Полный текст (4 665 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
وَقَالَ فِي الْفَتْحِ لَيْسَ الْمُرَادُ تَعْلِيقَ الصَّوْمِ بَالرُّؤْيَةِ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ بَلِ الْمُرَادُ بِذَلِكَ رُؤْيَةُ بَعْضِهِمْ وَهُوَ مَنْ يَثْبُتُ بِهِ ذَلِكَ إِمَّا وَاحِدٌ عَلَى رَأْيِ الْجُمْهُورِ أَوِ اثْنَانِ عَلَى رَأْيِ آخَرِينَ انْتَهَى (وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ) أَيْ هِلَالَ شَوَّالٍ
وَقَدِ اسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ وُجُوبَ الصَّوْمِ وَوُجُوبَ الإفطار عتد انتهاء الصوم متعلقا بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ (فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ غَيْمٌ
قَالَهُ الْحَافِظُ
وَقَالَ الْعَيْنِيُّ أَيْ فَإِنْ سُتِرَ الْهِلَالُ عَلَيْكُمْ وَمِنْهُ الْغَمُّ لِأَنَّهُ يَسْتُرُ الْقَلْبَ وَالرَّجُلُ الْأَغَمُّ الْمَسْتُورُ الْجَبْهَةِ بَالشَّعْرِ وَسُمِّيَ السَّحَابُ غَيْمًا لِأَنَّهُ يَسْتُرُ السَّمَاءَ وَيُقَالُ غُمَّ الْهِلَالُ إِذَا اسْتَتَرَ وَلَمْ يُرَ لِاسْتِتَارِهِ بِغَيْمٍ وَنَحْوِهِ وَغَمَمْتُ الشَّيْءَ أَيْ غَطَّيْتُهُ انْتَهَى (فَاقْدُرُوا لَهُ) أَيْ لِلشَّهْرِ
قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ فَاقْدُرُوا عَدَدُ الشَّهْرِ الَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ
انْتَهَى
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ يَعْنِي حَقِّقُوا مَقَادِيرَ أَيَّامِ شَعْبَانَ حَتَّى تُكْمِلُوهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا انْتَهَى
وَقَالَ الْعَيْنِيُّ هُوَ بِضَمِّ الدَّالِ وَكَسْرِهَا يُقَالُ قَدِرْتُ لِأَمْرِ كَذَا إِذَا نَظَرْتُ فِيهِ وَدَبَّرْتُهُ انْتَهَى
وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ
قَالَ فِي الْفَتْحِ قَالَ الْجُمْهُورُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فَاقْدُرُوا لَهُ أَيِ انْظُرُوا فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ وَاحْسِبُوا تَمَامَ الثَّلَاثِينَ وَيُرَجِّحُ هَذَا التَّأْوِيلَ الرِّوَايَاتُ الْأُخَرُ الْمُصَرِّحَةُ بَالْمُرَادِ وَهِيَ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ وَنَحْوُهَا
وَأَوْلَى مَا فُسِّرَ الْحَدِيثُ بَالْحَدِيثِ انْتَهَى
قَالَ الْخَطَابِيُّ قَوْلُهُ فَاقْدُرُوا لَهُ مَعْنَاهُ التَّقْدِيرُ بِإِكْمَالِ الْعَدَدِ ثَلَاثِينَ يُقَالُ قَدَرْتُ الشَّيْءَ أَقْدِرُهُ قَدْرًا بِمَعْنَى قَدَّرْتُهُ تَقْدِيرًا وَمِنْهُ قَوْلُهُ تعالى وقدرنا فنعم القادرون وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ يَذْهَبُ فِي ذَلِكَ غَيْرَ هَذَا الْمَذْهَبِ وَتَأَوَّلَهُ عَلَى التَّقْدِيرِ بِحِسَابِ سَيْرِ الْقَمَرِ فِي الْمَنَازِلِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَشْبَهُ أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا حَدَّثَنَاهُ جَعْفَرُ بْنُ نُصَيْرٍ الْخَالِدِيُّ حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن سعد عن بن شهاب عن بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ إن الله عزوجل جَعَلَ الْأَهِلَّةَ مَوَاقِيتَ لِلنَّاسِ فَصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَعَلَى هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ
وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ نَهْيُهُ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ
وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقُولُ إِذَا لَمْ يُرَ الْهِلَالُ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ لِعِلَّةٍ فِي السَّمَاءِ صَامَ النَّاسُ فَإِنْ كَانَ صَحْوٌ لَمْ يَصُومُوا تِبَاعًا لِمَذْهَبِ بن عُمَرَ (نُظِرَ لَهُ) بِصِيغَةِ
стр. 2067
الْمَجْهُولِ أَيْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (فَإِنْ رئي) أي الهلال (فذاك) يعني أصبح بن عُمَرَ صَائِمًا (وَإِنْ لَمْ يُرَ) أَيِ الْهِلَالُ (وَلَمْ يَحُلْ) مِنْ حَالَ يَحُولُ
(وَلَا قَتَرَةٌ) بِفَتَحَاتٍ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْقَتَرَةُ الْغَبَرَةُ فِي الْهَوَاءِ الْحَائِلِ بَيْنَ الْإِبْصَارِ وَبَيْنَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ (دُونَ مَنْظَرِهِ) أَيْ قَرِيبُ مَنْظَرِهِ (سَحَابٌ أَوْ قَتَرَةٌ) أَيْ غُبَارٌ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَهِيَ لَيْلَةُ الثلاثين من شعبان (أصبح) بن عُمَرَ (صَائِمًا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَكَانَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ إِذَا كَانَ فِي السَّمَاءِ سَحَابٌ أَوْ قترة فإن كان صحو وَلَمْ يَرَ النَّاسُ أَفْطَرَ مَعَ النَّاسِ انْتَهَى
قال بن الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ لِأَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ مَا إِذَا حَالَ دُونَ مَطْلَعِ الْهِلَالِ غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ
أَحَدُهَا يَجِبُ صَوْمُهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ ثَانِيهَا لَا يَجُوزُ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا مُطْلَقًا بَلْ قَضَاءً وَكَفَّارَةً وَنَذْرًا وَنَفْلًا يُوَافِقُ عَادَةً وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ عَنْ فَرْضِ رَمَضَانَ وَيَجُوزُ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ ثَالِثُهَا الْمَرْجِعُ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ
وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِرَأْيِ الصَّحَابِيِّ رَاوِي الْحَدِيثِ
قَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عن بن عُمَرَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ فَاقْدُرُوا لَهُ قَالَ نافع فكان بن عُمَرَ إِذَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ يَبْعَثُ مَنْ يَنْظُرُ فَإِنْ رَأَى فَذَاكَ وَإِنْ لَمْ يَرَ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلَا قَتَرٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا وَإِنْ حَالَ أَصْبَحَ صَائِمًا
وَأَمَّا مَا رَوَى الثَّوْرِيُّ فِي جَامِعِهِ عن عبد العزيز بن حكيم سمعت بن عُمَرَ يَقُولُ لَوْ صُمْتُ السَّنَةَ كُلَّهَا لَأَفْطَرْتُ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي أَوْجَبَ فِيهَا الصَّوْمَ لَا يُسَمَّى يَوْمُ شَكٍّ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ خَصَّ يَوْمَ الشَّكِّ بِمَا إِذَا تَقَاعَدَ النَّاسُ عَنْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَوْ شَهِدَ بِرُؤْيَتِهِ مَنْ لَا يَقْبَلُ الْحَاكِمُ شَهَادَتَهُ فَأَمَّا إِذَا حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ شَيْءٌ فَلَا يُسَمَّى شَكًّا وَاخْتَارَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ الثَّانِيَ انْتَهَى
قُلْتُ قَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِمَا قَالَ عَمَّارٌ مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ فَهَذَانِ يَدُلَّانِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الصَّوْمِ يَوْمَ الشَّكِّ وَعَلَى عَدَمِ جَوَازِ صَوْمِ رَمَضَانَ إِذَا حَالَ دُونَ مَطْلَعِ الْهِلَالِ غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ هُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ
стр. 2068
وَقَوْلُ عَمَّارٍ ﵁ مِنْ قَبِيلِ الْمَرْفُوعِ لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ لَا يَقُولُ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ رَأْيِهِ وَسَيَجِيءُ بَعْضُ بَيَانِهِ فِي بَابِ كَرَاهِيَةِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى
(قال) نافع (وكان بن عُمَرَ يُفْطِرُ مَعَ النَّاسِ وَلَا يَأْخُذُ بِهَذَا الْحِسَابِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ الصَّنِيعَ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ وَلَا يَأْخُذُ بِهَذَا الْحِسَابِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَلَا يُفْطِرُ إِلَّا مَعَ النَّاسِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْهُ الْمُسْنَدَ فَقَطْ
(زَادَ) أَيْ أَيُّوبُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْهُ دُونَ حَمَّادٍ (إِذَا رَأَيْنَا هِلَالَ شَعْبَانَ لِكَذَا وَكَذَا) أَيْ لِثَلَاثِينَ فِي لَيْلَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ (فَالصَّوْمُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لِكَذَا وَكَذَا) أَيْ بِحِسَابِ الثَّلَاثِينَ فِي يَوْمِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ (إِلَّا أَنْ يَرَوْا) أَيِ النَّاسُ (الْهِلَالَ قَبْلَ ذَلِكَ) أَيِ الثَّلَاثِينَ فَيَكُونُ الصَّوْمُ بِحِسَابِ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ الثَّابِتَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
(لَمَا صُمْنَا) مَا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ
(شَهْرَا عِيدٍ) أَيْ شَهْرُ رَمَضَانَ وَشَهْرُ ذِي الْحِجَّةِ
قَالَ فِي الْفَتْحِ أَطْلَقَ عَلَى رَمَضَانَ أَنَّهُ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَفِي مَعْنَاهُ أَقْوَال
стр. 2069
شَهْرُ عِيدٍ لِقُرْبِهِ مِنَ الْعِيدِ أَوْ لِكَوْنِ هِلَالِ الْعِيدِ رُبَّمَا رُئِيَ فِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ
قَالَهُ الْأَثْرَمُ
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى
وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﷺ الْمَغْرِبُ وِتْرُ النهار أخرجه الترمذي من حديث بن عُمَرَ وَصَلَاةُ الْمَغْرِبِ لَيْلِيَّةٌ جَهْرِيَّةٌ وَأَطْلَقَ كَوْنَهَا وِتْرَ النَّهَارِ لِقُرْبِهَا مِنْهُ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ وَقْتَهَا يَقَعُ أَوَّلَ مَا تَغْرُبُ الشَّمْسُ انْتَهَى (لَا يَنْقُصَانِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِهِ عَلَى وُجُوهٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ أَنَّهُمَا لَا يَكُونَانِ نَاقِصَيْنِ فِي الْحُكْمِ وَإِنْ وُجِدَا نَاقِصَيْنِ فِي عَدَدِ الْحِسَابِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ أَنَّهُمَا لَا يَكَادَانِ يُوجَدَانِ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ مُجْتَمَعَيْنِ فِي النُّقْصَانِ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا تِسْعًا وَعِشْرِينَ كَانَ الْآخَرُ ثَلَاثِينَ عَلَى الْإِكْمَالِ
قُلْتُ وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يُعْتَمَدُ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ تختلف
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
أَحَدهَا لَا يَجْتَمِع نَقْصهمَا مَعًا فِي سَنَة وَاحِدَة وَهَذَا مَنْصُوص الْإِمَام أَحْمَد
وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا خَرَجَ عَلَى الْغَالِب وَالْغَالِب أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي النَّقْص وَإِنْ وَقَعَ نَادِرًا
وَالثَّالِث أَنَّ الْمُرَاد بِهَذَا تِلْكَ السَّنَة وَحْدهَا ذَكَره جَمَاعَة
الرَّابِع أَنَّهُمَا لَا يَنْقُصَانِ فِي الْأَجْر وَالثَّوَاب وَإِنْ كَانَ رَمَضَان تِسْعًا وَعِشْرِينَ فَهُوَ كَامِل فِي الْأَجْر
الْخَامِس أَنَّ الْمُرَاد بِهَذَا تَفْضِيل الْعَمَل فِي عَشْر ذِي الْحِجَّة وَأَنَّهُ لَا يَنْقُص أَجْره وَثَوَابه عَنْ ثَوَاب شَهْر رَمَضَان
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي أَيَّام الْعَشْر مِنْ ذِي الْحِجَّة وَالْعَشْر الْأَخِير مِنْ رَمَضَان أَيّهمَا أَفْضَل قَالَ شَيْخنَا وَفَصْل الْخَطَّاب أَنَّ لَيَالِي الْعَشْر الْأَخِير مِنْ رَمَضَان أَفْضَل مِنْ لَيَالِي عَشْر ذِي الْحِجَّة فَإِنَّ فِيهَا لَيْلَة الْقَدْر وَكَانَ رَسُول اللَّه ﷺ يَجْتَهِد فِي تِلْكَ اللَّيَالِي مَا لَا يَجْتَهِد فِي غَيْرهَا مِنْ اللَّيَالِي وَأَيَّام عَشْر ذِي الْحِجَّة أَفْضَل مِنْ أَيَّام الْعَشْر الْآخِر مِنْ رمضان لحديث بن عَبَّاس وَقَوْل النَّبِيّ ﷺ أَعْظَم الْأَيَّام عِنْد اللَّه يَوْم النَّحْر وَمَا جَاءَ فِي يَوْم عَرَفَة
السَّادِس أَنَّ النَّاس كَانَ يَكْثُر اِخْتِلَافُهُمْ فِي هَذَيْنَ الشَّهْرَيْنِ لِأَجْلِ صومهم وحجهم فأعلمهم ﷺ أَنَّ الشَّهْرَيْنِ وَإِنْ نَقَصَتْ أَعْدَادهمَا فَحُكْم عِبَادَتهَا عَلَى التَّمَام وَالْكَمَال وَلَمَّا كَانَ هَذَانِ الشَّهْرَانِ هُمَا أَفْضَل شُهُور الْعَام وَكَانَ الْعَمَل فِيهِمَا أَحَبّ إِلَى اللَّه مِنْ سَائِر الشُّهُور رَغِبَ النَّبِيّ ﷺ فِي الْعَمَل وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُص ثَوَابه وَإِنْ نَقَصَ الشَّهْرَانِ
وَاَللَّه أَعْلَم
قَالُوا وَيَشْهَد لِهَذَا التَّفْسِير مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمه مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْرَة عَنْ أَبِيهِ يَرْفَعهُ كُلّ شَهْر حَرَام لَا يَنْقُص ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَثَلَاثِينَ لَيْلَة وَرِجَال إِسْنَاده ثِقَات
وَهَذَا لَا يُمْكِن حَمْله إِلَّا عَلَى الثَّوَاب أَيْ لِلْعَامِلِ فِيهَا ثَوَاب ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَيْلَة وَإِنْ نَقَصَ عَدَده
وَاَللَّه أَعْلَم
стр. 2070
إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْغَالِبِ الْأَكْبَرِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا تَفْضِيلَ الْعَمَلِ فِي الْعَشْرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُصُ فِي الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ عَنْ شَهْرِ رَمَضَانَ انْتَهَى (رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ) بَدَلَانِ أَوْ بَيَانَانِ أَوْ هُمَا خَبَرَا مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أَحَدُهُمَا رَمَضَانُ وَالْآخِرُ ذُو الْحِجَّةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ
(بَاب إِذَا أَخْطَأَ الْقَوْمُ الْهِلَالَ)
أَيْ هَذَا بَابٌ فِي بَيَانِ أَنَّ قَوْمًا اجْتَهَدُوا فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَأَخْطَئُوا وَذَلِكَ مَثَلًا أَنَّ قَوْمًا لَمْ يَرَوُا الْهِلَالَ إِلَّا بَعْدَ الثَّلَاثِينَ فلم يفتروا حَتَّى اسْتَوْفَوُا الْعَدَدَ ثُمَّ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الشَّهْرَ كَانَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ فَمَا حُكْمُهُ
(فِيهِ) أَيْ فِي حَدِيثِ أَيُّوبَ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُورِ (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ) هُوَ مَحَلُّ التَّرْجَمَةِ وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَالْأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ فَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا الصَّوْمُ وَالْفِطْرُ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَعِظَمِ النَّاسِ انْتَهَى يَعْنِي هُوَ عِنْدَ اللَّهِ مَقْبُولٌ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْخَطَأَ مَوْضُوعٌ عَنِ النَّاسِ فِيمَا كَانَ سَبِيلُهُ الِاجْتِهَادُ فَلَوْ أَنَّ قَوْمًا اجْتَهَدُوا فَلَمْ يَرَوُا الْهِلَالَ إِلَّا بَعْدَ الثَّلَاثِينَ فَلَمْ يُفْطُرُوا حَتَّى اسْتَوْفَوُا الْعَدَدَ ثُمَّ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الشَّهْرَ كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ فَإِنَّ صَوْمَهُمْ وَفِطْرَهُمْ مَاضٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ مِنْ وِزْرٍ أَوْ عَتْبٍ وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْحَجِّ إِذَا أَخْطَئُوا يَوْمَ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ لَيْسَ عليهم إعادته ويجزيهم أضحاؤهم كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هَذَا تَخْفِيفٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَرِفْقٌ بِعِبَادِهِ وَلَوْ كُلِّفُوا إِذَا أَخْطَئُوا الْعَدَدَ ثم يعيدوا لَمْ يَأْمَنُوا أَنْ يُخْطِئُوا ثَانِيًا وَأَنْ لَا يَسْلَمُوا مِنَ الْخَطَأِ ثَالِثًا وَرَابِعًا فَأَمَّا مَا كَانَ سَبِيلُهُ الِاجْتِهَادَ كَانَ الْخَطَأُ غَيْرَ مَأْمُونٍ فِيهِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقِيلَ فِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى يَوْمِ الشَّكِّ لَا يُصَامُ احْتِيَاطًا وَإِنَّمَا يَصُومُ يَوْمَ يَصُومُ النَّاسُ وَقِيلَ فِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ إِنَّ مَنْ عَرَفَ طُلُوعَ الْقَمَرِ بِتَقْدِيرِ حِسَابِ الْمَنَازِلِ جَازَ لَهُ أَنْ
стр. 2071
يَصُومَ بِهِ وَيُفْطِرَ دُونَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ وَقِيلَ إِنَّ الشَّاهِدَ الْوَاحِدَ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ وَلَمْ يَحْكُمِ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِ أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ صَوْمًا لَهُ كَمَا لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ انْتَهَى (وَكُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ) أَيْ لَا تَتَوَهَّمُوا أَنَّ الْمَوْقِفَ يَخْتَصُّ بِمَا وَقَفْتُ فِيهِ بَلْ يُجْزِئُ الْوُقُوفُ بِأَيِّ جُزْءٍ مِنْ عَرَفَةَ (وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ) أَيْ مَحَلٌّ لِلنَّحْرِ (وَكُلُّ فِجَاجٍ) جَمْعُ فَجٍّ وَهُوَ الطَّرِيقُ الْوَاسِعُ (مَكَّةَ مَنْحَرٌ) يَعْنِي فِي أَيْ مَحَلٍّ مِنْ حَوَالَيْ مَكَّةَ يُنْحَرُ الْهَدْيُ يَجُوزُ لِأَنَّهَا مِنْ أَرْضِ الْحَرَمِ وَأَرَادَ بِهِ التَّوْسِعَةَ وَنَفْيَ الْحَرَجِ (وَكُلُّ جَمْعٍ) أَيْ مُزْدَلِفَةَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ انْتَهَى
وَفِي البدر المنير بن الْمُنْكَدِرِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَمْ يلقه قاله بن مَعِينٍ وَأَبُو زُرْعَةَ انْتَهَى
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَأَمَّا حَدِيث أَبِي دَاوُدَ فَقَالَ يَحْيَى بْن مَعِين مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدَر لَمْ يَسْمَع مِنْ أَبِي هُرَيْرَة
قَالَ التِّرْمِذِيّ وَفَسَّرَ بَعْض أَهْل الْعِلْم هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا الصَّوْم وَالْفِطْر مَعَ الْجَمَاعَة وَعُظْم النَّاس
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعْنَى الْحَدِيث إِنَّ الْخَطَأ مَرْفُوع عَنْ النَّاس فِيمَا كَانَ سَبِيله الِاجْتِهَاد فَلَوْ أَنَّ قَوْمًا اِجْتَهَدُوا فَلَمْ يَرَوْا الْهِلَال إِلَّا بَعْد الثَّلَاثِينَ فَلَمْ يُفْطِرُوا حَتَّى اِسْتَوْفَوْا الْعَدَد ثُمَّ ثَبَتَ عِنْدهمْ أَنَّ الشَّهْر كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ فَإِنَّ صَوْمهمْ وَفِطْرهمْ مَاضٍ لَا شَيْء عَلَيْهِمْ مِنْ وِزْر أَوْ عَنَتٍ وَكَذَلِكَ فِي الْحَجّ إِذَا أَخْطَئُوا يَوْم عَرَفَة لَيْسَ عَلَيْهِمْ إِعَادَة
وَقَالَ غَيْره فِي الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ يَوْم الشَّكِّ لَا يُصَام اِحْتِيَاطًا وَإِنَّمَا يُصَام يَوْم يَصُوم النَّاس
وَقِيلَ فِيهِ الرَّدّ عَلَى مَنْ يَقُول إِنَّ مَنْ عَرَفَ طُلُوع الْقَمَر بِتَقْدِيرِ حِسَاب الْمَنَازِل جَازَ لَهُ أَنْ يَصُوم وَيُفْطِر دُون مَنْ يَعْلَم
وَقِيلَ إِنَّ الشَّاهِد الْوَاحِد إِذَا رَأَى الْهِلَال وَلَمْ يَحْكُم الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يَكُون هَذَا لَهُ صَوْمًا كَمَا لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ
هَذَا آخِر كَلَامه
وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمُنْفَرِد بِالرُّؤْيَةِ لَا يَلْزَمهُ حُكْمهَا لَا فِي الصَّوْم وَلَا فِي الْفِطْر وَلَا فِي التَّعْرِيف
стр. 2072
٦ - (بَاب إِذَا أُغْمِيَ الشَّهْرُ)
أَيْ أُخْفِيَ هِلَالُ شَهْرِ شَعْبَانَ بِنَحْوِ غَيْمٍ وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ أَيْ مَاذَا يَفْعَلُ يُكْمِلُ عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَوْ يَصُومُ لِرَمَضَانَ يُقَالُ أُغْمِيَ الْخَبَرُ إِذَا خَفِيَ
(يَتَحَفَّظُ مِنْ شَعْبَانَ) أَيْ يَتَكَلَّفُ فِي عَدِّ أَيَّامِ شَعْبَانَ لِمُحَافَظَةِ صَوْمِ رَمَضَانَ (فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ) أَيْ شَعْبَانَ (عَدَّ) أَيْ شَعْبَانَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ كُلُّهُمْ مُحْتَجٌّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَلَى الِاتِّفَاقِ وَالِانْفِرَادِ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ الْحَضْرَمِيُّ الْحِمْصِيُّ قَاضِي الْأَنْدَلُسِ وَإِنْ كَانَ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُهُمْ فَقَدِ احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَقَالَ البخاري قال علي يعني بن الْمَدِينِيِّ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ يُوَثِّقُهُ وَيَقُولُ نَزَلَ الْأَنْدَلُسَ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ كَانَ ثِقَةً وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ ثِقَةٌ
(لَا تُقَدِّمُوا الشَّهْرَ) الْأَقْرَبَ مَعْنَى أَنَّهُ مِنَ التَّقْدِيمِ أَيْ لَا تَحْكُمُوا بَالشَّهْرِ قَبْلَ أَوَانِهِ وَلَا تُقَدِّمُوهُ عَنْ وَقْتِهِ بَلِ اصْبِرُوا حَتَّى تروا الهلال
قاله في الفتح الْوَدُودِ (أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) أَيْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَهُوَ مَحَلُّ التَّرْجَمَةِ لِأَنَّ إِكْمَالَ الْعِدَّةِ فِي حَالَةِ الْغَيْمِ ضَرُورِيٌّ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ هَذَا الْحَدِيث وَصْلُهُ صَحِيحٌ فَإِنَّ الَّذِينَ وَصَلُوهُ أَوْثَق وَأَكْثَر مِنْ الَّذِينَ أَرْسَلُوهُ وَاَلَّذِي أَرْسَلَهُ هُوَ الْحَجَّاج بْن أَرْطَاةَ عَنْ مَنْصُور وَقَوْل النَّسَائِيّ لَا أَعْلَم أَحَدًا قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيث عَنْ حُذَيْفَة غَيْر
стр. 2073
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا وَقَالَ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ مَنْصُورٍ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ حُذَيْفَةَ غَيْرَ جرير يعني بن عَبْدِ الْحَمِيدِ
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَصَلَهُ جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ فَذَكَرَ حُذَيْفَةَ فِيهِ وَهُوَ ثِقَةٌ حُجَّةٌ وَرَوَى لَهُ الثَّوْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ
(بَابُ مَنْ قَالَ فَإِنْ غُمَّ عليكم)
أَيْ سُتِرَ هِلَالُ رَمَضَانَ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ
(لَا تُقَدِّمُوا الشَّهْرَ بِصِيَامِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ الْحَدِيثَ
قَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إِخْرَاجِ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ كَرِهُوا أَنْ يَتَعَجَّلَ الرَّجُلُ بِصِيَامٍ قَبْلَ دُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ لِمَعْنَى رَمَضَانَ انْتَهَى
أَيْ لِتَعْظِيمِهِ
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَى الْحَدِيثِ لَا تَسْتَقْبِلُوا رَمَضَانَ بِصِيَامٍ عَلَى نِيَّةِ الِاحْتِيَاطِ لِرَمَضَانَ وَالْحِكْمَةُ فِيهِ التَّقَوِّي بَالْفِطْرِ لِرَمَضَانَ لِيَدْخُلَ فِيهِ بِقُوَّةٍ وَنَشَاطٍ
وَقِيلَ الْحِكْمَةُ فِيهِ خَشْيَةُ اخْتِلَاطِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
جَرِير إِنَّمَا عَنَى تَسْمِيَة الصَّحَابِيّ وَإِلَّا فَقَدْ رَوَاهُ الثَّوْرِيّ وَغَيْره عَنْ رِبْعِيّ عَنْ بَعْض أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ وَهَذَا مَوْصُول وَلَا يَضُرّهُ عَدَم تَسْمِيَة الصَّحَابِيّ وَلَا يعلل بذلك قال
الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَلَفْظ النَّسَائِيّ فِيهِ صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنَّ حَال بَيْنكُمْ وَبَيْنه سَحَاب فَكَمِّلُوا الْعِدَّة وَلَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْر اِسْتِقْبَالًا وَفِي لَفْظٍ لِلنَّسَائِيِّ أَيْضًا فَأَكْمِلُوا الْعِدَّة عِدَّة شَعْبَان رَوَاهُ مِنْ حَدِيث أَبِي يُونُس عَنْ سَمَّاك عَنْ عِكْرِمَة عَنْهُ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَلَمْ يَقُلْ فِي حديث بن عَبَّاس فَأَكْمِلُوا عِدَّة شَعْبَان غَيْر آدَم
قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَة حَدَّثَنِي عَمْرو بْن مُرَّة قَالَ سَمِعْت أَبَا الْبُخْتُرِيّ الطَّائِيّ يَقُول أَهَلَّ هِلَال رَمَضَان وَنَحْنُ بِذَاتِ الشُّقُوق فَشَكَكْنَا فِي الْهِلَال فبعثنا رجلا إلى بن عباس فسأله فقال بن عباس
стр. 2074
النَّفْلِ بَالْفَرْضِ
وَقِيلَ لِأَنَّ الْحُكْمَ عُلِّقَ بَالرُّؤْيَةِ فَمَنْ تَقَدَّمَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَقَدْ حَاوَلَ الطَّعْنَ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ) مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ وِرْدٌ فَقَدْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ لِأَنَّهُ اعْتَادَهُ وَأَلِفَهُ وَتَرْكُ الْمَأْلُوفِ شَدِيدٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ اسْتِقْبَالِ رَمَضَانَ في شيء ويلتحق بذلك الْقَضَاءُ وَالنَّذْرُ لِوُجُوبِهِمَا
قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ (حَتَّى تَرَوْهُ) أَيْ هِلَالَ رَمَضَانَ (ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ) أَيْ هِلَالَ شَوَّالٍ (فَإِنْ حَالَ دُونَهُ) أَيْ عِنْدَ الْهِلَالِ (غَمَامَةٌ) أَيْ سَحَابَةٌ (فَأَتِمُّوا الْعِدَّةَ) أَيْ عِدَّةَ رَمَضَانَ (وَالشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) يَعْنِي أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَا أَنَّهُ يَكُونُ دَائِمًا كَذَلِكَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
إِنَّ اللَّه أَمَدَّهُ لِرُؤْيَتِهِ
فَإِنَّ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّة شَعْبَان ثَلَاثِينَ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ صَحِيح عَنْ شُعْبَة وَرَوَاهُ حَصِين وَأَبُو خَالِد الدَّالَانِيّ عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ عِدَّة شَعْبَان غَيْر آدَم وَهُوَ ثِقَة
قَالَ الشَّيْخ شَمْس الدِّين حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة هَذَا قَدْ رُوِيَ فِي الصَّحِيح بِثَلَاثَةِ أَلْفَاظ أَحَدهَا هَذَا اللَّفْظ الثَّانِي صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّة وَفِي رِوَايَةٍ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ اللَّفْظ الثَّالِث فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّة شَعْبَان ثَلَاثِينَ
وَهَذَا اللَّفْظ الْأَخِير لِلْبُخَارِيِّ وَحْده وَقَدْ عُلِّلَ بِعِلَّتَيْنِ إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن زِيَاد عَنْهُ وَقَدْ خالفه فيه سعيد بن الميسب فَقَالَ فِيهِ
فَصُومُوا ثَلَاثِينَ
قَالُوا وَرِوَايَته أَوْلَى لِإِمَامَتِهِ وَاشْتِهَار عَدَالَته وَثِقَته وَلِاخْتِصَاصِهِ بِأَبِي هُرَيْرَة وَصِهْره مِنْهُ وَلِمُوَافَقَةِ رِوَايَته لِرَأْيِ أَبِي هُرَيْرَة وَمَذْهَبه فَإِنَّ مَذْهَب أَبِي هُرَيْرَة وَعُمَر بْن الْخَطَّاب وَابْنه عَبْد اللَّه وَعَمْرو بْن الْعَاصِ وَأَنَس وَمُعَاوِيَة وَعَائِشَة وَأَسْمَاء صِيَام يَوْم الْغَيْم
قَالُوا فَكَيْف يَكُون عِنْد أَبِي هُرَيْرَة قَوْل النَّبِيّ ﷺ فَأَكْمِلُوا عِدَّة شَعْبَان ثُمَّ يُخَالِفهُ الْعِلَّة الثَّانِيَة مَا ذَكَر الْإِسْمَاعِيلِيّ قَالَ وَقَدْ رَوَيْنَا هَذَا الْحَدِيث عَنْ غندر وبن مهدي وبن عُلَيَّة وَعِيسَى بْن يُونُس وَشَبَّابَة وَعَاصِم بْن عَلِيّ وَالنَّضْر بْن شُمَيْل وَيَزِيد بْن هَارُون وَأَبِي دَاوُدَ كُلّهمْ عَنْ شُعْبَة لَمْ يَذْكُر أَحَد مِنْهُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّة شَعْبَان ثَلَاثِينَ فَيَجُوز أَنْ يَكُون آدَم قَالَ ذَلِكَ مِنْ عِنْده على وجه التفسير للخبر وَإِلَّا فَلَيْسَ لِانْفِرَادِ الْبُخَارِيِّ عَنْهُ بِهَذَا مِنْ بَيْن مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ وَجْه
هَذَا آخِر كَلَامه
وَقَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فَقَالَ فِيهِ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ يَعْنِي عُدُّوا شَعْبَان ثَلَاثِينَ ثُمَّ قَالَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ
стр. 2075
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صحيحه والنسائي وبن مَاجَهْ فِي سُنَنِهِمَا مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
آدَم فَقَالَ فِيهِ فَعُدُّوا شَعْبَان ثَلَاثِينَ وَلَمْ يَقُلْ يَعْنِي وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ قَوْله يَعْنِي مِنْ بَعْض الرُّوَاة وَالظَّاهِر أَنَّهُ آدَم وأنه قوله وقد تقدم حديث بن عَبَّاس فِي ذَلِكَ وَتَفَرَّدَ آدَم أَيْضًا فِيهِ بقوله فأكملو عِدَّة شَعْبَان ثَلَاثِينَ وَسَائِر الرُّوَاة إِنَّمَا قَالُوا فَأَكْمِلُوا الْعِدَّة كَمَا رَوَاهُ حَمَّاد بْن سَلَمَة عن عمرو بن دينار عن بن عَبَّاس وَسُفْيَان عَنْ عَمْرو عَنْ مُحَمَّد بْن حنين عن بن عَبَّاس وَحَاتِم بْن أَبِي صَغِيرَة عَنْ سَمَّاك عن عكرمة عن بن عَبَّاس وَأَبُو الْأَحْوَص عَنْ سَمَّاك عَنْ عِكْرِمَة عن بن عَبَّاس وَحَصِين عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ أَبِي الْبُخْتُرِيّ وَأَبُو خَالِد الدَّالَانِيّ عَنْ عَمْرو عَنْ أَبِي الْبُخْتُرِيّ كُلّهمْ قَالَ فِي حَدِيثه فَأَكْمِلُوا الْعِدَّة وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ وَقَالَ آدَم مِنْ بَيْنهمْ عِدَّة شَعْبَان فَهَذِهِ الزيادة من آدم في حديث بن عَبَّاس كَهِيَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَسَائِر الرُّوَاة عَلَى خِلَافه فِيهِ
قَالَ بَعْض الْحُفَّاظ وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ هَذَا تَفْسِير مِنْهُ فِي الْحَدِيثَيْنِ
وَمَدَار هَذَا الْبَاب عَلَى حَدِيث بن عباس وأبي هريرة وبن عمر وعائشة وحذيفة ورافع بن خديج وطلق بْن عَلِيّ وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَعَمَّار بْن يَاسِر فَهَذِهِ عَشْرَة أَحَادِيث فَأَمَّا حَدِيث بن عَبَّاس وَأَبَى هُرَيْرَة فَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا
وَأَمَّا حَدِيث بن عُمَر وَعَائِشَة وَحُذَيْفَة فَقَدْ تَقَدَّمَتْ
وَأَمَّا حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيث الزُّهْرِيّ عَنْ حَنْظَلَة بْن عَلِيّ الْأَسْلَمِيّ عَنْ رَافِع بْن خَدِيج قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ أَحْصُوا عِدَّة شَعْبَان لِرَمَضَان وَلَا تَقَدَّمُوا الشَّهْر بِصَوْمٍ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّة ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ أَفْطِرُوا
فَإِنَّ الشَّهْر هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَخَنَسَ إِبْهَامه فِي الثَّالِثَة وَفِيهِ الْوَاقِدِيّ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا فَلَيْسَ الْعُمْدَة عَلَى مُجَرَّد حَدِيثه
وَأَمَّا حَدِيث طَلْق فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيث أَبِي يُونُس عَنْ مُحَمَّد بْن جَابِر عَنْ قَيْس بْن طَلْق عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ جَعَلَ اللَّه الْأَهِلَّة مَوَاقِيت لِلنَّاسِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَتَمُّوا الْعِدَّة ثَلَاثِينَ قَالَ مُحَمَّد بْن جَابِر سَمِعْت هَذَا مِنْهُ وَحَدِيثَيْنِ آخَرَيْنِ
وَمُحَمَّد بْن جَابِر وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فَالْعُمْدَة عَلَى مَا تَقَدَّمَ
وَأَمَّا حَدِيث سَعْد فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ الشَّهْر هَكَذَا
стр. 2076
الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا
(بَاب فِي التَّقَدُّمِ)
أَيِ التَّقَدُّمِ بَالصَّوْمِ فِي شَعْبَانَ عَلَى رَمَضَانَ
(هَلْ صُمْتَ مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ) أَيْ مِنْ آخِرِهِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَالسَّرَرُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَضَمُّهَا جَمْعُ سُرَّةٍ وَيُقَالُ أَيْضًا سَرَارٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِهِ وَرَجَّحَ الْفَرَّاءُ الْفَتْحَ وَهُوَ مِنَ الِاسْتِسْرَاءِ
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْجُمْهُورُ الْمُرَادُ بَالسَّرَرِ هُنَا آخِرُ الشَّهْرِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاسْتِسْرَارِ الْقَمَرِ فِيهَا وَهِيَ لَيْلَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَتِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِينَ انْتَهَى
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَانِ الْحَدِيثَانِ يَعْنِي حَدِيثَ لَا تُقَدِّمُوا الشَّهْرَ بِصِيَامِ يَوْمٍ وَحَدِيثَ هَلْ صُمْتَ مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ مُتَعَارِضَانِ فِي الظَّاهِرِ وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَمْرَ بَالصَّوْمِ إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ كَانَ لِلرَّجُلِ قَدْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِنَذْرِهِ فَأَمَرَهُ بَالْوَفَاءِ بِهِ أَوْ كَانَ ذَلِكَ عَادَةً اعْتَادَهَا أَوْ آخِرَ الشُّهُورِ فَتَرَكَهُ لِاسْتِقْبَالِ الشَّهْرِ فَاسْتَحَبَّ لَهُ ﷺ أَنْ يقضيه
وأما النهي عنه في حديث بن عَبَّاسٍ فَهُوَ أَنْ يَبْتَدِيَهُ الْمَرْءُ مُتَبَرِّعًا بِهِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابِ نَذْرٍ وَلَا عَادَةٍ قَدْ كَانَ تَعَوَّدَهَا فِيمَا مَضَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ (فَإِذَا أَفْطَرْتَ) أَيِ انْسَلَخَ رَمَضَانُ (فَصُمْ يَوْمًا) أَيْ عِوَضًا مِنْهُ فَاسْتُحِبَّ لَهُ الْوَفَاءُ بِهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
(بِدَيْرِ مِسْحَلٍ) قَالَ فِي
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَهَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي تِسْعَة وَعِشْرِينَ وَفِي رِوَايَة ثُمَّ قَبَضَ فِي الثَّالِثَة الْإِبْهَام فِي الْيُسْرَى
وَأَمَّا حَدِيث عَمَّار بْن يَاسِر فَسَيَأْتِي بَعْد هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى
стр. 2077
الْقَامُوسِ الدَّيْرُ خَانُ النَّصَارَى وَالْخَانُ الْحَانُوتُ أَوْ صَاحِبُهُ انْتَهَى
وَالْحَانُوتُ الدُّكَّانُ
وَقَالَ فِي تَاجِ الْعَرُوسِ وَمِسْحَلٌ اسْمُ رَجُلٍ وَهُوَ أَبُو الدَّهْنَاءِ امْرَأَةُ الْعَجَّاجِ انْتَهَى
وَلَعَلَّ مِسْحَلًا كَانَ بَانِيَ هَذَا الدَّيْرِ أَوْ مَالِكَهُ (عَلَى بَابِ حِمْصَ) قَالَ فِي مَرَاصِدِ الِاطِّلَاعِ حِمْصُ بَالْكَسْرِ ثُمَّ السُّكُونِ وَالصَّادُ مُهْمَلَةٌ بَلَدٌ مَشْهُورٌ كَبِيرٌ (فَقَالَ) مُعَاوِيَةُ (قَدْ رَأَيْنَا الْهِلَالَ) أَيْ هِلَالَ شَعْبَانَ (وَأَنَا مُتَقَدِّمٌ) رَمَضَانَ (بَالصِّيَامِ) وَهُوَ مَحَلُّ التَّرْجَمَةِ (أَنْ يَفْعَلَهُ) أَيْ تَقْدِيمَ رَمَضَانَ بَالصَّوْمِ (قَالَ) أبو الأزهر
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا عَلَى النَّاس فَحَمَلَهُ طَائِفَة عَلَى الِاحْتِيَاط لِدُخُولِ رَمَضَان قَالُوا وَسَرَر الشَّهْر وَسِرَاره بِكَسْرِ السِّين وَفَتْحِهَا ثَلَاث لُغَات وَهُوَ آخِره وَقْت اِسْتِسْرَار هِلَاله فَأَمَرَهُ إِذَا أَفْطَرَ أَنْ يَصُوم يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ عِوَض مَا فَاتَهُ مِنْ صِيَام سَرَرِهِ اِحْتِيَاطًا
وَقَالَتْ طَائِفَة مِنْهُمْ الْأَوْزَاعِيّ وَسَعِيد بْن عَبْد الْعَزِيز سَرَره أَوَّله وَسِرَاره أَيْضًا فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَصُمْ مِنْ أَوَّله فَأَمَرَهُ بِقَضَاءِ مَا أَفْطَرَ مِنْهُ
ذَكَره أَبُو دَاوُدَ عَنْ الْأَوْزَاعِيّ وَسَعِيد
وَأَنْكَرَ جَمَاعَة هَذَا التَّفْسِير فَرَأَوْهُ غَلَطًا قَالُوا فَإِنَّ سِرَار الشَّهْر آخِره سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاسْتِسْرَارِ الْقَمَر فِيهِ
وَقَالَتْ طَائِفَة سَرَره هُنَا وَسَطه وَسُرّ كُلّ شَيْء جَوْفه وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فَعَلَى هَذَا أَرَادَ أَيَّام الْبِيض
هَذَا آخِر كَلَامه
وَرُجِّحَ هَذَا بِأَنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات فِيهِ أَصُمْت مِنْ سُرَّة هَذَا الشَّهْر وَسُرَّته وَسَطه كَسُرَّةِ الْآدَمِيِّ
وَقَالَتْ طَائِفَة هَذَا عَلَى سَبِيل استفهام الإنكار والمقصود منه الزجر
قال بن حبان في صحيحه وقوله ﷺ أَصُمْت مِنْ سَرَر هَذَا الشَّهْر لَفْظَة اِسْتِخْبَار عَنْ فِعْل مُرَادهَا الْإِعْلَام بِنَفْيِ جَوَاز اِسْتِعْمَال ذَلِكَ الْفِعْل مِنْهُ كَالْمُنْكِرِ عَلَيْهِ لَوْ فَعَلَهُ وَهَذَا كَقَوْلِهِ لِعَائِشَة أَتَسْتُرِينَ الْجِدَار وَأَرَادَ بِهِ الإنكار عليها بلفظ الاستخبار
وأمره ﷺ بِصَوْمِ يَوْمَيْنِ مِنْ شَوَّال أَرَادَ بِهِ اِنْتِهَاء السَّرَار وَذَلِكَ أَنَّ الشَّهْر إِذَا كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَسْتَسِرّ الْقَمَر يَوْمًا وَاحِدًا وَإِذَا كَانَ الشَّهْر ثَلَاثِينَ يَسْتَسِرّ الْقَمَر يَوْمَيْنِ وَالْوَقْت الَّذِي خاطب فِيهِ النَّبِيّ ﷺ هَذَا الْخِطَاب يُشْبِه أَنْ يَكُون عَدَد شَعْبَان كَانَ ثَلَاثِينَ فَمِنْ أَجَله أَمْر بِصَوْمِ يَوْمَيْنِ مِنْ شَوَّال
آخِر كَلَامه
وَقَالَتْ طَائِفَة لَعَلَّ صَوْم سَرَر هَذَا الشَّهْر كَانَ الرَّجُل قَدْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسه بِنَذْرٍ فَأَمَرَهُ بِالْوَفَاءِ
وَقَالَتْ طَائِفَة لَعَلَّ ذَلِكَ الرَّجُل كَانَ قَدْ اِعْتَادَ صِيَام آخِر الشَّهْر فَتَرَك آخِر شَعْبَان لِظَنِّهِ أَنَّ صومه
стр. 2078
(فَقَامَ إِلَيْهِ) أَيْ إِلَى مُعَاوِيَةَ (السَّبَئِيُّ) بِمَفْتُوحَةٍ وَفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ فَكَسْرِ هَمْزَةٍ وَقَصْرٍ نِسْبَةٌ إِلَى سَبَأٍ عَامِرُ بْنُ سَحْبٍ قَالَهُ الْمُغْنِي (قَالَ) مُعَاوِيَةُ (صُومُوا الشَّهْرَ وَسِرَّهُ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ أَرَادَ صُومُوا أَوَّلَ الشَّهْرِ وَآخِرَهُ انْتَهَى
وَقَالَ الخطابي والعرب يسمي الْهِلَالَ الشَّهْرَ يَقُولُ رَأَيْتُ الشَّهْرَ أَيِ الْهِلَالَ انْتَهَى
وَقَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ صُومُوا الشَّهْرَ وَسِرَّهُ بِكَسْرٍ فَتَشْدِيدٍ يُقَالُ سِرُّ الشَّهْرِ وَسِرَارُهُ وَسُرَرُهُ لِآخِرِهِ لِاسْتِتَارِ الْقَمَرِ فِيهِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بَالشَّهْرِ رَمَضَانُ وَسِرِّهِ أَيْ آخِرِهِ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِيعَابِ أَوِ الْمُرَادُ بِآخِرِهِ آخَرُ شَعْبَانَ وَإِضَافَتُهُ إِلَى رَمَضَانَ لِلِاتِّصَالِ وَالْخِطَابُ لِمَنْ يَعْتَادُ أَوْ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بَالشَّهْرِ كُلُّ شَهْرٍ وَالْمُرَادُ صُومُوا أَوَّلَ كُلِّ شَهْرٍ وَآخِرَهُ وَالْمَقْصُودُ بَيَانُ الْإِبَاحَةِ انْتَهَى
(يَعْنِي الْأَوْزَاعِيُّ يَقُولُ سِرَّهُ أَوَّلَهُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَأَنَا أُنْكِرُ هَذَا التَّفْسِيرَ وَأَرَاهُ غَلَطًا فِي النَّقْلِ وَلَا أَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا فِي اللُّغَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ سِرَّهُ آخِرُهُ هَكَذَا حَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ عَنِ الْوَلِيدِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ سِرُّهُ آخِرُهُ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَفِيهِ لُغَاتٌ يُقَالُ سِرُّ الشَّهْرِ وَسِرَارُ الشَّهْرِ وَسُمِّيَ آخِرُ الشَّهْرِ سِرًّا لِاسْتِرَارِ الْقَمَرِ فِيهِ وَإِذَا كَانَ أَوَّلُ الشَّهْرِ مَأْمُورًا بِصِيَامِهِ فِي قَوْلِهِ صُومُوا الشَّهْرَ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ بِصِيَامِ سِرِّهِ هُوَ غيره أوله
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
يَكُون اِسْتِقْبَالًا لِرَمَضَان فَيَكُون مَنْهِيًّا عَنْهُ فَاسْتَحَبَّ لَهُ النَّبِيّ ﷺ أَنْ يَقْضِيَهُ وَرُجِّحَ هَذَا بِقَوْلِهِ إِلَّا صَوْم كَانَ يَصُومهُ أَحَدكُمْ فَلْيَصُمْهُ وَالنَّهْي عَنْ التَّقَدُّم لِمَنْ لَا عَادَة لَهُ
فَيَتَّفِق الْحَدِيثَانِ
وَاَللَّه أَعْلَم
стр. 2079
٩ - (باب إذا رؤي الهلال في بلد قبل اخرين بِلَيْلَةٍ)
أَيْ فَمَا حُكْمُهُ
(بَعَثَتْهُ) أَيْ كُرَيْبًا (قَالَ) كُرَيْبٌ (حَاجَتَهَا) أَيْ أُمَّ الْفَضْلِ (فَاسْتُهِلَّ) هو بضم التاء بصيغة المجهول (قال) بن عباس (أنت رأيته) أي الهلال (قال) بن عَبَّاسٍ (أَوْ نَرَاهُ) أَيِ الْهِلَالَ (هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قد تَمَسَّكَ بِحَدِيثِ كُرَيْبٍ هَذَا مَنْ قَالَ إِنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَهْلَ بَلَدٍ رُؤْيَةُ أَهْلِ بَلَدٍ غيرها ووجه الاحتجاج به أن بن عَبَّاسٍ لَمْ يَعْمَلْ بِرُؤْيَةِ أَهْلِ الشَّامِ وَقَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ هَكَذَا أَمَرَنَا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَدْ حَفِظَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَهْلَ بَلَدٍ الْعَمَلُ بِرُؤْيَةِ أَهْلِ بَلَدٍ آخَرَ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْهِلَالِ يَسْتَهِلُّهُ أَهْلُ بَلَدٍ فِي لَيْلَةٍ ثُمَّ يَسْتَهِلُّهُ أَهْلُ بَلَدٍ آخَرَ فِي لَيْلَةٍ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا فذهب إلى ظاهر الحديث بن عَبَّاسٍ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعِكْرِمَةُ وَهُوَ مَذْهَبُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَقَالَ لِكُلِّ قَوْمٍ رُؤْيَتُهُمْ
وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِذَا ثَبَتَ بِخَبَرِ النَّاسِ أَنَّ أَهْلَ الْبَلَدِ مِنَ الْبُلْدَانِ قَدْ رَأَوْهُ قَبْلَهُمْ فَعَلَيْهِمْ قَضَاءُ مَا أَفْطَرُوهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَمَالِكٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ انْتَهَى
وَقَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ قَوْلُهُ هَكَذَا أَمَرَنَا يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّهُ أَمَرَنَا أَنْ لَا نَقْبَلَ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ فِي حَقِّ الْإِفْطَارِ أَوْ أَمَرَنَا بِأَنْ نَعْتَمِدَ عَلَى رُؤْيَةِ أَهْلِ بَلَدِنَا وَلَا نَعْتَمِدَ عَنْ رُؤْيَةِ غَيْرِهِمْ وَإِلَى الْمَعْنَى الثَّانِي تَمِيلُ تَرْجَمَةُ الْمُصَنِّفِ لَكِنَّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ مُحْتَمَلٌ فَلَا يَسْتَقِيمُ الِاسْتِدْلَالُ إِذِ الِاحْتِمَالُ يُفْسِدُ الِاسْتِدْلَالَ انْتَهَى
стр. 2080
وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ بَعْدَ نَقْلِ الْأَقْوَالِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُجَّةَ إِنَّمَا هِيَ فِي الْمَرْفُوعِ من رواية بن عَبَّاسٍ لَا فِي اجْتِهَادِهِ الَّذِي فَهِمَ عَنْهُ النَّاسُ وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ قَوْلُهُ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ وَالْأَمْرُ الْكَائِنُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هُوَ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا بِلَفْظِ لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِأَهْلِ نَاحِيَةٍ عَلَى جِهَةِ الِانْفِرَادِ بَلْ هُوَ خِطَابٌ لِكُلِّ مَنْ يَصْلُحُ لَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى لُزُومِ رُؤْيَةِ أَهْلِ بَلَدٍ لِغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادِ أَظْهَرُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى عَدَمِ اللُّزُومِ لِأَنَّهُ إِذَا رَآهُ أَهْلُ بَلَدٍ فَقَدْ رَآهُ الْمُسْلِمُونَ فَيَلْزَمُ غَيْرَهُمْ مَا لَزِمَهُمُ انْتَهَى مُلَخَّصًا
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَذَاهِبَ أَحَدِهَا لِأَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ رُؤْيَتُهُمْ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حديث بن عباس ما يشهد له وحكاه بن الْمُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ وَالْقَاسِمِ وَسَالِمٍ وَإِسْحَاقَ وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَمْ يَحْكِ سِوَاهُ وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَجْهًا لِلشَّافِعِيَّةِ
ثَانِيهَا مُقَابِلُهُ إِذَا رؤي بِبَلْدَةٍ لَزِمَ أَهْلَ الْبِلَادِ كُلِّهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ عند المالكية لكن حكى بن عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى خِلَافِهِ وَقَالَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا تُرَاعَى الرُّؤْيَةُ فِيمَا بَعُدَ مِنَ الْبِلَادِ كَخُرَاسَانَ وَالْأَنْدَلُسِ
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ قَدْ قَالَ شُيُوخُنَا إِذَا كَانَتْ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ ظَاهِرَةٌ قَاطِعَةٌ بِمَوْضِعٍ ثُمَّ نُقِلَ إِلَى غَيْرِهِمْ بِشَهَادَةِ اثنين لزمهم الصوم
وقال بن الْمَاجِشُونِ لَا يَلْزَمُهُمْ بَالشَّهَادَةِ إِلَّا لِأَهْلِ الْبَلَدِ الَّذِي ثَبَتَتْ فِيهِ الشَّهَادَةُ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ فَيَلْزَمُ النَّاسَ كُلَّهُمْ لِأَنَّ الْبِلَادَ فِي حَقِّهِ كَالْبَلَدِ الْوَاحِدِ إِذْ حُكْمُهُ نَافِذٌ فِي الْجَمِيعِ
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ تَقَارَبَتِ الْبِلَادُ كَانَ الْحُكْمُ وَاحِدًا وَإِنْ تَبَاعَدَتْ فَوَجْهَانِ لَا يَجِبُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَاخْتَارَ أَبُو الطَّيِّبِ وَطَائِفَةٌ الْوُجُوبَ وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ
وَفِي ضَبْطِ الْبُعْدِ أَوْجُهٌ أَحَدُهَا اخْتِلَافُ الْمَطَالِعِ قَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَالصَّيْدَلَانِيُّ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ
ثَانِيهَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ قَطَعَ بِهِ الْإِمَامُ وَالْبَغَوِيُّ وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الصَّغِيرِ وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ
ثَالِثُهَا اخْتِلَافُ الْأَقَالِيمِ
رَابِعُهَا حَكَاهُ السَّرَخْسِيُّ فَقَالَ يَلْزَمُ كُلَّ بَلَدٍ لَا يُتَصَوَّرُ خَفَاؤُهُ عَنْهُمْ بِلَا عَارِضٍ دُونَ غيرهم
خامسها قول بن الْمَاجِشُونِ الْمُتَقَدِّمُ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
(عَنِ الْحَسَنِ فِي رَجُلٍ) هَذَا الْحَدِيثُ وُجِدَ فِي نُسْخَةٍ وَاحِدَةٍ
وَقَالَ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ هَذَا الْحَدِيثُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ وَأَبِي بكر بن داسة انْتَهَى
كَذَا فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ
стр. 2081
(بَاب كَرَاهِيَةِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ)
(عَنْ صِلَةَ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ أَمَّا صِلَةُ فَهُوَ بكسر المهملة وتخفيف اللام المفتوحة بن زُفَرَ بِزَايٍ وَفَاءٍ وَزْنُ عُمَرَ كُوفِيٌّ عَبْسِيٌّ بِمُوَحَّدَةٍ وَمُهْمَلَةٍ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَفُضَلَائِهِمْ (يَشُكُّ فِيهِ) هَلْ هُوَ مِنْ شَعْبَانَ أَوْ مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ وَيَوْمُ الشَّكِّ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يَتَحَدَّثُ النَّاسُ فِيهِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَلَمْ يَثْبُتْ رُؤْيَتُهُ أَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ أَوْ شَاهِدَانِ فَاسِقَانِ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا (فَأُتِيَ بِشَاةٍ) وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ فَأُتِيَ بِشَاةٍ مَصْلِيَّةٍ فَقَالَ كُلُوا (فَتَنَحَّى بَعْضُ الْقَوْمِ) أَيِ اعْتَزَلَ وَاحْتَرَزَ عَنْ أَكْلِهِ (فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ قَالَ فِي الْفَتْحِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ لَا يَقُولُ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ رَأْيِهِ فَيَكُونُ مِنْ قبيل المرفوع
قال بن عَبْدِ الْبَرِّ هُوَ مُسْنَدٌ عِنْدَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ
قِيلَ فَائِدَةُ تَخْصِيصِ ذِكْرِ هَذِهِ الْكُنْيَةِ يَعْنِي أَبَا الْقَاسِمِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَقْسِمُ بَيْنَ عِبَادِ اللَّهِ أَحْكَامَهُ زَمَانًا وَمَكَانًا وَغَيْرَ ذَلِكَ انْتَهَى
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَذَكَر جَمَاعَة أَنَّهُ مَوْقُوف وَنَظِير هَذَا قَوْل أَبِي هُرَيْرَة مَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَة فَقَدْ عَصَى اللَّه وَرَسُوله وَالْحُكْم عَلَى الْحَدِيث بِأَنَّهُ مَرْفُوع بِمُجَرَّدِ هَذَا اللَّفْظ لَا يَصِحّ وَإِنَّمَا هُوَ لَفْظ الصَّحَابِيّ قَطْعًا وَلَعَلَّهُ فَهِمَ مِنْ قَوْل النَّبِيّ ﷺ لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَان بِيَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ أَنَّ صِيَام يَوْم الشَّكِّ تَقَدَّمَ فَهُوَ مَعْصِيَة كَمَا فهم أبو هريرة من قوله ﷺ إِذَا دَعَا أَحَدكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْهُ أَنَّ تَرْك الْإِجَابَة مَعْصِيَة لِلَّهِ وَرَسُوله وَلَا يَجُوز أَنْ يَقُول رَسُول اللَّه ﷺ مَا لَمْ يَقُلْهُ وَالصَّحَابِيّ إِنَّمَا يَقُول ذَلِكَ اِسْتِنَادًا مِنْهُ إِلَى دَلِيل فَهُمْ
стр. 2082
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى النَّهْيِ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الشَّكِّ فَقَالَ قَوْمٌ إِنَّمَا نَهَى عَنْ صِيَامِهِ إِذَا نَوَى بِهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ رَمَضَانَ فَأَمَّا مَنْ نَوَى بِهِ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ فَهُوَ جَائِزٌ
هَذَا قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَرَخَّصَ فِيهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يُصَامُ ذَلِكَ الْيَوْمُ عَنْ فَرْضٍ وَلَا تَطَوُّعٍ لِلنَّهْيِ فِيهِ وَلِيَقَعَ الْفَصْلُ بِذَلِكَ بَيْنَ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ
وَهَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ
وَرَوَى مَعْنَاهُ عن أبي هريرة وبن عباس ﵄ وَعَائِشَةُ وَأَسْمَاءُ ابْنَتَا أَبِي بَكْرٍ تَصُومَانِ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ لَأَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ
وَكَانَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ إِذَا كَانَ فِي السَّمَاءِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرَةٌ فَإِنْ كَانَ صحو وَلَمْ يَرَ النَّاسُ الْهِلَالَ أَفْطَرَ مَعَ النَّاسِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِنْ وَافَقَ يَوْمُ الشَّكِّ يَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ صَامَهُ وَإِلَّا لَمْ يَصُمْهُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَصُومَ انْتَهَى
وَقَدْ مَرَّ بَعْضُ بَيَانِهِ فِي بَابِ الشَّهْرِ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ
وَذَكَرَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ هَذَا مُسْنَدٌ عِنْدَهُمْ وَلَا يَخْتَلِفُونَ يَعْنِي فِي ذَلِكَ
١ - (بَاب في من يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ)
(لَا تُقَدِّمُوا صَوْمَ رَمَضَانَ) قَدْ مَرَّ بَيَانَهُ وَمَعْنَاهُ فِي بَابِ مَنْ قَالَ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ
(إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَوْمٌ) يَكُونَ هُنَا تَامَّةٌ مَعْنَاهُ إِلَّا أَنْ يُوجَدَ صَوْمٌ (يَصُومُهُ رَجُلٌ) وَكَانَ ذلك
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
مِنْهُ أَنَّ مُخَالَفَة مُقْتَضَاهُ مَعْصِيَة وَلَعَلَّهُ لَوْ ذَكَر ذَلِكَ الدَّلِيل لَكَانَ لَهُ مَحْمَل غَيْر مَا ظَنَّهُ فَقَدْ كَانَ الصَّحَابَة يُخَالِف بَعْضهمْ بَعْضًا فِي كَثِير مِنْ وُجُوه دَلَالَة النُّصُوص
стр. 2083
الصَّوْمُ نَذْرًا مُعَيَّنًا أَوْ نَفْلًا مُعْتَادًا أَوْ صَوْمًا مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِرَمَضَانَ (فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الصَّوْمَ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ قَدِ اعْتَادَ صَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَيُوَافِقُ صَوْمَ الْمُعْتَادِ فَيَصُومُهُ وَلَا يَتَعَمَّدُ صَوْمَهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَادَةً وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ والترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ
(لَمْ يَكُنْ يَصُومُ مِنَ السَّنَةِ شَهْرًا تاما إلا شعبان) وفي رواية بن أَبِي لَبِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ بَلْ كَانَ يَصُومُ إِلَى آخِرِهِ وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَصُومُ مِنَ السَّنَةِ شَهْرًا تَامًّا إِلَّا شَعْبَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ أَيْ كَانَ يَصُومَ مُعْظَمَهُ
وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عن بن الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ جَائِزٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِذَا صَامَ أَكْثَرَ الشَّهْرِ أَنْ يَقُولَ صَامَ الشَّهْرَ كُلَّهُ وَيُقَالُ قَامَ فُلَانٌ لَيْلَتَهُ أَجْمَعَ وَلَعَلَّهُ قَدْ تَعَشَّى وَاشْتَغَلَ بِبَعْضِ أَمْرِهِ
قَالَ الترمذي كان بن الْمُبَارَكِ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِذَلِكَ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى مُفَسِّرَةٌ لِلثَّانِيَةِ مُخَصِّصَةٌ لَهَا وَأَنَّ الْمُرَادَ بَالْكُلِّ الْأَكْثَرُ وَهُوَ مَجَازٌ قَلِيلُ الِاسْتِعْمَالِ
قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ
٢ - (بَاب فِي كَرَاهِيَةِ ذَلِكَ)
(فَأَخَذَ) عَبَّادٌ (بِيَدِهِ) أَيِ الْعَلَاءِ (فَأَقَامَهُ) أَيْ أَقَامَ عَبَّادٌ الْعَلَاءَ (ثُمَّ قَالَ) عَبَّادٌ (إِنَّ هَذَا) أَيِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ الَّذِينَ رَدُّوا هَذَا الْحَدِيث لَهُمْ مَأْخَذَانِ أَحَدهمَا أَنَّهُ لَمْ يُتَابِع الْعَلَاء عَلَيْهِ أَحَد بَلْ اِنْفَرَدَ بِهِ عَنْ النَّاس وَكَيْف لَا يَكُون هَذَا مَعْرُوفًا عِنْد
стр. 2084
الْعَلَاءَ (عَنْ أَبِيهِ) وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ (إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ كَانَ يُنْكِرُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ مِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ وَرَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ وَيَصِلُهُ بِرَمَضَانَ وَلَمْ يَكُنْ يَصُومُ مِنَ السَّنَةِ شَهْرًا تَامًّا غَيْرَهُ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ الْعَلَاءِ إِنْ ثَبَتَ عَلَى مَعْنَى كَرَاهِيَةِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ لِيَكُونَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مُفْطِرًا أَوْ يَكُونَ مَا اسْتَحَبَّ الصِّيَامَ فِي بَقِيَّةِ شَعْبَانَ لِيَتَقَوَّى بِذَلِكَ عَلَى صِيَامِ الْفَرْضِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ كَمَا كُرِهَ لِلْحَاجِّ الصَّوْمُ بِعَرَفَةَ لِيَتَقَوَّى بَالْإِفْطَارِ عَلَى الدُّعَاءِ انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ نِصْفِ شَعْبَانَ الثَّانِي وَالنَّهْيِ عَنْ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ وَبَيْنَ وِصَالَ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ وَالْجَمْعُ مُمْكِنٌ بِأَنْ يُحْمَلَ النَّهْيُ عَلَى مَنْ لَيْسَتْ لَهُ عَادَةٌ بِذَلِكَ وَيُحْمَلَ الْأَمْرُ عَلَى مَنْ لَهُ عَادَةٌ حَمْلًا لِلْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ عَلَى مُلَازَمَةِ عَادَةِ الْخَيْرِ حَتَّى لَا يَقْطَعُ انْتَهَى مُلَخَّصًا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
أَصْحَاب أَبِي هُرَيْرَة مَعَ أَنَّهُ أَمْرٌ تَعُمّ بِهِ الْبَلْوَى وَيَتَّصِل بِهِ الْعَمَل وَالْمَأْخَذ الثَّانِي أَنَّهُمْ ظَنُّوهُ مُعَارِضًا لِحَدِيثِ عَائِشَة وَأُمّ سَلَمَة فِي صِيَام النَّبِيّ ﷺ شَعْبَان كُلّه أَوْ قَلِيلًا مِنْهُ وَقَوْله إِلَّا أَنْ يَكُون لِأَحَدِكُمْ صَوْم فَلْيَصُمْهُ وَسُؤَاله لِلرَّجُلِ عَنْ صَوْمه سَرَر شَعْبَان
قَالُوا وَهَذِهِ الْأَحَادِيث أَصَحّ مِنْهُ
وَرُبَّمَا ظَنَّ بَعْضهمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث لَمْ يَسْمَعهُ الْعَلَاء مِنْ أَبِيهِ
وَأَمَّا الْمُصَحِّحُونَ لَهُ فَأَجَابُوا عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْدَح فِي صِحَّته وَهُوَ حَدِيث عَلَى شَرْط مُسْلِم فَإِنَّ مُسْلِمًا أَخْرُج فِي صَحِيحه عِدَّة أَحَادِيث عَنْ الْعَلَاء عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَتَفَرُّده بِهِ تَفَرُّد ثِقَة بِحَدِيثٍ مُسْتَقِلٍّ وَلَهُ عِدَّة نَظَائِر فِي الصَّحِيح
قَالُوا وَالتَّفَرُّد الَّذِي يُعَلَّل بِهِ هُوَ تَفَرُّد الرَّجُل عَنْ النَّاس بِوَصْلِ مَا أَرْسَلُوهُ أَوْ رَفْع مَا وَقَفُوهُ أَوْ زِيَادَة لَفْظَةٍ لَمْ يَذْكُرُوهَا
وَأَمَّا الثِّقَة الْعَدْل إِذَا رَوَى حَدِيثًا وَتَفَرَّدَ بِهِ لَمْ يَكُنْ تَفَرُّده عِلَّة فَكَمْ قَدْ تَفَرَّدَ الثِّقَات بِسُنَنٍ عَنْ النَّبِيّ ﷺ عَمِلَتْ بِهَا الْأُمَّة
стр. 2085
صَحِيحٌ
حَكَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ
قَالَ وَكَانَ عبد الرحمن يعني بن مَهْدِيٍّ لَا يُحَدِّثُ بِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إِنَّمَا أَنْكَرَهُ مِنْ جِهَةِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَإِنَّ فِيهِ مَقَالًا لِأَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ
وَمَنْ قَالَ إِنَّ النَّهْيَ عَنِ الصِّيَامِ بَعْدَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ لِأَجْلِ التَّقَوِّي عَلَى صِيَامِ رَمَضَانَ وَالِاسْتِجْمَامِ لَهُ فَقَدْ أَبْعَدَ فَإِنَّ نِصْفَ شَعْبَانَ إِذَا أَضْعَفَ كَانَ كُلُّ شَعْبَانَ أَحْرَى أَنْ يُضْعِفَ
وَقَدْ جَوَّزَ الْعُلَمَاءُ صِيَامَ جَمِيعِ شَعْبَانَ
وَالْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَقَالٌ فَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ مَعَ شِدَّةِ انْتِقَادِهِ الرِّجَالَ وَتَحَرِّيهِ فِي ذَلِكَ
وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَذَكَرَ لَهُ أَحَادِيثَ انْفَرَدَ بِهَا رُوَاتُهَا وَكَذَلِكَ فَعَلَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا
وَلِلْحُفَّاظِ فِي الرِّجَالِ مَذَاهِبُ فَعَلَ كُلٌّ مِنْهُمْ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ مِنَ الْقَبُولِ وَالرَّدِّ ﵃ والله أعلم
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قَالُوا وَأَمَّا ظَنُّ مُعَارَضَته بِالْأَحَادِيثِ الدَّالَّة عَلَى صِيَام شَعْبَان فَلَا مُعَارَضَة بَيْنهمَا وَإِنَّ تِلْكَ الْأَحَادِيث تَدُلّ عَلَى صَوْم نِصْفه مَعَ مَا قَبْله وَعَلَى الصَّوْم الْمُعْتَاد فِي النِّصْف الثَّانِي وَحَدِيث الْعَلَاء يَدُلّ عَلَى الْمَنْع مِنْ تَعَمُّد الصَّوْم بَعْد النِّصْف لَا لِعَادَةٍ وَلَا مُضَافًا إِلَى مَا قَبْله وَيَشْهَد لَهُ حَدِيث التَّقَدُّم
وَأَمَّا كَوْن الْعَلَاء لَمْ يَسْمَعهُ مِنْ أَبِيهِ فَهَذَا لَمْ نَعْلَم أَنَّ أَحَدًا عَلَّلَ بِهِ الْحَدِيث فَإِنَّ الْعَلَاء قَدْ ثَبَتَ سَمَاعه مِنْ أَبِيهِ
وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ الْعَلَاء عَنْ أَبِيهِ بِالْعَنْعَنَةِ غَيْر حَدِيث
وَقَدْ قَالَ (١)
لَقِيت الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن وَهُوَ يَطُوف فَقُلْت لَهُ بِرَبِّ هَذَا الْبَيْت حَدَّثَك أَبُوك عَنْ أبي هريرة عن النبي ﷺ أَنَّهُ قَالَ إِذَا اِنْتَصَفَ شَعْبَان فَلَا تَصُومُوا فَقَالَ وَرَبِّ هَذَا الْبَيْت سَمِعْت أَبِي يُحَدِّث عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ ﷺ فَذَكَره
стр. 2086
١٣ - (بَاب شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ)
(جَدِيلَةَ قَيْسٍ) قَالَ فِي تَاجِ الْعَرُوسِ الْجَدِيلَةُ كَسَفِينَةٍ الْقَبِيلَةُ وَبَنُو جَدِيلَةَ بَطْنٌ فِي قَيْسٍ وَهُمْ فَهْمٌ وَعُدْوَانُ ابْنَا عَمْرِو بْنِ قَيْسِ عَيْلَانَ وَبَطْنٌ آخَرُ فِي الْأَزْدِ وَهُمْ بَنُو جَدِيلَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَازِنِ بْنِ الْأَزْدِ (أَنْ نَنْسُكَ) أَنْ نَعْبُدَ وَالنُّسُكُ الْعِبَادَةُ وَمَعْنَاهُ نَحُجُّ (لِلرُّؤْيَةِ) أَيْ لِرُؤْيَةِ هِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ (وَشَهِدَ شَاهِدَا عَدْلٍ) قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ اسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ بِجَوَازِ الْحَجِّ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَلَى ثُبُوتِ هِلَالِ شَوَّالٍ (فَسَأَلْتُ الْحُسَيْنَ) السَّائِلُ أَبُو مَالِكٍ (ثُمَّ لَقِيَنِي) أَيِ الْحُسَيْنُ (فَقَالَ) الْحُسَيْنُ (هُوَ) أَيِ الْأَمِيرُ (وَصَدَقَ) الْأَمِيرُ (كَانَ) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ (أَعْلَمُ بَاللَّهِ مِنْهُ) أَيْ مِنَ الْأَمِيرِ (فَقَالَ) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ (بِذَلِكَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَا أَعْلَمُ اخْتِلَافًا فِي أَنَّ شَهَادَةَ الرَّجُلَيْنِ الْعَدْلَيْنِ مَقْبُولَةٌ فِي رُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي شَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لَا يُقْبَلُ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ وَمَالَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَزَعَمَ أَنَّ بَابَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ بَابُ الْإِخْبَارِ فَلَا يَجْرِي مَجْرَى الشَّهَادَاتِ
أَلَا تَرَى أَنَّ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ مَقْبُولَةٌ فِي رُؤْيَةِ هِلَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَقْبُولَةٌ فِي هِلَالِ شَهْرِ شَوَّالٍ
قُلْتُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ لَجَازَ فِيهِ أَنْ يَقُولَ أَخْبَرَنِي فُلَانٌ أَنَّهُ رَأَى الْهِلَالَ فَلَمَّا
стр. 2087
لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلَى الْحِكَايَةِ عَنْ غَيْرِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنِّي رَأَيْتُ هِلَالَ رَمَضَانَ خُصُوصًا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَاحِدَ الْعَدْلَ فِيهِ كَافٍ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَاحْتَجَّ بخبر بن عُمَرَ ﵄ قَالَ أَخْبَرْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلَالَ فَأَمَرَ النَّاسَ بَالصِّيَامِ
قُلْتُ وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ أَجَازَ فِيهِ الْمَرْأَةَ وَالْعَبْدَ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ هَذَا إِسْنَادٌ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ
(لَأَهَلَّا الْهِلَالَ) أَيْ لَرَأَيَا الْهِلَالَ (أَمْسِ) اسْمُ عِلْمٍ عَلَى الْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَ يَوْمِكَ وَيُسْتَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهُ مَجَازًا (عَشِيَّةً) الْعَشِيُّ مَا بَيْنَ الزَّوَالِ إِلَى الْغُرُوبِ وَالْمَعْنَى بَالْفَارِسِيَّةِ دي وقت شام (فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَمْرَهُ ﷺ بَالْإِفْطَارِ خَاصٌّ بَالرَّكْبِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ أَنَّ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ فِي رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ مَقْبُولَةٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ يُجِيزَانِ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ شَهَادَةَ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةَ الْوَاحِدَةَ وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً ولا يجيزان في هلال الفطر أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ وَكَانَ الشَّافِعِيُّ لَا يُجِيزُ فِي ذَلِكَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ وَكَانَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ يَقُولُونَ لَا يُقْبَلُ عَلَى هِلَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَلَا عَلَى هِلَالِ الْفِطْرِ أقل من شاهدين عدلين
وفي قول بن عُمَرَ تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَبُولُهُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ وَحْدَهُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ قَبُولِ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُخْبِرُ بِذَلِكَ مُنْفَرِدًا عَنِ النَّاسِ وَحْدَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ وَلَا يُشَارِكُهُ أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ سُمُّوا أَوْ لَمْ يُسَمَّوْا
стр. 2088
١٤ - (بَاب فِي شَهَادَةِ الْوَاحِدِ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ)
(عَنْ سِمَاكٍ) يَعْنِي الْوَلِيدَ بْنَ أَبِي ثَوْرٍ وَزَائِدَةَ كِلَاهُمَا عَنْ سِمَاكٍ (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ) أَيْ وَاحِدٌ مِنَ الْأَعْرَابِ وَهُمْ سُكَّانُ الْبَادِيَةِ (فَقَالَ إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلَالَ) يَعْنِي وَكَأَنَّ غَيْمًا
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِخْبَارَ كَافٍ وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ وَلَا إِلَى الدَّعْوَى قاله علي القارىء (أَذِّنْ فِي النَّاسِ) أَيْ نَادِ فِي مَحْضَرِهِمْ وَأَعْلِمْهُمْ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَجْرَى الْأَمْرَ فِي رُؤْيَةِ هِلَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ مَجْرَى الْإِخْبَارِ وَلَمْ يَحْمِلْهَا عَلَى أَحْكَامِ الشَّهَادَاتِ
وَفِيهِ أَيْضًا حُجَّةٌ لِمَنْ رَأَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَطْلُبْ أَنْ يَعْلَمَ مِنَ الْأَعْرَابِيِّ غَيْرَ الْإِسْلَامِ فَقَطْ وَلَمْ يَبْحَثْ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ عَدَالَتِهِ وَصِدْقِ لَهْجَتِهِ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وقد روى البيهقي في سننه من حَدِيث مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن عُثْمَان عَنْ أُمّه فَاطِمَة بِنْت حُسَيْن أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عِنْد عَلِيّ عَلَى رُؤْيَة هِلَال شَهْر رَمَضَان فَصَامَ وَأَحْسَبهُ قَالَ وَأَمَرَ النَّاس أَنْ يَصُومُوا وَقَالَ لَأَنْ أَصُوم يَوْمًا مِنْ شَعْبَان أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِر يَوْمًا مِنْ رَمَضَان
وَفِي سُنَن الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ حَدِيث أَبِي إِسْمَاعِيل حَفْص بْن عُمَر الْأَيْلِيّ عَنْ مِسْعَر بْن كِدَامٍ وَأَبِي عَوَانَة عَنْ عبد الملك من ميسرة عن طاوس عن بن عمر وبن عَبَّاس قَالَا إِنَّ رَسُول اللَّه ﷺ أَجَازَ شَهَادَة رَجُل وَاحِد عَلَى رُؤْيَة هِلَال شَهْر رَمَضَان وَقَالَا كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ لَا يُجِيز شَهَادَة الْإِفْطَار إِلَّا بِرَجُلَيْنِ
وَأَبُو إِسْمَاعِيل هَذَا ضَعِيف جِدًّا وَأَبُو حَاتِمٍ يَرْمِيه بِالْكَذِبِ
стр. 2089
(مِنَ الْحَرَّةِ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ الْحَرَّةُ بَالْفَتْحِ أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ وَالْجَمْعُ حِرَارٌ مِثْلُ كَلْبَةٍ وَكِلَابٍ (فَأُتِيَ بِهِ) أَيْ بَالْأَعْرَابِيِّ (فَقَالَ) النَّبِيُّ ﷺ (قَالَ نَعَمْ) أَيِ الْأَعْرَابِيُّ (وَشَهِدَ) الْأَعْرَابِيُّ (فَأَمَرَ) النَّبِيِّ ﷺ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِيهِ اخْتِلَافٌ وَذَكَرَ النَّسَائِيُّ أَنَّ الْمُرْسَلَ أَوْلَى بَالصَّوَابِ وَأَنَّ سِمَاكَ بْنَ حَرْبٍ إِذَا انْفَرَدَ بِأَصْلٍ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً لِأَنَّهُ كَانَ يُلَقَّنُ فَيَتَلَقَّنُ
(تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ) قَالَ الْمُظْهِرُ التَّرَائِي أَنْ يُرِيَ بَعْضُ الْقَوْمِ بَعْضًا وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا الِاجْتِمَاعُ لِلرُّؤْيَةِ لِقَوْلِهِ (فَأَخْبَرْتُ) أَيْ وَحْدِي (أَنِّي رَأَيْتُهُ) أَيِ الْهِلَالَ (فَصَامَ) النَّبِيُّ ﷺ (بِصِيَامِهِ) أَيْ بِصِيَامِ رَمَضَانَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ عن بن وَهْبٍ وَهُوَ ثِقَةٌ
٥ - (بَاب فِي تَوْكِيدِ السُّحُورِ)
السُّحُورُ بِالضَّمِّ مَصْدَرٌ وَبَالْفَتْحِ اسْمُ مَا يُتَسَحَّرُ بِهِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْمَحْفُوظُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ الْفَتْحُ
(عَنْ أَبِيهِ) أَيْ لِمُوسَى وَهُوَ عُلَيٌّ
قَالَ فِي التَّقْرِيبِ عُلَيُّ بْنُ رَبَاحِ بْنِ قصير ضد
стр. 2090
الطَّوِيلِ اللَّخْمِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ وَالْمَشْهُورُ فِيهِ عُلَيٌّ بَالتَّصْغِيرِ وَكَانَ يَغْضَبُ مِنْهَا مِنْ صِغَارِ الثَّالِثَةِ مَاتَ سِنَةَ بِضْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ
(إِنَّ فَصْلَ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا) الْفَصْلُ بِمَعْنَى الْفَاصِلِ وَمَا مَوْصُولَةٌ وَإِضَافَتُهُ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ أَيِ الْفَارِقُ الَّذِي بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ
قَالَهُ فِي فَتْحِ الودود
وقال علي القارىء مَا زَائِدَةٌ أُضِيفَ إِلَيْهَا الْفَصْلُ بِمَعْنَى الْفَرْقِ (أَكْلَةُ السَّحَرِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ الْمَرَّةُ وَإِنْ كَثُرَ الْمَأْكُولُ
وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ الْأُكْلَةُ بَالضَّمِّ اللُّقْمَةُ
وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ وَالْمَعْنَى أَنَّ السَّحُورَ هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَهُ لَنَا إِلَى الصُّبْحِ بَعْدَ مَا كَانَ حَرَامًا عَلَيْنَا أَيْضًا فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ وَحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ يَنَامُوا أَوْ مُطْلَقًا وَمُخَالَفَتُنَا إِيَّاهُمْ تَقَعُ مَوْقِعَ الشُّكْرِ لِتِلْكَ النِّعْمَةِ
انْتَهَى
وَفِي الْقَامُوسِ السَّحَرُ هُوَ قُبَيْلُ الصُّبْحِ وَفِي الْكَشَّافِ هُوَ السُّدُسُ الْأَخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ
قاله علي القارىء
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ الْحَثُّ عَلَى السحر وَفِيهِ إِعْلَامٌ بِأَنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ لَا عُسْرَ فِيهِ وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ إِذَا نَامُوا بَعْدَ الْإِفْطَارِ لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ مُعَاوَدَةُ الْأَكْلِ والشرب إلى وقت الفجر بقوله عزوجل فكلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الخيط الأسود من الفجر قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
٦ - (بَاب مَنْ سَمَّى السَّحُورَ الْغَدَاءَ)
(عَنِ الْعِرْبَاضِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ (إِلَى السَّحُورِ) بِفَتْحِ السِّينِ وَيَجُوزُ ضمها قال بن الأثير في النهاية السحور بالفتح اسْمُ مَا يُتَسَحَّرُ بِهِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَبِالضَّمِّ المصدر والفعل نفسه
وأكثرها مَا يُرْوَى بَالْفَتْحِ وَقِيلَ إِنَّ الصَّوَابُ بِالضَّمِّ لِأَنَّهُ بِالْفَتْحِ الطَّعَامُ
وَالْبَرَكَةُ وَالْأَجْرُ وَالثَّوَابُ فِي الْفِعْلِ لَا فِي الطَّعَامِ (هَلُمَّ) مَعْنَاهُ تَعَالَ وَفِيهِ لُغَتَانِ فَأَهْلُ الْحِجَازِ يُطْلِقُونَهُ عَلَى الْوَاحِدِ والجمع
стр. 2091
وَالِاثْنَيْنِ وَالْمُؤَنَّثِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ مَبْنِيٍّ عَلَى الْفَتْحِ وَبَنُو تَمِيمٍ تُثَنِّي وَتَجْمَعُ وَتُؤَنِّثُ فَتَقُولُ هَلُمَّ وهلمي وهلما وهلموا قاله بن الأثير في النهاية
وقال علي القارىء وَجَاءَ التَّنْزِيلُ بِلُغَةِ الْحِجَازِ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ أَيْ أَحْضِرُوهُمْ (إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ) وَالْغَدَاءُ مَأْكُولُ الصَّبَاحِ وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّمَا سَمَّاهُ غَدَاءً لِأَنَّ الصَّائِمَ يَتَقَوَّى بِهِ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ فَكَأَنْ قَدْ تَغَدَّى وَالْعَرَبُ تَقُولُ غَدَا فُلَانُ لِحَاجَتِهِ إِذَا بَكَّرَ فِيهَا وَذَلِكَ مِنْ لَدُنْ وَقْتِ السُّحُورِ إِلَى وَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ الْحَارِثُ بْنُ زِيَادٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ النَّمِرِيُّ ضَعِيفٌ مَجْهُولٌ يَرْوِي عَنْ أَبِي رَهْمٍ السَّمْعِيِّ حَدِيثُهُ مُنْكَرٌ
(نِعْمَ سُحُورُ الْمُؤْمِنِ) الْحَدِيثُ وُجِدَ فِي نُسْخَةٍ وَاحِدَةٍ
وَقَالَ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ هَذَا الْحَدِيثُ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ انْتَهَى
كَذَا فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ
٧ - (بَاب وَقْتِ السُّحُورِ)
(مِنْ سُحُورِكُمْ) قَالَ الْعَيْنِيُّ قَالَ شَيْخُنَا ﵀ رَوَيْنَاهُ بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّهَا وَهُوَ بَالضَّمِّ الْفِعْلُ وَبَالْفَتْحِ اسْمٌ لِمَا يُتَسَحَّرُ بِهِ كَالْوَضُوءِ وَالسَّعُوطِ وَالْحَنُوطِ وَنَحْوِهَا (وَلَا بَيَاضُ الْأُفُقِ الَّذِي هَكَذَا) يَعْنِي بَيَاضَ الْأُفُقِ الْمُسْتَطِيلَ (حَتَّى يَسْتَطِيرَ) أَيْ يَنْتَشِرَ بَيَاضُ الْأُفُقِ مُعْتَرِضًا
قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَوْلُهُ حَتَّى يَسْتَطِيرَ مَعْنَاهُ يَعْتَرِضَ فِي الْأُفُقِ يَنْتَشِرُ ضَوْءُهُ هُنَاكَ قَالَ الشَّاعِرُ فَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنَى لُؤَيٍّ حريقٌ بَالْبُوَيْرَةِ مستطير انتهى
قال المنذري والحديث أخرجه ومسلم والترمذي والنسائي
стр. 2092
(أَوْ قَالَ يُنَادِي) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (لِيَرْجِعَ قَائِمُكُمْ) وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إِنَّمَا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ لِيُعْلِمَكُمْ بِأَنَّ الْفَجْرَ لَيْسَ بِبَعِيدٍ فَيَرُدَّ الْقَائِمَ الْمُتَهَجِّدَ إِلَى رَاحَتِهِ لِيَنَامَ غَفْوَةً لِيُصْبِحَ نَشِيطًا أَوْ يُوتِرَ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْتَرَ قَالَهُ النَّوَوِيُّ (وَيَنْتَبِهَ نَائِمُكُمْ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ
قَالَ النَّوَوِيُّ أَيْ لِيَتَأَهَّبَ لِلصُّبْحِ أَيْضًا بِفِعْلِ مَا أَرَادَ مِنْ تَهَجُّدٍ قَلِيلٍ أَوْ إِيتَارٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْتَرَ أَوْ سُحُورٍ إِنْ أَرَادَ الصَّوْمَ أَوِ اغْتِسَالٍ أَوْ وُضُوءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ قَبْلَ الْفَجْرِ (وَجَمَعَ يَحْيَى كَفَّهُ حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا وَمَدَّ يَحْيَى بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ) وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ أَصْرَحُ وَلَفْظُهَا إِنَّ الْفَجْرَ لَيْسَ الَّذِي يَقُولُ هَكَذَا وَجَمَعَ أَصَابِعَهُ ثُمَّ نَكَّسَهَا إِلَى الْأَرْضِ وَلَكِنَّ الَّذِي يَقُولُ هَكَذَا وَوَضَعَ الْمُسَبِّحَةَ عَلَى الْمُسَبِّحَةِ وَمَدَّ يَدَيْهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
(وَلَا يَهِيدَنَّكُمْ) قَالَ الْحَافِظُ هُوَ بِكَسْرِ الْهَاءِ انْتَهَى
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ لَا يَمْنَعُكُمُ الْأَكْلُ وَأَصْلُ الْهَيْدِ الزَّجْرُ يُقَالُ لِلرَّجُلِ أَهِيدُهُ هَيْدًا إِذَا زَجَرْتُهُ وَيُقَالُ فِي زَجْرِ الدَّوَابِّ هَيْدَ هَيْدَ انْتَهَى (السَّاطِعُ الْمُصْعِدُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ سُطُوعُهَا ارْتِفَاعُهَا مُصْعَدًا قَبْلَ أَنْ يَعْتَرِضَ انْتَهَى
قال بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ قَوْلُهُ وَلَا يَهِيدَنَّكُمُ السَّاطِعُ الْمُصْعِدُ أَيْ لَا تَنْزَعِجُوا لِلْفَجْرِ الْمُسْتَطِيلِ فَتَمْتَنِعُوا بِهِ عَنِ السَّحُورِ فَإِنَّهُ الصُّبْحُ الْكَاذِبُ وَأَصْلُ الْهَيْدِ الْحَرَكَةُ وَقَدْ هِدْتُ الشَّيْءَ أَهِيدُهُ هَيْدًا إِذَا حَرَّكْتُهُ وَأَزْعَجْتُهُ وَالسَّاطِعُ الْمُصْعِدُ يَعْنِي الصُّبْحَ الْأَوَّلَ الْمُسْتَطِيلَ يُقَالُ سَطَعَ الصُّبْحُ يَسْطَعُ فَهُوَ سَاطِعٌ أَوَّلَ مَا يَنْشَقُّ مُسْتَطِيلًا انْتَهَى
стр. 2093
(حَتَّى يَعْتَرِضَ لَكُمُ الْأَحْمَرُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَى الأحمر ها هنا أَنْ يَسْتَبْطِنَ الْبَيَاضَ الْمُعْتَرِضَ أَوَائِلُ حُمْرَةٍ وَذَلِكَ أَنَّ الْبَيَاضَ إِذَا تَتَامَّ طُلُوعُهُ ظَهَرَتْ أَوَائِلُ الْحُمْرَةِ وَالْعَرَبُ تُشْبِهُ الصُّبْحَ بَالْبُلْقِ مِنَ الْخَيْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ بَيَاضٍ وَحُمْرَةٍ انْتَهَى
قُلْتُ وَقَدْ يُطْلَقُ الْأَحْمَرُ عَلَى الْأَبْيَضِ
قَالَ فِي تَاجِ الْعَرُوسِ الْأَحْمَرُ مَا لَوْنُهُ الْحُمْرَةُ وَمِنَ الْمَجَازِ الْأَحْمَرُ مَنْ لَا سِلَاحَ مَعَهُ فِي الْحَرْبِ وَالْأَحْمَرُ تَمْرٌ لِلَوْنِهِ وَالْأَحْمَرُ الْأَبْيَضُ ضِدٌّ وَبِهِ فَسَّرَ بَعْضٌ الْحَدِيثَ بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ وَالْعَرَبُ تَقُولُ امْرَأَةٌ حَمْرَاءُ أَيْ بَيْضَاءُ انْتَهَى
فَمَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ حَتَّى يَعْتَرِضَ لَكُمُ الْأَحْمَرُ أَيِ الْأَبْيَضُ وَهُوَ بَيَاضُ النَّهَارِ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ يَعْنِي الصُّبْحُ الصَّادِقُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَقَيْسٌ هَذَا قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ
(لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ظَاهِرُهُ أَنَّ عَدِيًّا كَانَ حَاضِرًا لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَهُوَ يَقْتَضِي تَقَدُّمُ إِسْلَامِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ نُزُولَ فَرْضِ الصَّوْمِ كَانَ مُتَقَدِّمًا فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ وَإِسْلَامَ عَدِيٍّ كَانَ فِي التَّاسِعَةِ أَوِ الْعَاشِرَةِ
فَيُؤَوَّلُ قَوْلُ عَدِيٍّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ لَمَّا نَزَلَتْ أَيْ لَمَّا تُلِيَتْ عَلَيَّ عِنْدَ إِسْلَامِي أَوْ لَمَّا بَلَغَنِي نُزُولُ الْآيَةِ أَوْ فِي السِّيَاقِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ لَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ ثُمَّ قَدِمْتُ فَأَسْلَمْتُ وَتَعَلَّمْتُ الشَّرَائِعَ (أَخَذْتُ) وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ حَدِيثَهُ مِنْ طَرِيقِ مُجَالِدٍ بِلَفْظِ عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ فَقَالَ صَلِّ كَذَا وَصُمْ كَذَا فَإِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ فَكُلْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ قَالَ فَأَخَذَتُ خَيْطَيْنِ الْحَدِيثَ
انْتَهَى (عِقَالًا) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ حَبْلًا
قَالَهُ الْحَافِظُ (فَلَمْ أَتَبَيَّنْ) أَيْ لَمْ أَتَمَيَّزْ بَيْنَ الْعِقَالِ الْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ (فَقَالَ) النَّبِيُّ ﷺ (إِنَّ وِسَادَكَ إذًا لَطَوِيلٌ عَرِيضٌ) قَالَ الْعَيْنِيُّ الْوِسَادُ وَالْوِسَادَةُ الْمِخَدَّةُ وَالْجَمْعُ وَسَائِدُ وَوُسُدٌ انْتَهَى
стр. 2094
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا يُرِيدُ إِنَّ نَوْمَكَ لَكَثِيرٌ عَنَى بَالْوِسَادَةِ عَنِ النَّوْمِ إِذَا كَانَ النَّائِمُ يَتَوَسَّدُ أَوْ يَكُونُ أَرَادَ إِنَّ لَيْلَكَ إذًا لَطَوِيلٌ إِذَا كُنْتَ لَا تُمْسِكُ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ سَوَادُ الْعِقَالِ مِنْ بَيَاضِهِ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّهُ كَنَّى بَالْوِسَادَةِ عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَضَعُهُ مِنْ رَأْسِهِ وَعُنُقِهِ عَلَى الْوِسَادَةِ إِذَا نَامَ وَالْعَرَبُ تَقُولُ فُلَانٌ عَرِيضُ الْقَفَا إِذَا كَانَتْ فِيهِ غَبَاوَةٌ وَغَفْلَةٌ
وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ آخَرَ أَنَّهُ قَالَ إِنَّكَ عَرِيضُ الْقَفَا وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الصُّبْحَ أَوَّلَ مَا يَبْدُو خَيْطًا انْتَهَى
وَقَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْقَاضِي مَعْنَاهُ إِنْ جَعَلْتَ تَحْتَ وِسَادِكَ الْخَيْطَيْنِ الَّذِينَ أَرَادَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَهُمَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ فَوِسَادُكَ يَعْلُوهُمَا وَيُغَطِّيهِمَا وَحِينَئِذٍ يَكُونُ عَرِيضًا انْتَهَى (إِنَّمَا هُوَ) أَيِ الْخَيْطُ الْأَسْوَدُ وَالْأَبْيَضُ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَلَوْ أَكَلَ ظَانًّا أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى الْإِبَاحَةِ إِلَى أَنْ يَحْصُلَ التَّبْيِينُ وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ بن عَبَّاسٍ قَالَ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ مَا شَكَكْتَ
وَلَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي بكر وعمر نحوه وروى بن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الضُّحَى قَالَ سأل رجل بن عَبَّاسٍ عَنِ السُّحُورِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جلسائه كل حتى لا تشك فقال بن عَبَّاسٍ إِنَّ هَذَا لَا يَقُولُ شَيْئًا كُلْ ما شككت حتى لا تشك
قال بن الْمُنْذِرِ وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ صَارَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ مَالِكٌ يَقْضِي انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ والترمذي والنسائي
٨ - (باب الرجل يسمع النداء)
أَيْ أَذَانَ الصُّبْحِ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ
(النِّدَاءَ) أَيْ أَذَانَ الصُّبْحِ (وَالْإِنَاءُ) أَيِ الَّذِي يَأْكُلُ مِنْهُ أَوْ يَشْرَبُ مِنْهُ (عَلَى يَدِهِ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (فَلَا يَضَعْهُ) أَيِ الْإِنَاءَ (حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ) أَيْ بَالْأَكْلِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ هذا الحديث أعله بن الْقَطَّانِ بِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي اِتِّصَاله قَالَ لِأَنَّ أَبَا دَاوُدَ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْد
стр. 2095
وَالشُّرْبِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا عَلَى قَوْلِهِ إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ بن أُمِّ مَكْتُومٍ أَوْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إِنْ سَمِعَ الْأَذَانَ وَهُوَ يَشُكُّ فِي الصُّبْحِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ السَّمَاءُ مُتَغَيِّمَةً فَلَا يَقَعُ لَهُ الْعِلْمُ بِأَذَانِهِ أَنَّ الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ لِعِلْمِهِ أَنَّ دَلَائِلَ الْفَجْرِ مَعْدُومَةٌ وَلَوْ ظَهَرَتْ لِلْمُؤَذِّنِ لَظَهَرَتْ لَهُ أَيْضًا فَإِذَا عَلِمَ انْفِجَارَ الصُّبْحِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى أَوَانِ الصَّبَاحِ أَذَانُ الصَّارِخِ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يُمْسِكَ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ انْتَهَى قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ إِنْ صَحَّ هَذَا يُحْمَلُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّهُ ﷺ قَالَ حِينَ كَانَ الْمُنَادِي يُنَادِي قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِحَيْثُ يَقَعُ شُرْبُهُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قُلْتُ مَنْ يَتَأَمَّلُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَكَذَا حديث كلوا واشربوا حتى يؤذن بن أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ وَكَذَا ظَاهِرَ قَوْلِهِ تَعَالَى حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الفجر يَرَى أَنَّ الْمَدَارَ هُوَ تَبَيُّنُ الْفَجْرِ وَهُوَ يَتَأَخَّرُ عَنْ أَوَائِلِ الْفَجْرِ بِشَيْءٍ وَالْمُؤَذِّنُ لِانْتِظَارِهِ يُصَادِفُ أَوَائِلَ الْفَجْرِ فَيَجُوزُ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الْأَعْلَى بْن حَمَّاد أَظُنّهُ عَنْ حَمَّاد عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَذَكَره وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيّ عَنْ زِرّ قَالَ قُلْنَا لِحُذَيْفَة أَيّ سَاعَة تَسَحَّرْت مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ هُوَ النَّهَار إِلَّا أَنَّ الشَّمْس لَمْ تَطْلُع
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة
فَرَوَى إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ عن وكيع أنه سمع الأعمش يقول لولا الشهرة لَصَلَّيْت الْغَدَاة ثُمَّ تَسَحَّرْت ثُمَّ ذَكَر إِسْحَاق عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق وَعَلِيّ وَحُذَيْفَة نَحْو هَذَا ثُمَّ قَالَ وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَرَوْا فَرْقًا بَيْن الْأَكْل وَبَيْن الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة
هَذَا آخِر كلام إسحاق
وقد حكي ذلك عن بن مَسْعُود أَيْضًا
وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى اِمْتِنَاع السُّحُور بِطُلُوعِ الْفَجْر وَهُوَ قَوْل الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَعَامَّة فقهاء الأمصار وروى معناه عن عمر وبن عَبَّاس
وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِقَوْلِ النَّبِيّ ﷺ فكلوا واشربوا حتى يؤذن بن أُمّ مَكْتُوم وَلَمْ يَكُنْ يُؤَذِّن إِلَّا بَعْد طُلُوع الْفَجْر كَذَا فِي الْبُخَارِيِّ وَفِي بَعْض الرِّوَايَات وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُؤَذِّن حَتَّى يُقَال لَهُ أَصْبَحْت أَصْبَحْت
قَالُوا وَإِنَّ النَّهَار إِنَّمَا هُوَ مِنْ طُلُوع الشَّمْس
وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّن لَكُمْ الْخَيْط الْأَبْيَض مِنْ الْخَيْط الْأَسْوَد مِنْ الْفَجْر﴾ ويقول النَّبِيّ ﷺ كُلُوا وَاشْرَبُوا حتى يؤذن بن أُمّ مَكْتُوم وَبِقَوْلِهِ الْفَجْر فَجْرَانِ فَأَمَّا الْأَوَّل فَإِنَّهُ لَا يُحَرِّم الطَّعَام وَلَا يُحِلّ الصَّلَاة وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنَّهُ يُحَرِّم الطَّعَام وَيُحِلّ الصَّلَاة رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنه
قَالُوا وَأَمَّا حَدِيث حُذَيْفَة فَمَعْلُول وَعِلَّته الْوَقْف وَأَنَّ زِرًّا هُوَ الَّذِي تَسَحَّرَ مَعَ حُذَيْفَة ذَكَره النَّسَائِيّ
стр. 2096
الشُّرْبُ حِينَئِذٍ إِلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ لَكِنَّ هَذَا خِلَافُ الْمَشْهُورِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَلَا اعْتِمَادَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ الرائق اختلف المشائخ فِي أَنَّ الْعِبْرَةَ لِأَوَّلِ طُلُوعِهِ أَوْ لِاسْتِطَارَتِهِ أَوْ لِانْتِشَارِهِ وَالظَّاهِرُ الْأَخِيرُ لِتَعْرِيفِهِمُ الصَّادِقَ بِهِ
وقال علي القارىء قَوْلُهُ ﷺ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ هَذَا إِذَا عَلِمَ أَوْ ظَنَّ عدم الطلوع
وقال بن الْمَلِكِ هَذَا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ طُلُوعَ الصُّبْحِ أَمَّا إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ طَلَعَ أَوْ شك فيه فلا
وقال القارىء أَيْضًا إِنَّ إِمْكَانَ سُرْعَةِ أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ لِتَقَارُبِ وَقْتِهِ وَاسْتِدْرَاكِ حَاجَتِهِ وَاسْتِشْرَافِ نَفْسِهِ وَقُوَّةِ نَهِمَتِهِ وَتَوَجُّهِ شَهْوَتِهِ بِجَمِيعِ هِمَّتِهِ مِمَّا يَكَادُ يُخَافُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ مُنِعَ مِنْهُ لَمَا امْتَنَعَ فَأَجَازَهُ الشَّارِعُ رَحْمَةً عَلَيْهِ وَتَدْرِيجًا لَهُ بَالسُّلُوكِ وَالسَّيْرِ إِلَيْهِ وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
٩ - (بَاب وَقْتِ فِطْرِ الصَّائِمِ)
(قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ وَكِيعًا وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ دَاوُدَ رَوَيَاهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَهُوَ يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ
قَالَهُ الْمِزِّيُّ (إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ من ها هنا) أَيْ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ (وَذَهَبَ النَّهَارُ مِنْ ها هنا) أَيْ مِنَ الْمَغْرِبِ
قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ يَعْنِي جَاءَ اللَّيْلُ وَذَهَبَ النَّهَارُ وَغَابَتِ الشَّمْسُ يَتَضَمَّنُ الْآخَرَيْنِ وَيُلَازِمُهُمَا وَإِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي وَادٍ وَنَحْوِهِ بِحَيْثُ لَا يُشَاهِدُ غُرُوبَ الشَّمْسِ فَيَعْتَمِدُ إِقْبَالَ الظَّلَامِ وَإِدْبَارَ الضِّيَاءِ (فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَدْ صَارَ فِي حُكْمِ الْمُفْطِرِ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ دَخَلَ فِي وَقْتِ الْفِطْرِ وَجَازَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ كَمَا قِيلَ أَصْبَحَ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ فِي وَقْتِ الصُّبْحِ وَأَمْسَى وَأَظْهَرَ كَذَلِكَ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِ الْوِصَالِ انْتَهَى
قُلْتُ قَالَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ أَظْهَرْنَا دَخَلْنَا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ كَأَصْبَحْنَا وَأَمْسَيْنَا فِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ انْتَهَى
قَالَ الْعَيْنِيُّ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ أَيْ دَخَلَ وَقْتُ الْإِفْطَارِ لَا أَنَّهُ يَصِيرُ مُفْطِرًا بِغَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ وَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ مُفْطِرًا
وقال بن خُزَيْمَةَ لَفْظُهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ أَيْ فَلْيُفْطِرِ الصائم
стр. 2097
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
(فَاجْدَحْ لَنَا) قَالَ الْعَيْنِيُّ اجْدَحْ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَمْرٌ مِنْ جَدَحْتُ السَّوِيقَ وَأَجْدَحْتُهُ أَيْ لَتَتُّهُ وَالْمَصْدَرُ جَدْحٌ وَمَادَّتُهُ جِيمٌ وَدَالٌ وَحَاءٌ مُهْمَلَةٌ وَالْجَدْحُ أَنْ يُحَرِّكَ السَّوِيقَ بَالْمَاءِ فَيَخُوضُ حَتَّى يَسْتَوِيَ وَكَذَلِكَ اللَّبَنَ وَنَحْوَهُ وَالْمِجْدَحُ بِكَسْرِ الْمِيمِ عُودٌ مُجَنَّحُ الرَّأْسِ تُسَاطُ بِهِ الْأَشْرِبَةُ وَرُبَّمَا يَكُونُ لَهُ ثَلَاثُ شُعَبٍ
وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ اجْدَحْ يَعْنِي احْلِبْ وَرَدَّ ذَلِكَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ
وَفِي الْمُحْكَمِ الْمِجْدَحُ خَشَبَةٌ فِي رَأْسِهَا خَشَبَتَانِ مُعْتَرِضَتَانِ وَكُلَّمَا خَلَطَ فَقَدْ جَدَحَ
وَعَنِ الْقَزَّازِ هُوَ كَالْمِلْعَقَةِ
وَفِي الْمُنْتَهَى شَرَابٌ مَجْدُوحٌ وَمِجْدَحٌ أَيْ مَخُوضٌ وَالْمِجْدَحُ عُودٌ ذُو جَوَانِبَ وَقِيلَ هُوَ عُودٌ يُعْرَضُ رَأْسُهُ وَالْجَمْعُ مَجَادِيحُ انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ فَاجْدَحْ بَالْجِيمِ ثُمَّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجَدْحُ تَحْرِيكُ السَّوِيقِ وَنَحْوِهِ بَالْمَاءِ بِعُودٍ يُقَالُ لَهُ الْمِجْدَحُ مُجَنَّحُ الرَّأْسِ انْتَهَى (إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا) هَذَا ظَنٌّ مِنْ بِلَالٍ لَمَّا رَأَى مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ سَاطِعًا وَإِنْ كَانَ جُرْمُهَا غَائِبًا وَتَكْرِيرُهُ الْمُرَاجَعَةُ لِغَلَبَةِ اعْتِقَادِهِ أَنَّ ذَلِكَ نَهَارٌ يَحْرُمُ فِيهِ الْأَكْلُ مَعَ تَجْوِيزِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ ينظر إلى ذلك الضوء تَامًّا فَقَصَدَ زِيَادَةَ الْإِعْلَامِ فَأَعْرَضَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الضَّوْءِ وَاعْتَبَرَ غَيْبُوبَةَ الشَّمْسِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ النسائي
٠ - (بَاب مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ تَعْجِيلِ الْفِطْرِ)
(ظَاهِرًا) أَيْ غَالِبًا وَعَالِيًا أَوْ وَاضِحًا وَلَائِحًا (مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ) مَا ظَرْفِيَّةٌ أَيْ مُدَّةَ
стр. 2098
تَعْجِيلِهِمُ الْفِطْرَ (لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ) أَيِ الْفِطْرَ
قَالَ الطِّيبِيُّ فِي هَذَا التَّعْلِيلِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قِوَامَ الدِّينِ الْحَنِيفِيِّ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَعْدَاءِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَأَنَّ فِي مُوَافَقَتِهِمْ تَلَفًا لِلدِّينِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النسائي وبن ماجه وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنَحْوِهِ
(عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ أَنَا وَمَسْرُوقٌ) كِلَاهُمَا تَابِعِيٌّ (رَجُلَانِ) مُبْتَدَأٌ (مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ صِفَةٌ وَهِيَ مُسَوِّغَةٌ لِكَوْنِ الْمُبْتَدَأِ نَكِرَةً وَالْخَبَرُ الْجُمْلَةُ قَوْلُهُ أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ إِلَى قَوْلِهِ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ (قُلْنَا عَبْدُ اللَّهِ) بْنُ مَسْعُودٍ وَالْآخَرُ أَبُو مُوسَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
١ - (بَاب مَا يُفْطَرُ عَلَيْهِ)
(عَمِّهَا) أَيْ لِلرَّبَّابِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ بَدَلٌ مِنْ سَلْمَانَ (فَإِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ) أَيْ بَالِغٌ فِي الطَّهَارَةِ فَيُبْتَدَأُ بِهِ تَفَاؤُلًا بِطَهَارَةِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ
قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ لِأَنَّهُ مُزِيلٌ الْمَانِعَ مِنْ أَدَاءِ الْعِبَادَةِ وَلِذَا مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ ماء طهورا وقال بن الْمَلِكِ يُزِيلُ الْعَطَشَ عَنِ النَّفْسِ انْتَهَى
وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﵊ عِنْدَ الْإِفْطَارِ ذَهَبَ الظمأ قاله علي القارىء
وقال المنذري والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ
стр. 2099
(يُفْطِرُ) أَيْ فِي صِيَامِهِ (قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ) أَيِ الْمَغْرِبَ (حَسَا حَسَوَاتٍ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ شَرِبَ ثلاث مرات
قاله علي القارىء
وقال بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ
الْحُسْوَةُ بَالضَّمِّ الْجَرْعَةُ مِنَ الشَّرَابِ بِقَدْرِ مَا يُحْسَى مَرَّةً وَاحِدَةً وَالْحَسْوَةُ بَالْفَتْحِ الْمَرَّةُ انْتَهَى
وَقَالَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ الْحُسْوَةُ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ وَقِيلَ الْحَسْوَةُ وَالْحُسْوَةُ لُغَتَانِ
قال بن السِّكِّيتِ حَسَوْتُ شَرِيفَ حَسْوًا وَحِسَاءً وَالْحُسْوَةُ مِلْءُ الْفَمِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يُعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ إِلَّا جَعْفَرَ بْنَ سُلَيْمَانَ وَذَكَرَهُ بن عَدِيٍّ أَيْضًا فِي أَفْرَادِ جَعْفَرٍ عَنْ ثَابِتٍ انْتَهَى
٢ - (بَاب الْقَوْلِ عِنْدَ الْإِفْطَارِ)
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا أَفْطَرَ
(الْمُقَفَّعُ) هَكَذَا فِي النُّسَخِ بِتَقْدِيمِ الْقَافِ عَلَى الْفَاءِ
قَالَ فِي التَّقْرِيبِ مَرْوَانُ بْنُ سَالِمٍ الْمُقَفَّعُ بِقَافٍ ثُمَّ فَاءٍ ثَقِيلَةٍ مِصْرِيٌّ مَقْبُولٌ
وَفِي الخلاصة المقفع بفتح القاف وبالفاء وثقه بن حِبَّانَ (إِذَا أَفْطَرَ) أَيْ بَعْدَ الْإِفْطَارِ (ذَهَبَ الظَّمَأُ) بِفَتْحَتَيْنِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ الظَّمَأُ مهموزا لآخر مَقْصُورٌ وَهُوَ الْعَطَشُ وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا لِأَنِّي رَأَيْتُ مَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ فتوهمه ممدودا انتهى
قال علي القارىء وَفِيهِ أَنَّهُ قُرِئَ لَا يُصِيبُهُمْ ظِمَاءٌ بَالْمَدِّ وَالْقَصْرِ
وَفِي الْقَامُوسِ ظَمِئَ كَفَرِحَ ظَمَأٌ وَظِمَاءٌ وَظَمَاءَةٌ عَطِشَ أَوْ أَشَدُّ الْعَطَشِ وَلَعَلَّ كَلَامَ النَّوَوِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ خِلَافُ الرِّوَايَةِ لَا أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي اللُّغَةِ (وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ) أَيْ بِزَوَالِ الْيُبُوسَةِ الْحَاصِلَةِ بَالْعَطَشِ (وَثَبَتَ الْأَجْرُ) أَيْ زَالَ التَّعَبُ وَحَصَلَ الثَّوَابُ
وَهَذَا حَثٌّ على العبادات فإن التعب
стр. 2100
يسر لِذَهَابِهِ وَزَوَالِهِ وَالْأَجْرُ كَثِيرٌ لِثَبَاتِهِ وَبَقَائِهِ
قَالَ الطِّيبِيُّ ذِكْرُ ثُبُوتِ الْأَجْرِ بَعْدَ زَوَالِ التَّعَبِ استلذاذ أي استلذاذ (إن شاء الله) متعلق بَالْأَخِيرِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّكِ وَيَصِحُّ التَّعْلِيقُ لِعَدَمِ وُجُوبِ الْأَجْرِ عَلَيْهِ تَعَالَى رَدًّا عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ أَوْ لِئَلَّا يَجْزِمَ كُلُّ أَحَدٍ فَإِنَّ ثُبُوتَ أَجْرِ الْأَفْرَادِ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِنْ بِمَعْنَى إِذْ فَتَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ مَا سَبَقَ
ذَكَرَهُ فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
(عَنْ مُعَاذِ بْنِ زُهْرَةَ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ مُعَاذُ بْنُ زُهْرَةَ وَيُقَالُ أَبُو زُهْرَةَ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ فَأَرْسَلَ حَدِيثًا فَوَهِمَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ (إِذَا أَفْطَرَ قَالَ) أَيْ دَعَا وقال بن الْمَلِكِ أَيْ قَرَأَ بَعْدَ الْإِفْطَارِ (اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ) قَالَ الطِّيبِيُّ قَدَّمَ الْجَارَ وَالْمَجْرُورَ فِي الْقَرِينَتَيْنِ عَلَى الْعَامِلِ دَلَالَةً عَلَى الِاخْتِصَاصِ إِظْهَارًا لِلِاخْتِصَاصِ فِي الِافْتِتَاحِ وَإِبْدَاءً لِشُكْرِ الصَّنِيعِ الْمُخْتَصِّ بِهِ فِي الِاخْتِتَامِ
كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
وَفِي النَّيْلِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَدْعُوَ عِنْدَ إِفْطَارِهِ بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّعَاءِ انْتَهَى
قَالَ المنذري هذا مرسل
٣ - (باب الفطر)
الخ (قَالَتْ أَفْطَرْنَا يَوْمًا فِي رَمَضَانَ فِي غَيْمٍ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَاخْتَلَفَ النَّاس هَلْ يَجِب الْقَضَاء فِي هَذِهِ الصُّورَة فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ يَجِب وَذَهَبَ إِسْحَاق بن راهويه وَأَهْل الظَّاهِر إِلَى أَنَّهُ لَا قَضَاء عَلَيْهِمْ وَحُكْمهمْ حُكْم مِنْ أَكَلَ نَاسِيًا وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَن وَمُجَاهِد وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عُمَر فَرَوَى زَيْد بْن وَهْب قَالَ كُنْت جَالِسًا فِي مَسْجِد رَسُول اللَّه ﷺ فِي رَمَضَان فِي زَمَن عُمَرَ فَأُتِينَا بِكَأْسٍ فِيهَا شَرَاب مِنْ بَيْت حَفْصَة فَشَرِبْنَا وَنَحْنُ نَرَى أَنَّهُ مِنْ اللَّيْل ثُمَّ اِنْكَشَفَ السَّحَاب فَإِذَا الشَّمْس طَالِعَة قَالَ فَجَعَلَ النَّاس يَقُولُونَ نَقْضِي يَوْمًا مَكَانه فَسَمِعَ بِذَلِكَ عُمَر فَقَالَ وَاَللَّه لَا نَقْضِيه وَمَا تَجَانُفًا لِإِثْمٍ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْره
وَقَدْ رَوَى مَالِك فِي الْمُوَطَّأ عَنْ زَيْد بْن
стр. 2101
فِي مِثْلِ هَذَا فَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ الْقَضَاءُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَقَالَ إِسْحَاقُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَيُمْسِكُ بَقِيَّةَ النَّهَارِ عَنِ الْأَكْلِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَشَبَّهُوهُ بِمَنْ أَكَلَ نَاسِيًا فِي الصَّوْمِ
قال الخطابي الناس لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْتَرِزَ مِنَ الْأَكْلِ نَاسِيًا وَهَذَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَمْكُثَ فَلَا يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ غَيْبُوبَةَ الشَّمْسِ فَالنِّسْيَانُ خَطَأٌ فِي الْفِعْلِ وَهَذَا خَطَأٌ فِي الْوَقْتِ وَالزَّمَانِ وَالتَّحَرُّزُ مُمْكِنٌ انْتَهَى (قَالَ أَبُو أُسَامَةَ) هُوَ حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ اللَّيْثِيُّ (أُمِرُوا) مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ (بَالْقَضَاءِ قَالَ) هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ (وَبُدٌّ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ هَلْ بُدٌّ مِنْ قَضَاءٍ فَحَرْفُ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
أَسْلَمَ أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب أَفْطَرَ ذَات يَوْم فِي رَمَضَان فِي يَوْم ذِي غَيْم وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ أَمْسَى وَغَابَتْ الشَّمْس فَجَاءَهُ رَجُل فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ قَدْ طَلَعَتْ الشَّمْس فَقَالَ عُمَرَ الْخَطْب يَسِير وَقَدْ اِجْتَهَدْنَا قَالَ مَالِك يُرِيد بِقَوْلِهِ الْخَطْب يَسِير الْقَضَاء فِيمَا نَرَى
وَاَللَّه أَعْلَم
وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهَذَا لَا يُنَاقِض الْأَثَر الْمُتَقَدِّم
وَقَوْله وَقَدْ اِجْتَهَدْنَا مُؤْذِن بِعَدَمِ الْقَضَاء
وَقَوْله الْخَطْب يَسِير إِنَّمَا هُوَ تَهْوِينٌ لِمَا فَعَلُوهُ وَتَيْسِير لِأَمْرِهِ
وَلَكِنْ قَدْ رَوَاهُ الْأَثْرَم وَالْبَيْهَقِيّ عَنْ عُمَر وَفِيهِ مَنْ كَانَ أَفْطَرَ فَلْيَصُمْ يَوْمًا مَكَانه وَقَدَّمَ الْبَيْهَقِيّ هَذِهِ الرِّوَايَة عَلَى رِوَايَة زَيْد بْن وَهْب وَجَعَلَهَا خَطَأ وَقَالَ تَظَاهَرَتْ الرِّوَايَات بِالْقَضَاءِ قَالَ وَكَانَ يَعْقُوب بْن سُفْيَان الْفَارِسِيّ يَحْمِل عَلَى زَيْد بْن وَهْب بِهَذِهِ الرِّوَايَة الْمُخَالِفَة لِلرِّوَايَاتِ الْمُتَقَدِّمَة قَالَ وَزَيْد ثِقَة إِلَّا أَنَّ الْخَطَأ عَلَيْهِ غَيْر مَأْمُون
وَفِيمَا قَالَهُ نَظَر فَإِنَّ الرِّوَايَة لَمْ تَتَظَاهَر عَنْ عُمَر بِالْقَضَاءِ وَإِنَّمَا جَاءَتْ مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن حَنْظَلَة عَنْ أَبِيهِ وَكَانَ أَبُوهُ صَدِيقًا لِعُمَر فَذَكَر الْقِصَّة وَقَالَ فِيهَا مَنْ كَانَ أَفْطَرَ فَلْيَصُمْ يَوْمًا مَكَانه
وَقَدَّمَ الْبَيْهَقِيّ هَذِهِ الرِّوَايَة عَلَى رِوَايَة زَيْد بْن وَهْب وَجَعَلَهَا خَطَأ وَقَالَ تَظَاهَرَتْ الرِّوَايَات بِالْقَضَاءِ قَالَ وَكَانَ يَعْقُوب بْن سُفْيَان الْفَارِسِيّ يَحْمِل عَلَى زَيْد بْن وَهْب بِهَذِهِ الرِّوَايَة الْمُخَالِفَة لِلرِّوَايَاتِ الْمُتَقَدِّمَة قَالَ وَزَيْد ثِقَة إِلَّا أَنَّ الْخَطَأ عَلَيْهِ غَيْر مَأْمُون وَفِيمَا قَالَهُ نَظَر فَإِنَّ الرِّوَايَة لَمْ تَتَظَاهَر عَنْ عُمَر بِالْقَضَاءِ وَإِنَّمَا جَاءَتْ مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن حَنْظَلَة عَنْ أَبِيهِ وَكَانَ أَبُوهُ صَدِيقًا لِعُمَر فَذَكَر الْقِصَّة وَقَالَ فِيهَا مَنْ كَانَ أَفْطَرَ فَلْيَصُمْ يَوْمًا مَكَانه وَلَمْ أَرَ الْأَمْر بِالْقَضَاءِ صَرِيحًا إِلَّا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة وَأَمَّا رِوَايَة مَالِك فَلَيْسَ فِيهَا ذِكْر لِلْقَضَاءِ وَلَا لِعَدَمِهِ فَتَعَارَضَتْ رِوَايَة حَنْظَلَة وَرِوَايَة زَيْد بُنَّ وَهْب وَتَفْضُلهَا رِوَايَة زَيْد بْن وَهْب بِقَدْرِ مَا بَيْن حَنْظَلَة وَبَيْنه مِنْ الْفَضْل وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ نَظَر عَنْ صُهَيْب أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابه بِالْقَضَاءِ فِي قِصَّةٍ جَرَتْ لَهُمْ مِثْل هَذِهِ فَلَوْ قُدِّرَ تَعَارُض الْآثَار عَنْ عُمَر لَكَانَ الْقِيَاس يَقْتَضِي سُقُوط الْقَضَاء لِأَنَّ الْجَهْل بِبَقَاءِ الْيَوْم كَنِسْيَانِ نَفْس الصَّوْم وَلَوْ أَكَلَ نَاسِيًا لِصَوْمِهِ لَمْ يَجِب عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ وَالشَّرِيعَة لَمْ تُفَرِّق بَيْن الْجَاهِل وَالنَّاسِي فَإِنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا قَدْ فَعَلَ مَا يَعْتَقِد جَوَازه وَأَخْطَأَ فِي فِعْله وَقَدْ اِسْتَوَيَا فِي أَكْثَر الْأَحْكَام وَفِي رفع الآثام فَمَا الْمُوجِب لِلْفَرْقِ بَيْنهمَا فِي هَذَا الْمَوْضِع وقد جعل أصحاب الشافعي وغيرهم الجاهل المخطىء أَوْلَى بِالْعُذْرِ مِنْ النَّاسِي فِي مَوَاضِع مُتَعَدِّدَة وَقَدْ يُقَال إِنَّهُ فِي صُورَة الصَّوْم أَعْذَر مِنْهُ فَإِنَّهُ مَأْمُور بِتَعْجِيلِ الْفِطْر اِسْتِحْبَابًا فَقَدْ بَادَرَ إِلَى أَدَاء مَا
стр. 2102
الِاسْتِفْهَامِ مُقَدَّرٌ
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ لِصَحِيحِ الْبُخَارِيِّ لَا بُدَّ مِنْ قَضَاءٍ
قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَعَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَ بَقِيَّةَ النَّهَارِ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَعُرْوَةَ عَدَمُ الْقَضَاءِ وَعَنْ عُمَرَ يَقْضِي وَفِي آخَرَ لَا رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ وَضُعِّفَتِ الثَّانِيَةُ النَّافِيَةُ وفي هذا الحديث كما قاله بن الْمُنِيرِ أَنَّ الْمُكَلَّفِينَ إِنَّمَا خُوطِبُوا بَالظَّاهِرِ فَإِذَا اجْتَهَدُوا فَأَخْطَئُوا فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ انتهى
قال المنذري وأخرجه البخاري والترمذي وبن مَاجَهْ
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ قَالَ مَعْمَرٌ سَمِعْتُ هِشَامًا يَقُولُ لَا أَدْرِي أَقَضَوْا أَمْ لَا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
أُمِرَ بِهِ وَاسْتَحَبَّهُ لَهُ الشَّارِع فَكَيْف يَفْسُد صَوْمه وَفَسَاد صَوْم النَّاسِي أَوْلَى مِنْهُ لِأَنَّ فِعْله غَيْر مَأْذُون لَهُ فِيهِ بَلْ غَايَته أنه عفو فهو دون المخطىء الْجَاهِل فِي الْعُذْر وَبِالْجُمْلَةِ فَلَمْ يُفَرِّق بَيْنهمَا فِي الْحَجّ وَلَا فِي مُفْسِدَات الصَّلَاة كَحَمْلِ النَّجَاسَة وَغَيْر ذَلِكَ وَمَا قِيلَ مِنْ الْفَرْق بَيْنهمَا بِأَنَّ النَّاسِي غَيْر مُكَلَّف وَالْجَاهِل مُكَلَّف إِنْ أُرِيد بِهِ التَّكْلِيف بِالْقَضَاءِ فَغَيْر صَحِيح لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمُتَنَازَع فِيهِ وَإِنْ أُرِيد بِهِ أَنَّ فِعْل النَّاسِي لَا يَنْتَهِضُ سَبَبًا لِلْإِثْمِ وَلَا يَتَنَاوَلهُ الْخِطَاب الشَّرْعِيّ فَكَذَلِكَ فِعْل المخطىء وإن أريد أن المخطىء ذَاكِر لِصَوْمِهِ مُقَدَّم عَلَى قَطْعه فَفِعْله دَاخِل تَحْت التَّكْلِيف بِخِلَافِ النَّاسِي فَلَا يَصِحّ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَعْتَقِد خُرُوج زَمَن الصَّوْم وَأَنَّهُ مَأْمُور بالفطر فهو مقدم على فعل ما يعقده جَائِزًا وَخَطَؤُهُ فِي بَقَاء الْيَوْم كَنِسْيَانِ الْآكِل فِي الْيَوْم فَالْفِعْلَانِ سَوَاء فَكَيْف يَتَعَلَّق التَّكْلِيف بِأَحَدِهِمَا دُون الْآخِر وَأَجْوَد مَا فُرِّقَ بِهِ بَيْن الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّ الْمُخْطِئ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ إِتْمَام صَوْمه بِأَنْ يُؤَخِّر الْفِطْر حَتَّى يَتَيَقَّن الْغُرُوب بِخِلَافِ النَّاسِي فَإِنَّهُ لَا يُضَاف إِلَيْهِ الْفِعْل وَلَمْ يَكُنْ يُمَكِّنهُ الِاحْتِرَاز وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فَرْقًا فِي الظَّاهِر فَهُوَ غَيْر مُؤَثِّر فِي وُجُوب الْقَضَاء كَمَا لَمْ يُؤَثِّر فِي الْإِثْم اِتِّفَاقًا وَلَوْ كَانَ مَنْسُوبًا إِلَى تَفْرِيطٍ لَلَحِقَهُ الْإِثْم فَلَمَّا اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْإِثْم مَوْضُوع عَنْهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْله غَيْر مَنْسُوب فِيهِ إِلَى تَفْرِيط لَا سِيَّمَا وَهُوَ مَأْمُور بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى الْفِطْر وَالسَّبَب الَّذِي دَعَاهُ إِلَى الْفِطْر غَيْر مَنْسُوب إِلَيْهِ فِي الصُّورَتَيْنِ وَهُوَ النِّسْيَان فِي مَسْأَلَة النَّاسِي وَظُهُور الظُّلْمَة وخفاء النهار في صورة المخطىء فهذا أطعمه الله وسقاه بالنسيان وهذا أطعممه اللَّه وَسَقَاهُ بِإِخْفَاءِ النَّهَار وَلِهَذَا قَالَ صُهَيْب هِيَ طُعْمَة اللَّه وَلَكِنَّ هَذَا أَوْلَى فَإِنَّهَا طُعْمَة اللَّه إِذْنًا وَإِبَاحَة وَإِطْعَام النَّاسِي طُعْمَته عَفْوًا وَرَفْع حَرَج فَهَذَا مُقْتَضَى الدَّلِيل
стр. 2103
٢٤ - (بَاب فِي الْوِصَالِ)
(نَهَى عَنِ الْوِصَالِ) أَيْ تَتَابُعِ الصَّوْمِ مِنْ غَيْرِ إِفْطَارٍ بَاللَّيْلِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْوِصَالُ مِنْ خَصَائِصِ مَا أُبِيحَ لِرَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ مَحْظُورٌ عَلَى أُمَّتِهِ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ مَا يَتَخَوَّفُ عَلَى الصَّائِمِ مِنَ الضَّعْفِ وَسُقُوطِ الْقُوَّةِ فَيَعْجِزُوا عَنِ الصِّيَامِ الْمَفْرُوضِ وَعَنْ سَائِرِ الطَّاعَاتِ أَوْ يَمَلُّوهَا إِذَا نَالَتْهُمُ الْمَشَقَّةُ فَيَكُونُ سَبَبًا لِتَرْكِ الْفَرِيضَةِ
(إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى) يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنِّي أُعَانُ عَلَى الصِّيَامِ وَأَقْوَى عَلَيْهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ لِي بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لَكُمْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ يُؤْتَى عَلَى الْحَقِيقَةِ بِطَعَامٍ وَشَرَابٍ يَطْعَمُهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لَهُ وَكَرَامَةً لَا يَشْرَكُهُ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ
قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
(يَقُولُ لَا تُوَاصِلُوا فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ) بَالْجَرِّ بِحَتَّى الْجَارَّةِ وَهُوَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ
وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ
وَعِبَارَةُ الْمُرْدَاوِيِّ فِي تَنْقِيحِهِ وَيُكْرَهُ الْوِصَالُ وَلَا يُكْرَهُ إِلَى السَّحَرِ نَصًّا وَتَرْكُهُ أَوْلَى انْتَهَى
وَقَالَ بِهِ أيضا بن خُزَيْمَةَ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ (إِنَّ لِي مُطْعِمًا) حَالَ كَوْنِهِ (يُطْعِمُنِي) وَلِي (سَاقِيًّا) حَالَ كَوْنِهِ (يَسْقِينِي) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ
ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ قَالَ علي القارىء وَالْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ أَنَّهُ يُورِثُ الضَّعْفَ وَالسَّآمَةَ وَالْقُصُورَ عَنْ أَدَاءِ غَيْرِهِ مِنَ الطَّاعَاتِ فَقِيلَ النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ وَقِيلَ لِلتَّنْزِيهِ
قَالَ الْقَاضِي وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ انْتَهَى
وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي مَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّهُ ﷺ نَهَاهُمْ عَنِ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمُ الْحَدِيثَ كَمَا فِي رِيَاضِ الصَّالِحِينَ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
стр. 2104
٢٥ - (بَاب الْغِيبَةِ لِلصَّائِمِ)
(لَمْ يَدَعْ) أَيْ لَمْ يَتْرُكْ (قَوْلَ الزُّورِ) وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْكَذِبُ وَالْإِضَافَةُ بيانية (فليس لله حاجة) قال بن بَطَّالٍ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِأَنْ يَدَعَ صِيَامَهُ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ التَّحْذِيرُ مِنْ قَوْلِ الزُّورِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَلَا مَفْهُومَ لِذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ فَلَيْسَ لِلَّهِ إِرَادَةٌ فِي صيامه فوضع الحاجة موضع الإرادة
وقال بن الْمُنِيرِ بَلْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ الْقَبُولِ كَمَا يَقُولُ الْمُغْضَبُ لِمَنْ رَدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا طلبه مِنْهُ فَلَمْ يَقُمْ بِهِ لَا حَاجَةَ لِي في كذا
وقال بن الْعَرَبِيِّ مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ لَا يُثَابَ عَلَى صِيَامِهِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ ثَوَابَ الصِّيَامِ لَا يَقُومُ فِي الْمُوَازَنَةِ بِإِثْمِ الزُّورِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ
وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ تُنْقِصُ ثَوَابَ الصَّوْمِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا صَغَائِرُ بَاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ
قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ (قَالَ أَحْمَدُ) بْنُ يُونُسَ (فَهِمْتُ إِسْنَادَهُ) أَيْ إِسْنَادَ هذا الحديث وحفظت كما أريد (من بن أَبِي ذِئْبٍ) لَكِنْ مَا سَمِعْتُ كَمَا يَنْبَغِي وَمَا حَفِظْتُ كَمَا أُرِيدَ مَتْنُ الْحَدِيثِ مِنْهُ لِكَوْنِهِ بَعِيدًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْخَلَلِ الْوَاقِعِ فِي سَمَاعِهِ (رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ) أَيِ بن أَبِي ذِئْبٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وبن مَاجَهْ
(فَلَا يَرْفُثْ) يُرِيدُ لَا يَفْحُشْ وَالرَّفَثُ هُوَ السُّخْفُ وَفَاحِشُ الْكَلَامِ يُقَالُ رَفَثَ بِفَتْحِ الْفَاءِ يَرْفُثُ بِضَمِّهَا وَكَسْرِهَا وَرَفِثَ بِكَسْرِهَا يَرْفَثُ بِفَتْحِهَا رَفْثًا سَاكِنَةَ الْفَاءِ فِي الْمَصْدَرِ وَرَفَثًا بِفَتْحِهَا فِي الِاسْمِ وَيُقَالُ أَرْفُثُ رُبَاعِيٌّ حَكَاهُ الْقَاضِي وَالْجَهْلُ قَرِيبٌ مِنَ الرَّفَثِ وَهُوَ خِلَافُ الْحِكْمَةِ وَخِلَافُ الصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ (فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ) هَكَذَا هُوَ مَرَّتَيْنِ وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ فَقِيلَ يَقُولُهُ بِلِسَانِهِ لِيَسْمَعَهُ الشَّاتِمُ وَالْمُقَاتِلُ فَيَتَحَرَّزُ غَالِبًا وَقِيلَ لَا
стр. 2105
يَقُولُهُ بِلِسَانِهِ بَلْ يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ لِيَمْنَعَهَا مِنْ مُشَاتَمَتِهِ وَمُقَاتَلَتِهِ وَمُقَابَلَتِهِ وَيَحْرُسُ صَوْمَهُ عَنِ الْمُكَدِّرَاتِ وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ كَانَ حَسَنًا
وَاعْلَمْ أَنَّ نَهْيَ الصَّائِمِ عَنِ الرَّفَثِ وَالْجَهْلِ وَالْمُخَاصَمَةِ وَالْمُشَاتَمَةِ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِهِ بَلْ كُلُّ أَحَدٍ مِثْلُهُ فِي أَصْلِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ لَكِنَّ الصَّائِمَ آكَدُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ يُتَأَوَّلُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا فَلْيَقُلْ ذَلِكَ لِصَاحِبِهِ نُطْقًا بَاللِّسَانِ يَرُدُّهُ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ أَيْ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ صَائِمٌ فَلَا يَخُوضُ مَعَهُ وَلَا يُكَافِئُهُ عَلَى شَتْمِهِ لِئَلَّا يُفْسِدَ صَوْمَهُ وَلَا يُحْبِطَ أَجْرَ عَمَلِهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
٦ - (بَاب السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ)
(عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَاصِمٍ) أَيْ شَرِيكٍ وَسُفْيَانَ كِلَاهُمَا عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ (يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ السِّوَاكُ مُسْتَحَبٌّ لِلصَّائِمِ وَالْمُفْطِرِ إِلَّا أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْعُلَمَاءِ كَرِهُوا لِلصَّائِمِ أَنْ يَسْتَاكَ آخِرَ النَّهَارِ اسْتِبْقَاءً لِخُلُوفِهِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَرُوِيَ ذَلِكَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وقد روى بن مَاجَةَ مِنْ حَدِيث عَائِشَة عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ مِنْ خَيْر خِصَال الصائم السواك قال البخاري وقال بن عُمَر يَسْتَاك أَوَّل النَّهَار وَآخِره وَقَالَ زِيَاد بْن حُدَيْر مَا رَأَيْت أَحَدًا أَدْأَب سِوَاكًا وهو صائم من عمر ﵁ أَرَاهُ قَالَ بِعُودٍ قَدْ ذَوِي رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ
ولو احتج عليه بعموم قوله ﷺ لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ عِنْد كُلّ صَلَاة لَكَانَتْ حُجَّة وبقوله ﷺ السِّوَاك مَطْهَرَة لِلْفَمِ مَرْضَاة لِلرَّبِّ وَسَائِر الْأَحَادِيث الْمُرَغِّبَة فِي السِّوَاك مِنْ غَيْر تَفْصِيل
وَلَمْ يَجِيء فِي مَنْع الصَّائِم مِنْهُ حَدِيث صَحِيح
قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيف إِذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالْغَدَاةِ وَلَا تَسْتَاكُوا بِالْعَشِيِّ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ صَائِم تَيْبَس شَفَتَاهُ بِالْعَشِيِّ إِلَّا كَانَتَا نُورًا بَيْن عَيْنَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة وَرَوَى عَمْرو بْن قَيْس عَنْ عَطَاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ لَك السِّوَاك إِلَى الْعَصْر فَإِذَا صَلَّيْت الْعَصْر فَأَلْقِهِ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه ﷺ يَقُول لَخُلُوف فَم الصَّائِم أَطْيَب عِنْد اللَّه مِنْ رِيح الْمِسْك وَهَذَا لَوْ صَحَّ عَنْ أَبِي
следующие страницы →