَمْ يَجُزْ بَالنَّهَارِ وَيَجُوزُ بَاللَّيْلِ مَعَ أَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ فَإِنْ فَعَلَتْهُ مَسَحَتْهُ بَالنَّهَارِ إِنَّمَا هِيَ أَيِ الْعِدَّةُ الشَّرْعِيَّةُ (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) بَالنَّصْبِ عَلَى حِكَايَةِ لَفْظِ الْقُرْآنِ
قَالَ الْحَافِظُ وَلِبَعْضِهِمْ بَالرَّفْعِ وَهُوَ وَاضِحٌ (تَرْمِي بَالْبَعَرَةِ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْعَيْنِ وَتُسَكَّنُ وَهِيَ رَوْثُ الْبَعِيرِ (عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ) أَيْ فِي أول السنة (قال حميد) هو بن نَافِعٍ رَاوِي الْحَدِيثِ
стр. 2042
وَهُوَ مَوْصُولٌ بَالْإِسْنَادِ الْمَبْدُوءِ بِهِ (وَمَا تَرْمِي بَالْبَعَرَةِ) أَيْ بَيِّنِي لِي الْمُرَادَ بِهَذَا الْكَلَامِ الَّذِي خُوطِبَتْ بِهِ هَذِهِ الْمَرْأَةُ
(دَخَلَتْ حِفْشًا) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ وَبَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ بَيْتًا صَغِيرًا حَقِيرًا قَرِيبَ السُّمْكِ (وَلَمْ تَمَسَّ) بِفَتْحِ التَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْمِيمِ (حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ) أَيْ مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا (ثُمَّ تُؤْتَى) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَالِثَهِ (بِدَابَّةٍ) بَالتَّنْوِينِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ مَا دَبَّ مِنَ الْحَيَوَانِ وَغَلَبَ عَلَى مَا يُرْكَبُ وَيَقَعُ عَلَى الْمُذَكَّرِ (حِمَارٍ) بَالتَّنْوِينِ وَالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِ (أَوْ شَاةٍ أَوْ طَائِرٍ) أَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ وَإِطْلَاقُ الدَّابَّةِ عَلَيْهِمَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ كَمَا مَرَّ (فَتَفْتَضُّ بِهِ) بِفَاءٍ فَمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ فَفَاءٍ ثَانِيَةٍ ففوقية أخرى فضاد معجمة مشددة
قال بن قُتَيْبَةَ سَأَلْتُ الْحِجَازَيينَ عَنِ الِافْتِضَاضِ فَذَكَرُوا أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ كَانَتْ لَا تَمَسُّ مَاءً وَلَا تُقَلِّمُ ظُفْرًا وَلَا تُزِيلُ شَعْرًا ثُمَّ تَخْرُجُ بَعْدَ الْحَوْلِ بِأَقْبَحِ مَنْظَرٍ ثُمَّ تَفْتَضُّ أَيْ تَكْسِرُ مَا هِيَ فِيهِ مِنَ الْعِدَّةِ بِطَائِرٍ تَمْسَحُ بِهِ قُبُلَهَا وَتَنْبِذُهُ فَلَا يَكَادُ يَعِيشُ بَعْدَ مَا تَفْتَضُّ بِهِ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ هُوَ مِنْ فَضَّضْتُ الشَّيْءَ إِذَا كَسَرْتُهُ وَفَرَّقْتُهُ أَيْ أَنَّهَا كَانَتْ تَكْسِرُ مَا كَانَتْ فِيهِ مِنَ الْحِدَادِ بِتِلْكَ الدَّابَّةِ
قَالَ الْأَخْفَشُ مَعْنَاهُ تَتَنَظَّفُ بِهِ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْفِضَّةِ تَشْبِيهًا لَهُ بِنَقَائِهَا وَبَيَاضِهَا وَقِيلَ تَمْسَحُ بِهِ ثُمَّ تَفْتَضُّ أَيْ تَغْتَسِلُ بَالْمَاءِ الْعَذْبِ حَتَّى تَصِيرَ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً كَالْفِضَّةِ
وَقَالَ الْخَلِيلُ الْفَضِيضُ الْمَاءُ الْعَذْبُ يُقَالُ افْتَضَضَتْ أَيِ اغْتَسَلَتْ بِهِ كَذَا قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ (فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ) أَيْ مِمَّا ذُكِرَ (إِلَّا مَاتَ) أَيْ ذَلِكَ الشَّيْءُ (فَتُعْطَى) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فترمي بها) في رواية بن الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ فَتَرْمِي بِهَا أَمَامَهَا فَيَكُونُ ذلك إحلالا لها
وفي رواية بن وَهْبٍ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهَا
قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ (ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدَ) أَيْ بَعْدَ مَا ذُكِرَ مِنَ الِافْتِضَاضِ وَالرَّمْيِ (مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ) مِمَّا كَانَتْ مَمْنُوعَةً مِنْهُ فِي الْعِدَّةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه
стр. 2043
٤٤ - (بَاب فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا تَنْتَقِلُ)
(أَنَّ الْفُرَيْعَةَ) بِضَمِّ فَاءٍ وَفَتْحِ رَاءٍ (بِنْتَ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ (وَهِيَ) أَيِ الْفُرَيْعَةُ (أَخْبَرَتْهَا) أَيْ أَخْبَرَتِ الْفُرَيْعَةُ زَيْنَبَ (تَسْأَلُهُ) حَالٌ (فِي بَنِي خُدْرَةَ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَبُو قَبِيلَةٍ (فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَضَمٍّ جَمْعُ عَبْدٍ (أَبَقُوا) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ هَرَبُوا (بِطَرَفِ الْقَدُّومِ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ وَتَخْفِيفِهَا أَيْضًا مَوْضِعٌ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ (وَلَا نَفَقَةٍ) بَالْجَرِّ أَيْ وَلَا فِي نَفَقَةٍ (فِي الْحُجْرَةِ) أَيِ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ (أَوْ فِي الْمَسْجِدِ) أَيِ النَّبَوِيِّ وَهُوَ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ (دَعَانِي) أَيْ دَعَانِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (أَوْ أَمَرَنِي) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَمَرَ بِي وَالشَّكُّ مِنْ الْفُرَيْعَةِ (فَدُعِيتُ لَهُ) أَيْ نُودِيتُ وَطُلِبْتُ عِنْدَهُ (فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ) أَيْ أَعَدْتُ عَلَيْهِ مَا قُلْتُهُ سَابِقًا (فَقَالَ امْكُثِي بِضَمِّ الْكَافِ أَيْ تَوَقَّفِي وَاثْبُتِي (فِي بَيْتِكِ) أَيِ الَّذِي كُنْتِ فِيهِ (حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ) أَيِ الْعِدَّةُ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهَا أَيِ الْمَفْرُوضَةُ (أَجَلَهُ) أَيْ مُدَّتَهُ
وَالْمَعْنَى حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ وَسُمِّيَتِ الْعِدَّةُ كِتَابًا لِأَنَّهَا فَرِيضَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ تَعَالَى كُتِبَ عَلَيْكُمْ أَيْ فُرِضَ وَهُوَ اقْتِبَاسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَعْزِمُوا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله وَنَظَائِرُ الِاقْتِبَاسِ فِي الْأَخْبَارِ كَثِيرَةٌ وَلَا عِبْرَةَ لِقَوْلِ مَنْ كَرِهَهُ كَمَا بَسَطَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْإِتْقَانِ (فَلَمَّا كَانَ
стр. 2044
عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) أَيْ خِلَافَةُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ فَلَمَّا كَانَ أَمْرُ عُثْمَانَ (فَاتَّبَعَهُ وَقَضَى بِهِ) أَيِ اتَّبَعَ عُثْمَانُ مَا أَخْبَرْتُهُ بِهِ وَحَكَمَ بِهِ
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقَاضِي الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ قَدِ اسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ فُرَيْعَةَ عَلَى أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا تَعْتَدُّ فِي الْمَنْزِلِ الَّذِي بَلَغَهَا نَعْيُ زَوْجِهَا وَهِيَ فِيهِ وَلَا تَخْرُجُ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ
وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ
وَقَدْ أَخْرَجَ ذَلِكَ عبد الرزاق عن عمر وعثمان وبن عُمَرَ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أكثر أصحاب بن مَسْعُودٍ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٍ وَأَخْرَجَهُ حَمَّادٌ عن بن سِيرِينَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمْ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ
قَالَ وَحَدِيثُ فُرَيْعَةَ لَمْ يَأْتِ مَنْ خَالَفَهُ بِمَا يَنْتَهِضُ لِمُعَارَضَتِهِ فَالتَّمَسُّكُ بِهِ مُتَعَيَّنٌ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ
(بَاب مَنْ رَأَى التَّحَوُّلَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إِلَى مَكَانٍ آخَرَ)
وَبَوَّبَ النَّسَائِيُّ بِقَوْلِهِ بَابُ الرُّخْصَةِ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَنْ تَعْتَدَّ حَيْثُ شَاءَتْ
(نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) الْأُولَى
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي وُجُوب اِعْتِدَاد الْمُتَوَفَّى عَنْهَا فِي مَنْزِلهَا فَأَوْجَبَهُ عُمَر وَعُثْمَان وَرُوِيَ عن بن مسعود وبن عُمَر وَأُمّ سَلَمَة وَبِهِ يَقُول الثَّوْرِيّ وَالْأَوْزاَعِيّ وإسحاق والأئمة الأربعة
قال بن عَبْد الْبَرّ وَهُوَ قَوْل جَمَاعَة فُقَهَاء الْأَمْصَار بِالْحِجَازِ وَالشَّام وَالْعِرَاق وَمِصْر
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ وبن عَبَّاس وَجَابِر وَعَائِشَة تَعْتَدّ حَيْثُ شَاءَتْ وَقَالَ بِهِ جَابِر بْن زَيْد وَالْحَسَن وَعَطَاء
ثُمَّ اِخْتَلَفَ الْمُوجِبُونَ لِمُلَازَمَةِ الْمَنْزِل فِيمَا إِذَا جَاءَهَا خَبَر وَفَاته فِي غَيْر مَنْزِلهَا
فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ
стр. 2045
وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ في أنفسهن بالمعروف (عِدَّتَهَا) أَيِ الْمَرْأَةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا (عِنْدَ أَهْلِهَا) الْمَذْكُورَةُ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خرجن فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من معروف (فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ) لِأَنَّ السُّكْنَى تَبَعٌ لِلْعِدَّةِ فَلَمَّا نُسِخَ الْحَوْلُ بِأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَالْعَشْرِ نُسِخَتِ السُّكْنَى أَيْضًا (وَهُوَ) أَيِ الْمَنْسُوخُ حُكْمُهُ (قَوْلُ الله عزوجل غَيْرَ إِخْرَاجٍ) فَهَذِهِ الْآيَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي فِيهَا غَيْرَ إِخْرَاجٍ مَنْسُوخٌ بَالْآيَةِ الْأُولَى (قَالَ عَطَاءٌ) أَيْضًا (إِنْ شَاءَتْ) الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا (اعْتَدَّتْ عِنْدَ أَهْلِهِ) أَيْ أَهْلِ زَوْجِهَا
وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ عِنْدَ أَهْلِهَا (وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا) أَيِ الْمُشَارِ إليها بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول (وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ) مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا (ثُمَّ جَاءَ الْمِيرَاثُ) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فإن كان لكم ولد فلهن الثمن (فَنَسَخَ السُّكْنَى) كَمَا نَسَخَتْ آيَةُ الْخُرُوجِ وَهِيَ فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن وُجُوبَ الِاعْتِدَادِ عِنْدَ أَهْلِ الزَّوْجِ (تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ) وَزَادَ الْبُخَارِيُّ وَلَا سُكْنَى لَهَا
قَالَ الْعَيْنِيُّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ إِنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا سُكْنَى لَهَا وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ كَالنَّفَقَةِ وَأَظْهَرُهُمَا الْوُجُوبُ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ لَهَا السُّكْنَى إِذَا كَانَتِ الدَّارُ مِلْكًا لِلْمَيِّتِ انْتَهَى
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ بن أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ويذرون أزواجا قَالَ كَانَتْ هَذِهِ الْعِدَّةُ تَعْتَدُّ عِنْدَ أَهْلِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
تَعْتَدّ فِي مَنْزِلهَا
وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيُّ وَسَعِيد بْن الْمُسَيَّب لَا تَبْرَح مِنْ مَكَانهَا الَّذِي أَتَاهَا فِيهِ نَعْي زَوْجهَا
وَحَدِيث الْفُرَيْعَة حُجَّة ظَاهِرَة لَا مُعَارِض لَهَا
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿فإن خرجن فلا جناح عليكم﴾ فإنها سنة الِاعْتِدَاد فِي مَنْزِل الزَّوْج فَالْمَنْسُوخ حُكْمٌ آخَر غَيْر الِاعْتِدَاد فِي الْمَنْزِل وَهُوَ اِسْتِحْقَاقهَا لِلسُّكْنَى فِي بَيْت الزَّوْج الَّذِي صَارٍ لِلْوَرَثَةِ سُنَّة وَصِيَّة أَوْصَى اللَّه بِهَا الْأَزْوَاج تَقَدَّمَ بِهِ عَلَى الْوَرَثَة ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالْمِيرَاثِ وَلَمْ يَبْقَ لَهَا اِسْتِحْقَاق فِي السُّكْنَى الْمَذْكُورَة فَإِنْ كَانَ الْمَنْزِل الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ الزَّوْج لَهَا أَوْ بَذَلَ الْوَرَثَة لَهَا السُّكْنَى لَزِمَهَا الِاعْتِدَاد فِيهِ وَهَذَا لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ فَالْوَاجِب عَلَيْهَا فِعْل السُّكْنَى لَا تَحْصِيل الْمَسْكَن فَاَلَّذِي نُسِخَ إِنَّمَا هُوَ اِخْتِصَاصهَا بِسُكْنَى السُّنَّة دُون الْوَرَثَة وَاَلَّذِي أَمَرَتْ بِهِ أَنْ تَمْكُث فِي بَيْتهَا حَتَّى تَنْقَضِي عِدَّتهَا وَلَا تَنَافِي بَيْن الْحُكْمَيْنِ
وَاَللَّه أعلم
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وهذا يدل على أن بن مَسْعُود يَرَى نَسْخ الْآيَة فِي الْبَقَرَة بِهَذِهِ الْآيَة الَّتِي فِي الطَّلَاق وَهِيَ قَوْله ﴿وَأُولَات الْأَحْمَال أَجَلهنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلهنَّ﴾ وَهَذَا عَلَى عُرْف السَّلَف فِي النَّسْخ فَإِنَّهُمْ
стр. 2046
زَوْجِهَا وَاجِبٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فيما فعلن في أنفسهن من معروف
قَالَ جَعَلَ اللَّهُ لَهَا تَمَامَ السَّنَةِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَصِيَّةً إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عليكم فَالْعِدَّةُ كَمَا هِيَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا
زَعَمَ ذَلِكَ عن مجاهد
وقال عطاء قال بن عَبَّاسٍ نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ
وَقَوْلُ اللَّهِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ قَالَ عَطَاءٌ إِنْ شَاءَتِ اعْتَدَّتْ عِنْدَ أَهْلِهِ وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ لِقَوْلِ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أنفسهن قَالَ عَطَاءٌ ثُمَّ جَاءَ الْمِيرَاثُ فَنَسَخَ السُّكْنَى فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَلَا سُكْنَى لَهَا
قَالَ الحافظ بن حجر قال بن بَطَّالٍ ذَهَبَ مُجَاهِدٌ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا نَزَلَتْ قَبْلَ الْآيَةِ الَّتِي فِيهَا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ متاعا إلى الحول غير إخراج كَمَا هِيَ قَبْلَهَا فِي التِّلَاوَةِ وَكَانَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ اسْتِشْكَالُ أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ قَبْلَ الْمَنْسُوخِ فَرَأَى أَنَّ اسْتِعْمَالَهُمَا مُمْكِنٌ بِحُكْمٍ غَيْرِ مُتَدَافِعٍ لِجَوَازِ أَنْ يُوجِبَ اللَّهُ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَيُوجِبُ عَلَى أَهْلِهَا أَنْ تَبْقَى عِنْدَهُمْ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً تَمَامَ الْحَوْلِ إِنْ أَقَامَتْ عِنْدَهُمْ
قَالَ وَهُوَ قَوْلٌ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ غَيْرَهُ وَلَا تَابَعَهُ عَلَيْهَا مِنَ الْفُقَهَاءِ أَحَدٌ بَلْ أَطْبَقُوا عَلَى أَنَّ آيَةَ الْحَوْلِ مَنْسُوخَةٌ وَأَنَّ السُّكْنَى تَبَعٌ لِلْعِدَّةِ فَلَمَّا نُسِخَ الْحَوْلُ فِي الْعِدَّةِ بَالْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ نُسِخَتِ السُّكْنَى أيضا
وقال بن عَبْدِ الْبَرِّ لَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْعِدَّةَ بَالْحَوْلِ نُسِخَتْ إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أنه نسخ أيضا
وروى بن أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فَذَكَرَ حَدِيثَ الْبَابِ قَالَ وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَى ذَلِكَ وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ به في مدة العدة بل روى بن جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَدْرِهَا مِثْلَ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ فَارْتَفَعَ الْخِلَافُ وَاخْتَصَّ مَا نُقِلَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ بِمُدَّةِ السُّكْنَى عَلَى أَنَّهُ أَيْضًا شَاذٌّ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْعَيْنِيُّ وَحَاصِلُ كَلَامِ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ جَعَلَ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَأَوْجَبَ عَلَى أَهْلِهَا أَنْ تَبْقَى عِنْدَهُمْ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً تَمَامَ الْحَوْلِ
وَقَالَ الْعَيْنِيُّ أَيْضًا قَالَ مُجَاهِدٌ إِنَّ الْعِدَّةَ الْوَاجِبَةَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعشرا وتمام السنة باختيارها بحسب الْوَصِيَّةِ فَإِنْ شَاءَتْ قَبِلَتِ الْوَصِيَّةَ وَتَعْتَدُّ إِلَى الْحَوْلِ وَإِنْ شَاءَتِ اكْتَفَتْ
стр. 2047
بَالْوَاجِبِ
وَيُقَالُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الْعِدَّةُ إِلَى تَمَامِ السَّنَةِ وَاجِبَةٌ وَأَمَّا السُّكْنَى عِنْدَ زَوْجِهَا فَفِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَالْعَشْرِ وَاجِبَةٌ وَفِي التَّمَامِ بَاخْتِيَارِهَا وَلَفْظُهُ فَالْعِدَّةُ كَمَا هِيَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا
يُؤَيِّدُ هَذَا الِاحْتِمَالُ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَقُومُ بَالنَّسْخِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَفِي جَامِعِ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غير إخراج يَعْنِي وَحَقُّ الْمُتَوَفَّى أَنْ يُوصُوا قَبْلَ أَنْ يَحْتَضِرُوا بِأَنْ تُمَتَّعَ أَزْوَاجُهُمْ بَعْدَهُمْ حَوْلًا كَامِلًا وَيُنْفَقَ عَلَيْهِنَّ مِنْ تَرِكَتِهِ غَيْرَ مُخْرَجَاتٍ مِنْ مَسَاكِنِهِنَّ وَهَذَا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَتِ الْمُدَّةُ بِقَوْلِهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَالنَّفَقَةُ بَالْإِرْثِ
هَذَا مَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ السَّلَفِ فَكَانَتِ الْآيَةُ مُتَأَخِّرَةً فِي التِّلَاوَةِ مُتَقَدِّمَةً فِي النُّزُولِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
٦ - (بَاب فيما تجتنب الْمُعْتَدَّةُ فِي عِدَّتِهَا)
(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ الْقُهِسْتَانِيُّ) قَالَ فِي الْمَرَاصِدِ قُوهِسْتَانُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ ثُمَّ السُّكُونِ وَكَسْرِ الْهَاءِ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ بِتَعْرِيبِ كُوهِسْتَانَ يَعْنِي مَوْضِعُ الْجِبَالِ انْتَهَى مُخْتَصَرًا (لَا تُحِدُّ) بِصِيغَةِ النَّفْيِ وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ (الْمَرْأَةُ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ امْرَأَةٌ (فَوْقَ ثَلَاثٍ) أَيْ لَيَالٍ أَوْ أَيَّامٍ (وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ وَهُوَ بَالْإِضَافَةِ وَهِيَ بُرُودُ الْيَمَنِ يُعْصَبُ غزلها أي يربط ثم يصبغ ثم ينسخ مَعْصُوبًا فَيَخْرُجُ مُوَشًّى لِبَقَاءِ مَا عُصِبَ بِهِ أَبْيَضَ لَمْ يَنْصَبِغْ
وَإِنَّمَا يُعْصَبُ السَّدَى دُونَ اللحمة
قال بن الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْحَادَّةِ لُبْسُ الثِّيَابِ الْمُعَصْفَرَةِ وَلَا الْمُصْبَغَةِ إِلَّا مَا صُبِغَ بِسَوَادٍ فَرَخَّصَ فِيهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لِكَوْنِهِ لَا يُتَّخَذُ لِلزِّينَةِ بَلْ هُوَ مِنْ لِبَاسِ الْحُزْنِ وَكَرِهَ عُرْوَةُ الْعَصْبَ أَيْضًا وَكَرِهَ مالك غليظه
قال بن النَّوَوِيِّ الْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا تَحْرِيمُهُ مُطْلَقًا وَهَذَا الحديث حجة لمن أجازه
стр. 2048
وقال بن دَقِيقِ الْعِيدِ يُؤْخَذُ مِنْ مَفْهُومِ الْحَدِيثِ جَوَازُ مَا لَيْسَ بِمَصْبُوغٍ وَهِيَ الثِّيَابُ الْبِيضُ وَمَنَعَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ الْمُرْتَفِعُ مِنْهَا الَّذِي يُتَزَيَّنُ بِهِ وَكَذَلِكَ الْأَسْوَدُ إِذَا كَانَ مِمَّنْ يُتَزَيَّنُ بِهِ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَرَخَّصَ أَصْحَابُنَا فِيمَا لَا يُتَزَيَّنُ بِهِ وَلَوْ كَانَ مَصْبُوغًا
وَاخْتُلِفَ فِي الْحَرِيرِ فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مَنْعُهُ مُطْلَقًا مَصْبُوغًا أَوْ غَيْرَ مَصْبُوغٍ لِأَنَّهُ أُبِيحَ لِلنِّسَاءِ لِلتَّزَيُّنِ بِهِ وَالْحَادَّةُ مَمْنُوعَةٌ مِنَ التَّزَيُّنِ فَكَانَ فِي حَقِّهَا كَالرِّجَالِ
وَفِي التَّحَلِّي بَالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَبَاللُّؤْلُؤِ وَنَحْوِهِ وَجْهَانِ الْأَصَحُّ جَوَازُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فِي الْمَقْصُودِ بِلُبْسِهِ وَفِي الْمَقْصُودِ بَالْإِحْدَادِ فَإِنَّهُ عِنْدَ تَأَمُّلِهَا يَتَرَجَّحُ الْمَنْعُ كَذَا فِي الْفَتْحِ (وَلَا تَكْتَحِلُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ الْمُعْتَدَّةِ مِنَ الِاكْتِحَالِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَيَأْتِي بَعْضُهُ (وَلَا تَمَسُّ طِيبًا) فِيهِ تَحْرِيمُ الطِّيبِ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ وَهُوَ كُلُّ مَا يُسَمَّى طِيبًا وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ (إِلَّا أَدْنَى طُهْرَتِهَا) أَيْ عِنْدَ قُرْبِ طُهْرِهَا (بِنُبْذَةٍ) بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ وَتُطْلَقُ عَلَى الشَّيْءِ الْيَسِيرِ (مِنْ قُسْطٍ) بِضَمِّ الْقَافِ ضَرْبٌ مِنَ الطِّيبِ وَقِيلَ هُوَ عُودٌ يُحْمَلُ مِنَ الْهِنْدِ وَيُجْعَلُ فِي الْأَدْوِيَةِ
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ الْقُسْطُ عَقَارٌ مَعْرُوفٌ فِي الْأَدْوِيَةِ طَيِّبُ الرِّيحِ يَنْحَرُ النُّفَسَاءَ وَالْأَطْفَالَ (أَوْ أَظْفَارٍ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ضَرْبٌ مِنَ الطِّيبِ لَا وَاحِدَ لَهُ وَقِيلَ وَاحِدُهُ ظُفْرٌ وَقِيلَ يُشْبِهُ الظُّفْرَ الْمَقْلُومَ مِنْ أَصْلِهِ وَقِيلَ هُوَ شَيْءٌ مِنَ الْعِطْرِ أَسْوَدُ وَالْقِطْعَةُ مِنْهُ شَبِيهَةٌ بَالظُّفْرِ
قَالَ النَّوَوِيُّ الْقُسْطُ وَالْأَظْفَارُ نَوْعَانِ مَعْرُوفَانِ مِنَ الْبَخُورِ وَلَيْسَا مِنْ مَقْصُودِ الطِّيبِ رُخِّصَ فِيهِ لِلْمُغْتَسِلَةِ مِنَ الْحَيْضِ لِإِزَالَةِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ تَتَبَّعَ بِهِ أَثَرَ الدَّمِ لَا لِلطِّيبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(وَزَادَ يَعْقُوبُ) أَيْ فِي رِوَايَتِهِ (وَلَا تَخْتَضِبُ) أَيْ بَالْحِنَّاءِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ البخاري ومسلم والنسائي وبن مَاجَهْ
(بِهَذَا الْحَدِيثِ) أَيْ مِثْلِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وهو
стр. 2049
حديث إبراهيم بن طهمان وعبد الله السهمي عَنْ هِشَامٍ (وَلَيْسَ فِي تَمَامِ حَدِيثِهِمَا) يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَيْ لَيْسَ التَّشْبِيهُ وَمِثْلَيْهِ حَدِيثُ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ فِي تَمَامِ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ السَّهْمِيِّ بَلْ مِثْلِيَّتُهُ فِي الْبَعْضِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ حَدِيثَ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ هِشَامٍ مِثْلُ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدِ اللَّهِ عَنْ هِشَامٍ لَكِنْ بَيْنَهُمَا تَغَايُرٌ قَلِيلٌ
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ يَزِيدَ لَكِنْ أَحَالَ عَلَى مَا قَبْلَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ لَا تَلْبَسُ (لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ) أَيِ الْمَصْبُوغُ بَالْمُعَصْفَرِ بَالضَّمِّ (وَلَا الْمُمَشَّقَةَ) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَدَّدَةِ أَيِ الْمَصْبُوغَةَ بَالْمِشْقِ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ الطِّينُ الْأَحْمَرُ الَّذِي يُسَمَّى مَغْرَةٌ وَالتَّأْنِيثُ بَاعْتِبَارِ الْحَالَةِ أَوِ الثِّيَابِ (وَلَا الْحُلِيَّ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَبِتَشْدِيدِ الْيَاءِ جَمْعُ حِلْيَةٍ وَهِيَ مَا يُتَزَيَّنُ بِهِ مِنَ الْمَصَاغِ وَغَيْرِهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
(بِنْتُ أَسِيدٍ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ السِّينِ (فَتَكْتَحِلُ بَالْجِلَاءِ) بَالْكَسْرِ وَالْمَدِّ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ كُحْلُ الْجِلَاءِ هُوَ الْإِثْمِدُ وَسُمِّيَ جِلَاءً لِأَنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ (يَشْتَدُّ عَلَيْكِ) الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ فِي يَشْتَدُّ يَرْجِعُ إِلَى أَمْرٍ وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لَهُ (حِينَ تُوُفِّيَ) بِضَمَّتَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ مَاتَ (أَبُو سَلَمَةَ) زَوْجُهَا الْأَوَّلُ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ (وَقَدْ جَعَلْتُ عَلَى عَيْنِي صَبِرًا) بِفَتْحِ صَادٍ وَكَسْرِ مُوَحَّدَةٍ وَفِي نُسْخَةٍ بِسُكُونِهَا
قَالَ فِي الْقَامُوسِ بِكَسْرِ الْبَاءِ كَكَتِفِ وَلَا يَسْكُنُ إِلَّا فِي ضَرُورَةِ الشَّعْرِ وَقِيلَ يَجُوزُ كِلَاهُمَا عَلَى السَّوِيَّةِ كَكَتِفِ وَكَتْفِ
وَقَالَ الْجَعْبَرِيُّ الْصَّبِرُ مَعْرُوفٌ بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَجَاءَ إِسْكَانُهَا مَعَ كَسْرِ الصَّادِ
стр. 2050
وَفَتْحِهَا
وَفِي الْمِصْبَاحِ الصَّبِرُ بِكَسْرِ الْبَاءِ فِي الْمَشْهُورِ دَوَاءٌ مُرٌّ وَسُكُونُ الْبَاءِ لِلتَّخْفِيفِ لُغَةٌ وَرُوِيَ مَعَ فَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِهَا فَيَكُونُ فِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ (فَقَالَ مَا هَذَا) أَيْ مَا هَذَا التَّلَطُّخُ وَأَنْتِ فِي الْعِدَّةِ (إِنَّهُ يَشُبُّ) بِفَتْحٍ فَضَمٍّ فَتَشْدِيدِ مُوَحَّدَةٍ أَيْ يُوقِدُ الْوَجْهَ وَيَزِيدُ فِي لَوْنِهِ (وَتَنْزِعِيهِ) بِكَسْرِ الزَّاي عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَلَا تَجْعَلِيهِ عَلَى مَعْنَى فَاجْعَلِيهِ بَاللَّيْلِ وَانْزِعِيهِ بَالنَّهَارِ لِأَنَّ إِلَّا فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمُفَرَّغِ لَغْوٌ وَالْكَلَامُ مُثْبَتٌ وَحَذْفُ النُّونِ فِي تَنْزِعِيهِ لِلتَّخْفِيفِ وَهُوَ خَبَرٌ فِي مَعْنَى الْأَمْرِ (قَالَ بَالسِّدْرِ) أَيِ امْتَشِطِي (تَغَلَّفِينَ) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ مِنْ تَغَلَّفَ الرَّجُلُ بَالْغَالِيَةِ أَيْ تَلَطَّخَ بِهَا أَيْ تُكْثِرِينَ مِنْهُ عَلَى شَعْرِكِ حَتَّى يَصِيرَ غِلَافًا لَهُ فَتُغَطِّيهِ كَتَغْطِيَةِ الْغِلَافِ الْمَغْلُوفِ وَرُوِيَ بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ مِنَ التَّغْلِيفِ وَهُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ غِلَافًا لِشَيْءٍ
كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ فِي السُّبُلِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَيْ لِلْمُعْتَدَّةِ فِي عِدَّتِهَا الِاكْتِحَالُ بَالْإِثْمِدِ مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ يعني هذا الحديث المذكور آنفا
قال بن عَبْدِ الْبَرِّ وَهَذَا عِنْدِي وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِحَدِيثِهَا الْآخَرِ النَّاهِي عَنِ الْكُحْلِ مَعَ الْخَوْفِ عَلَى الْعَيْنِ إِلَّا أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ ﷺ عَرَفَ مِنَ الْحَالَةِ الَّتِي نَهَاهَا أَنَّ حَاجَتَهَا إِلَى الْكُحْلِ خَفِيفَةٌ غَيْرُ ضَرُورِيَّةٍ وَالْإِبَاحَةُ فِي اللَّيْلِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِذَلِكَ
قُلْتُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ فَتْوَى أُمِّ سَلَمَةَ قِيَاسٌ مِنْهَا لِلْكُحْلِ عَلَى الْصَّبِرِ وَالْقِيَاسُ مَعَ النَّصِّ الثَّابِتِ وَالنَّهْيِ الْمُتَكَرِّرِ لَا يُعْمَلُ بِهِ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْإِحْدَادِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأُمُّهَا مَجْهُولَةٌ
٧ - (بَاب فِي عِدَّةِ الْحَامِلِ)
(عَلَى سُبَيْعَةَ) بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ (الْأَسْلَمِيَّةِ) نِسْبَةٌ إِلَى بَنِي أَسْلَمَ (وهي حامل
стр. 2051
جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ فَتُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ عَنْ سُبَيْعَةَ حَالَ كَوْنِهَا حَامِلًا (فَلَمْ تَنْشَبْ) أَيْ فَلَمْ تَمْكُثْ (فَلَمَّا تَعَلَّتْ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ طَهُرَتْ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ تَعَالَتْ وَهُمَا بِمَعْنًى
قَالَ السِّنْدِيُّ تَعَلَّتْ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ مِنْ تعلى إذا ارتفع أو برأ أَيْ إِذَا ارْتَفَعَتْ وَطَهُرَتْ أَوْ خَرَجَتْ مِنْ نِفَاسِهَا وَسَلِمَتْ (تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ) جَمْعُ خَاطِبٍ مِنَ الْخِطْبَةِ بَالْكَسْرِ (فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ) بِفَتْحِ السِّينِ اسْمُهُ عَمْرٌو وَقِيلَ حَبَّةُ بَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وقيل بالنون (بن بَعْكَكٍ) بِمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ عَيْنٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ كَافَيْنِ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ (رَجُلٌ) بَالرَّفْعِ بَدَلٌ مِنْ أبو السَّنَابِلِ (فَأَفْتَانِي بِأَنْ قَدْ حَلَلْتُ) بِضَمِّ التَّاءِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ (قَالَ بن شِهَابٍ) هُوَ الزُّهْرِيُّ (وَإِنْ كَانَتْ فِي دَمِهَا) أَيْ فِي دَمِ النِّفَاسِ (غَيْرَ أَنَّهُ) أَيِ الشَّأْنُ (لَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا) أَيْ لَا يُجَامِعُهَا
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا فَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب وبن عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَالَا تَنْتَظِرُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا آخِرَ الْأَجَلَيْنِ وَمَعْنَاهُ تَمْكُثُ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا فَإِنْ كَانَتْ مُدَّةُ الْحَمْلِ مِنْ وَقْتِ وَفَاةِ زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَقَدْ حَلَّتْ وَإِنْ وَضَعَتْ قَبْلَ ذَلِكَ تَرَبَّصَتْ إِلَى أَنْ تَسْتَوْفِيَ الْمُدَّةَ
وَقَالَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ انْقِضَاءُ عِدَّتِهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ طَالَتِ الْمُدَّةُ أَوْ قَصُرَتْ وَهُوَ قَوْلُ عمر وبن مسعود وبن عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمْ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهَى
стр. 2052
(مَنْ شَاءَ لَاعَنْتُهُ) مِنَ الْمُلَاعَنَةِ وَهُوَ الْمُبَاهَلَةُ أَيْ مَنْ يُخَالِفُنِي فَإِنْ شَاءَ فَلْيَجْتَمِعْ مَعِي حَتَّى نَلْعَنَ الْمُخَالِفَ لِلْحَقِّ وَهَذَا كِنَايَةٌ عَنْ قَطْعِهِ وَجَزْمِهِ بِمَا يَقُولُ مِنْ غَيْرِ وَهْمٍ بِخِلَافِهِ (سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى) وَهِيَ سُورَةُ الطَّلَاقِ (بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَعَشْرًا) الْمَذْكُورَةِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَالْعَمَلُ عَلَى الْمُتَأَخِّرَةِ لِأَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِلْمُتَقَدِّمَةِ قَالَهُ السِّنْدِيُّ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ يَعْنِي بِسُورَةِ النِّسَاءِ الْقُصْرَى سُورَةُ الطَّلَاقِ وَيُرِيدُ أَنَّ نُزُولَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى نُزُولِ سُورَةِ الطَّلَاقِ وَقَدْ ذَكَرَ فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ حُكْمَ الْحَامِلِ وَأُولَاتُ الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن فَظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ مِنْهُ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى النَّسْخِ وَأَنَّ مَا فِي سُوَرةِ الطَّلَاقِ نَاسِخٌ لِلْحُكْمِ الَّذِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَحْمِلُونَهُ عَلَى النَّسْخِ لَكِنْ يُرَتِّبُونَ إِحْدَى الْآيَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى فَيَجْعَلُونَ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ فِي عِدَّةِ غَيْرِ الْحَوَامِلِ وَهَذِهِ فِي عِدَّةِ الْحَوَامِلِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وبن ماجه
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
يُسَمُّونَ التَّخْصِيص وَالتَّقْيِيد نَسْخًا وَفِي الْقُرْآن مَا يَدُلّ عَلَى تَقْدِيم آيَة الطَّلَاق فِي الْعَمَل بِهَا وَهُوَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى (أَجَلهنَّ) مُضَاف وَمُضَاف إِلَيْهِ وَهُوَ يُفِيد الْعُمُوم أَيْ هَذَا مَجْمُوع أَجَلهنَّ لَا أَجَل لَهُنَّ غَيْره وَأَمَّا قَوْله ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ فَهُوَ فِعْل مُطْلَق لَا عُمُوم لَهُ فَإِذَا عَمِلَ بِهِ فِي غَيْر الْحَامِل كَانَ تَقْيِيدًا لِمُطْلَقِهِ بِآيَةِ الطَّلَاق فَالْحَدِيثُ مُطَابِقٌ لِلْمَفْهُومِ مِنْ دَلَالَة الْقُرْآن
وَاَللَّه أَعْلَم
стр. 2053
٤٨ - (بَاب فِي عِدَّةِ أُمِّ الْوَلَدِ)
هِيَ الْجَارِيَةُ الَّتِي وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا
(لَا تَلْبِسُوا عَلَيْنَا) بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُخَفَّفَةِ أَيْ لَا تَخْلِطُوا وَيَجُوزُ التَّشْدِيدُ كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ (سُنَّتَهُ) هَذَا لَفْظُ قُتَيْبَةَ وَالضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَدُلُّ عليه لفظ بن الْمُثَنَّى (سُنَّةَ نَبِيِّنَا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ مِنَ التَّأْوِيلِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِذَلِكَ سُنَّةً كَانَ يَرْوِيهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَصًّا وَتَوْقِيفًا وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ اجْتِهَادًا عَلَى مَعْنَى السُّنَّةِ فِي الْحَرَائِرِ وَلَوْ كَانَ مَعْنَى السُّنَّةِ التَّوْقِيفَ لَأَشْبَهَ أَنْ يُصَرِّحَ بِهِ
وَأَيْضًا فَإِنَّ التَّلْبِيسَ لَا يَقَعُ فِي النُّصُوصِ إِنَّمَا يَكُونُ غَالِبًا فِي الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ وَقَدْ تَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ فِي أُمِّ وَلَدٍ بِعَيْنِهَا كَانَ أَعْتَقَهَا صَاحِبُهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَهَذِهِ إِذَا مَاتَ عَنْهَا مَوْلَاهَا الَّذِي هُوَ زَوْجُهَا كَانَتْ عِدَّتُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا إِنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أهل العلم
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ هَذَا الْحَدِيث يَرْوِيه قَبِيصَة بْن ذُؤَيْب عَنْ عَمْرو
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ قَبِيصَة لَمْ يَسْمَع مِنْ عَمْرو وَالصَّوَاب لَا تُلَبِّسُوا عَلَيْنَا مَوْقُوفٌ يَعْنِي لَمْ يُذْكَر فِيهِ سُنَّة نَبِيّنَا وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد هَذَا حَدِيث مُنْكَرٌ
آخِر كَلَامه
وَقَدْ رَوَاهُ سُلَيْمَان بْن مُوسَى عَنْ رَجَاء بْن حَيْوَة عَنْ قَبِيصَة عَنْ عَمْرو قَوْله عِدَّة أُمّ الْوَلَد عِدَّة الْحُرَّة وَهَذَا الَّذِي أشار إليه الدارقطني أنه الصواب
وقال بن الْمُنْذِر ضَعَّفَ أَحْمَد وَأَبُو عُبَيْد حَدِيث عَمْرو بْن الْعَاصِ
وَقَالَ مُحَمَّد بْن مُوسَى سَأَلْت أَبَا عَبْد اللَّه عَنْ حَدِيث عَمْرو بْن الْعَاصِ فَقَالَ لَا يَصِحّ
وَقَالَ الْمَيْمُونِيّ رَأَيْت أَبَا عَبْد اللَّه يَعْجَب مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن الْعَاصِ هَذَا ثُمَّ قَالَ أَيْنَ سُنَّة النَّبِيّ ﷺ فِي هَذَا وَقَالَ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا إِنَّمَا هِيَ عِدَّة الْحُرَّة مِنْ النِّكَاح وَإِنَّمَا هَذِهِ أَمَة خَرَجَتْ مِنْ الرِّقّ إِلَى الْحُرِّيَّة
وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ في الموطأ عن نافع عن بن عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي أُمّ الْوَلَد يُتَوَفَّى عَنْهَا سَيِّدهَا وَتَعْتَدّ بِحَيْضَةٍ
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاء فِي عِدَّتهَا فَالصَّحِيح أَنَّهُ حَيْضَة وَهُوَ الْمَشْهُور عَنْ أحمد وقول بن عُمَر وَعُثْمَان وَعَائِشَة وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِك وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْد وَأَبُو ثَوْر وَغَيْرهمْ
وَعَنْ أَحْمَد رِوَايَة أُخْرَى تَعْتَدّ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا وَهُوَ قول سعيد بن المسيب وبن سِيرِينَ وَسَعِيد بْن جُبَيْر
стр. 2054
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي عِدَّةِ أُمِّ الْوَلَدِ فَذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي ذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَقَالَا تَعْتَدُّ أُمُّ الْوَلَدِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا كَالْحُرَّةِ وَرُوِيَ ذلك عن بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن وبن سِيرِينَ
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ عِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وبن مَسْعُودٍ
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عدتها حيضة وروي ذلك عن بن عُمَرَ وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالزُّهْرِيِّ انْتَهَى (عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا يَعْنِي) أَيْ بَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا (أُمَّ الْوَلَدِ) هِيَ الْجَارِيَةُ الَّتِي وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا وَالْمَعْنَى عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ الَّتِي مَاتَ سَيِّدُهَا بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَفِي رِوَايَةِ بن مَاجَهْ لَا تُفْسِدُوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ أربعة أشهر وعشرا
قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ وَفِي إِسْنَادِهِ مَطَرُ بْنُ طَهْمَانَ أَبُو رَجَاءٍ الْوَرَّاقُ وَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ
٩ - (بَاب الْمَبْتُوتَةِ لَا يَرْجِعُ إِلَيْهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَنْكِحَ غَيْرَهُ)
الْمُرَادُ بَالْمَبْتُوتَةِ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا
(عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ) وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا (ثُمَّ طَلَّقَهَا) أَيِ الزَّوْجُ الثَّانِي (قَبْلَ أَنْ يُوَاقِعَهَا) أَيْ يُجَامِعَهَا (حَتَّى تَذُوقَ عُسَيْلَةَ الْآخَرِ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا) أَيْ حَتَّى تَذُوقَ الْمَرْأَةُ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَمُجَاهِد وَخَلَّاس بْن عَمْرو وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَالزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزاَعِيّ وَإِسْحَاق
وَعَنْ أَحْمَد رِوَايَة ثَالِثَة تَعْتَدّ شَهْرَيْنِ وَخَمْسَة أَيَّام حَكَاهَا أَبُو الْخُطَّاب وَهِيَ رِوَايَة مُنْكَرَة عَنْهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْقُدْسِيُّ وَلَا أَظُنّهَا صَحِيحَة عَنْهُ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاء وَطَاوُس وَقَتَادَة
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه عِدَّتهَا ثَلَاث حِيَض وَيُرْوَى ذَلِكَ عن علي وبن مَسْعُود وَهُوَ قَوْل عَطَاء وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيّ
стр. 2055
لَذَّةَ جِمَاعِ الزَّوْجِ الثَّانِي وَيَذُوقَ لَذَّةَ جِمَاعِهَا وَالْعُسَيْلَةُ مُصَغَّرَةً فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاخْتُلِفَ فِي تَوْجِيهِهِ فَقِيلَ تَصْغِيرُ الْعَسَلِ لِأَنَّ الْعَسَلَ مُؤَنَّثٌ جَزَمَ بذلك القزار قَالَ وَأَحْسَبُ التَّذْكِيرَ لُغَةً
وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَقِيلَ لِأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا حَقَّرَتِ الشَّيْءَ أَدْخَلَتْ فِيهِ هَاءَ التَّأْنِيثِ
وَقِيلَ الْمُرَادُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَسَلِ وَالتَّصْغِيرُ لِلتَّقْلِيلِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْقَدْرَ الْقَلِيلَ كَافٍ فِي تَحْصِيلِ ذَلِكَ بِأَنْ يَقَعَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ
وَقِيلَ مَعْنَى الْعُسَيْلَةِ النُّطْفَةُ وَهَذَا يُوَافِقُ قَوْلَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ
وَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ذَوْقُ الْعُسَيْلَةِ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ وَهُوَ تَغْيِيبُ حَشَفَةِ الرَّجُلِ فِي فَرْجِ الْمَرْأَةِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ الْعُسَيْلَةُ هِيَ الْجِمَاعُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَزَادَ الْحَسَنُ البصري حصول الإنزال
قال بن بَطَّالٍ شَذَّ الْحَسَنُ فِي هَذَا وَخَالَفَ سَائِرَ الْفُقَهَاءِ
وَقَالُوا يَكْفِي مَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَيُحْصِنُ الشَّخْصَ وَيُوجِبُ كَمَالَ الصَّدَاقِ وَيُفْسِدُ الْحَجَّ وَالصَّوْمَ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْعُسَيْلَةُ لَذَّةُ الْجِمَاعِ وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ شَيْءٍ تَسْتَلِذُّهُ عَسَلًا
وَحَدِيثُ الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيمَنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثَلَاثًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا زَوْجٌ آخَرُ مِنَ الْوَطْءِ فَلَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ إِلَّا بَعْدَهُ
قَالَ بن الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْجِمَاعِ لِتَحِلَّ لِلْأَوَّلِ إِلَّا سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَهُ عَلَيْهِ إِلَّا طَائِفَةٌ مِنَ الْخَوَارِجِ
وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ فَأَخَذَ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ
هَذَا مَأْخُوذٌ مِنَ الْفَتْحِ وَالنَّيْلِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ
٠ - (بَاب في تعظيم الزنى)
(عن عبد الله) أي بن مَسْعُودٍ (أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا) بِكَسْرِ النُّونِ أَيْ مِثْلًا وَنَظِيرًا فِي دُعَائِكَ أَوْ عِبَادَتِكَ (وَهُوَ خَلَقَكَ) فَوَجُودُ الْخَلْقِ يَدُلُّ عَلَى الْخَالِقِ وَاسْتِقْدَامَةُ الْخَلْقِ تَدُلُّ عَلَى تَوْحِيدِهِ إِذْ لَوْ كَانَ إِلَهَيْنِ لَمْ يَكُنْ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ (خَشْيَةَ أن يأكل معك) بنصب خشية على العلية (أن
стр. 2056
تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْأُولَى أَيْ زَوْجَتَهُ لِأَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ فَهِيَ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٌ أَوْ مِنَ الْحُلُولِ لِأَنَّهَا تَحِلُّ مَعَهُ وَيَحِلُّ مَعَهَا وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ زِنًا وَإِبْطَالٌ لِمَا أَوْصَى اللَّهُ به حِفْظِ حُقُوقِ الْجِيرَانِ
وَقَالَ فِي التَّنْقِيحِ تُزَانِي تفاعل وهو أن يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ
قَالَ فِي الْمَصَابِيحِ لَعَلَّهُ نَبَّهَ بِهِ عَلَى شِدَّةِ قُبْحِ الزنى إِذَا كَانَ مِنْهُ لَا مِنْهَا بِأَنْ يَغْشَاهَا نَائِمَةً أَوْ مُكْرَهَةً فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ زِنَاهُ بِهَا مَعَ الْمُشَارَكَةِ مِنْهَا لَهُ وَالطَّوَاعِيَةِ كَبِيرًا كَانَ زِنَاهُ بِدُونِ ذَلِكَ أَكْبَرَ وَأَقْبَحَ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
(قَالَ وَأَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ) أَيْ قَالَ حَجَّاجٌ وَأَخْبَرَنِي بِهِ أَبُو الزُّبَيْرِ كَمَا أَخْبَرَنِي غَيْرُهُ (جَاءَتْ مِسْكِينَةٌ لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ) أَيْ أَمَةٌ مِسْكِينَةٌ لِبَعْضِهِمْ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مُسَيْكَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ السِّينِ بَالتَّصْغِيرِ لَكِنَّ الظَّاهِرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ هُوَ الْأَوَّلُ كَمَا لَا يَخْفَى (يُكْرِهُنِي) بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارِعِ مِنَ الْإِكْرَاهِ (على البغاء) أي الزنى (ولا تكرهوا فتياتكم) أي إمائكم (على البغاء) أي على الزنى وَتَمَامُ الْآيَةِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ
فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بعد إكراههن غفور رحيم قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ جارية لعبد الله بن أبي بن سَلُولَ يُقَالُ لَهَا مُسَيْكَةُ وَأُخْرَى يُقَالُ لَهَا أميمة فكان يريدهما على الزنى فَشَكَتَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عزوجل وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تحصنا إلى قوله غفور رحيم وَحَكَى بَعْضُهُمْ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ كَانَتْ لَهُ سِتُّ جِوَارٍ يَأْخُذُ أُجُورَهُنَّ مُعَاذَةُ وَمُسَيْكَةُ وَأَرْوَى وَقَتِيلَةُ وَعَمْرَةُ وَأُمَيْمَةُ
стр. 2057
(قَالَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ إِلَخْ) مُرَادُهُ أَنَّ الْمَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ لَهُنَّ لِكَوْنِهِنَّ مُكْرَهَاتٍ لَا لِمَنْ أَكْرَهَهُنَّ
وَقَوْلُهُ الْمُكْرَهَاتُ بَيَانٌ لِلضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ فِي قَوْلِهِ لَهُنَّ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ المنذري
стр. 2058
١٤ - كتاب الصيام
(بَاب مَبْدَإِ فَرْضِ الصِّيَامِ)
أَيْ هَذَا الْبَابُ فِي بَيَانِ ابْتِدَاءِ فَرْضِ الصِّيَامِ
كُتِبَ عَلَيْكُمْ) أَيْ فُرِضَ (الصِّيَامُ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ الصَّوْمُ وَالصِّيَامُ فِي اللُّغَةِ الْإِمْسَاكُ وَفِي الشَّرْعِ إِمْسَاكٌ مَخْصُوصٌ فِي زَمَنٍ مَخْصُوصٍ عَنْ شَيْءٍ مَخْصُوصٍ بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ
وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ الصَّوْمُ تَرْكُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالنِّكَاحِ وَالْكَلَامِ يُقَالُ صَامَ صَوْمًا وَصِيَامًا وَرَجُلٌ صَائِمٌ وَصُوَّمٌ وَقَالَ الرَّاغِبُ الصَّوْمُ فِي الْأَصْلِ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْفِعْلِ وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْفَرَسِ الْمُمْسِكِ عَنِ السَّيْرِ صَائِمٌ وَفِي الشَّرْعِ إِمْسَاكُ الْمُكَلَّفِ بَالنِّيَّةِ عَنْ تَنَاوُلِ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالِاسْتِمْنَاءِ وَالِاسْتِقَاءِ مِنَ الْفَجْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ انتهى (كما كتب) أَيْ فُرِضَ
قَالَ الْعَيْنِيُّ إِنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِي هَذَا التَّشْبِيهِ فَقِيلَ إِنَّهُ تَشْبِيهٌ فِي أَصْلِ الْوُجُوبِ لَا فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ وَالتَّشْبِيهُ لَا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَهَذَا تَشْبِيهُ الرُّؤْيَةِ بَالرُّؤْيَةِ لَا تَشْبِيهَ الْمَرْئِيِّ بَالْمَرْئِيِّ
وَقِيلَ هَذَا التَّشْبِيهُ فِي الْأَصْلِ وَالْقَدْرِ وَالْوَقْتِ جَمِيعًا وَكَانَ عَلَى الْأَوَّلِينَ صَوْمُ رَمَضَانَ لَكِنَّهُمْ زَادُوا فِي الْعَدَدِ وَنَقَلُوا مِنْ أَيَّامِ الْحَرِّ إِلَى أَيَّامِ الِاعْتِدَالِ
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ وَقَالَ آخَرُونَ بَلِ التَّشْبِيهُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ صَوْمَهُمْ كَانَ مِنَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ إِلَى الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَكَانَ ذَلِكَ فُرِضَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي أَوَّلِ مَا افْتُرِضَ عَلَيْهِمُ الصَّوْمُ
стр. 2059
(الْعَتَمَةَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالتَّاءِ أَيِ الْعِشَاءَ (إِلَى الْقَابِلَةِ) أَيِ اللَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ (فَاخْتَانَ رَجُلٌ نَفْسَهُ) افْتِعَالٌ مِنَ الْخِيَانَةِ أَيْ خَانَ يَعْنِي ظَلَمَ (فَجَامَعَ امْرَأَتَهُ) بَيَانٌ لِلْخِيَانَةِ (وَقَدْ صَلَّى الْعِشَاءَ) الْوَاوُ لِلْحَالِ أَيْ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ (وَلَمْ يُفْطِرْ) أَيْ لَمْ يَأْكُلْ هَذَا الرَّجُلُ شَبْعَانُ وَلَمْ يَتَعَشَّ وَإِنْ كَانَ أَفْطَرَ وَقْتَ الْإِفْطَارِ (ذَلِكَ) الْحُكْمُ (يُسْرًا) بَعْدَ الْعُسْرِ (وَرُخْصَةً وَمَنْفَعَةً) فَأَبَاحَ الْجِمَاعَ وَالطَّعَامَ وَالشَّرَابَ فِي جَمِيعِ اللَّيْلِ (فقال) الله عزوجل (تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ) يَعْنِي تُجَامِعُونَ النِّسَاءَ وَتَأْكُلُونَ وَتَشْرَبُونَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ حَرَامًا عَلَيْكُمْ
ذَكَرَهُ الطبري
وفي تفسير بن أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ قَالَ تَظْلِمُونَ أَنْفُسَكُمْ
قَالَهُ الْعَيْنِيُّ (وَكَانَ هَذَا) أَيْ قَوْلُهُ تَعَالَى عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أنفسكم إِلَى قَوْلِهِ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (وَيَسَّرَ) لِلنَّاسِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ
(كَانَ الرَّجُلُ إذَا صَامَ فَنَامَ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا فَحَضَرَ الْإِفْطَارُ فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ كَانَ إِذَا نَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَعَشَّى لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ شَيْئًا وَلَا يَشْرَبَ لَيْلَهُ وَيَوْمَهُ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ
وَلِأَبِي الشَّيْخِ مِنْ طَرِيقِ زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ كَانَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا أَفْطَرُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَأْتُونَ النِّسَاءَ مَا لَمْ يَنَامُوا فَإِذَا نَامُوا لَمْ يَطْعَمُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِلَى مِثْلِهَا
فَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ مُقَيَّدًا بَالنَّوْمِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ وَقَيْدُ الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ فِي حديث بن عَبَّاسٍ الَّذِي سَبَقَ بِصَلَاةِ الْعَتَمَةِ
قُلْتُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ لِكَوْنِ مَا بَعْدَهَا مَظِنَّةَ النَّوْمِ غَالِبًا وَالتَّقْيِيدُ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا هُوَ بَالنَّوْمِ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَحَادِيثِ انْتَهَى
وَقَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ وَقَدْ يُقَالُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا فَيَجُوزُ تَقْيِيدُ الْمَنْعِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا فَأَيُّهُمَا تَحَقَّقَ أَوَّلًا تَحَقَّقَ الْمَنْعُ (لَمْ يَأْكُلْ) هُوَ جَوَابُ إِذَا (إِلَى مِثْلِهَا) أَيْ إِلَى اللَّيْلَةِ الْأُخْرَى (وَإِنَّ صِرْمَةَ بْنَ قَيْسٍ) وفي
стр. 2060
رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ هَكَذَا سُمِّيَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى إِسْرَائِيلَ فِيهِ إِلَّا فِي رِوَايَةِ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ عَنْهُ فَإِنَّهُ قَالَ صِرْمَةُ بْنُ قَيْسٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَلِأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ طَرِيقِ الكلبي عن أبي صالح عن بن عَبَّاسٍ مِثْلُهُ
قَالَ وَكَذَا رَوَاهُ أَشْعَثُ بْنُ سوار عن عكرمة عن بن عَبَّاسٍ فَمَنْ قَالَ قَيْسُ بْنُ صِرْمَةَ قَلَبَهُ كَمَا جَزَمَ الدَّاوُدِيُّ وَالسُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّهُ وَقَعَ مَقْلُوبًا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ
هَذَا مَا قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ (وَكَانَ) أَيْ صِرْمَةُ (فَقَالَ) أَيْ صِرْمَةُ بْنُ قَيْسٍ لِامْرَأَتِهِ (عِنْدَكِ) بِكَسْرِ الْكَافِ (شَيْءٌ) مِنَ الطَّعَامِ (قَالَتْ لَا) أَيْ لَيْسَ عِنْدِي طَعَامٌ (وَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ) أَيْ نَامَ (خَيْبَةً لَكَ) بَالنَّصْبِ وَهُوَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مَحْذُوفُ الْعَامِلِ وَقِيلَ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ لَامٍ يَجِبُ نَصْبُهُ وَإِلَّا جَازَ وَالْخَيْبَةُ الْحِرْمَانُ يُقَالُ خَابَ يَخِيبُ إِذَا لَمْ يَنَلْ مَا طَلَبَ (فَلَمْ يَنْتَصِفِ النَّهَارُ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ فَأَصْبَحَ صَائِمًا فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ فَتُحْمَلُ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَأَحْمَدَ عَلَى أَنَّ الْغَشْيَ وَقَعَ فِي آخِرِ النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنَ النَّهَارِ (يَعْمَلُ يَوْمَهُ فِي أَرْضِهِ) وَفِي مُرْسَلِ السُّدِّيِّ كَانَ يَعْمَلُ فِي حِيطَانِ الْمَدِينَةِ بَالْأُجْرَةِ فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ فِي أَرْضِهِ إِضَافَةُ اخْتِصَاصٍ
قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ (الرَّفَثُ) هُوَ الْجِمَاعُ (إِلَى قَوْلِهِ مِنَ الْفَجْرِ) فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
(بَاب نَسْخِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ)
أَيْ هَذَا بَابٌ فِي بَيَانِ أَنَّ قَوْلَهُ تعالى وعلى الذين يطيقونه فدية منسوخ
(وعلى الذين يطيقونه) أَيِ الصَّوْمَ إِنْ أَفْطَرُوا (فِدْيَةٌ) مَرْفُوعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ مُقَدَّمٌ هُوَ قَوْلُهُ (وَعَلَى الَّذِينَ
стр. 2061
وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ فِدْيَةٌ بَالتَّنْوِينِ وَهِيَ الْجَزَاءُ وَالْبَدَلُ مِنْ قَوْلِكَ فَدَيْتُ الشَّيْءَ بَالشَّيْءِ أَيْ هَذَا بهذا قاله العيني (طعام مسكين) بيان لفدية أَوْ بَدَلٌ مِنْهَا وَهُوَ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعٌ مِنْ غَيْرِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَعِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ مُدٌّ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ (فَعَلَ) ذَلِكَ (الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا) يُعْنَى قَوْلَهُ تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه (فَنَسَخَتْهَا) أَيْ فَنَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ الْآيَةَ الْأُولَى وَهِيَ قَوْلُهُ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فدية قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
(وَتَمَّ لَهُ صَوْمُهُ) أَيْ أَجْرًا وَإِلَّا فَهُوَ مُفْطِرٌ (فَقَالَ) اللَّهُ تَعَالَى فَمَنْ تَطَوَّعَ خيرا فهو خير له يَعْنِي زَادَ عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ فَأَطْعَمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينَيْنِ فَأَكْثَرَ
وَقِيلَ فَمَنْ زَادَ عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فَأَطْعَمَ صَاعًا وَعَلَيْهِ مُدٌّ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ قَالَهُ فِي الْخَازِنِ
وَقَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ أَيْ فَرَغَّبَ اللَّهُ تعالى إياهم في الصوم أولا وندتهم إليه بقوله وأن تصوموا خير لكم لِيَعْتَادُوا الصَّوْمَ فَحِينَ اعْتَادُوا ذَلِكَ أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَرِدْ أَنَّ قَوْلَهُ وَأَنْ تَصُومُوا نَاسِخٌ لِلْفِدْيَةِ مِنْ أَصْلِهَا فَلَعَلَّ مَنْ قَالَ إِنَّهُ نَاسِخٌ لِلْفِدْيَةِ أَرَادَ هَذَا الْقَدْرَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ انْتَهَى كَلَامُ السِّنْدِيِّ وَقَالَ الْخَازِنُ قِيلَ هُوَ خِطَابٌ مَعَ الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فَيَكُونُ الْمَعْنَى وَأَنْ تَصُومُوا أَيّهَا الْمُطِيقُونَ وَتَتَحَمَّلُوا الْمَشَقَّةَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنَ الْإِفْطَارِ وَالْفِدْيَةِ
وَقِيلَ هُوَ خِطَابٌ مَعَ الْكَافَّةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي هَذِهِ الْآيَة عَلَى أَرْبَعَة أَقْوَال أَحَدهَا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ قَالَهُ بن عَبَّاس
الثَّانِي أَنَّهَا مَنْسُوخَة كَمَا قَالَهُ سَلَمَة وَالْجُمْهُور
وَالثَّالِث أَنَّهَا مَخْصُوصَة خَصَّ مِنْهَا الْقَادِر الَّذِي لَا عُذْر لَهُ وَبَقِيَتْ مُتَنَاوِلَة لِلْمُرْضِعِ وَالْحَامِل
الرَّابِع أَنَّ بَعْضهَا مَنْسُوخ وَبَعْضهَا مُحْكِمٌ
стр. 2062
لِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ فَرُجُوعُهُ إِلَى الْكُلِّ أَوْلَى (وَقَالَ) اللَّهُ تَعَالَى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فَفَرَضَ الصَّوْمَ وَنَسَخَ التَّخْيِيرَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَفِيهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدِ بْنِ الْمَسِيحِ وَفِيهِ مَقَالٌ
(بَاب مَنْ قَالَ هِيَ مُثْبَتَةٌ لِلشَّيْخِ وَالْحُبْلَى)
أَيْ هَذَا بَابٌ فِي بَيَانِ أَنَّ مَنْ قَالَ هَذِهِ الْآيَةُ وَعَلَى الَّذِينَ يطيقونه ثَابِتَةٌ لِلشَّيْخِ وَالْحُبْلَى وَهِيَ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ
(قَالَ أثبتت للحبلى) أي أثبتت الآية وعلى الذين يطيقونه لَهُمَا وَنُسِخَتْ فِي الْبَاقِي فَالنَّسْخُ السَّابِقُ أَرَادَ بِهِ نَسْخَ الْعُمُومِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ يُطِيقُ الصَّوْمَ لَكِنْ لَهُ عُذْرٌ يُنَاسِبُ الْإِفْطَارَ أَوْ عَلَيْهِ فِيهِ زِيَادَةُ تَعَبٍ كَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ فَالْآيَةُ فِيهِ بَقِيَتْ مَعْمُولَةٌ وَنُسِخَتْ فِي غَيْرِهِ وَعَلَى هَذَا فَلَا حَاجَةَ فِي بِنَاءِ هَذَا الْإِثْبَاتِ إِلَى تَقْدِيرِ لَا فِي قَوْلِهِ وَعَلَى الَّذِينَ يطيقونه أَيْ لَا يُطِيقُونَهُ
قَالَهُ السِّنْدِيُّ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
(كَانَتْ) هَذِهِ الْآيَةُ وَعَلَى الَّذِينَ يطيقونه (رُخْصَةً) ثَابِتَةً بَاقِيَةً إِلَى الْآنَ (لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام) لَكِنْ مَعَ شِدَّةٍ وَتَعَبٍ وَمَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ أَوْ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ لَا يُطِيقَانِ الصِّيَامَ (أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا) وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى الْأَخِيرَ مَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عن عطاء عن بن عَبَّاسٍ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ وَاحِدٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا قَالَ زَادَ مِسْكِينًا آخَرَ فَهُوَ خَيْرٌ قَالَ وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ إِلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الصِّيَامَ وَأَمَرَ أَنْ يُطْعِمَ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُطِيقُهُ
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ
قَالَ في سبل السلام روي عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ أَيْ يُكَلَّفُونَهُ وَلَا يُطِيقُونَهُ وَيَقُولُ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هِيَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْهِمَّةِ انْتَهَى
стр. 2063
وَقَالَ الْعَيْنِيُّ وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي قَوْلِهِ عزوجل وعلى الذين يطيقونه فَقَالَ قَوْمٌ إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ سَلَمَةَ وبن عُمَرَ أَيِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَهُوَ قَوْلُ علقمة والنخعي والحسن والشعبي وبن شِهَابٍ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قِرَاءَتُهُمْ وَعَلَى الَّذِينَ يطيقونه بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الطَّاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ الثَّانِيَةِ
وعند بن عَبَّاسٍ هِيَ مُحْكَمَةٌ وَعَلَيْهِ قِرَاءَةُ يُطَوَّقُونَهُ بَالْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ وَرُوِيَ عَنْهُ يَطَّيَّقُونَهُ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَالْيَاءِ الْمُشَدَّدَتَيْنِ ثُمَّ إِنَّ الشَّيْخَ الْكَبِيرَ وَالْعَجُوزَ إِذَا كَانَ الصَّوْمُ يُجْهِدُهُمَا وَيَشُقُّ عَلَيْهِمَا مَشَقَّةً شَدِيدَةً فَلَهُمَا أَنْ يُفْطِرَا أَوْ يُطْعِمَا لِكُلِّ يَوْمٍ مسكينا وهذا قول علي وبن عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمُ انْتَهَى
وَمَعْنَى يُطَوَّقُونَهُ أَيْ يُكَلَّفُونَهُ وَمَعْنَى يُطِيقُونَهُ أَيْ يَتَكَلَّفُونَهُ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْعَيْنِيِّ
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَاتَّفَقَتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ وعلى الذين يطيقونه فدية منسوخ وخالف في ذلك بن عَبَّاسٍ فَذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ لَكِنَّهَا مَخْصُوصَةٌ بَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَنَحْوِهِ انْتَهَى
(وَالْحُبْلَى وَالْمُرْضِعِ) أَيْ كانت رخصة للحبلى والمرضع
لقال الخطابي مذهب بن عَبَّاسٍ فِي هَذَا أَنَّ الرُّخْصَةَ مُثْبَتَةٌ لِلْحُبْلَى وَالْمُرْضِعِ إِذَا خَافَتَا عَلَى أَوْلَادِهِمَا وَقَدْ نُسِخَتْ فِي الشَّيْخِ الْكَبِيرِ الَّذِي يُطِيقُ الصَّوْمَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْدِيَ إِلَّا أَنَّ الْحَامِلَ وَالْمُرْضِعَ وَإِنْ كَانَتِ الرُّخْصَةُ قَائِمَةً لَهُمَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُمَا الْقَضَاءُ مَعَ الْإِطْعَامِ وَإِنَّمَا لَزِمَهُمَا الْإِطْعَامُ مَعَ الْقَضَاءِ لِأَنَّهُمَا يُفْطِرَانِ مِنْ أَجْلِ غَيْرِهِمَا شَفَقَةً عَلَى الْوَلَدِ وَإِبْقَاءً عَلَيْهِ
وَإِذَا كَانَ الشَّيْخُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِطْعَامُ وَهُوَ إِنَّمَا رَخَّصَ لَهُ فِي الْإِفْطَارِ مِنْ أَجْلِ نَفْسِهِ فَقَدْ عُقِلَ أَنَّ مَنْ يُرَخَّصُ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ أَوْلَى بَالْإِطْعَامِ وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ
وَأَمَّا الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي لَا يُطِيقُ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ يُطْعِمُ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِعَجْزِهِ
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَنَسٍ وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ بَعْدَ مَا أَسَنَّ وَكَبِرَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِي الْحُبْلَى وَالْمُرْضِعِ يَقْضِيَانِ وَلَا يُطْعِمَانِ كَالْمَرِيضِ كَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ الْحُبْلَى هِيَ كَالْمَرِيضِ تَقْضِي وَلَا تُطْعِمُ وَالْمُرْضِعُ تَقْضِي وَتُطْعِمُ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
стр. 2064
٤ - (بَاب الشَّهْرِ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ)
أَيْ هَذَا بَابٌ فِي بَيَانِ أَنَّ الشَّهْرَ قَدْ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَا أَنَّهُ يَكُونُ دَائِمًا كَذَلِكَ
(إِنَّا) أَيِ الْعَرَبُ وَقِيلَ أَرَادَ نَفْسَهُ (أُمَّةٌ) أَيْ جَمَاعَةُ قُرَيْشٍ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى أُمَّةً من الناس يسقون وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْأُمَّةُ الْجَمَاعَةُ
وَقَالَ الْأَخْفَشُ هُوَ فِي اللَّفْظِ وَاحِدٌ وَفِي الْمَعْنَى جَمْعٌ وَكُلُّ جِنْسٍ مِنَ الْحَيَوَانِ أُمَّةٌ وَالْأُمَّةُ الطَّرِيقَةُ وَالدِّينُ يُقَالُ فُلَانٌ لَا أُمَّةَ لَهُ أَيْ لَا دِينَ لَهُ وَلَا نِحْلَةَ لَهُ وَكَسْرُ الْهَمْزَةِ فيه لغة
وقال بن الْأَثِيرِ الْأُمَّةُ الرَّجُلُ الْمُفْرَدُ بِدِينٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إن إبراهيم كان أمة قانتا لله قَالَهُ الْعَيْنِيُّ (أُمِّيَّةٌ) بِلَفْظِ النَّسَبِ إِلَى الْأُمِّ فَقِيلَ أَرَادَ أُمَّةَ الْعَرَبِ لِأَنَّهَا لَا تَكْتُبُ أَوْ مَنْسُوبٌ إِلَى الْأُمِّ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ هَذِهِ صِفَتُهَا غَالِبًا وَقِيلَ مَنْسُوبُونَ إِلَى أُمِّ الْقُرَى وهي مكة أي إنا أمة مكية
قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ
وَقَالَ الْعَيْنِيُّ قِيلَ مَعْنَاهُ بَاقُونَ عَلَى مَا وَلَدَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّهَاتُ
وقال الداودي أمة أمية لم يأخذ عَنْ كُتُبِ الْأُمَمِ قَبْلَهَا إِنَّمَا أَخَذَتْ عَمَّا جاءه الوحي من الله عزوجل انْتَهَى (لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ) بَالنُّونِ فِيهِمَا وَهُمَا تَفْسِيرَانِ لِكَوْنِهِمْ أُمِّيَّةٌ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَالْمُرَادُ أَهْلُ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ بِحَضْرَتِهِ عِنْدَ تِلْكَ الْمَقَالَةِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَكْثَرِهِمْ أَوِ الْمُرَادُ نَفْسُهُ ﷺ
وَقِيلَ لِلْعَرَبِ أُمِّيُّونَ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ كَانَتْ فِيهِمْ عَزِيزَةً
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأميين رسولا منهم وَلَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَكْتُبُ وَيَحْسُبُ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ كَانَتْ فِيهِمْ قليلة نادرة
والمراد بالحساب هنا حِسَابُ النُّجُومِ وَتَسْيِيرِهَا وَلَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا إِلَّا النَّزْرَ الْيَسِيرَ فَعَلَّقَ الْحُكْمُ بَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِ بَالرُّؤْيَةِ لِرَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُمْ فِي مُعَانَاةِ حِسَابِ التَّسْيِيرِ انْتَهَى
قَالَ الْعَيْنِيُّ وَقَوْلُهُ لَا نَحْسُبُ بِضَمِّ السِّينِ (الشَّهْرُ) أَيِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ أَوْ جِنْسُ الشَّهْرِ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ (هَكَذَا) مُشَارًا بِهَا إِلَى نَشْرِ الْأَصَابِعِ الْعَشْرِ (وَهَكَذَا) ثَانِيًا (وَهَكَذَا) ثَالِثًا خَبَرُهُ بَالرَّبْطِ بَعْدَ الْعَطْفِ وَفَسَّرَهُ الرَّاوِي بِتِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِينَ
قُلْتُ لَفْظُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ثَابِتٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ هَكَذَا وَهَكَذَا مَرَّتَانِ وَكَذَا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ مُخْتَصَرًا وَلَفْظُهُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ
стр. 2065
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ هَكَذَا ذَكَرَهُ آدَمُ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ مُخْتَصَرًا وَفِيهِ اخْتِصَارٌ عَمَّا رَوَاهُ غندر عن شعبة
أخرجه مسلم عن بن الْمُثَنَّى وَغَيْرِهِ عَنْهُ بِلَفْظِ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَعَقَدَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ وَالشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي تَمَامَ الثَّلَاثِينَ أَيْ أَشَارَ أَوَّلًا بِأَصَابِعِ يَدَيْهِ الْعَشْرِ جَمِيعًا مَرَّتَيْنِ وَقَبَضَ الْإِبْهَامَ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ وَهَذَا الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ وَأَشَارَ مَرَّةً أُخْرَى بِهِمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ثَلَاثُونَ انْتَهَى
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ قَوْلُهُ الشَّهْرُ هَكَذَا يُرِيدُ أَنَّ الشَّهْرَ قَدْ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَلَيْسَ يُرِيدُ أَنَّ كُلَّ شَهْرٍ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ وَإِنَّمَا احْتَاجَ إِلَى بَيَانِ مَا كَانَ مَوْهُومًا أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ لِأَنَّ الشَّهْرَ فِي الْعُرْفِ وَغَالِبِ الْعَادَةِ ثَلَاثُونَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْبَيَانُ فِيهِ مَصْرُوفًا إِلَى النَّادِرِ دُونَ الْمَعْرُوفِ مِنْهُ فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا حَلَفَ أَوْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا بِعَيْنِهِ فَصَامَ فَكَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ كَانَ بَارًّا فِي يَمِينِهِ وَنَذْرِهِ وَلَوْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ شَهْرًا لَا بِعَيْنِهِ فَعَلَيْهِ إِتْمَامُ الْعِدَّةِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا
وَفِي الْحَدِيثِ مُسْتَدَلٌّ لِمَنْ رَأَى الْحُكْمَ بَالْإِشَارَةِ وَإِعْمَالِ دَلَالَةِ الْإِيمَاءِ كَمَنْ قَالَ امْرَأَتِي طَالِقٌ وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الثَّلَاثِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ عَلَى الظَّاهِرِ مِنَ الْحَالِ
(وَخَنَسَ سُلَيْمَانُ أُصْبُعَهُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَيْ أَضْجَعَهَا فَأَخَّرَهَا عَنْ مَقَامِ أَخَوَاتِهَا وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا كَانَ مَعَ أَصْحَابِهِ فِي مَسِيرٍ أَوْ سَفَرٍ فَتَخَلَّفَ عَنْهُمْ قَدْ خَنَسَ عَنْ أَصْحَابِهِ انْتَهَى
وَقَالَ الْعَيْنِيُّ لَفْظُ خَنَسَ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالنُّونِ وَفِي آخِرِهِ سِينٌ مُهْمَلَةٌ مَعْنَاهُ قَبَضَ
وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَازِمٌ يُقَالُ خَنَسَ خُنُوسًا وَيُرْوَى حَبَسَ بَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ بِمَعْنَى خَنَسَ وَهِيَ رِوَايَةُ الْكُشْمِيهَنِيِّ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وبن مَاجَهْ
(الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) ظَاهِرُهُ حَصْرُ الشَّهْرِ فِي تِسْعٍ وَعِشْرِينَ مَعَ أَنَّهُ لَا يَنْحَصِرُ فِيهِ بَلْ قَدْ يَكُونُ ثَلَاثِينَ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ أَوِ اللَّامُ لِلْعَهْدِ وَالْمُرَادُ شَهْرٌ بِعَيْنِهِ أَوْ هُوَ محمول على الأكثر الأغلب لقول بن مَسْعُودٍ مَا صُمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَكْثَرَ مِمَّا صُمْنَا ثَلَاثِينَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ
قَالَهُ فِي الْفَتْحِ (فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ) أَيِ الْهِلَالَ لَا يُقَالُ إِنَّهُ إِضْمَارٌ قَبْلَ الذِّكْرِ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ منهما السدس أَيْ لِأَبَوَيِ الْمَيِّتِ
قَالَهُ الْعَيْنِيُّ
стр. 2066
وَقَالَ فِي الْفَتْحِ لَيْسَ الْمُرَادُ تَعْلِيقَ الصَّوْمِ بَالرُّؤْيَةِ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ بَلِ الْمُرَادُ بِذَلِكَ رُؤْيَةُ بَعْضِهِمْ وَهُوَ مَنْ يَثْبُتُ بِهِ ذَلِكَ إِمَّا وَاحِدٌ عَلَى رَأْيِ الْجُمْهُورِ أَوِ اثْنَانِ عَلَى رَأْيِ آخَرِينَ انْتَهَى (وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ) أَيْ هِلَالَ شَوَّالٍ
وَقَدِ اسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ وُجُوبَ الصَّوْمِ وَوُجُوبَ الإفطار عتد انتهاء الصوم متعلقا بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ (فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ غَيْمٌ
قَالَهُ الْحَافِظُ
وَقَالَ الْعَيْنِيُّ أَيْ فَإِنْ سُتِرَ الْهِلَالُ عَلَيْكُمْ وَمِنْهُ الْغَمُّ لِأَنَّهُ يَسْتُرُ الْقَلْبَ وَالرَّجُلُ الْأَغَمُّ الْمَسْتُورُ الْجَبْهَةِ بَالشَّعْرِ وَسُمِّيَ السَّحَابُ غَيْمًا لِأَنَّهُ يَسْتُرُ السَّمَاءَ وَيُقَالُ غُمَّ الْهِلَالُ إِذَا اسْتَتَرَ وَلَمْ يُرَ لِاسْتِتَارِهِ بِغَيْمٍ وَنَحْوِهِ وَغَمَمْتُ الشَّيْءَ أَيْ غَطَّيْتُهُ انْتَهَى (فَاقْدُرُوا لَهُ) أَيْ لِلشَّهْرِ
قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ فَاقْدُرُوا عَدَدُ الشَّهْرِ الَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ
انْتَهَى
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ يَعْنِي حَقِّقُوا مَقَادِيرَ أَيَّامِ شَعْبَانَ حَتَّى تُكْمِلُوهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا انْتَهَى
وَقَالَ الْعَيْنِيُّ هُوَ بِضَمِّ الدَّالِ وَكَسْرِهَا يُقَالُ قَدِرْتُ لِأَمْرِ كَذَا إِذَا نَظَرْتُ فِيهِ وَدَبَّرْتُهُ انْتَهَى
وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ
قَالَ فِي الْفَتْحِ قَالَ الْجُمْهُورُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فَاقْدُرُوا لَهُ أَيِ انْظُرُوا فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ وَاحْسِبُوا تَمَامَ الثَّلَاثِينَ وَيُرَجِّحُ هَذَا التَّأْوِيلَ الرِّوَايَاتُ الْأُخَرُ الْمُصَرِّحَةُ بَالْمُرَادِ وَهِيَ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ وَنَحْوُهَا
وَأَوْلَى مَا فُسِّرَ الْحَدِيثُ بَالْحَدِيثِ انْتَهَى
قَالَ الْخَطَابِيُّ قَوْلُهُ فَاقْدُرُوا لَهُ مَعْنَاهُ التَّقْدِيرُ بِإِكْمَالِ الْعَدَدِ ثَلَاثِينَ يُقَالُ قَدَرْتُ الشَّيْءَ أَقْدِرُهُ قَدْرًا بِمَعْنَى قَدَّرْتُهُ تَقْدِيرًا وَمِنْهُ قَوْلُهُ تعالى وقدرنا فنعم القادرون وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ يَذْهَبُ فِي ذَلِكَ غَيْرَ هَذَا الْمَذْهَبِ وَتَأَوَّلَهُ عَلَى التَّقْدِيرِ بِحِسَابِ سَيْرِ الْقَمَرِ فِي الْمَنَازِلِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَشْبَهُ أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا حَدَّثَنَاهُ جَعْفَرُ بْنُ نُصَيْرٍ الْخَالِدِيُّ حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن سعد عن بن شهاب عن بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ إن الله عزوجل جَعَلَ الْأَهِلَّةَ مَوَاقِيتَ لِلنَّاسِ فَصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَعَلَى هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ
وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ نَهْيُهُ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ
وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقُولُ إِذَا لَمْ يُرَ الْهِلَالُ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ لِعِلَّةٍ فِي السَّمَاءِ صَامَ النَّاسُ فَإِنْ كَانَ صَحْوٌ لَمْ يَصُومُوا تِبَاعًا لِمَذْهَبِ بن عُمَرَ (نُظِرَ لَهُ) بِصِيغَةِ
стр. 2067
الْمَجْهُولِ أَيْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (فَإِنْ رئي) أي الهلال (فذاك) يعني أصبح بن عُمَرَ صَائِمًا (وَإِنْ لَمْ يُرَ) أَيِ الْهِلَالُ (وَلَمْ يَحُلْ) مِنْ حَالَ يَحُولُ
(وَلَا قَتَرَةٌ) بِفَتَحَاتٍ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْقَتَرَةُ الْغَبَرَةُ فِي الْهَوَاءِ الْحَائِلِ بَيْنَ الْإِبْصَارِ وَبَيْنَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ (دُونَ مَنْظَرِهِ) أَيْ قَرِيبُ مَنْظَرِهِ (سَحَابٌ أَوْ قَتَرَةٌ) أَيْ غُبَارٌ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَهِيَ لَيْلَةُ الثلاثين من شعبان (أصبح) بن عُمَرَ (صَائِمًا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَكَانَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ إِذَا كَانَ فِي السَّمَاءِ سَحَابٌ أَوْ قترة فإن كان صحو وَلَمْ يَرَ النَّاسُ أَفْطَرَ مَعَ النَّاسِ انْتَهَى
قال بن الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ لِأَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ مَا إِذَا حَالَ دُونَ مَطْلَعِ الْهِلَالِ غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ
أَحَدُهَا يَجِبُ صَوْمُهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ ثَانِيهَا لَا يَجُوزُ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا مُطْلَقًا بَلْ قَضَاءً وَكَفَّارَةً وَنَذْرًا وَنَفْلًا يُوَافِقُ عَادَةً وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ عَنْ فَرْضِ رَمَضَانَ وَيَجُوزُ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ ثَالِثُهَا الْمَرْجِعُ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ
وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِرَأْيِ الصَّحَابِيِّ رَاوِي الْحَدِيثِ
قَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عن بن عُمَرَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ فَاقْدُرُوا لَهُ قَالَ نافع فكان بن عُمَرَ إِذَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ يَبْعَثُ مَنْ يَنْظُرُ فَإِنْ رَأَى فَذَاكَ وَإِنْ لَمْ يَرَ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلَا قَتَرٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا وَإِنْ حَالَ أَصْبَحَ صَائِمًا
وَأَمَّا مَا رَوَى الثَّوْرِيُّ فِي جَامِعِهِ عن عبد العزيز بن حكيم سمعت بن عُمَرَ يَقُولُ لَوْ صُمْتُ السَّنَةَ كُلَّهَا لَأَفْطَرْتُ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي أَوْجَبَ فِيهَا الصَّوْمَ لَا يُسَمَّى يَوْمُ شَكٍّ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ خَصَّ يَوْمَ الشَّكِّ بِمَا إِذَا تَقَاعَدَ النَّاسُ عَنْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَوْ شَهِدَ بِرُؤْيَتِهِ مَنْ لَا يَقْبَلُ الْحَاكِمُ شَهَادَتَهُ فَأَمَّا إِذَا حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ شَيْءٌ فَلَا يُسَمَّى شَكًّا وَاخْتَارَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ الثَّانِيَ انْتَهَى
قُلْتُ قَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِمَا قَالَ عَمَّارٌ مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ فَهَذَانِ يَدُلَّانِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الصَّوْمِ يَوْمَ الشَّكِّ وَعَلَى عَدَمِ جَوَازِ صَوْمِ رَمَضَانَ إِذَا حَالَ دُونَ مَطْلَعِ الْهِلَالِ غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ هُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ
стр. 2068
وَقَوْلُ عَمَّارٍ ﵁ مِنْ قَبِيلِ الْمَرْفُوعِ لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ لَا يَقُولُ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ رَأْيِهِ وَسَيَجِيءُ بَعْضُ بَيَانِهِ فِي بَابِ كَرَاهِيَةِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى
(قال) نافع (وكان بن عُمَرَ يُفْطِرُ مَعَ النَّاسِ وَلَا يَأْخُذُ بِهَذَا الْحِسَابِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ الصَّنِيعَ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ وَلَا يَأْخُذُ بِهَذَا الْحِسَابِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَلَا يُفْطِرُ إِلَّا مَعَ النَّاسِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْهُ الْمُسْنَدَ فَقَطْ
(زَادَ) أَيْ أَيُّوبُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْهُ دُونَ حَمَّادٍ (إِذَا رَأَيْنَا هِلَالَ شَعْبَانَ لِكَذَا وَكَذَا) أَيْ لِثَلَاثِينَ فِي لَيْلَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ (فَالصَّوْمُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لِكَذَا وَكَذَا) أَيْ بِحِسَابِ الثَّلَاثِينَ فِي يَوْمِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ (إِلَّا أَنْ يَرَوْا) أَيِ النَّاسُ (الْهِلَالَ قَبْلَ ذَلِكَ) أَيِ الثَّلَاثِينَ فَيَكُونُ الصَّوْمُ بِحِسَابِ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ الثَّابِتَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
(لَمَا صُمْنَا) مَا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ
(شَهْرَا عِيدٍ) أَيْ شَهْرُ رَمَضَانَ وَشَهْرُ ذِي الْحِجَّةِ
قَالَ فِي الْفَتْحِ أَطْلَقَ عَلَى رَمَضَانَ أَنَّهُ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَفِي مَعْنَاهُ أَقْوَال
стр. 2069
شَهْرُ عِيدٍ لِقُرْبِهِ مِنَ الْعِيدِ أَوْ لِكَوْنِ هِلَالِ الْعِيدِ رُبَّمَا رُئِيَ فِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ
قَالَهُ الْأَثْرَمُ
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى
وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﷺ الْمَغْرِبُ وِتْرُ النهار أخرجه الترمذي من حديث بن عُمَرَ وَصَلَاةُ الْمَغْرِبِ لَيْلِيَّةٌ جَهْرِيَّةٌ وَأَطْلَقَ كَوْنَهَا وِتْرَ النَّهَارِ لِقُرْبِهَا مِنْهُ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ وَقْتَهَا يَقَعُ أَوَّلَ مَا تَغْرُبُ الشَّمْسُ انْتَهَى (لَا يَنْقُصَانِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِهِ عَلَى وُجُوهٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ أَنَّهُمَا لَا يَكُونَانِ نَاقِصَيْنِ فِي الْحُكْمِ وَإِنْ وُجِدَا نَاقِصَيْنِ فِي عَدَدِ الْحِسَابِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ أَنَّهُمَا لَا يَكَادَانِ يُوجَدَانِ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ مُجْتَمَعَيْنِ فِي النُّقْصَانِ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا تِسْعًا وَعِشْرِينَ كَانَ الْآخَرُ ثَلَاثِينَ عَلَى الْإِكْمَالِ
قُلْتُ وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يُعْتَمَدُ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ تختلف
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
أَحَدهَا لَا يَجْتَمِع نَقْصهمَا مَعًا فِي سَنَة وَاحِدَة وَهَذَا مَنْصُوص الْإِمَام أَحْمَد
وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا خَرَجَ عَلَى الْغَالِب وَالْغَالِب أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي النَّقْص وَإِنْ وَقَعَ نَادِرًا
وَالثَّالِث أَنَّ الْمُرَاد بِهَذَا تِلْكَ السَّنَة وَحْدهَا ذَكَره جَمَاعَة
الرَّابِع أَنَّهُمَا لَا يَنْقُصَانِ فِي الْأَجْر وَالثَّوَاب وَإِنْ كَانَ رَمَضَان تِسْعًا وَعِشْرِينَ فَهُوَ كَامِل فِي الْأَجْر
الْخَامِس أَنَّ الْمُرَاد بِهَذَا تَفْضِيل الْعَمَل فِي عَشْر ذِي الْحِجَّة وَأَنَّهُ لَا يَنْقُص أَجْره وَثَوَابه عَنْ ثَوَاب شَهْر رَمَضَان
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي أَيَّام الْعَشْر مِنْ ذِي الْحِجَّة وَالْعَشْر الْأَخِير مِنْ رَمَضَان أَيّهمَا أَفْضَل قَالَ شَيْخنَا وَفَصْل الْخَطَّاب أَنَّ لَيَالِي الْعَشْر الْأَخِير مِنْ رَمَضَان أَفْضَل مِنْ لَيَالِي عَشْر ذِي الْحِجَّة فَإِنَّ فِيهَا لَيْلَة الْقَدْر وَكَانَ رَسُول اللَّه ﷺ يَجْتَهِد فِي تِلْكَ اللَّيَالِي مَا لَا يَجْتَهِد فِي غَيْرهَا مِنْ اللَّيَالِي وَأَيَّام عَشْر ذِي الْحِجَّة أَفْضَل مِنْ أَيَّام الْعَشْر الْآخِر مِنْ رمضان لحديث بن عَبَّاس وَقَوْل النَّبِيّ ﷺ أَعْظَم الْأَيَّام عِنْد اللَّه يَوْم النَّحْر وَمَا جَاءَ فِي يَوْم عَرَفَة
السَّادِس أَنَّ النَّاس كَانَ يَكْثُر اِخْتِلَافُهُمْ فِي هَذَيْنَ الشَّهْرَيْنِ لِأَجْلِ صومهم وحجهم فأعلمهم ﷺ أَنَّ الشَّهْرَيْنِ وَإِنْ نَقَصَتْ أَعْدَادهمَا فَحُكْم عِبَادَتهَا عَلَى التَّمَام وَالْكَمَال وَلَمَّا كَانَ هَذَانِ الشَّهْرَانِ هُمَا أَفْضَل شُهُور الْعَام وَكَانَ الْعَمَل فِيهِمَا أَحَبّ إِلَى اللَّه مِنْ سَائِر الشُّهُور رَغِبَ النَّبِيّ ﷺ فِي الْعَمَل وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُص ثَوَابه وَإِنْ نَقَصَ الشَّهْرَانِ
وَاَللَّه أَعْلَم
قَالُوا وَيَشْهَد لِهَذَا التَّفْسِير مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمه مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْرَة عَنْ أَبِيهِ يَرْفَعهُ كُلّ شَهْر حَرَام لَا يَنْقُص ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَثَلَاثِينَ لَيْلَة وَرِجَال إِسْنَاده ثِقَات
وَهَذَا لَا يُمْكِن حَمْله إِلَّا عَلَى الثَّوَاب أَيْ لِلْعَامِلِ فِيهَا ثَوَاب ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَيْلَة وَإِنْ نَقَصَ عَدَده
وَاَللَّه أَعْلَم
стр. 2070
إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْغَالِبِ الْأَكْبَرِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا تَفْضِيلَ الْعَمَلِ فِي الْعَشْرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُصُ فِي الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ عَنْ شَهْرِ رَمَضَانَ انْتَهَى (رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ) بَدَلَانِ أَوْ بَيَانَانِ أَوْ هُمَا خَبَرَا مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أَحَدُهُمَا رَمَضَانُ وَالْآخِرُ ذُو الْحِجَّةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ
(بَاب إِذَا أَخْطَأَ الْقَوْمُ الْهِلَالَ)
أَيْ هَذَا بَابٌ فِي بَيَانِ أَنَّ قَوْمًا اجْتَهَدُوا فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَأَخْطَئُوا وَذَلِكَ مَثَلًا أَنَّ قَوْمًا لَمْ يَرَوُا الْهِلَالَ إِلَّا بَعْدَ الثَّلَاثِينَ فلم يفتروا حَتَّى اسْتَوْفَوُا الْعَدَدَ ثُمَّ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الشَّهْرَ كَانَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ فَمَا حُكْمُهُ
(فِيهِ) أَيْ فِي حَدِيثِ أَيُّوبَ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُورِ (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ) هُوَ مَحَلُّ التَّرْجَمَةِ وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَالْأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ فَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا الصَّوْمُ وَالْفِطْرُ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَعِظَمِ النَّاسِ انْتَهَى يَعْنِي هُوَ عِنْدَ اللَّهِ مَقْبُولٌ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْخَطَأَ مَوْضُوعٌ عَنِ النَّاسِ فِيمَا كَانَ سَبِيلُهُ الِاجْتِهَادُ فَلَوْ أَنَّ قَوْمًا اجْتَهَدُوا فَلَمْ يَرَوُا الْهِلَالَ إِلَّا بَعْدَ الثَّلَاثِينَ فَلَمْ يُفْطُرُوا حَتَّى اسْتَوْفَوُا الْعَدَدَ ثُمَّ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الشَّهْرَ كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ فَإِنَّ صَوْمَهُمْ وَفِطْرَهُمْ مَاضٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ مِنْ وِزْرٍ أَوْ عَتْبٍ وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْحَجِّ إِذَا أَخْطَئُوا يَوْمَ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ لَيْسَ عليهم إعادته ويجزيهم أضحاؤهم كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هَذَا تَخْفِيفٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَرِفْقٌ بِعِبَادِهِ وَلَوْ كُلِّفُوا إِذَا أَخْطَئُوا الْعَدَدَ ثم يعيدوا لَمْ يَأْمَنُوا أَنْ يُخْطِئُوا ثَانِيًا وَأَنْ لَا يَسْلَمُوا مِنَ الْخَطَأِ ثَالِثًا وَرَابِعًا فَأَمَّا مَا كَانَ سَبِيلُهُ الِاجْتِهَادَ كَانَ الْخَطَأُ غَيْرَ مَأْمُونٍ فِيهِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقِيلَ فِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى يَوْمِ الشَّكِّ لَا يُصَامُ احْتِيَاطًا وَإِنَّمَا يَصُومُ يَوْمَ يَصُومُ النَّاسُ وَقِيلَ فِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ إِنَّ مَنْ عَرَفَ طُلُوعَ الْقَمَرِ بِتَقْدِيرِ حِسَابِ الْمَنَازِلِ جَازَ لَهُ أَنْ
следующие страницы →