← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5760

عون المعبود وحاشية ابن القيم

العظيم آبادي، شرف الحق

Полный текст (4 665 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

فِي مِثْلِ هَذَا فَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ الْقَضَاءُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَقَالَ إِسْحَاقُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَيُمْسِكُ بَقِيَّةَ النَّهَارِ عَنِ الْأَكْلِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَشَبَّهُوهُ بِمَنْ أَكَلَ نَاسِيًا فِي الصَّوْمِ قال الخطابي الناس لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْتَرِزَ مِنَ الْأَكْلِ نَاسِيًا وَهَذَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَمْكُثَ فَلَا يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ غَيْبُوبَةَ الشَّمْسِ فَالنِّسْيَانُ خَطَأٌ فِي الْفِعْلِ وَهَذَا خَطَأٌ فِي الْوَقْتِ وَالزَّمَانِ وَالتَّحَرُّزُ مُمْكِنٌ انْتَهَى (قَالَ أَبُو أُسَامَةَ) هُوَ حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ اللَّيْثِيُّ (أُمِرُوا) مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ (بَالْقَضَاءِ قَالَ) هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ (وَبُدٌّ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ هَلْ بُدٌّ مِنْ قَضَاءٍ فَحَرْفُ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] أَسْلَمَ أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب أَفْطَرَ ذَات يَوْم فِي رَمَضَان فِي يَوْم ذِي غَيْم وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ أَمْسَى وَغَابَتْ الشَّمْس فَجَاءَهُ رَجُل فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ قَدْ طَلَعَتْ الشَّمْس فَقَالَ عُمَرَ الْخَطْب يَسِير وَقَدْ اِجْتَهَدْنَا قَالَ مَالِك يُرِيد بِقَوْلِهِ الْخَطْب يَسِير الْقَضَاء فِيمَا نَرَى وَاَللَّه أَعْلَم وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهَذَا لَا يُنَاقِض الْأَثَر الْمُتَقَدِّم وَقَوْله وَقَدْ اِجْتَهَدْنَا مُؤْذِن بِعَدَمِ الْقَضَاء وَقَوْله الْخَطْب يَسِير إِنَّمَا هُوَ تَهْوِينٌ لِمَا فَعَلُوهُ وَتَيْسِير لِأَمْرِهِ وَلَكِنْ قَدْ رَوَاهُ الْأَثْرَم وَالْبَيْهَقِيّ عَنْ عُمَر وَفِيهِ مَنْ كَانَ أَفْطَرَ فَلْيَصُمْ يَوْمًا مَكَانه وَقَدَّمَ الْبَيْهَقِيّ هَذِهِ الرِّوَايَة عَلَى رِوَايَة زَيْد بْن وَهْب وَجَعَلَهَا خَطَأ وَقَالَ تَظَاهَرَتْ الرِّوَايَات بِالْقَضَاءِ قَالَ وَكَانَ يَعْقُوب بْن سُفْيَان الْفَارِسِيّ يَحْمِل عَلَى زَيْد بْن وَهْب بِهَذِهِ الرِّوَايَة الْمُخَالِفَة لِلرِّوَايَاتِ الْمُتَقَدِّمَة قَالَ وَزَيْد ثِقَة إِلَّا أَنَّ الْخَطَأ عَلَيْهِ غَيْر مَأْمُون وَفِيمَا قَالَهُ نَظَر فَإِنَّ الرِّوَايَة لَمْ تَتَظَاهَر عَنْ عُمَر بِالْقَضَاءِ وَإِنَّمَا جَاءَتْ مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن حَنْظَلَة عَنْ أَبِيهِ وَكَانَ أَبُوهُ صَدِيقًا لِعُمَر فَذَكَر الْقِصَّة وَقَالَ فِيهَا مَنْ كَانَ أَفْطَرَ فَلْيَصُمْ يَوْمًا مَكَانه وَقَدَّمَ الْبَيْهَقِيّ هَذِهِ الرِّوَايَة عَلَى رِوَايَة زَيْد بْن وَهْب وَجَعَلَهَا خَطَأ وَقَالَ تَظَاهَرَتْ الرِّوَايَات بِالْقَضَاءِ قَالَ وَكَانَ يَعْقُوب بْن سُفْيَان الْفَارِسِيّ يَحْمِل عَلَى زَيْد بْن وَهْب بِهَذِهِ الرِّوَايَة الْمُخَالِفَة لِلرِّوَايَاتِ الْمُتَقَدِّمَة قَالَ وَزَيْد ثِقَة إِلَّا أَنَّ الْخَطَأ عَلَيْهِ غَيْر مَأْمُون وَفِيمَا قَالَهُ نَظَر فَإِنَّ الرِّوَايَة لَمْ تَتَظَاهَر عَنْ عُمَر بِالْقَضَاءِ وَإِنَّمَا جَاءَتْ مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن حَنْظَلَة عَنْ أَبِيهِ وَكَانَ أَبُوهُ صَدِيقًا لِعُمَر فَذَكَر الْقِصَّة وَقَالَ فِيهَا مَنْ كَانَ أَفْطَرَ فَلْيَصُمْ يَوْمًا مَكَانه وَلَمْ أَرَ الْأَمْر بِالْقَضَاءِ صَرِيحًا إِلَّا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة وَأَمَّا رِوَايَة مَالِك فَلَيْسَ فِيهَا ذِكْر لِلْقَضَاءِ وَلَا لِعَدَمِهِ فَتَعَارَضَتْ رِوَايَة حَنْظَلَة وَرِوَايَة زَيْد بُنَّ وَهْب وَتَفْضُلهَا رِوَايَة زَيْد بْن وَهْب بِقَدْرِ مَا بَيْن حَنْظَلَة وَبَيْنه مِنْ الْفَضْل وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ نَظَر عَنْ صُهَيْب أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابه بِالْقَضَاءِ فِي قِصَّةٍ جَرَتْ لَهُمْ مِثْل هَذِهِ فَلَوْ قُدِّرَ تَعَارُض الْآثَار عَنْ عُمَر لَكَانَ الْقِيَاس يَقْتَضِي سُقُوط الْقَضَاء لِأَنَّ الْجَهْل بِبَقَاءِ الْيَوْم كَنِسْيَانِ نَفْس الصَّوْم وَلَوْ أَكَلَ نَاسِيًا لِصَوْمِهِ لَمْ يَجِب عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ وَالشَّرِيعَة لَمْ تُفَرِّق بَيْن الْجَاهِل وَالنَّاسِي فَإِنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا قَدْ فَعَلَ مَا يَعْتَقِد جَوَازه وَأَخْطَأَ فِي فِعْله وَقَدْ اِسْتَوَيَا فِي أَكْثَر الْأَحْكَام وَفِي رفع الآثام فَمَا الْمُوجِب لِلْفَرْقِ بَيْنهمَا فِي هَذَا الْمَوْضِع وقد جعل أصحاب الشافعي وغيرهم الجاهل المخطىء أَوْلَى بِالْعُذْرِ مِنْ النَّاسِي فِي مَوَاضِع مُتَعَدِّدَة وَقَدْ يُقَال إِنَّهُ فِي صُورَة الصَّوْم أَعْذَر مِنْهُ فَإِنَّهُ مَأْمُور بِتَعْجِيلِ الْفِطْر اِسْتِحْبَابًا فَقَدْ بَادَرَ إِلَى أَدَاء مَا

стр. 2102

الِاسْتِفْهَامِ مُقَدَّرٌ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ لِصَحِيحِ الْبُخَارِيِّ لَا بُدَّ مِنْ قَضَاءٍ قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَعَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَ بَقِيَّةَ النَّهَارِ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَعُرْوَةَ عَدَمُ الْقَضَاءِ وَعَنْ عُمَرَ يَقْضِي وَفِي آخَرَ لَا رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ وَضُعِّفَتِ الثَّانِيَةُ النَّافِيَةُ وفي هذا الحديث كما قاله بن الْمُنِيرِ أَنَّ الْمُكَلَّفِينَ إِنَّمَا خُوطِبُوا بَالظَّاهِرِ فَإِذَا اجْتَهَدُوا فَأَخْطَئُوا فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ انتهى قال المنذري وأخرجه البخاري والترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ قَالَ مَعْمَرٌ سَمِعْتُ هِشَامًا يَقُولُ لَا أَدْرِي أَقَضَوْا أَمْ لَا ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] أُمِرَ بِهِ وَاسْتَحَبَّهُ لَهُ الشَّارِع فَكَيْف يَفْسُد صَوْمه وَفَسَاد صَوْم النَّاسِي أَوْلَى مِنْهُ لِأَنَّ فِعْله غَيْر مَأْذُون لَهُ فِيهِ بَلْ غَايَته أنه عفو فهو دون المخطىء الْجَاهِل فِي الْعُذْر وَبِالْجُمْلَةِ فَلَمْ يُفَرِّق بَيْنهمَا فِي الْحَجّ وَلَا فِي مُفْسِدَات الصَّلَاة كَحَمْلِ النَّجَاسَة وَغَيْر ذَلِكَ وَمَا قِيلَ مِنْ الْفَرْق بَيْنهمَا بِأَنَّ النَّاسِي غَيْر مُكَلَّف وَالْجَاهِل مُكَلَّف إِنْ أُرِيد بِهِ التَّكْلِيف بِالْقَضَاءِ فَغَيْر صَحِيح لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمُتَنَازَع فِيهِ وَإِنْ أُرِيد بِهِ أَنَّ فِعْل النَّاسِي لَا يَنْتَهِضُ سَبَبًا لِلْإِثْمِ وَلَا يَتَنَاوَلهُ الْخِطَاب الشَّرْعِيّ فَكَذَلِكَ فِعْل المخطىء وإن أريد أن المخطىء ذَاكِر لِصَوْمِهِ مُقَدَّم عَلَى قَطْعه فَفِعْله دَاخِل تَحْت التَّكْلِيف بِخِلَافِ النَّاسِي فَلَا يَصِحّ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَعْتَقِد خُرُوج زَمَن الصَّوْم وَأَنَّهُ مَأْمُور بالفطر فهو مقدم على فعل ما يعقده جَائِزًا وَخَطَؤُهُ فِي بَقَاء الْيَوْم كَنِسْيَانِ الْآكِل فِي الْيَوْم فَالْفِعْلَانِ سَوَاء فَكَيْف يَتَعَلَّق التَّكْلِيف بِأَحَدِهِمَا دُون الْآخِر وَأَجْوَد مَا فُرِّقَ بِهِ بَيْن الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّ الْمُخْطِئ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ إِتْمَام صَوْمه بِأَنْ يُؤَخِّر الْفِطْر حَتَّى يَتَيَقَّن الْغُرُوب بِخِلَافِ النَّاسِي فَإِنَّهُ لَا يُضَاف إِلَيْهِ الْفِعْل وَلَمْ يَكُنْ يُمَكِّنهُ الِاحْتِرَاز وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فَرْقًا فِي الظَّاهِر فَهُوَ غَيْر مُؤَثِّر فِي وُجُوب الْقَضَاء كَمَا لَمْ يُؤَثِّر فِي الْإِثْم اِتِّفَاقًا وَلَوْ كَانَ مَنْسُوبًا إِلَى تَفْرِيطٍ لَلَحِقَهُ الْإِثْم فَلَمَّا اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْإِثْم مَوْضُوع عَنْهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْله غَيْر مَنْسُوب فِيهِ إِلَى تَفْرِيط لَا سِيَّمَا وَهُوَ مَأْمُور بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى الْفِطْر وَالسَّبَب الَّذِي دَعَاهُ إِلَى الْفِطْر غَيْر مَنْسُوب إِلَيْهِ فِي الصُّورَتَيْنِ وَهُوَ النِّسْيَان فِي مَسْأَلَة النَّاسِي وَظُهُور الظُّلْمَة وخفاء النهار في صورة المخطىء فهذا أطعمه الله وسقاه بالنسيان وهذا أطعممه اللَّه وَسَقَاهُ بِإِخْفَاءِ النَّهَار وَلِهَذَا قَالَ صُهَيْب هِيَ طُعْمَة اللَّه وَلَكِنَّ هَذَا أَوْلَى فَإِنَّهَا طُعْمَة اللَّه إِذْنًا وَإِبَاحَة وَإِطْعَام النَّاسِي طُعْمَته عَفْوًا وَرَفْع حَرَج فَهَذَا مُقْتَضَى الدَّلِيل

стр. 2103

٢٤ - (بَاب فِي الْوِصَالِ) (نَهَى عَنِ الْوِصَالِ) أَيْ تَتَابُعِ الصَّوْمِ مِنْ غَيْرِ إِفْطَارٍ بَاللَّيْلِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْوِصَالُ مِنْ خَصَائِصِ مَا أُبِيحَ لِرَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ مَحْظُورٌ عَلَى أُمَّتِهِ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ مَا يَتَخَوَّفُ عَلَى الصَّائِمِ مِنَ الضَّعْفِ وَسُقُوطِ الْقُوَّةِ فَيَعْجِزُوا عَنِ الصِّيَامِ الْمَفْرُوضِ وَعَنْ سَائِرِ الطَّاعَاتِ أَوْ يَمَلُّوهَا إِذَا نَالَتْهُمُ الْمَشَقَّةُ فَيَكُونُ سَبَبًا لِتَرْكِ الْفَرِيضَةِ (إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى) يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنِّي أُعَانُ عَلَى الصِّيَامِ وَأَقْوَى عَلَيْهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ لِي بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لَكُمْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ يُؤْتَى عَلَى الْحَقِيقَةِ بِطَعَامٍ وَشَرَابٍ يَطْعَمُهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لَهُ وَكَرَامَةً لَا يَشْرَكُهُ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (يَقُولُ لَا تُوَاصِلُوا فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ) بَالْجَرِّ بِحَتَّى الْجَارَّةِ وَهُوَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ وَعِبَارَةُ الْمُرْدَاوِيِّ فِي تَنْقِيحِهِ وَيُكْرَهُ الْوِصَالُ وَلَا يُكْرَهُ إِلَى السَّحَرِ نَصًّا وَتَرْكُهُ أَوْلَى انْتَهَى وَقَالَ بِهِ أيضا بن خُزَيْمَةَ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ (إِنَّ لِي مُطْعِمًا) حَالَ كَوْنِهِ (يُطْعِمُنِي) وَلِي (سَاقِيًّا) حَالَ كَوْنِهِ (يَسْقِينِي) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ قَالَ علي القارىء وَالْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ أَنَّهُ يُورِثُ الضَّعْفَ وَالسَّآمَةَ وَالْقُصُورَ عَنْ أَدَاءِ غَيْرِهِ مِنَ الطَّاعَاتِ فَقِيلَ النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ وَقِيلَ لِلتَّنْزِيهِ قَالَ الْقَاضِي وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ انْتَهَى وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي مَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّهُ ﷺ نَهَاهُمْ عَنِ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمُ الْحَدِيثَ كَمَا فِي رِيَاضِ الصَّالِحِينَ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ

стр. 2104

٢٥ - (بَاب الْغِيبَةِ لِلصَّائِمِ) (لَمْ يَدَعْ) أَيْ لَمْ يَتْرُكْ (قَوْلَ الزُّورِ) وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْكَذِبُ وَالْإِضَافَةُ بيانية (فليس لله حاجة) قال بن بَطَّالٍ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِأَنْ يَدَعَ صِيَامَهُ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ التَّحْذِيرُ مِنْ قَوْلِ الزُّورِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ قَالَ فِي الْفَتْحِ وَلَا مَفْهُومَ لِذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ فَلَيْسَ لِلَّهِ إِرَادَةٌ فِي صيامه فوضع الحاجة موضع الإرادة وقال بن الْمُنِيرِ بَلْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ الْقَبُولِ كَمَا يَقُولُ الْمُغْضَبُ لِمَنْ رَدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا طلبه مِنْهُ فَلَمْ يَقُمْ بِهِ لَا حَاجَةَ لِي في كذا وقال بن الْعَرَبِيِّ مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ لَا يُثَابَ عَلَى صِيَامِهِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ ثَوَابَ الصِّيَامِ لَا يَقُومُ فِي الْمُوَازَنَةِ بِإِثْمِ الزُّورِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ تُنْقِصُ ثَوَابَ الصَّوْمِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا صَغَائِرُ بَاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ (قَالَ أَحْمَدُ) بْنُ يُونُسَ (فَهِمْتُ إِسْنَادَهُ) أَيْ إِسْنَادَ هذا الحديث وحفظت كما أريد (من بن أَبِي ذِئْبٍ) لَكِنْ مَا سَمِعْتُ كَمَا يَنْبَغِي وَمَا حَفِظْتُ كَمَا أُرِيدَ مَتْنُ الْحَدِيثِ مِنْهُ لِكَوْنِهِ بَعِيدًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْخَلَلِ الْوَاقِعِ فِي سَمَاعِهِ (رَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ) أَيِ بن أَبِي ذِئْبٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وبن مَاجَهْ (فَلَا يَرْفُثْ) يُرِيدُ لَا يَفْحُشْ وَالرَّفَثُ هُوَ السُّخْفُ وَفَاحِشُ الْكَلَامِ يُقَالُ رَفَثَ بِفَتْحِ الْفَاءِ يَرْفُثُ بِضَمِّهَا وَكَسْرِهَا وَرَفِثَ بِكَسْرِهَا يَرْفَثُ بِفَتْحِهَا رَفْثًا سَاكِنَةَ الْفَاءِ فِي الْمَصْدَرِ وَرَفَثًا بِفَتْحِهَا فِي الِاسْمِ وَيُقَالُ أَرْفُثُ رُبَاعِيٌّ حَكَاهُ الْقَاضِي وَالْجَهْلُ قَرِيبٌ مِنَ الرَّفَثِ وَهُوَ خِلَافُ الْحِكْمَةِ وَخِلَافُ الصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ (فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ) هَكَذَا هُوَ مَرَّتَيْنِ وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ فَقِيلَ يَقُولُهُ بِلِسَانِهِ لِيَسْمَعَهُ الشَّاتِمُ وَالْمُقَاتِلُ فَيَتَحَرَّزُ غَالِبًا وَقِيلَ لَا

стр. 2105

يَقُولُهُ بِلِسَانِهِ بَلْ يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ لِيَمْنَعَهَا مِنْ مُشَاتَمَتِهِ وَمُقَاتَلَتِهِ وَمُقَابَلَتِهِ وَيَحْرُسُ صَوْمَهُ عَنِ الْمُكَدِّرَاتِ وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ كَانَ حَسَنًا وَاعْلَمْ أَنَّ نَهْيَ الصَّائِمِ عَنِ الرَّفَثِ وَالْجَهْلِ وَالْمُخَاصَمَةِ وَالْمُشَاتَمَةِ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِهِ بَلْ كُلُّ أَحَدٍ مِثْلُهُ فِي أَصْلِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ لَكِنَّ الصَّائِمَ آكَدُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ يُتَأَوَّلُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا فَلْيَقُلْ ذَلِكَ لِصَاحِبِهِ نُطْقًا بَاللِّسَانِ يَرُدُّهُ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ أَيْ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ صَائِمٌ فَلَا يَخُوضُ مَعَهُ وَلَا يُكَافِئُهُ عَلَى شَتْمِهِ لِئَلَّا يُفْسِدَ صَوْمَهُ وَلَا يُحْبِطَ أَجْرَ عَمَلِهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ٦ - (بَاب السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ) (عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَاصِمٍ) أَيْ شَرِيكٍ وَسُفْيَانَ كِلَاهُمَا عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ (يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ السِّوَاكُ مُسْتَحَبٌّ لِلصَّائِمِ وَالْمُفْطِرِ إِلَّا أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْعُلَمَاءِ كَرِهُوا لِلصَّائِمِ أَنْ يَسْتَاكَ آخِرَ النَّهَارِ اسْتِبْقَاءً لِخُلُوفِهِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَرُوِيَ ذَلِكَ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وقد روى بن مَاجَةَ مِنْ حَدِيث عَائِشَة عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ مِنْ خَيْر خِصَال الصائم السواك قال البخاري وقال بن عُمَر يَسْتَاك أَوَّل النَّهَار وَآخِره وَقَالَ زِيَاد بْن حُدَيْر مَا رَأَيْت أَحَدًا أَدْأَب سِوَاكًا وهو صائم من عمر ﵁ أَرَاهُ قَالَ بِعُودٍ قَدْ ذَوِي رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ ولو احتج عليه بعموم قوله ﷺ لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ عِنْد كُلّ صَلَاة لَكَانَتْ حُجَّة وبقوله ﷺ السِّوَاك مَطْهَرَة لِلْفَمِ مَرْضَاة لِلرَّبِّ وَسَائِر الْأَحَادِيث الْمُرَغِّبَة فِي السِّوَاك مِنْ غَيْر تَفْصِيل وَلَمْ يَجِيء فِي مَنْع الصَّائِم مِنْهُ حَدِيث صَحِيح قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيف إِذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالْغَدَاةِ وَلَا تَسْتَاكُوا بِالْعَشِيِّ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ صَائِم تَيْبَس شَفَتَاهُ بِالْعَشِيِّ إِلَّا كَانَتَا نُورًا بَيْن عَيْنَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة وَرَوَى عَمْرو بْن قَيْس عَنْ عَطَاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ لَك السِّوَاك إِلَى الْعَصْر فَإِذَا صَلَّيْت الْعَصْر فَأَلْقِهِ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه ﷺ يَقُول لَخُلُوف فَم الصَّائِم أَطْيَب عِنْد اللَّه مِنْ رِيح الْمِسْك وَهَذَا لَوْ صَحَّ عَنْ أَبِي

стр. 2106

عن بْنِ عُمَرَ ﵄ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ فِي إِسْنَادِهِ عَاصِمُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي صَحِيحِهِ مُعَلَّقًا فِي التَّرْجَمَةِ فَقَالَ وَيُذْكَرُ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ (بَاب الصَّائِمِ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ مِنْ الْعَطَشِ وَيُبَالِغُ فِي الِاسْتِنْشَاقِ) (تَقَوَّوْا) صِيغَةُ أَمْرِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ مِنَ الْقُوَّةِ أَيْ بَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ (بَالْعَرْجِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ مِنْ عَمَلِ الْفَرْعِ عَلَى أَيَّامٍ مِنَ الْمَدِينَةِ (يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَكْسِرَ الْحَرَّ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَى بَعْضِ بَدَنِهِ أَوْ كُلِّهِ وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ الْجُمْهُورُ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الِاغْتِسَالِ الْوَاجِبَةِ وَالْمَسْنُونَةِ وَالْمُبَاحَةِ وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ إِنَّهُ يُكْرَهُ الِاغْتِسَالُ لِلصَّائِمِ وَاسْتَدَلُّوا بِمَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عَلِيٍّ مِنَ النَّهْيِ عَنْ دُخُولِ الصَّائِمِ الْحَمَّامَ وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ أَخَصَّ مِنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ لِحَدِيثِ الْأَمْرِ بَالْمُبَالَغَةِ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا وَاخْتُلِفَ إِذَا دَخَلَ مِنْ مَاءِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ إِلَى جَوْفِهِ خَطَأً فَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَالْمُزَنِيُّ إِنَّهُ يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ إِنَّهُ لَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ كَالنَّاسِي وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ إِنَّهُ يُفْسِدُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِفَرِيضَةٍ (مِنَ الْعَطَشِ أَوْ مِنَ الْحَرِّ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مختصرا ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] هريرة فالثابت عن عمر وبن عُمَر يُخَالِفهُ وَاَلَّذِينَ يَكْرَهُونَهُ يُخَالِفُونَهُ أَيْضًا فَإِنَّهُمْ يَكْرَهُونَهُ مِنْ بَعْد الزَّوَال وَأَكْثَر أَهْل الْعِلْم لَا يَكْرَهُونَهُ وَاَللَّه أَعْلَم

стр. 2107

(بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونُ صَائِمًا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ وَصْلَ الْمَاءِ إِلَى مَوْضِعِ الدِّمَاغِ يُفْطِرُ الصَّائِمَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِفِعْلِهِ وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ كُلُّ مَا وَصَلَ إِلَى جَوْفِهِ بِفِعْلِهِ مِنْ حُقْنَةٍ وَغَيْرِهَا سَوَاءً كَانَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِ الطَّعَامِ وَالْغِذَاءِ أَوْ فِي غَيْرِهِ مِنْ حَشْوِ جَوْفِهِ وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يُوجِبُ الِاسْتِنْشَاقَ فِي الطَّهَارَةِ قَالُوا وَلَوْلَا وُجُوبِهِ لَكَانَ يَطْرَحُهُ عَنِ الصَّائِمِ أَصْلًا احْتِيَاطًا عَلَى صَوْمِهِ فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ ٨ - (بَاب فِي الصَّائِمِ يَحْتَجِمُ) (قَالَ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ فَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الْحِجَامَةَ تُفْطِرُ الصَّائِمَ قَوْلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ هَذَا قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَقَالَا عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ وَلَيْسَتْ عَلَيْهِمَا الْكَفَّارَةُ وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ مَنِ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يحتجمون ليلا منهم بن عُمَرَ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵃ وكان مسروق والحسن وبن سِيرِينَ لَا يَرَوْنَ لِلصَّائِمِ أَنْ يَحْتَجِمَ وَكَانَ الأوزاعي يكره ذلك وقال بن الْمُسَيِّبِ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ إِنَّمَا كُرِهَتِ الْحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ وَمِمَّنْ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بَالْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَالشَّافِعِيُّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمُ الْحَدِيثَ فَقَالَ مَعْنَى قَوْلِهِ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ أَيْ تَعَرَّضَا لِلْإِفْطَارِ أَمَّا الْمَحْجُومُ فَلِلضَّعْفِ الَّذِي يَلْحَقُهُ مِنْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ

стр. 2108

يَعْجِزَ عَنِ الصَّوْمِ وَأَمَّا الْحَاجِمُ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَصِلَ إِلَى جَوْفِهِ مِنْ طَعَامِ الدَّمِ أَوْ مِنْ بَعْضِ أَجْزَائِهِ إِذَا ضَمَّ شَفَتَيْهِ عَلَى قَصَبِ الْمُلَازِمِ وَهَذَا كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ يَتَعَرَّضُ لِلْمَهَالِكِ قَدْ هَلَكَ فُلَانُ وَإِنْ كَانَ بَاقِيًا سَالِمًا وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ قَدْ أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ وَكَقَوْلِهِ ﷺ مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ تَعَرَّضَ لِلذَّبْحِ وَقِيلَ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ مَرَّ بِهِمَا مَسَاءً فَقَالَ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ كَأَنَّهُ عَذَرَهُمَا بِهَذَا الْقَوْلِ إِذَا كَانَا قَدْ أَمْسَيَا وَدَخَلَا فِي وَقْتِ الْإِفْطَارِ كَمَا يُقَالُ أَصْبَحَ الرَّجُلُ وَأَمْسَى وَأَظْهَرَ إِذَا دَخَلَ وَقْتَ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ وَأَحْسِبُهُ قَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا عَلَى التَّغْلِيظِ لَهُمَا وَالدُّعَاءِ عَلَيْهِمَا كَقَوْلِهِ فِيمَنْ صَامَ الدَّهْرَ لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ فَمَعْنَى قَوْلِهِ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَيْ بَطَلَ أَجْرُ صِيَامِهِمَا فَكَأَنَّمَا صَارَا مُفْطِرَيْنِ غَيْرَ صَائِمَيْنِ وَقِيلَ أَيْضًا مَعْنَاهُ جَازَ لَهُمَا أَنْ يُفْطِرَا كَقَوْلِكَ أَحْصُدُ الزَّرْعَ إِنْ حَانَ أَنْ يُحْصَدَ وَأَرْكَبُ الْمُهْرَ إِذَا حَانَ أَنْ يُرْكَبَ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ وَسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵁ أَيُّمَا حَدِيثٍ أَصَحُّ عِنْدَكَ فِي أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ فَقَالَ حَدِيثُ ثَوْبَانَ حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ عَنْ ثَوْبَانَ (أَتَى عَلَى رَجُلٍ) أَيْ مَرَّ عَلَيْهِ (بَالْبَقِيعِ) أَيْ بِمَقْبَرَةِ الْمَدِينَةِ (وَهُوَ) أَيِ الرَّجُلُ (وَهُوَ) أَيِ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَلَفْظ النَّسَائِيّ فِيهِ عَنْ شَدَّاد بْن أَوْس قَالَ كُنْت أَمْشِي مَعَ النَّبِيّ ﷺ عَام فَتْح مَكَّة لِثَمَانِ عَشْرَة أَوْ سَبْع عَشْرَة مَضَتْ مِنْ رَمَضَان فَمَرَّ بِرَجُلٍ يَحْتَجِم فَقَالَ أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم قال وروى بن مَاجَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم وَرَوَاهُ أَحْمَد فِي مُسْنَده وَرَوَى أَحْمَد أَيْضًا عن عائشة عن النبي ﷺ أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم وَرَوَى أَحْمَد أَيْضًا عَنْ أُسَامَة بْن زَيْد عَنْ

стр. 2109

النَّبِيُّ ﷺ (آخِذٌ بِيَدَيَّ) إشارة إلى كمال قربه منه ﵊ (لِثَمَانِ عَشْرَةَ) بِسُكُونِ الشِّينِ وَيُكْسَرُ (خَلَتْ) أَيْ مَضَتْ (مِنْ رَمَضَانَ) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ حِفْظِ الرَّاوِي وَضَبْطِهِ بِذِكْرِ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَحَالِهِ قال المنذري وأخرجه النسائي وبن ماجه وقد روى هذا الحديث ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] النَّبِيّ ﷺ أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم وَرَوَى الْحَسَن عَنْ عَلِيّ عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم رَوَاهُ النِّسَائِيّ وَأَعَلَّهُ بِالْوَقْفِ وَعَنْ مَعْقِل بْن سِنَان الْأَشْجَعِيّ أَنَّهُ قَالَ مَرَّ علي رسول الله ﷺ وَأَنَا أَحْتَجِم فِي ثَمَان عَشْرَة لَيْلَة خَلَتْ مِنْ رَمَضَان فَقَالَ أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم رَوَاهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيّ عَنْ الْحَسَن بْن مَعْقِل وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضًا عَنْ الْحَسَن عَنْ مَعْقِل بْن يَسَار عَنْ النَّبِيّ ﷺ وَعَنْ الْحَسَن عَنْ غَيْر وَاحِد مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ قَالَ أَفْطَرَ الحاجم والمحجوم رواه النسائي وعن عطاه عن بن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ أقطر الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم رَوَاهُ النَّسَائِيّ قَالَ الْمُنْذِرِيّ قَالَ أحمد أحاديث أفطر الحاجم والمحجوم ولا نِكَاح إِلَّا بِوَلِيٍّ يَشُدّ بَعْضهَا بَعْضًا وَأَنَا أذهب إليها قال بن الْقَيِّم وَقَالَ أَبُو زُرْعَة حَدِيث عَطَاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم حَدِيث حَسَن ذَكَره التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ وَقَالَ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ أَيْضًا فِي رِوَايَة عَنْهُ لَا أَعْلَم فِي أَفْطَرَ الْحَاجِم حَدِيثًا أَصَحّ مِنْ حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج وَقَالَ فِي حَدِيث شَدَّاد لَا أَرَى الْحَدِيثَيْنِ إِلَّا صَحِيحَيْنِ وَقَدْ يُمْكِن أَنْ يَكُون أَبُو أَسْمَاء سَمِعَهُ مِنْهُمَا وَقَالَ عُثْمَان بْن سَعِيد الدَّارِمِيّ صَحَّ عِنْدِي حَدِيث أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم مِنْ حَدِيث ثَوْبَانِ وَشَدَّاد بْن أَوْس وَأَقُول بِهِ وَسَمِعْت أَحْمَد بْن حَنْبَل يَقُول بِهِ وَذَكَر أَنَّهُ صَحَّ عِنْده حَدِيث ثَوْبَان وَشَدَّاد وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي حَدِيث شِدَاد هَذَا إِسْنَاد صَحِيح تَقُوم بِهِ الْحَجَّة قَالَ وَهَذَا الْحَدِيث صَحِيح بِأَسَانِيد وَبِهِ نَقُول وَعَنْ قَتَادَة عَنْ شَهْر عَنْ بِلَال قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَاب الْعِلَل سَأَلْت الْبُخَارِيَّ فَقَالَ لَيْسَ فِي هَذَا الْبَاب شَيْءٌ أَصَحّ مِنْ حَدِيث شَدَّاد بْن أَوْس فَقُلْت وَمَا فِيهِ مِنْ الِاضْطِرَاب فَقَالَ كِلَاهُمَا عِنْدِي صَحِيح لِأَنَّ يَحْيَى بْن سَعِيد رَوَى عَنْ أَبِي قِلَابَة عَنْ أَبِي أَسْمَاء عَنْ ثَوْبَانِ وَعَنْ أَبِي الْأَشْعَث عَنْ شَدَّاد الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا فَقَدْ حَكَمَ الْبُخَارِيّ بِصِحَّةِ حَدِيث ثَوْبَان وَشَدَّاد

стр. 2110

بضع عَشَرَ صَحَابِيًّا إِلَّا أَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ ضِعَافٌ وَقَالَ إِسْحَاقُ ﵁ حَدِيثُ شَدَّادٍ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ بَعْدَ هَذَا حَدِيثَ ثَوْبَانَ مِنْ طَرِيقَيْنِ الطَّرِيقُ الْمُتَقَدِّمُ أَجْوَدُ مِنْهُمَا وَقَالَ أَحْمَدُ ﵀ أَحَادِيثُ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ وَلَا نِكَاحَ إِلَى بِوَلِيٍّ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا وَأَنَا أَذْهَبُ إليها (عن بن جُرَيْجٍ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ بَكْرٍ وَعَبْدَ الرَّازِقِ وَإِسْمَاعِيلَ بْنَ عُلَيَّةَ ثَلَاثَتُهُمْ يَرْوُونَ عَنِ بن جريج قاله الْمِزِّيُّ (مُصَدَّقُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ صِفَةُ شَيْخٍ (رَوَاهُ بن ثَوْبَانَ) هُوَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ (عَنْ أَبِيهِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ٩ - (باب في الرخصة) (احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَهَذَا يُؤَكِّدُ قَوْلَ مَنْ رَخَّصَ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنه عَنْ أَنَس قَالَ أَوَّل مَا كُرِهَتْ الْحِجَامَة لِلصَّائِمِ أَنَّ جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب اِحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِم فمر به النبي فقال أفطر هذان ثم رخص النبي بَعْد فِي الْحِجَامَة لِلصَّائِمِ وَكَانَ أَنَس يَحْتَجِم وَهُوَ صَائِم قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ كُلّهمْ ثِقَات وَلَا أعلم له علة

стр. 2111

وَرَأَى أَنَّ الْحِجَامَةَ لَا تُفْسِدُ الصَّوْمَ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحِجَامَةَ لَا تَضُرُّ الْمُحْرِمَ مَا لَمْ تَقْطَعْ شَعْرًا وَقَدْ تَأَوَّلَ حَدِيثَ بن عَبَّاسٍ ﵄ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْحِجَامَةَ تُفْطِرُ الصَّائِمَ فَقَالَ إِنَّمَا احْتَجَمَ النبي ﷺ صَائِمًا مُحْرِمًا وَهُوَ مُسَافِرٌ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُهُ كَانَ مُحْرِمًا وَهُوَ مُقِيمٌ وَلِلْمُسَافِرِ أَنْ يُفْطِرَ مَا شَاءَ مِنْ طَعَامٍ وَجِمَاعٍ وَحِجَامَةٍ وَغَيْرِهَا قُلْتُ وَهَذَا التَّأْوِيلُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ قَدْ أَثْبَتَهُ حِينَ احْتَجَمَ صَائِمًا وَلَوْ كَانَ يُفْسِدُ صَوْمَهُ بَالْحِجَامَةِ لَكَانَ يُقَالُ إِنَّهُ أَفْطَرَ بَالْحِجَامَةِ كَمَا يُقَالُ أَفْطَرَ الصَّائِمُ بِشُرْبِ الْمَاءِ وَأَكْلِ التَّمْرِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا وَلَا يُقَالُ أَكَلَ تَمْرًا وَهُوَ صَائِمٌ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَلَفْظُ التِّرْمِذِيُّ احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ (رَوَاهُ وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ) كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ (عَنْ أَيُّوبَ بِإِسْنَادِهِ) أَيْ عَنْ عِكْرِمَةَ (مِثْلَهُ) أَيْ بِلَفْظِ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ لَفْظِ مُحْرِمٍ (وَجَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) أَيْ وَكَذَا رَوَى جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ (عَنْ مقسم عن بن عباس) قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وعن بن سعيد الخدري قال رخص رسول الله فِي الْقُبْلَة لِلصَّائِمِ وَرَخَّصَ فِي الْحِجَامَة رَوَاهُ النَّسَائِيّ فَذَهَبَ إِلَى هَذِهِ الْأَحَادِيث جَمَاعَة مِنْ العلماء ويروى ذلك عن سعيد بن أبي وقاص وبن مسعود وبن عَبَّاس وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر وَالْحُسَيْن بْن عَلِيّ وَزَيْد بْن أَرْقَم وَعَائِشَة وَأُمّ سَلَمَة وَأَبَى سَعِيد الْخُدْرِيّ وَأَبِي هُرَيْرَة وَهُوَ مَذْهَب عُرْوَة بْن الزُّبَيْر وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَغَيْرهمَا وَبِهِ قَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَة وَذَهَبَ إِلَى أَحَادِيث الْفِطْر بِهَا جَمَاعَة مِنْهُمْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَرَوَى الْمُعْتَمِر عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْحَسَن عَنْ غَيْر واحد من أصحاب النبي قَالُوا أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم ذَكَره النَّسَائِيّ وَأَمَّا أَبُو هُرَيْرَة فَرَوَى عَنْهُ أَبُو صَالِح أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم ذَكَره النَّسَائِيّ وَرَوَى عَنْهُ شَقِيق بْن ثَوْر عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لَوْ اِحْتَجَمَ مَا بِالْبَيْتِ ذَكَره عَبْد الرَّزَّاق وَالنَّسَائِيّ أيضا

стр. 2112

(إِبْقَاءً عَلَى أَصْحَابِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ نَهَى وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى أَخْرَجَهُ أَيْضًا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ فِي الْفَتْحِ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ والجهالة بالصحابي لا تضر وقد رواه بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنِ الثَّوْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ هَذَا وَلَفْظُهُ عَنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ قَالُوا إِنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ وَكَرِهَهَا لِلضَّعْفِ أَيْ لِئَلَّا يَضْعُفَ وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ قَالَ فِي الْفَتْحِ رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ مِنْ رِجَالِ الْبُخَارِيِّ وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ في الحجامة أخرجه النسائي وبن خُزَيْمَةَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ قَالَ الْحَافِظُ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ وَقَدِ اسْتُدِلَّ بَالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى أَنَّ الْحِجَامَةَ لَا تُفْطِرُ فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ الْحِجَامَةَ مَكْرُوهَةٌ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ يَضْعُفُ بِهَا وَتَزْدَادُ الْكَرَاهَةُ إِذَا كَانَ الضَّعْفُ يَبْلُغُ إِلَى حَدٍّ يَكُونُ سَبَبًا لِلْإِفْطَارِ وَلَا يُكْرَهُ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ لَا يَضْعُفُ بِهَا وَعَلَى ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَأَمَّا عَائِشَة فَرَوَى عَطَاء وَعِيَاض بْن عُرْوَة عَنْهَا أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم ذَكَره النَّسَائِيّ وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ رُوِيَتْ الرُّخْصَة عَنْهَا وَذَهَبَ إِلَى الْفِطْر مِنْ التَّابِعِينَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَالْحَسَن وبن سِيرِينَ وَذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيٍّ وَالْأَوْزاَعِيّ وَالْإِمَام أَحْمَد وَإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَأَبُو بَكْر بْن الْمُنْذَر وَمُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن خُزَيْمَة وَأَجَابَ الْمُرَخِّصُونَ عَنْ أَحَادِيث الْفِطْر بأجوبة أحدهما القدح فيها تعليلها الثَّانِي دَعْوَى النَّسْخ فِيهَا الثَّالِث أَنَّ الْفِطْر فِيهَا لَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ الْحِجَامَة بَلْ لِأَجَلِ الْغِيبَة وَذَكَر الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم لِلتَّعْرِيفِ لَا لِلتَّعْلِيلِ الرَّابِع تَأْوِيلهَا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ قَدْ تَعْرِض لِأَنَّ يُفْطِر لِمَا يَلْحَقهُ مِنْ الضَّعْف فِي أَفْطَرَ بِمَعْنَى يُفْطِر

стр. 2113

كُلِّ حَالٍ تَجَنُّبُ الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ أَوْلَى فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ قَوْلِهِ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ عَلَى الْمَجَازِ لِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ الصَّارِفَةِ لَهُ عَنْ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ (إِلَّا كَرَاهِيَةَ الْجَهْدِ) أَيِ الْمَشَقَّةِ وَالتَّعَبِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ شَبَابَةُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] الْخَامِس أَنَّهُ عَلَى حَقِيقَته وَأَنَّهُمَا قَدْ أَفْطَرَا حقيقة ومرور النبي بِهِمَا كَانَ مَسَاء فِي وَقْت الْفِطْر فَأَخْبَرَ أَنَّهُمَا قَدْ أَفْطَرَا وَدَخَلَا فِي وَقْت الْفِطْر يَعْنِي فَلْيَصْنَعَا مَا أَحَبَّا السَّادِس أَنَّ هَذَا تَغْلِيظ وَدُعَاء عَلَيْهِمَا لَا أَنَّهُ خَبَر عَنْ حُكْم شَرْعِيّ بِفِطْرِهِمَا السَّابِع أَنَّ إِفْطَارهمَا بِمَعْنَى إبطال ثواب صومهما كما جاء خمس يفطرون الصَّائِم الْكَذِب وَالْغِيبَة وَالنَّمِيمَة وَالنَّظْرَة السُّوء وَالْيَمِين الْكَاذِبَة وَكَمَا جَاءَ الْحَدَث حَدَثَانِ حَدَث اللِّسَان وَهُوَ أَشَدّهمَا الثَّامِن أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ تَعَارُض الْأَخْبَار جُمْلَة لَكَانَ الْأَخْذ بِأَحَادِيث الرُّخْصَة أَوْلَى لِتَأَيُّدِهَا بِالْقِيَاسِ وَشَوَاهِد أُصُول الشَّرِيعَة لَهَا إِذْ الْفِطْر إِنَّمَا قِيَاسه أَنْ يَكُون بِمَا يَدْخُل الْجَوْف لَا بِالْخَارِجِ مِنْهُ كَالْفِصَادِ وَالتَّشْرِيط وَنَحْوه قَالَ الْمُفْطِرُونَ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْأَجْوِبَة شَيْءٌ يَصِحّ أَمَّا جَوَاب الْمُعَلِّلِينَ فَبَاطِلٌ وَإِنَّ الْأَئِمَّة الْعَارِفِينَ بِهَذَا الشَّأْن قَدْ تَظَاهَرَتْ أَقْوَالهمْ بِتَصْحِيحِ بَعْضهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَالْبَاقِي إِمَّا حَسَنٌ يَصْلُح لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ وَحْده وَإِمَّا ضَعِيف فَهُوَ يَصْلُح لِلشَّوَاهِدِ وَالْمُتَابَعَات وَلَيْسَ الْعُمْدَة عَلَيْهِ وَمِمَّنْ صَحَّحَ ذَلِكَ أَحْمَد وَإِسْحَاق وَعَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ وَإِبْرَاهِيم الحربي وعثمان بن سعيد الدارمي والبخاري وبن الْمُنْذِر وَكُلّ مَنْ لَهُ عِلْم بِالْحَدِيثِ يَشْهَد بأن هذا الأصل محفوظ عن النبي لِتَعَدُّدِ طُرُقه وَثِقَة رُوَاته وَاشْتِهَارهمْ بِالْعَدَالَةِ قَالُوا وَالْعَجَب مِمَّنْ يَذْهَب إِلَى أَحَادِيث الْجَهْر بِالْبَسْمَلَةِ وَهِيَ دُون هَذِهِ الْأَحَادِيث فِي الشُّهْرَة وَالصِّحَّة وَيَتْرُك هَذِهِ الْأَحَادِيث وَكَذَلِكَ أَحَادِيث الْفِطْر بِالْقَيْءِ مَعَ ضَعْفهَا وَقِلَّتهَا وَأَيْنَ تَقَع مِنْ أَحَادِيث الْفِطْر بِالْحِجَامَةِ وَكَذَلِكَ أَحَادِيث الْإِتْمَام فِي السَّفَر وَأَحَادِيث أَقَلّ الْحَيْض وَأَكْثَره وَأَحَادِيث تَقْدِير الْمَهْر بِعَشْرَةِ دَرَاهِم وَأَحَادِيث الْوُضُوء بِنَبِيذِ التَّمْر وَأَحَادِيث الشَّهَادَة فِي النِّكَاح وَأَحَادِيث التَّيَمُّم

стр. 2114

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] ضَرْبَتَانِ وَأَحَادِيث الْمَنْع مِنْ فَسْخ الْحَجّ إِلَى التَّمَتُّع وَأَحَادِيث تَحْرِيم الْقِرَاءَة عَلَى الْجُنُب وَالْحَائِض وَأَحَادِيث تَقْدِير الْمَاء الَّذِي يَحْمِل النَّجَاسَة بِالْقُلَّتَيْنِ قَالُوا وَأَحَادِيث الْفِطْر بِالْحِجَامَةِ أَقْوَى وَأَشْهَر وَأُعْرَف مِنْ هَذَا بَلْ لَيْسَتْ دُون أَحَادِيث نَقْضِ الْوُضُوء بِمَسِّ الذَّكَر وَأَمَّا قَوْل بَعْض أَهْل الْحَدِيث لَا يَصِحّ فِي الْفِطْر بِالْحِجَامَةِ حَدِيث فَمُجَازَفَةٌ بَاطِلَةٌ أَنْكَرَهَا أَئِمَّة الْحَدِيث كَالْإِمَامِ أَحْمَد لما حكى له قول بن مَعِين أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ فِي هَذِهِ الْحِكَايَة عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَصِحّ فِي مَسِّ الذَّكَر حَدِيث وَلَا فِي النِّكَاح بِلَا وَلِيٍّ وَلَمْ يَلْتَفِت الْقَائِلُونَ بِذَلِكَ إِلَى قَوْله وَأَمَّا تَطَرُّق التعليل إليها فَمِنْ نَظَرَ فِي عِلَلهَا وَاخْتِلَاف طُرُقهَا أَفَادَهُ ذَلِكَ عِلْمًا لَا يُشَكُّ فِيهِ بِأَنَّ الْحَدِيث مَحْفُوظ وَعَلَى قَوْل جُمْهُور الْفُقَهَاء وَالْأُصُولِيِّينَ لَا يُلْتَفَت إِلَى شَيْء مِنْ تِلْكَ الْعِلَل وَإِنَّهَا مَا بَيْن تَعْلِيل بِوَقْفِ بَعْض الرُّوَاة وَقَدْ رَفَعَهَا آخَرُونَ أَوْ إِرْسَالهَا وَقَدْ وَصَلَهَا آخَرُونَ وَهُمْ ثِقَات وَالزِّيَادَة مِنْ الثِّقَة مَقْبُولَة قَالُوا فَعَلَى قَوْل مُنَازِعِينَا هَذِهِ الْعِلَل بَاطِلَة لَا يُلْتَفَت إِلَى شَيْء مِنْهَا وَقَدْ ذَكَرْت عِلَلهَا وَالْأَجْوِبَة عَنْهُ فِي مُصَنَّف مُفْرَد فِي الْمَسْأَلَة قَالُوا وَأَمَّا دَعْوَى النَّسْخ فَلَا سَبِيل إِلَى صِحَّتهَا وَنَحْنُ نَذْكُر مَا اِحْتَجُّوا بِهِ عَلَى النَّسْخ ثُمَّ نُبَيِّن مَا فِيهِ قَالُوا قَدْ صح عن بن عباس أن النبي اِحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِم مُحْرِم قَالَ الشَّافِعِيُّ وَسَمَاع بن عباس من النبي عَام الْفَتْح وَلَمْ يَكُنْ يَوْمئِذٍ مُحْرِمًا وَلَمْ يصحبه محرما قبل حجة الإسلام فذكر بن عباس حجامة النبي عَام حَجَّة الْإِسْلَام سَنَة عَشْر وَحَدِيث أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم سَنَة ثَمَان فَإِنْ كَانَا ثَابِتَيْنِ فحديث بن عَبَّاس نَاسِخ قَالُوا وَيَدُلّ عَلَى النَّسْخ حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة جَعْفَر وَقَدْ تَقَدَّمَ قَالُوا وَيَدُلّ عَلَيْهِ حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي الرُّخْصَة فِيهَا وَالرُّخْصَة لَا تَكُون إِلَّا بَعْد تَقَدُّم المنع قال المفطرون الثابت أن النبي اِحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِم وَأَمَّا قَوْله وَهُوَ صَائِم فَإِنَّ الْإِمَام أَحْمَد قَالَ لَا تَصِحّ هَذِهِ اللَّفْظَة وَبَيَّنَ أَنَّهَا وَهْم وَوَافَقَهُ غَيْره عَلَى ذلك وقالوا الصواب اِحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِم وَمِمَّنْ ذَكَر ذَلِكَ عَنْهُ الحلال فِي كِتَاب الْعِلَل وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَرْبَعَة أَوْجُه أَحَدهَا اِحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِم فَقَطْ وَهَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ

стр. 2115

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] الثَّانِي اِحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِم وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِم انفرد به البخاري الثالث احتجم وهو محرم صائم ذكره الترمذي وصححه والنسائي وبن مَاجَةَ الرَّابِع اِحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِم فَقَطْ ذَكَره أَبُو دَاوُدَ وَأَمَّا حَدِيث اِحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِم فهو مختصر من حديث بن عباس في البخاري احتجم رسول الله وَهُوَ مُحْرِم وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِم وَأَمَّا حَدِيث اِحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِم صَائِم فَهَذَا هُوَ الَّذِي تَمَسّك بِهِ مَنْ اِدَّعَى النَّسْخ وَأَمَّا لَفْظ اِحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِم فَلَا يَدُلّ عَلَى النَّسْخ وَلَا تَصِحّ الْمُعَارَضَة بِهِ لِوُجُوهٍ أَحَدهَا أَنَّهُ لَا يَعْلَم تَارِيخه وَدَعْوَى النَّسْخ لَا تَثْبُت بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَال الثَّانِي أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ الصَّوْم كَانَ فَرْضًا وَلَعَلَّهُ كَانَ صَوْم نَفْل خَرَجَ مِنْهُ الثَّالِث حَتَّى لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ صَوْم فَرْض فَالظَّاهِر أَنَّ الْحِجَامَة إِنَّمَا تَكُون لِلْعُذْرِ وَيَجُوز الْخُرُوج مِنْ صَوْم الْفَرْض بِعُذْرِ الْمَرَض وَالْوَاقِعَة حِكَايَة فِعْل لَا عُمُوم لَهَا وَلَا يُقَال قَوْله وَهُوَ صَائِم جُمْلَة حَال مُقَارِنَة لِلْعَامِلِ فِيهَا فَدَلَّ عَلَى مُقَارَنَة الصَّوْم لِلْحِجَامَةِ لِأَنَّ الرَّاوِي لَمْ يَذْكُر أَنَّ النَّبِيّ قَالَ إِنِّي بَاقٍ عَلَى صَوْمِي وَإِنَّمَا رَآهُ يَحْتَجِم وَهُوَ صَائِم فَأَخْبَرَهُ بِمَا شَاهَدَهُ وَرَآهُ ولا علم له بنية النبي وَلَا بِمَا فَعَلَ بَعْد الْحِجَامَة مَعَ أَنَّ قَوْله وَهُوَ صَائِم حَال مِنْ الشُّرُوع فِي الْحِجَامَة وَابْتِدَائِهَا فَكَانَ اِبْتِدَاؤُهَا مَعَ الصَّوْم وَكَأَنَّهُ قَالَ اِحْتَجَمَ فِي الْيَوْم الَّذِي كَانَ صَائِمًا فِيهِ وَلَا يَدُلّ ذَلِكَ عَلَى اِسْتِمْرَار الصَّوْم أَصْلًا وَلِهَذَا نَظَائِر مِنْهَا حَدِيث الَّذِي وَقَعَ عَلَى اِمْرَأَته وَهُوَ صَائِم وَقَوْله فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَعْت عَلَى اِمْرَأَتِي وَأَنَا صَائِم وَالْفُقَهَاء وَغَيْرهمْ يَقُولُونَ وَإِنْ جَامِع وَهُوَ مُحْرِم وَإِنْ جَامِع وَهُوَ صَائِم وَلَا يَكُون ذَلِكَ فَاسِدًا مِنْ الْكَلَام فَلَا تُعَطَّل نُصُوص الْفِطْر بِالْحِجَامَةِ بِهَذَا اللَّفْظ الْمُحْتَمَل وَأَمَّا قَوْله اِحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِم صَائِم فَلَوْ ثَبَتَتْ هَذِهِ اللَّفْظَة لَمْ يَكُنْ فِيهَا حُجَّة لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَلَا دَلِيل فِيهَا أَيْضًا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْد قَوْله أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم فَإِنَّ هَذَا الْقَوْل مِنْهُ كَانَ فِي رَمَضَان سَنَة ثَمَان مِنْ الْهِجْرَة عَام الْفَتْح كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث شَدَّاد والنبي أَحْرَمَ بِعُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَة سَنَة سِتٍّ وَأَحْرَمَ مِنْ الْعَام الْقَابِل بِعُمْرَةِ الْقَضِيَّة وَكِلَا الْعُمْرَتَيْنِ قَبْل ذَلِكَ ثُمَّ دَخَلَ مَكَّة عَام الْفَتْح وَلَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا ثُمَّ حَجّ حَجَّة الْوَدَاع فَاحْتِجَامه وَهُوَ صَائِم مُحْرِم لَمْ يُبَيِّن فِي أَيّ إِحْرَامَاتِهِ كَانَ وَإِنَّمَا تُمْكِن دَعْوَى النَّسْخ إِذَا كَانَ ذَلِكَ قَدْ وَقَعَ فِي حَجَّة الْوَدَاع أَوْ فِي عُمْرَة الْجِعْرَانَة حَتَّى يَتَأَخَّر ذَلِكَ عَنْ عَام الْفَتْح قَالَ فِيهِ أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم وَلَا سَبِيل إِلَى بَيَان ذَلِكَ وَأَمَّا رواية بن عباس له وهو ممن صحب النبي بَعْد الْفَتْح فَلَا نُثِير ظَنًّا فَضْلًا عَنْ النسخ

стр. 2116

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] به فإن بن عباس لم يقل شهدت رسول الله وَلَا رَأَيْته فَعَلَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا رَوَى ذَلِكَ رِوَايَة مُطْلَقَة وَمِنْ الْمَعْلُوم أَنَّ أَكْثَر رِوَايَات بن عَبَّاس إِنَّمَا أَخَذَهَا مِنْ الصَّحَابَة وَاَلَّذِي فِيهِ سماعه من النبي لَا يَبْلُغ عِشْرِينَ قِصَّة كَمَا قَالَهُ غَيْر وَاحِد مِنْ الْحُفَّاظ فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّ بن عَبَّاس لَمْ يَرْوِ هَذَا عَنْ صَحَابِيّ آخَر كأكثر رواياته وقد روى بن عَبَّاس أَحَادِيث كَثِيرَة مَقْطُوع بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعهَا من النبي وَلَا شَهِدَهَا وَنَحْنُ نَقُول إِنَّهَا حُجَّة لَكِنْ لَا نُثْبِت بِذَلِكَ تَأَخُّرهَا وَنَسْخهَا لِغَيْرِهَا مَا لَمْ يُعْلَم التَّارِيخ وَبِالْجُمْلَةِ فَدَعْوَى النَّسْخ إِنَّمَا تَثْبُت بِشَرْطَيْنِ أَحَدهمَا تَعَارُض الْمُفَسَّر وَالثَّانِي الْعِلْم بِتَأَخُّرِ أَحَدهمَا وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَسْأَلَتِنَا بَلْ مِنْ الْمَقْطُوع بِهِ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة لَمْ تَكُنْ فِي رَمَضَان فَإِنَّ النَّبِيّ ﷺ لَمْ يُحْرِم فِي رَمِضَانِ فَإِنَّ عُمَرَهُ كُلَّهَا كَانَتْ فِي ذِي الْقِعْدَة وَفَتْح مَكَّة كَانَ فِي رَمَضَان وَلَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا فَغَايَتهَا فِي صَوْم تَطَوُّع فِي السَّفَر وَقَدْ كَانَ آخر الأمرين من رسول الله الْفِطْر فِي السَّفَر وَلَمَّا خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَة عَام الْفَتْح صَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيد ثُمَّ أَفْطَرَ وَالنَّاس يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ ثُمَّ لَمْ يُحْفَظ عَنْهُ أَنَّهُ صَامَ بَعْد هَذَا فِي سَفَر قَطُّ وَلَمَّا شَكَّ الصَّحَابَة فِي صِيَامه يَوْم عَرَفَة أَرْسَلُوا أُمّ الْفَضْل إِلَيْهِ بِقَدَحٍ فَشَرِبَهُ فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَائِمًا فَقِصَّة الِاحْتِجَام وَهُوَ صَائِم مُحْرِم إِمَّا غَلَط كَمَا قَالَ الْإِمَام أَحْمَد وَغَيْره وَإِمَّا قَبْل الْفَتْح قَطْعًا وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَلَا يُعَارَض بِهَا قَوْله عَام الْفَتْح أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم وَعَلَى هَذَا فَحَدِيث بن عَبَّاس إِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْحِجَامَة لَا تفطر أَوْ لَا يَدُلّ فَإِنْ لَمْ يَدُلّ لَمْ يَصْلُح لِلنَّسْخِ وَإِنْ دَلَّ فَهُوَ مَنْسُوخ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيث شَدَّاد فَإِنَّهُ مُؤَرَّخ بِعَامِ الفتح فهو متأخر عن إحرام النبي صَائِمًا وَتَقْرِيره مَا تَقَدَّمَ وَهَذَا الْقَلْب فِي دَعْوَى كَوْنه مَنْسُوخًا أَظْهَر مِنْ ثُبُوت النَّسْخ بِهِ وَعِيَاذًا بِاَللَّهِ مِنْ شَرّ مُقَلِّد عَصَبِيٍّ يَرَى الْعِلْم جَهْلًا وَالْإِنْصَاف ظُلْمًا وَتَرْجِيح الرَّاجِح عَلَى الْمَرْجُوح عُدْوَانًا وَهَذَا الْمَضَايِق لَا يُصِيب السَّالِك فِيهَا إِلَّا مَنْ صَدَقَتْ فِي الْعِلْم نِيَّته وَعَلَتْ هِمَّته وَأَمَّا مَنْ أَخْلَدَ إِلَى أَرْض التَّقْلِيد وَاسْتَوْعَرَ طَرِيق التَّرْجِيح فَيُقَال لَهُ مَا هَذَا عُشُّك فَادْرُجِي قَالُوا وَأَمَّا حَدِيث أَنَس فِي قِصَّة جَعْفَر فَجَوَابنَا عَنْهُ مِنْ وُجُوه أَحَدهَا أَنَّهُ مِنْ رِوَايَة خَالِد بْن مخلد عن بن الْمُثَنَّى قَالَ الْإِمَام أَحْمَد خَالِد بْن مُخَلَّد لَهُ مَنَاكِير قَالُوا وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيث مِنْ مَنَاكِيره أَنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ أَحَد مِنْ أَهْل الْكُتُب الْمُعْتَمَدَة لَا أَصْحَاب الصَّحِيح وَلَا أَحَد مِنْ أَهْل السُّنَن مَعَ شُهْرَة إِسْنَاده وَكَوْنه فِي الظَّاهِر عَلَى شَرْط الْبُخَارِيِّ وَلَا اِحْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ مَعَ حَاجَته إِلَى إِثْبَات النَّسْخ حَتَّى سَلَكَ ذَلِكَ الْمَسْلَك في حديث بن عَبَّاس فَلَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا لَكَانَ أَظْهَر دَلَالَة وَأَبْيَن فِي حُصُول النَّسْخ

стр. 2117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قَالُوا وَأَيْضًا فَجَعْفَر إِنَّمَا قَدِمَ مِنْ الْحَبَشَة عَام خَيْبَر أَوْ آخِر سَنَة سِتّ وَأَوَّل سَنَة سَبْع وَقِيلَ عَام مُؤْتَة قَبْل الْفَتْح ولم يشهد الفتح فصام مع النبي رمضانا واحدا سنة سبع وقول النبي أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم بَعْد ذَلِكَ فِي الْفَتْح سَنَة ثَمَان فَإِنْ كَانَ حَدِيث أَنَس مَحْفُوظًا فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ التَّرْخِيص وَقَعَ بَعْد عَام الْفَتْح وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ التَّرْخِيص وَقَعَ بَعْد قِصَّة جَعْفَر وَعَلَى هَذَا فَقَدْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي التَّرْخِيص وَقَوْله فِي الْفَتْح أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم أَيّهمَا هُوَ الْمُتَأَخِّر وَلَوْ كَانَ حَدِيث أَنَس قَدْ ذَكَر فِيهِ التَّرْخِيص بَعْد الْفَتْح لَكَانَ حُجَّة وَمَعَ وُقُوع الشَّكِّ فِي التَّارِيخ لَا يَثْبُت النَّسْخ قَالُوا وَأَيْضًا فَاَلَّذِي يُبَيِّن أَنَّ هَذَا لَا يَصِحّ عَنْ أَنَس مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحه عَنْ ثَابِت قَالَ سُئِلَ أَنَس أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَة لِلصَّائِمِ قَالَ لَا إِلَّا مِنْ أَجْل الضَّعْف وَفِي رِوَايَة على عهد النبي فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ أَنَسًا لَمْ تَكُنْ عنده رواية عن النبي أَنَّهُ فَطَّرَ بِهَا وَلَا أَنَّهُ رَخَّصَ فِيهَا بَلْ الَّذِي عِنْده كَرَاهَتهَا مِنْ أَجْل الضَّعْف وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ النَّبِيّ رَخَّصَ فِيهَا بَعْد الْفِطْر بِهَا لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يُجِيب بِهَذَا مِنْ رَأْيه وَلَمْ يَكْرَه شَيْئًا رَخَّصَ فِيهِ رسول الله وَأَيْضًا فَمِنْ الْمَعْلُوم أَنَّ أَهْل الْبَصْرَة أَشَدّ النَّاس فِي التَّفْطِير بِهَا وَذَكَر الْإِمَام أَحْمَد وَغَيْره أَنَّ أَهْل الْبَصْرَة كَانُوا إِذَا دَخَلَ شَهْر رَمَضَان يُغَلِّقُونَ حَوَانِيت الْحَجَّامِينَ وَقَدْ تَقَدَّمَ مذهب الحسن وبن سِيرِينَ إِمَامَيْ الْبَصْرَة أَنَّهُمَا كَانَا يُفَطِّرَانِ بِالْحِجَامَةِ مَعَ أَنَّ فَتَاوَى أَنَس نُصْب أَعْيُنهمْ وَأَنَس آخِر مِنْ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ مِنْ الصَّحَابَة فَكَيْف يكون عند أنس أن النبي رَخَّصَ فِي الْحِجَامَة لِلصَّائِمِ بَعْد نَهْيه عَنْهُمَا وَالْبَصْرِيُّونَ يَأْخُذُونَ عَنْهُ وَهُمْ عَلَى خِلَاف ذَلِكَ وَعَلَى الْقَوْل بِالْفِطْرِ بِهَا لَا سِيَّمَا وَحَدِيث أَنَس فِيهِ أَنَّ ثَابِتًا سَمِعَهُ مِنْهُ وَثَابِت مِنْ أَكْبَر مَشَايِخ أَهْل الْبَصْرَة وَمِنْ أَخَصَّ أَصْحَاب الْحَسَن فَكَيْف تَشْتَهِر بَيْن أَهْل الْبَصْرَة السُّنَّة الْمَنْسُوخَة وَلَا يَعْلَمُونَ النَّاسِخَة وَلَا يَعْمَلُونَ بِهَا وَلَا تُعْرَف بَيْنهمْ وَلَا يَتَنَاقَلُونَهَا بَلْ هُمْ عَلَى خِلَافهَا هَذَا مُحَال قَالُوا وَأَيْضًا فَأَبُو قِلَابَة مِنْ أَخَصَّ أَصْحَاب أَنَس وَهُوَ الَّذِي يَرْوِي قَوْله أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم مِنْ طَرِيق أَبِي أَسْمَاء عَنْ ثَوْبَان وَمِنْ طَرِيق أَبِي الْأَشْعَث عَنْ شَدَّاد وَعَلَى حَدِيثه اِعْتَمَدَهُ أَئِمَّة الْحَدِيث وَصَحَّحُوهُ وَشَهِدُوا أَنَّهُ أَصَحّ أَحَادِيث الْبَاب فَلَوْ كَانَ عِنْد أَنَس عَنْ النَّبِيّ ﷺ تَنْسَخ ذَلِكَ لَكَانَ أَصْحَابه أَعْلَم بِهَا وَأَحْرَص عَلَى رِوَايَتهَا مِنْ أَحَادِيث الْفِطْر بِهَا وَاَللَّه أَعْلَم قَالُوا وَأَمَّا حَدِيث أَبِي سَعِيد فَجَوَابه مِنْ وُجُوه أَحَدهَا أَنَّهُ حَدِيث قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَيْهِ فَرَوَاهُ أَبُو الْمُتَوَكِّل عَنْهُ وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فَرَفَعَهُ الْمُعْتَمِر عَنْ حُمَيْد عَنْ أَبِي المتوكل ووقفه بشر وإسماعيل وبن أَبِي عَدِيٍّ عَنْ حُمَيْد وَوَقَفَهُ أَبُو نَضْرَة عَنْ أَبِي سَعِيد وَأَبُو نضرة مِنْ أَرْوَى النَّاس عَنْهُ وَأَعْلَمهُمْ بِحَدِيثِهِ وَوَقَفَهُ قَتَادَة عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّل فَالْوَاقِفُونَ لَهُ أَكْثَر وَأَشْهَر فَالْحُكْم لَهُمْ عِنْد الْمُحَدِّثِينَ

стр. 2118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] الثَّانِي أَنَّ ذِكْر الْحِجَامَة فِيهِ لَيْسَ مِنْ كلام النبي قال بن خُزَيْمَة الصَّحِيح أَنَّ ذِكْرَ الْحِجَامَة فِيهِ مِنْ كَلَام أَبِي سَعِيد وَلَكِنَّ بَعْض الرُّوَاة أَدْرَجَهُ فِيهِ الثَّالِث أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بَيَان لِلتَّارِيخِ وَلَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ هَذَا التَّرْخِيص كَانَ بَعْد الْفَتْح وَقَوْلكُمْ إِنَّ الرُّخْصَة لَا تَكُون إِلَّا بَعْد النَّهْي بَاطِل بِنَفْسِ الْحَدِيث فَإِنَّ فيه رخص رسول الله فِي الْقُبْلَة لِلصَّائِمِ وَلَمْ يَتَقَدَّم مِنْهُ نَهْيٌ عَنْهَا وَلَا قَالَ أَحَد إِنَّ هَذَا التَّرْخِيص فِيهَا نَاسِخ لِمَنْعٍ تَقَدَّمَ وَفِي الْحَدِيث إِنَّ الْمَاء مِنْ الْمَاء كَانَتْ رُخْصَة فِي أَوَّل الْإِسْلَام فَسَمَّى الْحُكْم الْمَنْسُوخ رُخْصَة مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّم حَظْره بَلْ الْمَنْع مِنْهُ مُتَأَخِّر وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الْمَآخِذ لَا تُعَدّ مُقَاوِمَة لِأَحَادِيث الْفِطْر وَلَا تَأَخَّرَتْ عَنْهَا فَكَيْف تُنْسَخ بِهَا قَالُوا وَأَمَّا جَوَابكُمْ الثَّالِث بِأَنَّ الْفِطْر فِيهَا لَمْ يَكُنْ لِلْحِجَامَةِ وَذِكْرُ الْحَاجِم لِلتَّعْرِيفِ الْمَحْض كَزَيْدٍ وَعُمَر فِي غَايَة الْبُطْلَان مِنْ وُجُوه أَحَدهَا أَنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّن الْإِبْهَام وَالتَّلْبِيس بِأَنْ يَذْكُر وَصْفًا يُرَتِّب عَلَيْهِ الْحُكْم وَلَا يَكُون لَهُ فِيهِ تَأْثِير الْبَتَّة الثَّانِي أَنَّ هَذَا يُبْطِل عَامَّة أَحْكَام الشَّرْع الَّتِي رَتَّبَهَا عَلَى الْأَوْصَاف إِذَا تَطَرَّقَ إِلَيْهَا هَذَا الْخَيَال وَالْوَهْم الْفَاسِد كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا﴾ ﴿وَالسَّارِق وَالسَّارِقَة فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ﴿وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة﴾ وَمَعْلُوم أَنَّهُ لَيْسَ بِأَيْدِينَا إِلَّا أوصاف رتبت عليها الأحكام فإن جار أَنْ تَكُون تِلْكَ الْأَوْصَاف لِلتَّعْرِيفِ لَا لِلتَّعْلِيلِ بَطَلَتْ الْأَحْكَام الثَّالِث أَنَّهُ لَا يَفْهَم قَطّ أَحَد لَا مِنْ الْخَاصَّة وَالْعَامَّة مِنْ قَوْل القائل القاتل لا يرث والعبد لا يرث والكافر لا يرث والقاذف لا تقبل شهادته والمحدث لَا تَصِحّ صَلَاته وَأَمْثَال ذَلِكَ إِلَّا تَعَلُّق الأحكام تلك الْأَوْصَاف وَلِهَذَا لَا يَحْسُن ذِكْرُ وَصْفٍ لَا تَأْثِير لَهُ فِي الْحُكْم كَمَا لَوْ قَالَ أَفْطَرَ الْخَيَّاط وَالْمَخِيط لَهُ وَأَفْطَرَ الْحَامِل وَالْمَحْمُول لَهُ وَأَفْطَرَ الشَّاهِد وَالْمَشْهُود لَهُ وَمَنْ قَالَ هَذَا عُدَّ كَلَامُهُ سُخْفًا وَتَعَجَّبَ النَّاس مِنْ قَوْله فَكَيْف يُضَاف ذَلِكَ إِلَى الشَّارِع سُبْحَانك هَذَا بُهْتَان عَظِيم الرَّابِع أَنَّ هَذَا قَدْحٌ فِي أَفْهَام الصَّحَابَة الَّذِينَ هُمْ أَعْرَف النَّاس وَأَفْهَم النَّاس بِمُرَادِ نَبِيّهمْ ﷺ وَبِمَقْصُودِهِ مِنْ كَلَامه وَقَدْ قَالَ أَبُو مُوسَى لِرَجُلٍ قَالَ لَهُ أَلَا تَحْتَجِم نَهَارًا أَتَأْمُرُنِي أَنْ أُهْرِيقَ دَمِي وَأَنَا صَائِم وَقَدْ سمعت رسول الله يَقُول أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم وَاَلَّذِينَ فَطَّرُوا بِذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَة كَعَلِيٍّ وَأَبِي مُوسَى وَغَيْرهمْ إِنَّمَا يَحْتَجُّونَ بِالْحَدِيثِ وَكَانَ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة لَا يَحْتَجِمُونَ فِي الصِّيَام إِلَّا لَيْلًا مِنْهُمْ عَبْد الله بن عمرو وبن عَبَّاس وَأَبُو مُوسَى وَأَنَس وَيَحْتَجُّونَ بِالْحَدِيثِ

стр. 2119

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] الْخَامِس أَنَّ هَذَا يَتَضَمَّن تَعْلِيق الْحُكْم وَهُوَ الْفِطْر بِوَصْفٍ لَا ذِكْرَ لَهُ فِي الْحَدِيث أَصْلًا وَإِبْطَال تَعْلِيقه بِالْوَصْفِ الَّذِي عَلَّقَهُ بِهِ الشَّارِع وَهَذَا مِنْ أَبْطَلَ الْبَاطِل السَّادِس أَنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ وَحَاشَا لِلَّهِ فِي قَوْله أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم فَكَيْف يَصِحّ ذَلِكَ فِي حَدِيث أَنَس الَّذِي جَعَلْتُمُوهُ عُمْدَتكُمْ فِي الْبَاب وَهُوَ قَوْله لِجَعْفَرٍ وَقَدْ مَرَّ بِهِ وَهُوَ يَحْتَجِم أَفْطَرَ هَذَانِ ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْحِجَامَة بَعْد وَفِي قَوْله نَهَى عَنْ الْحِجَامَة وَلَمْ يُحَرِّمهَا السَّابِع أَنَّهُ كَيْف يَتَّفِق بِضْعَة عَشَر صَحَابِيًّا عَلَى رِوَايَة أَحَادِيث كُلّهَا مُتَّفِقَة بِلَفْظِ واحد ويكون النبي قَدْ ذَكَر الْحِجَامَة فِيهَا وَلَا تَأْثِير لَهَا فِي الْفِطْر وَكُلّهمْ يَقُول أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم الثَّامِن أَنَّهُ كَيْف يَجُوز لِلصَّحَابَةِ أَنَّ يُفْتُوا بِذَلِكَ وَيَقُولُوا أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم أَفَتَرَى اِسْتَمَرَّ التَّعْرِيف بِذَلِكَ دَائِمًا وَدَفَعَ الْأَحَادِيث مَتَى وَصَلَ إِلَى هَذَا الْحَدّ سَاءَ وَقَبُحَ جِدًّا التَّاسِع أَنَّا نَقُول نَعَمْ هُوَ لِلتَّعْرِيفِ بِلَا شَكٍّ فَإِنَّ أَحْكَام الشَّارِع إِنَّمَا تُعْرَف بِالْأَوْصَافِ وَتُرْبَط بِهَا وَتَعُمّ الْأُمَّة لِأَجْلِهَا فَالْوَصْف فِي الْحَدِيث الْمَذْكُور لِتَعْرِيفِ حُكْمه وَأَنَّهُ مُرْتَبِط بِهَذَا الْوَصْف مَنُوط بِهِ الْعَاشِر أَنَّ صَاحِب الْقِصَّة الَّتِي جرت له قال مر على النبي وَأَنَا أَحْتَجِم فَقَالَ أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم فَلَوْ كَانَ فِطْره بِغَيْرِ ذَلِكَ لَبَيَّنَهُ لَهُ الشَّارِع لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ وَلَمْ يَخْفَ عُلَى الصَّحَابِيّ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ لَذِكْره الْحِجَامَة مَعْنَى وَتَأْخِير الْبَيَان عَنْ وَقْت الْحَاجَة لَا يَجُوز فَكَيْف يَتْرُك الشَّارِع بَيَان الْوَصْف الْمُفْطِر فَلَا يُبَيِّنُهُ لِلْمُكَلَّفِ وَيَذْكُر لَهُ وَصْفًا لَا يُفْطِر بِحَالٍ وَأَمَّا قَوْلهمْ إِنَّ الْفِطْر بِالْغِيبَةِ فَهَذَا بَاطِل مِنْ وُجُوه أَحَدهَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُت وَإِنَّمَا جَاءَ فِي حَدِيث وَاحِد مِنْ تِلْكَ الْأَحَادِيث وَهُمَا يَغْتَابَانِ النَّاس مَعَ أَنَّهَا زِيَادَة بَاطِلَة الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَكَانَ الْأَخْذ لِعُمُومِ اللَّفْظ الَّذِي عَلَّقَ بِهِ الْحُكْم دُون الْغِيبَة الَّتِي لَمْ يُعَلِّق بِهَا الْحُكْم الثَّالِث أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَا ذَكَرُوهُ صَحِيحًا لَكَانَ مُوجِب الْبَيَان أَنْ يَقُول أَفْطَر الْمُغْتَابَانِ عَلَى عَادَتِهِ وَعَرَّفَهُ مِنْ ذِكْر الْأَوْصَاف الْمُؤَثِّرَة دُون غَيْرهَا فَكَيْف يَعْدِل عَنْ الْغِيبَة الْمُؤَثِّرَة إِلَى الْحِجَامَة الْمُهْدَرَة الرَّابِع أَنَّ هَذَا يَتَضَمَّن حَمْل الْحَدِيث عَلَى خِلَاف الْإِجْمَاع وَتَعْطِيله فَإِنَّ الْمُنَازِع لَا يَقُول بِأَنَّ الْغِيبَة تُفْطِر فَكَيْف نَحْمِل الْحَدِيث عَلَى مَا نَعْتَقِد بُطْلَانه الْخَامِس أَنَّ سِيَاق الْأَحَادِيث يُبْطِل هَذَا التَّأْوِيل كَمَا تَقَدَّمَ

стр. 2120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] السَّادِس أَنَّ مَعْقِل بْن سِنَان قَالَ مَرَّ بي رسول الله وَأَنَا أَحْتَجِم فَقَالَ أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم وَلَمْ يَكُنْ يَغْتَاب أَحَدًا وَلَا جَرَى لِلْغِيبَةِ ذِكْرٌ أَصْلًا قَالُوا وَأَمَّا الْجَوَاب الْوَاقِع بِأَنَّ أَفْطَر بِمَعْنَى سَيُفْطِرُ فَفَاسِد أَيْضًا لِتَضَمُّنِهِ الْإِيهَام بِخِلَافِ الْمُرَاد وَلِفَهْمِ الصَّحَابَة خِلَافه وَلِاضْطِرَاد هَذَا اللَّفْظ دُون مَجِيئُهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرُوهُ وَلِشِدَّةِ مُخَالَفَته لِلْوَضْعِ وَلِذِكْرِ الْمَحْجُوم فَإِنَّهُ وَإِنْ تَعَرَّضَ الْمَحْجُوم لِلْفِطْرِ بِالضَّعْفِ فَأَيّ ضَعْف لَحِقَ الْحَاجِم وَكَوْن الْحَاجِم مُتَعَرِّضًا لِابْتِلَاعِ الدَّم وَالْمَحْجُوم مُتَعَرِّضًا لِلضَّعْفِ هَذَا التَّعْلِيل لَا يُبْطِل الْفِطْر بِالْحِجَامَةِ بَلْ هو مقرر للفطر بِهَا وَإِلَّا فَلَا يَجُوز اِسْتِنْبَاط وَصْف مِنْ النَّصّ يَعُود عَلَيْهِ بِالْإِبْطَالِ بَلْ هَذَا الْوَصْف إِنْ كَانَ لَهُ تَأْثِير فِي الْفِطْر وَإِلَّا فَالتَّعْلِيل بِهِ بَاطِل قَالُوا وَأَمَّا الْجَوَاب الْخَامِس أن النبي مَرَّ بِهِمَا مَسَاء فَقَالَ ذَلِكَ فَمِمَّا لَا يَجُوز أَنْ يُحْمَل الْحَدِيث عَلَيْهِ وَأَيّ تَأْثِير لِلْحِجَامَةِ بَلْ كُلّ النَّاس قَدْ أَفْطَرُوا أَيْضًا فَهَذَا كَذِبٌ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ أَصْلًا فَقَائِله مُخْبِر بِالْكَذِبِ وَأَيْضًا فَأَيّ حَاجَة إِلَى قَوْل أَنْسَ ثُمَّ رَخَّصَ بَعْدُ فِي الْحِجَامَة وَأَيْضًا فَأَيّ حَاجَة بِالصَّحَابَةِ أَنْ يُؤَخِّرُوا اِحْتِجَامهمْ إِلَى اللَّيْل وَكَيْف يُفْتُونَ الْأُمَّة بِفِطْرِهِمْ بِأَمْرٍ قَدْ فُعِلَ مَسَاء لَا تَأْثِير لَهُ فِي الْفِطْر وَالْحَمْد لِلَّهِ عَلَى الْمُعَافَاة مِنْ رَدِّ الْأَحَادِيث بِمِثْلِ هَذَا الْخَيَالَات وَأَمَّا جَوَابكُمْ السَّادِس أَنَّ هَذَا تَغْلِيظ وَدُعَاء عَلَيْهِمَا لَا أَنَّهُ حُكْم شَرْعِيٌّ فَالْمُجِيب بِهِ كَالْمُسْتَجِيرِ مِنْ الرَّمْضَاء بِالنَّارِ فَإِنَّهُمَا لَمْ يَفْعَلَا مُحَرَّمًا عِنْدكُمْ وَلَا مُفْطِرًا بَلْ فَعَلَا مَا أَبَاحَهُ لَهُمَا الشَّارِع عِنْدكُمْ فَكَيْف يُغَلِّظ عَلَيْهِمَا وَيَدْعُو عَلَيْهِمَا وَمَتَى عُهِدَ فِي عُرْف الشَّارِع الدُّعَاء عَلَى الْمُكَلَّف بِالْفِطْرِ وَفَسَاد الْعِبَادَة وَسَائِر الْوُجُوه الْمُتَقَدِّمَة تُبْطِل هَذَا أَيْضًا وَأَمَّا جَوَابكُمْ السَّابِع بِأَنَّ الْمُرَاد إِبْطَال أَجْر صَوْمهمَا فَكَذَلِكَ أَيْضًا فَإِنَّكُمْ لَا تُبْطِلُونَ أَجْرهمَا بِذَلِكَ وَلَا تُحَرِّمُونَ الْحِجَامَة ثُمَّ لَوْ كَانَ الْمُرَاد إِبْطَال الْأَجْر لَكَانَ ذَلِكَ مُقَرِّرًا لِفَسَادِ الصَّوْم لَا لِصِحَّتِهِ فَإِنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ عَنْ أَمْر يَتَضَمَّن بُطْلَان أَجْرهمَا لُزُومًا وَاسْتِنْبَاطًا وَبُطْلَان صَوْمهمَا صَرِيحًا وَنَصًّا فَكَيْف يُعَطَّل مَا دَلَّ عَلَيْهِ صريحه ويعتبر ما استنبطه منه مع أنه لَا مُنَافَاة بَيْنه وَبَيْن الصَّرِيح بَلْ الْمَعْنَيَانِ حَقّ قَدْ بَطَل صَوْمهمَا وَأَجْرهمَا إِذَا كَانَتْ الْحِجَامَة لِغَيْرِ مَرَضٍ وَأَمَّا جَوَابكُمْ الثَّامِن أَنَّ الْأَحَادِيث لَوْ قُدِّرَ تَعَارُضهَا لَكَانَ الْأَخْذ بِأَحَادِيث الرُّخْصَة أَوْلَى لِمُوَافَقَتِهَا الْقِيَاس فَجَوَابه أَوَّلًا أَنَّ الْأَحَادِيث بِحَمْدِ اللَّه لَيْسَتْ مُتَعَارِضَة وَقَدْ بَيَّنَا أَنَّهُ لَا مُعَارِض لِأَحَادِيث الْمَنْع

стр. 2121

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَيُقَال ثَانِيًا لَوْ قُدِّرَ تَعَارُضهَا فَالْأَخْذ بِأَحَادِيث الْفِطْر مُتَعَيَّن لِأَنَّهَا نَاقِلَة عَنْ الْأَصْل وَأَحَادِيث الْإِبَاحَة مُوَافِقَة لِمَا كَانَ الْأَمْر عَلَيْهِ قَبْل جَعْلهَا مُفْطِرَة وَالنَّاقِل مُقَدَّم عَلَى الْمُبْقِي وَيُقَال ثَالِثًا لَيْسَ فِي أَحَادِيث الرُّخْصَة لَفْظ صَرِيح وَإِنَّمَا غَايَتهَا أَنْ تَكُون فِعْلًا مُحْتَمِلًا لِلْوُجُوهِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فَكَيْف تُقَدَّم عَلَى الْقَوْل الصَّرِيح وَيُقَال رَابِعًا أَحَادِيث الْفِطْر صَرِيحَة مُتَعَدِّدَة الطُّرُق رواها عن النبي أَرْبَعَة عَشْر نَفْسًا وَسَاقَ الْإِمَام أَحْمَد أَحَادِيثهمْ كُلّهَا وَهُمْ رَافِع بْن خَدِيج وَثَوْبَان وَشَدَّاد بْن أَوْس وَأَبُو هُرَيْرَة وَعَائِشَة وَبِلَال وَأُسَامَة بْن زَيْد وَمَعْقِل بْن سِنَان وَعَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَأَبُو زيد الأنصاري وأبو موسى الأشعري وبن عباس وبن عُمَر فَكَيْف يُقَدَّم عَلَيْهَا أَحَادِيث هِيَ بَيْن أَمْرَيْنِ صَحِيح لَا دَلَالَة فِيهِ أَوْ مَا فِيهِ دَلَالَة وَلَكِنْ هُوَ غَيْر صَحِيح وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي الْكَلَام عَلَى الْأَحَادِيث وَبَيَّنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا حَدِيث وَاحِد يَصْلُح لِلْمُعَارَضَةِ وَعَلَى هَذَا فَالْقِيَاس الَّذِي أَشَرْتُمْ إِلَيْهِ فَاسِد الِاعْتِبَار ثُمَّ نَقُول بَلْ الْقِيَاس مِنْ جَانِبنَا لِأَنَّ الشَّارِع عَلَّقَ الْفِطْر بِإِدْخَالِ مَا فِيهِ قِوَام الْبَدَن مِنْ الطَّعَام وَالشَّرَاب وَبِإِخْرَاجِهِ مِنْ الْقَيْء وَاسْتِفْرَاغ الْمَنِيّ وَجَعَلَ الْحَيْض مَانِعًا مِنْ الصَّوْم لِمَا فِيهِ مِنْ خُرُوج الدَّم الْمُضْعِف لِلْبَدَنِ قَالُوا فَالشَّارِع قَدْ نَهَى الصَّائِم عَنْ أَخْذ مَا يُعِينهُ وَعَنْ إِخْرَاج مَا يُضْعِفهُ وَكِلَاهُمَا مَقْصُود لَهُ لِأَنَّ الشَّارِع أَمَرَ بِالِاقْتِصَادِ فِي الْعِبَادَات وَلَا سِيَّمَا فِي الصَّوْم وَلِهَذَا أَمَرَ بِتَعْجِيلِ الْفُطُور وَتَأْخِير السُّحُور فَلَهُ قَصْد فِي حِفْظ قُوَّة الصَّائِم عَلَيْهِ كَمَا لَهُ قَصْد فِي مَنْعه مِنْ إِدْخَال الْمُفْطِرَات وَشَاهِده الْفِطْر بِالْقَيْءِ وَالْحَيْض وَالِاسْتِمْنَاء فَالْحِجَامَة كَذَلِكَ أو أَوْلَى وَلَيْسَ مَعَنَا فِي الْقَيْء مَا يُمَاثِل أَحَادِيث الْحِجَامَة فَيَكْفِ يُفْطِر بِهِ دُون الْحِجَامَة مَعَ أَنَّ الْفِطْر بِهَا أَوْلَى مِنْهُ نَصًّا وَقِيَاسًا وَاعْتِبَارًا قَالُوا وَلِهَذَا فَرَّقَ بَيْن الْغَالِب مِنْهُمَا وَالْمُسْتَدْعَى فَلَا يُفْطِر إِذَا ذَرَعَهُ الْقَيْء كَمَا لَا يُفْطِر بِالرُّعَافِ وَخُرُوج الدَّم مِنْ الدمل والجرح وكما يفطر الاستقاء عَمْدًا كَذَلِكَ يُفْطِر بِإِخْرَاجِ الدَّم عَمْدًا بِالْحِجَامَةِ قَالُوا وَشَاهِده أَنَّ دَم الْحَيْض لَمَّا كَانَ يَجْرِي فِي وَقْت وَيَنْقَطِع فِي وَقْت جَعَلَ الشَّارِع صَوْمهَا فِي وَقْت الطُّهْر مُغْنِيًا عَنْ صَوْمهَا وَقْت الدَّم وَلَمَّا كَانَ دَم الِاسْتِحَاضَة لَا ضَابِط لَهُ وَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَمِرّ جَوَّزَ لَهَا الصَّوْم مَعَ جَرَيَانه كَصَاحِبِ الرُّعَاف وَنَحْوه فَلَيْسَ الْقِيَاس إِلَّا مَعَ النُّصُوص يَدُور مَعَهَا حَيْثُ دَارَتْ وَأَمَّا قِيَاسُكُمْ ذَلِكَ عَلَى الْفِصَاد ونحوه فتقول

стр. 2122

كُلِّ حَالٍ تَجَنُّبُ الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ أَوْلَى فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ قَوْلِهِ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ عَلَى الْمَجَازِ لِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ الصَّارِفَةِ لَهُ عَنْ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ (إِلَّا كَرَاهِيَةَ الْجَهْدِ) أَيِ الْمَشَقَّةِ وَالتَّعَبِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ شَبَابَةُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْحِجَامَة تُفْطِر لَهُمْ فِيهَا أَرْبَعَة أَقْوَال أَحَدهَا أَنَّ الْمُحْتَجِم يُفْطِر وَحْده دُون الْحَاجِم وَهَذَا ظَاهِر كَلَام الْخِرَقِيّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمُفْطِرَات لَوْ اِحْتَجَمَ وَلَمْ يَقُلْ أَوْ حُجِمَ الثَّانِي وَهُوَ مَنْصُوص الْإِمَام أَحْمَد أَنَّهُ يفطر كُلّ مِنْهُمَا وَهَذَا قَوْل جُمْهُور أَصْحَابه الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ ثُمَّ اِخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي التَّشْرِيط وَالْفِصَاد عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَال أَحَدهَا أَنَّهُ لَا يُفْطِر بِهِمَا الثَّانِي يُفْطِر بِهِمَا الثَّالِث يُفْطِر بِالتَّشْرِيطِ دُون الْفِصَاد لِأَنَّ التَّشْرِيط عِنْدهمْ كَالْحِجَامَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي التَّشْرِيط وَالْفِصَاد أَيّهمَا أَوْلَى بِالْفِطْرِ وَالصَّوَاب الْفِطْر بِالْحِجَامَةِ وَالْفِصَاد وَالتَّشْرِيط وَهُوَ اِخْتِيَار شَيْخنَا أَبِي الْعَبَّاس بْن تَيْمِيَّةَ وَاخْتِيَار صَاحِب الْإِفْصَاح لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمَوْجُود فِي الْحِجَامَة مَوْجُود فِي الْفِصَاد طَبْعًا وَشَرْعًا وَكَذَلِكَ فِي التَّشْرِيط وَقَدْ بَيَّنَا أَنَّ الْفِطْر بِالْحِجَامَةِ هُوَ مُقْتَضَى الْقِيَاس وَلَا فَرْق فِي ذَلِكَ بَيْن الْفِصَاد وَالتَّشْرِيط فَبِأَيِّ وَجْه أَخْرَجَ الدَّم أَفْطَرَ بِهِ كَمَا يُفْطِر بِالِاسْتِقَاءِ بِأَيِّ وَجْه اسْتَقَاء إِمَّا بِإِدْخَالِ يَده فِي فِيهِ أَوْ بِشَمِّهِ مَا يَقِيئهُ أَوْ بِوَضْعِ يَده عَلَى بَطْنه وَتَطَامُنِه وَغَيْر ذَلِكَ فَالْعِبْرَة بِخُرُوجِ الدَّم عَمْدًا لَا بِكَيْفِيَّةِ الْإِخْرَاج كَمَا اِسْتَوَى خُرُوج الدَّم بِذَلِكَ فِي إِفْسَاد الصَّلَاة وَنَقْضِ الطَّهَارَة عِنْد الْقَائِلِينَ بِهِ وَبِهَذَا يَتَبَيَّن تَوَافُق النُّصُوص وَالْقِيَاس وَشَهَادَة أُصُول الشَّرْع وَقَوَاعِده وَتَصْدِيق بَعْضهَا بَعْضًا فَإِنْ قِيلَ فهب أن هذا يتأتى لكم في الهجوم فَمَا الْمُوجِب لِفِطْرِ الْحَاجِم قُلْنَا لَمَّا كَانَ الْحَاجِم يَجْتَذِب الْهَوَاء الَّذِي فِي الْقَارُورَة بِامْتِصَاصِهِ الْهَوَاء يَجْتَذِب مَا فِيهَا مِنْ الدَّم فَرُبَّمَا صَعِدَ مَعَ الْهَوَاء شَيْء مِنْ الدَّم وَدَخَلَ فِي حَلْقه وَهُوَ لَا يَشْعُر وَالْحِكْمَة إِذَا كَانَتْ خَفِيَّة عُلِّقَ الْحُكْم بِمَظِنَّتِهَا كَمَا أَنَّ النَّائِم لَمَّا كَانَ قَدْ يَخْرُج مِنْهُ الرِّيح وَلَا يَشْعُر بِهَا عُلِّقَ الْحُكْم بِالْمَظِنَّةِ وَهُوَ النَّوْم وَإِنْ لَمْ يَخْرُج مِنْهُ رِيح فَإِنْ قِيلَ فَطَرْد هَذَا أَنْ لَا يُفْطِر الشَّارِط قُلْنَا نَعَمْ وَلَا الْحَاجِم الَّذِي يَشْرِط وَلَا يَمُصّ أَوْ يَمُصّهُ مُفْطِر غَيْره وَلَيْسَ فِي هذا مخالفة للنص فإن كلام النبي خَرَجَ عَلَى الْحَاجِم الْمُعْتَاد وَهُوَ الَّذِي يَمُصّ الدَّم وَكَلَامه إِنَّمَا يَعُمّ الْمُعْتَاد فَاسْتِعْمَال اللَّفْظ فِيهِ بِقَصْرِهِ عَلَى الْحَاجِم الْمُعْتَاد لَا يَكُون تَعْطِيلًا لِلنَّصِّ وَاَللَّه أَعْلَم

стр. 2123

٠ - (باب في الصائم يحتلم نهارا في رَمَضَانَ) (لَا يُفْطِرُ مَنْ قَاءَ وَلَا مَنِ احْتَلَمَ وَلَا مَنِ احْتَجَمَ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنْ ثَبَتَ هَذَا فَمَعْنَاهُ مَنْ قَاءَ غَيْرَ عَامِدٍ وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ رَجُلٌ لَا يُعْرَفُ وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ضَعَّفَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَقَالَ أَبُو عِيسَى أَخْطَأَ فِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَرَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُرْسَلًا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ذَاهِبُ الْحَدِيثِ وَقَالَ يحيى بن معين حديث بني زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ لَيْسَ بِشَيْءٍ انْتَهَى وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ هَذَا لَا يَثْبُتُ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَلَا يَثْبُتُ أَيْضًا وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ هَذَا الْحَدِيث قَدْ اُخْتُلِفَ فِي إِسْنَاده وَوَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ وَاخْتُلِفَ فِي مَتْنه فَرَوَاهُ هِشَام بْن سَعْد عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ عطاء عن بن عباس وقال القيء والرعاف والاحتلام ذكره بن عَدِيٍّ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيث هِشَام عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ عَطَاء عَنْ أَبِي سَعِيد وَذَكَر فِيهِ الِاحْتِجَام بَدَلَ الرُّعَاف وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بن أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَطَاء بْن يَسَار عَنْ أَبِي سَعِيد فَقَالَ الْحِجَامَة وَالْقَيْء وَالِاحْتِلَام قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيث أَبِي سَعِيد غَيْر مَحْفُوظ وَقَدْ رَوَى عَبْد اللَّه بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ وَعَبْد الْعَزِيز بْن مُحَمَّد وَغَيْر وَاحِد هَذَا الْحَدِيث عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ مُرْسَلًا لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيد وَعَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ يُضَعَّف فِي الحديث

стр. 2124

الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةٌ لَا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ الْقَيْءُ وَالْحِجَامَةُ وَالِاحْتِلَامُ وَهِشَامُ بْنُ سَعِيدٍ وَإِنْ كَانَ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ فَقَدِ احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ وَاسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُرْسَلًا وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ وَقَالَ إِنَّهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ وَذَكَرَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ١ - (بَاب في الكحل عند النوم) (عَنْ أَبِيهِ) النُّعْمَانِ بْنِ مَعْبَدٍ (عَنْ جَدِّهِ) أَيْ جَدِّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ مَعْبَدُ بْنُ هَوْذَةَ صَحَابِيٌّ قَلِيلُ الْحَدِيثِ (أَنَّهُ أَمَرَ بِالْإِثْمِدِ) وقد استدل بهذا الحديث بن شبرمة وبن أَبِي لَيْلَى فَقَالَا إِنَّ الْكُحْلَ يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَخَالَفَهُمُ الْفُقَهَاءُ وَغَيْرُهُمْ فَقَالُوا الْكُحْلُ لَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ لَا ينتهض للاحتجاج به واستدل بن شبرمة وبن أَبِي لَيْلَى بِمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا وَوَصَلَهُ البيهقي والدارقطني وبن أبي شيبة من حديث بن عَبَّاسٍ بِلَفْظِ الْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ وَالْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ قَالَ وَإِذَا وَجَدَ طُعْمَةً فَقَدْ دَخَلَ وَيُجَابُ بِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ الْفَضْلَ بْنَ الْمُخْتَارِ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا وَفِيهِ أَيْضًا شُعْبَةُ مَوْلَى بن عباس وهو ضعيف وقال بن عَدِيٍّ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ لَا يَثْبُتُ مَرْفُوعًا وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مَوْقُوفًا مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْهُ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ الْحَافِظُ وَإِسْنَادُهُ أَضْعَفُ مِنَ الأول ومن حديث بن عباس مرفوعا ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] سَمِعْت أَبَا دَاوُدَ السِّجْزِيّ يَقُول سَأَلْت أَحْمَد بْن حَنْبَل عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ فَقَالَ أَخُوهُ عَبْد اللَّه بْن زَيْد لَا بَأْس بِهِ قَالَ وَسَمِعْت مُحَمَّدًا يَذْكُر عَنْ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه قَالَ عَبْد اللَّه بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ ثِقَة وَعَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد ضَعِيف قَالَ مُحَمَّد وَلَا أَرْوِي عَنْهُ شَيْئًا

стр. 2125

وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْكُحْلَ لَا يُفْسِدُ الصوم بما أخرجه بن مَاجَهْ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اكْتَحَلَ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ صَائِمٌ وَفِي إِسْنَادِهِ بَقِيَّةُ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ عَنْ هِشَامِ عن عُرْوَةَ وَالزُّبَيْدِيُّ الْمَذْكُورُ اسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سعيد ذكره بن عَدِيٍّ وَأَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَرْجَمَتِهِ وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَتِهِ وَزَادَ أَنَّهُ مَجْهُولٌ وَالْإِثْمِدُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَهُوَ حَجَرٌ لِلْكُحْلِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ (الْمُرَوَّحُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وتشديد الواو المفتوحة وآخرالحروف حَاءٌ مُهْمَلَةٌ أَيِ الْمُطَيَّبُ بِالْمِسْكِ كَأَنَّهُ جُعِلَ لَهُ رَائِحَةٌ تَفُوحُ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ رَائِحَةٌ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ضَعِيفٌ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ صَدُوقٌ (عَنْ أَنَسٍ) سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ (عَنِ الْأَعْمَشِ) سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ ٢ - (بَاب الصَّائِمِ يَسْتَقِيءُ عَامِدًا) (مَنْ ذَرَعَهُ قَيْءٌ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ غَلَبَهُ وَسَبَقَهُ فِي الْخُرُوجِ (وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ) لِأَنَّهُ لَا تَقْصِيرَ مِنْهُ (وَإِنِ اسْتِقَاءَ) أَيْ مَنْ تَسَبَّبَ لِخُرُوجِهِ (فَلْيَقْضِ) قال بن الملك ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ هَذَا الْحَدِيث لَهُ عِلَّة وَلِعِلَّتِهِ عِلَّة أَمَّا عِلَّته فَوَقْفه عَلَى أَبِي هُرَيْرَة وَقَفَهُ عَطَاء وَغَيْره وَأَمَّا عِلَّة

стр. 2126

وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَمِلَ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَهْلُ الْعِلْمِ فَقَالُوا مَنِ اسْتِقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَمَنْ ذَرَعَهُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ وقال بن عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ بُطْلَانُ الصَّوْمِ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ رَوَى أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ رَزِينٍ الْبَكْرِيِّ قَالَ حَدَّثَتْنَا مَوْلَاةٌ لَنَا يُقَالُ لَهَا سَلْمَى مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فقال ياعائشة هَلْ مِنْ كِسْرَةٍ فَأَتَتْهُ بِقُرْصٍ فَوَضَعَهُ عَلَى فيه فقال ياعائشة هَلْ دَخَلَ بَطْنِي مِنْهُ شَيْءٌ كَذَلِكَ قُبْلَةُ الصَّائِمِ إِنَّمَا الْإِفْطَارُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ وَلِجَهَالَةِ الْمَوْلَاةِ لَمْ يُثْبِتْهُ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ وَفِي النَّيْلِ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ صَوْمُ مَنْ غَلَبَهُ الْقَيْءُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَيَبْطُلُ صَوْمُ مَنْ تَعَمَّدَ إِخْرَاجَهُ وَلَمْ يَغْلِبْهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا عَلِيٌّ وبن عُمَرَ وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والشافعي وحكى بن الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ تَعَمُّدَ الْقَيْءِ يُفْسِدُ الصيام وقال بن مَسْعُودٍ وَعِكْرِمَةُ وَرَبِيعَةُ إِنَّهُ لَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ سَوَاءٌ كَانَ غَالِبًا أَوْ مُسْتَخْرَجًا مَا لَمْ يَرْجِعْ مِنْهُ شَيْءٌ بِاخْتِيَارِهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ من حديث هشام عن بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ لَا أُرَاهُ مَحْفُوظًا قَالَ أَبُو عِيسَى وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ قَالَ لَيْسَ مِنْ ذَا شَيْءٌ قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُرِيدُ أَنَّ الْحَدِيثَ غَيْرُ محفوظ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] هَذِهِ الْعِلَّة فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحه بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة إِنَّهُ قَالَ إِذَا قَاءَ فَلَا يُفْطِر إِنَّمَا يَخْرُج وَلَا يُولِج قَالَ وَيُذْكَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ يُفْطِر والأول أصح قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيث فَضَالَة بْن عُبَيْد قَالَ أَصْبَحَ رَسُول اللَّه ﷺ صَائِمًا فَقَاءَ فَأَفْطَرَ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ بِأَنِّي قِئْت وَرَوَى أَيْضًا عن بن عُمَر مَوْقُوفًا عَلَيْهِ مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْء فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ وَمِنْ اِسْتِقَاء فَعَلَيْهِ الْقَضَاء قَالَ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِثْله وَرُوِيَ مَرْفُوعًا وَالْحُفَّاظ لَا يَرَوْنَهُ مَحْفُوظًا

стр. 2127

(مَعْدَانَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاءَ) أَيْ عَمْدًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مَنْ ذَرَعَهُ قَيْءٌ لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ (فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَيُكْسَرُ وَهُوَ لَا يَنْصَرِفُ وَقِيلَ مُنْصَرِفٌ أَيْ فِي مَسْجِدِ الشَّامِ (قَالَ) أَيْ ثَوْبَانُ (صَدَقَ) أَيْ أَبُو الدَّرْدَاءِ (وَضُوءَهُ) بِالْفَتْحِ أي ماء وضوءه قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَإِنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا فِي أَنَّ مَنِ اسْتَقَاءَ عَامِدًا أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي الْكَفَّارَةِ فَقَالَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ الْقَضَاءِ وَقَالَ عَطَاءٌ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ وَقَالَ وَيَدْخُلُ فِي مَعْنَى مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ كُلُّ مَا غَلَبَ الْإِنْسَانَ مِنْ دُخُولِ الذُّبَابِ وَدُخُولِ الْمَاءِ جَوْفَهُ إِذَا دَخَلَ فِي مَاءٍ غَمْرٍ وَأَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُفْسِدُ صَوْمَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَقَدْ جَوَّدَ حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ هَذَا الْحَدِيثَ وَحَدِيثُ حُسَيْنٍ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ يُجَوِّدُهُ ٣ - (بَاب الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ) (يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ) قَالَ النَّوَوِيُّ إِنَّ الْقُبْلَةَ فِي الصَّوْمِ لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً عَلَى مَنْ لَمْ تُحَرِّكْ شَهْوَتَهُ لَكِنَّ الْأَوْلَى لَهُ تَرْكُهَا وَلَا يُقَالُ إِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ لَهُ وَإِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ إِنَّهَا خِلَافُ الْأَوْلَى فِي حَقِّهِ مَعَ ثُبُوتِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهَا لِأَنَّهُ ﷺ يُؤْمَنُ فِي حَقِّهِ مُجَاوَزَةُ الْقُبْلَةِ وَيُخَافُ عَلَى غَيْرِهِ مُجَاوَزَتُهَا كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ كَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ وَأَمَّا مَنْ حَرَّكَتْ شَهْوَتَهُ فَهِيَ حَرَامٌ فِي حَقِّهِ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ الْقَاضِي قَدْ قَالَ بِإِبَاحَتِهَا لِلصَّائِمِ مُطْلَقًا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وداود وكرهها على الإطلاق مالك وقال بن عَبَّاسٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ

стр. 2128

وَالشَّافِعِيُّ تُكْرَهُ لِلشَّابِّ دُونَ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَهِيَ رواية عن مالك وروى بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ إِبَاحَتَهَا فِي صَوْمِ النَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا لَا تُبْطِلُ الصَّوْمَ إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ الْمَنِيُّ بِالْقُبْلَةِ وَاحْتَجُّوا لَهُ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ فِي السُّنَنِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَضْمَضَةَ مُقَدَّمَةُ الشُّرْبِ وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهَا لَا تُفْطِرُ وَكَذَا الْقُبْلَةُ مُقَدِّمَةٌ لِلْجِمَاعِ فَلَا تُفْطِرُ وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ بن مَسْعُودٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ مَنْ قَبَّلَ قَضَى يَوْمًا مَكَانَ يَوْمِ الْقُبْلَةِ وَمَعْنَى الْمُبَاشَرَةِ ها هنا اللَّمْسُ بِالْيَدِ وَهُوَ مِنَ الْتِقَاءِ الْبَشَرَتَيْنِ (وَلَكِنَّهُ كان أملك لأربه) هذا اللَّفْظَةُ رَوَوْهَا عَلَى وَجْهَيْنِ أَشْهَرُهُمَا رِوَايَةُ الْأَكْثَرِينَ إِرْبَهُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَكَذَا نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْقَاضِي عَنْ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ وَالثَّانِي بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ مَعْنَاهُ بِالْكَسْرِ الْوَطَرُ وَالْحَاجَةُ وَكَذَا بِالْفَتْحِ وَلَكِنَّهُ يُطْلَقُ الْمَفْتُوحُ أَيْضًا عَلَى الْعُضْوِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ هَذِهِ اللَّفْظَةُ تُرْوَى عَلَى وَجْهَيْنِ الْفَتْحِ وَالْكَسْرِ قَالَ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ حَاجَةُ النَّفْسِ وَوَطَرُهَا يُقَالُ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَرَبٌ وَإِرْبٌ وَأَرِبَةٌ وَمَأْرَبَةٌ أَيِ الْحَاجَةُ قَالَ وَالْأَرَبُ أَيْضًا الْعُضْوُ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَى كَلَامِ عَائِشَةَ أَنَّهُ يَنْبَغِي لَكُمُ الِاحْتِرَازُ عَنِ الْقُبْلَةِ وَلَا تَتَوَهَّمُوا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَنَّكُمْ مِثْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي اسْتِبَاحَتِهَا لِأَنَّهُ يَمْلِكُ نَفْسَهُ وَيَأْمَنُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي قُبْلَةٍ يَتَوَلَّدُ مِنْهَا إِنْزَالٌ أَوْ شَهْوَةٌ أَوْ هَيَجَانُ نَفْسٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَأَنْتُمْ لَا تَأْمَنُونَ ذَلِكَ فَطَرِيقُكُمُ الِانْكِفَافُ عَنْهَا وَفِيهِ جَوَازُ الْإِخْبَارِ عَنْ مِثْلِ هَذَا مِمَّا يَجْرِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْجُمْلَةِ لِلضَّرُورَةِ وَأَمَّا فِي غَيْرِ حَالِ الضَّرُورَةِ فَمَنْهِيٌّ عَنْهُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ جَمْعًا وَإِفْرَادًا وَأَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عائشة ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وقد أخرجا في الصحيحين من حديث أم سلمة وحفصة أن رسول الله ﷺ كان يقبل وهو صائم وفي صحيح مسلم عن عمر بن أبي سلمة أنه سأل رسول الله ﷺ أيقبل الصائم فقال رسول الله ﷺ سل هذه لأم سلمة فأخبرته أن رسول الله ﷺ ليصنع ذلك فقال يارسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال له رسول الله ﷺ إني لأتقاكم لله وأخشاكم له

стр. 2129

(عَنْ عَائِشَةَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُنِي) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ (هَشَشْتُ) بِشِينَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ أَيْ نَشِطْتُ وَفَرِحْتُ لَفْظًا وَمَعْنًى أَيْ بِالنَّظَرِ إِلَى امْرَأَتِي وَالْهَشَاشُ فِي الْأَصْلِ الِارْتِيَاحُ وَالْخِفَّةُ وَالنَّشَاطُ كَذَا فِي الْقَامُوسِ (قَالَ أَرَأَيْتَ لَوْ مَضْمَضْتَ مِنَ الْمَاءِ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى فِقْهٍ بَدِيعٍ وَهُوَ أَنَّ الْمَضْمَضَةَ لَا تَنْقُضُ الصَّوْمَ وَهِيَ أَوَّلُ الشُّرْبِ وَمِفْتَاحُهُ فَكَذَلِكَ الْقُبْلَةُ لَا تَنْقُضُهُ وَهِيَ مِنْ دَوَاعِي الْجِمَاعِ وَأَوَائِلِهِ الَّتِي تَكُونُ مِفْتَاحًا لَهُ وَالشُّرْبُ يُفْسِدُ الصَّوْمَ كَمَا يُفْسِدُهُ الْجِمَاعُ كَمَا ثَبَتَ عِنْدَ عُمَرَ أَنَّ أَوَائِلَ الشُّرْبِ لَا تُفْسِدُ الصِّيَامَ كَذَلِكَ أَوَائِلُ الْجِمَاعِ لَا تُفْسِدُهُ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي هَذَا إِثْبَاتُ الْقِيَاسِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فِي الْحُكْمِ الْوَاحِدِ لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي الشَّبَهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَضْمَضَةَ بِالْمَاءِ ذَرِيعَةٌ لِنُزُولِهِ الْحَلْقَ وَوُصُولِهِ إِلَى الْجَوْفِ فَيَكُونُ فِيهِ فَسَادُ الصَّوْمِ كَمَا أَنَّ الْقُبْلَةَ ذَرِيعَةٌ إِلَى الْجِمَاعِ الْمُفْسِدِ لِصَوْمِهِ يَقُولُ فَإِذَا كَانَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ مِنْهُمَا غَيْرَ مُفْطِرٍ لِلصَّائِمِ فَالْآخَرُ بِمَثَابَتِهِ (قَالَ) النَّبِيُّ ﷺ (فَمَهْ) أَيْ فَمَاذَا لِلِاسْتِفْهَامِ فَأَبْدَلَ الْأَلِفَ هَاءً لِلْوَقْفِ وَالسَّكْتِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى إِلَّا عَنْ عُمَرَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ٤ - (بَاب الصَّائِمِ يَبْلَعُ الرِّيقَ) (يَمَصُّ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيَجُوزُ ضَمُّهُ (لِسَانَهَا) قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ قِيلَ إِنَّ ابْتِلَاعَ رِيقِ الْغَيْرِ يُفْطِرُ

стр. 2130

إِجْمَاعًا وَأُجِيبَ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ وَاقِعَةُ حَالٍ فِعْلِيَّةٌ مُحْتَمَلَةٌ أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَبْصُقُهُ وَلَا يَبْتَلِعُهُ وَكَانَ يَمَصُّهُ وَيُلْقِي جَمِيعَ مَا فِي فَمِهِ فِي فَمِهَا وَالْوَاقِعَةُ الْفِعْلِيَّةُ إِذَا احْتَمَلَتْ لَا دَلِيلَ فِيهَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْوَجْهَ الثَّانِيَ مَعَ بُعْدِهِ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِيمَا إِذَا كَانَتْ غَيْرَ صَائِمَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ الطَّاحِي الْبَصْرِيِّ قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ضَعِيفٌ وَفِي رِوَايَةٍ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كِتَابٌ وَقَالَ غَيْرُهُ صَدُوقٌ وقال بن عَدِيٍّ الْجُرْجَانِيُّ قَوْلُهُ يَمَصُّ لِسَانَهَا فِي الْمَتْنِ لَا يَقُولُهُ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ فِي إِسْنَادِهِ أَيْضًا سَعْدُ بْنُ أوس قال بن مَعِينٍ بَصْرِيٌّ ضَعِيفٌ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَقَالَ عَبْد الْحَقّ لَا تَصِحّ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي مَصِّ اللِّسَان لِأَنَّهَا مِنْ حَدِيث مُحَمَّد بْن دِينَار عَنْ سَعْد بْن أَوْس ولا يحتج بهما وقد قال بن الْأَعْرَابِيّ بَلَغَنِي عَنْ أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ قَالَ هَذَا الْحَدِيث لَيْسَ بِصَحِيحٍ قَالَ الْحَافِظ شَمْس الدين بن الْقَيِّم ﵀ وَقَالَ عَبْد الْحَقّ لَا تَصِحّ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي مَصِّ اللِّسَان لِأَنَّهَا مِنْ حَدِيث مُحَمَّد بْن دِينَار عَنْ سَعْد بْن أَوْس وَلَا يُحْتَجّ بِهِمَا وَقَدْ قَالَ بن الْأَعْرَابِيّ بَلَغَنِي عَنْ أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ قَالَ هَذَا الْحَدِيث لَيْسَ بِصَحِيحٍ قَالَ الْحَافِظ شَمْس الدين بن القيم ﵀ قال بن حَزْمٍ فِيهِ أَبُو الْعَنْبَسِ عَنْ الْأَغَرِّ وَأَبُو الْعَنْبَسِ هَذَا مَجْهُول قَالَ عَبْد الْحَقّ وَلَمْ أجد

стр. 2131

٣٥ - (بَاب كَرَاهِيَتِهِ لِلشَّابِّ) (عَنِ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ) وَمَعْنَى المباشرة ها هنا اللَّمْسُ بِالْيَدِ وَهُوَ الْتِقَاءُ الْبَشَرَتَيْنِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عنه المنذري ٦ - (باب من أَصْبَحَ جُنُبًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ) (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا) قَالَ النَّوَوِيُّ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ يَقُولُ بِجَوَازِ الِاحْتِلَامِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَفِيهِ خِلَافٌ الْأَشْهَرُ امْتِنَاعُهُ قَالُوا لِأَنَّهُ مِنْ تَلَاعُبِ الشَّيْطَانِ وَهُمْ مُنَزَّهُونَ عَنْهُ فَالْمُرَادُ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ وَلَا يَجْنُبُ مِنَ احْتِلَامٍ لِامْتِنَاعِهِ مِنْهُ أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ هَذِهِ الْأَعْصَارِ عَلَى صِحَّةِ صَوْمِ الْجُنُبِ سَوَاءٌ كَانَ مِنَ احْتِلَامٍ أَوْ جِمَاعٍ وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الصَّحَابَةِ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] أَحَدًا ذَكَره وَلَا سَمَّاهُ وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ عَنْ عائشة أن النبي ﷺ رَخَّصَ فِي الْقُبْلَة لِلشَّيْخِ وَهُوَ صَائِم وَنَهَى عَنْهَا الشَّابَّ وَقَالَ الشَّيْخ يَمْلِك إِرْبه وَالشَّابّ تفسد صومه وأرخص فيها بن عباس للشيخ وَكَرِهَهَا لِلشَّابِّ وَسَأَلَ فَتًى عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ الْقُبْلَة وَهُوَ صَائِم فَقَالَ لَا فَقَالَ شَيْخ عِنْده لِمَ يُحْرِج النَّاس وَيُضَيِّق عليهم والله ما بذلك بأس فقال بن عُمَر أَمَّا أَنْتَ فَقَبِّلْ فَلَيْسَ عِنْد اِسْتك خَيْر وَرُوِيَ إِبَاحَة الْقُبْلَة عَنْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر وَعَبْد اللَّه بْن عَبَّاس وأما ما روى عن بن مَسْعُود أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي الْقُبْلَة قَوْلًا شَدِيدًا يَعْنِي يَصُوم مَكَانه فَقَالَ الْبَيْهَقِيّ هَذَا مَحْمُول عَلَى مَا إِذَا أَنْزَلَ وَهَذَا التَّفْسِير من بعض الرواة لا من بن مَسْعُود وَاَللَّه أَعْلَم قَالَ الْحَافِظ شَمْس الدِّين بْن الْقَيِّم ﵀ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة فَذَهَبَ بَعْضهمْ إِلَى إِبْطَال صَوْمه إِذَا أَصْبَحَ جُنُبًا وَاحْتَجُّوا بِمَا فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي قَصَصه مَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْر جُنُبًا فَلَا يَصُوم وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فَالْمَشْهُور عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَصِحّ صَوْمه وَعَنْهُ رِوَايَة ثَانِيَة أَنَّهُ إِنْ عِلْم بِجَنَابَتِهِ ثُمَّ نَامَ حَتَّى يُصْبِح فَهُوَ مُفْطِر وَإِنْ لَمْ يَعْلَم حَتَّى أَصْبَحَ فَهُوَ صَائِم وَرُوِيَ هَذَا الْمَذْهَب عن طاوس وعروة بن الزبير

стр. 2132

وَالتَّابِعِينَ وَحُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ إِبْطَالُهُ وَكَانَ عَلَيْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَقِيلَ لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ وَلَيْسَ بشيء وحكي عن طاووس وَعُرْوَةَ وَالنَّخَعِيِّ إِنْ عَلِمَ بِجَنَابَتِهِ لَمْ يَصِحَّ وَإِلَّا فَيَصِحُّ وَحُكِيَ مِثْلُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحُكِيَ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ دُونَ الْفَرْضِ وَحُكِيَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ يَصُومُهُ وَيَقْضِيهِ ثُمَّ ارْتَفَعَ هَذَا الْخِلَافُ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ بَعْدَ هَؤُلَاءِ عَلَى صِحَّتِهِ وَفِي صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ الْخِلَافِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ لِأَهْلِ الْأُصُولِ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ حُجَّةٌ عَلَى كُلِّ مُخَالِفٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ فِي اللَّيْلِ ثُمَّ طَلَعَ الْفَجْرُ قَبْلَ اغْتِسَالِهِمَا صَحَّ صَوْمُهُمَا وَوَجَبَ عَلَيْهِمَا إِتْمَامُهُ سَوَاءٌ تَرَكَتِ الْغُسْلَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا بِعُذْرٍ أَمْ بِغَيْرِهِ كَالْجُنُبِ وَهَذَا مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِمَّا لَا نَعْلَمُ صَحَّ عَنْهُ أَمْ لَا انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ بِتَغْيِيرٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا قَالَ أَبُو دَاوُدَ مَا أَقَلَّ مَنْ يَقُولُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ يَعْنِي يُصْبِحُ جُنُبًا فِي رَمَضَانَ وَإِنَّمَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا وَهُوَ صَائِمٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَفِي كِتَابِ النَّسَائِيِّ وَفِيهَا رَدٌّ على إبراهيم والنخعي وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي قَوْلِهِمَا وَلَا يُجْزِئُهُ صَوْمُهُ فِي الْفَرْضِ وَيُجْزِئُهُ فِي التَّطَوُّعِ (مَا أَقَلَّ) صِيغَةُ تَعَجُّبٍ (مَنْ يَقُولُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ) الْمَرْوِيَّةَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَذْرَمِيِّ (يَعْنِي يُصْبِحُ جُنُبًا فِي رَمَضَانَ) وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مُشَارٌ إِلَيْهَا لِقَوْلِهِ هَذِهِ الْكَلِمَةَ فَعَبْدُ اللَّهِ الْأَذْرَمِيُّ يَقُولُ فِي رِوَايَتِهِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا فِي رَمَضَانَ مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ ثُمَّ يَصُومُ وَغَيْرُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَذْرَمِيِّ يَقُولُ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ ثُمَّ يَصُومُ أَيْ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ فِي رَمَضَانَ (وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ) الْمَرْوِيُّ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا وَهُوَ صَائِمٌ) أَيْ من غير ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَذَهَبَتْ طَائِفَة إِلَى أَنَّ الصَّوْم إِنْ كَانَ فَرْضًا لَمْ يَصِحّ وَإِنْ كَانَ نَفْلًا صَحَّ وَرُوِيَ هَذَا عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ وَالْحَسَن الْبَصْرِيِّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة رِوَايَة ثَالِثَة أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ فُتْيَاهُ إِلَى قَوْل الْجَمَاعَة وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى صِحَّة صَوْمه مُطْلَقًا فِي الْفَرْض وَالنَّفْل وَقَالُوا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَنْسُوخ وَاسْتَشْكَلَتْ طَائِفَة ثُبُوت النَّسْخ وَقَالَتْ شَرْط النَّسْخ أَنْ يُعْلَم تَأَخُّرُهُ بِنَقْلٍ أَوْ بِأَنْ تُجْمِع الْأُمَّة

стр. 2133

ذِكْرِ رَمَضَانَ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ الْحَدِيثَ مَرْوِيٌّ بِلَفْظَيْنِ أَحَدُهُمَا بِإِطْلَاقِ الصَّوْمِ حَالَةَ الْجَنَابَةِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ رَمَضَانَ كَمَا رَوَاهُ غَيْرُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَذْرَمِيِّ وَثَانِيهِمَا صَوْمُهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ مُقَيَّدًا بِصَوْمِ رَمَضَانَ كَمَا رَوَاهُ الْأَذْرَمِيُّ لَكِنَّ الرُّوَاةَ لِرِوَايَةِ تَقْيِيدِ الصَّوْمِ بِرَمَضَانَ أَقَلُّ قَلِيلٍ جِدًّا مِنَ الرُّوَاةِ لِرِوَايَةِ إِطْلَاقِ الصَّوْمِ حَتَّى صَارَتْ قِلَّةُ رُوَاةِ التَّقْيِيدِ فِي مَحَلِّ التَّعَجُّبِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ رُوَاةَ الْإِطْلَاقِ أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ وَرُوَاةُ التَّقْيِيدِ أَقَلُّ الْقَلِيلِ جِدًّا وَالْأَذْرَمِيُّ تَفَرَّدَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ بِذِكْرِ رَمَضَانَ لَكِنْ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَفِي ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] عَلَى تَرْك الْخَبَر الْمُعَارِض لَهُ فَيُعْلَم أَنَّهُ منسوخ وكلا الأمرين منتف ها هنا فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّ خَبَر أَبِي هُرَيْرَة مُتَقَدِّم عَلَى خَبَر عَائِشَة وَالْجَوَاب عَنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يَصِحّ أَنْ يَكُون آخِر الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُول اللَّه ﷺ إِبْطَال الصَّوْم بِذَلِكَ لِأَنَّ أَزْوَاجه أَعْلَم بِهَذَا الْحُكْم وَقَدْ أَخْبَرْنَ بَعْد وَفَاته ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُصْبِح جُنُبًا وَيَصُوم وَلَوْ كَانَ هَذَا هُوَ الْمُتَقَدِّم لَكَانَ الْمَعْرُوف عِنْد أَزْوَاجه مِثْل حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَلَمْ يَحْتَجّ أَزْوَاجه بِفِعْلِهِ الَّذِي كَانَ يَفْعَلهُ ثُمَّ نُسِخَ وَمُحَال أَنْ يَخْفَى هَذَا عَلَيْهِنَّ فَإِنَّهُ كَانَ يَقْسِم بَيْنهنَّ إِلَى أَنْ مَاتَ فِي الصَّوْم وَالْفِطْر هَذَا مَعَ أَنَّ الْحَدِيث فِي مُسْلِم غَيْر مَرْفُوع وَإِنَّمَا فِيهِ كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَقُول فِي قَصَصه حَسْب وَفِي الْحَدِيث أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة لَمَّا حُوقِقَ عَلَى ذَلِكَ رَدَّهُ إِلَى الْفَضْل بْن عَبَّاس فَقَالَ سَمِعْت ذَلِكَ مِنْ الْفَضْل وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ النَّبِيّ ﷺ هَذَا الَّذِي فِي مُسْلِم وَفِي لَفْظ حَدَّثَنِي الْفَضْل بْن عَبَّاس قال البخاري وقال همام وبن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة كَانَ النَّبِيّ ﷺ يَأْمُر بِالْفِطْرِ وَالْأَوَّل أَسْنَدَ وَلَكِنَّ رَفْعَهُ صَحِيح رَوَاهُ سفيان عن عمرو بن يَحْيَى بْن جَعْدَة قَالَ سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن عَبْدٍ الْقَارِيّ قَالَ سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول لَا وَرَبّ هَذَا الْبَيْت مَا أَنَا قُلْته مَنْ أَدْرَكَهُ الصُّبْح وَهُوَ جُنُب فَلَا يَصُمْ مُحَمَّد ﷺ قَالَهُ وَمَعَ هَذَا فَقَدْ رَوَى النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بْن هِشَام قَالَ كُنْت مَعَ عَبْد الرَّحْمَن عِنْد مَرْوَان فَذَكَرُوا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة يَقُول مَنْ اِحْتَلَمَ وَعِلْم بِاحْتِلَامِهِ وَلَمْ يَغْتَسِل حَتَّى يُصْبِح فَلَا يَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْم قَالَ اِذْهَبْ فَسَلْ أَزْوَاج النَّبِيّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَذَهَبَ وَذَهَبْت مَعَهُ فَذَكَر الْحَدِيث وَقَالَ فَأَتَيْت مَرْوَان فَأَخْبَرْته قَوْلهمَا يَعْنِي أُمّ سَلَمَة وَعَائِشَة فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ اِخْتِلَافهمْ تَخَوُّفًا أَنْ يَكُون أَبُو هُرَيْرَة يُحَدِّث عَنْ النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ مَرْوَان لِعَبْدِ الرَّحْمَن عَزَمْت عَلَيْك لَمَا أَتَيْته فَحَدَّثْته أَعَنْ رَسُول اللَّه ﷺ تَرْوِي هَذَا قَالَ لَا إِنَّمَا حَدَّثَنِي فُلَان وَفُلَان وَلَا رَيْب أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة لَمْ يَسْمَع ذَلِكَ مِنْ النَّبِيّ ﷺ وَقَالَ مَرَّة أَخْبَرَنِيهِ الْفَضْل بْن عَبَّاس وَمَرَّة قَالَ أَخْبَرَنِيهِ أُسَامَة بْن زَيْد وَفِي رِوَايَة عَنْهُ أَخْبَرَنِيهِ فُلَان وَفُلَان وَفِي رِوَايَة أَخْبَرَنِي رَجُل وَفِي رِوَايَة أَخْبَرَنِيهِ مُخْبِر وَفِي رِوَايَة هَكَذَا كنت أحسب

стр. 2134

كِتَابِ النَّسَائِيِّ انْتَهَى يَعْنِي وَإِنْ كَانَ رُوَاةُ التَّقْيِيدِ بِرَمَضَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى رُوَاةِ الْإِطْلَاقِ قِلَّةً لَكِنْ لَيْسَتِ الْقِلَّةٌ بِحَيْثُ تُفْضِي إِلَى الْعَجَبِ بَلْ رِوَايَةُ التَّقْيِيدِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْأَذْرَمِيِّ وَكَذَا فِي النَّسَائِيِّ فَكَيْفَ يُقَالُ إِنَّ رُوَاةَ التَّقْيِيدِ قَلِيلَةٌ جِدًّا وَاللَّهُ أَعْلَمُ (وَهُوَ) أَيِ الرَّجُلُ (وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ) وَلَفْظُ مُسْلِمٍ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَفْتِيَهُ وَهِي تَسْمَعُ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ (أُصْبِحُ) مِنَ الْإِصْبَاحِ (جُنُبًا) سُمِّيَ بِهِ لِكَوْنِ الْجَنَابَةِ سَبَبًا لِتَجَنُّبِ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ نَحْوِهِمَا فِي حُكْمِ الشَّرْعِ وَذَلِكَ بِإِنْزَالِ الْمَاءِ أَوْ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَفِي مَعْنَاهُ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ (وَاللَّهِ إِنِّي لِأَرْجُوَ أَنْ أَكُونَ أخشاكم لله) قال الشيخ عزالدين بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِيهِ إِشْكَالٌ لِأَنَّ الْخَوْفَ وَالْخَشْيَةَ حَالَةٌ تَنْشَأُ مِنْ مُلَاحَظَةِ شِدَّةِ النِّقْمَةِ الْمُمْكِنِ وُقُوعُهَا بِالْخَائِفِ وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ عَلَى أنه ﷺ غَيْرُ مُعَذَّبٍ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ لَا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْخَوْفُ فَكَيْفَ أَشَدُّ الْخَوْفِ وَالْجَوَابُ أَنَّ الذُّهُولَ جَائِزٌ عَلَيْهِ ﷺ فَإِذَا حَصَلَ الذُّهُولُ عَنْ مُوجِبَاتِ نَفْيِ الْعِقَابِ حَدَثَ لَهُ الْخَوْفُ وَلَا يُقَالُ إِنَّ إِخْبَارَهُ بِشِدَّةِ الْخَوْفِ وَالْخَشْيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَكْثَرُ ذُهُولًا لِأَنَّا نَقُولُ الْمُرَادُ بِشِدَّةِ الْخَوْفِ وَأَعْظَمِ الْخَشْيَةِ عِظَمٌ بِالنَّوْعِ لَا بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ أَيْ إِذَا صَدَرَ الْخَوْفُ مِنْهُ وَلَوْ فِي زَمَنٍ فَرْدٍ كَانَ أَشَدَّ مِنْ خَوْفٍ غَيْرِهِ قَالَهُ السُّيُوطِيُّ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَلْ يقع ذلك منه ﷺ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلا القوم الخاسرون وَأَيْضًا هُوَ إِمَامٌ لِأُمَّتِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ هَيْئَاتِ الْخَيْرِ كُلِّهَا وَمِنْ جُمْلَتِهَا هَيْئَاتُ الْخَوْفِ بِاللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى وَقَالَ الشَّيْخُ الْمُحَدِّثُ وَلِيُّ اللَّهِ الدَّهْلَوِيُّ ﵀ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَرَادَ بِالْخَشْيَةِ لَازِمَهَا وَهُوَ الْكَفُّ عَمَّا لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ هَذِهِ الْخَشْيَةُ خَشْيَةُ هَيْبَةٍ وَإِجْلَالٍ لَا خَشْيَةَ تَوَقُّعِ مَكْرُوهِ انْتَهَى وَفِي قَوْلِهِ لَأَرْجُوَ لَعَلَّ اسْتِعْمَالَهُ الرَّجَاءَ مِنْ جُمْلَةِ الْخَشْيَةِ وَإِلَّا فَكَوْنُهُ أَخْشَى وَأَعْلَمَ مُتَحَقِّقٌ قَطْعًا قَالَهُ السِّنْدِيُّ (وَأَعْلَمَكُمْ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَخْشَاكُمْ (بِمَا أَتَّبِعُ) أَيْ بما

стр. 2135

أَعْمَلُ مِنْ وَظَائِفِ الْعُبُودِيَّةِ قَالَهُ السِّنْدِيُّ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ أَعْلَمُكُمْ بِمَا أَتَّقِي قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو يُونُسَ الْقُرَشِيُّ الْمَدَنِيُّ التَّمِيمِيُّ مَوْلَى عَائِشَةَ ﵂ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ اسْمٌ انْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِإِخْرَاجِ حَدِيثِهِ ٧ - (بَاب كَفَّارَةِ مَنْ أَتَى أَهْلَهُ فِي رَمَضَانَ) (أَخْبَرَنَا سفيان) هو بن عُيَيْنَةَ (قَالَ مُسَدَّدٌ) فِي رِوَايَتِهِ دُونَ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى (قَالَ) سُفْيَانُ (أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ) أَيْ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ بِصِيغَةِ التَّحْدِيثِ وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى فَقَالَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِالْعَنْعَنَةِ (مَا شَأْنُكَ) أَيْ مَا حَالُكَ (وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي) أَيْ جَامَعْتُهَا (رَقَبَةً) بِالنَّصْبِ بَدَلٌ مِنْ مَا (أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا) أَيْ أَنَّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدًّا مِنْ طَعَامٍ رُبْعَ صَاعٍ (فَأُتِيَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بِعَرَقٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ ثُمَّ قَافٌ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَيُرْوَى بِإِسْكَانِ الرَّاءِ أَيِ الْمِكْتَلِ وَالزِّنْبِيلِ (مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) تَثْنِيَةُ لَابَةٍ بِخِفَّةِ الْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ الْحَرَّةُ وَالْحَرَّةُ الْأَرْضُ الَّتِي فِيهَا حِجَارَةٌ سُودٌ وَيُقَالُ فِيهَا لُوبَةٌ وَنَوْبَةٌ بِالنُّونِ وَهِيَ غَيْرُ مَهْمُوزَةٍ (أَنْيَابُهُ) جَمْعُ نَابٍ وَهُوَ الَّذِي بَعْدَ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] ثم ذكر الشيخ شمس الدين بن الْقَيِّم حَدِيث هَلَكْت وَأَهْلَكْت ثُمَّ اِسْتَبْعَدَ الْمُنْذِرِيّ هَذِهِ اللَّفْظَة ثُمَّ قَالَ قَالَ الْبَيْهَقِيّ قَوْله وَأَهْلَكْت لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ وَضَعَّفَهَا شَيْخنَا أَبُو عَبْد اللَّه الْحَافِظ وَحَمَلَهَا عَلَى أَنَّهَا أُدْخِلَتْ عَلَى مُحَمَّد بْن الْمُسَيَّب الْأَرْغِيَانِيّ قَالَ فَإِنَّ أَبَا عَلِيّ الْحَافِظ رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُسَيَّب فَلَمْ يَذْكُرهَا وَالْعَبَّاس بْن الْوَلِيد رَوَاهُ عَنْ عُقْبَة بْن عَلْقَمَة دُونهَا وَدُحَيْم وَغَيْره رَوَوْهُ عَنْ الْوَلِيد بْن مُسْلِم دُونهَا وَكَافَّة أَصْحَاب الْأَوْزَاعِيّ رَوَوْهُ عَنْهُ دُونهَا وَلَمْ يَذْكُرهَا أَحَد من أصحاب

стр. 2136

الرُّبَاعِيَةِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ عَلَى الْمُجَامِعِ مُتَعَمِّدًا فِي نَهَارِ شَهْرِ رَمَضَانَ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ غَيْرَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَقَتَادَةَ فَإِنَّهُمْ قَالُوا عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَمْ يَبْلُغْهُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى عِتْقِ الرَّقَبَةِ لَمْ يَجْزِهِ الصِّيَامُ وَلَا الْإِطْعَامُ لِأَنَّ الْبَيَانَ خَرَجَ فِيهِ مُرَتَّبًا فَقَدَّمَ الْعِتْقَ ثُمَّ نَسَّقَ عَلَيْهِ الصِّيَامَ ثُمَّ الْإِطْعَامَ كَمَا رَتَّبَ ذَلِكَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ إِلَّا أَنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ زَعَمَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ عِتْقِ رَقَبَةٍ وَصَوْمِ شَهْرَيْنِ وَالْإِطْعَامِ وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ الْإِطْعَامُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْعِتْقِ وَفِيهِ دلالة من جهة الظاهر أن الكفارة لإطعام مُدٍّ وَاحِدٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ لِأَنَّ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا إِذَا قُسِّمَتْ بَيْنَ سِتِّينَ لَمْ يَخُصَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَكْثَرُ مِنْ مُدٍّ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ يُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ وَفِي قَوْلِهِ وَصُمْ يَوْمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ بَيَانُ أَنَّ صَوْمَ ذَلِكَ الْيَوْمَ هُوَ الْقَضَاءُ لَا يَدْخُلُ فِي صِيَامِ شَهْرَيْنِ قَالَ فَإِنْ كَفَّرَ بِالْعِتْقِ أَوْ بِالْإِطْعَامِ صَامَ يَوْمًا مَكَانَهُ وَقَالَ أَيْضًا وَفِي أَمْرِهِ الرَّجُلَ بِالْكَفَّارَةِ لِمَا كَانَ مِنْهُ مِنَ الْجَنَابَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ عَلَيْهَا كَفَّارَةٌ مِثْلُهَا لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ قَدْ سَوَّتْ بَيْنَ الناس في الأحكام إلا موضع قَامَ عَلَيْهِ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ فَإِذَا لَزِمَهَا الْقَضَاءُ لِأَنَّهَا أَفْطَرَتْ بِجِمَاعٍ مُتَعَمِّدَةً كَمَا وَجَبَ عَلَى الرَّجُلِ وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ كَالرَّجُلِ سَوَاءً وَهَذَا مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُجْزِئُهُمَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ عَلَى الرَّجُلِ دُونَهَا وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ إِنْ كَانَتِ الْكَفَّارَةُ بِالصِّيَامِ كَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَوْمُ شَهْرَيْنِ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن ماجه بنحوه ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] الزُّهْرِيِّ عَنْ الزُّهْرِيّ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي ثَوْر عَنْ مُعَلَّى بْن مَنْصُور عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ وَكَانَ أَبُو عَبْد اللَّه أَيْضًا يَسْتَدِلّ عَلَى كَوْنهَا فِي تِلْكَ الرِّوَايَة خَطَأ بِأَنَّهُ نَظَر فِي كِتَاب الصَّوْم تَصْنِيف مُعَلَّى بْن مَنْصُور بِخَطٍّ مَشْهُور فَوَجَدَ فِيهِ هَذَا الْحَدِيث دُون هَذِهِ اللَّفْظَة وَبِأَنَّ كَافَّة أَصْحَاب سُفْيَان رَوَوْهُ عَنْهُ دُونهَا قَالَ الشَّيْخ شَمْس الدِّين وَقَدْ رَوَى مَالِك هَذَا الْحَدِيث فِي الْمُوَطَّأ عَنْ الزُّهْرِيِّ عن حميد بن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَان فَأَمَرَهُ رَسُول اللَّه ﷺ أَنَّ يُكَفِّر بِعِتْقِ رَقَبَة أَوْ صِيَام شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ إِطْعَام سِتِّينَ مِسْكِينًا ثُمَّ ذَكَر الْحَدِيث وَحَسْبك بِهَذَا الْإِسْنَاد وَفِيهِ أَمْرَانِ أَحَدهمَا وُجُوب الْكَفَّارَة بِأَيِّ مُفْطِر كَانَ وَالثَّانِي أَنَّهَا عَلَى التَّخْيِير وَهُوَ مَذْهَب مَالِك فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَرِوَايَة الْجَمَاعَة عَنْ الزُّهْرِيّ مُقَيَّدَة بِالْوَطْءِ نَافِلَة

стр. 2137

(فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا فَعَلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ التَّكْفِيرِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَهَذَا مِنَ الزُّهْرِيِّ دَعْوَى لَمْ يُحْضِرْ عَلَيْهَا بُرْهَانًا وَلَا ذَكَرَ فِيهَا شَاهِدًا وَقَالَ غَيْرُهُ هَذَا مَنْسُوخٌ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي نَسْخِهِ خَبَرًا يُعْلَمُ بِهِ صِحَّةُ قَوْلِهِ فَأَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِيهِ قَوْلُ أَبِي يَعْقُوبَ الْبُوَيْطِيِّ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ هَذَا لِلرَّجُلِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الرَّقَبَةُ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَشْتَرِي رَقَبَةٌ فَقِيلَ لَهُ صُمْ فَلَمْ يُطِقِ الصَّوْمَ فَقِيلَ لَهُ إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَلَمْ يَجِدْ مَا يُطْعِمُ فَأَمَرَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِطَعَامٍ لِيَتَصَدَّقَ بِهِ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالْمَدِينَةِ أَحْوَجُ مِنْهُ وَقَدْ قَالَ ﵌ خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى فَلَمْ يَرَ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى غَيْرِهِ وَيَتْرُكَ نَفْسَهُ وَعِيَالَهُ فَلَمَّا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا أَطْعَمَ أَهْلَهُ لِقُوتِ يَوْمِهِمْ صَارَ طَعَامًا لَا يَكْفِي سِتِّينَ مِسْكِينًا فَسَقَطَتْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَكَانَتْ فِي ذِمَّتِهِ إِلَّا أَنْ يَجِدَهَا وَصَارَ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] لِلَفْظِ صَاحِب الشَّرْع فَهِيَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ لِزِيَادَةِ حِفْظهمْ وَأَدَائِهِمْ الْحَدِيث عَلَى وَجْهه وَاتَّفَقَتْ رِوَايَاتهمْ عَلَى أَنَّ فِطْره كَانَ بِجِمَاعٍ وَأَنَّ النَّبِيّ ﷺ أَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ عَلَى اللَّفْظ الَّذِي يَقْتَضِي التَّرْتِيب وَقَالَ أَبُو الْحَسَن الدَّارَقُطْنِيُّ الَّذِينَ رَوَوْا الْكَفَّارَة فِي جِمَاع رَمَضَان عَلَى التَّخْيِير مَالِك فِي الْمُوَطَّأ وَيَحْيَى بْن سعيد الأنصارى وبن جُرَيْج وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْرَة وَأَبُو أَوَيس وَفُلَيْح بْن سُلَيْمَان وَعُمَر بْن عُثْمَان الْمَخْزُومِيّ وَنَذِير بْن عِيَاض وَشِبْل بْن عَبَّاد وَاللَّيْث بْن سَعْد مِنْ رِوَايَة أَشْهَب بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْهُ وَعُبَيْد اللَّه بْن أَبِي زِيَاد إِلَّا أَنَّهُ أَرْسَلَ عَنْ الزُّهْرِيّ كُلّ هَؤُلَاءِ رَوَوْهُ عَنْ الزَّهْرِيّ عَنْ حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَان وَجَعَلُوا كَفَّارَته عَلَى التَّخْيِير قَالَ وَخَالَفَهُمْ أَكْثَر عَدَدًا مِنْهُمْ فَرَوَوْهُ عَنْ الزُّهْرِيّ بِهَذَا الْإِسْنَاد أَنَّ إِفْطَار الرِّجَال كَانَ لِجِمَاعٍ وَأَنَّ النَّبِيّ ﷺ أَمَرَهُ أَنَّ يُكَفِّر بِعِتْقِ رَقَبَة فَإِنْ لَمْ يَجِد فَصِيَام شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَام سِتِّينَ مِسْكِينًا مِنْهُمْ عِرَاك بْن مَالِك وعبد الله بن عمر وإسماعيل بن أُمَيَّة وَمُحَمَّد بْن أَبِي عَتِيق وَمُوسَى بْن عُقْبَة وَمَعْمَر وَيُونُس وَعُقَيْل وَعَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد بْن مُسَافِر وَالْأَوْزاَعِيّ وَسَعِيد بْن أَبِي حَمْزَة وَمَنْصُور بْن الْمُعْتَمِر وَسُفْيَان بْن عُيَيْنَة وَإِبْرَاهِيم بْن سَعْد وَاللَّيْث بْن سَعْد وَعَبْد اللَّه بْن عِيسَى وَمُحَمَّد بْن إِسْحَاق وَالنُّعْمَان بْن رَاشِد وَحُجَّاج بْن أَرْطَاةَ وَصَالِح بْن أَبِي الْأَخْضَر وَمُحَمَّد بْن أَبِي حَفْصَة وَعَبْد الْجَبَّار بْن عُمَر وَإِسْحَاق بْن يَحْيَى الْعَوْصِيّ وَعَمَّار بْن عُقَيْل وَثَابِت بْن ثَوْبَان وَمُرَّة بْن عَبْد الرَّحْمَن وَزَمْعَة بْن صَالِح وَبَحْر بْن كُنَيْز أَبُو الْوَلِيد السَّقَّاء وَالْوَلِيد بْن مُحَمَّد وَشُعَيْب بْن خَالِد وَنُوحَ بْن أَبِي مَرْيَم وَغَيْرهمْ آخِر كَلَامه

стр. 2138

كَالْمُفْلِسِ يُمْهَلُ وَيُؤَجَّلُ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْكَ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَلْزَمُ الْفَقِيرَ وَاحْتَجَّ بظاهر هذا الحديث انتهى (رواه بن جُرَيْجٍ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ وَاللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ وَالْأَوْزَاعِيَّ وَمَنْصُورَ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَلَا رَيْب أَنَّ الزُّهْرِيّ حَدَّثَ بِهِ هَكَذَا وَهَكَذَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَكِلَاهُمَا مَحْفُوظ عَنْهُ بِلَا رَيْب وَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَرِوَايَة التَّرْتِيب الْمُصَرِّحَة بِذِكْرِ الْجِمَاع أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذ بِهَا لِوُجُوهٍ أَحَدهَا أَنَّ رُوَاتهَا أَكْثَر وَإِذَا قُدِّرَ التَّعَارُض رَجَّحْنَا بِرِوَايَةِ الْأَكْثَر اِتِّفَاقًا وَفِي الشَّهَادَة بِخِلَافٍ مَعْرُوف الثَّانِي أَنَّ رُوَاتهَا حَكَوْا الْقِصَّة وَسَاقُوا ذِكْر الْمُفْطِر وَأَنَّهُ الْجِمَاع وَحَكَوْا لَفْظ النَّبِيّ ﷺ وَأَمَّا رُوَاة التَّخْيِير فَلَمْ يُفَسِّرُوا بِمَاذَا أَفْطَرَ وَلَا حَكَوْا أَنَّ ذَلِكَ لَفْظ رَسُول الله ﷺ وَلَا مِنْ لَفْظ صَاحِب الْقِصَّة وَلَا حكوه أيضا لفظ الرسول اللَّه ﷺ فِي الْكَفَّارَة فَكَيْف تُقَدَّم رِوَايَتهمْ عَلَى رِوَايَة مَنْ ذَكَر لَفْظ رَسُول اللَّه ﷺ فِي التَّرْتِيب وَلَفْظ الرَّاوِي فِي خَبَره عَنْ نَفْسه بِقَوْلِهِ وَقَعْت عَلَى أَهْلِي فِي رَمَضَان الثَّالِث أَنَّ هَذَا صَرِيح وَقَوْله أَفْطَرَ مُجْمَل لَمْ يَذْكُر فِيهِ بِمَاذَا أَفْطَرَ وَقَدْ فَسَّرَتْهُ الرِّوَايَة الْأُخْرَى بِأَنَّ فِطْره كَانَ بِجِمَاعٍ فَتَعَيَّنَ الْأَخْذ بِهِ الرَّابِع أَنَّ حَرْف أَوْ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فِي التَّخْيِير فَلَيْسَ بِنَصٍّ فِيهِ وَقَوْله هَلْ تَسْتَطِيع كَذَا هَلْ تَسْتَطِيع كَذَا صَرِيح فِي التَّرْتِيب فَإِنَّهُ لَمْ يُجَوِّز لَهُ الِانْتِقَال إِلَى الثَّانِي إِلَّا بَعْد إِخْبَاره بِعَجْزِهِ عَمَّا قَبْله مَعَ أَنَّهُ صَرِيح لَفْظ صَاحِب الشَّرْع وَقَوْله فَأَمَرَهُ أَنْ يُعْتِق رَقَبَة أَوْ يَصُوم لَمْ يَحْكِ فِيهِ لَفْظه الْخَامِس أَنَّ الْأَخْذ بِحَدِيثِ التَّرْتِيب مُتَضَمِّن الْعَمَل بِالْحَدِيثِ الْآخَر لِأَنَّهُ يُفَسِّرهُ وَيُبَيِّن الْمُرَاد مِنْهُ وَالْعَمَل بِحَدِيثِ التَّخْيِير لَا يَتَضَمَّن الْعَمَل بِحَدِيثِ التَّرْتِيب وَلَا رَيْب أَنَّ الْعَمَل بِالنَّصَّيْنِ أَوْلَى

стр. 2139

وَعِرَاكَ كُلَّهُمْ قَالُوا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ أُهْلِكْتُ وَوَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَبِلَفْظِ فَأَطْعِمْهُ إِيَّاهُمْ وَزَادَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَأَمَّا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وبن جُرَيْجٍ فَقَالَا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَحَدِيثُ مَعْمَرِ بْنِ مَالِكٍ وَهِشَامِ بْنِ سَعْدٍ كُلِّهِمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ ﵀ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] السَّادِس أَنَا قَدْ رَأَيْنَا صَاحِب الشَّرْع جَعَلَ نَظِير هَذِهِ الْكَفَّارَة سَوَاء عَلَى التَّرْتِيب وَهِيَ كَفَّارَة الظِّهَار وَحُكْم النَّظِير حُكْم نَظِيره وَلَا رَيْب أَنَّ إِلْحَاق كَفَّارَة الْجِمَاع فِي رَمَضَان بِكَفَّارَةِ الظِّهَار وَكَفَّارَة الْقَتْل أَوْلَى وَأَشْبَهَ مِنْ إِلْحَاقهَا بِكَفَّارَةِ الْيَمِين قَالَ الْحَافِظ شَمْس الدِّين بن الْقَيِّم ﵀ هَذِهِ الزِّيَادَة وَهِيَ الْأَمْر بِالصَّوْمِ قَدْ طَعَنَ فِيهَا غَيْر وَاحِد مِنْ الْحُفَّاظ قَالَ عَبْد الْحَقّ وَطَرِيق حَدِيث مُسْلِم أَصَحّ وَأَشْهَر وَلَيْسَ فِيهَا صُمْ يَوْمًا وَلَا تَكْمِيله التَّمْر وَلَا الِاسْتِغْفَار وَإِنَّمَا يَصِحّ حَدِيث الْقَضَاء مُرْسَلًا وَكَذَلِكَ ذَكَره مَالِك فِي الْمُوَطَّأ وَهُوَ مِنْ مَرَاسِيل سَعِيد بْن الْمُسَيَّب رَوَاهُ مالك عن عطاء بن عبد الله الخرساني عَنْ سَعِيد بِالْقِصَّةِ وَقَالَ كُلّه وَصُمْ يَوْمًا مَكَان مَا أَصَبْت وَاَلَّذِي أَنْكَرَهُ الْحُفَّاظ ذِكْر هَذِهِ اللَّفْظَة فِي حَدِيث الزُّهْرِيّ فَإِنَّ أَصْحَابه الْأَثْبَات الثِّقَات كَيُونُس وَعُقَيْل وَمَالك وَاللَّيْث بْن سَعْد وَشُعَيْب وَمَعْمَر وَعَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد لَمْ يَذْكُر أَحَد مِنْهُمْ هَذِهِ اللَّفْظَة وَإِنَّمَا ذَكَرهَا الضُّعَفَاء عَنْهُ كَهِشَامِ بْن سَعْد وَصَالِح بْن أَبِي الْأَخْضَر وَأَضْرَابهمَا وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ رُوَاتهَا ثقات رواه بن أَبِي أَوَيس عَنْ الزُّهْرِيّ وَتَابَعَهُ عَبْد الْجَبَّار بْن عُمَر عَنْهُ وَتَابَعَهُ أَيْضًا هِشَام بْن سَعْد عَنْهُ قَالَ وَكُلّهمْ ثِقَات وَهَذَا لَا يُفِيد صِحَّة هَذِهِ اللَّفْظَة فَإِنَّ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا هُمْ أَرْبَعَة وَقَدْ خَالَفَهُمْ مَنْ هُوَ أَوْثَق مِنْهُمْ وَأَكْثَر عَدَدًا وَهُمْ أَرْبَعُونَ نَفْسًا لَمْ يَذْكُر أَحَد مِنْهُمْ هَذِهِ اللَّفْظَة وَلَا رَيْب أَنَّ التَّعْلِيل بِدُونِ هَذَا مُؤَثِّر فِي صِحَّتهَا وَلَوْ اِنْفَرَدَ بِهَذِهِ اللَّفْظَة مَنْ هُوَ أَحْفَظ مِنْهُمْ وَأَوْثَق وَخَالَفَهُمْ هَذَا الْعَدَد الْكَثِير لَوَجَبَ التَّوَقُّف فِيهَا وَثِقَة الرَّاوِي شَرْط فِي صِحَّة الْحَدِيث لَا مُوجِبَة بَلْ لَا بُدّ مِنْ اِنْتِفَاء الْعِلَّة وَالشُّذُوذ وَهُمَا غَيْر مُنْتَفِيَيْنِ فِي هَذِهِ اللَّفْظَة وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْفُقَهَاء فِي وُجُوب الْقَضَاء عَلَيْهِ فَمَذْهَب مَالِك وَأَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي أَظْهَر أَقْوَاله يَجِب عَلَيْهِ الْقَضَاء وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْل آخَر أَنَّهُ لَا يَجِب عَلَيْهِ الْقَضَاء إِذَا كَفَّرَ وَلَهُ قَوْل

стр. 2140

(احْتَرَقْتُ) وَهُوَ الْمُحْتَرِقُ بِالْجِنَايَةِ دُونَ غَيْرِهِ وَهَذَا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ هَلَكْتُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (لِجِيَاعٍ) جَمْعُ جَائِعٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ وَلَيْسَ فِيهِ قَدْرُ الصَّاعِ ٨ - (باب التغليظ فيمن أَفْطَرَ عَمْدًا) (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) هَذَا الْإِسْنَادُ هَكَذَا فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ وَكَذَا فِي تُحْفَةِ الْأَشْرَافِ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ تَحْرِيفٌ وَاخْتِلَافُ وَهُوَ غَلَطٌ قَطْعًا قَالَ الْمِزِّيُّ الْمُطَوَّسُ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] ثَالِث أَنَّهُ إِنَّ كَفَّرَ بِالصِّيَامِ فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ وَإِنْ كَفَّرَ بِالْعِتْقِ أَوْ بِالْإِطْعَامِ قَضَى وَهَذَا قَوْل الْأَوْزَاعِيّ قَالَ الْحَافِظ شَمْس الدِّين بن الْقَيِّم ﵀ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَيْسَ فِي رُوَاته مَجْرُوح وَهَذِهِ الْعِبَارَة لَا تَنْفِي أَنْ يَكُون فِيهِمْ مَجْهُول لَا يُعْرَف بِجَرْحٍ وَلَا عدالة
следующие страницы →