Полный текст (4 665 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
الرُّبَاعِيَةِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ عَلَى الْمُجَامِعِ مُتَعَمِّدًا فِي نَهَارِ شَهْرِ رَمَضَانَ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ غَيْرَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَقَتَادَةَ فَإِنَّهُمْ قَالُوا عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَمْ يَبْلُغْهُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَفِيهِ أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى عِتْقِ الرَّقَبَةِ لَمْ يَجْزِهِ الصِّيَامُ وَلَا الْإِطْعَامُ لِأَنَّ الْبَيَانَ خَرَجَ فِيهِ مُرَتَّبًا فَقَدَّمَ الْعِتْقَ ثُمَّ نَسَّقَ عَلَيْهِ الصِّيَامَ ثُمَّ الْإِطْعَامَ كَمَا رَتَّبَ ذَلِكَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ إِلَّا أَنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ زَعَمَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ عِتْقِ رَقَبَةٍ وَصَوْمِ شَهْرَيْنِ وَالْإِطْعَامِ وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ الْإِطْعَامُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْعِتْقِ وَفِيهِ دلالة من جهة الظاهر أن الكفارة لإطعام مُدٍّ وَاحِدٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ لِأَنَّ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا إِذَا قُسِّمَتْ بَيْنَ سِتِّينَ لَمْ يَخُصَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَكْثَرُ مِنْ مُدٍّ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ يُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ
وَفِي قَوْلِهِ وَصُمْ يَوْمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ بَيَانُ أَنَّ صَوْمَ ذَلِكَ الْيَوْمَ هُوَ الْقَضَاءُ لَا يَدْخُلُ فِي صِيَامِ شَهْرَيْنِ
قَالَ فَإِنْ كَفَّرَ بِالْعِتْقِ أَوْ بِالْإِطْعَامِ صَامَ يَوْمًا مَكَانَهُ
وَقَالَ أَيْضًا وَفِي أَمْرِهِ الرَّجُلَ بِالْكَفَّارَةِ لِمَا كَانَ مِنْهُ مِنَ الْجَنَابَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ عَلَيْهَا كَفَّارَةٌ مِثْلُهَا لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ قَدْ سَوَّتْ بَيْنَ الناس في الأحكام إلا موضع قَامَ عَلَيْهِ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ فَإِذَا لَزِمَهَا الْقَضَاءُ لِأَنَّهَا أَفْطَرَتْ بِجِمَاعٍ مُتَعَمِّدَةً كَمَا وَجَبَ عَلَى الرَّجُلِ وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ كَالرَّجُلِ سَوَاءً وَهَذَا مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُجْزِئُهُمَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ عَلَى الرَّجُلِ دُونَهَا وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ إِنْ كَانَتِ الْكَفَّارَةُ بِالصِّيَامِ كَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَوْمُ شَهْرَيْنِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن ماجه بنحوه
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الزُّهْرِيِّ عَنْ الزُّهْرِيّ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي ثَوْر عَنْ مُعَلَّى بْن مَنْصُور عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ وَكَانَ أَبُو عَبْد اللَّه أَيْضًا يَسْتَدِلّ عَلَى كَوْنهَا فِي تِلْكَ الرِّوَايَة خَطَأ بِأَنَّهُ نَظَر فِي كِتَاب الصَّوْم تَصْنِيف مُعَلَّى بْن مَنْصُور بِخَطٍّ مَشْهُور فَوَجَدَ فِيهِ هَذَا الْحَدِيث دُون هَذِهِ اللَّفْظَة وَبِأَنَّ كَافَّة أَصْحَاب سُفْيَان رَوَوْهُ عَنْهُ دُونهَا
قَالَ الشَّيْخ شَمْس الدِّين وَقَدْ رَوَى مَالِك هَذَا الْحَدِيث فِي الْمُوَطَّأ عَنْ الزُّهْرِيِّ عن حميد بن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَان فَأَمَرَهُ رَسُول اللَّه ﷺ أَنَّ يُكَفِّر بِعِتْقِ رَقَبَة أَوْ صِيَام شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ إِطْعَام سِتِّينَ مِسْكِينًا ثُمَّ ذَكَر الْحَدِيث
وَحَسْبك بِهَذَا الْإِسْنَاد
وَفِيهِ أَمْرَانِ أَحَدهمَا وُجُوب الْكَفَّارَة بِأَيِّ مُفْطِر كَانَ
وَالثَّانِي أَنَّهَا عَلَى التَّخْيِير
وَهُوَ مَذْهَب مَالِك فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ
قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَرِوَايَة الْجَمَاعَة عَنْ الزُّهْرِيّ مُقَيَّدَة بِالْوَطْءِ نَافِلَة
стр. 2137
(فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا فَعَلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ التَّكْفِيرِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَهَذَا مِنَ الزُّهْرِيِّ دَعْوَى لَمْ يُحْضِرْ عَلَيْهَا بُرْهَانًا وَلَا ذَكَرَ فِيهَا شَاهِدًا
وَقَالَ غَيْرُهُ هَذَا مَنْسُوخٌ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي نَسْخِهِ خَبَرًا يُعْلَمُ بِهِ صِحَّةُ قَوْلِهِ
فَأَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِيهِ قَوْلُ أَبِي يَعْقُوبَ الْبُوَيْطِيِّ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ هَذَا لِلرَّجُلِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الرَّقَبَةُ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَشْتَرِي رَقَبَةٌ فَقِيلَ لَهُ صُمْ فَلَمْ يُطِقِ الصَّوْمَ فَقِيلَ لَهُ إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَلَمْ يَجِدْ مَا يُطْعِمُ فَأَمَرَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِطَعَامٍ لِيَتَصَدَّقَ بِهِ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالْمَدِينَةِ أَحْوَجُ مِنْهُ وَقَدْ قَالَ ﵌ خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى فَلَمْ يَرَ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى غَيْرِهِ وَيَتْرُكَ نَفْسَهُ وَعِيَالَهُ فَلَمَّا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا أَطْعَمَ أَهْلَهُ لِقُوتِ يَوْمِهِمْ صَارَ طَعَامًا لَا يَكْفِي سِتِّينَ مِسْكِينًا فَسَقَطَتْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَكَانَتْ فِي ذِمَّتِهِ إِلَّا أَنْ يَجِدَهَا وَصَارَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
لِلَفْظِ صَاحِب الشَّرْع فَهِيَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ لِزِيَادَةِ حِفْظهمْ وَأَدَائِهِمْ الْحَدِيث عَلَى وَجْهه وَاتَّفَقَتْ رِوَايَاتهمْ عَلَى أَنَّ فِطْره كَانَ بِجِمَاعٍ وَأَنَّ النَّبِيّ ﷺ أَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ عَلَى اللَّفْظ الَّذِي يَقْتَضِي التَّرْتِيب
وَقَالَ أَبُو الْحَسَن الدَّارَقُطْنِيُّ الَّذِينَ رَوَوْا الْكَفَّارَة فِي جِمَاع رَمَضَان عَلَى التَّخْيِير مَالِك فِي الْمُوَطَّأ وَيَحْيَى بْن سعيد الأنصارى وبن جُرَيْج وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْرَة وَأَبُو أَوَيس وَفُلَيْح بْن سُلَيْمَان وَعُمَر بْن عُثْمَان الْمَخْزُومِيّ وَنَذِير بْن عِيَاض وَشِبْل بْن عَبَّاد وَاللَّيْث بْن سَعْد مِنْ رِوَايَة أَشْهَب بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْهُ وَعُبَيْد اللَّه بْن أَبِي زِيَاد إِلَّا أَنَّهُ أَرْسَلَ عَنْ الزُّهْرِيّ
كُلّ هَؤُلَاءِ رَوَوْهُ عَنْ الزَّهْرِيّ عَنْ حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَان وَجَعَلُوا كَفَّارَته عَلَى التَّخْيِير
قَالَ وَخَالَفَهُمْ أَكْثَر عَدَدًا مِنْهُمْ فَرَوَوْهُ عَنْ الزُّهْرِيّ بِهَذَا الْإِسْنَاد أَنَّ إِفْطَار الرِّجَال كَانَ لِجِمَاعٍ وَأَنَّ النَّبِيّ ﷺ أَمَرَهُ أَنَّ يُكَفِّر بِعِتْقِ رَقَبَة فَإِنْ لَمْ يَجِد فَصِيَام شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَام سِتِّينَ مِسْكِينًا مِنْهُمْ عِرَاك بْن مَالِك وعبد الله بن عمر وإسماعيل بن أُمَيَّة وَمُحَمَّد بْن أَبِي عَتِيق وَمُوسَى بْن عُقْبَة وَمَعْمَر وَيُونُس وَعُقَيْل وَعَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد بْن مُسَافِر وَالْأَوْزاَعِيّ وَسَعِيد بْن أَبِي حَمْزَة وَمَنْصُور بْن الْمُعْتَمِر وَسُفْيَان بْن عُيَيْنَة وَإِبْرَاهِيم بْن سَعْد وَاللَّيْث بْن سَعْد وَعَبْد اللَّه بْن عِيسَى وَمُحَمَّد بْن إِسْحَاق وَالنُّعْمَان بْن رَاشِد وَحُجَّاج بْن أَرْطَاةَ وَصَالِح بْن أَبِي الْأَخْضَر وَمُحَمَّد بْن أَبِي حَفْصَة وَعَبْد الْجَبَّار بْن عُمَر وَإِسْحَاق بْن يَحْيَى الْعَوْصِيّ وَعَمَّار بْن عُقَيْل وَثَابِت بْن ثَوْبَان وَمُرَّة بْن عَبْد الرَّحْمَن وَزَمْعَة بْن صَالِح وَبَحْر بْن كُنَيْز أَبُو الْوَلِيد السَّقَّاء وَالْوَلِيد بْن مُحَمَّد وَشُعَيْب بْن خَالِد وَنُوحَ بْن أَبِي مَرْيَم وَغَيْرهمْ
آخِر كَلَامه
стр. 2138
كَالْمُفْلِسِ يُمْهَلُ وَيُؤَجَّلُ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْكَ
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَلْزَمُ الْفَقِيرَ وَاحْتَجَّ بظاهر هذا الحديث انتهى
(رواه بن جُرَيْجٍ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ وَاللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ وَالْأَوْزَاعِيَّ وَمَنْصُورَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَلَا رَيْب أَنَّ الزُّهْرِيّ حَدَّثَ بِهِ هَكَذَا وَهَكَذَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَكِلَاهُمَا مَحْفُوظ عَنْهُ بِلَا رَيْب وَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَرِوَايَة التَّرْتِيب الْمُصَرِّحَة بِذِكْرِ الْجِمَاع أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذ بِهَا لِوُجُوهٍ أَحَدهَا أَنَّ رُوَاتهَا أَكْثَر وَإِذَا قُدِّرَ التَّعَارُض رَجَّحْنَا بِرِوَايَةِ الْأَكْثَر اِتِّفَاقًا وَفِي الشَّهَادَة بِخِلَافٍ مَعْرُوف
الثَّانِي أَنَّ رُوَاتهَا حَكَوْا الْقِصَّة وَسَاقُوا ذِكْر الْمُفْطِر وَأَنَّهُ الْجِمَاع وَحَكَوْا لَفْظ النَّبِيّ ﷺ وَأَمَّا رُوَاة التَّخْيِير فَلَمْ يُفَسِّرُوا بِمَاذَا أَفْطَرَ وَلَا حَكَوْا أَنَّ ذَلِكَ لَفْظ رَسُول الله ﷺ وَلَا مِنْ لَفْظ صَاحِب الْقِصَّة وَلَا حكوه أيضا لفظ الرسول اللَّه ﷺ فِي الْكَفَّارَة فَكَيْف تُقَدَّم رِوَايَتهمْ عَلَى رِوَايَة مَنْ ذَكَر لَفْظ رَسُول اللَّه ﷺ فِي التَّرْتِيب وَلَفْظ الرَّاوِي فِي خَبَره عَنْ نَفْسه بِقَوْلِهِ وَقَعْت عَلَى أَهْلِي فِي رَمَضَان الثَّالِث أَنَّ هَذَا صَرِيح وَقَوْله أَفْطَرَ مُجْمَل لَمْ يَذْكُر فِيهِ بِمَاذَا أَفْطَرَ وَقَدْ فَسَّرَتْهُ الرِّوَايَة الْأُخْرَى بِأَنَّ فِطْره كَانَ بِجِمَاعٍ فَتَعَيَّنَ الْأَخْذ بِهِ
الرَّابِع أَنَّ حَرْف أَوْ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فِي التَّخْيِير فَلَيْسَ بِنَصٍّ فِيهِ وَقَوْله هَلْ تَسْتَطِيع كَذَا هَلْ تَسْتَطِيع كَذَا صَرِيح فِي التَّرْتِيب فَإِنَّهُ لَمْ يُجَوِّز لَهُ الِانْتِقَال إِلَى الثَّانِي إِلَّا بَعْد إِخْبَاره بِعَجْزِهِ عَمَّا قَبْله مَعَ أَنَّهُ صَرِيح لَفْظ صَاحِب الشَّرْع
وَقَوْله فَأَمَرَهُ أَنْ يُعْتِق رَقَبَة أَوْ يَصُوم لَمْ يَحْكِ فِيهِ لَفْظه
الْخَامِس أَنَّ الْأَخْذ بِحَدِيثِ التَّرْتِيب مُتَضَمِّن الْعَمَل بِالْحَدِيثِ الْآخَر لِأَنَّهُ يُفَسِّرهُ وَيُبَيِّن الْمُرَاد مِنْهُ وَالْعَمَل بِحَدِيثِ التَّخْيِير لَا يَتَضَمَّن الْعَمَل بِحَدِيثِ التَّرْتِيب وَلَا رَيْب أَنَّ الْعَمَل بِالنَّصَّيْنِ أَوْلَى
стр. 2139
وَعِرَاكَ كُلَّهُمْ قَالُوا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ أُهْلِكْتُ وَوَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَبِلَفْظِ فَأَطْعِمْهُ إِيَّاهُمْ وَزَادَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَأَمَّا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وبن جُرَيْجٍ فَقَالَا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَحَدِيثُ مَعْمَرِ بْنِ مَالِكٍ وَهِشَامِ بْنِ سَعْدٍ كُلِّهِمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ ﵀
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
السَّادِس أَنَا قَدْ رَأَيْنَا صَاحِب الشَّرْع جَعَلَ نَظِير هَذِهِ الْكَفَّارَة
سَوَاء عَلَى التَّرْتِيب وَهِيَ كَفَّارَة الظِّهَار وَحُكْم النَّظِير حُكْم نَظِيره
وَلَا رَيْب أَنَّ إِلْحَاق كَفَّارَة الْجِمَاع فِي رَمَضَان بِكَفَّارَةِ الظِّهَار وَكَفَّارَة الْقَتْل أَوْلَى وَأَشْبَهَ مِنْ إِلْحَاقهَا بِكَفَّارَةِ الْيَمِين
قَالَ الْحَافِظ شَمْس الدِّين بن الْقَيِّم ﵀ هَذِهِ الزِّيَادَة وَهِيَ الْأَمْر بِالصَّوْمِ قَدْ طَعَنَ فِيهَا غَيْر وَاحِد مِنْ الْحُفَّاظ قَالَ عَبْد الْحَقّ وَطَرِيق حَدِيث مُسْلِم أَصَحّ وَأَشْهَر وَلَيْسَ فِيهَا صُمْ يَوْمًا وَلَا تَكْمِيله التَّمْر وَلَا الِاسْتِغْفَار وَإِنَّمَا يَصِحّ حَدِيث الْقَضَاء مُرْسَلًا وَكَذَلِكَ ذَكَره مَالِك فِي الْمُوَطَّأ وَهُوَ مِنْ مَرَاسِيل سَعِيد بْن الْمُسَيَّب رَوَاهُ مالك عن عطاء بن عبد الله الخرساني عَنْ سَعِيد بِالْقِصَّةِ وَقَالَ كُلّه وَصُمْ يَوْمًا مَكَان مَا أَصَبْت
وَاَلَّذِي أَنْكَرَهُ الْحُفَّاظ ذِكْر هَذِهِ اللَّفْظَة فِي حَدِيث الزُّهْرِيّ فَإِنَّ أَصْحَابه الْأَثْبَات الثِّقَات كَيُونُس وَعُقَيْل وَمَالك وَاللَّيْث بْن سَعْد وَشُعَيْب وَمَعْمَر وَعَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد لَمْ يَذْكُر أَحَد مِنْهُمْ هَذِهِ اللَّفْظَة وَإِنَّمَا ذَكَرهَا الضُّعَفَاء عَنْهُ كَهِشَامِ بْن سَعْد وَصَالِح بْن أَبِي الْأَخْضَر وَأَضْرَابهمَا
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ رُوَاتهَا ثقات رواه بن أَبِي أَوَيس عَنْ الزُّهْرِيّ وَتَابَعَهُ عَبْد الْجَبَّار بْن عُمَر عَنْهُ وَتَابَعَهُ أَيْضًا هِشَام بْن سَعْد عَنْهُ قَالَ وَكُلّهمْ ثِقَات
وَهَذَا لَا يُفِيد صِحَّة هَذِهِ اللَّفْظَة فَإِنَّ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا هُمْ أَرْبَعَة وَقَدْ خَالَفَهُمْ مَنْ هُوَ أَوْثَق مِنْهُمْ وَأَكْثَر عَدَدًا وَهُمْ أَرْبَعُونَ نَفْسًا لَمْ يَذْكُر أَحَد مِنْهُمْ هَذِهِ اللَّفْظَة وَلَا رَيْب أَنَّ التَّعْلِيل بِدُونِ هَذَا مُؤَثِّر فِي صِحَّتهَا
وَلَوْ اِنْفَرَدَ بِهَذِهِ اللَّفْظَة مَنْ هُوَ أَحْفَظ مِنْهُمْ وَأَوْثَق وَخَالَفَهُمْ هَذَا الْعَدَد الْكَثِير لَوَجَبَ التَّوَقُّف فِيهَا وَثِقَة الرَّاوِي شَرْط فِي صِحَّة الْحَدِيث لَا مُوجِبَة بَلْ لَا بُدّ مِنْ اِنْتِفَاء الْعِلَّة وَالشُّذُوذ وَهُمَا غَيْر مُنْتَفِيَيْنِ فِي هَذِهِ اللَّفْظَة
وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْفُقَهَاء فِي وُجُوب الْقَضَاء عَلَيْهِ فَمَذْهَب مَالِك وَأَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي أَظْهَر أَقْوَاله يَجِب عَلَيْهِ الْقَضَاء وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْل آخَر أَنَّهُ لَا يَجِب عَلَيْهِ الْقَضَاء إِذَا كَفَّرَ وَلَهُ قَوْل
стр. 2140
(احْتَرَقْتُ) وَهُوَ الْمُحْتَرِقُ بِالْجِنَايَةِ دُونَ غَيْرِهِ وَهَذَا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ هَلَكْتُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (لِجِيَاعٍ) جَمْعُ جَائِعٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ وَلَيْسَ فِيهِ قَدْرُ الصَّاعِ
٨ - (باب التغليظ فيمن أَفْطَرَ عَمْدًا)
(حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) هَذَا الْإِسْنَادُ هَكَذَا فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ وَكَذَا فِي تُحْفَةِ الْأَشْرَافِ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ تَحْرِيفٌ وَاخْتِلَافُ وَهُوَ غَلَطٌ قَطْعًا
قَالَ الْمِزِّيُّ الْمُطَوَّسُ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
ثَالِث أَنَّهُ إِنَّ كَفَّرَ بِالصِّيَامِ فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ وَإِنْ كَفَّرَ بِالْعِتْقِ أَوْ بِالْإِطْعَامِ قَضَى وَهَذَا قَوْل الْأَوْزَاعِيّ
قَالَ الْحَافِظ شَمْس الدِّين بن الْقَيِّم ﵀ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَيْسَ فِي رُوَاته مَجْرُوح وَهَذِهِ الْعِبَارَة لَا تَنْفِي أَنْ يَكُون فِيهِمْ مَجْهُول لَا يُعْرَف بِجَرْحٍ وَلَا عدالة
стр. 2141
وَيُقَالُ أَبُو الْمُطَوَّسِ وَاسْمُ أَبِي الْمُطَوَّسِ يَزِيدُ بْنُ الْمُطَوَّسِ انْتَهَى
كَذَا فِي الْغَايَةِ (فِي غَيْرِ رُخْصَةٍ) كَسَفَرٍ وَمَرَضٍ مُبِيحٍ لِلْإِفْطَارِ (لَمْ يَقْضِ عَنْهُ) أَيْ عَنْ ثَوَابِ ذَلِكَ الْيَوْمِ (صِيَامُ الدَّهْرِ) أَيْ صَوْمُهُ فِيهِ فَالْإِضَافَةُ بِمَعْنَى فِي نَحْوُ مَكْرِ اللَّيْلِ
قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ لَمْ يَجِدْ فَضِيلَةَ الصَّوْمِ الْمَفْرُوضِ بِصَوْمِ النَّفْلِ وَإِنْ سَقَطَ قَضَاؤُهُ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَاحِدٍ وَهَذَا عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ وَالتَّشْدِيدِ
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الظَّاهِرُ أَنَّ صَوْمَ الدَّهْرِ كُلِّهِ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ عَمَّا أَفْطَرَهُ مِنْ رَمَضَانَ لَا يُجْزِئُهُ قَالَ به علي وبن مَسْعُودٍ وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ السَّلَفِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ يَوْمٌ بَدَلَ يَوْمٍ وَإِنْ كَانَ مَا أَفْطَرَهُ فِي غَايَةِ الطُّولِ وَالْحَرِّ وَمَا صَامَهُ بَدَلَهُ فِي غَايَةِ الْقِصَرِ وَالْبَرْدِ وَلَا يُكْرَهُ قَضَاءُ رَمَضَانَ فِي زَمَنٍ وَشَذَّ مَنْ كَرِهَهُ فِي شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ
وَمَنْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ فَوْرًا عَقِبَ يَوْمِ عَيْدِ الْفِطْرِ وَلِعُذْرٍ يُسَنُّ لَهُ ذَلِكَ وَلَا يَجِبُ انْتَهَى كلام ذلك البعض بتلخيص
قال القارىء وَالظَّاهِرُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَعْنَى الصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا بَلْ هِيَ أَفْضَلُ مِنْهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا قَالَ وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ وَلَا مَرَضٍ لَمْ يَقْضِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ
وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ يَقُولُ أَبُو الْمُطَوَّسِ اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ الْمُطَوَّسِ وَلَا أَعْرِفُ لَهُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا تَفَرَّدَ أَبُو الْمُطَوَّسِ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَا نَعْرِفُ لَهُ غَيْرَهُ وَلَا أَدْرِي سَمِعَ أَبُوهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَمْ لَا
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ خَلَفٍ فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ
وَقَدْ صَحَّتِ الْكَفَّارَةُ بِأَسَانِيدَ صِحَاحٍ وَلَا يُعَارَضُ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ
وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ قَالَ رَبِيعَةُ مَنْ أَفْطَرَ مِنْ رَمَضَانَ يَوْمًا قَضَى اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ اخْتَارَهُ شَهْرًا مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِي بَدَلًا مِنْ كُلِّ يَوْمٍ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا
قَالَ الشَّافِعِيُّ يَلْزَمُهُ مَنْ يَتْرُكُ الصَّلَاةَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ تِلْكَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَيُقَال فِي هَذَا ثَلَاثَة أَقْوَال أَبُو الْمُطَوَّس وبن المطوس والمطوس تفرد بهذا الحديث قال بن حِبَّان لَا يَجُوز الِاحْتِجَاج بِمَا اِنْفَرَدَ بِهِ من الروايات
стр. 2142
الصلاة ألف شهر لأن الله عزوجل يَقُولُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يُقَالُ فِيهِ أَبُو الْمُطَوَّسِ وَالْمُطَوَّسُ وبن الْمُطَوَّسِ
وَقَالَ أَبُو حَاتِمِ بْنِ حِبَّانٍ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِمَا فِي الْفَرْدِ مِنَ الرِّوَايَاتِ
(قال فلقيت بن الْمُطَوَّسِ) أَيْ قَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ فلقيت بن الْمُطَوَّسِ قَالَهُ الْمِزِّيُّ
وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْمُطَوَّسِ عَنْ أَبِيهِ
٩ - (بَاب مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا)
(أَخْبَرَنَا حماد) هو بن سلمة (عن أيوب) السختياني (وحبيب) بن الشَّهِيدِ (وَهِشَامِ) بْنِ حَسَّانَ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ
قَالَهُ الْمِزِّيُّ
وَقَوْلُهُ حَبِيبٍ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَيُّوبٍ (إِنِّي أَكَلْتُ وَشَرِبْتُ نَاسِيًا وَأَنَا صَائِمٌ) وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّ إِنْسَانًا جَاءَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فَقَالَ أَصْبَحْتُ صَائِمًا فَنَسِيتُ فَطَعِمْتُ فَقَالَ لَا بَأْسَ
قَالَ ثُمَّ دَخَلْتُ إِلَى إِنْسَانٍ فَنَسِيتُ فَطَعِمْتُ وَشَرِبْتُ قَالَ لَا بَأْسَ
اللَّهُ أَطْعَمَكَ وَسَقَاكَ
قَالَ ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِم فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمه فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّه وَسَقَاهُ وَعِنْد الْبُخَارِيّ فَأَكَلَ وَشَرِبَ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي هريرة عن النبي ﷺ إِذَا أَكَلَ الصَّائِم نَاسِيًا أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا فَإِنَّمَا هُوَ رِزْق اللَّه سَاقَهُ اللَّه إِلَيْهِ وَلَا قَضَاء عَلَيْهِ هَذَا إِسْنَاد صَحِيح وَكُلّهمْ ثِقَات
وَفِي طَرِيق أُخْرَى لَا قَضَاء عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَة قَالَ وَهَذَا صَحِيح أَيْضًا
стр. 2143
آخَرَ فَنَسِيتُ فَطَعِمْتُ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنْتَ إِنْسَانٌ لَمْ تَتَعَوَّدِ الصِّيَامَ
وَيُرْوَى أَوْ شَرِبَ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِمَا دُونَ بَاقِي الْمُفْطِرَاتِ لِأَنَّهُمَا الْغَالِبُ
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنَا خُزَيْمَةَ وَحِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْ أَفْطَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ فَصَرَّحَ بِإِسْقَاطِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ وَهُوَ ثِقَةٌ عَنِ الأنصاري
وأجيب بأن بن خُزَيْمَةَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَاهِلِيِّ وَبِأَنَّ الْحَاكِمَ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ كِلَاهُمَا عَنِ الْأَنْصَارِيِّ فَهُوَ الْمُنْفَرِدُ بِهِ كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَهُوَ ثِقَةٌ ثُمَّ عَلَّلَ كَوْنَ النَّاسِي لَا يُفْطِرُ بِقَوْلِهِ (فَقَالَ أَطْعَمَكَ اللَّهُ وَسَقَاكَ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ إِنَّمَا لِلْحَصْرِ أَيْ مَا أَطْعَمَهُ أَحَدٌ وَلَا سَقَاهُ إِلَّا اللَّهُ
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا النِّسْيَانَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ لُطْفِهِ فِي حَقِّ عِبَادِهِ تَيْسِيرًا عَلَيْهِمْ وَدَفْعًا لِلْحَرَجِ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ النِّسْيَانُ ضَرُورَةٌ وَالْأَفْعَالُ الضَّرُورِيَّةُ غَيْرُ مُضَافَةٍ فِي الْحُكْمِ إِلَى فَاعِلِهَا وَلَا يُؤَاخَذُ بِهَا وَهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى الْإِمَامِ مَالِكٍ حَيْثُ قَالَ إِنَّ الصَّوْمَ يَبْطُلُ بِالنِّسْيَانِ وَيَجِبُ الْقَضَاءُ
قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
٠ - (بَاب تَأْخِيرِ قَضَاءِ رَمَضَانَ)
(إِنْ كَانَ) هِيَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الْمُثْقَلَةِ أَيْ أَنَّ الشَّأْنَ واحدا لِكَوْنَيْنِ زَائِدٌ قَالَهُ السِّنْدِيُّ (فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أقضيه حتى يأتي شعبان) لشغل مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ قَالَ الْمُنْذِرِيّ وَاخْتُلِفَ فِيمَا لَوْ أَخَّرَهُ عَنْ رَمَضَانَ آخَر فَقَالَ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ يَقْضِي وَيُطْعِم كُلّ يَوْم مِسْكِينًا
قَالَ الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وهذا قول بن عباس وبن عُمَر وَأَبِي هُرَيْرَة وَمُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَالثَّوْرِيّ وَالْأَوْزاَعِيّ وَالْإِمَام
стр. 2144
قَالَ النَّوَوِيُّ وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَحِلُّ لَهَا صَوْمُ التَّطَوُّعِ وَزَوْجُهَا حَاضِرٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَرْوِيِّ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَإِنَّمَا كَانَتْ تَصُومُهُ فِي شَعْبَانَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصُومُ مُعْظَمَ شَعْبَانَ فَلَا حَاجَةَ لَهُ فِيهِنَّ حِينَئِذٍ فِي النَّهَارِ وَلِأَنَّهُ إِذَا جَاءَ شَعْبَانُ يَضِيقُ قَضَاءُ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّ قَضَاءَ رَمَضَانَ فِي حَقِّ مَنْ أَفْطَرَ بِعُذْرٍ كَحَيْضٍ وَسَفَرٍ يَجِبُ عَلَى التَّرَاخِي وَلَا يُشْتَرَطُ الْمُبَادَرَةُ بِهِ فِي أَوَّلِ الْإِمْكَانِ لَكِنْ قَالُوا لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ شَعْبَانَ الْآتِي لِأَنَّهُ يُؤَخِّرُهُ حِينَئِذٍ إِلَى زَمَانٍ لَا يَقْبَلُهُ وَهُوَ رَمَضَانُ الْآتِي فَصَارَ كَمَنْ أَخَّرَهُ إِلَى الْمَوْتِ
وَقَالَ دَاوُدُ تَجِبُ الْمُبَادَرَةُ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ بَعْدَ الْعِيدِ مِنْ شَوَّالٍ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا يَرُدُّ عَلَيْهِ
قَالَ الْجُمْهُورُ وَيُسْتَحَبُّ الْمُبَادَرَةُ بِهِ لِلِاحْتِيَاطِ فِيهِ فَإِنْ أَخَّرَهُ فَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ يَجِبُ الْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهِ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي جَمِيعِ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ إِنَّمَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ بِشَرْطِ الْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهِ حَتَّى لَوْ أَخَّرَهُ بِلَا عَزْمٍ عَصَى
وَقِيلَ لَا يُشْتَرَطَ الْعَزْمُ
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ مَاتَ قَبْلَ خُرُوجِ شَعْبَانَ لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ فِي تَرِكَتِهِ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ هَذَا إِذَا كَانَ تَمَكَّنَ الْقَضَاءَ فَلَمْ يَقْضِ
فَأَمَّا مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ بِعُذْرٍ ثُمَّ اتَّصَلَ عَجْزُهُ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الصوم حتى مات فلا صوم عليه ولايطعم عَنْهُ وَلَا يُصَامُ عَنْهُ
وَمَنْ أَرَادَ قَضَاءَ صَوْمِ رَمَضَانَ نُدِبَ مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا فَلَوْ قَضَاهُ غير مرتب أو مفرقا جاز وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ لِأَنَّ اسْمَ الصَّوْمِ يَقَعُ عَلَى الْجَمِيعِ
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ يَجِبُ تَتَابُعُهُ كَمَا يَجِبُ الْأَدَاءُ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
وَفِيهِ حُجَّةٌ أَنَّ قَضَاءَ رَمَضَانَ لَيْسَ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ خِلَافًا لِدَاوُدَ فِي إِيجَابِهِ ثَانِي شَوَّالٍ وَأَنَّهُ آثِمٌ مَتَى لَمْ يَقْضِهِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ إِلَى أَنْ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
أَحْمَد وَالشَّافِعِيّ وَمَالك وَإِسْحَاق
وَقَالَ جَمَاعَة يَقْضِي وَلَا فِدْيَة عَلَيْهِ وَهَذَا يُرْوَى عَنْ الْحَسَن وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ وَهُوَ مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة
وَقَالَتْ طَائِفَة مِنْهُمْ قَتَادَة يُطْعِم وَلَا يَقْضِي
وَوَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي هَذَا الْحَدِيث الشَّغْل بِرَسُولِ اللَّه ﷺ أَوْ مِنْ رَسُول اللَّه ﷺ وَلَكِنَّ هَذِهِ اللَّفْظَة مُدْرَجَة فِي الْحَدِيث مِنْ كَلَام يَحْيَى بْن سَعِيد قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه قَالَ وَقَالَ يَحْيَى الشَّغْل مِنْ النبي أَوْ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَفِي لَفْظ قَالَ يَحْيَى فَظَنَنْت أَنَّ ذَلِكَ لِمَكَانِهَا مِنْ رَسُول اللَّه ﷺ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَة أَيْضًا قَالَتْ إِنْ كَانَتْ إِحْدَانَا لِتُفْطِر فِي رَمَضَان فِي زَمَان رَسُول اللَّه ﷺ فَمَا تَقْدِر أَنْ تَقْضِيَهُ مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ حَتَّى يَأْتِي شَعْبَان
стр. 2145
يَدْخُلَ رَمَضَانُ مِنْ قَابِلٍ وَهُوَ مُسْتَطِيعٌ لَهُ فَإِنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ قَالَ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي ذِكْرِهَا شَعْبَانَ وَحَصْرِهَا مَوْضِعَ الْقَضَاءِ فِيهِ فَائِدَةٌ مِنْ بَيْنَ سَائِرِ الشُّهُورِ
وَذَهَبَ إِلَى إِيجَابِ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ يَقْضِي وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ يُطْعِمُ وَلَا يَقْضِي
وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَهِيِّ عَنْ عَائِشَةَ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ
١ - (بَاب فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ)
(مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا فِيمَنْ لَزِمَهُ فَرْضُ الصَّوْمِ إِمَّا نَذْرًا وَإِمَّا قَضَاءً عَنْ فَائِتٍ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا وَيَقْدُمُ وَأَمْكَنَهُ الْقَضَاءُ فَفَرَّطَ فِيهِ حَتَّى مَاتَ أَوْ يَكُونَ مَرِيضًا فَيَبْرَأَ وَلَا يَقْضِي
وَإِلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ ذَهَبَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَقَالَا يصوم عنه
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وعن بن عَبَّاس قَالَ إِذَا مَرِضَ الرَّجُل فِي رَمَضَان ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَصِحّ أُطْعِم عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاء
وَإِنْ نَذَرَ قَضَى عَنْهُ وليه وفي الصحيحين عن بن عَبَّاس قَالَ جَاءَتْ اِمْرَأَة إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُول اللَّه إِنَّ أُمِّيّ مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْم نَذْر أَفَأَصُوم عَنْهَا فَقَالَ أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أُمّك دَيْنٌ فَقَضَيْته أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكَ عَنْهَا قَالَتْ نَعَمْ
قَالَ فَصُومِي عَنْ أُمّك هَذَا لَفْظ مُسْلِم
وَلَفْظ الْبُخَارِيّ نَحْوه وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّ أَمْرَأَة جَاءَتْ فَقَالَتْ يَا رَسُول اللَّه إِنَّ أُخْتِي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صِيَام شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعِينَ وَذَكَر الْحَدِيث بِنَحْوِهِ وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ كُنْت جَالِسًا عِنْد النَّبِيّ ﷺ إِذْ أَتَتْهُ اِمْرَأَة فَقَالَتْ إِنِّي تَصَدَّقْت عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ وَإِنَّهَا مَاتَتْ قَالَ وَجَبَ أَجْرك وَرَدَّهَا عَلَيْك الْمِيرَاث
قَالَتْ يَا رَسُول اللَّه إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْم شَهْر
أَفَأَصُوم عَنْهَا قَالَ صُومِي عَنْهَا
قَالَتْ يَا رَسُول اللَّه إِنَّهَا لَمْ تَحُجّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا قَالَ حُجِّي عَنْهَا وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث جَوَاز الصَّوْم عَنْ الْمَيِّت
وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم قَدْ وَرَدَ فِي الصَّوْم عَنْ الْمَيِّت شَيْء فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا صِيمَ عَنْهُ كَمَا يُحَجّ عَنْهُ
وَقَالَ فِي الْجَدِيد فَإِنْ قِيلَ فَهَلْ رُوِيَ أَنَّ رسول الله ﷺ أمر أَحَدًا أَنْ يَصُوم عَنْ أَحَد قِيلَ نَعَمْ روي عن بن عَبَّاس
فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَا تَأْخُذ بِهِ قِيلَ حَدِيث الزُّهْرِيّ
стр. 2146
وَلِيُّهُ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مَعْنَاهُ أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ وَلِيُّهُ فَإِذَا فَعَلَ عَنْهُ فَقَدْ صَامَ عَنْهُ وَسُمِّيَ الْإِطْعَامُ صِيَامًا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ وَالِاتِّسَاعِ إِذَا كَانَ الطَّعَامُ قَدْ يَنُوبُ عَنْهُ وَمِنْهُ قَوْلُ الله سبحانه أو عدل ذلك صياما فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا يَتَنَاوَبَانِ فِي الْحُكْمِ
وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صِيَامُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَقَاسُوهُ عَلَى الصَّلَاةِ وَنَظَائِرِهَا مِنْ أَعْمَالِ الْبَدَنِ الَّتِي لَا مَدْخَلَ لِلْمَالِ فِيهَا
وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَفْطَرَ فِي الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ ثُمَّ لَمْ يُفَرِّطْ فِي الْقَضَاءِ حَتَّى مَاتَ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا يَجِبُ الْإِطْعَامُ عَنْهُ غَيْرَ قَتَادَةَ فَإِنَّهُ قَالَ يطعم عنه وحكي ذلك أيضا عن طاووس
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
(وَإِنْ نَذَرَ قَضَى عَنْهُ وَلِيُّهُ) فِي النَّيْلِ وَتَمَسَّكَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ فِي النَّذْرِ دُونَ غَيْرِهِ بأن
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
عن عبيد الله عن بن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ ﷺ نَذَرَ نَذْرًا وَلَمْ يُسَمِّهِ مَعَ حِفْظ الزُّهْرِيّ وَطُول مُجَالَسَة عُبَيْد اللَّه لِابْنِ عَبَّاس فَلَمًّا جاء غيره عن رجل عن بن عَبَّاس بِغَيْرِ مَا فِي حَدِيث عُبَيْد اللَّه أَشْبَهَ أَنْ لَا يَكُون مَحْفُوظًا
وَأَرَادَ الشَّافِعِيّ ما روى مالك عن بن شِهَاب عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه أَنَّ سَعْد بْن عُبَادَة اِسْتَفْتَى رَسُول اللَّه ﷺ فَقَالَ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْر فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ اِقْضِهِ عَنْهَا وَهَذَا حَدِيث مُتَّفَق عَلَيْهِ مِنْ حَدِيث مَالِك وَغَيْره عَنْ الزُّهْرِيّ إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر عن بن عَبَّاس أَنَّ اِمْرَأَة سَأَلَتْ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحَكَمُ بْن عُتَيْبَة وَسَلَمَة بْن كُهَيْل عَنْ مُجَاهِد عن بن عَبَّاس وَفِي رِوَايَة عَنْ مُجَاهِد وَعَطَاء وَسَعِيد بن جبير عن بن عَبَّاس أَنَّ اِمْرَأَة سَأَلَتْ وَرَوَاهُ عِكْرِمَة عَنْ بن عَبَّاس
ثُمَّ رَوَاهُ بُرَيْدَةَ بْن حَصِيب عَنْ النَّبِيّ ﷺ
فَالْأَشْبَه أَنْ تكون هذه القصة التي وقع فِيهَا السُّؤَال نَصًّا غَيْر قِصَّة سَعْد بْن عُبَادَة الَّتِي وَقَعَ السُّؤَال فِيهَا عَنْ النَّذْر مُطْلَقًا كَيْف وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَة عَنْ النَّبِيّ ﷺ بِإِسْنَادٍ صَحِيح النَّصّ عَلَى جَوَاز الصَّوْم عَنْ الْمَيِّت قَالَ وقد رأيت بعض أصحابنا يضعف حديث بن عَبَّاس
لِمَا رُوِيَ عَنْ يَزِيد بْن زُرَيْع عن حجاج الأحول عن أيوب بن موسى عن عطاء عن بن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ لَا يَصُوم أَحَد
стр. 2147
حديث عائشة مطلق وحديث بن عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا الَّذِي عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ كَمَا سَيَجِيءُ مُقَيَّدٌ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالصِّيَامِ صِيَامَ النَّذْرِ
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا تَعَارُضٌ حتى يجمع فحديث بن عَبَّاسٍ صُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ يَسْأَلُ عَنْهَا مَنْ وَقَعَتْ لَهُ وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَهُوَ تَقْرِيرُ قَاعِدَةٍ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
عَنْ أَحَد وَيُطْعِم عَنْهُ وَمَا رُوِيَ عَنْهُ فِي الْإِطْعَام عَمَّنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَام شَهْر رَمَضَان وَصِيَام شَهْر النَّذْر
وَضُعِّفَ حَدِيث عَائِشَة بِمَا رُوِيَ عَنْهَا فِي اِمْرَأَة مَاتَتْ وَعَلَيْهَا الصَّوْم
قَالَتْ يُطْعِم عَنْهَا وَفِي رِوَايَة عَنْهَا لَا تَصُومُوا عَنْ مَوْتَاكُمْ وَأَطْعِمُوا عَنْهُمْ قَالَ وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرُوا مَا يُوجِد لِلْحَدِيثِ ضَعْفًا فَمَنْ يُجَوِّز الصِّيَام عَنْ الْمَيِّت يُجَوِّز الْإِطْعَام عَنْهُ
وَفِيمَا رُوِيَ عَنْهَا فِي النَّهْيِ عَنْ الصَّوْم عَنْ الْمَيِّت نَظَرٌ وَالْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة أَصَحّ إِسْنَادًا وَأَشْهَر رِجَالًا وَقَدْ أَوْدَعَهَا صَاحِبَا الصَّحِيح كِتَابَيْهِمَا وَلَوْ وَقَفَ الشَّافِعِيُّ عَلَى جَمِيع طُرُقهَا وَتَظَاهُرِهَا لَمْ يُخَالِفْهَا إِنْ شَاءَ اللَّه
وَمِمَّنْ رأى جواز الصيام عن الميت طاووس وَالْحَسَن الْبَصْرِيُّ وَالزُّهْرِيّ وَقَتَادَة
آخِر كَلَام الْبَيْهَقِيّ
وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْم هَلْ يُقْضَى عَنْهُ عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَال أَحَدُهَا لَا يُقْضَى عَنْهُ بِحَالٍ لَا فِي النَّذْر وَلَا فِي الْوَاجِبِ الْأَصْلِيِّ
وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَذْهَب مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه
الثَّانِي أَنَّهُ يُصَام عَنْهُ فِيهِمَا وَهَذَا قَوْل أَبِي ثَوْر وَأَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ
الثَّالِث أَنَّهُ يُصَام عَنْهُ النَّذْر دُون الْفَرْض الْأَصْلِيِّ
وَهَذَا مَذْهَب أَحْمَد الْمَنْصُوص عَنْهُ وَقَوْل أَبِي عُبَيْد والليث بن سعد وهو المنصوص عن بن عَبَّاس
رَوَى الْأَثْرَم عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُل مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْر صَوْم شَهْر وَعَلَيْهِ صَوْم رَمَضَان قَالَ أَمَّا رَمَضَان فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ وَأَمَّا النَّذْر فَيُصَام وَهَذَا أَعْدَل الْأَقْوَال
وَعَلَيْهِ يَدُلّ كَلَام الصَّحَابَة وَبِهَذَا يَزُول الْإِشْكَال
وَتَعْلِيل حديث بن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ لَا يَصُوم أَحَد عَنْ أَحَد وَيُطْعِم عَنْهُ فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي الْفَرْض الْأَصْلِيّ وَأَمَّا النَّذْر فَيُصَام عَنْهُ كما صرح به بن عَبَّاس وَلَا مُعَارَضَة بَيْن فَتْوَاه وَرِوَايَته
وَهَذَا هُوَ الْمَرْوِيّ عَنْهُ فِي قِصَّة مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْم رَمَضَان وَصَوْم النَّذْر فَرَّقَ بَيْنهمَا فَأَفْتَى بِالْإِطْعَامِ فِي رَمَضَان وَبِالصَّوْمِ عَنْهُ فِي النَّذْر فَأَيّ شَيْء فِي هَذَا مِمَّا يُوجِب تَعْلِيل حَدِيثه وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَة مِنْ إِفْتَائِهَا فِي الَّتِي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا الصَّوْم أَنَّهُ يُطْعِم عَنْهَا إِنَّمَا هُوَ فِي الْفَرْض لَا فِي النَّذْر لِأَنَّ الثَّابِت عَنْ عَائِشَة فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَام رَمَضَان أَنَّهُ يُطْعِم عَنْهُ فِي قَضَاء رَمَضَان وَلَا يُصَام فَالْمَنْقُول عَنْهَا
стр. 2148
عامة وقد وقعت الإشارة في حديث بن عَبَّاسٍ إِلَى نَحْوِ هَذَا الْعُمُومِ حَيْثُ قَالَ فِي آخِرِهِ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى انتهى
وإنما قال إن حديث بن عَبَّاسٍ صُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ يَعْنِي أَنَّهُ مِنَ التَّنْصِيصِ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ فَلَا يَصْلُحُ لِتَخْصِيصِهِ وَلَا لِتَقْيِيدِهِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقالت يارسول اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا فَقَالَ أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهُ كَانَ يُؤَدِّي ذَلِكَ عَنْهَا قَالَتْ نَعَمْ قَالَ فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ بِنَحْوِهِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
كالمنقول عن بن عَبَّاس سَوَاء فَلَا تَعَارُض بَيْن رَأْيهَا وَرِوَايَتهَا
وَبِهَذَا يَظْهَر اِتِّفَاق الرِّوَايَات فِي هَذَا الْبَاب وَمُوَافَقَة فَتَاوِي الصَّحَابَة لَهَا وَهُوَ مُقْتَضَى الدَّلِيل وَالْقِيَاس لِأَنَّ النَّذْر لَيْسَ وَاجِبًا بِأَصْلِ الشَّرْع وَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ الْعَبْد عَلَى نَفْسه فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْن الَّذِي اِسْتَدَانَهُ وَلِهَذَا شَبَّهَهُ النَّبِيّ ﷺ بالدين في حديث بن عباس
والمسؤول عَنْهُ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ صَوْم نَذْر وَالدَّيْن تَدْخُلهُ النِّيَابَة
وَأَمَّا الصَّوْم الَّذِي فَرَضَهُ اللَّه عَلَيْهِ اِبْتِدَاء فَهُوَ أَحَد أَرْكَان الْإِسْلَام
فَلَا يَدْخُلهُ النِّيَابَة بِحَالٍ كَمَا لَا يَدْخُل الصَّلَاة وَالشَّهَادَتَيْنِ
فَإِنَّ الْمَقْصُود مِنْهَا طَاعَة الْعَبْد بِنَفْسِهِ وَقِيَامه بِحَقِّ الْعُبُودِيَّة الَّتِي خُلِقَ لَهَا وَأُمِرَ بِهَا
وَهَذَا أَمْر لَا يُؤَدِّيه عَنْهُ غَيْره كَمَا لَا يُسْلِم عَنْهُ غَيْره وَلَا يُصَلِّي عَنْهُ غَيْره
وَهَكَذَا مَنْ تَرَك الْحَجّ عَمْدًا مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ أَوْ تَرَك الزَّكَاة فَلَمْ يُخْرِجهَا حَتَّى مَاتَ
فَإِنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيل وَقَوَاعِد الشَّرْع أَنَّ فِعْلَهُمَا عَنْهُ بَعْد الموت لا يبرىء ذِمَّتَهُ
وَلَا يُقْبَل مِنْهُ
وَالْحَقّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَع
وَسِرّ الْفَرْق أَنَّ النَّذْر اِلْتِزَام الْمُكَلَّف لِمَا شَغَلَ بِهِ ذِمَّته لَا أَنَّ الشَّارِع أَلْزَمهُ بِهِ اِبْتِدَاء فَهُوَ أَخَفّ حُكْمًا مِمَّا جَعَلَهُ الشَّارِع حَقًّا لَهُ عَلَيْهِ شَاءَ أَمْ أَبَى وَالذِّمَّة تَسَعُ الْمَقْدُور عَلَيْهِ وَالْمَعْجُوز عَنْهُ وَلِهَذَا تَقْبَل أَنْ يَشْغَلهَا الْمُكَلَّف بِمَا لَا قُدْرَة لَهُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ وَاجِبَات الشَّرْع
فَإِنَّهَا عَلَى قَدْر طَاقَة الْبَدَن لَا تَجِبُ عَلَى عاجز
فواجب الذمة أَوْسَعَ مِنْ وَاجِب الشَّرْع الْأَصْلِيّ لِأَنَّ الْمُكَلَّف مُتِمّكُنَّ مِنْ إِيجَاب وَاجِبَات وَاسِعَة وَطَرِيق أَدَاء وَاجِبهَا أَوْسَعَ مِنْ طَرِيق أَدَاء وَاجِب الشَّرْع
فَلَا يَلْزَم مِنْ دُخُول النِّيَابَة فِي وَاجِبهَا بَعْد الْمَوْت دُخُولهَا فِي وَاجِب الشَّرْع
وَهَذَا يُبَيِّن أَنَّ الصَّحَابَة أَفْقَهُ الْخَلْق وَأَعْمَقهمْ عِلْمًا وَأُعْرَفُهُمْ بِأَسْرَارِ الشَّرْع وَمَقَاصِده وَحِكَمِهِ
وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق
стр. 2149
٤٢ - (بَاب الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ)
(إِنِّي رَجُلٌ أَسْرُدُ الصَّوْمَ) قَالَ فِي الْفَتْحِ أَيْ أُتَابِعُهُ
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنْ لَا كَرَاهِيَةَ فِي صِيَامِ الدَّهْرِ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّ التَّتَابُعَ يَصْدُقُ بِدُونِ صَوْمِ الدَّهْرِ فَإِنْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ لَمْ يُعَارِضُهُ هَذَا الْإِذْنُ بِالسَّرْدِ بَلِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ (أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ) قال بن دَقِيقِ الْعِيدِ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ صَوْمُ رَمَضَانَ فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ مَنَعَ صِيَامَ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ
قَالَ الْحَافِظُ هُوَ كَمَا قَالَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى سِيَاقِ حَدِيثِ الْبَابِ لَكِنْ فِي رِوَايَةِ أَبِي مَرَاوِحِ الَّتِي عند مسلم أنه قال يارسول اللَّهِ أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ صِيَامِ الْفَرِيضَةِ وَذَلِكَ أَنَّ الرُّخْصَةَ إِنَّمَا تُطْلَقُ فِي مُقَابَلَةِ مَا هُوَ وَاجِبٌ
وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بن عمرو عن أبيه أنه قال يارسول اللَّهِ إِنِّي صَاحِبُ ظَهْرٍ أُعَالِجُهُ أُسَافِرُ عَلَيْهِ وَأَكْرِيهِ وَإِنَّهُ رُبَّمَا صَادَفَنِي هَذَا الشَّهْرَ يَعْنِي رَمَضَانَ وَأَنَا أَجِدُ الْقُوَّةَ وَأَجِدُنِي أَنْ أَصُومَ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ أَنْ أُؤَخِّرَهُ فَيَكُونَ دَيْنًا علي
فقال أي ذلك شئت ياحمزة انْتَهَى (قَالَ صُمْ إِنْ شِئْتَ وَأَفْطِرْ إِنْ شِئْتَ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا نَصٌّ فِي إِثْبَاتِ الْخِيَارِ لِلْمُسَافِرِ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْإِفْطَارِ وَفِيهِ بَيَانُ جَوَازِ صَوْمِ الْفَرْضِ لِلْمُسَافِرِ إِذَا صَامَهُ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَّا مَا رُوِيَ عن بن عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ إِنْ صَامَ فِي السَّفَرِ قَضَى فِي الْحَضَرِ
وَقَدْ روى عن بن عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ لَا يُجْزِئُهُ
وَذَهَبَ إِلَى هَذَا مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بَعْدَ هَذَا فِي أَفْضَلِ الْأَمْرَيْنِ مِنْهُمَا فَقَالَتْ طَائِفَةٌ أَفْضَلُ الْأَمْرَيْنِ الْفِطْرُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ
وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ أَفْضَلُ الْأَمْرَيْنِ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ ثَالِثَةٌ أَفْضَلُ الْأَمْرَيْنِ أَيْسَرُهُمَا عَلَى الْمَرْءِ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ولا يريد بكم العسر فَإِنْ كَانَ الصِّيَامُ أَيْسَرُ عَلَيْهِ صَامَ وَإِنْ كَانَ الْفِطْرُ أَيْسَرُ فَلْيُفْطِرْ
وَإِلَيْهِ
стр. 2150
ذَهَبَ مُجَاهِدُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَتَادَةُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
(إِنِّي صَاحِبُ ظَهْرٍ) أَيْ مَرْكَبٍ (أُعَالِجُهُ) أَيْ أَسْتَعْمِلُهُ (رُبَّمَا صَادَفَنِي) أَيْ أَدْرَكَنِي (فَأَجِدُ بِأَنْ أَصُومَ) أَيْ أَجِدُ حَالِي عَلَى هَذَا النَّهْجِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَرَاوِحِ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو بِنَحْوِهِ
(مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ) أَيْ عَامَ الْفَتْحِ (حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ هُوَ مَوْضِعٌ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ (ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ) أَيْ طَلَبَهُ (لِيُرِيَهُ النَّاسَ) أَيْ لِيَعْلَمُوا جَوَازَهُ أَوْ لِيَخْتَارُوا مُتَابَعَتَهُ
وَعِنْدَ الشَّيْخَيْنِ لِيَرَاهُ النَّاسُ فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ
قَالَ الطِّيبِيُّ دَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فِي السَّفَرِ جَازَ أَنْ يُفْطِرَ (فَمَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ) أَيْ لَا حَرَجَ عَلَى أَحَدِهِمَا
وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ لَا فَرْقَ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ بَيْنَ مَنْ يُنْشِئُ السَّفَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَبَيْنَ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ وَهُوَ مُسَافِرٌ
وَقَالَ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ إِذَا أَنْشَأَ السَّفَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِفْطَارُ لِظَاهِرِ قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى الْقَائِلِ وَمَعْنَى الْآيَةِ الشَّهْرُ كُلُّهُ فَأَمَّا مَنْ شَهِدَ بَعْضَهُ فَلَمْ يشهد الشهر
قال علي القارىء وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ وَسَفَرٍ
وَاخْتُلِفَ أَيُّ يَوْمٍ خَرَجَ ﷺ لِلْفَتْحِ فَقِيلَ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ وَقِيلَ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ الْأَصَحُّ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
стр. 2151
(فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ إِلَخْ) قَالَ مُحَمَّدُ ﵀ فِي الْمُوَطَّأِ مَنْ شَاءَ صَامَ فِي السَّفَرِ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ وَالصَّوْمُ أَفْضَلُ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ انْتَهَى أَيْ لِقَوْلِهِ تعالى وأن تصوموا خير لكم وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ
وَقَالَ أَحْمَدُ وَالْأَوْزَاعِيُّ الْفِطْرُ أَحَبُّ مُطْلَقًا لِحَدِيثِ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ لَا يَصِحُّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ تَمَسُّكًا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ
وَالْجُمْهُورُ حَمَلُوهُ عَلَى مُسَافِرٍ ضَرَّهُ الصَّوْمُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ مِنْ سَبَبٍ أَيْ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عليه الحديث
قاله علي القارىء فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
(إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفِطْرَ لِمَنْ وَصَلَ فِي سَفَرِهِ إِلَى مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنَ الْعَدُوِّ أَوْلَى لِأَنَّهُ رُبَّمَا وَصَلَ إِلَيْهِمُ الْعَدُوُّ إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ مُلَاقَاةِ الْعَدُوِّ وَلِهَذَا كَانَ الْإِفْطَارُ أَوْلَى وَلَمْ يَتَحَتَّمْ
وَأَمَّا إِذَا كَانَ لِقَاءُ الْعَدُوِّ مُتَحَقِّقًا فَالْإِفْطَارُ عَزِيمَةٌ لِأَنَّ الصَّائِمُ يَضْعُفُ عَنْ مُنَازَلَةِ الْأَقْرَانِ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ غَلَيَانِ مَرَاجِلِ الضِّرَابِ وَالطِّعَانِ وَلَا يَخْفَى مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْإِهَانَةِ لِجُنُودِ الْمُحِقِّينَ وَإِدْخَالِ الْوَهْنِ عَلَى عَامَّةِ الْمُجَاهِدِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَسَافَةَ الَّتِي يُبَاحُ الْإِفْطَارُ فِيهَا هِيَ الْمَسَافَةُ الَّتِي يُبَاحُ الْقَصْرُ فِيهَا
وَالْخِلَافُ هُنَا كَالْخِلَافِ هُنَاكَ
قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
стр. 2152
٤٣ - (بَاب اخْتِيَارِ الْفِطْرِ)
(رَأَى رَجُلًا) هُوَ أَبُو إِسْرَائِيلَ وَاسْمُهُ قَيْسٌ وَقِيلَ قُشَيْرٌ وَقِيلَ قَيْصَرٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ
ذَكَرَهُ مَيْرَكُ (يُظَلَّلُ عَلَيْهِ) بِصِيغَةِ المجهول أي جعل عليه ظل اتقاء عن الشَّمْسِ أَوْ إِبْقَاءً عَلَيْهِ لِلْإِفَاقَةِ لِأَنَّهُ سَقَطَ مِنْ شِدَّةِ الْحَرَارَةِ أَوْ مِنْ ضَعْفِ الصَّوْمِ أَوْ مِنَ الْإِغْمَاءِ
قَالَ فِي التَّتِمَّةِ إِنَّهُ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ
هكذا هو في مسند الشافعي
وقال الشيخ بن حَجَرٍ هُوَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ كَمَا بَيَّنَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى (وَالزِّحَامُ عَلَيْهِ) بِكَسْرِ الزَّايِ أَيْ مُزَاحَمَةٌ فِي الِاجْتِمَاعِ عَلَى غَرَضِ الِاطِّلَاعِ (فَقَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى سَبَبٍ فَهُوَ مَقْصُورٌ عَلَى مَنْ كَانَ فِي مِثْلِ حَالِهِ كَأَنَّهُ قَالَ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ يَصُومَ الْمُسَافِرُ إِذَا كَانَ الصَّوْمُ يُؤَدِّيهِ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ بِدَلِيلِ صِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرِهِ عَامَ الْفَتْحِ وَبِدَلِيلِ خَبَرِ حَمْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ وَتَخْيِيرِهِ إِيَّاهُ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْإِفْطَارِ
وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الصَّوْمُ بِرًّا لَمْ يُخَيِّرْهُ فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَفِي الْفَتْحِ أَنَّ الصَّوْمَ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ مِنَ الْفِطْرِ وَالْفِطْرُ لِمَنْ شَقَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ أَوْ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀
وَقَدْ اِحْتَجَّ بِهِ مَنْ يُوجِب الْفِطْر فِي السَّفَر
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْفِطْر كَانَ آخِر الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُول اللَّه ﷺ
وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَث مِنْ أَمْر الرسول اللَّه ﷺ
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ دِحْيَة بْن خَلِيفَة الْكَلْبِيّ أَنَّهُ لَمَّا سَافَرَ مِنْ قَرْيَته فِي رَمَضَان وَذَلِكَ ثَلَاثَة أَمْيَال أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ مَعَهُ النَّاس وَكَرِهَ ذَلِكَ آخَرُونَ فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى قَرْيَته قَالَ وَاَللَّه لَقَدْ رَأَيْت أَمْرًا مَا كُنْت أَظُنّ
стр. 2153
أَعْرَضَ عَنْ قَبُولِ الرُّخْصَةِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ وإن لم يتحقق الْمَشَقَّةُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ
وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِيهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَجُلٍ إِلَخْ) قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ هُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَتِهِ وَجَرَى عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ أَخُوهُ قُشَيْرٌ فَهُوَ كَعْبِيٌّ لَا قُشَيْرِيٌّ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ لِأَنَّ كَعْبًا لَهُ ابْنَانِ عَبْدُ اللَّهِ جَدُّ أَنَسٍ هَذَا وَقُشَيْرٌ وَهُوَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ وَأَمَّا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ خَادِمُ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ أَنْصَارِيٌّ خَزْرَجِيٌّ انْتَهَى (اجْلِسْ أُحَدِّثْكَ عَنِ الصَّلَاةِ وَعَنِ الصِّيَامِ إِلَخْ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ أَشْيَاءُ ذَاتُ عَدَدٍ مَسُوقَةٌ فِي الذِّكْرِ مُفْتَرِقَةٌ فِي الْحُكْمِ وَذَلِكَ أَنَّ الشَّطْرَ الْمَوْضُوعَ مِنَ الصَّلَاةِ يَسْقُطُ لَا إِلَى قَضَاءٍ وَالصَّوْمُ يَسْقُطُ فِي السَّفَرِ تَرْخِيصًا لِلْمُسَافِرِ ثُمَّ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ إِذَا أَقَامَ
وَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ يُفْطِرَانِ إِبْقَاءً عَلَى الْوَلَدِ ثُمَّ يَقْضِيَانِ وَيُطْعِمَانِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ إِفْطَارَهُمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ غَيْرِ أَنْفُسِهِمَا
وَمِمَّنْ أَوْجَبَ عَلَى الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ مَعَ الْقَضَاءِ الْإِطْعَامَ مُجَاهِدٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ
وَقَالَ مَالِكٌ الْحُبْلَى تَقْضِي وَلَا تُكَفِّرُ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ وَالْمُرْضِعُ تَقْضِي وَتُكَفِّرُ
وَقَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ يَقْضِيَانِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
أَنِّي أَرَاهُ إِنَّ قَوْمًا رَغِبُوا عَنْ هَدْي رَسُول اللَّه ﷺ وَأَصْحَابه يَقُول ذَلِكَ لِلَّذِينَ صَامُوا
ثُمَّ قَالَ عِنْد ذَلِكَ اللَّهُمَّ اِقْبِضْنِي إِلَيْك
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْره
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَبُولِ رُخْصَة الْفِطْر
فَرَوَى النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث جَابِرٍ يَرْفَعُهُ لَيْسَ مِنْ الْبِرّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَر وَعَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّه الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ فَاقْبَلُوهَا
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ ﷺ فِي الَّذِينَ صَامُوا أُولَئِكَ الْعُصَاة رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي قِصَّة فِطْره عَام الْفَتْح
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَر
رَوَاهُ النَّسَائِيّ
وَلَا يَصِحُّ رَفْعُهُ وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ
стр. 2154
وَلَا يُطْعِمَانِ كَالْمَرِيضِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (وَضَعَ شَطْرَ الصَّلَاةِ) أَيْ رَفَعَ نِصْفَ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ ابْتِدَاءً عَنِ الْمُسَافِرِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ (أَوْ نِصْفَ الصَّلَاةِ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (وَالصَّوْمَ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى شَطْرِ الصَّلَاةِ (فَتَلَهَّفَتْ نَفْسِي) أَيْ تَأَسَّفَتْ (أَنْ لَا أَكُونَ أَكَلْتُ) أَيْ عَلَى تَرْكِ أَكْلِي مِنْ طَعَامِهِ ﷺ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلَا نَعْرِفُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَأَنَسٌ هَذَا كُنْيَتُهُ أَبُو أُمَيَّةَ
وَفِي الرِّوَايَةِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ خَمْسَةٌ اثْنَانِ صَحَابِيَّانِ هَذَا وَأَبُو حَمْزَةَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ خَادِمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَالِدُ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رُوِيَ عَنْهُ حَدِيثٌ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ وَالرَّابِعُ شَيْخٌ حِمْصِيٌّ حَدَّثَ وَالْخَامِسُ كُوفِيٌّ حَدَّثَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَالْأَعْمَشِ وَغَيْرِهِمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ اللَّه تَعَالَى إِنَّمَا أَمَرَ الْمُسَافِر بِالْعِدَّةِ مِنْ أَيَّام أُخَرَ فَهِيَ فَرْضه الَّذِي أُمِرَ بِهِ فَلَا يَجُوزُ غَيْرُهُ
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ غَيْر وَاحِد مِنْ الصَّحَابَة
وَأَجَابَ الْأَكْثَرُونَ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيم الصَّوْم فِي السَّفَر عَلَى الْإِطْلَاق وَقَدْ أَخْبَرَ أَبُو سَعِيد أَنَّهُ صَامَ مَعَ النَّبِيّ ﷺ بَعْد الْفَتْح فِي السَّفَر
قَالُوا وَأَمَّا قَوْله لَيْسَ مِنْ الْبِرّ الصِّيَام فِي السَّفَر فَهَذَا خَرَجَ عَلَى شَخْص مُعَيَّنٍ رَآهُ رَسُول اللَّه ﷺ قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ وَجَهِده الصَّوْم فَقَالَ هَذَا الْقَوْل أَيْ لَيْسَ الْبِرّ أَنْ يُجْهِد الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ حَتَّى يَبْلُغ بِهَا هَذَا الْمَبْلَغ وَقَدْ فَسَّحَ اللَّه لَهُ فِي الْفِطْر
فَالْأَخْذ إِنَّمَا يَكُون بِعُمُومِ اللَّفْظ الَّذِي يَدُلّ سِيَاق الْكَلَام عَلَى إِرَادَته فَلَيْسَ مِنْ الْبِرّ هَذَا النَّوْع مِنْ الصِّيَام الْمُشَار إِلَيْهِ فِي السَّفَر
وَأَيْضًا فَقَوْله لَيْسَ مِنْ الْبِرّ أَيْ لَيْسَ هُوَ أَبَرّ الْبِرّ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُون الْإِفْطَار أَبَرّ مِنْهُ إِذَا كَانَ فِي حَجٍّ أَوْ جِهَادٍ يَتَقَوَّى عَلَيْهِ
وَقَدْ يَكُون الْفِطْر فِي السَّفَر الْمُبَاح بِرًّا لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَبَاحَهُ وَرَخَّصَ فِيهِ وَهُوَ سُبْحَانه يُحِبّ أَنْ يُؤْخَذ بِرُخَصِهِ وَمَا يُحِبّهُ اللَّه فَهُوَ بِرّ فَلَمْ يَنْحَصِر الْبِرّ فِي الصِّيَام فِي السَّفَر
وَتَكُون مِنْ عَلَى هَذَا زَائِدَةٌ وَيَكُون كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهكُمْ﴾
الْآيَة وَكَقَوْلِك مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَد وَفِي هَذَا نَظَرٌ
وَأَحْسَن مِنْهُ أَنْ يُقَال إِنَّهَا لَيْسَتْ بِزَائِدَةٍ بَلْ هِيَ عَلَى حَالهَا
وَالْمَعْنَى أَنَّ الصَّوْم فِي السَّفَر لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الَّذِي تَظُنُّونَهُ وَتَتَنَافَسُونَ عَلَيْهِ
فَإِنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ الصوم هو
стр. 2155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
الَّذِي يُحِبّهُ اللَّه وَلَا يُحِبُّ سِوَاهُ وَأَنَّهُ وَحْدَهُ الْبِرّ الَّذِي لَا أَبَرّ مِنْهُ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الصَّوْم فِي السَّفَر لَيْسَ مِنْ هَذَا النَّوْع الَّذِي تَظُنُّونَهُ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُون الْفِطْر أَحَبُّ إِلَى اللَّه مِنْهُ فَيَكُون هُوَ الْبِرّ
قَالُوا وَأَمَّا كَوْنُ الْفِطْر كَانَ آخِر الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُول اللَّه ﷺ فَالْمُرَاد بِهِ وَاقِعَةٌ مُعَيَّنَةٌ وَهِيَ غَزَاة الْفَتْح فَإِنَّهُ صَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيد ثُمَّ أَفْطَرَ فَكَانَ فِطْرُهُ آخِرَ أَمْرَيْهِ لَا أَنَّهُ حَرَّمَ الصَّوْم وَنَظِيرُ هَذَا قَوْل جَابِر كَانَ آخِر الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُول اللَّه ﷺ تَرْك الْوُضُوء مِمَّا مَسَّتْهُ النَّار إِنَّمَا هُوَ فِي وَاقِعَة مُعَيَّنَة دُعِيَ لِطَعَامٍ فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَقَامَ إِلَى الصَّلَاة ثُمَّ أَكَلَ مِنْهُ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأ فَكَانَ آخِر الْأَمْرَيْنِ مِنْهُ تَرْك الْوُضُوء مِمَّا مَسَّتْ النَّار
وَجَابِر هُوَ الَّذِي رَوَى هَذَا وَهَذَا فَاخْتَصَرَهُ بَعْض الرُّوَاة وَاقْتَصَرَ مِنْهُ عَلَى آخِره
وَلَمْ يَذْكُر جَابِر لَفْظًا عَنْ النَّبِيّ ﷺ إِنَّ هَذَا آخِر الْأَمْرَيْنِ مِنِّي وكذلك قصة الصيام وإنما حكوا ما شاهدوه أَنَّهُ فَعَلَ هَذَا وَهَذَا وَآخِرهمَا مِنْهُ الْفِطْر وَتَرْك الْوُضُوء وَإِعْطَاء الْأَدِلَّة حَقّهَا يُزِيل الِاشْتِبَاه وَالِاخْتِلَاف عَنْهَا
وَأَمَّا قِصَّة دِحْيَة بْن خَلِيفَة الْكَلْبِيّ فَإِنَّمَا أَنْكَرَ فِيهَا عَلَى مَنْ صَامَ رَغْبَة عَنْ سُنَّة النَّبِيّ ﷺ وَظَنًّا أَنَّهُ لَا يَسُوغ الْفِطْر وَلَا رَيْب أَنَّ مِثْل هَذَا قَدْ اِرْتَكَبَ مُنْكَرًا وَهُوَ عَاصٍ بِصَوْمِهِ
وَاَلَّذِينَ أَمَرَهُمْ الصَّحَابَة بِالْقَضَاءِ وَأَخْبَرُوا أَنَّ صَوْمهمْ لَا يَجْزِيهِمْ هُمْ هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُمْ صَامُوا صَوْمًا لَمْ يَشْرَعْهُ اللَّه وَهُوَ أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُ حَتْمٌ عَلَيْهِمْ كَالْمُقِيمِ
وَلَا ريب أن هذا حكم لم يشرعه الله وَهُوَ أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُ حَتْمٌ عَلَيْهِمْ كَالْمُقِيمِ ولا ريب أن هذا حكم لم يشرعه اللَّه فَلَمْ يَمْتَثِلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الصَّوْم فَأَمَرَهُمْ الصَّحَابَة بِالْقَضَاءِ
هَذَا أَحْسَن مَا حُمِلَ عَلَيْهِ قَوْل مَنْ أَفْتَى بِذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَة وَعَلَيْهِ يُحْمَل قَوْل مَنْ قَالَ مِنْهُمْ الصَّائِم فِي السَّفَر كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَر وَهَذَا مِنْ كَمَالِ فِقْهِهِمْ وَدِقَّة نَظَرِهِمْ ﵃
قَالُوا وَأَمَّا قَوْل النَّبِيّ ﷺ عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّه الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ فَاقْبَلُوهَا فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ قَبُول الْمُكَلَّف لِرُخْصَةِ اللَّه وَاجِبٌ وَهَذَا حَقٌّ فَإِنَّهُ مَتَى لَمْ يَقْبَل الرُّخْصَة رَدَّهَا وَلَمْ يَرَهَا رُخْصَة وَهَذَا عُدْوَانٌ مِنْهُ وَمَعْصِيَةٌ وَلَكِنْ إِذَا قَبِلَهَا فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ بِهَا وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ بِالْعَزِيمَةِ
هَذَا مَعَ أَنَّ سِيَاق الْحَدِيث يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْأَمْر بِالرُّخْصَةِ لِمَنْ جَهِدَهُ الصَّوْم وَخَافَ عَلَى نَفْسه وَمِثْل هَذَا يُؤْمَر بِالْفِطْرِ
فَعَنْ جَابِر أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ يُرَشّ عَلَيْهِ الْمَاء
قَالَ مَا بَال صَاحِبكُمْ هَذَا قَالُوا يَا رَسُول اللَّه صَائِم
قَالَ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْبِرّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَر وَعَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّه الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ فَاقْبَلُوهَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ
قَالُوا وَأَمَّا قَوْل النَّبِيّ ﷺ أُولَئِكَ الْعُصَاة فَذَاكَ فِي وَاقِعَة مُعَيَّنَة أَرَادَ مِنْهُمْ الْفِطْر فَخَالَفَهُ بَعْضهمْ فَقَالَ هَذَا
فَفِي النَّسَائِيّ عَنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِر قَالَ خَرَجَ رَسُول اللَّه ﷺ إِلَى مَكَّة عَام الْفَتْح فِي رَمَضَان فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاع الْغَمِيم فَصَامَ النَّاس مَعَهُ فَبَلَغَهُ أَنَّ النَّاس شَقَّ عَلَيْهِمْ الصِّيَام فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاء بَعْد الْعَصْر فَشَرِبَ وَالنَّاس يَنْظُرُونَ فَأَفْطَرَ بَعْضُ النَّاس وَصَامَ بَعْض
стр. 2156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
فَبَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا صَامُوا
فَقَالَ أُولَئِكَ الْعُصَاة فَالنَّبِيّ ﷺ إِنَّمَا أَفْطَرَ بَعْد الْعَصْر لِيَقْتَدُوا بِهِ فَلَمَّا لَمْ يَقْتَدِ بِهِ بَعْضهمْ قَالَ أُولَئِكَ الْعُصَاة وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ تَحْرِيم الصِّيَام مُطْلَقًا عَلَى الْمُسَافِر
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ
مَا رَوَى النَّسَائِيّ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ أُتِيَ النَّبِيّ ﷺ بِمَرِّ الظَّهْرَان فَقَالَ لِأَبِي بَكْر وَعُمَر ادْنِيَا فَكُلَا
فَقَالَا إِنَّا صَائِمَانِ
فَقَالَ اِرْحَلُوا لِصَاحِبِكُمْ اِعْمَلُوا لِصَاحِبِكُمْ وَأَعَلَّهُ بِالْإِرْسَالِ
وَمَرُّ الظَّهْرَان أَدْنَى إِلَى مَكَّة مِنْ كُرَاع الْغَمِيم فَإِنَّ كُرَاع الْغَمِيم بَيْن يَدِي عُسْفَان بِنَحْوِ ثَمَانِيَة أَمْيَال وَبَيْن مَكَّة وعسفان سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ مِيلًا
قَالُوا وَأَمَّا اِحْتِجَاجكُمْ بِالْآيَةِ وَأَنَّ اللَّه أَمَرَ الْمُسَافِر بِعِدَّةٍ مِنْ أَيَّام أُخَر فَهِيَ فَرْضه الَّذِي لَا يَجُوز غَيْره فَاسْتِدْلَالٌ بَاطِلٌ قَطْعًا
فَإِنَّ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَة وَهُوَ أَعْلَم الْخَلْق بِمَعْنَاهَا وَالْمُرَاد مِنْهَا قَدْ صَامَ بَعْد نُزُولهَا بِأَعْوَامٍ فِي السَّفَر وَمُحَال أَنْ يَكُون الْمُرَاد مِنْهَا مَا ذَكَرْتُمْ وَلَا يَعْتَقِدُهُ مُسْلِم فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَاد بِهَا غَيْر مَا ذَكَرْتُمْ
فَإِمَّا أَنْ يَكُون الْمَعْنَى فَأَفْطَرَ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَر كَمَا قَالَ الْأَكْثَرُونَ أَوْ يَكُون الْمَعْنَى فَعِدَّة مِنْ أَيَّام أُخَر تُجْزِي عَنْهُ وَتُقْبَل مِنْهُ وَنَحْو ذَلِكَ
فَمَا الَّذِي أَوْجَبَ تَعْيِين التَّقْدِير بِأَنَّ عَلَيْهِ عِدَّة مِنْ أَيَّام أخر أو ففرضه ونحو ذلك وبالجملة فَفِعْلُ مَنْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ تَفْسِيرُهَا وَتَبْيِينُ الْمُرَاد مِنْهَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق
وَهَذَا مَوْضِع يَغْلَط فِيهِ كَثِير مِنْ قَاصِرِي الْعِلْم يَحْتَجُّونَ بِعُمُومِ نَصٍّ عَلَى حُكْمٍ وَيَغْفُلُونَ عَنْ عَمَل صَاحِب الشَّرِيعَة وَعَمَل أَصْحَابه الَّذِي يُبَيِّن مُرَاده وَمَنْ تَدَبَّرَ هَذَا عَلِمَ بِهِ مُرَاد النُّصُوص وَفَهِمَ مَعَانِيهَا
وَكَانَ يَدُور بَيْنِي وَبَيْن الْمَكِّيِّينَ كَلَامٌ فِي الِاعْتِمَار مِنْ مَكَّة فِي رَمَضَان وَغَيْره
فَأَقُول لَهُمْ كَثْرَة الطَّوَاف أَفْضَل مِنْهَا فَيَذْكُرُونَ قَوْله ﷺ عُمْرَةٌ فِي رَمَضَان تَعْدِل حَجَّة فَقُلْت لَهُمْ فِي أَثْنَاء ذَلِكَ مُحَال أَنْ يَكُون مُرَاد صَاحِب الشَّرْع الْعُمْرَة الَّتِي يُخْرَج إِلَيْهَا مِنْ مَكَّة إِلَى أَدْنَى الْحِلّ وَأَنَّهَا تَعْدِل حَجَّة ثُمَّ لَا يَفْعَلهَا هُوَ مُدَّة مَقَامه بِمَكَّة أَصْلًا لَا قَبْل الْفَتْح وَلَا بَعْده وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابه مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَحْرَص الْأُمَّة عَلَى الْخَيْر وَأَعْلَمهُمْ بِمُرَادِ الرَّسُول وَأَقْدِرهُمْ عَلَى الْعَمَل بِهِ
ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَرْغَبُونَ عَنْ هَذَا الْعَمَل الْيَسِير وَالْأَجْر الْعَظِيم يَقْدِر أَنْ يَحُجَّ أَحَدهمْ فِي رَمَضَان ثَلَاثِينَ حَجَّة أَوْ أَكْثَر ثُمَّ لَا يَأْتِي مِنْهَا بِحَجَّةٍ وَاحِدَةٍ وَتَخْتَصُّونَ أَنْتُمْ عَنْهُمْ بِهَذَا الْفَضْل وَالثَّوَاب حَتَّى يَحْصُل لِأَحَدِكُمْ سِتُّونَ حَجَّة أَوْ أَكْثَر هَذَا مَا لَا يَظُنُّهُ مَنْ لَهُ مَسْكَة عَقْلٍ
وَإِنَّمَا خَرَجَ كَلَامُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْعُمْرَة الْمُعْتَادَة الَّتِي فَعَلَهَا هو وأصحابه وهي التي أنشأوا السَّفَر لَهَا مِنْ أَوْطَانِهِمْ وَبِهَا أَمَرَ أُمّ مَعْقِل وَقَالَ لَهَا عُمْرَة فِي رَمَضَان تَعْدِل حَجَّة وَلَمْ يَقُلْ لِأَهْلِ مَكَّة اُخْرُجُوا إِلَى أَدْنَى الْحِلّ فَأَكْثِرُوا مِنْ الِاعْتِمَار فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَان تَعْدِل حَجَّة
وَلَا فَهِمَ هَذَا أَحَد مِنْهُمْ
وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق
стр. 2157
٤٤ - (بَاب مَنْ اخْتَارَ الصِّيَامَ)
(حَدَّثَتْنِي أُمُّ الدَّرْدَاءِ) الصُّغْرَى وَاسْمُهَا هُجَيْمَةُ التَّابِعِيَّةُ وَلَيْسَتِ الْكُبْرَى الْمُسَمَّاةَ خَيْرَةَ الصَّحَابِيَّةَ وَكِلْتَاهُمَا زَوْجَتَا أَبِي الدَّرْدَاءِ (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) عُوَيْمِرِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيِّ (فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ هَذَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ كَانَ صَائِمًا اسْتُشْهِدَ بِمُؤْتَةَ قَبْلَ غَزْوَةِ الْفَتْحِ بِلَا خِلَافٍ لَا فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ لِأَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءَ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أَسْلَمَ (مَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ) وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّ هَذَا السَّفَرَ لَمْ يَكُنْ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ لِأَنَّ الَّذِينَ اسْتَمَرُّوا عَلَى الصِّيَامِ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانُوا جماعة وفي هذا أنه بن رَوَاحَةَ وَحْدَهُ
قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وبن مَاجَهْ
(سِنَانَ بْنَ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدَّدَةِ وَبِكَسْرٍ قَالَ الطِّيبِيُّ بِكَسْرِ الْبَاءِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي الْأَفْضَل مِنْ الصَّوْم وَالْفِطْر فَذَهَبَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَعَبْد اللَّه بْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن الْمُسَيَّب وَالشَّعْبِيّ وَالْأَوْزاَعِيّ وَإِسْحَاق وَأَحْمَد إِلَى أَنَّ الْفِطْر أَفْضَل
وَذَهَبَ أَنَس وَعُثْمَان بْن أَبِي الْعَاصِ إِلَى أَنَّ الصَّوْم أَفْضَل
وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَمَالِك
وَذَهَبَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَمُجَاهِد وَقَتَادَة إِلَى أَنَّ أَفْضَل الْأَمْرَيْنِ أَيْسَرهمَا
لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُرِيد اللَّه بِكَمْ الْيُسْر وَلَا يُرِيد بِكَمْ الْعُسْر﴾
وَذَهَبَتْ طَائِفَة إِلَى أَنَّهُمَا سَوَاء لَا يُرَجَّح أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَر وَذَهَبَتْ طَائِفَة إِلَى تَحْرِيم الصَّوْم فِي السَّفَر وأنه لا يجزئ
وَقَدْ عَلِمْت أَدِلَّة كُلّ فَرِيق مِمَّا تَقَدَّمَ
стр. 2158
وأهل الحديث يفتحونها
قال القارىء قُلْتُ قَوْلُ الْمُحَدِّثِينَ أَقْوَى مِنَ اللُّغَوِيِّينَ وَأَحْرَى كَمَا لَا يَخْفَى (مَنْ كَانَتْ لَهُ حَمُولَةٌ) بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيْ مَرْكُوبٌ كُلُّ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ مِنْ إِبِلٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَفَعُولٌ يَدْخُلُهُ الْهَاءُ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ أَيْ مَنْ كَانَ لَهُ دَابَّةٌ (تَأْوِي) أَيْ تَأْوِيهِ فَإِنَّ آوَى لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ عَلَى لَفْظٍ واحد
وفي الحديث يجوز الوجهان والمعنى تؤوي صَاحِبَهَا أَوْ تَأْوِي بِصَاحِبِهَا (إِلَى شِبْعٍ) بِكَسْرِ الشِّينِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ مَا أَشْبَعَكَ وَبِفَتْحِ الْبَاءِ الْمَصْدَرُ وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ هُنَا أَظْهَرُ وَالثَّانِي يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ وَهُوَ فِي الرِّوَايَةِ أَكْثَرُ يَعْنِي مَنْ كَانَتْ لَهُ حَمُولَةٌ تَأْوِيهِ إِلَى حَالِ شِبَعٍ وَرَفَاهِيَةٍ أَوْ إِلَى مَقَامِ يَقْدِرُ عَلَى الشِّبَعِ فِيهِ وَلَمْ يَلْحَقْهُ فِي سَفَرِهِ وَعْثَاءٌ وَمَشَقَّةٌ وَعَنَاءٌ (فَلْيَصُمْ رَمَضَانَ حَيْثُ أَدْرَكَهُ) أَيْ رَمَضَانُ
قَالَ الطِّيبِيُّ الْأَمْرُ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ وَالْحَثِّ عَلَى الْأَوْلَى وَالْأَفْضَلِ لِلنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى جَوَازِ الْإِفْطَارِ فِي السَّفَرِ مُطْلَقًا
وَقَالَ الْمُظْهِرُ يَعْنِي مَنْ كَانَ رَاكِبًا وَسَفَرُهُ قَصِيرٌ بِحَيْثُ يَبْلُغُ إِلَى الْمَنْزِلِ فِي يَوْمِهِ فَلْيَصُمْ رَمَضَانَ
وَقَالَ دَاوُدُ يَجُوزُ الْإِفْطَارُ فِي السفر أي قدر كان
قاله علي القارىء
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَبِيبٍ الْأَزْدِيُّ الْعَوْذِيُّ الْمِصْرِيُّ
قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَيْسَ بِالْمَتْرُوكِ
وَقَالَ يَحْيَى مِنْ كِبَارِ الضُّعَفَاءِ
قَالَ الْبُخَارِيُّ لَيِّنُ الْحَدِيثِ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَبِيبٍ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ذَاهِبٌ وَلَمْ يَعُدَّ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ شَيْئًا
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ لَيِّنُ الْحَدِيثِ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ
وَذَكَرَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
٥ - (بَاب مَتَى يُفْطِرُ الْمُسَافِرُ إِذَا خَرَجَ)
(عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) الْبَصْرِيُّ الْقَوَارِيرِيُّ (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ) أَبُو عبد الرحمن
стр. 2159
الْمِصْرِيُّ نَزِيلُ مَكَّةَ (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى) الْمَعَافِرِيُّ الْبُرُلُّسِيُّ (الْمَعْنَى) أَيْ مَعْنَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى وَاحِدٌ (حَدَّثَنِي) أَيْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ (زَادَ جَعْفَرٌ) أَيْ قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى (وَاللَّيْثُ) بِالرَّفْعِ أَيْ حَدَّثَنِي سَعِيدٌ وَاللَّيْثُ (قَالَ) أَيْ سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ وَكَذَا قَالَ اللَّيْثُ (حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَاسِطَةَ سَعِيدِ بْنَ أَبِي أَيُّوبَ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ وَفِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ وَاسِطَةُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَيْضًا بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ كُلَيْبَ بْنَ ذُهْلٍ أَخْبَرَهُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ حَدِيثًا آخَرَ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ وَيُونُسَ قَالَا حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ فَذَكَرَهُ (عَنْ عُبَيْدٍ) بِغَيْرِ ذِكْرِ نَسَبٍ هَكَذَا فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (قَالَ جَعْفَرُ) بن مسافر في روايته (بن جَبْرٍ) أَيْ عُبَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَلَفْظُ جَبْرٍ هَكَذَا وَقَعَ بِفَتْحِ الْجِيمِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب قَالَ أَتَيْت أَنَس بْن مَالِك فِي رَمَضَان وَهُوَ يُرِيد سَفَرًا
وَقَدْ رُحِّلَتْ لَهُ رَاحِلَته وَلَبِسَ ثِيَاب السَّفَر
فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ
فَقُلْت لَهُ سُنَّة فَقَالَ سُنَّة
ثُمَّ رَكِبَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيث حَسَن
وَفِيهِ حُجَّة لِمَنْ جَوَّزَ لِلْمُسَافِرِ الْفِطْر فِي يَوْمٍ سَافَرَ فِي أَثْنَائِهِ
وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَام أَحْمَد وَقَوْل عَمْرو بْن شُرَحْبِيل وَالشَّعْبِيّ وَإِسْحَاق
وحكاه عن أنس وهو قول داود وبن الْمُنْذِر
وَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة لَا يُفْطِر
وَهُوَ قَوْل الزُّهْرِيّ وَالْأَوْزاَعِيّ وَمَكْحُول
وَفِي الْمَسْأَلَة قَوْل شَاذٌّ جِدًّا لَا يُلْتَفَت إِلَيْهِ وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ دَخَلَ عَلَيْهِ الشَّهْر وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَائِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْر
وَلَا يُفْطِر حَتَّى يَدْخُل عَلَيْهِ رَمَضَان مُسَافِرًا
وَهَذَا قَوْل عُبَيْدَة السَّلْمَانِيّ وَأَبِي مِجْلِز وَسُوِيد بْن غَفَلَة
وَقَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ خَرَجَ إِلَى الْفَتْح فِي رَمَضَان
فَصَامَ وَأَفْطَرَ
стр. 2160
مُكَبَّرًا فِي نُسَخِ الْكِتَابِ وَهَكَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَأَمَّا فِي الْمِيزَانِ وَالتَّقْرِيبِ فَبِضَمِّ الْجِيمِ مُصَغَّرًا
قَالَ الْحَافِظُ هُوَ الْقِبْطِيُّ مَوْلَى أَبِي بَصْرَةَ وَذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي الثِّقَاتِ وَقَالَ بن خُزَيْمَةَ لَا أَعْرِفُهُ انْتَهَى (فِي سَفِينَةٍ مِنَ الْفُسْطَاطِ) بِضَمِّ الْفَاءِ أَوْ كَسْرِهَا فَسُكُونُ السِّينِ الْمَدِينَةُ الَّتِي فِيهَا مَجْمَعُ النَّاسِ وَيُقَالُ لِمِصْرَ وَالْبَصْرَةِ الْفُسْطَاطُ قَالَهُ السِّنْدِيُّ وَفِي النَّيْلِ هُوَ اسْمُ عَلَمٍ لِمِصْرَ الْعَتِيقَةِ الَّتِي بَنَاهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ انْتَهَى
وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ صِفَةُ سَفِينَةٍ أَيْ خَرَجَتِ السَّفِينَةُ مِنَ الْفُسْطَاطِ
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ قَالَ رَكِبْتُ مَعَ أَبِي بَصْرَةَ مِنَ الْفُسْطَاطِ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي سَفِينَةٍ
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ رَكِبْتُ مَعَ أَبِي بَصْرَةَ السَّفِينَةَ وَهُوَ يُرِيدُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ (فَرُفِعَ) بِالرَّاءِ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ رَفَعَ أَبُو بَصْرَةَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ عَلَى السَّفِينَةِ
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ فَدُفِعَ بِالدَّالِ وَهُوَ الْوَاضِحُ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ فَلَمَّا دَفَعْنَا مِنْ مَرْسَانَا أَمَرَ بِسُفْرَتِهِ فَقُرِّبَتْ (غَدَاؤُهُ) أَيْ طَعَامُ أَوَّلِ النَّهَارِ (قَالَ) أَبُو بَصْرَةَ (اقْتَرِبْ) أَيْ لِأَجْلِ الطَّعَامِ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ ثُمَّ دَعَانِي إِلَى الْغَدَاءِ (أَلَسْتَ تَرَى الْبُيُوتَ) وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ مَا تَغِيبَ عَنَّا مَنَازِلُنَا بَعْدُ (أَتَرْغَبُ عن سنة رسول الله) وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ أَتَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ السَّفَرَ أَوْ قَدْ رُحِّلَتْ لَهُ رَاحِلَتُهُ وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ فَقُلْتُ لَهُ سُنَّةٌ فَقَالَ سُنَّةٌ
ثُمَّ رَكِبَ انْتَهَى
وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ مِنَ السُّنَّةِ يَنْصَرِفُ إِلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ صَرَّحَ هَذَانِ الصَّحَابِيَّانِ بِأَنَّ الْإِفْطَارَ لِلْمُسَافِرِ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ الْبُيُوتِ مِنَ السُّنَّةِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ رَأَى لِلْمُقِيمِ ذِي الصِّيَامِ إِذَا سَافَرَ مِنْ يَوْمِهِ أَنْ يُفْطِرَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ يُفْطِرُ إِنْ شَاءَ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ يَوْمَ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ
وقال إسحاق بن رَاهْوَيْهِ إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرَّحْلِ فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَحَكَاهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَشَبَّهُوهُ بِمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا ثُمَّ مَرِضَ فِي يَوْمِهِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ مِنْ أَجْلِ الْمَرَضِ قَالُوا فَكَذَلِكَ مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا ثُمَّ سَافَرَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ سَبَبٌ لِلرُّخْصَةِ حَدَثَ بَعْدَ مَا مَضَى شَيْءٌ مِنَ النَّهَارِ
قُلْتُ وَالسَّفَرُ لَا يُشْبِهُ الْمَرَضَ لِأَنَّ السَّفَرَ مِنْ فِعْلِهِ وَهُوَ الَّذِي يُنْشِئُهُ بِاخْتِيَارِهِ وَالْمَرَضُ شَيْءٌ يَحْدُثُ عَلَيْهِ لَا بِاخْتِيَارِهِ فَهُوَ يُعْذَرُ فِيهِ وَلَا يُعْذَرُ فِي السَّفَرِ الَّذِي فِعْلُ نَفْسِهِ
وَلَوْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَمَرِضَ كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا وَلَوْ سَافَرَ وَهُوَ صَائِمٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ
وقال أبو حنيفة وأصحابي لا يفطر إذ سَافَرَ يَوْمَهُ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ
стр. 2161
النَّخَعِيِّ وَمَكْحُولٍ وَالزُّهْرِيِّ
قُلْتُ وَهَذَا أَحْوَطُ الْأَمْرَيْنِ
وَالْإِقَامَةُ إِذَا اخْتَلَطَ حُكْمُهَا بِحُكْمِ السَّفَرِ غُلِّبَ حُكْمُ الْمُقَامِ انْتَهَى كَلَامُهُ
وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْمُنْذِرِيُّ وَالْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ أَنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ وَهُوَ صَائِمٌ فَيُفْطِرُ مِنْ يَوْمِهِ
٦ - (بَاب قَدْرِ مَسِيرَةِ مَا يُفْطَرُ فِيهِ)
(أَنَّ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ) الْكَلْبِيَّ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ نَزَلَ الْمِزَّةَ
كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (خَرَجَ مِنْ قَرْيَةٍ) لَهُ يُقَالُ لَهَا مِزَّةُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ هِيَ قَرْيَةٌ كَبِيرَةٌ فِي سَفْحِ الْجَبَلِ مِنْ أَعْلَى دِمَشْقَ
كَذَا فِي الْمَرَاصِدِ (مِنْ دِمَشْقَ) أَيْ قَرْيَةٌ كَائِنَةٌ مِنْ أَعْمَالِ دِمَشْقَ وَعِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ قَرْيَتِهِ (إِلَى قَدْرِ قَرْيَةِ عَقَبَةَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِفَتْحِ الْقَافِ بِإِضَافَةِ قَرْيَةٍ إِلَى عَقَبَةَ (مِنَ الْفُسْطَاطِ) وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ قَالَ الْمُجَوِّزُونَ لِلْفِطْرِ فِي مُطْلَق السَّفَر هَبْ أَنَّ حَدِيث دِحْيَة لَمْ يَثْبُت
فَقَدْ أَطْلَقَهُ اللَّه تَعَالَى وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِحَدٍّ كَمَا أَطْلَقَهُ فِي آيَة التَّيَمُّم فَلَا يَجُوز حَدُّهُ إِلَّا بِنَصٍّ مِنْ الشَّارِع أَوْ إِجْمَاعٍ مِنْ الْأُمَّة وَكِلَاهُمَا مِمَّا لَا سَبِيل إِلَيْهِ
كَيْف وَقَدْ قَصَرَ أَهْل مَكَّة مَعَ النَّبِيّ ﷺ بِعَرَفَة وَمُزْدَلِفَة وَلَا تَأْثِير لِلنُّسُكِ فِي الْقَصْر بِحَالٍ فَإِنَّ الشَّارِع إِنَّمَا عَلَّلَ الْقَصْر بِالسَّفَرِ فَهُوَ الْوَصْف الْمُؤَثِّر فِيهِ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ سَمَّى مَسِيرَة الْبَرِيد سَفَرًا فِي قَوْله لَا يَحِلّ لِامْرَأَةِ تُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر أَنْ تُسَافِر بَرِيدًا إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَم وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِط أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا﴾ وَهَذَا يَدْخُل فِيهِ كُلّ سَفَر طَوِيل أَوْ قَصِير
وَقَالَ ﷺ إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْب فَأَعْطُوا الْإِبِل حَقّهَا مِنْ الْأَرْض
وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْجَدْب فَبَادِرُوا بِهَا نَقْبهَا وَهَذَا يَعُمّ كُلّ سَفَر وَلَمْ يَفْهَم مِنْهُ أَحَد اِخْتِصَاصه بِالْيَوْمَيْنِ فَمَا زَادَ
وَنَهَى أَنْ يُسَافَر بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْض الْعَدُوّ وَنَهَى أَنْ يُسَافِر الرَّجُل وَحْده وَأَخْبَرَ أَنَّ دَعْوَة الْمُسَافِر مُسْتَجَابَة وَكَانَ يَتَعَوَّذ مِنْ وَعْثَاء السَّفَر وَكَانَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَع بَيْن نِسَائِهِ
وَمَعْلُوم أَنَّ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَسْفَار لَا يَخْتَصّ بِالطَّوِيلِ
وَلَا أَنَّهُ لَوْ سَافَرَ دُون الْيَوْمَيْنِ لَمْ يُقْرِع بَيْن نِسَائِهِ
وَلَمْ يَقْضِ لِلْمُقِيمَاتِ
فَمَا الَّذِي أَوْجَبَ تَخْصِيص اِسْم السَّفَر بِالطَّوِيلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقَصْر وَالْفِطْر دُون غيرهما
стр. 2162
الْعِبَارَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَقَبَةَ قَرْيَةٌ مِنَ الْفُسْطَاطِ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْفُسْطَاطَ يُقَالُ لِمِصْرَ وَالْبَصْرَةِ فَعَلَى هَذَا الْمَسَافَةُ الَّتِي بَيْنَ قَرْيَةِ عَقَبَةَ وَبَيْنَ الْفُسْطَاطِ هِيَ مِقْدَارُ الْمَسَافَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ مِزَّةَ وَبَيْنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي خَرَجَ إِلَيْهِ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ
وَالْمَسَافَةُ بَيْنَ عَقَبَةَ وَبَيْنَ الْفُسْطَاطِ هِيَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّاوِي
لَكِنْ لَفْظُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ وَيُونُسَ قَالَا حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ مَنْصُورٍ الْكَلْبِيِّ عَنْ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ قَرْيَتِهِ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ قَرْيَةِ عَقَبَةَ فِي رَمَضَانَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَهَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ لَا فِي مُسْنَدِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ
وَمَعْنَى الْحَدِيثِ عَلَى رِوَايَةِ أَحْمَدَ أَنَّ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ خَرَجَ مِنْ قَرْيَتِهِ مِزَّةَ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ قَرْيَةِ عَقَبَةَ فَتَكُونُ الْمَسَافَةُ بَيْنَ مِزَّةَ وَبَيْنَ عَقَبَةَ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
كَذَا فِي الشَّرْحِ (ثُمَّ إِنَّهُ أَفْطَرَ وَأَفْطَرَ مَعَهُ نَاسٌ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي هَذَا حُجَّةٌ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ السَّفَرَ الَّذِي يَتَرَخَّصُ فِيهِ لِلْإِفْطَارِ إِلَّا فِي سَفَرٍ يَجُوزُ فِيهِ الْقَصْرُ وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِرَاقِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَعِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْحِجَازِ لَيْلَتَانِ أَوْ نَحْوُهُمَا وَلَيْسَ الْحَدِيثُ بِالْقَوِيِّ وَفِيهِ رَجُلٌ لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ ثُمَّ إِنَّ دِحْيَةَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَفْطَرَ فِي قَصْرِ السَّفَرِ وَإِنَّمَا قَالَ قَوْمًا رَغِبُوا عَنْ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَعَلَّهُمْ إِنَّمَا رَغِبُوا عَنْ قَبُولِ الرُّخْصَةِ فِي الْإِفْطَارِ أَصْلًا
وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دِحْيَةُ إِنَّمَا صَارَ فِي ذَلِكَ إِلَى ظَاهِرِ اسْمِ السَّفَرِ وَقَدْ خَالَفَهُ غَيْرُ واحد من الصحابة وكان بن عمر وبن عباس ﵄ لَا يَرَيَانِ الْقَصْرَ وَالْإِفْطَارَ فِي أَقَلِّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ وَهُمَا أَفْقَهُ مِنْ دِحْيَةَ وَأَعْلَمُ بالسنن
انتهى
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قَالُوا وَأَيْنَ مَعَنَا فِي الشَّرِيعَة تَقْسِيم الشَّارِع السَّفَر إِلَى طَوِيل وَقَصِير وَاخْتِصَاص أَحَدهمَا بِأَحْكَامٍ لَا يُشَارِكهُ فِيهَا الْآخَر
وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِطْلَاق السَّفَر لَا يَدُلّ عَلَى اِخْتِصَاصه بِالطَّوِيلِ وَلَمْ يُبَيِّنْ النَّبِيّ ﷺ مِقْدَاره
وَتَأْخِير الْبَيَان عَنْ وَقْت الْحَاجَة مُمْتَنِع فَسُكُوته عَنْ تَحْدِيده مِنْ أَظْهَر الْأَدِلَّة عَلَى أَنَّهُ غَيْر مَحْدُود شَرْعًا
قَالُوا وَاَلَّذِينَ حَدَّدُوهُ مَعَ كَثْرَة اِخْتِلَافهمْ وَانْتِشَار أَقْوَالهمْ لَيْسَ مَعَهُمْ نَصٌّ بِذَلِكَ وَلَيْسَ حَدٌّ بِأَوْلَى مِنْ حَدّ وَلَا إِجْمَاع فِي الْمَسْأَلَة فَلَا وَجْه لِلتَّحْدِيدِ
وَبِاَللَّهِ التوفيق
стр. 2163
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَلَيْسَ الْحَدِيثُ بِالْقَوِيِّ فِي إِسْنَادِهِ رَجُلٌ لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ وَهُوَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ الْكَلْبِيُّ فَإِنَّ رِجَالَ الْإِسْنَادِ جَمِيعَهُمْ ثِقَاتٌ يُحْتَجُّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحِ سِوَاهُ وَهُوَ مِصْرِيٌّ رَوَى عَنْهُ أَبُو الْخَيْرِ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيُّ وَلَمْ أَجِدْ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ سِوَاهُ فَيَكُونُ مَجْهُولًا كَمَا ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ
وَلَمْ يَزِدْ فِيهِ الْبُخَارِيُّ عَلَى مَنْصُورٍ الكلبي
وقال بن يُونُسَ فِي تَارِيخِ الْمِصْرِيِّينَ مَنْصُورُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْأَصْبَغِ الْكَلْبِيُّ
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَالَّذِي رُوِّينَا عَنْ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ ذَهَبَ فِيهِ إِلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ فِي الرُّخْصَةِ فِي السَّفَرِ
وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ رَغِبُوا عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ فِي قَبُولِ الرُّخْصَةِ لَا فِي تَقْدِيرِ السَّفَرِ الَّذِي أَفْطَرَ فيه
(بن عُمَرَ كَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْغَابَةِ) وَهُوَ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ عَوَالِيهِ كَذَا فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ
وَقَالَ فِي الْمَرَاصِدِ مَوْضِعٌ قُرْبَ الْمَدِينَةِ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّامِ فِيهِ أَمْوَالٌ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ طَرْفَائِهِ صُنِعَ مِنْبَرُ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ عَلَى بَرِيدٍ مِنْهَا انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
٧ - (بَاب مَنْ يَقُولُ صُمْتُ رَمَضَانَ كُلَّهُ)
(لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ) النَّهْيُ لَيْسَ رَاجِعًا إِلَى ذِكْرِ رَمَضَانَ بِلَا شَهْرٍ وَإِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ إِلَى نِسْبَةِ الصَّوْمِ إِلَى نَفْسِهِ فِيهِ كُلِّهِ مَعَ أَنَّ قَبُولَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فِي مَحَلِّ الْخَطَرِ (فَلَا أَدْرِي) قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ بَيَّنَهُ أَحْمَدُ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ عَنْ قتادة عن الحسن عن أبي بكرة مرفوعا لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ صُمْتُ رَمَضَانَ كُلَّهُ وَلَا قُمْتُهُ كُلَّهُ قَالَ الْحَسَنُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَخَافَ عَلَى أُمَّتِهِ التَّزْكِيَةَ إِذْ لَا بُدَّ مِنْ رَاقِدٍ أَوْ غَافِلٍ
وَقَالَ أَحْمَدُ وَقَالَ يَزِيدُ مَرَّةً قَالَ قَتَادَةُ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُهَلَّبِ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ كَمَا عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْقَائِلِ
وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ مَرْفُوعًا لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ قُمْتُ رَمَضَانَ كُلَّهُ قَالَ فَاللَّهُ ﵎ أَعْلَمُ
стр. 2164
أَخَشِيَ عَلَى أُمَّتِهِ أَنْ تُزَكِّيَ أَنْفُسَهَا قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَخَشِيَ التَّزْكِيَةَ عَلَى أُمَّتِهِ أَوْ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ نَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ وَمِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ وَعَفَّانَ كِلَاهُمَا عَنْ هَمَّامٍ أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ مَرْفُوعًا لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ قُمْتُ رَمَضَانَ كُلَّهُ قَالَ قَتَادَةُ فَاللَّهُ ﵎ أَعْلَمُ أَخَشِيَ عَلَى أُمَّتِهِ التَّزْكِيَةَ
قَالَ عَفَّانُ أَوْ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ رَاقِدٍ أَوْ غَافِلٍ
وَمِنْ طَرِيقِ بَهْزٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ أَخْبَرَنَا قتادة عن الحسن عن أبي بكرة مرفوعا قَالَ لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنِّي قُمْتُ رَمَضَانَ كُلَّهُ قَالَ قَتَادَةُ فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَخَشِيَ التَّزْكِيَةَ عَلَى أُمَّتِهِ أَوْ يَقُولُ لَا بُدَّ مِنْ رَاقِدٍ أَوْ غَافِلٍ
وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ قَائِلَهُ قَتَادَةُ (لَا بُدَّ مِنْ نَوْمَةٍ أَوْ رَقْدَةٍ) قَالَ السِّنْدِيُّ لَا يَخْفَى أَنَّ النَّوْمَ لَا يُنَافِي الصَّوْمَ فَهَذَا التَّعْلِيلُ يُفِيدُ مَنْعَ أَنْ يَقُولَ صُمْتُهُ وَقُمْتُهُ جَمِيعًا لَا أَنْ يَقُولَ صُمْتُهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّ مَدَارَ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ عَلَى الْقَبُولِ وَهُوَ مَجْهُولٌ
وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَوْ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ غَفْلَةٍ وَرَقْدَةٍ أَيْ فَيَعْصِي فِي حَالِ الْغَفْلَةِ بِوَجْهٍ لَا يُنَاسِبُ الصَّوْمَ فَكَيْفَ يَدَّعِي بَعْدَ ذَلِكَ الصَّوْمَ لِنَفْسِهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
٨ - (بَاب فِي صَوْمِ الْعِيدَيْنِ)
(أَمَّا يَوْمُ الْأَضْحَى فَتَأْكُلُونَ) خَبَرُ الْيَوْمِ (مِنْ لَحْمِ نُسُكِكُمْ) بِضَمِّ السِّينِ وَيَجُوزُ سُكُونُهَا أَيْ أُضْحِيَّتِكُمْ
قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَفَائِدَةُ وَصْفِ الْيَوْمَيْنِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْعِلَّةِ فِي وُجُوبِ فِطْرِهِمَا وَهِيَ الْفَصْلُ مِنَ الصَّوْمِ وَإِظْهَارُ تَمَامِهِ وَحْدَهُ بِفِطْرِ مَا بَعْدَهُ وَالْآخَرُ لِأَجْلِ النُّسُكِ الْمُتَقَرَّبِ بِذَبْحِهِ لِيُؤْكَلَ مِنْهُ وَلَوْ شُرِعَ صَوْمُهُ لَمْ يَكُنْ لِمَشْرُوعِيَّةِ الذَّبْحِ فِيهِ مَعْنًى فَعَبَّرَ عَنْ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ بِالْأَكْلِ مِنَ النُّسُكِ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ النَّحْرَ
وَقَوْلُهُ هَذَيْنِ فِيهِ التَّغْلِيبُ وَذَلِكَ أَنَّ الْحَاضِرَ يُشَارُ إِلَيْهِ بِهَذَا وَالْغَائِبُ يُشَارُ إِلَيْهِ بِذَلِكَ فَلَمَّا أَنْ جَمَعَهُمَا اللَّفْظُ قَالَ هَذَيْنِ تَغْلِيبًا لِلْحَاضِرِ عَلَى الْغَائِبِ
قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ صَوْمِ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ لِكُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ صَامَهُمَا عَنْ نَذْرٍ أَوْ تَطَوُّعٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَهُمَا مُتَعَمِّدًا لِعَيْنِهِمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُمَا
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَنْعَقِدُ وَيَلْزَمُهُ قضاؤهما قال
стр. 2165
فَإِنْ صَامَهُمَا أَجْزَأَهُ وَخَالَفَ النَّاسَ كُلَّهُمْ فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ بِمَعْنَاهُ أَتَمَّ مِنْهُ
(عَنْ لِبْسَتَيْنِ الصَّمَّاءِ) بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَالْمَدِّ قَالَ الْفُقَهَاءُ أَنْ يَشْتَمِلَ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ثُمَّ يَرْفَعَهُ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ فَيَضَعَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ فَيَبْدُوَ مِنْهُ فَرْجُهُ وَتُعُقِّبَ هَذَا التَّفْسِيرُ بِأَنَّهُ لَا يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ الصَّمَّاءِ والمطابق له ما نقل عن الأصمعي وهوأن يَشْتَمِلَ بِالثَّوْبِ يَسْتُرُ بِهِ جَمِيعَ بَدَنِهِ بِحَيْثُ لا يترك فرجة يخرج مِنْهَا يَدُهُ حَتَّى لَا يَتَمَكَّنَ مِنْ إِزَالَةِ شَيْءٍ يُؤْذِيهِ بِيَدَيْهِ (وَأَنْ يَحْتَبِئَ الرَّجُلُ) زَادَ اسماعيلي لَا يُوَارِي فَرْجَهُ بِشَيْءٍ (فِي سَاعَتَيْنِ بَعْدَ) صَلَاةِ (الصُّبْحِ) حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ (وَبَعْدَ) صَلَاةِ (الْعَصْرِ) حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسِ إِلَّا لِسَبَبٍ
قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ والترمذي وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الصَّمَّاءِ وَالِاحْتِبَاءِ وَالصَّلَاةِ
٩ - (بَاب صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ)
(يَأْمُرُنَا بِإِفْطَارِهَا وَيَنْهَى عَنْ صِيَامِهَا) قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا بِحَالٍ وَهُوَ أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَالَ أَبُو حنيفة وبن الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمَا
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ يَجُوزُ صيامها لكل أحد تطوعا وغيره حكاه بن المنذر عن الزبير بن العوام وبن عمر وبن سِيرِينَ وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ يَجُوزُ
стр. 2166
صَوْمُهَا لِلْمُتَمَتِّعِ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ فِي صحيحه عن بن عُمَرَ وَعَائِشَةَ قَالَا لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يَصُمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ (قَالَ مَالِكٌ وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ) وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ وَأَيَّامُ مِنًى وَهِيَ الْحَادِيَ عَشَرَ وَالثَّانِيَ عَشَرَ وَالثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ
وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ ثَلَاثَةٌ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَشْرِيقِ النَّاسِ لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ فِيهَا وَهُوَ تَقْدِيدُهَا وَنَشْرُهَا فِي الشَّمْسِ
(أَهْلَ الْإِسْلَامِ) نُصِبَ عَلَى الِاخْتِصَاصِ (وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَهَذَا أَيْضًا كَالتَّعْلِيلِ فِي وُجُوبِ الْإِفْطَارِ فِيهَا فَإِنَّهَا مُسْتَحِقَّةٌ لِهَذَا الْمَعْنَى فَلَا يَجُوزُ صِيَامُهَا ابْتِدَاءً تَطَوُّعًا وَلَا نَذْرًا ولاعن صَوْمِ التَّمَتُّعِ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمُتَمَتِّعَ صَامَ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامِ فِي الْعَشْرِ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَغَالِبِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ
وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وإسحاق بن رَاهْوَيْهِ يَصُومُ الْمُتَمَتِّعُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ إِذَا فَاتَتْهُ الثلاث في العشر
وروى ذلك عن بن عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵃
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ
٠ - (بَاب النَّهْيِ أَنْ يُخَصَّ يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِصَوْمٍ)
(لَا يَصُمْ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) بِلَفْظِ النَّهْيِ (إِلَّا أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ بِيَوْمٍ أَوْ بَعْدَهُ) قَالَ فِي فَتْحِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَقَدْ أَخْرَجَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مُحَمَّد بْن عَبَّاد بْن جَعْفَر قَالَ
стр. 2167
الْبَارِي وَيُؤْخَذُ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ جَوَازُهُ لِمَنْ صَامَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ أَوِ اتَّفَقَ وُقُوعُهُ فِي أَيَّامٍ لَهُ عَادَةٌ بِصَوْمِهَا كَمَنْ يَصُومُ أَيَّامَ الْبِيضِ أَوْ مَنْ لَهُ عَادَةٌ بِصَوْمِ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ كَيَوْمِ عَرَفَةَ فَوَافَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ صَوْمِهِ لِمَنْ نَذَرَ يَوْمَ قُدُومِ زَيْدٍ مَثَلًا أَوْ يَوْمَ شِفَاءِ فُلَانٍ انْتَهَى
قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنْهُ أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَوْمُ دُعَاءٍ وَذِكْرٍ وَعِبَادَةٍ مِنَ الْغُسْلِ وَالتَّبْكِيرِ إِلَى الصَّلَاةِ وَانْتِظَارِهَا وَاسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ وَإِكْثَارِ الذِّكْرِ بَعْدَهَا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ فِي يَوْمِهَا فَاسْتُحِبَّ الْفِطْرُ فِيهِ لِيَكُونَ أَعْوَنَ لَهُ عَلَى هَذِهِ الْوَظَائِفِ وَأَدَائِهَا بِنَشَاطٍ وَانْشِرَاحٍ لَهَا وَالْتِذَاذٍ بِهَا مِنْ غَيْرِ مَلَلٍ وَلَا سَآمَةٍ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
سَأَلْت جَابِرًا أَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْم يَوْم الْجُمْعَة قَالَ نَعَمْ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحه عَنْ جُوَيْرِيَّة بِنْت الحرث أَنَّ النَّبِيّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْم الْجُمْعَة وَهِيَ صَائِمَة فَقَالَ أَصُمْت أَمْس قَالَتْ لَا
قَالَ تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا قَالَتْ لَا
قَالَ فَأَفْطِرِي وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ لَا تَخُصُّوا لَيْلَة الْجُمْعَة بِقِيَامٍ مِنْ بَيْن اللَّيَالِي وَلَا تَخُصُّوا يَوْم الْجُمْعَة بِصِيَامٍ مِنْ بَيْن الْأَيَّام إِلَّا أَنْ يَكُون فِي صَوْم يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ وَرَوَى الْإِمَام أَحْمَد فِي مُسْنَده عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ ﷺ يَوْم الْجُمْعَة يَوْم عِيد
فَلَا تَجْعَلُوا يَوْم عِيدكُمْ يَوْم صِيَامكُمْ إِلَّا أَنْ تَصُومُوا قَبْله أَوْ بَعْده وَعِنْد النَّسَائِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عمرو القارىء قَالَ سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول مَا أَنَا نهيت عن صيام يوم الجمعة محمد ﷺ وَرَبِّ الْبَيْت نَهَى عَنْهُ وَرَوَى النَّسَائِيّ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ يَا أَبَا الدَّرْدَاء لَا تَخُصّ يَوْم الْجُمْعَة بِصِيَامٍ دُون الْأَيَّام وَلَا تَخُصّ لَيْلَة الْجُمْعَة بِقِيَامٍ دُون اللَّيَالِي
فَذَهَبَ طَائِفَة مِنْ أَهْل الْعِلْم إِلَى الْقَوْل بِهَذِهِ الْأَحَادِيث
مِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَة وَسَلْمَان وَقَالَ بِهِ أَحْمَد وَالشَّافِعِيّ
وَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة لَا يُكْرَه
وَفِي الْمُوَطَّأ قَالَ مَالِك لَمْ أَسْمَع أَحَدًا مِنْ أَهْل الْعِلْم وَالْفِقْه وَمَنْ يُقْتَدَى بِهِ يَنْهَى عَنْ صِيَام يَوْم الْجُمْعَة
وَصِيَامه حَسَن
وَقَدْ رَأَيْت بَعْض أَهْل الْعِلْم يَصُومهُ
وَأَرَاهُ كَانَ يَتَحَرَّاهُ
قَالَ الدَّاوُدِيّ لَمْ يَبْلُغ مَالِكًا هَذَا الْحَدِيث
وَلَوْ بَلَغَهُ لَمْ يُخَالِفهُ
وَقَدْ رَوَى النسائي عن زر بن حبيش عن بْن مَسْعُود أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ كَانَ يَصُوم ثَلَاثَة أَيَّام مِنْ كُلّ شَهْر وَقَلَّمَا رَأَيْته يُفْطِر يَوْم الْجُمْعَة وَإِسْنَاده صَحِيح
وَلَا مُعَارَضَة بَيْنه وَبَيْن أَحَادِيث النَّهْيِ
إِذْ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُفْرِدهُ بِالصَّوْمِ
وَالنَّهْيُ إِنَّمَا هُوَ عَنْ الْإِفْرَاد فَمَتَى وَصَلَهُنَّ بِغَيْرِهِ زَالَ النَّهْيُ
стр. 2168
(بَاب النَّهْيِ أَنْ يُخَصَّ يَوْمُ السَّبْتِ بِصَوْمٍ)
(يزيد بن قبيس) بموحدة ومهملة مصغر بن سُلَيْمَانَ الشَّامِيُّ ثِقَةٌ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (مِنْ أَهْلِ جَبَلَةَ) بِالتَّحْرِيكِ قَلْعَةٌ مَشْهُورَةٌ بِسَاحِلِ الشَّامِ مِنْ أَعْمَالِ اللَّاذِقِيَّةِ قُرْبَ حَلَبٍ
كَذَا فِي الْمَرَاصِدِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ السِّينِ (قَالَ يَزِيدُ) بْنُ قُبَيْسٍ دُونَ حُمَيْدِ بْنِ مَسْعَدَةَ (الصَّمَّاءُ) أَيْ عَنْ أُخْتِهِ الصَّمَّاءِ فَالصَّمَّاءُ اسْمُ أُخْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ
وَقَالَ فِي الْمِرْقَاةِ الصَّمَّاءُ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ اسْمُهَا بَهِيَّةُ وَتُعْرَفُ بِالصَّمَّاءِ (لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ) أَيْ وَحْدَهُ (إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عَلَيْكُمْ) أَيْ وَلَوْ بِالنَّذْرِ
قَالَ الطِّيبِيُّ قَالُوا النَّهْيُ عَنِ الْإِفْرَادِ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ وَالْمَقْصُودُ مُخَالَفَةُ الْيَهُودِ فِيهِمَا وَالنَّهْيُ فِيهِمَا لِلتَّنْزِيهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ
وَمَا افْتُرِضَ يَتَنَاوَلُ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين الْقَيِّم ﵀ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن بُسْر هَذَا رَوَاهُ جَمَاعَة عَنْ خَالِد بْن مَعْدَان عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُسْر عَنْ أُخْته الصَّمَّاء وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُسْر عَنْ النَّبِيّ ﷺ وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ الصَّمَّاء عَنْ عَائِشَة عَنْ النَّبِيّ ﷺ
فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَوْجُه
وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا الْحَدِيث عَلَى النَّاس قَدِيمًا وَحَدِيثًا
فَقَالَ أَبُو بَكْر الْأَثْرَم سَمِعْت أَبَا عَبْد اللَّه يُسْأَل عَنْ صِيَام يَوْم السَّبْت يُفْرَد بِهِ فَقَالَ أَمَّا صِيَام يَوْم السَّبْت يُفْرَد بِهِ فَقَدْ جَاءَ فِيهِ ذَلِكَ الْحَدِيث حَدِيث الصَّمَّاء يَعْنِي حَدِيث ثَوْر بْن يَزِيد عَنْ خَالِد بْن مَعْدَان عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُسْر عَنْ أُخْته الصَّمَّاء عَنْ النَّبِيّ ﷺ لَا تَصُومُوا يَوْم السَّبْت إِلَّا فِيمَا اِفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه يَحْيَى بْن سَعِيد يَنْفِيهِ
أَبِي أَنْ يُحَدِّثَنِي بِهِ
وَقَدْ كَانَ سَمِعَهُ مِنْ ثَوْر
قَالَ فَسَمِعْته مِنْ أَبِي عَاصِم
قَالَ الْأَثْرَم حُجَّة أَبِي عَبْد اللَّه فِي الرُّخْصَة فِي صَوْم يَوْم السَّبْت أَنَّ الْأَحَادِيث كُلّهَا مُخَالِفَة لِحَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن بُسْر
مِنْهَا حَدِيث أُمّ سَلَمَة حِين سُئِلَتْ أَيّ الْأَيَّام كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ أَكْثَر صِيَامًا لَهَا فَقَالَتْ السَّبْت وَالْأَحَد وَمِنْهَا حَدِيث جُوَيْرِيَّة أَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَالَ لَهَا يَوْم الْجُمْعَة أَصُمْت أَمْس قَالَتْ لَا
قَالَ أَتُرِيدِينَ أَنْ
стр. 2169
الْمَكْتُوبَ وَالْمَنْذُورَ وَقَضَاءَ الْفَوَائِتِ وَصَوْمَ الْكَفَّارَةِ وَفِي مَعْنَاهُ مَا وَافَقَ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً كَعَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ أو وافق وردا
وزاد بن الْمَلَكِ وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ أَوْ فِي خَيْرِ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ فَإِنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ شِدَّةُ الِاهْتِمَامِ وَالْعِنَايَةُ بِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ يَرَاهُ وَاجِبًا كَمَا تَفْعَلُهُ الْيَهُودُ
قُلْتُ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ وَأَمَّا عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فَهُوَ لِلتَّنْزِيهِ بِمُجَرَّدِ الْمُشَابَهَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ وَاتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ هَذَا النَّهْيَ وَالنَّهْيَ عَنْ إِفْرَادِ الْجُمُعَةِ نَهْيُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ عِنَبٍ) هَكَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا عِنَبَةٍ قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْعِنَبُ مَعْلُومٌ وَاحِدَتُهُ عِنَبَةٌ انْتَهَى وَاللِّحَاءُ بِكَسْرِ اللَّامِ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ اللِّحَاءُ مَمْدُودٌ وَهُوَ قِشْرُ الشَّجَرِ وَالْعِنَبَةُ هِيَ الْحَبَّةُ مِنَ الْعِنَبِ
وَفِي الْمِرْقَاةِ قِشْرُ حَبَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْعِنَبِ اسْتِعَارَةً مِنْ قِشْرِ الْعُودِ (أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ) عَطْفًا عَلَى اللِّحَاءِ (فَلْيَمْضَغْهُ) بِفَتْحِ الضَّادِ وَيُضَمُّ فِي الْقَامُوسِ مَضَغَهُ كَمَنَعَهُ وَنَصَرَهُ لَاكَهُ بِأَسْنَانِهِ وَهَذَا تَأْكِيدٌ بِالْإِفْطَارِ لِنَفْيِ الصَّوْمِ
قَالَهُ علي القارىء
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا الْحَدِيثُ منسوخ وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَقِيلَ إِنَّ الصَّمَّاءَ أُخْتُ بُسْرٍ
وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمِنْ حَدِيثِ أَبِيهِ بُسْرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ حَدِيثِ الصَّمَّاءِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ النَّسَائِيُّ هَذِهِ أَحَادِيثُ مُضْطَرِبَةٌ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ صَحَّحَهُ الْأَئِمَّةُ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ) ذَهَبَ إِلَى نَسْخِهِ الْمُؤَلِّفُ
وَقَدْ طَعَنَ فِي هذا الحديث
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
تَصُومِي غَدًا فَالْغَد هُوَ يَوْم السَّبْت
وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة نَهَى النَّبِيّ ﷺ عَنْ صَوْم يَوْم الْجُمْعَة إِلَّا مَقْرُونًا بِيَوْمٍ قَبْله أَوْ يَوْمٍ بَعْده فَالْيَوْم الَّذِي بَعْده هُوَ يَوْم السَّبْت
وَقَالَ مَنْ صَامَ رَمَضَان وَأَتْبَعهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّال وَقَدْ يَكُون فِيهَا السَّبْت
وَأَمَرَ بِصِيَامِ الْأَيَّام الْبِيض وَقَدْ يَكُون فِيهَا السَّبْت وَمِثْل هَذَا كَثِير فَقَدْ فَهِمَ الْأَثْرَم مِنْ كَلَام أَبِي عَبْد اللَّه أَنَّهُ تَوَقَّفَ عَنْ الْأَخْذ بِالْحَدِيثِ وَأَنَّهُ رَخَّصَ فِي صَوْمه حَيْثُ ذَكَر الْحَدِيث الَّذِي يَحْتَجّ بِهِ فِي الْكَرَاهَة
وَذَكَر أَنَّ الْإِمَام عَلَّلَ حَدِيث يَحْيَى بْن سَعِيد وَكَانَ يَنْفِيهِ وَأَبَى أَنْ يُحَدِّث بِهِ فَهَذَا تَضْعِيفٌ لِلْحَدِيثِ
وَاحْتَجَّ الْأَثْرَم بِمَا ذَكَر فِي النُّصُوص الْمُتَوَاتِرَة عَلَى صَوْم يَوْم السَّبْت يَعْنِي أَنْ يُقَال يُمْكِن حَمْل النُّصُوص الدَّالَّة عَلَى صَوْمه عَلَى مَا إِذَا صَامَهُ مَعَ غَيْره
وَحَدِيث النَّهْيِ عَلَى صَوْمه وَحْده وَعَلَى هَذَا تَتَّفِق النُّصُوص
وَهَذِهِ طريقة جيدة لولا أَنَّ قَوْله فِي الْحَدِيث لَا تَصُومُوا يَوْم السَّبْت إِلَّا فِيمَا اِفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ
стр. 2170
جماعة من الأئمة مالك بن أنس وبن شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فَلَا تَغْتَرَّ بِتَحْسِينِ التِّرْمِذِيِّ وَتَصْحِيحِ الْحَاكِمِ وَإِنْ ثَبَتَ تَحْسِينُهُ فَلَا يُعَارِضُ حَدِيثُ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الَّذِي اتَّفَقَ عليه الشيخان
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
دَلِيل عَلَى الْمَنْع مِنْ صَوْمه فِي غَيْر الْفَرْد مُفْرَدًا أَوْ مُضَافًا لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاء دَلِيل التَّنَاوُل وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ يَتَنَاوَل كُلّ صُوَر صَوْمه إِلَّا صُورَة الْفَرْض وَلَوْ كَانَ إِنَّمَا يَتَنَاوَل صُورَة الْإِفْرَاد لَقَالَ لَا تَصُومُوا يَوْم السَّبْت إِلَّا أَنْ تَصُومُوا يَوْمًا قَبْله أَوْ يَوْمًا بَعْده كَمَا قَالَ فِي الْجُمْعَة
فَلَمَّا خَصَّ الصُّورَة الْمَأْذُون فِي صَوْمهَا بِالْفَرْضِيَّةِ عُلِمَ تَنَاوُل النَّهْيِ لِمَا قَابَلَهَا
وَقَدْ ثَبَتَ صَوْم يَوْم السَّبْت مَعَ غَيْره بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيث وَغَيْرهَا كَقَوْلِهِ فِي يَوْم الْجُمْعَة إِلَّا أَنْ تَصُومُوا يَوْمًا قَبْله أَوْ يَوْمًا بَعْده فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيث غَيْر مَحْفُوظ وَأَنَّهُ شَاذٌّ
وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ قَالَ مَالِك هَذَا كَذِب
وَذَكَر بِإِسْنَادِهِ عَنْ الزُّهْرِيّ أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذُكِرَ لَهُ النَّهْي عَنْ صِيَام يَوْم السَّبْت يَقُول هَذَا حَدِيث حِمْصِيّ
وَعَنْ الْأَوْزَاعِيّ قَالَ مَا زِلْت كَاتِمًا له حتى رأيته انتشر يعني حديث بن بُسْر هَذَا
وَقَالَتْ طَائِفَة مِنْهُمْ أَبُو دَاوُدَ هَذَا حَدِيث مَنْسُوخ
وَقَالَتْ طَائِفَة وَهُمْ أَكْثَر أَصْحَاب أَحْمَد مُحْكَم وَأَخَذُوا بِهِ فِي كَرَاهِيَة إِفْرَاده بِالصَّوْمِ وَأَخَذُوا بِسَائِرِ الْأَحَادِيث فِي صَوْمه مَعَ مَا يَلِيه
قَالُوا وَجَوَاب أَحْمَد يَدُلّ عَلَى هَذَا التَّفْصِيل فَإِنَّهُ سُئِلَ فِي رِوَايَة الْأَثْرَم عَنْهُ فَأَجَابَ بِالْحَدِيثِ
وَقَاعِدَة مَذْهَبه أَنَّهُ إِذَا سُئِلَ عَنْ حُكْمٍ فَأَجَابَ فِيهِ بِنَصٍّ يَدُلّ عَلَى أَنَّ جَوَابه بِالنَّصِّ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ قَائِل بِهِ لِأَنَّهُ ذَكَره فِي مَعْرِض الْجَوَاب فَهُوَ مُتَضَمِّن لِلْجَوَابِ وَالِاسْتِدْلَال مَعًا
قَالُوا وَأَمَّا مَا ذَكَره عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد
فَإِنَّمَا هُوَ بَيَانٌ لِمَا وَقَعَ مِنْ الشُّبْهَة فِي الْحَدِيث
قَالُوا وَإِسْنَاده صَحِيح
وَرُوَاته غَيْر مَجْرُوحِينَ وَلَا مُتَّهَمِينَ وَذَلِكَ يُوجِب الْعَمَل بِهِ وَسَائِر الْأَحَادِيث لَيْسَ فِيهَا مَا يُعَارِضهُ لِأَنَّهَا تَدُلّ عَلَى صَوْمه مُضَافًا فَيُحْمَل النَّهْيُ عَلَى صَوْمه مُفْرَدًا كَمَا ثَبَتَ فِي يَوْم الْجُمْعَة
وَنَظِير هَذَا الْحُكْم أَيْضًا
كَرَاهِيَة إِفْرَاد رَجَب بِالصَّوْمِ وَعَدَم كَرَاهِيَته مَوْصُولًا بِمَا قَبْله أَوْ بَعْده
وَنَظِيره أَيْضًا مَا حَمَلَ الْإِمَام أَحْمَد عَلَيْهِ حَدِيث الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي النَّهْي عَنْ الصَّوْم بَعْد اِنْتِصَاف شَعْبَان أَنَّهُ النَّهْي عَنْ اِبْتِدَاء الصَّوْم فِيهِ وَأَمَّا صَوْمه مَعَ مَا قَبْله مِنْ نِصْفه الْأَوَّل فَلَا يُكْرَه
قَالُوا وَقَدْ جَاءَ هَذَا مُصَرَّحًا بِهِ فِي صَوْم يَوْم السَّبْت فَفِي مُسْنَد الْإِمَام أَحْمَد مِنْ حديث بن
стр. 2171
جماعة من الأئمة مالك بن أنس وبن شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فَلَا تَغْتَرَّ بِتَحْسِينِ التِّرْمِذِيِّ وَتَصْحِيحِ الْحَاكِمِ وَإِنْ ثَبَتَ تَحْسِينُهُ فَلَا يُعَارِضُ حَدِيثُ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الَّذِي اتَّفَقَ عليه الشيخان
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
لَهِيعَة حَدَّثَنَا مُوسَى بْن وَرْدَان عَنْ عُبَيْد الْأَعْرَج حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي يَعْنِي الصَّمَّاء أَنَّهَا دَخَلَتْ علي رسول الله ﷺ يَوْم السَّبْت وَهُوَ يَتَغَدَّى
فَقَالَ تَعَالَيْ تَغَدِّي
فَقَالَتْ إِنِّي صَائِمَة
فَقَالَ لَهَا أَصُمْت أَمْس قَالَتْ لَا قَالَ كُلِي فَإِنَّ صِيَام يَوْم السَّبْت لَا لَك وَلَا عَلَيْك وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي إِسْنَاده مَنْ لَا يُحْتَجّ بِهِ إِذَا اِنْفَرَدَ لَكِنْ يَدُلّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيث
وَعَلَى هَذَا فَيَكُون مَعْنَى قَوْله ﷺ لَا تَصُومُوا يَوْم السَّبْت أَيْ لَا تَقْصِدُوا صَوْمه بِعَيْنِهِ إِلَّا فِي الْفَرْض فَإِنَّ الرَّجُل يَقْصِد صَوْمه بِعَيْنِهِ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَجِب عَلَيْهِ إِلَّا صَوْم يَوْم السَّبْت كَمَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ الشَّهْر إِلَّا يَوْم السَّبْت فَإِنَّهُ يَصُومهُ وَحْده
وَأَيْضًا فَقَصْده بِعَيْنِهِ فِي الْفَرْض لَا يُكْرَه بِخِلَافِ قَصْده بِعَيْنِهِ فِي النَّفْل فَإِنَّهُ يُكْرَه
وَلَا تَزُول الْكَرَاهَة إِلَّا بِضَمِّ غَيْره إِلَيْهِ أَوْ مُوَافَقَته عَادَة
فَالْمُزِيل لِلْكَرَاهَةِ فِي الْفَرْض مُجَرَّد كَوْنه فَرْضًا لَا الْمُقَارَنَة بَيْنه وَبَيْن غَيْره
وَأَمَّا فِي النَّفْل فَالْمُزِيل لِلْكَرَاهَةِ ضَمُّ غَيْره إِلَيْهِ أَوْ مُوَافَقَته عَادَة وَنَحْو ذَلِكَ
قَالُوا وَأَمَّا قَوْلكُمْ إِنَّ الِاسْتِثْنَاء دَلِيل التَّنَاوُل إِلَى آخِره فَلَا رَيْب أَنَّ الِاسْتِثْنَاء أَخْرَجَ صُورَة الْفَرْض مِنْ عُمُوم النَّهْيِ
فَصُورَة الِاقْتِرَان بِمَا قَبْله أَوْ بِمَا بَعْده أُخْرِجَتْ بِالدَّلِيلِ الَّذِي تَقَدَّمَ فَكِلَا الصُّورَتَيْنِ مُخْرَج
أَمَّا الْفَرْض فَبِالْمُخْرَجِ الْمُتَّصِل
وَأَمَّا صَوْمه مُضَافًا فَبِالْمُخْرَجِ الْمُنْفَصِل فَبَقِيَتْ صُورَة الْإِفْرَاد وَاللَّفْظ مُتَنَاوِل لَهَا وَلَا مُخْرِج لَهَا مِنْ عُمُومه فَيَتَعَيَّن حَمْله عَلَيْهَا
ثم اختلف هؤلاء في تعليل الكراهة فعللها بن عقيل بأنه يوم يمسك فيه اليهود ويخصونه بالإمساك وهو ترك العمل فيه والصائم في مظنة ترك العمل فيصير صومه تشبها بهم وهذه العلة منتفية في الأحد
ولا يقال فهذه العلة موجودة إذا صامه مع غيره ومع هذا فإنه لا يكره لأنه إذا صامه مع غيره لم يكن قاصدا تخصيصه المقتضي للتشبه وشاهده استحباب صوم يوم قبل عاشوراء وبعده إليه لتنتفي صورة الموافقة
وعللة طائفة أخرى بأنه يوم عيد لأهل الكتاب يعظمونه فقصده بالصوم دون غيره يكون تعظيما له فكره ذلك كما كره إفراد يوم عاشوراء بالتعظيم لما عظمه أهل الكتاب وإفراد رجب أيضا لما عظمه المشركون
وهذا التعليل قد تعارض بيوم الأحد فإنه يوم عيد غير للنصارى كَمَا قَالَ النَّبِيّ ﷺ اليوم لنا وغدا لليهود وبعد للنصارى ومع ذلك فلا يكره صومه
وأيضا فإذا كان يوم عيد فقد يقال مخالفتهم فيه يكون بالصوم لا بالفطر فالصوم فيه تحقيق للمخالفة ويدل على ذلك ما رواه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما من حديث كريب مولى بن عباس قال أرسلني بن عباس وناس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ إلى أم سلمة أسألها أي الأيام كان النبي ﷺ أكثرها صياما فقالت كان يصوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام ويقول إنهما يوما عيد
стр. 2172
جماعة من الأئمة مالك بن أنس وبن شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فَلَا تَغْتَرَّ بِتَحْسِينِ التِّرْمِذِيِّ وَتَصْحِيحِ الْحَاكِمِ وَإِنْ ثَبَتَ تَحْسِينُهُ فَلَا يُعَارِضُ حَدِيثُ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الَّذِي اتَّفَقَ عليه الشيخان
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم وصححه بعض الحفاظ
فهذا نص في استحباب صوم يوم عيدهم لأجل مخالفتهم فكيف نعلل كراهة صومه بكونه عيدا لهم وفي جامع الترمذي عَنْ عَائِشَة قَالَتْ كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ يَصُوم مِنْ الشَّهْر السَّبْت وَالْأَحَد وَالِاثْنَيْنِ
وَمِنْ الشَّهْر الْآخَر الثُّلَاثَاء وَالْأَرْبِعَاء والخميس قال الترمذي حديث حسن
وقد روى بن مهدي هذا الحديث عن سفيان ولم يرفعه
وهذان الحديثان ليسا بحجة على من كره إفراد السبت بالصوم
وعلله طائفة بأنهم يتركون العمل فيه والصوم مظنة ذلك فإنه إذا ضم إليه الأحد زال الإفراد المكروه وحصلت المخالفة بصوم يوم فطرهم وزال عنها صورة التعظيم المكروه بعدم التخصيص المؤذن بالتعظيم فاتفقت بحمد الله الأحاديث وزال عنها الاضطراب والاختلاف وتبين تصديق بعضها بعضا
فإن قيل
فما تقولون في صوم يوم النيروز والمهرجان ونحوهما من أعياد المشركين قِيلَ قَدْ كَرِهَهُ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء وَأَكْثَر أَصْحَاب أَحْمَد عَلَى الْكَرَاهَة
قَالَ أَحْمَد فِي رِوَايَة اِبْنه عَبْد اللَّه حَدَّثَنَا وَكِيع عَنْ سُفْيَان عَنْ رَجُل عَنْ أَنَس وَالْحَسَن أَنَّهُمَا كَرِهَا صَوْم يَوْم النَّيْرُوز وَالْمِهْرَجَان قَالَ عَبْد اللَّه قَالَ أَبِي الرَّجُل أَبَان بْن أَبِي عَيَّاش
فَلَمَّا أَجَابَ أَحْمَد بِهَذَا الْجَوَاب لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ صِيَام هَذَيْنَ الْيَوْمَيْنِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ اِخْتَارَهُ
وَهَذِهِ إِحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ لِأَصْحَابِهِ فِي مِثْل ذَلِكَ
وَقِيلَ لَا يَكُون هَذَا اِخْتِيَارًا لَهُ وَلَا يُنْسَب إِلَيْهِ الْقَوْل الَّذِي حَكَاهُ وَأَكْثَر الْأَصْحَاب عَلَى الْكَرَاهَة وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّهُمَا يَوْمَانِ يُعَظِّمُهُمَا الْكُفَّار فَيَكُون تَخْصِيصهمَا بِالصِّيَامِ دُون غَيْرهمَا مُوَافَقَة لَهُمْ فِي تَعْظِيمهمَا فَكُرِهَ كَيَوْمِ السَّبْت
قَالَ صَاحِب الْمُغْنِي وَعَلَى قِيَاس هَذَا كُلّ عِيد لِلْكُفَّارِ أَوْ يَوْم يُفْرِدُونَهُ بِالتَّعْظِيمِ
قَالَ شَيْخُنَا أَبُو الْعَبَّاس بْن تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّه رُوحه وَقَدْ يُقَال يُكْرَه صَوْم يَوْم النَّيْرُوز وَالْمِهْرَجَان وَنَحْوهمَا مِنْ الْأَيَّام الَّتِي لَا تُعْرَف بِحِسَابِ الْعَرَب بِخِلَافِ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيث مِنْ يَوْم السَّبْت وَالْأَحَد لِأَنَّهُ إِذَا قَصَدَ صَوْم مِثْل هَذَا الْأَيَّام الْعَجَمِيَّة أَوْ الْجَاهِلِيَّة كَانَ ذَرِيعَة إِلَى إِقَامَة شِعَار هَذِهِ الْأَيَّام وَإِحْيَاء أَمْرهَا وَإِظْهَار حَالهَا بِخِلَافِ السَّبْت وَالْأَحَد فَإِنَّهُمَا مِنْ حِسَاب الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ فِي صَوْمهمَا مَفْسَدَة فَيَكُون اِسْتِحْبَاب صَوْم أَعْيَادهمْ الْمَعْرُوفَة بِالْحِسَابِ الْعَرَبِيِّ الْإِسْلَامِيِّ مَعَ كَرَاهَة الْأَعْيَاد الْمَعْرُوفَة بِالْحِسَابِ الْجَاهِلِيِّ الْعَجَمِيِّ تَوْفِيقًا بَيْن الْآثَار
والله أعلم
стр. 2173
٥٢ - بَاب الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) اسْمُهُ يَحْيَى بْنُ مَالِكٍ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فِي بَيَانِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَهَكَذَا فِي التَّهْذِيبِ وَهُوَ أَبُو أَيُّوبَ الْمَرَاغِي الْعَتْكِيُّ الْبَصْرِيُّ رَوَى عَنْ جُوَيْرِيَةَ وَسَمُرَةَ وَعَنْهُ عِمْرَانُ الْجَوْنِيُّ وَقَتَادَةُ وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ
وَوَهِمَ الْقَسْطَلَّانِيُّ فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ هَذَا هُوَ الْأَنْصَارِيُّ (الْعَتْكِيُّ) صِفَةُ أَبِي أَيُّوبَ أَيْ قَالَ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْعَتْكِيِّ (عَنْ جُوَيْرِيَةَ) تَصْغِيرُ جَارِيَةٍ (بِنْتِ الْحَارِثِ) الْمُصْطَلِقِيَّةِ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ (وَهِيَ صَائِمَةٌ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (أَصْمُتِ أَمْسِ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَكَسْرِ سِينِ أَمْسِ عَلَى لُغَةِ الْحِجَازِ أَيْ يَوْمَ الْخَمِيسِ (تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا) أَيْ يَوْمَ السَّبْتِ (فَأَفْطِرِي) بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَزَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي رِوَايَتِهِ إِذًا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنَ الْأَيَّامِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ وأخرجه أيضا النسائي
(أنه) أي بن شِهَابٍ (إِذَا ذُكِرَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (لَهُ) أَيْ لِابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ (نُهِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (هَذَا حَدِيثٌ حِمْصِيٌّ) يُرِيدُ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ قَالَ عَبْد الْحَقّ وَلَعَلَّ مَالِكًا إِنَّمَا جَعَلَهُ كَذِبًا مِنْ أَجْل رِوَايَة ثَوْر بْن يَزِيد الْكُلَاعِيّ فَإِنَّهُ كَانَ يُرْمَى بِالْقَدْرِ وَلَكِنَّهُ كَانَ ثِقَة فِيمَا يَرْوِي
قَالَهُ يَحْيَى وَغَيْره
وَرَوَى عَنْهُ الْجِلَّة مِثْل يَحْيَى بْن سَعِيد القطان وبن الْمُبَارَك وَالثَّوْرِيّ وَغَيْرهمْ وَقِيلَ فِي هَذَا الْحَدِيث عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُسْر عَنْ عَمَّته الصَّمَّاء وَهُوَ أَصَحّ وَاسْمهَا بَهِيَّة وَقِيلَ بَهِيمَة آخر كلامه
стр. 2174
تَضْعِيفَهُ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بسر راويان حمصيان أَحَدُهُمَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدُ وَثَانِيهِمَا خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ تَكَلَّمَ فِيهِمَا بَعْضٌ وَوَثَّقَهُمَا بَعْضٌ
وَقَالَ السِّنْدِيُّ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ كَأَنَّهُ يُرِيدُ تَضْعِيفَهُ وَقَوْلُ مَالِكٍ هَذَا كَذِبٌ أَصْرَحُ فِي ذَلِكَ وَأَبْلَغُ لَكِنْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ سَبَبَ مَا ذَكَرُوا عَدَمُ ظُهُورِ الْمَعْنَى حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ مَنْسُوخٌ وَبَعْضُهُمْ ضَعِيفٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
٣ - (بَاب فِي صَوْمِ الدَّهْرِ تَطَوُّعًا)
(فَغَضِبَ رسول الله ﷺ من قَوْلِهِ) قَالَ الْعُلَمَاءُ سَبَبُ غَضَبِهِ ﷺ أَنَّهُ كَرِهَ مَسْأَلَتَهُ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُجِيبَهُ وَيَخْشَى مِنْ جَوَابِهِ مَفْسَدَةً وَهِيَ أَنَّهُ رُبَّمَا اعْتَقَدَ السَّائِلُ وُجُوبَهُ أَوِ اسْتَقَلَّهُ أَوِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَكَانَ يَقْتَضِي حَالُهُ أَكْثَرَ مِنْهُ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ لِشُغْلِهِ لِصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَحُقُوقِهِمْ وَحُقُوقِ أَزْوَاجِهِ وَأَضْيَافِهِ وَالْوَافِدِينَ عَلَيْهِ وَلِئَلَّا يَقْتَدِي بِهِ كُلُّ أَحَدٍ فَيُؤَدِّي الضَّرَرَ فِي حَقِّ بَعْضِهِمْ
وَكَانَ حَقُّ السَّائِلِ أَنْ يَقُولَ كَمْ أَصُومُ وَكَيْفَ أَصُومُ فَيَخُصَّ السُّؤَالَ بِنَفْسِهِ لِيُجِيبَهُ بِمَا تَقْتَضِيهِ حَالُهُ كَمَا أَجَابَ غَيْرَهُ بِمُقْتَضَى أَحْوَالِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَهُ النَّوَوِيُّ (لَا صَامَ ولا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَهُوَ نَصٌّ فِي أَنَّ صَوْم يَوْم وَفِطْرَ يَوْمٍ أَفْضَل مِنْ سَرْد الصِّيَام وَلَوْ كَانَ سَرْد الصِّيَام مَشْرُوعًا أَوْ
стр. 2175
أَفْطَرَ) مَعْنَاهُ لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ وَقَدْ تُوضَعُ لَا بِمَوْضِعِ لَمْ كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ فَلَا صدق ولا صلى أَيْ لَا تَصَدَّقَ وَلَمْ يُصَلِّ وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الدُّعَاءُ عَلَيْهِ كَرَاهَةً لِصُنْعِهِ وَزَجْرًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي نَهَى عَنْهُ مِنْ صَوْمِ الدَّهْرِ
هُوَ أَنْ يَسْرُدَ الصِّيَامَ أَيَّامَ السَّنَةِ كُلِّهَا لَا يُفْطِرُ مِنْهَا الْأَيَّامَ الْمَنْهِيَّ عَنْ صِيَامِهَا
وَقَدْ سَرَدَ الصَّوْمَ دَهْرَهُ أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ وَكَانَ لَا يُفْطِرُ فِي سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ فَلَمْ يُعِبْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا نها عَنْ ذَلِكَ كَذَا فِي الْمَعَالِمِ (وَدِدْتُ أَنِّي طُوِّقْتُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (ذَلِكَ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا خَافَ الْعَجْزَ عَنْ ذَلِكَ لِلْحُقُوقِ الَّتِي تَلْزَمُهُ لِنِسَائِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخِلُّ بِحُظُوظِهِنَّ مِنْهُ لَا لِضَعْفِ جِبِلَّتِهِ عَنِ احْتِمَالِ الصِّيَامِ أَوْ قِلَّةِ صَبْرِهِ عَنِ الطَّعَامِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ انْتَهَى كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ
قَالَ النَّوَوِيُّ قِيلَ مَعْنَاهُ وَدِدْتُ أَنَّ أُمَّتِي تُطَوِّقُهُ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُطِيقُهُ وَأَكْثَرَ مِنْهُ وَكَانَ يواصل
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
مُسْتَحَبًّا لَكَانَ أَكْثَر عَمَلًا فَيَكُون أَفْضَل إِذْ الْعِبَادَة لَا تَكُون إِلَّا رَاجِحَة فَلَوْ كَانَ عِبَادَة لَمْ يَكُنْ مَرْجُوحًا
وَقَدْ تَأَوَّلَ قَوْم هَذَا عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى لَا أَفْضَل مِنْ ذَلِكَ لِلْمُخَاطَبِ وَحْده لِمَا عُلِمَ مِنْ حَاله وَمُنْتَهَى قُوَّته وَأَنَّ مَا هُوَ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ يُضْعِفهُ عَنْ فَرَائِضه وَيَقْطَعهُ عَنْ الْقِيَام بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوق وَهَذَا تَأْوِيل بَاطِل مِنْ وُجُوه
أَحَدهَا أَنَّ سِيَاق الْحَدِيث يَرُدّهُ فَإِنَّهُ إِنَّمَا كَانَ عَنْ الْمُطِيق فَإِنَّهُ قَالَ فَإِنِّي أُطِيق أَفْضَل مِنْ ذَلِكَ فَسَبَب الْحَدِيث فِي الْمُطِيق فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَا أَفْضَل مِنْ ذَلِكَ لِلْمُطِيقِ الَّذِي سَأَلَ
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ مَنْ يُفَضِّل السَّرْد
وَقَالَ إِنِّي أُطِيق أَفْضَل مِنْ صَوْم يَوْمٍ وَفِطْر يَوْمٍ لَقَالَ لَهُ السَّرْدُ أَفْضَل
الثَّانِي أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْهُ بِثَلَاثِ جُمَل إِحْدَاهَا أَنَّهُ أَعْدَل الصِّيَام
وَالثَّانِيَة أَنَّهُ صَوْم دَاوُدَ
وَالثَّالِثَة أَنَّهُ لَا أَفْضَل مِنْهُ
وَهَذِهِ الْأَخْبَار تَمْنَع تَخْصِيصه بِالسَّائِلِ
الثَّالِث أَنَّ فِي بَعْض أَلْفَاظ مُسْلِم فِيهِ فَإِنِّي أَقْوَى
قَالَ فَلَمْ يَزَلْ يَرْفَعُنِي حَتَّى قَالَ صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا فَإِنَّهُ أَفْضَل الصِّيَام وَهُوَ صَوْم أَخِي دَاوُدَ فَعَلَّلَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ أَفْضَل الصِّيَام وَأَنَّهُ صَوْم دَاوُدَ مَعَ إِخْبَاره لَهُ بِقُوَّتِهِ وَلَمْ يَقُلْ لَهُ فَإِنْ قَوِيت فالسرد أفضل
следующие страницы →